|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#261
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 441 الى صـــ 460 الحلقة (261) ٨ - باب غُسْلِ المَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما ابنا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: المُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. وَقَالَ سَعْيدٌ: لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ». [انظر ٢٨٣] ١٢٥٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي». فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». تَعْنِي: إِزَارَهُ. [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٢٥] ثم ذكر حديث أُمِّ عَطِيةَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَتِ ابنتُهُ فَقال: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا إلى قوله: بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، .. الحديث. الشرح أما أثر ابن عمر فأخرجه مالك في»موطئه«عن نافع أن ابن عمر حنط ابنا لسعيد بن زيد وحمله ثمَّ دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ (١)، ------------- (١)»الموطأ«١/ ٢٧ (٥٩). وقوله: ابنا لسعيد بن زيد، هو عبد الرحمن بن سعيد بن زبد. جزم بذلك الحافظ في»تغليق التعليق«٢/ ٤٦٠ فيما رواه بسنده من طريق أبي الجهم العلاء بن موسى عن الليث عن نافع أنه رأى ابن عمر حنط عبد الرحمن بن سعيد بن زيد، فذكره. وكذا قال في»هدي الساري«ص ٢٦٨، و»الفتح«٣/ ١٢٦: اسمه عبد الرحمن، رويناه في نسخة أبي الجهم. وبه جزم العيني في»العمدة«٦/ ٣٩٥، والقسطلاني في»إرشاد الساري" ٣/ ٢٨٨. وروى ابن أبي شيبة عنه أنه لا غسل على غاسله (١). وأما أثر ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء عنه أنه قال: لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس بنجس حيا ولا ميتا (٢). ورواه الحاكم عنه مرفوعًا، ثمَّ قال: صحيح على شرطهما (٣)، ثمَّ رواه من طريق عمرو ابن أبي عمرو عن عكرمة عنه مرفوعًا: «ليس عليكم من غسل ميتكم غسل إِذَا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» ثمَّ قال: صحيح الإسناد على شرط البخاري، قال: وفيه رفض لحديث مختلف فيه عَلَى محمد بن عمرو بأسانيد: «من غسل ميتا فليغتسل» (٤). ---------- (١) «المصنف» ٢/ ٤٦٩ (١١١٤٠)، كتاب: الجنائز، باب: من قال: ليس علي غاسل الميت غسل. (٢) «المصنف» ٢/ ٤٦٩ (١١١٣٤). ورواه أيضًا سعيد بن منصور في «السنن» كما في «التغليق» ٢/ ٤٦٠، وكما في «الفتح» ٣/ ١٢٧ وصحح الحافظ إسناده. (٣) «المستدرك» ١/ ٣٨٥. ورواه أيضًا الدارقطني ٢/ ٧٠، والبيهقي في «سننه» ١/ ٣٠٦، وفي «المعرفة» ٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤ (٧٣٦٧) والحافظ في «التغليق» ٢/ ٤٦٠ - ٤٦١ من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس. قال البيهقي في «السنن» ١/ ٣٠٦: المعروف موقوف. وقال الحافظ: قال الضياء في «الأحكام»: إسناده عندي على شرط صحيح، والذي يتبادر إلى ذهني أن الموقوف أصح. اهـ «التغليق» ٢/ ٤٦١. (٤) «المستدرك» ١/ ٣٨٦. ورواه أيضًا الدارقطني ٢/ ٧٦، والبيهقي ١/ ٣٠٦، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣ (٢٣٠) من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عبد الله، ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو، به. ورواه البيهقي ١/ ٣٠٦ من طريق معلى ومنصور بن سلمة. = وأما أثر سعد فرواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن سعيد القطان، عن الجعد، عن عائشة بنت سعد قالت: أوذن سعد بجنازة سعيد بن زيد وهو بالبقيع فجاءه فغسله وكفنه وحنطه، ثمَّ أتى داره فصلى عليه، ثمَّ دعا بماء فاغتسل ثمَّ قال: لم أغتسل من غسله ولو كان نجسًا ما غسلته؛ ولكن اغتسلت من الحر (١). وأما تعليق: «إن المؤمن لا ينجس» فقد سلف مسندًا في كتاب ------------- = وفي ٣/ ٣٩٨ من طريق ابن وهب. ثلاثتهم عن عمرو بن أبي عمرو، به موقوفًا. قال البيهقي ١/ ٣٠٦: لا يصح رفعه، والمرفوع ضعيف، والحمل فيه على أبي شيبة كما أظن. وتعقبه الذهبي فقال في «المهذب» ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤ (١٣١٨): أبو شيبة ثقة، قال أبو حاتم: إبراهيم صدوق، لكن هذا من مناكير خالد فإنه يأتي بأشياء منكرة، مع أنه شيخ محتج به في الصحيح، وفيه ابن عقدة الحافظ، مجروح. اهـ بتصرف. وكذا تعقبه المصنف في «البدر المنير» ٤/ ٦٥٩: إبراهيم بن عبد الله ثقة. وأعله عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ١٥١ بعمرو بن أبي عمرو فقال: لا يحتج به. واعترضه ابن القطان في «البيان» ٣/ ٢١٢ ورأى أن الحمل على أبي شيبة فيه أولى من عمرو، فإنه ضعيف وعمرو مختلف فيه. والحديث المرفوع قال عنه الحاكم -كما ذكر المصنف- صحيح الإسناد على شرط البخاري. وأقره المصنف في «البدر المنير» ٤/ ٦٥٨ - ٦٥٩. وحسن الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٣٧ إسناد المرفوع وصحح إسناد الموقوف في «التغليق» ٢/ ٤٦١. وحسن الألباني أيضًا إسناد المرفوع في «أحكام الجنائز» ص (٧٢)، ثم ترجح عنده أن الصواب في الحديث الموقوف، فأورده في «الضعيفة» (٦٣٠٤) وضعفه مرفوعًا، وصححه موقوفًا. وأما الحديث الذي أشار إليه الحاكم: من غسل ميتًا فليغتسل، يأتي الكلام عليه قريبًا في هذا الباب. (١) «المصنف» ٢/ ٤٦٩ (١١١٣٩). ووصله الحافظ في «التغليق» ٢/ ٤٦٠ - ٤٦١. الطهارة (١). وحديث أم عطية أخرجه مسلم (٢)، لكن لا ذكر للوضوء فيه كما ترجم لَهُ، وهو أصل السنة في غسل الموتى وعليه عوَّل العلماء وهذِه البنت هي زينب كما ثبت في مسلم (٣). وزعم الترمذي أنها أم كلثوم يعني: المتوفاة سنة تسع. وفيه نظر (٤)، وترجم لَهُ تراجم ستأتي منها: جعلُ الكافور في آخره (٥). ووقع للداودي أيضًا أنها أم كلثوم ماتت عند عثمان قال: وماتت عنده رقية في سنة ثمان وهذا غلط فهي زينب، وأما رقية فماتت قبلها ورسول الله - ﷺ - ببدر في رمضان عَلَى رأس سبعة عشر شهرًا من مهاجره، وماتت فاطمة سنة إحدى عشرة بعد وفاته - ﷺ - بستة أشهر كذا في البخاري (٦)، وقيل: بعده بثلاثة أشهر. وقصد البخاري بما صَدَّرَ به الباب من أن المؤمن لا ينجس أن غسله ليس لكونه نجسًا، ولذلك غسل بالماء والسدر مبالغة في التنظيف، وهو من نكته الحسان، ثمَّ الذي عليه جمهور العلماء أن غسل الميت لا يوجب الغسل وحمله لا يوجب الوضوء وحديث: «من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» (٧) قد علمت كلام الحاكم أنه مختلف فيه (٨). ---------------- (١) برقم (٢٨٥) باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره. (٢) (٩٣٩) الجنائز، باب: في غسل الميت. (٣) مسلم (٩٣٩/ ٤٠). (٤) عزى الحافظ في «الفتح» ٣/ ١٢٨، والعيني في «العمدة» ٦/ ٣٩٨. هذا القول لمغلطاي في «التلويح» ويبدو أن المصنف نقله عنه، ثم قال الحافظ: ولم أر في الترمذي شيئًا من ذلك. وكذا قال العيني. (٥) يأتي برقم (١٢٥٨ - ١٢٥٩) باب: يجعل الكافور في آخره. (٦) يأتي برقم (٣٠٩٣)، و(٤٢٤٠ - ٤٢٤١). (٧) رواه أبو داود (٣١٦١، ٣١٦٢)، والترمذي (٩٩٣) وابن ماجه (١٤٦٣) وأحمد ٢/ ٢٧٢، ٢/ ٤٣٣، ٢/ ٤٥٤، من حديث أبي هريرة. قال الترمذي: حديث حسن. (٨) «المستدرك» ١/ ٣٨٦. وقد تقدم. = وعبارة ابن التين: ليس بثابت، وهو إسراف منه (١)، وقد أوضحت ------------- = والحديث مروي من حديث أبي هريرة وعائشة وعلي وأبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان والمغيرة. أشهرها حديث أبي هريرة، وهو الذي كثر كلام العلماء حوله تصحيحًا وتضعيفًا. والحديث صححه غير واحد من أهل العلم: فقال الترمذي في «السنن» ٣/ ٣١٠: حديث أبي هريرة حديث حسن. وصححه ابن حزم في «المحلى» ١/ ٢٥٠، ٢/ ٢٣ - ٢٥، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٢٨٣ - ٢٨٥. وقال شيخ الإسلام في «شرح العمدة» ١/ ٣٦٢: حديث أبي هريرة رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وإسناده على شرط مسلم. ومال المصنف -رحمه الله- لتصحيحه في «الإعلام» ٤/ ٤٤٢ ونقل تصحيح ابن حبان وابن السكن للحديث. وقواه ابن القيم في «الحاشية» كما في «تهذيب السنن» ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦. وخرجه الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد في «الإمام» ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٩ تخريجًا جيدًا ومال لتصحيحه، وانظر أيضًا تخريجًا له في ٣/ ٥٥، ٥٨ - ٦٥. وكذا صنع المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٢/ ٥٢٤ - ٥٤٣ ومال أيضًا لتصحيحه. وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٣٧: حديث أبي هريرة بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا. وذكر الألباني طرق الحديث وصححه، انظر: «الإرواء» (١٤٤)، «الثمر المستطاب» ١/ ١٢ - ١٣، «تمام المنة» ص (١١٢)، «أحكام الجنانز» ص ٧١. (١) قلت: وضعفه غير واحد من أهل العلم، فضعف أبو حاتم حديث حذيفة كما في «العلل» ١/ ٣٥٤ (١٠٤٦). وأعل الدارقطني حديث أبي هريرة في «العلل» ٩/ ٢٩٣ - ٢٩٤. وقال الترمذي: قال البخاري: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا: لا يصح في هذا الباب شيء. وقال البخاري: وحديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك. «العلل الكبير» ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣. وضعف الدارقطني في «السنن» ١/ ٣٠٠ - ٣٠٣ حديث عائشة وأبي هريرة. = حاله في تخريجي لأحاديمث الرافعي، ولو ثبت لحمل عَلَى الاستحباب (١). قال مالك في «العتبية»: أدركت الناس عَلَى أن غاسل الميت يغتسل واستحبه ابن القاسم وأشهب. وقال ابن حبيب: لا غسل عليه ولا وضوء (٢). وللشا فعي قولان: الجديد: هذا والقديم: الوجوب (٣). وبالغسل قال ابن المسيب وابن سيرين والزهري كما حكاه ابن المنذر. وقال الخطابي: لا اعلم أحدًا قال بوجوب الغسل منه (٤). وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه (٥). قلت: وبعدمه قال ابن مسعود وسعد وابن عمر وابن عباس وجابر (٦)، ومن التابعين: القاسم وسالم والنخعي والحسن (٧)، وهو قول المذاهب الثلاثة خلا مالكًا، قال ابن القاسم: روي عنه الغسل قال: وعليه أدركت الناس (٨). قال: ولم أره يأخذ بحديث أسماء بنت ------------- = وأعل عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ١٥١ حديث أبي هريرة. وكذا ابن الجوزي في «العلل المتناهية» مضيفًا إليه حديثي حذيفة وعائشة (٦٢٢ - ٦٣٠). وضعف النووي حديث أبي هريرة في «المجموع» ٥/ ١٤٣ - ١٤٤. وقال في «شرح مسلم» ٧/ ٦: حديث ضعيف بالاتفاق. وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ١٢٧: قال الذهلي فيما حكاه الحاكم في «تاريخه»: ليس فيمن غسل ميتًا فليغتسل حديث ثابت. (١) «البدر المنير» ٢/ ٥٢٤ - ٥٤٣. وانظر: ٤/ ٦٥٧. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٤٦. (٣) انظر: «المجموع» ٥/ ١٤٤. (٤) «معالم السنن» ١/ ٢٦٧. (٥) انظر: «المغني» ١/ ٢٥٦. (٦) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٩ (١١١٣٤ - ١١١٤٠). (٧) رواه ابن أبي شيبة (١١١٤٥ - ١١١٤٦) عن إبراهيم النخعي والشعبي. (٨) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٤٦. عميس لما غسلت أبا بكر، سألت من حضر من المهاجرين والأنصار هل عليها غسل قالوا: لا (١). ولعل الوجه في استحباب ذَلِكَ مبالغة الغاسل في غسله وينشط والوضوء لأجل الصلاة عليه ومما يدل عَلَى طهارة الميت مع ما سلف صلاة الشارع عَلَى سهيل ابن بيضاء وأخيه في المسجد (٢) إذ لو كان نجسًا لما أدخله فيه وفي ما نشف به خلافًا لابن عبد الحكم وسحنون (٣) والمختار: المنع. وقوله - ﷺ -: («اغسلنها») هو أمر، وظاهره الوجوب، وهو مذهبنا، والأصح عند المالكية، وقال النووي: إنه إجماع المسلمين (٤). وقوله: («اغسلنها ثلاثا أو خمسا») يقتضي مراعاة الوتر في غسلها وهو كذلك فيستحب التكرار وترا ثلاثًا فأكثر فإن لم يحصل الإنقاء زيد. وقال ابن حزم: الثلاث فرض (٥). وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع (٦). وقال الماوردي: أكثره سبع، وما زاد سرف (٧). ----------- (١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» ١/ ٢٢٣، وعنه عبد الرزاق ٣/ ٤١٠ (٦١٢٣) عن عبد الله بن أبي بكر: أن أسماء بنت عميس .. الحديث. قال العلامة الألباني: قصة أن أسماء بنت عميس غسلت زوجها ليست صحيحة؛ لانقطاعها. وعبد الله بن أبي بكر هذا ليس هو ابن أبي بكر الصديق كما قد يتوهم، بل هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وهو ثقة إمام من شيوخ مالك، ولكنه لم يدرك أسماء. اهـ «تمام المنة» ص ١٢١ - ١٢٢ بتصرف. (٢) رواه مسلم (٩٧٣) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الجنازة في المسجد. (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ٥. (٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ٣، «المجموع» ٥/ ١١٢. (٥) «المحلى» ٥/ ١١٣. (٦) «التمهيد» ٦/ ١٩١. (٧) «الحاوي الكبير» ٣/ ١١. وقال أبو حنيفة: إِذَا غسل ثلاثًا كان وترًا فإذا زاد على ذَلِكَ لم يراع الوتر (١). والحديث حجة عليه، قال النخعي: غسل الميت وتر، وتجميره وتر، وتكفينه وتر (٢). فرع: يوضع عَلَى سريره عرضًا كالقبر فيما قاله أبو حنيفة عَلَى شقه الأيمن، وقيل: يوضع كما تيسر باعتبار ضيق المكان وسعته، وعند غيرهم: مستقبل القبلة، كما في صلاة المريض بالإيماء. فرع: أقله استيعاب بدنه بالماء ولا تجب نية الغاسل عندنا عَلَى الأصح، والوتر ندب كما سلف. فرع: ويوضأ عندنا كما ترجم له وهو المشهور عند المالكية (٣) قالوا: وفي تكراره بتكرر الغسل قولان، وفي كونه تعبدًا أو للنظافة قولان، وعليهما اخُتلف في غسل الذمي واختلف في وجوب غسله بالمطهر مرة دون سدر وكافور وغيرهما، وفي كراهة غسله بماء زمزم قولان لهم، إلا أن يكون فيه نجاسة (٤). فرع: لو خرج بعد الغسل منه شيء وجب إزالته فقط، وإليه ذهب المزني وأكثر أصحاب مالك، وقيل: مع الغسل إن خرج من الفرج وقبل الوضوء، وقال ابن القاسم: إن وضّئ فحسن، وإنما هو الغسل. وقال أحمد: يعاد غسله إلى سبع ولا يزاد عليها، فإن خرج منه شيء ---------- (١) انظر: «المنتقى» ٢/ ٣. (٢) روى ذلك عنه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٥٠ (١٠٩٠٥) و٢/ ٤٦٤ (١١٠٧٠) و٢/ ٤٦٧ (١١١١٣). (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ٥، «النوادر والزيادات» ١/ ٥٤٣، «المجموع» ٥/ ١٤٤. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥. بعد ما كفن رفع، ولا يلتفت إلى ذَلِكَ، وهو قول إسحاق (١). وقوله: «بماء وسدر» هو السنة في ذَلِكَ. والخطمي مثله فإن عدم فما يقوم مفامه كالأشنان والنطرون ذكره ابن التين، ولا معنى لطرح ورق السدر في الماء كما تفعل العامة، وأنكرها أحمد ولم تعجبه (٢) ومثله من قال: يحك الميت بالسدر ويصب عليه الماء فتحصل طهارته بالماء وحده، والجمهور عَلَى أن الغسلة الأولى: تكون بالماء، والثانية: بالسدر معه، والثالثة: بماء فيه كافور، وعن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية فيغسل بالماء والسدر مرتين والثالثة بالماء والكافور (٣). ومنهم من ذهب إلى أن الغسلات كلها بالماء والسدر وهو قول أحمد (٤) مستدلًا بهذا الحديث، وغيره من الأحاديث، ولما غسلوه - ﷺ - غسلوه بماء وسدر ثلاث غسلات كلهن بهما، ذكره أبو عمر قال: ومنهم من يجعل الأولى بهما والثانية بالماء القراح والثالثة بالكافور (٥). وأعلم التابعين بالغسل ابن سيرين ثمَّ أيوب بعده، وعندنا: الأولى بماء وسدر، والثانية: بالماء القراح بعد زواله، وهذِه أول الثلاث وغسلة السدر لا نحسب منها عَلَى الأصح، ويستحب عندنا أن يجعل في كل غسلة قليل كافور. ------------- (١) انظر: «المغني» ٣/ ٣٨٠ - ٣٨١. (٢) انظر: «المغني» ٣/ ٣٧٩. (٣) رواه عنه البيهقي ٣/ ٣٨٩، كتاب: الجنائز، باب: ما يغسل به الميت وسنة التكرار في غسله. (٤) انظر: «المغني» ٣/ ٣٧٩. (٥) «التمهيد» ١/ ٣٧٥. وقوله: («واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور») هو آكد، والحكمة في الكافور أن الجسم يتصلب به وينفر الهوام من رائحته، وفيه إكرام الملائكة، وخصه صاحب «المهذب» بالثالثة (١)، والجرجاني بالثانية وهما غريبان (٢)، وانفرد أبو حنيفة فقال: لا يستحب الكافور، والسنة قاضية عليه (٣). والحقو -بكسر الحاء وفتحها- والفتح أعرف وهو الإزار، وسمي حقوًا؛ لأنه يشد عليه وهو الخصر. وذكر في باب: هل تكفن المرأة في إزار الرجل؟ فنزع من حقوه إزاره (٤). وهو صحيح أيضًا سمي الحقو موضع عقد الإزار. ومعنى: («أشعرنها») اجعلنه شعارا لها، والشعار: ما يلي الجسد والدثار ما فوقه (٥)؛ سمي شعارًا؛ لأنه يلي الجسد، والحكمة في إشعاره به تبركًا بآثاره الشريفة. ففيه التبرك بآثار الصالحين ولباسهم (٦). ------------ (١) «المهذب» للشيرازي ١/ ٤٢١. (٢) انظر: «المجموع» ٥/ ١٣٥، ١٣٦. (٣) ذكر هذا القول العيني في «العمدة» ١/ ٣٩٩ عن المصنف -رحمه الله- وتعقبه قائلًا: لم يقل أبو حنيفة هذا أصلًا. وقال في «البناية» ٣/ ٢١٦: ثم في الثالثة يجعل الكافور في الماء. وما قاله العيني نص عليه الطحاوي في «مختصره» ص ٤٠ - ٤١، والكاساني في «بدائع الصنائع» ١/ ٣٠١، وأبو المعالي البخاري في «المحيط البرهاني» ٣/ ٤٧، وابن الهمام في «فتح القدير» ٢/ ١٠٥، وإبراهيم الحلبي في «منية المصلي» ص ٣٣٧. (٤) يأتي برقم (١٢٥٧). (٥) من هذا قوله - ﷺ - في حديث فتح حنين المروي من حديث عبد الله بن يزيد، قال - ﷺ -: «الأنصار شعار والناس دثار». رواه مسلم (١٠٦١). (٦) تبع المصنف -رحمه الله- على هذا القول الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٣/ ١٢٩ - ١٣٠، وكذا العيني في «العمدة» ٦/ ٣٩٩ فقال: هو أصل في التبرك بآثار الصالحين. وفيه نظر. = واختلف في صفة إشعارها إياه فقيل: يجعل لها مئزرًا، وقيل، تلف فيه، وقد يستدل به عَلَى أن النساء أحق بغسل المرأة من الزوج، وبه قال الحسن والثوري والشعبي وأبو حنيفة (١)، والجمهور على خلافه فإنه أحق منهم الثلاثة والأوزاعي وإسحاق (٢). قَدْ أوصت فاطمة زوجها عليًّا بذلك وكان بحضرة الصحابة ولم ينكر (٣)، فصار إجماعًا (٤). ------------- = قال العلامة ابن بازرحمه الله: التبرك بآثار الصالحين غير جائز، وإنما يجوز ذلك بالنبي - ﷺ - خاصة لما جعل الله في جسده وما ماسه من البركة، وأما غيره فلا يقاس عليه لوجهين: أحدهما: أن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا ذلك مع غير النبي - ﷺ -، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. الثاني: أن فعل ذلك مع غيره - ﷺ - من وسائل الشرك فوجب منعه. والله أعلم. اهـ. من تعليقاته على «فتح الباري» ٣/ ١٣٠. (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٧٦. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٤٩، «المجموع» ٥/ ١١٥، ١٢٢، «المغني» ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢. (٣) رواه الشافعي في «المسند» ١/ ٢٠٦ (٥٧١)، وعبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٤٠٩ - ٤١٠ (٦١٢٢)، والدارقطني ٢/ ٧٩، والحاكم ٣/ ١٦٣ - ١٦٤، والبيهقي في «السنن» ٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧، وفي «المعرفة» ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢ (٧٣٥٧، ٧٣٥٩، ٧٣٦١) من طرق عن أسماء بنت عميس أن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - أوصت أن تغسلها إذا ماتت هي وعلي، فغسلتها هي وعلي رضي الله عنه. قال ابن الأثير في «الشافي» ٢/ ٣٨٩: روي الحديث من وجوه عدة متفقة على أن عليًّا -كرم الله وجهه- غسلها، وإنما اختلفت في أنها وصته وبعضهم لم يذكر الوصية في حديثه. ونقل ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٦ عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث. وقال الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٣٢٨ - ١٣٢٩ (٥٩١٣): الحديث فيه انقطاع. والحديث عزاه الألباني في «الإرواء» (٧٠١) للحاكم والبيهقي، وحسنه ونقل المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٣٧٥ - ٣٧٦ عن البيهقي، وكذا الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٤٣ اعتراضًا على الحديث ثم توجيهًا له، فليرجع إليهما. (٤) انظر: «التمهيد» ١/ ٣٨٠ - ٣٨١. وأجمعوا عَلَى أنها تغسل زوجها؛ لأنها في عدته (١). وفي أمره - ﷺ - باستعمال الكافور دليل عَلَى جواز استعمال المسك وكل ما جانسه من الطيب، وأجاز المسك أكثر العلماء، وأمر علي به في حنوطه وقال: هو من فضل حنوطه - ﷺ - (٢). واستعمله أنس وابن عمر وسعيد بن المسيب (٣)، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق (٤)، وكرهه عمر وعطاء والحسن ومجاهد. وقال الحسن وعطاء: إنه ميتة (٥). وفي استعمال الشارع لَهُ في حنوطه حجة عَلَى من كرهه. وقال أشهب: إن عدم الكافور وعظمت مؤنته طيب الميت بغيره وترك (٦). فرع: في طهارة ميتة الآدمي خلاف مشهور: مذهب الشافعي طهارته (٧)، وفيه قولان في مذهب مالك، وقال ابن القصار: ليس لمالك نص وقد رأيت لبعض أصحابه أنه طاهر، وهو الصواب. ------------- (١) نقل هذا الإجماع ابن المنذر في «إجماعه» (٩٧)، وأبو الحكم البلوطي في «الأنباه» كما في «الإقناع» لابن القطان ٢/ ٥٨١ (١٠٢٥٥)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ٣٨٠، وفي «الاستذكار» ٨/ ١٩٨. (٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٦)، كتاب: الجنائز، باب: في المسك في الحنوط من رخص فيه. (٣) «المصنف» ٢/ ٤٦٠ - ٤٦١ (١١٠٣١ - ١١٠٣٤، ١١٠٣٨). (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٥٥، «المجموع» ٥/ ١٥٩، «المغني» ٣/ ٣٨٨، ٣٨٩. (٥) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٩، ١١٠٤١ - ١١٠٤٣). (٦) انظر: «المنتقى» ٢/ ٤. (٧) انظر: «المجموع» ١/ ١٨٣، ٢٨٦، ٥/ ١٤٦. قُلْتُ: وقول ابن عباس شاهد لَهُ، وقد سلف. وقوله: («أو أكثر من ذَلِكَ إن رأيتن ذَلِكَ») عَلَى معنى تفويض هذا الأمر إلى الغاسل واجتهاده. وقد قال ابن سيرين معنى ذَلِكَ: الأمر بالغسل ثلاثًا وإن خرج منه شيء فسبعًا. وقيل: إن رأيتن الزيادة عند الحاجة. والكاف من ذَلِك مكسورة؛ لأنه لمؤنث (١). وقوله: («فإذا فرغتن فآذنني») أي: أعلمنني يريد من غسلها، ويروى أنه فعل ذَلِكَ؛ ليقرب عهد الحقو بجسمه ويكون نقله منه إليها رجاء الخير لها في ذَلِكَ. --------------- (١) كذا ضبطت في اليونينية ٢/ ٧٣ فضبطت بالوجهين بالفتح والكسر. ٩ - باب مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغْسَلَ وِتْرًا ١٢٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي». فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». فَقَالَ أَيُّوبُ: وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ: «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا». وَكَانَ فِيهِ: «ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا». وَكَانَ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «ابْدَءُواَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا». وَكَانَ فِيهِ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٣٠] ذكر فيه حديث أمِ عطية السالف في الباب قبله بزيادة: «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا» وكان فيه: «ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» وكان فيه أنه قال: «ابدأنَّ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» وكان فيه أن أم عطية قالت: وَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. وشيخه فيه محمد وهو: ابن سلام، كما نسبه ابن السكن (١). ------- (١) نقله الجياني في «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٢٠ - ١٠٢١ عن ابن السكن، وقال: وقد صرح البخاري باسمه في الأضاحي [حديث (٥٥٥٠)] وغير موضع، فقال: حدثنا محمد بن سلام، نا عبد الوهاب. وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ١٣٠: محمد شيخه لم ينسب في أكثر الروايات، ووقع عند الأصيلي: حدثنا محمد بن المثنى. وقال نحو هذا الكلام في «هدي الساري» ص ٢٣٨. وجزم زكريا الأنصاري في «المنحة» بأنه ابن المثنى، قال: كما في مسلم. قلت: حديث مسلم (٩٣٩/ ٣٦ - ٤٣) ليس فيه عن محمد بن المثنى، والله أعلم. وفقه الباب سلف في الباب قبله، ومعنى أمره بالوتر: ليستشعر المؤمن في أفعاله بالوحدانية، كما قال - ﷺ - لسعد حين رآه يشير بإصبعين في دعائه: «أحِّدْ أحِّدْ» (١) وإنما أمر بالبداءة باليمين؛ لأنه كان يحب التيمن في شأنه كله أي: في التنظفات (٢). وقوله: («مواضع الوضوء منها») معناه عند مالك أن يبدأ بها عند الغسل الذي هو محض العبادة في غسل الجسد من أذى وهو المستحب. وقال أبو حنيفة: لا يوضأ الميت. وقد سلف الخلاف فيه في الباب قبله. وقولها: (ومشطنا رأسها ثلاثة قرون) أي: ثلاثة ضفائر ضفيرتين وناصيتها كما جاء مبينا في رواية أخرى (٣). وبه قال الشافعي وأحمد إسحاق وابن حبيب (٤)، وقال الأوزاعي والكوفيون: لا يستحب المشط ولا الضفر بل يرسل الشعر عَلَى جانبيها مفرقًا (٥). ولم يعرف ابن القاسم الضفر بل قال: يلف (٦). وقيل تجعل الثلاث خلفها وهو ------------- (١) رواه أبو داود (١٤٩٩)، والنسائي ٣/ ٣٨، وأحمد ٢/ ٤٢٠، وأبو يعلى ٢/ ١٢٣ (٧٩٣)، والحاكم ١/ ٥٣٦، والضياء في «المختارة» ٣/ ١٤٩ (٩٤٧) من طريق الأعمش عن أبي صالح، عن سعد. وفي الباب عن أبي هريرة وبعض أصحاب النبي - ﷺ -. وأشار الدارقطني لصحة حديث سعد في «العلل» ٤/ ٣٩٧. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرطهما، إن كان أبو صالح سمع من سعد. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٤٤) قال: إسناده صحيح على شرط الشيخين. (٢) من ذلك ما سلف برقم (١٦٨) عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله. ورواه مسلم (٢٦٨). (٣) تأتي هذِه الرواية برقم (١٢٦٢) باب: يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون. (٤) «الأم» ١/ ٢٣٥، «المغني» ٣/ ٣٩٣، «المنتقى» ٢/ ٦. (٥) انظر: «المغني» ٣/ ٣٩٣. (٦) انظر: «المنتقى» ٢/ ٦. السنة كما سيأتي، وادعى من منع بأنه لم يطلع الشارع عليه وهو غلط منه ففي صحيح ابن حبان: «واجعلن لها ثلاثة قرون» (١). ووقع في كلام ابن بطال: إنه لا يحفظ ذكر السبع في حديث أم عطية إلا من رواية حفصة بنت سيرين عنها ولم يرو ذَلِكَ محمد بن سيرين، عن أم عطية إلا أنه روى هذِه الألفاظ عن أخته، عن أم عطية، وروى سائره عن أم عطية، ولا يضره ذَلِكَ، وإنما ذكره بناء عَلَى مذهبه يكرر إلى السبع وإن لم يحصل الإنقاء زيد (٢). ----------- (١) «صحيح ابن حبان» ٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥ (٣٠٣٣) كتاب: الجنائز، باب: فصل في الغسل. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٥٣. ١٠ - باب يُبْدَأُ بِمَيَامِنِ المَيِّتِ ١٢٥٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا». [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٣٠] ذكر فيه حديث أم عطية أيضًا: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا». وقد عرفت حكمه في الباب قبله، ومواضع الوضوء أفضل الميامن وفضلت؛ لأنها موضع الغرة والتحجيل، قال ابن سيرين: يبدأ بها ثمَّ بالميامن (١). وقال أبو قلابة: يبدأ بالرأس واللحية ثمَّ الميامن (٢). ------- (١) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٩ (١٠٨٩٣) كتاب: الجنائز، باب: ما أول ما يبدأ به من غسل الميت. (٢) رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨ (٦٠٧٧) كتاب: الجنائز، باب: غسل الميت. ١١ - باب مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنَ المَيِّتِ ١٢٥٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ لَنَا وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ». [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٣١] ذكر فيه حديث أم عطية المذكور، وقد علمته. ١٢ - باب هَلْ تُكَفَّنُ المَرْأَةُ فِي إِزَارِ الرَّجُلِ؟ ١٢٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لَنَا: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي». فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَنَزَعَ مِنْ حِقْوِهِ إِزَارَهُ وَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٣١] ذكر فيه حديثها أيضًا، ولا خلاف بين العلماء أنه يجوز أن تكفن المرأة في ثوب الرجل وعكسه. قال ابن المنذر: وأكثر العلماء يرى أنها تكفن في خمسة أثواب. قال ابن القاسم: الوتر أحب إلى مالك في الكفن، وإن لم يوجد إلا ثوبان لفت فيهما (١). وقال أشهب: لا بأس بالإكفان في ثوب الرجل والمرأة. وقال ابن شعبان: المرأة في عدد الأكفان أكثر من الرجل وأقله لها خمسة، وقال أبو حنيفة وجماعة: أدنى ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب، والسنة فيها خمسة (٢). وقال ابن المنذر: درع وخمار ولفافتان: لفافة تحت الدرع تلف بها، وأخرى فوقه، وثوب لطيف يشد عَلَى وسطها يجمع ثيابها. ----------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٥٨. (٢) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ١٤٥. ١٣ - باب يَجْعَلُ الكَافُورَ فِي آخِرِهِ ١٢٥٨ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَخَرَجَ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي». قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». وَعَنْ أيُّوبَ، عَنْ حفْصَةَ، أمَّ عَطِيَّةَ - رضي الله عنه - بنَحوِهِ. [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٣١] ١٢٥٩ - وَقَالَتْ: إِنَّهُ قَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ». قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٣٢] ذكر فيه حديث أم عطية أيضا. ![]()
__________________
|
|
#262
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 461 الى صـــ 480 الحلقة (262) ١٤ - باب نَقْضِ شَعَرِ المَرْأَةِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُنْقَضَ شَعَرُ المَيِّتِ. ١٢٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَيُّوبُ: وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ قَالَتْ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح:٣/ ١٣٢] ثم ذكر حديث أم عطية وفيه: ثلاثة قرون نقضنه ثمَّ غسلنه ثمَّ جعلنه ثلاثةَ قرونٍ. وأثر ابن سيرين رواه ابن أبي شيبة عن حفص حدثنا أشعث عن محمد أنه كان يقول: إِذَا غُسِّلَت المرأة ذُئِبَ شعرها ثلاثة ذوائب ثمَّ جعل خلفها (١). والبخاري روى حديث أم عطية عن أحمد، ثنا ابن وهب وهو أحمد بن صالح المصري فيما نسبه ابن السكن (٢). وقيل: أحمد بن عيسى التستري حكاه الجياني (٣). ------------- (١) «المصنف» ٢/ ٤٥٧ (١٠٩٩٢). ورواه سعيد بن منصور كما في «التغليق» ٢/ ٤٦٢: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا ابن عون عن محمد بن سيرين. (٢) حكاه عنه الجياني في «تقييد المهمل» ٣/ ٩٤٣. (٣) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٤٤. وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ١٣٢: قوله: حدثنا أحمد، كذا للأكثر غير منسوب، ونسبه أبو علي بن شبويه عن الفربري: أحمد بن صالح. وجزم زكريا الأنصاري في «المنحة» ٣/ ٣٣٠ بأنه ابن صالح. ومعنى نقضُ شعر المرأة؛ لكي يبلغ الماء البشرة ويعم الغسل جميع جسدها ويضفر شعرها بعده أحسن من استرساله وانتشاره؛ لأن التضفير يجمعه ويضمه. -------------- وأفاد العيني فنقل ما قاله المصنف -رحمه الله- ثم قال: قال ابن مسنده الأصفهاني: كلما قال البخاري في «الجامع»: حدثنا أحمد عن ابن وهب فهو ابن صالح المصري، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى ذكره بنسبته. «عمدة القاري» ٦/ ٤٠٤. ١٥ - باب كَيْفَ الإِشْعَارُ لِلْمَيِّتِ؟ وَقَالَ الحَسَنُ: الخِرْقَةُ الخَامِسَةُ تَشُدُّ بِهَا الفَخِذَيْنِ وَالوَرِكَيْنِ تَحْتَ الدِّرْعِ. ١٢٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ اللاَّتِي بَايَعْنَ، قَدِمَتِ البِصْرَةَ، تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ- فَحَدَّثَتْنَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي». قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ. وَزَعَمَ أَنَّ الإِشْعَارَ: الفُفْنَهَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَأْمُرُ بِالمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلَا تُؤْزَرَ. [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٣٣]. ثم ساق حديث أم عطية (١)، وفي آخره: وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ. وَزَعَمَ أَنَّ الإِشْعَارَ: الفُفْنَهَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابن سِيرِينَ يَأُمُرُ بِالمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلَا تُؤْزَرَ. وقد أسلفنا أنها زينب، وفسر عطاء الأشعار باللف أيضًا، فإذا لفت فيه فما ولي جسمها منه فهو شعار لها، وما فضل منه، فتكرير لفه عليها أستر لها من أن تؤزر فيه مطلقًا دون أن يلف عليها ما فضل منه فلذلك فسر أن الإشعار أريد به لفها في الإزار، وكان ابن سيرين أعلم التابعين بعمل الموتى هو وأيوب بعده كما سلف. -------- (١) تنبيه: أهمل البخاري -رحمه الله- ذكر نسب شيخه في هذا الموضع أيضًا، وقد تقدم الكلام عليه في الحديث السالف. وجزم زكريا الأنصاري في هذا الموضع من «منحته» بأنه ابن صالح أيضًا، قال: كما في نسخة. وقول الحسن السالف (١) حسن في غير الإزار الذي أعطاهن رسول الله - ﷺ - إياه؛ لأنه أراد أن يعمها به، وابن سيرين أعلم بما روى بل إنه المفهوم من كلام الشارع. وقول الحسن: في الخامسة قاله ابن القاسم أن المرأة تزاد عَلَى ثلاثة أثواب مئزر وخمار لحاجتها إلى الستر (٢). --------------- (١) تعليق الحسن المذكور قبل حديث الباب هذا وصله ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ٤٦٥ (١١٠٨٧): حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن قال: تكفن المرأة في خمسة أثواب: درع وخمار وحقو ولفافتين. ذكر ذلك الحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ٤٦٣. وكذا عزاه في «الفتح» ٣/ ١٣٣ فقال: قد وصله ابن أبي شيبة نحوه. (٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٨. ١٦ - باب هَلْ يُجْعَلُ شَعَرُ المَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ؟ ١٢٦٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ - ﷺ -. تَعْنِي ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. وَقَالَ وَكِيعٌ: قَالَ سُفْيَانُ: نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا. [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٣٣] ذكر فيه حديث أم عطية أيضًا: ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيَّ - ﷺ -. تَعْنِي ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. وَقال وَكيعٌ: قال سُفْيَانُ: نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا. وقد سلف ما فيه. وقوله: وقال وكيع. رواه الإسماعيلي من حديث عبد الله بن عمرو عنه به (١)، ورواه من حديث البخاري عن سفيان وقبيصة عن سفيان، ورواه الفريابي عن سفيان. ------------- (١) رواه الإسماعيلي في «المستخرج» كما في «التغليق» ٢/ ٤٦٣: حدثنا محمد بن علوية، ثنا عمرو بن عبد الله، ثنا وكيع، عن سفيان، عن هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: لما غسلنا ابنة النبي - ﷺ - ضفرنا شعرها ثلاثة قرون ناصيتها وقرنيا ثم ألقينها خلفها. ثم قال: حفصة بنت سيرين هي أم الهذيل. تنبيه: ذكر المصنف -رحمه الله- أن الحديث رواه الإسماعيلي من حديث عبد الله ابن عمرو عن وكيع، والذي وقع في «المستخرج» كما نقله الحافظ: عمرو بن عبد الله. والصواب ما وقع في «التغليق»؛ ففي ترجمة وكيع من «التهذيب» ٣/ ٤٦٩ ذكر المزي في الرواة عنه: عمرو بن عبد الله الأودي، وليس فيهم من يسمى عبد الله بن عمرو. والله أعلم. ١٧ - باب يُلْقَى شَعَرُ المَرْأَةِ خَلْفَهَا ١٢٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَتَانَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي». فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا. [انظر: ١٦٧ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ٣/ ١٣٤] ذكر فيه حديث أم عطية أيضًا وفيه: فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا. يعني: تحت الثياب قبل أن يجعل عليها شيء من الثياب، وقد سلفت الإشارة إلى هذا وأنه السنة. ١٨ - باب الثِّيَابِ البِيضِ لِلْكَفَنِ ١٢٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ [بنُ المبَارَكِ]، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. [١٢٧١، ١٢٧٢، ١٢٧٣، ١٣٨٧ - مسلم: ٩٤١ - فتح: ٣/ ١٣٥] ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها: أنه - ﷺ - كُفِّن فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، وترجم لَهُ البخاري أيضًا: الكفن بغير قميص (٢)، والكفن بغير عمامة (٣)، وهو أصح الروايات في كفنه، والحلة اشتريت ليكفن فيها فلم يكفن فيها، كما أخرجه مسلم (٤). ولأبي داود: كفن في ثوبين وبردة حبرة. قالت عائشة: أتوا بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه (٥). وفي الترمذي: كفن في ثلاثة أثواب: حُلَّة نجرانية وقميصه الذي مات فيه (٦). ------------- (١) مسلم (٩٤١)، وأبو داود (٣١٥١)، والترمذي (٦٩٩)، والنسائي ٤/ ٣٥، وابن ماجه (١٤٦٩). (٢) يأتي برقم (١٢٧١ - ١٢٧٢). (٣) يأتي برقم (١٢٧٣). (٤) مسلم (٩٤١). (٥) «سنن أبي داود» (٣١٥٢) كتاب: الجنائز، باب: في الكفن. (٦) لم أقف عليه في «جامع الترمذي»، ولما طرَّفه المزي في «التحفة» ٥/ ٢٥٠ (٦٤٩٦) قصر عزوه على أبي داود وابن ماجه. والحديث ذكره المصنف -رحمه الله- في «الإعلام» ٤/ ٤١٧، وخرجه في «البدر المنير» ٥/ ٢١٣ وقصر عزوه في المصدرين على أحمد في «المسند» وأبي داود = وفي ابن ماجه: في ثلاث رياط بيض سحولية (١). ولابن سعد عن الشعبي: برد يمانية غلاظ: إزار ورداء ولفافة (٢). وروى علي: في سبعة، ولا يصح (٣). ------------ = وابن ماجه، ولم يعزه للترمذي. والحديث رواه أبو داود (٣١٥٣) وابن ماجه (١٤٧١) وأحمد ١/ ٢٢٢، والطبراني ١١/ ٤٠٤ - ٤٠٥ (١٢١٤٦)، والبيهقي ٣/ ٤٠٠ من طريق عبد الله بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس قال: كفن رسول الله - ﷺ - في ثلاثة أثواب نجرانية، الحلة ثوبان وقميصه الذي مات فيه. والحديث ضعفه النووي في «شرح مسلم» ٧/ ٨، وفي «خلاصة الأحكام» ٢/ ٩٥ (٣٣٧٥)، والذهبي في «المهذب» ٣/ ١٣٣٢ (٥٩٣٠)، والمصنف في «الإعلام» ٤/ ٤١٧، وفي «البدر المنير» ٥/ ٢١٣. والحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٠٨، وفي «الدارية» ١/ ٢٣٠، والشوكاني في «النيل» ٢/ ٧٠١. والألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣١٨). (١) ابن ماجه (١٤٧٠) من حديث عبد الله بن عمر. وحسن البوصيري إسناده في «الزوائد» (٤٩٠)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٢٠٠) بحديث عائشة. (٢) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٢٨٥. (٣) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٢/ ٢٨٧، وأحمد ١/ ٩٤، ١٠٢، والبزار في «البحر الزخار» ٢/ ٢٤٥ (٦٤٦)، وابن حبان في «المجروحين» ٢/ ٣، وابن عدي ٩/ ٢٠٥، والضياء في «المختارة» ٢/ ٣٥١ (٧٣٣) من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي ابن الحنفية، عن أبيه علي. قال ابن حبان: عبد الله بن محمد بن عقيل سيء الحفظ. والحديث ضعفه ابن حزم في «المحلى» ٥/ ١١٨ - ١١٩. وابن الجوزي في «العلل» ٢/ ٤١٥. وأعله ابن طاهر في «التذكرة» بابن عقيل كما نقله المصنف عنه في «البدر المنير» ٥/ ٢١٥. وكذا أعله الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٠٨. وقال المصنف في «البدر» ٥/ ٢١٥ والألباني في «أحكام الجنائز» ص ٨٥: حديث منكر. وللبزار: ثلاثة سحولية وقميصه وعمامته وسراويله والقطيفة التي جعلت تحته. ويمانية بتخفيف الياء عَلَى الفصيح، وسحولية بفتح السين عَلَى الأكثر أي بيض، وقال الأزهري: بالفتح مدينة وبالضم الثياب (١)، وحكى ابن الأثير الضم في القرية (٢). والكرسف: القطن. والتكفين واجب بالإجماع (٣)، وأبعد من قال: إنه سنة. ومحله أصل التركة ويقدم عليه ما تعلق بالعين كالجاني والمرهون وغيرهما (٤). وانفرد خلاس بن عمر، فقال: إنه من ثلث التركة (٥)، وقال طاوس: إن كان المال قليلًا فمن الثلث وإلا فمن رأس المال (٦)، فإن كفن في واحد فهو الواجب. قال أبو حنيفة: ويكون مسيئًا والأفضل ثلاثة: وأجمعوا- كما قال أبو عمر أنه لا يكفن في ثوب يصف ما تحته (٧). وروي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه - ﷺ - زر قميصه الذي كفن فيه. قال ابن سيرين: وأنا زررت عَلَى أبي هريرة. قال ابن عون: وأنا زررت عَلَى ابن سيرين. قال حماد: وأنا زررت عَلَى ابن عون (٨). -------------- (١) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٦٤٥. (٢) «النهاية» ٢/ ٣٤٧. (٣) نقله ابن حزم في «مراتب الإجماع» ص ٦١. (٤) كأن تكون التركة شيئا مرهونا أو عبدا جانيا. (٥) رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦٥ (٦٢٢٥). قال الحافظ في «الفتح» ٣/ ١٤١: قال ابن المنذر: إنها رواية شاذة. (٦) رواه عبد الرزاق (٦٢٢٦). وراجع كلام ابن المنذر السالف نقله. (٧) «الاستذكار» ٨/ ٢١٦. (٨) حديث رواه ابن عدي في «الكامل» ١/ ٣١٠، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠. قال الخطيب: لا يصح رفعه. وقال المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٢١٢: حديث منكر. وقوله: (ليس فيها قميص ولا عمامة). حمله الشافعي والجمهور عَلَى أنه ليس في الكفن موجودٌ فلا يستحب ذَلِكَ وهو تأويل البخاري فإنه ترجم عليه كما سيأتي: الكفن بغير قميص (١)، والكفن بغير عمامة (٢). وحمله مالك وأبو حنيفة عَلَى أنه ليس معدودًا بل يحتمل أن يكون ثلاثة أثواب زيادة عليها ولا يكره عندنا التكفين فيهما عَلَى الأصح، وهما مباحان عند المالكية وكان جابر وعطاء لا يعممان الميت، وقال بهما ابن عمر. وأبعد بعضهم فقال المراد بقولها (٣): ليس فيها قميص أي: جديد، أو له دخاريص، أو الذي غسل فيه بل نزع عنه. وفيه استحباب التكفين في الأبيض كما ترجم لَهُ، وهو إجماع، وقد أمر به - ﷺ - في حديث صحيح في «جامع الترمذي» وغيره (٤) والكفن في غيره جائز، ومن أطلق عليه الكراهية فمعناها خلاف الأولى ولو كانت ----------- (١) يأتي برقم (١٢٧١ - ١٢٧٢). (٢) يأتي برقم (١٢٧٣). (٣) في الأصل: بقوله. (٤) الترمذي (٩٩٤) من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم». ورواه أيضًا أبو داود (٣٨٧٨، ٤٠٦١)، وابن ماجه (١٤٧٢، ٣٥٦٦)، وأحمد ١/ ٢٤٧، ٢٧٤، ٣٢٨، ٣٥٥، ٣٦٣، والبيهقي ٣/ ٢٤٥، ٥/ ٣٣. والحديث صححه ابن حبان ١٢/ ٢٤٢ (٥٤٢٣)، والحاكم ١/ ٣٥٤ على شرط مسلم. وابن القطان في «بيانه» ٢/ ١٨٠. والنووي في «المجموع» ٧/ ٢٢٤. والمصنف -رحمه الله- هنا، وفي شرح حديث (٥٨٢٦) كما سيأتي، وفي «البدر المنير» ٤/ ٦٧١. والألباني في «أحكام الجنائز» ص ٨٢ على شرط مسلم، وصححه في «مختصر الشمائل» (٥٤)، وفي «صحيح ابن ماجه» (١٢٠١). كلها حبرة لم تكره؛ لأنه - ﷺ - كان يلبسها في العيدين والجمعة، وتكره المصبغات وغيرها من ثياب الزينة. وفي المعصفر قولان للمالكية: قالوا: ويكره السواد، قالوا: ويجوز بالوَرْس والزعفران. وفي الحرير ثلاثة أقوال عندهم، ثالثها: يجوز للنساء دون الرجال (١)، وجره عامة العلماء التكفين فيه مطلقًا. قال ابن المنذر: ولا أحفظ خلافه. فرع: غسل - ﷺ - في قميص، والظاهر أنه نزع؛ لئلا يصير شفعا؛ ولئلا يؤدي إلى بلاء الكفن. -------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٦٣ - ٥٦٤. ١٩ - باب الكَفَنِ فِي ثَوْبَيْنِ ١٢٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». [١٢٦٦، ١٢٦٧، ١٢٦٨، ١٨٣٩، ١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٣/ ١٣٥] ذكر فيه حديث ابن عباس: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قال: فَأَوْقَصَتْهُ- قال النَّبِيُّ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ..» الحديث. وأخرجه مسلم أيضًا (١). وترجم عليه باب: الحنوط للميت، ثمَّ ذكره ولفظه فأقصعته أو قال: فأقعصته، وفيه: «ولا تحنطوه» (٢) ثمَّ ترجم عليه باب: كيف يكفن المحرم ثمَّ ذكره فيه من طريقين عن ابن عباس (٣)، وهذا الرجل لا أعلمه ورد مسمى، وكان وقوعه عنها عند الصخرات موقف رسول الله - ﷺ -، كما قاله ابن حزم (٤). وفيه: إطلاق الواقف عَلَى الراكب. والراحلة: الناقة تطلق عَلَى الذكر والأنثى. والوقص: كسر العنق، والظاهر أن: (أو) من الراوي عن ابن عباس وهما لغتان والثلاثي أفصح. ---------------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٠٦) كتاب: الحج، باب: ما يفعل بالمحرم إذا مات. (٢) سيأتي برقم (١٢٦٦). (٣) يأتيا برقم (١٢٦٧ - ١٢٦٨). (٤) انظر: «حجة الوداع» ص ١٢٠، ١٧١. والقعص: قتله لحينه، ومنه قعاص الغنم، والقصع: الشدخ وهو خاص بكسر العظم، وقد يستعار في كسر الرقبة عَلَى بعده. وقوله: («لا تحنطوه») هو بالحاء المهملة؛ أي: لا تمسوه حنوطًا، والحنوط والحناط أخلاط من طيب تجمع للميت خاصة لا تستعمل في غيره. وترجم لَهُ الحنوط (١)؛ لأن فيه: «ولا تحنطوه» للمحرم؛ فدل أنه إِذَا لم يكن محرمًا يحنط وهو مستحب عَلَى الأصح، وقيل: واجب وجزم ابن الحاجب استحبابه، ثمَّ قال: والكافور أولى (٢)، وهو يفهم أنه غير الحنوط وهو أحد أجزاء الحنوط والتخمير التغطية. وقوله: («ولفوه في ثوبيه») إنما لم يزده ثالثًا؛ إكرامًا له كما في الشهيد لم يزد عَلَى ثيابه. وقوله: («فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا») معناه: عَلَى هيئته التي مات عليها؛ ليكون ذَلِكَ علامة لحجه، كالشهيد يأتي وأوداجه تشخب دمًا، وقال الداودي: يخرج من قبره فيأتي بما كان بقي عليه وهو غيرهن، وفي رواية أخرى: «ملبدًا» (٣). أي: عَلَى هيئته ملبدًا شعره بصمغ ونحوه، وفي أفراد مسلم: «ولا رأسه» (٤) قال البيهقي: وذِكْر الوجه وَهَمٌ من بعض رواته في الإسناد، والمتن الصحيح: «لا تغطوا رأسه» كذا أخرجه البخاري، وذكر الوجه فيه غريب (٥). -------------- (١) الحديث التالي (١٢٦٦). (٢) «مختصر ابن الحاجب» ص ٦٧. (٣) رواه مسلم (١٢٠٦/ ٩٩) كتاب: الحج، باب: ما يفعل بالمحرم إذا مات. (٤) «صحيح مسلم» (١٢٠٦/ ٩٩) كتاب: الحج، باب: ما يفعل بالحرم إذا مات. (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٩٣، كتاب: الجنائز، باب: المحرم يموت. أما فوائده: فالأولى: قال مالك وأبو حنيفة: لا أحب لأحد أن يكفن في أقل من ثلاثة أثواب، وإن كفن في ثوبين فحسن عَلَى ظاهر هذا الحديث: في ثوبيه. الثانية: ظاهر الحديث بقاء حكم الإحرام بعد الموت، وبه قال عثمان، وعلي، وابن عباس، وعطاء، والثوري، وإسحاق، والشافعي، وأحمد، وأهل الظاهر فيحرم ستر رأسه وتطييبه ولم يقل به مالك ولا أبو حنيفة، وهو مذهب الحسن، والأوزاعي، وحكي عن عثمان، وعائشة، وابن عمر، وطاوس وهو مقتضى القياس؛ لأن بالموت انقطع التكليف (١). والشافعي قدم ظاهر الحديث عَلَى القياس، وأجيب عن الحديث بأنه خاص بذلك الرجل، ولذلك قال: «فإنه» وما قال: المحرم ولذلك لا يطاف به، ولا يكمل مناسكه ولأنه أمر بغسله بالسدر والمحرم ممنوع منه، كما حكاه ابن المنذر في «إشرافه» وهو غريب عنه. وللشافعي أن يقول: العلة الإحرام وهي عامة في كل محرم، والأصل عدم الخصوص، وقد ثبت أنه - ﷺ - قال: «يبعث المرء عَلَى ما مات عليه» (٢) وهو عام في كل صورة ومعنى، والشهيد يأتي يوم القيامة ودمه شهيد، واعتذر الداودي فقال: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث. فإن قُلْت: قَدْ غسل ابن عمر وابنه واقدًا بالجحفة وخمر رأسه ووجهه، وكفنه يوم مات وهو محرم، وقال: لولا أنه أحرم --------------- (١) انظر: «المجموع» ٥/ ١٦٦، «المغني» ٣/ ٤٧٨. (٢) رواه مسلم (٢٨٧٨/ ٨٣) من حديث جابر. لطيبناه. أخرجه في «الموطأ» (١). قلتُ: لعله لم تبلغه السنة، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن عطاء سُئِلَ عن المحرم يغطي رأسه إِذَا مات؟ [قال] (٢): غطّى ابن عمر وكشف غيره. وقال طاوس: يغيب رأس المحرم إِذَا مات. وقال الحسن: إِذَا مات المحرم فهو حلال، وكذا قاله علي وعائشة، وعامر (٣). وقال أبو جعفر: المحرم يغطى رأسه ولا يكشف. قال ابن حزم: وصح عن عائشة تحنيطه وتطييبه وتخمير رأسه. قال: وقد صح عن عثمان خلافه (٤). الثالثة: فيه أن الكفن منَ رأس المال وقد سلف. الرابعة: أن المحرم لا يكفن إلا في مثل لباسه غير مخيط. الخامسة: أن للمحرم أن يبدل ثوبيه بثوبين غيرهما لرواية «وكفنوه في ثوبين»، وقد ذكرها البخاري كذلك من ثلاث طرق وإن كان في الرواية: «ثوبين». السادسة: غسله بالسدر وأنه جائز للمحرم وفيه رد عَلَى مالك وأبي حنيفة وآخرين حيث منعوه. السابعة: أن إحرام الرجل في الرأس دون الوجه ورواية الوجه، قد علمت ما فيها، وفي رواية للطرطوشي في كتاب «الحج» من حديث أبي الشعثاء عنه مرفوعًا: «لا تخمروا رأسه وخمروا وجهه» (٥). -------------- (١) «موطأ مالك» ١/ ٤١٥ (١٠٤٨) كتاب: المناسك، باب: تخمير المحرم وجهه. (٢) ليست بالأصل، والمثبت من «مصنف ابن أبي شيبة». (٣) «المصنف» ٣/ ٢٩٠ (١٤٤٢٨ - ١٤٤٣١). (٤) «المحلى» ٥/ ١٥١. (٥) روى الشافعي في «المسند» ١/ ٢٠٥ (٥٦٨)، ومن طريقه البيهقي ٣/ ٣٩٣ من = الثامنة: أن الميت إِذَا مات محرمًا لا يكمل عليه غيره كالصلاة، وقد وقع أجره عَلَى الله. التاسعة: فيه أن من شرع في طاعة ثمَّ حال بينه وبين إتمامها الموت فيرجى لَهُ أن الله تعالى يكتبه في الآخرة من أهل ذَلِكَ العمل، ويقبله منه إِذَا صحت النية، ويشهد لَهُ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾ [النساء: ١٠٠] الآية. العاشرة: الموت يبطل الصلاة وفي الصوم وجهان: أصحهما: نعم كالصلاة. والثاني: لا كالإحرام؛ لأنه - ﷺ - قال لعثمان: «أنت تفطر عندنا الليلة» رواه ابن حبان في «صحيحه» (١)، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيح الإسناد (٢). -------------- = طريق سفيان، عن إبراهيم بن أبي حرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: «خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه ..» الحديث. والحديث حسن إسناده المصنف -رحمه الله- في «خلاصة البدر المنير» ٢/ ٣١. (١) «صحيح ابن حبان» ١٥/ ٣٥٧ - ٣٦١ (٦٩١٩). ورواه أيضًا إسحاق بن راهويه في «مسنده» كما في «المطالب العالية» ١٨/ ٤٢ - ٤٧ (٤٣٧٢)، والبزار في «البحر الزخار» ٢/ ٤٢ - ٤٥ من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان .. الحديث مطولًا. قال البوصيري في «الإتحاف» ٨/ ١٠، والحافظ في «المطالب» ١٨/ ٤٧: رواته [وقال الحافظ: رجاله] ثقات سمع بعضهم من بعض. وقال في «مختصر زوائد البزار» ٢/ ١٦٩: إسناده صحيح؛ لأن أبا سعيد ثقة، والباقون من رجال الصحيح. (٢) «المستدرك» ٣/ ١٠٢ - ١٠٣ من حديث ابن عمر، مختصرًا. فائدة: قال ابن التين في كتاب الحج في قوله: «ولا تغطوا رأسه»: دلالة عَلَى أن للإحرام تعلقًا بها، وكذلك الوجه، وبه قال ابن عمر ومالك، وغطى عثمان وجهه. قال: واختلف أصحابنا: هل ذَلِكَ عَلَى الكراهة أو التحريم؟ وقال أبو حنيفة: الوجه كالرأس. وقال الشافعي: لا تعلق له بالوجه. ٢٠ - باب الحَنُوطِ لِلْمَيِّتِ ١٢٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٣/ ١٣٦] ٢١ - باب كَيْفَ يُكَفَّنُ المُحْرِمُ ١٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم -، أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ -وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺوَهْوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّدًا». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٣/ ١٣٧] ١٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - قَالَ: كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِعَرَفَةَ فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ -قَالَ أَيُّوبُ: فَوَقَصَتْهُ، وَقَالَ عَمْرٌو: فَأَقْصَعَتْهُ- فَمَاتَ، فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ» قَالَ أَيُّوبُ: «يُلَبِّي». وَقَالَ عَمْرٌو: «مُلَبِّيًا». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٣/ ١٣٧]. ٢٢ - باب الكَفَنِ فِي القَمِيصِ الذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ، وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ ١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَي النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - قَمِيصَهُ فَقَالَ: «آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ». فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ - رضي الله عنه - فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِينَ؟! فَقَالَ: "أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]. [٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦ - مسلم: ٢٤٠٠ - فتح: ٣/ ١٣٨] ١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا - رضي الله عنه - قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابنهُ إِلَي النَّبِيِّ - رضي الله عنه - فَقال: يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، فَأَعْطَاهُ .. الحديث. وحديث جابر: أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَبْدَ الله بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَأخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. الشرح: هذِه الترجمة ضبطها الدمياطي بخطه (يُكَف) بضم أوله وفتح ثانيه، وقال في الحاشية: صوابه: الذي يكفي أو لا يكفي -بالياء- وليته اقتصر عَلَى الأول، وتبع في الثاني المهلب فإنه قال ذَلِكَ، قال: ومعناه طويلًا ![]()
__________________
|
|
#263
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 481 الى صـــ 500 الحلقة (263) كان ذَلِكَ القميص أو قصيرًا فإنه يجوز الكفن فيه، وكان عبد الله بن أبي طويلًا، ولذلك كسا العباس قميصه، وكان العباس بائن الطول. وقال ابن التين: هكذا وقعت هذِه الترجمة فضبطها بعضهم بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الفاء، وبعضهم بإسكان الكاف وكسر الفاء، وقرأه بعضهم بضم الياء، والأول أشبه بالمعنى (١)، وفيهما دلالة عَلَى الكفن في القميص، وقد سلف ما فيه. وأجاب المخالف بأنه - ﷺ - إنما دفعه إليه للمكافأة؛ لأنه لما أتي بأسارى بدر كان العباس في جملتهم، ولم يكن عليهم ثوب فنظر - ﷺ - لَهُ قميصًا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه - ﷺ - إياه فكافأه - ﷺ - بأن كفنه في قميصه، كما سيأتي في البخاري في باب: هل يخرج الميت من القبر لعلة؛ لئلا يكون للكافر عليه يد (٢). وأراد أن يخفف عنه من عذابه مادام ذَلِكَ القميص عليه، ورجاء أن يكون معتقد البعض ما كان يظهر من الإسلام فينفعه الله بذلك، ويدل عليه أن الله إنما أعلمه بأمره ونهاه عن الصلاة عليه وعلى غيره بعد ما صلى عليه، وأما حين صلى عليه لم يعلم حقيقة أمره ولا باطنه، ويجوز أن يكون فعله تألّفًا لابنه ولعشيرته. وروى عبد بن حميد في «تفسيره» أنه أوصى النبي - ﷺ - لما دعاه إليه بأن تشهد غسلي إِذَا من وتكفني في ثلاثة أثواب من (…) (٣) وتمشي مع جنازتي وتصلي عليَّ ففعل، وقال الحاكم: مرض ابن أبي في شوال عشرين ليلة وهلك في ذي القعدة سنة تسع منصرف رسول الله - ﷺ - من ----------- (١) انظر: اليونينية ٢/ ٧٦. (٢) يأتي برقم (١٣٥٠) كتاب: الجنائز. (٣) بياض بالأصل مقدار كلمة. تبوك، وكان - ﷺ - يعوده، وقال له وهو يجود بنفسه: إذا مت احضر غسلي وأعطني قميصك أكفن فيه، فأعطاه قميصه الأعلى، وكان عليه قميصان، فقال عبد الله: أعطني قميصك الذي يلي جسدك، فأعطاه إياه، وصلى عليه واستغفر لَهُ وسيأتي بعض هذا (١). وفي «المعاني» للزجاج أن ابن أبي هو الذي رد الثوب الأول ليأخذ الثاني، وقال: «إن قميصي لن يغني عنه شيئًا من الله إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام بهذا السبب». فيروى أنه أسلم من الخزرج ألف لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله - ﷺ - وبالصلاة عليه فنزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٨٤] الآية. وقال ابن التين: لعل هذا كان في أول الإسلام قبل الأحكام؛ لأن من مات له والد كافر لا يغسله ولده المسلم ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فيواريه، نص عليه مالك في «المدونة» (٣). وروي أن عليًّا جاء إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره أن أباه مات، فقال: «اذهب فواره» ولم يأمره بغسله (٤). ---------------- (١) «المستدرك» ١/ ٣٤١ كتاب: الجنائز، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. (٢) انظر: «زاد المسير» ٣/ ٤٨٠ - ٤٨١. والحديث رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٤٠ (١٧٠٧٣) عن قتادة. (٣) «المدونة» ١/ ١٦٨. (٤) رواه أبو داود (٣٢١٤)، والنسائي ١/ ١١٠، وأحمد ١/ ٩٧، وابن الجارود ٢/ ١٤٤ (٥٥٠)، والبيهقي ١/ ٣٠٤ و٣/ ٣٩٨، والمزي في «التهذيب» ٢٩/ ٢٥٧ - ٢٥٨ والذهبي في «السير» ٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥ من طريق أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي. والحديث أشار البيهقي لضعفه، وتبعه النووي فضعفه في «المجموع» ٥/ ١٤٤ وخولفا في ذلك: فقال الرافعي في «الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة»: حديث ثابت مشهور. كذا نقله عنه المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٢٣٩. = وروي أنه أمره بغسله ولا أصل لَهُ، كما قاله القاضي عبد الوهاب (١). وقال الطبري: يجوز أن يقوم عَلَى قبر والده الكافر لإصلاحه ودفنه قال: وبذلك صح الخبر وعمل به أهل العلم. وقال ابن حبيب: لا بأس أن يحضره ويلي أمر تكفينه حتَّى يخرجه ويبرأ به إلى أهل ذمته، فإن كُفي دفنه وأَمِنَ مِن الضيعة عليه فلا يتبعه، وإن خشي ذَلِكَ فليقدم جنازته معتزلًا منه ويحتمله (٢). وروي أنه - ﷺ - أمر بذلك. وقوله: («أنا بين خيرتين»). قال الداودي: هو غير محفوظ، والمحفوظ ما رواه أنس من جعل النهي بعد قوله: أليس قَدْ نهاك. وليس القرآن بمعنى التخيير، وإنما هو بمعنى النفي، ولا نسلم لَهُ بل هو صحيح محفوظ، وذكر السبعين عَلَى التكثير، وكأن عمر - رضي الله عنه - فهم النهي من الاستغفار لاشتمالها عليه، وروي أن جبريل أخذ برداء رسول الله - ﷺ - لما تقدم ليصلي عليه فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] الآية (٣). وروي أنه - ﷺ - قال: «لأستغفرن لهم أكثر من سبعين» فنزلت: ﴿سَوَاءٌ ------------ = وصححه الحافظ في «الإصابة» ٤/ ١١٧. واعترض على تضعيف البيهقي له في «التلخيص» ٢/ ١١٤. وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٧٥٩): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «الإرواء» (٧١٧)، و«الصحيحة» (١٦١)، وفي «الثمر المستطاب» ص ٢٥، و«أحكام الجنائز» ص ١٧٠، و«تمام المنة» ص ١٢٣. (١) انظر: «تلخيص الحبير» ٢/ ١١٤ - ١١٥. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٦٣. (٣) رواه الطبري ٦/ ٤٣٩ - ٤٤٠ (١٧٠٦٨). عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] الآية (١) فتركه. واستغفار الشارع لسعة حلمه عمن يؤذيه، أو لرحمته عند جريان القضاء عليهم، أو إكرامًا لولده. وقيل: معنى الآية الشرط أي: إن شئت فاستغفر، وإن شئت فلا. مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣]، وقيل: معناهما سواء، وقيل: معناه: المبالغة في اليأس. وقال الفراء: ليس بأمر، إنما هو على تأويل الجزاء (٢). وقال النحاس: منهم من قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] منسوخ بقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ﴾ [التوبة: ٨٤] ومنهم من قال: لا، بل هي عَلَى التهديد لهم. وتوهم بعضهم أن قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ﴾ ناسخ لقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وهو غلط فإن تلك أنزلت في أبي لبابة وجماعة معه لما ربطوا أنفسهم لتخلفهم عن تبوك (٣). والحديث الثاني ظاهره مضاد للأول أنه أخرجه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه، وهناك أعطى قميصه لولده. قال الداودي: الله أعلم أي الأمرين كان، ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء: الإنعام، قاله ابن التين، أو أنه خلع عنه القميص الذي كفن فيه وألبسه سيدنا رسول الله - ﷺ - قميصه بيده الكريمة. وقال ابن الجوزي: يجوز أن يكون جابر شهد ما لم يشهد ابن عمر، ويجوز أن يكون أعطاه قميصين قميص الكفن ثمَّ أخرجه فألبسه آخر، وكان ذَلِكَ إكرامًا لولده أو لأنه ما سُئِلَ شيئًا قط فقال: لا (٤). -------------- (١) رواه الطبري ٦/ ٤٣٩ (١٧٠٦٦). (٢) «معاني القرآن» للفراء ١/ ٤٤١. (٣) «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٤٦٣، ٤٦٧ - ٤٦٨. (٤) جاء ذلك في حديث يأتي برقم (٦٠٣٤) كتاب: الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء. وروى عبد بن حميد، عن ابن عباس أنه - ﷺ - لم يخدع إنسانًا قط غير أن ابن أُبي قال يوم الحديبية كلمة حسنة وهي أن الكفار قالوا له: طف أنت بالبيت فقال: لا، لي في رسول الله أسوة حسنة، فلم يطف (١). وفيه إخراج الميت بعد دفنه؛ لأمر يعرض، وهو دليل لابن القاسم الذي يقول بإخراجه إِذَا لم يصل عليه للصلاة ما لم يخش التغيير، وقال ابن وهب: إِذَا سُوي عليه التراب فات إخراجه. وقال يحيى بن يحيى: وقال أشهب: إِذَا أهيل عليه فات إخراجه أي: ويصلى عليه في قبره (٢) وقد سلف. وفي نسبته عمرُ إلى النفاق دلالة عَلَى جواز الشهادة عَلَى الإنسان بما فيه من حال الحياة والموت عند الحاجة وإن كانت مكروهة. قال الإسماعيلي: وفيه جواز المسألة لمن عنده حدة تبركًا، وعبد الله بن أُبي هذا هو الذي ﴿تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] في قصة الصديقة (٣)، وهو الذي قال: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] (٤) ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول الله - ﷺ - (٥). والبابان بعده سلفا قريبًا. ---------------- (١) كذا عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٣٣٩. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٣٠ - ٦٣١. (٣) سيأتي هذا الخبر برقم (٢٦٦١)، ورواه مسلم (٢٧٧٠). (٤) يأتي هذا الخبر برقم (٣٥١٨، ٤٩٠٥، ٤٩٠٧)، ورواه مسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر. وبرقم (٤٩٠٠ - ٤٩٠٤)، ورواه مسلم (٢٧٧٢) من حديث زيد بن أرقم. (٥) انظر: «سيرة ابن هشام» ٣/ ٨. ٢٣ - باب الكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ ١٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كُفِّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ سَحُولَ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. [انظر: ١٢٦٤ - مسلم: ٩٤١ - فتح: ٣/ ١٤٠] ١٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. [انظر: ١٢٦٤ - مسلم: ٩٤١ - فتح: ٣/ ١٤٠] ٢٤ - باب الكَفَنِ وَلَا عِمَامَةٌ ١٢٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. [انظر: ١٢٦٤ - مسلم: ٩٤١ - فتح: ٣/ ١٤٠]. ٢٥ - بادٍ الكَفَنِ مِنْ جَمِيعِ المَالِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ المَالِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يُبْدَأُ بِالكَفَنِ، ثُمَّ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ بِالوَصِيَّةِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: أَجْرُ القَبْرِ وَالغَسْلِ هُوَ مِنَ الكَفَنِ. ١٢٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنه - يَوْمًا بِطَعَامِهِ فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ -أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي. [١٢٧٥، ٤٠٤٥ - فتح: ٣/ ١٤٠] ثمَّ ذكر حديث إبراهيم بن سعد عن سعد عن أبيه أنه قال: أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَوْمًا بِطَعَامِهِ فَقال: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ .. الحديث. وترجم له: ٢٦ - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ ١٢٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رضي الله عنه - أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ -وَأُرَاهُ قَالَ:- وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا- وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا. ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ. [انظر: ١٢٧٤ - فتح: ٣/ ١٤٢]. الشرح: هذِه الترجمة رواها ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث ثمامة البصري، عن أبي الزبير، عن جابر: الكفن من جميع المال، فقال: حديث منكر (١). وإبراهيم بن سعد هذا هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، روى عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن، جد أبيه، ولإبراهيم هذا ابن يسمى يعقوب، ثقة، فهم خمسة من نسق فقهاء ثقات. وهو دال عَلَى ما بوب له البخاري، ونقله في بعض نسخه عن الحميدي أن الكفن من رأس المال وقد سلف ما فيه، وهو قول الجمهور، والحجة لهم أن مصعب بن عمير وحمزة لم يوجد لكل واحد منهما ما يكفن فيه إلا بردة قصيرة فكفنه فيها رسول الله - ﷺ - ولم يلتفت إلى غريم، ولا إلى وصية ولا إلى وارث، وبداه عَلَى ذَلِكَ كله. ---------------- (١) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٣٧٠ (١٠٩٨). وفي «صحيح الحاكم» من حديث أنس أنه - ﷺ - مرّ عَلَى حمزة وقد جُدع فقال: «لولا أن تجد صفية تركته حتَّى يحشره الله تعالى من بطون الوحش والطير» وكفنه في نمرة إِذَا خمر رأسه بدت رجلاه وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه (١). وفيه: جواز التكفين في ثوب واحد عند عدم غيره، كما ترجم لَهُ بعدُ (٢)، والأصل: ستر العورة، وإنما استحب لهما - ﷺ - التكفين في تلك الثياب التي ليست بسابغة؛ لأنهم فيها قتلوا وفيها يبعثون إن شاء الله. وكفن المرأة من مالها عند الشعبي وأحمد (٣)، وعندنا: عَلَى الزوج عَلَى اضطراب فيه (٤). وللمالكية ثلاثة أقوال: ثالثها: إن كانت فقيرة فعلى الزوج، وفي كفن من تجب نفقته كالأب والابن قولان لهم ولو سرق بعد دفنه فثالثها لهم (٥). إن لم يقسم مالها أعيد. ------------ (١) «المستدرك» ١/ ٣٦٥ و٢/ ١٢٠ و٣/ ١٩٦. ورواه أيضًا أبو داود (٣١٣٦)، والترمذي (١٠١٦)، وابن سعد ٣/ ١٤ - ١٥، وأحمد ٣/ ١٢٨، والدارقطني ٤/ ١١٦ - ١١٧، والبيهقي ٤/ ١٠ من طريق أسامة ابن زيد عن الزهري عن أنس. قال الحاكم وابن دقيق العيد في «الاقتراح» ص ١١٢: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقال النووي في «المجموع» ٥/ ٢٢٦: إسناده حسن أو صحيح. وحسنه المصنف رحمه الله في «البدر المنير» ٥/ ٢٤٣، والألباني في «أحكام الجنائز» ص ٧٤ وص ٨٠ وزاد: على شرط مسلم. وحسنه في «صحيح الجامع» (٥٣٢٤). (٢) حديث (١٢٧٥). (٣) انظر: «المغني» ٣/ ٤٥٧ - ٤٥٨. (٤) انظر: «المجموع» ٥/ ١٤٨ - ١٤٩. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٦٤، ٥٦٥. ومصعب هذا أول من هاجر إلى المدينة، وكان يقرئهم القرآن، وذكر البخاري في المناقب باب: مصعب بن عمير، ولم يذكر فيه شيئًا وكأنه أحال عَلَى ما ذكره هنا لشهرته (١). والبردة: النمرة كالمئزر ربما ائتزر به وربما ارتدي، وربما كان لأحدهم بردتان، يأتزر بإحداهما ويرتدى بالأخرى، وربما كانت كبيرة، وقيل: النمرة كل شملة مخططة من مآزر الأعراب. وقال القتبي: هي بردة يلبسها الإماء. وقال ثعلب: هو ثوب مخطط تلبسه العجوز. وقيل: كساء، وقال القزاز: هي دراعة تلبس أو تجعل عَلَى الرأس فيها لونان: سواد وبياض. وفيه: أن العالم يذكر سير الصالحين، وتقللهم من الدنيا؛ لتقل رغبتهم فيها، ويبكي من تأخر لحاقه بالأخيار، ويشفق من ذَلِكَ؛ ألا ترى أنه بكى وترك الطعام. وفيه: أنه ينبغي للمرء أيضًا أن يتذكر نعم الله عنده، ويعترف بالتقصير عن أداء شكره، ويتخوف أن يقاصَّ بها في الآخرة، ويذهب سعيه فيها، وبكاء عبد الرحمن -وإن كان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة- هو ما كانت عليه الصحابة من الإشفاق والخوف من التأخر عن اللحاق بالدرجات العلى وطول الحساب (٢). --------- (١) انظر ما سيأتي (٣٨٩٧، ٣٩١٤، ٣٩٢٤). (٢) تنبيه: فات المصنف -رحمه الله- ذكر من وصل الآثار المعلقة التي ذكرها البخاري قبل حديث (١٢٧٤) فانظرها جملة في «تغليق التعليق» ٢/ ٤٦٣ - ٤٦٥، و«الفتح» ٣/ ١٤١، و«عمدة القاري» ٦/ ٤١٩ - ٤٢٠. ٢٧ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلَّا مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ ١٢٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، حَدَّثَنَا خَبَّابٌ - رضي الله عنه - قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا- قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً، إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ. [٣٨٩٧، ٣٩١٣، ٤٠٤٧، ٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨ - مسلم: ٩٤٠ - فتح: ٣/ ١٤٢] ذكر فيه حديث خباب وفيه أن مُصْعَب بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً، إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ، الحديث، فَأَمَرَنَا أَنْ نُغَطِّيَ رَأسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وفي بعض روايات البخاري: قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة (٢). وفي أخرى: وترك نمرة، خرجه في المغازي، وفي باب: هجرة رسول الله - ﷺ - وفي غيره (٣). ومعنى أينعت: نضجت وأدركت، ويقال: ينعت. ومنه قوله تعالى ﴿وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]. وقال الحجاج في خطبته: أرى رءوسًا قد أينعت (٤). أي: حان قطافها. --------------- (١) «صحيح مسلم» (٩٤٥) باب: في كفت الميت. (٢) يأتي برقم (٤٠٤٧، ٤٠٨٢). (٣) يأتي برقم (٣٨٩٧، ٦٤٤٨). (٤) قطعة من حديث رواه الطبري في «تاريخه» ٣/ ٥٤٧، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٢/ ١٢٧، ١٢٩ - ١٣٠. ويهدبها: يجتنيها بضم الدال وكسرها. وقول خباب هذا، مما أشعر به نفسه من الخوف مع أخذهم الكفاف، وهذِه صفة المؤمن. وفيه: أن الثوب إِذَا ضاق فتغطية الرأس أولى أن يبدأ به من رجليه؛ لشرفه. قال المهلب: إنما أمر بتغطية الأفضل إِذَا أمكن ذَلِكَ بعد ستر العورة ولو ضاق الثوب عن تغطية رأسه وعورته لغطيت بذلك عورته وجعل عَلَى سائره من الإذخر -وهو بالذال المعجمة معروف- لأن ستر العورة واجب في حال الموت والحياة، والنظر إليها ومباشرتها باليد محرم إلا من حل لَهُ من الزوجين، كذا قال. وهو ظاهر عَلَى من يقول أن الكفن يكون ساترًا لجميع البدن وأن الميت يصير كله عورة وإلا فالظاهر إنما ستره طلبًا للأكمل. وفيه: ما كان عليه صدر هذِه الأمة من الصدق في وصف أحوالهم ألا ترى إلى قوله: (فمنا من لم يأكل من أجره شيئًا) يعني: لم يكسب من الدنيا شيئا ولا اقتناه، وقصر نفسه عن شهواتها؛ لينالها موفرة في الآخرة. و(منها من أينعت لَهُ ثمرته) يعني: من كسب المال، ونال من عرض الدنيا. وفيه: أن الصبر عَلَى مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار ودرجات الأخيار، فمن صبر عَلَى ذَلِكَ عوفي من حر النار. فائدة: خباب هو ابن الأرتِّ -بتشديد المثناة فوق- تميمي، وقيل: خزاعي بدري من السابقين، مات سنة سبع وثلاثين وصلى عليه عليٌّ (١). ------------------ (١) انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ٢/ ٢٧١، و«الاستيعاب» ٢/ ٢١ (٦٤٦)، و«أسد الغابة» ٢/ ١١٤ (١٤٠٧). ومصعب بن عمير (١) هو أول من هاجر إلى المدينة -كما سلف في الباب قبله- وهو أخو أبي عزيز الذي فدي يوم بدر بأربعة آلاف، ثمَّ أسلم وصحب رسول الله - ﷺ - وروى عنه (٢). وأختهما هند أُم شيبة بن عثمان، أمهم أم خناس بنت مالك من بني عامر بن لؤي، وأخوهم أبو الروم قديم الإسلام (٣)، أمه أم رومة، وأبو يزيد أخوهم، قتل كافرًا يوم أحد، كلهم أولاد عمير بن هاشم بن عبد مناف، شهد أبو الروم أُحدًا وقتل باليرموك، وقيل: اسم أبي عزيز زرارة، وكان حامل لواء المشركين يوم بدر، ويوم أحد حتَّى قتله ابن قميئة الليثي -لعنه الله- عن نيف وأربعين سنة. ---------------- (١) انظر: ترجمة مصعب في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٥٥٦ (٢٧٢٤)، و«الاستيعاب» ٤/ ٣٦ (٢٥٨٢)، و«أسد الغابة» ٥/ ١٨١ (٤٩٢٩)، و«الاصابة» ٣/ ٤٢١ (٨٠٠٢). (٢) انظر ترجمة أبي عزيز بن عمير في «معرفة الصحابة» ٥/ ٩٦٧ (٣٣٤٣)، و«الاستيعاب» ٤/ ٢٧٧ (٣١٢١)، و«أسد الغابة» ٦/ ٢١٣ (٦٠٩٦)، و«الإصابة» ٤/ ١٣٣ (٦٧٢). (٣) انظر ترجمة أبي الروم في: «الاستيعاب» ٤/ ٢٢٣ (٢٩٩١)، و«أسد الغابة» ٦/ ١١٣ (٥٨٨٥)، و«الإصابة» ٤/ ٧٢ (٤٢٢). ٢٨ - باب مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا -أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ- قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا. قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ. قَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. [٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣ - فتح: ٣/ ١٤٣] ذكر فيه حديث سهل بن سعد أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ .. الحديث. وفيه: إنما سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. فَكَانَتْ كَفَنَهُ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وهو ظاهر لما ترجم لَهُ من إعداد الكفن. وفيه هدية المرأة إلى رسول الله - ﷺ -، وقبول السلطان إياها من الفقير، وترك مكافأته عليها بخلاف من قال: إن هدية الفقير للمكافأة، مع أن من شأنه - ﷺ - المكافأة. وفيه أنه يسأل السلطان الفاضل والرجل العالم الشيء الذي لَهُ القيمة للتبرك به. (٢) ------------- (١) قلت: بل هو من أفراده لم يخرجه مسلم؛ والحديث ذكره الحميدي في كتابه «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٥٥٦ (٩٢٥) في مسند سهل وهو ابن سعد في أفراد البخاري عنه. وأيضًا لما ذكره المزي في «التحفة» ٤/ ١١٤ (٤٧٢١) عزاه للبخاري وابن ماجه فقط. (٢) تقدم العليق على مسألة التبرك. وقوله: فيها حاشيتها: أي أنها لم تقطع من ثوب فلا تكون لها حاشية، أو تكون لها حاشية واحدة؛ لأنها بعض ثوب، قاله الداودي، وقال غيره: حاشية الثوب هدبه، وكأنها جديدة لم تقطع ولم تلبس؛ لأنها دائرة بعد. و(فيها حاشيتها) قال القزاز: حاشيتا الثوب: ناحيتاه اللتان في طرفهما الهدب، وقال الجوهري: الحاشية واحدة حواشي الثوب، وهي جوانبه (١). وفيه: ما كان النبي - ﷺ - يعطي حتَّى لا يجد شيئًا فيدخل بذلك في جملة المؤثرين عَلَى أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وفيه: جواز المسألة بالمعروف، وأنه لم يكن يرد سائلًا. وفيه: بركة ما لبسه الشارع بما يلي جسده. وفيه: جواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه. وقد حفر بعض الصالحين قبورهم بأيديهم، ليمتثلوا حلول الموت فيهم، وأفضل ما ينظر في وقت المهد وفسحة الأجل الاعتداد للمعاد، وقد قال - ﷺ -: «أفضل المؤمنين إيمانًا أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لَهُ استعدادا» (٢) ------------- (١) «الصحاح» ٦/ ٢٣١٣. (٢) رواه ابن ماجه (٤٢٥٩) من طريق نافع بن عبد الله، عن فروة بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٥٠٥٣): إسناده جيد. ورواه الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٥٤٠ - ٥٤١ من طريق حفص بن غيلان، عن عطاء بن أبي رباح، به. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه الطبراني في «الكبير» ١٢/ ٤١٧ (١٣٥٣٦)، وفي «الأوسط» ٦/ ٣٠٨ (٦٤٨٨)، وفي «الصغير» ٢/ ١٨٩ - ١٩٠ (١٠٠٨) من طريق مالك بن مغول، عن = وقال الضمري: لا يستحب أن يعد الإنسان لنفسه كفنًا؛ لئلا يحاسب عليه، وهو صحيح إلا إِذَا كان من جهة يقطع بحلها أو من أثر أهل الخير والصلحاء والعباد فإنه حسن. ---------------- = معلى الكندي، عن مجاهد، عن ابن عمر. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٥٠٥٣): إسناده حسن. وقال الحافظ العراقي في «تخريج الاحياء» (٣٢٥٥، ٤٣٤٩): إسناده جيد. وانظر: «الصحيحة» (١٣٨٤). ٢٩ - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزَ ١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ [الحَذَّاءِ]، عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَي رضي الله عنها قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. [انظر: ٣١٣ - مسلم: ٩٣٨ - فتح: ٣/ ١٤٤] ذكر فيه حديث أم عطية قالتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. هذا الحديث سلف في باب الطيب للمرأة عند غسلها في المحيض (١). ومعنى (لم يعزم علينا): أي لم يوجب ويفرض، أو لم يشدد. وقال الداودي: يعني: اتباعها إلى الكُدى، وهي القبور. قال: ولعل قولها: (ولم يعزم علينا) أي: أن لا نأتي أهل الميت، وقد روى أنه - ﷺ - رأى فاطمة في ممشاه، فسألها: «أين أردت» فقالت: أتيت إلى فلان أعزيهم، فقال: «لعلك بلغت معهم الكُدى» فقالت: معاذ الله وقد سمعت منك ما سمعت، فقال: «لو بلغت معهم الكُدى ما رأيت الجنة حتَّى يراها جد أبيك». قال الحاكم فيه: حديث صحيح عَلَى شرط الشيخين (٢). ---------------- (١) برقم (٣١٣) كتاب: الحيض. (٢) «المستدرك» ١/ ٣٧٣، ٣٧٤. ورواه أيضًا أبو داود (٣١٢٣)، والنسائي ٤/ ٢٧ - ٢٨، وأحمد ٢/ ١٦٨ - ١٦٩ و٢٢٣، والبيهقي ٤/ ٦٠ و٧٧ - ٧٨، والمزي في «التهذيب» ٩/ ١١٤ - ١١٥ من طريق ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. والحديث صححه الحاكم على شرط الشيخين -كما ذكر «المصنف» وصححه ابن حبان ٧/ ٤٥٠ - ٤٥١ (٣١٧٧)، وكذا ابن القطان في «بيانه» ٥/ ٣٦١ (٢٥٣٤) و٥/ ٣١٧ (٢٨٣٧)، وحسنه المنذري في «الترغيب» ٤/ ١٩٠ (٥٣٨٠)، وكذا الحافظ في «الفتوحات» ٤/ ١٣٩ والحديث فيه: ربيعة بن سيف، ضعفه النسائي عقب إخراجه الحديث. = وقول أم عطية دال لقول ابن حبيب: يكره خروج النساء في الجنائز من غير نوح وبكاء في جنازة الخاص من قرابتهن، وغيره قال: ينبغي للإمام منعهن من ذَلِكَ، ففي الحديث: «ارجعن مازورات غير مأجورات» (١) وفي «المدونة» (٢): كان مالك يوسع للنساء في الخروج إلى الجنائز، وقد خرجت أسماء تقود فرسًا للزبير وهي حامل حتَّى عوتب في ذَلِكَ. فإن قُلْت بإباحة ذَلِكَ فتخرج المتجالة لَهُ عَلَى القريب وغيره، وتخرج الشابة عَلَى الولد والوالد والزوج والأخ. ومن لم يكن مثلهم فيكره خروجها لجنازته، وقد سلف في باب الأمر باتباع الجنائز شيء مما نحن فيه أيضًا. -------------- = وقال ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٤٢١: حديث لا يثبت. وكذا ضعفه عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ١٥٢، وضعف النووي إسناده في «المجموع» ٥/ ٢٣٧، وفي «خلاصة الأحكام» ٢/ ١٠٠٥ (٣٥٩٥). وأنكره الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٤٠٣ - ١٤٠٤ (٦٢٩٥) و٣/ ١٤٢٧ - ١٤٢٨ (٦٣٨٩). وقول الحاكم تكلم فيه ابن دقيق العيد -فيما نقله عنه الشوكاني في «النيل» ٢/ ٨١١. وعده الألباني من أوهامه الفاحشة كما في «ضعيف أبي داود» (٥٦٠) وقال: حديث منكر. وضعفه في «ضعيف النسائي» (١١٣)، وفي «الرد المفحم» ١/ ١٠٨. (١) رواه ابن ماجه (١٥٧٨)، والبيهقي ٤/ ٧٧، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٤٢٠ (١٥٠٧) من طريق إسماعيل بن سلمان، عن دينار أبي عمر، عن محمد بن الحنفية، عن علي مرفوعًا. والحديث أشار البغوي لضعفه في «شرح السنة» ٥/ ٤٦٥ فذكره بصيغة التمريض دون إسناد، وكذا الذهبي أشار لضعفه في «المهذب» ٣/ ١٤٢٧ (٦٣٨٨). وضعف النووي في «الخلاصة» ٢/ ١٠٠٤ (٣٥٩٤)، والمصنف رحمه الله في «الإعلام» ٤/ ٤٦٥ إسناده. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٧٤٢)، وفي «ضعيف ابن ماجه» (٣٤٤). وانظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٧٧. (٢) «المدونة» ١/ ١٦٩. قال ابن المنذر: روينا عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة أنهم كرهوا للنساء اتباع الجنائز وكره ذَلِكَ إبراهيم ومسروق والنخعي والحسن ومحمد بن سيرين، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق (١). وقال الثوري: اتباع النساء بدعة (٢)، وعن أبي حنيفة: لا ينبغي ذَلِكَ للنساء، وروى إجازة اتباع النساء الجنائز عن ابن عباس. والقاسم، وسالم، وعن الزهري وربيعة، وابن الزناد مثله، ورخص مالك في ذَلِكَ وقال: قد خرج النساء قديمًا في الجنازة، وخرجت أسماء تقود فرس الزبير وهي حامل (٣)، ما أرى بخروجهن بأسًا إلا في الأمر المستنكر. وقد احتج بعض من كره ذَلِكَ بحديث الباب ومن أجازه أيضًا، وقال المهلب: هذا الحديث يدل عَلَى أن النهي من الشارع عَلَى درجات فمنه نهي تحريم ونهي تنزيه ونهي كراهة، وقال القرطبي (٤): ظاهر الحديث التنزيه وإليه صار الجمهور وبه قال الشافعي (٥). وقال ابن حزم: لا يمنعن من اتباعها، وآثار النهي عن ذَلِكَ ليست تصح؛ لأنها إما عن مجهول أو مرسلة، أو عمن لا يحتج به وأشبه شيء في حديث الباب وهو غير مسند؛ لأنا لا ندري من هو الناهي، ولعله بعض الصحابة ثمَّ لو صح مسندًا لم يكن فيه حجة بل كان يكون كراهة فقط، وقد صح خلافه، روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ------- (١) انظر: «المغني» ٣/ ٤٠١. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٠٥. (٣) تقدم تخريجه. (٤) «المفهم» ٢/ ٥٩١. (٥) انظر: «المجموع» ٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧. ![]()
__________________
|
|
#264
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 501 الى صـــ 520 الحلقة (264) أنه - ﷺ - كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال لَهُ رسول الله - ﷺ -: «دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب» (١). قُلْتُ: أخرجه الحاكم وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين، وليس بجيد لأنه منقطع، كما بينه البيهقي، قلت: وفيه مجهول (٢)، وإنما قالت أم عطية: ولم يعزم علينا؛ لأنها فهمت عن الشارع أن ذَلِكَ النهي إنما أراد به ترك ما كانت الجاهلية تقوله من الفجر وزور الكلام وقبيحه ونسبة الأفعال إلى الدهر، فهي إذا تركت ذَلِكَ وبدلت منه الدعاء والترحم عليه كان حقيقًا، فهذا يدل أن الأوامر تحتاج إلى معرفة تلقي الصحابة لها ونظر كيف تلقوها (٣). ما أسلفناه عن ابن حزم في دعواه أن حديث أم عطية غير مسند، ليس بجيد منه فقد أخرجه ابن شاهين من حديث خالد الحذّاء عن أم الهذيل، عن أم عطية قالت: نهانا رسول الله - ﷺ - عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. ثمَّ قال: وقد روي عن يزيد بن أبي حبيب أنه - ﷺ - حضر جنازة رجل فلما وضعت؛ ليصلي عليها أبصر امرأة فسأل عنها فقيل: هي أخت الميتة فقال لها: «ارجعي» فلم يصل عليها حتَّى توارت. وقال لامرأة أخرى: «ارجعي وإلا رجعت» وأحسن حالات المرأة مع الجنازة أنها لا تؤجر في حضورها (٤). -------- (١) «المحلى» ٥/ ١٦٠. (٢) «المصنف» ٢/ ٤٨٢ (١١٢٩٥) كتاب: الجنائز، من رخص أن تكون المرأة مع الجنازة، «المستدرك» ١/ ٣٨١ كتاب: الجنائز، «السنن الكبرى» ٤/ ٧٠. وانظر: «معرفة السنن والآثار» ٥/ ٣٤٥. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٦٠٣). (٣) «المحلى» ٥/ ١٦٠. (٤) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ١/ ٢٧٩ (٣١٤). وقال الحازمي: أما اتباع الجنائز فلا رخصة لهن فيه (١). فرع: انفرد الشعبي فقال: لا تصلي النساء عَلَى الجنازة، وما أبعده ولا خفاء في فعلها وحدهن، قال ابن القاسم: يصلين أفرادًا عَلَى الأصح واحدة بعد واحدة عَلَى الأصح (٢). ------------- (١) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» للحازمي ص ١٠٢. (٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٨. ٣٠ - باب إِحْدَادِ المَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا ١٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: تُوُفِّىَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ: نُهِينَا: أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ. [انظر: ٣١٣ - مسلم: ٩٣٨ - فتح: ٣/ ١٤٥] ١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها بِصُفْرَةٍ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً، لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». [١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥ - مسلم: ١٤٨٦ (٦٢) - فتح: ٣/ ١٤٦]. ١٢٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». [انظر: ١٢٨٠ - مسلم: ١٤٨٦ - فتح: ٣/ ١٤٦] ١٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ، ثُمَّ قَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى المِنْبَرِ [يَقُول]: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». [٥٣٣٥ - مسلم: ١٤٨٧ - فتح: ٣/ ١٤٦] ذكر فيه عن محمد بن سيرين قال: تُوُفِّيَ ابن لأُمِّ عَطِيَّةَ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقالتْ: نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلَّا بِزَوْجٍ، وعن زينب قالتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَأُمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِصُفْرَةٍ ثمَّ ساقه مطولًا أيضًا. وحديث أم عطية سلف مطولًا في أثناء الحيض (١)، وحديث زينب (٢). وقد سلف الكلام هناك علَى الإحداد، وفوائد الحديث فراجعه منه (٣). ------------- (١) برقم (٣١٣) باب: الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض. (٢) ورد بهامش الأصل: هذا في أصل شيخنا بياض وتتمة عزوه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، البخاري هنا عن إسماعيل، وفي الطلاق عن عبد الله بن يوسف، كلاهما عن مالك، وفيه أيضًا عن محمد بن كثير، عن الثوري، كلاهما عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، خرجه أيضًا عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، وفي الجنائز أيضًا عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، ثلاثتهم عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، به. ومسلم في الطلاق عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وعن الناقد وابن أبي عمر كلاهما عن ابن عيينة. وعن محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر؛ وعن عبيد الله ابن معاذ، عن ليث، عن شعبة. وأبو داود عن القعنبي عن مالك، به. والترمذي في النكاح عن إسحاق بن موسى، عن معن، عن مالك، به. وقال: حسن صحيح. والنسائي فيه عن الحارث بن مسكين. وفيه وفي التفسير عن محمد بن سلمة، كلاهما عبد الرحمن بن القاسم عن مالك. وفي التفسير أيضًا عن عمرو بن منصور، عن عبد الله بن يوسف، به. وعن هناد عن وكيع عن شعبة، به. واعلم أن للمزي: قال مسلم: عبيد الله بن معاذ، وسمعت عنه، ويتبع في ذلك أبا مسعود، عنها؛ لأنهما قد ذكرا: عبيد الله بن معاذ في هذه (…) وتبعها أبو القاسم على ذلك، وليس في «صحيح مسلم». ولأم حبيبة في حديث عبيد الله بن معاذ أصلًا. [انظر: «تحفة الأشراف» ١١/ ٣١٧ - ٣١٨]. (٣) راجع الحديث السالف (٣١٣). ونقل ابن بطال إجماع العلماء عَلَى أن من مات أبوها أو ابنها وكانت ذات زوج وطالبها زوجها بالجماع في الثلاثة الأيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يُقضَى لَهُ عليها بالجماع فيها (١). وقيل معنى قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: عن الزينة. ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٦٩. ٣١ - باب زِيَارَةِ القُبُورِ ١٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: «اتَّقِى اللهَ وَاصْبِرِي». قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». [انظر: ١٢٥٢ - مسلم: ٩٢٦ - فتح: ٣/ ١٤٨] ذكر فيه حديث أنس أنه - ﷺ - مر بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ .. الحديث. وقد سلف في باب: قول الرجل للمرأة عند القبر: اتقي الله واصبري (١). أهل العلم قاطبة -كما قال الحازمي- عَلَى الإذن في زيارة القبور للرجال (٢)، وفي «صحيح مسلم» من حديث عائشة أنه - ﷺ - كان يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» (٣)، ومن حديث بريدة كان رسول الله - ﷺ - يعلمهم إِذَا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا .. الحديث (٤). وغير ذَلِكَ من الأحاديث وكره قوم ذَلِكَ؛ لأنه روي عن رسول الله - ﷺ - أحاديث في النهي عنها، وقال الشعبي: لولا أن رسول الله - ﷺ - نهي عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي (٥). ----------- (١) برقم (١٢٥٢) كتاب: الجنائز. (٢) انظر: «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ١٠١ - ١٠٢. (٣) «صحيح مسلم» (٩٧٤) كتاب: الجنائز، باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها. (٤) «صحيح مسلم» (٩٧٥). (٥) رواه عبد الرزاق مرسلًا عن الشعبي ٣/ ٥٦٩ (٦٧٠٦) كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٢ (١١٨٢٣) كتاب الجنائز، باب من كره زيارة القبور. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن سيرين مثله (١)، ثمَّ وردت أحاديث بنسخ النهي وإباحة زيارتها، ففي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت» (٢) ومن حديث بريدة: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (٣). وروى ابن أبي شيبة من حديث أنس: نهى رسول الله - ﷺ - عن زيارة القبور، ثم قال: «زوروها ولا تقولوا هجرا» (٤). وروي من حديث ابن مسعود أيضًا (٥). --------- (١) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٥٦٩ (٧٦٠٧) كتاب: الجنائز، باب: في زيارة القبور، «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٢ (١١٨٢١) كتاب: الجنائز، باب: من كره زيارة القبور. (٢) مسلم (٦٧٦) كتاب: الجنائز، باب: استئذان النبي - ﷺ -. (٣) مسلم (٩٧٧). (٤) «المصنف» ٣/ ٣٠ (١١٨٠٤). ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٢٣٧ و٢٥٠، والحاكم ١/ ٣٧٥ و٣٧٦ من طريق يحيى بن عبد الله بن الحارث الجابر التيمي عن عمرو بن عامر عن أنس. قال المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٣٤٣: يحيى الجابر ضعفوه. وضعفه الألباني في «أحكام الجنائز» ص ٢٢٩ من هذا الوجه. ورواه الحاكم ١/ ٣٧٦ من طريق إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن عباد عن أنس. وجود المصنف في «البدر» ٥/ ٣٤٣، هذا الإسناد، وحسنه الألباني في «الجنائز» ص ٢٢٩. (٥) رواه ابن ماجه (١٥٧١)، والحاكم ١/ ٣٧٥، وعنه البيهقي ٤/ ٧٧ من طريق ابن جريج، عن أيوب بن هانئ عن مسروق بن الأجدع عن ابن مسعود مرفوعًا: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة». أعله الحافظ الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٤٢٦ - ١٤٢٧ (٦٣٨٤) بأيوب بن هانئ. وحكى المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣ اختلافًا في أيوب. وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٣٧: أيوب مختلف فيه. وضعف الألباني الحديث في «ضعيف ابن ماجه» (٣٤٣). = وفي «المستدرك» من حديث أبي ذر قال: قال رسول - ﷺ -: «زُر القبور وتذكر بها الآخرة» ثم قال: رواته ثقات (١). وللزمخشري: «ولا تزرها بالليل» (٢). وحديث الباب يشهد لأحاديث الإباحة لأنه - عليه السلام - إنما عرض عليها الصبر ورغبها فيه، ولم يُنكر عليها جلوسها عنده، ولا نهاها عن زيارته؛ لأنه لا يترك أحدًا يستبيح ما لا يجوز بحضرته ولا ينهاه؛ لأن ----------- = ورواه أحمد ١/ ٤٥٢، وابن أبي شيبة ٣/ ٣١ (١١٨٠٨) من طريق فرقد السبخي، عن جابر بن يزيد، عن مسروق، به. وفرقد قال عنه الحافظ في «التقريب» (٥٣٨٤): صدوق عابد؛ لكن لين الحديث كثير الخطأ. (١) «المستدرك» ١/ ٣٧٧ و٤/ ٣٣٠. ورواه عنه البيهقي في «الشعب» ٧/ ١٥ (٩٢٩١) من طريق موسى بن داود الضبي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن أبي مسلم الخولاني، عن عبيد ابن عمير عن أبي ذر. قال الحاكم في الموضع الأول -كما نقله المصنف-: حديث رواته عن آخرهم ثقات. وقال في الثاني: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتبعه الحافظ العراقي فقال في «تخريج الإحياء» (٤٤٢٩): إسناده جيد. والحديث ضعفه غير واحد، فقال البيهقي في «الشعب» ٧/ ١٥: يعقوب بن إبراهيم هذا أظنه المدني المجهول، وهذا متن منكر. وقال الذهبي في «التلخيص» ١/ ٣٧٧: منكر، ويعقوب هو القاضي أبو يوسف حسن الحديث، ويحيى لم يدرك أبا مسلم فهو منقطع، أو أن أبا مسلم رجل مجهول. وأعله المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٥/ ٣٤٤ بيعقوب بن إبراهيم، وبالانقطاع بين يحيى وأبي مسلم. وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٣٧: سنده ضعيف. وقال في «اللسان» ٦/ ٣٠٢: متن منكر. والحديث ضعفه أيضًا الألباني في «الضعيفة» (٣٦٦٣) وفيه استدرك على كلام البيهقي المتقدم ذكره، فلينظر. (٢) بنحوه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٦٦/ ١٨٨. الله فرَضَ عليه التبليغ والبيان لأمته. فحديث أنس وشبهه ناسخ لأحاديث النهي في ذلك، وحديث بريدة صريحٌ فيه، وأظن الشعبي والنخعي لم تبلغهما أحاديث الإباحة. وكان الشارع يأتي قبور الشهداء عند رأس الحول فيقول: «السلامُ عليكم بما صَبرتم فنِعم عُقبى الدارد»، وكان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك (١). وزار الشارع قبر أمه يوم الفتح في ألف مقنع. ذكره ابن أبي الدنيا (٢). وذكر ابن أبي شيبة عن علي وابن مسعود وأنس إجازة الزيارة (٣). وكانت فاطمةُ تزور قبر حمزة كل جمعة (٤). وكان ابن عمر يزورُ قبرَ ---------------- (١) رواه عبد الرزاق في المصنف ٣/ ٥٧٣ - ٥٧٤ (٦٧١٦): عن رجل من أهل المدينة عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن إبراهيم التيمي قال .. فذكره. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «القبور» كما عزاه الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤٤٢٦). ورواه من طريقه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٧٥. ورواه أيضًا ٢/ ٦٠٥، وكذا ابن عدي ٩/ ٩٣، والبيهقي ٧/ ١٥ (٩٢٩٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٣/ ٢٣٠ جميعًا من طريق يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، به. قال الحاكم ١/ ٣٧٥: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وزاد في ٢/ ٦٠٥: إنما أخرج مسلم وحده حديث محارب بن دثار .. قال العراقي (٤٤٢٦): شيخ ابن أبي الدنيا، أحمد بن عمران الأخنسي، متروك، وانظر: «البدر المنير» ٥/ ٣٤٠ - ٣٤١. (٣) «المصنف» ٣/ ٣٠ - ٣١ (١١٨٠٤ - ١١٨٠٥، ١١٨٠٨) عنهم مرفوعًا. (٤) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٥٧٢ (٦٧١٣) عن ابن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كانت فاطمة .. ورواه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٧٧ و٣/ ٢٨، وعنه البيهقي ٤/ ٧٨ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن أباه علي بن الحسين حدثه عن أبيه أن فاطمة … = أبيه فيقفُ عليه ويدعو له (١). وكانت عائشةُ تزور قبرَ أخيها عبد الرحمن وقبره بمكةَ (٢)، ذكره أجمع عبد الرزاق. وقال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرورِ بها، وقد فعل ذلك النبي - ﷺ -. وسُئل مالك عن زيارتها فقال: قد كان نهي عنه ثم أذِن فيه، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أرَ بذلك بأسا (٣). وروي عنه أنه كان يُضعفُ زيارتها (٤)، وقوله الذي تُضعِّفهُ الآثارُ. وعملُ السلف أولى بالصواب. وحمل بعضهم حديث لعن زوَّارات القبور (٥) على مَنْ يُكثر منها؛ لأن زوَّارات للمبالغة. ------------ = قال الحاكم ١/ ٣٧٧: حديث رواته ثقات، وقال ٣/ ٢٨: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (١) «المصنف» لعبد الرزاق ٣/ ٥٧٠ (٦٧٠٩ - ٦٧١٠) وفيه: قبروا قبر أخيه. (٢) «المصنف» (٦٧١١) عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال: رأيت عائشة .. ورواه الحاكم ١/ ٣٧٦ وعنه البيهقي ٤/ ٧٨ من طريق يزيد بن زريع، عن بسطام بن مسلم، عن أبي التياح يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبي مليكة، به. عزاه الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤٤٢٨) لابن أبي الدنيا في كتاب: القبور وقال: إسناده جيد. وصححه الألباني في «الإرواء» (٧٧٥). (٣) «النوادر والزيادات» ١/ ٦٥٤. (٤) السابق ١/ ٦٥٦. (٥) روي من حديث أبي هريرة وابن عباس وحسان بن ثابت. حديث أبي هريرة رواه الترمذي (١٠٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦)، وأحمد ٢/ ٣٣٧، ٣٥٦، وابن حبان ٧/ ٤٥٢ (٣١٧٨) والبيهقي ٤/ ٧٨ من طريق أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله - ﷺ - زوارات القبور. قال عبد الحق في «أحكام» ٢/ ١٥١: في إسناده عمر بن أبي سلمة، وهو ضعيف = ------------ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= عندهم. وذكر ابن القطان اعتراض على هذا في «البيان» ٥/ ٥١١ - ٥١٢. وأعله القرطبي في «المفهم» ٢/ ٦٣٣ بعمر بن أبي سلمة أيضًا. وقال الألباني في «الإرواء» ٣/ ٢٣٣: رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمر بن أبي سلمة. وقال في «أحكام الجنائز» ص ٢٣٥: رجال إسناد الحديث ثقات كلهم، غير أن في عمر بن أبي سلمة كلامًا لعل حديثه لا ينزل به عن مرتبة الحسن، لكن حديثه هذا صحيح لما له من الشواهد. أما حديث ابن عباس فقد رواه أبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي ٤/ ٩٤ - ٩٥، ابن ماجه (١٥٧٥)، وأحمد ١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٣٣٧، وابن حبان ٧/ ٤٥٢ - ٤٥٤ (٣١٧٩ - ٣١٨٠)، والحاكم ١/ ٣٧٤، والبيهقي ٤/ ٧٨ من طريق محمد بن جحادة، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. قال ابن حبان: أبو صالح هذا اسمه ميزان، بصري ثقة، وليس بصاحب الكلبي، ذاك اسمه باذام. وقال الحاكم: أبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به، إنما هو باذان، ولم يحتج به الشيخان. وضعف عبد الحق الحديث في «الأحكام» ٢/ ١٥١ وجزم بأن أبا صالح هنا هو صاحب الكلبي الضعيف. واعترض ابن القطان عليه في «البيان» ٥/ ٥٦٣ - ٥٦٤ وكلامه يشعر بتوثيق أبي صالح. وحديث ابن عباس ضعفه الألباني في «الإرواء» (٧٦١)، وفي «الضعيفة» (٢٢٥)، وقال في «تمام المنة» ص ٢٩٧: الحديث على شهرته ضعيف الإسناد، وانظر: «البدر المنير» ٥/ ٣٤٦ - ٣٤٩. وأما حديث حسان بن ثابت فقد رواه ابن ماجه (١٥٧٤)، وأحمد ٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣، والحاكم ١/ ٣٧٤، والبيهقي ٤/ ٧٨ من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن بهمان، عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه قال: لعن رسول الله - ﷺ - زورات القبور. قال البوصيري في «الزوائد» (٥٣٠): إسناد صحيح، رجاله ثقات. والحديث بمجموع طرقه الثلاث صححه الألباني في «الإرواء» (٧٧٤). قال القرطبي: ويُمكن أن يُقال إنَّ النِّساءَ إنما يُمنعن من إكثار الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوجِ، والتبرج والشهرة والتشبه عن تلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ، وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يُفرق بين الزائرات والزوَّارات (١). قلتُ: والحديث ورد بهما. والأمة مُجمعة على زيارة قبرِ نبينا - ﷺ - وأبي بكر وعمر، وكان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبره المكرم، فقال: السلام عليك يا رسولَ الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليكم يا أبتاه (٢). ومعنى النهي عن زيارة القبور إنما كان في أول الإسلام عند قربهم بعبادة الأوثان واتخاذ القبور مساجد، فلما استحكم الإسلام وقوي في قلوب الناس وأُمنت عبادة القبور والصلاة إليها، نُسخ النهي عن زيارتها؛ لاْنها تُذكِرُ بالآخرةِ، وتُزهد في الدنيا. وروينا عن طاوس قال: كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميتِ سبعة أيام، لأنهم يُفتنون ويُحاسبون في قبورهم سبعةَ أيامٍ. وفي حديثِ أنس ما كان عليه من التواضع والرفق بالجاهل؛ لأنه لم ------------- (١) «المفهم» ٢/ ٦٣٣. وقال الألباني: تبين من تخريج الحديث أن المحفوظ فيه إنما هو بلفظ: زوارات؛ لاتفاق حديث أبي هريرة وحسان عليهن وكذا حديث ابن عباس في رواية الأكثرين. «أحكام الجنائز» ص ٢٣٦. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥٧٦ (٦٧٢٤) وابن سعد في «طبقاته» ٤/ ١٥٦، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٩ (١١٧٩٢)، والبيهقي ٥/ ٢٤٥ من طريق نافع عنه. وصححه الألباني في «فضل الصلاة على النبي - ﷺ -» (١٠٠). ينتهر المرأةَ حين قالت له: إليك عني. وعذرها بمصيبتها، وإنما لم يتخذ بوَّابين؛ لأن الله أعلمه أنه يعصمه من الناس (١). وفيه: أنه من اعتذر إليه بعذرٍ لائح أنه يجب عليه قبوله. فرع: انفرد الماوردي بقوله: لا تجوز زيارةُ المسلمِ قبرَ قريبه الكافِر، مُستدلا بقوله ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٢) [التوبة: ٨٤]. والأحاديث على خلاف ما قال. ----------- (١) يشير المصنف إلى قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [آية: ٦٧]. (٢) «الحاوي الكبير» للماوردي ٣/ ١٩. قال النووي في «المجموع» ٥/ ١٢٠: هذا غلط. ٣٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [انظر: ٨٩٣] فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ البُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا». [انظر: ٣٣٣٥ - فتح: ٣/ ١٥٠] وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ. ١٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَيْهِ: إِنَّ ابنا لِي قُبِضَ فَائْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: «إِنَّ لله مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ -قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ- كَأَنَّهَا شَنٌّ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». [٥٦٥٥، ٦٦٠٢، ٦٦٥٥، ٧٣٧٧، ٧٤٤٨ - مسلم: ٩٢٣ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ: فَقَالَ: «هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟». فَقَالَ أَبُو: طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ: «فَانْزِلْ». قَالَ: فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا. [١٣٤٢ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - رضي الله عنه - بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم -، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا -أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَي أَحَدِهِمَا. ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَي جَنْبِي- فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمَرَ رضي الله عنهما لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ البُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». [مسلم: ٩٢٨ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَدْ كَانَ عُمَرُ - رضي الله عنه - يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ. ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ - رضي الله عنه - مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي. فَرَجَعْتُ إِلَي صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالحَقْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»؟!. [١٢٩٠، ١٢٩٢ - مسلم: ٩٢٧ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٨٨ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ - رضي الله عنه - ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ «إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ القُرْآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما شَيْئًا. [١٢٨٩، ٣٩٧٨ - مسلم: ٩٢٩ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -وَهْوَ: الشَّيْبَانِيُّ- عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ - رضي الله عنه - جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ»؟ [انظر: ١٢٨٧ - مسلم: ٩٢٧ - فتح: ٣/ ١٥٢] ١٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا». [انظر: ١٢٨٨ - مسلم: ٩٣٢ - فتح: ٣/ ١٥٢] وذكر عن أسامة بن زيد، قال: أَرْسَلَتِ ابنةُ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَيْهِ: إِنَّ ابأ لِي قُبِضَ فَائْتِنَا .. الحديث بطوله. وعن أنس: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. الحديث. وعن ابن أبي مليكة: تُوُفِّيَتِ ابنة لِعُثْمَانَ بِمَكَةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا .. الحديث. وعن أبي بردة عن أبيه: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ»؟ وعن عائشة: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا». الشرح: أما قوله: (قول النبي - ﷺ -: «يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه») فذكره بعده مسندًا، وأما قوله: (إِذَا كَاْنَ النَّوْحُ مِنْ سُنتِّهِ) كذا في الدمياطي وفي بعض النسخ باب: إِذَا كَاْنَ النَّوْحُ من سنته (١)، وضبطه بالنون ثم ----------- (١) في بعض النسخ: إذا كان النوح من سببه اهـ من هامش اليونينية. مثناة فوق، وقال صاحب «المطالع»: وهو عند أكثر الرواة أي: بما سَنَّه واعتاده، إذ كان من العرب من يأمر بذلك أهله قَالَ شاعرهم: إذا من فابكيني بما أنا أهله … وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد وهو الذي تأوله البخاري، وهو أحد التأويلات في الحديث، ولبعضهم بالباء الموحدة المكررة أي: من أجله. وذكر عن محمد بن ناصر السلامي أن الأول تصحيف والصواب الثاني، وأي سُنة للميت؟ وأما حديث: («كلكم راعٍ») فسيأتي مسندًا من حديث ابن عمر (١). وأما قول عائشة في: (فإذا لم يكن النوح من سنته) فيأتي في الباب مسندًا. وأما حديث: «لا تقتل نفس ظلمًا». يأتي مسندًا في الديات من حديث ابن مسعود (٢). وأما حديث أسامة فأخرجه مسلم (٣). وقول البخاري: (حَدَّثنَا عبدان) ومحمد: هو ابن مقاتل، ويأتي في الطب أيضًا والنذور والتوحيد (٤)، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه (٥). ---------------- (١) سيأتي برقم (٢٥٥٤) كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق. (٢) سيأتي برقم (٦٨٦٧) باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. (٣) «صحيح مسلم» (٩٢٣) كتاب: الجنائز، باب: البكاء على الميت. (٤) سيأتي برقم (٥٦٥٥) كتاب: المرضى، باب: عيادة الصبيان، وبرقم (٦٦٥٥) كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، وبرقم (٧٣٧٧) كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾. (٥) «سنن أبي داود» (٣١٢٥) كتاب: الجنائز، باب: في البكاء على الميت، و«سنن النسائي» ٤/ ٢١ - ٢٢ كتاب: الجنائز، باب: الاحتساب عند نزول المصيبة. و«سنن ابن ماجه» (١٥٨٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في البكاء على الميت. وأما حديث أنس: فهو من أفراده، وقال فليح بن سليمان: أُراه يعني: الذنب، وقال في آخر: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ [الأنعام: ١١٣]: ليكتسبوا (١)، وفي رواية للفريابي في «مسنده»: «لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله» فلم يدخل عثمان القبر (٢). وأما حديث ابن أبي مُليكة (٣) وأبي بردة عن أبيه (٤) وعائشة فأخرجهما مسلم أيضًا (٥). إذا تقرر ذلك فالكلام في أمور: أحدها: بنت النبي - ﷺ - المرسِلة ذكر ابن بشكوال وغيره أنها زينب (٦)، والابنة المتوفاة أم كلثوم، ماتت سنة تسع (٧). وفي «تاريخ البخاري الأوسط»: ------------- (١) سيأتي برقم (١٣٤٢) باب: من يدخل قبر المرأة. (٢) يأتي تخريجه بنحوه قريبًا. (٣) «صحيح مسلم» (٩٢٨) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (٤) «صحيح مسلم» (٩٢٧) باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (٥) «صحيح مسلم» (٩٣٢) باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (٦) «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ٣٠٥. وبه جزم الحافظ في «الفتح» ٣/ ١٥٦، والعيني في «العمدة» ٦/ ٤٣٨، وزكريا الأنصاري في «المنحة» ٣/ ٣٥٦. (٧) يقصد المصنف -رحمه الله- الابنة المتوفاة في حديث أنس بن مالك (١٢٨٥). فجزم المصنف بأنها أم كلثوم، وقال ابن بشكوال: قيل: هي زينب وقيل: إنها رقية وقيل: أم كلثوم، والأول أصح إن شاء الله؛ والحجة لما صححناه، وساق بإسناده من طريق ابن أبي شيبة: ثنا شريح بن النعمان قال: ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن أنس قال: شهدنا جنازة زينب بنت رسول الله - ﷺ - .. الحديث. ثم قال: وذكر البخاري أيضًا قال: ثنا محمد بن سنان قال: ثنا فليح بن سليمان قال: ثنا هلال بن علي عن أنس بن مالك قال: شهدنا دفن أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ - .. الحديث «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ١٥٠ - ١٥٢. لما ماتت رقية بنت رسول الله - ﷺ - قال رسول الله: «لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة» فلم يدخل عثمان القبر (١). قَالَ البخاري: لا أدرى ما هذا؟ النبي - ﷺ - لم يشهد رقية (٢)، أي: لأنها ماتت وهو ببدر (٣). وقال الطبري: روى أنس أنه - ﷺ - لما نزلت أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ - في قبرها قَالَ: «لا ينزل في قبرها أحدٌ قارف الليلة» (٤) فذكر رقية فيه وهم (٥)، وقال الخطابي: يشبه قوله: شهدنا بنتًا لرسول الله - ﷺ -. أنها كانت ابنة لبعض بناته فنسبت إليه (٦). وابنة عثمان هي أم أبان كما قاله أبو عمر (٧)، لكن له ابنتان كل منهما أم أبان، فالكبرى أمها رملة بنت شيبة بن ربيعة، والصغرى أمها نائلة بنت الفرافصة، فالله أعلم أيهما. -------------- (١) «التاريخ الأوسط» ١/ ٤٠٤. وهو في «التاريخ الصغير» ١/ ١٨. ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٢٢٩، ٢٧٠، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٤٧ وصححه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وابن حزم في «المحلى» ٥/ ١٤٥، وابن بشكوال في «الغوامض» ١/ ١٥١ - ١٥٢ من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به. (٢) قاله ابن بشكوال ١/ ١٥٢. وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث خطأ من حماد بن سلمة؛ لأن رسول الله - ﷺ - لم يشهد دفن رقية ابنته، ولا كان ذلك القول منه في رقية، وإنما كان ذلك القول منه في أم كلثوم ثم قال: ولفظ حديث حماد بن سلمة أيضًا في ذلك منكر مع ما فيه من الوهم في ذكر رقية اهـ «الاستيعاب» ٤/ ٤٠٠. (٣) انظر ما سيأتي برقم (٣١٣٠، ٤٠٦٦). (٤) رواه البخاري في «التاريخ الصغير» ١/ ١٨. (٥) قلت: وجزم الحافظ في «الفتح» ٣/ ١٥٨، والعيني في «العمدة» ٦/ ٤٤٢، والسيوطي في «التوشيح» ٣/ ١٠٧٢، وزكريا الأنصاري في «المنحة» ٣/ ٣٥٨، والقسطلاني في «الإرشاد» ٣/ ٣١٢ بأن ابنة النبي - ﷺ - المتوفاة هي أم كلثوم زوجة عثمان. (٦) «أعلام الحديث» ١/ ٦٨١. (٧) «التمهيد» ١٧/ ٢٧٦ - ٢٧٧. قلت: وجاء مصرحًا باسمها هكذا عند مسلم (٩٢٨). ثانيها: إرسال ابنته إليه عند موت ابنها له فوائد: الأولى: بركة موعظته وشهوده. ثانيها: لما ترجو لنفسها من الصبر عند رؤيته. ثالثها: لئلا يظن حاسد أنه ليس لها عنده كبير مكان. ثالثها: قولها: (إِنَّ ابنا لِي قُبِضَ) تريد: قارب ذلك لا جرم، قَالَ ابن ناصر: حضر. وفي رواية أخرى للبخاري: احتضر (١). وفي أخرى له: ابنتي قد حضرت (٢). والابن لا أعلم اسمه، ومن خط الدمياطي اسمه علي، والبنت اسمها: أميمة. وقيل: أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع (٣). ذكرها ابن بشكوال (٤). رابعها: قوله: (فَأرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ) هو بضم الياء، وروي بفتحها. قَالَ ابن التين: ولا وجه له إلا أن يريد: يقرأ عليك. فيحتمل أن يكون فعل ذلك؛ لشغل كان فيه؛ أو لئلا يرى ما يوجعه؛ لأنه كان بالمؤمنين رفيقًا، فكيف بذريته؟! ولما يرى من وجع أمه، فلما عزمت عليه رأى إجابتها. ------------- (١) ستأتي برقم (٦٦٥٥) كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. (٢) ستأتي برقم (٥٦٥٥) كتاب: المرضى، باب: عيادة الصبيان. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: أما أمامة فتوفيت بعد النبي - ﷺ - في صحبة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان تزوجها علي قبله بوصاية فاطمة له بذلك، وأما أميمة فلا أعلم بنتًا لزينب يقال لها أميمة. (٤) «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ٣٠٥. وانظر: «الفتح» ٣/ ١٥٦، و«العمدة» ٦/ ٤٣٨. ![]()
__________________
|
|
#265
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 521 الى صـــ 540 الحلقة (265) خامسها: «إِنَّ لله مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى» أي: له الخلق كله، وبيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ لأنه لما خلق الدواة واللوح والقلم أمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، لا معقب لحكمه. سادسها: قوله: (وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا شَنٌّ) الشن: السقاء البالي، وضبطه بعضهم بكسر الشين، وليس بشيء، وقعقعته: صوته عند التحريك، وذلك ما يكون من المحتضر من تصعيد النفس، وفي رواية: كأنها شنة (١). وقوله: («هذِه رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ») وفي لفظ: «فِي قُلُوبِ مَنْ شاءَ من عِباده» (٢) وقد صح أن الله تعالى خلق مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين وجعل في عباده رحمة، فبها يتراحمون ويتعاطفون وتحن الأم على ولدها، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى التسعة والتسعين، فأظل بها الخلق، حَتَّى إن إبليس -رأس الكفر- يطمع لما يرى من رحمة الله -عز وجل- (٣). سابعها: قوله: (ورسول الله - ﷺ - جالس على القبر). الظاهر -والله أعلم- أن المراد: جالسٌ بجانبه، واستدل به ابن التين على إباحة الجلوس على ----------- (١) ستأتي برقم (٧٤٤٨) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾. (٢) سيأتي برقم (٥٦٥٥) كتاب: المرضى، باب: عيادة الصبيان. (٣) سيأتي برقم (٦٠٠٠) كتاب: الأدب، باب: جعل الرحمة مائة جزء، ورواه مسلم (٢٧٥٢). القبر، وهو قول مالك (١)، وزيد بن ثابت وعلي، وقال ابن مسعود وعطاء: لا تجلس عليه (٢). وبه قَالَ الشافعي والجمهور (٣) لقوله - ﷺ -: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلُّوا إليها» (٤). وقوله: («لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبرٍ») أخرجهما مسلم (٥) وظاهر إيراد المحاملي وغيره (٦) -ولفظه: قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه والقعود عليه حرام، وكذلك الاستناد إليه والاتكاء عليه- أنه حرام. ونقله النووي في «شرح مسلم» عن الأصحاب (٧)، وتأوله مالك، وخارجة بن زيد على الجلوس لقضاء الحاجة، وهو بعيد. فرع: لا يوطأ أيضًا إلا لضرورة ويكره أيضًا الاستناد إليه احترامًا. ---------------- (١) انظر: «التاج والإكليل» ٣/ ٧٤، «مواهب الجليل» ٣/ ٧٥. (٢) روى عنهما عبد الرزاق في «مصنفه» ٣/ ٥١٠ - ٥١١ (٦٥٠٩)، (٦٥١٢ - ٦٥١٣) كتاب: الجنائز، باب: المزابي والجلوس على القبر. (٣) انظر: «المجموع» ٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨، «المغني» ٣/ ٤٤٠. (٤) مسلم (٩٧٢) من حديث أبي مرثد الغنوي. (٥) «مسلم» (٩٧١) في الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه. (٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: والشيخ في «المهذب» لكن الذي في «الروضة» مجزومًا به الكراهة وكذا في «شرح المهذب» في آخر باب الدفن ثم أعاد المسألة في باب التعزية من الشرح المذكور وقال: وكره الشافعي والجمهور الجلوس عليه ودوسه، وقال الشيخ في «المهذب» والمحاملي في «المقنع»: لا يجوز. وقد نقل التحريم في «شرح مسلم» عن أصحابنا. كما قاله الشيخ، وذكر الصيمري في «شرح الكفاية» أنه لا يحل لأحد أن يمشي على قبر، ولا ينبغي أن يستند إليه، هذا لفظه. بعض كلام المهمات. (٧) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٧/ ٢٧ - ٢٨. ثامنها: (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ): هو بفتح الميم، قَالَ ابن التين: المشهور في اللغة أن ماضيه: دمَع بفتح الميم، فيجوز في مستقبله تثليث العين، وذكر أبو عبيدة لغة أخرى أن ماضيه: مكسور العين فيتعين الفتح في المستقبل، وفعله - ﷺ - هذا دال على أن النهي عن البكاء إنما هو عن الصياح كما سيأتي (١). تاسعها: فيه استحباب إدخال القبر الرجال ولو كان الميت امرأة؛ لأنه يحتاج إلى قوة، وهم أحرى بذلك، وأيضًا لا يخشى عليهم انكشاف العورة، وقد أمر الشارع أبا طلحة أن ينزل في القبر المذكور. ومعنى: «لَمْ يُقَارِفِ» بالقاف السابقة ثم بالفاء اللاحقة في آخره، وقد أسلفنا عن فليح أنه قَالَ في الأصل بعد هذا: أي: لم يذنب. وقيل: لم يُجامِع أهله، وهو أظهر، وإنما أراد بعد الطهارة لما يرجى في ذلك للمنزولة في قبرها، وعُلِّلَ أيضًا بأنه حينئذ يقرب بالتلذذ بالنساء، والمدفونة امرأة، فخاف عليه أن يذكِّره الشيطان ما كان فيه تلك الليلة، ويقال: إن تِلك الليلة بات عثمان عند بعض جواريه فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فمنعه من النزول في قبرها؛ لأنه لم ينظر في نفسه انقطاع صهارته من سيد الخلق في الصورة، ولا تألم لفراق زوجته، ولا استحب حكاية هذا، وهو من حسن لطفه أنه لم يؤاخذ أحدًا بما فعل ولكن يعرض، وهكذا كان دأبه - ﷺ -. ------------ (١) برقم (١٢٩٣) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت. فرع: لو تولى النساء حل ثيابها في القبر فحسن، نص عليه في «الأم» (١). العاشرة: فيه دلالة على أنه ليس بذي محرم منها، وإن لم يكن ذو محرم فيختار منهم من يدليها، قاله ابن التين، قَالَ: وقد يحتمل أن يكون - ﷺ - نزل في قبرها واستعان بمن دلاها معه. الحادية عشرة: حديث عمر وابنه: «إن الميت يعذب ببكاء الحي» وإنكار عائشة بقولها: رحم الله عمر وابنه، ما حدث رسول الله - ﷺ - بذلك، ولكنه قَالَ: «إن الله ليزيد الكافر ببكاء أهله عليه عذابًا». وقالت: حسبكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وفي لفظ قالت: فما قاله رسول الله - ﷺ - قط: «إن الميت يعذب ببكاء أهله» ولكنه قَالَ: «إِنَّ الكافر يزيده الله بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَابًا» (٢). وفي لفظ قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مُكَذَّبين، ولكن السمع يخطئ (٣). وفي لفظ: قَالَ ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله مَا حَدَّثَ رَسُولُ الله - ﷺ - بذلك (٤). وفي لفظٍ قالت: وَهَلَ ابن عمر، إنما قَالَ رسول الله - ﷺ -: --------------- (١) قال الشافعي رحمه الله: وإن ولي إخراجها من نعشها وحل عقد من الثياب إن كان عليها وتعاهدها النساء فحسن، «الأم» ١/ ٢٤٥. (٢) سيأتي هنا برقم (١٢٨٨) باب: قول النبي - ﷺ -: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله .. (٣) رواه مسلم (٩٢٩) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (٤) سيأتي برقم (١٢٨٨). «إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن» (١). وذلك مثل قوله: إن رسول اللهﷺ - قام على القليب يوم بدر، وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم: «إنهم يسمعون ما أقول» وقد وهل، وإنما قَالَ: «إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق» حَتَّى نزلت ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] يقولون حين تبوءوا مقاعدهم من النار (٢). وفي لفظ: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكن نسي أو أخطأ (٣)، وكل هذِه الألفاظ في الصحيح، وأجاب بعضهم بأن حديث عمر وابنه مجمل فسرته عائشة. وفيه نظرٌ من وجوه بيَّنها ابن الجوزي: أحدها: أن الذي روته عائشة حديث وهذا حديث، ولا تناقض بينهما، لكل واحد منهما حكمه. ثانيها: أنها أنكرت برأيها، وقول الشارع عند الصحة لا يلتفت معه إلى رأي أحد. ثالثها: أن ما ذكرته لا يحفظ عن غيرها، وحديث عمر محفوظ عنه (٤) وعن ابنه (٥) والمغيرة (٦)، وهم أولى بالضبط. وقد اختلف العلماء في معنى تعذيبه ببكاء أهله عليه على أقوال: -------------- (١) سيأتي برقم (٣٩٧٨) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل. (٢) سيأتي برقم (٣٩٧٩) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل. (٣) رواه مسلم (٩٣٢) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهل عليه. (٤) حديث الباب (١٢٨٦). (٥) أحاديث الباب أيضًا (١٢٨٧ - ١٢٩٠). (٦) يأتي برقم (١٢٩١)، ورواه مسلم (٩٣٣). أصحها: وهو تأويل الجمهور على أنه محمولٌ على من أوصى به، كما كانت العرب تفعله؛ لأنه بسببه وهو منسوب إليه، وإليه ذهب البخاري في قوله: إذا كان النوح من سنته -يعني: أنه يوصي بذلك- أو من سببه بها على ما سلف، وهو قول الظاهر، وأنكروا قول عائشة وأخذوا بالأحاديث السالفة. ثانيها: أنه يعذب بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم ويسوؤه إتيانه ما يكره ربه، قَالَ القاضي عياض: وهو أولى الأقوال، وفيه حديث قيلة مطولًا، وفيه: «والذي نفس محمد بيده، إن إحداكن لتبكي فتستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم» (١). قال الطبري: الدليل على أن بكاء الحي على الميت تعذيب من الحي له لا تعذيب من الله ما رواه عوف عن خلاس بن عمرو، عن أبي هريرة قَالَ: إنَّ أعمالكم تعرض على أقربائكم فإن رأوا خيرًا فرحوا به، وإن رأوا شرًّا كرهوه، وإنهم ليستخبرون الميت إذا أتاهم من مات بعدهم، حَتَّى إن الرجل ليسأل عن امرأته أتزوجت أم لا؟ ثالثها: كانوا يعددون في نواحهم جرائم الموتى ويظنونه محمودًا كالقتل وشن الغارات، فهو يُعذب بما ينوحون به عليه، وقيل: يقال للميت إذا ندبوه: أكنت كذاك؟ فذاك التوبيخ عذاب. رابعها: إن قوله: («ببكاء») أي: عند بكاء أهله يعذب بذنبه، قَالَ القاضي حسين: يجوز أن يكون الله قدر العفو عنه، إن لم يبكوا عليه، ---------------- (١) «إكمال المعلم» ٣/ ٣٧١ - ٣٧٢. والحديث رواه ابن سعد ١/ ٣١٧ - ٣٢٠، والطبراني ٢٥/ ٧ (١) مطولًا. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٩ - ١٢: رجاله ثقات. وحسن الحافظ إسناده في «الفتح» ٣/ ١٥٥. فإذا بكوا وندبوا وناحوا عُذِّب بذنبه لفوات الشرط. خامسها: أنه محمول على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب، صححه الشيخ أبو حامد (١). سادسها: أنه مخصوص بشخص بعينه، ذكره القاضي أبو بكر بن الطيب احتمالًا، وذهبت عائشة إلى أن أحدًا لا يعذب بفعل غيره، وهو إجماع للآية السالفة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقوله: (﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾) [الأنعام: ١٦٤] وكل حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه: البكاء الذي يتبعه الندب والنياحة عند العلماء، فإنه إذًا يسمى بكاء؛ لأن الندب على الميت كالبكاء عليه، فإن البكاء بالمد: الصوت. وبالقصر: الدمع، كما نص عليه أهل اللغة: الخليل والأزهري والجوهري وغيرهم (٢). والإشكال في تعذيب الحي بذلك للنهي عنه، وأما تعذيب الميت فقد علمت ما فيه، وحكى الخطابي عن بعض أهل العلم أن معظم عذاب المعذب في قبره يكون عند نزوله لَحْدَهُ، وما ذهبت إليه عائشة أشبه بدلائل الكتاب، وما زِيدَ في عذاب الكافر باستيجابه لا بذنب غيره؛ لأنه إذا بكي عليه تذكر فتكاته وغاراته، فهو مستحق للعذاب بذلك، وأهله يعدون ذلك من فضائله، وهو يعذب من أجلها، فإنما يعذب بفعله لا ببكاء أهله عليه، هذا معنى قول عائشة: إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه. وهو موافق لقوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وقد اختلف في معنى هذِه الآية، فقيل: إنه المذنب -------------- (١) انظر: «أسنى المطالب» ١/ ٣٣٦. (٢) «العين» ٥/ ٤١٧ - ٤١٨، «تهذيب اللغة» ١/ ٣٧٩، «الصحاح» ٦/ ٢٢٨٤. وانظر: «المجمل» ١/ ١٣٢، و«لسان العرب» ١/ ٣٣٧. لا يؤخذ غيره بذنبه. وقيل: لا يعمل المرء بالإثم اقتداء بغيره كما قَالَ الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وإذا أول الحديث السالف، خرج عن معنى ما أنكرته (١)، ولكن تأويل عمر في قوله لصهيب: أتبكي عليَّ؟ ثم ذكر الحديث يدل على أن الحديث محمول على ظاهره لا كما فهمت عائشة، على أن الداودي قَالَ: قول عائشة: إن الله ليزيد الكافر. إلى آخره ردًّا لقولها: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وما أرى هذا محفوظًا عنها، وقول ابن عباس: الله أضحك وأبكى، يعني: أنه لم يذكر ذلك إلا بحق، وأنه أذن في الجميل منه، فلا يعذب على ما أذن فيه، ويؤيد ذلك قوله: «إنما هي رَحْمَةٌ يضعهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ» (٢). --------------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٦٨٣ - ٦٨٤، و«معالم السنن» ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤. (٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلع رابعًا كتبه مؤلفه غفر الله له. ٣٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّتِ وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ. وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، (وَاللَّقْلَقَة) (١) الصَّوْتُ. ١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». [مسلم:٤، ٩٣٣ - فتح: ٣/ ١٦٠] ١٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ آدَمُ، عَنْ شُعْبَةَ، «المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ». [انظر: ١٢٨٧ - مسلم: ٩٢٧ - فتح: ٣/ ١٦١] وذكر فيه حديث المُغِيرَةِ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبِ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمَّدًا فَلْيَتَبَؤَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». وحديث شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيبِ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى: ثنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا شعبة، ثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ آدمُ، عَنْ شُعْبَةَ: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ». --------------- (١) في الأصل: القلقة. الشرح: أما تعليق عمر فأسنده البيهقي من حديث الأعمش عن شقيق قَالَ: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة من آل المغيرة يبكين عليه. فقيل لعمر: أرسل إليهن فانههن. فقال عمر: ما عليهن أن يهرقن دموعهن على أبي سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة (١). وأمَّا قوله: (والنقع: التراب على الرأس) (٢). فهو أحد الأقوال فيه، وقال ابن فارس: النقع: الصراخ. ويقال: هو النقيع. والنقع: الغبار (٣)، وقال الهروي: إنه رفع الصوت واللقلقة، كأنها حكاية الأصوات إذا كثرت (٤). قَالَ شِمْر في قوله: (ما لم يكن نقع ولا لقلقة)، أي: شق الجيوب، وقال الإسماعيلي: النقع هنا: الصوت العالي، واللقلقة: حكايته ترديد النواحة. وقال صاحب «المطالع» (٥): النقع: الصوت بالبكاء. قَالَ: وبهذا فسره البخاري. وهو غريب، فالذي فسره ما قدمناه عنه. وقال الأزهري: هو صوت لذم الخدود إذا ضربت (٦). وقال في «المحكم»: إنه الصراخ (٧). ويقال: هو النقيع. وقيل: وضعهن على رءوسهن النقع، وهو الغبار. وهو موافق لتفسير البخاري. --------- (١) «السنن الكبرى» ٤/ ٧١ كتاب: الجنائز، باب: سياق أخبار تدل على جواز البكاء بعد الموت. ورواه أيضًا الحاكم ٣/ ٢٩٧ وغيرهما. وصححه الحافظ كما في «الفتوحات الربانية» ٤/ ١٠٥. (٢) «لسان العرب» ٨/ ٤٥٢٧ - ٤٥٢٨. (٣) «المجمل» ٢/ ٨٨٣. (٤) «غريب الحديث» ٢/ ٤١. (٥) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: ذكر صاحب «المطالع» التفسيرين: الأول وهذا، وعزاهما إلى البخاري. (٦) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٦٤٩ - ٣٦٥١. (٧) «المحكم» ١/ ١٣٤ - ١٣٥. وقال الكسائي: هو صنعة الطعام في المآتم. قَالَ أبو عبيد: النقيعة: طعام القدوم من السفر لا هذا (١). وقال الجوهري: النقيع: الصراخ. ونقع الصوت واستنقع، أي: ارتفع (٢). وفي «الموعَب»: نقع الصارخ بصوته، وأنقع إذا تابعه. وفي «الموعَب» و«الجمهرة» (٣): إنه الصوت واختلاطه في حرب أو غيرها. فتحصلنا على ثلاثة أقوال فيه. وأما قوله: (واللقلقة: الصوت) (٤). فهو كما قَالَ، وقد أسلفنا كلام الهروي فيه، وكذا كلام الإسماعيلي. وقال القزاز: هو تتابع الصوت كما تفعل النساء في المآتم، وهو شدة الصوت. وقال ابن سيده عن ابن الأعرابي: تقطيع الصوت. وقيل: الجلبة (٥). قَالَ الداودي: لما قَالَ عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان -يعني: خالدًا- قَالَ له طلحة: أما الآن تقول هذا، وأما في حياته فبعته بالرسن، وما مثلك ومثله إلا كما قَالَ الأول: لألفينك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زودتني زادا وذلك أن عمر حين قتل خالد قومًا ممن كان ارتد ثم تاب ولم ير أن توبته تنفعه (٦). فأراد عمر أبا بكر على أن يقيد منه، فأبى عليه، فلما أكثر عليه قَالَ له: ليس ذلك عليك منه، تأول فأخطأ. ووداهم أبو بكر، فأراد عمر أبا بكر على عزل خالد من الشام وقال له: إنه جعل يعطي المال ذا ------------ (١) «غريب الحديث» ٢/ ٤٠. (٢) «الصحاح» ٣/ ١٢٩٢. (٣) «الجمهرة» لابن دريد ٢/ ٩٤٣. (٤) «الصحاح» ٤/ ١٥٥٠ و«لسان العرب» ٧/ ٤٠٦٣. (٥) «المحكم» ٦/ ٨٥. (٦) انظر ما سيأتي برقم (٤٣٣٩). الشرف وذا النبلاء، فاكتب إليه أن لا ينفق درهمًا إلا بإذنك، فقال أبو بكر: ما كنت لأفعل ذلك به وهو بإزاء العدو. فلم يزل به عمر حَتَّى كتب إليه بذلك، فكتب إليه: ما أطيق ذلك وأنا بإزاء العدو، فجئ على عملك بمن بدا لك. فقال أبو بكر: من يعذرني من عمر، من يقوم لي مقام خالد؟ فقال عمر: أنا، ولا أنفق من المال درهمًا إلا بإذنك. فأمره بالخروج، فلما فرغ من جهازه قَالَ بعض من لا ينفس على عمر: عمدت إلى رجل كفاك أكثر أمرك تغيبه عن وجهك. فقال: صدقت قل له: أقم فقد بدا لنا، فقال: سمعًا وطاعةً. فلم يلبث أن توفي أبو بكر، فقال عمر: كذبت الله، أنْ أشرتُ على أبي بكر برأي أخالفه فكتب إلى خالدٍ: أن لا تنفق من المال إلا بإذني، فكتب إليه لا أطيق ذلك وأنا بإزاء العدو فجئ على عملك بمن بدا لك. فعزله وأمَّر أبا عبيدة مكانه. فإن قلت: نهى عمر صهيبًا عن بكائه عليه فيما مضى، وهنا لم ينه عنه. قلتُ: لأن صهيبًا بكى عمر بندب وصياح، فقال: واصاحباه واأخاه. فنهاه لأجل ذلك. وحديث المغيرة: «من نيح عليه» إلى آخره أخرجه مسلم بزيادة عن علي بن ربيعة قَالَ: أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله - ﷺ - فذكره (١). وحديث عمر أخرجه مسلم أيضًا (٢). أما حكم الباب: فالنوح حرام بالإجماع؛ لأنه جاهلي وكان - ﷺ - يشترط على النساء في مبايعتهن على الإسلام أن لا ينحن (٣). ------------- (١) «صحيح مسلم» (٩٣٣) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (٢) «صحيح مسلم» (٩٢٧/ ١٧). (٣) دل على ذلك حديث يأتي برقم (١٣٠٦) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك. وفي الباب عن أربعة عشر صحابيًّا في لعن فاعله والوعيد والتبرؤ: ابن مسعود (خ (١)، م (٢»، وأبي موسى (خ (٣)، م (٤» وأم عطية (خ، م) (٥) وعبد الله بن معقل بن مقرن تابعي وأبي مالك الأشعري (م) (٦) وأبي هريرة وأم سلمة (م) (٧) وابن عباس في (ت) (٨) ومعاوية وأبي سعيد (د) (٩) وأبي أمامة (ق) (١٠) وعلي وجابر وقيس بن عاصم (ت)، وجنادة بن مالك (١١). وأما حديث: يا رسول الله، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي أن أسعدهم فقال: «إلا آل فلان» (١٢) فجوابه: إما ----------- (١) سيأتي برقم (١٢٩٤) كتاب: الجنائز، باب: ليس منا من شق الجيوب. (٢) «صحيح مسلم» (١٠٣) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية. (٣) سبق برقم (١٢٩٠) كتاب: الجنائز، باب: قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه». (٤) «صحيح مسلم» (٩٢٧/ ١٩) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (٥) سيأتي برقم (١٣٠٦) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك، و«صحيح مسلم» (٩٣٦) كتاب: الجنائز، باب: الشديد في النياحة. (٦) «صحيح مسلم» (٩٣٤). (٧) وجدته من حديث أم سلمة فقط في «صحيح مسلم» (٩٢٢) كتاب: الجنائز، باب: البكاء على الميت. (٨) «سنن الترمذي» عقب الرواية (١٠٠٤) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت. (٩) «سنن أبي اود» (٣١٢٨) كتاب: الجنائز، باب: في النوح. (١٠) «سنن ابن ماجه» (١٥٨٥) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ضرب الخدود وشق الجيوب. (١١) «سنن الترمذي» (١٠٠٠) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في كراهية النوح. (١٢) «صحيح مسلم» (٩٣٧) كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة. الخصوصية بها أو كان قبل تحريمها، وهو فاسد، أو يكون قوله: «إلا آل فلان» إعادة لكلامها على وجه الإنكار. والباب دال على أن النهي عن البكاء على الميت إنما هو إذا كان فيه نوح، وأنه جائز بدونه، فقد أباح عمر لهن البكاء بدونه. وشرط الشارع في حديث المغيرة أنه يُعذب بما نيح عليه. فدل أن البكاء بدونه لا عذاب فيه. وحديث جابر الآتي في الباب بعده دال له؛ لأن زوجته بكت عليه بحضرته. ولم يزد على أكثر من تسليتها بقوله: «إنَّ الملائكة تظله بأجنحتها حَتَّى رفع» (١) فسلَّاها عن حزنها عليه بكرامة الله تعالى له، ولم يقل لها: إنه يعذب ببكائك عليه. وحديث: («من كذب عليَّ متعمدًا»). إلى آخره سلف أول الكتاب (٢) بشرحه مبسوطًا، والكذب حقيقة: الإخبار بالشيء على ما ليس هو به. وشرطت المعتزلة فيه العمدية. والخطاب دال على أن من الكذب ما لم يتعمده قائله ويقع عليه اسم كاذب فهو رد عليهم. ------------- (١) حديث (١٢٩٣). (٢) برقم (١١٠) كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي. ٣٤ - باب ١٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟». فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو -أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو- قَالَ: «فَلِمَ تَبْكِي؟ -أَوْ لَا تَبْكِي- فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ». [انظر: ١٢٤٤ - مسلم: ٢٤٧١ - فتح: ٣/ ١٦٣] كذا ذكره من غير ترجمة، وأسقط التبويبَ كلُّ مَنْ شَرَحَه. ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عن ابن المُنْكَدِرِ، عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جِيءَ بأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ .. الحديث. سلف في باب: الدخول على الميت بعد الموت (١). وقوله: («فلِمَ تبكي» أو «لا تبكي») قَالَ الداودي: هو شك من الراوي. وقوله: («فلِم تبكي») يدل على أنها غائبة؛ لأنه لو خاطبها لقال: تبكين. وقوله: أو «لا تبكي» يدل على أنها مخاطبة؛ لأن الياء لا تثبت مع النهي في الغائبة إلا على بعد، وفي الحديث السالف: «تبكين» أو «لا تبكين» (٢). --------- (١) برقم (١٢٤٤) كتاب: الجنائز. (٢) حديث (١٢٤٤). ٣٥ - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ ١٢٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ اليَامِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ». [١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩ - مسلم: ١٠٣ - فتح: ٣/ ١٦٣] ذكر فيه حديث عبد الله، يعني: ابن مسعود: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ». وهو حديث أخرجه ومسلم أيضًا (١)، وترجم عليه أيضًا: ليس منا من ضرب الخدود (٢). وما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية (٣). ومعنى («ليس منا»): ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد به الخروج من الدين جملة، إذ المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة، اللهم إلا أن يعتقد حلَّ ذلك، وأما سفيان الثوري فقال بإجرائه على ظاهره من غير تأويل؛ لأن إجراءه كذلك أبلغ في الانزجار كما يذكر في الأحاديث التي صيغتها: ليس منا من فعل كذا. وخصَّ الخدود بالضربِ دون سائرِ الأعضاءِ؛ لأنه الواقع منهنَّ عند المصيبة، ولأن أشرف ما في الإنسان الوجه فلا يجوز امتهانه وإهانته بضرب ولا تشويه ولا غير ذلك مما يشينه، وقد أُمِر الضارب باتقاء الوجه (٤). -------------- (١) «صحيح مسلم» (١٠٣) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب. (٢) يأتي الحديث تحته برقم (١٢٩٧). (٣) يأتي الحديث تحته برقم (١٢٩٨). (٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيﷺ - قال: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه. يأتي برقم (٢٥٥٩)، ورواه مسلم (٢٦١٢). والخدود: جمعُ خدٍّ، وليس للإنسان إلا خدَّان، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَأَطرَافَ النَهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] ولما تضمن ضرب الخدود عدم الرضا بالقضاء والقدر، ووجود الجزع، وعدم الصبر وضرب الوجه الذي نهي عن ضربه من غير اقتران مصيبة كان فعله حرامًا مؤكد التحريم. والجيوب: جمع جيب، وهو: ما يشق من الثوب، ليدخل فيه الرأس، وحرم لما فيه من إظهار السخط وإضاعة المال. والجاهلية: ما قبل الإسلام، والمراد بدعواها هنا: ما كانت تفعله عند الموت برفع الصوت ويدخل ذلك تحت الصالقة. وفي حديث آخر: «ودعا بالويل والثبور» (١) فتبين بذلك أنه من دعاء الجاهلية. وفي رواية لمسلم «أو» في الموضعين (٢) وتحمل رواية الواو عليها. قَالَ الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قال: لا ينحن، ولا يشققن، ولا يخمشن وجهًا، ولا ينشرن شعرًا، ولا يدعون ويلًا. وقد نسخ الله تعالى ذلك بشريعة الإسلام وأمر بالاقتصاد في الحزن والفرح وترك الغلو في ذلك، وحَض على الصبر عند المصائب ------------- (١) رواه ابن ماجه (١٥٨٥) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن ضرب الخدود، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ٤٢٧ - ٤٢٨ (٣١٥٦) كتاب: الجنائز، باب: فصل في النياحة ونحوها، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ٤٨٦ (١١٣٤٣) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى عنه بما يصنع على الميت. وقال البوصيري في «الزوائد» ص ٢٣١ (٥٣٦): له شاهد في الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٢٨٩). (٢) «صحيح مسلم» (١٠٣/ ١٦٥) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية. واحتساب أجرها على الله وتفويض الأمور كلها إليه. فقَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦، ١٥٧] فحق على كل مسلم مؤمن أن لا يحزن على ما فات، وأن يحمل نفسه على الصبر إلى الممات، لينال أرفع الدرجات، وهي الصلاة والرحمة والهدى، فهي هداية لمن اهتدى. ٣٦ - باب رِثَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - سَعْدَ ابْنَ خَوْلَةَ ١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَى مَالِي؟ قَالَ: «لَا». فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لَا» ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ -أَوْ كَثِيرٌ- إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ» يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. [انظر: ٥٦ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ٣/ ١٦٤] ذكر فيه حديث سعد بن أبي وقاص قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ .. الحديث في آخره: لكن البَائِسُ سَعْدُ ابن خَوْلَةَ«يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع عشرة من»صحيحه«(١) ------------- (١) سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، سيأتي برقم (٢٧٤٢) كتاب: الوصايا، باب: أن يترك ورثته أغنياء، خير من أن يتكففوا الناس. وبرقم (٢٧٤٤)، وبرقم (٣٩٣٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قوله:»اللهم أمض لأصحابي هجرتهم"، وبرقم (٤٤٠٩) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع. وبرقم (٥٣٥٤) كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل وبرقم (٥٦٥٩) كتاب: المرضى، باب: موضع اليد على المريض، وبرقم (٥٦٦٨) كتاب: المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقول إن وجع، وبرقم (٦٣٧٣) كتاب: = ومسلم والأربعة (١)، والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا ليس من مراثي الموتى، وإنما هو إشفاق منه من موته بمكة بعد هجرته منها وكراهة ما حدث عليه، من ذلك يقول القائل للحي: أنا أرثي لك بما يجري عليك. كأنه يتحزن له، قاله الإسماعيلي، وهو كما قَالَ. وأما حديث ابن أبي أوفى: كان - ﷺ - ينهي عن المرائي. فأخرجه الحاكم وقال: صحيح غريب (٢). وقال ابن أبي صفرة: قوله: (يرثي له رسول الله - ﷺ - أن مات بمكة). من قول سعد في بعض الطرق، وأكثرها أنه من قول الزهري وليس من قول رسول الله - ﷺ -. قَالَ القاضي: ويحتمل أن يكون قوله: (أن مات بمكة). و(يرثي له). من كلام غيره تفسيرًا لمعنى (البائس) إذ روي في رواية: «لكن سعد ابن خولة البائس قد ماتَ في الأرض التي قد هاجَرَ منها» (٣). واختلف في قصة سعد ابن خولة فقيل: لم يهاجر من مكة حَتَّى مات فيها. وقيل: بل هاجر. -أي: الثانية-، وشهد بدرًا -أي: وغيرها- ثم انصرف إلى مكة ومات بها. قاله البخاري، فعلى هذا سبب ترثيه ----------------- = الدعوات، باب: الدعاء برفع الوباء والوجع، وبرقم (٦٧٣٣) كتاب: الفرائض، باب: ميراث البنات. (١) «صحيح مسلم» (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث، وأبو داود (٢٨٦٤) والترمذي (٢١١٦) والنسائي ٦/ ٢٤١، وابن ماجه (٢٧٠٨). (٢) «المستدرك» ١/ ٣٨٣ كتاب: الجنائز. ورواه أيضًا ابن ماجه (١٥٩٢). وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٧٢٤). (٣) «إكمال المعلم» ٥/ ٣٦٧. ![]()
__________________
|
|
#266
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 541 الى صـــ 560 الحلقة (266) سقوط هجرته لرجوعه مختارًا وموته بها، وعلى الأول سببها موته بمكة على أي حال وإن لم يكن باختياره؛ لما فاته من الثواب والأجر الكامل بالموت في دار هجرته. الثاني: سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. واسم والده: مالك، مات سنة خمس وخمسين. وسعد ابن خولة -وقال أبو معشر: ابن خولي- هو زوج سبيعة الأسلمية (١). وخولة: قَالَ ابن التين: عند أهل اللغة والعربية ساكن الواو، وكذلك رواه بعضهم. وقال الشيخ أبو الحسن: ما سمعت قط أحدًا قرأه إلا بفتحها، والمحدثون على ذلك. وقال الشيخ أبو عمران عكس ذلك، واختلف فيه: هل هو من بني عامر بن لؤي صلبة أو مولاهم؟ مات بمكة عند زوجته في حجة الوداع (٢). قاله يزيد بن أبي حبيب. وقال الطبري: وهو من أفراده. كما قَالَ ابن عبد البر: مات في الهدنة التي كانت بين رسول الله - ﷺ - عام الحديبية فخرج سعد مختارًا: لا لحج ولا لجهاد؛ لأنه لم يفرض حجًّا (٣). وأما سعد بن أبي وقاص فإنه خرج حاجًّا، ولو مات فيها لم يكن في معنى سعد ابن خولة الذي رثى له الشارع؛ لأن من خرج لفرض وجب عليه وأدركه أجله فلا حرج عليه، ولا يقال له: بائس، ولا يسمى: تاركًا لدار هجرته، وسيأتي أنه - ﷺ - قَالَ: «إنَّ مَنْ ماتَ بمكةَ فلا يُدفن بها». ------------ (١) انظر: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٣٠٨. (٢) انظر: «معجم الصحابة» ٣/ ٥٠، و«الاستيعاب» ٢/ ١٥٣ - ١٥٤ (٩٣٣)، و«أسد الغابة» ٢/ ٣٤٣ (١٩٨٣). (٣) «الاستيعاب» ٢/ ١٥٤ (٩٣٣). الثالث: هذِه الابنة اسمها: عائشة، كما سيأتي في البخاري (١)، ثم عوفي سعد بعد ذلك وجاءه عدة أولاد ثمانية. الرابع: في ألفاظه: العيادة: الزيارة (٢)، ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، وعام حجة الوداع هي السنة العاشرة من الهجرة، وسميت: حجة الوداع؛ لأنه ودعهم فيها، وتسمى أيضًا: البلاغ؛ لأنه قَالَ: «هل بلغت» (٣)، وحجة الإسلام؛ لأنها الحجة التي تتام فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك، هذا قول الزهري. قَالَ سفيان بن عيينة: كان ذلك يوم فتح مكة، حينئذ عاد - عليه السلام - سعدا (٤). وهو من أفراده، قَالَ البيهقي: خالف سفيان الجماعة فقال: عام الفتح، والصحيح: في حجة الوداع (٥). والوجع: اسم لكل مرض. قَالَ أبو موسى: رويناه بضم الواو على ما لم يسم فاعله، والذي في اللغة وجع على وزن علم (٦)، وكذلك هو في رواية أخرى (٧)، ومعنى -------------- (١) سيأتي برقم (٥٦٥٩) كتاب: المرضى، باب: وضع اليد على المريض، والحديث في «صحيح مسلم» برقم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث ولم يصرح فيها بالابنة وإنما ذكر بقوله: عن ثلاثة من ولد سعد. (٢) انظر: «الصحاح» ٢/ ٥١٤، و«لسان العرب» ٥/ ٣١٥٩. (٣) انظر ما سيأتي برقم (١٧٤١). (٤) رواه البيهقي ٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩ كتاب: الوصايا، باب: الوصية بالثلث. (٥) «السنن الكبرى» ٦/ ٢٦٩. (٦) انظر: «الصحاح» ٣/ ١٢٩٤، و«لسان العرب» ٨/ ٤٧٧٢. (٧) ستأتي برقم (٣٩٣٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي - ﷺ - «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم». اشتد بي: قَوِي، وفي رواية: أشفيت منه على الموت (١). أي: قاربت، ولا يقال: أشفي إلا في الشر بخلاف أشرف وقارب. وقوله: (ولا يرثني إلا ابنة). أي: من الولد وخواص الورثة، وإلا فقد كان له عصبة. وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها. وقيل غير ذلك. وقوله: (فأتصدق -وفي نسخة: أفاتصدق- بثلثي مالي؟) يحتمل أن يريد به منجزًا ومعلقًا بما بعد الموت. وفي رواية للبخاري تأتي: فأوصي. بدل: فأتصدق (٢). وقوله: (بالشطر). أي: النصف. بدليل رواية البخاري الآتية: فأوصي بالنصف (٣). وقوله: («الثلث والثلث كثير») يجوز في الثلث الأول نصبه ورفعه. وقوله: «كثير» أو «كبير» أي: بالثاء المثلثة أو بالباء الموحدة. وقوله: («والثلث كثير»)، قَالَ الشافعي: يحتمل أن يكون معناه: كثير أي: (غير) (٤) قليل (٥)، وهذا أولى معانيه كما قَالَ. وقوله: («أن تذر») بفتح الهمزة وكسرها (٦). -------- (١) انظر التخريج السالف. (٢) سيأتي برقم (٥٦٥٩) كتاب: المرضى، باب: وضع اليد على المريض. (٣) انظر: التخريج السابق. (٤) في الأصل: عن. (٥) «الأم» ٤/ ٣٠. (٦) ورد بهامش الأصل: قال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وقال لنا عبد الله بن أحمد النحوي: إنما هو بالفتح ولا يجوز الكسر؛ لأنه لا جواب له. وكذا قال القرطبي: روايتنا الفتح، ووهم من كسرها من (أن) جعلها شرطًا إذ لا جواب له، ويبقى خبر لا رافع له. «المفهم» ٤/ ٥٤٥. والعاله: الفقراء، جمع عائل. وقيل: العيل والعاله: الفاقة، وقيل: العائل: الكثير العيال (١). وحكاه الكسائي، وليس بالمعروف في اللغة كما قاله ابن التين. ومعنى «يتكففون الناس»: يسألون الصدقة بأكفهم. وقوله: («لعلك أن تخلَّف») إلى آخره المراد بتخلفه طول عمره، وكان كذلك، عاش زيادة على أربعين سنة (٢) فانتفع به وضرر به آخرون، قتل الكفار وسبى وغنم، وقيل: إن عبيد الله بن زياد أمَّر ابنه عمر على الجيش الذين لقوا الحسين فقتلوه، حكاه ابن التين. وقال ابن بطال: لما أُمر سعد على العراق أتي بقوم ارتدوا فاستتابهم، فتاب بعضهم وأصر بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب وتضرر به الآخرون (٣). وحكى الطحاوي هذا عن بكير بن الأشج، عن أبيه عامر أنه سأله عن معنى قول النبي - ﷺ - ذلك، وأن المرتدين كانوا يسجعون سجع مسيلمة، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف (٤). قَالَ بعض العلماء من أهل المعرفة: (العل) معناها الترجي، إلا إذا وردت عن الله ورسله وأوليائه، فإن معناها: التحقيق، ومعنى إمضاء هجرتهم: إتمامها لهم من غير إبطال، فيرجعون إلى المدينة. --------- (١) انظر: «الفائق» ٣/ ٤٠، و«النهاية في غريب الحديث» ٣/ ٣٢١، و«لسان العرب» ٥/ ٣١٧٦. (٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: توفي سعد بن أبي وقاص سنة ٥٥. قاله في «الكاشف». (٣) «شرح ابن بطال» ٨/ ١٤٥. (٤) «مشكل الآثار» ١٣/ ٢٢٢. ومعنى «ولا تردهم على أعقابهم» أي: بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية، فيخيب قصدهم ويسوء حالهم، ويقال لكل من رجع إلى حال دون ما كان عليه: رجع على عقبه وحار، ومنه الحديث: «أعوذ بك من الحور بعد الكور» (١) أي: من النقصان بعد الزيادة. والبائس: الذي عليه أثر البؤس، وهو الفقر والقلة. قَالَ الأصيلي: البائس: الذي ناله البؤس، وقد يكون بمعنى: مفعول كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي: مرضية. ومعنى: يرثي: يتوجع ويسوؤه ما فعل بنفسه، وذلك أنها دار هجروها لله، فأحب أن يكون محياهم ومماتهم بغيرها؛ لئلا يكون ذلك عودًا فيما تركوه لله، وقد جرت السنة أن يحفظ على الميت شعار القرب كما قلنا في الشهيد والمحرم، ولو كان نقل الميت من موضع إلى موضع جائزًا لنقله إلى موضع هجرته، وقد روى الطبراني في «معجمه الكبير» أنه - ﷺ - أمر إن مات سعد في مرضه هذا أن يخرج من مكة وأن يدفن في طريق المدينة (٢). وفي «مسند أحمد» أنه - ﷺ - قَالَ: «يا عمرو (القاري) (٣): إنْ مات سعد بعدي فها هنا فادفنه نحو طريق المدينة». وأشار بيده هكذا (٤)، وقد أسلفنا أنه إنما رثى له؛ لأنه مات ولم يهاجر، وهو غلط، بل -------- (١) رواه مسلم من حديث عبد الله بن سرجس رقم (١٣٤٣) كتاب: الحج، باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره. (٢) أورده الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢١٢ - ٢١٣، وقال: رواه أحمد والطبراني، وفيه: عياض بن عمرو القاري، لم يجرحه أحد ولم يوثقه. ولم أقف عليه في المطبوع من «المعجم الكبير» فلعله من المفقود. (٣) في الأصل: الداري، والمثبت من «مسند أحمد». (٤) «مسند أحمد» ٤/ ٦٠. أسلم وهاجر، وهو بدري كما عده البخاري فيهم (١)، وشهد أيضًا أُحدًا والخندق والحديبية، وإنما رثى له؛ لأنه هاجر ولم يصبر على هجرته حَتَّى يموت في البلد الذي هاجر إليه، ولكنه مات في البلد الذي هاجر منه لغير ضرورة، ولهذا قَالَ عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ووفاة ببلد رسولك (٢)؛ لأنه حرم على المهاجر الرجوع إلى وطنه الذي هجره لله؛ ولذلك قَالَ - ﷺ -: «يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا» (٣)، وكان عثمان وغيره لا يطوف طواف الوداع (٤) إلا ورواحلهم قد رحلت. وقيل: إنما مات بمكة في حجة الوداع ورثى له؛ لأن من هاجر من بلده يكون له نور الهجرة من الأرض التي هاجر منها إلى الأرض التي هاجر إليها إلى يوم القيامة، فحرم ذلك النور لما مات بمكة. الخامس: في فوائده: وقد وصلتها في «شرح العمدة» (٥) زيادة على عشرين ونذكرها هنا ملخصة. فيه: استحباب عيادة المريض، وعيادة الإمام أصحابه وأنها مستحبة في السفر كالحضر وأولى، وجواز ذكر المريض ما يجده من شدة ------------ (١) انظر ما ذكره البخاري بعد حديث (٤٠٢٧) باب: تسمية من سمي من أهل بدر. من كتاب: المغازي. (٢) سيأتي برقم (١٨٩٠) باب: كراهية النبي أن تعرى المدينة. (٣) سيأتي برقم (٣٩٣٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: وفي بعض طرق هذا الصحيح وفي حجة الوداع فاعلمه. (٥) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٨/ ٢١ - ٤٦. المرض لا في معرض السخط والشكوى، بل لمداواة وعلاج أو دعاء صالح أو وصية، أو استفتاء عن حاله، ولا يكون ذلك قادحًا في خيره وأجر مرضه، وإباحة جمع المال. وفي رواية لمسلم: إن لي مالًا كثيرًا (١). واستحباب الصدقة لذوي الأموال، ومراعاة الوارث في الوصية وتخصيص جواز الوصية بالثلث، خلافًا لأهل الظاهر، وشذ من قَالَ: إن الثلث إنما هو لمن ليس له وارث يستوفي تركته. ومن قَالَ: إنه إذا لم يكن له ورثة يضع جميع ماله حيث شاء، وإليه ذهب إسحاق، وحكي عن ابن مسعود (٢). وذهب بعضهم إلى أنه ينقص عن الثلث، وهو الأحسن في الرافعي و«الروضة» (٣). قَالَ ابن عباس: الثلث حيف، والربع حيف. وقال الحسن: السدس أو الخمس أو الربع (٤). وقال إسحاق: الربع، إلا أن يكون في ماله شبهة فله استغراق الثلث. وقال الشافعي: إذا ترك ورثته أغنياء لم يكن له أن يستوعب الثلث، وإذا لم يدعهم أغنياء اخترتُ له أن لا يستوعبه (٥). وأوصى أنس بمثل نصيب أحد ولده، وأوصى عمر با لربع (٦)، والصديق بالخمس، وقال: رضيت لنفسي بما رضي الله لنفسه. يعني: خمس الغنيمة (٧). ------------ (١) «صحيح مسلم» (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ٢٢٧ (٣٠٨٩٤) كتاب: الوصايا، باب: من رخص أن يوصي بماله كله. (٣) «العزيز» ٧/ ٤١، «روضة الطالبين» ٦/ ١٢٢. (٤) انظر «الاستذكار» ٢٣/ ٣٤. (٥) «الأم» ٤/ ٣٠. (٦) رواه عبد الرزاق ٩/ ٦٦ - ٦٧ (١٦٣٦٣) كتاب: الوصايا، باب: كم يوصي الرجل من ماله، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٣٥٧. (٧) رواه عبد الرزاق ٩/ ٦٦ - ٦٧ (١٦٣٦٣). وفيه: أن الثلث في الوصايا في حد الكثرة. وقد اختلفت المالكية في مسائل، ففي بعضها جعلوه داخلًا في حد الكثرة بالوصية لقوله - عليه السلام -: «والثلث كثير» وفيه بحث، وقد أجمع العلماء في الأعصار المتأخرة على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بما زاد على الثلث إلا بإجازته (١)، وشذ بعض السلف في ذلك، وهو قول أهل الظاهر، فمنعوها وإن أجازها الورثة (٢)، وأما من لا وارث له فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا تصح وصيته فيما زاد على الثلث (٣)، وجوزه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق، وأحمد في رواية (٤). وفيه: أن طلب الغنى للورثة راجح على تركهم عالة، ومن هذا الوجه أخذ ترجيح الغني على الفقير. وحديث: «ثلاث كيات للذي خلف ثلاثة دنانير» (٥) لا بد من تأويله، وأوله أبو حاتم بن حبان بأنه كان يسأل الناس إلحافًا وتكثرًا، ومن هنا استحب النقص من الثلث (٦). وفيه: الحث على صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة ----------- (١) انظر: «الإجماع لابن المنذر» ص ١٠٠. (٢) «المحلى» ٩/ ٣١٧. (٣) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٠٨، «البيان» ٨/ ١٥٦، «الشرح الكبير» ١٧/ ٢١٧. (٤) انظر: «أحكام القرآن للجصاص» ٢/ ١١٢، «الشرح الكبير» ١٧/ ٢١٦ - ٢١٧. (٥) سيأتي برقم (٢٢٨٩) كتاب: الحوالات، باب: إن أحال دين الميت على رجل جاز، مختصرًا دون لفظ: «ثلاث كيات»، وروى هذا الحديث بتمامه النسائي ٤/ ٦٥ كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على من عليه دين، وأحمد ٤/ ٤٧، وابن حبان في «صحيحه» ٨/ ٥٤ - ٥٥ (٣٢٦٤) كتاب: الزكاة، باب: الوعيد لمانع الزكاة، والطبراني ٧/ ٣١ - ٣٢ (٦٢٩٠)، والبيهقي ٦/ ٧٢ كتاب: الضمان، باب: وجوب الحق بالضمان، كلهم من حديث سلمة بن الأكوع. (٦) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٥٥. القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد، وأن الإخلاص شرط في الثواب والإنفاق في وجوه الخير، وأن المباح بالنية يصير قربة، فإن وضع اللقمة في فم الزوجة إنما يكون عادة عند ملاعبتها وتسلية من كره حالة يخالف ظاهرها الشرع ولا سبب له فيها، وأن الإنسان قد يكون له مقاصد دينية فيقع في مكاره تمنعه منها فيخلص منها بالرجاء وسؤال الرب ﷻ إتمام العمل على وجه لا يدخله نقص، وفضيلة طول العمر للازدياد من العمل الصالح، وجواز تخصيص عموم الوصية المذكورة في القرآن بالسنة، وهو قول الجمهور. وفيه: معجزات ظاهرة لرسول الله - ﷺ - في قوله لسعد من طول عمره وفتح البلاد وانتفاع أقوام وضر آخرين ومنقبة ظاهرة لسعد، وفضائل عديدة منها: مبادرته إلى الخيرات، وكمال شفقته - ﷺ -، وتعظيم أمر الهجرة. وفيه: أنه - ﷺ - لم يأمر سعدًا بالوصية للأقربين بعد أن أخبره أنه لا يرثه إلا ابنة، ولو كانت آية الوصية للأقربين غير منسوخة لأمره به، فدل على أنها لا تجب، والذي عليه عامة العلماء أنها منسوخة. وقال الشعبي والنخعي: إنما كانت على وجه الندب؛ لأن الشارع مات ولم يوص، ودخل عليُّ على مريض فأراد أن يوصي، فنهاه، وقال: الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وأنت لم تدع مالًا فدع مالك لأهلك وغير ذلك (١). ----------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ٢٣٠ (٣٠٩٣٦)، كتاب الوصايا، باب: في الرجل يكون له المال الجديد القليل، أيوصي فيه؟، والحاكم ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤ كتاب: التفسير. وهذِه خواتم نختمه بها: الأولى: هذا الحديث في مسلم: إني خفت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها. فقال: «اللهم اشف سعدًا». ذكره ثلاثًا، وفيه: «إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة» (١) وللحاكم وقال: على شرط الشيخين، فوضع يده على جبهتي ثم مسح صدري وبطني، ثم قَالَ: «اللهم اشف سعدًا وأتمم له هجرته» (٢). الثانية: هذا الحديث رواه البخاري هنا من طريق مالك عن الزهري، وأخرجه الأربعة من طريق ابن عيينة عن الزهري (٣). قَالَ الطحاوي: روى عن ابن عيينة هذا الحديث بما يقضي له على مالك (٤). ثالثها: قَالَ ابن عبد البر: وهو حديث اتفق أهل العلم على صحة سنده، وجعله جمهور الفقهاء أصلًا في مقدار الوصية، وأنه لا يتجاوز بها الثلث، إلا أن في بعض ألفاظه اختلافًا عند نقلته، فمن ذلك ابن عيينة قَالَ فيه عن الزهري: عام الفتح. انفرد بذلك عن ابن شهاب فيما علمت، وقد رويناه من طريق معمر وجماعات عددهم، عن ابن شهاب: عام حجة الوداع. قَالَ ابن المديني: الذين قالوا: حجة الوداع. أصوب (٥). ----------- (١) «صحيح مسلم» (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث. (٢) «المستدرك» ١/ ٣٤٢ كتاب: الجنائز، باب: ثواب عيادة المريض. (٣) «سنن أبي داود» (٢٨٦٤) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء فيما يجوز للموصي في ماله و«سنن الترمذي» (٢١١٦) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الوصية بالثلث، و«سنن النسائي» ٦/ ٢٤١ - ٢٤٢ كتاب: الوصايا، باب: الوصية بالثلث، و«سنن ابن ماجه» (٢٧٠٨) كتاب: الوصايا، باب: الوصية بالثلث. (٤) «تحفة الأخيار بترتيب مشكل الآثار» ٦/ ١٦١ كتاب: المواريث والوصية والهبة، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من قوله لسعد لما عاده في مرضه. (٥) «التمهيد» ٨/ ٣٧٥ - ٣٧٦. رابعها: قَالَ القرطبي: وقوله: («ورثتك») دلالة على أنه كان له ورثة غير الابنة المذكورة (١). قلتُ: ليس صريحًا فيه. خامسها: جاء في «الصحيح»: أخلف بعد أصحابي (٢). أي: أخلف بمكة بعد أصحابي المهاجرين المنصرفين معك. قاله أبو عمر. قَالَ: ويحتمل أن يكون لما سمع الشارع يقول: «إنك لن تنفق نفقة» وتنفق: فعل مستقبل، أيقن أنه لا يموت من مرضه ذاك أو ظنه فاستفهمه، هل يبقى بعد أصحابه؟ فأجابه بضرب من قوله: «لن تنفق نفقة تبتفي بها وجه الله». وقوله: («إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا ..») إلى آخره (٣). وقال القرطبي: هذا الاستفهام إنما صدر من سعد مخافة المقام بمكة إلى الوفاة فيكون قادحًا في هجرته، كما جاء في بعض الروايات: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها. فأجابه - ﷺ - بأن ذلك لا يكون وإن طال عمره (٤). وقال القاضي عياض: حكم الهجرة باق بعد الفتح لهذا الحديث (٥). وقيل: إنما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده فلا، وأبعد من قَالَ: إن وجوب الهجرة واستدامتها قد ارتفع يوم الفتح، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة؛ لنصرته - ﷺ - والأخذ ---------------- (١) «المفهم» ٤/ ٥٤٥. (٢) سيأتي برقم (٣٩٣٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي - ﷺ -: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم». (٣) «التمهيد» ٨/ ٣٨٧. (٤) «المفهم» ٤/ ٥٤٧. (٥) «إكمال المعلم» ٥/ ٣٦٥. عنه، فلما مات ارتحل أكثرهم عنها، وتأولوا بما تقدم؛ لأن ذلك إنما كان مخافة نقص أجورهم، وقد يجاب بأن خروجهم لأجل الجهاد وإظهار الدين. وقيل: لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة -شرفها الله- إذا كان لضرورة دون الاختيار، وقال قوم: المهاجر بمكة يحبط هجرته كيفما كان. وقيل: لم تفرض الهجرة إلا على أهل مكة خاصة. وقال القرطبي: من نقض الهجرة خاف المهاجرون حيث تحرجوا من مقامهم بمكة -شرفها الله- في حجة الوداع، وهذا هو الذي نقمه الحجاج على أبي ذر لما ترك المدينة ونزل الربذة وقال: تغربت يا أبا ذر، فأجابه بأن قَالَ: إن النبي - ﷺ - أذن لي في البدو (١). انتهى. وقوله: (أبو ذر). صوابه سلمة بن الأكوع، فإن أبا ذر مات قبل أن يولد الحجاج بدهر، وعلى تقدير صحته فنزول الربذة لا يقدح؛ لأنه لم يهاجر منها. -------------- (١) «المفهم» ٤/ ٥٤٨. ٣٧ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ ١٢٩٦ - وَقَالَ الحَكَمُ بْنُ مُوسَى: ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ: قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ. [مسلم: ١٠٤ - فتح: ٣/ ١٦٥] هذا التعليق أسنده مسلم إلى الحكم بن موسى. ورواه عنه أبو يعلى في «مسنده» والحسن بن سفيان، واعتذر ابن التين عن البخاري كونه لم يسنده بأنه لا يخرج للقاسم بن مخيمرة، وزعم بعضهم أنه لا يخرج للحكم أيضًا إلا هذا غير محتج بهما، وإن كان الدارقطني ذكرهما فيمن خرج له البخاري، فإن غيره قيد، وكأنه الصواب، وامرأة أبي موسى: هي أم عبد الله (م. د. س) بنت أبي دومة، كذا ذكر في كتاب النسائي. وخرجه مسلم أيضًا عن الحلواني، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن أبي موسى مرفوعًا. قَالَ القاضي عياض: يرويه عن شعبة موقوفًا ولم يرفعه عن عبد الصمد. ------------ «صحيح مسلم» (١٠٤) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية. رواه من طريق أبي يعلى ابن حبان في «صحيحه» ٧/ ٤٢٣. «سنن النسائي» ٤/ ٢١ كتاب: الجنائز، باب: شق الجيوب. «صحيح مسلم» (١٠٤) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب. «إكمال المعلم» ١/ ٣٧٦. قلتُ: ذكر الدارقطني أن البخاري رفعه أيضًا عن عبد الملك، قَالَ ذلك أبو ظفر عن البخاري. قَالَ: والموقوف عن عبد الملك أثبت. والحجْر: بفتح الحاء وكسرها، ذكره ابن سيده في «مثلثه» (١). والصَّالِقَة -بالصاد والسين- التي ترفع صوتها عند المصيبة بالولولة (٢). والحَالِقَة: التي تحلق رأسها عند المصيبة (٣). والشَّاقَّة: التي تشق ثوبها وجيبها عندها. وأصل البراء: الانفصال، وهو يحتمل أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذِه الأمور. وقال المهلب: (برئ منه). أي: لم يرض بفعله، فهو منه بريء في وقت ذلك الفعل لا أنه بريء من الإسلام. أما حكم الباب: فالحلق عند المصيبة حرام، كالندب والنياحة، ولطم الخدود، وشق الجيب، وخمش الوجه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل والثبور، ومن وقع في لفظ الكراهة فالمراد بها التحريم. وقوله: (أنا بريء ممن بَرئ منه رسول الله - ﷺ -). يعني: بريء من فعلها كما قَالَ حين بلغه قتل خالد قومًا قالوا: صبأنا، صبأنا، «أبرأ إليك مما صَنَعَ خالد» (٤)، والمؤمن لا تجب البراءة منه بالذنوب إلا أن يرتد، والعياذ بالله. --------------- (١) كذا في الأصل، ولعله ابن السيد البطليوسي صاحب «المثلث» انظر «المثلث» ١/ ٤٣٨. (٢) انظر: «لسان العرب» ٤/ ٢٤٨٤. (٣) انظر: «لسان العرب» ٢/ ٩٦٦. (٤) سيأتي برقم (٤٣٣٩) كتاب: المغازي، باب: بعث النبي - ﷺ - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة. ٣٨ - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ ١٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ». [انظر: ١٢٩٤ - مسلم: ١٠٣ - فتح: ٣/ ١٦٦] فيه حديث: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ». وقد سلف (١)، وكذا الباب بعده. ---------------- (١) برقم (١٢٩٤) كتاب: الجنائز، باب: ليس منا من شق الجيوب. ٣٩ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الوَيْلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَةِ ١٢٩٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ». [انظر: ١٢٩٤ - مسلم: ١٠٣ - فتح: ٣/ ١٦٦] ذكر فيه الحديث المذكور، وقد عرفته. وفي بعض نسخ البخاري: قَالَ أبو عبد الله: ليس من سنتنا. وقد تقدم التأويل بذلك. ٤٠ - باب مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ ١٢٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ -شَقِّ البَابِ- فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ: انْهَهُنَّ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ: وَاللهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: «فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ». فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنَ العَنَاءِ. [١٣٠٥، ٤٢٦٣ - مسلم: ٩٣٥ - فتح: ٣/ ١٦٦] ١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ٣/ ١٦٧] ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَتْلُ زيد بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ، شَقِّ البَابِ .. الحديث. وحديث أنس: قَنَتَ رَسُولُ الله - ﷺ - شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ. حديث أنس سلف في القنوت (١)، وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وقتل زيد بن حارثة وصاحباه في غزوة مؤتة -بالهمز وتركه- بالبلقاء من أرض الشام في جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة ثمان. ------------- (١) برقم (١٠٠١) كتاب: الوتر. (٢) «صحيح مسلم» (٩٣٥) كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة. فالتقوا مع هرقل على القرية المذكورة في جموعه. يقال: مائة ألف غير من انضم إليهم من المستنفرة، فقتل هؤلاء، ثم اتفق المسلمون على خالد ففتح الله له فقتلهم، وقدم البشير إلى رسول الله - ﷺ -، وكان - ﷺ - أخبرهم بذلك قبل قدومه. وكان هؤلاء الثلاثة من أحب الناس إليه. قَالَ لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي» (١) وقال أخرى: «لا أدري أفرح بقدوم جعفر أو بفتح خيبر» (٢). وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» (٣) «وإنه لمن أحب الناس إليَّ ولقد كان خليقًا للإمارة» (٤)، وكان ابن رواحة أحد النقباء واحد شعراء رسول الله - ﷺ - الذين يدافعون عنه. وقال فيه: «أن أخًا لكم لا يقول الرفث» (٥). وقوله: (صائر). قيل: صوابه: صير -بكسر أوله وإسكان ثانيه- أي: شقه -بفتح الشين- وهو الموضع الذي ينظر منه كالكوة (٦)، ----------- (١) سيأتي برقم (٢٦٩٩) كتاب: الصلح، باب: كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان. (٢) رواه بن أبي شيبة عن الشعبي ٦/ ٣٨٤ (٣٢١٩٦) كتاب: الفضائل، باب: ما ذكر في جعفر بن أبي طالب، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٨١، وله شاهد من حديث عمر بن علي، رواه الحاكم ٣/ ٢٠٨ كتاب: معرفة الصحابة، وله شاهد من حديث أبي جحيفة عن أبيه، رواه الطبراني ٢٢/ ١٠٠ (٢٤٤)، ورواه أيضًا في «المعجم الأوسط» ٢/ ٢٨٧ (٢٠٠٣) وقال: لا يروي هذا الحديث عن مسعر إلا مخلد، تفرد به: الوليد بن عبد الملك، وقال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٢٧١ - ٢٧٢: رواه الطبراني في الثلاثة وفي رجال «الكبير» أنس بن سالم، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. (٣) سيأتي برقم (٢٦٩٩). (٤) سيأتي برقم (٣٧٣٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب زيد بن حارثة مولى النبي - ﷺ -. (٥) سلف برقم (١١٥٥) كتاب: التهجد، باب: فضل من تعار من الليل فصلى. (٦) انظر: «لسان العرب» ٤/ ٢٣٠٠، ٢٥٣٦. وليس يريد: (أنظر من شق الباب) بالكسر؛ لأن الشق: الناحية ولم يرد ذلك، وكون نساء جعفر لم يطعن الناهي؛ إما لأنهن لم يصرح لهن بنهي الشارع، فظنن أنه كالمحتسب في ذلك؛ أو لأنهن غلبن على أنفسهن لحرارة المصيبة. وقوله: («فاحث») روي بكثر الثاء وضمها؛ لأنه من حثى يحثي ويحثو (١). وتأوله بعضهم على أن البكاء كان معه نوح، فلذلك نهاهن. وقال بعضهم: كان من غير نوح؛ لأنه يبعد أن الصحابيات يتمادين على محرم، والنهي عن البكاء المجرد للتنزيه أو للأدب لا للتحريم. والعناء -بالمد- المشقة والتعب. وللعذري عند مسلم: من الغي -بغين معجمة وياء مشددة- وهو ضد الرشد. وللطبري مثله إلا أنه بالعين المهملة المفتوحة، ولبعضهم بكسرها وكلاهما وهم، والصواب الأول، ولم ترد عائشة الاعتراض على رسول اللهﷺ -، وإنما أرادت: إنك لا تقدر على فعل ما أمرك به، وما تركته من التعب. قَالَ القرطبي: ولم يكن أمره للرجل بذلك ليفعله بهن، ولكن على طريق أن هذا يسكنهن إن فعلته، فافعله إن أمكنك وهو لا يمكنك. وفيه دليل على أن المنهي عن المنكر إن لم ينته عوقب وأدب إن أمكن (٢). وقوله: (جلس يعرف فيه الحزن)، إنما هو لما جعل الله تعالى فيه من الرحمة بأمته وحزن عليهم؛ لأنهم أئمة المسلمين، وهذا الحديث أسهل ما جاء في معنى البكاء (٣). -------------- (١) انظر: «الفائق في غريب الحديث» ١/ ٢٦٠. (٢) «المفهم» ٢/ ٥٨٩. (٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ خامسًا كتبه مؤلفه غفر الله له. قَالَ الطبري: إن قَالَ قائل: إن أحوال الناس في الصبر متفاوتة، فمنهم من يظهر حزنه على المصيبة في وجهه بالتغير له، وفي عينيه بانحدار الدموع. ولا ينطق بالسيئ من القول، ومنهم من يظهر ذلك في وجهه وينطق بالهجر المنهي عنه، ومنهم من يجمع ذلك كله ويزيد عليه إظهاره في مطعمه وملبسه، ومنهم من يكون حاله في حال المصيبة وقبلها سواء. فأيهم المستحق اسم الصبر؟ قيل: قد اختلف السلف في ذلك فقال بعضهم: المستحق لاسم الصبر هو الذي يكون في حالها مثله قبلها، ولا يظهر عليه حزن في جارحة ولا لسان. قَالَ غيره -كما زعمت الصوفية-: إن الولي لا تتم له ولاية إلا إذا تم له الرضا بالقدر، ولا يحزن على شيء، والناس في هذا الحال مختلفون، فمنهم من في طبعه الجلد وقلة المبالاة بالمصائب، ومنهم من هو بخلاف ذلك، فالذي يكون في طبعه الجزع ويملك نفسه ويستشعر الصبر أعظم أجرًا من الذي الجلد طباعه. قَالَ الطبري: كما روي عن ابن مسعود أنه لما نعي له أخوه عتبة قَالَ: لقد كان من أعز الناس عليّ وما يسرني أنه بين أظهركم اليوم حيًّا. قالوا: وكيف وهو من أعز الناس عليك؟ قَالَ: (والله) (١) إني لأؤجر فيه أحب إليَّ من أن يؤجر فيَّ. وقال ثابت: إن صلة بن أشيم مات أخوه، فجاءه رجل وهو يطعم، فقال: يا أبا الصهباء، إن أخاك قد مات. قَالَ: هلم فكل، قد نعي لنا إذًا فكل. قَالَ: والله ما سبقني إليك أحد، فمن نعاه؟ قَالَ: بقول الله -عز وجل-: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (٢) [الزمر: ٣٠]. ---------------- (١) من (م). (٢) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٧/ ١٣٧، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩. ![]()
__________________
|
|
#267
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 561 الى صـــ 580 الحلقة (267) وقال الشعبي: كان شريح يدفن جنائزه ليلًا يغتنم ذلك، فيأتيه الرجل حين يصبح، فيسأله عن المريففيقول: هدأ، لله الشكر، وأرجو أن يكون مستريحًا (١). أخذه من قصة أم سليم. وكان ابن سيرين يكون عند المصيبة كما هو قبلها يتحدث ويضحك، إلا يوم ماتت حفصة فإنه جعل يكشر وأنت تعرف في وجهه (٢). وسئل ربيعة: ما منتهى الصبر؟ قَالَ: أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه (٣). وقال آخرون: الصبر المحمود هو ترك العبد عند حدوث المكروه عليه وصفه وبثه للناس، ورضاه بقضاء ربه وتسليمه لأمره. وأما جزع القلب، وحزن النفس، ودمع العين، فإن ذلك لا يخرج العبد عن معاني الصابرين، إذا لم يتجاوزه إلى ما لا يجوز له فعله؛ لأن نفوس بني آدم مجبولة على الجزع من المصائب. وقد مدح الله الصابرين ووعدهم جزيل الثواب عليه، والثواب إنما هو على ما اكتسبوه من أعمال الخير، دون ما لا صنع لهم فيه، وتغير الأجساد عن هيئاتها، ونقلها عن طباعها الذي جبلت عليه لا يقدر عليه إلا الذي أنشأها. والمحمود من الصبر ما أمر الله به، وليس فيما أمر به تغيير جبلته عما خلقت به. والذي أمر به عند نزول النبلاء الرضا بقضائه، والتسليم لحكمه، وترك شكوى ربه، وبذلك فعل السلف. قَالَ ربيعة بن كلثوم: دخلنا على الحسن وهو يشتكي ضرسه، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٤). ------------- (١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢ (٦٥٥٧، ٦٥٥٨) كتاب: الجنائز، باب: الدفن بالليل. ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٦/ ١٤٤. (٢) رواه البيهقي في «الشعب» ٧/ ٢٤٥ (١٠١٧٦) باب: في الصبر على المصائب. (٣) روه أبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٦٢. (٤) رواه البيهقي في «الشعب» ٧/ ٢١٧ (١٠٠٦٤) باب: في الصبر على المصائب. وروى المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا: قَالَ: «قَالَ الله -عز وجل-: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عُوَّاده أنشطته من عقالي، وبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ويستأنف العمل» (١). ---------- (١) رواه الحاكم ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩، والبيهقي في «السنن» ٣/ ٣٧٥، وفي «الشعب»٧/ ١٨٧ - ١٨٨ (٩٩٤٣) من طريق علي بن المديني عن أبي بكر الحنفي عن عاصم بن محمد بن زيد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، به. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال البيهقي في «الشعب» ٧/ ١٨٧: إسناده صحيح. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٧٢). فائدة حديثية: قال البيهقي: زعم بعض الحفاظ أن مسلمًا أخرج هذا الحديث في كتابه عن القواريري عن أبي بكر الحنفي، ثم اعترض عليه بأن هذا الحديث إنما يروى عن عاصم عن عبد الله بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، كذلك رواه قرة بن عيسى عن عاصم. ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه أو جده عن أبي هريرة، وعبد الله بن سعيد شديد الضعف، وقد نظرت في كتاب مسلم -رحمه الله- فلم أجد هذا الحديث، ولم يذكره أيضًا أبو مسعود الدمشقي في تعليق الصحيح. اهـ «الشعب» ٧/ ١٨٨. لكن تعقب أبو الفضل بن عمار الشهيد فيما استدركه على كتاب مسلم من الأحاديث المعللة، فقال: ووجدت فيه عن القواريري عن أبي بكر الحنفي، عن عاصم بن محمد العمري، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة .. وساقه. ثم قال: وهذا حديث منكر، وإنما رواه عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه، وعبد الله بن سعيد شديد الضعف. ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهو حديث يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد. اهـ. «علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج» ص ١١٧ - ١١٩. ذكر ذلك الحافظ في «إتحاف المهرة» ١٥/ ٤٦٧ - ٤٦٨ (١٩٧٠٧)، وفي «النكت الظراف» ١٠/ ٣٠١ وأفاد فيه أن البيهقي يعني بقوله بعض الحفاظ: ابن عمار الشهيد. = وقال طلحة بن مصرف: لا تشك ضرك ولا مصيبتك. قَالَ: وأنبئت أن يعقوب بن إسحاق عليهما السلام دخل عليه جاره فقال: يا يعقوب، ما لي أراك قد تهشمت وفنيت ولم تبلغ من السنن ما بلغ أبوك؟ قَالَ: هشمني ما ابتلاني الله من يوسف، فأوحى الله تعالى إليه: أتشكوني إلى خلقي؟! قَالَ: يا رب، خطيئة فاغفرها لي. قَالَ: قد غفرتها لك. فكان بعد ذلك إذا سئل قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: ٨٦] الآية (١). وقد توجع الصالحون على فقد سيدنا رسول الله - ﷺ -، وحزنوا له أشد الحزن. قَالَ طاوس: ما رأيت خلقًا من خلق الله أشد تعظيمًا لمحارم الله من ابن عباس، وما ذكرته قط فشئت أن أبكي إلا بكيت، ورأيت على خديه مثل الشراكين من بكائه على رسول الله - ﷺ - (٢). وقال أبو عثمان: رأيت عمر بن الخطاب لما جاءه [نعي] (٣) النعمان بن مقرن وضع يده على رأسه وجعل يبكي (٤)، ولما مات سعيد بن الحسن بكى عليه الحسن حولًا فقيل له: يا أبا سعيد، تأمر بالصبر وتبكي؟! قَالَ: الحمد لله الذي جعل هذِه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها ------------ = والحديث ذكره الحافظ ابن رجب في «شرح علل الترمذي» ٢/ ٧٦٨ - ٧٦٩ وعزاه لمسلم في «صحيحه». وذكر ذلك الألباني في «الصحيحة» ١/ ٥٥٠ ووهَّم الحافظ ابن رجب في عزوه الحديث لمسلم!. (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٧/ ٢٨١ - ٢٨٢ (١٩٧٢٦). (٢) رواه أحمد بن حنبل في «فضائل الصحابة» ٢/ ١٢٠٤ (١٨٣٧) وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٣٢٩. (٣) زيادة يقتصها السياق ليتضح المعنى وانظر «الآحاد والمثاني» ٢/ ٣٠٦. (٤) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ٤٨ (١١٩٨٠) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل ينتهي إليه نعي الرجل ما يقول. بعضهم بعضًا بدمع العين، وبحزن القلب، وليس ذلك من الجزع، إنما الجزع ما كان من اللسان واليد، الحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالًا عليه، وقد بكى عليه حَتَّى ابيضت عيناه من الحزن (١). وقال يحيى بن سعيد: قلتُ لعروة: إن ابن عمر يشدد في البكاء على الميت، فقال: قد بكى على أبيه، وبكى أبو وائل في جنازة خيثمة. فهؤلاء معالم الدين لم يروا إظهار الوجد على المصيبة بجوارح الجسم إذا لم يتجاوزوا فيه المحظور خروجًا من معنى الصبر، ولا دخولًا في معنى الجزع، وقد بكى الشارع على ابنته زينب (٢)، وعلى ابنه إبراهيم وفاضت عيناه، وقالِ: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده» (٣). وبكى لفقد جلة الإسلام وفضلاء الصحابة، فإذا كان الإمام المتبع به نرجو الخلاص من ربنا، وكان قد حزن بالمصيبة وأظهر ذلك بجوارحه ودمعه، وأخبر أن ذلك رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فقد صح قول من وافق ذلك وسقط ما خالفه. --------- (١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٧٨، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (١٠١٦٦) باب: في الصبر على المصائب. (٢) سلف ما يدل على ذلك برقم (١٢٨٥) كتاب: الجنائز، باب: يقول النبي - ﷺ -: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه. (٣) سيأتي برقم (١٣٠٣) باب: قول النبي: «إنا بك لمحزونون». ٤١ - باب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ المُصِيبَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: الجَزَعُ القَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] ١٣٠١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ البَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا». قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ. [٥٤٧٠ - مسلم: ٢١٤٤ (٢٣) - فتح: ٣/ ١٦٩] وذكر فيه حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: اشْتَكَى ابن لأَبِي طَلْحَةَ، فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارجٌ .. الحديث، وفي آخره: «لَعَلَّ الله أَنْ يُبَارِكَ لهما فِي ليلتهما». قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ. الشرح: حديث أنس هذا قَالَ أبو نعيم في «مستخرجه»: يقال: إن هذا مما تفرد به البخاري، وقال المزي: هذا حديث غريب تفرد به بشر بن الحكم يعني: شيخ البخاري (١)، قيل: لم يروه أحد عنه غير البخاري، وكأنهما ------- (١) «تحفة الأشراف» ١/ ٨٢. يشيران إلى التفرد بالسند لا المتن؛ لأن المتن رواه عن أنس عندهما أنس ابن سيرين، وثابت عند مسلم (١)، وحميد عند أبي نعيم (٢)، وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عند الإسماعيلي، وللبخاري: فقال - ﷺ -: «أعرستم الليلة؟» قَالَ: نعم، قَالَ: «اللهم بارك لهما». فولدت غلامًا فقال لي أبو طلحة: أحمله حَتَّى تأتي به رسول الله - ﷺ -، وبعث معه بتمرات، فحنكه وسماه عبد الله (٣). ولمسلم: لما مات قالت لأهلها: لا تخبروا أبا طلحة بابنه حَتَّى أكون أنا أخبره، فجاء فقربت له عشاءً، فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قالت: فاحتسب ابنك. الحديث (٤). وروى معمر، عن ثابت، عن أنس أنه لما جامعها قالت له ذلك (٥)، وللإسماعيلي: وكان أبو طلحة صائمًا. وللبيهقي: وكان أبو طلحة يحب الابن، ولأبي داود: «يبارك لكما في غابر ليلتكما» (٦). إذا تقرر ذلك، فالكلام على ذلك من أوجه: أحدها: البث في الآية: أشد الحزن قَالَ بعض السلف: قول العبد: إنا لله وإنا إليه راجعون. كلمة لم يعطها أحد قبل هذِه الأمة، ولو علمها ------------ (١) «مسلم» (٢١٤٤) كتاب: الأدب، باب: استحباب تحنيك المولود عند ولادته. (٢) «الحلية» ٢/ ٥٧. (٣) سيأتي برقم (٥٤٧٠) كتاب: العقيقة، باب: تسمية المولود. (٤) مسلم ١٢٤٤/ ١٠٧ بعد حديث (٢٤٥٧) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: من فضائل أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه. (٥) رواه عبد بن حميد في «المنتخب» ٣/ ١٢٠ - ١٢١. (٦) رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» ٣/ ٥٣٣ (٢١٦٨). يعقوب لم يقل: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] وقال سعيد بن جبير: لم تعط أمة من الأمم ما أعطيته هذِه الأمة من الاسترجاع، ثم تلا هذِه الآية: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (١). الثاني: هذا الابن المتوفي هو أبو عمير صاحب النغير، قاله ابن حبان والخطيب وغيرهما (٢)، ولما خرجه الحاكم وسماه قَالَ: صحيح على شرطهما. و(فيه) (٣) سنة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز. فإنَّ فيه أن أم سليم، كانت خلف أبي طلحة، وأبو طلحة خلف رسول الله - ﷺ -، لم يكن معهم غيرهم (٤). الثالث: هدأ -بالهمز- سكن، ومنه هدأت الرِّجْلُ: إذا نام الناس. وأهدأت المرأة ولدها: سكتته لينام؛ لأن النفس كانت قلقة شديدة الانزعاج بالمرض، فسكنت بالموت، ولذلك قالت: أرجو أن يكون قد استراح. وقولها: (أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) من حسن المعاريض وهو ما احتمل معنيين، فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه، ولكن ورَّت به عن المعنى الذي كان يحزنها، ألا ترى أن نفسه قد هدأ كما قالت بالموت وانقطاع النفسس، وأوهمته أنه استراح قلقه، وإنما استراح من نصب الدنيا وهمها. ------------ (١) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ١١٧ (٩٦٩١) باب: الصبر على المصائب. (٢) «صحيح ابن حبان» ١٦/ ١٥٨ (٧١٨٨) كتاب: إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة. (٣) من (م). (٤) «المستدرك» ١/ ٣٦٥ كتاب: الجنائز. الرابع: فيه منقبة عظيمة لأم سليم بصبرها ورضاها بقضاء الله تعالى. الخامس: فلما أصبح اغتسل. فيه: تعريض بالإصابة، وقد صرح بها في بعض الروايات (١)، وقوله: («لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما») يحتمل أن يكون خبرًا ودعاءً، فأجاب الله تعالى قوله، فحملت تلك الليلة بعبد الله بن أبي طلحة، والد إسحاق، راوي الحديث، فحنَّكه - ﷺ - وسماه، وكان من خير أهل زمانه، وآتاهما الله تعالى ذلك لصبرهما، والذي لهما عند الله أعظم. السادس: الأولاد الذين أشار إليهم سفيان (٢)، هم: القاسم، وعمير، وزيد، وإسماعيل، ويعقوب، وإسحاق، ومحمد، وعبد الله (٣)، وإبراهيم، ومعمر، وعمارة، وعمر (٤)، ذكرهم ابن الجوزي، وعدتهم اثنا عشر. السابع: وهو فقه الباب: عدم إظهار الحزن عند المصيبة، وترك ما أبيح لي من إظهار الحزن الذي لا إسخاط فيه لله تعالى، كما فعلت أم سليم فإنها اختارت الصبر، ومن قهر نفسه وغلبها على الصبر ممن تقدم ذكره في الباب قبل هذا فهو آخذ بأدب الرب ﷻ في قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. ----------- (١) سيأتي الحديث على ذلك برقم (٥٤٧٠). (٢) ورد بهامش الأصل: إنما نقله سفيان عن رجل من الأنصار غير مسمى، كذا في الصحيح. (٣) في الأصل: عبيد الله، ورد بهامش الأصل ما نصه: لعل صوابه عبد الله. (٤) انظر «الطبقات الكبرى» ٥/ ٧٤. الثامن: فيه من الفقه: جواز الأخذ بالشدة وترك الرخصة لمن قدر عليها، وأن ذلك مما ينال به العبد رفيع الثواب وجزيل الأجر. التاسع: التسلية عند المصائب. العاشر: فيه: أن المرأة تتزين لزوجها تعرضًا للجماع لقوله: (ثم هيأت شيئًا) أراد: هيأت شيئًا من حالها. الحادي عشر: أن من ترك شيئًا لله تعالى، وآثر ما ندب إليه، وحض عليه من جميل الصبر، أنه معوض خيرًا بما فاته، ألا ترى قوله: (فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْاَنَ). ولقد أخذت أم سليم في الصبر إلى أبعد غاية، على أن النساء أرق أفئدة؛ لأنا نقول: إن ما في نسائها ولا في الجلد من الرجال مثل أم سليم؛ لأنها كانت تسبق الكثير من الرجال الشجعان إلى الجهاد، وتحتسب في مداواة الجرحى، وثبتت يوم حنين في ميدان الحرب، والأقدام قد زلزلت، والصفوف قد انتفضت. والمنايا قد فغرت، فالتفت إليها رسول الله - ﷺ -، وفي يدها خنجر فقالت: يا رسول الله أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يحاربونك، فليسوا بشرًّ منهم (١). --------------- (١) روى مسلم ما يدل على ذلك من حديث أنس برقم (١٨٠٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة النساء مع الرجال. ٤٢ - باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: نِعْمَ العِدْلَانِ، وَنِعْمَ العِلَاوَةُ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥﴾. ١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» (١). [انظر: ١٢٥٢ - مسلم: ٩٢٦ - فتح: ٣/ ١٧١] وذكر فيه حديث أنس: «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». أما حديث أنس فسلف في الباب (٢)، وأما أثر عمر فأخرجه البيهقي من حديث سعيد بن المسِّيب عنه (٣). والعِدْلَان كما قَالَ المهلب: الصلوات والرحمة، والعلاوة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وقيل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. والعِلَاوَة: التي يثاب عليها. وقال ابن التين عن أبي الحسن: العدل الواحد: قول المصاب إنا لله .. إلى آخرها، والعدل الثاني: الصلوات التي عليهم من الله تعالى، والعلاوة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وهو ثناء من الله -------- (١) ورد بهامش الأصل: معنى كلام الشيخ: قال ابن التين: إن غندرًا وزر بن حبيش لم يؤثر عليهما كذب قط. قاله هنا؛ لأن في السنة غندرًا. (٢) برقم (١٢٨٣) كتاب: الجنائز، باب: زيارة القبور. (٣) «السنن الكبرى» ٤/ ٦٥ كتاب: الجنائز، باب: الرغبة في أن يتعزى بما أمر الله تعالى به من الصبر والاسترجاع. تعالى عليهم. وقال الداودي: إنما هو مثل ضرب للجزاء، فالعدلان: عدلا البعير والدابة، والعلاوة: الغرارة التي توضع في وسط العدلين مملوءة. يقول: وكما حملت هذِه الراحلة وسعها، وأنها لم يبق موضع تحمل عليه، فكذلك أُعطي هذا الأجر وافرًا، فعلى قول الداودي يكون العدلان والعلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ إلى ﴿المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وقال صاحب «المطالع»: العدل هنا نصف الحمل على أحد شقي الدابة، والحمل: عدلان، والعلاوة: ما جعل فيهما. وقيل: ما علق على البعير، ضرب ذلك مثلًا لقوله ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ قَالَ: فالصلوات عدل، والرحمة عدل، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ العلاوة. وأحسن ما جاء في التعزية حديث أم سلمة الثابت: «من أصابته مصيبة، فقال كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرًا منها، إلا فعل الله به ذلك». قالت أم سلمة: قلتُ ذلك عند موت أبي سلمة، ثم قلتُ في نفسي: من خير من أبي سلمة؟ فأعقبها الله برسول الله - ﷺ -، فتزوجها (١). فيقول المعزي: آجركم الله في مصيبتكم، وعوضكم خيرًا منها ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ومعنى إنا لله: نحن وأموالنا وعبيدنا لله يبتلينا بما شاء، ونحن إليه نرجع، فيجزينا على صبرنا، وبين ذلك بقوله: --------------- (١) رواه مسلم (٩١٨) كتاب: الجنائز، باب: ما يقال عند المصيبة. ومالك ١/ ٣٨٩ (٩٨٥) كتاب: الجنائز، باب: الحسبة بالمصيبة، وأحمد ٦/ ٣٠٩، والطبراني ٢٣/ ٢٦٢ (٣٥٥٠)، والبيهقي ٤/ ٦٥ كتاب: الجنائز، باب: الرغبة في أن يتعزى بما أمر الله تعالى به من الصبر والاسترجاع، ورواه أيضًا في «الشعب» ٧/ ١١٨ (٩٦٩٧) باب: في الصبر على المصائب. ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهي الغفران والثناء الحسن، ومنه الصلاة على الميت إنما في الدعاء. وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٤٥] في الصبر قولان: أحدهما: الصوم، قاله مجاهد (١). والثاني: عن المعاصي. والصلاة أي: عند المصائب، كما قَالَ ابن عباس: إنها الاستعانة بالصلاة عند المصائب. فكان إذا دهمه أمر صلى (٢). قَالَ علي: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد (٣). والضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] إما عائد إلى الصلاة أو إن فعلتم ذلك، والخاشعون: المؤمنون حقًّا. والخشوع: التواضع، والمؤمن حقًّا متواضع. وإنما كان الصبر عند الصدمة الأولى؛ لأنها أعظم حرارة وأشد مضاضة، يريد أن الصبر المحمود عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة؛ لأنه يسلو على مر الأيام، فيصير الصبر طبعًا، وقد قَالَ بعض الحكماء: لا يؤجر الإنسان على مصيبة في نفسٍ أو مال لأجل ذاتها، فإن ذلك طبع لا صنع له فيه، وقد يصيب الكافر مثله فيصبر، وإنما يؤجر على قدر نيته واحتسابه. فإن قلت: قد علمت أن العبد منهي عن الهجر، وتسخط قضاء الرب في كل حال، فما وجه خصوص نزول النائبة بالصبر في حال حدوثها؟ قيل: وجه خصوص ------------- (١) ذكره ابن كثير في «تفسيره» ١/ ٣٨٧. (٢) ذكره ابن كثير في «تفسيره» ١/ ٣٩٠. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٧٢ (٣٠٤٣٠) كتاب: الإيمان والرؤيا، باب: ما ذكر فيما يطوى عليه المؤمن من الخلال. ذلك أن في النفس عند هجوم الحادثة محرك على الجزع، ليس في غيرها مثله، وبتلك يضعف على ضبط النفس فيها كثير من الناس، بل يصير كل جازع بعد ذلك إلى السلو ونسيان المصيبة، والأخذ بقهر الصابر نفسه وغلبته هواها عند صدمته؛ إيثارًا لأمر الله على هوى نفسه، ومنجزًا لموعوده. بل السالي عن مصابه لا يستحق اسم الصبر على الحقيقة؛ لأنه آثر السُّلُوَّ على الجزع واختاره، وإنما الصابر على الحقيقة من صبر نفسه، وحبسها عن شهوتها، وقهرها عن الحزن والجزع والبكاء الذي فيه راحة النفسس وإطفاء لنار الحزن، فإذا قابل سَوْرَة الحزن وهجومه بالصبر الجميل، واسترجع عند ذلك، وأشعر نفسه أنه لله مِلك، لا خروج له عن قضائه، وإليه راجع بعد الموت، ويلقي حزنه بذلك، انقمعت نفسه، وذلت على الحق، فاستحقت جزيل الأجر. ٤٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - «إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «تَدْمَعُ العَيْنُ وَيَحْزَنُ القَلْبُ». ١٣٠٣ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ -هُوَ: ابْنُ حَيَّانَ- عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ -وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ - عليه السلام -- فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنه -: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ». ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ - ﷺ -: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ». رَوَاهُ مُوسَى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [مسلم: ٢٣١٥ - فتح: ٣/ ١٧٢] وذكر فيه حديث قُريش: -وهُوَ ابن حَيَّانَ- عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ -وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ - عليه السلام -- فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ .. الحديث، إلى قوله: «وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ». رَوَاهُ مُوسَى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. الشرح: أما نفس الرحمة فهو نفس حديث أنس، وأما حديث ابن عمر المعلق فقد سلف مسندًا في عيادة سعد بن عبادة (١). وقوله: (رواه موسى .. إلى آخره) أسنده مسلم، عن شيبان بن فروخ ------------ (١) بل سيأتي برقم (١٣٠٤) باب: البكاء عند المريض. وهدبة بن خالد كلاهما، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بطوله (١)، ثم رواه من حديث ابن علية، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن أنس، وفي آخره: «إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين يكملان إرضاعه في الجنة» (٢) ولابن سعد عن البراء: «إنه صديق شهيد» (٣) وللترمذي من حديث جابر: فوضعه في حجره وبكى، فقال له ابن عوف: أتبكي وقد نهيت عن البكاء؟! قَالَ: «لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين» (٤). إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: حيان بمثناة تحت. والقين: الحداد. وقيل: كل صانع قين. حكاه ابن سيده. وقان الحديدة قينًا: عملها. وقان الإناء يقينه قينا: أصلحه (٥). والظئر: زوج المرضعة، والمرضعة أيضًا ظئر، وأصله: عطف الناقة على غير ولدها ترضعه. والاسم: الظأر، قاله صاحب «المطالع». وعبارة ابن الجوزي: الظئر: المرضعة، ولما كان زوجها يكفله سمي ظئرًا. وقال ابن سيده: الظئر: العاطفة على ولد غيرها، المرضعة من الناس والإبل، الذكر والأنثى في ذلك سواء. وهو عند سيبويه اسم للجميع (٦)، وغلط من قَالَ في قوله: كان ظئرًا لإبراهيم. أي: ------------ (١) «صحيح مسلم» (٢٣١٥) كتاب: الفضائل، باب: رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك. (٢) «صحيح مسلم» (٢٣١٦). (٣) «الطبقات الكبرى» ١/ ١٤٠. (٤) «سنن الترمذي» (١٠٠٥) كتاب: الجنائز، باب: الرخصة في البكاء على الميت، وقال: هذا حديث حسن. (٥) «المحكم» ٦/ ٣١٤. (٦) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ١٥٤، و«لسان العرب» ٥/ ٢٧٤١. رضيعه؛ لأن أبا سيف كان كالراب. وقوله في بعض طرقه: يكيد بنفسه (١) -هو بفتح الياء - أي: يجود بها، من كاد يكيد. أي: قارب الموت. ثانيها: ولد إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان، ولما ولد تنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه رسول الله - ﷺ - إلى أم بردة بنت المنذر، وزوجها البراء بن أوس، وكنيتها أم سيف امرأة قين، يقال أبو سيف، واسمها خولة بنت المنذر (٢). ومات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من ربيع الأول سنة عشر، ذكره ابن سعد (٣). وعن ابن جرير: مات قبل رسول الله - ﷺ - بثلاثة أشهر يوم كسوف الشمس، وله ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا. وقال ابن حزم: سنتان غير شهرين (٤). وأغرب ما فيه من أبي داود: مات وله سبعون يومًا. وأول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون ثم هو (٥)، رش على قبره ماء. وقال الزهري: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لو عاش إبراهيم لوضعت ----------- (١) رواه مسلم من حديث أنس (٢٣١٥) كتاب: الفضائل، باب: برحمته - ﷺ - الصبيان والعيال. وأبو داود (٣١٢٦) كتاب: الجنائز، باب: البكاء على الميت، وابن سعد في»الطبقات الكبرى«١/ ١٤٠، وأحمد ٣/ ١٩٤. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: خولة بنت المنذر أرضعت النبي - ﷺ -، كذا استدركت على أبي عمر، وكذا صرح بها غير واحد. وقيل: خولة بنت المنذر أم بردة وأم سيف وأرضعت إبراهيم. (٣)»الطبقات الكبرى«١/ ١٤٣. (٤) نص على ذلك في»جوامع السيرة«ص ٣٨ - ٣٩. (٥) رواه ابن أبي شيبة في»مصنفه" ٧/ ٢٧٢ (٣٦٠١٢) كتاب الأوائل. الجزية عن كل قبطي» (١) وعن مكحول أن رسول الله - ﷺ - قَالَ في إبراهيم: «لو عاش ما رق له خال» (٢) وهو ابن مارية القبطية، وجميع ولده من خديجة غيره، ومجموعهم ثمانية: القاسم، وبه كان يكنى، والطاهر، والطيب -ويقال: إنه الطاهر- وإبراهيم، وبناته: زينب زوج أبي العاص، ورقية وأم كلثوم زوجتا عثمان وفاطمة زوج علي. واختلف في الصلاة عليه فصححه ابن حزم (٣)، وقال أحمد: منكر جدًّا (٤). وقال السدي: سألت أنسًا: أصلى النبي - ﷺ - على ابنه إبراهيم (٥)؟ -------------- (١) رواه ابن سعد في «طبقاته» ١/ ١٤٤، وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٢٩٣): موضوع. (٢) رواه ابن سعد في «طبقاته» ١/ ١٤٤. (٣) «المحلى» ٥/ ١٥٨. (٤) انظر: «زاد المعاد» ١/ ٥١٤، وقال العلامة الألباني في هامش كتابه «أحكام الجنائز» ص ١٠٤: وقد ذكر ابن القيم في «زاد المعاد» عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث منكر، ولعله يعني أنه حديث فرد فإن هذا منقول عنه في بعض الأحاديث المعروفة الصحة. واعلم أنه لا يخدج في ثبوت الحديث أنه روي عنه - ﷺ - أنه صلى على ابنه إبراهيم؛ لأن ذلك لم يصح عنه وإن جاء من طرق، فهي كلها معلولة إما بالإرسال وإما بالضعف الشديد، كما تراه مفصلًا في «نصب الراية» ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠، وقد روى أحمد ٣/ ٢٨١ عن أنس أنه سُئل: صلى رسول الله - ﷺ - على ابنه إبراهيم؟ قال: لا أدري. وسنده صحيح. ولو كان صلى عليه، لم يخف ذلك على أنس إن شاء الله، وقد خدمه عشر سنين. (٥) ورد بهامش الأصل: قال النووي في «التهذيب»: وصلى عليه رسول الله وكبر - ﷺ - أربع تكبيرات هذا قول جمهور العلماء وهو الصحيح، وروى ابن إسحاق بإسناده عن عائشة أن النبي - ﷺ - لم يصل عليه، قال ابن عبد البر: هذا غلط، فقد = قَالَ: لا أدري (١). وروى عطاء بن عجلان عن أنس أنه كبر عليه أربعًا (٢)، وهو أفقه. أعني: عطاء. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه صلى، وهي مرسلة (٣)، فيجوز أن يكون اشتغل بالكسوف عن الصلاة أو المثبت تقدم. ثالثها: استدل بعضهم لمالك ومن قَالَ بقوله أن اللبن للفحل حيث قال: وكان ظئرًا لإبراهيم، وهم سائر الفقهاء (٤). وقال ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة: لا يحرم. وكانت عائشة يدخل عليها من أرضعه أخواتها ولا يدخل من أرضعه نساء إخوتها (٥). رابعها: فيه جواز تقبيل من قارب الموت وشمه، وذلك كالوداع والتشفي منه قبل فراقه. خامسها: قد سلف فيما سلف من الأبواب بيان البكاء والحزن المباحين، وهذا الحديث أبين شيء وقع في البكاء، وهو يبين ما أشكل من المراد بالأحاديث المخالفة له، وفيه ثلاثة أوجه جائزة: حزن القلب، ------------ = أجمع جماهير العلماء على الصلاة على الأطفال إذا استهلوا وهو عمل مستفيض في السلف والخلف. انتهى. (١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ١/ ١٤٠، وأحمد ٣/ ٢٨١. (٢) انظر: التخريج السابق. (٣) رواه ابن سعد في «طبقاته» ١/ ١٤١. (٤) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ١٨٠، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦، «الأم» ٥/ ٢٦، «المغني» ٩/ ٥٢٠ - ٥٢٢. (٥) روى هذِه الآثار ابن حزم في «المحلى» ٢/ ١٠ - ٣. والبكاء، والقول الذي لا تحذير فيه، وأن الممنوع النوح وما في معناه مما يفهم أنه لم يرض بقضاء الله ويتسخط له، إذ الفطرة مجبولة على الحزن، وقد قَالَ الحسن البصري: العين لا يملكها أحد، صبابة المرء بأخيه. وروى ابن أبي شبية من حديث أبي هريرة أنه - عليه السلام - كان في جنازة مع عمر فرأى امرأة تبكي فصاح عليها عمر، فقال - عليه السلام -: «دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب» (١) فعذرها - ﷺ - مع قرب العهد؛ لأن بعده ربما يكون بلاء الثكل، وفتور فورة الحزن. فإذا كان الحزن على الميت رثاء له ورقة عليه، ولم يكن سخطًا ولا تشكيًا، فهو مباح كما سلف قبل هذا لقوله - ﷺ -: «إنها رحمة». سادسها: فيه شدة إغراق النساء في الحزن، وتجاوزهن الواجب فيه لنقصهن، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه. وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] أن المودة: الجماع. والرحمة: الولد، ذكره ابن وهب (٢). ------------ (١) «المصنف» ٢/ ٤٨٢ (١١٢٩٥) كتاب: الجنائز، باب: من رخص أن تكون المرأة مع الجنازة والصياح، ولا يرى به بأسًا. وتقدم تخريجه بأفضل من ذلك. (٢) ذكره القرطبي عن الحسن في «تفسيره» ١٤/ ١٧، وذكره عن ابن عباس ومجاهد أيضًا. ٤٤ - باب البُكَاءِ عِنْدَ المَرِيضِ ١٣٠٤ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنهم -، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ: «قَدْ قَضَى؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَبَكَى النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - بَكَوْا، فَقَالَ: «أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَي لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وَكَانَ عُمَرُ - رضي الله عنه - يَضْرِبُ فِيهِ بِالعَصَا، وَيَرْمِي بِالحِجَارَةِ، وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ. [مسلم: ٩٢٤ - فتح: ٣/ ١٧٥] ذكر فيه حديث ابن عمر: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوى .. الحديث. وفيه: فَبَكَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَلَما رَأى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - بَكَوْا .. الحديث. وهو قال على ما ترجم له من جواز البكاء عند المريض، وليس ذلك من الجفاء عليه والتقريع له، وإنما هو إشفاق عليه، ورقة وحرقة لحاله. وقد بين في الحديث أنه لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بالقول السيئ ودعوى الجاهلية. وقوله: («أو يرحم») أي: إن لم ينفذ الوعيد في ذلك، وإذا قَالَ خيرًا واستسلم للقضاء. وقوله: (فوجده في غاشية أهله). يريد من كان حاضرًا عنده منهم، ويبعد أن يكون المراد: ما يتغشاه من كرب الوجع الذي به، وإن أبداه ابن التين احتمالًا. ![]()
__________________
|
|
#268
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 581 الى صـــ 600 الحلقة (268) ومعنى: («قد قضى؟») أي: مات. وقوله: (وكان عمر يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي -أو يرمي- بالتراب). إنما كان يضرب في البكاء بعد الموت لقوله - ﷺ -: «فإذا وجبت فلا تبكين باكية» (١)، وكان يضربهن أدبًا لهن؛ لأنه الإمام، كذا أوله الداودي. وقال غيره: إنما كان يضرب في بكاء مخصوص، وقبل الموت وبعده سواء، وذلك إذا نُحْنَ ونحوه. وقوله: (ويحثي التراب). تأسي بقوله - ﷺ - في نساء جعفر: «احث في أفواههن التراب» (٢). -------------- (١) رواه أبو دواد من حديث جابر بن عتيك (٣١١١) كتاب: الجنائز، باب: في فضل من مات في الطاعون، والنسائي ٤/ ١٣ كتاب: الجنائز، باب: النهي عن البكاء على الميت، ومالك ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤ (٩٩٦) كتاب: الجنائز، باب: النهي عن البكاء. وعبد الرزاق في «مصنفه» ٣/ ٥٦٢ (٦٦٩٥) كتاب: الجنائز، باب: الصبر، والبكاء، والنياحة، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ٤٦١ (٣١٨٩)، ٧/ ٤٦٣ (٣١٩٠) كتاب: الجنائز، باب: فصل في الشهيد، والطبراني ٢/ ١٩١ (١٧٧٩)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٥٢ كتاب: الجنائز، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه رواته مدنيون قرشيون، وعند حديث مالك جمع مسلم بن الحجاج بدأ بهذا الحديث من شيوخ مالك. والبيهقي ٤/ ٦٩ - ٧٠ كتاب: الجنائز، باب: من رخص في البكاء إلى أن يموت الذي يُبكى عليه، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٧٢٣). (٢) سلف برقم (١٢٩٩) باب: من جلس عند المصيبة. ٤٥ - باب مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ وَالبُكَاءِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ ١٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ البَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِي -أَوْ غَلَبْنَنَا الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَوْشَبٍ- فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ». فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، فَوَاللهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنَ العَنَاءِ. [انظر: ١٢٩٩ - مسلم: ٩٣٥ - فتح: ٣/ ١٧٦] ١٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ: أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ العَلَاءِ، وَابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَتَيْنِ. أَوِ ابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أُخْرَى. [٤٨٩٢، ٧٢١٥ - مسلم: ٩٣٦ - فتح: ٣/ ١٧٦] ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زيدِ بن حارِثة .. إلى آخره. وقد سلف قريبًا في باب: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن (١)، وشيخه فيه: محمد بن عبد الله بن حوشب. قَالَ الأصيلي: لم يرو عنه أحد غير البخاري. قلتُ: أي: من أصحاب الكتب الستة، وإلا فقد روى عنه ابن وارة. ---------- (١) انظر: «المصدر السابق» حديث (١٢٩٩). وحديث أم عطية: أَخَذَ عَلَيْنَا رسول الله - ﷺ - عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ: أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ العَلَاءِ، (وَابْنَةِ أَبِي) (١) سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ، (وَامْرَأَتَيْنِ) (٢). أَوِ ابنةِ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أخْرى. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وقد أسلفنا معنى هذا الباب، وأن النوح والبكاء على سنة الجاهلية حرام، قد نسخه الإسلام، ألا ترى أنه - ﷺ - كان يشترط على النساء في بيعة الإسلام أن لا يَنُحن؛ تأكيدًا للنهي؛ وتحذيرًا منه، وفيه: أنه من نهي عما لا ينبغي له ففعله ولم ينته أنه يؤدب على ذلك ويزجر، ألا ترى إلى قوله: «فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ» حين انصرف المرة الثالثة، وقال: إنهن غلبننا. وهذا يدل على أن بكاء نساء جعفر وزيد الذي نهين عنه لم يكن من النوح المحرم؛ لأنه لو كان محرمًا لزجرهن حَتَّى ينتهين عنه. ولا يؤمن على النساء عند بكائهن الهائج لهن أن يضعف صبرهن فيصلن به نوحًا محرمًا، فلذلك نهاهن قطعًا للذريعة. وفيه من الفقه: أن للعالم أن ينهى عن المباح إذا اتصل به فعل محذور أو خيف معه، فمن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وهذا الحديث يدل أن قوله - ﷺ - في الحديث السالف: «فإذا وجبت فلا تبكين باكية» (٤) على الندب جمعًا بين الأحاديث، فقد قال: «لكن حمزة لا بواكي ------------- (١) في الأصل: وابنة ابن أبي، والمثبت من اليونينية. (٢) في الأصل: امرأتان، والمثبت من اليونينية. (٣)»صحيح مسلم" (٩٣٦) كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة. (٤) سبق تخريجه. له» (١) وحديث أم عطية دال على أن النوح بدعوى الجاهلية حرام؛ لأنه لم يقع في البيعة من غير فرض. وقولها: (فما وفت منا امرأة غير خمس). هو مصداق لإخبار الشارع عنهن بنقص العقل والدين، ومن خلق من الضلع الأعوج كيف يستقيم ويرجع إلى الحق وينقاد؟! وفي أفراد مسلم من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (٢). وللبخاري عن ابن عباس موقوفًا: خلال من خلال الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة ونسي -يعني: الراوي- الثالثة. قَالَ سفيان: ويقولون: إنها الاستسقاء بالأنواء (٣). ------------ 0(١) رواه ابن ماجه (١٥٩١)، وأحمد ٢/ ٤٠، ٨٤، ٩٢، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ١٩٤ - ١٩٥، والبيهقي ٤/ ٧٠ من طريق أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر، به مرفوعًا. وصححه الحاكم على شرط مسلم. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٢٩٣): حسن صحيح. وفي الباب عن أنس. (٢) «صحيح مسلم» (٩٣٤) كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة. (٣) سيأتي برقم (٣٨٥٠) كتاب: مناقب الأنصار، باب: القسامة في الجاهلية. ٤٦ - باب القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ ١٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ». قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. زَادَ الحُمَيْدِيُّ: «حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ». [١٣٠٨ - مسلم: ٩٥٨ - فتح: ٣/ ١٧٧] ذكر فيه حديث سفيان عن الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ ابْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ». قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ، أنا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وفي بعض نُسخ البخاري: زَادَ الحُمَيْدِيُّ: «حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا ولفظه: «حَتَّى تخلفكم أو توضع» (١) وفي لفظٍ له: «إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن معها فليقم حين يراها تخلفه، إذا كان غير متبعها» (٢). إذا تقرر ذلك فمعنى القيام للجنازة -والله أعلم- على التعظيم لأمر الميت، والإجلال لأمر الله؛ لأن الموت فزع، فيستقبل بالقيام له والجد. وقد روي هذا المعنى مرفوعًا من حديث ابن عمر: «إنما تقومون إعظامًا لمن يقبض النفوس». رواه أحمد والحاكم. وقال: صحيح الإسناد (٣). وروي من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة ------------- (١)»صحيح مسلم«(٩٥٨) كتاب: الجنائز، باب: القيام للجنازة. (٢)»صحيح مسلم«(٩٥٨). (٣)»مسند أحمد«٢/ ١٦٨، و»مستدرك الحاكم" ١/ ٣٥٧ كتاب: الجنائز. فقوموا» رواه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة (١). وقد أخذ بظاهر حديث الباب جماعة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء كما سنقف على ذلك في الباب بعد بعده. ورأت طائفة ألا يقوم للجنازة إذا مرت به، وقالوا: لمن تبعها أن يجلس وإن لم توضع. ونقله الحازمي عن أكثر أهل العلم (٢). واحتجوا بحديث عليًّ - رضي الله عنه - أنه - ﷺ - كان يقوم للجنازة ثم جلس بعد. أخرجه مسلم (٣). ولابن حبان: كان يأمر بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك (٤). وفي لفظ: قام ثم قعد (٥). وفي آخر: قام فقمنا، ورأيناه قعد فقعدنا (٦). وقال عليٌّ: ما فعله رسول الله - ﷺ - إلا مرة، فلما نسخ ذلك نهى عنه (٧). وفي لفظٍ: قام مرة ثم نهى عنه (٨). فدل هذا: أن القيام منسوخ بالجلوس. وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب، وعروة (٩)، ومالك، وأبو حنيفة -------------- (١) «المصنف» ٣/ ٤١ (١١٩٠٦) باب: من قال: يقام للجنازة إذا مرت. (٢) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ٩٣. (٣) «صحيح مسلم» (٩٦٢) كتاب: الجنائز، باب: نسخ القيام للجنازة. (٤) «صحيح ابن حبان» ٧/ ٣٢٦ - ٣٢٧ (٣٠٥٦) كتاب: الجنائز، باب: فصل في القيام للجنازة. (٥) رواه مسلم عن علي بن أبي طالب (٩٦٢) كتاب: الجنائز، باب: نسخ القيام للجنازة، والترمذي (١٠٤٤) كتاب: الجنائز، باب: الرخصة في ترك القيام لها، والنسائي ٤/ ٧٧ - ٧٨ كتاب: الجنائز، باب: الوقوف للجنائز، والبيهقي ٤/ ٢٧ كتاب: الجنائز، باب: حجة من زعم أن القيام للجنازة منسوخ. (٦) رواه مسلم (٩٦٢/ ٨٤)، والنسائي ٤/ ٧٨. (٧) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤٥٩ (٦٣١١) كتاب: الجنائز، باب: القيام حين ترى الجنازة. (٨) رواه البزار في «المسند» ٣/ ١٢٢ (٩٠٨). (٩) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢ (٦٣١٥)، (٦٣٢٠) كتاب: الجنائز، باب: القيام حين ترى الجنازة. وأصحابه، والشافعي (١). وكان ابن عمر وأصحاب رسول الله - ﷺ - يجلسون قبل أن توضع الجنازة (٢)، فهذا ابن عمر يفعل هذا. وقد روي عن عامر بن ربيعة، عن رسول الله - ﷺ - خلاف ذلك. فدل تركه لذلك ثبوت نسخ ما حدث به عامر. وأنكرت عائشة القيام لها، وأخبرت أن ذلك كان من فعل الجاهلية (٣). وقال عبد الملك بن حبيب وابن الماجشون: ذلك على التوسعة، والقيام فيه أجر وحكمه باق (٤). وقول مالك أولى؛ لحديث عليًّ السالف. وقال صاحب «المهذب»: هو مخير بين القيام والقعود (٥). وقال جماعة: يكره القيام إذا لم يرد المشي معها (٦)، وبه قَالَ أبو حنيفة. وقال المتولي: يستحب (٧) القيام (٨). وحديث علي مبين للجواز. فأما القيام على القبر حَتَّى تقبر، فقال القرطبي: كرهه قوم، وعمل به آخرون. رُوي ذلك عن عليًّ وعثمان وابن عمر، وأمر به عمرو بن العاصي (٩). -------- (١) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٢٤٤، «التمهيد» ٦/ ٢٦٩، «الأم» ١/ ٢٤٧. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤ (١١٥١٩) كتاب: الجنائز، باب: من رخص في أن يجلس قبل أن توضع. (٣) رواه البيهقي ٤/ ٢٨ كتاب: الجنائز، باب: حجة من زعم أن القيام للجنازة منسوخ. (٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٤. (٥) «المهذب» ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥. (٦) عزاه النووي إلى بعض الشافعية، «المجموع» ٥/ ٢٤١. (٧) ورد بهامش الأصل ما نصه: واختاره النووي في «شرح المهذب» و«شرح مسلم». (٨) انظر: «شرح مسلم للنووي» ٧/ ٣٨. (٩) رواه ابن أبي شيبة عن علي ٣/ ٢٥ (١١٧٥٥) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل يقوم على قبر الميت، وانظر: «المفهم» ٢/ ٦٢٠. ٤٧ - باب مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ؟ ١٣٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا -أَوْ تُخَلِّفَهُ -أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ». [انظر: ١٣٠٧ - مسلم: ٩٥٨ - فتح: ٣/ ١٧٨]. ذكر فيه حديث نافع عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَأى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا -أَوْ تُخَلِّفَهُ- أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أنْ تُخَلِّفَهُ». ٤٨ - باب مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالقِيَامِ ١٣١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ -يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ». [انظر: ١٣٠٩ - مسلم: ٩٥٩ - فتح: ٣/ ١٧٨] ١٣٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ - رضي الله عنه - فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ: قُمْ فَوَاللهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. [١٣١٠ - مسلم: ٩٥٩ - فتح: ٣/ ١٧٨] ذكر فيه حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ». وحديث سعيد المقبري عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فَأخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ - رضي الله عنه - فَأخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ: قُمْ والله لَقَدْ عَلِمَ هذا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. وهذا من أفراد البخاري، والأول أخرجه مسلم أيضًا (١). وقد أخذ بظاهر هذا الحديث طائفة، وكانوا يقومون للجنازة إذا مرت بهم، روي ذلك عن أبي مسعود البدري، وأبي سعيد الخدري، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، وسالم بن عبد الله (٢). زاد ابن حزم: والمسور بن ------------ (١) «صحيح مسلم» (٩٥٩) كتاب: الجنائز، باب: القيام للجنازة. (٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤٥٩ (٦٣١٠)، (٦٣١٩)، (٦٣٢٢)، (٦٣٢٣)، (٦٣٢٧)، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٣٩٣ - ٣٩٤. مخرمة وقتادة وابن سيرين والشعبي والنخعي (١). وقال أحمد وإسحاق: إن قام لم أعِبْهُ، وإن قعد فلا بأس. ذكره ابن المنذر (٢)، وقد سلف نسخه. وإن أئمة الفتوى على ترك القيام. قال ابن المنذر: وممن رأى أن لا يجلس من تبعها حَتَّى توضع عن مناكب الرجال أبو هريرة وابن عمر وابن الزبير والحسن بن علي والنخعي والشعبي والأوزاعي (٣)، وأما أمر أبي سعيد لمروان بالقيام فهو من أفراده كما قَالَ ابن بطال (٤)، وممن روي عنه القيام للجنازة إذا مرت بهم ممن ذكرناهم في الباب قبل هذا، لم يحفظ عن أحد منهم قول أبي سعيد، وقعود أبي هريرة ومروان دليل على أنهما (٥) علما أن القيام ليس بواجب، وأنه أمر متروك ليس عليه العمل؛ لأنه لا يجوز أن يكون العمل على القيام عندهم ويجلسان، ولو كان أمرًا معمولًا ما خفي مثله على مروان؛ لتكرر مثل هذا الأمر، وكثرة شهودهم الجنائز، والعمل في هذا على ما فعله ابن عمر والصحابة من الجلوس قبل وضعها. -------- (١) «المحلى» ٥/ ١٥٤. (٢) «الأوسط» ٥/ ٣٩٥. (٣) «الأوسط» ٥/ ٣٩٢ - ٣٩٣. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٩٤. (٥) ورد بهامش الأصل: قد ذكر المؤلف في التبويب الآتي بعده أنهما لم يبلغهما النسخ، وهو يناقض هذا. ٤٩ - باب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ ١٣١١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَقُمْنَا بِهِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا». [مسلم: ٩٦٠ - فتح: ٣/ ١٧٩] ١٣١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ -وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ- قَاعِدَيْنِ بِالقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا. فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟». [١٣١٣ معلقًا- مسلم: ٩٦١ - فتح: ٣/ ١٧٩] ١٣١٣ - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ رضي الله عنهما فَقَالَا: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ١٣١٢] قَالَ زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ. [فتح: ٣/ ١٨٠] ذكر فيه حديث جابر: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رسول الله - ﷺ - وقُمْنَا. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيًّ. قَالَ: «فإذا رَأَيْتُم الجَنَازَةَ فَقُومُوا». وحديث سهل بن حنيف وقيس بن سعد بالقادسية، وفيه: «أَليْسَتْ نَفْسًا؟». وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابن أَبِي لَيْلَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ رضي الله عنهما فَقَالَا: كُنَّا مَعَ رسول الله - ﷺ -. وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابن أَبِي لَيْلَى قال: كَانَ (أَبُو) (١) مَسْعُودٍ وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ. الشرح: حديث جابر أخرجه مسلم وقال فيه: «إن الموت فزع» (٢) ولم يذكر البخاري هذِه اللفظة. وحديث سهل وقيس أخرجهما مسلم (٣)، وتعليق أبي حمزة أخرجه أبو نعيم من حديث عبدان عنه، والحاكم وقال: على شرط مسلم من حديث أنس فقال: «إنما قمنا للملائكة» لما قيل له: إنها جنازة يهودي (٤). قَالَ الشافعي في «اختلاف الحديث»: وهذا -أعني: القيام- لا يعدو أن يكون منسوخًا، أو يكون قام لعلة قد رواها بعض المحدثين، وهي كراهته أن تطوله جنازة يهودي (٥). قلتُ: أو آذاه ريحها كما أخرجه ابن شاهين (٦). وأيها كان فقد جاء عنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره. وقال الحازمي: اختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم: يقوم إذا رآها. وأكثر أهل العلم على أنه ليس على أحد القيام لها. روينا ذلك عن عليٍّ، وابنه الحسن وعلقمة والأسود والنخعي ونافع بن جبير. زاد ابن حزم: ابن عباس، وأبا هريرة. وبه قَالَ أهل الحجاز، وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ (٧). ----------- (١) في الأصل: ابن. والمثبت من اليونينية، وأبو سعود المذكور هو البدري. (٢) «صحيح مسلم» (٩٦٠) كتاب: الجنائز، باب: القيام للجنازة. (٣) «صحيح مسلم» (٩٦١). (٤) «المستدرك» ١/ ٣٥٧ كتاب: الجنائز. (٥) «اختلاف الحديث» ص ١٥٧. (٦) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ص ٣٠٠ - ٣٠١. (٧) «الاعتبار» ص ٩٣، ٩٤. وفي الترمذي -مضعفًا- من حديث عبادة أنه - ﷺ - كان يقوم في الجنازة حَتَّى توضع في اللحد، فمر حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل. فقال: «اجلسوا خالفوهم» فجلس (١). وقوله: (فقيل له إنها من أهل الأرض)، أي: من أهل الذمة، وأبدل هذا الداودي بقوله: من أهل. الذمة، ثم قَالَ: إنما شك أي الكلمتين قَالَ. ثم قَالَ: والذي في الروايات: أي: من أهل الذمة. على طريق البيان والتفسير؛ لأن أهل تلك الأرض كانوا أهل ذمة فنسبها إليهم، وقول أبي هريرة فيما مضى صدق لأبي سعيد؛ لأنهما لم يبلغهما النسخ. فائدة: القادسية أول مرحلة لمن خرج من الكوفة إلى المدينة، وهي التي كان بها حرب المسلمين مع الفرس (٢). وذكر ياقوت خمس بلاد أخرى، وأهمل اثنتين: سر من رأى، مات بها المستعين الخليفة، قَالَ القزاز: والقادسية بمرو الروذ (٣). ------------ (١) الترمذي (١٠٢٠). ورواه أيضًا أبو داود (٣١٧٦)، وابن ماجه (١٥٤٥) من طريق عبد الله بن سليمان ابن جنادة بن أبي أمية، عن أبيه سليمان بن جنادة عن جده عن عبادة بن الصامت. والحديث ضعفه المصنف هنا، وقال في «البدر المنير» ٥/ ٢٢٩: إسناده ضعيف. وقال البخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ٦: حديث منكر. وضعف الحافظ أيضًا إسناده في «الفتح» ٣/ ١٨١. (٢) انظر: «معجم البلدان» ٤/ ٢٩١ - ٢٩٣. (٣) ورد بهامش الأصل: آخر ٣ من تجزئة المصنف. ٥٠ - باب حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ ١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ». [١٣١٦، ١٣٨٠ - فتح: ٣/ ١٨١] ذكر فيه حديث أبي سعيد: قال النبي - ﷺ -: «إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي ..» الحديث. وترجم عليه باب: قول الميت على الجنازة: قدموني (١) وهو من أفراده، وخرجه أيضًا في باب كلام الميت على الجنازة (٢)، ووجه مناسبته للترجمة قوله: («واحتملها الرجال») فإن النساء يضعفن عن ذلك ولو كان الميت أنثى، وربما انكشف منها شيء بسببه. إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: («إذا وضعت») الظاهر أن المراد: وضعها على أعناقهم، ويحتمل أن يريد الوضع على السرير، وسئل في «المدونة»: من أي جوانب السرير أحمل، وبأيها أبدأ؟ فقال: ليس فيه شيء مؤقت، ورأيته يرى الذي يذكر الناس تبدأ باليمين بدعة (٣). وقال ابن مسعود: حمل الأربع هي السنة (٤)، وبه قَالَ أشهب وابن ----------- (١) سيأتي برقم (١٣١٦). (٢) سيأتي برقم (١٣٨٠). (٣) «المدونة» ١/ ١٦٠ - ١٦١. (٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥١٢ (٦٥١٧) كتاب: الجنائز، باب: صفة حمل النعش، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٨١ (١١٢٨١) كتاب: الجنائز، باب: ما قالوا فيما يجزئ من حمل جنازة. حبيب (١). واختلف في صفة الحمل فقال أشهب: يبدأ بالمقدم الأيمن من الجانب الأيمن، ثم المؤخر -يريد الأيمن- ثم المقدم الأيسر، ثم يختم بالمؤخر الأيسر. وقال ابن حبيب: يبدأ بيمين الميت -وهو يسار السرير المقدم- ثم الرجل اليمنى من الميت، ثم الرجل اليسرى، ثم يختم بالمقدم الأيمن وهو يسار الميت (٢). ثانيها: قوله: (»فإنْ كانتْ صالحةً قالتْ: قَدِّمُوني«). وذلك أن تأخيرها لا فائدة فيه، وفي تعجيلها ستر لها، ومبادرة لغيرها. وقوله: (وإِنْ كانتْ غيرَ صَالِحَةٍ قالتْ: يا ويلها») وفي الرواية الأخرى: «قالت لأَهْلِهَا يَا وَيْلَهَا» (٣). وهي كلمة تقولها العرب عند الشر تقع فيه، وتقول ذلك لغيره، وويحك، وويك وويل ومعناهن واحد. وقيل: الويل: وادٍ في جهنم. والمتكلم بذلك الروح، ويجوز أن يرده الله تعالى إليه، فإنما يسمع الروح من هو مثله ويجانسه، وهم الملائكة والجن. ومعنى («صَعِقَ»): مات. والمراد: يسمعها كل شيء مميز، وهم الملائكة والجن، وإن روي أن البهائم تسمعها. وقد بيَّن - عليه السلام - المعنى الذي من أجله مُنع الإنسان أن يسمعها، وهو أنه كان يصعق لو سمعها، فأراد الله تعالى الإبقاء على عباده، والرفق بهم في الدنيا لتعمر، ويقع فيها البلوى والاختبار (٤). ------------ (١) انظر: «بلغة السالك» ١/ ٢٠١، «حاشية الدسوقي» ١/ ٤٢١. (٢) المصدر السابق. (٣) ستأتي برقم (١٣١٦). (٤) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ سادسًا كتبه مؤلفه غفر الله له. ٥١ - باب السُّرْعَةِ بِالجِنَازَةِ وَقَالَ أَنَسٌ: أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فامْشِوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْهَا. ١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ». [مسلم: ٩٤٤ - فتح: ٣/ ١٨٢] وذكر فيه حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ ..» الحديث. الشرح: أثر أنس أخرجه ابن أبي شيبة من حديث حميد، عنه في الجنازة: أنتم مشيعون لها تمشون أمامها وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها (١). وأخرجه عبد الرزاق أيضًا (٢). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم، والأربعة، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد من حديث أبي بكرة: لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - لنكاد نرمل بالجنازة رملًا، ثم ذكر له شاهدًا صحيحًا (٣). ------------ (١) «المصنف» ٢/ ٤٧٧ (١١٢٣١) كتاب: الجنائز، باب: في المشي أمام الجنازة من رخص فيه. (٢) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٤٤٥ (٦٢٦١٠) كتاب: الجنائز، باب: المشي أمام الجنازة. (٣) «صحيح مسلم» (٩٤٤) كتاب: الجنائز، باب: الإسراع بالجنازة وأبو داود (٣١٨١)، والترمذي (١٠١٥)، والنسائي ٤/ ٤١ - ٤٢ وابن ماجه (١٤٧٧)، و«المستدرك» ١/ ٣٥٥ كتاب: الجنائز. وللترمذي: «ما دون الخبب». وأعله (١). وللبخاري في «تاريخه» عن محمود بن لبيد قَالَ: أسرع رسول الله - ﷺ - حَتَّى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ (٢)، وأمر عمر بالإسراع بجنازته، وكذا عمران بن الحصين، وابن عمرو، وابن عمر، وعلقمة. وقال أبو الصديق الناجي: إن كان الرجل؛ لينقطع شسعه في الجنازة فما يدركها (٣). وقال إبراهيم: كان يقال: انبسطوا بجنائزكم، ولا تدبوا بها دب اليهود (٤). وكان محمد والحسن يعجبهما الإسراع بها (٥). وفي ابن ماجه بإسناد فيه ليث عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى قَالَ: مروا على رسول الله - ﷺ - بجنازة يسرعون بها، فقال: «(لتكون) (٦) عليكم السكينة» (٧). ----------- (١) «سنن الترمذي» (١٠١١) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في المشي خلف الجنازة، وقال أبو عيسى: هذا حديث لا يعرف من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه، وأبو ماجد رجل مجهول لا يُعْرف إنما يُروى عنه حديثان عن ابن مسعود، و«علل الترمذي» ١/ ٤٠٧ باب: ما جاء في المشي خلف الجنازة، وقال: سألت محمدًا -يعني البخاري- عنه فقال: أبو ماجد منكر الحديث، وضعفه جدًا، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٠٦٦). وانظر تخريجه مفصلًا في «البدر المنير» ٥/ ٢٣٠ - ٢٣٢، و«تلخيص الحبير» ٢/ ١١٢. (٢) «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٠٢ ترجمة (١٧٦٢). (٣) روى عنه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٠ (١١٢٦٨) كتاب: الجنائز، باب: في الجنازة يسرع بها إذا خرج بها أم لا. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٠ (١١٢٧٢). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٠ (١١٢٧٣). (٦) كذا بالأصول، وفي «سنن ابن ماجه»: لتكن. (٧) «سنن ابن ماجه» (١٤٧٩) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في شهود الجنائز، قال البوصيري: ليث هو ابن أبي مسلم ضعيف تركه يحيى القطان وابن معين وابن مهدي ومع ضعفه ورد في الصحيحين، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣٢٢): منكر. وأخذ قوم بهذا فقالوا: عدم الإسراع بها أفضل بل نمشي بها مشيًا لينًا، وأخذ قوم بالأول وقالوا: الإسراع بها أفضل. وقد روي عن أبي هريرة أنهم كانوا معه في جنازة، فمشوا بها مشيًا لينًا، فانتهرهم أبو هريرة وقال: كنا نرمل بها مع رسول الله - ﷺ -. وذكر ابن المنذر أن الثاني مذهب ابن عباس (١)، وقد يكون حديث أبي موسى فيه عنف في مشيهم ذلك تجاوزوا ما أمروا في حديث أبي هريرة في السرعة، وقد ورد مصرحًا به في حديث أبي موسى المذكور: مُرَّ على رسول الله - ﷺ - بجنازة يسرعون بها في المشي، وهي تمخض مخض الزق فقال: «عليكم بالقصد في جنائزكم» (٢) فأمرهم بالقصد؛ لأن تلك السرعة يخاف منها على الميت. وقد أمر بما دون الخبب كما سلف، وهو المراد بالسرعة في حديث أبي هريرة، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، وهو قول جمهور العلماء (٣). وفي «المبسوط»: ليس في المشي بالجنازة شيء مؤقت، غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة من الإبطاء (٤)، وقال ابن قدامة: لا خلاف بين الأئمة في استحباب الإسراع بها (٥). ----------- (١) «الأوسط» ٥/ ٣٧٩ - ٣٨٠. (٢) رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» ١/ ٤٢١ (٥٢٤)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٩ (١١٢٦٢) كتاب: الجائز، من كره السرعة في الجنازة، وأحمد ٤/ ٤٠٦، والروياني في «مسنده» ١/ ٣٢٤ (٤٩١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٧٩، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ١٣٧ (٦٠٢٠)، والبيهقي ٤/ ٢٢ كتاب: الجائز، باب: من كره شدة الإسراع بها، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» ٨/ ٣٥٤ (٣٨٩٦). (٣) انظر: «الهداية» ١/ ١٠٠، «الخرشي على مختصر خليل» ٢/ ١٢٨، «البيان» ٣/ ٨٩، «المبدع» ٢/ ٢٦٦. (٤) «المبسوط» ٢/ ٥٦. (٥) «المغني» ٣/ ٣٩٤. قلتُ: وهو مشي الناس على سجيتهم، لا السعي المفرط، وما جاء عن السلف من كراهة الإسراع بها محمول على هذا الذي يخاف منه الانفجار أو خروج شيء منه. وروي عن النخعي أنه قال: بطئوا بها، ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى (١). وقال ابن حبيب: لا يمش بالجنازة الهوينا، ولكن مشي الرجل الشاب في حاجته (٢). وكذلك قَالَ الشافعي: يسرع بها إسراع سجية مشي الناس (٣). وفي «المعرفة» عنه: فوق سجية المشي (٤). وقد قيل: إن المراد بالإسراع تعجيل الدفن بعد يقين موته. ووجهه حديث الحصين (٥) بن وَحْوَح (٦) أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي - ﷺ - يعوده فقال: «إني لأرى طلحة إلا وقد حدث به الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» (٧). -------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٠ (١١٢٧٢) كتاب: الجنائز، باب: في الجنازة يسرع بها إذا خرج بها أم لا. (٢) انظر: «التاج والإكليل» ٣/ ٣٤. (٣) «الأم» ١/ ٢٤١. (٤) «معرفة السنن والآثار» ٥/ ٢٦٦ (٧٤٨٠). (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: الحصين صحابي. (٦) هو حصين بن وحوح الأنصاري المدني صحابي، انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ٦/ ٥٤٨. (٧) رواه أبو داود (٣١٥٩) كتاب: الجنائز، باب: التعجيل بالجنازة، والطبراني ٤/ ٢٨ (٣٥٥٤)، وفي «الأوسط» ٨/ ١٢٦ (٨١٦٨)، والبيهقي ٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧ كتاب: الجنائز، باب: ما يستحب من التعجل بتجهيزه إذا بان موته، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٦٥ كتاب: المناقب، باب: ما جاء في طلحة بن البراء، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» وقد روى أبو داود بعض هذا الحديث، وسكت عليه، فهو حسن إن شاء الله. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٢٣٢). وأما قول أنس: (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فامشوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا) فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: أحدها: يمشي أمامها وخلفها وحيث شاء. هذا قول أنس بن مالك، ومعاوية بن قرة، وسعيد بن جبير، وبه قَالَ الثوري (١)، واحتجوا بما رواه يونس بن يزيد عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها (٢). ثانيها: أن المشي أمامها أفضل، واحتجوا بحديث ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه رأى النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة. رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان (٣). وفي رواية للنسائي، وابن حبان زيادة: وعثمان (٤). ------------ (١) ذكرها ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٣٨٤. (٢) رواه الترمذي (١٠١٠) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة. وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث خطأ أخطأ فيه محمد ابن بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس عن الزهري عن النبي - ﷺ -. وابن ماجه (١٤٨٣) باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة. والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٨١، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٨٠٥)، «الإرواء» (٧٣٩). (٣) «سنن أبي داود» (٣١٧٩) كتاب: الجنائز، باب: المشي أمام الجنازة، و«سنن الترمذي» (١٠٠٧)، و«سنن النسائي» ٤/ ٥٦ باب: مكان الماشي من الجنازة، و«سنن ابن ماجه» (١٤٨٢)، و«صحيح ابن حبان» ٧/ ٣١٧ (٣٠٤٥) كتاب: الجنائز، باب: حمل الجنازة. وصححه الألباني في «الإرواء» ٣/ ١٨٦ (٧٣٩). (٤) «سنن النسائي» ٤/ ٥٦ باب: مكان الماشي من الجنازة، و«صحيح ابن حبان» ٧/ ٣٢٠ (٣٠٤٨). ![]()
__________________
|
|
#269
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 601 الى صـــ 620 الحلقة (269) وروي مرسلًا عن الزهري. قَالَ الترمذي: وأهل الحديث يرون أنه أصح، قاله ابن المبارك (١). واختار البيهقي ترجيح الموصول؛ لأن واصلها ثقة (٢)، وكذا ابن المنذر حيث قَالَ في «إشرافه»: ثبت أن رسول الله - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة. وقال ابن حزم: لم يخف علينا قول الجمهور من أصحاب الحديث أن خبر همام هذا خطأ، ولكن لا يلتفت إلى هذا الخطأ في رواية الثقة إلا ببيان لا يشك فيه (٣) وهو قول ابن عمر، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وأبي أسيد، حكاه في المصنف عنه (٤)، وإليه ذهب القاسم وسالم وبقية الفقهاء السبعة المدنيين، والزهري ومالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم (٥). وقال الزهري: والمشي خلف الجنازة من خطأ السنة (٦)، واحتج أحمد بتقديم عمر ابن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش، وبحديث ابن عمر، وبعمل الخلفاء الراشدين المهديين. وقال ابن شهاب: ذلك عمل الخلفاء بعد النبي - ﷺ - إلى هلم جرا (٧). وفي «المصنف» عن أبي صالح قَالَ: كان أصحاب محمد - ﷺ - يمشون أمامها. وحكاه أيضًا عن علقمة والأسود والقاسم والحسن والحسين ---------- (١) «سنن الترمذي» (١٠٠٩) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٢٣ كتاب: الجنائز، باب: المشي أمام الجنائز. (٣) «المحلى» ٥/ ١٦٥. (٤) «المصنف» ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٨ (١١٢٢٤). (٥) انظر: «المدونة» ١/ ١٦٠، «الأم» ١/ ٢٤٠ - ٢٤١، «المغني» ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨. (٦) رواه مالك في (موطئه) ص ١٥٦. (٧) رواه مالك ص ١٥٦. وعبد الله بن الزبير وعبيد بن عمير والعقَّار بن المغيرة بن شعبة (١). ثالثها: أن المشي خلفها أفضل، وهو قول علي بن أبي طالب (٢). وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأهل الظاهر (٣). قَالَ الطحاوي: وهو قول ابن مسعود وأصحابه، واحتجوا بما رواه أبو الأحوص، عن أبي فروة الهمداني عن زائدة بن خراش، عن ابن أبزى، عن أبيه قال: كنت أمشي في جنازة فيها أبو بكر وعمر وعلي، وكان أبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وكان علي يمشي خلفها، فقال علي: إن (فضل) (٤) الذي يمشي خلف الجنازة على الذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وإنهما ليعلمان من ذلك مثل الذي أعلم، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس (٥). ورواه أحمد في «مسنده»: عن علي أن عمرو بن حريث سأله فقال علي: إن فضل المشي خلفها على بين يديها كفضل الصلاة المكتوبة في الجماعة على الوحدة. فقال عمرو: إني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمامها. فقال علي: إنما كرها أن يخرجا الناس (٦). وحكى الأثرم أنه ذكر هذا لأبي عبد الله، فتكلم في إسناده. ومثل هذا لا يقال بالرأي وإنما هو بالتوقيف، وقد روي عن ابن عمر مثل ذلك (٧). وروى نافع قَالَ: خرج عبد الله بن عمر إلى جنازة فرأى معها نساء، --------- (١) «المصنف» ٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨ (١١٢٢٨ - ١١٢٤٣) كتاب: الجنائز، باب: في المشي أمام الجنازة. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٧ (١١٢٣٩). (٣) انظر: «المبسوط» ٢/ ٥٦، «المحلى» ٥/ ١٦٤ - ١٦٥. (٤) من (م). (٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٨٣. (٦) «المسند» ١/ ٩٧. (٧) ذكره الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٨٣. فوقف ثم قَالَ: ردهن فإنهن فتنة الحي والميت. ثم مضى فمشى خلفها، قلتُ: يا أبا عبد الرحمن، كيف المشي في الجنازة، أمامها، أم خلفها؟ قال: أما تراني أمشي خلفها. فهذا ابن عمر يفعل هذا، وهو الذي يروي عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يمشي أمامها (١). فدل ذلك على أن فعل الشارع ذلك على جهة التخفيف على الناس، لا لأن ذلك أفضل من غيره. وقد روى مغيرة عن إبراهيم قَالَ: كانوا يكرهون السير أمام الجنازة، وتأولوا في تقديم عمر بن الخطاب للناس في جنازة زينب أم المؤمنين، أن ذلك كان من أجل النساء اللاتي كن خلفها، فكره عمر للرجال مخالطتهن؛ لا لأن المشي أمامها أفضل. وقد روى يونس، عن ابن وهب أنه سمع من يقول ذلك، قَالَ إبراهيم: كان الأسود إذا كان في الجنازة نساء مشى أمامها، وإذا لم يكن معها نساء مشى خلفها (٢). ولا فرق عندنا بين الماشي والراكب، وخالف الخطابي (٣)، وتبعه الرافعي في «شرح المسند» فقال: الأفضل للراكب أن يكون خلفها بلا خلاف. وعبارة ابن الحاجب: وفي التشييع (٤). ثالثها: المشهور المشاة يتقدمون، وأما النساء فيتأخرون، وفي «المصنف» قيل لعلقمة: يكره المشي خلف الجنازة؟ قَالَ: إنما يكره السير أمامها (٥). -------------- (١) سبق تخريجه. (٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٨٥. (٣) «معالم السنن» ٤/ ٣١٦. (٤) «مختصر ابن الحاجب» ص ٦٧. (٥) «المصنف» ٢/ ٤٧٩ (١١٢٥٥). وعن ابن عون: كان الحسن وابن سيرين لا يسيران أمامها (١)، وقال سويد بن غفلة: الملائكة يمشون خلف الجنازة (٢). وعن أبي الدرداء أن من تمام أجر الجنازة تشييعها من أهلها، والمشي خلفها (٣). وقال أبو معمر في جنازة ابن ميسرة: امشوا خلف جنازته، فإنه كان مشاءً خلف الجنائز (٤). وعن مسروق مرفوعًا مرسلًا: «لكل أمة قربان، وقربان هذِه الأمة موتاها، فاجعلوا موتاكم بين أيديكم». وقال أبو أمامة: لأن لا أخرج معها أحب إليَّ من أن أمشي أمامها (٥). ولأبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تتبعوا الجنازة بصوت ولا نار، ولا يُمشى بين يديها» (٦). وللدارقطني من حديث عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه: جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله - ﷺ - فذكر أن أمه توفيت وهي نصرانية وهو محب، فقال له - ﷺ -: «اركب دابتك، وسر أمامها، فإنك إذا سرت أمامها لم تكن معها» (٧). وفي «صحيح الحاكم» من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي - ﷺ - قَالَ: «الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي عن يمينها وشمالها قريبًا منها، والسقط يُصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة» ثم قَالَ: ------------- (١) «المصنف» لابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٩ (١١٢٦٠). (٢) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢١٧. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٧ (١١٢٣٦). (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٧ (١١٢٣٧). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨ (١١٢٤١ - ١١٢٤٢). (٦) «سنن أبي داود» (٣١٧١) كتاب: الجنائز، باب: في النار يتبع بها الميت، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود». (٧) «سنن الدارقطني» ٢/ ٧٥ - ٧٦ كتاب: الجنائز، باب: وضع اليمنى على اليسرى. صحيح على شرط البخاري (١). وقال البيهقي: مشكوك في رفعه (٢). وكان يونس يَقِفُه على زياد. فان قلتَ: الشارع أمر باتباع الجنازة، ولفظ الاتباع لا يقع إلا على التالي، ولا يسمى المتقدم تابعًا بل هو متبوع، قلتُ: لا نسلم ذلك. فإن قيل: حق الشفيع أن يتقدم على الشافع، والقوم شفعاء، قلتُ: ينتقض بالصلاة عليه، فإنهم شفعاء فيها وقد تأخروا عنه، والشفاعة في الصلاة لا في التشييع. قَالَ ابن شاهين: هذا باب مشكل من القطع فيه بنسخ، فيجوز أن يكون مشى - ﷺ - بين يديها لعلة وخلفها لعلة، كما كان إذا صلى سلم واحدة، فلما كثر الناس عن يمينه وخلا اليسار سلم عن يمينه وشماره، ثم جاءت الرخصة منه بأنه يمشي حيث شاء، وقد جاء في المشي خلفها من الفضل ما لم يجيء في المشي أمامها، ولا يسلم له ذلك (٣). فصل: قوله: (وقال غيره: قريبًا منها). أي: لأنه إذا بعد لم يكن مشيعًا، فإن بعد عنها فإن كان بحيث ينسب إليها لكثرة الجماعة، حصل له فضل المتابعة، وإلا فلا، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها على ما قررناه عند الشافعي ومتابعيه. فصل: وقوله في الحديث: («فشر تضعونه عن رقابكم») يعني: تعب ------------ (١) «المستدرك» ١/ ٣٦٣ كتاب: الجنائز. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٢٤ - ٢٥ كتاب: الجنائز، باب: المشي خلفها. (٣) «الناسخ والمنسوخ» ص ٢٩٤. حمله، ويحتمل أن يراد به من أهل النار. وقيل: إن الميت السعيد إذا سمع من يقول: على رفقكم -يعني: المهل- أنه كان القائل أبغض الخلق إليه ولو كان أحبهم إليه في الدنيا. والشقي عكس ذلك، إذا سمع من يقول: أسرعوا. كان أبغض الناس إليه ولو كان أحبهم إليه في الدنيا. وإذا قَالَ: على رفقكم كان أحبهم إليه. فرع: قَالَ ابن المنذر: ومن تبع الجنازة حيثما مشى فيها، فليكثر ذكر الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعد للموت وما بعده (١). وسمع أبو قلابة صوت قاص في جنازة فقال: كانوا يعظمون الموت بالسكينة (٢). وآلى ابن مسعود أن لا يكلم رجلًا رآه يضحك في جنازة (٣). وقال مطرف بن عبد الله: كان الرجل يلقى الخاص من إِخوانه في الجنازة له عهد عنده، فما يزيد على التسليم ثم يعرض عنه، حَتَّى كأن له عليه موجدة اشتغالًا بما هو فيه، فإذا خرج من الجنازة سأله عن حاله ولاطفه. وفي سماع أشهب: قَالَ أسيد بن حضير: لو كنت في حالتي كلها مثلي في ثلاث: إذا ذكرت النبي - ﷺ -، وإذا قرأت سورة البقرة (٤). --------------- (١) «الأوسط» ٥/ ٣٨٤. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٤ (١١٢٠٠) باب: في رفع الصوت في الجنازة. (٣) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ١١ (٩٢٧١) باب: في الصلاة على من مات من أهل القبلة، وابن عبد البر في «التمهيد» ٤/ ٨٧. (٤) ورد بهامش الأصل: لعله: وإذا مشيت في جنازة. وانظر: «البيان والتحصيل» ١٨/ ٢٥ - ٢٦. ٥٢ - باب قَوْلِ المَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ قَدِّمُونِي ١٣١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». [انظر: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ١٨٤] سلف في باب حمل الرجال الجنازة بحديثه (١). ----------- (١) برقم (١٣١٤). ٥٣ - باب مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً عَلَى الجِنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ ١٣١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ. [١٣٢٠، ١٣٣٤، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩ - مسلم: ٩٥٢ - فتح: ٣/ ١٨٦] ذكر فيه حديث جابر: أَنَّ النبي - ﷺ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ. هذا الحديث أخرج أصله مسلم بدون قوله: (فكنت في الصف الثاني أو الثالث) (١). ولا شك أن الصفوف على الجنازة من سنة الصلاة عليها، وقد صح أن مالك بن هبيرة كان إذا صلى على جنازة، فاستقل الناس جزَّأهم ثلاثة أجزاء، ثم قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «من صلى عليه ثلاث صفوف فقد أوجب» حسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ورواه أحمد بلفظ: «فقد غفر له». ولفظ الحاكم بهما (٢) (٣)، ولهذا قَالَ أصحابنا: يسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر، وبه قَالَ أحمد (٤). قَالَ الطبري: فينبغي لأهل الميت إذا لم يخش عليه التغير أن ينتظروا اجتماع قوم، يقوم منهم ثلاث صفوف؛ لهذا الخبر. -------------- (١) «صحيح مسلم» (٩٥٢) كتاب: الجنائز، باب: في التكبير. (٢) ورد أعلى هذِه الكلمة في الأصل: أي: باللفظين. (٣) «سنن الترمذي» (١٠٢٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الجنازة والشفاعة للميت، و«المسند» ٤/ ٧٩، «المستدرك» ١/ ٣٦٢ كتاب: الجنائز. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٦٦٨). (٤) انظر: «المجموع» ٥/ ١٧٢، «المغني» ٣/ ٤٢٠. وقد روي من حديث أبي هريرة وعائشة عن النبي - ﷺ - قَالَ: «من صلى عليه مائة من المسلمين إلا شفعوا فيه» (١) ومن حديث ابن عباس مرفوعًا: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه». أخرجه مسلم من هذا الوجه (٢)، ومن حديث عائشة بلفظ: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه» وروي مثله عن أنس (٣)، ووجه الاختلاف في هذِه الأحاديث الواردة فيمن يصلي على الميت فيغفر له بصلاتهم، أنها وردت جوابًا لسائلين بحسب سؤالهم، فإنه جواب من لا ينطق عن الهوى، فسأله سائل عن المائة هل يشفعون فيه؟ فأجاب بنعم. وآخر عن أربعين فقال مثل ذلك، ولعله لو سئل عن أقل من أربعين، لقال مثل ذلك. وحديث مالك بن هبيرة يدل على أقل من أربعين لإمكان الثلاث صفوف أقل من أربعين، كما يمكن أن يكون أكثر، وإنما عين المائة والأربعين فيما سلف، وهي من حيز الكثرة؛ لأن الشفاعة كلما كثر المشفعون فيها كان أوكد لها، ولا تخلو جماعة من المسلمين لهم هذا المقدار أن يكون فيها فاضل لا ترد شفاعته، أو يكون اجتماع هذا العدد بالضراعة إلى الله مشفعًا عنده. وأما الصلاة على النجاشي فسلف ما فيها في باب النعي (٤). ------- (١) رواه مسلم عن عائشة (٩٤٧) في الجنائز، باب: من صلى عليه مائة شفعوا فيه. (٢) «صحيح مسلم» (٩٤٨) كتاب: الجنائز، باب: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه. (٣) حديث عائشة وأنس سبق تخريجهما. (٤) سلف برقم (١٢٤٢). ٥٤ - باب الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ ١٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَي أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا. [انظر: ١٢٤٢ - مسلم: ٩٥١ - فتح: ٣/ ١٨٦] ١٣١٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ - ﷺ -[أَنَّه] أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ١٨٦] ١٣٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «قَدْ تُوُفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ». قَالَ: فَصَفَفْنَا فَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي. [انظر: ١٣١٧ - مسلم: ٩٥٢ - فتح: ٣/ ١٨٦] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة: نَعَى النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَي أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ، فَكبرَ أَرْبَعًا. ثانيها: حديث الشعبي قال: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ فكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابن عَبَّاسٍ. ثالثها: حديث عطاء عن جابر: «قَدْ تُوُفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ». فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهِ وَنحْنُ صُفُوفٌ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابرٍ: كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي. الشرح: هذِه الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم (١)، والتعليق الأخير أخرجه مسلم من حديث أيوب عنه (٢). قَالَ ابن بطال: ويحتمل أن يكون أراد بترجمة الباب والباب قبله مخالفة عطاء. فإن ابن جريج قَالَ: قلتُ له: أفحق على الناس أن يسووا صفوفهم على الجنائز كما يسوونها في الصلاة؟ قَالَ: لا؛ لأنهم قوم يكبرون ويستغفرون (٣). وقوله: (أتى على قبر منبوذ). يروى بإضافة القبر إليه، وهو المنبوذ، ففيه إسلام اللقيط الموجود بدار الإسلام، وبالتنوين. أي: منتبذًا ناحية عن القبور. ففيه كراهة الصلاة في المقابر؛ لأنه جعل انتباذ القبر شرطًا في الصلاة على القبر، وفي الحقيقة المدفون في القبر هو المنبوذ. ------------ (١) أما أولها فرواه برقم (٩٥١) كتاب: الجنائز، باب: في التكبير على الجنازة، وثانيها برقم (٩٥٤) باب: الصلاة على القبر، وثالثها برقم (٩٥٢). (٢) «صحيح مسلم» (٩٥٢). (٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٢٩ (٦٥٨٧) كتاب: الجنائز، باب: تسوية الصفوف عند الصلاة على الجنائز، وانظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٠٣. ٥٥ - باب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ ١٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ: «مَتَى دُفِنَ هَذَا؟». قَالُوا: البَارِحَةَ. قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي». قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ١٨٩] ذكر فيه حديث ابن عباس أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ: «مَتَى دُفِنَ هذا؟». قَالُوا: البَارِحَةَ. قَالَ: «أفلَا آذَنْتُمُونِي». قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ. هذا الحديث سلف في باب: الإذن بالجنازة (١)، وهو ظاهر فيما ترجم له من صلاة الصبيان مع الرجال على الجنائز؛ لأن ابن عباس كان إذ ذاك صغيرًا. وفيه: من الفقه: تدريب الصبيان على شرائع الإسلام وحضورهم مع الجماعات؛ ليستأنسوا إليها؛ وتكون لهم عادة إذا لزمتهم وإذا ندبوا إلى صلاة الجنائز؛ ليتدربوا عليها، وهي فرض كفاية، ففرض العين أحرى. وقد نص عليه الشارع كما مر في الصلاة. ------------ (١) برقم (١٢٤٧). ٥٦ - باب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازِة وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ». وَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». وَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ». سَمَّاهَا صَلَاةً، لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا. وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَقَالَ الحَسَنُ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَأَحَقُّهُمْ -يعني بالصَّلاةِ- عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ. وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أَوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يَطْلُبُ المَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ. وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالحَضَرِ أَرْبَعًا. وَقَالَ أَنَسٌ: التَّكْبِيرَةُ الوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ. [فتح ٣/ ١٨٩] ١٣٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ - ﷺ - عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ١٩٠] ثم ذكر حديث الشعبي السالف في الصفوف على الجنازة (١)، وأراد البخاري بما ذكر الرد على الشعبي، فإنه أجاز الصلاة على الجنازة بغير طهارة. قَالَ: لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود، وهو قول ابن جرير، والشيعة، وابن علية، كما نقله أبو عمر، وإجماع المسلمين ------------- (١) سلف برقم (١٣١٩). سلفًا وخلفًا على خلافه، فلا التفات إليه، وقد أجمعوا على أنها لا تصلى إلا إلى القبلة ولو كانت دعاء لجازت إلى غيرها (١). واحتجاج البخاري في الباب بما ذكر بعضه كافٍ، وهو أنه - ﷺ - سماها صلاة، وقول السلف الذين ذكرهم في الباب أن حكمها عندهم حكم الصلاة في أن لا تصلى إلا بطهارة وفيها تكبير وسلام، ولا تصلى عند طلوع الشمس ولا غروبها، وأنه - ﷺ - أمهم فيها وصلوا خلفه كما فعل في الصلاة. ولنتكلم على ما ذكره حرفًا حرفًا فنقول: أما قوله: («من صلى على الجنازة») فهو مسند من حديث أبي هريرة: «من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط، وإن اتبعها فله قيراطان» ذكره قريبًا في باب: من انتظر حَتَّى تدفن، بلفظ: «من شهد الجنازة حَتَّى يصلي» (٢) وما سقناه لفظ مسلم (٣). وأما قوله: («صلوا على صاحبكم») فسيأتي من حديث سلمة بن الأكوع في الذي عليه ثلاثة دنانير فقال - ﷺ -: «صلوا على صاحبكم» وهو أحد ثلاثيات البخاري (٤). وأما قوله: («صلوا على النجاشي») فسلف (٥). وأما قوله: (سماها صلاة، ليس فيها ركوع ولا سجود ولا يتكلم فيها) فهو كما قَالَ. ------------ (١) «الاستذكار» ٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤. (٢) سيأتي برقم (١٣٢٥). (٣) «صحيح مسلم» (٩٤٥) كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها. (٤) سيأتي برقم (٢٢٨٩) في الحوالات، باب: إن أحال دين الميت على رجل جاز. (٥) برقم (١٣٢٠) باب: الصفوف على الجنازة. وأما قوله: (وفيها تكبير وتسليم). فهو كما قَالَ. لكن اختلف هل يسلم واحدة أو اثنتين؟ فقال كثير من أهل العلم: يسلم واحدة، روي ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن سهل، وأنس، وجماعة من التابعين، وقد سلف قبيل الإذن بالجنازة أيضًا (١)، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق: فيسلم خفية (٢). كذا روي عن الصحابة والتابعين إخفاؤها. وعن مالك: يسمع بها من يليه (٣). والمشهور عندهم أن المأموم يسلم أيضًا واحدة لا اثنتين (٤). وقال الكوفيون: يسلم تسليمتين (٥). واختلف قول الشافعي على القولين (٦)، والأظهر: ثنتان (٧). وبواحدة قَالَ أكثر العلماء؛ لبنائها على التخفيف، فعليه يلتفت يمينة ويسرة، والأشهر: لا، بل يأتي بها تلقاء وجهه (٨). وهل يقتصر على: السلام عليكم، طلبًا للاختصار، أم يستحب زيادة: ورحمة الله؟ فيه وجهان لأصحابنا (٩)، أصحهما الثاني. ولا يكفي: السلام عليك على الراجح، ولا يجب به الخروج على الأصح (١٠). ----------- 0(١) رواها ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠ (١١٤٩١ - ١١٤٩٣)، (١١٤٩٨)، (١١٥٠٠) كتاب: الجنائز، باب: في التسليم على الجنازة كما هو. (٢) انظر: «الكافي» ص ٨٤، «المغني» ٣/ ٤١٨. (٣) «الموطأ» ١/ ٣٩٦ (١٠٠٢) كتاب: الجنائز، باب: الاختفاء. (٤) انظر: «المعونة» ١/ ١٩٨، «حاشية العدوي على الكفاية» ١/ ٣٧٥. (٥) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٤٢، «الاختيار» ١/ ١٢٤. (٦) ورد بهامش الأصل: هذان القولان في الجديد، وبالاقتصار على واحدة قال في «الإملاء». (٧) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ١٢٧. (٨) انظر: «المجموع» ٥/ ٢٠٠، «الإنصاف» ٦/ ١٥٨. (٩) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال في «الروضة» في زيادة: ورحمة الله، فيه تردد، حكاه أبو علي. (١٠) انظر: «المجموع» ٥/ ٢٠٠. وفي الجهر به قولان للمالكية (١)، وعند أبي يوسف: يتوسط بينهما. ويرفع عندنا اليد في كل تكبيرة (٢)، وللمالكية أقوال، ثالثها الشاذ: لا يرفع في الجميع (٣). وذهب الكوفيون، والثوري إلى الرفع في الأولى فقط (٤)، وحكاه في «المصنف» عن النخعي، والحسن بن صالح (٥)، وحكى ابن المنذر الإجماع على الرفع في أول تكبيرة (٦)، وروي مثل قولنا عن ابن عمر، وسالم، وعطاء، والنخعي، ومكحول (٧)، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، إسحاق (٨)، وفي الترمذي -غريبًا- عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول تكبيرة (٩) زاد الدارقطني: «ثم لا يعود»، وعن ابن عباس عنده مثله بسند فيه الحجاج بن نصير (١٠) وغيره (١١). ---------- (١) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠. (٢) انظر: «البيان» ٣/ ٦٦. (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٢. (٤) انظر: «الأصل» ١/ ٤٢٤، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٩١. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩١ (١١٣٨٦ - ١١٣٨٧) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل يرفع يديه في التكبير على الجنازة. (٦) «الأوسط» ٥/ ٤٢٦. (٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١ (١١٣٨٠)، (١١٣٨٢)، (١١٣٨٤)، (١١٣٨٦). (٨) انظر: «المغني» ٣/ ٤١٧ - ٤١٨. (٩) «سنن الترمذي» (١٠٧٧) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في رفع اليدين على الجنازة، وحسنه الألباني في «أحكام الجنائز» ص ١٤٧. (١٠) ورد بهامش الأصل ما نصه: ضعفوه وشذ ابن حبان فذكره في «الثقات» قاله في «الكاشف»، وقال في «المغني» ضعيف، وتركه بعضهم. (١١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٧٥ كتاب: الجنائز، باب: وضع اليمنى على اليسرى ورفع الأيدي عند التكبير. وحكى صاحب «المبسوط» من الحنفية أن ابن عمر، وعليًّا قالا: لا يرفع اليد فيها إلا عند تكبيرة الإحرام (١). وحكاه ابن حزم عن ابن مسعود وابن عمر، ثم قَالَ: لم يأت بالرفع فيما عدا الأولى نص ولا إجماع (٢). وفي «المستدرك» صحيحًا عن عبد الله بن أبي أوفي أنه سلم عن يمينه وشماله، فلما انصرف قال: لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع، أو هكذا يصنع (٣) وقال أحمد -فيما حكاه الخلال: وقيل له: أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلم تسليمتين على الجنازة؟ - قَالَ: لا، ولكن يروى عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفية عن يمينهم، فذكر ابن عمر، وابن عباس، وابن أبي أوفي، وأبا هريرة، وواثلة، وزيد بن ثابت. وفي «المصنف» عن جابر بن زيد، والشعبي، والنخعي أنهم كانوا يسلمون تسليمتين (٤). قَالَ مالك في «المجموعة»: ليس عليهم رد السلام على الإمام. وروى عنه ابن غانم (٥) قَالَ: يرد على الإمام من يسمع سلامه (٦). ----------- (١) «المبسوط» ٢/ ٦٥، ولم يحكه إلا عن ابن عمر. (٢) لم يحكه ابن حزم عن ابن عمر، بل عن ابن عباس، وحكى عن ابن عمر خلافه، فقال: وصح عن ابن عمر رفع الأيدي لكل تكبيرة، «المحلى» ٥/ ١٧٦. (٣) «المستدرك» ١/ ٣٦٠ كتاب: الجنائز. (٤) «المصنف» ٢/ ٥٠٠ (١١٥٠٣، ١١٥٠٨)، عن الشعبي، والنخعي وأما جابر فروى عنه في «المصنف» تسليمة واحدة (١١٤٩٧)، وانظر: «الأوسط» ٥/ ٤٤٧. (٥) ورد بهامش الأصل: هو عبد الله بن عمر بن غانم، أبو عبد الرحمن الرعيني قاضي إفريقية، عن داود بن قيس وابن أنعم، وعنه القعنبي، مستقيم الحديث كذا قال في «الكاشف» وقال في «المغني» مجهول الحال، وأبهمه ابن حبان، وقوله: مستقيم الحديث. هي عبارة أبي داود فيه، وقد ذكره في «الميزان» فذكر فيه كلامًا آخر، فراجعه. (٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٩٠، «المنتقى» ٢/ ٢٠. وأما قوله: (وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرًا). فقد سلف أنه إجماع إلا من شذ. وقوله: (ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ويرفع يديه). أخرجه ابن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن أنيس (د. ت، ثقة) بن أبي يحيى، عن أبيه (عو) أن جنازة وضعت فقام ابن عمر قائمًا، فقال: أين وليُّ هذِه الجنازة، ليصل عليها قبل أن يطلع قرن الشمس (١). وحَدَّثَنَا وكيع عن جعفر بن برقان عن ميمون قَالَ: كان ابن عمر يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس وحين تغرب (٢). وحدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي بكر -يعني: ابن حفص- قَالَ: كان ابن عمر إذا كانت الجنازة على العصر قَالَ: عجلوا بها قبل أن تطفل (٣) الشمس (٤). ثم أخرج عنه أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة (٥). وكره أكثر العلماء -فيما حكاه عنهم ابن بطال- الصلاة على الجنائز في غير مواقيت الصلاة (٦). روي ذلك عن ابن عمر أنه كان يصلي عليها بعد العصر، وبعد الصبح إذا (صلاهما) (٧) لوقتيهما (٨). وروى ابن وهب، عن ابن ----------- (١) «المصنف» ٢/ ٤٨٤ (١١٣٢١) كتاب: الجنائز، باب: ما قالوا في الجنائز يصلى عليها عند طلوع الشمس وعند غروبها. (٢) «المصنف» ٢/ ٤٨٤ (١١٣٢٤). (٣) ورد بهامش الأصل: طفلت الشمس همت بالغروب. قاله في «الجمهرة». (٤) «المصنف» ٢/ ٤٨٥ (١١٣٢٨). (٥) سبق تخريجه. (٦) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٠٦. (٧) في الأصول: (صليتهما)، والمثبت من «الأوسط» لابن المنذر. (٨) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٣٩٦. عباس، وعطاء، وسعيد ابن المسيب مثله، وهو قول في «المدونة»، قَالَ: لا بأس بالصلاة عليها بعد العصر حَتَّى تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم يسفر (١). ونحوه قول الأوزاعي، والثوري، والكوفيين، وأحمد، وإسحاق، وكرهوا الصلاة عليها عند الطلوع والغروب والزوال (٢)، وخالفهم الشافعي فأباحها كل وقت (٣)، وهو قول ابن مصعب من المالكية إلا أن يتحرى ذلك، وهو بما خص من النهي. ووقع في ابن الحاجب ما يوهم أن المنع لـ«الموطأ» في الجنازة -والذي فيه: إنما هو في سجود التلاوة (٤)، فاعلمه- واحتج الكوفيون بحديث عقبة بن عامر في مسلم: ثلاث ساعات نهانا رسول الله - ﷺ - أن نصلي فيها أو أن نقبر فيها موتانا: عند الطلوع حَتَّى تبيض، وعند انتصاف النهار حَتَّى تزول، وعند الاصفرار حَتَّى تغيب (٥). وحمله المخالف على ما إذا قصد التحري. قَالَ الشافعي: أخبرنا الثقة من أهل المدينة بإسناد لا أحفظه أنه صلى على عقيل ابن أبي طالب والشمس مصفرة قبل المغيب قليلًا ولم ينتظروا به المغيب (٦). -------------- (١) «المدونة» ١/ ١٧١. (٢) انظر: «الأصل» ١/ ٤٢٩ - ٤٣٠، «مختصر الطحاوي» ص ٤٢، «المغني» ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧. (٣) «الأم» ١/ ٢٤٧. (٤) «الموطأ» ص ١٤٥ - ١٤٦. (٥) «صحيح مسلم» (٨٣١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها. (٦) «الأم» ١/ ٢٤٨. فرع: (لو) (١) أخرها حَتَّى غربت، فروى ابن القاسم وابن وهب يبدأ بالمغرب، وقيل: هو واسع أن يبدأ بأيهما شاء، وبالمغرب أصوب. وأما رفع اليدين فقد سلف بيانه. وأما قول الحسن: (أحق الناس بالصلاة على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم). فإن أهل العلم اختلفوا فيمن أحق بالصلاة عليها: الولي أو الوالي؟ فقال أكثر أهل العلم: الوالي أحق من الولي. روي عن علقمة، والأسود والحسن، وجماعة (٢)، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والشافعي في القديم، وأحمد، وإسحاق (٣)، إلا أن مالكًا قَالَ في الوالي والقاضي: إن كانت الصلاة إليهم، فهم أحق من الولي. وقال مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ: ليس ذلك إلى من إليه الصلاة من قاضٍ، أو صاحب شرطة، أو خليفة الوالي الأكبر، وإنما ذلك إلى الوالي الأكبر الذي تؤدى إليه الطاعة (٤). وعبارة ابن الحاجب: وإذا اجتمع الولي والوالي، فالولي الأصل، لا الفرع أولى، فإن كان صاحب الخطة فقولان لابن القاسم وغيره (٥) أن الولي أولى إلا أن يكون صاحب الصلاة هو القاضي (٦)، وقال أبو يوسف، ------------- (١) من (م). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤ كتاب: الجنائز، باب: ما قالوا في تقدم الإمام على الجنازة، وذكرها ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٣٩٨. (٣) انظر «الهداية» ١/ ٩٨، «الكافي» ص ٨٣، «روضة الطالبين» ٢/ ١٢١، «المغني» ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٨٤ - ٥٨٥. (٥) «مختصر ابن الحاجب» ص ٦٨. (٦) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٩. ![]()
__________________
|
|
#270
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 621 الى صـــ 633 الحلقة (270) والشافعي في الجديد: الولي أحق من الوالي، لوفور شفقته (١). قَالَ تعالى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦]. وحجة الأول: خوف الافتيات، وروى الثوري عن أبي حازم قَالَ: شهدت الحسين بن علي قَدَّمَ سعيد بن العاصي يوم مات الحسن بن علي، وقال له: تقدم فلولا السنة ما قدمتك (٢)، وسعيد يومئذٍ أمير المدينة (٣). قَالَ ابن المنذر: ليس في هذا الباب أعلى من هذا؛ لأن جنازة الحسن شهدها عوام الناس من الصحابة والمهاجرين والأنصار، فلم ينكر ذلك منهم أحد، فدل أنه كان عندهم الصواب (٤)، وحكى ابن أبي شيبة عن النخعي، وأبي بردة، وابن أبي ليلى، وطلحة، وزبيد، وسويد بن غفلة: تقديم إمام الحي. وعن أبي الشعثاء، وسالم، والقاسم، وطاوس، ومجاهد، وعطاء أنهم كانوا يقدمون الإمام على الجنازة (٥). وقوله: (فإذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم ..) إلى آخره، واختلف في صلاة الجنازة إذا خشي فوتها بالتيمم، قَالَ مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور: لا يتيمم (٦). وأجازه عطاء، وسالم، والنخعي، والزهري، وربيعة، والليث، ويحيى بن سعيد، وعكرمة، وسعد بن إبراهيم، والثوري وأبو حنيفة -------- (١) انظر: «مجمع الأنهر» ١/ ١٨٢، «المجموع» ٥/ ١٧٥. (٢) ورد بهامش الأصل: قول الحسين: لولا السنة هو مثل قوله: من السنة كذا. (٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤٧١ - ٤٧٢ (٦٣٦٩) كتاب: الجنائز، باب: من أحق بالصلاة على الميت، ورواه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٣٩٩. (٤) «الأوسط» ٥/ ٣٩٩. (٥) «المصنف» ٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤. (٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٣٨، «المجموع» ٥/ ١٨١، «الفروع» ١/ ٢٢٠. والأوزاعي وابن وهب صاحب مالك، ورواية عن أحمد (١)، وقال ابن حبيب: الأمر فيه واسع (٢). حجة من أجاز خوف فوتها، والاهتمام بها حجة المانع لغيرها. ونقل ابن التين عن ابن وهب أنه يتيمم إذا خرج طاهرًا فأحدث، وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم. وما نقلنا عن عطاء تبعنا فيه ابن المنذر (٣)، والذي رواه ابن أبي شيبة عنه أنه لا يتيمم (٤). وأما قوله: (يدخل معهم بتكبيرة). هذا رواية أشهب عن مالك في «العتبية» أنه يكبر ويشرع في الدعاء (٥)، وروى عنه ابن القاسم في «المدونة»: ينتظر حَتَّى يكبر أخرى فيكبر معه (٦)، وعبر ابن الحاجب عن ذلك بقوله (٧). وفي دخول المسبوق بين التكبيرتين أو انتظار التكبير قولان: فإذا أتم ما أدرك من صلاته، قضى ما فاته، خلافًا للحسن. وإذا قلنا: يقضي، قضى الباقي بالتكبيرات، وفي قول: تباعًا. والخلاف عند المالكية أيضًا، قَالَ ابن القاسم في «المدونة»: يكبر تباعًا (٨). وقال القاضي عبد الوهاب عن مالك: يدعو بين التكبيرتين إن لم يخف رفع الجنازة. ويحتمل أن يكون ذلك وفاقًا لابن القاسم. ---------- (١) انظر: «المبسوط» ١/ ١١٨، «النوادر والزيادات» ١/ ٦٣٩، «الفروع» ١/ ٢٢٠. (٢) انظر: «النوادر والزيادت» ١/ ٦٣٩. (٣) «الأوسط» ٥/ ٤٢٤. (٤) «المصنف» ٢/ ٤٩٨ (١١٤٧١) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل يخاف أن تفوته الصلاة على الجنازة وهو غير متوضئ. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٣٦ - ٦٣٧. (٦) انظر: «المدونة» ١/ ١٦٣. (٧) «مختصر ابن الحاجب» ص ٦٨. (٨) «المدونة» ١/ ١٦٣. وقوله: (يدخل معهم بتكبيرة). لا يبعد أن يعطف على قول الحسن السالف، فإن ابن أبي شيبة رواه عن معاذ، عن أشعث، عن الحسن في الرجل ينتهي إلى الجنازة وهم يصلون عليها. قَالَ: يدخل معهم بتكبيرة (١). ثم روى عن أبي أسامة، عن هشام، عن محمد قَالَ: يكبر ما أدرك، ويقضي ما سبقه. وقال الحسن: يكبر ما أدرك ولا يقضي ما سبقه. كما أسلفناه عنه (٢). قَالَ ابن العربي في «مسالكه»: روى ابن القاسم عن مالك أن الرجل يكبر بتكبير الإمام، فإذا سلّم الإمام قضى ما عليه عملًا بقوله: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا». قَالَ: والإجماع من العلماء بالعراق والحجاز على قضاء التكبير دون الدعاء، وصوبه فأغرب. وقوله: (وفيها صفوف وإمام). كأن البخاري قصد رد قول مالك، فإن ابن العربي نقل عنه في «مسالكه» أنه استحب أن يكون المصلون على الجنازة شطرًا واحدًا، ثم قَالَ: ولا أعلم له وجهًا؛ لأنه كلما كثرت الصفوف كان أفضل، وكذلك صح عن رسول الله - ﷺ - في أكثر صلاته عليها، ثم ساق حديث مالك بن هبيرة السالف (٣). ------------ (١) «المصنف» ٢/ ٤٩٩ (١١٤٨٩) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل ينتهي إلى الإمام وقد كبر أيدخل معه أو ينتظر حتى يبدأ بالتكبير؟ (٢) «المصنف» ٢/ ٤٩٩ (١١٤٨٣) باب: في الرجل يفوته التكبير على الجنازة يقضيه أم لا. (٣) سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن تكثير الصفوف، مع عدم إكمال الصف الأول؟ فقال: الأصل أن يصلوا في صلاة الجنازة كما يصفون في الصلاة المكتوبة، فيكملون الصف الأول فالأول، أما عمل مالك بن هبيرة رضي الله عنه في سنده ضعف، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب إكمال الصف الأول فالأول في الصلاة، «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» ١٣/ ١٣٩. وفي «شرح الهداية»: إذا اجتمعت جنائز جاز أن يصلى عليهم صلاة واحدة، يجعلون واحدًا خلف واحد، ويلي الإمام الرجال، ومن كان أفضل فهو أولى أو يستوي فيه الحر والعبد، ويقدم الصبي الحر على العبد، ثم الخناثى ثم النساء ثم الصبيان. ولو جعلت الجنائز صفًّا واحدًا على الطول جاز. وقيل: يوضع شبه الدرج رأس الثاني عند صدر الأول (١)، وإن شاءوا جعلوها واحدًا بعد واحدٍ. وإن شاءوا صفًّا واحدًا، وإن كان القوم سبعة قاموا ثلاثة صفوف خلفه ثلاثة ثم اثنان ثم واحد قلتُ: والأولى عندي: اثنان ثم اثنان ثم اثنان؛ لكراهية الانفراد. وأما كون التكبير أربعًا فقد سلف (٢)، وحديث الشعبي سلف أيضًا (٣). -------- (١) هو قول ابن أبي ليلى كما في «المبسوط» ٢/ ٦٥. (٢) برقم (١٣١٩) باب: الصفوف على الجنازة. (٣) برقم (٨٥٧) كتاب: الأذان، باب: وضوء الصبيان. ٥٧ - باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الذِي عَلَيْكَ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنًا، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ. ١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهم - يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ. فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. [انظر: ٤٧ - مسلم: ٩٤٥ - فتح: ٣/ ١٩٢] ١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ -يَعْنِى: عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُهُ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. ﴿فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦] ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ. ثم ذكر حديث نافع: حُدِّثَ ابن عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ. فَقَالَ: أَكْثَرَ علينا أَبُو هُرَيْرَةَ. فَصَدَّقَتْ -يَعْنِي: عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُهُ. فَقَالَ ابن عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثيرَةٍ. الشرح: أما أثر زيد فأخرجه ابن أبي شيبة عن معاوية ووكيع عن هشام، عن أبيه، عن زيد بن ثابت: إذا صليتم على الجنازة فقد قضيتم ما عليكم فخلوا بينها وبين أهلها (١). وحديث أبي هريرة: أخرجه مسلم والأربعة (٢)، وفي لفظ: «من اتبع --------------- (١)»المصنف«٣/ ٤ (١١٥٢٧) باب: في الرجل يصلي على الجنازة له أن لا يرجع حتى يؤذن له. (٢)»مسلم" (٩٤٥) كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، وأبو داود (٣١٦٨)، الترمذي (١٠٤٠)، النسائي ٤/ ٥٤ - ٥٥ وابن ماجه (١٥٣٩). جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معها حَتَّى يصلي عليها» (١). ولمسلم: «من خرج مع جنازة من بيتها» (٢). وليس في الحديث أن أبا هريرة رفعه، نعم، أخرجه مسلم مصرحًا به، وقول أبي مسعود وخلف والحميدي والطرقي رواه نافع عن أبي هريرة غير جيد، إذ في مسلم، روايته: أن نافعًا قَالَ: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ -، فذكره، فقال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة. فبعث إلى عائشة فصدقته (٣). وفيه من حديث داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه كان قاعدًا عند ابن عمر إذ طلع عليه خباب -صاحب المقصورة- قَالَ: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة. قَالَ: إنه سمع رسول الله - ﷺ - الحديث، وفيه: فأرسل خبابًا إلى عائشة يسألها (٤). وزعم خلف أن خبابا رواه عن أبي هريرة. وقال الحميدي: ليس له في «الصحيح» عن أبي هريرة. ولابن أبي شيبة من حديث الوليد بن عبد الرحمن فقال له ابن عمر: انظر ما تقول (٥). ولابن زنجويه في «فضائله» من حديث سعيد بن أبي سعيد عن ----------- (١) سلف برقم (٤٧) كتاب: الإيمان، باب: اتباع الجنائز من الإيمان. (٢) «صحيح مسلم» (٩٤٥/ ٥٦). (٣) انظر: «الجمع بين الصحيحين» ٤/ ١٦٩ (٣٣٠١). (٤) رواه مسلم (٩٤٥/ ٥٦)، وأبو داود (٣١٦٩) باب: فضل الصلاة على الجنائز وتشييعها. وأبو نعيم في «المستخرج» ٣/ ٣٠ (٢١٢٠) كتاب: الجنائز، باب: فضل اتباع الجنائز. والبيهقي ٣/ ٤١٢ - ٤١٣ كتاب: الجنائز، باب: انصراف من شاء إذا فرغ من القبر. (٥) «المصنف» ٣/ ١٢ (١١٦١٥) باب: في ثواب من صلى على الجنازة وتبعها حتى تدفن. أبي هريرة. فذكره. وفيه: فدخل عبد الله على حفصة فقال: أسمعتي هذا من رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: نعم. فقال عبد الله: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. وسيأتي في الباب بعده من حديث سعيد بن أبي سعيد (١): وروى ابن أبي شيبة من حديث سالم البرَّاد عن ابن عمر قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهدها حَتَّى يقتضى قضاؤها فله قيراطان، القيراط مثل أحد» (٢). قال الترمذي في «علله الكبير»: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: رواه عبد الملك بن عمير، عن سالم، عن أبي هريرة وهو الصحيح، وحديث ابن عمر ليس بشيء. ابن عمر أنكر على أبي هريرة حديثه. قَالَ: وسألته عن حديث أبي صالح عن ابن عمر فقال: إنما هو عن أبي هريرة (٣). قوله: وحديث ابن عمر ليس بشيء. وقوله: أكثر أبو هريرة. لم يتهمه بالكذب، بل خشي السهو، أو يكون لم يسمعه أبو هريرة من النبي -رضي الله عنه-. وحديث الباب دال على ما ترجم له. واختلف العلماء في الانصراف من الجنازة هل يحتاج إلى إذن أم لا؟ فروي عن زيد بن ثابت، وجابر ابن عبد الله، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وقتادة، وابن سيرين، وأبي قلابة أنهم كانوا ينصرفون إذا وريت الجنازة، ------------- (١) برقم (١٣٢٥) باب: من انتظر حتى تدفن. (٢) «المصنف» ٣/ ١٣ (١١٦٠). (٣) «العلل الكبير» ١/ ٤١٧. ولا يستأذنون (١) وهو قول الشافعي وجماعة من العلماء، ولمالك وأصحابه جواز الانصراف قبل الصلاة عليها وبعدها دون إذن (٢) -وسيأتي في الباب بعده- وقالت طائفة: لا بد من الإذن في ذلك. وروي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة، والنخعي أنهم كانوا لا ينصرفون حَتَّى يستأذنوا (٣). وروى ابن عبد الحكم عن مالك قَالَ: لا يجب لمن يشهد جنازة أن ينصرف عنها حَتَّى يؤذن له، إلا أن يطول ذلك (٤). والقول الأول أولى بالصواب بدليل قوله - ﷺ -: «من شهد» الحديث، فلفظة (حَتَّى): حض وترغيب لا لفظ حتم ووجوب، ألا ترى قول زيد السالف. وحديث جابر مرفوعًا: «أميران وليسا بأميرين: المرأة تحج مع القوم فتحيض، والرجل يتبع الجنازة فيصلي عليها، ليس له أن يرجع حَتَّى يستأمر أهل الجنازة» أخرجه البزار، وعلته أبو سفيان (٥)، ورواه عمرو بن -------------- (١) رواه عبد الرزاق عن قتادة، القاسم، ابن الزبير ٣/ ٥١٥ (٦٥٢٧ - ٦٥٢٨) باب: انصراف الناس من الجنازة قبل أن يؤذن لهم، وروى الآثار ابن أبي شيبة عن زيد، وجابر، ومحمد، والحسن ٣/ ٤ - ٥ (١١٥٢٧)، (١١٥٢٩)، (١١٥٣٩) باب: الرجل يصلي على الجنازة له أن لا يرجع حتى يؤذن له. (٢) قال الدسوقي في «حاشيته» ١/ ٤٢٣، الانصراف قبل الصلاة مكروه مطلقًا سواء حصل طول في تجهيزها أو لا كان الانصراف لحاجة أو لغير حاجة كان الانصراف بإذن من أهلها أم لا، وأما إن كان الانصراف بعد الصلاة، وقبل الدفن فيكره إن كان بغير إذنٍ من أهلها. والحال أنهم لم يطولوا فإن كان بإذن أهلها فلا كراهة طولوا أولا، وإن طولوا فلا كراهة كان بإذن أهلها أم لا. أهـ (٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥١٣ - ٥١٥ (٦٦٢١ - ٦٦٢٤). (٤) لم أقف على رواية ابن عبد الحكم عن مالك، لكن القول مذكور في «التفريع» ١/ ٣٧٠، «الخرشي على مختصر خليل» ٢/ ١٣٧. (٥) رواه البزار كما في «كشف الأستار» ٢/ ٣٦ (١١٤٤) كتاب: الحج، باب: في = عبد الجبار من حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا مثله ولم يتابع عليه، ذكره العقيلي (١) وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا (٢). وكذا عن ابن مسعود من قوله (٣). وللدارقطني من حديث عائشة مرفوعًا: «إذا صلى الإنسان على الجنازة انقطع ذمامها إلا أن يشاء أن يتبعها». ثم قَالَ: المحفوظ عن هشام، عن أبيه موقوفًا ليس فيه عائشة (٤)، ولابن أبي شيبة عن إبراهيم، وطلحة اليامي، وعن جابر موقوفًا: ارجع إذا بدا لك. وقاله ابن سيرين، والحسن، وابن جبير، وابن عمر (٥). -----------0 = المرأة تحيض ولم تقض نسكها. (١) «الضعفاء الكبير» ٣/ ٢٨٧، وقال: هذا يروى بإسناد معل. (٢) «المصنف» ٣/ ٥ (١١٥٣٨). (٣) «المصنف» ٣/ ٥ (١١٥٣٣). (٤) «العلل» ١٤/ ٢٠٠ (٣٥٥٢). (٥) «المصنف» ٣/ ٥. ٥٨ - باب مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ ١٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -. - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ [عَلَيْهَا] فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ». [انظر: ٤٧ - مسلم: ٩٤٥ - فتح: ٣/ ١٩٦] ذكر فيه حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري، عَنْ أبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ - ﷺ - (١). ثم ساق من حديثِ الأعرج عن أبي هريرة، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ ..» الحديث. قَالَ الإسماعيلي: جمع البخاري بين حديث الأعرج عن أبي هريرة، وبين حديث المقبري عن أبي هريرة على لفظ واحد، وإنما القِيراطان في مِثْلِ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ دون حديث المقبري، ولم يبين ذلك. وقد أسلفنا أن الحديث دال على أنه لا يحتاج إلى إذن في الانصراف عن الجنازة؛ لأن الشارع أخبر أن من شهدها فله كذا، ومن شهد الدفن فله كذا، فوكله إلى اختياره أن يرجع بقيراط من الأجر إن أحب أو بقيراطين، فدل على تساوي حكم انصرافه بعد الصلاة وبعد الدفن؛ لأنه لا إذن لأحد عليه فيه حين رد الاختيار إليه في ذلك. وقد أجاز مالك وبعض أصحابه لمن شيعها أن ينصرف منها قبل أن ------------ (١) ورد بهامش الأصل: ثم ذكره من حديث ابن المسيب عن أبي هريرة. يصلى عليها، فيما رواه أشهب عنه، وروى عنه ابن القاسم أنه لا ينصرف قبلها إلا لحاجة أو علة، قَالَ ابن القاسم: وذلك واسع كحاجة أو غيرها وليست بفريضة -يعني: إذا بقي من يقوم بها- قَالَ ابن حبيب: لا بأس أن يمشي الرجل مع الجنازة ما أحب، وينصرف عنها إذا شاء قبل أن يصلى عليها (١). قاله جابر بن عبد الله (٢)، وقد أوضحت الكلام على حديث أبي هريرة هذا في الإيمان في باب: اتباع الجنائز من الإيمان، فراجعه منه. ------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٧٢ - ٥٧٣. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤ - ٦ (١١٥٢٨)، (١١٥٤٠) باب: في الرجل يصلي على الجنازة له أن لا يرجع حتى يؤذن له. ٥٩ - باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ ١٣٢٦ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبْرًا، فَقَالُوا: هَذَا دُفِنَ، أَوْ دُفِنَتِ البَارِحَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَصَفَّنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ١٩٨] ذكر فيه حديث ابن عباس السالف في باب: صفوف الصبيان مع الرجال على الجنازة قريبا (١): -------- (١) سلف رقم (١٣٢١). ٦٠ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالمُصَلَّى وَالمَسْجِدِ ١٣٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: نَعَى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ يَوْمَ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ». [انظر: ١٢٤٥ - مسلم: ٩٥١ - فتح: ٣/ ١٩٩] ١٣٢٨ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَفَّ بِهِمْ بِالمُصَلَّى، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا. [انظر: ١٢٤٥ - مسلم: ٩٥١ - فتح: ٣/ ١٩٩] ١٣٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَي النَّبِيِّ - ﷺ - بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ. [٣٦٣٥، ٤٥٥٦، ٦٨١٩، ٦٨٤١، ٧٣٣٢، ٧٥٤٣ - مسلم: ١٦٩٩ - فتح: ٣/ ١٩٩] ذكر فيه حديث أبي هريرة: نعانا (١) رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّجَاشِيَّ يَوْمَ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ». وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عن سَعِيد، عن أَبي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَفَّ بِهِمْ بِالمُصَلَّى، فَكَبَّرَ عَليْهِ أَرْبَعًا. وعن ابن عمر: أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَي النَّبِيِّ - ﷺ - برَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ. الشرح: حديث النجاشي سلف (٢)، وحديث ابن عمر يأتي في موضعه -إن -------------- (١) وقع في الأصل: نعى لنا. وفوقها: نعانا. وصوبها الناسخ. (٢) برقم (١٢٤٥) باب: الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 18 ( الأعضاء 0 والزوار 18) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |