|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#241
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 21الى صــ 30 الحلقة(241) [فِي شَهَادَةِ الصَّدِيقِ وَالْأَخِ وَالشَّرِيكِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ، هَلْ تَجُوزُ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ تَجُوزُ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَلِمَوْلَاهُ، فَالصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عِيَالِهِ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُمَوِّنُهُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِيكَيْنِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِشَهَادَةٍ مِنْ غَيْرِ التِّجَارَةِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شَيْئًا. قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟: قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ. ابْنُ مَهْدِيٍّ وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُرَيْحًا وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَالْحَسَنَ قَالُوا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إذَا كَانَ عَدْلًا. وَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ: مَا أَدْنَى مَا يَجُوزُ مِنْ شَهَادَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ؟ فَقَالَ: الْأَخُ لِأَخِيهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ، وَلَا الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا. فَأَمَّا الْأَخُ إذَا كَانَ غِنَاهُ لَهُ غِنًى إنْ أَفَادَ شَيْئًا أَصَابَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ كَانَ فِي عِيَالِهِ، فَإِنِّي لَا أَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا مِنْهُ لَا تَنَالُهُ صِلَتُهُ وَلَا فَائِدَتُهُ. قَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَا بَأْسَ بِحَالِهِ رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً. فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ ذَا الْوُدِّ لِلرَّجُلِ، الْمُصَافِي لَهُ يَصِلُهُ وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لَا أَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً، وَإِذَا كَانَ لَا يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ وَلَا صِلَتُهُ فَأَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً. [فِي شَهَادَةِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَعَهُ إنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيزُ شَهَادَةَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ، وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ وَلَا النَّصْرَانِيِّ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُسْلِمُوا. قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَيْسَ لِأَهْلِ الْكُفْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَهَادَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ حُكْمٌ يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ كَافِرٍ، إلَّا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي أَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. [فِي شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَجُوزُ شَهَادَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَاتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ يَهُودِيٍّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ، وَلَا نَصْرَانِيٍّ عَلَى يَهُودِيٍّ، وَقَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، وَالْمَجُوسِيِّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ إلَّا الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ. [فِي شَهَادَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الِاسْتِهْلَالِ] ِ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوِلَادَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ: شَهَادَةُ رِجَالِهِمْ لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، فَكَيْفَ تَجُوزُ شَهَادَةُ نِسَائِهِمْ. وَقَدْ رَدَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالتَّابِعِينَ. [شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الِاسْتِهْلَالِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الِاسْتِهْلَالَ، هَلْ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فِي الِاسْتِهْلَالِ جَائِزَةٌ. قُلْتُ: كَمْ يُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ مَنْ النِّسَاءِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِهْلَالَ سُنَّةٌ، وَمِمَّا يَكُونُ أَنَّهُ لَا تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ النِّفَاسِ إلَّا النِّسَاءَ. وَقَدْ رَأَى النَّاسُ أَنْ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ وَكَمُلَ جَسَدُهُ إلَّا الِاسْتِهْلَالَ لَا يَبْقَى كَمَا يَبْقَى الْجَسَدُ، فَيُرَى وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ. فَشَهَادَةُ مَنْ حَضَرَ النِّفَاسَ مِنْ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ. [شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ، هَلْ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ. لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مَنْ الْأَشْيَاءِ. قُلْتُ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوِلَادَةَ، أَيُجِيزُ مَالِكٌ فِيهَا شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ امْرَأَتَيْنِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَنْظُرُ إلَى الرِّجَالُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: امْرَأَتَانِ. ابْنُ مَهْدِيٍّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِيمَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ. قَالَ سَحْنُونٌ: فَكَيْفَ بِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُخْبِرَ عَنْ رَضَاعِ امْرَأَةٍ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: فَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ. سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيِّ عَنْ حُلَّامِ الْعَبْسِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَقَالَا: إنْ تَتَنَزَّهَ عَنْهَا فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَأَمَّا أَنْ يُحَرِّمَهَا أَحَدٌ عَلَيْكَ فَلَا. [فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إنْ تَابَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الطَّلَاقِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَحَسُنَتْ حَالُهُ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ إخْوَانِنَا أَنَّهُ قِيلَ لِمَالِكٍ فِي الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ يَقْذِفُ فَيُجْلَدُ فِيمَا قَذَفَ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَدَالَتُهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إذَا ازْدَادَ دَرَجَةً إلَى دَرَجَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَلَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَنَا هَهُنَا رَجُلًا صَالِحًا عَدْلًا، فَلَمَّا وُلِّيَ الْخِلَافَةَ ازْدَادَ وَارْتَفَعَ وَزَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَارْتَفَعَ إلَيْهِ فَوْقَ مَا كَانَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَجَازَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَهَادَةَ مَنْ تَابَ مِنْ الَّذِينَ جَلَدَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَابْنَ قُسَيْطٍ وَابْنَ شِهَابٍ وَشُرَيْحًا وَعَطَاءً قَالُوا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ مَعَ آخَرَ مَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَتَابَ الثَّلَاثَةَ، فَتَابَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ، فَجَازَتْ شَهَادَةُ اللَّذَيْنِ تَابَا وَلَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ أَبِي بَكْرَةَ. [الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ] ِ قُلْتُ: أَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْحُدُودِ وَالْفِرْيَةِ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ فِي الْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْفِرْيَةِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهِ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ، أَتَجُوزُ فِي الْوَلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: وَشَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ تَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ عَدَدٍ كَثِيرٍ. [شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ] ِ قُلْتُ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا شَاهِدَانِ عَلَى شَاهِدٍ. قُلْتُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ عَلَى شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَ هَذَا الشَّاهِدِ عَلَى شَهَادَةِ ذَلِكَ الشَّاهِدِ الَّذِي أَشْهَدَهُ؟ قَالَ: لَا يَحْلِفُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ تَامٍّ، وَإِنَّمَا هِيَ بَعْضُ شَهَادَةٍ فَلَا يَحْلِفُ مَعَهَا الْمُدَّعِي. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْمَالِ، وَإِنْ حَلَّفَهُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ. قَالَ سَحْنُونٌ: كُلُّ مَوْضِعٍ تَجُوزُ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، فَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيهِ جَائِزَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَازَ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ الشَّاهِدُ، لَمْ يَصِلْ إلَى قَبْضِ ذَلِكَ الْمَالِ إلَّا بِيَمِينٍ ثَانِيَةٍ، فَصَارَتْ عَلَيْهِ يَمِينَانِ؟ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَإِنَّمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينُ وَاحِدَةٌ وَلَا يَكُونُ يَمِينَيْنِ. [فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَتَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الْقِصَاصِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي الْقِصَاصِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ. قَالَ: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الشَّهَادَةِ إذَا كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فِي الْأَمْوَالِ وَفِي الْوَكَالَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ وَإِنْ كُنَّ عِشْرِينَ امْرَأَةً، عَلَى شَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَلَا رَجُلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ النِّسَاءِ إذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى مَالٍ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الشَّاهِدَتَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، كَانَتَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ هُمَا لَا يَجُوزَانِ إلَّا وَمَعَهُمَا رَجُلٌ. وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَمَا كَثُرَ مِنْهُنَّ سَوَاءٌ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدَةٍ، لَا تَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُنَّ رَجُلٌ، إلَّا أَنْ يَشْهَدْنَ هُنَّ أَنْفُسُهُنَّ عَلَى حَقٍّ، فَيَكُنَّ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ مَعَ الْيَمِينِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَتِهِنَّ عَلَى الشَّهَادَةِ. سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ كِبَارُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّ شَهَادَتَهُنَّ لَا تَجُوزُ عَلَى شَهَادَةٍ وَلَا عَلَى وَكَالَةٍ فِي مَالٍ، وَهُوَ وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ عَدْلٌ مِنْ الْقَوْلِ. وَلَا تَجُوزُ تَزْكِيَةُ النِّسَاءِ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، لَا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُزْكِينَ النِّسَاءَ وَلَا الرِّجَالَ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ التَّزْكِيَةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُنَّ عَلَى مَالٍ وَلَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. [شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ، وَشَهَادَتُهُنَّ فِي الْمَالِ جَائِزَةٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْخَطَأِ إذَا بَقِيَ الْبَدَنُ قَائِمًا، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَتِيلًا. فَأَمَّا أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ عَلَى الْقَتْلِ خَطَأً وَقُلْنَ رَأَيْنَا فُلَانًا قَتِيلًا قَتَلَهُ فُلَانٌ خَطَأً، وَقَدْ دُفِنَ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْبَدَنِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ إنَّمَا جَازَتْ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَبْقَى وَإِنَّ الْبَدَنَ يَبْقَى فَلَيْسَ فِيهِ ضَرُورَةٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ، وَإِذَا بَقِيَ بَدَنُ الصَّبِيِّ وَشَهِدَ الْعُدُولُ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ لَا يَبْقَى وَالْبَدَنَ يَبْقَى فَيُرَى. ابْنُ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ قَالَ رَبِيعَةُ: وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ، شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَدَنُ قَائِمًا. وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْقَتْلِ، إذَا رُئِيَ الْبَدَنُ وَشَهِدَ الْعُدُولُ أَنَّهُمْ رَأَوْا بَدَنَ الصَّبِيِّ. [شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَنْسَابِ وَالْوَلَاءِ وَالْمَوَارِيثِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَتَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الْقِصَاصِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَلَا فِي الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ عِنْدِي فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ، أَتَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الْعَفْوِ مِنْ الدَّمِ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ لَا تَجُوزُ فِي دَمِ الْعَمْدِ، فَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ فِي الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ، هَلْ تَجُوزُ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْأَنْسَابِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِي الْمَوَارِيثِ وَفِي الْأَمْوَالِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْأَنْسَابِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا جَازَتْ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَالِ فِي الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَالنَّسَبُ مَعْرُوفٌ بِغَيْرِ شَهَادَتِهِنَّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ، هَلْ تَجُوزُ عَلَى الْوَلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الْوَلَاءِ وَلَا عَلَى النَّسَبِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَتْ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ عَلَى السَّمَاعِ وَلَا عَلَى غَيْرِ السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ وَلَا فِي النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الدَّعْوَى وَلَا فِي النَّسَبِ عَلَى حَالٍ مِنْ الْحَالَاتِ. سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ. سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَذَكَرَهُ أَيْضًا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ إلَّا أَنَّ عُقَيْلًا لَمْ يَذْكُرْ الْخَلِيفَتَيْنِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي الْقَتْلِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَضَتْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ بِأَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ فِي الْقَتْلِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْقَتْلِ وَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْعَتَاقَةِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَلَا فِي الْعَتَاقَةِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ، إلَّا فِي الدَّيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا حَيْثُ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الدَّيْنِ، أَوْ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا هُنَّ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَالطَّلَاقُ مِنْ أَشَدِّ الْحُدُودِ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْفُرْقَةِ وَالنِّكَاحِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا تَجُوزُ فِي الْحُدُودِ، وَالطَّلَاقُ مِنْ الْحُدُودِ. [شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ] ٍ قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ غُلَامَيْنِ لَمْ يَبْلُغَا الْحُلُمَ اقْتَتَلَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ الْمَيِّتُ: فُلَانٌ قَتَلَنِي وَشَهِدَ عَلَى لِسَانِهِ وَاعْتَرَفَ الْقَاتِلُ الْحَيُّ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، أَتَرَى أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ وَيَقْسِمُ عَلَيْهِ، أَوْ بِاعْتِرَافِ الْقَاتِلِ الْحَيِّ لِصَاحِبِهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْفَعُكَ هَذَا إلَّا بِالشُّهُودِ وَلَا يَنْفَعُكَ قَوْلُ الْمَيِّتِ وَلَا إقْرَارَ الْحَيِّ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، لَا يَكُونُ فِي هَذَا قَسَامَةٌ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ مَالِكٍ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَعْضِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا، أَوْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ أَوْ يُخَبَّبُوا فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فِي الْجِرَاحَاتِ وَالْقَتْلِ إذَا شَهِدَ فِيهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَ ذَلِكَ صِبْيَانٌ كُلُّهُمْ. وَلَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ وَاحِدٍ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ أَيْضًا مَنْ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحَاتِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصَّبِيَّانِ الْكَبِيرَانِ، كَانُوا شَهِدُوا لَهُ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ عَلَى كَبِيرٍ، وَلَيْسَ فِي الصِّبْيَانِ قَسَامَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، إلَّا أَنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ كَبِيرٌ صَبِيًّا فَشَهِدَ رَجُلٌ عَلَى قَتْلِهِ، فَتَكُونَ الْقَسَامَةُ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الشَّاهِدُ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ. سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، مِنْهُمْ أَشْهَبُ: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَتْلِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ. سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ كَبِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَخْزُومِيُّ: إنَّ الْإِنَاثَ يَجُزْنَ، وَإِنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْقَتْلِ جَائِزَةٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَغَيْرُهُ، فِي الصَّبِيِّ يَشْهَدُ عَلَيْهِ صِبْيَانٌ أَنَّهُ ضَرَبَ صَبِيًّا أَوْ جَرَحَهُ، فَيَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ، أَوْ يَتَرَاخَى ذَلِكَ الْجُرْحُ فَيَمُوتُ، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ يُقْسِمُونَ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: وَهَذَا الصَّوَابُ وَاَلَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَشُرَيْحًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَابْنَ قُسَيْطٍ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ وَرَبِيعَةَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا أَوْ يَنْقَلِبُوا إلَى أَهْلِهِمْ أَوْ يَخْتَلِفُوا، أَوْ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ قَوْلِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَسْتَجِيزُونَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَكَانَ إبْرَاهِيمُ لَا يُجِيزُهَا عَلَى الرِّجَالِ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ الْحَسَنِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عَزَّةَ، وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إنَّهَا السُّنَّةُ. وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ. [شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ أَوْ الْوَارِثَيْنِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّيْنِ إذَا شَهِدَا بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَيِّتِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ وَارِثَانِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، أَوْ شَهِدَ وَارِثٌ وَاحِدٌ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، أَخَذَ مِنْ شَاهِدِهِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ الدَّيْنِ. فَإِنْ كَانَ سَفِيهًا. لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي حَظِّهِ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ. [شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ وَالْوَارِثَيْنِ بِوَصِيٍّ ثَالِثٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ، فَشَهِدَ الْوَصِيَّانِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي أَنَّهُ أَوْصَى إلَى فُلَانٍ أَيْضًا مَعَنَا، أَتَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ تَجُوزُ. سَحْنُونٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: تَجُوزُ إنْ ادَّعَى ذَلِكَ الْوَصِيُّ الثَّالِثُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا فِيمَا أَدْخَلَاهُ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا مَنْفَعَةً لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدٍ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ مِثْلُ شَهَادَةِ الْوَصِيَّيْنِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إلَى فُلَان؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ شَهِدَ الْوَارِثَانِ عَلَى نَسَبٍ يَلْحَقَانِهِ بِأَبِيهِمَا، أَوْ بِوَصِيَّةٍ لِرَجُلٍ بِمَالٍ أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِمَا جَازَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْوَارِثَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى عِتْقٍ وَمَعَهُمَا أَخَوَاتٌ؟ قَالَ: إنْ كَانَا مِنْ الرَّقِيقِ الَّذِينَ لَا يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ الْوَلَاءِ إلَيْهِمَا فِي دَنَاءَةِ الرَّقِيقِ وَضِعَتِهِمْ؛ جَازَ ذَلِكَ وَعَتَقَ الرَّقِيقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَبِيدِ الَّذِينَ يُرْغَبُ فِي وَلَائِهِمْ، وَيُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَاءِ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ دُونَ أَخَوَاتِهِمَا، أَوْ امْرَأَةِ أَبِيهِمَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ النِّسَاءُ لِلْوَصِيِّ أَنَّهُ أَوْصَى إلَيْهِ هَذَا الْمَيِّتُ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ مَعَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ فِي شَهَادَتِهِنَّ عِتْقٌ وَإِيضَاعُ النِّسَاءِ، فَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ عَلَى غَيْرِ الْمَالِ لَيْسَ بِجَائِزَةٍ، وَأَنَّ الْوَصِيَّ الَّذِي يُثْبِتُ، أَوْ الْوَكِيلَ لَيْسَ بِمَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا إذَا أَثْبَتَا وَاسْتَحَقَّا مِنْ الْمَالِ شَيْئًا، يَكُونُ لَهُمَا بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ أَنَّهُمَا لَا يَحْلِفَانِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ لَهُمَا وَأَنَّ الَّذِي يَحْلِفُ غَيْرَهُمَا وَهُوَ صَاحِبُ الْمَالِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْأَمْوَالِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَالَ بِشَهَادَتَيْنِ. [فِي شَهَادَةِ الْوَصِيِّ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ أَوْ لِلْوَارِثِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ الْوَصِيُّ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارًا، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ؟ قَالَ: إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ عُدُولًا، وَكَانَ لَا تَجُرُّ شَهَادَتُهُ شَيْئًا يَأْخُذُهُ، فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ الْوَصِيُّ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ لَهُمْ عَلَى أَحَدٍ مَنْ النَّاسِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ النَّاظِرُ لَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانُوا كِبَارًا قَالَ: إذَا كَانُوا كِبَارًا وَكَانُوا عُدُولًا يَلُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَرَى شَهَادَتَهُ جَائِزَةً لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقْبِضُ لَهُمْ الْوَصِيُّ شَيْئًا، إنَّمَا يَقْبِضُونَ هُمْ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَتْ حَالَتُهُمْ مَرْضِيَّةً. [فِي الْيَمِينِ مَعَ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ بِكَذَا وَكَذَا، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ جَائِزَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُنَّ حَلَفَ مَعَهُنَّ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ. قَالَ: وَامْرَأَتَانِ وَمِائَةُ امْرَأَةٍ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، يَحْلِفُ مَعَهُنَّ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ. قُلْتُ: وَيَحْلِفُ مَعَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ لِعَبْدٍ أَوْ لِامْرَأَةٍ أَوْ لِصَبِيٍّ، أَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ؟ قَالَ: أَمَّا الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ فَنَعَمْ، يَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَحْلِفُ حَتَّى يَكْبُرَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ كَبِيرٌ وَاحِدٌ أَوْ كَبِيرَانِ، أَيَحْلِفَانِ؟ قَالَ: مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِقْدَارَ حَقِّهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَصَاغِرُ شَيْئًا. وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ كُلُّ مَنْ حَلَفَ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَإِنْ نَكَلَ الْأَكَابِرُ عَنْ الْيَمِينِ، وَبَلَغَ الصِّغَارُ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَسْتَحِقُّوا حَقَّهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الذِّمِّيَّ إذَا شَهِدَ لَهُ امْرَأَتَانِ بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ، أَيَحْلِفُ الذِّمِّيُّ مَعَ شَهَادَةِ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: شَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ جَائِزَةٌ فِي الدَّيْنِ يُسْتَحْلَفُ مَعَ شَهَادَتِهِمَا صَاحِبُ الْحَقِّ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. [شَهَادَةُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ عَلَى السَّرِقَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى سَرِقَةٍ، أَتُضَمِّنُهُ الْمَالَ وَلَا تَقْطَعُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ وَلَا يُقْطَعَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْعَبْدِ يَقْتُلُ الْعَبْدَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، أَوْ يَأْتِي سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ: أَنَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدًا وَيَسْتَحِقُّ الْعَبْدَ وَلَا يَقْتُلُهُ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَأَرَى فِي الرَّجُلِ يَشْهَدُ وَحْدَهُ عَلَى الرَّجُلِ بِالسَّرِقَةِ، أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَيَحْلِفُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْمَتَاعُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ مَتَاعَهُ وَلَا يَقْطَعُ. وَكُلُّ جُرْحٍ لَا يَكُونُ فِيهِ قِصَاصٌ فَإِنَّمَا هُوَ مَالٌ، فَلِذَلِكَ جَازَتْ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، مِثْلُ جُرْحِ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ وَمِثْلِهِمَا، مِمَّا لَا قَوَدَ فِيهِ مِمَّا هُوَ مَخُوفٌ وَمُتْلَفٌ قَالَ سَحْنُونٌ: وَكُلُّ جُرْحٍ فِيهِ قِصَاصٌ، فَشَهَادَةُ الرَّجُلِ وَيَمِينُ الطَّالِبِ يُقْتَصُّ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَكُونُ فِي الْجِرَاحِ وَفِي النَّفْسِ الْقَسَامَةُ. فَلَمَّا كَانَتْ النَّفْسُ تُقْتَلُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مَعَ الْقَسَامَةِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَّ الْمَجْرُوحُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ مَعَ يَمِينِهِ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَلَيْسَ فِي السُّنَّةِ فِي الْجِرَاحِ قَسَامَةٌ. ابْنُ وَهْبٍ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَقَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي الْجِرَاحِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الزِّنَادِ. [الشَّاهِدَانِ يَخْتَلِفَانِ يَشْهَدُ أَحَدُهُمَا عَلَى مِائَةٍ وَالْآخَرُ عَلَى خَمْسِينَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا عَلَى مِائَةٍ وَآخَرَ عَلَى خَمْسِينَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَرَدْتَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِكَ الَّذِي يَشْهَدُ لَكَ بِمِائَةٍ وَتَسْتَحِقُّ الْمِائَةَ فَذَلِكَ لَكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تَحْلِفَ وَأَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ الْخَمْسِينَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَذَلِكَ لَكَ. سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ كُلُّهُمْ، فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحَقِّ، فَشَهِدَ هَذَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَشَهِدَ هَذَا بِخَمْسِينَ، أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا قَدْ اجْتَمَعَتْ عَلَى الَّذِي هُوَ أَدْنَى. [فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِرَجُلٍ مَعَهُمَا بِمَالٍ فِي وَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا تَكَفَّلَ لِأَبِيهِمَا وَلِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عِنْدِي؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كُلَّهَا بَاطِلٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَلِأَنَّ فِيهَا جَرًّا إلَى أَبِيهِمَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ لَهُمَا وَلِفُلَانٍ مَعَهُمَا عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لِفُلَانٍ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ إذَا شَهِدَ لِرَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ: لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَصِيَّةِ. لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى وَصِيَّةٍ قَدْ أُوصِيَ لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ شَيْئًا تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ؛ جَازَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَازَ بَعْضُ الشَّهَادَةِ وَيُرَدَّ بَعْضُهَا بِالتُّهْمَةِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَى وَصِيَّةِ رَجُلٍ وَفِيهَا عِتْقٌ وَوَصَايَا لِقَوْمٍ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِي الْعِتْقِ وَحْدَهُ لِلشُّبْهَةِ، وَجَازَتْ فِي الْوَصَايَا لِلْقَوْمِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ. وَإِنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إذَا شَهِدَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي كِتَابِ ذِكْرِ حَقٍّ وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ، فَهَذَا الَّذِي تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. قُلْتُ: فَإِنْ أَحَلَفْتهمْ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْوَصِيَّةِ وَفِيهَا الْعِتْقُ وَالثُّلُثُ لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ مَا فَضَلَ عَنْ الْعِتْقِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ هَلَكَ، فَشَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لِقَوْمٍ بِوَصَايَا، وَأَوْصَى لِلشَّاهِدِ مِنْهَا بِوَصِيَّةٍ، وَأَوْصَى إلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، فَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: إذَا كَانَ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ لِنَفْسِهِ أَمْرًا تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهِ، رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ، أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ هَذِهِ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُتَّهَمُ؛ لِأَنَّهُ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي بَعْضٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهَا مُتَّهَمًا رُدَّتْ كُلُّهَا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْأَصْلِ اخْتِلَافٌ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَسَأَذْكُرُهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي رَجُلٍ شَهِدَ فِي وَصِيَّةِ رَجُلٍ، وَقَدْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ الْوَصِيَّةِ، قَالَ: إنْ كَانَ وَحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ شَاهِدٌ فِي الْوَصِيَّةِ غَيْرُهُ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ يَشْهَدُ لَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَأَلْتُ عَنْهَا مَالِكًا فَقَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لَهُ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوصِي لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رِجَالٍ كَانُوا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، كَانُوا فِي سَفَرٍ فَتُوُفِّيَ أَحَدُهُمْ. فَأَوْصَى الْقَوْمَ بِوَصَايَا مَنْ مَالِهِ لَيْسَ لَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ لَهُمْ إلَّا بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ، فَقَالَ: إنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ لَهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ حَقٌّ، أَوْ يُشْهِدُوا غَيْرَهُمْ. ابْنُ وَهْبٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوصَى لَهُ وَإِنْ كَانَ طَالِبُ الْحَقِّ غَيْرَهُ، وَلَا الْمُوصَى إلَيْهِ وَلِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ فِي شَهَادَتِهِ جَرًّا إلَى نَفْسِهِ. وَلَوْ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَجَاءَ رَجُلَانِ قَدْ شَهِدَا عَلَى الْوَصِيَّةِ. فَشَهِدَا أَنَّهُ أَوْصَى لَهُمَا فَيَثْبُتُ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَهَادَةِ صَاحِبِهِ مَعَ يَمِينِهِ، فَفِي هَذَا بَيَانٌ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ. [الرَّجُلُ فِي يَدَيْهِ مَالٌ فَيَشْهَدُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ تَصَدَّقَ بِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَقْرَرْت أَنَّ فُلَانًا دَفَعَ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنَّهَا لِفُلَانٍ لِرَجُلٍ آخَرَ؟ ![]()
__________________
|
|
#242
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 31الى صــ 40 الحلقة(242) قَالَ: يَحْلِفُ هَذَا الَّذِي زُعِمَتْ أَنَّهَا لَهُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَكَ هَذَا إنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ إذَا كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُكَ لَهُ؛ لِأَنَّكَ تُقِرُّ بِشَيْءٍ يَبْقَى فِي يَدَيْكَ فَتُتَّهَمُ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْهَدُ فِي الشَّيْءِ قَدْ جَعَلَ عَلَى يَدَيْهِ الْمَالَ أَوْ غَيْرَهُ: أَنَّ فُلَانًا الَّذِي وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْهِ قَدْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى فُلَانٍ، وَرَبُّ الْمَالِ يُنْكِرُ، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ حَاضِرًا، فَأَرَى شَهَادَتَهُ جَائِزَةً. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ أَرَ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَبْقَى فِي يَدَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَائِبًا، وَإِنَّمَا هِيَ الْغَيْبَةُ الَّتِي يُنْتَفَعُ فِيهَا بِالْمَالِ. [فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْقِتَالِ وَالْقَذْفِ وَالطَّلَاقِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَمِعَ رَجُلٌ رَجُلًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، أَوْ يَقُولُ رَأَيْت فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا، أَوْ يَقُولُ: سَمِعْت فُلَانًا يَقْذِفُ فُلَانًا أَوْ يَقُولُ: سَمِعْت فُلَانًا طَلَّقَ فُلَانَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْهُ إلَّا أَنَّهُ مَرَّ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَيَشْهَدُ بِهَا وَإِنَّمَا مَرَّ فَسَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ بِهَا وَلَمْ يَشْهَدْهُ؟ قَالَ: لَا يَشْهَدُ بِهَا، وَلَكِنْ إنْ مَرَّ رَجُلٌ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، أَوْ سَمِعَ رَجُلًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُشْهِدَاهُ، قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدَاهُ قَالَ: وَيَأْتِي مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُ هَذَا مِنْ مَالِكٍ فِي الْحُدُودِ، أَنَّهُ يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّل فَإِنَّمَا سَمِعْتُ مَالِكًا، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ وَهُمَا يَتَكَلَّمَانِ فِي الشَّيْءِ وَلَمْ يُشْهِدَاهُ، فَيَدْعُوهُ بَعْضُهُمَا إلَى الشَّهَادَةِ، أَتَرَى أَنْ يَشْهَدَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَوْعَبَ كَلَامَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ الَّذِي سَمِعَ لَعَلَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَهُ كَلَامٌ يُبْطِلُهُ أَوْ بَعْدَهُ. ابْنُ وَهْبٍ وَقَدْ قَالَ إنَّ السَّمَاعَ شَهَادَةٌ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ. ابْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إذَا قَالَ سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا أَخَذْتُهُ لَهُ مِنْهُ، وَإِذَا قَالَ سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا لَمْ أَقْبَلْهُ، وَبِهِ يَأْخُذُ سُفْيَانُ، وَكَانَ رَأْيُ سُفْيَانَ أَنَّ السَّمَاعَ شَهَادَةٌ. [فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَا عَلَى أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَّ هَذَا الْمَيِّتَ مَوْلَى فُلَانٍ هَذَا، لَا يَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى السَّمَاعِ، أَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّهُ مَوْلَاهُ، أَعْتَقَهُ وَلَمْ يَكُنْ إلَّا ذَلِكَ مِنْ الْبَيِّنَةِ. فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَعْجَلُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُثْبِتَ إنْ جَاءَ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَإِلَّا قَضَى لَهُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ يَمِينِهِ. قَالَ: وَقَالَ لَنَا مَالِكٌ: وَقَدْ نَزَلَ هَذَا بِبَلَدِنَا وَقُضِيَ بِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا قَوْمٌ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالْمَالِ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ وَلَا يَجُرُّ بِذَلِكَ الْوَلَاءَ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى السَّمَاعِ، أَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، أَوْ أَرَى أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ مِنْ الْمَالِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ إنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ. [الشَّاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْوَلَاءِ وَلَا يَشْهَدَانِ عَلَى الْعِتْقِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ رَجُلٌ فَشَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَيِّتَ مَوْلَى هَذَا الرَّجُلِ، لَا يَعْلَمَانِ لِلْمَيِّتِ وَارِثًا غَيْرَ مَوْلَاهُ هَذَا، وَلَا يَشْهَدَانِ عَلَى عِتْقِهِ إيَّاهُ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَلَاءِ، حَتَّى يَشْهَدَا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ أَعْتَقَ الْمَيِّتَ، أَوْ يَشْهَدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَبَا هَذَا الْمَيِّتِ، وَأَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ لِلْمَيِّتِ وَارِثًا غَيْرَ هَذَا، أَوْ يَشْهَدَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا مَوْلَاهُ، أَوْ يَشْهَدَا عَلَى شَهَادَةِ آخَرَ أَنَّ هَذَا مَوْلَاهُ. فَأَمَّا أَنْ يَقُولَا هُوَ مَوْلَاهُ وَلَا يَشْهَدَا عَلَى عِتْقِهِ إيَّاهُ وَلَا عَلَى إقْرَارِهِ وَلَا عَلَى شَهَادَةِ أَحَدٍ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ. [شَهَادَةِ ابْنَيْ الْعَمِّ لِابْنِ عَمِّهِمَا فِي الْوَلَاءِ] فِي شَهَادَةِ ابْنَيْ الْعَمِّ لِابْنِ عَمِّهِمَا فِي الْوَلَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ بَنُو أَعْمَامِي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ، أَنَّهُ مَوْلَى أَبِي وَأَنَّ أَبِي أَعْتَقَهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ ابْنَيْ عَمٍّ شَهِدَا عَلَى عِتْقٍ لِابْنِ عَمِّهِمَا، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَا مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ عَلَى قَرَابَتِهِمَا أَنْ يَجُرَّا بِذَلِكَ الْوَلَاءَ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ يَجُوزُ. وَإِنْ كَانَا مِنْ الْأَبَاعِدِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمَانِ أَنْ يَجُرَّا بِذَلِكَ وَلَاءَ مَوَالِيهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا يَوْمًا مَا، وَلَا يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ الْيَوْمَ. قَالَ مَالِكٌ: فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَفِي مَسْأَلَتِكَ، إنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ مَالٌ يَرِثُهُ وَقَدْ مَاتَ مَوْلَاهُ وَلَا وَلَدَ لِمَوْلَاهُ وَلَا مَوَالِيَ، فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ بِشَهَادَتِهِمَا إلَى أَنْفُسِهِمَا شَيْئًا يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ لِلْمَوْلَى الْمَيِّتِ وَلَدٌ وَمَوَالٍ، يَجُرُّونَ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ بِذَلِكَ إلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا يُتَّهَمُونَ عَلَيْهِ لِقُعُودِهِمْ لِمَنْ يَشْهَدُوا لَهُ، لَمْ أَرَ شَهَادَتَهُمَا تَجُوزُ فِي الْوَلَاءِ. [شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْمَوَارِيثِ] فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْمَوَارِيثِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى السَّمَاعِ، شَهِدَ أَنَّ هَذَا الْمَيِّتَ مَوْلَى فُلَانٍ، لَا يَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، أَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ لَا يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَا يَسْتَحِقَّ بِهِ مِنْ الْمَالِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ إنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَحْبَاسُ يَكُونُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهَا قَدْ مَاتُوا، وَيَأْتِي قَوْمٌ مِنْ بَعْدِهِمْ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ أَنَّهَا حَبْسٌ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تُحَازُ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَحْبَاسُ، فَتَنْفُذُ فِي الْحَبْسِ وَتَمْضِي. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْحَبْسِ أَحْيَاءً. قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عِنْدَنَا أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ عَلَى أَحْبَاسِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - إلَّا عَلَى السَّمَاعِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَنَزَلْتُ وَأَنَا عِنْدَ مَالِكٍ فَقَضَى بِهَا. قُلْتُ: وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ، إذَا شَهِدُوا عَلَى السَّمَاعِ فَقَالُوا سَمِعْنَا أَنَّهُ حَبْسٌ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى قَوْمٍ أَشْهَدُوهُمْ وَلَا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: بَلَغَنَا ذَلِكَ أَنَّهَا حَبْسٌ. قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قَالَ: وَاَلَّذِي سَأَلْنَا عَنْهُ مَالِكًا إنَّمَا سَأَلْنَاهُ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ شَهَادَةِ قَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا بَلَغَنَا أَنَّهَا حَبْسٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَةً عَلَى شَهَادَةِ قَوْمٍ عُدُولٍ أَشْهَدُوهُمْ، لَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُمْ سَمَاعًا وَكَانَتْ شَهَادَةً. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ دَارٍ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ أَنَّهَا حَبْسٌ، وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَعْرِفُونَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ وَلَدِهِ يَهْلِكُ، وَلَا تَرِثُ امْرَأَتُهُ مِنْ الدَّارِ وَتَهْلِكُ ابْنَتُهُ وَلَهَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ، فَلَا يَرِثُ وَلَدُهَا وَلَا زَوْجُهَا مِنْ الدَّارِ شَيْئًا، وَلَا يَشْهَدُونَ عَلَى أَصْلِ الْحَبْسِ بِعَيْنِهِ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ أَنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ أَنَّهَا حَبْسٌ، وَيَشْهَدُونَ عَلَى الَّذِي كَانَ مِنْ تَرْكِ الْمَوَارِيثِ فِي نِسَائِهِمْ وَوَلَدِ بَنَاتِهِمْ وَأَزْوَاجِ الْبَنَاتِ. قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهَا حَبْسًا ثَابِتًا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى أَصْلِ الْحَبْسِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَى السَّمَاعِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى الشَّيْءِ مِمَّا وَصَفْتَ لِي مِمَّا ذَكَرْتَ مِنْ الْمَوَارِيثِ، أَيَكُونُ حَبْسًا أَمْ لَا؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ شَهَادَةٌ جَائِزَةٌ فِي الْأَحْبَاسِ، مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ أَحْبَاسِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ لِأَنَّهَا قَدْ حِيزَتْ عَنْ نِسَائِهِمْ وَعَمَّنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْحَبْسِ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ السَّمَاعِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ؛ جَازَتْ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي ذَلِكَ. [شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي الدُّورِ الْمُتَقَادِمِ حِيَازَتُهَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ قَدْ أُنْسِئَ لَهُ فِي الْعُمْرِ، أَقَامَ فِيهَا خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ قَدِمَ رَجُلٌ فَادَّعَاهَا وَأَثْبَتَ الْأَصْلَ، فَقَالَ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ اشْتَرَيْتُهَا مِنْ قَوْمٍ قَدْ انْقَرَضُوا وَانْقَرَضَتْ الْبَيِّنَةُ، وَجَاءَ بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: إذَا جَاءَ بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّهُ اشْتَرَى، وَلَمْ يَقُلْ لِي مَالِكٌ مَنْ صَاحِبِهَا الَّذِي ادَّعَاهَا كَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِاَلَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ وَجْهُ السَّمَاعِ الَّذِي يَجُوزُ عَلَى الْمُدَّعِي. وَاَلَّذِي حَمَلْنَا عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعِ شِرَاءٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْمُدَّعِي الَّذِي يَدَّعِي الدَّارَ بِسَبَبِهِمْ، أَوْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ قَطْعٌ لِدَعْوَى هَذَا الْمُدَّعِي، بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ فِيمَا فَسَّرَ لَنَا مَالِكٌ. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعٍ يَكُونُ فِيهِ قَطْعًا لِدَعْوَى هَذَا الْمُدَّعِي، إنَّمَا هُوَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّا سَمِعْنَا أَنَّ هَذَا الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ أَوْ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ، اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي أَوْ مِنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ جَدِّهِ أَوْ مِنْ رَجُلٍ يَدَّعِي هَذَا الْمُدَّعِي أَنَّهُ وَرِثَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ: نَعَمْ، أَوْ اشْتَرَى مِمَّنْ اشْتَرَى مِنْ جَدِّ هَذَا الْمُدَّعِي، وَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: هَهُنَا دُورٌ تُعْرَفُ لِمَنْ أَوَّلُهَا بِالْمَدِينَةِ، قَدْ تَدَاوَلَهَا قَوْمٌ بَعْدَ قَوْمٍ فِي الِاشْتِرَاءِ وَهِيَ الْيَوْمَ لِغَيْرِ أَهْلِهَا. فَإِذَا كَانَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَالسَّمَاعُ جَائِزٌ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةٌ قَاطِعَةً. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ أَمْرًا قَوِيًّا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ اشْتَرَاهَا جَدُّهُ، أَوْ اشْتَرَاهَا وَالِدُهُ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا، وَلَكِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِاَلَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ مَنْ هُوَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ يَجُوزُ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعِ صِحَّةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ أَبِي هَذَا الْمُدَّعِي أَوْ جَدِّهِ. [فِي الشَّهَادَةِ عَلَى السَّمَاعِ فِي الدَّارِ الْقَرِيبَةِ حِيَازَتُهَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى رَجُلٌ، فَادَّعَى دَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَالَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ: أَنَا آتِي بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ، أَنَّ أَبِي اشْتَرَاهَا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِي تَقَارُبِ مِثْلَ هَذَا عَلَى السَّمَاعِ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَنْفَعَ السَّمَاعُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَلَا تَنْفَعُهُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً تَقْطَعُ عَلَى الشِّرَاءِ. وَإِنَّمَا تَكُونُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ جَائِزَةً، فِيمَا كَثُرَ مِنْ السِّنِينَ وَتَطَاوَلَ مِنْ الزَّمَنِ. وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ لِقَوْمٍ أَنَّ أَبَاهُمْ كَانَ أَسْلَفَهُ مَالًا وَأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ وَالِدَهُمْ، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الَّذِي ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ أَمْرًا حَدِيثًا مِنْ الزَّمَانِ وَالسِّنِينَ، لَمْ يَتَطَاوَلْ ذَلِكَ، لَمْ يَنْفَعْهُ قَوْلُهُ قَدْ قَضَيْتُ إلَّا بَيِّنَةً قَاطِعَةً عَلَى الْقَضَاءِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ تَطَاوَلَ زَمَانُ ذَلِكَ، أُحْلِفَ الْمُقِرُّ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. فَهَذَا يَدُلُّكَ أَيْضًا عَلَى تَطَاوُلِ الزَّمَانِ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَمَا قَرُبَ مِنْ الزَّمَانِ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْغَائِبِ بِقَاطِعَةٍ،؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ شَيْءٌ دُونَهُ، فَتَكُونُ الْحِيَازَةُ دُونَهُ إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي يُقِرُّ بِالدَّيْنِ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ: لَوْ كَانَ إقْرَارُهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ، مِثْلَ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: جَزَى اللَّهُ فُلَانًا خَيْرًا قَدْ جِئْتُهُ مَرَّةً فَأَسْلَفَنِي وَقَضَيْتُهُ، فَاَللَّهُ يَجْزِيهِ خَيْرًا عَلَى نَشْرِ الْجَمِيلِ وَالشُّكْرِ لَهُ، لَمْ أَرَ أَنْ يَلْزَمَهُ فِي هَذَا شَيْءٌ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ وَقَرُبَ زَمَانُ ذَلِكَ أَوْ بَعُدَ. [فِي الرَّجُلِ يُقِيمُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى رَجُلٍ بِالْكَفَالَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا وَاحِدًا، عَلَى أَنَّ فُلَانًا تَكَفَّلَ لِي بِمَالِيِّ عَلَى فُلَانٍ، أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدَيَّ وَأَسْتَحِقُّ الْكَفَالَةَ قِبَلَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. سَحْنُونٌ: لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ إنَّمَا هِيَ مِثْلُ الْجُرْحِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ مَالٌ. [فِي الرَّجُلِ يُقِيمُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، وَأَقَمْت أَنَا عَلَيْهِ شَاهِدًا وَاحِدًا بِدَيْنٍ لِي عَلَيْهِ، فَحَلَفْتُ مَعَ شَاهِدِي، أَيَثْبُتُ حَقِّي كَمَا يَثْبُتُ حَقُّ صَاحِبِ الشَّاهِدَيْنِ، وَنَتَخَلَّصُ فِي مَالِ هَذَا الْغَرِيمِ بِمِقْدَارِ دَيْنِي وَمِقْدَارِ دَيْنِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. [الرَّجُلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فَيَرُدُّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَنْكُلُ] فِي الرَّجُلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فَيَرُدُّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَنْكُلُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى حَقٍّ لِي، وَأَبَيْت أَنْ أَحْلِفَ وَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ؟ قَالَ: يَغْرَمُ. قُلْتُ: وَتُغَرِّمُهُ وَلَا تَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَبَيْتَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِكَ وَرَدَدْتَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ غَرِمَ وَلَمْ تَرْجِعْ الْيَمِينُ عَلَيْكَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلَّذِي لَمْ يَأْتِ بِشَاهِدٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا كَانَتْ مَعَ الشَّاهِدِ لِلْمُدَّعِي وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا غَرِمَ؛ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الَّذِي لَا شَاهِدَ لَهُ، إنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. [فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ حَقًّا بِغَيْرِ شَاهِدٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُلْطَةً، ادَّعَيْت عَلَيْهِ حَقًّا مَنْ الْحُقُوقِ فَاسْتَحْلَفْتُهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ بَرِئَ. قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَقَالَ: أَنَا أَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَيْكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ، لَمْ يَقْضِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى حَقِّهِ. وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي بِالْحَقِّ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الطَّالِبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِلطَّالِبِ بِالْحَقِّ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ، حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الطَّالِبَ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الطَّالِبِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ لِي ابْنُ حَازِمٍ: وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ هَذَا، أَنَّهُ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ عَنْ الْيَمِينِ أَنَّ الْيَمِينَ تُرَدُّ عَلَى الطَّالِبِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، وَنَكَلَ الْمُدَّعِي أَيْضًا عَنْ الْيَمِينِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَبْطُلُ حَقَّهُ إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ. قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَإِنَّ شُرَيْحًا رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالشَّعْبِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ. [فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ ثُمَّ تَقُومُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا، فَاسْتَحْلَفْتُهُ ثُمَّ حَلَفَ فَأَصَبْتُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَ حَقِّي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ إذَا كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِبَيِّنَتِهِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا اسْتَحْلَفَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِبَيِّنَتِهِ تَارِكًا لَهُ فَلَا حَقَّ لَهُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الطَّالِبِ غَيْبًا بِبَلَدٍ آخَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمَطْلُوبَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِبَلَدٍ آخَرَ فَاسْتَحْلَفَهُ، ثُمَّ قَدَّمْتُ بَيِّنَةً، أَيُقْضَى لَهُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ وَتُرَدُّ يَمِينُ الْمَطْلُوبِ الَّذِي حَلَفَ بِهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى إذَا كَانَ عَارِفًا بِبَيِّنَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْهُ، فَرَضِيَ بِالْيَمِينِ مِنْ الْمَطْلُوبِ تَارِكًا لِبَيِّنَتِهِ، لَمْ أَرَ لَهُ حَقًّا وَإِنْ قَدَّمْتُ لَهُ بَيِّنَةً. قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ تَارِكًا لِبَيِّنَتِهِ؟ أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ فَأَحْلِفْهُ لِي، فَإِنْ حَلَفَ وَقَدَّمْت بَيِّنَتِي فَأَنَا عَلَى حَقِّي وَلَسْت بِتَارِكٍ حَقِّي لِبَيِّنَتِي؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بَعِيدَةً وَخَافَ عَلَى الْغَرِيمِ أَنْ يَذْهَبَ أَوْ يَتَطَاوَلَ ذَلِكَ، رَأَيْتُ أَنْ يُحَلِّفَهُ لَهُ وَيَكُونُ عَلَى حَقِّهِ إذَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بِبِلَادٍ قَرِيبَةٍ، فَلَا أَرَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ لَهُ إذَا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ قَرِيبَةً، الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَيُقَالُ لَهُ: قَرِّبْ بَيِّنَتَكَ وَإِلَّا فَاسْتَحْلِفْهُ عَلَى تَرْكِ الْبَيِّنَةِ. ابْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: إذَا حَلَّفْتُهُ فَلَيْسَ لَكَ شَيْءٌ. [فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ الْكَفَالَةَ لَا خُلْطَةَ بَيْنَهُمَا أَتَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَمْ لَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ بِكَفَالَةٍ، وَلَا خُلْطَةَ بَيْنَهُمَا، أَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلَيْنِ ابْتَاعَا مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً، فَقَضَى أَحَدُهُمَا نِصْفَ الْحَقِّ حِصَّتَهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْآخَرَ، فَقَالَ لَهُ: اقْضِنِي مَا عَلَيْكَ وَأَرَادَ سَفَرًا فَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُهُ إلَى فُلَانٍ، لِصَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَى مَعَهُ السِّلْعَةَ، ثُمَّ مَضَى الرَّجُلُ إلَى سَفَرِهِ، ثُمَّ لَقِيَ الطَّالِبُ صَاحِبَهُ الَّذِي اشْتَرَى مَعَ الذَّاهِبِ، فَقَالَ لَهُ: ادْفَعْ إلَيَّ مَا دَفَعَ إلَيْكَ فُلَانٌ فَقَالَ مَا دَفَعَ إلَيَّ شَيْئًا؟ قَالَ: فَاحْلِفْ لِي فَأَتَوْا إلَى مَالِكٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: لَا أَرَى هَذَا خُلْطَةً وَلَا أَرَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ. قَالَ: وَأَرَى عَلَيْهِ الْكَفَالَةَ عِنْدِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ دَيْنًا، أَوْ اسْتِهْلَاكَ مَتَاعٍ أَوْ غَصْبًا، أَيَأْخُذُ لِي السُّلْطَانُ مِنْهُ كَفِيلًا أَوْ يُحْلِفُهُ لِي؟ قَالَ: إنَّمَا يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي هَذَا إلَى الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ بِمُخَالَطَةٍ فِي دَيْنٍ أَوْ تُهْمَةٍ فِيمَا ادَّعَى قِبَلَهُ، نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ. فَإِمَّا أَحَلَفَهُ وَإِمَّا أَخَذَ لَهُ كَفِيلًا حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ. وَأَمَّا فِي الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ وَإِلَّا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ السُّلْطَانُ. قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي أَنَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَهَا بِأَنَّهُ، إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ جُلِدَتْ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَكُنْ يُحَلِّفُ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ خُلْطَةٌ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ السَّبْعَةِ مَعَ مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ مِنْ نُظَرَائِهِمْ، وَرُبَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ فَأَخَذَ يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا نُعَلِّقُ الْيَمِينَ إلَّا أَنْ تَكُونَ خُلْطَةٌ. وَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ. [فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي أَنَّهُ اكْتَرَى مِنْهُ دَابَّةً] ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى رَجُلٍ، ادَّعَى أَنَّهُ اكْتَرَى مِنْهُ دَابَّتَهُ وَأَنْكَرَ رَبُّ الدَّابَّةِ أَتُحَلِّفُهُ؟ قَالَ: لِهَذَا وُجُوهٌ: إنْ كَانَ رَبُّ الدَّابَّةِ مُكَارِيًا يُكْرِي دَابَّتَهُ مِنْ النَّاسِ، رَأَيْتُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِمُكَارٍ وَلَا مِثْلُهُ يُكْرِي، لَمْ أَرَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُكَارِيَ ادَّعَى أَنَّهُ أَكْرَى دَابَّتَهُ مِنْ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَلَا يَمِينَ لِلْمُكَارِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ لَا يَشَاءُ رَجُلٌ فِيهَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ رَجُلًا بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا اسْتَحْلَفَهُ. [كِتَابُ الدَّعْوَى] [فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَتُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ امْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلًا] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الدَّعْوَى قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَدَّعِي طَلَاقَهَا عَلَى زَوْجِهَا وَتُقِيمُ عَلَيْهِ امْرَأَتَيْنِ، أَيَحْلِفُ لَهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتَا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ أَيْ فِي الْحُقُوقِ رَأَيْتُ أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ وَإِلَّا لَمْ يَحْلِفْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى الطَّلَاقِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَحْلِفَ. قُلْتُ: فَاَلَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الطَّلَاقِ، أَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَحْلِفَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ أَتَتْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، أَتُطَلَّقُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُسْجَنَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُطَلِّقَ. فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ؟ قَالَ: فَأَرَى أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُطَلِّقَ، وَرَدَدْنَاهَا عَلَيْهِ فِي أَنْ يُمْضِيَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ فَأَبَى. قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا طَالَ ذَلِكَ مِنْ سِجْنِهِ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُوَ رَأْيِي وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ لِعَبْدٍ أَنْ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، أَوْ لِامْرَأَةٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، أَحْلَفَ الزَّوْجَ أَوْ السَّيِّدَ إنْ شَاءَ، وَإِنْ أَبَيَا فَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا سُجِنَا حَتَّى يَحْلِفَا. وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي أَوَّلِ قَوْلِهِ: إنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَنَا: يُسْجَنُ حَتَّى يَحْلِفَ، وَقَوْلُهُ الْآخَرُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَأَنَا أَرَى إنْ طَالَ حَبْسُهُ أَنْ يُخَلَّى سَبِيلُهُ وَيَدِينَ وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَا يُطَلِّقُ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: أَتَيْنَا إبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ شَهِدَ عَلَيْهِ نِسْوَةٌ وَرَجُلٌ فِي طَلَاقٍ، فَلَمْ يُجِزْ شَهَادَتَهُمْ وَاسْتَحْلَفَهُ مَا طَلَّقَ. [فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَلَا تُقِيمُ شَاهِدًا أَتَحْلِفُ أَمْ لَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَقَالَتْ اسْتَحْلِفْهُ لِي؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ لَهَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا وَاحِدًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَاهِدٌ أَتُخَلِّيهَا وَإِيَّاهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. [فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ وَالِدُهُ أَوْ وَلَدُهُ أَيَحْلِفُ أَمْ لَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ادَّعَيْت عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَالِدِي أَوْ وَلَدِي فَأَنْكَرَ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْنَا مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَا عَلَيْهِ يَمِينٌ. [الرَّجُلِ يَدَّعِي نِكَاحًا وَلَا يُقِيمُ شَاهِدًا أَتَحْلِفُ الْمَرْأَةُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى الرَّجُلُ قِبَلَ الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ، أَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ، وَإِنْ أَبَتْ الْيَمِينَ جَعَلَتْهُ زَوْجَهَا؟ لَا إبَاءَهَا الْيَمِينَ مِمَّا يُوجِبُ لَهُ النِّكَاحَ عَلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ النِّكَاحُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا، قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَحْلِفَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا أَبَى مَالِكٌ أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ قِبَلَهُ طَلَاقًا إلَّا أَنْ تَأْتِيَ الْمَرْأَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ عِنْدِي إذَا ادَّعَى قِبَلَهَا نِكَاحًا، لَمْ أَرَ لَهُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الزَّوْجُ عَلَى الْمَرْأَةِ شَاهِدًا وَاحِدًا أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، أَيَسْتَحْلِفُهَا لَهُ مَالِكٌ وَيَحْبِسُهَا كَمَا صَنَعَ بِالزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَلَا أَرَى أَنْ تُحْبَسَ وَلَا أَرَى إبَاءَهَا الْيَمِينَ وَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدًا وَاحِدًا، أَنَّهُ يُوجِبُ لَهُ النِّكَاحَ عَلَيْهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فِي الْعَبْدِ يَدَّعِي أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ وَيُقِيمُ شَاهِدًا أَيَحْلِفُ لَهُ أَوْ لَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ، أَتُحَلِّفُهُ لَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ بِشَاهِدٍ. قَالَ: وَلَوْ جَازَ هَذَا لِلنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، لَمْ يَشَأْ عَبْدٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا أَوْقَفَتْ زَوْجَهَا وَأَوْقَفَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ كُلَّ يَوْمٍ فَأَحْلَفَهُ. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ فِي الطَّلَاقِ، أَتَرَى أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ؟ قَالَ: إنْ كَانَتَا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ، رَأَيْتَ أَنْ يَحْلِفَ. يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَا مِنْ أُمَّهَاتِهَا أَوْ بَنَاتِهَا أَوْ أَخَوَاتِهَا أَوْ جَدَّاتِهَا، أَوْ مِمَّنْ هُنَّ مِنْهَا بِظِنَّةٍ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْعِتْقِ؟ قَالَ: نَعَمْ، مِثْلُ مَا قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الطَّلَاقِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا ادَّعَى أَنَّ مَوْلَاهُ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ، أَيَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ الْيَمِينَ إذَا أَنْكَرَ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْعَتَاقَةَ عِنْدَ مَالِكٍ لَمْ يَسْتَحْلِفْ لَهُ السَّيِّدَ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ شَاهِدًا، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ. [فِي الْأَمَةِ تَدَّعِي أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَيُنْكِرُ السَّيِّدُ أَيَحْلِفُ لَهَا أَمْ لَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَتْ أَمَةٌ لِسَيِّدِهَا: قَدْ وَلَدْت مِنْكَ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ أَتُحَلِّفُهُ لَهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أُحَلِّفُهُ لَهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يُحَلِّفْهُ فِي الْعِتْقِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ رَجُلَيْنِ عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِالْوَطْءِ، ثُمَّ تُقِيمَ امْرَأَتَيْنِ عَلَى الْوِلَادَةِ، فَهَذِهِ إذَا أَقَامَتْهُ صَارَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا إنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ السَّيِّدُ اسْتِبْرَاءً بَعْدَ الْوَطْءِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: فَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِالْوَطْءِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ يَحْلِفَ السَّيِّدُ كَمَا يَحْلِفُ فِي الْعَتَاقِ. قُلْتُ: فَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِالْوَطْءِ، وَأَقَامَتْ امْرَأَةً وَاحِدَةً عَلَى الْوِلَادَةِ، أَيَحْلِفُ السَّيِّدُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يَحْلِفَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَامَتْ امْرَأَتَيْنِ ثَبَتَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ، فَهِيَ إذَا أَقَامَتْ امْرَأَةً وَاحِدَةً عَلَى الْوِلَادَةِ رَأَيْتُ الْيَمِينَ عَلَى السَّيِّدِ. [فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَبْدًا أَنَّهُ لَهُ وَيُقِيمُ شَاهِدًا وَاحِدًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَبْدِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَحْلِفَهُ، أَيَكُونُ لِي ذَلِكَ؟ قَالَ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ أَقَمْت شَاهِدًا وَاحِدًا، أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي وَيَكُونُ عَبْدِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَدْ قَالَ فِي كُتُبِهِ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ الْعَبْدَ، فَيَأْتِي الرَّجُلُ بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهُ بِحَقٍّ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي أَعْتَقَهُ: أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ يَحْلِفُ وَيُثْبِتُ حَقَّهُ، وَيَرُدُّ عِتْقَ الْعَبْدِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ هَكَذَا، رَأَيْتُهُ يَسْتَرِقُّهُ بِالْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالرِّقِّ. [شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَمَرَهُمَا أَنْ يُزَوِّجَاهُ وَهُوَ يُنْكِرُ التَّزْوِيجَ وَيُقِرُّ بِالْوَكَالَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ، أَنَّهُ أَمَرَهُمَا أَنْ يُزَوِّجَاهُ فُلَانَةَ وَأَنَّهُمَا قَدْ زَوَّجَاهُ فُلَانَةَ، وَهُوَ يَجْحَدُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَمَرَهُمَا أَنْ يَبْتَاعَا لَهُ بَيْعًا، وَأَنَّهُمَا قَدْ فَعَلَا وَالرَّجُلُ يُنْكِرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: قَدْ أَمَرْتُهُمَا أَنْ يَبْتَاعَا لِي عَبْدَ فُلَانٍ وَإِنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا، وَقَالَا: قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ ابْتَعْنَاهُ لَكَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا أَنَّهُمَا قَدْ ابْتَاعَا لَهُ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَمَرَهُمَا بِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا. ![]()
__________________
|
|
#243
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 41الى صــ 50 الحلقة(243) [الْقَوْمِ يَشْهَدُونَ عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَالْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ جَمِيعًا يُنْكِرَانِ] فِي الْقَوْمِ يَشْهَدُونَ عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَالْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ جَمِيعًا يُنْكِرَانِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ هَذَا، وَالْعَبْدُ يُنْكِرُ وَالسَّيِّدُ يُنْكِرُ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرِقَّ نَفْسَهُ. [شَهِدَا عَلَى رَجُل بِعِتْقِ عَبْدِهِ فَرِدّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا فَاشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا] قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ، أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا عَنْهُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ حِينَ اشْتَرَاهُ. [فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ قَذَفَهُ وَيَدَّعِي بَيِّنَةً قَرِيبَةً] ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ حَدًّا مِنْ الْحُدُودِ، فَيُقَدِّمُهُ إلَى الْقَاضِي وَيَقُولُ بَيِّنَتِي حَاضِرَةٌ أَجِيئُك بِهَا غَدًا أَوْ الْعَشِيَّةَ، أَيَحْبِسُ السُّلْطَانُ هَذَا أَمْ لَا يَحْبِسُهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا أَوْقَفَهُ وَلَمْ يَحْبِسْهُ؛ إذْ رَأَى السُّلْطَانُ لِذَلِكَ وَجْهًا وَكَانَ أَمْرًا قَرِيبًا، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الطَّالِبُ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَاحِدًا، فَيَحْبِسُهُ لَهُ وَلَا يَأْخُذُ بِهِ كَفِيلًا. وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحَاتِ وَفِيمَا يَكُونُ فِي الْأَبَدَانِ، لَا يُؤْخَذُ بِهِ كَفِيلٌ. [فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَبْدًا قَدْ مَاتَ فِي يَدِ رَجُلٍ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى عَبْدٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَقَدْ مَاتَ فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ عَبْدِي، أَيُقْضَى لِي عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَى الَّذِي مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غَصَبَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ اشْتَرَيْتُهُ مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَمَاتَ فِي يَدِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. [فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي الْعَبْدَ الْغَائِبَ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ يَكُونُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَيُسَافِرُ الْعَبْدُ أَوْ يَغِيبُ، فَيَدَّعِيهِ رَجُلٌ وَالْعَبْدُ غَائِبٌ فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ الْعَبْدِ أَنَّهُ عَبْدُهُ، أَيَقْبَلُ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ غَائِبٌ، وَكَيْفَ هَذَا فِي الْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ، أَيَقْبَلُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ إذَا وَصَفُوهُ وَعَرَفُوهُ، وَيَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ. [فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى الْإِقْرَارِ] ِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ جَحَدَ، كَانَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ، وَهَذَا مُخَالِفٌ عِنْدِي لِلدَّمِ الْخَطَأِ أَوْ الْعَمْدِ وَهُوَ رَأْيِي. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَضَى بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَتَانِي جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَأْمُرنِي بِالْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» وَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَقْضِيَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. وَكَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَيَرَوْنَ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْعَدْلِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَكُونُ الْيَمِينُ فِي الْفِرْيَةِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي الْعَتَاقِ، وَلَا فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ. وَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ. [ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا أَوْ لَا يُقِيمُ شَاهِدًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ عَبْدًا، فَأَقَمْتُ شَاهِدًا وَاحِدًا، فَأَرَدْتُ أَنْ آخُذَ بِالْعَبْدِ كَفِيلًا حَتَّى آتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا، دَفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ إذَا وَضَعَ قِيمَتَهُ، ذَهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعِ بَيِّنَتِهِ إنْ أَرَادَ وَأُخِذَ مِنْ يَدَيْ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ لَمْ يُقِمْ شَاهِدًا، وَادَّعَى بَيِّنَةً قَرِيبَةً بِمَنْزِلَةِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: ادْفَعُوا الْعَبْدَ إلَيَّ حَتَّى أَذْهَبَ بِهِ إلَى بَيِّنَتِي وَأَنَا أَضَعُ قِيمَتَهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ، وَلَكِنْ إنْ أَتَى بِشَاهِدٍ أَوْ سَمَاعٍ، رَأَيْتُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ بَعْدَ أَنْ يَضَعَ قِيمَتَهُ، وَيَذْهَبُ بِالْعَبْدِ حَيْثُ يُشْهِدُ عَلَيْهِ بَيِّنَتَهُ قَالَ: قُلْتُ عِنْدَ مَنْ تَشْهَدُ تِلْكَ الْبَيِّنَةُ؟ قَالَ: عِنْدَ السُّلْطَانِ الَّذِي يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ سَمَاعٍ اعْتَرَضُوا أَمْوَالَ النَّاسِ وَرَقِيقَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَكِنْ إنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، أَوْ أَتَى بِسَمَاعِ قَوْمٍ يَشْهَدُونَ، أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوا أَنَّهُ قَدْ سُرِقَ لَهُ مِثْلَ مَا يَدَّعِي، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ إذَا وَضَعَ قِيمَتَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً قَاطِعَةً، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِسَمَاعٍ وَلَا بِشَهَادَةٍ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَوْقِفُوا الْعَبْدَ حَتَّى آتِيَ بِبَيِّنَتِي؟ قَالَ: لَا، لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ لِلْقَاضِي: إنَّ بَيِّنَتِي حُضُورٌ أَوْ سَمَاعٌ، يَثْبُتُ لَهُ بِهِ دَعْوَى. فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُوَكَّلُ بِالْعَبْدِ وَيُوقِفُهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِمَا يُثْبِتُ بِهِ دَعْوَهُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَإِنْ أَتَى عَلَى ذَلِكَ بِرَجُلٍ أَوْ سَمَاعٍ، ثُمَّ سَأَلَ أَنْ يُوقَفَ لَهُ الْعَبْدُ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَتِهِ، فَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بَعِيدَةً وَفِي إيقَافِهِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، اسْتَحْلَفَ السُّلْطَانُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ كَفِيلًا. وَإِنْ ادَّعَى شُهُودًا حُضُورًا عَلَى حَقِّهِ، رَأَيْتُ أَنْ يُوقِفَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَمْسَةِ إلَى الْجُمُعَةِ، وَهَذَا التَّحْدِيدُ فِي الْوَقْفِ لَيْسَ لِابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ يُوقَفُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا حِينَ قَالَ: يُدْفَعُ إلَيْهِ، رَأَيْتُ الْوَقْفَ لَهُ إذَا قَالَ الطَّالِبُ: أَنَا آتِي بِبَيِّنَتِي، إذَا كَانَ قَدْ أَثْبَتَ بِسَمَاعٍ قَدْ سَمِعُوا، أَوْ جَاءَ بِشَاهِدٍ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ أَوْقَفْته، فَعَلَى مَنْ النَّفَقَةُ، أَعَلَى الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ أَمْ عَلَى الطَّالِبِ؟ قَالَ: عَلَى الَّذِي يُقْضَى لَهُ بِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِنَّمَا تُوقَفُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ؛ لِأَنَّهَا تَحُولُ وَتَزُولُ. وَإِنَّمَا يُشْهِدُ عَلَى عَيْنِهَا وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ مَا اُدُّعِيَ بِعَيْنِهِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ دُورًا أَوْ أَرَضِينَ أَوْ نَخْلًا أَوْ فَاكِهَةً، أَوْ مَا يَكُونُ لَهُ الْغَلَّةُ، لِمَنْ الْغَلَّةُ الَّتِي تُغْتَلُّ مِنْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَهَلْ تُوقَفُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ؟ قَالَ: الْغَلَّةُ لِلَّذِي كَانَتْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يُقْضَى بِهَا لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ كَانَ ضَمَانُهَا مِنْ الْمَطْلُوبِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مُشْتَرِيًا، أَوْ صَارَتْ إلَيْهِ مِنْ مُشْتَرٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا الْوَقْفُ فِيمَا يَزُولُ، فَأَمَّا الرِّبَاعُ الَّتِي لَا تَزُولُ وَلَا تَحُولُ، فَلَيْسَتْ تُوقَفُ مِثْلَ مَا يَزُولُ، وَلَكِنْ تُوقَفُ وَقْفًا يَمْنَعَ مِنْ الْأَحْدَاثِ فِيهَا. سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ بِمَا يُثْبِتُ الْمُدَّعِي، وَقَفْتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَتَّى يُقْضَى بِهَا أَوْ لَا يُقْضَى بِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا أَوْ شَيْئًا مُسْتَهْلَكًا، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ مِنْهُ كَفِيلًا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ الطَّالِبَ: هَلْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مُخَالَطَةٍ أَوْ حَقٍّ أَوْ مُعَامَلَةٍ أَوْ ظِنَّةٍ. فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ أَنْ يَسْأَلَهُ: أَحُضُورٌ هُمْ أَمْ غُيَّبٌ؟ فَإِنْ قَالَ: هُمْ حُضُورٌ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى الْمُخَالَطَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالظِّنَّةِ؛ رَأَيْتُ أَنْ يُوَكَّلَ بِالرَّجُلِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ اللَّطْخَ، فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَإِنْ أَتَاهُ بِهِمْ وَغَيْبَةُ شُهُودِهِ عَلَى الْحَقِّ غَيْبَةٌ تَبْعُدُ رَأَيْتُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ كَفِيلًا. فَإِنْ ادَّعَى شُهُودًا حُضُورًا عَلَى حَقِّهِ، رَأَيْتُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ بِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ وَالسَّبْعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ. فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي: خُذْ لِي مِنْهُ كَفِيلًا بِالْمَالِ، أَوْ بِالْعَقَارِ إنْ قَضَيْتَ لِي بِهِ عَلَيْهِ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ كَفِيلًا بِذَلِكَ الْمَالِ، إنَّمَا يَأْخُذُ الْكَفِيلَ، وَيُوقِفُ الْحَيَوَانَ وَالْعُرُوضَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ الشُّهُودُ إلَى حُضُورِهِ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِعَيْنِهِ، فَلِذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا كَمَا يَأْخُذُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ بِمَحْضَرٍ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ. فَأَمَّا مَا لَمْ يَحْتَجْ الشُّهُودُ إلَى حُضُورِهِ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ادَّعَى الْمُدَّعِي مَا لَا يَبْقَى وَيُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، مِثْلَ الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ وَاللَّحْمِ، وَأَقَامَ لَطْخًا لَمْ يُوجِبْ بِهِ إيقَافَهُ أَوْ بَيِّنَةً، وَلَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ، فَاحْتَاجَ إلَى الْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ، فَقَالَ الْجَاحِدُ لِلْقَاضِي وَهُوَ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي وَهُوَ الْمُدَّعِي: أَنَا أَخَافُ فَسَادَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُولَاهُ لَهُ إنْ تَرَكَ حَتَّى يُزَكِّيَ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَأَثْبَتَ لَطْخًا وَقَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُؤَجِّلُ لِلْمُدَّعِي بِإِحْضَارِ شَاهِدِهِ إذَا قَالَ عِنْدِي شَاهِدٌ. وَلَا أَحْلِفُ أَوْ بَيِّنَةٌ مَا لَمْ يَخَفْ الْفَسَادَ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَوْ اشْتَرَى، فَإِنْ أَحْضَرَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَإِلَّا خَلَّى مَا بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ، إنْ كَانَ هُوَ الْبَائِعُ، وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ، وَكَانَ الْقَاضِي يَنْظُرُ فِي تَعْدِيلِهِمَا وَخَافَ عَلَيْهِ الْفَسَادَ، أَمَرَ أَمِينًا فَبَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ، وَوَضَعَ الثَّمَنَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، فَإِنْ زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ، قَضَى لِلْمُشْتَرِي بِاَلَّذِي بِيعَتْ بِهِ السِّلْعَةُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِيَ، وَأَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الشُّهُودُ فَدَفَعَ إلَى الْبَائِعِ، كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا زَادَ ثَمَنُ الْمُشْتَرِي الَّذِي جَحَدْتَهُ الْبَيْعَ عَنْ ثَمَنِ سِلْعَتِكَ الَّتِي بِعْتَ، فَإِنْ لَمْ تُزَكَّ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشِّرَاءِ أَخَذَ الْقَاضِي الثَّمَنَ، فَدَفَعَهُ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْقَاضِي إنَّمَا كَانَ نَظَرًا مِنْهُ، فَطَابَ لِلْبَائِعِ. وَإِنْ ضَاعَ الثَّمَنُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهُوَ لِمَنْ قَضَى لَهُ بِهِ، وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ كَانَ تَلَفُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ. [الْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ بِالْقَبْضِ وَالِاقْتِضَاءِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا بَعَثْتُ بِهِ مَعَهُ إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ: قَدْ دَفَعْته إلَيْهِ وَكَذَّبَهُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ الْمَالُ، أَوْ بَعَثْتُ بِهِ مَعَهُ صَدَقَةً أَوْ هِبَةً إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْمَالُ: قَدْ دَفَعْتُ الْمَالَ وَكَذَّبَهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَى الرَّسُولِ الْبَيِّنَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَإِلَّا غُرِّمَ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: تَصَدَّقْ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْت وَكَذَّبَهُ رَبُّ الْمَالِ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ فِي هَذَا الْوَجْهِ إذَا قَالَ لَهُ تَصَدَّقْ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ. قُلْتُ: وَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ أَمْرٌ لَا يُشْهَدُ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ. وَأَمَّا إذَا بَعَثَ بِالْمَالِ إلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ صَدَقَةً لَهُمْ أَوْ هِبَةً لَهُمْ، فَهَذَا الْمَبْعُوثُ مَعَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ ذَلِكَ وَإِلَّا غُرِّمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأَنْ يُتْلِفَ مَالَهُ، وَفِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَدْ أُمِرَ بِتَفْرِيقِهَا، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ. فَأَمَرْتُهُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ الدَّيْنَ إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْمَأْمُورُ: قَدْ دَفَعْت ذَلِكَ الدَّيْنَ إلَى الَّذِي أَمَرْتنِي بِهِ، وَكَذَّبَهُ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ الْغُرْمُ عِنْدَ مَالِكٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَلَوْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ الْمَالُ وَقَالَ: قَدْ قَبَضْتُ وَهَلَكَ مِنِّي، لَمْ يُصَدَّقْ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَإِلَّا غُرِّمَ الْمَالَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَقْبِضُ لِي مَا لِي عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ قَبَضْتُهُ وَضَاعَ مِنِّي، وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ: قَدْ دَفَعْته؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقِيمُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا غُرِّمَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْتُ رَجُلًا يَقْبِضُ لِي مَالِي عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ قَبَضْتُ الْمَالَ، أَوْ قَالَ: قَدْ بَرِئَ إلَيَّ مِنْ الْمَالِ أَيَبْرَأُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِقَوْلِ الْوَكِيلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَبْرَأُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ أَوْ يَأْتِي الْوَكِيلُ بِالْمَالِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا يَشْتَرِي وَيَبِيعُ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ، أَوْ وَصِيًّا فَهُوَ مُصَدَّقٌ وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يُصَدَّقُ أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ لَهُ مَالًا عَلَى أَحَدٍ فَقَطْ. [فِي الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيَانِ السِّلْعَةَ وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَيُقِيمَانِ جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ سِلْعَةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ، ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَى الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ: لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ وَهِيَ دَارٌ، فَأَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِي، وَأَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، وَتَكَافَأَتْ بَيِّنَتِي وَبَيِّنَتُهُ؟ قَالَ: لَا تُؤْخَذُ الدَّارُ مِنْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ هَذَيْنِ قَدْ أَكَذَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَاحِبَتَهَا وَجَرَّحَتْهَا فَسَقَطَتَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ هَذَا تَجْرِيحًا، وَلَكِنَّهُمَا لَمَّا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ صَارَا كَأَنَّهُمَا لَمْ يَأْتِيَا بِشَيْءٍ وَيُقِرَّانِ عَلَى دَعْوَهُمَا. [فِي الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيَانِ السِّلْعَةَ لَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُقِيمَانِ الْبَيِّنَةَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ سِلْعَةً فِي يَدَيَّ، ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَيْت أَنَا أَنَّهَا لِي وَهِيَ فِي يَدَيَّ، وَأَقَمْت الْبَيِّنَةَ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: هِيَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَةُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ لَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَادَّعَى رَجُلٌ آخَرُ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَدَّعِي الشَّيْءَ وَيَأْتِي غَيْرُهُ يَدَّعِيهِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَأْتِي هَذَا بِبَيِّنَةٍ وَهَذَا بِبَيِّنَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ إلَى أَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِنْ قَلُّوا فَيَقْضِي بِالْحَقِّ لِصَاحِبِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا سَوَاءً، وَكَانَ الَّذِي شَهِدُوا فِيهِ مِمَّا يَرَى الْإِمَامُ وَمَنَعَهُمْ إيَّاهُ، مَنَعَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِبَيِّنَةٍ أَعْدَلَ مِنْهَا. قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُقِرَّهُ، وَيَرَى أَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا، قَسَّمَهُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، كَالشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَهَادَةٌ. وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَيَا شَيْئًا قَدْ اخْتَارَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ فَهُوَ لَهُ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي الْقَوْمِ يَتَنَازَعُونَ عَفْوًا مِنْ الْأَرْضِ، فَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِبَيِّنَةٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى الثِّقَةِ فِي الْبَيِّنَةِ وَالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَيَحْلِفُ أَصْحَابُهَا مَعَ شَهَادَتِهِمْ. وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ عَدَدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا تَكَافِيًا وَتَكَاثُرًا لَمْ أَرَهَا شَهَادَةً، وَكَانَتْ الْأَرْضُ كَغَيْرِهَا مِنْ عَفْوِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تُسْتَحَقَّ بِأَثْبَتَ مِنْ هَذَا. قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى تُسْتَحَقَّ بِأَثْبَتَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ هِيَ أَعْدَلُ مِنْ الْأُولَى. [فِي التَّكَافُؤِ فِي الْبَيِّنَةِ هَلْ هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْعَدَدِ أَوْ فِي الْعَدَالَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ التَّكَافُؤَ فِي الْبَيِّنَةِ، أَهُوَ فِي الْعَدَدِ عِنْدَ مَالِكٍ أَوْ فِي الْعَدَالَةِ؟ قَالَ: ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْعَدَالَةِ وَلَيْسَ فِي الْعَدَدِ. قُلْتُ: فَرَجُلَانِ عَدْلَانِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَمِائَةُ رَجُلٍ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ، إذَا كَانَتْ عَدَالَةُ الرَّجُلَيْنِ وَعَدَالَةُ الْمِائَةِ سَوَاءً؟ قَالَ: نَعَمْ. وَحَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ الثَّعْلَبِيِّ قَالَ: «اخْتَصَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلَانِ فِي بَعِيرٍ، فَجَاءَ هَذَا بِشَاهِدَيْنِ وَجَاءَ هَذَا بِشَاهِدَيْنِ، فَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا.» قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: إنَّهُ إذَا كَانَ الشُّهَدَاءُ فِي الْعَدَالَةِ سَوَاءً لَيْسَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَضْلٌ، اُسْتُحْلِفَا جَمِيعًا عَلَى مَا ادَّعَيَا، ثُمَّ جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا. وَإِنَّمَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي رَجُلَيْنِ أَتَيَا جَمِيعًا يُمْسِكَانِ بِرَأْسِ دَابَّةٍ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا فَرَسًا فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةَ ذَوِي عَدْلٍ عَلَى أَنَّهَا فَرَسُهُ، فَقَضَى بِهَا بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ. [فِي تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دُورٍ فِي يَدَيَّ، أَوْ عُرُوضٍ أَوْ عَبِيدٍ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَنْ الْأَشْيَاءِ، أَنَّهَا لَهُ. وَأَقَمْت أَنَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِي. مَنْ أَوْلَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فَاَلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَوْلَى بِذَلِكَ قَالَ: وَلَا يَنْظُرُ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ إلَى كَثْرَةِ الْعَدَدِ، إنَّمَا لِعَدَالَةٍ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُدُولًا، وَهُمْ فِي الْعَدَالَةِ عِنْدَ النَّاسِ سَوَاءٌ. وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا اثْنَيْنِ وَالْآخَرِ مِائَةً، فَكَانَ هَذَانِ فِي الْعَدَالَةِ وَهَؤُلَاءِ الْمِائَةُ سَوَاءً، فَقَدْ تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَهِيَ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقَامَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ مِائَةَ شَاهِدٍ، وَكَانَتْ الْمَرْأَتَانِ وَالرَّجُلُ فِي الْعَدَالَةِ مِثْلَ الْمِائَةِ الرَّجُلِ، أَلَيْسَ قَدْ تَكَافَأَتَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَالْبَيِّنَتَانِ قَدْ تَكَافَأَتَا عِنْدِي إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى دَارٍ فِي يَدِ رَجُلٍ أَنِّي اشْتَرَيْتهَا مَنْ فُلَانٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَ بَاعَنِيهَا، وَأَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُهُ، لِمَنْ يُقْضَى بِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُهُ، وَأَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، فَاَلَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ أَوْلَى بِهَا. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ، أَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَوْلَى. أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُدَّعِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَ بَاعَهَا، أَنْ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، كَانَ رَبُّ الدَّارِ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَوْلَى بِهَا؟ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ أَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَوْلَى بِهَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ مَنْ فُلَانٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَ بَاعَهَا، وَكَانَا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا أَيْضًا عَلَى الَّذِي بَاعَهَا، وَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ الدَّارُ هِيَ دَارِي وَلَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ؟ قَالَ: يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ قَدْ حَازَهَا وَهَذَا حَاضِرٌ فَهَذَا يَكُونُ قَطْعًا لِحُجَّةِ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ قَدْ حَازَهَا هَذَا الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ بِمَحْضَرٍ مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الْحِيَازَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَقَمْنَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ، أَنَا وَاَلَّذِي الدَّابَّةُ فِي يَدَيْهِ، لِمَنْ تَكُونُ؟ قَالَ: لِلَّذِي الدَّابَّةُ فِي يَدَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّسْجَ، أَهُوَ مِثْلَ النِّتَاجِ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَمَةً لَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنَّا، أَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا سُرِقَتْ مِنِّي وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَنْ مِلْكِي. وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ؟ قَالَ: أَقْضِي بِهَا لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَتْ بَيِّنَةُ النِّتَاجِ عُدُولًا، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَعْدَلَ، فَهِيَ لِصَاحِبِ النِّتَاجِ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّهَاتُرِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَيُقِيمُ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَبَيِّنَةُ صَاحِبِ الْعَشَرَةِ الْأَشْهُرِ أَعْدَلُ مِنْ بَيِّنَةِ صَاحِبِ السَّنَةِ، إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ صَاحِبِ السَّنَةِ عُدُولٌ أَيْضًا، فَتَكُونُ لِصَاحِبِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ فِي يَدَيْ صَاحِبِ الْوَقْتِ الْآخَرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ يَحُوزُهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْأَوَّلِ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْحُقُوقُ مِنْ الْوَطْءِ لَهَا وَالِاسْتِخْدَامِ وَالِادِّعَاءِ لَهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْأَوَّلِ، فَيَنْقَطِعُ حَقُّهُ مِنْهَا بِالْحِيَازَةِ عَلَيْهِ. ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ كَانَتْ نُتِجَتْ عِنْدَهُ دَابَّةٌ فِيمَا يَقُولُ، فَجَاءَ مُدَّعٍ فَادَّعَاهَا فَأَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّابَّةُ شَاهِدَيْنِ عَلَى أَنَّهَا دَابَّتُهُ نُتِجَتْ عِنْدَهُ، وَشَاهِدَاهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ. وَجَاءَ الَّذِي ادَّعَاهَا بِأَرْبَعِ شُهَدَاءَ أَوْ أَكْثَرَ، فَشَهِدُوا أَنَّهَا دَابَّتُهُ نُتِجَتْ عِنْدَهُ وَهُمْ عُدُولٌ؟ قَالَ يَحْيَى: يَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّابَّةُ لِحِيَازَتِهِ إيَّاهَا مَعَ شَاهِدَيْهِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ شُرَيْحٍ الْكِنْدِيِّ وَطَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ: أَنَّ الدَّابَّةَ لِلَّذِي هِيَ عِنْدَهُ. وَقَالَ شُرَيْحٌ: النِّتَاجُ أَحَقُّ مِنْ الْعَرَّافِ، فَأَمَّا شُرَيْحٌ فَذَكَرَ حَدِيثَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ مُغِيرَةَ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي فَرَسٍ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّ الْفَرَسَ لِفُلَانٍ نُتِجَ عِنْدَهُ وَشَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّ الْفَرَسَ لِفُلَانٍ نُتِجَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: هُوَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا أَقَمْت أَنَا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدِي، وَأَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَتَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ، أَيُقَسَّمُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا تَكَافَأَتَا، وَلَمْ تَكُنْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُقَسِّمَهَا بَيْنَهُمَا قَسَّمَهَا إذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ لِأَحَدِهِمَا حُجَّةٌ قَدْ اسْتَنْفَذَ الْإِمَامُ حُجَّتَهُمَا وَلَمْ تَبْقَ لَهُمَا حُجَّةٌ قَسَّمَهَا بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى زَرْعًا فِي أَرْضٍ، وَادَّعَى الْآخَرُ ذَلِكَ الزَّرْعَ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، وَرَبُّ الْأَرْضِ لَا يَدَّعِي الزَّرْعَ لِمَنْ تَجْعَلُ هَذَا الزَّرْعَ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي مِثْلِ هَذَا، أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالزَّرْعِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُسْتَبْرَأَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَسْأَلُهُمَا يَزِيدَاهُ بَيِّنَةً قَالَ: وَاَلَّذِي سَمِعْتُ عَنْهُ: أَنَّ كُلَّ مَا تَكَافَأَتْ فِيهِ الْبَيِّنَتَانِ وَلَيْسَ هُوَ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِثْلَ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ تُرِكَ حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِأَعْدَلَ مِمَّا أَتَى بِهِ صَاحِبُهُ فَيَقْضِي لَهُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَانُ ذَلِكَ وَلَا يَأْتِي وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ، غَيْرَ مَا أَتَيَا بِهِ أَوَّلًا، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ، مِثْلُ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ، فَإِنَّهُ يُسْتَأْنَى بِهِ قَلِيلًا، لَعَلَّهُ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِأَثْبَتَ مِمَّا أَتَى بِهِ صَاحِبُهُ فَيَقْضِي لَهُ بِهِ. فَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ وَخِيفَ عَلَيْهِ، قَسَّمْتُهُ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الزَّرْعِ. وَرَأْيِي فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِأَثْبَتَ مِمَّا أَتَى بِهِ صَاحِبُهُ، فَيُقَسَّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ وَوَقْفَهُ يَصِيرُ إلَى ضَرَرٍ. قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ يَدَّعِي الزَّرْعَ، أَيَتْرُكُ الزَّرْعَ فِي يَدَيْ رَبِّ الْأَرْضِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا لَيْسَتْ فِي يَدَيَّ ادَّعَيْت أَنَّهَا دَارِي فَأَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَى رَجُلٌ آخَرُ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، أَيُقْضَى بِهَا بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ؟ وَهَلْ يُخْرِجُهَا مِنْ يَدَيَّ هَذَا الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يُقْضَى بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُسْتَبْرَأَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيَانِ السِّلْعَةَ وَلَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَتَكَافَأَتْ بَيِّنَتُهُمَا، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْضِي بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَآمُرُهُمَا أَنْ يَزِيدَا بَيِّنَةً. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخَرُ نَصْرَانِيٌّ، فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَقَالَ الْكَافِرُ: بَلْ مَاتَ أَبِي كَافِرًا، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ وَكَيْفَ؟ إنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُمَا وَتَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ لَا يُعْرَفُ لِمَنْ هُوَ يَدَّعِيهِ رَجُلَانِ فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا. فَأَرَى هَذَا كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيِّ مُسْلِمِينَ. قُلْتُ: أَوَلَيْسَ هَذَا قَدْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ وَالِدَهُ مُسْلِمٌ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ لَا يُجْعَلُ الْمِيرَاثُ لِهَذَا الْمُسْلِمِ؟ قَالَ: لَيْسَتْ الصَّلَاةُ شَهَادَةً. قَالَ: وَأَمَّا الْمَالُ فَأُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ وَعُرِفَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، فَهُوَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ حَتَّى يُقِيمَ الْمُسْلِمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ نَصْرَانِيٌّ يَعْرِفُ النَّاسُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، فَهُوَ كَذَلِكَ حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ إلَّا أَنْ يُقِيمَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَكُونُ الْمَالُ لِلْمُسْلِمِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى دَعْوَى النَّصْرَانِيِّ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُسْلِمِ زَادَتْ حِينَ زَعَمَتْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ. [فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحِيَازَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَى دَارٍ أَنَّهَا فِي يَدِ رَجُلٍ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، يَحُوزُهَا وَيَمْنَعُهَا وَيُكْرِيهَا وَيَهْدِمُ وَيَبْنِي، وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ دَارُهُ، أَيَجْعَلُ مَالِكٌ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحِيَازَةِ وَهِيَ فِي يَدَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ وَهِيَ فِي يَدَيْهِ أَنَّهَا لَهُ فَيَكُونُ أَوْلَى بِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَيَجْعَلُ مَالِكٌ الْحِيَازَةَ إذَا شَهِدُوا لَهُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ حَاضِرًا يَرَاهُ يَبْنِي وَيَهْدِمُ وَيُكْرِي فَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا سُئِلَ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ أَوْ سَمَاعٍ قَدْ سَمِعُوا أَنَّ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ قَدْ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، إذَا كَانَ أَمْرًا قَدْ تَقَادَمَ فَأَرَاهَا لَهُ، دُونَ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ. قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ هَهُنَا دُورًا قَدْ عُرِفَتْ لِمَنْ أَوَّلُهَا قَدْ بِيعَتْ، وَتَدَاوَلَتْهَا الْمَوَارِيثُ وَحِيزَتْ مُنْذُ زَمَانٍ فَلَوْ سُئِلَ أَهْلُهَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ، لَمْ يَجِدُوا إلَّا السَّمَاعَ. فَإِذَا كَانَ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، فَأَتَى بِالسَّمَاعِ مَعَ الْحِيَازَةِ فَأَرَاهَا لَهُ. كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالسَّمَاعِ وَلَا بِالشَّهَادَةِ، وَكَانَ الَّذِي يَطْلُبُ الدَّارَ غَائِبًا، فَقَدِمَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ رَأَيْتَهَا لَهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا إذَا حَازَهَا الْمُشْتَرِي دُونَهُ، فَلَا شَيْءَ لِلَّذِي يَدَّعِيهَا. قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِي الْحِيَازَةِ عَشْرَ سِنِينَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مَالِكًا يَحُدُّ فِيهِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ هَذَا قَدْ حَازَهَا دُونَ الْآخَرِ فِيمَا يُكْرَى وَيُهْدَمُ وَيُبْنَى وَيُسْكَنُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّوَابَّ وَالثِّيَابَ وَالْعُرُوضَ كُلَّهَا، وَالْحَيَوَانَ كُلَّهُ، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّهَا إذَا حَازَهَا رَجُلٌ بِمَحْضَرٍ مِنْ رَجُلٍ، فَادَّعَاهَا الَّذِي حِيزَتْ عَلَيْهِ، أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ؟ وَهَلْ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِثْلَ مَا يَقُولُ فِي الدُّورِ وَالْحِيَازَةِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدِي مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الدُّورِ، إذَا كَانَتْ الثِّيَابُ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ، وَالدَّوَابُّ تُكْرَى وَتُرْكَبُ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ. قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ حَاضِرًا وَمَالُهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَمَضَتْ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ؛ كَانَ الْمَالُ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بِحِيَازَتِهِ إيَّاهُ عَشْرَ سِنِينَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَى أَوْ أَسْكَنَ أَوْ أَعَارَ عَارِيَّةً، أَوْ صَنَعَ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ. قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَا حِيَازَةَ عَلَى غَائِبٍ [مَا جَاءَ فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْمَوَارِيثِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ عِنْدَنَا مَيِّتٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ أَتُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ وَتُعْطِي هَذَا الْمِيرَاثَ أَمْ لَا تُعْطِيهِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْئًا؟ وَهَلْ تَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي هَذَا؟ قَالَ: وَجْهُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا: أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ ابْنُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، فَأَرَى أَنْ تَبْطُلَ الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ وَيَسْأَلُ وَيَنْظُرُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنْ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ أَبِي وَجَدِّي وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي أَيَقْضِي لِي بِهَا السُّلْطَانُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهَا شَيْئًا، وَلَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِهِ. وَجُلُّ الدُّورِ تُعْرَفُ لِمَنْ كَانَ أَوَّلُهَا، ثُمَّ قَدْ تَدَاوَلَهَا أَقْوَامٌ بَعْدَ ذَلِكَ. فَهُمْ إنْ شَهِدُوا يَشْهَدُونَ وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِمَا كَانَ فِيهَا، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، إذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذَا وَارِثُ جَدِّهِ أَوْ وَارِثُ أَبِيهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا وَارِثُ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ مَعَ وَرَثَةٍ آخَرِينَ؟ قَالَ: لَا يُعْطَى هَذَا إلَّا حَظَّهُ. قُلْتُ: فَحُظُوظُ إخْوَتِهِ، أَتُؤْخَذُ مَنْ يَدِ هَذَا الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، فَيَضَعُهَا السُّلْطَانُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ لَا يُعْطَى لِهَذَا مِنْهَا إلَّا بِمِقْدَارِ حَظِّهِ وَمَا اسْتَحَقَّ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتْرُكُ السُّلْطَانُ مَا سِوَى ذَلِكَ فِي يَدَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ يَدَيْهِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ كَانَ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِ الْمَطْلُوبِ وَيُوقَفُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ جَدِّي، وَأَنَّ هَذَا الْمَوْلَى مَوْلَى جَدِّي، وَلَمْ يُحَدِّدُوا الْمَوَارِيثَ، لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّ جَدِّي مَاتَ فَوَرِثَهُ أَبِي وَأَنَّ أَبِي مَاتَ فَوَرِثْتُهُ أَنَا؟ قَالَ: سَأَلَ مَالِكًا بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَسَمِعْتُهُ يَسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ جَدِّهِ، وَيَكُونُ فِيهَا رَجُلٌ قَدْ حَازَهَا مُنْذُ سِنِينَ ذَوَاتِ عَدَدٍ؟
__________________
|
|
#244
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 51الى صــ 60 الحلقة(244) قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا إنْ كَانَ الرَّجُلُ الْمُدَّعِي حَاضِرًا، فَلَا أَرَى لَهُ فِيهَا حَقًّا لِأَجْلِ حِيَازَتِهِ إيَّاهَا، إذَا كَانَ قَدْ حَازَهَا سِنِينَ ذَوَاتِ عَدَدٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي غَائِبًا وَثَبَتَتْ الْمَوَارِيثُ حَتَّى صَارَتْ لَهُ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَسْأَلَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ أَيْنَ صَارَتْ لَهُ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى شِرَاءٍ أَوْ سَمَاعٍ عَلَى الِاشْتِرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَشْهَدُ عَلَى مُعَايَنَةِ الشِّرَاءِ وَلَا مَنْ يَشْهَدُ عَلَى الْبَتَاتِ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ، فَأَرَى الشَّهَادَةَ جَائِزَةً لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ بِالسَّمَاعِ بِالِاشْتِرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الشَّهَادَةِ شَهَادَةٌ تَقْطَعُ عَلَى الْبَيْعِ. قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ هَهُنَا دُورًا تُعْرَفُ لِمَنْ أَوَّلُهَا قَدْ بِيعَتْ، وَلَا يُوجَدُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ إلَّا بِالسَّمَاعِ ثُمَّ قَالَ لَنَا: تِلْكَ مِنْهَا هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي أَنَا فِيهَا، قَدْ بَاعَهَا أَهْلُهَا وَلَيْسَ أَحَدٌ يَشْهَدُ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ إلَّا بِالسَّمَاعِ فَإِذَا أَتَى الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ بِأَصْلِ الشِّرَاءِ، أَوْ بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى سَمَاعِ الِاشْتِرَاءِ فَذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، لَا بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَا بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى الشِّرَاءِ أَتَجْعَلُهَا لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِجَدِّهِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، تَكُونُ لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِجَدِّهِ إذَا كَانَ غَائِبًا. قُلْتُ: وَشَهَادَةُ السَّمَاعِ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ هَذَا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ مِنْ جَدِّ هَذَا الْمُدَّعِي، قَالَ: إذَا تَقَادَمَ ذَلِكَ؛ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى السَّمَاعِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حَيًّا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَشْتَرِي وَيَتَقَادَمُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ لِشِرَائِهِ هَذَا أَرْبَعُونَ سَنَةً أَوْ خَمْسُونَ سَنَةً أَوْ سِتُّونَ سَنَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَلَمْ أُوقِفْ مَالِكًا عَلَى أَنَّهُ هُوَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِهِ، إلَّا أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ لِي مَالِكٌ، إنَّمَا هُوَ فِي الشِّرَاءِ الَّذِي يَتَقَادَمُ. قَالَ: وَأَمَّا فِي الْوَلَاءِ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: أَقْضِي بِالسَّمَاعِ إذَا شَهِدَتْ الشُّهُودُ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّهُ مَوْلَاهُ بِالْمَالِ، وَلَا أَقْضِي لَهُ بِالْوَلَاءِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ دَارُ أَبِيهِ، وَقَالَتْ الْبَيِّنَةُ لَا نَعْرِفُ كَمْ الْوَرَثَةُ، أَيُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدَّارِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَكَيْفَ إنْ قَالَ الِابْنُ إنَّمَا أَنَا وَأَخِي لَيْسَ مَعَنَا وَارِثٌ غَيْرُنَا، أَوْ قَالَ: أَنَا وَحْدِي الْوَارِثُ لَيْسَ مَعِي وَارِثٌ غَيْرِي، أَيُصَدَّقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَلَا أَرَى أَنْ يَقْضِيَ لَهُ السُّلْطَانُ بِشَيْءٍ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عِدَّةِ الْوَرَثَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا دَارِ جَدِّي، وَلَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ أَنَّ جَدِّي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِأَبِي، وَأَنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَلَمْ يُحَدِّدُوا الْمَوَارِيثَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي حَاضِرًا بِالْبَلْدَةِ الَّتِي الدَّارُ فِيهَا، وَقَدْ حِيزَتْ دُونَهُ السِّنِينَ يَرَاهُمْ يَسْكُنُونَ، وَيَحُوزُونَ بِمَا تُحَازُ بِهِ الدُّورُ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ الَّتِي الدَّارُ بِهَا، وَإِنَّمَا قَدِمَ مِنْ بِلَادٍ أُخَرَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا دَارُ أَبِيهِ أَوْ دَارُ جَدِّهِ وَثَبَتَتْ الْمَوَارِيثُ، وَسُئِلَ مَنْ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ، أَوْ الْوَجْهِ الَّذِي صَارَتْ بِهِ إلَيْهِ، أَوْ سَمَاعٍ مِنْ جِيرَانِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِيرَانِهِ أَنَّ جَدَّهُ أَوْ وَالِدَهُ كَانَ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ هُوَ بِنَفْسِهِ إذَا طَالَ الزَّمَانُ فَقَالُوا: سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَهَهُنَا دُورٌ تُعْرَفُ لِمَنْ أَوَّلُهَا وَقَدْ تَقَادَمَ الزَّمَانُ، وَلَيْسَ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ بَيِّنَةٌ وَإِنَّمَا هُوَ سَمَاعٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ فُلَانًا قَدْ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ يَعْنِي الْمَوَارِيثَ لَمْ يُسْأَلْ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ عَنْ شَيْءٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ بِبَيِّنَةٍ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ أَنَّهُ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ اشْتَرَاهَا جَدُّهُ أَوْ اشْتَرَاهَا وَالِدُهُ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَلَكِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِاَلَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ مَنْ هُوَ؟ . قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعِ صِحَّةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ أَبِي هَذَا الْمُدَّعِي أَوْ جَدِّهِ. [فِي إيقَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَرْضِ عَنْ الْعَمَلِ فِيهَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا فِي يَدَيْ وَرَثَتِهَا عَنْ أَبِي فَأَقَامَ ابْنُ عَمِّي الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُ جَدِّهِ وَطَلَبَ مُوَرِّثَهُ؟ قَالَ: هَذَا مِنْ وَجْهِ الْحِيَازَةِ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا وَاخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي أَرْضٍ احْتَفَرَ رَجُلٌ فِيهَا عَيْنًا، فَادَّعَى فِيهَا رَجُلٌ دَعْوَى، فَاخْتَصَمُوا إلَى صَاحِبِ الْمِيَاهِ فَأَوْقَفَهُمْ حَتَّى يَرْتَفِعُوا إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَى صَاحِبُ الْعَيْنِ الَّذِي كَانَ عَمِلَهَا فَشَكَا ذَلِكَ إلَى مَالِكٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ أَحْسَنَ حِينَ أَوْقَفَهَا وَأَرَاهُ قَدْ أَصَابَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ تِلْكَ الْأَرْضِ: اُتْرُكْ عُمَّالِي يَعْمَلُونَ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ الْأَرْضَ فَلْيَهْدِمْ عَمَلِي. فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ تُوقَفَ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ وَإِلَّا بَنَيْتَ. قُلْتُ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَبِغَيْرِ شَيْءٍ تُوقَفُ هَذِهِ الْأَرْضُ؟ قَالَ: لَا تُوقَفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِدَعْوَى هَذَا الْمُدَّعِي وَجْهٌ. [ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً غَيْرَ قَاطِعَةٍ فَأَرَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَهَبَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَنْشَبَ الْخُصُومَةَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، إلَّا أَنَّ بَيِّنَتَهُ لَمْ تَقْطَعْ بَعْدُ. فَأَرَادَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ أَنْ يَبِيعَ الدَّارَ أَوْ يَهَبَهَا، أَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِلَّذِي أَوْقَعَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَلِلَّذِي أَنْشَبَ مِنْ الْخُصُومَةِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ مَا لَمْ يَقْضِ بِهَا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ مِمَّا يُبْطِلُ حُجَّةَ هَذَا، وَلَا تَبْطُلُ بَيِّنَتُهُ الَّتِي أَوْقَعَ. فَهَذَا رَدُّ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي الْوَقْفِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ غَرَرٌ وَخَطَرٌ. [فِي الرَّجُلِ تَقُومُ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَتَاعِهِ أَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ادَّعَيْت عَبْدًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَأَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدِي، أَيُحَلِّفُنِي الْقَاضِي بِاَللَّهِ أَنِّي مَا بِعْتُ وَلَا وَهَبْت، وَلَا خَرَجَ مِنْ يَدَيَّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِمَّا يَخْرُجُ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ شَيْءٍ ادَّعَيْته فِي يَدِ رَجُلٍ، عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ نَاضًّا أَوْ طَعَامًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لِي، أَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْقَاضِيَ أَنْ يُحَلِّفَهُ مَعَ بَيِّنَتِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا خَرَجَ هَذَا الشَّيْءُ مِنْ يَدَيْهِ بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ وَلَا بِوَجْهٍ مِمَّا يُسْقِطُ مِلْكَهُ عَنْهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ فِي الَّذِي يَدَّعِي الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ الثَّوْبَ أَنَّهَا سُرِقَتْ مِنْهُ وَيُقِيمُ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ: أَنَّهَا شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ. قَالَ مَالِكٌ: فَإِذَا شَهِدُوا بِهَذَا اسْتَوْجَبَ مَا ادَّعَى. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّ شُهُودًا شَهِدُوا عَلَى الْبَتَاتِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ؟ قَالَ مَالِكٌ: هَؤُلَاءِ شَهِدُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ، فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ الْغَمُوسُ. قَالَ: وَأَرَاهُمْ قَدْ شَهِدُوا بِبَاطِلٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى أَنْ يَحْلِفَ الْإِمَامُ الَّذِي شَهِدُوا لَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ مِلْكِهِ، فَأَرَى كُلَّ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِثْلَ هَذَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْرِفُ دَابَّتَهُ عِنْدَ رَجُلٍ، أَيَلْزَمُ الَّذِي اعْتَرَفَهَا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهَا دَابَّتُهُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى الْبَتَّةِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْبَتَّةِ فَأَرَاهُمْ شُهُودَ زُورٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَيَحْلِفُ رَبُّ الدَّابَّةِ إذَا قُضِيَ لَهُ بِهَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ، وَلَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَّةِ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: أَعَرْتهَا أَوْ اسْتَوْدَعْتهَا، أَيَكُونُ هَذَا خُرُوجًا مِنْ مِلْكِهِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ هَذَا خُرُوجًا مِنْ مِلْكِهِ، وَيَأْخُذُ دَابَّتُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فِي هَذَا، أَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ دَابَّتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. [فِي الرَّجُلِ يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي الْقَضِيَّةَ هَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ أَبِي أَوْ جَدِّي، أَوْ أَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ مَتَاعُ أَبِي، مَاتَ وَتَرَكَهُ مِيرَاثًا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرِي، فَقَضَى لِي بِهِ الْقَاضِي، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِّي كَفِيلًا إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنَّ الْكَفِيلَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْقَاضِي فِي هَذَا، إنَّمَا هُوَ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إذَا اسْتَحَقُّوا حُقُوقَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِكُفَلَاءَ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَلْ يُعْطَوْنَ حُقُوقَهُمْ بِغَيْرِ كَفَالَةٍ. [فِي الِاسْتِحْلَافِ عَلَى الْبَتَاتِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي بِعْتُ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً فَاقْتَضَيْتُ الثَّمَنَ وَجَحَدْته الِاقْتِضَاءَ فَادَّعَيْتُ قِبَلَهُ الثَّمَنَ وَأَرَدْت أَنْ أَسْتَحْلِفَهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنِّي سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا بِكَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: أَنَا أَحْلِفُ لَكَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْيَمِينُ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّهُ مَا اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا بِكَذَا وَكَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا يُرِيدُ أَنْ يُوَرِّكَ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَوْلِكَ يُرِيدُ أَنْ يُوَرِّكَ قَالَ: الْإِلْغَازُ فِيمَا نَوَى [الشَّرِيكَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَجْحَدُهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُتَفَاوِضَيْنِ، ادَّعَى أَحَدُهُمَا قِبَلَ رَجُلٍ دَيْنًا مِنْ شَرِكَتِهِمَا، فَجَحَدَهُ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَأَرَادَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ الْمُسْتَحْلَفُ: أَنَا أَحْلِفُ لَكَ عَلَى حِصَّتِكَ وَلَا أَحْلِفُ لَكَ عَلَى حِصَّةِ صَاحِبِكَ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى حِصَّتِهِ وَحِصَّةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حِصَّةِ صَاحِبِهِ مُوَكَّلٌ بِالْقَبْضِ، مُفَوَّضٌ إلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ وَيَقْبِضَ الثَّمَنَ فِي حِصَّةِ صَاحِبِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ حَلَفَ لِهَذَا، ثُمَّ أَتَى صَاحِبُهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ أَيْضًا عَلَى حِصَّتِهِ أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ لِشَرِيكِهِ، فَلَا يَكُونُ لِلْوَالِي أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلْت وَكِيلًا بِقَبْضِ مَا لِي عَلَى فُلَانٍ، فَجَحَدَ فُلَانٌ الْمَالَ، فَقَدَّمَهُ وَحَلَفَ لَهُ، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَسْتَحْلِفَهُ؛ لِأَنَّ وَكِيلِي قَدْ اسْتَحْلَفَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. [اسْتِحْلَافُ مُدَّعِي الْحَقِّ إذَا اُدُّعِيَ قِبَلَهُ الْقَضَاءُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ عَلَى حَقٍّ لَهُ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَحْلِفْهُ لِي مَعَ شَاهِدَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ قَضَاهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَأَرَى أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ. [فِي اسْتِحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ، كَيْفَ يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ أَيُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَمْ يَزِيدُ عَلَى هَذَا: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سَلَّامِ بْنِ سَلْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ خَصْمَانِ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِلْمُدَّعِي: أَقِمْ بَيِّنَتَكَ عَلَى حَقِّكَ. فَقَالَ لَيْسَتْ لِي بَيِّنَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِلْآخَرِ: احْلِفْ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا لَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ» . قُلْتُ: فَأَيْنَ يَحْلِفُ الَّذِي يَدَّعِي قِبَلَهُ؟ وَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ مَعَ شَاهِدِهِ، أَيْنَ يَسْتَحْلِفُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ فَإِنَّهُمَا يُسْتَحْلَفَانِ فِيهِ هَذَانِ جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ. فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَعِنْدَ الْمِنْبَرِ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ إلَّا مِنْبَرَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَمَّا مَسَاجِدُ الْآفَاقِ فَلَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ فِيهَا، وَلَكِنَّ لِلْمَسَاجِدِ مَوَاضِعَ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ، فَأَرَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ. قَالَ مَالِكٌ: وَعِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ لَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَالِفَ هَلْ يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْقِبْلَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: الِاسْتِحْلَافُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ لَمْ يَزَلْ يُعْمَلُ بِهِ مُنْذُ بَدَا الْإِسْلَامُ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» . قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ أَنْ يُجْلَبَ إلَيْهِ إلَى الْمَوْسِمِ الَّذِي قَالَ لِامْرَأَتِهِ: حَبْلُكَ عَلَى غَارِبِكَ. فَكُلُّ عَظِيمٍ مِنْ الْأَمْرِ يُحْلَفُ فِي أَعْظَمِ الْمُوَاضِعِ. وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ، فَرَتَّبَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاتَّقَاهَا فَافْتَدَى مِنْهَا وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُوَافِقَ قَدَرًا وَبَلَاءً فَيُقَالُ: بِيَمِينِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ اتَّقَاهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، حِينَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَجَعَلَ يَحْلِفُ مَكَانَهُ. سَحْنُونٌ: وَلَوْ أَنَّ زَيْدًا كَانَ الْحَلْفُ عِنْدَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ مِنْ الْبَاطِلِ لَقَالَهَا لِمَرْوَانَ. قَالَ مَالِكٌ: أَتَرَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ: أَتُحِلُّ بَيْعَ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ؟ فَقَالَ مَرْوَانُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ. قَالَ: فَالنَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الصِّكَاكَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُوهَا فَبَعَثَ مَرْوَانُ حَرَسًا يَرُدُّونَهَا؟ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْيَمِينُ عَلَى زَيْدٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ مَرْوَانُ، لَقَالَ لَهُ مَا هَذَا عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ لَهُ أَشَدَّ مِنْ هَذَا. وَلَقَدْ اجْتَبَذَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ بِرِدَائِهِ فِي صُعُودِهِ الْمِنْبَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدِ، وَلَقَدْ قِيلَ لَهُ وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ سَارِقًا فِي ثَمَرٍ أَوْ أَكْثَرَ فَقَالَ لَهُ كَبِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا أَكْثَرَ» . فَخَلَّى عَنْ السَّارِقِ، فَمَا كَانُوا لِيَتْرُكُوا حَقًّا يَحْضُرُونَهُ إلَّا قَالُوا بِهِ؟ أَوَلَا تَرَى أَنَّ الْعَظِيمَ مِنْ الْأَمْرِ مِثْلَ اللِّعَانِ أَنَّهُ يَكُونُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَشُهْرَةِ الْيَمِينِ؟ أَوَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ بِالطَّائِفِ، أَنْ يَحْبِسَ الْجَارِيَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَقْرَأُ عَلَيْهَا ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ فَفَعَلَ فَاعْتَرَفَتْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ؟ [فِي اسْتِحْلَافِ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ فِي الْمَسْجِدِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَوَاتِقَ مِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرَ الْعَوَاتِقِ، وَالْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُكَاتَبِينَ وَالْمُدَبَّرِينَ، أَيَحْلِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ؟ قَالَ: إنَّمَا سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ النِّسَاءِ أَيْنَ يَحْلِفْنَ؟ قَالَ: أَمَّا كُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ، فَإِنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ فِيهِ إلَى الْمَسَاجِدِ. فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ أُخْرِجَتْ بِالنَّهَارِ فَأُحْلِفَتْ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ أُخْرِجَتْ لَيْلًا فَأُحْلِفَتْ فِيهِ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا بَالَ لَهُ، أُحْلِفَتْ فِي بَيْتِهَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ، أَرْسَلَ الْقَاضِي إلَيْهَا مَنْ يَسْتَحْلِفُهَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ. فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، فَسُنَّتُهُنَّ سُنَّةُ الْأَحْرَارِ. قَالَ: إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِمَنْزِلَةِ الْحَرَائِرِ، مِنْهُنَّ مَنْ تَخْرُجُ وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَخْرُجُ. قُلْتُ: هَلْ يُجْزِئُ فِي هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُسْتَحْلَفُ فِي بَيْتِهَا رَسُولٌ وَاحِدٌ مِنْ الْقَاضِي يَسْتَحْلِفُهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُجْزِئَ. [فِي اسْتِحْلَافِ الصِّبْيَانِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْت الصِّبْيَانَ، هَلْ عَلَيْهِمْ يَمِينٌ فِي شَيْءٍ مَنْ الْأَشْيَاءِ يَحْلِفُوا إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَحْلِفُونَ إذَا كَانَ لَهُمْ شَاهِدٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ الصِّبْيَانُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يَبْلُغُوا. [اسْتِحْلَافِ الْوَرَثَةِ عَلَى ذِكْرِ حَقِّ أَبِيهِمْ إذَا ادَّعَى الْغَرِيمُ أَنَّهُ قَدْ قَضَى الْمَيِّتَ] َ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَيَتْرُكُ أَوْلَادًا صِغَارًا فَيُوجَدُ لِلْمَيِّتِ ذِكْرُ حَقٍّ فِيهِ شُهُودٌ فَيَدَّعِي الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ قَضَى الْمَيِّتَ حَقَّهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْنَا لِمَالِكٍ: أَفَتَحْلِفُ الْوَرَثَةُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَدْ بَلَغَ مِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْقَضَاءِ، أُحْلِفَ وَإِلَّا، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: فَإِنْ نَكَلَ هَذَا الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْقَضَاءِ عَنْ الْيَمِينِ، أَيَسْقُطُ الدَّيْنُ كُلُّهُ، فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ كُلُّهُ وَلَكِنْ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ قَدْرُ حَقِّهِ أَنْ لَوْ حَلَفَ عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ. [اسْتِحْلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس] فِي اسْتِحْلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ قُلْتُ: هَلْ ذَكَرَ لَكُمْ مَالِكٌ، أَنَّ النَّصْرَانِيَّ أَوْ النَّصْرَانِيَّةَ يَحْلِفَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَيْمَانِهِمَا فِي دَعْوَهُمَا، وَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ أَوْ فِي لِعَانِهِمْ، أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا يَحْلِفُونَ إلَّا بِاَللَّهِ فَقَطْ. قُلْتُ: وَالْيَهُودُ، هَلْ سَمِعْتَهُ يَقُولُ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى؟ قَالَ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ. قُلْتُ: فَهَلْ يَحْلِفُ الْمَجُوسُ فِي بَيْتِ نَارِهِمْ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى أَنْ يَحْلِفُوا بِاَللَّهِ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ. قُلْتُ: أَيْنَ يَحْلِفُ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي كَنَائِسِهِمْ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُونَ إلَّا بِاَللَّهِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَهَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ النَّصَارَى بِغَيْرِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، أَحْلَفَ يَهُودِيًّا بِاَللَّهِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أَدْخَلَهُ الْكَنِيسَةَ لَغَلُظَ عَلَيْهِ. سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ، كَانَ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ وَكَانَ يَضَعُ عَلَى رَأْسِهِ الْإِنْجِيلَ فِي الْمَذْبَحِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ كُنَّا لَا نَقُولُ وَضَعَ الْإِنْجِيلَ عَلَى رَأْسِهِ فِي الْمَذْبَحِ، وَلَكِنَّهُ نَزْعَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا فِي أَعْظَمِ مَوَاضِعِهِمْ. ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّفُ أَهْلَ الْكِتَابِ بِاَللَّهِ، وَيَقُولُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - ﴿وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] سُورَةَ الْمَائِدَةِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] سُورَةَ الْأَنْعَامِ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ خَاصَمَ إلَيْهِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَحَلَّفَهُ بِاَللَّهِ حَيْثُ يَكْرَهُ. [فِي تَعْدِيلِ الشُّهُودِ] ِ قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَهَلْ يَقْبَلُ تَزْكِيَةَ وَاحِدٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُمْ، وَمَا تُطْلَبُ مِنْهُمْ التَّزْكِيَةُ لِعَدَالَتِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي. قُلْتُ: وَيُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ زُكُّوا فِي السِّرِّ أَوْ الْعَلَانِيَةِ، أَيُكْتَفَى بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا زَكَّاهُ رَجُلَانِ أَجْزَأَهُ. [فِي تَجْرِيحِ الشَّاهِدِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّاهِدَ، بِمَ يُجَرَّحُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يُجَرَّحُ إنْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ آكِلُ رِبًا أَوْ صَاحِبُ قِيَانٍ أَوْ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ وَنَحْوِ هَذَا، وَلَا يُجَرِّحُهُ إلَّا اثْنَانِ عَدْلَانِ. ابْنُ وَهْبٍ قَالَ يُونُسُ: وَسَأَلْتُ رَبِيعَةَ عَنْ صِفَةِ الَّذِي لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ فَقَالَ رَبِيعَةُ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الْخَصْمِ الَّذِي يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ، وَالظَّنِينِ وَالْمَغْمُوصِ عَلَيْهِ فِي خَلَائِقِهِ وَشَكْلِهِ وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ الْعُدُولِ فِي سِيرَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوقَفْ عَلَى عَمَلٍ يَظْهَرُ بِهِ فَسَادُهُ وَتُرَدُّ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ لَا يَبْقَى فِيهِ عَلَيْهِ. [فِي شَهَادَةِ الزُّورِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا أَخَذَ شَاهِدَ زُورٍ كَيْفَ يَصْنَعُ فِيهِ وَمَا يَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ وَيَطُوفُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حَسِبْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ قُلْتُ: وَكَمْ يَضْرِبُهُ؟ قَالَ: عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ. ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ مَكْحُولٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ: إذَا أَخَذْتُمْ شَاهِدَ زُورٍ فَاجْلِدُوهُ أَرْبَعِينَ وَسَخِّمُوا وَجْهَهُ، وَطُوفُوا بِهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ النَّاسُ. وَيُطَالُ حَبْسُهُ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ الْحَرْفَ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَرَى أَنْ يُنَكَّلَ بِعُقُوبَةٍ مُوجِعَةٍ، وَأَنْ يُسْمَعَ بِهِ حَتَّى يُجْعَلُوا أَحَادِيثَ، وَيُنَكَّلُ بِهِمْ وَيُهَانُ شُهُودُ الزُّورِ مِثْلَ الَّذِي وَقَعَ بِهِمْ. [كِتَابُ الْمِدْيَانِ] [فِي حَبْسِ الْمِدْيَانِ] ِ فِي حَبْسِ الْمِدْيَانِ قَالَ سَحْنُونٌ: قُلْتُ: لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ هَلْ يَحْبِسُ فِي الدَّيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُحْبَسُ الْحُرُّ وَلَا الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ وَلَكِنْ يَسْتَبْرِئُ أَمْرَهُ، فَإِنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ خَبَّأَ مَالًا أَوْ غَيَّبَهُ، حَبَسَهُ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ شَيْئًا وَلَمْ يُخَبِّئْ شَيْئًا لَمْ يَحْبِسْهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يَقُولُ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] الْبَقَرَةَ إلَّا أَنْ يَحْبِسَهُ قَدْرَ مَا يَتَلَوَّمُ مِنْ اخْتِبَارِهِ وَمَعْرِفَةِ مَالِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ حَمِيلًا. قُلْتُ: فَإِنْ عُرِفَتْ لَهُ أَمْوَالٌ قَدْ غَيَّبَهَا أَيَحْبِسُهُ السُّلْطَانُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ يَحْبِسُهُ أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَ بِمَالِهِ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّيْنَ هَلْ يَحْبِسُ فِيهِ مَالِكٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إذَا تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي الْإِلْدَادُ مِنْ الْغَرِيمِ حَبَسَهُ. قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْإِلْدَادِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ فَاتَّهَمَهُ السُّلْطَانُ أَنْ يَكُونَ غَيَّبَهُ قَالَ مَالِكٌ: أَوْ مِثْلَ هَؤُلَاءِ التُّجَّارِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ فَيَقْعُدُونَ عَلَيْهَا، فَيَقُولُونَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنَّا وَلَا نَعْرِفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ وَهُمْ فِي مَوَاضِعِهِمْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ سُرِقَ مَالُهُمْ وَلَا احْتَرَقَ بَيْتُهُمْ، أَوْ مُصِيبَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّهُمْ يَقْعُدُونَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُحْبَسُونَ حَتَّى يُوَفُّوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ. قُلْتُ: هَلْ لِحَبْسِ هَؤُلَاءِ حَدٌّ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، لَيْسَ لِحَبْسِ هَؤُلَاءِ حَدٌّ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ يَحْبِسُهُمْ أَبَدًا حَتَّى يُوَفُّوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ، أَوْ يَتَبَيَّنَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُمْ. فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمْ لَا مَالَ لَهُمْ أَخَرَجَهُمْ وَلَمْ يَحْبِسْهُمْ. قُلْتُ: فَإِذَا أَخَرَجَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي إفْلَاسُهُمْ، أَيَكُونُ لِلطَّالِبِ أَنْ يَلْزَمَهُمْ وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ يَبْتَغُونَ مَنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَلَا يُفَارِقَهُمْ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَلْزَمَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ، لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَلْزَمَهُمْ، وَلَا يَمْنَعَهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَلَا يُوَكِّلَ بِهِمْ مِنْ يَلْزَمُهُمْ. حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ لَا يَسْجُنُ الْحُرَّ فِي الدَّيْنِ يَقُولُ: يَذْهَبُ فَيَسْعَى فِي دَيْنِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُحْبَسَ. وَإِنَّمَا حُقُوقُهُمْ فِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي وَضَعُوهَا فِيهَا، صَادَفَتْ عَدَمًا أَوْ مَلَاءً. مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَا يَسْتَحْلِفَانِ الْمُعْسِرَ الَّذِي لَا يُعْلَمُ لَهُ مَالٌ، وَمَا أَجِدُ لَهُ قَضَاءً فِي قَرْضٍ وَلَا عَرْضٍ، وَلَئِنْ وَجَدْتُ لَهُ قَضَاءً حَيْثُ لَا تَعْلَمُ لَنَقْضِيَنَّهُ. ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، أَنَّ الْحُرَّ إذَا أَفْلَسَ لَا يُؤَاجَرُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] سُورَةُ الْبَقَرَةِ. [حَبْسِ الْوَالِدَيْنِ فِي دَيْنِ الْوَلَدِ وَالْوَلَدِ فِي دَيْنِ الْوَالِدِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَالِدَ، هَلْ يُحْبَسُ فِي دَيْنِ الْوَلَدِ؟ وَالْمَرْأَةَ هَلْ تُحْبَسُ فِي دَيْنِ الزَّوْجِ؟ أَوْ الزَّوْجَ فِي دَيْنِ الْمَرْأَةِ؟ أَوْ الْوَلَدَ فِي دَيْنِ الْوَالِدِ؟ أَوْ فِي دَيْنِ الْجَدِّ أَوْ الْجَدَّةِ؟ أَوْ الْجَدَّ فِي دَيْنِ وَلَدِ الْوَلَدِ؟ أَوْ الْعَبْدَ هَلْ يُحْبَسُ فِي الدَّيْنِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي الْحَبْسِ فِي الدَّيْنِ سَوَاءٌ، إذَا تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي الْإِلْدَادُ. فَالْوَلَدُ أَرَاهُ يُحْبَسُ فِي دَيْنِ الْوَالِدِ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ. وَأَمَّا الْوَالِدُ فَلَا أَرَى أَنْ يُحْبَسَ فِي دَيْنِ الْوَلَدِ، وَأَمَّا الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فَإِنَّهُمَا يُحْبَسَانِ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ فِي الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ سِوَى الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي الدَّيْنِ، إذَا تَبَيَّنَ الْإِلْدَادُ لِلسُّلْطَانِ مِنْ الْمَطْلُوبِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ وَإِنْ لَمْ يَحْبِسْ الْوَالِدَ وَالْوَالِدَةَ فِي دَيْنِ الْوَلَدِ أَنْ يَظْلِمَ الْوَلَدَ لَهُمَا، وَإِنَّمَا رَأَيْتُ أَنْ لَا يُسْجَنَا لَهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ، فِيمَا بَلَغَنِي فِي الِابْنِ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ أَبَاهُ فِي الشَّيْءِ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَحْلِفَ، فَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ لَهُ فَالْحَلِفُ أَيْسَرُ مِنْ السِّجْنِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي الدَّيْنِ وَالتَّفْلِيسِ مِثْلَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ فِي الْحَبْسِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ، وَالنَّصْرَانِيُّ عِنْدِي بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ. [حَبْسِ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ فِي الدَّيْنِ وَفِي الْقِصَاصِ وَفِي الْحُرِّ يُؤَاجَرُ فِي الدَّيْنِ] ِ فِي حَبْسِ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ فِي الدَّيْنِ وَفِي الْقِصَاصِ وَفِي الْحُرِّ يُؤَاجَرُ فِي الدَّيْنِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ فِي ذَلِكَ سَوَاءً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَالْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ وَالْمُكَاتَبِينَ وَالْمُدَبَّرِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كُلُّهُمْ سَوَاءٌ عِنْدَنَا مِثْلَ الْأَحْرَارِ، وَهُوَ
__________________
|
|
#245
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 61الى صــ 70 الحلقة(245) قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعَبِيدِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النِّسَاءَ، هَلْ يُحْبَسْنَ فِي الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحُرَّ، هَلْ يُؤَاجَرُ فِي الدَّيْنِ إذَا كَانَ مُفْلِسًا أَوْ يُسْتَعْمَلُ أَوْ يَشْتَغِلُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤَاجَرُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُسْتَعْمَلُ، مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الدَّيْنِ إذَا كَانَ مُفْلِسًا. [فِي حَبْسِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ لِمُكَاتَبِهِ فِي دَيْنِ مُكَاتَبِهِ عَلَيْهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا كَانَ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ أَيُحْبَسُ لَهُ السَّيِّدُ فِي دَيْنِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: دَيْنُ الْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ مِنْ الدُّيُونِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَالْمُكَاتَبُ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ. قَالَ: وَأَرَى أَنْ يُحْبَسَ إنْ أَلَدَّ بِهِ. [فِي حَبْسِ الْمُكَاتَبِ إذَا عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ أَيَحْبِسُهُ السُّلْطَانُ لِمَوْلَاهُ فِي السِّجْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ: يَتَلَوَّمُ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ يُسْجَنُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى أَنْ يُحْبَسَ. قَالَ سَحْنُونٌ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنَّمَا الْكِتَابَةُ جِنْسٌ مِنْ الْغَلَّةِ. [فِي الْوَصِيِّ أَوْ الْوَرَثَةِ يَقْضُونَ دَيْنَ الْغُرَمَاءِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ مَالًا وَتَرَكَ دُيُونًا لِلنَّاسِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي مَالِهِ هَذَا الَّذِي تَرَكَ وَفَاءً لِحَقِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ. فَأَخَذَ الْوَصِيُّ الْمَالَ أَوْ أَخَذَتْهُ الْوَرَثَةُ فَقَضَوْهُ رَجُلًا وَاحِدًا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ بِاَلَّذِينَ لَهُمْ الدَّيْنُ، أَوْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ فَقَضَوْا وَاحِدًا مِنْ الْغُرَمَاءِ دُونَ بَقِيَّتِهِمْ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مَوْصُوفًا بِالدَّيْنِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَصِيِّ وَلَا عَلَى الْوَرَثَةِ. وَإِنْ عَلِمُوا أَوْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالدَّيْنِ فَعَلَيْهِمْ مَا يُصِيبُ هَؤُلَاءِ إنْ تَحَاصُّوا، أَوْ يَتْبَعُ الْوَرَثَةَ أَوْ الْوَصِيَّ الَّذِي اقْتَضَى الْمَالَ بِمَا غَرِمُوا لِهَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءِ. وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا يَتْبَعُ الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ اسْتَوْفَوْا الْمَالَ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْوَصِيِّ وَلَا عَلَى الْوَرَثَةِ شَيْءٌ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ. [الْوَصِيِّ يَقْضِي بَعْضَ غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ وَفِي الْمَالِ فَضْلٌ ثُمَّ يَتْلَفُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ دُيُونًا لِلنَّاسِ عَلَيْهِ، وَفِي مَالِهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَقَضَى الْوَصِيُّ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ ثُمَّ تَلِفَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ. قَالَ: لَيْسَ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَتْبَعُوا الَّذِي اقْتَضَى حَقَّهُ بِشَيْءٍ مِمَّا اقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ فِيهِ وَفَاءٌ لِحُقُوقِ هَؤُلَاءِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ لَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ بِحُقُوقِ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: يُنْظَرُ إلَى قَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ حُقُوقِهِمْ بَعْدَ فَضْلَةِ هَذَا الْمَالِ فَيَتْبَعُونَ الْغُرَمَاءَ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَهَلْ ذَكَرَ مَالِكٌ، إذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءُ الَّذِينَ لَمْ يَقْبِضُوا حُضُورًا أَمْ غُيَّبًا؟ قَالَ: لَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ هَذَا وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُبْهَمًا وَلَمْ يُفَسِّرْ لَنَا حَاضِرًا مِنْ غَائِبٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دُيُونًا لِلنَّاسِ فَبَاعَ الْوَرَثَةُ مَالَهُ وَقَضَوْا أَهْلَ دَيْنِهِ وَفَضَلَتْ فِي يَدَيَّ الْوَرَثَةِ مِنْ مَالِهِ فَاقْتَسَمُوهَا، فَقَدِمَ رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَوَى مَا أَخَذَ الْوَرَثَةُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَأَصَابَ الْوَرَثَةُ عَدَمًا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ أَخَذُوا دَيْنَهُمْ مِنْ الْوَرَثَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْغُرَمَاءَ، وَلَكِنْ يَتْبَعُ الْوَرَثَةَ إذَا كَانَ الَّذِي بَقِيَ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ فِي يَدَيْ الْوَرَثَةِ كَفَافًا لِدَيْنِهِ فَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ فِي يَدَيْ الْوَرَثَةِ، رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِمَا يَصِيرُ لَهُ عِنْدَهُمْ أَنْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَحَاصَّهُمْ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنُ ثَلَثِمِائَةِ دِينَارٍ لِثَلَاثَةِ رِجَالٍ، وَتَرِكَةُ الْمَيِّتِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ دِينَارًا، فَقَضَى الْوَرَثَةُ غَرِيمَيْنِ مِائَتَيْنِ وَلَمْ يُعْلَمْ بِالْآخَرِ، وَبَقِيَتْ فِي يَدَيْ الْوَرَثَةِ خَمْسُونَ فَهُوَ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَثُلُثٌ. فَالْخَمْسُونَ الَّتِي فِي يَدَيْ الْوَرَثَةِ هِيَ لِلْغَرِيمِ الَّتِي أَحْيَا دَيْنَهُ يَتْبَعُ الْوَرَثَةَ بِهَا، وَيَتْبَعُ اللَّذَيْنِ اقْتَضَيَا مِائَةً يَتْبَعُ كُلَّ وَاحِدٍ بِسَبْعَةَ عَشَرَ إلَّا ثُلُثًا، فَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، فَيَصِيرُ لَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَثُلُثٌ بِالْخَمْسِينَ الَّتِي فِي يَدَيْ الْوَرَثَةِ، وَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَثُلُثٌ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَرُجِعَ عَلَيْهِ بِسَبْعَةَ عَشَرَ إلَّا ثُلُثًا. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا مِقْدَارَ الدَّيْنِ الَّذِي أَخَذَتْهُ الْغُرَمَاءُ مَنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِمْ الْوَرَثَةُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ فَيُحَاصُّهُمْ بِمِقْدَارِ دَيْنِهِ. قُلْتُ: وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إنْ أَصَابَ الْغُرَمَاءُ عَدَمًا؟ قَالَ: إذَا قَضَيْت الْوَرَثَةُ الْغُرَمَاءَ بَيْنَهُمْ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِدَيْنِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وَإِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ بِدَيْنِهِ، فَإِنْ أَصَابَ الْغُرَمَاءُ عَدَمًا لَا مَالَ عِنْدَهُمْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَرَثَةِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَيَتْبَعُ الْوَرَثَةُ الْغُرَمَاءَ الْأَوَّلِينَ بِمِقْدَارِ مَا غَرِمُوا لِهَذَا الْغَرِيمِ الَّذِي طَرَأَ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّهُمْ أَتْلَفُوا حَقَّهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. [فِي الْوَرَثَةِ يَتْبَعُونَ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ فَيَسْتَهْلِكُونَهَا ثُمَّ يَأْتِي الْغُرَمَاءُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ الْوَرَثَةُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ فَأَكَلُوهَا وَاسْتَهْلَكُوهَا، ثُمَّ قَدِمَ قَوْمٌ فَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنٍ لَهُمْ عَلَى الْمَيِّتِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ الْمَيِّتُ مَعْرُوفًا بِالدَّيْنِ فَبَادَرَ الْوَرَثَةُ الْغُرَمَاءَ فَأَخَذُوا مَالَهُ فَبَاعُوهُ وَاقْتَسَمُوهُ وَأَكَلُوهُ، كَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مَالَ الْمَيِّتِ حَيْثُمَا وَجَدُوهُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَرَثَةِ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْوَرَثَةَ. وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْمَيِّتُ لَا يُعْرَفُ بِالدَّيْنِ، فَبَاعُوا كَمَا تَبِيعُ النَّاسُ تَرِكَةَ مَيِّتِهِمْ اتَّبَعَ الْغُرَمَاءُ الْوَرَثَةَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَى مَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ سَبِيلٌ، وَلَا يَأْخُذُونَ مِنْ الَّذِينَ اشْتَرَوْا مَا فِي أَيْدِيهِمْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَخْبَرَنِي بِهَذَا عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ رَأْيِي. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَهْلَكُ وَهُوَ مِدْيَانٌ أَوْ غَيْرُ مِدْيَانٍ مَعْرُوفٌ كِلَاهُمَا فِي حَالِهِ، ثُمَّ يَبِيعُ الْوَرَثَةُ أَمْوَالَهُ فَيَقْتَسِمُونَهَا، ثُمَّ يَأْتِي دَيْنٌ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ، فَيُوجَدُ الْمَالُ بِأَيْدِي النَّاسِ الَّذِينَ اشْتَرَوْا، قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُعْرَفُ بِالدَّيْنِ وَلَا يُجْهَلُ أَمْرُهُ، فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَأْخُذُونَ مَا وَجَدُوا بِأَيْدِي النَّاسِ الَّذِينَ اشْتَرَوْا وَيَتْبَعُ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْوَرَثَةَ بِأَمْوَالِهِمْ. وَأَمَّا الَّذِي لَا يُعْرَفُ بِالدَّيْنِ وَلَا يُظَنُّ بِهِ الدَّيْنُ فَإِنَّمَا يَتْبَعُ غُرَمَاؤُهُ الْوَرَثَةَ بِثَمَنِ مَا بَاعُوا، كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. [فِي الْمَرِيضِ يَقْضِي بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا مَرِضَ الرَّجُلُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ السَّاعَةَ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّوْلِيجِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَ الدَّيْنُ يَغْتَرِقُ مَالَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَضَى بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ فِي مَرَضِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ يَغْتَرِقُ مَالَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّوْلِيجِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَرِيضُ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ. وَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي تِجَارَتِهِ وَفِي إقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ. [فِي الْمِدْيَانِ يَرْهَنُ بَعْضَ غُرَمَائِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ رَهَنَ رَهْنًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ إلَّا أَنَّ الْغُرَمَاءَ لَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ، أَيَجُوزُ مَا رَهَنَ؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُتَاجِرُ النَّاسَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَقُومُ رَجُلٌ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِحَقِّهِ، فَيُلْزِمُهُ بِحَقِّهِ فَيَرْهَنُهُ فِي ذَلِكَ رَهْنًا، أَتَرَاهُ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ مَا لَمْ يُفَلِّسُوهُ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ رُوِيَ مَرَّةً عَنْ مَالِكٍ خِلَافُ هَذَا: أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مَعَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَالْقَوْلُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ وَقَالَ لِي، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. فَإِنَّمَا الرَّهْنُ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ، أَنْ لَوْ قَضَى أَحَدًا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ وَيُفَلِّسُوهُ، فَقَضَاؤُهُ جَائِزٌ، وَلَا أُبَالِي بِحِدْثَانِ ذَلِكَ قَامُوا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ قَائِمَ الْوَجْهِ يَبِيعُ وَيُتَاجِرُ النَّاسَ فَقَضَاؤُهُ وَبَيْعُهُ جَائِزٌ. ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ. [فِي الدَّيْنِ يَكُونُ لِلرَّجُلَيْنِ عَلَى الرَّجُلِ فَيُؤَخِّرُهُ أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا، أَخَّرَهُ أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَوَى مَا عَلَى الْغَرِيمِ مِنْ حِصَّةِ الَّذِي أَخَّرَهُ وَقَدْ اقْتَضَاهُ صَاحِبُهُ، أَيَكُونُ لَهُ فِيمَا اقْتَضَاهُ صَاحِبُهُ شَيْءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَوْ لَا؟ قَالَ: لَا. [فِي الدَّيْنِ يَكُونُ لِلرَّجُلَيْنِ فَيَقْبِضُ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَيْنًا لِي وَلِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ فَخَرَجْتُ فِي اقْتِضَاءِ نَصِيبِي وَأَقَامَ شَرِيكِي أَيَكُونُ لِشَرِيكِي أَنْ يَتْبَعنِي بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ لَهُ فِيمَا اقْتَضَيْتَ أَنْتَ شَيْءٌ، إذَا كُنْتَ قَدْ عَرَضْتَ عَلَيْهِ الْخُرُوجَ فَأَبَى. [الْقَضَاءُ فِي الدَّيْنِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ وَالِدَنَا هَلَكَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَةُ دِينَارٍ، فَعَزَلْنَا الْمِائَةَ دِينَارٍ مِنْ مِيرَاثِهِ وَاقْتَسَمْنَا مَا بَقِيَ فَضَاعَتْ الْمِائَةُ مِمَّنْ ضَيَاعُهَا؟ قَالَ: ضَيَاعُهَا عَلَيْكُمْ وَالدَّيْنُ بِحَالِهِ. قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قَالَ: وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ قَبَضَهَا لِلْغَائِبِ وَقَسَمَ مَا بَقِيَ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ فَضَاعَتْ فَهِيَ فِي مَالِ الْغَرِيمِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. [لَهُمَا دَيْن فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ الْمِدْيَانِ فَأَرَادَ شَرِيكُهُ أَنْ يُتْبِعَهُ نَصِيبَهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَيْنًا لِي وَلِرَجُلٍ آخَرَ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلٍ، بِعْتُ نَصِيبِي مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ مَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِعَرْضٍ أَيَكُونُ لِشَرِيكِي أَنْ يَتْبَعَنِي بِشَيْءٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْكَ فَيَأْخُذَ نِصْفَ مَا بِعْتَ بِهِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ رَجَعْتَ فَأَخَذْتَ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا أَخَذَ مِنْكَ وَمَضَى الصُّلْحُ عَلَيْكَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ مِمَّا اقْتَضَى نِصْفَ قِيمَةِ الْعَرْضِ، الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ يَوْمَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ اقْتَضَى خَمْسَةً وَكَانَ حَقُّهَا عِشْرِينَ دِينَارًا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ، فَاقْتَضَى أَحَدُهُمَا خَمْسَةً وَتَرَكَ خَمْسَةً، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنْ الَّذِي أَخَذَ الْخَمْسَةَ دِينَارَيْنِ وَنِصْفًا، ثُمَّ إذَا اقْتَضَى صَاحِبُهُ الْعَشَرَةَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالدِّينَارَيْنِ وَنِصْفٍ فَأَخَذَهُمَا مِنْهُ. وَلَوْ كَانَ إذَا أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ مَا اقْتَضَى وَجَبَ لَهُ بِذَلِكَ نِصْفُ حَقِّ صَاحِبِهِ الَّذِي بَقِيَ لَكَانَ إذَا اقْتَضَى صَاحِبُهُ الْعَشَرَةَ أَخَذَ مِنْهُ خَمْسَةً، وَإِنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارَيْنِ وَنِصْفًا، فَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إذَا أَخَذَ أَحَدُ الْغَرِيمَيْنِ فِي نَصِيبِهِ عَرْضًا، أَنَّ الشَّرِيكَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ جَوَّزَ لَهُ مَا أَخَذَ وَاتَّبَعَ الْغَرِيمَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَإِنْ شَاءَ شَارَكَ صَاحِبَهُ فِيمَا أَخَذَ، فَكَانَ لَهُ نِصْفُهُ بِنِصْفِ حَقِّهِ، وَاتَّبَعَا جَمِيعًا الْغَرِيمَ بِمَا بَقِيَ لَهُمَا وَهُوَ نِصْفُ جَمِيعِ الْحَقِّ فَاقْتَسَمَاهُ إذَا اقْتَضَيَاهُ، وَاَلَّذِي صَالَحَ عَلَى خَمْسَةِ دَنَانِيرَ، أَنَّ صَاحِبَهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ دِينَارَيْنِ وَنِصْفًا وَيَتْبَعَانِ الْغَرِيمَ جَمِيعًا، ثُمَّ يَتْبَعُهُ الْمُصَالِحُ عَنْ عَشَرَتِهِ بِخَمْسَةٍ بِدِينَارَيْنِ وَنِصْفٍ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ شَرِيكُهُ، وَيَتْبَعُ الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يُصَالِحْ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ وَنِصْفٍ. [مَاتَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ خُلْطَةٌ فَادَّعَى بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنَّ لَهُ عَلَى الْخَلِيطِ دَيْنًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ، وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ خُلْطَةٌ، فَادَّعَى وَلَدُ الْهَالِكِ أَنَّ لِأَبِيهِمْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كَانَتْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِمْ خُلْطَةٌ دَيْنًا، فَأَقَرَّ أَوْ أَنْكَرَ، فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمْ عَلَى حَقِّهِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ دَفَعَ إلَى أَحَدِهِمْ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ عَلَى إنْكَارٍ مِنْ الَّذِي يَدَّعِي قِبَلَهُ أَوْ عَلَى إقْرَارٍ، أَيَكُونُ لِإِخْوَتِهِ أَنْ يَدْخُلُوا مَعَهُ فِي الَّذِي أَخَذَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: كُلُّ ذِكْرِ حَقٍّ كَانَ لِقَوْمٍ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ فَاقْتَضَى بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّ شُرَكَاءَهُمْ يَدْخُلُونَ مَعَهُمْ فِيمَا اقْتَضَوْا، وَإِنْ كَانَ كَتَبَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ ذِكْرَ حَقِّهِ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ مَنْ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا لَا يَدْخُلُ مَعَهُ الْآخَرُونَ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لِقَوْمٍ ذِكْرُ حَقٍّ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُخْرِجَ إلَيْهِ فِي حَقِّهِ وَأَبَى الْآخَرُونَ. قَالَ: يَعْرِضُ الَّذِي أَرَادَ الْخُرُوجَ عَلَى الَّذِي أَبَى وَأَقَامَ الْخُرُوجَ، فَإِنْ وَكَّلَ مَعَهُ وَكِيلًا أَوْ خَرَجَ كَانَ شَرِيكًا فِيمَا اقْتَضَى وَإِنْ أَبَى أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَخَرَجَ وَكَانَ مَا اقْتَضَى لَهُ دُونَ شَرِيكِهِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ الَّتِي سَأَلْتَ عَنْهَا. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لِي وَلِصَاحِبِي دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ وَاحِدٍ، فَأَخَذْتُ أَنَا بِذِكْرِ حَقِّي عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ، أَيَكُونُ لِشَرِيكِي أَنْ يَدْخُلَ مَعِي فِي هَذَا الْعَرْضِ وَالدَّيْنُ إنَّمَا كَانَ دَرَاهِمَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى ذَلِكَ لَهُ إنْ أَرَادَ. [فِي الْمَرِيضِ يُؤَخِّرُ غُرَمَاءَهُ فِي مَرَضِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَرِيضًا كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ فَأَوْصَى الْمَرِيضُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ الدَّيْنَ عَنْهُ إلَى أَجَلٍ سَمَّاهُ، فَمَاتَ. فَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: لَا نُجِيزُ إلَّا الثُّلُثَ فَإِنَّا نُؤَخِّرُ الثُّلُثَ عَنْكَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَأَمَّا الثُّلُثَانِ فَعَجِّلْهُ لَنَا. وَقَالَ الْمُوصَى لَهُ بِالتَّأْخِيرِ: أَخِّرُونِي بِجَمِيعِ الْمَالِ أَوْ أَبْرِئُوا إلَيَّ بِجَمِيعِ ثُلُثِ الْمَالِ؟ قَالَ: إنْ لَمْ يَفْعَلُوا وَيُؤَخِّرُوهُ بِجَمِيعِ الْمَالِ، بَرِئُوا إلَيْهِ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ بِتَلَافِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا يَعْمَلُ بِهَا سَنَةٍ، فَتَقُولُ الْوَرَثَةُ: لَا نُجِيزُ، قَالَ: إمَّا أَمْضَوْا ذَلِكَ لَهُ وَإِمَّا قَطَعُوا لَهُ بِثُلُثِهَا بَتْلًا. [فِي الْمَرِيضِ يُقِرُّ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ دَيْنَهُ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ وَارِثًا وَكَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُولِجَ ذَلِكَ إلَيْهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّينَ الَّذِينَ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِمْ جَازَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الصَّدَاقُ عَلَى الزَّوْجِ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ مُؤَخَّرٌ، فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ فِي مَرَضِهَا أَنَّهَا قَدْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا؟ قَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْهُ. [فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ لِوَارِثٍ بِدَيْنٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: فَالرَّجُلُ يُقِرُّ لِامْرَأَتِهِ فِي مَرَضِهِ بِالْمَهْرِ يَكُونُ عَلَيْهِ أَوْ بِالدَّيْنِ؟ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ مِنْهَا إلَيْهِ نَاحِيَةٌ وَلَا انْقِطَاعٌ وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهَا، جَازَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ انْقِطَاعٌ وَمَوَدَّةٌ إلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِهِ مُتَفَاقِمًا وَلَعَلَّ لَهَا الْوَلَدَ الصَّغِيرَ، قَالَ مَالِكٌ: فَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْت الْوَرَثَةَ، أَهُمْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ عَلَى مَا وَصَفْت لِي فِي أَمْرِ الْمَرْأَةِ، يَكُونُ بَعْضُهُمْ لَهُ إلَيْهِ الِانْقِطَاعُ وَالْمَوَدَّةُ، وَآخَرُ قَدْ كَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ إلَيْهِ الْبَغْضَاءُ، أَيَكُونُونَ بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي فِي الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا رَأَى مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الْمَرْأَةِ وَقَالَ: لَا يُتَّهَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ وَلَا نَاحِيَةُ مَوَدَّةٍ، يُعْرَفُ أَنَّهُ يَفِرُّ بِمَالِهِ مِنْ وَلَدِهِ إلَى غَيْرِهِمْ. فَأَمَّا الْوَلَدُ أَوْ الْإِخْوَةُ كُلُّهُمْ، إذَا كَانُوا هُمْ وَرَثَتُهُ فَلَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ يَتْرُكُ ابْنَتَهُ وَيَتْرُكُ عُصْبَةً يَرِثُونَهُ بِوَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ يَلْقَوْنَهُ، فَأَقَرَّ لَهُمْ بِمَالٍ لَمْ يُتَّهَمْ أَنْ يُقِرَّ إلَى الْعُصْبَةِ دُونَ ابْنَتِهِ وَيَتْرُكَ عُصْبَةً بِوَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَصْلُ مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: إنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ التُّهْمَةَ، فَإِذَا لَمْ تَقَعْ التُّهْمَةُ لِفِرَارٍ يَفِرُّ بِهِ إلَيْهِ دُونَ مَنْ يَرِثَهُ مَعَهُ لَمْ يُتَّهَمْ وَجَازَ. فَذَلِكَ يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِفُلَانٍ فِي مَالِي كَذَا وَكَذَا مَالٌ يُسَمِّيهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، قَالَ: إنْ كَانَ وَارِثًا بَطُلَ. وَقَالَ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَنْ ذَكَرَ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ مَالِهِ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ، فَإِنْ شَاءُوا رَدُّوهَا وَإِنْ شَاءُوا أَجَازُوهَا. وَقَالَ شُرَيْحٌ الْكِنْدِيُّ: لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. [فِي الْمِدْيَانِ يُقِرُّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ بِبَيِّنَةٍ فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ أَوْ لِامْرَأَتِهِ، وَالدَّيْنُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ يَغْتَرِقُ مَالَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَقَرَّ لِأُخْتٍ لَهُ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا بَيِّنَةٌ عَلَى الدَّيْنِ. فَقِيلَ لِمَالِكٍ: إنَّهَا قَدْ كَانَتْ تَقْتَضِيهِ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْتَضِي قَالَ سَحْنُونٌ: مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا وَيَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ لَهَا بِالدَّيْنِ. [فِي إقْرَارِ الْوَارِثِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَنِي وَأَخًا لِي وَتَرَكَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَأَقَرَّ أَحَدُنَا أَنَّ لِهَذَا الرَّجُلِ عَلَى أَبِينَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنْكَرَ الْأَخُ الْآخَرُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ مَعَ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ لَهُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ إذَا كَانَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ عَدْلًا وَيَكُونُ الْمِيرَاثُ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ حَقِّهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أَخَذَ مِنْ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ لَهُ نِصْفَ دَيْنِهِ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ، إنَّمَا أَقَرَّ أَنَّ دَيْنَهُ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ أَخِيهِ. [فِي إقْرَارِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ عَلَيْهِ بِبِضْعَةِ دَرَاهِمَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ بِضْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، كَمْ الْبِضْعُ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إلَى التِّسْعِ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْبِضْعِ لَمْ يُعْطِ فِيهِ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ إذَا زَعَمَ ذَلِكَ الْمُقِرُّ لَهُ بِهَا أَيْضًا. [فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ وَارِثَانِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، أَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ، إذَا كَانَ عَدْلًا. فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ أَخَذَ مِنْ شَاهِدِهِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي حَظِّهِ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ شَاهِدَيْنِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، وَأَقَمْت أَنَا شَاهِدًا وَاحِدًا بِدَيْنٍ لِي عَلَيْهِ، فَحَلَفْتُ مَعَ شَاهِدِي، أَيَثْبُتُ حَقِّي كَمَا يَثْبُتُ حَقُّ صَاحِبِ الشَّاهِدَيْنِ، وَنَتَحَاصُّ فِي مَالِ هَذَا الْغَرِيمِ بِمِقْدَارِ دَيْنِي وَمِقْدَارِ دَيْنِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. [قَالَ لِرَجُلٍ ادْفَعْ إلَى فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمَأْمُورِ دَيْنٌ] ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: ادْفَعْ إلَى فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ صِلَةً مِنِّي لَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ. وَلَيْسَ لِلَّذِي وَصَلَ قِبَلَ الَّذِي أَمَرَهُ بِأَنْ يَدْفَعَ دَيْنٌ، فَمَاتَ الَّذِي أَمَرَ، قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الْمَأْمُورُ الصِّلَةَ إلَى الْمَأْمُورِ لَهُ بِالصِّلَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْعَثُ إلَى الرَّجُلِ بِالْهَدِيَّةِ فَيَمُوتُ الْبَاعِثُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الْهَدِيَّةُ إلَى الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الَّذِي بَعَثَ بِهَا أَشْهَدَ عَلَيْهَا حِينَ بَعَثَ بِهَا، فَهِيَ لِلَّذِي بَعَثَ بِهَا إلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي بَعَثَ بِهَا قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ وَيُشْهِدُ لَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَمُوتُ الَّذِي تَصَدَّقَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: هِيَ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا، فَهِيَ لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا عَلَيْهِ. وَهَذَا فِي مَسْأَلَتِكَ: إنْ كَانَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى هَذِهِ الصِّلَةِ، وَرَضِيَ بِأَنْ تَكُونَ سَلَفًا عَلَيْهِ مِنْ قِبَلَ الْمَأْمُورِ بِالدَّفْعِ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، فَهِيَ حِيَازَةٌ جَائِزَةٌ مِنْ الَّذِي وَصَلَ بِهَا، وَمَا قَبْلَ هَذَا يَدُلُّكَ عَلَى هَذَا. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مَالِكًا، قَالَ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الرَّجُلَ وَيُصْدِقُ عَنْهُ فَيَمُوتُ الَّذِي أَصْدَقَ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا: إنَّ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ الْمَرْأَةُ مَهْرَهَا حَتَّى مَاتَ، فَهُوَ دَيْنٌ فِي جَمِيعِ مَالِهِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا مَاتَ الَّذِي وَصَلَهَا، قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الَّذِي وَصَلَ بِهَا، فَتَصِيرُ دَيْنًا عَلَى الَّذِي وَصَلَ بِهَا فَلَيْسَ لِلَّذِي وَصَلَ بِهَا شَيْءٌ. [اسْتَقْرَضَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ فَأَمَرَ رَجُلًا لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ فَأَعْطَاهُ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ، فَأَتَانِي رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: أَقْرِضْنِي دَرَاهِمَ، فَأَمَرْتُ الَّذِي لِي عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ قَرْضًا مِنِّي فَأَعْطَاهُ مَكَانَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي كَانَتْ لِي عَلَيْهِ دَنَانِيرَ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَبِمَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الَّذِي أَقْرَضَ رَبَّ الدَّيْنِ؟ قَالَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَأَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الدَّرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ، فَبَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا بِدَنَانِيرَ. وَلَوْ أَرَادَ الْمُقْرِضُ أَنْ يَمْنَعَهُ أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ، الَّتِي أَقْرَضَهُ مِنْ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْمُقْرِضِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَفَهَا إيَّاهُ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّهُ أَخَذَ بِهَا بَيْعًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَانِي فَقَالَ لِي: أَقْرِضْنِي خَمْسَةَ دَنَانِيرَ. فَأَمَرْتُ رَجُلًا لِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى هَذَا الْمُسْتَقْرِضِ مِنِّي وَلِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي أَمَرْتُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْخَمْسَةَ دَنَانِيرَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمُسْتَقْرِضِ مِنِّي مِائَةَ دِرْهَمٍ. فَقَالَ الَّذِي أَمَرْتُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْخَمْسَةَ دَنَانِيرَ: أَنَا أَقَاصُّكَ بِالْمِائَةِ دِرْهَمٍ الَّتِي لِي عَلَيْكَ، أَيَصْلُحُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ، إذَا كَانَتْ الْمِائَةُ الَّتِي عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ الدَّنَانِيرَ، قَدْ حَلَّتْ لِلَّذِي أَمَرَ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ. [أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَنْقُدَ عَنْهُ غَرِيمَهُ دَرَاهِمَ فَبَاعَ بِهَا جَارِيَةً فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَنْقُدَ عَنِّي فُلَانًا أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَبَاعَهُ بِهَا جَارِيَةً أَوْ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ غَيْرَ الْوَرِقِ وَالدَّنَانِيرِ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيَّ بِمَ يَرْجِعُ عَلَيَّ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ إلَّا مِثْلَ مَا أَمَرْتَهُ بِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، كَانَ الَّذِي دَفَعَ إلَى الْمَأْمُورِ لَهُ وَرِقًا أَوْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ عَرْضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْلَفَهُ الَّذِي أَمَرَ بِالدَّفْعِ سَلَفًا مِنْهُ لِلَّذِي أَمَرَهُ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ، أَنَّهُ لَا يَرْبَحُ فِي السَّلَفِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهُوَ بَيْعٌ حَادِثٌ، لَوْ شَاءَ الَّذِي أَمَرْتَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ إلَّا الدَّنَانِيرَ أَخَذَهَا عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ. قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ لِي ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. [أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَنْقُدَ عَنْهُ غَرِيمَهُ دَيْنًا فَمَاتَ قَبْلَ أَخُذَ الْغَرِيم مَالَهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: اُنْقُدْ عَنِّي فُلَانًا أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَمَاتَ الْقَائِلُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فُلَانٌ الْمَالَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ ادْفَعْ إلَى فُلَانٍ عَنِّي مِائَةَ دِينَارٍ فَأَنْعَمَ لَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: إنْ كَانَ أَهْلُ الدَّيْنِ اقْتَعَدُوا عَلَى مَوْعِدٍ، مِنْ الَّذِي قَالَ لَهُ الْمَيِّتُ ادْفَعْ عَنِّي قَرْضِي بِذَلِكَ، وَرَضُوا بِهِ وَانْصَرَفُوا عَلَى مَوْعِدٍ مِنْهُ، لَزِمَهُ الْغُرْمُ لَهُمْ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذِهِ حَمَالَةٌ. [فِي تَعْجِيلِ الدَّيْنِ قَبْلَ مَحَلِّهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا، مَنْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ عُرُوضٍ إلَى أَجَلٍ مَنْ الْآجَالِ، مَنْ قَرْضٍ أَوْ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ فَأَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ مَحَلِّ أَجَلِهِ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ لَا أَقْبَلُهُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا، فَإِنَّهُ يُجْبِرُ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ عَلَى أَخْذِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ، مِنْ قَرْضٍ كَانَ الدَّيْنُ أَوْ مِنْ بَيْعٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَرْضًا مِنْ قَرْضٍ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا، أُجْبِرَ عَلَى أَخْذِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ ابْتَاعَهُ، وَهُوَ عَرْضٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ حَيَوَانٌ إلَى أَجَلٍ، لَمْ يُجْبَرْ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ مَحَلِّ أَجَلِهِ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ، إذَا كَانَ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا مِنْ قَرْضٍ فَأَدَّاهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ. [مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَضَمَّنِ رَجُلٌ دَيْنَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ أَوْ يَبْدُوَ لَهُ فِيمَا ضَمِنَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ مَالٌ، أَوْ لَا مَالَ لَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا ضَامِنٌ لِدَيْنِهِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، إذَا أَدَّى دَيْنَ الْمَيِّتِ؟ وَكَيْفَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ فَقَالَ: لَا أَدْفَعُ مَا ضَمِنْتُ، أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: أَمَّا إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ؛ إذْ قَالَ إنَّمَا أَدَّيْتُ لَأَنْ أَرْجِعَ فِي مَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى مِنْ الدَّاءِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ. قَالَ: وَلَوْ ضَمِنَ ذَلِكَ عَنْ الْمَيِّتِ، وَلَا مَالَ لِلْمَيِّتِ وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَرَأَيْتُهُ غُرْمًا غَرِمَهُ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا ضَامِنٌ لِدَيْنِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ بَدَا لِي أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ لَازِمٌ عِنْدَ مَالِكٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَعْرُوفَ إذَا أَشْهَدَ بِهِ لِرَجُلٍ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ مَالِكٍ لَازِمٌ لَهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَدْ سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْحَمِيلُ غَارِمٌ» . [فِي رَجُلٍ قَضَى دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ كَانَ عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمِدْيَانِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَتَى رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ: أَنَا أُؤَدِّي لَكَ دَيْنَكَ الَّذِي لَكَ عَلَى فُلَانٍ، فَأَدَّاهُ عَنْ فُلَانٍ، وَلَمْ يَكُنْ فُلَانٌ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ابْتَاعَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَدَاوَةٌ. قَالَ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ ضَرَرَهُ وَتَعَبَهُ وَعَنَتَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَا أَرَى أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ. فَهَذَا يُشْبِهُ عِنْدِي، إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَدَّاهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ ضَرَرَهُ وَعَنَتَهُ وَسَجْنَهُ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمُرْفِقِ بِاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَذَلِكَ جَائِزٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ ضَرَرَهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْبَيْعُ وَرُدَّ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَةٍ، أَنَا أُؤَدِّي الْمَهْرَ الَّذِي لَكِ عَلَى زَوْجِكِ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَهُوَ مِثْلُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ عِنْدِي مِثْلُهُ، لَا يَجُوزُ إذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُرِيدُ عَنَتَهُ. ![]()
__________________
|
|
#246
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 71الى صــ 80 الحلقة(246) [فِي الرَّجُلِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا يَقْبِضُ دَيْنَهُ فَيَدَّعِي أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ وَضَاعَ مِنْهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَقْبِضُ مَالًا لِي عَلَى فُلَانٍ، قَالَ: قَدْ قَبَضْتُهُ وَضَاعَ مِنِّي، وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ قَدْ دَفَعْته؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقِيمُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا غَرِمَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرْتُ رَجُلًا يَقْبِضُ مَالِي عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ قَبَضْتُ الْمَالَ، أَوْ قَدْ قَالَ بَرِئَ إلَيَّ مِنْ الْمَالِ أَيَبْرَأُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ بِقَوْلِ الْوَكِيلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَبْرَأُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ، أَوْ يَأْتِيَ الْوَكِيلُ بِالْمَالِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَبْرَأُ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا، يَشْتَرِي وَيَبِيعُ وَيَقْبِضُ، ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ. وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يُصَدَّقُ أَنْ يُوَكِّلَهُ لِيَقْبِضَ لَهُ مَالًا عَلَى أَحَدٍ فَقَطْ. [فِي الْوَصِيِّ أَنَّهُ قَبَضَ دَيْنَ الْمَيِّتِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، وَلِلْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ دَيْنٌ، فَقَالَ الْوَصِيُّ لِلْغُرَمَاءِ: قَدْ بَرِئْتُمْ إلَيَّ مَنْ الْمَالِ، وَقَدْ قَبَضْتُ الْمَالَ، ثُمَّ كَبُرَ الْيَتَامَى فَقَالُوا لِلْغُرَمَاءِ: سَلِّمُوا مَا دَفَعْتُمْ مَنْ الْمَالِ، أَيَبْرَأُ الْغُرَمَاءُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَوْلِ الْوَصِيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ ابْنَ هُرْمُزَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ، أَوْصَى إلَيْهِ رَجُلٌ وَلَهُ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ، فَتَقَاضَى الْوَصِيُّ مِنْ الْغُرَمَاءِ فَقَالُوا: قَدْ دَفَعْنَاهَا إلَيْكَ وَأَنْكَرَ وَأَرَادَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يُحَلِّفُوهُ. قَالَ لَهُمْ: أَنْ يُحَلِّفُوهُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ضَمِنَ الْمَالَ وَذَلِكَ رَأْيِي فَإِنْ أَقَرَّ الْوَصِيُّ بِالْقَبْضِ سَقَطَ الدَّيْنُ عَنْ الْغُرَمَاءِ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: إنْ كَانَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ، فَالْوَصِيُّ ضَامِنٌ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ. فَأَمَّا إذَا كَثُرَ الْمَالُ، قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَرَأْيِي مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ هُرْمُزَ، كُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي سَوَاءٌ كَثُرَ أَوْ قَلَّ. فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ ضَمِنَ قُلْتُ: لِمَ هَرَبَ مَالِكٌ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي إذَا كَثُرَ الْمَالُ؟ قَالَ: خَوْفًا مِنْ أَنْ يُبْطِلَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى، قَالَ: وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يُضَمِّنَ الْوَصِيَّ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ لَهُمْ، فَوَقَفَ عَنْهَا وَقَالَ لَا أَدْرِي. قُلْتُ: فَفِي مَسْأَلَتِي، إذَا قَالَ: قَدْ قَبَضْتُ فَسَقَطَ الدَّيْنُ عَنْ الْغُرَمَاءِ بِقَوْلِهِ، أَرَأَيْت إنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ قَبَضْتُهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَضَاعَ، أَيُصَدَّقُ؟ قَالَ: نَعَمْ. [فِي الْوَصِيِّ يَدْفَعُ إلَى غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ دُيُونَهُمْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ وَعَلَيْهِ لِلنَّاسِ دُيُونٌ، فَبَاعَ الْوَصِيُّ تَرِكَتَهُ وَأَوْفَى الْغُرَمَاءَ مَالَهُمْ عَلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَجَحَدُوهُ مَا قَبَضُوا وَطَلَبُوا دَيْنَهُمْ، وَالْوَصِيُّ يَقُولُ قَدْ قَضَيْتُكُمْ، أَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ قَالَ: إنْ لَمْ يُقِمْ الْوَصِيُّ الْبَيِّنَةَ غَرِمَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ أَمْوَالَهُمْ حِينَ لَمْ يَشْهَدْ. قَالَ وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْوَصِيِّ يَقْبِضُ مِنْ غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ دَيْنًا لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِمْ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ دَفَعُوا إلَيْهِ وَيُنْكِرُ الْوَصِيُّ فَيَقُولُونَ لَهُ: احْلِفْ فَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ، أَتَرَى أَنْ يَضْمَنَ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الشَّيْءُ الْكَثِيرُ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي مَا هُوَ وَوَقَفَ عَنْهُ. قَالَ: وَأَمَّا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ فَأَرَاهُ ضَامِنًا إنْ لَمْ يَحْلِفْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ أَنَّهُ قَالَ: يَضْمَنُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى أَنْ يَضْمَنَ. الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَهُوَ رَأْيِي. [الْيَتِيمِ يَحْتَلِمُ فَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي أَوْ يَهَبُ أَوْ يَتَصَدَّقُ أَوْ يُعْتِقُ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ] فِي الْيَتِيمِ يَحْتَلِمُ فَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي أَوْ يَهَبُ أَوْ يَتَصَدَّقُ أَوْ يُعْتِقُ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] النِّسَاءَ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَوْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مَالُهُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ فِي مَالِهِ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا عِتْقٌ، حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ وَمَا وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ أَوْ أَعْطَى قَبْلَ أَنْ يُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ، ثُمَّ أُنِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ فَدُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ، قَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الْعِتْقُ وَلَا تِلْكَ الصَّدَقَةُ وَلَا تِلْكَ الْهِبَةُ بِقَضَاءٍ، وَلَكِنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، فَأَجَازَ مَا كَانَ صَنَعَ فَذَلِكَ جَائِزٌ. قَالَ: وَأَنَا أَرَى الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ فِي هَذَا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُمْضِيَهُ، وَلَا أُجْبِرُهُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى ذَلِكَ. يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ سَأَلَ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا صِفَةُ السَّفِيهِ؟ وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يُثَمِّرُ مَالَهُ فِي بَيْعِهِ وَلَا ابْتِيَاعِهِ، وَلَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ لَذَّتَهَا وَإِنْ كَانَ سَرِفًا لَا يُبَلِّغُهُ قِوَامَهُ وَيَسْقُطُ فِي الْمَالِ سُقُوطَ مَنْ لَا يَعُدُّ الْمَالَ شَيْئًا، وَهُوَ الَّذِي لَا يُرَى لَهُ عَقْلٌ فِي مَالِهِ. قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يَجُوزُ طَلَاقُهُ وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ. وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّ سَفِيهًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ، وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَلِيَّهُ، فَأَجَازَ الْقَاسِمُ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ وَمَنَعَهُ مَالَهُ. قَالَ يُونُسُ: عَنْ رَبِيعَةَ أَمَّا الْعَتَاقَةُ فَلَا تَجُوزُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدَتْ مِنْهُ السُّرِّيَّةُ. وَذَلِكَ أَنَّ السَّفِيهَ يُوَلَّى عَلَيْهِ مَالُهُ وَمَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ مَالُهُ فَلَا عَتَاقَةَ لَهُ وَلَا بَيْعَ وَلَا هِبَةَ. وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لِلسَّفِيهِ مِنْهُ إلَّا الْمُتْعَةُ، مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ، فَرَأْيُ السَّفِيهِ فِيهِ جَائِزٌ، طَلَاقُهُ جَائِزٌ، وَعِتْقُهُ أُمَّ وَلَدِهِ جَائِزٌ. [فِيمَا وُهِبَ لِلْمَحْجُورِ وَمَا اسْتَفَادَ هَلْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا وُهِبَ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ أَيَدْخُلُ ذَلِكَ الْمَالُ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ سَفِيهًا تَجَرَ فَأَصَابَ مَالًا، يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِيهِ. وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، يَدْفَعُ إلَيْهِ وَلِيُّهُ الْمَالَ لِيَتَّجِرَ بِهِ، يَخْتَبِرُهُ فِيهِ وَيُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ التِّجَارَةِ، فَيَرْكَبُهُ الدَّيْنُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، لَا مِمَّا فِي يَدَيْهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِمَّا يُحْجَبُ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: إنَّهُ قَدْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ التِّجَارَةِ. قَالَ: هُوَ مُوَلًّى عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ. [فِي اشْتِرَاءِ الْمَحْجُورِ طَعَامَهُ وَمَا يُصْلِحُهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ اللَّحْمَ بِالدِّرْهَمِ وَالْبَقْلَ وَالْخُبْزَ لِبَنِيهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ جَائِزًا أَنْ يَشْتَرِيَ هَذَا وَمِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ وَهُوَ يَدْفَعُ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ فَيَشْتَرِي بِهَا مَا يُصْلِحُهُ. [فِي اسْتِئْجَارِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَتَّجِرَ، فَمَنَعَهَا السَّيِّدُ مِنْ ذَلِكَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: أَنْ يَنْزِعَ مَالَ أُمِّ وَلَدِهِ، فَلَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ مَالَهَا، كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ التِّجَارَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ امْرَأَةَ رَجُلٍ أَرَادَتْ أَنْ تَتَّجِرَ، أَلِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ التِّجَارَةِ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ. [فِي الْوَصِيِّ يَدْفَعُ إلَيْهِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مَالًا يَتَّجِرُ بِهِ] ِ وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْوَصِيِّ يَحْتَلِمُ الْغُلَامُ الَّذِي قَدْ أُوصِيَ بِهِ إلَيْهِ، وَيَرَى مِنْهُ بَعْضَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَخْتَبِرَهُ بِهِ فِي حَالَاتِهِ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْخَمْسِينَ الدِّينَارَ أَوْ السِّتِّينَ الدِّينَارَ لِيَتَّجِرَ بِهَا فَيُرْهِقُهُ فِي ذَلِكَ دَيْنٌ، أَتَرَى ذَلِكَ الدَّيْنَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يَتْبَعَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ الَّذِي لَحِقَهُ، لَا مِمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ السِّتِّينَ الدِّينَارِ الَّتِي أَعْطَاهُ وَصِيَّهُ يَتَّجِرُ بِهَا وَلَا فِي مَالِهِ الَّذِي فِي يَدِ الْوَصِيِّ. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ وَصِيُّهُ مِنْ بَعْضِ مَالِهِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِهَا وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُتَاجِرَ النَّاسَ بِهَا. قَالَ مَالِكٌ: هُوَ مُوَلًّى عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَالَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْإِذْنُ بِإِذْنٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْعَبْدُ مُخَالِفٌ لِهَذَا، لَوْ أَنَّ السَّيِّدَ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا لِيَتَّجِرَ بِهِ كَانَ مَأْذُونًا وَلَا يُشْبِهُ الْوَصِيَّ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْيَتِيمِ: إنَّهُ يَلْحَقُ الدِّينَ الْمَالُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الَّذِي أَعْطَاهُ وَلِيُّهُ يَخْتَبِرُهُ بِهِ. [فِي الْوَصِيِّ يَأْذَنُ لِلصَّبِيِّ بِالتِّجَارَةِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ التِّجَارَةَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ يَعْقِلُ التِّجَارَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَلَا أَرَى الْإِذْنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذْنًا. قُلْتُ: لِمَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ إذَا أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ، وَالْعَبْدُ الْمَحْجُورُ مُوَلًّى عَلَيْهِ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِسَفِيهٍ، إلَّا أَنَّ مِلْكَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا مُنِعَ التِّجَارَةَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ، كَمَا يُمْنَعُ النِّكَاحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ. فَإِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ جَازَ عَلَيْهِ. وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِلْكُهُ بِيَدِ أَحَدٍ. وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ يَتِيمٍ قَدْ بَلَغَ وَاحْتَلَمَ، لَا يَعْلَمُ مِنْهُ وَلِيُّهُ إلَّا خَيْرًا، فَأَعْطَاهُ ذَهَبًا بَعْدَ احْتِلَامِهِ لِيَخْتَبِرَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لِيَخْتَبِرَهُ بِذَلِكَ أَوْ يَعْرِفَ، فَدَايَنَ النَّاسَ فَرَهِقَهُ دَيْنٌ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُعْدَى عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ. لَا مَا فِي يَدَيْهِ وَلَا مَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: إنَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَفَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ؟ قَالَ: لَا، لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَالَهُ، الْمَالُ مَحْجُوبٌ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَيْهِ لِيَخْتَبِرَهُ فَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، فَالصَّبِيُّ إذَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ عِنْدَهُ أَضْعَفُ شَأْنًا مِنْ هَذَا. [دَفَعَ إلَى عَبْدٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَوْ إلَى يَتِيمٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ مَالًا لِيَتَّجِرَ بِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى عَبْدِ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ مَالًا وَأَمَرْته أَنْ يَتَّجِرَ لِي بِهِ، أَوْ إلَى يَتِيمٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فَفَعَلَ ثُمَّ لَحِقَ الْعَبْدَ دَيْنٌ، أَوْ الْيَتِيمَ أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِمَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِمَا. قُلْتُ: وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمَالِ الَّذِي دَفَعْتُ إلَيْهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمَالِ الَّذِي دُفِعَ إلَيْهِمَا يَتَّجِرَانِ بِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا فِي ذَلِكَ الْمَالِ. فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَهُوَ بَاطِلٌ، لَا يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِمَا، وَلَا فِي مَالِ مَنْ دَفَعَ إلَيْهِمَا الْمَالَ، وَلَا ذِمَّةِ مَنْ دَفَعَ إلَيْهِمَا الْمَالَ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَتَّجِرَا بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالًا لِلْيَتِيمِ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَصِيُّهُ لِيَخْتَبِرَهُ بِهِ، فَرَهِقَهُ دَيْنٌ، فَلَا يَكُونُ عَلَى الْيَتِيمِ مِمَّا فِي يَدَيْهِ مِمَّا دُفِعَ إلَيْهِ لَيُخْتَبَرَ بِهِ، وَلَا فِيمَا فِي يَدَيْ وَصِيِّهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: إنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ إلَيْهِ لِيَخْتَبِرَهُ وَلِيَتَّجِرَ بِهِ. قَالَ: لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى مَالِهِ وَهُوَ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ، لَا فِيمَا فِي يَدَيْهِ مِمَّا اخْتَبَرَهُ بِهِ، وَلَا فِي مَالِهِ الَّذِي فِي يَدَيْ وَصِيِّهِ وَلَا فِي ذِمَّتِهِ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. [فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُحْجَرُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْرَارِ مِمَّنْ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ، مَنْ هُمْ؟ صِفْهُمْ لِي؟ قَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يُحْرِزُونَ أَمْوَالَهُمْ، وَيُبَذِّرُونَهَا فِي الْفِسْقِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السَّرَفِ، قَدْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحْجَرُ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ يُحْرِزُ وَهُوَ خَبِيثٌ فَاسِقٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِسَفِيهٍ فِي تَدْبِيرِ مَالِهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ عِنْدَ وَصِيِّ أَبِيهِ أَخَذَهُ مِنْهُ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ كَتَبْنَا آثَارَ هَذَا وَقَوْلَ رَبِيعَةَ فِيهِ. قُلْتُ: هَلْ يُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ فِي مَالِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإِنْ أَعْتَقَ هَذَا السَّفِيهُ، أَيَجُوزُ عِتْقَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ إلَّا فِي أُمِّ وَلَدِهِ وَحْدَهَا. قُلْتُ: لِمَ جَوَّزَ مَالِكٌ عِتْقَ أُمِّ وَلَدِهِ وَحْدَهَا؟ قَالَ: لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ لَهُ. قُلْتُ: أَفَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ. وَحَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ، فَكَتَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَلَعَمْرِي إنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتَ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ، ضَعِيفُ الْإِعْطَاءِ مِنْهَا. فَإِنْ أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ، فَقَدْ انْقَطَعَ عَنْهُ الْيُتْمُ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ شَيْءٍ يَقَعُ فِيهِ، مَا كَتَبْتُ إلَيْهِ وَلَا نِعْمَةَ عَيْنٍ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ فَإِذَا بَلَغَ النِّكَاحَ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ وَدُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ فَقَدْ انْقَضَى يُتْمُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ صَاحِبَ الشَّرْطِ وَمَا أَشْبَهَهُ، أَيَجُوزُ حَجْرُهُ؟ قَالَ: الَّذِي سَمِعْنَا مِنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْقَاضِيَ هُوَ الَّذِي يُجَوِّزُ حَجْرَهُ. قُلْتُ: فَرَأْيُكَ؟ قَالَ: الْقَاضِي أَحَبُّ إلَيَّ قُلْتُ: فَيَجُوزُ حَجْرُ الرَّجُلِ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدُهُ رَجُلٌ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى وَلَدِهِ، فَلْيَأْتِ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى يُوقِفَهُ السُّلْطَانُ، وَيَدُورَ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَوَاضِعِ وَالْمَسَاجِدِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى وَلَدِهِ. قَالَ: لَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ فَيَكُونُ السُّلْطَانُ الَّذِي يُوقِفُهُ لِلنَّاسِ، أَوْ يَسْعَى بِهِ فِي مَجْلِسِهِ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ بَايَعَهُ أَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مَرْدُودٌ. [دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا فَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ كَانَتْ سَلَفًا وَقَالَ الدَّافِعُ بَلْ أَسْلَفْتُهَا إيَّاكَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: ادْفَعْ إلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَنِّي أَوْ لَمْ يَقُلْ عَنِّي فَدَفَعَهَا كَمَا أَمَرَهُ، ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُهُ بِهَا فَقَالَ الْآمِرُ: كَانَتْ لِي عَلَيْكَ دَيْنًا، وَقَالَ الْمَأْمُورُ: لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ، وَلَكِنِّي دَفَعْتهَا سَلَفًا عَنْكَ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. تَمَّ كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى وَيَلِيهِ كِتَابُ التَّفْلِيسِ [كِتَابُ التَّفْلِيسِ] [فِي الرَّجُلِ يَقُومُ عَلَيْهِ بَعْضُ غُرَمَائِهِ بِتَفْلِيسِهِ] ِ فِي الرَّجُلِ يَقُومُ عَلَيْهِ بَعْضُ غُرَمَائِهِ بِتَفْلِيسِهِ قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، فَقَامَ عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يُفَلِّسَهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ: إنَّ عَلَيَّ أَمْوَالًا لِقَوْمٍ غُيَّبٍ؟ قَالَ: لَا يُصَدَّقُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ قَبْلَ التَّفْلِيسِ، فَإِنْ كَانَ أَقَرَّ بِذَلِكَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِمَا قَالَ عُزِلَ حَظُّ الْغُيَّبِ مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ هَذَا الْحَاضِرُ مِنْ مَالِ هَذَا الْغَرِيمِ، إلَّا قَدْرَ الْمُحَاصَّةِ أَوْ يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ قَبْلَ التَّفْلِيسِ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيُحَاصُّ بِهِ الْمُقِرُّ لَهُ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُفْلِسُ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَتُبَاع أَمْوَالُهُ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ بِالْحِصَصِ، ثُمَّ يَأْتِي غَرِيمٌ لَمْ يُحَاصُّهُمْ، كَيْفَ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ غَنِيًّا أَخَذَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ عَدِيمًا وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا الْغَنِيِّ إلَّا مَا أَخَذَ مِنْهُ مِمَّا يُصِيبُهُ وَاتَّبَعَ هَذَا الْمُفْلِسَ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمَوْتُ وَالتَّفْلِيسُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. قُلْتُ: وَالْوَاحِدُ إذَا قَامَ بِالتَّفْلِيسِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ إذَا قَامَ أَنَّهُ يُفْلِسُ لَهُ، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ عِنْدِي وَالْجَمَاعَةَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، أَنَّهُ يُفْلِسُ لَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، فِي الَّذِي يَغِيبُ فِي بَعْضِ الْمَخَارِجِ فَيَهْلَكُ، فَيَأْتِي رَجُلٌ بِذِكْرِ حَقٍّ عَلَى الْمَيِّتِ، فَيُرِيدُ أَخْذَهُ وَيَقُولُ الْوَرَثَةُ: نَخْشَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَى هَذَا، قَالَ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا لَيْسَ مَعْرُوفًا بِالدَّيْنِ، قَضَى هَذَا حَقَّهُ وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِدْيَانًا فِي ظَاهِرِ مَعْرِفَةِ النَّاسِ، وَيُخَافُ كَثْرَةُ دَيْنِهِ، لَمْ يُعَجِّلْ بِقَضَاءِ هَذَا حَتَّى يُسْتَبْرَأَ أَمْرُهُ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ: إذَا قَامَ بِهِ رَجُلٌ، أُوقِفَ وَضُرِبَ عَلَى يَدَيْهِ وَاسْتَقْصَى أَمْرَهُ، ثُمَّ يُبَاعُ لَهُ مَالُهُ، وَهُوَ وَالْمَيِّتُ سَوَاءٌ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالدَّيْنِ لَمْ يُعَجَّلْ بِقَضَاءِ مَنْ حَضَرَ، وَأُوقِفَ حَتَّى يُسْتَبْرَأَ أَمْرُهُ، وَيَجْتَمِعَ أَهْلُ دَيْنِهِ، أَوْ يُعْرَفُوا فَيُضْرَبُ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ، فَهَذَا أَعْدَلُ رِوَايَتِهِمْ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمِصْرِ غُرَمَاءُ لَهُ، فَفَلَّسَ هَذَا الْمِدْيَانَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ مَنْ بَقِيَ مَنْ الْغُرَمَاءِ، وَهُمْ فِي الْمِصْرِ قَدْ عَلِمُوا بِهِ حِينَ فُلِّسَ، فَقَامُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ اقْتَضَوْا حُقُوقَهُمْ، أَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَيُحَاصُّوهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ عَبْدَهُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمُوا بِالْعِتْقِ، فَلَمْ يَقُومُوا عَلَيْهِ حِينَ أَعْتَقَ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ لَهُمْ الْعِتْقَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَامَ عَلَيْهِ حِينَ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَقَدْ عَلِمُوا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ تَرَكُوا أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ عِنْدَمَا فُلِّسَ وَهُمْ حُضُورٌ، وَقَدْ عَلِمُوا بِالتَّفْلِيسِ، فَقَدْ رَضُوا أَنْ يَكُونَ حَقُّهُمْ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَرَضُوا أَنْ يَتْرُكُوا الْمُحَاصَّةَ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْمَالَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يُوَقِّفُ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضُرِبَ عَلَى يَدَيْهِ وَوُقِّفَ لِيُقَسَّمَ مَالُهُ، وَالْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ سَوَاءٌ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْ الْحَاضِرِ أَنَّهُ تَارِكٌ لِحَقِّهِ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ، وَرَاضٍ بِاقْتِضَاءِ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ. [فِي الْمُفْلِسِ يُقِرُّ بِالدَّيْنِ لِرَجُلٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فِي الصِّحَّةِ، بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ، ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِ وَارِثٍ، أَيَتَحَاصُّونَ فِي مَالِهِ؟ قَالَ: إنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ، أَوْ لِذِي قَرَابَةٍ أَوْ لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ دُيُونُهُمْ بِبَيِّنَةٍ وَاَلَّذِينَ أَقَرَّ لَهُمْ فِي الصِّحَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَلَوْ فُلِّسَ، وَلِقَوْمٍ عَلَيْهِ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ التَّفْلِيسِ بِدَيْنٍ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، وَلَوْ أَقَرَّ لِقَوْمٍ قَبْلَ التَّفْلِيسِ تَحَاصَّ الَّذِينَ لَهُمْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَامَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ فَفَلَّسُوهُ، فَأَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ. قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَوْ يَكُونُ إقْرَارُهُ هَذَا قَبْلَ التَّفْلِيسِ، فَلَا شَيْءَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ. قُلْتُ: وَيَتَحَاصُّ أَهْلُ الدَّيْنِ فِي مَالِهِ هَذَا دُونَ الْمُقَرِّ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَفَادَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا وَقَدْ بَقِيَ لِأَهْلِ الدُّيُونِ بَقِيَّةٌ مِنْ دَيْنِهِمْ أَيَضْرِبُ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ هَهُنَا مَوْضِعُ تُهْمَةٍ، إنَّمَا كَانَتْ التُّهْمَةُ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ؟ قُلْتُ: فَإِنْ أَفَادَ مَالًا بَعْدَمَا فَلَّسُوهُ، فَلَمْ يَقُمْ الْغُرَمَاءُ وَلَا هَذَا الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى مَا أَفَادَ مِنْ الْمَالِ، حَتَّى أَقَرَّ لِرَجُلٍ آخَرَ بِدَيْنٍ، أَيَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهُ بِالدَّيْنِ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى إقْرَارَهُ لِهَذَا بِالدَّيْنِ بَعْدَ التَّفْلِيسِ جَائِزًا، إذَا أَقَرَّ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الْغُرَمَاءُ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ لَهُمْ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ، وَاَلَّذِينَ أَقَرَّ لَهُمْ الْمُفْلِسُ أَوَّلًا عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ فَيُفَلِّسُونَهُ ثَانِيَةً، فَأَرَى أَنَّ هَذَا الْآخَرَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدَيْهِ مَالٌ حَادِثٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ قَدْ عُومِلَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ الْأَوَّلِ وَبَاعَ وَاشْتَرَى وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْلِسِ إذَا دَايَنَ النَّاسَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، ثُمَّ فُلِّسَ ثَانِيَةً فَاَلَّذِينَ دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالُهُمْ. فَإِقْرَارُهُ فِيمَا أَفَادَ بَعْدَمَا فُلِّسَ بِدَيْنٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَ مَا أَفَادَ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، مِنْ صِلَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ جِنَايَةٍ جُنِيَتْ عَلَيْهِ، ضَرَبَ أَهْلُ التَّفْلِيسِ الْأَوَّلِ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ، وَمَنْ أَقَرَّ لَهُمْ فِي الْمَالِ الْمُفَادِ. قُلْتُ: فَلِمَ أَجَزْتَ إقْرَارَهُ وَأَنْتَ لَا تُجِيزُ هِبَتَهُ وَلَا صَدَقَتَهُ؟ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ الْمِدْيَانَ مَا لَمْ يُفَلَّسْ، لَوْ تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَإِنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ، فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ التَّفْلِيسِ مَا لَمْ يُفَلَّسْ. فَكَذَلِكَ إذَا فُلِّسَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ بَعْدَ التَّفْلِيسِ قَبْلَ أَنْ يُفَلَّسَ الثَّانِيَةَ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ بِبَيِّنَةٍ. وَلَا تَجُوزُ صَدَقَتُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا عِتْقُهُ وَهُوَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الرَّجُلِ الْمِدْيَانِ إذَا كَانَ لَا وَفَاءَ لَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا سَجَنَهُ السُّلْطَانُ فَأَقَرَّ فِي السِّجْنِ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ، أَيَجُوزُ إقْرَارُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا صَنَعَ بِهِ غُرَمَاؤُهُ هَذَا، وَرَفَعُوهُ إلَى السُّلْطَانِ وَقَامُوا عَلَيْهِ حَتَّى سَجَنُوهُ، فَهَذَا وَجْهُ التَّفْلِيسِ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا فُلِّسَ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَامَ غُرَمَاؤُهُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْلِيسِ، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ. قُلْتُ: وَيَبِيعُ السُّلْطَانُ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ مَالٍ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ أَمْرُهُ، فَتَتَوَزَّعُ الْغُرَمَاءُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ، وَيَسْجُنُهُ فِي الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، إذَا عَرَفَ مِنْهُ وَجْهَ الْإِلْدَادِ الَّذِي وَصَفْتَ لِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: كَانَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَقُولُ فِي الْحُرِّ يُفْلِسُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعٌ وَلَا عَتَاقَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا اعْتِرَافٌ بِدَيْنٍ وَلَا بِشَيْءٍ يَفْعَلُهُ. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ مِثْلَهُ. قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ: كَانَ شُرَيْحٌ يَقْضِي بِهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: وَإِنْ قَضَى بَعْضَ غُرَمَائِهِ وَتَرَكَ بَعْضًا جَازَ لَهُ، وَإِنْ رَهَنَ رَهْنًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غُرَمَاؤُهُ. وَكَانَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ بِقَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ إذَا تَبَيَّنَ فَلَسُهُ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ غُرَمَاؤُهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ وَلَا يَرْهَنَهُ. [فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَبَعْضُ غُرَمَائِهِ غُيَّبٌ] ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا فُلِّسَ الرَّجُلُ وَلِقَوْمٍ غُيَّبٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَيَعْزِلُ الْقَاضِي أَنْصِبَاءَهُمْ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَعْزِلُ الْقَاضِي أَنْصِبَاءَهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ أَنْصِبَاءُ الْغُيَّبِ بَعْدَمَا عَزَلَهَا الْقَاضِي لَهُمْ، كَانَ ضَيَاعُهَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ كَانَ لَهُ غَرِيمٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، ثُمَّ قَدِمَ، رَجَعَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الَّذِي أَخَذَ مِنْ نَصِيبِهِ الَّذِي يَصِيرُ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَفْلَسَهُ رَجُلَانِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلِرَجُلٍ غَائِبٍ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَيْضًا، وَلَمْ يُعْلَمْ بِالْغَائِبِ. فَفَلَّسُوا هَذَا الْغَرِيمَ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَقُسِّمَتْ الْمِائَةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَأَخَذَ هَذَا خَمْسِينَ وَهَذَا خَمْسِينَ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ وَأَثْبَتَ دَيْنَهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ مِنْ الْمِائَةِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ، وَقَدْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسِينَ، فَقَدْ أَخَذَ صَاحِبَاهُ فَضْلًا عَلَى حَقِّهِ سَبْعَةَ عَشَرَ إلَّا ثُلُثَ دِرْهَمٍ، فَيَصِيرُ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ عَشَرَ إلَّا ثُلُثَ دِرْهَمٍ. فَيُقَالُ لَهُمَا: ادْفَعَا إلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا إلَّا ثُلُثَ دِرْهَمٍ مَا اسْتَفْضَلْتُمَاهُ بِهِ، وَهُوَ مِقْدَارُ حِصَّتِهِ فِي الْمُحَاصَّةِ. فَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا عَدِيمًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلَ هَذَا الَّذِي أَصَابَ مَلِيًّا، إلَّا سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا غَيْرَ ثُلُثٍ؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ حَقِّهِ إنَّمَا أَتْلَفَهُ الْآخَرُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الَّذِي أَتْلَفَهُ يَتْبَعُهُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَمْرَضُ فَيُقِرُّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِأَجْنَبِيٍّ، وَبِدَيْنٍ لِابْنٍ لَهُ، وَقَدْ تَرَكَ بَنِينَ سِوَاهُ وَتَرَكَ مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَقَرَّ أَنَّ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَلِابْنِهِ عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُ الْمِائَةِ، قَالَ: الِابْنُ وَالْأَجْنَبِيُّ يَتَحَاصَّانِ فِي الْمِائَةِ الدِّينَارِ، فَمَا صَارَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَخَذَهُ، وَمَا صَارَ لِلْوَارِثِ، فَإِنْ أَجَازَهُ لَهُ الْوَرَثَةُ كَانَ أَوْلَى بِهِ، وَإِلَّا كَانَ مِيرَاثًا بَيْنَهُمْ. وَإِنَّمَا يُحَاصُّ الْوَارِثُ الْأَجْنَبِيَّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ حِينَ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا الْمِائَةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ لَا يُقِرَّ لِلْأَجْنَبِيِّ لَفَعَلَ، فَلَيْسَ لِلْأَجْنَبِيِّ هَهُنَا حُجَّةٌ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَقُولَ: أُقِرُّ عَنِّي بِالْمِائَةِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ لَهُ أَنْ لَوْ كَانَ دَيْنُهُ بِبَيِّنَةٍ، فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ مَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ حُجَّةٌ وَهُوَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ. [فِي الْمُفْلِسِ يُرِيدُ بَعْضُ غُرَمَائِهِ حَبْسَهُ وَتَفْلِيسَهُ وَيَأْبَى بَعْضُهُمْ] ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ نَسْجُنُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ لَا نَسْجُنُهُ، وَلَكِنَّا نَحْبِسُهُ بِطَلَبِ الْفَضْلِ حَتَّى يَقْضِيَنَا حُقُوقَنَا؟ قَالَ: إذَا تَبَيَّنَ الْإِلْدَادُ لِلسُّلْطَانِ، وَطَلَبَ وَاحِدٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْبِسَهُ لَهُ سَجْنُهُ، فَإِنْ شَاءَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَحْبِسُوهُ، أَنْ يَقُومُوا عَلَى حُقُوقِهِمْ فَيُحَاصُّوا هَذَا الْغَرِيمَ الَّذِي حَبَسَهُ فِي مَالِ الْمَحْبُوسِ الْمَطْلُوبِ فَذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا أَقَرُّوهُ فِي يَدَيْ الْمَطْلُوبِ، وَلَا يَكُونُ لِلْغَرِيمِ الَّذِي سَجَنَهُ وَأَخَذَ حَقَّهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذَا الَّذِي رَدَّهُ أَصْحَابُهُ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ وَأَقَرُّوهُ، إلَّا أَنْ يُفِيدَ مَالًا غَيْرَهُ، أَوْ يَكُونُ فِيهِ رِبْحٌ فَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ هُوَ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي يُفِيدُهُ أُسْوَةً فِيمَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِمْ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ كُلُّهُ؟ قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ لِي إلَّا قَوْلِي لَكَ: أَوْ يَرْبَحُ فِيمَا أُقِرَّ فِي يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنْ الْمَحْبُوسِ فِي الدَّيْنِ، إذَا طَلَبَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِحَقِّهِ فَسَجَنَهُ وَقَالَ بَقِيَّةُ الْغُرَمَاءِ: نَحْنُ نُخَلِّيهِ؟ قَالَ: يُحَاصُّونَ هَذَا الْغَرِيمَ الَّذِي سَجَنَهُ إنْ أَحَبُّوا، ثُمَّ إنْ أَرَادُوا رَدُّوا مَا صَارَ لَهُمْ فِي الْمُحَاصَّةِ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ، فَكَانَ فِي يَدَيْهِ. وَلَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ الَّذِي لَمْ يَرُدَّ إلَيْهِ مَا اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ مِنْ هَذَا الَّذِي رَدَّهُ هَؤُلَاءِ عَلَى الْمَطْلُوبِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُفِيدَ مَالًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَفَادَ مَالًا، وَاَلَّذِي رَدَّ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ قَائِمٌ فِي يَدِهِ، فَأَرَادَ الَّذِي لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا أَنْ يَقْتَضِيَ حَقَّهُ مِمَّا أَفَادَ؟ قَالَ: يَقْتَضِي حَقَّهُ مِمَّا أَفَادَ، وَلَا يَقْتَضِي مَا رَدَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ شَيْئًا، وَيُحَاصُّهُ أَصْحَابُهُ فِي الَّذِي أَفَادَهُ الْمَطْلُوبُ. قُلْتُ: أَفَيَحْسِبُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْغَرِيمُ الَّذِي لَمْ يَرُدَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَا فِي يَد الْغَرِيمِ الْمَطْلُوبِ مِنْ دَيْنِهِمْ الَّذِي أَخَذُوهُ وَرَدُّوهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يُحَاصُّهُمْ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذَا الَّذِي أَفَادَ هَذَا الْمَطْلُوبُ إنْ كَانَ هَذَا الَّذِي رَدُّوا قَائِمًا بِعَيْنِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ يُحَاسِبُونَهُ بِمَا رَدُّوا إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نِصْفَ حُقُوقِهِمْ وَكَانَ كَفَافًا الْيَوْمَ، لَمَا رَدُّوا إلَيْهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ رَدَّهُمْ إلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي أَخَذُوا مِنْهُ، كَأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ بَايَعُوهُ فَيُنْظَرُ إلَى مَبْلَغِ الَّذِي رَدُّوا مَا هُوَ الْيَوْمَ مِنْ حُقُوقِهِمْ الَّتِي رَدُّوا، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، ضَرَبُوا بِمَا نَقَصَ وَبِمَا بَقِيَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْفَائِدَةِ. سَحْنُونٌ: وَيُحَاصُّهُمْ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَرُدَّ إلَيْهِ شَيْئًا فِي ذَلِكَ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دَيْنِهِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ذَهَبَ مَا رَدُّوا إلَيْهِ جَمِيعُهُ، ثُمَّ أَفَادَ مَالًا حَاصُّوا الَّذِي لَمْ يَرُدَّ إلَيْهِ شَيْئًا فِي هَذِهِ الْفَائِدَةِ بِجَمِيعِ دَيْنِهِمْ، وَيَضْرِبُونَ هُمْ فِيهَا بِجَمِيعِ دَيْنِهِمْ مَا رَدُّوا إلَيْهِ وَمَا بَقِيَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَضْرِبُ فِيهَا الَّذِي لَمْ يَرُدَّ إلَى الْمَطْلُوبِ شَيْئًا بِمَا بَقِيَ مِنْ جَمِيعِ دَيْنِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقِرَّ حَقَّهُ فِي يَدِ الْمُفْلِسِ أَقَرَّهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَخَذَهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلَّذِينَ اقْتَضَوْا أَنْ يَرْجِعُوا فِيمَا تَرَكَ هَؤُلَاءِ فِي يَدِ الْمُفْلِسِ مِمَّا حَاصُّوهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ مُفْلِسًا دَايَنَهُ قَوْمٌ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، أَنَّ الَّذِينَ دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الَّذِينَ فَلَّسُوهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيمَا فِي يَدَيْهِ فَضْلٌ عَنْ حُقُوقِ الَّذِينَ دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ الْأَوَّلِ؟ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ رَدُّوهُ إلَيْهِ حِصَصُهُمْ أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَقْبِضُوا مَا رَدُّوا إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَفْضُلَ فَضْلُهُ فَيَتَحَاصُّ فِيهَا مَنْ لَمْ يَرُدَّ وَمَنْ رَدَّ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ عِنْدَ التَّفْلِيسِ الْأَوَّلِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ، لَوْ أَنَّ مَا رَدَّ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَى الْمُفْلِسِ نَقَصَ، ذَلِكَ بَعْدَمَا رَدُّوهُ إلَيْهِ، حَاصُّوا الْغُرَمَاءَ بِمَا نَقَصَ مِمَّا رَدُّوا بِمَا بَقِيَ لَهُمْ مِنْ حُقُوقِهِمْ فِي الْمُحَاصَّةِ الْأُولَى فِي فَائِدَةٍ، إنْ كَانَتْ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْجِنَايَةُ وَالْمِيرَاثُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ. قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْ فَائِدَةٍ، فَاَلَّذِينَ فَلَّسُوهُ وَاَلَّذِينَ دَايَنُوهُ فِي ذَلِكَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ![]()
__________________
|
|
#247
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 81الى صــ 90 الحلقة(247) فِيمَا لَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. فَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَجَرَ الْمُفْلِسُ فِي الْمَالِ الَّذِي رَدَّهُ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ وَرَبِحَ فِيهِ، أَيَكُونُ هَذَا الرِّبْحُ بِمَنْزِلَةِ الْفَائِدَةِ، يَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعُ الْغُرَمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا دَايَنَهُ الْآخِرُونَ بَعْدَ الْأَوَّلِينَ، فَالْآخِرُونَ أَوْلَى بِهِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ مِنْ دَيْنِهِمْ فَضْلَةٌ، فَيَكُونَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ يَتَحَاصُّونَ فِيهِ بِقَدْرِ دُيُونِهِمْ، فَمَا أَقَرَّ هَؤُلَاءِ فِي يَدَيْهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَايَنَهُ غَيْرُهُمْ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، وَمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ الَّذِي أَقَرُّوا فِي يَدَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَضَلَ فِي يَدَيْهِ، بَعْدَ مُدَايَنَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ فَيُقَيِّمُهُ قِيمَةً إنْ كَانَ عُرُوضًا، فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ فَضْلٍ عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي تَرَكُوا فِي يَدَيْهِ، فَذَلِكَ لِفَضْلِ الَّذِي يَشْرَعُ فِيهِ الْغُرَمَاءُ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ يَوْمَ فَلَّسَهُ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَحَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَهُوَ أَحَدُ قَوْمِ بَنِي سَلَمَة كَثُرَ دَيْنُهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمْ يَزِدْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - غُرَمَاءَهُ عَلَى أَنْ خَلَعَ لَهُمْ مَالَهُ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: مَضَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِأَنْ خَلَعَهُ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِبَيْعِهِ، فِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَتُصَدِّقَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» . قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، أَنَّ الْحُرَّ إذَا أَفْلَسَ لَا يُؤَاجَرُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] سُورَةُ الْبَقَرَةِ مَالِكٌ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِلَافٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ، فَيُغَلِّي ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ، فَأَفْلَسَ. فَرُفِعَ أَمْرُهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الْأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دَيْنِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ سَبَقَ الْحَاجَّ. أَلَا وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ قَدْ دِينَ بِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ حَتَّى نُقَسِّمَ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْغَدَاةِ. ثُمَّ إيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَزَنٌ. سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي رَجُلٍ غَرِقَ فِي دَيْنٍ، أَنْ يُقَسَّمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَيُتْرَكَ حَتَّى يَرْزُقَهُ اللَّهُ. اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلُ ذَلِكَ. حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا فُلِّسَ الرَّجُلُ وَتَحَاصَّ غُرَمَاؤُهُ مَالَهُ، فَمَنْ بَايَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا بَايَعَهُ فِي غَيْرِ أَمْوَالِ الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ فَلَّسُوهُ، وَإِنَّمَا بَايَعُوهُ فِي ذِمَّتِهِ وَفِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَإِفَادَتِهِ، فَإِنْ أُعْدِمَ الثَّانِيَةَ، فَاَلَّذِينَ بَايَعُوهُ بَعْدَ عَدَمِهِ الْأَوَّلِ، أَحَقُّ بِمَالِهِ فَيَتَحَاصُّونَ فِيهِ دُونَ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلٌ فِي ذِمَّةٍ أَوْ مِيرَاثِ وَرَثَةٍ فَأَمَّا كُلُّ عَمَلٍ أَدَارَهُ أَوْ كَانَ مِمَّا رَجَعَتْ بِهِ الْأَرْزَاقُ عَلَيْهِ، فَهُوَ لِلَّذِينَ بَايَعُوهُ بَعْدَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ خَاصَّةً لِمَا خَرَجَتْ فِيهِ أَمْوَالُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْلُغَ فِي النَّاسِ إلَّا بِمُعَايَشَةِ مَنْ عَايَشَهُ وَمُدَايَنَةِ مَنْ دَايَنَهُ وَابْتِغَائِهِ الرِّزْقَ مِنْ رَبِّهِ بِالْإِدَارَةِ وَالتِّجَارَةِ. فَأَمَّا الَّذِينَ يُفَلِّسُونَ غَرِيمَهُمْ، فَإِنَّ حُقُوقَهُمْ تَدْخُلُ فِي فُضُولٍ إنْ كَانَتْ بِيَدَيْهِ بَعْدَ قَضَاءِ حُقُوقِ الْآخَرِينَ. [فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلِغُلَامِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ] ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلِغُلَامِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، فَقَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ فَفَلَّسُوهُ، أَيَضْرِبُ الْعَبْدُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يُبَاعُ فِي دَيْنِ السَّيِّدِ، فَلَا يَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَسَيِّدُهُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَهُ، أَلَا تَرَى الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» . قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ. [فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلِعَبْدِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَعَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لِأَجْنَبِيٍّ أَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَبْدٌ لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ وَعَلَى عَبْدِي دَيْنٌ لِأَجْنَبِيٍّ، فَقَامَتْ غُرَمَائِي عَلَيَّ فَفَلَّسُونِي، أَيَضْرِبُ عَبْدِي مَعَ غُرَمَائِي بِدَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَيَكُونُ غُرَمَاءُ الْعَبْدِ أَوْلَى بِمَا ضَرَبَ بِهِ الْعَبْدُ وَبِمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ مَالٍ حَتَّى يَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ، وَيَكُونُ رَقَبَةُ الْعَبْدِ لِغُرَمَاءِ السَّيِّدِ حَتَّى تُبَاعَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَيَكُونُ مَا بَقِيَ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا قَوْلُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ، قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَسْلَفْتهَا إيَّاهُ، ثُمَّ جَاءَنِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَسْلِفْنِي خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ أُخْرَى؟ قُلْتُ: لَا، إلَّا أَنْ تَرْهَنَنِي جَارِيَتَكَ فُلَانَةَ الْأُخْرَى بِجَمِيعِ الْأَلْفِ وَقِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَقْرَضَهُ عَلَى أَنْ زَادَهُ فِي سَلَفِهِ الْأَوَّلِ ذَهَبًا؟ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ، وَأَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ لَهُ: أَنَا أُقْرِضُك أَيْضًا، عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي رَهْنًا بِجَمِيعِ حَقِّي الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ. [رَهَنَ رَهْنَيْنِ بِسَلَفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَرْهَنُ رَهْنَيْنِ مِنْ سَلَفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَحَدُهُمَا بِالسَّلَفِ الْأَوَّلِ وَالْآخَرُ بِالسَّلَفِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَوَقَعَ هَذَا؟ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَقَعَ هَذَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فَاسِدًا، جَهِلُوا ذَلِكَ حَتَّى قَامَتْ الْغُرَمَاءُ، فَفَلَّسُوا الْمُسْتَسْلِفَ أَوْ مَاتَ فَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ، أَيَكُونُ هَذَا الرَّهْنُ الثَّانِي الَّذِي كَانَ فَاسِدًا رَهْنًا أَمْ لَا وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَا أَرَاهُ رَهْنًا إلَّا بِالسَّلَفِ الْآخَرِ، وَلَا يَكُونُ الرَّهْنُ فِي شَيْءٍ مِنْ السَّلَفِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً. وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَهُ. [فِي الرَّجُلِ يَجْنِي جِنَايَةً فَيَرْهَنُ فِيهَا رَهْنًا ثُمَّ يُفْلِسُ] قُلْتُ: فِي الرَّجُلِ يَجْنِي جِنَايَةً فَيَرْهَنُ فِيهَا رَهْنًا ثُمَّ يُفْلِسُ أَرَأَيْتَ إنْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَرَهَنَهُ بِتِلْكَ الْجِنَايَةِ رَهْنًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ، فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ فَفَلَّسُوهُ، فَقَالَتْ الْغُرَمَاءُ: إنَّ هَذَا الرَّهْنَ الَّذِي رَهَنْتَهُ مِنْ صَاحِبِ الْجِنَايَةِ، إنَّمَا هُوَ أَمْوَالُنَا وَإِنَّمَا دِينَ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ وَلَا قَرْضٍ، وَلَا يَكُونُ لَهُ الرَّهْنُ دُونَنَا، وَنَحْنُ أَوْلَى بِهِ، فَهَلْ تَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَجْنِي جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، ثُمَّ يَقُومُ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ فَيُفَلِّسُونَهُ: إنَّ صَاحِبَ الْجِنَايَةِ يَضْرِبُ بِدَيْنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، فَأَيُّ الرَّهْنِ جَائِزٌ لِلْمُرْتَهِنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ. [فِي الْمُفْلِسِ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَدَيْنٌ إلَى أَجَلٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُفْلِسَ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ إلَى أَجَلٍ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ قَدْ حَلَّتْ، فَفَلَّسَهُ الَّذِينَ حَلَّتْ دُيُونُهُمْ، أَيَكُونُ لِلَّذِينَ لَمْ تَحِلَّ دُيُونُهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنَّ مَا كَانَ لِلْمُفْلِسِ مِنْ دَيْنٍ إلَى أَجَلٍ عَلَى النَّاسِ فَهُوَ إلَى أَجَلِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُفْلِسَ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ إلَى أَجَلٍ، أَتَحِلُّ إذَا فُلِّسَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: إذَا فُلِّسَ فَقَدْ حَلَّتْ دُيُونُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ فُلِّسَ هَذَا الْمُفْلِسُ، وَلَهُ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ، أَتُبَاعُ دُيُونُهُ السَّاعَةَ نَقْدًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَلَا يَنْتَظِرُ بِهِ وَيَتَلَوَّمُ لَهُ حَتَّى يَقْبِضَ دَيْنَهُ وَيُوَفِّيَهُمْ؟ قَالَ: قَدْ حَلَّ دَيْنُ الْغُرَمَاءِ، فَذَلِكَ إلَى الْغُرَمَاءِ إنْ شَاءُوا أَخَّرُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُؤَخِّرُوا. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: مَنْ مَاتَ أَوْ فُلِّسَ فَقَدْ حَلَّ دَيْنُهُ وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلَهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ فَمَاتَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَضَتْ السُّنَّةُ، بِأَنَّ دَيْنَهُ حَلَّ حِينَ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِيرَاثٌ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ مَاتَ فَقَدْ حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَا يُؤَخَّرُ الْغُرَمَاءُ بِحُقُوقِهِمْ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ شُرَيْحٍ الْكِنْدِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلُهُ. [فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلَهُ زَرْعٌ مَرْهُونٌ] ٌ وَلَوْ فُلِّسَ رَجُلٌ أَوْ مَاتَ وَقَدْ ارْتَهَنَ مِنْهُ رَجُلٌ زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، قَالَ: يُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ وَاسْتُؤْنِيَ بِالزَّرْعِ. فَإِذَا حَلَّ بَيْعُهُ، بِيعَ وَنُظِرَ إلَى قَدْرِ الدَّيْنِ وَثَمَنِ الزَّرْعِ. فَإِنْ كَانَ كَفَافًا رَدَّ مَا أَخَذَ فِي الْمُحَاصَّةِ وَكَانَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَكَانَ لَهُ ثَمَنُ الزَّرْعِ إذَا كَانَ كَفَافًا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، رَدَّ الْفَضْلَ مَعَ الَّذِي أَخَذَ فِي الْمُحَاصَّةِ فَكَانَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ الزَّرْعِ لَا يَبْلُغُ دَيْنَهُ، نَظَرَ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ بَعْدَ مَبْلَغِ ثَمَنِ الزَّرْعِ وَإِلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ أَوْ الْمُفْلِسِ، فَضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي جَمِيعِ مَالِ الْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ، مِنْ أَوَّلِهِ فِيمَا صَارَ فِي يَدَيْهِ وَأَيْدِي الْغُرَمَاءِ. فَمَا كَانَ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ أَخَذَهُ وَرَدَّ مَا بَقِيَ فَصَارَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ فِيمَا بَلَغَنِي. [فِي الْمُفْلِسِ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَمَا فُلِّسَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُفْلِسَ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَمَا فَلَّسُوهُ قَالَ: أَمَّا فِي الْمَالِ الَّذِي فَلَّسُوهُ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيهِ وَأَمَّا فِيمَا يُفِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. [فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ يُفْلِسُ وَالْهِبَةُ قَدْ تَغَيَّرَتْ فِي يَدَيْهِ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وُهِبَتْ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ فَتَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِزِيَادَةِ بَدَنٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَفُلِّسَ الرَّجُلُ وَالْهِبَةُ عِنْدَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ الْوَاهِبُ فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِهِبَتِي؟ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْغُرَمَاءُ أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ الْهِبَةِ فَيَكُونُونَ أَوْلَى بِهَا. [بَاعَ مِنْ رَجُلٍ فَمَاتَ الْمُشْتَرِي فَوَجَدَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ وَلَمْ يَدَعْ الْمَيِّتُ سِوَاهَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَقَدْ اشْتَرَى سِلْعَةً وَهِيَ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا أَيَكُونُ الْغُرَمَاءُ، وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَاعَ السِّلْعَةَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ إذَا لَمْ يَدَعْ الْمَيِّتُ مَالًا سِوَاهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى بِسِلْعَتِهِ إذَا أَدْرَكَهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي التَّفْلِيسِ لَا فِي الْمَوْتِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ رَجُلٌ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» . وَأَخْبَرَنِي سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى بِهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ، فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا إذَا وَجَدَهَا قَائِمَةً بِعَيْنِهَا، إلَّا أَنْ يُعْطَى ثَمَنَ سِلْعَتِهِ كَامِلًا لَيْسَ لَهُ النَّمَاءُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ ذَلِكَ. [ابْتَاعَ جَارِيَة أَوْ شَاة مِنْ رَجُل فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ وَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ أَوْلَادًا فَمَاتَتْ الْأُمُّ ثُمَّ أَفْلَسَ الرَّجُلُ؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ وَلَدَهَا بِجَمِيعِ مَالِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَى أَسْلَمَهُمْ وَكَانُوا أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، فَإِنْ أَرَادَ أَخْذَهُمْ فَقَالَتْ الْغُرَمَاءُ: نَحْنُ نُؤَدِّي الدَّيْنَ الَّذِي لَكَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ كُلِّهِ وَنَأْخُذُ الْوَلَدَ فَذَلِكَ لَهُمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ مِنْ رَجُلٍ غَنَمًا فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ أَوْلَادًا، أَوْ حَلَبَهَا فَاتَّخَذَ سُمُونَهَا وَجُبْنَهَا وَجَزَّ أَصْوَافَهَا ثُمَّ أَفْلَسَ. فَجَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ الْبَائِعَ فَقَالَ: أَنَا آخُذُهَا وَمَا جُزَّ مَنْ أَصْوَافِهَا وَمَا أُخِذَ مِنْ لَبَنِهَا، وَآخُذُ أَوْلَادَهَا؟ قَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّ أَصْوَافَهَا وَأَلْبَانَهَا غَلَّةٌ لَيْسَ لِلْبَائِعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَأَمَّا أَوْلَادُهَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مَعَ الْأُمَّهَاتِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الزَّكَاةِ: إنَّ أَصْوَافَ الْغَنَمِ فَائِدَةٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَوْلَادُهَا عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَتْ بِفَائِدَةٍ، وَهِيَ مِثْلُ رِقَابِ الْأُمَّهَاتِ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى وَلِيدَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَصَابَ بِهَا عَيْبًا رَدَّهَا وَوَلَدَهَا، وَمَا اسْتَغَلَّ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ؟ وَلَوْ أَنَّهُ آجَرَهَا تُرْضِعُ فَأَخَذَ لِذَلِكَ أَجْرًا؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ مَعَهَا إذَا أَصَابَ بِهَا عَيْبًا فَاللَّبَنُ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْتُ لَكَ وَالصُّوفُ فَائِدَةٌ، إلَّا مَا كَانَ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ إذَا كَانَ الصُّوفُ قَدْ تَمَّ عَلَى ظُهُورِهَا يَوْمَ اشْتَرَاهَا. وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ تَكُونُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ حِينَ يَشْتَرِي النَّخْلَ قَدْ أُبِّرَ، فَيُوجَدُ بِالنَّخْلِ عَيْبٌ فَيُرِيدُ رَدَّهَا وَقَدْ جَدَّ الثَّمَرَةَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ النَّخْلَ دُونَ الثَّمَرَةِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ أَشْهَبُ فِي النَّخْلِ إذَا جَدَّ الثَّمَرَةَ؛ فَهِيَ غَلَّةٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّهَا، وَقَالَ: الصُّوفُ كَذَلِكَ. [الْمُسَاقِي وَالرَّاعِي وَالصُّنَّاعِ يُفْلِسُ مَنْ اسْتَعْمَلَهُمْ] فِي الْمُسَاقِي وَالرَّاعِي وَالصُّنَّاعِ يُفْلِسُ مَنْ اسْتَعْمَلَهُمْ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي زَرْعٍ أَوْ نَخْلٍ أَوْ أَصْلٍ يَسْقِيهِ فَسَقَى ثُمَّ فُلِّسَ صَاحِبُهُ، فَسَاقِيهِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، وَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْأَصْلِ أَوْ الزَّرْعِ، فَالْمُسَاقِي أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي إبِلٍ يَرْعَاهَا أَوْ يُرْحِلُهَا، أَوْ دَوَابَّ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا. وَكُلُّ ذِي صَنْعَةٍ، مِثْلُ الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ وَالصَّائِغِ وَمَا يُشْبِهُهُمْ، فَهُمْ أَحَقُّ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا. وَكُلُّ مَنْ تُكُورِيَ عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ فَحَمَلَهُ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ، فَالْمُكْرَى أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَحَوَانِيتُ يَسْتَأْجِرُهَا النَّاسُ يَبِيعُونَ فِيهَا الْأَمْتِعَاتِ فَيُفْلِسُ مُكْتَرِيهَا، فَيَقُولُ أَهْلُ الْحَوَانِيتِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِمَا فِيهَا حَتَّى نَسْتَوْفِيَ كِرَاءَنَا، وَيَقُولُ الْغُرَمَاءُ: بَلْ أَنْتُمْ أُسْوَتُنَا؟ قَالَ: هُمْ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَإِنَّمَا كِرَاءُ الْحَوَانِيتِ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ تَكَارَى دَارًا لِيَسْكُنَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا مَتَاعَهُ وَعِيَالَهُ وَرَقِيقَهُ، أَفَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّارِ أَوْلَى بِمَا فِيهَا مِنْ الْمَتَاعِ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَوْ لَا يَكُونُ أَوْلَى؟ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ وَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَى رَجُلٌ إبِلَهُ فَأَسْلَمَ الْإِبِلَ إلَى الْمُتَكَارِي، فَمَاتَ الْمُتَكَارِي أَوْ فُلِّسَ لَمْ يَدَعْ مَالًا، إلَّا حُمُولَتَهُ الَّتِي حَمَلَ عَلَى الْإِبِلِ، أَيَكُونُ الْجَمَّالُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ أَوْ يَكُونُ أَوْلَى بِهَا؟ قَالَ: الْجَمَّالُ أَوْلَى بِهَا. قُلْتُ: لِمَ، وَلَمْ يُسْلِمْ إلَى الْجَمَّالِ الْمَتَاعَ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أَسْلَمَ إلَيْهِ الْمَتَاعَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ فِي يَدَيْهِ؟ قَالَ: لَيْسَ الَّذِي قَالَ لَنَا مَالِكٌ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَسْلَمَ الْمَتَاعَ إلَيْهِ، إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا بَلَغَتْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى إبِلِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَمَّالَ بِعَيْنِهِ، لَوْ كَانَ فِي الْإِبِلِ وَكَانَ مَعَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ وَهُوَ مَعَ الْمَتَاعِ، أَنَّ الْجَمَّالَ أَوْلَى بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْجَمَّالُ بِمَنْزِلَةِ الصُّنَّاعِ، غَابَ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ حَضَرَ. حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا فُلِّسَ الرَّجُلُ وَلَهُ حُلِيٌّ عِنْدَ صَائِغٍ قَدْ صَاغَهُ لَهُ، كَانَ هُوَ أَوْلَى بِأَجْرِهِ وَلَمْ يُحَاصَّهُ الْغُرَمَاءُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ فِي يَدَيْهِ. [فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرُونَ أَيَأْخُذُ الْغُرَمَاءُ أَمْوَالَهُمْ] ْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُفْلِسُ، وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرُونَ وَلَهُمْ أَمْوَالٌ، أَفَتَرَى أَنْ يُجْبِرَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يُجْبِرُوهُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ حِينَ أَفْلَسَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْغُرَمَاءِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَخَذَهَا وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ هُوَ فَيَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبِرَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ أَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا كَانَ لَهَا مَالٌ، أَيَكُونُ لِسَيِّدِهَا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْمَالَ مِنْهَا؟ وَقَدْ قُلْتُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّهُ لَيْسَ لِسَيِّدِهَا فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعَ مِنْهَا بِبُضْعِهَا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهَا مَا لَمْ يَمْرَضْ أَوْ يُفْلِسْ، فَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مَالَهَا وَلَا يُجْبِرُوا السَّيِّدَ عَلَى أَخْذِهِ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُدَبَّرَةُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَالْمُعْتَقُ إلَى سِنِينَ، أَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يَتَقَارَبْ ذَلِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ بَقِيَتْ سَنَةً؟ قَالَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَا لَمْ يَتَقَارَبْ ذَلِكَ أَوْ يَمْرَضْ، وَلَمْ يَرَ السَّنَةَ قَرِيبًا قُلْتُ: وَمَا حُجَّةُ مَالِكٍ فِي هَذَا؟ حِينَ قَالَ: إذَا مَرِضَ فَلَا يَأْخُذُ مَالَ أُمِّ وَلَدِهِ وَلَا مُدَبَّرَتِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ لِلْوَرَثَةِ وَقَدْ أَشْرَفَ هَؤُلَاءِ عَلَى عِتْقِهِمْ. وَاَلَّذِي يُفْلِسُ فَلَا يُجْبِرُ الْغُرَمَاءَ السَّيِّدُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُمْ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبِرَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى أَخْذِهِ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ يَأْخُذُهُ وَيَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يُلْزِمُوهُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَرِضَ فَفُلِّسَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَيَأْخُذُ مَالَ الْمُدَبَّرِ الْغُرَمَاءُ أَمْ لَا؟ وَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ سَيِّدُهُ وَلَمْ يَدَعْ مَالًا يَعْتِقُهُ وَمَالُهُ لِلْغُرَمَاءِ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ، فَيُبَاعَ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: لَا يُؤْخَذُ مَالُ هَذَا الْمُدَبَّرِ لِلْغُرَمَاءِ، فَالصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ عِنْدِي سَوَاءٌ. [الْعَبْدِ يُفْلِسُ وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ] فِي الْعَبْدِ يُفْلِسُ وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ مُبَايَعَةُ الرَّجُلِ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَيَكُونُ دَيْنُ السَّيِّدِ دَيْنًا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ وَدَيْنٌ لِسَيِّدِهِ، أَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ دَيْنُهُ مِنْ غَيْرِ كِتَابَةٍ، فَإِنَّهُ يَضْرِبُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ مَعَ الْغُرَمَاءِ. وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ لَمْ يَضْرِبْ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ. [دَيْنِ الْمُرْتَدِّ] فِي دَيْنِ الْمُرْتَدِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَدَّ رَجُلٌ وَهَرَبَ إلَى دَارِ الْمُشْرِكِينَ وَلِرَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَغَزَا تِلْكَ الدَّارَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَاتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَقُتِلَ، فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَالِهِ، فَقَامَ الْغَرِيمُ يَطْلُبُ حَقَّهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى دَيْنَهُ فِي مَالِ هَذَا الْغَرِيمِ الْمُرْتَدِّ الْمَقْتُولِ، وَلَا يَقَعُ فِي الْمَقَاسِمِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ هَذَا الْغَرِيمُ حَقَّهُ، فَإِذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ كَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَقَاسِمِ. [كِتَابُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ] [فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ] ِ فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ. قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ أَذِنْت لِعَبْدِي فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّهُ إذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ مَا دَايَنَ النَّاسَ بِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا يَتَّجِرُ فِيمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقْعَدَهُ لِلنَّاسِ، فَمَا يَدْرِي النَّاسُ لِأَيِّ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ أَقْعَدَهُ فَيَلْزَمُهُ مَا دَايَنَ النَّاسَ بِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ فِي ذِمَّتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقْعَدَهُ قَصَّارًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ الْقِصَارَةَ، أَيَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ؟ قَالَ: لَيْسَ بِمَأْذُونٍ لَهُ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْبَزَّازَ؛ لِأَنَّ هَذَا عَامِلٌ بِيَدَيْهِ وَقَدْ عَرَفَ النَّاسُ حَالَ هَذَا، وَإِنَّ هَذَا لَمْ يَأْمُرْ النَّاسَ بِمُدَايَنَتِهِ. [فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ يَبِيعُ بِالدَّيْنِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا بَاعَ سِلْعَةً ثُمَّ أَخَّرَ بِالثَّمَنِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ بِبَعْضِ الْبَلَدِ، أَنْ يُجَهِّزَ إلَى عَبْدِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَبِيعَ الْعَبْدُ، قَالَ مَالِكٌ: إذَا بَاعَ فَوَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي إنَّ لِهَذَا وُجُوهًا، فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ الَّذِي يُرِيدُ بِذَلِكَ اسْتِئْلَافَ النَّاسِ إلَيْهِ فِي تِجَارَتِهِ، سُئِلَ مَا تَصْنَعُونَ فَيُخَفِّفُ عَنْهُمْ أَوْ لَا يَرْبَحُونَ فَيُرْبِحَهُمْ يُرِيدُ بِذَلِكَ اسْتِئْلَافَ النَّاسِ إلَيْهِ، إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا وَلَا يُعْرَفُ بِهِ وَجْهٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَالرَّجُلُ يُوَكِّلُ الرَّجُلَ يَبِيعُ بَعِيرَهُ فِي السُّوقِ أَوْ جَارِيَتَهُ فَيَجِبُ الْبَيْعُ، ثُمَّ يَسْأَلُوهُ الْوَضِيعَةَ فَيَضَعُ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يَرَهُ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ. فَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ إذَا صَنَعَ مَا يَصْنَعُ التُّجَّارُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدِي [فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَدْعُو إلَى طَعَامِهِ أَوْ يُعِيرُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، إذَا دَعَا إلَى طَعَامِهِ أَوْ أَعَارَ بَعْضَ ثِيَابِهِ أَوْ أَعَارَ دَابَّتَهُ، أَيَجُوزُ لَهُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْعَبْدِ يَكُونُ لَهُ الْمَالُ الْوَاسِعُ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيُولَدُ لَهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ وَيَصْنَعَ لَهُ صَنِيعًا وَيُطْعِمَ عَنْهُ، أَتَرَى ذَلِكَ لَهُ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَهُ لَا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ غَيْرَ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا كَانَ لَهُمَا مَالٌ، أَيَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يُعِيرَا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمَا بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ، فَأَرَى الْعَارِيَّةَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قُلْتُ: وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَصْنَعَ طَعَامًا فَيَدْعُوَ إلَيْهِ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا يَجُوزُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ سَيِّدُهُ، لَا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَيَصْنَعُ ذَلِكَ لِيَجْتَرَّ بِهِ إلَيْهِ الرَّجُلَ الْمُشْتَرِيَ الْمُشْتَرَى مِنْهُ، فَيَكُونُ مَا صَنَعَ إنَّمَا يَطْلُبُ بِذَلِكَ الْمَنْفَعَةَ فِي شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ التِّجَارَةِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدِي. [الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَسْتَهْلِكُ الْوَدِيعَةَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، إذَا اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ وَدِيعَةً فَاسْتَهْلَكَهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُسْقِطَ ذَلِكَ مِنْ ذِمَّتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ ذَلِكَ مِنْ ذِمَّتِهِ، وَالدَّيْنُ لَازِمٌ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ. قُلْتُ: لِمَ، وَهَذَا إنَّمَا اسْتَوْدَعَهُ، الْوَدِيعَةُ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ؟ قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهَا فِي ذِمَّتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَبْدَ الرَّجُلِ إذَا اسْتَدَانَ دَيْنًا وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؟ قَالَ: لَا يَتْبَعُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْتِقَ يَوْمًا فَيَتْبَعَهُ فِي ذِمَّتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَيِّدُهُ قَدْ فَسَخَ ذَلِكَ عَنْهُ وَأَعْلَنَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْعَبْدِ: مَا اسْتَوْدَعَهُ النَّاسُ أَوْ ائْتَمَنُوهُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا آَتَاهُ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ طَائِعِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يَكُونُ فِي رَقَبَتِهِ إذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَفْسَخَ ذَلِكَ عَنْهُ. فَالْمَحْجُورُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ، إلَّا أَنْ يَفْسَخَ ذَلِكَ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إذَا ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ فَهُوَ عَيْبٌ، فَلَيْسَ لِمَنْ دَايَنَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَنْ يُوجِبَ فِي رَقَبَتِهِ عَيْبًا، وَهُوَ الَّذِي أَضَاعَ مَالَهُ. [فِي أُمِّ وَلَدِ الْعَبْدِ التَّاجِرِ وَوَلَدِهِ يُبَاعُونَ فِي دَيْنِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ التَّاجِرَ إذَا وَلَدَتْ مِنْهُ أَمَتُهُ وَلَدًا، أَيَكُونُ ابْنُهُ مِلْكًا لَهُ وَلَا يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ؟ قَالَ: أَمَّا وَلَدُهُ فَلَا يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ، وَأَمَّا أُمُّ وَلَدِهِ فَإِنَّهَا تُبَاعُ فِي دَيْنِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَلِمَ لَا يُبَاعُ ابْنُهُ فِي دَيْنِهِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ. قَالَ: نَعَمْ، وَلَقَدْ شَدَّدَ عَلَيَّ مَالِكٌ فِي أُمِّ وَلَدِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا؟ فَقَالَ لِي: إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ، فَلَمْ يَزِدْنِي عَلَى هَذَا. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْوَلَدُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِلْعَبْدِ التَّاجِرِ وَلَا لِلْمُكَاتَبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَدِينَ - عِنْدَ مَالِكٍ - إذَا اتَّخَذَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ، أَنَّ وَلَدَهُ بِمَنْزِلَتِهِ؟ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مِلْكًا لَهُ لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ وَلَدِ الْعَبْدِ التَّاجِرِ، أَيَبِيعُهَا فِي دَيْنِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ لَهُ. قُلْتُ: وَكَيْفَ تَكُونُ مَالًا لَهُ، وَأَنْتَ تَقُولُ فِي أُمِّ وَلَدِ الْحُرِّ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ لَهُ وَلَا يَبِيعُهَا فِي دَيْنِهِ؟ قَالَ: أُمُّ وَلَدِ الْحُرِّ فِي هَذَا لَا تُشْبِهُ أُمَّ وَلَدِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُبَعْ أُمُّ وَلَدِ الْحُرِّ فِي دَيْنِ الْحُرِّ، لِلْعِتْقِ الَّذِي دَخَلَهَا، وَلِسَيِّدِهَا أَنْ يَطَأَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ لَهُ فِيهَا الْمُتْعَةُ إلَى الْمَوْتِ. وَأُمُّ وَلَدِ الْعَبْدِ التَّاجِرِ لَمْ يَدْخُلْهَا عِتْقٌ بَعْدُ فَلِذَلِكَ تُبَاعُ فِي دَيْنِ الْعَبْدِ، وَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا مِثْلُ مَا لِلْحُرِّ أَنْ يَطَأَ أُمَّ وَلَدِهِ. وَلَوْ قُلْتُ: إنَّهَا لِلسَّيِّدِ حِينَ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، نَهَيْتُهُ عَنْ وَطْئِهَا. فَهُوَ يَطَؤُهَا وَتُبَاعُ فِي دَيْنِهِ، وَأُمُّ وَلَدِ الْعَبْدِ لَمْ يَدْخُلْهَا عَتَاقَةً بَعْدُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ يَشْتَرِي وَلَدَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، أَيُبَاعُونَ فِي دَيْنِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: لِمَ وَهُمْ لَيْسُوا بِمِلْكِهِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يُتْلِفُ أَمْوَالَ غُرَمَائِهِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِلْكُهُ. [فِي صَدَقَةِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَهِبَتُهُمْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِمْ] ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ وَالْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْعَبْدِ، إذَا تَصَدَّقُوا أَوْ وَهَبُوا هِبَةً فَاسْتَهْلَكَهَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَوْ الْمَوْهُوبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ فَرَدَّ صَدَقَتَهُمْ أَوْ هِبَتَهُمْ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ؟ قَالَ: تَكُونُ قِيمَةُ ذَلِكَ لِهَؤُلَاءِ دَيْنًا عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ السَّيِّدِ انْتِزَاعًا مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْعَبْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِسَيِّدِهِمْ. فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ أَوْ أَفْلَسَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ، وَقَدْ كَانَ رَدَّ ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ لَهُمْ عَلَى حَالِ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَذَلِكَ لَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا لِهَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ قَدْ رَدَّهُ وَأَقَرَّهُ لَهُمْ كَمَا هُوَ وَلَمْ يَنْتَزِعْهُ، فَإِنْ كَانَ رَدَّهُ وَاسْتَثْنَاهُ لِنَفْسِهِ؛ كَانَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ إلَّا فِي الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ لِلْمُكَاتَبِ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنْ مَالِهِ مِنْهُ، وَهُوَ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَ عَبْدِهِ وَمُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ مَا لَمْ يَمْرَضْ، فَإِنْ مَرِضَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَ أَمِّ وَلَدِهِ وَلَا مَالَ مُدَبَّرِهِ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا رَدَّ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ، فَهُوَ لِأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَلَا يَنْتَزِعُهُ السَّيِّدُ مِنْهُ. قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي فِي هِبَةِ الْعَبْدِ وَصَدَقَتِهِ، إذَا رَدَّهَا السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ الْعَبْدُ. ![]()
__________________
|
|
#248
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 91الى صــ 100 الحلقة(248) [فِي دَيْنِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ وَتَفْلِيسِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ مَعَ الْعَبْدِ مَالٌ لِلسَّيِّدِ، قَدْ دَفَعَهُ إلَيْهِ يَتَّجِرُ بِهِ وَأَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَلَحِقَ الْعَبْدَ دَيْنٌ، أَيَكُونُ الدَّيْنُ الَّذِي لَحِقَ الْعَبْدَ فِي مَالِ الْعَبْدِ وَمَالِ السَّيِّدِ، الَّذِي دَفَعَهُ إلَى الْعَبْدِ يَتَّجِرُ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ. يَكُونُ الدَّيْنُ الَّذِي لَحِقَ الْعَبْدَ فِي مَالِ السَّيِّدِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَى الْعَبْدِ يَتَّجِرُ بِهِ وَفِي مَالِ الْعَبْدِ، وَلَا يَكُونُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَيَكُونُ بَقِيَّةُ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَلَا يَكُونُ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ شَيْءٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَايَنَهُ السَّيِّدُ أَيَضْرِبُ بِدَيْنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ إذَا دَايَنَهُ مُدَايَنَةً صَحِيحَةً. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا دَايَنَهُ سَيِّدُهُ، أَيَلْزَمُ الْعَبْدَ ذَلِكَ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَيَضْرِبُ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ؟ قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، مَا لَمْ يُحَابِ الْعَبْدُ بِهِ سَيِّدَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّيِّدَ أَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِ فِي مَالِ الْعَبْدِ، وَفِي مَالِهِ الَّذِي فِي يَدِ الْعَبْدِ الَّذِي كَانَ دَفَعَهُ إلَيْهِ يَتَّجِرُ بِهِ، وَقَدْ جَعَلْتَهُ أَنْتَ لِلْغُرَمَاءِ، أَمْ لَا يَضْرِبُ إلَّا فِي مَالِ الْعَبْدِ وَحْدَهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ فِيمَا فِي يَدَيْ الْعَبْدِ مِنْ مَالِهِ وَمَالِ سَيِّدِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ مُنِعَ مِنْ الْمُحَاصَّةِ؛ لَذَهَبَ مَالُ السَّيِّدِ الَّذِي بَاعَهُ أَوْ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ؟ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَمَرْتُهُ بِالتِّجَارَةِ وَدَفَعْت إلَيْهِ مَالًا يَتَّجِرُ بِهِ فَتَجَرَ فَرَكِبَهُ الدَّيْنُ؟ قَالَ: الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ وَفِي الْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ مِنْ مَالِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُدَايِنَ النَّاسَ عَلَيْهِ حِينَ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الْعَبْدِ يَسْتَتْجِرُهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ يُفْلِسُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ: إنَّ سَيِّدَهُ لَا يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِمَا كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ مِنْ مَالِهِ الَّذِي اسْتَتْجَرَهُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَسْلَفَهُ سَلَفًا أَوْ بَاعَهُ بَيْعًا، فَإِنَّهُ يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ. وَإِنْ كَانَ رَهَنَهُ رَهْنًا فَهُوَ أَوْلَى بِرَهْنِهِ، وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ بَيْعًا لَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ فِي كَثْرَةِ مَا زَادَ الْعَبْدُ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ السَّيِّدُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يُولِجَ إلَى سَيِّدِهِ، وَأَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يَجُرَّ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ، فَالْغُرَمَاءُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ أَوْلَى بِمَا فِي يَدِ الْعَبْدِ، إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ بَيْعًا يُشْبِهُ الْبَيْعُ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَذِنْت لِعَبْدِي فِي التِّجَارَةِ فَاغْتَرَقَهُ الدَّيْنُ، فَوُهِبَ لِلْعَبْدِ مَالٌ، مَنْ أَوْلَى بِمَا وُهِبَ لِلْعَبْدِ، أَسَيِّدُهُ أَمْ الْغُرَمَاءُ؟ قَالَ: الْغُرَمَاءُ أَوْلَى بِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَالْمَالُ قَدْ صَارَ مِلْكًا لِلْعَبْدِ، فَالْغُرَمَاءُ أَوْلَى بِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ سَيِّدُهُ أَوْلَى بِعَمَلِهِ وَكَسْبِهِ، فَأَمَّا مَا وُهِبَ لَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَالْغُرَمَاءُ أَوْلَى بِذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَذِنْت لِعَبْدِي فِي التِّجَارَةِ فَلَحِقَهُ دَيْنٌ، فَوُهِبَ لِلْعَبْدِ هِبَةٌ أَوْ جُرِحَ الْعَبْدُ جُرْحًا لَهُ أَرْشٌ، لِمَنْ يَكُونُ الْأَرْشُ وَلِمَنْ تَكُونُ الْهِبَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: الْهِبَةُ لِلْغُرَمَاءِ وَالْأَرْشُ لِلسَّيِّدِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا اغْتَرَقَهُ الدَّيْنُ فَقُتِلَ، فَأَخَذَ سَيِّدُهُ قِيمَتَهُ، أَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ شَيْءٌ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ مَا لَزِمَ ذِمَّةَ الْعَبْدِ، أَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ بَعْدَمَا يَأْخُذُ السَّيِّدُ خَرَاجُهُ مَنْ الْعَبْدِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ خَرَاجٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ خَرَاجِ الْعَبْدِ شَيْءٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا مِنْ الَّذِي يَبْقَى فِي يَدِ الْعَبْدِ بَعْدَ خَرَاجِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ فِي مَالٍ، إنْ وُهِبَ لِلْعَبْدِ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهِ فَقَبِلَهُ الْعَبْدُ، فَأَمَّا عَمَلُهُ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ دَيْنُهُمْ الَّذِي صَارَ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ فِي مَالِ الْعَبْدِ، إنْ طَرَأَ لِلْعَبْدِ مَالٌ يَوْمًا مَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. وَإِنْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ يَوْمًا مَا؛ كَانَ ذَلِكَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَكُلُّ دَيْنٍ لَحِقَ الْعَبْدَ وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَهَذَا الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ أَوْ كَسْبِهِ مِنْ التِّجَارَةِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَخَرَاجِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ دَيْنٌ ضَرَبَ بِدَيْنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَقَدْ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَصِيرُ فِي مَالِ سَيِّدِ الْعَبْدِ. مَا ادَّانَ لِسَيِّدِهِ مِنْ تِجَارَةٍ يَسْتَدِينُ فِيهَا بِمَالِ سَيِّدِهِ وَيُدَايِنُ فِيهَا بِمَالِهِ. وَكُلُّ ذَلِكَ يُدِيرُهُ لِسَيِّدِهِ قَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ وَأَقَرَّ لَهُ بِهِ. قَالَ: وَمَا تَحَمَّلَ بِهِ سَيِّدُهُ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَيَصِيرُ فِي مَالِ الْعَبْدِ وَفِي عَمَلِهِ مَا خُلِّيَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ التِّجَارَةِ فِيهِ لِنَفْسِهِ. وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا اسْتَجَرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، ثُمَّ ادَّانَ، لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ غُرْمُ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ، وَيَأْخُذُ الْغُرَمَاءُ كُلَّ مَا وَجَدُوهُ مِنْ مَالِ فِي يَدَيْ الْعَبْدِ فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَحَمَّلَ بِهِ، فَإِنْ وُجِدَ لِلْعَبْدِ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ. إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: كَانَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ يَقُولُ: إذَا أَفْلَسَ الْعَبْدُ فَلَا يُقْضَى دَيْنُهُ إلَّا بِشُهُودٍ. وَسَأَلْتُ اللَّيْثَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. [فِي الْمَأْذُونِ لَهُ يُفْلِسُ وَفِي يَدَيْهِ سِلْعَةٌ أَوْ سَلَمٌ لِسَيِّدِهِ بِعَيْنِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ بَاعَهُ مَوْلَاهُ سِلْعَةً بِعَيْنِهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ الْعَبْدُ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا فِي يَدِ الْعَبْدِ؟ قَالَ: السَّيِّدُ أَحَقُّ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْغُرَمَاءُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَى السَّيِّدِ الثَّمَنَ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ فِي أَلْفِ إرْدَبٍّ مَنْ حِنْطَةٍ، أَوْ إلَى عَبْدِي مِائَةَ دِينَارٍ فِي أَلْفِ إرْدَبِّ حِنْطَةٍ - وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ - فَقَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْعَبْدِ فَفَلَّسُوهُ، أَوْ قَامَ عَلَى الرَّجُلِ غُرَمَاؤُهُ فَفَلَّسُوهُ، وَالدَّنَانِيرُ الَّتِي أُسْلِمَتْ إلَيْهِ فِي يَدِهِ بِعَيْنِهَا قَائِمَةٌ يَشْهَدُ الشُّهُودُ عَلَيْهَا أَنَّهَا بِعَيْنِهَا؟ قَالَ: إنْ شَهِدَ شُهُودٌ أَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوهُ، وَأَنَّ الدَّنَانِيرَ هِيَ بِعَيْنِهَا، فَصَاحِبُهَا أَوْلَى بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فِيمَا بَلَغَنِي. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مَنْ رَجُلٍ رَوَايَا زَيْتٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهَا فَصَبَّهَا فِي جِرَارٍ لَهُ فِيهَا زَيْتٌ كَثِيرٌ، وَمَعَهُ شُهُودٌ يَنْظُرُونَ حَتَّى أَفْرَغَهَا فِي زَيْتِهِ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبهُ بِحَقٍّ بَانَ فِيهِ إفْلَاسُهُ، فَقَامَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ زَيْتَهُ، فَقَالَ غُرَمَاؤُهُ: لَيْسَ هُوَ زَيْتُك بِعَيْنِهِ قَدْ خَلَطَهُ بِزَيْتٍ غَيْرِهِ، قَالَ: أَرَى أَنْ يَأْخُذَ زَيْتَهُ، وَهُوَ عِنْدِي بِعَيْنِهِ، لَيْسَ خَلْطُهُ إيَّاهُ بِاَلَّذِي يَمْنَعُهُ أَنْ يَأْخُذَ زَيْتَهُ. وَمِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ وَقَفَ عَلَى صَرَّافٍ، فَدَفَعَ إلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ فَصَبَّهَا فِي كِيسِهِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ثُمَّ بَانَ فَلَسُهُ مَكَانَهُ أَوْ الْبَزُّ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ فَيَرِقُّهُ وَيَخْلِطُهُ بِبَزٍّ غَيْرِهِ ثُمَّ يُفْلِسُ، فَلَيْسَ هَذَا وَأَشْبَاهُهُ بِاَلَّذِي يُقْطَعُ عَنْ النَّاسِ؛ أَخَذَ مَا وَجَدُوا مِنْ مَتَاعِهِمْ إذَا فَلَّسَ مَنْ ابْتَاعَهُ إذَا كَانُوا عَلَى هَذَا. وَإِنْ كَانَ أَشْهَبُ يَقُولُ: لَيْسَ الْعَيْنُ مِثْلَ الْعَرَضِ، لَيْسَ لَهُ عَلَى الْعَيْنِ سَبِيلٌ وَهُوَ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالْعَرَضِ إذَا وَجَدَهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ. [فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِالدَّيْنِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ، أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ فِي إقْرَارِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ، لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ إقْرَارُهُ كَمَا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُ الْحُرِّ إذَا قَامَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ وَفَلَّسُوهُ. وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي مُدَايَنَتِهِ النَّاسَ. قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ قَبْلَ التَّفْلِيسِ، فَيَكُونَ إقْرَارُهُ جَائِزًا عَلَيْهِ، يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ إنْ فَلَّسُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ إذَا أَذِنْت لَهُ فِي التِّجَارَةِ، ثُمَّ حَجَرْت عَلَيْهِ وَفِي يَدَيْهِ مَالٌ وَأَقَرَّ بِدُيُونٍ لِلنَّاسِ. أَيَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ فِي مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ الْعَبْدِ التَّاجِرِ يُقِرُّ لِلنَّاسِ بِدُيُونٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ وَضَعَهُ بِمَوْضِعِ ذَلِكَ إذَا أَقَرَّ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِي مَسْأَلَتِكَ شَيْئًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لِي: إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ؛ جَازَ إقْرَارُهُ لَهُ. قَالَ لِي مَالِكٌ: وَالْعَبْدُ فِي هَذَا وَالْحُرُّ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ. [فِي عُهْدَةِ مَا يَشْتَرِي الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَكُونُ عَلَى سَيِّدِهِ مِنْ عُهْدَةِ مَا يَشْتَرِي الْعَبْدُ وَيَبِيعُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لِلنَّاسِ بَايِعُوهُ وَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ وَفِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ أَيْضًا، وَيُبَاعُ الْعَبْدُ إنْ لَمْ يُوَفِّ السَّيِّدُ عَنْ الْعَبْدِ غُرَمَاءَ الْعَبْدِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. [فِي الرَّجُلِ يَسْتَتْجِرُ عَبْدَهُ النَّصْرَانِيَّ] َّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ النَّصْرَانِيَّ، أَيَجُوزُ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَتْجِرَ عَبْدَهُ النَّصْرَانِيَّ، وَلَا يَأْمُرُ بِبَيْعِ شَيْءٍ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] سُورَةُ النِّسَاءِ: آيَةُ [فِي الْعَبْدِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَأْذَنُ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي التِّجَارَة] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَبْدًا بَيْنِي وَبَيْنَ شَرِيكِي، أَذِنْت لَهُ فِي التِّجَارَةِ دُونَ شَرِيكِي؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي التِّجَارَةِ دُونَ صَاحِبِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، هَلْ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لَهُ مَالٌ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَاسِمَ صَاحِبَهُ مَالَ الْعَبْدِ وَيَأْبَى الْآخَرُ. قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاسِمَهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى شَرِيكُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْسِرُ ثَمَنَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَقُولُ: أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتْرُكَ مَالَ الْعَبْدِ فِي يَدِ الْعَبْدِ يَتَّجِرُ بِهِ وَلَا آخُذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنِّي إذَا أَخَذَتْهُ مِنْهُ كَانَ كَسْرًا لِثَمَنِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ قَوْلًا وَحُجَّةً. قُلْتُ: فَإِنْ أَنْتَ مَنَعْتَ هَذَا مِنْ الْقَسَمِ، أَتَجْبُرُهُمَا عَلَى الْبَيْعِ أَمْ لَا؟ قَالَ: إذَا تَدَاعَيَا إلَى الْبَيْعِ، أَوْ دَعَا أَحَدُهُمَا إلَى الْبَيْعِ، أُجْبِرَ عَلَى الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَتَقَاوَمَاهُ فِيمَا بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. [الدَّعْوَى فِي مَالِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَبْدِي الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ - لِمَالٍ فِي يَدَيْهِ -: هَذَا مَالِي، وَقَالَ السَّيِّدُ: بَلْ هُوَ مَالِي، وَعَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فِي رَأْيِي. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ، لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي عَبْدٍ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ، فَقَالَ: فُلَانٌ اسْتَوْدَعَنِي إيَّاهُ وَقَالَ: السَّيِّدُ بَلْ الثَّوْبُ ثَوْبِي، قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الثَّوْبَ ثَوْبُهُ. [فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَحْجُرُ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ] ُ قُلْتُ: هَلْ سَمِعَتْ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْحَجْرِ، كَيْفَ يَحْجُرُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى وَلِيِّهِ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْجُرُ عَلَى وَلِيِّهِ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَيَكُونُ السُّلْطَانُ هُوَ الَّذِي يُوَقِّفُهُ لِلنَّاسِ وَيَسْمَعُ بِهِ فِي مَجْلِسِهِ وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ بَاعَهُ أَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مَرْدُودٌ. ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: فِي عَبْدٍ لِرَجُلٍ إذَا كَانَ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ دُونَ السُّلْطَانِ، قَالَ: لَا، حَتَّى يَكُونَ السُّلْطَانُ هُوَ الَّذِي يُوَقِّفُهُ لِلنَّاسِ. قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ السُّلْطَانُ فَيُطَافَ بِهِ حَتَّى يُعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ آجَرَ عَبْدَهُ هَذَا الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ أَيَجُوزُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَاجِرَ عَبْدَهُ وَلَا أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا لَحِقَهُ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، أَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَمْنَعَهُ مِنْ التِّجَارَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِلسَّيِّدِ أَنْ يَمْنَعَهُ وَدَيْنُهُ فِي مَالِهِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ فِي مَالِهِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ، أَوْ يَكُونَ السَّيِّدُ دَايَنَهُ فَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ. قُلْتُ: فَهَلْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْجُرُوا عَلَيْهِ وَالسَّيِّدُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إنَّمَا لَهُمْ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ فَيُفَلِّسُوهُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْجُرُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي هَذَا وَهُوَ رَأْيِي. [كِتَابُ الْكَفَالَةِ وَالْحَمَالَةُ] [مَا جَاءَ فِي الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ يَغْرَمُ الْمَالَ] ُ مَا جَاءَ فِي الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ يَغْرَمُ الْمَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ رَجُلٌ بِوَجْهِ رَجُلٍ، أَيَكُونُ هَذَا كَفِيلًا بِالْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَكَفَّلَ بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ غَرِمَ الْمَالَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ لَهُ بِوَجْهٍ إلَى أَجَلٍ، فَمَضَى الْأَجَلُ وَرَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ، أَيَغْرَمُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَلَوَّمُ لَهُ السُّلْطَانُ، فَإِنْ أَتَى بِهِ وَإِلَّا غَرِمَ الْمَالَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، فَغَابَ لَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ سَافَرَ سَفَرًا بَعِيدًا غُرِّمَ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا - الْيَوْمُ وَمَا أَشْبَهَهُ - لُوِّمَ لَهُ كَمَا يُتَلَوَّمُ فِي الْحَاضِرِ، فَإِنْ أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ لَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا غُرِّمَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ آتِ بِهِ فَغَرِمْتُ الْمَالَ، ثُمَّ وَجَدْته بَعْدَ ذَلِكَ فَأَتَيْتُ بِهِ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَخَذَ مِنِّي الْمَالَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ تَتَبَّعْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ الَّذِي تَحَمَّلْتُ لَهُ بِمَا غَرِمْتُ عَنْهُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِرَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، فَأَتَيْتُ بِهِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، أَيَكُونُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ. قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ عَلَيَّ مِنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ لِأَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت بِنَفْسِهِ كَفِيلًا إلَى غَدٍ، ثُمَّ أَتَى بِهِ مِنْ الْغَدِ، أَيَبْرَأُ مِنْ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَبْرَأُ مِنْ الْمَالِ فِي رَأْيِي. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْحَمِيلُ غَارِمٌ» . [فِي الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ لَا يَغْرَمُ الْمَالَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا أَتَكَفَّلُ بِوَجْهِهِ إلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ لَمْ آتِ بِهِ وَإِلَّا فَعَلَيَّ طَلَبُهُ حَتَّى آتِيَ بِهِ فَأَمَّا الْمَالُ فَلَا أَضْمَنُهُ. أَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ إنْ مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ كَمَا اشْتَرَطَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ لَمْ أُوَافِهِ بِهِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيَّ مِنْ الْمَالِ، وَلَكِنَّنِي حَمِيلٌ لَهُ بِوَجْهِهِ أَطْلُبُهُ حَتَّى آتِيهِ بِهِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ عَلَى شَرْطِهِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ، لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا طَلَبُ وَجْهِهِ هُوَ شَرْطٌ لِنَفْسِهِ مَا ذَكَرْتُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا تَحَمَّلَ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ أَوْ بِالْحَقِّ أَوْ بِعَيْنِهِ، فَالْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ كَالدَّيْنِ وَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، إلَّا أَنَّهُ إذَا تَحَمَّلَ بِالرَّجُلِ أَوْ بِالْعَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ بِالْمَالِ، فَجَاءَ بِالرَّجُلِ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ جَمِيعِ حَمَالَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ أُغْرِمَ الْحَمِيلُ كَمَا يُغَرَّمُ مَنْ تَحَمَّلَ بِالْمَالِ. فَالْحَمَالَةُ بِنَفْسِ الرَّجُلِ وَبِالْمَالِ سَوَاءٌ، إذَا لَمْ يَأْتِ بِالرَّجُلِ، وَحَمِيلُ الْمَالِ لَا يُبَرِّئُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّجُلِ. وَمَنْ اشْتَرَطَ فِي الْحَمَالَةِ بِالْوَجْهِ أَنِّي لَسْتُ مِنْ الْمَالِ فِي شَيْءٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ، أَجَاءَ بِالرَّجُلِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْمُولَ لَهُ لَمْ يُؤَكِّدْ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنِّي لَسْتُ مِنْ الْمَالِ فِي شَيْءٍ، كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِالرَّجُلِ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ، فَفَرَّطَ فِي ذَلِكَ وَتَرَكَهُ وَهُوَ يُمْكِنُهُ حَتَّى غَابَ، فَيَكُونُ قَدْ غَرِمَ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَخَذَ لِيَجْمَعَهُ عَلَى صَاحِبِهِ - وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شُرُوطِ الْمُسْلِمِينَ - وَإِنْ تَحَمَّلَ بِعَيْنِ الرَّجُلِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ إلَيْهِ، فَطَلَبَهُ مِنْهُ الْمَحْمُولُ لَهُ، وَرَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالْمَالِ حَتَّى أَتَى بِهِ، فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْمَالِ وَمِنْ عَيْنِ الرَّجُلِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ حِينَ لَمْ يَأْتِ بِالرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ مَا رَآهُ السُّلْطَانُ، فَقَدْ لَزِمَهُ الْمَالُ وَمَضَى الْحُكْمُ، وَإِنْ حَبَسَ الْغَرِيمُ الْمَحْمُولَ بِعَيْنِهِ فِي الْحَبْسِ، وَقَدْ كَفَلَ بِهِ رَجُلٌ فَأَخَذَ بِهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي السِّجْنِ، فَقَدْ بَرِئَ الْحَمِيلُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ فِي السِّجْنِ، فَيُحْبَسُ لَهُ فِي حَقِّهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ انْقَضَى مَا سُجِنَ فِيهِ فَهُوَ يُحْبَسُ لَهُ فِي حَقِّهِ. وَكَذَلِكَ إذَا أَمْكَنَهُ مِنْهُ فِي مَوْضِعِ حُكْمٍ وَسُلْطَانٍ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ. وَإِنْ دَفَعَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَبْسُهُ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ سُلْطَانًا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا سُلْطَانَ فِيهِ، أَوْ فِي حَالِ فِتْنَةٍ أَوْ فِي مَفَازَةٍ أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ الْغَرِيمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ حَتَّى يَدْفَعَهُ حَيْثُ تَمْضِي الْأَحْكَامُ وَيَكُونُ السُّلْطَانُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَفَّلَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ أَمْكَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ فِي السِّجْنِ، أَوْ حَيْثُ تَجُوزُ الْأَحْكَامُ. وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَحَمَّلَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَهَذِهِ نَفْسُهُ قَدْ ذَهَبَتْ وَإِنَّمَا تَحَمَّلَ بِهِ مَا كَانَ حَيًّا وَإِنْ كَانَ أُخِذَ الْحَمِيلُ بِالْغَرِيمِ - وَالْغَرِيمُ غَائِبٌ - فَحُكِمَ عَلَى الْحَمِيلِ وَأُغْرِمَ الْمَالَ، ثُمَّ طَلَعَتْ لِلْحَمِيلِ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْغَرِيمَ كَانَ مَيِّتًا قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى الْحَمِيلِ، ارْتَجَعَ مَالُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ حِينَ أَخَذَ بِهِ الْحَمِيلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَحَمَّلَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَهَذِهِ نَفْسُهُ قَدْ ذَهَبَتْ. وَإِنَّمَا تَقَعُ الْحَمَالَةُ بِالنَّفْسِ مَا كَانَ حَيًّا. وَلَوْ أَنَّ الْغَرِيمَ أَمْكَنَ الطَّالِبَ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَشْهَدَ أَنِّي قَدْ دَفَعْت نَفْسِي إلَيْك مَنْ حَمَالَةِ فُلَانٍ بِي، وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ يُبَرِّئُهُ ذَلِكَ، وَكَانَ كَأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْحَمِيلِ، وَلَا يَبْرَأُ الْحَمِيلُ حَتَّى يَدْفَعَهُ هُوَ نَفْسُهُ أَوْ وَكِيلُهُ. وَإِنْ أَبَى الطَّالِبُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ، فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْحَمِيلُ أَوْ وَكِيلُ الْحَمِيلِ، فَقَدْ بَرِئَ الْحَمِيلُ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «الْحَمِيلُ غَارِمٌ» وَقَالَ أَيْضًا: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَالزَّعِيمُ هُوَ الْحَمِيلُ. فَإِذَا قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لَكَ، أَوْ حَمِيلٌ لَكَ، أَوْ قَبِيلٌ لَكَ، أَوْ زَعِيمٌ لَكَ، أَوْ هُوَ لَكَ عِنْدِي، أَوْ هُوَ لَكَ عَلَيَّ، أَوْ هُوَ لَكَ إلَيَّ، أَوْ هُوَ لَكَ قِبَلِي، فَهَذَا كُلُّهُ ضَامِنٌ لَازِمٌ. وَالضَّمَانُ حَمَالَةٌ وَالْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ كَالدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا يُرِيدُ الْحَقَّ فَهُوَ لَازِمٌ. وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الرَّجُلَ فَهُوَ لَازِمٌ، فَخُذْ هَذَا عَلَى هَذَا. [ادَّعَى حَقًّا قِبَلَ رَجُلٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ. فَقَالَ رَجُلٌ لِلطَّالِبِ: أَنَا كَفِيلٌ لَكَ بِوَجْهِهِ إلَى غَدٍ، فَإِنْ لَمْ آتِك بِهِ فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ فَلَمْ يَجِئْ بِهِ بَعْدَ الْغَدِ؟ قَالَ: يُقَالُ لِهَذَا الطَّالِبِ: أَثْبِتْ حَقَّكَ وَأَقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَكَ. وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْكَفِيلِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّهِ. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. [ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ فَيَقُولُ أَجِّلْنِي الْيَوْمَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا فَأَنْكَرَ. ثُمَّ قَالَ: أَجِّلْنِي الْيَوْمَ فَإِنْ لَمْ أُوَفِّك غَدًا فَالْحَقُّ الَّذِي تَدَّعِي هُوَ لَكَ قِبَلِي؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَأَرَى هَذَا مُخَاطَرَةً وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. [فِي رَجُلٍ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى رَجُلٍ فَيَقُولُ لَهُ رَجُلٌ آخَرُ أَنَا لَكَ حَمِيلٌ بِهَا ثُمَّ يُنْكِرُهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا لَكَ بِهَا كَفِيلٌ، فَجَاءَ فُلَانٌ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَدْ جَحَدَهُ. قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ . قَالَ: لَا [تَحَمَّلَ الرَّجُلُ بِحَقٍّ عَنْ صَبِيٍّ فَدَفَعَهُ هَلْ يَرْجِعُ عَلَى الصَّبِيِّ] ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ يَدَّعِي رَجُلٌ قِبَلَهُ حَقًّا، فَيَتَكَفَّلُ بِهِ رَجُلٌ فَيَقْضِي بِذَلِكَ الْحَقِّ عَلَى الصَّبِيِّ فَأَخَذَهُ الطَّالِبُ مَنْ الْكَفِيلِ، أَيَكُونُ لِلْحَمِيلِ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الصَّبِيِّ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّى عَنْ رَجُلٍ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمَرَهُ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْمَالُ. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَصْلِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْوَجْهِ كُلِّهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ حَقًّا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ صَبِيًّا أَفْسَدَ مَتَاعًا لِرَجُلٍ، فَأَلْزَمَهُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الْمَتَاعِ فَأَدَّى عَنْهُ رَجُلٌ بِغَيْرِ أَمْرِ الصَّبِيِّ وَبِغَيْرِ أَمْرِ الْوَلِيِّ، فَأَرَادَ أَنْ يَتْبَعَ بِذَلِكَ الصَّبِيَّ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي رَأْيِي، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا أَفْسَدَ الصَّبِيُّ أَوْ كَسَرَ أَوْ اخْتَلَسَ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَيْهِ. [الْقَضَاءُ وَالدَّعْوَى فِي الْكَفَالَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَنْ قِبَلِ كَفَالَةٍ، وَأَلْفًا مَنْ قِبَلِ قَرْضٍ، فَدَفَعَ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ: الْأَلْفُ الَّتِي دَفَعْتهَا إلَيْك مِنْ قِبَلِ الْقَرْضِ وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ هِيَ مِنْ الْكَفَالَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكُ: يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ نِصْفُهَا مِنْ الْكَفَالَةِ وَنِصْفُهَا مِنْ الْقَرْضِ وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمُقْتَضِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَدْ ائْتَمَنَهُ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَوَثَّقَ مِمَّا دَفَعَ وَيَتَبَرَّأَ مِمَّا عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ أَيْضًا، لَا قَوْلَ لِوَرَثَةِ الَّذِي قَضَى مَعَ الْمُقْتَضِي إلَّا مِثْلُ الَّذِي كَانَ لِلَّذِي وَرِثَهُمْ. قُلْتُ: لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ الدَّافِعُ فَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الْمَالَ؟ فَقَالَ: وَرَثَتُهُ عِنْدِي بِمَنْزِلَتِهِ، يُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَ الْقَرْضِ وَالْكَفَالَةِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْوَرَثَةِ شَيْئًا. [فِي أَخْذ الْحَمِيلِ بِالْحَقِّ وَالْمُتَحَمِّلُ بِهِ مَلِيءٌ غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ] ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَحَمَّلْتَ بِرَجُلٍ أَوْ مَالِ عَلَى رَجُلٍ، أَيَكُونُ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ يَأْخُذَنِي بِالْحَقِّ الَّذِي تَحَمَّلْتُ، وَصَاحِبِي الَّذِي تَحَمَّلْتُ بِهِ مَلِيءٌ بِاَلَّذِي عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ. فَإِنْ نَقَصَ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْحَمِيلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِدْيَانًا وَصَاحِبُ، الْحَقِّ يَخَافُ إنْ قَامَ عَلَيْهِ حَاصَّهُ الْغُرَمَاءُ، أَوْ غَائِبًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَمِيلَ وَيَدَعَهُ. وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ قَبْلَ ذَلِكَ، لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ: إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ الْحَمِيلَ وَإِنْ شَاءَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مَلِيًّا غَائِبًا وَالْحَمِيلُ حَاضِرٌ، أَيَكُونُ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَمِيلَ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَلِيءٌ إلَّا أَنَّهُ غَائِبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَمْوَالٌ حَاضِرَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّهَا تُبَاعُ أَمْوَالُهُ فِي دَيْنِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي تَثْبِيتِ ذَلِكَ وَفِي النَّظَرِ فِيهِ بُعْدٌ، فَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَمِيلِ وَبِمِثْلِ هَذَا آخُذُ وَمَا أَشْبَهَهُ. [فِي الْحَمِيلِ أَوْ الْمُتَحَمِّلِ بِهِ يَمُوتُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِمَالِهِ عَلَى رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، فَمَاتَ الْكَفِيلُ أَوْ الْمَكْفُولُ لَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا مَاتَ الْكَفِيلُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ كَانَ لِرَبِّ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ مَالِ الْكَفِيلِ، وَلَا يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْكَفِيلِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ شَيْئًا حَتَّى يَحِلَّ أَجَلُ الْمَالِ. قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، كَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ بِالْحَقِّ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ الْكَفِيلُ قَبْلَ مَحَلِّ أَجَلِ الْكَفَالَةِ، وَعَلَى الْكَفِيلِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، أَيَكُونُ لِلْمَكْفُولِ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِمِقْدَارِ دَيْنِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَقَالَ مَالِكٌ مَا أَخْبَرْتُكَ وَقَالَ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ. [فِي الْمُتَحَمِّلِ بِهِ يَمُوتُ قَبْلَ أَجَلِ الْحَقِّ وَالْمُتَحَمِّلُ لَهُ وَارِثُهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي تَكَفَّلْت عَنْ رَجُلٍ بِمَالٍ، أَوْ أَحَالَهُ عَلَيَّ رَجُلٌ بِمَالٍ، فَمَاتَ الْمَطْلُوبُ الْغَرِيمُ وَالطَّالِبُ وَارِثُهُ؟ قَالَ: إنْ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ فَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ، وَإِنْ مَاتَ وَلَهُ مَالٌ فِيهِ وَفَاءٌ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَجَعَ الطَّالِبُ عَلَى الْكَفِيلِ، يَرْجِعُ الْكَفِيلُ فِي مَالِ الْمَطْلُوبِ الْهَالِكِ وَالطَّالِبُ وَارِثُهُ، فَقَدْ صَارَ لَهُ الْمَالُ فَصَارَ ذَلِكَ قِصَاصًا ![]()
__________________
|
|
#249
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 101الى صــ 110 الحلقة(249) وَأَمَّا فِي الْحَوَالَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَحَالَ الطَّالِبَ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى هَذَا الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ، فَهِيَ حَوَالَةٌ وَلَيْسَتْ بِحَمَالَةٍ، وَلِلطَّالِبِ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى هَذَا الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ، كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي. [فِي الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ لَهُمَا بِحَقٍّ فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ غَائِبٌ فَيَقْدَمُ هَلْ يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي تَكَفَّلْت لِرَجُلَيْنِ بِحَقٍّ لَهُمَا، فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَحَضَرَ الْآخَرُ، فَأَخَذَ مِنِّي الْحَاضِرُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ فَقَدِمَ الْغَائِبُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِحِصَّتِهِ عَلَى الَّذِي أَخَذَ حِصَّتَهُ فِيمَا أَخَذَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الدَّيْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي صَكٍّ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتَضِي أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مَنْ الدَّيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ، قَالَ مَالِكٌ: يُشَارِكُهُ صَاحِبُهُ فِيمَا اقْتَضَى إذَا كَانَ ذِكْرُ الْحَقِّ وَاحِدًا، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرِيكُ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، وَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ فِي اقْتِضَائِهِ، أَوْ يُوَكِّلَ فَأَبَى فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ، أَوْ يَكُونَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ السُّلْطَانُ بِأَنْ يَخْرُجَ أَوْ يُوَكِّلَ فَلَا يَفْعَلُ، فَيَخْرُجَ عَلَى ذَلِكَ فَيَسْتَقْضِي، فَهَذَا لَا يَرْجِعُ مَعَهُ فِيهِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قُلْتُ: وَلَوْ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ - وَالشَّرِيكُ الْآخَرُ غَائِبٌ - فَقَضَى السُّلْطَانُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ فَأَخَذَهُ، وَقَبِلَ الْغَرِيمُ وَفَاءً بِحَقِّ صَاحِبِهِ، فَأُعْدِمَ الْغَرِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَطَلَبَ شَرِيكَهُ بِنِصْفِ مَا اقْتَضَى؟ قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: وَلَوْ قَامَ الْحَاضِرُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ إلَّا قَدْرَ حَقِّهِ فَقَطْ، أَخَذَ الْحَاضِرُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنُوبُهُ فِي الْمُحَاصَّةِ لَوْ كَانَ صَاحِبُهُ مَعَهُ، فَإِنْ جَهِلَ السُّلْطَانُ فَقَضَى لَهُ بِأَخْذِ حَقِّهِ، فَإِنْ قَدِمَ الْغَائِبُ طَالَبَ الْحَاضِرَ بِنِصْفِ مَا اقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّفْلِيسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بِيعَ مَالُهُ وَخُلِعَ مَالُهُ كُلُّهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا مِقْدَارُ حَقِّ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، فَقَضَى لَهُ بِمَا يَنُوبُهُ فِي الْحِصَاصِ، أَوْ قَضَى لَهُ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، فَهُوَ سَوَاءٌ إذَا قَدِمَ الْغَائِبُ طَالَبَ شَرِيكَهُ بِمَا يَنُوبُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّفْلِيسِ. [فِي الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ لِلرَّجُلِ بِمَا قَضَى لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يُخَاصِم رَجُلًا فِي طَلَبِ حَقٍّ لَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ لِلطَّالِبِ مَاذَا لَكَ عَلَى فُلَانٍ الَّذِي تُخَاصِمُهُ، فَأَنَا كَفِيلٌ بِهِ فَاسْتَحَقَّ قِبَلَهُ مَالًا، أَيَكُونُ هَذَا الْكَفِيلُ ضَامِنًا لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ تَبَرَّعَ بِكَفَالَةٍ فَإِنَّهَا لَهُ لَازِمَةٌ، وَهَذَا لَهُ لَازِمٌ فِي مَسْأَلَتِك قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَدَّعِي قِبَلَ أَخِيهِ حَقًّا، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: وَمَا تَصْنَعُ بِأَخِي احْلِفْ أَنَّ حَقَّكَ لَحَقٌّ وَأَنَا ضَامِنٌ لَكَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّمَا قُلْتُ لَكَ قَوْلًا وَلَا أَفْعَلُ وَلَا أَضْمَنُ، إنَّمَا تَبَرَّعْتُ بِهِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى رُجُوعِهِ هَذَا، فَإِذَا حَلَفَ ضَمِنَ حَقَّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ رُجُوعُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي ضَامِنٌ بِمَا يُقْضَى لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ وَهُمَا غَائِبَانِ جَمِيعًا، أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ مَا لَكَ وَلِأَخِي، احْلِفْ أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ الَّذِي تَدَّعِي قِبَلَهُ حَقٌّ وَأَنَا أَغْرَمُ لَكَ ذَلِكَ، فَرَضِيَ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ، فَنَزَعَ الَّذِي قَالَ احْلِفْ وَأَنَا أَضْمَنُ. قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ يَنْفَعُهُ نُزُوعُهُ، وَيَحْلِفُ هَذَا وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ وَيَغْرَمُهُ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ، وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَاضِرًا أَوْ كَانَا غَائِبَيْنِ جَمِيعًا أَوْ حَاضِرَيْنِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: يَلْزَمُ الْمَعْرُوفُ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْكَفَالَةُ مَعْرُوفٌ وَهِيَ حَمَالَةٌ وَهِيَ لَازِمَةٌ كَالدَّيْنِ، فَهَذَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ وَهَذَا رَأْيِي. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ مَاتَ الضَّامِنُ؛ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ [فِي الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ لِرَجُلٍ بِحَمَالَةٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِرَجُلٍ حَقًّا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ رَجُلٌ غَائِبٌ عَنْهُمَا مَنْ غَيْرِ أَنْ يُخَاطِبَهُ أَحَدٌ: اشْهَدُوا أَنِّي كَفِيلٌ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ عَلَى فُلَانٍ، أَيَلْزَمُهُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَرَاهُ لَازِمًا لَهُ. [الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ قِبَلَهُ شَيْئًا ثُمَّ يُسْتَحَقُّ بَعْدَ مَوْتِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: مَا زَادَ لَكَ قِبَلَ فُلَانٍ فَأَنَا كَفِيلٌ بِهِ، فَمَاتَ الَّذِي قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ هَذَا قِبَلَ فُلَانٍ شَيْئًا، ثُمَّ اسْتَحَقَّ قِبَلَهُ الْحَقَّ بَعْدَ مَوْتِ الَّذِي قَالَ أَنَا كَفِيلٌ، أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا إلَّا أَنَّ هَذَا رَأْيِي [فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ دَايِنْ فُلَانًا فَمَا ذَابَ لَكَ قِبَلَهُ فَأَنَا بِهِ حَمِيلٌ] ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُلْتُ لِرَجُلٍ: بَايِعْ فُلَانًا فَمَا بَايَعْتَهُ بِهِ مَنْ شَيْءٍ فَأَنَا ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ، أَيَلْزَمُنِي هَذَا الضَّمَانُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَلْزَمُكَ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ مَا بَايَعَهُ بِهِ. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ، كُلُّ مَا كَانَ يُشْبِهُ أَنْ يُدَايِنَ بِمِثْلِهِ الْمَحْمُولُ عَنْهُ وَيُبَايِعَ بِهِ. [فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ دَايِنْ فُلَانًا وَأَنَا لَكَ حَمِيلٌ ثُمَّ يَرْجِعُ قَبْلَ الْمُدَايَنَةِ] ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: دَايِنْ فُلَانًا فَمَا دَايَنْتَهُ بِهِ مَنْ شَيْءٍ فَأَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، فَلَمْ يُدَايِنْهُ حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّهُ قَدْ بَدَا لِي، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي قَالَ احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ لِلْحَقِّ الَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَى أَخِي، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَحْلِفْ فَإِنِّي لَا أَضْمَنُ، فَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا لَا يَنْفَعُهُ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ قَدْ لَزِمَهُ. قَالَ: وَهَذَا لَا يُشْبِهُ مَسْأَلَتَكَ. [الرَّجُلَيْنِ يَتَحَمَّلَانِ يَغِيب أَحَدهمَا وَالْمُتَحَمَّل بِهِ فَيُؤَدِّي الْحَاضِر الْمَال] فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَحَمَّلَانِ بِالْحَمَالَةِ يَغِيبُ أَحَدُهُمَا وَالْمُتَحَمَّلُ بِهِ فَيُؤَدِّي الْحَاضِرُ الْمَالَ ثُمَّ يُعْدَمُ الْمُتَحَمَّلُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَيُرِيدُ الْحَمِيلُ أَنْ يَتْبَعَ صَاحِبَهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ وَصَاحِبُ الْحَقِّ مَلِيءٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَفِيلَيْنِ تَكَفَّلَا عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ كَفِيلٌ ضَامِنٌ بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَغَابَ الَّذِي تَكَفَّلَ عَنْهُ وَغَابَ أَحَدُ الْكَفِيلَيْنِ، فَلَزِمَ الْكَفِيلَ الْحَاضِرَ وَأَدَّى الْمَالَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ وَالْكَفِيلُ الْآخَرُ وَكِلَاهُمَا مَلِيءٌ، فَأَرَادَ الْكَفِيلُ أَنْ يَتْبَعَ الْكَفِيلَ الْآخَرَ بِنِصْفِ مَا أَدَّى عَنْهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ مَلِيءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَلِمَ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ: إذَا كَانَ مَلِيًّا، لَمْ يَكُنْ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ بِالْمَالِ؟ قَالَ: لَا يُشْبِهُ الْكَفِيلَيْنِ هَهُنَا الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَيْنِ إذَا أَدَّى أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ ضَامِنٌ بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ أَوْ عَلَى الْكَفِيلِ الَّذِي تَكَفَّلَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَدَّى صَارَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِمَا. قُلْتُ: وَهَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. [الْقَوْم يَتَحَمَّلُونَ بِالْحمَالَةِ فَيَعْدَم الْمَطْلُوب فَيُرِيد طَالِب الْحَقّ أَنْ يَأْخُذ مِنْ وجد مِنْ الْحُمَلَاء بِجَمِيعِ الْحَقّ] ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ لِي ثَلَاثَةُ رِجَالٍ بِمَالٍ لِي عَلَى فُلَانٍ، فَأَعْدَمَ فُلَانٌ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَ مَنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَلَاءِ الثَّلَاثَةِ بِجَمِيعِ حَقِّي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَأْخُذُ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَلَاءِ إلَّا بِثُلُثِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُمْ كُفَلَاءُ ثَلَاثَةٌ قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ حِينَ تَكَفَّلُوا لَهُ: إنَّ بَعْضَهُمْ كَفِيلٌ عَنْ بَعْضٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا جَعَلَهُمْ كُفَلَاءَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، أَخَذَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَرِمَ الْمَالَ أَحَدُ الْكُفَلَاءِ، ثُمَّ لَقِيَ الَّذِي غَرِمَ ذَلِكَ أَحَدُ الْكَفِيلَيْنِ، بِمَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، أَبِالنِّصْفِ أَمْ بِالثُّلُثِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ. قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُمْ حِينَ تَكَفَّلُوا لَهُ، شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَيَّكُمْ شِئْتُ أَنْ آخُذَهُ بِحَقِّي أَخَذْتُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كُفَلَاءَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، فَأَخَذَ مَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ أَخَذَ مِنْهُ، أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَكَفَّلُوا لِلْغَارِمِ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الشَّرْطُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَيَّهُمْ شَاءَ أَخَذَ بِحَقِّهِ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ لِرَجُلٍ بِحَقِّهِ الَّذِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ الْحَقِّ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونُوا تَحَمَّلُوا بِذَلِكَ الْحَقِّ. وَبَعْضُهُمْ أَيْضًا حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِحَقِّهِ. فَإِنْ كَانُوا هَكَذَا، أَخَذَ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهُمْ حَمِيلًا عَنْ بَعْضٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ إلَّا بِثُلُثِ الْمَالِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِحَقِّهِ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ بِالْحَقِّ رَجُلًا، لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الَّذِي أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الْحَقِّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَ مَعَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا اشْتَرَطُوا عِنْدَ الْحَمَالَةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ، وَاشْتَرَطَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ بِالْجَمِيعِ فَأَخَذَ بِذَلِكَ أَحَدَهُمْ، فَإِنَّهُ هَهُنَا يَرْجِعُ مِنْهُمْ مَنْ غَرِمَ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِثُلُثَيْ مَا غَرِمَ، إذَا كَانَ فِي أَصْلِ الْحَمَالَةِ بَعْضُهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْض. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ حَضَرُوا وَكُلُّهُمْ مَيَاسِيرُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا ثُلُثَ الْحَقِّ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْحَمِيلِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ مُوسِرًا لَمْ يُؤْخَذْ الْحَمِيلُ، وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا أُخِذَ الْحَمِيلُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْحُمَلَاءِ مُعْدِمًا وَبَعْضُهُمْ مُوسِرًا أَخَذَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ حَقَّهُ مِنْ الَّذِي وَجَدَهُ مَلِيًّا مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَمَالَةِ أَنَّهُ يَأْخُذُ مَنْ شَاءَ بِحَقِّهِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهُمْ بِالْجَمِيعِ وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ مَيَاسِيرَ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْجَائِزِ عِنْدَهُمْ، أَنَّ الرَّجُلَ يَكْتُبُ حَقَّهُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ، فَيَشْتَرِطُ أَنَّ حَيَّكُمَا عَنْ مَيِّتِكُمَا، وَمَلِيَّكُمَا عَنْ مُعْدِمِكُمَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحَمَالَةِ يَتَحَمَّلُ بِهَا أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ. قَالَ: ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ قَالَ نَحْوَ ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى سِتَّةِ رِجَالٍ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ عَنْ أَصْحَابِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابَهُ بِشَيْءٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَأَيَّهُمْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ؛ أَخَذَ. قَالَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: وَلَا بَرَاءَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى يُوفِيَ جَمِيعَ هَذَا الْمَالِ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ فَهُوَ سَوَاءٌ كُلُّهُ. وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَنْ لَقِيَ بِجَمِيعِ الْحَقِّ فَإِنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، أَوْ لَقِيَهُمْ جَمِيعًا، كَانُوا مَيَاسِيرَ كُلَّهُمْ أَوْ بَعْضَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ، فَأَيَّهُمْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِحَقِّهِ أَخَذَهُ، فَإِنَّهُ إنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَلَهُ أَخْذُهُ بِجَمِيعِ الْحَقِّ، وَإِنْ لَقِيَهُمْ جَمِيعًا - وَهُمْ مَيَاسِيرُ - فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْحَمِيلَ لَا يُؤْخَذُ بِاَلَّذِي عَلَى الْمِدْيَانِ، إذَا كَانَ الْمِدْيَانُ حَاضِرًا مَلِيًّا، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهُ إذَا كَانَ الْمِدْيَانُ عَدِيمًا أَوْ غَائِبًا أَوْ يَكُونُ مِدْيَانًا أَوْ مُلِدًّا ظَالِمًا. فَإِنْ لَقِيَ الْغَرِيمُ وَاحِدًا مِنْ السِّتَّةِ فَأَخَذَ مِنْهُ الْمَالَ كُلَّهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْمَالَ كُلَّهُ أَحَدَ السِّتَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ مِائَةً أَدَّاهَا عَنْهُ خَاصَّةً، وَيَأْخُذُ مِنْهُ مِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا حَمِيلَانِ عَنْ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ كَانَ أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ مِائَةً لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَأَخَذَ مِنْ هَذَا الَّذِي لَقِيَ مِائَةً أَدَّاهَا عَنْهُ وَبَقِيَتْ أَرْبَعُمِائَةٍ أَدَّاهَا عَنْ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعُ عَلَى هَذَا بِنِصْفِ الْأَرْبَعِمِائَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَمِيلَانِ عَنْ الْأَرْبَعَةِ. فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ مِائَتَيْنِ فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْغُرْمِ، فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا قَضَاهَا عَنْهُ خَاصَّةً مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَا أَدَّى عَنْ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ أَدَّى عَنْ الثَّلَاثَةِ بِالْحَمَالَةِ خَمْسِينَ وَمِائَةً، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا، فَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، خَمْسِينَ عَنْهُ خَاصَّةً أَدَّاهَا عَنْهُ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ عَنْهُ بِالْحَمَالَةِ عَنْ الثَّلَاثَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا لَقِيَ الرَّابِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْمَالُ الثَّالِثَ مِنْ الْبَاقِينَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ وَبِنِصْفِ مَا أَدَّى عَنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّ لَقِيَ الرَّابِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْآخَرَ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ، الَّذِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّابِعِ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ. وَذَلِكَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا. وَيُنْظَرُ مَا بَقِيَ مِمَّا أَدَّاهُ بِالْحَمَالَةِ عَنْهُ، فَإِذَا هِيَ خَمْسُونَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، وَقَدْ أَدَّى الرَّابِعُ بِالْحَمَالَةِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الَّذِي أَدَّى خَمْسِينَ وَمِائَةً بِسَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ وَنِصْفٍ، حَتَّى يَعْتَدِلَا بِمَا أَدَّيَا فِي الْحَمَالَةِ عَنْ الثَّلَاثَةِ، فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْ أَدَّى مِائَةً وَاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفًا. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ، إذَا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يُؤَدِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ مِائَةٌ، فَخُذْ هَذَا الْبَابَ عَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ. وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ السِّتَّةَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ. تَحَمَّلَ بِهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. عَلَى أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ حَمِيلَانِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ حَمِيلَانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، أَوْ كُلَّ اثْنَيْنِ حَمِيلَانِ عَنْ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ عَلَى أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ ضَامِنَانِ عَنْ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ، فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ. فَإِنْ لَقِيَ رَبُّ الْمَالِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَخَذَ مِنْهُمَا الْجَمِيعَ: ثَلَثَمِائَةٍ ثَلَثَمِائَةٍ، وَإِنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ بِثَلَثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ: مِائَةٌ مِنْهَا عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ، وَخَمْسُونَ وَمِائَتَانِ عَنْ الْحَمَالَةِ؛ لِأَنَّهُ كَفِيلٌ بِنِصْفِ مَا بَقِيَ. فَإِنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ رَجُلًا مِنْ السِّتَّةِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ خَمْسِينَ أَدَّاهَا عَنْهُ مِنْ دَيْنِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ يَأْخُذُهُ بِنِصْفِ الْمِائَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَدَّى عَنْ الْحَمَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ الْأَوَّلَ أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ مِائَةً لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَأَدَّى خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ خَمْسِينَ. فَإِنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، أَخَذَ مِنْهُ خَمْسِينَ أَدَّاهَا عَنْهُ عَنْ أَصْلِ دَيْنِهِ، ثُمَّ يُشَارِكُهُ فِيمَا بَقِيَ مِمَّا أَدَّى عَنْ أَصْحَابِهِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ حَمِيلَانِ بِجَمِيعِ الْمَالِ. وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ سِتَّةِ رِجَالٍ عَلَيْهِمْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ ضَمِنُوهَا لِصَاحِبِهَا، عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ لِنِصْفِ جَمِيعِ الْمَالِ. فَإِذَا لَقِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمْ؛ أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَذَلِكَ مِائَةٌ، وَبِنِصْفِ مَا عَلَى أَصْحَابِهِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. فَإِنْ لَقِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَ مِنْهُ، ثَلَثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثُمَّ إنْ لَقِيَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ؛ أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ أَدَّاهَا عَنْهُ، وَبِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِمَّا أَدَّى عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَقِيَ الْمُؤَدِّي الثَّانِي أَحَدًا مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ، أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَدَّاهَا عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَبِنِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمِائَةِ حَتَّى يَسْتَوُوا فِي الْغُرْمِ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، وَذَلِكَ نِصْفَ خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا، وَكَذَلِكَ مَنْ لَقَوْا مِنْ أَصْحَابِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ، فَخُذْ هَذَا عَلَى هَذَا. قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ السِّتُّمِائَةِ عَلَى سِتَّةِ رِجَال. عَلَى أَنَّ كُلَّ ثَلَاثَةٍ حِمْلًا عَنْ ثَلَاثَةٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ عَلَى أَنَّ كُلَّ ثَلَاثَةٍ حُمَلَاءُ عَنْ صَاحِبِهِمْ، أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، أَوْ عَنْ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ حَمِيلٌ بِثُلُثِ الْمَالِ، فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ. فَإِنْ لَقِيَ ثَلَاثَةً أَخَذَهُمْ بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ لَقِيَ وَاحِدًا أَخَذَهُ بِمِائَةٍ وَبِثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ. وَإِنْ لَقِيَ اثْنَيْنِ؛ أَخَذَ مِنْهُمَا مِائَتَيْنِ: مَا عَلَيْهِمَا خَاصَّةً وَثُلُثَيْ مَا بَقِيَ مِمَّا تَحَمَّلَا بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَخَذُهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَسِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثَا دِرْهَمٍ. فَإِنْ لَقِيَ الثَّلَاثَةَ أَخَذَهُمْ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَمْ يُؤَدُّوا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ خَاصَّةً بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا وَثُلُثٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مِائَتَيْنِ: مِائَةً مِنْهُمَا عَلَيْهِ خَاصَّةً وَمِائَةً أَدَّاهَا عَنْ الثَّلَاثَةِ، أَدَّى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَهَا، فَيَأْخُذُ مِنْهُ ثُلُثَ الْمِائَةِ الَّتِي أَدَّى عَنْهُ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَبَقِيَ مَا أَدَّى عَنْ الِاثْنَيْنِ وَذَلِكَ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا حَتَّى يَسْتَوُوا فِي الْغُرْمِ عَنْ الِاثْنَيْنِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ ثُمَّ لَقِيَ الثَّالِثَ الَّذِي أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ مَا أَخَذَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَدَّيَا مَعَهُ الْمَالَ، جَمِيعَ مَا أَدَّيَا جَمِيعًا عَنْ الثَّلَاثَةِ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَيَرْجِعُ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الثَّالِثِ شَيْئًا، عَلَى الَّذِي أَخَذْنَا بِالْفَضْلِ، حَتَّى يَكُونَا فِي الْغُرْمِ سَوَاءٌ. فَإِنْ اقْتَسَمَا ذَلِكَ، ثُمَّ لَقِيَا الْبَاقِي الَّذِي أَدَّى مَعَهُمْ الْمَالَ، تَرَاجَعُوا الْفَضْلَ أَيْضًا حَتَّى يَصِيرَ مَا أُخِذَ مِنْ الثَّالِثِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْكَفَالَةِ سَوَاءٌ. فَإِنْ لَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ، فَأَخَذَهُ بِشَيْءٍ عَلَى حِسَابِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُشَارِكَ فِيهِ مَنْ لَقِيَ مِنْ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَدَّيَا مَعَهُ الْمَالَ، حَتَّى يَكُونَ مَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ هَكَذَا يَفْعَلُ فِيهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ السِّتُّمِائَةِ عَلَى سِتَّةٍ، فَضَمِنُوهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ عَنْ خَمْسَةٍ، أَوْ عَنْ وَاحِدٍ، أَوْ عَنْ جَمِيعِهِمْ؛ فَهَذَا أَصْلٌ وَاحِدٌ. وَكُلُّ وَاحِدٍ حَمِيلٌ بِجَمِيعِ السِّتِّمِائَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْحَمَالَةِ، عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَلَا يَضُرُّهُ قَالَ عَنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ عَنْ أَقَلَّ أَوْ عَنْ أَكْثَرَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَخُذْ هَذَا عَلَى هَذَا. [فِي الْغَرِيمِ يُؤْخَذُ مِنْهُ حَمِيلٌ بَعْدَ حَمِيلٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَأَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا بِتِلْكَ الْأَلْفِ، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ بِتِلْكَ الْأَلْفِ، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَ أَيَّهمَا شِئْت بِجَمِيعِ الْأَلْفِ إذَا أَعْدَمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى ذَلِكَ لَهُ. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْكَفِيلَيْنِ إذَا تَكَفَّلَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُجْعَلْ بَعْضُهُمَا كَفِيلًا عَنْ بَعْضٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَحَمَّلَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِمَالِهِ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ لَقِيَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ، أَيَكُونُ لِرَبِّ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّ الْحَمِيلَيْنِ شَاءَ وَقَدَرَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْحَقِّ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَحَمَّلَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا تَحَمَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قُلْتُ أَوَلَا تَرَى أَنَّ أَخْذَهُ الْحَمِيلَ الثَّانِيَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ إبْرَاءٌ لِلْحَمِيلِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَنْ فُلَانٍ كَفِيلًا بِمَالٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ، أَتَسْقُطُ الْكَفَالَةُ فِي الْأَوَّلِ، أَوْ تَسْقُطُ كُلُّهَا أَوْ يَسْقُطُ نِصْفُهَا؟ قَالَ: لَا يَسْقُطُ مِنْهَا شَيْءٌ. قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي، وَهُمَا جَمِيعًا كَفِيلَانِ: كُلُّ وَاحِدٍ بِالْجَمِيعِ. [بَابٌ فِي الْحَمِيلِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحَمِيلُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ لِي رَجُلٌ بِحَقٍّ عَلَى رَجُلٍ، فَأَخَذْتُ مَنْ الْكَفِيلِ كَفِيلًا آخَرَ، أَيَلْزَمُ كَفِيلَ الْكَفِيلِ الْكَفَالَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ يَلْزَمُهُ. قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَمَّلَ رَجُلٌ بِنَفْسِ رَجُلٍ، وَتَحَمَّلَ آخَرُ بِنَفْسِ الْحَمِيلِ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَمَّلَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ بِنَفْسِ رَجُلٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ حَمِيلٌ بِصَاحِبِهِ فَهُوَ جَائِزٌ. وَمَنْ جَاءَ بِهِ مِنْهُمْ فَقَدْ بَرِئُوا كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَمَالَةَ وَكَالَةٌ وَإِنْ كَانُوا تَحَمَّلُوا بِوَجْهِهِ وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ حُمَلَاءَ بِبَعْضٍ. فَإِنْ جَاءَ بِهِ أَحَدُهُمْ؛ بَرِئَ هُوَ وَحْدَهُ وَلَمْ يَبْرَأْ صَاحِبَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُمَا. وَإِذَا تَحَمَّلَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَأَتَى بِهِ أَحَدُهُمْ، فَيَكُونُ إذَا جَاءَ بِهِ كَأَنَّ كُلَّهُمْ أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَكِيلٌ لِصَاحِبِهِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ. سَحْنُونٌ: فَخُذْ هَذَا الْبَابَ عَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ. [الْغَرِيمِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحَمِيلُ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَّرَ طَالِبُ الْحَقِّ الْغَرِيمَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ إلَى أَجَلٍ وَقَدْ أَخَذْت مِنْهُ كَفِيلًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَّرْت الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، أَيَكُونُ هَذَا تَأْخِيرًا عَنْ الْكَفِيلِ أَيْضًا، وَكَيْفَ إنْ أَخَّرْت الْكَفِيلَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ تَأْخِيرًا لِلَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؟ قَالَ: أَمَّا إذَا أُخِّرَ الْغَرِيمُ فَهُوَ تَأْخِيرٌ لِلْكَفِيلِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أُخِّرَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ فَقَالَ الْحَمِيلُ: لَا أَرْضَى، لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يُفْلِسَ وَيَذْهَبَ مَالُهُ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَيَكُونُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤَخِّرَ صَاحِبُ الْحَقِّ - وَلَا حَمَالَةَ عَلَى الْحَمِيلِ - فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَبَى لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْحَمِيلُ. وَإِنْ سَكَتَ الْحَمِيلُ - وَقَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ - فَالْحَمَالَةُ لَهُ لَازِمَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ حَتَّى يَحُلَّ أَجَلُ مَا أَخَّرَهُ إلَيْهِ، حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِاَللَّهِ مَا أَخَّرَهُ، لِيُبَرِّئَ الْحَمِيلَ مِنْ حَمَالَتِهِ وَكَانَتْ حَمَالَتُهُ عَلَيْهِ لَازِمَةٌ. وَأَمَّا إذَا أُخِّرَ الْكَفِيلُ، فَإِنِّي أَرَاهُ تَأْخِيرًا عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، إلَّا أَنْ يَحْلِفَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ: مَا كَانَ مِنِّي ذَلِكَ تَأْخِيرًا لِلْحَقِّ عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا كَانَ ذَلِكَ مِنِّي إلَّا لِلْحَمِيلِ. فَإِنْ حَلَفَ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ عَنْ الْحَمِيلِ حَمَالَتَهُ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ صَاحِبَ الْحَقِّ إذَا قَالَ: إنَّمَا أَرَدْتُ وَضْعَ الْحَمَالَةِ وَاتِّبَاعَ غَرِيمِي، فَالتَّأْخِيرُ بِمَنْزِلَتِهِ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا أَخَّرَ الْغَرِيمُ وَهُوَ مَلِيءٌ مُوسِرٌ - تَأْخِيرًا بَيِّنًا - فَالْحَمَالَةُ سَاقِطَةٌ عَنْ الْحَمِيلِ. فَإِنْ أَخَّرَهُ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ، فَلَا حُجَّةَ لِلْكَفِيلِ، وَلَهُ الْقِيَامُ عَلَى الْكَفِيلِ وَلَهُ أَنْ يَقِفَ عَنْهُ. [بَابٌ فِي الْحَمِيلِ يَدْفَعُ عَنْ حَمَالَتِهِ غَيْرَ مَا تَحَمَّلَ بِهِ عَنْ الْغَرِيمِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ هَاشِمِيَّةٍ، فَرَضِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ دِمَشْقِيَّةٍ فَقَضَيْتُ ذَلِكَ، بِمَ أَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِي الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؟ قَالَ: تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ دِمَشْقِيَّةٍ؛ لِأَنَّكَ كَذَا أَدَّيْتَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي تَكَفَّلْت عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَغَابَ وَلِزَمَنِي الَّذِي تَكَفَّلْت لَهُ فَأَعْطَيْتُهُ بِالْأَلْفِ الدِّرْهَمِ، دَنَانِيرَ أَوْ عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ طَعَامًا، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، بِمَ أَرْجِعُ؟ قَالَ: الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ مَا دَفَعَ الْكَفِيلُ إلَيْهِ إنْ كَانَ عَرَضًا أَوْ حَيَوَانًا فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ طَعَامًا فَمَكِيلَتُهُ. وَإِنْ أَحَبَّ الْأَلْفَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ هُوَ دَفَعَ الذَّهَبَ مِنْ الْوَرِقِ الَّتِي تَحَمَّلَ بِهَا، فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ ذَلِكَ، وَيَرْجِعُ الْكَفِيلُ الَّذِي دَفَعَ الذَّهَبَ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ ذَهَبَهُ، وَيَكُونُ الْوَرِقُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ وَعَلَى الْكَفِيلِ كَمَا هِيَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْمَأْمُورُ إذَا دَفَعَ دَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ خِلَافُ هَذَا، وَلَا يُشْبِهُ الْكَفِيلُ، وَهُوَ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَكَفَّلَ عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْكَفِيلُ لِلَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ: ادْفَعْ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَأَنَا أَدْفَعُ الْأَلْفَ عَنْكَ. فَدَفَعَ الثَّوْبَ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ لَزِمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ فَغَرِمَ الْمَالَ، بِمَ يَرْجِعُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ عَلَى الْكَفِيلِ، أَبِالثَّوْبِ أَمْ بِالْأَلْفِ؟ قَالَ: يَرْجِعُ بِالْأَلْفِ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ بَاعَهُ الثَّوْبَ بِأَلْفٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى فُلَانٍ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا وَهَذَا رَأْيِي. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ فِي الْمَأْمُورِ بِالدَّفْعِ وَالْكَفِيلِ بِالدَّفْعِ، وَذَكَرَ كَثِيرًا مِنْهُ عَنْ مَالِكٍ: إذَا دَفَعُوا دَنَانِيرَ مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ طَعَامٍ أَوْ عُرُوضٍ، فَالْآمِرُ وَالْغَرِيمُ الْمَكْفُولُ عَنْهُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ دَفَعَ مَا دَفَعَ عَنْهُ لِأَنَّهُ تَعَدَّى عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ مَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْهُ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَضَوْا عَنْهُ. سَحْنُونٌ: وَهَذَا الْأَصْلُ التَّنَازُعُ فِيهِ كَثِيرٌ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ كَفِيلًا تَكَفَّلَ لِي بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى رَجُلٍ، فَأَبْرَأْتُ الْكَفِيلَ مَنْ خَمْسِينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ الْخَمْسِينَ الدِّينَارَ، بِمَ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؟ قَالَ: بِمَا أَدَّى وَهِيَ الْخَمْسُونَ الدِّينَارَ. قُلْتُ: وَيَكُونُ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَرِّئْ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ مِنْهَا، إنَّمَا أَبْرَأَ الْكَفِيلَ مِنْ الْكَفَالَةِ، فَبَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْ الْكَفَالَةِ وَلَمْ يُبَرِّئْ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، فَلَهُمَا جَمِيعًا أَيْ لِلْكَفِيلِ وَلِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَرْجِعَا عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِينَ خَمْسِينَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ كَفِيلَيْنِ تَكَفَّلَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَنْ رَجُلٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: ادْفَعْ إلَيَّ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَنَا أَدْفَعُ الْأَلْفَ كُلَّهَا عَنِّي وَعَنْكَ؟ قَالَ: إنْ كَانَ قَدْ حَلَّ الْحَقُّ - وَصَاحِبُ الْحَقِّ حَاضِرٌ - وَإِنَّمَا يَأْخُذُهَا مِنْهُ فَيَدْفَعُهَا مَكَانَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اعْتَبَرَهَا سَلَفًا يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ غَائِبًا، أَوْ لَمْ يَحِلَّ الْحَقُّ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا رَأْيِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَإِنْ أَعْطَاهُ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ ذَلِكَ لِقُرْبِ دَفْعِهِ عَنْهُ، ثُمَّ إنْ الَّذِي قَبَضَ الْمِائَةَ مِنْ صَاحِبِهِ صَالَحَ الْغَرِيمَ عَلَى خَمْسِينَ؛ فَإِنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا خَمْسُونَ، وَيَرْجِعُ الَّذِي أَعْطَى الْمِائَةَ عَلَى صَاحِبِهِ بِخَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَيَتْبَعَانِ الْغَرِيمَ بِخَمْسِينَ يَتْبَعُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ. وَإِنْ صَالَحَ الْكَفِيلُ الَّذِي أَخَذَ الْمِائَةَ مِنْ صَاحِبِهِ عَلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَيَرْجِعُ الَّذِي أَعْطَى الْمِائَةَ عَلَى صَاحِبِهِ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، وَيَتْبَعَانِ الْغَرِيمَ بِخَمْسِينَ: يَتْبَعُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ. وَإِنْ صَالَحَ الْكَفِيلُ الَّذِي أَخَذَ الْمِائَةَ مَنْ صَاحِبِهِ عَلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَيَرْجِعُ الَّذِي أَعْطَى الْمِائَةَ عَلَى صَاحِبِهِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَيَتَّبِعَانِ الْغَرِيمَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ يَتَّبِعُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ. فَإِنْ صَالَحَ الَّذِي أَخَذَ الْمِائَةَ مِنْ صَاحِبِهِ الْغَرِيمِ عَلَى مِائَتَيْنِ أَوْ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ، فَإِنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا مَا قَبَضَ مِنْ الْكَفِيلِ، وَيَتَّبِعَانِ الْغَرِيمَ إنْ كَانَ الصُّلْحُ بِمِائَتَيْنِ بِمِائَةٍ مِائَةٍ، وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ بِخَمْسِمِائَةٍ اتَّبَعَاهُ بِمَا أَدَّيَا عَنْهُ: أَحَدُهُمَا بِمِائَةٍ وَالْآخَرُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ، فَإِنْ أُعْدِمَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْكَفِيلِ الَّذِي أَدَّى أَرْبَعَمِائَةٍ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ صَالَحَهُ بِالْمِائَةِ، بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، وَيَتْبَعَانِ جَمِيعًا الْغَرِيمَ بِمَا أَدَّيَا عَنْهُ. [فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ أَوْ السِّلْعَةَ وَيَتَحَمَّلُ لَهُ رَجُلٌ بِمَا أَدْرَكَهُ فِيهَا مِنْ دَرَكٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى، جَارِيَةً فَتَكَفَّلْتُ لَهُ بِمَا أَدْرَكَهُ فِي الْجَارِيَةِ مِنْ دَرَكٍ، أَتَكُونُ هَذِهِ كَفَالَةً؟ وَأَكُونُ ضَامِنًا لِمَا أَدْرَكَهُ فِي الْجَارِيَةِ مِنْ دَرْكٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي بِعْتُ مِنْ رَجُلٍ بَيْعًا وَأَعْطَيْته بِهَا كَفِيلًا بِمَا أَدْرَكَهُ مِنْ دَرَكٍ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْكَفَالَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِمَا أَدْرَكَ مِنْ دَرَكٍ فَقَالَ: مَا أَدْرَكَكَ فِيهَا مِنْ دَرَكٍ فَعَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ الثَّمَنَ، فَالْكَفَالَةُ فِي هَذَا جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَعْطَاهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَدْرَكَهُ فِيهَا دَرْكُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، فَالْكَفَالَةُ فِي هَذِهِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ. قَالَ: وَالْكَفَالَةُ لَا تَلْزَمُ أَيْضًا. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُهُ وَهُوَ رَأْيِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَخْرُجُ مِنْ الْكَفَالَةِ لِمَا رَضِيَ أَنْ يَلْزَمَهُ نَفْسُهُ، وَهُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الْمُشْتَرِيَ فِي دَفْعِ مَالِهِ ثِقَةً مِنْهُ بِهِ، فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ يَوْمَ تُسْتَحَقُّ أَوْ الثَّمَنِ الَّذِي أَعْطَى إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا حَاضِرًا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. سَحْنُونٌ: وَخُذْ هَذَا ![]()
__________________
|
|
#250
|
||||
|
||||
![]() اسم الكتاب: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي الفقه المالكى المجلد الرابع من صــ 111الى صــ 120 الحلقة(250) الْأَصْلَ عَلَى هَذَا فِي مِثْلِ هَذَا وَشِبْهِهِ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ بَاعَ بَيْعًا وَاشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ الْخَلَاصَ، وَأَخَذَ مِنْهُ بِالْخَلَاصِ كَفِيلًا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ دَارًا لَيْسَتْ: لَهُ فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرِهَا، فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ ذَلِكَ صَاحِبُهَا فَعَلَيَّ خَلَاصُهَا لَكَ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْبَيْعُ فِيهَا مَرْدُودٌ. وَلَوْلَا أَنَّ النَّاسَ اشْتَرَطُوا هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ، عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْخَلَاصَ، إنَّمَا كَتَبُوهُ عَلَى وَجْهِ الْوَثِيقَةِ وَالتَّشْدِيدِ؛ لَنَقَضْت بِهِ الْبَيْعَ وَلَوْ عَمِلَ رَجُلٌ فَاشْتَرَطَ فَقَالَ: إنْ أَدْرَكَنِي دَرَكٌ فِي الدَّارِ فَعَلَيْكَ أَنْ تُخَلِّصَ لِي الدَّارَ بِمَا يَكُونُ مِنْ مَالِكَ، أَوْ تُخَلِّصَهَا بِمَا بَلَغْت وَكَيْفَ شِئْتَ، وَعَلَى ذَلِكَ اشْتَرَى وَبِهِ عَقَدَ بَيْعَهُ؛ لَكَانَ هَذَا فَاسِدًا لَا يَحِلُّ وَلَنَقَضْتُ بِهِ الْبَيْعَ. [فِي الْحَمَالَةِ فِي الْبَيْعِ بِعَيْنِهِ وَبَيْعِ الْغَائِبِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا كَانَ بِعَيْنِهِ مِمَّا اشْتَرَيْته، أَيَجُوزُ أَنْ آخُذَ بِهِ كَفِيلًا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا إذَا بَاعَ سِلْعَةً بِعَيْنِهَا، أَوْ يَكُونَ ضَامِنًا لَهَا إنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ شِرَاؤُهَا، فَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهَذَا مِنْ الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنْتُهُ قَبْلَ هَذَا. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت مِنْهُ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً غَائِبَةً وَأَخَذْت مِنْهُ كَفِيلًا بِهَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ فِي هَذَا كَفَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى مِنْهُ غَائِبًا بِعَيْنِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ أَوْ الْعَبْدُ لَمْ يَضْمَنْ الْبَائِعُ شَيْئًا، وَلَا يَصْلُحُ النَّقْدُ فِيهِ؟ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ غِيبَةً قَرِيبَةً مِمَّا يَصْلُحُ النَّقْدُ فِيهَا لَمْ تَصْلُحْ الْكَفَالَةُ فِيهَا أَيْضًا؟ قَالَ: نَعَمْ. [فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ وَيَأْخُذُ مِنْهُ بِالْمَالِ كَفِيلًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْتَقْت عَبْدِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَخَذْت مِنْهُ بِهَا كَفِيلًا، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَمَّا الَّذِي لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِيهِ فَكِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ. [فِي الْكَفَالَةِ بِكِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَفَالَةَ لِرَجُلٍ بِكِتَابَةِ مُكَاتَبِهِ، أَتَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَاتَبْتُ عَبْدِي عَلَى مَالٍ فَأَتَى رَجُلٌ فَقَالَ لِي عَجِّلْ عِتْقَهُ وَأَنَا كَفِيلٌ لَكَ بِكِتَابَتِهِ فَفَعَلْتُ أَتَلْزَمُهُ الْكَفَالَةَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: الْكَفَالَةُ لَهُ لَازِمَةٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ، عَلَى أَنْ تَكَفَّلَ بِذَلِكَ الْمَالِ رَجُلٌ، إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ لِلْكَفِيلِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الْكَفِيلَ الَّذِي أَدَّى عَنْ الْمُكَاتَبِ هَذَا الْمَالَ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُكَاتَبِ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ. [الغريم يُؤْخَذ مِنْهُ قَبْل مَحِلّ الْأَجَل أَوْ بَعْد مَحِلّ الْأَجَل حَمِيل أَوْ رَهْن عَلَى أَنْ يُؤَخِّر إلَى أبعد مِنْ الْأَجَل] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطَى غَرِيمَهُ حَمِيلًا قَبْلَ مَحَلِّ أَجَلِ دَيْنِهِ، عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مَنْ الْأَجَلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ. قَالَ: وَإِنْ حَلَّ حَقُّهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا وَيُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَلَا يَصْلُحُ. وَإِنْ رَهَنَهُ بَعْدَ مَا حَلَّ الْأَجَلُ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَ الرَّهْنُ أَوْ الْحَمِيلُ قَبْلَ مَحَلِّ الْحَقِّ، عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَلِهَذَا لَا يَكُونُ الرَّهْنُ بِهِ رَهْنًا وَإِنْ كَانَ مَقْبُوضًا، وَلَا يَكُونُ قَبْضُهُ لَهُ قَبْضًا إنْ فَلَّسَ الْغَرِيمُ، أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْحَمِيلِ شَيْءٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِمَا ارْتَهَنَ وَلَا بِمَا أَخَذَ لَهُ الْحَمِيلُ شَيْءٌ مُبْتَدَأٌ، إنَّمَا كَانَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْقِيَ فِي يَدَيْهِ الْوَثِيقَةَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ سَلَفًا أَجْرَ مَنْفَعَةٍ، وَهُوَ بَاقٍ فِي الذِّمَّةِ كَمَا كَانَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَطَّ عَنْهُ بَعْضَ مَالِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا بِبَقِيَّةِ الْحَقِّ إلَى أَجَلِهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ أَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ قَبْلَ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ رَهَنَهُ أَوْ أَعْطَاهُ حَمِيلًا بِالْحَقِّ إلَى أَجَلِهِ؟ قَالَ: هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ، فَأَخَذَ مِنْهُ حَمِيلًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، أَوْ رَهَنَهُ بِهِ رَهْنًا عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ سَلَفٌ أُسْلِفَهُ عَلَى أَنْ يَزْدَادَ فِي سَلَفِهِ. قَالَ: وَإِذَا حَلَّ الْأَجَلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا عَنْ ظَهْرِ يَدٍ وَأَخَذَ بِهِ حَمِيلًا. قَالَ مَالِكٌ: وَالرَّهْنُ مِثْلُهُ إذَا رَهَنَهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ مَحَلِّ الْأَجَلِ، لَا يَجُوزُ وَلَا يَحِلُّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ. [فِي الْغَرِيمِ إلَى أَجَلٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ حَمِيلٌ أَوْ رَهْنٌ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مِنْهُ حَمِيلًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ يُوَفِّيَنِي قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ هَهُنَا وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَانِي حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَنِي حَقِّي عِنْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مِنْهُ حَمِيلًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، وَكَانَ دَيْنِي عَلَيْهِ مَحَلُّهُ إلَى سَنَةٍ فَأَعْطَانِي كَفِيلًا بِحَقِّي إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ؟ قَالَ: هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَجَّلَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، وَزَادَ مَعَ ذَلِكَ حَمَالَةُ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. [فِي الْحَمِيلِ يَأْتِي بِالْغَرِيمِ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْحَمِيلِ بِالْمَالِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُلْتُ لِرَجُلٍ أَنَا كَفِيلٌ لَكَ بِفُلَانٍ إلَى غَدٍ، فَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ، فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ فَمَضَى الْغَدُ فَقُلْتُ: قَدْ وَافَيْتُك بِهِ. وَقَالَ: لَمْ تُوَافِنِي بِهِ؟ قَالَ: يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ وَافَاهُ بِهِ وَإِلَّا غَرِمَ الْمَالَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قُلْتُ: فَإِنْ وَافَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَحْكُمَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ، وَيَبْرَأُ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ غُرْمٌ. سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ يَقُولُ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ. [فِي الرَّجُلِ يَطْلُبُ قِبَلَ الرَّجُلِ حَقًّا فَيَطْلُبُ مِنْهُ حَمِيلًا بِالْخُصُومَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا طَلَبَ قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا، وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فِي مُعَامَلَةٍ، فَقَالَ الطَّالِبُ لِلْمَطْلُوبِ: أَعْطِنِي كَفِيلًا حَتَّى أُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْقَاضِي؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَطْلُبُ بَيِّنَتَهُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ كَفِيلًا بِوَجْهِهِ حَتَّى يَثْبُتَ حَقُّهُ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا أُثْبِتَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا فَلَهُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ لِيُوقِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ أَعْطِنِي وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ حَتَّى أُقِيمَ بَيِّنَتِي؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُعْطِيَهُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ إذَا لَمْ يُرِدْ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُوَكِّلَ؛ لِأَنَّا نَقْبَلُ بَيِّنَةَ هَذَا الطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَلَا يُلْزَمُ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُقِيمَ وَكِيلًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: أَعْطِنِي كَفِيلًا بِالْحَقِّ حَتَّى أُقِيمَ بَيِّنَتِي وَلَا أُرِيدُ نَفْسًا، أَيَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا أَمْ لَا يَلْزَمُهُ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ شَاهِدًا، فَيَطْلُبَ الْكَفِيلُ فَذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَسْتُ أَقُومُ عَلَى سَمَاعِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ هَذَا مَا يُعْرَفُ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي بَيِّنَةً حَاضِرَةً يَرْفَعُهَا مِنْ السُّوقِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِلِ، فَأَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُوقِفَ الْمَطْلُوبَ عِنْدَهُ، وَيَقُولَ لِلطَّالِبِ: مَكَانَكَ ائْتِ بِبَيِّنَتِك فَإِنْ أَتَى بِهَا وَإِلَّا خَلَّى سَبِيلَهُ. سَحْنُونٌ: وَهَذَا الْأَصْلُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ قَدْ بُيِّنَ. [الرَّجُلِ يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِالْقَضِيَّةِ أَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا] فِي الرَّجُلِ يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِالْقَضِيَّةِ أَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ أَبِي أَوْ جَدِّي، أَوْ أَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ مَتَاعِي أَوْ مَتَاعُ أَبِي، مَاتَ وَتَرَكَهُ مِيرَاثًا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرِي، فَقَضَى لِي الْقَاضِي، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِّي كَفِيلًا إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنَّ الْكَفِيلَ الَّذِي تَأْخُذُهُ الْقُضَاةُ فِي هَذَا، إنَّمَا هُوَ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إذَا اسْتَحَقُّوا حُقُوقَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِكَفِيلٍ، بَلْ يُعْطَوْنَ حُقُوقَهُمْ بِغَيْرِ كَفَالَةٍ. [لَهُ عَلَى رَجُل طَعَامًا إلَى أَجَل فَأَخَذَ مِنْهُ بِهِ كَفِيلًا فَصَالِحه الْكَفِيل قَبْل الْأَجَل أوبعده] فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ الطَّعَامُ إلَى أَجَلٍ فَيَأْخُذُ مِنْهُ بِهِ كَفِيلًا فَيُصَالِحُهُ الْكَفِيلُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى أَدْنَى أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَجْوَدَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ، مِنْ سَلَمٍ أَوْ قَرْضٍ أَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَعْطَانِي الْكَفِيلُ بَعْضَ طَعَامِي، عَلَى أَنْ تَرَكْتُ لَهُ بَعْضًا، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ أَعْطَانِي بَعْضَ الطَّعَامِ، عَلَى أَنْ تَرَكْتُ لَهُ بَعْضَ الطَّعَامِ، قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ ضَعْ عَنِّي وَتَعَجَّلْ. فَأَمَّا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَا يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ إلَّا بِمَا أَدَّى إلَى الطَّالِبِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: لَوْ أَخَذَ بَعْضَ حَقِّهِ مِنْهُ عَلَى أَنْ تَرَكَ لَهُ مَا بَقِيَ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ وَتَعَجَّلَ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَكَذَلِكَ الْكَفِيلُ عِنْدِي مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَفِيلَ إذَا صَالَحَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ عَلَى حِنْطَةٍ، مِثْلُ كَيْلِ حِنْطَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، إلَّا أَنَّهَا أَجْوَدُ مِنْ شَرْطِ الطَّالِبِ أَوْ أَدْنَى مِنْ شَرْطِهِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الطَّالِبَ قَبْلَ الْأَجَلِ، عَلَى حِنْطَةٍ مِثْلُ كَيْلِ حِنْطَتِهِ إذَا كَانَتْ أَجْوَدَ مِنْ حِنْطَتِهِ أَوْ أَدْنَى. قُلْتُ: فَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ؟ قَالَ: لَا خَيْرِ فِي ذَلِكَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، أَنْ يُصَالِحَهُ الْكَفِيلُ عَلَى مِثْلِ كَيْلِ حِنْطَتِهِ أَوْ أَجْوَدَ إذَا كَانَتْ مِنْ صِنْفِهَا أَوْ أَدْنَى مِنْهَا، إذَا كَانَتْ الَّتِي عَلَيْهِ سَمْرَاءَ كُلَّهَا أَوْ مَحْمُولَةً كُلَّهَا، وَإِنْ أَخَذَ أَيْضًا أَجْوَدَ مِنْ حِنْطَتِهِ وَأَدْنَى مِنْ كَيْلِهَا، فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَإِذَا أَخَذَ مِثْلَ كَيْلِ طَعَامِهِ، فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَأْخُذَ أَجْوَدَ إذَا كَانَتْ مِنْ الصِّنْفِ أَوْ أَدْنَى مِنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَالِحَ الطَّالِبَ - إذَا حَلَّ الْأَجَلُ - الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى مِثْلِ كَيْلِ حِنْطَتِهِ أَجْوَدَ مِنْهُ أَوْ أَدْنَى. وَالْكَفِيلُ إذَا صَالَحَ بِأَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى، صَارَ يَتْبَعُ بِغَيْرِ مَا أَعْطَى فَصَارَ فِي التَّسْلِيفِ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ بَدَلًا وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ. وَإِذَا أَعْطَى الْكَفِيلَ غَيْرَ مَا تَحَمَّلَ بِهِ، كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِثْلَ مَا أَعْطَى الْكَفِيلَ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِثْلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَصَارَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ. وَلَا بَأْسَ عَلَى الْكَفِيلِ أَنْ يُعْطِيَ أَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى مِنْ الصِّنْفِ فِي الْقَرْضِ، مِثْلُ الْمَكِيلَةِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ. وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُعْطِيَ الْقَرْضَ أَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى. [فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ قِبَلَ الطَّالِبِ حَقًّا يُدْفَعُ إلَيْهِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حَمِيلٌ] ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ بِحَقٍّ لِي - وَلِلْغَائِبِ مَالٌ حَاضِرٌ - أَيَبِيعُهُ الْقَاضِي وَيُوَفِّيَنِي حَقِّي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنِّي كَفِيلًا؟ قَالَ: الَّذِي كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِحَقِّهِ الَّذِي حُكِمَ لَهُ بِهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ لِهَذَا إذَا أَثْبَتَ حَقَّهُ. قُلْتُ: رَبَاعًا كَانَتْ أَمْوَالُهُ أَوْ غَيْرَ رَبَاعٍ، فَإِنَّهَا تُبَاعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. [الدَّعْوَةُ فِي الْحَمَالَةِ] ِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَسَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ اشْتَرَوْا سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ، وَكَتَبَ عَلَيْهِمْ أَيَّهمْ شِئْت أَخَذْت بِحَقِّي، - كُلُّ وَاحِدٍ حَمِيلٌ بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ - فَمَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ، فَادَّعَى وَرَثَةُ الْهَالِكِ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ كُلَّهُ إلَى بَائِعِ السِّلْعَةِ وَأَقَامُوا شَاهِدًا. قَالَ: يَحْلِفُونَ مَعَ شَاهِدِهِمْ وَيَبْرَءُونَ، وَيَرْجِعُونَ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ بِمَا أَدَّى صَاحِبُهُمَا عَنْهُمَا. قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يَحْلِفُوا، أَتَرَى لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَحْلِفَا؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُمَا يَغْرَمَانِ إلَّا أَنْ يَقُولَا نَحْنُ أَمَرْنَاهُ وَوَكَّلْنَاهُ بِالدَّفْعِ عَنْهُ وَعَنَّا وَدَفَعْنَا ذَلِكَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ عَلَيْنَا وَإِنَّمَا الشَّاهِدُ لَنَا فَيَحْلِفَانِ وَيَبْرَآنِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُلْتُ لَكَ أَنَا كَفِيلٌ لَك بِفُلَانٍ إلَى غَدٍ، فَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ، فَمَضَى الْغَدُ فَقُلْتُ: قَدْ وَافَيْتُك بِهِ وَقَالَ: لَمْ تُوَافِنِي بِهِ؟ قَالَ: يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ وَافَاهُ بِهِ وَإِلَّا غَرِمَ الْمَالَ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. [الْحَمَالَةُ فِي الْحُدُودِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحُدُودَ، أَفِيهَا كَفَالَةٌ؟ قَالَ: لَا كَفَالَةَ فِي الْحُدُودِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَنِي وَلَمْ يَقْذِفْنِي، فَأَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ فَهَرَبَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: هَذَا إنَّمَا هُوَ أَدَبٌ، وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِي هَذَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ هَذَا رَأْيِي أَنَّهُ لَا كَفَالَةَ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي التَّعْزِيرِ. ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ حَمَالَةٌ فِي دَمٍ وَلَا فِي زِنَا وَلَا فِي سَرِقَةٍ وَلَا فِي شُرْبِ خَمْرٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، وَتُقْبَلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. [فِي كَفَالَةِ الْأَخْرَسِ] ِ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ كَفَالَةُ الْأَخْرَسِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَثْبَتَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْأَخْرَسَ قَدْ فَهِمَهُ مِنْ طَلَاقِهِ وَشِرَائِهِ، إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ. [فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ فِي مَرَضِهِ بِالْكَفَالَةِ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ] ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هُوَ أَقَرَّ أَنَّهُ تَكَفَّلَ فِي مَرَضِهِ، أَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِي ثَلَاثَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إنَّمَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَارِثِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالْكَفَالَةِ فِي مَرَضِهِ، أَنَّهُ تَكَفَّلَ لَهُ فِي مَرَضِهِ صَدِيقًا مُلَاطِفًا، أَيَجُوزُ لَهُ الْإِقْرَارُ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ جَائِزَةٌ فِي الثُّلُثِ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ فَلَا يَجُوزُ. وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فَإِنَّمَا يُرَدُّ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، وَلَا يُرَدُّ إذَا كَانَ يُوَرِّثُ بِغَيْرِ دَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَهُ مَعَ الْوَرَثَةِ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ مَعَ الدَّيْنِ الَّذِي يَغْتَرِقُ مَالَهُ لَمْ تَجُزْ. فَلِذَلِكَ اُتُّهِمَ إذَا كَانَ صَدِيقًا مُلَاطِفًا إذَا أَقَرَّ لَهُ مَعَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّةٌ وَلَا يُتَّهَمُ إذَا أَقَرَّ لَهُ مِنْ غَيْرِ دَيْنٍ وَكَانَ يُوَرَّثُ بِوَلَدٍ أَوْ كَلَالَةٍ فَالْوَصِيَّةُ، لَهُ جَائِزَةٌ فِي الثُّلُثِ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ أَبَاعِدَ إنَّمَا هُمْ عَصَبَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْوَصِيَّةُ لَهُ جَائِزَةٌ فِي مَسْأَلَتِك هَذِهِ فِي قَوْلِ، مَالِكٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْتَقْت عَبْدِي فِي مَرَضِي هَذَا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي ثُلُثِهِ؟ قَالَ: كُلُّ مَا أَقَرَّ بِهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي مَرَضِهِ فَهُوَ وَصِيَّةٌ، وَمَا أَقَرَّ بِهِ فِي الصِّحَّةِ فَهُوَ خِلَافُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ. فَإِنْ قَامَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ صَحِيحٌ، أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى يَمْرَضَ أَوْ يَمُوتَ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ. وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ إلَّا الْعِتْقَ وَالْكَفَالَةَ، فَإِنَّهُ إنْ أَقَرَّ بِهِ فِي الصِّحَّةِ وَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، أُعْتِقَ فِي رَأْسِ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ إنَّمَا هِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ، أُخِذَتْ الْكَفَالَةُ مِنْ مَالِهِ وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِكَفَالَةٍ، أَوْ قَالَ: كُنْتُ تَكَفَّلْت فِي الصِّحَّةِ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ بِكَفَالَةٍ، وَالرَّجُلُ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إقْرَارُهُ لِوَارِثٍ بِالدَّيْنِ فِي مَرَضِهِ لَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ فِي مَرَضِهِ فَيَقُولُ: قَدْ كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى فُلَانٍ بِدَارِي أَوْ بِدَابَّتِي فِي الصِّحَّةِ، أَوْ كُنْتُ حَبَسْت فِي صِحَّتِي خَادِمِي أَوْ دَارِي عَلَى فُلَانٍ، أَوْ قَدْ كُنْتُ أَعْتَقْت عَبْدِي فِي صِحَّتِي. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ هَذَا فِي ثُلُثٍ وَلَا غَيْرِهِ وَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ كُلُّهُ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ أَوْصَى، كَانَتْ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنْ قَصَرَ الثُّلُثُ عَنْ وَصِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْوَصَايَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَمْ تَدْخُلْ الْوَصَايَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ، وَإِنَّمَا الْوَصَايَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ وَصِيَّتُهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ، وَذَلِكَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ يَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ مِيرَاثًا. قُلْتُ: وَلَا تَكُونُ وَصِيَّةً لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا يَكُونُ لَهُ وَصِيَّةٌ. [فِي كَفَالَةِ الْمَرِيضِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرِيضَ إذَا تَكَفَّلَ بِكَفَالَةٍ، أَتَجُوزُ كَفَالَتُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي ثُلُثِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَدْ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ، تَكُونُ تَحْتَ الزَّوْجِ فَتَتَكَفَّلُ بِكَفَالَةٍ: إنَّ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهَا إذَا لَمْ تُجَاوِزْ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّهَا مَحْجُورَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَالِهَا وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ قَدْ حُجِرَ عَنْهُ جَمِيعُ مَالِهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مِنْ مَالِهِ الثُّلُثُ، وَالْكَفَالَةُ مَعْرُوفٌ فَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ كَمَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ مَعْرُوفُهَا فِي ثُلُثِهَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ فِي مَرَضِهِ بِكَفَالَةٍ، وَدَايَنَ النَّاسَ بَعْدَ الْكَفَالَةِ حَتَّى اغْتَرَقَ الدَّيْنُ مَالَهُ، أَتَسْقُطُ الْكَفَالَةُ وَلَا يُحَاصُّ بِهَا الْغُرَمَاءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَكَذَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ أَوْلَى مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ فِي الثُّلُثِ وَالدَّيْنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الثُّلُثِ وَآخَرُ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ، فَاَلَّذِي يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ أَوْلَى بِذَلِكَ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَرَكِبَهُ دَيْنٌ اغْتَرَقَ مَالَهُ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ مِنْ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ فِي مَرَضِهِ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِ وَارِثٍ، فَصَحَّ مَنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، أَتَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى وَارِثٍ فِي مَرَضِهِ بِأَمْرٍ بَتَلَهُ لَهُ ثُمَّ صَحَّ، لَزِمَتْهُ الصَّدَقَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ [فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الْأَجِيرَ يَخْدُمُهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ بِالْخِدْمَةِ حَمِيلًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا لِخِدْمَتِي شَهْرًا وَأَخَذْت مِنْهُ كَفِيلًا بِالْخِدْمَةِ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ: لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْغُلَامِ يُسْتَأْجَرُ سَنَةً فَيَمُوتُ، فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَكَانَهُ غُلَامًا يَعْمَلُ لَهُ عَمَلَهُ، وَيَقُولُ سَيِّدُ الْغُلَامِ: أَنَا أَدْفَعُ إلَيْكَ غُلَامًا يَعْمَلُ لَكَ مَكَانَهُ. قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا مِنْ قِبَلِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّكَ تَفْسَخُ دَيْنَكَ فِي دَيْنٍ لَا تَسْتَوْفِيهِ مَكَانَكَ. فَالْحَمَالَةُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا تَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْغُلَامُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَمِيلِ أَنْ يَأْتِيَ بِغُلَامٍ آخَرَ يَخْدُمُهُ. [فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الْخَيَّاطَ يَخِيطُ لَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ بِالْخِيَاطَةِ حَمِيلًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت ثَوْبِي إلَى خَيَّاطٍ، وَشَرَطْت عَلَيْهِ أَنْ يَخِيطَهُ هُوَ نَفْسُهُ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْتُ مِنْهُ حَمِيلًا بِالْعَمَلِ؟ قَالَ: إنْ كُنْتَ أَخَذْتَ مِنْهُ حَمِيلًا بِالْعَمَلِ، إنْ مَاتَ الْخَيَّاطُ أَوْ عَاشَ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ مِنْهُ حَمِيلًا عَلَى الْحَيَاةِ حَتَّى يَعْمَلَهُ لَكَ، فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِثْلُ الْحَمِيلِ بِالْخِدْمَةِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْأَصْلَ قَبْلَ هَذَا. [فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الرَّاحِلَةَ بِعَيْنِهَا وَيَأْخُذُ مِنْ الْمُكْرِي كَفِيلًا بِالْحُمُولَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا وَأَخَذْت مَنْ رَبِّهَا كَفِيلًا بِالْحُمُولَةِ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: الْحَمَالَةُ بِالْحُمُولَةِ لَا تَجُوزُ فِي كِرَاءِ الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا، وَأَمَّا إنْ أَعْطَاهُ حَمِيلًا بِالْكِرَاءِ إنْ مَاتَتْ الرَّاحِلَةُ رَدَّ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ لَهُ، فَالْحَمَالَةُ جَائِزَةٌ. وَإِنْ كَانَتْ الْحَمَالَةُ فِي كِرَاءٍ مَضْمُونٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ أَجِيرُ الْخِيَاطَةِ وَالْخِدْمَةِ. [فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي كِرَاءً مَضْمُونًا وَيَأْخُذُ حَمِيلًا بِالْحُمُولَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الْحَمَالَةُ فِي كِرَاءٍ مَضْمُونٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ كِرَاءً مَضْمُونًا إلَى مَكَّةَ، وَأَخَذْت مِنْهُ حَمِيلًا بِالْحُمُولَةِ، فَفَرَّ الْمُكَارِي وَأَخَذْت الْحَمِيلَ، فَاكْتَرَى لِي إبِلًا إلَى مَكَّةَ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهَا بِضِعْفِ مَا اكْتَرَيْت مِنْ صَاحِبِي الَّذِي فَرَّ، ثُمَّ رَجَعَ صَاحِبِي فَقَدَرَ عَلَيْهِ الْحَمِيلُ، بِمَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يَرْجِعُ الْحَمِيلُ عَلَيْهِ بِمَا اكْتَرَى الْحَمِيلُ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ. وَالْكِرَاءُ الْأَوَّلُ لِلْمُكْرِي الْهَارِبِ، وَعَلَى الْهَارِبِ أَنْ يَرُدَّ إلَى الْحَمِيلِ الْمَالَ الَّذِي اكْتَرَى بِهِ الْحَمِيلُ لِلْمُتَكَارِي. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُكْرِي إذَا هَرَبَ اكْتَرَى عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ مَا اكْتَرَى عَلَيْهِ بِهِ. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت وَلَمْ آخُذْ مِنْهُ حَمِيلًا ثُمَّ هَرَبَ الْمُكَارِي فَأَتَيْتُ السُّلْطَانَ، أَيَتَكَارَى لِي عَلَيْهِ السُّلْطَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَأَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا تَكَارَيْتُ بِهِ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. [فِي كَفَالَةِ الْعَبِيدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَادَاتِهِمْ] ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ التَّاجِرَ وَالْمُكَاتَبَ، هَلْ تَجُوزُ كَفَالَتُهُمْ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ كَفَالَتُهُمْ، وَلَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ عَبْدٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ بِكَفَالَةٍ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ السَّيِّدُ بِذَلِكَ حَتَّى عَتَقُوا؟ قَالَ: الْكَفَالَةُ لَازِمَةٌ لَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ فَسَخَ السَّيِّدُ الْكَفَالَةَ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقُوا ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ؟ قَالَ: فَلَا كَفَالَةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَجُوزُ صَدَقَاتُهُمْ وَلَا هِبَتُهُمْ. فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ السَّيِّدُ جَازَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ رَدَّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَهُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَرْدُودًا. وَانْظُرْ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَنَعَهُ هَؤُلَاءِ، مِنْ كَفَالَةٍ أَوْ حَمَالَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ الْأَشْيَاءِ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إذَا رَدَّهُ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ الْعَبْدُ، فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ مَا رَدَّهُ فَلَيْسَ يَلْزَمُ الْعَبْدَ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ السَّيِّدُ حَتَّى أَعْتَقَهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْعَبْدِ، عَلِمَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ، أَتَجُوزُ كَفَالَتُهُ أَمْ لَا تَجُوزُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَإِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ. [فِي كَفَالَةِ الْعَبِيدِ بِإِذْنِ سَادَتِهِمْ] ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَمَالَاتِ الْعَبِيدِ وَوَكَالَاتِهِمْ فِي الْخُصُومَاتِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بِإِذْنِ سَادَاتِهِمْ، أَجَائِزَةٌ هِيَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُوَكِّلُ عَبْدَهُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَيَأْتِي الْعَبْدُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ، قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ الْعَبْدُ وَيَبْرَأُ السَّيِّدُ وَلَا يَحْلِفُ السَّيِّدُ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَبْدُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْوَكَالَةِ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ كَانَ حُرًّا، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا تَحَمَّلَ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ دَيْنٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ. أَيْنَ يَكُونُ ذَلِكَ أَفِي ذِمَّتِهِ أَمْ فِي رَقَبَتِهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ تَحَمَّلَ لِسَيِّدِهِ فَأَفْلَسَ السَّيِّدُ أَوْ مَاتَ، بِيعَ الْعَبْدُ إنْ طَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ دَيْنَهُ قِبَلَ السَّيِّدِ، وَإِنْ رَضِيَ أَنْ يَتْرُكَ السَّيِّدَ وَيَتْبَعَ الْعَبْدَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ. وَإِنْ كَانَ إنَّمَا تَحَمَّلَ بِالدَّيْنِ عَنْ أَجْنَبِيٍّ بِأَمْرِ السَّيِّدِ؛ كَانَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ مَا عَجَزَ عَنْهُ مَالُ سَيِّدِهِ، فَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ يُتَّبَعُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ حَيْثُ كَانَ. قُلْتُ: فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ بِذَلِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنْهُمْ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْمُكَاتَبِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُدَبَّرِينَ جَائِزٌ، إذَا أَذِنَ لَهُمْ سَادَاتُهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَازَ مَعْرُوفُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ إلَى رِقِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرِقَّ نَفْسَهُ بِهِبَتِهِ مَالِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ تَكَفَّلَ هَؤُلَاءِ لِسَيِّدِهِمْ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَعْرُوفَ هَؤُلَاءِ جَائِزٌ إذَا أَذِنَ لَهُمْ سَيِّدُهُمْ. فَإِنْ تَكَفَّلُوا بِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ. قُلْتُ: وَيَجْبُرُهُمْ سَيِّدُهُمْ عَلَى أَنْ يَتَكَفَّلُوا بِهِ؟ قَالَ: لَا، لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ بِهِ لَا أَنْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ، وَإِنْ تَكَفَّلُوا لَهُ عَلَى اسْتِكْرَاهٍ مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ. [فِي كَفَالَةِ الْعَبْدِ الْمِدْيَانِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، فَيَأْمُرهُ سَيِّدُهُ فَيَتَكَفَّلُ بِكَفَالَةٍ، أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى أَهْلِ الدَّيْنِ مَا يَضُرُّ بِهِمْ فِي الدَّيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْحُرِّ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَا كَفَالَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ، وَالْكَفَالَةُ عِنْدَهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ، فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا. فَأَرَى الْعَبْدَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِثْلَ الْحُرِّ، إذَا كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْعَبْدِ قَدْ اغْتَرَقَ مَالَهُ. [فِي الرَّجُلِ يُجْبِرُ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَكْفُلَ عَنْهُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِهِ: اُكْفُلْ عَنِّي بِهَذَا الْمَالِ، فَقَالَ الْعَبْدُ: لَا أَكْفُلُ فَقَالَ السَّيِّدُ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ جَعَلْتَهُ كَفِيلًا بِهَذَا الْمَالِ. أَيَلْزَمُ الْعَبْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَالْعَبْدُ يَقُولُ: لَا أَرْضَى لِأَنَّهُ يَقُولُ: إنْ عَتَقْتَ لَزِمَتْنِي هَذِهِ الْكَفَالَةُ فَلَا أَرْضَى قَالَ: ذَلِكَ عِنْدِي غَيْرُ لَازِمٍ لِلْعَبْدِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ عَبْدَهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ: إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ وَإِنْ كَرِهَ الْعَبْدُ ذَلِكَ. [فِي السَّيِّدِ يَكْفُلُ عَنْ عَبْدِهِ بِالْكَفَالَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ مِنْ عَبْدِهِ سِلْعَةً مَنْ السِّلَعِ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ، أَوْ يَتَكَفَّلُ عَنْ عَبْدِهِ بِكَفَالَةٍ فَيُؤَدِّي السَّيِّدُ ذَلِكَ الْمَالَ عَنْ عَبْدِهِ فَيَعْتِقَهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ دَيْنًا عَلَى الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ بِهِ سَيِّدُهُ أَمْ لَا فِي قَوْل مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ يَتْبَعُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي عَبْدٍ بَاعَهُ سَيِّدُهُ وَعَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لِسَيِّدِهِ الَّذِي بَاعَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، إنَّمَا هُوَ دَيْنِكَ قَدْ بِعْتنِيهِ وَلَمْ تُبَيِّنْهُ لِي. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الدَّيْنُ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ يَتْبَعُهُ بِهِ الْبَائِعُ، فَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَ الْعَبْدَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَرِهَ رَدَّ الْعَبْدَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ. [فِي السَّيِّدِ يَكُونُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ الدَّيْنُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ بِهِ كَفِيلًا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ، أَخَذَ مِنْهُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ كَفِيلًا، أَيَلْزَمُ ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |