تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 27 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 8 - عددالزوار : 18 )           »          طريقة عمل كرات اللحم بالبسلة والكارى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          حيل بسيطة لإزالة الصدأ من الأوانى والمقالى.. حافظى على صحة أسرتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          4 أساسيات للانش بوكس مثالى للمدرسة.. لفطار رايق وصحى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          وصفات طبيعية لتفتيح منطقة الفم وتوحيد لون البشرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          ابني بيكره المدرسة.. إزاي تحلي المشكلة من غير توتر أو إجبار؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          طريقة عمل فتة الطعمية.. إفطار مختلف بالأكلة الشعبية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          وصفات طبيعية للتخلص من الشيب المبكر فى الشعر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          5 وصفات عشاء خفيف.. سريعة الهضم ومشبعة وتتعمل فى 10 دقائق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          طريقة عمل كيك الشاى بالسميد.. مغذية وطعمها حكاية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 31-07-2022, 11:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (264)
صــ442 إلى صــ 448


قوله تعالى: والله عزيز أي: في انتقامه من الكافرين (حكيم) في تدبيره .
انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون

قوله تعالى: انفروا خفافا وثقالا سبب نزولها أن المقداد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عظيما سمينا ، فشكا إليه وسأله أن يأذن له ، فنزلت هذه الآية قاله السدي . وفي معنى "خفافا وثقالا" أحد عشر قولا .

أحدها: شيوخا وشبابا ، رواه أنس عن أبي طلحة ، وبه قال الحسن ، والشعبي ، وعكرمة ، ومجاهد ، وأبو صالح ، وشمر بن عطية ، وابن زيد في آخرين .

والثاني: رجالة وركبانا ، رواه عطاء عن ابن عباس ، وبه قال الأوزاعي .

والثالث: نشاطا وغير نشاط ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال قتادة ، ومقاتل .

والرابع: أغنياء وفقراء ، روي عن ابن عباس . ثم في معنى هذا الوجه قولان . أحدهما: أن الخفاف: ذوو العسرة وقلة العيال ، والثقال: ذوو العيال والميسرة ، قاله الفراء . والثاني: أن الخفاف: أهل الميسرة ، والثقال: أهل العسرة ، حكي عن الزجاج .

والخامس: ذوي عيال ، وغير عيال . قاله زيد بن أسلم .

والسادس: ذوي ضياع ، وغير ذوي ضياع ، قاله ابن زيد .

والسابع: ذوي أشغال ، وغير ذوي أشغال ، قاله الحكم .

[ ص: 443 ] والثامن: أصحاء ، ومرضى ، قاله مرة الهمداني ، وجويبر .

والتاسع: عزابا ومتأهلين ، قاله يمان بن رياب .

والعاشر: خفافا إلى الطاعة ، وثقالا عن المخالفة ، ذكره الماوردي .

والحادي عشر: خفافا من السلاح ، وثقالا بالاستكثار منه ، ذكره الثعلبي .

فصل

روى عطاء الخراساني عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بقوله: وما كان المؤمنون لينفروا كافة [التوبة:122] . وقال السدي: نسخت بقوله: ليس على الضعفاء ولا على المرضى [التوبة:91] .

قوله تعالى: وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم قال القاضي أبو يعلى: أوجب الجهاد بالمال والنفس جميعا ، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال ، فعليه الجهاد بماله ، بأن يعطيه غيره فيغزو به ، كما يلزمه الجهاد بنفسه إذا كان قويا . وإن كان له مال وقوة ، فعليه الجهاد بالنفس والمال . ومن كان معدما عاجزا ، فعليه الجهاد بالنصح لله ورسوله ، لقوله: ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله [التوبة:91] .

[ ص: 444 ] قوله تعالى: ذلكم خير لكم فيه قولان .

أحدهما: ذلكم خير لكم من تركه والتثاقل عنه .

والثاني: ذلكم الجهاد خير حاصل لكم إن كنتم تعلمون ما لكم من الثواب .
لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون

قوله تعالى: لو كان عرضا قريبا قال المفسرون: نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك . ومعنى الآية: لو كان ما دعوا إليه عرضا قريبا . والعرض: كل ما عرض لك من منافع الدنيا ، فالمعنى: لو كانت غنيمة ، قريبة ، أو كان سفرا قاصدا ، أي: سهلا قريبا لاتبعوك طمعا في المال ولكن بعدت عليهم الشقة قال ابن قتيبة الشقة: السفر; وقال الزجاج : الشقة: الغاية التي تقصد; وقال ابن فارس: الشقة: مصير إلى أرض بعيدة ، تقول: شقة شاقة .

قوله تعالى: وسيحلفون بالله يعني المنافقين إذا رجعتم إليهم (لو استطعنا) وقرأ زائدة عن الأعمش ، والأصمعي عن نافع: "لو استطعنا" بضم الواو ، وكذا أين وقع ، مثل لو اطلعت عليهم [الكهف:18] ، كأنه لما احتيج إلى حركة الواو ، حركت بالضم لأنها أخت الواو ، والمعنى: لو قدرنا وكان لنا سعة في المال . (يهلكون أنفسهم) بالكذب والنفاق والله يعلم إنهم لكاذبون لأنهم كانوا أغنياء ولم يخرجوا .
عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين .

قوله تعالى: عفا الله عنك لم أذنت لهم كان صلى الله عليه وسلم قد أذن لقوم من [ ص: 445 ] المنافقين في التخلف لما خرج إلى تبوك ، قال ابن عباس : ولم يكن يومئذ يعرف المنافقين . قال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين ، وأخذه الفداء من الأسارى; فعاتبه الله كما تسمعون . قال مورق: عاتبه ربه بهذا . وقال سفيان بن عيينة: انظر إلى هذا اللطف ، بدأه بالعفو قبل أن يعيره بالذنب وقال ابن الأنباري: لم يخاطب بهذا لجرم أجرمه ، لكن الله وقره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله: عفا الله عنك كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريما عليه: عفا الله عنك ، ما صنعت في حاجتي؟ ورضى الله عنك ، هلا زرتني .

قوله تعالى: حتى يتبين لك الذين صدقوا فيه قولان .

أحدهما: أن معناه: حتى تعرف ذوي العذر في التخلف ممن لا عذر له .

والثاني: لو لم تأذن لهم ، لقعدوا وبان لك كذبهم في اعتذارهم . قال قتادة: ثم إن الله تعالى نسخ هذه الآية بقوله: فأذن لمن شئت منهم [النور:62] .
لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون

قوله تعالى: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله قال ابن عباس : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود . قال الزجاج : أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان .

[ ص: 446 ] فصل

وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله: لم يذهبوا حتى يستأذنوه . . . إلى آخر الآية[النور:62] . قال أبو سليمان الدمشقي: وليس للنسخ هاهنا مدخل لإمكان العمل بالآيتين ، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر ، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة ، وكان المنافقون إذا كانوا معه فعرضت لهم حاجة ، ذهبوا من غير استئذانه .
ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين

قوله تعالى: ولو أرادوا الخروج يعني المستأذنين له في القعود .

وفي المراد بالعدة قولان .

أحدهما: النية ، قاله الضحاك عن ابن عباس .

والثاني: السلاح ، والمركوب ، وما يصلح للخروج ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والانبعاث: الانطلاق . والتثبط: ردك الإنسان عن الشيء يفعله .

قوله تعالى: وقيل اقعدوا في القائل لهم ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم ألهموا ذلك خذلانا لهم ، قاله مقاتل . والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله غضبا عليهم . والثالث: أنه قول بعضهم لبعض ، ذكرهما الماوردي .

[ ص: 447 ] وفي المراد بالقاعدين قولان .

أحدهما: أنهم القاعدون بغير عذر ، قاله ابن السائب .

والثاني: أنهم القاعدون بعذر ، كالنساء والصبيان ، ذكره علي بن عيسى .

وقال الزجاج : ثم أعلم الله عز وجل لم كره خروجهم ، فقال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا والخبال: الفساد وذهاب الشيء . وقال ابن قتيبة: الخبال: الشر .

فإن قيل: كأن الصحابة كان فيها خبال حتى قيل: (ما زادوكم إلا خبالا)؟ فالجواب: أنه من الاستثناء المنقطع ، والمعنى: ما زادوكم قوة ، لكن أوقعوا بينكم خبالا . وقيل: سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج ، ضرب عسكره على ثنية الوداع ، وخرج عبد الله بن أبي ، فضرب عسكره على أسفل من ذلك; فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تخلف ابن أبي فيمن تخلف من المنافقين ، فنزلت هذه الآية .

قوله تعالى: ولأوضعوا خلالكم قال الفراء: الإيضاع: السير بين القوم . وقال أبو عبيدة: لأسرعوا بينكم ، وأصله من التخلل . قال الزجاج : يقال: أوضعت في السير: أسرعت .

قوله تعالى: يبغونكم الفتنة قال الفراء: يبغونها لكم . وفي الفتنة قولان .

أحدهما: الكفر ، قاله الضحاك ، ومقاتل ، وابن قتيبة .

[ ص: 448 ] والثاني: تفريق الجماعة ، وشتات الكلمة . قال الحسن: لأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات بينكم .

قوله تعالى: وفيكم سماعون لهم فيه قولان .

أحدهما: عيون ينقلون إليهم أخباركم ، قاله مجاهد ، وابن زيد .

والثاني: من يسمع كلامهم ويطيعهم ، قاله قتادة ، وابن إسحاق .
لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون

قوله تعالى: لقد ابتغوا الفتنة في الفتنة قولان .

أحدهما: الشر ، قاله ابن عباس . والثاني: الشرك ، قاله مقاتل .

قوله تعالى: من قبل أي: من قبل غزوة تبوك .

وفي قوله: وقلبوا لك الأمور خمسة أقوال .

أحدها: بغوا لك الغوائل ، قاله ابن عباس . وقيل: إن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على طريقه ليلا ليفتكوا به ، فسلمه الله منهم .

والثاني: احتالوا في تشتت أمرك وإبطال دينك ، قاله أبو سليمان الدمشقي . قال ابن جرير: وذلك كانصراف ابن أبي يوم أحد بأصحابه .

والثالث: أنه قولهم ما ليس في قلوبهم .

والرابع أنه ميلهم إليك في الظاهر ، وممالأة المشركين في الباطن .

والخامس: أنه حلفهم بالله (لو استطعنا لخرجنا معكم) ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي .

قوله تعالى: حتى جاء الحق يعني النصر (وظهر أمر الله) يعني الإسلام .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 31-07-2022, 11:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (265)
صــ449 إلى صــ 455



ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين

قوله تعالى: ومنهم من يقول ائذن لي سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجد بن قيس: "يا جد ، هل لك في جلاد بني الأصفر ، لعلك أن تغنم بعض بنات الأصفر" فقال: يا رسول الله ، ائذن لي فأقيم ، ولا تفتني ببنات الأصفر . فأعرض عنه ، وقال: "قد أذنت لك" ونزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وهذه الآية وما بعدها إلى قوله: إنما الصدقات في المنافقين .

قوله تعالى: ومنهم يعني المنافقين (من يقول ائذن لي) أي: في القعود عن الجهاد ، وهو الجد بن قيس . وفي قوله: ولا تفتني أربعة أقوال .

أحدها: لا تفتني بالنساء ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وابن زيد .

والثاني: لا تكسبني الإثم بأمرك إياي بالخروج وهو غير متيسر لي ، فآثم بالمخالفة ، قاله الحسن ، وقتادة ، والزجاج .

والثالث: لا تكفرني بإلزامك إياي الخروج ، قاله الضحاك .

والرابع: لا تصرفني عن شغلي ، قاله ابن بحر .

قوله تعالى: ألا في الفتنة سقطوا في هذه الفتنة أربعة أقوال .

أحدها: أنها الكفر ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: الحرج ، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس . والثالث: الإثم ، قاله قتادة ، والزجاج . والرابع: العذاب في جهنم ، ذكره الماوردي .
[ ص: 450 ] إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون

قوله تعالى: إن تصبك حسنة أي: نصر وغنيمة . والمصيبة: القتل والهزيمة . (يقولوا قد أخذنا أمرنا) أي: عملنا بالحزم فلم نخرج . (ويتولوا وهم فرحون) بمصابك وسلامتهم .

قوله تعالى: إلا ما كتب الله لنا فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: ما قضى علينا ، قاله ابن عباس .

والثاني: ما بين لنا في كتبه من أنا نظفر فيكون ذلك حسنى لنا ، أو نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضا ، قاله الزجاج .

والثالث: لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي وعدنا ، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: هو مولانا أي: ناصرنا .
قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون

قوله تعالى: قل هل تربصون بنا أي: تنتظرون . والحسنيان: النصر والشهادة . ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده في هذا العذاب قولان .

[ ص: 451 ] أحدهما: الصواعق ، قاله ابن عباس . والثاني: الموت ، قاله ابن جريج .

قوله تعالى: أو بأيدينا يعني: القتل .
قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين

قوله تعالى: أنفقوا طوعا أو كرها سبب نزولها أن الجد بن قيس قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه غزو الروم: إذا رأيت النساء افتتنت ، ولكن هذا مالي أعينك به ، فنزلت هذه الآية ، قال ابن عباس . قال الزجاج : وهذا لفظ أمر ، ومعناه معنى الشرط والجزاء ، المعنى: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم . ومثله في الشعر قول كثير:


أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت


لم يأمرها بالإساءة ، ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها . قال الفراء: ومثله استغفر لهم أو لا تستغفر لهم [التوبة:80] .
وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون

قوله تعالى: وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم قرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وأبو عمرو وابن عامر: "تقبل" بالتاء . وقرأ حمزة ، والكسائي: "يقبل" [ ص: 452 ] بالياء . قال أبو علي: من أنث ، فلأن الفعل مسند إلى مؤنث في اللفظ; ومن قرأ بالياء ، فلأنه ليس بتأنيث حقيقي ، فجاز تذكيره ; كقوله: فمن جاءه موعظة من ربه [البقرة:275] . وقرأ الجحدري: "أن يقبل" بياء مفتوحة ، "نفقاتهم" بكسر التاء . وقرأ الأعمش: "نفقتهم" بغير ألف ، مرفوعة التاء . وقرأ أبو مجلز ، وأبو رجاء: "أن يقبل" بالياء "نفقتهم" بنصب التاء على التوحيد .

قوله تعالى: إلا أنهم كفروا بالله قال ابن الأنباري: "أن" هاهنا مفتوحة ، لأنها بتأويل المصدر مرتفعة بـ منعهم والتقدير وما منعهم قبول النفقة منهم إلا كفرهم بالله .

قوله تعالى: إلا وهم كسالى قد شرحناه في سورة (النساء:142) .

قوله تعالى: ولا ينفقون إلا وهم كارهون لأنهم يعدون الإنفاق مغرما .
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون

قوله تعالى: فلا تعجبك أموالهم أي: لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من الأموال والأولاد . وفي معنى الآية أربعة أقوال .

أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي ، وابن قتيبة . فعلى هذا ، في الآية تقديم وتأخير ، ويكون تعذيبهم في الآخرة بما صنعوا في كسب الأموال وإنفاقها .

والثاني: أنها على نظمها ، والمعنى: ليعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد ، فهي لهم عذاب ، وللمؤمنين أجر ، قاله ابن زيد .

[ ص: 453 ] والثالث: أن المعنى: ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل الله ، قاله الحسن . فعلى هذا ، ترجع الكناية إلى الأموال وحدها .

والرابع: ليعذبهم بسبي أولادهم وغنيمة أموالهم ، ذكره الماوردي . فعلى هذا تكون في المشركين .

قوله تعالى: وتزهق أنفسهم أي: تخرج ، يقال: زهق السهم: إذا جاوز الهدف .
ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون

قوله تعالى: ويحلفون بالله إنهم لمنكم أي: مؤمنون ، و (يفرقون) بمعنى يخافون . فأما الملجأ ، فقال الزجاج : الملجأ واللجأ مقصور مهموز ، وهو المكان الذي يتحصن فيه . والمغارات: جمع مغارة ، وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان ، أي: يستتر فيه . وقرأ سعيد بن جبير ، وابن أبي عبلة: "أو مغارات" بضم الميم; لأنه يقال: أغرت وغرت: إذا دخلت الغور . وأصل مدخل: مدتخل ، ولكن التاء تبدل بعد الدال دالا ، لأن التاء مهموسة ، والدال مجهورة ، والتاء والدال من مكان واحد ، فكان الكلام من وجه واحد أخف . وقرأ أبي ، وأبو المتوكل ، وأبو الجوزاء: "أو متدخلا" برفع الميم ، وبتاء ودال مفتوحتين ، مشددة الخاء . وقرأ ابن مسعود ، وأبو عمران: "مندخلا" بنون بعد الميم المضمومة . وقرأ الحسن ، وابن يعمر ، ويعقوب: "مدخلا" بفتح الميم وتخفيف الدال وسكونها . قال الزجاج : من قال: "مدخلا" فهو من دخل يدخل مدخلا; ومن قال: "مدخلا" فهو من أدخلته مدخلا ، قال الشاعر:

[ ص: 454 ]
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا


ومعنى مدخل: أنهم لو وجدوا قوما يدخلون في جملتهم (لولوا) إليه ، أي: إلى أحد هذه الأشياء ( وهم يجمحون) أي: يسرعون إسراعا لا يرد فيه وجوههم شيء . يقال: جمح وطمح: إذا أسرع ولم يرد وجهه شيء; ومنه قيل: فرس جموح للذي إذا حمل لم يرده اللجام .
ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون

قوله تعالى: ومنهم من يلمزك في الصدقات فيمن نزلت فيه قولان .

أحدهما: أنه ذو الخويصرة التميمي ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوما: اعدل يا رسول الله ، فنزلت هذه الآية . ويقال: أبو الخواصر . ويقال: ابن ذي الخويصرة .

والثاني: أنه ثعلبة بن حاطب ، كان يقول: إنما يعطي محمد من يشاء ، فنزلت هذه الآية . قال ابن قتيبة: "يلمزك" يعيبك ويطعن عليك . يقال: همزت فلانا ولمزته: إذا اغتبته وعبته; والأكثرون على كسر ميم "يلمزك" . وقرأ يعقوب ، ونظيف عن قنبل ، وأبان عن عاصم ، والقزاز عن عبد الوارث: "يلمزون"[التوبة:79] "ويلمزك" ولا "تلمزوا"[الحجرات:11] بضم الميم فيهن . وقرأ ابن السميفع: "يلامزك" مثل: يفاعلك . وقد رواها حماد بن سلمة عن ابن كثير . قال أبو علي الفارسي: وينبغي أن تكون فاعلت في هذا من أحد ، ونحو: طارقت النعل ، وعافاه الله ، لأن هذا لا يكون من النبي صلى الله عليه وسلم . وقرأ الأعمش: "يلمزك" بتشديد الميم من [ ص: 455 ] غير ألف ، مثل: يفعلك .

قال الزجاج : يقال: لمزت الرجل ألمزه وألمزه ، بكسر الميم وضمها: إذا عبته ، وكذلك: همزته أهمزه ، قال الشاعر:


إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه
ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم

قوله تعالى: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله أي: قنعوا بما أعطوا . إنا إلى الله راغبون في الزيادة ، أي: لكان خيرا لهم . وهذا جواب "لو" وهو محذوف في اللفظ .

ثم بين المستحق للصدقات بقوله: إنما الصدقات للفقراء والمساكين اختلفوا في صفة الفقير والمسكين على ستة أقوال .

أحدها: أن الفقير: المتعفف عن السؤال ، والمسكين: الذي يسأل وبه رمق ، قاله ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وجابر بن زيد ، والزهري ، والحكم ، وابن زيد ، ومقاتل .

والثاني: أن الفقير: المحتاج الذي به زمانة ، والمسكين: المحتاج الذي لا زمانة به ، قاله قتادة .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 31-07-2022, 11:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (266)
صــ456 إلى صــ 462




والثالث: الفقير: المهاجر ، والمسكين: الذي لم يهاجر ، قاله الضحاك بن مزاحم ، والنخعي .

والرابع: الفقير: فقير المسلمين ، والمسكين: من أهل الكتاب ، قاله عكرمة .

والخامس: أن الفقير: من له البلغة من الشيء ، والمسكين: الذي ليس له شيء ، قاله أبو حنيفة ، ويونس بن حبيب ، ويعقوب بن السكيت ، وابن قتيبة . واحتجوا بقول الراعي:


أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد


فسماه فقيرا ، وله حلوبة تكفيه وعياله . وقال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا والله ، بل مسكين; يريد: أنه أسوأ حالا من الفقير .

والسادس: أن الفقير أمس حاجة من المسكين ، وهذا مذهب أحمد ، لأن الفقير مأخوذ من انكسار الفقار ، والمسكنة مأخوذة من السكون والخشوع ، وذلك أبلغ . قال ابن الأنباري: ويروى عن الأصمعي أنه قال: المسكين أحسن حالا من الفقير . وقال أحمد بن عبيد: المسكين أحسن حالا من الفقير ، لأن الفقير أصله في اللغة: المفقور الذي نزعت فقره من فقر ظهره ، فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر; فصره عن مفقور إلى فقير ، كما قيل: مجروح وجريح ، ومطبوخ وطبيخ ، قال الشاعر:

[ ص: 457 ] لما رأى لبد
النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل


قال: ومن الحجة لهذا القول قوله: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر [الكهف:79] ، فوصف بالمسكنة من له سفينة تساوي مالا; قال: وهو الصحيح عندنا .

قوله تعالى: والعاملين عليها وهم السعاة لجباية الصدقة ، يعطون منها بقدر أجور أمثالهم ، وليس ما يأخذونه بزكاة .

قوله تعالى: والمؤلفة قلوبهم وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم ، وكانوا ذوي شرف ، وهم صنفان: مسلمون وكافرون . فأما المسلمون ، فصنفان; صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة ، فتألفهم تقوية لنياتهم ، كعيينة بن حصن ، والأقرع; وصنف كانت نياتهم حسنة ، فأعطوا تألفا لعشائرهم من المشركين ، مثل عدي بن حاتم . وأما المشركون ، فصنفان; صنف يقصدون المسلمين بالأذى ، فتألفهم دفعا لأذاهم ، مثل عامر بن الطفيل; وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام ، تألفهم بالعطية ليؤمنوا ، كصفوان بن أمية . وقد ذكرت عدد المؤلفة في كتاب "التلقيح" . وحكمهم باق عند أحمد في رواية ، وقال أبو حنيفة ، والشافعي: حكمهم منسوخ . قال الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة قلوبهم .

قوله تعالى: وفي الرقاب قد ذكرناه في سورة (البقرة:177) . [ ص: 458 ] قوله تعالى: والغارمين وهم الذين لزمهم الدين ولا يجدون القضاء . قال قتادة: هم ناس عليهم دين من غير فساد ولا إسراف ولا تبذير ، وإنما قال هذا ، لأنه لا يؤمن في حق المفسد إذا قضى دينه أن يعود إلى الاستدانة لذلك; ولا خلاف في جواز قضاء دينه ودفع الزكاة إليه ، ولكن قتادة قاله على وجه الكراهية .

قوله تعالى: وفي سبيل الله يعني: الغزاة والمرابطين . ويجوز عندنا أن نعطي الأغنياء منهم والفقراء ، وهو قول الشافعي . وقال أبو حنيفة: لا يعطى إلا الفقير منهم . وهل يجوز أن يصرف من الزكاة إلى الحج ، أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان .

قوله تعالى: وابن السبيل هو المسافر المنقطع به ، وإن كان له مال في بلده; قاله مجاهد ، وقتادة ، وأبو حنيفة ، وأحمد . فأما إذا أراد أن ينشئ سفرا ، فهل يجوز أن يعطى؟ قال الشافعي: يجوز ، وعن أحمد مثله; وقد ذكرنا في سورة (البقرة:177) فيه أقوالا عن المفسرين .

قوله تعالى: فريضة من الله يعني أن الله افترض هذا .

فصل

وحد الغني الذي يمنع أخذ الزكاة عند أصحابنا بأحد شيئين: أن يكون مالكا لخمسين درهما ، أو عدلها من الذهب ، سواء كان ذلك يقوم بكفايته ، أو لا يقوم . والثاني: أن يكون له كفاية إما من صناعة ، أو أجرة عقار ، أو عروض [ ص: 459 ] للتجارة يقوم ربحها بكفايته . وقال أبو حنيفة: الاعتبار في ذلك أن يكون مالكا لنصاب تجب عليه فيه الزكاة . فأما ذوو القربى الذين تحرم عليه الصدقة ، فهم بنو هاشم ، وبنو المطلب . وقال أبو حنيفة: تحرم على ولد هاشم ، ولا تحرم على ولد المطلب . ويجوز أن يعمل على الصدقة من بني هاشم وبني المطلب ويأخذ عمالته منها ، خلافا لأبي حنيفة . فأما موالي بني هاشم وبني المطلب فتحرم عليهم الصدقة ، خلافا لمالك . ولا يجوز أن يعطي صدقته من تلزمه نفقته; وبه قال مالك ، والثوري . وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يعطي والدا وإن علا ، ولا ولدا وإن سفل ، ولا زوجه ، ويعطي من عداهم . فأما الذمي; فالأكثرون على أنه لا يجوز إعطاؤه . وقال عبيد الله بن الحسن: إذا لم يجد مسلما ، أعطي الذمي . ولا يجب استيعاب الأصناف ، ولا اعتبار عدد من كل صنف; وهو قول أبي حنيفة ، ومالك; وقال الشافعي: يجب الاستيعاب من كل صنف ثلاثة .

فأما إذا أراد نقل الصدقة من بلد المال إلى موضع تقصر فيه الصلاة ، فلا يجوز له ذلك ، فإن نقلها لم يجزئه; وهو قول مالك ، والشافعي . وقال أبو حنيفة: يكره نقلها ، وتجزئه . قال أحمد: ولا يعطي الفقير أكثر من خمسين درهما . وقال أبو حنيفة: أكره أن يعطي رجل واحد من الزكاة مائتي درهم ، وإن أعطيته أجزأك . فأما الشافعي ، فاعتبر ما يدفع الحاجة من غير حد . فإن أعطي من يظنه فقيرا ، فبان أنه غني ، فهل يجزئ؟ فيه عن أحمد روايتان .
ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم

قوله تعالى: ومنهم الذين يؤذون النبي في سبب نزولها ثلاثة أقوال . [ ص: 460 ] أحدها: أن خذام بن خالد ، والجلاس بن سويد ، وعبيد بن هلال في آخرين ، كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا ، فإنا نخاف أن يبلغه فيقع بنا ، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا ، فإنما محمد أذن سامعة ، ثم نأتيه فيصدقنا; فنزلت هذه الآية; قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أن رجلا من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث ، كان ينم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين ، فقيل له: لا تفعل; فقال: إنما محمد أذن ، من حدثه شيئا ، صدقه; نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا ، فنزلت هذه الآية; قاله محمد بن إسحاق .

والثالث: أن ناسا من المنافقين منهم جلاس بن سويد ، ووديعة بن ثابت ، اجتمعوا ، فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، فحقروه ، فتكلموا وقالوا: لئن كان ما يقوله محمد حقا ، لنحن شر من الحمير ، فغضب الغلام ، وقال: والله إن ما يقوله محمد حق ، وإنكم لشر من الحمير; ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامرا كاذب ، وحلف عامر أنهم كذبوا ، وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق ، وكذب الكاذب; فنزلت هذه الآية ، ونزل قوله: يحلفون بالله لكم ليرضوكم ، قاله السدي . فأما الأذى ، فهو عيبه ونقل حديثه . ومعنى (أذن) يقبل كل ما قيل [ ص: 461 ] له .

قال ابن قتيبة: الأصل في هذا أن الأذن هي السامعة ، فقيل لكل من صدق بكل خبر يسمعه: أذن . وجمهور القراء يقرؤون (هو أذن قل أذن) بالتثقيل . وقرأ نافع "هو أذن قل أذن خير" بإسكان الذال فيهما . ومعنى "أذن خير لكم" أي: أذن خير ، لا أذن شر; يسمع الخير فيعمل به ، ولا يعمل بالشر إذا سمعه . وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وابن يعمر ، وابن أبي عبلة "أذن" بالتنوين "خير" بالرفع . والمعنى: إن كان كما قلتم ، يسمع منكم ويصدقكم ، خير لكم من أن يكذبكم . قال أبو علي: يجوز أن تطلق الأذن على الجملة كما قال الخليل: إنما سميت الناب من الإبل ، لمكان الناب البازل ، فسميت الجملة كلها به ، فأجروا على الجملة اسم الجارحة لإرادتهم كثرة استعماله لها في الإصغاء بها .

ثم بين ممن يقبل ، فقال يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين قال ابن قتيبة: الباء واللام زائدتان; والمعنى: يصدق الله ويصدق المؤمنين . وقال الزجاج : يسمع ما ينزله الله عليه ، فيصدق به ، ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به . ورحمة أي وهو رحمة ، لأنه كان سبب إيمان المؤمنين . وقرأ حمزة "ورحمة" بالخفض . قال أبو علي: المعنى: أذن خير ورحمة . والمعنى: مستمع خير ورحمة .
يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين قوله تعالى: يحلفون بالله لكم ليرضوكم قال ابن السائب: نزلت في جماعة من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك ، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم ، أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم ، ويحلفون ويعتلون . وقال مقاتل: منهم عبد الله بن أبي ، حلف لا يتخلف [ ص: 462 ] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليكونن معه على عدوه . وقد ذكرنا في الآية التي قبلها أنهم حلفوا أنهم ما نطقوا بالعيب . وحكى الزجاج عن بعض النحويين أنه قال: اللام في "ليرضوكم" بمعنى القسم ، والمعنى: يحلفون بالله لكم لنرضينكم . قال: وهذا خطأ ، لأنهم إنما حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا باليمين ، ولم يحلفوا أنهم يرضون في المستقبل . قلت: وقول مقاتل يؤكد ما أنكره الزجاج ، وقد مال إليه الأخفش .

قوله تعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه فيه قولان .

أحدهما: بالتوبة والإنابة . والثاني: بترك الطعن والعيب .

فإن قيل: لم قال: "يرضوه" ولم يقل: يرضوهما؟ فقد شرحنا هذا عند قوله: ولا ينفقونها في سبيل الله [التوبة:34] .
ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم

قوله تعالى: ألم يعلموا روى أبو زيد عن المفضل "ألم تعلموا" بالتاء .

أنه من يحادد الله فيه قولان .

أحدهما: من يخالف الله ، قاله ابن عباس .

والثاني: من يعادي ، الله ، كقولك: من يجانب الله ورسوله ، أي: يكون في حد ، والله ورسوله في حد .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 31-07-2022, 11:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (267)
صــ463 إلى صــ 469


قوله تعالى: فإن له نار جهنم قرأ الجمهور: "فأن" بفتح الهمزة . وقرأ أبو رزين ، وأبو عمران ، وابن أبي عبلة: بكسرها . فمن كسر ، فعلى الاستئناف بعد الفاء ، كما تقول: فله نار جهنم . ودخلت "إن" مؤكدة . ومن قال: [ ص: 463 ] "فإن له" فإنما أعاد "أن" الأولى توكيدا; لأنه لما طال الكلام ، كان إعادتها أوكد .
يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون

قوله تعالى: يحذر المنافقون في سبب نزولها ثلاثة أقوال .

أحدها: أن المنافقين كانوا يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم ، ويقولون: عسى الله أن لا يفشي سرنا ، فنزلت هذه الآية ، قاله مجاهد .

والثاني: أن بعض المنافقين قال: لوددت أني جلدت مائة جلدة ، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا ، فنزلت هذه الآية ، قاله السدي .

والثالث: أن جماعة من المنافقين وقفوا للنبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة عند مرجعه من تبوك ليفتكوا به ، فأخبره جبريل عليه السلام ، ونزلت هذه الآية ، قاله ابن كيسان .

وفي قوله: يحذر المنافقون قولان .

أحدهما: أنه إخبار من الله عز وجل عن حالهم ، قاله الحسن وقتادة ، واختاره ابن القاسم .

والثاني: أنه أمر من الله عز وجل لهم بالحذر ، فتقديره: ليحذر المنافقون ، قاله الزجاج . قال ابن الأنباري: والعرب ربما أخرجت الأمر على لفظ الخبر ، فيقولون: يرحم الله المؤمن ، ويعذب الكافر; يريدون: ليرحم وليعذب ، فيسقطون اللام ، ويجرونه مجرى الخبر في الرفع ، وهم لا ينوون إلا الدعاء; والدعاء مضارع للأمر .

[ ص: 464 ] قوله تعالى: قل استهزئوا هذا وعيد خرج مخرج الأمر تهديدا .

وفي قوله: إن الله مخرج ما تحذرون وجهان .

أحدهما: مظهر ما تسرون . والثاني: ناصر من تخذلون ، ذكرهما الماوردي .
ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين

قوله تعالى: ولئن سألتهم في سبب نزولها ستة أقوال .

أحدها: أن جد بن قيس ، ووديعة بن خذام ، والجهير بن خمير ، كانوا يسيرون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك ، فجعل رجلان منهم يستهزآن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثالث يضحك مما يقولان ولا يتكلم بشيء ، فنزل جبريل فأخبره بما يستهزؤون به ويضحكون; فقال لعمار بن ياسر "اذهب" فسلهم عما كانوا يضحكون منه ، وقل لهم: أحرقكم الله" فلما سألهم ، وقال: أحرقكم الله; علموا أنه قد نزل فيهم قرآن فاقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الجهير: والله ما تكلمت بشيء ، وإنما ضحكت تعجبا من قولهم; فنزل قوله: لا تعتذروا يعني جد بن قيس ، ووديعة إن نعف عن طائفة منكم يعني الجهير نعذب طائفة يعني الجد ووديعة ، هذا قول أبي صالح عن ابن عباس .

والثاني: أن رجلا من المنافقين قال: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء ، ولا أرغب بطونا ، ولا أكذب ، ولا أجبن عند اللقاء; يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال له عوف بن مالك: كذبت ، لكنك منافق ، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم; [ ص: 465 ] فذهب ليخبره ، فوجد القرآن قد سبقه; فجاء ذلك الرجل ، فقال: يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب ، هذا قول ابن عمر ، وزيد بن أسلم ، والقرظي .

والثالث: أن قوما من المنافقين كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: إن كان ما يقول هذا حقا ، لنحن شر من الحمير; فأعلم الله نبيه ما قالوا ، ونزلت ولئن سألتهم قاله سعيد بن جبير .

والرابع: أن رجلا من المنافقين قال: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا; وما يدريه ما الغيب؟ فنزلت هذه الآية ، قاله مجاهد .

والخامس: أن ناسا من المنافقين قالوا: يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها ، هيهات; فأطلع الله نبيه على ذلك ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "احبسوا علي الركب" فأتاهم ، "فقال قلتم كذا وكذا" فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب; فنزلت هذه الآية ، قاله قتادة .

والسادس: أن عبد الله بن أبي ، ورهطا معه ، كانوا يقولون في رسول الله وأصحابه ما لا ينبغي ، فإذا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب ، فقال الله تعالى: قل لهم أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ، قاله الضحاك . فقوله: ولئن سألتهم أي: عما كانوا فيه من الاستهزاء ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب أي: نلهو بالحديث . وقوله: قد كفرتم أي: قد ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان; وهذا يدل على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء .

قوله تعالى: ( إن يعف عن طائفة منكم ) قرأ الأكثرون "إن يعف" [ ص: 466 ] بالياء ، "تعذب" بالتاء وقرأ عاصم غير أبان "إن نعف" ، "نعذب" .

بالنون فيهما ونصب "طائفة" ، والمعنى: إن نعف عن طائفة منكم بالتوفيق للتوبة ، نعذب طائفة بترك التوبة وقيل: الطائفتان هاهنا ثلاثة; فاستهزأ اثنان ، وضحك واحد . ثم أنكر عليهم بعض ما سمع . وقد ذكرنا عن ابن عباس أسماء الثلاثة ، وأن الضاحك اسمه الجهير ، وقال غيره: هو مخشي بن خمير .

وقال ابن عباس ومجاهد: الطائفة: الواحد فما فوقه .

وقال الزجاج : أصل الطائفة في اللغة: الجماعة; ويجوز أن يقال للواحد: طائفة ، يراد به: نفس طائفة . قال ابن الأنباري: إذا أريد بالطائفة الواحد ، كان أصلها طائفا ، على مثال: قائم وقاعد ، فتدخل الهاء للمبالغة في الوصف ، كما يقال: رواية ، علامة ، نسابة .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما فرغ من تنزيل (براءة) حتى ظننا أن لن يبقى منا أحد إلا ينزل فيه شيء .
المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيمكالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم [ ص: 467 ] رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

قوله تعالى: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض قاله ابن عباس: بعضهم على دين بعض . وقال مقاتل: بعضهم أولياء بعض ، (يأمرون بالمنكر) وهو الكفر ، وينهون عن المعروف وهو الإيمان .

وفي قوله: ويقبضون أيديهم أربعة أقوال .

أحدها: يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله ، قاله ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد . والثاني: عن كل خير ، قاله قتادة . والثالث: عن الجهاد في سبيل الله . والرابع: عن رفعها في الدعاء إلى الله تعالى ، ذكرهما الماوردي .

قوله تعالى: نسوا الله فنسيهم قال الزجاج : تركوا أمره ، فتركهم من رحمته وتوفيقه . قال: وقوله: هي حسبهم أي: هي كفاية ذنوبهم ، كما تقول: عذبتك حسب فعلك ، وحسب فلان ما نزل به ، أي: ذلك على قدر فعله . وموضع الكاف في قوله: كالذين من قبلكم نصب ، أي: وعدكم الله على الكفر به كما وعد الذين من قبلكم . وقال غيره: رجع عن الخبر عنهم إلى مخاطبتهم ، وشبههم في العدول عن أمره بمن كان قبلهم من الأمم الماضية .

قوله تعالى: فاستمتعوا بخلاقهم قال ابن عباس : استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا . وقال الزجاج : بحظهم من الدنيا .

قوله تعالى: وخضتم أي: في الطعن على الدين وتكذيب نبيكم كما خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا لأنها لم تقبل منهم ، وفي الآخرة ، لأنهم لا يثابون عليها ، وأولئك هم الخاسرون بفوت الثواب وحصول العقاب .

[ ص: 468 ] قوله تعالى: وقوم إبراهيم قال ابن عباس : يريد نمرود بن كنعان (وأصحاب مدين) يعني قوم شعيب . (والمؤتفكات) قرى لوط . قال الزجاج : وهم جمع مؤتفكة ، ائتفكت بهم الأرض ، أي: انقلبت . قال: ويقال: إنهم جميع من أهلك ، [كما] يقال للهالك: انقلبت عليه الدنيا .

قوله تعالى: أتتهم يعني هذه الأمم رسلهم بالبينات فكذبوا بها ، فما كان الله ليظلمهم قال ابن عباس : ليهلكهم حتى يبعث فيهم نبيا ينذرهم ، والمعنى أنهم أهلكوا باستحقاقهم .
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم

قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض أي: بعضهم يوالي بعضا ، فهم يد واحدة ، يأمرون بالإيمان ، وينهون عن الكفر .

قوله تعالى: في جنات عدن قال أبو عبيدة: في جنات خلد ، يقال: عدن فلان بأرض كذا ، أي: أقام; ومنه: المعدن ، وهو في معدن صدق ، أي: في أصل ثابت . قال الأعشى:


وإن تستضيفوا إلى حلمه تضافوا إلى راجح قد عدن


[ ص: 469 ] أي: رزين لا يستخف . قال ابن عباس : جنات عدن ، هي بطنان الجنة ، وبطنانها: وسطها ، وهي أعلى درجة في الجنة ، وهي دار الرحمن عز وجل ، وسقفها عرشه ، خلقها بيده ، وفيها عين التسنيم ، والجنان حولها محدقة بها .

قوله تعالى: ورضوان من الله أكبر قال ابن عباس : أكبر مما يوصف . وقال الزجاج : أكبر مما هم فيه من النعيم .

فإن قيل: لم يكن الرضوان أكبر من النعيم؟ فعنه جوابان .

أحدهما: أن سرور القلب برضى الرب نعيم يختص بالقلب ، وذاك أكبر من نعيم الأكل والشرب . وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل لأهل الجنة: يا أهل الجنة ، هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى ، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم أبدا"

والثاني: أن الموجب للنعيم الرضوان ، والموجب ثمرة الموجب ، فهو الأصل .
يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير

قوله تعالى: جاهد الكفار والمنافقين أما جهاد الكفار ، فبالسيف . وفي جهاد المنافقين قولان .

أحدهما: أنه باللسان ، قاله ابن عباس ، والحسن ، والضحاك ، والربيع بن أنس .

والثاني: جهادهم بإقامة الحدود عليهم ، روي عن الحسن ، وقتادة .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-08-2022, 12:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (268)
صــ470 إلى صــ 476



[ ص: 470 ] فإن قيل: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بجهادهم وهو يعلم أعيانهم ، فكيف تركهم بين أظهر أصحابه فلم يقتلهم؟

فالجواب: أنه إنما أمر بقتال من أظهر كلمة الكفر وأقام عليها ، فأما من إذا اطلع على كفره ، أنكر وحلف وقال: إني مسلم ، فإنه أمر أن يأخذه بظاهر أمره ، ولا يبحث عن سره .

قوله تعالى: واغلظ عليهم قال ابن عباس : يريد شدة الانتهار لهم ، والنظر بالبغضة والمقت . وفي الهاء والميم من "عليهم" قولان .

أحدهما: أنه يرجع إلى الفريقين ، قاله ابن عباس .

والثاني: إلى المنافقين ، قاله مقاتل .
يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير

قوله تعالى: يحلفون بالله ما قالوا في سبب نزولها ثلاثة أقوال .

أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر المنافقين فعابهم; فقال الجلاس بن سويد: إن كان ما يقول على إخواننا حقا ، لنحن شر من الحمير . فقال عامر بن قيس: والله إنه لصادق ، ولأنتم شر من الحمير; وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فأتى الجلاس فقال: ما قلت شيئا ، فحلفا عند المنبر ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وذهب إلى نحوه الحسن ، ومجاهد ، وابن سيرين .

[ ص: 471 ] والثاني: أن عبد الله بن أبي قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ، ليخرجن الأعز منها الأذل ، فسمعه رجل من المسلمين ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليه ، فجعل يحلف بالله ما قال ، فنزلت هذه الآية ، قاله قتادة .

والثالث: أن المنافقين كانوا إذا خلوا سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وطعنوا في الدين; فنقل حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ذلك ، فحلفوا ما قالوا شيئا ، فنزلت هذه الآية ، قاله الضحاك . فأما كلمة الكفر ، فهي سبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطعنهم في الدين . وفي سبب قوله: وهموا بما لم ينالوا أربعة أقوال .

أحدها: أنها نزلت في ابن أبي حين قال: لئن رجعنا إلى المدينة ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال قتادة .

والثاني: أنها نزلت فيهم حين هموا بقتل رسول الله ، رواه مجاهد عن ابن عباس ، قال: والذي هم رجل يقال له: الأسود . وقال مقاتل: هم خمسة عشر رجلا ، هموا بقتله ليلة العقبة .

والثالث: أنه لما قال بعض المنافقين: إن كان ما يقول محمد حقا ، فنحن شر من الحمير; وقال له رجل من المؤمنين . لأنتم شر من الحمير ، هم المنافق بقتله; فذلك قوله: وهموا بما لم ينالوا هذا قول مجاهد .

والرابع: أنهم قالوا في غزوة تبوك: إذا قدمنا المدينة ، عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجا نباهي به رسول الله صلى الله عليه وسلم; فلم ينالوا ما هموا به .

قوله تعالى: وما نقموا إلا أن أغناهم الله قال ابن قتيبة: أي: ليس ينقمون شيئا ، ولا يتعرفون من الله إلا الصنع ، ومثله قول الشاعر:


ما نقم الناس من أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا [ ص: 472 ] وأنهم سادة الملوك ولا
تصلح إلا عليهم العرب


وهذا ليس مما ينقم ، وإنما أراد أن الناس لا ينقمون عليهم شيئا ، وكقول النابغة:


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب


أي: ليس فيهم عيب . قال ابن عباس : كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من معاشهم ، فلما قدم عليهم ، غنموا ، وصارت لهم الأموال . فعلى هذا ، يكون الكلام عاما . وقال قتادة: هذا في عبد الله بن أبي . وقال عروة: هو الجلاس بن سويد ، قتل له مولى ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته ، فاستغنى; فلما نزلت فإن يتوبوا يك خيرا لهم قال الجلاس: أنا أتوب إلى الله .

قوله تعالى: وإن يتولوا أي: يعرضوا عن الإيمان . قال ابن عباس : كما تولى عبد الله بن أبي ، يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار .
ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين

قوله تعالى: ومنهم من عاهد الله في سبب نزولها أربعة أقوال .

أحدها: أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، ادع الله أن يرزقني مالا ، فقال: "ويحك يا ثعلبة ، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" قال: ثم قال مرة أخرى ، فقال: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فوالذي نفسي بيده ، لو شئت أن تسير معي الجبال [ ص: 473 ] ذهبا وفضة ، لسارت" فقال: والذي بعثك بالحق ، لئن دعوت الله أن يرزقني مالا ، لأوتين كل ذي حق حقه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارزق ثعلبة مالا" فاتخذ غنما ، فنمت فضاقت عليه المدينة ، فتنحى عنها ، ونزل واديا من أوديتها ، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، ويترك ما سواهما . ثم نمت ، حتى ترك الصلوات إلى الجمعة ، ثم نمت ، فترك الجمعة . فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبر خبره ، فقال: "يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة" وأنزل الله تعالى: خذ من أموالهم صدقة [التوبة:9] ، وأنزل فرائض الصدقة; فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة ، وكتب لهما كتابا يأخذان الصدقة ، وقال: "مرا بثعلبة ، وبفلان" رجل من بني سليم ، فخرجا حتى أتيا ثعلبة ، فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: ما هذا إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، ما أدري ما هذا ، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي . فانطلقا; فأخبر السلمي ، فاستقبلهما بخيار ماله ، فقالا: لا يجب هذا عليك; فقال: خذاه ، فإن نفسي بذلك طيبة; فأخذا منه . فلما فرغا من صدقتهما ، مرا بثعلبة فقال: أروني كتابكما ، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية ، انطلقا حتى أرى رأيي ، فانطلقا ، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان ، فنزلت هذه الآية إلى قوله: بما كانوا يكذبون ، وكان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة ، فخرج إلى ثعلبة ، فأخبره; فأتى رسول الله ، وسأله أن يقبل منه صدقته ، فقال: "إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك"؟ فجعل يحثو التراب على رأسه .

فقال: "هذا عملك ، قد أمرتك فلم تطعني" . فرجع إلى منزله ، وقبض رسول الله ، ولم يقبل منه شيئا ، فلما ولي أبو بكر ، سأله أن يقبل منه ، فأبى .

فلما ولي عمر ، سأله أن يقبل منه ، فأبى .

فلما ولي عثمان ، سأله أن يقبلها; فقال: لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر فلم يقبلها; [ ص: 474 ] وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه .
روى هذا الحديث القاسم عن أبي أمامة الباهلي . وقال ابن عباس : مر ثعلبة على مجلس ، فأشهدهم على نفسه: لئن آتاني الله من فضله ، آتيت كل ذي حق ، حقه وفعلت كذا وكذا .

فآتاه الله من فضله ، فأخلف ما وعد; فقص الله علينا شأنه .

والثاني: أن رجلا من بني عمرو بن عوف ، كان له مال بالشام ، فأبطأ عنه ، فجهد له جهدا شديدا ، فحلف بالله لئن آتانا من فضله ، أي: من ذلك المال ، لأصدقن منه ، ولأصلن ، فأتاه ذلك المال ، فلم يفعل ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس . قال ابن السائب: والرجل حاطب بن أبي بلتعة .

والثالث: أن ثعلبة ، ومعتب بن قشير ، خرجا على ملإ ، فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقن . فلما رزقهما ، بخلا به ، فنزلت هذه الآية ، قاله الحسن ، ومجاهد .

والرابع: أن نبتل بن الحارث ، وجد بن قيس ، وثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، قالوا: لئن آتانا الله من فضله لنصدقن . فلما آتاهم من فضله بخلوا به ، فنزلت هذه الآية ، قاله الضحاك .

فأما التفسير ، فقوله: ومنهم يعني المنافقين من عاهد الله أي: قال: علي عهد الله (لنصدقن) الأصل: لنتصدقن ، فأدغمت التاء في الصاد لقربها منها .

[ ص: 475 ] ولنكونن من الصالحين أي: لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم والإنفاق في الخير . وقد روى كهمس عن معبد بن ثابت أنه قال: إنما هو شيء نووه في أنفسهم ، ولم يتكلموا به; ألم تسمع إلى قوله: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ؟
فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون

قوله تعالى: فلما آتاهم من فضله أي: ما طلبوا من المال (بخلوا به) ولم يفوا بما عاهدوا (وتولوا وهم معرضون) عن عهدهم .
فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب

قوله تعالى: فأعقبهم أي: صير عاقبة أمرهم النفاق .

وفي الضمير في "أعقبهم" قولان .

أحدهما: أنها ترجع إلى الله ، فالمعنى: جازاهم الله بالنفاق ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد .

والثاني: أنها ترجع إلى البخل ، فالمعنى: أعقبهم بخلهم بما نذروا نفاقا ، قاله الحسن .

قوله تعالى: ألم يعلموا يعني المنافقين أن الله يعلم سرهم وهو ما في نفوسهم (ونجواهم) حديثهم بينهم .
الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم .

[ ص: 476 ] قوله تعالى: الذين يلمزون المطوعين في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أنه لما نزلت آية الصدقة ، جاء رجل فتصدق بصاع ، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو مسعود .

والثاني: أن عبد الرحمن بن عوف جاء بأربعين أوقية من ذهب ، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام; فقال بعض المنافقين: والله ما جاء به عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء ، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع ، قاله ابن عباس .

وفي هذا الأنصاري قولان .

أحدهما: أنه أبو خيثمة ، قاله كعب بن مالك . والثاني: أنه أبو عقيل .

وفي اسم أبي عقيل ثلاثة أقوال .

أحدها: عبد الرحمن بن بيجان ، رواه أبو صالح عن ابن عباس; ويقال: ابن بيحان; ويقال سيحان . وقال مقاتل: هو أبو عقيل بن قيس .

والثاني: أن اسمه الحبحاب ، قاله قتادة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-08-2022, 12:02 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (269)
صــ477 إلى صــ 483





والثالث: الحباب . قال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف ، وجاء عاصم [ ص: 477 ] بن عدي بن العجلان بمائة وسق من تمر . (ويلمزون) بمعنى يعيبون . (والمطوعين) أي: المتطوعين ، قال الفراء: أدغمت التاء في الطاء ، فصارت طاء مشددة . والجهد لغة أهل الحجاز ، ولغة غيرهم الجهد . قال أبو عبيدة: الجهد بالفتح والضم سواء ، ومجازه: طاقتهم .

قال ابن قتيبة: الجهد: الطاقة; والجهد: المشقة . قال المفسرون: عنى بالمطوعين عبد الرحمن ، وعاصم ، وبالذين لا يجدون إلا جهدهم: أبو عقيل . وقوله: (سخر الله منهم) أي: جازاهم على فعلهم ، وقد سبق هذا المعنى .
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين

قوله تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم سبب نزولها: أنه لما نزل وعيد اللامزين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا ، فنزلت هذه الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سوف أستغفر لهم أكثر من سبعين ، لعل الله يغفر لهم"; فنزل قوله: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم [المنافقون:6] ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وظاهر قوله: "استغفر لهم" الأمر ، وليس كذلك; إنما المعنى: إن استغفرت ، وإن لم تستغفر ، لا يغفر لهم ، فهو كقوله: أنفقوا طوعا أو كرها وقد سبق شرح هذا المعنى هناك ، هذا قول المحققين . وذهب قوم إلى أن ظاهر اللفظ يعطي أنه إن زاد على السبعين ، رجي لهم الغفران . ثم نسخت بقوله: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم

فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لهم ، وقد أخبر بأنهم كفروا؟

فالجواب: أنه إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير أن يتحقق خروجهم عن الإسلام ، ولا يجوز أن يقال: علم كفرهم ثم استغفر .

[ ص: 478 ] فإن قيل: ما معنى حصر العدد بسبعين؟

فالجواب: أن العرب تستكثر في الآحاد من سبعة ، وفي العشرات من سبعين .
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون

قوله تعالى: فرح المخلفون بمقعدهم يعني المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك . والمخلف: المتروك خلف من مضى . "بمقعدهم" أي: بقعودهم . وفي قوله: خلاف رسول الله قولان .

أحدهما: أن معناه: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو عبيدة .

والثاني: أن معناه: مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو منصوب ، لأنه مفعول له ، فالمعنى: بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله الزجاج . وقرأ ابن مسعود ، وابن يعمر ، والأعمش ، وابن أبي عبلة: "خلف رسول الله" ، ومعناها: أنهم تأخروا عن الجهاد .

وفي قوله: لا تنفروا في الحر قولان .

أحدهما: أنه قول بعضهم لبعض ، قاله ابن إسحاق ، ومقاتل .

والثاني: أنهم قالوه للمؤمنين ، ذكره الماوردي .

وإنما قالوا هذا ، لأن الزمان كان حينئذ شديد الحر . قل نار جهنم أشد حرا لمن خالف أمر الله .

وقوله: يفقهون معناه: يعلمون . قال ابن فارس: الفقه: العلم بالشيء . تقول: فقهت الحديث أفقهه; وكل علم بشيء: فقه ثم اختص به علم الشريعة ، فقيل لكل عالم بها: فقيه .

قال المصنف: وقال شيخنا علي بن عبيد الله: الفقه في إطلاق اللغة: الفهم ، وفي عرف الشريعة: عبارة عن معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال [ ص: 479 ] المكلفين ، بنحو التحليل ، والتحريم ، والإيجاب ، والإجزاء ، والصحة ، والفساد ، والغرم ، والضمان ، وغير ذلك . وبعضهم يختار أن يقال: الفقه: فهم الشيء . وبعضهم يختار أن يقال: علم الشيء .
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون

قوله تعالى: فليضحكوا قليلا لفظه لفظ الأمر ، ومعناه التهديد .

وفي قلة ضحكهم وجهان .

أحدهما: أن الضحك في الدنيا ، لكثرة حزنها وهمومها ، قليل ، وضحكهم فيه أقل ، لما يتوجه إليهم من الوعيد .

والثاني: أنهم إنما يضحكون في الدنيا ، وبقاؤها قليل . (وليبكوا كثيرا) في الآخرة . قال أبو موسى الأشعري: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار ، حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت ، ثم إنهم ليبكون الدم بعد الدموع ، فلمثل ما هم فيه فليبكي .

قوله تعالى: جزاء بما كانوا يكسبون أي: من النفاق والمعاصي .
فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين

قوله تعالى: فإن رجعك الله أي: ردك من غزوة تبوك إلى المدينة (إلى طائفة) من المنافقين الذين تخلفوا بغير عذر . وإنما قال: (إلى طائفة) لأنه ليس كل من تخلف عن تبوك كان منافقا . (فاستأذنوك للخروج) معك إلى الغزو .

[ ص: 480 ] فقل لن تخرجوا معي أبدا إلى غزاة ، (إنكم رضيتم بالقعود) عني (أول مرة) حين لم تخرجوا إلى تبوك . وذكر الماوردي في قوله: (أول مرة) قولين .

أحدهما: أول مرة دعيتم . والثاني: قبل استئذانكم .

فأما الخالفون ، فقال أبو عبيدة: الخالف: الذي خلف بعد شاخص ، فقعد في رحله ، وهو الذي يتخلف عن القوم .

وفي المراد بالخالفين قولان .

أحدهما: أنهم الرجال الذين تخلفوا لأعذار ، قاله ابن عباس .

والثاني: أنهم النساء والصبيان ، قاله الحسن ، وقتادة .

ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون

قوله تعالى: ولا تصل على أحد منهم سبب نزولها: أنه لما توفي عبد الله بن أبي ، جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: أعطني قميصك حتى أكفنه فيه ، وصل عليه ، واستغفر له . فأعطاه قميصه; فقال: آذني أصلي عليه ، فآذنه; فلما أراد أن يصلي عليه ، جذبه عمر بن الخطاب ، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: "أنا بين خيرتين: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم [التوبة:81] فصلى عليه ، فنزلت هذه الآية ، رواه نافع عن ابن عمر . قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "ما يغني عنه قميصي من عذاب الله تعالى ، والله إني لأرجو أن يسلم به ألف من قومه" . قال الزجاج : فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج [ ص: 481 ] لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأراد الصلاة عليه .

فأما قوله: "منهم" فإنه يعني المنافقين . وقوله: (ولا تقم على قبره) قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا دفن الميت ، وقف على قبره ودعا له; فنهي عن ذلك في حق المنافقين . وقال ابن جرير: معناه: لا تتول دفنه; وهو من قولك: قام فلان بأمر فلان; وقد تقدم تفسيره .
ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم

قوله تعالى: ولا تعجبك أموالهم سبق تفسيره[التوبة: 55] .

قوله تعالى: وإذا أنزلت سورة هذا عام في كل سورة . وقال مقاتل: المراد بها سورة (براءة) .

[ ص: 482 ] قوله تعالى: أن آمنوا أي: بأن آمنوا . وفيه ثلاثة أوجه .

أحدها: استديموا الإيمان . والثاني: افعلوا فعل من آمن .

والثالث: آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم ، فعلى هذا يكون الخطاب للمنافقين .

قوله تعالى: استأذنك أي: في التخلف (أولو الطول) يعني الغني ، وهم الذين لا عذر لهم في التخلف .

وفي "الخوالف" قولان .

أحدهما: أنهم النساء ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وشمر بن عطية ، وابن زيد ، والفراء . وقال أبو عبيدة: يجوز أن تكون الخوالف هاهنا النساء ، ولا يكادون يجمعون الرجال على تقدير فواعل ، غير أنهم قد قالوا: فارس ، والجميع: فوارس ، وهالك [في قوم] هوالك .

قال ابن الأنباري: الخوالف لا يقع إلا على النساء ، إذ العرب تجمع فاعلة: فواعل; فيقولون: ضاربة ، وضوارب ، وشاتمة ، وشواتم; ولا يجمعون فاعلا: فواعل ، إلا في حرفين: فوارس ، وهوالك; فيجوز أن يكون مع الخوالف: المتخلفات في المنازل . ويجوز أن يكون: مع المخالفات العاصيات . ويجوز أن يكون: مع النساء العجزة اللاتي لا مدافعة عندهن .

والقول الثاني: أن الخوالف: خساس الناس وأدنياؤهم; يقال: فلان خالفة أهله: إذا كان دونهم ، ذكره ابن قتيبة; فأما "طبع" فقال أبو عبيدة: معناه: ختم . و"الخيرات" جمع خيرة . وللمفسرين في المراد بالخيرات ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها الفاضلات من كل شيء ، قاله أبو عبيدة . والثاني: الجواري الفاضلات ، قاله المبرد . والثالث: غنائم الدنيا ومنافع الجهاد ، ذكره الماوردي .
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم

قوله تعالى: وجاء المعذرون وقرأ ابن مسعود: "المعتذرون" .

وقرأ ابن [ ص: 483 ] عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وابن يعمر ، ويعقوب "المعذرون" بسكون العين وتخفيف الذال . وقرأ ابن السميفع "المعاذرون" بألف . قال أبو عبيدة: المعذرون من يعذر وليس بجاد ، وإنما يعرض بما لا يفعله ، أو يظهر غير ما في نفسه . وقال ابن قتيبة: يقال عذرت في الأمر: إذا قصرت ، وأعذرت: جددت . وقال الزجاج : من قرأ "المعذرون" بتشديد الذال ، فتأويله: المعتذرون الذين يعتذرون ، كان لهم عذر ، أو لم يكن ، وهو هاهنا أشبه بأن يكون لهم عذر ، وأنشدوا:


إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر


أي: فقد جاء بعذر . ويجوز أن يكون "المعذرون" الذين يعذرون ، يوهمون أن لهم عذرا ، ولا عذر لهم . ويجوز في النحو: المعذرون; بكسر العين ، والمعذرون; بضم العين ، غير أنه لم يقرأ بهما ، لأن اللفظ بهما يثقل . ومن قرأ "المعذرون" بتسكين العين ، فتأويله: الذين أعذروا وجاؤوا بعذر . وقال ابن الأنباري: المعذرون هاهنا: المعتذرون بالعذر الصحيح . وأصل الكلمة عند أهل النحو: المعتذرون ، فحولت فتحة التاء إلى العين ، وأبدلت الذال من التاء ، وأدغمت في الذال التي بعدها ، فصارتا ذالا مشددة . ويقال في كلام العرب: اعتذر: إذا جاء بعذر صحيح ، وإذا لم يأت بعذر . قال الله تعالى: قل لا تعتذروا فدل على فساد العذر ، وقال لبيد:


ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-08-2022, 12:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (270)
صــ484 إلى صــ 490





أي: فقد جاء بعذر صحيح . وكان ابن عباس يقرأ "المعذرون" ويقول: لعن الله المعذرين . يريد: لعن الله المقصرين من المنافقين وغيرهم . والمعذرون: الذين يأتون بالعذر الصحيح; فبان من هذا الكلام أن لهم عذرا على قراءة من خفف . وهل يثبت لهم عذر على قراءة من شدد؟ فيه قولان .

قال المفسرون: جاء هؤلاء ليؤذن لهم في التخلف عن تبوك ، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة ، جرأة على الله تعالى .
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون

قوله تعالى: ليس على الضعفاء اختلفوا فيهن نزلت على قولين .

أحدهما: أنها نزلت في عائذ بن عمرو وغيره من أهل العذر ، قاله قتادة .

والثاني: في ابن مكتوم ، قاله الضحاك .

وفي المراد بالضعفاء ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم الزمنى والمشايخ الكبار ، قاله ابن عباس ، ومقاتل .

والثاني: أنهم الصغار . [ ص: 485 ] والثالث: المجانين; سموا ضعافا لضعف عقولهم ، ذكر القولين الماوردي . والصحيح أنهم الذين يضعفون لزمانة أو عمى ، أو سن ، أو ضعف في الجسم . والمرضى: الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال ، والذين لا يجدون هم المقلون ، والحرج: الضيق في القعود عن الغزو بشرط النصح لله ولرسوله ، وفيه وجهان .

أحدهما: أن المعنى إذا برئوا من النفاق .

والثاني: إذا قاموا بحفظ الذراري والمنازل .

فإن قيل بالوجه الأول ، فهو يعم جميع المذكورين . وإن قيل بالثاني ، فهو يخص المقلين . وإنما شرط النصح ، لأن من تخلف بقصد السعي بالفساد ، فهو مذموم; ومن النصح لله: حث المسلمين على الجهاد ، والسعي في إصلاح ذات بينهم ، وسائر ما يعود باستقامة الدين .

قوله تعالى: ما على المحسنين من سبيل أي: من طريق بالعقوبة ، لأن المحسن قد سد بإحسانه باب العقاب .

قوله تعالى: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم نزلت في البكائين ، واختلف في عددهم وأسمائهم; فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هم ستة: عبد الله بن مغفل ، وصخر بن سلمان ، وعبد الله بن كعب الأنصاري ، وعلية بن زيد الأنصاري ، وسالم بن عمير ، وثعلبة بن عنمة ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم ، فقال: "لا أجد ما أحملكم عليه" فانصرفوا باكين . وقد ذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي مكان صخر بن سلمان: سلمة بن صخر ، ومكان ثعلبة بن عنمة: [ ص: 486 ] عمرو بن عنمة . قال: وقيل منهم معقل بن يسار . وروى أبو إسحاق عن أشياخ له أن البكائين سبعة من الأنصار: سالم بن عمير ، وعلية بن زيد ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ، وعمرو بن الحمام بن الجموح ، وعبد الله بن مغفل . وبعض الناس يقول: بل ، عبد الله بن عمرو المزني ، وعرباض بن سارية ، وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف . وقال مجاهد: نزلت في بني مقرن ، وهم سبعة; وقد ذكرهم محمد بن سعد ، فقال: النعمان بن عمرو بن مقرن . وقال أبو خيثمة: هو النعمان بن مقرن ، وسويد بن مقرن ، ومعقل بن مقرن ، وسنان بن مقرن ، وعقيل بن مقرن ، وعبد الرحمن بن مقرن ، وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن . وقال الحسن البصري: نزلت في أبي موسى وأصحابه .

وفي الذي طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم عليه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه الدواب ، قاله ابن عباس . والثاني: الزاد ، قاله أنس بن مالك . والثالث: النعال ، قاله الحسن .

يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون

قوله تعالى: يعتذرون إليكم قال ابن عباس : نزلت في المنافقين ، يعتذرون إليكم إذا رجعتم من غزوة تبوك ، فلا تعذروهم فليس لهم عذر . فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون ، فقال الله تعالى: (قل لا تعتذروا) لن نصدقكم ، قد أخبرنا الله أنه ليس لكم عذر وسيرى الله عملكم ورسوله إن عملتم خيرا وتبتم من [ ص: 487 ] تخلفكم (ثم تردون) بعد الموت (إلى عالم الغيب والشهادة) فيخبركم بما كنتم تعملون في السر والعلانية .
سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون

قوله تعالى: سيحلفون بالله لكم قال مقاتل: حلف منهم بضعة وثمانون رجلا ، منهم جد بن قيس ، ومعتب بن قشير .

قوله تعالى: لتعرضوا عنهم فيه قولان .

أحدهما: لتصفحوا عن ذنبهم .

والثاني: لأجل إعراضكم وقد شرحنا في المائدة معنى الرجس

يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين

قوله تعالى: يحلفون لكم لترضوا عنهم قال مقاتل: حلف عبد الله بن أبي للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أتخلف عنك ، ولأكونن معك ، على عدوك; وطلب منه أن يرضى عنه ، وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعمر بن الخطاب ، وجعلوا يترضون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم" .
الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم [ ص: 488 ] قوله تعالى: الأعراب أشد كفرا قال ابن عباس : نزلت في أعاريب أسد وغطفان وأعراب من حول المدينة ، أخبر الله أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر أهل المدينة ، لأنهم أقسى وأجفى من أهل الحضر .

قوله تعالى: وأجدر ألا يعلموا قال الزجاج : "أن" في موضع نصب ، لأن الباء محذوفة من "أن" ، المعنى: أجدر بترك العلم . تقول: جدير أن تفعل ، وجدير بأن تفعل ، كما تقول: أنت خليق بأن تفعل ، أي: هذا الفعل ميسر فيك ، فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا بـ "أن" وإن أتيت بالباء صلح بـ "أن" وغيرها ، فنقول: أنت جدير بأن تقوم ، وجدير بالقيام . فإذا قلت: أنت جدير القيام ، كان خطأ ، وإنما صلح مع "أن" لأن "أن" تدل على الاستقبال ، فكأنها عوض من المحذوف . فأما قوله: (حدود ما أنزل الله) فيعني به الحلال والحرام والفرائض . وقيل: المراد بالآية أن الأعم في العرب هذا .
ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم

قوله تعالى: ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق إذا خرج في الغزو ، وقيل: ما يدفعه من الصدقة (مغرما) لأنه لا يرجو له ثوابا . قال ابن قتيبة: المغرم: هو الغرم والخسر . وقال ابن فارس: الغرم: ما يلزم أداؤه ، والغرام: اللازم ، وسمي الغريم لإلحاحه . وقال غيره: الغرم: التزام ما لا يلزم .

قوله تعالى: ويتربص أي: وينتظر (بكم الدوائر) أي: دوائر الزمان بالمكروه; بالموت ، أو القتل ، أو الهزيمة . وقيل: ينتظر موت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وظهور المشركين .

قوله تعالى: عليهم دائرة السوء قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو بضم السين .

[ ص: 489 ] وقرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي: "السوء" بفتح السين; وكذلك قرؤوا في سورة (الفتح:6) ، والمعنى: عليهم يعود ما ينتظرونه لك من البلاء . قال الفراء: وفتح السين من السوء هو وجه الكلام . فمن فتح ، أراد المصدر من: سؤته سوءا ومساءة . ومن رفع السين ، جعله اسما ، كقولك: عليهم دائرة البلاء . والعذاب ولا يجوز ضم السين في قوله: ما كان أبوك امرأ سوء [مريم:28] ولا في قوله: وظننتم ظن السوء [الفتح:12] لأنه ضد لقولك: رجل صدق . وليس للسوء هاهنا معنى في عذاب ولا بلاء فيضم .
ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم

قوله تعالى: ومن الأعراب من يؤمن بالله قال ابن عباس : وهم من أسلم من الأعراب ، مثل جهينة ، وأسلم ، وغفار ،

وفي قوله: ويتخذ ما ينفق قولان .

أحدهما: في الجهاد . والثاني: في الصدقة . فأما القربات ، فجمع قربة ، وهي: ما يقرب العبد من رضى الله ومحبته: قال الزجاج : وفي القربات ثلاثة أوجه: ضم الراء ، وفتحها ، وإسكانها . وفي المراد بصلوات الرسول قولان .

أحدهما: استغفاره ، قاله ابن عباس .

والثاني: دعاؤه ، قاله قتادة ، وابن قتيبة ، والزجاج ، وأنشد الزجاج :


عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا .


[ ص: 490 ] قال إن شئت قلت: مثل الذي ، ومثل الذي; فالأمر أمر لها بالدعاء ، كأنه قال: ادع لي مثل الذي دعوت . والثاني بمعنى: عليك مثل هذا الدعاء .

قوله تعالى: ألا إنها قربة لهم قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي: "قربة لهم" خفيفة . وروى ورش ، وإسماعيل بن جعفر عن نافع ، وأبان ، والمفضل عن عاصم: "قربة لهم" بضم الراء . وفي المشار إليها وجهان .

أحدهما: أن الهاء ترجع إلى نفقتهم وإيمانهم والثاني: إلى صلوات الرسول .

قوله تعالى: سيدخلهم الله في رحمته قال ابن عباس : في جنته .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-08-2022, 12:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (271)
صــ491 إلى صــ 498



والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم


قوله تعالى: والسابقون الأولون فيهم ستة أقوال .

أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو موسى الأشعري ، وسعيد بن المسيب ، وابن سيرين ، وقتادة .

والثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان ، وهي الحديبية ، قاله الشعبي .

والثالث: أنهم أهل بدر ، قاله عطاء بن أبي رباح .

والرابع: أنهم جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حصل لهم السبق بصحبته .

قال محمد بن كعب القرظي: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم الجنة محسنهم ومسيئهم في قوله: والسابقون الأولون

والخامس: أنهم السابقون بالموت والشهادة ، سبقوا إلى ثواب الله تعالى ، وذكره الماوردي .

[ ص: 491 ] والسادس: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة ، ذكره القاضي أبو يعلى .

قوله تعالى: من المهاجرين والأنصار قرأ يعقوب: "والأنصار" . برفع الراء .

قوله تعالى: والذين اتبعوهم بإحسان من قال إن السابقين جميع الصحابة ، جعل هؤلاء تابعي الصحابة ، وهم الذين لم يصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن ابن عباس أنه قال: والذين اتبعوهم بإحسان إلى أن تقوم الساعة .

ومن قال: هم المتقدمون من الصحابة ، قال: هؤلاء تبعوهم في طريقهم ، واقتدوا بهم في أفعالهم ، ففضل أولئك بالسبق ، وإن كانت الصحبة حاصلة للكل . وقال عطاء: اتباعهم إياهم بإحسان: أنهم يذكرون محاسنهم ويترحمون عليهم .

قوله تعالى: تجري تحتها الأنهار قرأ ابن كثير: "من تحتها" فزاد "من" وكسر التاء الثانية .

قوله تعالى: رضي الله عنهم يعم الكل . قال الزجاج : رضي الله أفعالهم ، ورضوا ما جازاهم به .
وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم

قوله تعالى: وممن حولكم من الأعراب منافقون قال ابن عباس : مزينة ، وجهينة ، وأسلم ، وغفار ، وأشجع ، كان فيهم بعد إسلامهم منافقون . قال مقاتل: وكانت منازلهم حول المدينة .

قوله تعالى: ومن أهل المدينة مردوا على النفاق قال ابن عباس : مرنوا عليه وثبتوا ، منهم عبد الله بن أبي ، وجد بن قيس ، والجلاس ، ومعتب ، [ ص: 492 ] ووحوح ، وأبو عامر الراهب . وقال أبو عبيدة: عتوا ومرنوا عليه ، وهو من قولهم: تمرد فلان ، ومنه: شيطان مريد .

فإن قيل: كيف قال: (ومن أهل المدينة مردوا) ، وليس يجوز في الكلام: من القوم قعدوا؟ فعنه ثلاثة أجوبة .

أحدهن: أن تكون "من" الثانية مردودة على الأولى; والتقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون ، ثم استأنف "مردوا" .

والثاني أن يكون في الكلام "من" مضمر ، تقديره: ومن أهل المدينة من مردوا; فأضمرت "من" ، لدلالة "من" عليها كقوله: وما منا إلا له مقام معلوم [الصافات:164] يريد: إلا من له مقام معلوم; وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله "منافقون"

والثالث: أن "مردوا" متعلق بمنافقين ، تقديره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا ، ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري .

قوله تعالى: لا تعلمهم فيه وجهان .

أحدهما: لا تعلمهم أنت حتى نعلمك بهم . والثاني: لا تعلم عواقبهم .

قوله تعالى: سنعذبهم مرتين فيه عشرة أقوال .

أحدها: أن العذاب الأول في الدنيا ، وهو فضيحتهم بالنفاق ، والعذاب الثاني: عذاب القبر ، قاله ابن عباس . قال: وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيبا ، فقال "يا فلان" اخرج فإنك منافق ، ويا فلان اخرج" ففضحهم .

[ ص: 493 ] والثاني: أن العذاب الأول: إقامة الحدود عليهم ، والثاني: عذاب القبر; وهذا مروي عن ابن عباس أيضا .

والثالث: أن أحد العذابين: الزكاة التي تؤخذ منهم ، والآخر: الجهاد الذي يؤمرون به ، قاله الحسن .

والرابع: الجوع ، وعذاب القبر ، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وبه قال أبو مالك .

والخامس: الجوع والقتل ، رواه سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد .

والسادس: القتل والسبي ، رواه معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد . وقال ابن قتيبة: القتل والأسر .

والسابع: أنهم عذبوا بالجوع مرتين ، رواه خصيف عن مجاهد .

والثامن: أن عذابهم في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد ، وفي الآخرة بالنار ، قاله ابن زيد .

والتاسع: أن الأول: عند الموت ، تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم ، والثاني: في القبر بمنكر ونكير ، قاله مقاتل بن سليمان .

والعاشر: أن الأول بالسيف ، والثاني: عند الموت; قاله مقاتل بن حيان .

قوله تعالى: ثم يردون إلى عذاب عظيم يعني عذاب جهنم .
وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم

قوله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم اختلفوا فيمن نزلت على قولين .

أحدهما: أنهم عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما [ ص: 494 ] دنا رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد .

فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال "من هؤلاء"؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك ، فأقسموا بالله لا يطلقون أنفسهم حتى تطلقهم أنت وتعذرهم ، فقال "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم ، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين" فنزلت هذه الآية ، فأرسل إليهم فأطلقهم وعذرهم ،
رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس . وروى العوفي عن ابن عباس أن الذين تخلفوا كانوا ستة ، فأوثق أبو لبابة نفسه ورجلان معه ، وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم فلما نزلت هذه الآية ، أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم . وروى أبو صالح عن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة بن عبد المنذر ، وأوس بن ثعلبة ، ووديعة بن خذام الأنصاري . وقال سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم: كانوا ثمانية . وقال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا سبعة .

والثاني: أنها نزلت في أبي لبانة وحده . واختلفوا في ذنبه على قولين .

أحدهما: أنه خان الله ورسوله بإشارته إلى بني قريظة حين شاوروه في النزول على حكم سعد أنه الذبح ، وهذا قول مجاهد ، وقد شرحناه في (الأنفال:27) .

[ ص: 495 ] والثاني: أنه تخلفه عن تبوك ، قاله الزهري . فأما الاعتراف ، فهو الإقرار بالشيء عن معرفة . والاعتراف بالذنب أدعى إلى صدق التوبة والقبول .

قوله تعالى: خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا قال ابن جرير: وضع الواو مكان الباء ، والمعنى: بآخر سيئ ، كما تقول: خلطت الماء واللبن .

وفي ذلك العمل قولان .

أحدهما: أن العمل الصالح: ما سبق من جهادهم ، والسيئ: التأخر عن الجهاد ، قاله السدي .

والثاني: أن العمل الصالح: توبتهم والسيئ: تخلفهم ، ذكره الفراء . وفي قوله "عسى" قولان .

أحدهما: أنه واجب من الله تعالى ، قاله ابن عباس .

والثاني: أنه ترديد لهم بين الطمع والإشفاق ، وذلك يصد عن اللهو والإهمال .
خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم

قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة قال المفسرون: لما تاب الله عز وجل على أبي لبابة وأصحابه ، قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا ، فقال:

[ ص: 496 ] "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا" فنزلت هذه الآية .


"وفي هذه الصدقة" قولان .

أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها تطوعا ، قاله ابن زيد ، والجمهور . والثاني: الزكاة ، ، قاله عكرمة .

قوله تعالى: تطهرهم وقرأ الحسن "تطهرهم بها" بجزم الراء . قال الزجاج : يصلح أن يكون قوله "تطهرهم" نعتا للصدقة ، كأنه قال: خذ من أموالهم صدقة مطهرة . والأجود أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ، المعنى: فإنك تطهرهم بها فـ تطهرهم . بالجزم ، على جواب الأمر ، المعنى: إن تأخذ من أموالهم ، تطهرهم . ولا يجوز في "تزكيهم" إلا إثبات الياء ، اتباعا للمصحف . قال ابن عباس : "تطهرهم" من الذنوب ، "وتزكيهم": تصلحهم . وفي قوله: وصل عليهم قولان .

أحدهما: استغفر لهم ، قاله ابن عباس . والثاني: ادع لهم ، قاله السدي .

قوله تعالى: " إن صلواتك " قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ونافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم "إن صلواتك" على الجمع . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم "إن صلاتك" على التوحيد . وفي قوله: سكن لهم خمسة أقوال .

أحدها: طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقال أبو عبيدة: تثبيت وسكون . والثاني: رحمة لهم ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثالث: قربة لهم ، رواه الضحاك عن ابن عباس . والرابع: وقار لهم ، قاله قتادة . والخامس: تزكية لهم ، حكاه الثعلبي . قال الحسن ، وقتادة: وهؤلاء سوى الثلاثة الذين خلفوا .
[ ص: 497 ] ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون

قوله تعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة قرأ الجمهور "يعلموا" بالياء وروى عبد الوارث "تعلموا" بالتاء . وقوله: يقبل التوبة عن عباده قال أبو عبيدة: أي من عبيده ، تقول: أخذته منك ، وأخذته عنك .

قوله تعالى: ويأخذ الصدقات قال ابن قتيبة: أي: يقبلها . ومثله خذ العفو [الأعراف:199] أي: اقبله .

قوله تعالى: وقل اعملوا قال ابن زيد: هذا خطاب للذين تابوا .
وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم

قوله تعالى: وآخرون مرجون وقرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي "مرجون" بغير همز . والآية نزلت في كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ، وكانوا فيمن تخلف عن تبوك من غير عذر ، ثم لم يبالغوا في الاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه ، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري; فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم ، ونهى الناس عن كلامهم ومخالطتهم حتى نزل قوله: وعلى الثلاثة الذين خلفوا [التوبة:118] . قال الزجاج : "وآخرون" عطف على قوله: "ومن أهل المدينة" ، فالمعنى: منهم منافقون ، ومنهم (آخرون مرجون) أي: مؤخرون; "وإما" [ ص: 498 ] لوقوع أحد الشيئين ، والله تعالى عالم بما يصير إليه أمرهم ، لكنه خاطب العباد بما يعلمون ، فالمعنى: ليكن أمرهم عندكم على الخوف والرجاء .

قوله تعالى: والله عليم حكيم أي: عليم بما يؤول إليه حالهم ، حكيم بما يفعله بهم .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-08-2022, 12:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (272)
صــ499 إلى صــ 506




والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون

قوله تعالى: والذين اتخذوا مسجدا قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي: "والذين" بواو ، وكذلك هي في مصاحفهم . وقرأ نافع ، وابن عامر: "الذين" بغير واو ، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام . قال أبو علي: من قرأ بالواو ، فهو معطوف على ما قبله ، نحو قوله: ومنهم من عاهد الله [التوبة:75] ، ومنهم من يلمزك [التوبة:58] ، ومنهم الذين يؤذون النبي [التوبة:61] ، والمعنى: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا . ومن حذف الواو ، فعلى وجهين .

أحدهما: أن يضمر - ومنهم الذين اتخذوا كقوله: أكفرتم ، المعنى: فيقال لهم: أكفرتم .

والثاني: أن يضمر الخبر بعد ، كما أضمر في قوله: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام [الحج:25] ، المعنى ينتقم منهم ويعذبون . قال أهل التفسير: لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء ، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاهم ، فصلى فيه; حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف ، وكانوا من منافقي الأنصار فقالوا: نبني مسجدا ، ونرسل إلى رسول الله فيصلي [ ص: 499 ] فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام; وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية وتنصر ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، عاداه ، فخرج إلى الشام ، وأرسل إلى المنافقين أن أعدوا من استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا لي مسجدا ، فإني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه ، فبنوا هذا المسجد إلى جنب مسجد قباء; وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد ومن داره أخرج المسجد ، ونبتل بن الحارث ، وبجاد بن عثمان ، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف، ووديعة بن ثابت، وأبو حبيبة بن الأزعر، وجارية بن عامر، وابناه يزيد ومجمع; وكان مجمع إمامهم فيه، ثم صلحت حاله، وبحزج جد عبد الله بن حنيف، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أردت بما أرى"؟ فقال: والله ما أردت إلا الحسنى، وهو كاذب . وقال مقاتل: الذي حلف مجمع . وقيل: كانوا سبعة عشر; فلما فرغوا منه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد ابتنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه; فدعى بقميصه ليلبسه، فنزل عليه القرآن وأخبره الله خبرهم، فدعا معن بن عدي، ومالك بن الدخشم في آخرين، وقال: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وأحرقوه"، وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف . ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا .

فأما التفسير، فقال الزجاج : "الذين" في موضع رفع، المعنى: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا . و"ضرارا" انتصب مفعولا له المعنى: اتخذوه للضرار والكفر والتفريق والإرصاد . فلما حذفت اللام، أفضى الفعل فنصب قال المفسرون:

[ ص: 500 ] والضرار بمعنى المضارة لمسجد قباء، (وكفرا) بالله ورسوله (وتفريقا بين المؤمنين) لأنهم كانوا يصلون في مسجد قباء جميعا، فأرادوا تفريق جماعتهم، والإرصاد: الانتظار فانتظروا به مجيء أبي عامر، وهو الذي حارب الله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار . وليحلفن إن أردنا أي: ما أردنا (إلا الحسنى) أي: ما أردنا بابتنائه إلا الحسنى; وفيها ثلاثة أوجه .

أحدها: طاعة الله . والثاني: الجنة . والثالث: فعل التي هي أحسن من إقامة الدين والاجتماع للصلاة . وقد ذكرنا اسم الحالف .
لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين

قوله تعالى: لا تقم فيه أي: لا تصل فيه أبدا . لمسجد أسس على التقوى أي: بني على الطاعة، وبناه المتقون (من أول يوم) أي: منذ أول يوم . قال الزجاج : "من" في الزمان، والأصل: منذ ومذ، وهو الأكثر في الاستعمال . وجائز دخول "من" لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، ومثله قول زهير:


لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن شهر


وقيل معناه: من مر حجج ومن مر شهر . وفي هذا المسجد ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الذي فيه منبره وقبره . روى سهل بن سعد أن رجلين اختلفا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على [ ص: 501 ] التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال "هو مسجدي هذا" وبه قال ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب .

والثاني: أنه مسجد قباء، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، وعروة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، ومقاتل .

والثالث: أنه كل مسجد بني في المدينة، قاله محمد بن كعب .

قوله تعالى: فيه رجال يحبون أن يتطهروا سبب نزولها أن رجالا من أهل قباء كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية، قاله الشعبي .

قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية، أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "ما الذي أثنى الله به عليكم" فقالوا: إنا نستنجي بالماء . فعلى هذا، المراد به الطهارة بالماء . وقال أبو العالية: أن يتطهروا من الذنوب .
أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين

قوله تعالى: أفمن أسس بنيانه قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة [ ص: 502 ] والكسائي "أسس" بفتح الألف في الحرفين جميعا وفتح النون فيهما . وقرأ نافع، وابن عامر "أسس: بضم الألف "بنيانه" برفع النون . والبنيان مصدر يراد به المبني . والتأسيس: إحكام أس البناء، وهو أصله، والمعنى: المؤسس بنيانه متقيا يخاف الله ويرجو رضوانه خير، أم المؤسس بنيانه غير متق؟ قال الزجاج : وشفا الشيء: حرفه وحده . والشفا، مقصور، يكتب بالألف، ويثنى شفوان .

قوله تعالى: جرف قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، والكسائي "جرف" مثقلا . وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: "جرف" ساكنة الراء . قال أبو علي: فالضم الأصل، والإسكان تخفيف، ومثله: الشغل والشغل . قال ابن قتيبة: المعنى: على حرف جرف هائر . والجرف: ما يتجرف بالسيول من الأودية . والهائر: الساقط . ومنه: تهور البناء وانهار: إذا سقط . وقرأ ابن كثير، وحمزة "هار" بفتح الهاء . وأمال الهاء نافع، وأبو عمرو . وعن عاصم كالقراءتين .

قوله تعالى: فانهار به أي: بالباني في نار جهنم قال الزجاج : وهذا مثل، والمعنى: أن بناء هذا المسجد كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها . وقال قتادة: ذكر لنا أنهم حفروا فيه حفرة، فرؤي فيها الدخان . قال جابر: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان .
لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم

قوله تعالى: لا يزال بنيانهم يعني مسجد الضرار الذي بنوا ريبة في قلوبهم وفيها ثلاثة أقوال [ ص: 503 ] أحدها: شكا ونفاقا، لأنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه، قاله ابن عباس، وابن زيد .

والثاني: حسرة وندامة، لأنهم ندموا على بنائه، قاله ابن السائب ومقاتل .

والثالث: أن المعنى: لا يزال هدم بنيانهم حزازة وغيظا في قلوبهم، قاله السدي، والمبرد .

قوله تعالى: إلا أن تقطع قلوبهم قرأ الأكثرون: "إلا" وهو حرف استثناء . وقرأ يعقوب "إلى أن" فجعله حرف جر . وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: "تقطع" بضم التاء . وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: "تقطع" بفتح التاء ثم في المعنى قولان .

أحدهما: إلا أن يموتوا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في آخرين .

والثاني: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم، ذكره الزجاج .
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم

قوله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم سبب نزولها أن الأنصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلا، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم"، قالوا: فإذا [ ص: 504 ] فعلنا ذلك، فما لنا؟ قال: "الجنة" قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت إن الله اشترى . . . الآية، قاله محمد بن كعب القرظي . فأما اشتراء النفس فبالجهاد .

وفي اشتراء الأموال وجهان . أحدهما: بالإنفاق في الجهاد . والثاني: بالصدقات . وذكر الشراء هاهنا مجاز، لأن المشتري حقيقة هو الذي لا يملك المشترى، فهو كقوله: من ذا الذي يقرض الله [البقرة:245] . والمراد من الكلام أن الله أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم عن ذلك بالجنة، فعبر عنه بالشراء لما تضمن من عوض ومعوض . وكان الحسن يقول: لا والله، إن في الدنيا مؤمن إلا وقد أخذت بيعته . وقال قتادة: ثامنهم والله فأغلى لهم .

قوله تعالى: فيقتلون ويقتلون قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر، وعاصم "فيقتلون ويقتلون" فاعل ومفعول . وقرأ حمزة، والكسائي "فيقتلون ويقتلون" مفعول وفاعل . قال أبو علي: القراءة الأولى بمعنى أنهم يقتلون أولا ويقتلون، والأخرى يجوز أن تكون في المعنى كالأولى، لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم; فإن لم يقدر فيه التقديم، فالمعنى: يقتل من بقي منهم بعد قتل، من قتل كما أن قوله: فما وهنوا لما أصابهم [آل عمران:146] ما وهن من بقي بقتل من قتل . ومعنى الكلام: إن الجنة عوض عن جهادهم، قتلوا أو قتلوا . "وعدا عليه"، قال الزجاج : نصب "وعدا" بالمعنى، لأن معنى قوله بأن لهم الجنة : وعدا عليه حقا قال: وقوله: في التوراة والإنجيل يدل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه الجنة .

[ ص: 505 ] قوله تعالى: ومن أوفى أي: لا أحد أوفى بما وعد من الله فاستبشروا أي: فافرحوا بهذا البيع .
التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين

قوله تعالى: التائبون سبب نزولها: أنه لما نزلت التي قبلها، قال رجل: يا رسول الله، وإن سرق وإن زنا وإن شرب الخمر؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس . قال الزجاج : يصلح الرفع هاهنا على وجوه . أحدها: المدح، كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو هم التائبون . ويجوز أن يكون على البدل، والمعنى: يقاتل التائبون; فهذا مذهب أهل اللغة، والذي عندي أنه رفع بالابتداء، وخبره مضمر، المعنى: التائبون ومن ذكر معهم لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذا لم يقصدوا ترك الجهاد ولا العناد، لأن بعض المسلمين يجزئ عن بعض في الجهاد .

وللمفسرين في قوله: "التائبون" قولان . أحدهما: الراجعون عن الشرك والنفاق والمعاصي . والثاني: الراجعون إلى الله في فعل ما أمر واجتناب ما حظر .

وفي قوله: العابدون ثلاثة أقوال . أحدها: المطيعون لله بالعبادة، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: المقيمون الصلاة، قاله الضحاك عن ابن عباس .

والثالث: الموحدون، قاله سعيد بن جبير .

قوله تعالى: الحامدون قال قتادة: يحمدون الله على كل حال .

وفي السائحين أربعة أقوال . [ ص: 506 ] أحدها: الصائمون، قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة في آخرين . قال الفراء: ويرى أهل النظر أن الصائم إنما سمي سائحا تشبيها بالسائح، لأن السائح لا زاد معه; والعرب تقول للفرس إذا كان قائما لا علف بين يديه: صائم وذلك أن له قوتين، غدوة وعشية، فشبه به صيام الآدمي لتسحره وإفطاره .

والثاني: أنهم الغزاة، قاله عطاء . والثالث: طلاب العلم، قاله عكرمة . والرابع: المهاجرون، قاله ابن زيد .

قوله تعالى: الراكعون الساجدون يعني في الصلاة . الآمرون بالمعروف وهو طاعة الله . والناهون عن المنكر وهو معصية الله .

فإن قيل: ما وجه دخول الواو في قوله: "والناهون" فعنه جوابان .

أحدهما: أن الواو إنما دخلت هاهنا لأنها الصفة الثامنة، والعرب تعطف بالواو على السبعة، كقوله: وثامنهم كلبهم [الكهف:22] وقوله في صفة الجنة: وفتحت أبوابها [الزمر:73]، ذكره جماعة من المفسرين .

والثاني: أن الواو إنما دخلت على الناهين لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره، فكان دخول الواو دلالة على أن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون بالسياحة دون الحامدين في بعض الأحوال والأوقات .

قوله تعالى: والحافظون لحدود الله قال الحسن: القائمون بأمر الله .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01-08-2022, 12:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ التَّوْبَةِ
الحلقة (273)
صــ507 إلى صــ 514



ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم

[ ص: 507 ] قوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين في سبب نزولها أربعة أقوال .

أحدها: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: "أي عم، قل معي: لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا . الآية، ونزلت إنك لا تهدي من أحببت [القصص:56]، أخرجه البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه . وقيل: إنه لما مات أبو طالب، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر له، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه؟ فاستغفروا للمشركين، فنزلت هذه الآية . قال أبو الحسين بن المنادي: هذا لا يصح، إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" قبل أن يموت، [ ص: 508 ] وهو في السياق، فأما أن يكون استغفر له بعد الموت، فلا، فانقلب ذلك على الرواة، وبقي على انقلابه .

والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أمه آمنة، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم بكى، فبكى الناس لبكائه، ثم انصرف إليهم، فقالوا: ما الذي أبكاك؟ فقال: "مررت بقبر أمي فصليت ركعتين، ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنهيت، فبكيت، ثم عدت فصليت ركعتين، واستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزجرت زجرا، فأبكاني"، ثم دعا براحلته فركبها; فما سار إلا هنيأة، حتى قامت الناقة لثقل الوحي; فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا والآية التي بعدها، رواه بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والثالث: أن رجلا استغفر لأبويه، وكانا مشركين، فقال له علي بن أبي طالب: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكر ذلك علي للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه أبو الخليل عن علي عليه السلام .

والرابع: أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا [ ص: 509 ] نستغفر لهم؟ فقال: "بلى، والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه"، فنزلت هذه الآية، وبين عذر إبراهيم، قاله قتادة . ومعنى قوله: من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم أي: من بعد ما بان أنهم ماتوا كفارا .

قوله تعالى: إلا عن موعدة وعدها إياه فيه قولان .

أحدهما: أن إبراهيم وعد أباه الاستغفار، وذلك قوله: سأستغفر لك ربي [مريم:47]، وما كان يعلم أن الاستغفار للمشركين محظور حتى أخبره الله بذلك .

والثاني: أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن; فلما تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله تعالى: بموته على الكفر، ترك الدعاء له . فعلى الأول، تكون هاء الكناية في "إياه" عائدة على آزر، وعلى الثاني، تعود على إبراهيم . وقرأ ابن السميفع، ومعاذ القارئ، وأبو نهيك: "وعدها أباه" بالباء

وفي الأواه ثمانية أقوال .

أحدها: أنه الخاشع الدعاء المتضرع، رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

والثاني: أنه الدعاء، رواه زر عن عبد الله، وبه قال عبيد بن عمير .

والثالث: الرحيم، رواه أبو العبيد بن العامري عن ابن مسعود، وبه قال الحسن، وقتادة، وأبو ميسرة .

والرابع: أنه الموقن، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك .

والخامس: أنه المؤمن، رواه العوفي، ومجاهد وابن أبي طلحة عن ابن عباس .

[ ص: 510 ] والسادس: أنه المسبح، رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن جبير .

والسابع: أنه المتأوه لذكر عذاب الله، قاله الشعبي . قال أبو عبيدة: مجاز أواه مجاز فعال من التأوه، ومعناه: متضرع شفقا وفرقا ولزوما لطاعة ربه، قال المثقب:


إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين


والثامن: أنه الفقيه رواه ابن جريج عن مجاهد . فأما الحليم، فهو الصفوح عن الذنوب .
وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير

قوله تعالى: وما كان الله ليضل قوما الآية، سبب نزولها: أنه لما نزلت آية الفرائض، وجاء النسخ، وقد غاب قوم وهم يعلمون بالأمر الأول مثل أمر القبلة والخمر، ومات أقوام على ذلك، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقال قوم: المعنى أنه بين أنه لم يكن ليأخذهم بالاستغفار للمشركين قبل تحريمه، فإذا حرمه ولم يمتنعوا عنه، فقد ضلوا . وقال ابن الأنباري: في الآية حذف، واختصار، والتأويل: حتى [ ص: 511 ] يتبين لهم ما يتقون، فلا يتقونه، فعند ذلك يستحقون الضلال; فحذف ما حذف لبيان معناه، كما تقول العرب: أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال; يريدون: فتجرت فكسبت .
لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم

قوله تعالى: لقد تاب الله على النبي قال المفسرون: تاب عليه من إذنه للمنافقين في التخلف . وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام، وذلك أنه لما كان سبب توبة التائبين، ذكر معهم كقوله: فأن لله خمسه وللرسول [الأنفال:41] .

قوله تعالى: الذين اتبعوه في ساعة العسرة قال الزجاج : هم الذين اتبعوه في غزوة تبوك، والمراد بساعة العسرة: وقت العسرة، لأن الساعة تقع على كل الزمان، وكان في ذلك الوقت حر شديد، والقوم في ضيقة شديدة، كان الجمل بين جماعة يعتقبون عليه، وكانوا في فقر، فربما اقتسم التمرة اثنان، وربما مص التمرة الجماعة ليشربوا عليها الماء، وربما نحروا الإبل فشربوا من ماء كروشها من الحر . وقيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن ساعة العسرة، فقال خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع، حتى إن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده . فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع لنا . قال: "تحب [ ص: 512 ] ذلك"؟ قال: نعم فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر .

قوله تعالى: من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم قرأ حمزة، وحفص عن عاصم: "كاد يزيغ" بالياء . وقرأ الباقون بالتاء . وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال .

أحدها: تميل إلى التخلف عنه، وهم ناس من المسلمين هموا بذلك، ثم لحقوه، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أن القلوب مالت إلى الرجوع للشدة التي لقوها، ولم تزغ عن الإيمان، قاله الزجاج .

والثالث: أن القلوب كادت تزيغ تلفا بالجهد والشدة، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: ثم تاب عليهم كرر ذكر التوبة، لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ذنبهم، فقدم ذكر التوبة فضلا منه، ثم ذكر ذنبه ثم أعاد ذكر التوبة .
وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم

قوله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وقرأ أبو رزين، وأبو مجلز، والشعبي، وابن يعمر: "خالفوا" بألف . وقرأ معاذ القارئ، وعكرمة، وحميد: [ ص: 513 ] "خلفوا" بفتح الخاء واللام المخففة . وقرأ أبو الجوزاء، وأبو العالية: "خلفوا" بفتح الخاء واللام مع تشديدها . وهؤلاء هم المرادون بقوله: وآخرون مرجون وقد تقدمت أسماؤهم [التوبة:106] . وفي معنى "خلفوا" قولان .

أحدهما: خلفوا عن التوبة، قاله ابن عباس، ومجاهد . فيكون المعنى: خلفوا عن توبة الله على أبي لبابة وأصحابه إذ لم يخضعوا كما خضع أولئك .

والثاني: خلفوا عن غزوة تبوك، قاله قتادة . وحديثهم مندرج في توبة كعب بن مالك، وقد رويتها في كتاب "الحدائق"

قوله تعالى: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي: ضاقت مع سعتها، وذلك أن المسلمين منعوا من معاملتهم وكلامهم، وأمروا باعتزال أزواجهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم . وضاقت عليهم أنفسهم بالهم والغم . (وظنوا) أي: أيقنوا أن لا ملجأ أي: لا معتصم من الله ومن عذابه إلا هو . ثم تاب عليهم أعاد التوبة تأكيدا، ليتوبوا قال ابن عباس : ليستقيموا . وقال غيره: وفقهم للتوبة ليدوموا عليها ولا يرجعوا إلى ما يبطلها . وسئل بعضهم عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب وصاحبيه .
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أنها نزلت في قصة الثلاثة المتخلفين . [ ص: 514 ] والثاني: أنها في أهل الكتاب . والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكونوا مع الصادقين .

وفي المراد بالصادقين خمسة أقوال .

أحدها: أنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن عمر .

والثاني: أبو بكر وعمر، قاله سعيد بن جبير، والضحاك . وقد قرأ ابن السميفع، وأبو المتوكل، ومعاذ القارئ: "مع الصادقين" بفتح القاف وكسر النون على التثنية .

والثالث: أنهم الثلاثة الذين خلفوا صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تأخرهم قاله السدي .

والرابع: أنهم المهاجرون، لأنهم لم يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد، قاله ابن جريج . قال أبو سليمان الدمشقي: وقيل: إن أبا بكر الصديق احتج بهذه الآية يوم السقيفة، فقال: يا معشر الأنصار، إن الله يقول في كتابه: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا إلى قوله: أولئك هم الصادقون [الحشر:8] من هم؟ قالت الأنصار: أنتم هم . قال: فإن الله تعالى يقول: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن نكون معكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء .

والخامس: أنه عام، قاله قتادة . "ومع" بمعنى "من" وكذلك هي في قراءة ابن مسعود: وكونوا من الصادقين" .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 485.15 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 479.26 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.21%)]