المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - الصفحة 25 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         مختصر أحكام الهدي للمتمتع والقارن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          تفسير سورة الهمزة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          العلاقة بين التعب والنجاح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          مصائب الدنيا نعمة على المؤمنين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          تغيير خلق الله غاية شيطانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          التفريط: أسبابه ومخاطره (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          حين تستيقظ الأفكار من تحت أنقاض الذات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          المراقبة تجعل المسلم يصل إلى درجة الإحسان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          تحريرات فقهية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 54 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5313 - عددالزوار : 2711878 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 15-12-2025, 06:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 192 الى صـــ 201
(241)


( ولو قال : دفعت المال إلى الذي أودعني بعد موت الذي يودعني ، وحلف على ذلك ; فهو بريء من الضمان ) ; لأنه يدعي أداء الأمانة في الكل ، فإن للمودع حق الرد على من قبض منه - مالكا كان أو غير مالك - فرده عليه بعد انتقاض المفاوضة بينهما كرده في حال قيام المفاوضة . ولا يصدق على إلزام الحي شيئا بعد أن يحلف ( ما قبضه ) . فإن كان المودع ميتا ، فقال المستودع : قد دفعت المال إليكما جميعا ، إلى الحي نصفه وإلى ورثة الميت نصفه ، وجحدوا ذلك ; فالقول قول المستودع مع يمينه . وهو بريء ; لأنه يخبر عن أداء الأمانة بإيصال نصيب كل واحد منهما إليه . فإن أقر أحد الفريقين بقبض النصف شركه الفريق الآخر فيه ; لأن بإقراره يثبت وصول النصف إليه ، وبدعوى المودع لم يثبت وصول النصف الآخر إلى صاحبه فيما يثبت القبض فيه يكون مشتركا ، وما وراء ذلك يكون ناويا . قال : ( وإن كانا حيين وقال المستودع : قد دفعت المال إليهما فأقر أحدهما بذلك وجحده الآخر : فالمستودع بريء ولا يمين عليه ) ; لأن تصديق أحدهما إياه في حال قيام المفاوضة كتصديقهما ، ولو صدقاه لم يكن يمين . وإن افترقا ، ثم قال المستودع : دفعته إلى الذي أودعني فهو بريء ; لأن حق الرد على المودع باعتبار أن الوصول إلى يده كان من جهته لا بقيام المفاوضة بينهما . وإن قال : دفعته إلى الآخر وكذبه ذلك ضمن نصف ذلك المال للذي أودعه ; لأن بعد الفرقة ليس له حق دفع نصيب المودع إلى شريكه ، وله حق دفع نصيب الشريك إليه ، فكان هو في نصيب الشريك مخبرا بأداء الأمانة ، وفي نصيب المودع مقرا بالضمان على نفسه يدفعه إلى غيره . ثم ما يقبضه المودع يكون بينهما نصفين ; لأن المودع غير مصدق في وصول نصيب الشريك إليه لما كذبه ، فجعل ذلك كالناوي ، فكان ما بقي بينهما نصفين . وإن صدقه الشريك بذلك فالمودع بالخيار : إن شاء ضمن شريكه نصيبه ; لأنه قبضه ، ولا حق له فيه ، وإن شاء ضمن المودع ; لأنه دفع نصيبه إلى شريك بعد انتقاض المفاوضة بينهما ، والدافع بغير حق ضامن كالقابض .

قال : ( وعارية المفاوض وأكل طعامه وقبول هديته في المطعوم ، وإجابة دعوته بغير أمر شريكه جائز لا بأس به ) ولا ضمان على الداعي ولا على الآكل - استحسانا - وفي القياس : ليس له ذلك ; لأنه يتصرف في نصيب شريكه بخلاف ما أمره به فإنه أمره بالتجارة ، والعارية والإهداء واتخاذ الدعوة ليس بتجارة ، [ ص: 193 ] ولكنه استحسن فقال : هذا من توابع التجارة ، وهو مما لا يجد التاجر منه بدا . ألا ترى أن العبد المأذون يدعو المجاهدين إلى طعامه ، ويهدي إليهم المطعوم ليجتمعوا عنده ، والمأذون غير مالك لشيء من المال إنما هو تاجر ، والمفاوض تاجر مالك لنصف المال ، فلأن يملك ذلك كان أولى . وذكر حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : { أهديت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عبد قبل أن أكاتب فقبل ذلك مني } . وحديث الأخرس بن حكيم عن أبيه رضي الله عنه { أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجاب دعوة عبد } . وقال أبو سعيد مولى أبي أسيد رضي الله عنه قال : عرست وأنا عبد فدعوت رهطا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم - فيهم أبو ذر رضي الله عنه وعنهم فأجابوني .
قال : ( ولو كسا المفاوض رجلا ثوبا ، أو وهب له دابة ، أو وهب له الفضة والذهب والأمتعة ، والحبوب كلها لم يجز في حصة شريكه ) ; لأنه تبرع ، وإنما استحسن ذلك في الفاكهة واللحم والخبز وأشباه ذلك ، مما يؤكل ; لأنه إهداء ذلك إلى المجاهدين من صنيع التجار فأما في سائر الأموال الهبة ليس من صنيع التجار . والمرجع في معرفة الفرق بينهما إلى العرف .
قال : ( ولو أعار أحدهما دابة فركبها المستعير ، ثم اختلفا في الموضع الذي ركبها إليه ، وقد عطبت الدابة ; فإنها صدقة في الإعارة إلى ذلك الموضع ، وبريء المستعير من ضمانها ) لأن إقرار أحدهما فيما هو مملوك لهما بحكم المفاوضة كإقرارهما .
قال : ( ولو استعار أحدهما دابة ليركبها إلى مكان معلوم ، فركبها شريكه فعطبت ، فهما ضامنان ) ; لأن ركوب الدابة يتفاوت فيه الناس ، وصاحبها إنما رضي بركوب المستعير دون غيره ، فالآخر في ركوبها غاصب ضامن إذا هلكت . وقد بينا أن ما يجب من الضمان على أحدهما بحكم الغصب فالآخر مطالب به ; فإن كان ركبها في حاجتهما ، فالضمان في مالهما لأن منفعة ركوبه ترجع إليهما فيما يجب من الضمان بسببه يكون في مالهما ; لأن الغرم مقابل بالغنم . وإن ركب في حاجة نفسه فهما ضامنان ; لما قلنا ، إلا أنهما إن أذناه من مال الشريك رجع الشريك على الراكب بنصيبه من ذلك ; لأن منفعة الركوب حصلت للراكب ، فكان قرار الضمان عليه بمنزلة غصب اغتصبه ، أو طعام اشتراه فأكله ، وقد أدى الثمن من شركتهما فبقي الثمن دينا عليه .

قال : ( وإذا استعار أحدهما دابة ليحمل عليها طعاما له خاصة لرزقه إلى مقام معلوم فحمل عليها شريكه مثل ذلك إلى ذلك المكان من شركتهما ، أو لخاصتهما ; فلا ضمان عليه ) من قبل أن التقييد الذي ليس بمفيد لا يكون معتبرا . والضرر على [ ص: 194 ] الدابة لا يختلف بحمل ما عين من الطعام أو مثله ، وفعل كل واحد منهما في الحمل كفعل صاحبه . ثم المستعير لو حمل عليها طعاما من شركتهما أو لغيرهما لم يضمن ، فكذلك شريكه . ألا ترى أن رجلا لو استعار من رجل دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة ، فبعث بالدابة مع وكيل له ليحمل عليها الطعام ، فحمل الوكيل طعاما لنفسه أنه لا يضمنه ، فالمفاوضة أوجب من الوكالة ، وكذلك أحد المتفاوضين إذا استعارها ليحمل عليها عدل زطي ، فحمل عليها شريكه مثل ذلك العدل لم يضمن ، ولو حمل عليها طيالسة أو أكسية كان ضامنا ; لاختلاف الجنس وللتفاوت في الضرر على الدابة . قال : ( ولو حمل المستعير عليها ذلك ضمنه ، فكذلك شريكه ) إلا أنه إن كان ذلك من تجارتهما فالضمان عليهما لحصول المنفعة لهما ، وإن كانت بضاعة عند الذي حمل ; فالضمان عليهما لأن الذي حمل عنه غاصب ، والآخر عنه كفيل ضامن ، ثم يرجع الشريك على الذي حمل بنصف ذلك إذا أديا من مال الشركة ; لأنه لا منفعة له في هذا الحمل ، فلا يكون عليه من قرار الضمان شيء ، ولو استعارها ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها شريكه عشرة مخاتيم شعير من شركتهما ; لم يضمن لأن هذا أخف على الدابة فلا يصير الحامل به مخالفا في حق صاحب الدابة سواء كان المستعير هو الذي حمله أو شريكه . وكذلك لو كانا شريكين شركة عنان فاستعارها ، فالجواب في هذا كالجواب في الأول ; لأن وجوب الضمان باعتبار زيادة الضرر على الدابة في الحمل ، ولم يوجد ذلك . وإن كان الأول استعارها ليحمل عليها حنطة - رزقا لأهله - فحمل عليها شريكه شعيرا له خاصة ; كان ضامنا لأنه مستعمل لها بغير إذن مالكها ، وبغير إذن شريكه المستعير ; فإن المستعير ينوي عند الاستعارة أنه يستعيرها لمنفعة نفسه ; لأن ما أعده رزقا لأهله يكون ملكا له خاصة ، وذلك بعدم رضاه بانتفاع الشريك بها ; فلهذا كان ضامنا .
قال : ( وإذا ادعى رجل أن أحد المتفاوضين باعه خادما ، فجحد ذلك المتفاوضان ; فللمدعي أن يحلف المدعى عليه البيع على الثبات وشريكه على العلم ) لأن كل واحد منهما لو أقر بما ادعاه المدعي كان إقراره ملزما إياهما ، فإذا أنكر يستحلف كل واحد منهما لرجاء نكوله إلا أن المدعى عليه البيع يستحلف على فعل نفسه ، فيكون يمينه على الثبات ، وصاحبه يستحلف على فعل الغير ، فيكون يمينا على العلم . وأيهما نكل عن اليمين قضي بالجارية للمشتري بالثمن الذي ادعاه ; لأن نكوله كإقراره ، وإقرار أحدهما ملزم إياهما ، وكذلك لو ادعى تولية أو شركة أو إجارة أو تسليم دين أو تسليم دار بالشفعة ; لأن فيما هو من عمل [ ص: 195 ] التجارة فعل أحدهما كفعلهما ، وإقرار أحدهما ملزم للآخر فيحلف كل واحد منهما بدعوى المدعي ; فإن ادعى شيئا من ذلك عليهما جميعا كان له أن يستحلف كل واحد منهما ألبتة لأن كل واحد منهما الآن يحلف على فعل نفسه فأيهما نكل عن اليمين أمضى الأمر عليهما . وإن ادعى على ذلك أحدهما ، وهو غائب كان له أن يستحلف الحاضر على عمله ، فإن حلف ثم قدم الغائب كان له أن يستحلفه ألبتة كما لو كانا حاضرين ، وإن كان المفاوض هو الذي ادعى على رجل شيئا من ذلك ، وحلفه عليه ثم أراد شريكه أن يحلفه أيضا ; لم يكن له ذلك . والفرق من وجهين ( أحدهما ) : أن المفاوض المدعي يكون نائبا عن صاحبه بمنزلة الوكيل ، وبعدما استحلف بخصومه الوكيل لا يستحلف بخصومة الموكل ; لأن النيابة في الاستحلاف صحيحة . وإذا كانت الدعوى عليهما فلا يمكن أن يجعل المفاوض المدعى عليه نائبا عن صاحبه في الحلف ; لأن النيابة لا تجرى في اليمين . فلهذا كان للمدعي أن يحلف الآخر .

( والثاني ) : أن الاشتغال بالاستحلاف فيما إذا كان مفيدا فأما إذا لم يكن مفيدا فلا يشتغل به ، وإن كانت الدعوى من المتفاوضين فاستحلف المدعى عليه بخصومة أحدهما ; فلا فائدة في استحلافه لخصومة الآخر لأنه بعدما حلف في حادثة لخصومة إنسان لا يمتنع من اليمين في تلك الحادثة لخصومة الآخر ، فأما إذا كانت الدعوى عليهما وحلف أحدهما ; كان استحلاف الآخر مفيدا لأن أحدهما قد لا يبالي من اليمين ، والآخر يمتنع من ذلك ; إذ الناس يتفاوتون في الجرأة على اليمين . فلهذا كان للمدعي أن يستحلف الآخر بعد ما حلف أحدهما لرجاء نكوله .

قال : ( وإن ادعى على أحد المتفاوضين جراحة خطأ لها أرش واستحلفه ألبتة ، فحلف له ثم أراد أن يستحلف شريكه ; لم يكن له ذلك ولا خصومة له مع شريكه ) لأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فيما لزمه بسبب التجارة . فأما ما يلزم بسبب الجناية لا يكون الآخر كفيلا به . ألا ترى أنه لو ثبتت الجناية بالبينة أو بمعاينة السبب لم يكن على الشريك شيء من موجبه ، ولا خصومة للمجني عليه معه . فذلك لا يحلفه عليه ; لأن الاستحلاف لرجاء النكول وإقراره بالجناية على شريكه باطل . وكذلك المهر والجعل في الخلع ، والصلح من جناية العمد إذا ادعاه على أحدهما ، وحلفه عليه ليس له أن يحلف الآخر ; لما بينا .
قال : ( وإن ادعى على أحد المتفاوضين مالا من كفالة ، وحوله عليه ; فله أن يحلف شريكه عليه أيضا ) في قول أبي حنيفة رضي الله عنه . وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ليس له ذلك . وأصل المسألة أن أحد المتفاوضين إذا كفل بمال فإن ذلك يلزم شريكه في [ ص: 196 ] قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه . وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله لا يلزم شريكه . وجه قولهما : إن الكفالة تبرع بدليل أنه لا يصح ممن ليس من أهل التبرع ، كالمأذون والمكاتب ، وأنه إذا حصل من المريض كان معتبرا من ثلاثة ، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فيما يلزمه بالتجارة دون التبرع . ألا ترى أن الهبة والصدقة من أحدهما لا تصح في حق شريكه ، فكذلك الكفالة ولأبي حنيفة رحمه الله طريقان ( أحدهما ) : أن الكفالة من مقتضيات المفاوضة ; فإن كل واحد من المتفاوضين يكون كفيلا عن صاحبه كما يكون وكيلا عن صاحبه فيما يجب على أحدهما بالكفالة دين واجب بما هو من مقتضيات المفاوضة ، فيكون ملزما شريكه . كما لو توكل أحدهما عن إنسان بشراء شيء كان شريكه مطالبا بثمنه . ( والثاني ) : أن الكفالة تبرع في الابتداء ولكنها إذا صحت انقلبت مفاوضة . ألا ترى أن الكفيل يرجع بما يؤدي على المكفول عنه إذا كفل بأمره ، وقد صحت الكفالة هنا والذي كفل صار مطالبا بالمال ، ولما صحت الكفالة انقلبت مفاوضة ، وما يوجب على أحدهما بمفاوضة مال بمال يطالب بها الشريك كالدين الواجب بالشراء بخلاف كفالة المديون والمكاتب والمأذون والمريض فيما زاد على الثلث ; فإن ذلك غير صحيح أصلا ، فلا يكون مفاوضة . وقد يجوز أن يكون تبرعا في الابتداء ، مفاوضة في الانتهاء ، كالهبة بشرط العوض ; فإنه تبرع في الابتداء ، ثم إذا اتصل به القبض من الجانبين كان مفاوضة . وإذا ثبت أن كفالة أحدهما يلزم شريكه عند أبي حنيفة رضي الله عنه .
قال : ( يحلف الشريك على دعوى الكفالة بالمال ; لأنه لو أقر به لزمهما جميعا . فإذا أنكر يستحلف عليه ) لأنه مطالب بالمال ، لو ثبتت الكفالة على شريكه بالبينة ، فيستحلف عليه إذا أنكر - بخلاف المهر والأرش لأنه غير مطالب به - . وإذا ثبت السبب على شريكه بالبينة فلا يستحلف عليه أيضا ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لو ثبتت الكفالة على شريكه بالبينة لم يكن هو مطالبا بالمال ، فلا يستحلف عليه أيضا . قال : ( وإن كانت الكفالة من أحدهما بالنفس لم يلزم شريكه ، ولا يستحلف على ذلك إذا أنكره - بالاتفاق ) - ; لأن الكفالة بالنفس ليست بمال ، ولا يتحقق فيه معنى المفاوضة بحال ، فحكمه مقتصر على من باشر سببه ; لأن كفالة كل واحد منهما عن صاحبه بالمال الذي يحتمل الشركة ، والكفالة بالنفس لا تحتمل الشركة .

قال : ( ولا تجوز المفاوضة بين المسلم والذمي في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ) وقال أبو يوسف رحمه الله : يجوز ذلك ، وهي مكروهة . [ ص: 197 ] ووجه قوله : إن كل واحد منهما من أهل الوكالة والكفالة على الإطلاق فتصح المفاوضة بينهما كالمسلمين والذميين ; وهذا لأن مقتضى المفاوضة والكفالة الوكالة . فإنما تشترط أهلية كل واحد منهما في ذلك ، ثم كل واحد منهما مالك للتصرف بنفسه ; فكان كل واحد منهما من أهل المفاوضة . ألا ترى أن المفاوضة تصح بين الذميين والمسلمين ، فكذلك تصح بين المسلم والذمي ، ولا معتبر بتفاوتهما في التصرف من حيث إن المسلم لا يتصرف في الخمر والخنزير ، والذمي يتصرف في ذلك ; وهذا لأن الذمي الذي هو شريك المسلم مفاوضة لا يتصرف " عندي " في الخمر والخنزير . ثم لا معتبر بالمساواة في التصرف . ألا ترى أن المفاوضة تصح بين الكتابي والمجوسي ، والمجوسي يتصرف في الموقوذة ; لأنه يعتقد فيها المالية ، والكتابي لا يفعل ، وكذلك المفاوضة تصح بين حنفي المذهب وشافعي المذهب ، وإن كان الحنفي يتصرف في المثلث النبيذ ; لأنه يعتقد فيه المالية . وشافعي المذهب يتصرف في متروك التسمية عمدا ; لأنه يعتقد فيها المالية .

ثم هذا التفاوت لا يمنع صحة المفاوضة بينهما ، فكذلك المسلم والذمي وهما يقولان : مبنى المفاوضة على المساواة ، ولا مساواة بين المسلم والذمي في التصرف ولا في محل التصرف - وهو المال - فإن الخمر والخنزير مال متقوم في حق أهل الذمة يجوز تصرفهم فيها بيعا وشراء وسلما ، في الخمر وهي ليست بمال في حق المسلم ; فتنعدم المساواة بينهما ، وبدون المساواة لا تكون الشركة مفاوضة . ألا ترى أن المفاوضة لا تصح بين الحر والعبد لانعدام المساواة بينهما ، قال : قوله : بأنه لا يتصرف في الخمر والخنزير إذا كان مفاوضا للمسلم ، قلنا : المعنى الذي لأجله كان ينفذ تصرفه في الخمر والخنزير إذا كان مفاوضا للمسلم هو اعتقاد المالية والتقوم فيه ، وذلك لا ينعدم بالمفاوضة مع المسلم ، فلا بد من القول بنفوذ التصرف عليه ، وهذا بخلاف المفاوضة بين الكتابي والمجوسي ; لأن من يجعل الموقوذة مالا متقوما في حقهم لا يفصل بين الكتابي والمجوسي ، فتتحقق المساواة بينهما في التصرف . ( فإن قيل ) : لا تتحقق المساواة ، فإن الكتابي يؤاجر نفسه للذبح والتضحية ، والمجوسي لا يؤاجر نفسه لذلك ; لأن ذبيحته لا تحل . ( قلنا ) : لا كذلك ، بل لكل واحد منهما أن يتقبل ذلك العمل على أن يقيمه بنفسه أو بنائبه . وإجارة المجوسي نفسه للذبح صحيح يستوجب به الأجر - وإن كان لا تحل ذبيحته - . فأما بين الحنفي والشافعي تتحقق المساواة ; لأن الدلالة قامت على أن متروك التسمية عمدا ليس بمال متقوم ، ولا يجوز التصرف فيه من الحنفي والشافعي جميعا لثبوت ولاية الإلزام [ ص: 198 ] بالمحاجة له والدليل ; فتتحقق المساواة بينهما في المال والتصرف . وإنما كرهه أبو يوسف رحمه الله لأن في المفاوضة الوكالة . ويكره للمسلم توكيل الذمي بالتصرف له .
قال : ( ولا تجوز المفاوضة بين الحر والعبد ولا بين العبدين ولا بين الحر والمكاتب ، ولا بين المكاتبين ولا بين الصبيين - وإن أذن لهما أبواهما - ) ; لأن مبنى المفاوضة على الكفالة ، فإن كل واحد من المتفاوضين يكون كفيلا عن صاحبه ، والعبد والمكاتب والصبي ليسوا من أهل الكفالة ; فلهذا لا تجوز المفاوضة بينهما لأن كل واحد منهما غير مالك للتصرف بنفسه : فإن العبد يحجر عليه مولاه ، والصبي يحجر عليه وليه ، والمكاتب يعجز فيرد في الرق . والمقصود من المفاوضة التصرف والاسترباح ، فإذا لم يكن كل واحد منهما مالكا للتصرف بنفسه لا تجوز المفاوضة بينهما . ثم تكون الشركة بينهما عنانا في هذه المواضع ; لأنهما أهل الشركة . وإنما فسدت المفاوضة خاصة ; فيبقى العنان . وقد بينا أن العنان قد يكون عاما وقد يكون خاصا .

قال : ( وإن تفاوض الذميان جاز ذلك - وإن كان أحدهما نصرانيا والآخر مجوسيا - ) ; لأن المساواة بينهما في الملك والتصرف تتحقق ، وكل واحد منهما من أهل الوكالة والكفالة ; فصحت بينهما .
قال : ( وإن شارك المسلم [ ص: 199 ] المرتد شركة عنان أو مفاوضة ) ; فهو موقوف " عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه " إن قتل على ردته أو لحق بدار الحرب بطل ، وإن أسلم جاز ; لأن من أصله أن التصرفات تتوقف بالردة على أن ينفذ بالإسلام أو تبطل إذا قتل أو لحق بدار الحرب ، والشركة من جملة تصرفاته . فأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله شركة العنان منه صحيحة لأن من أصلهما أن تصرف المرتد بعد ردته قبل لحاقه بدار الحرب نافذ ، فإن قتل أو لحق بدار الحرب انقطعت الشركة ; لأن في القتل موتا ، ولحوقه بدار الحرب كموته ، والموت مبطل للشركة . وأما المفاوضة فعلى ما قال أبو حنيفة رحمه الله لا يراد به توقف أصل الشركة " عندهما " بل المراد توقف صحة المفاوضة . فأما أصل الشركة صحيح " عندهما " ، وإنما توقف صفة المفاوضة عند محمد رحمه الله لأن المرتد عنده في التصرفات كالمريض ، وكفالة المريض مرض الموت معتبرة من ثلثه ، فلا يكون المرتد من أهل الكفالة المطلقة إلا أن يسلم ; فلهذا توقف صفة المفاوضة على إسلامه . وعلى أصل أبي يوسف الكفالة ، وإن كانت تصح من المرتد ; لأنه بمنزلة الصحيح في التصرف إلا أن نفسه توقف بين أن تسلم له بالإسلام ، أو تتلف عليه إذا أصر على الردة فيكون في معنى المكاتب من هذا الوجه . والمكاتب ليس من أهل المفاوضة ; فلهذا توقف المفاوضة منه .
قال : ( وإن شارك المسلم المرتدة شركة عنان أو شركة مفاوضة ; جازت شركة العنان ولم تجز شركة المفاوضة إلا أن تسلم ) ; لأن تصرف المرتدة نافذ ، فإن المال باق على ملكها لأن نفسها لم تتوقف بالردة حتى لا تقبل . فكذلك في مالها إلا أنها كافرة فهي كالذمية . ومن أصل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن المفاوضة لا تصح بين المسلمة والذمية ، وتصح شركة العنان وهي مكروهة . فكذلك في حق المرتدة . قال : ( وينبغي في قياس قول أبي يوسف أن تكون المفاوضة جائزة مع الكراهة ) ; لأنه يجوز المفاوضة بين المسلمة والذمية . فكذلك بين المسلمة والمرتدة ، وذكر عيسى بن أبان عن أبي يوسف رحمهما الله أن مفاوضتهما تتوقف كما تتوقف مفاوضة المرتد مع المسلم ; لأنها - وإن كانت لا تقبل - فإنها تسترق ، وإذا ألحقت بدار الحرب فنفسها موقوفة من هذا الوجه ; فلهذا تتوقف مفاوضتهما .
قال : ( ولأحد المتفاوضين أن يكاتب عبدا من تجارتهما ) ; لأن المفاوضة في حق شريكه أعم تصرفا من الوصي في حق اليتيم ، وللوصي أن يكاتب ; فللمفاوض ذلك بطريق الأولى . وبيان هذا : أن إقرار أحد المتفاوضين صحيح في حق شريكه ، وإقرار الوصي بالدين على اليتيم غير صحيح . ثم الكتابة من عقود الاكتساب ، وهو أنفع من البيع ; لأن البيع يزيل الملك بنفسه ، والكتابة لا تزيل الملك قبل الأداء . وكل واحد من المتفاوضين بمنزلة صاحبه في اكتساب المال . وإن كانت الكتابة من التاجر الذي لا يملك شيئا من العبد - وهو الأب والوصي - صحيحة ، فصحتها من التاجر الذي يملك نصف العبد - وهو المفاوض - أولى ، وإذا ثبت أن لأحدهما أن يكاتب : فله أن يأذن لعبده في التجارة - بطريق الأولى - فإن كل واحد منهما فك الحجر ، والكتابة لازمة ، والإذن في التجارة ليس بلازم . ولهذا كان للمأذون أن يأذن لعبده في التجارة وليس له أن يكاتب ، والإذن في التجارة من صنيع التجارة ومما يقصد به تحصيل المال وكل واحد من المتفاوضين في ذلك يقوم مقام صاحبه .
قال : ( وليس لأحد المتفاوضين أن يعتق عبدا بمال أو بغير مال ) ; لأن ذلك تبرع . أما العتق بغير مال فلا إشكال فيه ، وكذلك العتق بمال لأن ذلك يتعجل زوال الملك عن العبد في الحال والمآل في ذمة مفلسة لا يدرى أيقدر على الأداء أو لا يقدر ؟ فلم يكن ذلك من عقود الاكتساب ; فلهذا لا يملك المفاوض في نصيب صاحبه ، وكذلك لا يزوج عبدا من تركتهما ; لأنه ليس في تزويج العبد تحصيل المال ، بل فيه تعييب رقبته من حيث الاشتغال بالمهر والنفقة . فلا يملك أحدهما في نصيب شريكه بدون إذنه . وله أن يزوج الأمة ; لأن تزويج الأمة من عقود [ ص: 200 ] الاكتساب ، فإنه يكتسب به المهر ، وتسقط نفقتها عن نفسه ; ولهذا يملك الأب والوصي تزويج أمة اليتيم ، ولا يملكان تزويج عبد اليتيم .
قال : ( وليس لشريك العنان أن يكاتب ; لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه في التجارة ، والكتابة ليست من التجارة ) وما يكون معتادا بين التجار ، والكتابة ليست من هذه الجملة . وكذلك لا يملك أحدهما تزويج الأمة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وفي قول أبي يوسف رحمه الله يملك ذلك ، وقد بينا هذا في كتاب النكاح .
قال : ( وإذا كان للمتفاوضين عبد تاجر فأدانه أحدهما دينا من تجارتهما ; لم يلزمه من ذلك شيء ) لأن فعل أحدهما في الإدانة كفعلهما ، ولأن مالية العبد من شركتهما . وما أداناه أو أحدهما فهو من شركتهما أيضا ، فلا فائدة في الإيجاب في ذمته ، فلا يشتغل بما لا يفيده شرعا . ( وكذلك في شركة العنان في البيع والشراء : كل واحد منهما وكيل صاحبه في البيع بالنقد والنسيئة ) والإدانة بيع بالنسيئة ، ولا فائدة في إيجاب ذلك في ذمته متعلقا بماليته ; لأن ماليته من شركتهما . أما إذا كانا شريكين في عبد لهما خاصة ، فأذن لهما في التجارة ثم أدانه كل واحد منهما دينا ; فإنه يلزمه نصف دين كل واحد منهما في حصة الآخر ; لأن كل واحد منهما من حصة صاحبه كالأجنبي حتى لا يملك التصرف فيه فما أدانه كل واحد منهما نصفه في ملكه . والمولى لا يستوجب على مملوكه دينا ، ونصفه في ملك شريكه ، وهو يستوجب الدين فيه لكونه مقيدا ; فإنه في ذلك النصف كأجنبي آخر ، ويجعل كل نصف من العبد كعبد على حدة ( ومن أدان عبده وعبد غيره يثبت من دينه ما يخص عبد غيره دون ما يخص عبده ) .
قال : ( وإن كان العبد التاجر بين المتفاوضين فباعه أحدهما ثوبا من ميراث ورثه ; لزمه نصف ذلك الدين في نصيب الآخر ) ; لأن ما أدانه ليس من شركتهما ، وفيما ليس من شركتهما كل واحد منهما من صاحبه كالأجنبي .
قال : ( ولو كان العبد ميراثا لأحدهما فأذن له الآخر في البيع والشراء ; لم يجز ) لأن العبد ليس من شركتهما ، فإذن صاحبه له في التجارة كإذن أجنبي آخر ، فإن أذن له مولاه ثم أدانه الآخر دينا من ميراثه خاصة لزمه ذلك ، كما لو أدانه أجنبي آخر ; لأن ما أدانه ليس من شركتهما ، وإن أداناه من التجارة لزمه نصف ذلك ; لأن فعل أحدهما في الإدانة من مال التجارة كفعليهما ، فلا يجب عليه نصيب الإذن لأنه ملكه ، ولا يستوجب المولى الدين على عبده ، ويلزمه نصيب الآخر لأنه أجنبي عن ماليته .

قال : ( وإذا استأجر أحد المتفاوضين أجيرا في تجارتهما ، أو دابة أو شيئا من الأشياء ; فللمؤجر أن يأخذ بالأجر [ ص: 201 ] أيهما شاء ) لأن الإجارة من عقود التجارة ، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بما يلزمه بالتجارة . وكذلك إن استأجره لحاجة نفسه ، أو استأجر إبلا لحج إلى مكة ، فحج عليها فللمكري أن يأخذ به أيهما شاء ، إن شاء المستأجر بالتزامه بالعقد ، وإن شاء شريكه بكفالته عنه . إلا أن شريكه إذا أدى ذلك من خالص ماله يرجع به عليه ; لأنه أدى ما كفل عنه بأمره ، وإن أدى من مال الشركة يرجع عليه بنصيبه من المؤدى - وهو النصف - . وأما في شركة العنان فلا يؤاخذ به غير الذي استأجره ; لأنه هو الملتزم بالعقد ، وصاحبه ليس بكفيل عنه ; فإن شركة العنان لا تتضمن الكفالة .

( وإن أدى العاقد من مال الشركة رجع شريكه بنصف ذلك عليه ، إذا كان استأجره لخاصة نفسه ، وإن كان استأجره لتجارتهما وأدى الأجر من خالص ماله ; رجع على شريكه بنصفه ) لأنه وكيل عن صاحبه في هذا الاستئجار ، وقد أدى الأجر من مال نفسه . ولو كانت الشركة بينهما في شيء خاص - شركة ملك - لم يرجع على صاحبه بشيء مما أدى ; لأنه ليس بوكيل عن صاحبه في هذا الاستئجار .

قال : ( ولو أجر أحد المتفاوضين عبدا من تجارتهما كان للآخر أن يأخذ الأجر ) لأن كل واحد منهما قائم مقام صاحبه فيما يجب لهما بالتجارة ، وفعل أحدهما كفعل صاحبه ، وللمستأجر أن يأخذه بتسليم العبد ; لأن التسليم مضمون على الآخر ، والآخر مطالب عنه بكفالته بما يلتزمه بالتجارة . وإن أجر أحدهما عبدا له خاصة من الميراث لم يكن للآخر أن يأخذ الأجر ; لأنه بدل ما ليس من شركتهما . ألا ترى أنه لو باع هذا العبد لم يكن للآخر أن يأخذ الثمن ، وحكم المنفعة حكم العين ، ولم يكن للمستأجر أن يأخذه بتسليم العبد ; لما بينا أن فيما ليس من شركتهما كل واحد من صاحبه كالأجنبي ، ولا تفسد المفاوضة ، وإن كان الأجر دراهم أو دنانير حتى يقبضها ; لأن أحدهما إنما فضل صاحبه بملك دين ، والدين لا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، فإذا قبضها فسدت المفاوضة لأنه اختص بملك مال يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، وذلك بعدم المساواة . وكذلك كل شيء ، مما هو له خاصة ، باعه فليس لشريكه أن يطالب به ، ولا تفسد المفاوضة ما لم يقبض الثمن ، فإذا قبض وكان من النقود فسدت المفاوضة لما قلنا .
قال : ( ولأحد المتفاوضين أن يشارك رجلا شركة عنان ببعض مال الشركة فيجوز عليه وعلى شريكه - كان بإذنه أو بغير إذنه - ) وإن شاركه شركة المفاوضة بإذن شريكه ; فهو جائز عليهما كما لو فعلا ذلك . وإن كان بغير إذنه لم تكن مفاوضة وكانت شركة عنان ، وقد بينا اختلاف الروايات في هذا [ ص: 202 ] الفصل ، ويستوي إن كان الذي شاركه أباه أو ابنه أو أجنبيا عنه ; لأن حكم الشركة واحد فلا يمكن التهمة فيه بسبب القرابة .

( وذكر ) الحسن عن أبي حنيفة - رحمة الله عليهما - أن أحد شريكي العنان إذا شارك إنسانا آخر شركة المفاوضة ، فإن كان ذلك بمحضر من شريكه ; تصح مفاوضته وتبطل به شركته مع الأول ، وإن كان بغير محضر من شريكه ; لم تصح مفاوضته لأن مباشرته المفاوضة مع الثاني نقص منه لشركة العنان مع الأول ، فإن المساواة بينهما لا تتحقق إلا به ، ونقض أحد الشريكين الشركة بمحضر من صاحبه صحيح ، وبغير محضر منه باطل .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15-12-2025, 03:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 242 الى صـــ 251
(246)




قال : ( والكلب الكردي والأسود في الاصطياد به إذا كان معلما كغيره لقوله تعالى : { تعلمونهن مما علمكم الله } ) وإنما أورد هذا ; لأن من الناس من يقول : لا يحل ذلك ، وإنما الاصطياد بالكلاب الفقهية المسترخية الآذان ، وليس ذلك معتبرا عندنا ، وكذلك إذا علم شيئا من السباع حتى جعل يصيد به مثل عتاق الأرض وغيره ، فلا بأس بصيده لأنه مرسل معلم أمسك الصيد على صاحبه .
قال : ( وإذا كمن الفهد في إرساله حتى استمكن من الصيد ثم وثب عليه فقتله لم يحرم أكله ) ; لأن هذا لا يستطاع الامتناع منه فهو عادة ظاهرة للفهد أنه يكمن ولا يعدو على أثر الصيد فيسقط اعتباره ، ولأنه تحقق ما قصده صاحبه بالإرسال ، فلا ينقطع به فور الإرسال كالوثوب . قال : ( وكذلك الكلب إذا فعل ذلك فهو بمنزلة الفهد ) لما بينا أنه قصد به التمكن من الصيد ، فلا ينقطع به حكم الإرسال .
( قال : ) وكان شيخنا رحمه الله يقول : للفهد خصال ينبغي لكل عاقل أن يأخذ ذلك منه ( من ذلك ) أنه يكمن للصيد حتى يستمكن منه ، وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يجاهر بالخلاف مع عدوه ، ولكن يطلب الفرصة حتى يحصل مقصوده من غير إتعاب نفسه . ( ومنه ) أنه لا يعدو خلف صاحبه حتى يركبه خلفه وهو يقول : هو المحتاج إلي فلا أذل له ; فلهذا ينبغي للعاقل أن يفعله لا يذل نفسه فيما يعمل لغيره . ( ومنه ) أنه لا يتعلم بالضرب ، ولكن يضرب الكلب بين يديه إذا أكل من الصيد فيتعلم بذلك ، وهكذا ينبغي للعاقل أن يتعظ بغيره كما قيل : السعيد من وعظ بغيره . ( ومنه ) أنه لا يتناول الخبيث ، وإنما يطلب من صاحبه اللحم الطيب ، وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يتناول إلا الطيب . ( ومنه ) أنه يثب ثلاثا أو خمسا ، فإن تمكن من الصيد وإلا تركه ، وهو يقول : لا أقتل نفسي فيما أعمله لغيري ، وهكذا ينبغي لكل عاقل .
قال : ( وإذا شاركه في الصيد كلب آخر غير معلم لم يحل أكله ) لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم : رضي الله تعالى عنه { وإذا شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل ، فإنك إنما سميت على كلبك ، ولم تسم على كلب غيرك } ولأنه اجتمع فيه المعنى الموجب للحل والمعنى الموجب للحرمة فيغلب الموجب للحرمة ، وكذلك إن رد الصيد عليه حتى أخذه أو رده عليه سبع حتى أخذه ; لأنه قد أعانه على أخذ الصيد ، وبهذه الإعانة تثبت المشاركة بين الفعلين ، والبازي في ذلك كالكلب ; لأن فعل ما ليس بمعلم يحرم [ ص: 243 ] الصيد ، والبازي والكلب فيه سواء ، وإن رد الصيد على الكلب مجوسي حتى أخذه فلا بأس بأكله ; لأن فعل المجوسي ليس من جنس فعل الكلب ، فلا تثبت به المشاركة بل يكون الصيد مأخوذا بأخذ الكلب الذي أرسله المسلم فكان حلالا ، فأما فعل الكلب الذي لم يرسله صاحبه ، وفعل السبع من جنس فعل الكلب الذي أرسله المسلم فتتحقق المشاركة ، ويجتمع في الصيد الموجب للحل والموجب للحرمة .
قال : ( وإذا أكل الكلب من الصيد فقد خرج عن حكم المعلم ) ; لأن علامة المعلم فيه ترك الأكل ، وفي البازي الإجابة إذا دعاه ، فكما أن البازي إذا فر منه وامتنع من إجابته لا يكون معلما فكذلك الكلب إذا أكل من الصيد لا يكون معلما ، ويحرم ما عنده من صيوده قبل ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله ، ولا يحرم في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله من أصحابنا رحمهم الله من يقول : هذا إذا كان العهد قريبا بأخذ تلك الصيود ، فأما إذا تطاول عليه العهد بأن أتى عليه شهر أو نحو ذلك ، وقد قدر صاحبه صيوده لم تحرم تلك الصيود ; لأن في المدة الطويلة يتحقق النسيان ، فلا يكون ذلك دليلا على كونه غير معلم في ذلك الوقت ، وفي المدة القصيرة لا يتوهم نسيان الحرفة فتبين أنه كان عن غير علم حين اصطاد تلك الصيود ، وإنما لم يأكل منها للشبع لا للإمساك على صاحبه ، والأظهر أن الخلاف في الفصلين جميعا فهما يقولان قد حكمنا بالحل في الصيود المأخوذة ، وأكله من هذا الصيد محتمل قد يكون لفرط الجوع مع كونه معلما ، وقد يكون لإمساكه على نفسه وكونه غير معلم ، وما كان محكوما به لا يجوز إبطاله بالشك ، ولا معنى لقول من يقول : قد حكمنا بكونه جاهلا حتى قلنا : لا يؤكل هذا الصيد الذي أكل منه ، ولا ما يأخذه بعده ما لم يصر معلما إلا أنا إنما حكمنا بذلك لنوع اجتهاد مع بقاء الاحتمال ، والاجتهاد دليل يصلح للعمل به في المستقبل ، وليس بدليل لنوع اجتهاد مع بقاء الاحتمال ، والاجتهاد يصلح العمل به في المستقبل لا في بعض ما مضى بالاجتهاد ، والحل في الصيود المحرزة حكم أمضى بالاجتهاد وأبو حنيفة رحمه الله يقول : تبين أن ذلك صيد كلب جاهل ، فلا يؤكل منه كالصيد الذي أكل منه .

وبيان ذلك أن هذه الحرفة في الكلب إذا حصلت كانت ضرورية ، فلا ينسى أصلها ، ولكنها تضعف بالترك زمانا كالخياطة والرمي ونحوهما في الآدمي ، ولما وجب الحكم بكونه جاهلا في الحال تبين ضرورة أنه لم يكن معلما وأنه إنما ترك الأكل للشبع حتى لم يترك حين كان جائعا ، وهذا لأن الأكل وإن كان محتملا ، ولكن تعين فيه أحد الوجهين بدليل شرعي ، وهو كونه غير معلم حين حرم تناول هذا [ ص: 244 ] الصيد فسقط اعتبار احتمال وجه آخر ، وما قال أبو حنيفة رحمه الله أقرب إلى الاحتياط وعليه يبنى الحل والحرمة قال : ( ولا يحل صيده بعد ذلك حتى يصير معلما ) بأن يصيد به ثلاثا ، فلا يأكل منها فيحل حينئذ الرابع في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله لم يؤقت فيه وقتا ، ولكن يقول : إذا صار عالما فكل من صيده ، وكذلك الخلاف في تعليمه في ابتداء أمره ، وعلى قولهما إنما يحصل بأن يجيبه إذا دعي ويرسله على الصيد فيصيده ، ولا يأكل منه ثلاث مرات ، ولم يؤقت فيه أبو حنيفة رحمه الله وقتا ، ولكنه قال : هو موكول إلى اجتهاد صاحبه ، فإن كان أكبر رأيه أنه صار معلما فهو معلم ، وربما قال : يرجع إلى أهل العلم به من الصيادين ، فإذا قالوا صار معلما فهو معلم ، وحجتنا في ذلك أن المعلم يمسك الصيد على صاحبه ، وعلامة ذلك أن لا يأكل منه إلا أن ترك الأكل قد يكون للشبع وقد يكون للإمساك على صاحبه ، فإذا ترك ذلك مرارا على الولاء يزول به هذا الاحتمال ، ونعلم أنه معلم لإمساكه على صاحبه ، وقدرنا ذلك بالثلاث ; لأنه حسن الاختيار .

والأصل فيه قصة موسى مع معلمه عليه السلام حيث قال في الثالثة { هذا فراق بيني وبينك } وكذلك الشرع قدر مدة الاختيار بثلاثة أيام للاختيار ، وقال عليه الصلاة والسلام { إذا استأذن أحدكم ثلاثا ولم يؤذن له فليرجع } ، وقال عمر رضي الله تعالى عنه إذا لم يربح أحدكم في التجارة ثلاث مرات فليرجع إلى غيرها وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : نصب المقادير بالرأي لا يكون ، ولا مدخل للقياس فيه فيكون طريق معرفته الاجتهاد والرجوع إلى من له علم في ذلك الباب قال الله تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وهذا لأن احتمال الشبع كما يكون في المرة يكون في المرات ، ( وروى ) الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله مثل قولهما في التقدير بالثلاث إلا أن في تلك الرواية أبو حنيفة يقول : يؤكل الصيد الثالث ، وهما يقولان لا يؤكل الصيد الثالث ; لأنه إنما حكم بكونه معلما حين ترك الأكل من الثلاث ، وآخره لهذا الصيد كان قبل ذلك ، فلا يؤكل منه وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : إنما يحكم بكونه معلما بطريق تعيين إمساكه الثالث على صاحبه ، وإذا حكمنا بأن يمسكه على صاحبه ، وقد أخذه بعد إرسال صاحبه حل التناول منه كالرابع .

قال : ( وإذا أخذ الرجل الصيد من الكلب ثم وثب عليه الكلب فانتهش منه قطعة ورمى بها صاحبها إليه فأكلها لم يفسدهما عليه ) ; لأنه قد تم إمساكه على صاحبه حين لم يأكل منه حتى وصل إلى يد صاحبه ، وبعد ذلك انتهاشه منه ومن لحم آخر في مخلاة صاحبه سواء ، فلا يخرج به من أن [ ص: 245 ] يكون معلما ، ولأن هذا من عادة الصيادين أن يأخذ الصيد من الكلب ثم يرمي بقطعة منه إليه ، وكأن الكلب طالبه بهذه العادة فهو دليل حذقه لا دليل جهله ، وإن انتهش الكلب من الصيد قطعة في اتباعه إياه فأكلها ثم اتبعه فأخذه أو أخذ غيره فقتله لم يحل أكله لأنه لما أكل القطعة التي تمكن منها من الصيد عرفنا أنه غير معلم وأن سعيه لنفسه لا للإمساك على صاحبه ، وإنما ترك الأكل مما بقي ; لأنه شبع بتناول تلك القطعة ، وإن كان ألقى تلك القطعة وأخذه وقتله ولم يأكل حتى أخذه ثم عاد فأكل تلك القطعة لم تضره ; لأنه أمسك الصيد على صاحبه حين لم يأكل منه مع حاجته ، وتناوله تلك القطعة بعد وصول الصيد إلى صاحبه كتناول قطعة ألقاها إليه صاحبه بل ذلك دليل حذقه حتى اشتغل بتناول ما يعلم أن صاحبه لا يرغب فيه فهو بمنزلة ما لو شرب من دمه ، وقد بينا أن ذلك لا يحرم الصيد فكذلك هذا .
قال : ( ولا يحل صيد المجوسي ، ولا ذبيحته لقوله عليه الصلاة والسلام { سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ، ولا آكلي ذبائحهم } ) ، ولأنهم يدعون لاثنين فلا يتحقق منهم تسمية الله تعالى على الخلوص ، وذلك شرط الحل في الذكاة إلا فيما يحتاج فيه إلى الذكاة من سمك أو جراد وبيضه بأخذها وما أشبه ذلك ، فإن الحل في هذه الأشياء ليس يثبت بالفعل حتى يحل ، وإن مات بغير فعل أحد ولا اقتراب التسمية بالفعل ، فلا يشترط التسمية للحل فيما لا يشترط فيه الفعل ، والمرتد في ذلك كالمجوسي ، أما إذا ارتد لغير دين أهل الكتاب فلا إشكال فيه لأنه كالكافر الأصلي فيما اعتقده ، وإن ارتد إلى دين أهل الكتاب فلأنه غير مقر على ما اعتقده ، وقد ترك ما كان عليه فلا ملة له ، والنكاح وحل الذبيحة ينبني على الملة .
قال : ( ولا بأس بصيد المسلم بكلب المجوسي المعلم وبازيه ، كما يذبح بسكينه ) ; لأن المعتبر في الآلة أن تكون جارحا ، فلا يختلف ذلك بكون مالكه مجوسيا أو مسلما ، والشرط يقترن بالفعل والفاعل في الذبح والاصطياد ، والمسلم هو من أهل إيجاد هذا الشرط .
قال : ( وإذا أرسل المجوسي كلبه على صيد ثم أسلم ثم زجره فانزجر بزجره وقتل الصيد لم يحل أكله ) ، كما لو زجره مسلم آخر ، وهذا لأن أصل إرساله كان فعلا موجبا للحرمة ، ولم ينسخ ذلك بالزجر بعد إسلامه ، وإنما ينظر في هذا الجنس إلى وقت الإرسال والرمي ، فإن كان فيه مجوسيا أو مرتدا لم يحل صيده ، وإن تغير عن حاله قبل أن يأخذه ، وإن كان مسلما ثم ارتد والعياذ بالله - لم يحرم الصيد ; لأن الحل باعتبار تسمية الله ، وقد بينا أن الشرط عند الإرسال والرمي لا عند الإصابة ، فإن كان مسلما في ذلك الوقت [ ص: 246 ] وسمى فقد تقرر فعله موجبا للحل ، فلا يتغير ذلك بردته ، كما لا يتغير ذلك بموته ، ولو مات قبل الإصابة ، فإن كان مجوسيا أو مرتدا فقد تقرر فعله موجبا للحرمة ، فلا يتغير بإسلامه بعد ذلك اعتبارا بفعل الرمي والإرسال هنا بالذبح في الشاة .

قال ( ولا بأس بصيد اليهودي والنصراني وذبيحتهما لقوله تعالى { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } والمراد الذبائح ) إذ لو حمل على ما هو سواها من الأطعمة لم يكن لتخصيص أهل الكتاب بالذكر معنى ، ولأنهم يدعون التوحيد فيتحقق منهم تسمية الله تعالى على الخلوص إلا أن يسمعه المسلم يسمي عليه المسيح ، فإذا سمع ذلك منه لم يحل أكله ; لأنه ذبح بغير اسم الله عز وجل ، ولو فعل ذلك مسلم لم يحل لقوله تعالى : { وما أهل لغير الله به } فحال الكتابي في ذلك لا يكون أعلى من حال المسلم ، وبعض أصحاب الشافعي رحمهم الله يقولون : يحل لأن المسلم إذا ذبح بغير اسم الله تعالى يصير مرتدا ، وإنما لا يؤكل بردته ، وهذا لا يوجد في حق الكتابي ، وقد أحل الشرع ذبائحهم مع قولهم إن الله هو المسيح ابن مريم . كما أخبر الله عنهم ، وهو يتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، فإذا ظهر ذلك لم تحرم ذبيحتهم ، ولكنا نقول : قد بينا أن الحرمة المعتبرة بالصفة إنما تثبت باعتبار تلك الصفة ، وقد نص الله تعالى على الحرمة بتسمية غير الله تعالى ، وإذا كان في حق المسلم الحرمة ليست باعتبار هذا الوصف عرفنا أن المراد بالآية الكتابي ، وإن كانت الحرمة في حق المسلم باعتبار هذا الوصف فكذلك في حق الكتابي ( وقد ) روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : وإذا سمعتموهم يذكرون اسم المسيح على ذبائحهم فلا تأكلوا .
قال ( فإن تهود المجوسي أو تنصر تؤكل ذبيحته وصيده ) ; لأنه يقر على ما اعتقده عندنا ; لأنه صار بحيث يدعي التوحيد ، فلا يجوز إخباره على العود إلى دعوى اثنين ، وإذا كان مقرا على ما اعتقده اعتبر بما لو كان عليه في الأصل ، ولو تمجس يهودي أو نصراني لم يحل صيده ولا ذبيحته ، بمنزلة ما لو كان مجوسيا في الأصل .
قال : ( وإن كان غلام أحد أبويه نصراني والآخر مجوسي وهو يعقل الذبح تؤكل ذبيحته وصيده عندنا ) ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا تؤكل ; لأنه تابع لأبويه ، واعتبار جانب أحدهما يوجب الحرمة والآخر يوجب الحل فيتغلب الموجب للحرمة ، كما لو اشترك المسلم والمجوسي في الاصطياد والذبح ، وحجتنا في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : { كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا } فقد جعل العاقل اتفاق الأبوين ولم يوجد اتفاقهما في التمجس ، فلا يثبت حكم المجوسية في حقه [ ص: 247 ] ولأن أحد الأبوين ممن تحل ذبيحته فيجعل الولد تابعا له ، كما إذا كان أحد الأبوين مسلما والآخر مجوسيا ، وهذا لأن الصبي يقرب من المنافع ، ويبعد من المضار ، والنصرانية إذا قوبلت بالمجوسية فالمجوسية شر ، فكان اتباع الولد للكتابي أنفع للولد ، وإنما يترجح الموجب للحظر عند المساواة ، وقد انعدمت المساواة هنا فجعلنا الولد تابعا للكتابي منهما .
قال : ( فأما ذبيحة الصابئ وصيده يحل عند أبي حنيفة رحمه الله ويكره ) وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - لا يحل ، وذكر الكرخي رحمه الله تعالى أنه لا خلاف بينهم في الحقيقة ، ولكن في الصابئين قوم يقرون بعيسى عليه السلام ويقرءون الزبور فهم صنف من النصارى ، فإنما أجاب أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يحل ذبائح هؤلاء ، وفيهم من ينكر النبوات والكتب أصلا ، وإنما يعبدون الشمس ، وهؤلاء كعبدة الأوثان ، وإنما أجاب أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - في حق هؤلاء . قال الشيخ الإمام : رحمه الله تعالى وفيما ذكره الكرخي رحمه الله تعالى عندي نظر ، فإن أهل الأصول لا يعرفون في جملة الصابئين من يقر بعيسى عليه الصلاة والسلام ، وإنما يقرون بإدريس عليه الصلاة والسلام ويدعون له النبوة خاصة دون غيره ، ويعظمون الكواكب فوقع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنهم يعظمونها تعظيم الاستقبال لا تعظيم العبادة ، كما يستقبل المؤمنون بالقبلة فقال : تحل ذبائحهم ، ووقع عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - أنهم يعظمونها تعظيم العبادة لها فألحقناهم بعبدة الأوثان ، وإنما اشتبه ذلك لأنهم يدينون بكتمان الاعتقاد ولا يستحيون بإظهار الاعتقاد ألبتة ، وإنما احتجاج أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - أولى ; لأن عند الاشتباه يغلب الموجب للحرمة .

قال : ( ولا تؤكل السمكة الطافية ، فأما ما انحسر عنه الماء أو نبذه فلا بأس بأكله ) وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا بأس بأكل السمك الطافي ، واستدل بقوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم } قيل : الطعام من السمك ما يوجد فيه ميتا ، وقال عليه الصلاة والسلام في البحر { هو الطهور ماؤه الحل ميتته } وقال : صلوات الله وسلامه عليه { أحلت لنا ميتتان ودمان } الحديث ، وفي حديث أبان بن أبي عياش رضي الله تعالى عنه أن { النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أكل الطافي من السمك فلم ير به بأسا } ، واعتبر السمك بالجراد بعلة أنه لا يشترط فيه الذكاة فيستوي موته بسبب وبغير سبب ، وحجتنا في ذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما انحسر عنه الماء فكل ، وما طفا فلا تأكل } ولا يقال هذا نهي إشفاق لما قيل : إن الطافي يورث البرص [ ص: 248 ] وهذا لأن الاستكثار من السمك يورث البرص الطافي وغيره سواء ، وإنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينا للأحكام دون الطب ، وحرمة تناول الطافي مروي عن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم . حتى قال علي رضي الله تعالى عنه للسماكين لا تبيعوا الطافي في أسواقنا ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أكل الطافي حرام ، ولأنه حيوان مات بغير سبب فلا يؤكل كسائر الحيوانات ، بخلاف الجراد فموته لا يكون إلا بسبب على ما بينا أنه بحري الأصل بري المعاش ، فإن مات في البحر فقد مات في غير موضع معاشه ، وما مات في البر فقد مات في غير موضع أصله ، وهذا سبب لهلاكه فوزانه لو مات السمك بسبب . وقد بينا أن الموجب للحرمة من الآثار يترجح على الموجب للحل لقوله عليه الصلاة والسلام : { الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك . }
ثم جميع أنواع السمك حلال الجريث والمارهيج وغيره في ذلك سواء ، ولا يؤكل من سوى السمك من حيوانات الماء عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله يؤكل جميع ذلك ، وله في الضفدع قولان ، وفي الكتاب ذكر عن ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى قال : لا بأس بصيد البحر كله ، وقيل : الصحيح في مذهب ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى ما يؤكل جنسه من صيد البر يؤكل من صيد البحر ، وما لا يؤكل من صيد البر كالخنزير ونحوه لا يؤكل من صيد البحر ، واستدل الشافعي رحمه الله تعالى بالآية والخبر ، وليس فيهما تقييد السمك من بين صيد الماء ، وميتاتها ، وفي حديث أبي سعيد الخدري رحمه الله تعالى قال : { كنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم - في سفر فأصابتنا مجاعة فألقى البحر لنا دابة يقال لها : عنترة فأكلنا منها وتزودنا ، فلما رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سألناه عن ذلك فقال : صلوات الله وسلامه عليه هل بقي عندكم شيء فتطعموني } وحجتنا في ذلك قوله تعالى { أو لحم خنزير } ولم يفصل بين البري والبحري { ، وسئل عليه الصلاة والسلام عن مخ الضفدع يجعل في الدواء فنهى عن قتل الضفادع ، وقال : إنها خبيثة من الخبائث } ، فإن ثبت بهذا الحديث أن الضفدع مستخبث غير مأكول فقيس عليه سائر حيوانات الماء ، ومن يقول : يؤكل جميع صيد البحر دخل عليه أمر قبيح ، فإنه لا يجد بدا من أن يقول : يؤكل إنسان الماء ، وهذا تشنع ، فعرفنا أن المأكول من المائي السمك فقط ، وأن المراد بقول الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر } ما يؤخذ منه طريا ومن قوله تعالى : { وطعامه متاعا لكم } المالح المقدد منه ، والصحيح من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه [ ص: 249 ] { فألقى لنا البحر حوتا يقال له عنبر } وهو اسم للسمك ، وتأويل الرواية الأخرى أنه جوز لهم التناول لضرورة المجاعة أو كان ذلك قبل نزول قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } ثم الأصل عندنا في إباحة السمك أن ما مات منه بسبب فهو حلال كالمأخوذ منه ، وما مات بغير سبب فهو غير مأكول كالطافي ، فإن ضرب سمكة فقطع بعضها ، فلا بأس بأكلها لوجود السبب ، وكذلك إن وجد في بطنها سمكة أخرى ; لأن ضيق المكان سبب لموتها ، وكذلك إن قتلها شيء من طير الماء وغيره ، وكذلك إن ماتت في جب ; لأن ضيق المكان سبب لموتها ، وكذلك إن جمعها في حظيرة لا تستطيع الخروج منها ، وهو يقدر على أخذها بغير صيد ، فلا خير في أكلها ; لأنه لم يظهر لموتها سبب .

وإذا مات السمك في الشبكة وهي لا تقدر على التخلص منها أو أكل شيئا ألقاه في الماء ليأكله فمات منه ، وذلك معلوم فلا بأس بأكله ، وكذلك لو ربطها في الماء فماتت ، فهذا كله سبب لموتها وهو في معنى ما انحسر عنه الماء ، وقال عليه الصلاة والسلام : { ما انحسر عنه الماء فكل } وكذلك لو انجمد الماء فبقيت بين الجمد فماتت ، فأما إذا ماتت بحر الماء أو برده ففيه روايتان فعلى إحدى الروايتين تؤكل لوجود السبب لموتها ، وفي الرواية الأخرى لا تؤكل لأن الماء لا يقتل السمك حارا أو باردا ، ( وروى ) هشام عن محمد رحمهما الله أنه إذا انحسر الماء عن بعضه ، فإن كان رأسه في الماء فمات لا يؤكل ، وإن انحسر الماء عن رأسه وبقي ذنبه في الماء ، فهذا سبب لموته فيؤكل .

قال : ( وإذا أرسل بازيه المعلم على صيد ، ووقع على صيد ثم اتبع الصيد وأخذه ، وقتله ، فلا بأس بأكله ) ; لأن هذا مما لا يستطاع الامتناع منه ، ولأن من عادة البازي هذا أن يقع على شيء وينظر إلى صيد ليأتيه من الجانب الذي يتمكن من أخذه فهو بمنزلة كمين الفهد ، فلا يحرم به صيده ، ولا ينقطع به فور الإرسال .
قال : ( وإذا أصاب السهم الصيد فأثخنه حتى لا يستطيع براحا ثم رماه بسهم آخر فقتله لم يحل أكله ) ; لأن هذا قد صار أهليا فقد عجز بالفعل الأول عن الاستيحاش والطيران فذكاته بعد ذلك بالذبح في المذبح لا بالرمي بل الرمي في مثله موجب للحرمة ، ولما اجتمع فيه الموجب للحرمة والموجب للحل يغلب الموجب للحرمة ، ولأن إثخانه إياه كأخذه ، ولهذا لو أثخنه أحدهما وأخذه الآخر فهو للأول ، ولو أخذه ثم رماه فقتله لم يؤكل فكذلك إذا أثخنه ، وإن رمى بالسهم الثاني غيره فقتله لم يحل أيضا لما بينا ، ويغرم قيمته مجروحا للأول في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وأبو حنيفة في هذا لا يخالفهما ، ولكن لم يحفظ جوابه فذكر قول أبي يوسف [ ص: 250 ] ومحمد رحمهما الله ، وهذا لأن الفعل من الأول موجب للملك له والحل له ، والثاني بفعله أتلف صيدا مملوكا للأول فيضمن قيمته بالصفة التي أتلفه ، وإنما أتلفه مجروحا بالجرح الأول ، وإن علم أنه مات من الجراحتين جميعا ، فإنه يضمن نصف قيمته مجروحا بالجرح الأول ، ونصف قيمته لحما ذكيا ; لأن النصف مات بفعله ، والنصف بفعل الأول ; لأن الثاني أفسد عليه اللحم في ذلك النصف ; فلهذا ضمن نصف قيمته لحما ذكيا ، وإن أصابته رمية الثاني قبل أن يصيبه الأول لم يحرم أكله ، ولا يلزمه غرمه ; لأن رمية الثاني لم تخرجه من أن يكون صيدا ، فقد سبق ملكه فلا يغرم له شيئا .

وإذا كان الصيد يتحامل ويطير مع ما أصابه من رمية الأول فرماه الآخر فقتله فهو للثاني حلال ; لأنه هو الذي أخرجه من أن يكون صيدا بفعله ، والأول كالمقر له ، والثاني كالآخذ والصيد لمن أخذ لا لمن أثار ( وإن رمياه جميعا معا أو أحدهما بعد صاحبه قبل أن يصيبه السهم الأول فقتلاه فهو لهما جميعا حلال ) ; لأن كل واحد منهما رمى إلى صيد مباح وأصابه الرميتان جميعا معا ، فقد استويا في سبب الملك ، وذلك موجب المساواة في الملك ، وفعل كل واحد منهما مذك للصيد فيحل تناوله لهما ، وإن رمياه معا فأصابه سهم أحدهما فأثخنه ثم أصاب السهم الآخر فهو للأول ، ويحل تناوله عندنا ، وقال زفر رحمه الله لا يحل ; لأن الرمية من الثاني أصابته وليس بصيد ، والمعتبر وقت الإصابة لا وقت الرمي ; فلهذا لا يحل أكله ، ولكنا نقول : فعل كل واحد منهما موجب للحل ; لأنه رمى إلى صيد ، وفي الحل المعتبر وقت الرمي ; لأن الحل بالذكاة ، وهو فعل المذكي ، وفعله الرمي ، فأما في الملك فلا خير في أكلها ; لأنه لم يظهر لموتها سبب ، وإذا مات السمك بالشبكة وهي لا تقدر على التخلص منها ، أو أكل منها شيئا ألقاه في الماء ليأكله فمات منه وذلك معلوم فلا بأس بأكله ، وكذلك لو ربطها في الماء فهذا كله سبب لموتها ، والمعتبر وقت الإصابة لا وقت الرمي ; فلهذا لا يحل أكله ، ولكنا نقول : فعل كل واحد منهما موجب للحل ; لأنه رمي إلى الصيد ، وفي الحل المعتبر وقت الرمي ; لأن الحل بالذكاة وهو فعل المذكي ، وفعله الرمي ، فأما في الملك المعتبر وقت الإصابة ; لأن الملك يثبت بالإحراز ، وإحراز الصيد بالإصابة دون الرمي .

وعلى هذا لو رمى إلى صيد وسمى فتكسر الصيد ثم أصابه السهم حل عندنا ، ولم يحل عند زفر

ومن أخذ صيدا أو فرخ صيد من دار رجل أو أرضه فهو له لقوله عليه الصلاة والسلام : { الصيد لمن أخذ } وهذا لأن صاحب الملك لم يثبت يده على فرخ الصيد لكونه في ملكه ; لأنه ما أفرخ ليتركه بل ليطيره ، بخلاف النحل العسالة إذا [ ص: 251 ] عسلت في أرض رجل فهو لصاحب الأرض ; لأنها ألقت ذلك للترك والقرار في ذلك الموضع ، فهو بمنزلة طين مجتمع في أرض رجل من السيل يكون له .

قال : ( ما لم يحرزه صاحب الدار بالقبض عليه أو إغلاق باب ليحرزه به بحيث يقدر على أخذه بغير صيد ، فإذا فعل ذلك فقد تم إحرازه ) ثم الآخذ إنما أخذ صيدا مملوكا فعليه رده على مالكه كمن نصب شبكة فوقع فيها صيد ثم أخذه إنسان آخر فعليه رده على صاحب الشبكة .

( ولو تكسر صيد في أرض إنسان فصار بحيث لا يستطيع براحا أو رمى صيدا فوقع في أرض رجل لا يدرى من رماه فأخذه رجل آخر فهو للذي أخذه ) لأن الإحراز من الأخذ ، ولم يوجد من جهة صاحب الملك إحراز له ، وإن عجز الصيد عن الطيران بما أصابه ، والمباح إنما يملك بالإحراز .
قال : ( وكل من اصطاد سمكا من نهر جار لرجل فهو للذي أخذه ) ; لأن صاحب النهر ما صار محرزا له بل هو صيد في نهره فالمحرز له من اصطاده ، وكذلك إن كانت أجمة لا يقدر على أخذ صيدها إلا بالاصطياد فصاحب الأجمة صار محرزا لما حصل فيها من السمك ، إنما المحرز الآخذ ، فإن كان صاحب الأجمة احتال لذلك حتى أخرج الماء ، وبقي السمك فهو لصاحب الأجمة ; لأنه صار محرزا بما صنع فالسمك على اليبس لا يكون صيدا ، فإذا صار بفعله بحيث يتمكن من أخذه من غير صيد فهو محرز له .
قال : ( وإذا عجز المسلم عن مد قوسه وأعانه مجوسي على مده لم يحل الصيد ) لاجتماع الموجب للحظر ، والموجب للحل ، فإن فعل المجوسي من جنس فعل المسلم فتحققت المشاركة بينهما ، كما لو أخذ مجوسي بيد المسلم فذبح ، والسكين في يد المسلم .
قال : ( وإذا أصاب السهم الصيد فوقع على الأرض ومات حل أكله استحسانا ) وفي القياس لا يحل لجواز أن يكون مات بوقوعه على الأرض ، وجه الاستحسان أن هذا مما لا يستطاع الامتناع عنه إذ ليس في وسعه أن يرميه على وجه يبقى في الهواء ، ولا يسقط وإن وقع في ماء أو على جبل ، ثم وقع منه على الأرض ومات لم يؤكل ، وفي الوقوع في الماء أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه ، وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم رضي الله عنه ، وقد بينا ، ولأن من الجائز أن الماء قتله ، وهذا يستطاع الامتناع منه ، وكذلك إن وقع على جبل ثم منه على الأرض ، فهذا مترد ، ومن الجائز أن التردي قتله ، وقد قال الله تعالى في جملة المحرمات : { والمتردية } وكذلك كل ما أصابه قبل أن يستقر على مكانه الذي يموت عليه يعني وقع على شجرة ثم وقع منها على الأرض ، وإن مات على ذلك [ ص: 252 ] الشيء ولم يقع على الأرض حيا فهو حلال ، وكذلك إن مات قبل وقوعه في الماء ثم وقع في الماء ; لأن التردي والوقوع في الماء كان بعد تمام فعل الذكاة ، ولم يكن سببا لموته وإن وقع على جبل ومات ، ولو على السطح فمات حل لأن الموضع الذي وقع فيه بمنزلة الأرض ، وقد بينا أن ذلك لا يستطاع الامتناع منه فيكون عفوا ، وهذا إذا كان ما وقع عليه مما لا يقتل ، فإن كان مما يقتل مثل حد الرمح والقضيبة المنصوبة وحد الآجر واللبنة القائمة ونحوها لم يؤكل ; لأن هذا سبب لموته وهو فعل آخر سوى فعل الذكاة يستطاع الامتناع منه ، وفي الأصل قال : إن وقع على آجرة موضوعة على الأرض فمات فهذا بمنزلة الأرض ويؤكل ، وذكر في المنتقى لو وقع على صخرة فانشق بطنه فمات لم يؤكل ، وليس هذا باختلاف الروايات بل مراده ما ذكر في المنتقى إذا أصابه حد الصخرة فانشق بطنه بذلك ، وهذا سبب لموته سوى الذكاة ، ومراده مما ذكر في الأصل أنه لم يصبه من الآجرة إلا ما يصيبه من الأرض لو وقع عليه ، وذلك عفو لأنه لا يستطاع الامتناع منه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15-12-2025, 07:02 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 202 الى صـــ 211
(242)






قال : ( وإذا أجر أحد المتفاوضين نفسه لحفظ شيء أو خياطة ثوب ، أو عمل معلوم بأجر ، واكتسب بهذا الطريق ; فهو بينهما لأنه إنما يستوجب الأجر لتقبل ذلك العمل ، وهو صحيح منه في حق صاحبه ) فما يكتسب به يكون بينهما ، ويجعل فعل أحدهما فيه كفعلهما - بخلاف ما إذا أجر نفسه للخدمة - ; لأن البدل هناك يستوجبه بتسليم النفس ، ونفسه ليست من شركتهما ، فهو بمنزلة ما لو أجر عبدا له ميراثا ، وأما شريك العنان إذا اكتسب بتقبل العمل وليس ذلك من شركتهما ; فإنه يكون له خاصة ، ولأنه وكيل صاحبه في التصرف في مال الشركة ، وتقبل هذا العمل ليس بتصرف منه في مال الشركة ، وكان شريكه في ذلك كأجنبي آخر .
قال : ( ولأحد المتفاوضين أن يرهن عبدا من مال المفاوضة بدين من مال المفاوضة ، وبدين عليه خاصة من مهر أو غيره بغير إذن شريكه ) لأن المقصود من الرهن قضاء الدين ، فإن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء للمرتهن . وله أن يوفي من مال الشركة هذا الدين ، وكذلك يرهن به إلا أنه إذا هلك الرهن حتى صار المرتهن مستوفيا للدين ، فإن كان الدين من شركتهما فلا ضمان عليه ، وإن كان الدين عليه خاصة يرجع شريكه عليه بنصف ذلك ; لأنه قضى دينا عليه من مال مشترك . وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين فلا ضمان عليه في الزيادة ; لأن الزيادة على قدر الدين أمانة في يد المرتهن . فإن لأحد المتفاوضين أن يودع ، ولأن الأب لو رهن بدين الولد عينا قيمته أكثر من الدين لم يكن ضامنا للزيادة ، وكذلك المفاوض ، وإن رهن عبدا له خاصة بدين من المفاوضة وقيمته مثل الدين فهلك ; فهو بما فيه ، ويرجع بنصفه على شريكه ; لأنه صار قاضيا دين المفاوضة بخالص ملكه ، وهو في نصيب صاحبه وكيل عنه فيرجع عليه بما أدى من دينه من خالص ملكه . قال : ( وإن كان الدين من تجارتهما على رجل فارتهن أحدهما به رهنا ; جاز ) سواء كان هو الذي ولي المبايعة أو [ ص: 203 ] صاحبه ; لأن كل واحد منهما قائم مقام صاحبه في استيفاء الدين الواجب بالتجارة ، وكذلك في الارتهان به . وأما في شركة العنان فلا يجوز لأحدهما أن يرهن شيئا من الشركة بدين عليه خاصة ، إلا برضا صاحبه ، كما ليس له أن يوفي ذلك الدين من مال الشركة ; لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه في التجارة في ذلك المال له لا في صرفه إلى حاجة نفسه .
قال : ( ولا يجوز أن يرتهن رهنا بدين لهما من الشركة على رجل ، إلا أن يكون هو الذي ولي المبايعة ، أو يأمر من وليه منهما ) اعتبارا للارتهان بالاستيفاء وليس له حق المطالبة بالاستيفاء لما وليه صاحبه إلا بإذنه ، فكذلك الارتهان ; وهذا لأن الاستيفاء من حقوق العقد ، فيكون إلى العاقد وكيلا كان أو مالكا . قال : ( ولا يجوز لأحدهما أن يرتهن رهنا بدين ولياه جميعا ) لأن فيما وجب بعقد صاحبه هو لا يملك الاستيفاء ، فلا يصح ارتهانه به . ولو جاز في نصيبه كان مشاعا ، والشيوع يمنع صحة الرهن . فإن فعل وهلك الرهن ، وقيمته مثل الدين ; ذهب نصف الدين وضمن نصف الرهن في ماله خاصة ; لأن الفاسد من الرهن معتبر بالجائز في حكم الضمان ، فكما أن المقبوض بحكم الرهن الجائز يكون مضمونا بقدر الدين ، فكذلك المقبوض بحكم الرهن الفاسد . ( وطعن ) عيسى رحمه الله في هذه المسألة وقال : الصحيح أن يذهب نصف الدين ولا يضمن شيئا آخر ; لأنه في نصيب صاحبه أجنبي ، وضمان الرهن ينبني على يد الاستيفاء . فإذا لم تثبت له يد الاستيفاء في نصيب صاحبه ; لا يثبت الضمان في ذلك النصف ، كمن ارتهن بدين لرجل على آخر أن يكون هو عدلا فيه ، إن أجازه صاحب الدين ضمنه ، وإن لم يجزه فلا شيء عليه ، فهلك الرهن في يده قبل أن يجيزه صاحب الدين ; لم يضمن القابض شيئا . وما ذكره في الكتاب أصح ; لأنه قبض الرهن هنا على جهة استيفاء الدين ، فلا يكون صاحبه راضيا بالتسليم إليه بدون هذه الجهة ، وفي مسألة العدل بشرط أنه لم يخبر صاحبه ; فلا شيء عليه ، وباعتبار هذا الشرط يتحقق رضا صاحب الرهن بقبضه لا على وجه الاستيفاء . فلهذا لا يضمن شيئا ثم يكون للآخر أن يطالب المديون بنصيبه من الدين ; لأنه لم يصر نصيبه من الدين مستوفى بهلاك الرهن .
قال : ( وإقرار أحد المتفاوضين بالرهن والارتهان جائز . كما يصح إقراره بالإيفاء والاستيفاء ) لأن كل واحد منهما قائم مقام صاحبه في ذلك ، ومن ملك مباشرة الشيء بالإقرار به لانتفاء التهمة فإن أقر بذلك بعد التصرف أو موت أحدهما لم يجز إقراره على صاحبه ; لأن الشركة قد انقطعت بينهما ، وقيامه مقام صاحبه في الإقرار كان بحكم [ ص: 204 ] الشركة ، فلا يبقى بعد انقطاع الشركة بينهما .
قال : ( ويجوز إقرار شريك العنان بالارتهان فيما تولاه عليه وعلى شريكه ) ; لأن حق القبض إليه فيما تولى سببه . فكما يجوز إقراره بالاستيفاء في نصيبه ونصيب صاحبه ، فكذلك إقراره بالارتهان ، وفيما وليه صاحبه ، ولا يجوز إقراره بالاستيفاء في نصيب صاحبه ، ويجوز في نصيبه - استحسانا - لأن الموكل إذا أقبض الثمن بتسليم المشترى إليه صح قبضه - استحسانا - وكذلك إقراره بالاستيفاء حقيقة ، أو بالارتهان يكون صحيحا في نصيبه دون نصيب صاحبه .
قال ( وما غصبه المفاوض أو استهلكه أو عقد دابة ، أو أحرق ثوبا ; فلصاحبه أن يضمن أيهما شاء ) وقد بينا هذا إلا أن حاصل الضمان يكون على الفاعل خاصة ، حتى لو أدى الآخر من مال الشركة رجع عليه بنصفه ، إلا أن هذا الفعل لم يكن هو فيه قائما مقام شريكه ، ولا مأذونا له من جهته فيه ; فإن الغصب ليس بتجارة ، وبثبوت الملك في المغصوب يتحقق شرط تقرر الضمان . فأما الواجب ضمان الفعل ، فيكون على الفاعل خاصة ، وإذا أدى غيره بحكم الكفالة رجع عليه ، بخلاف الشراء الفاسد ; فإن الضمان الواجب به ضمان العقد ، والفاسد من العقد معتبر بالجائز ، فكما أن ما يجب بالصحيح من التجارة يكون عليهما ، وإذا أداه أحدهما من مال الشركة لم يرجع به على صاحبه ، فكذلك ما يجب بالشراء الفاسد . قال : ( ولو كان عند أحدهما وديعة فعمل بها ، أو كانت مضاربة فخالف فيها ; كان الربح لهما ) لأن حصول الربح بطريق التجارة ، وفعل أحدهما فيه كفعلهما ، ولصاحبه أن يضمن أيهما شاء لمعنى الكفالة بينهما كما في ضمان الغصب والاستهلاك .
قال : ( وإذا غصب شريك العنان شيئا أو استهلكه ; لم يؤخذ به صاحبه ) لأن على صاحبه ليس بكفيل عنه . وإن اشترى شيئا شراء فاسدا فهلك عنده ; ضمنه ورجع على صاحبه بنصفه لأنه وكيل صاحبه بالشراء ، وما يجب على الوكيل بالشراء الفاسد والصحيح يستوجب الرجوع به على صاحبه ; لأنه عامل له بأمره ، فإن مطلق التوكيل يتناول الجائز والفاسد من التصرف .
قال : ( ولو كفل أحد المتفاوضين عن رجل بمهر أو بأرش جناية ; فهو بمنزلة كفالته بدين آخر لا يؤخذ به شريكه ) في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله . وفي قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يؤاخذ به ; لأن الواجب على المفاوض بسبب الكفالة لا بسبب النكاح . والجناية والأرش والمهر في حقهما كسائر الديون بخلاف المهر والأرش الواجب على أحد المتفاوضين ; فإن وجوب ذلك بسبب النكاح والجناية ، والشريك غير متحمل فيه ما يجب لهذا السبب ، ولهذا لا يؤاخذ واحد من المتفاوضين [ ص: 205 ] بنفقة امرأة شريكه ولا متعتها ، ولا بنفقة يفرضها الحاكم عليه لذوي أرحامه ; لأن وجوب ذلك بسبب لا يحتمل الشركة ، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فيما يجب باعتبار سبب يحتمل الشركة .
قال : ( وإن أقر أحد المتفاوضين بدين عليه لامرأته غير المهر - من شراء أو قرض - لم يلزم شريكه منه شيء ) في قول أبي حنيفة رحمه الله ويلزم المفاوض المقر خاصة ، وكذلك إقراره لكل من لا تجوز شهادته له - من آبائه وأولاده وعبيده ومكاتبيه - في قول أبي حنيفة رحمه الله قال أبو يوسف ومحمد - رحمة الله عليهما - : إقراره لهؤلاء جائز عليهما ما خلا عبده ومكاتبه . وأصل المسألة في الوكيل بالبيع أن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يبيع بمطلق الوكالة من واحد من هؤلاء ، وعندهما يجوز بيعه من هؤلاء إلا من عبده ومكاتبه ، فمن أصلهما أن الأملاك بينهما متباينة ، فيكون لكل واحد منهما ولاية إيجاب الحق لصاحبه في ملك الغير عند تسليط من له الحق كما في حق الأجانب ، ولا يكون منهما في ذلك باعتبار ما بينهما من القرابة - بخلاف العبد ، فكتبه ملك هؤلاء - وللمولى حق الكسب في ملك المكاتب ; فلا يكون متهما في حق نفسه ، فكذلك في حق مكاتبه وعبده . وبخلاف الشهادة فإن التسليط ممن له الحق غير موجود هناك . إذا ثبت هذا في التوكيل فكذلك في الإقرار ، أو كل واحد من المتفاوضين يوجب الحق للمقر له في مال صاحبه بتسليطه ، فامرأته وأبوه في ذلك كأجنبي آخر وأبو حنيفة رحمه الله يقول : هو متهم في حق هؤلاء بدليل أن شهادته لهم لا تصح موجبة للحكم . والإنسان إنما يملك الحق للغير في مال الغير عند تسليطه بصفة الأمانة ; فلا يملك في حق هؤلاء لتمكن تهمة الميل إليهم - كما في حق العبد والمكاتب - ولكن هذه التهمة في نفوذ إقرار المفاوض على شريكه ، لا في نفوذ إقراره على نفسه ; فلهذا لزم المال المقر خاصة .

قال : ( وكذلك لو أقر لامرأته وهي بائنة معتدة منه ) وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله يجوز إقراره لها في حق شريكه ، وأصله في الشهادة . فإنه إذا شهد للمباينة وهي تعتد منه ; قبلت الشهادة في رواية الحسن رحمه الله لانقطاع السبب الممكن للتهمة - وهو النكاح - كما بعد انقضاء العدة . وفي ظاهر الرواية لا تقبل شهادته لها ; لأن العدة حق من حقوق النكاح ، فبقاؤها كبقاء أصل النكاح . ألا ترى أن في نكاح أختها وأربع سواها جعلت هذه العدة كالنكاح ، ( وكذلك ) في استحقاق النفقة والسكنى ووقوع طلاقه عليها ، فكذلك في المنع من قبول شهادته لها ، وفي امتناع صحة إقراره لها في حق الشريك . قال : ( ولو كان النكاح فاسدا وقد [ ص: 206 ] دخل بها : فإن أقر لها بمهرها يلزم شريكه ; لأن وجوب المهر بسبب لا يحتمل الشركة - فاسدا كان النكاح أو صحيحا - ) . وإن أقر لها بدين غير المهر ; لزمها جميعا لأن هذه العدة ليست من حقوق النكاح ، ولكنها تجب لاشتغال الرحم بالماء . ألا ترى أنها لا تستحق النفقة والسكنى باعتبارها ، وأنه لا يقع عليها طلاقه ، ( وكذلك ) لو أعتق أم ولده ثم أقر لها بدين ; لزمهما جميعا - وإن كانت في عدته - لأن هذه العدة ليست من حقوق النكاح . ألا ترى أنها لا تستحق النفقة والسكنى باعتباره ، وكذلك لا تمنع من الخروج والسوق في هذه العدة - بخلاف عدة النكاح - وأنه لا يقع عليها طلاقه ، وللمولى أن يتزوج أربعا سواها في هذه العدة بخلاف عدة النكاح ; فلهذا كانت كالأجنبية في حكم الشهادة والإقرار لها حتى يثبت المقر به في حقهما ، ويجوز إقراره عليهما جميعا لأم امرأته وولدها من غير اعتبار الإقرار بالشهادة .
قال : ( ولا يجوز إقرار المرأة المفاوضة بالدين لزوجها على شريكها ، كما لا يجوز شهادتها له ) ويجوز إقرارها بالدين لأبوي زوجها وولده من غيرها عليها وعلى شريكها ، كما يجوز شهادتها .

قال : ( وإذا أعتق أحد المتفاوضين عبدا من شركتهما ; فالقول فيه كالقول في غير المفاوض ) لأن العتق ليس مما تقتضيه المفاوضة ، وقد بينا حكم إعتاق أحد الشريكين العبد المشترك في كتاب العتاق .
قال : ( وإذا افترق المتفاوضان ثم قال أحدهما : كنت كاتبت هذا العبد في الشركة ; لم يصدق على ذلك ) لأنه أقر على صاحبه بما لا يملك إنشاءه في الحال ، وصحة إقرار المقر في حق الغير باعتبار ملكه للإنشاء ، ولكن إقراره في نصيب نفسه صحيح ، فيكون ذلك كإنشاء مكاتبته ، وليس لشريكه أن يرده لدفع الضرر عن نفسه بعد ما يحلف على علمه ; لأنه لو أقر بما أقر به على شريكه صار العبد كله مكاتبا ، فإذا أنكر يستحلف عليه ، ولكن الاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم ، فيحلف بالله ما يعلم أنه كاتب في المفاوضة . وكذلك إن أقر أنه أعتقه في الشركة معناه أن إقراره يصح في نصيب نفسه خاصة ، ولا يشتغل باستحلاف الآخر هنا ; لأنه لو أنشأ العتق في حال بقاء الشركة لم ينفذ في نصيب شريكه ، فكذلك إذا أقر به بعد الافتراق بخلاف الكتابة .
قال : ( فإن تفرقا وأشهد كل واحد منهما على صاحبه بالبراءة من كل شركة ، ثم قال أحدهما : قد كنت أعتقت هذا العبد في الشركة وقد دخل نصف قيمته فيما ترتب إليك مرة ، فصدقه الآخر في عتقه وقال : كنت اخترت استسقاء العبد ; فالقول قول الذي لم يعتق ) لأن الخيار إليه في تعيين محل حقه ، فلا يملك المقر [ ص: 207 ] إبطال هذا الحق عليه ، ولأن مالية نصف العبد عرفناه حقا له ، والمقر يريد إسقاط حقه بما ذكر ، فلا يقبل قوله إلا بحجة ، وعلى المنكر اليمين ، فإذا حلف كان له أن يستسقي العبد في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا شيء له على الشريك ; لإقراره أنه باختيار الاستسقاء ، وذلك موجب براءة المعتق عن الضمان بالبراءة . قال : ( فإن قال : قد كنت اخترت ضمانك ; فقد برئ من الضمان بالبراءة ) لأنه حقه تقرر في ذمته بزعمه ، وبرئ العبد من ذلك ، وقد صار مبرئا شريكه بالإشهاد على البراءة من كل شركة . وإن قال : ما كنت اخترت شيئا فأنا على خياري ; كان القول قوله لأن الخيار كان ثابتا له ، والاختيار حادث من قبله ، فإذا أنكره كان القول قوله ، ولكن له أن يستسقي العبد ، وليس له أن يضمن الشريك لأجل البراءة ، فإنه لو تقرر ضمان نصيبه في ذمته باختياره تضمينه ; سقط ذلك بالإشهاد على البراءة فقيل : تقرر الضمان لأن يستفيد البراءة منه بالإشهاد على البراءة أولى . وإذا سقط حقه في تضمينه تعين في استسقاء العبد - كما لو أعتقه برضاه - وإن أقام المقر البينة أنه قد كان اختار ضمانه جعل والثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ; فيبرأ هو من ذلك ، ولا شيء على العبد . وإن قال الشريك : لم يعتقه إلا بعد الفرقة ; كان القول قوله أيضا ; لأن الإعتاق حادث ، فيحال به على أقرب الأوقات ، ولا يصدق المقر في الإسناد إلا بحجة ، فإن أقام المعتق البينة أنه أعتقه في المفاوضة ، وضمن له نصف قيمته ، وأقام الآخر البينة أنه أعتقه بعد الفرقة ، واختار سقاية العبد ; فالبينة بينة المعتق ، وبرئ هو والعبد من نصف قيمته ، لأنه أثبت بينته بسبق التاريخ في الإعتاق ، وأبقى ما لزمه من الضمان به ، والشريك ببينته يبغي ذلك - والبينات للإثبات - فيترجح بزيادة الإثبات .
قال : ( ولو أقر أحدهما أنه كاتب عبدا على ألف درهم في الشركة وقبضها منه ومات العبد ; فقد دخل فيما برئت إليك منه ، وقال الآخر : بل كاتبته بعد الفرقة ) فالقول قول الذي لم يكاتب ; لأن المكاتب يدعي سبق التاريخ في عقده ، فلا يصدق إلا بحجة ، والقول قول المنكر مع يمينه على علمه ، فإذا حلف يأخذ نصف الألف من المقر ; لأنه أخذه من كسب العبد ، وقد كان مشتركا بينهما بعد الفرقة . وإن كان العبد مات وترك مالا كثيرا ، فقال المكاتب : كاتبته بعد الفرقة وأنا وارثه ، وقال الآخر : كاتبته في المفاوضة ونحن وارثاه جميعا ، ولم يرد المكاتب شيئا بعد ; فالقول قول الذي لم يكاتب ، لأن ملكه في نصف المكاتب كان ظاهرا ، وذلك يوجب الملك له في نصف الكسب ، فالشريك بما قال يدعي بملك ذلك عليه فعليه البينة ، وهو منكر ذلك ; فالقول قول [ ص: 208 ] الذي لم يكاتب مع يمينه ، فإذا حلف كان مكاتبا بينهما ، وقد مات فيأخذان المكاتبة من تركته ، والباقي ميراث . قال : لأن ولاءه لهما .
قال : ( ولو مات المتفاوضان واقتسم الورثة جميع التركة ، ثم وجدوا مالا كثيرا ، فقال أحد الفريقين : كان هذا في قسمنا ; لم يصدقوا على ذلك إلا ببينة ) لأنهم تصادقوا على أن هذا المال كان مشتركا في الأصل ، فدعوى أحد الفريقين للاختصاص به بعد ذلك لا يقبل في حق الآخر إلا بحجة ، وعلى الفريق الآخر اليمين . فإذا حلفوا كان بينهما نصفين ، وإن كان في أيديهم صدقوا إن كانوا قد أشهدوا بالبراءة ; لأن سبب اختصاصهم بما في أيديهم قد ظهر ، وهو الإشهاد بالبراءة العامة ، وإن كانوا لم يشهدوا بالبراءة فهو بينهم جميعا بعد ما يحلف الآخرون ما دخل هذا في قسم هؤلاء ; لأنا عرفناه مشتركا في الأصل ، فإنما يستحق ذو اليد باعتبار يده ما لم نعلم فيه حقا لغيره . فأما إذا كان معلوما ، فلا يستحق باعتبار يده ، بل بالإشهاد على البراءة ، وذلك غير موجود ; وهذا لأن دعوى البعض فيما في يد الغير كدعوى الدين في ذمته . وبعد الإشهاد على البراءة المطلقة لا تسمع منه دعوى ما في ذمته مطلقا ، فكذلك لا تسمع منه دعوى ما في يده بخلاف ما قبل الإشهاد على البراءة .
قال : ( ولو كان في يد أحد الفريقين مال فقالوا : هذا لأبينا قبل المفاوضة ; لم يصدقوا على ذلك ) لأنهم قائمون مقام مورثهم ، ولو ادعى المورث ذلك في حياته لم يسمع ذلك منه ، وكان ما في يده بينه وبين صاحبه نصفين - كما هو مقتضى المفاوضة - فكذلك دعوى الورثة بعده ، فإن كانوا قد شهدوا بالبراءة مما كان في الشركة ثم أقروا بهذا ، وللفريق الآخر نصفه ; لأن الإقرار حجة في حق المقر ، وقد زعموا أن هذا ما لم تتناوله البراءة ; لأنه لم يكن من الشركة ، وكان حكم هذا المال بعد الإشهاد على البراءة كما قبله ، وإن كانت البراءة مما كان في الشركة وغيره ; فلا حق لهم فيه لأنه دخل في البراءة بهذا اللفظ سواء كان من شركتهما أو من غير شركتهما .
قال : ( وكل ما اشترى أحد المتفاوضين من التجارة ، وغيرها فهو بينه وبين شريكه ) إلا أني أستحسن في كسوته وكسوة عياله وقوتهم من الطعام والإدام أن يكون له خاصة - دون شريكه - لأن مقتضى المفاوضة المساواة ، وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه في التصرف ، وكان شراء أحدهما كشرائهما جميعا ، والقياس في الطعام والكسوة والإدام كذلك ; فإن شراء ذلك من عقود التجارة ، ولكنه استحسنه فقال : هذا مستثنى من قضية المفاوضة ; لأن كل واحد منهما حين شارك صاحبه كان عالما بحاجته إلى ذلك في مدة المفاوضة ، ومعلوم أن كل واحد منهما لم يقصد بالمفاوضة أن تكون نفقته ونفقة عياله على شريكه ، وقد كان يعلم أنه لا يتمكن من تحصيل [ ص: 209 ] حاجته من ذلك إلا بالشراء ، فصار كل واحد منهما مستثنيا هذا المقدار من تصرفه كما هو من مقتضى المفاوضة ، والاستثناء المعلوم بدلالة الحال كالاستثناء بالشرط ، ولأن سبب المفاوضة إنما يوجب المساواة شرعا فيما يتمكن كل واحد منهما من الوقاية ، وذلك فيما سوى الطعام والكسوة والإدام . فإن اشترى أحدهما شيئا من ذلك ; كان له خاصة ، وللبائع أن يطالب بالثمن أيهما شاء ; لأن المشتري باشر سبب الالتزام ، والآخر كفل عنه ما لزمه بالشراء بسبب الشركة . فإذا أداه أحدهما من مال الشركة ; رجع المؤدي على المشتري بقدر حصته من ذلك ، لأن الثمن كان عليه خاصة ، وقد قضي من مال الشركة . وإن كانت الأشياء في يد أحدهما فجحد المفاوضة ; فقد وقعت الفرقة لجحوده ، لأن كل واحد منهما ينفرد بفسخ الشركة بمحضر من صاحبه ، فجحوده يكون فسخا ; لأنه ينفي بالجحود عقد الشركة بينهما فيما مضى . ومن ضرورة ذلك بعينه في الحال ، وهو ضامن لنصف جميع ما في يده إذا قامت البينة على المفاوضة ; لأنه كان أمينا في نصيب صاحبه . فبالجحود يصير ضامنا - كالمودع إذا جحد الوديعة - . وكذلك لو جحد وارثه بعد موته ; لأن نصيب الآخر في يد وارث الميت أمانة ، فبالجحود يصير ضامنا . فإن ماتا وأوصى كل واحد منهما إلى رجل فوصي كل واحد منهما يطالب بما ولى موصيه مبايعته ; لأنه قائم مقام الموصي ، وقد انقطعت الشركة بموتهما ، ولا يطالب بالدين إلا من هو قائم مقام الذي ولي المبايعة . فإذا قبضه فلا ضمان عليه في ذلك ، ولا على الورثة بعد أن يكونوا مقرين بالمفاوضة ، كما لو كان الموصي قبض بنفسه ، وهو مقر بالمفاوضة ، كان أمينا في نصيب صاحبه .
قال : ( وإذا اشترى أحد المتفاوضين جارية لخاصة نفسه ليطأها : فإن كان اشتراها بغير أمر شريكه ; فهي بينهما ) وليس له أن يطأها ; لأن هذا الشراء ما صار مستثنى من مقتضى الشركة ، وأنه ما كان يعلم وقوع الحاجة إليه إلا عند الشركة ; فيقع على مقتضى الشركة ، وليس لأحد الشريكين وطء الجارية المشتركة - وإن اشتراها بإذن شريكه - وللبائع أن يأخذ بالثمن أيهما شاء ، ويحتسبان به فيما بينهما من حصة الذي اشتراها بمنزلة ما يشتريه من الطعام والكسوة ، لنفسه وعياله .

( وذكر ) في الجامع الصغير أن الجارية للمشتري بغير شيء في قول أبي حنيفة رحمه الله وله أن يطأها ، وأيهما نقد الثمن لم يرجع على صاحبه بشيء منه ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أديا الثمن من مال الشركة ; فللشريك أن يرجع على المشتري بحصته من الثمن . فتبين بما ذكر هناك أن الجواب المذكور في كتاب الشركة [ ص: 210 ] قولهما . وجه قولهما أنه اختص بملكها بالشراء فيلزمه ثمنها ; لأن الثمن بمقابلة الملك ، فإذا أداه من مال الشركة رجع شريكه عليه بحصته من ذلك - كما في الطعام والكسوة - ; وهذا لأن اعتبار إذن الشريك ليصير به هذا العقد مستثنى من مقتضى الشركة ، فإذا وجد التحق بالمستثنى بدون إذنه - وهو الطعام والكسوة - وأبو حنيفة رحمه الله يقول : صار مشتريا الجارية على الشركة ، وقد نقد الثمن من مال الشركة ; فلا يرجع عليه شريكه بشيء منه .

كما لو اشتراها بغير أمر شريكه ; وهذا لأنهما لا يملكان تغيير مقتضى الشركة مع بقائها . ألا ترى أنهما لو شرطا التفاوت بينهما في ملك المشتري لم يعتبر ذلك مع عقد الشركة ، ولكن تأثير إذن شريكه في تمليك نصيبه من المشترى بعد الشركة ، فيكون واهبا لنصيبه من شريكه . ولو أنهما اشتريا جارية ثم وهب أحدهما نصيبه من صاحبه ; كانت الجارية له خاصة يطؤها ، والثمن عليهما ، فهذا مثله . يقرره : أن إذن الشريك عليهما معتبر فيما لا يثبت بدون إذنه ، وشراء أحدهما صحيح بدون إذن شريكه ، وكذلك الملك في المشترى يكون لهما ، والثمن عليهما بدون إذن الشريك ; فعرفنا أن اعتبار إذنه في القرار المشترى بملك الجارية ، ولذلك طريقان : إما بنفس الشراء ، وذلك غير ممكن مع قيام الشركة بينهما ، وإما بهبة أحدهما نصيبه من صاحبه ، وذلك ممكن ، فيجب تحصيل مقصودهما بالطريق الممكن ، ويجعل هذا الطريق المتعين لتحصيل مقصودهما كتصريحهما به - بخلاف الطعام والكسوة - لأن ذلك مستثنى من مقتضى الشركة ، فكان الملك في المشترى للمشتري خاصة بعقد الشراء ; فلهذا كان الثمن عليه خاصة . قال : ( فإن كان اشتراها بأمر صاحبه فوطئها ، ثم استحقت للمستحق أن يأخذ بالعقد أيهما شاء ) لأنه دين وجب على أحدهما بسبب التجارة - وهو الشراء - فإنه لولا الشراء لكان الواجب عليه الحد ، بخلاف ما إذا تزوج امرأة فوطئها ثم استحقت ; لأن وجوب العقر عليه هناك باعتبار النكاح ، والنكاح ليس من التجارة في شيء . والدليل على الفرق أن العبد المأذون يؤاخذ بالعقر بسبب الشراء في الحال ، ولا يؤاخذ بالعقر بسبب النكاح حتى يعتق .

قال : ( وإذا باع أحدهما جارية من تجارتهما بنسيئة ; لم يكن لواحد منهما أن يشتريها بأقل من ذلك قبل استيفاء الثمن ) ; لأن فعل أحدهما في البيع كفعلهما ، ولأن أحدهما بائع والآخر تبع له ، ومن باع أو بيع له ; لم يجز شراؤه بأقل من الثمن الأول قبل العقد . وإن وهب البائع الثمن للمشتري أو أبرأه منه ; جاز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ويضمن نصيب صاحبه ; لأنه في نصيب صاحبه وكيل بالبيع ، والوكيل بالبيع [ ص: 211 ] إذا أبرأ المشترى عن الثمن أو وهبه له قبل القبض جاز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وكان ضامنا مثله للموكل ، ولم يجز إبراؤه في قول أبي يوسف رحمه الله فكذلك هذا في نصيب الشريك . وهذا لأن الهبة والإبراء ليس مما تقتضيه المفاوضة ، وإن كان الشريك هو الذي وهب الثمن من المشتري ; جاز في نصفه لأنه مالك لنصيبه ، فيجوز إسقاط الثمن باعتبار ملكه كالموكل إذا أبرأ المشتري . فأما في نصيب البائع : الشريك ليس بمالك ولا عاقد ; فلا تصح هبته ، وإن أقاله البيع جاز عليه وعلى الذي ولي البيع ; لأن الإقالة من صنيع التجار ، فكان من مقتضيات المفاوضة ، فإن الإقالة كالبيع الجديد ، ولهذا تصح من الأب والوصي ، وكذلك تصح من المفاوض والشريك شركة عنان .
قال : ( ولو أسلم أحد المتفاوضين دراهم في طعام ; جاز ذلك عليهما ) لأنه شراء بنسيئة ، وهو من صنيع التجار ، ففعل أحد المتفاوضين كفعلهما . وكذلك لو تعين أحدهما عينة عينة ، وصورة العينة أن يشتري عينا بالنسيئة بأكثر من قيمته ليبيعه بقيمته بالنقد ، فيحصل له المال ، وهذا من صنيع التجار بفعل أحد المتفاوضين فيه كفعلهما ، وهذا بخلاف أحد شريكي العنان . وقد بينا أن هناك إنما يملك كل واحد منهما الشراء بالنسيئة إذا كان في يده من مال الشركة جنس ذلك الثمن ، فأما إذا لم يكن فشراؤه بالنسيئة استدانة على المال ، وولاية الاستدانة لا تستفاد بشركة العنان ، وتستفاد بالمفاوضة .
قال : ( ولو قبل أحد المتفاوضين رأس مال أسلم إليه صاحبه في طعام ; كان جائزا على شريكه ) ; لأن قبول السلم من صنيع التجار . ( فإن قيل ) : كيف يصح هذا ، والتوكيل بقبول السلم لا يصح ، وكل واحد منهما وكيل في حق صاحبه ، فإنما ينفذ من تصرفه على صاحبه ما ينفذ من الوكيل على الموكل ; ( قلنا ) : هذا في شركة العنان هكذا ، فأما المفاوضة فكل واحد منهما بمنزلة صاحبه فيما هو من تجارة - وقبول السلم من التجارة - يوضحه : أن قبول السلم تبع ما في ذمته ، والتزام ضمان ما في الذمة بمال يأخذه ، فهو بمنزلة ما لو أجر نفسه بعمل - من خياطة أو نحوها - . وقد بينا أن ذلك ينفذ منه في حق شريكه المفاوض حتى يطالب به . فكذلك قبول السلم .
قال : ( وإذا باع أحد المتفاوضين عبدا بنسيئة ثم مات ; لم يكن لصاحبه أن يخاصم فيه ) ; لأن الشركة انقطعت بينهما بالموت ، فإنما تبقى ولاية المطالبة والخصومة بالعقد ، وذلك إلى العاقد أو إلى من قام مقامه بعد موته من وصي أو وارث ، ولكن إن أعطاه المشتري نصف الثمن ; برئ منه لأن نصف الثمن ملكه إذا قبضه وصي الميت يلزمه دفعه إليه ، فإذا دفعه المشتري إليه بنفسه ; برئ [ ص: 212 ] استحسانا - كالمشتري من الوكيل إذا دفع الثمن إلى الموكل يبرأ استحسانا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 15-12-2025, 07:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 212 الى صـــ 221
(243)






قال : ( وإذا باع أحدهما من صاحبه ثوبا من الشركة ليقطعه ; جاز ) لأن هذا بيع مقيد ، فإن الثوب قبل هذا البيع من الشركة بينهما ، وبعد هذا البيع يختص المشتري بملكه ، فإنه لو اشترى ثوبا لكسوته من أجنبي يختص بملكه ، وكذلك إذا اشتراه من صاحبه . والشراء إذا كان مقيدا كان صحيحا - كالمولى إذا اشترى شيئا من كسب عبده المأذون المديون لنفسه ، أو رب المال إذا اشترى شيئا من مال المضاربة من المضارب كان صحيحا - . قال : ( وكذلك لو باعه جارية ليطأها ، أو طعاما يجعله رزقا لأهله ; فهذا البيع مقيد يجب به الثمن ) ، ثم نصف الثمن له ونصفه لشريكه ، كما لو باعه من أجنبي آخر . قال : ( وإذا اشترى شيئا من ذلك أحدهما من صاحبه للتجارة ; كان باطلا ) لأن هذا العقد غير مقيد ، فإن العين قبل هذا العقد من شركتهما ، وبعده كذلك ، والعقد إذا لم يكن مقيدا كان باطلا ; لأن العقود الشرعية أسباب مشروعة للفائدة ، فإذا خلت منها كانت لغوا ، واللغو لا يكون مشروعا ، وإن كان لأحدهما عبد ميراث فاشتراه الآخر للتجارة ; كان جائزا لأنه مفيد ، فإنه يدخل به في المفاوضة ما لم يكن فيها ، ولا يفسد المفاوضة حتى يقبض الثمن ; لأن اختصاصه قبل القبض بملك الدين ، فإذا قبض الثمن فقد اختص بملك مال يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، فتبطل المفاوضة .

( وكذلك ) إن كانت أمة لأحدهما ميراثا ، اشتراها الآخر منه ليطأها .

قال : ( وإذا ارتد أحد المتفاوضين ولحق بدار الحرب ; انقطعت المفاوضة بينهما ) لأن القاضي لما قضى بلحاقه بدار الحرب حتى يقسم ماله بين ورثته ، والمفاوضة تبطل بالموت حقيقة ، فكذلك إذا فقد موته حكما ، ولأنه صار حربيا ، ولا عصمة بين الحربي في دار الحرب والسلم في دار الإسلام . ألا ترى أن ابتداء المفاوضة بينهما لا يجوز ، وكذلك لا يبقى ، وإن رجع مسلما قبل أن يقضي القاضي بلحاقه ; كان على الشركة لأن اللحاق بدار الحرب قبل أن يتصل به قضاء القاضي بمنزلة الغيبة ; فلا تقطع الشركة ، ولأنه بمنزلة التوكيل لصاحبه ، والوكالة لا تبطل بردة الوكيل ولحاقه ، ما لم يقض القاضي به ، وكذلك المفاوضة وشركة العنان . فإن حكم الحاكم بلحاقه بدار الحرب ثم رجع مسلما ; فلا شركة بينهما لأنها قد انقطعت بتمويت القاضي إياه حين قضى بلحاقه . وفي ردة الوكيل والموكل اختلاف وكلام قد بيناه في كتاب الوكالة . قال : ( وإذا ارتد ولم يلتحق بدار الحرب ، ثم أقر بدين ثم قتل على ردته ; لم يلزمه ذلك الدين في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى ) ; [ ص: 213 ] لأن الإقرار تصرف منه في حال ردته ، وكان موقوفا عنده ، ويبطل إذا قتل - كسائر تصرفاته - وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يلزمه كما يلزم شريك العنان ; لأن عندهما : شركة العنان تصح من المرتد ، فكذلك تبقى بعد ردته . وأما المفاوضة فتوقف من المرتد عندهما إذا باشره ابتداء . وكذلك إذا ارتد بعد المفاوضة يتوقف من المرتد عندهما تلك الزيادة ، فإذا قتل أو لحق بدار الحرب ; بطلت الزيادة . وإنما بقيت شركة العنان بينهما إلى وقت موته .
قال : ( وبيع أحد شريكي العنان وشراؤه وإقراره بالدين بجهة التجارة جائز على شريكه ) وكذا إذا فعل المرتد ذلك . وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى : إن أقر المسلم منهما بدين ; لزمه ذلك في حقه ، وتوقف أمر المرتد ، فإن أسلم لزمه ما أقر به المسلم لبقاء الشركة بينهما ، وإن مات أو قتل على ردته لم يلزمه من ذلك شيء ، وكذلك ما أقر به المرتد إلا أن أصله إقرار المرتد موقوف ، وإذا قتل بطل - كسائر تصرفاته - وأصل إقرار المسلم صحيح في حقه ، وإنما يتوقف بثبوت حكمه في حق المرتد على إسلامه ، فإذا قتل أو مات بطل ذلك ، ويبقى المسلم مطالبا به .
قال : ( وإذا باع أحد المتفاوضين متاعا ثم افترقا ، ولم يعلم المشتري بافتراقهما ; فلكل واحد منهما أن يقبض الثمن كله ) لأن بيع أحدهما في حال قيام المفاوضة مثبت على حق قبض الثمن لصاحبه ; فلا يبطل ذلك بافتراقهما ، ما لم يعلم به المشتري ، حتى إذا قضى الثمن أحدهما ، وهو لا يعلم بالفرقة ; برئ ; لأنه بالعقد استحق براءة ذمته عند دفع الثمن إلى أحدهما ، فلا يبطل ذلك بافتراقهما ما لم يعلم به . وهذا لأن المشتري بمنزلة الوكيل من جهة البائع في تسليم الثمن إلى شريكه ، فهما بالافتراق قصدا عزله عن الوكالة ، وعزل الوكالة قصدا لا يثبت في حق من لم يعلم به ، حتى إذا علم بالفرقة ; لم يكن له أن يدفع جميع المال إلا إلى الذي ولي البيع ; لأن حكم العزل يثبت في حقه ; لما علم به ; إذ لا ضرر عليه في ذلك . وهو بخلاف ما إذا مات البائع ; لأن موت الموكل يوجب عزل الوكيل حكما ; لتحول ملكه إلى وارثه ، ولا يتوقف بثبوت حكمه على العلم به .

ألا ترى أن الوكيل ينعزل بموت موكله ، وإن لم يعلم به ، - بخلاف ما إذا عزله قصدا - . قال : ( وإن وجد المشترى به عيبا لم يكن له أن يخاصم إلا الذي ولي البيع ) ; لأن الشركة قد انقطعت ، والخصومة في العيب من حقوق العقد ، فإنما يتعلق بالعاقد خاصة ثم يرجع العاقد بنصف ذلك على شريكه ; لأنه في النصف كان وكيلا ، فيرجع عليه بما يلحقه من العهدة فيه . قال : ( ولو كان رده على شريكه بالعيب قبل الفرقة ، وحكم له عليه بالثمن ، أو بنقصان العيب ، عند تعذر الرد ، ثم افترقا ; كان [ ص: 214 ] له أن يأخذ أيهما شاء ) ; لأن هذا دين لزم أحدهما في حال قيام الشركة ، فصار الآخر مطالبا بحكم الكفالة . فافتراقهما لا يبطل حق صاحب الدين عن مطالبة كل واحد منهما كسائر الديون . قال : ( ولو استحق العبد بعد الفرقة ، وقد كان نقد الثمن قبلها ; كان له أن يأخذ بالثمن أيهما شاء ) ; لأن البيع في المستحق كان موقوفا ، فيبطل من الأصل بإبطال المستحق ، وتبين أن رد الثمن كان واجبا عليهما قبل افتراقهما ، وكان للمشتري أن يطالب بالثمن أيهما شاء . فأما بالرد بالعيب بعد الفرقة لا يتبين بطلان البيع من الأصل ، ولكنه كان صحيحا إلى وقت الرد ، وإنما وجب الثمن على البائع حين رد عليه المبيع ، وإذا كان الرد بعد الفرقة فليس للمشتري أن يطالب به الآخر .

ال : ( رجل سلم ثوبا إلى خياط ليخيطه بنفسه ، وللخياط شريك في الخياطة مفاوضة ; فلصاحب الثوب أن يطالب بالعمل أيهما شاء ما بقيت المفاوضة بينهما ) ; لأن كل واحد منهما بمنزلة صاحبه فيما لزمه ما بقيت الشركة بينهما . ( فإن قيل ) : عمل الخياطة مستحق على من باشر السبب ، والآخر بمنزلة صاحبه الكفيل عنه ، فإذا شرط على الخياط أن يخيط بنفسه ; لم تجز كفالة الغير عنه ; فلا يطالب الكفيل به ; ( قلنا ) : ما بقيت المفاوضة بينهما فهما كشخص واحد ، وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه فيما تقتضيه المفاوضة ; لأن المساواة التي هي ركن المفاوضة لا تتحقق إلا به ; فلا تظهر معنى الكفالة قبل الفرقة ، وإنما تظهر بعد الفرقة ، فلا جرم إذا تفرقا أو مات الذي قبض الثوب ; لم يؤاخذ الآخر بالعمل ; لأن الموجب للاتحاد هو الشركة ، وقد انقطعت ، وإنما بقي معنى الكفالة ; فكان الشرط على الخياط ; فلا يطالب الآخر بحكم الكفالة . وإذا مات الذي قبل ; بطل هذا التقبل لفوات المعقود عليه . وهذا نظير ما لو دفع ثوبا إلى الخياط ليخيط بنفسه ، وأخذ منه كفيلا بالخياطة لم يجز ذلك . وإن لم يكن شرط عليه أن يخيط بنفسه ; جازت الكفالة ; لأن الكفالة بمضمون بما تجرى النيابة في إيفائه صحيح ، وبما لا تجرى النيابة في إيفائه باطل . وإذا شرط على الخياط العمل بنفسه هذا لا تجرى النيابة في إيفائه ، وإذا لم يشترط ذلك عليه ، فهذا تجرى النيابة في إيفائه ; فتصح الكفالة . وبعد صحتها : إذا مات الخياط ; برئ الكفيل ; لأن الإجارة قد انقطعت بموت الخياط ، وبراءة الأصيل توجب براءة الكفيل . وكذلك هذا في كراء الإبل ، إذا مات الجمال ; برئ الكفيل ; لأن الإجارة قد انقطعت بموته .
قال : ( وإذا كان بين رجلين كر حنطة ، وكر شعير ، ولم يأمر أحدهما صاحبه ببيعه ، فاستعار أحدهما دابة ليحمل عليها حنطة ، فحمل عليها الآخر الشعير [ ص: 215 ] بغير أمره ; كان ضامنا للدابة ، ولحصة صاحبه من الشعير ) ; لأن الشركة بينهما شركة ملك ، وكل واحد منهما في التصرف كالأجنبي من صاحبه ; فيكون غاصبا للدابة ولنصيب شريكه من الشعير يحمله على الدابة ; فلهذا يضمن قيمة الدابة ، ونصيب صاحبه من الشعير إذا تلفت بحمله ، وليس هذا كشريك العنان والمفاوض ; لأن كل واحد منهما وكيل عن صاحبه في الحمل ، كما أنه وكيل صاحبه في التجارة ; فلهذا لم يكن ضامنا .

ثم ختم الباب في الأصل بما إذا اشترك الرجلان شركة مفاوضة ، وليس لهما مال على أن يشتريا بوجوههما ، أو يعملا بأبدانهما ، وقد بينا جواز المفاوضة في هذين النوعين من الشركة ، كالعنان ، إلا أن في المفاوضة لا يجوز اشتراط التفاوت بينهما ، وفي العنان لا يجوز ذلك في شركة الوجوه ، إلا أن يشترطا التفاوت في ملك المشتري . وفي التقبل يصح منهما اشتراط التفاوت ، وبعض العراقيين من مشايخنا - رحمهم الله يقول : لا فرق . وتأويل ذلك أنه إن اشترطا التفاوت في التقبل ، فأما مع اشتراط التساوي في أصل التقبل ; لا يصح منهما اشتراط التفاوت في الربح ، ولكن هذا بعيد ; لأنه ذكر قبل هذا . وفي النوادر أيضا أن الربح بينهما على الشرط ، والوضيعة بينهما نصفان ، ولو كان التفاوت بينهما في أصل التقبل لكانت الوضيعة على ذلك ، ولكن الفرق من وجهين ، ( أحدهما ) : أن في التقبل هما تابعان للعمل ، فقد يكون بينهما تفاوت في العمل ، فيصح منهما اشتراط التفاوت في الربح . فأما في شركة الوجوه : هما متساويان بثمن في ذمتهما ، فمع التساوي في ملك المشتري لا يصح منهما شرط التفاوت في الربح . وتوضيح الفرق أن المنافع إنما تتقوم بالعقد ، فمنفعة كل واحد منهما تتقوم بقدر ما شرط لنفسه من الربح ، بخلاف عين المشتري ; فإنه يتقوم بنفسه ; فلا يصح من أحدهما اشتراط شيء من ربح مال صاحبه من غير رأس مال ، ولا ضمان .

وإذا تقبل العمل أحدهما ، فإن كانا متفاوضين فلا إشكال أن الآخر مطالب بذلك . فأما إذا كانت الشركة بينهما مطلقة ; فقد ذكر في النوادر - قياسا واستحسانا - في هذا الفصل في القياس لا يطالب إلا من تقبل ; لأن الشركة بينهما عنان ، وذلك لا يتضمن الكفالة . ألا ترى أنه لو أقر أحدهما بدين لإنسان لا يطالب الآخر به ، فكذلك إذا تقبل العمل . وفي الاستحسان يكون الآخر مطالبا به ; لأن هذا التقبل مقصود بالشركة ، ففيما هو المقصود يقوم كل واحد منهما مقام صاحبه ، ويكونان فيه بمنزلة المتفاوضين . وعلى هذا : إذا عمل أحدهما ; كان للآخر أن يطالب بالأجر - استحسانا - لأنه هو المقصود بعقدهما . وبيان كونه مقصودا : أن [ ص: 216 ] الشركة التي بينهما لا تنفك عن هذا - بخلاف الإقرار في الدين - . وذكر الشارح عن أبي يوسف رحمهما الله أن كل واحد منهما ضامن لما جنت يد أحدهما - استحسانا أيضا - وأنه لو ادعى عينا في يدهما على أحدهما أنه تقبل العمل فيه ، فأقر به نفذ إقراره في نصيب شريكه - أيضا استحسانا - ومحمد رحمه الله في هذين الفصلين يأخذ بالقياس ، فيقول : إقراره بالعين كإقراره بالدين ، وما يتلف بجناية في يده بمنزلة غصبه واستهلاكه ، والشركة بينهما قد تنفك عن ذلك ، فلا يطالب الشريك بشيء من ذلك وأبو يوسف رحمه الله أخذ بالاستحسان ; لأن وجوب ضمان ما جنت يده باعتبار العمل ، وما في العمل كالمتفاوضين فكذلك فيما يجب باعتباره له أو عليه ، وكذلك الإقرار بالعين فإن الشركة لا تنفك من ذلك ; لأن من يسلم إلى أحدهما العمل فلا بد له من أن يسلم إليه محل العمل ، وما يتقبله أحدهما يثبت عليه يدهما عند إقامة العمل ، فإذا لم يصح إقراره في حق شريكه يحذر الناس من المعاملة مع كل واحد منهما ; فلهذا أخذنا بالاستحسان ، والله سبحانه وتعالى أعلم

قال : ( وإذا اشترك الرجلان على أن يحتطبا الحطب يبيعانه ، فما باعاه فهو بينهما نصفان ; كانت هذه الشركة فاسدة ) ; لأن صحة الشركة باعتبار الوكالة ، فلا تصح فيما لا تجوز الوكالة فيه . ولو وكل إنسانا بأن يحتطب له لم يصح التوكيل ، وكان الحطب الذي لم يحتطب دون الموكل ، فكذلك الشركة ; لأن كل واحد منهما - في المعنى - يوكل صاحبه بمباشرة بعض ذلك العمل له ، ولأن الاحتطاب اكتساب ، والاكتساب في المحل المباح يوجب الملك للمكتسب ، وكل واحد منهما يشترط لنفسه بعض كسب صاحبه من غير رأس مال ، ولا ضمان له فيه . أو يصير كل واحد منهما كالمفاوض مع صاحبه بنصف ما يكتسبه صاحبه ، وهذا مفاوضة في المجهول ; فلا تكون صحيحة ، ولكل واحد منهما ما احتطب وثمنه إذا باع ; لأن البدل يملك بملك الأصل ، فإن احتطب أحدهما ، وأعانه الآخر ; فله أجر مثله على الذي احتطب ; لأنه استوفى منافعه بحكم عقد فاسد ; فيلزمه أجر مثله ، ولا يجاوز به نصف الثمن في قول أبي يوسف رحمه الله ، وقال محمد رحمه الله : له أجر مثله بالغا ما بلغ فأبو يوسف - رحمه الله يقول : قد رضي هذا بنصف المسمى ، فيعتبر رضاه في إسقاط حقه في المطالبة بالزيادة على ذلك . ألا ترى أنه لو استأجر [ ص: 217 ] حمالا ليحمل له حنطة إلى موضع كذا بقفيز منها ، فحملها كان له أجر مثله لا يجاوز به ما سمى ; وهذا لأن تقدم المنفعة باعتبار العقد والتسمية ; إذ المنافع لا تتقوم بنفسها بغير العقد ، وفيما زاد على المسمى لم توجد التسمية ومحمد رحمه الله تعالى يقول : المسمى مجهول الجنس والقدر ، فإنه لا يدرى : أي نوع من الحطب يصيبان ؟ وهل يصيبان شيئا أم لا ؟ .

والرضا بالمجهول لا يصح ، فإذا سقط اعتبار رضاه بقيت منافعه مستوفاة بعقد فاسد ، فله أجر مثله بالغا ما بلغ ، فإذا أصاب شيئا أولى ، بخلاف حمل الحنطة ، فإن القفيز منها معلوم ; فاعتبر رضاه بالمعلوم ; فلهذا لا يجاوز به المسمى ، وعلى هذه الشركة في سائر المباحات ، نحو احتشاش الحشيش ، واجتناء الثمار من الجبال ، والبرادي من الجوز ، والفستق ، وغيرهما فإذا عملا ذلك ، وخلطاه ثم باعا ; قسم الثمن على كيل ووزن ما كان لكل واحد منهما ، إن كان كيليا أو وزنيا ; لأن كل واحد منهما كان مالكا لما أصابه . والثمن في البيع إنما يقسم على مالية المعقود عليه ، ومالية المكيل والموزون تعرف بالكيل والوزن ; فلهذا قسم الثمن بينهما على ذلك ، وإذا لم يكن كيليا أو وزنيا ; يقسم الثمن على قيمة ما كان لكل واحد منهما ; لأن معرفة المالية ، فيما لا يكال ولا يوزن ، بمعرفة القيمة . وإذا لم يعرف مقدار ما كان لكل واحد منهما صدق كل واحد منهما في النصف لأنهما استويا في الاكتساب - وقد كان المكتسب في أيديهما - وكل واحد منهما في دعواه إلى النصف إنما يدعي ما كان في يده ، والظاهر يشهد له في ذلك ; فيقبل قوله ، ولا يصدق في الزيادة على النصف إلا ببينة ; لأنه يدعي خلاف ما يشهد له الظاهر ، ولأنه يدعي شيئا كان في يد صاحبه ، ولا يستحق المرء ما في يد غيره بدعواه إلا أن يقيم البينة عليه . وكذلك الشركة بنقل الطين وبيعه من أرض لا يملكانها ، أو الجص أو الملح أو الكحل ، وما أشبه ذلك ; لأن التوكيل في هذه الأشياء لا يجوز ; فإنها على أصل الإباحة ، والناس فيها سواء ، فكذلك الشركة . وكذلك إن اشتركا على أن ما يلبنان من طين لا يملكه أحد أو يطبخانه آجرا ، أو يشركان على طلب الكنوز ، أو على الاصطياد ; فهذا كله مما لا يصح التوكيل به ; لكون أصله مباحا غير مملوك ، فكذلك الشركة فيه . قال : ( وإن كان من طين النورة مملوكا ، فاشتركا على أن يشتريا منه ، ويطحناه ; فهو جائز ) ; لأنه إن كان بينهما رأس مال ; فهو شركة العنان ، وإن لم يكن ; فهو شركة الوجوه في هذا النوع . وقد بينا جواز كل واحد منهما ، وكذلك سهلة الزجاج : إذا اشتركا على شيء يشتريانه من ذلك ; جاز . وإن اشتركا على شيء لا يشتريانه بل هو مباح الأصل ; فهو فاسد لما قلنا .

وإذا اشتركا في الاصطياد - فنصبا شبكة أو [ ص: 218 ] أرسلا كلبا لهما - ; فالصيد بينهما نصفان لاستوائهما في السبب الموجب للملك - وهو الاصطياد - . وإن كان الكلب لأحدهما فأرسلاه جميعا ; فالصيد لصاحب الكلب خاصة ، وإن كان لكل واحد منهما كلب ، فأرسل كل واحد كلبه ، فإن أصاب كل كلب صيدا على حدة ; كان ذلك الصيد لصاحبه ، وإن أصابا صيدا واحدا ; فهو بينهما نصفان ، وإن أصاب أحدهما صيدا ، فأثخنه ، ثم جاء الآخر ، فأعانه ; فهو لصاحب الكلب الأول ، فإن لم يكن الأول أثخنه ، حتى جاء الآخر ، فأثخناه ; فهو بينهما نصفان ; لأن الإرسال إذا وجد من صاحب الكلب فقد تم السبب الموجب للملك - وهو الاصطياد - والآخر معين له في ذلك . قال : ( وإذا أرسل كل واحد منهما كلبه ، فإن أصابا صيدا واحدا فقد استوى المالكان في سبب الاستحقاق ، وإن أصابه أحد الكلبين ، فأثخنه ; فقد تم أخذه ) ; لأنه أخرجه - بفعله - من أن يكون صيدا ، وإن أثخناه جميعا ; فقد تقررت المساواة بينهما في السبب ; فكان بينهما نصفين .
قال : ( وإن اشتركا ولأحدهما بغل ، وللآخر بعير على أن يؤاجرا ذلك ، فما رزقهما الله تعالى من شيء فهو بينهما نصفان ; فهذا فاسد ) ; لأن كل واحد منهما في المعنى موكل لصاحبه بأن يؤاجر دابته ; ليكون نصف الأجر له ، وهذا التوكيل باطل ، فإنه لو قال : أجر دابتك على أن يكون جميع الأجر لي ; كان باطلا ، فكذلك إذا قال : على أن يكون نصف الأجر لي ; وهذا لأن بدل المنفعة يعتبر ببدل العين . وكذلك إذا قال : بع دابتك ، على أن يكون نصف ثمنها لي ; كان باطلا ، فكذلك في الإجارة . وإذا ثبت أن التوكيل بهذه الصفة لا يصح ، فكذلك الشركة ، والمعنى في الكل واحد ، وهو أن التوكيل إنما يعتبر فيما لا يملك الوكيل مباشرته قبل التوكيل ، والمالك يبيع دابته ويؤاجرها قبل التوكيل ، وكذلك كل أحد يملك عند المباح قبل التوكيل ; فلهذا بطل التوكيل في جميع ذلك ; ولأن هذا في معنى الشركة بالعروض ; لأن منفعة العين نظر الغبن ; لأنه يتعين في العقد ، وقد بينا أن الشركة في العروض لا تصح ، فإن أجرهما جميعا بأجر معلوم في عمل معلوم ; قسم الأجر بينهما على مثل أجر البغل ، وأجر البعير ; لأن الأجر بدل المنفعة للدابتين ، وأجر المثل في المنفعة كالقيمة في العين ، فكما لو باعا الدابتين قسم الثمن بينهما على قيمة كل واحد منهما ، فكذلك إذا أجرهما ، ولو تقبلا حمولة معلومة بأجر معلوم ، ولم يؤجر البغل ، والبعير فالأجر بينهما نصفان ; لأن استحقاق الأجر بتقبل العمل ، وقد استويا في ذلك ، وإن أجر البعير بعينه كان الأجر لصاحبه ; لأنه بدل منفعة دابته ، فإن كان الآخر أعانه على الحمولة والنقلان ; [ ص: 219 ] كان له أجر مثله لا يجاوز به نصف الأجر الذي أجر في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى - وقال محمد رحمه الله تعالى : عليه أجر مثله بالغا ما بلغ ، وهذه والمسألة الأولى سواء .
قال : ( وليست الشركة في إجارة الدواب بأعيانها مثل الشركة في عمل أيديهما بأدائهما ) ، حتى إذا اشترك قصاران ، لأحدهما أداة القصارين ، وللآخر بيت على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا ، على أن الكسب بينهما نصفان ; كان جائزا ; لأن استحقاق الأجر هناك باعتبار تقبل العمل ، والعمل بالتقبل يصير مضمونا على كل واحد منهما ، والتوكيل في ذلك صحيح ، فكذلك الشركة . وهنا استحقاق الأجر بمقابلة منفعة الدابة ، فإذا كان كل واحد منهما مختصا بملك منفعة دابته ; لم يجز للشركة بينهما فيهما .
قال : ( ولو اشترك رجلان ، لأحدهما دابة ، وللآخر إكاف وجواليق ، على أن يؤاجر الدابة على أن الأجر بينهما نصفان ; فهذه شركة فاسدة ) ; لأنها في معنى الشركة بالعروض بطريق اعتبار المنفعة بالعين ، ولأن التوكيل في مثله لا يصح ، فإن أجر الدابة ; كان الأجر لصاحبها ، ولا يقبل معه أجر مثله ; لأن الأجر بمقابلة منفعة الدابة ، فإن الحمل على الدابة هو المقصود ، فأما الإكاف ، والجواليق يتأتى الحمل بدونهما ، فلا يقابلهما شيء من البدل ; فكان الأجر كله لصاحب الدابة ، وقد أعانه الآخر بنفسه وأدائه بحكم عقد فاسد ; فله أجر مثله بالغا ما بلغ عند محمد رحمه الله تعالى ، ولا يجاوز به نصف أجر الدابة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى .
قال : ( رجل دفع دابته إلى رجل يؤجرها على أن ما أجرها به من شيء فهو بينهما نصفان ; فهذه الشركة فاسدة ) ; اعتبارا للعقد الوارد على المنفعة به بالعقد الوارد على الدين . ولو دفع الدابة إليه ليبيعها على أن الثمن بينهما نصفان ; كان فاسدا ، فكذلك الإجارة ، والأجر كله لرب الدابة ; ولأن المدفوع إليه وكيله في إجارتها ، وإجارة الوكيل كإجارة الموكل ، وللذي أجرها أجر مثله ; لأنه ابتغى عن منافعها عوضا ، ولم ينل ذلك لفساد العقد ; فكان له أجر مثله . وكذلك السفينة والبيت بمنزلة الدابة في ذلك .
قال : ( ولو دفع إليه دابة يبيع عليها البر والطعام على أن الربح بينهما نصفان ; فهذه شركة فاسدة بمنزلة الشركة بالعروض ) ; فإن رأس مال أحدهما عرض ، ورأس مال الآخر منفعة دابته ، فإذا فسدت شركته فالربح لصاحب البر والطعام ; لأنه بدل ملكه فإن الثمن بدل المعقود عليه لا بدل ما حمل عليه من المعقود عليه ، ولصاحب الدابة أجر مثلها ; لأنه شرط لنفسه عوضا عن منفعة دابته ، ولم ينل ذلك العوض ; فاستوجب أجر المثل على من استوفى منفعتها بحكم عقد فاسد . وكذلك البيت والسفينة [ ص: 220 ] في هذه كالدابة اعتبارا لمنفعة العين بالعين ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
( كتاب الصيد )

قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء : اعلم بأن الاصطياد مباح في الكتاب ، والسنة أما الكتاب فقوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } وأدنى درجات صفة الأمر الإباحة ، وقال الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر } الآية ، والسنة قوله صلى الله عليه وسلم : { الصيد لمن أخذه } فعلى هذا بيان أن الاصطياد مباح مشروع ; لأن الملك حكم مشروع فسببه يكون مشروعا ، وهو نوع اكتساب وانتفاع بما هو مخلوق لذلك فكان مباحا ، ويستوي إن كان الصيد مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم لما في اصطياده من تحصيل المنفعة بجلده أو دفع أذاه عن الناس .

والحيوانات نوعان : نوع منها ما لا دم له ، فلا يحل تناول شيء منها إلا السمك ، والجراد ; لأن شرط تناول الحيوانات الذكاة شرعا ، وذلك لا يتحقق له فيما لا دم له ، إلا أن السمك والجراد مستثنى بالنص مما شرط فيه الذكاة لقوله صلى الله عليه وسلم : { أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالسمك والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال } وماله دم نوعان مستأنس ، ومستوحش ، فالذي يحل تناوله من المستأنس بالاتفاق الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم والدجاج ، وذلك ثابت بالكتاب قال الله تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون } وقال تعالى : { جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون } وفيما سواها من المتأنس نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى .

والمستوحش نوعان : منها صيد البحر لا يحل تناول شيء منها سوى السمك ، ومنها صيد البر ، ويحل تناولها إلا ما له ناب أو مخلب { لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير } ولمعنى الخبث فيهما ، فإن من طبعهما الاختطاف والانتهاب ، فلا بد من ظهور أثر ذلك في خلق المتناول للغذاء من الأثر في ذلك ، كما قال صلى الله عليه وسلم : { لا ترضع لكم الحمقاء ، فإن اللبن يعدي } والمستخبث حرام بالنص لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } ولهذا حرم تناول الحشرات ، فإنها مستخبثة طبعا ، وإنما أبيح لنا أكل الطيبات قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } فقد أكرم المؤمنين بهذا الخطاب حيث خاطبهم بما خاطب به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم حيث [ ص: 221 ] قال : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات } الآية .

ثم شرط حل التناول منها فيما يحل منها بالذكاة قال الله تعالى : { إلا ما ذكيتم } وزعم بعض العراقيين من مشايخنا رحمهم الله أن الذبح والتذكية محظور بالعقل لما فيها من إيلام الحيوان ، وهذا عندي باطل فقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناول من اللحم قبل مبعثه } ولا يظن أنه كان يتناول ذبائح المشركين ; لأنهم كانوا يذبحون باسم الأصنام فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد بنفسه ، وما كان يفعل ما هو محظور عقلا كالظلم والكذب والسفه ، فإنه لا يجوز أن يظن به أنه فعل ذلك قط ، ثم في الذبح والاصطياد تحصيل منفعة الغذاء لمن هو المقصود من الحيوانات وهو الآدمي . فيكون ذلك سببا مباحا إليه ، وأشار الله تعالى في قوله : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } والإيلام لهذا المقصود ، فلا يكون محظورا عقلا كالفصد والحجامة مندوب ، وشرب الأدوية الكريهة في وقتها .

والذكاة لغة التوقد ، والتلهب الذي يحدث في الحيوان بحدة لأدلة سميت الشمس ذكاء لشدة الحرارة ، وسمي الرجل الذي في خاطره حدة ذكيا ، فبهذا يتبين أن اشتراط الذكاة لتطييب اللحم به ، فإنه نوع نضج ; ولهذا كان المذكى أطيب لحما من الميتة وأبعد من النسيس والفساد ، وقيل : الذكاة عبارة عن تسييل الدم الفاسد النجس ، فإن المحرم في الحيوان الدم المسفوح قال الله تعالى في جملة المحرمات : { أو دما مسفوحا } فكانت الذكاة إزالة للخبث ، وتطييبا بتمييز الطاهر من النجس ، وهو نوعان : الذبح في المذبح عند القدرة عليه قال صلى الله عليه وسلم : { الذكاة ما بين اللبة واللحيين } ، وبالجرح في أي موضع أصابه عند تعذر الذبح في المذبح ثم يحصل بعض ذلك بالجرح والتكليف بحسب الوسع ، ففي كل موضع يكون الذبح في المذبح مقدورا له لا يثبت الحل إلا به ، وفي كل موضع تعذر يقوم الجرح مقامه .
ثم حل التناول بالاصطياد مختص بشرائط :

( أحدها ) أن يكون ما يصطاد به معلما . ( والثاني ) أن يكون جارحا قال الله تعالى : { ومما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } وفي معنى الجوارح قولان : ( أحدهما ) أن يكون جارحا حقيقة بنابه ومخلبه ، ( والثاني ) الكواسب قال الله تعالى : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي كسبتم ، ويمكن حمله عليها فنقول : الشرط أن يكون من الكواسب التي تخرج . ( والثالث ) الإرسال ثبت ذلك في السنة ، وهو { قوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : وإذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ، وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل } . فلما حرم التناول عند عدم الإرسال في أحد الكلبين دل أن الإرسال في ذلك [ ص: 222 ] شرط ، ولأن التذكية إنما تكون موجبا للحل إذا حصل من الآدمي ، فلا بد من جعل آلة الصيد نائبا عن الآدمي ليحصل الحل بفعله ، وذلك لا يكون إلا بالإرسال ، واشتراط كونه معلما لتحقق الإرسال فيه . ( والرابع ) التسمية . ( والخامس ) إمساكه على صاحبه لقوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } ومطلق الأمر مفيد للوجوب ، ولا يجب التسمية عند الأكل ، فعرفنا أن المراد به عند الإرسال .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15-12-2025, 07:16 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 222 الى صـــ 231
(244)




( والسادس ) أن يكون الصيد مما يباح تناوله ، ويكون ممتنعا ومستوحشا . ( والسابع ) أن لا يتوارى عن بصره أو لا يقعد عن طلبه حتى يجده ; لأنه إذا غاب عن بصره ، فلا يدري لعل موته كان بسبب آخر سوى جرح ما أرسله ، وإليه أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله : كل ما أممت ، ودع ما أيمنت والإماء ما رأيته ، والإيماء ما غاب عنك ، وإذا قعد عن طلبه ، فلا يدري لعله لو تبعه وقع في يده حيا ، وقدر على ذبحه في المذبح ، وترك ذلك مع القدرة عليه محرم ، والأصل فيه أنه متى اجتمع في الصيد لعل وعسى أن لا يحل تناوله ، وإليه { أشار النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه إذا وقعت رميتك في الماء ، فلا تأكل ، فإنك لا تدري أن الماء قتله أو سهمك } إذا عرفنا هذا فنقول : كما يشترط فيما أرسله الصياد أن يكون خارجا فكذلك فيما يرمى به ، وبها الكتاب ببيانه مروي عن إبراهيم رحمه الله إذا خرق المعراض فكل ، وإذا لم يخرق فلا تأكل ، والمعراض سهم لا نصل له إلا أن يكون رأسه محددا ، وقيل : سهم لا ريش له فربما يصيب السهم عرضا يندق ولا يخرج ، وهو مروي { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه سئل عن صيد المعراض فقال : صلوات الله وسلامه عليه ما أصاب بحده فجرح فكل ، وما أصاب بعرضه ، فلا تأكل } والحرق هو الخرق إلا أن لفظة الحرق تستعمل فيما لا حياة له ، كالثوب ونحوه ، ولفظة الخرق تستعمل في الحيوان ، وقد بينا أن الحل باعتبار تسييل الدم النجس ، وذلك يحصل إذا خرق ، ولا يحصل إذا دق ولم يخرق ، فإن ذلك في معنى الموقوذة ، وهو حرام بالنص ، وذكر عن رجل قال : كانت لبعض أهل الحي نعامة فضربها إنسان فوقذها فألقاها على كناسة وهي حية فسألنا سعيد بن جبير فقال : ذكوها وكلوها ، وبه نقول ، فإن الموقوذة إذا أدرك ذكاتها جاز تناولها لقوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } ولحصول ما هو المقصود ، وهو تسييل الدم النجس ، ومنه دليل إباحة تناول النعامة .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن الكلب يقتل الصيد فقال : كل ، وإن أكل الكلب منه فلا تأكل ، فإنه [ ص: 223 ] أمسك على نفسه ; لأنه يضرب حتى يترك الأكل ، وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله قالوا : الكلب إذا أكل من الصيد الذي أخذه يحرم تناوله ، وقال مالك رحمه الله تعالى لا يحرم ، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله تعالى عنه لحديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال في صيد الكلب : كل وإن أكل الكلب منه } ، ولأنه تناول اللحم دون الصيد ; لأنه يقتل الصيد أولا فيخرج من أن يكون صيدا وتناول الكلب من لحم الصيد لا يحرم ما بقي منه على صاحبه ، كما لو فتش في مخلاة صاحبه وتناول شيئا من القديد من لحم الصيد ، وحجتنا في ذلك قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } وحين أكل منه فقد تبين أنه أمسكه على نفسه لا على صاحبه حين لا يتركه حتى يشبع منه ، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعدي بن حاتم رضي الله عنه ، { فإن أكل منه فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه } وتأويل حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه إن صح أنه كان قبل نزول الآية ثم انتسخ أو مراده إذا ولغ في دم الصيد ، وعندنا ذلك القدر لا يحرم ، ثم قد بينا أن ثبوت الحل بفعله باعتبار أنه نائب عن صاحبه ، وينعدم ذلك إذا أكل منه ; لأنه تبين أن سعيه كان لمنفعة نفسه فهو كما لو انعدم الإرسال أصلا .

( ثم ) ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في البازي يقتل الصيد ويأكل منه قال : كل ، وقال : تعليم البازي أن تدعوه فيجيبك ، ولا تستطيع أن تضربه حتى يترك الأكل وبه نأخذ ، وفي أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى البازي والكلب إذا أكل من الصيد لا يحل لما بينا أنه يمسك على نفسه ، وليس بنائب عن صاحبه ، ولكن الفرق بينهما عندنا على وجهين :

( أحدهما ) أن جثة الكلب تحتمل الضرب فيمكن أن يضرب ليدع الأكل ، وجثة البازي لا تحتمل الضرب ، وقد بينا أن التكليف بحسب الوسع . ( والثاني ) أن الكلب ألوف ، وعلامته علمه أن يأتي بما يكون مخالفا لطبعه ، وإجابته صاحبه إذا دعاه غير مخالف لطبعه ، فلا يكون دليلا على علمه . بل يكون علامة علمه ترك الأكل عند حاجته إليه ; لأن ذلك خلاف طبعه ، فإذا أكل منه لم يكن معلما ، والشرط في صيد الكلب أن يكون معلما ، والبازي منفر فأجابته صاحبه إذا دعاه خلاف طبعه فيجعل ذلك علامة علمه دون ترك الأكل ، فهو وإن أكل منه ، فلا يتبين به أنه غير معلم ، ولكن هذا الفرق لا يتأتى في الفهد والنمر ، فإنه مستوحش كالبازي ، ثم الحكم فيه وفي الكلب سواء فالمعتمد هو الأول .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في الكلب يشرب من دم الصيد ولا يأكل منه فقال : لا بأس بأكل الصيد ، وبه نأخذ ، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول : يحرم بذلك [ ص: 224 ] لأن دم الصيد جزء منه كلحمه فتبين شربه من دمه أنه أمسكه على نفسه ، ولكنا نقول : هذا دليل حذقه في كونه معلما ; لأنه شرب ما يعلم أن صاحبه لا يرغب فيه ، ولا يمنعه منه ، وأمسك عليه ما يعلم رغبته فيه فكان ذلك دليل علمه ، وإمساكه على صاحبه ما يحتاج إليه صاحبه ، ولا يحرم تناول الصيد بخلاف ما لو أكل من لحمه .
وعن إبراهيم رحمه الله في كلب المجوسي أو بازيه يصيد به المسلم قال : لا بأس به ; لأن الصياد مرسل الكلب لا مالك الكلب ، ومرسل الكلب مسلم من أهل التسمية ، والكلب آلة الاصطياد فاصطياد المسلم به يوجب الحل ، فإن كان للمجوسي فهو كاصطياده بقوسه وسهمه
( وعنه ) في الرجل يرسل كلبه فيذهب معه كلب آخر غير معلم فيرد عليه الصيد ويأخذ الصياد معه قال : لا يؤكل ، وبه نأخذ لقوله صلى الله عليه وسلم : { لعدي بن حاتم : رضي الله تعالى عنه وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل ، فإنك إنما سميت على كلبك ، ولم تسم على كلب غيرك } ولأن إرسال الكلب من شرائطه الحل ، وانعدامه يوجب الحرمة ، والصيد صار مأخوذا بالكلبين ، والأصل أنه متى اجتمع موجب الحل ، وموجب الحرمة يغلب الموجب للحرمة لقوله صلى الله عليه وسلم : { ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا غلب الحرام الحلال } .

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : من رمى صيدا فتردى من جبل فلا يأكله ، فإني أخاف أن يكون التردي قتله ، وإن رمى طيرا فوقع في ماء فلا تأكله ، فإني أخاف أن يكون الغرق قتله ، وبه نأخذ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { قال لعدي بن حاتم : رضي الله تعالى عنه إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل ، فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك } ولأن التردي وجب للحرمة ، فإن الله تعالى ذكر جملة المحرمات المتردية ، وعند اجتماع معنى الموجب للحل ومعنى الموجب للحرمة يغلب الموجب للحرمة ، وهذا بخلاف ما لو رمى طيرا في الهواء فوقع على الأرض ومات ، فإنه يؤكل ، وإن كان من الجائز أنه مات بوقوعه على الأرض ، فإن ذلك لا يستطاع الامتناع عنه فيكون عفوا ، والتكليف بحسب الوسع ، بخلاف الوقوع في الماء والتردي من موضع ، فإنه يستطاع الامتناع عنه ، ويستوي في ذلك طير الماء وغيره ; لأن طير الماء يعيش في الماء غير مجروح ، فأما بعد الجرح يتوهم أن يكون الماء قاتلا له ، كما يتوهم بغيره ، وهذا بخلاف ما لو ذبح شاة ، وتردى بعد الذبح من موضع ، أو وقعت في ماء ; لأن قطع الحلقوم والأوداج ذكاة مستقرة ، فإنه يحادي بالموت عليه دون ما يتعرض بعده ، فأما الرمي ليس بزكاة مستقرة ، حتى إذا وقع الصيد في [ ص: 225 ] يد الرامي حيا لم يحل إلا بالذبح ; فلهذا كان التردي من الجبل ، والوقوع في الماء محرما له .
وعن عبد الله بن يزيد قال : سألت سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه عن شيء كان قومي يصفونه بالبادية ينصبون السنان فيصبح وقد قتل الضبع ، فقال لي : وإنك ممن يأكل الضبع . ؟ قلت : ما أكلتها قط ، فقال رجل عنده : حدثنا أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي خطفة ونهبة ومجثمة وعن كل ذي ناب من السباع } فقال ابن المسيب رضي الله تعالى عنه صدقت ، وفي هذا دليل على أن الضبع غير مأكول اللحم ، وهو مذهبنا ، وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ولا بأس بأكل الضبع { لحديث جابر رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن الضبع أصيد هو . ؟ قال : نعم ، فقيل : يؤكل لحمه . ؟ قال : نعم فقيل : أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ؟ قال : نعم } وحجتنا في ذلك الحديث الذي روينا وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ومخلب من الطير } ولأنه ذو ناب يقاتل بنابه ، فلا يؤكل لحمه كالذئب ، وتأثيره ما ذكرنا أنه مستخبث باعتبار ما فيه من القصد إلى الأذى والبلادة ، فيدخل في جملة قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } وحديث جابر رضي الله تعالى عنه إن صح فتأويله أنه كان في زمن الابتداء ثم انتسخ بنزول الآية ، وهذا لأن الحرمة ثابتة شرعا فما يروى من الحل يحمل على أنه كان قبل ثبوت الحرمة ، ولا خلاف في أن الضبع صيد بحسب الجزاء على المحرم بقتله عندنا ; لأنه صيد ، وعنده لأنه مأكول اللحم ، فأما معنى حديث أبي الدرداء رضي الله عنه فالمراد بالخطف ما يختطف بمخلبه من الهواء كالبازي والعقاب والشاهين ، والمنهبة ما ينتهب بنابه من الأرض كالأسد ، والذئب والفهد والنمر ، وفي ذكر هذين الموضعين إشارة إلى معنى الحرمة حتى لا يسري إلى الأكل هذا الخلق الرديء ، وفي المحتمة روايتان بالفتح والكسر ، ومعنى الرواية بالفتح ما يحتم عليه الكلب فيقتله غما لا جرحا ، فذلك الصيد حرام لانعدام معنى الذكاة فيه ، ومعنى الرواية بالكسر ما يحتم على الصيود كالذئب والأسد والفهد ، فإنه غير مأكول ، ومعنى قوله { وعن كل ذي ناب من السباع } ما يقصد بنابه ، ويدفع به ، فأما أصل الناب يوجد لكل صيد ، فعرفنا أن المحرم ما بينا .
، وعن إبراهيم رحمه الله تعالى قال : كانوا يكرهون كل ذي مخلب من الطير ، وما أكل الجيف ، وبه نأخذ ; لأن كل ما يأكل الجيف كالفراق والغراب الأبقع مستخبث طبعا فيدخل تحت قوله [ ص: 226 ] { ويحرم عليهم الخبائث } .

( وعن ) هشام بن عروة عن أبيه { أنه سئل عن أكل الغراب فقال : ومن يأكله بعد ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا } يريد به الحديث المعروف { خمس فواسق يقتلهم المحرم في الحل والحرم } وذكر الغراب من جملتها ، والمراد به ما يأكل الجيف ، وأما الغراب الزرعي الذي يلتقط الحب فهو طيب مباح ; لأنه غير مستخبث طبعا ، وقد يألف الآدمي كالحمام فهو والعقعق سواء ، ولا بأس بأكل العقعق ، فإن كان الغراب بحيث يخلط فيأكل الجيف تارة والحب تارة فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يكره ; لأنه اجتمع فيه الموجب للحل والموجب للحرمة .

( وعن ) أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا بأس بأكله ، وهو الصحيح على قياس الدجاجة ، فإنه لا بأس بأكلها ، وقد أكلها رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهي قد تخلط أيضا ، وهذا لأن ما يأكل الجيف فلحمه ينبت من الحرام فيكون خبيثا عادة ، وهذا لا يوجد فيما يخلط .
وعن ابن المسيب رضي الله تعالى عنه أن { النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن تنخع الشاة إذا ذبحت } وبه نأخذ ، ومعناه أن يبالغ الذابح بالذبح حتى يبلغ بالسكين النخاع ، والنخاع عرق أبيض في عظم الرقبة ، وفي هذا زيادة إيلام غير محتاج إليه ، والشرع نهى عن ذلك ، والأصل فيه حديث أبي الأشعث الصبغاني رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته } والنخع ليس من الإحسان في شيء ، وكان منهيا عنه ، وروي كراهية ذلك عن عمر وابن عمر رضي الله تعالى عنهما حتى قال عمر رضي الله تعالى عنه لا تجروا العجماء إلى مذبحها برجلها ، وأحدوا الشفرة ، وأسرعوا الممر على الأوداج ، ولا تحفوا .

( وعن ) مكحول رضي الله تعالى عنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح لم ينخع ، ولم يبد بسلخ حتى تبرد الشاة } وفي هذا دليل على أنه لا بأس للمرء أن يذبح بنفسه ، وأن ذلك ليس من ترك الترحم في شيء ، بخلاف ما قاله جهال المتقشفة ، وفيه دليل على أنه ينبغي للذابح أن يتحرز عن زيادة إيلام غير محتاج إليه .

( وعن ) عكرمة رضي الله عنه قال : { نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل قد أضجع شاة وهو يحد الشفرة ، وهي ملاحظة فقال : عليه الصلاة والسلام أردت أن تميتها موتات } وبه نأخذ فنقول : يكره له أن يحد الشفرة بين يديها لما فيه من زيادة إيلام غير محتاج إليه ، وضرب عمر رضي الله عنه من رآه يفعل ذلك بالدرة حتى هرب وشردت الشاة { ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 227 ] رجلا وقد أخذ أذن شاة ، وهو يجرها إلى المذبح فقال : قدها إلى الموت قودا رفيقا ، وفي رواية قال : خذ ساقها ، فإن الله يرحم من عباده الرحماء } والمعنى أنها تعرف ما يراد بها ، كما جاء في الخبر { ما هبت البهائم إلا عن أربعة خالقها ، ورازقها ، وحتفها ، وسفادها } فإذا كانت تعرف ذلك وهو يحد الشفرة بين يديها ففيه زيادة إيلام غير محتاج إليه ، وكذلك إذا لم يحد الشفرة ، ولكن الشاة لا تحرم بشيء من هذا ; لأن ما هو المطلوب من الذكاة ، وهي تسييل الدم النجس منها قد وجد ، والنهي لمعنى في غير المنهي عنه ، فلا يكون موجبا للحرمة ، وقد وجد

( وعن ) رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل ما عدا السن والظفر والعظم فإنها مدى الحبشة } والمراد بيان آلة الذبح ، وفيه دليل أنه يشترط للذكاة آلة محددة يحصل بها إنهار الدم ، وإفراء الأوداج ، والإنهار التسييل ، ومنه سمي النهر ; لأن الماء يسيل فيه ، والنهار تجري فيه الشمس بمرأى العين من العباد ، والإفراء القطع ، والمراد بالأوداج الحلقوم والمريء والودجان ، وفي هذا بيان أن المطلوب من الذكاة تمييز الطاهر من النجس بتسييل الدم من الحيوان ، والمراد بما استثني من السن والظفر المركب ; لأنه باستعمال ذلك يصير قاتلا لا ذابحا ، فإنهما منه ، وآلة الذبح غير الذابح ، وإنما يحصل بانقطاع الأوداج بالقوة لا بحدة الآلة ، ألا ترى أنه قال : فإنها مدى الحبشة ، وهم إنما يعتادون الذبح بسن أنفسهم ، وظفر أنفسهم ، وذلك يحرم بالاتفاق ، فأما في الذبح بالسن المقلوعة والظفر المنزوعة والعظم المنفصل إذا كان محدودا اختلاف نبينه
( وعن ) عامر قال : لا بأس بذبيحة الأخرس إذا كان من أهل الإسلام أو من أهل الكتاب وبه نأخذ ، فإن إشارة الأخرس وتحريكه الشفتين بمنزلة البسملة من الناطق ، ألا ترى أنه يصير به شارعا في الصلاة ، كما يكون الناطق شارعا بالتكبير ، ثم الأهلية للذبح يكون للذابح من أهل تسمية الله تعالى على الخلوص ، وذلك باعتقاده التوحيد ، والأخرس معتقد لذلك ثم المحرم بعده الإعراض عن التسمية ، ولا يتحقق الإعراض من الأخرس فعذره أبلغ من عذر الناسي ، وإذا كان بعذر النسيان ينعدم الإعراض ، فبعذر الخرس أولى .
( وعن ) علي رضي الله عنه في الرجل إذا ذبح الشاة أو الطير فقطع رأسه قال : لا بأس بأكله ، ( وعنه ) أنه قال تلك ذكاة وحية أي سريعة .

( وعن ) عمران بن حصين رضي الله عنه أنه سئل عن رجل ضرب عنق بطة بالسيف فسبق فأماته قال : يؤكل وبه نأخذ ; لأنه أتى بما هو المحتاج إليه ، وهو قطع الحلقوم والأوداج ، وزاد على ذلك إلا أنه بدأ بالقطع من قبل [ ص: 228 ] الحلق حتى أبان رأسه ، فلا يشك في إباحة أكله ، ويكره هذا الصنيع ; لأنه زيادة إيلام غير محتاج إليه ، وإن بدأ من قبل القفا ، فإن قطع الحلقوم والأوداج قبل أن تموت الشاة حلت ، فإن ماتت قبل أن تقطع الحلقوم والأوداج لم تؤكل ; لأن فعل الذكاة بقطع الحلقوم والأوداج عند القدرة ، وإن ماتت بفعل ليس بذكاة شرعا ، وذلك موجب للحرمة ، بخلاف ما إذا مات قبل قطع الحلقوم والأوداج

( وعن ) سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال : الذكاة ما بين اللبة واللحيين وبه نأخذ ، وقد روي هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بيان محل الذكاة عند الاختيار ، وفيه دليل على أن أعلى الحلق وأوسطه وأسفله سواء في ذلك ; لأن الكل في المعنى المطلوب بالذكاة سواء .
( وعن ) إبراهيم رحمه الله تعالى قال : إذا ذبحت ، فلا تذكر مع اسم الله تعالى شيئا ، وهكذا نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : جردوا التسمية عند الذبح ، والأصل فيه قوله تعالى { فلا تدعوا مع الله أحدا } وإن أهل الجاهلية كانوا يذكرون آلهتهم عند الذبح فحرم ذلك الشرع بقوله : { وما أهل به لغير الله } وأمر بتسمية الله تعالى عند الذبح على الخلوص لمخالفة المشركين ، فلا ينبغي أن يذكر مع اسم الله تعالى غيره ، وإذا أراد أن يدعو فيقول : اللهم تقبل من فلان ينبغي أن يقدم ذلك على فعل الذبح أو يؤخره عنه ، فأما مع النحر لا يذكر غير اسم الله تعالى ، وهو تأويل الحديث أن { النبي صلى الله عليه وسلم لما ضحى عن أمته قال : هذا عمن شهد لي بالبلاغ إلى يوم القيامة } إنما قال : بعد الذبح لا معه .

( وعن ) رافع بن خديج رضي الله عنه { أن بعيرا من إبل الصدقة قد ند فرماه رجل بسهم وسمى فقتله . فقال صلى الله عليه وسلم : إن لها أوابد كأوابد الوحش ، فإذا فعلت شيئا من ذلك فافعلوا به كما فعلتم بهذا ثم كلوه } وبه نأخذ فنقول : عند تعذر الحل بذكاة الاختيار يثبت الحل بذكاة الاضطرار ، وذلك بالجرح في أي موضع أصابه ، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : { إن لها أوابد كأوابد الوحش } أي إن لها تنفرا واستيحاشا كما يكون الوحش ، إلا أن الأغلب من حالها الإلف ، والوحشي أغلب حاله التوحش ، فإذا صار ألوفا التحق بما هو ألوف غالبا ، وإذا توحش التحق بالوحشي غالبا ، والمراد بإبل الصدقة ما يؤخذ بالصدقة أو ما كان ينحر لإطعام المساكين ، وقد كان ذلك معروفا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده .

( وعن ) عتابة بن رافع بن خديج رضي الله عنه أن بعيرا تردى في نهر بالمدينة فوجئ من قبل خاصرته فأخذ منه ابن عمر رضي الله عنهما عسيرا بدرهمين ، وفي هذا دليل أن الحل يثبت بذكاة الاضطرار عند تعذر الذكاة بالاختيار ، وأنه لا [ ص: 229 ] فرق بين أن يتعذر ذلك بتوحشه ، وبين أن يتعذر سقوطه في مهوى ، فإن ابن عمر رضي الله عنهما مع زهده وتفرده رغب في الشراء منه ، والعسير تصغير العسير ، وقد روي عشيراء ، وهو سواد البطن ، والأول أصح

( وعن ) إبراهيم رحمه الله قال إذا تردى بعير في بئر ، ولم يقدروا أن ينحروه فمن حيث نحر فهو له ذكاة . ففي هذا بيان أن السنة في البعير النحر ، وفي البقر والغنم الذبح ، وبه نطق الكتاب قال الله تعالى : { فصل لربك وانحر } وقال الله تعالى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وقال الله تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } والمراد الشاة ، والذي جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : { نحرنا البدنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبعة ، والبقرة عن سبعة } معناه وذبحنا البقرة عن سبعة ، ومثل هذا الإضمار مع العطف معلوم في لسان العرب قال القائل : علفتها تبنا وماء باردا أي ، وسقيتها باردا ; لأن الماء لا يعلف
، وعن علي رضي الله عنه قال : ذكاة السمك والجراد أخذه ، ومراده بيان أن الذكاة ليست بشرط فيهما بل يثبت الحل فيهما بالأخذ من غير ذكاة ، ألا ترى أنه لا تثبت الحرمة بكون الآخذ مجوسيا أو وثنيا ، وما يشترط فيه الذكاة يشترط فيه الأهلية للمذكي ، وحيث لم يشترط في السمك والجراد عرفنا أن الذكاة فيهما ليست بشرط ، كما قال صلى الله عليه وسلم : { أحلت لنا ميتتان ودمان } ، وسئل علي رضي الله عنه عن الجراد يأخذه الرجل من الأرض وفيه الميت وغيره قال : كله كله ، وفي بعض الروايات كله كله فاللفظ الأول تكرار للمبالغة ، والثاني بيان أنه يؤكل كله وبه نأخذ ، وأن الجراد وإن وجد ميتا فلا بأس بأكله ; لأن موته لا بد أن يكون بسبب ، فإنه بحري الأصل بري المعاش ، كما قيل : إن بيض السمك إذا انحصر عنه الماء يصير جرادا ، فإذا مات في البر فقد مات في غير موضع أصله ، وإذا مات في الماء فقد مات في غير موضع معاشه ، وذلك سبب لموته ، والدليل على إباحة أكل الجراد ما روي أن مريم رضي الله عنها سألت لحما هشا فرزقت الجراد ، وأن عمر رضي الله عنه كان مولعا بأكل الجراد حتى قال يوما في مجلسه : ليت لنا قصعة من جراد فنأكله ، أو قال : نقعة .

( وعن ) عمرة قالت : خرجت مع وليدة لنا فاشترينا خريتة بقفيز من حنطة فوضعناها في زنبيل فخرج رأسها من جانب ، وذنبها من جانب فمر بنا علي رضي الله عنه فقال لي : بكم أخذت فأخبرته فقال : ما أطيبه وأرخصه وأوسعه للعيال ففي هذا الحديث دليل على أن الجراد مأكول وبه نأخذ ، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فإنه سئل عن الخريت فقال : فأما نحن ، فلا نرى به بأسا ، فأما أهل الكتاب [ ص: 230 ] فيكرهونه ، وأما الروافض قاتلهم الله تعالى فيأخذون بقول أهل الكتاب ، ويحرمون الخريت ، ويدعون قول علي رضي الله عنه مع دعواهم محبته ، وأهل الكتاب يزعمون أن الخريت من جملة الممسوخات ، وهذا باطل ، فإن الممسوخ لا نسل له ، ولا يبقى بعد ثلاثة أيام بل الخريت نوع من السمك ، والسمك مأكول بجميع أنواعه يثبت الحل فيه بالكتاب والسنة قال الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر } وقال صلى الله عليه وسلم : { أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالسمك والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال } فهذا دليل أنه لا بأس للإنسان أن يتكلم مع النساء والإماء بما لا يحتاج إليه ، فإن هذا ليس من جملة ما لا يعنيه ، فإنما الذي لا يعني المرء مما ورد النهي عنه أن يكون فيه مأثم .

( وعن ) إبراهيم رحمه الله قال ما أطيب إهابه وهو كذلك ، وقد قيل : إن أطيب الأشياء من السمك الذنب ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أتاه عبد أسود فقال : إنني في غنم لأهلي ، وإني سليل الطريق فأسقي من لبنها بغير إذنهم ، فقال : لا ، فقال : إني أرمي الصيد فأصمي وأنمي قال : كل ما أصميت ودع ما أنميت . قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : الإصماء ما رأيته ، والإنماء ما توارى عنك ، وبه نأخذ ، إلا أن المراد به إذا توارى عنه ، وقعد في طلبه ، فإذا لم يقعد عن طلبه لا يحرم لما بينا أن ما لا يستطاع بالامتناع عنه يكون عفوا ، وفي الحديث دليل أنه ليس للراعي أن يسقي من لبن الغنم بغير إذن أهلها ، فإن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نهاه عن ذلك ، وهذا لأن الراعي أمر بالرعي والحفظ والسقي ومن لبنها بمنزلة هبة عنها ، ولا يجوز له ذلك بدون إذن أهلها ، والذي جاء في الحديث أن { النبي صلى الله عليه وسلم مر براعي الغنم فاستسقاه اللبن } تأويله أن ذلك الراعي كان يرعى غنم نفسه أو كان مأذونا من جهة مالكه بذلك ، وقد عرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم { لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه } .

( وعن ) موسى بن طلحة رضي الله تعالى عنه أن { أعرابيا أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرنبا مشويا قال : لأصحابه كلوا قال الأعرابي : إني رأيت دما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس بشيء ، وقال للأعرابي : إذن فكل فقال : إني صائم ، قال : صوم ماذا ؟ قال : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فقال : هلا جعلتها البيض } ، وبه نأخذ فنقول : الأرنب مأكول ، وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية فيه وأكل منه ، وأمر أصحابه رضوان الله عليهم بذلك ( وقول ) الأعرابي : إني رأيت دما مراده ما يقول جهال العرب : أن الأرنبة تحيض كالنساء فبين [ ص: 231 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك ليس بشيء ، وفيه دليل على أنه لا بأس للمهدي أن يأكل من هديته ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الأكل ، وإنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، فما كان يدعو أحدا إلى ما يخالف ذلك ، وفيه دليل على أنه إذا دعي إلى طعام وهو صائم لا بأس بأن يمتنع ويقول : إني صائم ، وقد قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال حيث قال صلى الله عليه وسلم : { صوم ماذا . ؟ قال : صوم ثلاثة أيام من كل شهر } وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم على ذلك ، ويقول { الحسنة بعشر أمثالها صوم ثلاثة أيام من الشهر كصوم جميع الشهر } وفيه دليل على أن الأفضل أن يكون صومه في الأيام البيض ; لقوله صلى الله عليه وسلم : { هلا جعلتها البيض } والبيض الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر ، وعند بعضهم أولها الرابع عشر ، وآخرها السادس عشر ، سميت بيضا لطلوع القمر في لياليها من أول الليل إلى آخر الليل ، فكأن الليل يستوي بالنهار في البياض .

( وقيل : ) لما روي أن آدم صلوات الله وسلامه عليه لما أهبط إلى الأرض بعد زلته اغبر جسده صام الرابع عشر فابيض ثلث جسده ثم صام الخامس عشر فابيض ثلث آخر ثم صام السادس عشر فابيض جميع جسده ، وعاد اللون الأول فسميت بيضا لذلك

{ وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه أهدي لها ضب فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله فكرهه فجاء سائل فأرادت أن تطعمه إياه فقال : صلوات الله وسلامه عليه أتطعمين ما لا تأكلين } وبهذا نأخذ فنقول : لا يحل أكل الضب ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى يحل لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن { النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب فقال : لم يكن من طعام قومي فأجد نفسي تعافه فلا أحله ولا أحرمه } وفي { حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الآكلين أبو بكر رضي الله تعالى عنه كان ينظر إليه ويضحك } واعتمادنا على حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فيه يبين أن امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله لحرمته لا لأنه كان يعافه ، ألا ترى أنه نهاها عن التصدق به ، ولو لم يكن كراهية الأكل للحرمة لأمرها بالتصدق به ، كما أمرها به في شاة الأنصاري بقوله : { أطعموها الأسارى } والحديث الذي فيه دليل الإباحة محمول على أنه كان قبل ثبوت الحرمة ، ثم الأصل أنه متى تعارض الدليلان أحدهما يوجب الحظر والآخر يوجب الإباحة يغلب الموجب للحظر ، وقال بعض المتأخرين رحمهم الله تعالى : حرمة الضب ; لأنه من الممسوخات على ما روي أن فريقين من عصاة بني إسرائيل أخذ [ ص: 232 ] أحدهما طريق البحر ، والآخر طريق البر ، فمسخ الذين أخذوا طريق البر ضبابا ، وقردة ، وخنازير ( وروي ) هذا الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه غير مشهور .

ثم قد بينا أن الممسوخ لا نسل له ولا بقاء ، فهذا الذي يوجد الآن ليس بممسوخ ، وإن نسخ قوم من جنسه ، ولكنه من الخبائث ; ولهذا عافه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيدخل تحت قوله تعالى { ويحرم عليهم الخبائث } لكونه مستخبثا طبعا كسائر الهوام .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 15-12-2025, 07:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 232 الى صـــ 241
(245)




{ وعن عبد الله بن أبي أوفى قال : أصبنا يوم حنين حمرا أهلية فذبحناها ، وإن القدر لتغلي بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكفئوها بما فيها ، ونهى عن أكلها } فقلنا بيننا : إنما حرمها ; لأنها نهبة لم تخمس فلقيت سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه فذكرت له ذلك فقال : بل حرمها ألبتة ، وبه نأخذ فنقول : لا يحل تناول الحمار الأهلي ، وكان بشر المريسي يبيح ذلك ، وهو قول مالك رحمه الله ، وقد روى أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن ذلك فتلت قوله تعالى { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } الآية . .

( وعن ) طاوس قال : قلت لجابر بن فهر : إنكم تزعمون أن لحم الحمار الأهلي حرام قال : كان الحكم بن عمرو يقول ذلك عندنا بالبصرة فأتى ذلك الخبر يعني ابن عباس رضي الله عنهما ، وفي حديث الحر بن غالب رضي الله عنه أنه { سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لم يبق لي من مالي إلا حميرات فقال صلى الله عليه وسلم : كل من سمين مالك ، فإني إنما نهيتكم عن خول القرية } واعتبروا الحمار الأهلي بالوحشي ، فإنه مأكول بالاتفاق ، وكل حيوان وحشيه مأكول فالأهلي من جنسه مأكول كالإبل والبقر ، وما لا يكون أهليه مأكولا فوحشيه لا يكون مأكولا كالكلب والسنور ، وحجتنا في ذلك ما روينا من الحديث فيه يتبين أنه ما كان حرمها يوم خيبر لقلة الظهر ; لأنه أمر بإكفاء القدور بعد ما صار لحما ليس فيه منفعة الظهر ، وما حرمها لأنها نهبة لم تخمس ، فإنه كان مأكولا فللغانمين حق التناول منه قبل الخمس كالطعام والعلف ، وما حرمها لأنها حول القربة ، مأخوذ من الحوال متناول الجيف كالجلالة ، فإنه خص الحمر الأهلية بذلك ، وفي هذا المعنى الحمار وغيره سواء فعرفنا أنه حرمها ألبتة .

( وقد ) { روى أنه أمر أبا طلحة رضي الله عنه فنادى ألا إن الله تعالى ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية ، فإنها رجس } وروى ابن عمر رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن متعة النساء ، وعن الحمار الأهلي } ، ولما بلغ عليا رضي الله عنه فتوى ابن عباس رضي الله عنهما بإباحة المتعة فقال له نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء ، وعن الحمر الأهلية زمن خيبر فترجح الآثار [ ص: 233 ] الموجبة للحرمة ، ثم لا حجة في حديث الحبر رضي الله تعالى عنه ، فإن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : { كل من سمين مالك } أي بعه ، واستنفق ثمنه فقد يقال فلان أكل عقاره ، والمراد هذا ، وقال القائل :
إن لنا أحمرة عجافا يأكلن كل ليلة إكافا
، والمراد ثمن الإكاف ، وما نقلوه عن ابن عباس رضي الله عنهما لا يكاد يصح عنه ، والمشهور عنه أنه حرم الخيل والبغال والحمير فاستدل لذلك بالآية { لتركبوها وزينة } على ما تبين ، وعائشة رضي الله عنها استدلت بعام دخله الخصوص بالاتفاق ، وقد ثبت النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحم الحمار فكان دليل الخصوص في هذا العام ، واعتبار الأهلي بالوحشي ساقط ، فإنه لا مشابهة بينهما معنى ، والمشابهة صورة لا تكون دليل الحل ، وقد صح في الأثر أن { النبي صلى الله عليه وسلم أباح تناول الحمار الوحشي } ، كما روي { أن أعرابيا أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا عفيرا أو رجل حمار وحشي فأمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه أن يقسمه بين الرفاق . } ثم كما ورد الحديث بالأمر بالإكفاء للقدر في لحم الحمار فقد ورد مثله في الضب ، وهو حديث عبد الرحمن ابن حسنة قال : { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصابتنا مجاعة ، ونزلنا في أرض كثيرة الضباب فأخذناها ، وأن القدور لتغلي بها فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور } ومعلوم أن تضييع المال لا يحل ، فعرفنا أن الأمر بإكفاء القدور في الموضعين للحرمة .
( وعن ) أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : { أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم } : وعن الحريث قال : كنا إذا نتجت فرس أخذنا فلوا ذبحناه ، وقلنا الأمر قريب ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فكتب إلينا أن لا تفعلوا ، فإن في الأمر تراخيا ، وبهذين الحديثين يستدل من يرخص في لحم الخيل ، فإنهم كانوا يذبحونه لمنفعة الأكل ، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى ، وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فإنه كان يكره لحم الخيل ، فظاهر اللفظ في كتاب الصيد يدل على أن الكراهة للتنزيه ، فإنه قال : رخص بعض العلماء رحمهم الله في لحم الخيل ، فأما أنا لا يعجبني أكله ، وما قال في الجامع الصغير أكره لحم الخيل يدل على أنه كراهة التحريم ، فقد روي أن أبا يوسف رحمه الله تعالى قال لأبي حنيفة رحمه الله إذا قلت في شيء أكرهه فما رأيك فيه قال : التحريم ، ثم من أباحه استدل بالتعامل الظاهر ببيع لحم الخيل في الأسواق من غير نكير منكر ، ولأن سؤره طاهر على الإطلاق ، وبوله بمنزلة بول ما يؤكل لحمه فعرفنا أنه مأكول كالأنعام ، وإن [ ص: 234 ] روي فيه نهي فلأن الخيل كانت قليلة فيهم ، وكان سلاحا يحتاجون إليه في الحرب ; فلهذا نهاهم عن أكله لا لحرمته ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى في ذلك قوله تعالى { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } الآية ، فقد من الله تعالى على عباده بما جعل لهم من منفعة الركوب والزينة في الخيل ، ولو كان مأكولا لكان الأولى بيان منفعة الأكل ; لأنه أعظم وجوه المنفعة ، وبه بقاء النفوس ، ولا يليق بحكمة الحكيم ترك أعظم وجوه المنفعة عند إظهار المنة وذكر ما دون ذلك ، ألا ترى أنه في الأنعام ذكر الأكل بقوله تعالى : { ومنها تأكلون } ولأنه ضم الخيل إلى البغال والحمير في الذكر دون الأنعام ، والقرآن في الذكر دليل القرآن في الحكم ، وبنحوه استدل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين كره لحم الخيل ، كما روي عنه في الكتاب ، وفي حديث خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن أكل لحم الخيل والبغال والحمير } وفي حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حرام عليكم لحوم البغال والحمير والخيل } .

وقد بينا أن الدليل الموجب للحرمة يترجح ، فإن ما كان من الرخصة محمول على أنه كان في الابتداء قبل النهي ، ولأن نتاجه غير مأكول وهو البغل ; لأن البغل نتاج الفرس ، والولد جزء من الأم ، وحكمه حكمها في الحل والحرمة ، فإذا لم يكن مأكولا عرفنا أن الخيل ليس بمأكول . ثم الخيل تشبه البغال والحمير من حيث إنه ذو حافر أهلي بخلاف الأنعام ، فإنها ذوات خف لا ذوات حوافر ، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى الكراهة في سؤر الفرس كما في لبنه ، وإنما جعل بوله كبول ما يؤكل لحمه لمعنى البلوى فيه ، فللبلوى تأثير في تخفيف حكم النجاسة ، ومن قال : الكراهة للتنزيه لا للتحريم قال : إن الفرس كالآدمي من وجه ، ومن حيث إنه يحصل إرهاب العدو به ، ويستحق السهم من الغنيمة ، والآدمي غير مأكول لكرامته لا لنجاسته ، والخيل كذلك كره أكلها على طريق التنزيه لمعنى الكرامة ; ولهذا جعل الخيل طاهرة السؤر ، وجعل بوله كبول ما يؤكل لحمه .
( وعن ) إبراهيم رحمه الله تعالى قال : لا بأس بثمن كلب الصيد ، وروي أن { النبي صلى الله عليه وسلم رخص في ثمن كلب الصيد } وبه نأخذ فنقول : بيع الكلب المعلم يجوز ، وعلى قول الشافعي رحمه الله لا يجوز بيع الكلب أصلا معلما كان أو غير معلم لما روي أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب } فلو كانت مالا متقوما لما أمر بذلك ، ولأن [ ص: 235 ] الكلب نجس العين بدليل نجاسة سؤره ، فلا يجوز بيعه كالخنزير ، والدليل عليه أنه لو كان محل البيع لم يفترق بين المعلم منه وغير المعلم كالفهد والبازي ، وحجتنا في ذلك ما رواه إبراهيم من الرخصة ، وذلك بعد النهي والتحريم فيه يتبين تيسير انتساخ ما روي من النهي ، وهذا لأنهم كانوا ألفوا اقتناء الكلاب ، وكانت الكلاب فيهم تؤذي الضيفان والغرباء فنهوا عن اقتنائها فشق ذلك عليهم فأمروا بقتل الكلاب ، ونهوا عن بيعها تحقيقا للزجر عن العادة المألوفة ، ثم رخص لهم بعد ذلك في ثمن منتفعا به من الكلاب ، وهو كلب الصيد والحرث والماشية ، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : { نهى عن بيع الكلب إلا كلب الصيد ، والحرث والماشية } وروى أنه { قضى في كلب الصيد بأربعين درهما ، وفي كلب الحرث بفرق من طعام ، وفي كلب الماشية بشاة منه } .

( وعن ) عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قضي على رجل أتلف كلبا لامرأة بعشرين بعيرا ، والحديث له قصة معروفة ، وإذا ثبت أنه مال متقوم ، وهو منتفع به شرعا جاز بيعه كسائر الأموال ، وبيان كونه منتفعا به أنه يحل الانتفاع به في حالة الاختيار ، ويجوز تمليكه بغير عوض في حالة الحياة بالهبة ، وبعد الموت بالوصية فيجوز تمليكه بالعوض أيضا ، وبهذا يتبين أنه ليس بنجس العين ، فإن الانتفاع بما هو نجس العين لا يحل في حالة الاختيار كالخمر ، ولا يجوز تمليكه قصدا بالهبة والوصية ، ثم الصحيح من المذهب أن المعلم وغير المعلم إذا كان بحيث يقبل التعليم سواء في حكم البيع حتى ذكر في النوادر لو باع جروا جاز بيعه ; لأنه يقبل التعليم ، فأما الذي لا يجوز بيعه العقور منه الذي لا يقبل التعليم ; لأنه عين مؤذ غير منتفع به فلا يكون مالا متقوما كالذئب ، وهكذا يقول في الأسد إن كان بحيث يقبل التعليم ، ويصطاد به ، فبيعه جائز ، وإن كان لا يقبل ذلك ولا ينتفع به فحينئذ لا يجوز بيعه ، والفهد والبازي يقبل التعليم على كل حال فجاز بيعهما كذلك .

( وعن ) جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : { نهى عن بيع الكلب والسنور } وقال أبو يوسف رحمه الله ينقض هذا الحديث في السنور حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه { كان يصغي لها الإناء فتشرب منه } وهو مشهور عنه صلى الله عليه وسلم ، وحديث عروة عن عائشة رضي الله عنها أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان يصغي الإناء للهر ليشرب منه ثم يتوضأ } وفي هذا دليل على أنها ليست بنجسة ، وقد نص على ذلك بقوله { أنها ليست بنجسة أنها من الطوافين عليكم والطوافات } ، ويجوز الانتفاع بها من غير ضرورة ، وما يكون بهذه الصفة [ ص: 236 ] فهو مال متقوم يجوز بيعه ، والنهي إن ثبت محمول على أنه كان في الابتداء .
قال : ( وصيد الكلب المعلم وما أشبهه من الجوارح من السباع وغيرها يرسله المسلم أو الكتابي ، ويسمي عليه فيأخذه ، ويقتله جائز حلال ) وإنما يشترط أن يكون المرسل مسلما أو كتابيا ; لأن الاصطياد في كونه سببا للحل كالذبح ، والأهلية للذابح شرط لحل الذبيحة فكذا في الاصطياد ، وقد ذكرنا فيما سبق شرائط الاصطياد ، ودخل هذا الشرط في جملة ما ذكرنا دلالة ، وإن لم يدخل نصا ; لأنا شرطنا تسمية الله تعالى على الخلوص ، وإنما يتحقق ذلك عمن يعتقد توحيده جلت قدرته أو يظهر ذلك ، وهو مسلم أو كتابي ، فأما المجوسي يدعي إلهين فلا يصح منه تسمية الله تعالى على الخلوص ; فلهذا لا يحل ذبيحة المجوسي وصيده .

قال

( وإذا ترك التسمية عامدا حرم به الصيد والمذبوح عندنا ، ولم يحرم عند الشافعي رحمه الله ، والمسلم والكتابي في ذلك سواء ) وإن ترك ناسيا لم يحرم عندنا ، وقال مالك رحمه الله تعالى وأصحاب الظواهر : يحرم ، وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما ، وكان علي وابن عباس رضي الله عنهما يفصلان بين العامد والناسي كما هو مذهبنا ، وقد كانوا مجمعين على الحرمة إذا ترك التسمية عامدا ، وإنما يختلفون إذا تركها ناسيا ، وكفى بإجماعهم حجة ; ولهذا قال أبو يوسف رحمه الله متروك التسمية عامدا لا يسوغ فيه الاجتهاد ، ولو قضى القاضي بجواز البيع فيه لا يجوز قضاؤه ; لأنه مخالف للإجماع فالشافعي رحمه الله تعالى استدل بحديث البراء بن عازب وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم ، وفي رواية قال : ذكر اسم الله تعالى في قلب كل مسلم } وكون الذكر في قلبه في حالة العمد أظهر منه في حالة النسيان ، ولما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن متروك التسمية ناسيا قال : يحل تسمية ملته ، وفي إقامة الملة مقام التسمية لا فرق بين النسيان والعمد { ، وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : إن الأعراب يأتوننا بلحوم ، فلا ندري أسموا أم لم يسموا فقال : عليه الصلاة والسلام سموا أنتم ، وكلوا } فلو كان التسمية من شرائط الحل لما أمرها بالأكل عند وقوع الشك فيها ، ولأن التسمية لو كانت من شرائط الحل كانت مأمورا بها ، وفي المأمورات لا فرق بين النسيان والعمد كقطع الحلقوم والأوداج وكالتكبير ، والقراءة في الصلاة إنما يقع الفرق في المزجورات كالأكل والشرب في الصوم لأن موجب النهي الانتهاء ، والناسي يكون منتهيا اعتقادا .

فأما موجب الأمر الائتمار ، والتارك ناسيا أو عامدا لا يكون مؤتمرا ; ولأنه استصلاح الأكل فكانت التسمية فيه ندبا لا حتما كالطبخ والخبز [ ص: 237 ] ثم فيما هو المقصود وهو الأكل التسمية فيه ندب وليس بحتم ، فهذا هو طريق إليه أولى ، والدليل عليه أنه تحل ذبائح اليهود والنصارى ، ولو كانت التسمية شرطا لما حلت ذبائحهم ; لأنهم وإن ذكروا اسم الله تعالى ، فإنهم يريدون غير الله ، وهو ما يتخذونه معبودا لهم ; لأن النصارى يقولون المسيح ابن الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، ونحن نتبرأ من إله له ولد ، وحجتنا في ذلك قوله تعالى { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ومطلق النهي يقتضي التحريم ، وأكد ذلك بحرف من ; لأنه في موضع النهي للمبالغة فيقتضي حرمة كل جزء منه ، والهاء في قوله تعالى : { وإنه لفسق } إن كان كناية عن الأكل فالفسق أكل الحرام ، وإن كان كناية عن المذبوح فالمذبوح الذي يسمى فسقا في الشرع يكون حراما ، كما قال الله تعالى : { أو فسقا أهل لغير الله به } وفي الآية بيان أن الحرمة لعدم ذكر الله تعالى ; لأن التحريم بوصف دليل على أن ذلك الوصف هو الموجب للحرمة كالميتة والموقوذة ، وبهذا يتبين فساد حمل الآية على الميتة وذبائح المشركين ، فإن الحرمة هناك ليست لعدم ذكر الله تعالى ، حتى إنه وإن ذكر اسم الله تعالى لم يحل ، وقال تعالى : { فاذكروا اسم الله عليها صواف } يعني عند النحر بدليل قوله تعالى : { فإذا وجبت جنوبها } أي سقطت ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تفسير الآية ذكر اسم الله تعالى أن يقول عند الطعن : بسم الله والله أكبر .

وقال الله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } الآية ، والمراد التسمية عند الإرسال ، فثبت بهذين النصين أن التسمية مأمور بها ، ومطلق الأمر الوجوب ، وهي من شرائط الحل ثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه { إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل } والمعطوف على الشرط شرط ، وأكد ذلك بقوله : { وإن شارك كلبك كلب آخر ، فلا تأكل فأنت إنما سميت على كلبك ، ولم تسم على كلب غيرك } فعلل للحرمة بأنه لم يسم على كلب غيره فهو دليل الحرمة إذا لم يسم على كلب نفسه ، وشيء من المعنى يشهد له ، فإن ذبيحة الكتابي تحل ، وذبيحة المجوسي لا تحل ، وليس بينهما فرق يعقل معناه بالرأي سوى من يدعي التوحيد يصح منه تسمية الله على الخلوص ، ومن يدعي الاثنين لا يصح منه تسمية الله تعالى على الخلوص فبه يتبين أن التسمية من شرائط الحل أو إنما أمرنا ببناء الحكم في حق أهل الكتاب على ما يظهرون دون ما يضمرون ، ألا ترى أن تسمية غير الله تعالى على سبيل التعظيم موجبة للحرمة لقوله تعالى { وما أهل به لغير الله } فلو اعتبرنا ما يضمرون لم تحل ذبيحتهم ، وكذلك يستحلفون في المظالم بالله ، والاستحلاف بغير الله لا يحل [ ص: 238 ] فعرفنا أنه يبني على ما يظهرون ، ثم إنا أمرنا بالتسمية عند الذبح مخالفة للمشركين ; لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح ، ومخالفتهم واجبة علينا فالتسمية عند الذبح تكون واجبة أيضا بخلاف الطبخ والأكل ، فإنهم ما كانوا يسمون آلهتهم عند ذلك ، فالأمر بالتسمية عند ذلك ندب .

وكذلك عند الوصف فالأمر بالتسمية عند الوصف لم يكن لمخالفتهم فكان ندبا ، ألا ترى أن في حالة النسيان تقام ملته مقام التسمية ، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لمعنى التخفيف ، وهذا التخفيف يستحقه الناسي دون العامد ، ولأن العامد معرض عن التسمية ، فلا يجوز أن يجعل مسميا حكما بخلاف الناسي ، فإنه غير معرض بل معذور ، والفرق بين المعذور وغير المعذور أصل في الشرع في الذبح وغير الذبح ألا ترى أن في اعتبار الذبح في المذبح يفصل بين المعذور وغيره ، وفي الأكل في الصوم يفصل بين الناسي والعامد ، ولا يعتبر بالمأمور والمزجور فالأكل في الصلاة مزجور ، ثم سوى فيه بين النسيان والعمد ، والجماع في الإحرام كذلك ، ولكن متى اقترن بحالة ما يذكره كهيئة المحرمين والمصلين لا يعذر بالنسيان ، ومتى لم يقترن بحالة ما يذكره يعذر بالنسيان كالصوم ، وهنا لم تقترن بحالة ما يذكره ، وقد يذبح الإنسان الطير وقلبه مشتغل بشغل آخر فيترك التسمية ناسيا ، وعليه يحمل الحديث على أنه اذبح على اسم الله تعالى إذا كان ناسيا غير معرض ، بدليل أنه ذكر في بعض الروايات { وإن تعمد لم يحل } وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها دليلنا ; لأنها سألت عن الأكل عند وقوع الشك في التسمية ، فذلك دليله على أنه كان معروفا عندهم أن التسمية من شرائط الحل ، وإنما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأكل بناء على الظاهر أن المسلم لا يدع التسمية عمدا كمن اشترى لحما في سوق المسلمين يباح له التناول بناء على الظاهر ، وإن كان يتوهم أنه ذبيحة مجوسي .

ثم التسمية في الذبح تشترط عند القطع ، وفي الاصطياد عند الإرسال والرمي ; لأن التكليف بحسب الوسع ، وفي وسعها التسمية عند الرمي ، وليس في وسعه التسمية عند الإصابة ، فتقام التسمية عند الإرسال والرمي مقامه ، كما يقام الجرح في المتوحش مقام الذبح في المذبح في الأهلي ، ولأن التسمية تقترن بفعله ، والقطع من فعله ، وفي الاصطياد فعله الإرسال والرمي ، وعلى هذا لو أضجع شاة وأخذ السكين وسمى ثم تركها وذبح شاة أخرى ، وترك التسمية عليها لا يحل ، ولو رمى سهما إلى صيد وسمى فأصاب صيدا آخر أو أخذ سكينا ، وسمى ثم تركها وأخذ سكينا أخرى أو أرسل كلبه إلى صيد وسمى ، وترك ذلك الصيد وأخذ غيره حل ، وكذلك لو [ ص: 239 ] ذبح تلك الشاة ثم ذبح شاة أخرى بعدها فظن أن تلك التسمية تكفيه لا يحل ، والسهم إذا أصاب ذلك الصيد وغيره . أو أخذ الكلب في فوره ذلك الصيد وغيره حل الأكل ، وجهله ليس نظير النسيان ، ألا ترى أن الجهل بالحكم لا يمنع حصول الفطر بخلاف النسيان ، وكذلك لو نظر إلى قطيع من الغنم وأخذ السكين وسمى ثم أخذ شاة منها وذبحها بتلك التسمية لا يحل ، وكذلك لو أرسل كلبه على جماعة من الصيود وسمى فأخذ أحدها يحل ; لأن التعيين في الاصطياد ليس في وسعه ، والتعيين في الذبح في وسعه .
قال : ( ولو أرسل كلبه ، ولم يسم عمدا ثم زجره وسمى فانزجر ، وأخذ الصيد لم يحل ) ; لأن إرساله مع ترك التسمية عمدا فعل محرم ، فلا ينسخ إلا بما هو مثله أو فوقه ، والزجر دون الإرسال بخلاف ما إذا اتبع الصيد بغير إرسال صاحبه ثم زجره صاحبه وسمى ، فإن انزجر بزجره وأخذ الصيد حل ; لأن اتباعه لم يكن فعلا معتبرا ، فإن فعل العجماء غير معتبر إذا لم يكن بناء على إرسال آدمي ، فكان زجره بمنزلة ابتداء الإرسال ، وقد اقتربت التسمية به ، وعلى هذا الأصل إذا أرسل المسلم كلبه على صيد فزجره مجوسي فانزجر بزجره لم يضره ; لأن الإرسال من المسلم فعل موجب للحل ، فلا يرتفع إلا بما هو مثله ، والزجر دون الإرسال ، فلا يتغير به الحكم الثابت بالإرسال ، ولو كان المجوسي هو الذي أرسل لم ينفعه زجر المسلم ; لأن فعل المجوسي يحرم ، فلا يرتفع بزجر المسلم إياه لأنه دونه ، فأما إذا انبعث الكلب والبازي على أثر الصيد بغير إرسال ثم زجره صاحبه ، فإن لم ينزجر بزجر صاحبه لم يحل الصيد ; لأنه لا أثر لفعل المسلم فيأخذه ، وبدون الإرسال لا يحل ، وإن انزجر بزجر في القياس لا يحل أيضا ; لأن زجره ليس بإرسال ، فإن الإرسال يكون من يده ، ولم يكن في يده حين زجره ، وبدون الإرسال لا يحل صيد الكلب ، ولكنه استحسن ذلك فقال : لما انزجر بزجره يجعل ذلك بمنزلة ابتداء الإرسال ، والصياد قد يبتلى بهذا ; لأن الكلب ربما يرى الصيد ولا يراه صاحبه ، فلو انتظر إرساله ، فإنه فينبعث على أثره ، وينظر إلى صاحبه ليزجره حتى إذا زجره ، وكان بالقرب من الصيد فيتمكن من أخذه ، ثم انبعاثه لم يكن فعلا معتبرا ، فالحاجة إلى ابتداء الفعل لا إلى فسخ الفعل ، ولما انزجر بزجره جعل هذا ابتداء فعله بخلاف الأول ، فالحاجة هناك إلى فسخ فعل معتبر ، والفسخ لا يصلح لذلك ، وهو نظير ما قلنا فيمن حفر بئرا في الطريق فألقى إنسان حجرا على شفيره فيعثر إنسان في الحجر حتى هوى في البئر فالضمان على الملقي ، وبمثله لو ثنى حجرا من [ ص: 240 ] شفير البئر أو جاء به سيل فيعثر به إنسان فوقع في البئر فالضمان على الحافر ; لأنه لم يوجد من بعد فعله فعل معتبر فبقي حكم فعله بخلاف الأول .
قال وإذا توارى الكلب والصيد عن المرسل المسلم ثم وجده المسلم ، وقد قتله وليس فيه أثر غيره حل تناوله إذا لم يترك الطلب ; لأنه يستطاع الامتناع منه ، والتواري عن بصره لا يستطاع الامتناع عنه خصوصا في القناص والمستأجر ، والطير بعد إصابة السهم ربما يتحامل ، ويطير حتى يغيب عن بصره فيسقط ، فإن كان ترك الطلب إلى عمل آخر حتى إذا كان قريبا من الليل طلبه فوجد الصيد ميتا ، والكلب عنده والبازي ، وبه جراحة لا يدرى الكلب جرحه أو غيره لم يحل أكله عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى يحل لأنه ظهر لموته سبب ، وهو ما كان منه من إرسال الكلب والبازي ، والرمي والحكم متى ظهر عقب سببه يحال عليه ، كما لو جرح إنسانا فلم يزل صاحب فراش حتى مات فجعل قاتلا له ، ولكن نستدل بما روي { أن رجلا أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم صيدا فقال عليه الصلاة والسلام : من أين لك هذا . ؟ قال : كنت رميته بالأمس ، وكنت في طلبه حتى حال بيني وبينه ظلمة الليل ، ثم وجدته الليل ، وفيه من باقي فقال عليه الصلاة والسلام : لعل بعض الهوام أعانك على قتله ، فلا حاجة لي فيه } ، وقال ابن عباس كل ما أصميت ودع ما أنميت ، والإنماء التواري عن بصرك إلا أن قدر ما لا يستطاع الامتناع عنه جعل عفوا ، فأما ترك الطلب مما يستطاع الامتناع عنه ، والثابت بالضرورة ، ولا يعدو موضع الضرورة ، ثم في المدة القصيرة يؤمن إصابة آفة أخرى إياه ، ولا يؤمن ذلك إذا ترك الطلب وطالت المدة ، ولأنه لا يدري فلعله لو لم يترك الطلب وجده حيا فذكاه ، فمن هذا الوجه يكون تاركا ذكاة الاختيار فيه مع القدرة عليه ، وإن وجده وفيه جراحة أخرى ليس له أن يأكله ترك الطلب أو لم يترك ; لأنه ظهر لموته سببان أحدهما موجب للحل والآخر موجب للحرمة فيغلب كما لو وقعت الرمية في الماء .
قال : ( إذا أرسل كلبه أو بازيه على صيد فأخذ ذلك الصيد أو أخذ غيره أو أخذ عددا من الصيود فهو كله حلال ما دام على وجه الإرسال ) ; لأن الإرسال قد صح من المسلم موجبا للعمل فما نأخذه من وجه إرساله ، وهو ممسك له على صاحبه يحل ، وتعيين الصيد في الإرسال ليس بشرط إلا على قول مالك رضي الله تعالى عنه ، فإنه يقول : التعيين شرط حتى إذا ترك التعيين فهو كترك الإرسال ، وعن ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى قال : التعيين ليس بشرط ، ولكن إذا عين اعتبر تعيينه حتى إذا ترك ذلك وأخذ غيره [ ص: 241 ] لا يحل ، ولكنا نقول : الشرط ما في وسعه اتخاذه وهو الإرسال ، فأما التعيين ليس في وسعه ; لأنه لا يمكنه أن يعلم البازي ، والكلب على وجه لا يأخذ إلا ما يعينه ، ولأن التعيين غير مفيد في حقه ولا في حق الكلب ، فإن الصيود كلها فيما يرجع إلى مقصوده سواء ، وكذلك في حق الكلب فقصده إلى أخذ كل صيد يتمكن من أخذه ، وعلامة علمه إمساكه على صاحبه بترك الأكل ، وما ليس بمفيد لا يعتبر شرعا فسواء أخذ ذلك الصيد أو غيره حل . قال : ( فإن قتل واحدا وجثم عليه طويلا ثم مر به صيد آخر فأخذه لم يؤكل ) ; لأن فور الإرسال قد انقطع حين جثم على الأول طويلا فقد انعدم إرسال صاحبه في حق الصيد الثاني ، وهو شرط في الحل . ( فإن قيل : ) كيف يكون فعله ناسخا لإرسال صاحبه . ؟ ( قلنا : ) إنما جثم على ذلك الصيد بناء على إرسال صاحبه ليأتيه فيأخذه منه فذلك بمنزلة فعل صاحبه ، ولو منعه انقطع به حكم الإرسال مع أن فعل العجماء معتبر في نسخ حكم فعل الآدمي به ، كمن أرسل دابة في الطريق فتركت سنن الإرسال ، وذهب يمنة أو يسرة فأتلفت مالا لم يجب الضمان على المرسل ، بخلاف ما لو ذهبت على سنن الإرسال .
قال : ( وإن وصل إليه صاحبه والصيد حي فأخذه فلم يذبحه حتى مات لم يؤكل ) أما إذا تمكن من ذبحه فلا شك فيه ; لأنه ترك ذكاة الاختيار مع القدرة عليه ، وأما إذا لم يتمكن من ذلك ، فإن كان لفقد الآلة فكذلك الجواب ; لأن التقصير من قبله حيث لم يحمل آلة الذكاة مع نفسه ، وإن كان لضيق الوقت فكذلك الجواب عندنا . ( وقال ) الحسن بن زياد ومحمد بن مقاتل رحمهما الله تعالى : يحل استحسانا ، وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لأن ذكاة الاضطرار بدل عن ذكاة الاختيار ، وما لم يقدر على الأصل لا يسقط حكم البدل كالمتيمم إذا وجد الماء وبينه وبين الماء سبع أو عدو ، وهنا لم يقدر على الأصل فبقي ذكاة الاضطرار موجبا للحل ، ولكنا نقول : ذكاة الاضطرار إنما تعتبر فيما إذا لم يقع في يده حيا ، وهذا قد وقع في يده حيا فسقط اعتبار ذكاة الاضطرار فيه ، وألحق بما كان في يده كالشاة والبعير إذا سقط فلم يتمكن من ذبحه في المذبح لضيق الوقت فجرحه فمات لم يحل فهذا مثله ، وهذا كله إذا كان يتوهم بقاؤه حيا مع الجرح الذي جرحه الكلب ، فأما إذا شق بطنه فأخرج ما فيه ثم وقع في يد صاحبه حيا فمات حل تناوله ; لأنه استقر فيه فعل الذكاة قبل وقوعه في يده ، وما بقي فيه اضطراب المذبوح ، فلا يعتبر كمن ذبح شاة فاضطربت ووقعت في الماء بعد قطع الحلقوم والأوداج لم يحرم بذلك لهذا المعنى ، وقيل : هذا قول أبي يوسف [ ص: 242 ] ومحمد رحمهما الله تعالى ، فأما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يحل وهو القياس ; لأنه وقع في يده حيا ، وموته مما أصابه ، وحياته موهوم ، فإنما ينبني الحكم على ما هو معلوم حقيقة ، وهو وقوعه حيا في يد صاحبه ، فلا يحل بدون ذكاة الاختيار .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 15-12-2025, 03:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 252 الى صـــ 256
(247)






قال : ( فإن رمى صيدا بسهم فأصاب فمر السهم في سننه فأصاب ذلك الصيد أو غيره أو أصابه ونفذ إلى غيره فأصابه حل جميع ذلك ) لما بينا أن فعل الرمي يذكي لما يصيبه في سننه ، سواء أصاب صيدا أو صيدين ، وإن عرض للسهم ريح فرده إلى ما وراءه فأصاب صيدا لم يؤكل . لأن الإصابة لم تكن بقوة الرامي بل بقوة الريح فهو نظير سهم موضوع في موضع حمله الريح فضربه على صيد فمات ، وفعل الريح لا يكون ذكاة الصيد ، وكذلك إن رده يمنة أو يسرة حتى إذا أصاب صيدا لم يحل ، وإن لم يرده عن جهته حل صيده ; لأنه ما دام يمضي في سننه فمضيه مضاف إلى قوة الرامي ، فأما إذا رده الريح يمنة أو يسرة فقد انقطع حكم هذه الإضافة ; لأن الرامي لا يحب مضي السهم يمنة أو يسرة فيصير مضافا إلى الريح لا إلى الرامي ، وما دام يمضي في جهته فالريح يزيده في قوته ، فلا ينقطع به حكم إضافة القوة إلى الرامي ، وعن أبي يوسف قال ، وإن رده يمنة أو يسرة يحل أيضا ; لأنه ليس بضد للجهة التي قصدها الرامي ، ولا يمكن الاحتراز عنه إذا كان يصطاد في يوم ريح ، وكذلك لو أصاب السهم حائطا أو شجرا أو شيئا آخر فرده فهو ورد الريح سواء في جميع ما ذكرنا ; لأن مضيه إلى ما وراءه بصلابة الشجر والحائط لا بقوة الرمي ، وكذلك لو أصابه سهم آخر قبل أن يصيب الصيد فرده عن وجهه فأصاب صيدا لم يؤكل ، وتأويل هذا إذا كان الرامي بالسهم الثاني مجوسيا أو لم يكن قصده الاصطياد إنما كان قصده الرمي إلى [ ص: 253 ] ذلك السهم ، فأما إذا كان قصد الثاني الاصطياد وسمى ، فإن الصيد يكون له ويحل تناوله ، ولا فرق بين أن يصيبه سهم أو يرد سهما آخر فيصيبه ، وقيل : بل لا يحل على كل حال ; لأن الحل باعتبار فعل الرامي ، وجرح الآلة والسهم الذي رماه للثاني ما جرح الصيد ، والذي جرح الصيد ما رماه الثاني ، ولا كان مضيه بقوة من رمى به فهو بمنزلة ما لو أصاب السهم قصبة محدودة منصوبة في حائط ، وأصابت تلك القصبة الصيد بحدها فجرحته ، وذلك غير مأكول ، فهذا مثله .
قال : ( ولا يحل صيد البندق والحجر والمعراض والعصا وما أشبه ذلك ، وإن جرح ) ; لأنه لم يخرق ، إلا أن يكون شيئا من ذلك قد حدده وطوله كالسهم ، وأمكن أن يرمي به ، فإذا كان كذلك وخرقه بحده حل لما بينا أن المطلوب بالذكاة تسييل الدم ، وذلك يحصل بالخرق والبضع ، فأما الجرح الذي يدق في الباطن ولا يخرق في الظاهر ، فلا يحصل تسييل الدم به فهو في معنى الموقوذة ، والموقوذة حرام بالنص ، والمثقل بالحديد وغير الحديد في ذلك سواء ، وكذلك لو رمى الصيد بالسكين فأصابه بحده وجرحه يؤكل ، وإن أصابه بقفا السكين أو بمقبض السكين لم يؤكل ، والمزراق كالسهم يخرق ، ويعمل في تسييل الدم
وإن حدد مروة فذبح بها صيدا حل لحصول تسييل الدم بحد الآلة ، وفي حديث { محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد رضي الله عنه قال : أخذت أرنبتين فذبحتهما بمروة محددة ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجوز لي أكلهما }
قال : ( وما توحش من الأهليات حل بما يحل به الصيد من الرمي ) لما بينا من الخبر أن لها أوابد كأوابد الوحش ، وقد روي عن محمد في البعير والبقرة إذ أنه في المصر أو خارج المصر فرماه إنسان حل به ; لأنه يدفع عن نفسه نصيبا له ، ويخاف فوته ، وإن كان في المصر ، وأما الشاة إذا مدت في المصر فلا تحل بالرمي ; لأنه يمكنه أخذها في المصر عادة فلم يتحقق العجز عن ذكاة الاختيار ، وإذا مدت خارج المصر تحل بالرمي ; لأنه يخاف فوتها خارج المصر ، فللعجز عن ذكاة الاختيار يكتفى فيها بذكاة الاضطرار .

قال : ( وإذا أصاب السهم الظلف والقرن فقتله حل أيضا به إذا أدماه ، ووصلت الرمية إلى اللحم ) ; لأن ما هو المقصود وهو تسييل الدم قد حصل ، وكذلك المتردي في بئر لا يقدر على ذكاته ، فأينما وجئ منه فأدماه فهو ذكاة ; لأن المعتبر وقوع العجز عن ذكاة الاختيار ، وقد يتحقق ذلك بالتردي في البئر فهو وما ند سواء .
قال : ( وإن رمى صيدا بسيف فأبان منه عضوا ومات أكل الصيد كله إلا ما بان عنه ) لقوله عليه الصلاة والسلام : { ما أبين من الحي فهو ميت } ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 254 ] تحريم ما كانوا يعتادونه في الجاهلية ، فإنهم كانوا يقطعون بعض لحم الألية من الشاة وربما لا يقطعون بعض لحم العجز منها فيأكلونه فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ; لأن فعل الذكاة لا يتحقق في المبان مقصودا ، وأصل الشاة حية ، وبدون الذكاة لا يثبت الحل ، وهذا المعنى موجود هنا فحكم الذكاة استقر في الصيد بعد ما مات ، وهذا العضو مبان من حين مات ، فلا يسري حكم الذكاة إلى ذلك العضو ، ولا يمكن إثبات حكم الذكاة في ذلك العضو مقصودا بالإبانة ، كما لو بقي الصيد حيا ; فلهذا لا يؤكل ذلك العضو ، وإن لم يكن بان ذلك العضو منه أكل كله ; لأن بقاء الاتصال يسري حكم الذكاة إلى ذلك العضو فيكون حلالا كغيره ، وإن كان تعلق منه بجلدة ، فإن كان بمنزلة ما قد بان منه فلا يؤكل ، ومراده من ذلك إذا كان بحيث لا يتوهم اتصاله بعلاج فهو والمبان سواء ، وإن كان بحيث يتوهم ذلك ، فهذا جرح وليس بإبانة فيؤكل كله ، وإن قطعه نصفين يؤكل كله ; لأن فعله أثمر ما يكون من الذكاة إذ لا يتوهم بقاؤه حيا بعد ما قطعه نصفين طولا ، وإن قطع الثلث منه مما يلي العجز فأبانه ، فإنه يؤكل الثلثان اللذان مما يلي الرأس ، ولا يؤكل الثلث مما يلي العجز ، فإن قطع الثلث مما يلي الرأس فأبانه ، فإنه يؤكل كله ; لأن ما بين النصف إلى العنق مذبح يريد به أن الأوداج من القلب إلى الدماغ ، وإن قطع الثلث مما يلي العجز لم يستقر فعل الذكاة بهذا حين لم تقطع الأوداج ، وإنما استقر بموته ، وهذا الجرح مبان عنه عند ذلك ، فأما إذا أبان الثلث مما يلي الرأس فقد استقر حكم الذكاة بقطع الأوداج بنفسه ، وكذلك إن قده نصفين فقد استقر فعل الذكاة بقطع الأوداج ; فلهذا يؤكل كله ، فإن أبان طائفة من رأسه ، فإن كان أقل من النصف لم يؤكل ما بان منه ; لأن الرأس ليس بمذبح فهو كما لو أبان جزءا من الذنب ، وإن كان النصف أو أكثر أكل ; لأنه يتقطع الأوداج به فيكون فعله ذكاة بنفسه .

قال : ( ولو ضرب وسمى وقطع ظلفه فإن أدماه فلا بأس بأكله ، وإن لم يكن أدماه لم يؤكل ) ; لأن تسييل الدم النجس لم يحصل ، وعلى هذا لو ضرب عنق شاة بسيف فأبانه من قبل الأوداج فإنه يؤكل ، وفي الكتاب رواه عن عمران بن حصين رضي الله عنه ، وقد أساء فيما صنع حين ترك الإحسان في الذبح .
واختلف المتأخرون من مشايخنا رحمهم الله فيمن ذبح شاة في المذبح فلم يسل الدم منها ، وقد يكون ذلك إذا كانت قد أكلت العناب ، وكان أبو القاسم الصفار رضي الله تعالى عنه يقول : لا يحل لانعدام معنى الذكاة ، وهو تسييل الدم النجس ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : [ ص: 255 ] { ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل } وكان أبو بكر الإسكاف رحمه الله تعالى يقول : لا بأس بأكله لوجود فعل الذكاة على ما قال عليه الصلاة والسلام : { الذكاة ما بين اللبة واللحيين } وقد يمتنع بعض الدم في العروق لحابس يحبسه ، وذلك غير موجب للحرمة بالاتفاق ، وهذا مثله لم يبن ما يؤكل وما لا يؤكل من الصيود ، وقد تقدم بيان ذلك .
وذكر في جملة ما لا يؤكل اليربوع والقنفذ وما أشبههما من الهوام ; لأن الطباع السليمة تستخبثها فيدخل تحت قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث }
قال : ( ولا يجوز بيع الضفدع والشرطان وما أشبههما ، وكذلك جمل الماء ، ولا يجوز بيع شيء من ذلك إلا السمك ) ; لأنه ليس له ثمن ، ومعنى هذا ما بينا أن البيع لا يجوز إلا فيما هو مال متقوم ، والمال ما يتمول ، والتقوم به يكون منتفعا به ، وسائر حيوانات الماء سوى السمك غير مأكول اللحم ، ولا منفعة لها سوى الأكل فلم يكن مالا متقوما ، فإن كان شيئا له ثمن كجلود الحمر ونحوها فبيعه جائز ; لأن هذا منتفع به بوجه حلال فيكون متقوما فيجوز بيعه .
قال : ( ولا خير في أكل النسر والعقاب وأشباههما من صيد البر ) { لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ذي مخلب من الطير } ، فأما العقعق والسودانية وأشباه ذلك مما لا مخلب له فلا بأس بأكله ، وقد بينا الكلام في الغراب فيما سبق .
قال : ( ولا تكره الصلاة على جلد ما يكره أكله من ذي الناب ) ; لأن الذكاة تعمل فيما يؤكل لحمه في طيبة اللحم وطهارة الجلد ، وفيما لا يؤكل لحمه يعمل في طهارة الجلد ، وإن كان لا يعمل في طيبة اللحم ; لأن الجلد محل قابل لهذا الحكم ، ألا ترى أنه يطهر بالدباغ { قال عليه الصلاة والسلام : أيما إهاب دبغ فقد طهر } فكذلك بالذكاة ، وقد بينا هذا الفصل في كتاب الصلاة

، وتكره لحوم الإبل الجلالة والعمل عليها ، وتلك حالها إلى أن تحبس أياما لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام { نهى عن أكل لحم الجلالة ، وفي رواية أن يحج على الجلالة ويعتمر عليها وينتفع بها } وتفسير الجلالة التي تعتاد أكل الجيف ولا تخلط فيتعين لحمها ، ويكون لحمها منتنا فحرم الأكل ; لأنه من الخبائث ، والعمل عليها لتأذي الناس بنتنها ، وأما ما يخلط فيتناول الجيف وغير الجيف على وجه يظهر أثر ذلك من لحمه ، فلا بأس بأكله ، والعمل عليه حتى ذكر في النوادر : لو أن جديا غذي بلبن خنزير فلا بأس بأكله ; لأنه لم يتغير لحمه وما غذي به صار مستهلكا ولم يبق له أثر ، وعلى هذا نقول : لا بأس بأكل الدجاجة وإن كانت تقع على الجيف ; لأنها تخلط ، ولا يتغير لحمها ولا ينتن ، وقيل : هي تنقش الجيف تبتغي الحب فيها لا أن تتناول الجيف ، وكان ابن عمر رضي الله عنه يكره أكل الدجاج [ ص: 256 ] لأنه يتناول الجيف ، ولسنا نأخذ بهذا ، وقد { صح أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأكل من لحم الدجاج } ولو كان فيه أدنى خبث لامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تناوله ، والذي روى أنه كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يذبحها ، فذلك على سبيل التنزه من غير أن يكون ذلك شرطا في الدجاجة وغيرها مما يخلط ، وإنما يشترط ذلك في الجلالة التي لا تأكل إلا الجيف ، وفي الكتاب قال : تحبس أياما على علف طاهر قيل : ثلاثة أيام ، وقيل : عشرة أيام ، والأصلح أنها تحبس إلى أن تزول الرائحة المنتنة عنها ; لأن الحرمة لذلك ، وهو شيء محسوس ، ولا يتقدر بالزمان لاختلاف الحيوانات في ذلك فيصار فيه إلى اعتبار زوال المضر ، فإذا زال بالعلف الطاهر حل تناوله ، والعمل عليه بعد ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم ( تم الجزء الحادي عشر ويليه الجزء الثاني عشر ، وأوله كتاب الذبائح )

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15-12-2025, 03:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر

صـــ 2 الى صـــ 11
(248)






[ ص: 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام السرخسي رحمه الله تعالى ( لا يحل ما ذبح بسن ، أو ظفر غير منزوع ; لأنه قتل وتخنيق ، وليس بذبح ) ففي الذبح الانقطاع بحدة الآلة ، وفي هذا الموضع الانقطاع بقوته لا بحدة الآلة ، ولأن آلة الذبح غير الذابح وسنه وظفره منه ، ولا بأس بأكله إذا كان منزوعا عندنا ، ولا يحل عند الشافعي رحمه الله لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام { ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل ما خلا السن والظفر فإنها مدى الحبشة } ، ولكنا نقول المراد غير المنزوع فإن الحبشة يستعملون في ذلك سنهم وظفرهم قبل النزع وذكر في بعض الروايات ما خلا العض بالسن والقرض بالظفر والعض والقرض إنما يتحقق في غير المنزوع عادة ، ثم المنزوع آلة محددة يحصل بها تسييل الدم النجس فكانت كالسكين إلا أنه يكره الذبح بها لزيادة إيلام ومشقة على الحيوان .

ولا يعد هذا الفصل من الإحسان في الذبح قال عليه الصلاة والسلام { إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح } الحديث .

قال ( وما أنهر الدم وأفرى الأوداج فلا بأس بأن يذبح به حديدا كان ، أو قصبا ، أو حجرا محددا ، أو غير ذلك ) لما روي أن { عدي بن حاتم رضي الله عنه قال أرأيت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صاد أحدنا صيدا ، وليس معه سكين فذبحه بشق العصا ، أو بالمروة أيحل ذلك فقال عليه الصلاة والسلام أنهر الدم بما شئت وكل } ، ولأن المقصود تمييز الطاهر من النجس ، وذلك حاصل بكل آلة محددة
ثم تمام الذكاة بقطع الحلقوم والمريء والودجين فإن قطع الأكثر من ذلك فذلك كقطع الجميع في الجل لحصول المقصود في الأكثر من ذلك واختلفت الروايات في تفسير ذلك فروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه إذا قطع ثلاثا منها أي ثلاث كان فقد قطع الأكثر . وعن محمد رحمه الله قال إن قطع الأكثر من كل [ ص: 3 ] واحدة منها فذلك يقوم مقام قطع الجميع . فأما بدون ذلك يتوهم البقاء فلا تتم الذكاة وعن أبي يوسف رحمه الله قال ، وإن قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين حل وشرط ثلاثة فيها الحلقوم والمريء وأحد الودجين ; لأن الحلقوم مجرى العلف والمريء مجرى النفس والودجان مجرى الدم فبقطع أحد الودجين يحصل ما هو المقصود من تسييل الدم . فأما قطع مجرى النفس لا بد منه ، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك .

والشافعي رحمه الله يقول وإذا قطع الحلقوم والمريء حل ، وإن لم يقطع الودجين ; لأنه لا بقاء بعد قطع الحلقوم والمريء ، ولكن هذا فاسد ; لأن المقصود تسييل الدم النجس وبدون حصول المقصود لا يثبت الحل . قال ( وإذا ذبحت شاة من قبل القفا فقطع الأكثر من هذه الأشياء قبل أن تموت حلت ) لتمام فعل الذكاة ، وإن ماتت قبل قطع الأكثر لم تحل ; لأنها ماتت بالجرح لا بالذبح في المذبح ، ولأنه لا يثبت الحل عند القدرة على الذبح في المذبح ويكره هذا الفعل لما فيه من زيادة إيلام غير محتاج إليه .

قال ( وكذلك إن ضربها بسيف فأبان رأسها حلت ويكره ، وكذلك إن ذبحها متوجهة لغير القبلة حلت ، ولكن يكره ذلك ) ; لأن السنة في الذبح استقبال القبلة هكذا روى ابن عمر رضي الله عنهما أن { النبي صلى الله عليه وسلم استقبل بأضحيته القبلة لما أراد ذبحها } وهكذا نقل عن علي رضي الله تعالى عنه ، وهذا ; لأن أهل الجاهلية ربما كانوا يستقبلون بذبائحهم الأصنام فأمرنا باستقبال القبلة لتعظيم جهة القبلة ، ولكن تركه لا يفسد الذبيحة بخلاف ترك التسمية ; لأن في التسمية تعظيم الله تعالى ، وذلك فرض . فأما استقبال القبلة لتعظيم الجهة ، وذلك مندوب إليه في غير الصلاة ; فلهذا كان تركه موجبا للكراهة غير مفسد للذبيحة .
قال ( وإن نحر البقرة حلت ويكره ذلك ) لما بينا أن السنة في البقرة الذبح قال الله تعالى { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ( بخلاف الإبل فالسنة فيها النحر ) ، وهذا ; لأن موضع النحر من البعير لا لحم عليه ، وما سوى ذلك من حلقه عليه لحم غليظ فكان النحر في الإبل أسهل . فأما في البقر أسفل الحلق وأعلاه فاللحم عليه سواء كما في الغنم فالذبح فيه أيسر والمقصود تسييل الدم والعروق من أسفل الحلق إلى أعلاه فالمقصود يحل بالقطع في أي موضع كان منه ; فلهذا حل وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام { الذكاة ما بين اللبة واللحيين } ، ولكن ترك الأسهل مكروه في كل جنس لما فيه من زيادة إيلام غير محتاج إليه .
قال ( وإن ذبح الشاة فاضطربت فوقعت في ماء ، أو تردت في موضع لم يضرها شيء ) ; لأن فعل الذكاة قد استقر فيها فإنما انزهق حياتها به ، ولا معتبر [ ص: 4 ] باضطرابها بعد استقرار الذكاة فهذا لحم وقع في ماء ، أو سقط من موضع .
قال ( وإن أراد أن يذبح عددا من الذبائح لم تجز التسمية للأولى عما بعدها ) لما بينا أن الشرط أن يسمي على الذبح وذبحه للشاة الثانية غير ذبحه للشاة الأولى .
قال ( ولو أضجعها للذبح وسمى عليها ، ثم ألقى تلك السكين وأخذ أخرى فذبح بها تؤكل ) لوجود التسمية منه على فعل الذبح بخلاف الرمي ; لأنه لو أخذ سهما وسمى عليه ووضعه وأخذ سهما آخر جدد عليه التسمية لما بينا أن المعتبر هناك التسمية على فعل الرمي ، وذلك يحل والسهم الثاني غير الأول وهنا الشرط التسمية على الذبح دون السكين وفعل الذبح يختلف باختلاف المذبوح لا باختلاف السكين فوزان هذا من ذلك أن لو ترك تلك الشاة وذبح أخرى بتلك التسمية .
قال ( ولو كلم إنسانا ، أو شرب ماء ، أو حد سكينا ، وما أشبه ذلك من عمل لم يكثر ، ثم ذبح جاز بتلك التسمية ) لوجود التسمية على الذبح فبالعمل اليسير لا يقع الفصل بين التسمية والذبح بخلاف ما إذا طال الحديث ، أو طال العمل ، ثم ذبح فإنه مكروه لحصول الفصل بين التسمية والذبح ألا ترى أن بالعمل الكثير ينقطع المجلس وباليسير لا ينقطع ، وكذلك الكلام .
قال ( وإن قال مكان التسمية الحمد لله ، أو سبحان الله ، أو الله أكبر يريد به التسمية أجزأه ) ; لأن الشرط ذكر الله تعالى على التعظيم ، وقد حصل .

وأبو يوسف رحمه الله يفرق بين هذا وبين التكبير فيقول المأمور به هنا الذكر قال الله تعالى { فاذكروا اسم الله عليها صواف } وهناك المأمور به التكبير وبهذه الألفاظ لا يكون تكبيرا فلا يصير شارعا في الصلاة إذا كان يحسن التكبير ، وإن أراد بذلك التحميد دون التسمية لا يحل ; لأن الشرط تسمية الله تعالى على الذبح ، وإنما يتميز الذكر على الذبح وغيره يقصد منه التسمية . فإذا لم يقصد التسمية لا يحل حتى إذا عطس فقال الحمد لله يريد التحميد على العطاس لم يحل بخلاف ما قال أبو حنيفة رحمه الله في الخطيب إذا عطس على المنبر فقال الحمد لله يجوز أن يصلي الجمعة بذلك القدر على إحدى الروايتين ; لأن المأمور به هناك ذكر الله تعالى مطلقا لقوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله } وهنا المأمور به ذكر الله على الذبح وبمعرفة حدود كلام الشرع يحسن الفقه .

قال ( ويكره أن ينخع ، وقد نهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ذلك ) وبينا أن معناه أن يبلغ الحد النخاع وهو عرق أبيض في وسط عظم الرقبة ، ولكن مع هذا تؤكل ; لأن النهي ليس لنقصان فيما هو المطلوب للذبح وهو تسييل الدم بل لزيادة إيلام غير محتاج إليه .
قال ( ويكره أن يجر الشاة إلى مذبحها ) ، وقد [ ص: 5 ] بينا النهي عن ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر رضي الله تعالى عنه ، وكذلك يكره أن يحد الشفرة بعد ما أضجعها ، وقد روينا النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر رضي الله تعالى عنه إلا أن النهي ليس لنقصان فيما هو المطلوب للذبح فلا يوجب الحرمة

قال ( ويكره أن يسمي مع اسم الله تعالى شيئا فيقول اللهم تقبل من فلان ) لقول ابن مسعود رضي الله عنه جردوا التسمية ، ولأن الشرط بتسمية الله تعالى على الخلوص عند الذبح قبل فما يكون منه من الدعاء فينبغي أن يكون قبل الذبح ، أو بعده كما روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذبح أضحيته قال اللهم هذا منك وإليك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين باسم الله والله أكبر ، ثم يذبح } وهكذا روي عن علي رضي الله عنه .
قال ( ولا بأس بذبيحة المسلمة والكتابية ) ; لأن تسمية الله تعالى على الخلوص يتحقق من النساء كما يتحقق من الرجال ، وكذلك الصبي الذي يعقل ويضبط فهو من أهل تسمية الله تعالى على الخلوص ; ولهذا صح إسلامه ، وإن كان لا يعقل فلا يتحقق منه تسمية الله تعالى على الخلوص وهو شرط الحل فهذا لا خير في ذبيحته .
قال ( ولا بأس بذبيحة أهل الكتاب من أهل الحرب ) هكذا روي عن علي رضي الله تعالى عنه ، وهذا ; لأنهم يدعون التوحيد سواء كانوا أهل الذمة ، أو أهل الحرب ، وإنما أباح الشارع ذبائحهم ; لأنهم أهل الكتاب قال الله تعالى { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } والحربي والذمي في ذلك سواء .

قال ( وذبيحة الأخرس حلال مسلما كان ، أو كتابيا ) ; لأن عذره أبين من عذر الناسي . فإذا كان في حق الناسي تقام ملته مقام تسميته ففي حق الأخرس أولى .
قال ( وما أدركت من المتردية والنطيحة ، وما أكل السبع ونظائر هذا فذكيته حل لقوله تعالى { إلا ما ذكيتم } ) ، ثم عند أبي حنيفة رحمه الله إذا علم أنها كانت حية حين ذبحت حلت سواء كانت الحياة فيها متوهمة البقاء ، أو غير متوهمة البقاء ; لأن المقصود تسييل الدم النجس بفعل ذكاة ، وقد حصل .

وقال أبو يوسف رحمه الله إن كان يتوهم أن يعيش يوما ، أو أكثر تحل بالذكاة ، وفي رواية اعتبر توهم البقاء أكثر من نصف يوم ; لأن ما دون ذلك اضطراب المذبوح فلا معتبر به وعن محمد رحمه الله تعالى قال إذا نقر الذئب بطن شاة وأخرج ما فيها ، ثم ذبحت لم تحل ; لأنه ليس فيها حياة مستقرة فإنه لا يتوهم أن تعيش بعدها فما بقي فيها إلا اضطراب مذبوح ، وذلك غير معتبر .

قال ( ومن ذبح شاة ، أو غيرها فخرج من [ ص: 6 ] بطنها جنين ميت لم يؤكل الجنين ) في قول أبي حنيفة وزفر وهو قول إبراهيم وحكم بن عيينة رحمهم الله .

وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله يؤكل . إلا أنه روي عن محمد رحمه الله أنه قال إنما يؤكل الجنين إذا أشعر وتمت خلقته . فأما قبل ذلك فهو بمنزلة المضغة فلا يؤكل واحتجوا بقول الله تعالى { ومن الأنعام حمولة وفرشا } قيل الفرش الصغار من الأجنة والحمولة الكبار فقد من الله تعالى على عباده بأكل ذلك لهم ، وفي المشهور أن النبي عليه الصلاة والسلام قال { ذكاة الجنين ذكاة أمه } معناه ذكاة الأم نائبة عن ذكاة الجنين كما يقال لسان الوزير لسان الأمير وبيع الوصي بيع اليتيم .

وروي ذكاة أمه بالنصب ومعناه بذكاة أمه إلا أنه صار منصوبا بنزع حرف الخفض عنه كقوله تعالى { ما هذا بشرا } أي ببشر وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { أن قوما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا لننحر الجزور فيخرج من بطنها جنين ميت أفنلقيه أم نأكله فقال صلوات الله وسلامه عليه كلوه فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه } والمعنى فيه أن الذكاة تنبني على التوسع حتى يكون في الأهلي بالذبح في المذبح .

فإذا ند فبالجرح في أي موضع أصابه ; لأن ذلك وسع مثله والذي في وسعه في الجنين ذبح الأم ; لأنه ما دام مخبيا في البطن لا يتأتى فيه فعل الذبح مقصودا ، وبعد الإخراج لا يبقى حيا فتجعل ذكاة الأم ذكاة له ; لأن تأثير الذبح في الأم في زهوق الحياة عن الجنين فوق تأثير الجرح بحل رجل الصيد فالغالب هناك السلامة وهنا الهلاك ، ثم اكتفي بذلك الفعل ; لأنه وسع مثله فهنا أولى ، ولأن الجنين في حكم جزء من أجزاء الأم حتى يتغذى بغذائها وينمو بنمائها ويقطع عنها بالمقراض كما في بيان الجزء من الجملة ويتبعها في الأحكام تبعية الأجزاء حتى لا يجوز استثناء في عنقها وبيعها كاستثناء يدها ورجلها وثبوت الحل في البيع لوجود فعل الذكاة في الأصل والدليل عليه أنه يحل ذبح الشاة الحامل ، ولو لم يحل الجنين بذبح الأم لما حل ذبحها حاملا لما فيه من إتلاف للحيوان لا للمأكلة ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك .

وأبو حنيفة رحمه الله استدل بقوله تعالى { والمنخنقة } فإن أحسن أحواله أن يكون حيا عند ذبح الأم فيموت باحتباس نفسه ، وهذا هو المنخنقة { . وقال عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم رضي الله عنه إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك } فقد حرم الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الحياة ، وذلك موجود في الجنين فإنه لا يدري أنه مات بذبح الأم ، أو باحتباس نفسه ، وقد [ ص: 7 ] يتأتى الاحتراز عنه في الجملة ; لأنه قد يتوهم انفصاله حيا ليذبح .

وعلل إبراهيم فقال ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين ومعنى هذا أن الجنين في حكم الحياة نفس على حدة مودعة في الأم حتى ينفصل حيا فيبقى ، ولا يتوهم بقاء الجزء حيا بعد الانفصال ، وكذلك بعد موت الأم يتوهم انفصال الجنين حيا ، ولا يتوهم بقاء حياة الجزء بعد موت الأصل . والذكاة تصرف في الحياة . فإذا كان في حكم الحياة نفسا على حدة فيشترط فيه ذكاة على حدة ، ولا نقول يتغذى بغذاء الأم بل يبقيه الله تعالى في بطن الأم من غير غذاء ، أو يوصل الله إليه الغذاء كيف شاء ، ثم بعد الانفصال قد يتغذى أيضا بغذاء الأم بواسطة اللبن ولم يكن في حكم الجزء ولما جعل في سائر الأحكام تبعا لم يتصور تقرر ذلك الحكم في الأم دونه حتى لا يتصور انفصاله حيا بعد موت الأم .

ولو انفصل حيا ، ثم مات لم يحل عندهم فعرفنا أنه ليس يتبع في هذا الحكم وحقيقة المعنى فيه ما بينا أن المطلوب بالذكاة تسييل الدم لتمييز الطاهر من النجس وبذبح الأم لا يحصل هذا المقصود في الجنين ، أو المقصود تطييب اللحم بالنضج الذي يحصل بالتوقد والتلهيب ، ولا يحصل ذلك في الجنين بذبح ، وهذا الجواب عما قالوا إن الذكاة تنبني على التوسع . قلنا نعم ، ولكن لا يسقط بالعذر وكما لو قتل الكلب الصيد غما ، أو اختفاء ، وهذا ; لأن المقصود لا يحصل بدون الجرح وإباحة ذبح الحامل ; لأنه يتوهم أن ينفصل الجنين حيا فيذبح ، ولأن المقصود لحم الأم وذبح الحيوان لغرض صحيح حلال كما لو ذبح ما ليس بمأكول لمقصود الجلد والمراد بالحديث التنبيه لا النيابة أي ذكاة الجنين كذكاة أمه ألا ترى أنه ذكر الجنين أولا .

ولو كان المراد النيابة لذكر النائب أولا دون المنوب عنه كما قيل في الألفاظ التي استشهد بها ومثل هذا يذكر للتشبيه يقال فلان شبه أبيه وحظ فلان حظ أبيه . وقال القائل .
وعيناك عيناها وجيدك جيدها سوى أن عظم الساق منك دقيق
والمراد التشبيه ويصح هذا التأويل في الرواية بالنصب فإن المنزوع حرف الكاف قال الله تعالى { وهي تمر مر السحاب } أي كمر السحاب ويحتمل الباء أيضا ، ولكن إن جعلنا المنزوع حرف الكاف لم يحل الجنين .

وإن جعلناه حرف الباء يحل ومتى اجتمع الموجب للحل والموجب للحرمة يغلب الموجب للحرمة والحديث مع القصة لا يكاد يصح ، ولو ثبت فالمراد من قولهم فيخرج من بطنها جنين ميت أي مشرف على الموت قال تعالى { إنك ميت وإنهم [ ص: 8 ] ميتون } ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم كلوه أي اذبحوه وكلوه والمراد بالفرش الصغار فلا يتناول الجنين ولئن كان المراد به الجنس ففيه بيان أن الجنين مأكول ، وبه نقول ، ولكن عند وجود الشرط فيه وهو أن ينفصل حيا فيذبح فيحل به والله سبحانه وتعالى أعلم .

( باب الأضحية ) قال رحمه الله تعالى اعلم بأن القرب المالية نوعان نوع بطريق التمليك كالصدقات ونوع بطريق الإتلاف كالعتق ويجتمع في الأضحية معنيان فإنه تقرب بإراقة الدم وهو إتلاف ، ثم بالتصدق باللحم وهو تمليك . قال ( وهي واجبة على المياسير والمقيمين عندنا ) . وذكر في الجامع عن أبي يوسف أنها سنة وهو قول الشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام { كتبت علي الأضحية ولم تكتب عليكم } .

وقال عليه الصلاة والسلام { خصصت بثلاث وهي لكم سنة الأضحية وصلاة الضحى والوتر } . وقال صلى الله عليه وسلم { ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم } عليه السلام وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يراها الناس واجبة .

وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه أنه ليغدو على ألف شاة ويراح فلا أضحي مخافة أن يراها الناس واجبة ، ولأنها لا تجب على المسافر وكل دم لا يجب على المسافر لا يجب على المقيم كالعتيرة ، وهذا ; لأنه لا يفرق بين المسافر والمقيم في العبادات المالية كالزكاة وصدقة الفطر ; لأنهما لا يستويان في ملك المال ، وإنما الفرق بينهما في البدن ; لأن المسافر يلحقه المشقة بالأداء بالبدن والدليل عليه أن يحل له التناول منه وإطعام الغني ، ولو كان واجبا لم يحل له التناول كما في جزاء الصيد ونحوه ، ولأن التقرب بالإتلاف لا يجب ابتداء بل بسبب من العبد كالعتق في الكفارات ، ولهذا أوجبنا الأضحية بالنذر . وحجتنا في ذلك قوله تعالى { فصل لربك وانحر } أي وانحر الأضحية والأمر يقتضي الوجوب .

وقال عليه الصلاة والسلام { من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا } وإلحاق الوعيد لا يكون إلا بترك الواجب . وقال عليه الصلاة والسلام { من ضحى قبل الصلاة فليعد ومن لم يضح فليذبح على اسم الله تعالى } والأمر يفيد الوجوب ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام ضحوا أمر وقوله فإنها سنة أبيكم إبراهيم أي طريقته فالسنة الطريقة في الدين ، وذلك لا ينفي الوجوب ، ولا حجة في قوله عليه الصلاة والسلام ولم تكتب عليكم فإنا نقول بأنها غير مكتوبة بل هي واجبة فالمكتوب ما يكون فرضا يكفر جاحده فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 9 ] مخصوصا بكون الأضحية مكتوبة عليه كما قال .

وتأويل حديث أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما لا يضحيان في حال الإعسار مخافة أن يراها الناس واجبة على المعسرين ، أو في حال السفر وهو تأويل حديث أبي مسعود رضي الله عنه ، ولا كلام في المسألة على سبيل المقايسة والعبادات لا تثبت قياسا ، ولكن على سبيل الاستدلال نقول هذه قربة يضاف إليها ، وفيها فتكون واجبة كالجمعة وبيان الوصف أنه يقال يوم الأضحى وتأثيره أن إضافة الوقت إليه لا تتحقق إلا وأن يكون موجودا فيه ، ولا يكون موجودا فيه لا محالة إلا وأن تكون واجبة لجواز أن يجتمع الناس على ترك ما ليس بواجب ، ولا يجتمعون على ترك الواجب ، وإن اجتمعوا على ذلك لم يخرج من أن يكون موجودا فيه استحقاقا .

ولجواز الأداء فيه لا يصير الوقت مضافا إليه كسائر الأيام يجوز فيها الصوم ، ثم لا يسمى شهر الصوم إلا رمضان فعرفنا أن إضافة الوقت إلى القربة تدل على وجوبها فيه ، وإنما لا تجب على المسافر لمعنى المشقة فإن الأداء يختص بأسباب يشق على المسافر استصحاب ذلك في السفر ويفوت بمضي الوقت فلدفع المشقة لا تلزمه كالجمعة بخلاف سائر العبادات المالية وإباحة التناول بإذن من له الحق فإنه بالتضحية يجعلها الله تعالى ، وقد قال الله تعالى { فكلوا منها } ولما كان من جنس التقرب بالتمليك ما هو واجب ابتداء . فكذلك من جنس التقرب بالإتلاف ما هو واجب ابتداء ، وليس ذلك إلا في الأضحية ، وفي الوجوب بالنذر دليل على أن من جنسه واجبا شرعا فإن ما ليس من جنسه واجبا شرعا لا يصح التزامه بالنذر كعيادة المريض .

ثم يختص جواز الأداء بأيام النحر وهي ثلاثة أيام عندنا قال عليه الصلاة والسلام أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها . فإذا غربت الشمس من اليوم الثالث لم تجز التضحية بعد ذلك . وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه تجوز في اليوم الرابع وهو آخر أيام التشريق ، وهذا ضعيف فإن هذه القربة تختص بأيام النحر دون أيام التشريق ألا ترى أن الأفضل أداؤها في اليوم الأول وهو العاشر من ذي الحجة وهو يوم النحر لا أيام التشريق على ما قيل الأيام المعدودات ثلاثة وهي أيام النحر والمعلومات ثلاثة وهي أيام التشريق .

وتمضي هذه السنة في أربعة أيام فاليوم الأول من المعدودات خاصة واليوم الآخر من المعلومات خاصة وقيل المعلومات عشر ذي الحجة والمعدودات أيام التشريق .

ثم يختص جواز الأضحية بالإبل والبقر والغنم ، ولا يجزئه إلا الثني من ذلك في الإبل والبقر والمعز ويجزئ الجذع من الضأن إذا كان [ ص: 10 ] عظيما سمينا لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال { ضحوا بالثنيات ، ولا تضحوا بالجذعان } ، ولأن الجذع ناقص ، وقد أمرنا في الضحايا بالاستعظام والاستشراف قال عليه الصلاة والسلام { عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم } .

فأما الجذع من الضأن يجزئ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا ساق جذعا إلى منى فبادت عليه فروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { نعمت الأضحية الجذع من الضأن فانتهبوها } ، ثم الثني من الغنم وهو الذي تم له سنتان عند أهل الأدب ، وعند أهل الفقه الذي تمت له سنة والثني من البقر الذي تم له حولان وطعن في الثالث عند جمهور الفقهاء رحمهم الله ومن الإبل الذي تم له خمس سنين والجذع من الإبل ما تم له خمس سنين ومن البقر ما تم له حولان وهكذا من الغنم عند أهل الأدب ، وعند أهل الفقه إذا تم له سبعة أشهر فهو جذع بعد ذلك ، ولا خلاف أن الجذع من المعز لا يجوز ، وإنما ذلك من الضأن خاصة .
ثم أول وقت الأضحية عند طلوع الفجر الثاني من يوم النحر إلا أن في حق أهل الأمصار يشترط تقديم الصلاة على الأضحية . فمن ضحى قبل الصلاة في المصر لا تجزئه لعدم الشرط لا لعدم الوقت ; ولهذا جازت التضحية في القرى بعد انشقاق الفجر ودخول الوقت لا يختلف في حق أهل الأمصار والقرى إنما يختلفون في وجوب الصلاة فليس على أهل القرى صلاة العيد ، وإنما عرفنا هذا في حق أهل الأمصار بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته { من ضحى قبل الصلاة فليعد فقام خالي أبو بردة بن بشار رضي الله عنه قال إني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني فقال عليه الصلاة والسلام تلك شاة لحم فأعد نسيكتك فقال عندي عتود خير من شاتين فقال صلوات الله وسلامه عليه تجزئك ، ولا تجزئ أحدا بعدك } .

وقال عليه الصلاة والسلام { إن أول نسكنا في هذا اليوم أن نصلي ، ثم نذبح }

ومن يذبح من أهل الأمصار أضحيته قبل أن يصلي الإمام لم تجزه عندنا . وقال الشافعي رحمه الله إذا مضى من الوقت مقدار ما يصلى فيه صلاة العيد عادة جازت الأضحية بعد ذلك ; لأنهم لو صلوا جازت التضحية فلا يتغير ذلك بتأخير الإمام الصلاة كما لو زالت الشمس ، ولكن نقول الواجب مراعاة الترتيب المنصوص ، وما بقي وقت الصلاة فمراعاة الترتيب ممكن بخلاف ما بعد الزوال فقد خرج وقت صلاة العيد بزوال الشمس في هذا اليوم ; ولهذا تجوز التضحية بعد ذلك .
قال ( وإذا ذبحها بعد ما انصرف أهل المسجد قبل أن يصلي أهل الجبانة أجزأه استحسانا ) [ ص: 11 ] ومعنى هذا أن للإمام أن يخرج بالناس إلى الجبانة ويستخلف من يصلي بالضعفة في الجامع . هكذا فعله علي رضي الله تعالى عنه حين قدم الكوفة
قال ( وإذا ذبح بعد ما فرغ أهل المسجد قبل أن يصلي أهل الجبانة ففي القياس لا تجزئه ) ; لأن اعتبار جانب أهل الجبانة يمنع الجواز واعتبار جانب أهل المسجد يجوز ذلك ، وفي العبادات يؤخذ بالاحتياط ، ولكنا استحسنا وقلنا قد أديت صلاة العيد في المصر حتى لو اكتفوا بذلك أجزأهم فتجوز التضحية بعد ذلك ; لأن الترتيب المشروط قد وجد حين ضحى بعد صلاة العيد في هذا المصر ولم يذكر ما لو سبق أهل الجبانة بالصلاة فضحى رجل قبل أن يصلي أهل المسجد .

وقيل في هذا الموضع يجوز قياسا واستحسانا ; لأن المسنون في العيد الخروج إلى الجبانة فأهل الجبانة هم الأصل ، وقد صلوا وقيل للقياس والاستحسان فيهما ; لأن أداء الصلاة في المسجد أفضل منه بالجبانة وإذا كان في الموضع الذي صلى فيه أهل المسجد قياسا واستحسانا لما ذكرنا فهنا أولى .

قال ( ولا بأس بأن يضحي بالجماء وبمكسور القرن ) أما الجماء فلأن ما فات منها غير مقصود ; لأن الأضحية من الإبل أفضل ، ولا قرن له . وإذا ثبت جواز الجماء فمكسور القرن أولى ، وقد روي في ذلك عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه .

وكذلك الخصي لما روي أن { النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوءين ، أو موحوين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته } . والمراد خصيان وكان إبراهيم يقول ما يزاد في لحمه بالخصاء أنفع للمساكين مما يفوت بالأنثيين إذ لا منفعة للفقراء في ذلك .
قال ( ولا بأس أن يضحي بالجرباء والتولاء إذا كانت سمينة ) والجرباء التي بها جرب . وإذا كانت سمينة فالجرب في جلدها لا في لحمها { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحى بالعجفاء التي لا تنقي } .

والتولاء هي المجنونة والجنون عيب في القضاة لا في الشاة . فإذا كانت سمينة فما هو المقصود منها باق واشتراط السمن في الحديث الذي روينا أن { النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين يرعيان في سواد وينظران في سواد ويأكلان في سواد } ومقصود الراوي من هذه المبالغة بيان السمن .
قال ( ولا بأس أن يشترك سبعة نفر في بقرة ، أو بدنة ) . وقال مالك رحمه الله يجوز عن أهل بيت واحد بقرة واحدة ، وإن كانوا أكثر من سبعة ، ولا تجوز عن أهل بيتين ، وإن كانوا أقل من سبعة لقوله عليه الصلاة والسلام { على أهل كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة } ومذهبنا مروي عن ابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهما والاستدلال بحديث { جابر رضي الله عنه قال اشتركنا يوم الحديبية في [ ص: 12 ] البقرة والبدنة فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة } والمراد بذكر أهل البيت قيم البيت ; لأن اليسار له عادة .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15-12-2025, 04:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر

صـــ 12 الى صـــ 21
(249)




وقد ذكر في بعض الروايات { على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة } ويستوي إن كان قصدهم جميعا التضحية ، أو قصد بعضهم قربة أخرى عندنا ، وعند زفر لا يجوز إلا إذا قصدوا جميعا التضحية . وقال الشافعي يجوز ، وإن كان قصد بعضهم للحم ، وقد بينا هذا في المناسك .

فإن كان الشركاء في البدنة ثمانية لم تجزهم ; لأن نصيب كل واحد منهم دون السبع ، وكذلك إن كان نصيب أحدهم دون السبع حتى لو سئل عن رجل مات وترك ابنا وامرأة وبقرة وضحى بها يوم العيد هل يجوز والجواب أنه لا يجوز ; لأن نصيب المرأة الثمن . فإذا لم يجز ثمنها في نصيبها لا يجوز في نصيب الابن أيضا .

فإن مات أحد الشركاء في البدنة ورضي ورثته بالتضحية بها عن الميت مع الشركاء في القياس لا يجوز وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله ; لأن نصيب الميت صار ميراثا والتضحية تقرب بطريق الإتلاف فلا يصح التبرع به من الوارث عن الميت كالعتق . وإذا لم يجز في نصيبه لم يجز في نصيب الشركاء ، وفي الاستحسان يجوز ; لأن معنى القربة حصل في إراقة الدم فإن التبرع من الوارث عن مورثه بالقرب المالية صحيح كالتصدق ، وإنما لا يجوز العتق لما فيه من إلزام الولاء ، وذلك غير موجود في الأضحية
وعلى هذا إذا كان أحد الشركاء أم ولد ضحى عنها مولاه ، أو صغيرا ضحى عنه أبوه ، ولا خلاف أنه ليس على المولى أن يضحي عن أحد من مماليكه فإن تبرع بذلك جاز . وإذا جعله شريكا في البدنة ففيه قياس واستحسان لما بينا .
وأما الأب ليس عليه أن يضحي عن ولده الصغار في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أن ذلك عليه كصدقة الفطر ; لأنه جزء منه فكما يلزمه أن يضحي عن نفسه عند يساره . فكذلك عن جزئه . وجه ظاهر الرواية أن ما لا يلزمه عن مملوكه لا يلزمه عن ولده كسائر القرب بخلاف صدقة الفطر ، وهذا ; لأن كل واحد منهما كسبه ، ولو كانت التضحية عن أولاده واجبة لأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقل ذلك كما أمر بصدقة الفطر .

وإن كان للصبي مال فقال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى على الأب والوصي أن يضحي من ماله عند أبي حنيفة رضي الله عنه على قياس صدقة الفطر الأصح أنه لا يجب ذلك ، وليس له أن يفعله من ماله ; لأنه إن كان المقصود الإتلاف فالأب لا يملكه في مال الولد كالعتق ، وإن كان المقصود التصدق باللحم بعد إراقة الدم فذاك تطوع غير واجب ومال الصبي [ ص: 13 ] لا يحتمل صدقة التطوع .
قال ( وإذا اشترى أضحية ، ثم باعها فاشترى مثلها فلا بأس بذلك ) ; لأن بنفس الشراء لا تتعين الأضحية قبل أن يوجبها ، وبعد الإيجاب يجوز بيعها في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ويكره ، وفي قول أبي يوسف رحمه الله لا يجوز لتعلق حق الله تعالى بعينها ، ولكنهما يقولان تعلق حق الله تعالى بها لا يزيل ملكه عنها ، ولا يعجزه عن تسليمها وجواز البيع باعتبار الملك والقدرة على التسليم ألا ترى أنا نجوز بيع مال الزكاة لهذا .

والأصل فيه ما روي أن { النبي عليه الصلاة والسلام دفع دينارا إلى حكيم بن حزام رضي الله عنه ليشتري له شاة للأضحية فاشترى شاة ، ثم باعها بدينارين ، ثم اشترى شاة بدينار وجاء بالشاة والدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك . فقال صلى الله عليه وسلم بارك الله في صفقتك أما الشاة فضح بها وأما الدينار فتصدق به } فقد جوز رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعه بعد ما اشتراها للأضحية ، وإن كانت الثانية شرا من الأولى ، وقد كان أوجب الأولى فتصدق بالفضل فيما بين القيمتين أما جواز الثانية عن الأضحية فلاستجماع شرائط الجواز وأما التصدق فإنه لما أوجب الأولى فقد جعل ذلك القدر من ماله لله تعالى فلا يكون له أن يستفضل شيئا منه لنفسه فيتصدق بفضل القيمة كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام رضي الله عنه بالتصدق بالدينار .

ومن أصحابنا رحمهم الله من قال هذا إذا كان فقيرا أما إذا كان غنيا ممن يجب عليه الأضحية فليس عليه أن يتصدق بفضل القيمة ; لأن في حق الغني الوجوب عليه بإيجاب الشرع فلا يتعين بتعيينه في هذا المحل ألا ترى أنها لو هلكت بقيت الأضحية عليه . فإذا كان ما يضحي به محلا صالحا لم يلزمه شيء آخر وأما الفقير فليس عليه أضحية شرعا ، وإنما لزمه بالتزامه في هذا المحل بعينه ; ولهذا لو هلكت لم يلزمه شيء آخر . فإذا استفضل لنفسه شيئا مما التزمه كان عليه أن يتصدق به .

قال الشيخ الإمام والأصح عندي أن الجواب فيهما سواء ; لأن الأضحية ، وإن كانت واجبة على الغني في ذمته فهو متمكن من تعيين الواجب في محل فيتعين بتعيينه في هذا المحل من حيث قدر المالية ; لأنه تعيين مقيد ، وإن كان لا يتعين من حيث فراغ الذمة .

قال ( والأضحية أحب إلي من التصدق بمثل ثمنها ) والمراد في أيام النحر ; لأن الواجب التقرب بإراقة الدم ، ولا يحصل ذلك بالتصدق بالقيمة ففي حق الموسر الذي يلزمه ذلك لا إشكال أنه لا يلزمه التصدق بقيمته ، وهذا ; لأنه لا قيمة لإراقة الدم وإقامة المتقوم مقام ما ليس بمتقوم لا تجوز وإراقة الدم خالص حق الله تعالى ، ولا وجه للتعليل فيما هو خالص حق الله تعالى وأشرنا [ ص: 14 ] بهذا إلى الفرق بين هذا والزكاة وصدقة الفطر وأما في حق الفقير التضحية أفضل لما فيه من الجمع بين التقرب بإراقة الدم والتصدق ، ولأنه متمكن من التقرب بالتصدق في سائر الأوقات ، ولا يتمكن من التقرب بإراقة الدم إلا في هذه الأيام فكان أفضل وأما بعد مضي أيام النحر فقد سقط معنى التقرب بإراقة الدم ; لأنها لا تكون قربة إلا في مكان مخصوص وهو الحرم ، وفي زمان مخصوص وهو أيام النحر .

ولكن يلزمه التصدق بقيمة الأضحية إذا كان ممن تجب عليه الأضحية ; لأن تقربه في أيام النحر كان باعتبار المالية فيبقى بعد مضيها والتقرب بالمال في غير أيام النحر يكون بالتصدق ، ولأنه كان يتقرب بسببين إراقة الدم والتصدق باللحم ، وقد عجز عن أحدهما وهو قادر على الآخر فيأتي بما يقدر عليه .

قال ( وليس على الرجل أن يضحي عن أولاده الكبار ، ولا عن امرأته كما ليس عليه صدقة الفطر عنهم في يوم الفطر ) ، وهذا ; لأن عليهم أن يضحوا عن أنفسهم فلا يجب عليه أن يضحي عنهم .
قال ( وإذا ولدت الأضحية قبل أن يذبحها ذبح ولدها معها ) ; لأن حكم التقرب بإراقة الدم ثبت في عينها فيسري إلى ولدها ; لأنه متولد من عينها والولد ، وإن لم يكن محلا للتقرب بإراقة الدم مقصودا يثبت الحكم فيه تبعا للأم ، ولأن الشرائط تعتبر فيما هو أصل ووجودها في الأصل يغني عن اعتبارها في البيع فإن باعه تصدق بثمنه ; لأن معنى القربة يثبت فيه فلا يكون له أن يصرف ماليته إلى نفسه كما في حق الأم ، وكذلك إن أمسك ولدها حتى مضت أيام النحر تصدق به .
قال الإمام ويكره أن يجز صوف أضحيته وينتفع به قبل أن يذبحها ; لأنه أعدها للقربة بجميع أجزائها فلا ينبغي له أن يصرف شيئا منها إلى حاجة نفسه ; لأن ذلك في معنى الرجوع في الصدقة { . وقال عليه الصلاة والسلام لعمر رضي الله عنه فيما دون هذا لا تعد في صدقتك } .
قال ( ويكره أن يبيع جلد الأضحية بعد الذبح ) لقوله عليه الصلاة والسلام { من باع جلد أضحيته فلا أضحية له . وقال لعلي رضي الله عنه بجلالها وخطمها ، ولا تعط الجزار منها شيئا } فكما يكره له أن يعطي جلدها الجزار . فكذلك يكره له أن يبيع الجلد فإن فعل ذلك تصدق بثمنه كما لو باع شيئا من لحمها .
قال ( ولا بأس بأن يشتري بجلد الأضحية متاعا للبيت ) ; لأنه لو دبغه وانتفع به في بيته جاز ، وكذلك إذا اشترى به ما ينتفع به في بيته ; لأن للبدل حكم المبدل ، وهذا استحسان ، وقد ذكر في نوادر هشام قال يشتري به الغربال والجراب ، وما أشبه ذلك ، ولا يشتري به الخل والمري والملح ، وما أشبه ذلك والقياس في الكل واحد [ ص: 15 ] ولكنه استحسن فقال ما يكون طريق الانتفاع به تناول العين فهو من باب التصرف على قصد التمول فليس له أن يفعل ذلك في جلد الأضحية ، وما ينتفع به في البيت مع بقاء العين فهو نظير عين الجلد وكان له أن يفعل ذلك .

قال ( ويكره له أن يحلب الأضحية إذا كان لها لبن فينتفع بلبنها كما يكره له الانتفاع بصوفها ) ; لأن اللبن يتولد من عينها ، وقد جعلها للقربة فلا يصرف شيئا منها إلى منفعة نفسه قبل أن يبلغ محله ، ولكنه ينضح ضرعها بالماء البارد حتى يتقلص منه اللبن ، ولا يتأدى به إلا أن هذا إنما ينفع إذا كان يقرب من أيام النحر . فأما إذا كان بالبعد فلا يفيد هذا ; لأنه ينزل ثانيا وثالثا بعد ما يتقلص ، ولكنه ينبغي له أن يحلبها ويتصدق باللبن كالهدي إذا عطبت قبل أن يبلغ محله فإن عليه أن يذبحها ويتصدق بلحمها ، وقد بيناه في المناسك .
قال ( وإن اشترى بقرة يريد أن يضحي بها عن نفسه ، ثم اشترك معه ستة أجزأه استحسانا ) ، وفي القياس لا يجزئه وهو قول زفر رحمه الله ; لأنه أعدها للقربة فلا يكون له أن يبيع شيئا منها بعد ذلك على قصد التمول والاشتراك بهذه الصفة يوضحه أن هذا رجوع منه عن بعض ما تقرب به ، وذلك حرام شرعا . وجه الاستحسان أنه لو أشركهم معه في الابتداء بأن اشتروا جملة جاز . فكذلك إذا أشركهم بعد الشراء قبل إتمام المقصود ، وهذا ; لأن الإنسان قد يبتلى بهذا فإنه قد يجد بقرة سمينة فيشتريها ، ثم يطلب شركاءه فيها فلو لم يجز ذلك أدى إلى الحرج . قال ( ولو فعل ذلك قبل أن يشتري كان أحسن ) ; لأنه أبعد عن الاختلاف ، وليس فيه معنى الرجوع في القربة لا صورة ، ولا معنى فكان ذلك أفضل .
قال ( ولا تجوز العوراء في الأضحية ) لقوله عليه الصلاة والسلام { استشرفوا العين والأذن } ، وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحي بأربعة العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي } ، ثم الأصل أن العيب الفاحش مانع لقوله تعالى { ، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } واليسير من العيب غير مانع ; لأن الحيوان قلما ينجو من العيب اليسير فاليسير ما لا أثر له في لحمها وللعور أثر في ذلك ; لأنه لا يبصر بعين واحدة من العلف ما يبصر بالعينين ، وعند قلة العلف يتبين العجف ، ثم العين والأذن منصوص على اعتبارها . فإذا كانت مقطوعة الأذن لم تجز لانعدام شرط منصوص . وإذا كانت مقطوعة الطرف . فكذلك بطريق الأولى .

قال ، وإن كان المقطوع بعض ذلك ففي ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إن كان المقطوع [ ص: 16 ] أكثر من الثلث لا يجزئه ، وإن كان الثلث ، أو أقل يجزئه وهكذا روى هشام عن محمد رحمهما الله اعتبارا بالوصية فإن الثلث في الوصية كما دونه ، ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث ، وفي رواية بشر عن أبي حنيفة رحمه الله إذا كان الذاهب أقل من الثلث يجوز ، وإن كان أكثر من الثلث لا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام { الثلث والثلث كثير } ، وفي رواية ابن شجاع إذا كان الذاهب الربع لا يجزئ ; لأن للربع حكم الكمال . كما في مسح الرأس . وقال أبو يوسف رحمه الله إذا بقي الأكثر من العين والأذن أجزأه قال وذكرت قولي لأبي حنيفة فقال قولي قولك . قيل هذا رجوع من أبي حنيفة إلى قوله وقيل معناه قولي قريب من ذلك .

وجه قول أبي يوسف أن القلة والكثرة من الأسماء المقابلة . فإذا كان الذاهب أقل من النصف قلنا إذا قابلت الذاهب بالباقي كان الباقي أكثر . وإذا كان الذاهب أكثر من النصف . فإذا قابلته بالباقي كان الذاهب أكثر . فإذا كان الذاهب النصف قال لا يجوز ; لأنه لما استوى المانع والمجوز يترجح المانع احتياطا .

فأما الشق في الأذن فهو عيب يسير ألا ترى أنه يفعل ذلك للعلامة بمنزلة السمة فلا يمنع الجواز ومن العلماء رحمهم الله من لا يجوز لما روي أن { النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضحي بالشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة } . فالشرقاء أن يكون الخرق في أذنها طولا والخرقاء أن يكون عرضا والمقابلة قطع في مقدم أذنها والمدابرة في مؤخر أذنها وتأويل ذلك عندنا إذا كانت بعض الأذن مقطوعة وكان الذاهب أكثر من الثلث لما بينا
فأما العرجاء إذا كانت تمشي فلا بأس به { ; لأنه عليه الصلاة والسلام سئل عن العرجاء فقال إذا كانت تبلغ فلا بأس به } . فإذا كانت لا تقوم ، ولا تمشي لا يجوز ; لأن ذلك يؤثر في لحمها فإنها لا تعلف إلا ما حولها . وإذا كانت تمشي فهي تذهب إلى العلف فلا يؤثر في لحمها .
، ولا تجزئ العجفاء التي لا تنقي للنهي الذي روينا ، ولأن هذا عيب فاحش أثر في لحمها ويستوي إن اشتراها كذلك ، أو صارت عنده كذلك وهو موسر ; لأن الواجب في ذمته بصفة الكمال فلا يتأدى بالناقص . فأما إذا كان معسرا أجزأه ; لأنه لا واجب في ذمته بل يثبت الحق في العين فيتأدى بالعين على أي صفة كانت ، وذلك مروي عن علي رضي الله عنه

وكذلك لو ماتت عنده ، أو سرقت فعليه بدلها إن كان موسرا ، ولا شيء عليه إن كان معسرا وعلى هذا قالوا الموسر إذا ضلت أضحيته فاشترى أخرى ، ثم وجد الأولى فله أن يضحي بأيهما شاء ، وإن كان معسرا فاشتراها وأوجبها فضلت ، ثم اشترى أخرى فأوجبها ، ثم وجد الأولى فعليه أن يضحي بهما ; لأن الوجوب في العين [ ص: 17 ] بإيجابه ، وقد وجد ذلك في الثانية كالأولى .
وإن أصابها شيء من هذه العيوب في اضطرابها حين أضجعها للذبح وذبحها على مكانها ففي القياس لا تجزئه ; لأنه تأدى الواجب بالأضحية لا بالإضجاع وهي معيبة عند التضحية بها ، وفي الاستحسان تجزئه ; لأن هذا لا يستطاع الامتناع منه فقد ينقلب السكين من يده فتصيب عينها فيجعل ذلك عفوا لدفع الحرج ، ولأنه أضجعها ليتقرب بإتلافها فتلف جزء منها في هذه الحالة من عمل التقرب فلا يمنع الجواز بخلاف ما قبل الإضجاع وعن أبي يوسف قال إذا أصابها ذلك في يوم النحر ، ثم ضحى بها بعد ذلك بيوم ، أو يومين جاز ; لأنه جاء وقت إتلافها تقربا فتلف جزء منها في هذه الحالة لا يمنع الجواز .
قال ( ولا يجوز أن يضحي بشاة ليس لها أذنان خلقت كذلك وهي السكاء ) ; لأن قطع الأذن لما كان مانعا من الجواز فعدم الأذن أصلا أولى بعض . فأما صغيرة الأذن تجزئ ; لأن الأذن منها صحيحة ، وإن كانت صغيرة
وأما الهتماء فكان أبو يوسف رحمه الله يقول أولا لا يجوز أن يضحي بها ، وإن كانت تعتلف ، ثم رجع . وقال يجوز إذا كانت تعتلف ; لأنه وقع عنده في أن يضحي بها ; لأن الهتماء ليس لها أسنان ، ثم علم بعد ذلك أن الهتماء مكسورة بعض الأسنان . فإذا كانت تعتلف فالباقي من الأسنان أكثر من الذاهب ، وذلك لا يمنع الجواز عنده ، ثم قال والتي لا أسنان لها بمنزلة التي لا أذن لها فكل واحد منهما مقصود في البدن بل السن في الأنعام أقرب إلى المقصود من الأذن ; لأنها تعتلف بالأسنان .
قال ( ولا يجوز في الضحايا والواجبات بقر الوحش وحمر الوحش والظبي ) ; لأن الأضحية عرفت قربة بالشرع ، وإنما ورد الشرع بها من الأنعام ، ولأن إراقة الدم من الوحشي ليس بقربة أصلا والقربة لا تتأدى بما ليس بقربة . وإذا كان الولد بين وحشي وأهلي فإن كانت الأم أهلية جازت التضحية بالولد ، وإن كانت وحشية لا تجوز ; لأن الولد جزء من الأم فإن ماء الفحل يصير مستهلكا بحضانتها ، وإنما ينفصل الولد منها ; ولهذا يتبعها في الرق والملك . فكذلك في التضحية ، وهذا ; لأنه ينفصل من الفحل وهو ماء غير محل لهذا الحكم وينفصل من الأم وهو حيوان محل لهذا الحكم ; فلهذا جعلناه معتبرا بالأم .

قال ( رجل ذبح أضحية غيره بغير إذنه ففي القياس هو ضامن لقيمتها ، ولا يجزيه من الأضحية ) وهو قول زفر ; لأنه متعد في ذبح شاة الغير فكان ضامنا كمن ذبح شاة القصاب ، ثم الأضحية لا تتأدى إلا بعمل المضحي وبيته ولم يوجد ذلك حين فعله الغير بغير إذنه ففي القياس هو ضامن لقيمتها ، ولا يجزيه من الأضحية ، ولكنا نستحسن ونقول يجزئه ، ولا ضمان على الذابح ; لأنه لما عينها للأضحية فقد صار مستغنيا بكل واحد [ ص: 18 ] بالتضحية بها في أيام النحر ; لأن ذلك يفوته بمضي الوقت وربما يعرض له عارض في أيام النحر والإذن دلالة كالإذن إفصاحا كما في شرب ماء في السقاية ونظائرها .

وقال الشافعي رحمه الله يجزئه من الأضحية ، ولكن الذابح ضامن لقيمتها ، وهذا بعيد فالجواز لا يكون إلا بعد وجود الإذن دلالة ، ولو وجد الإذن إفصاحا لم يضمن . فكذلك إذا وجد الإذن دلالة وعلى هذا لو أن رجلين غلطا فذبح كل واحد منهما أضحية صاحبه على نفسه أجزأ كل واحد منهما استحسانا ويأخذ كل واحد منهما مسلوخه من صاحبه فإن كانا قد أكلا ، ثم علما فليحلل كل واحد منهما صاحبه ويجزئهما ; لأنه لو أطعم كل واحد منهما صاحبه لحم أضحيته جاز ذلك غنيا كان ، أو فقيرا . قال أبو يوسف رحمه الله إن تشاحا فلكل واحد منهما تضمين صاحبه قيمة لحمه ، ثم يتصدق بتلك القيمة كما لو باع لحم أضحيته فعليه أن يتصدق بالثمن .قال ( ولو أمر مجوسيا فذبح أضحيته لم تجزه ) ; لأن هذا إفساد لا تقرب فإن ذبيحة المجوسي لا تؤكل ، ولو أمر يهوديا ، أو نصرانيا بذلك أجزأه ; لأنهما من أهل الذبح ، ولكنه مكروه ; لأن هذا من عمل القربة وفعله ليس بقربة .

قال ( فإن ذبح أضحيته بنفسه فهو أفضل ) ; لأن { النبي عليه الصلاة والسلام لما ساق مائة بدنة نحر منها ثلاثا وستين بنفسه ، ثم ولى الباقي عليا رضي الله عنه وحين ضحى بالشاتين ذبحهما بنفسه } ، ولكن هذا إذا كان يحسن ذلك فإن كان يخاف أن يعجز عن ذلك فالأفضل أن يستعين بغيره ، ولكنه ينبغي له أن يشهدها بنفسه لما روي أن { النبي عليه الصلاة والسلام قال لفاطمة رضي الله تعالى عنها قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب أما أنه يجاء بلحمها ودمها يوم القيامة فيوضع في ميزانك سبعين ضعفا قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أهذا لآل محمد عليه الصلاة والسلام فهم أهل لما خصوا به من الخير أم للمسلمين عامة قال عليه الصلاة والسلام لآل محمد خاصة وللمسلمين عامة } .
قال ( والأضحية تجب على أهل السواد كما تجب على أهل الأمصار ) ; لأنهم مقيمون مياسير ، وإنما لم تجب على المسافرين لما يلحقهم من المشقة في تحصيلها ، وذلك غير موجود في حق أهل القرى ، وفي الأصل ذكر عن إبراهيم قال هي واجبة على أهل الأمصار ما خلا الحاج وأراد بأهل الأمصار المقيمين وبالحاج المسافرين . فأما أهل مكة فعليهم الأضحية ، وإن حجوا .
قال ( ولا بأس لأهل القرى أن يذبحوا الأضاحي بعد انشقاق الفجر ) لما بينا أن دخول الوقت بانشقاق الفجر من يوم النحر إلا أن أهل الأمصار عليهم الصلاة فيلزمهم مراعاة الترتيب ، ولا صلاة على [ ص: 19 ] أهل القرى لقوله عليه الصلاة والسلام { لا جمعة ، ولا تشريق إلا في مصر جامع } ، ثم المعتبر المكان الذي فيه الأضحية حتى إذا كان الرجل بالمصر وأضحيته بالسواد يجوز أن يضحي بها بعد انشقاق الفجر .

فأما إذا كان هو بالسواد وأضحيته بالمصر لا يجوز أن يضحي بها إلا بعد فراغ الإمام من الصلاة ، وقد بينا أن أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها ، وذلك مروي عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم .

قال ( ويجزيه الذبح في لياليها إلا أنهم كرهوا الذبح في الليالي ) ; لأنه لا يأمن أن يغلط فتفسد الظلمة الليل ، ولكن هذا لا يمنع الجواز .
قال ( وليس على أهل منى يوم النحر صلاة العيد ) ; لأنهم في وقت صلاة العيد مشغولون بأداء المناسك فلا يلزمهم صلاة العيد . ويجوز لهم التضحية بعد انشقاق الفجر كما لا يجوز لأهل القرى والله سبحانه وتعالى أعلم .
( باب من الصيد أيضا قال رحمه الله تعالى ومن انفلت من يده صيد بعد ما أحرزه فأخذه غيره فهو للأول ) ; لأنه مال مملوك له فلا يزول ملكه بالانفلات من يده ، ولا يملكه الثاني بالأخذ ; لأنه بالأخذ يملك الصيد المباح لا المال المملوك كمن أبق عبده فأخذه إنسان آخر لا يملكه

ومن نصب شبكة فوقع فيها صيد وصار بحيث لا يقدر على الذهاب فأخذه رجل فصاحب الشبكة أحق به ; لأنه صار آخذا له بالوقوع في شبكته ، وهذا بخلاف ما لو ضرب فسطاطا فتعلق به صيد فأخذه إنسان فهو للآخذ ; لأن ناصب الشبكة يقصد الاصطياد فيصير هذا آخذا للصيد بالوقوع في شبكته ; ولهذا لو فعله محرم كان ضامنا وضارب الفسطاط ما قصد الاصطياد فلا يكون آخذا له ، وإن تعلق بفسطاطه ; ولهذا لو فعله محرم لم يضمن .
قال ( ومن أخذ بازيا ، أو شبهه في مصر ، أو سواد ، وفي رجليه سير ، أو جلاجل وهو يعرف أنه أهلي فعليه أن يعرفه ليرده على صاحبه ) ; لأنه تيقن بثبوت يد الغير عليه قبله فإنه لا يخرج من البيضة مع الجلاجل فإما أن يكون انفلت من يد صاحبه ، أو أرسله فلا يزول ملكه في الوجهين كمن سيب دابته فعرفنا أنه ملك الغير في يده بمنزلة اللقطة فعليه أن يعرفه ليرده على صاحبه ، وكذلك إن أخذ ظبيا ، وفي عنقه قلادة ، وكذلك لو أخذ حمامة في المصر يعرف أن مثلها لا يكون وحشية فعليه أن يعرفها ; لأنها بمنزلة اللقطة .

وبهذا تبين أن من اتخذ برج حمام فأوكرت فيه حمام الناس فما يأخذ من فراخها لا [ ص: 20 ] يحل له ; لأن الفرخ يملك بملك الأصل فهو بمنزلة اللقطة في يده إلا أنه إن كان فقيرا يحل له التناول لحاجته ، وإن كان غنيا ينبغي له أن يتصدق بها على فقير ، ثم يشتري منه بشيء فيتناول وهكذا كان يفعله شيخنا الإمام شمس الأئمة رحمه الله تعالى وكان مولعا بأكل الحمام .

قال ( ومن كان عنده صيد فأرسله عند إحرامه فأخذه حلال ، ثم حل الأول فله أن يسترده منه ) ; لأن الواجب عليه رفع يده عن الصيد لا إزالة ملكه ألا ترى أن الرجل يحرم وله صيود في بيته فلا يلزمه شيء . وإذا كان بعد الإرسال باقيا على ملكه لم يملكه الآخذ فله أن يسترده
قال ( ومن قتل بازيا معلما ، أو كلبا معلما لرجل فعليه قيمته ) ، وقد بينا في هذه المسألة أن الكلب المعلم مال متقوم يجوز بيعه عندنا ويضمن متلفه ، وإنما تعتبر قيمته كذلك بخلاف المحرم إذا قتل بازيا معلما فلا يعتبر في إيجاب القيمة عليه كونه معلما ; لأن الجزاء على المحرم يجب حقا لله تعالى لمعنى الصيد في يد المقتول وبكونه معلما ينتقص ذلك ; لأنه يخرج به من أن يكون متوحشا فلا يزاد به قيمته في حق الله تعالى . فأما وجوب الضمان للآدمي لكونه مالا منتفعا به ويزداد ذلك بكونه معلما ; فلهذا اعتبر قيمته كذلك فإن كان الكلب ليس بكلب صيد ، ولا ماشية فقتله ورجل غرم قيمته أيضا ومراده إذا كان بحيث يقبل التعليم حتى يكون مالا منتفعا به .

، وإن كان عقورا لا يقبل التعليم فمتلفه لا يضمن شيئا ; لأنه غير مؤدى ، وليس بمال منتفع به ، وقد بينا جواز بيع كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ; لأنه يقبل التعليم ويتأتى الانتفاع به ، ولا يجوز بيع لحم شيء من ذلك ; لأنه لا منفعة في اللحم سوى الأكل . فإذا لم يكن مالا مأكولا لا يكون مالا متقوما وجواز البيع يختص بمال متقوم حتى إذا كان له ثمن بأن كان يرغب فيه لإطعام الكلاب والسنانير جاز بيعه إذا كان مذكى إلا أن يكون ميتة ، وما كان من جلودها إذا دبغها رجل وباعها جاز بيعها ; لأنه مال منتفع به ، وإن كانت غير مدبوغة لم يجز ومراده إذا كانت ميتة . فأما إذا كانت مذكاة يجوز ، وقد بينا أن عمل الذكاة في الحل والطهارة في مأكول اللحم ، وفي طهارة الجلد في غير مأكول اللحم كالدباغ .

قال ( وإن وجد في الماء سمكة مقطوعة لا يدري من قطعها فلا بأس بأكلها ) ; لأنه ليس فيها ما يدل على سبق يد إليها لتوهم أن يكون فعله بها سمكة أخرى ، وإن أصاب في وسطها ، أو في موضع منها خيطا مربوطا لم يأكلها ويعرفها ; لأنه علم أن يدا أخرى سبقت إليها فكانت بمنزلة اللقطة فيعرفها .
قال ( ومن سمع حسا ظن أنه حس صيد فرماه ، أو [ ص: 21 ] أرسل كلبه فأصاب صيدا فإن كان ذلك الحس حس صيد فلا بأس بما أصاب ذلك ، وإن كان حس إنسان ، أو غيره من الأهليات لم يحل له ذلك الصيد ) ; لأنه رمي إلى الحس والرمي إلى الأهلي لا يكون اصطيادا وحل الصيد بوجود فعل الاصطياد . فأما إذا كان الحس حس صيد فرميه وإرساله الكلب كان اصطيادا فيحل تناوله إذا أصاب صيدا مأكولا سواء كان الحس حس صيد مأكول ، أو غير مأكول وعن زفر رحمه الله قال إن كان الحس حس صيد مأكول لم يحل تناوله ، وإن أصاب صيدا مأكولا ; لأن فعله لم يكن مبيحا ألا ترى أنه لو أصاب ما قصده لم يفد الحل .

وعن أبي يوسف رحمه الله قال إذا كان الحس حس خنزير لم يحل وإن أصاب رميه الصيد بخلاف السباع ; لأن الخنزير من المحترم العين . فأما في سائر السباع فإن فعله مؤثر في طهارة الجلد . فإذا أصاب ما يحل تناوله كان مؤثرا في إباحة اللحم أيضا والصحيح ما بينا أن فعل الإنسان في كل متوحش اصطياد . فأما حل التناول باعتبار صفة في المحل . فإذا أصاب فعله في الاصطياد محلا مأكولا قلنا يباح تناوله ، وإن لم يتبين ما كان ذلك الحس لم يحل له أكله لاجتماع المعنى الموجب للحل والمعنى الموجب للحرمة .

وفي النوادر إذا رمى طيرا فأصاب صيدا وذهب الطير فلم يعرف إن كان أهليا ، أو وحشيا حل له أن يتناول الصيد ; لأن الطير في الأصل وحشي بخلاف ما لو رمى بعيرا فأصاب صيدا وذهب البعير فلم يعرف إن كان أهليا ، أو متوحشا فإنه لا يحل تناول الصيد ; لأنه مألوف في الأصل والتوحش منه نادر فتمسك بالأصل حتى يظهر خلافه
وإن سمع حسا فظن أنه إنسان فرماه فأصاب ما رماه وتبين أنه كان صيدا يحل تناوله ; لأن حقيقة فعله اصطياد وظنه بخلاف حقيقة فعله لغو .
قال ( ولو رمى خنزيرا أهليا فأصاب صيدا لم يؤكل ) ; لأن الخنزير الأهلي ليس بصيد فهو وما لو رمى شاة سواء ، وكذلك لو رمى حربيا مختفيا موثقا فأصاب صيدا لم يأكله ; لأن رميه إلى الحربي ليس باصطياد ، ولا هو مؤثر في الحل ; فلهذا لا يحل تناول ما أصابه من الصيد والله سبحانه وتعالى أعلم .

( باب الصيد في الحرم ) قال رحمه الله تعالى ( وإذا خرج الصيد من الحرم إلى الحل فلا بأس باصطياده ) ; لأنه صيد الحل كما كان قبل دخوله الحرم ، وهذا ; لأن المانع من اصطياده كان حرمة الحرم ، وقد زال بخروجه إلى الحل فهو نظير محرم حل من إحرامه ، وفيه نص وهو قوله تعالى { وإذا حللتم [ ص: 22 ] فاصطادوا } .
قال ( وإن رمى رجل صيدا في الحل فأصابه ، ثم دخل الصيد الحرم فمات منه لم يكن عليه جزاء ) ; لأن وجوب الجزاء باعتبار فعل المحظور وفعله كان مباحا وهو الرمي إلى صيد في الحل ، أو باعتبار حرمة المحل ولم يكن محترما حين ما أصاب السهم الصيد فهو كما لو رمى إلى حربي ، أو مرتد فأصابه ، ثم أسلم ، وفي القياس لا بأس بأكله ; لأن فعله كان مذكيا له ألا ترى أنه لو مات في الحل حل تناوله . فكذلك إذا مات بعد ما دخل الحرم ; لأنه دخله وهو مذكى وحرمة الحرم إنما تظهر في حق الصيد لا في حق المذكى ، ولكنه استحسن فقال يكره أكله ; لأن حل التناول عند زهوق الروح وهو عند ذلك في الحرم والحكم يضاف إلى الشرط وجودا عنده كما يضاف إلى السبب ثبوتا به فاعتبار هذه الحالة يوجب الحرمة واعتبار حالة الإصابة يبيح فيغلب الموجب للحرمة ، وبه فارق الجزاء ; لأن الجزاء بالشك لا يجب ، ولأن الجزاء باعتبار الفعل فإن الحل صفة في المحل والمحل في الحرم عند ثبوت صفة الحل فيه .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 15-12-2025, 04:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر

صـــ 22 الى صـــ 31
(250)




قال ( وإن أصابه في الحرم فمات في الحل فلا خير في أكله ) ; لأن الحل باعتبار الإصابة ، وقد أصابه وهو صيد الحرم وهذه هي المسألة المستثناة من أصلنا أن المعتبر لحالة الرمي فيما يبنى عليه الأحكام دون حالة الإصابة فإن في حل التناول يعتبر حالة الإصابة أيضا ; لأن الحل صفة للمحل ، وإنما يثبت في المحل عند الإصابة فلا بد من اعتبار تلك الحالة فيه ، وكذلك إن أصابه في الحل ، وقد رماه من الحرم ; لأن الرمي من الحرم قيل محظور قال الله تعالى { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } قيل معناه وأنتم في الحرم ; لأنه يقال أحرم إذا دخل في الحرم كما يقال أشأم إذا دخل الشام والموجب للحل الذكاة لا القتل المحظور والدليل عليه وجوب الجزاء على الرامي فهو من هذا الوجه بمنزلة محرم يقتل صيدا ، وكذلك إن رماه من الحل في الحرم ; لأن الصيد إذا كان في الحرم فهو ممنوع من الرمي إليه .

وإن كان في الحل فيكون فعله فعلا محظورا ألا ترى أن عليه قيمة الجزاء ، ولو كان الرامي في الحل والصيد في الحل فمر السهم في الحرم حتى أصاب الصيد فلا بأس بأكله ، وإن تعمد ذلك ; لأن الرمي مباح له فكان فعله ذكاة شرعا ، وهذا ; لأن الحرمة باعتبار معنى في الحل ، وفي الرامي ولم يوجد ذلك ; لأن أصل السبب فعل الرامي وثبوت الحكم عند الإصابة ، وما بين ذلك غير معتبر أصلا في إضافة الحكم إليه .
قال ( فإن رمى نصراني من الحرم صيدا في الحل فمات فلا خير في أكله ) ; لأن النصراني في حكم الذكاة لا يكون أعلى من المسلم . فإذا كان هذا الفعل من المسلم لا يبيح الصيد . فكذلك من النصراني [ ص: 23 ] كما لو ترك التسمية عمدا ( فإن قيل ) المنع من الرمي صوب الحرم حق الشرع والنصراني لا يخاطب بذلك ; ولهذا لا يلزمه الجزاء ( قلنا ) حرمة الحرم تظهر في حق الكافر كما تظهر في حق المسلم ; ولهذا لا يقتل الحربي والمرتد في الحرم ، ثم النصراني في حكم الذكاة تبع للمسلم والتبع يلحق بالأصل في حكمه ، وإن لم يشاركه في علته
وكذلك لو ذبح نصراني ، أو صبي صيدا في الحرم لم يؤكل ; لأنهما في حكم الذكاة تبع للمسلم البالغ . فإذا لم يكن هذا الفعل من المسلم البالغ واجبا للحل . فكذلك من النصراني والصبي .

قال ( ولو أن رجلا أخرج صيدا من الحرم فذبحه في الحل فعليه جزاؤه ) ; لأنه كان في الحرم آمنا صيدا ، وقد زال ذلك بأخذه وإخراجه وكان مطالبا شرعا بإعادته إلى مأمنه وإرساله فيه ، وقد فوت ذلك بذبحه فعليه الجزاء والتنزه عن أكله أفضل بخلاف ما إذا ذبحه في الحرم فإن ذلك حرام تناوله ; لأنه حين ذبحه كان صيد الحرم ففعله فيه يكون قتلا ، ولا يكون ذكاة وهنا حين ذبحه كان صيد الحل فيكون فعله فيه ذكاة وباعتبار هذا الفعل لا يلزمه الجزاء ، وإنما يلزمه بالأخذ السابق ; فلهذا لا يحرم تناوله إلا أن التنزه عنه أفضل ; لأن تقرر الجزاء عليه بفعل الذبح ، وإن كان الوجوب سبب الأخذ .

فباعتبار هذا المعنى يمكن شبهة فيه ، ولأنا لو أطلقنا له حق التناول تطرق الناس إلى ذلك فيخرجون الصيد من الحرم ويذبحونه في الحل ، وفي ذلك تعليل صيد الحرم فللمنع من هذا قلنا التنزه عن أكله أفضل ، وكذلك إن كان صاده أولا في الحل ، ثم أدخله الحرم ، ثم أخرجه إلى الحل ; لأنه حين أدخله الحرم فقد صار صيد الحرم فهو والمأخوذ في الحرم سواء بدليل وجوب الجزاء عليه ، وهذا عندنا . فأما عند الشافعي رحمه الله تعالى حرمة الحرم لا تظهر في حق صيد مملوك . فإذا ملكه بالأخذ في الحل ، ثم أدخله الحرم لم يثبت له حرمة الحرم ، وعندنا حرمة الحرم في حق الصيد كحرمة الإحرام فكما يحرم عليه بالإحرام إمساك الصيد المملوك ويلزمه إرساله . فكذلك يحرم بسبب الحرم إمساكه ، وقد بينا هذا في المناسك .

وكذلك حلال أحرم ، وفي يده صيد ، ثم حل ثم ذبحه فهذا والأول سواء ; لأنه لما أحرم فقد وجب عليه إرساله وحين ذبحه تقرر عليه جزاؤه وإن كان بعد الحل ; فلهذا كره أكله .
ال ( محرم صاد صيدا فدفعه إلى حلال فذبحه فهو والأول سواء ) ; لأنه بما صنع مفوت ما لزمه من الإرسال ومقرر للجزاء على نفسه فهو كما لو ذبحه بنفسه بعد ما حل من إحرامه ، ولو ذبحه بنفسه بعد ما حل من إحرامه وهو محرم ، أو في الحرم كان ذلك أشد من هذا حالا فإن ذلك بمنزلة الميتة ، وهذا مكروه [ ص: 24 ] التناول ; لأن الحل باعتبار فعل الذكاة وفعل المحرم ، أو الذي في الحرم محظور فلا يكون ذكاة شرعا .

فأما المدفوع إليه حلال فعله في حق نفسه ذكاة ، ولكن باعتبار أنه مفوت للإرسال ومقرر للجزاء على الآخذ يلحقه نوع خطر ، وذلك ليس لمعنى في نفس الفعل فلا يثبت به الحرمة مطلقا ، وإنما تثبت الكراهة .

قال ( وإن أرسله المحرم فذبحه حلال فلا بأس به ) ; لأن المحرم أتى بما هو المستحق عليه فيخرج به من عهدة أخذه وذبح الحلال إياه كذبح صيد آخر في الحكم .قال ( ولو أن حلالا أخرج صيدا من الحرم إلى الحل فأرسله فصاده حلال فذبحه فلا بأس بأكله ) ; لأنه صيد الحل فإنه بالإرسال قد خرج من يد الذي أخرجه من الحرم فهو والذي خرج بنفسه من الحرم سواء في حل التناول ، ولكن على الذي أخرجه الجزاء ; لأن المستحق عليه شرعا إعادته إلى مأمنه فإنه بالإخراج من الحرم أزال الأمن عنه .

فإذا تلف قبل العود إلى مأمنه تقرر الجزاء عليه لانعدام ما ينسخ فعله بخلاف الأول فإن على المحرم رفع اليد عنه بالإرسال فينفسخ حكم فعله بمجرد إرساله ووزان هذا من ذاك ما لو عاد الصيد إلى الحرم بعد ما أرسله ، ثم أصابه ما أصابه ، وكذلك لو كان الذي أخرجه من الحرم هو الذي صاده بعد ما أرسله فذبحه لم يكن بأكله بأس ; لأنه حلال ذبح صيدا في الحل فهو وغيره في الحالين سواء . قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله هو وغيره سواء في ذلك إلا أن عليه الجزاء وأبو حنيفة رحمه الله في هذا لا يخالفهما والمعنى فيه أن الحل باعتبار الفعل الثاني ووجوب الجزاء عليه باعتبار فعله الأول وهو إخراجه من الحرم ولم يبق ذلك الإخراج بعد ما أرسله ; فلهذا لا تثبت الحرمة ، ولكن بقاء الفعل غير معتبر في بقاء ما وجب به من الجزاء بخلاف ما إذا ذبحه في الحل قبل أن يرسله ودفعه إلى غيره فذبحه ; لأن تلك اليد باقية حقيقة وحكما ، وإنما تمكن من الذبح باعتبارها ; فلهذا كره أكلها .

قال ( محرم أصاب صيدا فأدخله منزله في الحل فجاء بعض أهله فذبحه فلا بأس بأكله ) وأضاف الجواب إلى أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأنه لم يحفظ جواب أبي حنيفة رحمه الله ; لأن جوابه يخالف جوابهما ، وهذا ; لأن الذابح حلال ، وقد ذبحه في الحل ، ولو أرسله المحرم في غير منزله فذبحه حلال حل تناوله . فكذلك إذا أرسله في منزله إلا أن على المحرم الجزاء ; لأنه ما نسخ حكم فعله بإرساله إياه من منزله فإن معنى الصيدية من حيث التنفير والاستيحاش لمن بعد إليه كما كان قبل أخذه ; فلهذا كان عليه الجزاء بخلاف ما لو أرسل جارحا من منزله .

قال : ولا يعجبنا هذا الفعل ; لأن فعل بعض أهله في الذبح كفعله من وجه فإنه ينفق [ ص: 25 ] عليهم ليفعلوا له مثل هذه الأفعال فمن هذا الوجه الذابح كالمأمور من جهته ، فلهذا قال لا يعجبنا هذا الفعل ، وكذلك إن أرسله في منزله فخرج من منزله فتبعه بعض أهله وذبحه ولم يأمره بذلك فهذا والأول سواء ، ولا أكره أكله ، وفي رواية أبي حفص قال وأكره أكله .

وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا بأس بأكله والحاصل أنه لم يتم إرساله بعد في حق نسخ الفعل ; لأن الذي تبعه إنما يتمكن من أخذه باعتبار الفعل الموجود من المحرم فكان عليه الجزاء لذلك إلا أن في إباحة التناول هما يقولان لو أرسله خارجا من منزله حل تناوله إذا ذبحه إنسان بعد ذلك . فكذلك إذا أرسله في منزله فخرج هكذا وجه رواية أبي سليمان حيث قال ، ولا أكره أكله ووجه رواية أبي حفص وهو أنه لما أرسله بمرأى العين من بعض أهله فقد طلب منه دلالة أن يتبعه فيأخذه ، ولو أمره بذلك نصا كان تناوله مكروها . فكذلك إذا كان طالبا لذلك الفعل دلالة .

قال ( وإن انفلت من المحرم في جوف المصر ، أو أرسله فأخذه إنسان فذبحه فهذا كأنه في يده حتى يرسله ) ; لأن بالإرسال في جوف المصر لم يعد إليه التنفير والاستيحاش على الوجه الذي كان قبل أخذه فلا ينسخ به حكم فعله ، وهذا ; لأن ما في جوف المصر يمكن أخذه بغير اصطياده عادة ; ولهذا قلنا لو ندت شاة في المصر لم تحل بالرمي . قال ( وإذا انفلت منه في الصحراء لا يقدر على أخذه إلا بصيد فرماه حلال فلا بأس به كما لو أرسله في الصحراء ) ، وهذا ; لأن حكم فعله قد انتسخ حين عاد صيدا متوحشا كما كان فكأنه لم يأخذه قط .
قال ( حلال أرسل كلبه على صيد في الحل فتبعه الكلب حتى أدخله الحرم فقتله فيه كرهت له أكله ) لما بينا أن الحل يثبت عند الإصابة ، وعند ذلك هو صيد الحرم ، وإن كان أصل الإرسال في الحل . فكذلك إذا أدركه صاحبه حيا فأخذه وأخرجه إلى الحل وذبحه ; لأنه حين أخذه من فم الكلب فهو صيد الحرم ، وقد بطل حكم ذلك الإرسال حين وقع في يده حيا ( فجواب ) هذا الفصل كجواب ما لو أخرج صيدا من الحرم وذبحه في الحل .

وإن أرسل كلبه من الحرم على صيد في الحل كرهت له أكله وعليه الجزاء ; لأن إرساله الكلب على الصيد اصطياد ومن هو داخل الحرم ممنوع من الاصطياد فإرسال الكلب عليه والرمي إليه سواء كما بينا .
قال ( وإن أرسله في الحل على صيد في الحرم فتبعه حتى أخرجه إلى الحل ، ثم أخذه وقتله كرهته أيضا ) ; لأنه أرسله على صيد الحرم ، وذلك فعل محظور فهو كما لو رمى الصيد في الحرم فخرج من الحرم قبل الإصابة .
قال ( وإن أخذه من الكلب حيا في الحل فذبحه كرهت له هذا الصنع ، ولا [ ص: 26 ] بأس بأكله في القياس ) ; لأنه حين أخذه حيا فقد بطل حكم إرسال الكلب حتى لا يحل إلا بذكاة الاختيار فإنما بقي المعتبر أخذه وذبحه ، وقد حصل في صيد الحل فلا بأس بأكله ، وإنما كره له هذا الصنع لتمكنه من أخذه بذلك الإرسال السابق ، وقد كان حراما بكون الصيد في الحرم عند ذلك .

قال ( ظبي بعض قوائمه في الحل وبعضها في الحرم رماه حلال في الحرم فقتله فإنه يكره أكله لوجوب الجزاء عليه ) ، وهذا ; لأن قوام الصيد بقوائمه واعتبار ما في الحرم من قوائمه يجعله صيد الحرم ، وهذا الجانب يترجح ; لأنه جانب الحظر وجانب الحرمة لحق الشرع ، وإن كانت قوائمه في الحل ورأسه في الحرم فلا بأس بأكله ; لأنه صيد الحل فإن قوام الصيد بقوائمه .

وقيل هذا إذا كان قائما فإن كان نائما فهذا والأول سواء ; لأن استمساكه على الأرض في حال نومه باعتبار جميع بدنه . فإذا كان جانب منه في الحرم فهو صيد الحرم ، وقد بينا في المناسك في الشجرة أن المعتبر موضع أصلها لا موضع أغصانها ، وفي الصيد الواقع على بعض أغصانها يعتبر موضع ذلك الغصن ; لأن قوام الصيد ليس بغصن الشجرة قال الله تعالى { ما يمسكهن إلا الله } . فأما قوام غصن الشجرة فبأصلها ففي حق ضمان المحصن يعتبر موضع أصل الشجرة ، وفي حق ضمان الصيد يعتبر الموضع الذي فيه الصيد فإن كان في هواء الحرم فهذا الصيد صيد الحرم .

قال ( وإن اشترك الحلال والمحرم في رمي الصيد لم يحل أكله ) ; لأن اعتبار فعل المحرم محرم والموجب للحرمة يغلب على الموجب للحل كما لو اشترك مسلم ومجوسي في قتل الصيد .
قال ( رجل أرسل بازيا على صيد في الحرم فتبعه حتى أخرجه إلى الحل فقتله كرهت أكله ) ; لأن أصل السبب إرسال البازي ، وقد كان محظورا فإن أرسله على صيد في الحرم فاعتباره يثبت الكراهة .

قال ( حلال أخرج ظبية من الحرم فولدت أولادا ، ثم ذبحها وأولادها فليس أكلها وأكل أولادها بحرام ) ; لأن الحل بالذبح ، وقد حصل من حلال في صيد في الحل ، ولكن لا يعجبني هذا الفعل ; لأنه لو أذن في ذلك تطرق الناس إليه ، ولأنه تمكن من الذبح بالأخذ السابق ، وقد كان ذلك الأخذ حراما عليه وعليه الجزاء فيها ، وفي أولادها ; لأن الإرسال والإعادة إلى الماء من مستحق عليه فيها ، وفي أولادها . فإذا فوت ذلك بالذبح كان عليه الجزاء ، ولأنه إنما يضمن جزاء الأم لإتلافه معنى الصيدية فيها بإثبات اليد عليها ، وهذا المعنى موجود في ولدها ، وكذلك إن أدى الجزاء عنها ، ثم ذبحها فهذا والأول سواء ; لأنه مطالب بإرسالها وإعادتها [ ص: 27 ] إلى الماء من بعد أداء الجزاء فإن البدل إنما يظهر حكمه عند فوات الأصل . فأما مع القدرة على الأصل فلا معتبر بالبدل ، وما ولدت في يده بعد أداء الجزاء فليس عليه في ذلك الولد جزاء ; لأنه لو ماتت هي في يده بعد أداء الجزاء لم يلزمه شيء آخر فعرفنا أنه ليس في عينها حق مستحق بعد أداء الجزاء ليسري إلى الولد بخلاف ما قبل أداء الجزاء ( فإن قيل ) فأين ذهب قولكم أنه لا معتبر بالبدل حال قيام الأصل وأنه مطالب بإعادتها إلى الماء من بعد أداء الجزاء ( قلنا ) نعم لا معتبر بالبدل حال قيام البدل ، ولكن لا يجمع الأصل والبدل فيبقى بعد أداء الجزاء الحق مترددا بين الإرسال الذي هو الأصل وبين المؤدى من الجزاء ; ولهذا لو باعه بعد بيعه يظهر ذلك عند فوات الأصل وباعتبار جانب المؤدى من الجزاء لا يظهر في الولد الحادث بعد ذلك استحقاق شيء ; فلهذا لا يلزمه الجزاء فيه ، ولأنه يتملك ذلك الصيد بما أدى من الجزاء ; ولهذا لو باعه نفذ بيعه فالولد إنما يتولد بعد ذلك من ملكه ; فلهذا لا يلزمه الجزاء فيه .

وكذلك لو كان محرما صاد ظبية ، ثم حل من إحرامه وهي في يده فحالها وحال أولادها كما بينا في الفصل الأول من الفرق بين ما قبل أداء الجزاء ، أو بعد أداء الجزاء فإن ما قررناه من المعنى يشتمل على الفصلين جميعا ، والله سبحانه وتعالى أعلم

كتاب الوقف قال الشيخ الإمام الزاهد الأجل شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء : اعلم بأن الوقف لغة الحبس والمنع ، وفيه لغتان أوقف يوقف إيقافا ووقف يقف وقفا قال الله تعالى { وقفوهم إنهم مسئولون } . وفي الشريعة عبارة عن حبس المملوك عن التمليك من الغير وظن بعض أصحابنا رحمهم الله أنه غير جائز على قول أبي حنيفة وإليه يشير في ظاهر الرواية فنقول أما أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه فكان لا يجيز ذلك ومراده أن لا يجعله لازما .

فأما أصل الجواز ثابت عنده ; لأنه يجعل الواقف حابسا للعين على ملكه صارفا للمنفعة إلى الجهة التي سماها فيكون بمنزلة العارية والعارية جائزة غير لازمة ; ولهذا قال لو أوصى به بعد موته يكون لازما بمنزلة الوصية بالمنفعة بعد الموت .

وذكر الطحطاوي رحمه الله تعالى أن عنده لو نفذه في مرضه فهو كالمضاف إلى ما بعد الموت ; لأن تصرف المريض مرض الموت في الحكم كالمضاف إلى ما بعد الموت حتى يعتبر من ثلثه وخصوصا فيما لا [ ص: 28 ] يكون تمليكا كالعتق كأنه يجعله موقوفا على ما يظهر عند موته والصحيح أن ما باشره في المرض بمنزلة ما لو باشره في الصحة في أنه لا يتعلق به اللزوم ، ولا يمتنع الإرث بمنزلة العارية إلا أن يقول في حياتي وبعد موتي فحينئذ يلزم إذا كان مؤبدا وصار الأبد فيه كعمر الموصى له بالخدمة في لزوم الوصية بعد الموت .

فأما أبو يوسف ومحمد رحمهما الله قالا الوقف لا يزيل ملكه ، وإنما يحبس العين عن الدخول في ملك غيره ، وليس من ضرورة ذلك امتناع زوال ملكه فلزوال الملك في حقه يلزم حتى لا يورث عنه بعد وفاته ; لأن الوارث يخلف المورث في ملكه وكان أبو يوسف رحمه الله يقول أولا بقول أبي حنيفة رحمه الله ، ولكنه لما حج مع الرشيد رحمه الله فرأى وقوف الصحابة رضوان الله عليهم بالمدينة ونواحيها رجع فأفتى بلزوم الوقف فقد رجع عند ذلك عن ثلاث مسائل ( إحداها ) هذه ( والثانية ) تقدير الصاع بثمانية أرطال ( والثالثة ) أذان الفجر قبل طلوع الفجر .

وحجتهم في ذلك الآثار المشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهم فإنهم باشروا الوقف وهو باق إلى يومنا هذا ، وكذلك وقف إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه باق إلى يومنا هذا ، وقد أمرنا باتباعه قال الله تعالى { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } والناس تعاملوا به من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا يعني اتخاذ الرباطات والخانات وتعامل الناس من غير نكير حجة ، وقد استبعد محمد رحمه الله قول أبي حنيفة في الكتاب لهذا وسماه تحكما على الناس من غير حجة فقال ما أخذ الناس بقول أبي حنيفة وأصحابه إلا بتركهم التحكم على الناس .

فإذا كانوا هم الذين يتحكمون على الناس بغير أثر ، ولا قياس لم يقلدوا هذه الأشياء ، ولو جاز التقليد كان من مضى من قبل أبي حنيفة مثل الحسن البصري وإبراهيم النخعي رحمهما الله أحرى أن يقلدوا ولم يحمد على ما قال . وقيل بسبب ذلك انقطع خاطره فلم يتمكن من تفريغ مسائل الوقف حتى خاض في الصكوك واستكثر أصحابه من بعده من تفريغ مسائل الوقف كالخصاف وهلال رحمهما الله ، ولو كان أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه في الأحياء حين قال ما قال لدمر عليه فإنه كما قال مالك رضي الله تعالى عنه رأيت رجلا لو قال هذه الأسطوانة من ذهب لدل عليه ، ولكن كل مجري بالجلاء يسر ، ثم استدل بالمسجد فقال اتخاذ المسجد يلزم بالاتفاق وهو إخراج لتلك البقعة عن ملكه من غير أن يدخل في ملك أحد ، ولكنها تصير محبوسة بنوع قربة قصدها .

فكذلك [ ص: 29 ] في الوقف وبهذا تبين أنه ليس من ضرورة الحبس عن الدخول في ملك الغير امتناع خروجه عن ملكه ، ثم للناس حاجة إلى ما يرجع إلى مصالح معاشهم ومعادهم . فإذا جاز هذا النوع من الإخراج والحبس لمصلحة المعاد . فكذلك لمصلحة المعاش كبناء الخانات والرباطات واتخاذ المقابر ، ولو جاز الفرق بين هذه الأشياء لكان الأولى أن يقال لا يلزم المسجد وتلزم المقبرة حتى لا يورث لما في النبش من الإضرار والاستبعاد عند الناس ، أو كان ينبغي أن يلتزم الوقف دون المسجد ; لأن في الوقف ، وإن انعدم التمليك في عينه فلذلك يوجد فيما هو المقصود به وهو التصدق بالغلة ، وذلك لا يوجد في المسجد فكان هذا الفرق أبعد عن التحكم مما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله هذا معنى ما احتج به محمد رحمه الله ، وقد طوله في الكتاب .

ويستدلون بالعتق أيضا ففيه إزالة الملك الثابت في العبد من غير تمليك وصح ذلك على قصد التقرب . فكذلك في الوقف وحجة أبي حنيفة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فهو مال الوارث } فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الإرث إنما ينعدم في الصدقة التي أمضاها ، وذلك لا يكون إلا بعد التمليك من غيره .

( وسئل ) الشعبي عن الحبس فقال جاء محمد عليه الصلاة والسلام ببيع الحبس فهذا بيان أن لزوم الوقف كان في شريعة من قبلنا وأن شريعتنا ناسخة لذلك . وقال ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم لا حبس عن فرائض الله تعالى ، ولكنهم يحملون هذا الأثر على ما كان أهل الجاهلية يصنعونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ويقولون الشرع أبطل ذلك كله ، ولكنا نقول النكرة في موضع النفي تعم فيتناول كل طريق يكون فيه حبس عن الميراث إلا ما قام عليه دليل .

( واستدل ) بعض مشايخنا رحمهم الله بقوله عليه الصلاة والسلام { إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة } فقالوا معناه ما تركناه صدقة لا يورث ذلك عنا ، وليس المراد أن أموال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تورث ، وقد قال الله تعالى { وورث سليمان داود } . وقال تعالى { فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب } فحاشا أن يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف المنزل فعلى هذا التأويل في الحديث بيان أن لزوم الوقف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خاصة بناء على أن الوعد منهم كالعهد من غيرهم ، ولكن في هذا الكلام نظر فقد استدل أبو بكر رضي الله عنه على فاطمة رضي الله عنها حين ادعت فدك بهذا الحديث على ما روي أنها ادعت أن رسول الله [ ص: 30 ] صلى الله عليه وسلم وهب فدك لها وأقامت رجلا وامرأة فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه ضمي إلى الرجل رجلا ، أو إلى المرأة امرأة فلما لم تجد ذلك جعلت تقول من يرثك فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه أولادي فقالت فاطمة رضي الله تعالى عنها أيرثك أولادك ، ولا أرث أنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة } فعرفنا أن المراد بيان أن ما تركه يكون صدقة ، ولا يكون ميراثا عنه .

وقد وقعت الفتنة بين الناس بسبب ذلك فترك الاشتغال به أسلم والمعنى فيه أن العين الموقوفة فيه كانت مملوكة قبل الوقف وبقيت بعده مملوكة والمملوك بغير مالك لا يكون فمن ضرورة بقائها مملوكة أن يكون هو المالك ، أو غيره ولم تصر مملوكة لغيره فكانت باقية على ملكه والوارث يخلف المورث في ملكه ، وبيان قولنا أنها بقيت مملوكة أنه ينتفع بها على وجه الانتفاع بالمملوكات من حيث السكنى والزراعة وسائر وجوه الانتفاعات ، ولأنها خلقت مملوكة في الأصل ، وقد تقرر ذلك بتمام الإحراز فلا يتصور إخراجها عن أن تكون مملوكة إلا أن يجعلها لله تعالى خالصا وبالوقف لا يتحقق ذلك .

وفي هذه التسمية ما يدل على أنها مملوكة محبوسة ، وبه فارق العتق فالآدمي خلق في الأصل ليكون مالكا فصفة المملوكية فيه عارض محتمل للرفع . وإذا رفع كان مالكا كما كان ، ومن ضرورة إثبات قوة المالكية انعدام المملوكية وبخلاف المسجد فإن تلك البقعة تخرج من أن تكون مملوكة وتصير لله تعالى ألا ترى أنه لا ينتفع بها بشيء من منافع الملك ، وإن كانت تصلح لذلك ، وقد وجدنا لهذا الطريق أصلا في الشرع وهو الكعبة فتلك البقعة لله تعالى خالصة متحرزة عن ملك العباد فألحقنا سائر المساجد بها ولم نجد مثل ذلك في الوقف بل الوقف بمنزلة تسييب أهل الجاهلية من حيث إنه لا تخرج به العين من أن تكون مملوكة منتفعا بها .

ولو سيب دابته لم تخرج من ملكه . فكذلك إذا وقف أرضه ، أو داره . وإذا بقيت مملوكة له لا يمتنع الإرث فيها إلا باعتبار حق يستثنيه لنفسه بعد وفاته ، وذلك فيما إذا أضاف الوقف إلى ما بعد الموت فإنه تبقى العين على حكم ملكه لشغله إياه بحاجته والناس لم يأخذوا قول أبي حنيفة في المسألة إلا باشتهار الآثار . فأما من حيث المعنى كلامه قوي وهو يحمل الآثار على الوقف المضاف إلى ما بعد الموت ، أو المنفعة في الحياة ، وبعد الموت ، قال رحمه الله تعالى قد تم الكتاب على قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه .

وإنما البيان بعد هذا على قولهما ، ثم بدأ الكتاب بحديث رواه [ ص: 31 ] عن صخر بن جويرية عن نافع { أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت له أرض تدعى ثمغا وكان نخلا نفيسا فقال عمر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله إني استفدت مالا وهو عندي نفيس أفأتصدق به فقال صلوات الله وسلامه عليه تصدق بأصله لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يورث ، ولكن لينفق من ثمره } ، فتصدق به عمر رضي الله عنه في سبيل الله تعالى ، وفي الرقاب والضيف والمساكين وابن السبيل ولذي القربى منه ، ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف ، أو يؤكل صديقا له غير متمول منه .

وهذه الأرض سهم عمر رضي الله عنه بخيبر حين قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بين أصحابه رضي الله عنهم وثمغ لقب لها ، وقد كانت لأملاكهم ألقاب حتى كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة يقال لها العضباء وبغلة يقال لها دلدل وفرس يقال له السكب وحمار يقال له يعفور وعمامة تسمى السحابة ، ثم في هذا دليل أن من قصد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى فينبغي أن يختار لذلك أنفس أمواله وأطيبها قال الله تعالى { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } . وقال الله سبحانه وتعالى { ، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } ; فلهذا اختار عمر رضي الله عنه أنفس أمواله وأطيبها لما أراد التصدق ، وفيه دليل على أن من أراد التقرب إلى الله تعالى فالأولى أن يقدم السؤال عن ذلك وأن الربا لا يدخل في هذا السؤال بخلاف ما يقوله جهال المتقشفة ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوقف بقوله تصدق بأصله لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يورث فهو من حجة من يقول بلزوم الوقف .

وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه وقف كما فعله عمر رضي الله عنه ، ولكن لم يستثن للوالي شيئا ، وفيه دليل على أن كل ذلك واسع إن استثنى للوالي أن يأكل بالمعروف كما فعله عمر رضي الله عنه وهو صواب ، وإن لم يستثن ذلك كما فعله علي رضي الله عنه فهو صواب أيضا وللوالي أن يأكل منه بالمعروف مقدار حاجته كما أن للإمام فعل ذلك في بيت المال ولوصي اليتيم ذلك في مال اليتيم إذا عمل له قال الله تعالى { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } ، ولكن لا يكون له أن يؤكل غيره ممن ليس في عياله إلا إذا شرط الواقف ذلك كما فعله عمر رضي الله عنه ، أو يؤكل صديقا له .

( وقوله ) غير متمول منه يعني يكتفي بما يأكل ، ولا يكتسب به المال بالبيع لنفسه وهو نظير الغازي في طعام الغنيمة يباح له أن يتناول بقدر حاجته ، ولا يتمول ذلك بالبيع والإقراض من غيره ، وفيه دليل محمد رحمه الله أن الوقف لا يتم إلا بالتسليم إلى المتولي ، وفي قوله لا جناح على من وليه إشارة إلى ذلك ، وقد روي أنه جعل وقفه في يد ابنته حفصة رضي الله تعالى عنهما قال محمد رحمه الله ; ولهذا يأخذ إذا [ ص: 32 ] تصدق بها في حياته في صحته كان ذلك من جميع ماله .

وإذا تصدق به في مرضه كان ذلك من ثلثه ; لأنه إزالة الملك بطريق التبرع ،


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 451.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 445.79 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]