|
|||||||
| ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (240) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (23) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الفائدة السابعة في الآيات التي في ذم الشرك والتحذير منه: قال -تعالى-: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا) (الإسراء: 39>، وقال -تعالى-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 30-31>. وقال -تعالى-: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ . عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (المؤمنون: 91-92>، وقال -تعالى-: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 65-66>. وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13>، وقال -تعالى-: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (الزمر: 8>، وقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) (فصلت: 6>. وقال -تعالى-: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (فصلت: 9>، وقال -تعالى-: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (الفتح: 6>، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) (البينة: 6>. وقال -تعالى-: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: 28>، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 39>، وقال -تعالى-: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ . بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) (البقرة: 89-90>. وقال -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (مريم: 88-95>. أما الأحاديث التي ثبتت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحاح وغيرها فكثيرة جدًّا؛ منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اجْتنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ). وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ). وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، لَمْ تَضُرَّهُ مَعَهُ خَطِيئَةٌ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يُشْرِكُ بِهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ مَعَهُ حَسَنَةٌ) (رواه أحمد بسند صحيح، ومعنى لم تضره خطيئة؛ أي: في ضرر الخلود في النار، وإلا فعصاة الموحدين منهم من يدخل النار قطعًا). وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وحوله عصابة من أصحابه: (تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُونَ بِبُهْتَانٍ، تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهْوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ) (رواه البخاري ومسلم). وروى الترمذي في سننه بإسناد حسن عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه-: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 31>، قال: (أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوه). وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح من حديث محمود بن لبيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ)، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عز وجل لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (241) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (24) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). الفائدة الثامنة: دَلَّ قوله -تعالى-: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) على وجوب تطهير بيت الله الحرام، وكذا سائر بيوته في الأرض -وهي المساجد في كل مكان- من كلِّ نَجَس ورجس: حسي أو معنوي؛ أما الحسي: فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد -أي: تكنسه وتخرج منه القمامة- أو شابًا، ففقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم فسأل عنها، فقالوا: ماتت. فقال: (أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي)، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ فَقَالَ: (دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِا) فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عز وجل يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ) (متفق عليه). والمسلم الذي ينظف المسجد ويطهره، يحتسب عند الله فيه تحبيب بيت الله -عز وجل- إلى الناس لكي يعمروه بالصلاة والذِّكْر وتلاوة القرآن. وفي رواية فيها ضعف عند الطبراني في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سألها وهي في قبرها: أي العمل وجدتِ أفضل؟ فقالت: قَم المسجد". وأما التطهير المعنوي: فكتطهير المساجد من الشرك: كدعاء غير الله، والبدع والضلالات، وكذا تطهيره من وجود القبور فيه؛ لم نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- خشية أن يُغَالى فيه وأن يُتخذ مسجدًا. وهذه جملة من الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: عن عبد الله بن عباس وعائشة -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم لما نزل به -أي: حضرته الوفاة- طفق يلقي خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال -وهو كذلك-: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) (متفق عليه). وفي وراية لعائشة قالت: (قَاتَلَ اللهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) يُحَرِّمُ ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِ. (رواه أحمد بسند صحيح). وعن عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: (إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (متفق عليه). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) (رواه أحمد والطبراني وابن خزيمة في صحيحة وصححه، وابن حبان وصححه). وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في مرضه الذي مات فيه: (أَدْخِلْ عَلَيَّ أَصْحَابِي) فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَكَشَفَ الْقِنَاعَ، ثُمَّ قَالَ: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه الطيالسي في مسنده وأحمد وسنده جيد). وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: (ائْذَنْ لِلنَّاسِ عَلَيَّ)، فَأَذِنْتُ، فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا)، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: (يَا عَلِيُّ ائْذَنْ لِلنَّاسِ عَلَيَّ)، فَأَذِنْتُ لَهُمْ، فَقَال: (لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسجِدًا) ثَلاثًا، فِي مَرَضِ مَوْتِهِ. (رواه البزار، وهذا الحديث تؤكد صحته الشواهد السابقة). وعن جندب بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (قَدْ كَانَ لِي فِيكُمْ إِخْوَةٌ وَأَصْدِقَاءٌ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ كَانَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، وَلَو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَإِنَّ رَبِّي قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) (رواه مسلم). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ) (رواه البخاري). وفي رواية للنسائي: لعن الله، ورواه مسلم، وعن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه مسلم وأحمد في مسنده). وعن أبي عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: (أَخْرِجُوا اليَهُودَ مِن أَرْضِ الحِجَازِ) (رواه البزار في مسنده ورواه ثقات). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (243) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (26) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الفائدة الثامنة في الأحاديث الواردة عن تطهير المساجد من أن تبنى على القبور أو تتخذ فيها القبور: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة بين القبور" (رواه البزار في مسنده بسندٍ رجاله رجال الصحيح). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) (رواه البخاري ومسلم). وعن علي زين العابدين بن الحسين -رضي الله عنهما-: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيدخل فيها ويدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ وتَسْلِيمَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ) (رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده، كما ذكر ذلك الشيخ الألباني في كتابه: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد). وهذا حديث مسلسل بأئمة أهل البيت. وفيه فائدة عظيمة: أن تخصيص القبر بالدعاء عنده وداخله، هو مِن اتخاذ القبر عيدًا. ومعنى: لا تتخذوا بيوتكم قبورًا يشمل أحد معنيين: الأول: لا تجعلوها قبورًا بترك الصلاة فيها؛ لأن القبور لا يُصلَّى فيها. والمعنى الثاني: لا تدفنوا في البيوت، وادفنوا في مقابر المسلمين؛ إلا ما كان من الأنبياء الذين يُدفنون حيث ماتوا، ودُفِن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجرة عائشة -رضي الله عنها-، ودفن أبو بكر وعمر بجواره لأجل فضيلة الدفن بجواره -عليه الصلاة والسلام-. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ) (رواه أحمد في المسند، وهو شاهد للحديث الذي قبله، وحسنه الشيخ الألباني في تحذير الساجد). وعن سهيل بن أبي سهيل: أنه رأى قبرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فالتزمه ومَسَح، قال: فحصبني -أي رماني بالحصباء- حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا، وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قَبْرًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي) (رواه عبد الرزاق في المصنف، وهو مرسل صحيح يشهد له ما تقدَّم). ورواه القاضي إسماعيل في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بلفظ أتم، وهو: عن سهيل قال: جئت أسلِّم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- (قلتُ: أي: عند قبره)، فدعاني فجاءته فقال: ادنُ (تعشَّ)، قال: قلت لا أريده، قال: ما لي أراك وقفت؟ قال: وقفت أسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: إذا دخلت المسجد فسلِّم عليه، ثم قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ)، قال الشيخ الألباني: "حديث صحيح"؛ يعني بشواهده، وإلا فهو مرسل، لكنه صحيح بشواهده. عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) وفي رواية عنه: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) (رواه مسلم والبخاري والترمذي والنسائي). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (رواه مسلم، والترمذي وصححه). وعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ألا أبعثك على ما بعثني عليه خليلي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا -(أي: مرتفعًا)- إِلَّا سَوَّيْتَهُ) (رواه مسلم في باب الأمر بتسوية القبور، والترمذي في الجنائز). وبمعناه وبسياق أتم: ما رواه أبو محمد الهذلي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة، فقال: "أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع فيها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سواه، ولا صورة إلا لطخها؟"، فقال رجل: أنا يا رسول الله، فانطلق فهاب أهل المدينة فرجع، فقال علي: أنا أنطلق يا رسول الله. قال: "انطلق"، ثم رجع فقال: يا رسول الله لم أدع بها وثنًا إلا كسرته، ولا قبرًا إلا سويته، ولا صورة إلا لطختها، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ عَادَ لِصَنْعَةِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-"، ثم قال: "لا تكونن فتَّانًا ولا مختالًا، ولا تاجرًا إلا تجارةَ خَيْر؛ فَإِنَّ أولئك هُمْ المَسْبُوقون بالعمل" (رواه أحمد بسند ضعيف، ويشهد لجزء التسوية ما قبله، وأيضًا ما يأتي بعده). ومعنى فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو: إما بمعنى الكفر الأصغر إذا لم يَعبد القبور التي في المساجد. وإما بمعنى أنه يؤول إلى الكفر ويصير إليه؛ لأن اتخاذ القبور مساجد ذريعة تؤدي إلى الشرك -كما هو مشاهد وكما هو معلوم-. وعن جرير بن حيان عن أبيه -ويكنى أبا الهياج الأسدي-: أن عليًا -رضي الله عنه- قال لأبيه: "لأبْعَثَنَّكَ فِيمَا بَعَثَنِي فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ أُسَوِّيَ كُلَّ قَبْرٍ، وَأَنْ أَطْمِسَ كُلَّ صَنَمٍ" (رواه أحمد في المسند ومسلم، وهو شاهد لما قبله). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (246) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (29) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الفائدة التاسعة في فضل الطواف واستلام الحجر والركن اليماني وما جاء في فضلهما: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: (الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ طَمَسَ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، والحاكم من طريقه وصححه الألباني). وفي رواية للبيهقي قال: (إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، ولَوْلَا مَا مَسَّهُ مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَا مَسَّهُمَا مِنْ ذِي عَاهَةٍ وَلَا سَقِيمٍ إِلَّا شُفِيَ) (قال الألباني: "حسن صحيح"). وفي أخرى له عنه أيضًا رفعه قال: (لَوْلَا مَا مَسَّهُ مِنْ أَنْجَاسِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إِلَّا شُفِيَ، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ مِنَ الْجَنَّةِ غَيْرُهُ) (أيضًا صححه الشيخ الألباني). الفائدة العاشرة: دلَّ قوله -سبحانه وتعالى-: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) على فضل الصلاة في المسجد الحرام قيامًا وركوعًا وسجودًا، وأنه مطهر ومبني على التوحيد لأجل إقامة الصلاة فيه. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة في المسجد الحرام مع فضل مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسجد الأقصى بعده في الرتبة. عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (رواه مسلم والنسائي وابن ماجه). وعن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا) (رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه، وزاد: يعني في المسجد النبوي). ورواه البزار بإسناد صحيح بلفظ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهِ مِائَةَ صَلَاةٍ). وعن جابر -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ) (رواه أحمد وابن ماجه بإسنادين صحيحين). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (رواه البخاري واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجه). روى البزار عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَسْجِدِي خَاتَمُ مَسَاجِدِ الْأَنْبِيَاءِ، أَحَقُّ الْمَسَاجِدِ أَنْ تُزَارَ وَتُشَدَّ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدِي، وَصَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ). وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفًّا من حصى فضرب به الأرض ثم قال: (هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ) (رواه مسلم والترمذي والنسائي). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (رواه مسلم في صحيحه). وفي رواية لمسلم: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ)، وهذا الحديث يدل على أن المقصود بالسفر والذي ثبت فيه الفضل بمائة ألف صلاة فيما سواه هو موضع الصلاة من المسجد الحرام، وليس الحرم كله، فإن الأرض الحرام لها فضيلة ثابتة في حرمة تنفير صيدها وحرمة القتال فيها، وحرمة نزع الشجر والشوك، وغير ذلك من أحكام الأرض الحرام؛ إلا أن الصلاة التي يسافر من أجلها إنما تكون في موضع الصلاة. وقد صرَّح النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن السفر لا يكون إلا إلى مسجد الكعبة، وليست كل مكة يسافر إليها كلها بهذا الاعتبار، ويتحقق فيها نذر مَن قصد السفر إلى المسجد الحرام بأن يصلى مثلًا في بعض مساجدها غير المسجد الحرام مسجد الكعبة، بل لا بد لمن نذر أن يسافر إلى المسجد الحرام أن يسافر، وأن يصل ويصلي في مسجد الكعبة، وهو المبني حول الكعبة. والذي لا نشك فيه: أن جميع المسجد بساحاته المختلفة داخل في هذا الحديث، وإذا وجدت ساحات مسورة أو محاطة بسياج، أو نحوه؛ فهي كذلك في حكم المسجد عند جمهور العلماء: كالساحات التي حول مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأما الأماكن والشوارع المحيطة بالمسجد التي يكثر أن يصلى الناس فيها دون الصلاة في المسجد؛ فلها فضيلة الصلاة في الأرض الحرام، وليس فضيلة الصلاة في المسجد الحرام، فإن الصلاة في المسجد الحرام التي هي بمائة ألف صلاة إنما هي في مسجد الكعبة المسجد الذي حول الكعبة. ولا يجوز تلويث المسجد الحرام ببول أو غائط أو نخامة، أو نحو ذلك من القاذورات، ومعلوم أنها خلا موضع المساجد فيها يجوز قضاء الحاجة فيها، وغير ذلك من مقاصد الحياة، والبيع والشراء الذي يحرم في المسجد، وإنما يكون ذلك داخل حدود المسجد. والله أعلم. فلا تتهاون أخي المسلم أن تصلي داخل المسجد الحرام المبني حول الكعبة، ولا تتساهل في تضييع الثواب، وإن كنا لا نُنكر أن الصلاة في الأرض الحرام لها ثواب؛ لما ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في غزوة الحديبية مُضْطَرِب في الحِل، فكان إذا جاء وقت الصلاة دخل إلى الحرم فصلى فيه؛ فدلَّ ذلك على فضيلة الصلاة في الأرض الحرام، وإن لم يكن ذلك مثل فضيلة الصلاة في المسجد الحرام الذي حول الكعبة الذي تُضَاعف فيه الصلاة بمائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد. والله أعلى وأعلم. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (247) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (30) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). المسألة العاشرة: تنبيه: حول ما اشتهر في كتب التاريخ أن هاجر وإسماعيل -صلى الله عليه وسلم- دُفِنا في الحجر داخل الكعبة؛ لأن الكعبة حين بناها إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- مع إسماعيل كانت تشمل نحو خمسة أو ستة أذرع من الحجر، وإنما قصرت بقريش النفقة فلم تبنِ الكعبة على قواعد إبراهيم كما روى البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: (يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ). قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ، وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ، حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ. (يعني: حين حفر في الأرض وأشهد عدولًا على أنه وصل إلى أساس إبراهيم، وأنه صخور كأسنمة الإبل بعضها آخذ ببعض). وروى البخاري ومسلم عن عائشة أيضًا -رضي الله عنها- قالت: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْجَدْرِ -أي: الحجر أو الحطيم-: أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: (نَعَمْ). قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: (إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ). قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: (فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوا). فنقول: هذا الأمر، وهو: أن قبر إسماعيل -أو غيره من الأنبياء- في الحجر أو في المسجد، لم يثبت فيه حديث صحيح، وإنما رواه عبد الرزاق عن كعب الأحبار؛ فدلَّ ذلك على أن هذا من الإسرائيليات، وروي مرفوعًا بسندٍ ضعيفٍ كما بيَّن ذلك السخاوي وبيَّنه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة، وكذا ضعفه الزرقاني والعجلوني، وقد رواه صالح بن الإمام أحمد في مسائله موقوفًا على عبد الله بن ضمرة السلولي -وهو تابعي-، ومع ذلك فإسناده إليه ضعيف، وقد زاد في هذه الرواية: عدد المدفونين ما بين المقام إلى الركن إلى زمزم إلى الحِجر، قبر تسعة وتسعين نبيًّا، جاءوا حاجين فقُبِضوا هناك، ويحيى بن سليم سيئ الحفظ، قال الذهبي: "والخبر غريب". وبالجملة فالآثار الواردة في هذا كلها ضعيفة، وموقوفة وضعيفة أيضًا. قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: "أما قول بعض الناس: إن فيه أمواتًا، وإن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- مدفون فيه أو ما أشبهه؛ هذا كله باطل، ليس فيه أموات، لا إسماعيل ولا غيره؛ هذا من خرافات الإسرائيليين، وبعض التواريخ التي لا تبالي، فالحجر ليس فيه أموات، والمسجد ليس فيه أموات" (انتهى من موسوعة فتاوى ابن باز -رحمه الله-). وعلى فرض صحة ذلك -وهو لم يصح والحمد لله-: فالقبور ليست ظاهرة، ولا عبرة لما خفي من القبور فإنها لا تعظَّم، ولا يخشى منها الغلو فيها إلى درجةِ العبادة، أو إلى درجةٍ من درجات الغلو المحرم، فالحمد لله لم يجعلِ الله لمن حاول فتنة الناس في مسألة بناء المساجد على القبور بهذه الشبهة حجة. الفائدة الحادية عشرة: قوله -تعالى-: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ): فيه دلالة على امتثال الأمر، وإن كانت لا تعقل العقول كيفية إنفاذه، واجب على المكلف؛ فهذه الدعوة في مكان في ذلك الوقت كان قفرًا، لا أحد فيه إلا قلة قليلة من قبيلة عربية صغيرة من جُرْهم، ومع ذلك فقد بلغ الآفاق وقارات الدنيا، وآتاه الناس من كلِّ مكان، كما وعد الله -عز وجل-! بلا مكبرات صوت، ولا وسائل لنقل هذا الصوت، وإنما الامتثال المجرد لأمر الله -عز وجل-، مع أن العقل استحضر أن هذا الصوت لا يصل إلى الناس، ولكن الله وعده بوعدٍ على هذا النداء أن يأتيه الناس من كلِّ فج عميق: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ). ومن تأمل هذا النداء الذي أجابه مليارات البشر عبر الزمان، ومن كل مكان، مع صعوبة الانتقال في سنوات، بل وفي قرون طويلة، ومع ذلك أجاب الناس، وَفَّي الله -عز وجل- لإبراهيم وعده، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (النساء: 122). ثم فيه الأخذ بالأسباب ولو كان الأمر في غاية الضعف، فإن هذا النداء أخذ بالأسباب المقدور عليها والله -عز وجل- إذا فعل العبد ذلك، أقدره على ما لا يقدر عليه، وكما أمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر (فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (الشعراء: 63)، وضرب بعصاه الحجر (فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) (الأعراف: 160). وهذه أمور تؤكِّد لنا أننا يجب أن نأخذ بالأسباب التي أمرنا الله -عز وجل- بها في الأمور الشرعية الدينية، وفي الأمور الدنيوية، وكل ذلك؛ لأن قاعدة الأسباب والنتائج وهي بأمر الله وقدَّره، لكن لا بد وأن نعلم أن أمر الله بها، يقتضي مراعاة أثرها -بإذن الله سبحانه وتعالى-. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (248) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (31) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). المسألة الثانية عشرة: قال القرطبي -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ): فيه سبع مسائل: الثالثة: قوله -تعالى-: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، وإنما قال: (يَأْتِينَ) وإن كانوا يأتون الكعبة؛ لأن المنادي إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجًّا فكأنما أتى إبراهيم؛ لأنه أجاب نداءه، وفيه تشريف لإبراهيم. قال ابن عطية: (رِجَالًا) جمع راجل مثل تاجر وتجار. وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي. (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ) لأن معنى (ضَامِرٍ) معنى ضوامر. والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر؛ يقال: ضمر يضمر ضمورًا؛ فوصفها الله -تعالى- بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة. وذكر سبب الضمور فقال: (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أي: أثر فيها طول السفر. ورد الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها؛ كما قال: (والعَاِديَاتِ ضَبْحًا) في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله. قال (رِجَالًا) وبدأ بهم؛ دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا ألا أكون حججت ماشيًا، فإني سمعت الله -عز وجل- يقول: (يَأْتُوكَ رِجَالًا). وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- ماشيين... قال: الخامسة: لا خلاف في جواز الركوب والمشي، واختلفوا في الأفضل منهما؛ فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل؛ اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكثرة النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس، ولحديث أبي سعيد قال: حج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة. رواه ابن ماجه في سننه. ولا خلاف في أن الركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل؛ للاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-. السادسة: استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط. قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرًا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلًا وإما على ضامر؛ فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقوي. فأما إذا اقترن به عدو وخوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصًا، فمالك والشافعي، وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع. قال ابن عطية: وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلامًا، ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشيء من هذه الأعذار! وهذا ضعيف. قلتُ: وأضعف من ضعيف! قال في المسألة السابعة: واختلفوا في الواصل إلى البيت: هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا ؟ فروى أبو داود قال: سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه فقال : ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم نكن نفعله. وروى ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين (قلتُ: إسناده ضعيف، والمقصود بالموقفين: عرفه ومزدلفة، والجمرتين: الصغرى والوسطى في أيام التشريق في يومين أو ثلاثة حسب اختيار الشخص). قال: وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق وضعفوا حديث جابر؛ لأن مهاجرًا المكي راويه مجهول. وكان ابن عمر يرفع يديه عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثله. (قلتُ: مع ضعف الحديث المرفوع، وما روي فيه اختلاف عن الصحابة؛ فلا يكون هناك دليل على رفع اليدين عند رؤية البيت). وقوله -تعالى-: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ): دلت الآية على وجوب منافع عظيمة في الحج، وسبق ذكر أقوال السلف أنها تشمل منافع الدين والدنيا والآخرة، وهذا هو الصحيح، ورجَّحه غير واحد من أهل المحققين. المسألة الثالثة عشرة: سبق أن ذكرنا أن الراجح في الأيام المعدودات أنها ثلاثة أيام أو يومين بعد يوم النحر، وهي: أيام رمي الجمار، وأما الأيام المعلومات المذكورة في هذه الآية: فذكرنا أن الصحيح أنها أيام الذبح مع اعتبار القول الآخر بأنها أيام العشر، لكن الله -عز وجل- ذكر: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)؛ فهذا ذكر الله عند ذبحها؛ ولذا كان الراجح في هذه الأيام المعلومات أنها أيام النحر، يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده على الصحيح من أقوال العلماء، وفي المراد بذكر اسم الله: ذكر التسمية عند الذبح والنحر، مثل قولهم: باسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك، كان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم؛ فبيَّن الرب أن الواجب الذبح على اسم الله. قال القرطبي في مسائله على هذه الآية: المسألة الثالثة: واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر؛ فقال مالك -رضي الله عنه-: بعد صلاة الإمام وذبحه؛ إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به. وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح. والشافعي: دخول وقت الصلاة ومقدار ما توقع فيه الخطبتين؛ فاعتبر الوقت دون الصلاة، وهذه رواية المزني عنه، وهو قول الطبري. وذكر الربيع عن البويطي قال: قال الشافعي: ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام؛ إلا أن يكون ممن لا يذبح (أي: الإمام)، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح. وهذا كقول مالك. وقال أحمد: إذا انصرف الإمام فاذبح. وهو قول إبراهيم. وأصح هذه الأقوال: قول مالك؛ لحديث جابر بن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نحر، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من كان نحر أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-، خرجه مسلم، والترمذي. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (250) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (33) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). فيه فوائد: تكملة الفائدة الرابعة عشرة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (المائدة: 3): "ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله -سبحانه- كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح، أو الزهرة؛ فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح والزهرة أو قصد به ذلك، أولى" (انتهى). وقال الكاساني الحنفي في (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) في شروط حل الذبيحة: "ومنها: "التسمية حالة الذكر عندنا وعند الشافعي، ليست بشرط أصلًا، وقال مالك -رحمه الله-: إنها شرط حالة الذكر والسهو حتى لا يحل متروك التسمية ناسيًا عنده، والمسألة مختلفة بين الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-. أما الكلام مع الشافعي -رحمه الله- فإنه احتج بقوله -تبارك وتعالى-: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) (الأنعام: 145)، أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يقول: إنه لا يجد فيما أوحي إليه محرمًا سوى الأشياء الثلاثة، ومتروك التسمية لم يدخل فيها، فلا يكون محرمًا، ولا يقال: يحتمل أنه لم يكن المحرم وقت نزول الآية الكريمة سوى المذكور فيها ثم حرم بعد ذلك متروك التسمية بقوله -عز وجل-: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)؛ لأنه قيل: إن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة، ولو كان متروك التسمية محرمًا لكان واجدًا له، فيجب أن يستثنيه كما استثنى الأشياء الثلاثة. ولنا: قوله -عز وجل-: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام: 121)، والاستدلال بالآية من وجهين: أحدهما: أن مطلق النهي للتحريم في حق العمل. والثاني: أنه سمى كل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقًا بقوله -عز وجل-: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ). ولا فسق إلا بارتكاب المحرم، ولا تحمل إلا على الميتة وذبائح أهل الشرك بقول بعض أهل التأويل في سبب نزول الآية الكريمة؛ لأن العام لا يخص بالسبب عندنا، بل يعمل بعموم اللفظ لما عرف في أصول الفقه مع ما أن الحمل على ذلك حمل على التكرار؛ لأن حرمة الميتة وذبائح أهل الشرك ثبتت بنصوص أخر، وهي: قوله -عز وجل-: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) (المائدة: 3)، وقوله -عز وجل-: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (المائدة: 3)، وقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) (المائدة: 3)، فالحمل على ما قاله يكون حملًا على ما قلنا، ويكون حملًا على فائدة جديدة فكان أولى، وقوله -عز وجل-: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) (الحج: 36)، ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل ولو لم يكن شرطًا لما وجب. وروى الشعبي عن عدي بن حاتم -رضي الله عنهما- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيد الكلب، فقال: (مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، فَكُلْهُ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ، فَإِنْ وَجَدْتَ عِنْدَهُ كَلْبًا آخَرَ فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ) (متفق عليه)، فنهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الأكل، وعلل بترك التسمية؛ فدل أنها شرط. أما الآية الكريمة: ففيها أنه كان يجد وقت نزول الآية الشريفة محرمًا سوى المذكور فيها، فاحتمل أنه كان كذلك وقت نزول الآية الشريفة، ثم وجد تحريم متروك التسمية بعد ذلك لما تلونا، كما كان لا يوجد تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الحمار والبغل عند نزولها، ثم وجد بعد ذلك بوحي متلو أو غير متلو -على ما ذكرنا-. وأما الكلام مع مالك -رحمه الله- فهو احتج بعموم قوله -تبارك وتعالى-: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) من غير فصل بين العمد والسهو؛ ولأن التسمية لما كانت واجبة حالة العمد فكذا حالة النسيان؛ لأن النسيان لا يمنع الوجوب والحظر كالخطأ، حتى كان الناسي والخاطئ جائز المؤاخذة عقلًا؛ ولهذا استوى العمد والسهو في ترك تكبيرة الافتتاح والطهارة وغيرها من الشرائط، والكلام في الصلاة عمدًا أو سهوًا عندكم كذا ههنا. ولنا: ما روي عن راشد بن سعد عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: "ذبيحة المسلم حلال؛ سمَّى أو لم يسمٍّ، ما لم يتعمد" (أخرجه أبو داود في مراسيله بسند ضعيف)، وهذا نص في الباب. وأما الآية فلا تتناول متروك التسمية لوجهين: أحدهما: أنه قال -عز وجل-: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) أي: ترك التسمية عند الذبح فسق، وترك التسمية سهوًا لا يكون فسقًا، وكذا كل متروك التسمية سهوًا لا يلحقه سمة الفسق؛ لأن المسألة اجتهادية وفيها اختلاف الصحابة؛ فدل أن المراد من الآية الكريمة متروك التسمية عمدًا لا سهوًا. والثاني: أن الناسي لم يترك التسمية، بل ذكر اسم الله -عز وجل- والذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب؛ قال الله -تعالى-: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) (الكهف: 28)، والناسي ذاكر بقلبه لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه سئل عن رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله عليه، فقال -رضي الله عنه-: اسم الله -عز وجل- في قلب كل مسلم فليأكل. وعنه في رواية أخرى قال: إن المسلم ذكر الله في قلبه، وقال : كما لا ينفع الاسم في الشرك لا يضر النسيان في الإسلام ، وعنه -رضي الله عنه- في رواية أخرى قال: في المسلم اسم الله -تعالى-، فإذا ذبح ونسي أن يسمي فكل، وإذا ذبح المجوسي وذكر اسم الله تعالى فلا تطعمه، وعن سيدنا علي -رضي الله عنه- سئل عن هذا فقال: إنما هي علة المسألة، فثبت أن الناسي ذاكر، فكانت ذبيحته مذكورة التسمية فلا تتناولها الآية الكريمة. وأما قوله: إن النسيان لا يدفع التكليف، ولا يدفع الحظر حتى لم يجعل عذرًا في بعض المواضع على ما ضرب من الأمثلة، فنقول: النسيان جعل عذرًا مانعًا من التكليف والمؤاخذة فيما يغلب وجوده، ولم يجعل عذرًا فيما لا يغلب وجوده؛ لأنه لو لم يجعل عذرًا فيما يغلب وجوده؛ لوقع الناس في الحرج، والحرج مدفوع" (انتهى باختصار يسير). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (251) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (1) كتبه/ ياسر برهامي قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوة يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89). قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "هذا إخبار من الله -تعالى- عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم -عليه السلام- إمام الحنفاء، أمر الله -تعالى- رسوله محمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل وعبادة الله وحده لا شريك له والتبري من الشرك وأهله، فإن الله -تعالى- آتى إبراهيم رشده من قبل أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشبَّ أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله -عز وجل-، فقال: (لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟! (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) (الشعراء: 71). أي: مقيمين على عبادتها ودعائها. (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون فهم على آثارهم يهرعون فعند ذلك قال لهم إبراهيم: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فلتخلص إليَّ بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها. وهذا كما قال -تعالى- مخبرًا عن نوح -عليه السلام-: (فَأَجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ) (يونس: 71). وقال هود -عليه السلام-: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود: 54- 56)، وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: (وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا) (الأنعام: 81)، وقال -تعالى-: (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: 4)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف: 26- 28) يعني: لا إله إلا الله. (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوة يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ): يعني لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء، (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) أي هو الخالق الذي قدَّر قدرًا وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على ما قدر له، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء. (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) أي: هو خالقي ورازقي بما سخَّر ويسَّر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن وأنزل الماء وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا لـ(نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) (الفرقان: 49). وقوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا، كما قال -تعالى- آمرًا للمصلي أن يقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: 6- 7)، فأسند الإنعام إلى الله -سبحانه وتعالى-، والغضب حذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) (الجن: 10)؛ ولهذا قال إبراهيم: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه. (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد. (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) أي: هو الذي لا يقدر على غفر الذنوب في الدنيا والآخرة، إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء. (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ): وهذا سؤال من إبراهيم -عليه السلام- أن يؤتيه ربه حكمًا. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عند الاحتضار: (اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى) قالها ثلاثًا. وفي الحديث في الدعاء: (اللَّهُمَّ أَحْيِنَا مُسْلِمِينَ وَأَمِتْنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مُبَدِّلِينَ). (وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) (الشعراء: 84): وقوله: (وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) أي: واجعل لي ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال -تعالى-: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الصافات: 108- 110). قال مجاهد وقتادة: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله -تعالى-: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (العنكبوت: 27)، وكقوله: (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (النحل: 122). قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه. وكذا قال عكرمة. وقوله -تعالى-: (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) أي: أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله: (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) كقوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) (إبراهيم: 41)، وهذا مما رجع عنه إبراهيم -عليه السلام- كما قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 114). وقد قطع الله -تعالى- الإلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْء) (الممتحنة: 4). وقوله: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أي: أجرني من الخزي يوم القيامة، ويوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. قال البخاري في قوله: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ): وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ رَأَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ)، حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ). هكذا رواه عند هذه الآية، وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردًا به، ولفظه: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ. فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَلَّا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ. فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ) (رواه البخاري). وقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير قوله: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ): أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ رَأَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ. وَقَالَ لَهُ: قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ هَذَا فَعَصَيْتَنِي. قَالَ: لَكِنِّي الْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ وَاحِدَةً. قَالَ: يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَإِنْ أَخْزَيْتَ أَبَاهُ فَقَدْ أَخْزَيْتَ الْأَبْعَدَ. قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنِّي حَرَّمْتُهَا عَلَى الْكَافِرِينَ. فَأُخِذَ مِنْهُ. قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَنْتَ أَخَذْتَهُ مِنِّي. قَالَ: انْظُرْ أَسْفَلَ مِنْكَ. فَنَظَرَ فَإِذَا ذِيخٌ يَتَمَرَّغُ فِي نَتْنِهِ، فَأُخِذَ بِقَوَائِمِهِ فَأُلْقِيَ فِي النَّارِ) هذا إسناد غريب، وفيه نكارة. والذيخ: هو الذكر من الضباع، كأنه حوَّل آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته، فيلقى في النار كذلك. وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وفيه غرابة. ورواه أيضًا من حديث قتادة عن جعفر بن عبد الغافر عن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بنحوه. وقوله: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا: (وَلَا بَنُونَ) ولو افتدى بمن في الأرض جميعًا، ولا ينفع يومئذٍ إلا الإيمان بالله، وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك؛ ولهذا قال: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أي: سالم من الدنس والشرك. قال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) حي يشهد أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد والحسن، وغيرهما: (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) يعني: من الشرك. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق المنافق مريض، قال الله: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (البقرة: 10). وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السُّنة" (انتهى من تفسير ابن كثير). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (252) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (2) كتبه/ ياسر برهامي قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوة يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89). في الآيات فوائد: الفائدة الأولى: وجوبُ الدَّعوةِ إلى الله -عز وجل- والأمرُ بالمعروفِ، وأعظمُهُ: التوحيدُ، والنهيُ عَنِ المنكرِ، وأعظمُهُ: الشركُ. الفائدة الثانية: أنه يبدأ في الدعوة الأقربين قيامًا بحق الله سبحانه ثم قيامًا بحق القرابة، فالنصيحة للآباء والأمهات والإخوة والأخوات والعمات والأعمام، والأخوال والخالات، والأبناء والبنات، مقدمة على الآخرين؛ لأن النصيحة أعظم ما يقدِّمه العبد لقرابته في نجاتهم من سخط الله -عز وجل- وعقابه؛ قال الله -تعالى- لنبيه محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: 214)، وفي التلاوة المنسوخة: "وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ". وفي الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أنزل الله عليه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، قام على الصفا فقال: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) (متفق عليه). وفي الرواية الأخرى: (أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) (رواه مسلم). الفائدة الثالثة: الآية والحديث السابق دليل على أن القرابة للرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- ولو كان من أقرب الناس إليهم لا تنفع مَن لم يؤمن منهم ويعمل الصالحات، فإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لم يملك لأبيه من الله شيئًا إذ كفر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- صرَّح لفاطمة ابنته -رضي الله عنها-، ولعمه العباس ولعمته صفية -رضي الله عنهما- أنه لا يملك لهما من الله شيئًا، وفي هذا رَدٌّ على كل الذين يغالون في أهل بيته -عليه الصلاة والسلام- ممن لم يؤمنوا؛ حتى غلوا في عمه أبي لهب! وكره بعضهم أن يقرأ في الصلاة أو حتى في المصحف سورة المسد؛ لأجل ذِكْر عمه أبي لهب؛ بزعم أن هذا يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-! ونعوذ بالله من الضلال؛ فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تلاها وقرأها، وما من سورة من سور المفصل إلا قرأها -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، ومع ذلك يتجرؤون على ترك سورة عظيمة من القرآن؛ لأجل زعمهم أن هذا يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وملعون مَن آذى النبي -صلى الله عليه وسلم-، نعوذ بالله من الضلال، ولوازم هذا القول الكفر الصريح. وكذا غَلَوْا في عمه أبي طالب وزعموا وفاته وجده عبد المطلب؛ فضلًا عن أبي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمه أنهم ماتوا على الإيمان، بزعمهم أن الإيمان هو المعرفة -وقد كانت عند أبي طالب المعرفة-، رغم الآيات التي نزلت في عمه أبي لهب بالتصريح بأنه سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد. وكذلك في عمه أبي طالب رغم تصديقه الباطن بنبوته -صلى الله عليه وسلم-، وإقراره بلسانه أن دين محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- خير أديان البرية دينًا، ومع ذلك قال الله -تعالى-: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 113- 114). وأنزل الله -عز وجل- في أبي طالب: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56). الفائدة الرابعة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (مَا تَعْبُدُونَ): استفهام إنكار في حقيقته وإن أجاب قومه عليه بحقيقة الأمر وأنهم يعبدون أصنامًا فَيَظَلُّوا لها عاكفين أي: ملازمين مقيمين، ماكثين خدمًا لها -فيما يظنون-. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الصلاة لأصنامهم يعني عاكفين أي: مصلين، وهذا أعظم الجهل وأعظم الظلم أن يعبد الإنسان ويخضع لمَن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئًا. الفائدة الخامسة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ): تضمَّنَتِ الآيةُ الحُجَّةَ التي ضمنها إبراهيم سؤاله لهم؛ وهي: أنها لا تسمع دعاءهم، ولا تملك نفعهم ولا ضرهم، وهذه صفة كل من يعبد من دون الله من الشمس والقمر والكواكب، والأحجار والأشجار، والنُّصب، وكذلك القبور وأصحابها الأموات، فيهم نفس الصفات؛ لا يسمعون دعاء مَن يدعوهم، ولا ينفعونه ولا يضرونه؛ قال الله -تعالى-: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ . وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 106- 107). والعجب: أن المشركين من قوم إبراهيم يقرون بأنها لا تسمع، ولا تنفع ولا تضر؛ كما دَلَّ على ذلك قولهم: (بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)؛ فهذا الإضراب معناه: أنها لا تسمعنا إذا دعونا، ولا تنفعنا ولا تضرنا، ولكن وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. وقال الله -تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر: 13- 14)؛ فدَلَّ على أنهم كانوا يقرون لله -عز وجل- بالربوبية وتدبير الأمر، ومِلْك النفع والضر. ثم صار الحال بالمشركين المنتسبين إلى الإسلام اليوم أن صاروا شَرًّا من هؤلاء؛ حيث ينسبون إلى الأولياء -بل وغير الأولياء- ممَّن ينقلون عنهم: تصريح هؤلاء بوحدة الوجود، والقول بمساواة الأديان، وأن: الـربٌ عـبـدٌ والـعــبـد ربٌ يا ليت شعري من المكلـف؟ إن قـلــت عـبـدٌ فـذاك ربٌ أو قـلـت ربٌ أنَّـي يــكـلـف؟ فهم ينسِبون إليهم الضر والنفع، والمِلْك، والإحياء والإماتة، وإجابة الدعوات والطلبات! بل نسبوا لهم الخلق والرزق والحكم الباطن للكون، وعلى كل ذرات وجوده! بل قال بعض الغلاة من الشيعة: إن عليًّا -رضي الله عنه- جاعل الأرض مِهَادًا وبانٍ فوقكم سبعًا شدادًا!"، وهذا كفر صريح. وزعم بعضهم: أن السيدة زينب -رضي الله عنها- هي رئيسة الديوان والحكومة الباطنة؛ ليروِّجوا عند الجهلاء دعاءهم من دون الله، وطلب حاجاتهم منهم، فصاروا شَرًّا من المشركين القدماء؛ إذ أشرك المعاصرون في الربوبية والألوهية، ولولا الجهل عند أهل الجهل منهم، لكان كفرهم بأعيانهم ضروريًّا. الفائدة السادسة: صرَّح المشركون بأن سبب شركهم هو التقليد للآباء والأسلاف، وكذا كان شرك مشركي قريش، بل وحجتهم الأساسية في مواجهة براهين التوحيد التي جاء بها الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ وفي قصة موت أبي طالب قال له أبو جهل وعبد الله بن أمية حين قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ)، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. (متفق عليه). وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ) (رواه مسلم). فدَلَّ على أن التقليد هو أعظم شبهة عند القوم؛ ولذا لا ينتشر الشرك إلا مع انتشار التقليد وتعظيم الشيوخ حتى يقبل قولهم بلا حجة؛ أحيانًا بزعم الكشف والإلهام، وأحيانًا بزعم ملاقاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة والنوم وإخبارهم عنه بذلك، بل وبعضهم ربما ادَّعى رؤية الله -عز وجل!- تعالى عن أقوالهم علوًّا كبيرًا. فالتقليد من أخطر الأمور التي لا بد من محاربتها، ولا بد من نشر اتباع الدليل، ولم يأمر أحدٌ من العلماء بهذا التقليد الذي يحصل في العصور المتأخرة بإلغاء الأدلة من عقول طلبة العلم، وترسيخ التقليد المطلق في نفوسهم، فصار يسهل بعد ذلك أن يتلقوا أنواع الشرك والكفر من الشيوخ، وهم معظِّمون لهم! وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (253) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (3) كتبه/ ياسر برهامي قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89). الفائدة السابعة: دلَّ قوله -تعالى-: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) على وجود العداوة والبغضاء مع الآلهة المعبودة من دون الله، وهي وإن كانت حجارة أو خشبًا لا يعقل؛ فإنه قد صار لها رمزية الآلهة، فتسميتها وحقيقة عداوتها وبغضها هو لفكرة عبادتها من دون الله، وبغض عابديها؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الممتحنة: 4-6). فالكفر بما يُعبد من دون الله وعداوة فكرة عبادتها، وعداوة عابديها حتى يؤمنوا بالله وحده؛ هذه المسألة هي أعظم مسألة تبدأ بها كلمة الشهادة: (لا إله إلا الله)؛ فهي تبدأ بالنفي للألوهية الباطلة التي ادَّعاها المشركون لآلهتهم ثم إثبات الألوهية الحقة لله وحده، وهذه العداوة واجبة، بل ركن في الإيمان لا يحصل الإيمان والتوحيد إلا بها، وهي ما ينقم أعداء الإسلام علينا نحن المسلمين، وخاصة أهل السنة والجماعة؛ الذين يقيمون عقيدة الولاء والبراء، ويقيمون النفي والإثبات، ويصرِّحون بكفر مَن عبد غير الله، ويرفضون فكرة ما يُسمَّى: بـمُسَاواة الأديان، وما يسمى: بالدين الإبراهيمي الجديد القائم على مُسَاواة الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام؛ بزعم انتسابها إلى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وهو -عليه الصلاة والسلام- بريء منها؛ قال الله -عز وجل-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 67- 68). وهي إنما هي فكرة لخداع المسلمين دون غيرهم؛ فهل ترون ما يفعل اليهود ومَن والاهم مِن المشركين مِن النصارى ومَن وَالَاهم بالمسلمين في غزة -سابقًا- وفلسطين والضفة الغربية، وما يفعلونه في حروبهم المختلفة في الخليج، وكيف قتلوا في الخليج والعراق وأفغانستان، وكيف قتلوا ملايين المسلمين وهم يزعمون أنهم يعتقدون مُسَاواة هذه الأديان؟! فهذا إنما هو لخداع المسلمين فقط؛ وإلا اليهود يعتقدون أنه لا دين يعلو إلا اليهودية التي هم عليها، وهي على ما هي عليها الآن من التحريف والتبديل لا يمكن أن تُنسَب إلى موسى -عليه السلام-، وكذا المسيحية والنصرانية لا يمكن أن تُنسَب إلى عيسى -عليه السلام-. وهذه البراءة وفكرة معاداة عبادة غير الله هي أوضح المسائل عند إبراهيم -عليه السلام-، وهو بَدَأَ بها كما نسمع في دعوة أبيه وقومه، وفي قوله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف: 26-28)، فهي كلمة لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها بأمر الله. وأما إذا كان المعبود من دون الله صالحًا كالملائكة والأنبياء والصالحين، وهو يكره عبادة غير الله، ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ولم يَرْضَ بأن يُعبد من دون الله: فإن العداوة لا تكون لهم؛ لأنهم لا يرضون بأن يعبدهم أحدٌ من دون الله، أو مع الله، ولو انتسب إليهم وزعم حبهم؛ ولذا ففي هذه الحالة العداوة تكون لمن أمر الناس بعبادتهم مِن: شياطين الإنس والجن، والأحبار والرهبان، والشيطان الذي صارت العبادة له؛ قال الله -تعالى-: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (يس: 60-61)، وقال -عز وجل-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 30-31). وقال الله -عز وجل-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: 72). وفي حديث الشفاعة عند الطبراني بإسنادٍ حسنٍ -أو أعلى كما قال الألباني في تخريج أحاديث مختصر العلو-، وكذا عند أبي الدنيا والدارقطني في رؤية الله: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضَاءِ، وَيَنْزِلُ اللَّهُ -عز وجل- فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ مِنَ العَرْشِ إِلَى الكُرْسِيِّ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ نَاسٍ مِنْكُمْ مَا كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ وَيَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلاً مِنْ رَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَلْيَنْطَلِقْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ وَيُمَثَّلُ لَهُمْ أَشْبَاهُ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى القَمَرِ وَإِلَى الأَوْثَانِ مِنَ الحِجَارَةِ وَأَشْبَاهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالَ: وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى، وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- وَأُمَّتُهُ. قَالَ: فَيَتَمَثَّلُ الرَّبُّ -عز وجل- فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ: مَا لَكُمْ لَا تَنْطَلِقُونَ كَمَا انْطَلَقَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ لَنَا لإِلَهًا مَا رَأَيْنَاهُ بَعْدُ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَهُ إِنْ رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَلَامَةً إِذَا رَأَيْنَاهَا عَرَفْنَاهُ. فَيَقُولُ: مَا هِيَ؟ فَيَقُولُونَ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ كَشَفَ عَنْ سَاقٍ فَيَخِرُّ كُلُّ مَنْ كَانَ نَظَرَهُ، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِي البَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ. ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ. فَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ فَيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيمِ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً وَيُطْفَأُ مَرَّةً، فَإِذَا أَضَاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ فَمَشَى، وَإِذَا أُطْفِئَ قَامَ. قَالَ: وَالرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَامَهُمْ حَتَّى يَمُرَّ فِي النَّارِ (قلتُ: أَيْ: عَلَيْهَا وَفَوْقَهَا)، فَيَبْقَى أَثَرُهُ كَحَدِّ السَّيْفِ، دَحْضَ مَزَلَّةٌ. قَالَ: يَقُولُ: مُرُّوا. فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ نُورِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفَةِ العَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالسَّحَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الكَوْكَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الفَرَسِ (قلتُ: أَيْ: جَرْيِهِ)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّجُلِ (قلتُ: أَيْ: جَرْيِ الرَّجُلِ)، حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمَيْهِ يَحْبُو عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، تُجَرُّ يَدٌ وَتَعْلَقُ يَدٌ، وَتُجَرُّ رِجْلٌ وَتَعْلَقُ رِجْلٌ، وَتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَخْلُصَ، فَإِذَا خَلُصَ وَقَفَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا، أَنْ نَجَّانِي مِنْهَا بَعْدَ إِذْ رَأَيْتُهَا. قَالَ: فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى غَدِيرٍ عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُ فَيَعُودُ إِلَيْهِ رِيحُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَلْوَانُهُمْ، فَيَرَى مَا فِي الجَنَّةِ مِنْ خَلَلِ البَابِ فَيَقُولُ: رَبِّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: أَتَسْأَلُ الجَنَّةَ وَقَدْ نَجَّيْتُكَ مِنَ النَّارِ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابًا لَا أَسْمَعَ حَسِيسَهَا. قَالَ: فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، قَالَ فَيُرَى أَوْ يُرْفَعُ لَهُ مَنْزِلٌ أَمَامَ ذَلِكَ، كَأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ حُلُمٌ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَعْطِنِي ذَلِكَ المَنْزِلَ. فَيَقُولُ لَهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ يَكُونُ أَحْسَنَ مِنْهُ؟! فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ، وَيَرَى أَمَامَ ذَلِكَ مَنْزِلاً كَأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ حُلُمٌ، قَالَ: رَبِّ أَعْطِنِي ذَلِكَ المَنْزِلَ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أُعْطِيتَكَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ أَحْسَنُ مِنْهُ؟! فَيُعْطَى مَنْزِلَهُ، قَالَ: وَيُرَى أَوْ يُرْفَعُ لَهُ أَمَامَ ذَلِكَ المَنْزِلِ مَنْزِلٌ آخَرُ كَأَنَّمَا هُوَ إِلَيْهِ حُلُمٌ، فَيَقُولُ: أَعْطِنِي ذَلِكَ المَنْزِلَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ؟ قَالَ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ يَكُونُ أَحْسَنَ مِنْهُ؟ قَالَ: فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ -عز وجل-: مَا لَكَ لَا تَسْأَلُ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ سَأَلْتُكَ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُكَ، وَأَقْسَمْتُ لَكَ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرْضَ أَنْ أُعْطِيَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقْتُهَا إِلَى يَوْمِ أَفْنَيْتُهَا وَعَشَرَةَ أَضْعَافِهِ؟ فَيَقُولُ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ العِزَّةِ؟ فَيَضْحَكُ الرَّبُّ -عز وجل- مِنْ قَوْلِهِ). قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ إِذَا بَلَغَ هَذَا المَكَانَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ ضَحِكَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَدْ سَمِعْتُكَ تُحَدِّثُ بِهَذَا الحَدِيثِ مِرَارًا كُلَّمَا بَلَغْتَ هَذَا المَكَانَ ضَحِكْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثِ مِرَارًا، كُلَّمَا بَلَغَ هَذَا المَكَانَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ ضَحِكَ حَتَّى تَبْدُوَ أَضْرَاسُهُ. قَالَ: (فَيَقُولُ الرَّبُّ -عز وجل-: لَا، وَلَكِنِّي عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ، سَلْ. قَالَ: فَيَقُولُ: أَلْحِقْنِي بِالنَّاسِ. فَيَقُولُ: الحَقِ النَّاسَ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ يَرْمَلُ فِي الجَنَّةِ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ النَّاسِ رُفِعَ لَهُ قَصْرٌ مِنْ دُرَّةٍ فَيَخِرُّ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ مَا لُكَ؟ فَيَقُولُ: رَأَيْتُ رَبِّي أَوْ تَرَاءَى لِي رَبِّي. فَيُقَالُ: إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِكَ. قَالَ: ثُمَّ يَلْقَى رَجُلاً فَيَتَهَيَّأُ لِلسُّجُودِ لَهُ، فَيُقَالُ: مَهْ. فَيَقُولُ: رَأَيْتُ أَنَّكَ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ. فَيَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ مِنْ خُزَّانِكَ، عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِكَ، تَحْتَ يَدِي أَلْفُ قَهْرَمَانٍ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |