تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - الصفحة 27 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 264 - عددالزوار : 5870 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5167 - عددالزوار : 2475281 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4759 - عددالزوار : 1801252 )           »          أهم أسباب تورم القدمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          فحص الحوض: معلومات مهمة لكل أنثى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          8 أسباب محتملة لتضخم المبيض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          4 أنواع شائعة من أمراض المبيض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          مضاعفات الوسواس القهري ومخاطر إهمال علاجه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          ما هي أسباب انقطاع الحيض؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الذرة الرفيعة: ما هي وما فوائدها للصحة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #261  
قديم 04-12-2025, 06:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة الأنفال .
من صـ 81 الى صــ 95
الحلقة (261)






عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير
يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الأمة الشريفة من بين سائر الأمم المتقدمة بإحلال الغنائم .
والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك كالأموال التي يصالحون عليها أو يتوفون عنها ولا وارث لهم والجزية والخراج ونحو ذلك هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة وبالعكس أيضا ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى" الآية .
قال فنسخت آية الأنفال تلك وجعلت الغنائم أربعة أخماس للمجاهدين وخمسا منها لهؤلاء المذكورين وهذا الذي قاله بعيد لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر وتلك نزلت في بني النضير ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر , وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول تلك نزلت في أموال الفيء وهذه في الغنائم ومن يجعل أمر الغنائم والفيء راجعا إلى رأى الإمام يقول لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام , والله أعلم .
فقوله تعالى "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه" توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط والمخيط قال الله تعالى "ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" وقوله "فإن لله خمسه وللرسول" اختلف المفسرون ههنا فقال بعضهم لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة قال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية الرياحي : قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة تكون أربعة أخماس

لمن شهدها ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول وسهم لذوي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل .
وقال آخرون ذكر الله ههنا استفتاح كلام للتبرك وسهم لرسوله عليه السلام قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول" "فأن لله خمسه" مفتاح كلام "لله ما في السموات وما في الأرض" فجعل سهم الله وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم واحدا وهكذا قال إبراهيم النخعي والحسن بن محمد بن الحنفية والحسن البصري والشعبي وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن بريدة وقتادة ومغيرة وغير واحد أن سهم الله ورسوله واحد ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو يعرض فرسا فقلت : يا رسول الله ما تقول في الغنيمة ؟ فقال "لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش" قلت فما أحد أولى به من أحد ؟ قال "لا ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم" .
وقال ابن جرير : حدثنا عمران بن موسى حدثنا عبد الوارث حدثنا أبان عن الحسن قال أوصى الحسن بالخمس من ماله وقال ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه ثم اختلف قائلو هذا القول فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كانت الغنيمة تخمس على خمسة أخماس فأربعة منها بين من قاتل عليها وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس فربع لله

وللرسول صلى الله عليه وسلم فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس شيئا .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو معمر المنقري حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة في قوله "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول" قال الذي لله فلنبيه والذي للرسول لأزواجه وقال عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح قال خمس الله والرسول واحد يحمل منه ويصنع فيه ما شاء يعني النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أعم وأشمل وهو أنه صلى الله عليه وسلم يتصرف في الخمس الذي جعله الله بما شاء ويرده في أمته كيف شاء ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن أبي سلام الأعرج عن المقدام بن معدي كرب الكندي أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي رضي الله عنهم فتذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء لعبادة يا عبادة كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس فقال عبادة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم فلما سلم قام

رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول وبرة بين أنملتيه فقال "إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر ولا تغلوا فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم وأقيموا حدود الله في السفر والحضر وجاهدوا في الله فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ينجي الله به من الهم والغم" .
هذا حديث حسن عظيم ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه ولكن روى الإمام أحمد أيضا وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول .
وعن عمرو بن عنبسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم إلى بعير من المغنم فلما سلم أخذ وبرة من هذا البعير ثم قال "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم" .
رواه أبو داود والنسائي وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه عبد أو أمة أو فرس أو سيف أو نحو ذلك كما نص عليه محمد بن سيرين وعامر الشعبي وتبعهما على ذلك أكثر العلماء .
وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس أن رسول الله صلى

الله عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت صفية من الصفي رواه أبو داود في سننه وروى أيضا بإسناده والنسائي أيضا عن يزيد بن عبد الله قال : كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم فقرأناها فإذا فيها "من محمد رسول الله إلى بني زهير بن قيس إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله ورسوله" فقلنا من كتب هذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرير هذا وثبوته ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه وقال آخرون : إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين كما يتصرف في مال الفيء وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية رحمه الله وهذا قول مالك وأكثر السلف وهو أصح الأقوال .
فإذا ثبت هذا وعلم فقد اختلف أيضا في الذي كان يناله عليه السلام من الخمس ماذا يصنع به من بعده فقال قائلون يكون لمن يلي الأمر من بعده روي هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة وجماعة .
وجاء فيه حديث مرفوع وقال آخرون يصرف في مصالح المسلمين وقال آخرون بل هو مردود على بقية الأصناف ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل اختاره ابن جرير

وقال آخرون بل سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل قال ابن جرير وذلك قول جماعة من أهل العراق وقيل إن الخمس جميعه لذوي القربى كما رواه ابن جرير حدثنا الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا عبد الغفار حدثنا المنهال بن عمرو سألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين عن الخمس فقالا : هو لنا فقلت لعلي فإن الله يقول "واليتامى والمساكين وابن السبيل" فقالا يتامانا ومساكيننا وقال سفيان الثوري وأبو نعيم وأبو أسامة عن قيس بن مسلم سألت الحسن بن محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى عن قول الله تعالى "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول" فقال هذا مفتاح كلام الله الدنيا والآخرة ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال قائلون سهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليما للخليفة من بعده وقال آخرون لقرابة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال آخرون سهم القرابة لقرابة الخليفة واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قال الأعمش عن إبراهيم كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح فقلت لإبراهيم ما كان علي فيه ؟ قال : كان أشدهم فيه .
وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء رحمهم الله وأما سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحماية له مسلمهم طاعة لله ولرسوله وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل وإن كانوا بني عمهم فلم يوافقوهم على ذلك بل حاربوهم

ونابذوهم ومالئوا بطون قريش على حرب الرسول ولهذا كان ذم أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم لشدة قربهم ولهذا يقول في أثناء قصيدته :
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجل غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضا بنا والعياطل
ونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصي في الخطوب الأوائل
.

وقال جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل مشيت أنا وعثمان بن عفان يعني ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة فقال "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" .
رواه مسلم وفي بعض روايات هذا الحديث "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" .
وهذا قول جمهور العلماء أنهم بنو هاشم وبنو المطلب قال ابن جرير وقال آخرون هم بنو هاشم ثم روى عن خصيف عن مجاهد قال : علم الله أن في بني هاشم فقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة وفي رواية عنه قال هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة ثم روى عن علي بن الحسن نحو ذلك قال ابن جرير وقال آخرون بل هم قريش كلها

حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثني عبد الله بن نافع عن أبي معشر عن سعيد المقبري قال : كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذوي القربى فكتب إليه ابن عباس كنا نقول : إنا هم فأبى علينا ذلك قومنا وقالوا قريش كلها ذوو قربى وهذا الحديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد المقبري عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القربى فذكره إلى قوله فأبى ذلك علينا قومنا والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني وفيه ضعف وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن مهدي المصيصي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رغبت لكم عن غسالة الأيدي لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم" .
هذا حديث حسن الإسناد وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم وقال يحيى بن معين يأتي بمناكير والله أعلم وقوله "واليتامى" أي أيتام المسلمين واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء أو يعم الأغنياء والفقراء ؟ على قولين والمساكين هم المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنهم "وابن السبيل" هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة وليس له ما ينفقه في سفره ذلك وسيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من سورة براءة إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان .

وقوله "إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا" أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزلنا على رسوله .
ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في حديث وفد عبد القيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم "وآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ."
آمركم بالإيمان بالله - ثم قال - هل تدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا الخمس من المغنم "."
الحديث بطوله فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان وقد بوب البخاري على ذلك في كتاب الإيمان من صحيحه فقال "باب أداء الخمس من الإيمان" ثم أورد حديث ابن عباس هذا وقد بسطنا الكلام عليه في شرح البخاري ولله الحمد والمنة .
وقال مقاتل بن حيان "وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان" أي في القسمة وقوله "يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير" ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه بما فرق به بين الحق والباطل ببدر ويسمى الفرقان لأن الله أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه .
قال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس : يوم الفرقان يوم بدر فرق الله فيه بين الحق والباطل رواه الحاكم .
وكذا قال مجاهد ومقسم وعبيد الله بن عبد الله والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد أنه يوم بدر وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير في قوله "يوم الفرقان" يوم فرق الله بين الحق والباطل وهو يوم بدر وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلثمائة وبضعة عشر رجلا والمشركون بين الألف والتسعمائة فهزم الله المشركين وقتل منهم زيادة على السبعين وأسر منهم مثل ذلك

وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود قال في ليلة القدر : تحروها لإحدى عشرة يبقين فإن في صبيحتها يوم بدر .
وقال على شرطهما وروي مثله عن عبد الله بن الزبير أيضا من حديث جعفر بن برقان عن رجل عنه وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا يحيى بن يعقوب أبو طالب عن ابن عون عن محمد بن عبد الله الثقفي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال الحسن بن علي كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان إسناد جيد قوي ورواه ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب عن علي قال : كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشر مضت من شهر رمضان وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير وقال يزيد بن أبي حبيب إمام أهل الديار المصرية في زمانه : كان يوم بدر يوم الاثنين ولم يتابع على هذا وقول الجمهور مقدم عليه والله أعلم .
إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42)
إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم
يقول تعالى مخبرا عن يوم الفرقان "إذ أنتم بالعدوة الدنيا" أي إذ أنتم

نزول بعدوة الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة "وهم" أي المشركون نزول "بالعدوة القصوى" أي البعيدة من المدينة إلى ناحية مكة "والركب أي العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة" أسفل منكم "أي مما يلي سيف البحر" ولو تواعدتم أي أنتم والمشركون إلى مكان لاختلفتم في الميعاد "قال محمد بن إسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه في هذه الآية قال ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم ما لقيتموهم" ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا "أي ليقضي الله ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله من غير ملأ منكم ففعل ما أراد من ذلك بلطفه وفي حديث كعب بن مالك قال إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد وقال ابن جرير حدثني يعقوب حدثني ابن علية عن ابن عون عن عمير بن إسحاق قال : أقبل أبو سفيان في الركب من الشام وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فالتقوا ببدر ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء حتى التقى السقاة ونهز الناس بعضهم لبعض وقال محمد بن إسحاق في السيرة : ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه ذلك حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبسة بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين يلتمسان الخبر عن أبي سفيان فانطلقا حتى إذا وردا بدرا فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء فاستقيا في شن لهما من الماء فسمعا جاريتين يختصمان تقول إحداهما لصاحبتها اقضيني حقي وتقول الأخرى إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأقضيك حقك فخلص بينهما مجدي بن عمرو وقال صدقت فسمع بذلك بسبسة"
وعدي فجلسا على بعيريهما حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه الخبر وأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حذر فتقدم أمام عيره وقال لمجدي بن عمرو هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره ؟ فقال لا والله إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل فاستقيا من شن لهما ثم انطلقا فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما فأخذ من أبعارهما ففته فإذا فيه النوى فقال هذه والله علائف يثرب ثم رجع سريعا فضرب وجه عيره فانطلق بها
فساحل حتى إذا رأى أنه قد أحرز عيره إلى قريش فقال : إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا فقال أبو جهل والله لا نرجع حتى نأتي بدرا - وكانت بدر سوقا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثا فنطعم بها الطعام وننحر بها الجزر ونسقي بها الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدا .
فقال الأخنس بن شريق : يا معشر بني زهرة إن الله قد أنجى أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا فرجعت بنو زهرة فلم يشهدوها ولا بنو عدي .
قال محمد بن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دنا من بدر علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام في نفر من أصحابه يتجسسون له الخبر فأصابوا سقاة لقريش غلاما لبني سعيد بن العاص وغلاما لبني الحجاج فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجدوه يصلي فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونهما لمن أنتما ؟ فيقولان نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما فلما أزلقوهما قالا نحن لأبي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتين ثم سلم وقال "إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش أخبراني عن قريش" قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "كم القوم ؟" قالا كثير قال "ما عدتهم ؟" قالا ما ندري قال "كم ينحرون كل يوم ؟" قالا يوما تسعا ويوما عشرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "القوم ما بين التسعمائة إلى"

الألف "ثم قال لهما" فمن فيهم من أشراف قريش ؟ "قالا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود فأقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على الناس فقال" هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها "قال محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما التقى الناس يوم بدر يا رسول الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه وننيخ إليك ركائبك ونلقى عدونا فإن أظفرنا الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحن وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم لو علموا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ويؤازرونك وينصرونك ."
فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له به فبنى له عريش فكان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ما معهما غيرهما .
قال ابن إسحاق وارتحلت قريش حين أصبحت فلما أقبلت ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي فقال "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم الغداة" وقوله "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة" قال محمد بن إسحاق أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة ويؤمن من آمن على مثل ذلك وهذا تفسير جيد .
وبسط ذلك أنه تعالى يقول إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد لينصركم عليهم ويرفع كلمة الحق على الباطل ليصير الأمر ظاهرا والحجة قاطعة والبراهين ساطعة ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة فحينئذ يهلك

من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل لقيام الحجة عليه "ويحيى من حي" أي يؤمن من آمن "عن بينة" أي حجة وبصيرة والإيمان هو حياة القلوب قال الله تعالى "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس" وقالت عائشة في قصة الإفك فهلك في من هلك أي قال فيها ما قال من البهتان والإفك وقوله "وإن الله لسميع" أي لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به "عليم" أي بكم وأنكم تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين .
إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43)
إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور
قال مجاهد أراهم الله إياه في منامه قليلا وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فكان تثبيتا لهم وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه رآهم بعينه التي ينام بها وقد روى ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يوسف بن موسى حدثنا أبو قتيبة عن سهل السراج عن الحسن في قوله "إذ يريكهم الله في منامك قليلا" قال بعينك وهذا القول غريب وقد صرح بالمنام ههنا فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه وقوله "ولو أراكهم كثيرا لفشلتم" أي لجبنتم عنهم واختلفتم فيما بينكم "ولكن الله سلم" أي من ذلك بأن أراكهم قليلا "إنه عليم بذات الصدور" أي بما تجنه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" .
وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44)
وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور

وقوله "وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا" وهذا أيضا من لطفه تعالى بهم إذ أراهم إياهم قليلا في رأي العين فيجرئهم عليهم ويطمعهم فيهم قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين ؟ قال لا بل هم مائة حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه فقال كنا ألفا .
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وقوله "ويقللكم في أعينهم" قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن الزبير بن الحارث عن عكرمة "وإذ يريكموهم إذ التقيتم" الآية .
قال حضض بعضهم على بعض إسناد صحيح وقال محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه في قوله تعالى "ليقضي الله أمرا كان مفعولا" أي ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلا من الفريقين بالآخر وقلله في عينه ليطمع فيه وذلك عند المواجهة فلما التحم القتال وأيد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعفيه كما قال تعالى "قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #262  
قديم 04-12-2025, 03:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة الأنفال .
من صـ 96 الى صــ 110
الحلقة (262)






بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار "وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين فإن كلا منهما حق وصدق ولله الحمد والمنة ."
يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45)
يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم
"يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" هذا تعليم من الله لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء فقال "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا" ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال "اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله فإن صخبوا وصاحوا فعليكم بالصمت ""

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي حدثنا أمية بن بسطام حدثنا معتمر بن سليمان حدثنا ثابت بن زيد عن رجل عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا قال "إن الله يحب الصمت عند ثلاث عند تلاوة القرآن وعند الزحف وعند الجنازة" .
وفي الحديث الآخر المرفوع يقول الله تعالى "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه" أي لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي .
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في هذه الآية قال افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون عند الضرب بالسيوف .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء : قال وجب الإنصات وذكر الله عند الزحف ثم تلا هذه الآية قلت يجهرون بالذكر ؟ قال نعم وقال أيضا قرأ علي يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني عبد الله بن عبد الله بن عباس عن يزيد بن فوذر عن كعب الأحبار قال ما من شيء أحب إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة في القتال ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال فقال "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" قال الشاعر :

ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت فينا المثقفة السمر
.

وقال عنترة :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه بل يستعينوا به ويتوكلوا عليه ويسألوه النصر على أعدائهم .
وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46)
وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين
أمرهم أن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا .
وما نهاهم عنه انزجروا ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضا فيختلفوا فيكون سببا لتخاذلهم وفشلهم "وتذهب ريحكم" أي قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال "واصبروا إن الله مع الصابرين" وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ولا يكون لأحد ممن بعدهم فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم .
قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب .
ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47)
ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط


يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله وكثرة ذكره ناهيا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم بطرا أي دفعا للحق "ورئاء الناس" وهو المفاخرة والتكبر عليهم كما قال أبو جهل لما قيل له إن العير قد نجا فارجعوا فقال لا والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر وننحر الجزر ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبدا فانعكس ذلك عليه أجمع لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحمام وركموا في أطواء بدر مهانين أذلاء صغرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي ولهذا قال "والله بما يعملون محيط" أي عالم بما جاءوا به وله ولهذا جازاهم عليه شر الجزاء لهم .
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله تعالى "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس" قالوا هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم بدر .
وقال محمد بن كعب لما خرجت قريش من مكة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف فأنزل الله "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط" .
وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48)
وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب
وقوله تعالى "وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم" الآية حسن لهم لعنه الله ما جاءوا له وما هموا به وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر فقال إني جار لكم وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم

سيد بني مدلج كبير تلك الناحية وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه "يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا" قال ابن جريج قال ابن عباس في هذه الآية لما كان يوم بدر سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم وإني جار لكم فلما التقوا ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة "نكص على عقبيه" قال رجع مدبرا وقال "إني أرى ما لا ترون" الآية .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته في صورة رجل من مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال الشيطان للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده ثم ولى مدبرا وشيعته فقال الرجل يا سراقة أتزعم أنك لنا جار فقال : إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب وذلك حين رأى الملائكة وقال محمد بن إسحاق حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فلما حضر القتال ورأى الملائكة نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم فتشبث به الحارث بن هشام فنخر في وجهه فخر صعقا فقيل له ويلك يا سراقة على هذه الحال تخذلنا وتبرأ منا فقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب .
وقال محمد بن عمر الواقدي أخبر عمر بن عقبة عن شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال لما تواقف الناس أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم كشف عنه فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة الناس وميكائيل في جند آخر ميسرة الناس وإسرافيل في جند آخر ألف وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس

فلما أبصر عدو الله الملائكة نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون فتشبث به الحارث بن هشام وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه فضرب في صدر الحارث فسقط الحارث وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر ورفع ثوبه وقال يا رب موعدك الذي وعدتني .
وفي الطبراني عن رفاعة بن رافع قريب من هذا السياق وأبسط منه ذكرناه في السيرة وقال محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال : لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم إبليس في صوة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي وكان من أشراف بني كنانة فقال أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا قال محمد بن إسحاق فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة بن مالك لا ينكرونه حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان كان الذي رآه حين نكص الحارث بن هشام أو عمير بن وهب فقال أين سراقة ؟ أين ومال عدو الله فذهب قال فأوردهم ثم أسلمهم قال ونظر عدو الله إلى جنود الله قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين فنكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون وصدق عدو الله .
وقال إني أخاف الله والله شديد العقاب وهكذا روي عن السدي والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم رحمهم الله وقال قتادة وذكر لنا أنه رأى جبريل عليه السلام تنزل معه الملائكة فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة فقال إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله وكذب عدو الله .
والله ما به مخافة الله ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة وتلك عادة عدو الله لمن

أطاعه واستقاد له حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم وتبرأ منهم عند ذلك قلت يعني بعادته لمن أطاعه قوله تعالى "كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين" وقوله تعالى "وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم" وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن بعض بني ساعدة قال : سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعدما كف بصره يقول : لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى الله إليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا وتثبيتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له أبشر فإنهم ليسوا بشيء والله معكم فكروا عليهم فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون وهو في صورة سراقة وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه ويقول لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه .
ثم قال واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدا وأصحابه في الحبال فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا وهذا من أبي جهل لعنه الله كقول فرعون للسحرة لما أسلموا "إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها" وكقوله "إنه لكبيركم الذي علمكم السحر" وهو من باب البهت والافتراء ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة .
وقال مالك بن أنس عن إبراهيم بن أبي علية عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما رأى إبليس يوما هو فيه"

أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة وذلك مما يرى من نزول الرحمة والعفو عن الذنوب إلا ما رأى يوم بدر "."
قالوا يا رسول الله وما رأى يوم بدر ؟ قال "أما إنه رأى جبريل عليه السلام يزغ الملائكة" .
وهذا مرسل من هذا الوجه .
إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49)
إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم
وقوله "إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية لما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين وقلل المشركين في أعين المسلمين فقال المشركون غر هؤلاء دينهم وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك فقال الله "ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم" وقال قتادة : رأوا عصابة من المؤمنين تشددت لأمر الله وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال : والله لا يعبد الله بعد اليوم - قسوة وعتوا .
وقال ابن جريج في قوله "إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض" هم قوم كانوا من المنافقين بمكة قالوه يوم بدر وقال عامر الشعبي كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر فلما رأوا قلة المسلمين قالوا غر هؤلاء دينهم .
وقال مجاهد في قوله عز وجل "إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم" قال فئة من قريش قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب وعلي بن أمية بن خلف والعاص بن منبه بن الحجاج خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا غر هؤلاء دينهم حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم

وكذا قال محمد بن إسحاق بن يسار سواء .
وقال ابن جرير حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الحسن في هذه الآية .
قال هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين قال معمر وقال بعضهم هم قوم كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة فخرجوا مع المشركين يوم بدر فلما رأوا قلة المسلمين قالوا غر هؤلاء دينهم وقوله "ومن يتوكل على الله" أي يعتمد على جنابه "فإن الله عزيز" أي لا يضام من التجأ إليه فإن الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان "حكيم" في أفعاله لا يضعها إلا في مواضعها فينصر من يستحق النصر ويخذل من هو أهل لذلك .
ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50)
ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق
يقول تعالى ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمرا عظيما هائلا فظيعا منكرا "إذ يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق" قال ابن جريج عن مجاهد "أدبارهم" أستاههم قال يوم بدر قال ابن جريج قال ابن عباس إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف وإذا ولوا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله "إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم" يوم بدر

وقال وكيع عن سفيان الثوري عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير عن مجاهد وعن شعبة عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير يضربون وجوههم وأدبارهم قال وأستاههم ولكن الله يكني وكذا قال عمر مولى عفرة .
وعن الحسن البصري قال : قال رجل يا رسول الله : إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشوك قال "ذاك ضرب الملائكة" .
رواه ابن جرير وهو مرسل وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر ولكنه عام في حق كل كافر ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر بل قال تعالى "ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم" وفي سورة القتال مثلها وتقدم في سورة الأنعام قوله تعالى "ولو ترى إذ المجرمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم" أي باسطو أيديهم بالضرب فيهم بأمر ربهم إذ استصعبت أنفسهم وامتنعت من الخروج من الأجساد أن تخرج قهرا وذلك إذا بشروهم بالعذاب والغضب من الله كما في حديث البراء أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة يقول : اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سموم وحميم وظل من يحموم فتفرق في بدنه فيستخرجونها من جسده كما يخرج السفود من الصوف المبلول فتخرج معها العروق والعصب ولهذا أخبر تعالى أن الملائكة تقول لهم ذوقوا عذاب الحريق .
ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51)
ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد
وقوله تعالى "ذلك بما قدمت أيديكم" أي هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدنيا جازاكم الله بها هذا الجزاء "وأن الله ليس بظلام للعبيد" أي لا يظلم أحدا من خلقه بل هو الحكم العدل الذي لا يجور تبارك

وتعالى وتقدس وتنزه الغني الحميد ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن مسلم رحمه الله من رواية أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "."
ولهذا قال تعالى .
كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (52)
كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب
"كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب" قوله تعالى : "كدأب أل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب" يقول تعالى فعل هؤلاء من المشركين المكذبين بما أرسلت به يا محمد كما فعل الأمم المكذبة قبلهم ففعلنا بهم ما هو دأبنا أي عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل الكافرين بآيات الله "فأخذهم الله بذنوبهم" أي بسبب ذنوبهم أهلكهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر "إن الله قوي شديد العقاب" أي لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب .
ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53)
ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم
يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه كقوله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال" .
كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54)
كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين
وقوله "كدأب آل فرعون" أي كصنعه بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته أهلكهم بسبب ذنوبهم وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم من جنات وعيون وزروع وكنوز ومقام

كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين وما ظلمهم الله في ذلك بل كانوا هم الظالمين .
إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55)
إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون
أخبر تعالى أن شر ما دب على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون .
الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56)
الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون
مرة وهم لا يتقون "الذين كلما عاهدوا عهدا نقضوه وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه" وهم لا يتقون "أي لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الآثام ."
فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57)
فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون
"فإما تثقفنهم في الحرب" أي تغلبهم وتظفر بهم في حرب "فشرد بهم من خلفهم" أي نكل بهم .
قاله ابن عباس والحسن البصري والضحاك والسدي وعطاء الخراساني وابن عيينة ومعناه غلظ عقوبتهم وأثخنهم قتلا ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم ويصيروا لهم عبرة "لعلهم يذكرون" وقال السدي يقول لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك .
وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58)
وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم "وإما تخافن من قوم" قد عاهدتهم "خيانة" أي نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود "فانبذ إليهم" أي عهدهم "على سواء" أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم وهم حرب لك وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء أي تستوي أنت وهم في ذلك قال الراجز .
فاضرب وجوه الغدر للأعداء ... حتى يجيبوك إلى السواء
.

وعن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله تعالى "فانبذ إليهم على سواء" أي على

مهل "إن الله لا يحب الخائنين" أي حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضا .
قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي الفيض عن سليم بن عامر قال : كان معاوية يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمد فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول : الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدرا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء" قال فبلغ ذلك معاوية فرجع فإذا بالشيخ عمرو بن عبسة رضي الله عنه وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه من طرق عن شعبة به .
وقال الترمذي حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري حدثنا إسرائيل عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن سلمان يعني الفارسي رضي الله عنه أنه انتهى إلى حصن أو مدينة فقال لأصحابه دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم فقال إنما كنت رجلا منكم فهداني الله عز وجل للإسلام فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون وإن أبيتم نابذناكم على سواء "إن الله لا يحب الخائنين" يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله

ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59)
ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم "ولا تحسبن" يا محمد "الذين كفروا سبقوا" أي فاتونا فلا نقدر عليهم بل هم تحت قهر قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يعجزوننا كقوله تعالى "أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون" أي يظنون .
وقوله "ولا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير" وقوله تعالى "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد" ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة .
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60)
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون
فقال "وأعدوا لهم ما استطعتم" أي مهما أمكنكم "من قوة ومن رباط الخيل" قال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي علي ثمامة بن شفي أخي عقبة بن عامر أنه سمع عقبة بن عامر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي "رواه مسلم عن هارون بن معروف وأبو داود عن سعيد بن منصور وابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب به ."
ولهذا الحديث طرق أخر عن عقبة بن عامر منها ما رواه الترمذي من حديث

صالح بن كيسان عن رجل عنه وروى الإمام أحمد وأهل السنن عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ارموا واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا" وقال الإمام مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الخيل لثلاثة : لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال بها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له فهي لذلك الرجل أجر ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر" وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال "ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة" فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره "رواه البخاري وهذا لفظه ومسلم كلاهما من حديث مالك وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج أخبرنا شريك عن الركين بن الربيع عن القاسم بن حسان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" الخيل ثلاثة : ففرس للرحمن وفرس للشيطان وفرس للإنسان فأما فرس الرحمن




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #263  
قديم 04-12-2025, 03:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة الأنفال .
من صـ 111 الى صــ 125
الحلقة (263)






فالذي يربط في سبيل الله فعلفه وروثه وبوله - وذكر ما شاء الله - وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليها وأما فرس الإنسان فالفرس يربطها الإنسان يلتمس بطنها فهي له ستر من الفقر "وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل وذهب الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي وقول الجمهور أقوى للحديث والله أعلم ."
وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج وهشام قالا حدثنا ليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة أن معاوية بن خديج مر على أبي ذر وهو قائم عند فرس له فسأله ما تعاني من فرسك هذا ؟ فقال إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته .
قال وما دعاء بهيمة من البهائم ؟ قال والذي نفسي بيده ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر فيقول : اللهم أنت خولتني عبدا من عبادك وجعلت رزقي بيده فاجعلني أحب إليه من أهله وماله وولده .
قال وحدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الحميد بن أبي جعفر حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن خديج عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم فاجعلني من أحب أهله وماله إليه - أو - أحب أهله وماله إليه" .
رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس عن يحيى القطان به .
وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا هشام بن عمار حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال لابن الحنظلية يعني سهلا حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها ومن ربط فرسا في سبيل الله كانت النفقة عليها كالماد يده بالصدقة لا يقبضها"

والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة .
وفي صحيح البخاري عن عروة ابن أبي الجعد البارقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم" .
وقوله "ترهبون" أي تخوفون "به عدو الله وعدوكم" أي من الكفار "وآخرين من دونهم" قال مجاهد يعني بني قريظة وقال السدي : فارس وقال سفيان الثوري قال ابن يمان هم الشياطين التي في الدور وقد ورد حديث بمثل ذلك .
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي حدثنا أبو حيوة يعني شريح بن زيد المقري حدثنا سعيد بن سنان عن ابن غريب يعني يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في قول الله تعالى "وآخرين من دونهم لا تعلمونهم" قال هم الجن .
ورواه الطبراني عن إبراهيم بن دحيم عن أبيه عن محمد بن شعيب عن سنان بن سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن غريب به وزاد : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يخبل بيت فيه عتيق من الخيل" .
وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه وقال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم هم المنافقون وهذا أشبه الأقوال ويشهد له قوله تعالى "وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم" وقوله "وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون" أي

مهما أنفقتم في الجهاد فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف كما تقدم في قوله تعالى "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي حدثنا أبي عن أبيه حدثنا الأشعث بن إسحاق عن جعفر بن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت "وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم" فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين وهذا أيضا غريب .
وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61)
وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم
يقول تعالى إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم "وإن جنحوا" أي مالوا "للسلم" أي المسالمة والمصالحة والمهادنة "فاجنح لها" أي فمل إليها واقبل منهم ذلك ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثني فضيل بن سليمان يعني النميري حدثنا محمد بن أبي يحيى عن إياس بن عمرو الأسلمي عن

علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه سيكون اختلاف أو أمر فإن استطعت أن يكون السلم فافعل" وقال لمجاهد نزلت في بني قريظة وهذا فيه نظر لأن السياق كله في وقعة بدر وذكرها مكتنف لهذا كله وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة : إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" الآية وفيه نظر أيضا لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم .
وقوله "وتوكل على الله" أي صالحهم وتوكل على الله فإن الله كافيك وناصرك .
وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62)
وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين
ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقوا ويستعدوا "فإن حسبك الله" أي كافيك وحده ثم ذكر نعمته عليه مما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار فقال "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم" أي جمعها على الإيمان بك وعلى طاعتك ومناصرتك ومؤازرتك .
وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63)
وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم
قوله : "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم" أي لما كان بينهم من العداوة والبغضاء فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج وأمور يلزم منها التسلسل في الشر حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان كما قال تعالى "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون" وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين قال لهم "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي" كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمن

ولهذا قال تعالى "ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم" أي عزيز الجناب فلا يخيب رجاء من توكل عليه حكيم في أفعاله وأحكامه .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبيد الله الحافظ أنبأنا علي بن بشر الصيرفي القزويني في منزلنا أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الحسين القنديلي الإستراباذي حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن النعمان الصفار حدثنا ميمون بن الحكم حدثنا بكر بن الشرود عن محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس قال قرابة الرحم تقطع ومنه النعمة تكفر ولم ير مثل تقارب القلوب يقول الله تعالى "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم" وذلك موجود في الشعر :
إذا بت ذو قربى إليك بزلة ... فغشك واستغنى فليس بذي رحم
ولكن ذا القربى الذي إن دعوته ... أجاب وإن يرمي العدو الذي ترمي
قال ومن ذلك قول القائل :
ولقد صحبت الناس ثم سبرتهم ... وبلوت ما وصلوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أقرب الأسباب
قال البيهقي لا أدري هذا موصول بكلام ابن عباس أو هو من قول من دونه من الرواة وقال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سمعه يقول "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم" الآية .
قال هم المتحابون في الله , وفي رواية نزلت في المتحابين في الله .
رواه النسائي والحاكم في مستدركه وقال صحيح وقال عبد الرازق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : إن الرحم لتقطع وإن النعمة لتكفر وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء ثم قرأ "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم" .

رواه الحاكم أيضا وقال أبو عمر والأوزاعي حدثني عبدة بن أبي لبابة عن مجاهد ولقيته فأخذ بيدي فقال : إذا التقى المتحابان في الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه تحاتت خطاياهما كما تحات ورق الشجر .
قال عبدة فقلت له إن هذا ليسير فقال : لا تقل ذلك فإن الله يقول "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم" قال عبدة فعرفت أنه أفقه مني وقال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا ابن يمان عن إبراهيم الجزري عن الوليد بن أبي مغيث عن مجاهد قال إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما قال : قلت لمجاهد بمصافحة يغفر لهما ؟ قال مجاهد أما سمعته يقول "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم" فقال الوليد لمجاهد أنت أعلم مني وكذا روى طلحة بن مصرف عن مجاهد وقال ابن عون عن عمير بن إسحاق قال : كنا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس الألفة وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني رحمه الله حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا عبد الله بن عمر القواريري حدثنا سالم بن غيلان سمعت جعدا أبا عثمان حدثني أبو عثمان النهدي عن سلمان الفارسي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال "إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار" .
يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64)
يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من

يحرض تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران ويخبرهم أنه حسبهم أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم ولو قل عدد المؤمنين .
قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا سفيان عن ابن شوذب عن الشعبي في قوله "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" قال حسبك الله وحسب من شهد معك قال وروي عن عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد مثله .
يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65)
يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا
يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون "ولهذا قال" يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال "أي حثهم أو مرهم عليه , ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض على القتال عند صفهم ومواجهة العدو كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عددهم وعدتهم" قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض "."
فقال عمير بن الحمام عرضها السموات والأرض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم" فقال بخ بخ فقال "ما يحملك على قولك بخ بخ ؟" قال رجاء أن أكون من أهلها قال "فإنك من أهلها" فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن ثم ألقى بقيتهن من يده وقال : لئن أنا حييت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه وقد روي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر

بن الخطاب وكمل به الأربعون وفي هذا نظر لأن هذه الآية مدنية وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة والله أعلم .
ثم قال تعالى مبشرا للمؤمنين وآمرا "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا" كل واحد بعشرة ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة .
قال عبد الله بن المبارك حدثنا جرير بن حازم حدثني الزبير بن الحريث عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين" شق ذلك على المسلمين حتى فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ثم جاء التخفيف .
الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66)
الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين
"الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين" فقال "الآن خفف الله عنكم" إلى قوله "يغلبوا مائتين" قال خفف الله عنهم من العدة ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم .
وروى البخاري من حديث ابن المبارك نحوه .
وقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس في هذه الآية قال : كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين ثم خفف الله عنهم فقال "الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا" فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين وروى البخاري عن علي بن عبد الله عن سفيان به نحوه وقال محمد بن إسحاق حدثني ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ومائة ألفا فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال "الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا" الآية .
فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم وروى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس نحو ذلك قال ابن أبي حاتم وروي عن مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والضحاك وغيرهم نحو

ذلك وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث المسيب بن شريك عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين" قال نزلت فينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي عمرو بن العلاء عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ "الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا" رفع ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67)
ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم
قال الإمام أحمد حدثنا علي بن هاشم عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال "إن الله قد أمكنكم منهم" فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس" فقام عمر فقال : يا رسول الله اضرب أعناقهم فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء قال فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل منهم الفداء .
لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68)
لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم
قال وأنزل الله عز وجل "لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم" وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك وقال الأعمش عن عمر بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال لما كان

يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تقولون في هؤلاء الأسارى ؟" فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم وقال عمر يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله أنت في واد كثير الحطب فأضرم الوادي عليهم نارا ثم ألقهم فيه قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا ثم قام فدخل فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس : يأخذ بقول عمر وقال ناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام قال" فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم "وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام قال" إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم "وإن مثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام قال" ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم "وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام قال" رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا "أنتم عالة فلا ينفكن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق" قال ابن مسعود قلت : يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإنه يذكر الإسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلا سهيل بن بيضاء" فأنزل الله عز وجل "ما كان لنبي أن يكون له أسرى" إلى آخر الآية .
رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي معاوية عن الأعمش به والحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن عبد الله بن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه .
وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري وروى ابن مردويه أيضا واللفظ له والحاكم في مستدركه من حديث عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر قال لما

أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسر أسره رجل من الأنصار قال وقد أوعدته الأنصار أن يقاتلوه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه" .
فقال له عمر أفآتهم فقال "نعم" فأتى عمر الأنصار فقال لهم أرسلوا العباس فقالوا لا والله لا نرسله فقال لهم عمر فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى قالوا فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى فخذه فأخذه عمر فلما صار في يده قال له يا عباس أسلم فوالله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك قال واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فيهم فقال أبو بكر عشيرتك فأرسلهم فاستشار عمر فقال اقتلهم ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله "ما كان لنبي أن يكون له أسرى" الآية .
قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي رضي الله عنه قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال خير أصحابك في الأسارى إن شاءوا الفداء وإن شاءوا القتل على أن يقتل عاما مقبلا منهم مثلهم قالوا الفداء ويقتل منا رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحها من حديث الثوري به وهذا حديث غريب جدا وقال ابن عون عن عبيدة عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى يوم بدر "إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموه واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم" قال فكان آخر السبعين ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة رضي الله عنه ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلا فالله أعلم .

وقال محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس "ما كان لنبي أن يكون له أسرى" فقرأ حتى بلغ "عذاب عظيم" .
قال غنائم بدر قبل أن يحلها لهم يقول لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم .
وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد وقال الأعمش سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا وروي نحوه عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن جبير وعطاء وقال شعبة عن أبي هاشم عن مجاهد "لولا كتاب من الله سبق" أي لهم بالمغفرة ونحوه عن سفيان الثوري رحمه الله وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "لولا كتاب من الله سبق" يعني في أم الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم "لمسكم فيما أخذتم" من الأسارى "عذاب عظيم" .
فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69)
فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم
قال الله تعالى "فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا" الآية .
وكذا روى العوفي عن ابن عباس وروي مثله عن أبي هريرة وابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء والحسن البصري وقتادة والأعمش أيضا أن المراد "لولا كتاب من الله سبق" لهذه الأمة بإحلال الغنائم وهو اختيار ابن جرير رحمه الله ويستشهد لهذا القول بما أخرجاه في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة" وقال الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لم تحل الغنائم لسود الرءوس غيرنا" ولهذا قال تعالى "فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا" الآية .
فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء

وقد روى الإمام أبو داود في سننه حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي حدثنا سفيان بن حبيب حدثنا شعبة عن أبي العنبس عن أبي الشعثاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة وقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل كما فعل ببني قريظة وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر أو بمن أسر من المسلمين كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين وإن شاء استرق من أسر .
هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه .
يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70)
يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور
قال محمد بن إسحاق : حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر "إني عرفت أن أناسا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا منهم - أي من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها" فقال أبو حذيفة بن عتبة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب "يا أبا حفص - قال عمر والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم" أبا حفص "- أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف ؟" فقال عمر : يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه فوالله لقد نافق فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك والله ما آمن من تلك الكلمة التي قلت ولا أزال منها خائفا إلا أن يكفرها الله تعالى عني بشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا رضي الله عنه .
وبه عن ابن عباس قال : لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر

والأسارى محبوسون بالوثاق بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ساهرا أول الليل فقال له أصحابه يا رسول الله ما لك لا تنام ؟ وقد أسر العباس رجل من الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه" فسكت فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن إسحاق وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس ابن عبد المطلب وذلك أنه كان رجلا موسرا فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبا وفي صحيح البخاري من حديث موسى بن عقبة قال ابن شهاب : حدثنا أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار قالوا يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه .
قال "لا والله لا تذرون منه درهما" وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة عن الزهري عن جماعة سماهم قالوا : بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا وقال العباس : يا رسول الله قد كنت مسلما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك وأما ظاهرك فقد كان علينا فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد الله وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر" قال ما ذاك عندي يا رسول الله قال "فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل ؟ فقلت لها إن أصبت في سفري هذا فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقثم" قال والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا : ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك" ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه فأنزل الله عز وجل "يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم" قال العباس : فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله عز وجل وقد روى ابن إسحاق أيضا عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية بنحو مما تقدم .
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا ابن إدريس عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال : قال العباس في نزلت "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض" فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني فأبى فأبدلني الله بها عشرين عبدا كلهم تاجر مالي في يده وقال ابن إسحاق أيضا حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن جابر بن عبد الله ابن رباب قال : كان العباس بن عبد المطلب يقول في نزلت والله حين ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامي ثم ذكر نحو الحديث الذي قبله .
وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس "يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى" عباس وأصحابه قال : قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم آمنا بما جئت ونشهد أنك رسول الله لننصحن لك على قومنا .
فأنزل الله "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم" إيمانا وتصديقا يخلف لكم خيرا مما أخذ منكم "ويغفر لكم" الشرك الذي كنتم عليه .
قال فكان العباس يقول : ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وإن لي الدنيا فقد قال "يؤتكم خيرا مما أخذ منكم" فقد أعطاني خيرا مما أخذ مني مائة ضعف وقال "ويغفر لكم" وأرجو أن يكون قد غفر لي .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية : كان العباس أسر يوم بدر فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب فقال العباس حين قرئت هذه الآية لقد أعطاني الله عز وجل خصلتين ما أحب أن لي بهما الدنيا : أني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية فآتاني أربعين عبدا وإني لأرجو المغفرة التي وعدنا الله عز وجل .
فقال قتادة في تفسير هذه الآية : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا وقد توضأ لصلاة الظهر فما أعطى يومئذ شاكيا ولا حرم سائلا وما صلى يومئذ حتى فرقه فأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي فكان العباس يقول : هذا خير مما أخذ منا وأرجو المغفرة وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا سليمان بن المغيرة عن



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #264  
قديم 04-12-2025, 03:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)




تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة براءة .
من صـ 126 الى صــ 140
الحلقة (264)






حميد بن هلال قال : بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين ثمانين ألفا ما أتاه مال أكثر منه لا قبل ولا بعد .
قال فنثرت على حصير ونودي بالصلاة .
قال وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمثل قائما على المال وجاء أهل المسجد فما كان يومئذ عدد ولا وزن ما كان إلا فيضا وجاء العباس بن عبد المطلب فحثا في خميصة عليه وذهب يقوم فلم يستطع قال فرفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ارفع علي .
قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج ضاحكه أو نابه وقال له "أعد من المال طائفة وقم بما تطيق" قال ففعل وجعل العباس يقول : وهو منطلق أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا وما ندري ما يصنع في الأخرى "يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى" الآية ثم قال هذا خير مما أخذ منا وما أدري ما يصنع الله في الأخرى فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماثلا على ذلك المال حتى ما بقي منه درهم وما بعث إلى أهله بدرهم ثم أتى الصلاة فصلى .
"حديث آخر في ذلك" قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله السعيدي حدثنا محمد بن عصام حدثنا حفص بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فقال "انثروه في مسجدي" قال وكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه إذ جاءه العباس فقال يا رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "خذ" فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي قال "لا" قال فارفعه أنت علي قال "لا" فنثر منه ثم احتمله على كاهله ثم انطلق فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي عنه عجبا من حرصه فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم وقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقا بصيغة الجزم يقول : وقال إبراهيم بن طهمان ويسوقه وفي بعض السياقات أتم من هذا .
وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71)
وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم

وقوله "وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل" أي "وإن يريدوا خيانتك" فيما أظهروا لك من الأقوال "فقد خانوا الله من قبل" أي من قبل بدر بالكفر به "فأمكن منهم" أي بالأسارى يوم بدر "والله عليم حكيم" أي عليم بفعله حكيم فيه قال قتادة : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الكاتب حين ارتد ولحق بالمشركين وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس : نزلت في عباس وأصحابه حين قالوا لننصحن لك على قومنا وفسرها السدي على العموم وهو أشمل وأظهر والله أعلم .
إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72)
إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير
ذكر تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم فهؤلاء "بعضهم أولياء بعض" أي كل منهم أحق بالآخر من كل واحد ولهذا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كل اثنين أخوان فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث .
ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنه وقال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد .

قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير وهو ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة" تفرد به أحمد .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سفيان حدثنا عكرمة يعني ابن إبراهيم الأزدي حدثنا عاصم عن شقيق عن ابن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "المهاجرون والأنصار والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة" هكذا رواه في مسند عبد الله بن مسعود .
وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه فقال "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار" الآية وقال "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة" الآية وقال تعالى "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" الآية وأحسن ما قيل في قوله "ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا" أي لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون في ذلك ولهذا قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده : حدثنا محمد بن معمر حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن حذيفة قال : خيرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الهجرة والنصرة فاخترت الهجرة ثم قال لا نعرفه إلا من هذا الوجه

وقوله تعالى "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم" قرأ حمزة ولايتهم بالكسر والباقون بالفتح وهما واحد كالدلالة والدلالة "من شيء حتى يهاجروا" هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا بل أقاموا في بواديهم فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب ولا في خمسها إلا ما حضروا فيه القتال .
كما قال أحمد : حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن يزيد بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا وقال "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله إذا لقيت عدوكم من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية ."
فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم "انفرد به مسلم وعنده زيادات أخر وقوله" وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر "الآية يقول تعالى وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنه ."
والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73)

والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير
لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار كما قال الحاكم في مستدركه : حدثنا محمد بن صالح بن هانئ حدثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي حدثنا محمد بن أبان حدثنا محمد بن يزيد وسفيان بن حسين عن الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يتوارث أهل ملتين ولا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما ثم - قرأ -" والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير "ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ."
قلت الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يتوارث أهل ملتين شتى" وقال الترمذي حسن صحيح وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا محمد عن معمر عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على رجل دخل في الإسلام فقال "تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان وإنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب" وهذا مرسل من هذا الوجه وقد روي متصلا من وجه آخر عن رسول الله صلى الله

عليه وسلم أنه قال "أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين" ثم قال "لا يتراءى ناراهما" وقال أبو داود في آخر كتاب الجهاد حدثنا محمد بن داود بن سفيان أخبرني يحيى بن حسان أنبأنا سليمان بن موسى أبو داود حدثنا جعفر بن سعيد بن سمرة بن جندب عن سمرة بن جندب : أما بعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" وذكر الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حاتم بن إسماعيل عن عبد الله بن هرمز عن محمد وسعيد ابني عبيد عن أبي حاتم المزني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" قالوا يا رسول الله وإن كان فيه قال "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه" ثلاث مرات وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث حاتم بن إسماعيل به بنحوه ثم روى من حديث عبد الحميد بن سليمان عن ابن عجلان عن أبي وثيمة النضري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" ومعنى قوله "إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين

بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل .
والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74)
والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم
لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا عطف بذكر ما لهم في الآخرة فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان كما تقدم في أول السورة وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف دائم مستمر أبدا لا ينقطع ولا ينقضي ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه .
ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة كما قال "والسابقون الأولون" الآية وقال "والذين جاءوا من بعدهم" الآية .
وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "المرء مع من أحب" وفي الحديث الآخر "من أحب قوما فهو منهم" وفي رواية "حشر معهم" .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء لبعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة" قال شريك فحدثنا الأعمش عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله

تفرد به أحمد من هذين الوجهين .
والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75)
والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم
وأما قوله تعالى "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" أي في حكم الله وليس المراد بقوله "وأولوا الأرحام" خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذي لا فرض لهم ولا هم عصبة بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية ويعتقد ذلك صريحا في المسألة بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات كما نص عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولا وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص ومن لم يورثهم يحتج بأدلة من أقواها حديث "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" قالوا فلو كان ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثا والله أعلم .
آخر تفسير سورة الأنفال ولله الحمد والمنة وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل .
براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1)
براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين
هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء يقول آخر آية نزلت "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة" وآخر سورة نزلت براءة وإنما لم يبسمل في أولها لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام بل اقتدوا في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه .
كما قال الترمذي : حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن أبي جعفر وابن عدي وسهيل بن يوسف قالوا : حدثنا عوف عن أبي جميلة أخبرني يزيد الفارسي أخبرني ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين وقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم

الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول ما حملكم على ذلك فقال عثمان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها وخشيت أنها منها وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطول .
وكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من طرق أخر عن عوف الأعرابي به وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك وهم بالحج ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك وأنهم يطوفون بالبيت عراة فكره مخالطتهم وبعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرا على الحج تلك السنة ليقيم للناس مناسكهم ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا وأن ينادي في الناس "براءة من الله ورسوله" فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مبلغا عن رسوله صلى الله عليه وسلم لكونه عصبة له كما سيأتي بيانه فقوله تعالى "براءة من الله ورسوله" أي هذه براءة أي تبرؤ من الله ورسوله ""

إلى الذين عاهدتم من المشركين "."
فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2)
فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين
"فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" اختلف المفسرون ههنا اختلافا كثيرا فقال قائلون هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان لقوله تعالى "فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم" الآية ولما سيأتي في الحديث ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته وهذا أحسن الأقوال وأقواها وقد اختاره ابن جرير رحمه الله وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" الآية قال حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيث شاءوا وأجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى سلخ المحرم فذلك خمسون ليلة فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضا حتى يدخلوا في الإسلام وقال أبو معشر المدني : حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من براءة فقرأها على الناس يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض فقرأها عليهم يوم عرفة أجلهم عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر وقرأها عليهم في منازلهم وقال "لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان"

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد "براءة من الله ورسوله" إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد أو غيرهم فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ثم قال "إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك" فأرسل أبا بكر وعليا رضي الله عنهما فطافا بالناس في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتابعون بها وبالمواسم كلها فآذنوا أصحاب العهد بأن يؤقتوا أربعة أشهر فهي الأشهر المتواليات عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر ثم لا عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا وهكذا روي عن السدي وقتادة وقال الزهري : كان ابتداء التأجيل من شوال وآخره سلخ المحرم وهذا القول غريب وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر حين نادى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ولهذا قال تعالى : .
وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3)
وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم
يقول تعالى وإعلام "من الله ورسوله" وتقدم وإنذار إلى الناس "يوم الحج الأكبر" وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك وأظهرها وأكبرها جميعا "أن الله بريء من المشركين ورسوله" أي بريء منهم أيضا ثم دعاهم إلى التوبة إليه فقال "فإن تبتم" أي مما أنتم فيه من الشرك والضلال "فهو خير لكم وإن توليتم" أي استمررتم على ما أنتم عليه "فاعلموا أنكم غير معجزي الله" بل هو قادر عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته "وبشر الذين كفروا بعذاب أليم" أي في الدنيا بالخزي والنكال وفي الآخرة بالمقامع والأغلال .
قال البخاري رحمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث حدثني

عقيل عن ابن شهاب قال : أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في المؤذنين الذين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان .
قال حميد : ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة .
قال أبو هريرة : فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة وأن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ورواه البخاري أيضا : حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان .
ويوم الحج الأكبر يوم النحر وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك .
هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد .
وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله "براءة من الله ورسوله" قال لما كان النبي صلى الله عليه وسلم زمن حنين اعتمر من الجعرانة ثم أمر أبا بكر على تلك الحجة قال معمر : قال الزهري : وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر .
قال أبو هريرة ثم أتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وأمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر على الموسم كما هو أو قال على هيئته وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد فأما أبو بكر إنما كان أميرا سنة تسع .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن مغيرة عن

الشعبي عن محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة فقال "ما كنتم تنادون ؟" قال كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله أو مدته إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك قال : فكنت أنادي حتى صحل صوتي .
وقال الشعبي : حدثني محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال : كنت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ينادي فكان إذا صحل ناديت فقلت بأي شيء كنتم تنادون ؟ قال بأربع لا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك .
رواه ابن جرير من غير وجه عن الشعبي ورواه شعبة عن مغيرة عن الشعبي به إلا أنه قال : ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى أربعة أشهر وذكر تمام الحديث قال ابن جرير : حدثنا عفان حدثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ببراءة مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال "لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي" فبعث بها مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورواه الترمذي في التفسير عن بندار عن عفان وعبد الصمد كلاهما عن حماد بن



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #265  
قديم 04-12-2025, 03:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة براءة .
من صـ 141 الى صــ 155
الحلقة (265)






سلمة ثم قال : حسن غريب من حديث أنس رضي الله عنه وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدثنا محمد بن سليمان حدثنا لوين حدثنا محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني فقال : أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم "فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله نزل في شيء ؟ فقال : لا ولكن جبريل جاءني فقال لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك هذا إسناد فيه ضعف وليس المراد أن أبا بكر رضي الله عنه رجع من فوره بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء مبينا في الرواية الأخرى وقال عبد الله أيضا حدثني أبو بكر حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن حنش عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه ببراءة قال : يا نبي الله إني لست باللسن ولا بالخطيب قال : لا بد لي أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت قال : فإن كان ولا بد فسأذهب بها أنا قال : انطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك قال ثم وضع يده على فيه ."
وقال الإمام أحمد حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع رجل من همدان : سألنا عليا بأي شيء بعثت ؟ يعني يوم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة قال : بعثت بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ولا يحج المشركون

بعد عامهم هذا ورواه الترمذي عن قلابة عن سفيان بن عيينة وقال حسن صحيح كذا قال .
ورواه شعبة عن أبي إسحاق فقال زيد بن أثيل وهم فيه ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه عن علي رضي الله عنه وقال ابن جرير حدثنا ابن وكيع حدثنا أبو أسامة عن زكريا عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت براءة بأربع : أن لا يطوف بالبيت عريان ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ثم رواه ابن جرير عن محمد بن عبد الأعلى عن ابن ثور عن معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال : أمرت بأربع فذكره وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع قال : نزلت براءة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ثم أرسل عليا فأخذها فلما رجع أبو بكر قال : نزل في شيء ؟ قال "لا ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي" فانطلق إلى أهل مكة فقام فيهم بأربع : لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر

محمد بن علي بن الحسين بن علي قال : لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس فقيل يا رسول الله : لو بعثت إلى أبي بكر فقال "لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي" ثم دعا عليا فقال "اذهب بهذه القصة من سورة براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته" فخرج علي رضي الله عنه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر في الطريق فلما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟ فقال بل مأمور ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر "ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو"
إلى مدته "."
فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام وأهل المدة إلى الأجل المسمى .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وعبد الله بن راشد أخبرنا حيوة بن شريح أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول : سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة فلما قضى خطبته التفت إلي فقال : قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا كلهم حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة

وقال عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق : سألت أبا جحيفة عن يوم الحج الأكبر قال : يوم عرفة فقلت أمن عندك أم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال كل في ذلك .
وقال عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج عن عطاء قال : يوم الحج الأكبر يوم عرفة .
وقال عمرو بن الوليد السهمي حدثنا شهاب بن عباد البصري عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : هذا يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر فلا يصومنه أحد .
قال : فحججت بعد أبي فأتيت المدينة فسألت عن أفضل أهلها فقالوا سعيد بن المسيب فأتيته فقلت إني سألت عن أفضل المدينة فقالوا سعيد بن المسيب فأخبرني عن صوم يوم عرفة فقال : أخبرك عمن هو أفضل مني مائة ضعف عمر أو ابن عمر كان ينهى عن صومه ويقول يوم الحج الأكبر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وهكذا روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير ومجاهد وعكرمة وطاوس أنهم قالوا : يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر وقد ورد فيه حديث مرسل رواه ابن جريج أخبرت عن محمد بن قيس عن ابن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة .
فقال "هذا يوم الحج الأكبر" وروي من وجه آخر عن ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطبهم بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .
والقول الثاني أنه يوم النحر .
قال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن علي رضي الله عنه قال : يوم الحج الأكبر يوم النحر وقال أبو إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور سألت عليا رضي الله عنه عن يوم الحج الأكبر فقال : هو يوم النحر

وقال شعبة عن الحكم سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي رضي الله عنه أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة فجاء رجل فأخذ بلجام دابته فسأله عن الحج الأكبر فقال : هو يومك هذا خل سبيلها وقال عبد الرازق عن سفيان عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال : يوم الحج الأكبر يوم النحر وروى شعبة وغيره عن عبد الملك بن عمير به نحوه وهكذا رواه هشيم وغيره عن الشيباني عن عبد الله بن أبي أوفى وقال الأعمش عن عبد الله بن سنان قال : خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير فقال : هذا يوم الأضحى وهذا يوم النحر وهذا يوم الحج الأكبر وقال حماد بن سلمة عن سماك بن جبير وعبد الله بن شداد بن الهاد ونافع بن جبير بن مطعم والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة وأبي جعفر الباقر والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا : يوم الحج الأكبر هو يوم النحر واختاره ابن جرير وقد تقدم الحديث عن أبي هريرة في صحيح البخاري أن أبا بكر بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى وقد ورد في ذلك أحاديث أخر كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني سهل بن محمد الحساني حدثنا أبو جابر الحرثي حدثنا هشام بن الغازي الجرشي عن نفاع عن ابن عمر قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال هذا يوم الحج الأكبر وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث ابن جابر واسمه محمد بن عبد الملك به , ورواه ابن مردويه أيضا من حديث الوليد بن مسلم عن هشام ابن الغازي به ثم رواه

من حديث سعيد بن عبد العزيز عن نافع به .
وقال شعبة عن عمرو بن مرة الهمداني عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة حمراء مخضرمة فقال : أتدرون أي يوم يومكم هذا ؟ قالوا يوم النحر قال : صدقتم يوم الحج الأكبر .
وقال ابن جرير حدثنا أحمد بن المقدام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال : لما كان ذلك اليوم قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير له وأخذ الناس بخطامه أو زمامه فقال أي يوم هذا ؟ قال فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه فقال : أليس هذا يوم الحج الأكبر ؟ وهذا إسناد صحيح وأصله مخرج في الصحيح .
وقال أبو الأحوص عن شبيب عن عروة عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال : أي يوم هذا ؟ فقالوا اليوم الحج الأكبر وعن سعيد بن المسيب أنه قال : يوم الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر رواه ابن أبي حاتم وقال مجاهد أيضا يوم الحج الأكبر أيام الحج كلها وكذا قال أبو عبيدة قال سفيان : يوم الحج ويوم الجمل ويوم صفين أي أيامه كلها .
وقال سهل السراج سئل الحسن البصري عن يوم الحج الأكبر فقال : ما لكم وللحج

الأكبر ؟ ذاك عام حج فيه أبو بكر الذي استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج الناس رواه ابن أبي حاتم وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا أبو أسامة عن ابن عون سألت محمدا يعني ابن سيرين عن يوم الحج الأكبر فقال كان يوما وافق فيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج أهل الوبر .
إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4)
إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين
هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها وقد تقدمت الأحاديث ومن كان له عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده ولم يظاهر على المسلمين أحدا أي يمالئ عليهم من سواهم فهذا الذي يوفى له بذمته وعهده إلى مدته .
ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال "إن الله يحب المتقين" أي الموفين بعهدهم .
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5)
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم
اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم ههنا ما هي فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى "منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم" الآية قاله أبو جعفر الباقر ولكن قال ابن جرير : آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم وهذا الذي ذهب إليه حكاه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإليه ذهب الضحاك


أيضا وفيه نظر والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" ثم قال "فإذا انسلخ الأشهر الحرم" أي إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة وقوله "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" أي من الأرض وهذا عام والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله "ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم" وقوله "وخذوهم" أي وأسروهم إن شئتم قتلا وإن شئتم أسرا وقوله "واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد" أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام ولهذا قال "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم" ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته ونبه بأعلاها على أدناها فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله عز وجل وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" الحديث
وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق أنبأنا عبد الله بن المبارك أنبأنا حميد الطويل عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ; فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ; لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم" ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك به .
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئا فارقها والله عنه راض" قال وقال أنس : هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل قال الله تعالى "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم" قال : توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ثم قال في آية أخرى "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين" ورواه ابن مردويه ورواه محمد بن نصر المروذي في كتاب الصلاة له .
حدثنا إسحاق بن إبراهيم

أنبأنا حكام بن سلمة حدثنا أبو جعفر الرازي به سواء وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم أنها نسخت كل عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عقد وكل مدة وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال : أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام ونقض ما كان سمي لهم من العقد والميثاق وأذهب الشرط الأول وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال : قال سفيان بن عيينة قال علي بن أبي طالب : بعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف سيف في المشركين من العرب قال الله تعالى "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" هكذا رواه مختصرا وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب لقوله تعالى "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" "والسيف الثالث" قتال المنافقين في قوله "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين" الآية .
"والرابع" قتال الباغين في قوله "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله" ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه فقال الضحاك والسدي هي منسوخة بقوله تعالى "فإما منا بعد وإما فداء" وقال قتادة بالعكس .
وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6)
وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون

يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه "وإن أحد من المشركين" الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم "استجارك" أي استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله أي القرآن تقرؤه عليه وتذكر له شيئا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله "ثم أبلغه مأمنه" أي وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه "ذلك بأنهم قوم لا يعلمون" أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال : إنسان يأتيك ليسمع ما تقول وما أنزل عليك فهو آمن حتى يأتيك فتسمعه كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء ومن هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدا أو في رسالة كما جاء يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم عروة بن مسعود ومكرز بن حفص وسهيل بن عمرو وغيرهم واحدا بعد واحد يترددون في القضية بينه وبين المشركين فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم ولهذا أيضا لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أتشهد أن مسيلمة رسول الله ؟ قال نعم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك .
وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة وكان يقال له ابن النواحة ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة فأرسل إليه ابن مسعود فقال له إنك الآن لست في رسالة وأمر به فضربت عنقه لا رحمه الله ولعنه والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه

أمانا أعطي أمانا مادام مترددا في دار الإسلام ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله .
كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7)
كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين
بين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا فقال تعالى "كيف يكون للمشركين عهد" أي أمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون بالله كافرون به وبرسوله "إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام" يعني يوم الحديبية كما قال تعالى "هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله" الآية "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم" أي مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين "فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين" وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك والمسلمون .
استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ومالئوا حلفاءهم وهم بنو بكر على خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوهم معهم في الحرام أيضا فعند ذلك غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان ففتح الله عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء وكانوا قريبا من ألفين ومن استمر على كفره وفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله .

كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8)
كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون
يقول تعالى محرضا للمؤمنين على معاداتهم والتبرؤ منهم ومبينا أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة قال علي بن أبي طلحة وعكرمة والعوفي عن ابن عباس : الإل القرابة والذمة العهد وكذا قال الضحاك والسدي كما قال تميم بن مقبل :
أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإل وأعراق الرحم
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه :
وجدناهم كاذبا إلهم ... وذو الإل والعهد لا يكذب
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد لا يرقبون في مؤمن إلا : قال إلا الله , وفي رواية لا يرقبون الله ولا غيره وقال ابن جرير : حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن سليمان عن أبي مجلز في قوله تعالى "لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة" مثل قوله جبريل ميكائيل إسرافيل كأنه يقول لا يرقبون الله

والقول الأول أظهر وأشهر وعليه الأكثر .
وعن مجاهد أيضا الإل العهد .
وقال قتادة الإل الحلف .
اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9)
اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون
يقول تعالى ذما للمشركين وحثا للمؤمنين على قتالهم "اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا" يعني أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة "فصدوا عن سبيله" أي منعوا المؤمنين من اتباع الحق .
لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10)
لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون
"إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة" ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة قال علي بن أبي طلحة وعكرمة والعوفي عن ابن عباس : الإل القرابة والذمة العهد وكذا قال الضحاك والسدي كما قال تميم بن مقبل :
أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإل وأعراق الرحم
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه :
وجدناهم كاذبا إلهم ... وذو الإل والعهد لا يكذب
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد لا يرقبون في مؤمن إلا : قال الإل الله , وفي رواية لا يرقبون الله ولا غيره وقال ابن جرير : حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن سليمان عن أبي مجلز في قوله تعالى "لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة" مثل قوله جبريل ميكائيل إسرافيل كأنه يقول لا يرقبون الله والقول الأول أظهر وأشهر وعليه الأكثر .
وعن مجاهد أيضا الإل العهد .
وقال قتادة الإل الحلف .
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون (11)
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون
وكذا الآية التي بعدها "فإن تابوا وأقاموا الصلاة" إلى آخرها تقدمت وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن أبي بكر حدثنا أبو جعفر الرازي حدثنا الربيع بن أنس قال : سمعت أنس بن مالك يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لا يشرك به وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راض "وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله" فإن تابوا "يقول فإن خلعوا الأوثان وعبادتها" وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم "وقال في آية أخرى" فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين "ثم قال البزار : آخر الحديث عندي والله أعلم فارقها وهو عنه راض وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس"

وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12)
وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون
يقول تعالى "وإن نكث" هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم أي عهودهم ومواثيقهم "وطعنوا في دينكم" أي عابوه وانتقصوه ومن ههنا أخذ قتل من سب الرسول صلوات الله وسلامه عليه أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص ولهذا قال : "فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون" أي يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال وقد قال قتادة وغيره : أئمة الكفر كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف وعدد رجالا وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال : مر سعيد بن أبي وقاص برجل من الخوارج فقال الخارجي : هذا من أئمة الكفر فقال سعد : كذبت بل أنا قاتلت أئمة الكفر رواه ابن مردويه وقال الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال : ما قوتل أهل هذه الآية بعد وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثله والصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم والله أعلم وقال الوليد بن مسلم : حدثنا صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه كان في عهد أبي بكر رضي الله عنه إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال إنكم ستجدون قوما مجوفة رءوسهم فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف فوالله لأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله يقول "فقاتلوا أئمة الكفر" رواه ابن أبي حاتم .
ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13)
ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #266  
قديم 04-12-2025, 03:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة براءة .
من صـ 156 الى صــ 170
الحلقة (266)






وهذا أيضا تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة كما قال تعالى "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" وقال تعالى "يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم" الآية وقال تعالى وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها "الآية وقوله" وهم بدءوكم أول مرة "قيل المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر عيرهم فلما نجت وعلموا بذلك استمروا على وجههم طلبا للقتال بغيا وتكبرا كما تقدم بسط ذلك وقيل المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وكان ما كان والله أعلم ولله الحمد والمنة ."
وقوله "أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين" يقول تعالى لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي فبيدي الأمر وما شئت كان وما لم أشأ لم يكن ثم قال تعالى عزيمة على المؤمنين وبيانا لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك الأعداء بأمر من عنده .
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14)
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين
"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين" وهذا عام في المؤمنين كلهم وقال مجاهد وعكرمة والسدي في هذه الآية "ويشف صدور قوم مؤمنين" يعني خزاعة .
ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15)
ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم
وأعاد الضمير في قوله "ويذهب غيظ قلوبهم" عليهم أيض
ا .
وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة مؤذن لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن مسلم بن يسار عن عائشة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غضبت أخذ بأنفها وقال "يا عويش قولي اللهم رب النبي محمد اغفر ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن" ساقه من طريق أبي أحمد الحاكم عن الباغندي عن هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن أبي الجوزاء عنه "ويتوب الله على من يشاء" أي من عباده "والله عليم" أي بما يصلح عباده "حكيم" في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية فيفعل ما يشاء .
ويحكم ما يريد وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبدا ولا يضيع مثقال ذرة من خير وشر بل يجازي عليه في الدنيا والآخرة .
أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16)
أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون
يقول تعالى : "أم حسبتم" أيها المؤمنين أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب ولهذا قال "ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة" أي بطانة ودخيلة بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر كما قال الشاعر :
وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني
وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى "الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" وقال تعالى "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة الآية وقال تعالى" ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه "الآية"

والحاصل أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بين أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه وهو تعالى العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا راد لما قدره وأمضاه .
ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17)
ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون
يقول تعالى : ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له ومن قرأ مسجد الله فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له وأسسه خليل الرحمن هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي بحالهم .
وقال لهم كما قال السدي : لو سألت النصراني ما دينك ؟ لقال نصراني ولو سألت اليهودي ما دينك لقال يهودي والصابئي لقال صابئي والمشرك لقال مشرك "أولئك حبطت أعمالهم" أي بشركهم "وفي النار هم خالدون" وقال تعالى "وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون" .
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18)
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين
ولهذا قال تعالى "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر" فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد كما قال الإمام أحمد : حدثنا شريح حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان" قال تعالى "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر" ورواه الترمذي وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب
به .
وقال عبد الرحمن بن حميد في مسنده حدثنا يونس بن محمد حدثنا صالح المري عن ثابت البناني عن ميمون بن سيارة وجعفر بن زيد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما عمار المساجد هم أهل الله" ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبد الواحد بن غياث عن صالح بن بشير المري عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما عمار المساجد هم أهل الله .
ثم قال : لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح وقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار عن أبيها عن أخيه مالك بن دينار عن أنس مرفوعا "إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم" ثم قال غريب وروى الحافظ البهائي في المستقصى عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي حدثنا منصور بن صقير حدثنا صالح المري عن ثابت عن أنس مرفوعا يقول الله : وعزتي وجلالي إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت ذلك عنهم ثم قال ابن عساكر : حديث غريب وقال الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا سعيد عن قتادة حدثنا العلاء بن زياد

عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد وقال عبد الرازق عن معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي قال : أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم يقولون إن المساجد بيوت الله في الأرض وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها وقال المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ولم يأت المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله قال الله تعالى" إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر "الآية رواه ابن مردويه ."
وقد روي مرفوعا من وجه آخر وله شواهد من وجوه أخر ليس هذا موضع بسطها .
وقوله "وأقام الصلاة" أي التي هي أكبر عبادات البدن "وآتى الزكاة" أي التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق وقوله "ولم يخش إلا الله" أي ولم يخف إلا من الله تعالى ولم يخش سواه "فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين" قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر" يقول من وحد الله وآمن باليوم الآخر يقول من آمن بما أنزل الله "وأقام الصلاة" يعني الصلوات الخمس "ولم يخش إلا الله" يقول لم يعبد إلا الله ثم قال "فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين" يقول تعالى إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم "عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا" وهي الشفاعة وكل عسى في القرآن فهي واجبة وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله : وعسى من حق الله .
أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19)
أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر

وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين
قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية قال : إن المشركين قالوا عمارة بيت الله وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره فذكر الله استكبارهم وإعراضهم فقال لأهل الحرم من المشركين "قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون" يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم قال "به سامرا" كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم فخير الله الإيمان والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به وإن كانوا يعمرون بيته ويحرمون به .
قال الله تعالى "لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين" يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئا .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال : قد نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر قال لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام نسقي ونفك العاني قال الله عز وجل "أجعلتم سقاية الحاج" - إلى قوله - "والله لا يهدي القوم الظالمين" يعني أن ذلك كله كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك وقال الضحاك بن مزاحم أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك فقال العباس أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونفك العاني

ونحجب البيت ونسقي الحاج فأنزل الله "أجعلتم سقاية الحاج" الآية .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي قال : نزلت في علي والعباس رضي الله عنهما بما تكلما في ذلك .
وقال ابن جرير : حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة أنا صاحب البيت معي مفتاحه ولو أشاء بت فيه وقال العباس أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد فقال علي رضي الله عنه ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل الله عز وجل "أجعلتم سقاية الحاج" الآية كلها وهكذا قال السدي إلا أنه قال : افتخر علي والعباس وشيبة بن عثمان وذكر نحوه وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن عمرو عن الحسن قال : نزلت في علي وعباس وشيبة تكلموا في ذلك فقال العباس ما أراني إلا أني تارك سقايتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرا" ورواه محمد بن ثور عن معمر عن الحسن فذكر نحوه وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع فلا بد من ذكره هنا قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رجلا قال : ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج .

أمر الله تعالى بمباينة الكفار وإن كانوا آباء أو أبناء ونهى عن موالاتهم إن استحبوا أي اختاروا الكفر على الإيمان وتوعد على ذلك كقوله تعالى "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار" الآية .
وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال : جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر وجعل أبو عبيدة يحيد عنه فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله فأنزل الله فيه هذه الآية "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله" الآية .
قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24)
قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين
ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله فقال "وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها" أي تحبونها لطيبها وحسنها أي إن كانت هذه الأشياء "أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا" أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم .
ولهذا قال "حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين" وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن زهرة بن معبد عن جده قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال : والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه" فقال عمر : فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الآن يا عمر"

انفرد بإخراجه البخاري فرواه عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن حيوة بن شريح عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين "وروى الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "وروى الإمام أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن أبي حباب عن شهر بن حوشب أنه سمع عبد الله ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا شاهد للذي قبله والله أعلم ."
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25)
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين

قال ابن جريج عن مجاهد : هذه أول آية نزلت من براءة يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا بعددهم ولا بعدتهم ونبههم على أن النصر من عنده سواء قل الجمع أو كثر فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلا ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي سمعت يونس يحدث عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة" وهكذا رواه أبو داود والترمذي ثم قال : هذا حديث حسن غريب جدا لا يسنده أحد غير جرير بن حازم وإنما روي عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .
وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره عن أكثم بن الجون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه والله أعلم .
وقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة .
وذلك لما فرغ صلى الله عليه وسلم من فتح مكة وتمهدت أمورها وأسلم عامة أهلها وأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه وأن أميرهم مالك بن عوف النضري ومعه ثقيف بكمالها وبنو جشم وبنو سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال وهم قليل وناس من بني عمرو بن عامر وعون بن عامر وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم وجاءوا بقضهم وقضيضهم فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيشه الذي

جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ومعه الذين أسلموا من أهل مكة وهم الطلقاء في ألفين فسار بهم إلى العدو فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد بادروهم ورشقوا بالنبال وأصلتوا السيوف وحملوا حملة رجل واحد كما أمرهم ملكهم فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر يثقلانها لئلا تسرع السير وهو ينوه باسمه عليه الصلاة والسلام ويدعو المسلمين إلى الرجعة ويقول "إلي عباد الله إلي أنا رسول الله" ويقول في تلك الحال "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" وثبت معه من أصحابه قريب من مائة ومنهم من قال ثمانون فمنهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما والعباس وعلي والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد وغيرهم رضي الله عنهم ثم أمر صلى الله عليه وسلم عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته : يا أصحاب الشجرة يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها على أن لا يفروا عنه فجعل ينادي بهم يا أصحاب السمرة ويقول تارة : يا أصحاب سورة البقرة فجعلوا يقولون يا لبيك يا لبيك وانعطف الناس فتراجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه وأرسله ورجع بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم
عليه السلام أن يصدقوا الحملة وأخذ قبضة من التراب بعد ما دعا ربه واستنصره وقال "اللهم أنجز لي ما وعدتني" ثم رمى القوم بها فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون وما تراجع بقية الناس إلا

والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا يعلى بن عطاء عن عبيد الله بن سيار عن أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري واسمه يزيد بن أسيد ويقال يزيد بن أنيس ويقال كرز قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حان الرواح ؟ فقال "أجل" فقال "يا بلال" فثار من تحت سمرة كأن ظلها ظل طائر فقال : لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال "أسرج لي فرسي" فأخرج سرجا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال فأسرع فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى "ثم وليتم مدبرين" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله" ثم قال : يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله "قال : ثم اقتحم عن فرسه فأخذ كفا من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال" شاهت الوجوه "فهزمهم الله تعالى ."
قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن

سلمة به وقال محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن عبد الله قال : فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد وانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات اليمين يقول "أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله" فلا شيء وركبت الإبل بعضها بعضا فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر الناس قال يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة "فأجابوه لبيك لبيك فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة فاستعرض الناس فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار ثم جعلت آخرا بالخزرج وكانوا صبراء عند الحرب وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركابه فنظر إلى مجتلد القوم فقال الآن حمي الوطيس قال فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ملقون فقتل الله منهم من قتل وانهزم منهم من انهزم وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم وفي الصحيحين من حديث شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أن رجلا قال له : يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ فقال لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر إن هوازن كانوا قوما رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانهزم الناس فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول" أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب "قلت : وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة أنه في مثل هذا اليوم في"
حومة

الوغى وقد انكشف عنه جيشه وهو مع هذا على بغلة وليست سريعة الجري ولا تصلح لفر ولا لكر ولا لهرب وهو مع هذا أيضا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلا عليه وعلما منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به ويظهر دينه على سائر الأديان .
ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26)
ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين
ولهذا قال تعالى "ثم أنزل الله سكينته على رسوله" أي طمأنينته وثباته على رسوله "وعلى المؤمنين" أي الذين معه "وأنزل جنودا لم تروها" وهم الملائكة كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني الحسن بن عرفة قال : حدثني المعتمر بن سليمان عن عوف هو ابن أبي جميلة الأعرابي قال : سمعت عبد الرحمن مولى ابن برثن حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال : لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة قال فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى أصحاب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه فقال لنا : شاهت الوجوه ارجعوا .
قال فانهزمنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثني محمد بن أحمد بن بالويه حدثنا إسحاق بن الحسن الحرمي حدثنا عفان بن مسلم حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا ابن حصيرة حدثنا القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال : قال ابن مسعود رضي الله عنه كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار قدمنا ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدما فحادت بغلته فمال عن السرج فقلت : ارتفع رفعك الله قال "ناولني كفا من التراب" فناولته قال فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا قال "أين المهاجرون والأنصار ؟" قلت : هم هناك قال "اهتف بهم" فهتفت فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب وولى المشركون أدبارهم




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #267  
قديم 04-12-2025, 03:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة براءة .
من صـ 171 الى صــ 185
الحلقة (267)






ورواه الإمام أحمد في مسنده عن عفان به نحوه وقال الوليد بن مسلم : حدثني عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة مولى ابن عباس عن شيبة بن عثمان قال : لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عري ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما فقلت اليوم أدرك ثأري منه قال فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج فقلت : عمه ولن يخذله قال فجئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقلت : ابن عمه ولن يخذله فجئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن يخمشني فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "يا شيبة يا شيبة ادن مني اللهم أذهب عنه الشيطان" قال : فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري فقال "يا شيبة قاتل الكفار" رواه البيهقي من حديث الوليد فذكره ثم روي من حديث أيوب بن جابر عن صدقة بن سعيد عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به ولكنني أبيت أن تظهر هوازن على قريش فقلت وأنا واقف معه : يا رسول الله إني أرى خيلا بلقاء فقال "يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر" فضرب بيده على صدري ثم قال ""
اللهم اهد شيبة "ثم ضربها الثانية ثم قال" اللهم اهد شيبة "ثم ضربها الثالثة ثم قال" اللهم اهد شيبة "قال فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه وذكر تمام الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هزم الله تعالى المشركين"

قال محمد بن إسحاق : حدثني أبي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال : إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والناس يقتتلون إذ نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي فلم يكن إلا هزيمة قوم فما كنا نشك أنها الملائكة وقال سعيد بن السائب بن يسار عن أبيه قال : سمعت يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول كنا نجد في أجوافنا مثل هذا وقد تقدم له شاهد من حديث الفهري يزيد بن أسيد فالله أعلم وفي صحيح مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم" ولهذا قال تعالى "ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين" .
ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27)
ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم
وقوله "ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم" قد تاب الله على بقية هوازن فأسلموا وقدموا عليه مسلمين ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم فاختاروا سبيهم وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة فرده عليهم وقسم الأموال بين الغانمين ونفل أناسا من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام فأعطاهم مائة من الإبل وكان من جملة من أعطي ماله مالك بن عوف النضري واستعمله على قومه كما كان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها :
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلهم بمثل محمد

أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى يشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها ... بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله ... وسط المباءة خادر في مرصد
يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28)
يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم
أمر تعالى عباده المؤمنين الظاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الذين هم نجس دينا عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية وكان نزولها في سنة تسع ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا صحبة أبي بكر رضي الله عنهما عامئذ وأمره أن ينادي من المشركين : أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدرا .
وقال عبد الرازق أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا" إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة .
وقد روي مرفوعا من وجه آخر فقال الإمام أحمد : حدثنا حسن حدثنا شريك عن الأشعث يعني ابن سوار عن الحسن عن جابر قال : قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم "تفرد به الإمام أحمد مرفوعا والموقوف أصح إسنادا وقال الإمام أبو عمر والأوزاعي : كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين وأتبع نهيه قول الله تعالى" إنما المشركون نجس "وقال عطاء : الحرم كله مسجد لقوله تعالى" فلا يقربوا المسجد الحرام بعد يومهم هذا "ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما ورد في الصحيح" المؤمن لا ينجس "وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم وقال أشعث عن الحسن : من صافحهم فليتوضأ رواه ابن جرير وقوله" إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله "قال محمد بن إسحاق : وذلك أن الناس قالوا : لتقطعن عنا الأسواق ولتهلكن التجارة وليذهبن عنا ما كنا نصيب فيها من المرافق فأنزل الله" وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله "من وجه غير ذلك" إن شاء "إلى قوله" وهم صاغرون "أي"

هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق فعوضهم الله مما قطع أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم "إن الله عليم" أي بما يصلحكم "حكيم" أي فيما يأمر به وينهى عنه لأنه الكامل في أفعاله وأقواله العادل في خلقه وأمره تبارك وتعالى ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة .
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29)
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
وقوله تعالى "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد الرسل ولا بما جاءوا به وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه لا لأنه شرع الله ودينه لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانا صحيحا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه فلما جاء كفروا به وهو أشرف الرسل علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من الله .
بل لحظوظهم وأهوائهم فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم .
ولهذا قال "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب" وهذه الآية الكريمة أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا واستقامت جزيرة العرب أمر الله رسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى وكان ذلك في سنة تسع ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك وأظهره لهم وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم فأوعبوا معه واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من

المنافقين وغيرهم وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ وحر وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام لقتال الروم فبلغ تبوك فنزل بها وأقام بها قريبا من عشرين يوما ثم استخار الله في الرجوع فرجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله تعالى .
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب أو من أشباههم كالمجوس كما صح فيهم الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وقال أبو حنيفة رحمه الله : بل تؤخذ من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب .
وقال الإمام مالك : بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابي ومجوسي ووثني وغير ذلك ولمأخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكان غير هذا والله أعلم .
وقوله "حتى يعطوا الجزية" أي إن لم يسلموا "عن يد" أي عن قهر لهم وغلبة "وهم صاغرون" أي ذليلون حقيرون مهانون فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال : كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى من أهل الشام بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية

ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها ولا نحيي منها ما كان خططا للمسلمين وأن لا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل وأن ننزل من رأينا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم ولا نأوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسا ولا نكتم غشا للمسلمين ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شركا ولا ندعو إليه أحدا ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه وأن نوقر المسلمين وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نبيع الخمور وأن نجز مقاديم رءوسنا وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن نشد الزنانير على أوساطنا وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء في حضرة المسلمين ولا نخرج شعانين ولا بعوثا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نجاورهم بموتانا
ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم .
قال فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه ولا نضرب أحدا من المسلمين شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق .
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30)
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون

وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من اليهود والنصارى لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على الله تعالى فأما اليهود فقالوا في العزير إنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وذكر السدي وغيره أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم حتى سقطت جفون عينيه فبينما هو ذات يوم إذ مر على جبانة وإذا امرأة تبكي عند قبر وهي تقول وامطعماه واكاسياه فقال لها : ويحك من كان يطعمك قبل هذا ؟ قالت الله قال : فإن الله حي لا يموت قالت : يا عزير فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل ؟ قال : الله قالت : فلم تبكي عليهم ؟ فعرف أنه شيء قد وعظ به ثم قيل له اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه وصل هناك ركعتين فإنك ستلقى هناك شيخا فما أطعمك فكله فذهب ففعل ما أمر به فإذا الشيخ فقال له : افتح فمك ففتح فمه فألقى فيه شيئا كهيئة الجرة العظيمة ثلاث مرات فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة فقال يا بني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة فقالوا يا عزير ما كنت كذابا فعمد فربط على إصبع من أصابعه قلما وكتب التوراة بإصبعه كلها فلما تراجع الناس من عدوهم ورجع العلماء أخبروا بشأن عزير فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال وقابلوه بها فوجدوا ما جاء به صحيحا فقال بعض جهلتهم إنما صنع هذا لأنه ابن الله وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر ; ولهذا كذب الله سبحانه الطائفتين فقال "ذلك قولهم بأفواههم" أي لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلافهم "يضاهئون" أي يشابهون "قول الذين كفروا من قبل" أي من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء "قاتلهم الله" وقال ابن عباس : لعنهم الله "أنى يؤفكون" أي كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل ؟ .
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31)
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون

وقوله "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم" روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعتقها فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم عدي إلى المدينة وكان رئيسا في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" قال : فقلت إنهم لم يعبدوهم فقال "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا عدي ما تقول ؟ أيضرك أن يقال الله أكبر ؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله ؟ ما يضرك أيضرك أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم إلها غير الله ؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق قال : فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال" إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون " وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا وقال السدي استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولهذا قال تعالى " وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا "أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام وما حلله فهو الحلال وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ"

"لا إله إلا هو ولا رب سواه ."
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32)
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون
يقول تعالى : يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب "أن يطفئوا نور الله" أي ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق بمجرد جدالهم وافترائهم فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه وهذا لا سبيل إليه فكذلك ما أرسل به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد أن يتم ويظهر ولهذا قال تعالى مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه "ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون" والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر الأشياء والزارع كافرا لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال "يعجب الكفار نباته" .
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33)
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
ثم قال تعالى "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق" فالهدى هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع ودين الحق هو الأعمال الصالحة الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة "ليظهره على الدين كله" أي على سائر الأديان كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن محمد بن أبي يعقوب سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يقول : صلى هذا الحي من محارب الصبح فلما صلوا قال شاب منهم : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول "إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدى الأمانة" .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثنا سليم بن عامر عن تميم الداري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين يعز عزيزا ويذل ذليلا عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر" فكان تميم الداري يقول : قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان كافرا منهم الذل والصغار والجزية .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا الوليد بن مسلم حدثني ابن جابر سمعت سليم بن عامر قال : سمعت المقداد بن الأسود يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام يعز عزيزا ويذل ذليلا إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها وإما يذلهم"

فيدينون لها "وفي المسند أيضا حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي حذيفة عن عدي بن حاتم سمعه يقول : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال" يا عدي أسلم تسلم "فقلت إني من أهل دين قال" أنا أعلم بدينك منك "فقلت أنت أعلم بديني مني ؟ قال" نعم ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك ؟ "قلت بلى ! قال" فإن هذا لا يحل لك في دينك "قال فلم يعد أن قالها فتواضعت لها قال" أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب أتعرف الحيرة ؟ "قلت لم أرها وقد سمعت بها قال" فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز "قلت كسرى بن هرمز ؟ قال" نعم كسرى بن هرمز وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد "قال عدي : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها ."
وقال مسلم : حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرقاشي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن الأسود بن العلاء عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنهما "قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى "فقلت يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله عز وجل" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق "الآية أن"

ذلك تام قال "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله عز وجل ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم" .
يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34)
يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب
قال السدي الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى وهو كما قال فإن الأحبار هم علماء اليهود كما قال تعالى "لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت" والرهبان عباد النصارى والقسيسون علماؤهم كما قال تعالى "ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا" والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال كما قال سفيان بن عيينة : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى وفي الحديث الصحيح "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" قالوا اليهود والنصارى ؟ قال فمن ؟ وفي رواية فارس والروم قال "فمن الناس إلا هؤلاء ؟" والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى

"ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله" وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف ولهم عندهم خرج وهدايا وضرائب تجيء إليهم فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم طمعا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات فأطفأها الله بنور النبوة وسلبهم إياها وعوضهم الذل والصغار وباءوا بغضب من الله تعالى وقوله تعالى "ويصدون عن سبيل الله" أي وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق ويلبسون الحق بالباطل ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعونه إلى الخير وليسوا كما يزعمون بل هم دعاة إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وقوله "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله" الآية هؤلاء هم القسم الثالث من رءوس الناس فإن الناس عالة على العلماء وعلى العباد وعلى أرباب الأموال فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس كما قال ابن المبارك .
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
وأما الكنز فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر : هو المال الذي لا تؤدى زكاته وروى الثوري وغيره عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال : ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز وقد روي هذا عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفا ومرفوعا وقال عمر بن الخطاب نحوه أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض وأيما

مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض .
وروى البخاري من حديث الزهري عن خالد بن أسلم قال : خرجنا مع عبد الله بن عمر قال : هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله طهرة للأموال وكذا قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك نسخها قوله تعالى "خذ من أموالهم صدقة" الآية .
وقال سعيد بن محمد بن زياد عن أبي أمامة أنه قال : حلية السيوف من الكنز .
ما أحدثكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الثوري عن أبي حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن هبيرة عن علي رضي الله عنه قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة فما كان أكثر من ذلك فهو كنز وهذا غريب .
وقد جاء في مدح التقلل من الذهب والفضة وذم التكثر منها أحاديث كثيرة ولنورد منها هنا طرفا يدل على الباقي قال عبد الرازق : أخبرنا الثوري أخبرني أبو حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن هبيرة عن علي رضي الله عنه في قوله "والذين يكنزون الذهب والفضة" الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم "تبا للذهب تبا للفضة" يقولها ثلاثا قال فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا فأي مال نتخذ ؟ فقال عمر رضي الله عنه أنا أعلم لكم ذلك فقال : يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #268  
قديم 04-12-2025, 03:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة براءة .
من صـ 186 الى صــ 200
الحلقة (268)






وقالوا فأي المال نتخذ قال "لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين أحدكم على دينه" .
"حديث آخر" قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة عن أبي محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثني سالم بن عبد الله أخبرنا عبد الله بن أبي الهذيل حدثني صاحب لي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال "تبا للذهب والفضة" قال وحدثني صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله قولك "تبا للذهب والفضة" ماذا ندخر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين على الآخرة" .
"حديث آخر" قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة عن أبيه عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان قال : لما نزل في الذهب والفضة ما نزل قالوا فأي المال نتخذ ؟ قال عمر فأنا أعلم لكم ذلك .
فأوضع على بعير فأدركه وأنا في أثره فقال : يا رسول الله أي المال نتخذ ؟ قال "قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين أحدكم على أمر الآخرة" ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه عن سالم بن أبي الجعد .
وقال الترمذي حسن وحكي عن البخاري أن سالما لم يسمعه من ثوبان قلت : ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلا والله أعلم .
"حديث آخر" قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا حميد بن مالك حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي حدثنا أبي حدثنا غيلان بن جامع المحاربي عن عثمان بن أبي اليقظان عن جعفر بن أبي إياس عن مجاهد عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية "والذين يكنزون الذهب والفضة" الآية كبر ذلك على المسلمين وقالوا ما

يستطيع أحد منا يدع لولده مالا يبقى بعده فقال عمر : أنا أفرج عنكم فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم" قال فكبر عمر ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم "ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته" ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه وابن مردويه من حديث يحيى بن يعلى به وقال الحاكم صحيح على شرطهما ولم يخرجاه .
"حديث آخر" قال الإمام أحمد : حدثنا روح حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان شداد بن أوس رضي الله عنه في سفر فنزل منزلا فقال لغلامه ائتنا بالشفرة نعبث بها فأنكرت عليه فقال ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب" .
يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35)
يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون
قوله تعالى "يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون" أي يقال لهم هذا الكلام تبكيتا

وتقريعا وتهكما كما في قوله "ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم" أي هذا بذاك وهذا الذي كنتم تكنزون لأنفسكم ولهذا يقال من أحب شيئا وقدمه على طاعة الله عذب به وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عندهم عذبوا بها كما كان أبو لهب لعنه الله جاهدا في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وامرأته تعينه في ذلك كانت يوم القيامة عونا على عذابه أيضا في جيدها أي عنقها حبل من مسد أي تجمع من الحطب في النار وتلقي عليه ليكون ذلك أبلغ في عذابه ممن هو أشفق عليه في الدنيا كما أن هذه الأموال لما كانت أعز الأموال على أربابها كانت أضر الأشياء عليهم في الدار الآخرة فيحمى عليها في نار جهنم وناهيك بحرها فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم .
قال سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن عمر بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود : والذي لا إله غيره لا يكوى عبد يكنز فيمس دينار دينارا ولا درهم درهما ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته وقد رواه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح رفعه والله أعلم .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعا يتبع صاحبه وهو يفر منه ويقول : أنا كنزك لا يدرك منه شيئا إلا أخذه .
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يتبعه ويقول ويلك ما أنت ؟ فيقول أنا كنزك الذي تركته بعدك ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعها سائر جسده"

ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث يزيد عن سعيد به .
وأصل هذا الحديث في الصحيحين من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وذكر تمام الحديث وقال البخاري في تفسير هذه الآية حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن حصين عن زيد بن وهب قال : مررت على أبي ذر بالربذة فقلت : ما أنزلك بهذه الأرض ؟ قال : كنا بالشام فقرأت "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" فقال معاوية : ما هذه فينا ما هذه إلا في أهل الكتاب قال : قلت إنها لفينا وفيهم .
ورواه ابن جرير من حديث عبيد بن القاسم عن حصين عن زيد بن وهب عن أبي ذر رضي الله عنه فذكره وزاد فارتفع في ذلك بيني وبينه القول فكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقبل إليه قال فأقبلت إليه فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذ فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي : تنح قريبا قلت والله ما أدع ما كنت أقول ""

قلت "كان من مذهب أبي ذر رضي الله عنه تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه ويأمرهم به ويغلظ في خلافه فنهاه معاوية فلم ينته فخشي أن يضر بالناس في هذا فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه إليه فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأنزله بالربذة وحده وبها مات رضي الله عنه في خلافة عثمان وقد اختبره معاوية رضي الله عنه وهو عنده هل يوافق عمله قوله فبعث إليه بألف دينار ففرقها من يومه ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت فهات الذهب فقال ويحك إنها خرجت ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به وهكذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنها عامة وقال السدي هي في أهل القبلة وقال الأحنف بن قيس قدمت المدينة فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه فقام عليهم فقال : بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل قال فوضع القوم رءوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا قال فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم فقال إن هؤلاء لا يعلمون شيئا ."
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر "ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا يمر علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا دينار أرصده لدين" فهذا والله أعلم هو الذي حدا بأبي ذر على القول بهذا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا همام حدثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن عبد الله بن الصامت رضي الله عنه أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية فجعلت تقضي حوائجه ففضلت معها سبعة فأمرها أن تشتري به فلوسا .
قال قلت لو ادخرته لحاجة تنوبك وللضيف ينزل بك قال إن خليلي عهد إلي أن أيما ذهب أو فضة أوكي عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله عز وجل ورواه عن يزيد عن همام به وزاد إفراغا .
وقال الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الشبلي في ترجمته عن محمد بن مهدي : حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله عن طلحة بن زيد عن أبي فروة الرهاوي عن عطاء عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا "قال : يا رسول الله كيف لي بذلك ؟ قال" ما سألت فلا تمنع وما رزقت فلا تخبئ "قال : يا رسول الله كيف لي بذلك ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ذاك وإلا فالنار" إسناده ضعيف وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا عيينة عن يزيد بن الصرم قال : سمعت عليا رضي الله عنه يقول : مات رجل من أهل الصفة وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "كيتان صلوا على صاحبكم" وقد روي هذا من طرق أخر وقال قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال مات رجل

من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كية" ثم توفي رجل آخر فوجد في مئزره ديناران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كيتان" وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي حدثنا معاوية بن يحيى الأطرابلسي حدثني أرطاة حدثنا أبو عامر الهوزني سمعت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلا جعل الله بكل قيراط صفحة من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه" وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد بن خداش حدثنا سيف بن محمد الثوري حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يوضع الدينار على الدينار , ولا الدرهم على الدرهم ولكن يوسع جلده فيكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون" سيف هذا كذاب متروك .
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36)
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين
قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل أخبرنا أيوب أخبرنا محمد بن سيرين عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته"

يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان "ثم قال" أي يوم هذا ؟ "قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال" أليس يوم النحر ؟ "قلنا بلى ثم قال" أي شهر هذا ؟ "قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال" أليس ذا الحجة ؟ "قلنا بلى ثم قال" أي بلد هذا .
؟ "قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال" أليست البلدة ؟ "قلنا بلى قال" فإن دماءكم وأموالكم - وأحسبه قال - وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا .
وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا هل بلغت ؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه "رواه البخاري في التفسير وغيره ."
ومسلم من حديث أيوب عن محمد وهو ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به وقد قال ابن جرير : حدثنا معمر حدثنا روح حدثنا أشعث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا"

عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ثلاثة متواليات - ذو القعدة وذو الحجة والمحرم - ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان "ورواه البزار عن محمد بن معمر به ."
ثم قال لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه وقد رواه ابن عون وقرة عن ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه وقال ابن جرير أيضا : حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي حدثنا زيد بن حباب حدثنا موسى بن عبيدة الربذي حدثني صدقة بن يسار عن ابن عمر قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال "أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم" وروى ابن مردويه من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مثله أو نحوه وقال حماد بن سلمة حدثني علي بن زيد عن أبي حمزة الرقاشي عن عمه وكانت له صحبة قال : كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم" وقال سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله "منها أربعة حرم" قال محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات"

والأرض "تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه وتثبيت للأمر على ما جعله الله في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص ولا نسيء ولا تبديل كما قال في تحريم مكة" إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وهكذا قال ههنا "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" أي الأمر اليوم شرعا كما ابتدع الله ذلك في كتابه يوم خلق السماوات والأرض وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث إن المراد بقوله "قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" أنه اتفق أن حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنة في ذي الحجة وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين بل أكثرها في غير ذي الحجة وزعموا أن حجة التصديق في سنة تسع كانت في ذي
القعدة وفي هذا نظر كما سنبينه إذا تكلمنا عن النسيء وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد وهو يوم النحر عام حجة الوداع والله أعلم .
"فصل" ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه "المشهور في أسماء الأيام والشهور" أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرا محرما وعندي أنه سمي بذلك تأكيدا لتحريمه لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عاما وتحرمه عاما قال ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار يقال صفر المكان إذا خلا ويجمع على أصفار كجمل وأجمال وشهر ربيع الأول سمي بذلك لارتباعهم فيه والارتباع الإقامة في عمارة الربع ويجمع على أربعاء كنصيب وأنصباء وعلى أربعة كرغيف وأرغفة وربيع الآخر كالأول وجمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه قال : وكانت الشهور في حسابهم لا تدور وفي هذا نظر إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة فلا بد من دورانها فلعلهم سموه بذلك أول ما سمي عند جمود الماء في البرد كما قال الشاعر :

وليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر العبد في ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خرطومه الذنبا
ويجمع على جماديات كحبارى وحباريات وقد يذكر ويؤنث فيقال جمادى الأولى والأول وجمادى الآخر والآخرة ورجب من الترجيب وهو التعظيم ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات وشعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعابات ورمضان من شدة الرمضاء وهو الحر يقال رمضت الفصال إذا عطشت ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة قال : وقول من قال إنه اسم من أسماء الله خطأ لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه قلت : قد ورد في حديث ولكنه ضعيف وبينته في أول كتاب الصيام وشوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق قال : ويجمع على شواول وشواويل وشوالات .
القعدة بفتح القاف - قلت وكسرها - لقعودهم فيه عن القتال والترحال ويجمع على ذوات القعدة الحجة بكسر الحاء - قلت وفتحها - سمي بذلك لإيقاعهم الحج فيه ويجمع على ذوات الحجة أسماء الأيام أولها الأحد ويجمع على آحاد وأوحاد ووحود ثم يوم الاثنين ويجمع على أثانين الثلاثاء يمد ويذكر ويؤنث ويجمع على ثلاثاوات وأثالث ثم الأربعاء بالمد ويجمع على أربعاوات وأرابيع والخميس يجمع على أخمسة وأخامس ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضا ويجمع على جمع وجماعات .
السبت مأخوذ من السبت وهو القطع لانتهاء العدد عنده وكانت العرب تسمي الأيام أول ثم أهون ثم جبار ثم دبار ثم مؤنس ثم العروبة ثم شيار قال الشاعر من العرب العرباء العاربة المتقدمين :

أرجي أن أعيش وإن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
وقوله تعالى "منها أربعة حرم" فهذا مما كانت العرب أيضا في الجاهلية تحرمه وهو الذي كان عليه جمهورهم إلا طائفة منهم يقال لهم البسل كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر تعمقا وتشديدا وأما قوله "ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم فبين صلى الله عليه وسلم أنه رجب مضر لا رجب ربيعة وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحرم قبل أشهر الحج شهرا وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك وحرم بعده شهرا آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا وقوله "ذلك الدين القيم" أي هذا هو الشرع المستقيم من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم والحذو بها على ما سبق من كتاب الله الأول قال تعالى "فلا تظلموا فيهن أنفسكم" أي في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف لقوله تعالى "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم" وكذا الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس في

قوله "فلا تظلموا فيهن أنفسكم" قال في الشهور كلها وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله "إن عدة الشهور عند الله" الآية فلا تظلموا فيهن أنفسكم في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراما وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم وقال قتادة في قوله "فلا تظلموا فيهن أنفسكم" إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواها .
وإن كان الظلم على كل حال عظيما ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء وقال : إن الله اصطفى صفايا من خلقه اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكره واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظم الله .
فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن عن محمد بن الحنفية بأن لا تحرموهن كحرمتهن وقال محمد بن إسحاق "فلا تظلموا فيهن أنفسكم" أي لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما كما فعل أهل الشرك فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر "يضل به الذين كفروا" الآية وهذا القول اختيار ابن جرير .
وقوله "وقاتلوا المشركين كافة" أي جميعكم "كما يقاتلونكم كافة" أي جميعهم "واعلموا أن الله مع المتقين" وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم على قولين "أحدهما" وهو الأشهر أنه منسوخ لأنه تعالى قال ههنا "فلا تظلموا فيهن"

أنفسكم "وأمر بقتال المشركين وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرا عاما ولو كان محرما في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن في شوال فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فلهم لجئوا إلى الطائف فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما وانصرف ولم يفتحها فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام والقول الآخر أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام لقوله تعالى" يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام "وقال" الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم "الآية وقال" فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين "الآية وقد تقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة لا أشهر التسيير على أحد القولين ."
وأما قوله تعالى "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف ويكون من باب التهييج والتحضيض أي كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم فاجتمعوا أنتم أيضا لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما يفعلون ويحتمل أنه إذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم كما قال تعالى "الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص" وقال تعالى "ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم" الآية .
وهكذا الجواب عن حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال وجمعوا الرجال ودعوا إلى الحرب والنزال فعندما قصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم فنالوا من المسلمين وقتلوا جماعة واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبا من أربعين يوما وكان ابتداؤه في شهر حلال ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أياما ثم قفل عنهم لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء وهذا أمر مقرر وله نظائر كثيرة والله أعلم ولنذكر الأحاديث الواردة في ذلك .
وقد حررنا ذلك في السيرة والله أعلم .
إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (37)
إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما

ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين
هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله فإنهم كان فيهم من القوة الغضبية والشهامية ما استطاعوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة كما قال شاعرهم وهو عمير بن قيس المعروف بجذل الطعان :
لقد علمت معد بأن قومي ... كرام الناس أن لهم كراما
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما
فأي الناس لم ندرك بوتر ... وأي الناس لم نعلك لجاما
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "إنما النسيء زيادة في الكفر" قال النسيء أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام وكان يكنى أبا ثمامة فينادي ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب ألا وإن صفر العام الأول العام حلال فيحله للناس فيحرم صفرا عاما ويحرم المحرم عاما فذلك قول الله "إنما النسيء زيادة في الكفر" يقول يتركون المحرم عاما وعاما يحرمونه وروى العوفي عن ابن عباس نحوه وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد : كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول أيها الناس : إني لا أعاب ولا أجاب ولا مرد لما




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #269  
قديم 04-12-2025, 03:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة براءة .
من صـ 201 الى صــ 215
الحلقة (269)






أقول إنا قد حرمنا المحرم وأخرنا صفر .
ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته ويقول إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فهو قوله "ليواطئوا عدة ما حرم الله" قال : يعني الأربعة فيحلوا ما حرم الله بتأخير هذا الشهر الحرام وروي عن أبي وائل والضحاك وقتادة نحو هذا وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله "إنما النسيء زيادة في الكفر" الآية .
قال هذا رجل من بني كنانة يقال له القلمس وكان في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده فلما كان هو قالوا اخرجوا بنا قالوا له هذا المحرم قال ننسئه العام هما العام صفران فإذا كان العام القابل قضينا جعلناهما محرمين قال ففعل ذلك فلما كان عام قابل قال لا تغزوا في صفر حرموه مع المحرم هما محرمان فهذه صفة غريبة في النسيء وفيها نظر لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر فأين هذا من قوله تعالى "يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله" وقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضا فقال عبد الرزاق : أنا معمر عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى "إنما النسيء زيادة في الكفر" الآية قال فرض الله عز وجل الحج في ذي الحجة قال : وكان المشركون يسمون ذا الحجة المحرم وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة يحجون فيه مرة أخرى ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه ثم يعودون فيسمون صفرا ثم يسمون رجب جمادى الآخر ثم يسمون شعبان رمضان ثم يسمون شوالا رمضان ثم يسمون ذا القعدة شوالا ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة ثم

يسمون المحرم ذا الحجة فيحجون فيه واسمه عندهم ذو الحجة ثم عادوا بمثل هذه الصفة فكانوا يحجون في كل شهر عامين حتى إذا وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج فوافق ذا الحجة فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضا وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة وأنى هذا ؟ وقد قال الله تعالى "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله" الآية وإنما نودي به في حجة أبي بكر فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى "يوم الحج الأكبر" ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره من دوران السنة عليهم وحجهم في كل شهر عامين فإن النسيء حاصل بدون هذا فإنهم لما كانوا يحلون شهر المحرم عاما يحرمون عوضه صفرا وبعده ربيع وربيع إلى آخر السنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها ثم في السنة الثانية يحرمون
المحرم ويتركونه على تحريمه وبعده صفر وربيع وربيع إلى آخرها "فيحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله" أي في تحريم أربعة أشهر من السنة إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم وتارة ينسئونه إلى صفر أي يؤخرونه وقد قدمنا الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم "إن الزمان قد استدار" الحديث أي إن الأمر في عدة الشهور وتحريم ما هو محرم منها على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي لا كما تعتمده جهلة العرب من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض والله أعلم وقال ابن أبي حاتم : حدثنا صالح بن بشر بن سلمة الطبراني حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال "وإنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا"

يحلونه عاما ويحرمونه عاما "فكانوا يحرمون المحرم عاما ويستحلون صفرا ويستحلون المحرم وهو النسيء" وقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب السيرة كلاما جيدا مفيدا حسنا فقال : كان أول من نسأ الشهور على العرب فأحل منها ما حرم الله وحرم منها ما أحل الله عز وجل القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد ثم ابنه أمية بن قلع ثم ابنه عوف بن أمية ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإسلام فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فقام فيهم خطيبا فحرم رجبا وذا القعدة وذا الحجة ويحل المحرم عاما ويجعل مكانه صفرا ويحرمه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحل ما حرم الله يعني ويحرم ما أحل الله .
والله أعلم .
يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38)
يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا
هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارة القيظ فقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله" أي إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله "اثاقلتم إلى الأرض" أي تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار "أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة" أي ما لكم فعلتم هكذا رضا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة
ثم زهد تبارك وتعالى في الدنيا .
ورغب في الآخرة فقال "فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل" كما قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن المستورد أخي بني فهر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بما ترجع ؟ وأشار بالسبابة انفرد بإخراجه مسلم ."
وروى ابن أبي حاتم حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص حدثنا الربيع بن روح حدثنا محمد بن خالد الوهبي حدثنا زياد يعني الجصاص عن أبي عثمان قال : قلت يا أبا هريرة سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة" قال أبو هريرة : بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة" ثم تلا هذه الآية "فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل" فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها عند الله قليل .
وقال الثوري عن الأعمش في الآية "فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل" قال كزاد الراكب وقال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال : ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال : أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا ؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول أف لك من دار إن كان كثيرك لقليل وإن كان قليلك لقصير وإن كنا منك لفي غرور .
إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39)
إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير
ثم توعد تعالى من ترك الجهاد فقال "إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما" قال ابن عباس : استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم "ويستبدل قوما غيركم" أي لنصرة نبيه وإقامة دينه كما قال تعالى "وإن"

تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم "" ولا تضروه شيئا "أي ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه" والله على كل شيء قدير "أي قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم وقد قيل إن هذه الآية وقوله" انفروا خفافا وثقالا "وقوله" وما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله "أنهن منسوخات بقوله تعالى" وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة "روي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم ورده ابن جرير وقال إنما هذا فيمن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد فتعين عليهم ذلك فلو تركوه لعوقبوا عليه وهذا له اتجاه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ."
إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40)
إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم
يقول تعالى "إلا تنصروه" أي تنصروا رسوله فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه كما تولى نصره "إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين" أي عام الهجرة لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه فخرج منهم هاربا صحبه صديقه وصاحبه أبو بكر بن أبي قحافة فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ثم يسيروا نحو المدينة فجعل أبو بكر رضي الله عنه يجزع أن يطلع عليهم فيخلص إلى الرسول عليه الصلاة والسلام منهم أذى فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسكنه ويثبته ويقول "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" كما قال الإمام أحمد

حدثنا عفان حدثنا همام أنبأنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال : فقال "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" أخرجاه في الصحيحين ولهذا قال تعالى "فأنزل الله سكينته عليه" أي تأييده ونصره عليه أي على الرسول صلى الله عليه وسلم في أشهر القولين وقيل على أبي بكر وروي عن ابن عباس وغيره قالوا : لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تزل معه سكينة وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ولهذا قال "وأيده بجنود لم تروها" أي الملائكة "وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا" قال ابن عباس : يعني بكلمة الذين كفروا الشرك وكلمة الله هي لا إله إلا الله .
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" وقوله "والله عزيز" أي في انتقامه وانتصاره منيع الجناب لا يضام من لاذ ببابه واحتمى بالتمسك بخطابه "حكيم" في أقواله وأفعاله .
انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41)
انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون
قال سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى مسلم بن صبيح : هذه الآية "انفروا خفافا وثقالا" أول ما نزل من سورة براءة وقال معتمر بن سليمان عن أبيه قال : زعم حضرمي أنه ذكر له أن ناسا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليا وكبيرا فيقول إني لا آثم فأنزل الله "انفروا خفافا وثقالا" الآية أمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط

والمكره والعسر واليسر فقال "انفروا خفافا وثقالا" وقال علي بن زيد عن أنس عن أبي طلحة : كهولا وشبانا ما سمع الله عذر أحد ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل وفي رواية قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية "انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله" فقال : أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبانا جهزوني يا بني فقال بنوه : يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها وهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح والحسن البصري وسهيل بن عطية ومقاتل بن حيان والشعبي وزيد بن أسلم أنهم قالوا في تفسير هذه الآية "انفروا خفافا وثقالا" كهولا وشبانا .
وكذا قال عكرمة والضحاك ومقاتل بن حيان وغير واحد وقال مجاهد : شبانا وشيوخا وأغنياء ومساكين وكذا قال أبو صالح وغيره قال الحكم بن عتيبة : مشاغيل وغير مشاغيل وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى "انفروا خفافا وثقالا" يقول انفروا نشاطا وغير نشاط وكذا قال قتادة وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد "انفروا خفافا وثقالا" قالوا : فإن فينا الثقيل وذو الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره فأنزل الله وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا "خفافا وثقالا" أي على ما كان منهم .

وقال الحسن بن أبي الحسن البصري أيضا في العسر واليسر وهذا كله من مقتضيات العموم في الآية وهذا اختيار ابن جرير .
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي : إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس إليها خفافا وركبانا وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافا وثقالا وركبانا ومشاة وهذا تفصيل في المسألة وقد روي عن ابن عباس ومحمد بن كعب وعطاء الخراساني وغيرهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة" وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله وقال السدي قوله "انفروا خفافا وثقالا" يقول غنيا وفقيرا وقويا وضعيفا فجاءه رجل يومئذ زعموا أنه المقداد وكان عظيما سمينا فشكى إليه وسأله أن يأذن له فأبى فنزلت يومئذ "انفروا خفافا وثقالا" فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس فنسخها الله تعالى "ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله" وقال ابن جرير : حدثني يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا أيوب عن محمد قال : شهد أبو أيوب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاما واحدا قال وكان أبو أيوب يقول : قال الله تعالى " انفروا خفافا وثقالا فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا وقال ابن جرير : حدثني سعيد بن عمر السكوني حدثنا بقية حدثنا جرير حدثني عبد الرحمن بن ميسرة حدثني أبو راشد الحراني قال : وافيت المقدام بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص وقد فصل عنها من عظمه يريد الغزو فقلت له قد أعذر الله إليك فقال أتت علينا سورة البعوث "انفروا خفافا وثقالا" "

وقال ابن جرير : حدثني حيان بن زيد الشرعي قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليا على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيرا هما قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار فأقبلت إليه فقلت يا عم لقد أعذر الله إليك قال : فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا ألا إنه من يحبه الله يبتليه ثم يعيده الله فيبقيه وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله عز وجل .
ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله فقال "وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون" أي هذا خير لكم في الدنيا والآخرة لأنكم تغرمون في النفقة قليلا فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة" ولهذا قال تعالى "كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل "" أسلم "قال أجدني كارها قال أسلم ولو كنت كارها" .
لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42)

لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون
يقول تعالى موبخا للذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وقعدوا بعد ما استأذنوه في ذلك مظهرين أنهم ذوو أعذار ولم يكونوا كذلك فقال "لو كان عرضا قريبا" قال ابن عباس : غنيمة قريبة "وسفرا قاصدا" أي قريبا أيضا "لاتبعوك أي لكانوا جاءوا معك لذلك ولكن بعدت عليهم الشقة أي المسافة إلى الشام وسيحلفون بالله أي لكم إذا رجعتم إليهم لو استطعنا لخرجنا معكم أي لو لم يكن لنا أعذار لخرجنا معكم قال الله تعالى يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ."
عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43)
عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو حصين بن سليمان الرازي حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن عون قال : هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة فقال عفا الله عنك لم أذنت لهم

وكذا قال مورق العجلي وغيره وقال قتادة : عاتبه كما تسمعون ثم أنزل التي في سورة النور فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء فقال "فإذا أستأذنوك لبعض شأنهم فائذن لمن شئت منهم" الآية .
وكذا روي عن عطاء الخراساني وقال مجاهد نزلت هذه الآية في أناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا ولهذا قال تعالى "حتى يتبين لك الذين صدقوا" أي في إبداء الأعذار "وتعلم الكاذبين" .
لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44)
لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين
يقول تعالى هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو وإن لم تأذن لهم فيه .
ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله فقال "لا يستأذنك" أي في القعود عن الغزو "."
الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم "لأنهم يرون الجهاد قربة ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا" .
إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45)
إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون
إنما يستأذنك "أي في القعود ممن لا عذر له" الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر "أي لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم" وارتابت قلوبهم "أي شكت في صحة ما جئتهم به" فهم في ريبهم يترددون "أي يتحيرون يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى وليست لهم قدم ثابتة في شيء فهم قوم حيارى هلكى لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ."
ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46)
ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين

يقول تعالى "ولو أرادوا الخروج" أي معك إلى الغزو "لأعدوا له عدة" أي لكانوا تأهبوا له "ولكن كره الله انبعاثهم" أي أبغض أن يخرجوا معكم قدرا "فثبطهم" أي أخرهم "وقيل اقعدوا مع القاعدين" أي قدرا ثم بين تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين .
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47)
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين
فقال "لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا" أي لأنهم جبناء مخذولون "ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة" أي ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة "وفيكم سماعون لهم" أي مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير .
وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير "وفيكم سماعون لهم" أي عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم .
وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم بل هذا عام في جميع الأحوال والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين .
وقال محمد بن إسحاق كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس وكانوا أشرافا في قومهم فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم فقال "وفيكم سماعون لهم" ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال "والله عليم بالظالمين" فأخبر بأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ولهذا قال تعالى "لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا" فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا كما قال تعالى "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" وقال تعالى "ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون" وقال تعالى "ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا"

أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما "والآيات في هذا كثيرة ."
لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون (48)
لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون
يقول تعالى محرضا لنبيه عليه السلام على المنافقين "لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور" أي لقد أعملوا فكرهم وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك وخذلان دينك وإخماده مدة طويلة وذلك أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة رمته العرب عن قوس واحدة وحاربته يهود المدينة ومنافقوها فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته قال عبد الله بن أبي وأصحابه هذا أمر قد توجه فدخلوا في الإسلام ظاهرا ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم ولهذا قال تعالى حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون .
ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (49)
ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين
يقول تعالى : ومن المنافقين من يقول لك يا محمد ائذن لي في القعود ولا تفتني بالخروج معك بسبب الجواري من نساء الروم قال الله تعالى ألا في الفتنة سقطوا أي قد سقطوا في الفتنة بقولهم هذا كما قال محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن قتادة وغيرهم قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم وهو في جهازه للجد بن قيس أخي بني سلمة هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر ؟ فقال يا رسول الله أوتأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرفت قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد أذنت لك ففي الجد بن قيس نزلت هذه ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني الآية أي

إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وغير واحد أنها نزلت في الجد بن قيس وقد كان الجد بن قيس هذا من أشراف بني سلمة .
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم من سيدكم يا بني سلمة ؟ قالوا الجد بن قيس على أنا نبخله .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأي دواء أدوأ من البخل ! ولكن سيدكم الفتى الجعد الأبيض بشر بن البراء بن معرور وقوله تعالى "وإن جهنم لمحيطة بالكافرين" أي لا محيد لهم عنها ولا محيص ولا مهرب .
إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50)
إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون
يعلم تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعداوة هؤلاء له لأنه مهما أصابه من حسنة أي فتح ونصر وظفر على الأعداء مما يسره ويسر أصحابه ساءهم ذلك وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل أي قد احترزنا من متابعته من قبل هذا ويتولوا وهم فرحون .
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51)
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون
فأرشد الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوابهم في عداوتهم هذه التامة فقال قل أي لهم لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا أي نحن تحت مشيئته وقدره وهو مولانا أي سيدنا وملجؤنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي ونحن متوكلون عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل .
قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52)
قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون

يقول تعالى قل لهم يا محمد قل هل تربصون بنا أي تنتظرون بنا إلا إحدى الحسنيين شهادة أو ظفر بكم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ونحن نتربص بكم أي ننتظر بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا أي ننتظر بكم هذا أو هذا إما أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا بسبي أو قتل "فتربصوا إنا معكم متربصون" .
قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53)
قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين
وقوله تعالى "قل أنفقوا طوعا أو كرها" أي مهما أنفقتم من نفقة طائعين أو مكرهين "لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين" .
وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54)
وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون
ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك وهو أنهم لا يتقبل منهم لأنهم كفروا بالله وبرسوله أي والأعمال إنما تصح بالإيمان "ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى" أي ليس لهم قدم صحيح ولا همة في العمل "ولا ينفقون" نفقة "إلا وهم كارهون" وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم "إن الله لا يمل حتى تملوا وإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء نفقة ولا عملا لأنه إنما يتقبل من المتقين .
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55)
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم" كما قال تعالى "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #270  
قديم 04-12-2025, 03:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(7)
سورة براءة .
من صـ 216 الى صــ 230
الحلقة (270)






خير وأبقى "وقال" أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون "وقوله" إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا "قال الحسن البصري بزكاتها والنفقة منها في سبيل الله وقال قتادة هذا من المقدم والمؤخر تقديره : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة ."
واختار ابن جرير قول الحسن وهو القول القوي الحسن .
وقوله "وتزهق أنفسهم وهم كافرون" أي ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم .
عياذا بالله من ذلك وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه .
ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56)
ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون
يخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن جزعهم وفزعهم وفرقهم وهلعهم أنهم "يحلفون بالله إنهم لمنكم" يمينا مؤكدة "وما هم منكم" أي في نفس الأمر "ولكنهم قوم يفرقون" أي فهو الذي حملهم على الحلف .
لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57)
لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون
"لو يجدون ملجأ" أي حصنا يتحصنون به وحرزا يتحرزون به "أو مغارات" وهي التي في الجبال "أو مدخلا" وهو السرب في الأرض والنفق قال ذلك في الثلاثة ابن عباس ومجاهد وقتادة "لولوا إليه وهم يجمحون" أي يسرعون في ذهابهم عنكم لأنهم إنما يخالطونكم كرها لا محبة وودوا أنهم لا يخالطونكم ولكن للضرورة أحكام ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم لأن الإسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة فلهذا كلما سر المسلمون ساءهم ذلك فهم يودون أن لا يخالطوا المؤمنين ولهذا قال "لو"

يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون "."
ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون (58)
ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون
يقول تعالى "ومنهم" أي ومن المنافقين "من يلمزك" أي يعيب عليك "في" قسم "الصدقات" إذا فرقتها ويتهمك في ذلك وهم المتهمون المأبونون وهم مع هذا لا ينكرون للدين وإنما ينكرون لحظ أنفسهم ولهذا "إن أعطوا" من الزكاة "رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون" أي يغضبون لأنفسهم .
قال ابن جريج : أخبرني داود بن أبي عاصم قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ههنا وههنا حتى ذهبت قال ووراءه رجل من الأنصار فقال ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية وقال قتادة في قوله "ومنهم من يلمزك في الصدقات" يقول ومنهم من يطعن عليك في الصدقات , وذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ذهبا وفضة فقال يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم "ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي ؟" ثم قال نبي الله احذروا هذا وأشباهه فإن في أمتي أشباه هذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم , وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه إنما أنا خازن وهذا الذي ذكره قتادة يشبه ما رواه الشيخان من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة واسمه حرقوص لما اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم حنين فقال له اعدل فإنك لم تعدل فقال لقد خبت


وخسرت إن لم أكن أعدل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد رآه مقفيا إنه يخرج من ضئضئي هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء وذكر بقية الحديث ثم قال تعالى منبها لهم على ما هو خير لهم من ذلك .
ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59)
ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون
فقال "ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون" فتضمنت هذه الآية الكريمة أدبا عظيما وسرا شريفا حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله والتوكل على الله وحده وهو قوله "وقالوا حسبنا الله" وكذلك الرغبة إلى الله وحده في التوفيق لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال أوامره وترك زواجره وتصديق أخباره والاقتفاء بآثاره .
إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60)
إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم
لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم ولمزهم إياه في قسم الصدقات بين تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين كما رواه الإمام أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وفيه ضعف عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتى رجل فقال أعطني من الصدقة فقال له إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك .
وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية هل يجب استيعاب الدفع لها أو إلى ما أمكن منها ؟ على قولين أحدهما أنه يجب ذلك وهو قول الشافعي وجماعة

والثاني أنه لا يجب استيعابها بل يجوز الدفع إلى واحد منها ويعطى جميع الصدقة مع وجود الباقين وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران قال ابن جرير وهو قول عامة أهل العلم وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف ههنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعابها ولوجوه الحجاج والمآخذ مكان غير هذا والله أعلم .
وإنما قدم الفقراء ههنا على البقية لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدة فاقتهم وحاجتهم وعن أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالا من الفقير وهو كما قال أحمد وقال ابن جرير : حدثني يعقوب حدثنا ابن علية أنبأنا ابن عون عن محمد قال : قال عمر رضي الله عنه الفقير ليس بالذي لا مال له ولكن الفقير الأخلق الكسب قال ابن علية الأخلق المحارف عندنا والجمهور على خلافه وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وابن زيد واختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويتبع الناس وقال قتادة الفقير من به زمانة والمسكين الصحيح الجسم

وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم هم فقراء المهاجرين قال سفيان الثوري يعني ولا يعطى الأعراب منها شيئا وكذا روي عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى وقال عكرمة لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين إنما المساكين أهل الكتاب ولنذكر أحاديث تتعلق بكل الأصناف الثمانية فأما الفقراء فعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي رواه أحمد وأبو داود والترمذي ولأحمد أيضا والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة مثله وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة فقلب فيهما البصر فرآهما جلدين فقال "إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد جيد قوي وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل : أبو بكر العبسي قال : قرأ رضي الله عنه "إنما الصدقات للفقراء" قال هم أهل الكتاب روى عنه عمر بن

نافع سمعت أبي يقول ذلك "قلت" وهذا قول غريب جدا بتقدير صحة الإسناد فإن أبا بكر هذا وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته لكنه في حكم المجهول وأما المساكين فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان" قالوا فما المسكين يا رسول الله ؟ قال الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا "رواه الشيخان ."
وأما العاملون عليها فهم الجباة والسعاة يستحقون منها قسطا على ذلك ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تحرم عليهم الصدقة لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملهما على الصدقة فقال "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس" .
وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام : منهم من يعطى ليسلم كما أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفوان بن أمية من غنائم حنين وقد كان شهدها مشركا قال فلم يزل يعطيني حتى سار أحب الناس إلي بعد أن كان أبغض الناس إلي كما قال الإمام أحمد : حدثنا زكريا بن عدي أنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال : أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وإنه لأبغض الناس إلي فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي ورواه مسلم والترمذي من حديث يونس عن الزهري به ومنهم من يعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه كما أعطى يوم حنين أيضا جماعة من

صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل وقال "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم" .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن عليا بعث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذهيبة في تربتها من اليمن فقسمها بين أربعة نفر : الأقرع بن حابس وعيينة بن بدر وعلقمة بن علاثة وزيد الخير وقال "أتألفهم" ومنهم من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه ومنهم من يعطى ليجبي الصدقات ممن يليه أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد ومحل تفصيل هذا في كتب الفروع والله أعلم .
وهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فيه خلاف فروي عن عمر وعامر والشعبي وجماعة أنهم لا يعطون بعده لأن الله قد أعز الإسلام وأهله ومكن لهم في البلاد وأذل لهم رقاب العباد .
وقال آخرون بل يعطون لأنه عليه الصلاة والسلام قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن وهذا أمر قد يحتاج إليه فصرف إليهم .
وأما الرقاب فروي عن الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد أنهم المكاتبون وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه وهو قول الشافعي والليث رضي الله عنهما .
وقال ابن عباس والحسن لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق أي أن الرقاب أعم من أن يعطي المكاتب أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالا وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة وأن الله يعتق بكل عضو منها عضوا من معتقها حتى الفرج بالفرج وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل "وما تجزون إلا ما كنتم تعملون" وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ثلاثة حق على الله عونهم"

: الغازي في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف "رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود وفي المسند عن البراء بن عازب قال : جاء رجل فقال يا رسول الله دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار فقال" أعتق النسمة وفك الرقبة "فقال : يا رسول الله أوليسا واحدا ؟ قال" لا عتق النسمة أن تفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها "وأما الغارمون فهم أقسام فمنهم من تحمل حمالة أو ضمن دينا فلزمه فأجحف بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب فهؤلاء يدفع إليهم والأصل في هذا الباب حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها قال ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قرابة قومه فيقولون لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة سحت يأكلها صاحبها سحتا رواه مسلم"

وعن أبي سعيد قال أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك رواه مسلم وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد أنبأنا صدقة بن موسى عن أبي عمران الجوني عن قيس بن يزيد عن قاضي المصرين عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله بصاحب الدين يوم القيامة
حتى يوقف بين يديه فيقول : يا بن آدم فيم أخذت هذا الدين وفيم ضيعت حقوق الناس ؟ فيقول يا رب أنت أعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة فيقول الله صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته وأما في سبيل الله فمنهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق والحج في سبيل الله للحديث وكذلك ابن السبيل وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شيء فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه والدليل على ذلك الآية وما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : العامل عليها أو رجل اشتراها بماله أو غارم أو غاز في سبيل الله أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى لغني وقد رواه السفيانان عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا ولأبي داود عن عطية

العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن السبيل أو جار فقير فيهدي لك أو يدعوك وقوله فريضة من الله أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه والله عليم حكيم أي عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده حكيم فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به لا إله إلا هو ولا رب سواه .
ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61)
ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم
يقول تعالى ومن المنافقين قوم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم بالكلام فيه ويقولون هو أذن أي من قال له شيئا صدقه فينا ومن حدثه صدقه فإذا جئناه وحلفنا له صدقنا روي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قال الله تعالى قل أذن خير لكم أي هو أذن خير يعرف الصادق من الكاذب يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين أي ويصدق المؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم وهو حجة على الكافرين ولهذا قال تعالى : "والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم" .
يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (62)
يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين
قال قتادة في قوله تعالى يحلفون بالله لكم ليرضوكم .
الآية قال ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا وإن كان ما يقول محمد حقا
لهم شر من الحمير .
قال : فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت أشر من الحمار .
قال فسعى بها الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال "ما حملك على الذي قلت ؟" فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصامت وكذب الكاذب فأنزل الله الآية .
ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (63)
ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم
وقوله تعالى "ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله" الآية أي ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حاد الله عز وجل أي شاقه وحاربه وخالفه وكان في حد والله ورسوله في حد "فأن له نار جهنم خالدا فيها" أي مهانا معذبا و "ذلك الخزي العظيم" أي وهذا هو الذل العظيم والشقاء الكبير .
يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون (64)
يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون
قال مجاهد : يقولون القول بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا هذا وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى "وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير" وقال في هذه الآية "قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون" أي إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به ويبين له أمركم كقوله تعالى "أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم" - إلى قوله - "ولتعرفنهم في لحن القول" الآية ولهذا قال قتادة كانت تسمى هذه السورة الفاضحة فاضحة المنافقين .
ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (65)
ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون
قال أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : قال رجل من

المنافقين ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء .
فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب .
فقال "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون" - إلى قوله - "كانوا مجرمين" وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق بسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال عبد الله بن وهب : أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس : ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء .
فقال رجل في المسجد : كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن فقال عبد الله بن عمر أنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة وهو يقول يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون" الآية .
وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو من هذا .
وقال ابن إسحاق وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا والله لكأنا بكم

غدا مقرنين في الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشي بن حمير والله لوددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأننا نغلب أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر "أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا" فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على راحلته فجعل يقول وهو آخذ بحقبها : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال مخشي بن حمير يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي عفا عنه في هذه الآية مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر وقال قتادة ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قال فبينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها هيهات هيهات فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ما قالوا فقال علي بهؤلاء النفر فدعاهم فقال قلتم كذا وكذا فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب وقال عكرمة في تفسير هذه الآية كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها تقشعر الجلود وتجب منها القلوب اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت قال فأصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره .
لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66)
لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين
وقوله "لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم" أي بهذا المقال الذي استهزأتم به إن

نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة أي لا يعفى عن جميعكم ولا بد من عذاب بعضكم بأنهم كانوا مجرمين أي مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة .
المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67)
المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون
يقول تعالى منكرا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كان هؤلاء يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم أي على الإنفاق في سبيل الله "نسوا الله" أي نسوا ذكر الله "فنسيهم" أي عاملهم معاملة من نسيهم كقوله تعالى "فاليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا" "إن المنافقين هم الفاسقون" أي الخارجون من طريق الحق الداخلون في طريق الضلالة .
وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68)
وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم
وقوله وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم أي على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم خالدين فيها أي ماكثين فيها مخلدين هم الكفار هي حسبهم أي كفايتهم في العذاب ولعنهم الله أي طردهم أو بعدهم ولهم عذاب مقيم .
كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69)
كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون

يقول تعالى أصاب هؤلاء من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم وقوله بخلاقهم قال الحسن بأيديهم وقوله "وخضتم كالذي خاضوا" أي في الكذب والباطل أولئك حبطت أعمالهم أي بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب قال ابن جرير عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس في قوله كالذين من قبلكم الآية قال ابن عباس ما أشبه الليلة بالبارحة "كالذين من قبلكم" هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه قال ابن جريج وأخبرني زياد بن سعد عن محمد بن زياد بن مهاجر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا ومن هم يا رسول الله ؟ أهل الكتاب قال فمن ؟ وهكذا رواه أبو معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وزاد قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم القرآن "كالذين من قبلكم" الآية .
قال أبو هريرة : الخلاق : الدين "وخضتم كالذي خاضوا" قالوا يا رسول الله كما صنعت فارس والروم ؟ قال فهل الناس إلا هم ؟




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 406.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 400.72 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]