شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إنشاء حساب واتساب بدون فيسبوك أو انستجرام.. خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          ميتا تتيح تعديل الفيديوهات باستخدام الذكاء الاصطناعى مجانًا.. إليك التفاصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          كيف تتعرف على تطبيقات الموبايل المزيفة قبل تحميلها؟ دليل شامل للحماية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          ميزة بنظام iOS 26 تطيل عمر بطارية هاتفك الآيفون.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          خطوة بخطوة.. كيفية إخفاء آخر ظهور لك على الواتساب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          خطوة بخطوة.. كيف تتمكن من تغيير التطبيقات الافتراضية على هاتفك الآيفون؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          كيفية تفعيل ميزة الرقابة الأبوية على يوتيوب لحماية طفلك من المحتوى الضار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          كيف تمنع تتبع التطبيقات لك على هاتفك الآيفون؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          لا تتجاهل هذه الخطوات.. كيفية معرفة ما إذا كان الكمبيوتر مراقبًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          كيفية تفعيل ميزة تحويل الرسائل الصوتية إلى نصوص على واتساب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19-02-2019, 04:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(15)

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه)

قوله: [أخبرنا يحيى بن درست ].يحيى بن درست من شيوخ النسائي , قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، وأخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه .[أخبرنا أبو إسماعيل]. وهو: القناد ، وهذه تماثل ما سبق أن نبهت عليه مما يأتي ذكره في الأسانيد (هو: فلان), أو (يعني فلاناً)؛ لأن اللفظ الذي قاله يحيى بن درست: حدثنا أبو إسماعيل ، هذه عبارته، ولم يقل: القناد ، وإنما قال: أبو إسماعيل ، فالذي دون تلميذه عندما يريد أن يوضح هذا اللفظ الذي ليس فيه إلا الكنية لا يقول: أبو إسماعيل القناد ويسكت؛ لأنه لو قالها لظن أن يحيى بن درست هو الذي قالها؛ لأنه ليس هناك ما يبين أنه هو أو غيره، لكن يقول: هو: ابن فلان، أو يقول: يعني: ابن فلان، أو يعني: الفلاني، أو يعني: فلان الفلاني، هذا هو المقصود من قوله: هو، فلا يقال: لم جاءت هو؟ ولماذا ما قيل: أبو إسماعيل القناد بدون هو؟ قلنا: حتى يبين أن هذا التوضيح ليس من التلميذ؛ لأن التلميذ ما يحتاج أن يوضح بـ (هو)، فالتلميذ يمكن ينسب شيخه إلى الجد العاشر إذا أراد، فيقول: حدثنا فلان بن فلان بن فلان، لكن غيره ممن هو دونه إذا ساق اللفظ وأراد أن يوضح يأتي بـ (هو فلان)، أو إذا فرغ من آخر الحديث يقول: قال فلان: هو كذا وكذا, مثلما حصل من النسائي في إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير القارئ ؛ فشيخه قال: حدثنا إسماعيل ، فلما فرغ من سياق حديث المغيرة بن شعبة الذي مر قريباً: (كان إذا ذهب المذهب أبعد) قال النسائي: إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ.وأبو إسماعيل اسمه إبراهيم بن عبد الملك القناد ، وهو صدوق، وروى له النسائي والترمذي ، يعني: الذين رووا عن الشيخ الأول رووا بنفس ابن ماجه ، لأن هنا رواه عنه اثنين من الثلاثة الذين رووا عن تلميذه، يعني: ثلاثة من الأئمة خرجوا للتلميذ, واثنين من الثلاثة خرجوا للشيخ، الثالث الذي هو الترمذي خرج لـيحيى بن درست ولم يخرج لشيخه أبي إسماعيل القناد . [ حدثني يحيى بن أبي كثير ].يحيى بن أبي كثير اليمامي نسبة لليمامة، وكلمة (اليمامي) تتحرف وتتصحف مع اليماني، ومثلما قلت فيما مضى: البصري والمصري يصير بينهما شيء من التصحيف لقربهما، فهنا اليماني واليمامي يحصل بينهما شيء من التصحيف، فهو اليمامي نسبة لليمامة، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة ثبت، وهو الذي خرج عنه الإمام مسلم الكلمة المشهورة في الصبر على طلب العلم، وعلى أنه لا يحصل العلم إلا من يتعب، فلما أورد الإمام مسلم من طرق عديدة حديث عبد الله بن عمرو في بيان أوقات الصلاة أتى بعده بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم. قال النووي : إنه لما ذكر هذه الطرق الكثيرة التي ما يحصلها إلا من يتعب، وما يجمعها إلا من يتعب، نبه إلى أن العلم لا يحصل إلا بالتعب، يقولون: ملء الراحة لا يدرس بالراحة، ملء الراحة شيء قليل لا يدرس بالراحة كون الإنسان ما يتعب، وإنما من يتعب هو الذي يحصل، فمن جد وجد.فمن أراد أن يحصل فليتعب، أما من يريد أن يحصل بلا تعب فهذا لا يحصل شيئاً؛ لأنه بلا شيء لا يحصل شيئاً، بل يحصل الشيء بالتعب ويحصل بالنصب، كما قال الشاعر:لولا المشقة ساد الناس كلهمأي: لولا المشقة لصار كل الناس سادة، فلا يتميز السادة عن غيرهم من أهل السؤدد وأهل النبل وأهل الشرف إلا بالصبر على التعب، فليس كل أحد يحصل السؤدد، وإنما يحصله من يصبر على التعب، كما قال الشاعر:وإذا كانت النفوس كباراًتعبت في مرادها الأجسام[ أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه ].عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري هو من رجال الجماعة, وهو ثقة. [عن أبيه ].وهو أبو قتادة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الفرسان الشجعان رضي الله تعالى عنه، وذكر الخزرجي في الخلاصة - وهو كتاب من ميزته أنه إذا ترجم للصحابي يذكر عدد ما له من الأحاديث في الكتب الستة، وعدد الذي اتفق البخاري ومسلم عليه منها، وما انفرد به البخاري, وما انفرد به مسلم - قال: له في الكتب مائة وسبعون حديثاً، اتفقا على أحد عشر، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بثمانية، وهذه الفوائد المشابهة لهذه الفائدة يمكن للإنسان أن يحصلها من خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي.
حديث: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه) وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري عن وكيع عن هشام عن يحيى -هو ابن أبي كثير- عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه) ]. هنا أورد النسائي حديث أبي قتادة رضي الله عنه من طريق أخرى ، عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه) ، وهو مثل الذي قبله لم يختلف عنه في اللفظ، هناك يقول: (إذا بال أحدكم) وهنا يقول: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه).قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].هناد بن السري هو من شيوخ الإمام مسلم ، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، وقد خرج له الإمام مسلم وأصحاب السنن الأربعة والبخاري في خلق أفعال العباد، والرمز لهذا التخريج هو: ع خ، فهذه هي طريقة الحافظ في التقريب وتهذيب التهذيب، لكن الرموز هذه أحياناً يحصل بها خطأ، فـالسيوطي في كتابه الجامع الصغير يرمز للصحيح والضعيف برموز، وأحياناً تنعكس الرموز فيصير الضعيف صحيحاً والصحيح ضعيفاً بسبب الرمز، ولو جاءت الكلمة كاملة زال الإشكال، لكن الرمز يؤدي أحياناً إلى الخطأ، لكن الإنسان إذا رجع إلى تهذيب الكمال للمزي الذي هو الأصل يجد أن الأسماء ينص عليها دون رموز، يقول: أخرج له فلان, وفلان, وفلان، فعندما يكون هناك لبس أو تضارب فيمكن للإنسان أن يرجع إلى الأصل الذي هو تهذيب الكمال للمزي ؛ لأنه لا يستعمل الرموز لمن خرج له أصحاب الكتب، وإن كان يرمز لهم عند الشيوخ والتلاميذ، فهو في الترجمة أحياناً يرمز عند شيوخ التلميذ فوق الاسم، لكن في الآخر يقول: أخرج له فلان, وفلان, وفلان.[ عن وكيع ].وهو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي ، وهو إمام, ثقة، ثبت، وهو من رجال الجماعة.] عن هشام [.وهو: هشام الدستوائي، أو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة ومن رجال الجماعة.] عن يحيى بن أبي كثير [.وهذا ملتقى الإسناد مع الإسناد الذي قبل هذا، يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أبي قتادة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21-02-2019, 05:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(17)

- باب الرخصة في البول في الصحراء قائماً
- باب البول في البيت جالساً


حديث: (إن النبي مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا سليمان بن عبيد الله حدثنا بهز حدثنا شعبة عن سليمان ومنصور عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً). قال سليمان في حديثه: ومسح على خفيه، ولم يذكر منصور المسح ].هنا ذكر النسائي الحديث من طريق ثالثة، رواها شعبة عن منصور بن المعتمر وسليمان بن مهران الأعمش ، فهنا قرنهما، ثم ذكر ما اتفقا عليه وهو: ( أن الرسول مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً )، ثم ذكر أن سليمان الذي هو الأعمش عنده زيادة وهي: ( أنه توضأ ومسح على خفيه ), ولم يذكر منصور المسح، والإسناد كما عرفنا يلتقي بـشعبة ، وقبل شعبة سليمان بن عبيد الله .قوله: [ أخبرنا سليمان بن عبيد الله ].هو: سليمان بن عبيد الله بن عمرو الغيلاني، صدوق، روى له مسلم , والنسائي .[ حدثنا بهز ].هو: بهز بن أسد العمي، وهو من الثقات الأثبات، بل قال عنه الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت، وهذه من أقوى صيغ التعديل، وتعتبر في الطبقة الأولى من صيغ التعديل؛ لأنه يدل على المبالغة في الوصف، لم يقل: ثبت فقط, أو: ثقة ثبت، بل قال: إليه المنتهى في التثبت؛ يعني: أنه في القمة، لا يسأل عنه؛ لأنه وصل القمة في التثبت، وهو من رجال الجماعة.
البول في البيت جالساً

شرح حديث: (من حدثكم أن رسول الله بال قائماً فلا تصدقوه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ البول في البيت جالساً.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً ) ].ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: باب البول في البيت جالساً، وكأن هذه الترجمة تقابل الترجمة السابقة: الرخصة في البول في الصحراء قائماً. وأورد حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (من حدثكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً)، وقيد الترجمة في البيت أو في البيوت؛ لأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها إنما بينت ما كان معروفاً من عادته، وهي تعلم عادته في البيت؛ لكن غيرها علم ما لم تعلم، وهو حذيفة، حيث كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ( فأتى إلى سباطة قوم فبال قائماً ) فـعائشة نفت على حسب علمها، وكذلك أيضاً كلامها يفيد الملازمة والمداومة.ومن المعلوم أن المعروف من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم، والغالب على فعله هو الجلوس عند قضاء الحاجة، لا في الصحراء ولا في البيوت؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام يذهب إلى الصحراء ويبول جالساً، وكان يذهب إلى الخلاء، وأصحابه يذهبون معه, ويجلس ويقضي حاجته، ثم يأتي إليهم, ويتوضأ عليه الصلاة والسلام، وحذيفة رضي الله عنه وأرضاه رأى وشاهد هذه الحالة، فكلام عائشة محمول على ما تعلم، وعلى ما كان الغالب على عادته، ولهذا عبرت بـ (كان): (ما كان يبول إلا جالساً)، وما رواه حذيفة حالة نادرة, وحالة خاصة، وقد علم وشاهد ما شاهد، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحمل ما جاء عن عائشة على أنه مبني على المعروف من عادته، وعلى ما يكون في البيوت، وأما بالنسبة للبول قائماً، فعلى ما كان نادراً من فعله وفي خارج البيت، ولهذا بوب في البول في الصحراء قائماً: الرخصة في البول في الصحراء قائماً، وهنا قال: البول في البيت, أو في البيوت جالساً.
تراجم رجال إسناد حديث: (من حدثكم أن رسول الله بال قائماً فلا تصدقوه...)
قوله: [ أخبرنا علي بن حجر ].هو: السعدي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم.وبالمناسبة: معرفة الرجال تثبت في الأذهان، عندما يتكرر ذكرهم, ويعرف حالهم, وما قيل فيهم، ويتكرر أن هذا في طبقة شيوخ النسائي, وشيوخ مسلم، وهذا في زمن متقدم، وهذا في طبقة التابعين، فعندما تتكرر الأسماء على الإنسان تثبت في ذهنه, وتعلق في ذهنه، ويعرف أن هذا متقدم, وهذا متأخر، وعلي بن حجر جاء ذكره كثيراً عند النسائي، وأكثر عنه مسلم في الرواية.[ أخبرنا شريك ].هو: شريك بن عبد الله القاضي النخعي، وهو صدوق، تكلم في حفظه لما ولي القضاء، وساء حفظه.[ عن المقدام بن شريح ].و المقدام روى له البخاري تعليقاً، ومسلم والأربعة؛ لكن مسلم روى له متابعة.والحديث ليس ضعيفاً، فالحديث صحيح، وإلى الآن ما أتينا إلى أول حديث ضعيف عند النسائي، فكل ما مضى صحيح. وبالمناسبة: إذا قيست الأحاديث الضعيفة نجد أنها قليلة، وفي هذا المجلد الذي معنا ألف ومائة وسبعة وسبعون حديثاً، وإذا رجعت إلى كتاب الألباني صحيح سنن النسائي في هذا المقدار تجد الضعيف خمسين حديثاً في المجلد بأكمله. إذاً: فالأحاديث الضعيفة قليلة.والمقدام بن شريح بن هانئ سبق أن مر بنا هو وأبوه، وكل منهما يروي عن عائشة، فالحديث الذي مر بنا عن عائشة من طريق المقدام عن أبيه شريح، وشريح يروي عن عائشة، يقول: (سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل عند دخوله البيت؟ قالت: كان يبدأ بالسواك)، فالذي سألها شريح بن هانئ، وكل من الاثنين روى له مسلم , والبخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين، وقد عرفنا فيما مضى أنها أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-02-2019, 05:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(18)

باب البول إلى سترة يستتر بها - باب التنزه عن البول


من آداب قضاء الحاجة ألا يبول الإنسان إلا إلى سترة، ويجب عليه أن يتنزه من البول لئلا يصيبه منه شيء، فعامة عذاب القبر بسببه.
البول إلى سترة يستتر بها

شرح حديث عبد الرحمن بن حسنة في بول النبي إلى سترة

قال المصنف رحمه الله: [ باب البول إلى سترة يستتر بها.أخبرنا هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة رضي الله عنه أنه قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كهيئة الدرقة، فوضعها ثم جلس فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة، فسمعه فقال: أوما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره)].يقول الامام النسائي رحمه الله: باب: البول إلى سترة يستتر بها. هذه التراجم معقودة لبيان أن الإنسان إذا كان في غير البيوت، وفي غير الأماكن المخصصة لقضاء الحاجة، أنه يستتر بشيء، مثل: مكان مرتفع, أو حصاة كبيرة, أو مكان منخفض، إذا نزل فيه استتر عن الناس، أو شجرة من الأشجار الكثيرة التي ليس لها ظل, والتي لا يتأذى الناس بقضاء الحاجة تحتها، أو بشيء يكون معه كما في الحديث الذي أورده المصنف؛ لأنه استتر بشيء معه كهيئة الدرقة، وهي: الترس، وهي تتخذ من الجلود.يقول النسائي رحمه الله: أخبرنا هناد بن السري بإسناده إلى عبد الرحمن بن حسنة قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كهيئة الدرقة، فوضعها أمامه وبال إليها). يعني: جعلها سترة له. وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في باب الاستتار، أنه إذا بال الرجل يتخذ سترة يستتر بها عند البول، وكونه معه مثل هيئة الدرقة، فوضعها وبال إليها، يعني: اتخذها سترة، فهذا يدلنا على أن الإنسان يتخذ سترة تستره عن الناس، حتى لا يراه أحد وهو يقضي حاجته، وقد كشف عورته. وكما قلت: الاستتار يكون إما بشجرة لا يتأذى بقضاء الحاجة في ظلها إذا كان لها ظل، أو تكون شجرة ليست عالية ولا يستظل بها، أو يكون بحصاة كبيرة، أو منخفضاً من الأرض، أو تلاً مرتفعاً، فيكون أمامه حتى إذا مر أحد لا يراه، وهذا هو المقصود من التراجم.والفائد� � من ذلك كما هو معلوم: عدم تعرض الإنسان لأن يرى عورته ممن مر أو اجتاز أو جاء من أمامه، فيمنعه ذلك الساتر الذي اتخذه, أو يكون معه شيء كما في الحديث الذي معنا، حيث اتخذ النبي عليه الصلاة والسلام سترة كهيئة الدرقة، وهو مصنوع من جلد، ونصبه أمامه واستتر به، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.قوله في الحديث: (فقال بعض القوم: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أو ما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟). يعني: ما أصاب صاحب بني إسرائيل من العذاب، أي: ما حصل له، و(صاحب) يجوز فيه الرفع ويجوز النصب، أصاب صاحب -بالنصب- بني إسرائيل، يعني: من العذاب، فيكون الفاعل محذوفاً، وهو العذاب الذي جاء بيانه في آخر الحديث، ثم بين عليه الصلاة والسلام ما حصل لصاحب بني إسرائيل، أنهم كانوا إذا أصابهم شيء من النجاسات قرضوه بمقاريض، وهذا من الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا، فإنهم حصل لهم تكاليف أشد مما حصل لنا، فنهاهم أن يفعلوا هذا الفعل الذي جاء في شرعهم, فعذب في قبره.وقد قيل: إن هذا الرجل الذي قال هذه المقالة منافق، وقيل: إنه ليس بمنافق وإنما هو مؤمن، ولكنه قال ذلك تعجباً من شيء حصل على خلاف ما ألفوه واعتادوه في الجاهلية من كونهم يبولون قائمين، وكونهم لا يعرفون هذه العادة، وهي غريبة عليهم فتعجبوا، وقد جاء في بعض الطرق في سنن أبي داود: فقلنا، بإضافة القول إليهم، وهذا يدل على أنه ليس بمنافق، ولا معترض على شرع الله، ولكنه حصل شيء غير مألوف لهم في الجاهلية أن يروا الرجل يبول جالساً، بل المألوف أن المرأة هي التي تبول وهي جالسة، فقال هذه المقالة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أو ما علم)، يعني: أن مثل هذا الكلام وإن كان لم يصدر من منافق معترض على شرع الله، وإنما حصل للتعجب من شيء على خلاف ما ألفوه، وعلى خلاف ما اعتادوه؛ ففي ذلك تنبيه على خطورة مثل هذا الكلام، وإن كان صاحبه لا يريد الاعتراض على شرع الله عز وجل، وإن كان قد قاله لكونه على خلاف العادة، فإن العادات وما ألفه الناس يطرح عندما تأتي السنة، وعندما تأتي الشريعة؛ لأن الشريعة كما هو معلوم قد جاءت ناقلة عن أشياء كانوا عليها في الجاهلية، وجاءت مقررة لأشياء كانوا عليها في الجاهلية، ولا يعترض على الشرع.وفي الحديث ما حصل لهذه الأمة من التخفيف عليها، وقد جاء في القرآن في آخر سورة البقرة: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286]، وفي كل منها يقول الله: (قد أجبت)، يعني: أنه قد غفر وأنه قد أجاب هذه الدعوة، ولن تحصل هذه الأشياء التي كانت على من قبلنا،حيث كانوا يقرضون النجاسة بالمقاريض، ولا يغسلونها! أما نحن فبحمد الله يسر الله لنا، فيكفي أن نغسل النجاسات بالماء.
إثبات عذاب القبر

ثم أيضاً يدل على إثبات عذاب القبر ما جاء به القرآن، وجاءت به السنة في أحاديث كثيرة، منها: هذا الحديث، ومنها: الحديث الذي بعد هذا، وهو حديث صاحبي القبرين اللذين قال النبي عليه الصلاة والسلام عنهما: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول).وفي السنة أيضاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، وكذلك جاء في الحديث: أن الإنسان في قبره عندما يعذب، يصرخ وتخرج منه صيحة يفزع لها كل من كان على وجه الأرض، حتى الحيوانات نفسها تسمع ما يجري في القبور، فالله تعالى أطلعها على ذلك؛ لأنها غير مكلفة، أما الجن والإنس فهم مكلفون، فحجب الله ذلك عنهم حتى يبقى من علوم الغيب, يتميز به من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن، من يصدق ومن لا يصدق؛ لأنه لو انكشف الغيب لما حصل المراد من بيان من يكون من أولياء الله، ومن يكون من أعداء الله، فمن الناس من لا يؤمن إلا بشيء يشاهده ويعاينه، ومن الناس بمجرد ما يسمع الخبر عن الله وعن رسوله يقول: آمنا وصدقنا، ومن المعلوم أن من معنى شهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تصديقه فيما أخبر، فكل ما جاء عنه من خبر فالواجب التصديق، ولا تقاس أمور البرزخ وأمور القيامة على أمور الدنيا، فكل ما جاء في الكتاب وصح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب التصديق به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، فكل هذه نصوص دالة على عذاب القبر.وجاء في القرآن إثبات عذاب القبر في قصة آل فرعون، كما قال الله عز وجل: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46]، معناه: قبل قيام الساعة، وقبل البعث، فإذا قامت الساعة وحصل البعث فإنهم ينتقلون من عذاب شديد إلى عذاب أشد، وفي هذا إثبات لعذاب القبر، وأن الكفار يعذبون في قبورهم. قوله عليه الصلاة والسلام: ( أو ما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره ).المقصود من التمثيل: أن صاحب بني إسرائيل نهاهم عن الأمر بالمعروف في شريعتهم، وهو كونهم يقرضون ذلك بالمقاريض، فعذب في قبره؛ لأنه حصل منه النهي عن فعل ما أُمروا به والذي في الحديث وإن كان لم يعترض على شرع الله، وإنما حصل ذلك له لكونه على خلاف شيء معتاد, فقال ما قال، لكن الواجب هو الحذر من مثل ذلك، وإذا وجد شيء في الشرع مخالف لما عليه العادة، فلا يكون هناك ما يستغرب؛ لأن الشريعة ناقلة للناس عما كانوا عليه، ومقرة لبعض ما كانوا عليه. أما ناقلة لبعض ما كانوا عليه، فمثل: ما حرمت من أشياء كثيرة كانت موجودة في الجاهلية، وأمّا ما أقرت فمثل: بيع المضاربة, فقد كان موجوداً في الجاهلية، فأقره الإسلام, وأجمع المسلمون عليه، ومثل: وجود الولي في الزواج، وأن الزوج يأتي إلى الولي ويخطب البنت منه، فهذه من الأشياء التي كانت في الجاهلية فأقرها الإسلام.فإذا كان الأمر على خلاف العادة، فإنه لا ينبغي إظهار مثل هذا الشيء الذي قد حصل؛ لأنه قد يؤول الأمر بالإنسان إلى محذور، فيحصل له مثل ما حصل لصاحب بني إسرائيل, الذي أشار إليه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الرحمن بن حسنة في بول النبي إلى سترة

قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].سبق أن مر بنا، وهو كوفي ثقة، روى له مسلم , والأربعة , والبخاري في خلق أفعال العباد كما ذكرنا ذلك فيما مضى. وهناد بن السري كنيته أبو السري، فكنيته توافق اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، يعني: اسم أبيه متفق مع الكنية، والفائدة من هذا النوع هي حتى لا يظن التصحيف، فإنه إذا كان معروفاً بالنسبة فتركت النسبة وجيء بالكنية؛ فالذي لا يعرفه يظن أن هذا تصحيف، ويظن أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، فلو جاء في بعض الأسانيد: حدثنا هناد أبو السري، فالذي لا يدري أن كنيته أبو السري، ويعرف أن اسمه هناد بن السري فسيقول: أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، فتكون خطأ, فتحذف ويجعل مكانها: (ابن) ، لكن الذي يعلم أن هذا الراوي قد وافقت كنيته اسم أبيه لا يلتبس عليه هذا، فإن جاء هناد بن السري فهو صواب، وإن جاء هناد أبو السري فهو صواب أيضاً؛ لأنه ابن السري وأبو السري، فهذا النوع من أنواع علوم الحديث ينصون عليه، وأنواع علوم الحديث كثيرة، وابن الصلاح في المقدمة جمع منها شيئاً كثيراً، والذين جاءوا بعده أضافوا إضافات ما ذكرها ابن الصلاح، وكلها من أنواع علوم الحديث.[ عن أبي معاوية].هو: محمد بن خازم الضرير الكوفي ، محمد بن خازم بالخاء والزاي، وهو كوفي, ومن رجال الجماعة، وهو ثقة، وقيل: إنه أثبت الناس في حديث الأعمش، وهو مشهور بكنيته ومشهور باسمه، وهنا الكنية فقط، أبو معاوية، ويأتي في بعض الأسانيد: حدثنا محمد بن خازم، ومعرفة الكنى هي من أنواع علوم الحديث، وفائدتها كما ذكرنا سابقاً: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا جاء مرة بالاسم ومرة بالكنية فيقال: هذا غير هذا، فالذي يعرف أن هذا كنيته كذا، يعلم أنه جاء مرة بالكنية ومرة بالاسم، ولا يلتبس عليه، فهو شخص واحد، مرة جاء باسمه ومرة جاء بكنيته، وأبو معاوية كوفي، كما أن تلميذه هناد بن السري كوفي أيضاً.[ عن الأعمش ].الأعمش كما مر بنا في مواضع هو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو كوفي أيضاً، فكل الثلاثة من الكوفة، والأعمش مشهور باسمه ومشهور بلقبه، يأتي في بعض المواضع: سليمان, كما مر بنا، ويأتي في بعض المواضع: الأعمش، ومعرفة الألقاب للمحدثين فائدتها: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا جاء مرة الأعمش، ومرة سليمان بن مهران, فالذي لا يعرف أن سليمان بن مهران لقبه الأعمش فإنه يظن أن الأعمش ليس سليمان بن مهران.[ عن زيد بن وهب ].زيد بن وهب هذا تابعي, مخضرم، وهو ثقة جليل, كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، وهو من رجال الجماعة، ومعنى هذا أن عندنا في الإسناد بعد هناد : أبو معاوية ثم الأعمش ثم زيد بن وهب، فهؤلاء من رجال الجماعة، أما الأول فمن رجال الجماعة إلا البخاري؛ فإنه لم يرو له في الصحيح، وإنما خرج له في كتاب خلق أفعال العباد.أما عبد الرحمن بن حسنة الصحابي، فهو لم يخرج له أصحاب الكتب الستة إلا هذا الحديث, خرجه النسائي , وأبو داود ، وابن ماجه . ومثله عبد الرحمن بن أبي قراد الذي مر بنا قريباً، والذي يروي عنه شريح بن هانئ، الذي روى عن عائشة أنه سألها: (بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ إذا دخل المنزل؟ قالت: بالسواك)، ليس له إلا ذلك الحديث الواحد، فهو مقل.
التنزه عن البول
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-02-2019, 06:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(20)

- (باب كراهية البول في الجحر) إلى (باب السلام على من يبول)

من آداب قضاء الحاجة ألا يقضي الإنسان حاجته في جحر أو في ماء راكد، أو مستحم، ولا يسلم على غيره، ولا يرد السلام.

كراهية البول في الجحر

شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في الجحر...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كراهية البول في الجحر.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الجحر. قالوا لـقتادة: وما يكره من البول في الجحر؟ -يعني: ما سبب الكراهة- قال: يقال: إنها مساكن الجن) ].يقول الإمام النسائي رحمه الله تعالى: كراهية البول في الجحر، وأورد فيه حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الجحر. قيل لقتادة -وهو راوي الحديث عن عبد الله بن سرجس - : وما يكره من البول في الجحر؟ -يعني: ما سبب الكراهية؟- قال: يقال: إنها مساكن الجن).هذا الحديث أورده النسائي تحت هذه الترجمة, وهي قوله: كراهية البول في الجحر، ومن المعروف أن التراجم التي مضت يصرح فيها النسائي بلفظ النهي: النهي عن كذا، وهنا في هذه الترجمة قال: كراهية البول في الجحر، فلعل ذلك إما لكون الحديث لا يخلو من مقال، أو لكون المقصود من ذلك: أن هذا من الآداب التي ينبغي التأدب بها، ولا يكون المقصود منه التحريم، أو أنه جرى على طريقة المتقدمين الذين يطلقون المكروه على كل ما كان ممنوعاً ولو كان محرماً، كما جاء في القرآن بعد ما ذكر الله عز وجل في سورة الإسراء أموراً من الكبائر، وفي آخرها قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:38]، والحديث يدل على النهي، أو على كراهية البول في الجحر، وما ذكره قتادة أنه يقال: إنها مساكن الجن، فهذا تعليل.وهناك تعليل آخر: أن الجحر إذا بال فيه الإنسان قد يحصل فيه إيذاء لبعض الهوام والحيوانات التي فيه؛ فيكون قد آذاها، وأيضاً عرَّض نفسه للضرر؛ بأن يخرج عليه ما كان في ذلك الجحر بسبب بوله فيه، وقد يكون حية وقد يكون غير ذلك، فيفزعه ذلك فيقوم ويصيب البول ثيابه وجسده بسبب فزعه, فيتأذى بذلك هو، ويؤذي تلك الدواب بفعله ذلك.والحديث فيه كلام من حيث إن قتادة اختلف في سماعه من عبد الله بن سرجس رضي الله عنه، وأيضاً مع كونه مختلفاً في سماعه منه هو أيضاً مدلس، وقد عنعن في روايته عن عبد الله بن سرجس ، لكن وإن كان الحديث فيه مقال إلا أنه لا ينبغي أن يبول الإنسان في الجحر؛ لما يترتب على ذلك من الضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار)، فالإنسان لا يعرض نفسه للضرر، ولا يجلب الضرر لغيره، ومن المعلوم أن الإنسان إذا بال في جحر فإنه يؤذي تلك الدواب التي فيه، وأيضاً هو يتسبب في جلب الضرر لنفسه، فالكراهية -وإن كان في الحديث مقال- هي من حيث ما يترتب على ذلك من المضرة له ولغيره.

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الجحر...)

قوله: [ حدثنا عبيد الله بن سعيد ].هو شيخ النسائي، وهو ثقة مأمون كما قال الحافظ ابن حجر ، وقد خرج له البخاري, ومسلم, والنسائي ، ولم يخرج له الباقون من أصحاب السنن.[حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي].الدستوائي ، سبق أن مرَّ بنا قريباً، وأبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وأما هذا فهو ابنه معاذ بن هشام ، وهو من رجال الجماعة، وهو صدوق كما قال ذلك الحافظ ابن حجر ، وربما وهم, أو له أوهام، يروي عن أبيه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وهو ثقة ثبت, من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب كما سبق أن مرَّ بنا ذكره فيما مضى.[عن قتادة].هو: ابن دعامة السدوسي ، وهو ثقة حافظ، وهو يدلس، وهو من رجال الجماعة، خرج أحاديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن عبد الله بن سرجس ، والمقال الذي في الإسناد من حيث روايته عن عبد الله بن سرجس ؛ لأن سماعه منه مختلف فيه، ومع ذلك أيضاً هو مدلس، وقد عنعن، فالحديث فيه مقال من أجل هذا.[عن عبد الله بن سرجس].أما عبد الله بن سرجس فهو صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يروي عنه هذا الحديث، وحديثه عند مسلم والأربعة، وله سبعة عشر حديثاً في الكتب، انفرد مسلم بحديث منها، وليس له في البخاري شيء.
النهي عن البول في الماء الراكد

شرح حديث: (أن رسول الله نهى عن البول في الماء الراكد)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن البول في الماء الراكد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن البول في الماء الراكد)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: النهي عن البول في الماء الراكد، وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد)، والحديث رواه مسلم في صحيحه. والنسائي عبر بالنهي بخلاف الترجمة السابقة، ولعل الفرق في ذلك هو ما ذكرته من قبل: أن الحديث هناك فيه مقال، أما الحديث هنا فهو صحيح وثابت، وقد رواه مسلم في صحيحه، فهناك عبر بالكراهية، وهنا عبر بالنهي.والحديث يدل على تحريم البول في الماء الراكد؛ ذلك لأنه يفسده، أو يجعله قذراً في حق من يعلم أنه بيل فيه، ثم أيضاً إلف البول في الماء الراكد واعتياد ذلك إلف لما هو أمر سيء, ولو كان الماء كثيراً؛ لأن من اعتاد أن يبول في الماء الكثير الذي لا تضره النجاسة فقد يبول في الماء القليل الذي تضره النجاسة، وكون الماء الراكد مستقراً فإنه يتأثر بما يقع فيه، بخلاف الماء الجاري، كمياه الأنهار التي تجري فإن الماء يذهب، لكن لا ينبغي للإنسان أن يبول فيه إلا إذا اضطر إلى ذلك، أما أن يكون في سعة وعنده اليابسة, ثم يذهب ويبول في الماء، ولو كان جارياً فلا ينبغي للإنسان أن يفعله، أما إذا اضطر إلى ذلك فلا مانع، والماء الجاري ليس كالماء الراكد، فلا يتأثر بالبول فيه كما يتأثر به الماء الراكد إلا إذا كان الماء قليلاً؛ فإن النجاسة تؤثر في الماء القليل والماء الكثير، في الراكد والجاري إذا كان قليلاً جداً.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله نهى عن البول في الماء الراكد)

قوله: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد ].وهو الذي مر ذكره مراراً وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة ثبت، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني .[ حدثنا الليث ].والليث يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الليث بن سعد الفهمي المصري ، وهو ثقة ثبت, فقيه، إمام مشهور معروف بالفقه, ومعروف بالحديث، وهو من رجال الكتب الستة، خرج له الجماعة، وقد أفرد الحافظ ابن حجر له ترجمة في رسالة خاصة موجودة مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية , ويأتي ذكره كثيراً في كتب الحديث وكتب الفقه؛ لأنه محدث فقيه، رحمة الله عليه.[ عن أبي الزبير ].أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، وهو من رجال الجماعة، وهو صدوق يدلس.[ عن جابر ].هو جابر بن عبد الله الأنصاري ، وهو أحد الصحابة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين يأتي ذكرهم مراراً في الكتب، وقد ذكر صاحب الخلاصة: أن له ألفاً وخمسمائة وأربعين حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، وانفرد مسلم بمائة وستة وعشرين، فهو مكثر .
كراهية البول في المستحم

شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [كراهية البول في المستحم. أخبرنا علي بن حجر أنبأنا ابن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبد الملك عن الحسن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه)].ذكر النسائي رحمه الله: كراهية البول في المستحم، وأورد فيه حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه)، عبَّر النسائي هنا بالكراهية، ولعل ذلك أيضاً مثل ما ذكرت من قبل؛ لأن إسناد الحديث فيه كلام من جهة أن الحسن مدلس، ومعروف بالتدليس والإرسال، وقد روى عن عبد الله بن مغفل بالعنعنة، فقال: عن عبد الله بن مغفل، فالإسناد فيه مقال، لكن عند أبي داود حديث آخر, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبول أحد في مستحمه)، ولهذا الشيخ ناصر الألباني رحمه الله في صحيح سنن النسائي صحح الجملة الأولى, وهي: (لا يبولن أحد في المستحم)، دون قوله: (فإن عامة الوسواس منه)؛ لأن الجملة الأولى جاءت في حديث في سنن أبي داود ، ولم تأت الجملة الثانية التي هي التعليل: (فإن عامة الوسواس منه) فرواية الحسن هنا جاء ما يؤيدها، وما يدل على ثبوتها وصحتها من طريق أخرى غير طريق الحسن ، لكنها ليست بطول رواية الحسن ، وإنما هي في جزئه الأول دون الجزء الثاني.والنهي عن البول في المستحم, قال بعض العلماء: إن المقصود من ذلك: ما إذا كان المستحم يستقر فيه البول لكون المكان صلباً، أو فيه شيء لا يذهب معه البول، أو يكون رخواً بأن يكون تراباً يشرب البول، ولا يبقى للبول أثر إلا رطوبة ذلك التراب، أو ليس فيه منفذ يجري فيه البول، فإذا كان المكان رخواً وشرب البول, وذهب البول ولم يبق له وجود، أو كان هناك منفذ كالبالوعة يذهب فيه البول ولا يستقر، فإن هذا لا مانع منه، قالوا: لأن المحذور من ذلك أنه إذا كان البول موجوداً ثم استحم؛ فإن هذا البول المجتمع يتطاير ويحصل منه الرشاش إلى جسده؛ فيؤدي ذلك إلى الوسواس، هل وقع عليه بول أم لا؟! ففسروا الحديث بما كان من هذا القبيل، أما إذا ذهب البول ولم يبق له وجود؛ فإن هذا لا يؤثر؛ لأن المحذور هو انتقال البول، والبول لا ينتقل إلا إذا كان موجوداً، أما إذا ذهب مع المنفذ أو الأرض الترابية وذهب البول فيها, ولم يبق للبول وجود؛ فإن هذا المحذور قد زال.

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ...)

قوله: [ حدثنا علي بن حجر ].وهو: السعدي، وقد سبق ذكر علي بن حجر مراراً، وهو من رجال البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي، وفي نسخة التقريب المصرية بدل الترمذي أبو داود ، وهذا ليس موجوداً في الخلاصة, ولا تهذيب التهذيب، بل لم ينص عليه في تهذيب الكمال؛ لأن في تهذيب الكمال ذكر الذين رووا عنه وهم: البخاري , ومسلم , والترمذي , والنسائي، ولم يذكر أبا داود ، فما في ذلك من الرمز لـأبي داود في نسخة التقريب المصرية خطأ، والصواب: الترمذي . وعلي بن حجر ثقة, حافظ. [ أنبأنا ابن المبارك ].وابن المبارك يأتي لأول مرة، وهو: عبد الله بن المبارك المروزي ، وهو إمام، جليل, ثقة، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت, إمام, جواد, مجاهد, جمعت فيه خصال الخير، وهو من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن معمر ].وهو: ابن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، وقد مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة.[ عن الأشعث بن عبد الملك ].قال هنا: ابن عبد الملك ، وفي رجال النسائي أشعث بن عبد الملك , وأشعث بن عبد الله ، وفي بعض نسخ النسائي في هذا الإسناد: أشعث بن عبد الله ، وفي نسخ الآخرين الذين هم أصحاب السنن الباقون: الترمذي, وأبو داود , وابن ماجه قالوا في الإسناد: أشعث بن عبد الله، وفي إحدى نسخ النسائي : أشعث بن عبد الله ، وفي تهذيب الكمال لما ترجم لـمعمر بن راشد ذكر: أنه روى عن أشعث بن عبد الله ، ولم يذكر: أشعث بن عبد الملك ، وكل هذا يدل على أنه أشعث بن عبد الله وليس أشعث بن عبد الملك ، أولاً: كون إحدى النسخ فيها أشعث بن عبد الله ، وكون الكتب الأخرى التي فيها هذا الحديث نفسه, ومن هذا الطريق, كلهم ينصُّون على أنه أشعث بن عبد الله ، وفي ترجمة معمر بن راشد في تهذيب الكمال ذكر: أن من شيوخه أشعث بن عبد الله ؛ فهذا يدل على أنه أشعث بن عبد الله وليس أشعث بن عبد الملك ، فمعنى ذلك أن الذي في النسخة الموجودة معنا ليس صواباً، وإنما الصواب كما في النسخة الثانية من جهتين: من جهة أن معمر بن راشد ما ذكر المزي في شيوخه أشعث بن عبد الملك ، وثانياً: أن الذين رووا الحديث مع النسائي, وهم أصحاب السنن الباقون كلهم نصوا في الإسناد على أنه ابن عبد الله ، والحديث مخرجه واحد، فإذاً: هو ابن عبد الله . وابن عبد الله هذا ذكر الحافظ ابن حجر: أنه من رجال الأربعة، ومن رجال البخاري تعليقاً.فالصحيح: أنه ابن عبد الله وليس ابن عبد الملك ، وهو صدوق.[ عن الحسن ].وهو ابن أبي الحسن ، وأبوه اسمه يسار ، ولكنه مشهور بكنيته، ولهذا يقال له: الحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو إمام مشهور, ثقة حافظ، وكان يدلس ويرسل، معروف بالتدليس والإرسال، وهنا الحديث عنعنه عن عبد الله بن مغفل ، فهو محتمل الضعف، بل لا يعتبر ثابتاً لمجرد هذا، ولكن كما ذكرت: أن في سنن أبي داود حديثاً آخر صحيحاً؛ فيعتبر المقدار الذي يوافقه من حديث الحسن ثابتاً، أما ما جاء في آخره فهذا مما لم يأت إلا في هذا الحديث، ولهذا كما قلت: اعتبر الألباني الجملة الأولى صحيحة من أجل الحديث الثاني، والجملة الثانية ضعيفة؛ لأنها ما جاءت في الحديث الآخر.[ عن عبد الله بن مغفل ].أما عبد الله بن مغفل المزني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج له أصحاب الكتب الستة، وفي الخلاصة ذكره على طريقته، وذكر عدد ما له, وما اتفق عليه من أحاديثه, وما انفرد البخاري به, وما انفرد به مسلم.
السلام على من يبول

شرح حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ السلام على من يبول.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا زيد بن الحباب وقبيصة قالا: أخبرنا سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام)]. ‏ يقول النسائي رحمة الله عليه: السلام على من يبول، يعني: ما ورد في السلام على من يبول، وذكر الأمر مطلقاً، ما ذكر نهياً ولا كراهية ولا أمراً، وإنما قال: السلام على من يبول، مقصوده من ذلك: ما ورد فيه، وبيان حكمه، وقد أورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام مر عليه رجل وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام). وقيل: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد عليه ليبين له أن السلام على من يبول لا ينبغي، فتركه الرد عليه يدل على أنه لا ينبغي أن يسلم على من يبول؛ لأن من يبول ليس له أن يذكر الله عز وجل، ومن المعلوم أن السلام فيه ذكر لله سبحانه وتعالى، وهو من الذكر والدعاء، والإنسان الذي يبول يسكت ولا يتكلم، إلا إذا كان هناك ضرورة تلجئه إلى أن يتكلم من أجل حاجة اقتضت ذلك، أما أن يدعو وأن يذكر الله عز وجل -ومن ذلك السلام ورد السلام- فإنه لا يفعله، قالوا: وعدم إجابته له إنما هي تأديب له, وتنبيه له على ألا يعود.والحديث رواه مسلم وبعض الأئمة.

تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام)

قوله: [ أخبرنا محمود بن غيلان ].محمود هذا يأتي ذكره لأول مرة في شيوخ النسائي ، وهو من شيوخه, وشيوخ أصحاب الكتب إلا أبا داود ، فإنه لم يخرج له, ولم يرو عنه شيئاً، فهو شيخ لأصحاب الكتب الخمسة، وهم: البخاري , ومسلم , والترمذي , والنسائي , وابن ماجه ، وأما الإمام أبو داود فلم يخرج له شيئاً، ولم يرو عنه في كتبه، وهو ثقة. [ حدثنا زيد بن الحباب وقبيصة ].زيد بن الحباب هو صدوق يخطئ في حديثه عن سفيان الثوري ، وشيخه الذي يروي عنه في هذا الإسناد هو سفيان الثوري ، وقد قالوا: إنه يخطئ في حديثه عن الثوري ، وهذا منه، لكنه مقرون بـقبيصة ، وقبيصة صدوق ربما خالف، لكن اجتماعه مع زيد بن الحباب الذي في حديثه شيء عن سفيان يجعل الشيء الذي في حديثه عنه لا يؤثر؛ لأنه لم ينفرد بالرواية عنه، وإنما شاركه غيره فيها وهو قبيصة . وقبيصة هنا مهمل لم ينسب، وقبيصة يطلق على جماعة، ومن المعلوم أن الطريقة التي يعلم بها تعيين المهمل وتمييزه: أن ينظر في الشيوخ والتلاميذ، ومن خرجوا له، وإذا رجعنا إلى ترجمة محمود بن غيلان في تهذيب التهذيب فنجد أنه روى عن قبيصة بن عقبة ، وما ذكر أنه روى عن شخص آخر يقال له: قبيصة، إذاً: فقد عرف المهمل، وذلك بالرجوع إلى الشيوخ والتلاميذ، لكن يبقى لو أنه روى عن قبيصة وهما اثنان مثلاً، فأيهما هو هذا أو هذا؟ هذا يحتاج إلى تمييز، يمكن أيضاً أن ينظر فيمن هو أكثر ملازمة، ومن هو أكثر أخذاً، وهذه الطريقة التي يميز بها أحد الاثنين المشتبهين اللذين لا يدرى أيهما هو أهذا أم هذا؟ لكن هنا ليس هناك تعدد فيمن روى عنه محمود بن غيلان ممن يقال له: قبيصة، لا يوجد إلا واحد، وهو قبيصة بن عقبة.وقبيصة بن عقبة من رجال الجماعة، وربما وهم.أما زيد بن الحباب فهو من رجال مسلم والأربعة.[ أخبرنا سفيان ].سفيان غير منسوب، ما قيل: سفيان الثوري ولا سفيان بن عيينة ، لكن زيد بن الحباب ذكروا بأنه يروي عن سفيان الثوري ، وفي حديثه عنه شيء، إذاً: عرف هذا المهمل الذي هو سفيان, وأن المقصود به الثوري ، وليس المقصود به ابن عيينة ؛ لأن زيد بن الحباب إنما روى عن سفيان الثوري . والثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي ، وهو ثقة كما ذكرت سابقاً عند ذكر سفيان بن عيينة: أن ابن حجر لما ذكر كلاً منهما ذكر فيه عدة صفات، فقال: ثقة, حافظ, فقيه, إمام, حجة، فذكر خمس صفات، وزاد في الثوري أنه قال: عابد، وسفيان الثوري إمام في الحديث والفقه، وقد وصف بأنه من أمراء المؤمنين في الحديث، وشعبة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وبعض العلماء جعل سفيان أعظم وأقوى وأمكن من شعبة ؛ وذلك بسبب أنهم عدوا ما أخطأ به هذا وما أخطأ به هذا؛ فكان ما أخطأ به سفيان أقل مما أخطأ به شعبة ، فصار سفيان أرجح من شعبة وإن كان كل منهما في القمة، لكن يميزون الشخص على الشخص بقلة خطئه في حديثه، ويقارنون بين الخطأ عند هذا وهذا، فإذا رأوا واحداً منهما أقل اعتبروه أمكن، وإذا كان أكثر من الثاني وإن كان قليلاً اعتبروه دونه.وحديث الثوري هو عند الجماعة, وحديثه عندهم كثير.[ عن الضحاك بن عثمان ].وهو: الضحاك بن عثمان أبو عثمان ، وهو من رجال مسلم والأربعة , كـزيد بن الحباب، وهو صدوق ربما يهم. [ عن نافع ].ونافع هو: مولى ابن عمر ، وهو الإمام المشهور الذي مر ذكره، وهو من الثقات, الحفاظ, المتقنين، بل هو أحد رجال السلسلة الذهبية عند البخاري حيث يقول: أصح الأسانيد على الإطلاق: مالك عن نافع عن ابن عمر ، فـنافع هو أحد السلسلة التي يقول عنها البخاري : إنها أصح الأسانيد ، فهو في القمة، وهو من رجال الجماعة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[ عن ابن عمر ].هو عبد الله بن عمر بن الخطاب المعروف بكثرة الحديث، وهو أحد السبعة المكثرين من الصحابة الذين تجاوز حديثهم الألف، والذين يعتبرون أكثر من غيرهم حديثاً في الكتب، وقد قال في الخلاصة: إن له ألفاً وستمائة وثلاثين حديثاً في الكتب الستة، اتفق البخاري ومسلم على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بواحد وثمانين ، وانفرد مسلم بواحد وثلاثين حديثاً، فهو مكثر، وهو من صغار الصحابة، وهو الذي جاء عنه في الصحيح أنه قال: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) يعني: أذن له بأن يكون في جملة المقاتلين، وهذا يدلنا على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من حب الخير، والحرص على الجهاد، وأن الواحد الصغير يأتي ويرجو أن يؤذن له، فيعرض في المرة الأولى ويقال له: صغير, فيرجع، وفي المرة الثانية يكون قد بلغ فيؤذن له، وكانوا يحرصون على الجهاد في سبيل الله، وكانوا يقدمون أنفسهم وهم لم يصلوا إلى أن يكونوا ممن يؤذن لهم، فابن عمر لم يؤذن له؛ لأنه لم يبلغ الخامسة عشرة، وفي الخندق بلغ الخامسة عشرة فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم.وهو من صغار الصحابة، فإذا كان عمره يوم الخندق خمس عشرة سنة، والرسول عاش بعدها خمس سنين فمعناه: أنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره عشرون سنة رضي الله عنه، وهو من المكثرين، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وإذا قيل العبادلة الأربعة فالمراد بهم صغار الصحابة: ابن عمر , وابن عمرو , وابن الزبير , وابن عباس ، هؤلاء هم العبادلة وليس فيهم ابن مسعود ؛ لأن ابن مسعود توفي قبلهم بمدة طويلة؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، وأما هم فتأخرت وفاتهم، فمنهم من توفي في حدود الستين، ومنهم من توفي بعد ذلك فوق السبعين.قد يقال: من المعلوم أن رد السلام واجب من الواجبات وهنا ما رد عليه.فالجواب أشرت إليه، وهو: أنه أراد التنبيه إلى أنه لا يسلم على من يبول، ولو سلم عليه لا يرد؛ لأن الذي يبول لا يذكر الله عز وجل، ورد السلام من ذكر الله؛ والسلام من أسماء الله عز وجل، وهو دعاء للمسلم، وهو لا يدعو لنفسه ولا لغيره وإنما يسكت، ولا يذكر الله وهو يقضي حاجته.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 25-02-2019, 07:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(22)


باب النهي عن الاستطابة بالروث - باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

من الآداب التي ينبغي للمسلم مراعاتها عند قضاء الحاجة ألا يستجمر بالروث والرمة، لأنها لا تطهر موضع النجاسة؛ ولأنها طعام دواب الجن. ومن الآداب كذلك ألا يكتفي بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأن بها يكون الإنقاء والإيتار.
النهي عن الاستطابة بالروث

شرح حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث

قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الاستطابة بالروث.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى يعني ابن سعيد عن محمد بن عجلان أخبرني القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة) ].أورد النسائي هذه الترجمة: باب النهي عن الاستطابة بالروث؛ لأن الترجمة السابقة: النهي عن الاستطابة بالعظم، وهنا النهي عن الاستطابة بالروث، وكان بإمكانه أن يقول: النهي عن الاستطابة بالعظم والروث ثم يأتي بالأحاديث التي وردت في هذا وفي هذا، لكنه أراد أن يعدد المسائل الفقهية، والمسائل التي يستدل عليها، وأن يفرد كل مسألة بحديث، فمن أجل هذا فعل هذا، وإلا كان بإمكانه أن يضم، لكنه هذه طريقته -كما قلت لكم سابقاً- وهي مثل طريقة البخاري , وكتابه كتاب دراية كما أنه كتاب رواية: ففيه فقه وحديث، فيه سنة وما يستنبط من السنة الذي هو الفقه، والفقه في التراجم، ويقولون عن البخاري : إن فقهه في تراجمه، وكذلك يقال في النسائي أيضاً: إن فقهه في تراجمه، بل إنه يشبه البخاري في الدقة في التعبير, وفي الدقة في وضع الترجمة، ومما يدل عليه ما سبق أن مر من الأمثلة، وأوضحها الترجمة التي سبق أن مرت: الرخصة في الاستياك بالعشي للصائم، ويورد تحتها حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، النسائي أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الترجمة وحديث أبي هريرة يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم تمهيداً لما بعده من بيانه للأمور التي هي آداب قضاء الحاجة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد) بل هو أعظم من الوالدين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، يجب أن يكون أحب إلى كل مسلم من والديه وأولاده والناس أجمعين؛ لما ثبت في حديث أنس بن مالك في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ، فهو عليه الصلاة والسلام ذكر أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهو عليه الصلاة والسلام أحرص وأعظم من الوالدين في التعليم والبيان؛ لأنه أنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحاً, وأكملهم بياناً, وأفصحهم لساناً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكنه قال هذا التمهيد؛ لأن من شأن الوالد أن يكون حريصاً على تعليم ولده كل شيء، حتى الأمور التي يحتاج إليها مما يستحيا من ذكرها.فالرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه يبين لهم كل ما يحتاجون إليه، وأن الوالد هذا شأنه أن يحرص على تعليم ولده كل ما يحتاج إليه، ولو كان من الأمور التي يُستحيا منها، ومن ذلك: ما يتعلق بقضاء الحاجة, وما إلى ذلك.ثم بين عليه الصلاة والسلام ما بهذا التمهيد، فقال: ( إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها )، يعني: عند قضاء الحاجة لا يستقبل القبلة -أي: لا يتجه إلى الكعبة وهو يقضي حاجته- ولا يستدبرها، وقد مرت الأبواب في موضوع الاستقبال والاستدبار، لكن المقصود من إيراد الحديث هو ما يأتي من ذكر الروث والرمة.( ولا يستنجي بيمينه )؛ أي: لا يستعمل اليمين وهو يستنجي، وإنما يستعمل اليسار، وهذا سبق أن مر في أبواب عدم الاستنجاء باليمين والنهي عن ذلك.( وكان يأمر بثلاثة أحجار عند الاستنجاء )؛ أي: أمر بأخذ ثلاثة أحجار يستنجي بها عندما ينتهي من قضاء حاجته، ويزيل أثر الخارج بالحجارة، ويكون ذلك ثلاثاً، والأمر بالثلاثة ليكون جامعاً بين الإيتار والإنقاء؛ لأن الثلاثة تنقي وأيضاً هي وتر، وقد جاء في بعض الأحاديث التنصيص على الإيتار في الاستنجاء، وهنا ذكر أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار؛ لكونها وتراً، ولكونها تنقي ويحصل بها الإنقاء والتنظيف والتطهير والتطييب الذي عبر عنه بالاستطابة. (ونهى عن الروث والرمة) هذا هو محل الشاهد من النهي عن الاستطابة بالروث والرمة.والرمة: هي العظم، وقيل أن المراد بها: العظم البالي، قالوا: وإذا كان النهي ورد وإن كان بالياً فإن غيره من باب أولى، وقد جاء الحديث بالإطلاق في ذكر العظم، فسواء كان موصوفاً بأنه بالٍ أو غير بال كل ذلك يدخل تحت العظم المنهي عنه في الاستعمال، وقد عرفنا ما يتعلق بالاستنجاء بالعظم في الباب الذي قبل هذا، أما ما يتعلق بالروث -وهو الذي ترجم له في هذا الحديث- فقد جاءت أيضاً السنة في بيان الحكمة في المنع منه في الحديث الذي ورد فيه النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، فقال: ( إن العظم طعام إخوانكم من الجن، والروث طعام دوابهم ).فإذاً: التعليل الواضح الذي جاء به الحديث الصحيح أن النهي لحكمة وهي: عدم إفساد الطعام على الجن وكذلك عدم تلويث وتقذير الطعام الذي هو لدواب الجن, كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والعظم البالي هو: العتيق القديم الذي يؤكل ومضى عليه مدة طويلة حتى صار يتفتت. أما الاستقبال والاستدبار في غير قضاء الحاجة ما أعلم أن شيئاً يمنع منه، لا عند النوم ولا عند الجلوس، فكون الإنسان يمد رجله إلى القبلة لا أعلم شيئاً يمنع منه.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث

قوله: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ].هو: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وقد ذكرت لكم قبل مدة: أن الدورقي يعقوب بن إبراهيم شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه، وذكرت لكم: أن هناك شخصين يماثلانه بكونهم شيوخ لأصحاب الكتب، وبكونهم ماتوا معه في سنة واحدة -وهي سنة مائتين واثنين وخمسين- وهما: محمد بن بشار الملقب بـبندار، ومحمد بن المثنى الملقب بـالزمن ، فإن هذين مع هذا الذي هو يعقوب كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكل منهم مات في سنة مائتين واثنين وخمسين، بل إن الاثنين الآخرين -وهما: محمد بن المثنى , ومحمد بن بشار- اتفقا في شيء أكثر من هذا؛ فإنهما اتفقا في سنة الولادة وسنة الوفاة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ، وهم في طبقة واحدة من البداية حتى النهاية، حتى قال الحافظ ابن حجر : وكانا كفرسي رهان؛ أي: لا أحد منهما يسبق الآخر، فكل واحد منهما بجوار الآخر.[ حدثنا يحيى يعني: ابن سعيد ].يحيى بن سعيد ، هو: ابن سعيد القطان الإمام, المحدث, الناقد الذي هو إمام في الجرح والتعديل، وهو من رجال الجماعة، وقد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به عن الذهبي, ومعه شخص آخر يشاركه فيها؛ وهو عبد الرحمن بن مهدي ، يقول الذهبي عنهما في كتاب من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: إنهما إذا جرحا شخصاً؛ فإنه لا يكاد يندمل جرحه، ومعناه: أنهما إذا جرحاه؛ فإن جرحهما أصاب الهدف، وهذا يدل على تمكنهما، وأنهما إذا اجتمعا على شخص فمعنى ذلك: أنه يتمسك بكلامهما؛ لأن جرحهما لا يكاد يندمل إذا جرحا شخصاً واتفقا على جرحه.وذكرت أيضاً: أن هذا الشخص يأتي في طبقته شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد؛ لأنه من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة, وهو يحيى بن سعيد الأموي ولكن الإكثار من الرواية هو عن القطان . ثم أيضاً من علامة الأموي أنه يروي عنه ابنه سعيد ، فإذا جاء في الإسناد: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثني أبي؛ فالمقصود به: الأموي ، أو قال: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثنا يحيى بن سعيد؛ فالمقصود به الأموي ، أما يحيى بن سعيد القطان فهو أكثر رواية وأكثر شهرة. وقوله: (يعني) هذا مثل (هو) الذي ذكرته فيما مضى، فإن هذه اللفظة (هو) و(يعني) يأتون بها؛ لأن التلميذ الذي هو يعقوب بن إبراهيم عندما روى عن شيخه يحيى اكتفى بكلمة (يحيى) ما قال: يحيى بن سعيد، فالذين جاءوا بعده -النسائي ومن دون النسائي- أرادوا أن يوضحوا يحيى فقالوا: (يعني ابن سعيد) فكلمة (يعني) قالها من دون الدورقي ، وفاعلها الدورقي ؛ لأن كلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل؛ لأن كلمة (يعني) فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر يرجع إلى الدورقي، والذي دون الدورقي أتى بكلمة (يعني) فهو قائلها، وليس قائلها الدورقي؛ لأن الدورقي لا يحتاج أن يقول: (يعني)، بل يقول: فلان بن فلان ويذكر اسمه إلى عشرة أجداد، فكلامه لا يحتاج إلى كلمة (هو) ولا يحتاج إلى كلمة (يعني).[ عن محمد بن عجلان ].محمد بن عجلان، هذا يأتي لأول مرة؛ ما سبق أن جاء ذكره في الأحاديث الماضية، ومن الأشياء اللطيفة التي ذكروها في ترجمته، قالوا: إن أمه حملت به أكثر من ثلاث سنوات؛ أي: بقي في بطنها أكثر من ثلاث سنوات. وهو صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة وهذا منها، وقد روى له البخاري تعليقاً, ومسلم, والأربعة رووا عنه. لكن -كما عرفنا- حديث العظم والروث جاء في أحاديث ثابتة، فلا يؤثر كونه اختلط في حديث أبي هريرة.

ترجمة القعقاع بن حكيم وأبي صالح

[ أخبرني القعقاع ].القعقاع هذا أيضاً يأتي لأول مرة ذكره في رجال النسائي، والقعقاع في رجال النسائي شخصان هما: القعقاع بن حكيم، والقعقاع بن اللجلاج، وهما في طبقة متقاربة، إلا أن ابن اللجلاج مجهول، وانفرد بالإخراج له النسائي. وأما ابن حكيم فهو ثقة. فكيف نعرف الاسم المبهم المهمل الذي ما نسب هنا؟ نقول: الحديث رواه أبو داود ورواه ابن ماجه ، وفي أسانيد ابن ماجه ذكر مرتين، وعند أبي داود من طريقه كلها يقول: القعقاع بن حكيم، ففي هذه الطرق الثلاث: طريق عند أبي داود، وطريقان عند ابن ماجه يقولون فيها: القعقاع بن حكيم، إذاً: عرف المقصود والمعني هنا بأنه القعقاع بن حكيم.والقعقاع بن حكيم ثقة، روى عنه البخاري في الأدب المفرد، وروى عنه مسلم والأربعة، فهو مثل ابن عجلان إلا أن ابن عجلان في الصحيح تعليقاً، وهذا روى عنه في الأدب المفرد. وكتاب الأدب المفرد كتاب مستقل، قيل: إنه سمي بالأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن في داخل الصحيح كتاباً اسمه كتاب الأدب، وخارج الصحيح كتاباً اسمه الأدب المفرد، إذاً: فهو كتاب مستقل سماه: الأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن جملة كتب البخاري في صحيحه سبعة وتسعين كتاباً، وأحد هذه الكتب السبعة والتسعين كتاب الأدب، فسمي كتاب الأدب المفرد لكي لا يلتبس بكتاب الأدب في داخل الصحيح.[عن أبي صالح ]. أبو صالح هو: السمان، ويقال له: الزيات، واسمه ذكوان الزيات, أو ذكوان السمان، وأحياناً يأتي ذكره باسمه فيقال: ذكوان، وأحياناً يأتي ذكره بكنيته -وهو كثير كما هنا- أبو صالح، وسمي بـالسمان؛ لأنه كان يبيع السمن والزيت، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, وكثيراً ما يروي عنه ابنه سهيل بن أبي صالح، لكن البخاري ما خرج لـسهيل بن أبي صالح، فليس من رجاله؛ لكن روى عن أبيه كثيراً. أما مسلم فقد أكثر من الرواية عن سهيل عن أبيه، فـسهيل بن أبي صالح عن أبيه موجود بكثرة في صحيح مسلم .[عن أبي هريرة ].أبو هريرة جاء ذكره كثيراً فيما مضى، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، فالمكثرون من الصحابة سبعة، وأكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. وأبو هريرة هو نفسه جاء في صحيح البخاري عنه يقول: (لا أعلم أحداً من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب). لكن أجاب العلماء عما وجد من كثرة حديث أبي هريرة وقلة حديث عبد الله بن عمرو -حيث كان دون ما رواه أبو هريرة- بأجوبة عديدة؛ منها: أن أبا هريرة كان مقيماً في المدينة، وكانت المدينة يرد إليها الناس فيصدرون منها، ومن المعلوم أن من كان في المدينة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء الناس من خارجها إليها أنفس ما عندهم أن يبحثوا عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم, ويلتقوا بهم ويتلقوا عنهم العلم، فكثر الآخذون عنه، وهو أيضاً يأخذ عن الصحابة الذين يأتون، ومن المعلوم أن مراسيل الصحابة حجة، فهو إما أن يأخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان ملازماً من حين أسلم في عام خيبر للرسول صلى الله عليه وسلم في بقية حياته، وكان مقيماً في المدينة.ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دعا له كان يحفظ كل ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما يسمعه من غيره رضي الله عنه وأرضاه.
النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

شرح حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: ( قال له رجل: إنَّ صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة؟! قال: أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأيماننا، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، هذه الترجمة عقدها النسائي بالرغم من أن الحديث الذي قبله مشتمل على ما استندت عليه هذه الترجمة، أو يدل على هذه الترجمة، وهو: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يستنجى بثلاثة أحجار )، لكن هنا أورد هذه الترجمة المشتملة على النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، وأورد فيها حديث سلمان: (أنه قال له رجل: إن صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة؟!) وهذا الرجل جاء في بعض الطرق عند ابن ماجه أنه من المشركين، وقال هذا على سبيل الاستهزاء, أو على سبيل العيب؛ لكن سلمان رضي الله عنه وأرضاه ما قابل ذلك الكلام بالذم أو التوبيخ، بل قابله بالإثبات, وأن هذه ممدحة ومحمدة، وهو أن ديننا كامل، وأن كل شيء علمناه حتى عند قضاء الحاجة، فما حصل تقصير في شيء ونقصان في شيء، بل الشريعة كاملة غاية الكمال، حتى أدب قضاء الحاجة علمنا إياها رسول الله عليه الصلاة والسلام. وعندما رد عليه سلمان (قال: نعم) فما قابله بالتوبيخ, أو السب, أو الشتم، أو قال: كيف تستهزئ؟ بل قال: نعم، علمنا كيف نقضي الحاجة؟! وكيف نجلس؟ ولا نفعل كذا ولا كذا.. إلى آخره، وكل هذه من آداب قضاء الحاجة. وهذا مما يستدل به أهل السنة -وكثيرا ما يأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية- في بيان العقيدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه في أمور العقيدة، وقال: كيف يقال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الناس دون أن يبين لهم أمور العقيدة, وتركهم يخوضون ويتخرصون فواحد يقول: المراد كذا والمراد كذا، والرسول ما بين لهم المراد؟ فكيف يبين الرسول عليه الصلاة والسلام آداب قضاء الحاجة ولا يبين أمور العقيدة؟! هذا كلام يعقل؟! وهذا الكلام ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية وفي غيرها، وبين فيه كمال الشريعة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بينها في العقائد كما بينها في الأحكام، بل بيانها في العقائد أتم وأكثر.ثم قال: كيف يعقل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بين للناس أمور قضاء الحاجة كما جاء في حديث سلمان, ثم لا يبين للناس أمور العقيدة؟ بل من باب أولى تبيينه، وهذا هو الذي وقع وحصل، فهذا المشرك أتى بهذه الكلمة يريد أن يستهزئ؛ ولكنه قوبل بعكس ما يريد، وأن هذه محمدة وليست مذمة؛ لأن شريعتنا كاملة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم بين لنا كل شيء، وهذا هو شأنه, وهذه مهمته صلى الله عليه وسلم ووظيفته ووظيفة الأنبياء من قبله، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ( ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم شر ما يعلمه لهم )، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة.( أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول )، يعني: أننا إذا جلسنا لقضاء الحاجة لا نتجه إلى الكعبة، وهذا من آداب قضاء الحاجة.( أو نستنجي بأيماننا )؛ أي: أن ننزه اليمين عن أن تتعرض للنجاسات، وإنما نخص الشمال بذلك، فنجعل الشمال هي التي تتولى هذه المهمة، ولا نستنجي باليمين، وهذا من آداب قضاء الحاجة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم.( أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار )؛ لكي يكون هناك شيئان: الإنقاء -وهو: التنظيف , والتطهير, والتطييب- والإيتار؛ لأن الثلاثة وتر، ومن المعلوم أن الحجر الواحد وتر، لكن ذكرت الثلاثة الأحجار ليحصل مع الإيتار الإنقاء؛ وهو حصول التطهير والتنظيف.

تراجم رجال إسناد حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم هو: ابن راهويه عند المحدثين، وابن راهويه عند أئمة اللغة يعبرون براهويه, يقولون: إنه مختوم بـ(ويه)، يعني: الأسماء المختومة بـ(ويه)، كـ(نفطويه), (سيبويه), (راهويه)، أما المحدثون فإنهم ينطقون بها على أنها راهويه.و إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ويستدلون بها على تمييزه عمن يشابهه في الاسم، فالمعروف عن ابن راهويه أنه يقول: أخبرنا، ولا يستعمل حدثنا، وقد استعمل حدثنا لكنها بندرة، ويماثله في هذه الطريقة النسائي الذي معنا، فكل ما عندنا (أخبرنا).وبعض العلماء يفرقون بين حدثنا وأخبرنا؛ فيجعلون (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ عندما يقرأ وهم يسمعون، فعند التعبير يقول: حدثنا، أما إذا كان الشيخ يسمع وواحد يقرأ فالسامعون عندما يتحملون عنه وعندما يروون عنه يقولون: أخبرنا، ومن العلماء من لا يفرق بينهما؛ مثل: النسائي , وابن راهويه، فهم يستعملون أخبرنا فيما سمعه وفيما قرئ على شيخه وهو يسمع.وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. فأصحاب الكتب الخمسة: الشيخان البخاري ومسلم، وأبو داود, والترمذي، والنسائي كلهم رووا عنه مباشرة، فهو شيخ للخمسة، أما ابن ماجه فلم يرو عنه شيئاً ولم يخرج له شيئاً، وهو ثقة, حافظ, كما عرفنا ذلك فيما مضى. [ أخبرنا أبو معاوية ].أبو معاوية هذا سبق أن مر ذكره، وقلنا: إنه مشهور باسمه ومشهور بكنيته؛ ولكن كنيته أكثر، واسمه محمد بن خازم -بالخاء المعجمة والزاي- الضرير, وهو من رجال أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأعمش ].الأعمش، هو سليمان بن مهران، والأعمش لقبه، وهو مشهور بلقبه، وتأتي الرواية عنه باسمه، كما تأتي الرواية بلقبه، فيقال: سليمان بن مهران، ويقال: سليمان فقط، ويقال: الأعمش؛ ولكن بكلمة الأعمش لا يلتبس بغيره، وهو من رجال الجماعة, وهو ثقة.[ عن إبراهيم ].إبراهيم أيضاً سبق أن مر بنا، وهو: ابن يزيد بن قيس بن أسود النخعي، وهو محدث, فقيه، وسبق أن ذكرت لكم فائدة معروفة مشهورة بالإضافة إليه، وقيل: إنها من أولياته، فهو أول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة، قال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد، قال: وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فصاروا يتداولونها ويعبرون بها. وما لا نفس له مثل الذباب, والجراد, وهذه الحشرات, التي ليس فيها دم، و(ما لا نفس)، يعني: ليس له دم، فهذه كلمة مشهورة عن إبراهيم النخعي، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, فقيه. [ عن عبد الرحمن بن يزيد ].سبق أن مر بنا أن إبراهيم النخعي يروي عن الأسود بن يزيد، وهنا يروي عن عبد الرحمن بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد أخو الأسود بن يزيد، وهما خالان له؛ لأنه يروي عن خاليه: الأسود , وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس النخعيين.وسبق أن مر بنا روايته عن خاله الأسود , وهنا يروي عن خاله عبد الرحمن بن يزيد، فهما أخوان يروي عنهما ابن أختهما إبراهيم بن يزيد النخعي.وعبد الرحمن بن يزيد ثقة، خرج حديثه الجماعة مثل أخيه الأسود بن يزيد، كل منهما من رجال الجماعة، وكل منهما من الثقات الحفاظ. [ عن سلمان ].سلمان هو: الفارسي رضي الله عنه، وقد أسلم في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو الذي أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الخندق بحفر الخندق، وحديثه في الكتب الستة، وله في الكتب الستة ستون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بواحد ومسلم بثلاثة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-03-2019, 07:23 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(24)

- باب الاستنجاء بالماء - النهي عن الاستنجاء باليمين

جاءت الشريعة المطهرة لترفع من مكانة الإنسان وقيمته، وترشده إلى الوسائل التي من خلالها يستطيع أن يطهر نفسه من النجاسات، وكيفية الاستنجاء من هذه الأدران، وعلمتنا بعض الآداب عند قضاء الحاجة وعند الشرب، وأن نستعمل اليد اليمنى في الأمور المحمودة والطيبة، واليد اليسرى في عكس ذلك، وتجنب التنفس في الإناء؛ لأن ذلك قد يكون سبباً في تقذره وعدم الشرب منه.
الاستنجاء بالماء

شرح حديث أنس في الاستنجاء بالماء

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاستنجاء بالماء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر أخبرنا شعبة عن عطاء بن أبي ميمونة سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء)].ثم أورد النسائي الاستنجاء بالماء؛ لأنه هناك ذكر الاستطابة، والاستطابة كما سبق أن عرفنا: هي إزالة النجاسة وتطهير محلها؛ يعني: بحيث يكون محلها طيباً بعدما كان فيه قذر ونجاسة. وأما الاستنجاء فهو مأخوذ من النجو وهو القطع، ومن المعلوم أن الماء هو الذي يقطع النجاسة ويزيلها، بخلاف الحجارة؛ فإنها لا تقطع، ولكنها قد يُكتفى بها؛ وقد لا يكتفى بها، يعني: إذا تجاوز الخارج محل الخروج بأن انتشر البول على غير محله من الذكر فهذا لا بد له من الماء، وأما إذا كان مجرد مكان الخروج فإن الحجارة تكفي، أما الماء فهو الذي يقطع نهائياً ويزيل، ويغني عن غيره، ولا يغني عنه غيره في إزالة النجاسة كلياً، ولكن الحجارة قد تجزئ فيما إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة، كما في الترجمة السابقة: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها؛ يعني: دون الماء، لكن هذا ليس على إطلاقه، فإذا تجاوز محل الخروج فلا بد من الماء.فالاستنجا� � هو: من النجو وهو القطع، وهو قطع أثر الخارج بالماء، بحيث يكون طاهراً ونظيفاً، وخالياً من النجاسة.ثم أورد النسائي حديث: أنس بن مالك وهو في الصحيحين -يعني جاء في الصحيحين وفي غيرهما- يقول: (كنت إذا دخل النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء).فقوله: (أحمل أنا وغلام نحوي)؛ يعني: مقارب لي، وكلمة نحوي؛ يعني: مشابه لي، ومقارب لي؛ يعني: أنه صغير مثله يقاربه في السن، والغلام قيل: إنه هو الصغير الذي يميز، وقيل: إنه إلى حد البلوغ، وقيل: إلى أن يلتحي؛ فهذه أقوال متعددة، ولكن قول أنس: (نحوي)، معناه: أنه مماثل له، ومعلوم أن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة كان عمره عشر سنوات، وقد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره عشرون سنة.قوله: (غلام نحوي)؛ يعني: أنه في حدود هذه السن؛ قد يكون في آخر أمره، وقد يكون في أول أمره.(إداوة)؛ يعني: إناء من جلد، أو وعاء من جلد.(من ماء)، يعني: مملوء بالماء، أي: فيه ماء، (إداوة من ماء)؛ أي: وعاء من جلد فيه ماء.(فيستنجي بالماء) هذا هو محل الشاهد؛ الاستنجاء بالماء، (فيستنجي بالماء)؛ يعني: يستعمله لإزالة ما يخرج، وما يحصل من أثر الخارج.فالحديث فيه: الاستنجاء بالماء، وفيه: خدمة الأحرار؛ لأن أنس بن مالك وهذا الذي معه كانوا يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم، وهم من الأحرار، ففيه: خدمة الأحرار.

تراجم رجال إسناد حديث أنس في الاستنجاء بالماء

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم مر ذكره مراراً، وهو: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المشهور بـابن راهويه، وقلت لكم: إن المحدثين يقولون: راهويَه، واللغويين يقولون: راهويْه؛ يعني: مختوم بويه، وهو من الثقات الأثبات، ومن الفقهاء، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه كما عرفنا ذلك فيما مضى، وقد رووا عنه مباشرة، فكل واحد منهم خرج حديثه، وكل واحد منهم يعتبر إسحاق شيخاً له.فأصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه هم من تلامذته، أما ابن ماجه فلم يخرج له شيئاً، وذكرنا فيما مضى أن من عادته وطريقته: أنه يستعمل (أخبرنا) كما هو موجود هنا، فيقول: أخبرنا. والنسائي هذه طريقته يقول: أخبرنا، وطريقة إسحاق بن راهويه كذلك يقول: أخبرنا؛ وهذه العادة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وقال: الذي عرف بالاستقراء أن من عادته أنه يستعمل أخبرنا، حتى إن الحافظ ابن حجر إذا روى ابن ماجه عن شخص اسمه إسحاق ولم ينسبه، يستدل على أنه ابن راهويه بتعبيره بـ(أخبرنا)، كما ذكر هذا في مواضع، أحد هذه المواضع كما في الجزء السادس صفحة أربعمائة وواحد وتسعين عند حديث نزول عيسى بن مريم من السماء؛ حيث ينزل حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ففي إسناد هذا الحديث ذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث الذي جاء عن إسحاق غير منسوب، قال ابن ماجه : حدثنا إسحاق، وما قال: ابن راهويه، ولكن ابن حجر عندما شرح الحديث جزم بأنه ابن راهويه، وذكر الدليل على ذلك: أنه من عادته أن يستعمل أخبرنا، وذكر أدلة أخرى أيضاً تدل على أنه ابن راهويه، ولكن هناك بعض المواضع جاءت عنه -كما دونتها عندي- يقول فيها: (حدثنا) وهذا قليل ونادر، وأما الغالب عليه فهو استعمال (أخبرنا) كما ذكره الحافظ.قوله: [أخبرنا النضر].والنضر يأتي لأول مرة في رجال النسائي، والنضر يطلق على جماعة، ولكن المزي في تهذيب الكمال في الذين رووا عن شعبة ممن يقال لهم: النضر، لم يذكر إلا النضر بن شميل. فإذاً: الراوي عن شعبة في هذا الإسناد الذي لم ينسب هو النضر بن شميل.والنضر بن شميل ثقة ثبت، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.ويطلقون على الرجل الذي يذكر ولا ينسب: المهمل، ومعرفة المهمل يكون بالرجوع إلى شيوخه وإلى تلاميذه.وكما ذكرت: الحديث في سنن النسائي، ورجال النسائي وغير النسائي من أصحاب الكتب وهم موجودون في تهذيب الكمال، وتهذيب الكمال يذكر الشيوخ، والتلاميذ، ويستقصيهم على حروف المعجم؛ فيذكر الشيوخ على حروف المعجم، والتلاميذ على حروف المعجم في كل ترجمة، فعندما ذكر الذين أخذوا عن شعبة لم يذكر فيهم ممن يسمى النضر إلا النضر بن شميل.فإذاً: النضر المهمل هنا هو النضر بن شميل، وهو ثقة ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة[ أخبرنا شعبة]. وهو: ابن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من رجال الكتب الستة، فكلهم خرجوا حديثه.[عن عطاء بن أبي ميمونة].وعطاء بن أبي ميمونة هذا من الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه الجماعة إلا الترمذي فإنه لم يخرج حديثه. وأما البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه فقد خرجوا حديثه. إذاً: عندنا في الإسناد إسحاق روى له الجماعة إلا ابن ماجه ، وعطاء بن أبي ميمونة روى له الجماعة إلا الترمذي، والباقون خرج حديثهم أصحاب الكتب جميعاً.[عن أنس بن مالك].أنس بن مالك، هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنه، وعن الصحابة أجمعين.

شرح حديث: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء..)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله)].ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، التي تقول فيه للنساء: (مرن أزواجن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله). قولها: (إن النبي كان يفعله)؛ يعني: يستطيب بالماء، ويستنجي به، والمقصود من ذلك: إرشادها للنساء أن يذكرن أزواجهن بما هو الأفضل والأكمل، لا أن غيره لا يجزئ، بل إن هذا هو الأولى؛ الذي هو الماء، أما غيره فإنه يجزئ عنه، فهو يجزئ عن غيره، وغيره قد يجزئ وقد لا يجزئ، كما ذكرت ذلك من قبل فيما إذا تجاوز المحل الخارج فهنا لازم من الماء، وإذا لم يتجاوز فإنه تكفي الحجارة.وقولها: (إني أستحييهم منه) يعني: أنها تستحي أن تتكلم معهم، وأن تبدأهم بمثل ذلك، لكن كونها تأمر النساء بأن يذكرن أزواجهن، وأن يتحدثن مع أزواجهن، وأن يروين عنها هذا الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله فليس فيه حياء، لكن ليس ذلك على سبيل اللازم، وأنه متعين، بل هو إرشاد إلى ما هو الأولى والأكمل.

تراجم رجال إسناد حديث: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء..)

قوله: [أخبرنا قتيبة].قد مر ذكره قريباً.[حدثنا أبو عوانة].وأبو عوانة يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره كثيراً في الأسانيد بهذه الكنية: أبو عوانة، في الصحيحين وفي غيرهما، وهو ثقة، ثبت، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته بعد المائة والسبعين؛ مائة وأربعة وسبعين أو خمسة وسبعين، وهناك شخص يقال له: أبو عوانة مشهور بهذه الكنية، وهو صاحب المستخرج، أو المسند أو الصحيح، يقال له: صحيح أبي عوانة، ومسند أبي عوانة، ومستخرج أبي عوانة، وقد طبع منه بعض الأجزاء، وهو مشهور بكنيته، وهو شخص آخر غير هذا، وهو يعقوب بن إسحاق الإسفراييني المتوفي سنة ثلاثمائة وستة عشر، وهو صاحب هذا الكتاب الذي له ثلاثة أسماء، يقال له: مسند؛ لأنه مسند؛ حدثنا فلان إلى آخر الإسناد، ويقال له: مستخرج؛ لأنه مستخرج على صحيح مسلم، ويقال له: صحيح؛ لأنه مبني على صحيح مسلم.إذاً: أبو عوانة الذي معنا هو من طبقة شيوخ ابن ماجه، ومسلم، وهو من طبقة شيوخ شيوخهم؛ لأنه يروي عن قتيبة، عن أبي عوانة، فـأبو عوانة في القرن الثاني الذي هو اليشكري، وهو من رجال الجماعة، أما أبو عوانة الإسفراييني صاحب المستخرج، فقد توفي في القرن الرابع سنة ثلاثمائة وستة عشر.ومعرفة الأسماء المتشابهة إذا تذكرها الإنسان يسلم من الخطأ الفاحش؛ لأن بعض الناس الذي لا يدري يمكن أن يقع في باله أبو عوانة الذي هو صاحب الصحيح، وصاحب الصحيح هو متأخر؛ يعني: وفاته كان في القرن الرابع الهجري بعد النسائي بثلاث عشرة سنة.[عن قتادة ].وهو: ابن دعامة السدوسي الذي سبق أن مر، وحديثه في الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ. [عن معاذة].هي: معاذة بنت عبد الله العدوية، وهي ثقة، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة، فهي من الراويات اللاتي خرج عنهن أصحاب الكتب، ولا نقول: من رجال الجماعة؛ لأنها امرأة، ولكن نقول: هي من الراويات اللاتي خرج لهن أصحاب الكتب الستة، وهي من الثقات، وهي التي جاءت في حديث في الصحيحين أنها سألت عائشة قالت: (ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنتِ؟ قالت: لا، ولكني أسأل)، وكانت السائلة هي معاذة العدوية التي سألت عائشة هذا السؤال، فهي تروي عن عائشة، وحديثها في الكتب الستة.[عن عائشة].عائشة تقدم ذكرها مراراً.

النهي عن الاستنجاء باليمين

شرح حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن هشام عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه)].يقول النسائي رحمه الله: النهي عن الاستنجاء باليمين. وهذه الترجمة أوردها النسائي، وأورد تحتها أحاديث، ومقصوده من ذلك: بيان أن اليد اليمنى لا تستعمل عند قضاء الحاجة، وإنما التي تستعمل الشمال، فلا يمس الذي يقضي حاجته ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه؛ معناه: أنه لا يستعمل اليمين عند قضاء الحاجة، وإنما يستعمل الشمال.وقد أورد النسائي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، الذي يقول فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه).فقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه)، يعني: عندما يريد التنفس، يبعد الإناء عن فمه، ويزيحه عن فمه، ويتنفس خارج الإناء، وهذا من آداب الشرب: أن الإنسان لا يتنفس في الإناء، وإنما يشرب بدون تنفس يخرج على الماء، فإذا احتاج إلى التنفس فإنه يقطع الشرب ويزيل الإناء عن وجهه، ثم يتنفس، ثم يعود إلى الشرب.وإنما نهي عن التنفس في الإناء؛ لأنه قد يخرج شيء من أنف الإنسان، فيكون سبباً في تقذره، وكذلك غيره إذا رآه يتنفس، ويخرج نفسه إلى الماء وهو بحاجة إلى الشرب بعده فإنه قد لا يقبل إذا حصل منه ذلك. وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه)، اليمنى لا تستعملها عند قضاء الحاجة، لا للاستنجاء ولا للمس، بحيث تكون بعيدة عن مس الذكر، والاستنجاء عند قضاء الحاجة، وإنما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين النهي عن التنفس في الإناء، وبين النهي عن مس الذكر باليمين، والاستنجاء باليمين؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر آداب الشرب، وذكر آداب الاستنجاء، فناسب الجمع بين هذه الأمور؛ لأنها عند دخوله وعند خروجه، وعند شربه لا يتنفس وهو عند الشرب، وعند خروجه لا يستعمل اليمين.

تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين

قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وإسماعيل بن مسعود هذا من شيوخ النسائي، وهو بصري ثقة، ويكنى بـأبي مسعود؛ يعني: وافقت كنيته اسم أبيه، ومن أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، والفائدة من معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه من الرواة هي كوننا نعرف الرجل إذا كانت وافقت كنيته اسم أبيه حتى لا يظن التصحيف؛ وسبق أن مر لهذا نظائر، مثل هناد بن السري وهناد أبو السري، وكذلك عدد كبير يأتي ذكرهم من الرواة، وافقت كناهم أسماء آبائهم.وإسماعيل هذا من رجال النسائي فقط، خرج له النسائي وحده، ولم نخرج له أصحاب الكتب الباقين.[حدثنا خالد].وهو: ابن الحارث، وهو بصري ثقة، وهو من رجال الجماعة. [عن هشام].وهو: ابن أبي عبد الله الدستوائي الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة.[عن يحيى].وهو: ابن أبي كثير الذي سبق أن مر ذكره، والأحاديث كلها وهذا الحديث تدور عليه؛ يعني: طرق هذا الحديث -الذي هو حديث النهي- من حديث أبي قتادة عن ابنه عبد الله، عن يحيى كلها تأتي عن يحيى بن أبي كثير وتتفرع عنه، وقد سبق أن مر بنا الحديث فيما مضى عن أبي معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، وأما هنا عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير.ويحيى بن أبي كثير هذا ثقة من رجال الجماعة، وسبق أن ذكرت لكم أنه قال كلمة عظيمة في بيان طلب العلم، والحث عليه، والصبر عليه، قد ذكرها مسلم عنه في صحيحه، وهي قوله: لا يستطاع العلم براحة الجسد. هذه كلمة جميلة من كلمات هذا الرجل الذي هو يحيى بن أبي كثير.قوله: [ عن عبد الله بن أبي قتادة].وعبد الله بن أبي قتادة، ثقة من رجال الجماعة، وسبق أن مر ذكره.قوله: [عن أبيه].وأبوه هو: أبو قتادة الأنصاري، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسبق أن مر ذكره. وعلى هذا؛ فإن رجال الإسناد كلهم من رجال الجماعة إلا إسماعيل بن مسعود شيخ النسائي؛ فإنه من رجال النسائي وحده، والباقون من رجال الجماعة، وكلهم من الثقات، إسماعيل بن مسعود، ثم بعده خالد بن الحارث، ثم بعده هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ثم يحيى بن أبي كثير، ثم عبد الله بن أبي قتادة، كل هؤلاء من الثقات، وكلهم خرج حديثهم الجماعة، إلا شيخ النسائي؛ فإنه لم يخرج له إلا النسائي.

شرح حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن ابن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه)].ثم أورد النسائي هذا الحديث؛ حديث أبي قتادة من طريق أخرى، إلى يحيى بن أبي كثير، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه ).وهذه الرواية مطلقة؛ وهي قوله: (وأن يمس ذكره بيمينه)، ليس فيها: عند قضاء الحاجة، بخلاف الرواية السابقة، وكذلك الرواية التي سبقت فيما مضى.ومن العلماء من قال: إن المطلق محمول على المقيد؛ يعني: معناه أن النهي إنما هو عند قضاء الحاجة، ووجه هذا: أن الأحاديث كلها تدور على يحيى بن أبي كثير، وكل الطرق تأتي عنه، والقصة واحدة، والحديث واحد، إذاً: فالتي فيها التقييد وأن النهي عن مس الذكر عند قضاء الحاجة، تقيد الرواية المطلقة، فيحمل المطلق على المقيد، فيكون النهي في هذا محمولاً على ما جاء من التقييد؛ لأن الحديث واحد، وهو جاء عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبي قتادة.وذكرت في ما مضى: أن السبب في هذا أن قضاء الحاجة تكون اليد اليمنى عرضة للنجاسة، ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بأن تُستعمل اليمين في الأمور المحمودة، والأمور الطيبة، والشمال تستعمل بخلافها، فالنهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة؛ لما فيه من التعرض للنجاسة.ومن العلماء من قال: إن النهي يكون على إطلاقه، وأنه إذا نهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة فهو عند غير قضاء الحاجة من باب أولى، وذكرت فيما مضى: أن هذه الأولوية ليست واضحة؛ لأن النهي عند قضاء الحاجة إنما هو لخوف النجاسة، وأما إذا لم يكن هناك قضاء حاجة فليس هناك ما يدل على الأولوية؛ يعني: أن مسه عند عدم الحاجة من باب أولى؛ لأن هناك مظنة نجاسة، وهنا ليس فيه مظنة نجاسة، ومن المعلوم أن الإنسان يستنثر بيساره، ولا يستنثر بيمينه؛ يعني: عندما يخرج ما في أنفه يخرجه باليسار، ولا يخرجه باليمين، لكن كونه يلمس أنفه بيمينه في غير حاجة الاستنثار ليس فيه مانع، فكذلك مس ذكره بيمنيه في غير قضاء الحاجة لا يكون ممنوعاً، فمن العلماء من حمل المطلق على المقيد، ومنهم من قال: إنه يكون مطلقاً، ويقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث طلق بن علي سأله عن مس الذكر؟ قال: (هل ينقضه؟ قال: هل هو إلا بضعة منك)؛ معناه: أن اللمس كما يكون بالشمال يكون باليمين، وأطلق هنا في السؤال، وأطلق في الجواب.وقوله: (وأن يستطيب بيمينه)؛ يعني: يستنجي بيمينه، أو يستجمر بيمينه، فكلها لا تكون باليمين، وإنما تكون بالشمال.

تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن].وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بصري، صدوق من رجال الجماعة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، يعني الخمسة رووا عنه مباشرة، وابن ماجه ما خرج له في صحيحه شيئاً.[حدثنا عبد الوهاب].هو: ابن عبد المجيد الثقفي، وهو من الثقات ومن رجال الجماعة.[عن أيوب].وهو: ابن أبي تميمة السختياني، وهو من الثقات الأثبات، ومن رجال الجماعة.[عن يحيى بن أبي كثير].وعند يحيى بن أبي كثير، التقى الإسناد مع الأسانيد السابقة ومع الطرق السابقة؛ لأنها كلها تدور على يحيى بن أبي كثير وهي أسانيد حديث أبي قتادة يرويه عن ابن أبي قتادة عبد الله، وعبد الله يرويه عن أبيه أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-03-2019, 07:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(25)


تابع باب النهي عن الاستنجاء باليمين - باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء

من آداب قضاء الحاجة دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء لإزالة ما علق بها من أوساخ ونجاسات، وينوب عنها مواد الغسل الحديثة من الصابون وغيره.

تابع النهي عن الاستنجاء باليمين

شرح حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء باليمين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي وشعيب بن يوسف واللفظ له عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي الله عنه، أنه قال: (قال المشركون: إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة، قال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، ويستقبل القبلة، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار)].أورد النسائي: حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، أنه قال المشركون: (نرى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة، فقال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، وأن نستقبل القبلة) يعني: عند قضاء الحاجة، (ألّا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)، فحديث سلمان هذا سبق أن تقدم فيما مضى، وأورده هنا من أجل ما اشتمل عليه مما ترجم له وهو: المنع من الاستنجاء باليمين.والمشرك� �ن قالوا لـسلمان الفارسي رضي الله عنه: (نرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة)، وكأنهم قالوا هذا على سبيل العيب، فـسلمان رضي الله عنه وأرضاه، لم يقل: إنكم تعيبون، وسب، وعاب، وذم، وإنما أثبت هذا الذي قالوه، وبين أن هذا من محاسن هذه الشريعة ومن كمالها، وفيه بيان أن نبينا عليه الصلاة والسلام بين لنا كل شيء حتى آداب قضاء الحاجة، فما تركها دون أن يبينها لنا، فصار ذلك على سبيل المدح، وعلى سبيل بيان كمال هذه الشريعة، وبيان كمال نصح الذي جاء بها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأنه بين للناس ما يحتاجون إليه.وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم شر ما يعلمه لهم)، وقد بين عليه الصلاة والسلام أصول الدين وفروعه، وبين للناس ما يحتاجون إليه، وهذا الحديث- كما سبق أن ذكرت فيما مضى- يستدل به أهل السنة والجماعة على المؤولين في آيات الصفات، والذين يقولون: إنه ليس لله يدان حقيقيتان، وإنما المراد باليد النعمة، أو القدرة، ويقولون: الاستواء هو الاستيلاء، ويقولون: إن كذا هو كذا، ويأتون بمعان لآيات وأحاديث الصفات، فيستدل عليهم أهل السنة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة كما جاء في حديث سلمان فكيف يبين آداب قضاء الحاجة ويترك أمر الأصول والعقيدة غير مبين، ويجعل الناس يتخرصون، فهذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، والمراد كذا، والمراد كذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين ذلك على قولهم وعلى زعمهم، بل النبي صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه، والرسول صلى الله عليه وسلم خاطب أناساً عرباً، فهموا ما خوطبوا به.وقد قال ابن القيم: إن من قال: إن عقيدة السلف التفويض في المعاني، وأنهم لا يعرفون المعاني فإنه قد جهل مذهب السلف، ونسبهم إلى الجهل، جهل مذهبهم وجهلهم بأن قال: إنهم جهال لا يعرفون معاني ما خوطبوا به، وأيضاً كذب عليهم إذ أضاف إليهم شيئاً ما قالوه.إذاً: فمعاني الآيات وأحاديث الصفات فهمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم ممن سار على منوالهم، كما جاء عن الإمام مالك حيث قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

تراجم رجال إسناد حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء باليمين

قوله: [أخبرنا عمرو بن علي وشعيب بن يوسف].عمرو بن علي هذا هو: الفلاس الذي مر ذكره مراراً، وهو من الثقات الحفاظ النقاد، المعروفين بالكلام في الرجال والجرح والتعديل، وهو من رجال الجماعة.أما شعيب بن يوسف شيخ النسائي فهو ثقة، خرج له النسائي فقط، فهو من رجال النسائي، وهو من الثقات.قوله: (واللفظ له) يعني لما ذكر شيخين بين أن هذا اللفظ هو لفظ شعيب، وليس لفظ عمرو بن علي؛ لأنه كما هو معلوم أن الرواة يختلفون في سياق الحديث، فيكون فيه اختلاف في التعبير، فقال: هذا اللفظ الموجود هو لفظ شعيب، وسبق أن ذكرت أن النسائي أحياناً يذكر شيخين، لكن ما يبين لمن له اللفظ، وأحياناً يبين ذلك، وقد مر بنا في مواضع تبيين من له اللفظ وهو للثاني منهما، يقول: واللفظ له، فأظنه يرجع إلى أقرب مذكور، أما مسلم فهذه طريقته، فإنه يذكر عدداً من الشيوخ ثم يقول: واللفظ لفلان، حدثنا فلان، وفلان، وفلان، واللفظ لفلان؛ يعني مثل طريقة النسائي فهذه مثلها في الجملة، أما البخاري فقد ذكرت فيما مضى أن عادته أنه لا يذكر: واللفظ لفلان، ولكن الذي عرف بالاستقراء من صنيعه كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر: أن اللفظ المذكور هو للشيخ الثاني من شيخيه، قال الحافظ ابن حجر: هذا هو الذي عرف بالاستقراء من صنيع البخاري، وقد ذكر هذه الفائدة في شرح حديث جابر بن عبد الله: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب مسيرة شهر) عند شرح هذا الحديث بين هذه الفائدة وهي أنه قد عرف بالاستقراء من صنيع البخاري أنه عندما يذكر شيخين فإن اللفظ الذي يذكره يكون للثاني منهما، قال: والدليل على هذا: أن الأول الذي ما ذكر اللفظ له يأتي به في موضع آخر من الصحيح، ولفظه يختلف عن اللفظ الذي أثبته، فإذاً: يكون هو للثاني لا للأول. أما النسائي: فكونه يذكر اثنين من شيوخه ولا يذكر من له اللفظ لا أدري ما هي طريقته، هل اللفظ للثاني، أو اللفظ للأول؟ ولعله يتبين لنا فيما ندرسه من الأحاديث في المستقبل ما يفيد طريقته، أو يرشد إلى طريقته رحمه الله.[عن عبد الرحمن بن مهدي].و عبد الرحمن بن مهدي هذا يأتي ذكره لأول مرة، لكن جاء ذكره فيما مضى مقروناً مع يحيى بن سعيد القطان بمناسبة ذكر الذهبي للاثنين، وأنهما إمامان من أئمة الجرح والتعديل، وأنهما إذا اتفقا على جرح شخص فمعناه: أنه لا يسأل عن جرحه، وأنهما أصابا الهدف، وعبر عن ذلك بعبارة جميلة حيث قال: إذا اتفقا على جرح شخص، فلا يكاد يندمل جرحه. هذا كلام الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل.و عبد الرحمن بن مهدي هذا هو إمام، قال عنه الحافظ: ثقة، حجة، حافظ، عارف بالرجال والعلل، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن سفيان].و سفيان هذا غير منسوب، جاء في الإسناد غير منسوب، وفي ترجمة عبد الرحمن بن مهدي روى عن سفيان بن عيينة وروى عن سفيان الثوري، ولهذا قالوا: روى عنه السفيانان: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وروى عنه الحمادان: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة. وفي ترجمة كل من سفيان بن عيينة وسفيان الثوري قالوا: رويا عن الأعمش وعن منصور، الذي روى عنهم هنا في الإسناد.إذاً: سفيان هنا محتمل لأن يكون هذا وهذا، لكن أيهما بالنسبة للتلاميذ، فـعبد الرحمن بن مهدي موجود هنا وهو تلميذ لـسفيان الثوري ولـسفيان بن عيينة، وأنا أقول روى عنه السفيانان.ولم يتبين لي أو ما تمكنت في البحث أن أعرف أي الاثنين هو. وقد ذكرت فيما مضى أن الطريقة التي يعرف بها أي الاثنين يعتبر هو المراد عند الإطلاق فيما إذا كان الاثنان تلميذين لشخص، فإن ذلك المبهم يعرف بمن يكون أكثر رواية وأكثر ملازمة. فمن ناحية الملازمة وأيهما أكثر رواية لا أعرف ذلك حتى الآن، ولكن كما ذكرت: أن عبد الرحمن يروي عن السفيانين، والسفيانان يرويان عن الأعمش وعن منصور، فيحتاج معرفة أيهما أكثر ملازمة، ومن يكون أكثر رواية، وهذا ما لم أتوصل إليه الآن، ولعلي أبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.[عن الأعمش].وهو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وقد مر ذكره وهو من رجال الجماعة، فالسفيانان هما من رجال الجماعة أيضاً، الذي يحتمل أن يكون هذا أو هذا فكل منهما من رجال الجماعة، ومنصور بن المعتمر أيضاً كذلك من رجال الجماعة، وهما في طبقة واحدة: منصور، والأعمش، وقد سبق أن مر ذكرهما معاً، وسليمان الأعمش يأتي ذكره بلقبه، ويأتي ذكره باسمه، وقد ذكرت ذلك فيما مضى مراراً. [عن إبراهيم].وهو: إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الذي سبق أن مر ذكره، وهو يروي عن خاله عبد الرحمن بن يزيد هنا؛ يعني: إبراهيم النخعي يروي عن خاليه: الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد، وهنا يروي عن عبد الرحمن، وقد سبق أن مرت روايته عن الأسود بن يزيد فيما مضى.[عن سلمان].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن مر الحديث عنه، ومر ذكر ما له من الأحاديث، وسلمان هو الذي يقول فيه الشاعر وهو يبين فضل الإسلام، وأن من كان قد ظفر بالإسلام وهداه الله للإسلام، فهو الذي ظفر بكل خير، يقول الشاعر:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسوقد وضع الشرك النسيب أبا لهبفـأبو لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن هذا النسب وهذا القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينفعه، وإنما هذا الرجل الفارسي الذي ليس من العرب وليس من قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم رفعه الله تعالى بالإسلام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).وقد وضع الشرك -أي: حط الشرك هذا، ورفع الإسلام هذا-، فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا إنسان من الفرس، لكن الله تعالى رفعه بالإسلام.
دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء

شرح حديث: (أن النبي توضأ فلما استنجى دلك يده بالأرض)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء.أخبرن� � محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما استنجى دلك يده بالأرض)].يقول النسائي رحمه الله: باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء. والمقصود من ذلك: هو التحقق من إزالة ما علق بها وما باشرته من النجاسة، فيكون ذلك زيادة في التحقق والاطمئنان إلى ذهاب ما علق بها.ومن المعلوم أن هذا فيما إذا كان الإنسان يستنجي على الأرض، أو في مكانه تراب، أما حيث لا يكون ذلك فإنه يمكن أن يكون بعد الاستنجاء فيغسل إما بالصابون، أو بغير الصابون، وبذلك يحصل التحقق من النظافة بعد مباشرتها للاستنجاء.وأورد النسائي فيه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما استنجى دلك يديه بالأرض)، قوله: (فلما استنجى) يعني: لما استنجى قبل الوضوء دلك يديه بالأرض؛ يعني: بعد الاستنجاء وعند الاستنجاء.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي توضأ فلما استنجى دلك يده بالأرض)

قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي].ومحمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي هو: ثقة حافظ، قال عنه الحافظ في التقريب: خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا وكيع].وهو: ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو ثقة، حافظ، إمام، من المتمكنين، ومن الثقات المعروفين، ومن المؤلفين والمصنفين في الحديث، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية. [عن شريك].وهو: ابن عبد الله القاضي النخعي وأيضاً سبق أن مر ذكره أيضاً في الأحاديث الماضية، وهو صدوق يخطئ، واختلط بعد أن ولي القضاء، وقد خرج له البخاري تعليقاً، وروى له مسلم والأربعة. [عن إبراهيم بن جرير].وهو: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي ، صدوق، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن أبي زرعة].وهو: ابن عمرو بن جرير البجلي؛ يعني: ابن أخي الذي قبله؛ لأن إبراهيم بن جرير عم أبي زرعة بن عمرو بن جرير، الراوي عنه عمه؛ لأن عمراً وإبراهيم أخوان، وأبو زرعة هذا ثقة، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب. وأبو زرعة هذه كنيته، وقد اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً، ولكنه مشهور بكنيته، وأبو زرعة من التابعين، بل هو من كبار التابعين، وهو يروي عن عدد من الصحابة، وهو في القرن الأول، ويوافق أبا زرعة في هذه الكنية عدد من العلماء والمحدثين، ومن هؤلاء الذين يوافقونه في الاشتهار بهذه الكنية: أبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي. وأبو زرعة الرازي هو أحد الحفاظ النقاد الذين لهم كلام كثير في الجرح والتعديل، وابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل كثيراً ما ينقل عن أبيه أبي حاتم، وأبي زرعة الرازي، ويأتي ذكرهما كثيراً مقرونين في الكلام في الرجال، وكثيراً ما يذكرهما ويقرن بينهما عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل، فيقول: عن أبيه وعن أبي زرعة.إذاً: فهو مشهور بالجرح والتعديل، وقد خرج له مسلم حديثاً واحداً في الدعاء رواه عنه مباشرة، واسمه عبيد الله بن عبد الكريم وكانت وفاته سنة أربع وستين ومائتين، بعد وفاة الإمام مسلم بثلاث سنوات؛ لأن مسلماً توفي سنة إحدى وستين ومائتين، وأبو زرعة الرازي توفي سنة أربع وستين ومائتين.وأبو زرعة الدمشقي أيضاً مشهور بهذه الكنية، وهو: عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي، وهو محدث مؤرخ، له تاريخ دمشق، وهو من الثقات الحفاظ، وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين ومائتين، فأبو زرعة الرازي وأبو زرعة الدمشقي كلاهما من علماء القرن الثالث.وممن اشتهر بكنية أبي زرعة من المتأخرين: ابن العراقي ولي الدين الذي يأتي النقل عنه كثيراً في كلام السيوطي في حاشيته على النسائي حيث يقول: قال الشيخ ولي الدين، فـولي الدين أبو زرعة بن العراقي هو: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين أيضاً كنيته أبو زرعة، وهو مشتهر بهذه الكنية، يقال: أبو زرعة العراقي، ويقال له: ولي الدين، ولأبيه: زين الدين الذي هو عبد الرحيم صاحب الألفية، وصاحب الكتب، وأيضاً هذا المؤلف الذي هو ابنه يكنى أبا زرعة، وقد توفي سنة ست وعشرين وثمانمائة، وكنيته أبو زرعة العراقي أو ابن العراقي. فهذان مشهوران بهذه الكنية وهي: أبو زرعة.ومن المعلوم أن أزمانهم متفاوتة، فـأبو زرعة بن جرير من التابعين ومن كبارهم، فهو يروي عن الصحابة ويروي كثيراً عن أبي هريرة، ويأتي ذكره في الصحيحين وهو الراوي عن أبي هريرة آخر حديث في صحيح البخاري: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فإن هذا الحديث يرويه أبو زرعة عن أبي هريرة، وهو كما ذكرت من رجال الجماعة وهو متقدم.أما الرازي والدمشقي فهما في القرن الثالث، ومسلم روى عن أبي زرعة الرازي حديثاً واحداً، وروى عنه أيضاً بعض أصحاب الكتب، أما أبو زرعة الدمشقي فلم يخرج له إلا أبو داود.[عن أبي هريرة].و أبو هريرة هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث، وسبق أن مر ذكره مراراً.

شرح حديث: (... فاستنجى بالماء، وقال بيده فدلك بها الأرض)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن الصباح حدثنا شعيب؛ يعني: ابن حرب حدثنا أبان بن عبد الله البجلي حدثنا إبراهيم بن جرير عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى الخلاء فقضى الحاجة، ثم قال: يا جرير! هات طهوراً، فأتيته بالماء، فاستنجى بالماء وقال بيده، فدلك بها الأرض).قال أبو عبد الرحمن: هذا أشبه بالصواب من حديث شريك، والله سبحانه وتعالى أعلم].ذكر النسائي حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخلاء، وقضى حاجته ثم قال: ( هات طهوراً فأتاه بالماء فاستنجى ودلك بيده على الأرض ) وهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا، لكون المصنف مراده من ذلك الاستدلال على دلك اليد بعد الاستنجاء، وهو دال على ما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم قبله.

تراجم رجال إسناد حديث: (... فاستنجى بالماء، وقال بيده فدلك بها الأرض)

قوله: [أخبرنا أحمد بن الصباح].وهو شيخ النسائي، وهو ثقة، وقد خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.يعني: ثلاثة في هذين الإسنادين كلهم من رجال البخاري، وأبي داود، والنسائي: شيخ النسائي في الإسناد الأول، وشيخه، وشيخ شيخه في الإسناد الثاني، فشيخ النسائي في الإسناد الأول: محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي وأحمد بن الصباح، وشعيب بن حرب هؤلاء الثلاثة كلهم من الثقات.[حدثنا شعيب؛ يعني ابن حرب].و شعيب بن حرب كما قلت: هو ثقة، وقد خرج حديثه الثلاثة: البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا أبان بن عبد الله].وأبان بن عبد الله البجلي صدوق، فيه لين، وخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [حدثنا إبراهيم بن جرير].و إبراهيم بن جرير وهو الراوي عن ابن أخيه في الإسناد الأول، فهنا إبراهيم بن جرير يروي عن أبيه جرير، وهو صدوق قيل: إنه لم يسمع من أبيه، قال الحافظ: وقد جاء أنه صرح بالتحديث عن أبيه، قال: وهذا إنما هو من غيره؛ يعني: العهدة، أو الغلط من غيره؛ يعني: ممن هو دونه هو الذي غلط فنسب إليه التحديث، وإلا فإن روايته عنه بالعنعنة وهو لم يسمع منه، بل هو يرسل عنه، وقد جاء في بعض المواضع التصريح بالتحديث عن أبيه، وسبق أن عرفنا أنه خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [عن أبيه].وهو: جرير بن عبد الله البجلي، وهو والد إبراهيم هذا الذي روايته عنه مرسلة وليست متصلة، وجرير من الصحابة المشهورين، وكان كبيراً في قومه، ووجيهاً في قومه، ولما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبايعه روى عنه كما في الصحيحين قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) وقد قالوا: إنما بايعه على النصح لكل مسلم؛ لأنه كان كبيراً في قومه، وكان عليه الصلاة والسلام عندما تحصل المبايعة يخص بعض الأشخاص بما يمكن أن يفيد فيه، ولما كان جرير كبيراً في قومه، وزعيماً في قومه، وله تأثير فيهم كان مما بايعه عليه: النصح لكل مسلم، حتى يجد ويجتهد في الدعوة إلى الإسلام وفي النصح للمسلمين، قالوا: هذا من وجه كون النبي صلى الله عليه وسلم عندما بايعه، بايعه على النصح لكل مسلم، وهو الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لهدم ذي الخلصة، فهدمها ومعه جماعة من قومه (أحمس) وهم من بجيلة، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولقومه، وهو الذي كان لا يثبت على الخيل، ولما أراد أن يرسله قالوا له: إنه لا يثبت فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فكان بعد ذلك لا يتحرك من الخيل ويثبت عليها بعد أن دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان رضي الله عنه جميلاً وسيماً، وكان يوصف ويلقب بأنه يوسف هذه الأمة؛ يعني لجماله وحسنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وقد قال في الخلاصة: إن له مائة حديث، اتفق البخاري، ومسلم على ثمانية منها، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بستة أحاديث.والنسائي لما أورد الحديثين قال بعد الحديث الأخير: وهذا أشبه بالصواب؛ يعني: كونه أشبه بالصواب من حديث جرير؛ يعني الحديث متقدم؛ لأن عنده حديثين: حديثاً عن أبان عن إبراهيم، وحديث عن شريك عن إبراهيم قال: وهذا الحديث يعني: حديث أبان أشبه بالصواب من حديث شريك؛ أي: أنه من مسند جرير، وقد قال بعض العلماء: إن الحديثين لا تنافي بينهما، بل يمكن أن يكون الحديث عن إبراهيم من طريقين بإسنادين، بإسناد عن ابن أخيه أبي زرعة عن أبي هريرة، وبإسناد آخر عن أبيه جرير بن عبد الله، فلا تنافي بين الإسنادين، ولا محذور فيهما، فيمكن أن يكون الحديث عند إبراهيم بن جرير من طريقين: من مسند أبي هريرة، ومن مسند جرير بن عبد الله البجلي.ومن المعلوم أن إبراهيم لم يسمعه من أبيه، وروايته عنه مرسلة، لكن إذا ضم إليه الحديث المتقدم فإنه يرتقي إلى درجة الاحتجاج، ويزول عنه ذلك المحذور الذي هو الإرسال، فإذا ضم الحديثان بعضهما إلى بعض فيكون الحديث حسناً، ويكون حجة فيحتج به.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-03-2019, 07:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(27)


تابع باب ترك التوقيت في الماء - باب الماء الدائم

الماء بطبيعته يحتوي على قوة دافعة للنجاسة، ولهذا جعله الشرع مزيلا للنجاسات؛ ولكن هذا الماء يتأثر بالنجاسة إذا وردت عليه؛ ولهذا نهى الشرع عن البول في الماء الدائم الذي لا يتحرك حتى لا يتأثر بالنجاسة الواردة عليه، خاصة إذا كان الماء دون القلتين.
تابع ترك التوقيت في الماء

شرح حديث أبي هريرة في بول الأعرابي في المسجد

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك التوقيت في الماء.أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم عن عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه, وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) ].فهذا الحديث: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هو أحد الأحاديث التي أوردها النسائي في باب: ترك التوقيت في الماء، وعرفنا في الدرس الفائت المراد بالتوقيت، وأنه التحديد الذي يفصل به بين الماء القليل والماء الكثير؛ الماء الكثير الذي لا تؤثر فيه النجاسة إذا وقعت فيه, إلا إذا غيرت له لوناً وطعماً وريحاً، والماء القليل الذي تؤثر فيه ولو لم تغير له طعماً ولا لوناً ولا ريحاً.وقد عرفنا أن التوقيت, أو التحديد, أو التفريق بين الماء القليل والكثير جاء في حديث ابن عمر : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ، وأن ترك التوقيت جاء في هذا الحديث، أي: بالنسبة لتطهير الأرض المتنجسة ببول أو غيره مما هو نجس؛ فإنها تطهر بصب الماء عليها، ولو لم يكن ذلك الماء الذي يصب كثيراً يبلغ القلتين فأكثر؛ فإن الماء القليل الذي هو دون القلتين كالدلو إذا صب على بول حصل في الأرض حصل له التطهير، وعلى هذا فيكون مثل هذا مستثنى من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، بمعنى: أن دلواً من ماء إذا صب على نجاسة في الأرض فإنه يطهرها، ولا يقال: إن الماء قليل فيتنجس؛ لكونه باشر النجاسة في الأرض, لأنه قليل فتؤثر فيه النجاسة, فإن البول أو النجاسة إذا كانت على الأرض صب عليها ماء بمقدار الدلو, كما جاء في هذا الحديث: أن أعرابيا بال في أرض المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه، فحصل له التطهير بذلك، فلو أنه لا يحصل التطهير إلا بالقلتين فأكثر لكان صب دلو على بول أصاب الأرض يجر النجاسة من البول إلى الماء؛ لكن الذي جاء في الحديث هو التطهير، وأن الأرض تطهر.ومعنى هذا: أن الماء إذا وقع على النجاسة، أو صب على النجاسة التي في الأرض فإنه يطهرها.أما العذرة فإنها تزال, ثم يصب على مكانها، والبول يصب عليه الماء وبذلك يحصل التطهير، وهذا هو معنى قول النسائي : ترك التوقيت في الماء، بمعنى, أن ماءً دون القلتين صب على نجاسة في الأرض فحصلت لها الطهارة، ولم يحصل لهذا الماء القليل الذي صب على نجاسة في الأرض أن انتقلت النجاسة إلى الماء, فصار الماء متنجساً كما كانت الأرض متنجسة، بل النجاسة التي على الأرض زالت بالماء الذي صب عليها, وهو دون القلتين.وقد عرفنا أن كون الماء يرد على النجاسة فيما إذا كان على الأرض أنه يطهرها، وليس معنى ذلك أنه كلما ورد ماء على نجاسة يطهرها؛ فإنه لو كان البول في القدر, ثم صب عليه دلو من ماء فإن الماء ينجس، ولا يقال: إنه يكون طاهراً، بخلاف البول إذا كان على الأرض, ثم صب عليه دلو, فإنها تطهر الأرض بذلك.إذاً: فلا يقال: إن ورود الماء على النجاسة مطلقاً يطهرها، بل يطهرها إذا كانت على الأرض، وأما إذا ورد الماء عليها وهي في قدر والماء قليل, فإن الماء يتنجس تبعاً للنجاسة التي في القدر.وحديث أبي هريرة هذا مثل حديث أنس بن مالك الذي تقدم من ثلاث طرق عنه، وكلها تدور على أن أعرابياً جاء وبال في المسجد، والناس تناولوه، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعوه ويتركوه، ثم إنه أرشدهم بأن يصبوا عليه دلواً من ماء, فحصل التطهير للأرض بذلك.فحديث أبي هريرة هذا يقول فيه: (جاء أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس) يعني: تكلموا عليه وصاحوا به؛ لأنه حصل منه أمر منكر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فقد عرفنا أن هذا الحديث يدل على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع: وهي أنه يرتكب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما، فإذا اجتمع ضرران: خفيف وأشد؛ فإنه إذا كان لا بد من ارتكاب واحد من الضررين, فيرتكب الأخف في سبيل التخلص من الأشد، وهنا لما وجد البول في المسجد, تعارض ضرران: أحدهما: أن المسجد حصلت له نجاسة، وذلك بحصول هذا البول من الأعرابي. والضرر الثاني: أنه إذا صيح به ومنع, فإنه يحصل بالإضافة إلى البول الذي حصل في الأرض أن تتنجس ثيابه ويتنجس جسده، ثم يقع على أماكن من المسجد قطرات من البول لا يهتدى إليها حتى تطهر، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى ارتكاب الضرر الأخف, في سبيل التخلص من الضرر الأكبر.وفيه -كما عرفنا- رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته. وكذلك أيضاً في هذا الحديث قوله: (إنما بعثتم ميسرين, ولم تبعثوا معسرين) التنبيه إلى هذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرفق، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أرسل أحداً يوصيه بالرفق ويقول: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإنما بعثتم ميسرين) إما أن يكون معناه: أنهم مبعوثون منه ومأمورون منه بالتيسير وعدم التعسير، والرفق وعدم الشدة، حيث يتطلب الأمر ذلك. فإذاً كونهم بعثوا لأنهم مأمورون منه بأن يأمروا بالمعروف, وينهوا عن المنكر, لكن بالرفق واللين وبالتي هي أحسن.ويحتمل أن يكون المراد: ما ذكره الله عز وجل بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وأن هذا وصفهم وهذا شأنهم، وأن الله تعالى جعلهم كذلك، ومطلوب منهم أن يكونوا كذلك.وهذا التعليل: وهو قوله: (فإنما بعثتم) قاله بمناسبة كونهم تناولوه, وتكلموا عليه بشدة, وصاحوا به، فقال: (دعوه وأهريقوا عليه دلواً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في بول الأعرابي في المسجد

قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم].عبد الرحمن بن إبراهيم هذا هو الملقب بـدحيم الدمشقي، وهو من رجال البخاري , وأبي داود , والنسائي , وابن ماجه ، يعني: لم يخرج له مسلم , ولا الترمذي ، ولقبه دحيم، وهذا اللقب من الألقاب التي تشتق من الأسماء، وتؤخذ من الأسماء؛ لأن الألقاب أحياناً تكون مأخوذة من الأسماء، فـعبد الرحمن أخذ منها دحيم.ومن أمثلة ذلك: عبدان الذي كان يأتي ذكره كثيراً في أسانيد البخاري ، تقول البخاري : حدثنا عبدان قال: حدثنا عبد الله بن المبارك ، فـعبدان لقب لـعبد الله بن عثمان المروزي، وأخذ من اسمه عبد الله : عبدان. وكذلك هدبة بن خالد شيخ البخاري ومسلم ، اسمه هدبة ولقبه هداب ، يعني: مأخوذ من الاسم، يعني: تجد اللقب منحوتاً من الاسم ومأخوذاً من الاسم ويدل على الاسم، وأحياناً تكون الألقاب لا علاقة لها بالأسماء، مثل: الأعرج والأعمش ، فـالأعمش سليمان بن مهران ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز .ودحيم هذا دمشقي, خرج له أصحاب الكتب الستة إلا مسلماً والترمذي, وهو أحد الثقات.[عن عمر بن عبد الواحد].عمر بن عبد الواحد هو شيخ دحيم هذا وهو دمشقي أيضاً، وهو أيضاً ثقة من الثقات، وقد خرج له الذين خرجوا لـدحيم إلا شخصاً واحداً، وهو البخاري ، فالأول خرج عنه الأربعة: البخاري , وأبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، والثاني: خرج له الثلاثة من الأربعة الذين خرج منهم البخاري , فلم يخرج له إلا ثلاثة من أصحاب السنن، وهم: أبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، وهو أحد الثقات، وهو دمشقي كالذي قبله، كتلميذه عبد الرحمن بن إبراهيم.[عن الأوزاعي].والأوزاعي هو إمام أهل الشام، وفقيه أهل الشام، ومحدث أهل الشام المعروف، الذي إذا ذكر الشام وذكر المحدثون فيها والفقهاء, ففي طليعة من يذكر: الأوزاعي ، وهو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي ، وكنيته أبو عمرو، وأبوه عمرو، وجده يعرف بـأبي عمرو .إذاً: الأوزاعي وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا من الأنواع الذي ذكرته مراراً أنه من أنواع علوم الحديث: أن تتفق كنية الراوي مع اسم أبيه، وأن فائدة معرفة ذلك: دفع التصحيف فيما لو جاء في الإسناد: حدثنا عبد الرحمن أبو عمرو الأوزاعي بدلاً من عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، وإن جاء ابن عمرو فهو على الصواب. وهو من الثقات, الأثبات, الحفاظ، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن الوليد].محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، وهو شامي أيضاً، إذاً: فالأربعة الذين مضوا كلهم من أهل الشام: عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم , وعمر بن عبد الواحد , والأوزاعي , ومحمد بن الوليد بن عامر الزبيدي فهؤلاء كلهم من أهل الشام، وهو ثقة ، وهو من رجال الجماعة إلا الترمذي ، مثل الأول، إلا أنه أضيف إليه مسلم ، يعني: الأول الذي هو دحيم خرج له الأربعة ويضاف إلى الأربعة مسلم عند هذا. إذاً: فـالترمذي لم يخرج لـعبد الرحمن دحيم ، ولا خرج لشيخه عمر بن عبد الواحد ، ولا خرج لـمحمد بن الوليد الزبيدي ، فهؤلاء الثلاثة لم يخرج لهم الترمذي.[عن الزهري].والزهري هو الإمام المشهور الذي جاء ذكره مراراً وتكراراً، والذي ذكرت لكم أنه مشهور بلفظين: إما الزهري, وإما ابن شهاب، والزهري نسبة إلى زهرة بن كلاب أخي قصي بن كلاب ، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب؛ لأن زهرة أخو قصي ، وقصي وزهرة ابنا كلاب بن مرة ، أو ابن شهاب وهو جد من أجداده، وقد عرفنا فيما مضى أنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ، فهو مشهور بالنسبة إلى أحد أجداده، وهو شهاب ، ومشهور بالنسبة إلى جده الأعلى وهو زهرة بن كلاب ، فيقال له: الزهري, ويقال له: ابن شهاب ، وهو أحد الأئمة الحفاظ المعروفين المشهورين في المدينة.[عن عبيد الله بن عبد الله].هو ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، الذين إذا جاءت مسألة من المسائل واتفقوا عليها قالوا: قال بها الفقهاء السبعة، يعني: اكتفاءً بهذا اللفظ دون أن يفردوا أسماءهم، كما يقال في أربعة من الصحابة: العبادلة الأربعة، ويقال: الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب الأربعة: أبو حنيفة , ومالك , والشافعي , وأحمد. والفقهاء السبعة، هذا لفظ مجمل يشمل هؤلاء جميعاً، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا أحدهم، وقد ذكرتهم لكم مراراً، وأن ابن القيم جمعهم في بيت من الشعر، وذكر قبله بيتاً تمهيدياً، قال في البيتين:إذا قيل من في العلم سبحة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل: هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفـعبيد الله هو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .[عن أبي هريرة].وأبي هريرة هو الصحابي الجليل الذي هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أكثر السبعة الذين وصفوا بأنهم مكثرون من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيوله في الكتب خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً، واتفق البخاري ومسلم على ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بتسعة وسبعين، وانفرد مسلم بثلاثة وتسعين، فهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
الماء الدائم

شرح حديث: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الماء الدائم.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه) .قال عوف: وقال خلاس : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله].أورد النسائي الماء الدائم، أي: ما يتعلق به من حيث البول والاغتسال أو الوضوء، وقد أورد فيه النسائي حديثين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ أولهما: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم يتوضأ منه). والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم يغتسل منه).هذا الحديث من هذين الطريقين فيه النهي عن البول في الماء الدائم، وحصول التوضؤ منه، وكذلك الاغتسال منه، والمقصود من ذلك: الماء القليل؛ لأن الماء القليل إذا حصل البول فيه نجسه، فلا يتوضأ منه هو ولا غيره؛ لأنه إذا وقعت فيه النجاسة وهو قليل فإنه ينجس, وإن لم يتغير له لون أو طعم أو ريح كما عرفنا ذلك.وفائدة معرفة الماء القليل والكثير: أن الماء الكثير لا يتنجس إلا إذا تغير لونه, أو ريحه, أو طعمه بالنجاسة، وأما القليل فإنه يتنجس بالنجاسة, وإن لم يتغير له لون أو طعم أو ريح، فالماء القليل إذا بال فيه الإنسان تنجس وبذلك يحرم نفسه من الوضوء منه، ويحرم غيره من الوضوء منه؛ لأنه صار نجساً بوقوع النجاسة فيه, ومن المعلوم أن الذي يرفع الحدث ولا ينجس إلا بالتغير هو الماء الكثير، وأما الماء القليل فينجس وإن لم يتغير.إذاً: فكون الإنسان يبول ثم يحرم نفسه منه، معناه: أن هذا لا يفعله إنسان عاقل؛ لأنه يضيع هذه الفائدة, ويضيع هذا الماء, ويحرم نفسه ويحرم غيره منه, وهذا لا يفعله إنسان عاقل، فنهى عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام.ثم إن قوله: (يغتسل) مرفوع، يعني: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم هو يغتسل، أو ثم هو يبول، معناه أنه في نهاية أمره وآخر أمره يحتاج إلى الماء فيكون قد أفسده على نفسه، ويكون هو الذي جنى على نفسه؛ بحيث إذا احتاج إلى الماء للوضوء أو الاغتسال لم يجد إلا الماء الذي نجسه فيكون قد حال بينه وبين استعماله ببوله فيه، وقد جاء النهي عن البول دون ذكر الاغتسال، وجاء النهي عن الاغتسال دون ذكر البول، وهذا يدل على أنه لا يبال فيه, ولا يغتسل فيه.وفي الحديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد ), دون أن يذكر معه وضوءاً أو غسلاً، وجاء في الحديث أيضاً: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) يعني: نهي عن الاغتسال بمفرده، وهذا إنما هو في الماء القليل، أما الماء الكثير فيختلف حكمه عن الماء القليل؛ ولكن الذي ينبغي أن يتجنب البول في الماء الراكد ولو كان كثيراً, إلا إذا كان هناك حاجة تقتضيه, أو أمر يدعو إليه، وإلا فما دام أن في الأمر سعة, فعليه أن يبول في غير الماء، لكن التنجيس لا يكون إلا للماء القليل، وأما الكثير فإنه لا تؤثر فيه النجاسة، ولكن فيه تقذير له على غيره، مثل ما جاء في الحديث الآخر الذي سبق: (أنه لا يتنفس في الإناء)؛ لأنه قد يترتب على ذلك أن غيره يستقذره, وهو بحاجة إلى الماء، فتنفسه فيه يجعل غيره يعزف عنه ولا تقبله نفسه، ولا تشتهيه نفسه.

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو الذي جاء ذكره كثيراً، وهو: ابن راهويه الحنظلي ، وقد عرفنا أنه أحد الثقات الأثبات، وأنه خرج له الجماعة إلا ابن ماجه .[أخبرنا عيسى بن يونس].وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي هذا قد مر، وهو ثقة, من رجال الجماعة.[حدثنا عوف].عوف هو: ابن أبي جميلة الأعرابي ، وهو أحد الثقات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب. [عن محمد].وهو ابن سيرين ، وهو أحد الثقات الأثبات العباد، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. فرواة هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه لم يخرج له ابن ماجه ، وأما الباقون فخرج حديثهم أصحاب الكتب. وبعد أن ذكر الإسناد قال: وقال عوف ، يعني: عوف الأعرابي وهو في الإسناد الأول؛ لأن الحديث فيه طريقان إلى عوف ، أحد الطريقين: عن عوف عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، والطريق الثاني: عن خلاس بن عمرو عن أبي هريرة. قوله: [مثله]. وكلمة: (مثله) يقصدون بها: المماثلة في المتن، يعني: أن رواية عوف عن خلاس عن أبي هريرة مثل رواية عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، ورواية ابن سيرين موجودة بنفس المتن، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه) ، ورواية خلاس عن أبي هريرة هي مثلها تماماً.وهذا هو الفرق بين: (مثله) و(نحوه)؛ لأنه إذا جاء التعبير بنحوه معناه أنه ليس اللفظ مطابقاً، وإذا قيل: مثله فاللفظ مطابق؛ فإذا ذكر الإسناد بعد الإسناد والمتن, ولم يذكر المتن في الثاني, وقيل: مثله معناه أنه مطابق للمتن الأول, ومماثل له تماماً، وأما إذا قيل: نحوه فإن معناه: أن المعنى واحد؛ ولكن فيه اختلاف في الألفاظ، فهذا هو معنى نحوه، إذاً فمثله تعني: المطابقة والمماثلة في اللفظ. ونحوه تعني: المطابقة في المعنى, مع عدم الاتفاق في اللفظ.[ وقال خلاس ].هو خلاس بن عمرو ، وهو ثقة، ويقال: إنه كان على شرطة علي رضي الله تعالى عنه.

حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) .قال أبو عبد الرحمن : كان يعقوب لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار].ثم ذكر النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى, الأول: فيه ذكر الوضوء, والثاني: فيه ذكر الاغتسال، وكلاهما فيه رفع حدث، يعني: الحدث الأصغر, والحدث الأكبر. قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].ويعقوب بن إبراهيم هو: الدورقي الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من الثقات الحفاظ, وهو من رجال الجماعة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم رووا عنه مباشرة وأخذوا عنه. [حدثنا إسماعيل]. هو ابن علية ، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية ، المشهور بــابن علية نسبة إلى أمه، وقد مر ذكره، وهو أحد الثقات الحفاظ الأثبات، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن عتيق].ويحيى بن عتيق ثقة، وقد خرج حديثه البخاري تعليقاً, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه. [عن محمد بن سيرين].ومحمد بن سيرين أحد الثقات الأثبات العباد، وهو من رجال الجماعة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وهنا الإسناد مثل الإسناد الأول، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال النسائي في آخره: كان يعقوب بن إبراهيم الدورقي لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار، فلا أدري ما المقصود من هذا؟ يعني: هل أنه كان يأخذ على الحديث أجراً؟ لا أدري ماذا يريد النسائي بقوله هذا الكلام؟!

مسألة أخذ الأجرة على الحديث

مسألة أخذ الأجرة على الحديث, هذه من المسائل التي تكلم فيها العلماء في حق من يأخذ على الحديث أجراً، وقد قالوا: إنه إذا كان محتاجاً فلا بأس أن يأخذ، وقد ذكروا في بعض ما انتقد على بعض العلماء أخذ الأجر على الحديث، وأذكر منهم: الحارث بن أبي أسامة ، فقد ذكره الذهبي في الميزان، وغيره: أنه كان يأخذ على الحديث أجراً، فعابوا عليه كونه يأخذ على الحديث أجراً، ولكن قال: واعتذروا له أنه كان فقيراً كثير البنات، فكان بحاجة إلى ذلك.ومن المعلوم أنه إذا احتاج إلى ذلك، وكان الأمر يتطلب أنه يجلس يحدث ويترك العمل -لأنه إما أن يجلس للتحديث, أو يترك التحديث ويبحث عن عمل- فإذا لم يتمكن من أن يبحث عن عمل، واضطر إلى أن يأخذ؛ فإن هذا لا بأس به للحاجة وللضرورة التي تقتضي ذلك.

تحديد (سفيان) الوارد في سند حديث سلمان: (... إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة...)

مر بنا فيما مضى إسناد حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه: ( قال المشركون: إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة... ) برقم تسعة وأربعين، وقد مر في موضعين, والكلام في الموضع الثاني الذي فيه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور و الأعمش وذكرت فيما مضى: أنني لم أتمكن من معرفة أي السفيانين؛ لأنه هنا غير منسوب، و عبد الرحمن بن مهدي في ترجمته في تهذيب التهذيب يقول: روى عن السفيانين.إذاً: عبد الرحمن يروي عن الاثنين: سفيان بن عيينة و سفيان الثوري ، وفي ترجمة سفيان الثوري روى عن الأعمش وعن منصور ، وفي ترجمة ابن عيينة روى عن الأعمش وعن منصور .فإذاً: بالنسبة للشيوخ والتلاميذ ليس هناك اختصاص؛ لأن عبد الرحمن يروي عن الاثنين، والاثنان يرويان عن منصور و الأعمش ، فليس هناك اختصاص؛ بحيث إن هذا من التلاميذ وهذا ليس من التلاميذ.إذاً: ما هي الطريقة التي يعرف بها أحدهما من الآخر؟قيل: إما أن يكون بملازمة، أو بكثرة رواية، ولكن الذي أفهمه الآن, ولم يتضح لي غيره: لما كان عبد الرحمن بن مهدي بصري, والبصرة قريبة من الكوفة، وسفيان الثوري كوفي, والأعمش كوفي, ومنصور كوفي ، إذاً: هم من أهل بلده، و سفيان بن عيينة مكي، فإذاً الأقرب أن يكون سفيان الثوري ، وقد ذكر لي بعض الطلاب هنا: أنه رأى في السنن الكبرى للنسائي أنه قال: رواه الثوري عن منصور و الأعمش ، وأنا بحثت في النسائي في الكبرى فما اهتديت إليه، فإن كان موجوداً, فليدلني على المكان الذي وجده فيه في السنن الكبرى، وإذا تبين بالتنصيص عليه فهذا يوضح الأمر ويبينه أكثر، ولكن كون سفيان الثوري من أهل الكوفة, والأعمش من أهل الكوفة, ومنصور بن المعتمر من أهل الكوفة, و عبد الرحمن بن مهدي من أهل البصرة, والبصرة قريبة من الكوفة, وسفيان بن عيينة من أهل مكة, فهذا يشعر ويستأنس به على أن المقصود هو: سفيان الثوري ، وإذا وجد أن سفيان الثوري هو الذي يروي هذا الحديث في كتب أخرى تبين هذا, فيكون الأمر أوضح وأوضح.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 06-03-2019, 07:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(28)

(باب ماء البحر) إلى (باب الوضوء بماء البرد)

جعل الله تعالى الماء طاهراً مطهراً إذا كان باقياً على أصل خلقته، ومن هذا ماء البحر، فهو مع ملوحته وطعمه المتغير إلا أنه طاهر مطهر، وكذلك ماء الثلج وماء البرد وإن كان متجمداً إلا أنه طاهر مطهر.
ماء البحر

شرح حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في ماء البحر.أخبرنا قتيبة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ].يقول النسائي رحمه الله: باب في ماء البحر.وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ويكون معنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .هذه الترجمة معقودة لبيان حكم التوضؤ بماء البحر، وأنه طهور يتوضأ به كما يتوضأ بالمياه الأخرى، وأن ماء البحر كغيره من المياه, فهو طهور يحصل به التطهر.وسأل هذا الرجل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر هل يتوضئون منه؟ وكان عندهم شك في عدم طهوريته، ولعلهم فهموا ذلك، أو ظنوا ذلك من كونه مغايراً لسائر المياه في ملوحته الخاصة، فسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام عن هذا الذي وقع في نفوسهم من التردد بماء البحر؛ لمغايرته لسائر المياه بملوحته الشديدة، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن البحر ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ).ولم يجب النبي صلى الله عليه وسلم السائل بقوله: نعم، مع أنه يكفي في الجواب أن يقول: نعم؛ لأن السؤال: أنتوضأ بماء البحر؟ فالجواب يكون: نعم، لكنه عدل عليه الصلاة والسلام إلى التنصيص على طهوريته؛ لأنه لما رأى هذا التردد فيهم أراد أن يبين لهم أنه طهور، وأن وصف الطهورية موجود فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه) .ثم قوله: (هو) الضمير يرجع إلى مكان البحر, وليس إلى الماء؛ لأنه لو كان يرجع إلى الماء لكان سياق الكلام: ماء البحر طهور ماؤه، وهذا لا يستقيم، ولكن المقصود منه: المكان الذي فيه البحر.ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى هذا التردد منهم في طهوريته, بين أمراً آخر قد يترددون فيه، وهو حل الميتة، فأضاف عليه الصلاة والسلام في الجواب بيان حكم آخر وهو: حل ميتة البحر، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .وقوله عليه الصلاة والسلام: (الحل ميتته) المقصود بالميتة: الحيوانات التي لا تعيش إلا فيه، هذا هو المقصود من الميتة التي تكون حلالاً، وهذا واضح، ولا يدخل فيه ما لو جاءت حيوانات البر وماتت في البحر, فإنها وإن قيل: إنها ميتة بحر إلا أنها لا يشملها الحديث؛ لأن الحديث يشمل ما لا يعيش إلا بالماء، هذا هو الذي يكون ميتته حلالاً.أما ما مات فيه من الحيوانات التي لا تعيش فيه وهي التي تعيش في البر، وقعت في البحر فماتت فيه فهي وإن صدق عليها أنها ميتة بحر؛ لأنها ماتت في البحر إلا أنها ليست الميتة التي عناها رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه حكمها واحد، سواءً ماتت بماء البحر أو ماتت بماء غير ماء البحر فهي حرام.وقد بين عليه الصلاة والسلام هذا الحكم في هذا الحديث الذي لم يسأل عنه, ولكنه أضافه في الجواب؛ لأن المقام يقتضيه، وهذا من كمال بيانه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا قالوا: في الحديث دليل على أن المسئول إذا سئل عن أمر وكان هناك شيء يقتضي المقام إضافته في البيان فإن ذلك جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر فأجاب وأضاف إلى الجواب أمراً يقتضيه المقام.
تراجم رجال إسناد حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني الذي مر ذكره كثيراً، وهو من رجال الجماعة، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[عن مالك].إمام دار الهجرة، مالك بن أنس الإمام المشهور، العلم الذي قال عنه البخاري : إن أصح الأسانيد على الإطلاق: مالك عن نافع عن ابن عمر .[عن صفوان بن سليم].ثقة, خرج حديثه الجماعة.[عن سعيد بن سلمة].ثقة, خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار].ثقة, خرج حديثه الأربعة, وهو كتلميذه الذي روى عنه وهو سعيد بن سلمة ، كل من الاثنين روى لهم أصحاب السنن الأربعة, ولم يرو لهم البخاري , ومسلم .والحديث صحيح، وهو من الأحاديث الصحيحة التي صححها البخاري وهي خارج الصحيح، وهنا يدل على أن البخاري ليس كل ما كان صحيحاً يودعه في كتابه الجامع الصحيح، فإنه إنما أودع بعض الصحيح, ولم يودع كل الصحيح، ولهذا فإن حديث أبي هريرة في الوضوء بماء البحر صححه البخاري ، ونقل عن البخاري تصحيحه ومع ذلك لم يورده في صحيحه.وقد صححه كثيرون من أهل العلم، وابن حجر العسقلاني في ترجمة المغيرة بن أبي بردة هذا في تهذيب التهذيب عزا تصحيحه إلى عشرة من المحدثين, وسرد أسماءهم: فلان, وفلان, وفلان، ثم قال: وآخرون، بعدما سرد عشرة أسماء من المحدثين صححوا حديث أبي هريرة هذا قال: وآخرون؛ يعني: أنه صححه غير العشرة هؤلاء الذين سماهم، ومنهم: الطحاوي , الترمذي , ابن خزيمة , وابن حبان , وعدد كبير من المحدثين صححوا هذا الحديث.
الوضوء بالثلج

شرح حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بالثلج.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) ].أورد النسائي باب: الوضوء بالثلج، وأورد بعده ترجمة: باب: الوضوء بماء الثلج، والمقصود من هذا: بيان أن الثلج طاهر مطهر، وماؤه إذا ذاب فهو أيضاً طهور مطهر، وأنه تحصل الطهارة به ويتوضأ به.وهنا قال: الوضوء بالثلج؛ ومعنى هذا: أن الإنسان إذا استعمل الثلج في الوضوء سواء كان الثلج جامداً ,أو غير جامد, كالذي يسقط ويركب بعضه على بعض, فيكون مثل القطن، والناس يخوضون فيه ويمشون في هذا الثلج الذي بعضه فوق بعض؛ فإنه تحصل الطهارة بالثلج، فلو أن إنساناً استعمل قطعة من الثلج وأجراها على جسده وذابت وهو يتوضأ بها فإن الوضوء بذلك صحيح؛ لأنه وضوء من ماء.وأورد فيه حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا كبر في صلاته - في الصلاة الجهرية- سكت هنيهة, ثم بدأ في القراءة، فسأله أبو هريرة رضي الله عنه قائلاً: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول بين التكبير والقراءة؟) يعني: بين تكبيرة الإحرام والقراءة؛ لأنه يسكت بينهما، فسأله ما الذي يقوله في ذلك، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من السؤال عن أمور الدين، وأنهم قاموا بنقل الشريعة والبحث عما يحتاج الناس إليه, حيث سأل أبو هريرة هذا السؤال لرسول الله عليه الصلاة والسلام, فأخبره عليه الصلاة والسلام بأنه يقول هذا الدعاء: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) . فهذا دعاء من أدعية الاستفتاح، ومن أدعية الاستفتاح: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض). ومنها: (سبحانك اللهم وبحمدك..)، فهذه أنواع من الاستفتاحات، وكلها حق، وكل ما ثبت منها فهو حق لا تعارض بينها، وإذا أخذ بهذا أو بهذا أو بهذا فكله حق، فالأخذ بأي واحد منه حق، والاختلاف فيه اختلاف تنوع، وكون الواحد يختار هذه الصيغة وهذا يختار هذه الصيغة, فلا يقال: إنهم مختلفون اختلاف تضاد؛ لأن هذا ثابت وهذا ثابت، فأي واحد منها يحصل به المقصود، فالخلاف فيه خلاف تنوع، ليس خلاف تضاد، خلاف التضاد: هو الذي فيه نفي وإثبات في شيء واحد, مثل: أكل لحم الإبل هل ينقض الوضوء أو لا ينقض؟ فأحدهم يقول: ينقض, والآخر: يقول: لا ينقض، فهذا خلاف تضاد، وأيضاً واحد يقول: إنه لا تصلح الصلاة لمن أكل لحم إبل حتى يتوضأ، والآخر يقول: لا ينقض الوضوء بل يصلي ولا يتوضأ، فهذا اختلاف تضاد.واختلاف التضاد هو الذي يسوغ فيه الاجتهاد، فللمجتهد المصيب أجران, وللمجتهد المخطئ أجر واحد، أما اختلاف التنوع فكله حق؛ لأن كله ثابت عن رسول الله، فهو أنواع، فهذا اختار هذا, وهذا اختار هذا، لكن ليس اختلاف تضاد، والتضاد نفي وإثبات، وتحليل وتحريم، هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ فهذا اختلاف التضاد، أما اختلاف التنوع فهو مثل: اختلاف أنواع التشهد، فهذا ثابت، وهذا ثابت، وهذا ثابت، فإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، ومثله ألفاظ الأذان,كل هذا مما ثبتت فيه السنة من أي لفظ صح وثبت, فإن الأخذ بأي واحد منها حق.والرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بهذا الجواب، والمقصود منه ما جاء في آخره: (اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) فإذاً: هذا يدل على أن الثلج طهور يطهر به، والمقصود من ذلك: أن الذنوب ينقى منها ويطهر منها, ويتخلص منها, كما يحصل التطهير الحسي، والتطهير المحسوس بالماء والثلج والبرد، يحصل التنقية بها، قيل: وإنما نص على البرد والثلج وهي باردة؛ لأن الذنوب تؤدي إلى النار، والنار فيها الحرارة , وفيها الإحراق، فناسب أن يأتي ذكر التطهير بالثلج والبرد وهما باردان.والمقصود من إيراد النسائي للحديث: هو الإشارة إلى أن التطهير الشرعي الحسي يكون بالثلج, ويكون بالبرد, ويكون بالماء، وأنه يحصل به التطهير، وأن الثلج مثل الماء السائل يحصل به التطهير وإن كان جامداً، وإن كان أيضاً غير جامد, ولكنه ليس ذائباً.

تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)

قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو من رجال البخاري , ومسلم , والترمذي, والنسائي .[أخبرنا جرير].هو: ابن عبد الحميد الذي مر ذكره مراراً، هو الذي روى عنه علي بن حجر السعدي ، وكذلك فإنه نسب في الذين روى عنهم علي بن حجر ، وهو ثقة, وهو من رجال الجماعة, وخرج حديثه أصحاب الكتب.[عن عمارة بن القعقاع].هو: عمارة بن القعقاع الضبي ثقة, خرج حديثه الجماعة، وهو من رجال الكتب الستة، وهو الذي يروي عن أبي زرعة ، وقد روى عنه هنا, وروى عنه في صحيح البخاري حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن..) من رواية عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة وهو آخر حديث في صحيح البخاري بهذا الإسناد.[عن أبي زرعة].هو: ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي حفيد جرير بن عبد الله صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عن جرير , وسبق أن مر بنا ذكره فيما مضى في رواية عمه إبراهيم بن جرير عنه في حديث مضى، يروي فيه إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.وأبو زرعة هذا معروف بكنيته، وهو من التابعين الذين رووا عن الصحابة، وقد ذكرت فيما مضى أنه يوافقه في هذه الكنية بعض المحدثين الذين اشتهروا برواية الحديث من المتقدمين والمتأخرين: أبو زرعة الرازي , وأبو زرعة الدمشقي، أبو زرعة الرازي هو: عبيد الله بن عبد الكريم توفي سنة مائتين وأربع وستين بعد وفاة الإمام مسلم بثلاث سنوات، وقد روى عنه مسلم في صحيحه حديثاً واحداً في الدعاء، أظنه: (اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء).وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي ، اسمه واسم أبيه مثل الأوزاعي ، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو ، وهما من أئمة أهل الشام إلا أن الأوزاعي متقدم في القرن الثاني، والدمشقي متأخر في القرن الثالث، وكانت وفاته سنة مائتين وإحدى وعشرين, ولم يخرج له إلا أبو داود في سننه, وأما الرازي فقد خرج له مسلم وبعض أصحاب السنن كما ذكرت ذلك فيما مضى.ومن المتأخرين الذين اشتهروا بـأبي زرعة : ابن العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الأثري أبو زرعة ، ويقال له: ولي الدين ، ولأبيه: زين الدين ، وكنيته أبو زرعة الذي هو أحمد بن الحسين ، وهو مشهور بذلك، ومشهور بهذه الكنية، وهو متأخر؛ لأنه في القرن التاسع، وفاته سنة ثمانمائة وست وعشرين، فهؤلاء يوافقون أبا زرعة ابن عمرو بن جرير في هذه الكنية.وأما صحابي الحديث فهو الصحابي الذي تكرر في الأحاديث، وذكرنا في الدرس الماضي أن له في الكتب خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً.
الوضوء بماء الثلج

شرح حديث: (...اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء بماء الثلج.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء الثلج، فهناك الوضوء بالثلج, وهنا بماء الثلج؛ يعني: الثلج إذا ذاب وتحول إلى ماء سائل؛ لأنه إذا كان في حال كونه ثلجاً ليس سائلاً حتى يذوب، فإذا ذاب صار ماءً, فيقال له: ماء ثلج، والترجمة السابقة فيها ذكر الثلج دون الماء، والمقصود بها: التوضؤ بالثلج، وكما قلت لكم كون الإنسان إذا كان الثلج بعضه فوق بعض فيأخذ منه ويتوضأ فهو يتوضأ بماء، وكذلك لو أخذ قطعة من الثلج جامدة فجعل يجريها على جسده, وهي تذوب ويتوضأ بها فهو وضوء بالثلج، وكل ذلك وضوء بالماء.أما هذه الترجمة فهي: وضوء بماء الثلج؛ يعني: الماء السائل الذي ذاب، فالثلج عندما ينزل في الليل في الأماكن التي تنزل فيها الثلوج ويركب بعضها فوق بعض قد يصل أحياناً إلى متر في الارتفاع عن الأرض، ويسد الطرق ولا يستطيعون المشي؛ لأنهم لا يعرفون أثر الطريق؛ لأنه قطعة مثل الزرع مرتفع عن الأرض، فيصل أحياناً إلى متر، فإذا طلعت عليه الشمس ذاب وصار ماء، فإذا ذاب وصار ماءً فهذا هو مقصود النسائي بالترجمة: الوضوء بماء الثلج، وقد أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد) , وهو مثل ما تقدم في حديث أبي هريرة : (بالثلج والماء والبرد) .

تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ...)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي ابن راهويه , الذي تقدم ذكره كثيراً، والذي ذكرنا فيما مضى عن الحافظ ابن حجر أنه يقول: يعبر بـ(أخبرنا) ولا يعبر بـ(حدثنا) وأنه خرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وقد خرجوا عنه ورووا عنه مباشرة، وهو فقيه, محدث, حافظ, ثقة.قوله: [أخبرنا جرير].هو: ابن عبد الحميد الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، ومر في مواضع متعددة فيما مضى.قوله: [عن هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير ، وهو من الثقات الأثبات، وهو من رجال الجماعة، وهو يروي عن أبيه.قوله: [عن عروة بن الزبير].وعروة بن الزبير هو أحد الثقات الأثبات, الذين خرج لهم الجماعة، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين يتكرر ذكرهم في الأسانيد، والذين قال عنهم ابن القيم :إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةفـعروة بن الزبير هو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين الذين كانوا في عصر التابعين، والذين يرجع الناس إلى علمهم وإلى فقههم، وإذا جاءت مسألة اتفقوا عليها قالوا: وهذه المسألة قال بها الفقهاء السبعة، بدل ما يسردون أسماءهم يكتفون بأن يقولوا: الفقهاء السبعة.قوله: [عن عائشة].عائشة أم المؤمنين, تقدم ذكرها مراراً.
الوضوء بماء البرد

شرح حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء البرد.أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا معاوية بن صالح عن حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير قال: شهدت عوف بن مالك رضي الله عنه يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على ميت، فسمعت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي قوله: باب: الوضوء بماء البرد، ولم يأت بذكر ماء البرد, ولكنه جاء في الحديث البرد، والذي يناسبه تماماً في المطابقة هو الحديث الذي قبله، وهو قوله: (بماء الثلج والبرد) حديث عائشة ، لكن كما هو معلوم أن الثلج هو ماء إلا أنه ماء متجمد، فيصدق أن يقال عليه: ماء برد، ويصدق أن يقال عليه: برد؛ لأنه لا فرق بين تسميته ماء برد؛ لأنه يطلق على ذائبه وعلى جامده، هو أيضاً ماء وإن كان جامداً, فالبرد في حال قبل ذوبانه , فالذي يطابق الترجمة الحديث الذي قبله؛ لأن فيه ماء البرد وماء الثلج، لكن كونه أتى بماء البرد وأتى بهذا الحديث الذي فيه برد فلا فرق بين البرد وماء البرد، فالنتيجة واحدة، كله طهور، سواءً كان في حال ذوبانه وكونه سائلاً, أو كونه جامداً عند نزوله من السماء قبل أن يذوب، كل ذلك يقال له: ماء برد, كما يقال له: برد.والمقصود من ذلك: الوضوء به، وأن الوضوء يكون بالبرد كما يكون بالثلج، وهو طهور مطهر, يحصل به التطهر ويحصل به التوضؤ، ومن أجل ذلك عقد له هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء البرد، وأورد حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أنه شهد صلاة جنازة على ميت، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد) ، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث هنا: (واغسله بالماء والثلج والبرد) .

تراجم رجال إسناد حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت

قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله ].هارون بن عبد الله البغدادي, شيخ النسائي , وهو ثقة، خرج له مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ حدثنا معن ].هو ابن عيسى ، وهو من أجل أصحاب الإمام مالك ، وهو ثقة, حافظ, ومن رجال الجماعة.[ حدثنا معاوية بن صالح ].هو معاوية بن صالح بن حدير ، وهو من الثقات، وقد خرج حديثه الجماعة.[ عن حبيب بن عبيد ].هو حبيب بن عبيد الرحبي, وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة، وهو ثقة. [ عن جبير بن نفير ].وهو من التابعين المخضرمين، وهو من الثقات، وقد خرج له البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة, مثل تلميذه الذي روى عنه وهو حبيب بن عبيد ، كل من الاثنين خرج لهم البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة.[ عن عوف بن مالك] .هو عوف بن مالك الأشجعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد جاء في بعض طرق الحديث أن عوفاً لما سمع دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للميت قال: (تمنيت أن أكون أنا الميت).وعوف بن مالك ذكر عنه في الخلاصة: أن له في الكتب سبعة وستين حديثاً، اتفق البخاري , ومسلم على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديث ، وانفرد مسلم بخمسة أحاديث.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 09-03-2019, 06:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(30)

(باب سؤر الهرة) إلى (باب سؤر الحائض)

هناك حيوانات نهينا عن أكل لحمها لنجاسته مثل: الهرة والحمار الأهلي، ولكن لا بأس من استعمال سؤر هذه الحيوانات، ويدخل في هذا أيضاً سؤر الحائض من أكل أو شراب فلا مانع من الأكل والشرب من سؤر الحائض؛ لما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أمنا عائشة رضي الله عنها.
سؤر الهرة

شرح حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) في سؤر الهرة

قال المصنف رحمه الله: [ سؤر الهرة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك: أن أبا قتادة دخل عليها ثم ذكرت كلمة معناها فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات )]. ‏ يقول النسائي رحمة الله عليه: سؤر الهرة. بقية الماء الذي يشرب منه, يقال له: سؤر؛ لأن السؤر بمعنى الباقي، فباقي الشيء إذا أكل منه أو شرب منه يقال لذلك الباقي: سؤر، وقد عرفنا سابقاً أن كثيراً من العلماء رأوا أن السؤر لا يكون إلا بمعنى الباقي، وأن بعض أئمة اللغة نقلوا أن السؤر يكون بمعنى الجميع -ومثله السائر يكون بمعنى الجميع- وأكثرهم قالوا: إنه لا يطلق إلا على البقية. وهذه الترجمة -وهي سؤر الهرة- أورد النسائي تحتها حديث أبي قتادة الأنصاري رضى الله تعالى عنه: أنه كان يتوضأ بماء أو سكب له ماء ليتوضأ به، فجاءت هرة لتشرب فأمال إليها الإناء حتى شربت، وتوضأ بسؤرها وبهذا الماء الذي شربت منه، وكانت كبشة بنت كعب بن مالك -وهي زوجة ابنه عبد الله بن أبي قتادة- تنظر إليه وإلى فعله كأنها مستغربة ومتعجبة من الفعل، فلما رآها تنظر إليه ذلك النظر قال: أتعجبين يا ابنة أخي؟! قالت: نعم. فقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات). فالمقصود من إيراد الحديث: هو تمكين أبي قتادة لتلك الهرة من الشرب من ذلك الإناء أو من ذلك الوضوء الذي قدم له ليتوضأ منه، وبين وجه استناده إلى هذا العمل -وهو تمكين الهرة من أن تشرب من ماء وضوئه- بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين والطوافات)، والمقصود من هذا أن الماء الذي تشرب منه الهرة طاهر، وأنه لا يتنجس بشرب الهرة منه، وأن ذلك السؤر الذي يبقى بعد شربها لا يقال: إنه متنجس، بل يقال: إنه طاهر ويجوز أن يتوضأ منه. والله عز وجل خفف على الناس؛ فجعل ما يحصل من هذه الدواب التي تكون مع الناس كثيراً والتي لا ينفكون عنها غالباً أنها لا تنجس ما تمسه وما تصيبه، والماء الذي تشرب منه أو الطعام الذي تأكل منه لا يقال: إنه نجس؛ بل هو طاهر؛ لهذا الحديث الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات). وتعليل النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (إنما هي من الطوافين) هذا فيه الإشارة إلى التخفيف، وإلى أن الله تعالى لم يجعل على الناس من حرج في دينهم، فهذه الدواب التي تكون معهم في البيوت كالهرة، فإن ما تشرب منه أو تأكل منه لا يقال: إنه متنجس فيراق ويتلف، وإنما هو طاهر يمكن استعماله، ويسوغ استعماله لمن أراد ذلك. وقوله: (إنما هي من الطوافين والطوافات)، قيل: إنه تشبيه لها بالخدم الذين يطوفون على الناس في الخدمة وأنهم لا ينفكون عنهم، فهذه مماثلة لهم في عدم انفكاكها، فيسر الله عز وجل وخفف على الناس، ولم يشق عليهم، وجعل ما تصيبه تلك الدواب -التي هي الهرة- لا يؤثر شيئاً على ما تصيبه من مأكول أو مشروب؛ بل هو طاهر لدخول ذلك تحت قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات).

تراجم رجال إسناد حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) في سؤر الهرة

قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة هذا تكرر ذكره كثيراً، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، ولهذا نجد أن في الأحاديث السابقة أحاديث عديدة كلها من روايته عن شيخه قتيبة بن سعيد ، وهو أحد الحفاظ الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب ومنهم النسائي.[ عن مالك ].مالك هو إمام دار الهجرة الذي مر ذكره مراراً، وهو من الأئمة الكبار، ومن أهل الحفظ والإتقان، ومن المعروفين بالإمامة، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة الذين اعتني بفقههم، ودون فقههم، وصار لهم أصحاب عنوا بما جاء عنهم من المسائل الفقهية ودونوها، وهو إمام جمع بين الحديث والفقه، فهو محدث كثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد في كتب السنة، وهو فقيه كما هو معلوم من كتابه الموطأ، وكما هو موجود في المسائل التي تنقل عنه وتعزى إليه في المسائل الفقهية، وعند ذكر الخلاف في المسائل وأراء العلماء يذكرون قوله ويذكرون كلامه في المسائل.[ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ].إسحاق من الثقات الحفاظ، ومن أهل المدينة، وخرج حديثه أصحاب الكتب -كما سبق أن مر بنا ذلك- وهو ثقة.[ عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة ].حميدة بنت عبيد بن رفاعة هي زوجة إسحاق، وهو يروي عنها، قال عنها الحافظ في التقريب: إنها مقبولة، ومعنى هذا: أنه يقبل حديثها إذا اعتضد، ومن العلماء من قبل حديثها بدون البحث عن المعتضد وقالوا: لأنه من رواية مالك ، وبعض العلماء يقول: ما يأتي عن طريق مالك فإنه حجة، لكن المعروف عند المحدثين والمعروف من قواعدهم أن من يكون كذلك فإنه لابد من معرفة منزلته من القبول أو الرد، أو صحة حديثه أو ضعفه، وقد ذكر بعض العلماء أن الحديث له شواهد من غير هذا الطريق، فيكون الحديث ثابتاً لا بمجرد هذا الإسناد وحده، ولكن بالطرق الأخرى التي جاءت معاضدة ومؤيدة له.[ عن كبشة بنت كعب بن مالك ].قيل: إنها صحابية، ومن المعلوم أن الصحابة لا يسأل عنهم، ولا يحتاجون إلى شيء أكثر من أن يوصف الواحد منهم بأنه صحابي، فإذا ما حصل على هذا الوصف فإنه حصل على أعلى المراتب، وأفضل المراتب التي هي وصف الصحبة التي لا يعادلها شيء والتي لا يماثلها شيء، ولهذا لا يحتاج إلى أن يذكر بعدها توثيق ولا تعديل؛ لأن أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم لا يحتاج بعد ثناء الله عليهم وثناء رسوله إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، فيكفيهم شرفاً وفضلاً ونبلاً ما حصل لهم من الثناء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.وكبشة تروي عن والد زوجها أبي قتادة ؛ لأنها زوجة عبد الله بن أبي قتادة ، فإذاً: هي تروي عن والد زوجها أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.[ أن أبا قتادة ].أبو قتادة هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف بجهاده، وكونه من الفرسان الشجعان، وقد تقدم ذكره في بعض الأحاديث الماضية.وفيما يتعلق بـحميدة وكبشة فهما من رواة أصحاب السنن الأربعة؛ يعني: ليس لهما رواية في الصحيحين، وإنما روايتهما في السنن الأربعة، وخرج حديث هاتين الراويتين: حميدة وكبشة أصحاب السنن الأربعة. أما أبو قتادة الأنصاري فخرج حديثه أصحاب الكتب، فحديثه موجود في الكتب الستة.إذاً: هؤلاء الرواة الأربعة: قتيبة بن سعيد , ومالك بن أنس , وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، وأبو قتادة الأنصاري ، هؤلاء الأربعة حديثهم في الكتب الستة، وأما المرأتان المذكورتان في الإسناد فحديثهما في كتب السنن الأربعة.
سؤر الحمار

شرح حديث: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب سؤر الحمار.أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أنس ، قال: أتانا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: سؤر الحمار، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة غزوة خيبر وما حصل فيها من إقدامهم على ذبح الحمر الأهلية وطبخها، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي بتحريم ذلك ومنع أكلها، وأنهم كفئوا القدور ورموا ما فيها وغسلوها، وجاء في النداء: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس)، وجاء في بعض الروايات: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس)، وهذا الحديث جاء في قصة خيبر وفي تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وأن ذلك حرم في تلك السنة، وأن الصحابة لما أقدموا على طبخها وجعلها في القدور والإيقاد عليها، أمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي بتحريم ذلك ومنع ذلك، فبادروا إلى إكفاء القدور وإلى غسلها.وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها رجس) قوله: (إنها) يرجع إلى لحومها أو إلى الحمر نفسها، وقيل في معنى (رجس) أنها بمعنى القذر، وقيل: إنها بمعنى النجس. والدليل على ذلك أنهم لما أكفئوا القدور غسلوها، يعني: من النجاسة، ومن المعلوم أنهم لما ذبحوها صارت ميتة، ومن المعلوم أن ما لم يؤكل لحمه فالذكاة لا تؤثر فيه حلاً؛ لأن ما يؤكل لحمه إذا ذكي صار طيباً ولم يكن نجساً، أما إذا مات فإنه يكون ميتاً ويكون نجساً، أما ما لا يؤكل لحمه فالذكاة لا تؤثر فيه طهارة، بل ذبحه وموته حتف نفسه سيان؛ لا فرق بين أن يموت بنفسه أو يموت بذبح الناس له, أو بقتل الناس له، فإنه لا فرق بين هذا وهذا بخلاف ما يؤكل لحمه؛ فإنه فرق بين أن يموت حتف نفسه وبين أن يموت بفعل الناس؛ ولهذا لما طبخوا اللحم الذي ذبحوه فهو ميتة؛ لأنه في معنى الميتة، ولا فرق بينه وبين الميتة؛ لأن الذكاة لا تؤثر فيه طهارة وحلاً، فأكفئوا القدور وغسلوها، يعني: غسلوها من ذلك النجس ومن ذلك القذر الذي هو لحوم الحمير.وأما فيما يتعلق بسؤر الحمار وكونه يشرب من الماء فلا يدل على نجاسته أو على أن ما يشرب منه الحمار يكون نجساً؛ لأن الحمار مثل الهرة، ولا فرق بين الحمار والهرة؛ فالهرة حرام أكلها والحمار حرام أكله، فشرب الهرة وشرب الحمار من ماء قليل لم يبلغ القلتين لا يؤثر فيه نجاسة، ولا يقتضي الأمر بإراقته، وهو مما يبتلى به الناس، بل من ذلك: عرق الحمار عندما يركبه الإنسان، فإنه لا يؤثر في الراكب، ولا يقال: إنه نجس فيغسل الإنسان ما أصابه من عرق الحمار، فإنهم كانوا يركبون الحمير ويستعملونها للركوب، ويعرقون عليها وتعرق أجسادها ويصيبهم عرقها، وما أمروا بأن يزيلوا ذلك الشيء الذي أصابهم من عرقها، فكذلك ما يحصل من سؤرها فهو مثل سؤر الهرة، فلا يقال: إنه ينجس، ولا يقال: إنه يحرم استعماله وتجب إراقته كما في سؤر الكلب الذي جاء الأمر بإراقته، وجاء الأمر بغسله سبع مرات لكونه نجساً، ولكون نجاسته مغلظة لا تحصل الطهارة إلا بسبع مرات, وبالتتريب مع واحدة من السبع، وهي الأُولى كما سبق أن عرفنا ذلك فيما مضى.وإنما جاء في هذا الحديث أن ما يقتضي منعه وما يقتضي نجاسته وعدم طهارته هو لحومها؛ فإنها نجسة سواء ذبحت أو ماتت حتف نفسها، ولا يجوز استعمالها، وإذا وضعت في شيء فإنه يغسل بعد وضع ذلك اللحم فيه من أجل النجاسة. وقوله: (إن الله ورسوله ينهيانكم) في الرواية الأخرى، الأمر من كونه بالتثنية واضح، ولكن يرد عليه إشكال وهو ما جاء في قصة الخطيب الذي كان يخطب وقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وأنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث التي فيها ذكر التثنية وفق العلماء بينها وبين حديث الخطيب أو قصة الخطيب بأن مقام الخطبة يقتضي الإيضاح والبيان ولا يقتضي الاختصار، بخلاف غير ذلك مما جاءت به الأحاديث، فإن مجيئها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة يدل على أنها سائغة وأنها جائزة، لكن الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم أن ما حصل من الخطيب خلاف ما يقتضي الإيضاح والبيان والتفصيل وعدم الإجمال الذي يكون الناس بحاجة فيه إلى التفصيل والإيضاح.وعلى رواية الإفراد: (إن الله ينهاكم ورسوله عليه الصلاة والسلام) باعتبار أنه مبلغ؛ لأن النهي إنما هو من الله، والتشريع إنما هو من الله، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ لأمر الله ولشرع الله، فهو عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما يتكلم به فهو وحي من الله عز وجل، وما يحصل منه من التحليل والتحريم إنما هو وحي من الله سبحانه وتعالى.فإذاً: الضمير في الإفراد يرجع إلى الله عز وجل، والرسول عليه الصلاة والسلام هو مبلغ، ويكون شأنه أن الأمر من الله والتبليغ من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا جاء إضافة القول الذي هو القرآن إليه باعتبار التبليغ، كما جاء إضافته إلى جبريل في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40]، فيراد بالرسول الكريم جبريل، وجاءت في سورة الحاقة ويراد بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام، والمقصود من ذلك: أن قولهما مبلغين لا منشئين ومبتدئين، وإنما الابتداء هو من الله عز وجل؛ فهو الذي تكلم به، وهو الذي بدأ منه الكلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم وجبريل إنما بلغا كلام الله عز وجل، فإضافته إليهما إضافة تبليغ وإيصال إلى الناس.وهنا إضافة النهي إلى الله عز وجل؛ لأنه هو الذي يأمر وينهى، وهو الذي يحصل منه التشريع، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله سبحانه وتعالى.

تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس)

قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد ].هو المقرئ المكي، وقد سبق أن مر ذكره، وقد روى له النسائي وابن ماجه من أصحاب الكتب.[ حدثنا سفيان ].هذا مهمل، وهو يحتمل عند الإطلاق: الثوري , ويحتمل ابن عيينة ، لكن المراد به: سفيان بن عيينة ، والدليل على ذلك أنه جاء في بعض الطرق عند البخاري مسمى، قال: حدثنا ابن عيينة ، ففيه تسمية ابن عيينة ، فعرف أن سفيان بن عيينة هو هذا المهمل الذي لم ينسب. وأمر آخر يدل على ذلك: وهو أن محمد بن عبد الله بن يزيد مكي، وابن عيينة مكي، فلو لم يأت ما يدل على تسميته في بعض الطرق لكان تقديم سفيان بن عيينة هو الأظهر وهو الأقرب؛ لكونهما من بلد واحد، لكن الأمر لا يحتاج إلى هذا لوجود التصريح بتسميته, وأنه سفيان بن عيينة في بعض الطرق عند الإمام البخاري في إسناد الحديث نفسه.وسفيان كما عرفنا سابقاً هو من رجال الجماعة.[ عن أيوب ].هو ابن أبي تميمة السختياني ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأيوب بن أبي تميمة اسمه: كيسان السختياني ، وهو أيضاً من الحفاظ الثقات، وهو أيضاً من رجال الجماعة.[ عن محمد ].هو ابن سيرين ، وقد مر ذكر محمد بن سيرين ، وهو من الثقات الحفاظ العباد، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس ].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي مر ذكره كثيراً في الأحاديث السابقة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبمناسبة ذكر سفيان بن عيينة في الإسناد سبق أن مر بنا إسناد فيه رواية -وهو التاسع والأربعون- عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان ، وسفيان يروي عن الأعمش ومنصور ، وقد عرفنا فيما مضى أن عبد الرحمن روى عن السفيانين، والأعمش ومنصور روى عنهما السفيانان، فكيف نعرف أيهما سفيان؟ عبد الرحمن بن مهدي بصري، وسفيان الثوري كوفي، والبصرة قريبة من الكوفة، وشيخا السفيانين -هما: منصور والأعمش- من أهل الكوفة، فـالثوري أقرب، لكن قد وجد ما يوضح ذلك في التسمية، ففي حديث السنن الكبرى للبيهقي عندما ذكر حديث سلمان الفارسي الذي روي من هذه الطريق التي أشرت إليها قال: ورواه الثوري عن منصور عن الأعمش ، فذكره وفيه زيادة: ( ولا يستنجي أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار ) التي هي موجودة في نفس الحديث، فتبين بهذا أن سفيان الذي لم ينسب هو سفيان الثوري وليس سفيان بن عيينة ؛ لوجود التصريح به في سنن البيهقي، وهو في الجزء الأول في صفحة مائة وواحد من السنن الكبرى للبيهقي ، وقد دلنا على هذا أحد الطلبة الذي اطلع على ذلك وأخبرني، واطلعت عليه ووجدته كذلك.ثم لو لم يوجد هذا التصريح فإن سفيان الثوري أقرب من جهة ما أشرت إليه أن سفيان الثوري من أهل الكوفة، والشيخان اللذان يروي عنهما السفيانان هما من أهل الكوفة، وعبد الرحمن بن مهدي من أهل البصرة، والبصرة قريبة من الكوفة، وسفيان بن عيينة مكي، فإذاً كون سفيان الثوري لو لم يأت لكان أقرب؛ لكونهما من أهل بلد واحد، ومعلوم أن أهل البلد يلازم بعضهم بعضاً، والملازمة تكون بين أهل البلد بخلاف الذي يكون من بلد آخر، فإنه لا يحصله إلا برحلة وبسفره وما إلى ذلك، بخلاف الساكن هو وإياه في بلد واحد يلقاه كل يوم أو يلقاه كل أسبوع أو يلقاه مراراً وتكراراً، فإن هذا يكون أقرب من غيره ممن لا يلقاه إلا بسفر أو بمناسبة أو في أوقات متباعدة. ومن الأشياء التي ننبه عليها: أنه سبق أن مر بنا يحيى بن عتيق في أحد الأسانيد الماضية، وأنا قلت فيما يتعلق في النسائي : وهو روى عنه، والحافظ رمز له بأنه روى عنه البخاري تعليقاً, ومسلم وأبو داود والنسائي ، ومسلم روى له حديثاً واحداً؛ وهو الحديث الذي فيه: ( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ) كما ذكر ذلك صاحب الجمع بين رجال الصحيحين حيث قال: روى عنه فلان، يعني: في هذا الحديث، فهو من رجال مسلم، وقد روى عنه هذا الحديث الذي هو: ( لا هامة ولا صفر )، وهو يحيى بن عتيق .وزياد بن سعد الذي مر ذكره سابقاً، والذي خرج حديثه أصحاب الكتب، وقلت وهو سبق لسان: إنه أثبت أصحاب مالك والصحيح أنه أثبت أصحاب الزهري وليس أصحاب مالك، قال سفيان بن عيينة الذي هو من أصحاب الزهري : هو أثبت أصحاب الزهري ؛ يعني: زياد بن سعد ، من دون أنه أثبت أصحاب مالك، فليحذف لفظ مالك، ويثبت مكانها الزهري.
سؤر الحائض

شرح حديث عائشة: ( كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعت وأنا حائض ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب سؤر الحائض.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاه حيث وضعت وأنا حائض، وكنت أشرب من الإناء فيضع فاه حيث وضعت وأنا حائض).هنا أورد النسائي: باب سؤر الحائض، وهو بقية ما تأكل، وأن ذلك لا بأس به، وأن كونها حائضاً ومتصفة بهذا الوصف لا يقتضي الامتناع عن مؤاكلتها وعن مجالستها ومساكنتها، والإسلام جاء في هذا الأمر وسط بين ما عند اليهود وما عند النصارى، فاليهود والنصارى في طرفين والإسلام وسط بينهم؛ فاليهود عندهم أنهم لا يؤاكلون الحائض ولا يجالسونها وإنما يعتزلونها، والنصارى على عكسهم يبالغون في مخالطتها حتى أنهم يجامعونها، فهؤلاء ضدان: إفراط وتفريط، فهؤلاء أفرطوا حيث تجنبوها نهائياً حتى في المؤاكلة، وهؤلاء فرطوا حتى بلغ الأمر بهم إلى أنهم يجامعونها، والإسلام جاء في أنها لا تجامع ولكنها تؤاكل وتشارب، ويحصل الاختلاط بها والاتصال بها ومباشرتها في غير الجماع، فلما كانت الحائض فيها هذا الوصف -الذي تمتنع فيه من الصلاة وتمتنع من الصيام- وبسبب ذلك الدم الذي حصل لها، وكان اليهود والنصارى فيها على طرفي نقيض، جاء الإسلام في التوسط بين هذين، فمنع من مجامعتها ومن الاستمتاع بها في الجماع، وأباح ما عدا ذلك من مؤاكلتها ومخالطتها. وقد أورد النسائي في هذا حديث عائشة رضي الله عنها الذي يوضح هذا المعنى، وهو أنها قالت: (كنت أتعرق العرق) يعني: العظم الذي عليه لحم أو بقية لحم، يعني: تمسك العظم وتأكل منه، فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم العرق الذي هو العظم الذي به بقية اللحم فيضع فمه في المكان الذي وضعت فيه فمها، ومعناه: أن سؤرها وما مس فمها مسه فم رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكذلك كانت تشرب من إناء فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم منها الإناء ويضع فمه في المكان الذي كانت تضع فمها في الإناء؛ لأن المكان التي تشرب منه مكان معين، فكان يتعمد ويأخذ الإناء ويضع فمه في المكان، لا في أي مكان من الإناء، وإنما في نفس المكان التي وضعت فيه فمها، فهذا يدل على ما ترجم له النسائي من أن الحائض وإن كانت لها أحكام تخصها، وفيها هذا الوصف الذي تمتنع فيه من الصلاة ومن الصيام، فإن ذلك لا يقتضي منابذتها وعدم مجالستها والاختلاط بها.والعرق: هو العظم الذي عليه بقية لحم قليل، وقد جاء في الحديث الذي في قصة المنافقين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً) ثم قال: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)، يعني: لو يعلم أن في المسجد لحماً يؤكل، ويكون عظماً عليه بقية لحم يوجد في المسجد لجاء إلى المسجد ليأخذ نصيبه من اللحم ومن هذا العظم الذي عليه بقية لحم، لأن همهم الدنيا ولو كان ذلك الذي يحصلونه من الدنيا تافهاً وقليلاً، ولا يهتمون في أمور الآخرة، ولا يعنون فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، ولهذا قال: (لو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً)، لكن همهم الدنيا، فلو كان في المسجد لحم يوزع أو لحم يؤكل، وكان ذلك اللحم تافهاً ويسيراً، وهو عظم عليه بقية لحم لشهد الواحد منهم العشاء لينال نصيبه من اللحم. وأما النصيب الذي هو في الآخرة، والذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبوا)، ولهذا تثقل عليهم الصلوات, والصلوات كلها ثقيلة، ولكن العشاء والفجر أشد، ولهذا قال: ( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء )، يعني: كلها ثقيلة ولكن هذه أثقل من غيرها؛ لأن العشاء في أول الليل في وقت كان الناس فيه في تعب وبحاجة إلى النوم، والفجر تكون في آخر الليل الذي فيه الناس مستغرقين في النوم، فطاب لهم الفراش وارتاحوا في النوم. والمقصود من قوله: (عرقاً) في حديث: ( لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً ) أي: عظم عليه بقية لحم سمين، فيتعرق العظم، وينهش منه ويأكل منه بأسنانه، لا يقطع بيده ويأكل وإنما يضع العظم ويقربه إلى فمه، وينهش منه ويأكل منه.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة: ( كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعت وأنا حائض ...)

قوله: [خبرنا عمرو بن علي]عمرو بن علي هو الفلاس البصري, المشهور بالمحدث الثقة، وهو من أئمة التجريح والتعديل، وكثير ذكر كلامه في الرجال في التعديل والتوثيق والتجريح، فهو من الحفاظ ومن أئمة الجرح والتجريح، وأحاديثه في الكتب الستة، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة في كتبهم. [حدثنا عبد الرحمن].هو ابن مهدي ، وعبد الرحمن هو أحد الحفاظ الثقات، ومن أئمة الجرح والتعديل، وهو من رجال الكتب الستة.[عن سفيان].سفيان هذا غير منسوب، ما جاء أنه ابن عيينة ولا الثوري ، وعبد الرحمن بن مهدي يروي عن سفيان الثوري وسفيان بن عيينة كما سبق أن عرفنا ذلك في الحديث الذي نبهت عليه قبل قليل, والذي يروي فيه سفيان عن الأعمش ومنصور، وهنا سفيان يروي عنه عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الرحمن بن مهدي روى عن السفيانين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، لكن الذي يروي عنه سفيان هو المقدام بن شريح ، والمقدام بن شريح ما روى له ابن عيينة، وإنما ذكروا في تهذيب الكمال أن الذي روى عنه هو الثوري، وما ذكر أن سفيان بن عيينة روى عنه.فإذاً: سفيان يكون هو الثوري من جهة أن المقدام بن شريح لم يذكر في من روى عنه ابن عيينة، وأيضاً المقدام بن شريح كوفي، وسفيان الثوري كوفي. فإذاً أولاً: ما جاء أن سفيان بن عيينة روى عن المقدام بن شريح، وأيضاً سفيان الثوري هو من أهل الكوفة والمقدام بن شريح بن هانئ من أهل الكوفة، فإذاً سفيان هذا المهمل هو الثوري وليس ابن عيينة.[عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة].المقدام قد تقدم ذكره مراراً، وأبوه هو شريح بن هانئ وقد سبق أن مر ذكر شريح في الرواية عن عائشة، وشريح من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، وعائشة رضي الله عنها وأرضاها هي أم المؤمنين وهي إحدى الصحابيات، وهي معروفة بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 367.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 361.60 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.60%)]