المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي - الصفحة 28 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         البشرى العاجلة والآجلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          دلالات تربوية على سورة الناس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 31 )           »          وقفة بيانية مع سورة المسد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          جلسة إيمانية في ظل آية فرقانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          نظرات في قصة شعيب عليه السلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 30 - عددالزوار : 4828 )           »          الإرث مبادئ وحقائق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          7 كلمات لازم بنتك المراهقة تسمعها منك باستمرار لتعزيز ثقتها بنفسها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          طريقة عمل كيكة الكراميل والقشطة بدون فرن.. تحلية سريعة وسهلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          أخطاء شائعة تفسد الدايت بعد العيد تجنبيها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-01-2026, 06:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي



قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَانَتْ السَّاحَةُ وَاسِعَةً، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْسِمُوهَا وَفِي حَظِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ إذَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَخْرَجٌ وَلَا طَرِيقٌ إلَّا مَنْ بَابِ الدَّارِ، فَاشْتَجَرُوا فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اجْعَلْهَا ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا: إنَّهُ يَتْرُكُ لَهُمْ طَرِيقًا قَدْرَ مَا تَدْخُلُ الْحَمُولَةُ وَقَدْرَ مَا يَدْخُلُونَ.
قُلْتُ: وَلَا يَتْرُكُ لَهُمْ مِنْ الطَّرِيقِ قَدْرَ عَرْضِ بَابِ الدَّارِ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.

قُلْتُ: هَلْ يَكُونُ لِلْجَارِ أَنْ يَرْفَعَ بُنْيَانَهُ فَيُجَاوِزَ بِهِ بُنْيَانَ جَارِهِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ؟
قَالَ: لَهُ أَنْ يَرْفَعَ بُنْيَانَهُ إلَّا أَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: يُمْنَعُ مِنْ الضَّرَرِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ فَسَدَّ عَلَى جَارِهِ كُوَاهُ، أَظْلَمَتْ أَبْوَابُ غُرَفِهِ وَكُوَاهَا، وَمَنَعَهُ الشَّمْسَ أَنْ تَقَعَ فِي حُجْرَتِهِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ضَرَرِ جَارِهِ، وَلَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَ هَذَا مِنْ الْبِنَاءِ تَمَّ كِتَابُ الْقِسْمَةِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى وَيَلِيهِ كِتَابُ الْوَصَايَا الْأَوَّلُ

[كِتَابُ الْوَصَايَا الْأَوَّلُ] [فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَيَمُوتُونَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ]
ُ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَيَمُوتُونَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَمَاتَ عَبِيدُهُ كُلُّهُمْ، مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، هَلْ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي بِعَشَرَةٍ مِنْ عَبِيدِهِ أَنْ يُعْتَقُوا وَلَمْ يُسَمِّهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَكَانَ عَبِيدُهُ عِدَّتُهُمْ خَمْسِينَ عَبْدًا فَلَمْ يُقَوَّمُوا، أَوْ غَفَلَ الْوَرَثَةُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَعْتِقُ ثُلُثُهُمْ بِالسَّهْمِ يُسْهَمُ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ عِدَّةُ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ عَتَقُوا، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقَسْمِ قَبْلَ أَنْ يُقَوَّمُوا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْبَاقِينَ مِنْ الْعَبِيدِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ فِيهِمْ قَوْلٌ. وَإِنَّمَا يَعْتِقُ مِمَّنْ بَقِيَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثِينَ جُزْءًا بِالسِّهَامِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقَسْمِ فَكَأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَتْرُكْهُ. قَالَ: وَلَا تَسْقُطُ وَصِيَّةُ الْعَبِيدِ لِمَكَانِ الَّذِينَ مَاتُوا.

قُلْتُ: فَإِنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَشَرَةِ أَعْبُدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسِينَ، فَمَاتَ أَرْبَعُونَ مِنْهُمْ وَبَقِيَ عَشَرَةٌ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَمَّلَهُمْ الثُّلُثَ عَتَقُوا. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: إنَّمَا تَصِيرُ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ عَلَى حَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. وَلَوْ هَلَكُوا كُلُّهُمْ إلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ عَتَقَ ثُلُثَاهُمْ، وَلَوْ هَلَكُوا كُلُّهُمْ إلَّا عِشْرِينَ مِنْهُمْ عَتَقَ نِصْفُهُمْ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ يُوصِي بِعَشَرَةٍ مِنْ إبِلِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَهُ إبِلٌ كَثِيرَةٌ، فَذَهَبَ بَعْضُهَا وَبَقِيَ بَعْضُهَا. فَإِنَّهُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ يَقْسِمُ بِالسِّهَامِ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَكَذَلِكَ الرَّقِيقُ إذَا أَوْصَى بِهَا الرَّجُلُ ثُمَّ هَلَكَ بَعْضُهَا، كَانَتْ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ عِنْدَ مَالِكٍ، يَقْسِمُ بِالسِّهَامِ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا مِقْدَارُ الْوَصِيَّةِ، وَكَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُهَا كَانَ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ. وَأَمَّا مَسْأَلَتُكَ، فَإِذَا مَاتُوا كُلُّهُمْ فَقَدْ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ أُوصِيَ لَهُ بِعَبْدٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِ يَوْمَ يُنْظَرُ فِي الثُّلُثِ، فَمَا مَاتَ أَوْ تَلِفَ قَبْلَ ذَلِكَ،


فَكَأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَتْرُكْهُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى فِيهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ لِمَيِّتٍ وَلَا يُقَوَّمُ عَلَى مَيِّتٍ، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ. ذَكَرَهُ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِلرَّجُلِ بِالشَّيْءِ بِعَيْنِهِ فِيمَا يُوصِي مَنْ ثُلُثِهِ فَيَهْلِكُ ذَلِكَ الشَّيْءُ. قَالَ: لَيْسَ لِلَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِهِ أَنْ يُحَاصَّ أَهْلَ الثُّلُثِ بِشَيْءٍ، وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ «أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أَعْتَقَ أَعْبُدًا لَهُ سِتَّةً عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَ تِلْكَ الرَّقِيقِ» . ابْنُ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَالْحَارِثُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأَبِي قِلَابَةَ الْجَرْمِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِثْلُهُ. اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ مَوْلًى لِسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ يُدْعَى دُهُورًا، أَعْتَقَ ثُلُثَ رَقِيقٍ لَهُ هُمْ قَرِيبٌ مِنْ الْعِشْرِينَ، فَرُفِعَ أَمْرُهُمْ إلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ فَقَسَّمَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَخْرَجَ ثُلُثَهُمْ فَأَعْتَقَهُمْ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ غُلَامَانِ فَأَعْتَقَ أَحَدَهُمَا عِنْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا هُوَ، فَأَسْهَمَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بَيْنَهُمَا فَصَارَ السَّهْمُ لِأَحَدِهِمَا وَغُشِيَ عَلَى الْآخَرِ. رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُمْ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: «جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي. أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّكَ إنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إلَّا أُجِرْتَ فِيهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ. قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ. لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ» .
قَالَ يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سُنَّةً فِي الثُّلُثِ لِكُلِّ مُوصٍ بَعْدَهُ. مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَادَ سَعْدًا فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَوْصِ. فَقَالَ: مَالِي كُلُّهُ لِلَّهِ. قَالَ: لَيْسَ لَكَ وَلَا لِي. قَالَ: فَثُلُثَاهُ. قَالَ: لَا. قَالَ: فَنِصْفُهُ. قَالَ: لَا. قَالَ: لَا تُخَيِّبَنَّ وَارِثَكَ. قَالَ: فَثُلُثُهُ.


قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ إلَهَ النَّاسِ مَلِكَ النَّاسِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إلَّا أَنْتَ، أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَأْتِيكَ مِنْ حَسَدٍ وَعَيْنٍ، اللَّهُمَّ أَصِحَّ قَلْبَهُ وَجِسْمَهُ وَاكْشِفْ سَقَمَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ» .
قَالَ سَعْدٌ: فَسَأَلَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - مِنْ بَعْدِهِ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْوَصِيَّةِ فَحَدَّثْتُهُمَا بِذَلِكَ، فَحَمَلَا النَّاسَ عَلَيْهِ فِي الْوَصِيَّةِ. ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَمْرٍو الْمَكِّيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ» . مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمْ اثْنَتَيْنِ لَمْ تَكُونَا لَكُمْ: صَلَاةَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَوْتِكُمْ وَثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ عِنْدَ مَوْتِكُمْ» . ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُمْ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ الْوَصِيَّةِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: الثُّلُثُ وَسَطٌ مِنْ الْمَالِ لَا بَخْسٌ وَلَا شَطَطٌ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِلرَّجُلِ بِثُلُثِ عَبِيدِهِ فَيَهْلِكُ بَعْضُهُمْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ عَبِيدِي هَؤُلَاءِ لِفُلَانٍ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ، فَهَلَكَ مِنْهُمْ اثْنَانِ وَبَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ؟
قَالَ مَالِكٌ ثُلُثُ الْبَاقِي لِلْمُوصَى لَهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْبَاقِي. وَإِنْ كَانَ ثُلُثُ الْمَيِّتِ يَحْمِلُهُ. وَإِنْ كَانَ هَذَا الْبَاقِي هُوَ ثُلُثَ الْعَبِيدِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْهُ إلَّا ثُلُثُهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَالَ: ثُلُثُ رَقِيقِي أَحْرَارٌ.
قَالَ مَالِكٌ: يَعْتِقُ ثُلُثُهُمْ بِالسَّهْمِ وَلَا يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهُ. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ لِلْوَرَثَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْعَبِيدِ، فَإِنْ كَانَ مَا بَقِيَ مَنْ الْعَبِيدِ يَنْقَسِمُونَ، أَخَذَ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْعَبِيدِ إنْ أَرَادُوا الْقِسْمَةَ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَنْقَسِمُونَ فَمَنْ دَعَا إلَى الْبَيْعِ مِنْهُمْ أَجْبَرَ صَاحِبَهُ عَلَى الْبَيْعِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الْبُيُوعِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الَّذِي أَبَى الْبَيْعَ بِمَا يُعْطَى بِهِ صَاحِبُهُ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ غَنَمِهِ لِرَجُلٍ فَيُسْتَحَقُّ بَعْضُهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ غَنَمِي لِفُلَانٍ، وَلَهُ مِائَةُ شَاةٍ. فَاسْتَحَقَّ رَجُلٌ ثُلُثَيْ الْغَنَمِ وَبَقِيَ ثُلُثُهَا، وَالثُّلُثُ الْبَاقِي مَنْ الْغَنَمِ يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ الْمُوصَى بِهِ، أَيَكُونُ هَذَا الثُّلُثُ الْبَاقِي مَنْ الْغَنَمِ جَمِيعُهُ لِلْمُوصَى لَهُ؟
قَالَ: لَا، وَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ.

قُلْتُ: وَيُجْعَلُ


الضَّيَاعُ فِي الْغَنَمِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَمِنْ الْمُوصَى لَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْمِيرَاثِ.

قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: جَمِيعُ غَنَمِي لِفُلَانٍ، فَهَلَكَ بَعْضُهَا أَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُهَا، أَيَكُونُ جَمِيعُ مَا بَقِيَ لِفُلَانٍ إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُ مَا بَقِيَ مِنْهَا؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: وَلِمَ لَا يَكُونُ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ الْغَنَمِ فَذَهَبَ مِنْهَا ثُلُثَاهَا وَبَقِيَ الثُّلُثُ، لِمَ لَا يَكُونُ الثُّلُثُ الْبَاقِي لِلْمُوصَى لَهُ إذَا حَمَلَ ذَلِكَ الثُّلُثُ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِهَا وَلَمْ يُوصِ لَهُ بِكُلِّهَا.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِلرَّجُلِ بِعَشْرَةِ شِيَاهٍ مِنْ غَنَمِهِ فَتَهْلِكُ غَنَمُهُ إلَّا عَشْرَةً]
ً قُلْتُ: فَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِعَشْرَةٍ مِنْ هَذِهِ الْغَنَمِ وَهِيَ مِائَةُ شَاةٍ، فَهَلَكَتْ كُلُّهَا إلَّا عَشْرَةً مِنْهَا، وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ هَذِهِ الْعَشَرَةَ؟
قَالَ: فَلَهُ الْعَشَرَةُ كُلُّهَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْعَشَرَةُ تَعْدِلُ نِصْفَ الْغَنَمِ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْغَنَمِ، أَيُعْطِيهِ إيَّاهَا إذَا كَانَ الثُّلُثُ، يَحْمِلُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَهْلِكْ مِنْ الْغَنَمِ شَيْءٌ، كَيْفَ يُعْطِيهِ الْعَشَرَةَ؟
قَالَ: بِالسِّهَامِ يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الْعَشَرَةِ مَا دَخَلَ.
قُلْتُ: وَإِذَا سَمَّى فَقَالَ: عَشْرَةٌ مِنْ غَنَمِي لِفُلَانٍ. فَهُوَ خِلَافُ مَا إذَا قَالَ: عُشْرُ هَذِهِ الْغَنَمِ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا سَمَّى عَشْرَةً وَهِيَ مِائَةٌ، فَهَلَكَتْ كُلُّهَا إلَّا الْعَشَرَةَ، كَانَتْ الْعَشَرَةُ كُلُّهَا لِلْمُوصَى لَهُ. وَإِذَا أَوْصَى بِعُشْرِهَا فَهَلَكَتْ كُلُّهَا إلَّا عَشْرَةً، لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ إلَّا عُشْرَ مَا بَقِيَ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِاشْتِرَاءِ رَقَبَةٍ تُعْتَقُ عَنْهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ فَقَالَ: اشْتَرُوا نَسَمَةً فَأَعْتِقُوهَا عَنِّي، فَاشْتَرَوْهَا، أَتَكُونُ حُرَّةً حِينَ اشْتَرَوْهَا أَمْ لَا تَكُونُ حُرَّةً إلَّا بَعْدَمَا يُعْتِقُ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَلَا أَرَاهُ حُرًّا حَتَّى يُعْتَقَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ رَجُلٌ كَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَبْدٍ، فَهُوَ مَا لَمْ يُعْتِقُوهُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ فِي حُدُودِهِ وَحُرْمَتِهِ وَجَمِيعِ حَالَاتِهِ
قُلْتُ: فَإِنْ مَاتَ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَشْتَرُوا آخَرَ إلَى مَبْلَغِ ثُلُثِ الْمَيِّتِ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى فَقَالَ: اشْتَرُوا رَقَبَةً فَأَعْتِقُوهَا عَنِّي - وَثُلُثُ مَالِهِ مِائَةُ دِينَارٍ وَالْوَرَثَةُ يَجِدُونَ رَقَبَةً بِخَمْسِينَ دِينَارًا - وَلَمْ يُسَمِّ الْمَيِّتُ الثَّمَنَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يَنْظُرُ فِي هَذَا إلَى مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ نَظَرَ إلَى قَدْرِ مَا تَرَكَ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْمَالِ نَظَرَ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَى مَالِهِ فَيَشْتَرِي لَهُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ. يَجْتَهِدُ لَهُ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ فِي كَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّةِ الْمَالِ، لَيْسَ مَنْ تَرَكَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ أَلْفَ دِينَارٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ نَسَمَةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ - وَثُلُثُهُ لَا يَبْلُغُ ذَلِكَ - أَيُعْتَقُ عَنْهُ مَبْلَغُ الثُّلُثِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ قَدْرُ مَا يُشْتَرَى بِهِ رَقَبَةٌ وَهَذَا قَوْلُ


مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا؟
قَالَ: يُشْرَكُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يُعِينُوا بِهَا مُكَاتَبًا فِي آخِرِ كِتَابَتِهِ فَعَلُوا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِمَالٍ يُبْتَاعُ لَهُ بِهِ رَقَبَةٌ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ رَقَبَةٌ، فَلْيُعِنْ بِهِ فِي رَقَبَتِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى أَنْ تُشْتَرَى رَقَبَةٌ فَتُعْتَق عَنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ ثُلُثُهُ، فَاشْتَرَاهَا الْوَصِيُّ فَأَعْتَقَهَا عَنْهُ ثُمَّ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: إنْ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَالِهِ رُدَّ الْعَبْدُ فِي الرِّقِّ، وَإِنْ لَحِقَهُ دَيْنٌ لَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَالِ رُدَّ الْعَبْدُ وَأُعْطِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ دَيْنَهُ، ثُمَّ يُعْتَقُ مِنْ الْعَبْدِ مِقْدَارُ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّيْنِ، وَهَذَا رَأْيِي لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ شَيْئًا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالدَّيْنِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَعْتِقُوا عَنِّي نَسَمَةً عَنْ ظِهَارِي وَلَمْ يُسَمِّ لَهُمْ الثَّمَنَ؟
قَالَ: يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ فِي نَاحِيَةِ الْمَالِ فِي قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ، فَيُعْتِقُ مِنْ الْمَالِ نَسَمَةً عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى السُّلْطَانُ.

[الرَّجُلُ يُوصِي أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ فُلَانٍ فَيُعْتَقَ أَوْ يُبَاعَ عَبْدُهُ مِمَّنْ أَحَبَّ أَوْ مِنْ فُلَانٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ فُلَانٍ لِفُلَانٍ، فَمَاتَ الْمُوصِي فَأَبَى سَادَاتُ الْعَبْدِ أَنْ يَبِيعُوهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ فُلَانٍ فَيُعْتِقُونَهُ، أَوْ قَالَ بِيعُوا عَبْدِي مَنْ فُلَانٍ رَجُلٍ سَمَّاهُ، أَوْ قَالَ بِيعُوا عَبْدِي مِمَّنْ أَحَبَّ: أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ يُزَادُ فِي ثَمَنِ الَّذِي قَالَ اشْتَرُوهُ فَأَعْتِقُوهُ الثُّلُثُ ثُلُثُ ثَمَنِهِ وَيُوضَعُ مِنْ ثَمَنِ الَّذِي قَالَ بِيعُوهُ مِنْ فُلَانٍ، الثُّلُثُ ثُلُثُ ثَمَنِهِ وَيُوضَعُ مِنْ ثَمَنِ الَّذِي قَالَ بِيعُوهُ مِمَّنْ أَحَبَّ ثُلُثُ ثَمَنِهِ، وَهَذَا إنَّمَا يُوضَعُ مِنْ ثَمَنِهِ إذَا لَمْ يَشْتَرِهِ الَّذِي قَالَ الْمَيِّتُ بِيعُوهُ مِنْهُ جَمِيعُ ثَمَنِهِ. فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِذَلِكَ، وَاَلَّذِي قَالَ بِيعُوهُ مِمَّنْ أَحَبَّ كَذَلِكَ أَيْضًا إنَّمَا يُوضَعُ ثُلُثُ ثَمَنِهِ إذَا لَمْ يَشْتَرِهِ الَّذِي أَحَبَّ الْعَبْدَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يُوضَعُ عَنْهُ الثُّلُثُ ثُلُثُ ثَمَنِهِ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي قَالَ اشْتَرُوهُ فَأَعْتِقُوهُ، فَإِنَّمَا يُزَادُ فِي ثَمَنِهِ مِثْلُ ثُلُثِ ثَمَنِهِ. إذَا قَالَ سَيِّدُهُ: لَا أَبِيعُهُ بِثَمَنِهِ.
قُلْتُ: وَلَا يُزَادُ فِي هَذَا وَلَا يُوضَعُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآخَرِينَ مَبْلَغُ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ كَمَا أَخْبَرْتُكَ.

قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى السَّيِّدُ - سَيِّدُ الْعَبْدِ الَّذِي أَمَرَ الْمَيِّتُ أَنْ يُشْتَرَى فَيُعْتَقُ عَنْهُ - أَنْ يَبِيعَهُ، كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ وَكَيْفَ إنْ أَبَى هَذَا الَّذِي قَالَ بِيعُوا فُلَانًا مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، أَوْ أَبَى هَذَا الَّذِي قَالَ الْعَبْدُ بِيعُونِي مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثُلُثَيْ ثَمَنِهِ، كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟
قَالَ: أَمَّا الَّذِي قَالَ اشْتَرُوهُ فَأَعْتِقُوهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِي بِثَمَنِهِ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهُ رُدَّ ثَمَنُهُ مِيرَاثًا بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ بِذَلِكَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ،


أَنَّ الْمَالَ يُوقَفُ مَا كَانَ يُرْجَى أَنْ يُشْتَرَى هَذَا الْعَبْدُ الَّذِي أَمَرَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِمَوْتٍ أَوْ عِتْقٍ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ. وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِيعُوهُ مِنْ فُلَانٍ، فَإِنْ قَالَ فُلَانٌ لَسْتُ آخُذُهُ بِهَذَا الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَصْنَعُوا أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ ثَمَنِهِ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوهُ بِمَا قَالَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْطَعُوا لَهُ بِثُلُثِ الْعَبْدِ بَتْلًا. وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِيعُوهُ مِمَّنْ أَحَبَّ وَلَيْسَ مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَجِدْ الْعَبْدُ مَنْ يَشْتَرِيهِ بِثُلُثَيْ ثَمَنِهِ مِمَّنْ أَحَبَّ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعُوهُ بِمَا أَعْطَوْا وَبَيْنَ أَنْ يُعْتِقُوا ثُلُثَهُ سَحْنُونٌ: وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، أَنَّ الْوَرَثَةَ إذَا بَذَلُوهُ بِوَضِيعَةِ الثُّلُثِ فَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ إلَّا بِأَقَلَّ، أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَنَفَذُوا وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ اشْتَرُوا عَبْدَ فُلَانٍ لِفُلَانٍ فَأَبَى سَادَاتُهُ أَنْ يَبِيعُوهُ، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُزَادَ عَلَى ثَمَنِهِ مِثْلُ ثُلُثِ ثَمَنِهِ إنْ حَمَلَ ذَلِكَ الثُّلُثُ، فَإِنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ أُنْفِذَتْ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ، وَإِنْ أَبَى إلَّا بِزِيَادَةٍ أُعْطِيَ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ الْعَبْدَ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَزِيَادَةَ ثُلُثِ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ بِهَا يَشْتَرِي إذَا لَمْ يُحِبَّ الْوَرَثَةُ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا. وَإِنْ أَبَى أَصْحَابُهُ أَنْ يَبِيعُوهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يُزَادُوا فَأَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهُ أَصْلًا ضَنًّا مِنْهُمْ بِالْعَبْدِ، لَمْ يَكُنْ لِلَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْوَصِيَّةِ. سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ: إنَّهُ إذَا زِيدَ فِي الَّذِي أُمِرَ أَنْ يُشْتَرَى لِفُلَانٍ مِثْلُ ثُلُثِ ثَمَنِهِ وَلَمْ يُرِدْ أَهْلُهُ بَيْعَهُ إلَّا بِزِيَادَةٍ، أَوْ أَبَوْهُ أَصْلًا ضَنًّا مِنْهُمْ بِالْعَبْدِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَرَثَةِ أَكْثَرُ مِنْ زِيَادَةِ ثُلُثِ الثَّمَنِ، وَلْيَكُنْ ثَمَنُهُ هُوَ مُوقَفًا حَتَّى يُؤْيَسَ مِنْ الْعَبْدِ، فَإِنْ أَيِسَ مِنْ الْعَبْدِ رَجَعَ الثَّمَنُ مِيرَاثًا وَلَمْ يَكُنْ لِلَّذِي أَوْصَى الْمَيِّتُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِرَقَبَةٍ وَلَمْ يُوصِ لَهُ بِمَالٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ فِي وَصِيَّتِهِ بِيعُوا عَبْدِي مِمَّنْ يُعْتِقُهُ فَلَا يَجِدُونَ مَنْ يَأْخُذُهُ بِوَضِيعَةِ الثُّلُثِ مَنْ ثَمَنِهِ: إنَّهُ يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ إمَّا أَنْ تَبِيعُوا بِمَا وَجَدْتُمْ وَإِمَّا أَنْ تُعْتِقُوا مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثَهُ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْأَصْلَ بِاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ قَبْلَ هَذَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: بِيعُوا عَبْدِي مَنْ فُلَانٍ وَلَمْ يَقُلْ: حُطُّوا عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَطَّ؟
قَالَ: يَحُطُّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحَطَّ عِنْدَ مَالِكٍ: لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُؤْخَذْ بِقِيمَتِهِ صَارَتْ وَصِيَّتُهُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ بِبَيْعِهِ مِمَّنْ يُعْتِقُهُ فَيَأْبَى الْعَبْدُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ فَيَأْبَى الْعَبْدُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ؟
قَالَ: هَذَا حُرٌّ إذَا مَاتَ سَيِّدُهُ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا فَمَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهُ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى أَنْ تُبَاعَ جَارِيَتُهُ مِمَّنْ يُعْتِقُهَا فَقَالَتْ الْجَارِيَةُ لَا أُرِيدُ ذَلِكَ. قَالَ: يُنْظَرُ فِي حَالِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جَوَارِي الْوَطْءِ مِمَّنْ يُتَّخَذُ كَانَ


ذَلِكَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُنَّ بِيعَتْ مِمَّنْ يُعْتِقُهَا وَلَا يُنْظَرُ فِي قَوْلِهَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قِيلَ لَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ الْجَارِيَةِ وَتُبَاعُ لِلْعِتْقِ، إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِوَضِيعَةِ الثُّلُثِ إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ يَحْمِلُ الْجَارِيَةَ.

[فِي الْمَرِيضِ يَشْتَرِي ابْنَهُ فِي مَرَضِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى ابْنَهُ فِي مَرَضِهِ؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُهُ جَازَ وَعَتَقَ وَوَرِثَ بَقِيَّةَ الْمَالِ إذَا كَانَ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَا هَذَا مِنْ مَالِكٍ وَأَخْبَرَنِي بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ وَاشْتَرَى ابْنَهُ فَأَعْتَقَهُ وَقِيمَتُهُ الثُّلُثُ؟
قَالَ: أَرَى الِابْنَ مُبْتَدَأً إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ وَيَكُونُ وَارِثًا؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَمَّا جَعَلَهُ وَارِثًا إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ صَحِيحًا.

وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي أَنْ يُشْتَرَى أَبُوهُ مَنْ بَعْدِ مَوْتِهِ. قَالَ: أَرَى أَنْ يُشْتَرَى وَيُعْتَقَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ فِي الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ اشْتَرُوهُ وَأَعْتِقُوهُ فَهُوَ حُرٌّ إذَا قَالَ اشْتَرُوهُ.

[فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ مِتُّ مَنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ هَلَكْتُ فِي سَفَرِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ، أَتَجْعَلُ هَذِهِ وَصِيَّةً أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذِهِ وَصِيَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَهُ أَنْ يُغَيِّرَهَا. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَهَا جَازَتْ فِي ثُلُثِهِ إنْ مَاتَ فِي سَفَرِهِ أَوْ مَاتَ فِي مَرَضِهِ.

قُلْتُ: فَإِنْ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ قَدِمَ مَنْ سَفَرِهِ فَلَمْ يُغَيِّرْ مَا كَانَ قَالَ فِي عَبْدِهِ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، أَيُعْتَقُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَتَبَ ذَلِكَ فِي قِرْطَاسٍ فَوَضَعَهُ وَأَقَرَّهُ بَعْدَ صِحَّتِهِ، أَوْ بَعْدَ قُدُومِهِ مِنْ سَفَرِهِ عَلَى حَالِهِ وَقَدْ كَانَ وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ وَأَقَرَّهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ تَنْفُذُ فِي ثُلُثِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: إنْ مِتُّ فِي سَفَرِي هَذَا أَوْ مَنْ مَرَضِي هَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَهُ. قَالَ: نَعَمْ يَبِيعُهُ وَلَا يَكُونُ هَذَا تَدْبِيرًا عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، أَنَّ الْمُوصِي إذَا أَوْصَى فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ بِوَصِيَّةٍ فِيهَا عَتَاقَةُ رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِهِ، فَإِنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَهُ وَيَصْنَعُ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ حَتَّى يَمُوتَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ الْوَصِيَّةَ وَيُبَدِّلَ غَيْرَهَا فَعَلَ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» قَالَ: فَلَوْ كَانَ الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ وَمَا ذَكَرَ فِيهَا مِنْ الْعِتْقِ، كَانَ كُلُّ مُوصٍ قَدْ حَبَسَ مَالَهُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ مِنْ الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ.


قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَابْنِ قُسَيْطٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ أَنَّ الْمُوصِيَ مُخَيَّرٌ فِي وَصِيَّتِهِ يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ مَا عَاشَ.
قَالَ ابْنُ قُسَيْطٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ قَضَاءُ النَّاسِ. ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ الْخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: مِلَاكُ الْوَصِيَّةِ أَخْذُهَا. يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ مِنْ وَجَعِهِ ثُمَّ صَحَّ فَبَدَا لَهُ أَنْ يَعُودَ فِي وَصِيَّتِهِ عَادَ فِيهَا إذَا اسْتَثْنَى، إنْ حَدَثَ فِيهَا حَدَثٌ. وَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ فَقَدْ أَبَتْهُ. وَإِنْ قَالَ الْمَرِيضُ بَعْدَ أَنْ يَصِحَّ إنَّمَا أَرَدْتُ إنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ أَعْتَقْتُهُمْ فَأَنَا أَرَى أَنْ يُدَيَّنَ.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: إنْ اسْتَثْنَى أَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ، فَهُوَ يُقَالُ مَا فَعَلَ وَيَنْزِعُ إذَا شَاءَ وَإِذَا صَحَّ تَرَكَ كُلَّ مَا قَالَ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِهِ فَهُوَ حَسَبُ نَفْسِهِ.
قَالَ رَبِيعَةُ: إنَّ الْمُوصِيَ لَا يُوصِي فِي مَالِهِ إنَّمَا وَلَّى شَيْءَ نَفْسِهِ. فَهُوَ يَتَخَيَّرُ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا يُؤْخَذُ فِيهِ بِزَلَّتِهِ وَلَا مَا سَبَقَ مِنْهُ. فَالْمُوصِي يَنْزِعُ وَيُحْدِثُ فِي الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا وَإِنَّ مَعَ الْعَتَاقَةِ أَشْبَاهَهَا، الرَّجُلُ يُعْطِي الرَّجُلَ عِنْدَ الْمَوْتِ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ الْمَالَ فَيَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلَى غَيْرِهِ أَوْ يَصْرِفُ عَنْهُ بَعْضَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَتَاقَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَتَاقَةُ تَلْزَمُ لَزِمَتْ الصَّدَقَةُ فَصَاحِبُ الْوَصِيَّةِ يَنْتَقِلُ فِي الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا. يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «يُؤْخَذُ مِنْ الْمُعَاهِدِ آخِرُ أَمْرِهِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ» . الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ فِي وَصِيَّتِهِ إنْ حَدَثَ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ أُغَيِّرَ وَصِيَّتِي هَذِهِ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَشْتَرِطُ فِي وَصِيَّتِهِ إنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ قَبْلَ أَنْ أُغَيِّرَ كِتَابِي. رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: يُعَادُ فِي كُلِّ وَصِيَّةٍ. عُمَرُ بْنُ الْحَارِثِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَعْتَقَ فِي وَصِيَّةٍ لَهُ غُلَامَيْنِ لَهُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَعْتَقَ غَيْرَهُمَا. فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَأَجَازَ مَا صَنَعَ وَقَالَ: إنَّمَا الْمَرِيضُ مُخَيَّرٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ وَصِيَّتِهِ. وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ وَابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: الْآخِرَةُ أَحَقُّ مِنْ الْأُولَى وَإِنَّ الْمُوصِيَ مُخَيَّرٌ فِي وَصِيَّتِهِ يَمْحُو مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ مَا عَاشَ.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى فِي وَصِيَّتِهِ فَقَالَ: إنْ مِتُّ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي مُسْلِمٍ فَهُوَ حُرٌّ وَلَهُ عَبِيدٌ مُسْلِمُونَ وَنَصَارَى، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بَعْضُ رَقِيقِهِ ثُمَّ يَمُوتُ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَعْتِقُ إلَّا مَنْ كَانَ مُسْلِمًا يَوْمَ أَوْصَى، لَا أَرَاهُ أَرَادَ غَيْرَهُمْ.

ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي مُسْلِمٍ حُرٌّ إنْ حَدَثَ بِي حَدَثُ


الْمَوْتِ، فَلَمَّا كُتِبَ الْكِتَابُ أَسْلَمَ بَعْضُ رَقِيقِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ. قَالَ: نَرَى ذَلِكَ انْتَهَى إلَى الَّذِينَ كَانُوا مُسْلِمِينَ يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، أَوْ قَالَ هُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، أَوْ قَالَ أَعْتِقُوهُ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ، أَيَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ قَوْلُهُ أَعْتِقُوهُ وَقَوْلُهُ هُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى فَقَالَ: هُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، فَمَاتَ السَّيِّدُ وَالثُّلُثُ لَا يَحْمِلُهُ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَجِيزُوا الْوَصِيَّةَ وَإِلَّا فَأَعْتِقُوا مِنْهُ الثُّلُثَ بَتْلًا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ؟
قَالَ: إذَا أَخَذَ مِنْهُمْ تَمَامَ الشَّهْرِ خَرَجَ بِجَمِيعِهِ حُرًّا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

[التَّشَهُّدُ فِي الْوَصِيَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ، هَلْ سَمِعْتَ مِنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقُولُ يَشْهَدُ فِي الْكِتَابِ فَيَكْتُبُ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ؟
قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَشْهَدُ فِي الْكِتَابِ فَيَكْتُبُ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ الْوَصِيَّةَ.
قُلْتُ: فَهَلْ ذَكَرَ لَكُمْ هَذَا التَّشَهُّدَ كَيْفَ هُوَ؟
قَالَ: لَمْ يَذْكُرْهُ لَنَا. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَشْهَلَ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ فِي وَصِيَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: هَذَا ذَكَرَ مَا أَوْصَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ، أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ يُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴿يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَأَلَّا تَرْغَبُوا أَنْ تَكُونُوا إخْوَانًا لِلْأَنْصَارِ وَمَوَالِيهمْ، فَإِنَّ الْعِفَّةَ وَالصِّدْقَ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأَكْرَمُ مِنْ الرِّيَاءِ وَالْكَذِبِ، ثُمَّ أَوْصَى فِيمَا تَرَكَ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَ وَصِيَّتَهُ هَذِهِ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَذَكَرْنَاهُ لِنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: كَانَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُوصِي بِهَذَا، وَسَمِعْتُ مَنْ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا يُوصُونَ أَنَّهُ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ رَبَّهُمْ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴿يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَأَوْصَى إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ هَذَا.

[فِي الرَّجُلِ يَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ وَلَا يَقْرَؤُهَا عَلَى الشُّهُودِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَلَمْ يَقْرَأْهَا عَلَى الشُّهُودِ وَدَفَعَهَا إلَيْهِمْ مَكْتُوبَةً وَقَالَ لَهُمْ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهَا وَلَمْ يُعَايِنُوهُ حِينَ كَتَبَهَا إلَّا أَنَّهُ دَفَعَهَا إلَيْهِمْ مَكْتُوبَةً وَقَالَ لَهُمْ


اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا عَرَفُوا أَنَّهُ الْكِتَابُ بِعَيْنِهِ، فَلْيَشْهَدُوا عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَهُ إذَا طَبَعَ عَلَيْهَا وَدَفَعَهَا إلَى نَفَرٍ وَأَشْهَدَهُمْ أَنَّ مَا فِيهَا مِنْهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكْفُلُوا خَاتِمَهُ حَتَّى يَمُوتَ. قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا أَشْهَدَهُمْ أَنَّ مَا فِيهَا مِنْهُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَطَبَعَ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهَا إنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَإِذَا قَدِمَ قَبَضَهَا مِنْهُ.

[فِي الرَّجُلِ يَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ وَيُقِرُّهَا عَلَى يَدِهِ حَتَّى يَمُوتَ]
َ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قُلْتُ لِمَالِكٍ: الرَّجُلُ يُوصِي عِنْدَ سَفَرِهِ وَعِنْدَ مَرَضِهِ فَيَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ وَيَضَعُهَا عَلَى يَدِ رَجُلٍ، ثُمَّ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ يَبْرَأُ مَنْ مَرَضِهِ فَيَقْبِضُهَا مِمَّنْ هِيَ عِنْدَهُ فَيَهْلِكُ، فَتُوجَدُ الْوَصِيَّةُ بِحَالِهَا، أَوْ تَقُومُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا هِيَ، أَتَرَى أَنْ تَنْفُذَ؟
قَالَ: لَا، وَكَيْفَ تَجُوزُ وَهِيَ فِي يَدِهِ قَدْ أَخَذَهَا؟ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَخَذَهَا لِيُؤَامِرَ نَفْسَهُ فِيهَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ وَصِيَّتَهُ بِأَخْذِهَا وَيَجْعَلَهَا عَلَى يَدَيْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تَنْفُذُ إذَا جَعَلَهَا عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَأَقَرَّهَا عِنْدَ نَفْسِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ مَاتَ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا وَهُوَ صَحِيحٌ وَأَمْسَكَهَا عِنْدَ نَفْسِهِ حَتَّى مَاتَ، أَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ هَذِهِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: وَصِيَّتُهُ جَائِزَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ إذَا كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَلَمْ يَقُلْ إنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ فِي سَفَرِي هَذَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُبْهَمَةً لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا مَوْتَهُ مِنْ مَرَضِهِ وَلَا ذَكَرَ سَفَرَهُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ. وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ كَتَبَهَا فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ، فَهِيَ جَائِزَةٌ إذَا كَتَبَ فِيهَا: مَتَى مَا حَدَثَ بِي حَدَثٌ أَوْ إنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ، أَخْرَجَهَا مَنْ يَدَيْهِ أَوْ كَانَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَهِيَ جَائِزَةٌ إذَا أَشْهَدَ عَلَيْهَا الشُّهُودَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى فَقَالَ: إنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فِي مَرَضِي هَذَا أَوْ فِي سَفَرِي هَذَا، فَلِفُلَانٍ كَذَا وَفُلَانٌ عَبْدِي حُرٌّ. وَكَتَبَ ذَلِكَ فَبَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ فَأَقَرَّ وَصِيَّتَهُ بِحَالِهَا؟
قَالَ: هِيَ وَصِيَّةٌ بِحَالِهَا مَا لَمْ يَنْقُضْهَا، فَمَتَى مَا مَاتَ فَهِيَ جَائِزَةٌ وَإِنْ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَوْصَى بِغَيْرِ كِتَابٍ فَقَالَ: إنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فِي سَفَرِي هَذَا أَوْ فِي مَرَضِي هَذَا أَوْ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ أَوْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ وَلَا يَنْفُذُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا نَقَضَهُ بِفِعْلٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى حَالٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ كَتَبَ بِذَلِكَ كِتَابًا وَوَضَعَهُ




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-01-2026, 11:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 321الى صــ 340
الحلقة(272)



عَلَى يَدِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ حَتَّى مَاتَ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ فَكَتَبَ فِيهَا: إنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ مَنْ وَجَعِي هَذَا أَوْ سَفَرِي هَذَا، ثُمَّ بَرَأَ مِنْ وَجَعِهِ ذَلِكَ أَوْ قَدِمَ مَنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَبَقِيَتْ وَصِيَّتُهُ كَمَا هِيَ لَا يَذْكُرُ فِيهَا شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: هِيَ وَصِيَّةٌ إذَا لَمْ يُغَيِّرْهَا، فَإِنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ ثَلَاثُ لَيَالٍ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» . سَحْنُونٌ وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ وَكَتَبَ فِيهَا إنْ أَصَابَنِي قَدَرٌ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَصَحَّ وَلَمْ يَقْبِضْ الْوَصِيَّةَ مِنْ صَاحِبِهَا الَّذِي وَضَعَهَا عِنْدَهُ حَتَّى مَرِضَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَاتَ، فَأَرَاهَا جَائِزَةً.

[فِي الْوَصِيَّةِ إلَى الْوَصِيِّ]
ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ إذَا أَوْصَى إلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: اشْهَدُوا أَنَّ فُلَانًا وَصِيِّي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، أَتَكُونُ وَصِيَّةً فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ وَبَنِيهِ الصِّغَارَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَالِدُ أَوْصَى إلَيْهِ بِبُضْعِ الْبَنَاتِ وَلَا قَالَ لَهُ زَوِّجْ بِنْتِي؟
قَالَ: نَعَمْ إذَا قَالَ: فُلَانٌ وَصِيِّي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ وَصِيُّهُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَفِي بُضْعِ بَنَاتِهِ وَفِي إنْكَاحِ بَنِيهِ الصِّغَارِ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ لِلصِّغَارِ أَوْلِيَاءُ حُضُورًا؟
قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَوْلِيَاءُ حُضُورًا، فَهَذَا الْوَصِيُّ أَوْلَى بِإِنْكَاحِهِمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كُنَّ الْبَنَاتُ قَدْ بَلَغْنَ، أَيَكُونُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهُنَّ أَيْضًا؟
قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِيهِنَّ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُنَّ إلَّا بِرِضَاهُنَّ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. سَحْنُونٌ: وَقَدْ كَتَبْنَا آثَارَ هَذَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا كَانَ لِلْمَيِّتِ مَنْ ابْنَةٍ ثَيِّبٍ، أَيَكُونُ لِهَذَا الْوَصِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا إذَا رَضِيَتْ وَلَهَا أَوْلِيَاءُ حُضُورٌ؟
قَالَ: لَمْ يَقُلْ لَنَا مَالِكٌ إذَا كُنَّ أَبْكَارًا أَوْ إذَا كُنَّ ثَيِّبَاتٍ. قَالَ: إنَّمَا سَأَلْنَا مَالِكًا وَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ عِنْدَنَا عَلَى الْأَبْكَارِ فَقَالَ: مَا أَخْبَرَكَ وَهُوَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ، الْوَصِيُّ وَلِيٌّ فِي الثَّيِّبِ وَفِي الْبِكْرِ إذَا رَضِيَتْ، وَلَوْ وَلَّتْ الثَّيِّبُ الْوَلِيَّ فَزَوَّجَهَا جَازَ إنْكَاحُهُ وَإِنْ كَرِهَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هَذَا فِي الثَّيِّبِ وَلَا يَكُونُ فِي الْبِكْرِ. وَذَلِكَ أَنَّا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الْمَرْأَةِ الثَّيِّبِ تُوَكِّلُ أَخَاهَا، فَزَوَّجَهَا وَلَهَا وَالِدٌ حَاضِرٌ فَكَرِهَ أَبُوهَا النِّكَاحَ وَأَرَادَ أَنْ يَفْسَخَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَثَيِّبٌ هِيَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: مَا لِلْأَبِ وَمَا لَهَا، وَرَأَى نِكَاحَ الْأَخِ جَائِزًا وَإِنْ كَرِهَ الْأَبُ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ إذَا رَضِيَتْ الثَّيِّبُ فَوَلَّتْ أَمْرَهَا الْوَلِيَّ، جَازَ إنْكَاحُهُ إيَّاهَا وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْوَصِيُّ، وَالْبِكْرُ مُخَالِفَةٌ لِلثَّيِّبِ فِي هَذَا. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَوَصِيُّ الْوَصِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا مَاتَ الْوَصِيُّ فَأَوْصَى إلَى غَيْرِهِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ:

نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ يَكُونُ وَصِيُّ الْوَصِيِّ مَكَانَ الْوَصِيِّ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَيِّتَ إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَقَالَ: فُلَانٌ وَصِيِّي، أَيَكُونُ هَذَا وَصِيًّا فِي إنْكَاحِ بَنَاتِهِ وَجَمِيعِ تَرِكَتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنْ يَخُصَّهُ بِشَيْءٍ فَلَا يَكُونُ وَصِيًّا إلَّا عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ.
قُلْتُ: وَوَصِيُّ الْمُوصِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَوَصِيُّ الْوَصِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ. قَالَ: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِيمَنْ وَلِيَ وَصِيَّةً وَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَحَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ فَأَوْصَى بِمَا أُوصِيَ بِهِ إلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ إلَى غَيْرِ شَرِيكِهِ فِي الْوَصِيَّةِ، جَازَ ذَلِكَ لَهُ عَلَى مَا فِيهَا. سَحْنُونٌ: وَلَسْنَا نَقُولُ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ نَزْعُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يُوصِي بِمَا أُوصِيَ إلَيْهِ بِهِ. مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَجَازَ وَصِيَّةَ وَصِيِّ الْوَصِيِّ. وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ أَجَازَ وَصِيَّةَ وَصِيِّ الْوَصِيِّ.
قَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ: وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُرْجَعُ إلَى الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ. وَسَمِعْتُ مَالِكًا. يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُوصِي إلَى الْقَوْمِ: إنَّ مَالَهُ لَا يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ بَلْ يَكُونُ عِنْدَ أَفْضَلِهِمْ، هَذِهِ الْآثَارُ لِابْنِ وَهْبٍ.

[وَصِيَّةُ الْمَرْأَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَتْ وَعَلَيْهَا دَيْنٌ، فَأَوْصَتْ بِوَصَايَا وَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ، أَيَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ وَصِيَّهَا وَيَبِيعُ مَا لَهَا حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهَا وَيُنْفِذَ وَصَايَاهَا أَمْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مِقْدَارَ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا؟
قَالَ: إنْ كَانَ لَهَا وَرَثَةٌ فَأَدَّوْا دَيْنَهَا وَقَاسَمُوا أَهْلَ الْوَصَايَا فَذَلِكَ لَهُمْ جَائِزٌ، وَالْوَصِيُّ هُوَ وَصِيٌّ إذَا أَوْصَى إلَيْهِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَإِنْفَاذِ وَصِيَّتِهَا، فَوَصِيُّ الرَّجُلِ وَوَصِيُّ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا دَيْنٌ وَلَمْ تَكُنْ بِوَصِيَّةٍ فَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ، أَتَجُوزُ وَصِيَّتُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهَا فِي مَالِ وَلَدِهَا إذَا كَانُوا صِغَارًا وَلَهُمْ أَبٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَالِدٌ جَازَتْ وَصِيَّتُهَا فِي مَالِ نَفْسِهَا.

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ مَالِكٍ، فَأَتَاهُ قَوْمٌ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأَةً أَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ بِتَرِكَتِهَا وَلَهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ؟
قَالَ مَالِكٌ: كَمْ تَرَكَتْ؟ قَالُوا: نَهْزُ سِتِّينَ دِينَارًا. قَالَ: مَا أَرَى إذَا كَانَ الرَّجُلُ الْوَصِيُّ عَدْلًا إلَّا أَنْ يُنْفِذَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ عِنْدِي فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ. وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ: إنَّ وَصِيَّةَ الْمَرْأَةِ بِمَالِ وَلَدِهَا لَا تَجُوزُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهُوَ عِنْدَنَا أَعْدَلُ.

[فِي وَصِيِّ الْأُمِّ وَالْأَخِ وَالْجَدِّ]
ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ وَصِيَّ الْأُمِّ، هَلْ يَكُونُ وَصِيًّا فِيمَا تَرَكَتْ الْأُمُّ إذَا أَوْصَتْ إلَيْهِ فِي قَوْلِ


مَالِكٍ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا خَفَّفَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ وَصِيًّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَذَلِكَ رَأْيِي. أَمَّا فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ فَلَا أَرَى ذَلِكَ وَأَرَى أَنْ يَنْظُرَ السُّلْطَانُ لَهُ فِي ذَلِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ وَصِيَّ الْأَخِ إذَا كَانَ أَخُوهُ وَارِثَهُ وَأَخُوهُ صَغِيرٌ، فَأَوْصَى بِتَرِكَتِهِ الَّتِي وَرِثَهَا أَخُوهُ مِنْهُ وَبِأَخِيهِ إلَى رَجُلٍ، وَلَيْسَ لِلْأَخِ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ الْأَخَ إذَا كَانَ وَصِيًّا لِأَخِيهِ جَازَ ذَلِكَ. وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ وَصِيَّتُهُ تِلْكَ وَصِيَّةً وَذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ رَأَى أَنْ يُقِرَّهُ أَقَرَّهُ وَإِلَّا جَعَلَهُ إلَى مَنْ يَرَى.

قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ وَصِيِّ الْأَخِ وَوَصِيِّ الْأُمِّ؟
قَالَ: الْأُمُّ وَالِدَةٌ يَجُوزُ لَهَا فِي وَلَدِهَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَا تَجُوزُ لِلْأَخِ، وَلَوْ أَجَزْتُهُ لِلْأَخِ لَأَجَزْتُهُ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ الْأَخِ لِلْعَمِّ أَوْ لِلْعَصَبَةِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَدَّ إذَا هَلَكَ وَفِي حِجْرِهِ وَلَدُ ابْنِهِ أَصَاغِرُ لَيْسَ لَهُمْ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ، فَأَوْصَى الْجَدُّ بِهِمْ إلَى رَجُلٍ، أَيَكُونُ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَصِيًّا لَهُمْ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى إنْ لَمْ يَكُنْ الْجَدُّ لَهُمْ وَصِيًّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُنْكِحُ الْأَبْكَارَ مِنْ بَنَاتِ ابْنِهِ حَتَّى يَبْلُغْنَ وَيَرْضَيْنَ، وَلَا يَلْزَمُ الْجَدَّ نَفَقَةُ أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ ابْنِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلَا يَلْزَمُ وَلَدَ الْوَلَدِ نَفَقَةُ جَدِّهِمْ. فَإِذَا كَانَ لَا يَمْلِكُ بُضْعَهُنَّ - صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا - فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِمْ إلَى أَحَدٍ وَإِنْ كَانُوا هُمْ وَرَثَةً.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِدَيْنِهِ إلَى رَجُلٍ وَبِمَالِهِ إلَى آخَرَ وَبِبُضْعِ بَنَاتِهِ إلَى آخَرَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: فُلَانٌ وَصِيٌّ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِي وَتَقَاضِي دَيْنِي، وَفُلَانٌ وَصِيٌّ عَلَى مَالِي، وَفُلَانٌ وَصِيٌّ عَلَى بُضْعِ بَنَاتِي؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ.

قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ - وَأَنَا عِنْدَهُ - عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ أَنْ يَتَقَاضَى دَيْنَهُ وَيَبِيعَ تَرِكَتَهُ وَلَمْ يُوصِ إلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا، وَلَكِنْ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ.

[فِي الرَّجُلِ يَقُولُ فُلَانٌ وَصِيٌّ حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ فَإِذَا قَدِمَ فَهُوَ وَصِيٌّ]
ٌّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَقَالَ: فُلَانٌ وَصِيِّي حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ فَإِذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَفُلَانٌ الْقَادِمُ وَصِيِّي، أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا جَائِزٌ.

[فِي عَزْلِ الْوَصِيِّ عَنْ الْوَصِيَّةِ إذَا كَانَ خَبِيثًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَانَ الْوَصِيُّ خَبِيثًا أَيُعْزَلُ عَنْ الْوَصِيَّةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ إذَا كَانَ الْوَصِيُّ غَيْرَ عَدْلٍ فَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ


بِمَالِ غَيْرِهِ وَهُمْ وَرَثَتُهُ إلَى مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ.

[الرَّجُلُ يَبْدُو لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَبِلَ الْوَصِيُّ وَصِيَّةً فِي مَرَضِ الْمُوصِي ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي أَنْ يَتْرُكَهَا؟ قَالَ: أَرَاهَا قَدْ لَزِمَتْهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا بَعْدَمَا مَاتَ الْمُوصِي.

[الْوَصِيَّةُ إلَى الذِّمِّيِّ وَالذِّمِّيُّ إلَى الْمُسْلِمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مُسْلِمًا أَوْصَى إلَى ذِمِّيٍّ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمَسْخُوطُ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، فَالذِّمِّيُّ أَحْرَى أَنْ لَا تَجُوزَ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى إلَى نَصْرَانِيٍّ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا أَوْصَى إلَى غَيْرِ عَدْلٍ فَالنَّصْرَانِيُّ غَيْرُ عَدْلٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى ذِمِّيٌّ إلَى مُسْلِمٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي تَرِكَتِهِ الْخَمْرُ أَوْ الْخَنَازِيرُ أَوْ خَافَ أَنْ يُلْزَمَ بِالْجِزْيَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

[فِي الْوَصِيَّيْنِ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا وَيَشْتَرِي دُونَ صَاحِبِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّيْنِ، هَلْ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ لِلْيَتَامَى دُونَ صَاحِبِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَصِيَّيْنِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُزَوِّجَ دُونَ صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ صَاحِبُهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ اخْتَلَفَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ وَقَالَ: الْبَيْعُ عِنْدِي بِمَنْزِلَتِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا إلَى صَاحِبِهِ وَكَأَنَّهُمَا فِي فِعْلِهِمَا فِعْلُ وَاحِدٍ.

[فِي الْوَصِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ الْمَالُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا وَلَا يَقْسِمُ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَا فِي الْعَدَالَةِ سَوَاءً قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يَنْظُرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ فَيَدْفَعُ الْمَالَ إلَى أَحْرَزِهِمَا وَأَكْفَاهُمَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّيْنِ إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ صِغَارًا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الصِّبْيَانِ عِنْدَهُ وَقَسَمَا الْمَالَ، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَظَّ مَنْ عِنْدَهُ مَنْ الصِّبْيَانِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْسَمُ الْمَالُ، وَلَكِنْ يَكُونُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِهَذَا عَنْ مَالِكٍ.


[فِي الْوَصِيَّةِ إلَى الْعَبْدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ أَوْ مُكَاتَبِ نَفْسِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ أَكَابِرُ وَأَصَاغِرُ فَقَالُوا نَحْنُ نَبِيعَ الْعَبْدَ وَنَأْخُذُ حَقَّنَا؟
قَالَ: يُنْظَرُ إلَى قَدْرِ حُظُوظِ الْكِبَارِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لِلْأَصَاغِرِ مَالٌ يَحْمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ لَهُمْ الْعَبْدُ فَيَكُونَ الْعَبْدُ وَصِيًّا لَهُمْ الْقَائِمَ لَهُمْ أُخِذَ الْعَبْدُ لَهُمْ وَأَعْطَوْا الْأَكَابِرَ قَدْرَ حُظُوظِهِمْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي مَالِهِمْ مَا يَحْمِلُ ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِالْأَصَاغِرِ، بَاعَ الْأَكَابِرُ نَصِيبَهُمْ وَتُرِكَ حَظُّ الْأَصَاغِرِ فِي الْعَبْدِ يُقَوَّمُ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَيْعِ الْأَكَابِرِ أَنْصِبَاءَهُمْ عَلَى الْأَصَاغِرِ ضَرَرٌ فِي بَيْعِهِمْ هَذَا الْعَبْدَ، وَيَدْعُونَ إلَى الْبَيْعِ فَيَلْزَمُ الْأَصَاغِرَ الْبَيْعُ مَعَ إخْوَتِهِمْ الْأَكَابِرِ.

[فِي بَيْعِ الْوَصِيِّ عَقَارًا لِيَتَامَى وَعَبْدَهُمْ الَّذِي قَدْ أَحْسَنَ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ، هَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ عَقَارَ الْيَتَامَى؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِهَذَا وُجُوهٌ: أَمَّا الدَّارُ الَّتِي لَا يَكُونُ فِي غَلَّتِهَا مَا يَحْمِلُهُمْ وَلَيْسَ لَهُمْ مَالٌ يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ فَتُبَاعُ، وَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، أَوْ يُرْغَبُ فِيهَا فَيُعْطَى الثَّمَنَ الَّذِي يَرَى أَنَّ ذَلِكَ غِبْطَةٌ لَهُ، مِثْلُ الْمَلِكِ يُجَاوِرُهُ فَيَحْتَاجُ إلَيْهَا فَيُثَمِّنُهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا أَرَى ذَلِكَ.

قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي عَبْدٍ لِلْيَتَامَى قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْهِمْ الْقِيَامَ وَأَحَاطَ عَلَيْهِمْ فَأَرَادَ الْوَصِيُّ بَيْعَهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إذَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ.

[الْوَصِيِّ يَشْتَرِي مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ]
ِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: أَتَى إلَى مَالِكٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ حِمَارَيْنِ مِنْ حُمُرِ الْأَعْرَابِ هَلَكَ صَاحِبُهُمَا وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ مَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَتَسَوَّقَ الْوَصِيُّ بِهِمَا فِي الْبَادِيَةِ وَقَدِمَ بِهِمَا الْمَدِينَةَ فَلَمْ يُعْطَ بِهِمَا إلَّا ثَمَنًا يَسِيرًا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، فَأَتَى إلَى مَالِكٍ فَاسْتَشَارَهُ فِي أَخْذِهِمَا لِنَفْسِهِ وَقَالَ: قَدْ تَسَوَّقْتُ بِهِمَا فِي الْمَدِينَةِ وَالْبَادِيَةِ فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ آخُذَهُمَا بِمَا أَعْطَيْتُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَكَأَنَّهُ خَفَّفَهُ لِقِلَّةِ الثَّمَنِ وَلِأَنَّهُ تَافِهٌ وَقَدْ اجْتَهَدَ الْوَصِيُّ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيهِ: لَا يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ وَلَا يَشْتَرِي لَهُ وَكِيلٌ لَهُ وَلَا يَدُسُّ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ، وَلَكِنَّ مَالِكًا وَسَّعَ لِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِأَنَّهُ تَافِهٌ يَسِيرٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ إذَا ابْتَاعَ عَبْدًا لِنَفْسِهِ مِنْ الْيَتَامَى أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يُنْكِرُ ذَلِكَ إنْكَارًا شَدِيدًا.


قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ فِيمَا ابْتَاعَ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتَامَى، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ كَانَ لِلْيَتَامَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ تُرِكَ فِي يَدَيْ الْوَصِيِّ.

[الْوَصِيُّ يَبِيعُ تَرِكَةَ الْمُوصِي وَفِي الْوَرَثَةِ كِبَارٌ وَصِغَارٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ أَصَاغِرُ وَأَكَابِرُ فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْوَصِيُّ الْمِيرَاثَ دُونَ الْأَكَابِرِ؟
قَالَ: إذَا كَانُوا حُضُورًا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُحْضِرَهُمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ دَيْنٌ عَلَى رِجَالٍ فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ لَهُ وَرَثَةٌ كِبَارٌ فَأَخَذَ الْوَصِيُّ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ، لَمْ يَكُنْ تَأْخِيرُهُ جَائِزًا عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا وَأَخَّرَ الْغَرِيمُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْأَصَاغِرِ جَازَ ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنِّي سَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يَحْلِفُ لِلرَّجُلِ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَلْبَتَّةَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ إلَى أَجَلٍ. إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ، فَيَمُوتُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ، أَفَتَرَى لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُؤَخِّرُوهُ؟
قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ إذَا كَانُوا كِبَارًا، أَوْ كَانَ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَالْوَرَثَةُ صِغَارٌ فَأَخَّرَهُ الْوَصِيُّ جَازَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْأَكَابِرِ وَلَا تَأْخِيرُ الْوَصِيِّ. وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَمَعْرِفَةً لَا يَجُوزُ

قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ كَانُوا كِبَارًا غُيَّبًا قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَأَرَى إنْ كَانُوا بِأَرْضٍ نَائِيَةٍ وَتَرَكَ حَيَوَانًا وَرَقِيقًا وَثِيَابًا رَأَيْتُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ وَيَجْمَعُهُ لَهُمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ، وَيَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ حَتَّى يَأْمُرَ مَنْ يَبِيعُ مَعَهُ نَظَرًا لِلْغَائِبِ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي وَيَقُولُ قَدْ أَوْصَيْتُ إلَى فُلَانٍ فَصَدِّقُوهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: قَدْ أَوَصَيْت بِثُلُثِي وَقَدْ أَخْبَرْت بِهِ الْوَصِيَّ فَصَدِّقُوا الْوَصِيَّ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي رَجُلٍ قَالَ: قَدْ كَتَبْتُ وَصِيَّتِي وَجَعَلْتُهَا عِنْدَ فُلَانٍ فَصَدِّقُوهُ وَنَفِّذُوا مَا فِيهَا: إنَّهُ يُصَدَّقُ وَيُنَفَّذُ مَا فِيهَا فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْوَصِيُّ: إنَّمَا أُوصِي بِالثُّلُثِ لِابْنَيَّ. قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ، وَلَا أَرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ إلَى رَجُلٍ يَجْعَلُهُ حَيْثُ يُرِيدُ، فَأَعْطَاهُ وَلَدَ نَفْسِهِ - يَعْنِي وَلَدَ الْوَصِيِّ أَوْ أَحَدًا مَنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ يُعْرَفُ بِهِ صَوَابُ فِعْلِهِ، فَهَذَا شَاهِدٌ لِابْنِهِ، فَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ. وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ الَّذِي قَالَ الْمَيِّتُ: صَدِّقُوهُ.

[شَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَصِيٌّ مَعَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَشَهِدَ الْوَصِيَّانِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي أَنَّهُ أَوْصَى


إلَى فُلَانٍ أَيْضًا مَعَنَا، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ يَجُوزُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ مَنْفَعَةٌ.

[فِي الْوَارِثَيْنِ يَشْهَدَانِ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَصِيُّ أَبِيهِمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إلَى فُلَانٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ جَائِزًا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ شَهِدَ الْوَارِثَانِ عَلَى نَسَبٍ يُلْحِقَانِهِ بِأَبِيهِمَا أَوْ بِوَصِيَّةٍ لِرَجُلٍ بِمَالٍ أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِمَا جَازَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ.

قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْوَارِثَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى عِتْقِ عَبْدٍ، أَنَّ أَبَاهُمَا أَعْتَقَهُ وَمَعَهُمَا أَخَوَاتٌ؟
قَالَ: إنْ كَانَ مِنْ الرَّقِيقِ الَّذِي لَا يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ الْوَلَاءِ إلَيْهِمَا فِي دَنَاءَةِ الرَّقِيقِ وَضِعَتِهِمْ جَازَ ذَلِكَ، وَعِتْقُ الرَّقِيقِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَبِيدِ الَّذِينَ يُرْغَبُ فِي وَلَائِهِمْ وَيُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَاءِ هَؤُلَاءِ الرَّقِيقِ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ أَوْ امْرَأَةِ أَبِيهِمْ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْوَارِثَيْنِ اللَّذَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْوَصِيَّةِ: إنْ لَمْ يَجُرَّا بِذَلِكَ نَفْعًا إلَى أَنْفُسِهِمَا جَازَ، وَإِنْ جَرَّا بِذَلِكَ نَفْعًا لَمْ يَجُزْ.

[فِي شَهَادَةِ الْوَصِيِّ لِلْوَرَثَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ الْوَصِيُّ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارًا، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ عُدُولًا وَكَانَ لَا يَجُرُّ شَهَادَتُهُ شَيْئًا يَأْخُذُهُ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ الْوَصِيُّ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ لَهُمْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ النَّاظِرُ لَهُمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانُوا كِبَارًا؟
قَالَ: إذَا كَانُوا كِبَارًا وَكَانُوا عُدُولًا يَلُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَرَى شَهَادَتَهُ جَائِزَةً لَهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقْبِضُ الْوَصِيُّ لَهُمْ شَيْئًا، إنَّمَا يَقْبِضُونَ هُمْ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَتْ حَالَتُهُمْ مَرْضِيَّةً.

[فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ لِلْوَصِيِّ فِي الْوَصِيَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ النِّسَاءُ لِلْوَصِيِّ أَنَّهُ أَوْصَى إلَيْهِ هَذَا الْمَيِّتُ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَلَكِنْ إنْ كَانَ فِي شَهَادَتِهِنَّ عِتْقُ وَإِبْضَاعُ النِّسَاءِ فَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى الْوَصِيِّ عَلَى حَالٍ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَيْسَ بِمَالٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدْنَ أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ بِكَذَا وَكَذَا،


أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ شَهَادَتُهُنَّ جَائِزَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُنَّ حَلَفَ مَعَهُنَّ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ. قَالَ: وَامْرَأَتَانِ وَمِائَةُ امْرَأَةٍ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، يَحْلِفُ مَعَهُنَّ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ.

قُلْتُ: وَيَحْلِفُ مَعَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ؟
قَالَ: لَا.

قُلْتُ: فَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ لِعَبْدٍ أَوْ لِامْرَأَةٍ أَوْ لِصَبِيٍّ، أَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ حَقَّهُمْ؟
قَالَ: أَمَّا الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ فَنَعَمْ يَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ، فَلَا يَحْلِفُ حَتَّى يَكْبُرُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ كَبِيرٌ وَاحِدٌ أَوْ كَبِيرَانِ أَيَحْلِفُونَ؟
قَالَ: مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِقْدَارَ حَقِّهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَصَاغِرُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ كُلُّ مَنْ حَلَفَ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: فَإِنْ نَكَلَ الْأَكَابِرُ عَنْ الْيَمِينِ وَبَلَغَ الصِّغَارُ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَسْتَحِقُّوا حُقُوقَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الذِّمِّيَّ إذَا شَهِدَ لَهُ امْرَأَتَانِ بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ، أَيَحْلِفُ الذِّمِّيُّ مَعَ شَهَادَةِ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى فِي رَجُلٍ مَاتَ فَشَهِدَ عَلَى مَوْتِهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ، أَوْ يَكُونُ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبِيدٍ يَعْتِقُونَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَالٌ يُقْسَمُ، فَأَرَى شَهَادَتَهُنَّ جَائِزَةً. سَحْنُونٌ: وَقَدْ أَعْلَمْتُكَ مَا قَالَ غَيْرُهُ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ» . ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ - عليه السلام - مِثْلُهُ. مَالِكٌ وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ» - سَحْنُونٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ لِلْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَأَشْهَدُ لَقَضَى بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بِالْكُوفَةِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْكُوفَةَ، أَنْ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.

[الرَّجُلِ يُوصِي إلَى الرَّجُلَيْنِ فَيُخَاصِمُ أَحَدُهُمَا فِي خُصُومَةٍ لِلْمُوصِي دُونَ صَاحِبِهِ]
فِي الرَّجُلِ يُوصِي إلَى الرَّجُلَيْنِ فَيُخَاصِمُ أَحَدُهُمَا فِي خُصُومَةٍ لِلْمُوصِي دُونَ صَاحِبِهِ أَوْ يُخَاصِمُ أَحَدُهُمَا فِي دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ - وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَ الْمُوصِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ - أَيَجُوزُ أَنْ يُخَاصِمَ أَحَدَ الْوَصِيَّيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ أَمْرُ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ دُونَ الْآخَرِ وَلَمْ نُوقِفْهُ عَلَى مَسْأَلَتِكَ هَذِهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ رَأْيِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.

قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ مُدَّعِيًا ادَّعَى قِبَلَ هَذَا الْمَيِّتِ دَعْوَى فَأَصَابَ أَحَدَ الْوَصِيَّيْنِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ


دُونَ الْآخَرِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ، فَهَذَا الَّذِي ادَّعَى عَلَى الْمَيِّتِ دَعْوَى تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَيَثْبُتُ حَقُّهُ، قَدَرَ عَلَى أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ، فَإِنْ جَاءَ الْوَصِيُّ الْغَائِبُ بَعْدَمَا قَضَى الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْوَصِيِّ الْحَاضِرِ، فَكَانَتْ لَهُ حَجَّةٌ عَلَى الْمَيِّتِ جَهِلَهَا هَذَا الْوَصِيُّ الَّذِي خَاصَمَ، نَظَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَأَى مَا يَدْفَعُ بِهِ حُجَّةَ هَذَا الْمُسْتَحِقِّ دَفَعَهَا وَرَدَّ الْحَقَّ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ أَنْفَذَهُ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِأُمِّ وَلَدِهِ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ، فَقَالَتْ: لَا أَتَزَوَّجُ وَقَبَضَتْ الْأَلْفَ، ثُمَّ إنَّهَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: شَهِدْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَأَوْصَى إلَيْهَا عَلَى أَنْ لَا تَنْكِحَ فَتَزَوَّجَتْ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ تَفْسَخَ وَصِيَّتَهَا، فَأَرَى مَسْأَلَتَكَ مِثْلَ هَذِهِ تَنْزِعُ مِنْهَا الْأَلْفَ إنْ تَزَوَّجَتْ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِجَنِينِ امْرَأَةٍ فَأَسْقَطَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَصِيَّةٍ فَمَاتَ الْمُوصِي، ثُمَّ أَسْقَطَتْهُ بَعْدَ مَا مَاتَ الْمُوصِي؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى لَهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا وَيَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.

[فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي أَنَّهُ قَدْ أَنْفَقَ مَالَ الْيَتِيمِ عَلَيْهِ أَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ إذَا بَلَغَ الْيَتَامَى فَقَالَ: قَدْ دَفَعْت إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ بَعْدَ مَا بَلَغُوا، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونُوا قَبَضُوا أَمْوَالَهُمْ، أَيُصَدَّقُ الْوَصِيُّ عَلَيْهِمْ أَمْ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ الْوَصِيُّ؟
قَالَ: لَا يُصَدَّقُ الْوَصِيُّ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا غَرِمَ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا: إنَّهُ إنْ قَالَ قَدْ أَنْفَقْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ صِغَارٌ، فَإِنْ كَانُوا فِي حِجْرِهِ يَلِيهِمْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَا لَمْ يَأْتِ بِأَمْرٍ يُسْتَنْكَرُ أَوْ بِسَرَفٍ مِنْ النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ يَلِيهِمْ غَيْرُهُ مِثْلَ أُمِّهِمْ أَوْ أَخِيهِمْ أَوْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ ثُمَّ قَالَ: قَدْ دَفَعْتُ النَّفَقَةَ إلَى مَنْ يَلِيهِمْ أَوْ أَنْفَقْتُ عَلَيْهِمْ فَأَنْكَرُوا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يَأْتِي بِهَا وَإِلَّا غُرِّمَ. سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] .


[فِي إقْرَارِ الْوَارِثِ الْأَجْنَبِيِّ بِوَصِيَّةٍ أَوْ بِوَدِيعَةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِوَصِيَّةِ الثُّلُثِ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ؟
قَالَ: يَحْلِفُ الْأَجْنَبِيُّ مَعَ هَذَا الْوَارِثِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أَخَذَ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ نَصِيبِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَ غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ وَالِدِي وَتَرَكَ أَمْوَالًا وَرَقِيقًا فَأَقْرَرْتُ بِعَبْدٍ مِنْ الرَّقِيقِ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدَيْ أَبِي وَدِيعَةً لِفُلَانٍ وَأَنْكَرَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ، كَيْفَ يَقْتَسِمُونَ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ لِفُلَانٍ وَقَدْ تَرَكَ وَالِدُهُ رَقِيقًا كَثِيرًا؟
قَالَ: يَحْلِفُ صَاحِبُهُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ مَعَ شَاهِدٍ إنْ كَانَ عَدْلًا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ؟
قَالَ: يَكُونُ لَهُ قَدْرُ مُوَرَّثِهِ مِنْهُ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ أَمَتِهِ إلَى أَجَلٍ فَتَلِدُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ أَوْ تَجْنِي جِنَايَةً]
ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ أَعْتِقُوا أَمَتِي مِنْ بَعْدِ مَوْتِي بِسَنَةٍ فِي وَصِيَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَوَلَدَتْ الْأَمَةُ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ، أَوْ جَنَتْ جِنَايَةً قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ، أَوْ جُنِيَ عَلَيْهَا جِنَايَةٌ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ؟
قَالَ: إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ فَهَذِهِ الْأَمَةُ لَا تُرَدُّ إلَى الرِّقِّ عَلَى حَالٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ مُعْتَقَةً إلَى أَجَلٍ إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُهَا، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَةَ إلَى أَجَلٍ وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا. قَالَ: وَأَمَّا مَا جَنَتْ مِنْ جِنَايَةٍ، فَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ ابْرَءُوا مِنْ خِدْمَتِهَا أَوْ افْتَكُّوا الْخِدْمَةَ بِجَمِيعِ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ بَرَءُوا مِنْ خِدْمَتِهَا كَانَتْ الْخِدْمَةُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَيُقَاصُّ مِنْ خِدْمَتِهَا مِنْ جِرَاحَاتِهِ، فَإِنْ أَدَّتْ قِيمَةَ الْجِرَاحَةِ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ رَجَعَتْ إلَى الْوَرَثَةِ فَخَدَمَتْ بَقِيَّةَ السَّنَةِ، وَإِنْ مَضَتْ السَّنَةُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ شَيْءٌ عَتَقَتْ وَكَانَ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ دَيْنًا تَتْبَعُ بِهِ، وَأَمَّا إذَا جُنِيَ عَلَيْهَا فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الَّذِي جَنَى عَلَيْهَا جِنَايَةً أَمَةٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا، وَلَيْسَ لَهَا مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ الْمُعْتَقَةَ إلَى أَجَلٍ إذَا جُنِيَ عَلَيْهَا فَإِنَّمَا هُوَ لِسَيِّدِهَا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَتْ إنَّمَا تَكُونُ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اكْتَسَبَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ، أَوْ وُهِبَ لَهَا لِمَنْ يَكُونُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَهَا عِنْدَ مَالِكٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَنْتَزِعُوا ذَلِكَ مِنْهَا مَا لَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ أَمَتِهِ إلَى أَجَلٍ فَيُعْتِقُهَا الْوَارِثُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ وَارِثًا وَاحِدًا وَلَمْ يَدَّعِ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ أَمَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-01-2026, 11:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 341الى صــ 350
الحلقة(273)





بِخَمْسِ سِنِينَ - وَالثُّلُثُ يَحْمِلُهَا - فَأَعْتَقَهَا الْوَارِثُ بَعْدَ مَوْتِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْخَمْسِ سِنِينَ، مِمَّنْ يَكُونُ هَذَا الْعِتْقُ، أَمِنْ الْمَيِّتِ أَمْ مِنْ وَارِثِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْعِتْقُ مِنْ الْمَيِّتِ وَلَا يَكُونُ الْعِتْقُ مِنْ الْوَارِثِ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَكُونُ لِلْوَارِثِ أَنْ يَرُدَّهَا تَخْدُمُهُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْخَمْسَ سِنِينَ بَعْدَمَا أَعْتَقَهَا؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا لِأَنَّ عِتْقَهُ إيَّاهَا هِبَةٌ مِنْهُ لَهَا خِدْمَتَهَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَأَوْصَى بِعِتْقِ أَمَةٍ لَهُ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ مَنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، فَأَعْتَقَهَا أَحَدُ الْوَارِثِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ؟
قَالَ: إنَّمَا عِتْقُهُ هَهُنَا وَضْعُ خِدْمَتِهِ فَيُوضَعُ عَنْ الْأَمَةِ حَقُّ هَذَا مِنْ الْخِدْمَةِ، وَيَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْهَا حُرًّا وَتَخْدُمُ الْبَاقِيَ نِصْفَ خِدْمَتِهَا، فَإِذَا انْقَضَى أَجَلُ الْخِدْمَةِ خَرَجَتْ حُرَّةً.
قُلْتُ: وَلَا يَضْمَنُ الْوَارِثُ الَّذِي أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهَا لِصَاحِبِهِ قِيمَةَ خِدْمَتِهِ مِنْهَا؟
قَالَ: لَا.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِعَبْدِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ رَقَبَةَ الْعَبْدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا أَوْصَى فِي مَرَضِهِ لِعَبْدِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ جَمِيعَ رَقَبَةِ الْعَبْدِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ حُرٌّ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ فَضْلٌ عَنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُعْطِي مَا فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ رَقَبَتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ لَا يَحْمِلُ رَقَبَتَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُعْتِقُ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْتُ أَنْ يُعْتِقَ جَمِيعَهُ فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدَ الرَّجُلِ فَأَعْتَقَ مِنْهُ جُزْءًا أُعْتِقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَالْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ إذَا أُعْتِقَ مِنْهُ جُزْءٌ أَحْرَى أَنْ يَسْتَكْمِلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ وَلِلْعَبْدِ مَالٌ رَأَيْتُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَيَعْتِقُ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ الَّذِي بَعْدَ رَقَبَتِهِ مِنْ مَالِ السَّيِّدِ، بِمَنْزِلَةِ مَالِهِ يُعْتَقُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يُعْتَقُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَا أُعْتِقَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنَّمَا أَعْتَقَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ بَعْدَ رَقَبَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَهُوَ أَحْرَى بِاسْتِكْمَالِ عِتْقِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا وَجْهُ مَا سَمِعْتُ وَاسْتَحْسَنْتُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَوْلُ رَبِيعَةَ إنَّهُ يُقَوَّمُ فِي مَالِ نَفْسِهِ حَتَّى يُتِمَّ بِذَلِكَ عِتْقَهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: إنَّهُ إذَا أَوْصَى لِلْعَبْدِ بِسُدُسِ الْمَالِ أَوْ بِثُلُثِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْعَلُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بِرَقَبَتِهِ سُدُسُ الْمَالِ خَرَجَ الْعَبْدُ حُرًّا.

فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ، فَأَوْصَى لِلْعَبْدِ بِثُلُثِ مَالِهِ وَفِي يَدِ الْعَبْدِ أَلْفُ دِينَارٍ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتِقُ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا ثُلُثَهُ وَيَكُونُ الْمَالُ بِيَدِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ. سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ بِقَوْلِ مَالِكٍ هَذَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَوْصَى لِعَبْدِهِ بِمَالٍ أَيَجُوزُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُهُ جَازَ ذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ

أَنْ يَنْتَزِعُوهُ مِنْهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُعْتِقُ وَيُتِمُّ لَهُ ثُلُثَ الْمَيِّتِ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثُ رَقَبَتَهُ عَتَقَ مِنْ رَقَبَتِهِ مَبْلَغُ الثُّلُثِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِعَبْدِهِ وَلِامْرَأَةٍ لَهُ حُرَّةٍ وَلَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ أَحْرَارٌ وَلِوَلَدِهِ مِنْهَا بِثُلُثِ مَالِهِ. قَالَ رَبِيعَةُ: يُعْتِقُ الْعَبْدَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَلَدَهُ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحُرَّةِ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي ثُلُثِ الْمُوصِي، فَقَدْ مَلَكُوا مِنْ أَبِيهِمْ بَعْضَهُ فَهُوَ حُرٌّ وَمَا مَلَكَ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ أَيْضًا فَهُوَ حُرٌّ.

[أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً فَبَاعَ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ مِنْ رَجُلٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِي بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً، فَبَاعَتْ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ مِنْ رَجُلٍ - وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ فِيهِ الْخِدْمَةَ - فَرَضِيَ بِذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ السَّنَةِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَى سَنَةٍ فَلَا يَجُوزُ.

[أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً]
ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِي رَجُلٌ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً، أَيُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْخِدْمَةِ أَمْ إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَإِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ جَازَ مَا أَوْصَى بِهِ وَخَدَمَ الْمُوصَى لَهُ سَنَةً، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ خُيِّرَ الْوَرَثَةُ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمُوا الْخِدْمَةَ - كَمَا أَوْصَى الْمَيِّتُ - أَوْ يَبْرَءُوا مِنْ ثُلُثِ الْمَيِّتِ فِي كُلِّ مَا تَرَكَ. وَكَذَلِكَ الدَّارُ يُوصَى لِرَجُلٍ يَسْكُنُهَا سَنَةً، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الدَّارَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ تُقَوَّمُ الدَّارُ وَلَا تُقَوَّمُ الْخِدْمَةُ وَالسُّكْنَى؟
قَالَ: لِأَنِّي إذَا قَوَّمْتُ الْخِدْمَةَ وَالسُّكْنَى حَبَسْتُ الدَّارَ عَنْ أَرْبَابِهَا وَالْعَبْدَ عَنْ أَرْبَابِهِ، وَهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى بَيْعِهِ فَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِالْغَلَّةِ أَوْ بِالْخِدْمَةِ، أَهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: الَّذِي سَمِعْنَا مِنْ مَالِكٍ إنَّمَا سَمِعْنَا الْخِدْمَةَ، فَأَرَاهُ كُلَّهُ سَوَاءً إذَا أَوْصَى بِالْغَلَّةِ فَقَدْ أَوْصَى بِالْخِدْمَةِ وَإِذَا أَوْصَى بِالْخِدْمَةِ فَقَدْ أَوْصَى بِالْغَلَّةِ هُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ الْأَمَةِ فَتَلِدُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ بِعِتْقِ أَمَةٍ لَهُ ثُمَّ وَلَدَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، أَيَكُونُ


وَلَدُهَا رَقِيقًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. سَحْنُونٌ: لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ وَصِيَّتَهُ وَيُغَيِّرَهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَبْلَ أَنْ تُقَوَّمَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَوَّمَ وَلَدُهَا مَعَهَا فِي الثُّلُثِ، فَإِنْ حَمَلَهُمَا الثُّلُثُ خَرَجَا جَمِيعًا وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُمَا جَمِيعًا مَا حَمَلَ الثُّلُثُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ مَعَهَا، كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُشْبِهُ التَّدْبِيرُ فِي هَذَا الْمُوصَى بِعِتْقِهَا، لِأَنَّ الْمُدَبَّرَةَ لَا يَسْتَطِيعُ سَيِّدُهَا رَدَّهَا، فَكُلُّ وَلَدٍ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا مُدَبَّرٌ مَعَهَا، وَالْمُوصَى بِعِتْقِهَا لَا يَكُونُ وَلَدُهَا مَعَهَا فِي الْوَصِيَّةِ إذَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ وَلَدُهَا مَعَهَا فِي الْوَصِيَّةِ إذَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا يُسْتَطَاعُ الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَقَدْ ثَبَتَتْ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ أَمَتِهِ فَوَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَحْمِلْهَا الثُّلُثُ وَوَلَدَهَا لَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا كَمَا يُقْرَعُ بَيْنَ الَّذِينَ يُوصِي بِعِتْقِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ هَهُنَا إنَّمَا جَاءَهُ الْعِتْقُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ، فَإِنَّمَا يُعْتَقُ مِنْهُ مِثْلُ مَا يُعْتَقُ مِنْ أُمِّهِ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ لِرَجُلٍ فَيُعْتِقُ الْوَرَثَةُ الْجَارِيَةَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُوصِي بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ لِرَجُلٍ فَيُعْتِقُ الْوَرَثَةُ الْأَمَةَ، أَيَكُونُ مَا فِي بَطْنِهَا حُرًّا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ يَبُتُّ عِتْقَ الْأَمَةِ. قَالَ: مَا فِي بَطْنِهَا حُرٌّ لِأَنَّهُ قَدْ أَبَتَّ عِتْقَ الْأُمِّ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ، فَمَاتَ الْمُوصِي فَأَعْتَقَ الْوَرَثَةُ الْأُمَّ، أَيَعْتِقُ الْوَلَدُ مَعَهَا أَمْ لَا؟
قَالَ: عِتْقُهُمْ جَائِزٌ، وَيَعْتِقُ مَا فِي بَطْنِهَا بِعِتْقِهَا وَتَسْقُطُ وَصِيَّةُ الْمُوصَى لَهُ بِمَا فِي بَطْنِهَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنَّ السَّيِّدَ وَهَبَ مَا فِي بَطْنِهَا لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا السَّيِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ هِيَ وَمَا فِي بَطْنِهَا حُرَّيْنِ وَسَقَطَتْ الْهِبَةُ. أَوَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ مَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ فَلَّسَ بِيعَتْ وَكَانَ مَا فِي بَطْنِهَا لِمَنْ اشْتَرَاهَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ مَا فِي بَطْنِ أَمَتِي ثُمَّ أَعْتَقْتهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ حُرَّةٌ وَمَا فِي بَطْنِهَا حُرٌّ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُخْدِمُ عَبْدَهُ رَجُلًا عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ هِبَةٌ لِرَجُلٍ آخَرَ فَقَبَضَهُ الْمُخْدَمُ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ فِي الْعَشْرِ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْعَبْدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ. قَالَ: الْعَبْدُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَقَبْضُ الْمُخْدَمِ الْعَبْدَ قَبْضٌ لِنَفْسِهِ وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ وَهَبَ الْعَبْدَ وَأَخْدَمَهُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي صِحَّتِهِ وَأَخْدَمَهُ فَقَبَضَهُ الْمُخْدَمُ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ وَهَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْخِدْمَةُ وَمَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِدْمَةِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ حِينَ وَهَبَهُ لِهَذَا الرَّجُلِ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُخْدَمِ فَقَبْضُ الْمُخْدَمِ قَبْضُ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وُهِبَ الْعَبْدَ وُهِبَهُ وَالْعَبْدُ خَارِجٌ مِنْ يَدِ السَّيِّدِ


فَقَدْ قَبَضَ مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ لِرَجُلٍ فَهَلَكَ - وَالْمَالُ وَاسِعٌ أَوْ غَيْرُ وَاسِعٍ - فَأَعْتَقَ الْوَارِثُ الْأَمَةَ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ الْوَلَدَ لِمَنْ وَلَاءُ مَا فِي بَطْنِهَا؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْأُمَّ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ وَلَدَهَا. قَالَ: قَالَ لِي رَبِيعَةُ: هِيَ حُرَّةٌ وَوَلَدُهَا حُرٌّ مَعَهَا وَلَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَهُ أَيْضًا وَهُوَ رَأْيِي.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ فِي مَرَضِهِ: يَخْدُمُ عَبْدِي هَذَا الرَّجُلَ سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ، فَمَاتَ الْمُوصِي فَأَبَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ أَنْ يَقْبَلَ الْوَصِيَّةَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْوَصِيَّةُ إذَا لَمْ يَقْبَلْهَا الَّذِي يُوصَى لَهُ بِهَا رَجَعَتْ إلَى الْوَرَثَةِ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يُخْدِمُهُ الرَّجُلُ سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ، فَيَهَبُ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ الْخِدْمَةَ لِلْعَبْدِ أَوْ يَبِيعُهَا مِنْهُ، أَنَّهُ حُرٌّ تِلْكَ السَّاعَةَ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَلَا حُجَّةَ لِلسَّيِّدِ وَلَا لِلْوَرَثَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَأَرَى هَذَا حِينَ أَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْوَصِيَّةَ أَنَّ الْعَبْدَ يَخْدُمُ وَرَثَةَ الْمَيِّتِ سَنَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ حُرًّا لِأَنَّ هَذَا حِينَ لَمْ يَقْبَلْ الْوَصِيَّةَ صَارَتْ خِدْمَةُ الْعَبْدِ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَهَبَهَا الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ لِلْعَبْدِ، فَيَكُونُ قَدْ قَبِلَهَا إذَا وَهَبَهَا وَيَخْرُجُ الْعَبْدُ حُرًّا مَكَانَهُ.

[أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ وَالْمُوصَى لَهُ غَائِبٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: يَخْدُمُ عَبْدِي فُلَانًا سَنَةً، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ - وَذَلِكَ فِي مَرَضِهِ - فَمَاتَ فَنَظَرَ فَإِذَا فُلَانٌ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ بِبَلَدٍ نَاءٍ عَنْ الْمَيِّتِ عَنْ الْعَبْدِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ مَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ، وَأَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُؤَاجِرَهُ لِلْغَائِبِ وَيَأْخُذَ لَهُ عَمَلَ هَذَا الْعَبْدِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُؤَاجِرُ وَيَخْدُمُ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ إذَا أَوْفَتْ السَّنَةُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُؤَاجِرُ وَإِنَّمَا أُرِيد مِنْهُ نَاحِيَةَ الْكَفَالَةِ وَالْحَضَانَةِ انْتَظَرَ بِهِ وَكَتَبَ إلَى الرَّجُلِ، أَوْ خَرَجَ الْعَبْدُ إلَيْهِ، فَإِذَا أَوْفَتْ السَّنَةُ مِنْ يَوْمِ مَاتَ السَّيِّدُ فَهُوَ حُرٌّ.
قُلْتُ: خَدَمَ أَوْ لَمْ يَخْدِمْ؟
قَالَ: نَعَمْ، لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِعَبْدِهِ اُخْدُمْنِي سَنَةً وَأَنْتَ حُرٌّ فَيَأْبَقُ مِنْهُ حَيْثُ تَنْقَضِي السَّنَةُ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ حُرٌّ إذَا انْقَضَتْ السَّنَةُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَرِضَهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا رَأَيْتُ أَنْ يَعْتِقَ إذَا مَضَتْ السَّنَةُ مِنْ يَوْمِ مَاتَ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّا سَأَلْنَا مَالِكًا


عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي وَهُوَ صَحِيحٌ وَيَقُولُ فِي وَصِيَّتِهِ: عَبْدِي حُرٌّ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ، مِنْ أَيْنَ يَضْرِبُ لَهُ الْخَمْسَ سِنِينَ، مَنْ يَوْمِ أَوْصَى أَوْ مَنْ يَوْمِ مَاتَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ بَلْ مِنْ يَوْمِ مَاتَ يَحْسِبُ لَهُ خَمْسَ سِنِينَ.
قُلْتُ: وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَإِنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ وَلَا يَكُونُ الْأَجَلُ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا هَذَا رَجُلٌ قَالَ: إذَا أَنَا مِتُّ فَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِخَمْسِ سِنِينَ، وَكَذَلِكَ تَقَعُ الْوَصَايَا.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِخِدْمَةِ أَمَتِهِ لِرَجُلٍ وَبِرَقَبَتِهَا لِآخَرَ فَتَلِدُ وَلَدًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى فِي أَمَةٍ لَهُ فَقَالَ: تَخْدُمُ فُلَانًا حَيَاتَهُ، وَجَعَلَ رَقَبَتَهَا بَعْدَ خِدْمَتِهَا لِفُلَانٍ لِرَجُلٍ آخَرَ، فَوَلَدَتْ الْجَارِيَةُ أَوْلَادًا فِي حَالِ خِدْمَتِهَا، أَيَخْدُمُ أَوْلَادُهَا مَعَهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَخَدَمَ أَمَتَهُ رَجُلًا حَيَاتَهُ أَوْ عَبْدَهُ فَوُلِدَ لِلْعَبْدِ مِنْ أَمَتِهِ وَلَدَانِ، وَلَدُ الْعَبْدِ مِنْ أَمَتِهِ وَوَلَدُ الْأَمَةِ، يَخْدُمَانِ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي جُعِلَ فِي أَبِيهِ وَفِي أُمِّهِ إنْ كَانَ سَمَّى لَهَا عَدَدًا، وَإِنْ كَانَ سَمَّى حَيَاتَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ نَفَقَةَ الْعَبْدِ، عَلَى مَنْ هِيَ، أَعْلَى الْمُخْدَمِ أَمْ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي بِخِدْمَةِ جَارِيَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ لِأُمِّ وَلَدِهِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ النَّاسِ عَلَى مَنْ نَفَقَتُهُ؟
قَالَ: عَلَى الَّذِي أَخَدَمَ.

[فِي الرَّجُل يُوصِي لِوَارِثِهِ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ]
ٌّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: يَخْدُمُ مَيْمُونٌ هَذَا ابْنِي سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَدْخُلُ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ فِي هَذِهِ الْخِدْمَةِ إذَا لَمْ يُسَلِّمُوا ذَلِكَ، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَهُوَ حُرٌّ إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُهُ.

[وَصِيَّةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَالصَّبِيِّ]
ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَأَوْصَى بِوَصَايَا أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْأَحْمَقَ وَالسَّفِيهَ وَالْمُصَابَ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانًا، أَنَّ وَصَايَاهُمْ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ عُقُولِهِمْ مَا يَعْرِفُونَ بِهِ الْوَصِيَّةَ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ عَقْلِهِ مَا يَعْرِفُ بِهِ مَا يُوصِي، أَوْ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَجْنُونِ يُوصِي عِنْدَ مَوْتِهِ. قَالَ: لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا فِي صِحَّتِهِ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ، هَلْ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَوْصَى وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ إحْدَى عَشْرَ سَنَةً أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً جَازَتْ


وَصِيَّتُهُ.
قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ يُجِيزُ وَصِيَّةَ ابْنِ أَقَلِّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَ ابْنَ أَقَلِّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ بِالشَّيْءِ الْخَفِيفِ رَأَيْتُهُ جَائِزًا إذَا أَصَابَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ.
قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ إذَا أَصَابَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ؟ قَالَ: ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي وَصِيَّتِهِ اخْتِلَاطٌ. مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ هَهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا مِنْ غَسَّانَ لَمْ يَحْتَلِمْ وَهُوَ ذُو مَالٍ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ، وَلَيْسَ لَهُ هَهُنَا إلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: فَلْيُوصِ لَهَا فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ بِئْرُ جُشَمَ. قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ: فَبِعْتُ أَنَا ذَلِكَ الْمَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ. وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلَهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ أَصَابَ وَجْهَ الْحَقِّ أَجَزْنَاهُ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ الْهَادِ أَنَّ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ جَارِيَةً لِثَمَانِ سِنِينَ أَوْ تِسْعٍ، أَوْصَتْ لِعَمَّةٍ لَهَا بِثُلُثِ مَالِهَا فَاخْتَصَمُوا فِيهِ، فَأَجَازَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَصِيَّتَهَا. وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَجَازَ وَصِيَّةَ غُلَامٍ فِي ثُلُثِهِ ابْنِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِعَبْدِ وَارِثِهِ أَوْ لِعَبْدِ نَفْسِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِعَبْدِ رَجُلٍ هُوَ وَارِثُهُ فِي مَرَضِهِ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي أَنْ يُشْتَرَى غُلَامُ ابْنِهِ فِي مَرَضِهِ فَيُعْتَقُ عَنْهُ، أَتَرَى أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ مِثْلُ ثُلُثِ ثَمَنِهِ كَمَا يُزَادَ فِي عَبْدِ الْأَجْنَبِيِّ؟
قَالَ: لَا، هَذَا إذًا يَكُونُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ فَمَسْأَلَتُكَ تُشْبِهُ هَذَا، لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ مِثْلَ الثَّوْبِ يَكْسُوهُ إيَّاهُ فِي وَصِيَّتِهِ، أَوْ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ الْمُحَابَاةِ وَالْوَصِيَّةِ لِسَيِّدِهِ: وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْعَبْدَ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَانَتْ مِنْ الْعَبْدِ لَهُ خِدْمَةٌ وَصُحْبَةٌ وَمِرْفَقٌ، فَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِعَبْدِ ابْنِهِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ مَالِهِ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ ابْنِهِ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الَّذِي يُوصِي لِعَبْدِ نَفْسِهِ بِوَصِيَّةٍ دَنَانِيرَ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهَا جَائِزَةً وَلَا أَرَى لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَنْزِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَوْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَنْزِعُوهُ لَكَانَتْ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ إذَا غَيَّرَ نَافِذَةً. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى إنْ بَاعَهُ الْوَرَثَةُ أَنْ يَبِيعُوهُ بِمَالِهِ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ، فَإِذَا بَاعُوهُ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ. فَإِنْ أَرَادَ الَّذِي اشْتَرَاهُ أَنْ يَنْتَزِعَ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَعَبْدُ ابْنِهِ إذَا كَانَ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ ابْنِهِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِ نَفْسِهِ إذَا كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لِعَبْدِ رَجُلٍ، أَيَكُونُ لِهَذَا الرَّجُلِ أَنْ يَنْتَزِعَ ذَلِكَ الْمَالَ مِنْ عَبْدِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يَنْتَزِعَهُ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَارِثُ


الْمَيِّتِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِعَبْدِ ابْنِهِ فِي مَرَضِهِ بِوَصِيَّةٍ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ وَقَدْ فَسَّرْتُ ذَلِكَ لَكَ.
قُلْتُ: أَوْصَى لَهُ بِوَصِيَّةٍ فَلَمْ يُحَابِ وَاحِدًا مِنْ الْوَرَثَةِ، وَإِذَا أَوْصَى لِعَبْدِ ابْنِهِ فَقَدْ حَابَى بَعْضَ الْوَرَثَةِ فَلَا يَجُوزُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِمُكَاتَبِ نَفْسِهِ بِوَصِيَّةٍ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ مَالِكًا أَجَازَ الْوَصِيَّةَ لِعَبْدِهِ.

[الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يُجِيزُ مَالِكٌ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ؟
قَالَ: الْوَصِيَّةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ بِمَنْزِلَةِ الْمِيرَاثِ يَرِثُ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ. وَأَنَا أَرَى إنْ كَانَتْ لَهُ حَيَاةٌ فَأَوْصَى لَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ، فَأَرَى الْوَصِيَّةَ لَهُ فِي الْمَالِ وَفِي الدِّيَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا؟
قَالَ: إنْ قَتَلَهُ عَمْدًا لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِهَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ قَبْلَ الْقَتْلِ فِي مَالٍ وَلَا فِي دِيَةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا فَأَوْصَى لَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَارِثَ إذَا قَتَلَ مَنْ يَرِثُ عَمْدًا لَمْ يَرِثْ مِنْ الْمَالِ وَلَا مِنْ الدِّيَةِ، فَكَذَلِكَ الْمُوصَى لَهُ إذَا قَتَلَ عَمْدًا إنْ أَوْصَى لَهُ بَعْدَ الضَّرْبِ بِمَالٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنْ عَفَا لَهُ مِنْ دَمِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يُحْسَبُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ، هَلْ تَجُوزُ إذَا أَوْصَى بِهَا ثُمَّ قَتَلَهُ الْمُوصَى لَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؟
قَالَ: الْوَصِيَّةُ لِقَاتِلِ الْخَطَأِ تَجُوزُ فِي مَالِهِ وَلَا تَجُوزُ فِي دِيَتِهِ، وَقَاتِلُ الْعَمْدِ لَا تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّةٌ فِي مَالٍ وَلَا فِي دِيَةٍ. أَنْظُرُ أَبَدًا مَنْ أُوصِيَ لَهُ بِوَصِيَّةٍ فَكَانَ هُوَ قَاتِلَ صَاحِبِهِ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بَعْدَ مَا أَوْصَى لَهُ عَمْدًا فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ مِنْ مَالِهِ وَلَا مِنْ دِيَتِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْوَارِثِ الَّذِي يَقْتُلُ وَارِثَهُ عَمْدًا فَلَا يَرِثُ مِنْ مَالِهِ وَلَا مِنْ دِيَتِهِ، وَقَاتِلُ الْخَطَأِ يَرِثُ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ فِي الْقَاتِلِ خَطَأً إذَا كَانَتْ قَبْلَ الْقَتْلِ، وَإِذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ بَعْدَ الضَّرْبِ - عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً - جَازَ لَهُ كُلُّ مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ فِي الْمَالِ وَفِي الدِّيَةِ جَمِيعًا إذَا عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: فِي الْخَطَأِ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصَى لَهُ بِالْوَصِيَّةِ فَيَمُوتُ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أُوصِيَ لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ، فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُوصَى لَهُ بِالْوَصِيَّةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْوَصِيَّةُ لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ غَائِبٍ فَمَاتَا جَمِيعًا وَلَمْ يَعْلَمْ الْغَائِبُ بِوَصِيَّتِهِ. وَقَدْ مَاتَ


الْمُوصِي قَبْلَ الْمُوصَى لَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَرَثَةُ الْمُوصَى لَهُ مَكَانَهُ وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ.
قُلْتُ: هَلْ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهَا وَلَمْ يَقْبَلُوهَا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَهُمْ.
قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا أَوْ يَقْبَلُوا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الشُّفْعَةِ: إذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الشُّفْعَةُ فَإِنَّ وَرَثَتَهُ مَكَانَهُ لَهُمْ الشُّفْعَةُ، فَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَأْخُذُوهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُمْ. وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِوَارِثِهِ ثُمَّ يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ فَيَحْجُبُ الْمُوصَى لَهُ]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوَصَيْت لِأَخِي بِوَصِيَّةٍ وَهُوَ وَارِثِي، ثُمَّ وُلِدَ لِي وَلَدٌ فَيَحْجُبُهُ وَالْوَصِيَّةُ مِنِّي لَهُ إنَّمَا كَانَتْ فِي الْمَرَضِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ؟
قَالَ: الْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَهَا بَعْدَمَا وُلِدَ لَهُ فَصَارَ مُجِيزًا لَهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَالْأَخُ غَيْرُ وَارِثٍ فَهِيَ جَائِزَةٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ فِيمَا بَلَغَنِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، عَلِمَ الْمُوصَى لَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِامْرَأَةٍ بِوَصِيَّةٍ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: وَصِيَّتُهُ بَاطِلَةٌ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ فِي ذَلِكَ إلَّا الثُّلُثُ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ؟
قَالَ: هَذَا لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ عُصْبَةً وَمَا أَشْبَهَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ إذَا كَانَ وَرَثَتُهُ أَبَاعِدَ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ وَلَدَهُ لَمْ يُتَّهَمْ وَجَازَ مَا أَقَرَّ بِهِ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَبَوَيْهِ أَوْ زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَ وَلَدِهِ؟
قَالَ: أَرَى الْأَبَوَيْنِ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَوَلَدُ وَلَدِهِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ مَعَهُمْ بِالدُّيُونِ.

[الرَّجُلُ يُوصِي فَيَعُولُ عَلَى ثُلُثِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ فَعَالَ عَلَى ثُلُثِهِ، أَيَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ، أَجَزْت لِلْمَرِيضِ إذَا عَالَ عَلَى الثُّلُثِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَالْمَرْأَةُ إذَا عَالَتْ عَلَى ثُلُثِهَا لَمْ تُجِزْ مِنْهُ شَيْئًا؟
قَالَ: لِأَنَّ الْمَرِيضَ لَا يُرِيدُ الضَّرَرَ إنَّمَا يُرِيدُ الْبِرَّ لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ، وَالْمَرْأَةُ صَنِيعُهَا كُلُّهُ إذْ


زَادَتْ عَلَى ثُلُثِهَا فَذَلِكَ كُلُّهُ ضَرَرٌ عِنْدَ مَالِكٍ، فَمَا كَانَ ضَرَرًا لَمْ يَجُزْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَازَ بَعْضُ الضَّرَرِ وَيُتْرَكَ بَعْضُهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ - وَهُوَ قِيمَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ - وَأَوْصَى لِرَجُلٍ آخَرَ بِدَارِهِ - وَقِيمَةُ الدَّارِ أَلْفُ دِرْهَمٍ - وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ سِوَى ذَلِكَ فَأَبَتْ الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ؟
قَالَ: يُقَالُ لَهُمْ: أَسْلِمُوا إلَى صَاحِبِ الدَّارِ مَبْلَغَ وَصِيَّتِهِ مِنْ الثُّلُثِ فِي الدَّارِ، وَأَسْلِمُوا إلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ مَبْلَغَ وَصِيَّتِهِ فِي الْعَبْدِ، وَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: احْبِسُوا مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّارِ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَالدَّارُ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَالْعَبْدُ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالدَّارِ نِصْفُ الدَّارِ فَهَذَا ثُلُثُ الْمَيِّتِ، وَيَبْقَى فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَنِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ الدَّارِ، فَهَذَانِ أَلْفَانِ، أَلْفُ دِرْهَمٍ نَاضَّةٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْعَبْدِ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الدَّارِ، فَهَذَانِ أَلْفَانِ تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ وَهَذَا الَّذِي آخُذُ بِهِ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِوَصَايَا ثُمَّ يُفِيدُ مَالًا بَعْدَ الْوَصَايَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَا مَالَ لَهُ يَوْمَ أَوْصَى ثُمَّ أَفَادَ مَالًا فَمَاتَ؟
قَالَ: إنْ عَلِمَ الْمَيِّتُ بِمَا أَفَادَ فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا شَيْءَ لَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى وَلَهُ مَالٌ ثُمَّ نَفَذَ مَالُهُ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ يَوْمَ أَوْصَى، ثُمَّ أَفَادَ مَالًا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَاتَ، أَتَكُونُ وَصَايَاهُ فِي هَذَا الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَقَرَّ وَصِيَّتَهُ فَهِيَ فِي مَالِهِ الَّذِي كَانَ فِي يَدَيْهِ يَوْمَ أَوْصَى، وَفِي كُلِّ مَالٍ يُفِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا عَلِمَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِوَصَايَا فَوَرِثَ مَالًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ عَلِمَ بِهِ، أَيَكُونُ لِأَهْلِ الْوَصَايَا فِي ذَلِكَ الْمَالِ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَهُ مَالٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِثْلُ الْمِيرَاثِ، يَكُونُ بِأَرْضٍ قَدْ وَرِثَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَمَاتَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا تَدْخُلُ فِيهِ الْوَصَايَا، لَا عِتْقَ وَلَا غَيْرَهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بِهِ بَعْدَمَا أَوْصَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَإِنَّ الْوَصَايَا تَدْخُلُ فِيهِ عَلِمَ بِهِ فِي مَرَضِهِ أَوْ غَيْرِ مَرَضِهِ، فَذَلِكَ سَوَاءٌ تَدْخُلُ الْوَصَايَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: إلَّا الْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيمَا عَلِمَ بِهِ وَفِيمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فِي الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ دَارٍ أَعْمَرَهَا أَوْ أَرْضٍ حَبَسَهَا فِي صِحَّتِهِ فَرَجَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنَّ الْوَصَايَا تَدْخُلُ فِيهَا إذَا كَانَتْ تَرْجِعُ غَيْرَ حَبْسٍ، فَإِنَّ الْوَصَايَا تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا رَجَعَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الْأَحْبَاسُ مَالًا بَعْدَ مَوْتِهِ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ اقْتَسَمُوا الْمَالَ إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْوَصَايَا لَمْ يَسْتَكْمِلُوا وَصَايَاهُمْ؟ قَالَ: يَرْجِعُونَ فِي هَذَا الَّذِي رَجَعَ مِنْ هَذَا الْحَبْسِ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَجَعَ مَالًا لِلْمَيِّتِ، فَيَأْخُذُونَ ثُلُثَهُ وَهَذَا الْحَبْسُ إذَا كَانَ إنَّمَا هُوَ عُمْرَى أَوْ سُكْنَى هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ مِيرَاثًا وَتَرْجِعُ فِيهِ الْوَصَايَا، فَأَمَّا الْحَبْسُ الْمُبَتَّلُ فَلَا يَرْجِعُ مِيرَاثًا وَلَا تَرْجِعُ فِيهِ


الْوَصَايَا.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْمَوَالِي الْمَدَنِيِّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَجُلًا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَقَالَ: عَلَى ثُلُثِهِ، ثُمَّ وُجِدَ لِلرَّجُلِ مَالٌ وَرِثَهُ مِنْ نَسِيبٍ لَهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَقَالَ صَاحِبُ الثُّلُثِ: لِي فِي هَذَا حِصَّةٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ ثَلَاثِينَ دِينَارًا؟ فَأَبَى، فَاخْتَصَمَا إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: خُذْ الثَّلَاثِينَ، قَالَ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ. الْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبَانُ: لَا ثَلَاثِينَ لَكَ وَلَا غَيْرَهَا، إنَّمَا أَوْصَى الرَّجُلُ فِيمَا عَرَفَ وَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِيمَا لَمْ يَعْرِفْ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى عَلَيْهِ بِمَشُورَةِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ أَبَانُ: وَهُوَ الَّذِي نَوَى حِينَ أَوْصَى. رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ وَمَكْحُولٍ أَنَّ وَصِيَّتَهُ لَا تَجُوزُ إلَّا فِيمَا عَلِمَ مِنْ مَالِهِ. مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِالثُّلُثِ ثُمَّ قُتِلَ. قَالَ: لَيْسَ لِأَهْلِ الْوَصَايَا مِنْ الدِّيَةِ شَيْءٌ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى فَقَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ، وَقَدْ وَرِثَ رَقِيقًا بِالْيَمَنِ حِينَ قَالَ ذَلِكَ - لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ - قَالَ رَبِيعَةُ: هُمْ مَمْلُوكُونَ. وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ عَلِمَهُ مِنْهُمْ، وَمَنْ غَابَ عِلْمُهُ عَنْهُ فَلَا يَعْتِقُ، وَقَالَ: لِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يُوصُونَ فِيمَا عَلِمُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ ذَلِكَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَغَيْرُهُ.

[فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِزَكَاةٍ وَلَهُ مُدَبَّرٌ وَأَوْصَى بِزَكَاةٍ وَبِعِتْقٍ بَتْلٍ وَبِإِطْعَامِ مَسَاكِينَ]
َ قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَيُوصِي بِزَكَاةٍ عَلَيْهِ وَيَتْرُكُ مُدَبَّرًا لَهُ فِي صِحَّتِهِ وَلَا يَسَعُ الثُّلُثُ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا يَفْسَخُ التَّدْبِيرَ شَيْءٌ، وَإِنَّ التَّدْبِيرَ فِي الصِّحَّةِ مُبْدَأٌ عَلَى الزَّكَاةِ وَعَلَى الْعِتْقِ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَفْسَخُهُ شَيْءٌ وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَالْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ لِلْمَيِّتِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ. وَلَمْ يَرَهُ مِثْلَ مَا أَعْتَقَ وَبَتْلُهُ فِي مَرَضِهِ. وَقَالَ: الزَّكَاةُ مُبْدَأَةٌ عَلَى الْعِتْقِ الْمُبَتَّلِ فِي الْمَرَضِ وَغَيْرِهِ، وَالْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ مُبْدَأٌ عَلَى الزَّكَاةِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالزَّكَاةُ فِي الثُّلُثِ إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ مُبْدَأَةٌ عَلَى الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ إلَّا التَّدْبِيرَ فِي الصِّحَّةِ، وَهِيَ وَالزَّكَاةُ مُبْدَأَةٌ عَلَى التَّدْبِيرِ فِي الْمَرَضِ

. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَرِضَ مَرَضًا فَجَاءَهُ مَالٌ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ، أَوْ حَلَّتْ زَكَاةُ مَالٍ لَهُ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَأَمَرَ بِأَدَاءِ زَكَاتِهِ، أَتَرَى أَنَّ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ؟
قَالَ: لَا، إذَا جَاءَ مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا، فَأَرَاهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ. وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي ثُلُثِ مَالِهِ كُلَّمَا فَرَّطَ فِيهِ فِي صِحَّتِهِ حَتَّى يُوصِيَ بِهِ فَيَكُونَ فِي ثُلُثِهِ، كَذَلِكَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-01-2026, 11:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 351الى صــ 360
الحلقة(274)




إنْ أَوْصَى بِزَكَاةٍ عَلَيْهِ وَبِأَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ الْمَسَاكِينَ مِنْ نَذْرٍ وَاجِبٍ، أَوْ أَوْصَى أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ، أَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مَنْ الْوَاجِبِ، أَيَكُونُ فِي الثُّلُثِ أَمْ فِي رَأْسِ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: بَلْ فِي الثُّلُثِ عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَوْصَى فَقَالَ: حُجُّوا عَنِّي حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَأَوْصَى بِعِتْقِ نَسَمَةٍ لَيْسَتْ بِعَيْنِهَا، وَأَوْصَى بِأَنْ يَشْتَرُوا عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَيُعْتِقُوهُ عَنْهُ، وَأَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ فَبَتَلَهُ وَدَبَّرَ عَبْدًا وَأَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى بِكِتَابَةِ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ، وَأَوْصَى بِزَكَاةٍ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَأَقَرَّ بِدُيُونٍ لِلنَّاسِ فِي مَرَضِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الدُّيُونُ مُبْدَأَةٌ كَانَتْ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ إقْرَارُهُ أَوْ لِمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ إقْرَارُهُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ ثُمَّ الْعِتْقُ الْمُبَتَّلُ وَالْمُدَبَّرُ جَمِيعًا مَعًا لَا يُبْدَأُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ثُمَّ الْعِتْقُ بِعَيْنِهِ وَاَلَّذِي أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى بِعَيْنِهِ جَمِيعًا لَا يُبْدَأُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. قَالَ: ثُمَّ الْمُكَاتَبُ ثُمَّ الْحَجُّ وَالرَّقَبَةُ بِغَيْرِ عَيْنِهَا سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَتْ الدُّيُونُ لِمَنْ يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهُ أَخْذُهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ إقْرَارُهُ رَجَعَتْ مِيرَاثًا إلَّا أَنَّهُ يُبْدَأُ بِهَا قَبْلَ الْوَصَايَا، ثُمَّ تَكُونُ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ بَعْدَهَا. ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ رَبِيعَةُ فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ خَطَأً فَيَمُوتُ الْقَاتِلُ وَعَلَيْهِ رَقَبَةٌ. قَالَ: تِلْكَ الرَّقَبَةُ مِنْ الثُّلُثِ.
قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَوْصَى بِهَا وَيُبْدَأُ الدَّيْنُ عَلَيْهَا.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِيمَنْ أَوْصَى بِزَكَاةٍ أَوْ حَجٍّ. قَالَ: هُوَ مِنْ ثُلُثِهِ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَنْ يُعْتَقَ وَهُوَ قَدْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ اشْتَرُوا عَبْدَ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ فَأَعْتِقُوهُ عَنِّي وَقَالَ: أَعْتِقُوا عَبْدِي فُلَانًا بَعْدَ مَوْتِي، فَأَيُّهُمَا يُبْدَأُ؟
قَالَ: بِهِمَا جَمِيعًا فِي الثُّلُثِ، لَا يُبْدَأُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: أَعْتِقُوا فُلَانًا لِعَبْدٍ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي، وَقَالَ: اشْتَرُوا نَسَمَةً فَأَعْتِقُوهَا عَنِّي، بِأَيِّهِمَا يُبْدَأُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: بِالْعَبْدِ الَّذِي بِعَيْنِهِ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
ِ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يُبْدَأُ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ الَّذِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: وَكَلَّمْتُهُ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَرَّةٍ فَرَأَيْتُ قَوْلَهُ أَنَّهُ يُبْدَأُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْفُقَرَاءِ.

[الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَلِلْمَسَاكِينِ]
فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَلِلْمَسَاكِينِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا قَالَ ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَلِلْمَسَاكِينِ؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي

رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْيَتَامَى.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَرَهُ أَثْلَاثًا وَذَلِكَ رَأْيِي.
قُلْتُ: هَذَا لَا يُشْبِهُ مَسْأَلَتِي؛ لِأَنَّ مَسْأَلَتِي قَدْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَلِلْمَسَاكِينِ، فَلِمَ لَا يَجْعَلُ لِهَذَا الرَّجُلِ نِصْفَ الثُّلُثِ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ عِنْدِي نِصْفُ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لَهُ وَلِلْمَسَاكِينِ، فَلَا أَرَى لَهُ نِصْفَ الثُّلُثِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ عَبْدِهِ إلَى أَجَلٍ وَلِرَجُلٍ بِثُلُثِهِ أَوْ بِمِائَةِ دِينَارٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ بِعِتْقِ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ بِشَهْرٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ آخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ بِمِائَةِ دِينَارٍ مِنْ مَالِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ثُلُثُ الْمَيِّتِ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ عِتْقَهُ إلَى أَجَلٍ وَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: إنْ شِئْتُمْ فَادْفَعُوا الْمِائَةَ إلَى الْمُوصَى لَهُ أَوْ الثُّلُثَ الَّذِي أَوْصَى بِهِ وَخُذُوا خِدْمَةَ الْعَبْدِ إلَى الْأَجَلِ، فَإِنْ أَبَوْا كَانَتْ الْخِدْمَةُ لِصَاحِبِ الْوَصِيَّةِ إلَى الْأَجَلِ وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْأَجَلِ كَانَ مَا تَرَكَ لِأَهْلِ الْوَصَايَا الَّذِينَ أَوْصَى لَهُمْ بِالْمَالِ، فَقَدْ صَارَ الْعِتْقُ هَهُنَا مُبْدَأٌ عَلَى الْوَصَايَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا إلَى الْأَجَلِ، وَصَارَتْ الْخِدْمَةُ الَّتِي فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ - وَهُوَ الْعَبْدُ - لِأَهْلِ الْوَصَايَا إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ، فَيَدْفَعُونَ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ كُلَّهَا وَيَكُونُ لَهُمْ الْخِدْمَةُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ. قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةٌ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، خُيِّرَ الْوَرَثَةُ بَيْنَ أَنْ يُنَفِّذُوا مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ وَبَيْنَ أَنْ يُعْتِقُوا مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْ الْعَبْدِ بَتْلًا، وَتَسْقُطُ الْوَصَايَا لِأَنَّ الْعِتْقَ مُبْدَأٌ عَلَى الْوَصَايَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا.

[فِي الرَّجُلِ يُدَبِّرُ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ وَيُعْتِقُ آخَرَ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ فِي مَرَضِهِ وَقَالَ لِآخَرَ: إنْ حَدَثَ بِي حَدَثُ الْمَوْتِ فَهُوَ حُرٌّ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُبْدَأُ الْمُدَبَّرُ، وَهُوَ قَوْلُ الرُّوَاةِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا إلَّا أَشْهَبُ فَإِنَّهُ يَأْبَاهُ. فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ وَيُحَابِي فِي بَيْعِهِ وَيُعْتِقُ آخَرَ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا وَحَابَى فِيهِ - وَقِيمَةُ الْعَبْدِ الثُّلُثُ - وَأَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ آخَرَ - وَقِيمَةُ الْمُعْتَقِ الثُّلُثُ - بِأَيِّهِمَا يُبْدَأُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الَّذِي يُوصِي بِوَصِيَّةٍ فِي مَرَضِهِ وَيُوصِي بِعِتْقٍ: إنَّ الْعِتْقَ مُبْدَأٌ وَلَمْ أَسْمَعْ فِي الْبَيْعِ شَيْئًا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ، وَأَرَى


الْبَيْعَ مِثْلَ الْوَصِيَّةِ، وَمَا حَابَى بِهِ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ مَا حَابَى بِهِ إنَّمَا هِيَ هِبَةٌ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُحَابَاةِ فِي الْمَرَضِ: إنَّمَا هِيَ مِنْ الثُّلُثِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهُوَ قَوْلُ الرُّوَاةِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ عَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيُعْتِقُ آخَرَ عَلَى مَالٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: عَبْدِي مَيْمُونٌ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، وَعَبْدِي مَرْزُوقٌ حُرٌّ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى وَرَثَتِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَالثُّلُثُ لَا يَحْمِلُهُمَا جَمِيعًا أَوْ يَحْمِلُهُمَا، كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الَّذِي يُوصِي بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ وَيُوصِي بِكِتَابَةِ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ: إنَّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ يُبْدَأُ بِهِ عَلَى الْمُوصَى بِكِتَابَتِهِ، فَأَرَى هَذَا إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْوَرَثَةِ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ يُعْطِيَ لِآخَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إنْ عَجَّلَهَا تَحَاصَّا فِي الثُّلُثِ - هُوَ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ - بِغَيْرِ مَالٍ، وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ الْمَالَ بُدِئَ بِاَلَّذِي أُعْتِقَ بِغَيْرِ مَالٍ، فَإِنْ كَانَ فِي الثُّلُثِ فَضْلٌ لَا يَسَعُ الْبَاقِيَ قِيلَ لِلْوَرَثَةِ: إمَّا أَمْضَيْتُمْ لِهَذَا مَا قَالَ الْمَيِّتُ وَإِمَّا أَعْتَقْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ الْمَيِّتِ. قَالَ: وَإِنَّمَا رَأَيْتُ أَنْ يَتَحَاصَّا فِي الثُّلُثِ إذَا عَجَّلَ الْمُوصَى لَهُ بِعِتْقِهِ بِمَالٍ يُؤَدِّيهِ إذَا عَجَّلَ الْمَالَ، لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ وَأَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ إلَى شَهْرٍ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَرُبَ هَكَذَا رَأَيْتُ أَنْ يَتَحَاصَّا جَمِيعًا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ قَالَ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ إلَى سَنَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: رَأَيْتُ أَنْ يُبْدَأَ بِالْمُبَتَّلِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ مُبْدَأٌ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ أَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ مَالٌ وَيُعْتَقَ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِحَجٍّ وَبِعِتْقِ رَقَبَةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَأَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ رَقَبَةٌ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: الرَّقَبَةُ مُبْدَأَةٌ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَيْسَ عِنْدَنَا أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ. وَقَدْ قَالَ أَيْضًا، إنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ. وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالٍ وَأَوْصَى بِعِتْقِ رَقَبَةٍ تَحَاصَّا، وَإِذَا أَوْصَى بِمَالٍ وَأَوْصَى بِالْحَجِّ تَحَاصَّا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَمَلَ الثُّلُثُ الرَّقَبَةَ وَبَعْضَ الْحَجِّ وَلَا يَحْمِلُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ بِلَادِهِ، وَلَكِنْ يَحْمِلُ بَقِيَّةُ الثُّلُثِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِبَقِيَّةِ الثُّلُثِ مِنْ حَيْثُ مَا بَلَغَ أَنْ يُحَجَّ بِهِ عَنْهُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُوصِي أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَلَمْ يَبْلُغْ ثُلُثُهُ إلَّا مَا يُحَجُّ بِهِ عَنْهُ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ. قَالَ: أَرَى أَنْ يُنَفَّذَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا رَأْيِي أَنْ تُنَفَّذَ وَصِيَّتُهُ إذَا أَوْصَى بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَلَا أَرَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ.

قُلْتُ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ الْوَلَدُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَيَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ؟
قَالَ:


نَعَمْ هَذَا لَمْ يَزَلْ قَوْلَهُ وَكَانَ يَقُولُ لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.

ابْنُ وَهْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِثَلَاثِينَ دِينَارًا فِي رَقَبَةٍ تُعْتَقُ عَنْهُ، وَأَوْصَى بِثَلَاثِينَ دِينَارًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، وَأَوْصَى بِثَلَاثِينَ دِينَارًا لِلْغُزَاةِ، فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ. قَالَ رَبِيعَةُ: يَتَحَاصُّونَ فِي الثُّلُثِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوْصَى فِي رَقَبَةٍ تُشْتَرَى فَتُعْتَقُ عَنْهُ، وَلَيْسَ الْوَصِيَّةُ فِي الرِّقَابِ كَنَحْوِ الْمَمْلُوكِ فِي يَدَيْهِ يُعْتِقُهُ. وَالْمَمْلُوكُ إذَا أَعْتَقَهُ صَاحِبُهُ فِي وَصِيَّتِهِ وَكَانَ الْعَوْلُ فِي الْوَصَايَا، فَإِنْ أُدْخِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعَوْلِ كَانَ مَمْلُوكًا، كُلُّهُ فِي حُرْمَتِهِ، وَأَمْرُهُ إنْ دَخَلَ فِي رَقَبَتِهِ شَيْءٌ مِنْ الرِّقِّ كَانَ مَمْلُوكًا. وَإِنَّهُ إذَا أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ وَأُدْخِلَ الْعَوْلُ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الثَّمَنِ وَيُبَاعُ بِمَا بَقِيَ فَتَتِمُّ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ رَقَبَتِهِ لَمْ تَدْخُلْ عَلَى أَحَدٍ مَظْلِمَةٌ، وَأُعِينَ بِمَا بَقِيَ فِي رَقَبَةٍ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الثَّمَنُ رَقَبَةً تُعْتَقُ عَنْهُ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِوَصَايَا وَبِعِتْقِ عَبْدِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِوَصَايَا وَأَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ قَالَ هُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ يَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ مُبْدَأٌ، وَإِنْ أَوْصَى أَنْ تُشْتَرَى رَقَبَةٌ بِعَيْنِهَا فَهِيَ أَيْضًا مُبْدَأَةٌ، مِثْلُ مَا يَقُولُ اشْتَرُوا عَبْدَ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ فَأَعْتِقُوهُ. وَإِنْ أَوْصَى بِدَنَانِيرَ فِي رَقَبَةٍ فَهُوَ يُحَاصُّ أَهْلَ الْوَصَايَا وَلَا يُبْدَأُ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِوَصَايَا وَبِعَتَاقَةٍ بُدِئَ بِالْعَتَاقَةِ. رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَشُرَيْحٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ فِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقٍ وَبِصَدَقَةٍ، أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْعَتَاقَةِ قَبْلَ الصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ، فَمَا فَضَلَ بَعْدَ الْعَتَاقَةِ كَانَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ حَيْوَةَ بْنَ شُرَيْحٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي السَّكَنُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ عَنْ رَجُلٍ يُوصِي بِوَصَايَا كَثِيرَةٍ وَعَتَاقَةٍ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ أَنْ يُبْدَأَ بِالْعَتَاقَةِ. قَالَ: وَقَدْ صَنَعَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.

[فِي الْمُوصِي يُقَدِّمُ فِي لَفْظِهِ وَيُؤَخِّرُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَيِّتَ إذَا أَوْصَى بِوَصَايَا فَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ بَعْضَهَا قَبْلَ بَعْضٍ، هَلْ يَنْظُرُ فِي لَفْظِهِ فَيُقَدِّمُ مَا قَدَّمَ بِلَفْظِهِ فِي الثُّلُثِ، أَمْ يَنْظُرُ إلَى الَّذِي هُوَ أَوْكَدُ فَيُقَدِّمُهُ فِي الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ لَفَظَ بِهِ وَتَكَلَّمَ بِهِ فِي آخِرِ الْوَصَايَا؟
قَالَ: نَعَمْ، إنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى الْأَوْكَدِ فَيُقَدَّمُ فِي الثُّلُثِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِهِ فِي آخِرِ الْوَصَايَا، وَلَا يُنْظَرُ إلَى لَفْظِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَوْصَى فَقَالَ


ابْدَءُوا بِكَذَا ثُمَّ كَذَا، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِمَا قَالَ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَمْ يُبْدِهِ الْمَيِّتُ هُوَ أَوْكَدُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَدَّمُ فِي الثُّلُثِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ قَدَّمَ غَيْرَهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ اشْتَرُوا لِي غُلَامًا بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَأَعْتِقُوهُ مُبْدَأً وَأَعْتِقُوا فُلَانًا لِعَبْدٍ لَهُ بِعَيْنِهِ، فَهَذَا الَّذِي لَيْسَ بِعَيْنِهِ يُبْدَأُ هَهُنَا عَلَى الَّذِي بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ بَدَأَهُ، وَلَوْ لَمْ يُبْدِهِ الْمَيِّتُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ لَكَانَ الْمُعْتَقُ بِعَيْنِهِ أَوْلَى بِالثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثِ كَانَ لِلْآخَرِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى لَفْظِهِ فِي الْكَلَامِ إلَّا أَنْ يُبْدِيَهُ الْمَيِّتُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ. سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] سُورَةُ النِّسَاءِ فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ مُبْدَأٌ عَلَى الْوَصَايَا تَمَّ كِتَابُ الْوَصَايَا الْأَوَّلُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى وَيَلِيهِ كِتَابُ الْوَصَايَا الثَّانِي

[كِتَابُ الْوَصَايَا الثَّانِي] [فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ بِعِتْقِ عَبْدٍ وَالْعَبْدُ هُوَ الثُّلُثُ]
فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ بِعِتْقِ عَبْدٍ وَالْعَبْدُ هُوَ الثُّلُثُ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ مَنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ أَنَّ وَالِدَهُمَا أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ فِي مَرَضِهِ وَالْعَبْدُ هُوَ الثُّلُثُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمَانِ بِجَرِّ وَلَائِهِ إلَيْهِمَا صُدِّقَا فِي ذَلِكَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ وَبُدِئَ بِالْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ بِجَرِّ وَلَائِهِ لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْ النِّسَاءِ، فَإِذَا لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى النِّسَاءِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا، وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ جَائِزَةً. وَإِنْ شَهِدَا وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَنْ الْوَرَثَةِ نِسَاءٌ، وَإِنَّمَا الْوَرَثَةُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ كُلُّهُمْ، فَأَرَى شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْعِتْقِ جَائِزَةً، وَيُبْدَأُ بِالْعِتْقِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ الَّذِي شَهِدَا بِعِتْقِهِ لَيْسَ مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَائِهِ؛ لِأَنَّهُمَا يُتَّهَمَانِ أَنْ يُبْطِلَا وَصِيَّةَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ إذَا كَانَ وَلَاءُ الْعَبْدِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالْعِتْقِ يُرْغَبُ فِي وَلَائِهِ وَيُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ. وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا وَمَعَهُمَا نِسَاءٌ فَكَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ فِي جَرِّ الْوَلَاءِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا، فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ لِدَنَاءَتِهِ وَلَا يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَائِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، فَشَهَادَتُهُمَا مَعَ النِّسَاءِ وَمَعَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا لَمْ يُتَّهَمَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي النِّسَاءِ وَهُوَ رَأْيِي فِي الْوَصِيَّةِ.

[أَوْصَى أَنْ يَخْدُمُ عَبْده فُلَانًا سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا]
الرَّجُلُ يُخْدِمُ عَبْدَهُ رَجُلًا سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ وَلَا مَالَ لَهُ وَأَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً لِرَجُلٍ غَيْرِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: يَخْدُمُ عَبْدِي فُلَانًا سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهُ؟


قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَتُجِيزُونَ، فَإِنْ أَبَوْا كَانَ ثُلُثَا الْعَبْدِ لِلْوَرَثَةِ رَقِيقًا وَثُلُثُهُ حُرًّا السَّاعَةَ وَسَقَطَتْ الْخِدْمَةُ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ وَالْعِتْقَ لَمَّا اجْتَمَعَا وَلَمْ تَتِمَّ الْوَصِيَّةُ فَقَطَعَ بِهِ لَهُمَا كَانَ الْعِتْقُ مُبْدَأً عَلَى الْخِدْمَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ سَنَةً - وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ أَوْ لَهُ مَالٌ - لَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ الثُّلُثِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْوَرَثَةُ بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يُسَلِّمُوا خِدْمَتَهُ سَنَةً ثُمَّ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ الْعَبْدُ بَعْدَ السَّنَةِ، وَإِلَّا أَسْلَمُوا إلَيْهِ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ بَتْلًا.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسُكْنَى دَارِهِ سَنَةً؟
قَالَ: وَهَذَا وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ سَوَاءٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إمَّا أَسْلَمُوا إلَيْهِ سُكْنَى دَارِهِ سَنَةً وَإِمَّا قَطَعُوا لَهُ بِثُلُثِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ إذَا أَوْصَى لَهُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ قُطِعَ لَهُ فِيهِمَا، وَإِذَا كَانَ خِدْمَةً أَوْ سُكْنَى فَلَمْ يُجِيزُوا قَطْعًا لَهُ بِثُلُثِ الْمَيِّتِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ سَحْنُونٌ. وَهَذَا قَوْلُ الرُّوَاةِ كُلِّهِمْ، لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا إذَا أَوْصَى بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ أَوْ سُكْنَى الدَّارِ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ مَا أَوْصَى فِيهِ أَوْ لَهُ مَالٌ، لَا يُخْرِجُ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ، وَهَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ قَوْلِهِمْ.

[فِيمَنْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ سَنَةً أَوْ حَيَاتَهُ وَلِآخَرَ بِرَقَبَتِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ سَنَةً وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ، وَالثُّلُثُ يَحْمِلُهُ أَوْ لَا يَحْمِلُهُ؟
قَالَ: إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ فَالْخِدْمَةُ مُبْدَأَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ فَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ مِنْ الْعَبْدِ بِقَدْرِ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ، فَيَخْدُمُ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ الْخِدْمَةُ السَّنَةَ إنْ كَانَ الَّذِي حَمَلَ الثُّلُثُ النِّصْفَ خَدَمَ الْوَرَثَةَ يَوْمًا وَخَدَمَ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ يَوْمًا، حَتَّى إذَا مَضَتْ السَّنَةُ كَانَ نِصْفُهُ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ بَتْلًا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا قَوْلُ الرُّوَاةِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ.

قُلْتُ: فَلَوْ هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، وَقَدْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ أَحَدِهِمْ وَلِآخَرَ بِرَقَبَةِ الْآخَرِ وَلَمْ يَدَعْ مَالًا سِوَاهُمْ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَنْفِذُوا وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ، فَإِنْ أَبَوْا قِيلَ لَهُمْ: فَابْرَءُوا مِنْ ثُلُثِ الْمَيِّتِ إلَى أَهْلِ الْوَصَايَا يَتَحَاصُّونَ فِيهِ أَهْلَ الْوَصَايَا بِقَدْرِ وَصَايَاهُمْ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يَتَحَاصُّ هَذَانِ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْخِدْمَةِ حَيَاتَهُ فَإِنَّهُ يُعْمَرُ هَذَا الْمُخْدَمُ فَيُنْظَرُ مَا تُسَاوِي فِي الْخِدْمَةِ حَيَاتُهُ عَلَى غَرَرِهَا، أَوْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ الْعَبْدُ أَقَلَّهُمَا تَعْمِيرًا، وَيُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ الَّذِي أَوْصَى بِهِ لِلْآخَرِ، فَيَتَحَاصَّانِ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ، هَذَا بِقِيمَةِ الْخِدْمَةِ وَهَذَا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ.
قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لِلَّذِي أَوْصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ قِيمَةَ خِدْمَتِهِ بَتْلًا مَنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ يُحَاصُّ بِهِ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ وَيَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْخِدْمَةِ أَنَّهَا تَقُومُ عَلَى غَرَرِهَا؟
قَالَ: عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ أَنَّهُ يُؤَاجَرُ إلَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ قِيلَ لَهُمْ: بِكَمْ يُتَكَارَى هَذَا الْعَبْدُ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ هَذَا الرَّجُلِ إنْ حَيِيَ إلَى


ذَلِكَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنْ مَاتَ ذَلِكَ بَطَلَ حَقُّكُمْ وَيُحَاصُّ لَهُ بِأَقَلِّهِمَا تَعْمِيرًا، الْمُخْدَمُ أَوْ الْعَبْدُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أَوْصَى فِي مَسْأَلَتِي الَّتِي سَأَلْتُكَ عَنْهَا مَعَ ذَلِكَ بِالثُّلُثِ أَيْضًا؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَجِيزُوا الْوَصِيَّةَ وَإِلَّا فَأَخْرِجُوا مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ إلَى أَهْلِ الْوَصَايَا، فَيَكُونُ بَيْنَ أَهْلِ الْوَصَايَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - وَيَضْرِبُ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ بِقِيمَةِ خِدْمَتِهِ فِي الثُّلُثِ بَتْلًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِرَقَبَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ وَالثُّلُثُ لَا يَحْمِلُ الْعَبْدَ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَجِيزُوا وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ، فَإِنْ أَبَوْا قِيلَ لَهُمْ: فَابْرَءُوا مِنْ ثُلُثِهِ، فَيَكُونُ ثُلُثُهُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي أَوْصَى بِخِدْمَتِهِ، فَيُخْرِجُ مِنْ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَبْلَغَ ثُلُثِ الْمَيِّتِ فَيُعْطَاهُ الْمُوصَى لَهُ بِخِدْمَتِهِ، فَيَخْدُمُهُ بِقَدْرِ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْ الْعَبْدِ إنْ حَمَلَ الثُّلُثُ نِصْفَهُ خَدَمَهُ يَوْمًا وَخَدَمَ الْوَرَثَةَ يَوْمًا. لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَبِيعُوا حِصَّتَهُمْ وَأَنْ يَصْنَعُوا بِهَا مَا شَاءُوا، فَإِذَا انْقَضَى أَجَلُ الْخِدْمَةِ إنْ كَانَتْ إلَى سِنِينَ - وَقَّتَهَا الْمَيِّتُ - أَوْ إلَى مَوْتِ الْمُخْدَمِ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْخِدْمَةُ رَجَعَ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْ الْعَبْدِ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ الْمَيِّتُ الرَّقَبَةَ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ بَعْدَ خِدْمَةِ الْمُخْدَمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْخِدْمَةُ وَوَصِيَّةُ الرَّقَبَةِ فِي عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَالْخِدْمَةُ مُبْدَأَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ اُخْدُمْ فُلَانًا كَذَا وَكَذَا سَنَةً أَوْ حَيَاتَهُ ثُمَّ أَنْتَ بَعْدَهُ لِفُلَانٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي أَوْصَى بِرَقَبَتِهِ لِرَجُلٍ وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ، فَقُلْتُ: الْخِدْمَةُ مُبْدَأَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَرَأَيْتَ إذَا انْقَضَتْ الْخِدْمَةُ وَقَدْ كَانَ - يَوْمَ قَاسَمَ الْوَرَثَةُ أَهْلَ الْوَصَايَا - كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الثُّلُثَ، أَيُحْتَاجُ إلَى أَنْ يُقَوَّمَ الْيَوْمَ أَيْضًا إذَا انْقَضَتْ الْخِدْمَةُ لِيُعْرَفَ أَهُوَ ثُلُثُ الْمَيِّتِ أَمْ لَا إذَا أَرَدْت أَنْ تَدْفَعَهُ إلَى هَذَا الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ؟
قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَا اجْتَمَعَا جَمِيعًا فِي هَذَا الْعَبْدِ وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُمَا فِيهِ وَأَسْلَمَ إلَيْهِمَا يَوْمئِذٍ وَهُوَ مَبْلَغُ الثُّلُثِ، فَلَا أُبَالِي أَزَادَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ نَقَصَتْ.

قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلِآخَرَ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ حَيَاتَهُ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَكَانَ الْعَبْدُ كَفَافَ الثُّلُثِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُعْمَرُ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالْخِدْمَةِ حَيَاتَهُ، أَوْ الْعَبْدُ إنْ كَانَ أَقْصَرَهُمَا تَعْمِيرًا فِيمَا يَرَى النَّاسُ، فَيُنْظَرُ كَمْ ذَلِكَ، فَتُقَوَّمُ خِدْمَتُهُ تِلْكَ السِّنِينَ ذَهَبًا ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ هُوَ وَصَاحِبُ الْمِائَةِ فِي خِدْمَةِ الْعَبْدِ، فَإِذَا هَلَكَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ فَالْعَبْدُ حُرٌّ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ وَكَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَالثُّلُثُ سَوَاءً.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: لِفُلَانٍ مِائَةُ دِينَارٍ، وَلِفُلَانٍ خِدْمَةُ عَبْدِي هَذَا حَيَاتَهُ، وَلِفُلَانٍ لِرَجُلٍ آخَرَ أَيْضًا رَقَبَةُ الْعَبْدِ الَّذِي أَوْصَى بِخِدْمَتِهِ حَيَاتَهُ، وَالثُّلُثُ لَا يَحْمِلُ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ؟
قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَسْلِمُوا وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ وَأَجِيزُوهَا، فَإِنْ أَبَوْا قِيلَ لَهُمْ: ابْرَءُوا مِنْ ثُلُثِ الْمَيِّتِ، فَيَتَحَاصُّونَ فِي الثُّلُثِ الْمُوصَى لَهُ بِالْمِائَةِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ، وَالْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ، وَلَا يَضْرِبُ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ وَصَاحِبُ الرَّقَبَةِ إلَّا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ،


لَا يَضْرِبَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ وَصِيَّتَهُمَا وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ رَقَبَةُ الْعَبْدِ. فَيَنْظُرُ مَا صَارَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فِي الثُّلُثِ، إذَا حَاصَّا صَاحِبَ الْمِائَةِ أَخَذَا ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ، فَيَخْدُمُ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ يُبْدَأُ عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ، فَإِذَا مَاتَ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ الْمُوصَى لَهُ بِهَا صَارَ الْعَبْدُ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، وَيَكُونُ صَاحِبُ الْمِائَةِ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ بِمَبْلَغِ وَصِيَّتِهِ مِنْ الثُّلُثِ فِي جَمِيعِ مَالِ الْمَيِّتِ وَفِيمَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ مِمَّا لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ.
قُلْتُ: وَلَا تُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي قَبْلَهَا، الَّتِي قَالَ فِيهَا الْمَيِّتُ: يَخْدُمُ عَبْدِي فُلَانًا حَيَاتَهُ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ وَلِفُلَانٍ مِائَةُ دِينَارٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا تُشْبِهُهَا وَهُمَا يَخْتَلِفَانِ، لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِعِتْقِهِ بَعْدَ الْخِدْمَةِ لَيْسَ هَهُنَا مَالٌ، إنَّمَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِخِدْمَةٍ وَبِمِائَةِ دِينَارٍ. فَإِنَّمَا يُعْمَرُ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ فَيُشْرَعُ مَعَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمِائَةِ فِي الثُّلُثِ بِمَبْلَغِ قِيمَةِ الْخِدْمَةِ الَّتِي أُوصِيَ لَهُ بِهَا، وَهَذَا الَّذِي أَوْصَى بِخِدْمَتِهِ لِرَجُلٍ وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ وَبِمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَدْ أَوْصَى الْمَيِّتُ هَهُنَا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ وَبِخِدْمَتِهِ، فَرَقَبَةُ الْعَبْدِ هَهُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقِيمَةُ الْخِدْمَةِ إنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، لَا يَضْرِبُ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ وَصَاحِبُ الرَّقَبَةِ مَعَ أَهْلِ الْوَصَايَا إلَّا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، فَمَا خَرَجَ لَهُمَا مِنْ الْعَبْدِ فِي الْمُحَاصَّةِ مِنْ الثُّلُثِ بَدَأَ بِهِ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْخِدْمَةُ رَجَعَ مَا كَانَ مِنْ الْعَبْدِ فِي الْخِدْمَةِ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ، وَلَا يُعْمَرُ الْمُخْدَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيُعْمَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الَّتِي فِيهَا الْعِتْقُ.
قُلْتُ: وَفِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ وَبِخِدْمَتِهِ مَا عَاشَ لِفُلَانٍ، وَبِمِائَةِ دِينَارٍ لِفُلَانٍ، لِمَ لَمْ يَبْدَأْ مَالِكُ الْعِتْقِ عَلَى الْمِائَةِ، وَعَلَى الْخِدْمَةِ وَالْعِتْقُ مُبْدَأٌ عَلَى الْوَصَايَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْعِتْقَ هَهُنَا لَمْ يَسْقُطْ، وَلَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ هَهُنَا إلَّا إلَى الْأَجَلِ الَّذِي جُعِلَ عِتْقُهُ إلَيْهِ - وَهُوَ قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَيْهِ الْخِدْمَةُ - فَيَتَحَاصُّ صَاحِبُ الْمِائَةِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ فِي تِلْكَ الْخِدْمَةِ، فَتَكُونُ خِدْمَةُ الْعِتْقِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمِائَةِ الدِّينَارِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الثُّلُثَ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْخِدْمَةُ خَرَجَ الْعَبْدُ حُرًّا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ حُجَّةٌ فِي الْعِتْقِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ إنَّمَا هُوَ إلَى أَجَلٍ، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ لَا يَحْمِلُ جَمِيعَ الْعَبْدِ وَأَبَتْ الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ، عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ مَبْلَغُ الثُّلُثِ بَتْلًا وَسَقَطَتْ الْوَصَايَا - بِالْخِدْمَةِ وَغَيْرِ الْخِدْمَةِ - لِأَنَّ الْوَصَايَا حَالَتْ وَرَجَعَتْ إلَى الْمُحَاصَّةِ، فَكَانَ الْعِتْقُ حِينَئِذٍ مُبْدَأً عَلَى مَا سِوَاهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الرَّجُلُ فِي وَصِيَّتِهِ: عَبْدِي يَخْدُمُ فُلَانًا وَلَمْ يَقُلْ حَيَاتَهُ وَلَمْ يُوَقِّتْ شَيْئًا مَنْ السِّنِينَ، وَأَوْصَى أَنَّ رَقَبَتَهُ لِفُلَانٍ - لِرَجُلٍ آخَرَ - وَلَمْ يَقُلْ مِنْ بَعْدِهِ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهَذَا، أَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ هَهُنَا بِالْخِدْمَةِ، إنَّمَا هِيَ حَيَاةُ الْمُخْدَمِ فَقَطْ ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَبْدُ إذَا مَاتَ الْمُخْدَمُ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، إنَّمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ عَلَى وَجْهَيْنِ الَّذِي سَمِعْتُ أَنَا مِنْهُ: إمَّا أَنْ يَقُولَ غُلَامِي



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 05-01-2026, 11:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 361الى صــ 370
الحلقة(275)





يَخْدُمُ فُلَانًا عَشْرَ سِنِينَ، أَوْ يَقُولَ: حَيَاةَ الْمُخْدَمِ. فَإِذَا انْقَرَضَ الْمُخْدَمُ أَوْ انْقَضَتْ الْعَشْرُ سِنِينَ فَهُوَ لِفُلَانٍ، فَهَذَا الَّذِي تَعْرِفُ. وَأَمَّا إذَا جَعَلَ لِوَاحِدٍ خِدْمَتَهُ وَلَمْ يُوَقِّتْ، وَجَعَلَ لِآخَرَ رَقَبَتَهُ، فَأَرَى أَنْ يَتَحَاصَّا، تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ وَتُقَوَّمُ الْخِدْمَةُ عَلَى غَرَرِهَا حَيَاةُ الَّذِي أَخَدَمَ، ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ فِيهَا جَمِيعًا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَخَدَمَ رَجُلًا عَبْدًا إلَى أَجَلٍ مَنْ الْآجَالِ، فَمَاتَ الْمُخْدَمُ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَخْدُمُ وَرَثَةَ الْمُخْدَمِ بَقِيَّةَ الْأَجَلِ إذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ، لَيْسَ مِنْ عَبِيدِ الْحَضَانَةِ وَالْكَفَالَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عَبِيدِ الْخِدْمَةِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرِجَالٍ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ وَهَبْت خِدْمَةَ هَذَا الْعَبْدِ لِفُلَانٍ، ثُمَّ مَاتَ الَّذِي أَخَدَمَ، كَانَ لِوَرَثَتِهِ خِدْمَةُ هَذَا الْعَبْدِ مَا بَقِيَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَرَادَ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ، يُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَقَالَتِهِ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا أَوْصَى فِي عَبْدٍ يَخْدُمُ فُلَانًا وَلَمْ يَقُلْ حَيَاتَهُ وَلَمْ يُوَقِّتْ شَيْئًا مِنْ السِّنِينَ، وَأَوْصَى بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ لِرَجُلٍ آخَرَ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ، فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْعَبْدِ، فَالْخِدْمَةُ هِيَ حَيَاةُ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرِجَالٍ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ وَهَبْت خِدْمَةَ هَذَا الْعَبْدِ لِفُلَانٍ، فَإِنَّمَا هِيَ حَيَاةَ فُلَانٍ، وَلَوْ كَانَ أَرَادَ حَيَاةَ الْعَبْدِ لَكَانَتْ الرَّقَبَةُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْخِدْمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْجِعٌ إلَى سَيِّدِهِ فَقَدْ أُثْبِتَتْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ.

[فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ حَيَاتَهُ وَبِمَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِهِ لِآخَرَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ حَيَاتَهُ، وَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِي لِفُلَانٍ. فَأَصَابُوا الْعَبْدَ الَّذِي أَوْصَى الْمَيِّتُ بِخِدْمَتِهِ هُوَ الثُّلُثُ؟ قَالَ: أَرَاهُ إذَا أُنْفِذَتْ الْخِدْمَةُ، فَأَرَاهُ لِلَّذِي أَوْصَى لَهُ بِبَقِيَّةِ الثُّلُثِ - زَادَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوْ نَقَصَتْ - لِأَنَّهُ كَانَ ثُلُثَ الْمَيِّتِ يَوْمَ أُخْرِجَ، فَإِنَّمَا الْقَضَاءُ فِيهِ يَوْمَ أُخْرِجَ وَقُوِّمَ

وَسَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: دَارِي حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ حَيَاتَهُ وَمَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِي فَلِفُلَانٍ، فَكَانَ الثُّلُثُ كَفَافَ الدَّارِ. أَتَرَى لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِبَقِيَّةِ الثُّلُثِ إذَا رَجَعَتْ الدَّارُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الدَّارِ؟
قَالَ: نَعَمْ أَرَى أَنْ يَرْجِعَ فِي الدَّارِ فَيَأْخُذَهَا كُلَّهَا، لِأَنَّ الدَّارَ بَقِيَّةُ الثُّلُثِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ: غُلَامِي يَخْدُمُ فُلَانًا حَيَاتَهُ وَمَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثٍ فَلِفُلَانٍ.
قَالَ مَالِكٌ: يُعْطَى صَاحِبُ الْخِدْمَةِ الْغُلَامَ كُلَّهُ، فَإِنْ رَجَعَ الْغُلَامُ يَوْمًا مَا رَجَعَ الْمُوصَى لَهُ بِبَقِيَّةِ الثُّلُثِ فَيَأْخُذُ بِبَقِيَّةِ الثُّلُثِ.
قُلْتُ: وَيَأْخُذُ الْغُلَامَ كُلَّهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ أَرَى أَنْ يَأْخُذَهُ كُلَّهُ.
قُلْتُ: وَيَكُونُ الْعَبْدُ لِهَذَا الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ إذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الثُّلُثَ؟
قَالَ: نَعَمْ أَرَى أَنْ يَأْخُذَهُ كُلَّهُ إذَا رَجَعَ.

[فِيمَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا وَبِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِوَصَايَا وَبِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ

فِي رَجُلٍ أَوْصَى فَقَالَ: أَوْقِدُوا فِي هَذَا الْمَسْجِدِ مِصْبَاحَهُ وَأَقِيمُوهُ لَهُ، وَأَوْصَى مَعَ ذَلِكَ بِوَصَايَا، كَيْفَ يَرَى الْعَمَلَ فِيهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَنْظُرُ كَمْ قِيمَةُ ثُلُثِ الْمَيِّتِ وَإِلَى مَا أَوْصَى بِهِ مِنْ الْوَصَايَا، فَيَتَحَاصُّونَ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ يُحَاصُّ لِلْمَسْجِدِ بِقِيمَةِ الثُّلُثِ، وَلِلْوَصَايَا بِمَا سَمَّى لَهُمْ فِي الثُّلُثِ، فَمَا صَارَ لِلْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُحَاصَّةِ وُقِفَ لَهُ وَاسْتُصْبِحَ بِهِ فِيهِ حَتَّى يُنْجَزَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، فَقَالَ مَالِكٌ فِيهَا هَذَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِشَيْءٍ لَيْسَ لَهُ غَايَةٌ وَلَا أَمَدٌ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَعْطُوا الْمَسَاكِينَ كُلَّ يَوْمٍ خُبْزَةً، أَوْ قَالَ اسْقُوا كُلَّ يَوْمٍ رَاوِيَةَ مَاءٍ فِي السَّبِيلِ، فَهَذَا كَأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنَّمَا يُحَاصُّ لِهَذَا بِالثُّلُثِ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى مَعَ هَذَا بِوَصَايَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ إلَى النَّاسِ بِغَيْرِ أَجَلٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَعْطُوا الْمَسَاكِينَ دِرْهَمًا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ كُلَّ شَهْرٍ وَلَمْ يُؤَجِّلْ، فَإِنَّهُمْ يُضْرَبُ لَهُمْ بِالثُّلُثِ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى مَعَهُمْ بِوَصَايَا.

[فِي خَلْعِ الثُّلُثِ مِنْ الْوَرَثَةِ إذَا لَمْ يُجِيزُوا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِسُكْنَى دَارِهِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهَا؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَسْلِمُوا إلَيْهِ سُكْنَاهَا وَإِلَّا فَاقْطَعُوا لَهُ بِثُلُثِهَا بَتْلًا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: بَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ مِثْلُهُ. سَحْنُونٌ: وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ.

قُلْتُ: فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضَهُ مِنْ فُلَانٍ سِنِينَ مُسَمَّاةً بِكَذَا وَكَذَا، فَنَظَرُوا إلَى الْأَرْضِ فَكَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ؟
قَالَ: فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَسْلِمُوا مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ الْمَيِّتُ بِالْكِرَاءِ الَّذِي قَالَ، فَإِنْ أَبَوْا قِيلَ لَهُمْ: فَأَخْرِجُوا لَهُ مِنْ ثُلُثِ الْمَيِّتِ بَتْلًا بِغَيْرِ ثَمَنٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِوَصَايَا - وَلِلْمَيِّتِ مَالٌ حَاضِرٌ وَمَالٌ غَائِبٌ - أَوْصَى بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ وَبِالرُّبُعِ الْآخَرِ وَبِالسُّدُسِ الْآخَرِ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَجِيزُوا، فَإِنْ أَبَوْا كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ وَيُقَالُ لَهُمْ: ابْرَءُوا إلَيْهِمْ مِنْ ثُلُثِ الْمَيِّتِ مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ إذَا خَرَجَ، فَيَتَحَاصُّ أَهْلُ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِ هَذَا الْعَيْنِ بِقَدْرِ وَصَايَاهُمْ، فَإِذَا خَرَجَ الدَّيْنُ أَخَذُوا ثُلُثَهُ فَيَتَحَاصُّونَ فِيهِ أَيْضًا بِقَدْرِ وَصَايَاهُمْ.

قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَهُ دُيُونٌ، وَلَيْسَ فِيمَا تَرَكَ مِنْ الْمَالِ الْحَاضِرِ مَا تَخْرُجُ الْمِائَةُ مِنْ ثُلُثِهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُخَيَّرُ الْوَرَثَةُ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يُعْطُوهُ الْمِائَةَ وَيَجْعَلُوهَا لَهُ، وَإِلَّا قَطَعُوا لَهُ بِثُلُثِ الْمَيِّتِ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ إذَا أَبَوْا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ قِيلَ لَهُمْ: ابْرَءُوا بِثُلُثِ الْمَيِّتِ إلَيْهِمْ حَيْثُمَا كَانَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ مِائَةَ دِينَارٍ عَيْنًا وَمِائَةَ دِينَارٍ دَيْنًا، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِخَمْسِينَ دِينَارًا مِنْ الْعَيْنِ، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ آخَرَ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا مِنْ الدَّيْنِ، مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَجِيزُوا، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُجِيزُوا قِيلَ لَهُمْ: أَخْرِجُوا لِأَهْلِ


الْوَصَايَا مِنْ ثُلُثِ الْمَيِّتِ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، وَيُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْأَرْبَعِينَ الدِّينَارِ الدَّيْنِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ لِهَذَا الرَّجُلِ مَا تُسَاوِي السَّاعَةَ نَقْدًا، فَإِنْ قَالُوا: تُسَاوِي السَّاعَةَ نَقْدًا عِشْرِينَ دِينَارًا كَانَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالْخَمْسِينَ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ الْحَاضِرِ، وَالدَّيْنُ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ. وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْأَرْبَعِينَ مِنْ ثُلُثِ الدَّيْنِ وَالْمَالِ سَهْمَانِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ، يَقْتَسِمُونَ ثُلُثَ الْمَيِّتِ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ فَلَمْ يَحْمِلْ ذَلِكَ الثُّلُثُ، أَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا قَطَعُوا لَهُ مِنْ الْعَيْنِ الدَّيْنِ مَبْلَغَ الثُّلُثِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أُوصِيَ لَهُ بِنَقْدٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيمَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ النَّقْدِ مَا يُخْرِجُ وَصِيَّتَهُ مِنْ ثُلُثِهِ النَّقْدِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: قَدْ عَالَ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْعَيْنِ وَبَلَغَهَا فِي أَخْذِ الْعَرْضِ خُيِّرَ الْوَرَثَةُ، فَإِنْ أَجَازُوا لَهُ مَا أَوْصَى لَهُ مِنْ النَّقْدِ وَإِلَّا قِيلَ لَهُمْ: أَخْرِجُوا لَهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ حَيْثُمَا كَانَ.
قُلْتُ: وَأَصْلُ هَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ عَالَ فِيهَا عَلَى الثُّلُثِ وَأَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فِي الْعَيْنِ الْحَاضِرِ، فَأَبَتْ الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ أَخْرِجُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ حَيْثُمَا كَانَ فَيَكُونُ لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثُ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّ مَالِكًا قَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهَا. قَالَ لَنَا فِيهَا قَوْلَانِ: إذَا أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِدَابَّةٍ بِعَيْنِهَا وَالثُّلُثُ لَا يَحْمِلُهُ، فَأَبَتْ الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا، فَإِنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: ادْفَعُوا إلَيْهِ مَبْلَغَ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ فِي الْعَبْدِ أَوْ الدَّابَّةِ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ وَقَعَتْ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: يَبْرَءُونَ إلَيْهِ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ حَيْثُمَا كَانَ، فَهُوَ أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ وَأَحَبُّ قَوْلِهِ إلَيَّ أَنْ يُقْطَعَ لَهُ بِثُلُثِ الْمَيِّتِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ الْمَيِّتُ.

[فِيمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ الْعَيْنِ وَثُلُثِ مَالِهِ الدَّيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ مِائَةَ دِينَارٍ عَيْنًا وَمِائَةَ دِينَارٍ دَيْنًا، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ الْعَيْنِ وَأَوْصَى لِآخَرَ بِثُلُثِ الدَّيْنِ؟
قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَلَا تَرَى هَذَا الْمَيِّتَ هَهُنَا قَدْ أَوْصَى لِهَذَا الَّذِي قَدْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِمَّا أَوْصَى لِلْمُوصَى بِثُلُثِ الدَّيْنِ؟
قَالَ: وَمَا تُبَالِي كَانَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّكَ إنَّمَا تُعْطِيهِ وَصِيَّتَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تُعْطِي صَاحِبَ الْعَيْنِ وَصِيَّتَهُ مِنْ الْعَيْنِ وَصَاحِبَ الدَّيْنِ وَصِيَّتَهُ مِنْ الدَّيْنِ وَهُوَ ثُلُثُ الْمَيِّتِ

[فِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَمَالٌ غَائِبٌ]
ٌ قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ - وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَمَالٌ غَائِبٌ - وَالْعَبْدُ لَا يُخْرَجُ


مِنْ الْمَالِ الْحَاضِرِ، كَيْفَ يَصْنَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُوقَفُ الْعَبْدُ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْمَالُ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْمَالُ قُوِّمَ الْعَبْدُ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ مَبْلَغُ الثُّلُثِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْعَبْدُ: الْمَالُ الْغَائِبُ بَعِيدٌ عَنَّا، أَوْ أَجَلُهُ أَجَلٌ بَعِيدٍ، فَأَعْتِقُوا مِنِّي مَبْلَغَ ثُلُثِ هَذَا الْمَالِ الْحَاضِرِ وَأَوْقِفُوا مِنِّي مَا بَقِيَ حَتَّى يُنْظَرَ فِي الْمَالِ الْغَائِبِ، فَإِنْ خَرَجَ أَعْتَقْتُمْ مِنْهُمْ مَا يَحْمِلُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ كُنْتُ قَدْ عَتَقَ مِنِّي مَبْلَغُ ثُلُثِ الْمَالِ الْحَاضِرِ، لِأَنِّي أَتَخَوَّفُ تَلَفَ الْمَالِ الْحَاضِرِ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ. قَالَ سَحْنُونٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ فِيمَا يَشْتَدُّ وَجْهُ مَطْلَبِهِ وَيَعْسُرُ جَمْعُ الْمَالِ وَيَطُولُ ذَلِكَ.

[فِيمَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا وَلَا يَحْمِلُ ذَلِكَ الثُّلُثُ]
ُ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ أَوْصَى لَهُمْ رَجُلٌ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَالثُّلُثُ لَا يَحْمِلُ ذَلِكَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ لَهُ: أَقْبَلُ الْوَصِيَّةَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُحَاصُّ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ بِوَصِيَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي رَدَّ وَصِيَّتَهُ أَهْلُ الْوَصَايَا فَيَأْخُذُونَ وَصِيَّتَهُ فَيَقْسِمُونَهَا مَعَ مِيرَاثِهِمْ.

قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لِلرَّجُلَيْنِ ثُلُثَا الثُّلُثِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُ أُدْخِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ، وَمَاتَ وَدَرَجَ وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ رَجَعَ مَا كَانَ لَهُ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ فَكَانَ لِلْوَرَثَةِ مُحَاصَّةُ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ دَخَلُوا مَدْخَلَ الرَّادِّ، وَقَدْ كَانَ الرَّادُّ لَوْ لَمْ يَرُدَّ لَحَاصَّهُمْ، فَلَمَّا رَدَّ وَقَعَتْ الْوَرَثَةُ مَوْقِعَهُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَدْخَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الرُّوَاةِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا.

ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِلرَّجُلِ بِثُلُثِ الثُّلُثِ أَوْ رُبُعِ الثُّلُثِ، وَلِآخَرِينَ بِعِدَّةِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ: إنَّهُمْ يَتَحَاصُّونَ جَمِيعًا فِي الثُّلُثِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِرُبُعِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِخُمُسِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، وَلِآخَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرُبُعِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِخُمُسِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَانْظُرْ مَا تَبْلُغُ وَصِيَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَمَا تَبْلُغُ الْعِشْرُونَ دِينَارًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ كَمْ هُوَ، فَيُضْرَبُ بِهَا فِي جَمِيعِ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ، وَيَضْرَبُ أَهْلُ الْوَصَايَا بِمَبْلَغِ وَصَايَاهُمْ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْمَالِ، أَنَّهُ يُضْرَبُ بِذَلِكَ فِي الثُّلُثِ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِالثُّلُثِ وَلِآخَرَ بِالنِّصْفِ وَلِآخَرَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَإِنَّكَ تَأْخُذُ لِلْجَمِيعِ سِتَّةَ أَسْهُمٍ، وَالنِّصْفُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَالثُّلُثُ سَهْمَانِ، وَتَنْظُرُ كَمْ مَالُهُ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ سِتِّينَ دِينَارًا كَانَ قَدْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ أَيْضًا، لِلْمُوصَى لَهُ بِالدَّنَانِيرِ لِأَنَّهَا عِشْرُونَ دِينَارًا فَيُضْرَبُ مَعَهُمْ فِي الثُّلُثِ بِسَهْمَيْنِ أَيْضًا، فَيَقْتَسِمُونَ الثُّلُثَ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، فَيَكُونُ


لِلْمُوصَى لَهُ بِالْجَمِيعِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالدَّنَانِيرِ أَيْضًا سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَحِسَابُ هَذَا عَلَى حِسَابِ عَوْلِ الْفَرَائِضِ سَوَاءٌ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَمَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إلَّا عَلَى هَذَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ وَانْتَقَصَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ وَصِيَّةِ صَاحِبِهِ وَفَضَّلَهُمْ فِي عَطِيَّتِهِ، فَهُوَ لَوْ كَانَ مَالُهُ مِائَةَ دِينَارٍ فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ وَلِآخَرَ بِخَمْسِينَ وَلِآخَرَ بِعِشْرِينَ، فَقَدْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَدْخَلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَانْتَقَصَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا قَوْلُ الرُّوَاةِ كُلِّهِمْ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا.

[فِيمَنْ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِرَجُلٍ وَثُلُثِ مَالِهِ لِآخَرَ فَمَاتَ الْعَبْدُ وَقِيمَتُهُ الثُّلُثُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: غُلَامِي مَرْزُوقٌ لِفُلَانٍ، وَلِفُلَانٍ ثُلُثُ مَالِي، وَمَرْزُوقٌ ثُلُثُ مَالِهِ، فَمَاتَ مَرْزُوقٌ قَبْلَ أَنْ يُقَوَّمَ فِي الثُّلُثِ، بِكَمْ يَضْرِبُ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ فِي الْمَالِ؟
قَالَ: بِثُلُثِ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَرْزُوقًا حِينَ مَاتَ بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الْمُوصَى لَهُ بِمَرْزُوقٍ، وَوَصِيَّةُ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثَابِتَةٌ. فَمَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ لَهُ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ مَرْزُوقًا لَمَّا مَاتَ فَكَأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ إلَّا بِثُلُثِ مَالِهِ لِهَذَا الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. سَحْنُونٌ: وَقَدْ أَعْلَمْتُكَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ مَيِّتٌ وَلَا يُقَوَّمُ عَلَى مَيِّتٍ، وَقَوْلُ رَبِيعَةَ فِيهِ إنَّ حَقَّهُ قَدْ سَقَطَ، وَإِنَّ الَّذِي مَاتَ كَأَنَّ الْمُوصِي لَمْ يُوصِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِمَالٍ قَطُّ.

[فِيمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَبِأَشْيَاءَ بِأَعْيَانِهَا لِقَوْمٍ شَتَّى]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَبِرُبُعِ مَالِهِ وَأَوْصَى بِأَشْيَاءَ بِأَعْيَانِهَا لِقَوْمٍ شَتَّى؟
قَالَ: يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ بِأَعْيَانِهَا وَإِلَى ثُلُثِ جَمِيعِ مَالِهِ وَإِلَى رُبُعِ جَمِيعِ مَالِهِ، فَيَضْرِبُونَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ، يَضْرِبُ أَصْحَابُ الْأَعْيَانِ فِي الْأَعْيَانِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الَّذِي جَعَلَ لَهُ الْمَيِّتُ بِمَبْلَغِ وَصِيَّتِهِ، وَيَضْرِبُ أَصْحَابُ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فِي بَقِيَّةِ الثُّلُثِ يَكُونُونَ شُرَكَاءَ مَعَ الْوَرَثَةِ بِمَبْلَغِ وَصَايَاهُمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ هَلَكَتْ الْأَعْيَانُ الَّتِي أَوْصَى بِهَا كُلِّهَا، بَطَلَتْ وَصَايَا أَصْحَابِ الْأَعْيَانِ وَكَانَ ثُلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ بَيْنَ أَصْحَابِ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ يَتَحَاصُّونَ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.


[فِيمَنْ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِرَجُلٍ وَبِسُدُسِ مَالِهِ لِآخَرَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِرَجُلٍ وَبِسُدُسِ مَالِهِ لِآخَرَ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟
قَالَ: يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ هُوَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ ثُلُثُ الثُّلُثِ فِي هَذَا الْعَبْدِ، وَكَانَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالسُّدُسِ ثُلُثُ الثُّلُثِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ، وَبِجَمِيعِ مَالِ الْمَيِّتِ يَكُونُ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ بِالسُّبْعِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الَّذِي أَوْصَى بِهِ نِصْفَ الثُّلُثِ وَقَدْ أَوْصَى لِآخَرَ بِالسُّدُسِ؟
قَالَ: يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ جَمِيعُ الْعَبْدِ، وَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ بِالسُّدُسِ وَصِيَّتَهُ فِيمَا بَقِيَ يَكُونُ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ بِخُمُسِ الْمَالِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ: إنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ بِالْخُمُسِ. وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ، وَعَلَى ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.

[فِي الرَّجُلِ يُوصِي لِوَارِثٍ وَلِأَجْنَبِيٍّ]
ٍّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ بِعَبْدِهِ لِوَارِثٍ وَأَوْصَى لِأَجْنَبِيٍّ بِوَصِيَّةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ لِأَجْنَبِيٍّ وَأَوْصَى لِوَارِثٍ أَيْضًا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَحَاصَّانِ، يُحَاصُّ الْوَارِثُ الْأَجْنَبِيَّ بِالْوَصِيَّةِ فِي الثُّلُثِ، ثُمَّ تَكُونُ حِصَّةُ الْوَارِثِ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ إلَّا أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِوَارِثٍ وَغَيْرِ وَارِثٍ. فَقَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَأَحَدُهُمَا وَارِثٌ وَمَعَهُ وَرَثَةٌ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا نَصِيبُ الْوَارِثِ مِنْ ذَلِكَ فَبَاطِلٌ يُرَدُّ إلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَارِثِ فَلَهُ نَصِيبُهُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ لِوَارِثٍ وَأَوْصَى بِوَصِيَّةٍ لِأَجْنَبِيَّيْنِ وَلَمْ يَسَعْ ذَلِكَ الثُّلُثُ. قَالَ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ لَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا غَيْرَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ، بُدِئَ بالْأجْنَبيِّينَ فِي الثُّلُثِ وَلَمْ يُحَاصُّهُمْ الْوَارِثُ بِشَيْءٍ مِنْ وَصِيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْوَارِثِ وَارِثٌ غَيْرُهُ تَحَاصَّ الْوَارِثُ الَّذِي أَوْصَى لَهُ والأجنبيون فِي الثُّلُثِ، فَمَا صَارَ لِلْأَجْنَبِيِّينَ فِي الْمُحَاصَّةِ أُسْلِمَ إلَيْهِمْ، وَمَا صَارَ لِلْوَارِثِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ شُرَكَاءَهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ يُخَيَّرُونَ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يُنْفِذُوا ذَلِكَ لَهُ أَنْفَذُوهُ، وَإِنْ أَبَوْا رَدُّوا ذَلِكَ فَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ الْيَحْصُبِيُّ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْقُرَشِيَّ حَدَّثَهُمْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ عَامَ الْفَتْحِ فِي خُطْبَتِهِ: لَا تَجُزْ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» . ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِذَلِكَ وَقَالَ: «فَإِنْ أَجَازُوا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا» ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِبَّانَ اللَّيْثِيِّ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ابْنُ وَهْبٍ عَنْ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ


سَمِعَ يَحْيَى بْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ الْجَزَرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الدَّيْنُ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَلَيْسَ لِوَارِثٍ وَصِيَّةٌ» .

ابْنُ وَهْبٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَنْ يَغْزُوَ بِهِ. قَالَ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ وَارِثًا لِمَنْ أَحَقُّ مَنْ خَرَجَ بِهِ إذَا أَذِنَ الْوَرَثَةُ وَطَيَّبُوا. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَضَعُهُ حَيْثُ يَرَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ أَرَادَ وَلِيُّهُ أَنْ يَغْزُوَ بِهِ وَلَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُهُ يُرِيدُونَ الْغَزْوَ فَإِنَّهُمْ يَغْزُونَ فِيهِ بِالْحِصَصِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ. وَهُوَ يُرِيدُ الْغَزْوَ، فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ أَنْ يَسْتَنْفِقَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا وَضَعَ فِيهِ. وَقَالَ رَبِيعَةُ فِي امْرَأَةٍ تُوُفِّيَتْ وَأَوْصَتْ بِوَصِيَّةٍ لِبَعْضِ مَنْ يَرِثُهَا، وَأَوْصَتْ بِوَصِيَّةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَلَّمَ زَوْجُهَا الْوَصِيَّةَ لِلْوَرَثَةِ رَجَاءَ أَنْ يُعْطُوهُ الْوَصِيَّةَ الَّتِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَنَّهُ غَازٍ، فَمُنِعَ الْوَصِيَّةَ الَّتِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَجَازَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ الْوَصِيَّةِ. قَالَ: لَا يَرْجِعُ فِيمَا أَجَازَ، وَلَا يَحْتَجُّ فِي طَلَبِ رَدِّ مَا أَعْطَى لِرَجَاءِ شَيْءٍ لَمْ يُقْطَعْ إلَيْهِ وَلَمْ يُقَرَّ لَهُ.

[فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُوصِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مَا قَوْلُ مَالِكٌ فِيهِ؟ أَصَرُورَةٌ أَحَبُّ إلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ هَذَا الْمَيِّتِ أَمْ مَنْ قَدْ حَجَّ؟
قَالَ: إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ أُنْفِذَ ذَلِكَ وَيَحُجُّ عَنْهُ مَنْ قَدْ حَجَّ أَحَبُّ إلَيَّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا أَوْصَى أَنْ يُنْفِذُوا مَا أَوْصَى بِهِ، وَلَا يُسْتَأْجَرُ لَهُ إلَّا مَنْ قَدْ حَجَّ وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ أَنَا مِنْهُ.
قَالَ: فَإِنْ اسْتَأْجَرُوا مَنْ لَمْ يَحُجَّ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعُوا وَصِيَّةَ هَذَا الْمَيِّتِ إلَى عَبْدٍ لِيَحُجَّ عَنْ هَذَا الْمَيِّتِ، أَيُجْزِئُ عَنْ الْمَيِّتِ؟
قَالَ: لَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ لَا حَجَّ لَهُ، فَمِنْ ثَمَّ رَأَيْتُ أَنْ لَا يَحُجَّ عَنْ هَذَا الْمَيِّتِ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ.

قُلْتُ: فَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ عَنْ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ عَنْ الْمَرْأَةِ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ فِي هَذَا عِنْدَك بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ، لَا يَحُجُّونَ عَنْ مَيِّتٍ أَوْصَى بِحَجٍّ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: فَمَنْ يَضْمَنُ هَذِهِ النَّفَقَةَ الَّتِي حَجَّ بِهَا هَذَا الْعَبْدُ عَنْ الْمَيِّتِ؟
قَالَ: الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ.

قُلْتُ: وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَى عَبْدٍ أُوصِيَ لِيَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ، وَأَرَى إنْ دَفَعُوا ذَلِكَ إلَى عَبْدٍ أُوصِيَ أَنْ يَضْمَنُوا ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا ظَنُّوا أَنَّهُ حُرٌّ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ وَاجْتَهَدَ الدَّافِعُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ جَهْلُهُمْ بِاَلَّذِي يُزِيلُ الضَّمَانَ عَنْهُمْ.


قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ هَذَا الْعَبْدُ نَفْسُهُ، أَوْ هَذَا الصَّبِيُّ نَفْسُهُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِمَا فَيَحُجَّانِ عَنْ الرَّجُلِ إذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ، أَوْ أَذِنَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ، وَلَا تُرَدُّ وَصِيَّتُهُ مِيرَاثًا لِأَنَّ الْحَجَّ بِرٌّ، وَإِنْ حَجَّ عَنْهُ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ لِأَنَّ حَجَّةَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ تَطَوُّعٌ. وَالْمَيِّتُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً أَوْصَى بِحَجَّةٍ تَطَوُّعًا أُنْفِذَ ذَلِكَ، وَلَمْ تُرَدَّ وَصِيَّتُهُ إلَى الْوَرَثَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ، وَأَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ، أَيَجُوزُ إذْنُهُ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَيْعَةٌ أَوْ مَشَقَّةٌ مِنْ السَّفَرِ فَلَا أَرَى ذَلِكَ يَجُوزُ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا قُلْتُهُ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ جَازَ، وَلَوْ خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ. فَإِذَا كَانَ هَذَا كَذَلِكَ، فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا أَوْصَى إلَيْهِ الْمَيِّتُ بِذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ وَكَانَ قَوِيًّا عَلَى الذَّهَابِ وَكَانَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِلْيَتِيمِ فِي هَذَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْوَلِيُّ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يُوقَفَ الْمَالُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ، فَإِنْ حَجَّ بِهِ الصَّبِيُّ وَإِلَّا رَجَعَ مِيرَاثًا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا الَّذِي أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ هَذَا الصَّبِيُّ، عَلِمْنَا أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ التَّطَوُّعَ وَلَمْ يُرِدْ الْفَرِيضَةَ؟
قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ ضَرُورَةً وَقَصَدَ قَصْدَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَقَالَ: يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ، فَأَبَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ. قَالَ: يَحُجُّ عَنْهُ غَيْرُهُ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَلَيْسَ التَّطَوُّعُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْفَرِيضَةِ، وَهَذَا إذَا أَوْصَى بِحَجَّةِ تَطَوُّعٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ فَأَبَى ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رُدَّتْ إلَى الْوَرَثَةِ سَحْنُونٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ وَالصَّرُورَةُ فِي هَذَا وَغَيْرُ الصَّرُورَةِ سَوَاءٌ لِأَنَّ الْحَجَّ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ نَفْسَهُ وَلَيْسَ مِثْلَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمِسْكَيْنِ بِعَيْنِهِ وَلَا شِرَاءَ الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ تِلْكَ لَا قِوَامَ بِعَيْنِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يَقْصِدُ قَصْدَ مِسْكِينٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ مِنْ ثُلُثِي، فَمَاتَ الْمِسْكِينُ قَبْلَ الْمُوصِي، أَوْ أَبَى أَنْ يَقْبَلَ، رَجَعَتْ مِيرَاثًا إلَى وَرَثَتِهِ. أَوْ قَالَ: اشْتَرُوا عَبْدَ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ فَأَعْتِقُوهُ عَنِّي فِي غَيْرِ عِتْقٍ عَلَيْهِ وَاجِبٍ، فَأَبَى أَهْلُهُ أَنْ يَبِيعُوهُ، رَجَعَتْ الْوَصِيَّةُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ وَالْإِيَاسِ مِنْ الْعَبْدِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا فِي حَجَّةِ وَصِيَّتِهِ وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي، أَيُعْطَى مِنْ الثُّلُثِ شَيْئًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يُعْطَى مِنْ الثُّلُثِ بِقَدْرِ مَا يَحُجُّ بِهِ إنْ حَجَّ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحُجَّ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَلَا يَحُجُّ، فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَحُجَّ أُخِذَ مِنْهُ وَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ إلَّا أَنْ يَحُجَّ.

[فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَارِثٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَارِثٌ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: الْوَصِيَّةُ


جَائِزَةٌ، وَيُعْطَى هَذَا الْوَارِثُ قَدْرَ النَّفَقَةِ وَالْكِرَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ فَضْلٌ عَنْ كَرَائِهِ وَنَفَقَةِ مِثْلِهِ لَمْ يُعْطَ الْفَضْلَ، وَرُدَّ الْفَضْلُ إلَى الْوَرَثَةِ: قُلْتُ مَتَى سَمِعْتَ هَذَا مِنْ مَالِكٍ؟ أَرَاك تُخْبِرُ هَهُنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجِيزُ الْوَصِيَّةَ فِي الْحَجِّ وَيَأْمُرُ بِأَنْ تُنْفَذَ، وَقَدْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ؟
قَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْرَهُهُ وَلَا يَرَى أَنْ يُفْعَلَ وَيَقُولُ: إذَا أَوْصَى بِهِ أُنْفِذَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَمْ تُرَدَّ وَحَجَّ عَنْهُ، فَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي لَا نَعْلَمُهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ عِنْدَنَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْت هَذِهِ الْوَصِيَّةَ فِي الْحَجِّ الَّتِي تَذْكُرُ عَنْ مَالِكٍ، أَفَرِيضَةٌ هِيَ أَمْ نَافِلَةٌ؟
قَالَ: الَّذِي سَمِعْنَا مِنْ مَالِكٍ فِي الْفَرَائِضِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ فِي غَيْرِ فَرِيضَةٍ رَأَيْتَ أَنْ تَجُوزَ وَصِيَّتُهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى هَذَا الْمَيِّتُ فَقَالَ: يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ بِثُلُثِي، وَفُلَانٌ ذَلِكَ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثٍ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ وَارِثًا دُفِعَ إلَيْهِ قَدْرُ كَرَائِهِ وَنَفَقَتِهِ وَرُدَّ مَا بَقِيَ عَلَى الْوَرَثَةِ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ دُفِعَ إلَيْهِ الثُّلُثُ يَحُجُّ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْمَالِ عَنْ الْحَجِّ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ.
قُلْتُ: لِمَ جَعَلَ مَالِكٍ لِهَذَا الرَّجُلِ مَا فَضَلَ عَنْ الْحَجِّ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُدْفَعُ إلَى النَّفَقَةُ لِيَحُجَّ عَنْ رَجُلٍ فَيَفْضُلُ عَنْ حَجِّهِ مِنْ النَّفَقَةِ فَضْلَةٌ، لِمَنْ تَرَاهَا؟
قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانُوا اسْتَأْجَرُوهُ فَلَهُ مَا فَضَلَ، وَإِنْ كَانَ أُعْطِيَ عَلَى الْبَلَاغِ رَدَّ مَا فَضَلَ.

قُلْتُ: فَسِّرْ لِي مَا الْإِجَارَةُ وَمَا الْبَلَاغُ؟
قَالَ: إذَا اسْتَأْجَرُوهُ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ فُلَانٍ فَهُوَ إجَارَةٌ، لَهُ مَا زَادَ وَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ: خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَحُجَّ عَنْ فُلَانٍ عَلَى أَنَّ عَلَيْنَا مَا نَقَصَ عَنْ الْبَلَاغِ، أَوْ يُقَالُ لَهُ: خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَحُجَّ مِنْهَا عَنْ فُلَانٍ، فَهَذَا عَلَى الْبَلَاغِ لَيْسَتْ إجَارَةً. وَالنَّاسُ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَأْخُذُونَ إنْ أَخَذُوا عَنْ الْبَلَاغِ فَهُوَ عَلَى الْبَلَاغِ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ ضَمِنُوا الْحَجَّ فَقَدْ ضَمِنُوا الْحَجَّ.

[الْمَرِيضُ تَحِلُّ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخْرَجَ رَجُلٌ زَكَاةَ مَالِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُنْفِذَهَا؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ تَحِلُّ زَكَاةُ مَالِهِ، فَيَقْدَمُ عَلَيْهِ الْمَالُ مَنْ الْبَلَدِ الْغَائِبِ وَيَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ فَيُخْرِجُهَا وَهُوَ مَرِيضٌ، مِنْ أَيْنَ تَرَاهَا؟ أَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْ الثُّلُثِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَا تَبَيَّنَ هَكَذَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَخْرَجَ مَا حَلَّ عَلَيْهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ يَأْتِيهِ الْمَالُ الْغَائِبُ أَوْ يَقْتَضِي الدَّيْنَ وَهُوَ مَرِيضٌ وَقَدْ حَلَّتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَأَرَاهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَيْسَ مِنْ الثُّلُثِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَدِمَتْ عَلَيْهِ أَمْوَالٌ، قَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ زَكَاتَهَا قَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ، وَاقْتَضَى دَيْنًا قَدْ حَلَّ زَكَاتُهُ عَلَيْهِ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاتَهَا، أَتُجْبَرُ الْوَرَثَةُ أَوْ يُؤْمَرُونَ بِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُجْبَرُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَطَّوَّعُوا بِذَلِكَ.


[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِدِينَارٍ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ كُلَّ سَنَةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدِينَارٍ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ كُلَّ سَنَةٍ - وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ ذَلِكَ - فَأَكْرَاهَا الْوَرَثَةُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، فَدَفَعُوا إلَى الْمُوصَى لَهُ دِينَارًا ثُمَّ بَارَتْ الدَّارُ تِسْعَ سِنِينَ فَلَمْ يَجِدُوا مَنْ يَكْتَرِيهَا، أَوْ أَكْرُوهَا بِأَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ؟
قَالَ: يَرْجِعُ الْمُوصَى لَهُ بِالدَّنَانِيرِ عَلَى الْوَرَثَةِ فِي تِلْكَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي أَخَذُوهَا مِنْ كِرَاءِ الدَّارِ أَوَّلَ سَنَةٍ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهَا لِأَنَّهَا مِنْ كِرَاءِ الدَّارِ، وَلَكِنَّ كِرَاءَ الدَّارِ لَا شَيْءَ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُ إلَّا بَعْدَمَا يَسْتَوْفِي الْمُوصَى لَهُ دِينَارَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْرَوْهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فِي السَّنَةِ فَضَاعَتْ الدَّنَانِيرُ إلَّا دِينَارًا وَاحِدًا كَانَ هَذَا الدِّينَارُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالدِّينَارِ. قَالَ: وَلَوْ قَالَ: أَعْطُوا فُلَانًا مِنْ كِرَاءِ كُلِّ سَنَةٍ دِينَارًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْعَشَرَةِ الَّتِي أَكْرَوْهَا تِلْكَ السَّنَةَ إلَّا دِينَارٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ بَارَتْ الدَّارُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ انْهَدَمَتْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْمَيِّتُ مِنْ كِرَاءِ كُلِّ سَنَةٍ دِينَارًا.

قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَبَسَ عَلَى رَجُلٍ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرِ حَائِطِهِ فِي كُلِّ عَامٍ، فَمَضَى لِلنَّخْلِ سَنَتَانِ تُصِيبُهَا الْجَوَائِحُ لَا يَدْفَعُونَ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ أَثْمَرَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ فَجَذُّوا مِنْهَا ثَمَرًا كَثِيرًا. فَقَالَ مَالِكٌ: يُعْطَى لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ لِكُلِّ سَنَةٍ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ يُبْدَأُ بِهَا عَلَى الْوَرَثَةِ، فَإِنْ كَانَتْ كِفَافًا أَخَذَهَا. وَإِنْ أَوْصَى فَقَالَ: أَعْطُوهُ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ سَنَةٍ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَمَضَى لِلنَّخْلِ سَنَتَانِ يُصِيبُهَا الْجَوَائِحُ لَا يَدْفَعُونَ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ أَثْمَرَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَبْدَأُ عَلَى الْوَرَثَةِ فَيَأْخُذُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَ كَفَافًا أَخَذَهَا وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ثَمَرَةِ الْعَامِ الثَّانِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ مِنْ نُقْصَانِ الْعَامِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ فَضْلٌ عَنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَانَ لِلْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَرَثَةِ مِنْ نُقْصَانِ الْعَامِ الثَّانِي شَيْءٌ مِمَّا أَخَذُوا مِنْ الْفَضْلَةِ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ.

[أَوْصَى بِغَلَّةِ دَارٍ لِلْمَسَاكِينِ وَبِخِدْمَةِ عَبْدٍ حَيَاتَهُ فَيُرِيدُ بَيْعَهُ بِنَقْدٍ أَوْ بِدَيْنٍ مِنْ الْوَرَثَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى بِغَلَّةِ دَارِهِ أَوْ بِغَلَّةِ جِنَانِهِ لِلْمَسَاكِينِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِي بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ حَيَاتِي، أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَبِيعَ ذَلِكَ مِنْ الْوَرَثَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-01-2026, 11:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 370الى صــ 378
الحلقة(276)





قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي أَوْصَى بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ حَيَاتَهُ، فَصَالَحَ الْوَرَثَةَ مِنْ خِدْمَتِهِ عَلَى مَالِ أَخَذَهُ، فَمَاتَ الْعَبْدُ وَبَقِيَ الْمُخْدَمُ حَيًّا، هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْوَرَثَةُ بِشَيْءٍ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ بَيْعٌ تَامٌّ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَخَذُوهُ لِيَجُوزَ فِعْلُهُمْ فِيهِ فَهُوَ كَالشِّرَاءِ التَّامِّ.

[فِيمَنْ أَوْصَى بِسُكْنَى دَارِهِ أَوْ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ فَيُرِيدُ أَنْ يُؤَاجِرَهُمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِي بِسُكْنَى دَارِهِ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أُؤَاجِرَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَوْصَى لِي بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا. قَالَ لَهُ: اخْدِمْ ابْنِي مَا عَاشَ ثُمَّ أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ اخْدِمْ ابْنَ أَخِي أَوْ ابْنَتِي أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا ثُمَّ أَنْتَ حُرٌّ، فَيَكُونُ مِنْ الْعَبِيدِ الَّذِينَ لَا يُرَادُ بِهِمْ الْخِدْمَةُ، وَإِنَّمَا نَاحِيَتُهُمْ الْحَضَانَةُ وَالْكَفَالَةُ وَالْقِيَامُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: اخْدِمْ ابْنِي أَوْ ابْنَتِي أَوْ ابْنَ أَخِي عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ يَقُولُ: اخْدِمْهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ أَوْ حَتَّى تَتَزَوَّجَ الْجَارِيَةُ ثُمَّ أَنْتَ حُرٌّ، يَقُولُ ذَلِكَ لِعَبْدِهِ أَوْ لِجَارِيَتِهِ ثُمَّ يَمُوتُ الَّذِي قِيلَ لَهُ

اخْدِمْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، مَا يَصْنَعُ بِالْعَبْدِ وَالْوَلِيدَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مِمَّنْ أُرِيدَ بِهِ الْخِدْمَةُ خَدَمَ وَرَثَةَ الْمَيِّتِ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُرَادُ بِهِ نَاحِيَةَ الْخِدْمَةِ لِرَفَاهِيَتِهِ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ نَاحِيَةُ الْكَفَالَةِ وَالْحَضَانَةِ وَالْقِيَامِ، عُجِّلَ لَهُ الْعِتْقُ السَّاعَةَ وَلَمْ يُؤَخَّرْ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ نَزَلَ بِبَلَدِنَا وَحُكِمَ بِهِ فَأَشَرْتُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَانْظُرْ، فَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ - فِي مَسْأَلَتِكَ - مِنْ الْعَبِيدِ الَّذِينَ يُرَادُ بِهِمْ الْخِدْمَةُ فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يُرَادُ بِهِمْ الْخِدْمَةُ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِمْ الْحَضَانَةُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُمْ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ عَنْ مَالِكٍ

ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ لَهُ عَبْدٌ وَلَهُ ابْنٌ، فَقَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا تَزَوَّجَ ابْنِي فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَبَلَغَ ابْنُهُ فَتَسَرَّى، أَوْ قَالَ الِابْنُ: لَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا - وَلَهُ مَالٌ كَثِيرٌ - قَالَ: الْعَبْدُ عَتِيقٌ وَذَلِكَ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ فِيمَا اشْتَرَطَ حَاجَةٌ طَلَبَهَا لِابْنِهِ إلَى الْعَبْدِ فِي تَزْوِيجِهِ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَنْ يَسْتَعِينَ بِالْعَبْدِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ السِّنِينَ فِي حَاجَتِهِ.

[فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثَمَرَةِ حَائِطِهِ حَيَاتَهُ فَصَالَحَهُ الْوَرَثَةُ مِنْ وَصِيَّتِهِ عَلَى مَالٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثَمَرَةِ حَائِطِهِ حَيَاتَهُ، فَمَاتَ الْمُوصِي - وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ الْحَائِطَ - فَصَالَحَ الْوَرَثَةُ الْمُوصَى لَهُ بِثَمَرَةِ الْحَائِطِ عَلَى مَالٍ دَفَعُوهُ إلَيْهِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ فِي الثَّمَرَةِ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ مَالِك يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُسْكِنُ الرَّجُلَ دَارِهِ حَيَاتَهُ فَيُرِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَبْتَاعَ السُّكْنَى مِنْهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ، أَرَى لِصَاحِبِ النَّخْلِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، وَلِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُمْ. وَإِنَّمَا شِرَاؤُهُمْ ثَمَرَةَ النَّخْلِ مَا لَمْ تُثْمِرْ النَّخْلُ كَشِرَائِهِمْ السُّكْنَى الَّذِي أُسْكِنَ فِي الْغَرَرِ سَوَاءٌ، فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَبَسَ عَلَى رَجُلٍ حَائِطًا - حَيَاتَهُ - أَوْ دَارًا - حَيَاتَهُ - فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُمَا جَمِيعًا، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ تَصِيرُ الدَّارُ إلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي الدَّارِ مِثْلَهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَالرُّوَاةُ كُلُّهُمْ فِي الدَّارِ عَلَى ذَلِكَ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا.

[فِيمَنْ أَوْصَى بِحَائِطِهِ لِرَجُلٍ فَأَثْمَرَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا أَوْصَى بِجِنَانِهِ لِرَجُلٍ فِي مَرَضِهِ، فَأَثْمَرَ الْجِنَانُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ فَمَاتَ الْمُوصِي - وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ الْحَائِطَ وَمَا أَثْمَرَ فِي تِلْكَ السِّنِينَ - لِمَنْ تَكُونُ تِلْكَ الثَّمَرَةُ الَّتِي أَثْمَرَتْ النَّخْلُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَقَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ


مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِخَادِمَةٍ لِرَجُلٍ فَوَلَدَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي: إنَّ وَلَدَهَا لِلْوَرَثَةِ وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ فِي وَلَدِهَا شَيْءٌ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ وَلَدَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَوَلَدُهَا رَقِيقٌ. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ الَّتِي أَثْمَرَتْ النَّخْلُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْحَائِطِ، وَكَذَلِكَ إذَا أُبِّرَتْ النَّخْلُ أَوْ أُلْقِحَتْ الشَّجَرُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أَثْمَرَ الْحَائِطُ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمُوا، أَوْ يَجْمَعُوا الْمَالَ ثُمَّ جَمَعُوا الْمَالَ فَحَمَلَ الثُّلُثُ الْحَائِطَ، لِمَنْ تَكُونُ الثَّمَرَةُ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يُدَبِّرُ عَبْدَهُ ثُمَّ يَمُوتُ فَيُوقَفُ مَالُ الْمُدَبَّرِ حَتَّى يُجْمَعَ مَالُ الْمَيِّتِ فَيَكْتَسِبَ الْمُدَبَّرُ مَالًا قَبْلَ أَنْ يُجْمَعَ مَالُ الْمَيِّتِ: فَإِنَّ مَالَ الْمُدَبَّرِ الَّذِي مَاتَ السَّيِّدُ عَنْهُ - وَهُوَ فِي يَدَيْهِ - يُقَوَّمُ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ، وَلَا يُقَوَّمُ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ مَا أَفَادَ مِنْ مَالِ كَسْبِهِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا، فَإِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ بِمَالِهِ الَّذِي مَاتَ السَّيِّدُ وَهُوَ فِي يَدَيْهِ كَانَ مَا كَسَبَ أَوْ أَفَادَ لِلْمُدَبَّرِ وَلِلْعَبْدِ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ، إنْ كَانَ أَوْصَى بِهِ لِأَحَدٍ، قَالَ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ وَلَا يَبِيعَ، فَإِنْ فَعَلَ فَرَبِحَ مَالًا فِي مَالِهِ الَّذِي تَرَكَهُ سَيِّدُهُ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ مِنْ سِلَعٍ اشْتَرَاهَا، كَانَ ذَلِكَ الرِّبْحُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الَّذِي مَاتَ السَّيِّدُ عَنْهُ وَهُوَ فِي يَدَيْهِ يُقَوَّمُ بِهِ مَعَ رَقَبَتِهِ، وَالرِّبْحُ هَهُنَا خِلَافُ الْفَوَائِدِ وَالْكَسْبِ. قَالَ: فَإِنْ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ بَتْلًا وَلَا مَالَ لِلْعَبْدِ، فَوَقَفَ الْعَبْدَ لِمَا يُخَافُ مِنْ تَلَفِ الْمَالِ فَأَفَادَ مَالًا. قَالَ: فَلَا يَدْخُلُ مَا أَفَادَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، وَلَا بَعْدَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ثُلُثِهِ، وَكَانَ فِيمَا أَفَادَ بَعْدَ عِتْقِهِ بَتْلًا، بِمَنْزِلَةِ مَنْ أُوصِيَ لَهُ بِالْعِتْقِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ وَيَجْرِي مَجْرَاهُ فِيمَا كَانَ فِي يَدَيْهِ وَمَا أَفَادَ. قَالَ: وَإِنْ اسْتَحْدَثَ الْمَرِيضُ الَّذِي أَعْتَقَ بَتْلًا دَيْنًا، كَانَ مَا اُسْتُحْدِثَ مِنْ الدَّيْنِ مُضِرًّا بِالْعَبْدِ وَيَلْحَقُهُ، لِأَنَّ مَا اُسْتُحْدِثَ مِنْ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَا تَلِفَ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ.
قَالَ: وَالثَّمَرَةُ إذَا مَا أَثْمَرَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ إذَا خَرَجَتْ النَّخْلُ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَا تُقَوَّمُ الثَّمَرَةُ مَعَ الْأَصْلِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوِلَادَةٍ فَتُقَوَّمُ مَعَهَا، وَإِنَّمَا تُقَوَّمُ مَعَ الْأَصْلِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي الْوِلَادَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَالثَّمَرَةُ هَهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ وَالْغَلَّةِ وَهُوَ رَأْيِي.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ لَنَا غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ: إنَّ مَا اجْتَمَعَ فِي يَدِ الْمُدَبَّرِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ مِنْ تِجَارَةٍ فِي حَالِ الْوَقْفِ لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَالِ السَّيِّدِ مِنْ كَسْبِهِ، أَوْ فِي مَالٍ إنْ كَانَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَوْ مِنْ فَوَائِدَ طَلَعَتْ لَهُ مِنْ الْهِبَاتِ وَغَيْرِهَا، إلَّا مَا جَنَى بِهِ عَلَيْهِ فَأَخَذَ لَهُ أَرْشًا، فَإِنَّ ذَلِكَ مَالٌ لِسَيِّدِهِ الْمَيِّتِ. فَجَمِيعُ مَا صَارَ فِي يَدِ الْمُدَبَّرِ مِمَّا وَصَفْتُ لَكَ يُقَوَّمُ مَعَ رَقَبَتِهِ، وَهُوَ كَمَالِهِ الَّذِي مَاتَ سَيِّدُهُ عَنْهُ وَهُوَ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ الرَّقَبَةُ مِنْ الثُّلُثِ بِالْمَالِ خَرَجَ حُرًّا وَكَانَ الْمَالُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَمَا خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنْ خَرَجَ نِصْفُهُ عَتَقَ نِصْفُهُ وَبَقِيَ الْمَالُ فِي يَدَيْهِ مَوْقُوفًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ شِرْكٌ فِي نَفْسِهِ. فَالْعَبْدُ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ مَا أُعْتِقَ بَتْلًا فِي مَرَضِهِ وَالْعَبْدُ الْمُوصَى بِهِ


لِرَجُلٍ، وَالنَّخْلُ الْمُوصَى بِهَا، مِثْلُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ فِي الْمُدَبَّرِ، إنْ خَرَجَتْ النَّخْلُ وَثَمَرُهَا الْمَوْقُوفُ وَالْعَبْدُ الْمُوصَى بِهِ لِرَجُلٍ وَكَسْبُهُ الْمَوْقُوفُ، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ مَعَ رَقَبَتِهِ وَتُقَوَّمُ الثَّمَرَةُ مَعَ رِقَابِ النَّخْلِ، فَإِنْ خَرَجَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ كَانَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَإِنْ خَرَجَ نِصْفُ ذَلِكَ فَلِلْمُوصَى لَهُ بِهِ نِصْفُ ذَلِكَ، فَلِلْمُوَصَّى لَهُ بِهِ نِصْفُ النَّخْلِ وَالثَّمَرَةِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ نِصْفُ الْعَبْدِ، وَيَبْقَى الْمَالُ مَوْقُوفًا فِي يَدِ الْعَبْدِ لِلشَّرِكَةِ الَّتِي فِي الْعَبْدِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ، فَخُذْ هَذَا الْبَابَ عَلَى هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، هُوَ أَعْدَلُ أَقَاوِيلِ أَصْحَابِنَا.

[أَوْصَى لِلْمَسَاكِينِ بَغْلَة دَاره فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ وَيَلِي تَفْرِقَتَهَا وَيُوصِي]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: غَلَّةُ دَارِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، وَأَنَا أُفَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ وَهِيَ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ صَحِيحٌ سَوِيٌّ يَوْمَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ. وَقَالَ: فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ مَنْ بَعْدِي مِنْ وَرَثَتِي أَنْ يَرُدَّهَا فَهِيَ وَصِيَّةٌ مَنْ ثُلُثِي تُبَاعُ فَيُعْطَى الْمَسَاكِينَ ثَمَنَهَا؟
قَالَ: ذَلِكَ نَافِذٌ وَلَوْ قَالَ هِيَ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِي الَّتِي أَنَا قَسَمْتُهَا، فَإِنْ مِتُّ فَرَدَّ ذَلِكَ وَرَثَتِي، بِيعَتْ وَتُصُدِّقَ مِنْ ثُلُثِي بِثَمَنِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، لَمْ يَنْفُذْ وَكَانَتْ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي فَيَقُولُ: غُلَامِي هَذَا لِفُلَانٍ ابْنِي - وَلَهُ وَلَدٌ غَيْرُهُ - فَإِنْ لَمْ يُنَفِّذُوا ذَلِكَ لَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَلَمْ يُنَفِّذُوهُ فَلَا حُرِّيَّةَ لَهُ، وَهُوَ مِيرَاثٌ. وَلَوْ قَالَ: هُوَ حُرٌّ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَرَثَتِي أَنْ يُنَفِّذُوهُ لِابْنِي كَانَ ذَلِكَ، كَمَا أَوْصَى إلَّا أَنْ يُنَفِّذُوهُ لِابْنِهِ، فَاشْتِرَاطُ الصَّحِيحِ مِثْلُ هَذَا مَا أَقَرَّهُ فِي يَدَيْهِ لِوَرَثَتِهِ مِثْلَهُ، وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُنَفِّذُوهُ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَا يَجُوزُ. وَمَا اشْتَرَطَ لِلْمَسَاكِينِ وَإِنْ هُمْ لَمْ يُنَفِّذُوهُ فَهُوَ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ فَهُوَ جَائِزٌ وَهِيَ وَصِيَّةٌ. قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِوَارِثٍ بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَقَالَ: إنْ لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الضَّرَرُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَارِثِ وَلَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُرَدُّ ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: دَارِي أَوْ فَرَسِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَرَثَتِي أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ لِابْنِي فُلَانٍ: فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُنَفَّذُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إنْ لَمْ يُنَفِّذُوهُ لِابْنِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ.

[فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِوَصِيَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى]
قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى فَقَالَ: لِفُلَانٍ ثَلَاثُونَ دِينَارًا، ثُمَّ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ - لِذَلِكَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ - أَيَضْرِبُ بِالثُّلُثِ وَبِالثَّلَاثِينَ مَعَ أَهْلِ الْوَصَايَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: يَضْرِبُ بِالْأَكْثَرِ عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لِفُلَانٍ دَارٌ مِنْ دُورِي، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لِفُلَانٍ - لِذَلِكَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ - مِنْ دُورِي عَشْرَةُ دُورٍ، وَلِلْمَيِّتِ عِشْرُونَ دَارًا؟
قَالَ:


سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: لِفُلَانٍ مَنْ أَرْضِي مَبْذَرُ عِشْرِينَ مُدِّيًّا فِي وَصِيَّتِهِ. قَالَ: يُنْظَرُ كَمْ الْأَرْضُ كُلُّهَا، مَبْذَرُ كَمْ هِيَ، فَإِنْ كَانَتْ مَبْذَرَ مِائَتَيْنِ مُدِّيًّا قُسِمَتْ فَأُعْطِيَ الْمُوصَى لَهُ عُشْرُ ذَلِكَ، يُضْرَبُ لَهُ بِالسَّهْمِ، وَإِنْ وَقَعَتْ وَصِيَّةً فَكَانَتْ مَبْذَرَ خَمْسَةِ أَمْدَاءٍ لِكَرْمِ الْأَرْضِ وَارْتِفَاعِهَا، أَوْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ مَبْذَرُ أَرْبَعِينَ مُدِّيًّا لِرَدَاءَةِ الْأَرْضِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ: فَالدُّورُ عِنْدِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا حَمَلَ الثُّلُثُ الْوَصِيَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثُ الْوَصِيَّةَ، فَمِقْدَارُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثُ ذَلِكَ فَأَجَازَتْ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ، كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الدُّورُ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى؟
قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كَانَتْ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى، يُعْطَى عُشْرُ كُلِّ نَاحِيَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ أَوْصَى لَهُ فِي الْأُولَى بِعِدَّةِ دَنَانِيرَ، ثُمَّ أَوْصَى لِذَلِكَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ بِعِدَّةِ دَنَانِيرَ وَهِيَ أَقَلُّ مَنْ الْأُولَى؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُؤْخَذُ لَهُ بِالْأَكْثَرِ.
قَالَ وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ أَوْصَى لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ الْآخِرَةِ بِغَيْرِ الدَّنَانِيرِ جَازَتَا جَمِيعًا. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَإِنْ أَوْصَى لَهُ فِي الْأُولَى بِدَنَانِيرَ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ الْآخِرَةِ، أُخِذَ لَهُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَجْمَعَانِ لَهُ إذَا كَانَتْ دَنَانِيرَ عَلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَيُؤْخَذُ لَهُ بِالْأَكْثَرِ كَانَتْ مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ الْآخِرَةِ كُلِّهَا.
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ أَوْ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ صِنْفًا مِنْ الْأَصْنَافِ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، فَقَالَ: لِفُلَانٍ وَصِيَّةٌ فِي مَالِي عَشَرَةُ أَرَادِبَ حِنْطَةً، ثُمَّ قَالَ: لِفُلَانٍ - ذَلِكَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ - مَرَّةً أُخْرَى فِي مَالِي وَصِيَّةُ خَمْسَةَ عَشَرَةَ إرْدَبًّا حِنْطَةً. قَالَ: هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ.

قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: لِفُلَانٍ مِنْ غَنَمِي عَشْرُ شِيَاهٍ وَصِيَّةً، ثُمَّ قَالَ: لِفُلَانٍ - ذَلِكَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ - مَرَّةً أُخْرَى فِي غَنَمِي عِشْرُونَ شَاةً، أَكُنْتَ تَجْعَلُ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ؟
قَالَ: نَعَمْ أَجْعَلُهَا بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ كَمَا أَخْبَرْتُكَ فِي الدَّنَانِيرِ عَنْ مَالِكٍ، وَانْظُرْ إلَى عِدَّةِ الْغَنَمِ فَإِنْ كَانَتْ مِائَةً أَعْطَيْتُهُ خُمُسَهَا بِالسَّهْمِ، فَإِنْ وَقَعَ لَهُ فِي سَهْمٍ ثَلَاثُونَ أَوْ عِشْرُونَ أَوْ عَشَرَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا، وَكَذَلِكَ فَسَّرَ لِي مَالِكٌ فِي الَّذِي يَقُولُ لِفُلَانٍ عِشْرُونَ شَاةً مِنْ غَنَمِي وَهِيَ مِائَةُ شَاةٍ، إنَّ لَهُ خُمُسَهَا تُقْسَمُ بِالسَّهْمِ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْخُمُسِ مَا دَخَلَ مِنْهَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَبْدَانِ مِنْ عَبِيدِي، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لِفُلَانٍ - ذَلِكَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ - عَشَرَةُ أَعْبُدٍ مِنْ عَبِيدِي؟
قَالَ: أَجْعَلُهَا وَصِيَّةً وَاحِدَةً، آخُذُ لَهُ بِالْأَكْثَرِ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ. قَالَ: وَإِنَّمَا الْوَصِيَّتَانِ إذَا اجْتَمَعَتَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِثْلُ وَصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، أُخِذَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْأَكْثَرِ - كَانَتْ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ الْآخِرَةُ هِيَ أَكْثَرَ أَوْ الْأُولَى - فَهُوَ سَوَاءٌ، وَيُعْطَى الْمُوصَى لَهُ الْأَكْثَرُ وَلَا يَجْتَمِعَانِ لَهُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الدَّنَانِيرِ: يُعْطَى الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ، فَعَلَى هَذَا رَأَيْتُ ذَلِكَ.

[فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ وَصِيَّةً ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِآخَرَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: دَارِي لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: دَارِي لِفُلَانٍ، لِرَجُلٍ آخَرَ.


وَالدَّارُ الَّتِي أَوْصَى بِهَا هِيَ دَارٌ وَاحِدَةٌ، أَيَكُونُ قَوْلُهُ الْآخَرُ نَقْضًا لِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ إذَا قَالَ دَارِي أَوْ دَابَّتِي أَوْ ثَوْبِي لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِدَابَّتِهِ - تِلْكَ بِعَيْنِهَا - دَابَّتِي لِفُلَانٍ لِرَجُلٍ آخَرَ، أَوْ قَالَ فِي ثَوْبِهِ ذَلِكَ ثَوْبِي لِفُلَانٍ يُرِيدُ رَجُلًا آخَرَ، أَتَكُونُ وَصِيَّتُهُ الْآخِرَةُ نَقْضًا لِوَصِيَّتِهِ الْأُولَى فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَبَلَغَنِي عَنْهُ، أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ قَوْلَ مَالِكٍ هَذَا، أَنَّ الَّذِي يَقُولُ ثُلُثَ مَالِي لِفُلَانٍ ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعُ مَالِي لِفُلَانٍ، أَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي الثُّلُثِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ حِينَ قَالَ ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعُ مَالِي لِفُلَانٍ، لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذَا مَالِي لِفُلَانٍ نَقْضًا لِلْوَصِيَّةِ الْأُولَى حِينَ قَالَ ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ.

قُلْتُ: وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِ ثَلَاثِ دُورٍ لَهُ، فَاسْتُحِقَّ مِنْهَا دَارَانِ أَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ دَارِهِ فَاسْتُحِقَّ مِنْهَا الثُّلُثَانِ؟
قَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى مَا اُسْتُحِقَّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الرَّجُلُ: الْعَبْدُ الَّذِي أَوَصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ هُوَ وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ رَجُلٍ آخَرَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ الْآخِرَةِ مَا يَنْقُضُ الْأُولَى، فَإِنَّ الْآخِرَةَ تَنْقُضُ الْأُولَى، فَأَرَى هَذَا نَقْضًا لِلْوَصِيَّةِ الْأُولَى.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: عَبْدِي فُلَانٌ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَهُوَ حُرٌّ، ثُمَّ أَوْصَى بِذَلِكَ الْعَبْدِ لِرَجُلٍ، أَتَرَاهُ قَدْ نَقَضَ مَا كَانَ جَعَلَ لَهُ مِنْ الْعِتْقِ؟
قَالَ: إذَا قَالَ عَبْدِي هَذَا هُوَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ لِفُلَانٍ فَأَرَاهُ نَاقِضًا لِلْوَصِيَّةِ وَأَرَاهُ كُلَّهُ لِفُلَانٍ. وَإِذَا قَالَ عَبْدِي لِفُلَانٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ حُرٌّ، فَإِنَّهُ أَيْضًا يَكُونُ حُرًّا وَلَا يَكُونُ لِفُلَانٍ الْمُوصَى لَهُ بِهِ فِيهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِآخَرَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ عَطَايَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيهَا، وَهَذَا عِتْقٌ لَا يُشْتَرَكُ فِيهِ وَهُوَ رَأْيِي.

سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ حَضَرَهُ سَفَرٌ فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ كَتَبَ وَصِيَّةً أُخْرَى وَهُوَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ. قَالَ: كِلْتَاهُمَا جَائِزَةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ نَقَضَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْأُولَى شَيْئًا.

يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ اشْتَكَى وَقَدْ كَانَ أَوْصَى فِي حَيَاتِهِ بِوَصِيَّةٍ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ، فَصَحَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، فَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ سِنِينَ ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَأَوْصَى بِوَصَايَا أُخَرَ أَعْتَقَ فِيهَا. قَالَ: إنْ كَانَ عَلِمَ بِوَصِيَّتِهِ الْأُولَى فَأَقَرَّهَا، فَإِنَّ مَا كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ الْآخِرَةِ مِنْ شَيْءٍ يَنْقُضُ مَا كَانَ فِي الْأُولَى، فَإِنَّ الْآخِرَةَ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَمَا كَانَ فِي الْأُولَى مِنْ شَيْءٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ فِي الْوَصِيَّةِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفُذَانِ جَمِيعًا عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ.

ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ بَعْدَ وَصِيَّتِهِ الْأُولَى، إنَّ الْآخِرَةَ تَجُوزُ مَعَ الْأُولَى إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآخِرَةِ نَقْضٌ لِمَا فِي الْأُولَى. وَقَالَ مَالِكٌ مِثْلَهُ، لِابْنِ وَهْبٍ هَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا.


فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ: لِفُلَانٍ مِثْلُ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِي وَيَتْرُكُ نِسَاءً وَرِجَالًا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُقْسَمَ مَالُهُ عَلَى عِدَّةِ مَنْ تَرَكَ مِنْ الْوَرَثَةِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ سَوَاءٌ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمْ، الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ، ثُمَّ يُؤْخَذُ حَظُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْوَرَثَةِ فَيَجْمَعُونَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ بَعْدَ الَّذِي أَخَذَ الْمُوصَى لَهُ، فَيَقْتَسِمُونَ ذَلِكَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. قَالَ: فَأَرَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُوصَى لَهُ الثُّلُثُ فِي مَسْأَلَتِكَ - وَهُوَ رَأْيِي - قَالَهُ أَشْهَبُ كُلَّهُ.

[فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِغَنِيٍّ وَفَقِيرٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ - وَأَحَدُهُمَا غَنِيٌّ وَالْآخَرُ فَقِيرٌ قَالَ: الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِوَلَدِ وَلَدِي؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانُوا غَيْرَ وَرَثَتِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ بَعْضُهُمْ وَوُلِدَ غَيْرُهُمْ، ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجْمَعُوا الْمَالَ وَيُقْسَمُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِأَخْوَالِهِ وَأَوْلَادِهِمْ أَوْ لِمَوَالِيهٍ بِثُلُثِهِ، فَمَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ نَفَرٌ وَوُلِدَ لِآخَرِينَ مِنْهُمْ وَذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يَكُونُ الثُّلُثُ عَلَى مَنْ أَدْرَكَ الْقَسْمَ مِنْهُمْ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمَالُ. قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ لِأُولَئِكَ، فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُ هَذَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ: ثُلُثُ مَالِي لِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ - وَهُمْ عَشَرَةُ رِجَالٍ - فَمَاتَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَبْلَ قِسْمَةِ الْمَالِ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ نَصِيبَ هَذَا الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَوَّلِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا قَالَ: لِوَلَدِ وَلَدِي أَوْ لِأَخْوَالِي وَأَوْلَادِهِمْ أَوْ لَبَنِي عَمِّي أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ، فَهَذَا لَمْ يُسَمِّ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ وَلَمْ يَخُصَّهُمْ، فَإِنَّمَا يُقْسَمُ هَذَا عَلَى مَنْ أَدْرَكَ الْقَسْمَ. وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْقَسْمَ فَلَا حَقَّ لَهُ، وَأَمَّا إنْ ذَكَرَ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَوَرَثَتُهُ يَرِثُونَ مَا كَانَ أَوْصَى لَهُ بِهِ الْمُوصِي.

[فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِوَلَدِ رَجُلٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِوَلَدِ فُلَانٍ، وَوَلَدُ فُلَانٍ - ذَلِكَ الرَّجُلِ - عَشَرَةٌ، ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ؟
قَالَ: الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِحَبْسِ دَارِهِ أَوْ ثَمَرَةِ حَائِطِهِ عَلَى وَلَدِ رَجُلٍ، أَوْ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ، أَوْ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، فَإِنَّهُ يُؤْثِرُ بِهِ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ فِي السُّكْنَى


وَالْغَلَّةِ، وَأَمَّا الْوَصَايَا فَإِنِّي لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا السَّاعَةَ، إلَّا أَنِّي أَرَاهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَحْسَنُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَالَ فِي الَّذِي يُوصِي لِأَخْوَالِهِ وَأَوْلَادِهِمْ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْأَخْوَالِ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْسَنُ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ غَيْرُهُ. وَلَيْسَ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ لِوَلَدِ رَجُلٍ أَوْ لِأَخْوَالِهِ بِمَالٍ يَكُونُ لَهُمْ نَاجِزًا يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ وَصِيَّتِهِ لِوَلَدِ رَجُلٍ أَوْ لِأَخْوَالِهِ بِغَلَّةِ نَخْلٍ تُقْسَمُ عَلَيْهِمْ مُحْبَسَةً عَلَيْهِمْ مَوْقُوفَةً؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَبْسِ إنَّمَا قِسْمَتُهُ إذَا حَضَرَتْ الْغَلَّةُ كُلَّ عَامٍ، فَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ مَجْهُولُ قَوْمٍ. وَإِذَا أَوْصَى بِشَيْءٍ يُقْسَمُ نَاجِزًا يُؤْخَذُ مَكَانَهُ، فَكَانَ وَلَدُ الرَّجُلِ مَعْرُوفِينَ لِقِلَّتِهِمْ وَأَنَّهُ يُحَاطُ بِهِمْ أَوْ لِأَخْوَالِهِ فَكَانُوا كَذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ أَوْصَى لِقَوْمٍ مُسَمِّينَ بِأَعْيَانِهِمْ. وَإِذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَى قَوْمٍ مَجْهُولِينَ لَا يُعْرَفُ عِدَّتُهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ، مِثْلَ قَوْلِهِ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ أَوْ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ لَمْ يُرِدْ بِهَا قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى وَلَا يُعْرَفُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ وَصِيَّتِهِ لِلْمَسَاكِينِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِمَنْ حَضَرَ الْقَسْمَ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَوْصَى لِبَنِي زُهْرَةَ أَوْ لِبَنِي تَمِيمٍ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَعُمَّهُمْ، وَقَدْ أَرَادَ أَنْ تُنَفَّذَ وَصِيَّتُهُ فَتَكُونَ عَلَى مَنْ حَضَرَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ فَقَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِوَلَدِ فُلَانٍ، وَلَيْسَ لِفُلَانٍ يَوْمئِذٍ وَلَدٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ دَارًا عَلَى قَوْمٍ حَبْسًا صَدَقَةً فَمَاتَ مَنْ حَبَسَهَا عَلَيْهِ، رَجَعَتْ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ - عُصْبَةً كَانُوا أَوْ بَنَاتٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ - حَبْسًا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْحَبْسُ إلَى غَيْرِهِ وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَرَابَةٌ إلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً؟
قَالَ: تَرْجِعُ الدَّارُ إلَيْهَا وَإِلَى عُصْبَةِ الرَّجُلِ، وَيُؤْثِرُ أَهْلَ الْحَاجَةِ وَلَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي حَبَسَ وَإِنْ كَانَ حَيًّا. فَأَرَى هَذَا حِينَ مَاتَ وَلَدُهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَرَابَتِهِ حَبْسًا فِي أَيْدِيهِمْ لِأَنَّهَا قَدْ حِيزَتْ. قَالَ: وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَأَرَاهَا جَائِزَةً لِوَلَدِ فُلَانٍ - ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ - وَيَنْتَظِرُ بِهَا حَتَّى يَنْظُرَ أَيُولَدُ لِفُلَانٍ أَمْ لَا يُولَدُ لَهُ إذَا أَوْصَى وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ، فَإِنْ أَوْصَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِأَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِرَجُلٍ، فَإِذَا الرَّجُلُ الْمُوصَى لَهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ عَلِمَ بِمَوْتِهِ حِينَ أَوْصَى فَهِيَ لِلْمَيِّتِ يَقْضِي بِهَا دَيْنَهُ، وَيَرِثُهُ وَرَثَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ وَلَا لِوَرَثَتِهِ وَلَا لِأَهْلِ دَيْنِهِ، فَأَرَى مَسْأَلَتَكَ مِثْلَ هَذَا.

قُلْتُ: وَسَوَاءٌ عِنْدَكَ إنْ كَانَ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَمَا أَوْصَى لَهُ، أَوْ أَوْصَى لَهُ وَهُوَ مَيِّتٌ؟
قَالَ: إذَا أَوْصَى لَهُ وَهُوَ حَيٌّ، ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَقَدْ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ، وَإِنْ عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ فَوَصِيَّتُهُ بَاطِلٌ.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَيُحَاصُّ بِهَا وَرَثَةُ الْمُوصِي أَهْلَ الْوَصَايَا إذَا لَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثُ وَصَايَاهُمْ، وَيَكُونُ لَهُمْ ذَلِكَ دُونَ أَهْلِ الْوَصَايَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا عَلِمَ


الْمُوصِي بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ فَوَصِيَّتُهُ بَاطِلٌ وَلَا يُحَاصُّ بِهَا أَهْلَ الْوَصَايَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ. وَإِنَّمَا يُحَاصُّ أَهْلُ الْوَصَايَا الْوَرَثَةَ بِوَصِيَّةِ الْمُوصَى لَهُ إذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي وَالْمُوصِي لَا يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِي مَاتَ وَقَدْ أَدْخَلَهُ عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا فَمَاتَ الْمُوصِي وَالْأَمْرُ عِنْدَهُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ جَائِزَةٌ، فَلَمَّا بَطَلَتْ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي رَجَعَ مَا كَانَ لَهُ إلَى مَالِ الْمَيِّتِ، وَوَقَفَ الْوَرَثَةُ مَوْقِفَهُ وَدَخَلُوا مَدْخَلَهُ، فَحَاصُّوا أَهْلَ الْوَصَايَا بِوَصِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ كَذَلِكَ كَانَ يَكُونُ يُحَاصُّهُمْ بِوَصِيَّتِهِ.

سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ فَتُوُفِّيَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْمُوصِي قَالَ: تَرْجِعُ إلَى الْمُوصِي لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ لَمْ يَسْتَوْجِبْهَا. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ مِثْلُهُ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَهُ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِلْمَيِّتِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ وَصِيَّتُهُ شَيْءٌ.

[رَجُلٍ أَوْصَى لِبَنِي رَجُلٍ]
فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِبَنِي رَجُلٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِبَنِي تَمِيمٍ، أَوْ ثُلُثُ مَالِي لِقَيْسٍ، أَتُبْطِلُ وَصِيَّتُهُ أَمْ تُجِيزُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: هِيَ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَلِمَنْ تُعْطَى؟
قَالَ: عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَعُمَّ قَيْسًا كُلَّهُمْ. قَالَ: وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِخَوْلَانَ بِوَصِيَّتِهِ فَأَجَازَهَا مَالِكٌ وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ لِلْمَوَالِي فِيهَا شَيْئًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْمُوصِي مَوْلًى، هَلْ يَكُونُ لِلْمَوَالِي شَيْءٌ؟
قَالَ: إنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى بِسَاطِ الْكَلَامِ فِي ابْتِدَاءِ وَصِيَّتِهِ مَنْ أَرَادَ، فَيَخُصُّ بِهَا مَنْ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ لَهُمْ.

[رَجُلٍ أَوْصَى لِمَوَالِي رَجُلٍ]
فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِمَوَالِي رَجُلٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِمَوَالِي فُلَانٍ، فَمَاتَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ الْمَالَ، وَأَعْتَقَ فُلَانٌ آخَرِينَ، أَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ، وَوُلِدَ لِبَعْضِهِمْ أَوْلَادٌ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؟
قَالَ: هَذَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي وَلَدِ الْوَلَدِ، أَرَاهُ لِمَنْ أَدْرَكَ الْقَسْمَ مِنْهُمْ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْأَصْلَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِمَوَالِي فُلَانٍ، وَلِفُلَانٍ ذَلِكَ الرَّجُلِ مَوَالٍ مِنْ الْعَرَبِ أَنْعَمُوا عَلَيْهِ وَلَهُ مَوَالٍ هُوَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، أَوْ لَمْ أَسْمَعْ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِهِ أَوْ جَوَابِهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِمَوَالِيهِ الَّذِينَ أَنْعَمُوا عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا مَحْمَلُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى مَوَالِيه الَّذِينَ هُمْ أَسْفَلُ.

[رَجُلٍ أَوْصَى لِقَوْمٍ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ]
فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِقَوْمٍ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؟
قَالَ: لِفُلَانٍ الْبَاقِي نِصْفُ الثُّلُثِ وَتَرْجِعُ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ إلَى الْوَرَثَةِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ:




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-01-2026, 11:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 379الى صــ 387
الحلقة(277)




لِفُلَانٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مِنْ مَالِي، وَلِفُلَانٍ أَيْضًا - رَجُلٍ آخَرَ - مَنْ مَالِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَالثُّلُثُ إنَّمَا هُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؟
قَالَ: قَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهَا، كَانَ أَوَّلَ زَمَانِهِ يَقُولُ: إنْ عُلِمَ بِمَوْتِهِ أُسْلِمَتْ الْعَشَرَةُ إلَى الْبَاقِي مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِمَوْتِهِ حَاصَّ الْوَرَثَةُ بِهَا هَذَا الْبَاقِيَ فَيَكُونُ لِلْبَاقِي خَمْسَةُ دَرَاهِمَ. سَحْنُونٌ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَيْهَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ كَلَّمْنَاهُ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ تُسَلَّمَ الْعَشَرَةُ إلَى الْبَاقِي - عُلِمَ بِمَوْتِهِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ - ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَعْوَامٍ فِي آخِرِ زَمَانِهِ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُحَاصَّ بِهَا الْوَرَثَةَ - عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَكَرَ ابْنُ دِينَارٍ أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا الْآخَرَ هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ مِنْ قَوْلِهِ قَدِيمًا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِهَا أَنَّهُ قَالَهَا، وَكُلٌّ قَدْ حَفِظْنَاهُ عَنْهُ، وَأَنَا أَرَى أَنَّ الْوَرَثَةَ يُحَاصُّونَ بِهَا - عَلِمَ الْمَيِّتُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ - وَهُوَ قَوْلُهُ الْآخَرُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَثُلُثَا مَالِي لِفُلَانِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْمُوصِي؟
قَالَ: هَذَا عِنْدِي مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الْوَصِيَّةِ، فِي الْعَشَرَةِ لِهَذَا وَالْعَشَرَةِ لِهَذَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي مَاتَ مِنْهُمَا صَاحِبَ الثُّلُثِ كَانَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا ثُلُثَا ثُلُثِ الْمَيِّتِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْآخَرَ، وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ - إنْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ - فَذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، فَقِسْ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ الْأَوْسَطِ يُسَلَّمُ إلَيْهِ جَمِيعُ الثُّلُثِ، أَيُّهُمَا مَاتَ مِنْهُمَا أَسْلَمَ إلَى الْبَاقِي جَمِيعَ الثُّلُثِ، فَعَلَى هَذَا فَقِسْ جَمِيعَ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ. وَاَلَّذِي آخُذُ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا ثُلُثَا الثُّلُثِ وَيُحَاصُّهُ الْوَرَثَةُ بِهِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ الْمُوصَى لَهُمَا قَبْلَ قِسْمَةِ الْمَالِ؟
قَالَ مَالِك: نَصِيبُ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ.

[فِي إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِلْمُوصِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَوْصَى فِي مَرَضِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَ إلَيْهِمْ الْمَيِّتُ ذَلِكَ، أَوْ طَلَبَ إلَيْهِمْ فَأَجَازُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا مَاتَ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: لَا نُجِيزُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اسْتَأْذَنَهُمْ، فَكُلُّ وَارِثٍ بَائِنٌ عَنْ الْمَيِّتِ مِثْلُ الْوَلَدِ الَّذِينَ قَدْ بَانُوا عَنْ أَبِيهِمْ أَوْ أَخٍ أَوْ ابْنِ عَمٍّ، الَّذِينَ لَيْسُوا فِي عِيَالِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَرْجِعُوا. وَأَمَّا امْرَأَتُهُ وَبَنَاتُهُ اللَّائِي لَمْ يَبِنَّ مِنْهُ وَكُلُّ ابْنٍ فِي عِيَالِهِ - وَإِنْ كَانَ قَدْ احْتَلَمَ - فَإِنَّ أُولَئِكَ إنْ رَجَعُوا فِيمَا أَذِنُوا لَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الَّذِي يَسْتَأْذِنُ فِي مَرَضِهِ، إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْوَلَدِ الَّذِينَ لَمْ يَبِينُوا عَنْهُ. قَالَ: وَكُلُّ مَنْ كَانَ يَرِثُهُ مِثْلُ الْإِخْوَةِ الَّذِينَ هُمْ فِي عِيَالِهِ أَوْ بَنِي الْعَمِّ، وَيَحْتَاجُونَ إلَيْهِ وَهُمْ يَخَافُونَ إنْ هُمْ مَنَعُوهُ إنْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ضَرَرًا بِهِمْ فِي رُفْقَةٍ بِهِمْ، كَمَا يَخَافُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالِابْنِ الَّذِي قَدْ احْتَلَمَ وَهُمْ فِي عِيَالِهِ. وَرَأْيِي أَنَّ إجَازَتَهُمْ تِلْكَ خَوْفٌ مِنْهُ لِقَطْعِ مَنْفَعَتِهِ عَنْهُمْ وَلِضَعْفِهِمْ إنْ

صَحَّ، فَلَمْ يَرَ مَالِكٌ إجَازَةَ هَؤُلَاءِ إجَازَةً، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ يَرِثُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ مِثْلُ الْوَلَدِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ وَابْنَهُ السَّفِيهَ، أَيَجُوزُ مَا أَذِنُوا لِلْوَالِدِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعُوا بَعْدَ مَوْتِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ عَطِيَّةُ الْبِكْرِ، فَأَرَى عَطِيَّتَهَا هَهُنَا لَا تَجُوزُ وَكَذَلِكَ السَّفِيهُ.
قُلْتُ: وَلِمَ لَا يَكُونُ لِلِابْنِ الَّذِي هُوَ بَائِنٌ عَنْ أَبِيهِ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَجَازَ مَنْ وَصِيَّةِ وَالِدِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ يَوْمَ أَجَازَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَهُمْ لَكَانُوا قَدْ مَنَعُوا الْمَيِّتَ مِنْ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِهِ؛ لِأَنَّهُ كَفَّ عَنْ ذَلِكَ لِلَّذِي أَجَازُوا. سَحْنُونٌ: وَلِأَنَّ الْمَالَ قَدْ حُجِزَ عَنْ الْمَرِيضِ لِمَكَانِ وَرَثَتِهِ.
قُلْتُ: فَاَلَّذِينَ فِي حِجْرِهِ مِنْ وَلَدِهِ الذُّكُورِ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا وَلَيْسُوا سُفَهَاءَ وَامْرَأَتُهُ، لِمَ قَالَ: لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا؟
قَالَ: لِأَنَّهُمْ فِي عِيَالِهِ، وَلَيْسَ إجَازَتُهُمْ تِلْكَ بِإِجَازَةٍ لِمَوْضِعٍ أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ إنْ لَمْ يَكُونُوا يُجِيزُوا اعْتِدَاءَهُ عَلَيْهِمْ إنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُمْ مَا أَخْبَرْتُكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ وَالِابْنَ الَّذِي لَيْسَ بِسَفِيهٍ وَقَدْ بَلَغَ إلَّا أَنَّهُ فِي عِيَالِ الْأَبِ، أَرَأَيْت مَا أَجَازُوا فِي حَيَاةِ صَاحِبِهِمْ، أَلَيْسَ ذَلِكَ جَائِزًا مَا لَمْ يَرْجِعُوا فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: أَنْ يَرْجِعُوا فِي ذَلِكَ، وَأَرَى إنْ أَنَفَذُوا ذَلِكَ وَرَضُوا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا عَلَيْهِمْ إذَا كَانَتْ حَالُهُمْ مَرْضِيَّةً. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي وَرَثَةٍ أَذِنُوا لِلْمُوصِي بَعْدَ أَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ بِعِتْقِ عَبْدٍ فَأَذِنُوا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ نَزَعَ بَعْضُهُمْ. قَالَ: لَيْسَ لِوَارِثٍ بَعْدَ إذْنٍ أَنْ يَرْجِعَ. ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلَهُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: جَائِزٌ إنْ أَذِنُوا. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ مِثْلُهُ.

[إجَازَةُ الْوَارِثِ الْمِدْيَانِ لِلْمُوصِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَارِثٌ وَاحِدٌ، وَالْوَارِثُ مِدْيَانٌ، فَأَجَازَ الْوَصِيَّةَ فَقَامَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَقَالُوا: لَيْسَ لَكَ أَنْ تُجِيزَ وَصِيَّةَ أَبِيكَ وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ، وَنَحْنُ أَوْلَى بِالثُّلُثَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ إجَازَتُكَ إنَّمَا هِيَ هِبَةٌ مِنْكَ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَهَبَ هِبَةً حَتَّى نَسْتَوْفِيَ حَقَّنَا؟
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُمْ فِي رَأْيِي، وَيُرَدُّ إلَيْهِمْ الثُّلُثَانِ فَيَقْتَضُونَهُ مِنْ حَقِّهِمْ وَقَالَهُ أَشْهَبُ.

[إقْرَارُ الْوَارِثِ الْمِدْيَانِ بِوَصِيَّةٍ لِرَجُلٍ أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ وَالِدُهُ وَعَلَى الِابْنِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ جَمِيعَ مَا وَرِثَ عَنْ أَبِيهِ، فَأَقَرَّ الِابْنُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ بِثُلُثِ مَالِهِ وَكَذَّبَهُ غُرَمَاؤُهُ وَقَالُوا لَمْ يُوصِ أَبُوكَ لِهَذَا بِشَيْءٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَ إقْرَارُهُ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بَعْدَمَا


قَامُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيُقِرُّ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ. قَالَ: إنْ كَانَ إقْرَارُهُ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ جَازَ ذَلِكَ. وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ لَهُ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ، وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بَعْدَمَا قَامُوا عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. فَكَذَلِكَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْوَارِثُ وِلَايَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ هَلَكَ وَالِدُهُ فَقَالَ: هَذِهِ وَدَائِعُ عِنْدَ أَبِي أَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ وَكَذَّبَهُ غُرَمَاؤُهُ. قَالَ: إنْ كَانَ مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ حَاضِرًا حَلَفَ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إذَا كَانَ إقْرَارُهُ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بَعْدَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَشْهَدُ لِلرَّجُلِ فِي الشَّيْءِ فِي يَدَيْهِ فَيَقُولُ: إنَّ فُلَانًا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى فُلَانٍ وَوَضَعَهُ عَلَى يَدَيَّ وَيُنْكِرُ الَّذِي هُوَ لَهُ. قَالَ: إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ حَاضِرًا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَكَانَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا وَكَانَ غَائِبًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَقَرَّ بِهِ لَأَنْ يُقِرَّ الْمَالَ فِي يَدَيْهِ.

[كِتَابُ الْهِبَاتِ] [تَغْيِيرُ الْهِبَةِ]
ِ تَغْيِيرُ الْهِبَةِ قُلْتُ: لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ يُعَوِّضَهُ، فَتَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ بِزِيَادَةِ بَدَنٍ أَوْ نُقْصَانِ بَدَنٍ قَبْلَ أَنْ يُعَوِّضَهُ، فَأَرَادَ هَذَا الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْ لَا يُعَوِّضَهُ وَأَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَتَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ قِيمَتُهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ حَالَتْ أَسْوَاقُهَا؟
قَالَ: لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي حَوَالَةِ أَسْوَاقِهَا، وَلَا أَرَى لَهُ شَيْئًا إلَّا هِبَتَهُ إلَّا أَنْ تَفُوتَ فِي بَدَنِهَا بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ حِنْطَةً فَيُعَوَّضُ مِنْهَا حِنْطَةً أَوْ تَمْرًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ لِي حِنْطَةً فَعَوَّضْتُهُ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ حِنْطَةً أَوْ تَمْرًا أَوْ أَشْيَاءَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ أَوْ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْهِبَةِ إذَا كَانَتْ حُلِيًّا فَلَا يُعَوِّضُهُ مِنْهَا إلَّا عَرَضًا، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ مَالِكًا لَا يُجَوِّزُ فِي عِوَضِ الطَّعَامِ طَعَامًا.
قُلْتُ: فَإِنْ عَوَّضَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْهِبَةَ عَلَى عِوَضٍ إنَّمَا هِيَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ وَكَيْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَهَبَ لِي ثِيَابًا فُسْطَاطِيَّةً فَعَوَّضْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَثْوَابًا فُسْطَاطِيَّةً، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ عَلَى الْعِوَضِ بَيْعٌ


[الرَّجُلِ يَهَبُ دَارًا فَيُعَوَّضُ مِنْهَا دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْبَلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ هِبَةً دَارًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَعَوَّضَنِي مِنْ الْهِبَةِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ وَقَبِلْت ذَلِكَ، أَوْ عَوَّضَنِي خِدْمَةَ غُلَامِهِ سِنِينَ أَوْ سُكْنَى دَارٍ لَهُ أُخْرَى سِنِينَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى، لِأَنَّ هَذَا مِنْ وَجْهِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ، فَلَمَّا فَسَخَهَا فِي سُكْنَى دَارٍ أَوْ فِي خِدْمَةِ غُلَامٍ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ إذَا فَسَخَهَا فِي سُكْنَى دَارٍ أَوْ فِي خِدْمَةِ عَبْدٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ ذَلِكَ مَكَانَهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَوْ أَبَى أَنْ يُثِيبَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا هِبَتُهُ يَأْخُذُهَا، فَإِذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ فَكَأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ بَاعَهُ إيَّاهَا بِسُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ أَوْ خِدْمَةِ هَذَا الْغُلَامِ. وَأَمَّا فِي الدَّيْنِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إنْ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَوَّضَهُ حَالًّا أَوْ غَيْرَ حَالٍّ فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: افْسَخْ مَا حَلَّ مِنْ دَيْنِك إذَا كَانَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فِيمَا حَلَّ وَفِيمَا لَمْ يَحِلَّ، فَلَا بَأْسَ بِهَذَا فِي مِثْلِهِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ حَالَّةٌ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْسَخَهَا فِي دَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ أَوْ فِي دَيْنٍ قَدْ حَلَّ إذَا كَانَ مِنْ صِنْفِهِ وَفِي مِثْلِ عَدَدِهِ أَوْ أَدْنَى، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ يَفْسَخُ مَا قَدْ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ بِالنَّقْدِ فِي دَيْنٍ أَكْثَرَ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ. فَازْدَادَ فِيهِ بِالتَّأْخِيرِ وَذَلِكَ إذَا تَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ، فَأَمَّا إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

قُلْت: وَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَحِلَّ فَبِعْت ذَلِكَ الدَّيْنِ قِبَلَ حُلُولِهِ؟ قَالَ: قَالَ: مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ إذَا بِعْت ذَلِكَ الدَّيْنِ بِعِوَضٍ تَتَعَجَّلُهُ وَلَا تُؤَخِّرُهُ إذَا كَانَ دَيْنُك ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا، وَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ حَاضِرًا مُقِرًّا. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ؟
قَالَ: فَبِعْهُ عِنْدَ مَالِكٍ بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ لَهُ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَتَعَجَّلْهَا وَلَا تُؤَخِّرْهَا.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي وَهَبْت دَارًا لِي لِرَجُلٍ فَتَغَيَّرَتْ بِالْأَسْوَاقِ. فَعَوَّضَنِي بَعْدَ ذَلِكَ عَرْضًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ مَوْصُوفٍ إلَى أَجَلٍ وَأَحَالَنِي عَلَيْهِ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. قُلْت: فَإِنْ تَغَيَّرَتْ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ؟
قَالَ: فَلَا خَيْرَ فِيهِ. قُلْت: وَلِمَ لَا تُجِيزُ هَذَا فِي الْعُرُوضِ وَقَدْ أَجَزْته فِي الدَّيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا أَحَلَّهُ بِهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْقِيمَةَ الَّتِي وَجَبَتْ لِلْوَاهِبِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، صَارَتْ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ حَالَّةً، فَإِنْ فَسَخَهَا فِي دَنَانِيرَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ حَلَّتْ أَوْ لَمْ تَحِلَّ، فَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ الْوَاهِبِ صَنَعَهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ حِينَ أَخَّرَهُ إذَا أَبْرَأَ ذِمَّتَهُ وَتَحَوَّلَ بِالْقِيمَةِ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَفْسَخُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي عَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ، فَهَذَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَلَا يَجُوزُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ اشْتَرَى الْعُرُوضَ إلَى أَجَلٍ بِالْقِيمَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ


فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ دَيْنًا بِدَيْنٍ فَلَا يَجُوزُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ اشْتَرَى بِدَيْنٍ لَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ، وَهُوَ الْقِيمَةُ الَّتِي عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ هَذَا الْعَرْضُ الَّذِي لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ إلَى أَجَلٍ، فَلَا يَجُوزُ وَهَذَا رَأْيِي قُلْت: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ دَرَاهِمُ فَحُلْت فَأَحَالَ عَلَى غَرِيمٍ لَهُ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ - قَدْ حَلَّتْ أَوْ لَمْ تَحِلَّ وَالدَّنَانِيرُ هِيَ صَرْفُ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ الدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ مِثْلَ مَا ذَكَرْت لِي فِي الدَّرَاهِمِ إذَا فَسَخَهَا فِي طَعَامٍ لَا يَقْبِضُهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْت: فَإِنْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ، أَقْرَضْته إيَّاهُ، وَلَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ أَقْرَضَهُ إيَّاهُ فَحَلَّ الْقَرْضُ الَّذِي لِي عَلَيْهِ، فَأَحَالَنِي بِطَعَامِي عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَطَعَامُهُ لَمْ يَحِلَّ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا كَانَ الطَّعَامَانِ جَمِيعًا قَرْضًا - الَّذِي لَك عَلَيْهِ وَاَلَّذِي لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ - فَحَلَّ دَيْنُك وَلَمْ يَحِلَّ دَيْنُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحِيلَك عَلَى غَرِيمِهِ؟ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْك وَهَذَا لَيْسَ بِبَيْعٍ، وَلَكِنَّك أَخَذْته بِطَعَامٍ لَك عَلَيْهِ قَدْ حَلَّ وَأَبْرَأْت ذِمَّتَهُ، وَجَعَلْت الطَّعَامَ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهَذَا. وَهَذَا فِي الطَّعَامِ إذَا كَانَ مِنْ قَرْضٍ، فَهُوَ وَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ مَحْمَلٌ وَاحِدٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: افْسَخْ مَا حَلَّ مِنْ دَيْنِك - فِيمَا حَلَّ وَفِيمَا لَمْ يَحِلَّ - إذَا فَسَخْته فِي مِثْلِ دَيْنِك. قَالَ: وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْعُرُوض إذَا كَانَتْ مِنْ قَرْضٍ أَوْ مِنْ بَيْعٍ إذَا حَلَّ دَيْنُك عَلَيْهِ، وَدَيْنُك مِنْ قَرْضٍ أَقْرَضْته وَهُوَ عُرُوضٌ أَقْرَضْتهَا إيَّاهُ أَوْ مِنْ شِرَاءٍ اشْتَرَيْتُ مِنْهُ عُرُوضًا، فَحَلَّ دَيْنُكَ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْسَخَهُ فِي عُرُوضٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ مِثْلَ عُرُوضِك الَّذِي لَك عَلَيْهِ، وَلَا تُبَالِي كَانَ الْعَرْضُ الَّذِي يُحِيلُك بِهِ غَرِيمُك، مِنْ شِرَاءٍ اشْتَرَاهُ غَرِيمُك أَوْ مِنْ قَرْضٍ أَقْرَضَهُ. وَهَذَا أَيْضًا مَحْمَلُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، فَإِنْ كَانَ الْعَرْضُ الَّذِي يُحِيلُك بِهِ عَلَى غَرِيمِهِ مُخَالِفًا لِلْعَرْضِ الَّذِي لَك عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ تَحَوَّلَ مِنْ دَيْنٍ إلَى دَيْنٍ.

قُلْت: فَإِنْ كَانَ لِي عَلَيْهِ طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ أَقْرَضْته إيَّاهُ، وَلَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ أَسْلَمَ فِيهِ، فَحَلَّ قَرْضِي وَلَمْ يَحِلَّ سَلَمُهُ، فَأَحَالَنِي عَلَيْهِ وَهُوَ مِثْلُ طَعَامِي، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ الطَّعَامَانِ جَمِيعًا؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ قَرْضٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْت: وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ قَرْضٍ وَالْآخَرُ مِنْ سَلَمٍ فَحَلَّا جَمِيعًا فَأَحَالَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا تُبَالِي إذَا كَانَ الَّذِي يَحْتَالُ طَعَامُهُ هُوَ السَّلَمُ وَطَعَامُ الْآخَرِ هُوَ الْقَرْضُ، أَوْ كَانَ طَعَامُ الَّذِي يَحْتَالُ بِدَيْنِهِ هُوَ الْقَرْضُ وَطَعَامُ الْآخَرِ هُوَ السَّلَمُ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ: نَعَمْ. إذَا حَلَّ أَجَلُ الطَّعَامَيْنِ جَمِيعًا وَأَحَدُهُمَا مِنْ قَرْضٍ وَالْآخَرُ مِنْ سَلَمٍ فَأَحَالَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا تُبَالِي أَيُّهُمَا كَانَ الْقَرْضُ أَوْ أَيُّهُمَا كَانَ السَّلَمُ. قُلْت: فَإِنْ حَلَّ الطَّعَامَانِ جَمِيعًا فِي مَسْأَلَتِي، فَأَحَالَنِي فَأَخَّرْت الَّذِي أَحَالَنِي عَلَيْهِ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أُوقِفْ مَالِكًا عَلَى


هَذَا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الطَّعَامَانِ جَمِيعًا مَنْ سَلَمٍ فَحَلَّا جَمِيعًا فَأَحَالَهُ بِهِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى.
قُلْت: وَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى؟
قَالَ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» وَأَنْتَ إذَا أَسْلَمْت فِي طَعَامٍ وَقَدْ أُسْلِمَ إلَيْك فِي طَعَامٍ فَحَلَّ الْأَجَلَانِ جَمِيعًا، فَإِنْ أَحَلْته بِطَعَامِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْك عَلَى الَّذِي لَك عَلَيْهِ الطَّعَامُ، كُنْت قَدْ بِعْته طَعَامَك قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَ بِالذَّهَبِ الَّذِي أَخَذْت مِنْ الَّذِي لَهُ عَلَيْك الطَّعَامُ.
وَإِذَا كَانَ قَرْضًا وَسَلَمًا فَلَيْسَ هَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، لِأَنَّك إنْ كُنْت أَنْتَ الَّذِي أَسْلَمْت فِي طَعَامٍ وَاَلَّذِي لَهُ عَلَيْك هُوَ قَرْضٌ فَحَلَّا جَمِيعًا فَأَحَلْته فَلَمْ تَبِعْ الطَّعَامَ الَّذِي اشْتَرَيْته، وَلَكِنَّك قَضَيْت الطَّعَامَ الَّذِي اشْتَرَيْت رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَيْك طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ، وَإِنْ كُنْت أَنْتَ الَّذِي أَقْرَضْت وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ إلَيْك، فَإِنَّمَا هُوَ أَيْضًا، لَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَضَيْته طَعَامًا كَانَ لَهُ عَلَيْك مِنْ قَرْضٍ كَانَ لَك قَدْ حَلَّ أَجَلُهُ، فَلَيْسَ يَدْخُلُ هَهُنَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ إذَا حَلَّ أَجَلُ الطَّعَامَيْنِ جَمِيعًا.

[الْقَرْضُ فِي جَمِيعِ الْعُرُوضِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت قَرْضَ الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ إلَّا الْإِمَاءَ وَحْدَهُنَّ فَإِنَّ مَالِكًا يُحَرِّمُهُنَّ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَقْرَضْت رَجُلًا ثَوْبًا فُسْطَاطِيًّا مَوْصُوفًا وَاشْتَرَيْت مِنْهُ ثَوْبًا فُسْطَاطِيًّا إلَى أَجَلٍ، أَيَجُوزُ أَنْ أَبِيعَهُ مَنْ غَيْرِهِ بِثَوْبٍ فُسْطَاطِيٍّ، أَتَعَجَّلُهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ ثَوْبِي؟
قَالَ: هَذَا لَيْسَ بِبَيْعٍ إنَّمَا هَذَا رَجُلٌ عَجَّلَ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ سِلْعَةً كَانَتْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَحْتَالَ بِمِثْلِهَا عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ لِلَّذِي يَأْخُذُ الثَّوْبَ لِيُعَجِّلَهُ الَّذِي كَانَ لَهُ الدَّيْنُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الَّذِي عَجَّلَ الثَّوْبَ أَنْ يَنْفَعَهُ بِذَلِكَ وَأَنْ يُسَلِّفَهُ وَأَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لِلَّذِي يُحِيلُ، لِأَنَّ الثَّوْبَ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فِي رَأْيِي.
قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ هَاهُنَا لِلَّذِي تَعَجَّلَ الثَّوْبَ هُوَ الَّذِي طَلَبَ ذَلِكَ وَأَرَادَهُ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ فِي رَأْيِي، وَإِنَّمَا أَسْلَفَهُ سَلَفًا وَاحْتَالَ بِهِ لِمَنْفَعَةٍ يَرْجُوهَا لِأَسْوَاقٍ يَرْجُو أَنْ يَتَأَخَّرَ إلَى ذَلِكَ وَيَضْمَنَ لَهُ ثَوْبَهُ، فَهَذَا لَا خَيْرَ فِيهِ لِأَنَّ هَذَا سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً. وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي طَلَبَ إلَى هَذَا الرَّجُلِ ذَلِكَ، وَلَهُ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ وَالرِّفْقُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ. قُلْت: وَكَذَلِكَ هَذَا فِي قَرْضِ الدَّنَانِيرِ لَوْ أَقْرَضْته دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يُحِيلَنِي عَلَى غَرِيمٍ لَهُ بِدَنَانِيرَ مِثْلِهَا إلَى أَجَلٍ مَنْ الْآجَالِ، وَإِنَّمَا أَرَدْت أَنْ يَضْمَنَ لِي دَنَانِيرِي إلَى ذَلِكَ مَنْ الْأَجَلِ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لِلَّذِي أَسْلَفَ أَوْ لِلَّذِي يُسَلَّفُ. وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرَاهُ بَيْعَ


الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إلَى أَجَلٍ قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِهَذَا إذَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لِلَّذِي يَقْبِضُ الدَّنَانِيرَ وَهُوَ سَهْلٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَقْرَضْت رَجُلًا ثَوْبًا فُسْطَاطِيًّا، أَوْ اشْتَرَيْته مَنْ رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، فَبِعْته مَنْ رَجُلٍ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ بِثَوْبٍ مِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ مَنْ الْآجَالِ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا، لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ وَخَطَرٌ فِي رَأْيِي. قُلْت: وَأَيُّ شَيْءٍ مَعْنَى قَوْلِك وَخَطَرٌ، وَأَيْنَ الْخَطَرُ هَهُنَا؟
قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا تَخَاطَرَا فِي اخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ، لِأَنَّهُمَا لَا يَدْرِيَانِ إلَى مَا تَصِيرُ الْأَسْوَاقُ إلَى ذَيْنِك الْأَجَلَيْنِ.

[فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَهَبُ الْهِبَةَ لِلْعِوَضِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَ الْهِبَةَ لِلْعِوَضِ؟ قَالَ: إنَّمَا هُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي رَأْيِي.

[الرَّجُلُ يَهَبُ لِابْنٍ لِي صَغِيرٍ فَعَوَّضْته فِي مَالِ ابْنِي]
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَ رَجُلٌ لِابْنٍ لِي صَغِيرٍ هِبَةً، فَعَوَّضْته مِنْ مَالِ ابْنِي، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي رَأْيِي إنْ كَانَ إنَّمَا وَهَبَهَا الْوَاهِبُ لِلْعِوَضِ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ.

قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ لِي مَالَ ابْنِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ عَلَى عِوَضٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.، لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، وَبَيْعُ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي رَأْيِي

[الرَّجُلُ يَهَبُ لِي الْهِبَةَ فَتَهْلِكُ عِنْدِي قَبْلَ أَنْ أُعَوِّضَهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَ لِي هِبَةً فَهَلَكَتْ عِنْدِي قَبْلَ أَنْ أُعَوِّضَهُ، أَتَكُونُ عَلَى قِيمَتُهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: عَلَيْك قِيمَتُهَا عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ هِبَةً فَعَوَّضَنِي مِنْهَا عِوَضًا، ثُمَّ أَصَابَ بِالْهِبَةِ عَيْبًا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَأْخُذَ عِوَضَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فِي رَأْيِي لِأَنَّ الْهِبَةَ عَلَى الْعِوَضِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ. قُلْت: فَإِنْ عَوَّضَنِي فَأَصَبْت عَيْبًا بِالْعِوَضِ؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي أَصَبْت بِهِ لَيْسَ مِثْلَ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، وَمِثْلَ الْعَيْبِ الَّذِي لَا يُثْبِتُهُ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي الْعِوَضِ تَكُونُ قِيمَةُ الْعِوَضِ بِهِ قِيمَةَ الْهِبَةِ، فَلَيْسَ لَك أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى قِيمَةِ هِبَتِك كَانَتْ تَطَوُّعًا مِنْهُ لَك. قُلْت: فَإِنَّ كَانَ الْعِوَضُ. قِيمَتُهُ وَقِيمَةُ الْهِبَةِ سَوَاءٌ، فَأَصَبْت بِهِ عَيْبًا فَصَارَتْ قِيمَتُهُ بِالْعَيْبِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْهِبَةِ؟ قَالَ: إنْ أَتَمَّ لَك الْمَوْهُوبُ لَهُ قِيمَةَ الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ لَك عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَلَيْسَ لَك أَنْ تَرُدَّ الْعِوَضَ إلَّا أَنْ يَأْبَى أَنْ يُتِمَّ لَك قِيمَةَ هِبَتِك. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ


مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي لِأَنَّهُ لَوْ أَعَاضَك إيَّاهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ وَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا مُفْسِدًا، وَقِيمَتُهُ مِثْلُ ثَمَنِ هِبَتِك، لَمْ يَكُنْ لَك أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُك ذَلِكَ. قُلْت: وَكُلُّ شَيْءٍ يُعَوِّضنِي مِنْ هِبَتِي مِنْ الْعُرُوضِ وَالدَّنَانِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السِّلَعِ، إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ مِنْ قِيمَةِ هِبَتِي، فَذَلِكَ لَازِمٌ لِي أَخْذُهُ وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَى الْهِبَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ. إذَا كَانَتْ السِّلَعُ مِمَّا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهَا فِي الثَّوَابِ بَيْنَهُمْ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: هَذَا رَأْيِي، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا أَثَابَهُ بِقِيمَةِ هِبَتِهِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْهِبَةِ وَلَا يُبَالِي أَيُّ الْعُرُوضِ أَثَابَهُ إذَا كَانَتْ عُرُوضًا يُثِيبُهَا النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِمَّا يَعْرِفُهَا النَّاسُ. قُلْت: فَإِنْ أَثَابَهُ حَطَبًا أَوْ تِبْنًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟
قَالَ: هَذَا مِمَّا لَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ فِي الثَّوَابِ، وَلَا أَرَاهُ جَائِزًا وَمَا سَمِعْته مِنْ مَالِكٍ

[الرَّجُلُ يَهَبُ شِقْصًا مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ عَلَى عِوَضٍ سَمَّيَاهُ أَوْ لَمْ يُسَمِّيَاهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ شِقْصًا مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ عَلَى عِوَضٍ - سَمَّيْنَاهُ أَوْ لَمْ نُسَمِّهِ - وَلَهَا شَفِيعٌ، فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يُثَابَ الْوَاهِبُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يُثَابَ، وَقَدْ فَرَغْتُ لَك مِنْ تَفْسِيرِ هَذَا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ عَبْدَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَثَابَنِي مِنْ أَحَدِهِمَا وَرَدَّ عَلَيَّ الْآخَرَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى لِلْوَاهِبِ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَيْنِ إلَّا أَنْ يُثِيبَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا لِأَنَّهُمَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ حِنْطَةً فَيَطْحَنُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَيُعَوَّضُ مِنْ دَقِيقِهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا فَعَوَّضَنِي مِنْ دَقِيقِهَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا فِي رَأْيِي، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مِنْ بَاعَ حِنْطَةً فَلَا يَأْخُذْ فِي ثَمَنِهَا دَقِيقًا وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ كَيْلِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ، لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يَصْلُحُ إلَّا يَدًا بِيَدٍ، وَقَدْ فَسَّرْت لَك هَذَا قَبْلَ هَذَا.

[فِي مَوْتِ الْوَاهِبِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْلَ قَبْضِ الْهِبَةِ أَوْ بَعْدَهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ هِبَةً يَرَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ فَمُتُّ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ هِبَتَهُ؟ قَالَ: فَوَرَثَةُ الْوَاهِبِ مَكَانُهُ يَأْخُذُونَ الثَّوَابَ وَيُسَلِّمُونَ الْهِبَةَ، لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَهَذَا رَأْيِي

قُلْت: فَإِنْ وَهَبْت لَهُ هِبَةً يَرَى أَنَّهَا لِغَيْرِ الثَّوَابِ، فَأَبَيْت أَنْ أَدْفَعَ إلَيْهِ هِبَتَهُ فَخَاصَمَنِي فِيهَا فَلَمْ يُحْكَمْ عَلِيّ بِدَفْعِ الْهِبَةِ حَتَّى مِتُّ، أَتَكُونُ لِوَرَثَتِي أَمْ يَأْخُذُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إذَا أَثْبَتَ بَيِّنَتَهُ وَزُكِّيَتْ؟ قَالَ: إنْ كَانَ قَامَ عَلَى الْوَاهِبِ - وَالْوَاهِبُ صَحِيحٌ -


فَخَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ فَمَنَعَهُ الْوَاهِبُ الْهِبَةَ، فَرَفَعَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَى السُّلْطَانِ، فَدَعَاهُ الْقَاضِي بِبَيِّنَتِهِ وَأَوْقَفَ الْهِبَةَ حَتَّى يَنْظُرَ فِي حُجَّتِهِمَا فَمَاتَ الْوَاهِبُ. قَالَ: أَرَاهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا أَثْبَتَ بَيِّنَتَهُ، لِأَنِّي سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ - وَكُتِبَ إلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الْبَلَدَانِ وَأَرَاهُ بَعْضَ الْقُضَاةِ - فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَفَلِسَ الْمُبْتَاعُ، فَقَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ وَقَامَ صَاحِبُ الْغُلَامِ فَرَفَعَ أَمْرَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَأَوْقَفَ السُّلْطَانُ الْغُلَامَ لِيَنْظُرَ فِي أُمُورِهِمْ وَبَيِّنَاتِهِمْ، فَمَاتَ الْمُفْلِسُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْغُلَامَ الْبَائِعُ فَكَتَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ: أَمَّا إذَا قَامَ يَطْلُبُ الْعَبْدَ وَأُوقِفَ الْعَبْدُ لِيَنْظُرَ الْقَاضِي فِي بَيِّنَتِهِ فَمَاتَ الْمُشْتَرِي، فَأَرَى الْبَائِعَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى مَاتَ الْمُشْتَرِي، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي الْهِبَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ هِبَتَهُ إذَا كَانَ أَوْقَفَهَا السُّلْطَانُ

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَهَا - وَهُوَ صَحِيحٌ - فَلَمْ يَقُمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى أَخْذِهَا حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى لَهُ مِنْهَا شَيْئًا وَلَا يَجُوزُ قَبْضُهُ الْآنَ حِينَ مَرِضَ الْوَاهِبُ، لِأَنَّهُ قَدْ مَنَعَهُ هِبَتَهُ حَتَّى أَنَّهُ لَمَّا مَرِضَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا بِلَا وَصِيَّةٍ فِيهَا وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا فِي الصِّحَّةِ فَيُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهَا الْآنَ فِي مَرَضِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رحمه الله - قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ مَرِضَ: لَوْ كُنْت حُزْتِيهِ كَانَ لَك وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ. فَلَمْ يَرَ أَبُو بَكْرٍ قَبْضَهَا فِي الْمَرَضِ جَائِزًا لَهَا، وَلَمْ يَرَ أَنْ يَسَعَهُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهَا إذَا لَمْ تَقْبِضْهَا فِي صِحَّةٍ مِنْهُ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَ رَجُلٌ جَارِيَةً يَرَى أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ، فَأَعْتَقَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ كَاتَبَهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ جَازَ هَذَا كُلُّهُ وَكَانَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُمْنَعُ صَاحِبُ الْبَيْعِ.

[الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ دَارًا فَيَبْنِي فِيهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ دَارًا فَبَنَى فِيهَا بُيُوتًا، أَوْ وَهَبْت لَهُ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا شَجَرًا، فَأَبَى الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْ يُثِيبَنِي أَتَرَى مَا صَنَعَ فِيهَا فَوْتًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَتَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ وَتَكُونُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ.، أَرَاهُ فَوْتًا وَتَلْزَمُهُ الْهِبَةُ بِقِيمَتِهَا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْبَيْعِ الْحَرَامِ فِي الْأَرْضِينَ وَالدُّورِ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ فِيهَا فَوْتٌ إلَّا أَنْ يَهْدِمَ أَوْ يَبْنِيَ فِيهَا أَوْ يَغْرِسَ فِي الْأَرْضِينَ. قُلْت: فَإِنْ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ إنَّمَا أَقْلَعُ بُنْيَانِي أَوْ غَرْسِي وَأَدْفَعُ إلَيْهِ أَرْضَهُ وَدَارَهُ؟
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا. قُلْت: وَكَذَلِكَ مُشْتَرِي الْحَرَامِ إذَا قَالَ: أَنَا أَنْقُضُ بُنْيَانِي وَأَقْلَعُ غَرْسِي وَلَا أُرِيدُ الدَّارَ وَأَنَا أَرُدُّهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَلَا تَكُونُ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِيهِ: إنْ شَاءَ هَدَمَ بُنْيَانَهُ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ فَاتَ بِمَنْزِلَةِ النَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ فِي الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْهِبَةُ مِثْلُ الْبَيْعِ سَوَاءٌ



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-01-2026, 11:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 388الى صــ 397
الحلقة(277)





وَإِنَّمَا رَأَيْت ذَلِكَ فَوْتًا لِأَنَّ صَاحِبَ الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ حِينَ بَنَى وَغَرَسَ قَدْ رَضِيَ بِالثَّوَابِ، لِأَنَّهُ قَدْ حَوَّلَهَا عَنْ حَالِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا بَعْدَ أَنْ حَوَّلَهَا عَنْ حَالِهَا وَرَضِيَ بِذَلِكَ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لَهُ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ بِعُصْفُرٍ أَوْ قَطَعَهُ قَمِيصًا وَلَمْ يَخِطْهُ قَالَ: هَذَا فَوْتٌ فِي رَأْيِي لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا دَخَلَهُ نَمَاءٌ أَوْ نُقْصَانٌ فَهُوَ فَوْتٌ

[الرَّجُلِ يَهَبُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ فَيَأْبَى الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ دَيْنًا لِي عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ أَيَكُونُ الدَّيْنُ كَمَا هُوَ أَمْ لَا؟
قَالَ: الدَّيْنُ كَمَا هُوَ. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَعَارَ رَجُلًا ثَوْبًا فَضَاعَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ، فَقَالَ: الْمُسْتَعِيرُ لِلْمُعِيرِ: إنَّ الثَّوْبَ قَدْ ضَاعَ. فَقَالَ: لَهُ الْمُعِيرُ: فَأَنْتَ فِي حِلٍّ. فَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ امْرَأَتِي طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ إنْ لَمْ نَغْرَمْهُ لَك. وَقَالَ الْمُعِيرُ: امْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ قَبِلْته مِنْك. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ حِينَ حَلَفَ يُرِيدُ يَمِينَهُ لَيَغْرَمَنَّهُ لَهُ يَقُولُ لَأَغْرَمَنَّهُ لَك قَبِلْته أَوْ لَمْ تَقْبَلْهُ وَلَمْ يُرِدْ يَمِينَهُ لَتَأْخُذَنَّهُ مِنِّي، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ حِنْثًا إذَا غَرِمَهُ فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ وَلَا عَلَى الْآخَرِ حِنْثًا أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ. وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى وَجْهِ لَتَأْخُذَنَّهُ مِنِّي فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ فَهُوَ حَانِثٌ، وَلَا يُكْرَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ عَلَى أَخْذِ الْغُرْمِ وَيُبَرُّ صَاحِبُ الثَّوْبِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَيْنٍ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، فَأَتَى بِالدَّيْنِ فَحَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ وَحَلَفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ وَيُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الدَّيْنِ وَلَا يَحْنَثُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ. قُلْت: فَمَا الْفَرْقُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَيْسَتْ كَالدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُعِيرُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا إذَا ضَاعَتْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعَارَ عَارِيَّةً فَضَاعَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُعِيرُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَعِيرَ فِيمَا يَغِيبُ عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ

[الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ الْهِبَةَ يَرَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ فَبَاعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ هِبَةً يَرَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ فَبَاعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، أَتَكُونُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَيَكُونُ بَيْعُهُ إيَّاهَا فَوْتًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِنْ وَهَبْت لِعَبْدِ رَجُلٍ هِبَةً فَأَخَذَهَا سَيِّدُهُ مِنْ الْعَبْدِ - وَلِلْعَبْدِ مَالٌ فِيهِ وَفَاءٌ لِقِيمَةِ الْهِبَةِ - أَتَرَى أَخْذَ السَّيِّدِ الْهِبَةَ مِنْ الْعَبْدِ فَوْتًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يُحْكَمَ عَلَى الْعَبْدِ بِقِيمَةِ الْهِبَةِ فِي مَالِهِ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا.

[الرَّجُلُ يَهَبُ دَارًا لِلثَّوَابِ فَبَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ نِصْفَهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ دَارًا لِلثَّوَابِ فَبَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ نِصْفَهَا؟ قَالَ: يُقَالُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ: اغْرَمْ الْقِيمَةَ. فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْوَاهِبِ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ إنْ شِئْت أَخَذْت نِصْفَ الدَّارِ الَّذِي بَقِيَ وَضَمَّنْته نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ شِئْت أَسْلَمْت الدَّارَ كُلَّهَا وَأَخَذْت الْقِيمَةَ كُلَّهَا. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي مِثْلَ مَا قَالَ مَالِكٌ: فِي الْبَيْعِ إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ وَبَقِيَ نِصْفُهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. قُلْت: فَإِنْ وَهَبْت لَهُ عَبْدَيْنِ لِلثَّوَابِ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا وَأَبَى أَنْ يُثِيبَنِي؟ قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي بَاعَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ هُوَ وَجْهُ الْهِبَةِ، وَفِيهِ كَثْرَةُ الثَّمَنِ، فَالْمَوْهُوبُ لَهُ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ هُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ أَخَذَ الْوَاهِبُ الْبَاقِيَ وَيَتْبَعُهُ بِقِيمَةِ الَّذِي بَاعَ يَوْمَ قَبْضِهِ. وَهَذَا رَأْيِي مِثْلَ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْبَيْعِ إذَا اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا أَوْ وُجِدَ بِهِ عَيْبٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً دَارًا لِلثَّوَابِ فَبَاعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَقَامَ عَلَيْهِ الْوَاهِبُ فَأَبَى أَنْ يُثِيبَهُ وَقَالَ: خُذْ هِبَتَك؟ قَالَ: قَدْ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ حِينَ بَاعَ وَلَا يَأْخُذُ الْهِبَةَ، وَلَكِنْ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ الْقِيمَةُ يَغْرَمُهَا. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ: قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْهُ وَهُوَ رَأْيِي.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ جَارِيَةً لِلثَّوَابِ فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَأَبَى أَنْ يُثِيبَهُ مِنْهَا الْوَاهِبَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ وَلَدًا فَأَبَى أَنْ يُثِيبَنِي؟ قَالَ: قَدْ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، لِأَنَّ هَذَا فَوْتٌ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا فَاتَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي الْهِبَةِ فَقَدْ لَزِمَتْ الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ.

[الْهِبَة لَمْ يَقْبِضْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَأَتَى رَجُلٌ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ]
فِي الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَهِيَ لِغَيْرِ الثَّوَابِ فَأَتَى رَجُلٌ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَأَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَيِّنَةً قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ لِي هِبَةً فَلَمْ أَقْبِضْهَا مِنْهُ وَهِيَ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، فَأَتَى رَجُلٌ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَقُمْت أَنَا عَلَى الْهِبَةِ لِأَقْبِضَهَا مِنْهُ؟ قَالَ: صَاحِبُ الشِّرَاءِ أَوْلَى. قُلْت: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدٍ لَهُ صِغَارٍ حَبْسًا فَمَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، لَا يُدْرَى الدَّيْنُ كَانَ قَبْلَ أَوْ بَعْدَ الْحَبْسِ، فَقَامَ الْغُرَمَاءُ فَقَالُوا نَبِيعُ هَذَا فَنَسْتَوْفِي حَقَّنَا. وَقَالَ وَلَدُهُ: قَدْ حَبَسَهُ عَلَيْنَا وَقَدْ حَازَهُ لَنَا أَبُونَا وَنَحْنُ صِغَارٌ فِي حِجْرِهِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ أَقَامَ وَلَدُهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْحَبْسَ كَانَ قَبْلَ الدَّيْنِ فَالْحَبْسُ لَهُمْ،


وَإِنْ لَمْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْحَبْسَ كَانَ قَبْلَ الدَّيْنِ بَاعَ الْغُرَمَاءُ وَبَطَلَ حَبْسُهُمْ. فَالْهِبَةُ إذَا كَانَتْ لِغَيْرِ الثَّوَابِ بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْت لَك فِي الْحَبْسِ.

[الرَّجُلُ يَقُولُ غَلَّةُ دَارِي هَذِهِ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ]
ٌ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: غَلَّةُ دَارِي هَذِهِ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ - وَهُوَ صَحِيحٌ - فَمَاتَ وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدَيْهِ وَكَانَ هُوَ فِي حَيَاتِهِ يُقَسِّمُ غَلَّتَهَا فِي الْمَسَاكِينِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ وَإِنْ كَانَ يُقَسِّمُهَا لِلْمَسَاكِينِ، فَالدَّارُ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدَيْهِ.

[الرَّجُلُ يَقُولُ غَلَّةُ دَارِي هَذِهِ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ وَهُوَ مَرِيضٌ]
ٌ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: غَلَّةُ دَارِي هَذِهِ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ - فِي مَرَضِهِ - فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدَيْهِ؟ قَالَ: تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَمَا كَانَ فِي الْمَرَضِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ فَهُوَ فِي الثُّلُثِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجُوزُ مِنْ الْوَصِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا كَانَ فِي الْمَرَضِ عَلَى الْوَصِيَّةِ أَوْ الْبَتَاتِ فَهُوَ جَائِزٌ كُلُّهُ فِي الثُّلُثِ، إلَّا أَنَّ الْبَتَاتَ فِي الْمَرَضِ لَا يُمَكِّنُ مَنْ بُتَّتْ لَهُ مِنْ قَبْضِهَا إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ أَمْوَالٌ مَأْمُونَةٌ مِنْ دُورٍ وَأَرْضِينَ فَبُتَّتْ لَهُ، وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مَنْ بُتَّتْ لَهُ فِي الصِّحَّةِ، لِأَنَّ مَنْ بُتَّتْ لَهُ فِي الصِّحَّةِ، إنَّ قَامَ عَلَى صَدَقَتِهِ أَخَذَهَا. وَإِنَّ الْمَرِيضَ إذَا قَامَ الَّذِي بُتَّتْ لَهُ عَلَى أَخْذِهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْمَرِيضُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا أَمْوَالٍ مَأْمُونَةٍ مِنْ دُورٍ أَوْ أَرْضِينَ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: دَارِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ - وَهُوَ صَحِيحٌ - أَيُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهَا إلَى الْمَسَاكِينِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهَا، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْيَمِينِ وَإِنَّمَا بَتَلَهُ لِلَّهِ فَلْيُخْرِجْهُ السُّلْطَانُ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ.

[فِي الرَّجُلِ يَقُولُ كُلُّ مَا أَمْلِكُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ أَيُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِ مَالِهِ أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كُلُّ مَا أَمْلِكُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ. أَيُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِ مَالِهِ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ. قُلْت:


وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَلِمَ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ؟
قَالَ: لِحَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيِّ قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ لَهُ عُرُوضٌ مِنْ دُورٍ وَحَيَوَانٍ وَمُدَبَّرِينَ وَمُكَاتَبِينَ أَيُقَوِّمُهُمْ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُخْرِجَ ثُلُثَ الْمُدَبَّرِينَ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُمْ وَلَا هِبَتَهُمْ وَلَا يُشْبِهُونَ الْمُكَاتَبِينَ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبِينَ يَمْلِكُ بَيْعَ كِتَابَتِهِمْ وَهِبَةَ ذَلِكَ فَإِذَا أَخْرَجَ ثُلُثَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَ ثُلُثَ مَا يَمْلِكُ فِيهِمْ إلَّا أَنْ يُرَقَّ الْمُكَاتَبُونَ يَوْمًا، فَإِنْ رُقُّوا نُظِرَ إلَى قِيمَةِ رِقَابِهِمْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ كِتَابَتِهِمْ يَوْمَ أَخْرَجَ ذَلِكَ أَخْرَجَ ثُلُثَ الْفَضْلِ، وَأَمَّا أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِنَّ شَيْءٌ فِي رَأْيِي لِأَنَّهُنَّ لَا يُمْلَكْنَ مِلْكَ الْبَيْعِ قَالَ: سَحْنُونٌ لَيْسَ يُخْرِجُ إلَّا قِيمَةَ الْكِتَابَةِ فَقَطْ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ ذَلِكَ يَوْمَ حَنِثَ

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ. فَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى ضَاعَ الْمَالُ كُلُّهُ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي رَأْيِي - فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ - لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الَّذِي يَقُولُ: مَالِي كُلُّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - فِي يَمِينٍ - فَحَنِثَ فَلَا يُخْرِجُ ذَلِكَ حَتَّى يَهْلِكَ جُلُّ مَالِهِ أَوْ يَذْهَبَ.
قَالَ مَالِكٌ أَرَى عَلَيْهِ ثُلُثَ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ

[فِي الرَّجُلِ يُعْمِرُ الرَّجُلَ دَارِهِ حَيَاتَهُ أَوْ عَبْدَهُ أَوْ دَابَّتَهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: قَدْ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ حَيَاتَك أَوْ قَالَ: هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةَ؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَتَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ. قُلْت: فَإِنْ أَعْمَرَ ثَوْبًا أَوْ حُلِيًّا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا وَقَدْ أَخْبَرْتُك بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدُّورِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ لَك صَدَقَةٌ سُكْنَاهَا؟ قَالَ: فَإِنَّمَا لَهُ سُكْنَاهَا صَدَقَةٌ وَلَيْسَ لَهُ رَقَبَتُهَا. قُلْت لَهُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: قَدْ حَبَسْت عَبْدِي هَذَا عَلَيْكُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: هُوَ لِلْآخَرِ مِنْكُمَا؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَهُوَ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا يَبِيعُهُ وَيَضَعُ بِهِ مَا شَاءَ، لِأَنَّهُ إنَّمَا حَبْسٌ عَلَيْهِمَا مَا دَامَا حَيَّيْنِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ هِبَةٌ لِلْآخَرِ يَبِيعُهُ وَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ.

[فِي الرَّجُلِ يَقُولُ قَدْ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك فَمَاتَ وَمَاتَ عَقِبُهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قُلْت: قَدْ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك مِنْ بَعْدِك، فَمَاتَ وَمَاتَ عَقِبُهُ، أَتَرْجِعُ إلَيَّ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ. تَرْجِعُ إلَيْك إلَّا أَنْ تَقُولَ قَدْ حَبَسْتهَا عَلَى فُلَانٍ وَعَلَى عَقِبِهِ حَبْسًا صَدَقَةً فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ سَكَنًا لَك وَلِوَلَدِك، فَإِنَّهُ إذَا انْقَرَضَ الرَّجُلُ وَعَقِبُهُ رَجَعَتْ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ حَبْسًا عَلَيْهِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا؟
قَالَ: لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ عَلَى حَالٍ مِنْ الْحَالَاتِ، وَلَكِنْ تَرْجِعُ عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ حَبْسًا عَلَيْهِمْ. قُلْت: رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً قَالَ: نَعَمْ. تَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ


عَصَبَتِهِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ يَدْخُلُونَ فِي ذَلِكَ. قُلْت: وَهَذَا الَّذِي سَأَلْتُك عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: فَإِنْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَلَمْ يَقُلْ حَبْسًا صَدَقَةً. ثُمَّ مَاتَ فُلَانٌ وَمَاتَ عَقِبُهُ مَنْ بَعْدِهِ - وَاَلَّذِي حَبَسَ حَيٌّ - أَتَرْجِعُ إلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ، وَلَكِنَّهُ إذَا قَالَ: حَبْسًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ حَبْسَ صَدَقَةٍ لِأَنَّ الْأَحْبَاسَ إنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ فَلَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك. قُلْت: فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَك وَلِعَقِبِك سَكَنًا؟
قَالَ: إذَا انْقَرَضَ هَذَا الَّذِي جَعَلْت لَهُ هَذِهِ الدَّارَ سَكَنًا لِعَقَبَةِ وَانْقَرَضَ عَقِبُهُ، رَجَعَتْ إلَى الَّذِي أَسْكَنَ إنْ كَانَ حَيًّا يَصْنَعُ فِيهَا مَا يَصْنَعُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ رَجَعَتْ مِيرَاثًا إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ يَوْمَ مَاتَ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ هُمْ وَرَثَتُهُ وَأَصْلُ الدَّارِ كَانَتْ فِي مَالِهِ يَوْمَ مَاتَ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِنْ قَالَ: حَبْسًا. فَهَلَكَ الَّذِي حُبِسَتْ عَلَيْهِ وَهَلَكَ عَقِبُهُ الَّذِينَ حُبِسَتْ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ هَلَكَ أَيْضًا الَّذِي حَبَسَ وَلَمْ يَدَعْ إلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَتْرُكْ عَصَبَةً؟
قَالَ: إنَّمَا قَالَ لَنَا مَالِكٌ: إذَا انْقَرَضَ الَّذِينَ حُبِسَتْ عَلَيْهِمْ رَجَعَتْ إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ يَوْمَ تَرْجِعُ - عَصَبَتَهُ كَانُوا أَوْ وَلَدَ وَلَدِهِ وَتَكُونُ حَبْسًا عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ مِنْهُمْ وَلَيْسَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ فِيهَا شَيْءٌ. قُلْت: فَإِنْ كَانُوا وَلَدَهُ؟
قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَلَدَهُ فَلَيْسَ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ فِيهَا شَيْءٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ الْعَصَبَةُ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ إنَّمَا هِيَ لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنْهُمْ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ رَجَعَتْ إلَيْهِمْ الدَّارُ وَرَثَةُ هَذَا الْمُحْبِسِ أَغْنِيَاءَ كُلَّهُمْ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى إنَّمَا تَكُونُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَغْنِيَاءِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ عَبْدًا لِلثَّوَابِ وَفِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ أَوْ بِهِ صَمَمٌ ثُمَّ يَبْرَأُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت عَبْدًا لِلثَّوَابِ وَفِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ أَوْ بِهِ صَمَمٌ فَبَرِئَ، أَتَرَاهُ فَوْتًا وَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ؟ قَالَ: أَرَاهُ فَوْتًا. قُلْت: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: الصَّمَمُ قَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهُ فَقَالَ: أَرَاهُ عَيْبًا مُفْسِدًا، فَإِذَا كَانَ عَيْبًا مُفْسِدًا فَهُوَ إذَا ذَهَبَ فَهُوَ نَمَاءٌ، وَأَمَّا الْبَيَاضُ إذَا ذَهَبَ فَلَسْت أَشُكُّ أَنَّهُ نَمَاءٌ وَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ.

[فِي الْمَرِيضِ يَهَبُ عَبْدًا لِلثَّوَابِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا]
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَ الْمَرِيضُ عَبْدًا لَهُ لِلثَّوَابِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَهَذَا وَالْبُيُوعُ سَوَاءٌ. قُلْت: فَإِنْ بَاعَ الْمَرِيضُ عَبْدًا فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي فَبَاعَهُ


أَوْ أَعْتَقَهُ وَهُوَ عَدِيمٌ لَا مَالَ لَهُ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا عِتْقُهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَيَجُوزُ، وَأَمَّا بَيْعُهُ فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى لِلْوَرَثَةِ، إنْ كَانَ الَّذِي وَهَبَ لَهُ عَدِيمًا فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الْمَوْهُوبَ لَهُ مِنْ بَيْعِ الْهِبَةِ حَتَّى يُعْطِيَهُمْ قِيمَتَهَا.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ عَبْدًا لِلثَّوَابِ فَيَجْنِي الْعَبْدُ جِنَايَةً عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وُهِبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا لِلثَّوَابِ فَجَنَى الْعَبْدُ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ جِنَايَةً، أَتَكُونُ فَوْتًا وَتَكُونُ الْقِيمَةُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قَالَ: نَعَمْ.، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي النَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ. إنَّهُ فَوْتٌ. فَهَذَا حِينَ جَنَى أَشَدَّ الْفَوْتِ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَهُ النُّقْصَانُ

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ نَاقَتَهُ لِلثَّوَابِ أَوْ يَبِيعُهَا فَيُقَلِّدُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ نَاقَةً لِلثَّوَابِ أَوْ بِعْته نَاقَةً فَقَلَّدَهَا أَوْ أَشْعَرَهَا وَلَمْ يُعْطِ الثَّمَنَ وَلَا مَالَ لَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْعِتْقُ يُرَدُّ وَهَذَا أَحْرَى أَنْ يُرَدَّ، وَتُحَلُّ قَلَائِدُهَا وَتُبَاعُ فِي دَيْنِ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ، وَأَمَّا فِي الْهِبَةِ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى رَبِّهَا.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي مَرَضِهِ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً أَوْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِصَدَقَةٍ فَلَمْ يَقْبِضْ صَدَقَتَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَلَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فِي مَرَضِهِ، أَتَجْعَلُهَا وَصِيَّةً أَوْ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ وَتُبْطِلُهَا؟ قَالَ: أَجْعَلُهَا وَصِيَّةً، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا تَصَدَّقَ بِهِ الْمَرِيضُ أَوْ أَعْتَقَ فَهُوَ فِي ثُلُثِهِ.

[الْمَرِيضِ يَهَبُ الْهِبَةَ فَيَبْتِلُهَا أَوْ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ فَيَبْتِلُهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت مَا وَهَبَ الْمَرِيضُ فَبَتَلَهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ فَبَتَلَهُ، أَيَقْدِرُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبِضَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِ الْمَرِيضِ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَمْنَعُوهُ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ أَمْوَالٌ مَأْمُونَةٌ مِثْلُ مَا وَصَفْت لَك فِي الْأَمْوَالِ الْمَأْمُونَةِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْعِتْقِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُعْتِقُ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ فَيَبْتِلُهُ، فَإِذَا كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ مَأْمُونَةٌ مِنْ دُورٍ أَوْ أَرْضِينَ تَمَّتْ حُرِّيَّةُ الْعَبْدِ مَكَانَهُ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ


[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ لِرَجُلٍ فَيَقْتُلُ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِيَ عَمْدًا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أُوصِيَ لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ فَقَتَلَ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِيَ عَمْدًا، أَتَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: أَرَاهَا تَبْطُلُ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي خَطَأً، فَأَوْصَيْت لَهُ بَعْدَمَا ضَرَبَنِي بِثُلُثِ مَالِي أَوْ أَوْصَيْت لَهُ بَدِيَّتِي أَوْ بِبَعْضِ مَالِي، وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْت لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْت لَا وَصِيَّةَ لِقَاتِلٍ. قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ أَوَّلًا فَقَتَلَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ عَمْدًا فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ، لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ طَلَبَ تَعْجِيلَ ذَلِكَ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَتَلَهُ خَطَأً، فَحَمَلَتْ الْوَصِيَّةُ ثُلُثَ الْمَالِ غَيْرَ الدِّيَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، وَلَا تَدْخُلُ وَصِيَّتُهُ فِي الدِّيَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَارِثَ إذَا قَتَلَهُ خَطَأً وَرِثَ مِنْ الْمَالِ وَلَمْ يَرِثْ مِنْ الدِّيَةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.

[أَوْصَى بِدَارٍ لَهُ لِرَجُلٍ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ ذَلِكَ فَقَالَ الْوَرَثَةُ لَا نُجِيزُ وَلَكِنَّا نُعْطِيهِ ثُلُثَ الْمَالِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَوْصَى لَهُ بِدَارٍ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُهُ فَقَالَ: الْوَرَثَةُ: لَا نُجِيزُ ذَلِكَ وَلَكِنَّا نُعْطِيهِ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ حَيْثُ مَا كَانَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُ الْوَصِيَّةَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّارَ لَوْ غَرِقَتْ حَتَّى تَصِيرَ بَحْرًا بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الْمُوصَى لَهُ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى بِهَا. قُلْت: أَرَأَيْت مَا كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيِّ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ تَصَدَّقَ بِهَا أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، أَوْ وَهَبَهَا أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ، أَيُحْكَمُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ أَمْرٍ يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَأَرَى أَنْ يُحْكَمَ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَأَرَى مَسْأَلَتَك بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ.

[فِي الْعَبْدِ تُوهَبُ لَهُ الْهِبَةُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبْدَ تُوهَبُ لَهُ الْهِبَةُ يَرَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ، أَيَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ الثَّوَابُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى إنْ كَانَ مِثْلُهُ يُثِيبُ وَيَرَى أَنَّهُ إنَّمَا وُهِبَهَا لِلثَّوَابِ، فَأَرَى عَلَيْهِ الثَّوَابَ إذَا كَانَ مِمَّنْ قَدْ خَلَّى سَيِّدُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التِّجَارَةِ.


[كِتَابُ الْهِبَةِ] [فِي الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ]
ِ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ وَهَبَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ شَيْئًا - وَالِابْنُ صَغِيرٌ - أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قُلْت: فَإِنْ تَلِفَتْ الْهِبَةُ، أَيَكُونُ الْأَبُ ضَامِنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ نِصْفَ دَارٍ لَهُ أَوْ نِصْفَ عَبْدٍ لَهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِنِصْفِ دَارٍ لَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ أَوْ وَهَبَ لَهُ نِصْفَ دَارِهِ غَيْرِ مَقْسُومَةٍ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْهِبَةُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَقْسُومَةً. قُلْت: فَكَيْفَ يَقْبِضُ هَذَا هِبَتَهُ أَوْ صَدَقَتَهُ؟
قَالَ: يَحِلُّ مَحِلَّ الْوَاهِبِ وَيَحُوزُ وَيَمْنَعُ مَعَ شُرَكَائِهِ وَيَكُونُ هَذَا قَبْضُهُ قُلْت: وَكَذَلِكَ هَذَا فِيمَا لَا يُقْسَمُ فِي الْعَبْدِ إذَا وَهَبَ نِصْفَهُ لِرَجُلٍ فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَيَكُونُ قَبْضُهُ مِثْلَ مَا ذَكَرْت فِي الدَّارِ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. إذَا حَازَ مَا وُهِبَ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ فَقَدْ قَبَضَ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ دُهْنًا مُسَمًّى مِنْ جُلْجُلَانٍ بِعَيْنِهِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ عَشَرَةَ أَقْسَاطٍ مِنْ دُهْنٍ جُلْجُلَانِيٍّ هَذَا؟ قَالَ: الْهِبَةُ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ثَمَرَ نَخْلِهِ قَابِلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْت مِنْ دُهْنِ الْجُلْجُلَانِ أَحْرَى. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ رَبُّ الْجُلْجُلَانِ: لَا أَعْصِرُهُ؟
قَالَ: يَلْزَمُهُ عَصْرُهُ ذَلِكَ قُلْت: فَلَوْ قَالَ: أَنَا أُعْطِيك مِنْ غَيْرِهِ زَيْتًا مِثْلَ زَيْتِهِ


بِمِكْيَلَتِهِ؟
قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَدْخُلَهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ مُسْتَأْخِرٍ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ الْجُلْجُلَانَ الَّذِي وُهِبَ لَهُ مِنْ زَيْتِهِ يَتْلَفُ قَبْلَ أَنْ يَعْصِرَهُ، فَيَكُونُ قَدْ أَعْطَاهُ زَيْتَهُ بَاطِلًا، فَلَا يُعْجِبُنِي إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ زَيْتِ ذَلِكَ الْجُلْجُلَانِ الَّذِي وُهِبَ لَهُ مِنْ زَيْتِهِ. وَقَالَ: رَبِيعَةُ فِي رَجُلٍ قَالَ: اشْهَدُوا أَنَّ لِفُلَانٍ فِي مَالِي صَدَقَةً مِائَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ فِيهَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ فَخَاصَمَهُ الَّذِي تَصَدَّقَ عَلَيْهِ.
قَالَ رَبِيعَةُ: يُؤْخَذُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ فِي مَالِهِ مَحْمَلٌ لِذَلِكَ أُنَفِّذُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرَكْ ذَلِكَ فِي مَالِهِ أُبْطِلُ وَلَمْ يُنْزِلْهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَأَعْطَوْهُ إلَى الْعَطَاءِ وَكَتَبُوا لَهُ وَرَفَعُوا الْكِتَابَ إلَيْهِ، فَبَلَغَ مَا أُعْطِيَ فَنَزَعَ رِجَالٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الصَّدَقَةَ جَائِزَةٌ لَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ أَبِي الصَّعْبَةِ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِدَارِهِ، ثُمَّ أَرَادَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَخَاصَمَهُ إلَى بَعْضِ قُضَاةِ مِصْرَ، فَأَبَى أَنْ يُجِيزَ لَهُ ارْتِجَاعَهُ بَعْدَ أَنْ تَصَدَّقَ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ مَوْرِثَهُ مِنْ رَجُلٍ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ مَوْرِثِي مِنْ رَجُلٍ، وَلَا أَدْرِي كَمْ هُوَ مَوْرِثِي مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ سُدُسًا أَوْ رُبْعًا أَوْ خُمْسًا أَتَجُوزُ الْهِبَةُ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ نُصِيبَهُ مِنْ دَارٍ أَوْ جِدَارٍ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت نَصِيبِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَلَا أَدْرِي كَمْ هُوَ أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟
قَالَ: هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ وَأَرَاهُ جَائِزًا قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت نَصِيبًا لِي مِنْ جِدَارٍ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ نَصِيبًا مِنْ دَارٍ وَلَا يُسَمِّيهِ لَهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لَهُ نَصِيبًا، مِنْ دَارِي وَلَمْ أُسَمِّهِ ثُمَّ قَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ؟ قَالَ: يُقَالُ لِلْوَاهِبِ: أَقِرَّ لَهُ بِمَا شِئْتَ مِمَّا يَكُونُ نَصِيبًا، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.

[الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ]
فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ قُلْت: أَرَأَيْت هِبَةَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ نَعَمْ. إذَا لَمْ يَكُنْ لِلثَّوَابِ.


[فِي الْمِدْيَانِ يَمُوتُ فَيَهَبُ رَبُّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ لِبَعْضِ وَرَثَةِ الْمِدْيَانِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَمَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَوَهَبْت دَيْنِي لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، أَيَكُونُ مَا وَهَبْت لَهُ جَائِزًا، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ دُونَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ الْهِبَةَ فَيَمُوتُ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت إذَا وَهَبَ رَجُلٌ لِعَبْدِي فَمَاتَ الْعَبْدُ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَقُومَ عَلَى الْهِبَةِ فَآخُذَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ تَقُومَ عَلَيْهَا فَتَأْخُذَهَا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: كُلُّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِرَجُلٍ فَمَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ، فَوَرَثَتُهُ مَكَانُهُ يَقْبِضُونَ هِبَتَهُ، وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَيِّدُ الْعَبْدِ عِنْدِي.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ عَبْدَهُ الْمِدْيَانِ أَوْ الْجَانِي]
قُلْت: أَرَأَيْت عَبْدًا لِي مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ اغْتَرَقَهُ الدَّيْنُ فَوَهَبْتُهُ لِرَجُلٍ، أَتَجُوزُ هِبَتِي فِيهِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: هِبَتُك جَائِزَةٌ وَبَيْعُك إيَّاهُ جَائِزٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا بَيَّنْت أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا حِينَ تَبِيعُهُ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ جَنَى عَبْدِي جِنَايَةً أَوْ أَفْسَدَ مَالًا لِرَجُلٍ، فَوَهَبْته أَوْ بِعْته أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَمَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ إلَّا إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يَحْتَمِلَ الْجِنَايَةَ، فَإِنْ أَبَى أُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا أَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَ جِنَايَتَهُ، فَإِنْ حَلَفَ رُدَّ وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ أَوْلَى بِهِ فِي رَقَبَتِهِ. سَحْنُونٌ: وَهَذَا إذَا كَانَتْ هِبَتُهُ أَوْ بَيْعُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْجِنَايَةِ فَلِذَلِكَ أُحْلِفَ.

[فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ عَبْدَهُ بَيْعًا فَاسِدًا ثُمَّ يَهَبُهُ الْبَائِعُ لِرَجُلٍ آخَرَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَبْدًا لَهُ مِنْ رَجُلٍ بَيْعًا فَاسِدًا ثُمَّ وَهَبَهُ الْبَائِعُ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ وَهَبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ أَسْوَاقُهُ، وَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى قَبْضِ هِبَتِهِ وَرَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَيُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى رَدِّ الثَّمَنِ وَيُقَالُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ: خُذْ هِبَتَك وَإِنْ كَانَتْ أَسْوَاقُهُ قَدْ تَغَيَّرَتْ لَمْ تَجُزْ الْهِبَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ لِلْمُشْتَرِي وَلَزِمَتْ الْمُشْتَرِي فِيهِ الْقِيمَةُ، لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا فِيهِ مَفْسُوخًا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ. فَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ إذَا فُسِخَ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ إلَى الْبَائِعِ عَلَى الْمَالِكِ الْأَوَّلِ، فَالْهِبَةُ فِيهِ جَائِزَةٌ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ وَاحِدٌ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْبَائِعَ أَعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ أَنْ تَتَغَيَّرَ أَسْوَاقُهُ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ جَازَ عِتْقُهُ فِي الْعَبْدِ إذَا رَدَّ الثَّمَنَ، لِأَنَّ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا مَفْسُوخٌ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ أَسْوَاقُهُ أَوْ





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-01-2026, 11:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 398الى صــ 407
الحلقة(278)






تَتَغَيَّرَ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْبَائِعُ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ أَسْوَاقُ الْعَبْدِ أَوْ تَتَغَيَّرَ وَلَمْ يَقُمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى قَبْضِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وَلَمْ تُقْبَضْ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ.

[فِي الرَّجُلِ يَرْهَنُ عَبْدَهُ ثُمَّ يَهَبُهُ لِرَجُلٍ]
ٍ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ رَهَنْت عَبْدًا لِي ثُمَّ وَهَبْته لِرَجُلٍ، أَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِيهِ أَمْ لَا قَالَ: الْهِبَةُ جَائِزَةٌ إنْ افْتَكَكْتَهُ، لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ مَتَى مَا شَاءَ فَأَقَامَ عَلَى هِبَتِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مَا لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ فَهُوَ إذَا افْتَكَّهَا كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، وَإِنْ قَامَ عَلَى هِبَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَكَّهَا أُجْبِرَ الْوَاهِبُ عَلَى افْتِكَاكِهَا إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ. قُلْت: فَهَلْ يَكُونُ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ. قُلْت: وَلِمَ؟ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ الْمُخْدِمِ إنَّ قَبْضَهُ قَبْضٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ. قَالَ: لِأَنَّ الْمُخْدَمَ لَمْ يَجِبْ لَهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ حَقٌّ، وَالْمُرْتَهِنُ إنَّمَا حَقُّهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، فَلَا يَكُونُ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ. وَقَدْ وَافَقَهُ أَشْهَبُ فِي كُلِّ مَا قَالَ: مِنْ أَمْرِ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ وَقَبْضِ الْمُخْدَمِ.

[فِي الرَّجُلِ يُغْتَصَبُ عَبْدُهُ ثُمَّ يَهَبُهُ لِرَجُلٍ وَهُوَ عِنْدَ الْغَاصِبِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ غَصَبَنِي رَجُلٌ عَبْدًا فَوَهَبْته لِرَجُلٍ آخَرَ وَالْعَبْدُ مَغْصُوبٌ، أَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. إنْ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ. قُلْت: وَلَا يَكُونُ قَبْضُ الْغَاصِبِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا.
قَالَ سَحْنُونٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ قَبْضٌ مِثْلُ الدَّيْنِ. قُلْت: لِمَ؟ وَالْهِبَةُ لَيْسَتْ فِي يَدِ الْوَاهِبِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَقْبِضْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ الْوَاهِبُ أَنْ يَحُوزَهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَجُوزُ إذَا كَانَ غَائِبًا. فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ حَاضِرًا غَيْرَ سَفِيهٍ وَأَمَرَ الْوَاهِبُ رَجُلًا يَقْبِضُ ذَلِكَ لَهُ وَيَحُوزُ لَهُ لَمْ يَجُزْ هَذَا، فَالْغَاصِبُ لَيْسَ بِحَائِزٍ لِهَذَا فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَا فَسَّرْت لَك. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَخْلَفَ عَلَى دَارٍ لَهُ خَلِيفَةً ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى رَجُلٍ آخَرَ وَهِيَ فِي يَدِ الْخَلِيفَةِ، إنَّ قَبْضَ الْخَلِيفَةِ لَيْسَ حِيَازَةً لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ.

[فِي الْمُسْلِمِ يَهَبُ لِلذِّمِّيِّ الْهِبَةَ أَوْ الذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ]
ِّ قُلْت: أَرَأَيْت إذَا وَهَبَ الْمُسْلِمُ لِلْمُشْرِكِ هِبَةً، أَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمَيْنِ فِي الْهِبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَ ذِمِّيٌّ لِمُسْلِمٍ هِبَةً، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُ أَنْ يَقْبِضَهَا فَأَبَى الذِّمِّيُّ

أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ أَيُقْضَى لَهُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِالدَّفْعِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ أَمْرٌ حُكِمَ عَلَيْهِمَا بِحُكْمِ الْمُسْلِمَيْنِ، فَأَرَى أَنْ يُحْكَمَ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالدَّفْعِ. وَقَالَ: غَيْرُهُ: إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ وَكَانَ مُوسِرًا لَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِهِ فِي جِزْيَتِهِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالدَّفْعِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ هِبَةً فَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ، أَيُقْضَى بَيْنَهُمَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يُقْضَى بَيْنَهُمَا. قُلْت: لِمَ ذَلِكَ؟ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَظَالَمُوا بَيْنَهُمْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ؟
قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ، فَأَمَّا الْهِبَةُ فَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ مَالِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا أَحْكُمُ بَيْنَهُمْ إذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نُصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ عِنْدِي.

[وَهَبُ صُوفًا عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ أَوْ اللَّبَنَ فِي الضُّرُوعِ أَوْ الثَّمَرَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ صُوفًا عَلَى ظُهُورِ غَنَمِي، أَيَجُوزُ؟ أَوْ لَبَنًا فِي ضُرُوعِهَا أَيَجُوزُ؟ أَوْ ثَمَرًا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ. ذَلِكَ جَائِزٌ كُلُّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قُلْت: وَكَيْفَ يَكُونُ قَبْضُهُ اللَّبَنَ فِي الضُّرُوعِ وَالصُّوفَ عَلَى الظُّهُورِ أَوْ الثَّمَرَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ؟
قَالَ: إنْ حَازَ الْمَاشِيَةَ لِيَجُزَّ أَصْوَافَهَا أَوْ لِيَحْلُبَهَا أَوْ حَازَ النَّخْلَ حَتَّى يَصْرِمَهَا فَهَذَا قَبْضٌ. قُلْت: وَعَلَى مَا قُلْته مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلِمَ جَعَلْته قَبْضًا وَهُوَ لَمْ يَبْنِ بِمَا وَهَبَ لَهُ وَلَمْ يَتَخَلَّصْهُ مِنْ مَالِ الْوَاهِبِ؟
قَالَ: قُلْته عَلَى الْمُرْتَهِنِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، إنَّ الرَّجُلَ إذَا ارْتَهَنَ الثَّمَرَةَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ فَحَازَ الْحَائِطَ إنَّ ذَلِكَ قَبْضٌ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. وَالرَّهْنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لَا يَكُونُ إلَّا مَقْبُوضًا، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَرْتَهِنُ الزَّرْعَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا قَبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ تُسَلَّمَ إلَيْهِ الْأَرْضُ، فَإِذَا حَازَ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا الزَّرْعُ فَقَدْ قَبَضَ، فَعَلَى هَذَا قُلْت لَك مَسْأَلَتَك. وَأَمَّا قَوْلُك إنَّ الْهِبَةَ لَمْ يَتَخَلَّصْهَا مِنْ الْوَاهِبِ فَهَذَا مَا لَا يَضُرُّهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ هِبَتَهُ وَقَبَضَ مَعَهَا مَالًا هُوَ لِلْوَاهِبِ، فَإِنَّمَا يُؤْمَرُ أَنْ يَتَخَلَّصَ هِبَتَهُ وَيَرُدَّ مَالَ الْوَاهِبِ إلَى الْوَاهِبِ.
قَالَ: وَأَمَّا اللَّبَنُ، فَإِنَّ قَوْلَ مَالِكٍ إنَّ الرَّجُلَ إذَا مَنَحَ الرَّجُلَ لَبَنَ غَنَمِهِ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَبَضَ الْغَنَمَ إنَّ قَبْضَهُ لِلْغَنَمِ حِيَازَةٌ لَهُ، أَلَا تَرَى أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ أَخَدَمَهُ عَبْدَهُ شَهْرًا فَقَبَضَ الْغُلَامَ، فَهُوَ قَابِضٌ لِلْخِدْمَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْكَنَهُ دَارِهِ سَنَةً فَقَبَضَ الدَّارَ، لِقَبْضِهِ الدَّارَ قَبْضٌ لِلسُّكْنَى.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِرَجُلٍ مَا فِي بُطُونِ غَنَمِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ مَا فِي بُطُونِ غَنَمِي أَوْ مَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِي، أَتَجُوزُ


الْهِبَةُ؟ قَالَ: هِيَ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قُلْت: فَكَيْفَ يَكُونُ قَبْضُهُ؟
قَالَ: إنْ حَازَ الْجَارِيَةَ وَأَمْكَنَهُ مِنْهَا حَتَّى تَلِدَ فَيَأْخُذَ وَلَدَهَا، وَأَمْكَنَهُ مِنْ الْغَنَمِ حَتَّى تَضَعَ فَيَأْخُذَ أَوْلَادَهَا، فَهَذِهِ حِيَازَةٌ وَقَبْضٌ مِثْلُ النَّخْلِ إذَا وَهَبَ ثَمَرَتَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَحَازَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْحَائِطَ حَتَّى يَحِدَّ ثَمَرَتَهُ وَكَانَ يَسْقِيهِ وَيَقُومُ عَلَيْهِ أَوْ وَهَبَ لَهُ زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَحَازَ الزَّرْعَ وَكَانَ يَسْقِيهِ وَيَقُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يَرْفَعَ زَرْعَهُ فَهَذَا قَبْضٌ، وَكَذَلِكَ مَا سَأَلْت عَنْهُ مِمَّا فِي بَطْنِ الْجَارِيَةِ وَمَا فِي بُطُونِ الْحَيَوَانِ. قُلْت: أَرَأَيْت الَّذِي وَهَبَ الثَّمَرَةَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، أَوْ الزَّرْعَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، إنْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ النَّخْلِ وَيَمْنَعَ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الزَّرْعُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَحُوزَ الثَّمَرَةَ وَالسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَالزَّرْعُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ يُسْقَى وَيَقُومُ عَلَى زَرْعِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُولَ بَيْنَك وَبَيْنَ ذَلِكَ وَيَكُونُ هَذَا قَبْضًا. قُلْت: فَالْغَنَمُ وَالْجَارِيَةُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَحُولَ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ مَا تَلِدُ جَارِيَتِي عِشْرِينَ سَنَةً، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْهِبَةُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الَّذِي يَهَبُ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ لِرَجُلٍ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا حَازَ الْمَوْهُوبُ لَهُ النَّخْلَ، أَوْ جُعِلَتْ لَهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ يَحُوزُ لَهُ فَالْجَارِيَةُ إنْ كَانَ قَبَضَهَا أَوْ حَازَهَا أَوْ جُعِلَتْ لَهُ عَلَى يَدِ مَنْ حَازَهَا لَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، مِثْلَ النَّخْلِ وَإِنْ لَمْ يَحُزْهَا حَتَّى يَمُوتَ رَبُّهَا أَوْ تُحَازَ لَهُ فَالْهِبَةُ بَاطِلٌ. قُلْت: فَالْهِبَةُ فِي هَذَا وَالصَّدَقَةُ وَالْحَبْسُ وَالنَّخْلُ سَوَاءٌ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَهُوَ جَائِزٌ؟
قَالَ: نَعَمْ. إذَا قَبَضَ فَهُوَ جَائِزٌ.

[وهب لَهُ جَارِيَة وَشَهد لَهُ بِالْقَبْضِ وَلَمْ يُعَايِن الشُّهُود القبض فَيَمُوت وَفِي يَده الْجَارِيَة]
فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ الْجَارِيَةَ وَيُشْهِدُ لَهُ بِالْقَبْضِ وَلَمْ يُعَايِنْ الشُّهُودُ الْقَبْضَ فَيَمُوتُ وَفِي يَدِهِ الْجَارِيَةُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي وَهَبْت جَارِيَتِي لِرَجُلٍ وَأَشْهَدْت لَهُ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَهَا مِنِّي وَلَمْ يُعَايِنْ الشُّهُودُ الْقَبْضَ، ثُمَّ مِتُّ وَالْجَارِيَةُ فِي يَدَيَّ فَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُوبُ لَهُ قَبَضَ الْجَارِيَةَ؟ قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى وَلَدٍ لَهُ كِبَارٍ بِعَبْدٍ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، وَكَتَبَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ وَقَبَضُوهُ. وَكَانَ الْوَلَدُ كِبَارًا وَقَدْ بَلَغُوا الْحِيَازَةَ وَمِثْلُهُمْ يَحُوزُ، فَهَلَكَ الْأَبُ وَقَدْ كَانَتْ صَدَقَتُهُ فِي صِحَّتِهِ، فَلَمَّا هَلَكَ الْأَبُ قَالَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ: لَمْ تَقْبِضُوا وَقَالَ: الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ: قَدْ قَبَضْنَا. وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ وَإِقْرَارِ الْمُتَصَدِّقِ بِاَلَّذِي فِي الْكِتَابِ، فَسُئِلَ الشُّهُودُ أَعَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ حَازُوا؟ وَقَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ الْإِقْرَارِ، وَلَا نَدْرِي أَحَازُوا أَوْ لَمْ يَحُوزُوا. فَقَالَ لِي مَالِكٌ: إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمْ قَدْ حَازُوا - وَفِي صِحَّةٍ مِنْهُ - فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك.


[وهب لابنه الصَّغِير وَلِأَجْنَبِيّ عَبْدًا لَهُ وَيَشْهَد لَهُمَا بِذَلِكَ وَلَمْ يَقْبِض الْأَجْنَبِيّ حتي مَاتَ الواهب]
فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ عَبْدًا لَهُ وَيُشْهِدُ لَهُمَا بِذَلِكَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْأَجْنَبِيُّ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِابْنِي وَهُوَ صَغِيرٌ وَلِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ عَبْدًا وَأَشْهَدْت لَهُمَا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبِضْ الْأَجْنَبِيُّ الْهِبَةَ حَتَّى مِتُّ، أَيَجُوزُ نِصْفُ الْعَبْدِ لِابْنِي أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ حَبْسًا وَأَشْهَدَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَهُمْ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، فَلَمْ يَقْبِضْ الْكِبَارُ الْحَبْسَ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ.
قَالَ مَالِكٌ: الْحَبْسُ بَاطِلٌ وَلَا يَجُوزُ لِلْكِبَارِ وَلَا لِلصِّغَارِ، لِأَنَّ الْكِبَارَ لَمْ يَقْبِضُوا الْحَبْسَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا نَعْرِفُ إنْفَاذَ الْحَبْسِ لِلصِّغَارِ هَهُنَا إلَّا بِحِيَازَةِ الْكِبَارِ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ. وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَهُ مِثْلَهُ إذَا حَبَسَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ صِغَارٌ كُلُّهُمْ، فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ لَهُمْ إذَا مَاتَ، فَالْحَبْسُ لَهُمْ جَائِزٌ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ، وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، فَنَصِيبُ الصَّغِيرِ جَائِزٌ وَنَصِيبُ الْكَبِيرِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَإِذَا حَبَسَ فَالْحَبْسُ بَاطِلٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تُقَسَّمُ إذَا كَانَتْ لَهُمْ وَتَصِيرُ مَالًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. فَمِنْ هُنَالِكَ تَمَّ لِلصَّغِيرِ مَا يَصِيرُ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ لَهُ جَائِزُ الْقَبْضِ، وَإِنَّ الْحَبْسَ لَوْ أُسْلِمَ إلَى مَنْ يَقْبِضُهُ لَهُمْ أَوْ أُسْلِمَ إلَى الْكَبِيرِ لَمْ تَجُزْ فِيهِ الْمُقَاسَمَةُ، وَإِنَّمَا يَبْقَى فِي أَيْدِيهِمَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ. فَمِنْ هُنَالِكَ لَمْ يَتِمَّ قَبْضُ الْأَبِ لِلصَّغِيرِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُقَسَّمُ وَلَا يَجُزْ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ دَاعِيَةً إلَى أَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ الْحَبْسَ عَلَى الْبَالِغِ، فَيَكُونُ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ يَنْفُذَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَلَا نَعْرِفُ، إنْفَاذَ الْحَبْسِ وَلَا قَبْضِهِ إذَا كَانَ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ يَقْبِضُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مِمَّا لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يُقَسَّمَ وَيُجَزَّأُ، فَيَصِيرُ مَالًا لَهُمْ يَتَوَارَثُونَهُ وَيُبَاعُ إلَّا بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ يَدِي الَّذِي حَبَسَهُ وَيَقْبِضَ مِنْهُ وَيَبِينَ.

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ الْأَرْضَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ أَرْضًا، كَيْفَ الْقَبْضُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: الْحِيَازَةُ إذَا حَازَهَا فَقَدْ قَبَضَهَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: فَإِنْ تَصَدَّقْتُ عَلَيْهِ بِأَرْضٍ لِي بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَأَنَا وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ فَقَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ قَبِلْتُ وَقَبَضْتُ، أَيَكُونُ هَذَا قَبْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ قَبْضًا إلَّا بِالْحِيَازَةِ. وَقَوْلُهُ: قَدْ قَبَضْتُ وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ، لَا يَكُونُ هَذَا قَبْضًا لِأَنِّي سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْحَبْسِ يَحْبِسُهُ الرَّجُلُ وَيَكْتُبُ فِي حَبْسِهِ قَدْ قَبَضُوا ذَلِكَ وَيُشْهِدُ الشُّهُودَ عَلَى الْكِتَابِ وَعَلَى قَوْلِهِ فَيَهْلَك صَاحِبُ الْحَبْسِ فَيُسْأَلُ الشُّهُودُ هَلْ قَبَضُوا فَقَالُوا: إنَّمَا شَهِدْنَا عَلَى إقْرَارِهِ وَلَا نَدْرِي هَلْ قَبَضُوا أَوْ لَمْ يَقْبِضُوا. قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يَنْفَعُهُمْ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ حَتَّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُمْ قَبَضُوا أَوْ حَازُوا.


[الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ غَيْرِهِ]
فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ غَيْرِهِ قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ دَيْنًا لِي عَلَيْهِ كَيْفَ يَكُونُ قَبْضُهُ؟ قَالَ: إذَا قَالَ قَدْ قَبِلْتُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَهَذَا قَبْضٌ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَإِذَا قَبِلَ سَقَطَ. قُلْت: فَإِنْ وَهَبْتُ دَيْنًا لِي عَلَى رَجُلٍ لِرَجُلٍ آخَرَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَشْهَدَ لَهُ وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِ ذِكْرَ الْحَقِّ فَهَذَا قَبْضٌ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَ عَلَيْهِ ذِكْرَ حَقٍّ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: إذَا أَشْهَدَ لَهُ وَأَحَالَهُ عَلَيْهِ فَهَذَا قَبْضٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ غَائِبًا وَوَهَبَ لِلرَّجُلِ مَالَهُ عَلَى غَرِيمِهِ وَأَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ وَدَفَعَ إلَيْهِ ذِكْرَ الْحَقِّ وَأَحَالَهُ عَلَيْهِ، أَيَكُونُ هَذَا قَبْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت الدَّيْنَ إذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَأَنَا بِالْفُسْطَاطِ، فَوَهَبْت دَيْنِي ذَلِكَ الَّذِي لِي بِإِفْرِيقِيَّةَ لِرَجُلٍ مَعِي بِالْفُسْطَاطِ وَأَشْهَدْت لَهُ وَقَبِلَ، أَتَرَى ذَلِكَ جَائِزًا؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: لِمَ أَجَزْته فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِأَنَّ الدُّيُونَ هَكَذَا تُقْبَضُ وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ يُقْبَضُ إنَّمَا هُوَ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَقَبْضُهُ أَنْ يُشْهِدَ لَهُ وَيَقْبَلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ هِبَتَهُ.

[الرَّجُلِ يُؤَاجِرُ الرَّجُلَ دَابَّتَهُ أَوْ يُعِيرُهُ إيَّاهَا ثُمَّ يَهَبُهَا لِغَيْرِهِ]
فِي الرَّجُلِ يُؤَاجِرُ الرَّجُلَ دَابَّتَهُ أَوْ يُعِيرهُ إيَّاهَا ثُمَّ يَهَبُهَا لِغَيْرِهِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ آجَرْت دَابَّتِي مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ وَهَبْتهَا لِرَجُلٍ آخَرَ أَوْ أَعَرْتهَا لِرَجُلٍ ثُمَّ وَهَبْتهَا لِرَجُلٍ آخَرَ، فَقَبَضَهَا هَذَا الْمُسْتَعِيرُ أَوْ هَذَا الْمُسْتَأْجِرُ، أَيَكُونُ قَبْضُهُ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَتَكُونُ الْهِبَةُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا انْقَضَى أَجَلُ الْإِجَارَةِ وَأَجَلُ الْعَارِيَّةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ انْقِضَاءِ أَجَلِ الْإِجَارَةِ وَأَجَلِ الْعَارِيَّةِ، أَيَكُونُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَحَقَّ بِالْهِبَةِ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ قَبْضٌ لَهُ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَخْدُمُ الرَّجُلَ الْجَارِيَةُ سِنِينَ ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ لِفُلَانٍ بَعْدَ خِدْمَةِ فُلَانٍ هِبَةً بَتْلًا وَقَدْ قَبَضَهَا الْمُخْدَمُ.
قَالَ مَالِكٌ: قَبْضُ الْمُخْدَمِ لِلْخَادِمِ قَبْضٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَهِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، إنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي الْعَارِيَّةِ وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَلَا تَكُونُ قَبْضًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ الْإِجَارَةَ لَهُ مَعَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ كَأَنَّهَا فِي يَدَيْ الْوَاهِبِ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك. وَأَرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِأَرْضٍ فَكَانَتْ الْأَرْضُ حِينَ تَصَدَّقَ بِهَا تُحْتَازُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، مِنْ كِرَاءٍ يُكْرِيهِ أَوْ حَدَثٍ يُحْدِثُهُ أَوْ غَلْقٍ يُغْلَقُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ لَوْ شَاءَ أَنْ يَحُوزَهَا بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ حَازَهَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ أَرْضًا قِفَارًا مِنْ الْأَرْضِ وَلَيْسَتْ تُحْتَازُ بِغَلْقٍ وَلَا كِرَاءٍ تَكَرَّاهُ، وَلَمْ يَأْتِ إبَّانَ زَرْعٍ فَيَزْرَعْهَا أَوْ يَمْنَحْهَا بِوَجْهٍ يُعْرَفُ حَتَّى مَاتَ الَّذِي وَهَبَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَهِيَ لِلَّذِي وُهِبَتْ لَهُ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ. وَكُلُّ مَنْ وَهَبَ دَارًا


حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الَّذِي وُهِبَتْ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ فَلَا حَقَّ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي قَبْضِهَا لِأَنَّ لِهَذِهِ حِيَازَةٌ تُحْتَازُ بِهَا.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَإِنْ لَمْ يَحُزْهَا فَهِيَ مَالُ الْوَارِثِ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ قَدْ أَعَمَرْتُك هَذَا الْعَبْدَ حَيَاتَكَ؟
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: تِلْكَ الْمِنْحَةُ وَهِيَ مُؤَدَّاةٌ إلَى مَنْ اسْتَثْنَى فِيهَا.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَإِنْ قَالَ: ثُمَّ هُوَ لِفُلَانٍ بَعْدَك، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مَا قَالَ إذَا كَانَ هِبَةً لِلْآخَرِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَإِنْ قَالَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ بَعْدَك. قَالَ: يَنْفُذُ مَا قَالَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَطَعَ مِنْ مَالِهِ قَطِيعًا فَسَمَّاهُ لِنَاسٍ، ثُمَّ إذَا انْقَرَضُوا فَهُوَ لِفُلَانٍ جَازَ ذَلِكَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُمْلَكُ حَتَّى يَصِيرَ إلَى آخِرِهِمْ كَمَا سَمَّى لَا يُنْكَرُ هَذَا.
قَالَ اللَّيْثُ: وَسَمِعْت يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: إنْ أَعْمَرَ رَجُلٌ رَجُلًا عَبْدًا وَجَعَلَهُ مِنْ بَعْدِهِ حُرًّا، ثُمَّ عَجَّلَ هَذَا الَّذِي جُعِلَ لَهُ الْعَبْدُ عُمْرَهُ عِتْقَهُ، كَانَ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي أَعْتَقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِنَّمَا تَرَكَ لَهُ خِدْمَتَهُ.

[أجر دَابَّتَهُ ثُمَّ أعارها إيَّاهُ ثُمَّ وهبها لَهُ وَهُمَا غَائِبَانِ عَنْ مَوْضِع الْعَارِيَّةِ وَالْوَدِيعَة]
فِي الرَّجُل يُؤَاجِرُ دَابَّتَهُ ثُمَّ يُعَيِّرُهَا إيَّاهُ ثُمَّ يَهَبُهَا لَهُ وَهُمَا غَائِبَانِ عَنْ مَوْضِع الْعَارِيَّةِ وَالْوَدِيعَة قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ وَدَائِعَ أَوْ آجَرَنِي دُورًا أَوْ دَوَابَّ أَوْ رَقِيقًا، وَأَعَارَنِي ذَلِكَ وَأَنَا وَهُوَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَالشَّيْءُ الَّذِي أَعَارَنِي وَاسْتَوْدَعَنِي وَآجَرَنِي بِإِفْرِيقِيَّةَ ثُمَّ خَرَجْنَا أَنَا وَهُوَ إلَى الْفُسْطَاطِ فَوَهَبَ لِي ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْفُسْطَاطِ فَقَبِلْت ذَلِكَ، أَيَكُونُ قَوْلِي قَدْ قَبِلْت لِذَلِكَ قَبْضًا لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ فِي يَدِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قَبُولُك قَبْضٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ. قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَنِي وَدِيعَةً ثُمَّ وَهَبَهَا لِي فَلَمْ أَقُلْ قَدْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ؟ قَالَ: الْقَوْلُ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ لِوَرَثَةِ الْوَاهِبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ هِبَتَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ قَبْضٌ إذَا كَانَتْ فِي يَدَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ كَوْنَهَا فِي يَدَيْهِ أَحْوَزُ الْحَوْزِ. قُلْت: أَرَأَيْت النُّحْلَ وَالْعُمْرَى وَالْعَطِيَّةَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْحَبْسَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْقَبْضِ؟
قَالَ: نَعَمْ. هَذَا كُلُّهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْقَبْضِ.

[الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ يُصَابُ بِهَا الْعَيْبُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت هِبَةٌ لِلثَّوَابِ وَأَخَذْت الْعِوَضَ فَأَصَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْهِبَةِ عَيْبًا، أَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عِوَضِهِ وَيَرُدَّ الْهِبَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ.، الْهِبَةُ عَلَى الْعِوَضِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يُصْنَعُ فِيهَا وَفِي الْعِوَضِ مَا يُصْنَعُ بِالْبَيْعِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ نَعَمْ.، الْهِبَةُ عَلَى الْعِوَضِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مِثْلُ الْبُيُوعِ مَحْمَلٌ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ الْهِبَةَ عَلَى الْعِوَضِ، إنْ لَمْ يُثِبْهُ وَلَمْ


تَتَغَيَّرْ الْهِبَةُ بِنَمَاءٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَكَانَتْ عَلَى حَالِهَا، فَلِلَّذِي وَهَبَهَا أَنْ يَأْخُذَهَا إلَّا أَنْ يُثِيبَهُ وَلَا يَلْزَمُ الَّذِي قَبِلَهَا الثَّوَابُ عَلَى مَا يُحِبُّ أَوْ يَكْرَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ ثَمَنٌ لِتِلْكَ الْهِبَةِ، أُجْبِرَ الْوَاهِبُ عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَثَابَهُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِلْهِبَةِ بِثَمَنٍ، ثُمَّ قَامَ صَاحِبُ الْهِبَةِ يَطْلُبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا قَبِلَ ذَلِكَ إلَّا انْتِظَارًا لِتَمَامِ ثَوَابِ الْهِبَةِ، فَإِذَا حَلَفَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ تَمَامَ الثَّوَابِ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ رَدَّ الْهِبَةَ وَأَخَذَ عِوَضَهُ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالشُّفْعَةُ كَذَلِكَ إذَا وَهَبَ رَجُلٌ لِلثَّوَابِ شِقْصًا لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا أَبَدًا إنْ كَانَ وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ حَتَّى يُثَابَ مِنْ هِبَتِهِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُثِيبَهُ أَخَذَ الْوَاهِبُ دَارِهِ وَلَمْ تَكُنْ فِيهَا شُفْعَةٌ لِأَحَدٍ. قُلْت: فَإِنْ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ فِي هِبَتِي؟
قَالَ: نَعَمْ.، إلَّا أَنْ يُعَوِّضَك عِوَضًا آخَرَ، يَكُونُ قِيمَةُ الْهِبَةِ أَوْ أَكْثَرُ مَكَانَ الْعِوَضِ الَّذِي اسْتَحَقَّ، فَلَيْسَ لَك أَنْ تَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ إنْ أَعْطَاك عِوَضًا مَكَانَ الْعِوَضِ الَّذِي اسْتَحَقَّ.
قُلْت: فَإِنْ عَوَّضَنِي مِنْهَا عِوَضًا ضِعْفَ قِيمَةِ الْهِبَةِ. ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ فَأَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ فِي هِبَتِي فَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ: أَنَا أُعْطِيك قِيمَةَ الْهِبَةِ عِوَضًا مِنْ هِبَتِك. وَقُلْت: لَا أَرْضَى إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي قِيمَةَ الْعِوَضِ، وَقِيمَةُ الْعِوَضِ الَّذِي اسْتَحَقَّ ضِعْفُ قِيمَةِ الْهِبَةِ؟
قَالَ: لَا أَرَى لَك إلَّا قِيمَةَ الْهِبَةِ، لِأَنَّ الَّذِي زَادَك أَوَّلًا فِي عِوَضِهِ عَلَى قِيمَةِ هِبَتِك إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا مِنْهُ تَطَاوَلَ بِهِ عَلَيْك، فَلَمَّا اسْتَحَقَّ لَمْ يَكُنْ لَك عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةُ هِبَتِك.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ تَصَدَّقْت بِصَدَقَةٍ لِلثَّوَابِ، أَيَبْطُلُ الثَّوَابُ وَتَجُوزُ الصَّدَقَةُ أَوْ يَجْعَلُهَا مَالِكٌ هِبَةً؟
قَالَ: أَجْعَلُهَا هِبَةً إنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الثَّوَابِ.

قُلْت: فَإِنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ دَيْنًا لِي عَلَى رَجُلٍ وَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَهَبَ دَيْنَهُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الثَّوَابِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ وَهَبَهُ لِلثَّوَابِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا يَدًا بِيَدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ وَيَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ

[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِرَجُلَيْنِ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ]
ٍ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت أَرْضًا لِرَجُلَيْنِ أَجْنَبِيَّيْنِ، أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، فَقَبَضَ الْحَاضِرُ جَمِيعَ الْأَرْضِ، أَيَكُونُ قَبْضُ الْحَاضِرِ قَبْضًا لِلْغَائِبِ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْهُ الْغَائِبُ عَلَى الْقَبْضِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْغَائِبُ بِالْهِبَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.، قَبْضُ الْحَاضِرِ قَبْضٌ لِلْغَائِبِ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ هِبَةً وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَمَرْت رَجُلًا أَنْ يَقْبِضَهَا لِلْغَائِبِ، أَيَكُونُ هَذَا قَبْضًا لِلْغَائِبِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ عَلَى غَائِبٍ فَأَخْرَجَهَا فَجَعَلَهَا عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ لِذَلِكَ الْغَائِبِ، فَحَازَهَا هَذَا الَّذِي جُعِلَتْ عَلَى يَدَيْهِ


لِذَلِكَ الْغَائِبِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَحِيَازَةُ هَذَا حِيَازَةٌ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَيَدُلُّك عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَصِحَّتِهِ مَا مَضَى مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَغَيْرِهِمْ فِي تَحَاوُزِ الْأَحْبَاسِ، أَنَّ قَابِضَ الْأَحْبَاسِ يَجُوزُ قَبْضُهُ عَلَى الْكَبِيرِ الْحَاضِرِ الْبَالِغِ الْمَالِكِ لِأَمْرِهِ وَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ وَالْغَائِبِ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ مِنْ وَلَدِ الْوَالِدِ مِمَّا يَحْدُثُ وَيُولَدُ.

قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبِيدَ وَالْحَيَوَانَ وَالْعُرُوضَ وَالْحُلِيَّ، كَيْفَ يَكُونُ قَبْضُهُ؟ قَالَ: بِالْحِيَازَةِ.

[فِي حَوْزِ الْهِبَةِ لِلطِّفْلِ وَالْكَبِيرِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الطِّفْلَ الصَّغِيرَ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَأَوْصَى، فَوَهَبَ لَهُ رَجُلٌ هِبَةً بَتَلَهَا لَهُ وَجَعَلَهَا عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنْ النَّاسِ، أَيَكُونُ هَذَا حَوْزًا لِلصَّبِيِّ وَوَالِدُهُ حَاضِرٌ أَوْ وَصِيُّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.، أَرَاهُ حَوْزًا لَهُ إذَا كَانَ إنَّمَا وَضَعَهُ لَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ وَتُرْضَى حَالُهُ وَأَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ. وَيَدْفَعُ ذَلِكَ إلَيْهِ إذَا بَلَغَ. قُلْت: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ لَهُ وَالِدٌ وَبَيْنَ الْكَبِيرِ إذَا وُهِبَتْ لَهُ الْهِبَةُ وَجَعَلَهَا الْوَاهِبُ عَلَى يَدَيْ هَذَا الرَّجُلِ؟
قَالَ: خَوْفًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَهَا الْوَالِدُ أَوْ يُفْسِدَهَا، فَيَجُوزُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الصَّغِيرُ فَيَقْبِضَهَا. وَأَمَّا الْكَبِيرُ الْمَرَضِيُّ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَازَهَا هَذَا لَهُ أَوْ إلَى أَيِّ أَجَلٍ يَدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ يَجْرِي عَلَيْهَا غَلَّتُهَا، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْهِبَةُ. قَالَ: فَقُلْت لِمَالِكٍ: فَالْأَبُ فِي ابْنِهِ إذَا اشْتَرَطَ هَذَا الشَّرْطَ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا، فَيَشْتَرِطُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَا دَامَ الْوَلَدُ فِي تِلْكَ الْحَالِ. فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ إنْ كَبِرَ، أَوْ اشْتَرَطَ عَلَى السَّفِيهِ أَنْ لَا يَبِيعَ وَإِنْ حَسُنَتْ حَالُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ شَرْطُهُ إذَا اشْتَرَطَهُ مَا دَامَ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا.
سَحْنُونٌ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ لِلرَّجُلِ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا، فَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّيْثَ كَرِهَهَا أَيْضًا مَعَ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا فَسَّرَ لِي التَّفْسِيرَ الَّذِي فَسَّرْت لَك. فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لِلْكَبِيرِ إذَا جَعَلَهَا عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ وَهُوَ مَرْضِيٌّ وَلَمْ يَحْبِسْهَا عَنْهُ لِسُوءِ حَالِهِ وَلَا لِغَلَّةٍ أَجْرَاهَا عَلَيْهِ وَحَبَسَ الْأَصْلَ. فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ حَوْزَ هَذَا الَّذِي جُعِلَتْ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِحَوْزٍ لَهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ: كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّغِيرَ وَالسَّفِيهَ لَهُمَا وَقْتٌ يَقْبِضَانِ الْهِبَةَ، وَهُوَ الْبُلُوغُ فِي الصَّغِيرِ مَعَ حُسْنِ الْحَالِ، وَحُسْنُ الْحَالِ فِي السَّفِيهِ. وَإِنَّمَا يُرَادُ مِنْ الصَّدَقَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ يَدِ الْمُعْطِي إلَى غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الَّذِي صَارَتْ إلَيْهِ قَابِضًا لَهَا كَمَا تُقْبَضُ الْحَبْسُ، يَقْبِضُ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْتِ مِمَّنْ هُوَ آتٍ، وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْبَالِغَ الَّذِي قَدْ أَعْطَى عَطِيَّةً تَكُونُ لَهُ مَالًا


تُرَاثًا، مُنِعَ مِنْ قَبْضِهَا لِغَيْرِ شَيْءٍ عُقِدَ فِيهَا مِمَّا مِثْلُهُ يُعْقَدُ فِي الصَّدَقَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَبْتِلَهَا لَهُ وَيُعْطِيَهُ إيَّاهَا.

[فِي حَوْزِ الْأُمِّ فِيمَا لَوْ وَهَبْت لِوَلَدِهَا الصِّغَارِ هِبَةً وَهُمْ فِي حِجْرِهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الْأُمَّ وَهَبْت لِوَلَدِهَا الصِّغَارِ هِبَةً وَهُمْ فِي حِجْرِهَا، وَأَشْهَدَتْ لَهُمْ، أَهِيَ فِي الْحِيَازَةِ مِثْلُ الْأَبِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَكُونُ حَائِزَةً لَهُمْ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً لَهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً فَذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً لِلْوَالِدِ أَوْ وَصِيَّةَ وَصِيِّ الْوَالِدِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.، لِأَنَّ وَصِيَّ الْوَصِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ، وَهِيَ وَصِيَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، قُلْت: فَالْأُمُّ تَكُونُ حَائِزَةً صَدَقَتَهَا أَوْ هِبَتَهَا عَلَى وَلَدِهَا الصِّغَارِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً وَقَدْ أَخْبَرْتُك بِذَلِكَ، قُلْت: أَرَأَيْت الْجَارِيَةَ إذَا حَاضَتْ وَلَيْسَ لَهَا وَالِدٌ، وَوَهَبَتْ لَهَا أُمُّهَا هِبَةً وَالْأُمُّ وَصِيَّتُهَا وَهِيَ فِي حِجْرِ أُمِّهَا، أَتَكُونُ الْأُمُّ حَائِزَةً لَهَا هِبَتَهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ؟
قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ أَفْعَالَهَا لَا تَجُوزُ فِي هِبَتِهَا وَصَدَقَتِهَا حَتَّى يَبْرُزَ وَجْهُهَا وَيُؤْنَسَ مِنْهَا الرُّشْدُ، وَهِيَ فِيمَا يُقْبَضُ لَهَا كَغَيْرِهَا مِمَّنْ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَرَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مَا قَالُوا.

[فِي حَوْزِ الْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ الصَّغِير]
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْأَبِ إنَّهُ يَحُوزُ لِابْنَتِهِ وَإِنْ طَمَثَتْ إذَا تَصَدَّقَ هُوَ عَلَيْهَا بِصَدَقَةٍ فَهُوَ الْحَائِزُ لَهَا. قُلْت: فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَمْ تَقْبِضْ صَدَقَتَهَا حَتَّى مَاتَ الْأَبُ، أَيَبْطُلُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ حَسُنَتْ حَالُهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَجَازَ أَمْرُهَا فَلَمْ تَقْبِضْ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ، فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِحَالِ سَفَهٍ جَازَ ذَلِكَ لَهَا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: الْأَبُ يَحُوزُ لِابْنِهِ الْكَبِيرِ إذَا كَانَ سَفِيهًا سَحْنُونٌ: أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى قَالَ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] سُورَةُ النِّسَاءِ وَبُلُوغُ النِّكَاحِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْحَيْضِ. فَقَدْ مَنَعَهُمْ اللَّهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَعَ الْأَوْصِيَاءِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَّا بِالرُّشْدِ، فَكَيْفَ مَعَ الْآبَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَمْلَكُ بِهِمْ مِنْ الْأَوْصِيَاءِ وَإِنَّمَا الْأَوْصِيَاءُ بِسَبَبِ الْآبَاءِ. ابْنُ وَهْبٍ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّهُ يَتِيمٌ بَعْدَ الْبُلُوغِ إذَا كَانَ سَفِيهًا. وَقَالَ شُرَيْحٌ: الْيَتِيمَةُ تُسْتَشَارُ فِي نَفْسِهَا وَلَا تُسْتَشَارُ فِي نَفْسِهَا إلَّا بَالِغٌ، وَقَدْ سَمَّاهَا شُرَيْحٌ يَتِيمَةً وَهِيَ بَالِغٌ، وَقَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَفَى بِقَوْلِهِ حُجَّةً مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الْيَتِيمَةُ تُسْتَشَارُ فِي نَفْسِهَا» .


قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ سَفِيهَةً فِي عَقْلِهَا أَوْ فِي مَالِهَا وَقَدْ طَمَثَتْ وَدَخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ لَمْ تَطْمِثْ وَدَخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ قَدْ كَانَتْ وَلَدَتْ أَوْلَادًا فَتَصَدَّقَ الْأَبُ عَلَيْهَا بِصَدَقَةٍ وَأَشْهَدَ لَهَا وَهِيَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، أَيَكُونُ الْأَبُ هُوَ الْحَائِزُ لَهَا صَدَقَتَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ مَالِكًا قَالَ: الْأَبُ يَحُوزُ لِوَلَدِهِ صَدَقَةَ نَفْسِهِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ سَفِيهًا، فَهَذِهِ عِنْدِي وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَإِنَّ الْأَبَ تَجُوزُ حِيَازَتُهُ صَدَقَةَ نَفْسِهَا عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَقْطَعُ حِيَازَةَ الْأَبِ عَنْهَا إذَا تَصَدَّقَ الْأَبُ عَلَيْهَا بِصَدَقَةٍ، وَإِنَّمَا يَقْطَعُ إذَا كَانَ الْأَبُ حَائِزًا صَدَقَتَهُ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ هِيَ الَّتِي تَحُوزُ لِنَفْسِهَا، فَإِذَا صَارَتْ فِي حَالٍ تَحُوزُ لِنَفْسِهَا فَلَا تَجُوزُ حِيَازَةُ الْأَبِ عَلَيْهَا صَدَقَةَ نَفْسِهِ، وَهِيَ مَا دَامَتْ فِي بَيْتِ أَبِيهَا وَإِنْ كَانَتْ مَرْضِيَّة، فَالْأَبُ يَحُوزُ لَهَا صَدَقَةَ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ إذَا دَخَلَتْ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَأُنِسَ مِنْهَا الرُّشْدُ فَهَهُنَا تَنْقَطِعُ حِيَازَةُ الْأَبِ صَدَقَةَ نَفْسِهِ عَلَيْهَا لَهَا، فَلَا تَحُوزُ حَتَّى تَقْبِضَ.

قُلْت: فَإِنْ وَهَبَ الْأَبُ لِوَلَدِهِ - وَهُمْ صِغَارٌ - ثُمَّ أَشْهَدَ لَهُمْ، أَهُوَ الْحَائِزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِنْ بَلَغُوا فَلَمْ يَقْبِضُوا حِينَ بَلَغُوا هِبَتَهُمْ أَوْ صَدَقَتَهُمْ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ، أَيَكُونُ أَوْلَى بِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَتَكْفِيهِمْ حِيَازَةُ الْأَبِ لَهُمْ إذَا كَانُوا صِغَارًا أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا بَلَغُوا وَأُنِسَ مِنْهُمْ الرُّشْدُ فَلَمْ يَقْبِضُوا حَتَّى مَاتَ الْأَبُ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ. قَالَ: وَمَا دَامُوا فِي حَالِ السَّفَهِ وَإِنْ بَلَغُوا فَحَوْزُ أَبِيهِمْ لَهُمْ حَوْزٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: لِأَنَّ السَّفِيهَ وَإِنْ احْتَلَمَ بِمَنْزِلَةِ الصَّغِيرِ، يَحُوزُ لَهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ.

[فِي حَوْزِ الْأَبِ مَالًا لِابْنِهِ الْعَبْدِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ ابْنِي عَبْدًا لِرَجُلٍ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَوَهَبْت لَهُ هِبَةً وَأَشْهَدْت لَهُ، أَتَكُونُ حِيَازَتِي لَهُ حِيَازَةً أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَهُ مَنْ يَحُوزُ لَهُ دُونَك، لِأَنَّ سَيِّدَهُ يَحُوزُ لَهُ مَالَهُ دُونَ وَالِدِهِ، وَلِأَنِّي سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى صَغِيرٍ بِصَدَقَةٍ: إنَّ حِيَازَتَهُ لَيْسَتْ بِحِيَازَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا أَوْ وَاحِدًا يَحُوزُ لَهُ، وَلَا تَكُونُ صَدَقَةً مَقْبُوضَةً إلَّا أَنْ تَزُولَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا إلَّا وَالِدٍ أَوْ وَصِيٍّ لِمَنْ يَلِي. قُلْت: فَإِنْ أَخْرَجَ الْهِبَةَ وَالِدُ الصَّبِيِّ الْعَبْدِ إلَى رَجُلٍ غَيْرِ مَوْلَى الصَّبِيِّ فَجَعَلَهَا عَلَى يَدَيْهِ يَحُوزُهَا لِلصَّبِيِّ، أَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، رَضِيَ بِذَلِكَ سَيِّدُهُ أَوْ لَمْ يَرْضَ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَائِبٍ فَأَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهَا عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ يَحُوزُهَا لَهُ، فَحَوْزُهُ لَهَا حِيَازَةٌ لِهَذَا الْغَائِبِ. وَكُلُّ مَنْ حَبَسَ حَبْسًا عَلَى كِبَارٍ أَوْ صِغَارٍ أَوْ وَهَبَ هِبَةً لِغَائِبٍ إذَا كَانَ كَبِيرًا، أَوْ وَهَبَ هِبَةً لِصَغِيرٍ وَلَيْسَ هُوَ وَالِدَهُ وَلَا وَصِيَّهُ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ حَتَّى يَكْبُرَ الصَّغِيرُ فَيُعْطِيَهُ الَّذِي جَعَلَ لَهُ، أَوْ يَقْدَمَ الْغَائِبُ فَيَأْخُذَهُ، أَوْ كِبَارٍ حُضُورٍ تَجْرِي



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-01-2026, 11:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,097
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 408الى صــ 417
الحلقة(279)






عَلَيْهِمْ غَلَّةُ الْحَبْسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدِي فِيمَا حَمَلْتُ عَنْ مَالِكٍ. فَأَمَّا أَنْ يَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ هِبَةً وَالْمَوْهُوبُ لَهُ حَاضِرٌ مَرْضِيٌّ لَيْسَ بِسَفِيهٍ وَلَا صَغِيرٍ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ لَا يَدْفَعَهُ إلَيْهِ، فَلَا أَرَى هَذِهِ حِيَازَةً، لِأَنَّهُ قَدْ قَبِلَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ حَاضِرٌ مَرْضِيٌّ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إلَيْهِ، إنَّمَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا إذَا كَانَ قَدْ حَبَسَ الْأَصْلَ وَجَعَلَ الْغَلَّةَ لَهُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا مَنْ يُجْرِي ذَلِكَ عَلَيْهِ.

[حَوْزِ الزَّوْجِ مَالَ زَوْجَتَهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ جَارِيَةً بِكْرًا قَدْ طَمَثَتْ أَوْ لَمْ تَطْمِثْ وَهِيَ فِي بَيْتِ أَبِيهَا، فَتَصَدَّقَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِصَدَقَةٍ أَوْ وَهَبَ لَهَا هِبَةً وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدِهِ، أَيَكُونُ حَائِزًا لَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ حَائِزًا لَهَا إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدَيْهِ فَيَجْعَلَهَا لَهَا عَلَى يَدَيْ مَنْ يَحُوزُهَا لَهَا. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ سَفِيهَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ جُنُونًا مُطْبِقًا، فَبَنَى بِهَا زَوْجُهَا ثُمَّ تَصَدَّقَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا بِصَدَقَةٍ، أَوْ وَهَبَ لَهَا زَوْجُهَا هِبَةً وَأَشْهَدَ لَهَا بِذَلِكَ، أَيَكُونُ هُوَ الْحَائِزُ لَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ هُوَ الْحَائِزَ لَهَا مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهَا هُوَ. قُلْت: لِمَ قُلْت ذَلِكَ؟
قَالَ: لِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ وَهَبَ هِبَةً، فَلَا يَكُونُ هُوَ الْوَاهِبَ وَهُوَ الْحَائِزَ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ مَنْ يَجُوزُ أَمْرُهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَدْ فَسَّرْتُ لَك ذَلِكَ، وَلَا أَرَى الزَّوْجَ هَهُنَا مِمَّنْ يَجُوزُ أَمْرُهُ عَلَيْهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ مَالَ امْرَأَتِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَجُوزَ أَمْرُهُ عَلَيْهَا وَلَا يَكُونُ حَائِزًا لَهَا مَا يَتَصَدَّقُ هُوَ عَلَيْهَا بِهِ وَأَبُوهَا الْحَائِزُ لَهَا وَإِنْ دَخَلَتْ مَنْزِلَ زَوْجِهَا، مَا دَامَتْ سَفِيهَةً أَوْ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهَا أَمْرٌ، وَلَا يَكُونُ زَوْجُهَا الْحَائِزَ لَهَا فِيمَا وَهَبَ لَهَا إلَّا أَنْ يَضَعَ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ أَجْنَبِيٍّ يَقْبِضُهُ لَهَا، وَأَمَّا صَدَقَتُهُ هُوَ أَوْ هِبَتُهُ لَهَا فَلَا.

[اعْتِصَارُ الْأُمِّ]
ِّ قُلْت: أَرَأَيْت مَا وَهَبْت الْأُمُّ لِوَلَدِهَا، أَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مِنْهُ شَيْئًا أَمْ لَا إذَا كَانَتْ هِيَ الْوَصِيَّةُ وَالْوَلَدُ صِغَارٌ فِي حِجْرِهَا؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا وَهَبَتْ الْأُمُّ لِوَلَدِهَا أَوْ نَحَلَتْهُمْ وَلَهُمْ أَبٌ، فَإِنَّ الْأُمَّ تَعْتَصِرُ ذَلِكَ كَمَا يَعْتَصِرُهُ الْأَبُ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا أَوْ يَنْكِحُوا. وَمَا نَحَلَتْ أَوْ وَهَبَتْ الْأُمُّ لِوَلَدِهَا الصِّغَارِ وَلَا أَبَ لَهُمْ، فَإِنَّهَا لَا تَعْتَصِرُ ذَلِكَ. وَلَيْسَ يُعْتَصَرُ مَا يُوهَبُ لِلْيَتَامَى وَلَا مَا يُنْحَلُونَ. قَالَ لِي مَالِكٌ: إنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ. وَمَا نَحَلَ الْأَبُ أَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصِّغَارِ، فَإِنَّهُ يَعْتَصِرُ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أُمٌّ،

لِأَنَّ الْيَتِيمَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، إلَّا أَنْ يَنْكِحُوا أَوْ يُحْدِثُوا دَيْنًا.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت الْأُمُّ لِوُلْدِهَا وَهُمْ كِبَارٌ هِبَةً، أَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْدِثُوا فِيهَا شَيْئًا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: ذَلِكَ فِي الْأَبِ: إنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ وَالْأُمُّ مِثْلُهُ. قَالَ: وَإِنَّمَا مَنَعَ مَالِكٌ الْأُمَّ أَنْ تَعْتَصِرَ إذَا كَانَ الْوَلَدُ يَتَامَى، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا يَتَامَى فَلَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» فَدُرِئَ عَنْ أَبِيهِ الْحَدُّ فِي مَالِ ابْنِهِ إذَا سَرَقَهُ. وَبِذَلِكَ الْحَدِيثِ دُرِئَ عَنْ الْأُمِّ فِي مَالِ ابْنِهَا إذَا سَرَقَتْهُ الْحَدُّ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت الْأُمُّ لِوَلَدِهَا وَهُمْ صِغَارٌ - لَا وَالِدَ لَهُمْ - هِبَةً فَبَلَغُوا رِجَالًا وَلَمْ يُحْدِثُوا فِي الْهِبَةِ شَيْئًا، أَيَكُونُ لِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ الْهِبَةَ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ الْهِبَةَ، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ يَوْمَ وَقَعَتْ لَهُمْ وَهُمْ يَتَامَى وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ.

قُلْت: أَرَأَيْت الصَّغِيرَ إذَا كَانَ لَهُ وَالِدٌ - وَالْوَالِدُ مَجْنُونٌ جُنُونًا مُطْبِقًا - وَلَهُ وَالِدَةٌ فَوَهَبَتْ لَهُ الْأُمُّ هِبَةً، أَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْيَتِيمِ أَمْ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْيَتِيمِ وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَهُ؟
قَالَ: لَا أَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْيَتِيمِ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ هِبَتَهَا إنْ شَاءَتْ.

[اعْتِصَارِ الْأَبِ]
فِي اعْتِصَارِ الْأَبِ قُلْت: فَإِنْ وَهَبَ لَهُمْ الْأَبُ وَهُمْ صِغَارٌ فَبَلَغُوا رِجَالًا وَلَمْ يُحْدِثُوا دَيْنًا وَلَمْ يَنْكِحُوا، فَأَرَادَ الْأَبُ أَنْ يَعْتَصِرَ هِبَتَهُ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِوَلَدِهِ الْكِبَارِ هِبَةً، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَصِرَهَا: إنَّ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا أَوْ يَنْكِحُوا، فَكَذَلِكَ إذَا وَهَبَ لَهُمْ وَهُمْ صِغَارٌ ثُمَّ بَلَغُوا، فَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ هِبَتَهُ مَا لَمْ يُحْدِثُوا دَيْنًا أَوْ يَنْكِحُوا أَوْ تَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَحَلَ ابْنًا لَهُ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ابْنُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهَا.

قُلْت: أَرَأَيْت مَا وُهِبَ لِلصَّبِيِّ إذَا وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ، أَيَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَهُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ. قُلْت: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.، أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ هُوَ، بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَك.

قُلْت: فَإِنْ تَصَدَّقَ وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ وَهُمْ صِغَارٌ أَوْ كِبَارٌ بِصَدَقَةٍ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الصَّدَقَةُ مُبْهَمَةٌ لَيْسَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهَا اعْتِصَارٌ، لَا وَالِدٍ وَلَا وَالِدَةٍ. قُلْت: أَرَأَيْت الْعَطِيَّةَ وَالْعُمْرَى وَالنُّحْلَ إذَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهُ كَمَا يَجُوزُ لَهُ فِي الْهِبَةِ، أَمْ تَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: الْعَطِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ، وَالنُّحْلُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ، وَالْعُمْرَى فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ فِي الصَّدَقَةِ وَحْدَهَا. قُلْت: وَالْحَبْسُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَ الْحَبْسُ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الصَّدَقَةِ


فَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهُ. قُلْت: وَيَكُونُ حَبْسًا أَوْ عُمْرَى عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الصَّدَقَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ. يَحْبِسُ الدَّارَ عَلَى ابْنِهِ أَوْ يُعْمِرُهُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ ثُمَّ مَرْجِعُهَا إلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ وَهَذَا سُكْنَى. قُلْت: مَرْجِعُهَا إلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مَالٌ مِنْ مَالِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودُ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ» .
قَالَ طَاوُسٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ - ﷺ -: «إنَّمَا مَثَلُ الَّذِي يَهَبُ الْهِبَةَ ثُمَّ يَعُودُ فِيهَا كَمِثْلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّ الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ لَعَائِدٌ فِي قَيْئِهِ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السُّوءِ» ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ نَحَلَ وَلَدًا لَهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ فَهُوَ حَائِزٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَحُوزَ. وَإِنْ نَحَلَ ابْنَهُ أَوْ ابْنَتَهُ قَبْل أَنْ يَنْكِحَا ثُمَّ نَكَحَا عَلَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ نَحَلَهُ بَعْدَ أَنْ نَكَحَ، فَإِنَّ الْأَبَ يَرْجِعُ فِيمَا أَعْطَى ابْنَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ مُوسَى بْنَ سَعْدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ سَعْدًا مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ نَحَلَ ابْنَتَهُ جَارِيَةً لَهُ، فَلَمَّا تَزَوَّجَتْ أَرَادَ ارْتِجَاعَهَا فَقَضَى عُمَرُ: أَنَّ الْوَالِدَ يَعْتَصِرُهَا مَا دَامَ يَرَى مَالَهُ مَا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهَا فَتَقَعُ فِيهَا الْمَوَارِيثُ. أَوْ تَكُونُ امْرَأَةً فَتُنْكَحُ.
قَالَ يَزِيدُ: وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ الْوَالِدَ يَعْتَصِرُ مَا وَهَبَ لِابْنِهِ مَا لَمْ يُدَايِنْ النَّاسَ أَوْ يَنْكِحُ أَوْ يَمُوتُ ابْنُهُ فَتَقَعُ فِيهِ الْمَوَارِيثُ. وَقَالَ فِي ابْنَتِهِ إذَا هِيَ نَكَحَتْ أَوْ مَاتَتْ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْت سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ قَالَ: يَعْتَصِرُ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَمَا أَرَى عَطِيَّتَهُ بِعَيْنِهَا وَمَا لَمْ يَسْتَهْلِكْهَا وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مِيرَاثٌ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ بِمِثْلِ قَضَاءِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: الصَّدَقَةُ لَا يَرْتَدُّ فِيهَا صَاحِبُهَا. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَيَزِيدُ بْنُ قُسَيْطٍ مِثْلَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِ أَيُّوبَ بْنِ شُرَحْبِيلَ: أَنَّ الصَّدَقَةَ عَزْمَةٌ بَتَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْعَتَاقَةِ لَا رَجْعَةَ فِيهَا وَلَا مَثْنَوِيَّةَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَقَّهُ، أَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَعْتَصِرُ الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ عَلَى ابْنِهِ وَإِنْ عَقَّهُ، وَقَالَهُ مَالِكٌ.

[فِي اعْتِصَارِ ذَوِي الْقَرَابَةِ]
ِ قُلْت: هَلْ يَجُوزُ لَأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَعْتَصِرَ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - هِبَةَ جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ أَوْ خَالٍ أَوْ خَالَةٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمْ، أَيَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَعْتَصِرُوا؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الِاعْتِصَارَ


يَجُوزُ فِي - قَوْلِ مَالِكٍ - لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا وَالِدًا أَوْ وَالِدَةً، وَلَا أَرَى ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ وَالِدِهِ شَيْئًا لِأَجْلِ فَضِيلَةِ حَقِّ وَالِدِهِ عَلَى فَضِيلَةِ حَقِّهِ.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَعْتَصِرُ الْوَلَدُ مِنْ الْوَالِدِ.

[فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت هِبَةً لِرَجُلٍ فَقَبَضَهَا بِغَيْرِ أَمْرِي، أَيَجُوزُ قَبْضُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - لِأَنَّك لَوْ مَنَعْته ثُمَّ قَامَ عَلَيْك كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْك إذَا كَانَتْ لِغَيْرِ الثَّوَابِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ هِبَتَهُ حَتَّى يُثِيبَهُ مِنْهَا. قَالَ: نَعَمْ وَهَذَا مِثْلُ الْبَيْعِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَ لِي سِلْعَةً لِلثَّوَابِ فَقَبَضْتهَا قَبْلَ أَنْ أُثِيبَهُ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرُدَّهَا إلَيْهِ حَتَّى أُثِيبَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يُوقَفُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَإِمَّا أَثَابَهُ وَإِمَّا رَدَّ سِلْعَتَهُ إلَيْهِ وَيُتَلَوَّمُ فِي ذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا مِمَّا لَا يَكُونُ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَنَا مِثْلُ الْبُيُوعِ، يَأْخُذُهَا صَاحِبُهَا إذَا قَامَ عَلَيْهَا، فَإِنْ هِيَ نَمَتْ عِنْدَ الَّذِي وُهِبَتْ لَهُ فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ إلَّا الْقِيمَةُ، قِيمَتُهَا يَوْمَ وَهَبَهَا.

[الثَّوَابُ فِي هِبَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ إذَا وَهَبَهَا فَقِيرٌ لِغَنِيٍّ، أَيَكُونُ فِيهَا الثَّوَابُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ثَوَابٌ. قُلْت: فَإِنْ وَهَبَهَا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَهَبَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا ثَوَابَ لَهُ. قُلْت: فَإِنْ وَهَبَ لَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَاشْتَرَطَ الثَّوَابَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا مَا أَخْبَرْتُك، وَأَرَى لَهُ فِيهَا الثَّوَابَ إذَا اشْتَرَطَهُ عَرَضًا أَوْ طَعَامًا وَقَالَ مَالِكٌ: وَسُئِلَ عَنْ هِبَةِ الْحُلِيِّ لِلثَّوَابِ قَالَ مَالِكٌ: أَرَى لِلْوَاهِبِ قِيمَةَ الْحُلِيِّ مِنْ الْعُرُوضِ فِي الثَّوَابِ وَلَا يَأْخُذُ دَرَاهِمَ وَلَا دَنَانِيرَ.

قُلْت: فَإِنْ كَانَ وَهَبَ حُلِيًّا فِضَّةً فَلَا يَأْخُذُ فِي الثَّوَابِ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: نَعَمْ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ الْغَنِيِّ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ، فَيُهْدِي لَهُ جَارُهُ الْفَقِيرُ الْهَدِيَّةَ الرُّطَبَ وَالْفَاكِهَةَ وَمَا أَشْبَهَهُمَا حِينَ يَقْدَمُ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَهْدَيْت لَك إلَّا رَجَاءَ الثَّوَابِ أَنْ تَكْسُوَنِي أَوْ تَصْنَعَ بِي خَيْرًا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ لَهُ. قُلْت لَهُ: وَإِنْ كَانَتْ هَدِيَّتُهُ قَائِمَةً فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهَا؟
قَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ


لَا ثَوَابَ لَهُ فِيهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ طَلَبَ الْفَقِيرُ ثَوَابَهَا فَلَا أَرَى لَهُ فِيهَا ثَوَابًا وَلَا يُقْضَى لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَكَانَ رَبِيعَةُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ عَلَى وَجْهِ الْإِثَابَةِ ابْتِغَاءَ الْعِوَضِ فَصَاحِبُهَا أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُعَوَّضْ مِنْهَا، فَأَمَّا الرَّجُلُ يَقْدَمُ مِنْ السَّفَرِ مُسْتَعْرِضًا، أَوْ الرَّجُلُ تَدْخُلُ عَلَيْهِ الْفَائِدَةُ وَهُوَ مُقِيمٌ لَمْ يَشْخَصْ، فَيَعْرِضُ صَاحِبُهُ الثَّوْبَ أَوْ الثَّوْبَيْنِ أَوْ يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَلَا يَرْجِعُ فِيهِ

[فِي الثَّوَابِ فِيمَا بَيْنَ ذَوِي الْقَرَابَةِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ وَهَبَ لِذِي رَحِمٍ هِبَةً، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ ثَوَابٌ فِي الْهِبَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ ثَوَابًا، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمُوسِرُ وَالْمَرْأَةُ لَهَا الْجَارِيَةُ الْفَارِهَةُ، فَيَطْلُبُهَا مِنْهَا فَتُعْطِيَهُ إيَّاهَا - تُرِيدُ بِذَلِكَ اسْتِقْرَارَ صِلَتِهِ وَعَطِيَّتِهِ - وَالرَّجُلُ مِثْلُ ذَلِكَ يَهَبُ الْهِبَةَ لِامْرَأَتِهِ، وَالِابْنُ لِأَبِيهِ يَرَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِقْرَارَ مَا عِنْدَ أَبِيهِ، فَإِذَا كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ وَجْهُ مَا طَلَبَ لِهِبَتِهِ تِلْكَ رَأَيْت بَيْنَهُمَا الثَّوَابَ، فَإِنْ أَثَابَهُ وَإِلَّا رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي هِبَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهُ مَا ذَكَرْت لَك فَلَا ثَوَابَ بَيْنَهُمْ، فَعَلَى هَذَا فَقِسْ مَا يَرِدُ عَلَيْك مِنْ هَذَا.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِعَمَّتِي أَوْ لِعَمِّي أَوْ لِجَدِّي أَوْ لِجَدَّتِي أَوْ أُخْتِي أَوْ ابْنِ عَمِّي هِبَةً، أَوْ وَهَبْت لِقَرَابَتِي مِمَّنْ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ، أَوْ لِقَرَابَتِي مِمَّنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ فِي هِبَتِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا وَهَبْتَ مِنْ هِبَةٍ يُعْلَمُ أَنَّك إنَّمَا وَهَبْتهَا تُرِيدُ بِهَا وَجْهَ الثَّوَابِ، فَإِنْ أَثَابُوك وَإِلَّا رَجَعْت فِي هِبَتِك وَأَمَّا مَا وَهَبْت مِنْ هِبَةٍ يُعْلَمُ أَنَّك لَمْ تُرِدْ بِهَا وَجْهَ الثَّوَابِ فَلَا ثَوَابَ لَك مِثْلَ أَنْ تَكُونَ غَنِيًّا فَتَصِلُ بَعْضَ قَرَابَتِك فُقَرَاءَ، فَتَزْعُمُ أَنَّك أَرَدْت بِهَا الثَّوَابَ، فَهَذَا لَا تُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا ثَوَابَ لَك وَلَا رَجْعَةَ لَك فِي هِبَتِك.
قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ - فِيمَا كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى صَاحِبِهِ مِنْ عَطَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ بَتًّ - لَيْسَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ ثَوَابٌ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْتَجِعَ فِيمَا أَعْطَى صَاحِبَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الرَّجُلِ إذَا أَعْطَى امْرَأَتَهُ حُسْنَ صُحْبَةٍ فِيمَا وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِهَا وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا وَإِفْضَائِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ إلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَى زَوْجِهَا مُوَاسَاةٌ وَمَعُونَةٌ لَهُ عَلَى صَنِيعَتِهِ وَصَنِيعَتِهَا، فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا ثَوَابٌ فِيمَا أَعْطَاهُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَلَا عِوَضَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ شَرْطًا وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَاللَّيْثُ مِثْلَهُ.


[الثَّوَابِ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيَّيْنِ]
فِي الثَّوَابِ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيَّيْنِ قُلْت: وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْأَجْنَبِيَّيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَوْ وُهِبَ لِأَجْنَبِيٍّ هِبَةٌ - وَالْوَاهِبُ غَنِيٌّ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فَقِيرٌ - ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَاهِبُ: إنَّمَا وَهَبْتهَا لَهُ لِلثَّوَابِ، لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعُ فِي هِبَتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَهَبَ هِبَةً لِغَنِيٍّ فَقَالَ: إنَّمَا وَهَبْتهَا لِلثَّوَابِ قَالَ: هَذَا يُصَدَّقُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، فَإِنْ أَثَابَهُ وَإِلَّا رَدَّ إلَيْهِ هِبَتَهُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ، وَهَبَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ هِبَةً وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّوَابَ حِينَ وَهَبَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَاهِبُ: إنَّمَا وَهَبْته لِلثَّوَابِ: وَكَذَلِكَ الْآخَرُ، أَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَاهِبِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ فِي هَذَا، وَلَكِنِّي لَا أَرَى لِمَنْ وَهَبَ لِفَقِيرٍ ثَوَابًا وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ فَقِيرًا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي أَصْلِ الْهِبَةِ ثَوَابًا، وَأَمَّا غَنِيٌّ وَهَبَ لِغَنِيٍّ فَقَالَ: إنَّمَا وَهَبْت لِلثَّوَابِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ إنْ أُثِيبَ مِنْ هِبَتِهِ وَإِلَّا رَجَعَ فِي هِبَتِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا. وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ، فَهَذَا عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا.
قَالَ: وَسَمِعْت حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ سَمِعْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي غَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ. وَقَالَ عُمَرُ: وَإِنْ هَلَكَتْ أَعْطَاهُ شَرْوَاهَا بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا وَهَبَهَا إلَّا رَجَاءَ أَنْ يُثِيبَهُ عَلَيْهَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: الْمَوَاهِبُ ثَلَاثَةٌ: مَوْهِبَةٌ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَمَوْهِبَةٌ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ النَّاسِ وَمَوْهِبَةٌ يُرَادُ بِهَا الثَّوَابُ، فَمَوْهِبَةُ الثَّوَابِ يَرْجِعُ فِيهَا صَاحِبُهَا إنْ لَمْ يُثَبْ مِنْهَا.

[فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ هِبَةً فَعَوَّضَنِي مِنْهَا، أَيَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَعْطَى فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ لَا

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدًا فَعَوَّضَهُ أَحَدُهُمَا عِوَضًا مِنْ حِصَّتِهِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ، وَمَا سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ مِثْلُ الْبُيُوعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا بَاعَ الْعَبْدَ مِنْ رَجُلَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً فَنَقَدَهُ أَحَدُهُمَا وَأَفْلَسَ الْآخَرُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نُصِيبَ الْآخَرِ يَكُونُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً فَعَوَّضَهُ فِيهَا أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَنْ تِلْكَ الْهِبَةِ عِوَضًا، فَأَرَادَ الْمُعَوِّضُ أَنْ يَرْجِعَ


فِي عِوَضِهِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَوِّضُ إنَّمَا أَرَادَ بِالْعِوَضِ حِينَ عَوَّضَ الْوَاهِبَ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ - أَرَادَ بِذَلِكَ الْعِوَضِ هِبَةً لِلْمَوْهُوبِ لَهُ - يُرَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ، فَأَرَى لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقِيمَةِ الْعِوَضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَرَادَ بِعِوَضِهِ السَّلَفَ فَلَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْمَوْهُوبَ لَهُ. قُلْت: وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِعِوَضِهِ هِبَةً عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، يُرَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَا وَجْهَ الثَّوَابِ وَلَا وَجْهَ يُرَى أَنَّهُ إنَّمَا عَوَّضَهُ لِيَكُونَ سَلَفًا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِشَيْءٍ. قُلْت: أَرَأَيْت الْهِبَةَ إذَا تَغَيَّرَتْ بِنَمَاءِ أَوْ نُقْصَانِ بَدَنٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؟
قَالَ: لَا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا وَإِنْ نَقَصَتْ، وَلَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَإِنْ زَادَتْ وَقَدْ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ فِيهَا

قُلْت: أَرَأَيْت إذَا وَهَبْت هِبَةً فَحَالَتْ أَسْوَاقُهَا، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ فِيهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ مَالِكٌ فِيهَا فِي حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ، وَلَا أَرَى لَهُ شَيْئًا إلَّا هِبَتَهُ، إلَّا أَنْ تَفُوتَ فِي بَدَنِهَا بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أُتِيَ بِرَجُلٍ وَهَبَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَرَجَعَ فِيهَا. قَالَ: يَرْجِعُ فِي قِيمَتِهَا يَوْمَ وَهَبَهَا وَنَمَاؤُهَا لِلَّذِي وُهِبَتْ لَهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَقَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَجُلٍ وَهَبَ غُلَامًا عِنْدَ صَاحِبِهِ وَشَبَّ. قَالَ: لَهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ وَهَبَهُ.

[الثَّوَاب أَقَلّ مِنْ قِيمَةِ الْهِبَة أَوْ أَكْثَر وَقَدْ نَقَصَتْ الْهِبَة أَوْ زَادَتْ أَوْ حَالَتْ أَسْوَاقُهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت هَذَا الَّذِي وَهَبَ هِبَةً لِلثَّوَابِ إذَا اشْتَرَطَ الثَّوَابَ، أَوْ يَرَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الثَّوَابَ فَأَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْهِبَةِ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ رَضِيَ بِذَلِكَ وَإِلَّا أَخَذَ هِبَتَهُ. قُلْت: فَإِنْ أَثَابَهُ قِيمَةَ هِبَتِهِ، فَأَبَى أَنْ يَرْضَى وَالْهِبَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَثَابَهُ قِيمَةَ الْهِبَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ عَلَى الْهِبَةِ سَبِيلٌ. قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ قَدْ تَغَيَّرَتْ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَأَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْهِبَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَغَيَّرَتْ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَالْقِيمَةُ لَازِمَةٌ لَهُ. قُلْت: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ هِبَتَهُ نَاقِصَةً وَقَالَ لَا أُرِيدُ الْقِيمَةَ؟
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا نَقَصَتْ إنَّمَا تَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ عَلَى الَّذِي وُهِبَتْ لَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ذَلِكَ. قُلْت: فَإِنْ أَبَى أَنْ يُثِيبَهُ وَرَضِيَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ؟
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَاهِبُ أَنْ يَقْبَلَهَا ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ قَالَ: كَتَبَ إلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ حَتَّى يُثَابَ مِنْهَا


يَرْضَى، فَإِنْ رَضِيَ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا رَضِيَ بِهِ. قَالَ: وَسَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيَادٍ بْنِ أَنْعُمَ الْمَعَافِرِيَّ يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ: أَيُّمَا رَجُلٍ وَهَبَ هِبَةً ثُمَّ لَمْ يُثَبْ مِنْهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا بِعَيْنِهَا عِنْدَ مَنْ وَهَبَهَا لَهُ - لَمْ يُتْلِفْهَا أَوْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ - فَلْيَرْجِعْ فِيهَا عَلَانِيَةً غَيْرَ سِرٍّ، ثُمَّ تُرَدُّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا مُثِيبًا، فَحُبِسَ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلْيَقْضِ لَهُ بِشَرْوَاهَا يَوْمَ وَهَبَهَا لَهُ إلَّا مَنْ وَهَبَ لِذِي رَحِمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، أَوْ الزَّوْجَانِ أَيُّهُمَا أَعْطَى صَاحِبَهُ شَيْئًا طَيِّبَةً بِذَلِكَ نَفْسُهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يُثَبْ.
وَإِنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ سُئِلَ عَنْ مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ مَهْرًا فَنَمَى عِنْدَهُ ثُمَّ عَادَ فِيهِ الْوَاهِبُ، فَقَالَ عَطَاءٌ: تُقَامُ قِيمَتُهُ يَوْمَ وَهَبَهُ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ بِالشَّامِ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنْ اقْضِهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ وَهَبَهُ، أَوْ شَرْوَى الْمَهْرِ يَوْمَ وَهَبَهُ فَلْيَدْفَعْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَيْهِ. مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ الْحَدِيثَانِ.

[الْمَوْهُوبِ لَهُ يَمُوتُ أَوْ الْوَاهِبُ قَبْلَ أَنْ يُثَابَ مِنْ هِبَتِهِ]
فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ يَمُوتُ أَوْ الْوَاهِبُ قَبْلَ أَنْ يُثَابَ مِنْ هِبَتِهِ قُلْت: فَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُثِيبَ الْوَاهِبَ مِنْ هِبَتِهِ، فَوَرَثَتُهُ مَكَانَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، يَكُونُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْهِبَةِ مَا كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِمْ مِنْ الثَّوَابِ مَا كَانَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ هِبَتَهُ، وَالْهِبَةُ فِيهَا شَرْطٌ لِلثَّوَابِ أَوْ لَا شَرْطَ فِيهَا، وَلَكِنْ يَرَى أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ، أَتَنْتَقِضُ الْهِبَةُ وَتَكُونُ الْهِبَةُ لِوَرَثَةِ الْوَاهِبِ أَمْ لَا تَنْتَقِضُ؟ قَالَ: نَعَمْ تَنْتَقِضُ لِأَنَّهَا لِلثَّوَابِ. قُلْت: وَيَكُونُ مَحْمَلُهَا مَحْمَلَ الْبَيْعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ مَحْمَلُهَا مَحْمَلَ الْبَيْعِ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ لِلثَّوَابِ فَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ. الْبَيْعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا وُهِبَتْ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ فَلَمْ تَتَغَيَّرْ فِي بَدَنِهَا، أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِصَاحِبِهَا إلَّا سِلْعَتُهُ إذَا لَمْ يُثِبْهُ الَّذِي قَبَضَهَا قَدْرَ قِيمَتِهَا، لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إنْ لَمْ يَرْضَ مِنْ مَثُوبَةِ هِبَتِهِ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ، مِنْهَا وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فَالْهِبَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُخَالِفَةٌ لِلْبَيْعِ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِلثَّوَابِ فَالثَّوَابُ وَاجِبٌ لَهُ عَلَى الَّذِي وَهَبَ لَهُ إنْ عَاشَ أَوْ مَاتَ وَإِنْ وَهَبَ رَجُلٌ هِبَةً عَلَى غَيْرِ الثَّوَابِ فَلَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ إنْ عَاشَ الَّذِي وُهِبَتْ لَهُ أَوْ مَاتَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ إنْ أَعْمَرَ الْمَوْهُوبَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْمِرْ، وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْوَاهِبِ الْمَيِّتِ أَنْ يَتَعَقَّبُوا عَطَاءَهُ


[كِتَابُ الْحَبْسِ وَالصَّدَقَةِ] [فِي الْحَبْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
ِ فِي الْحَبْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ سَحْنُونٌ قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ حَبَسَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَيُّ سَبِيلِ اللَّهِ هَذَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: سَبِيلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنْ مَنْ حَبَسَ شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْغَزْوِ.
قُلْتُ: فَالرِّبَاطُ مِثْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ مَوَاجِيزِ أَهْل الْإِسْلَام، أَهِيَ غَزْوٌ؟ وَيَجُوزُ لِمَنْ حَبَسَ فَرَسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مَتَاعَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَقَدْ أَتَى رَجُلٌ مَالِكًا - وَأَنَا عِنْدَهُ قَاعِدٌ - فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ مَالًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْصَى بِهِ فَأَرَادَ وَصِيُّهُ أَنْ يُفَرِّقَهُ فِي جُدَّةَ فَنَهَاهُ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ فَرِّقْهُ فِي السَّوَاحِلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُرِيدُ سَوَاحِلَ الشَّامِ وَمِصْرَ.
قُلْتُ مَا بَالُ جُدَّةَ أَلَيْسَتْ سَاحِلًا؟
قَالَ: ضَعَّفَهَا مَالِكٌ، وَقَالُوا لِمَالِكٍ: إنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا بِهَا. قَالَ: فَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا خَفِيفًا فَضَعَّفَ ذَلِكَ مَالِكٌ. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلَهُ قَوْمٌ - وَأَنَا عِنْدَهُ قَاعِدٌ - أَيَّامَ كَانَ مِنْ دَهْرِكَ مَا كَانَ، وَكَانُوا قَوْمًا قَدْ تَجَهَّزُوا يُرِيدُونَ الْغَزْوَ إلَى عَسْقَلَانَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّة أَوْ بَعْضِ هَذِهِ السَّوَاحِلِ، وَاسْتَشَارُوهُ أَنْ يَنْصَرِفُوا إلَى جُدَّةَ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُمْ: الْحَقُوا بِالسَّوَاحِلِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ يُونُسُ: قَالَ رَبِيعَةُ: كُلُّ مَا جُعِلَ صَدَقَةً، حُبِسَ أَوْ حُبِسَ وَلَمْ يُسَمَّ صَدَقَةً، فَهُوَ كُلُّهُ صَدَقَةٌ تَنْفُذُ فِي مَوَاضِعِ الصَّدَقَةِ وَعَلَى وَجْهِ مَا يُنْتَفَعُ بِذَلِكَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ دَوَابَّ فَفِي الْجِهَادِ، وَإِنْ كَانَتْ غَلَّةَ أَمْوَالٍ فَعَلَى مَنْزِلَةِ مَا يَرَى الْوَالِي مِنْ وُجُوهِ الصَّدَقَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ

: وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ فَأَوْصَى فِيهَا بِأُمُورٍ، وَكَانَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ أَنْ قَالَ: دَارِي حَبْسٌ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا مَخْرَجًا، وَلَمْ يَدْرِ أَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ نِسْيَانًا أَوْ جَهِلَ الشُّهُودُ أَنْ يُذَكِّرُوهُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَاهَا حَبْسًا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّهَا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَجُلُّ مَا يَحْبِسُ


النَّاسُ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ وَيُجْتَهَدُ فِيهِ فِيمَا يَرَى الْوَالِي، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ لَهُ سَعَةٌ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ

[فِي الرَّجُلِ يَحْبِسُ رَقِيقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَبَسَ رَقِيقًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتَرَاهُمْ حَبْسًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَمَا يُصْنَعُ بِهِمْ؟
قَالَ: يُسْتَعْمَلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قُلْتُ: وَلَا يُبَاعُونَ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ.

[فِي الرَّجُلِ يَحْبِسُ ثِيَابًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الثِّيَابَ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَحْبِسَهَا رَجُلٌ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ عَلَى مَسَاكِينَ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ الثِّيَابَ وَالسُّرُوجَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْت مَا ضَعُفَ مَنْ الدَّوَابِّ، الْمُحْبَسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ بَلِيَ مِنْ الثِّيَابِ، كَيْفَ يُصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَا ضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا قُوَّةٌ لِلْغَزْوِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا غَيْرُهَا مِنْ الْخَيْلِ فَيُجْعَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَنِهِ مَا يُشْتَرَى بِهِ فَرَسٌ أَوْ هَجِينٌ أَوْ بِرْذَوْنٌ، رَأَيْتُ أَنْ يُعَانَ بِهِ فِي ثَمَنِ فَرَسٍ، وَالثِّيَابُ إنْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا ثِيَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَنِهَا مَا يُشْتَرَى بِهِ شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ فُرِّقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْفَرَسِ الْحَبِيسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إذَا كُلِّبَ: إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ وَيُشْتَرَى فَرَسٌ مَكَانَهُ سَحْنُونٌ: وَقَدْ رَوَى غَيْرُهُ: أَنَّ مَا جُعِلَ فِي السَّبِيلِ مِنْ الْعَبِيدِ وَالثِّيَابِ أَنَّهَا لَا تُبَاعُ. قَالَ: وَلَوْ بِيعَتْ لَبِيعَ الرَّبْعُ الْمُحْبَسُ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْخَرَابُ، وَهَذِهِ جُلُّ الْأَحْبَاسِ قَدْ خَرِبَتْ فَلَا شَيْءَ أَدَلُّ عَلَى سُنَّتِهَا مِنْهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ يَجُوزُ فِيهَا مَا أَغْفَلَهُ مَنْ مَضَى، وَلَكِنْ بَقَاؤُهُ خَرَابًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ. وَبِحَسْبِكَ حُجَّةٌ فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَ مُتَقَادِمًا بِأَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ مَا جَرَى الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَالْأَحْبَاسُ قَدِيمَةٌ وَلَمْ تَزَلْ، وَجُلُّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهَا بِاَلَّذِي بِهِ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي عَلَيْهِ فَهُوَ دَلِيلُهَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: فَبَقَاءُ هَذِهِ خَرَابًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ فِيهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَقَامَ لَمَا أَخْطَأَهُ مَنْ مَضَى مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَا جَهِلَهُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ حِينَ تُرِكَتْ خَرَابًا وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ خِلَافٌ لِهَذَا فِي الرِّبَاعِ وَالْحَيَوَانِ إذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ اللَّيْثِ أَنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ سُئِلَ عَنْ فَرَسٍ حُبِسَ دُفِعَتْ إلَى رَجُلٍ فَبَاعَهَا؟ فَقَالَ يَحْيَى: لَمْ يَكُنْ لِيَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ الَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ، أَلَا يَخَافُ ضَعْفَهَا وَتَقْصِيرَهَا عَمَّا جُعِلَتْ لَهُ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يُخَفِّفَ بَيْعَهَا ثُمَّ يَشْتَرِيَ مَكَانَهَا فَرَسًا تَكُونُ بِمَنْزِلَتِهَا حَبْسًا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 445.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 439.68 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]