التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 25 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الجَدْبُ الكِتابي! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          عرّف بعضه وأعرض عن بعض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          وطيب النفس من النعيم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          العبد الموفّق حقًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          الصلاة والصوم والصدقة كفارة للفتن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          صناعة الأهداف: كيف تضع خطتك الروحية لرمضان؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          فضل رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          ﴿وَتَذَرونَ الآخِرَةَ﴾ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          الباقي والفاني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          رمضان موسمٌ ربح عظيم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #241  
قديم 03-02-2026, 06:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 51 الى صـــ 70
الحلقة (241)






وقال ابن التين: يحتمل وجهين: أن تكون ناعمة في الدنيا عجلت لها جنتها وتكون عارية يوم القيامة في الموقف والنار -أو في الموقف- ثم تصير إلى رحمة الله، وأن تكون كاسية عند نفسها عارية عند الناس للباسها ما يصف، كالغلائل ونحوها، وما يشف كالثوب الرقيق الصفر يلصق بالبدن فلا يخفي عن الناظر شيء، وهي عارية لظهور محاسنها، وقيل: كاسيات من النعم عاريات من الشكر. وقيل: إنهن يكشفن بعض أجسادهن، ويشددن الخمر من ورائهن فتنكشف صدورهن فكن كالعاريات، ولا تستر جميع أجسادهن، وقد بسطنا الكلام على هذا في كتاب العلم، وأعدناه لطول العهد به، وسيأتي لنا عودة إلى هذا في باب: لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، من كتاب الفتن (١).
وقوله في أوله: («سُبْحَانَ اللهِ») هو تعظيم لما رأى، وتنبيه أن من سمعه إذا صيح به التفت، ومعنى: «سُبْحَانَ اللهِ»: تنزيهه وبراءته من السوء، وقد سلف.

------------
(١) انظر ما سيأتي برقم (٧٠٦٨ - ٧٠٦٩).


٦ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ. وَالْفُطُورُ: الشُّقُوقُ.
﴿انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]: انْشَقَّتْ.

١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ -أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟». [٤٨٣٦، ٦٤٧١ - مسلم: ٢٨١٩ - فتح: ٣/ ١٤]
ثم ذكر فيه حديث المغيرة: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيَقُومُ ليُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ -أَوْ سَاقَاهُ- فَيمالُ لَهُ، فَيَقُولُ: «أفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟».
هذا الحديث ذكره في التفسير (١) كما ستعلمه إن شاء الله (٢).
وقوله: (حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ) يقال: ورم يرم: إذا ربا، وهو فعل يفعل من نادر الكلام، وشاذة كما قاله ابن التين (٣).
وفيه: أنه كان يفعل من العبادة ما ينهى عنه أمته؛ لعلمه بقوة نفسه؛ ولما لا يخشى عليه من الملول في ذلك.
وقوله: (فيقال له): أي: ألا ترفق بنفسك؟ وقد روي أنه قيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «أفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
وفيه: أن السجود والصلاة شكر النعم.
قَالَ المهلب: وفيه: أَخْذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن

---------------
(١) فوقها في الأصل: في سورة الفتح.
(٢) برقم (٤٨٣٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
وفوق لفظ الجلالة في الأصل: من طريقيه.
(٣) ورد بهامش الأصل: قال ابن دريد في «الجمهرة» حين ذكر الماضي والمضارع والمصدر وهذا من الشاذ.



أضر ذلك ببدنه؛ لأنه حلال، وله أن يأخذ بالرخصة، ويكلف نفسه ما عفت له به وسمحت.
قَالَ: إلا أن الأخذ بالشدة أفضل، ألا ترى قوله أي في الجواب: «أفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» فكيف من لم يعلم أنه استحق النار أم لا؟ فمن وفق للأخذ بالشدة فله في الشارع أفضل الأسوة، وإنما ألزم الأنبياء والصالحون أنفسهم شدة الخوف، وإن كانوا قد آمنوا لعلمهم بعظيم نعم الله تعالى عليهم، وأنه بدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في شكره تعالى بأكثر مما افترض عليهم فاستقلوا ذلك، ولهذا المعنى قَالَ طلق بن حبيب: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، ونعمه أكثر من أن تحصى، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين (١)، وهذا كله مفهوم من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] (٢).

-------------
(١) رواه ابن المبارك في «الزهد» ص ١٠١ (٣٠٢)، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٦٥.
(٢) ورد بهامش الأصل: آخر ٩ من ٤ من تجزئة المصنف.



٧ - باب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ
١١٣١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ - عليه السلام -، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا». [١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١١٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٣/ ١٦]

١١٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ، سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى. [٦٤٦١، ٦٤٦٢ - مسلم: ٧٤١ - فتح: ٣/ ١٦]

١١٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ذَكَرَ أَبِي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِمًا. تَعْنِي: النَّبِىَّ - ﷺ -. [مسلم: ٧٤٢ - فتح: ٣/ ١٦]
ذكر فيه حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو: أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا».
وحديث مسروق: قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ -؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارخَ.
وحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أنا أَبُو الأَحْوَصِ- واسمه سلاَّم بن سليم الحنفي، مات هو ومالك، وحماد بن زيد، وخالد الطحان سنة سبع وسبعين ومائة- عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: إِذَا سَمِعَ الصَّارخَ قَامَ فَصَلَّى.


قلتُ: والصارخ: الديك.
حديث عائشة قالت: ما ألفاه السحر عندي إلا نائمًا، يعني: النبي - ﷺ -.
الشرح:
أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه مسلم (١)، والأربعة أيضًا مختصرًا أو مطولًا. وكرره البخاري قريبًا (٢).
وفي الصوم في مواضع ستة (٣)، وفي أحاديث الأنبياء في موضعين (٤)، والنكاح (٥)، والأدب (٦)، وفضائل القرآن (٧)، والاستئذان (٨).
وذكر عبد الحق في «أحكامه» أن عطاء رواه عن عبد الله بن عمرو، وهو خطأ، بينهما السائب بن فروخ كما أخرجه مسلم (٩).

-------------
(١) «صحيح مسلم» (١١٥٩) في الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به.
(٢) برقم (١٩٧٤) باب: حق الضيف في الصوم.
ثم إن الناسخ زاد سطرًا؛ كتب في أوله (زائد) وفي نهايته إلى، وتعني أنها زيادة ونصها (في باب حق الضيف: حدثنا إسحاق بن راهويه كما صرح به أبو نعيم، وقال الجياني: لم ينسبه أبو نصر من شيوخنا).
قلت: سيأتي تعليق المصنف هذا هناك.
(٣) برقم (١٩٧٥) باب: حق الجسم في الصوم، و(١٩٧٦) باب: صوم الدهر، و(١٩٧٧) باب: حق الأهل في الصوم، و(١٩٧٨) باب: صوم يوم وإفطار يوم، و(١٩٧٩، ١٩٨٠) باب: صوم داود - عليه السلام -.
(٤) برقم (٣٤١٨ - ٣٤١٩) باب: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ و(٣٤٢٠) باب: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود - عليه السلام -.
(٥) برقم (٥١٩٩) باب: لزوجك عليك حق.
(٦) برقم (٦١٣٤) باب: حق الضيف.
(٧) برقم (٥٠٥٢ - ٥٠٥٤) باب: في كم يقرأ القرآن.
(٨) برقم (٦٢٧٧) باب: مَن أُلقي له وسادة.
(٩) مسلم (١١٥٩/ ١٨٦).



وعطاء هذا هو ابن أبي رباح، صرح به المزي، وذكر الطرقي أنه ابن السائب.
وروى البزار منه: «وكان لا يفر إذا لاقى» من حديث الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو (١)، كذا أخرجه الطبراني من طريق حجاج، عن عطاء، ومن طريق الأوزاعي، عن عطاء، عنه (٢).
قَالَ القرطبي: ظن من لا بصيرة عنده: إنه حديث مضطرب، وليس كذلك، فإنه إذا تتبع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته، وتناسب مساقه إذ ليس فيه اختلاف وتناقض، بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره، وفصل بعض ما أجمله غيره (٣).
وحديث عائشة الأول أخرجه أيضًا في الرقاق (٤). وأخرجه مسلم (د) أيضًا (٥).
و(أشعث) في إسناده هو أبي الشعثاء سليم بن أسود.
وشيخ البخاري فيه (محمد) قد أسلفنا أنه ابن سلام، وكذا نسبه ابن السكن.
قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي ذر، عن أبي أحمد الحموي: حَدَّثنَا محمد بن سالم.
وقال أبو الوليد الباجي: محمد بن سالم ذكر البخاري، وساق الحديث: حَدَّثنَا محمد بن سالم -وعلى سالم علامة الحموي- قَالَ:

---------------
(١) «البحر الزخار» ٦/ ٣٧٩ (٢٣٩٧).
(٢) أورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ١٩٥ وقال: رواه الطبراني في الكبير.
(٣) «المفهم» ٣/ ٢٢٤.
(٤) برقم (٦٤٦١ - ٦٤٦٢) باب: القصد والمداومة على العمل.
(٥) برقم (٧٤١) باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - ..



وسألت عنه أبا ذر فقال: أراه ابن سلام، وسها فيه أبو محمد الحموي.
ولا أعلم في طبقة شيوخ البخاري محمد بن سالم.
ورواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى المروزي، ثنا خلف بن هشام، ثنا أبو الأحوص، عن أشعث، عن أبيه، عن مسروق، أو الأسود قَالَ: سألت عائشة .. الحديث. ثم قَالَ: لم يذكر البخاري بعدُ أشعث في هذا الوجه.
وفي رواية أبي داود: كان إذا سمع الصراخ قام فصلى (١).
وذكر أبو نعيم أن البخاري رواه عن عبدان، عن ابن المبارك، عن شعبة. والذي في البخاري عبدان، عن أبيه، عن شعبة، فاعلمه. وحديثها الآخر أخرجه مسلم (٢).
إذا عرفت ذلك؛ فالكلام عليها من أوجه:
أحدها:
قوله: («أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ») يريد لمن عدا النبي - ﷺ -؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١ - ٢] الآيات وقد سلف أن هذا الأفضل لمن قسم الليل أسداسًا.
وفي «كتاب المحاملي»: وإن صلى بعض الليل، فأي وقت أفضل؟
فيه قولان:
أحدهما: أن يصلي جوف الليل.
والثاني: وقت السحر؛ ليصلي صلاة الفجر وهو غريب.
وقوله: («وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كان يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ

--------------
(١)»سنن أبي داود" (١٣١٧) باب: وقت قيام النبي - ﷺ - من الليل.
(٢) برقم (٧٤٢) باب: صلاة الليل، وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل.



يَوْمًا») ظاهره أنه أفضل من صوم الدهر عند عدم التضرر، وقد صرح به بعض أصحابنا، ولا شك أن المكلف لم يتعبد بالصيام خاصة، بل به وبالحج والجهاد وغير ذلك.
فإذا استفرغ جهده في الصوم خاصة انقطعت قربه، وبطلت سائر العبادات، فأمر أن يستبقي قوته لها.
وبين ذلك في الحديث الآخر في قصة داود: «وكان لا يفر إذا لاقى» (١).
وبين ذلك لعبد الله بن عمرو فقال: إنك إذا قمت الليل -يريد كله- هجمت له العين، ونفهت له النفس، لا صام من صام الدهر (٢)، وقيل: النهي لمن صام الأيام المنهي عنها، وقيل في قوله: (لا أفضل من ذلك) بالنسبة إلى المخاطب لما علم من حاله ومنتهى قوته، وأن ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن فرائضه، ويقعد به عن حقوق نفسه.
الثاني:
وجه ترجمة البخاري من هذا الحديث: نوم داود السدس الأخير، وقام ثلثه، وهو الوقت الذي ينادى فيه: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ (٣) ونومه السدس الأخير؛ ليستريح من نصب القيام السابق.
ووجه كونها أحب؛ لأنها أرفق على النفس وأبعد من الملل المؤدي إلى الترك، والله يحب أن يديم فضله ويوالي نعمه أبدا، وقد قَالَ - ﷺ -:

----------
(١) يأتي برقم (١٩٧٩) كتاب: الصوم، باب: صوم داود - عليه السلام -.
(٢) الموضع السابق.
(٣) يأتي برقم (١١٤٥) أبواب: التهجد، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل.



«إن الله لا يمل حَتَّى تملوا» (١) يعني: أنه لا يقطع المجازاة على العبادة حَتَّى تقطعوا العمل، فأخرج لفظ المجازاة بلفظ الفعل؛ لأن الملل غير جائز على الرب ﷻ، ولا من صفاته، ووجه كون أحب العمل إليه الدائم؛ لأن مع الدوام على العمل القليل يكون العمل كثيرًا، وإذا تكلف المشقة في العمل انقطع عنه وتركه فكان أقل.
الثالث:
قولها: (كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارخ) هو نحو من قول ابن عباس: نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، كذا قاله ابن التين.
وقال ابن بطال: هذا في حدود الثلث الآخر لتحري وقت نزول الرب تعالى: أي أمره (٢).
وقولها: (مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلا نَائِمًا) أي: مضطجعًا على جنبه؛ لأنها قالت في حديث آخر: فإن كنت يقظانة حَدَّثَني وإلا اضطجع حَتَّى يأتيه المنادي للصلاة (٣)؛ فتحصل بالضجعة الراحة من نصب القيام، ولما يستقبله من طول صلاة الصبح؛ ولذلك كان ينام عند السحر.
وهذا كان يفعله - ﷺ - في الليالي الطوال وفي غير رمضان؛ لأنه قد ثبت عنه تأخير السحور على ما يأتي في الباب بعده.

------------------
(١) يأتي برقم (٥٨٦١) كتاب: اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٢٣.
(٣) يأتي برقم (١١٦١) باب: مَن تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع.



٨ - باب مَنْ تَسَحَّرَ (١) فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ
١١٣٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ نَبِىَّ اللهِ - ﷺ - وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. [انظر: ٥٧٦ - فتح: ٣/ ١٨]
ذكر فيه حديث أنس: أَنَّ رسول اللهِ - ﷺ - وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا .. الحديث.
وقد سلف في باب: وقت الفجر (٢).
وفيه: تأخير السحور، والمراد بالصلاة: صلاة الصبح، وترجم عليه
البخاري في الصيام باب: كم قدر بين السحور وصلاة الصبح (٣).
إلا أول ما قام إليه ركعتا الفجر؛ لأنه حين كان قبلَ الفجر وبينهما مقدارُ ما ذكر، ففي تلك المدة صلى ركعتي الفجر ثم قعد ينتظر الصلاة (٤).

-------------
(١) أشير في الهامش إلى أن بعد هذِه الكلمة (في نسخة: ثم قام إلى الصلاة).
(٢) برقم (٥٧٦) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٣) برقم (١٩٢١).
(٤) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الخامس بعد التسعين، كتبه مؤلفه غفر الله له.



٩ - باب طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ
١١٣٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتَ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ - ﷺ -. [مسلم: ٧٧٣ - فتح: ٣/ ١٩]

١١٣٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. [انظر: ٢٤٥ - مسلم: ٢٥٥ - فتح: ٣/ ١٩]
ذكر فيه حديث أبي وائل (١)، وهو شقيق بن سلمة، عن عبد الله قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا .. الحديث.
وحديث حذيفة: كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
وهذا سلف في الطهارة (٢)، لكن لا مناسبة له هنا؛ لأن الشوص ليلا لا يدل على طول صلاة ولا قصرها. نعم، حديثه الآخر في مسلم: صليت مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع .. الحديث بطوله (٣)، فكأنه أشار إليه ولا شك أن السواك من كمال هيئة الصلاة والتأهب (لها، قلنا (٤) وأخذ النفس بما تؤخذ به نهارا، فكأن ليله

--------------
(١) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ وقع هنا في ابن بطال إنه يمكن يكون غلط من الناسخ فله في غير موضعه وعاجلته المنية [يعني: البخاري أو ناسخ الصحيح، كما في ابن بطال] عن تهذيب كتابه وتصفحه، وله فيه مواضع مثل هذا دالة على أنه مات قبل تحريره.
(٢) برقم (٢٤٥) باب: السواك.
(٣) مسلم برقم (٧٧٢) باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل.
(٤) ما في الصلب هو صورته التقريبية في الأصل، ووجدنا أنه المصنف قد نقل -دون أن يشير- عن ابن المنير في «المتواري» ص ١١٩، وفيه: والتأهب (للعبارات) =



نهارا، وهو دليل على طول القيام فيه إذ النافلة المخففة لا تتهيأ له هذا التهيؤ الكامل (١).
وحديث عبد الله أخرجه مسلم (٢)، وهو ظاهر الدلالة على طول القيام؛ لأنه هم أن يقعد ويذر رسول الله - ﷺ -، وكان عبد الله جلدًا مقتديًا برسول الله - ﷺ - محافظًا على ذلك.
وقد اختلف العلماء: هل الأفضل في صلاة التطوع: طول القيام أو كثرة الركوع والسجود؟ فذهبت طائفة إلى الثاني، وروي عن أبي ذر أنه كان لا يطيل القيام ويطيلهما، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» (٣)، وروي عن ابن عمر أنه رأى فتى يصلي قد أطال صلاته فلما انصرف قَالَ: من يعرف هذا؟ قَالَ رجل: أنا، قَالَ عبد الله: لو كنت أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا قام العبد يصلي أتي بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقه، فكلما ركع وسجد تساقطت عنه» (٤).

----------
= فلعل ما وقع هنا تحريف لا وجه له، لاضطراب العبارة.
(١) انظر: «المتواري» ص ١١٥.
(٢) برقم (٧٧٣) باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل.
(٣) رواه أحمد في «مسنده» ٥/ ١٤٧، والبخاري في «تاريخه» ٧/ ٤٣٠، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٧٦، والبيهقي في «الكبرى» ٣/ ١٠ كتاب: الصلاة، باب: من استحب الإكثار من الركوع والسجود. من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن المخارق قال: مررت بأبي ذر بالربذة .. الحديث.
(٤) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٧٧، والبيهقي في «الكبرى» ٣/ ١٠ كتاب: الصلاة، باب: مَن استحب الإكثار من الركوع والسجود. وفي «شعب الإيمان» ٣/ ١٤٥ - ١٤٦ (٣١٤٦)، من طريق معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن يزيد بن أرطأة، عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن عمر به، ورواه =



وقال يحيى بن رافع: كان يقال: لا تطيل القراءة في الصلاة فيعرض لك الشيطان فيفتنك (١).
وقال آخرون بالأول، واحتجوا بحديث أبي سفيان عن جابر قَالَ: سئل رسول الله - ﷺ - أي الصلاة أفضل؟ قَالَ: «طول القنوت» (٢)، وهو قول إبراهيم وأبي مجلز والحسن، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد (٣).
وقال أشهب: هو أحب إلى لكثرة القراءة على سعة ذلك كله (٤)، وليس في حديث أبي ذر وابن عمر ما يمنع هذا إذ يجوز أن يكون المراد: فإن زاد مع ذلك طول القيام كان أفضل، وكان ما يعطيهم الله من الثواب أكثر، فهذا أولى ما حمل عليه معنى الحديث.
وكذا حديث ابن عمر ليس فيه تفضيلهما على طول القيام، وإنما فيه ما يعطاه المصلي على الركوع والسجود من حط الذنوب عنه، ولعله يعطى بطول القيام أفضل من ذلك -نبه عليه الطحاوي-، وحديث ابن مسعود يشهد بصحة هذا القول.
وفي الحديث أن مخالفة الإمام أمر سوء كما قَالَ ابن مسعود.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] الآية.

---------------
= أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٩٩ - ١٠٠ من طريق عيسى بن يونس، عن ثور، عن أبي المنيب، قال: رأى ابن عمر فتى يصلي .. الحديث. وقال: غريب من حديث أبي المنيب وثور لم نكتبه إلا من حديث عيسى بن يونس.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٤ (٨٣٥١) كتاب: الصلوات.
(٢) رواه مسلم (٧٥٦/ ١٦٥) باب: أفضل الصلاة طول القنوت.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٧٧، و«البحر الرائق» ٢/ ٩٦ - ٩٧.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٢٦ - ٥٢٧.



وكذا قَالَ - ﷺ - للذين صلوا خلفه قيامًا وهو جالس: «إنما جعل الإِمام ليؤتم به ..» إلى آخره (١)، فينبغي أن يكون ما خالف الإمام من أمر الصلاة وغيرها بما لا ينبغي.
وفيه: أن السواك من السنن ولا شك فيه، وهو من الفطرة، واستحبابه عند القيام من النوم، وقد سبق في موضعه، والاختلاف في الشوص، قَالَ الحربي: يستاك عرضا وهو قول أكثر أهل اللغة.

-----------
(١) سلف برقم (٣٧٨).


١٠ - باب (صَلَاةِ اللَّيْلِ) (١) - ﷺ -
وَكَمْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ؟

١١٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». [انظر: ٤٧٢ - مسلم: ٧٤٩ - فتح: ٣/ ٢٠]

١١٣٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ - ﷺ - ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. يَعْنِي بِاللَّيْلِ. [مسلم: ٧٦٤ - فتح: ٣/ ٢٠]

١١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. [فتح: ٣/ ٢٠]

١١٤٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. [١١٤٧ - مسلم: ٧٣٨ - فتح: ٣/ ٢٠]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث بن عمر أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيلِ؟
قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْبرْ بِوَاحِدَةٍ».

-----------------
(١) ورد في هاش الأصل ما يدل على أن في نسخة: كيف كان صلاة النبي.


ثانيها:
حديث ابن عباس قال: كانت (١) صَلَاةُ النَّبِيِّ - ﷺ - ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
يَعْنِي: بِاللَّيْلِ.
ثالثها:
روي عن مسروق، عن عائشة: أن صلاته - عليه السلام - بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتسْعٌ وَإِحْدى عَشْرَةَ، سِوى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
طريق آخر: عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنها: كَانَ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الفَجْرِ.
الشرح:
حديث ابن عمر تقدم في باب: الوتر (٢)، وعليه أكثر أهل العلم، وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وكذا الترمذي وصححه (٤).
زاد أبو داود: منها ركعتا الفجر (٥).
وراويه عن ابن عباس أبو جمرة -بالجيم والراء- نصر بن عمران الضبعي.
وحديث عائشة الأول من أفراده.
والثاني أخرجه مسلم أيضًا (٦)، ورواه ابن نمير بلفظ: كانت صلاته عشر ركعات ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة (٧).

----------------
(١) ورد في هامش س ما نصه: في نسخة الدمياطي بخطه: (كان).
(٢) برقم (٧٤٩) باب: صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل.
(٣) برقم (٤٦١) باب: ما جاء في الوتر بركعة.
(٤) الترمذي (٤٤٢).
(٥) «سنن أبي داود» (١٣٦٥) باب: في صلاة الليل.
(٦) برقم (٧٣٨) باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل ..
(٧) مسلم برقم (٧٣٨/ ١٢٨).



وشيخ البخاري في الطريق الأول من حديث عائشة: إسحاق عن عبيد الله.
قَالَ الجياني: لم أجده منسوبًا لأحد من رواة الكتاب، وذكر أبو نصر أن إسحاق الحنظلي يروي عن عبيد الله بن موسى في «الجامع» (١)، ويؤيد ذلك أن أبا نعيم أخرجه كذلك، ثم قَالَ في آخره: رواه -يعني: البخاري- عن إسحاق عن عبيد الله، وكذا ذكره الدمياطي أنه ابن راهويه، لكن الإسماعيلي رواه في كتابه عن إسحاق بن سيار النصيبي، عن عبيد الله، وإسحاق هذا صدوق ثقة كما قاله ابن أبي حاتم (٢)، لكن ليس له رواية في الكتب الستة، ولا ذكره البخاري في «تاريخه الكبير»، فتعين أنه الأول.
وفيه أبو حصين بفتح أوله وهو عثمان بن عاصم بن حصين، كوفي، أسدي، مات سنة ثماني وعشرين ومائة (٣).
وشيخ البخاري في الثاني: عبيد الله بن موسى وهو العبسي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، حدث عنه وعن رجل عنه (٤).
إذا تقرر ذلك، فثلاث عشرة مبنية على الفتح، وأجاز الفراء سكون الشين من عشر.
وقول ابن عباس: (ثلاث عشرة) بينه في مبيته عند خالته ميمونة ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر، ثم

--------------
(١) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٨٢.
(٢) «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٣٧.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٢١. و«التاريخ الكبير» ٦/ ٢٤٠ - ٢٤١ (٢٢٧٧). و«الجرح والتعديل» ٦/ ١٦٠ - ١٦١ (٨٨٣).
(٤) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» / ٤٠٠. و«التاريخ الكبير» ٥/ ٤٠١ (١٢٩٣).
و«الجرح والتعديل» ٥/ ٣٣٤ (١٥٨٢). و«تهذيب الكمال» ١٩/ ١٦٤ (٣٦٨٩).



اضطجع حَتَّى جاءه المؤذن، ثم خرج فصلى (١) الصبح، وفي أخرى ذكرها ست مرات ثم أوتر، ثم اضطجع، ثم ركع الفجر (٢).
وقول عائشة: (سَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدى عَشْرَةَ، سِوى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) تريد ليلةً: سبعًا، وأخرى تسعًا، وأخرى إحدى عشرة، وهو أكثر ما كان يصلي كما أخبرت به عائشة: ما زاد رسول الله - ﷺ - في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا أخرجاه (٣).
وروي عنها: ثلاث عشرة فيحتمل أنها نسيت رواية: إحدى عشرة، أو أسقطت: ركعتي الفجر، أو وصفته بأكثر فعله وأغلبه. وفي «الموطأ» من حديث هشام، عن أبيه، عنها أنه كان يصلي ثلاث عشرة، ثم يصلي إذا سمع نداء الصبح ركعتين (٤)، وسندها لا شك في صحته. وقد أخرجها البخاري في باب: ما يُقرأ في ركعتي الفجر، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به، وقال: ركعتين خفيفتين (٥).
فلعل الثلاث عشرة بإثبات سنة العشاء التي بعدها، أو أنه عدا الركعتين الخفيفتين عند الافتتاح، أو الركعتين بعد الوتر جالسًا؛ لكن روي في باب: قيام النبي - ﷺ - في رمضان وغيره، عن عبد الله بن

-----------------
(١) سلف برقم (٩٩٢) كتاب: الوتر، باب: ما جاء في الوترِ، ويأتي برقم (٤٥٧٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
(٢) التخريج السالف.
(٣) يأتي برقم (١١٤٧) باب: قيام النبي - ﷺ - بالليل في رمضان وغيره، ورواه ومسلم برقم (٧٣٨) باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل.
(٤) «الموطأ» ص ٩٥.
(٥) يأتي برقم (١١٧٠) باب: ما يقرأ في ركعتي الفجر.



يوسف، عن مالك، عن سعيد، عن أبي سلمة أنه سأل عائشة فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (١).
ثم اعلم أنه اختلف عن ابن عباس أيضًا، فروي عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن غريب، عنه أنه صلى أيضًا إحدى عشرة بالوتر (٢).
وروى شريك بن أبي نمر، عن كريب، عنه أنه صلى أيضًا إحدى عشرة ركعة (٣). وعن سعيد بن جبير، عنه مثله (٤).
وروى المنهال بن عمرو، وعن علي بن عبد الله بن عباس، عنه في مبيته إحدى عشرة ركعة بالوتر. أخرجه الطحاوي (٥).
وروي عن عائشة ما تقدم، وعنها: إحدى عشرة سوى ركعتي الفجر، وروي عن زيد بن خالد الجهني- حين رمق صلاته - ﷺ - بالليل: ثلاث عشرة بالوتر (٦).
وقد أكثر الناس القول في هذِه الأحاديث، فقال بعضهم: إن هذا الاختلاف جاء من قبل عائشة وابن عباس؛ لأنَّ رواةَ هذِه الأحاديث ثقاتٌ حفاظ، وكل ذلك قد عمل به الشارع ليدل على التوسعة في ذلك، وأن صلاة الليل لا حد فيها لا يجوز تجاوزه إلى غيره، وكلٌّ سنة.

----------------
(١) يأتي برقم (١١٤٧) باب: ما جاء في الوتر.
(٢) هذِه الرواية في مسلم برقم (٧٦٣/ ١٨٢) باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(٣) تأتي هذِه الرواية برقم (٤٥٦٩) كتاب: التفسير.
(٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٨٧.
(٦) هذِه الرواية عند مسلم (٧٦٥).



وقال آخرون: بل جاء الاختلاف فيها من قبل الرواة، وإن الصحيح منها إحدى عشرة بالوتر. وقد كشفت عائشة هذا المعنى، ورفعت الإشكال فيه بقولها: ما زاد على إحدى عشرة. وهي أعلم الناس بأفعاله؛ لشدة مراعاتها له، وهي أضبط من ابن عباسٍ؛ لأنه إنما رقب صلاته مرة حين بعثه العباس (١)؛ ليحفظ صلاته بالليل، وعائشة رقبت ذلك دهرها كلّه؛ فما روي عنها بما خالف إحدى عشرة، فهو وَهَمٌ، ويحتمل الغلط في ذلك أن يقع من أجل أنهم عدوا ركعتي الفجر مع الإحدى عشرة فتمت بذلك ثلاثة عشرة، وقد جاء هذا المعنى بينًا في طريق عبد الرزاق، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، عنه في مبيته عند ميمونة (٢)، وروى ابن وهب من طريق عروة، عن عائشة كذلك (٣).
فكل ما خالف هذا عنها فهو وَهَمٌ، قالوا: ويدلُّ على صحة ذلك قول ابن مسعودٍ للرجل الذي قَالَ: قرأت المفصل في ركعة: هذا كهذِّ الشعر لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينها. فذكر عشرين سورةً من المفصل سورتين في كلِّ ركعةٍ (٤). فدلَّ هذا على أنَّ حزبه بالليل عشر ركعات، ثم يوتر بواحدة قاله المهلب وأخوه عبد الله (٥).

----------------
(١) مسلم برقم (٧٦٣/ ١٩٣).
(٢) جاء هذا الطريق عند عبد الرزاق ٢/ ٤٠٣ (٣٨٦٢) باب: رفع الإمام صوته بالقراءة، وفي ٣/ ٣٦ - ٣٧ (٤٧٠٧) باب: صلاة النبي - ﷺ - من الليل ووتره.
(٣) هذِه الرواية في مسلم (٧٣٦/ ١٢٢) باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - ..
(٤) سلفت هذِه الرواية برقم (٧٧٥) باب: الجمع بين السورتين في الركعة.
(٥) كما في «شرح ابن بطال» ٣/ ١٣٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #242  
قديم 03-02-2026, 06:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 71 الى صـــ 90
الحلقة (242)






وقال آخرون: الذي يأتلف الأحاديث، وينفي التعارض عنها -والله أعلم- أنه قد روى أبو هريرة وعائشة، عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا قام من الليل يصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين (١). فمن عدهما جعلها ثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر، ومن أسقطهما جعلها إحدى عشرة؛ وأما قول عائشة: إن صلاته بالليل سبع وتسع، فقد روى الأسود أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل تسع ركعات فلما أسن صلَّى سبع ركعات (٢).
وروي عنها: أنه كان يصلي بعد السبع ركعتين وهو جالس، وبعد التسع كذلك (٣).
قَالَ المهلب: وإنما كان يوتر بتسع -والله أعلم- حين يفاجئه الفجر، وأما إذا اتسع له فما كان ينقص عن عشر؛ للمطابقة التي بينها وبين الفرائض التي امتثلها - ﷺ - في نوافله وامتثلها في الصلوات المسنونة (٤).

----------------
(١) رواية أبي هريرة في «مسلم» برقم (٧٦٨) باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
ورواية عائشة عنده أيضًا برقم (٧٦٧).
(٢) هذِه الرواية من طريق يحيى الجزار عن عائشة، أخرجها النسائي ٣/ ٢٣٧، وفي «الكبرى» ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦ (١٣٤٨، ١٣٥١ - ١٣٥٠، ١٣٥٣). وعبد الرزاق في «مصنفه» ٣/ ٤١ (٤٧١٥) باب: صلاة النبي من الليل ووتره.
وأما رواية الأسود عن عائشة، فهذا لفظها: كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل تسع ركعات. دون الزيادة المذكورة في حديث يحيى عنها.
وقد أخرج رواية الأسود النسائي في «الكبرى» ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦ (١٣٤٩ - ١٣٥٠، ١٣٥٣).
(٣) هذِه الرواية في «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٣٩ (٤٧١٣) باب: صلاة النبي - ﷺ - من الليل ووتره.
(٤) كما في «شرح ابن بطال» ٣/ ١٣١.



قَالَ أبو عمر: وقد روي في هذا الخبر أنه - ﷺ - يسلم من كل اثنين من صلاته تلك، وروي غير ذلك (١).
وقوله: (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) يقضي على كل ما اختلف فيه من ذلك.
ثم ذكر حديث كريب، عنه؛ في مبيته. وفيه الاضطجاع بعد الوتر وقبل ركعتي الفجر، وعدها خمس عشرة.
ثم ذكر حديث مالك، عن مخرمة بن بكير، عن كريب، وفيه: خمس عشرة.
قَالَ: ولم يختلف عن مالك في إسناده، ومتنه، وأكثر ما روي عنه في ركوعه في صلاة الليل ما روي عنه في هذا الخبر عن ابن عباس، وليس في عدد الركعات من صلاة الليل حد محدود عند أحد من أهل العلم، وإنما: «الصلاة خير موضوع» (٢).
وقال الطرقي: اختلف الرواة على أبي سلمة في حديث: ما زاد بلفظ المقبري ما سلف، وروى جماعة عنها: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة منها ركعتا الفجر. منهم من فصَّل، ومنهم من أجمل. وزاد عروة: فإذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن حَتَّى يأتيه المؤذن.
قَالَ: وقال مسروق: سألت عائشة عن صلاة الليل، فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر. وفي رواية الأسود: ثلاث عشرة. ثم إنه صلى إحدى عشرة وترك ركعتين، ثم إنه قبض حين قبض وهو يصلي سبع ركعات. قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست

----------------
(١) «التمهيد» ٨/ ١٢١.
(٢) «التمهيد» ١٣/ ٢١٤. والحديث تقدم تخريجه.



وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة، ولم يكن يدع ركعتين قبل الفجر.
وفي الصحيحين والأربعة من حديث هشام، عن أبيه، عنها: كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يصلي ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح.
ولمسلم عن عبد الله بن شقيق: سألت عائشة عن صلاة رسول الله - ﷺ - عن تطوعه. وفيه: ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وفيه: وكان إذا طلع الفجر يصلي ركعتين (١).
وللنسائي من حديث يحيى بن الجزار عنها قالت: كان يصلي من الليل تسعًا، فلما أسن وثقل صلى سبعًا (٢).
وقد روى يحيى بن الجزار عن ابن عباس قَالَ: كان - ﷺ - يصلي من الليل ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الفجر (٣).
وقد روي أيضًا عن أم سلمة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر وضعف أوتر بتسع (٤).

------------
(١) «صحيح مسلم» (٧٣٠) باب: جواز النافلة وقاعدًا ..
(٢) «المجتبى» ٣/ ٢٣٨.
(٣) «المجتبى» ٣/ ٢٣٧.
(٤) هذِه الرواية في «الترمذي» (٤٥٧) باب: ما جاء في الوتر بسبع. والنسائي ٣/ ٢٣٧
كتاب: قيام الليل وتطوع النهار. قال أبو عيسى: حديث أم سلمة حديث حسن.
وهذِه الرواية صحح الألباني إسنادها في «صحيح الترمذي».



ولأبي داود من حديث سعد بن هشام بن عامر عن عائشة (قالت) (١): قلتُ: حدثيني عن وتر رسول الله - ﷺ -. قالت: كان يوتر بثماني ركعات لا يجلس إلا في التاسعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس فتلك إحدى عشرة، فلما أسن وأخذ اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلى ركعتين وهو جالس، فتلك تسع ركعات. وفيه: وكان إذا غلبت عيناه من الليل بنوم صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. ولمسلم نحوه (٢).
وأخرج الترمذي -مصححًا- قولها: منعه من ذلك مرض أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، قَالَ: فأتيت ابن عباس فحدثته، فقال: والله هذا هو الحديث (٣). وفي رواية: يصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس فيذكر الله ثم يدعو ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، ثم يصلي ركعة، فتلك إحدى عشرة، فلما أسن رسول الله - ﷺ - وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم (٤).
وعنده من حديث زرارة بن أوفى عنها: فيصلي ثمان ركعات ولا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة فإنه كان يجلس ثم يقوم ولا يسلم فيصلي ركعة يوتر بها ثم يسلم، يرفع بها صوته (٥).

--------------
(١) كذا بالأصل، ولعلها (قال).
(٢) «صحيح مسلم» (٧٤٦) باب: جامع صلاة الليل ومَنْ نام عنه أو مرض. و«سنن أبي داود» (١٣٤٢، ١٣٥٢) باب: في صلاة الليل.
(٣) «سنن الترمذي» (٤٤٥) باب: إذا نام عن صلاته بالليل صلَّى بالنهار.
(٤) رواه أبو داود (١٣٤٣) باب: في صلاة الليل. وهذِه الرواية صححها الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ٨٩ (١٢١٤).
(٥) «سنن أبي داود» (١٣٤٧ - ١٣٤٨) باب: في صلاة الليل.



وفي رواية: ولا يقعد في شيء منها حَتَّى يقعد في الثامنة ولا يسلم، ويقرأ في التاسعة ثم يقعد فيدعو بما شاء الله أن يدعو، ويسأله ويرغب إليه، وسلم تسليمة واحدة، ثم يقرأ وهو قاعد بأم القرآن، ويركع وهو قاعد، ثم يقرأ الثانية ويركع ويسجد وهو قاعد، وبدعو بما شاء. أي: يدعو ثم يسلم وينصرف. فلم تزل تلك صلاته حَتَّى بَدَّن (١) فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الست والسبع، وركعة وهو قاعد حَتَّى قبض على ذلك (٢).
قَالَ المنذري: ورواية زرارة عن سعد عنها هي المحفوظة، وعندي في سماع زرارة منها نظرٌ، فإن أبا حاتم الرازي قَالَ: قد سمع زرارة من عمران وأبي هريرة وابن عباس، ثم قَالَ: وهذا ما صح له، وظاهره عدم سماعه منها (٣).
وفي أبي داود أيضًا من حديث علقمة بن وقاص عنها أنه - ﷺ - كان يوتر بتسع ركعات، ثم أوتر بسبع ركعات، ويركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم سجد (٤).
ولما أورد الترمذي في وصف صلاته - ﷺ - بالليل حديث ابن عباس وحديث عائشة: كان يصلي من الليل تسع ركعات. قَالَ: وفي الباب عن أبي هريرة وزيد (م. عو) بن خالد الجهني والفضل بن عباس. ثم

-----------------
(١) ورد بهامش الأصل: هذا صوابه، وروي بدن بضم الدال وأنكره غير واحد مخففًا ما لم تكن هذِه صفته وذلك لأن معناها على فطنة .. لحمه وأما معاه مشددة فأسن مفعل من السنن.
(٢) «سنن أبي داود» (١٣٤٦) باب: في صلاة الليل.
(٣) انتهى كلام المنذري «مختصر السنن» ٢/ ١٠١. وانظر: «الجرح والتعديل» ٣/ ٦٠٣ (٢٧٢٧)، و«مراسيل ابن أبي حاتم» ص ٦٣.
(٤) «سنن أبي داود» (١٣٥١) باب: في صلاة الليل.



قَالَ: وأكثر ما روي عنه في صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقل ما وصف من صلاته من الليل تسع ركعات (١).
قلتُ: أما حديث أبي هريرة فلا عدد فيه يحصره، وأما حديث زيد فهو ثلاث عشرة بالوتر، وأما حديث الفضل: فصلى عشرًا وأوتر بواحدة ثم ركع ركعتي الفجر.
وذكر القاضي عياض عن العلماء أن كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة أخبر بما شاهد.
وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل: منها، وقيل: من الرواة عنها، فيحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة منهن الوتر الأغلبُ، وباقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرًا في بعض الأوقات، وأكثره: خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقله: سبع.
وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة أو النوم أو لعذر مرض أو غيره أو في بعض الأوقات عند كبر السنن، كما قالت: لما أسن صلى سبع ركعات، أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل، كما رواها زيد، وروتها عائشة، وبعد ركعتي الفجر تارة، وتحذفها تارة أو تعد أحدهما، وقد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة، وحذفتها تارة.
ونقل أبو عمر عن أهل العلم أنهم يقولون: إن الاضطراب عنها في أحاديثها في الحج، والرضاع، وصلاته - ﷺ - بالليل، وقصر صلاة المسافر لم يأت إلا منها؛ لأن الذين يروون عنها حفاظ أثبات (٢).

------------
(١) «سنن الترمذي» ٢/ ٣٠٥.
(٢) «التمهيد» ٨/ ٢٢٦ - ٢٢٨.



وقال القرطبي: قد أشكلت هذِه الأحاديث على كثير من العلماء حَتَّى إن بعضهم نسبوا حديث عائشة في صلاة الليل إلى الاضطراب، وهذا إنما يصح إذا كان الراوي عنها واحدًا أو أخبرت عن وقت، والصحيح أن كل ما ذكرته صحيح من فعل رسول الله - ﷺ - في أوقات متعددة وأحوال مختلفة حسب النشاط ولتبيين أن كل ذلك جائز (١).
ثم هذِه الأحاديث دالة على سنية قيام الليل لأنه - ﷺ - فعله وواظب عليه، وأن الوتر من صلاة الليل، وقد كنا ألممنا ببعض في (…) (٢) في كتاب العلم في باب: السمر في العلم في حديث ابن عباس في مبيته في بيت ميمونة.
ونختم ذلك بكلام المحاملي في «لبابه» حيث قَالَ: صلاة الوتر على ستة أنواع: ركعة واحدة، ثلاث ركعات مفصولة، خمس لا يقعد إلا في آخرهن ويسلم، سبع يقعد في السادسة ولا يسلم ثم يقوم إلى السابعة ويتمها، تسع ركعات يتشهد في الثامنة ولا يسلم ثم يقول، إلى التاسعة فيتمها، إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ثم فرده (٣).

--------------
(١) «المفهم» ٢/ ٣٦٧.
(٢) غير واضحة بالأصل، ولعلها تقارب (كناشته).
(٣) «اللباب» ص ١٣٦ - ١٣٧.



١١ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ، وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ إلى قوله: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٧] وَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَشَأَ: قَامَ بِالحَبَشِيَّةِ، وِطَاءً: مُوَاطَأَةَ القُرْآنِ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾: لِيُوَافِقُوا [فتح: ٣/ ٢١]

١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا - رضي الله عنه - يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ. تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ. [١٩٧٢، ١٩٧٣، ٣٥٦١ - فتح: ٣/ ٢٢]
ثم ذكر فيه عن حميد عن أنس: كَانَ النبي - ﷺ - يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ.
الشرح:
ما ذكره البخاري عن ابن عباس في تفسير ﴿نَاشِئَةَ﴾ ذكره عبد بن حميد في «تفسيره» من حديث سعيد بن جبير عنه به سواء (١)، وذكر

------------
(١) عزاه إليه السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٤٤٣ - ٤٤٤.


ابن فارس نحوه قَالَ: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦] يريد: القيام والانتصاب للصلاة (١).
فمعنى: نشأ بالحبشية: قام. ولعلها وافقت اللغة العربية في هذا الحبشية.
وقال ابن عباس أيضًا: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: أوله، ونحو ما بين المغرب والعشاء. وقال الحسن والحكم: هي من العشاء الآخرة إلى الصبح. وعن ابن عباس وابن الزبير: الليل كله ناشئة (٢). وقول أكثر الناس فيما حكاه ابن التين عنهم وصححه، والمعنى: إن الساعات الناشئة من الليل -إن المبتدئة القبلية- بعضها في إثر بعض.
وقال الأزهري: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦] قيامه، مصدر جاء على فاعلة كعاقبة. وقيل: ساعاته. وقيل: كل ما حدث بالليل وبدأ فهو ناشئة.
وقال نفطويه: كل ساعة قامها قائم من الليل فهي ناشئة.
وقوله: (وَطِاءً مواطأة). قَالَ الأخفش: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي: قيامًا.
وأصل الوطء في اللغة: الثقل. ومنه الحديث: «اللهم اشدد وطأتك على مضر» (٣) وقيل: أشد وطاء أشد ثباتًا من النهار، نحو ما في البخاري، من قولك: وطئت الشيء: ثبتُّ عليه. وذكر الإسماعيلي في قوله: ﴿وَطْئًا﴾ أنه على التفسير المذكور: القراءة وطاء، ممدود، والمعنى في وطأ مهموز. أي أثبت للقيام، وكأنه يريد أن القيام بعد قومه أعون على القيام ويقيم القراءة.

---------------
(١) «مجمل اللغة» ٢/ ٨٦٨.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٢٨٢ (٣٥٢٠٥).
(٣) يأتي برقم (٦٢٠٠) كتاب: الأدب، باب: تسمية الولد.



وحديث أنس يأتي إن شاء الله في الصوم في باب ما يذكر من صومه وإفطاره بالسند واللفظ (١).
وراويه عن حميد هو: محمد بن جعفر بن أبي كثير.
وسليمان هو: ابن بلال كما صرح به خلف، وأبو خالد هو: سليمان بن حيان، وذكره المزي بلفظ: وقال سليمان، بدل: تابعه. نعم ذكره بلفظ: وقال في الصوم كما سيأتي، وذكر أن في البخاري حديث أبي خالد في الصلاة والصوم عن محمد -وهو ابن سلام- عن أبي خالد، وذاك في الصوم فقط لا هنا فاعلمه.
وذكر الإسماعيلي أن القاضي أبا يوسف حدث عن محمد بن أبي بكر، ثنا يحيى بن سعيد وحميد: سئل أنس عن صوم رسول الله - ﷺ -، ثم قَالَ: وافقه المعتمر.
إذا تقرر ذلك: فالحديث دال على أن أعمال التطوع ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة والنشاط فيها، فكان - ﷺ - ليس له في شهر من المشهور صيام معروف ولا فطر معروف، وكذا صلاته كانت تختلف، تارة يصلي وتارة ينام، وذلك -والله أعلم- بحسب التيسير.
وأما الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢ - ٣] ففيها أقوال: منها أن قوله ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ليس معناه الفرض بدليل أن بعده ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ﴾ [المزمل: ٣ - ٤] وليس كذا يكون الفرض، وإنما هو ندب وحض. وقيل: هو حتم. ثالثها: أنه حتم وفرض عليه وحده. روي ذلك عن ابن عباس،

-------------
(١) برقم (١٩٧٢).


وحجة هذا القول الحديث السالف خشية الافتراض علينا (١)؛ فدل على أنه لم يكن فرضًا علينا، ويجوز أن فُرض ثم نُسخ بقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] وعلى هذا جماعة من العلماء.
روى النسائي (٢) من حديث عائشة: افتُرِضَ القيام في أول هذِه السورة على رسول الله - ﷺ - وعلى أصحابه حولًا حَتَّى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا، ثم نزل التخفيف في آخرها، فصار قيام الليل تطوعًا بعد أن كان فريضة (٣)، وهو قول ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة، فيما حكاه عنهم النحاس (٤).
وقال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو قدر (حلب) (٥) شاة (٦)، وهذا أسلفناه فيما مضى (٧). قَالَ إسماعيل بن إسحاق: أحسبهما قالا ذلك لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] قَالَ الشافعي (٨): سمعت بعض العلماء يقول: إن الله تعالى أنزل فرضًا في الصلاة قبل فرض الصلوات الخمس فقال: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ الآية ثم نسخ هذا بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ثم احتمل قوله ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أن يكون فرضًا ثابتًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾

----------------
(١) سلف برقم (١١٢٩) باب: تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل ..
(٢) ورد بهامش الأصل: وحديث عائشة في مسلم أيضًا.
(٣) «المجتبى» ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٤) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ١/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٥) كُتبت في الهامش وكتب فوقه (سقط).
(٦) «المصنف» لابن أبي شيبة ٢/ ٧٣ (٦٦٠٧، ٦٦٠٨) مَن كان يأمر بقيام الليل.
(٧) ورد بهامش الأصل: لكن لم يذكر قائله إلا هنا.
(٨) «الأم» ١/ ٥٩.



[الإسراء: ٧٩] فوجب طلب الدليل من السنة على أحد المعنيين، فوجدنا سنة رسول الله - ﷺ - أن لا واجب من الصلوات إلا الخمس.
قَالَ أبو عمر: قول بعض التابعين: قيام الليل فرضًا (١)، ولو كقدر حلب شاة، قولٌ شاذ متروك؛ لإجماع العلماء أن قيام الليل نسخ بقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية (٢).
وقد أسلفنا أن الأصح عندنا نسخه في حقه - ﷺ -.
ومعنى الآية السالفة: التقدير -والله أعلم- أنه منصوب بإضمار فعل كأنه قَالَ تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢] فعلم تعالى أن هذا الليل يختلف الناس في تقديره على قدر أفهامهم وطاقتهم على القيام، فقال: أو انقص من نصف الليل بعد إسقاط ذلك القليل قليلًا أو زد عليه، وكان هذا تخييرًا من الله تعالى إرادة الرفق بخلقه والتوسعة عليهم، ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾: اقرأه على ترتيل، قاله مجاهد.
﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ حرامه وحلاله، قاله مجاهد، وقال الحسن: العمل به (٣).
﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ بعد النوم. أي: ابتداء عمله شيئًا بعد شيء، وهو من نشأ إذا ابتدأ، وقد سلف، وفيه ما فيه من الخلاف. ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أمكن موقعًا، وقد سلف ما فيه. قَالَ قتادة: أثبت في الخير وأشد في الحفظ للتفرغ بالليل (٤). ومن قرأ: وطْأً. فالمعنى: أشد مهادًا للتصرف في التفكر والتدبر، قاله مجاهد (٥)، يواطئ السمع والبصر والقلب.

--------------
(١) فوقها في الأصل: كذا.
(٢) «التمهيد» ٨/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٣) رواه عنه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٢٨١ (٣٥١٩٠).
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٢٨٣ (٣٥٢١٤، ٣٥٢١٥).
(٥) «تفسير الطبري» ١٢/ ٢٨٤ (٣٥٢١٩ - ٣٥٢٢٣).



﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أي: أثبت للقراءة، قاله مجاهد. قَالَ بعضهم: ولهذا المعنى فرض الله صلاة الليل بالساعات، جزءًا من الليل لا جزءًا من القرآن، إرادة التنبيه على تفهمه وتدبره، والعمل بالقلب وأنه ليس بهَذِّ الحروف وجريه على اللسان، وأن الثواب بمقدار تمام الساعات التي يقرأ فيها.
﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ " فراغًا وحقيقته لغة: التصرف والحركة.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي: لن تطيقوه. وصحح ابن التين أنه منسوخ بقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠].


١٢ - باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ
١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ».

١١٤٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الرُّؤْيَا قَالَ: «أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ». [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٣/ ٢٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَة، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كسْلَانَ».
وحديث سمرة بن جندب، عن النبي - ﷺ - في الرؤيا: «أمَّا الذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ (١) وَيَنَامُ عَنِ الصلاةِ المَكْتُوبَةِ».
الشرح:
حديث أبي هريرة يأتي إن شاء الله في صفة إبليس (٢)، وأخرجه مسلم

---------------
(١) ضبطها الناسخ بفتح وكسر الفاء الثانية، وكتب فوقها معًا.
(٢) برقم (٣٢٢٩) كتاب: بدء الخلق.



(د. س) أيضًا (١)، والأعرج هو: عبد الرحمن بن هرمز.
وحديث سمرة مختصر من حديث طويل يأتي بطوله آواخر الجنائز (٢)، وأخرجه النسائي (٣)، وأخرج مسلم منه وأبو داود والترمذي قطعة (٤)، وكرر البخاري هذِه القطعة في التفسير في سورة التوبة في قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (٥) [التوبة: ١٠٢] وفي أحاديث الأنبياء (٦) والتعبير (٧)، وأخرجه مختصرًا ومطولًا في الجنائز (٨)، وبدء الخلق (٩)، والبيوع (١٠)، والجهاد (١١)، والأدب (١٢).
و(أبو رجاء) هو: عمران العطاردي.
وإسماعيل هو: ابن علية.
و(مؤمل) (في د س) شيخ البخاري هو: ابن هشام أبو هاشم ختن إسماعيل بن علية، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين (١٣).

---------------
(١) برقم (٦٧٦) باب: ما روي فيمن نام الليل.
(٢) برقم (١٣٨٦) باب: ما قيل في أولاد المشركين.
(٣) «السنن الكبرى» ٦/ ٣٥٨ (١١٢٢٦) كتاب: التفسير.
(٤) برقم (٢٢٧٥) كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي - ﷺ -.
(٥) برقم (٤٦٧٤).
(٦) برقم (٣٣٥٤) باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
(٧) برقم (٧٠٤٩) باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
(٨) برقم (١٣٨٦).
(٩) برقم (٣٢٣٦) باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(١٠) برقم (٢٠٨٥) باب: آكل الربا وشاهده وكاتبه.
(١١) برقم (٢٧٩١) باب: درجات المجاهدين في سبيل الله.
(١٢) برقم (٦٠٩٦) باب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
(١٣) مؤمل هذا: قال أبو حاتم: صدوق، ووثقه أبو داود والنسائي وابن حبان.
وانظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٧٥ (١٧١٤). و«الثقات» ٩/ ١٨٨.
و«تهذيب الكمال» ٢٩/ ١٨٦ (٦٣٢٣).



إذا تقرر؛ ذلك فالكلام على الحديث الأول من وجوه:
أحدها:
التبويب ليس مطابقًا لما أورده من الحديث، فإن ظاهره أنه يعقد على رأس من يصلي ومن لم يصل، وهذا الاعتراض للمازري، ويتأول كلام البخاري على إرادة استدامة العقد إنما يكون على من ترك الصلاة، وجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعقد عليه لزوال أثره (١).
فإن قلت: فالصديق وأبو هريرة كانا يوتران أول الليل وينامان آخره.
قيل: أراد الذي ينام ولا نية له في القيام، وأما من صلى من النافلة ما قدر له ونام بنية القيام فلا يدخل في ذلك؛ بدليل قوله - ﷺ -: «ما من امرئٍ يكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه صلاة» (٢) ذكره ابن التين.
الثاني:
القافية: مؤخر الرأس، وقافية كل شيء آخره. ومنه: قافية الشِّعْر.
وقال ابن الأثير: القافية: القفا، وقيل: مؤخر الرأس، وقيل:
وسطه (٣). وقال ابن حبيب: وسطه وأعلاه وأعلى الجسد.

-----------
(١) «المعلم بفوائد مسلم» للمازري ١/ ٢٢٢.
(٢) رواه أبو داود (١٣١٤) كتاب: الصلاة، باب: مَنْ نوى القيام فنام، والنسائي ٣/ ٢٥٧، من كان له صلاة بالليل فغلبه عليه النوم، وفي ٣/ ٢٥٨، وأحمد في «مسنده» ٦/ ٦٣، ٦/ ٧٢، ومالك في «الموطأ» ص ٩٣ كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الليل من حديث عائشة. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ٥٩ (١١٨٧).
(٣) «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ٩٤.



الثالث:
يحتمل أن يكون هذا العقد حقيقًا بمعنى السحر للإنسان ومنعه من القيام؛ فيعمل فيمن خذل ويصرف عمن وفق، قَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ (٤)﴾ فشبه تعالى فعل الشيطان بفعل الساحر الذي يأخذ خيطًا ويعقد عليه عقدة ويتكلم عليه فيتأثر المسحور عند ذلك. وقيل: من عقد القلب وتصميمه. فكأنه يوسوس في نفسه ويحدثه بأن عليك ليلًا طويلًا فيتأخر عن القيام.
الرابع:
فسر بعضهم العقد الثلاث؛ وقال: هي الأكل والشرب والنوم، ألا ترى أنه من أكثر الأكل والشرب كثر نومه لذلك، واستبعد لقوله: «إذا هو نام» فجعل العقد حينئذٍ، والظاهر أنه مَثَلٌ واستعارة من عقد بني آدم وليس بذلك العقد نفسها، ولكن لما كان بنو آدم يمنعون بعقدهم ذلك بصرف من يحاول فيما عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم الذي لا يقوم من نومه إلى ما يجب من ذكر الله والصلاة.
الخامس:
إنما خص العقد بالثلاث؛ لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في السحر، فإن اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات لم تنتقض النومة الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع، نبه عليه القرطبي (١).
السادس:
قوله: («يَضْرِبُ مكان كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ») يريد: يضرب بالرقاد. ومنه ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١١]

-------------
(١) «المفهم» ٢/ ٤٠٩.


معناه: أن ذلك مقصود الشيطان بذلك العقد، ويعني بقوله: «عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ» تسويفه بالقيام والإلباس عليه في بقية الليل من الطول ما له فيه فسحة.
وقوله: («لَيْلٌ طَوِيلٌ») رفع على الابتداء أو على الفاعل بإضمار فعل أي: بقي عليك.
وقال القرطبي في رواية مسلم: وروايتنا الصحيحة: «ليل طويل» على الابتداء والخبر، ووقع في بعض الروايات: عليك ليلًا طويلًا، على الإغراء. والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور من حيث أنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله: «فَارْقُدْ»، وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذٍ يكون قوله: فارقد ضائعًا (١).
السابع:
قوله: («فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ») فيه -كما قَالَ أبو عمر-: أن الذكر يطرد الشيطان وكذا الوضوء والصلاة، قَالَ: ويحتمل أن يكون الذكر: الوضوء والصلاة لما فيهما من معنى الذكر يختص بهما الفضل في طرد الشيطان (٢).
قلتُ: بعيد؛ فقد غاير بينه وبينها، ويحتمل أن تكون كذلك سائر أعمال البر.
الثامن:
قوله: («فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَة») فيه ما قلناه.

------------
(١) «المفهم» ٢/ ٤٠٩.
(٢) «التمهيد» ١٩/ ٤٥ - ٤٦.



وقوله: («فَإِنْ صَلى انْحَلَّتْ عُقْدَه») هو بالجمع، وفي بدء الخلق زيادة: «كلها» (١) وروي في غيره بالإفراد.
قَالَ صاحب «المطالع» اختلف في الأخير منها فقط، فوقع في «الموطأ» لابن وضاح بالجمع، وكذا ضبطناه في البخاري، وكلاهما صحيح، والجمع أوجه وقد جاء في مسلم في الأولى: «عُقْدَةٌ» وفي الثانية: «عقدتان» وفي الثالثة: «انحلت العقد» (٢).
التاسع:
المراد بالصلاة هنا: الفريضة، قاله ابن التين، قَالَ: وقيل: النافلة، واحتج له بالحديث الذي بعد هذا: «بال الشيطان في أذنه» (٣).
ومعنى: («أصبح نشيطًا طيب النفس») للسرور بما وفقه الله له من الطاعة ووعده به من ثوابه، مع ما يبارك في نفسه، وتصرفه في كل أموره مع ما زال عنه من عقد الشيطان وتثبيطه.
وقوله: («وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ») وذلك لما عليه من عقد الشيطان، وآثار تثبيطه واستيلائه ولم يزل عنه.
قال أبو عمر: وزعم قوم أن في هذا الحديث ما يعارض الحديث الآخر: «لا يقولن أحدكم خبثت نفسي» (٤) لقوله: «خَبِيثَ النَّفسِ»

------------
(١) تأتي برقم (٣٢٦٩) باب: صفة إبليس وجنوده.
(٢) مسلم (٧٧٦).
(٣) حديث (١١٤٤).
(٤) يأتي برقم (٦١٧٩) كتاب: الأدب، باب: لا يقال: خبثت نفسي. ورد في هامش الأصل ما نصه: الظاهر أن الشارع إنما نهى عن أن يقول الإنسان خثبت نفسي لما فيه من ذكر الخبث كأنه كرهه، وأما قوله هنا: «وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» يدل على جواز استعمال هذا اللفظ مع الكراهة.



وليس كذلك لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهية لتلك الكلمة وتشاؤمًا بها إذا أضافها الإنسان إلى نفسه، فإن الخبث: الفسق، قَالَ تعالى: ﴿الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]، والحديث الثاني: «أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ» ذمًّا لفعله وعيبًا له، ولكل واحد من الخبرين وجه فلا معنى للتعارض، فالنهي منصب أن يقول هذا اللفظ عن نفسه، وهذا إخبار عن صفة غيره (١).
العاشر:
ظاهر الحديث أن من لم يجمع بين الأمور الثلاثة، وهي الذكر والوضوء والصلاة فهو داخل فيمن يصبح خبيث النفس كسلان.
قَالَ المهلب: قد فسر الشارع معنى العقد وهو: «عليك ليل طويل فارقد»، فكأنه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ إلى حزبه، فينعقد في نفسه أنه بقي من الليل بقية طويلة حَتَّى يروم بذلك إتلاف ساعات ليله وتفويت حزبه فإذا ذكر الله انحلت عقدة أي: علم أنه قد مر من الليل طويل، وأنه لم يبق منه طويل، فإذا قام وتوضأ استبان له ذلك أيضًا، وانحل ما كان عقد في نفسه من الغرور والاستدراج، فإذا صلى واستقبل القبلة، انحلت الثالثة؛ لأنه لم يصغ إلى قوله، ويئس الشيطان منه، ولما كان مؤخر الرأس فيه العقل (٢) والفهم، فعقده فيه إثباته في فهمه أنه بقي عليه ليل طويل، فيصبح نشيطًا طيب النفس؛ لأنه مسرور بما قدم مستبشرٌ بما وعده ربه من الثواب والغفران، وإلا أصبح مهمومًا بجواز كيد الشيطان عليه، وكسلان بتثبيط الشيطان له عما كان اعتاده من فعل الخير.

------------
(١) «التمهيد» ١٩/ ٤٧.
(٢) ورد في هامش الأصل: هذا على قول من يقول: إن العقل في الرأس ومذهب الشافعي أنه في القلب وفيه قول ثالث.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #243  
قديم 03-02-2026, 06:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 91 الى صـــ 110
الحلقة (243)






وأما الحديث الثاني: فـ«يثلغ» بمثناة تحت مضمومة ثم مثلثة ثم لام ثم غين معجمة أي: يشدخ، والشدخ: فضخ الشيء الرطب بالشيء اليابس، ومعنى: «يرفضه»: يتركه، وهو بفتح الفاء وكسرها كما ذكره ابن التين عن الضبط وعن أهل اللغة أي يترك تلاوته حَتَّى ينساه أو يترك العمل به.
وعبارة ابن بطال: يترك حفظه والعمل بمعانيه، قَالَ: فأما إذا ترك حفظ حروفه وعمل بمعانيه فليس برافض له، قد أتى في الحديث «أنه بحشر يوم القيامة أجذم» (١) أي: مقطوع الحجة، والرافض له يثلغ رأسه كما سلف، وذلك لعقد الشيطان فيه، فوقعت العقوبة في موضع المعصية.
وقوله: («يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ») يعني: لخروج وقتها وفواته، وهذا إنما يتوجه إلى تضييع صلاة الصبح وحدها لأنها التي تبطل بالنوم، وهي التي أكد الله المحافظة عليها، وفيها تجتمع الملائكة. وسائر الصلوات إذا ضيعت فحملها محملها، لكن لهذِه الفضل. ا. هـ (٢)
وفي رواية: «فأتينا على رجلٍ مضطجع على قفاه ورجل قائم على

------------------
(١) روى أبو داود (١٤٧٤) عن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله - ﷺ -:»ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله -عز وجل- يوم القيامة أجذم«، ورواه أيضًا عبد الرزاق في»مصنفه«٣/ ٣٦٥ (٥٩٨٩) كتاب: فضائل القرآن، باب: تعاهد القرآن ونسيانه، وعبد بن حميد في»المنتخب«١/ ٢٧٣ (٣٠٧). والطبراني في»الكبير«٦/ ٢٣ (٥٣٩١)، والخطيب في»الجامع لأخلاق الراوي«١/ ١١٠ (٨٥)، كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائدة عن سعد بن عبادة به، قال الألباني: إسناده ضعيف، يزيد ضعيف، وعيسى مجهول، ولم يسمع من ابن عبادة،»ضعيف أبي داود«١٠/ ٨٦ (٢٦١).
(٢)»شرح ابن بطال" ٣/ ١٣٥.



رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذِه حَتَّى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه» (١).

واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث لا يدخل في هذا الباب، وليس رفض القرآن: ترك الصلاة بالليل، وهو عجيب منه، فسيأتي في الحديث في الجنائز: «والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علَّمه الله القرآن فنام عنه بالليل حَتَّى نسيه، ولم يعمل به بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة» (٢).


باب
كذا في أصول البخاري، وفي أصل (٣) ابن بطال:

----------------
(١) يأتي برقم (١٣٨٦) كتاب: الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين.
(٢) السابق.
(٣) ورد بهامش الأصل: وكذا في نسختي وعليها: نفسه.



١٣ - باب إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ (١)
١١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ». [٣٢٧٠ - مسلم: ٧٧٤ - فتح: ٣/ ٢٨]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ: قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ».
وسيأتي في باب: صفة إبليس إن شاء الله، وفيه: «أو في أذنيه» (٢)، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه أيضًا (٣).
وهو على ظاهره إذ لا إحالة فيه ويفعل ذلك استهانة به، وبه صرح الداودي وعياض (٤) وغيرهما.
ويحتمل أن يكون تمثيلًا له ضرب له حين غفل عن الصلاة كمن ثقل سمعه وبطل حسه؛ لوقوع البول الضار في أذنه بقول الراجز:
بال سهيل في الفضيخ ففسد.
وليس لسهيل بول، وإنما هو نجم يطلع فيفسد الفضيخ بعده، وإذا أراد غير البول منه فلا ينكر إن كانت هذِه الصفة. قَالَه الخطابي (٥).

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٣٦، وانظر «اليونينية» ٢/ ٥٢.
(٢) يأتي برقم (٣٢٧٠) كتاب: بدء الخلق.
(٣) «صحيح مسلم» (٤٧٤) باب: ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، و«المجتبي» ٣/ ٢٠٤، الترغيب في قيام الليل، و«سنن ابن ماجه» (١٣٣٠) باب: ما جاء في قيام الليل.
(٤) «إكمال المعلم» ٣/ ١٣٩.
(٥) «أعلام الحديث» ١/ ٦٣٦.



وخص البول في الذكر إبلاغًا في التنجيس، وخص الأذن؛ لأنها حاسة الانتباه، والمهلب (والطحاوي) (١) نحى إلى هذا فقالا: هذا على سبيل الإغياء من تحكم الشيطان في العقد على رأسه بالنوم الطويل.
قَالَ ابن مسعود: كفي المرء من الشر أن يبول الشيطان في أذنه (٢).
فمن نام الليل كله، ولم يستيقظ عند الأذان، ولا تذكر، فالشيطان سد ببوله أذنيه، وأي استهانة أعظم من هذِه حيث صيَّره كنيفًا معدًّا للقاذورات، نسأل الله السلامة.

-----------------
(١) كذا في الأصل، وتشابكت حروفه ولعله كذلك، حتى بدت كأنها شطب ثناهما في قوله (فقالا). الآتية.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٧/ ١٢٥ (٣٤٥٤٤) كتاب: الزهد.



١٤ - باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
وَقَالَ تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ أَيْ: مَا يَنَامُونَ.

١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». [٦٣٢١، ٧٤٩٤ - مسلم: ٧٥٨ - فتح: ٣/ ٢٩]
ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «يُنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَي السَّمَاء الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الأخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَاَغْفِرَ لَهُ».
الشرح:
الهجوع: نوم الليل خاصة. وقيل في معنى الآية: قل ليلة تمر عليهم لم يصيبوا فيها خيرًا.
وقوله: (أَيْ: يَنَامُونَ). هو ما فسره به جماعات. قَالَ إبراهيم: قليلًا ما ينامون (١). وقال الضحاك: قليلًا من الناس (٢). وقال أنس: يصلون طويلًا ما ينامون. وعن الحسن: كانوا يتنفلون بين العشاء والعتمة.
فعلى قول إبراهيم يجوز أن تكون (ما) زائدة أو مصدرًا مع ما بعدها، وهو قول أهل اللغة. وعلى قول أنس والحسن (ما) نافية. وعلى قول الضحاك هذا الصنف قليل من الناس.

-------------
(١) الطبري في «تفسيره» ١١/ ٤٥٤ (٣٢١٢٥).
(٢) المصدر السابق ١١/ ٤٥٤ (٣٢١٢٨، ٣٢١٢٥).



وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم (١) والأربعة، ويأتي في الدعوات والتوحيد (٢). قَالَ الترمذي: وفي الباب عن عليًّ وابن مسعود وجبير بن مطعم ورفاعة الجهني وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص (٣).
وقال الطرقي: في الباب: (ورافع بن عرابة) (٤) وابن عباس وجابر بن عبد الله وعمرو بن عنبسة وأبي موسى. وقال ابن الجوزي: حديث النزول رواه جماعة منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود والنواس بن سمعان وأبو ثعلبة الخشني وعائشة في آخرين. وعدد بعض من أسلفناه.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
الحديث ليس فيه ذكر الصلاة لكنها محل الدعاء والاستغفار والسؤال، وترجم له في الدعاء باب: الدعاء نصف الليل (٥). ومراده: النصف الأخير. فإنه قَالَ: حين يبقى ثلث الليل الآخر.
ثانيها:
قوله: («يُنْزِلُ») هو بضم أوله، من أنزل. قَالَ ابن فورك: ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن رسول الله - ﷺ -، بضم الياء من ينزل، وذكر أنه ضبط عمن سمع منه من الثقات الضابطين (٦). وكذا قَالَ

-------------
(١) «صحيح مسلم» (٧٥٨) باب: الترغيب في الدعاء ..
(٢) يأتي برقم (٦٣٢١) باب: الدعاء نصف الليل. و(٧٤٩٤) باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾.
(٣) «سنن الترمذي» ٢/ ٣٠٨.
(٤) كذا في الأصل ولعله رفاعة بن عرابة.
(٥) يأتي برقم (٦٣٢١).
(٦) «مشكل الحديث وبيانه» ص ٢٢٠.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٥/ ٤١٧: وحرَّف بعضهم لفظ =



القرطبي: قد قيده بعض الناس بذلك فيكون معدى إلى مفعول محذوف. أي: يُنزل الله ملكًا. قَالَ: والدليل على صحة هذا ما رواه النسائي من حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إن الله -عز وجل- يمهل حَتَّى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع فيستجاب له» الحديث (١). وصححه عبد الحق (٢).
الثالث:
جاء هنا: «حين يبقى ثلث الليل الآخر».

--------------
= الحديث فرواه يُنزل من الفعل الرباعي المتعدي. اهـ. وسيأتي لاحقًّا تعليق حول المسألة عمومًا.
(١) «المفهم» ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
والحديث في «السنن الكبرى» ٦/ ١٢٤ (١٠٣١٦).
(٢) «الأحكام الوسطي» ٢/ ٥٢.
قلت: وأبدع شيخ الإسلام في الرد على من احتج بهذا الحديث فقال: من روى عن النبي - ﷺ - أن المنادي يقول ذلك، فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله - ﷺ -، فإنه مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفًا عن سلف، فاسد في المعقول، فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم ينزل بالضم. اهـ «مجموع الفتاوى» ٥/ ٣٧٢.
وقال في ٥/ ٣٨٤: حديث موضوع. قلت: يعني بهذا اللفظ. وقال: فإن قيل: فقد روي أنه يأمر مناديًا فينادي، قيل: هذا ليس في الصحيح فإن صح أمكن الجمع بين الخبرين بأن ينادي هو ويأمر مناديًا ينادي، أما أن يعارض بهذا النقل الصحيح المستفيض الذي اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه بالقبول مع أنه صريح في أن الله تعالى هو الذي يقول: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟» فلا يجوز. اهـ «مجموع الفتاوى» ١٢/ ٣١١.
والحديث أورده الألباني في «الضعيفة» (٣٨٩٧) وصدر كلامه بقوله: منكر بهذا السياق، ثم ذهب يضعفه فأجاد والله وأفاد بما لا تراه في مكان آخر، فبلغ في الكلام عليه ثلاث عشرة صفحة.



وكذا أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع من «صحيحه» (١)، وأخرجه مسلم بألفاظ:
أحدها: هذا.
ثانيها: «حين يمضي ثلث الليل الأول» (٢).
ثالثها: «لشطر الليل -أو ثلث الليل- الآخر» (٣).
وذكر الترمذي أن الرواية الأولى أصح الروايات (٤)، وصححها أيضًا غيره، فذكر القاضي عياض (٥) أن النزول عند مضي الثلث الأول. و«من يدعوني ..» إلى آخره في الثلث الآخر. وقال: يحتمل الشارع أعلم بالأول فأخبر به ثم بالثاني فأخبر به، فسمع أبو هريرة الخبرين فنقلهما، وأبو سعيد خبر الثلث الأول فأخبر به مع أبي هريرة. وقال ابن حبان في «صحيحه»: صح «حين يمضي شطر الليل أو ثلثاه»، و«حين يبقى ثلث الليل الآخر»، و«حتى يذهب ثلث الليل الأول»، فيحتمل أنه في بعض الليالي: حين يبقى ثلث الليل الآخر، وفي بعضها حين يبقى ثلث الليل الأول (٦).
قلتُ: ويجوز -والله أعلم- أن يكون ابتداء الأمر من أول الثلث الثاني إلى الثالث.

---------------
(١) هذا الموضع، وبرقم (٦٣٢١) الدعوات، باب: الدعاء نصف الليل. و(٧٤٩٤) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٥٨/ ١٦٩) باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل ..
(٣) «مسلم» (٧٥٨/ ١٧١).
(٤) «سنن الترمذي» ٢/ ٣٠٩.
(٥) «إكمال المعلم» ٢/ ٣٠٩.
(٦) «صحيح ابن حبان» ٣/ ٢٠٢.



ثم اعلم أن صفات القديم (١) ﷻ إما أن يكون استحقها لنفسه أو لصفة قامت به أو لفعل يفعله، ولا يطلق شيء من الألفاظ في أوصافه وأسمائه المتفرعة عما تقدم إلا بتوقيف كتاب أو سنة أو اتفاق الأمة دون قياس، فلا مجال له فيها، وقيل ما يرد من مثل هذِه الأخبار من مثل هذا اللفظ -أعني: ينزل- إلا ونظيره في القرآن. قَالَ تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] و﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] وأهل البدع يحملونها إذا وردت في القرآن على التأويل (الصحيح) (٢)، ويأتون من جمل الأخبار على مثل ذلك جحدًا منهم لسنة المصطفي - ﷺ -، واستخفافًا بذوي النهى الناقلين، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢].
ولا فرق بين الإتيان والمجيء والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقال والحركة كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى، فالنزول لغة يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] والإعلام: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣] أي: اعلم به الروح الأمين

-------------
(١) ليست من أسمائه أنه (القديم) وكما هو معلوم متقرر أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، فكان الأولى أن يقول: ﴿الْأَوَّلُ﴾ لأنه لفظ التنزيل.
قال «شارح الطحاوية» ص ٦٧: وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله (القديم) وليس هو من أسماء الله تعالى الحسنى، فإن (القديم) في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره .. ولم يستعمل إلا في المتقدم على غيره لا فيما يسبقه عدم .. «شرح الطحاوية» لابن أبي العز ص ١٦٧.
(٢) في (ج): الصريح.



محمدًا - ﷺ -، وبمعنى القول: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: سأقول مثل ما قال. والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم جار في عرفهم، يقولون: نزل من مكارم الأخلاق إلى دنيها. أي: أقبل إلى دنيها ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خير وعدل حَتَّى نزل بنا بنو فلان.
أي: حكمهم. وذلك كله متعارف عند أهل اللغة.
وإذا كانت مشتركة المعنى وجب حمل ما وصف به الرب ﷻ
من النزول على ما يليق به من بعض هذِه المعاني التي لا تقتضي له ما لا يليق بنعته من إيجاب حدث يحدث في ذاته، وهو إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستعطاف بالتذكير والتشبه الذي يلقى في قلوب أهل الخير منهم (١)، والزواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على الطاعة ووجدناه تعالى

---------------
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الصواب والمأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه لا يزال فوق العرش. ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم بل الله منزه عن ذلك.
وأما قول النافي: إنما ينزل أمره ورحمته؛ فهذا غلط لوجوه. وقد تقدم التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو. وأما إذا كان من النفاة للعلو والنزول جميعًا؛ فيجاب أيضًا بوجوه:
أحدها: أن الأمر والرحمة إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملائكة، وإما أن يراد بها صفات وأعراض. فإن أريد الأول؛ فالملائكة تنزل إلى الأرض في كل وقت. وهذا خص النزول بجوف الليل، وجعل منتهاه سماء الدنيا.
والملائكة لا يختص نزولها لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان. كان أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين في وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك: فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا.
الثاني: إن في الحديث الصحيح: انه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول: "لا أسال == عن عبادي غيري«، ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #244  
قديم 04-02-2026, 06:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 101 الى صـــ 120
الحلقة (244)






الثالث: أنه قال:»ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر«، ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤله إلا الله، وأمره ورحمته لا تفعل شيئًا من ذلك.
الرابع: نزول أمره ورحمته لا تكون إلا منه؛ وحينئذ فهذا يقتضي أن يكون هو فوق العالم، فنفس تأويله يبطل مذهبه؛ ولهذا قال بعض النفاة لبعض المثبتين: ينزل أمره ورحمته؛ فقال له المثبت: فممن ينزل؟! ما عندك فوق شيء؛ فلا ينزل منه لا أمر ولا رحمة ولا غير ذلك؟! فبهت النافي وكان كبيرًا فيهم.
الخامس: أنه قد روى في عدة أحاديث:»ثم يعرج«وفي لفظ»ثم يصعد«.
السادس: أنه إذا قدر أن النازل بعض الملائكة، وأنه ينادي عن الله كما حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه»يُنزل«من الفعل الرباعي المتعدي عن الله كما حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه»ينزل«من الفعل الرباعي المتعدي أنه يأمر مناديا ينادي؛ لكان الواجب أن يقول: من يدعو الله فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه؟ من يستغفر فيغفر له؟ كما ثبت في»الصحيحين«،»وموطأ مالك«و»مسند أحمد بن حنبل«، وغير ذلك عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: وإذا أحب الله العبد نادى في السماء يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه؛ فيحبه جبريل؛ ثم ينادي جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم وضع له القبول في الأرض»، وقال في البغض مثل ذلك. فقد بين النبي - ﷺ - الفرق بين نداء الله ونداء جبريل. فقال في نداء الله: «يا جبريل! إني احب فلانا فأحبه». وقال في نداء جبريل: «إن الله يحب فلانا فأحبوه»، وهذا موجب اللغة التي بها خوطبنا، بل وموجب جميع اللغات، فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم. فأما من أخبر عن غيره فإنما يأتى باسمه الظاهر وضمائر الغيبة. وهم يمثلون نداء الله بنداء السلطان ويقولون: قد يقال: نادى السلطان، إذا أمر غيره بالنداء -وهذا كما قالت الجهمية المحضة في تكليم الله لموسى: إنه أمر غيره فكلمه، لم يكن هو المتكلم، فقال لهم: إن السلطان إذا أمر غيره أن ينادي أو يكلم غيره أو يخاطبه؛ فإن المنادى ينادي: معاشر الناس! أمر السلطان بكذا، أو رسم بكذا، لا يقول إني أنا أمرتكم بذلك. =



خص بالمدح المستغفرين بالأسحار، ويحتمل أن يكون ذلك فعلًا يظهر بأمره فيضاف إليه كما يقال: ضرب الأمير اللص، ونادى الأمير في البلد، وإنما أمر بذلك فيضاف إليه الفعل كما مضى أنه عن أمره ظهر، إذا احتمل ذلك في اللغة لم ينكر أن يكون لله ملائكة يأمرهم بالنزول إلى السماء الدنيا بهذا الدعاء والنداء فيضاف ذلك إلى الله.
وحديث النسائي السالف يعضده، وقد سئل الأوزاعي عن معنى هذا الحديث فقال: يفعل الله ما يشاء، وهذِه إشارة منه إلى أن ذلك فعل يظهر منه -عز وجل-، وذكر حديث كاتب مالك عنه أنه قَالَ في هذا الخبر: ينزل أمره ورحمته، وقد رواه مطرف عنه أيضًا (١)، وأنكر بعض المتأخرين هذا اللفظ، فقال: كيف يفارقه أمره؟. وهذا كلام من اعتقد أنه ينزل أمره القديم، وليس كذلك، وإنما المراد ما أشرنا إليه، وهو ما يحدث عن أمره، قَالَ الإمام أبو بكر محمد بن فورك: روى لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن رسول الله - ﷺ - بما يؤيد هذا التأويل، وهو بضم الياء من ينزل، وقد تقدم نقل ذلك عنه، فإذا كان ذلك محفوظًا فوجهه ظاهر (٢).

-------------
= ولو تكلم بذلك لأهانه الناس ولقالوا: من أنت حتى تأمرنا؟! والمنادي كل ليلة يقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» كما في ندائه لموسى - عليه السلام -: (إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكري)، وقال: (إني أنا الله رب العالمين). ومعلوم أن الله لو أمر ملكًا أن ينادي كل ليلة أو ينادي موسى لم يقل الملك: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فاغفر له؟»، ولا يقول: «لا أسأل عن عبادي غيري».
«مجموع الفتاوى» ٥/ ٤١٥ - ٤١٨.
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نقل عن مالك رواية أنه تأول «ينزل إلى
السماء الدنيا» أنه ينزل أمره. لكن هذا من رواية حبيب كاتبه وهو كذاب باتفاقهم.
وقد رويت من وجه آخر لكن في الإسناد مجهول. «مجموع الفتاوى» ١٦/ ٤٠٥.
(٢) «مشكل الحديث وبيانه» ص ٢٢٠ وما قبله أيضًا هو من كلام ابن فورك.



وقد سئل بعض العلماء عن حديث التنزيل، فقال: تفسيره قول إبراهيم حين أفل النجم: ﴿لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فَطَلَبَ رَبُّا لا يجوز عليه الانتقال والحركات، ولا يتعاقب عليه النزول، وقد مدحه الله تعالى بذلك وأثنى عليه في كتابه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فوصفه باليقين، وحكي عن بعض السلف في هذا الحديث وشبهه الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها.
وكان مكحول والزهري يقولان: أمرُّوا الأحاديث (١). وقال أبو عبد الله: نحن نروي هذِه الأحاديث ولا نرفع بها المعاني. وإلى نحو هذا نحى مالك في سؤال الاستواء على العرش (٢).
وحمل الداودي مذهبه في هذا الحديث على نحو من ذلك وقال فيما تقدم عنه: نقله حبيب، وليس حبيب بالقوي (٣). وضعفه غيره أيضًا لكنا أسلفنا أنه لم ينفرد به.
فصارت مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه ثلاثة:
فرقة قائلة بالتأويل كما سلف محتجين بالحديث الآخر: «إذا تقرب

------------
(١) رواه عن مكحول والزهري البيهقي في»الأسماء والصفات«٢/ ٣٧٧ (٩٤٥).
(٢) روى البيهقي بسنده إلى عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، كيف استواؤه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه.
قال: فأخرج الرجل.»الأسماء والصفات«٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥ (٨٦٦، ٨٦٧).
(٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، قال الذهبي في»المغني": قال أحمد: كان يكذب وقال أبو داود كان يضع الحديث، توفى سنة ٢١٨ روى له بن ماجه.



إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة» (١). وفرقة قالت بالوقف عن جميعها. وفرقة قالت بالتأويل في بعضها.
سئل مالك في «العتبية» عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن معاذ في العرش (٢): قال: لا يتحدث به، وما يدعو الإنسان إلى أن يتحدث به، وهو يرى ما فيه من التغرير؟!
وحديث «إن الله خلق آدم على صورته» (٣). وحديث الساق (٤).
قَالَ ابن القاسم: لا ينبغي لمن يتقي الله أن يتحدث بمثل هذا. قيل له: فالحديث الذي جاء: إن الله يضحك (٥). فلم يره من هذا وأجازه، وكذلك حديث النزول. ويحتمل أن يفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن حديث النزول والضحك صحيحان لا طعن فيهما، وحديث اهتزاز العرش قد سلف الإنكار له والمخالفة فيه من الصحابة. وحديث الصورة والساق ليس تبلغ أسانيدهما في الصحة درجة حديث النزول (٦).

-----------------
(١) يأتي برقم (٧٤٠٥) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾.
(٢) حديث اهتزاز العرش لموت سعد، يأتي برقم (٣٨٠٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مناقب سعد بن معاذ.
(٣) يأتي هذِه الحديث برقم (٣٣٢٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته.
(٤) يشير إلى حديث أبي هريرة وأبي سعيد الطويل الآتي برقم (٧٤٣٩) وفيه: «فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه: فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ..» الحديث.
(٥) يأتي هذا الحديث برقم (٢٨٢٦) كتاب: الجهاد والسير، باب: الكافر يقتل المسلم ثمَّ يسلم ..
(٦) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٧.



والثاني: أن التأويل في النزول أبين وأقرب، والعذر بسوء التأويل فيها أبعد، وبالله التوفيق.
وفي الحديث أيضًا أن آخر الليل أفضل الدعاء والاستغفار، قَالَ تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٨] وروى محارب بن دثار، عن عمه، أنه كان يأتي المسجد في السحر ويمر بدار ابن مسعود، فيسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني فأطعت ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي. فسئل ابن مسعود عن ذلك فقال: إن يعقوب - عليه السلام - أخر نيته إلى السحر بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (١). وروى الجريري أن داود سأل جبريل، أي الليل أسمع؟ فقال: لا أدري غير أن العرش يهتز في السحر (٢).
وقوله: أسمع، يريد أنها أرفع للسمع، والمعنى أنها أولى بالدعاء وأرجى للاستجابة، وهذا كقول ضماد حين عرض عليه الشارع الإسلام فقال: سمعت كلامًا لم أسمع قط كلامًا أسمع منه (٣)، يريد أبلغ ولا أنجع في القلب (٤)

---------------
(١) روى هذا الأثر سعيد بن منصور في «سننه» ٥/ ٤١٠ (١١٤٤). والطبري في «تفسيره» ٧/ ٣٠٠ (١٩٨٧٦). والطبراني في «الكبير» ٩/ ١٠٤ (٥٨٤٨). وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٦٨ لأبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١٠/ ١٥٥ وقال: رواه الطبراني، وفيه: عبد الرحمن ابن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف.
(٢) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ٧/ ٩١ (٣٤٢٤٠). كتاب الزهد، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٠٣.
(٣) هذا الحديث رواه «مسلم» (٨٦٨) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة.
(٤) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في السادس بعد التسعين كتبه مؤلفه سامحه الله.



١٥ - باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ
وَقَالَ سَلْمَانُ لأَبِي الدَّرْدَاءِ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: قُمْ الآن. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «صَدَقَ سَلْمَانُ».

١١٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ - ﷺ - بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَي فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ. [مسلم: ٩٣٧ - فتح: ٣/ ٣٢]
وذكر حديث الأسود عن عائشة: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ .. الحديث.
أما حديث سلمان فسيأتي في الصوم والأدب مسندًا (١). وقال الترمذي: حسن صحيح (٢).
و(أبو الدرداء) اسمه: عويمر بن زيد.
وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٣). قَالَ الإسماعيلي: هذا حديث يغلط في معناه الأسود، فإن الأخبار الجياد: كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وأمر بذلك من سأله (٤). وإنما كان يقوم آخره لأجل حديث النزول السالف، وهذا كان فعل السلف.

--------
(١) في الصوم برقم (١٩٦٨) باب: من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع.
وفي الأدب برقم (٦١٣٩) باب: صنع الطعام والتكلف للضيف.
(٢) «سنن الترمذي» ٤/ ٦٠٩.
(٣) برقم (٧٣٩) باب: صلاة الليل ..
(٤) سلف من حديث عائشة برقم (٢٨٨) أنها قالت: كان النبي - ﷺ - إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه، وتوضأ للصلاة.



وروى الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري قَالَ: قَالَ عمر: الساعة التي تنامون فيها أعجب إليَّ من الساعة التي تقومون فيها (١). وقال ابن عباس في قيام رمضان: ما تتركون منه أفضل بما تقومون فيه (٢).
وفيه: دلالة على أن في رجوعه من الصلاة إلى فراشه قد كان يطأ ويصبح جنبًا ثم يغتسل، وقد كان لا يفعل ذلك. قيل: وظاهره عدم وضوئه للنوم مع الجنابة.

---------------
(١) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٧ (٧٧٠٧).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٧ (٧٧٠٧).



١٦ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ
١١٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي». [انظر: ٢٠١٣، ٣٥٦٩، ١١٤٠ - مسلم: ٧٣٨ - فتح: ٣/ ٣٣]

١١٤٨ - حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ الُمثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَت: مَا رَأَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي شَيْءِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَؤ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَ رَكَعَ. [انظر: ١١١٨ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٣/ ٣٣]
ذكر فيه حديث عائشة: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ .. الحديث.
وحديثها أيضًا: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي شَئٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ.
الشرح:
حديث عائشة الأول يأتي في الصوم وصفته - ﷺ - (١)، وأخرجه مسلم

---------------
(١) في الصوم برقم (٢٠١٣) باب: فضل مَن قام رمضان. وفي صفته - ﷺ - برقم (٣٥٦٩) باب: كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه.


أيضًا، وأبو داود والنسائي، والترمذي، وقال: حسن صحيح (١).
أخرجاه عن مالك عن سعيد المقبري عن أبي سلمة عنها.
قَالَ أبو عمر: وهكذا هو في «الموطأ» عند جماعة الرواة فيما علمت، ورواه محمد بن معاذ بن المستهل، عن القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب عن أبي سلمة، عنها. والصواب الأول (٢).
وأخرجه البخاري في الاعتصام وصفته - ﷺ - من حديث سعيد بن ميناء عن جابر (٣). وحديثها الثاني أخرجه مسلم أيضًا (٤)، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وقد أسلفنا اختلاف الآثار في عدد صلاته - ﷺ - قريبًا.
واختلف العلماء في عدد الصلاة في رمضان، فذكر ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا إبراهيم (ت. ق) (٥) بن عثمان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر (٦)، وروي مثله عن عمر بن الخطاب وعليٍّ وأُبي بن

--------------
(١) مسلم برقم (٧٣٨) باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - ..، و[أبو داود برقم (١٣٤١) باب: في صلاة الليل، والترمذي برقم (٤٣٩) باب: ما جاء في وصف صلاة النبي - ﷺ - بالليل، والنسائي ٣/ ٢٣٤ باب: كيف الوتر بثلاث؟].
(٢) «التمهيد» ٢١/ ٦٩.
(٣) برقم (٣٥٦٩) باب: كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه، وبرقم (٧٢٨١) باب: الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -.
(٤) برقم (٧٣١) باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا ..
(٥) ورد في هامش الأصل: إبراهيم (ت. ق) هذا جد ابن أبي شيبة المكنى بأبي شيبة ضعيف تركه غير واحد. قال الذهبي في «الكاشف» ترك حديثه، وقال البخاري: سكتوا عنه وقال يزيد بن هارون في كاتبه ما قضى على الناس في زمانه أعدل منه توفي سنة ١٦٩. (ت ق).
(٦) «المصنف» ٢/ ١٦٦ (٧٦٩١) كم يصلي في رمضان من ركعة.



كعب (١)، وبه قَالَ الكوفيون والشافعي وأحمد (٢)، إلا أن إبراهيم هذا هو جد ابن شيبة، وهو ضعيف فلا حجة في حديثه، والمعروف القيام بعشرين ركعة في رمضان عن عمر وعليًّ، قاله ابن بطال (٣) ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء، ونقله ابن رشد عن داود (٤).
وقال عطاء: أدركت الناس يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة، الوتر منها ثلاثًا (٥).
وروى ابن مهدي عن داود بن قيس. قَالَ: أدركت الناس في المدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستًّا وثلاثين ركعة، ويُوتَرُ بثلاث (٦). وهو قول مالك وأهل المدينة (٧)، وجعله الشافعي خاصًّا بأهل المدينة؛ لشرفهم وفضل مهاجرهم. ونقل ابن رشد عن ابن القاسم عن مالك: الوتر بركعة (٨). وحكي [أن] (٩) الأسود بن يزيد، كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر بسبع.
وقول عائشة: (يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا) قد أسلفنا في أبواب الوتر أن ذلك مرتب على قوله: «صلاة الليل مثنى مثنى» لأنه مفسر وقاض على المجمل، وقد جاء بيان هذا في بعض طرق هذا

------------------
(١) «المصنف» ٢/ ١٦٥ (٧٦٨٠ - ٧٦٨١،٧٦٨٣).
(٢) انظر: «المبسوط» ٢/ ١٤٤، «الأم» ١/ ١٢٥، «المغني» ٢/ ٦٠٤.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٤١.
(٤) «بداية المجتهد» ١/ ٤٠٠.
(٥) رواه عن عطاء ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٥ (٧٦٨٨).
(٦) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٦ (٧٦٨٨).
(٧) «المدونة» ١/ ١٩٣، «المعونة» ١/ ١٥٠.
(٨) وهي روايتان عن ابن القاسم انظر: «المنتقى» ١/ ٢٢٣.
(٩) زيادة يقتضيها السياق ليست في الأصول.



الحديث، روى ابن أبي ذئب والأوزاعي، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة بالوتر يسلم بين كل ركعتين (١).
فإن قلت: إذا كان يفصل بالسلام فما الحكمة في الجمع؟
قلتُ: لينبه على أن صفتهما وطولهما من جنس واحد وأن الآخر بعدها ليست من جنسها وإن كانت أخذت من الحسن والطول حظها.
وقيل في قولها: (يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا). أي: أنه كان ينام بينهن.
وروي نحوه عن ابن عباس، وفيه دلالة على جواز فعل ذلك، بل هو عند أبي حنيفة: أفضل التطوع أن يصلي أربعًا بتسليمة (٢). واحتج من قَالَ ذلك بحديث الليث، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى، عن أم سلمة أنها وصفت صلاته - ﷺ - بالليل وقراءته فقالت: كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى، ثم يقوم فيوتر (٣).

-----------------
(١) رواه النسائي في «السنن الكبرى» ١/ ٥١٢ (١٦٤٩).
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٩٤، «تبيين الحقائق» ١/ ١٧٢.
(٣) رواه أبو داود (١٤٦٦) باب: استحباب الترتيل في القراءة، والترمذي (٢٩٢٣) باب: ما جاء كيف كان قراءة النبي - ﷺ -؟ والنسائي في «المجتبى» ٢/ ١٨١، ٣/ ٢١٤، وأحمد في «مسنده» ٦/ ٢٩٤، و٦/ ٣٠٠. وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ١٨٨ (١١٥٨) باب: الترتل بالقراءة في صلاة الليل. والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠١، وفي «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٨/ ١٩٨ (٥٨٤٧). وأبو الشيخ في «أخلاق النبي - ﷺ -» ٣/ ١٤١ (٥٥٤) نعت قراءة النبي - ﷺ -.
والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٠٩، ٣١٠ كتاب: صلاة التطوع.
كلهم من طريق الليث عن عبد الله بن عبيد الله ابن أبي مليكة عن يعلى أنه سأل أم سلمة. الحديث.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن بملك عن أم سلمة أن النبي - ﷺ - كان يُقطِّع =



وقولها: (أتنام قبل أن توتر؟) كأنها توهمت أن الوتر إثر الصلاة على ما شاهدته من أبيها؛ لأنه كان يوتر إثرها، فلما رأت منه خلاف ذلك سألته عن ذلك فأخبرها أن عينيه تنامان ولا ينام قلبه -أي: عن مراعاة الوقت- وليس ذلك لأبيها، وهذِه من أعلى مراتب الأنبياء، ولذلك قَالَ ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي. لأنهم يفارقون سائر البشر في نوم القلب، ويساوونهم في نوم العين، وكان يغط ثم يصلي. قَالَ عكرمة: كان محفوظًا، وإنَّما كان يتوضأ من الانتباه من النوم وإن كان لا يتوضأ بعد نومه؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاة، ولا يبعد أن يتوضأ إذا غامر قلبه النوم واستولى عليه، وذلك في النادر، كنومه في الوادي إلى أن طلعت الشمس، ليسنَّ لأمته أن الصلاة لا يسقطها خروج الوقت وإن كان معلومًا بنوم أو نسيان.
وفي حديث عائشة الآتي: قيامه - ﷺ - بالليل، ومعنى قيامه عند الركوع؛ لئلا يخلي نفسه من فضل القيام في آخر الركعة، وليكون انحطاطه إلى الركوع والسجود من قيام إذ هو أبلغ وأشد في التذلل والخشوع.
وفيه: دليل للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال: رمضان. بغير

-------------
= قراءته. وحديث الليث أصح ا. هـ.
وقال أبو عبد الله الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقال الألباني في «ضعيف أبي داود»: ١٠/ ٨٥ (٢٦٠): إسناده ضعيف؛ يعلى بن مملك مجهول.
قلت: رواية ابن جريج التي أشار إليها الترمذي أخرجها في «سننه» (٢٩٢٧)، وعبد الرزاق في «مصنفه» ٣/ ٣٨ (٤٧٠٩)، وابن حبان في «صحيحه» ٦/ ٣٦٦ (٢٦٣٩).



إضافته إلى شهر، وإنما سألها أبو سلمة عن صلاته في رمضان ليقف على حقيقة ركعاته.
وفيه: أن تطويل القراءة في القيام وتحسين الركوع والسجود أكثر من تكثير الركوع والسجود. وعكست طائفة، وفصلت أخرى فقالت: تطويل القيام في الليل أفضل وتكثير الركوع والسجود في النهار أفضل. ومذهب الشافعي أن تطويل القيام أفضل (١).
وفيه: جواز الركعة الواحدة بعضها قيامًا وبعضها قعودًا، وهو مذهبنا ومالك وأبي حنيفة وعامة العلماء (٢)، وسواء قام ثم قعد أو عكس، ومنعه بعض السلف. وعن أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأشهب: لا تجزئه.
وقولها: من صلاة الليل جالسًا. اختلف في كيفية الجلوس في الصلاة، فعن أبي حنيفة: يقعد في حال القراءة كما يقعد في سائر الصلاة، وإن شاء توبع وإن شاء احتبى. وعن أبي يوسف: يحتبي. وعنه: يتربع إن شاء. وعن محمد: يتربع. وعن زفر: يقعد كما (يقعد) (٣) في التشهد. وعن أبي حنيفة في صلاة الليل: يتربع من أول الصلاة إلى آخرها. وقال أبو يوسف: إن جاء في وقت الركوع والسجود يقعد كما يقعد في تشهد المكتوبة. وعن أبي يوسف: يركع متربعًا، وإذا أراد الركوع ثنى رجله اليسرى وافترشها (٤)، وهومخير بين أن يركع من قعود وبين أن يقوم عند آخر قراءته.

----------------
(١) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٤٢، «المجموع» ٣/ ٢٣٨.
(٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٣٢، «المدونة» ١/ ٧٩ - ٨٠، «المبسوط» ١/ ٢٠٨، «المغنى» ٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨.
(٣) من (ج).
(٤) انظر: «البناية» ٢/ ٦٤٩.



قَالَ في «المغني»: فإن الأمرين جميعًا جاء عن رسول الله - ﷺ - على ما روته عائشة عنه (١). والإقعاء مكروه، والافتراش عندنا أفضل من التربع على أظهر أقوال الشافعي (٢).
ثالثها: ينصب ركبته اليمنى كالقارئ بين يدي المقرئ. وعند مالك: يتربع. كما ذكره القرافي في «الذخيرة» (٣)، وقال في «المغني» عن أحمد: يقعد متربعًا في حال القيام ويثني رجليه في الركوع والسجود (٤)، ثم القعود في حقه - ﷺ - كالقيام في حال القدرة وغيرها تشريفًا له وتخصيصًا.

----------------
(١) «المغني» ٢/ ٥٦٩.
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٢٣٥.
(٣) «الذخيرة» ٢/ ١٦٣.
(٤) «المغني» ٢/ ٥٦٩.



١٧ - باب فَضْلِ الصلاة عند الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الوُضُوءِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
١١٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: «يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ». قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: «دَفَّ نَعْلَيْكَ» يَعْنِي: تَحْرِيكَ. [مسلم: ٢٤٥٨ - فتح: ٣/ ٣٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: «يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ ..» الحديث.
أخرجه النسائي (١)، كما نبه عليه ابن عساكر، وأهمله الطرقي، وذكر أبو مسعود والطرقي أن مسلمًا أخرجه في الفضائل، وكذا ذكره الحميدي في المتفق عليه في مسند أبي هريرة (٢).
واسم أبي أُمامة: حماد بن أسامة. وأبو حيان اسمه: يحيى بن سعيد بن حيان التيمي. واسم أبي زرعة: هَرِمْ بن عمرو بن جرير بن عبد الله.
قوله: «بأرجى عمل عملته» أي: لأنه قد يعمل في السر ما لا يعلمه - ﷺ -، وإنما رجى بلال ذلك لما علم أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان.
وفيه: سؤال الصالحين عما يهديهم الله إليه من الأعمال المقتدى بهم فيها ويتمثل رجاء بركتها.

-------------------
(١) في «السنن الكبرى» ٥/ ٦٤ (٨٢٣٦).
(٢) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ٣/ ١٦٤ (٢٣٨٧).



و«دفَّ نعليك» بالفاء المشددة. أي: تحريك نعليك كما هو في بعض نسخ البخاري، والدف: الحركة الخفيفة. -وهو بفتح الدال المهملة- وحكى أبو موسى المديني في «مغيثه» إعجامها. قَالَ صاحب «العين»: دف الطائر؛ إذا حرك جناحيه، ورجلاه في الأرض (١). وقال ابن التين: دوي نعلك: حفيفهما، وما يسمع من صوتهما، والدف: السير السريع. وفي رواية ابن السكن: «دوي نعليك» -بضم الدال المهملة- وهو الصوت، وعند الإسماعيلي: «حفيف نعليك». وللحاكم: «خشخشتك أمامي» (٢).
وقوله: («بين يدي في الجنة») أي: أنه رأه بموضع بين يديه، كأن بلالًا تقدمه.
وفي الحديث دليل على أن الله تعالى يعظم المجازاة على ما يسر به العبد بينه وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد. وقد استحب ذلك العلماء -أعني: أعمال البر- ليدخرها، ومن ذلك ما وقع لبلال، فإنه لم يعلم به الشارع حَتَّى أخبره.
وفيه: فضيلة الوضوء والصلاة عقبها؛ لئلا يبقى الوضوء خاليًا عن مقصوده، وإنما فعل ذلك بلال؛ لأنه علم أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان كما سلف، فلازم.
وقوله: (لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت). قد يستدل به من يرى أن كل صلاة لها سبب تصلى، وإن كان وقت الكراهة، والطهور هنا يحتمل الأمرين: الغسل والوضوء.

----------------
(١) «العين» ٨/ ١١.
(٢) «المستدرك» ١/ ٣١٣ كتاب: صلاة التطوع، وفي ٣/ ٢٨٥ كتاب: معرفة الصحابة.



١٨ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي العِبَادَةِ
١١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الحَبْلُ؟». قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ». [مسلم: ٧٨٤ - فتح: ٣/ ٣٦]

١١٥١ - قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟». قُلْتُ: فُلَانَةُ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ. فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا، فَقَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا». [انظر: ٤٣ - مسلم: ٧٨٥ - فتح: ٣/ ٣٦]
ذكر فيه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتيْنِ .. الحديث.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ (١)، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَة مِنْ بَنِي أَسَدٍ .. الحديث.
أما حديث أنس فأخرجه مسلم في الصلاة (٢)، وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وأغرب الحميدي فذكره في أفراد البخاري (٣).

---------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري، فإذا قال البخاري: قال فلان، أو قال لي فلان وما أشبه ذلك فكان المسند إليه القيل فإن قيل بدله حدثنا لكن الغالب استعمال ذلك في المذاكرة، وقيل: قال لي فلان أرفع من قال فلان.
(٢) برقم (٧٨٤) باب: أمر مَن نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن ..
(٣) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٦٣٠ (٢٠٧٧).



وشيخ البخاري فيه: أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج.
وزينب هذِه هي ابنة جحش، كما جاء في رواية أبي بكر بن أبي شيبة وغيره (١). وفي أبي داود: حمنة بنت جحش (٢). وقال ابن الجوزي في حديث: فقالوا فلانة تصلي: هي حمنة. وقيل: أختها زينب أم المؤمنين. وقيل: ميمونة بنت الحارث. وذكر في «الموطأ» أنها الحولاء بنت تويت (٣).
وأما حديث عائشة فقد سلف مسندًا في باب: أحب الدين إلى الله أدومه من كتاب الإيمان من حديث يحيى بن سعيد عن هشام (٤)، ورواه أبو نعيم من حديث محمد بن غالب، عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، وقال في آخره: ورواه -يعني: البخاري- وقال: قَالَ عبد الله بن مسلمة، وأسنده الإسما عيلي من طريق يونس، عن ابن وهب، عن مالك. ورواه مسلم من حديث ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة (٥).
وفيه: الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، وقد قَالَ تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] والله أرحم بالعبد من نفسه.

----------
(١) قال الحافظ ابن حجر: جزم كثير من الشراح تبعًا للخطيب في «مبهماته» بأنها بنت جحش أم المؤمنين، ولم أر ذلك في شيء من الطرق صريحًا. ووقع في شرح الشيخ سراج الدين بن الملقن أن ابن أبي شيبة رواه كذلك، لكني لم أر في «مسنده» و«مصنفه» زيادة على قوله: «قالوا لزينب» أخرجه عن إسماعيل بن علية عن عبد العزيز ا. هـ «الفتح» ٣/ ٣٦.
(٢) في «سنن أبي داود» برقم (١٣١٢) باب: النعاس في الصلاة.
(٣) «الموطأ» ص ٩٣ باب: ما جاء في صلاة الليل.
(٤) حديث (٤٣).
(٥) برقم (٧٨٥) باب: أمر مَن نعس في صلاته.



وفيه: الأمر بالإقْبَال عليها بنشاط، وإذا فتر فليقعد حَتَّى يذهب الفتور، وإزالة المنكر باليد لمن تمكن منه، وجواز التنفل في المسجد وذلك لأنها كانت تصليها فيه فلم ينكر عليها، وكراهية الاعتماد على الشيء في الصلاة، ويأتي إن شاء الله في باب: استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة (١)، من كره ذلك ومن أجازه، وإنما كره التشديد في العبادة، خشية الفتور والملالة، وقد قَالَ الشارع: «خير العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل» (٢) وقَالَ الرب ﷻ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فكره الإفراط في العبادة؛ لئلا ينقطع عنها المرء فيكون كأنه رجوع فيما بذله من نفسه للرب ﷻ وتطوع به.
وقوله: (فذكر من صلاتها) هو من قول عروة أو من رواة الحديث، وهو تفسير لقول عائشة: لا تنام الليل. ووصفتها بالامتناع من النوم؛ لأنه دأب الصالحين.
واختلف قول مالك فيمن يحيى الليل كله، فكرهه مرة، وهو مذهب الشافعي، وفي الشارع أسوة حسنة، كان يصلي أدنى من ثلثي الليل ونصفه، ثم رجع فقال: لا بأس به ما لم يضر بصلاة الصبح (٣).
وقوله: («لا يمل حَتَّى تملوا») أي: لا يمل من الثواب حَتَّى تملوا أنتم من العمل الذي هو شأنكم. ومعنى الملل من الله: ترك الإعطاء.
ومعناه هنا: السآمة. إلا أنه لما كان الأمر من الترك وصف تركه

-----------------
(١) انظر ما سيأتي برقم (١١٩٨).
(٢) يأتي برقم (٥٨٦١) كتاب: اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٢٦، «التهذيب» ٢/ ٢٣٥، «البيان» ٢/ ٢٨٢.



بالملل على معنى المقابلة، وليس فيه ما يدل على أنه يمل العطاء إذا مللنا العمل، إلا من جهة دليل الخطاب إذا علق بالغاية، وبه قَالَ القاضي أبو بكر، وذكر الداودي أن أحمد بن أبي سليمان قَالَ: معناه: لا يمل وأنتم تملون. وقيل هي ها هنا بمعنى: حين. فهذِه أربعة أقوال.
وقال الهروي: قيل: إن الله لا يمل أبدًا مللتم أو لم تملوا، فجرى هذا مجرى قول العرب: حَتَّى يبيض القار (١).
ومعنى: («فعليكم بما تطيقون من الأعمال») يحتمل الندب لنا إلى أن نكلف بما لنا به طاقة أو نهينا عما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما يطيقه، وهو الأليق.
وقوله: («من الأعمال») أراد به عمل البر؛ لأنه ورد على سببه،
وهو قول مالك: إن اللفظ الوارد على سبب مقصور عليه؛ ولأنه ورد من جهة صاحب الشرع فيجب أن يحمل على الأعمال الشرعية.
وقوله: («بما تطيقون») يريد: بما لكم المداومة عليه طاقة، وقد اختلف السلف في التعليق بالحبل في النافلة عن الفتور والكسل، فذكر ابن أبي شيبة عن أبي حازم أن مولاته كانت في أصحاب الصفة قالت: وكانت لنا حبال نتعلق بها إذا فترنا ونعسنا في الصلاة، فأتى أبو بكر فقال: اقطعوا هذِه الحبال وأفضوا إلى الأرض. وقال حذيفة في التعلق في الصلاة: إنما يفعل ذلك اليهود (٢).
ورخص في ذلك آخرون. قَالَ عراك بن مالك: أدركت الناس في رمضان يربط لهم الحبال فيمسكون بها من طول القيام (٣).

-----------
(١) كما في «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير ٤/ ٣٦٠.
(٢) «المصنف» ١/ ٢٩٧ (٣٤٠٣ - ٣٤٠٤).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩٧ (٣٤١٠) مَن كان يتوكأ.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #245  
قديم 04-02-2026, 06:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 121 الى صـــ 140
الحلقة (245)






وقد أسلفنا الكلام على هذا الحديث في باب: أحب الدين إلى الله أدومه (١)، ولما طال العهد أشرنا إليه أيضًا.
---------
(١) راجع شرح حديث (٤٣).


١٩ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ
١١٥٢ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ».
وَقَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي العِشْرِينَ، حَدَّثَنَا الأوزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ الَحكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ مِثْلَهُ. وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٣/ ٣٧]
ذكر فيه حديث عَبَّاسِ بْنُ الحُسَيْنِ، ثَنَا مُبَشِّرٌ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ أَبُو الحَسَنِ أنا (١) عَبْدُ اللهِ، أنا (٢) الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصي قَالَ لِي رَسُولُ اللهِﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ».
ثم قال: وَقَالَ هِشَامٌ: أنا ابن أَبِي العِشْرِينَ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْييَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ مِثْلَهُ. تَابَعَهُ عَمْرُو ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم، والنسائي، وابن ماجه

----------
(١) في هامش الأصل علامة أنه في نسخة (ثنا).
(٢) في هامش الأصل علامة أنه في نسخة (ثنا).



هنا (١).
واختلف على الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو وأبي عمرو. فرواه عبد الله بن المبارك، ومبشر بن إسماعيل الحلبي، وجماعات عن يحيى، عن أبي سلمة (٢). ورواه عمرو بن أبي سلمة، وعبد الحميد بن حبيب ابن أبي العشرين وغيرهما عنه، عن يحيى، عن عمر بن ثوبان، عن أبي سلمة (٣) فأدخلوا بين يحيى وأبي سلمة عمر بن الحكم بن ثوبان.
قَالَ ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث عبد الحميد فقال: قَالَ أبي: الناس يقولون يحيى عن أبي سلمة، لا يدخلون بينهم عمر، وأحسب أن بعضهم قَالَ: يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - (٤).
ومتابعة عمرو أخرجها مسلم، عن أحمد بن يوسف، عنه (٥).
ومتابعة هشام -وهو ابن عمار- أسندها الإسماعيلي فقال: أخبرني ابن أبي حسان، ومحمد بن محمد، ثنا هشام بن عمار، فذكره. ورواها أبو نعيم أيضًا فقال: حَدَّثنَا أبو الحسين محمد بن المظفر، ثنا محمد بن خريم، ثنا هشام، فذكره (٦).

---------
(١) مسلم برقم (١١٥٩) باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به ..، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٢٥٣، ذم من ترك قيام الليل. وابن ماجه برقم (١٢٢١) باب: ما جاء في قيام الليل.
(٢) هذا الطريق في «السنن الكبرى» للنسائي برقم ١/ ٤١١ (١٣٠٣).
(٣) هذا الطريق عند ابن خزيمة في «صحيحه» برقم (١١٢٩) ٢/ ١٧٣ باب: كراهة ترك صلاة الليل ..
(٤) «علل الحديث» ١/ ١٢٥ (٣٤٤).
(٥) برقم (١١٥٩/ ١٨٥) باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به ..
(٦) «المسند المستخرج على صحيح مسلم» ٣/ ٢٣٧ (٢٦٣٤).



وعبد الحميد -كاتب الأوزاعي- ليس بالقوي. قاله النسائي.
وعباس -شيخ البخاري وهو القنطري- قَالَ: عبد الله بن أحمد: كان ثقة، سألت أبي عنه فذكره بخير، وقال أبو حاتم: مجهول، مات سنة أربعين ومائتين، وعنه البخاري فقط (١).
وفيه: النهي عن ترك تهجد اعتاده، وكذا ما أخذ فيه من العمل، ثم قطعه، وقد عاب الله قومًا بذلك فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] فاستحقوا الذم حين لم يفوا بما تطوعوا به، ولا رعوه حق رعايته، فصار رجوعًا منهم عنه، فكذلك لا ينبغي أن يلتزم بعبادة ثم يرجع عنها، بل ينبغي الترقي كل يوم في درج الخير، ويرغب إلى الله أن يجعل خاتمة عمله خيرًا، ولذلك كان - ﷺ - لا يحب من العمل إلا ما دام عليه صاحبه وإن قل (٢). فإن كان قطعه لعذر كمرض ونحوه فأجره مستمر، كما نطق به الحديث الصحيح الآتي في البخاري: «كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا» (٣). وفي كتاب الله ما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ [التين: هـ] يعني: بالهرم والضعف ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٦] أي: غير مقطوع، وإن ضعفوا عن العمل يكتب لهم أجر عملهم في الشباب والصحة.

------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٧ (٢٤). و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢١٥ (١١٨٢). و«تهذيب الكمال» ١٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨ (٣١١٦).
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: واعلم أن ابن بطال لما ذكر ترجمة الباب لم يذكر حديثه ولا تعليقه وإنما ذكر فيه حديث الباب بعده.
(٣) يأتي برقم (٢٩٩٦) كتاب: الجهاد والسير، باب: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة.



واعلم أن ابن بطال لما ذكر الباب لم يذكر حديثه، ولا تعليقه، وإنما ذكر فيه حديث الباب بعده (١).
-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٤٦.
قلت: كرر الناسخ في حاشيته هذِه الفقرة وكتبناها كما أشار إلى ذلك فقال: من خط الشيخ … فذكرها.



٢٠ - باب
١١٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي العَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رضي الله عنهما: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟» قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ. قَالَ: «فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقٌّ، وَلأَهْلِكَ حَقٌّ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ». [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٣/ ٣٨]
كذا ذكره ولم يترجم له.
وذكر فيه حديث أبي العباس السائب بن فروخ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَلمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ …» الحديث.
ويأتي في الصوم (١)، وأحاديث الأنبياء (٢) وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي في الصوم (٣).
رواه عن أبي العباس عمرو، وهو ابن دينار، وعنه سفيان وهو ابن عيينة، وعنه علي بن عبد الله؛ وهو ابن المديني، والحميدي، وقال: حَدَّثَنَا سفيان، ثنا عمرو بن دينار، سمعت أبا العباس الأعمى، سمعت عبد الله بن عمرو، فذكره.
فيه: سؤالُ الكبيرِ الكبيرَ عن عمل بعض رعيته إذا بلغه، والشفقة عليهم،
وتأديبهم، وإرشادُهم إلى مصالحهم دينًا ودنيا، وحملهم على طا قتهم.

-------------
(١) برقم (١٩٧٩) باب: صوم داود -عليه السلام -.
(٢) برقم (٣٤١٩) باب: قول الله تعالى: «وآتينا داود زبورًا».
(٣) «صحيح مسلم» (١١٥٩) كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، و«سنن الترمذي» (٧٧٠) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في سرد الصوم، و«سنن النسائي» ٤/ ٢٠٩: ٢١٢ كتاب: الصوم، باب: صوم يوم وإفطار يوم.



وقوله: («هجمت عينك») أي: غارت وضعفت ودخلت في موضعها، ومنه الهجوم على القوم أي: الدخول عليهم. زاد الداودي: «ونحل جسمُك».
وقوله: («ونفهت نفسك») أي: أعيت بفتح الفاء، كذا قيده شيخنا قطب الدين، وبخط الدمياطي علامة كسرها، وذلك ربما أدى إلى ترك الفروض.
وقوله: («إن لنفسك حقًّا») يريد: ما جعل الله للإنسان من الراحة المباحة، فيستخرج الطاعة منها مع سلامتها.
وقوله: («ولأهلك حقًا») يريد في الوطء وإنفاق الصحبة، وغير ذلك؛ لأنه ربما أضعفه ذلك عن طلب الكفاف.


٢١ - باب فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى (١)
١١٥٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ للهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ». [فتح: ٣/ ٣٩]

١١٥٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي الهَيْثَمُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهوَهُوَ يَقْصُصُ فِي قَصَصِهِ- وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ». يَعْنِى بِذَلِكَ: عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ.
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ … إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا … بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ
تَابَعَهُ عُقَيْلٌ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ وَالأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -. [٦١٥١ - فتح: ٣/ ٣٩]

١١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، فَكَأَنِّي لَا أُرِيدُ مَكَانًا مِنَ الجَنَّةِ إِلاَّ طَارَتْ إِلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ: لَمْ تُرَعْ، خَلِّيَا عَنْهُ. [انظر: ٤٤٠ - مسلم: ٢٤٧٩ - فتح: ٣/ ٣٩]

-----------
(١) ورد بعده في الأصل: قال أبو عبد الله: تعار: استيقظ. وعليها (نسخة من … إلى).


١١٥٧ - فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - إِحْدَى رُؤْيَايَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ». فَكَانَ عَبْدُ اللهِ - رضي الله عنه - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. [انظر: ١١٢٢ - مسلم: ٢٤٧٩ - فتح: ٣/ ٤٠]

١١٥٨ - وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَتْ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيْهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ». [٢٠١٥، ٦٩٩١ - مسلم: ١١٦٥ - فتح: ٣/ ٤٠]
ذكر فيه حديث عبادة بن الصامت:
عَنِ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ» الحديث.
وعن الليث، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عن الهَيْثَمُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهوَهُوَ يَقْصُصُ فِي قَصَصِهِ- وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَث». يَعْنِي بِذَلِكَ: عَبْدَ الله بْنَ رَوَاحَةَ.
وَفِيينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ … إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ ساطِعُ
أَرَانَا الهُدى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا … بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ
تَابَعَهُ عُقَيْلٌ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ وَالأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وذكر حديث ابن عمر: قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ .. الحديث.
الشرح:
حديث عبادة من أفراده، وأخرجه الأربعة: أبو داود في الأدب (١)،

---------------
(١) «سنن أبي داود» (٥٠٦٠) باب: يقول الرجل إذا تعار من الليل.


والترمذي في الدعوات وقال: حسن غريب صحيح (١)، والنسائي في اليوم والليلة (٢)، وابن ماجه في الدعوات (٣).
وفيه: الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي (٤).
وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا في هجاء المشركين من الأدب (٥)، وهو من أفراده أيضًا، ورواه الإسماعيلي من حديث أصبغ عن ابن وهب، عن يونس. والإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن يونس.
وقوله: (تابعه عقيل) أي: تابع يونس عقيل في رواية ابن شهاب عن الهيثم.
والزبيدي هو محمد بن الوليد الحمصي.
وسعيد هو ابن المسيب.
والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. وحديث ابن عمر تقدم بعضه في فضل قيام الليل (٦) (٧).
وأيوب هو ابن أبي تميمة. وأخرجه مسلم (٨).
وشيخ البخاري أبو النعمان هو محمد بن الفضل السدوسي عارم،

------------
(١) «سنن الترمذي» (٣٤١٤) باب: ما جاء في الدعاء إذا تنبه من الليل.
(٢) «عمل اليوم والليلة» ص ٢٥٣ (٨٦٧).
(٣) «سنن ابن ماجه» (٣٨٧٨) باب: ما يدعو إذا انتبه من الليل.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: قول الشيخ: وفيه الوليد ثنا الأوزاعي: أشار به إلى أن الوليد مدلس لكنه صرح بالتحديث.
(٥) سيأتي برقم (٦١٥١).
(٦) ورد في هامش الأصل: وفي نوم الرجال في المسجد.
(٧) سبق برقم (١١٢١) كقال: التهجد.
(٨) «صحيح مسلم» (٢٤٧٩) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: من فضائل عبد الله بن عمر.



مات في صفر، بعد العشرين والمائتين (١).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
(«تعار من الليل») استيقظ، وقيل: إنما يكون مع صوت. وقيل: لا يقال: تعار إلا لمن قام وذكر. وظاهر الحديث الأولُ؛ لأنه قَالَ: «من تعار .. فقال» فعطف القول بالفاء على (تعار)، فهذا من قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: - ١٥٢] فجمع في هذا الحديث ما في هذِه الآية، ومن ذكره الله لا يعذبه، ومن قبل له حسنة قبل له سائر عمله؛ لأنه يعلم عواقب الأمور وما يحبط الأعمال، فلا يقبل شيئًا ثم يحبطه، قاله الداودي.
ثانيها:
حديث عُبادةَ شريف عظيم القدرة وفيه ما وَعَدَ الله عباده على التيقظ من نومهم لهَجة ألسنتهم بشهادة التوحيد له والربوبية، والإذعان له بالملك، والاعتراف له بالحمد على جزيل نعمه التي لا تحصى، رطبة أفواههم بالقدرة التي لا تتناهى، مطمئنة قلوبهم بحمده وتسبيحه وتنزيهه عما لا يليق بالإلهية من صفات النقص، والتسليم له بالعجز عن القدرة عن نيل شيء إلا به، فإنه وعد بإجابة دعاء من بهذا دعاه، وقبول صلاة من بعد ذلك صلى، وهو تعالى لا يخلف الميعاد.
فينبغي لكل من بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته لربه العظيم أن يرزقه حظًّا من قيام الليل، فلا عون إلا به، ويسأله فكاك

--------------
(١) ورد في هامش الأصل: في «الكاشف» سنة أربع. وفي … لابن عساكر: وقيل: سنة ثلاث.


رقبته من النار، وأن يوفقه لعمل الأبرار، وأن يتوفاه على الإسلام، فقد سأل ذلك الأنبياء الذين هم خيرة الله وصفوته من خلقه، فمن رزقه الله حظًّا من قيام الليل فليكثر شكره على ذلك، ويسأله أن يديم له ما رزقه، وأن يختم له بفوز العاقبة وجميل الخاتمة.
قَالَ أبو عبد الله الفربري: أجريت هذا الدعاء على لساني عند انتباهي من النوم ثم نمت فجاءني جاءٍ فقرأ هذِه الآية: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ (٢٤)﴾ [الحج: - ٢٤].
ثالثها:
قوله: («فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلل شيء قدير») وروي عنه - ﷺ - أنه قَالَ فيه أنه «خير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي» (١).
وروى عنه أبو هريرة أنه قال: «من قَالَ ذلك في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حَتَّى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل بما جاء، إلا أحد عمل أكثر من عمله ذلك» (٢).

------------
(١) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٢٤٥ (٦٢١) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الدعاء، وعبد الرزاق ٤/ ٣٧٨ (٨١٢٥) كتاب: المناسك، باب: فضل أيام العشر والتعريف في الأمصار، والبيهقي ٥/ ١١٧ كتاب: الحج، باب: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. ثم قال: هذا مرسل، وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولًا ووصله ضعيف.
ورواه الترمذي (٣٥٨٥) كتاب: الدعوات، باب: في الدعاء يوم عرفة، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحسنه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٢) سيأتي برقم (٣٢٩٣) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.



وقوله: («الحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة
إلا بالله»). وفي نسخة: «ولا إله إلا الله» خرج مالك عن سعيد بن
المسيب أنه قَالَ: الباقيات الصالحات قول العبد ذلك، بزيادة لا إله
إلا الله (١). كما ذكرناه عن بعض النسخ فجعلها خمسًا بتقديم وتأخير.
وروي عن ابن عباس: هي: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (٢). جعلها أربعًا.
رابعها:
قوله: («إن أخًا لكم») القائل هذا هو رسول الله - ﷺ -، وهو دال على أن حسن الشعر محمود كحسن الكلام، وبين أن قوله - ﷺ -: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حَتَّى يريه، خير له من أن يمتلئ شعرًا» (٣) لا يراد به كل الشعر، إنما المراد الشعر الذي فيه الباطل والهجر من القول؛ لأنه - ﷺ - قد نفي عن ابن رواحة بقوله هذِه الأبيات؛ قول الرفث، وإذا لم تكن من الرفث فهي في حيز الحق، والحق مرغوب فيه، مأجور عليه صاحبه، وذكر هذِه الأبيات لأن فيها أنه - ﷺ - يبيت يجافي جنبه عن فراشه، وهو - ﷺ - لا يفعل إلا ما فيه الفضل، فلما كان تلاوة القرآن وهجر الفراش من الفضائل لما فعله، فهو داخل في هذا الباب.
خامسها:
قوله في حديث ابن عمر: (إحدى رؤياي). كذا هنا ويجوز رُؤَتَيَّ أو

---------------
(١) «الموطأ» ص ١٤٨ (٢٣) كتاب: القرآن، باب: ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى.
(٢) رواه الطبري في «التفسير» ٨/ ٢٣٠ (٢٣٠٩١ - ٢٣٠٩٣).
(٣) سيأتي برقم (٦١٥٥) كتاب: الأدب، باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر.



رؤاتيَّ، وفيه: أن قيام الليل ينجي من النار، وقد سلف.
وقوله: («أرى رؤياكم قد تواطت في العشر الأواخر») هكذا وقع في سائر النسخ وأصله مهموز، تواطأت على وزن تفاعلت، لكنه وقع على التسهيل، ومعنى «تواطأت»: اتفقت واجتمعت. ذكره الداودي (١).

----------------
(١) ورد بهامش الأصل: وفي أصل الدمياطي بالهمزة.


٢٢ - باب المُدَاوَمَةِ عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ
١١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - العِشَاءَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا، وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ٣/ ٤٢]
ذكر فيه حديث عائشة قالت: صَلى النَّبِيُّ - ﷺ - العِشَاءَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا، وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا.
هذا بعض طرق عائشة في قيام الليل.
وفيه: تأكد ركعتي الفجر، وأنهما من أشرف التطوع؛ لمواظبته عليهما، وملازمته لهما، وعند المالكية خلاف هل هي سنة أم من الرغائب؟ فالصحيح عندهم أنها سنة (١)، وهو قول جماعة العلماء، وذهب الحسن البصري إلى وجوبها (٢)، وهو شاذ لا أصل له، قاله الدوادي. ولم يثبت من عائشة هنا في الحضر ولا في السفر. والمراد بـ (بين النداءين): الأذان والإقامة، وهو وقتها.
وقوله: (وركعتين جالسًا). هذا فعله بعض الأحيان؛ لبيان الجواز، وإلا فالمستقرأ من حاله أن الوتر كان آخر صلاته، ففي مسلم كان يصلي من الليل حَتَّى تكون آخر صلاته الوتر (٣)؛ فهو قال -كما قَالَ البيهقي- على تركها بعد الوتر (٤) وقد أمر بأن نجعل آخر صلاتنا بالليل وترًا،

---------------
(١) انظر: «المعونة» ١/ ١١٨.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩ (٦٣٣٠) كتاب: الصلوات، باب: في ركعتي الفجر.
(٣) «صحيح مسلم» (٧٤٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى.
(٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧٦ كتاب: الصلاة، باب: الحلق والجلوس في المسجد. =



أخرجاه (١).
فائدة: روى البيهقي من حديث أبي غالب عن أبي أمامة أنه - ﷺ - كان يقرأ في هاتين الركعتين وهو جالس ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] وفي رواية له عن أنس مثله (٢)، وعن أنس أيضًا: فقرأ فيهما بالرحمن والواقعة (٣).
وترجم المحاملي في كتابه: باب: ركعتين بعد الوتر، ثم قَالَ: ويصلي بعد الوتر ركعتين قاعدًا متربعًا، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وفي الثانية بعدها ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١)﴾ وإذا ركع وضع يديه على الأرض، ويثني رجليه كما يركع القائم ومثله في السجود يثني رجليه، (٤) وهو غريب.
فائدة:
في فضل ركعتي الفجر سيأتي في البخاري من حديث عائشة: لم يكن النبي - ﷺ - في شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه عليهما (٥).
وصح من حديثها: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٦) وفي لفظ: «هما أحب إلى من الدنيا جميعًا» (٧).

---------------
= ورواه مسلم برقم (٧٥١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى.
(١) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٣ كتاب: الصلاة، باب: في الركعتين بعد الوتر.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
(٤) «اللباب» ص ١٣٧.
(٥) سيأتي برقم (١١٦٩) كتاب: التهجد، باب: تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعًا.
(٦) رواه مسلم (٧٢٥/ ٩٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي الفجر والحث عليهما.
(٧) رواه مسلم (٧٢٥/ ٩٧).



وفي لفظ: ما رأيته في شيء من النوافل أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر (١). ويروى ولا إلى غنيمة. رواه ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد ابن عمير عنها (٢).
وقال أبو هريرة: لا تدع ركعتي الفجر ولو طرقتك الخيل (٣).
وهذا رواه أحمد وأبو داود مرفوعًا عنه: «لا تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل» (٤).
وقال عمر: هما أحب إلى من حمر النعم (٥). وقال إبراهيم: إذا صلى ركعتي الفجر ثم مات أجزأه من صلاة الفجر (٦).
وقال علي: سألت رسول الله - ﷺ - عن إدبار النجوم قَالَ: «ركعتين بعد الفجر». قَالَ علي: وإدبار السجود ركعتين بعد المغرب (٧).

-----------------
(١) سيأتي برقم (١١٦٩) كتاب: التهجد، باب: تعاهد ركعتي الفجر، ورواه مسلم برقم (٧٢٤/ ٩٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي الفجر.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩ (٦٣٢٢) كتاب: الصلوات، باب: في ركعتي الفجر، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ١٦٠ - ١٦١ (١١٠٨) كتاب: الصلاة، باب: المسارعة إلى الركعتين قبل الفجر اقتداء بالنبي المصطفي - ﷺ -، وابن حبان في «صحيحه» ٦/ ٢١٠ (٢٤٥٧) كتاب: الصلاة، باب: النوافل.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩ (٦٣٢٣) كتاب: الصلوات، باب: في ركعتي الفجر.
(٤) «سنن أبي داود» (١٢٥٨) كتاب: الصلاة، باب: في تخفيفهما، و«مسند أحمد» ٢/ ٤٠٥. ورواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٩٩.
قال الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (٢٣٣): إسناده ضعيف، قال عبد الحق الإشبيلي: ليس بالقوي وعلته ابن سيلان واسمه على الأرجح: عبد ربه، وحاله مجهولة.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩ (٦٣٢٥) كتاب: الصلوات، باب: في ركعتي الفجر.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩ (٦٣٢٨).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥٩ (٨٧٥٢ - ٨٧٥٣) كتاب: الصلوات، باب: في ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ و﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. وفيه: ركعتان قبل الفجر، والطبري في =



وروي مثله عن عمر وأبي هريرة (١).
فرع:
اختلف العلماء في الوقت الذي يقضيها فيه من فاتته، فأظهر أقوال الشافعي: تقضى مؤبدًا ولو بعد الصبح (٢). وهو قول عطاء وطاوس، ورواية عن ابن عمر، وأبى مالك ذلك (٣)، ونقله ابن بطال عن أكثر العلماء (٤).
وقالت طائفة: يقضيها بعد طلوع الشمس، روي ذلك عن ابن عمر والقاسم بن محمد (٥)، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ورواية البويطي عن الشافعي (٦).
وقال مالك ومحمد بن الحسن: يقضيهما بعد الطلوع إن أحب (٧).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يقضيهما من فاتته، وليسا بمنزلة الوتر (٨).

--------------
= «تفسيره» ١١/ ٥٠١ (٣٢٤١٠ - ٣٢٤١١)، و١١/ ٤٣٦ (٣١٩٧٣ - ٣١٩٧٧) كلاهما عن علي موقوفًا.
(١) رواهما ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥٩ (٨٧٥٤ - ٨٧٥٥)، والطبراني في «تفسيره» ١/ ٤٣٦ (٣١٩٧٨).
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٣٣٧.
(٣) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٢٧.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٥٠.
(٥) «الأوسط» ٥/ ٢٢٧.
(٦) «الأوسط» ٥/ ٢٢٨.
(٧) «الاستذكار» ٢/ ١٣٣، «مختصر خلافيات البيهقي» ١/ ٢٧٣.
(٨) «الأصل» ١/ ١٦١.



فرع:
عند المالكية من دخل المسجد وقد أصبح صلى ركعتي الفجر فقط.
وقيل: بعد التحية، ولو ركع في بيته ففي ركوعه روايتان، ثم في تعيينها قولان (١).
فرع:
من لم يصلهما وأدرك الإمام في صلاة الصبح أو أقيمت عليه فقالت طائفة: «لا صلاة إلا المكتوبة»، وروي عن عمر وابنه وأبي هريرة (٢) وبه قَالَ الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣).
وفيه قول ثان: أنه يصليهما في المسجد والإمام يصلي، روي ذلك عن ابن مسعود (٤)، وبه قال الثوري والأوزاعي، إلا أنهما قالا: إن خشي أن تفوته الركعتان دخل مع الإمام، وإن طمع بإدراك الركعة الثانية صلاهما ثم دخل مع الإمام، وقال أبو حنيفة مثله، إلا أنه قَالَ: لا يركعهما في المسجد (٥).
وقال مالك: إن دخل المسجد فلا يركعهما وليدخل معه في الصلاة، وإن كان خارج المسجد ولم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركعهما، وإن خاف أن تفوته الأولى فليدخل وليصلي معه، ثم يصليهما إن أحب بعد طلوع الشمس.

--------------
(١) «الذخيرة» ٢/ ٤٠١.
(٢) «الأوسط» ٥/ ٢٣٠.
(٣) «الأوسط» ٥/ ٢٣١، «المغني» ٢/ ١١٩.
(٤) «الأوسط» ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٥) «الهداية» ١/ ٧٧.



فرع:
من ظن أن الفجر طلع فركعهما، ثم علم أنه ركعهما قبل طلوعه أعادهما، ذكره في «المدونة» (١) وقال ابن الماجشون: لا يعيدهما، وذكره عن ربيع والقاسم وسالم، وإن لم يعلم هل كان طلع: ففي «المدونة»: أرجو أن لا بأس به، وقال أشهب: إذا ركعهما وهو لا يوقن بالفجر لم تجزئاه (٢).
فرع:
ثبت في الصحيحين -كما سيأتي- من حديث أبي هريرة أنه - ﷺ - كان يخففهما حَتَّى إني لأقول: هل قرأ فيهما؟ ومشهور مذهب مالك أنه لا يقرأ فيهما إلا بأم القرآن (٣)، وقيل: وسورة قصيرة (٤). وقيل: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وقيل: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] وسيأتي ذلك في بابه واضحًا.

-------------
(١) «المدونة» ١/ ١١٨.
(٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٧.
(٣) «المدونة» ١/ ١١٨، «التفريع» ١/ ٢٦٨.
(٤) «الذخيرة» ٢/ ٣٩٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #246  
قديم 04-02-2026, 06:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 141 الى صـــ 160
الحلقة (246)






٢٣ - باب الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ
١١٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ٣/ ٤٣]
ذكر فيه حديث أبي الأَسْوَدِ، -وهو محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة- عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، اضْطَجَعَ عَلَى شِقهِ الأَيْمَنِ.


٢٤ - باب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ
١١٦١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلاَّ اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٤٣ - فتح: ٣/ ٤٣]
ذكر فيه حديث أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ.
الشرح:
أما حديثها الثاني فأخرجه مسلم أيضًا وأبو داود (١) والترمذي وصححه ولفظه: كان إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كانت له إليَّ حاجة كلمني وإلا خرج إلى الصلاة. ثم قَالَ: وقد كره بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم الكلام بعد طلوع الفجر حَتَّى يصلي صلاة الفجر، إلا ما كان من ذكر الله أو مما لا بد منه، وهو قول أحمد وإسحاق (٢).
ولفظ أبي داود: وكان إذا قضى صلاته من آخر الليل نظر، فإن كنت مستيقظة حَدَّثَني، وإن كنت نائمة أيقظني وصلى الركعتين، ثم اضطجع حَتَّى يأتيه المؤذن فيؤذنه بصلاة الصبح، فيصلي ركعتين خفيفتين ثم يخرج إلى الصلاة.

--------
(١) «صحيح مسلم» (٧٤٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ -.
«سنن أبي داود» (١٢٦٢ - ١٢٦٣) كتاب: التطوع، باب: الاضطجاع بعدها.
(٢) «سنن الترمذي» (٤١٨) في الصلاة، باب: ما جاء في الكلام بعد ركعتي الفجر.



وراويه (١) عن أبي سلمة سالم أبو النضر، وراويه عن سفيان وهو ابن عيينة.
قَالَ البيهقي: ورواه مالك خارج «الموطأ» عن سالم فذكر الحديث عقب صلاة الليل، وذكر اضطجاعه بعد ركعتين قبل ركعتي الفجر، وساق طريق أبي داود السالفة، ثم قَالَ: وهذا بخلاف رواية الجماعة عن أبي سلمة. ثم ساق طريق مسلم عنها قالت: كان النبي - ﷺ - إذا صلى من الليل ثم أوتر ثم صلى الركعتين، فإن كنت مستيقظة حَدَّثَني وإلا اضطجع حَتَّى يأتيه المؤذن. ثم أخرج من طريق الحميدي: حَدَّثَنَا سفيان، ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة عنها كان رسول الله - ﷺ - يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يوتر حركني برجله، وكان يصلي الركعتين فإن كنت مستيقظة حَدَّثَني، وإلا اضطجع حَتَّى يقوم إلى الصلاة (٢).
قَالَ الحميدي: كان سفيان يشك في حديث أبي النضر ويضطرب فيه، وربما شك في حديث زياد، ويقول: يختلط علي.
ثم قَالَ غير مرة: حديث أبي النضر كذا، وحديث زياد كذا، وحديث محمد بن عمرو كذا، على ما ذكرت كل ذلك.
وأما حديثها الأول، فهو من أفراد البخاري، وأخرجه البيهقي من حديث معمر، عن الزهري، عن عروة عنها، ثم قَالَ: أخرجه البخاري وكذلك رواه الأوزاعي وجماعات عددهم عن الزهري، وكذلك قاله أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة.

-------------
(١) ورد في هامش الأصل: يعني: راوي حديث «الصحيح» الذي ساقه.
(٢) «سنن البيهقي الكبرى» ٣/ ٤٥ - ٤٦ كتاب: الصلاة، باب: ما ورد في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.



قلتُ: هو طريق البخاري وخالفهم مالك، فذكر الاضطجاع بعد الوتر، ثم ساقه وعزاه إلى مسلم، كذا قاله مالك، والعدد أولى بالحفظ من الواحد، قَالَ: ويحتمل أن يكونا محفوظين، فنقل مالك أحدهما ونقل الباقون الآخر، واختلف فيه أيضًا عن ابن عباس، فروي عنه أنه كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع.
وروى كريب عنه ما دل على أن اضطجاعه كان بعد الوتر، قَالَ: ويحتمل في ذلك ما احتمل في رواية مالك (١). وذكر عن الذهلي أن الصواب الاضطجاع بعد الركعتين.
وقال مسلم في «التمييز»: وهم مالك في ذلك، وخولف فيه عن الزهري، وسلف عن جماعة رووا عنه أن الاضطجاع بعدهما إذا علمت ذلك.
واختلف العلماء في الضجعة بعد ركعتي الفجر، فذهبت طائفة إلى أنها سنة يجب العمل بها، وعبارة ابن عبد البر: ذهب قوم إلى أن المصلي بالليل إذا ركع ركعتي الفجر كان عليه أن يضطجع، وزعموا أنها سنة، واحتجوا بحديث الباب وغيره بما ذكرناه، وقال: هكذا قَالَ كل من رواه عن ابن شهاب، إلا مالك بن أنس فإنه جعل الاضطجاع فيه بعد الوتر، واحتجوا أيضًا بحديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إذا صلى أحدكم ركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه» (٢).

--------------
(١) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٤ - ٤٥.
(٢) رواه أبو داود (١٢٦١) كتاب: الصلاة، باب: الاضطجاع بعدها، والترمذي (٤٢٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وابن حبان ٦/ ٢٢ (٢٤٦٨) كتاب: الصلاة، باب: النوافل. والبيهقي ٣/ ٤٥ كتاب: =



وذهبت طائفة إلى أنها ليست سنة، وإنما كانت راحة لطول قيامه، واحتجوا بالحديث الثاني عن عائشة، وقد قَالَ ابن القاسم عن مالك: إنه لا بأس بها إن لم يرد بها الفضل. وقال الأثرم: سمعت أحمد يسأل عنها فقال: ما أفعله أنا، فإن فعله رجل. ثم سكت، كأنه لم يعبه إن فعله. قيل له: لمَ لمْ تأخذ به؟ قَالَ: ليس فيه حديث يثبت. قلتُ له: حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قَالَ: رواه بعضهم مرسلًا (١).
وقال ابن العربي: إنه معلول؛ لم يسمعه أبو صالح من أبي هريرة، وبين الأعمش وأبي صالح كلام (٢).
وذكر البيهقي أن الأول في رواية أبي هريرة فكأنه فعله - ﷺ -؛ للرواية التي هي عن محمد بن إبراهيم، عن أبي صالح سمعت أبا هريرة يحدث مروان بن الحكم، أنه - ﷺ - كان يفصل بينها وبين الصبح بضجعة على شقه الأيمن (٣).
وذكر الأثرم من وجوه عن ابن عمر أنه أنكره، وقال: إنها بدعة.
وعن إبراهيم (٤) وأبي عبيدة وجابر بن زيد، أنهم أنكروا ذلك، ومشهور مذهب مالك أنها لا تسن (٥). وقال عياض في هذا الاضطجاع: الاضطجاع بعد صلاة الليل وقبل ركعتي الفجر.

---------------
= الصلاة، باب: ما ورد في الاضطجاع عند ركعتي الفجر.
وصححه النووي -كما سيأتي، والألباني في «صحيح أبي داود» (١١٤٦) قائلًا: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(١) انظر: «التمهيد» ٨/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٢١٧.
(٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٥ الصلاة، باب ما ورد في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٤ (٦٣٨٦) كتاب: الصلوات، باب: من كرهه ٢/ ٥٥ (٦٣٩٢).
(٥) انظر: «المنتقى» ١/ ٢١٥.



وفي الرواية الأخرى عنها، أنه كان - ﷺ - يضطجع بعد ركعتي الفجر.
وفي حديث ابن عباس أن الاضطجاع كان كالأول (١) قَالَ: وهذا فيه رد على الشافعي وأصحابه، في أن الاضطجاع بعدها سنة.
قَالَ: وذهب مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة إلى أنها بدعة، وأشار إلى أن رواية الاضطجاع مرجوحة، ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلها أنه سنة، فكذا بعدهما (٢).
وقالت عائشة: فإن كنت مستيقظة حَدَّثَني، وإلا اضطجع. فهذا يدل على أنه ليس بسنة، واعترض النووي فقال: الصحيح -أو الصواب إن شاء الله- أن الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة، لحديث أبي هريرة السالف: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه». رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح على شرط الشيخين. وقال الترمذي: حسن صحيح، قَالَ: فهذا صحيح صريح في الأمر بالاضطجاع (٣).
وأما حديث عائشة بالاضطجاع بعدها وقبلها، وحديث ابن عباس قبلها، فلا يخالف هذا، فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلها ألا يضطجع بعدها ولعله - عليه السلام - ترك الاضطجاع بعدها في بعض الأوقات بيانًا للجواز لو ثبت الترك فلعله كان يضطجع قبل وبعد (٤).
وقال القرطبي: هذِه ضجعة الاستراحة، وليست بواجبة عند الجمهور، ولا سنة خلافًا لمن حكم بوجوبها من أهل الظاهر، ولمن

-------------
(١) سبق برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره.
(٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤.
(٣) «المجموع» ٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤.
(٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٦ - ٢٠.



حكم بسنتها، وهو الشافعي. وذكر حديث عائشة: فإن كنت مستيقظة حَدَّثَني … الحديث (١).
وذكر البيهقي عن الشافعي أنه أشار إلى الاضطجاع للفصل بين النافلة والفريضة. ثم سواء كان ذلك الفصل بالاضطجاع، أو التحديث، أو التحول عن ذلك المكان أو غيره، والاضطجاع غير متعين لذلك (٢).
ولما ذكر ابن بطال أن هذِه الضجعة سنة يجب العمل بها أنه فعلها أنس، وأبو موسى الأشعري، ورافع بن خديج، ورواية ضعيفة عن ابن عمر ذكرها ابن أبي شيبة (٣)، وروى مثله عن ابن سيرين، وعروة (٤).
قلتُ: وحكاها ابن حزم عن جماعة: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، وأبي موسى الأشعري، وأصحابه، وأبي الدرداء، وأبي رافع، كذا قَالَ، وإنما هو رافع بن خديج، قَالَ: -يعني ابن بطال- وذهب جمهور العلماء إلى أن هذِه الضجعة إنما كان يفعلها للراحة من تعب القيام وكرهوها، وممن كرهها النخعي.
وذكر ابن أبي شيبة قَالَ: قَالَ أبو الصديق الناجي: رأى ابن عمر قومًا قد اضطجعوا بعد ركعتي الفجر، فأرسل إليهم فنهاهم، فقالوا:

--------------
(١) انظر: «المفهم» ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤.
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٦ - ٤٧.
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٥٤ كتاب: الطهارة، باب: الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٥١.



نريد السنة. قَالَ ابن عمر: ارجع إليهم فأخبرهم أنها بدعة (١). ورواه البيهقي أيضًا (٢).
وعن ابن المسيب قَالَ: رأى ابن عمر رجلًا اضطجع بعد الركعتين، فقال: احصبوه.
وقال أبو مجلز: سألت -أعني: ابن عمر- عنها فقال: يتلعب بكم الشيطان.
وعن مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر والحضر فما رأيته اضطجع بعد ركعتي الفجر. وعن إبراهيم قَالَ: قَالَ عبد الله: ما بال الرجل إذا صلى الركعتين يتمعك كما تتمعك الدابة والحمار، إذا سلم فقد فصل. ونحوه عن ابن جبير، وعن الحسن بن عبيد الله قَالَ: كان إبراهيم يكره الضجعة المذكورة. وعنه أنها ضجعة الشيطان، وعن الحسن كراهتها.
وقال ابن جبير: لا يضطجع بعد الركعتين قبل الفجر، واضطجع بعد الوتر -وكل هذِه الآثار في كتاب ابن أبي شيبة- وعن عبد الكريم أن عروة دخل المسجد والناس في الصلاة فركع ركعتين، ثم أمَسَّ جنبه الأرض، ثم قام فدخل مع الناس في الصلاة. وعن ابن عون، عن محمد كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع. وعن أبي هريرة الأمر بها (٣).
وفي أبي داود عن أبي بكرة قَال: خرجت مع النبي - ﷺ - لصلاة

--------------
(١) «المصنف» ٢/ ٥٥ (٦٣٩٤) وانظر «شرح ابن بطال» ٣/ ١٥١.
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٦.
(٣) «المصنف» ٢/ ٥٤ - ٥٥ (٦٣٧٨ - ٦٣٩٦) كتاب: الصلوات، باب: الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، ومن كرهه.



الصبح، وكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة أو حركه برجله (١)، فيه أبو الفضل الأنصاري، وهو غير مشهور. وقال المهلب: هذِه الضجعة منه إنما كانت في الغِبِّ؛ لأنه كان أكثر عمله أن يصليها إذا جاء المؤذن للإقامة. وقال ابن قدامة: إنها سنة على جنبه الأيمن. وأنكره ابن مسعود. وكان القاسم وسالم (يفعلونه) (٢). واختلف فيه عن ابن عمر. وروي عن أحمد أنه ليس بسنة؛ لأن ابن مسعود أنكره (٣).
وحكمة الاضطجاع على الأيمن أن لا يستغرق في النوم؛ لأن القلب في جهة اليسار، فيتعلق حينئذٍ فلا يستغرق، بخلاف ما إذا نام على يساره فإنه في دعة واستراحة فيستغرق.
قَالَ ابن بطال: والحديث الثاني يبين أن الضجعة ليست بسنة، وأنها للراحة، من شاء فعلها، ومن شاء تركها. ألا ترى قول عائشة: (فإن كنت مستيقظة حَدَّثَني، وإلا اضطجع). فدل أن اضطجاعه إنما كان يفعله إذا عدم التحديث معها؛ ليستريح من نصب القيام.
وفي سماع ابن وهب: قيل: فمن ركع ركعتي الفجر، أيضطجع على شقه الأيمن؟ قَالَ: لا. يريد: لا يفعله استنانًا؛ لأنه - ﷺ - لم يفعله استنانًا، وكان ينتظر المؤذن حَتَّى يأتيه (٤).
وإنما ترك الشارع الاستغفار وحدثها، وقد مدح تعالى المستغفرين بالأسحار؛ لأن السحر يقع على ما قبل الفجر كما يقع على ما بعده. ومنه

------------
(١) «سنن أبي داود» (١٢٦٤) كتاب: الصلاة، باب: الاضطجاع بعدها.
وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٣٤).
(٢) في الأصل عليها (كذا).
(٣) «المغني» ٢/ ٥٤٢.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٥٢.



قيل للسحور: سحور؛ لأنه طعام في السحر قبل الفجر، وقد كان - ﷺ - أخذ بأوفر الحظ من القيام، واستغفار الملك العلام. وقد سلف أنه قبل الفجر مطلوب، لقوله: «من يستغفرني فأغفر له؟» (١) والتكلم في أثنائه من شأن يصلحه، وعلمٍ ينشره لا يخرجه عن الاسم المرغوب.
واختلف السلف في الكلام بعد ركعتي الفجر، فقال نافع: كان ابن عمر ربما تكلم بعدهما. وقال إبراهيم: لا بأس أن يسلم ويتكلم بالحاجة بعدهما. وعن الحسن وابن سيرين مثله. وكره الكوفيون الكلام قبل صلاة الفجر إلا بخير (٢). وكان مالك يتكلم في العلم بعد ركعتي الفجر، فإذا سلم من الصبح لم يتكلم مع أحد حَتَّى تطلع الشمس.
قال مالك: لا يكره الكلام قبل الفجر وإنما يكره بعده إلى طلوع الشمس (٣).
وممن كان لا يرخص في الكلام بعد ركعتي الفجر: قَالَ مجاهد: رأى ابن مسعود رجلًا يكلم آخر بعد ركعتي الفجر فقال: إما أن تذكر الله، وإما أن تسكت. وعن سعيد بن جبير مثله. وقال إبراهيم: كانوا يكرهون الكلام بعدهما، وهو قول عطاء. وسُئل جابر بن زيد: هل تفرق بين صلاة الفجر وبين الركعتين قبلهما بكلام؟ قَالَ: لا، إلا أن يتكلم بحاجة إن شاء. ذكر هذِه الآثار ابن أبي شيبة (٤).

-----------
(١) سلف برقم (١١٤٥).
(٢) انظر: «الأصل» ١/ ١٥٨، «المبسوط» ١/ ١٥٧.
(٣) «المدونة» ١/ ١١٩.
(٤) «المصنف» ٢/ ٥٥ - ٥٦ (٦٣٩٧ - ٦٤١٠) كتاب: الصلوات، باب: الكلام بعد ركعتي الفجر، وباب: من كان لا يرخص في الكلام بينهما.



والقول الأول أولى؛ لشهادة السنة الثابتة له، ولا قول لأحد مع السنة.
واختلفوا في التنفل بعد طلوع الفجر. وكرهت طائفة الصلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وابن المسيب، ورواية عن عطاء (١). وحجتهم حديث موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قَالَ: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر» (٢).
ويروى أيضًا من مرسلات ابن المسيب، عن رسول الله - ﷺ - (٣).
وأجاز ذلك آخرون، روي هذا عن طاوس، والحسن البصري، ورواية عن عطاء قالوا: إذا طلع الفجر صل ما شئت. ذكر هذا عبد الرزاق (٤). وعندنا كراهته إلا بعد فعل الفرض.

-----------
(١) روى من هذِه الآثار عبد الرزاق ٣/ ٥١ - ٥٢ (٤٧٥٣) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بعد طلوع الفجر، وابن أبي شيبة ٢/ ١٣٧ (٧٣٦٨ - ٧٣٧٠) كتاب: الصلوات، باب: من كره إذا طلع الفجر أن يصلي أكثر من ركعتين.
(٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٣ (٤٧٦٠) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بعد طلوع الفجر.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٥٣ (٤٧٥٦).
ورواه البيهقي ٢/ ٤٦٦ كتاب: الصلاة، باب: من لم يصل بعد الفجر إلا ركعتي الفجر ثم بادر بالفرض، ثم قال: وروي موصولًا بذكر أبي هريرة فيه، ولا يصح وصله.
وانظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ١٥٢: ١٥٤.
(٤) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٥٣ - ٥٤ (٤٧٥٩، ٤٧٦١، ٤٧٦٢) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بعد طلوع الضحى.



٢٥ - باب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى
وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَأَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ
وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ: مَا أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ أَرْضِنَا إِلَّا يُسَلِّمُونَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنَ صلاة النَّهَارِ.

١١٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي -قَالَ: - وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ». [٦٣٨٢، ٧٣٩٠ - فتح: ٣/ ٤٨]

١١٦٣ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». [٤٤٤ - مسلم: ٧١٤ - فتح: ٣/ ٤٨]

١١٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. [انظر: ٣٨٠ - مسلم: ٦٥٨ - فتح: ٣/ ٤٨]


١١٦٥ - حَدَّثَنَا [يَحْيَى] بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ. [انظر: ٩٣٧ - مسلم: ٧٢٩، ٨٨٢ - فتح: ٣/ ٤٨]

١١٦٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يَخْطُبُ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ -أَوْ قَدْ خَرَجَ- فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». [انظر: ٩٣٠ - مسلم: ٨٧٥ - فتح: ٣/ ٤٩]

١١٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ المَكِّيُّ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما فِي مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَدْ دَخَلَ الكَعْبَةَ. قَالَ: فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالًا عِنْدَ البَابِ قَائِمًا، فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ، صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ فَأَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ. ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَوْصَانِي النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى. وَقَالَ عِتْبَانُ: غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - بَعْدَ مَا امْتَدَّ النَّهَارُ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ٣٩٧ - مسلم: ١٣٢٩ - فتح: ٣/ ٤٩]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث أنس بن مالك قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - ركعتين ثم انصرف.
وهو ثابت في بعض النسخ، وفي أصل الدمياطي أيضًا. نعم ذكره بعد حديث أبي قتادة، وهو مختصر من حديث تقدم في باب الصلاة على الحصير (١).

------------
(١) سبق برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة.


الحديث الثاني:
حديث جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة.
الحديث
ويأتي في الدعوات في باب الدعاء عند الاستخارة (١)، والتوحيد في باب: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ﴾ (٢) [الأنعام: ٦٥]. وأخرجه الأربعة في الصلاة (٣) خلا النسائي ففي النكاح، والنعوت، واليوم والليلة (٤). قَالَ الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي، وهو مدني ثقة. قَالَ: وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي أيوب (٥).
ثم الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
قوله: (يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن). فيه ما كان من شفقته بأمته، وإرشادهم إلى مصالحهم دينًا ودنيا، فكان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن؛ لشدتهم في الحالات كلها كشدة حاجتهم إلى القراءة في كل الصلوات. والاستخارة مشتقة من سؤال الخير.

-------------
(١) برقم (٦٣٨٢).
(٢) برقم (٧٣٩).
(٣) رواه أبو داود (١٥٣٨) كتاب: الوتر، باب: في الاستخارة، والترمذي (٤٨٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الاستخارة، وابن ماجه (١٣٨٣) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الاستخارة.
(٤) رواه النسائي ٦/ ٨٠ - ٨١ كتاب: النكاح، باب: كيف الاستخارة، وفي «السنن الكبرى» ٤/ ٤١٢ (٧٧٢٩) كتاب: النعوت، باب: علام الغيوب، و٦/ ١٢٨ (١٠٣٣٢) كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: يقول إذا هم بالأمر.
(٥) ورد في هامش الأصل: من خط الشيخ: رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان.



وقوله: («فليركع ركعتين من غير الفريضة») فيه استحباب ذلك.
ويفعل في كل وقت عندنا إلا وقت الكراهة على الأصح؛ لأن سببها متأخر. وفيه تسمية ما يتعين فعله من العبادات فرائض. ولا يسمى به المندوب وإن كان فيه معنى الفرض، وهو التقدير، ولكنه أمر خص به المكتوبة حتمًا في لسان الشارع.
ثانيها:
معنى: «أستخيرك» استعمل في لسان العرب على معانٍ منها سؤال الفعل، فالتقدير: أطلب منك الخير فيما هممت به. والخير هو كل معنى زاد نفعه على ضره. ومعنى: «وأستقدرك بقدرتك»: أسألك تهيئة الخير والقدرة. وفيه: دلالة على أن العبد لا يكون قادرًا إلا مع الفعل، لا قبله، كما يقول القدرية، فإن البارئ هو خالق العلم بالشيء للعبد، والهم به، والقدرة عليه، والفعل مع القدرة، وذلك كله موجود بقدرة الله.
قَالَ ابن بطال: والقادر والقدرة من صفات الذات، والقدرة والقوة بمعنى واحد مترادفات، فالبارئ تعالى لم يزل قادرًا قويًّا ذا قدرة وقوة، قَالَ: وذكر الأشعري أن القدرة والقوة والاستطاعة اسم لا يجوز أن يوصف به مستطيع لعدم التوقف بذلك، وإن كان قد جاء القرآن بالاستطاعة فقال: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّك﴾ [المائدة: ١١٢] وإنما هو خبر عنهم ولا يقضي إثباته صفة له تعالى ثابتة لهم عقب هذا، وقراءة من قرأ: (هل تستطيع ربك) بمعنى: هل تستطيع سؤاله. قال: وقد أخطئوا في الأمرين جميعهم لاقتراحهم على نبيهم وخالقهم ما لم يأذن فيه ربهم تعالى (١).

------------
(١) «شرح ابن بطال» ١٠/ ٤١٨.


وقوله: («وأسألك من فضلك العظيم») كل عطاء الرب ﷻ فضل، فإنه ليس لأحد عليه حق في نعمة ولا في شيء، فكل ما يهب فهو زيادة مبتدأة من عنده لم يقابلها منَّا عوض فيما مضى، ولا يقابلها فيما يستقبل، فإن وفق للشكر والحمد فهو نعمة سؤل وفضل يفتقر أيضًا إلى حمد وشكر هكذا إلى غير نهاية، خلاف ما تعتقده المبتدعة التي تقول: إنه واجب على الله أن يبتدئ العبد بالنعمة، وقد خلق له القدرة، وهي باقية فيه، دائمة له أبدًا يعصي ويطيع.
وقوله: («فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم») فيه تصريح بعقيدة أهل السنة، فإنه نفي العلم عن العبد والقدرة وهما موجودان، وذلك يناقض في بادئ الرأي، والحق والحقيقة فيه الاعتراف بأن العلم لله والقدرة لله، ليس للعبد من ذلك شيء إلا ما خلق له يقول: فأنت يا رب تقدر قبل أن تخلق فيَّ القدرة، وتقدر مع خلقها، وتقدر بعدها. وأما على الحقيقة في الأقوال كلها مصرف لك ومحل لمقدوراتك وكذلك في العلم.
وقوله: («وأنت علام الغيوب») المعنى: أنا أطلب مستأنفًا لا يعلمه إلا أنت، فهب لي منه ما ترى أنه خير لي في ديني ومعاشي، وعاجل أمري وآجله، وهي أربعة أقسام: خير يكون له في دينه دون دنياه، وهذا هو المقصود للإبدال، ولا صبر على عموم الخلق فيه.
ثانيها: خير له في دنياه خاصة ولا يعرض على دينه، فذلك حظ حقير.
ثالثها: خير في العاجل، وذلك يحصل في الدنيا ويحتمل للابتداء، ويكون في الآخرة أولى.


رابعها: خير في الانتهاء، وذلك أولاه وأفضله، ولكن إذا جمع الأربعة فذلك الذي ينبغي للعبد أن يسأل ربه، ومن دعاء النبي - ﷺ -: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر، إنك على كل شيء قدير» (١).
وقوله: «وبارك لي فيه» أي: أدمه وضاعفه.
وقوله: («وعاقبة أمري -أو قَالَ: عاجل أمري وآجله») شك أي الكلمتين قَالَ.
وقوله: («واصرفه عني واصرفني عنه») أي: لا تعلق بالي به وبطلبه. ومن دعاء بعض أهل الطريق: اللهم لا تتعب بدني في طلب ما لم تقدره لي.
وقوله: («واقدر لي الخير») أي: اقضه، قَالَ الشيخ أبو الحسن: أهل المشرق يضمون الدال منه، وأهل بلدنا يكسرونها، ولا أدري كيف قرأه أبو زيد.
وقوله: «ثم أرضني» كذا في البخاري، وفي الترمذي زيادة: «به» (٢) ولأبي داود: «ثم رضي به» (٣) أي: اجعلني راضيًا به إن وجد، أو بعدمه إن عدم. والرضى: سكون النفس إلى القدر والقضاء.

-------------
(١) رواه مسلم (٢٧٢٠) كتاب: الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل.
(٢) حديث (٤٨٠).
(٣) حديث (١٥٣٨).



ففيه: أنه يجب على المؤمن رد الأمور كلها إلى الله، وصرف أزمنتها، والتبرء من الحول والقوة، وأن لا يروم شيئًا من دقيق الأمور ولا جليلها حَتَّى يسأل الله فيه، ويسأله أن يحمله فيه على الخير ويصرف عنه الشر إذعانًا بالافتقار إليه في كل أمره والتزامًا لذلة العبودية له، وتبركًا لاتباع سنة سيد المرسلين في الاستخارة، وربما قدر ما هو خير ويراه شرًا نحو قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وفي قوله: «وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي» حجة على القدرية الذين يزعمون أن الله لا يخلق الشر -تعالى الله عما يفترون- فقد أبان في هذا الحديث أن الله هو المالك للشر والخالق له، وهو المدعو لصرفه عن العبد؛ لأن محالًا أن يسأله العبد صرف ما يملكه العبد من نفسه وما يقدر على اختراعه دون تقدر الله عليه.
وقوله: («ويسمي حاجته») أي: إما بلسانه أو بقلبه لأنه من الدعاء والعمل الذي يتقرب به إلى الله.
«إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلَّيَ رَكْعَتَيْنِ».
وقد سلف في باب: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين (١).
الحديث الرابع: حديث ابن عمر:
صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بعدها.
الحديث.
وقد سلف في باب: الصلاة بعد الجمعة (٢)، ويأتي في: التطوع بعد

--------
(١) سبق برقم (٤٤٤) كتاب: الصلاة.
(٢) سبق برقم (٩٣٧) كتاب: الجمعة.



المكتوبة (١)، وأخرجه مسلم وأبو داود مختصرًا، والترمذي مطولًا (٢).
الحديث الخامس:
حديث شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يَخْطُبُ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ -أَوْ قَدْ خَرَجَ- فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
وقد سلف في باب: صلاة الجمعة (٣)، وأخرجه مسلم والأربعة (٤).
قَالَ الأصيلي: خالف شعبةَ فيه أصحابُ عمرو بن دينار: ابن جريج، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة فرووه عن عمرو عن جابر في قصة سليك، وكذلك روى أبو الزبير عن جابر، فانفرد شعبة بما لم يتابع عليه، لم تكن زيادة زادها الحافظ على غيره؛ بل هي قصة منقلبة عن وجهها. وقال يحيى بن معين: أحق أصحاب عمرو بن دينار بحديثه سفيان بن عيينة (٥).
وقال الداودي: أراه إنما روى الحديث على تأويله الذي روي أن

---------------
(١) سيأتي برقم (١١٧٢) كتاب: التهجد.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٢٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن، و(٨٨٢) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة، «سنن أبي داود» (١٢٥٢) كتاب: الصلاة، باب: تفريغ أبواب التطوع، و(١١٣٢) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بعد الجمعة، «سنن الترمذي» (٤٣٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أنه يصليهما في البيت.
(٣) سلف برقم (٩٣٠) كتاب: الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب.
(٤) «صحيح مسلم» (٨٧٥) كتاب: الجمعة، باب: إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب.
أبو داود (١١١٥)، والترمذي (٥١٠) والنسائي ٣/ ١٠٣ وابن ماجه (١١١٢).
(٥) انظر: «تاريخ عثمان الدارمي» ص ٥٥ (٦٧).



رجلًا دخل والنبي - ﷺ - يخطب -وبه بذاذة- فأمره أن يصلي ركعتين ليفطن له الناس وقد سلف هذا.
وقوله: («أو قد خرج») يعني: دخل المسجد وخرج على القوم.
الحديث السادس: حديث سيف بن سليمان:
سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: أُتِيَ ابن عُمَرَ فِي مَنْزِلِهِ. الحديث.
وهذا سلف في باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] (١).
قَالَ البخاري: وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِي النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى.
وهذا يأتي إن شاء الله تعالى (٢).
وَقَالَ عِتْبَانُ بن مالك: غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - بَعْدَمَا امْتَدَّ النَّهَارُ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ.
وهذا سلف (٣)، وفي هذا دلالة على صلاة النافلة جماعة.
إذا عرفت ذلك:
فترجمة الباب أن التطوع مثنى مثنى، وما ذكره من الأحاديث المتواترة شاهد له عمومًا وخصوصًا، قولًا وفعلًا، وحديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا: «أربع ركعات قبل الظهر لا تسليم فيهن يفتح لهن أبواب السماء» (٤) إنما أراد اتصالهن ذلك الوقت لا أنه لا سلام

------------
(١) برقم (٣٩٧) كتاب: الصلاة.
(٢) برقم (١١٧٨) كتاب: التهجد، باب: صلاة الضحى في الحضر.
(٣) برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: المساجد في البيوت.
(٤) رواه أبو داود (١٢٧٠). وابن ماجه (١١٥٧)، والبيهقي ٢/ ٤٨٨ وضعفه.
وضعفه أيضًا النووي في «المجموع» ٣/ ٥٠٤. وقال في «الخلاصة» ١/ ٥٣٨ (١٨١٧): ضعفه يحيى القطان وأبو داود والحفاظ، ومداره على عبيدة بن معتب




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #247  
قديم 04-02-2026, 06:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 161 الى صـــ 180
الحلقة (247)






بينهن؛ لما صح من صلاته قبل الظهر وغيرها ركعتين توفيقًا (١) بين الأدلة، ثم إنه دالٌّ على فضل الأربع إذا اتصلت وفعلت في هذا الوقت، ولا يدل على أن أكثر من الأربع لا يكون أفضل منها إذا كانت منفصلة؛ لأنه - ﷺ - قد يذكر فضل الشيء ويكون هناك ما لو قاله أو فعله لكان أفضل، ألا ترى أنه قَالَ: «اتقوا النار ولو بشق تمره» (٢) ولا شك أن رطل تمر أفضل منها، فنبه بذكره على أربع على أن الأكثر يكون أفضل، فلو صلى عشرين بتسليمة بين كل ركعتين كان أفضل من أربع متصلة.
وقد اختلف العلماء في التطوعات ليلًا ونهارًا، وقد أسلفناه فيما مضى في باب: ما جاء في الوتر، ومذهب ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأبي ثور: مثنى مثنى. وهو قول أبي يوسف ومحمد في صلاة الليل (٣)، وقال أبو حنيفة: أما صلاة الليل فإن شئت ركعتين وإن شئت أربعًا أو ستًّا أو ثمانيًا. وكره الزيادة على ذلك. قاله أبو حنيفة وتبعه صاحباه (٤).

------------------
وهو ضعيف بالاتفاق سيِّئ الحفظ.
وقال الحافظ: في إسناده عبيدة بن معتب، وهو ضعيف. «الدراية» ١/ ١٩٩.
وانظر: «صحيح أبي داود» (١١٥٣).
(١) دل على ذلك حديث سبق برقم (٩٣٧) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة وقبلها.
(٢) سيأتي برقم (١٤١٧) كتاب: الزكاة، باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة.
(٣) انظر: «مختصر خلافيات البيهقي» ١/ ٢٢٣، «التمهيد» ٤/ ١٧٠ - ١٧١، «الحاوي الكبير» ٢/ ٢٨٨.
(٤) انظر: «الهداية» ١/ ٧٢.



فأما النهار فإن شئت ركعتين وإن شئت أربعًا. وكرهوا الزيادة على ذلك، احتج أبو حنيفة بحديث عائشة السالف: كان يصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا (١). وأجيب عنه بأنه ليس فيه أن الأربع بسلام واحد، وإنما أرادت العدد في قولها: أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا. بدليل قوله: «صلاة الليل مثنى مثنى» (٢) وهذا يقتضي ركعتين ركعتين بسلام بينهما على ما سلف في باب: كيف صلاة الليل.
ورد الطحاوي على أبي حنيفة بحديث الزهري عن عروة عنها أنه كان يسلم بين كل اثنتين منهن. وقال: هذا الباب إنما يؤخذ من جهة التوقيف والاتباع لما فعله الشارع وأمر به وفعله أصحابه من بعده، فلم يجد عنه من فعله ولا من قوله أنه أباح أنه يصلي بالليل أكثر من ركعتين، وهذا أصح القولين عندنا (٣).
وأما صلاة النهار فالحجة فيه حديث أبي أيوب السالف، وقد سلف بيانه. وقال عبد الله: كان عبد الله يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم (٤). وروى عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي بالليل ركعتين وبالنهار أربعًا (٥)، وما سلف أولى.

----------------
(١) سبق برقم (١١٤٧) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي - ﷺ - هو بالليل في رمضان وغيره.
(٢) سبق برقم (٤٧٢) كتاب: الصلاة، باب: الحِلَق والجلوس في المسجد.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٦.
(٤) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٥.
(٥) السابق ١/ ٣٣٤.



٢٦ - باب الحَدِيثِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ
١١٦٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَبُو النَّضْرِ حدَّثنِي أبي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلاَّ اضْطَجَعَ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ ذَاكَ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤، ٧٤٣ - فتح: ٣/ ٤٤]
ذكر فيه حديث عائشة السالف في باب: من تحدث بعد الركعتين
ولم يضطجع (١). وقد أسلفنا الكلام هناك، ومذاهب العلماء فيه.
وسفيان المذكور في إسناده هو ابن عيينة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني.

------------
(١) برقم (١١٦١) كتاب: التهجد.


٢٧ - باب تَعَاهُدِ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ وَمَنْ سَمَّاهُمَا تَطَوُّعًا
١١٦٩ - حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى شَىْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ٣/ ٤٥]
ذكر فيه حديث عائشة:
لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
وأخرجه مسلم أيضًا (١)، ورواه حفص بن غياث عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة: ما رأيت رسول الله - ﷺ - يسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى ركعتي الفجر، ولا إلى غنيمة ذكره الإسماعيلي، والعلماء متفقون على تأكد ركعتي الفجر إلا أنهم اختلفوا في تسميتها هل هي واجبة أو سنة، أو من الرغائب على أقوال سلفت في باب: المدوامة عليها. وإلى الوجوب ذهب الحسن البصري كما ذكره ابن أبي شيبة عنه (٢)، وإلى السنة ذهب الشافعي وأحمد وأشهب وإسحاق وأبو ثور (٣)، وأبى كثير منهم أن يسميها نافلة.
قَالَ مالك في «المختصر»: ليستا بسنة، وقد عمل بهما المسلمون ولا ينبغي تركهما.

------------
(١) «صحيح مسلم» (٧٢٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤٩ (٦٣٢٢) كتاب: الصلوات، باب: في ركعتي الفجر.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٤.



وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: إنهما ليستا بسنة، وهما من الرغائب (١). ومعنى الرغائب: ما رغب فيه. واصطلاح المالكية فيه أوقفوا هذا اللفظ على ما تأكد من المندوب إليه وكانت له مزية على النوافل المطلقة، واختلفوا في السنن، فقال أشهب: إنها كل ما تقرر ولم يكن للمكلف الزيادة فيه بحكم التسمية المختصة به كالوتر. وعند مالك: أنها ما تكرر فعل الشارع له في الجماعات كالعيدين ونحوهما، فإن لم يكن فمن الرغائب.
حجة من أوجبها: قضاء الشارع لها في حديث الوادي (٢)، ولم يأت عنه أنه قضى شيئًا من السنن بعد خروج وقتها غيرهما، كذا قيل، لكن فاتته سنة الظهر بعدها فقضاها بعد العصر (٣)، وحجة من سنها: مواظبة الشارع عليها وشدة تعاهده لها أن النوافل تصير سننًا بذلك.
وحجة من لم يسمها سنة: حديث الباب جعلتهما من جملة النوافل، وقد روى ابن القاسم عن مالك أن ابن عمر: كان لا يركعهما في السفر (٤).
فرع: لا بد من تعيينها لأن لها وقتًا كالعيد.

------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٤، «المهذب» ١/ ٢٨٠، «المبدع» ٢/ ٣.
(٢) سبق برقم (٥٩٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الأذان بعد ذهاب الوقت.
(٣) دل على ذلك حديث سيأتي برقم (١٢٣٣) كتاب: السهو، باب: إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٤.



٢٨ - باب مَا يُقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ
١١٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤، ٧٣٦ - فتح: ٣/ ٤٥]

١١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمَّتِهِ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - ح. وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟! [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ٣/ ٤٦]
ذكر فيه حديثين عن عائشة: أولهما:
كان يُصَلِّي من اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
ثانيهما:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عمته عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبحِ، حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟!
وأخرجه مسلم (١) أيضًا (٢). رواه عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدني عن عائشة محمدُ بن عبد الرحمن بن أسعد بن

------------
(١) فوقها في الأصل تخريج من أبي داود والنسائي: (د. س).
(٢) مسلم برقم (٧٢٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر.
أبو داود (١٢٥٥)، النسائي ٢/ ١٥٦.



زرارة، كذا ذكره البخاري وغيره، وقيل: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن سعد. وقيل: ابن أسعد.
قَالَ المزي: هو ابن أخي عمرة بنت عبد الرحمن. قَالَ: وهو محمد ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة (١)، قلت: فعلى هذا هو ابن ابن أخيها لا ابن أخيها، بيَّن ذلك الجياني، فقال: محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة وسعد أخو أسعد. قاله يحيى القطان، يروي عن عمته عمرة وغيرها، ثم قَالَ: هكذا أتى في هذا الحديث، وإنما هي عمة أبيه، فإنها عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة (٢). وكذا قَالَ أبو طاهر وابن عساكر: إنها عمة أبيه.
فمن قَالَ: محمد بن عبد الرحمن بن سعد. فقد نسبه إلى جده لأبيه، ومن قال: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد فإلى جده لأمه، وهذا روى عنه يحيى بن سعيد وشعبة وغيرهما، كان واليًا على المدينة زمن عمر بن عبد العزيز، مات سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ثقة وله أحاديث (٣)،

--------------
(١) «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٠٩ ترجمة (٥٣٩٩).
(٢) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦.
(٣) محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدني، ابن أخي عمرة بنت عبد الرحمن، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرارة. فمن قال: محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة نسبه إلى جد لأبيه، ومن قال: محمد عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة نسبة إلى جده لأمه. وكان عاملَ عمر ابن عبد العزيز على المدينة فيما قال: يحيى بن أبي كثير وغيره.
ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: توفي سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ثقة، وله أحاديث.
وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، روى له الجماعة، «الطبقات الكبرى» [القسم المتمم] ص ٢٨٦ (١٧٥)، انظر «التاريخ الكبير» ١/ ١٤٨ =



وذكر أبو مسعود أن محمد بن عبد الرحمن هذا هو أبو الرجال، وأبو الرجال هو: محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان، ويقال: ابن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري، لقب بأبي الرجال؛ لأن له عشرة أولاد رجال (١)، وجده حارثة بدري، وسبب اشتباه ذلك على أبي مسعود أنه روى عن عمرة -وعمرة أمه- لكنه لم يرو عنها هذا الحديث؛ ولأنه روى عنه يحيى بن سعيد وشعبة. وقد نبه على ذلك الخطيب فقال في حديث محمد بن عبد الرحمن، عن عمته عمرة، عن عائشة في الركعتين بعد الفجر من قَالَ: في هذا الحديث عن شعبة، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، فقد وهم؛ لأن شعبة لم يرو عن أبي الرجال شيئًا، وكذلك من قَالَ: عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة.
وذكر الجياني أن محمد بن عبد الرحمن أربعة من تابعي أهل المدينة، أسماؤهم متقاربة، وطبقتهم واحدة (٢)، وحديثهم مخرج في

-----------------
= (٤٤٣)، وانظر: «الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٦ (١٧١٤)، وانظر: «الثقات» ٧/ ٣٦٣، وانظر: «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٠٩ (٥٣٩٩).
(١) محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان أبو الرجال ويقال محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري، أبو الرجال، المدني. كنيته أبو عبد الرحمن، وأبو الرجال لقبُ لُقّب به لولده، وكانوا عشرة رجال منهم: حارثة بن أبي الرجال، وعبد الرحمن بن أبي الرجال. وكان جده حارثة بن النعمان من أهل بدر، قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال: أبو داود، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، انظر: «الطبقات الكبرى» القسم المتمم ص ٢٨٧ - ٢٨٨ (١٧٦) «التاريخ الكبير» ١/ ١٥٠ (٤٤٤)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٧ (١٧١٧)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٣٦٦، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٠٢ (٥٣٩٥).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في قوله: وطبقاتهم واحدة نظر؛ وذلك أن محمد بن =



الكتابين (١).
والأول: (محمد) (٢) بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر وأبي سلمة، روى عنه يحيى بن أبي كثير، وروى عن أمه عن عائشة، وروى عنه يحيى الأنصاري (٣)، وذكر ابن عساكر في حديث: «يقطع السارق» أن أبا مسعود الدمشقي ذكر أن يحيى بن أبي كثير رواه عن محمد بن عبد الرحمن -يعني: أبا الرجال- عن أمه عمرة عن عائشة. قَالَ ابن عساكر: وذكر حديث يحيى عن محمد بن عبد الرحمن هذا، هو ابن سعد بن زرارة، لا عن أبي الرجال. قَالَ: ورواه آخرون عن أبي إسماعيل القناد فقال: عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عمرة.
والثاني: (محمد) (٤) بن عبد الرحمن بن نوفل أبو الأسود يتيم عروة (٥).
الثالث: (محمد) (٦) بن عبد الرحمن يعني: ابن زرارة (٧).

----------------
= عبد الرحمن بن ثوبان والباقون من اتباع التابعين من طبقة الثلاثة، وهو محمد بن المغيرة بن أبي ذئب- مع الأربعة.
(١) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٥.
(٢) فوقها في الأصل (ع) يعني: روى له الجماعة.
(٣) محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشِيُّ العامري، مولاهم أبو عبد الله المدني، قال محمد بن سعد وأبو زُرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: هو من التابعين لا يُسأل عن مثله، وذكره ابن حبان في كتاب: «الثقات»، انظر: «الطبقات الكبرى»، و«الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٢ (١٦٩٧)، «الثقات» لابن حبان: ٥/ ٣٦٩، و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٩٦ (٥٣٩٣).
(٤) فوقها في الأصل (ع) يعني: روى له الجماعة.
(٥) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٥.
(٦) فوقها في الأصل (ع) يعني: روى له الجماعة.
(٧) السابق.



والرابع: (محمد) (١) بن عبد الرحمن أبو الرجال (٢).
والمراد بالنداء الثاني؛ لأن الأول للتأهب.
إذا تقرر ذلك:
فاختلف العلماء في القراءة في ركعتي الفجر على أربعة مذاهب، حكاها الطحاوي:
أحدها: لا يقرأ فيهما.
ثانيها: يخفف، يقرأ فيهما بأم القرآن خاصة، روي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو مشهور مذهب مالك كما سلف قبيل باب الضجعة.
ثالثها: يخفف، ولا بأس أن يقرأ مع أم القرآن سورة قصيرة، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول الشافعي، وروي عن إبراهيم النخعي (٣) ومجاهد أنه لا بأس أن يطيل القراءة فيهما، ذكره ابن أبي شيبة (٤).
رابعها: قَالَ أبو حنيفة: ربما قرأت فيهما حزبي من القرآن، وهو قول أصحابه، واحتج لهم الطحاوي فقال: لما كانت ركعتا الفجر من أشرف التطوع، كما سلف من أنهما خير من الدنيا وما فيها، كان الأولى أن يفعل فيها أشرف ما يفعل في التطوع من إطالة القراءة فيهما، وهو عندنا أفضل من التقصير؛ لأنه من طول القنوت الذي فضله الشارع في التطوع على غيره (٥).

-------------
(١) فوقها في الأصل: (خ، م، س، ق).
(٢) السابق ٢/ ٥٣٦.
(٣) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٠٠.
(٤) «المصنف» ٢/ ٥٢ (٦٣٥٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال: لا بأس أن تطولا.
(٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٩٦ - ٣٠٠.



ومن قَالَ: لا قراءة فيهما. احتج بحديثي الباب، وجوابه رواية شعبة عن محمد بن عبد الرحمن: سمعت عمتي عمرة تحدث عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان إذا صلى الفجر صلى ركعتين، أقول يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، فهذا خلاف أحاديث عائشة الأخرى؛ لأنها أثبتت في هذا الحديث قراءة أم القرآن، فذلك حجة على من نفاها، وهو حجة أيضًا لمن قَالَ: يقرأ فيهما بأم القرآن خاصة؛ لأنها مع الفجر من حيث الصورة كالرباعية، ومن سنة الرباعية أن تكون ركعتان منها بأم القرآن، وقد يجوز أن يقرأ فيهما بالفاتحة وغيرها، وتخفف القراءة حَتَّى يقال على التعجب من تخفيفه: هل يقرأ فيهما بالفاتحة؟
وحجة من قَالَ بسورة قصيرة معها ما رواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قَالَ: رمقت النبي - ﷺ - أربعًا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل صلاة الغداة، وفي الركعتين بعد المغرب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾.
وروى أبو وائل عن عبد الله مثله وقال: ما أحصي ما سمعت النبي - ﷺ - يقرأ بذلك. وبه كان يأخذ ابن مسعود، ذكره ابن أبي شيبة (١)، وقد روي مثله من حديث قتادة عن أنس، ومن حديث جابر عن رسول الله - ﷺ - في ركعتي الفجر خاصة (٢) وهي على أبي حنيفة، ومن جوز تطويل القراءة فيهما؛ لأنه لم يحفظ عنه خلافها، ولا قياس لأحد مع وجود السنة الثابتة، وقد ذكر لابن سيرين قول النخعي فقال: ما أدري ما هذا؟ وكان أصحاب ابن مسعود يأخذون في ذلك

--------------
(١) «المصنف» ٢/ ٥٠ (٦٣٣٨) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ به فيهما.
(٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٩٨.



بحديث ابن عمر وبحديث ابن مسعود في تخفيف القراءة (١)، وتخفيفهما -والله أعلم- لمزاحمة الإقامة؛ لأنه كان لا يصليهما في أكثر أحواله إلا حَتَّى يأتيه المؤذن للإقامة، وكان يغلس بصلاة الصبح (٢).
فرع:
يستحب عندنا أيضًا أن يقرأ فيهما بـ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] و﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] ثبت في «الصحيح» (٣) من حديث ابن عباس وفيه أيضًا من حديثه في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ..﴾ الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وروي أيضًا أنه قرأ في الأولى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة:٢٨٥] وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ﴾ [آل عمران:٦٤] (٤).
فائدة:
في قولها: (ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين)، ظاهره أنهما في بيتها، وروى ابن حبيب: فعلهما في المسجد أحب إليَّ؛ لأنهما من السنن التي ينبغي إظهارها، ولذلك واظب الشارع عليها.

-----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠ (٦٣٤٢).
(٢) دل عليه حديث سيأتي برقم (٥٦٠) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني «صحيح مسلم».
وهو عند مسلم (٧٢٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر، وابن خزيمة ٢/ ١٦٣ - ١٦٤ (١١١٥) كتاب: الصلاة، باب: ما يستحب قراءته في ركعتي الفجر.
(٤) رواه أحمد ١/ ٢٦٥.



٢٩ - باب التَّطَوُّعِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ
١١٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: بَعْدَ العِشَاءِ فِي أَهْلِهِ. تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ. [انظر: ٩٣٧ - مسلم: ٧٢٩، ٨٨٢ - فتح: ٣/ ٥٠]

١١٧٣ - وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَفْصَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهَا. تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَاد، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: بَعْدَ العِشَاءِ فِي أَهْلِهِ. [انظر: ٦١٨ - مسلم: ٧٢٣ - فتح: ٣/ ٥٠]
ذكر فيه حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَبِيِّ - ﷺ - سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ. الحديث.
وقد سلف قريبًا في باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى (١)، تابعه كثير بن فرقد، وأيوب عن نافع. وقال ابن أبي الزناد: عن موسى بن عقبة، عن نافع: بعد العشاء في أهله. كذا هو ثابت في عدة نسخ، وكذا ذكره أبو نعيم في «مستخرجه»، ويقع في بعضها بعد قوله: فأما المغرب والعشاء ففي بيته. قَالَ ابن أبي الزناد: إلى آخره، تابعه كثير ابن فرقد وأيوب عن نافع.
وحديث أيوب أخرجه الترمذي (٢)، والمراد بسجدتين: ركعتان. عبر

------------
(١) برقم (١١٦٥) كتاب: التهجد.
(٢) «سنن الترمذي» (٤٣٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أنه يصليهما في البيت.



عن الركوع بالسجود، وهو يبين حديث الكسوف (ركعتين في سجدة) (١)، أي: في ركعة. على ما روته عائشة (٢).
وقوله: (ففي بيته). أي: في بيت حفصة، كذا ذكره الداودي، ولا تعارض بين حديثه هذا وحديثه السالف في باب: الصلاة بعد الجمعة (٣)، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حَتَّى ينصرف فيصلي ركعتين. فإن ظاهره أنه مخالف له للعشاء والجمعة، وقد أسلفنا ما يوضحه هناك.
وقوله: (كانت ساعة لا أدخل على النبي - ﷺ - فيها) هو من قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ﴾ [النور: ٥٨]، وقيل: إن هذِه الآية للنساء خاصة.
أي: إن سبيل الرجال أن يستأذنوا في كل وقت، والنساء يستأذن في هذِه الأوقات خاصة، حكاه النحاس (٤). ثم تطوعه - ﷺ - بهذِه النوافل قبل الفرائض وبعدها؛ لأن أفضل الأوقات أوقات صلوات الفريضة.
وفيها تفتح أبواب السماء للدعاء، ويقبل العمل الصالح، فلذلك يحيها - ﷺ - بالنوافل، ولكن في حديث ابن عمر التنفل قبل العصر (٥).

-------------
(١) سلف برقم (١٠٥١)، كتاب: الكسوف، باب: طول السجود في الكسوف.
(٢) سيأتي برقم (١٠٦٤) كتاب: الكسوف، باب: الركعة الأولى في الكسوف أطول.
(٣) رقم (٩٣٧) كتاب: الجمعة.
(٤) انظر: «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥ (٧٢٢ - ٧٢٣).
(٥) رواه أبو داود (١٢٧١) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة قبل العصر، والترمذي (٤٣٠)، وأحمد ٢/ ١١٧، وابن حبان ٦/ ٢٠٦ (٢٤٥٣) كتاب: الصلاة، باب: النوافل، وابن خزيمة ٢/ ٢٠٦ (١١٩٣) كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل العصر أربعًا، قال الترمذي: غريب حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٥٤): حسن.



وقد روي عن عليٍّ أنه - ﷺ - كان يصلي قبلها أربع ركعات يفصل بينهما بسلام (١). وفي الترمذي: «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا». استغربه، وصححه ابن حبان (٢).
وقد اختلف السلف في ذلك، فكان بعضهم يصلي أربعًا، وبعضهم ركعتين، وبعضهم لا يرى الصلاة قبلها، فممن كان يصلي أربعًا علي، وقد رواه (٣) كما سلف. وقال إبراهيم: كانوا يحبون أربعًا قبل العصر.
وممن كان يصلي ركعتين، روى سفيان وجرير، عن منصور، عن إبراهيم قَالَ: كانوا يركعون الركعتين قبل العصر ولا يرون أنها من السنة (٤).
وممن كان لا يصلي فيها شيئًا، روى قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يصلي قبل العصر شيئًا، وقتادة عن الحسن مثل ذلك (٥). وروى فُضيل، عن منصور، عن إبراهيم أنه رأى إنسانًا يصلي قبل العصر، فقال: إنما العصر أربع. والصواب عندنا -كما قال الطبري- أن الفصل في التنفل قبل العصر بأربع ركعات؛ لصحة الخبر بذلك عن علي، عن رسول الله - ﷺ - ثم ساقه من حديث عاصم بن ضمرة عن علي قَالَ: رأيت النبي - ﷺ - صلى أربع ركعات قبل العصر. وأما قول

-------------
(١) رواه الترمذي (٤٢٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الأربع قبل العصر، والبيهقي ٢/ ٤٧٣، كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل العصر أربع ركعات.
(٢) الترمذي (٤٣٠)، ابن حبان ٦/ ٢٠٦ (٢٤٥٣) وتقدم تخريجه قريبًا.
(٣) ورد بهامش الأصل: فاعل رواه علي.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٦٩ (٤٨٣٠٩) كتاب: الصلاة، باب: التطوع قبل الصلاة وبعدها.
(٥) رواه ابن أبي شيبة عن ابن عون عن الحسن ٢/ ٢٠ (٥٩٨٥) كتاب: الصلوات، باب: في الركعتين قبل العصر.



ابن عمر: (فأما المغرب والعشاء في بيته). فقد اختلف في ذلك، فروى قوم من السلف منهم زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن عوف أنهما كانا يركعان الركعتين بعد المغرب في بيوتهم (١).
وقال العباس بن سهل بن سعد: لقد أدركت زمن عثمان وإنه ليسلم من المغرب فما أرى رجلًا واحدًا يصليهما في المسجد، كانوا يبتدرون أبواب المسجد يصلونها في بيوتهم (٢).
وقال ميمون بن مهران: كانوا يحبون الركعتين بعد المغرب، وكانوا يؤخرونها حَتَّى تشتبك النجوم (٣).
وروي عن طائفة أنهم كانوا يتنفلون النوافل كلها في بيوتهم دون المسجد. روي عن عبيدة أنه كان لا يصلي بعد الفريضة شيئًا حَتَّى يأتي أهله (٤).
وقال الأعمش: ما رأيته متطوعًا حياته في مسجد إلا مرة صلى بعد الظهر ركعتين، وكانت طائفة لا تتنفل إلا في المسجد، روى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي سُبحته مكانه (٥)، وكان أبو مجلز يصلي بين الظهر والعصر في المسجد الأعظم. وروى ابن القاسم عن مالك قال: التنفل في المسجد هو شأن الناس في النهار، وبالليل في بيوتهم (٦)، وهو قول الثوري، وحجة ذلك حديث حذيفة: صليت مع

---------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٣ (٦٣٧١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته.
(٢) المصدر السابق برقم (٦٣٧٣).
(٣) المصدر السابق برقم (٦٣٧٦) باب: من قال: يؤخر الركعتين بعد المغرب.
(٤) السابق ٢/ ٥٢ - ٥٣ (٦٣٦٧ - ٦٣٦٩) باب: من كان لا يتطوع في المسجد.
(٥) المصدر السابق رقم (٢٠١٥) باب: من رخص أن يتطوع مكانه.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٢٥، «البيان والتحصيل» ١/ ٢٦١.



رسول الله - ﷺ - العشاء الآخرة، ثم صلى حَتَّى لم يبق في المسجد أحد.
وعن سفيان بن جبير قَالَ: كان النبي - ﷺ - يصلي بعد المغرب ركعتين، ويصليهما حين ينصدع أهل المسجد، وإنما كره الصلاة في المسجد لئلا يرى جاهل عالمًا يصليها فيه فيراها فريضة، أو كراهة أن يخلي منزله من الصلاة فيه، أو حذرًا من الرياء، أو عارض من خطرات الشيطان، فإذا سلم من ذلك فإن الصلاة فيه حسنة، وقد بين بعضهم علة كراهة من كرهه: لا يرونكم الناس فيرون أنها سنة.
قَالَ الطبري: والذي يقول: إن حديث حذيفة، وسفيان بن جبير.
وقوله: «صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة» (١) هي صحاح كلها، لا يدفع شيءٌ منها شيئًا، وذلك نظير ما ثبت أنه - ﷺ - كان يعمل العمل؛ ليتأسى به فيه، ثم يعمل بخلافه في حال آخر؛ ليعلم بذلك من فعله أن أمره بذلك على وجه الندب، وأنه غير واجب العمل به (٢).

-----------
(١) سلف برقم (٧٣١) كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل.
(٢) بهامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد التسعين. كتبه مؤلفه غفر الله له.
آخره ١٠ وهو آخر الجزء ٤ من تجزئة المصنف.



٣٠ - باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ
١١٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرًا قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا. قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ العَصْرَ، وَعَجَّلَ العِشَاءَ وَأَخَّرَ المَغْرِبَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ. [انظر: ٥٤٣ - مسلم: ٧٠٥ - فتح: ٣/ ٥١]
ذكر فيه حديث ابن عباس:
صَلَّيْتُ مَعَ النبي - ﷺ - ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا. قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ العَصْرَ، وَعَجَّلَ العِشَاءَ وَأَخَّرَ المَغْرِبَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وفي رواية للبخاري: قَالَ أيوب: لعله كان في ليلة مطيرة، قَالَ: عسى (٢).
قَالَ الداودي: وليس فيه أنه لم يصلِ قبل الظهر ولا بعد العشاء، ولا أنه صلى.
قَالَ مالك: أرى ذلك بعذر المطر (٣).
قلتُ: في مسلم: ولا مطر. وما قاله مالك في المطر مشهور مذهبه في غير المغرب والعشاء خلافه. وقيل: إنه لا يمنعه، وإنما كره أن يقدم العصر على وقتها المختار.

-------------
(١) «صحيح مسلم» (٧٠٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر.
(٢) سبقت برقم (٥٤٣) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: تأخير الظهر إلى العصر.
(٣) «الموطأ» ص ١٠٩.



وقال ابن الماجشون: لو فعله فاعل لغير حاجة جاز؛ لأنه يصلي كل صلاة في وقتها. يعني: في الظهر والعصر. أي: والمغرب والعشاء مثله، إلا أن يريد أن وقت المغرب عند الغروب فيه خلاف عندهم.
وقال ابن بطال: إنما ترك التنفل فيه؛ لأن السنة عند جميع الصلوات ترك التنفل، فأراد - ﷺ - أن يعلم أمته أن التطوع ليس بلازم لا يسع تركه؛ ولذلك كان ابن عمر لا يتنفل في السفر (١).

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٦٤ - ١٦٥.


٣١ - باب صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ
١١٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ تَوْبَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ لَا. قُلْتُ فَالنَّبِيُّ - ﷺ -؟ قَالَ: لَا إِخَالُهُ. [انظر: ٧٧ - فتح: ٣/ ٥١]

١١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أُمِّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. [انظر: ١١٠٣ - مسلم: ٣٣٦ - فتح: ٣/ ٥١]
ذكر فيه حديث مورق:
قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: لَا أخَالُهُ.
وحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
مَا حَدَّثنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أُمَّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.
الشرح:
حديث ابن عمر من أفراده دون الخمسة. ويحيى فيه هو ابن سعيد القطان. وسيأتي في فضل مسجد قباء عن ابن عمر: كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين: يوم يقدم مكة، فإنه كان يقدمها ضحى فيطوف، ثم يصلي خلف المقام، وفي مسجد قباء (١).

---------------
(١) برقم (١١٩١) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: مسجد قباء.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #248  
قديم 04-02-2026, 06:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 181 الى صـــ 200
الحلقة (248)






وحديث أم هانئ تقدم في باب من تطوع في السفر (١)، وهو ظاهر لما ترجم له، فإنه - ﷺ - كان بمكة مسافرًا غير مقيم.
وأما حديث ابن عمر، ونفيه المطلق فوجه إيراده هنا أن البخاري حمله على السفر خاصة؛ لأنه قد ثبت صلاتها في الحضر من حديث أبي هريرة، وغيره: أوصاني خليلي بها (٢). فإذا حمل حديث ابن عمر على السفر كان جمعًا بين الأحاديث. وإذا حمل على الإطلاق وقع التعارض والاختلاف، فالجمع أولى. ويؤيده أن ابن عمر كان لا يتنفل في السفر. قَالَ: ولو كنت متنفلًا لأتممت (٣). وهذا أولى مما فعله ابن بطال حيث قَالَ: إنه ليس من هذا الباب، وإنما يصلح في الباب الذي بعده في من لم يصل الضحى. قَالَ: وأظنه من غلط الناسخ (٤). وهذا لا يُقال في غور هذا المصنف العميق الكامل النظر في أصول الشريعة العريق. وما ذكرناه هو جواب ابن المنير (٥)، وهو جواب دقيق.
وقول ابن أبي ليلى: (ما حدثنا أحد أنه رأى ذلك)، فلا حجة فيه ترد ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه صلاها، وأمر بصلاتها من طرق جمة. وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا عن كثير، ويوجد عند الأقل.
وقد روى ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله

--------------
(١) برقم (١١٠٣) كتاب: تقصير الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (١١٧٨) كتاب: التهجد، باب: صلاة الضحى في الحضر.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٣٤ (٣٨٢٧) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يتطوع في السفر.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٦٥.
(٥) انظر: «المتواري» ص ١٢٠.



حدثني الضحاك بن عبد الله القرشي، عن أنس رأيت رسول الله - ﷺ - في السفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات. وإذا جازت في السفر، فالحضر أولى بذلك. وقد سلف حديث أم هانئ، وحديث أنس هذا.
وذكر الطبري أن سعد بن أبي وقاص وأم سلمة كانا يصليان الضحى ثمانيًا. وعن ابن مسعود مرفوعًا: «من صلى الضحى عشر ركعات بني له بيت في الجنة» (١). وعن أنس أنه - ﷺ - قَالَ: «من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بني الله له بها قصرًا من ذهب في الجنة» (٢). وعنه أيضًا أنه - ﷺ - كان يصلي الضحى ست ركعات (٣).
وعن جابر مثله (٤).
وعن عائشة أنها كانت تصلي الضحى ستًّا (٥).
وعن علي أنه - ﷺ - كان يصلي أربعًا (٦). وعن عائشة مثله، وبه كان يأخذ علقمة، والنخعي، وسعيد بن المسيب.

---------------
(١) رواه أحمد ٣/ ١٤٦، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٣٢٦، والضياء في «المختاره» ٦/ ٢٠٩ (٢٢٢١).
(٢) رواه الترمذي (٤٣٧) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، وابن ماجه (١٣٨٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، والطبراني في «المعجم الصغير» ١/ ٣٠٥ (٥٠٦)، قال أبو عيسى: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه ابن حجر في «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٠. وتقدم تخريجه والكلام عليه.
(٣) رواه الطبراني في «الأوسط» ٢/ ٦٨ (١٢٧٦).
(٤) رواه الطبراني في «الأوسط» ٣/ ١٣٧ - ١٣٨ (٢٧٢٤).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٧ (٧٨١٢) كتاب: الصلوات، باب: كم يصلي من ركعة؟
(٦) رواه الترمذي (٥٩٨) كتاب: الصلاة، باب: كيف كان تطوع النبي - ﷺ -، والنسائي ٢/ ١١٩ - ١٢٠ كتاب: الإمامة، باب: الصلاة قبل العصر، وابن ماجه (١١٦١) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيما يستحب من التطوع بالنهار، وأحمد ١/ ٨٥، وأبو يعلى ١/ ٢٦٩ (٣١٨). وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: حسن.



وعن عتبان بن مالك أنه - ﷺ - صلى في بيته سبحة الضحى ركعتين (١).
وعن جابر أنه - ﷺ - أمره أن يصلي سبحة الضحى ركعتين (٢).
وعن أبي هريرة أنه - ﷺ - أوصاه بركعتي الضحى (٣)، وقال: «من حافظ عليها غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر» (٤).
وعن عبد الله بن عمر أنه كان يصلي الضحى ركعتين (٥). وعن الضحاك مثله. وليس منها حديث يدفع صاحبه. وذلك أنه من صلى الضحى أربعًا جائز أن يكون رآه في حال فعله ذلك، ورآه غيره في حالة أخرى صلى ركعتين ورآه آخر في حال آخر صلاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحث على أن تصلي ستًّا، وآخر يحث على ركعتين، وآخر على عشر، وآخر على اثنتي عشرة، فأخبر كل واحد منهم عما رأى وسمع.

------
(١) ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢١٦ كتاب: الصلاة، باب: ذكر الأخبار المنصوصة والدالة على خلاف قول من زعم أن تطوع النهار أربعًا لا مثنى.
(٢) رواه الطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ٢٢٣ (١٢٢٧).
(٣) ما يدل على ذلك سيأتي برقم (١١٧٨) كتاب: التهجد، باب: صلاة الضحى في الحضر.
(٤) رواه الترمذي برقم (٤٧٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى.
وقال: وقد روى وكيع بن شميل وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نهاس بن قهم، ولا نعرفه إلا من حديثه، وابن ماجه برقم (١٣٨٢) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ١/ ٣٣٨ (٣٢٩)، ١/ ٤١١ (٤٦٢)، وأحمد ٢/ ٤٤٣، وضعفه النووي في «المجموع» ٣/ ٥٣٠، وفي «الخلاصة» ١/ ٥٧٠ - ٥٧١ (١٩٣٦). والألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٩٢).
(٥) سيأتي برقم (١١٩١) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: مسجد قباء.



ومن الدليل على صحة ما قلناه في ذلك ما روي عن زيد بن أسلم قَالَ سمعت عبد الله بن عمرو يقول لأبي ذر: أوصني يا عم. قَالَ: سألت رسول الله - ﷺ - عما سألتني عنه فقال: «من صلى الضحى ركعتين لم يُكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كُتب من العابدين، ومن صلى ستًا لم يلحقه في ذلك اليوم ذنب، ومن صلى ثمانيًا كتب من القانتين، ومن صلى ثنتي عشرة ركعة بني الله له بيتًا في الجنة» (١).
وقال مجاهد: صلى النبي - ﷺ - يومًا الضحى ركعتين، ثم يومًا أربعًا، ثم يومًا ستًّا، ثم يومًا ثمانيًا، ثم ترك. فأبان بهذا الخبر عن صحة ما قلناه من احتمال خبر كل مخبر ممن تقدم قوله أن يكون إخباره بما أخبر به الشارع في صلاة الضحى كان على قدر ما شاهده وعاينه.
فالصواب أن يصلى على غير عدد، كما قاله الطبري. وقد روي عن قوم من السلف. قَالَ إبراهيم: سأل رجل الأسود قَالَ: كم أصلي الضحى؟ قَالَ: كما شئت.
وقد أسلفنا عددها عندنا، وحاصل ما ذكرناه أن الصحابة الذين رووا عن سيدنا رسول الله - ﷺ - إثبات الضحى قولًا وفعلًا في الباب وما سلف اثنا عشر صحابيًا: أم هانئ، وأنس، وأبو ذر، وأبو هريرة (ك)، وأبو الدرداء، وابن مسعود، وجابر (م)، وعائشة، وعلي (ت)، ونعيم بن

-------------
(١) رواه البزار كما في «كشف الأستار» ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥ (٦٩٤) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى.
وقال: لا نعلمه إلا عن أبي ذر، ولا روى ابن عمر عنه إلا هذا، قلت: رواه زيد بن أسلم عن ابن عمر، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ٢٣٦ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى، وقال: رواه البزار، وفيه: حسين بن عطاء، ضعفه أبو حاتم وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويدلس.



همار (د)، وعمر، ومعاذ بن أنس، وبقي عليك بما أفاده الترمذي: أبو أمامة (ك)، وعبيد (ط) بن عبد السلمي، وابن أبي أوفي، وأبو سعيد (ت)، وزيد بن أرقم (م، ك)، وابن عباس (ك) (١)، ومما زدناه عليه: عقبة بن عامر، روى الحاكم من حديث أبي الخير عنه قَالَ: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نصلي ركعتي الضحى بسورتيها: بالشمس وضحاها، والضحى. ورواه من حديث نعيم بن همار عن عقبة ثم قَالَ: لا أعلم أحدًا ذكر عقبة في هذا الإسناد غير قتادة (٢).
وأما الشاميون فإنهم يعدون نعيم بن همار في الصحابة، وبريدة أخرجه الحاكم (٣)، وابن عمر أخرجه الحاكم أيضًا. وروىِ حديث أبي أمامة السالف أنه - ﷺ - ذكر هذِه الآية: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] قَالَ: «هل تدرون ما وفَّى؟ وفَّى عمل يومه بأربع ركعات الضحى».
قَالَ الحاكم: صحبت جماعة من أئمة الحديث الحفاظ الأئمة الأثبات فوجدتهم يختارون هذا العدد، ويصلون هذِه الصلاة أربعًا لتواتر الأخبار الصحيحة فيه، وإليه أذهب (٤). وحديث الست ركعات أخرجه الحاكم من حديث جابر وقد سلف، ومن حديث أبي الدرداء: «ومن صلى ستًّا كفي ذلك اليوم» (٥).

------------
(١) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٤٧٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) «المستدرك» ١/ ٣١٢ كتاب: صلاة التطوع، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٤) عزاه ابن حجر في «الفتح» ٣/ ٥٤ للحاكم في «المفرد في صلاة الضحى».
(٥) رواه البيهقي في «السنن الصغرى» ١/ ٨٤٧، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» =



وحديث الثمانية روته أم هانئ، وهو مجمع على صحته. قَالَ أحمد، وقد سئل عن صلاة الضحى، فقال: المثبت عن أم هانئ ثماني ركعات.
وروى بكير بن الأشج، عن الضحاك بن عبد الله، عن أنس أنه قَالَ: رأيت رسول الله في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات (١).
وقد سلف في الباب الماضي عن فعل عائشة أيضًا. وسلف من حديث أبي الرداء (٢).
وحديث العشر أخرجه البيهقي من حديث أبي ذر: «وإن صليتها عشرًا لم يكتب لك ذلك اليوم ذنب» (٣) وسلف من حديث ابن مسعود.
وحديث اثني عشر أخرجه الترمذي من حديث أنس، واستغربه. وابن ماجه (٤) وأخرجه الحاكم من حديث أم سلمة، وعائشة، ولفظه في حديث أبي هريرة: «إن للجنة بابًا يُقال له الضحى، فإذا كان يوم

---------
= ٢/ ٢٣٧ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى، وقال: رواه الطبراني في»الكبير«، وفيه: موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه ابن المديني وغيره، وبقية رجاله ثقات.
(١) رواه أحمد ٣/ ١٤٦، ٣/ ١٥٦، وابن خزيمة في»صحيحه«٢/ ٢٣٠ (١٢٢٨) كتاب: الصلاة، باب: استحباب مسألة الله -عز وجل- في صلاة الضحى رجاء الإجابة، والحاكم ١/ ٣١٤ كتاب: صلاة التطوع، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ. وأبو نعيم في»الحلية«٨/ ٣٢٦، والضياء المقدسي في:»المختارة«٦/ ٢٠٨ (٢٢٢٠).
(٢) انظر: التخريج قبل السابق.
(٣)»السنن الكبرى«٣/ ٤٨ - ٤٩ كتاب: الصلاة، باب: ذكر خبر جامع لأعداده، وقال الذهبي في»المهذب«٢/ ٩٧٩ (٤٣٥٨): في إسناده نظر.
(٤)»سنن الترمذي«برقم (٤٧٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، و»سنن ابن ماجه«برقم (١٣٨٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، وضعفه الألباني في»ضعيف ابن ماجه" (٢٩١).



القيامة نادى منادٍ أين الذين كانوا يديمون على صلاة الضحى، هذا بابكم فادلخوه برحمة الله» وفي رواية أخرى: «لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب» ثم قَالَ: هذا إسناد احتج بمثله مسلم (١). ومما زدناه جبير بن مطعم أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي الضحى. أخرجه الحاكم. ووقع في كلام الحاكم أن حديث زيد بن أرقم اتفقا على إخراجه، وليس كما ذُكرَ وإنما هو من أفراد مسلم. قَالَ الحاكم: وقد صحت الروايات عن أمير المؤمنين، والسبطين الحسن والحسين، وجماعة من أهل البيت أنهم كانوا يواظبون عليها. ومما زدناه الحسن أخرجه الحاكم. وفي كتاب المحاملي: ومن دخل مكة، وأراد أن يصلي الضحى أول يوم اغتسل وصلاها، فعله رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة (٢).
--------------
(١) «المستدرك» ١/ ٣١٤ كتاب: صلاة التطوع، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
(٢) سلف برقم (١١٠٣) وخرجه البخاري في مواضع أخر.



٣٢ - باب مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ وَاسِعًا
١١٧٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. [انظر: ١١٢٨ - مسلم: ٧١٨ - فتح: ٣/ ٥٥]
ذكر فيه حديث عائشة:
مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا.
وأخرجه مسلم أيضًا (١). زاد معمر في روايته: وما أحدث الناس شيئًا أحب إلى منها (٢). وقد سلف الكلام عليه في باب تحريضه - ﷺ - على صلاة الليل واضحًا (٣).
قَالَ البيهقي: وعندي -والله أعلم- أن المراد به ما رأيته داوم عليها، وإني لأسبحها أي: أداوم عليها. قَالَ وكذا قولها: وما أحدث الناس شيئًا يعني المداومة عليها (٤).
وفي الحديث السالف إثبات فعلها إذا جاء من مغيبه. وروى في ذلك جابر بن عبد الله (٥)، وكعب بن مالك، عن النبي - ﷺ - (٦)، وحديثها يصلي

--------------
(١) «صحيح مسلم» برقم (٧١٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان.
(٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٧٨ - ٧٩ (٤٨٦٨) في الصلاة، باب صلاة الضحى، والبيهقي ٣/ ٤٩ في الصلاة، باب ذكر الحديث الذي روي في ترك الرسول - ﷺ - صلاة الضحى.
(٣) دل على ذلك الحديث السالف برقم (١١٢٨) كتاب: التهجد.
(٤) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٩ السابق.
(٥) سيأتي برقم (٢٠٩٧) كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمير.
(٦) سيأتي برقم (٣٠٨٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: الصلاة إذا قدم من سفر.



أربعًا ويزيد ما شاء الله (١)، وهو دال على صحة التأويل المذكور. وقد ثبتت العلة في تركه المداومة عليها بقولها في آخره: وإن كان ليدع العمل، وهو يحب أن يعمله، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق: هذِه كلمة تكلمت بها عائشة على المسامحة والمساهلة، وقد يشركها كثير من الصحابة في جهل ذلك، روى الحاكم إنكارها عن أبي بكرة، قَالَ: ولم يصح، ولو صح لكان معناه ما ذكر في حديث عائشة وأنس، ثم أعله. وهو خلاف رواياته الصحيحة، وأبو هريرة، ووهاه.
وقد أخذ قوم من السلف بحديث ابن عمر السالف، وعائشة هذا، ولم يروا صلاة الضحى. وقال بعضهم بأنها بدعة كما سلف.
روى الشعبي، عن قيس بن عباد قال: كنت اختلف إلى ابن مسعود السنة كلها، فما رأيته مصليًا الضحى (٢).
وقال إبراهيم النخعي: حَدَّثَني من رأى ابن مسعود صلى الفجر، ثم لم يقم لصلاة حَتَّى أُذن لصلاة الظهر، فقام فصلى أربعًا (٣).
وكان ابن عون لا يصليها (٤).
وقال ابن عمر: بدعة (٥). كما سلف تأويله. وقال مرة: ونعمت

--------------
(١) روى ما يدل على ذلك مسلم برقم (٧١٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى.
(٢) روى ذلك عن عبد الرزاق ٣/ ٨٠ (٤٨٧٥) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى.
(٣) روى ذلك الطبراني ٩/ ٢٥٩ (٩٢٨٤).
(٤) عنه عبد الرزاق ٣/ ٨٠ - ٨١ (٤٨٧٦) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى.
(٥) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٥ (٧٧٨٢) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يصلي الضحى.



البدعة. وقال مرة: ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل منها (١).
وقال أنس: صلاته يوم الفتح كان سنة الفتح، لا سنة الضحى. ولما فتح خالد بن الوليد الحيرة صلى صلاة الفتح ثماني ركعات لم يسلم فيهن، ثم انصرف. وهذا تأويل لا يدفع صلاة الضحى لتواتر الروايات بها عن رسول الله - ﷺ -، وفعل السلف بعده.
وذهب قوم من السلف أنها تصلى في بعض الأيام دون بعض، واحتجوا بحديث عائشة: لا إلا أن يجيء من مغيبه (٢).
وروى عطية عن أبي سعيد كان رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى حَتَّى نقول: لا يدعها. ويدعها حَتَّى نقول: لا يصليها (٣). وكان ابن عباس يصليها يومًا، ويدعها عشرة أيام (٤). وكان ابن عمر لا يصليها، فإذا

-------------
(١) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٦ (٧٧٩٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصليها.
بلفظ: من أحسن ما أحدثوا سبحتهم هذِه.
(٢) مسلم (٧١٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب الصلاة الضحى.
(٣) رواه الترمذي برقم (٤٧٧٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى. وقال: حديث حسن غريب، وأحمد ٣/ ٢١، وعبد بن حميد في «المنتخب» ٢/ ٦٨ (٨٨٩)، وأبو يعلى في «مسنده» ٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧ (١٢٧٠٩)، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
قلت: وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف، عطية بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي القيسي أبو الحسن الكوفي، قال: أبو زرعة: لين، وقال ابن معين: صالح، وضعفه النسائي وأبو حاتم، وزاد أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن حجر في «تقريبه»: صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًا مدلسًا، انظر: «الضعفاء الكبير» ٣/ ٣٥٩ (١٣٩٢)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٣٨٢ (٢١٢٥)، و«المجروحين» ٢/ ١٧٦، و«تهذيب الكمال» ٢/ ١٤٥ (٣٩٥٦)، و«تقريب التهذيب» (٤٦١٦).
(٤) ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٥ (٧٧٩١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصليها.



أتى مسجد قباء صلى، وكان يأتيه كل سبت (١). وعن إبراهيم: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلون ويدعون (٢). وعن سعيد بن جبير: إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها مخافة أن أراها حتمًا عليّ (٣).
------------
(١) البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٤٩ (٤١٨٧) باب: في المناسك، فضل الحج والعمرة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٥ (٧٧٩٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصلي الضحى.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٥ (٧٧٨٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يصلي الضحى.



٣٣ - باب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الحَضَرِ
قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١١٧٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الجُرَيْرِيُّ -هُوَ ابْنُ فَرُّوخٍ- عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْديِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ. [١٩٨١ - مسلم: ٧٢١ - فتح: ٣/ ٥٦]

١١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ -وَكَانَ ضَخْمًا- لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ. فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ، وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ جَارُودٍ لأَنَسٍ - رضي الله عنه -: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ. [انظر: ٦٧٠ - فتح: ٣/ ٥٧]
وهذا ذكره مسندًا (١).
وذكر فيه حديث أبي هريرة (د. ت. س) أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ. وعدَّ منها صلاة الضحى.
وحديث أنس: أنه - ﷺ - صلى عند عتبان ركعتين فقال فلان بن فلان بن الجارود لأنس: أكان - عليه السلام - يصلي الضحى؟ فقال: ما رأيته صلى غير ذلك اليوم.

------------
(١) أي: ترجمة الباب عن عتبان. قال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٧: كأنه يشير -يعني: البخاري- إلى ما رواه أحمد من طريق الزهري عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك أن رسول الله - ﷺ - صلى في بيته سبحة الضحى … " وقد أخرجه مسلم وكذلك المصنف مطولًا ومختصرًا وسيأتي بعد بابين. اهـ بتصرف.
وقد سلف برقم (٤٢٤) كتاب: الصلاة، باب: إذا دخل بيتًا يصلي حيث شاء ..



الشرح:
الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١). وحديث أنس ليس صريحًا في أنها صلاة الضحى. نعم روى الحاكم من حديث عتبان بن مالك أنه - ﷺ - صلى في بيته سبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا. وقد سلف حديث عتبان في باب: هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟ (٢).
وقوله: (أوصاني خليلي) لا يخالف قوله - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي، لاتخذت أبا بكر» (٣) لأن الممتنع أن يتخذ رسولُ الله - ﷺ - غيرهَ خليلًا. ولا يمتنع أن يتخذ الصحابي وغيره رسول الله - ﷺ - خليلًا.
وفيه: فضيلة صلاة الضحى، والحث عليها، وأنها ركعتان، وصيام ثلاثه أيام من كل شهر، والوتر قبل النوم. وهو محمول على من لا يستيقظ آخر الليل، فإن أمن فالتأخير أفضل؛ للحديث الصحيح: وانتهى وتره إلى السحر.
وقوله: (وقال فلان بن فلان بن جارود) قيل: إنه عبد الحميد بن المنذر (٤)، وله ترجمة.

----------------
(١) «صحيح مسلم» برقم (٧٢١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان.
(٢) برقم (٦٧٠) كتاب: الأذان.
(٣) سلف برقم (٤٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد.
(٤) ورد بهامش الأصل: ذكر المصنف في «تحفته» أن عبد الحميد ذكره ابن حبان في «ثقاته». ذكر -أي: ابن حبان- أنه المعني بقول البخاري في باب صلاة الضحى في الحضر: قال فُلان بن فلان بن جارود لأنس: … الحديث فاعلمه.
رأيت عبد الحميد في ثقات ابن حبان ولم أو هذا الكلام في ترجمته فلعله رآه في بعض النسخ.



٣٤ - باب الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ
١١٨٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهَا. [انظر: ٩٣٧ - مسلم: ٧٢٩، ٨٨٢ - فتح: ٣/ ٥٨]

١١٨١ - حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ٦١٨ - مسلم: ٧٢٣ - فتح: ٣/ ٥٨]

١١٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ. تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَمْرٌو عَنْ شُعْبَةَ. [مسلم: ٧٣٠ - فتح: ٣/ ٥٨]
ذكر فيه حديث ابن عمر:
حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - عشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا. الحديث
سلف قريبًا في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى (١)، وهو مطابق لما ترجم له. وحديث عائشة:
كان النَّبِيَّ - ﷺ - لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ. فما زاد، ولعل وجهه أنه صلى ركعتين فما زاد.
ثم قال البخاري: تابعه ابن أبي عدي وعمرو عن شعبة يعني أنهما تابعا يحيى بن سعيد على روايته عن شعبة. وابن أبي عدي: (ع) هو

---------------
(١) برقم (١١٦٥) كتاب: التهجد.


محمد بن إبراهيم، وعمرو (خ مقرونًا، د): هو ابن مرزوق أبو عثمان الباهلي مولاهم بصري. وتابعهما عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، أخرجه النسائي، لكن بزيادة مسروق قبل عائشة، ثم قَالَ: ولم يتابع عليه (١). وتابعه محمد بن جعفر عن شعبة كالجماعة، وصوب المنيعي إثبات مسروق، ووهم إسقاطه.
قَالَ الإسماعيلي: وقد ذكر سماع (ابن المنتشر) (٢) عن عائشة غير واحد. فالعمل في ذلك على عثمان بن عمر فإن يحيى بن سعيد لم يكن ليحمل كذا إن شاء الله وقد جاء به غندر ووكيع وكفي بهما، قال: وتابع يحيى ابن المبارك ومعاذ بن معاذ وابن أبي عدي، ووهب ابن جرير.
وفي الترمذي والنسائي من حديث المغيرة بن زياد عن عطاء -وهو ابن أبي رباح- عن عائشة مرفوعًا: «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» (٣). قَالَ الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. ومغيرة بن زياد قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه (٤). وقال النسائي: هذا خطأ، ولعله

---------------
(١) «سنن النسائي» ٣/ ٢٥١ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: المحافظة على الركعتين قبل الفجر.
(٢) في الأصل فوقها: هو محمد.
(٣) «سنن الترمذي» (٤١٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة.
و«سنن النسائي» ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: ثواب من صلى في اليوم والليلة ثنتي عشرة ركعة.
(٤) المغيرة بن زياد البجلي، أبو هاشم، ويقال: أبو هاشم الموصلي، وقال: =



أراد عنبسة بن أبي سفيان، فصحف -يعني حديث عنبسة- عن أم حبيبة مرفوعًا: «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة: أربعًا قبل الظهر …» الحديث (١).
ولمسلم من حديث عبد الله بن شقيق: سألت عائشة عن صلاة رسول الله - ﷺ -، عن تطوعه، فقالت: كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين .. الحديث (٢).
وللترمذي: قبل الظهر ركعتين. وصححه (٣). والأول هو المشهور من رواية عائشة.
وفي الترمذي من هذا الوجه: كان إذا لم يصلِ أربعًا قبل الظهر، صلاهن بعدها. ثم قَالَ: حسن غريب (٤).
واختلفت الأحاديث في التنفل قبل الظهر وبعدها. ففي حديث عائشة

---------------
= أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث، منكر الحديث، أحاديثه مناكير، وقال ابن معين: ليس به بأس، له حديث واحد منكر. ووثقه مرة أخرى، ووثقه العجلي، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لا يحتج به، صالح، صدوق، ليس بذاك القوي، وقال أبو زرعة في موضع آخر: في حديثه اضطراب، وقال ابن حجر في «تقريبه»: صدوق له أوهام، انظر: «معرفة الثقات» ٢/ ٢٩٢ (١٧٧١)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٢٢٢ (٩٩٨)، و«تهذيبب الكمال» ٢٨/ ٣٥٩ (٦١٢٦)، و«تقريب التهذيب» (٦٨٣٤).
(١) رواه مسلم برقم (٧٢٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن. وانظر: «البدر المنير» ٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤، و«تلخيص الحبير» ٢/ ١٢، و«الدراية» ١/ ١٩٧.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (٧٣٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا.
(٣) «سنن الترمذي» برقم (٤٢٥) في الصلاة، باب: ما جاء في الركعتين بعد الظهر.
(٤) «سنن الترمذي» برقم (٤٢٦)، وحسنه الألباني في «صحيح الترمذي».



ما علمته، وفي حديث ابن عمر المذكور في الباب أن النبي - ﷺ - ركع ركعتين قبلها، وركعتين بعدها.
ولأبي داود من حديث البراء: ركعتين قبلها (١). واستغربه الترمذي وحسنه (٢). ولا تخالف بينها؛ لأن كل واحد أخبر بما رأى. وأجاب الداودي بأن ابن عمر قد ينسى بعض ذلك. وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك.
وروي عن ابن مسعود وابن عمر، والبراء، وأبي أيوب أنهم كانوا يصلون قبل الظهر. وعن ابن المسيب مثله (٣).
وقال إبراهيم: من السنة أربع قبل الظهر وركعتان بعدها سنة (٤).
وصوب الطبري الروايتين، وأن كلًا منهما صحيح، والأربع في كثير أحواله، وركعتين في قليلها.
وإذا كان ذلك كذلك فللمرء أن يصلي قبل الظهر ما شاء؛ لأن ذلك تطوع، وقد ندب الله المؤمنين إلى التقرب إليه بما أطاقوا من فعل الخير.
والصلاة بعد الزوال وقبل الظهر كانت تعدل بصلاة الليل في الفضل.
روي هذا عن جماعة من السلف. وذكر ابن قدامة الحنبلي أن الراتبة عندهم قبل الظهر ركعتان، وركعتان بعدها. واستدل بحديث ابن عمر

--------------
(١) «سنن أبي داود» برقم (١٢٢٢) كتاب: الصلاة، باب: التطوع في السفر، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٢٢٤).
(٢) «سنن الترمذي» (٥٥٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التطوع في السفر.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٦ - ١٧ (٥٩٤٠)، (٥٩٤٤)، (٥٩٤٦)، (٥٩٤٨)، كتاب: الصلوات، باب: في الأربع قبل الظهر من كان يستحبها.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٩ (٥٩٧٠) الصلاة، باب فيما يحب من التطوع بالنهار.



هذا (١). وقال الشافعي: قبل الظهر أربع. وقال صاحب «البداية» الحنفي: أربع قبلها، وركعتان بعدها (٢). واستدل بحديث عائشة في الباب، وبحديث أم حبيبة. أخرجه الترمذي وصححه، وعنها: «من صلى أربعًا قبل الظهر، وأربعًا بعدها، حرمه الله على النار» أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب. وقال مرة: حسن صحيح غريب (٣). وأخرجه أبو داود، والنسائي أيضًا (٤).
ولأبي داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي أيوب مرفوعًا: «أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء» (٥) وللترمذي عن علي: كان النبي - ﷺ - يصلي قبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين. ثم قَالَ: حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة، ومن بعدهم يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربعًا. وهو قول الثوري، وابن المبارك، وإسحاق (٦).

-------------
(١) «المغني» ٢/ ٥٣٩.
(٢) «الهداية» ١/ ٧٢.
(٣) «سنن الترمذي» برقم (٤٢٧ - ٤٢٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الركعتين بعد الظهر، وصححهما الألباني في «صحيح الترمذي».
(٤) «سنن أبي داود» برقم (١٢٦٩) كتاب: الصلاة، باب: الأربع قبل الظهر وبعدها، و«سنن النسائي» ٣/ ٢٦٥ كتاب: قيام الليل، باب: ثواب من صلى في اليوم والليلة، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١١٥٢).
(٥) «سنن أبي داود» (١٢٧٠) كتاب: الصلاة، باب: الأربع قبل الظهر وبعدها، و«شمائل الترمذي» ص ١٣٠ (٢٩٤) باب: صلاة الضحى، و«سنن ابن ماجه» (١١٥٧) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في الأربع ركعات قبل الظهر، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١١٥٣): حديث حسن دون قوله: «ليس فيهن تسليم». وتقدم تخريجه.
(٦) انظر: «سنن الترمذي» (٤٢٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الأربع قبل الظهر، وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.



ولابن منصور في «سننه» من حديث البراء قَالَ: «من صلى قبل الظهر أربعًا كان كمن تهجد من ليلته، ومن صلاهن بعد العشاء كان كمثلهن من ليلة القدر».
وللترمذي من حديث عبد الله بن السائب أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح» وقد سلف. قَالَ الترمذي: حديث حسن غريب، وفي الباب عن علي، وأبي أيوب (١).
وله من حديث عمر رفعه: «أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلهن من صلاة السحر، فليس شيء إلا يسبح الله تلك الساعة، ثم قرأ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ الآية [النحل: ٤٨] كلها». ثم قَالَ: حديث غريب (٢).
قَالَ القرطبي: واختلف العلماء هل للفرائض رواتب مسنونة أو ليس لها؟ فذهب الجمهور وقالوا: هي سنة مع الفرائض. وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أنه لا رواتب في ذلك، ولا توقيت عدا ركعتي الفجر؟ حماية للفرائض. ولا يمنع من تطوع بما شاء إذا أمن ذلك. قَالَ: وذهب العراقيون من أصحابنا إلى استحباب الركوع بعد الظهر، وقبل العصر، وبعد المغرب (٣).

-------------
(١) «سنن الترمذي» (٤٧٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة عند الزوال، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٢) «سنن الترمذي» (٣١٢٨) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة النحل، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
(٣) «المفهم» ٢/ ٣٦٥.



٣٥ - باب الصَّلَاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ
١١٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ المُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ». -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ». كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. [٧٣٦٨ - فتح: ٣/ ٥٩]

١١٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ اليَزَنِيَّ قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ، يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ: الشُّغْلُ. [فتح: ٣/ ٥٩]
ذكر فيه حديث ابن بريدة:
عن عَبْدُ اللهِ المُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺقَاْلَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ». -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ- «لِمَنْ شَاءَ» كَرَاهِةَ أَنْ يَتَخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةَ.
وحديث مرثد بن عبد الله اليزني:
قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلَا أُعجِّبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ؛ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: إِنَّا كُنَا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ: الشُغْلُ.
الشرح:
حديث عبد الله ذكره البخاري أيضًا في آخر كتاب الاعتصام، في باب نهي النبي - ﷺ - على التحريم إلا ما يعرف إباحته، بهذا اللفظ والسند (١).
وكذا أخرجه كذلك أبو داود (٢)، وسلف في باب كم بين الأذان والإقامة

-----------
(١) سيأتي برقم (٧٣٦٨).
(٢) «سنن أبي داود» (١٢٨١) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة قبل المغرب.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #249  
قديم 04-02-2026, 06:29 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 201 الى صـــ 220
الحلقة (249)






من كتاب الأذان بلفظ: «بين كل أذانين صلاة». أخرجاه (١).
وابن بريدة اسمه: عبد الله أخو سليمان. وعبد الله الراوي: هو ابن مُغَفَّل بالغين المعجمة (٢) والفاء. والحُسَين الراوي عنه هو ابن ذكوان المعلم. قَالَ الإسماعيلي: قَالَ ابن حساب: محمد بن عبيد في حديثه عن عبد الله، كنيته ونسبه لا أدري: ابن معْقل، أو ابن مغفل، فذكره.
قَالَ البيهقي: ورواه حيان بن عبيد الله، عن ابن بريدة، عن أبيه، وأخطأ في إسناده، وأتى بزيادة لم يتابع عليها، وهي أن بين كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب (٣).
قَالَ ابن خزيمة: هو خطأ، إنما الخبر عن ابن بريدة، عن ابن مغفل، لا عن أبيه (٤).
قلتُ: وحيان هذا وثقه ابن حبان وغيره، وإن جهل.
والحديث الثاني أخرجه النسائي (٥). وأبو تميم عبد الله بن مالك الجيشاني المصري. مات سنة سبع وسبعين. يقال: أسلم في حياة رسول الله. إذا تقرر ذلك:
فاختلف السلف في التنفل قبل المغرب، فأجازه طائفة من الصحابة

-------------
(١) برقم (٦٢٤) كتاب: الأذان، ورواه مسلم برقم (٨٣٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة.
(٢) ورد بهامش الأصل: يعني: المشددة المفتوحة، قوله: والفاء يعني: المفتوحة أيضًا.
(٣) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٧٤ كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل صلاة المغرب ركعتين.
(٤) هو في «السنن الكبرى» للبيهقي مسندًا ٢/ ٤٧٤.
(٥) «سنن النسائي» ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣ كتاب: المواقيت، باب: الرخصة في الصلاة قبل المغرب.



والتابعين والفقهاء، وممن فعله أبيُّ بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص (١).
وقال حميد عن أنس: رأيتهم إذا أذن المؤذن يبتدرون السواري فيصلون (٢).
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد يصلون عند كل تأذين (٣).
وكان الحسن، وابن سيرين يركعان قبل المغرب (٤)، وهو قول أحمد وإسحاق. والحجة لهم من حديث المزني: «لمن شاء» وممن كان لا يصليها، قَالَ إبراهيم النخعي: لم يصلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان (٥). وقَالَ إبراهيم: هما بدعة، قَالَ: وكان خيار أصحاب رسول الله - ﷺ - بالكوفة عليٌّ وابن مسعود وحذيفة وعمار، فأخبرني من رمقهم كلهم فما رأى أحدًا منهم يصلي قبل المغرب. وهو قول مالك، وأبي حنيفة والشافعي.
قَالَ المهلب: والحجة لهم أن هذا كان في أول الإسلام ليدل على أن وقت الفجر في وقت النافلة، في هذا الوقت قد انقطع بمغيب الشمس، وحلت النافلة والفريضة، ثم التزم الناس مبادرة الفريضة؛ لئلا يتباطأ الناس بالصلاة عن الوقت الفاضل. ويختلف أمر الناس في

---------------
(١) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ - ١٣٩ (٧٣٧٧، ٧٣٨٥) من كان يصلي ركعتين قبل المغرب.
(٢) ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ (٧٣٧٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ (٧٣٨١).
(٤) رواه ابن ألي شيبة عن الحسن ٢/ ١٣٨ (٧٣٨٤).
(٥) البيهقي ٢/ ٤٧٦ كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل صلاة المغرب ركعتين.



المبادرة بالصلاة، إذ المغرب لا يشكل على العامة والخاصة، وغيرها من الصلوات يشكل أوائل أوقاتها، وفيها مهلة حتى يستحكم الوقت؛ فلذلك أبيح الركوع قبل غيرها من الصلوات.
وقال ابن قدامة: ظاهر كلام أحمد أنهما جائزان، وليسا بسنة. قَالَ الأثرم: سألت أحمد عنهما، قَالَ: ما فعلته قط إلا مرة حين سمعت الحديث. وقال: فيهما أحاديث جياد -أو قَالَ: صحاح- عن رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، والتابعين، إلا أنه قَالَ: «لمن شاء» فمن شاء صلى. وقال: هذا ينكره الناس، وضحك كالمتعجب، وكل هذا عندهم عظيم (١).
وقال ابن العربي: لم يفعلها أحد بعد الصحابة (٢). واختلف أصحابنا فيه على وجهين: أشهرهما لا يستحب. والصحيح عند المحققين استحبابها (٣)؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، منها حديثا الباب، وحديث أنس قَالَ: كان المؤذن إذا أذن قام الناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - يبتدرون السواري حَتَّى يخرج النبي - ﷺ -. وهم كذلك يصلون ركعتين حَتَّى إن الرجلَ الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما. أخرجاه (٤)، وقد سلف في (كتاب) (٥)

-------------
(١) «المغني» ٢/ ٥٤٦.
(٢) «عارضة الأحوذي» ١/ ٣٠٠.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٣٢٧.
(٤) سلف برقم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة إلى الإسطوانة، و«صحيح مسلم» (٨٣٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب.
(٥) في الأصل: باب.



الأذان (١). ولأبي داود من حديث أنس قَالَ: صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله - ﷺ -، قَالَ المختار: قلتُ لأنس: أرآكم رسول الله - ﷺ -؟ قَالَ: نعم رآنا. فلم يأمرنا، ولم ينهنا (٢).
وللبيهقي عن سعيد بن المسيب قَالَ: كان المهاجرون لا يركعون ركعتين قبل المغرب، وكانت الأنصار يركعونهما، وكان أنس يركعهما. قَالَ البيهقي: كذا قَالَ سعيد بن المسيب.
وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أنه قَالَ: كنا نركعهما، وكان من المهاجرين (٣) -وكأنه أراد غيره أو الأكثر منهم- ثم ساق بسنده إلى زرًّ قَالَ: كان ابن عوف، وأبي بن كعب يصليان قبل المغرب ركعتين، وبسنده إلى مكحول عن أبي أمامة قَالَ: كنا لا ندعهما في زمان رسول الله - ﷺ -، وعن حبيب بن مسلم قَالَ: رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة (٤). يعني: إلى الركعتين قبل المغرب. وحجة المانع حديث أبي داود، عن طاوس قَالَ: سُئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب، فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله - ﷺ - يصليهما (٥)، ورخص في الركعتين بعد العصر.
ولما ذكر الداودي حديث الباب قَالَ: يدل على قوله - ﷺ -: «لا تتحروا
(١) برقم (٦٢٥) كتاب: الأذان، باب: كم بين الأذان والإقامة.
(٢)»سنن أبي داود«(١٢٨٢). والحديث رواه مسلم (٨٣٦)!
(٣)»السنن الكبرى«٢/ ٤٧٥.
(٤)»السنن الكبرى«٢/ ٤٧٦ كتاب: الصلاة، باب: من جعل قبل صلاة المغرب ركعتين.
(٥)»سنن أبي داود«(١٢٨٤) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة قبل المغرب، وضعفه الألباني في»ضعيف أبي داود" (٢٣٧).



بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها» (١) وقول ابن عمر: لا أنهى أحدًا أن يصلي أية ساعة شاء من ليل أو نهار، هذا عند طلوع الشمس وعند غروبها (٢).
وقوله: «بين كل أذانين صلاة»، وفي الحديث الآخر: كان إذا أذن (بالمغرب) (٣) ابتدروا السواري، فيخرج النبي - ﷺ - وهم على ذلك.
فائدة:
يدخل في الحديث السالف: «بين كل أذانين صلاة» (٤) قبل العشاء.
وبه صرح المحاملي في «لبابه»، فقال: ويصلي بعد العشاء الآخرة ركعتين، وقبلها ركعتين (٥). ولم أر من صرح به من متقدمي أصحابنا سواه. وقد رواه الشافعي في البويطي عن فعل رسول الله - ﷺ -.

--------
(١) سلف برقم (٥٨٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٧ (٧٣٦٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان ينهى عن الصلاة.
(٣) في (ج) المؤذن.
(٤) سلف برقم (٦٢٤).
(٥) «اللباب في الفقه الشافعي» ص ١٣٥، ولم ينص صراحة على ذلك وإنما قال: يصلي بين كل أذانين ركعتين إلا المغرب.



٣٦ - باب صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً
ذَكَرَهُ أَنَسٌ وَعَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١١٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ. [انظر: ٧٧ - فتح ٣/ ٦٠]

١١٨٦ - فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ - رضي الله عنهوَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ، وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الوَادِيَ الذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ، فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «سَأَفْعَلُ». فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟». فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَي المَكَانِ الذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِي، فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي البَيْتِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُم: مَا فَعَلَ مَالِكٌ؟ لَا أَرَاهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَقُلْ ذَاكَ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. يَبْتَغِى بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟». فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. أَمَّا نَحْنُ فَوَاللهِ لَا نَرَى وُدَّهُ وَلَا حَدِيثَهُ إِلاَّ إِلَي المُنَافِقِينَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ». قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزْوَتِهِ التِي تُوُفِّىَ فِيهَا، وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: وَاللهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ. فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَجَعَلْتُ للهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي، أَنْ


أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ -أَوْ بِعُمْرَةٍ-، ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ، فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٢٦٣ - فتح: ٣/ ٦٠]
حديث أنس سلف مسندًا في باب الصلاة على الحصير (١). وحديث عائشة سلف في الكسوف (٢).
ثم ذكر فيه حديث محمود بن الربيع: أنه عقل مجَّها بها رسول الله - ﷺ - في وجهه .. إلى آخره.
وفيه: فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا، وقد سلف في كتاب العلم (٣)، وباب: المساجد في البيوت (٤). وهو كما ترجم له من جواز الجماعة في النافلة. قَالَ ابن حبيب: لا بأس أن يؤم النفر في النافلة في صلاة الضحى وغيرها كالرجلين والثلاثة، وأما أن يكون مشتهرًا جدًا، ويجتمع له الناس فلا. قاله مالك. واستثنى ابن حبيب قيام رمضان؛ لما في ذلك من سنة أصحاب محمدﷺ - (٥).
ولنذكر هنا من فوائده فوق الخمسين فائدة، فقد طال العهد به:
إحداها: أن من عقل رسول الله - ﷺ -، وعقل منه فعلًا يعد صحابيًّا.
ثانيها: ما كان عليه - ﷺ - من الرحمة لأولاد المؤمنين، وفعل ذلك ليعقل عنه الغلمان، وتعدلهم به الصحبة لينالوا فضلها، وناهيك بها.

------
(١) برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة.
(٢) برقم (١٠٤٤) باب: الصدقة في الكسوف.
(٣) برقم (٧٧) باب: متى يصح سماع الفجر.
(٤) برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة.
(٥) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٠٣.



ثالثها: استئلافه لآبائهم بمزحه مع بنيهم.
رابعها: مزحه ليكرم به من يمازحه.
خامسها: استراحته في بعض الأوقات؛ ليستعين على العبادة في وقتها.
سادسها: إعطاء النفس حقها، ولا يشق عليها في كل الأوقات.
سابعها: اتخاذ الدلو.
ثامنها: أخذ الماء بالفم منه.
تاسعها: إلقاء الماء في وجه الطفل.
عاشرها: صلاة القبائل الذين حول المدينة في مساجدهم المكتوبة وغيرها.
الحادية عشرة: إمامة الضعيف البصر.
والتخلف عن المسجد في الطين والظلمة. وصلاة المرء المكتوبة وغيرها في بيته. وسؤال الكبير إتيانه إلى بيته ليتخذ مكان صلاته مصلى. وذكر المرء ما فيه من العلل متعذرًا، ولا تكون شكوى فيه.
وأجاب الشارع من سأله. وسير الأتباع مع التابع. وصحبة أفضل الصحابة إياه. وتسميته لأبي بكر وحده لفضله. وأن صاحب البيت أعلم بأماكن بيته فهو أدرى به.
الحادية بعد العشرين: التبرك بآثار الصالحين، وطلب العين تقديمًا على الاجتهاد، فإن كل موضع صلى فيه الشارع فهو عين لا يجتهد فيه، وطلب الصلاة في موضع معين لتقوم صلاته فيه مقام الجماعة ببركة من صلى فيه، وترك التطلع في نواحي البيت، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وفضل موضع صلاته - ﷺ -، وأن نوافل النهار تصلى ركعتين


كالليل، وأن المكان المتخذ مسجدًا ملكه باقٍ عليه، وأن النهي أن يوطن الرجل مكانًا للصلاة إنما هو في المساجد دون البيوت، وصلاة الضحى.
الحادية بعد الثلاثين: صنع الطعام الكثير عند إتيانه لهم، وإن لم يعلم بذلك، وعدم التكلف فيما يصنع، فكان لا يعيب طعامًا، وهو أدوم على فعل الخيرات.
والخزير بالخاء والزاي المحجمتين: طعام يتخذ من دقيق ولحم كما ذكر الخطابي (١). قَالَ الجوهري: يقطع اللحم صغارًا على ما في القدر، فإذا نضج ذر عليه الدقيق، وإن لم يكن لحمًا فهو عصيدة (٢).
وقال ابن فارس: هي دقيق ملبك بشحم أي: يخلط بشحم، كانت العرب تعير به (٣).
وقال أبو الهيثم: إذا كان من دقيق فهي خزيرة، وإن كان نخالة فهي حريرة (٤). والاكتفاء بالإشارة. ويجوز أن يكون تلفظ به معها، وأنه يعبر بالدار عن المحلة التي فيها الدور، ومثله في الحديث: «خير دور الأنصار بنو النجار …» ثم عدد جماعة، وفي آخره: «وفي كل دور الأنصار خير» (٥). وكذا حديث: أمر ببناء المساجد في الدور، وتنظيفها (٦). أراد المحال. وكذا قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ﴾

--------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٦٤٥.
(٢) «الصحاح» ٢/ ٦٤٤.
(٣) «المجمل» ٢/ ٢٨٨.
(٤) انظر: «لسان العرب» ٢/ ١١٤٨.
(٥) سيأتي الحديث برقم (١٤٨١) كتاب: الزكاة، باب: خرص التمر. من حديث أبي حميد الساعدي.
(٦) رواه أبو داود (٤٥٥٩) كتاب: الصلاة، باب: اتخاذ المساجد في الدور، والترمذي (٥٩٤) كتاب: الصلاة، باب: ما ذكر في تطيب المساجد، وابن ماجه =



[الأعراف: ١٤٥] واجتماع القبيل إلى الموضع الذي يأتيه الكبير ليؤدوا حقه، ويأخذوا حظهم منه، وعيب من حضر على من تخلف ونسبته إلى أمر يتهم به، وهو مالك بن الدخشم، شهد بدرًا واختلف في شهوده العقبة، وظهر من حسن إسلامه ما ينفي عنه تهمة النفاق، وكراهية من يميل إلى المنافقين في حديثه ومجالسته، وأن من رمى مسلمًا بالنفاق لمجالسته لهم لا يعاقب ولا يقال له: أثمت. وأن الشارع كان يأتيه الوحي ولا شك فيه.
الحادية بعد الأربعين: أنه لا يحب الله ورسوله منافق، وأن الكبير إذا علم بصحة اعتقاد من نسب إلى غيره يقول له: لا تقل ذلك. وأن من عيب بما يظهر منه لم يكن عيبة، وأن من تلفظ بالشهادتين واعتقد حقيقة ما جاء به مات على ذلك فاز ودخل الجنة، وأصابه بذنوبه سفع منها، وإخبار من سمع الحديث من صاحب صاحبًا مثله وغيره ليثبت ما سمع ويشهد ما عند الذي يخبره من ذلك، وإنكار من روى حديثًا من غير أن يقطع بنفيه، وقيل: إن الإنكار؛ لأن ظاهره تحريم دخول النار على من قَالَ: لا إله إلا الله. كقول بعض أهل الأهواء.
وقيل: معنى التحريم هنا: تحريم الخلود في النار، وغزو أرض الروم، وكان أبو أيوب تخلف عن الخروج مع يزيد قبل ذلك العام،

-----------
= (٧٥٨) كتاب: المساجد، باب: تطهير المساجد وتطييبها، وأحمد ٦/ ٢٧٩، وأبو يعلى في «مسنده» ٨/ ١٥٢ (٤٦٩٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٧٠ (١٢٩٤) كتاب: الصلاة، باب: الأمر ببناء المساجد في الدور، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٥١٣ (١٦٣٤) كتاب: الصلاة، باب: المساجد، وهو في ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠، كتاب: الصلاة، باب: في تنظيف المساجد وتطييبها بالخلوق وغيره، كلهم عن عائشة، وقال الألباني: «صحيح أبي داود» (٤٨٠): إسناده صحيح على شرط الشيخين.


ثم ندم وقال: ما عليَّ لو خرجت أقاتل على نفسي من الآخرة، ولكل أحد ما يحتسب. والمراجعة؛ فإن محمود بن الربيع الأنصاري أوجب على نفسه إن سلم أن يأتي عتبان فيسأله، وكان محمود مقيمًا بالشام، وذكر العمرة ليصف ما جرى وليتأسى به أن يجمع في طريقه العمرة والسفر إلى أبي أيوب والرحلة في العلم. وأن ذكر ما في الإنسان على وجه التعريف ليس عيبة لذكره عمى عتبان.
الحادية بعد الخمسين: إمامة الأعمى وجلب الحديث لصلاته بهم جماعة في النافلة، والإسرار بالنوافل، وفيه غير ذلك بما سلف، فلابد لك من مراجعته.


٣٧ - باب التَّطَوُّعِ فِي البَيْتِ
١١٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اجْعَلُوا فى بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». تَابَعَهُ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ. [انظر: ٤٣٢ - مسلم: ٧٧٧ - فتح: ٣/ ٦٢]
ذكر فيه حديث وهيب عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اجْعَلُوا فى بُيُويكُمْ مِنْ صَلَاِتكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». تَابَعَهُ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ.
وقد سلف في باب: كراهية الصلاة في المقابر (١)، وهذِه المتابعة أخرجها مسلم عن ابن مثنى عن عبد الوهاب (٢)، والإسماعيلي عن ابن مثنى، وابن خلاد عن عبد الوهاب، وهذا الحديث من التمثيل البديع، وذلك لتشبيهه البيت الذي لا يصلى فيه بالقبر الذي لا يمكن المبيت فيه عبادة، وشبه النائم بالليل كله بالميت الذي انقطع منه فعل الخير، وقد قَالَ عمر بن الخطاب: صلاة المرء في بيته نور، فنوروا بيوتكم.
وقد سلف هناك أن للعلماء في معنى الحديث قولين: هل المراد النافلة أو الفرض؟ والأول أظهر؛ لأنه - ﷺ - لم يختلف عنه أنه أنكر التخلف عن الجماعات في حضور المساجد.

-----------
(١) برقم (٤٣٢) كتاب: الصلاة.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٧٧) ٢٠٩ كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.



٢٠

كتاب فضل الصلاة في مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمدْينَةِ


٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمدْينَةِ (١)
١ - باب فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ
١١٨٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ [بْنُ عُمَيْرٍ]، عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ - رضي الله عنه - أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَىْ عَشْرَةَ غَزْوَةً ح. [انظر: ٥٨٦ - مسلم: ٨٢٧،٤١٥ - فتح: ٣/ ٦٣]

١١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ - وَمَسْجِدِ الأَقْصَى». [مسلم: ١٣٩٧ - فتح: ٣/ ٦٣]

١١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلاَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ». [مسلم: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٦٣]

--------
(١) ليس في الأصل، والمثبت من الصحيح.


ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
حديث قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخدري أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَكَانَ قد غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَى عَشْرَةَ غَزْوَةً.
ثانيها: حديث سعيد عن أبي هريرة: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَي ثَلًاثةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ -، وَمَسْجِدِ الآقصَى».
ثالثها: حديث أبي عبد الله الأغر -واسمه سلمان- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أيضًا: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلا المَسْجِدَ الحَرَامَ».
الشرح:
حديث أبي سعيد أتى به في الباب بعده مطولًا، وفي آخره: «ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» كما سيأتي في الحج والصوم أيضًا (١)، ولم يخرجه غيره مجموعًا بتمامه من طريق قزعة عن أبي سعيد.
وفي بعض نسخ البخاري إيراده آخر الباب، وكذا ذكره أبونعيم، وأخرجه مسلم مقطعًا، قطعة في الحج: «لا تسافر المرأة» إلى آخره، ومثلها من حديث أبي صالح عنه (٢)، وقطعة في الصيام، وهي النهي عن صوم العيدين (٣)، وأخرجاه من حديث يحيى بن عمارة عن أبي

-----
(١) برقم (١١٩٧) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة، باب: مسجد بيت المقدس، وبرقم (١٨٦٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: حج النساء، وبرقم (١٩٩٥) كتاب: الصوم، باب: الصوم يوم النحر.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (٨٢٧/ ٤١٥) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، وبرقم (١٣٤٠/ ٤٢٣) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع …
(٣) «صحيح مسلم» برقم (٨٢٧/ ١٤٠) كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.



سعيد (١) وقطعة في: «لا صلاة بعد الصبح» من حديث عطاء بن يزيد بن أبي سعيد (٢)، وأخرجه البخاري أيضًا كذلك (٣)، وابن ماجه من حديث قزعة عنه (٤)، وقطعة الباب «لا تشد» أخرجها هنا مختصرًا بدونها.
قَالَ الحميدي: أهمل، ولم يبين تمامه (٥). وأخرجها مسلم من حديث قزعة أيضًا في الحج، وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٦).
وذكر الدارقطني أنه اختلف فيه على قزعة، فذكره، ثم قَالَ: والصحيح قول من قَالَ: قزعة عن أبي سعيد (٧).
وقال الداودي: ذكر حديث أبي سعيد ولم يذكر ما فيه، ثم أتى بحديث أبي هريرة بعد. يعني أنهما جميعًا حدثا بالحديث. وقد ذكره بعد في باب: مسجد بيت المقدس، وذكر الأربع وأنهن أعجبنه.

---------------
(١) سيأتي برقم (١٩٩١) كتاب: الصوم، باب: صوم يوم الفطر، ومسلم برقم (٨٢٧/ ١٤١) كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى.
(٢) «صحيح مسلم» (٨٢٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٣) سلف برقم (٥٨٦) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس.
(٤) «سنن ابن ماجه» (١٢٤٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر.
(٥) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٤٣٥.
(٦) «صحيح مسلم» (٨٢٧/ ٤١٥) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، و«سنن الترمذي» (٣٢٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في أي المساجد أفضل، و«سنن ابن ماجه» (١٤١٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس.
(٧) «علل الدارقطني» ١١/ ٣٠٥ - ٣٠٧.



قَالَ ابن التين: وأضاف إليهن ابن مسلمة رابعًا، وهو مسجد قباء.
وحديث أبي هريرة الأول أخرجه مسلم أيضًا (١) (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث سلمان الأغر، عن أبي هريرة بلفظ: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء» (٣).
وشيخ البخاري فيه علي هو ابن المديني، وشيخه سفيان هو ابن عيينة. قَالَ الدارقطني: تفرد الزهري واختلف عنه فذكره، ثم قَالَ: وكلها محفوظة عنه (٤).
وحديثه الثاني أخرجه مسلم أيضًا (٥)، وقد رواه عن أبي هريرة غير الأغر، رواه عنه سعيد بن المسيب وأبو صالح، والوليد بن رباح، (م) وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وأبو سلمة، وعطاء (٦).

------------
(١) «صحيح مسلم» (١٣٩٧) كتاب: الحج، باب: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.
(٢) رمز الناسخ فوقها (د. س. ق) وانظر [أبو داود (٢٠٣٣)، النسائي ٢/ ٣٧، ابن ماجه (١٤٠٩)].
(٣) «صحيح مسلم» (١٣٩٧) ٥١٣.
(٤) «علل الدارقطني» ٩/ ٤٠٢ - ٤٠٣.
(٥) «صحيح مسلم» (١٣٩٤) كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة ورمز الناسخ فوق مسلم (د. س. ق)، وانظر: [«سنن النسائي» ٢/ ٣٥ كتاب: المساجد، باب: فضل مسجد النبي - ﷺ - والصلاة فيه، و«سنن ابن ماجه» (١٤٠٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام].
(٦) رمز في الأصل فوق الرواة إشارة إلى مخرجي رواياتهم.
فرمز فوق سعيد بن المسيب (م. ق) [قلت انظر مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٥) وابن ماجه (١٤٠٤)]، ورمز فوق أبي صالح (م) [مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٨) وفيه قال: أخبرني عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه سمع أبا هريرة … فذكره]، ورمز فوق الوليد بن رباح (ت) لترمذي (٣٩١٦)]، ورمز فوق عبد الله بن إبراهيم بن قارظ (م) [مسلم =



قَالَ أبو عمر: لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث في «الموطأ» عن زيد بن رباح وعبيد الله بن عبد الله الأغر، عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة.
ورواه محمد بن مسلمة المخزومي عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس، وهو غلط فاحش وإسناده مقلوب، ولا يصح فيه عن مالك إلا حديثه في «الموطأ» عن زيد (١). كما سلف.
وروي عن أبي هريرة من طرق متواترة كلها صحاح ثابتة، وطرقه الدارقطني فأبلغ (٢)، ورواه ابن عمر وميمونة، وطرقه الدارقطني، وجابر وابن الزبير (٣) وإسناده حسن أخرجه أحمد، وأبو ذر أخرجه الطحاوي (٤).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليها من أوجه:

-------------
= (١٣٩٤/ ٥٠٧ - ٥٠٨)] ورمز فوق أبي سلمة (م) [مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٧)]، ورمز فوق عطاء (قط) [ولم أقف عليه في «سنن الدارقطني» وأشار إلى روايته في «العلل» فقال: ورواه عطاء بن أبي رباح، واختلف عنه، فرواه ابن المبارك عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وعائشة، وكذلك قال أبو مريم عن عطاء. ورواه الزنجي بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير عن النبي - ﷺ -. اهـ «العلل» ٩/ ٣٩٧. قلت: انظر «المسند» ٢/ ٢٧٧، ٢٧٨].
(١) «التمهيد» ٦/ ١٦.
(٢) «علل الدارقطني» ٩/ ٤٨ - ٤٩ (١٦٣٤) و٩/ ٣٩٥ - ٤٠٠ (١٨١٦).
(٣) رمز في الأصل فوق ابن عمر (ق) [ابن ماجه (١٤٠٥) قلت: هو في مسلم (١٣٩٥) ورمز فوق ميمونة (خ. م. س) [البخاري لم أقف عليه فيه، ومسلم (١٣٩٦)، والنسائي ٢/ ٣٣]، ورمز فوق جابر (ق) [ابن ماجه (١٤٠٦)]، ورمز فوق ابن الزبير (قط) [ولم أقف عليه في «سننه» وذكره في تطريقه؛ لحديث أبي هريرة في «العلل» ٩/ ٣٩٨ وهو في «المسند» ٤/ ٥ كما عزاه إليه المصنف وسيأتي تخريجه].
(٤) رواه في «شرح مشاكل الآثار» ٢/ ٦٧ - ٦٨ (٦٠٨).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #250  
قديم 04-02-2026, 06:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 221 الى صـــ 240
الحلقة (250)




أحدها:
قوله: («مسجد الأقصى») هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، وقد أجازه الكوفيون، وتأوله البصريون على الحذف. أي: مسجد المكان الأقصى، وسمي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام.
ثانيها:
فيه فضيلة هذِه المساجد الثلاثة وميزتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء عليهم السلام، وتفضيل الصلاة فيها، وشد الرحال -أي: سروج الجمال- إلى هذِه المساجد الثلاثة، وإعمال المطي إليها مشروع قطعًا.
واختلفوا في الشد والإعمال إلى غيرها كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك، فقال الجويني: يحرم شد الرحال إلى غيرها. وهو الذي أشار القاضي حسين إلى اختياره (١)، والصحيح عند أصحابنا، وهو مختار الإمام والمحققين: أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد: أن الفضيلة الثابتة إنما هي في شد الرحال إلى هذِه الثلاثة خاصة.
قَالَ ابن بطال: هذا الحديث في النهي عن إعمال المطي، إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة.
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: الذي قاله الشيخ محمى الدين في «شرح مسلم» أن القاضي عياضًا أشار إلى اختياره، والظاهر أن في نسخة شيخنا من «شرح مسلم» نقل ذلك عن القاضي وسقط منها (عياض) فالشافعية المتأخرون من الخراسانين إذا أطلقوا: القاضي. يريدون حُسينًا، فوضحه شيخنا فوهم (…).
وعبارة شيخنا هي عبارة النووي في «شرح مسلم» فلهذا غلب على ظني أنه القاضي عياض.



قَالَ مالك: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا براحلة فإنه يصلي في بلده إلا أن ينذر ذلك في المساجد الثلاثة، فعليه السير إليها، وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعًا بذلك، فمباح له قصدها بإعمال المطي وغيره، ولا يتوجه إليه النهي في الحديث.
وقال الخطابي: اللفظ لفظ خبر ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك فيها، يريد أنه لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذِه المساجد (١).

------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٦٤٧.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
وأما السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فهذا لم يكن موجودًا في الإسلام في زمن مالك، وإنما حدث هذا بعد القرون الثلاثة قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم. فأما هذِه القرون التي أثنى عليها رسول الله - ﷺ - فلم يكن هذا ظاهرًا فيها، ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك، ولهذا لما سأل سائل لمالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي - ﷺ -. فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». وكذلك من يزور قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم، أو يطلب منهم الدعاء، أو يقصد الدعاء عندهم لكونه أقرب إجابة في ظنه، فهذا لم يكن يعرف على عهد مالك، لا عند قبر النبي - ﷺ - ولا غيره، «مجموع الفتاوى» ٢٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
وقال أيضًا ردًا على من قال: إن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين قربة، وإنه إن نذر السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه يفي بهذا النذر. فقال: هذا القول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإن أطلقوا القول بأن السفر إلى زيارة قبر النبي - ﷺ -، قربه، أو قالوا هو قربة مجمع عليها: فهذا حق إذا عرف مرادهم بذلك، كما ذكر ذلك القاضي عياض، وابن بطال وغيرهما: فمرادهم السفر المشروع إلى مسجده، وما يفعل فيه من العبادة المشروعة التي تسمى زيارة لقبره، ومالك وغيره يكرهون أن تسمى زيارة لقبره. فهذا الإجماع على هذا المعنى صحيح لا ريب فيه. =



وقال ابن الجوزي: اختلف العلماء فيما إذا نذر أن يصلي في هذِه المساجد الثلاثة، فمذهب أحمد أنه يلزمه، وقال أبو حنيفة لا يلزمه بل يصلي حيث شاء. وعن الشافعي كالمذهبين. انتهى.
ولا يعترض بأن أبا هريرة أعمل المطي إلى الطور، فلما انصرف لقيه بصرة بن أبي بصرة، فأنكر عليه خروجه وقال له: لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت، سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» (١) فدل أن مذهب بصرة حمل الحديث على العموم في

-----------
= ولكن ليس هذا إجماعًا على ما صرحوا بالنهي عنه، أو بأنه ليس بقربة ولا طاعة.
والسفر لغير المساجد الثلاثة قد صرح مالك وغيره: كالقاضي إسماعيل، والقاضي عياض، وغيرهما: أنه منهي عنه، لا يفعله لا ناذر ولا متطوع، وصرحوا بأن السفر إلى المدينة وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين هو من السفر المنهي عنه ليس له أن يفعله، وإن نذره، سواء سافر لزيارة أي نبي من الأنبياء، أو قبر من قبورهم، أو قبور غيرهم. أو مسجد غير الثلاثة: فهذا كله عندهم من السفر المنهي عنه، فكيف يقولون: إنه قربة،
ولكن الإجماع على تحريم اتخاذه قربة لا يناقض النزاع في الفعل المجرد، وهذا الإجماع المحكي عن السلف والأئمة لا يقدح فيه خلاف بعض المتأخرين إن وجد، ولكن إن وجد أن أحد من الصلحاء المعروفين من السلف قال: إنه يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين كان هذا قادحًا في هذا الإجماع، ويكون في المسألة ثلاثة أقوال.
ولكن الذي يحكي الإجماع لم يطلع على هذا القول، كما يوجد ذلك كثيرًا لكثير من العلماء، ومع هذا فهذا القول يرد إلى الكتاب والسنة، لا يجوز إلزام الناس به بلا حجة، فإن هذا خلاف إجماع المسلمين. «مجموع الفتاوى» ٢٧/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(١) رواه النسائي ٣/ ١١٣: ١١٥ كتاب: الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة، ومالك ١/ ١٧٨ (٤٦٣) كتاب: الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة، وعبد الرزاق ١/ ١٧٨ (٤٦٣) كتاب: المناسك، باب: ما تشد إليه الرحال، وأحمد ٦/ ٧، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ٧ (٢٧٧٢) كتاب: الصلاة، بابك صلاة الجمعة،



النهي عن إعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة على كل حال، فدخل فيه الناذر والمتطوع؛ لأن بصرة إنما أنكر على أبي هريرة خروجه إلى الطور؛ لأن أبا هريرة كان من أهل المدينة التي فيها أحد المساجد الثلاثة التي أمر بإعمال المطي إليها، ومن كان كذلك فمسجده أولى بالإتيان.
وليس في الحديث أن أبا هريرة نذر السير إلى الطور، وإنما ظاهره أنه خرج متطوعًا إليه، وكان مسجده بالمدينة أولى بالفضل من الطور؛ لأن مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس أفضل من الطور.
وقد اختلف العلماء فيمن كان بالمدينة فنذر المشي إلى بيت المقدس، فقال مالك: يمشي ويركب. زاد الأوزاعي: ويتصدق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصلي في مسجد المدينة أو مكة؛ لأنهما أفضل منه. وقال سعيد بن المسيب: يقومان مقام مسجد بيت المقدس.
وقال الشافعي: يمشي إلى مسجد المدينة والأقصى إذا نذر ذلك، ولا يتبين لي وجوبه؛ لأن البر بإتيان بيت الله فرض، والبر بإتيان هذين نافلة (١).
وقال ابن المنذر: من نذر المشي إلى المسجد الحرام والأقصى وجب عليه ذلك؛ لأن الوفاء به طاعة، وإن نذر الأقصى إن شاء مشى إليه، وإن شاء مشى إلى المسجد الحرام؛ لحديث جابر أن رجلًا قَالَ للنبي - ﷺ -: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس.

------------
والطبراني ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧ (٢١٥٧ - ٢١٥٩)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٢٣٧، وصححه الألباني في «صحيح النسائي».
(١) انظر: «مغني المحتاج» ٤/ ٣٦٣.



قَالَ: «صل ها هنا» ثلاثًا (١).
وقال أبو يوسف: لا يقوم الأقصى مقام المسجد الحرام. وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة ومحمد: أن من جعل لله عليه أن يصلي في مكان فصلى في غيره أجزأه. واحتج لهم الطحاوي بأن معنى حديث «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢) أن المراد به الفريضة لا النافلة؛ لقوله - ﷺ -: «خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (٣).
وقال ابن التين: هذا الحديث دليل لنا على الشافعي، فإنه أعمل المطي إليهما، والصلاة فيهما قربة، فوجب أن يلزم بالنذر كالمسجد الحرام، وانفصل بعضهم بأن قَالَ: قد تشد الرحال إلى المسجد الحرام فرضًا للحج أو العمرة، وفي مسجد المدينة للهجرة في حياته، وكانت واجبة على الكفاية في قول بعض العلماء، فأما إلى بيت المقدس فهي فضيلة.
وقد يتأول الحديث على أنه لا يعتكف إلا في هذِه المساجد الثلاثة فيرحل إليها، وهو قول بعض السلف.
فرع:
إذا لزم المضي إليهما، فهل يلزمه المشي؟

--------------
(١) رواه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد ٣/ ٣٦٣، والحاكم ٤/ ٣٠٤ وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٣) سيأتي برقم (٦١١٣) كتاب: الأدب، باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله.
حديث زيد بن ثابت.



في «المدونة»: يأتيهما راكبًا. وقال ابن وهب: ماشيًا وإن بعد.
وقيل: إن كان قريبًا بالأميال مشى. وقيل: لا يمشي وإن كان ميلًا، وأما المسجد الحرام فإنه يأتيه ماشيًا.
ثالثها:
اختلف العلماء في تأويل قوله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» ومعناه كما قَالَ أبو عمر، فتأوله قومٌ، منهم ابن نافع صاحب مالك على أن الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف درجة، وأفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة، وقال به جماعة من المالكيين، ورواه بعضهم عن مالك.
وذكر أبو يحيى الساجي قَالَ: اختلف العلماء في تفضيل مكة على المدينة، فقال الشافعي: مكة أفضل البقاع كلها، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين. وقال مالك والمدنيون: المدينة أفضل من مكة (١).
واختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك، فطائفة يقولون: مكة، وطائفة يقولون المدينة. وعامة أهل الأثر والفقه (يقولون) (٢): إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - بمائة صلاة.
وقال القرطبي: اختلف في استثناء المسجد الحرام: هل ذلك أن المسجد الحرام أفضل من مسجده - ﷺ -، أو هو؛ لأن المسجد الحرام أفضل من غير مسجده؟ فإنه أفضل المساجد كلها والجوامع.

---------------
(١) انظر: «الذخيرة» ٤/ ٨٤.
(٢) من (ج).



وهذا الخلاف في أي البلدين أفضل؟ فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، وحملوا الاستثناء على تفضيل الصلاة في مسجد المدينة بألف صلاة على سائر المساجد، إلا المسجد الحرام فبأقل من الألف، واحتجوا بما قَالَ عمر: صلاة في المسجد الإكرام غير من مائة صلاة فيما سواه (١).
ولا يقول عمر هذا من تلقاء نفسه، ولا من اجتهاده، فعلى هذا تكون فضيلة مسجده على المسجد الحرام بتسعمائة وعلى غيره بألف.
وذهب الكوفيون والمكيون وابن وهب وابن حبيب من أصحابنا إلى تفضيل مكة، واحتجوا بما زاد قاسم بن أصبغ وغيره في هذا الحديث من رواية عبد الله بن الزبير بعد قوله: «إلا المسجد الحرام» قَالَ: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة» (٢).
قَالَ: وهذا الحديث رواه عبد بن حميد وقال فيه: «بمائة ألف صلاة» (٣) وهذِه الروايات منكرة لم تشتهر عند الحفاظ، ولا خرّجها أصحاب الصحيح، ولا شك أن المسجد الحرام مستثنى من قوله: «من المساجد» وهي بالاتفاق مفضولة، والمستثنى من المفضول مفضول إذا سكت عليه، فالمسجد الحرام مفضول، لكنه (يقال) (٤): مفضول بألف؛ لأنه قد استثناه منها، فلابد أن يكون له مزية على غيره من المساجد ولم يعينها الشرع، فيوقف فيها، أو يعتمد على قول عمر.

-------------
(١) رواه الحميدي في «مسنده» ٢/ ١٧٩ - ١٨٠ (٩٧٠).
(٢) رواه أحمد ٤/ ٥، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٨٥ (٤١٤٢) كتاب: المناسك، باب: إتيان المدينة وزيارة.
(٣) «المنتخب» ١/ ٤٦٥ (٥٢٠).
(٤) كذا بالأصل، ولعلها: لا يقال.



قَالَ: ويدل على صحة ما قلناه زيادة عبد الله بن قارظ بعد قوله: «إلا المسجد الحرام»: «فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد» (١) فربطُ الكلام بفاء التعليل مشعر بأن مسجده إنما فضل على المساجد كلها؛ لأنه متأخر عنها، ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء في الزمان، فتدبره (٢).
وقال عياض: أجمعوا على أن موضع قبره - ﷺ - أفضل بقاع الأرض (٣).
ومن دلائل تفضيل مكة: حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول -وهو واقف على راحلته بمكة-: «والله إنك لخير بلاد الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». رواه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح (٤).
وعن عبد الله بن الزبير قَالَ رسول الله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي» حديث حسن رواه أحمد بن حنبل في «مسنده»، والبيهقي وغيرهما بإسناد حسن (٥).

--------------
(١) رواه مسلم (١٣٩٤) ٥٠٧ كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة وأبو نعيم في «المستخرج» ٤/ ٥٥ - ٥٦ (٣٢١٨) كتاب: حرمة مكة والمدينة، باب: في فضل الصلاة في مسجد المدينة.
(٢) «المفهم» ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٦.
(٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٥١١.
(٤) «سنن الترمذي» (٣٩٢٥) كتاب: المناقب، باب: في فضل مكة.
و«السنن الكبرى» للنسائي ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (٤٢٥٢ - ٤٢٥٣) كتاب: الحج، باب: فضائل مكة والمدينة. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٥) رواه أحمد ٤/ ٥، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٤٦٥ (٥٢٠)، والبزار كمال في «كشف الأستار» ١/ ٢١٤ (٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في المساجد =



قَالَ أبو عمر (١): وأما تأويل ابن نافع فبعيد عند أهل المعرفة باللسان ويلزمه أن يقول: إن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسعمائة ضعف،، وتسعة وتسعين ضعفًا.
وإذا كان هكذا، لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر المساجد إلا بالجزء اللطيف على تأويل ابن نافع.
ثم ساق بإسناده إلى ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن ابن عتيق، سمعت ابن الزبير، سمعت عمر يقول: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة فيما سواه -يعني من المساجد- إلا مسجد رسول الله.
فهذا عمر، وابن الزبير، ولا مخالف لهما من الصحابة يقول: تفضل الصلاة في المسجد الحرام على مسجد المدينة.
وتأول بعضهم هذا الحديث أيضًا عن عمر على أن الصلاة في مسجد المدينة خير من تسعمائة صلاة في المسجد الحرام، وهذا تأويل لا يعضده أصل.
وزعم بعض المتأخرين أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بمائة صلاة، ومن غيره بألف صلاة،

-----------
= الثلاث وقال: اختلف على عطاء ولا نعلم أحدًا قال: فإنه يزيد على مائة، إلا ابن الزبير، ورواه عبد المالك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر، ورواه ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة أو عائشة، ورواه ابن أبي ليلى عن عطاء، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٩٩ (١٦٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المساجد. والبيهقي ٥/ ٢٤٦ كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ -. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ٥٠٤. وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في «الكبير»، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح.
وقال الذهبي في «المهذب» ٤/ ٢٠٠٧ (٨٥٠٨): سنده صالح.
(١) «التمهيد» ٦/ ١٨ - ٣٤ وسيطيل النفل عنه.



واحتج بحديث ابن الزبير عن عمر المذكور. قَالَ: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه مختلف في إسناده وفي لفظه، وقد خالفه فيه من هو أثبت منه.
واستدلوا بحديث سليمان بن عتيق، عن ابن الزبير، سمعت عمر يقول: صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد رسول الله - ﷺ -، فإنها فضيلة عليه بمائة صلاة. فهذا حديث سليمان فيه من نقل الثقات نصًّا خلاف ما تأولوه.
وذكر حديث ابن عمر الذي فيه أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجده - ﷺ -. قَالَ: وروي عن أبي الدرداء وجابر مثل ذلك بزيادة: «وفي بيت المقدس بخمسمائة» (١).
وقال عبد الله بن مسعود: ما للمرأة أفضل من صلاة بيتها إلا المسجد الحرام (٢).
وهذا تفضيل منه للصلاة فيه على الصلاة في مسجد الرسول؛ وقد قَالَ لأصحابه: «صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة» (٣).
وقد اتفق مالك، وسائر العلماء على أن صلاة (الفرض) (٤) يبرز لها في كل بلد إلا مكة فإنها تصلى في المسجد الحرام. فهذا عمر، وعلي،

-------------
(١) حديث أبي الدرداء، رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥ (٤١٤٠) في فضل الحج والعمرة. وانظر: «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
وحديث جابر، فرواه أيضًا البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٨٦ (٤١٤٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ١٥٨ (٧٦١٣)، والبيهقي ٣/ ١٣١.
(٣) سلف برقم (٧٣١) كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل بمعناه.
(٤) كذا في الأصل، وفي «التمهيد» ٦/ ٣١ - وهوالمصدر الذي ينقل منه المصنف هنا-: العيدين، وهو أصوب.



وابن مسعود، وأبو الدرداء، وجابر يفضلون مكة ومسجدها، وهم أولى بالتقليد ممن تقدمهم (١).
واستدل بعض أصحاب مالك على تفضيل المدينة بقوله - ﷺ -: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» أو «ما بين بيتي ومنبري روضة» الحديث (٢).
وركبوا عليه قوله: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (٣) ولا دلالة فيه كما قَالَ أبو عمر (٤)؛ لأن قوله هذا إنما أراد ذم الدنيا والزهد فيها، والترغيب في الآخرة، فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها، وأراد بذكر السوط على التقليل، بل موضع نصف سوط من الجنة الباقية خير من الدنيا الفانية. قَالَ: وإني لأعجب ممن ترك قول رسول الله - ﷺ - إذ وقف بمكة على الحزورة، وقيل: على الحجون، فقال: «والله إني لأعلم أنك خير أرض الله، وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» وهذا حديث صحيح. وقد سلف (٥).

------------
(١) كذا في الأصل، وفي «التمهيد» ٦/ ٣٤: بعدهم. وهوالصواب وها هنا انتهى كلام ابن عبد البر ٦/ ١٨ - ٣٤ بتصرف.
(٢) سيأتي برقم (١١٩٦) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: فضل ما بين القبر والمنبر. مقتصرًا على الجزء الثاني منه.
ورواه مسلم كاملًا برقم (١٣٩١) كتاب: الحج، باب: ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة. ولم يأت في رواية صحيحة (قبري) بل: (بيتي) فليعلم.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٥٠) كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٤) «التمهيد» ٢/ ٢٨٧ - ٢٩٠.
(٥) رواه الترمذي برقم (٣٩٢٥) كتاب: المناقب، باب: فضل مكة قال أبو عيسى، حسن غريب صحيح. والنسائي في الكبرى ٢/ ٤٧٩، برقم (٤٢٥٢) كتاب: الحج =



وذكره من طريق عبد الله بن عدي بن الحمراء، ومن طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قَالَ: وقد روي عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها.
لكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة. وكان مالك يقول: مِنْ فضل المدينة على مكة أني لا اعلم بقعة فيها قبر نبي معروف غيرها. كأنه يريد ما لا يُشك فيه (١).
وعن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: اختلفوا في دفن رسول الله - ﷺ - فقال أبو بكر: سمعته يقول: «لا يقبض نبى إلا في أحب الأمكنة إليه» فقال: ادفنوه حيث قُبض. وفي لفظ: حيث قبضه الله؛ فإنه لم تقبض روحه إلا في مكان طيب (٢).
وروى ابن عبد البر في أواخر «تمهيده» عن عطاء الخرساني أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة، فيخلق من التراب ومن النطفة، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية [طه: ٥٥] (٣) واختلف هل يراد بالصلاة هنا الفرض أو

-------------
= باب: فضائل مكة والمدينة. وابن ماجه (٣١٠٨)، كتاب: المناسك، باب: فضل مكة. وأحمد في «المسند» ٤/ ٣٠٥، برقم (١٨٧١٥). والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٢٤٤. والحاكم: ٣/ ٧، كتاب: الهجرة وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. والمزي في «التهذيب» ١٥/ ٢٩٢. وفي «أسد الغابة» ٣/ ٣٣٦ برقم (٣٠٦٨). وصححه الألباني في «صحيحى الترمذي وابن ماجه».
(١) انتهى كلام ابن عبد البر.
(٢) رواه الترمذي (١٠١٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة. وقال: حديث غريب. والبزار في «البحر الزخار» ١/ ١٣٠ (٦٠ - ٦١). وأبو يعلى في «مسنده» ١/ ٤٦ (٤٥). وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٣) «التمهيد» ٢٤/ ٤٠٠.



أعم منه؟ وإلى الأول ذهب الطحاوي (١)، وإلى الثاني ذهب مطرف من أصحاب مالك. ومذهبنا أنه أعم.
فتقرر أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف هذا ما نعتقده، وفي مسجد المدينة بألف. وقد أسلفنا عن الأقصى أنها بخمسمائة، وفي حديث أبي ذر بمائتين وخمسين صلاة (٢).
وفي حديث ميمونة بألف (٣)، وهو من باب الترقي والفضل، كما نبه عليه الطحاوي.
ثم النافلة في البيوت أفضل من صلاتها في المساجد الثلاثة، ثم هذا فيما يرجع إلى الثواب، ولا يتعدى إلى الإجزاء عن الفوائت، حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في المسجد الحرام صلاة لم تجزئه عنهما بالاتفاق. ثم الفضيلة في الصلاة في مسجده خاص بنفس مسجده

------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٢٨.
(٢) رواه الطحاوي في «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ١/ ٤٤٤ - ٤٤٦ (٤٣٢) كتاب: الصلاة، باب: بيان مشكل ما روي عنه - عليه السلام - في المساجد لا تشد الرحال إلا إليها ..، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ١٤٨ (٨٢٣٠). والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٨٦ (٤١٤٥) باب: في المناسك، فضل الحج والعمرة. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا الحجاج، وسعيد بن بشير، تفرد به عن الحجاج: إبراهيم بن طهمان، وتفرد به عن سعيد: محمد بن سليمان بن أبي داود.
وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ٧ كتاب: الحج، باب: الصلاة في المسجد الحرام.
وقال: الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط»، ورجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه النسائي ٢/ ٣٣ كتاب: المساجد، باب: فضل الصلاة في المسجد الحرام.
وأحمد ٦/ ٣٣٣. والبخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ٣٠٢ ترجمة (٩٥٨). وأبو يعلى ١٣/ ٣٠ - ٣١ (٧١١٣). والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٢٦. والبيهقي ١٠/ ٨٣ كتاب: النذور، باب: من لم ير وجوبه بالنذر.



الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده (١)، فيحرص المصلي على ذلك.
وقال ابن بطال: كلا الطائفتين في تفضيل مكة والمدينة يرغب لحديث أبي هريرة: «صلاة في مسجدي هذا» إلى آخره. ولا دلالة فيه أو أحد منهما، وإنما يفهم منه أن صلاة في مسجده - ﷺ - خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد.
ثم استثنى المسجد الحرام. وحكم الاستثناء عند أهل اللسان إخراج الشيء بما دخل فيه هو وغيره بلفظ شامل لهما، وإدخاله فيما خرج منه هو وغيره بلفظ شامل لهما.
وقد مثل بعض أهل العلم بلسان العرب الاستثناء في الحديث بمثال بيَّن معناه.
فإن قلتَ: اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة إلا العراق، جاز أن يكون العراق مساويًا لليمن، وجاز أن يكون فاضلًا، وأن يكون مفضولًا. فإن كان مساويًا فقد علم فضله، وإن كان فاضلًا أو مفضولًا لم يقدر مقدار المفاضلة بينهما إلا بدليل على عدة درجات، إما زائدة على ذلك، أو ناقصة عنها، فيحتاج إلى ذكرها (٢).
واحتج من فضل مكة من طريق النظر أن الرب ﷻ فرض على عباده قصد بيته الحرام مرة في العمر، ولم يفرض عليهم قصد مسجد المدينة.
قالوا: ومن قول مالك: أن من نذر الصلاة في مسجد المدينة

---------
(١) ورد بهامش الأصل: كذا قاله النووي، وخالفه المحب الطبري وذكر لما قاله حديثًا من عند ابن النجار صاحب «تاريخ المدينة» البغدادي، وأثرًا عن عمررضي الله عنه - وكذا ذكره في «مناسكه» كما ذكره في «أحكامه».
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٨٠ - ١٨١.



والمشي إليه، أنه لا يلزمه المشي إليه، وعليه أن يأتيه راكبًا، ومن نذر المشي إلى مكة، فإنه يمشي إليها ولا يركب، فدل هذا من قوله أن مكة أفضل؛ لأنه لم يوجب المشي إليها إلا لعظيم حرمتها، وكبير فضلها. والمراد بقوله: «خير من ألف صلاة» أنها أكثر ثوابًا. قَالَ ابن حبيب: وذلك إذا كان عدد الرجال المصلين فيه دون ذلك، وأما إن كانوا أكثر من ذلك فالثواب على عدد تضعيفهم. وكذلك قَالَ في تضعيف صلاة الجماعة بخمسة وعشرين جزءًا في مسجد أو غيره على صلاة الفذ.
قَالَ: وفي صلاة المسجد الحرام بمائة ألف فيما سواه، وهذا سلف، وفي مسجد إيلياء بخمسمائة على ما سواه، وفي الجامع حيث المنبر والخطبة بخمس وسبعين على ما سواه من المساجد. قَالَ في ذلك كله: إن كانوا أكثر مما في الموضع من التضعيف كان التضعيف على العدد، وإن كانوا أقل أو مثل ذلك فعلى ما جاء فيه. قَالَ: وبذلك جاءت الروايات.
فائدة: في «الأوسط» للطبراني من حديث أبي هريرة «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الخيف، ومسجد الحرام، ومسجدي هذا» ثم قَالَ: لم يروه عن كلثوم إلا حماد بن سلمة (١). ولم يذكر مسجد الخيف في شد الرحال إلا في هذا الحديث.
وقال البخاري: لا يتابع خُثيم في ذكر مسجد الخيف، ولا يعرف له سماع من أبي هريرة (٢).

-----------
(١) «الأوسط» ٥/ ٢١١ (٥١١٠).
(٢) «التاريخ الكبير» ٣/ ٢١٠ (٧١٨) ترجمة: خثيم بن مروان.



ومن الموضوعات من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إلحاق مسجد الجَنَد بالثلاثة (١). وقد أسلفنا عن ابن التين أن ابن مسلمة أضاف إليهن رابعًا، وهو: مسجد قباء.
فائدة:
فضلت مكة المدينة من وجوه:
وجوب قصدها للحج والعمرة، وهما واجبان.
ووجوب الإحرام لهما.
إقامته بمكة ثلاث عشرة أو خمس عشرة بخلاف المدينة فإنه عشر سنين.
أنها أكثر طارقًا من المدينة سيما من الأنبياء والمرسلين، آدم فمن دونه الذين حجوها.
التقبيل والاستلام.
وجوب استقبال كعبتها حيثما كنا.
حرمة استدبارها واستقبالها عند قضاء الحاجة.
أن حرمتها يوم خلق الله السماوات والأرض.
بوأها الله تعالى لإبراهيم، وابنه إسماعيل. ومولدًا لسيد الأمة. حرمًا آمنًا في الجاهلية والإسلام.
قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] عبر بالمسجد الحرام عن الحرم كله.
الاغتسال لها، وكذا المدينة.

-------------
(١) ذكره في «التمهيد» ٣٨/ ٢٣. وقال: حديث منكر لا أصل له.


٢ - باب مَسْجِدِ قُبَاءٍ
١١٩١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -[هُوَ: الدَّوْرَقِيُّ]- حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ لَا يُصَلِّي مِنَ الضُّحَى إِلاَّ فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمَ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى، فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقَامِ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ. قَالَ: وَكَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا. [١١٩٣، ١١٩٤، ٧٣٢٦ - مسلم: ١٣٩٩ - فتح: ٣/ ٦٨]

١١٩٢ - قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا. [انظر: ٥٨٢ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٣/ ٦٨]
ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّه - ﷺ - كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
ثم ترجم عليه:


٣ - باب مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ
١١٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا.
وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ. [انظر: ١١٩١ - مسلم: ١٣٩٩ - فتح: ٣/ ٦٩]
ثم ذكره بزيادة: كُلَّ سَبْتٍ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ.
ثم ترجم عليه:


٤ - باب إِتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا
١١٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِى قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ١١٩١ - مسلم: ١٣٩٩ - فتح: ٣/ ٦٩]
ثم ذكره بزيادة: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.
فأما الحديث الأول فأخرجه مسلم (١)، وكذا الثالث (٢) والثاني أخرجاه (٣).
وزعم الطرقي أن أبا داود أخرجه ولم يعزه ابن عساكر إليه. وفي «أخبار المدينة» لابن شبة من حديث جابر أنه - ﷺ - كان يأتيه صبيحة سبع عشرة من رمضان (٤).
ومن حديث الدراوردي عن شريك بن عبد الله: كان رسول الله - ﷺ - يأتي قباء يوم الاثنين. و(قباء) يذكر ويؤنث، ويمد ويقصر، ويصرف ولا يصرف، ست لغات، والأفصح المد مع التذكير والصرف.
ومنع ابن التين القصر فقال: هو ممدود على كل حال. وهو من عوالي المدينة قريب منها. وقال في «المطالع»: إنه على ثلاثة أميال منها. قَالَ: وأصله باسم بئر هناك، وألفه واو.

-------------
(١) «صحيح مسلم» برقم (١٣٩٩) كتاب: الحج، باب: فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (١٣٩٩) السابق.
(٣) «صحيح مسلم» برقم (٨٢٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التى نهي عن الصلاة فيها.
(٤) «أخبار المدينة المنورة» ١/ ٤٤.



وقال البكري: وقباء موضع آخر في طريق مكة من البصرة (١)، وهو مسجد بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد أسس على التقوى على قول ستعلمه. وأول من وضع فيه حجرًا رسول الله - ﷺ -، ثم أبو بكر، ثم عمر.
والحديث دال على فضله، وفضل مسجده والصلاة فيه، وزيارته راكبًا وماشيًا، وهكذا جميع المواضع الفاضلة تزار كذلك.
وفي إتيانه إياه يوم السبت دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك.
وأصل مذهب مالك كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القرب إلا ما ثبت به توقيف، حكاه القرطبي (٢).
وقال النووي: الصواب جواز تخصيص بعض الأيام (بالزيارة) (٣)، وكره ابن مسلمة المالكي ذلك. ولعله لم تبلغه الأحاديث (٤).
ثم إتيانه مسجد قباء دال على أن ما قرب من المساجد الفاضلة التي في المصر لا بأس أن يؤتى ماشيًا وراكبًا، ولا يكون فيه ما نهى أن تعمل المطي إليه، قاله الداودي، قَالَ: ولم يذكر فيه أنه كان يصلي فيه إذا أتاه ضحى، وكان هو يصلي فيه؛ لئلا يخرج منه حتى يصلي. وقال بعضهم: إتيانه إياه مع أن مسجده أفضل؛ لتكثر المواضع التي يتقرب إلى الله فيها.
قَالَ ابن التين: وهذا كما قَالَ مالك أن التنفل في البيوت أحب إليه منه في مسجد الرسول إلا للغرباء، فإن تنفلهم في مسجده أحب إليه.

--------------
(١) «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠٤٥ - ١٠٤٦.
وانظر: «معجم البلدان» ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٢) «المفهم» ٣/ ٥١٠.
(٣) في الأصل: بالزيادة، خطأ.
(٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٧١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 10 ( الأعضاء 0 والزوار 10)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 418.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 412.67 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.40%)]