|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#281
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 112الى صـــ 121 (281) قال وإن طلب البائع يمين المشتري بالله ما رضي بالعيب منذ علم به ولا عرضه على بيع حلفه على ذلك ; لأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه ، فإذا أنكر يستحلف عليه لرجاء نكوله . قال والعزل عيب وهو أن يعزل ذنبه في أحد الجانبين وذلك يكون عادة لا خلقة وإنما يفعل ذلك إذا راث وربما يحول الذنب من جانب إلى جانب حتى يلطخ وركيه بالروث وذلك ليتقذر ويعد عيبا يرد به . قال والمشش عيب وهو شيء يشخص في وظيفته حتى يكون له حجم ليس له صلابة العظم قال الوظيف مستدق الساق قال والحرد عيب ، وهو كل ما حدث في عرقوبه من تزيد أو انتفاخ عصب قال والزوائد عيب ، وهو أطراف عصب يتفرق عند العجانة وينقطع عندها ويلصق بها والحرن عيب فمنهم من يقول الخزر ، وهو ضيق مفرط في العين والأظهر هو الحرن فإنه ذكر في جملة عيوب الفرس ، وهو أن لا تنقاد للراكب عند العطف والسير ، وهو نوع من الجمح والجمح عيب يخل بالمقصود وخلع الرأس عيب ، وهو أن يكون به حيلة يخلع رأسه من العذار ، وإن شد عليه ، وهو مما يعد عيبا وربما بطل سببه وبل المخلاة عيب إذا كان ينقص الثمن ، وهو أن يسيل لعاب الفرس على وجه تبتل المخلاة به إذا جعلت على رأسه وفيها علفه وقيل أن يأخذ المخلاة بشفتيه فيرمي بها ، وهذا نوع من الجمح فهو عيب إذا كان ينقص الثمن والمهقوع عيب والهقعة دائرة في عرض زوره يعد عيبا ويتشاءم به ومنه يقال اتق الخيل المهقوع والانتشار عيب ، وهو انتفاخ العصب عند التعب والعصب الذي ينشر هي العجانة وتحرك السطا كانتشار العصب غير أن الفرس لانتشار العصب أشد احتمالا منه لتحرك السطا والغرب عيب ، وهو ورم في المآقي وربما يسيل منه شيء حتى قال محمد إذا كان ذلك سائلا فصاحبه في حكم الطهارة كصاحب الجرح السائل . والشتر عيب ، وهو انقلاب في الأجفان وبه كان يسمى الشتر وهذا يمكن ضعفا في البصر والحول عيب فإنه يمكن ضعفا في البصر حتى يرى الأحول الشيء الواحد شيئين والحوص والفتل عيب ، وهو نوع من الحول إلا أنه إذا كان يميل إنسان [ ص: 113 ] العين إلى الجانب المقدم يسمى فتلا وإذا كان إلى الجانب المؤخر فهو الحوص والطفر عيب وهو بياض يبدو في إنسان العين يسمى بالفارسية باحسه وذلك يمكن ضعفا في البصر وربما يمنع البصر أصلا والشعر في جوف العين يكون عيبا ; لأنه يضعف البصر . والجرب عيب سواء كان في العين أو في غير العين ; لأن الجرب في العين ضعفا في البصر وفي غير العين يكون لداء في البدن ، وكذلك الماء في العين عيب ; لأنه يضعف البصر وريح السبل عيب فإنه يضعف البصر وربما يذهب به . والسعال القديم عيب إذا كان من داء ، أما القدر المعتاد منه فلا يعد عيبا ، فإذا كان قديما فذلك من داء في البدن والداء نفسه عيب والاستحاضة عيب ; لأن الاستحاضة لداء في البدن ثم سيلان الدم إذا كان مستداما فربما يصيبها ويقتلها والتي يرتفع حيضها زمانا عيب ; لأن ذلك لا يكون إلا من داء في البدن ومنه يكون مواد المرض للمرأة فإن الرطوبة إذا كانت تسيل منها في وقتها تكون صحيحة البدن وإذا لم تسل اصفر لونها ولأنها إذا كانت لا تحيض فإنها لا تحبل أيضا فعرفنا أنه يخل بما هو المقصود منها . وإذا اشترى عبدا عليه دين لم يعلم به ثم علم بذلك فله أن يرده ; لأن قيام الدين عليه مما يعده التجار عيبا وتكون ماليته مشغولة بحق الغرماء فهو عيب حكمي كعيب النكاح إلا أن يقضي عنه البائع دينه أو يبرئه الغرماء منه فبذلك يزول العيب وزوال العيب قبل الخصومة يسقط حق المشتري في الرد ، أما إذا علم بالدين ثم اشتراه هل له أن يرده عند محمد لا استدلالا بسائر العيوب وعند أبي يوسف له أن يرده كما إذا كان مستحقا ، وهو عالم به له أن يرده كذلك هنا . وإذا اشترى جارية فوجدها محرمة فليس ذلك بعيب ; لأن له أن يحللها عندنا وقال زفر ليس له أن يحللها ولكنه يردها بالعيب ; لأنها دخلت في ملكه ، وهي بهذه الصفة فلا يكون له أن يحللها كما لو اشتراها ، وهي منكوحة لا يكون له أن يفسخ النكاح ولكنه يردها بالعيب ولكنا نقول المشتري قائم فيها مقام البائع وقد كان للبائع أن يحللها ، فإذا كانت أحرمت بغير إذنه حللها من غير كراهة وإذا كانت أحرمت بإذنه فله أن يحللها ، وإن كان ذلك مكروها لما فيه من خلف الوعد فكذلك المشتري ولا يكره ذلك للمشتري ; لأن خلف الوعد لا يوجد منه بهذا وبه فارق النكاح فهناك لم يكن للبائع أن يفرق بينهما بعد صحة النكاح فكذلك للمشتري ، وهذا لأن لزوم النكاح لحق الزوج ، وقد كان مقدما على حق المشتري فأما [ ص: 114 ] لزوم الإحرام فلحق الشرع وحق الآدمي في المحل مقدم ; فلهذا كان للمشتري أن يحللها وإذا تمكن من إزالة العيب فليس له أن يردها به ، وإن كانت في عدة من زوج فإن كان الطلاق رجعيا وله أن يردها كان النكاح قائما والزوج يستند بالرجعة إلا إذا انقضت العدة قبل الخصومة فحينئذ لا يردها لزوال العيب ، وإن كانت العدة من طلاق بائن أو موت فليس هذا بعيب ; لأن هذا مما لا يعده التجار عيبا فالعيب هو النكاح وقد انقطع والحرمة بهذا السبب نظير الحرمة بسبب الحيض كما أن ذلك لا يكون عيبا ، فهذا مثله . وإذا وجد بالجارية عيبا فأراد أن يردها فقال البائع : ما هذه بجاريتي فالقول قوله مع يمينه ; لأن العيب لا يمنع تمام القبض والرد بحكمه لا ينفرد المشتري به من غير قضاء ولا رضا فالمشتري يدعي ثبوت حق الرد له في هذا المحل والبائع ينكر والقول قوله مع يمينه بخلاف ما سبق من خيار الشرط والرؤية . وإن اشتراها على أنها بكر فقال وجدتها ثيبا لا يصدق على ذلك إلا ببينة ; لأن البكارة في النساء أصل فالمشتري يدعي عارضا ليثبت لنفسه حق الرد به فهو بمنزلة دعوى العيب فلا يصدق عليه إلا ببينة . قال وإذا اشترى جوزا أو بيضا فوجده فاسدا كله وقد كسره فله أن يرده ويأخذ الثمن كله ، أما البيض فالفاسد منه ليس بمال متقوم إذ هو غير منتفع به ولا قيمة لقشره فتبين أن أصل البيع كان باطلا وأما الجوز فالمقصود منه اللب دون القشر ولا قيمة لقشره في المواضع التي يكثر فيها الحطب وفي المواضع التي يندر فيه الحطب فإن كان لقشره قيمة لكن مالية الجوز قبل الكسر باعتبار اللب دون القشر ، فإذا كان حادثا أن منتن اللب لا يصلح للانتفاع به فكان البيع باطلا فأما إذا كان قليل اللب أو أسود اللب ، فهذا بمنزلة العيب ، فإذا وجده كذلك بعد الكسر رجع بنقصان العيب من الثمن عندنا وقال الشافعي : يرده ، وكذلك البطيخ والقرع والفاكهة إذا وجدها فاسدة كلها بعدما يكسرها فإن كانت لا تساوي شيئا رجع جميع الثمن ; لأنه تبين بطلان البيع ، وإن كانت بحيث يأكلها بعض الناس أو تصلح لعلف الدواب يرجع بحصة العيب من الثمن عندنا وقال الشافعي : له أن يرده ; لأنه لا يتمكن من الرد إلا بعد العلم بالعيب ولا طريق له إلى معرفة العيب سوى الكسر ولا يصير ذلك مانعا حقه في الرد وهذا لأن دفع الضرر عن المشتري واجب بحسب الإمكان والبائع هو الذي سلطه على الكسر فكأنه فعل ذلك بنفسه ولكنا نقول الكسر عيب حادث بفعل المشتري [ ص: 115 ] وذلك يمنعه من الرد كما لو تعيب المبيع بعيب آخر وهذا ; لأن الرد لدفع الضرر عن المشتري ، وإنما يتمكن منه على وجه لا يلحق الضرر بالبائع ثم مراعاة جانب البائع أولى فإن حق المشتري لا يبطل أصلا ولكن يرجع بنقصان العيب من الثمن والضرر الذي يلحق البائع بالرد لا يمكن دفعه بعوض ; فلهذا رجحنا جانبه وهذا إذا وجد الكل فاسدا فإن وجد البعض بهذه الصفة فالكلام في حصة ذلك كالكل إذا وجده فاسدا إلا أن في الجوز إذا كان الفاسد منه مقدار ما لا يخلو الجوز منه عادة كالواحدة والاثنين في كل مائة فليس له أن يخاصم البائع لأجله ; لأنه عند الإقدام على الشراء راض به على الوجه المعتاد والجوز في العادة لا يخلو عن هذا فلا يخاصم فيه لأجل ذلك . قال وإذا اشترى عبدا قد حل دمه بقصاص أو ردة فقتل عند المشتري رجع على البائع بالثمن كله في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يقوم حلال الدم وحرام الدم فيرجع بتفاوت ما بين القيمتين من الثمن ; لأن العبد بعدما حل دمه مال متقوم وحل الدم عيب فيه ومن اشترى شيئا معيبا وتعذر عليه رده بعدما قبضه رجع بحصة العيب من الثمن كما لو كان زانيا فجلد عند المشتري ومات وبيان الوصف أن بيع حلال الدم صحيح وبالقبض ينتقل إلى ضمان المشتري بدليل أنه لو مات كان الثمن متقررا على المشتري ، ولو تصرف فيه المشتري نفذ تصرفه فيه ، ولو كان عالما حين اشتراه أنه حلال الدم لم يرجع بشيء فعرفنا أن حل الدم عيب فيه يوضحه أن البيع يرد على محل غير مستحق بسبب حل الدم فالمستحق به النفس وإنما يملك بالبيع المالية ومحل الدم لا يعدم المالية ولا يصير يستحقه وإنما تلفت المالية باستيفاء القتل ، وذلك فعل أنسأه المستوفي باختياره بعد ما دخل المبيع في ضمان المشتري بخلاف ما إذا استحق المبيع بملك أو حق رهن أو دين ; لأن المستحق هناك ما تناوله البيع فينقص به قبض المشتري من الأصل وفي الكتاب استدل بما لو اشترى حاملا وقبضها فولدت وماتت في نفاسها لم يرجع بجميع الثمن ، وإن كان أصل السبب في يد البائع وعذركم أن الغالب في الولادة السلامة يشكل على أصل أبي حنيفة بالجارية المغصوبة إذا حبلت ثم ردها الغاصب فماتت في نفاسها يرجع المغصوب منه على الغاصب بقيمتها وفي هذا الفرق نوع تناقض . وأبو حنيفة يقول زالت يد المشتري عن البيع كسبب الإزالة مستحقة في يد البائع فيرجع بالثمن كما لو استحقه مالك أو مرتهن أو صاحب دين ; وهذا لأن الإزالة [ ص: 116 ] لما كانت مستحقة قبل قبض المشتري ينتقض بها قبض المشتري من الأصل فكأنه لم يقبضه وإنما قلنا ذلك ; لأن القتل بسبب الردة مستحق لا يجوز تركه وبسبب القصاص مستحق في حق من عليه إلا أن ينشئ من هو له عفوا باختياره ، والبيع وإن كان يرد على المالية ولكن استحقاق النفس بسبب القتل والقتل متلف للمالية في هذا المحل فكان في معنى علة العلة وعلة العلة تقام مقام العلة في الحكم فمن هذا الوجه المستحق كأنه المالية ولا تصور لبقاء المالية في هذا المحل بدون النفسية والنفسية مستحقة بالسبب الذي كان عند البائع فيجعل ذلك بمنزلة استحقاق المالية ; لأن ما لا ينفصل عن الشيء بحال فكأنه هو ولا تصور لبقاء المالية في هذا المحل بدون النفسية إلا أن استحقاق النفسية في حكم الاستيفاء فقط وانعقاد البيع صحيحا وراء ذلك وإذا مات في يد المشتري فلم يتم الاستحقاق في حكم الاستيفاء فلهذا هلك في ضمان المشتري وإذا قبل فقد تم ذلك الاستحقاق ولا يبعد أن يظهر الاستحقاق في حكم الاستيفاء دون غيره كملك الزوج في زوجته وملك من له القصاص في نفس من عليه القصاص لا يظهر إلا في الاستيفاء حتى إذا وطئت المنكوحة بالشبهة كان المهر لها وإذا قتل من عليه القصاص إنسان فالدية تكون لورثته دون من له القصاص . وهذا بخلاف الزنا وزنا العبد لا يصير نفسه مستحقة وإنما المستحق عليه ضرب مؤلم واستيفاء ذلك لا ينافي المالية في المحل وإذا اشتراه ، وهو يعلم محل دمه ففي أصح الروايتين عن أبي حنيفة يرجع بالثمن أيضا إذا قتل عنده ; لأن هذا بمنزلة الاستحقاق ، وفي الرواية الأخرى لا يرجع ; لأن حل الدم من وجه كالاستحقاق ومن وجه كالعيب حتى لا يمنع صحة المبيع فلشبهه بالاستحقاق قلنا عند الجهل به يرجع بجميع الثمن ولشبهه بالعيب قلنا لا يرجع عند العلم بشيء ; لأنه إنما جعل هذا كالاستحقاق لدفع الضرر عن المشتري وقد اندفع حين علم به ، وأما الحامل فهناك السبب الذي كان عند البائع يوجب انفصال الولد لا موت الأم بل الغالب عند الولادة السلامة فهو نظير الزاني إذا جلد وليس هذا كالغصب ; لأن الواجب على الغاصب فسخ فعله ، وهو أن يرد المغصوب كما غصب ولم يوجد ذلك حين ردها حاملا ، وهنا الواجب على البائع تسليم المبيع كما أوجبه العقد وقد وجد ذلك ثم إن تلف بسبب كان الهلاك مستحقا به عند البائع ينتقض قبض المشتري فيه ، وإن لم يكن مستحقا لا ينتقض قبضه فيه . وعلى هذا الأصل لو كان العبد سارقا فقطعت يده عند [ ص: 117 ] المشتري رجع بحصة العيب من الثمن عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله بأن يقوم سارقا وغير سارق وعند أبي حنيفة يرجع بنصف الثمن ; لأن قطع اليد كان مستحقا عليه بسبب كان عند البائع واليد من الآدمي نصفه فينتقض قبض المشتري في النصف فيكون المشتري بالخيار إن شاء رجع بنصف الثمن ، وإن شاء رد ما بقي ويرجع بجميع الثمن على البائع كما لو قطعت يده عند البائع ، وإن مات العبد من ذلك قبل أن يرده لم يرجع إلا في نصف الثمن ; لأن النفس ما كانت مستحقة في يد البائع ، ألا ترى أن على الإمام أن يتحرز عن السراية بأن لا يقطع في البرد الشديد ولا في الحر الشديد وأن يحسم بعد القطع فقبض المشتري لا ينتقض في النصف الباقي ، وإن سرى . قال : وإن اشترى جارية وعبدا فزوجهما ثم وجد بهما عيبا لم يكن له أن يردهما ; لأن النكاح فيهما عيب حادث عنده فإن أبانها ولم يكن دخل بها كان له أن يردهما لزوال العيب الحادث عنده ولم يجب المهر بهذا النكاح فإن المولى لا يستوجب على عبده دينا . قال وإذا شهد شاهد أنه اشترى هذا العبد وهذا العيب به وشهد آخر على إقرار البائع به لم تجز الشهادة لاختلاف الشاهدين في المشهود به فأحدهما يشهد بقول والآخر بعيب معاين وليس على واحد من الأمرين شهادة شاهدين . ولو باع عبده من نفسه بجارية ثم وجد بها عيبا كان له أن يردها ويأخذ منه قيمة نفسه في قول أبي حنيفة الآخر ، وهو قول أبي يوسف رحمهما الله وكان يقول أو لا يرجع بقيمة الجارية ، وهو قول محمد ، وكذلك لو ماتت قبل أن يقبضها المولى واستحقت ، وكذلك لو حدث بها عيب عند المولى حتى تعذر ردها بالعيب ففي قوله الآخر يرجع بحصة العيب من قيمة العبد وفي قوله الأول من قيمة الجارية . وجه قوله الأول أن هذا مبادلة مال بما ليس بمال فعند الاستحقاق والرد بالعيب يكون رجوعه بقيمة ما هو بدل له كما في النكاح والخلع والصلح من دم العمد إذا استحق البدل وكان بعينه رجع بقيمته وبيان الوصف أن الذي من جهة المولى في هذا العقد الإعتاق فإن بيع العبد من نفسه إعتاق ، وذلك ليس بمال والدليل عليه أن الحيوان يثبت دينا في الذمة بمقابلته فإن العبد يعتق على ملك المولى حتى يكون الولاء له وإن الوكيل من جانب المولى في هذا العقد لا يكون له قبض البدل ولا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبول العبد أنه لا يملك الرجوع عنه والأجل إلى الحصاد ونحوه يثبت في بدله وأن البدل لا يرد إلا بالعيب الفاحش عرفنا [ ص: 118 ] أنه في حكم مبادلة مال بما ليس بمال وتأثيره وهو أن استحقاق الجارية لورودها بالعيب لا ينفسخ العقد فكيف ينفسخ وقد عتق العبد ، فإذا لم ينفسخ فقد تعذر تسليم الجارية مع قيام السبب الموجب للتسليم فتجب قيمتها واستدل بالكتابة فإنه لو كاتبه على جارية بغير عينها فأداها وعتق ثم وجد المولى بها عيبا ردها وأخذ مثلها صحيحة فإن حدث بها عيب عند المولى رجع بنقصان العيب من قيمة الجارية . وكذلك في بيع العبد من نفسه بجارية ووجه قوله الآخر أن المولى أزال عن ملكه مالا بإزاء مال ، فإذا لم يسلم ما بذل له رجع بقيمة ما بذل كما لو باعه من فرسه بجارية فعتق على القريب ثم استحقت الجارية رجع المولى بقيمة العبد وبيان الوصف أن يقول تصرف المولى باعتبار ملكه وليس له في العبد إلا ملك المالية إلا أن إزالة ملك المالية إذا لم تكن إلى مالك يكون موجبا عتق العبد فأما تصرف المولى من حيث الإزالة ملك فتلاقي ملكه . وملكه ملك المالية وتحقيق هذا الكلام أن في حق ما يسلم للعبد في هذا في معنى مبادلة المال بما ليس بمال ; لأن الذي سلم للعبد العتق ، وهو ليس بمال وفيما يزيله المولى عن ملكه هذا مبادلة المال بالمال فعند الاستحقاق والرد بالعيب مراعاة جانب المولى أولى ; لأن الحاجة في دفع الضرر عن المولى فأما العتق فسالم للعبد بكل حال ولأن العتق للعبد يبنى على إزالة المولى ملكه فيعتبر ما هو الأصل وباعتباره هذا مبادلة مال بمال ، ألا ترى أنه إذا أعتق عبدا على خمر يجب على العبد قيمة نفسه وما كان ذلك إلا بالطريق الذي قلنا فكذلك إذا استحق البدل أو هلك قبل التسليم وقوله إن السبب لم ينفسخ على إحدى الطريقتين يقول في حق المولى قد انفسخ السبب ولأن في حقه مبادلة المال بالمال ولكن يتعذر عليه استرداد العبد لنفوذ العتق فيجب رد قيمته كالمدبر إذا مات المولى وعليه دين مستغرق أو قتله مولاه تبطل وصيته ولكن يتعذر رده إلى الرق فيجب عليه السعاية في قيمته وعلى الطريق الآخر يقول لا ينفسخ السبب ولكن لم يسلم للمولى العوض فيرجع بمثله ومثل الجارية بحكم هذا العقد ما هو عوضها وهو مالية العبد فإنما يرجع بقيمة العبد بهذا بخلاف النكاح فإن عوض الصداق هناك ليس بمال متقوم ليكون الرجوع بماليته فلهذا صرنا إلى قيمة الصداق هناك . وفي الكتاب قيل الجواب قول محمد فإن من عادته الاستشهاد بالمختلف لإيضاح الكلام ولئن سلمنا فنقول : بدل الكتابة ليس لمقابلة رقبة المكاتب بل بمقابلة ما يسلم للمكاتب [ ص: 119 ] لعقد الكتابة ، وهو كونه أحق بنفسه ومكاسبه ، وذلك ليس بمال ; فلهذا كان فيه بمنزلة الحكم في النكاح وهنا بدل الجارية مالية العبد في حق المولى ، فإذا لم يسلم له الجارية كان رجوعه بمالية العبد ، وهو قيمته . وإذا باع رجل جارية رجل بأمره ثم خوصم في عيب فقتلها بغير قضاء قاض فإنها تلزم البائع دون الآمر ; لأن هذا بمنزلة الإقالة في أنه يعتمد تراضيهما فالإقالة في حق الموكل كالبيع الجديد فكأن الوكيل اشتراها ابتداء قال إلا أن يعلم أن مثله لا يحدث فيلزم الآمر ; لأنا تيقنا بوجود العيب عند الآمر ، وإنما لم يشتغل الوكيل بالخصومة ; لأنه لم ير فيها فائدة ، وفي كتاب الوكالة والمأذون قال لا يلزم الآمر على كل حال ، وهو الأصح لما قلنا إن هذا بمنزلة الإقالة وفي هذا المعنى لا فرق بين العيب الذي يحدث مثله أو لا يحدث وإن أبى البائع أن يقبلها فخاصمه المشتري إلى القاضي فأقر عنده بالعيب كان إقراره عند القاضي وعند غيره سواء ، لا يلزم الآمر إلا في عيب لا يحدث مثله ومعنى هذا الكلام أن في العيب الذي لا يحدث مثله رد القاضي بإقرار الوكيل وبالبينة سواء في أنه يلزم الآمر ; لأن الرد بقضاء القاضي فسخ وقد تيقنا بوجود سببه عند الآمر ، وإن كان العيب يحدث مثله فإقرار الوكيل لا يكون حجة على الآمر ولكن يحتاج إلى أن يثبت على الآمر بالبينة أن العيب كان عنده ليردها عليه ، وإن لم يكن له بينة فعلى الآمر اليمين على ذلك وإن ردها القاضي على الوكيل ببينة أقامها المشتري فالبينة حجة على الآمر فيلزم الآمر فإن ردها بإباء اليمين من الوكيل ، فإنها تلزم الآمر عندنا وقال زفر هذا ، والإقرار سواء ; لأن النكول بدل عن الإقرار ، وهو بمنزلة البدل فلا يكون حجة على الآمر ولكن الوكيل على خصومته مع الآمر كما في الإقرار ، ألا ترى أن المشتري لو باع الجارية من غيره ثم ردت عليه بعيب بنكوله جعل هذا وما لو ردت عليه بإقراره سواء في حق البائع الأول فكذلك في حق الوكيل ولكنا نقول الوكيل مضطر في هذا النكول ; لأنه لا يمكن أن يحلف كاذبا إذا كان عالما بالعيب وإنما اضطر إلى ذلك في عمل باشره للآمر فيرجع عليه بما يلحقه من العهدة بخلاف ما إذا أقر ، فإنه غير مضطر إلى الإقرار ; لأنه يمكنه أن يسكت حتى يعرض عليه الثمن ويقضي عليه بالنكول فيكون هو في الإقرار مختارا لا مضطرا وبخلاف المشتري الأول فإنه مضطر في النكول ولكن في عمله باشره لنفسه فلا يرجع بعهدة عمله على غيره فإن أنكر الآمر أن تكون الجارية التي باعها فالقول [ ص: 120 ] قوله مع يمينه ; لأن الوكيل يدعي لنفسه حق الرجوع على الآمر بما يلحق من العهدة في هذا المحل والموكل منكر فالقول قوله مع يمينه إلا أن يقيم البائع البينة أنها هي الجارية التي باعها فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم . وإذا اشترى الرجل جارية لرجل بأمره ثم وجد بها عيبا فله أن يردها بالعيب قبل أن يدفعها إلى الآمر من غير أمر الآمر عندنا وقال ابن أبي ليلى : ليس له ذلك ; لأنها مملوكة للآمر فلا يملك إخراجها عن ملكه بغير أمره ولأنها أمانة في يد الوكيل ويد الأمين كيد صاحبها ، ولو كان سلمها إلى الآمر لم يردها بالعيب إلا بأمره وجه قولنا أن الرد بالعيب من حقوق العقد ; ولهذا اختص به الوكيل والعاقد في حقوق العقد مستبد به ، وإن كان قد عقده لغيره ; ولأنه في الحقوق كالعاقد لنفسه ، ألا ترى أن في الرد بخيار الشرط والرؤية لا تحتاج إلى استطلاع رأي الآمر فكذلك في الرد بخيار العيب بخلاف ما بعد التسليم إلى الآمر ; لأنه لا يتمكن من ردها إلا بإعادتها إلى يده ، وليس له ولاية إثبات اليد عليها بغير رضا بعدما سلمها إليه فأما قبل التسليم فهو لا يحتاج إلى ذلك ، ألا ترى أن المضارب يرد ما اشترى بالعيب ، وإن كان رب المال غائبا والعبد المأذون يرد ما اشترى بالعيب ، وإن كان مولاه غائبا فإن ادعى البائع أن الآمر قد رضي بالعيب فطلب يمين الآمر أو يمين المأمور ما رضي بذلك الآمر لم يكن على واحد منهما في ذلك يمين عندنا وقال ابن أبي ليلى لا يردها الوكيل ولا المضارب حتى يحضر الآمر أو رب المال فيحلف ما رضي بالعيب ; لأن رضى الآمر ورب المال يسقط حق الوكيل في الرد بدليل أن البائع لو أقام البينة على ذلك ، وأقر به الوكيل لم يكن له أن يردها ، فإذا ادعى البائع سببا مسقطا لحقه في الرد استحق اليمين على من يدعي ذلك عليه كما لو ادعى الوكيل أنه قد رضي به وجه قولنا أنه لا يمين على الوكيل في هذه الدعوى ; لأنه لا يدعي البائع عليه الرضا فلو استحلف كان بطريق النيابة ولا نيابة في اليمين ولا يمين على الآمر ; لأن الاستحلاف يترتب على دعوى وخصومة ولم يجر بين البائع والآمر معاملة فلا يكون هو خصما له في دعوى الرضا بخلاف ما إذا أقام البينة فإن الوكيل خصم للبائع وإن كان نائبا عن الآمر وإثبات الحق بالبينة على خصم هو ثابت صحيح وإذا أقر الوكيل فرضي الآمر بإقراره لا يثبت ولكن إقراره حجة عليه وقد زعم أنه لا خصومة له مع البائع في هذا العيب فباعتبار زعمه تنقطع الخصومة ، ولو أقر الوكيل على نفسه أنه رضي بهذا العيب ، فذلك منه صحيح في حق [ ص: 121 ] نفسه دون الآمر لو أقر أن الآمر رضي بالعيب فالجارية تلزمه إلا أن يقر الآمر بذلك أو تقوم بينة على ذلك أو يرضى بما رضي به الوكيل . قال وإذا اشترى الرجلان جارية فوجدا بها عيبا فرضي أحدهما فهو على الخلاف الذي ذكرنا في خيار الرؤية والشرط وقول ابن أبي ليلى كقول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في أن له ذلك . ![]()
__________________
|
|
#282
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 122الى صـــ 131 (282) قال وإذا اشترى عبدا بجارية وتقابضا ثم وجد بالعبد عيبا ومات عنده فإنه يرجع بحصة العيب من الجارية فيقوم العبد صحيحا ويقوم وبه العيب فإن كان ذلك ينقصه العشر رجع بعشر الجارية ; لأن بدل العبد الجارية ، ألا ترى أنه لو كان قائما بعينه رده وأخذ الجارية والرجوع بحصة العيب من البدل يكون ، وكذلك الحيوان والعروض كلها إذا استحق أحد العوضين أو رد بالعيب فقد انفسخ العقد فيرجع بالبدل إن كان قائما وبقيمته إن كان هالكا ; لأنه تعذر استرداده مع قيام السبب الموجب للرد ، وكذلك ما يكال أو يوزن إن كان بعينه فإن فوات القبض فيه مبطل للعقد كما في العروض . ولو أقر المشتري به لإنسان ولم يقم عليه بينة لم يرجع على البائع بشيء ; لأن إقراره حجة في حقه دون البائع فهو في حق البائع متلف للسلعة بإقراره ، وإن استحق ببينة فقال البائع ليس هو عبدي الذي بعتك فالقول قوله مع يمينه ; لأنه ينكر البيع في هذا العبد ، ولو أنكر جريان البيع بينهما أصلا كان القول قوله مع يمينه وكان على المشتري إثبات العقد بالبينة فكذلك إذا أنكر العقد في هذا المحل . قال وإذا اشترى خادما بكر حنطة وليس الكر عنده لم يجز ; لأنه إن عين الكر ، وهو ملك غيره ، فهذا بيع ما ليس عند الإنسان ، وإن لم يعين فهو مجهول الصفة وهذه جهالة تفضي إلى المنازعة فإن قال بكر حنطة جيدة أو وسط ففي القياس لا يجوز هذا أيضا ; لأنه في جانب الكر بائع . وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز إلا بشرائط السلم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم } وفي الاستحسان يجوز هذا العقد لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { اشترى جزورا بكري تمر ثم استقرضه فأعطاه إياه } ولأن المكيل أو الموزون إذا لم يكن بعينه فهو يثبت في الذمة ثمنا فكان شراء بثمن ليس عنده ، وذلك صحيح كالشراء بالدراهم ، والدليل على أنه ثمن جواز الاستبدال به قبل القبض والاستبدال بالمبيع قبل القبض لا يجوز عينا كان أو دينا فإن وجد بالجارية عيبا وقد استهلك البائع الكر ردها وأخذ كرا مثل كره ، وكذلك لو كان ذلك الكر عند البائع بعينه كان له أن يرد كرا مثله ; لأن [ ص: 122 ] حال المشتري مع البائع عند الفسخ كحال البائع معه عند العقد ، وقد كان للبائع على المشتري كر في ذمته يعطيه المشتري من أي موضع شاء فكذلك البائع يفعله عند الفسخ . وكل ما يكال أو يوزن أو يعد في هذا الحكم سواء لما قلنا قال : ولو اشترى جارية بثوب ليس عنده لم يجز ; لأن الثياب لا تثبت دينا في الذمة إلا موصوفة ومؤجلة ذلك ، وإن كان الثوب بعينه فوجد بالجارية عيبا وقد استهلك البائع الثوب ردها وأخذ قيمة الثوب لأن الثوب ليس من ذوات الأمثال وقد لزمه رد عينه حين رد عليه الجارية ، فإذا تعذر رده بالاستهلاك يلزمه قيمته كما في المغصوب وإذا باع رجل شيئا بنقد أو نسيئة فلم يستوف ثمنه حتى اشتراه بمثل ذلك الثمن أو أكثر منه جاز . وإن اشتراه بأقل من ذلك الثمن لم يجز ذلك في قول علمائنا رحمهم الله استحسانا وفي القياس يجوز ذلك ، وهو قول الشافعي ; لأن ملك المشتري قد تأكد في المبيع بالقبض فيصح بيعه بعد ذلك بأي مقدار من الثمن باعه كما لو باعه من غير البائع ، ألا ترى أنه لو وهبه من البائع جاز ذلك فكذلك إذا باعه منه بثمن يسير ; ولأنه لو باعه من إنسان آخر ثم باعه ذلك الرجل من البائع الأول بأقل من الثمن الأول جاز . فكذلك إذا باعه المشتري منه إلا أنا استحسنا لحديث عائشة رضي الله عنها فإن امرأة دخلت عليها وقالت إني بعت من زيد بن أرقم جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريتها منه بستمائة درهم قبل محل الأجل فقالت عائشة رضي الله عنها بئسما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب فأتاها زيد بن أرقم معتذرا فتلت قوله تعالى { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف } ، فهذا دليل على أن فساد هذا العقد كان معروفا بينهم وأنها سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأن أجزية الجرائم لا تعرف بالرأي وقد جعلت جزاءه على مباشرة هذا العقد بطلان الحج والجهاد فعرفنا أن ذلك كالمسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذار زيد رضي الله عنه إليها دليل ذلك ; لأن في المجتهدات كان يخالف بعضهم بعضا وما كان يعتذر أحدهم إلى صاحبه فيها ولا يجوز أن يقال إنما ألحقت الوعيد به للأجل إلى العطاء فإن مذهب عائشة رضي الله عنها جواز البيع إلى العطاء وقد كرهت العقد الثاني بقولها بئسما اشتريت وليس فيه هذا المعنى عرفنا أنها إنما كرهت لما قلنا . وإنما كرهت العقد الأول ; لأنهما يطرقان به إلى الثاني والمعنى فيه [ ص: 123 ] أنه اشترى على ما ليس في ضمانه { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن } وبيان ذلك أن الثمن لا يدخل في ضمانه قبل القبض . فإذا عاد إليه الملك الذي زال عنه بعينه وبقي له بعض الثمن ، فهذا ربح حصل لا على ضمانه ولا يوجد هذا المعنى فيما إذا اشتراه بمثل الثمن الأول أو أكثر فالربح هناك يحصل للمشتري والمبيع قد دخل في ضمانه ولا كذلك فيما إذا باعه من غيره ; لأنه لا يحصل للمشتري هناك ربح إلا على ضمانه ، وكذلك إذا اشتراه البائع الأول من المشتري الثاني ; لأنه لم يعد إليه الملك المستفاد من جهته ; لأن اختلاف أسباب الملك بمنزلة اختلاف أسباب الأعيان وقد قررنا هذا . وكذلك لو دخل في المبيع عيب ثم اشتراه البائع بأقل من الثمن الأول ; لأن الملك لم يعد إليه على الهيئة التي خرج عن ملكه فلا يتحقق فيه ربح ما لم يضمن ولكن يجعل النقصان بمقابلة الجزء الذي احتبس عند المشتري سواء كان النقصان بقدر ذلك أو دونه حتى إذا كان النقصان نقصان السعر فهو غير معتبر في العقود ; لأنه فتور في رغبات الناس وليس فيه فوات جزء من العين فباعتباره لا يجوز شراؤه بأقل من الثمن الأول ، وكذلك لو اشتراه بجنس آخر غير جنس الثمن الأول فذلك جائز ; لأن الربح لا يظهر عند اختلاف الجنس فالفضل إنما يظهر في التقويم والبيع لا يوجب ذلك بخلاف ما إذا اشتراه بجنس الثمن الأول والفضل يظهر هناك من غير تقويم . ولو كان العقد الأول بالدراهم فاشتراه بالدنانير وقيمتها أقل من الثمن الأول فهو جائز في القياس ، وهو قول زفر ; لأن الدراهم والدنانير جنسان بدليل أنه لا يجري الربا بينهما ، وفي الاستحسان هذا لا يجوز ، وهو مذهبنا ; لأنهما جنسان صورة وجنس واحد معنى فالمقصود منهما واحد ، وهو الثمنية ; ولهذا جعلا في أغلب الأحكام كجنس واحد فباعتبار أنهما جنسان صورة يصح هذا العقد وباعتبار أنهما جنس واحد معنى لا يجوز هذا العقد ، وعند اجتماع المعنى الموجب للحل والموجب للحرمة يغلب الموجب للحرمة بقوله صلى الله عليه وسلم { ما اجتمع الحرام والحلال في شيء إلا وقد غلب الحرام الحلال } ولأن ثبوت هذه الحرمة لأجل الربا وباب الربا مبني على الاحتياط ، وكذلك لو اشتراه مملوك البائع الأول عبده أو مكاتبه بأقل من الثمن الأول ; لأن تصرف المملوك لمالكه من وجه فكسب العبد لمولاه وللمولى في كسب مكاتبه حق الملك فهو كشراء البائع بنفسه لمكان حقه في المقصود بالعقدين ومن اشتراه ولده أو والده أو زوجته فكذلك في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله [ ص: 124 ] يجوز ; لأن الأملاك بينهما متباينة فليس للولد في مال الوالد ملك ولا حق ملك فهو قياس ما لو اشترى أخوه وأبو حنيفة يقول إن كل واحد منهما يجعل بمنزلة صاحبه فيما يرجع إلى ملك العين ، ألا ترى أن شهادة أحدهما لصاحبه تجعل كشهادة لنفسه فكذلك شراء ابن البائع وأبيه كشراء البائع بنفسه ، وهو نظير الخلاف الذي سبق أن الوكيل بالبيع عند أبي حنيفة لا يبيع ممن لا تجوز شهادته له كما لا يبيع من نفسه ومملوكه . وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يجوز بيعه منه كما يجوز من أخيه وغيره من القرابات . قال وإن اشترى وكيل البائع بأقل من الثمن الأول جاز في قول أبي حنيفة ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وهو بناء على ما تقدم أن المسلم إذا وكل ذميا بشراء خمر له أو بيعها عند أبي حنيفة يجوز وينزل الوكيل في ذلك منزلة العاقد لنفسه فكذلك هنا الوكيل عنده كالعاقد لنفسه ثم الملك ينتقل إلى الموكل حكما فهو كما لو اشتراه لنفسه ثم مات فورثه البائع منه . وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هناك يعتبر حال الموكل ويجعل عقد الوكيل له كعقده لنفسه فهنا أيضا يجعل كذلك والموكل هنا بائع لا يجوز شراؤه بأقل من الثمن الأول فكذلك شراء الوكيل له إلا أن أبا يوسف يسوي بين الفصلين ويقول هناك التوكيل باطل والوكيل يصير في الشراء عاقدا لنفسه فهنا أيضا يصير الوكيل مشتريا لنفسه شراء صحيحا ومحمد يفرق بينهما فيقول هناك الوكيل يصير مشتريا لنفسه وهنا يصير مشتريا للموكل شراء فاسدا حتى يصير بقبض الوكيل مضمونا بالقيمة على الموكل ; لأن المسلم ليس من أهل العقد على الخمر حتى لو اشترى الخمر لنفسه لا يملك ، وإن قبض فكذلك توكيله بالشراء باطل أما البائع هنا فمن أهل مباشرة هذا العقد حتى لو اشتراه بنفسه انعقد شراؤه فاسدا ، فكذلك إذا وكل غيره فيه ; لأن التوكيل بالشراء الفاسد صحيح كالتوكيل بالشراء إلى الحصاد والدياس وبعد صحة الوكالة ، وبعد صحة الوكالة شراء الوكيل كشراء الموكل وقبض الوكيل للموكل فيصير مضمونا عليه بالقيمة ولكن أبو يوسف يقول متى أمكن تصحيح العقد لا يجوز إفساده لا معارضة بين الفاسد والصحيح وهنا لو جعلناه مشتريا لنفسه كان الشراء صحيحا ، ولو جعلناه مشتريا للآمر كان الشراء فاسدا فينبغي أن يجعل مشتريا لنفسه شراء صحيحا . وفيه شبهة على مذهب أبي حنيفة قال إن البائع أو ابنه لا يشتريه لنفسه وما تحصل للبائع من الملك بشراء [ ص: 125 ] الوكيل فوق ما تحصل بشراء ابنه لنفسه ، وإن جعل هذا نظير الخمر في الوكالة فكذلك ينبغي أن يجعل في شراء ابن البائع ومملوك البائع فإن المسلم إذا كان له عبد مكاتب أو عبد مأذون كافر فاشترى خمرا جاز شراؤه ، وكذلك لو كان له أب كافر فاشترى خمرا يجوز شراؤه فمن هذا الوجه يشكل مذهب أبي حنيفة قال الشيخ الإمام : الأصح عندي في إزالة هذا الإشكال أن المنع هنا لأجل العقد لا لأجل المعقود عليه بدليل أن أحد العقدين لو كان هبة كان كل واحد من العقدين صحيحا وكل من له الحق في العقدين جميعا لا يجوز منه الشراء كالبائع ، وليس للوكيل حق في العقد الأول ; فلهذا صح منه العقد الثاني وإن كان حكمه يثبت للبائع فأما الأب والابن فلهما حق في العقدين فنزلا منزلة البائع في ذلك بخلاف مسألة الخمر فهناك المنع لانعدام صفة المالية والتقوم في الخمر وإنما يعتبر ذلك في حق العاقد خاصة ، فإذا كان العاقد كافرا صح العقد سواء ثبت به حق الملك أو حقيقة الملك أو شبهة الملك لمسلم ; لأن ذلك يثبت بطريق الحكم . قال : ولو كان البائع والمشتري وكيلين في البيع الأول لم يجز للبائع أن يشتري بأقل من الثمن الأول قبل النقد لا من المشتري ولا من موكله ; لأن هذا المنع باعتبار العقد والعاقد لغيره في حقوق العقد بمنزلة العاقد لنفسه ، وكذلك ليس لموكل البائع أن يشتريه من المشتري ولا من موكله ; لأن وكيله إنما باع له فهو بمنزلة بيعه بنفسه في المنع من الشراء ، ألا ترى أن من باع أو بيع له لا يثبت له حق الأخذ بالشفعة فكذلك لا يجوز شراؤه بأقل من الثمن الأول قبل النقد ، وهذا لأن الربح لا على ضمانه الذي يحصل له . قال وإذا باع بألف درهم نسيئة سنة ثم اشتراه بألف درهم بنسيئة سنتين قبل قبض الثمن لم يجز ; لأن هذا في معنى شراء ما باع بأقل مما باع فإن الزيادة في الأجل تمكن نقصانا في مالية الثمن ، ألا ترى أن أصل الأجل يمكن نقصانا في المالية حتى يكون المؤجل أنقص من الحال ولهذا يثبت ربا النسإ شرعا فكذلك بزيادة الأجل يزداد النقصان في المالية فإن زاد على الثمن درهما أو أكثر جاز لأن الزائد في الثمن الثاني بمقابلة النقصان المتمكن بزيادة الأجل فينعدم النقصان به معنى ، والممتنع شراء ما باع بأقل مما باع ، فإذا لم يعلم أن الثمن الثاني أقل من الثمن الأول كان الشراء جائزا . قال وإذا باع الرجل طعاما بدراهم فلا بأس بأن يشتري بالثمن قبل أن يقبضه من المشتري ما بدا له من العروض أو الطعام يدا بيد سواء كان أكثر من طعامه أو أقل إذا لم يكن طعامه بعينه لأن [ ص: 126 ] الثمن دين لا يستحق قبضه في المجلس ويجوز الإبراء عنه فيجوز الاستبدال به أيضا كبدل العروض والأصل في جواز الاستبدال بالثمن حديث { عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أبيع الإبل بالنقيع وربما أبيعه بالدراهم وآخذ مكانها دنانير فقال صلى الله عليه وسلم لا بأس إن افترقتما وليس بينكما عمل } . قال وإذا كان لرجل على رجل دين إلى أجل ، وهو من ثمن مبيع فحط عنه شيئا على أن يعجل له ما بقي فلا خير فيه ولكن يرد ما أخذ والمال كله إلى أجله ، وهو مذهب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه يجوز ذلك ولسنا نأخذ بقوله ; لأن هذا مقابلة الأجل بالدراهم ومقابلة الأجل بالدراهم ربا ، ألا ترى أن في الدين الحال لو زاده في المال ليؤجله لم يجز فكذلك في المؤجل إذا حط عنه البعض ليعجل له ما بقي والذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { لما أجلى بني النضير فقالوا إن لنا ديونا على الناس فقال صلى الله عليه وسلم ضعوا وتعجلوا } فتأويل ذلك ضعوا وتعجلوا من غير شرط أو كان ذلك قبل نزول حرمة الربا ، وهذا بخلاف المولى إذا صالح مع مكاتبه من الألف المؤجلة على خمسمائة على أن يعجلها له فذلك يجوز لأن المكاتب ملكه ولا ربا بين المملوك وسيده فما فيه شبهة الربا لا يعتبر بين المملوك والسيد وإن كان يعتبر حقيقة الربا بينهما حتى لا يجوز بيع الدراهم بالدرهمين بينهما يوضحه أن المولى يقصد بالكتابة الرفق بالمكاتب فكذلك في حط بعض البدل مقصوده الرفق به لا مبادلة الأجل بالدراهم وكذا لو زاده في بدل الكتابة ليزيده في الأجل جاز وينعدم هذا المعنى فيما بين الحرين . قال وإذا باع عبدا بنسيئة فباعه المشتري من رجل أو رهنه أو أوصى له به ثم اشتراه البائع من ذلك الرجل بأقل من الثمن الأول جاز ; لأن هذا ملك متجدد ثبت للثاني بسبب جديد فهو كعين آخر يشتريه بأقل من الثمن الأول منه وفرق بين الموصى له وبين الوارث فإن البائع لو اشتراه من وارث المشتري بأقل من الثمن الأول لا يجوز ذلك ; لأن الوراثة خلافة وإنما ينتقل إلى الوارث الملك الذي كان للمورث ; ولهذا يرده بالعيب ويصير مغرورا فيما اشتراه مورثه ويجوز إقالة الوارث مع البائع أما الموصى له فثبت له ملك بسبب متجدد ; ولهذا لا يرده بالعيب ولا يقبل العقد مع بائع الموصي ولا يصير مغرورا فيما اشتراه الموصي ; فلهذا جاز شراؤه منه بأقل من الثمن الأول وفرق بين ما إذا اشتراه له وارث البائع من المشتري بعد [ ص: 127 ] موت البائع وبين ما إذا اشتراه البائع من وارث المشتري وأبو يوسف يسوي بين الفصلين ويقول لا يجوز فيهما ; لأن وارث البائع يقوم مقامه بعده كوارث المشتري ووجه الفرق على ظاهر الرواية أن الوارث يقوم مقام المورث فيما كان للمورث وقد كان الملك في المبيع للمشتري فيخلفه وارثه فيه وما كان ملكه للوارث فيخلفه وارثه في ذلك ولكن هذا ملك يحصل لوارث البائع باكتسابه ، وهو ليس يخلف عن البائع في ذلك فيجعل شراؤه بعد موت البائع كشرائه في حياة البائع قال : وإن اشتراه البائع من المشتري مع عبد آخر بثمن حصته منه أقل من الثمن الذي باعه لم يجز الشراء فيه كما لو اشتراه وحده بأقل من الثمن الأول ، ويجوز في العبد الآخر بحصته ; لأنه لا مفسد للعقد في حصة العبد الآخر وقد بينا عذر أبي حنيفة في الخلافيات أن هذا فساد ضعيف خفي ; ولهذا خفي على زيد بن أرقم رضي الله عنه فلا يعد وحكمه محله بخلاف ما إذا كان الفساد ظاهرا بسبب الربا أو غيره ولا يقال ينبغي أن يجعل بمقابلة ما باع مثل الثمن الأول احتيالا لتصحيح العقد ; لأن هذا الوجه غير متعين للتصحيح فإنه وإن جعل بمقابلة أكثر من الأول يجوز العقد أيضا ولا يقال قد جعل قبول العقد في ذلك شرطا لقبول العقد في الآخر ، وهو شرط فاسد فينبغي أن يفسد به العقد في الثاني كما هو مذهب أبي حنيفة في نظائر هذا ; لأن قبول العقد في ذلك ليس بشرط فاسد ألا ترى أن ثمنه لو كان مثل الثمن الأول أو خلاف جنس الثمن الأول صحيحا وإنما الفساد لأجل الربح الحاصل لا على ضمانه . وهذا المعنى يقتصر على العبد الذي باعه ولا يتعدى إلى العقد في العبد الثاني ، وإن اشتراه البائع مع رجل آخر جاز شراء الأجنبي في نصفه كما يجوز شراؤه في الكل إذا اشتراه لنفسه واعتبار البعض بالكل اعتبار صحيح . وإن كانت جارية فولدت عند المشتري ثم اشتراها منه بأقل من الثمن الأول جاز إن كانت الولادة نقصتها كما لو دخلها عيب آخر عند المشتري بسبب آخر ولا يجوز إن لم ينقصها ; لأن ما دخل في ملك المشتري على هيئته كما كان ، فإذا اشتراها البائع بأقل من الثمن الأول يحصل له ربح لا على ضمانه . قال وإذا اشترى الرجل جارية فولدت عنده لأقل من ستة أشهر من يوم شرائها فادعى الولد وكذبه المشتري في ذلك لم تصح دعواه في القياس ، وهو قول زفر وصحت دعوته في الاستحسان ، وهو قول علمائنا الثلاثة رحمهم الله [ ص: 128 ] وجه القياس فيه أن البائع بهذه الدعوى يسعى في نقص ما تم به فلا يقبل ذلك منه كما لو زعم أنه كان أعتقها قبل البيع وكما لو جاءت بالولد لستة أشهر فصاعدا وكما لو مات الولد أو أعتق المشتري الولد ثم ادعى نسبه ، وهذا لأنه مناقض في كلامه فإقدامه على بيعها إقرار منه أنها ليست بأم ولد له ، فإذا زعم بعد ذلك أن الولد ولده وأنها أم ولد له كان مناقضا في ذلك . والدليل عليه أن البائع لو ادعى نسب هذا الولد لم تصح دعواه باتفاق فلو جعل الحال بعد بيعها كالحال قبله في دعوى البائع فكذلك ينبغي أن يجعل في دعوى أبيه ، وجه الاستحسان أنا تيقنا أن العلوق حصل في ملكه لأن أدنى مدة الحبل ستة أشهر فلما وضعته لأقل من ستة أشهر عرفنا أن العلوق كان حاصلا قبل البيع وحصول العلوق في ملكه يثبت له حق استحقاق النسب بالدعوى وحق استلحاق النسب لا يحتمل الفسخ بحقيقة النسب فلا يبطل ذلك بالبيع وإذا لم يبطل كانت دعواه بعد البيع كدعواه قبله ; وهذا لأن الشيء لا ينقصه ما هو دونه وإنما ينقصه ما هو مثله أو فوقه والملك الثابت للمشتري دون حق استلحاق النسب للبائع ، فهذا يحتمل لرفعه وذلك لا يحتمل فلا ينتقض به بخلاف ما إذا وضعته لستة أشهر فصاعدا فإنا لا نتيقن هناك بحصول العلوق في ملك البائع وثبوت حق استلحاق النسب له والملك للمشتري متيقن به والمتيقن به أقوى مما لا يتيقن فيه وبخلاف ما إذا أعتق المشتري الولد ; لأن ولاءه يثبت للمشتري بالعتق والولاء لا يحتمل النقض لحق استلحاق النسب فينتقض به ما كان من حق استلحاق النسب ; لأن هذا مثله أو فوقه بخلاف ما إذا مات الولد ; لأن حق استلحاق النسب لمنفعة الولد وحاجته إلى النسب ، وهو بالموت قد استغنى عن ذلك ، وهو بخلاف ما لو ادعاه أبو البائع ; لأنه بمجرد حصول العلوق في ملك البائع لا يثبت لابنه حق استلحاق النسب إلا بشرط ، وهو ولاية نقلها إلى نفسه . ألا ترى أن حق الدعوى لا يثبت للجد حال حياة الأب ويثبت له بعد موت الأب ; لأن ولايته بعد موت الأب ، وهذا الشرط لا يوجد فيه بعد البيع ; لأنها صارت مملوكة للمشتري فليس للأب ولاية نقلها إلى نفسه بالدعوى ; فلهذا تصح دعواه ثم التناقض لا يمنع صحة استلحاق النسب ، ألا ترى أن الملاعن إذا كذب نفسه يثبت النسب منه ، وهو مناقض في ذلك ، وهو لخفاء أثر العلوق وقد يظن في الابتداء أنها لم تعلق منه فيبيعها ثم يتبين أنها علقت منه فيستدرك ذلك بدعوى النسب وحكم الحاكم باللعان وقطع النسب أقوى منه في بيعه إياها ، فإذا [ ص: 129 ] جاز إبطال حكم الحاكم بدعوى النسب وإن كان هو ساعيا في نقض ما تم به فلأن يجوز إبطال البيع أولى ، وإن ادعاه المشتري أولا ثم ادعاه البائع لم تصح دعوى البائع ; لأن نسبه قد ثبت من المشتري فاستغنى به الولد عن النسب ; ولأن النسب الذي يثبت من المشتري لا يحمل النقض فهو أقوى من الولاء الثابت له بالعتق ، وقد بينا أن اعتبار الولاء يبطل حق الاستلحاق الثابت للبائع فاعتبار النسب أولى . وإن ادعياه معا فإنه يثبت نسبه من البائع وتصير أم ولد للبائع وينتقض البيع فيها عندنا قال إبراهيم النخعي يثبت نسبه من المشتري ; لأن للمشتري فيها حقية الملك وللبائع حق الملك وصاحب حقية الملك يترجح في الدعوى كما لو ولدت جارية رجل فادعى الولد هو وأبوه صحت دعوى المولى دون أبيه لهذا المعنى ولكنا نقول دعوى البائع سابقة معنى ; لأنها تستند إلى وقت العلوق فإن العلوق حصل في ملكه ودعوى المشتري لا تستند إلى تلك الحالة ; لأنه يملكها بعد ذلك ، ولو سبق البائع بالدعوى كان النسب ثابتا منه فكذلك إذا سبقت معنى بخلاف مسألة الأب لأن دعوى كل واحد منهما هناك تستند إلى ما تستند إليه دعوى الآخر إلا أن شرط دعوى الأب نقلها إليه ولا يمكن اتحاد هذا الشرط إذا اقترنت دعوى المولى بدعواه ، يوضح ما قلنا أن دعوى المشتري دعوى التحرير ; لأن العلوق لم يكن حاصلا في ملكه ودعوى التحرير كالإعتاق أما دعوى البائع فدعوى استيلاء ولأن العلوق كان في ملكه فيجعل هذا بمنزلة ما لو ادعاه وأعتقه المشتري معا فتكون دعوى البائع أولى وأما إذا ولدته لأكثر من ستة أشهر فادعياه معا فدعوى المشتري أولى لأنا لن نتيقن بحصول العلوق في ملك البائع هنا ، ولو انفرد بالدعوى لم يصح إذا لم يصدقه المشتري ، فإذا اقترنت دعوى المشتري بدعوى البائع فأولى أن لا تصح دعوى البائع . قال : ولو أعتق المشتري الأم ثم ادعى البائع الولد وقد جاءت به لأقل من ستة أشهر فنسبه يثبت من البائع ; لأنه يحتاج إلى النسب فحل له بعد عتق الأم ولكن لا ينقض عتق المشتري في الأم للولاء الذي لم يثبت له عليها ، وهو مما لا يحتمل النقض وقد يجوز أن يثبت نسب الولد ، وإن كانت لا تثبت حق أمية الولد للأم كما في ولد المغرور ، وهذا بخلاف ما لو أعتق الولد فإن هناك دعوى البائع لا تصح في حق الأم لأن الولد هو المقصود ، والأم تبع ، فإذا لم يمكن تصحيح دعواه فيما هو الأصل لا يشتغل بتصحيحه في البيع فأما حق الأم في الاستيلاد فبيع [ ص: 130 ] وتعذر ثبوت الحكم في البيع لا يمنع ثبوت الحكم في الأصل ; فلهذا يثبت نسب الولد منه ويقسم الثمن على قيمتها وقيمة ولدها فيرد البائع حصة الابن من الثمن وإنما لهذا الولد حصة من الثمن ، وإن انفصل بعد القبض ; لأنه صار مقصودا بنقض العقد فيه فيكون بمنزلة الولد المقصود بالقبض فيكون له حصة من الثمن ولذلك لو كانت ولدت قبل أن يبيعها ثم ادعى النسب بعدما باعها ، فهذا وما سبق سواء ، ولو اشتراها ثم باعها ثم ادعى المشتري الأول نسب الولد لم تصح دعواه ; لأن أصل العلوق لم يكن في ملكه فدعواه فيه كدعوى التحرير ولا يعمل بعد زوال الملك ، ولو ادعاه البائع الأول صحت دعواه لأن العلوق كان في ملكه والبيع الثاني في احتمال النقض كالأول فباعتبار الدعوى ينقض العقدان جميعا . ولو ولدت عنده ولدين في بطن واحد ثم باع أحدهما وأعتقه المشتري ثم ادعى البائع الولد الذي عنده ثبت نسبهما منه لحاجتهما إلى النسب وبقي أحد الولدين في ملكه على حاله ثم ينتقض عتق المشتري في الولد الآخر حكما ; لأنهما توأم خلقا من ماء واحد فمن ضرورة حرية الأصل لأحدهما حرية الأصل للآخر ومن ضرورة ثبوت حرية الأصل فيه انتقاض العتق والولاء الثابت للمشتري بخلاف ما سبق فيما إذا أعتق المشتري الأم ; لأنه ليس من ضرورة ثبوت النسب وحرية الأصل للولد انتقاض عتق المشتري الأم يوضحه أن هناك لو نقض عتق المشتري عادت أم ولد للبائع فيطؤها بالملك بعدما حكم بحريتها ، وذلك لا يجوز أما هنا لو نقضنا عتق المشتري في الولد أثبتنا فيه ما هو أقوى ، وهو حرية الأصل ، فهذا هو الفرق بينهما والله أعلم . باب بيوع أهل الذمة قال وإذا اشترى الذمي مملوكا مسلما صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى من مسلم أو ذمي جاز شراؤه في قول علمائنا الثلاثة رحمهم الله وقال الشافعي لا يجوز شراؤه لقول الله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } وفي إثبات الملك للكافر على المسلم سبب يكسبه إثبات أقوى السبيل له عليه والمعنى فيه أن الكافر لا يقر على تحصيل مقصود هذا العقد لحرمة الإسلام فلا يصح استدامته كنكاح المسلمة وبيان الوصف أن المقصود استدامة الملك ولهذا لا يصح البيع إلا مؤبدا ، وهو ممنوع من استدامة الملك على المسلم ; لأنه يجبر [ ص: 131 ] على بيعه . فإذا لم يصح منه استدامة الملك على المسلم لا يصح مباشرة سبب الملك الدليل عليه أن إسلام المملوك مع كفر المالك يمنع استدامة الملك إذا طرأ فيمتنع ثبوت الملك إذا اقترن بالسبب كما في النكاح ، وهذا ; لأن الكافر ممنوع من استذلال المسلم وفي إثبات الملك له عليه استذلال المسلم ولهذا لا يسترق الكافر المسلم فكذلك لا يشتريه ; لأن الثابت بالشراء له ملك متجدد بتجدد سببه ولهذا لا يرد بالعيب على بائعه فيكون هذا في المعنى كالاسترقاق بخلاف الإرث فإنه يبقى للوارث الملك الذي كان للمورث ولهذا يرث المسلم الخمر ولا يملك الخمر بالشراء وبخلاف البيع ; لأنه بالبيع يزول ملكه وذله على المسلم واكتساب سبب إزالة الذل غير ممنوع منه إنما الممنوع منه اكتساب سبب الذل ، وهذا النهي لمعنى في المنهي عنه فيكون مفسدا للعقد ، ألا ترى أن الكافر يطلق امرأته المسلمة ولا يصح عقد النكاح من الكافر على المسلمة ، وهذا بخلاف الولد يشتري والده يجوز ، وإن كان الولد ممنوعا عن إذلال والده ; لأن بالشراء هناك تتم علة العتق فيتخلص به عن ذل الرق والأمور بعواقبها فباعتبار المآل يصير هذا الشراء إكراما ا لا إذلالا ; ولهذا قلنا الابن الكافر إذا اشترى أباه المسلم يجوز . وكذلك إذا قال الكافر لمسلم أعتق عبدك هذا على ألف درهم يجوز ويتملكه الكافر ثم يعتق عليه ، وهو نظير الفصد فهو جرح لا يجوز الإقدام عليه من غير حاجة وعند الحاجة يكون دواء ، والذي يحقق ما قلنا أنه بالشراء يتمكن من قبضه وفي إثبات اليد للكافر على المسلم على وجه يستفيد به ملك التصرف معنى الذل ولا يوجد ذلك في حق من يعتق عليه وإن قلتم إنه يمتنع من قبضه فيقول ما لا يتأتى فيه القبض بحكم الشراء لا يجوز شراؤه كالعبد الآبق ; وهذا لأن فوات القبض إذا طرأ بهلاك المعقود عليه قبل التسليم كان مبطلا للعقد ، فإذا اقترن بالعقد منع انعقاد العقد والدليل عليه المحرم إذا اشترى طيبا لا يملكه ; لأنه ممنوع من إثبات اليد عليه ، وكذا على الصيد لإحرامه فلا يملكه بالشراء كما لا يملكه بالاصطياد فكذلك الكافر في العبد المسلم وحجتنا في ذلك العمومات المجوزة للبيع من الكتاب والسنة والمعنى فيه أن الكافر يملك بيع عبده المسلم فيملك شراءه كالمسلم ، وهذا ; لأن صحة التصرف باعتبار أهلية التصرف وكون المحل قابلا للتصرف وما يصير به أهلا للتصرف يستوي فيه الكافر والمسلم وإنما يكون المحل محلا للتصرف لكونه مالا متقوما والعبد المسلم مال متقوم في حق المسلم والكافر جميعا [ ص: 132 ] ألا ترى أن البيع يستدعي محلا هو مال متقوم كالشراء فنفوذ بيعه دليل على أنه مال متقوم في حقه وفي تصحيح البيع إظهار سلطان مالكيته ولم يكن في عينه من معنى الاستذلال شيء حتى يؤمر به شرعا فكذلك في تصحيح الشراء إثبات سلطان الملكية . ولا يكون في عينه من معنى الإذلال شيء وبهذا يتبين أن النهي ليس لمعنى في عين الشراء بل لمعنى في قصده ، وهو الاستخدام قهرا بملك اليمين ولا يمنع صحة الشراء كالنهي عن الشراء وقت النداء ; ولهذا ندب الولد إلى شراء أبيه مع أنه ممنوع من إذلاله ; لأنه لا يقصد بشرائه الاستخدام ، ولو كان إثبات الملك بطريق الشراء عينه إذلالا لكان القريب ممنوعا عنه في قريبه ; لأن كل طاعة لا تصل إليها إلا بمعصية لا يجوز الإقدام عليها ثم تحقيق هذا الكلام أن بالشراء لا تتبدل صفة المحل ; لأنه كان مملوكا قبل شرائه وبقي مملوكا بعد شرائه وإنما تتحول الإضافة من المسلم إلى الكافر ، وهي إضافة مشروعة ، ألا ترى أنه يرث الكافر العبد المسلم وبالإرث تتجدد الإضافة في حق الوارث ولكن لا يتبدل وصف المحل فلا يكون عينه إذلالا بخلاف الاسترقاق فيه تتبدل صفة المحل فيصير مملوكا بعد أن كان مالكا والمملوكية إذا قوبلت بالملكية كانت المملوكية في غاية الذل والهوان وهذا غير مشروع للكافر على المسلم . ![]()
__________________
|
|
#283
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 132الى صـــ 141 (283) وكذلك النكاح ; لأن بعقد النكاح يتجدد ثبوت المملوكية في المحل وكان ينبغي أن لا يثبت للمسلم على المسلمة إلا أنه لضرورة الحاجة إلى قضاء الشهوة وإقامة النسل أثبت الشرع ذلك للمسلم على المسلمة فيبقى في حق الكافر إذلالا فلا يكون مشروعا للكافر على المسلمة ألا ترى أن ملك النكاح يبقى للكافر على المسلمة ; لأنه ليس في إبقاء الملك تبديل صفة المحل فصار الشراء هنا في معنى الإذلال بمنزلة البقاء في ملك النكاح ويوضحه أن المحلية للنكاح باعتبار صفة المحل ولهذا لا يجوز للمسلم نكاح المجوسية والمرتدة والأخت من الرضاعة والمسلمة ليست بمتحللة في حق الكافر فلانعدام المحل لا ينعقد النكاح ولكن يبقى ; لأن فوات المحل عارض على شرف الزوال فيمنع ابتداء النكاح ولا يمنع البقاء كالفوات بسبب العدة ، وكذلك القبض الذي يتم به العقد ليس فيه معنى الإذلال ; لأن ذلك يحصل بالتخلية ، وليس هذا نظير المحرم يشتري صيدا ; لأن الصيد في حق المحرم محرم العين قال الله تعالى { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } فلم يكن مالا متقوما كالخمر في حق المسلم ولهذا لا يجوز بيعه [ ص: 133 ] عندنا فكذلك شراؤه فإنما بطل ذلك التصرف لانعدام المحل بخلاف ما نحن فيه ولسنا نقول بأنه لا يقر على مقصود هذا العقد بل يقر على مقصوده إذا أسلم ثم موجب الشراء إثبات الملك فأما استدامة الملك فليس من موجبات العقد ولا يمنع صحة الشراء لكونه ممنوعا من استدامة الملك فيه كالمسلم يشتري عبدا مرتدا فيصح شراؤه ، وإن كان ممنوعا من استدامة الملك فيه وعند التأمل في تصحيح هذا الشراء إظهار ذل الكافر دون المسلم ; لأن العبد المسلم يتسلط به على الكافر فيخاصمه ويجره إلى باب القاضي يجبره على بيعه شاء أو أبى . ولهذا يتبين أن هذا النوع من التصرف لم يدخل تحت قوله { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } مع أن المراد بالآية أحكام الآخرة بدليل قوله تعالى { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } وعلى هذا الخلاف الكافر إذا اشترى مصحفا لا يصح الشراء عند الشافعي ; لأنه يستخف به فيرجع ذلك إلى إذلال المسلمين وعندنا يصح شراؤه ; لأنه ليس في عين الشراء من إذلال المسلمين شيء وكلامنا في هذا الفصل أظهر فالكافر لا يستخف بالمصحف ; لأنه يعتقد أنه كلام فصيح وحكمة بالغة ، وإن كان لا يعتقد أنه كلام الله عز وجل فلا يستخف به ثم يجبر على بيع العبد من المسلمين ; لأنه لو ترك في ملكه استخدمه قهرا بملك اليمين وفيه ذل فيجبر على إزالة هذا الذل ، وذلك ببيعه من المسلمين ولا يترك ليبيعه من كافر آخر ، وإن كان لو باعه جاز ولكن المقصود لا يحصل به فلا يمكن منه ، وكذلك يجبر على بيع المصحف ; لأنه لا يعظمه كما يجب تعظيمه وإذا ترك في ملكه يمسه ، وهو نجس وقال الله تعالى { إنما المشركون نجس } وقال الله تعالى في القرآن { لا يمسه إلا المطهرون } فلهذا يجبر على بيعه من المسلمين . وكذلك إن أسلم مملوك الذمي فإنه يجبر على بيعه من المسلمين وذلك بعد أن يعرض عليه الإسلام فلعله يسلم فيترك العبد في ملكه فإن أبى ذلك أجبر على بيعه كالكافر إذا أسلمت امرأته يعرض عليه الإسلام فإن أبي فرق بينهما إلا أن ملك النكاح ليس بمال متقوم فيجوز إزالته مجانا عند إبانة الإسلام وملك اليمين مال متقوم محترم بعقد الذمة فلا يجوز إبطاله عليه بالعتق مجانا ولا بد من إزالة ملكه عن المسلم فيجبر على بيعه بقيمته ليستوفي المالية ويحصل المقصود . وإن كان للذمي عبد وامرأة له أمة قد ولدت منه فأسلم العبد وولده منها صغير فإنه يجبر على بيع العبد وولده ; لأن الولد الصغير يصير مسلما بإسلام أبيه فيجبر على بيعه ، وإن كان ذلك [ ص: 134 ] تفريقا بينه وبين أمه ; لأن هذا تفريق بحق وجب فيه فهو كما لو جنى الابن الصغير جناية فدفع بها أو لزمه دين فبيع فيه يجوز ذلك ، وإن كان تفريق بين الولد والأم ولكن لما كان بحق لزم ذلك في الولد خاصة واستقام ذلك ، فهذا مثله وعن أبي يوسف أن في كل موضع يجب بيع الولد تباع الأم معه ; لأنه لا ضرورة في التفريق بينهما إذا كان كل واحد منهما محلا للبيع . قال وإذا أسلم العبد ، وهو بين مسلم وكافر أجبر الكافر على بيع حصته منه اعتبارا للبعض بالكل ، وإن أسلم عبد الذمي فكاتبه جازت الكتابة ; لأن ملكه فيه باق بعد إسلامه ونفوذ عقد الكتابة منه باعتبار ملكه ثم ما هو المقصود يحصل بالكتابة في الحال ، وهو إزالة ذلة منه ; لأنه يصير بمنزلة الحر في حق اليد والمكاتب ولا يبقى له ولاية الاستخدام عليه قهرا بملك اليمين وربما يؤدي بدل الكتابة فيعتق ويتم المقصود به فإن عجز أجبر على بيعه ; لأن الكتابة انفسخت حين تحقق عجزه فظهر الحكم الذي كان قبل الكتابة ، وهو الإجبار على البيع ، وإن لم يكاتبه ولكنه رهنه عند مسلم أو كافر أجبر المولى على بيعه ; لأن المقصود بعقد الرهن لم يحصل فالراهن يستخدم المرهون بإذن الراهن ثم بعد الرهن هو محل للبيع فيبقى فيه حكمه ، وهو الإجبار على البيع فأما بعد الكتابة فلا يكون محلا للبيع ما بقيت الكتابة وإذا بيع المرهون فيكون ثمنه رهنا مكانه ; لأن عقد الرهن قد صح باعتبار ملكه في المحل فيتحول حكمه إلى بدله كما إذا قبل المرهون وأخذ المرتهن قيمته ، وكذلك لو آجره من مسلم أو كافر فالمقصود ، وهو إزالة اليد عن المسلم لا يحصل بالإجارة بل يتحقق فيه معنى الإذلال . ويبقى هو محلا للبيع بعد الإجارة فيجبر على بيعه ثم تبطل به الإجارة بخلاف الرهن ، ألا ترى أن المؤجر إذا باع المؤاجر برضى المستأجر بطلت الإجارة والراهن إذا باع المرهون برضى المرتهن كان الثمن رهنا ، ولو كان رهنه أو أجره ، وهو كافر ثم أسلم في يد المرتهن أو المستأجر أجبرته على بيعه ولم أتركه يكون في ملك الكافر ، وهو مسلم كما بينا أن الإذلال هنا يتقرر إذا ترك في ملكه فيجب إزالته بالإجبار على بيعه . وإن كانت جارية فدبرها أو استولدها قبل الإسلام أو بعده جعلت عليها أن تسعى في قيمتها ; لأن بيعها متعذر لما يقر فيها من حق العتق فيجب إخراجها عن ملك الكافر بالاستسعاء في قيمتها وهي بمنزلة المكاتبة ما دامت تسعى وعند زفر هي حرة والسعاية دين عليها وعند الشافعي يجبر [ ص: 135 ] على بيع المدبرة وأم الولد بخارج وقد تقدم بيان هذا في كتاب العتاق . وإذا باع الكافر عبدا على أنه بالخيار ثلاثة أيام ثم أسلم العبد فهو على خياره ; لأن إسلامه لا يمنع ابتداء البيع ولا يمنع بقاؤه بطريق الأولى فإن نقض البيع أجبر على بيعه ; لأن الأول صار كأن لم يكن ، وإن أمضاه لكافر مثله أجزأه وأجبر ذلك الكافر على بيعه كما لو باعه منه ابتداء بعدما أسلم العبد ، وكذلك إن كان الخيار للمشتري فإن فسخ العقد أجبر على بيعه إذا كان كافرا ، وإن أمضى العقد والمشتري مسلم فهو سالم له . قال وإذا اشترى الكافر عبدا مسلما شراء فاسدا وقبضه فإنه يجبر على رده على البائع سواء كان البائع مسلما أو كافرا ثم يجبر البائع على بيعه إن كان كافرا لأن فسخ البيع الفاسد مستحق شرعا ولا يفوت به ما يثبت من الحق للعبد بإسلامه فإن البائع يجبر على بيعه إذا كان كافرا ومع إمكان استيفاء الحقين لا يجوز ترك أحدهما فإن كان البائع غائبا فرفع العبد المشتري إلى القاضي أجبره على البيع إن كان شراء يجوز في مثله البيع منه ; لأنه مالك له وقد تعذر فسخ العقد لغيبة البائع ولا يجوز أن يترك المسلم في ملك الكافر فيجبر على بيعه ، وهذا لأن في التأخير إلى أن يحضر البائع إضرارا بالعبد وابقاء له في ذل الكافر وذلك ممتنع في الشرع ، وإن كان شراء يجوز في مثله البيع فهو غير مالك له ولا يمكن إجباره على بيعه ولكنه ملك الغير مضمون في يده أو أمانة بمنزلة المغصوب أو الوديعة . مسلم اشترى عبدا مسلما من كافر شراء فاسدا أجبرته على رده على الكافر لفساد العقد ثم يجبر الكافر على بيعه ; لأن استيفاء الحقين ممكن ، وإن كان الكافر غائبا فهو على حالة عند المسلم ; لأنه ليس في إبقاء المسلم في ملك المسلم معنى الإذلال . ولو أن مسلما وهب عبدا مسلما لكافر أو تصدق به عليه جاز وأجبر الكافر على بيعه كما لو ملكه بسبب آخر ، ولو أراد المسلم أن يرجع في هبته كان له ذلك ما لم يبعه الكافر أو يعوض المسلم منه والكافر في حكم الهبة بمنزلة المسلم ، وكذلك لو كان الكافر هو الواهب للعبد المسلم من المسلم ثم رجع في هبته كان له ذلك ; لأن حقه في الرجوع كان ثابتا ما لم يصل إليه العوض فلا يبطل بإسلام العبد ولكن إذا رجع فيه أجبر على بيعه . وإذا أسلم عبد النصراني فأجبره القاضي على بيعه فباعه ثم استحقه نصراني آخر ببينة مسلمين وقد أعتقه المشتري فإن عتقه باطل ; لأن بالاستحقاق قد ظهر أن المشتري لم يملك وإن عتقه لم ينفذ ; لأن بائعه لم يكن مالكا فيأخذه المستحق ويجبر على بيعه ولا يقال ينبغي أن ينفذ [ ص: 136 ] البيع بإجبار القاضي عليه في حق المستحق إذا كان نصرانيا ; لأن القاضي إنما أجبر عليه المالك الظاهر له حين أبى أن يسلم فلا يتعدى ذلك إلى المستحق ; لأنه لم يكن ظاهرا يومئذ ولعله يسلم لو عرض عليه الإسلام . ولو أن نصرانية تحت مسلم لها مملوك مسلم فأجبرت على بيعه فباعته من زوجها واشتراه زوجها لولد له صغيرا فذلك جائز ; لأن المقصود قد حصل ، وهو إزالة ذل الكافر عن المسلم بخروجه من ملكها . قال : ولو أن يتامى من النصارى أسلم عبد لهم أجبروا على بيعه لتقرر السبب ، وهو ملك الكافر في العبد المسلم فإن كان لهم وصي باعه الوصي ; لأنه قائم مقامهم في البيع الذي ليس بمستحق ففي البيع المستحق أولى ، وإن لم يكن لهم وصي جعل القاضي لهم وصيا فباعه لهم ; لأنه إذا جاز للقاضي نصب الوصي نظرا منه لليتامى فلأن يجوز ذلك منه نظرا لليتامى ومراعاة لحرمة الإسلام أولى . قال وإذا كان للمسلم عبد نصراني تاجر فاشترى عبدا نصرانيا فأسلم ولا دين على العبد التاجر لم أجبره على بيعه ; لأن كسب العبد الذي لا دين عليه مملوك لمولاه ، وهو مسلم وإن كان عليه دين أجبرته على بيعه ; لأن المولى لا يملك من كسبه ما لم يقض عنه الدين كالأجنبي والعبد هو المستبد بالتصرف ، وهو نصراني فيجبر على بيعه كمكاتب نصراني لمسلم أسلم عبده . قال وإذا اشترى النصراني عبدا مسلما فوجد به عيبا فقال أرده تركته حتى يرده ; لأنه يستوفي بالرد حقه ويدفع به الضرر عن نفسه وأكثر ما فيه أن يكون رده إياه بمنزلة البيع منه وذلك صحيح ، وإن وكل وكيلا يخاصم عنه في العيب جاز حتى يبلغ اليمين بالله ما رأى ولا رضي ، فإذا بلغ ذلك لم يستطع رده حتى يحضر الموكل فيحلف وفي هذا الحكم يستوي الكافر والمسلم ثم في ظاهر الرواية القاضي يحلف المشتري بهذه الصفة ما رأى ولا رضي طلب البائع ذلك أو لم يطلب ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول لا يحلف إلا بطلب البائع ; لأنه نصب لفصل الخصومة لا لإنشائها ولكنا نقول هو مأمور بأن يصون قضاءه عن أسباب الخطأ وليس كل خصم يهتدي إلى ذلك ليسأل أو يتجاسر على ذلك مع حشمة القاضي فيحتاط القاضي بذلك ويحلفه بالله ما رأى العيب ولا رضي به وفي موضع آخر قال ولا عرضه على بيع ثم يقضي بالرد فإن أقر الوكيل عند القاضي أن المشتري قد رضي بالعيب جاز ذلك على المشتري ، وإن وكل البائع وكيلا بالخصومة فإقرار وكيله عليه جائز في مجلس القاضي ; لأنه قائم مقام الموكل في جواب الخصم [ ص: 137 ] ولا يحلف الوكيل ; لأن النيابة في اليمين لا تجزئ ولكن يحضر الموكل فيحلف بالله لقد باعه وما هذا به وقد قررنا هذا في كتاب العيوب . قال ولا يجوز بين أهل الذمة شيء من بيوع الصرف والسلم وغيرهما إلا ما يجوز بين أهل الإسلام ما خلا الخمر والخنزير فإني أجيز ذلك بينهم وأستحسن ذلك ; لأنهما أموال متقومة في حقهم والأثر الذي جاء فيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها وقد تقدم بيان هذا الفصل في كتاب الغصب وأوضحنا الفرق بين الربا والتصرف في الخمر والخنزير باعتبار أن ذلك مستثنى من عقد الذمة ونذكر هنا حرفا آخر للفرق بينهما فنقول لما بقي الخمر والخنزير مالا متقوما في حقهم فلو لم نجز تصرفهم فيهما بالبيع والشراء لم تظهر فائدة المالية والتقوم فيكون إضرارا بهم ، ولو منعناهم عن عقود الربا لأدى ذلك إلى إبطال فائدة المالية والتقوم ; لأنهم قد لا يتمكنون من التصرف في ذلك المحل إلا بطريق الربا . قال ولا يحل للمسلم بيع الخمر ولا أكل ثمنها بلغنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه حديثان أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله في الخمر عشرة وذكر في الجملة بائعها والثاني قوله صلى الله عليه وسلم أن الذي حرم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم { لعن الله اليهود حرمت عليه الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها } والله تعالى إذا حرم شيئا حرم بيعه وأكل ثمنه وبهذه الآثار تبين أن الخمر ليست بمال متقوم في حق المسلم فلا يجوز بيعه إياها . قال وإذا اشترى المسلم عصيرا فلم يقبضه حتى صار خمرا فالبيع فاسد ; لأنه تعذر قبضه بعد التخمر وبالقبض يتأكد الملك المستفاد بالعقد ويستفاد بملك التصرف وكما لا يجوز ابتداء العقد على الخمر من المسلم فكذلك لا يجوز قبض الخمر بحكم العقد فإن صارت خلا قبل أن يترافعا إلى السلطان فالمشتري بالخيار إن شاء أخذه وإن شاء تركه ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أما عند محمد فالبيع باطل هكذا ذكر الكرخي ; لأن العقد فسد بالتخمر فلا يمكن تصحيحه على الخل إلا بالاستقبال ; وهذا لأن التخمر قبل القبض كالموجود عند العقد ، ولو اشترى المسلم خمرا فتخللت لا يصح العقد وجه قولهما أن أصل العقد صحيحا ثم بالتخمر فات القبض المستحق بالعقد العارض على شرف الزوال ، وهو انعدام المالية والتقوم ، فإذا زال صار كأن لم يكن كما لو أبق المبيع قبل القبض ثم عاد من إباقه إلا أن المشتري هنا مخير لتغيير صفة المبيع ، وهو في ضمان البائع ; ولهذا لو [ ص: 138 ] خاصمه فيها قبل أن يصير خلا فأبطل القاضي البيع ثم صارت خلا بعد ذلك لم يكن له عليها سبيل ; لأن العقد انفسخ بقضاء القاضي كما في الإباق إذا عاد بعدما فسخ القاضي البيع بينهما وبه فارق ما لو كانت خمرا في الابتداء فإن هناك البيع ما انعقد صحيحا ، ألا ترى أنه لو باع العبد . وهو آبق ثم رجع من إباقه لم يصح البيع وعلى هذا النصراني لو اشترى من نصراني خمرا ثم صارت خلا ثم أسلما فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك لتغير صفة المبيع ، وإن أسلما ثم صارت خلا فهو على هذا الخلاف الذي ذكرنا ثم ذكر مسألة إقراض النصراني نصرانيا خمرا وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الغصب . قال وإذا اشترى النصراني من النصراني خمرا أو خنزيرا على أنه بالخيار ثلاثة أيام ثم أسلم المشتري قبل أن يختار وقد قبض كان البيع باطلا في قول أبي حنيفة ويتم البيع في قول صاحبيه بناء على اختلافهما في وقوع الملك للمشتري مع اشتراط الخيار وقد تقدم بيانه بفصوله ، ولو كان الخيار للبائع فأسلما أو أسلم البائع بطل البيع ; لأن خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه فلا يمكن من إخراجه عن ملكه بالإجازة بعد إسلامه ، وإن أسلم المشتري وقد قبض ما اشترى لم يفسد البيع ; لأن البيع قد تم من قبله والبائع على خياره فإن أجاز البيع ملك المشتري الخمر حكما من غير عقد باشره بعد إسلامه وإسلامه لا يمنعه من ذلك . وإذا ارتهن نصراني من نصراني خمرا بدين له عليه فأسلم المرتهن بطل الرهن ; لأن المقصود بالرهن الاستيفاء ولا يتم ذلك إلا بهلاك الرهن فالإسلام الطارئ بعد العقد قبل حصول المقصود يجعل بمنزلة المقترن بالعقد فإن كان المرتهن هو الذي أسلم بقي مضمونا عليه حتى إذا هلك هلك على الراهن ; لأن خمر الكافر يجوز أن تكون مضمونة على المسلم بالغصب فكذلك بالقبض بحكم الرهن فإن كان الراهن هو الذي أسلم ثم هلك الرهن لم ينتقص من حق المرتهن شيء ; لأن خمر المسلم لا تكون مضمونة على الذمي بالغصب فكذلك بالقبض بحكم الرهن ، وهذا لانعدام المالية والتقوم في حق المالك هنا بخلاف الأول . قال وإذا وكل المسلم نصرانيا ببيع الخمر فباعها جاز في قول أبي حنيفة ; لأن العاقد نصراني ولم يجز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأن من وقع له العقد مسلم وقد تقدم بيان هذا الفصل . وإذا كان للذمي عبدان أخوان لم أكره له أن يفرق بينهما في البيع ; لأن ما فيه من الشرك أعظم من التفريق يعني أن المنع من التفريق لحق الشرع والكفار لا يخاطبون من حقوق الشرع بما هو أعظم من كراهة التفريق نحو العبادات فكذلك لا يظهر في حقهم حكم كراهة التفريق [ ص: 139 ] في البيع والله أعلم باب بيوع ذوي الأرحام قال ليس ينبغي للرجل أن يفرق بين الجارية وولدها في البيع ولا في الهبة ولا في الصدقة ولا في الوصية إذا كان صغيرا لما روي أن { زيد بن حارثة رضي الله عنه قدم بسبايا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصفحهم فرأى جارية والهة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأنها فقال زيد رضي الله عنه احتجنا إلى نفقة فبعنا ولدها فقال صلى الله عليه وسلم أدرك أدرك لا توله والدة بولدها وقال النبي صلى الله عليه وسلم من فرق بين والدة وولدها فرق الله تعالى بينه وبين الجنة وفي رواية فرق الله تعالى بينه وبين أحبته يوم القيامة } وكذلك كل ذي رحم محرم والحاصل أنه إذا اجتمع في ملكه شخصان بينهما قرابة محرمة للنكاح وهما صغيران أو أحدهما صغير فليس له أن يفرق بينهما في الإخراج عن ملكه بالبيع عندنا . وقال الشافعي في الوالدين والمولودين كذلك وفيما سوى ذلك لا بأس بالتفريق بناء على مذهبه في عتق أحدهما على الآخر عند دخوله في ملكه وحجتنا في ذلك ما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهب لعلي كرم الله وجهه أخوين صغيرين ثم لقيه بعد ذلك فقال ما فعل الغلامان فقال بعت أحدهما فقال أدرك } والمعنى فيه أن الصغير يستأنس بالكبير والكبير يشفق على الصغير ويقوم بحوائجه ففي التفريق بينهما إيحاشهما وترك الترحم عليهما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا } والكافر والمسلم في ذلك سواء لاستوائهما في الشفقة التي تنبني على القرابة ثم تمتد هذه الكراهة إلى البلوغ عندنا وقال الشافعي إلى أن يستغني الصغير عن الكبير في التربية واعتمادنا في ذلك ما ذكره الدارقطني في مسنده بالإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه { لا تجمعوا عليهم بين السبي والتفريق ما لم يبلغ الغلام وتحض الجارية } وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله إذا راهق الصغير ورضيا أن يفرق بينهما فلا بأس بالتفريق بينهما ; لأن كل واحد منهما من أهل النظر لنفسه وربما يريان مصلحة في ذلك فلا بأس بالتفريق عند ذلك برضاهما فأما بعد البلوغ فلا بأس بالتفريق بينهما ; لأن كل واحد منهما يقوم بحوائجه ، وربما لا يستأنس بعضهم ببعض بل يستوحش بعضهم من بعض إذا اجتمعوا في ملك رجل واحد حتى يؤدي إلى قطيعة الرحم ولهذا حرم [ ص: 140 ] الجمع بين الأختين نكاحا . ولو كان مملوكا لرجل وولده الصغير مملوك لابن الرجل ، وهو صغير في حجره كان له أن يفرق بينهما بالبيع ; لأنهما ما اجتمعا في ملك رجل واحد والأب في التصرف في ملك ولده قائم مقام الولد لو كان بالغا ، وكذلك إن كان كل واحد منهما لولد من أولاده ، ولو اشتراهما جميعا فوجد بأحدهما عيبا كان له أن يرده ويمسك الباقي وعن أبي يوسف قال يردهما أو يمسكهما ; لأن في معنى كراهة التفريق بينهما أنها كشخص واحد وقاس بما لو اشترى مصراعي باب فوجد بأحدهما عيبا كان له أن يردهما أو يمسكهما وجه ظاهر الرواية أن المثبت لحق الرد له هو العيب ، وهو مقصور على المعيب حقيقة وحكما ولا يتمكن من رد الآخر بعد تمام الصفقة ثم هذا تفريق بحق مستحق في أحدهما فيجوز كالدفع بالجناية والبيع بالدين ، ولو كان له من كل واحد منهما شقص لم أكره له أن يبيع شقصه من أحدهما دون الآخر ; لأنهما ما أجتمعا في ملكه وكراهة التفريق بناء على اجتماعهما في ملكه . ولو كانا مملوكين له فباع أحدهما دون الآخر كان مسيئا والبيع جائز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف أستحسن إبطال البيع في الوالدين والمولودين ولا أبطله في الأخوين ، وهو قول الشافعي وروى الحسن عن أبي يوسف رحمهما الله أن البيع في جميع ذلك باطل لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أدرك أدرك وقال صلى الله عليه وسلم ذلك لزيد بن حارثة رضي الله عنه وإنما يتمكن من الإدراك بالاسترداد لفساد البيع ففي إحدى الروايتين فيهما جميعا قال البيع فاسد ، وفي الرواية الأخرى فرق لقوة الولادة وضعف القرابة المتجردة عن الولادة وحمل قوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أدرك على طلب الإقالة أو بيع الآخر ممن باع منه أحدهما ، وهو تأويل الحديثين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله والقياس لهما فإن النهي عن بيع أحدهما لمعنى في غير البيع غير متصل بالبيع ، وهو الوحشة ، وذلك ليس من البيع في شيء والنهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يفسد البيع كالنهي عن البيع وقت النداء . قال ولا بأس بأن يكاتب أحدهما دون الآخر ; لأن عقد الكتابة مآله العتق فهو كالإعتاق ولا بأس بأن يعتق أحدهما فكذلك يكاتبه ; لأنه لا تفريق بينهما في هذا التصرف بل يزداد الاستئناس ويمكن الكبير من القيام بحوائج الصغير إذا كوتب أو أعتق وربما يتمكن من شرائه بعد ذلك فيعتق عليه [ ص: 141 ] وكذلك لا بأس بأن يبيع أحدهما نسمة للعتق ويمسك الآخر وعن محمد أنه يكره له ذلك . وهذا لأن بيع نسمة ليس ببيع بشرط العتق فإن البيع بهذا الشرط لا يجوز ولكنه ميعاد بينهما فربما يفي به المشتري وربما لا يفي فيبقى التفريق بينهما متحققا في الحال وجه ظاهر الرواية أن الظاهر من حال من يشتري النسمة للعتق الوفاء بما يعد وإنما ينبني الحكم على الظاهر ما لم يتبين خلافه فبيع أحدهما نسمة كبيعه من قريبه ليعتق عليه ، وذلك غير مكروه . قال وإذا اجتمع في ملكه أختان فدبر إحداهما أو استولدها والأخرى صغيرة لم أكره له بيع الصغيرة ، وكذلك إن كاتب إحداهما ; لأن كراهة التفريق عند تمكنه من بيعها فإن عند ذلك يكون التفريق محالا على اختياره وهنا هو غير متمكن من بيع إحداهما فيجوز له بيع الأخرى ، وعن أبي يوسف أن في التدبير والاستيلاد ليس له أن يبيع الأخرى ; لأن ملكه في المدبرة وأم الولد مطلق فيتحقق اجتماعهما في ملكه فيكره التفريق وفي الكتابة لا يكره ; لأن ملكه في المكاتب ثابت من وجه دون وجه فلم يجتمعا في ملك مطلق له فلا بأس بأن يبيع أحدهما . قال وإذا كان أحد المملوكين له والآخر لزوجته أو لمكاتبه فلا بأس بالتفريق بينهما ; لأنهما ما اجتمعا في ملك رجل واحد ولأنه غير متمكن من بيعهما من واحد إذ ليس له حق التصرف في كسب مكاتبه وملك زوجته ، وكذلك إن كانت إحداهما لعبد له تاجر وعليه دين ; لأنه غير متمكن من بيعها فإن تصرفه في كسب العبد المديون لا ينفذه وعن أبي حنيفة هو لا يملك كسبه فلم يجتمعا في ملكه ، وإن لم يكن على العبد دين فليس له أن يفرق بينهما ; لأنهما اجتمعا في ملكه ، وهو متمكن من بيعهما وإن كانت إحداهما لمضاربه فلا بأس بأن يبيع المضارب ما عنده منهما ; لأن المضارب غير مالك لهما ولا هو متمكن من بيعهما فله أن يبيع ما كان عنده منهما . قال وإذا كان للرجل أمة فباعها على أن له الخيار ثلاثة أيام ثم اشترى ابنها كرهت له أن يوجب البيع في الأمة ; لأن خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه فقد اجتمعا في ملكه ، وهو متمكن من أن لا يفرق بينهما بأن يفسخ البيع ثم يبيعهما معا ، فإذا أوجب البيع في الأمة كان مفرقا بينهما باختياره وذلك مكروه ، وكذلك إن سكت حتى مضت المدة ; لأن سكوته عن الفسخ إلى مضي المدة كاختياره إمضاء البيع ، وإن كان الخيار للمشتري فلا بأس بأن يستوجبها ; لأن الأمة خرجت من ملك البائع مع خيار المشتري فلم يجتمعا في [ ص: 142 ] ملك رجل واحد ، ولو كان عنده ابن لها فاختار ردها لم يكن بذلك بأس أما عند أبي حنيفة فلأنهما لم يجتمعا في ملكه فإن خيار المشتري يمنع وقوع الملك له وعندهما ; لأن هذا التفريق لحق له في إحداهما فكان بمنزلة الرد بخيار العيب . ![]()
__________________
|
|
#284
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 142الى صـــ 151 (284) قال ويكره للمكاتب والعبد التاجر من التفريق ما يكره للحر ; لأنهما مخاطبان وفي التمكن من بيعهما معا بمنزلة الحرين وكراهة التفريق لحق الشرع فيستوي فيه المملوك والحر . ولا يكره التفريق من ذي محرم من غير النسب كالرضاع والمصاهرة لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أن رجلا سأله فقال أبيع جارية لي قد أرضعت ولدي فقال قل من يشتري أم ولدي ، وهذا لأن الرضاع والمصاهرة بمنزلة النسب في حرمة النكاح خاصة وأما الأحكام المتعلقة بالقرابة سوى الحرمة لا يثبت شيء منها بالرضاع والمصاهرة . قال ولا بأس بالتفريق بين المملوكين الزوجين ; لأنه لا قرابة بينهما ، وعلى ذلك تنبني كراهية التفريق . قال وإذا اجتمع أخوان في ملك رجل لا ينبغي له أن يبيع أحدهما من ابن صغير له في عياله ; لأن هذا تفريق بينهما في البيع والملك ، ولو جاز هذا لجاز الذي باعه من ابنه الصغير بعد ذلك فيتحقق التفريق بهذا الطريق ، فإذا دخل الحربي دار الإسلام بغلامين أخوين صغيرين بأمان فأراد أن يبيع أحدهما فلا بأس بشرائه منه . وإن كان فيه تفريق لأني إن لم أشتره منه لأعاده إلى دار الحرب ويتمكن من ذلك فشراؤه منه أقرب إلى النظر من مراعاة التفريق ، ولو كان قد اشتراهما في دار الإسلام كرهت للمسلم أن يشتري منه أحدهما ; لأنه يجبر على بيعهما ولا يمكن أن يدخل بهما في دار الحرب ; لأنه اشتراهما من أهل الإسلام أو من أهل الذمة ، وهو إن لم يكن مخاطبا بحرمة التفريق فالمسلم المشتري مخاطب بالتحرز عن اكتساب سبب التفريق إلا أن يكون اشتراهما في دار الإسلام من حربي مستأمن فلا بأس حينئذ بشراء أحدهما منه ; لأنه غير مجبر على بيعهما بل هو ممكن من أن يدخلهما دار الحرب كما كان البائع متمكنا من ذلك ولم يذكر في الكتاب ما إذا اجتمع في ملكه مع الصغير كبيران . والجواب في ذلك أن الكبيرين إذا استويا في القرابة من الصغير وكان ذلك من جهة واحدة كالأخوين والخالين والعمين فلا بأس بأن يبيع أحد الكبيرين استحسانا وفي القياس يكره ذلك ، وهو رواية عن أبي يوسف ; لأن الصغير يستأنس بكل واحد منهما في حقه كالمنفرد به وفي الاستحسان قال هذا [ ص: 143 ] يمنع لحق الصغير وحقه مراعى إذا ترك معه أحد الكبيرين فإنه يستأنس به ويقوم الكبير بحوائجه فلا بأس ببيع الآخر ، وإن كانت قرابتهما إليه من جهتين كالأب والأم فليس له أن يفرق بينهما وبينه ولا يبيع واحدا منهما ; لأن كل واحد منهما له نوع شفقة ليس للآخر وله بكل واحد منهما نوع استئناس لا يحصل ذلك بالآخر فإن كان أحدهما أبعد والآخر أقرب إليه في القرابة كالأم مع الجد في ظاهر الرواية لا بأس ببيع الأبعد ويمسك الأقرب مع الصغير ; لأن مقصود الصغير يحصل إذا أمسك الأقرب معه وشفقة الأقرب عليه أظهر والقرابة البعيدة عند المقابلة بالقريبة تكون البعيدة كالمعدومة . وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله أنه يكره له أن يبيع واحدا منهما ; لأنه يستأنس بكل واحد منهما نوع استئناس كما إذا استويا في الدرجة باب بيع الأمة الحامل قال رضي الله عنه اعلم أنه أورد هذا الباب في كتاب الدعوى وقد بينا شرح مسائله هناك ، وهو بكتاب الدعوى أشبه وقد بينا بعض المسائل فيما تقدم هنا أيضا فمما زاد على ما تقدم بيانه أن الجارية المبيعة إذا ولدت ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر والآخر لأكثر من ستة أشهر فادعاهما البائع فإنه يرد البيع ; لأنا تيقنا حصول العلوق بالتي ولدت لأقل من ستة أشهر في ملكه وهما توائم فمن ضرورة التيقن بعلوق أحدهما في ملكه التيقن بعلوق الآخر فهو كما لو ولدتهما لأقل من ستة أشهر وقد بينا أن بعد موت الولد لا تصح دعوى البائع ، وإن كان الولد خلف ولدا بخلاف ولد الملاعنة فإنه إذا مات عن ولد ثم أكذب الملاعن نفسه فإنه يثبت النسب منه . وهذا ; لأن نسب ولد الملاعنة كان ثابتا من الزوج بالفراش وبقي بعد اللعان موقوفا على حقه حتى لا تنفذ دعوة الغير فيه فيظهر ذلك بالإكذاب إذا كان مقيدا وتقام حاجة ولده إلى ذلك مقام حاجته فأما نسب ولد الجارية المبيعة فلم يكن ثابتا منه قبل الدعوى وإنما تصح دعواه لحاجة الولد إلى النسب وقد استغنى عن ذلك بالموت فلا يمكن إقامة ولده مقامه في إثبات نسبه ابتداء فلهذا لا تصح دعواه . وإن كان في يده صبي لا ينطق فزعم أنه عبده ثم أعتقه ثم زعم أنه ابنه فهو غير مصدق في ذلك في القياس ; لأنه مناقض في كلامه ويصدق في الاستحسان ويثبت نسبه منه ; لأن الإنسان قد يشتبه عليه هذا في الابتداء ثم يتبين له [ ص: 144 ] في الانتهاء فيريد أن يتدارك وقد بينا أن لخفاء أمر العلوق يعذر في التناقض فيه ثم لا منافاة بين الولاء الثابت له عليه وبين النسب ألا ترى أنه يشتري ابنه فيعتق عليه ويجتمع له ولاؤه ونسبه . ولو كان عبدا كبيرا أعتقه ثم ادعاه ومثله يولد لمثله لم تجز دعوته إلا أن يصدقه ; لأنه بالعتق صار في يد نفسه فالتحق بسائر الأحرار فالدعوى من المولى بعد ذلك ومن غيره سواء لا تنفذ إلا بتصديقه بخلاف الصغير الذي لا يعبر عن نفسه ; لأنه في يد مولاه إذ هو ليس بمحل أن يعبر عن نفسه قال في الكتاب أستحسن في الصغير كما أستحسن في المدبر يكون بين اثنين إذا جاءا بولد فادعاه أحدهما وقد تقدم بيان هذه المسألة في كتاب العتاق . قال وإذا ولدت الأمة ولدين في بطن واحد فباع المولى الأم مع أحدهما ثم ادعى المشتري الذي اشترى نسبه فإنه يثبت منه ; لأنه ادعى مملوكه في حال حاجته إلى النسب ثم يثبت منه نسب الذي عند البائع ; لأنه توأم ومن ضرورة ثبوت نسب أحدهما منه ثبوت نسب الآخر ، وهو عند البائع على حاله ; لأن العلوق لم يكن في ملك المشتري فدعواه دعوى التحرير والتوأم ينفصل أحدهما عن الآخر في التحرير كما لو أعتق أحدهما ، وإن كان البائع ادعى الولد الذي عنده ثبت نسبهما منه وانتقض البيع في الآخر ، وإن كان أعتقه المشتري ; لأن أصل العلوق كان في ملك البائع فدعواه توجب حرية الأصل الذي بقي عنده والتوأمان خلقا من ماء واحد ولا يفصل أحدهما عن الآخر في حرية الأصل وقد بينا أنه يجوز نقص عتق المشتري لضرورة إثبات حرية الأصل له . قال وإذا باع أمة حاملا فخاف المشتري أن يدعي البائع حملها وأراد أن يتحرز عن ذلك فإنه يشهد عليه أن هذا الحمل من عبد له كان زوجا لها وليس هذا بتعليم للكذب ولا أمر به فإنه لا رخصة في الكذب ولكنه بيان لحكم أن البائع أقر بذلك كيف يكون الحكم فيه وقد بينا بقية هذه المسألة في كتاب الإعتاق أن المقر له إن صدقه أو لم يظهر منه تصديق ولا تكذيب فليس للبائع أن يدعيه لنفسه ، وإن كذبه فكذلك عند أبي حنيفة ; لأن لإقراره حكمين إخراج نفسه عن نسب هذا الولد واثبات من المقر له فإنما يبطل بتكذيب المقر له ما كان من حقه فأما ما هو من خالص حق المقر فإن إقراره فيه لا يبطل بتكذيب المقر له خصوصا فيما لا يحتمل الإبطال ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله الإقرار بتكذيب المقر له يبطل من أصله فله أن يدعيه لنفسه بعد ذلك وقاسا النسب بالولاء فإن من اشترى جارية ثم زعم أن البائع كان [ ص: 145 ] أعتقها فكذبه البائع كان له أن يدعي ولاءها لنفسه بعد ذلك إلا أن أبا حنيفة يفرق بينهما فيقول الولاء قابل للتحول من شخص إلى شخص ، ألا ترى أن ولاء الولد يثبت لمولى الأم إذا كان الأب عبدا ، فإذا عتق الأب تحول ولاؤه إليه والنسب لا يحتمل التحول من شخص إلى شخص فعندما أخرج نفسه من نسب هذا الولد لا يصح دعواه لنفسه . قال أمة بين اثنين باع أحدهما نصيبه من صاحبه ثم ولدت لأقل من ستة أشهر فادعاه البائع صحت دعواه وبطل البيع فيكون هذا كحكم الجارية المشتركة استولدها أحدهما ، ولو ادعياه معا ثبت نسبه منهما وبطل البيع ; لأن العلوق حصل في ملكيهما جميعا ، ولو ادعاه البائع وأعتقه المشتري فدعوى البائع تستند إلى وقت العلوق ويثبت به حرية الأصل للولد فيكون عتق المشتري فيه باطلا ، ولو باع أحدهما نصيبه من رجل ، وهي حامل فادعى المشتري الحبل وادعاه البائع والذي لم يبع فإن ولدت لأقل من ستة أشهر فالبيع باطل ويثبت نسبه من البائع ومن شريكه ; لأن دعواهما تستند إلى وقت العلوق فالعلوق حصل في ملكها ويأخذ المشتري ما نقد من الثمن ويرد على الذي لم يبع نصف العقد لإقراره بالوطء قال الحاكم أبو الفضل قوله ويرد على الذي لم يبع نصف العقد ليس بسديد والصواب أن يرد جميع العقد على الشريكين جميعا وهكذا في رواية أبي سليمان ; لأن إقراره بوطئها لا بد أن يكون سابقا على الشراء . وقد حصل ذلك في ضمن دعوى النسب فيكون عليه جميع العقد للشريكين ، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر ثبت نسبه من المشتري ومن الذي لم يبع ; لأنا لم نتيقن بحصول العلوق قبل البيع فلا يصح دعوى البائع ولكن على البائع نصف العقد للذي لم يبع ; لأنه أقر بوطئها وذلك يلزمه نصف العقد للذي لم يبع سواء كان وطؤه إياها قبل البيع أو بعد البيع بشبهة وليس للبائع على المشتري عقد ; لأنه ما أقر بوطئها قبل شرائه وإنما زعم أنه وطئها بعد شرائه في ضمن دعوى النسب ; فلهذا لا يغرم له شيئا من العقد والله أعلم باب الاستبراء قال رضي الله عنه الأصل في وجوب الاستبراء قول النبي صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى من الفيء حتى يضعن حملهن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة ، وهذا خطاب للموالي فيفيد وجوب الاستبراء على المولى فإنه إذا قيل لا تضرب فلانا يكون [ ص: 146 ] ذلك نهيا للضارب عن الضرب لا خطابا للمضروب والمعنى في المسبية حدوث ملك الحل فيها لمن وقعت في سهمه بسبب ملك الرقبة فبهذه العلة يتعدى الحكم من المنصوص عليه إلى غير المنصوص عليه ، وهي المشتراة أو الموهوبة ووجوب الاستبراء في المشتراة مروي عن علي وابن عمر رضي الله عنهما والحكمة في ذلك تعرف براءة الرحم وصيانة ماء نفسه عن الخلط بماء غيره والتحرز عن أن يصير ماؤه ساقيا زرع غيره ولكن الحكم يثبت بثبوت علته ; ولهذا قلنا إذا اشتراها من امرأة أو صبي باعها أبوه أو اشتراها ، وهي بكر أو اشتراها من مملوك لزمه الاستبراء لوجود العلة الموجبة ، وهي حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة وعن أبي يوسف قال إذا تيقن فراغ رحمها من ماء البائع فليس عليه فيها استبراء واجب ; لأن الاستبراء كاسمه تبين فراغ الرحم وقاس بالمطلقة قبل الدخول أنه لا يلزمها العدة ; لأن المقصود من العدة في حال الدخول تبين فراغ الرحم ولكنا نقول هذه حكمة الاستبراء والحكم متعلق بالعلة لا بالحكمة ثم اشتغال رحمها بالماء عند الشراء لا يمكن معرفته حقيقة فيتعلق الحكم شرعا بالعيب الظاهر . وهو حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة فدار الحكم معه وجودا وعدما للتيسير على الناس ، وكذلك لا يقبلها ولا يباشرها ولا ينظر منها إلى عورة حتى يستبرئها ; لأن من الجائز أنها حملت من البائع وأن البيع فيها باطل وهذه التصرفات لا تحل إلا في الملك كالوطء ; ولأن الوطء حرام في مدة الاستبراء ، وهذا من دواعي الوطء فيحرم بحرمة الوطء كما إذا ظاهر من امرأته ، لما حرم عليه وطؤها حرم عليه دواعيه بخلاف الحيض فإن المحرم بسبب الحيض استعمال الأذى كما وقعت إليه الإشارة بالنص ولا يوجد ذلك في التقبيل والمس ثم الدواعي هناك لا توقعه في ارتكاب الحرام لنفرة في طبعه عنها بسبب الأذى والدواعي هنا موقعة في ارتكاب الحرام ، وهو الوطء ; لأنه راغب فيها غاية الرغبة ما لم يحصل مقصوده منها . فإن كانت لا تحيض من صغر أو كبر فاستبراؤها بشهر ; لأن الشهر قائم مقام الحيض والطهر شرعا فكل شهر يشتمل على حيض وطهر عادة ، ألا ترى أن الله تعالى أقام ثلاثة أشهر في حق الآيسة والصغيرة مقام ثلاثة قروء في العدة ومدة الاستبراء ثلث مدة العدة فيتقدر بشهر وإن كانت حاملا فاستبراؤها بوضع الحمل للنص كما روينا ; ولأن مدة الحمل لا تحتمل التحري لتعذر الاستبراء ببعضها ، فإذا وجب اعتبار جزء منها وجب اعتبار الكل والمقصود تبين فراغ الرحم ولا يحصل شيء من هذا المقصود قبل الوضع بل يزداد معنى الاشتغال بمضي [ ص: 147 ] بعض المدة فلهذا قدرنا الاستبراء في حقها بوضع الحمل . وإذا ارتفع حيضها وهي ممن تحيض تركها حتى إذا استبان له أنها ليست بحامل وقع عليها ; لأن المقصود تبين فراغ الرحم من ماء البائع ليتيقن بصحة البيع ووقوع الملك للمشتري فيها وقد حصل ذلك إذ مضى من المدة ما لو كانت حبلى لظهر ذلك بها وليس في ذلك تقدير بشيء فيما يروى عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إلا أن مشايخنا رحمهم الله قالوا يتبين ذلك بشهرين أو بثلاثة أشهر وكان محمد رحمه الله يقول أولا يستبرئها بأربعة أشهر وعشر اعتبارا بأكثر العدة ، وهي عدة الوفاة في حق الحرة ثم رجع وقال يستبرئها بشهرين وخمسة أيام ; لأن أطول مدة العدة في حق الأمة هذا ، فإذا كان بأقوى السببين . وهو النكاح لا يجب على الأمة الاعتداد إلا بهذه المدة ففي أضعف السببين ، وهو الملك أولى أن لا يجب في استبرائها زيادة على هذه المدة وقال زفر يستبرئها بحولين أكثر مدة الحمل وكان أبو مطيع البلخي يقول يستبرئها بتسعة أشهر ; لأنها مدة الحبل في النساء عادة قال والأول أصح ; لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون وليس في ذلك نص . ولو ملكها بهبة أو صدقة أو وصية أوميراث أو جناية وجبت عليه أو جعل كتابة أو خلع فعليه الاستبراء فيها لحدوث ملك الحل له بسبب ملك الرقبة ، وكذلك لو كان له في جارية شقص فملك الباقي منها بوجه من الوجوه ; لأن حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة يكون بعد ملكه جميع رقبتها فعند ذلك يلزمه الاستبراء ; وهذا لأن بعض الرقبة بمنزلة بعض العلة وثبوت الحكم عند كمال العلة وأما ببعض العلة فلا يثبت شيء من الحكم . قال وإذا اشتراها ، وهي حائض لم يحتسب بتلك الحيضة عليه أن يستبرئها بحيضة أخرى وعن أبي يوسف أنها كما طهرت من هذه الحيضة فله أن يطأها لتبين فراغ رحمها بناء على أصله ولكنا نقول الشرع ألزمه الاستبراء بحيضة والحيضة لا تتجزأ وقد تعذر الاحتساب من الاستبراء بما مضى منها قبل الشراء فلا يحتسب بجميعها منه كما لو طلق امرأته في حالة الحيض لا يحتسب بهذه الحيضة من العدة ولأنه كان يحتسب بما بقي من الحيضة بعد الشراء من الاستبراء فعليه إكمالها من حيضة أخرى ، فإذا وجب جزء من الحيضة الثانية وجبت كلها ، وكذلك إن كانت حاضت حيضة مستقبلة بعد الشراء قبل القبض لم يحتسب بتلك الحيضة من الاستبراء إلا على رواية أبي يوسف رحمه الله فإنه يقول تبين فراغ الرحم يحصل بالحيضة التي توجد في يد البائع كما يحصل بالحيضة التي توجد في يد المشتري ولكنا نقول ملك الوطء بسبب تلك الرقبة [ ص: 148 ] إنما يستفيده المشتري بالقبض ; لأن الوطء تصرف وملك التصرف يحصل للمشتري بالقبض فالحيضة التي توجد قبل هذا لا يحتسب بها ولكن الموجود بعد العقد قبل القبض كالمقترن بالعقد والموجود قبله بمنزلة الزوائد الحادثة والتخمر في العصير ، وكذلك إن وضعت على يدي عدل حتى ينقد الثمن فحاضت عنده لأن يد العدل فيها كيد البائع ، ألا ترى أنها لو هلكت انفسخ البيع وهلكت من مال البائع . قال وإذا باع جارية ولم يسلمها حتى تاركه المشتري البيع فيها ففي القياس على البائع أن يستبرئها بحيضة وذكر أبو يوسف في الأمالي أن أبا حنيفة كان يقول أولا بالقياس ثم رجع إلى الاستحسان فقال ليس عليه أن يستبرئها . وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وجه القياس أنها بالبيع خرجت عن ملكه ثم عادت إليه بالإقالة فقد حدث له فيها ملك الحل بسبب ملك الرقبة ، وهي العلة الموجبة للاستبراء ، ووجه الاستحسان أنها في ضمان ملكه ما بقيت يده عليها بدليل أنها لو هلكت هلكت على ملكه فيجعل بقاؤه فيها كبقاء الملك فأما إذا سلمها إلى المشتري ثم تقايلا فعلى البائع أن يستبرئها في ظاهر الرواية ; لأنها خرجت من ملكه ويده وثبت ملك الحل فيها لغيره ، وهو المشتري ، فإذا عادت إليه لزمه استبراء جديد كما لو استبرأها ابتداء بخلاف ما قبل التسليم وعن أبي يوسف قال إذا لم يكن البائع فارق حتى تقايلا فليس عليه فيها استراء ; لأنه تيقن بفراغ رحمها من ماء غيره . قال وإذا اشترى جارية لا تحيض فاستبرأها بعشرين يوما ثم حاضت بطل الاستبراء بالأيام ; لأن الشهر بدل عن الحيض وإكمال البدل بالأصل غير ممكن ولكن القدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل يسقط اعتبار البدل كالمعتدة بالأشهر إذا حاضت وإذا حاضت عند المشتري حيضة ثم وجد بها عيبا فردها لم يقربها البائع حتى تحيض عنده حيضة ; لأنها عادت إليه بعدما حدث ملك الحل فيها لغيره بسبب ملك الرقبة فعليه أن يستبرئها سواء كان عودها إليه بسبب هو فسخ أو بمنزلة عقد جديد ، وكذلك لو باع شقصا منها ثم استقاله البيع فيها أو اشتراها ; لأن بيع البعض كبيع الكل في زوال ملك الحل في حق البائع وفي الوجهين تجدد الحل بعد زوال ملكه ويده فلزمه استبراء جديد . قال وإذا رجعت الآبقة أو ردت المغصوبة أو فكت المرهونة أو ردت عليه المؤجرة للخدمة قبل انقضاء العدة فليس عليه أن يستبرئها ; لأن ملك الحل ما زال عنه بما عرض من الأسباب فإن سببه ملك الرقبة ولم يختل ملك الرقبة بهذه الأسباب فبارتفاعها لا يتجدد ملك الحل له ، وكذلك لو كاتب أمته [ ص: 149 ] ثم عجزت فليس عليه أن يستبرئها عندنا وقال الشافعي عليه أن يستبرئها ; لأنها بالكتابة صارت كالخارجة عن ملكه حتى يغرم بوطئها العقد لها ويغرم الأرش لها لو جنى عليها يوضحه أنها صارت بمنزلة الحرة يدا فتكون مملوكة له من وجه دون وجه فهو كما لو باع نصفها ثم اشترى الباقي والدليل عليه أنه لو زوجها من إنسان ثم فارقها الزوج وجب عليه أن يستبرئها ; لأن ملك المنفعة زال عنه بالتزويج فكذلك بالكتابة وجه قولنا أنها بعد الكتابة باقية على ملكه فقد قال صلى الله عليه وسلم { المكاتب عبد ما بقي عليه درهم } والعبد يكون مملوكا لمولاه فكيف يقال زال ملكه وانحل وإنما كاتبه ليعتق على ملكه إلا أن بعقد الكتابة يثبت لها ملك اليد في منافعها ومكاسبها وملك الحل لا ينبني على ذلك وإنما ينبني على ملك الرقبة وبسبب الكتابة لا يختل ملك الرقبة فلا يلزمه الاستبراء وإنما يغرم الأرش والعقد ; لأن ذلك بمنزلة الكسب وقد جعلها أحق بكسبها ، فإذا عجزت فإنما تقرر له الملك الذي كان باقيا فلم يحدث ملك الحل بسبب ملك الرقبة فلا يلزمه الاستبراء فأما الزوجة إذا فارقها زوجها . فإن كانت الفرقة بسبب يوجب عليها العدة فالعدة أقوى من الاستبراء ، وهو حق النكاح لا حق ملك اليمين ، وإن طلقها الزوج قبل الدخول ففيه روايتان أشار إليهما في هذا الكتاب في إحدى الروايتين يلزمه الاستبراء ; لأنها حلت لغيره ، فإذا حلت له كان ذلك حلا متجددا وفي الكتابة ما حلت لغيره حتى يجعل ذلك حلا متجددا له وفي الرواية الأخرى ليس له أن يستبرئها ، وهو الأصح ; لأنه لو لزمه الاستبراء لكان ذلك بسبب ملك النكاح الثابت للزوج والوظيفة في النكاح العدة دون الاستبراء ، فإذا لم يجب عند الطلاق قبل الدخول ما هو وظيفة النكاح فلأن لا يجب أولى ، ألا ترى أن المطلقة قبل الدخول إذا كانت حرة كان لها أن تتزوج عقيب الطلاق ويطؤها زوجها بالنكاح فكذلك للمولى أن يطأ أمته بعد الطلاق بالملك . ولو وهبها لولد له صغير ذكر أو أنثى ثم اشتراها لنفسه منه كان عليه أن يستبرئها لحدوث ملك الحل له بسبب تجدد ملك الرقبة ، ولو باعها على أنه بالخيار ثم نقض البيع لم يكن عليه أن يستبرئها ; لأنه لم يحدث ملك الحل له ; لأنها باقية على ملكه والحل الذي كان له باق في مدة خياره فبفسخ البيع لم يتجدد له ملك الحل فإن كان الخيار للمشتري فردها بعد القبض فليس على البائع أن يستبرئها في قول أبي حنيفة ; لأن المشتري لم يملكها مع بقاء خياره عنده وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن يستبرئها ; لأن المشتري قد ملكها ثم ردها بخيار الشرط كردها بخيار [ ص: 150 ] العيب والرؤية بعد القبض . وإذا قبضها المشتري على شراء فاسد ثم ردها القاضي على البائع بفساد البيع فعليه أن يستبرئها ; لأن المشتري ملك رقبتها بالقبض فيحدث الحل للبائع بما عاد إليه من الملك . قال وإذا غصب جارية فباعها من رجل وقبضها المشتري فوطئها ثم خاصم مولاها الأول فقضى القاضي له بها فعليه أن يستبرئها بحيضة استحسانا وفي القياس لا يلزمه الاستبراء ; لأن المشتري من الغاصب غاصب كالأول وقد بينا أن المغصوبة منه إذا استرد المغصوب فليس عليه فيها استبراء ولكنه استحسن فقال عليه أن يستبرئها ; لأنها حلت للمشتري حين اشتراها ومعنى هذا الكلام أن المشتري ما كان يعلم أن البائع غاصب وإنما قدم على شرائها باعتبار أن البائع مالك فيثبت له الحل من حيث الظاهر وإن لم يثبت له الحل فيها باطنا فلثبوت الحل له ظاهرا قلنا إذا وطئها ثم استردها البائع كان عليه أن يستبرئها ولعدم ثبوت الحل فيها باطنا قلنا إذا لم يطأها فليس على البائع استبراء وهذا ; لأن الوطء بشبهة النكاح في حكم العدة بمنزلة الوطء بحقيقة النكاح فكذلك الوطء بشبهة ملك اليمين بمنزلة الوطء بحقيقة الملك في حق وجوب الاستبراء على المالك وإن كان المشتري يعلم أن البائع غاصب فليس على المولى أن يستبرئها إذا استردها ; لأن الحل للمشتري لم يثبت فيها ظاهرا ولا باطنا ، ألا ترى أنه لا يثبت نسب الولد منه هنا . وإن ادعى ذلك بعد وطئها وفي الأول يثبت نسب الولد منه وسقوط الحد عنه باعتبار صورة العقد الموقوف لا بثبوت الحل له فيها فلا يجب على المالك لأجل ذلك استبراء كما لو لم يطأها المشتري . قال وإذا زوج الرجل أمته وطلقها الزوج قبل الدخول كان للمولى أن يقربها بعدما يستبرئها بحيضة . هذا في إحدى الروايتين في هذه المسألة وقد بينا وجه الروايتين وإن كانت تزوجت بغير إذنه ففرق بينهما قبل الدخول لم يكن عليه أن يستبرئها ; لأنها ما حلت لغيره والأمة لا تملك أن تزوج نفسها بغير إذن مولاها وإن فرق بينهما بعد الدخول لم يكن له أن يقربها حتى تنقضي عدتها ; لأنه دخل بها بنكاح فاسد فيجب عليها العدة بسببه والعدة أقوى من الاستبراء . قال وإذا وطئ جارية ولده ولم تعلق منه ثم اشتراها فعليه أن يستبرئها ; لأن ملك الحل له فيها حدث بالشراء ووطؤه إياها قبل الشراء كان حراما وارتكاب المحرم لا يمنع وجوب الاستبراء إذا تقرر سببه . وكذلك إن اشترى جارية من أبيه أو أمة مكاتبه فعليه أن يستبرئها لحدوث ملك الحل له بسبب ملك الرقبة قال : وإن اشتراها من عبد تاجر له فلا استبراء عليه إن [ ص: 151 ] كانت قد حاضت حيضة بعد ما اشتراها العبد ولا دين عليه ; لأن المولى ملك رقبتها من وقت شراء العبد وقد حاضت بعد ذلك حيضة فيكفيه ذلك عن الاستبراء كما لو اشتراها له وكيله فحاضت في يد الوكيل حيضة وإن كان على العبد دين يحيط برقبته وبما في يده فكذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأن عندهما دين العبد لا يمنع ملك المولى في كسبه ولهذا لو أعتقها جاز عتقه فأما عند أبي حنيفة فالقياس كذلك ; لأن العبد ليس أهلا أن يثبت له عليها ملك الحل بسبب ملك الرقبة ولا يثبت ذلك للغرماء أيضا بسبب دينهم والمولى أحق بها حتى يملك استخلاصها لنفسه بقضاء الدين من موضع آخر ، فإذا حاضت بعدما صار المولى أحق بها يجتزئ بتلك الحيضة من الاستبراء ولكنه استحسن فقال عليه أن يستبرئها بعدما يشتريها من العبد ; لأن قبل الشراء كان لا يملك رقبتها عنده حتى إذا أعتقها لم ينفذ عتقه فإنما حدث له ملك الحل بسبب ملك الرقبة حين اشتراها فعليه أن يستبرئها . قال : وإن وهب جاريته لرجل وسلمها ثم رجع في الهبة فعليه أن يستبرئها ; لأنها حلت للموهوب له فتجدد للواهب ملك الحل فيها بالرجوع بعدما حلت لغيره ، وكذلك إذا أصاب المأسورة قبل القسمة أو بعدها ; لأن العدو قد كانوا ملكوها بالإحراز ، ألا ترى أنهم لو أسلموا عليها كانت لهم فتجدد له فيها ملك الحل حين استردها ، وإن أبقت إلى دار الحرب فأخذوها فكذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأنهم ملكوها وعند أبي حنيفة رحمه الله الآبق إذا دخل دار الحرب لا يملك بالأخذ ، فإذا ردت على المولى بغير شيء فهي باقية على ملكه كما كانت فلا يلزمه أن يستبرئها . قال وإذا باع أم ولده أو مدبرته وقبضها المشتري ثم ردها عليه فليس عليه أن يستبرئها ; لأن المشتري لم يملكها فإن حق الحرية الثابتة فيها كحقيقة الحرية في المنع من تملكها بالشراء ، ألا ترى أنها لو كانت امرأته لم يفسد نكاحها ، ولو أعتقها لم يجز عتقه فيها ، ولو ولدت عند المشتري لم يثبت نسب الولد من المشتري وإن ادعاه فإذا لم يثبت فيها ملك الحل لغيره لا يلزمه استبراء جديد . قال : وإذا أراد الرجل أن يبيع أمته وقد كان يطؤها فليس ينبغي له أن يبيعها حتى يستبرئها بحيضة هكذا روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهذا الاستبراء في حق البائع مستحب عندنا وقال مالك واجب ; لأنه يخرجها عن ملكه بعد وجوب السبب الشاغل لرحمها بمائه وهو الوطء فهو نظير ما لو طلق امرأته بعد الدخول فهناك العدة واجبة لا مستحبة فكذلك الاستبراء هنا [ ص: 152 ] وإن كان عند الشراء يجب عليه الاستبراء لتوهم سبب اشتغال الرحم فلأن يجب عند البيع وقد تقرر بسبب اشتغال رحمها أولى ولكنا نقول الاستبراء في ملك اليمين نظير العدة في النكاح ثم وجوب العدة يختص بأحد الطرفين فكذلك وجوب الاستبراء عند حدوث الملك فلو أوجبنا عليه الاستبراء عند إزالة الملك لأوجبنا عليه الاستبراء في الطرفين جميعا يوضحه أن الاستبراء على المولى لصيانة ماء نفسه من أن يسقي به زرع غيره وإنما يتحقق هذا عند الشراء فأما عند البيع فلا يتحقق هذا في حق البائع ومعنى صيانة مائه يحصل بإيجاب الاستبراء على المشتري إلا أنه لا يأمن أن لا يستبرئها المشتري فيستحب له أن يستبرئها احتياطا وإذا فعل ذلك ثم باعها فليس للمشتري أن يجتزئ بذلك إلا في رواية شاذة عن أبي يوسف بناء على أصله في أن تبين فراغ رحمها يحصل به ولكنا نقول حدث ملك الحل فيها للمشتري بالشراء فعليه أن يستبرئها . ![]()
__________________
|
|
#285
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 192الى صـــ 161 (285) ولو أراد البائع أن يزوجها لم يكن له أن يزوجها حتى يستبرئها ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول لا فرق بين البيع والتزويج بل في الموضعين جميعا يستحب للمولى أن يستبرئها من غير أن يكون واجبا عليه ، ألا ترى أنه لو زوجها قبل أن يستبرئها جاز كما لو باعها قبل أن يستبرئها وإلا ظهر أن عليه أن يستبرئها إن أراد أن يزوجها بعدما وطئها صيانة لمائه ; لأنه لا يجب على الزوج أن يستبرئها ليحصل معنى الصيانة له بخلاف البيع فهناك يجب على المشتري أن يستبرئها فيحصل معنى الصيانة وإن زوجها قبل أن يستبرئها جاز ; لأن وجوب الاستبراء على المولى لا على الأمة ولا يمنع صحة تزويجها والأحسن للزوج أن لا يقربها حتى تحيض حيضة وليس ذلك بواجب عليه في القضاء وفي الجامع الصغير قال للزوج أن يطأها قبل أن يستبرئها عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد : أحب إلي أن لا يطأها حتى يستبرئها كي لا يؤدي إلى اجتماع رجلين على امرأة واحدة في طهر واحد ; لأن ذلك حرام قال صلى الله عليه وسلم { لا يحل لرجلين يؤمنان بالله واليوم الآخر أن يجتمعا على امرأة واحدة في طهر واحد } وجه قولهما أن الاستبراء وظيفة ملك اليمين كما أن العدة وظيفة ملك النكاح فكما لا ينقل وظيفة النكاح إلى ملك اليمين فكذلك لا ينقل وظيفة ملك اليمين إلى النكاح ، وكذلك إن أراد أن يزوج أم ولده أو مدبرته فهي في ذلك كالأمة . قال : وإذا زنت أمة الرجل فليس عليه أن يستبرئها بحيضة ; لأنه لا حرمة لماء الزنا والشرع ما جعل للزاني إلا الحجر وليس في الزنا استبراء ولا عدة وقال زفر عليه أن يستبرئها بحيضة صيانة لماء نفسه عن الخلط [ ص: 153 ] بماء غيره وفي الجامع الصغير ذكر عن محمد قال : أحب إلي أن لا يطأها حتى يستبرئها بحيضة فإن حبلت من الزنا لم يقربها حتى تضع حملها ; لأنه لو وطئها كان ساقيا ماءه زرع غيره وقال عليه الصلاة والسلام { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره } . قال أمة بين رجلين باع أحدهما كلها وسلم الآخر البيع بعدما حاضت عند المشتري حيضة فعليه أن يستبرئها بعد جواز البيع كله ; لأن ملك الحل لا يثبت له ما لم يملك جميع رقبتها وذلك بعد إجازة البيع ، وكذلك لو باع أمة رجل بغير إذنه فقبضها المشتري وحاضت عنده حيضة ثم أجاز المولى البيع كان عليه أن يستبرئها ; لأن ملك الحل إنما يثبت له بعد إجازة المالك البيع عندنا ، وأصل المسألة أن بيع الفضولي يتوقف على إجازة المالك عندنا ويجعل إجازته في الانتهاء كالإذن في الابتداء . وعند الشافعي لا يتوقف بل يلغو بيع مال الغير بغير إذن المالك ، وكذلك كل ماله مجيز حال وقوعه من العقود والفسخ والنكاح والطلاق فهو على هذا الخلاف واحتج الشافعي بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ومطلق النهي يوجب فساد المنهي عنه والفاسد من العقود عنده غير مشروع { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض } فكون بيع ما يقبض ولم يملك منهيا عنه أولى والمعنى فيه أن تصرفه صادف محلا لا ولاية له على ذلك المحل فيلغو كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء فإنه لا ينعقد وإن أخذه بعد ذلك وهذا لأن انعقاد العقد يستدعي محلا ويختص بمحل للعاقد عليه ولاية ، فإذا انعدمت الولاية على المحل ينزل ذلك منزلة انعدام الأهلية في المتصرف عند العقد وذلك يوجب إلغاءه كالصبي والمجنون إذا طلق امرأته يلغو ذلك ولا ينعقد وإن أجازه بعد البلوغ فكذلك هذا وهذا بخلاف قول المشتري قبل إيجاب البائع قد اشتريت منك بكذا فإن ذلك تصرف في ذمة نفسه بالتزام الثمن إذا أوجب البائع البيع وهو محل ولايته والدليل عليه أن المشتري إذا باع المبيع قبل القبض ثم قبضه لا ينفذ ذلك البيع ، وكذلك له إجازة البائع لانعدام ولاية العاقد على المحل يدا ، وكذلك لو باع الآبق ثم رجع من إباقه لم ينفذ ذلك البيع ، فإذا انعدمت ولايته ملكا ويدا على المحل أولى ، وكذلك لو باع مال الغير ثم اشتراه من المالك أو ورثه يبطل البيع ولا ينفذ فإذا لم يجز أن ينفذ هذا العقد من جهة العاقد باعتبار ملكه فلأن لا ينفذ من جهة غيره بإجازته أولى وحجتنا في ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { دفع إلى حكيم بن حزام [ ص: 154 ] دينارا وأمره أن يشتري له أضحية فاشترى شاة ثم باعها بدينارين ثم اشترى شاة بدينار وجاء بالشاة والدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال بارك الله لك في صفقتك فأما الشاة فضح بها وأما الدينار فتصدق به } فقد باع ما اشترى له بغير أمره ثم أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعه ولا يجوز أن يقال كان هو وكيلا مطلقا بالبيع والشراء ; لأن هذا شيء لا يمكن إثباته بغير نقل ، ولو كان النقل على سبيل المدح له فالمنقول أمره أن يشتري له أضحية وبهذا لا يصير وكيلا بمطلق التصرف . { ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا إلى عروة البارقي رضي الله عنه وأمره أن يشتري أضحية فاشترى بالدينار شاتين ثم باع إحداهما بدينار وجاء بالأخرى مع الدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجوز عليه الصلاة والسلام ذلك ودعا له بالخير } ، ولو لم يكن البيع موقوفا على إجازته لأمره بالاسترداد والمعنى فيه أن هذا تصرف صدر من أهله في محله فلا يلغو كما لو حصل من المالك وكالوصية بالمال ممن عليه الدين وبأكثر من الثلث ممن لا دين عليه ; وهذا لأن التصرف كلام وهو فعل اللسان فحده ما هو حد سائر الأفعال وتحقيق الفعل ينتقل من فاعل في محل ينفعل فيه فهذا يكون حد التصرف باللسان ، وإذا صدر من أهله في محله تحقق به وجوده ثم قد يمتنع نفوذه شرعا لمانع فيتوقف على زوال ذلك المانع وبالإجارة يزول المانع وهو عدم رضى المالك به وبيان الأهلية في التصرف أن التصرف كلام والأهلية للكلام حقيقة بالتميز واعتباره شرعا بالخطاب وبيان المحلية أن البيع تمليك مال بمال فالمحل إنما يكون محلا بكونه مالا متقوما وبانعدام الملك للعاقد في المحل لا تنعدم المالية والتقوم ألا ترى أنه لو باعه بإذن المالك جاز وما ليس بمحل فبالإذن لا يصير محلا ، ولو باعه المالك بنفسه جاز والمحلية لا تختلف بكون المتصرف مالكا أو غير مالك . فإذا قبل اعتبار التصرف شرعا لحكمه لا لعينه والمراد بالأسباب الشرعية أحكامها واشتراط الملك في المحل لأجل الحكم فالتمليك لا يتحقق إلا من المالك ، فإذا لم يكن المتصرف مالكا لغا تصرفه لانعدام حكمه ففي الجواب عن هذا السؤال طريقان : أحدهما : أن نقول لا نسلم أن الحكم لا يثبت لهذا التصرف بل يثبت حكم يليق بالسبب فإنه يثبت بالسبب الموقوف ملك الموقوف كما يثبت بالسبب البات ملك بات ولهذا لو أعتق المشتري ثم أجاز المالك البيع نفذ عتقه وهذا ; لأنه لا ضرر على المالك في إثبات ملك موقوف بهذا السبب كما لا ضرر عليه في انعقاد السبب وإنما الضرر في زوال ملكه وبالملك الموقوف لا يزول ملكه [ ص: 155 ] البات ، والثاني : أن السبب إنما يلغو إذا خلا عن الحكم شرعا فأما إذا تأخر عنه الحكم فلا ; لأن الحكم تارة يتصل بالسبب وتارة يتأخر كما في البيع بشرط الخيار وهنا الحكم يتأخر إلى إجازة المالك ولا ينعدم أصلا ; لأن انعدام الحكم في الحال لرفع الضرر عن المالك وفي تأخير الحكم إلى وجود الإجازة توفر المنفعة عليه فإنه إذا صار مستندا بالنظر إن شاء أجاز البيع وإن شاء أبطله فيكون فيه محض منفعة له فلهذا انعقد السبب في الحال على أن يجعل إجازته في الانتهاء كإذنه في الابتداء بخلاف بيع الطير في الهواء والسمك في الماء فهناك لغا العقد لانعدام محله والمحل غير مملوك أصلا ولا يكون قابلا للتمليك ، وكذلك طلاق الصبي امرأته إنما لغا لانعدام الأهلية في المتصرف فإن اعتبار عقل الصبي وتميزه لتوفير المنفعة . وما يتمحض ضررا ينعدم فيه هذا المعنى ولا يجعل أهلا باعتباره ودليل أن الطلاق يتمحض ضررا أن الولي لا يملك عليه هذا التصرف وإنما لغا لانعدام حكمه أصلا فامرأة الصبي ليست بمحل لوقوع الطلاق بالإيقاع ، ألا ترى أنه لا يقع عليها بإذن الولي ولا بإيقاعه فأما مال الغير فمحل الحكم البيع حتى يثبت فيه حكم البيع عند إذن المالك أو مباشرته بنفسه وهذا بخلاف بيع الآبق والمبيع قبل القبض فإن ذلك لا يصير لغوا بل ينعقد فاسدا لانعدام شرط الصحة وهو قدرة العاقد على تسليم المعقود عليه وبخلاف ما إذا اشترى العاقد ما باعه ; لأن حكم ذلك السبب لا يمكن إثباته باعتبار الملك الحادث له فحكم السبب ثبوت الملك المشترى من وقت العقد وإنما يتأتى ذلك باعتبار ملك من كان مالكا وقت العقد وقد زال ذلك بإزالته فلو نفذ باعتبار الملك الحادث نفذ مقصودا على الحال وحكم السبب ليس هذا فأما عند الإجازة فيثبت الملك للمشتري من وقت العقد ولهذا يستحق المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة وهذا هو تأويل النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان أن المراد إذا باعه ثم اشتراه وأراد تسليمه بحكم ذلك العقد بدليل قصة الحديث فإن { حكيم بن حزام رضي الله عنه قال يا رسول الله إن الرجل ليأتيني فيطلب مني سلعة ليست عندي فأبيعها منه ثم أدخل السوق فأشتريها فأسلمها فقال صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك } إذا عرفنا هذا في بيان مسألة الاستبراء فالملك النافذ للمشتري لا يكون إلا بعد الإجازة والحل يبني على ذلك ولا يحتسب بالحيضة التي توجد قبل الإجازة من الاستبراء فتلك دون الحيضة الموجودة في يد البائع بعد تمام البيع ، فإذا كان لا يحتسب بها من الاستبراء فهذا أولى . ولو كان البائع هو المالك لها فسلمها وحاضت [ ص: 156 ] بعدما قبضها المشتري قبل أن يتفرقا عن مجلس العقد فإنه يحتسب بهذه الحيضة من الاستبراء عندنا خلافا للشافعي وهو بناء على خيار المجلس فإن عندنا البيع يلزم بنفسه ويتم الملك للمشتري بالقبض وليس لواحد منهما أن ينفرد بالفسخ قبل الافتراق عن المجلس ولا بعده وعند الشافعي خيار ثابت لكل واحد منهما فما لم يفترقا فكل واحد منهما ينفرد بالفسخ إلا أن يقول أحدهما لصاحبه اختر ويرضى به صاحبه وله في وقوع الملك للمشتري قولان واحتج بحديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا } ولا يكونا متبايعين إلا بعد الإيجاب والقبول وقد نص على إثبات الخيار لكل واحد منهما ما لم يتفرقا ، والمراد التفرق عن المجلس بدليل ما ذكره في رواية أخرى { المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا عن مكانهما الذي تبايعا فيه } وراوي الحديث ابن عمر رضي الله عنهما وقد فهم منه الافتراق عن المجلس على ما يروى أنه كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى هنية والمعنى فيه أن هذا عقد تمليك المال فلا يلزم بنفسه ما لم ينضم إليه ما يتأيد به كعقد الهبة فإنه لا يوجب الملك بنفسه ما لم ينضم إليه القبض . وتأثيره أن المال مبتذل تكثر المعاملة فيه ويقع العقد عليه بعينه من غير نظر وروية والمقصود به الاسترباح ولا يحصل هذا المقصود إلا بعد نظر وروية فأثبت الشرع الخيار لكل واحد منهما به ما داما في المجلس ليتحقق به ما هو المقصود لكل واحد منهما بخلاف النكاح فإنه في العادة لا يقع بغتة وإنما يكون بعد تقدم الخطبة والمراودة ثم إنما تقدر هذا الخيار بالمجلس ; لأن حال المجلس جعل كحالة العقد ، ألا ترى أن في الصرف والسلم القبض الموجود في المجلس كالقبض المقترن بالعقد ثم حالة العقد وهو ما بعد الإيجاب قبل القبول يثبت الخيار لكل واحد منهما فكذلك يثبت ما داما في المجلس إلا أن يقول أحدهما لصاحبه : اختر فيستدل بهذا اللفظ على تمام النظر والرواية فيسقط به الخيار وحجتنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم { المسلمون عند شروطهم } وقد شرط إمضاء العقد بينهما فيلزمهما الوفاء بظاهر الحديث وقال عمر رضي الله عنه البيع صفقة أو خيار والصفقة هي النافذة اللازمة فتبين أن البيع نوعان لازم وغير لازم بشرط الخيار فيه فمن قال بأن الخيار يثبت في كل بيع فقد خالف هذا الحديث والمعنى فيه أن البيع عقد معاوضة فمطلقه يوجب اللزوم بنفسه كالنكاح وتأثير هذا الكلام أن العقد يتقوى بصفة المعاوضة . وإنما يظهر فوته في حكمه حتى لا ينفرد [ ص: 157 ] أحدهما برفعه وبه فارق التبرع فهو ضعيف لخلوه عن العوض ولهذا لا يثبت الحكم به إلا بالقبض ثم لزوم هذه المعاوضة تعتمد تمام الرضا من المتعاقدين وبه يلزم بعد المجلس فكذلك في المجلس ; لأنه لا أثر لبقائهما في المجلس في المنع من تمام الرضا والدليل عليه أنه لو قال أحدهما لصاحبه : اختر فإنه يلزم العقد مع بقائهما في المجلس لوجود الرضا وإيجاب العقد مطلقا أدل على الرضا من هذه الكلمة ثم الشرع مكن كل واحد منهما من دفع العين عن نفسه بشرط الخيار ، فإذا لم يفعل فهو الذي ترك النظر لنفسه ومن لم ينظر لنفسه لا ينظر له ثم الفسخ ضد العقد فما هو المقصود بالعقد لا يحصل بالفسخ بل هو متعين في إمضاء العقد فهذا يقتضي أن لا يثبت حق الفسخ لواحد منهما بحال إلا أن الشرع مكن كل واحد منهما من اشتراط الخيار لنفسه ليتمكن به من الفسخ إذا ظهر أن منفعته فيه ، فإذا لم يشترط الخيار عرفنا أنه إنما قصد تحصيل ما هو المطلوب بالعقد وهو الملك في البدل وفي لزوم العقد بنفسه يحصل هذا المقصود لا تفويته فأما الحديث فرواية مالك رحمه الله ومن مذهبه أنه لا يثبت خيار المجلس وفتوى الراوي بخلاف الحديث دليل ضعفه ثم المراد بالحديث إن صح المتساومان فإن حقيقة اسم المتبايعين لهما حالة التشاغل بالعقد لا بعد الفراغ منه كالمقابلين والمناظرين وبه نقول : إن لكل واحد من المتساومين الخيار . أو المراد بالتفرق التفرق بالقول دون المكان يعني أنهما جميعا بالخيار إن شاءا فسخا البيع بالإقالة ما لم يتفرق رأيهما في ذلك وذكر أبو يوسف في الأمالي أن تأويل هذا الحديث إذا قال لغيره : بعني هذه السلعة بكذا فيقول الآخر : بعت وبه يتأول أن هذا الكلام قبل قول المشتري اشتريت لكل واحد منهما الخيار ما لم يتفرقا عن ذلك المجلس وهذا صحيح فهما متبايعان في هذه الحالة لوجود التكلم بالبيع منهما وعلى أصل الشافعي بهذا اللفظ ينعقد البيع بينهما ثم يثبت الخيار لكل واحد منهما ما لم يتفرقا عن المجلس إن شاء قال المشتري : اشتريت حتى يتم البيع وإن شاء رجع البائع أو قام من المجلس قبل أن يقول المشتري : اشتريت . قال : وإذا ارتدت أمة لرجل ثم تابت لم يكن عليه أن يستبرئها ; لأنها لم تخرج عن ملكه ولم تحل لغيره إنما حرمت عليه لعارض الردة ثم زال ذلك بالتوبة فهو بمنزلة ما لو حرمت عليه بالحيض . قال : وإذا اشترى أمة لها زوج ولم يدخل بها وطلقها قبل أن يقبضها المشتري فعلى المشتري أن يستبرئها ; لأن وقت وجوب الاستبراء على المشتري وقت القبض وهي فارغة عن حق الغير عند القبض [ ص: 158 ] فوجود النكاح عند العقد وعدمه سواء وإن طلقها الزوج بعدما قبضها المشتري فليس عليه أن يستبرئها ; لأنه حين قبضها لم يلزمه الاستبراء لكونها مشغولة بحق الزوج فحقه يمنع ثبوت ملك الحل له بملك الرقبة وإذا لم يلزمه الاستبراء عند القبض لا يلزمه بعد ذلك ; لأنه لو لزمه الاستبراء إنما يلزمه بالطلاق قبل الدخول والطلاق لا يوجب الاستبراء وهذه هي الرواية الأخرى في أن الزوج إذا طلقها قبل الدخول لا يجب على المولى به الاستبراء . ولو استبرأها وقبضها ثم زوجها فإن مات عنها زوجها واعتدت عدة الوفاة ولم تحض ولا بأس بأن يطأها لما بينا أن العدة أقوى من الاستبراء فعند ظهور العدة لا يظهر حكم الاستبراء وإن طلقها الزوج قبل أن يدخل بها وقبل أن تحيض عنده لم يطأها المشتري حتى يستبرئها بحيضة ; لأن الاستبراء قد وجب هنا حين قبضها وهي فارغة وبالطلاق قبل الدخول ارتفع النكاح لا إلى أثر فيظهر ما كان من الحكم قبل النكاح والطلاق وهو الاستبراء الواجب على المشتري ، وإن كانت قد حاضت حيضة عند الزوج قبل الطلاق أجزأت تلك الحيضة عن الاستبراء ; لأنها حاضتها بعدما وجب الاستبراء على المشتري بالقبض وبتلك الحيضة يتبين فراغ رحمها من ماء البائع فيجتزئ بها من الاستبراء ; لأنها حاضتها بعدما وجب الاستبراء بالقبض وفي كتاب الحيل قال : إن زوجها المشتري عبدا له قبل أن يقبضها ثم قبضها ثم طلقها العبد قبل أن يدخل بها وقبل أن تحيض فللمشتري أن يطأها من غير استبراء وهو صحيح فتزويجه إياها قبل القبض صحيح كالإعتاق ; لأن النكاح لا يمنع صحته بسبب الغرر أو أن وجوب الاستبراء بعد القبض وقد قبضها وهي مشغولة بالنكاح فلم يلزمه الاستبراء عند ذلك ولا بالطلاق بعد ذلك وهذه هي الحيلة لإسقاط الاستبراء في حق من كان تحته حرة ; لأنه لا يمكنه أن يتزوجها بنفسه وإن لم يكن تحته حرة فالحيلة أن يتزوجها قبل الشراء ثم يشتريها فيقبضها فلا يلزمه الاستبراء ; لأن بالنكاح يثبت له عليها الفراش فإنما اشتراها وهي فراشه وقيام الفراش له عليها دليل على تبين فراغ رحمها من ماء الغير شرعا ثم الحل لم يتجدد له بملك الرقبة . لأنها كانت حلالا له بالنكاح قبل ذلك ولا بأس بالاحتيال لإسقاط الاستبراء بهذه الصفة إذا علم أن البائع لم يكن وطئها في هذا الطهر وفي قول أبي يوسف وقال محمد يكره ذلك وهو نظير ما تقدم من الحيلة لإسقاط الزكاة فعند أبي يوسف هو يمتنع من التزام حكم مخافة أن لا يتمكن من الوفاء به إذا لزمه ومحمد يقول الفرار من الأحكام الشرعية ليس من [ ص: 159 ] أخلاق المؤمنين فيكره له اكتساب سبب الفرار وهكذا الخلاف في الحيلة لإسقاط الشفعة والله أعلم باب الاستبراء في الأختين قال : وإذا وطئ الرجل أمة ثم اشترى أختها كان له أن يطأ الأولى وليس له أن يطأ الثانية ; لأنه إذا وطئ الثانية يصير جامعا بين الأختين وطئا بملك اليمين وذلك لا يحل لظاهر قوله تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين } وكان في هذا الفصل اختلاف بين عثمان وعلي رضي الله عنهما فكان عثمان رضي الله عنه يقول : أحلتها آية يعني قوله تعالى { أو ما ملكت أيمانكم } وحرمتهما آية يعني قوله تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين } فكان يتوقف فيه وكان علي رضي الله عنه يرجح آية التحريم ; لأنه إن كان المراد الجمع بينهما وطئا فهو نص خاص ، وإن كان المراد الجمع بينهما نكاحا فالنكاح سبب مشروع للوطء فحرمة الجمع بينهما نكاحا دليل على حرمة الجمع بينهما وطئا وأخذنا بقول علي رضي الله عنه احتياطا لتغليب الحرمة على الحل والإباحة ولذا { قال صلى الله عليه وسلم ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا غلب الحرام الحلال } . وإن لم يكن وطئ الأولى حتى اشترى الثانية أو اشتراهما معا فله أن يطأ أيتهما شاء ; لأن كل واحدة منهما مملوكة له وبوطء إحداهما لا يصير مرتكبا لما هو المحرم وهو الجمع بينهما وطئا فله أن يطأ أيتهما شاء فإن وطئ إحداهما لم يكن له أن يطأ الأخرى ; لأنه لو وطئ الأخرى صار جامعا بينهما وطئا ، فإن وطئهما جميعا أو قبلهما أو نظر إلى فرجيهما بشهوة فقد أساء بارتكاب الجمع المحرم فكما يحرم الجمع بينهما في دواعي الوطء والتقبيل والنظر إلى الفرج بشهوة من جملة الدواعي كالنكاح ولهذا تثبت به حرمة المصاهرة كما تثبت بالوطء ثم ليس له أن يطأ واحدة منهما حتى يحرم على نفسه إحداهما ببيع أو نكاح أو تبرع ; لأنه إذا أراد أن يطأ إحداهما ، والآخرة موطوءته ولهذا لو كانت موطوءته على الخصوص لم يكن أن يطأ أختها بالملك حتى يحرمها على نفسه فكذلك هذا الحكم بعدما وطئهما فإن زوج إحداهما فله أن يطأ الباقية منهما ; لأن المنكوحة صارت فراشا للزوج وثبوت الفراش الصحيح للزوج ينعدم أثر وطء المولى حكما ولهذا لو جاءت بالولد بعد ذلك لا يثبت النسب من المولى وإن ادعاه فيكون هذا بمنزلة الطلاق قبل الدخول . ولو طلق إحدى الأختين قبل الدخول كان له أن يتزوج بالأخرى من ساعته فهنا أيضا له أن [ ص: 160 ] يجامع الأخرى غير أني لا أحب له أن يجامعها حتى تحيض أختها حيضة لقوله صلى الله عليه وسلم { لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجمع ماءه في رحم أختين } ، وكذلك الزوج يستحب له أن لا يقرب التي تزوج حتى تحيض حيضة لقوله صلى الله عليه وسلم { لا ينبغي لرجلين يؤمنان بالله واليوم الآخر أن يجتمعا على امرأة في طهر واحد } فإن طلقها الزوج وانقضت عدتها لم ينبغ للمولى أن يطأ واحدة منهما حتى يزوج إحداهما أو يبيع ; لأن حق الزوج يسقط عنها بالطلاق ولم يبق له أثر بعد انقضاء العدة فعاد الحكم الذي كان قبل التزويج ، وكذلك لو باع إحداهما وسلم ثم اشتراها أو ردت عليه بعيب فليس له أن يطأ واحدة منهما حتى يحرم إحداهما على نفسه هكذا روي عن ابن عمر رضي الله عنهما وهذا لأنهما اجتمعا في ملكه وكل واحدة منهما موطوءته فكانت هذه الحالة كحاله قبل البيع في المنع . قال وإذا ارتدت إحداهما عن الإسلام والعياذ بالله لم يحل له أن يطأ الأخرى ; لأن المرتدة في ملكه بعد ولم يثبت فيها حل لغيره وحرمتها عليه بالردة كحرمتها بالحيض ، وكذلك الرهن والإجارة والتدبير فمباشرته في إحداهما لا يخرجها عن ملكه ولا يحرمها عليه ولا يحل له أن يطأ الأخرى باعتباره ، وكذلك إن لحق إحداهما دين أو جناية فإنها لم تخرج من ملكه ما لم تدفع أو تبع ، فإذا دفعت أو بيعت في الدين فقد خرجت من ملكه وحل له وطء الأخرى عند ذلك . قال : ولو كاتب إحداهما أو أعتق بعضهما فقضى عليها بالسعاية أو لم يقض حل له أن يطأ الأخرى أما في معتقة البعض فهو غير مشكل ; لأن ملكه زال عنها بقدر ما أعتق وزوال ملكه عن بعضها في حكم الحرمة كزوال ملكه عن جميعها وفي الكتابة الجواب مشكل فقد ذكرنا في الباب المتقدم أنها بالكتابة لا تخرج عن ملك المولى حتى لا يلزمه استبراء جديد بعد العجز ولم يحل فرجها لغيره وكان ينبغي أن لا يحل له وطء الأخرى ولكن قال ملك المولى يزول بالكتابة ولهذا يلزمه العقد بوطئها وجعل وطأه إياها وطئا في غير ملك حتى لا ينفك عن عقوبة أو غرامة وقد سقطت العقوبة فتجب الغرامة فيجعل زوال ملك الحل عنها بالكتابة كزواله بتزويجها أو بيع بعضها فيحل له أن يطأ الأخرى ، وكذلك لو وهب إحداهما أو وهب شقصا منها وسلم فهو والبيع سواء . وكذلك لو أسرها العدو وأحرزوها بدارهم ; لأنهم ملكوها بالإحراز ، ولو أبقت إليهم لم يحل له وطء الباقية في قول أبي حنيفة ; لأنهم لم يملكوا الآبق بالأخذ فهي باقية على ملكه وعند أبي يوسف [ ص: 161 ] ومحمد رحمهما الله إذا أخذوها ملكوها بالإحراز فيحل له وطء الأخرى . قال : ولو زوج إحداهما نكاحا فاسدا فوطئها زوجها ثم فرق بينهما فله أن يطأ أختها ; لأن العدة وجبت على التي زوجها والعدة بمنزلة النكاح في حرمتها بها على المولى فيحل له أن يطأ أختها وإن كانت عند الزوج لم يفرق بينهما ولم يدخل بها أو فرق بينهما قبل الدخول لم يكن له أن يقرب الأخت ; لأن النكاح الفاسد لا يحرمها على المولى ولا يثبت للزوج عليها فراش فوجوده وعدمه سواء وإن باع إحداهما بيعا فاسدا وقبضها المشتري حل له وطء الأخرى ; لأن المشتري ملكها بالقبض وإن كان لا يحل له وطؤها لفساد البيع وبخروج إحداهما عن ملكه يحل له وطء الأخرى ; لأن المشتري ملكها بالقبض فإن ترادا البيع فليس له أن يطأ واحدة منهما حتى يحرم إحداهما عليه ، فإن باع التي لم يبع لم يقرب التي ردت عليه حتى يستبرئها بحيضة لخروجها عن يده وملكه بالتسليم بحكم البيع الفاسد . قال : وإذا تزوج أخت جاريته التي وطئها لم يقرب واحدة منهما حتى يملك فرج أمته غيره ; لأن التي تزوجها صارت فراشا له بنفس النكاح حتى لو جاءت بالولد يثبت النسب منه فكانت كالموطوءة حكما فلهذا لا يقرب أمته ولا يقرب المنكوحة ; لأنه وطئ أختها بالملك فيصير بهذا الفعل جامعا بين الأختين وطئا وذلك حرام وقال مالك له أن يطأ أمته كما كان يطؤها قبل النكاح وجعل نكاحه أختها بمنزلة شرائه أختها والفرق بينهما ما ذكرنا فإنها بنفس الشراء ما صارت فراشا له حتى لو جاءت بالولد لا يثبت النسب ، ولو اشترى أخت امرأته وهي أمة كان له أن يطأ الأولى وهي المنكوحة ; لأن الثانية بنفس الشراء ما صارت فراشا له ويستوي إن كان وطئ المنكوحة أو لم يطأها ; لأن بالنكاح صارت فراشا له والتحقت بالموطوءة . ولو اشترى عمة أمته التي وطئها أو خالتها أو بنت أختها أو بنت أخيها من نسب أو رضاع فهو بمنزلة شراء الأخت ; لأن الجمع بين هاتين في النكاح حرام فكذلك يحرم الجمع بينهما وطئا بملك اليمين . قال : وإذا اشترى جارية وقبضها وعليها عدة من زوج من طلاق أو وفاة يوم أو أكثر من ذلك فليس عليه بعد مضي تلك المدة استبراء استحسانا ; لأن العدة من حقوق النكاح فتعمل عمل أصل النكاح في المنع من وجوب الاستبراء ، ولو كانت منكوحة عند القبض بالشراء لم يجب على المشتري فيها استبراء فكذلك إذا كانت معتدة ، ألا ترى أنها لو كانت حاملا فولدت بعدما قبضها المشتري لم يلزمه استبراء آخر فكذلك إذا انقضت عدتها بغير ولد . قال وإذا اشترى جارية لها زوج [ ص: 162 ] وقبضها ثم طلقها الزوج قبل أن يدخل بها وقد كان البائع وطئها قبل أن يزوجها لم ينبغ للمشتري أن يقربها حتى تحيض حيضة استحسانا ; لأنه لو قربها أدى إلى اجتماع الرجلين على امرأة واحدة في طهر واحد وقيل هنا الاستبراء مستحب لا واجب كما يستحب للزوج أن يستبرئها قبل أن يطأها إذا علم أن المولى وطئها في هذا الطهر فكذلك حال المشتري بعد طلاق الزوج مثله وقيل بل في حق المشتري الاستبراء واجب وهو إحدى الروايتين في أن الطلاق قبل الدخول يوجب الاستبراء على المشتري فإن كانت قد حاضت حيضة بعد وطء البائع فلا بأس بأن يقربها المشتري ولا يستبرئها فبهذا تبين أن المنع في الفصل الأول لكي لا يؤدي إلى اجتماع رجلين على امرأة واحدة في طهر واحد لا لوجوب الاستبراء على المشتري عند الطلاق . ![]()
__________________
|
|
#286
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 162الى صـــ 171 (286) قال وإذا اشترى المكاتب جارية وقبضها فحاضت عنده ثم عتق حل له أن يطأها ; لأن المكاتب في حكم ملك التصرف بمنزلة الحر وبالشراء يثبت له حق الملك فتأكد ذلك بالعتق وبالحيضة التي توجد في يده بعد ذلك يتبين له فراغ رحمها من ماء الغير فيحتسب بها من استبرائه قال : ألا ترى أن مولاه إذا اشتراها منه قبل أن يعتق كان عليه أن يستبرئها بحيضة يعني أن المولى في كسب مكاتبه كالأجنبي والمعتبر ملك المكاتب فيها قبل العجز لا ملك المولى فإن عجز المكاتب لم يطأها المولى حتى يستبرئها بحيضة ; لأن المولى إنما ملكها بعد عجز المكاتب وهذا ; لأن ملك الحل بمنزلة ملك التصرف والمكاتب هو المستبد بالتصرف في ملكه قبل العجز وإنما يملك المولى التصرف بعد عجز المكاتب فيلزمه استبراء جديد ، ألا ترى أن المشتراة قبل القبض إذا حاضت ثم قبضها يلزمه استبراء جديد وإن كان هو قبل القبض مالكا رقبتها فهذا أولى فإن كانت أم المكاتب أو ابنته لم يكن على المولى أن يستبرئها ; لأنها تتكاتب عليه وكل من دخل في كتابته فهو مملوك المولى حتى ينفذ عتقه فيه كما ينفذ في المكاتبة فكما أن المكاتبة إذا عجزت لا يجب على المولى أن يستبرئها فكذلك لا يجب عليه الاستبراء متى صارت مكاتبة معه ، ولو كانت أخت المكاتب أو ذات رحم محرم منه فكذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأنها قد تكاتبت عليه وعند أبي حنيفة لا يتكاتب ما سوى الوالدين والمولودين فيجب على المولى فيها الاستبراء بعد العجز كما في الأجنبية . ألا ترى أن المولى لو أعتقها لم ينفذ عتقه فيها عنده ولا يمتنع عليه بيعها . قال : ولو اشترى النصراني جارية فليس عليه أن يستبرئها ; لأن ما فيه من الشرك أعظم من ترك الاستبراء معناه أن وجوب الاستبراء لحق الشرع والكافر لا يخاطب [ ص: 163 ] بما هو أهم من الاستبراء كالعبادات ، فإن أسلم قبل أن يطأها وقبل أن تحيض حيضة ففي القياس ليس عليه أن يستبرئها ; لأن أوان وجوب الاستبراء عند القبض ولم يلزمه عند ذلك فلا يجب من بعد كما لو كانت منكوحة أو معتدة حين قبضها وفي الاستحسان عليه أن يستبرئها بحيضة ; لأن وقت الاستبراء من حين يقبضها إلى أن تحيض حيضة ، فإذا أسلم وقد بقي شيء من وقت الاستبراء يجعل ذلك لوجود الإسلام في أول الوقت كالكافر إذا أسلم في آخر وقت الصلاة يلزمه تلك الصلاة لهذا المعنى فإن وطئها قبل إسلامه ثم أسلم لم يكن عليه أن يستبرئها ; لأن وقت الاستبراء ما قبل الوطء ; لأنه يستبرئ رحمها من ماء غيره لا من ماء نفسه وبعد الوطء لو استبرأها إنما يستبرئها من ماء نفسه . قال : وإذا اشترى جارية مجوسية فحاضت عنده حيضة ثم أسلمت حل له أن يطأها ; لأن تلك الحيضة وجدت بعد تمام الملك له فيها فيجتزئ بها من الاستبراء ، وكذلك إن كانت محرمة فحاضت في إحرامها ثم حلت . قال : وإذا اشترى جارية هي أخت البائع من الرضاع أو كانت حراما عليه بوجه من الوجوه فعلى المشتري أن يستبرئها ; لأنه حدث له فيها ملك الحل بسبب ملك الرقبة فهو كما لو اشتراها من امرأة . قال : وإن اشترى جارية فلم يقبضها حتى ردها بخيار أو عيب فليس على البائع أن يستبرئها ; لأنها لم تخرج من ضمان ملكه حين عادت إليه والله أعلم باب آخر من الخيار قال وإذا رأى رجل عند رجل جارية فساومه عليها ولم يشترها ثم رآها بعد ذلك متنقبة فاشتراها بثمن مسمى ولم يعلم أنها تلك الجارية ولم يقع بينهما منطق يستدل به أنه قد عرفها فهو بالخيار إذا كشفت نقابها وهذا بمنزلة من اشترى شيئا لم يره لأن الرؤية السابقة لم تفد له العلم بأوصاف المعقود عليه لما لم يعلم أنها تلك الجارية وثبوت خيار الرؤية للجهل بأوصاف المعقود عليه فإنما ليسقط خياره برؤية تفيده العلم بأوصاف المعقود عليه فما لم يفده بأوصاف المعقود عليه فوجوده كعدمه أرأيت لو رآها عنده ثم رآها متنقبة عند آخر ولا يعلم أنها تلك الجارية فاشتراها أما كان له الخيار إذا كشفت نقابها فكذلك إذا اشتراها من الأول . قال : ولو نظر إلى جراب هروي فقلبه ثم إن صاحب الجراب قطع منه ثوبا ثم أخبره أنه قطع منه ثوبا ولم يره إياه ثانية حتى اشتراه فهو بالخيار إذا رآه ; لأن الثياب عدد متفاوت ولذا لا يجوز [ ص: 164 ] شراء ثوب من الجراب بغير عينه ، فإذا لم يكن ما قطع منه معلوما عند المشتري لم يكن ما يتناوله العقد أيضا معلوم الوصف عنده فثبت له الخيار عند الرؤية ، ألا ترى أنه لو اشترى الجراب إلا ثوبا منها بغير عينه لم يجز الشراء فكذلك إذا كان لا يعلم ما قطع البائع منها بعد رؤيته فلعله قطع أجودها والمشتري يظن أنه قطع أردأها فلهذا كان له الخيار إذا رآه . قال : ولو عرض رجل على رجل ثوبين فلم يشترهما ثم لف أحدهما في منديل ثم اشتراه منه ولم يره ولم يعلم أيهما هو فهو بالخيار إذا رآه ; لأن الرؤية المتقدمة لا تفيده العلم بأوصاف المعقود عليه فلعل المشتري يظن أنه أجودهما وهو أردؤهما ، ولو أتاه بالثوبين جميعا وقد لف كل واحد منهما في منديل فقال : هذان الثوبان اللذان قد عرضت عليك أمس فقال : أخذت هذا لأحدهما بعشرين درهما وهذا بعشرة في صفقتين أو صفقة ولم يرهما في هذه المدة فأوجبهما له فهو بالخيار ; لأنه لما خالف بينهما في الثمن فما هو المقصود لا يحصل له ما لم يعلم بأوصاف كل واحد منهما بعينه لجواز أن يظن أن الذي اشتراه بعشرين درهما أجودهما والذي اشتراه بعشرة أردؤهما والحال بخلاف ذلك فربما يهلك أحدهما أو يجد به عيبا يحتاج إلى رده فلا يندفع الغبن عنه ما لم يعرف كل واحد منهما بعينه ، ولو قال قد أخذت كل واحد منهما بعشرة أو عشرين جاز ذلك ولا خيار له ; لأنه أخذهما صفقة واحدة ولم يفصل أحدهما في الثمن وقد كانا معلومي الوصف عنده بالرؤية المتقدمة فلأجله لا يثبت له خيار الرؤية فيهما . قال رجل اشترى ثوبا ولم يره حتى رهنه أو أجره يوما أو باعه والمشتري بالخيار فهذا اختيار منه له وليس له أن يرده ; لأنه أوجب للغير فيه حقا لازما وذلك بعجزه عن الرد فإن البيع بشرط الخيار للمشتري لازم في جانب البائع واكتسابه ما يعجزه عن الرد مسقط لخياره حكما كما لو كان المبيع عبدا فدبره أو باعه والبائع بالخيار فنقض البيع كان له أن يرده لأن خيار البائع يمنع زوال ملكه والبيع بهذه الصفة لا يعجزه عن الرد فلا يكون مسقطا لخياره وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يسقط خياره بهذا البيع وقيل تلك الرواية أصح ; لأن البيع بشرط الخيار للبائع أقوى في إسقاط الخيار من العرض على المبيع ، ولو عرضه على المبيع سقط خياره ، فإذا باعه بشرط الخيار أولى ووجه ظاهر الرواية أن البيع تصرف من جهة القول ، فإذا كان بحيث لا يعجزه عن الرد ولا يكون إسقاطا لخياره حكما ولكنه بمنزلة إسقاط خيار الرؤية بالقول قصدا وذلك لا يصح قبل الرؤية فكذلك إيجاب البيع بشرط الخيار له . قال : ولو اشترى عبدا لم يره [ ص: 165 ] فكاتبه ثم عجز فرآه لم يكن له أن يرده بالخيار ، وكذلك خيار الشرط في ذلك ; لأن عقد الاكتساب لازم في جانب المولى وهو يعجزه عن الرد بحكم الخيار فمباشرته تتضمن سقوط خياره حكما فخيار الشرط والرؤية في ذلك سواء ، ولو حم العبد ثم ذهبت الحمى عنه كان له أن يرده بخيار الرؤية والشرط ; لأن الحمى عنده بمنزلة عيب حادث وذلك غير مسقط لخياره وإنما يمنعه عن الرد بغير رضى البائع لدفع الضرر عن البائع ، فإذا أقلعت الحمى عنه فقد زال معنى الضرر فكان هو على خياره في الرد بخلاف ما تقدم فإن عجزه عن الرد هناك لإيجابه حقا لازما للغير فيه وذلك مسقط لخياره حكما ، ولو أشهد على نقض البيع في الثلاثة بحضرة البائع والعبد محموم وله خيار الشرط ثم ذهبت الحمى قبل مضي الثلاثة ولم يحدث ردا حتى مضت الثلاثة الأيام كان له أن يرده بذلك الرد ; لأن نقضه البيع بحضرة البائع صحيح في حقه وإنما امتنع ثبوت حكمه في حق البائع لدفع الضرر عنه ، فإذا ذهبت الحمى قبل مضي الثلاثة فقد انعدم معنى الضرر فتم البيع في حق البائع أيضا فلهذا كان له أن يرده بعد مضي الأيام الثلاثة ; وهذا لأن الحمى حين ذهبت مع بقاء مدة الخيار تجعل المشتري كالمجدد للفسخ في هذه الحالة ; لأنه مصر على الفسخ الذي كان منه كأنه جدده بعد زوال المانع . ولو تمادت به الحمى عشرة أيام ليس له بذلك الرد ولا بغيره ; لأن مدة الخيار ذهبت والمانع قائم فبطل حكم الرد لاستغراق المانع في جميع المدة ولأنه حين أقلعت الحمى عنه يصير كالمجدد للفسخ وهو لا يملك الرد به بعد مضي مدة الخيار وإنما يملك ذلك في مدة الخيار ، ولو خاصمه في الثلاثة إلى القاضي فرده المشتري وأبى البائع أن يقبله وهو محموم فإن القاضي يجيز البيع ويبطل الرد ; لأنه يرده بعيب حادث عنده وإنما كان تمكنه من الرد بحكم الخيار له لدفع الضرر عن نفسه لا لإلحاق الضرر بالبائع ، فإذا أدى ذلك إلى الإضرار بالبائع أبطل القاضي رده ولزمه البيع بقضاء القاضي فإن صح العقد في الثلاث لم يكن له أن يرده ; لأن إلزام القاضي إياه أقوى من التزامه إسقاط الخيار ، ولو أسقط خياره لم يكن له أن يرده بعد ذلك ، فإذا ألزمه القاضي كان أولى ، وكذلك هذا في خيار الرؤية ; لأن قضاء القاضي ببطلان رده مسقط لخياره حكما وذلك حاصل قبل الرؤية وهذا بخلاف الرجوع في الهبة فإن الموهوبة له إذا بنى في الدار الموهوبة ثم رجع الواهب فأبطل القاضي رجوعه ثم رفع الموهوب له بناءه كان للواهب أن يرجع فيها ; لأن حق الواهب في الرجوع لا يحتمل الإسقاط حتى لو أسقطه بنفسه كان إسقاطه باطلا [ ص: 166 ] فالقاضي إنما يمنع رجوعه بقضائه لأجل البناء لا أن يسقط حقه في الرجوع . فإذا زال المانع كان له أن يرجع وهنا القاضي مسقط لخياره ; لأن خياره محتمل للسقوط فبعدما سقط خياره بقضاء القاضي لا يمكن من الرد بحكمه قال ، ولو أشهد على رده في الثلاثة بحضرة البائع وهو صحيح ثم حم قبل أن يقبضه البائع ثم أقلعت عنه الحمى وعاد إلى الصحة في الثلاثة أو بعدها فهو لازم للبائع ولا خيار له فيه ; لأن المشتري فسخ البيع وهو صحيح فعاد فسخه إلى ذلك البائع ثم بحدوث العيب في ضمان المشتري يثبت للبائع الخيار ، فإذا أقلعت الحمى فقد زال ذلك العيب وسقط ما كان من الخيار للبائع كما لو حدث بالمبيع عيب في يد البائع ثم زال العيب قبل أن يقبضه المشتري كان لازما للمشتري ولا خيار له فيه فهذا مثله ، وكذلك خيار الرؤية ، ولو خاصمه والحمى به فأبطل القاضي الرد وألزمه المشتري العبد فليس له أن يرده بعد ذلك ; لأن ذلك الفسخ بطل بقضاء القاضي بمنزلة البيع إذا أبطله القاضي للعيب الحادث عند البائع ثم زال العيب . قال : ولو جرح العبد عند المشتري جرحا له أرش أو جرحه هو أو كانت أمة فوطئها هو أو غيره لم يكن له أن يردها بخيار الرؤية ولا بخيار الشرط أما إذا جرحها هو فلأن إقدامه على ذلك الفعل اكتساب منه للسبب المسقط لخياره ; لأنه يعجزه عن ردها كما قبضها وإن جرحها غيره فلما حدث من الزيادة المنفصلة وهو الأرش ، وكذلك إن وطئها غيره فإن وطئها هو فإقدامه على الوطء يكون رضا منه بتقرر ملكه فيها وذلك مسقط لخياره ، وكذلك إذا ولدت فمات ولدها أو لم يمت لم يكن له أن يردها بخيار الرؤية ولا بخيار الشرط أما إذا بقي الولد فللزيادة المنفصلة وأما إذا مات الولد فللنقصان الحادث في يده بالولادة ، ولو كانت دابة أو شاة فولدت لم يكن له أن يردها لا بخيار الشرط ولا بخيار الرؤية للزيادة المنفصلة ، وكذلك لو قتل ولدها هو أو غيره ; لأنه بالقتل حابس للزيادة فكأنها قائمة في يده وإذا كان القاتل غيره فقد وجب على القاتل قيمة الولد وبقاء قيمته في يده كبقاء عينه ، ولو مات موتا كان له أن يردها ; لأن الزيادة لما هلكت بغير صنع أحد صارت كأن لم تكن والولادة لا تكون عيبا فيها فإن الولادة في البهائم لا تكون نقصانا فلهذا كان له أن يردها . قال : ولو أن البائع جرحها عند المشتري أو قتلها وجب البيع على المشتري وعلى البائع القيمة في خيار الشرط والرؤية أما في القتل فلأن المشتري عجز عن ردها بعدما قتلت وقد صار البائع منها كأجنبي آخر فكما أنه لو قتلها أجنبي آخر يسقط خيار المشتري ويكون له على القاتل قيمتها [ ص: 167 ] فكذلك إذا قتلها البائع وأما إذا جرحها البائع عند المشتري فكذلك الجواب في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو قول أبي يوسف الأول وهو القياس وفي قول أبي يوسف الآخر للمشتري أن يردها بخياره ذكر قوله في كتاب الشرب وذكر محمد بن سماعة في نوادره في خيار الشرط والرؤية وخيار العيب جميعا وجه قوله إن الخيار مستحق للمشتري على البائع ومن عليه الحق لا يملك اكتساب سبب إسقاط الحق المستحق عليه إلا بطريق الإبقاء يوضحه أن حدوث العيب في يد المشتري إنما يمنع الرد لدفع الضرر عن البائع ولا يتحقق ذلك في جناية البائع عليه ; لأنه راض بفعله ولأنه يجعل مستردا لذلك الجزء لجنايته ولما بقي برد المشتري عليه فيعود إليه حكما كما خرج من يده بخلاف ما إذا كان الجاني غيره . وجه قولهما : إن البيع لازم في جانب البائع وهو بعد التسليم فيها كأجنبي آخر بدليل مسألة القتل ، ولو كان الجاني أجنبيا آخر فوجد الأرش لم يتمكن المشتري بعد ذلك من ردها فكذلك إذا كان هو البائع ولا يملك إسقاط خيار المشتري فالأجنبي لا يملك إسقاط خياره والبائع إنما رضي بالنقصان الحادث بجنايته في ملك المشتري فلا يكون راضيا في ملك نفسه ، ولو جعل جنايته استردادا في ذلك الجزء لكان قتله استردادا في الكل وهذا ; لأن البيع لازم من جهته فلا يتمكن هو من الاسترداد ، ولو استودعها المشتري البائع بعدما قبضها فماتت عند البائع قبل أن يرضى المشتري ففي خيار الرؤية هي من مال المشتري وعليه الثمن ; لأنها مملوكة للمشتري أمانة في يد البائع فهلاكها في يد الأمين كهلاكها في يد المشتري وفي خيار الشرط كذلك الجواب عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأن خيار الشرط عندهما لا يمنع ملك المشتري وعند أبي حنيفة في القياس كذلك ; لأن البيع لازم في جانب البائع والمبيع خارج من ملكه فإيداع المشتري إياه كإيداعه أجنبيا آخر ، فإذا هلك في يده هلك من مال المشتري وفي الاستحسان يهلك من مال البائع ; لأن خيار المشتري يمنع ملكه عند أبي حنيفة فتسليمه إياها إلى البائع لا يكون إيداعا فيه ملك نفسه ولكنه فسخ للقبض فكأنها هلكت في يد البائع قبل أن يقبضها المشتري فيهلك من مال البائع باب بيع النخل وفيه ثمر أو لم يكن فيه ثمر قال وإذا اشترى الرجل أرضا ونخلا بألف درهم والأرض تساوي ألفا والنخل يساوي [ ص: 168 ] ألفا فأثمر النخيل بعد ذلك في يد البائع مرة أو مرتين كل مرة تساوي الثمرة ألفا فأكله البائع كله ثم جاء المشتري يطلب بيعه فالأصل في تخريج هذه المسألة أن الثمار الحادثة زيادة في الأرض والنخل في قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول رحمهم الله وفي قوله الآخر هو زيادة في النخل خاصة ; وجه قوله الآخر أن الثمار يخرجه النخيل دون الأرض فيكون زيادة فيهما يقسم الثمن على قيمة الأرض والنخل أولا ثم حصة النخيل تقسم على قيمتها وقيمة الثمار بمنزلة ما لو اشترى جاريتين فولدت إحداهما قبل القبض ثم قبضها فإنه يقسم الثمن على قيمة الجاريتين أولا ثم ما أصاب التي ولدت يقسم على قيمتها وقيمة ولدها يوم يقبض المشتري الولد لهذا المعنى أن الولد انفصل عنها فتكون زيادة فيها خاصة ; وجه قولهما أن النخيل في هذا البيع بيع بدليل أنها تدخل في البيع من غير ذكر والبيع لا يقع له فتكون الثمار الحادثة زيادة في الأصل بمنزلة ما لو اشترى جارية فولدت ابنة قبل القبض ثم كبرت الابنة وولدت ولدا فيجعل الولد الثاني زيادة في الجارية حتى يقسم الثمن على قيمتها وقيمة الولدين ; لأن الابنة تابعة في العقد فلا يكون ولدها تبعا لها فهذا مثله والثمار في الصورة يخرجها النخيل وفي المعنى زيادة في الأرض ; لأن النخيل تتشرب بعروقها من الأرض ، ألا ترى أن بقوة الأرض تزداد الثمار جودة فعرفنا أن من حيث المعنى الأصل هو الأرض للثمار وللنخيل جميعا فلهذا يقسم الثمن على قيمة الكل قسمة واحدة ثم يعتبر في القسمة قيمة الثمار حين أكلها البائع ; لأنها عند ذلك صارت مقصودة فالزيادة الحادثة إنما تصير لها خاصة من الثمن إذا صارت مقصودة بالتناول . ألا ترى أن المشتري إذا قبضها يعتبر في الانقسام قيمتها وقت القبض فكذلك إذا أكلها البائع فإن كانت أثمرت مرة واحدة فأكلها البائع وقيمتها ألف درهم انقسم الثمن أثلاثا : ثلثه بإزاء الأرض وثلثه بإزاء النخيل وثلثه بإزاء الثمار ويسقط عن المشتري حصة الثمار من الثمن ويأخذ الأرض والنخيل بثلثي الثمن وفي قول أبي يوسف الآخر يقسم الثمن أولا على قيمة الأرض والنخيل نصفين ثم حصة النخيل تقسم على قيمتها وقيمة الثمار نصفين فيسقط عن المشتري ربع الثمن ويأخذ الأرض والنخيل بثلاثة أرباع الثمن وإن كانت أثمرت النخيل مرتين أخذ المشتري الأرض والنخيل بنصف الثمن ; لأن القيم لما استوت فحصة ما تناول البائع من الثمار نصف الثمن الأول وقال أبو يوسف يأخذ بثلثي الثمن ; لأن نصف الثمن بمقابلة الأرض والنصف الذي يقابله النخيل يقسم [ ص: 169 ] أثلاثا ثلثه يسقط عن المشتري بتناول البائع الثمار مرتين وثلث النصف حصة النخيل يتقرر على المشتري مع حصة الأرض فيأخذها بثلثي الثمن وإن كانت أثمرت مرات أخذ الأرض والنخيل بخمسي الثمن وسقط عنه ثلاثة أخماس الثمن حصة لثمن ثلاث مرات وعند أبي يوسف يأخذ الأرض والنخيل بخمسة أثمان الثمن نصف الثمن حصة الأرض وربع النصف الآخر حصة النخيل ويسقط عن المشتري ثلاثة أثمان الثمن وإن أثمرت أربع مرات فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يأخذ الأرض والنخيل بثلث الثمن ; لأن الثمن ينقسم على ستة أسهم : حصة الأرض والنخل سهمان وهو الثلث وعند أبي يوسف يأخذهما بثلاثة أخماس الثمن نصف الثمن حصة الأرض وخمس النصف الآخر حصة النخل فذلك ستة أجزاء من عشرة من جميع الثمن . وإن أثمرت خمس مرات أخذ الأرض والنخل عندهما سبع الثمن ; لأن القسمة على الأسباع عندهما فيسقط حصة الثمار خمسة أسباع الثمن ويأخذ الأرض والنخل بسبعة أجزاء من اثني عشر جزءا من الثمن حصة الأرض نصف الثمن وحصة النخل سدس النصف الباقي وفي جميع ذلك الخيار للمشتري إن شاء أخذ الأرض والنخل وإن شاء فسخ البيع فيهما وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فأما عند أبي حنيفة فلا خيار للمشتري في ذلك وإنما نص على الاختلاف في الباب الذي بعد هذا في الولد الحادث قبل القبض إذا أتلفه البائع ولا فرق بين الولد في الشاة وبين الثمار ; وجه قولهما أن الزيادة الحادثة قبل القبض لما صارت مقصودة تتناول البائع ثبت وكان لها حصة من الثمن فالتحقت بالموجود عند العقد . ولو كانت موجودة فأتلفها البائع ثبت الخيار للمشتري فيما بقي لتفرق الصفقة عليه قبل الثمار فكذلك هنا وأبو حنيفة يقول المشتري عند القبض رضي بأخذ الأرض والنخيل بجميع الثمن فهو بأخذهما ببعض الثمن أرضى ، وثبوت الخيار لتمكن الخلل في رضى المشتري ، فإذا علمنا تمام الرضا هنا فلا معنى لإثبات الخيار له يوضحه أن هذه الزيادة لو هلكت من غير صنع البائع أخذ المشتري الأرض والنخل بجميع الثمن ولا خيار له ولأن يلزم الأرض والنخل ببعض الثمن عند إتلاف البائع كان أولى بخلاف الموجود عند العقد فإنه لو هلك من غير صنع البائع يخير المشتري فكذلك بصنع البائع وبهذا يتبين أن تفريق الصفقة إنما يحصل بهلاك الموجود عند العقد لا بهلاك الحادث بعد القبض . فإن كان في النخل ثمرة تساوي ألفا يوم اشترى الأرض والنخل وقد اشتراهما معا فإن الثمار لا تدخل [ ص: 170 ] في البيع إلا بالذكر ; لأنه يعرض الفضل فهو والموضوعة في الأرض سواء بخلاف النخيل فإنها تابعة للأرض كالبناء فيدخل في البيع من غير ذكر ، فإذا أكلها البائع ثم أثمرت بعد ذلك مرارا فأكله البائع فالأصل في تخريج هذه المسألة أن ثلث الثمن يسقط من المشتري بأكل البائع الثمار الموجودة ; لأن الثمار الحادثة بعد ذلك ليست بزيادة في الثمار الموجودة وهي مقصودة لا تدخل في العقد إلا بالذكر فيقسم الثمن أولا على قيمة الأرض وعلى قيمة النخل وقيمة الثمار الموجودة وقت العقد . وقد استوت القيم فتقسم أثلاثا ويسقط عن المشتري ثلث الثمن حصة الثمار الموجودة وأما ثلثا الثمن حصة الأرض والنخيل في هذه المسألة فبمنزلة جميع الثمن في المسألة الأولى في حكم الانقسام على قيمتها وقيمة ما أكل البائع من الثمار الحادثة على نحو ما خرجنا في المسألة الأولى قال : فإن كانت الثمرة التي حدثت بعد البيع لم يأكلها البائع ولكن أصابتها آفة من السماء فذهبت لها ونقصت تلك النخل فالمشتري بالخيار إن شاء أخذهما بجميع الثمن وإن شاء تركها ; لأن الثمار الحادثة لما فاتت من غير صنع أحد لم يكن لها حصة من الثمن وصارت كأن لم تكن فنفى النقصان المتمكن فيتخير المشتري لأجل ذلك وإن لم ينقص النخل لم يكن للمشتري في البيع خيار وهو لازم له بجميع الثمن ; لأن الثمار الحادثة لما هلكت بغير صنع أحد صارت كأن لم تكن وأما الثمار الموجودة عند العقد فسواء هلكت بغير صنع أحد أو تناولها البائع سقط عن المشتري حصتها من الثمن ; لأنها كانت مقصودة بالعقد وقد فات القبض المستحق بهلاكها فينفسخ البيع فيها ويسقط عن المشتري حصتها من الثمن وله الخيار في أخذ الأرض والنخل سواء هلكت من صنع أحد أو تناولها البائع لتفرق الصفقة عليه قبل التمام بمنزلة ما لو اشترى جاريتين فهلكت إحداهما قبل القبض والله أعلم . باب جناية البائع والمشتري على المبيع قبل القبض قال رجل اشترى من رجل عبدا بألف درهم فلم يقبضه حتى قطع البائع يده فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ العبد بنصف الثمن وإن شاء تركه ; لأن المبيع تغير في ضمان البائع وتعيب بصنعه فتفرقت الصفقة على المشتري قبل التمام بفوات النصف فإن اليد من الآدمي نصفه وذلك مثبت الخيار له فإن اختار فسخ العقد سقط عنه جميع الثمن وإن اختار أخذ الأقطع فعليه [ ص: 171 ] نصف الثمن عندنا وقال الشافعي عليه جميع الثمن ويضمن البائع نصف القيمة ، وكذلك لو قتله البائع قبل القبض سقط الثمن عن المشتري عندنا وعند الشافعي يغرم البائع القيمة إذا اختار المشتري إمضاء العقد ; لأن المبيع صار مملوكا للمشتري بالعقد قبل القبض والقاطع في الجناية عليه كأجنبي آخر وباعتبار أن اليد للبائع يثبت له حق الفسخ وبهذا لا يخرج من أن يكون مضمونا عليه بالقيمة إذا جنى عليه كالمرهون إذا جنى عليه المرتهن ، وحجتنا في ذلك أن المبيع مضمون بالثمن على البائع وضمان الثمن مع ضمان القيمة لا يلتقيان وهذا لأنه لو وجب بالجناية ضمان القيمة على البائع لزمه تسليمها بحكم العقد ولا يجوز أن يجب على البائع القيمة في ذمته على وجه يلزمه تسليمها بحكم العقد ولأن المبيع في ضمان ملك البائع حتى لو هلك كان هلاكه على ملكه فينزل ذلك منزلة المملوك له حقيقة في المبيع من وجوب ضمان القيمة عليه بالجناية كما لو كانا في مجلس العقد أو كان البائع شرط الخيار لنفسه . فإذا لم يلزمه ضمان القيمة سقط عنه من الثمن حصة ما أتلفه بجنايته ; لأن ذلك صار مقصودا بالتناول فيقابله حصة من الثمن وقد فات القبض المستحق فيه باستهلاك البائع فينفسخ العقد فيه في ذلك القدر ، وإن كانت يد العبد شلت من غير فعل أحد كان المشتري بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء تركه لتغير المعقود عليه في ضمان البائع ، فإن اختار الأخذ فعليه جميع الثمن هنا بخلاف الأول والشافعي يسوي بينهما فيقول في الموضعين جميعا على البائع ضمان نصف القيمة ; لأن المبيع في ضمانه قبل التسليم فلا فرق بين أن يفوت جزء منه بفعل الضامن أو بغير فعله كالمغصوب وقاس بما لو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض بفعل البائع أو بغير فعله كان الجواب في ذلك سواء فهذا مثله ولكنا نقول الطرف من العبيد وصف ، ألا ترى أنه يدخل في البيع تبعا من غير ذكر ولا يجوز استثناؤه من العقد واسم العبد لا يتغير بفواته وبقائه والبيع يلاقي العين والثمن يكون بمقابلة الأصل دون الوصف ، فإذا كان الفائت وصفا قلنا إن فات بغير صنع أحد فقد فات تبعا لا مقصودا فلا يقابله شيء من الثمن وإن فات بجناية البائع فقد صار مقصودا بالجنس وفسخ العقد فيه فيقابله بعض الثمن لا محالة بخلاف العبدين وكل واحد منهما هناك يدخل في العقد مقصودا يوضحه أن الوصف لا يفرد بالعقد فلا يفرد بضمان العقد أيضا . والثابت ببقاء يد البائع ضمان العقد فلا يظهر ذلك في الوصف إذا فات من غير صنعه بخلاف المغصوب فهو مضمون بالتناول ، والوصف يفرد بالتناول [ ص: 172 ] فيفرد أيضا بضمان التناول ، وكذلك إن كان البائع هو الذي جنى عليه فسقوط حصته من الثمن هنا باعتبار تناول البائع إياه وحبسه إياه والوصف يفرد بذلك ، وكذلك إن قطع العبد يد نفسه فهو كما لو شلت يده بغير فعل أحد ; لأن فعله بنفسه هدر ![]()
__________________
|
|
#287
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 172الى صـــ 181 (287) وإن قطع أجنبي يد العبد فالمشتري بالخيار فإن اختار إمضاء العقد فعليه جميع الثمن واتبع القاطع بنصف القيمة ; لأن جناية القاطع على ملكه والقيمة الواجبة عليه تقوم مقام الفائت فباعتبارها يبقى جميع الثمن على المشتري وهذا لأن وجوب ضمان القيمة على الجاني ليس بحكم العقد بل بسبب الجناية ، ألا ترى أنه يبقى عليه وإن فسخ المشتري العقد بالرد بخلاف ما إذا كان الجاني هو البائع فإنه لو لزمه ضمان القيمة إنما يلزمه بحكم العقد ألا ترى أنه لا يبقى بعد فسخ العقد بالرد فلا يجوز استحقاق القيمة في الذمة بحكم البيع ، فإذا أخذ من القاطع نصف القيمة تصدق بما زاد على نصف القيمة على نصف الثمن ; لأن هذا ربح حصل في ضمان غيره لا على ضمانه { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن } وعند الشافعي لا يلزمه التصدق بشيء . وأصل الخلاف في القتل فإن العبد المبيع لو قتله أجنبي وقيمته ألفا درهم وقد اشتراه بألف درهم فاختار المشتري إمضاء العقد وأخذ القيمة من القاتل فعليه أن يتصدق بالفضل عندنا ; لأنه ربح حصل لا على ضمانه ولأن القبض له مشابهة بالعقد من حيث إنه يستفاد به ملك التصرف ومبادلة الألف بالألفين ربا فقبض الألفين بحكم العقد بمقابلة الألف يتمكن من شبهة الربا فيلزمه التصدق ، وعند الشافعي لا يلزمه ذلك ; لأن حكم الربا عنده إنما يثبت باعتبار الشرط في العقد ، فإذا لم يكن مشروطا في العقد لا يتمكن باعتباره الربا والمشتري إنما يعطي الثمن بمقابلة العبد لا بمقابلة القيمة وإنما استوفى في القيمة باعتبار أنه بدل ملكه فهو كما لو قتل بعد قبضه وإن اختار المشتري فسخ البيع فإن البائع يتبع الجاني بنصف القيمة أيضا ; لأن العقد انفسخ برد المشتري من الأصل فيبقى جناية القاطع على ملك البائع ورجع عليه بنصف القيمة ويتصدق أيضا بما زاد من نصف القيمة على نصف الثمن ; لأن أصل الجناية حصل لا على ملك البائع ، وإن كان باعتبار المال يجعل كالحاصل على ملكه وتأثير الملك في سلامة الربح أكثر من تأثير الضمان ، فإذا كان يلزمه التصدق بالربح الحاصل على ملكه دون ضمان فلأن يلزمه التصدق بالربح الحاصل لا على ملكه أولى . ولو كان المشتري هو الذي قطع يد العبد صار قابضا لجميع العبد ; لأنه أتلف نصفه بقطع اليد وفي الإتلاف قبض وزيادة وغير ما بقي بفعله والمشتري بصنع معين للمعقود [ ص: 173 ] عليه يصير قابضا يوضحه أنه لو تخلى به كان قابضا له وبقطع يده يكون متخليا بما بقي منه وزيادة فإن هلك العبد في يد البائع من القطع أو من غيره قبل أن يمنعه البائع من المشتري فعلى المشتري جميع الثمن ; لأنه صار قابضا لجميع العبد وبالقبض يتحول المبيع إلى ضمانه ، فإذا هلك قبل أن يمنعه البائع كان هالكا في ضمان المشتري فيتقرر عليه جميع الثمن سواء هلك بسراية القطع أو بسبب آخر وإن كان البائع منعه ثم مات من القطع فعلى المشتري جميع الثمن أيضا ; لأن القطع إذا اتصلت به السراية فهو قتل حكما ومنع البائع إياه لا يقطع السراية عن الجناية ; لأن هذا المنع لا يتبدل المالك ، والمستحق إنما يفوت يد المشتري وإذا كان حكم الجناية يثبت بدون يده فلأن يبقى بدون يده أولى وإن مات من غير القطع فعلى المشتري نصف الثمن ; لأن البائع لما منع الباقي بالثمن فقد صار مستردا له بحق فاسخا لقبض المشتري فيه . ولو قبضه المشتري حقيقة قبل نقد الثمن فاسترده البائع وحبسه بالثمن انتقض به حكم المشتري فكذلك إذا صار قابضا لما بقي منه باعتبار الجناية وإذا انفسخ قبض المشتري فيه كان هالكا في ضمان البائع فسقط حصته من الثمن وهو النصف فأما نصف الثمن فقد تقرر على المشتري بقطع اليد ; لأن اليد من الآدمي نصفه ولا يتصور الاسترداد في الجزء الفائت . فإن قطع البائع أولا يده ثم قطع المشتري رجله من خلاف ثم برئ منهما جميعا فالعبد لازم للمشتري بنصف الثمن ولا خيار له فيه ; لأن البائع بقطع اليد فوت نصفه فسقط نصف الثمن وثبت الخيار للمشتري بنصف الثمن فلما قطع المشتري رجله فقد صار مسقطا لخياره ; لأنه قابض لجميع ما بقي متلف لبعضه ، ومجرد قبضه بعد العلم بالعيب يسقط خياره فقبضه مع الإتلاف أولى أن يكون مسقطا لخياره . ولو كان المشتري هو الذي قطع يده أولا ثم قطع البائع رجله من خلاف فبرئ منهما كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ العبد وأعطى ثلاثة أرباع الثمن وإن شاء تركه وعليه نصف الثمن ; لأن بقطع اليد تقرر على المشتري نصف الثمن ثم البائع بقطع الرجل بعد ذلك صار مفوتا قبض المشتري في الباقي متلفا لنصف ما بقي فيسقط عن المشتري نصف ما بقي من الثمن وهو ربع جميع الثمن ويثبت له الخيار فيما بقي من العبد ; لأنه تغير المقصود عليه في ضمان البائع بفعله ولم يوجد من المشتري بعد ذلك ما يكون دليل الرضا منه . فإن شاء فسخ العقد فيما بقي منه وعليه نصف الثمن بقطع اليد ، وإن شاء أخذ ما بقي وعليه نصف الثمن بقطع اليد وربعه بمقابلة ما بقي من العبد . ولو كان المشتري نقد الثمن ولم يقبض [ ص: 174 ] العبد حتى قطع المشتري يده وقطع البائع رجله من خلاف فبرئ منهما فالعبد للمشتري ولا خيار له فيه ; لأن المشتري صار قابضا لجميع العبد بإتلاف النصف بقطع اليد ثم بقطع البائع رجله لا ينتقض قبض المشتري في شيء ; لأن الثمن قد سلم للبائع وليس له بعد استيفاء الثمن حق نقض قبض المشتري فلهذا لا يجعل قطعه الرجل ناقضا قبض المشتري بخلاف ما تقدم في البائع . هناك لم يستوف الثمن وله أن ينقض قبض المشتري ما لم يصل إليه الثمن وإذا بقي حكم قبض المشتري كان البائع في قطع الرجل كأجنبي آخر فعليه نصف قيمة قطع اليد وعلى المشتري جميع الثمن لبقاء حكم قبضه في جميع العبد ولا خيار للمشتري ; لأن المعقود عليه إنما تغير لعدم تمام قبض المشتري . قال : ولو كان البائع أولا قطع يده ثم قطع المشتري رجله فالعبد لازم للمشتري بنصف الثمن ; لأن بقطع البائع يده يسقط نصف الثمن ويتخير المشتري إلا أن خياره يسقط بقطعه رجله فكان العبد لازما له بنصف الثمن ويرجع على البائع بنصف الثمن الذي أعطاه . قال : وإذا اشترى عبدا بألف درهم ولم ينقده الثمن حتى قطع البائع يده ثم قطع المشتري رجله من خلاف فمات من ذلك كله في يد البائع فعلى المشتري ثلاثة أثمان الثمن ; لأن البائع بقطع اليد صار متلفا نصفه ثم المشتري بقطع رجله صار متلفا نصف ما بقي وهو الربع تلف بسراية الجنايتين فنصفه يكون هالكا بسراية جناية البائع وإنما تعتبر السراية في الحكم بأصل الجناية وحكم أصل جناية البائع سقوط الثمن بحصة ما تلف به فكذلك حكم سراية جنايته وحكم أصل جناية المشتري تقرر الثمن عليه فكذلك حكم ما تلف بسراية جنايته فيحتاج إلى حساب ، تقسم ربعه نصفين وذلك ثمانية فقد تلف بأصل جناية البائع أربعة وبسراية جنايته سهم فلهذا سقط عن المشتري خمسة أثمان الثمن وتلف بجناية المشتري سهمان وبالسراية سهم فعليه ثلاثة أثمان الثمن ، فإن قيل فأين ذهب قولكم إن المشتري بجناية يصير قابضا لما أتلف ولما بقي منه قلنا هو كذلك ولكن للبائع حق الاسترداد فيما بقي ما لم يصل إليه الثمن فيكون مستردا لما تلف بسراية جنايته ; لأن تأثير سراية جنايته فوق تأثير حبسه وقد بينا أنه لو حبسه بعد جناية المشتري انتقض به قبض المشتري إلا فيما تلف بسراية جناية المشتري فلأن ينتقض حكم قبض المشتري فيما تلف بسراية جناية البائع كان أولى ، ولو كان المشتري هو الذي قطع يده أولا ثم قطع البائع رجله من خلاف فمات من ذلك فعلى المشتري خمسة أثمان الثمن وبطل عنه ثلاثة أثمان الثمن ; لأنه [ ص: 175 ] تلف بجناية المشتري النصف وهو أربعة من ثمانية وبسراية جنايته سهم فيلزمه خمسة أثمان الثمن وتلف بجناية البائع سهمان وبسراية جنايته سهم فكما انتقض قبض المشتري فيما تلف بجناية البائع فكذلك ينقض فيما تلف بسراية جنايته فلهذا سقط عنه ثلاثة أثمان الثمن وإن كان الثمن منقودا والمشتري هو البادئ بالجناية فعليه جميع الثمن ; لأنه بقطع اليد صار قابضا لجميع العبد ولم ينتقض قبضه في شيء بجناية البائع ; لأنه لا حق للبائع في نقض قبضه بعد وصول الثمن إليه . فلهذا كان عليه جميع الثمن وعلى البائع ثلاثة أثمان قيمته صحيحا ; لأنه تلف بأصل جنايته نصف ما بقي منه وهو ربع العبد وبسراية جنايته ربع ما بقي منه وذلك ثلاثة أثمان جميع العبد فيلزمه ثلاثة أثمان قيمته صحيحا والبائع في هذه الحالة كأجنبي آخر فإن كان البائع هو البادئ بالقطع رد البائع على المشتري نصف الثمن الذي أعطاه ; لأنه بقطع اليد أتلف نصفه قبل أن يصير المشتري قابضا له فينفسخ البيع في ذلك النصف ويجب عليه رد نصف الثمن ثم المشتري بقطع الرجل صار قابضا جميع ما بقي قبضا تاما فيتقرر عليه نصف الثمن إلا أن نصف ما بقي تلف بجناية المشتري والنصف بسراية الجنايتين فما تلف بسراية جناية البائع وهو الثمن فعلى البائع حصة ذلك من قيمة العبد ; لأن التالف بسراية الجناية كالتالف بأصل الجناية ، ولو تلف بجنايته بعدما تم قبض المشتري فيه كان الواجب عليه ضمان القيمة فكذلك ما تلف بسراية جنايته فلهذا ألزمه ثمن قيمة العبد للمشتري فإن قيل قد قلتم : إن للقبض مشابهة بالعقد وإذا كان بأصل العقد بعد الجناية ينقطع حكم السراية فإن قطع يد عبد نفسه ثم باعه فكذلك بقبض المشتري بعد جناية البائع ينبغي أن ينقطع حكم السراية قلنا عيب المبيع لا يقطع حكم السراية ولكن تبدل المستحق سبب للبيع وهو القاطع للسراية ; لأن المستحق هو المالك وقد انتقل إلى ملك المشتري بالبيع وهذا المعنى لا يوجد في القبض وبه لا يتبدل المالك والمستحق فإن قيل معنى التبدل هنا يحصل حكما أيضا فإن ما تلف بأصل الجناية قبل القبض يتلف على ملك البائع وما تلف بسراية جنايته يتلف على ملك المشتري . ويتبين ذلك بالموجب فإن باعتبار ما تلف بجناية البائع سقط الثمن عن المشتري وباعتبار ما تلف بجنايته يوجب القيمة على البائع قلنا لا كذلك بل العبد بنفس العقد صار مملوكا للمشتري فجناية البائع تصادف ملك المشتري وهو سبب لضمان المتلف للمشتري عليه إلا أن قبض المشتري يفوت فيما تلف بأصل جنايته ومن ضرورة فوات قبضه انفساخ البيع فيه فيسقط حصته من الثمن [ ص: 176 ] بذلك فأما ما تلف بسراية فلم يفت قبض المشتري فيه فلهذا كان مضمونا بالقيمة على البائع وتبين بهذا أن اختلاف الحكم لأجل فوت قبض المشتري ; لأن حكم السراية مخالف لحكم أصل العقد في حكم الضمان ، وهذا هو الجواب عن الإشكال الذي يرد على أبي حنيفة في مسألة سراية القصاص أن القطع مع السراية لا يكون قتلا من أصله إذا كان حكم أصل الفعل مخالفا لحكم السراية بدليل هذه المسألة . ولو كان المشتري حين اشتراه نقد الثمن أو لم ينقده حتى قطع البائع يده ثم قبضه المشتري بإذن البائع أو بغير إذنه فمات في يد المشتري من جناية البائع عليه بطل على المشتري نصف الثمن بقطع البائع يده ولا ضمان على البائع فيما هلك في يد المشتري بجناية البائع ; لأن المشتري بإقدامه على القبض صار راضيا بما بقي منه وذلك قاطع لحكم سراية جناية البائع بمنزلة الرد فلهذا كان على المشتري نصف الثمن ولأن القبض مشابه بالعقد . ولو اشتراه بعد قطع البائع يده انقطع به حكم السراية ; لأن المشتري صار راضيا بقبضه بحكم الشراء فكذلك في هذا الموضع ولا يشبه قبض المشتري في هذا الوجه قبضه في الوجه الأول بالجناية عليه أو بعيب يحدثه فيه وكل شيء يحدثه من جناية البائع بعدما يحدث المشتري فيه جناية ، فإن كان الثمن غير منقود بطل عن المشتري من الثمن بحساب ما هلك منه بجناية البائع وإذا كان الثمن منقودا فعلى البائع فيه القيمة وإذا كان القبض بعد جناية البائع بأخذ المشتري إياه فلا ضمان على البائع فيما هلك من جناية في يد المشتري من القيمة ولا يبطل عنه شيء من الثمن باعتباره ; لأن القبض بالجناية حكمي فإنما يظهر أثره فيما تلف به ولا تنقطع السراية التي انعقد سببها بجناية البائع فأما القبض بالأخذ فحتى يظهر في جميع ما بقي من العبد وله مشابهة بالعقد فينقطع به حكم سراية جناية البائع وهذا لأن بالقبض حسا يجعل راضيا بما بقي من العبد بعد جناية البائع وبالجناية لا يكون راضيا بتقرر ملكه فيما بقي بل هو متلف فإنما ينقطع حكم سراية جناية البائع فيما يتلف بجناية المشتري أو بسراية جنايته ضرورة ، ألا ترى أن رجلا لو قطع يد عبده ثم غصبه منه غاصب فمات في يده من جناية المولى كان على الغاصب قيمته يوم غصبه ، ولو لم يغصبه ولكنه جنى عليه فمات العبد من الجنايتين كان على الجاني ضمان ما تلف بجنايته وسراية جنايته ، ولو لم يكن عليه ضمان ما تلف بسراية جناية المالك فيه يتضح مما سبق من الفرق بين القبض حسا وبين القبض بحكم الجناية . قال : وإذا اشترى الرجل عبدا من رجل فلم ينقده الثمن حتى قبض بغير [ ص: 177 ] إذن البائع فقطع البائع يده في يد المشتري ولم يأخذه حتى مات العبد من قطع اليد أو غير ذلك في يد المشتري فإن كان مات من قطع اليد فقد بطل البيع ولا شيء على المشتري فيه ; لأن حق البائع في الحبس لم يسقط بقبض المشتري إياه بغير إذنه ، والسراية إذا اتصلت بالجناية كانت قتلا من أصله فكأن البائع قتله في هذه الحالة في يد المشتري فيصير مستردا له ينفسخ العقد فيه فيسقط الثمن عن المشتري وإذا مات من غير قطعه فعلى المشتري نصف الثمن ; لأن البائع إنما صار مستردا لنصفه بقطع اليد فإنما انتقض قبض المشتري في ذلك النصف وبقي النصف الآخر هالكا في ضمان المشتري ، وهذا بخلاف ما تقدم إذا قطع المشتري يده في يد البائع ثم هلك لا من ذلك القطع ولم يحدث البائع فيه منعا فعلى المشتري جميع الثمن ويجعل قابضا لجميع المعقود عليه بإتلاف نصفه وهنا لم يجعل البائع مستردا لجميع العبد بإتلاف نصفه ; لأن في الوجهين جميعا بقطع اليد يتمكن من قبض ما بقي منه فيجعل بمنزلة التخلي به والمشتري بالتخلية يصير قابضا فبالجناية أيضا يصير قابضا والبائع بالتخلي بالمبيع لا يصير مستردا فكذلك بالجناية لا يصير مستردا لما بقي منه . وهذا لأن الملك للمشتري والملك ممكن له من القبض فيمكن أن يجعل قابضا للبعض بالإتلاف ولما بقي منه بالتخلي به لكونه مملوكا له فأما البائع فليس بمالك وإنما حقه في الحبس باعتبار يده ألا ترى أنه لو سلم المعقود عليه لم يكن له بعد ذلك أن يحبسه فكذلك استرداده لا يظهر إلا فيما ظهر فيه عمله بيده وذلك فيما يتلف بجنايته أو بسراية جنايته . وإذا اشتراه ولم ينقده الثمن حتى أحدث المشتري فيه عيبا ينقصه من الثمن فهذا بمنزلة قطعه يده في أنه بصير قابضا لجميعه ويتقرر عليه جميع الثمن إن تلف بعد ذلك بآفة سماوية ، ولو باعه المشتري بعدما أحدث فيه وقبضه الذي اشتراه منه كان بيعه جائزا وبه تبين أنه صار قابضا لجميع العبد بما أحدث وهو إشارة إلى ما ذكرنا أنه مالك للعبد والملك مطلق له حق القبض والتصرف . قال : وإذا اشترى جارية فلم يقبضها حتى زوجها رجلا كان النكاح جائزا ; لأن ولاية التزويج تثبت بملك الرقبة ، والملك حصل للمشتري بنفس العقد والتزويج من التصرفات التي لا يمتنع صحتها لأجل الغرر ألا ترى أن تزويج الآبقة والرضيعة يجوز فكان التزويج نظير العتق وإعتاق المشتري قبل القبض صحيح فكذلك تزويجه ولهذا يجوز من الراهن تزويج الجارية المرهونة كما ينفذ عتقه ثم في القياس يصير المشتري قابضا بنفس التزويج وهو رواية عن أبي يوسف حتى إذا هلكت بعد ذلك فهو من مال المشتري ; لأن التزويج عيب فيها والمشتري إذا [ ص: 178 ] عيب المعقود عليه يصير به قابضا أو يجعل التزويج كالإعتاق أو التدبير فكما يصير المشتري قابضا بذلك فكذلك بالتزويج ولكنه استحسن فقال لا يكون قابضا لها بنفس التزويج حتى إذا هلكت فهي من مال البائع ; لأنه لم يتصل من المشتري فعل بها وإنما التزويج عيب من طريق الحكم على معنى أنه تقل رغائب الناس فيها وينتقص لأجله الثمن فهو في معنى نقصان السعر أو التزويج لما كان عيبا من طريق الحكم فهو نظير الإقرار عليه بالدين . والمشتري لو أقر عليها بدين لا يصير قابضا لها بخلاف العيب الحسي فذلك باعتبار فعل يتصل من المشتري بعينها وهو إتلاف لجزء من عينها فأما أن يصير قابضا لما بقي بالتخلي بها أو لأن المشتري لا يتمكن من قبض البعض دون البعض فمن ضرورة كونه قابضا لما أتلف أن يكون قابضا لما بقي منه وبه يفرق بين قبض المشتري واسترداد البائع فالبائع يملك استرداد البعض ليحبسه بالثمن دون القبض فلا يجعل بتفويت البعض مستردا لما بقي وهذا بخلاف الإعتاق ; لأنه إنهاء للملك وإتلاف للمالية ولهذا يثبت به الولاء فمن ضرورته أن يصير قابضا والتدبير نظير العتق في استحقاق الولاء وثبوت حق الحرية للمدبرة فإن وطئها الزوج ثم ماتت بعد ذلك ماتت من مال المشتري إن نقصها الوطء أو لم ينقصها ; لأن الزوج إنما وطئها بتسليط المشتري إياه على ذلك فيكون فعله كفعل المشتري ، ولو كان المشتري هو الذي وطئها بنفسه ثم ماتت فعليه جميع ثمنها ; لأنه بالوطء قد تخلى بها والوطء بمنزلة إتلاف جزء منها فكذلك إذا وطئها الزوج بتسليط المشتري وإن كان البائع منعها من المشتري بعد وطء المشتري أو الزوج إياها ولم ينقصها الوطء شيئا ثم ماتت فلا شيء على المشتري من الثمن ولا من العقر ; لأن البائع صار مستردا لها بحبسه إياها بالثمن ومنع المشتري منها ولم يتلف بالوطء شيئا من ماليتها ; لأن المستوفي بالوطء وإن كان في حكم جزء من عينها فذلك جزء ليس بمال والثمن بمقابلة ما هو مال فلهذا لا يتقرر على المشتري شيء من الثمن ولا عقر عليه ; لأنه وطئها في ملكه ووطء الإنسان في ملك نفسه لا يلزمه العقر . وإن كانت بكرا أو كان الوطء نقصها لم ينظر إلى العقر ولكن ينظر إلى ما ينقصها الوطء فيكون عليه حصة من الثمن ; لأنه فات جزء من ماليتها بفعل المشتري فيتقرر عليه حصة ذلك من الثمن كما لو فقأ المشتري عينها ثم استردها البائع فهلكت ; وهذا لأن البكارة في حكم جزء من المالية ولهذا يصير مستحقا بالبيع إذا اشترط فبوطء المشتري إن [ ص: 179 ] كانت بكرا يفوت جزء من المالية وقد بينا أن الوصف الذي هو مال يقابله حصة من الثمن إذا صار مقصودا بالتناول وإذا كان البائع هو الواطئ لم ينظر إلى العقر ولكنه ينظر إلى النقصان فإن كان لم ينقصها شيئا أخذها المشتري بجميع الثمن وإن كان نقصها شيئا حط عنه حصة النقصان وأخذها بما بقي من الثمن في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا لم ينقصها الوطء يقسم الثمن على العقر والقيمة فيسقط حصة العقر من الثمن عن المشتري فإن نقصها الوطء ينظر إلى الأكثر من العقر ومن النقصان فيقسم الثمن عليه وعلى قيمتها ويبطل على المشتري حصة ذلك الثمن ويأخذها بحصة القيمة من الثمن ; لأنها بالعقر صارت مملوكة للمشتري فوطء البائع حصل في ملك الغير والوطء في ملك الغير لا ينفك عن حد أو عقر وقد سقط الحد للشبهة فيجب العقر . ولكن لا يمكن استيفاء العقر من البائع ; لأنها في ضمانه بالثمن فيعتبر العقر لإسقاط حصته من الثمن وهذا ; لأن الوطء في ملك الغير بمنزلة الجناية فكما أن جناية البائع عليها قبل التسليم تعتبر في إسقاط حصة من الثمن لا في إيجاب الضمان فكذلك وطؤه إياها إلا أنها إذا كانت بكرا فالممكن هنا اعتبار معنى نقصان البكارة والعقر بسبب الوطء ولكن يتعذر الجمع بينهما بسبب فعل واحد فيدخل الأقل في الأكثر ويعتبر الانقسام على القيمة وعلى الأكثر منهما وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الجارية قبل التسليم في ضمان البائع وقد جعل ذلك في حكم ضمان الفعل بمنزلة حقيقة الملك ، ألا ترى أنه لا يلزمه بالجناية أرش ولا بالوطء عقر يستوفى منه فكما أن وطأه إياها لو حصل في حال قيام ملكه فيها لم يكن موجبا للعقر أصلا فكذلك إذا حصل في ضمان ملكه ; وهذا لأن المستوفى بالوطء في حكم جزء من العين كما قال ولكنه جزء ليس بمال ، فإذا لم يمكن نقصانا في ماليتها ، والثمن بمقابلة المالية لا يمكن إسقاط شيء من الثمن باعتباره وبه فارق الجناية فإنه يمكنه نقصانا في المالية نقول : إنه يسقط بحصة ذلك النقصان من الثمن يوضحه أن الجارية في حكم الوطء إنما تصير مملوكة للمشتري بالقبض وقبل القبض هي كالمملوكة للبائع في حكم ضمان الوطء ولهذا لا يحتسب بالحيضة التي توجد في يد البائع من استبراء المشتري وأن المشتري لو زوجها ثم قبضها لم يكن عليه أن يستبرئها إذا طلقها الزوج فوطء البائع إياها قبل التسليم من هذا الوجه بمنزلة وطئه إياها قبل البيع وبهذا الطريق . قال أبو حنيفة لا خيار للمشتري أيضا بمنزلة ما لو وطئها البائع قبل [ ص: 180 ] القبض ولم ينقصها الوطء ثم علم المشتري بذلك لم يكن له فيها خيار وإن كانت بكرا فنقصها الوطء ثبت الخيار للمشتري لفوات جزء من المالية بمنزلة ما لو ذهبت البكارة من غير صنع أحد يوضحه أن المستوفي بالوطء في حكم جزء هو ثمرة ; لأنه من حيث الصورة استيفاء منفعة والمنفعة تحدث شيئا فشيئا فإتلاف البائع جزءا مما هو ثمرة لا يثبت الخيار للمشتري عند أبي حنيفة إذا لم يتمكن نقصان في مالية العين كإتلاف ولد الشاة وثمرة الأشجار ، فإذا لم يمكن نقصانا في العين ثبت الخيار للمشتري لأجله كما لو ولدت الجارية فأتلف البائع ولدها وذكر ابن سماعة عن محمد رحمهما الله فيما إذا كانت بكرا تخريجا هو ألطف من هذا فقال ينظر إلى نقصان البكارة من الثمن أولا على نقصان البكارة وعلى قيمتها فيسقط نقصان البكارة من الثمن ثم يقسم ما بقي من الثمن على قيمتها وعلى ما بقي من العقر فسقط حصة العقر من الثمن وبيانه إذا اشتراها بمائة وقيمتها مائة ونقصان البكارة عشرون والعقر أربعون فإنه يسقط أولا باعتبار نقصان البكارة عشرين درهما ثم يقسم ما بقي من الثمن وذلك ثمانون درهما على قيمتها وهي ثمانون وعلى ما بقي من العقر وهو عشرون فيقسم أخماسا بأن يجعل كل عشرين سهما فيسقط عنه خمس ما بقي وذلك ستة عشر درهما وإنما يأخذها بما بقي وذلك أربعة وستون درهما . قال : وإذا اشترى عبدا بألف فلم يقبضه ولم ينقد الثمن حتى قطع البائع يده ثم قطع المشتري وأجنبي رجله من خلاف فعلى المشتري ثلاثة أثمان الثمن وثلث ثمن الثمن حصة جنايته وجناية الأجنبي ويبطل عنه جناية البائع أربعة أثمان الثمن وثلث الثمن ; لأن البائع بقطع اليد أتلف نصفه والمشتري مع الأجنبي بقطع الرجل أتلف نصف ما بقي ثم ما بقي وهو الربع تلف بجناية ثلثه فيكون ثلث ذلك الربع هالكا بجناية كل واحد منهم وأصل السهام من ثمانية ثم انكسر بالأثلاث فيضرب ثمانية في ثلاثة فيكون أربعة وعشرون ثم انكسر بالأنصاف ; لأن ما تلف بجناية المشتري والأجنبي يكون نصفين بينهما فتضعف أربعة وعشرون للكسر بالأنصاف فيكون ثمانية وأربعين التالف بجناية البائع أربعة وعشرون وبسراية جنايته أربعة فذلك ثمانية وعشرون وذلك أربعة أثمان العبد وثلثا ثمنه ; لأن سهام العبد ثمانية وأربعون كل ثمن ستة فأربعة وعشرون أربعة أثمان وأربعة ثلثا الثمن وجنايته موجبة سقوط الثمن فلهذا سقط أربعة أثمان الثمن وثلثا الثمن ويتقرر على المشتري ثلاثة أثمان الثمن وثلث الثمن حصة ما تلف بجنايته وحصة [ ص: 181 ] ما تلف بجناية الأجنبي ; لأن الأجنبي ضامن للقيمة فيبقى البيع فيما تلف بجناية الأجنبي تبعا لبدله والتالف بجنايتهما وسراية جنايتهما في الحاصل عشرون وذلك ثلاثة أثمان العبد وثلث ثمنه ويرجع المشتري على الأجنبي بثمن القيمة وثلثي ثمنها ; لأن التالف بجناية الأجنبي نصف العشرون وهو عشرة وذلك ثمن العبد وثلثا ثمنه فيرجع المشتري عليه بثمن القيمة وثلثي ثمن القيمة ولا يتصدق بشيء منه وإن كان فيه فضل على حصة من الثمن ; لأن المشتري بجنايته يصير قابضا وجناية الأجنبي اقترنت بجناية المشتري ووجوب القيمة عليه بعد الجناية فعرفنا أن الوجوب على الأجنبي بعد قبض المشتري فكان ذلك ربحا على ملكه وضمانه . ولو كان البائع والأجنبي هما اللذان قطعا اليد أولا ثم قطع المشتري رجله من خلاف فمات من ذلك كله فهو على ما ذكرنا من التخريج يرتفع سهام العبد إلى ثمانية وأربعين والفائت بجناية البائع والأجنبي أربعة وعشرون وبسراية جنايتهما ثمانية وذلك اثنان وثلاثون بينهما نصفان فيكون الفائت بفعل كل واحد منهما ستة عشر وبجناية المشتري اثني عشر وبسراية جنايته أربعة فذلك ستة عشر فأما ما تلف بفعل البائع فيسقط ثمنه عن المشتري وذلك ثمنا الثمن وثلثا ثمنه كل ثمن ستة وما سوى ذلك قيمته واجبة على المشتري أما حصة ما تلف بجنايته فغير مشكل ، وكذلك حصة ما تلف بجناية الأجنبي ; لأنه قد وجب عليه بدله وهو القيمة فعرفنا أنه يقرر على المشتري خمسة أثمان الثمن وثلث ثمن الثمن ويرجع المشتري على الأجنبي بثمن القيمة وثلثي ثمن القيمة فيكون ذلك على عاقلته في ثلاث سنين ; لأن الجناية على طرف المملوك إذا اتصلت بالنفس تتحملها العاقلة وكما أن بدل النفس كله يكون مؤجلا في ثلاث سنين فكذلك كل جزء من بدل النفس فعرفنا أنها على الأجنبي وذلك ثمنا القيمة وثلثا ثمنها يؤخذ من عاقلته في ثلاث سنين في كل سنة ثلث ذلك ، فإذا قبض المشتري ذلك فإنه يقابل مقدار ربع القيمة بربع الثمن فإن كان فيه فضل تصدق بالفضل ; لأن مقدار الربع وجب بأصل جناية الأجنبي وقد كان ذلك قبل قبض المشتري فهذا ربح حصل لا في ضمانه فيتصدق به بالفضل وأما ثلثا ثمن القيمة فهو سالم للمشتري لا يتصدق بشيء منه ; لأن وجوب ذلك على المشتري بسراية جنايته وقد كان ذلك بعد ما صار المشتري قابضا له بالجناية فهو ربح حصل في ضمانه ، ألا ترى أن رجلا لو اشترى عبدا فلم يقبضه حتى قطع أجنبي يده ثم قبضه على ذلك ورضيه فمات في يده من جناية الأجنبي عليه فعلى عاقلة الأجنبي قيمة [ ص: 182 ] العبد في ثلاث سنين ، فإذا قبضها وفيها فضل تصدق بنصف الفضل ; لأن ذلك ربح ما لم يضمن واليد قطعت قبل دخول العبد في ضمانه ولا يتصدق بنصف الفضل ; لأن السراية كانت بعد دخول العبد في ضمان المشتري بالقبض . ![]()
__________________
|
|
#288
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 182الى صـــ 191 (288) قال : ولو قطع المشتري وأجنبي يده معا ثم قطع البائع رجله من خلاف فمات من ذلك كله فالمشتري بالخيار لوجود الجناية من البائع بعد جناية المشتري فقد انتقص قبض المشتري فيما تلف بجناية البائع وصار ذلك كجنايته قبل قبض المشتري وذلك يثبت الخيار للمشتري للتغير ولم يوجد من المشتري ما يكون دليل الرضا منه فلهذا يخير بين فسخ البيع وإمضائه فإن اختار البيع فعليه من الثمن خمسة أثمانه وثلث ثمنه وسقط عنه ثمنا الثمن وثلثا ثمنه حصة ما تلف بجناية البائع وبسراية جنايته وقد بينا على التخريج الأول أن التالف بجناية البائع اثنا عشر من ثمانية وأربعين وبسراية جنايته أربعة فذلك ستة عشر وهو ثمنا العبد وثلثا ثمنه ثم يرجع المشتري على الأجنبي بثمن القيمة وثلثي ثمن القيمة ; لأن التالف بجنايتهما أربعة وعشرون ، وسراية جنايتهما ثمانية فيكون اثنين وثلاثين نصف ذلك على الأجنبي وذلك ستة عشر فلهذا يرجع عليه بثمن القيمة وثلثي ثمن القيمة ولا يتصدق بالفضل إن كان في ذلك ; لأن جناية الأجنبي كانت مع قبض المشتري على ما بينا أن المشتري بجنايته يصير قابضا وإن اختار المشتري نقض البيع لزمه من الثمن حصة ما تلف بجنايته وسراية جنايته وذلك ثمنا الثمن وثلثا ثمن الثمن ويسقط عنه ما سوى ذلك لانفساخ البيع فيه ويرجع البائع على الأجنبي بثمن القيمة وثلثي ثمن القيمة ; لأنه ظهر أن جناية الأجنبي حصلت على ملك البائع حين انفسخ البيع فما تلف بجنايته وسراية جنايته يقابل ذلك بما يخصه من الثمن فإن كان فيه فضل يتصدق بالفضل ; لأنه ربح حصل لا على ملكه لما بينا أن أصل الجناية لم تكن على ملكه . قال : وإذا اشترى الرجل من الرجلين عبدا بألف درهم فلم ينقدهما الثمن حتى قطع أحد البائعان يد العبد ثم قطع الآخر رجله من خلاف ثم فقأ المشتري إحدى عينيه فمات من ذلك كله في يد البائعين فالمشتري مختار للبيع بجنايته بعد جناية البائعين ; لأن جنايتهما أوجبت الخيار له ولكن جنايته بعد جنايتهما تكون دليل الرضا منه والإسقاط لخياره فيكون عليه من الثمن للقاطع الأول ثمن الثمن وخمسة أسداس ثمن الثمن ; لأن للقاطع الثاني ثمنا الثمن وخمسة أسداس الثمن ; لأن القاطع الأول بجنايته أتلف النصف وذلك أربعة وعشرون من ثمانية وأربعين والقاطع الثاني بجنايته أتلف نصف ما بقي [ ص: 183 ] وذلك اثنا عشر ثم المشتري بفقء العين أتلف نصف ما بقي وهو ستة وما بقي وهو ستة تلف بثلاث جنايات فيكون على كل واحد منهم ثلث ذلك فكان حاصل ما تلف بجناية القاطع الأول وسراية جنايته ستة وعشرين نصف ذلك مما باع هو ونصف مما باع شريكه ففي حصة ما باع هو بقسط من الثمن وذلك ثلاثة عشر وكل ثمن ستة فالثلاثة عشر تكون ثمن الثمن وسدس الثمن وقد كان للقاطع الأول أربعة أثمان الثمن ، فإذا سقط ثمناه وسدس ثمنه بقي له ثمن الثمن وخمسة أسداس ثمنه فلهذا يغرم المشتري له ذلك والتالف بجناية القاطع الثاني وسراية جنايته أربعة عشر نصف ذلك مما باعه هو فيسقط بحصته من الثمن ، ونصفه فيما باع شريكه كالأجنبي فعرفنا أن الساقط من حقه ثمن الثمن وسدس ثمن الثمن بقي له ثمنا الثمن وخمسة أسداس ثمن الثمن فيغرم له المشتري ذلك ثم يرجع المشتري على القاطع الأول بثمني القيمة وسدس ثمن القيمة وذلك ثلاثة عشر سهما من ثمانية وأربعين سهما حصة ما تلف بجنايته وسراية جنايته مما باعه شريكه ; لأنه في الجناية على ذلك كأجنبي آخر فيلزمه القيمة ويكون ذلك على عاقلته في ثلاث سنين وعلى عاقلة القاطع الثاني ثمن قيمة العبد وسدس ثمن قيمة حصة ما تلف بجنايته وسراية جنايته مما باعه القاطع الأول وذلك سبعة أسهم ويكون ذلك في ثلاث سنين ; لأنه جزء من بدل النفس فيكون في حكم التأجيل يعتبر الجميع بدل النفس ويتصدق المشتري بما زاد من ذلك كله على ما غرم من الثمن ، الأفضل سدس ثمن قيمة العبد على ما كان بمقابلته من الثمن فإن ذلك يطيب له ; لأن ما وجب بأصل جناية كل واحد من البائعين إنما وجب قبل قبض المشتري فيلزمه التصدق بالفضل فيه ، وأما ما تلف بسراية جناية كل واحد منهما فإنما تلف بعد ما صار المشتري قابضا له فيطيب له الفضل في ذلك القدر . قال وإذا اشترى الرجلان من رجل عبدا فلم ينقده الثمن حتى قطع أحد المشتريين يده ثم قطع الآخر رجله من خلاف فمات العبد من ذلك كله فالبيع لازم للمشتريين بالثمن كله ; لأن المبيع تلف بفعلهما وذلك قبض منهما وزيادة ويرجع القاطع الأول على القاطع الثاني بثمن القيمة ونصف ثمن قيمته ويرجع القاطع الثاني على القاطع الأول بثمن قيمته ونصف من قيمته فيكون ذلك على عاقلة كل واحد منهما في ثلاث سنين ; لأن القاطع الأول بجنايته أتلف النصف والقاطع الثاني أتلف نصف ما بقي ثم تلف ما بقي بسراية جنايتهما فيكون نصفه على واحد منهما [ ص: 184 ] فحاصل ما تلف بجناية القاطع الأول أربعة وعشرون وسراية جنايته ستة فذلك ثلاثون نصف ذلك مما اشتراه هو ونصفه مما اشتراه صاحبه فيجب عليه قيمة ذلك لصاحبه وذلك خمسة عشر سهما وخمسة عشر من ثمانية وأربعين ثمناه ونصف ثمنه فلهذا يجب على عاقلة القاطع الأول ثمنا القيمة ونصف ثمنها والتالف بجناية القاطع الثاني وبسراية جنايته ثمانية عشر نصفه مما اشتراه صاحبه وهو تسعة وذلك ثمن ونصف ثمن فلهذا يجب على عاقلة القاطع الثاني ثمن القيمة ونصف ثمن القيمة فإن كان البائع فقأ عينه بعد جنايتهما فمات من ذلك كله فللمشتريين الخيار لوجود الجناية من البائع ولم يوجد بعدها منهما ما يكون دليل الرضا فإن اختار أنقض البيع فللبائع على القاطع الأول ثمنا الثمن وسدس ثمنه وعلى الثاني ثمن الثمن وسدس ثمنه ; لأن التالف بجناية القاطع الأول أربعة وعشرون وبسراية جنايته سهمان ثلث ما بقي بعد جناية البائع فذلك ستة وعشرون نصف ذلك ثلاثة عشر مما اشتراه هو فيقرر عليه حصة من الثمن . وذلك ثمنا الثمن وسدس ثمنه ونصف ذلك مما اشتراه شريكه فقد انفسخ البيع فيه بفسخه فيغرم للبائع ثمن القيمة وسدس ثمن القيمة ; لأنه فيما اشترى شريكه كالأجنبي والتالف بجناية القاطع الثاني اثنا عشر وبسراية جنايته سهمان نصف ذلك وهو سبعة مما اشتراه فلزمه حصة من الثمن وهو ثمن الثمن وسدس ثمن الثمن ونصفه مما اشتراه شريكه فينفسخ البيع فيه بفسخه ويغرم للبائع حصة من القيمة ، وذلك ثمن القيمة وسدس ثمنها ، فإن اختار إمضاء البيع كان على كل واحد منهما ثلاثة أثمان الثمن وثلث ثمنه ; لأنه إنما سقط من الثمن ما تلف بجناية البائع وسراية جنايته والتالف بجنايته ستة وبسراية جنايته سهمان فذلك ثمن وثلث ثمن والباقي عليهما من الثمن ستة أثمان الثمن وثلثا ثمن على كل واحد منهما ثلاثة أثمان الثمن وثلث ثمنه ويرجع القاطع الثاني على الأول بثمني القيمة وسدس ثمنها لما بينا أن التالف بفعله مما اشتراه القاطع الثاني ثلاثة عشر سهما فيلزمه قيمة ذلك ثمنا القيمة وسدس ثمنها ; لأنه تلف بفعل الثاني مما اشتراه الأول سبعة أسهم وذلك ثمن وسدس ثمن فلا تقع المقاصة بينهما فيه ; لأن ما يجب على كل واحد منهما من ذلك يكون على عاقلته في ثلاث سنين فلا تقع المقاصة فيه مع اختلاف من يجب عليه . قال : وإذا اشترى عبدا بألف درهم ولم ينقده الثمن حتى قطع البائع يده ثم قطع المشتري يده الأخرى أو قطع رجله التي في جانب اليد المقطوعة فمات من ذلك كله فقد بطل على المشتري بقطع البائع يد العبد نصف الثمن ; لأن اليد من الآدمي [ ص: 185 ] نصفه ثم ينظر إلى ما نقص العبد من جناية المشتري عليه في قطع يده أو رجله بخلاف ما سبق وهو ما إذا قطع رجله من خلاف ; لأن فعله هناك ليس باستهلاك فإنه غير مفوت لجنس المنفعة فلهذا يجعل التالف بفعله نصف ما بقي وهنا فعله استهلاك حكما ; لأنه إن قطع اليد الأخرى فقد فوت منفعة البطش ، وتفويت منفعة الجنس يكون استهلاكا من طريق الحكم ولهذا لا يستحق ذلك في السرقة ولا يجوز إعتاق مقطوع اليدين في الكفارة فإن قطع الرجل التي من جانب اليد المقطوعة فقد فوت عليه منفعة المشي ; لأنه لا يمكنه أن يمشي بعصا بخلاف ما إذا قطع الرجل من خلاف فعرفنا أن هذا استهلاك وأن النقصان فيه أكثر فلهذا اعتبرنا النقصان ، فإن كانت هذه الجناية نقصته أربعة أخماس ما بقي بأن كانت قيمته بعد قطع اليد ألف درهم وتراجعت قيمته بجناية المشتري إلى مائتي درهم فقد تقرر على المشتري أربعة أخماس نصف الثمن ثم الباقي وهو خمس النصف تلف بجنايتهما فيكون نصف ذلك على المشتري فصار حاصل ما على المشتري من الثمن أربعة أعشار الثمن ونصف عشر الثمن وسقط عنه بجناية البائع وسراية جنايته خمسة أعشار ونصف عشر . قال : فإن بدأ المشتري فقطع يده ثم قطع البائع رجله من خلاف ثم مات من غير ذلك ولم يحدث البائع فيه منعا فعلى المشتري ثلاثة أرباع الثمن ; لأنه بقطع اليد صار قابضا لجميع العبد ثم إنما ينتقض حكم قبضه فيما تلف بفعل البائع خاصة والتالف بفعل البائع نصف ما بقي منه وهو ربع العبد فيسقط عن المشتري ربع الثمن ويلزمه ثلاثة أرباع الثمن نصف الثمن حصة ما تلف بجنايته وربع الثمن حصة ما بقي من العبد ; لأن حكم قبض المشتري بقي فيه وقد تلف لا بسراية جناية البائع فيتقرر ثمنه على المشتري ، ولو لم يمت العبد وبرئ كان المشتري بالخيار ; لأن حكم قبضه انتقض فيما تلف بجناية البائع وذلك يثبت الخيار للمشتري ولم يوجد منه بعد ذلك ما يدل على الرضا فكان على خياره إن شاء أخذه وأعطاه ثلاثة أرباع الثمن ، نصف الثمن حصة ما تلف بقطعه اليد ، وربع الثمن حصة الباقي من العبد ، وإن شاء تركه وأعطى نصف الثمن حصة ما تلف بقطعه اليد ، ولو أراد المشتري أخذه فمنعه البائع حتى يعطيه ثلاثة أرباع الثمن فمات في يده من غير جنايتهما فليس على المشتري إلا نصف الثمن ; لأن حكم قبضه انتقض فيما بقي حين منعه البائع فإنما تلف ما بقي في ضمان البائع فلهذا لا يجب على المشتري من الثمن إلا حصة اليد وذلك نصف الثمن والله أعلم [ ص: 186 ] باب زيادة المبيع ونقصانه قبل القبض قال : وإذا اشترى الرجل جارية بألف درهم وقيمتها ألف درهم فولدت عند البائع بنتا تساوي ألف درهم ونقصت الولادة الأم فالمشتري بالخيار إن شاء أخذهما بجميع الثمن ، وإن شاء تركهما ; لأنها تعيبت في ضمان البائع ، والعيب الحادث قبل القبض فيها يجعل كالمقترن بالعقد ونقصان الولادة وإن كان منجبرا بالولد فالخيار يثبت للتغير كما لو قطعت يدها وأخذ البائع الأرش ، فإن اختار المشتري أخذهما فلم يأخذهما حتى ولدت البنت بنتا تساوي ألفا وقد نقصتها الولادة فالمشتري أيضا بالخيار ; لأن الزيادة الحادثة قبل القبض كالموجودة عند العقد حتى يصير بمقابلتها حصة من الثمن إذا قبضت وأنه يثبت للمشتري فيها حق القبض كما يثبت في الأصل فكما أنه يستحق سلامة الأصل عن العيب ويثبت له الخيار إذا لم يسلم فكذلك يثبت الخيار للنقصان المتمكن في الزيادة بسبب الولادة ; لأنه إنما رضي بنقصانها على أن يسلم له الزيادة سليمة عن النقصان ، فإذا لم يسلم كان هو على خياره ، فإذا زادت الوسطى حتى صارت تساوي ألفين فقبضهن جميعا والأم قد رجعت قيمتها إلى خمسمائة ثم وجد بالأم عيبا ردها بربع الثمن ; وهذا لأن الوسطى والسفلى كلاهما زيادة في الأم فإن الوسطى تبع الأم في العقد ولا تبع للتبع ، فإذا لم يمكن جعل السفلى تبعا للوسطى جعلناهما كولدين للأم ثم الأصل في قسمة الثمن أنه يعتبر قيمة الأم وقت العقد وقيمة الولد وقت القبض لأن الزيادة إنما تصير مقصودة بالقبض وإنما يكون لها حصة من الثمن إذا صارت مقصودة فأما البيع فلا حصة له من الثمن ما لم يصر مقصودا كأطراف المبيع ، وقيمة الأم عند العقد ألف درهم وقيمة الوسطى عند القبض ألفان وقيمة السفلى ألف فجعلنا كل ألف سهما وإذا جعلنا كل ألف سهما انقسم الثمن على أربعة أسهم سهم بإزاء الأم فيردها بذلك إذا وجد العيب بها وسهمان بإزاء الوسطى فيردها بالعيب بنصف الثمن وسهم بإزاء السفلى فيردها بالعيب بربع الثمن ; لأن كل واحدة منهن لما صارت مقصودة بالقبض التحقت بالموجود عند العقد في استحقاق المشتري صفة السلامة فيها وعند وجود العيب إنما يرد المعيب خاصة بعد القبض وقد بينا هذا فيما سبق . قال : وإذا اشترى أمتين بألف درهم قيمة إحداهما خمسمائة وقيمة الأخرى ألف درهم فولدت كل واحدة منهما ولدا يساوي ألفا ثم اعورت التي كانت تساوي [ ص: 187 ] ألفا فاختار المشتري أخذ ذلك كله بالثمن فقبضهن جميعا ودفع الثمن ثم وجد بالعوراء عيبا وقيمتها خمسمائة ردها بثلثمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; لأن ولد كل واحدة منهما يتبعها فيما يخصها من الثمن والانقسام أولا على قيمة الأمتين ; لأنهما مقصودتان بالعقد ، وولد كل واحدة منهما زيادة فيها دون الأخرى فيقسم الثمن على قيمة الجاريتين وقت العقد وقيمة العوراء وقت العقد ألف درهم وقيمة الأخرى خمسمائة فكان ثلثا الثمن حصة العوراء ثم ينقسم حصتها من الثمن على قيمتها وقت العقد وقيمة ولدها وقت القبض وذلك ألف فانقسم نصفان نصفه حصة ولدها ونصفه حصة العوراء وذلك ثلث الألف فبذلك يردها بالعيب ، ولو وجد العيب بالأمة الأخرى ردها بمائة وأحد عشر درهما وتسع درهم ; لأن حصتها ثلث الثمن فانقسم ذلك على قيمتها وقت العقد وهو خمسمائة وقيمة ولدها وقت القبض وهو ألف درهم فيردها بذلك . قال : وإذا اشترى شاة فولدت قبل القبض فليس للمشتري أن يترك البيع ; لأن الولادة زيادة في البهائم فلا يتمكن بها نقصان في الأصل فالمشتري يجبر على قبضها ; لأنه لما كان راضيا بلزوم العقد قبل حدوث الزيادة فهو راض بلزومه بعد حدوثها ، فإن وجد بالأم عيبا قبل القبض فهو بالخيار إن شاء أخذهما بجميع الثمن وإن شاء تركهما جميعا وليس له أن يأخذ إحداهما دون الأخرى ; لأن الزيادة قبل القبض تبع في العقد لا حصة لها من الثمن ، وثبوت الحكم في التبع بثبوته في الأصل ولأنه لو رد الأصل وحدها ردها بجميع الثمن إذ لا حصة للولد ما لم يصر مقصودا بالقبض وبعدما ردها بجميع الثمن لو بقي العقد في الولد أخذه بغير شيء فيكون فضلا خاليا عن المقابلة مستحقا بالتبع مقبوضا به وهو الربا بعينه وإن وجد بالولد عيبا فلا خيار له فيه وهما لازمان له ; لأن بوجود العيب يظهر فوات جزء من الولد ، ولو مات الولد قبل القبض أخذ الأم بجميع الثمن ولا خيار له فيها فكذلك إذا فات جزء من الولد ; وهذا لأن الزيادة لما فاتت من غير صنع أحد صارت كأن لم تكن وقبل حدوثها كان العقد لازما له في الأصل بجميع الثمن فكذلك بعد فواتها وهذا بخلاف ما إذا وجد العيب بالولد بعدما قبضهما ; لأن الولد بالقبض صار مقصودا فصار له حصة من الثمن فباعتبار العوض بمقابلته يستحق المشتري صفة السلامة فيه ، فإذا وجد المشتري به عيبا رده فأما قبل القبض فلا حصة له من الثمن واستحقاق صفة السلامة عن العيب باعتبار العوض ، ألا ترى أنه لا يستحق ذلك في الموهوب وإن كان البائع هو الذي [ ص: 188 ] قتل الولد فقد صار الولد مقصودا بإتلاف البائع إياه ولو صار مقصودا بقبض المشتري إياه كان له حصة من الثمن فكذلك إذا صار مقصودا بإتلاف البائع وقد قررنا هذا في طرف المبيع أنه إذا فات من غير صنع أحد لا يسقط شيء من الثمن ، وإذا أتلفه البائع يسقط حصته من الثمن فكذلك هذا في الولد الذي هو تبع فيقسم الثمن على قيمة الأم وقت البيع وعلى قيمة الولد يوم قتله البائع فما أصاب الولد بطل عن المشتري وأخذ الأم بما بقي ولا خيار له في ذلك عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله له الخيار وهذه هي الخلافية التي ذكرناها في الثمار وتنصيصه على الخلاف هنا يكون تنصيصا ثمة إذ لا فرق بينهما . قال : وإذا اشترى الرجل من الرجل جارية بألف درهم وإحدى عينيها بيضاء وقيمتها ألف درهم فولدت ولدا يساوي ألفا ثم ذهب البياض من عينيها فصارت تساوي ألفين ثم إن البائع ضرب العين التي كانت في الأصل صحيحة فابيضت ورجعت قيمتها ألف درهم وبياض العين ينقصها أربعة أخماس القيمة الأولى لو كانت العين الأولى بيضاء على حالها فإني لست ألتفت إلى الزيادة لكي أنظر كم كان ينقصها البياض لو كان بياض العين الأولى على حاله ، فإذا كان ينقصها أربعة أخماس القيمة الأولى وذلك ثمانمائة درهم فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بستة أعشار الثمن وإن شاء تركها أما ثبوت الخيار فلأنها تغيرت في ضمان البائع بفعله ثم ذهاب البياض عن العين الأولى زيادة متصلة ولا معتبر بالزيادة المتصلة في عقود المعارضات لما بينا أن المعتبر في الانقسام قيمتها وقت العقد فوجود هذه الزيادة كعدمها ، ولو لم يذهب البياض عن عينها حتى ضرب البائع العين الصحيحة فابيضت فإنه يعتبر فيه النقصان فيها ; لأنها عميت بفعله وذلك استهلاك حكما فيكون المعتبر فيه النقصان فلهذا قال ينظر إلى ما نقصها القيمة الأولى ثم الثمن ينقسم على قيمتها وقت العقد وقيمة ولدها وقت القبض وهما سواء فانقسم نصفان نصف الثمن حصة الولد ونصفه حصة الأم ، فإذا كان النقصان أربعة أخماس القيمة الأولى سقط عن المشتري أربعة أخماس النصف وتبين أن جميع الثمن صار على عشرة أسهم نصفه وهو خمسة حصة الولد وسهم واحد حصة ما بقي من الأم . فإذا قبضهما ثم وجد بالأم عيبا ردها بحصتها من الثمن وهو سدس ما أخذهما به ، ولو وجد العيب بالولد رده بحصته وهو خمسة أسداس ما أخذهما به ، ولو لم يكن البائع ضرب العين الصحيحة ولكنه ضرب العين التي كان بها البياض بعد ما ذهب البياض فعاد إلى الحالة الأولى فالمشتري بالخيار في [ ص: 189 ] قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إن شاء أخذهما بثلثي الثمن وإن شاء تركهما ولأن ذهاب البياض كان زيادة متصلة فقد انفصلت بفعل البائع فهي كزيادة متصلة أتلفها البائع بأن ولدت ولدا آخر قيمته ألف فقتله البائع ، ولو كان كذلك لكان يقسم الثمن على قيمة الأم وقت العقد وقيمة الولد من حين يصير كل واحد منهما مقصودا والقيمة سواء فيقسم الثلث أثلاثا وحصة ما أتلف البائع ثلث الثمن فيسقط ذلك عن المشتري ويتخير فيما بقي عندهما ، وعند أبي حنيفة لا خيار له بمنزلة الزيادة المنفصلة في البهائم إذا أتلفها البائع ; لأن تلك الزيادة لا تمكن نقصانا في الأصل وهذه الزيادة مثل تلك ، فإن أخذهما ثم وجد بأحدهما عيبا رده بنصف ما أخذهما به لما بينا أن حصة كل واحد منهما ثلث الثمن وهذا بخلاف الأول وهو ما إذا كانت جناية البائع على العين الصحيحة ; لأن الزيادة هناك لم تزايل البدن فلا معتبر بها وهنا الزيادة زايلت البدن بصنع البائع فوجب اعتبارها . قال : وإذا اشترى جارية بألف وقيمتها ألف وإحدى عينيها بيضاء فذهب البياض فصارت تساوي ألفين ثم إن عبدا لأجنبي ضرب تلك العين فعاد بياضها ودفعه مولاه وقيمته خمسمائة درهم فأخذهما المشتري بجميع الثمن ثم إنه وجد بالعبد عيبا فإنه يرد بثلث الثمن ; لأن العبد المدفوع بالعين قائم مقامها وذهاب البياض عن تلك العين كان زيادة متصلة وقد انفصلت فيجعل كولد ولدته الجارية وإنما ينقسم الثمن على قيمتها وقت العقد وقيمة الولد وقت القبض فكذلك يعتبر قيمة العبد المدفوع في الانقسام وقت القبض بحكم العقد لا وقت الدفع بالجناية ; لأن ذلك ليس من حكم العقد في شيء وقيمته وقت القبض خمسمائة فانقسم الثمن أثلاثا ثلثه بإزاء العبد يرده بذلك إن وجد به عيبا وثلثاه بإزاء الجارية إن وجد العيب بها يردها بذلك وإن كان المشتري لم يقبض العبد حتى زاد في يد البائع فصار يساوي ألف درهم ثم قبضهما المشتري فوجد بأحدهما عيبا رده بنصف الثمن لما بينا أن المعتبر قيمة العبد وقت القبض بحكم العقد وهي مساوية لقيمة الأمة وقت العقد فانقسم الثمن عليهما نصفين . قال : وإذا اشترى جارية تساوي ألفا ففقأ البائع عينها ثم ولدت بعد الفقء ولدا يساوي ألفا أخذهما المشتري بنصف الثمن ; لأن البائع لما فقأ عينها فقد سقط عن المشتري نصف الثمن ; لأن العين من الآدمي نصفه ثم لما ولدت انقسم ما بقي من الثمن على قيمتها وقيمة ولدها فإن كان الفقء بعد الولادة أخذهما إن شاء بثلاثة أرباع الثمن ; لأنها حين ولدت وهي صحيحة فقد انقسم جميع الثمن على قيمتها وقيمة الولد [ ص: 190 ] بشرط بقاء الولد على هذه القيمة وقت القبض وقد بقي فظهر أن نصف الثمن كان بمقابلة الولد ونصفه حصة الأم فلما فقأ البائع العين فإنما يسقط نصف حصتها من الثمن وذلك ربع الثمن فأما إذا كان الفقء قبل الولادة فقد كان جميع الثمن فيها حين فقأ البائع عينيها فلهذا يسقط نصف الثمن قال : ولا يشبه الرهن في هذا البيع يعني في الرهن في هذه الصورة لا فرق بين الولادة قبل ذهاب العين وبين الولادة بعد ذهاب العين ويكون الساقط ربع الدين في الموضعين جميعا وبالولادة بعد ذهاب العين هناك يعود بعض ما كان ساقطا وفي البيع لا يعود والفرق بينهما أن سقوط الثمن بفقء البائع العين إنما كان بطريق انفساخ العقد فيما أتلفه البائع والبيع بعدما انفسخ لا يعود بحدوث الزيادة وأما في الرهن فسقوط الدين بطريق المرتهن صار مستوفيا والاستيفاء بقرار الدين ولا يسقطه ، فإذا حدثت الزيادة فقد حدثت في حال قيام الدين كله لكونه منتهيا بالاستيفاء فلهذا يعود باعتبار أن الزيادة بعض ما كان ساقطا وتجعل الزيادة الحادثة بعد ذهاب العين كالزيادة قبل ذهاب العين ، ألا ترى أنه لو اشترى شاة فماتت قبل القبض ثم دبغ البائع جلدها لا يعود العقد في حصة الجلد ، ولو أن الشاة المرهونة ماتت وحكم بسقوط الدين ثم دبغ المرتهن جلدها عاد من الدين ما يخص الجلد وكان الفرق ما ذكرنا وتحقيقه من حيث المعنى أن الفسخ ضد ما هو مقصود بالعقد فإنما يسقط بعض الثمن عن المشتري بما هو ضد المقصود بالعقد فلا يجعل العقد فيه كالقائم حكما وأما سقوط الدين بهلاك بعض المرهون فيحقق ما هو المقصود بالعقد ; لأن المقصود بعقد الرهن الاستيفاء أو إنما يتم ذلك بهلاك الرهن فلهذا يجعل كأن العقد في الكل قائم حكما حين حدثت الزيادة فيسقط نصف ما يخص الأم وذلك ربع الدين ثم الرهن والبيع يفترقان من وجه آخر وهو أن البيع إذا ذهبت العين من غير صنع أحد لا يسقط شيء من الثمن وفي الرهن بذهاب العين من غير صنع أحد يسقط نصف الدين ; لأن ضمان الرهن يثبت بالقبض والأوصاف تصير مضمونة بالقبض وإذا فاتت من غير صنع أحد وذلك كأوصاف المغصوبة وفي البيع الضمان بالعقد ، فإذا فاتت من غير صنع أحد قلنا : لا يسقط شيء من الثمن بفواتها . قال : وإذا اشترى جارية بألف درهم تساوي ألفا وهي بيضاء إحدى العينين ففقأ البائع العين الباقية فصارت تساوي مائة درهم أخذها المشتري بمائة درهم إن شاء ; لأن فعل البائع استهلاك لها حكما ويعتبر نقصان القيمة فيما يسقط من الثمن به ، فإذا لم يأخذها حتى ذهب [ ص: 191 ] بياض عينها الأولى فصارت تساوي ألفا فالمشتري على خياره إن شاء أخذها بمائة درهم وإن شاء تركها ; لأن ذهاب البياض عن العين الأخرى زيادة متصلة ولا معتبر بها في حكم البيع فإن ضرب عبد هذه العين التي برئت فعاد بياضها فمولى العبد بالخيار إن شاء دفعه بالجناية وإن شاء فداه الجناية وهو ثمانمائة درهم فإن دفعه وقيمته خمسمائة درهم أخذها المشتري بمائتي درهم لما بينا أن العقد انفسخ في أربعة أخماسها بفقء البائع عينها وكما لا يعود شيء من ذلك بولد تلده فكذلك لا يعود بالعبد المدفوع بالجناية ; لأنه قائم مقام الزيادة المتصلة وقد صارت منفصلة فهو كولد ولدته فلهذا يأخذهما المشتري بمائتي درهم إن شاء فإن قبضهما فوجد بالجارية عيبا ردها بسبعي الثمن الذي نقد وهو مائتا درهم وإن وجد بالعبد عيبا رده بخمسة أسباعه ; لأن ما بقي من الثمن وهو مائتا درهم انقسم على قيمة ما بقي منها وذلك مائتان وعلى قيمة العبد وقت القبض وهو خمسمائة درهم ، فإذا جعلت كل مائة سهما كانت القسمة أسباعا : خمسة أسباعه حصة العبد فيرده به وسبعاه حصة الجارية فيردها بذلك وإنما اعتبرنا في الانقسام قيمة ما بقي منها ولم نعتبر قيمتها وقت العقد ; لأن العقد قد انفسخ في أربعة أخماسها وإنما يعتبر في الانقسام قيمة ما بقي حكم العقد فيه لا قيمة ما انفسخ العقد فيه . ولو كان البائع لم يفقأ عينها حتى ذهب بياض عينها فصارت تساوي ألف درهم ثم إن عبدا ضرب العين التي برئت فعاد بياضها ثم إن البائع فقأ العين الباقية فصارت تساوي مائتي درهم فمولى العبد بالخيار إن شاء دفعه وإن شاء فداه بألف درهم ; لأن الفداء يكون بأرش الجناية وأرش الجناية هنا ألف درهم فقد كانت قيمتها عند الجنابة ألفي درهم فمات بذهاب العين نصفها وتراجعت قيمتها إلى ألف درهم فإن دفعه وقيمته خمسمائة أخذها المشتري إن شاء بخمسي الثمن وثلث خمس الثمن ويبطل عنه بفقء البائع عين الجارية خمسا الثمن وثلثا خمس الثمن ; لأن العبد مدفوع بما فوته من الزيادة المتصلة فهو بمنزلة ولد ولدته يساوي خمسمائة وعند ظهوره جميع العقد فيها قائم فانقسم الثمن على قيمتها وقت العقد وقيمة العبد وقت القبض أثلاثا ثلثه بإزاء العبد وثلثاه بإزاء الجارية ثم بفقء البائع عينها سقط أربعة أخماس ما فيها وبقي الخمس ، فإذا أردت تصحيح ذلك فالسبيل أن تضرب ثلاثة في خمسة فتكون خمسة عشر حصة الأم من ذلك عشرة والساقط ثمانية من هذه العشرة وثمانية من خمسة عشر خمساه وثلثا خمسه ; لأن كل خمس ثلاثة فخمساه ستة وثلثا خمسه سهمان [ ص: 192 ] فيسقط ذلك عن المشتري ويأخذهما بما بقي وهو سبعة من خمسة عشر وذلك خمساه وثلث خمسه والله أعلم ![]()
__________________
|
|
#289
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 192الى صـــ 199 (289) باب قبض المشتري بإذن البائع أو بغير إذنه قال وإذا اشترى الرجل من الرجل عبدا بألف درهم حالة فليس للمشتري أن يقبض العبد حتى يعطي الثمن عندنا وهو أحد أقاويل الشافعي وقال في قول على البائع تسليم المبيع أولا ; لأن ملك المشتري ثبت بالعقد في العين وملك البائع دينا في ذمة المشتري والملك في العين أقوى ووجوب التسليم بحكم الملك وفي قول آخر يسلم كل واحد منهما بيد ويقبض بيد ; لأن قبضه لمعاوضة التسوية فكما اقترن ثبوت الملك لأحدهما بثبوت الملك للآخر فكذلك القبض كما في بيع المقابضة ولكنا نقول المعاوضة التسوية وقد عين البائع حق المشتري في المبيع فعلى البائع أن يعين حق البائع في الثمن ولا يتعين الثمن إلا بالقبض فلهذا كان أول التسليمين على المشتري بخلاف بيع المقابضة فهناك حق كل واحد منهما متعين وهذا هو الجواب عن قوله : إن ملك المشتري أقوى فإنا إنما نوجب عليه تسليم الثمن أولا لهذا المعنى وهو أنه لما يقوى ملكه في المبيع فعليه أن يسوي جانب البائع في ملك الثمن بجانب نفسه ولا يكون ذلك إلا بالتسليم ، وكذلك نقده الثمن إلا درهما ; لأن سقوط حق البائع في الجنس متعلق بوصول الثمن إليه فما لم يصل إليه جميع الثمن لا يتم الشرط ويبقى حق البائع في الحبس إلا أن يكون الثمن مؤجلا فحينئذ ليس للبائع أن يحبس المبيع قبل الأجل ولا بعده ; لأن قبل حلول الأجل ليس له أن يطالب بالثمن وإنما يحبس المبيع بما له أن يطالبه من الثمن وأما بعد حلول الأجل فلأن حق الحبس لم يثبت له بأصل العقد فلا يثبت بعد ذلك تبعا بهذا الحق ما كان له من استحقاق اليد قبل البيع ، فإذا لم يبق ذلك بعد العقد لا يثبت ابتداء بحلول الأجل . وذكر هاشم عن محمد رحمهما الله في نوادره أنه إذا أجله في الثمن شهرا ثم لم يسلم البائع المبيع إلى المشتري حتى مضى شهر فعلى قول أبي حنيفة إن كان الأجل شهرا بعينه فيمضيه بحل الثمن وإن كان شهرا بغير عينه فعلى البائع أن يسلم المبيع وليس له أن يطالب بالثمن حتى يمضي شهر بعد التسليم وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله له أن يطالب بالثمن في الوجهين جميعا ; لأن مطلق الشهر في الأجل ينصرف إلى الشهر [ ص: 193 ] الذي يعقب عيناه أو لم يعيناه كما في الإجارات والأيمان هذا هو القياس الظاهر وما ذهب إليه أبو حنيفة نوع استحسان بناء على مقصودهما فالمقصود أن يتصرف المشتري في المبيع في الشهر ويؤدي الثمن عند مضيه ويستفصل لنفسه ولا يحصل هذا المقصود إذا لم يسلم المبيع إليه فلهذا قال في الشهر المطلق يكون ابتداؤه من حين يسلم إليه المبيع . فإن نقد المشتري الثمن وهو حال ولم يقبض المبيع حتى وجد البائع الدراهم زيوفا أو نبهرجة أو ستوقا أو رصاصا أواستحقت من يده فللبائع أن يمنع المشتري من قبض العبد حتى يعطيه الثمن مثل شرطه ; لأن الرد بهذه الأسباب ينقض القبض من الأصل فيلتحق بما لم ينقد الثمن ، وكذلك لو وجد بعض الثمن بهذه الصفة وإن كان ذلك درهما واحدا ; لأن القبض قد انتقض في ذلك المردود فكأنه لم يقبض ذلك القدر ، وإن كان المشتري قبض العبد من البائع بإذنه ثم إن البائع وجد الثمن أو بعضه على ما وصفنا فإن كان الذي وجد ستوقا أو رصاصا كان له أن يأخذ العبد حتى يدفع إليه المشتري مكان الذي وجد من ذلك جيادا على ما شرطه ; لأن المقبوض ليس من جنس الدراهم حتى لو تجوز به في الصرف والسلم لم يجز وإنما لم يسلم البائع المبيع إليه على أن المقبوض ثمن ، فإذا تبين أنه لم يكن ثمنا لم يكن هو راضيا بالتسليم فكأن المشتري قبضه بغير إذنه ، وكذلك إن استحق المقبوض من يده ; لأن المستحق وإن كان من جنس الدراهم ولكن البائع إنما رضي بالتسليم بشرط أن يسلم له المقبوض ، فإذا لم يسلم كان هو على حقه في الحبس وإن كان وجد الثمن أو بعضه زيوفا أو نبهرجة استبدلها من المشتري ; لأن المستحق له بمطلق التسمية الدراهم الجياد فإن المعاملات عرفا بين الناس بالجياد وبمطلق عقد المعاوضة تستحق صفة السلامة عن العيب . والزيافة عيب في الدراهم فكان له أن يستبدل الزيوف بالجياد وليس له أن يسترد العبد فيحبسه بالثمن عندنا وقال زفر له ذلك وهو رواية عن أبي يوسف ; لأنه إنما سلم المبيع على أن المقبوض من الثمن حقه وقد تبين أنه لم يكن حقا له ; لأن حقه في الجياد والمقبوض زيوف والثمن دين في الذمة فيختلف باختلاف الأوصاف وإذا لم يكن المقبوض حقه لم يتم رضاه بالتسليم فهو والستوق سواء يوضحه أن الرد بالعيب الزيافة ينقض القبض من الأصل ولهذا ينفرد به الراد ويرجع بموجب العقد لا بموجب تسليم الثمن مرتين فلا يتمكن من الرجوع بموجب العقد ما لم ينتقض القبض من الأصل وإذا انتقض عاد حقه في المجلس كما كان قبل استيفاء الثمن وجه قولنا أنه سلم المبيع قبل قبض الثمن فصح [ ص: 194 ] تسليمه وبعد صحة التسليم لا يعود حق البائع في الحبس ; لأن من ضرورة صحة التسليم سقوط حقه في الحبس والمسقط يكون مثلا شيئا لا يتصور عوده لهذا قلنا : لو أعار المبيع من المشتري أو أودعه منه سقط حقه في الحبس ، وكذلك لو أجله في الثمن سقط حقه في الحبس ثم لا يعود بحلول الأجل وبيان لوصف أن الزيوف والنبهرجة من جنس الدراهم إلا أن بها عيبا والعيب بالشيء لا يبدل جنسه . ولهذا لو تجوز به في الصرف والسلم جاز وكان مستوفيا لا مستبدلا فكان البائع بقبضها قابضا للثمن ، وتسليم المبيع بعد قبض الثمن صحيح ثم بالرد ينتقض قبضه من الأصل كما قال ولكن في الحكم الذي يحتمل النقض بعد الثبوت دون ما لا يحتمل ذلك ، ألا ترى أن المولى إذا قبض بدل الكتابة فوجده زيوفا فرده لا يبطل العتق ، وكذلك لو حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه فاستوفى حقه ثم وجد المقبوض زيوفا فرده لا يبطل به حكم البر في اليمين فقد بينا أن حق البائع في الحبس بعدما سقط لا يتصور عوده فلا يعود بانتقاض القبض بالرد أيضا بخلاف الستوق والرصاص فهناك يتبين أنه لم يقبض الثمن وأن تسليمه لم يكن صحيحا وبخلاف المستحق لأن قبض المستحق موقوف على إجازة المستحق فالتسليم الذي ينبني عليه يكون موقوفا أيضا ولأن يكون صحيحا مطلقا وإن لم يرتجع البائع من المشتري العبد ولم يجد في الثمن شيئا مما ذكرنا حتى باع المشتري العبد أو وهبه وسلمه أو رهنه وسلمه أو أجره ثم وجد البائع في الثمن بعض ما ذكرنا فجميع ما صنع المشتري في العبد جائز لا يقدر البائع على رده ولا سبيل له على العبد ; لأن المشتري تصرف فيه بعد القبض وإنما تصرف فيه بتسليط البائع فالبيع والتسليم تسليط له على التصرف ، ألا ترى أن في البيع الفاسد لا يتمكن البائع من نقض تصرفه فلما حصل بتسليط صحيح كان أولى ، ولو كان المشتري قبض العبد بغير إذنه ثم صنع فيه بعض ما ذكرنا ثم وجد البائع بعض الثمن على ما ذكرنا كان له أن ينقض جميع ما صنع المشتري فيه ويسترده حتى يوفيه المشتري الثمن ; لأن تصرف المشتري حصل لا بتسليط من البائع فالقبض منه كان بغير إذن وذلك لا يسقط حق البائع في الحبس ولما ظهر أن الثمن كان على ما وصفنا فقد ظهر أن حق البائع باق في الحبس لم يسقط حكما بوصول حقه ولا أسقطه باختياره بتسليم المبيع إلى المشتري فكان له أن ينقض جميع ما تصرف فيه المشتري إذا كان محتملا للقبض بأن كان البائع لما علم بقبض المشتري العبد سلم ذلك ورضي به . والمسألة على حالها كان هذا مثل إذنه له في القبض ; لأنه أجاز قبضه في الانتهاء وتأثير إجازته [ ص: 195 ] في إسقاط حقه كتأثير إذنه في الابتداء . قال : ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فرهنه بها عبدا يساوي ألفا فقبضه المرتهن ثم قضاه لراهن دراهمه ولم يقبض الرهن حتى وجد المرتهن الدراهم أو بعضها زيوفا أو نبهرجة أو ستوقا أو رصاصا أو استحق من يده فاعلم أن الجواب في الرهن في جميع ما ذكرنا كالجواب في البيع ; لأن المرهون محبوس بالدين كما أن المبيع محبوس بالثمن إلا في خصلة واحدة وهي ما إذا وجد المرتهن المقبوض زيوفا فرده وقد كان الراهن قبض الرهن بإذنه فللمرتهن أن يسترده ويحبسه بالدين بخلاف البيع وزفر يستدل في الخلافية به والفرق أن تسليم المرتهن العين إلى الراهن ليس بمسقط حقه في الحبس ، وإن كان صحيحا في نفسه ، ألا ترى أنه لو سلم المرهون إلى الراهن على طريق العارية أو الوديعة كان له أن يسترده فكذلك إذا سلمه بعد قبض الزيوف فإنما المسقط لحقه كمال وصول حقه إليه ولم يوجد بخلاف المبيع فالتسليم الصحيح من البائع مسقط حقه في الحبس وهذا ; لأن الثابت للمرتهن بعقد الرهن بدل الاستيفاء فيبقى حقه ما لم يستوف حقه وقد تبين أنه لم يستوف حقه ، ألا ترى أن مع التأجيل في الدين يكون له أن يحبس الرهن فأما في البيع فحق الحبس للبائع باعتبار توجه المطالبة له بالثمن حتى لو أجله في الثمن لم يبق حقه من الحبس وبعد قبض الزيوف ليس له حق المطالبة بالثمن ما لم يرد المقبوض فلهذا سقط حقه في الحبس إذا سلم المبيع قبل أن يرد المقبوض . قال : وإذا اشترى الرجل من الرجل عبدا بألف درهم فلم يقبضه حتى وكل رجلا يقبضه الوكيل بغير أمر البائع ولم ينقد البائع الثمن فهلك العبد في يد الوكيل فللبائع أن يضمن الوكيل قيمة العبد فيكون في يده حتى يعطيه المشتري الثمن ; لأنه بالبيع المبيع صار مملوكا للمشتري ولكنه محبوس في يد البائع ما لم يصل إليه الثمن فقبض الوكيل في حق البائع جناية بمنزلة الغصب ، ولو غصبه منه غاصب فهلك في يده كان للبائع أن يضمنه القيمة وهذا نظير المرهون إذا قبضه وكيل الراهن بغير رضى المرتهن فهلك في يده يكون ضامنا حقا للمرتهن وهذا بخلاف ما لو كان المشتري قبضه بنفسه فهلك عنده فإنه لا يكون ضامنا للقيمة ; لأن قبض المشتري يقرر عليه ضمان الثمن فلا يوجب عليه ضمان القيمة إذ لا يجوز أن يجتمع الضمانان على واحد بسبب قبض واحد فأما قبض الوكيل فلا يوجب عليه ضمان الثمن فيكون موجبا ضمان القيمة لحق البائع ثم استرداد البائع القيمة منه كاسترداد العبد لو كان باقيا إذ القيمة تقوم مقام العين وإنما سميت قيمة لقيامها مقام العين [ ص: 196 ] فإذا أعطاه الثمن رجعت القيمة إلى الوكيل ; لأن الوكيل في حق المشتري كان أمينا ممتثلا لأمره وإنما كان ضمان القيمة عليه لحق البائع ، فإذا سقط حقه رجعت القيمة إلى الوكيل كما لو أوفى المشتري الثمن قبل أن يضمن البائع الوكيل ، ولو نويت القيمة عند البائع سقط الثمن عن المشتري ; لأن استرداد القيمة كاسترداد العين ولو استرد العين فهلك عنده انفسخ البيع وسقط الثمن فكذلك إذا استرد القيمة ثم يتبع الوكيل المشتري في القيمة ; لأنه في القبض كان عاملا له بأمره وقد لحقه فيه ضمان فيرجع به عليه ، ولو كان المشتري أعتق المبيع قبل القبض لم يكن عليه ضمان القيمة ; لأن إعتاقه إياه بمنزلة القبض ، ولو قبضه فهلك في يده لم يكن عليه ضمان القيمة فكذلك إذا أعتقه ، ولو كان الوكيل هو الذي قبض العبد بإذن المشتري ثم أعتقه المشتري فهذا وموت العبد في يد الوكيل سواء في حق البائع ; لأنه تعذر عليه استرداده بهذا السبب فهو كتعذر الاسترداد بالموت في يده وهذا لأن أمر المشتري الوكيل بالقبض غير معتبر في حقه ; لأنه لا يملك قبضه بنفسه لحق البائع في الحبس فكذلك لا يملك أن يأمر غيره به . قال : ولو أن المشتري أمر رجلا بعتق العبد وهو في يد البائع فأعتقه المأمور ففي قول أبي يوسف الأول هذا وأمره بالقبض سواء في جميع ما ذكرنا من التفريع ; لأن إعتاق المبيع بمنزلة القبض فكذلك إذا وكل الغير به فهو والوكيل بالقبض سواء ألا ترى أن المشتري لو باشره بنفسه كان ذلك بمنزلة قبضه فكذلك إذا وكل الغير به فهو والوكيل بالقبض سواء ثم رجع ، وقال : لا ضمان على الوكيل في هذا الفصل ولكن يرجع البائع على المشتري بالثمن وهو قول محمد وهو رواية عن أبي حنيفة ووجه ذلك أن الوكيل بالإعتاق معبر عن المشتري فيكون ذلك كإعتاق المشتري بنفسه وذلك يقرر عليه الثمن فلا يوجب ضمان القيمة كما لو أعتقه بنفسه وتقرير هذا أنه بكلمة الإعتاق إذا جعله مقصورا عليه لا يحصل به الإتلاف ولا يبطل به حق البائع وإنما يحصل به الإتلاف إذا انتقلت عبارته إلى المشتري ألا ترى أنه لو أعتقه بغير إذن المشتري كان إعتاقه باطلا ولا يجب على المعتق له ضمان وإذا نقلنا عبارته إلى المشتري كان هذا مقررا للثمن عليه فلا يكون موجبا ضمان القيمة فأما القبض ففعل محسوس يوجب الحكم على القابض إذا جعل مقصورا عليه ، ألا ترى أنه لو قبضه بغير إذن المشتري كان موجبا عليه ضمانه فكذلك إذا قبضه بإذنه ; لأنه لا معتبر بإذنه في حق البائع وإذا اقتصر حكم القبض على القابض في حق البائع كان هو ضامنا للقيمة ، ولو [ ص: 197 ] أعتق المشتري المبيع قبل القبض وهو معسر فليس للبائع أن يستسعي العبد في شيء رجع أبو يوسف عن هذا وقال له أن يستسعي العبد في الأقل من قيمته من الثمن وذكر هذا القول في نوادر هشام وجعله قياس المرهون إذا أعتقه الراهن وهو معسر ووجه الفرق بينهما على ظاهر الرواية أن بعقد الرهن يتثبت للمرتهن حق الاستيفاء من مالية الرهن وتلك المالية احتبست عند العبد بإعتاق الراهن إياه فكان له أن يستسعي العبد إذا تعذر عليه الوصول إلى حقه لعسرة الراهن فأما البائع فما كان له حق استيفاء الثمن من مالية المبيع ولكن كان له ملك العين واليد فأزال ملك العين بالبيع وبقي له اليد إلى أن يصل إليه الثمن وبإعتاق المشتري العبد فات محله ومجرد اليد ليس يقوم على العبد فلا يستسعيه لأجل ذلك يوضحه أن حق البائع في الحبس ضعيف ولهذا يسقط بإعارة المبيع من المشتري بخلاف حق المرتهن ثم يعود تصرف المشتري بتسليط البائع إياه على ذلك فيمتنع هذا التسليط بثبوت حقه في استسعاء العبد بخلاف تصرف الراهن في المرهون . فإن لم يعتقه المشتري ولكنه أفلس بالثمن فإن لم يكن البائع سلم المبيع إليه فله أن يحبسه إلى أن يستوفي الثمن وإن كان سلم المبيع إليه فله أن يسترده ولكنه أسوة غرماء المشتري فيه وليس له أن يفسخ البيع عندنا وقال الشافعي : إذا أفلس المشتري بالثمن فللبائع أن يفسخ البيع وهو أحق بالمبيع إن كان سلمه بفسخ العقد ويعيده إلى ملكه ويؤيده حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أيما رجل أفلس بالثمن فوجد رجل متاعه عنده بعينه فهو أحق به } والمعنى فيه أن البيع عقد معاوضة فمطلقه يقتضي التسوية بين المتعاقدين ثم لو تعذر على المشتري قبض المبيع بالإباق ثبت للمشتري حق الفسخ فكذلك إذا تعذر على البائع قبض الثمن لإفلاس المشتري ، وكما أن المالية في الآبق كالثاوي حكما فكذلك الدين في ذمة المفلس بمنزلة الثاوي حكما لاستبداد طريق الوصول إليه ولا فرق بين المبيع والثمن إلا من حيث إن الثمن دين والمبيع عين وكما أن تعذر القبض في العين يثبت حق الحبس فكذلك تعذر القبض في الدين ، ألا ترى أن المسلم فيه دين ، فإذا تعذر قبضه بانقطاعه من أيدي الناس يثبت لرب السلم حق الفسخ فكذلك الثمن ولا فرق بينهما سوى أن الثمن مفقود والمسلم به والمسلم فيه معقود عليه ولكن حق الفسخ يثبت بتعذر قبض المعقود به كما ثبت بتعذر قبض المعقود عليه ، ألا ترى أن المكاتب إذا عجز عن أداء بدل الكتابة تمكن المولى من فسخ العقد ، وبدل الكتابة معقود به كالثمن ، والدليل عليه [ ص: 198 ] أن هلاك الثمن قبل القبض يوجب انفساخ العقد كهلاك المبيع . فإن من اشترى بفلوس شيئا فكسدت قبل القبض بطل العقد ; لأن الثمن فلوس رائجة ، فإذا كسدت الفلوس فقد هلك الثمن وما ينقص العقد بهلاك إذا تعذر قبضه ثبت للعاقد حق الفسخ كالمبيع وحجتنا في ذلك قوله تعالى { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } والمشتري حين أفلس بالثمن قد استحق النظرة شرعا ، ولو أجله البائع لم يكن له أن يفسخ العقد قبل مضي الأجل ، فإذا صار منظرا بإنظار الله تعالى أولى أن يتمكن البائع من فسخ العقد وأما الحديث الذي استدلوا به فقد ذكر الخصاص بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده متاعه فهو في ماله بين غرمائه أو قال فهو أسوة غرمائه فيه } وتأويل الرواية الأخرى أن المشتري كان قد قبضه بغير إذن البائع أو مع شرط الخيار للبائع وبه نقول : إن في هذا الموضع للبائع حق الاسترداد والمعنى فيه إن لم يتعين على البائع شرط عقده فلا يتمكن من فسخ العقد كما لو كان المشتري مليا وبيان ذلك أن موجب العقد ملك اليمين فإن اليمين يجب بالعقد ويملك به وإنما يملك بالعقد دينا في الذمة وبقاء الدين ببقاء محله والذمة بعد الإفلاس على ما كانت عليه قبل الإفلاس محل صالح لوجوب الدين عليه فأما حق الاستيفاء فثابت للبائع بسبب ملكه لا بحكم العقد ، ألا ترى أنه يجوز إسقاطه بالإبراء وبالاستبدال وقبض البدل إذا صار مستحقا بالبيع لا يجوز إسقاطه بالاستبدال وقبض البدل إذا صار مستحقا بالبيع لا يجوز إسقاطه بالاستبدال كما في البيع عينا كان أو دينا فعرفنا أن حق قبض الثمن له بحكم الملك لا أن يكون موجب العقد فبتعذره لا يتغير شرط العقد ، والدليل على هذا أن قدرة المشتري على تسليم الثمن عند العقد ليس بشرط لجواز العقد فلو كان تسليم الثمن يستحق بالعقد لكانت القدرة على تسليمه شرطا لجواز العقد كما في جانب المبيع فإنه إذا كان عينا لا يجوز العقد إلا أن يكون مقدور التسليم للبائع وإن كان دينا كالتسليم لا يجوز العقد إلا على وجه تثبت القدرة على التسليم به للعاقد وهو الأجل ولما جاز الشراء بالدرهم حالا وإن لم يكن في ملكه عرفنا أن وجوب تسليم الثمن ليس من حكم العقد وبهذا الحرف يستدل في المسألة ابتداء فإن العجز عن تسليم الثمن إذا طرأ بالإفلاس لا يكون أقوى من العجز عن تسليم الثمن إذا اقترن بالعقد . والمفلس إذا اشترى شيئا والبائع يعلم أنه مفلس صح العقد ولزم فبالإفلاس الطارئ لأن لا ترتفع صفة اللزوم أولى بخلاف جانب المبيع فهناك ابتداء العقد مع العجز عن التسليم لإباق العبد لا يجوز فإن رضي به المشتري فكذلك [ ص: 199 ] إذا طرأ العجز فإنه يثبت للمشتري حق الفسخ فإن قيل كيف يستقيم هذا وقد قلتم إن أول التسليمين على المشتري فلو لم يكن تسليم الثمن مستحقا بالعقد لم يتأخر حقه في قبض المبيع إلا أن يؤدي الثمن قلنا وجوب أول التسليمين عليه لتحقيق معنى التسوية بينهما ; لأن ذلك موجب العقد على ما قررنا أن العقد عقد تمليك فيقتضي التسوية بين المتعاقدين في الملك وقد حصل الملك لكل واحد منهما بالعقد إلا أن الملك في العين أكمل منه في الدين فعلى المشتري تسليم الثمن أولا ليتقوى به ملك البائع فكان ذلك من حكم الملك لا أن يكون موجب العقد ولئن سلمنا أنه من حكم العقد لاقتضى التسوية ولكن هذا المعنى قد انعدم بتسليم البائع لما بيع طوعا فهو كما لو انعدم بالتأجيل في الثمن فلا يبقى له بعد ذلك حق فسخ البيع وإن تعذر عليه استيفاء الثمن لإفلاس المشتري وهذا بخلاف الفلوس إذا كسدت ; لأنه تغير هناك موجب العقد فيتغير فموجب العقد ملك فلوس هي ثمن وبعد الكساد لا يبقى له في ذمة المشتري فلوس بهذه الصفة فأما بعد إفلاس المشتري فيبقى الثمن في ذمته مملوكا للبائع كما استحقه بالعقد وهذا بخلاف الكتابة ; لأن هناك يعجز المكاتب بغير موجب العقد فموجب ملك المولى بدل الكتابة عند حلول الأجل ولا يملكه إلا بالقبض ; لأن المكاتب عبد له والمولى لا يستوجب دينا في ذمة عبده ولهذا لو كفل له إنسان ببدل الكتابة عن المكاتب لم تصح الكفالة وللمكاتب أن يعجز نفسه ، فإذا لم يكن له ذلك دينا حقيقة قلنا الملك للمولى إنما يثبت بالقبض وإذا عجز المكاتب عن الأداء فقد تغير ما هو موجب العقد عليه فلهذا من فسخ العقد وهنا بإفلاس المشتري لا يتغير ملك البائع في الثمن فإنه مملوك دينا في ذمة المشتري ولسنا نسلم أن الدين في ذمة المفلس ثاو فإن المديون إذا كان مقرا بالدين فهو قائم حقيقة وحكما مفلسا كان أو مليا ولهذا قال أبو حنيفة يجب على صاحب الدين الزكاة بمعنى إذا قبضه ، فإذا لم يتغير موجب العقد لا يتمكن من فسخ العقد ، والله أعلم . انتهى المجلد الثالث عشر ![]()
__________________
|
|
#290
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع عشر صـــ 2الى صـــ 11 (290) [ ص: 2 ] كتاب الصرف قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي إملاء : الصرف اسم لنوع بيع ; وهو مبادلة الأثمان بعضها ببعض ، والأموال أنواع ثلاثة : نوع منها في العقد ثمن على كل حال ، وهو الدراهم والدنانير ، صحبها حرف الباء أو لم يصحبها سواء كان ما يقابلها من جنسها ، أو من غير جنسها ، ونوع منها ما هو مبيع على كل حال ، وهو ما ليس من ذوات الأمثال من العروض كالثياب والدواب ، والمماليك ، ونوع هو ثمن من وجه ، مبيع من وجه ; كالمكيل والموزون فإنها إذا كانت معينة في العقد تكون مبيعة ، وإن لم تكن معينة فإن صحبها حرف الباء وقابلها مبيع فهو ثمن ، وإن لم يصحبها حرف الباء ، وقابلها ثمن فهي مبيعة ، وهذا لأن الثمن ما يثبت دينا في الذمة قال الله تعالى : { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة } قال الفراء في معناه : الثمن عند العرب ما يثبت دينا في الذمة ، والنقود لا تستحق بالعقد إلا دينا في الذمة ; ولهذا قلنا : إنها لا تتعين بالتعين ، وكان ثمنها على كل حال ، والعروض لا تستحق بالعقد إلا عينا فكانت مبيعة ، والسلم في بعضها رخصة شرعية لا تخرج به من أن تكون مبيعة ، والمكيل والموزون يستحق عينا بالعقد تارة ، ودينا أخرى فيكون ثمنا في حال مبيعا في حال ، والثمن في العرف ما هو المعقود به ، وهو ما يصحبه حرف الباء فإذا صحبه حرف الباء ، وكان دينا في الذمة ، وقابله مبيع عرفنا أنه ثمن ، وإذا كان عينا قابله ثمن كان مبيعا ; لأنه يجوز أن يكون مبيعا يحال بخلاف ما هو ثمن بكل حال . ومن حكم الثمن أن وجوده في ملك العاقد عند العقد ليس بشرط لصحة العقد ، وإنما يشترط ذلك في المبيع ، وكذلك فوات التسليم فيما هو ثمن لا يبطل العقد بخلاف المبيع ، والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز بخلاف المبيع ، والأصل فيه { حديث ابن عمر رضي الله عنه حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أبيع الإبل بالبقيع فربما أبيعه بالدنانير ، وآخذ مكانها الدراهم ، أو على عكس ذلك فقال [ ص: 3 ] صلى الله عليه وسلم لا بأس إذا افترقتما ، وليس بينكما عمل } ، وإذا ثبت جواز الاستبدال بالثمن قبل القبض ثبت أن فوات التسليم فيه لا يبطل العقد ; لأن في الاستبدال تفويت التسليم فيما استحق بالعقد ، وبهذا ثبت أن ملكه عند العقد ليس بشرط ; لأن اشتراط الملك عند العقد إما لتمليك العين ، والثمن دين في الذمة ، أو للقدرة على التسليم ، ولا أثر للعجز عن تسليم الثمن في العقد ، والحكم الذي يختص به الصرف من بين سائر البيوع وجوب قبض البدلين في المجلس ، وأنه لا يكون فيه شرط خيار ، أو أجل ، وذلك ثابت بالحديث الذي رويناه فإنه قال النبي صلى الله عليه وسلم { لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما عمل } أي مطالبة بالتسليم ; لوجود القبض قبل الافتراق ولأن هذا العقد اختص باسم فيختص بحكم يقتضيه ذلك الاسم ، وليس ذلك صرف ما في ملك كل واحد منهما لملك صاحبه ; لأن البدل من الجانبين يجب ابتداء بهذا العقد لا أن يكون مملوكا لكل واحد منهما قبله ، ولأن ذلك ثابت في سائر البيوع عرفنا أنه يسمى صرفا لما فيه من صرف ما في يد كل واحد منهما إلى يد صاحبه ، ولم يسم به لوجوب التسليم مطلقا لأن ذلك يثبت في سائر البيوع عرفنا أنه إنما سمي به لاستحقاق قبض البدلين في المجلس ، ولأن هذا العقد مبادلة الثمن بالثمن ، والثمن يثبت بالعقد دينا في الذمة ، والدين بالدين حرام في الشرع لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ فما يحصل به التعيين ، وهو القبض لا بد منه في هذا العقد ، وكان ينبغي أن يشترط مقرونا بالعقد ; لأن حالة المجلس تقام مقام حالة العقد شرعا للتيسير . وإذا وجد التعيين بالقبض في المجلس يجعل ذلك كالموجود عند العقد ، وليس أحد البدلين في ذلك بأولى من الآخر فشرطنا القبض فيهما لهذا المعنى ، ولسنا نعني بالمجلس موضع جلوسهما بل المعتبر وجود القبض قبل أن يتفرقا حتى لو قاما أو مشيا فرسخا ، ثم تقابضا قبل أن يتفرقا أي يفارق أحدهما صاحبه حال العقد ، وكذلك لو ناما في المجلس ، أو أغمي عليهما ، ثم تقابضا قبل الافتراق . روى ذلك بشر عن أبي يوسف ، ولهذا لا يجوز شرط الخيار في هذا العقد ; لأن الخيار بعدم الملك فيكون أكثر تأثيرا من عدم القبض قبل الافتراق . وبشرط الخيار يمتنع استحقاق ما به يحصل التعيين ، وهو القبض ما بقي الخيار ، وكذلك شرط الأجل ينعدم استحقاق القبض الذي يثبت به التعيين فلهذا كان مبطلا لهذا العقد ، وقد دل ما قلنا على الأخبار التي بدئ الكتاب بها ، فمنها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الفضة بالفضة ، وزن بوزن يد بيد ، والفضل ربا } إلى [ ص: 4 ] آخره ، وقد بدأ بهذا الحديث كتاب البيوع ، وبينا تمام شرحه في كتاب البيوع ، ومن ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإناء خسرواني قد أحكمت صنعته فبعثني به لأبيعه فأعطيت به وزنه وزيادة ، فذكرت ذلك لعمر رضي الله عنه فقال : أما الزيادة ، فلا . وهذا الإناء كان من ذهب أو فضة وفيه دليل على أنه لا قيمة للصنعة في الذهب والفضة عند المقابلة بجنسها ; لأنه لا يجوز الاعتياض عنها ، وما كان مالا متقوما شرعا فالاعتياض عنه جائز فعرفنا أنه إنما لم يجوز ; لأنه لا قيمة للصنعة في هذه الحالة شرعا كما لا قيمة للصنعة في المعازف ، والملاهي شرعا ، وفيه دليل أن الذهب ، والفضة بالصنعة لا تخرج من أن تكون وزنية ، وإن اعتاد الناس بيعها بغير وزن بخلاف سائر الموزونات ; لأن صنعة الوزن فيها ثابتة بالنص ، فلا تتغير بالعرف بخلاف سائر الأشياء ، وإلى ذلك أشار ابن سيرين حين سئل عن بيع إناء من حديد بإناءين فقال قد كانوا يبيعون الدرع بالأدرع يعني أن ما لا يعتاد الناس وزنه من هذا الجنس لا يكون موزونا ، ثم ذلك الإناء كان لبيت المال ، وإنما قصد عمر رضي الله عنه ببيعه أن يصرف الثمن إلى حاجة المسلمين ، ثم وكل به أنس بن مالك رضي الله عنه ، وفيه دليل على جواز التوكيل بالصرف . وعن أبي جبلة قال سألت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقلت : إنا نقدم أرض الشام ومعنا الورق الثقال النافقة ، وعندهم الورق الخفاف الكاسدة أفنبتاع ورقهم العشرة بتسعة ونصف ؟ فقال : لا تفعل ، ولكن بع ، ورقك بذهب ، واشتر ورقهم بالذهب ، ولا تفارقه حتى تستوفي ، وإن وثب من سطح فثب معه ، وفيه دليل رجوع ابن عمر رضي الله عنه عن قوله في جواز التفاضل كما هو مذهب ابن عباس رضي الله عنهما ، وأنه لا قيمة للجودة في النقود ، وأن المفتي إذا تبين جواب ما سئل عنه فلا بأس أن يبين للسائل الطريق الذي يحصل به مقصوده مع التحرز عن الحرام ، ولا يكون هذا مما هو مذموم من تعليم الحيل بل هو اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث { قال لعامل خيبر : هلا بعت تمرك بسلعة ، ثم اشتريت بسلعتك هذا التمر } ، وفيه دليل أن القليل من الفضل ، والكثير في كونه ربا سواء لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : والفضل ربا ، وأن التقابض قبل الافتراق في الصرف مستحق ، وأن القيام عن المجلس من غير افتراق لا يمنع بقاء العقد فإنه قال : وإن وثب من سطح فثب معه ; للتحرز عن مفارقة أحدهما صاحبه قبل القبض ، وعليه دل حديث كليب بن وائل قال : سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن الصرف فقال : من هذه إلى هذه يعني من يدك إلى [ ص: 5 ] يده ، وإن استنظرك إلى خلف هذه السارية فلا تفعل ، وإنما كنى بهذا اللفظ عن مفارقة أحدهما صاحبه قبل القبض ; لأن بالمفارقة يغيب عن بصره ، وبالاستتار بالسارية يغيب عن بصره أيضا فذكر ذلك على وجه الكتابة عن المفارقة لا أن يكون حقيقة السارية بينهما موجبا للافتراق فإن ابتداء العقد بينهما صحيح في هذه الحالة ، وكون السارية بينهما لا يعد افتراقا عرفا وعن محمد بن سيرين أنه كان يكره أن يباع السيف المحلى بالفضة بالنقرة مخافة أن تكون الفضة التي أعطى أقل مما فيه ، ويكره أن يبيعه بالنسيئة ، ولا يرى بأسا بأن يبيعه بالذهب ، وبه نأخذ فنقول : بيعه بالذهب جائز بالنقد لقوله صلى الله عليه وسلم { : إذا اختلفت النوعان فبيعوا كيف شئتم } بعد أن يكون يدا بيد ولا يجوز بيعه بالنسيئة سواء باعه بالذهب أو الفضة ; لأن العقد في حصة الحلية صرف فاشتراط الأجل فيه مفسد ، ولا ينزع الحلية من السيف إلا بضرر ففساد العقد فيها يفسد في الكل دفعا للضرر ، أما بيعها بالفضة فعلى أربعة أوجه : إن كان يعلم أن فضة الحلية أكثر فهو فاسد ، وكذلك إن كانت الحلية مثل النقد في الوزن لأن الجفن والحمائل فضل خال عن العوض فإن مقابلة الفضة بالفضة في البيع تكون بالإجزاء ، وإن كان يعلم أن الفضة في الحلية أقل جاز العقد على أن يجعل المثل بالمثل ، والباقي بإزاء الجفن والحمائل عندنا خلافا للشافعي وإن كان لا يدري أيهما أقل فالبيع فاسد عندنا ; لعدم العلم بالمساواة عند العقد وتوهم الفضل وعند زفر هذا يجوز فإن الأصل الجواز ، والمفسد هو الفضل الخالي عن العوض فما لم يعلم به يكون العقد مملوكا بجوازه ، وقد بينا هذا في البيوع عن { أبي بصرة قال : سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن الصرف قال : لا بأس به يدا بيد ، وسألت ابن عباس رضي الله عنهما فقال مثل ذلك فقعدت في حلقة فيها أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فأمرني رجل فقال : سله عن الصرف ، فقلت : إن هذا يأمرني أن أسألك عن الصرف ، فقال لي : الفضل ربا ، فقال : سله أمن قبل رأيه يقول ، أو شيء سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فذكرت ذلك له فقال أبو سعيد رضي الله عنه : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل يكون في نخله برطب طيب فقال صلى الله عليه وسلم : من أين هذا ؟ فقال : أعطيت صاعين من تمر رديء وأخذت هذا ، فقال صلى الله عليه وسلم : أربيت ، فقال : إن سعر هذا في السوق كذا ، وسعر هذا كذا ، فقال صلى الله عليه وسلم : أربيت ، ثم قال صلوات الله عليه : هلا بعته بسلعة ثم ابتعت بسلعتك تمرا } فقال أبو سعيد رضي الله عنه : الفضل في التمر ربا [ ص: 6 ] والدراهم مثله ، فقال أبو بصرة فلقيت بعد ذلك ابن عمر رضي الله عنهما فقال : لا خير فيه ، وأمرت أبا الصهباء فسأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الصرف فقال : لا خير فيه ، وفي هذا دليل رجوع ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما عن فتواهما بجواز التفاضل وقد روي أن عليا رضي الله عنه لما سمع هذه الفتوى عن ابن عباس رضي الله عنهما فقال : إنك رجل تائه ، وعن الشعبي قال : حدثني بضعة عشر نفرا من أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما الخبر فالخبر أنه رجع عن فتواه فقال : الفضل حرام ، وقال جابر بن زيد رضي الله عنه ما خرج ابن عباس رضي الله عنه من الدنيا حتى رجع عن قوله في الصرف والمتعة فعلم أن حرمة التفاضل مجمع عليه في الصدر الأول ، وأن قضاء القاضي بخلافه باطل ، وفيه دليل أنهم كانوا يسمعون حكما في حادثة فيلحقون بها ما في معناها فإن أبا سعيد رضي الله عنه ذكر أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم روى الحديث في التمر وبين أن الدراهم مثله ، وفيه دليل على أن النص في شيء يكون نصا فيما هو في معناه من كل وجه ، لأنه لو كان هذا قياسا فالقياس استنباط بالرأي ، وما كان يقول بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه دليل أنه لا بأس للمستفتي أن يطالب المفتي بالدليل إذا كان أهلا لذلك فإن أبا سعيد رضي الله عنه لم ينكر عليه ذلك ، وأنه لا بأس للإنسان أن يأمر غيره بالاستفتاء ، وإن كان هو المحتاج إليه كما فعله هذا الرجل ، وإن كان احتشم أبا سعيد رضي الله عنه فلم يسأله بنفسه كما روي أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يجلسون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن على رءوسهم الطير ، وكان يعجبهم أن يدخل أعرابي ليسأله ليستفيدوا بسؤاله ، أو علم هذا الرجل بقول ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما ، ولم يعجبه أن يظهر الإنكار عليهما فأمر غيره حتى سأل أبا سعيد الخدري رضي الله عنه فيطالبه بالدليل ليتبين ما هو الصواب فيحصل المقصود من غير أن يستوحش أحد ، وهذا أقرب إلى حسن العشرة . ، وعن شريح أن رجلا باع طوق ذهب مفضض بمائة دينار فاختصما إلى شريح رضي الله عنه فأفسد البيع ، وهذا عندنا ; لأنه لم يكن يدري مقدار الذهب الذي في الطوق ، أو علم أنه مائة مثقال أو أكثر أما إذا علم أنه دون مائة مثقال فالبيع جائز على أن تكون الزيادة بمقابلة الفضة إلا أن تكون الفضة تمويها فيه بحيث لا يستخلص فحينئذ لا يعتبر ذلك ، ولا يحصل بمقابلتها شيء فيكون بمقابلة الصنعة ، ولا قيمة للصنعة عند اتحاد الجنس . وعن عبد الله بن أبي سلمة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث يوم خيبر سعد بن سعد بن مالك [ ص: 7 ] وسعدا آخر رضي الله عنهما ليبيعا غنائم بذهب فباعاها كل أربعة مثاقيل ذهب تبرا بثلاث مثاقيل عينا فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أربيتما فردا } ، وفيه دليل أن للإمام ولاية بيع الغنائم ، وقسمة الثمن بين الغانمين إذا رأى النظر فيه ، وأن له أن يوكل غيره في ذلك وأن التفاضل حرام في بيع الغنائم ، ومال بيت المال كغيرها ، وأن العقد الفاسد يستحق فسخه ورده لأن مباشرته معصية والإصرار على المعصية معصية فلهذا قال صلى الله عليه وسلم أربيتما فردا ، ولم يعاتبهما على ما صنعا ; لأن نزول تحريم الربا كان يومئذ لم يكن اشتهر بعد فعذرهما بالجهل به . ، وعن سليمان بن بشير قال : أتاني الأسود بن يزيد فصرفت له الدراهم وافية بدنانير ، ثم دخل المسجد فصلى ركعتين فيما أظن ، ثم جاءني فقال : اشتر بها غلة فجعلت أطلب الرجل الذي صرفت عنده فقال لا عليك أن لا تجده ، وإن وجدته فلا أبالي ، وفيه دليل جواز التوكيل بالصرف ، وأن التفاضل حرام عند اتفاق الجنس لأنه كان مقصود الأسود أن يشتري بالدراهم الجياد الغلة ، وعلم أن الفضل حرام فأمره أن يشتري بها دنانير ، ثم أمره بأن يشتري بالدنانير الغلة ، وكان هذا الوكيل اشتغل بطلب ذلك الرجل لأنه ظهر عنده أمانته ، ومسامحته في المعاملة ، وبين له الأسود أنه كغيره فيما هو مقصود فلا يتكلف في طلبه . وعن أبان بن عباس عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : بعت جام فضة بورق بأقل من ثمنه فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال : ما حملك على ذلك قلت الحاجة قال : رد الورق إلى أهلها ، وخذ إناءك وعارض به ، ففيه دليلحرمة الفضل ، ووجوب الرد عند فساد العقد ، وأن بسبب الحاجة لا يحل الربا لأن الحاجة ترتفع من غير ارتكاب الحرام كما هداه عمر رضي الله عنه بقوله : وخذ إناءك وعارض به ، ولكنه عذره للحاجة ، ولم يؤدبه ، وكان قصده بالسؤال في الابتداء أن يعلم سبب إقدامه على هذا العقد حتى إذا باشره مع العلم به من غير حاجة أدبه عليه ، وقد كان مؤدبا يؤدب على ما هو دون ذلك . وعن أبي رافع قال : سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الصوغ أصوغه فأبيعه قال وزنا بوزن فقلت : إني أبيعه وزنا بوزن ، ولكن آخذ فيه أجر عمل فقال : إنما عملك لنفسك ، ولا تردد شيئا فإن { رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نبيع الفضة إلا وزنا بوزن } ، ثم قال يا أبا رافع إن الآخذ والمعطي والشاهد والكاتب شركاء ، وفيه دليل حرمة الفضل ، وأنه لا قيمة للصنعة فيما هو مال الربا فإن عمر رضي الله عنه بين له أنه في الابتداء عمل لنفسه فلا يستوجب الأجر به على غيره ، ثم ما يأخذ من الزيادة عوضا عن الصنعة [ ص: 8 ] ولا قيمة للصنعة في البيع ، ثم بين شدة الحرمة في الربا بقوله : الآخذ والمعطي والكاتب والشاهد فيه سواء أي في المأثم ، وهو نظير ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { لعن الله في الخمر عشرة } ، وقال صلى الله عليه وسلم { الراشي والمرتشي والرايش في النار ، ولعن الله من أعان الظلمة ، أو كتب لهم } والأصل في الكل قوله { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } وعن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : الذهب بالذهب ، الكفة بالكفة ، والفضة بالفضة ، الكفة بالكفة ، ولا خير فيما بينهما فقلت إني سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول : ليس في يد بيد ربا فمشى إليه أبو سعيد رضي الله عنه وأنا معه فقال له : أسمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع ؟ فقال : لا ، فحدثه أبو سعيد رضي الله عنه الحديث ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما لا أفتي به أبدا } ، وفيه دليل على أن بيع الذهب والفضة بجنسهما إذا اعتدل البدلان في كفة الميزان جاز البيع ، وإن لم يعلم مقدار كل واحد منهما لتيقننا بالمماثلة وزنا ، والمماثلة إذا وزن أحدهما بصاحبه أظهر منه إذا وزن كل واحد منهما بالصنجات ، وفيه دليل رجوع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن فتواه في إباحة التفاضل ، وأن الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد انقاد لهم ابن عباس رضي الله عنهما ، وهذا لأن أبا سعيد رضي الله عنه كان من كبار الصحابة رضوان الله عليهم معروفا بينهم بالعدالة والورع ، وإنما مشى إلى ابن عباس رضي الله عنهما بطريق الخشية لإظهار الشفقة ، وإن كان لو دعاه إلى نفسه لأتاه ، وهذا هو الأحسن للكبير في معاملة من هو أصغر منه وعن عمر رضي الله عنه قال : لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الربا ، وقد نقل هذا اللفظ بعينه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أخاف عليكم الإرباء . ، وعن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه كان يبيع بقايا بيت المال يدا بيد بفضل فخرج خرجة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسأله عن ذلك فقال : هو ربا ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه استخلف على بيت المال عبد الله بن سخبرة الأسدي فلما قدم ابن مسعود رضي الله عنه نهاه عن بيع الدراهم بالدراهم بينهما فضل ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه عامل عمر رضي الله عنه بالكوفة على بيت المال فكان من مذهبه في الابتداء أن اختلاف الصنعة كاختلاف النوع ، وكان يجعل البقاية مع الجيد نوعين فيجوز التفاضل بينهما عملا بقوله صلى الله عليه وسلم { إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد } ، ثم سأل عمر رضي الله عنه فبين له أن الكل نوع واحد فإن الكل فضة [ ص: 9 ] وقال : صلى الله عليه وسلم { الفضة بالفضة مثل بمثل يد بيد والفضل ربا } فرجع ابن مسعود إلى قوله ; لأنه بين له الحق في مقالته ، ومن هذا يقال : عالم الكوفة كان يحتاج إلى عالم المدينة يراد به ابن مسعود رضي الله عنهما . ، وقد نقل نحو هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإن أبا صالح السمان يقول سألت عليا رضي الله عنه عن الدراهم تكون معي لا تنفق في حاجتي فأشتري بها دراهم تنفق في حاجتي ، وأهضم منها قال : لا ، ولكن بع دراهمك بدنانير ، ثم اشتر بالدنانير دراهم تنفق في حاجتك ، وفيه دليل على أن الجياد والزيوف نوع واحد فحرم التفاضل بينهما ، وهذا ; لأنه لا قيمة للجودة هنا مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { جيدها ورديئها سواء } ، فلا يجوز الاعتياض عنها . وعن القاسم بن صفوان قال أكريت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إبلا بدنانير فأتيته أتقاضاه وبين يديه دراهم فقال لمولى له : انطلق معه إلى السوق فإذا قامت على سعر فإن أحب أن يأخذ ، وإلا فاشتر له دنانير فأعطها إياه فقلت : يا أبا عبد الرحمن أيصلح هذا ؟ قال : نعم لا بأس بهذا ، إنك ولدت وأنت صغير ، وفيه دليل جواز استبدال الأجر قبل القبض الآخر كالثمن وقد بينا أن ابن عمر رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استبدال الثمن قبل القبض فجوز له ذلك فلهذا جوز ابن عمر الاستبدال بالأجر ، ولكن بشرط أن يرضى به صاحب الحق ، ولكن لما أشكل على صاحب الحق سأله بقوله : أيصلح هذا ؟ فقال : نعم إنك ولدت وأنت صغير ; أي جاهل لا تعلم حتى تعلم . وهكذا حال كل واحد منا فإنه لا يعلم حتى يعلم فكأنه مازحه بهذه الكلمة ، وكنى بالصغر عن الجهل ، ثم ذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في الربا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأشياء الستة ، وقال في آخره { إذا اشتريتم بعضه ببعض فاشتروه كيف شئتم يدا بيد } يعني بذلك إذا اختلف النوعان ، وقال معاوية رضي الله عنه ما بال أقوام يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث لم نسمعها فقال عبادة رضي الله عنه : أشهد إني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعاد الحديث ثم قال : لأحدثن به وإن رغم أنف معاوية ، وكان معاوية رضي الله عنه ممن يجوز التفاضل في الابتداء ، ثم رجع إلى الحديث ; فلهذا قال ما قال ، وقيل : إنه أراد أن يستثبته في روايته ، ومعاوية رضي الله عنه من رواة حديث الربا فيحتمل أن يكون مراده بقوله : " أحاديث لم نسمعها " ما ذكره في آخر الحديث ، وإن اشتريتم بعضه ببعض فأكد عبادة رضي الله عنه روايته بيمينه فإن قوله " أشهد " بمعنى أحلف ، قال : " لأحدثن به " ; لأني أتيقن بسماعه من [ ص: 10 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ فلا أدعه بقول معاوية رضي الله عنه بل أحدث به وإن رغم أنف معاوية . وعن أبي الأشعث الصنعاني قال : خطبنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه بالشام فقال : أيها الناس إنكم أحدثتم بيوعا لا يدرى ما هي ، ألا وإن الذهب بالذهب ، وزنا بوزن تبره وعينه ، ألا وإن الفضة بالفضة تبرها وعينها سواء ، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة يدا بيد ، والفضة أكثر ، ولا يصلح نسيئة ، ألا وإن الحنطة بالحنطة مدين بمدين ، ألا وإن الشعير بالشعير مدين بمدين ، ولا بأس ببيع الشعير بالحنطة يدا بيد ، والشعير أكثرهما ، ولا يصلح نسيئة ، ثم ذكر في التمر والملح مثل ذلك ، ثم قال : من زاد أو استزاد فقد أربى ، وفيه دليل أن الفاسد بيع فإنه قال : إنكم أحدثتم بيوعا ، ومراده ما كانوا يباشرونه من عقود الربا ، وفيه دليل على أن ما يجري فيه الربا من الأشياء المكيلة نصف صاع ; لأن قوله " مدين بمدين " عبارة عن ذلك ، وفيه دليل أنه كما يحرم أخذ الربا يحرم إعطاؤه فالمستزيد آخذ ، والزائد معطي ، وقد سوى بينهما في الوعيد . وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : الذهب بالذهب مثل بمثل ، والورق بالورق مثل بمثل لا تفضلوا بعضها على بعض لا يباع منها غائب بناجز فإني أخاف عليكم الرما ، والرما هو الربا ، وإن استنظرك إلى أن تدخل بيته ، فلا تنتظره ، ومعنى قوله : " لا يباع غائب بناجز " أي نسيئة بنقد ، وفيه دليل الربا كما يثبت بالتفاوت في البدلين في القدر يثبت بتفاوتهما بالنقد والنسيئة ، وأن القبض قبل الافتراق لا بد منه في عقد الصرف وكنى عنه بقوله : " فإن استنظرك إلى أن يدخل بيته " . وعن الشعبي رضي الله عنه قال : لا بأس ببيع السيف المحلى بالدراهم ; لأن فيه حمائله وجفنه ونصله ومراده إذا كان وزن الحلية أقل من وزن الدراهم ليكون الفضل بإزاء الجفن والحمائل . وعن الحسن أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم كانوا يتبايعون فيما بينهم السيف المحلى ، والمنطقة المفضضة ، وبه نأخذ فنقول : يجوز بيع ذلك بالعروض وبالنقد بخلاف الجنس بشرط قبض حصة الحلية في المجلس ، وبالنقد من جنس الحلية بشرط أن يكون وزنه أكثر من وزن الحلية . وعن إبراهيم قال : الإقالة بيع ، وهكذا عن شريح ; معناه كالبيع في الحكم ، وبه نأخذ فنقول : الإقالة في الصرف كالبيع يعني : يشترط التقابض من الجانبين قبل الافتراق كما في عقد الصرف ، وهو معنى قول علمائنا - رحمهم الله - إن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق غيرهما ، ووجوب التقابض في المجلس من حق الشرع ; فالإقالة فيه كالبيع . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : [ ص: 11 ] سمعت عمر رضي الله عنه على المنبر يقول : أيها الناس لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإن ذلك ربا العجلان ، ولكن من كان عنده سحق درهم فليخرج به إلى السوق وليقل : من يبتاع سحق هذا الدرهم فليبتع به ما شاء ، والمراد بقوله : " فإن ذلك ربا العجلان " أي ربا النقد وهو إشارة إلى أن الربا نوعان في النقد ، والنسيئة ، والمراد بقوله : " سحق درهم " البقاية التي لا تنفق في حاجة ، يقال : ثوب سحق أي خلق ، وفيه دليل أنه لا بأس بالشراء بالزيوف ، ولكن بعد بيان عينها لينتفي الغرر والتدليس كما ذكره عمر رضي الله عنه . وعن إبراهيم أنه لم يكن يرى بأسا باقتضاء الورق من الذهب ، والذهب من الورق بيعا كان أو قرضا ، أو كان بسعر يومه ، وبه نأخذ فيجوز الاستبدال بثمن المبيع وفي بدل القرض قبل القبض ، وذكر الطحاوي أن الاستبدال قبل القبض لا يجوز وكأنه ذهب بذلك إلى أنه لما كان لا يثبت فيه الأجل فهو بمنزلة ما لا يجوز الاستبدال به قبل القبض ، وبمنزلة دين لا يقبل الأجل كبدل الصرف ، وهو وهم منه فإن القرض إنما لا يقبل الأجل ; لأنه بمنزلة العارية وما يسترد في حكم عين المقبوض على ما نبينه في بابه . والاستبدال بالمستعار قبل الاسترداد جائز ، وعن إبراهيم أنه كان يكره أن يشتري الرجل الثوب بدينار إلا درهم ، وبه نأخذ فإن الدرهم إنما يستثنى من الدينار بالقيمة ، وطريق معرفة القيمة الحزر والظن فكان المستثنى مجهولا ، وبجهالته يصير المستثنى منه مجهولا أيضا ، والبيع بثمن مجهول لا يجوز ، وإذا اشترى الرجل الدراهم بدراهم أجود منها ، ولا يصلح له إلا وزنا بوزن جيدها ورديئها ، ومصوغها وتبرها ، وأبيضها وأسودها في ذلك سواء ; للأحاديث التي رويناها ; فقد ذكر فيها صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم مقابلة الفضة بالفضة ، واسم الفضة يتناول كل ذلك ، وكذلك الذهب بالذهب جيده ورديئه ، وتبره ومصوغه نافقه وغير نافقه في ذلك سواء ; لأنه لا قيمة للجودة والصنعة فيها عند مقابلتها بجنسها ، فوجود ذلك كعدمه ، ولا يجوز فيه شيء من الأجل ; لما بينا أن التقابض واجب في مجلس العقد ، وترك أحد البدلين في المجلس مبطل للعقد فالتأجيل مناف لما هو مقتضى هذا العقد ، واشتراط ما ينافي مقتضى العقد مبطل له . ، وإذا اشترى فضة بيضاء جيدة بفضة سوداء بأكثر منها ، ومع البيضاء ذهب أو فلوس أو عروض فهو جائز عندنا ، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يجوز ; لأن الانقسام على مذهبه باعتبار القيمة فيصيب البيضاء أكثر من وزنها من الفضة السوداء ، وعندنا يجعل من السوداء بإزاء البيضاء مثل وزنها ، والباقي بإزاء ما زاد ترجيحا لجهة الجواز على جهة الفساد ، وقد [ ص: 12 ] قررنا هذا الفصل في البيوع . ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |