|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#231
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 381 الى صـــ 400 الحلقة (231) وقوله: (وَسَجَدَ مَعَهُ المسلمون والمشركون) أي: من كان حاضرًا، قاله ابن عباس؛ حَتَّى شاع أن أهل مكة أسلموا، وقدم من كان هاجر إلى أرض الحبشة لذلك. وللبزار من حديث المطلب بن أبي وداعة قَالَ: سجد رسول الله - ﷺ - في النجم، ولم أسجد -وكان مشركًا حينئذٍ- قَالَ: فلن أدع السجود فيها أبدًا، أسلم المطلب يوم الفتح. وللنسائي عنه، قَالَ: قرأ النبي - ﷺ - بمكة سورة النجم فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي، وأبيت أن أسجد -ولم يكن يومئذٍ أسلم المطلب (١). وفي لفظ له: رأيت رسول الله - ﷺ - سجد في النجم، وسجد الناس معه. قَالَ المطلب: ولم أسجد معهم، وهو يومئذٍ مشرك. قَالَ المطلب: ولا أدع السجود فيها أبدًا (٢). قَالَ القاضي عياض: وكان سبب سجودهم ما قاله ابن مسعود أنه أول سجدة نزلت، وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله - ﷺ - من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم (٣). قلتُ: ومن جملتهم الداودي، وآخرهم ابن التين ----------------- (١) «سنن النسائي» ٢/ ١٦٠ كتاب: الافتتاح، باب: السجود في النجم. وحسنه الألباني في «صحيح النسائي» قائلًاَ: حسن الإسناد. (٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٣٩ (٥٨٨١) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة. وأحمد ٣/ ٤٢٠ وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ١١٠ (٨١٣). والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٥٣. والطبراني ٢٠/ ٢٨٨ (٦٧٩). والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٦٣٣ كتاب: معرفة الصحابة. والبيهقي ٢/ ٣١٤ كتاب: الصلاة، باب: سجدة النجم. قال الذهبي في «المهذب» ٢/ ٧٥٣ (٣٢٨٩): إسناده حسن. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: وقد ذكر ابن سيد الناس ذلك في شبهه وتكلم عليه كلامًا حسنًا وذكر من ضعفه كالمنذري ومن خالفه كالدمياطي فراجعه منها تجده بفوائد. وانظر: «إكمال المعلم» ٢/ ٥٢٥. وأثر ابن مسعود رواه الطبري في = فباطل لا يصح منه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفر ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله - ﷺ -، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك. وقوله: (غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فسجد عليه)، هذا الشيخ: هو أمية بن خلف كما ذكره البخاري في تفسير سورة النجم (١). وقال ابن سعد: إنه الوليد بن المغيرة. قَالَ: وقال بعضهم: إنه أبو أحيحة، وقال بعضهم: كلاهما جميعًا فعل ذلك (٢). قَالَ محمد بن عمر: وكان ذلك في شهر رمضان سنة خمس من المبعث (٣). وحكى المنذري فيه أقوالًا: الوليد بن المغيرة، عتبة بن ربيعة، أبو أحيحة، سعيد بن العاص. قَالَ: وما ذكره البخاري أصح، وقتل يوم بدر كافرًا. ولم يحكِ ابن بطال غير أنه الوليد بن المغيرة (٤) (٥). وذكر ابن بزيزة أن ذلك كان من المنافقين، وهو وهم. وفيه: أن الركوع لا يقوم مقام سجود التلاوة. وقيل بالإجزاء. وفيه: أن من خالف الشارع استهزاءً به فقد كفر، قَالَ تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣] فلذلك أصاب هذا الشيخ فتنة وكفر، ويصيبه في الآخرة عذاب أليم بكفره واستهزائه. ----------- = «تفسيره» ٩/ ١٧٤ - ١٧٧ (٢٥٣٢٧ - ٢٥٣٣٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٨/ ٢٥٠٠ (١٣٩٩٨). والواحدي في «أسباب النزول» ٣١٩ (٦٢٣). (١) سيأتي ذكره في الرواية (٤٨٦٣) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾. (٢) «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٠٥. (٣) ذكر عنه ابن سعد في «الطبقات» ١/ ٢٠٦. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤. (٥) ورد بهامش (س) ما نصه: حاشية: وفي تفسير ابن حبان أنه أبو لهب. وقد اختلف العلماء في عدد سجود التلاوة على عدة أقوال: أصحها: أربع عشرة سجدة: في آخر الأعراف، وفي الرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، وثنتان في الحج، وفي الفرقان، والنمل، و(الم * تنزيل)، و(حم السجدة)، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ. وهو أصح قولي الشافعي وأحمد (١). ثانيها: أربع عشرة لإسقاط ثانية الحج (٢)، وإثبات - ﷺ - وهو مذهب أبي حنيفة، وداود، وابن حزم (٣). ثالثها: إحدى عشرة بإسقاط سجدات المفصل، وسجدة آخر الحج. وهو مشهور مذهب مالك، وأصحابه (٤)، وروي عن ابن عمر (٥)، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس (٦). رابعها: خمس عشرة، وهي المذكورات ثانيًا وإثبات آخر الحج، وهو قول المدنيين عن مالك (٧). وهو مذهب عمر، وانبه عبد الله، والليث، وإسحاق، ورواية عن أحمد، وابن المنذر (٨)، واختاره المروزي وابن سريج الشافعيان. ---------------- (١) انظر: «الأوسط» ٥/ ٢٦٤، و«المغني» ٢/ ٣٥٥. (٢) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ وقع في ابن بطال: أول الحج بدل ثانية، وهو غلط. (٣) انظر: «التمهيد» ٦/ ٧٩، و«المحلى» ٥/ ١٠٥. (٤) «المدونة» ١/ ١٠٥. (٥) رواه عنه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٦٧. (٦) «المصنف» ١/ ٣٧٧ (٤٣٤٦) كتاب: الصلوات، باب: جميع سجود القرآن واختلافهم في ذلك. (٧) انظر: «التمهيد» ٦/ ٧٩. (٨) «الأوسط» ٥/ ٢٦٨. خامسها: أربع عشرة، أسقط منها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وهو قول أبي ثور (١). سادسها: ثنتا عشرة، وهو قول مسروق فيما حكاه ابن أبي شيبة، أسقط ثانية الحج، و﴿ص﴾، والانشقاق (٢). سابعها: ثلاث عشرة، أسقط ثانية الحج، والانشقاق، وهو قول عطاء الخراساني. ثامنها: عزائم السجود خمس: الأعراف، وبنو إسرائيل، والنجم، والانشقاق، واقرأ، وهو مروي عن ابن مسعود، رواه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عنه (٣). تاسعها: عزائمه أربع: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وحم السجدة، والنجم، و﴿اقْرَأْ﴾، رواه ابن أبي شيبة، عن عثمان، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وهو مروي عن علي أيضًا (٤)؛ لأنه أمر بالسجود، والباقي وصف. العاشر: ثلاث: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، والنجم، و﴿اقْرَأْ﴾، رواه ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن داود -يعني: ابن أبي إياس- عن جعفر، عن سعيد بن جبير (٥). الحادي عشر: عشر، قاله عطاء (٦). --------------- (١) السابق. (٢) «المصنف» ١/ ٣٧٧ (٤٣٤٤) كتاب: الصلوات، باب: جميع سجود القرآن واختلافهم في ذلك. (٣) «المصنف» ١/ ٣٧٧ (٤٣٤٧). (٤) «المصنف» ١/ ٣٧٨ (٤٣٤٩). (٥) «المصنف» ١/ ٣٧٨ (٤٣٥٠). (٦) «الأوسط» ٥/ ٢٦٧ قاله عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنه -. الثاني عشر: روى ابن أبي شيبة، عن هشيم، أنا أبو بشر، عن يوسف المكي، عن عبيد بن عمير قَالَ: عزائم السجود: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ و﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾، والأعراف، وبنو إسرائيل (١). ولما أورد الترمذي حديث أم الدرداء عن زوجها قَالَ: سجدت مع رسول الله - ﷺ - إحدى عشرة سجدة، منها التي في النجم. قَالَ: وفي الباب عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعمرو بن العاصي، وحديث أبي الدرداء حديث غريب (٢). قلتُ: ومواضعها معروفة، واختلف عندنا في ثلاثة مواضع، والمالكية في موضعين آخرين، فصارت خمسة، وكل ذلك أوضحته في «الفروع»، فلا نطول به هنا، ونذكر بعضها فيما ترجم له البخاري كما سيمر بك. قَالَ أبو محمد بن حزم: ليس السجود فرضًا، ولكنه فضل، ويسجد لها في الفرض والتطوع وفي غير الصلاة في كل وقت، وفي وقت النهي، إلى القبلة، وإلى غير القبلة، وعلى طهارة، وعلى غير طهارة (٣). قلتُ: نعوذ بالله من استدبار القبلة. وذكر أن السجدة الثانية في الحج لا يقول به في الصلاة أصلًا؛ لأنه لا يجوز أن يزاد في الصلاة سجود لم يصح به نص، والصلاة تبطل بذلك، وأما في غير الصلاة فهو حسن؛ لأنه فعل خير، وإنما لم يجز -------------- (١) «المصنف» ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨ (٤٣٧٨) كتاب: الصلوات، باب: جميع سجود القرآن واختلافهم في ذلك. (٢) «سنن الترمذي» (٥٦٨ - ٥٦٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في سجود القرآن. (٣) «المحلى» ٥/ ١٠٦. في الصلاة؛ لأنه لم يصح فيها سنة عن رسول الله - ﷺ -، ولا أجمع عليها، وإنما جاء فيها أثر مرسل. وصح عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبي الدرداء السجود فيها (١). وروي أيضًا عن أبي موسى الأشعري قَالَ: وقال ابن عمر: لو سجدت فيها واحدة لكانت السجدة في الأخيرة أحب إليَّ. وقال عمر: إنها فضلت بسجدتين (٢). وروي أيضًا عن علي، وأبي موسى، وعبد الله ابن عمرو بن العاصي (٣). ولا حجة عندنا إلا فيما صح عن رسول الله - ﷺ -. وصح عن رسول الله - ﷺ - السجود في (ص) (٤)، وسجودها بغير وضوء لغير القبلة؛ لأنها ليست صلاة، كذا ادُعي. قَالَ - ﷺ -: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (٥) ----------- (١) رواه عبد الرزاق عن عمر وابنه ٣/ ٣٤١ (٥٨٩٠) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة، وابن أبي شيبة عنهم ١/ ٣٧٢ (٤٢٨٧ - ٤٢٨٩) كتاب: الصلوات، باب: من قال: في الحج سجدتان، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٦٤. (٢) رواه عبد الرزاق عنهما ٣/ ٣٤١ (٥٨٩٠) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجده، وابن أبي شيبة ١/ ٣٧٢ (٤٢٨٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال: في الحج سجدتان، وكان يسجد فيها مرتين، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٦٤. وذكر الترمذي أثر عمر (أنها فضلت بسجدتين) عقب الرواية (٥٧٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في السجدة في الحج. (٣) رواه عن علي بن أبي شيبة ١/ ٣٧٣ (٤٢٩١)، ورواه عنهم ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥. (٤) ستأتي برقم (٤٨٠٧) كتاب: التفسير، باب: سورة ﴿ص﴾. (٥) سلف برقم (٤٧٢ - ٤٧٣)، ورواه مسلم (٧٤٩) عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «صلاة الليل مثنى مثنى». أي: بدون ذكر النهار. ورواه بهذا اللفظ بذكر: النهار، أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي = فما كان أقل فليس صلاة إلا أن يأتي نص بأنه صلاة، كركعة الخوف والوتر، ولا نص في أن سجدة التلاوة (١) صلاة. وروي عن عثمان، وسعيد بن المسيب: تومئ الحائض بالسجود. قال سعيد: وتقول: رب لك سجدت (٢). وعن الشعبي جواز سجودها إلى غير القبلة (٣). ------------- = في «المجتبى» ٣/ ٢٢٧، وفي «الكبرى» ١/ ١٧٩ (٤٧٢)، وابن ماجه (١٣٢٢) من طريق شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي بن عبد الله البارقي الأزدي، عن ابن عمر، مرفوعًا به. واختلف في صحة الحديث بزيادة لفظة: (النهار). فصححه ابن خزيمة ٢/ ٢١٤ (١٢١٠)، وابن حبان ٦/ ٢٣١ - ٢٣٢ (٢٤٨٢ - ٢٤٨٣، ٦/ ٢٤١ (٢٤٩٤). وكذا صححه البخاري -فيما رواه عنه البيهقي في «السنن» ٢/ ٤٨٧ (٤٥٧٥). لكن قال النسائي في «المجتبي»: هذا الحديث عندي خطأ. وقال في «السنن الكبرى»: هذا إسناد جيد، ولكن أصحاب ابن عمر خالفوا عليًّا الأزدي، خالفه سالم ونافع وطاوس اهـ. يعني أن الثلاثة رووه عن ابن عمر دون ذكر النهار. ونقل المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٤/ ٣٥٨ عن الحاكم في «علوم الحديث» والدارقطني في «العلل» تضعيف هذِه الزيادة. وصححه أيضًا بهذِه الزيادة الخطابي في «المعالم» ١/ ٢٤١، والنووي -رحمه الله- فقال في «شرح مسلم» ٦/ ٣٠، وفي «المجموع» ٣/ ٥٤٠، وفي «الخلاصة» ١/ ٥٥٣: إسنادها صحيح. وأطلق القول بصحة الحديث في «المجموع» ٣/ ٥٤٩. وكذا صحح المصنف -رحمه الله- إسناده في «البدر» ٤/ ٣٥٨، ونقل عن البيهقي تصحيحه في «الخلافيات». وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٧٢)، وانظر: «تمام المنة» ص ٢٣٩ - ٢٤٠. (١) في الأصل: الصلاة. (٢) رواه عنهما ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٥ (٤٣٢٠ - ٤٣٢١) كتاب: الصلوات، باب: الحائض تسمع السجدة. (٣) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٥ (٤٣٢٥) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يسجد السجدة وهو على غير وضوء. ٢ - باب سَجْدَةِ تَنْزِيلُ السَّجْدَةُ ١٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَةَ: ١ - ٢] وَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. [انظر: ٨٩١ - مسلم: ٨٨٠ - فتح: ٢/ ٥٥٢] ذكر فيه حديث أبي هريرة قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَة: ١ - ٢] وَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان:١]. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وقد سلف في الجمعة (٢). و(سفيان) في إسناده هو الثوري. وللإسماعيلي: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة كما في الكتاب. وفي رواية: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ﴾. وقد زاد الحسن حديث الغاشية وقال: لم يذكر السجدة. وفيه: السجود في تنزيل، وهو إجماع كما ادعاه ابن بطال (٣)، وفيه ما سلف. وفيه أيضًا: دلالة على استحباب ذلك في صلاة الصبح يوم الجمعة، وقد سلف واضحًا. وفيه: دلالة أيضًا على جواز قراءة السجدة في الفريضة، وهو قول مالك في رواية ابن وهب وابن حبيب (٤)، واحتج لهما أيضًا بفعل عمر ----------- (١) «صحيح مسلم» (٨٨٠) كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ في يوم الجمعة. (٢) برقم (٨٩١) باب: ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤. (٤) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤١٤. ذلك بحضرة الصحابة، فلم ينكره أحد (١). وكره مالك قراءتها للإمام في فرض خشية التخليط على من خلفه. وقال أشهب: إنه إن كان من وراءه عدد قليل جاز، وإلا كره. وقال ابن حبيب: لا يقرأ بالسجدة فيما يسر فيه (٢). ------------ (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٢ (٤٣٩٤) كتاب: الصلوات، باب: من رخص أن تقرأ السجدة فيما يجهر به من الصلاة. (٢) «المدونة» ١/ ١٠٥ - ١٠٦، «المنتقى» ١/ ٣٥٠. ٣ - باب سَجْدَةِ ﴿ص﴾ ١٠٦٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْجُدُ فِيهَا. [٣٤٢٢ - فتح: ٢/ ٥٥٢] ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: سجدة ﴿ص﴾ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْجُدُ فِيهَا. هذا الحديث من أفراده، ويأتي في أحاديث الأنبياء (١)، والتفسير في سورة الأنعام (٢)، وص (٣). ولم يخرج مسلم في ﴿ص﴾ شيئًا. وذكر البخاري في تفسير سورة ﴿ص﴾ عن العوام قَالَ: سألت مجاهدًا عن سجدة ﴿ص﴾ فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ قَالَ: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فكان داود من أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها داود شكرًا، فسجدها رسول الله - ﷺ - (٤). وأخرج النسائي من حديث ابن عباس مرفوعًا: «سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا» (٥). وأخرج أبو داود السجود فيها مرة وتركها أخرى من حديث أبي ------------ (١) برقم (٣٤٢٢) باب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. (٢) برقم (٤٦٣٢) باب: قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. (٣) بر قم (٤٨٠٧) باب: سورة ﴿ص﴾. (٤) برقم (٤٨٠٧) (٥) «سنن النسائي» ٢/ ١٥٩ كتاب: الافتتاح، باب: سجود القرآن، السجود في ﴿ص﴾. سعيد الخدري (١)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٢). وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث عمرو بن العاصي أن رسول الله - ﷺ - أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان. قَالَ الحاكم: رواته مصريون قد احتج الشيخان بأكثرهم. وليس في عدد سجود القرآن أتم منه (٣). وهو دال على أن سجدة ﴿ص﴾ داخلة فيما أقرأه رسول الله - ﷺ -؛ لأن العلماء مجمعون على اختلاف بينهم أنه لا يزاد على خمس عشرة سجدة. وروى ابن ماجه من حديث أبي الدرداء قال: سجدت مع رسول الله - ﷺ - إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج، وسجدة الفرقان، وسليمان والسجدة، وفي ﴿ص﴾، وسجدة الحواميم (٤). ورواه الترمذي ولفظه: سجدت مع رسول الله - ﷺ - إحدى عشرة سجدة منها التي في النجم، وقال: حديث غريب (٥). ----------- (١) «سنن أبي داود» (١٤١٠) كتاب: سجود القرآن، باب: السجود في ﴿ص﴾. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢٧٠): إسناده صحيح على شرط البخاري. (٢) «المستدرك» ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥ كتاب: الجمعة. ولم يخرجاه. (٣) «سنن أبي داود» (١٤٠١) كتاب: سجود القرآن، باب: تفريع أبواب السجود وكم سجدة في القرآن، و«سنن ابن ماجه» (١٠٥٧) كتاب: إقامة الصلاة، باب: عدد سجود القرآن، و«المستدرك» ١/ ٢٢٣. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٢٤٨): إسناده ضعيف، عبد الله بن جنين والحارث بن سعيد مجهولان. (٤) ابن ماجه (١٠٥)، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢١٧). (٥) «سنن الترمذي» (٥٦٨). وقال أبو داود: روي عن أبي الدرداء مرفوعًا إحدى عشرة سجدة، وإسناده واهٍ (١). وفي الدارقطني من حديث ابن عباس: رأيت عمر قرأ على المنبر ﴿ص﴾ فسجد، ثم رقى على المنبر (٢). وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس: في ص سجدة تلاوة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ومثله عن ابن عمر وعن أبيه أنه كان يسجد في ص، وعن عثمان مثله. وعن سعيد بن جبير أنه - ﷺ - قرأها وهو على المنبر، ثم نزل فسجد (٣). وذكر فيها آثارًا أخر في السجود فيها (٤). إذا عرفت ذلك، فاختلف العلماء من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم في السجود في ﴿ص﴾. ورأى بعض أهل العلم السجود فيها، وهو قول سفيان، وابن المبارك والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٥)، ثم هي عند الشافعي ليست من عزائم السجود (٦). أي: ليست بسجدة تلاوة، ولكنها سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم فيها في الأصح، وهذا هو المنصوص، وبه قطع الجمهور. وقد أسلفنا عن ابن سريج، وأبي إسحاق المروزي أنها عندهما من العزائم، والمذهب الأول. وقال أبو حنيفة ومالك: هي من سجود التلاوة (٧). وعن أحمد كالمذهبين (٨). والمنصور منهما كقول الشافعي، ---------------- (١) «سنن أبي داود» عقب الرواية (١٤٠١). (٢) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٠٧ كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن. (٣) «المصنف» ١/ ٣٧٠ (٤٢٥٥ - ٤٢٥٨) كتاب: الصلاة، باب: من قال: في ص سجدة وسجد فيها. (٤) «المصنف» ١/ ٣٧١ (٤٢٦٢ - ٤٢٦٨) (٥) انظر: «الأوسط» ٥/ ٢٥٥، «المغني» ٢/ ٣٥٢. (٦) انظر: «الأوسط» ٥/ ٢٥٣. (٧) «المدونة» ١/ ١٠٥، ١/ ١٠٥، «التمهيد» ٦/ ٧٧. (٨) انظر: «المغني» ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢. ومثله قَالَ داود. وعن ابن مسعود: لا سجود فيها. وقال: هي توبة نبي (١). وروي مثله عن عطاء، وعلقمة، وأبي المليح (٢). وروي عن عمر، وعثمان، وعقبة، وسعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، والثوري السجود فيها (٣)، وقد سلف عن ابن عباس مثله (٤)، واحتجاجه بالقرآن أولى من قوله: ﴿ص﴾ ليس من عزائم السجود. قَالَ الطحاوي: والنظر عندنا إثباتها فيها؛ لأن موضع السجود منها موضع خبر لا موضع أمر، فينبغي أن يرد إلى حكم أشكاله من الأخبار، فنثبت السجود فيها (٥). استدل من قَالَ: إنها من العزائم بحديث أبي سعيد السالف؛ لأنه نزل وقطع الخطبة، وكونها توبة لا ينافي كونها عزيمة. ------------- (١) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٣٨ (٥٨٧٣) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة، وابن أبي شيبة ١/ ٣٧١ (٤٢٦٩ - ٤٢٧١) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يسجد في ص ولا يرى فيها سجدة، والبيهقي ٢/ ٣١٩ كتاب: الصلاة، باب: سجدة ص، وفي «المعرفة» ٣/ ٢٥٢ في الصلاة، باب: السجود في ص. (٢) رواه ابن أبي شيبة عن أبي المليح وعلقمة ١/ ٣٧١ (٤٢٧٣ - ٤٢٧٤) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يسجد في ص ولا يرى فيها سجدة. (٣) رواه عبد الرزاق عن عمر وعثمان ٣/ ٣٣٦ (٥٨٦٢)، (٥٨٦٤) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة. وعن طاوس ٣/ ٣٣٨ (٥٨٧١) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة، وابن أبي شيبة عن عثمان وعمر وطاوس والحسن ١/ ٣٧٠ - ٣٧١ (٤٢٥٧)، (٤٢٥٨، ٤٢٦٤ - ٤٢٦٥، ٤٢٦٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال في ﴿ص﴾ سجدة وسجد فيها، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٥٤، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٥٠ (٤٤٥٦ - ٤٤٥٨) كتاب: الصلاة، باب: السجود في ﴿ص﴾. (٤) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٠ (٤٢٥٩ - ٤٢٦٠) كتاب: الصلوات، باب: من قال: في ﴿ص﴾ سجدة وسجد فيها. (٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٦١. ومعنى قول ابن عباس: ﴿ص﴾ ليس من عزائم السجود أنها لم تنزل في هذه الأمة، وإنما الشارع اقتدى فيها بالأنبياء قبله. نبه عليه الداودي، ثم هذا إخبار عن مذهبه، وقد سجد الشارع فيها. فائدة: موضع السجود فيها (وأناب) [ص: ٢٤] أو (مآب) [ص: ٢٥] فيه خلاف عن مالك، حكاه ابن الحاجب في «مختصره» (١)، وابن التين في «شرحه»، ومذهب أبي حنيفة الأول. ثانية: قَالَ أبو بكر الرازي الحنفي في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أجاز أصحابنا الركوع في سجدة التلاوة. وعن محمد بن الحسن أنه عبر بالركوع عن السجود (٢)، وعن الحنابلة أنه لو قرأ السجدة في الصلاة وركع ركوع الصلاة أجزأ عن السجدة (٣). وروى ابن أبي شيبة عن علقمة، والأسود، ومسروق، وعمرو بن شرحبيل: إذا كانت السجدة آخر السورة أجزأك أن تركع بها (٤). وعن بعض الحنفية: ينوب الركوع عن سجدة التلاوة في الصلاة وخارجها (٥). وفي «الذخيرة» للمالكية أشار ابن حبيب إلى جوازها بالركوع (٦). ----------- (١) «مختصر ابن الحاجب» ص ٦٤. (٢) الأصل ١/ ٣١٤، ٣١٦. (٣) انظر: «المستوعب» ٢/ ٢٥٤. (٤) «المصنف» ١/ ٣٧٩ (٤٣٦٥) كتاب: الصلوات، باب: في السجدة تكون آخر السورة. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٤٢. (٦) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤١٤. وروى الأثرم عن ابن عمر أنه كان إذا قرأ النجم في صلاة وبلغ آخرها كبَّر وركع بها، وإن قرأ بها في غير صلاة سجد. وعن عبد الرحمن بن يزيد: سألنا عبد الله عن السورة في آخرها سجدة، أيركع أو يسجد؟ قَالَ: إذا لم يكن بينك وبين السجود إلا الركوع فقريب (١). ------------ (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٠ (٤٣٧١) كتاب: الصلوات، باب: في السجدة تكون آخر السورة. ٤ - باب سَجْدَةِ النَّجْمِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١٠٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ إِلاَّ سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا. [انظر: ١٠٦٧ - مسلم: ٥٧٦ - فتح ٢/ ٥٥٣] ثم ذكر حديث الأسود عن ابن مسعود السالف أول سجود القرآن (١)، وحديث ابن عباس يأتي بعد هذا الباب، وقد سلف السجود في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ من حديث المطلب بن أبي وداعة أيضًا (٢). وفي الدارقطني من حديث أبي هريرة: سجد رسول الله - ﷺ - بآخر النجم، والجن، والإنس، والشجر (٣). ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: سجد رسول الله - ﷺ - إلا رجلًا من قريش أراد بذلك الشهر (٤). ------------- (١) برقم (١٠٦٧) باب: ما جاء في سجود القرآن وسنتها. (٢) سبق تخريجه في حديث (١٠٦٧). (٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٠٩ كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن. وقال: حدثنا ابن أبي داود، لم يروه عن هشام إلا مخلد. (٤) «المصنف» ١/ ٣٧٠ (٤٢٥٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان يسجد في المفصل. ٥ - باب سُجُودِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنه - يَسْجُدُ عَلَى وُضُوءٍ ١٠٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإِنْسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ. [٤٨٦٢ - فتح: ٢/ ٥٥٣] قوله: (نَجَسٌ) هو بفتح الجيم، قَالَ ابن التين: كذا رويناه، وكذا ضبط في بعض الكتب. قَالَ: والذي في اللغة نجس الشيء بالكسر فهو نجس بكسرها وفتحها أيضًا. وقال القزاز وغيره: إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه، قالوا: رجس نجس -بكسر النون وسكون الجيم- والنجس في اللغة: كل مستقذر، وفي الشرع موضعه الفروع. قَالَ البخاري: وكان ابن عمر يسجد على وضوء ثم ساق حديث ابن عباس: أنه - ﷺ - سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. ورواه ابن طهمان عن أيوب. الشرح: أما أثر ابن عمر فأسنده ابن أبي شيبة من حديث سعيد بن جبير قَالَ: كان عبد الله بن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، رواه عن محمد بن بشر، ثنا زكريا بن أبي زائدة، ثنا أبو الحسن -يعني: عبيد الله بن الحسن- عن رجل زعم أنه ثقة، عن سعيد به (١). ------------ (١) «المصنف» ١/ ٣٧٥ (٤٣٢٢) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يسجد السجدة وهو على غير وضوء. لكن روى البيهقي من حديث قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر أنه قَالَ: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر (١). ووقع في رواية أبي الهيثم عن الفربرى: كان ابن عمر يسجد على وضوء، بحذف لفظة (غير). وكذا في نسخة الأصيلي، لكن الذي رواه ابن السكن كما في الكتاب، وهو الصواب، كما قَالَ ابن بطال (٢). وأما حديث ابن عباس فأخرجه في التفسير أيضًا (٣). وابن طهمان: هو إبراهيم، مات بعد الخمسين ومائة (٤). قَالَ أحمد: ثقة، مرجئ، متكلم، أخرج له مسلم أيضًا (٥). ومتابعته أخرجها الإسماعيلي من حديث حفص عنه. ورواه عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن أيوب، رواه الترمذي وصححه (٦). وفي رواية جعفر بن مهران: سجد وهو بمكة بالنجم، إلى آخره (٧). وذكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن زكريا، عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير وضوء، قال: يسجد حيث كان وجهه. وروى أيضًا: حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن قَالَ: كان يقرأ السجدة وهو على غير وضوء، ---------------- (١) «السنن الكبرى» ١/ ٩٠ كتاب: الطهارة، باب: استحباب الطهر للذكر والقراءة. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٦. (٣) سيأتي برقم (٤٨٦٢) باب: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾. (٤) ورد بهامش (س) ما نصه: سنة بضع عشر، قاله في «الكاشف». (٥) انظر: «تهذيب الكمال» ٢/ ١٠٨ (١٨٦). (٦) «سنن الترمذي» (٥٧٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في السجدة في النجم. (٧) رواه الطبراني ١١/ ٣١٨ - ٣١٩ (١١٨٦٦)، في «الأوسط» ٣/ ١٩٧ (٢٩١٠). وهو على غير القبلة، وهو يمشي، فيومئ برأسه إيماءً، ثم يسلم. وروى أيضًا: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير القبلة أيسجد؟ قَالَ: نعم، لا بأس به (١). وذهب فقهاء الأمصار منهم الأئمة الأربعة إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا على وضوء. فإن ذهب البخاري إلى الاحتجاج بسجود المشركين فلا حجة فيه؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة لله، والتعظيم له، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسان الرسول من ذكر آلهتهم كما سلف. ولا يُستنبط من سجود المشركين جواز السجود على غير وضوء؛ لأن المشرك نجس لا يصح له وضوء ولا سجود إلا بعد عقد الإسلام. وإن كان البخاري أراد الرد على ابن عمر والشعبي بقوله: (وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ ليس له وضوء)، فهو أشبه بالصواب (٢). وقال ابن المنير: هذه الترجمة متلبسة، والصواب: رواية من روى أن ابن عمر كان يسجد للتلاوة على غير وضوء (٣). والظاهر من قصد البخاري أنه صوب مذهبه واحتج له بسجود المشركين لها، والمشرك نجس لا وضوء له، ولم يذكر البخاري تمام القصة، ولا سبب سجود المشركين، وفي الإمساك عن ذكره إيهام على فهمهم، وليس كذلك؛ ------------- (١) «المصنف» ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦ (٤٣٢٥، ٤٣٢٧ - ٤٣٢٨). (٢) ورد بنحوه في «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٧ بإطلاق فقهاء الأمصار دون ذكر الأئمة الأربعة. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٥ (٤٣٢٢) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يسجد السجدة وهو على غير وضوء. لأن الباعث لهم على تلك السجدة الشيطان لا الإيمان، فكيف يعتبر فعلهم حجة؟! والله أعلم بمراده من هذه الترجمة (١). والظاهر أن البخاري رجح الجواز لفعله المشركين بحضرة الشارع، ولم ينكر عليهم سجودهم بغير طهارة، ولأن الراوي أطلق عليه اسم السجود، فدل على الصحة ظاهرًا. -------------- (١) «المتواري» ص ١١٥. ![]()
__________________
|
|
#232
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 401 الى صـــ 420 الحلقة (232) ٦ - باب مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَسْجُدْ ١٠٧٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - فَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. [١٠٧٣ - مسلم: ٥٧٧ - فتح: ٢/ ٥٥٤] ١٠٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم:١] فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. [انظر: ١٠٧٢ - مسلم: ٥٧٧ - فتح: ٢/ ٥٤٤] ذكر فيه عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ ابْنَ ثَابِتٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم:١] فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. وبه، عن زيد قَالَ: قَرَاتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ويأتي في التفسير (٢)، وقد سلف الجواب عنه أول هذه الأبواب. وفي الدارقطني: فلم يسجد منا أحد (٣). وقال ابن حزم: احتج المقلدون لمالك بخبر رويناه، ثم ساق حديث الباب، ولا حجة لهم؛ لأنه لم يقل: إنه - ﷺ - قَالَ: لا سجود فيها، وإنما هو حجة على من قَالَ بفرضيته، وكذا نقول: إنه ليس فرضًا، لكن فعله -------------- (١) «صحيح مسلم» (٥٧٧) كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة. (٢) هذا الحديث ليس في التفسير، وانظر: «تحفة الأشراف» (٣٧٣٣). (٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٠٩ - ٤١٠ كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن. أفضل، ولا حرج في تركه ما لم يرغب عن السنة، وأيضًا فإن راوي الحديث قد صح عن مالك أنه لا يعتمد على روايته، وهو يزيد بن عبد الله بن قُسَيط قَالَ: إن صارت روايته حجة في إبطال السنن على أنه ليس فيها شيء بما يدعونه. قَالَ: وقد صح بطلان هذا الخبر بحديث أبي هريرة أنه - ﷺ - سجد بهم في النجم (١)، وأبو هريرة متأخر الإسلام (٢). فرع: إذا لم يسجد القارئ، فهل يسجد السامع؟ فيه وجهان عندنا: أصحهما: نعم، وبه قَالَ ابن القاسم، وابن وهب، خلافًا لمطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وابن عبد الحكم، وصوبه ابن حبيب (٣)؛ لأن القارئ لو كان في صلاة ولم يسجد، لم يسجد من معه، فكذا هذا. واختلف هل يسجد المعلم والذي يقرأ عليه أول مرة؟ حكاه ابن التين قَالَ: وقد قيل: هذا الحديث ناسخ للسجود فيها. --------------- (١) رواه الشافعي في «مسنده» ١/ ١٢٣ (٣٦٣) كتاب: الصلاة، باب: في سجود التلاوة، وأحمد ٢/ ٣٠٤، ٢/ ٤٤٣، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٥٣. (٢) «المحلى» ٥/ ١٠٩ - ١١٠. (٣) «المدونة» ١/ ١٠٦، «كفاية الطالب» ١/ ٣١٨، «البيان والتحصيل» ١/ ٢٧٨، «المنتقى» ١/ ٣٥٣، «روضة الطالبين» ١/ ٣١٩. ٧ - باب سَجْدَةِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] ١٠٧٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَا: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ بِهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ. [انظر: ٧٦٦ - مسلم: ٥٧٨ - فتح: ٢/ ٥٦٦] ذكر فيه حديث أبي سلمة: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ بِهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - سْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ. هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة أيضًا (١)، ومن جملة طرقه عن أبي هريرة عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عنه، أخرجه مسلم (٢). و(عبد الرحمن) هذا كثير الحديث (٣)، بخلاف عبد الرحمن المقعد فإنه قليله، وكلاهما يلقب بالأعرج (٤). ------------- (١) مسلم (٥٧٨) كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة، أبو داود (١٤٠٧)، الترمذي (٥٧٨)، والنسائي ٢/ ١٦١ - ١٦٢، وابن ماجه (١٠٥٨). (٢) مسلم (٥٧٨/ ١٠٩). (٣) عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويقال مولى محمد بن ربيعة. قال أحمد بن عبد الله العجلي: مدني، تابعي، ثقة. ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو زرعة، وابن خراشة: ثقة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٦٠ (١١٤٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ٩٠ (١٠٨٥)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٩٧ (١٤٠٨)، «الثقات» ٥/ ١٠٧، «تهذيب الكمال» ١٧/ ٤٦٧ - ٤٧٠ (٣٩٨٣). (٤) عبد الرحمن بن سعد الأعرج، أبو حميد، المدني المقعد، مولى بني مخزوم. قال النسائي: ثقة. قال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: لا أعرفه. = وقال أبو مسعود: هما واحد. وقال المزي: إن هذا الحديث من رواية المقعد (١). وطرقه الدارقطني فأبلغ. وقوله: (أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟) أي: في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها. قَالَ المهلب: هكذا رواه الليث، عن ابن الهادي، عن أبي سلمة. فهذا يدل على أنه لم يكن العمل عندهم على السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، كما قَالَ مالك وأهل المدينة، فأنكر عليه سجوده فيها، ولا يجوز إنكار ما عليه العمل. قَالَ: وهذا يدل على أنها ليست من العزائم (٢)، ولا نسلم ذلك له، وهو بناه على عدم السجود في المفصل، ومن قَالَ به سجد فيها. وقد سلف الخلاف فيه. والحديث حجة لمن رآه؛ لأن أبا هريرة راويه شاهد السجود، وهو متأخر الإسلام كما سلف بعد حديث من روى نفيه (٣). وروى البيهقي عن عمار أنه قرأ هذه السورة وهو على المنبر فنزل فسجدها (٤). واحتج الكوفيون بأنه إخبار لا أمر وسجود التلاوة إنما هو في موضع الإخبار، وموضع الأمر إنما هو تعليم، فلا سجود فيه، وهذا قول الطحاوي. واحتج من قَالَ: لا سجود في المفصل بأن معنى سجود التلاوة ما كان على وجه المدح والذم، وسجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ خارجة عن هذا المعنى لأن قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ ---------------- = انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٣٨ (١١٢٤). و«تهذيب الكمال» ١٧/ ١٣٩ (٣٨٣١). و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٥١١. (١) «تحفة الأشراف» ١٠/ ١٤٥ (١٣٥٩٨). (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٩. (٣) انظر: «التفريع» ١/ ٢٧٠، «التمهيد» ٦/ ٧٤ - ٧٥. (٤) «السنن الكبرى» ٢/ ٣١٦ كتاب: الصلاة، باب: سجدة إذا السماء انشقت. إنما يعني: أي لا يسجدون بعد الإيمان السجود المذكور في القرآن للصلاة. وهذا ليس بخطاب للمؤمنين؛ لأنهم يسجدون مع الإيمان سجود الصلاة. فائدة: نسجد عند قوله: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾. وقال ابن حبيب: في آخرها (١)، والأول أظهر لأن ما بعده لا تعلق له بالسجود. ---------------- (١) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤١٢. ٨ - باب مَنْ سَجَدَ لِسُجُودِ القَارِئِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ -وَهْوَ غُلَامٌ- فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً، فَقَالَ: اسْجُدْ فَإِنَّكَ إِمَامُنَا. ١٠٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ. [١٠٧٦، ١٠٧٩ - مسلم: ٥٧٥ - فتح: ٢/ ٥٥٦] ثم ذكر حديث ابن عمر: قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ .. الحديث. الشرح: أما أثر ابن مسعود فأخرجه ابن أبي شيبة بنحوه: حَدَّثَنَا ابن فضيل، عن الأعمش، عن سليم أبي إسحاق، عن سليم بن حنظلة قَالَ: قرأت على عبد الله بن مسعود سورة بني إسرائيل، فلما بلغت السجدة قَالَ عبد الله: اقرأها فإنك إمامنا فيها (١). ورواه البيهقي من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن سليم بن الحنظلية قَالَ: قرأت السجدة عند ابن مسعود فنظر إليَّ فقال: أنت إمامنا فاسجد نسجد معك (٢). و(تميم) هذا تابعي وعنه ابنه أبو الخير وغيره. روى له البخاري في ---------------- (١) «المصنف» ١/ ٣٧٩ (٤٣٦٤) كتاب: الصلوات، باب: السجدة يقرأها الرجل ومعه قوم لا يسجدون حتى يسجد. (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٢٤ كتاب: الصلاة، باق: من قال: لا يسجد المستمع إذا لم يسجد القارئ. «الأدب» خارج «الصحيح» (١). و(حذلم) بالذال المعجمة وحاء مهملة. وأما الحديث فأخرجه مسلم أيضًا، ففي رواية: في غير الصلاة، وفي أخرى: في غير وقت الصلاة (٢). وأجمع فقهاء الأمصار أن التالي إذا سجد في تلاوته أن المستمع يسجد لسجوده. وقال عثمان: إنما السجدة على من سمعها (٣). واختلفوا إذا لم يسجد، وقد سلف في باب من قرأ السجدة ولم يسجد. وفي «المدونة»: كره مالك أن يجلس قوم إلى قارئ يستمعون قراءته ليسجدوا معه إن سجد، وأنكر ذلك إنكارًا شديدًا. قَالَ: فأرى أن يقام وينهى، ولا يجلس إليه (٤). وقال ابن شعبان عنه: فإن لم ينته، وقرأ لهم فمر بسجدة يسجد ولم يسجدوا. وقد قَالَ مالك أيضًا: أرى أن يسجدوا معه (٥). قوله: (فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ معه حَتَّى ما يجد أحدنا موضع جبهته) فيه: الحرص على فعل الخير والتسابق إليه. وفيه: لزوم متابعة أفعال الشارع على كمالها، ويحتمل أن يكون ----------------- (١) تميم بن حذلم الضبي، أبو سلمة، الكوفي، من أصحاب عبد الله بن مسعود، أدرك أبا بكر وعمر. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ١٢٥ (٢٠٢٠). و«الجرح والتعديل» ٢/ ٤٤٢ (١٧٦٦). و«تهذيب الكمال» ٤/ ٣٢٨ (٨٠١). (٢) «صحيح مسلم» برقم (٥٧٥) كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة. (٣) سيأتي معلقًا قبل (١٠٧٧) باب: من رأى أن الله -عز وجل- لم يوجب السجود. (٤) «المدونة» ١/ ١٠٦. (٥) انظر: «التاج والإكليل» ٢/ ٣٦٠. سجدوا عند ارتفاع الناس، وباشروا الأرض، ويحتمل أن يستجزئوا ببلوغ طاقتهم من الإيماء في ذلك. وقال ابن التين: يلزم مستمع السجدة السجود بشروط خمسة: أن يكون القارئ بالغًا، وعلى وضوء، وسجد، وتكون قراءته لا يسمع الناس حسنها، والسامع ممن قصد الاستماع. قَالَ: هذا يلزمه باتفاق. واختلف إذا كان القارئ صبيًّا أو على غير وضوء، ولم يسجد، والأصح عند أصحابنا السجود. وأقروا الخلاف عندنا في الكافر. قَالَ: والأصل في إلزام المستمع السجود هذا الحديث. ٩ - باب ازْدِحَامِ النَّاسِ إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ السَّجْدَةَ ١٠٧٦ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ. [انظر: ١٠٧٥ - مسلم: ٥٧٥ - فتح: ٢/ ٥٥٧] ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور، وترجم عليه أيضًا: باب: مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مِنَ الزِّحَامِ وذكره أيضًا. قَالَ ابن بطال: ولم أجد في هذه نصًّا للعلماء، ووجدت أقوالهم فيمن لا يقدر على السجود على الأرض من الزحام في صلاة الفريضة، وكان عمر بن الخطاب يقول: يسجد على ظهر أخيه (١) وبه قَالَ الثوري (٢)، والكو فيون، والشعبي، وأحمد (٣)، وإسحاق، وأبو ثور (٤). وقال نافع مولى ابن عمر: يومئ إيماءً (٥). وقال عطاء والزهري يمسك عن السجود فإذا رفعوا سجد (٦). وهو قول مالك وجميع أصحابه. ---------------- (١) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٣٣ (٥٤٦٥) كتاب: الجمعة، باب: من حضر الجمعة فزحم فلم يستطع يركع مع الإمام، والبيهقي ٣/ ١٨٢ - ١٨٣ كتاب: الجمعة، باب: الرجل يسجد على ظهر من بين يديه في الزحام. (٢) «المغني» ٣/ ١٨٦. (٣) «المغني» ٣/ ١٨٦. (٤) «المغني» ٣/ ١٨٦. (٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٣ (٥٥٦٦) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يزدحم يوم الجمعة فلا يقدر على الصلاة حتى ينصرف الإمام. (٦) رواه ابن أبي شيبة عن الزهري ١/ ٤٨٣ (٥٥٦٧). وقال مالك: إن سجد على ظهر أخيه يعيد الصلاة (١). وذكر ابن شعبان في «مختصره» عن مالك قَالَ: يعيد في الوقت وبعده. وقال أشهب: يعيد في الوقت لقول عمر: اسجد ولو على ظهر أخيك (٢). فعلى قول من أجاز السجود في صلاة الفريضة من الزحام على ظهر أخيه، فهو أجوز عنده في سجود القرآن؛ لأن السجود في الصلاة فرض بخلافه. وعلى قول عطاء والزهري ومالك يحتمل أن يجوز عندهم سجود التلاوة على ظهر رجل، وإيماءً على غير الأرض كقول الجمهور لما قدمناه من الفرق بين سجود التلاوة والصلاة. ويحتمل خلافهم واحتمال وفاقهم أشبه؛ بدليل حديث ابن عمر، وهو المقنع في ذلك، إن شاء الله (٣). ------------- (١) «المدونة» ١/ ١٣٧ ما جاء فيمن زحمه الناس يوم الجمعة. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٦٥. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٦٤ - ٦٥. ١٠ - باب مَنْ رَأَى أَنَّ اللهَ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا. قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا؟ كَأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَلْمَانُ: مَا لِهَذَا غَدَوْنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ يسمَعَهَا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا تَسْجُدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، فَإِذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ فِي حَضَرٍ فَاسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ. وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ القَاصِّ. ١٠٧٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه -، قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ - رضي الله عنه -. وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ. [فتح: ٢/ ٥٥٧] ثم ذكر أثر عمر في سجوده في النحل، ونزوله من على المنبر كذلك، وأنه في الجُمُعَةُ الأخرى جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رضي الله عنه. وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ. الشرح: أما أثر عمران فرواه ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف قَالَ: سألت عمران بن حصين عن الرجل لا يدري أسمع السجدة؟ قَالَ: وسمعها فماذا؟! (١). وأما أثر سلمان فرواه البيهقي من حديث سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قَالَ: مر سلمان بقوم يقرءون السجدة، قالوا: نسجد؟ فقال: ليس لها غدونا (٢). ورواه ابن أبي شيبة، عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب (٣). وأما أثر عثمان فرواه البيهقي أيضًا من حديث سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب قَالَ: إنما السجدة على من سمعها. قَالَ البيهقي: وروي من وجه آخر، عن ابن المسيب، عن عثمان قَالَ: إنما السجدة على من جلس لها وأنصت (٤). ورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان قَالَ: إنما السجدة على من جلس لها (٥). وأما فعل عمر فمن أفراد البخاري، والبخاري رواه عن إبراهيم بن --------------- (١) «المصنف» ١/ ٣٦٧ (٤٢٢٤) كتاب: الصلوات، باب: من قال: السجدة على من جلس لها ومن سمعها. (٢) «سنن البيهقي الكبرى» ٢/ ٣٢٤ كتاب: الصلاة، باب: من قال: إنما السجدة على من استمعها. (٣) «المصنف» ١/ ٣٦٧ (٤٢٢٣) كتاب: الصلوات، باب: من قال: السجدة على من جلس لها ومن سمعها. (٤) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٢٤ كتاب: الصلاة، باب: من قال: إنما السجدة على من استمعها. (٥) «المصنف» ١/ ٣٦٧ (٤٢٢٠) كتاب: الصلوات، باب: من قال: السجدة على من جلس لها ومن سمعها. موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، ورواه أبو نعيم من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج من طريقين. وقوله: (وَزَادَ نَافِعٌ) القائل هو ابن جريج كما بينه البيهقي (١)، وكذا وقع في بعض نسخ البخاري، وعزاها الحميدي إلى البخاري فقال: قَالَ البخاري: وزاد نافع عن ابن عمر -يعني: عن عمر- إن الله لم يفرض .. إلى آخره (٢). وروى البيهقي من طريق ابن بكير، ثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن عمر قرأ السجدة، وهو على المنبر، يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجدوا معه، ثم قرأ يوم الجمعة الأخرى فتهيئوا للسجود، فقال عمر: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا (٣). إذا تقرر ذلك، فترك عمر - رضي الله عنه - مع من حضر السجود ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب كما أسلفناه؛ ولا إنكار ولا مخالف. ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن الإنكار على غيره. في قوله: (مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ). وقوله: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ). وفي فعل عمر دليل على أن على العلماء أن يبينوا كيف لزوم السنن إن كانت على العزم أو الندب أو الإباحة. وكان عمر - رضي الله عنه - من أشد الناس تعليمًا للمسلمين كما تأول له الشارع ------------ (١) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٢١ كتاب: الصلاة، باب: من لم ير وجوب سجدة التلاوة. (٢) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ١/ ١٢٣ (٤٩). (٣) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٢١ - ٣٢٢. في الرؤيا أنه استحال الذنوب الذي بيده غربا فتأول له العلم (١). ألا ترى إلى قول عمر -حيث رأى أنه قد بلغ من تعليم الناس إلى غاية رضيها- قَالَ: قد بينت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على الواضحة (٢). فأعلمنا بهذا القول أنه يجب أن يفصل بين السنن والفرائض. ففعل ذلك عمر ليعلم الناس ما عنده من أمر السجود، وأن فعله وتركه جائز، وليعلم هل يخالفه منهم أحد فيما فعله، ولم يجد مجلسًا أحفل من اجتماعهم عند الخطبة. وقد كره مالك في رواية على أن ينزل الإمام عن المنبر ليسجد سجدة قرأها: قَالَ والعمل على آخر فعل عمر. وقال أشهب: لا يقرأ بها، فإن فعل نزل وسجد، فإن لم يفعل سجدوا، ولهم في الترك سعة (٣). ووجه قول مالك أن ذلك مما لم يتبع عليه عمر ولا عمل به أحد بعده، ولعله إنما فعله للتعليم، وخشية الخلاف فبادر إلى حسمه، وكان ذلك الوقت لم يعم علم كثير من أحكام الناس، وقد تقرر الآن الأحكام، وانعقد الإجماع على كثير منها، وعلم الخلاف السائغ في سواها، فلا وجه في ذلك مع ما فيه من التخليط على الناس بالفراغ ------------ (١) يشير المصنف -رحمه الله- إلى ما سيأتي برقم (٣٦٨١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر بن الخطاب. وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «بينا أنا نائم، وشربت -يعني: اللبن- حتى انظر إلى الرِّيِّ يجري في ظفري، أو في أظفاري، ثم ناولت عمر» فقالوا: يا رسول الله، فما أولته؟ قال: «العلم». ورواه مسلم (٢٣٩١). (٢) رواه عنه مالك في «الموطأ» ص ٥١٤ كتاب: الحدود. وابن سعد في «الطبقات» ٣/ ٣٣٤، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٩١ - ٩٢ كتاب: معرفة الصحابة، والخطيب البغدادي في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١/ ٥٥١. (٣) «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٩. من الخطبة والقيام إلى الصلاة (١). وحديث سجوده في أصل المنبر ورجوعه إليه (٢) لم يفعل ذلك اليوم؛ لأن الناس عمهم علم ذلك، كذا أجابوا عنه. وقوله: (وَسَجَدَ النَّاسُ معه) سببه استماعهم قراءته. وأبعد من قَالَ: معنى (إلا أن نشاء) أي: قراءتها؛ لأن هذا القول كان بعد التلاوة، فلو علق الوجوب بها لناقض بنيته قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وإما أن يكون الاستثناء متصلًا، ويكون معناه إلا أن يوجبها بالنذر أو منقطعًا، كأنه قَالَ: لكن ذلك موكول إلى مشيئتنا لقوله تعالى: و﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] معناه لكن إن وقع خطأ فلا يوصف ذلك بأنه له. وقول الزهري: (وفعل ابن عمر أنه سجد على وضوء) وجهه أنها صلاة، وهو قول الفقهاء السبعة وغيرهم من التابعين، ولا خلاف فيه نعلمه كما قَالَ ابن التين. وقد سلف ما ترجم له عن البخاري وأوضحناه هناك. -------------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٠. (٢) سلف برقم (٩١٧) كتاب: الجمعة، باب: الخطبة على المنبر. ١١ - باب مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ بِهَا ١٠٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ - ﷺ -، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. [انظر: ٧٦٦ - مسلم: ٥٧٨ - فتح: ٢/ ٥٥٩] ذكر فيه حديث أبي رافع -واسمه نفيع- قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأَ:، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق:١] فَسَجَدَ .. الحديث. وأخرجه مسلم أيضًا (١)، وقد سلف (٢) وهو حجة لقول الثوري ومالك والشافعي أنه من قرأ سجدة في صلاة مكتوبة أنه لا بأس أن يسجد فيها (٣). إلا أن الذين لا يرون السجود في المفصَّل لا يرون السجود في هذه السورة، فإن فعل فلا حرج عندهم في ذلك. وقد كره مالك قراءة سجدة في صلاة الفريضة الجهرية والسرية مرة، واختاره أخرى (٤). وقال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسر فيه، ويقرأها فيما يجهر فيه (٥). ----------- (١) «صحيح مسلم» (٥٧٨/ ١١٠) كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة. (٢) برقم (٧٦٦) كتاب: الأذان، باب: الجهر في العشاء. (٣) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٠، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٤٤، «الحاوي الكبير» (٤) «المدونة» ١/ ١٠٥ - ١٠٦. (٥) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤١٤. وروي مثله عن أبي حنيفة وقال: هو مخير أن يسجد عقبها أو يؤخرها بعد الفراغ من الصلاة (١). ومنع ذلك أبو مجلز، ذكره الطبري عنه أنه كان لا يرى السجود في الفريضة، وزعم أن ذلك زيادة في الصلاة، ورأى أن السجود فيها غير الصلاة. وحديث الباب يرد عليه، وبه عمل السلف من الصحابة وعلماء الأمة. وروي عن عمر أنه صلى الصبح فقرأ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فسجد فيها (٢). وقرأ مرة في الصبح الحج فسجد فيها سجدتين (٣). وقال ابن مسعود في السورة يكون آخرها سجدة: إن شئت سجدت بها، ثم قمت فقرأت وركعت، وإن شئت ركعت بها (٤). وقال الطحاوي: إنما قرأ الشارع السجدة في العتمة والصبح، وهذا فيما يجهر فيه، وإذا سجد في قراءة السر لم يدر سجد للتلاوة أم ---------- (١) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٨٧ - ١٨٨. (٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٣٩ (٥٨٨٢) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم في القرآن من سجدة، والبيهقي ٢/ ٣٢٣ كتاب: الصلاة، باب: السجدة إذا كان في آخر السورة وكان في الصلاة. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٣ (٤٢٨٨) كتاب: الصلوات، باب: من قال: في الحج سجدتان وكان يسجد فيها مرتين، والبيهقي ٢/ ٣١٧ كتاب: الصلاة، باب: سجد في سورة الحج. (٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٤٧ (٥٩١٩) كتاب: فضائل القرآن، باب: السجدة على من استمعها، وابن أبي شيبة ١/ ٣٨٠ (٤٣٧١) كتاب: الصلوات، باب: في السجدة تكون في آخر السورة، والبيهقي ٢/ ٣٢٣ كتاب: الصلاة، باب: السجدة إذا كان في آخر السورة. لغيرها (١). وفي الحديث أيضًا حجة لمن قَالَ: إن سجدة هذه السورة من عزائم السجود، وقول ابن بطال أنه قال على العكس معللًا بترك السلف السجود فيها؛ ولذلك أنكر أبو رافع على أبي هريرة سجوده فيها، كما أنكر عليه أبو سلمة فيما مضى. وقول أبي هريرة: (سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ، فلا أزال أسجد بها). يحتمل أن يكون سجد فيها خلفه ولم يواظب - ﷺ - عليه بها. قَالَ ابن بطال: ولذلك أجمع الناس على تركها، ولو واظب عليه لم يخف ذلك عليهم ولا تركوها (٢)، ولا نسلم له ذلك. ------------ (١) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٤٤. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٦٤. ١٢ - باب مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مع الإمام مِنَ الزِّحَامِ ١٠٧٩ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ. [انظر: ١٠٧٥ - مسلم: ٥٧٥ - فتح: ٢/ ٥٦٠] ذكر فيه حديث ابن عمر السالف (١)، وقد سلف البحث فيه (٢). ------------ (١) راجع حديثي (١٠٧٥ - ١٠٧٦). (٢) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الثاني بعد التسعين، كتبه مؤلفه سامحه الله. ١٨ تقصير الصلاة ![]()
__________________
|
|
#233
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 421 الى صـــ 440 الحلقة (233) [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ١٨ - تقصير الصلاة ١ - باب مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ؟ ١٠٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ وَحُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا. [٤٢٩٨، ٤٢٩٩ - فتح: ٢/ ٥٦١] ١٠٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ. قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا. [٤٢٩٧ - مسلم: ٦٩٣ - فتح: ٢/ ٥٦١] يقال: قصرت الصلاة، وقصرتها، وأقصرتها. ذكر فيه حديثين: أحدهما: عن ابن عباس قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا. الثاني: حديث أنس يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ. قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا. الشرح: لا شك أن الصلاة فرضت بمكة، والقصر كان في السنة الرابعة من الهجرة كما نبه عليه ابن الأثير (١) في «شرح المسند» (٢). وحديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري منفردًا به، عن عكرمة عنه. وفي رواية له في المغازي: أقام بمكة تسعة عشر يومًا (٣)، وفي أخرى له: أقمنا مع النبي - ﷺ - (٤). وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي من حديث عبيد الله بن عبد الله عنه بلفظ: أقام بمكة خمس عشرة يقصر الصلاة. قَالَ أبو داود: رواه عنه جماعات بإسقاط ابن عباس (٥). ------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: وكذا ذكره غيره، وخص ذكره النووي في السير من «الروضة» من زوائده. (٢) «الشافي في شرح مسند الشافعي» ٢/ ١٠٨ (٣) ستأتي برقم (٤٢٩٨) باب: مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح. (٤) ستأتي برقم (٤٢٩٧) باب: مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح. (٥) «سنن أبي داود» برقم (١٢٣١) كتاب: صلاة السفر، باب: متى يتم المسافر. و«سنن النسائي» ٣/ ١٢١ كتاب: تقصير الصلاة في السفر، باب: المقام الذي يقصر بمثله الصلاة. و«ابن ماجه» برقم (١٠٧٦) كتاب: إقامة الصلاة، باب: كم يقصر الصلاة المسافر إذا أقام ببلدة. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٢٢٦): إن الصواب في إسناده: أنه مرسل؛ ليس فيه ابن عباس. وإسناده ضعيف؛ لعنعنة ابن إسحاق، فإنه مدلس. قَالَ البيهقي: وهو الصحيح (١). واختلف عن عكرمة فرواه عاصم الأحول، وحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس تسعة عشر، كما سلف، وكذا أخرجه ابن ماجه (٢). وأخرجه الترمذي وقال: صحيح بلفظ: سافر رسول الله - ﷺ - سفرًا، فصلى تسعة عشر يومًا ركعتين ركعتين (٣)، وأبو داود بلفظ: تسع عشرة (٤). ورواه عن عكرمة عباد بن منصور قَالَ: أقام رسول الله - ﷺ - زمن الفتح تسع عشرة ليلة يصلي ركعتين ركعتين، أخرجه البيهقي (٥). واختلف على عاصم، عن عكرمة. فرواه ابن المبارك، وأبو شهاب، وأبو عوانة في إحدى الروايتين: تسع عشرة. ورواه خلف بن هشام، وحفص بن غياث فقال: سبع عشرة. واختلف على أبي معاوية عن عاصم، وأكثر الروايات عنه: تسع عشرة، رواها عنه أبو خيثمة وغيره. ورواه عثمان بن أبي شيبة، عن أبي معاوية فقال: سبع عشرة. واختلف على أبي عوانة، فرواه جماعات عنه عنهما فقَالَ: تسع عشرة. ورواه لوين، عن أبي عوانة عنهما فقال: سبع عشرة. ورواه -------------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ١٥١ كتاب: الصلاة، باب: المسافر يقصر ما لم يجمع مكثًا ما لم يبلغ مقامه. (٢) «سنن ابن ماجه» برقم (١٠٧٥) كتاب: إقامة الصلاة، باب: كم يقصر الصلاة المسافر إذا أقام ببلدة. (٣) «سنن الترمذي» برقم (٥٤٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في كم تقصر الصلاة. (٤) رواه معلقًا عقب الرواية (١٢٣٠) كتاب: صلاة السفر، باب: متى يتم المسافر. (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ١٥٠ - ١٥١ كتاب: الصلاة، باب: المسافر يقصر ما لم يجمع. المعلى بن أسد، عن أبي عوانة، عن عاصم: سبع عشرة (١). قَالَ البيهقي: وأصحها عندي: تسع عشرة، وهي التي أوردها البخاري (٢). وعبد الله بن المبارك أحفظ من رواه عن عاصم. ورواه عن عكرمة عبد الرحمن الأصبهاني فقال: عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - أقام سبع عشرة بمكة يقصر الصلاة (٣). ورواه عمران بن حصين أيضًا قَالَ: غزوت مع النبي - ﷺ -، وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلى إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلد، صلوا أربعًا فإنا سفر، أخرجه أبو داود، وفي إسناده علي بن زيد ابن جدعان متكلم فيه (٤)، وأخرج له مسلم متابعة. ورواه ابن عمر أيضًا أن رسول الله - ﷺ - أقام سبع عشرة يصلي ركعتين محاصرًا الطائف، أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن حميد، عن رجل، عن ابن عمر به. قَالَ البيهقي: ويمكن الجمع بين الروايات بأن من روى تسع عشرة ------------- (١) حكى ذلك البيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ١٥٠ كتاب: الصلاة، باب: المسافر يقصر ما لم يجمع مكثًا. (٢) «السنن الكبرى» ٣/ ١٥١. (٣) «السنن الكبرى» ٣/ ١٥٠ - ١٥١ كتاب: الصلاة، باب: المسافر يقصر ما لم يجمع مكثًا. (٤) «سنن أبي داود» برقم (١٢٢٩) كتاب: صلاة السفر، باب: متى يتم المسافر. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ٣٣٦ (٣٨٦٠)، كتاب: الصلوات، باب: المقيم يدخل في صلاة المسافر، والبيهقي ٣/ ١٥١ كتاب: الصلاة، باب: المسافر يقصر يجمع مكثًا. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٢٥): إسناده ضعيف، على بن زيد -وهو ابن جدعان-، قال المنذري: تكلم فيه جماعة من الأئمة. وقوله: ثماني عشرة. منكر؛ لمخالفته لرواية «الصحيح» تسعة عشر. عَدَّ يوم الدخول ويوم الخروج. ومن روى ثماني عشرة لم يعد أحدهما. ومن روى سبع عشرة لم يعدهما (١). وهذا الحديث كان في فتح مكة كما سلف مصرحًا به (٢). وأما حديث أنس فأخرجه مسلم، والأربعة (٣)، وكان في حجة الوداع، فإنه دخل يوم الأحد صبيحة رابعة ذي الحجة، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة، وخرج صبيحتها وهو الرابع عشر. إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء في المسافر ينوي الإقامة ببلد لأجل حاجة يتوقعها ولا يعلم نجازها على سبعة عشر قولًا: أحدها: بوضع رجله فيها. قَالَ ابن حزم عن ابن جبير أنه قَالَ: إذا وضعت رجلك بأرض فأتم (٤). ثانيها: بإقامة يوم وليلة. حكاه ابن بطال عن ربيعة، قَالَ: وهو شيء بعيد (٥). ثالثها: ثلاثة أيام، قالها ابن المسيب في رواية. رابعها: أربعة، روي عن مالك، والشافعي، وعن أحمد أيضًا، وعن عثمان، وروى مالك، عن عطاء الخراساني أنه سمع سعيد بن ------------ (١) «السنن الكبرى» ٣/ ١٥١ كتاب: الصلاة، باب: المسافر يقصر ما لم يجمع مكثًا ما لم يبلغ مقامه. (٢) بل سيأتي مصرحًا بذلك في حديث (٤٢٩٨). (٣) «صحيح مسلم» برقم (٦٩٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها، «سنن أبي داود» (١٢٣٣)، «سنن الترمذي» (٥٤٨)، «سنن النسائي» ٣/ ١٢١، «سنن ابن ماجه» (١٠٧٧). (٤) «المحلى» ٥/ ٢٣. (٥) «شرح ابن بطال» ٣/ ٧٥. المسيب قَالَ: من أجمع إقامة أربع ليالٍ وهو مسافر أتم الصلا ة (١)، وهو أحد أقواله. قَالَ وكيع: ثنا هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قَالَ: إذا أقمت أربعًا فصل أربعًا (٢). قَالَ مالك: وذلك أحب ما سمعت إليَّ، قال أبو عمر: ودل ذلك على أنه سمع الخلاف. وذكر ابن وهب قال: ذلك أحسن ما سمعت، والذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا أن من أجمع إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم. قَالَ أبو عمر: وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو قوله وقول أصحابه، وبه قَالَ أبو ثور (٣). قَالَ الشافعي: إذا أزمع المسافر أن يقيم بموضع أربعة أيام ولياليهن أتم الصلاة، ولا يحسب من ذلك يوم نزوله ولا يوم ظعنه (٤). قلتُ: هذا قول عنه ليس الفتوى عليه (٥)، وحكى إمام الحرمين عنه أربعة أيام ولحظة. قَالَ ابن بطال: وهذا القول أصح المذاهب في هذِه المسألة. قلتُ: إن كان معتمده الوجود، فما يعمل في باقي الأحاديث تسعة عشر ونحوها. واختلف في المدة المذكورة، فقال ابن القاسم: أربعة أيام كاملة. قَالَ عنه عيسى: ولا يعتد بيوم دخوله إلا أن يدخل في قوله. وقال عبد الملك وسحنون ومحمد: إذا نوى مقام زمان تجب فيه عشرون صلاة ------------- (١) روى ذلك البيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٢٧٠ (٦١١٦) كتاب: الصلاة، باب: المقام الذي يتم بمثله الصلاة. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢١١ (٨٢١٩) كتاب: الصلوات، باب: من قال: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم. (٣) «الاستذكار» ٦/ ١٠١. (٤) «الأم» ١/ ١٦٤. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: ما قاله الشافعي هو المعروف وعليه الفتوى، وقد اشتبه ذلك على المؤلف بمسألة ما إذا أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة موقعها كل وقت. أتم؛ لأنه صلى بمكة إحدى وعشرين صلاة؛ لأنه دخل يوم الرابع بعد صلاة الصبح، وخرج يوم التروية قبل صلاة الظهر (١). وظاهر كلام القاضي عبد الوهاب أن القولين سواء؛ لأنه قال: وإن نوى المسافر أربعة أيام أو ما يصلي فيه عشرين صلاة. وقال ابن مسلمة: من قدم مكة ينوي الإقامة بها، وهو يريد الحج، وبينه وبين الخروج إلى مني أقل من أربعة أيام أنه يقصر حَتَّى يرجع إلى مكة. وقال مالك في «مختصر ما ليس في المختصر»: يتم الصلاة بمكة، وما أسلفناه من أنه - ﷺ - صلى بمكة إحدى وعشرين ذكره الشيخ أبو الحسن في «تبصرته»، وهو لا يصح. إنما صلى عشرين؛ لأنه صلى الصبح رابع ذي الحجة بذي طوى، وظهر الثامن بمنى كذا في البخاري. بعد هذا وبالجملة فالخبر راد على من قَالَ: إن من نوى مقام زمان يصلي فيه عشرين صلاة يتم. خامسها: أكثر من أربعة أيام قاله داود، وحكاه ابن رشد عن أحمد (٢). سادسها: أن ينوي اثنتين وعشرين صلاة. ذكره في «المغني» (٣)، وجعله المذهب، ومثله في «المحلى». ونقل ابن المنذر عنه إحدى وعشرين صلاة. سابعها: عشرة أيام. روي عن علي، والحسن بن صالح، ومحمد بن علي أبي جعفر، نقله ابن عبد البر عنهم (٤)، وحكاه ابن بطال عن ابن عباس أيضًا (٥). ----------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٣٠، «المنتقى» ١/ ٢٦٥. (٢) «بداية المجتهد» ١/ ٣٢٦. (٣) «المغني» ٣/ ١٥٠. (٤) «الاستذكار» ٦/ ١٠٨. (٥) «شرح ابن بطال» ٣/ ٦٦، و«التمهيد» ٤/ ٣٧٨. ثامنها: اثنا عشر يومًا. نقله ابن عبد البر عن ابن عمر، وهو أحد أقواله (١). روى مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه كان يقول: أصلي صلاة المسافر ما لم أجمع مكثًا، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة (٢). وروي عن الأوزاعي مثل ذلك، ذكره الترمذي عنه (٣). قَالَ ابن بطال: ولا حجة له؛ لأنه - ﷺ - وأصحابه لم يتم أحد منهم في هذا المقدار (٤). تاسعها: ثلاثة عشر يومًا. روي أيضًا عن الأوزاعي، نقله ابن عبد البر عنه (٥). عاشرها: خمسة عشر يومًا. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٦)، ويروى عن ابن عباس كما سلف في الحديث. وحكاه ابن بطال عن ابن عمر، والثوري، والليث (٧)، ولم أر من قَالَ بها من أصحابنا، مع أن الخلاف راجع إلى ما ورد من ذلك، وقد أسلفنا أن الصحيح إرسالها، وفيه مع ذلك عنعنة ابن إسحاق، لكن رواه النسائي بدونها (٨). وروى مجاهد، عن ابن عمر، وابن عباس أنهما قالا: إذا ------------- (١) «الاستذكار» ٦/ ١٠٦ - ١٠٧. (٢) «التمهيد» ٤/ ٣٧٨. (٣) «سنن الترمذي» عقب ح (٥٤٨) في الصلاة، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٧٥ - ٧٦. (٥) «التمهيد» ٤/ ٣٧٨. (٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٥٩. (٧) «شرح ابن بطال» ٣/ ٧٥. (٨) «سنن النسائي» ٣/ ١١٨ كتاب: تقصير الصلاة، و٣/ ١٢٠ باب: الصلاة بمنى، وفي «الكبرى» ١/ ٥٨٤ (١٨٩٦) كتاب: قصر الصلاة، باب: تقصير الصلاة في السفر. عن أنس. قدمت بلدًا وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة (١). الحادي عشر: ستة عشر يومًا، وهو مروي، عن الليث أيضًا. الثاني عشر: سبعة عشر يومًا، وهو قول للشافعي للحديث السالف، وقد صححه ابن حبان (٢). الثالث عشر: ثمانية عشر يومًا، وهو أصح أقوال الشافعي؛ اعتمادًا منه على حديث عمران بن حصين السالف؛ لسلامته من الاختلاف، فإنه لم يروَ إلا هكذا، بخلاف حديث ابن عباس، فإن روايته تنوعت كما سلف، لكن في سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو متكلم فيه كما سلف. الرابع عشر: تسعة عشر يومًا، وهو الصحيح عن ابن عباس كما مر، قاله إسحاق كما نقله الترمذي عنه (٣)، وهو أحد أقوال الشافعي (٤)، وهو القوي عندي، وبه أفتي؛ لأن الباب باب اتباع، وهذا أصح ما ورد فلا يعدل عنه. الخامس عشر: عشرون يومًا، وفيه: حديث في غزوة تبوك أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث جابر، وصححه ابن حبان (٥)، وهو أحد ------------ (١) أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢١١ (٨٢١٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال: إذا جمع على إقامة خمس عشرة أتم. (٢) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٤٥٧ (٢٧٥٠) كتاب: الصلاة، باب: فصل في صلاة السفر. (٣) «سنن الترمذي» عقب حديث (٥٤٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في كم تقصر الصلاة. (٤) انظر: «المجموع» ٤/ ٢٤٢. (٥) «سنن أبي داود» برقم (١٢٣٥) كتاب: الصلاة، باب: إذا قام بأرض العدو يقصر، و«مسند أحمد» ٣/ ٢٩٥، و«صحيح ابن حبان» ٦/ ٤٥٦ (٢٧٤٩)، ٦/ ٤٥٩ = أقوال الشافعي (١). السادس عشر: يقصر حَتَّى يأتي مصرًا من الأمصار، قاله الحسن البصري كما نقله عنه ابن عبد البر وقال: لا نعلم أحدًا قاله غيره (٢). السابع عشر: يقصر مطلقًا، وحكي عن مالك وأبي حنيفة وأحمد، وهو أحد أقوال الشافعي، ونقله البغوي عن أكثر أهل العلم (٣)، وحكى الترمذي الإجماع عليه قياسًا على المقدار الذي ورد (٤)؛ لأن الظاهر أنه لو استمرت الإقامة على ذلك استمر القصر؛ لأن الصحابة أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة. وأقام أنس مع عبد الملك بن مروان بالشام شهرين يقصر الصلاة. وأقام عمر ومن معه بأذربيجان ستة أشهر في غزاة يقصر الصلاة وقد ارتج عليهم الثلج. روى الكل البيهقي بإسناد صحيح (٥). وأما حديث ابن عباس (٦) أنه - ﷺ - أقام ------------ = (٢٧٥٢)، رواه أيضًا عبد بن حميد في «المنتخب» ٣/ ٧١ - ٧٢ (١١٣٧)، والبيهقي ٣/ ١٥٢ كتاب: الصلاة، باب: من قال: يقصر أبدًا ما لم يجمع مكثًا، قال أبو داود: غير معمر يرسله لا يسنده، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٢٠). (١) انظر: «المجموع» ٤/ ٢٤٢. (٢) «التمهيد» ٤/ ٣٧٨. (٣) «التهذيب» ٢/ ٢٩٧، وانظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٢٨، «التمهيد» ٤/ ٢٧٨، «المجموع» ٤/ ٢٤٢، «المغني» ٣/ ١٥١. (٤) «سنن الترمذي» عقب حديث (٥٤٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في كم تقصر الصلاة. (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ١٥٢ كتاب: الصلاة، باب: من قال: يقصر أبدًا ما لم يجمع مكثًا. قال الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٠٨٤ (٤٨٦٦): تفرد بوصله معمر. (٦) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: وفي «الأوسط» للطبراني من حديث ابن عباس أنه - عليه السلام - أقام بخيبر ستة أشهر يجمع بين الصلاتين. أربعين يومًا بخيبر يقصر الصلاة، فضعيف (١). قَالَ إمام الحرمين: هذا القول يقرب من القطعيات. قَالَ: وقد أقام أنس بن مالك سنة أو سنتين بنيسابور يقصر، وأقام علقمة بخوارزم سنين يقصر، وكذا عبد الرحمن بن سمرة بكابل سنين يقصر، فدل ذلك من فعلهم مع عدم الإنكار على أنه إجماع، ولأنه عازم على الرحيل غير ناويَ الإقامة، فجاز له القصر كما في الثمانية عشر. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس قَالَ: إن أقمت في بلد خمسة أشهر، فقصر الصلاة. وعن عبد الرحمن قَالَ: أقمنا مع سعد بن مالك شهرين بعمان يقصر الصلاة ونحن نتم، فقلنا له، فقال: نحن أعلم. وعن أبي المنهال، عن رجل من عنزة، قلتُ لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولًا لا أشد على سفر. فقال: صلِّ ركعتين (٢). وإذا جمع الخلاف عندنا في حال القتال وغيره، وركبت بعض الوجوه مع بعض واختصرت، قلتُ: في ذلك ثمانية عشر قولًا وجهًا: ثلاثة أيام، أربعة، سبعة عشر، ثمانية عشر، تسعة عشر، عشرين، أبدًا، يقصر من غير حاجة قتال ثلاثة، ومن حاجته سبعة عشر، من حاجة غير قتال ثلاثة ومنها ثمانية عشر، من حاجة غير قتال ثلاثة ومنها تسعة عشر، من عدمها ثلاثة ومنها عشرون، من عدمها ثلاثة ومنها أبدًا، والثالث عشر إلى السابع عشر: من عدمها أربعة ------------ (١) رواه البيهقي ٣/ ١٥٢ كتاب: الصلاة، باب من قال: يقصر أبدًا ما لم يجمع مكثًا، وقال: تفرد به الحسن بن عمارة وهو غير محتج به، وقال الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٠٨٥ (٤٨٦٨): ابن عمارة واهٍ. (٢) «المصنف» ٢/ ٢٠٩ (٨١٩٩ - ٨٢٠١)، كتاب: الصلوات، باب: في المسافر يطيل المقام في المصر. ومن حاجته سبعة عشر، أو ثمانية عشر، أو تسعة عشر، أو عشرون، أو أبدًا. والثامن عشر: يقصر من غير حاجة قتال ثمانية عشر يومًا، ومن حاجة قتال يقصر أبدًا. كذا جمع الخلاف ابن الرفعة، ولا بد من تحريره فليتأمل. قال ابن التين: وإقامة الشارع تسعة عشر يقصر يحتمل أنه لم ينو إقامة أربعة أيام، أو أقام ذلك في أرض العدو حيث لا يملك الإقامة. وجعل ابن عباس تسعة عشر هذا من رأيه. وقوله: (إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا)، سمى الإقامة بالمصر سفرًا؛ لأنه في حكم المسافر، وكأن ابن عباس ذهب إلى أن الأصل في الصلاة الإتمام، فلا يقصر إلا ما جاء فيه نص، واعتمد البخاري كلام ابن عباس. قَالَ الخطابي: وهو الصحيح؛ لأنه جمع حكايته فعل الشارع وبقول ابن عباس. قَالَ الشافعي: إلا أنه شرط وجود الخوف ولو كانت العلة الخوف ما حَدَّثَني تسعة عشر (١). كذا نقل عنه، وهو غريب في اشتراط الخوف وتحديده بتسعة عشر. وقول أنس: (أَقَمْنَا عَشْرًا)، قَالَ أبو عبد الملك: هو ما تأولنا أنه لم ينو إقامة أربعة أيام، ولكن يمنعه ما يعترضه من الشغل حَتَّى مضى عشر. وغيره تأوله على أنهم قدموا لصبح رابعه. فمقامهم بمكة دون أربعة أيام، وقول ابن عباس: أقمنا تسعة عشر، وقول أنس: أَقَمْنَا عَشْرًا يحتمل أن يكونا موطنين. قلتُ: بلا شك كما أسلفته لك. قَالَ الداودي: وليس هذا كله إلا في عام الفتح؛ لأنه لم يقم في ------------ (١) «أعلام الحديث» ١/ ٦٢٥. حجته بعد أن فرغ منها وأقام في الفتح قبل خروجه إلى هوازن والطائف مدة وأقام بعد رجوعه إلى مكة. وإما أن يكون أحدهما في موطن غير الآخر، أو يكون أحدهما حفظ ما لم يحفظه الآخر. أما قول أنس، فقال مالك: هو في حجة الوداع، وقد شهدها أنس وابن عباس، ولا يحفظ أن ابن عباس شهد الفتح، وكان حيئنذٍ ابن إحدى عشرة سنة وأشهر. قلتُ: القضية متعددة قطعًا، فقضية ابن عباس في الفتح، وأنس في حجة الوداع. وقال ابن بطال: إنما أقام الشارع تسعة عشر يومًا يقصر؛ لأنه كان محاصرًا في حصار الطائف أو في حرب هوازن، فجعل ابن عباس هذِه المدة حدًّا بين التقصير والإتمام. قَالَ المهلب: والفقهاء لا يتأولون هذا الحديث كما تأوله ابن عباس، ويقولون: إنه كان - ﷺ - في هذِه المدة التي ذكرها ابن عباس غير عازم على الاستقرار؛ لأنه كان ينتظر الفتح ثم يرحل بعد ذلك، فظن ابن عباس أن التقصير لازم إلى هذِه المدة، ثم ما بعد ذلك حضر يتم فيه، ولم يراع نيته في ذلك، ثم روى حديث إقامته بتبوك يقصر عشرين ليلة. وروى ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح أنه سأل سالم بن عبد الله: كيف كان يصنع ابن عمر؟ قَالَ: إذا أجمع المكث أتم، وإذا أقام اليوم وغدًا قصر الصلاة وإن مكث عشرين ليلة. والعلماء مجمعون على هذا لا يختلفون فيه. قلتُ: وأين الإجماع وقد علمت الخلاف الطويل الذي سقته! وتأول الفقهاء حديث أنس أيضًا أن إقامته بمكة لا استيطانًا لها لئلا تكون رجوعًا في الهجرة، وقد روي عن ابن عباس أيضًا أن من نوى إقامة عشر ليال أن يتم الصلاة. وهو قول له آخر خلاف تأويله للحديث، ولا أعلم أحدًا من أئمة الفتوى قَالَ بحديث ابن عباس، وجعل التسعة عشر يومًا حدًا للتقصير، فهو مذهب له انفرد به (١). قلتُ: لكن الصحيح عنه تسعة عشر كما أسلفناه. ونقله الترمذي عن إسحاق (٢) ثم ذكر رواية ابن عباس: سبع عشرة، ثم قَالَ: وإنما جاء هذا الحديث -والله أعلم- من الرواة. قَالَ: ولم يقل: سبع عشرة أحد من الفقهاء أيضًا إلا الشافعي فإنه قَالَ: من أقام بدار الحرب خاصة سبع عشرة ليلة قصر (٣). قلتُ: مروي عن الليث، والمفتى به من مذهب الشافعي ثمانية عشر كما أسلفناه. قَالَ: وتأول الفقهاء حديث أنس أن إقامته بها عشرًا كانت بنية الرحيل، وكانت العوائق تمنعه من ذلك، فما كان على نية الرحيل، فإنه يقصر فيه وإن أقام مدة طويلة بإجماع العلماء. وقد سلف لك ما في هذا الإجماع. وفي حديث ابن عباس من الفقه ما ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، وأحد قولي الشافعي أن من كان بأرض العدو من المسلمين، ونوى إقامة مدة يتم المسافر في مثلها الصلاة أنه يقصر الصلاة؛ لأنه لا يدري متى يرحل (٤). -------------- (١) المصدر السابق. (٢) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٥٤٨). (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٦٧. (٤) انظر: «المجموع» ٤/ ٢٤١. قَالَ ابن القصار: والقول الثاني للشافعي الذي خالف فيه الفقهاء قَالَ: إن كان المقيمون بدار الحرب ينتظرون الرجوع في كل يوم، فإنه يجوز لهم أن يقصروا إلى سبعة عشر يومًا، أو ثمانية عشر يومًا، فإذا جاوزوا هذا المقدار أتموا، واحتج بأن الشارع أقام بهوازن هذِه المدة يقصر (١). وقول الأول الموافق للفقهاء أولى؛ لأن إقامة من كان بدار الحرب ليست إقامة صحيحة، وإنما هي موقوفة لما يتفق لهم من الفتح؛ لأن أرض العدو ليست بدار إقامة للمسلمين. وقد روى جابر أنه - ﷺ - أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة (٢). وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يحارب ويقصر. وأقام أنس بنيسابور سنتين يقصر الصلاة، وفعله جماعة من الصحابة (٣). ------------- (١) انظر: «المجموع» ٤/ ٢٤٢. (٢) تقدم تخريجه قريبًا. (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٦٥ - ٦٨، والآثار سبق تخريجها. ٢ - باب الصَّلَاةِ بِمِنًى ١٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا. [١٦٥٥ - مسلم: ٦٩٤ - فتح: ٢/ ٥٦٣] ١٠٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺآمَنَ مَا كَانَ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. [١٦٥٦ - مسلم: ٦٩٦ - فتح: ٢/ ٥٦٣] ١٠٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. [١٦٥٧ - مسلم: ٦٩٥ - فتح: ٢/ ٥٦٣] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ أيامه، ثُمَّ أَتَمَّهَا. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي راوية لمسلم: عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر قال: صلى النبي - عليه السلام - بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ثمان سنين، أو قال: ست ------------- (١) «صحيح مسلم» برقم (٦٩٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: قصر الصلاة بمنى. سنين (١). وروى أبو داود الطيالسي في «مسنده»، عن زمعة، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: صلى رسول الله - ﷺ - بمنى صلاة السفر ركعتين، ثم صلى أبو بكر ركعتين، ثم صلى بعده عمر ركعتين، ثم صلى بعده عثمان ركعتين، ثم أن عثمان أتم بعد (٢). الحديث الثاني: حديث شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - آمَنَ مَا كَانَ بمِنًى رَكْعَتَيْنِ. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا هنا (٣)، ويأتي في الحج (٤)، ثم في رواية: ونحن أكثر ما كنا قط وأمنة بمنى ركعتين (٥)، وفي أخرى لمسلم في حجة الوداع (٦). وللإسماعيلي قال: قال غندر: في حديثه عن شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث عن حارثة بن وهب وحارثة بن وهب -بالحاء المهملة- صحابي وهو أخو عبد الله بن عمر لأمه، أمهما أم كلثوم بنت جرول الخزاعي (٧). الحديث الثالث: حديث عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ .. إلى قوله: فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. ------------- (١) السابق برقم (٦٩٤/ ١٨). (٢) «مسند أبي داود الطيالسي» ٣/ ٣٥٧ (١٩٢٤). (٣) «صحيح مسلم» برقم (٦٩٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: قصر الصلاة بمنى. (٤) برقم (١٦٥٦) باب: الصلاة بمنى. (٥) التخريج السابق. (٦) «صحيح مسلم» برقم (٦٩٦/ ٢١)، كتاب: صلاة المسافرين، باب: قصر الصلاة بمنى. (٧) انظر: «الاستيعاب» ١/ ٣٧٠ (٤٦٠)، «أسد الغابة» ١/ ٤٣٠ (١٠٠٥). وأخرجه مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي، وأخرجه النسائي من غير ذكر عثمان من طريق علقمة عن ابن مسعود (١). إذا عرفت ذلك فالإجماع قائم على أن القصر بمنى وعرفة حكم الحاج الآفاقي الذي بينه وبينها مسافة القصر. وعند مالك أن الحاج المكي يقصر بهما، وكذا أهل عرفة بمكة ومنى يقصرون، وحجته التمسك بأحاديث الباب، ومثله في النسائي من حديث أنس (٢)، وفي ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر وأبي جحيفة. وعن القاسم، وسالم قالا: الصلاة بمنى قصر. وأن ابن عمر كان يتم بمكة، فإذا خرج إلى مني قصر (٣). ونقل ابن بطال اتفاق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وسائر المشاهد؛ لأنه عندهم في سفر، إذ ليست مكة دار إقامة إلا لأهلها، أو لمن أراد الإقامة بها، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بمكة، فلذلك لم ينوِ الشارع الإقامة بمكة ولا بمنى. قَالَ: واختلف الفقهاء في صلاة المكي بمنى. فقال مالك: يتم المكي بمكة ويقصر بمنى، وكذا أهل مني يتمون بمنى ويقصرون بمكة وعرفات. وجعل هذِه المواضع مخصوصة بذلك؛ لأنه - ﷺ - لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه، ولا قَالَ: يا أهل مكة أتموا. يعني: بعرفات. وهذا موضع بيان، وكذا عمر بعده قَالَ لأهل مكة: يا أهل --------- (١) مسلم (٦٩٥)، أبو داود (١٩٦٠)، والنسائي ٣/ ١١٨. (٢) «سنن النسائي» ٣/ ١١٨ كتاب: تقصير الصلاة في السفر. (٣) «المصنف» ٢/ ٢٠٦، ٢٠٨ (٨١٦٥، ٨١٦٧، ٨١٨٠، ٨١٨٤). مكة أتموا؛ فإنا قوم سفر (١)، وكذا قاله الشارع بمكة. وممن روي عنه أن المكي يقصر بمنى ابن عمر، وسالم، والقاسم، وطاوس (٢)، وبه قَالَ الأوزاعي، وإسحاق، وقالوا: إن القصر سنة الموضع، وإنما يتم بمنى وعرفة من كان مقيمًا فيهما، واستدلوا بحديث حارثة ابن وهب المذكور في الكتاب، وكانت دار حارثة بمكة، ولو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقَالَ حارثة: وأتممنا نحن، أو قَالَ لنا: أتموا؛ لأنه - ﷺ - يلزمه البيان لأمته (٣)؛ ولأن عمل الحاج لا ينقضي في أقل من يوم وليلة مع الانتقال اللازم، والمشي من موضع إلى موضع لا يجوز الإخلال به، فجرى ذلك مجرى الشيء اللازم؛ ولأن من مكة إلى عرفة، ثم إلى مكة بمقدار ما يقصر فيه الصلاة، ويلزمه بالدخول فيه ملزمة القصر، ولا يلزم على هذا من يخرج من سفر بضعًا وعشرين ميلًا؛ لأن رجوعه هناك ليس بلازم، ورجوعه إلى مكة في الحج لازم؛ ولأنه عائد إلى الطواف، فصار لا بد من نية الرجوع بخلاف غيره من الأسفار. وهذا التعليل والذي قبله يخرج منه العَرَفيُّ. وروى عيسى عن ابن القاسم في أهل مني وأهل عرفة يفيضون بقصر العرفي، ويتم المنوي إلى منى؛ لأنه يرجع إلى وطنه بعد أن يفيض في مسافة إتمام، بخلاف العرفي، فإنه يفيض من مكة إلى غير وطنه لإتمام حجه، فإذا دفع من منى بعد انقضاء حجه لم يقصر إلى عرفة لما ذكرناه. -------------- (١) رواه مالك ص ١١١، والبيهقي في «معرفة السنن الآثار» ٤/ ٢٧٨ (٦١٥٥) كتاب: الصلاة، باب: صلاة المكي بمنى تمام غير قصر. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٨ (٨١٨٣ - ٨١٨٥) كتاب: الصلوات، باب: في أهل مكة يقصرون إلى منى. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٦٨ - ٦٩. ![]()
__________________
|
|
#234
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 441 الى صـــ 460 الحلقة (234) واختلف قول مالك، وابن القاسم في صلاة المكي بالمحصب، هل يقصر؟ واختلافهما مبني على أن المحصب، هل هو مشروع، فمن قَالَ أنه مشروع قصر (١). وقال أكثر أهل العلم منهم عطاء، والزهري، وهو قول الثوري، والكوفيين، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات؛ لانتفاء مسافة القصر (٢). قالوا في قول عمر: يا أهل منى أتموا، وكذا قول الشارع أيضًا ما أغنى أن يقول ذلك بمنى. قَالَ الطحاوي: وليس الحج موجبًا للقصر؛ لأن أهل منى وعرفات إذا كانوا حجاجًا أتموا وليس هو متعلقًا بالموضع، وإنما هو متعلق بالسفر، وأهل مكة مقيمون هناك لا يقصرون، ولما كان المقيم لا يقصر لو خرج إلى منى كذلك الحاج. واختلف العلماء في المسافة التي يقصر فيها، فقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون، وروي عن ابن مسعود: أقلها ثلاثة أيام ولياليهن سير الإبل ومشي الأقدام، وقدر أبو يوسف بيومين وأكثر الثالث. وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ورواية ابن سماعة عن محمد، ولم يريدوا به السير ليلًا ونهارًا؛ لأنهم جعلوا النهار للسير والليل للاستراحة. ولو سلك طريقًا هي مسيرة ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل في يوم من طريق أخرى قصر، ثم قدروا ذلك بالفراسخ فقيل: أحد وعشرون فرسخًا. وقيل: ثمانية عشر. وعليه الفتوى، وقيل: ------------ (١) «المنتقى» ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٥٧. خمسة عشر ومدته ثلاثة أيام ولياليهن. وهو مذهب عثمان، وابن مسعود، وحذيفة، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والثوري، والحسن بن حي، وأبي قلابة، وشريك بن عبد الله، وابن جبير، وابن سيرين، ورواية عن ابن عمر، واحتج لهم بحديث ابن عمر وأبي هريرة الآتي: «لا تسافر المرأة ثلاثًا» (١). وقالوا: لما اختلفت الآثار والعلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة، وكان الأصل التمام، لم يجب أن ينتقل عنه إلا بيقين. واليقين ما لا ينازع فيه، وذلك ثلاثة أيام. والجواب أن الشارع قد ذكر اليوم والليلة ونص عليه، فهو أولى من ذلك. والدليل إذا اجتمع مع النص قضي بالنص عليه. وعن مالك: لا يقصر (٢) في أقل من ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي وهو ستة عشر فرسخًا. وهو قول أحمد (٣)، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون أصبعًا معترضة معتدلة، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، وذلك يومان، وهي أربعة برد، وهذا هو المشهور عنه، وعن مالك أيضًا خمسة وأربعون ميلًا. وعنه: اثنان وأربعون ميلًا. وأربعون. وستة وثلاثون ميلًا. عزاها ابن حزم إلى رواية إسماعيل القاضي في «مبسوطه»، قَالَ: وذا لأهل مكة خاصة، ويقصر إلى منى فما فوقها، وهي أربعة أميال (٤). وقال ابن بطال: كان مالك يقول: يقصر في مسيرة يوم وليلة. ثم رجع فقال: يقصر في أربعة برد. كقول ابن عمر، وابن عباس، وبه قَالَ -------------- (١) برقم (١٠٨٨) كتاب: تقصير الصلاة، باب: في كم تقصير الصلاة. (٢) «المنتقى» ١/ ٢٦٧. (٣) انظر: «المغني» ٣/ ١٠٦. (٤) «المحلى» ٥/ ٥. الليث، والشافعي في أحد أقواله، وهو قول أحمد، وإسحاق. وروى أشهب عن مالك فيمن خرج إلى ضيعته وهي رأس خمسة وأربعين ميلًا أنه يقصر. وعن ابن القاسم فيمن قصر في ستة وثلاثين ميلًا لا يعيد. وقال يحيى بن يعمر: يعيد أبدًا. وقال ابن عبد الحكم: يعيد في الوقت. وقال ابن حبيب: يقصر في أربعين ميلًا، وهي قريب من أربعة برد (١). وقال الأوزاعي: عامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام، وبه نأخذ، ونُقل عنه: اثنا عشر يومًا فما زاد. وقالت طائفة: يقصر في يومين. روي عن ابن عمر، والحسن البصري (٢)، والزهري، وحكي مثله عن الشافعي. وقال الأوزاعي: كان أنس يقصر في خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا. وللشافعي سبعة نصوص في مسافة القصر: ثمانية وأربعون ميلًا، ستة وأربعون ميلًا، أكثر من أربعين، أربعون، يومان، ليلة، ويوم وليلة (٣). قلتُ: الليلة بلا يوم (٤)، وحملت على شيء واحد. والأول هو الأصح. وعن داود: يقصر في طويل السفر وقصيره، حكاه في «التمهيد» عنه (٥). قال أبو حامد: حَتَّى لو خرج إلى بستان له خارج البلد قصر (٦). وذكر ابن حزم في «محلاه» أنه لا يقصر في أقل من ميل عند ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٧٨. (٢) «المنتقى» ١/ ٢٦٢. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٣ (٨١٢٤٩ كتاب: الصلوات، باب: في مسيرة كم يقصر الصلاة. (٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: إنما زاد الشيخ هذِه الفائدة زيادة في الإيضاح. (٥) «التمهيد» ٤/ ٣٨٦. (٦) انظر: «المجموع» ٤/ ٢١٠. الظاهرية. قَالَ: ولا يجوز لنا أن نوقع اسم سفر وحكم سفر إلا على من سماه من هو حجة في اللغة سفرًا، فلم يحدد ذلك في أقل من ميل، وقد روينا الميل عن ابن عمر، فإنه قَالَ: لو خرجت ميلًا لقصرت الصلاة (١)، وروي عن ابن عمر خلاف ذلك (٢)، والمسألة محل بسطها الخلافيات، وقد عقد لها البخاري بابًا ستمر به قريبًا -إن شاء الله- واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري أنه - ﷺ - سافر فرسخًا فقصر (٣)، ولا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه أن سفره كان فرسخًا، ويجوز أن يكون فعل ذلك إشارة إلى أنه لا يفتقر القصر إلى قطع جميع المسافة، بل بالشروع فيها. وعبارة ابن بطال: حكى من لا يعتد بخلافه من أهل الظاهر أنه يجوز القصر في قليل السفر وكثيره إذا جاوز البنيان، ولو قصد إلى بستانه، وحكوه عن علي (٤). وحجة مالك حديث: «لا يحل لامرأة تؤمن باللهِ واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة» (٥) فجعل اليوم والليلة حكمًا خلاف الحضر، فعلمنا أنه الزمن الفاصل بين السفر الذي يجوز فيه القصر، وبين ما لا يجوز (٦). ونقل القاضي أبو محمد وغيره إجماع الصحابة على اعتبار مسافة، وإن اختلفوا في مقدارها، ---------------- 0(١) «المحلى» ٥/ ١٩ - ٢٠. (٢) ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣ (٨١٢٠، ٨١٣٦)، ولفظه: أن ابن عمر خرج إلى أرض له بذات النصب فقصر وهي ستة عشر فرسخًا. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٢ (٨١١٣) كتاب: الصلوات، باب: في مسيرة كم يقصر الصلاة. (٤) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٦ (٨١٦٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقصر الصلاة. (٥) سيأتي برقم (١٠٨٨) كتاب: تقصير الصلاة، باب: في كم يقصر الصلاة. (٦) «شرح ابن بطال» ٣/ ٧٨ - ٧٩. فمن لم يعتبرها خرق الإجماع. والميل ونحوه لا مشقة في قطعه فصار كالحضر. واختلف العلماء سلفًا وخلفًا في إتمام الصلاة في السفر، فذهبت طائفة إلى أن ذلك سنة. وروي عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص أنهما كانا يتمان فيه، ذكره عطاء بن أبي رباح عنهما (١)، وعن حذيفة مثله. وروي مثله عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود، وعن سعيد بن المسيب، وأبي قلابة (٢). وروى أبو مصعب عن مالك قَالَ: قصر الصلاة في السفر سنة، وهو قول الشافعي إذا بلغ سفره ثلاثة مراحل، وأبي ثور. وعن الشافعي قول: أنه مخير بينهما، غير أن الإتمام أفضل. وذهب بعض أصحابه إلى أنه مخير، والقصر أفضل (٣). قَالَ ابن القصار: وهذا اختيار الأبهري واختياري. وذهبت طائفة إلى أن الواجب على المسافر ركعتان، روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس، وهو قول الكوفيين، ومحمد بن سحنون. واختاره إسماعيل بن إسحاق من أصحاب مالك (٤). واحتج الكوفيون بحديث عائشة: فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر. وقد سلف في أول كتاب الصلاة شيء من معنى ذلك (٥)، ولا شك أن الفرض يأتي بمعنى لغير الإيجاب كما تقول: فرض القاضي النفقة، إذا قدرها وبينها. ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ ------------- (١) روى عنهم هذِه الآثار البيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٢٦٤ (٦١٠٠ - ٦١٠١) كتاب: الصلاة، باب: الإتمام في السفر. (٢) وهذا أحد قولي مالك، وروى أشهب عنه أنه فرض، انظر: «المنتقي» ١/ ٢٦٠. (٣) انظر: «البيان» ٢/ ٤٥٨. (٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٢٠، «الأوسط» ٤/ ٣٣٩. (٥) برقم (٣٥٠) باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء. تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي بين لكم كيف تكَفِّرون عنها في قول بعض المفسرين. وقال الطبري: يحتمل قول عائشة: فرضت ركعتين في السفر، يعني: إن اختار المسافر ذلك، وإن اختار أربعًا. ونظير هذا التخيير النفر الأول من منى فإنه غير فيه. ولو كان فرض المسافر ركعتين فقط لما جاز له جعلها أربعًا بوجه من الوجوه، كما ليس للمقيم أن يجعل صلاته مثنى وصلاة الفجر أربعًا. وقد اتفق فقهاء الأمصار على أن المسافر إذا ائتم بمقيم في جزء من صلاته أنه يلزمه الإتمام. فهذا يدل على أنه ليس فرضه ركعتين إلا على التخيير. وقال: إن من أتم من المسافرين فالفرض أختار، وإن من قصر فهو تمام فرضه. واختلف الناس في وجه إتمام عثمان على أقوال: أحدها: أنه أمير المؤمنين، فحيث كان في بلد فهو عمله. قاله أبو الجهم، ووجهه أن للإمام تأثيرًا في حكم الإتمام كما له تأثير في إقامة الجمعة إذا مر بقوم أنه يجمع بهم الجمعة. غير أن عثمان سار مع الشارع إلى مكة وغيرها، وكان مع ذلك يقصر، ويخدش في ذلك أن الشارع كان أولى بذلك، ومع ذلك لم يفعله، نعم صح عنه أنه كان يصلي في السفر ركعتين إلى أن قبضه الله كما ستعلمه (١). ثانيها: أنه اتخذ منى مسكنًا، فلذلك أتم. روى معمر، عن الزهري ------------- (١) سيأتي برقم (١١٠١ - ١١٠٢) كتاب: تقصير الصلاة، باب: من لم يتطوع في السفر وبر الصلاة وقبلها. مختصرًا، ورواه مسلم مطولًا برقم (٦٨٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها. قَالَ: إنما فعل ذلك؛ لأنه أزمع على المقام بعد الحج. ذكره أبو داود. وروى عبد الله بن الحارث بن أبي ذئاب عن أبيه -وقد عمل الحارث لعمر بن الخطاب- قَالَ: صلى بنا عثمان أربعًا، فلما سلم أقبل على الناس فقال: إني تأهلت بمكة، وقد سمعت رسول الله - ﷺ - «من تأهل لبلدة فهو من أهلها فَلْيصل أربعة»، وعزاه ابن التين إلى رواية ابن سنجر: أن عثمان صلى بمنى أربعًا فأنكروا عليه فقال: يا أيها الناس إني لما قدمت تأهلت بها، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا تأهل الرجل ببلد، فليصل بهم صلاة المقيم» وهذا منقطع، أخرجه البيهقي من حديث عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف عن ابن أبي ذئاب، عن أبيه قَالَ: صلى عثمان (١) (٢). وقال ابن حزم: روينا من طريق عبد الرزاق، عن الزهري قَالَ: بلغني أن عثمان إنما صلى أربعًا -يعني: بمنى- لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج، وهذا يرده أن المقام بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث لا يجوز (٣). وقال ابن التين: لا يمنع ذلك إذ [عرض] له أمر أوجب مقامه أربعة أيام لضرورة. وقد قَالَ مالك في «العتبية» فيمن يقيم بمنى ليخف الناس: يتم. في أحد قوليه، ومثل هذا الجواب أن أهله كانوا معه بمكة. ويرده أن الشارع كان يسافر بزوجاته، وكن معه بمكة، ومع ذلك يقصر، ومثله إنما أتم لأنه أقام بمكة قبل مخرجه إلى منى مدة توجب الإتمام. واعتقد أن --------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: وبهذه الطريق أخرجه الإمام أحمد في «المسند» فقال: حدثنا أبو سعيد -مولى بني هاشم- ثنا عكرمة بن إبراهيم فساقه. (٢) «معرفة السنن الآثار» ٤/ ٢٦٣ (٦٠٩٩) كتاب: الصلاة، باب: الإتمام في السفر. (٣) «المحلى» ٤/ ٢٧٠. مسافة الخروج إلى عرفة إذا انفصلت عما قبلها من السفر لا توجب القصر. ولا شك أن عثمان لا يتعمد مخالفة الشارع لغير معنى، ومثله أنه كان له بمنى أرض فكأنه كالمقيم، وهذا فيه بعد، إذ لم يقل أحد: إن المسافر إذا مر بما يملكه من الأرض ولم يكن له فيها أهل أن حكمه حكم المقيم. ثالثها: ما رواه أيوب، عن الزهري أن الأعراب كثروا في ذلك العام فأحب أن يخبرهم أن الصلاة أربع، ذكره أبو داود (١). وقال البيهقي في «المعرفة»: قد روينا بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، عن عثمان أنه أتم الصلاة بمنى ثم خطب الناس فقال: أيها الناس، إن القصر سنة رسول الله - ﷺ -، وسنة صاحبيه، ولكنه حدث قيام من الناس فخفت أن يستنوا (٢). وقال ابن جريج: إن أعرابيًّا ناداه في منى فقال: يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام الأول صليتها ركعتين، فخشي عثمان أن يظن جهال الناس أن الصلاة ركعتان، وهذا يرده أن الشارع كان أولى بذلك ولم يفعله (٣). رابعها: أنه تأول أن القصر رخصة غير واجب، وأخذ بالأكمل الأتم، وتأول أن الشارع قصد بقصره التخفيف كالفطر ويؤيده ما رواه الطحاوي، عن عائشة: قصر النبي - ﷺ - وأتم في السفر (٤)، وكان --------------- (١) «سنن أبي داود» برقم (١٩٦٤) كتاب: المناسك، باب: الصلاة بمنى، قال الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٧١٣): إسناده حسن لغيره، وقد قواه الحافظ. (٢) «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٢٦٣ (٦٠٩٧) كتاب: الصلاة، باب: الإتمام في السفر. (٣) رواه عبد الرزاق ٢/ ٥١٨ (٤٢٧٧) كتاب: الصلاة، باب: السفر. (٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤١٥. سعد، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة، وعائشة، وعثمان يتمون، وكذا تأولت عائشة (١). قَالَ القرطبي: وهذا هو الوجه (٢)، وفيه نظر، فحديث البخاري الآتي عن ابن عمر في باب من لم يتطوع في السفر: صحبت رسول الله - ﷺ - فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك (٣). ورواه مسلم بلفظ: صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله (٤). فهذا دال على أن عثمان صلى ركعتين إلى أن قبض إلا أن يؤول في أواخر أمره، أو المراد: صحبه في سائر أسفاره غير منى؛ لأن إتمامه إنما كان بها على ما فسره عمران بن حصين. وفي «الموطأ» عن ابن عمر أنه كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعًا (٥). والإمام ذكر أنه عثمان، فتأول ابن عمر أن عثمان لم يره مقامًا يبيح القصر على ما تقدم. وروى أبو داود من حديث معاوية بن قرة عن أشياخه أن عبد الله صلى أربعًا، قَالَ: فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعًا؟ قَالَ: الخلاف شر (٦). --------------- (١) انظر: «المصنف» ٢/ ٢٠٥ (٨١٥١)، ٢/ ٢٠٨ (٨١٨٩)، و«الأوسط» لابن المنذر ٤/ ٣٣٥. (٢) «المفهم» ٢/ ٣٢٧. (٣) يأتي برقم (١١٠٢). (٤) مسلم (٦٨٩)، كتاب الصلاة، باب: صلاة المسافرين وقصرها. (٥) «الموطأ» ص ١١١. (٦) «سنن أبي داود» برقم (١٩٦٠) كتاب: المناسك، باب: الصلاة بمنى. وذكر أبو داود عن الزهري قَالَ: لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها صلى أربعًا (١). واسترجاع ابن مسعود لما رأى عثمان أتم خلاف ما عهد من الشارع وصاحبيه دليل على إنكاره في خلاف الأفضل فقط؛ إذ لو اعتقد أن فرضه القصر لم يصح أن يصليها خلفه ولم يجز له أن يتم، ولا سكتت الصحابة من غير نكير. وزعم الداودي أن ابن مسعود كان يرى القصر فرضًا. قَالَ أبو سليمان: من أجل الأسوة، يريد إذا لم يتأس بفعله - ﷺ - وصاحبيه، فلأجل ذلك استرجع. وهذا يرد ما أوله أنه صلى أربعًا، وقال: الخلاف شر، فلو كان يعتقد القصر فرضًا لكان الخلاف شرًا لا خيرًا (٢). والظاهر في ذلك إنما قَالَ ذلك لأنه رأى أن الخلاف على الإمام فيما سبيله التخيير والإباحة شر، وهو ما أبداه ابن بطال (٣). وقد روى ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران أنه سأل سعيد بن المسيب عن الصلاة في السفر. فقال: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا (٤). وذكر عن أبي قلابة أنه قَالَ: إن صليت في السفر ركعتين فالسنة، وإن صليت أربعًا فالسنة (٥). ولما ذكر ابن بطال مقالة الزهري، وابن جريج، ومعمر، وما رواه عبد الله بن الحارث قَالَ: هذِه الوجوه كلها ليست ----------------- (١) «سنن أبي داود» برقم (١٩٦٣) كتاب: المناسك، باب: الصلاة بمنى، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٣٨). (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٦٢٧. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٧٣. (٤) «المصنف» ٢/ ٢٠٩ (٨١٩٢) كتاب: الصلوات، باب: في المسافر إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أربعًا. (٥) «المصنف» ٢/ ٢٠٨ (٨١٨٨) كتاب: الصلوات، باب: في المسافر إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أربعًا. بشيء (١). قَالَ الطحاوي: وذلك لأن الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل في زمن الشارع فلم يتم بهم لتلك العلة، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه الشارع؛ لأنه بهم رءوف رحيم (٢). قَالَ غيره: ألا ترى أن الجمعة لما كان فرضها ركعتين لم يعدل عنها، وكان يحضرها الغوغاء والوفود، وقد يجوزوا أن صلاة الجمعة في كل يوم ركعتان. وأما ما ذكر عنه أنه أزمع على المقام بعد الحج فليس بشيء؛ لأن المهاجرين فرض عليهم ترك المقام بمكة، وهذا أسلفته. وصح عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج من مكة؛ خشية أن يرجع في هجرته التي هاجرها لله. وما ذكر عنه أنه اتخذ أهلًا بمكة، فالشارع كان في غزواته وحجه وأسفاره كلها يسافر بأهله بعد أن يقرع بينهن (٣)، وكان أولى أن يتأول ذلك ويفعله، فلم يفعله وقصر. وكذا ما تأولوا في إتمام عائشة أنها كانت أم المؤمنين فحيث ما حلَّت فهو بيتها، وهذا في الضعف مثل الأول. ألا ترى أنه - ﷺ - كان أبًا للمؤمنين، وهو أولى بهم من عائشة، ولم يتأول ذلك. قَالَ ابن بطال (٤): والوجه الصحيح في ذلك -والله أعلم- أن عثمان وعائشة إنما أتما في السفر؛ لأنهما اعتقدا في قصره - ﷺ - أنه لما خير بين القصر والإتمام اختار الأيسر من ذلك على أمته، وقد قالت عائشة: ما خير رسول الله - ﷺ - في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٧١ - ٧٢. (٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٢٦. (٣) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث عائشة الآتي برقم (٢٥٩٣)، ورواه مسلم (١٤٦٣). (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٧٢ - ٧٣. إثمًا (١)، فأخذت هي وعثمان في أنفسهما بالشدة، وتركا الرخصة، إذ كان ذاك مباحًا لهما في حكم التخيير فيما أذن الله فيه. ويدل على ذلك إنكار ابن مسعود الإتمام على عثمان، ثم صلى خلفه وأتم، فكلم في ذلك، فقال: الخلاف شر (٢)، وسلف ما فيه ووجهه. فصل: (وقول حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ). يريد أنه قصر من غير خوف كما هو مذهب الجمهور، وكما هو ثابت في «صحيح مسلم» من حديث يعلى عن عمر (٣). وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول في السفر: فأتموا. فقالوا: إن رسول الله - ﷺ - كان يصلي ركعتين. فقالت: إنه كان في خوف، فهل تخافون أنتم؟ (٤) وحديث حارثة يرده. وقوله: (فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكْعَتَانِ مُتَقَبلَتَانِ). يريد: إني صليت أربعًا وتكلفتها، فليتها تتقبل كما تتقبل الركعتان. هذا تأويل أبي عبد الملك. وقال الداودي نحوه، قَالَ: إنما خشي ابن مسعود أن لا تجزئ الأربع فاعلها، وفعلها مع عثمان كراهية الخلاف كما سبق، ومخبر بما في نفسه. --------------- (١) سيأتي برقم (٣٥٦٠) كتاب: المناقب، باب: صفة النبي - ﷺ - ورواه مسلم (٢٣٢٧). (٢) رواه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٢٦٠ (٦٠٧٧) كتاب: الصلاة، باب: الإتمام في السفر. (٣) «صحيح مسلم» برقم (٦٨٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٤/ ٢٤٦ (١٠٣٢٢). ٣ - باب كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّتِهِ؟ ١٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ البَرَّاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ. تَابَعَهُ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ. [١٥٦٤، ٣٨٣٢ - مسلم: ١٢٤٠ - فتح: ٢/ ٥٦٥] ذكر فيه عن أبي العالية- واسمه: زياد بن فيروز البرَّاء؛ لبريه النبل. وقال ابن التين: لبريه القصب. وقيل: النبل- عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالحَجِّ، فَأمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ. تَابَعَهُ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ. الشرح: حديث ابن عباس هذا أخرجه مسلم (١). وحديث عطاء -هو ابن أبي رباح- يأتي في الحج (٢) -إن شاء الله- وهو حديث أنس السالف الذي فيه: عشرة أيام (٣). وقال في كتاب المغازي، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه. وذكر فيه عن عمر بن عبد العزيز أنه سأل السائب ابن أخت نمر: ما سمعت في سكنى مكة؟ قَالَ: سمعت العلاء بن الحضرمي، قَالَ رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة للمهاجر بعد الصدر» (٤). وقال أحمد بن حنبل: قدم النبي - ﷺ - مكة صبح رابعة من ذي الحجة، فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع، وهو في ذلك كله -------------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٤٠) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج. (٢) برقم (١٦٥١) باب: تقضي الحائض المناسك كلها. (٣) سلف برقم (١٠٨١) كتاب: تقصير الصلاة، باب: ما جاء في التقصير. (٤) سيأتي برقم (٣٩٣٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه. يقصر الصلاة، ثم خرج يوم التروية إلى منى، وهو الثامن، فلم يزل مسافرًا في المناسك إلى أن تم حجه. فجعل أحمد بن حنبل أربعة أيام يقصر فيها الصلاة إذا نوى إقامتها، وإن نوى أكثر من ذلك فهو حضر يتم فيه الصلاة. واستدل بحديث ابن عباس هذا (١)، وقد سلف ما فيه من المذاهب، وأقوال أصحابنا في باب: ما جاء في التقصير (٢). وقال ابن أبي صفرة: هذا الحديث يدل على أنه من أقام عشرين صلاة يقصر؛ لأنه - ﷺ - صلى في الرابع الظهر والعصر إلى صبح الثامن ولم يتم، وهو حجة على ابن الماجشون، وسحنون في قولهما أنه من أقام عشرين صلاة أنه يتم (٣). وذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور إلى أنه من عزم على إقامة أربعة أيام بلياليها أنه يتم الصلاة ولا يقصر (٤). وروي مثله عن عمر، وعثمان، وحجة هذِه المقالة حديث العلاء بن الحضرمي السالف، أنه جعل للمهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا ثم يصدر. وذلك أن الله تعالى حرم على المهاجرين الإقامة بمكة، ولا تستوطن، ثم أباح الثلاث بعد قضاء النسك فتبين أن أيام مكثه هي سفر لا إقامة، إذ لو كان فوق الثلاث سفرًا لما منعهم من ذلك، فدل أنه إقامة ووجب أن تكون الثلاث فصل بين السفر والإقامة، ولا وجه لمن اعتبر مقامه - ﷺ - من حين دخوله مكة إلى خروجه إلى منى، ولا إلى صدره إلى المدينة؛ لأن مكة ليست له بدار إقامة، ولا لأحد من المهاجرين؛ ---------------- (١) انظر: «المغني» ٣/ ١٥٠. (٢) يراجع شرح حديثي (١٠٨٠ - ١٠٨١). (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٣٠. (٤) «المدونة» ١/ ١١٦ - ١١٧، «الأم» ١/ ١٦٤، «الأوسط» ٤/ ٣٥٧. لأنه - ﷺ - لم يزل مسافرًا منذ خرج من المدينة، وقصر بذي الحليفة إلى أن انصرف إلى المدينة، ولم ينو في شيء من ذلك إقامة. وادعى ابن بطال أن أصح الأقوال في المسألة قول مالك، ومن وافقه، وبيان ذلك من حديث ابن عباس مع الحديث الذي جاء أن يوم عرفة كان يوم الجمعة، أن مقامه بمكة في حجته كانت عشرة أيام كما قَالَ أنس في حديثه. وذلك أنه - ﷺ - قدم مكة صبح رابع ذي الحجة، وكان يوم الأحد، صلى الصبح بذي طوى، واستهل ذو الحجة ذلك العام ليلة الخميس، فأقام بمكة يوم الأحد إلى ليلة الخميس، ثم نهض ضحوة يوم الخميس إلى مني، فأقام بها باقي نهاره وليلة الجمعة، ثم نهض يوم الجمعة إلى عرفات، أي: بعد الزوال، وخطبته بنمرة بقرب عرفات، وبقي بها إلى الغروب، ثم أفاض ليلة السبت إلى المزدلفة فأقام بها إلى أن صلى الصبح، ثم أفاض بها قبل طلوع شمس يوم السبت، وهو يوم الأضحى والنفر إلى منى، فرمى جمرة العقبة ضحوة، ثم نهض إلى مكة ذلك اليوم فطاف بالبيت قبل الزوال، ثم رجع في يومه ذلك إلى منى، فأقام بها باقي يوم السبت، والأحد والاثنين والثلاثاء، ثم أفاض بعد ظهر الثلاثاء وهو آخر أيام التشريق إلى المحصب، فصلى به الظهر، وبات فيه ليلة الأربعاء، وفي تلك الليلة أعمر عائشة من التنعيم، ثم طاف طواف الوداع سحرًا قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء، وهو صبيحة رابع عشرة، فأقام عشرة أيام كما سلف من حديث أنس، ثم نهض إلى المدينة، وكان خروجه من المدينة إلى مكة يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة، وصلى الظهر بذي الحليفة، وأحرم بإثرها، وهذا كله مستنبط من قوله: (قدم النبي - ﷺ - وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة)، ومن الحديث الذي جاء أن يوم عرفة كان يوم جمعة، وفيه نزلت: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) [المائدة: ٣]. قلتُ: والدليل من القرآن اعتبار مقالة الشافعي ومن وافقه أن الله تعالى نقل المسافر من الصوم إلى الفطر في سفر يوم، فكذا القصر. فصل: قوله: (فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً)، إنما كان ذلك خاصة لهم في ذلك العام عملًا بقوله: ألنا ولمن بعدنا؟ قَالَ: «بل لكم خاصة» (٢) وهذِه المتعة التي كان عمر ينهى عنها ويضرب عليها؛ لأنه - ﷺ - قَالَ: «هي لكم خاصة». وتعلق قوم بإجازة ذلك ولم يبلغهم الخصوص. -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٧٦، ٧٧. (٢) رواه أبو داود (١٨٠٨)، والنسائي في «المجتبى» ٥/ ١٧٩ كتاب: مناسك الحج، باب: إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، وفي «الكبرى» ٢/ ٣٦٧ (٣٧٩٠)، وابن ماجه (٢٩٨٤) كتاب: المناسك، باب: من قال: كان فسخ الحج لهم خاصة، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٤٦٩، والدارمي في «سننه» ٢/ ١١٧٧ (١٨٩٧) من كتاب: المناسك، باب: في فسخ الحج، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ٣٤٢ (١١١١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٩٤، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ٧٧، والطبراني ١/ ٣٧٠ (١١٣٨)، والدارقطني في «سننه» ٢/ ٢٤١ (٢٤)، والحاكم ٣/ ٥١٧ كتاب: معرفة الصحابة، وابن حزم في «حجة الوداع» ص ٣٦٢ (٤١٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٥/ ٤١ كتاب: الحج، باب: من أحرم بنسك فأراد أن يفسخه، وابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٣٥٧، ٢٣/ ٣٦٢، وابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ٢/ ١٢٧ - ١٢٨ (١٢٤٣)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٥/ ٢١٦. قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٢/ ١٩٢: حديث لا يكتب اهـ وقال: قال عبد الله بن أحمد: فقلت لأبي: فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج، يعني: قوله: لنا خاصة قال: لا أقول به، لا يعرف هذا الرجل، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت اهـ، وقال أيضًا في ٢/ ١٩٣: فنحن نشهد بالله أن حديث بلال بن الحارث هذا لا يصح عن رسول الله وهو غلط عليه اهـ، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٥٤ (٣١٥): إسناده ضعيف؛ الحارث بن بلال مجهول. ٤ - باب فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟ وَسَمَّى النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهْيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا. ١٠٨٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». [١٠٨٧ - مسلم: ١٣٣٨ - فتح: ٢/ ٥٦٥] ١٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». تَابَعَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ١٠٨٦ - مسلم: ١٣٣٨ - فتح: ٢/ ٥٦٦] ١٠٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ». تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ، عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه. [مسلم: ١٣٣٩ - فتح: ٢/ ٥٦٦] ثم ساق بإسناده حديث ابن عمر: أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأةُ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». وعنه: «لَا تُسَافِرِ المَرْأةُ ثَلًاثا إِلَّا ومَعَها ذو مَحْرَمٍ» ذكر الأول من حديث أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. والثاني عن يحيى -هو القطان- عن عبيد الله به- ثم قَالَ: تابعه أحمد عن ابن المبارك، عن عبيد الله به. ثم ساق حديث: سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ». تابعه يحيى بن أبي كثير وسهيل ومالك، عن المقبري، عن أبي هريرة. الشرح: أما قوله: (وسمى النبي - ﷺ - السفر يومًا وَلَيْلَة)، مراده ما أخرجه في الباب من حديث أبي هريرة: «أن تسافر مسيرة يوم وليلة» وأما أثر ابن عمر وابن عباس فرواهما البيهقي من حديث عطاء بن أبي رباح، أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كانا يصليان ركعتين، ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك. رواه من طريق الشافعي وابن بكير، عن مالك، عن نافع، عن سالم، أن ابن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قَالَ مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد. ومن طريقيهما، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قَالَ مالك: وذلك نحو من أربعة برد (١). وذكره ابن حزم فقال: وعن معمر أخبرني أيوب عن نافع أن ابن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد. قَالَ: وهذا فيما اختلف فيه على ابن عمر (٢). وروى ابن أبي شيبة ثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن سالم أن ابن عمر خرج إلى أرض له بذات النصب فقصر، وهي ستة عشر فرسخًا (٣). وروى بإسناده إلى ابن بكير، ثنا مالك أنه بلغه أن ابن عباس -------------- (١) «سنن البيهقي الكبرى» ٣/ ١٣٦ - ١٣٧. (٢) «المحلى» ٥/ ٥. (٣) «المصنف» ٢/ ٢٠٣ (٨١٣٦). ورواه الشافعي كما في «المسند» ١/ ١٨٥ (٥٢٨). كان يقصر الصلاة فيما بين مكة والطائف، وفيما بين مكة وجُدَّة (١)، وفيما بين مكة وعسفان. قَالَ مالك: وذلك أربعة برد (٢). وروي أيضًا عن إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، وعطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة إلا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان» (٣). قَالَ البيهقي: وهذا حديث ضعيف، إسماعيل بن عياش لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف بمرة، والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس (٤). ------------- (١) (جُدَّة) بلدة على ساحل بحر اليمن، بينها وبين مكة ثلاث ليال. انظر «معجم البلدان» ٢/ ١١٤. (٢) انظر: «الموطأ» ص ١١٠. ورواه البيهقي ٣/ ١٣٧ من طريق ابن بكير عن مالك، به. وانظر: «الإرواء» (٥٦٨). (٣) حديث رواه الطبراني في «المعجم الكبير» ١١/ ٩٦ - ٩٧ (١١١٦٢)، والدارقطني ١/ ٣٨٧، والبيهقي ٣/ ١٣٧ - ١٣٨، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٤٩٣ (٧٦١) من هذا الطريق. (٤) «سنن البيهقي» ٣/ ١٣٨. وضعفه أيضًا في «المعرفة» ٤/ ٢٤٩ ونقل عن أحمد قال: وقد روي حديث ابن عباس مرفوعًا، وليس بشيء. وضعفه ابن الجوزي في «التحقيق». وعبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٤٠. وقال النووي في «المجموع» ٤/ ٢١٣، وفي «الخلاصة» ٢/ ٧٣١ (٢٥٥٧): ضعيف جدًا، وصحح وقفه على ابن عباس. وضعفه الحافظ ابن كثير -طيب الله ثراه- في «الإرشاد» ١/ ١٨٢. والمصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٤/ ٥٤٢ - ٥٤٣. وقال في «الخلاصة» ١/ ٢٠٢: إسناده ضعيف، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس. وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٥٦٦، وفي «التلخيص» ٢/ ٤٦، وفي «تغليق التعليق» ٢/ ٤١٦، وفي «بلوغ المرام» (٤٦٥): إسناده ضعيف. = وأما القاضي أبو الطيب من أصحابنا فعزاه إلى «صحيح ابن خزيمة»، وراجعت «صحيحه»، وهو عزيز الوجود، فلم أجد فيه (١). وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم وأبو داود أيضًا من حديث عبيد الله، عن نافع، عنه. ومن طريق الضحاك بن عثمان، عن نافع، عنه، ولفظه: «لا تسافر مسيرة ثلاث ليال» (٢). وأخرجه الإسماعيلي من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله. وأخرجه ابن راهويه، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، وأحمد الذي علق عنه البخاري: هو أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس المروزي المعروف بمردويه، مات سنة خمس وثلاثين، كذا هو بخط الحافظ الدمياطي، وقال: روى له البخاري، والترمذي، والنسائي، ثم قَالَ: لا بأس به، ثم قَالَ: وقال الدارقطني: إنه أحمد بن محمد ابن ثابت ابن عثمان أبو الحسن المروزي المعروف بابن شبويه، مات بطرسوس، --------------- = وكذا قال العظيم آبادي في تعليقه على «سنن الدارقطني» ١/ ٣٨٧. وضعفه الألباني في «الإرواء» (٥٦٥). فهذِه أقوال من ضعفه. وأورده شيخ الإسلام -قدس الله روحه ونور قبره وطيب ثراه- في «مجموع الفتاوى» ٢٤/ ٣٩ وقال: هو من قول ابن عباس ورواية من رواه مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - باطل لا شك عند أئمة أهل الحديث. اهـ بتصرف يسير. وأورده في موضع آخر ٢٤/ ١٢٧ وقال: وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه كذب على النبي - ﷺ -، ولكن هو من كلام ابن عباس. ونحا الألباني نحوه فأورده في «الضعيفة» (٤٣٩). وقال: موضوع. (١) قلت: عزاه شيخ الإسلام، في «مجموع الفتاوى» ٢٤/ ١٢٧ لابن خزيمة في كتابه «مختصر المختصر». (٢) «صحيح مسلم» (١٣٣٨) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، و«سنن أبي داود» (١٧٢٧) كتاب: المناسك، باب: في المرأة تحج بغير محرم. ![]()
__________________
|
|
#235
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 461 الى صـــ 480 الحلقة (235) سنة ثلاثين ومائتين، روى عنه أبو داود (١). ونقل شيخنا قطب الدين في «شرحه» عن الحاكم أنه الأول. ولم يذكره الدارقطني أنه في البخاري، ثم ذكر الثاني عن الدارقطني كما ذكره سواء. ولم يذكر الحاكم، وابن طاهر أنه في البخاري. وذكر أبو الوليد الباجي في «رجال البخاري» ما نصه: وقال ابن عدي: أحمد ابن محمد يروي عن عبد الله، عن معمر، لا يعرف (٢). وذكر الدارقطني حديث نافع عن ابن عمر هذا فقال: يرويه عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. وقال يحيى القطان: ما أنكرت على عبيد الله بن عمر إلا حديثًا واحدًا، هذا الحديث. قَالَ: ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وخالفه إبراهيم الصائغ فرواه عن ابن عمر مرفوعًا، وزاد ألفاظًا لم يأتِ بها غيره. قلتُ: عبيد الله أجل من يحيى بكثير، وقد روى عنه هذا الحديث كما أخرجه البخاري وغيره. ورواه ابن أبي شيبة في «مسنده» عن ابن نمير، وأبي أسامة، عن عبد الله، عن نافع به (٣). وأما حديث أبي هريرة، والمتابعة في آخره، فكذا هو ثابت في أكثر نسخ البخاري، وفي بعضها عن المقبري بدون أبي هريرة. وقال أبو نعيم في «مستخرجه» أنه في البخاري بإثباته، وهو حديث مختلف في إسناده، ------------- (١) انظر: «تهذيب الكمال» ١/ ٤٣٣ (٩٤). (٢) نص كلام ابن عدي في كتابه «أسامي من روى عنهم البخاري في جامعه الصحيح» ص ٨٦ (٢٢). ط. دار البشائر الإسلامية. (٣) انظر «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٦٧ (١٥١٦٩) كتاب: الحج، في المرأة تخرج مع ذي محرم. فقيل: عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقيل بإسقاط أبيه كما أخرجه ابن ماجه (١)، وقيل بإسقاط أبي هريرة. وأما متابعة يحيى بن أبي كثير، فذكر أبو مسعود وخلف في أطرافهما، وأبو نعيم في «مستخرجه» أن البخاري أخرجها عن سعيد، عن أبي هريرة. وذكر الحميدي فيها وسهيل ومالك بزيادة أبيه. ورواه سفيان، عن يحيى بإثبات أبيه، وذكره البيهقي (٢). وأما متابعة مالك فوقع فيها كما وقع في متابعة يحيى، ورواه جماعة «الموطأ» عن مالك بإسقاط أبيه (٣). وكان سعيد -فيما يقولون- قد سمع من أبي هريرة، وسمع من أبيه، عن أبي هريرة، كذا قَالَ ابن معين وغيره، فجعلها كلها أحيانًا عن أبي هريرة، وروي عن مالك بإثباته، وكذا أخرجه أبو داود، والترمذي (٤). وقد روى عن مالك الوليد بن مسلم مثل رواية بشر، أخرجها الإسماعيلي. وأما متابعة سهيل فوقع فيها كما سلف في المتابعتين السالفتين. وقد أخرجه أبو داود والبيهقي من طريقه، عن سعيد، عن أبي هريرة. ولفظه: «لا تسافر امرأة بريدًا إلا مع ذي محرم» (٥). -------------- (١) «سنن ابن ماجه» (٢٨٩٩) كتاب: المناسك، باب: المرأة تحج بغير ولي. (٢) «السنن الكبرى» للبيهقي ٣/ ١٣٩ (٥٤٠٩) كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال: لا تقصر الصلاة في أقل من ثلاثة أيام. (٣) «الموطأ» ص ٦٠٥. (٤) «سنن أبي داود» (١٧٢٤) كتاب: المناسك، باب: المرأة تحج بغير محرم، و«سنن الترمذي» (١١٧٠) كتاب: الرضاع، باب: ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها. (٥) «سنن أبي داود» (١٧٢٥) كتاب: المناسك، باب: في المرأة تحج بغير محرم، «السنن الكبرى» للبيهقي ٣/ ١٣٩ كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال: لا تقصر الصلاة في أقل من ثلاثة أيام. قَالَ ابن عبد البر: وحديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مضطرب إسنادًا ومتنًا (١). وفي رواية: «مسيرة ليلة» ذكرها ابن عبد البر (٢). واستدرك الدارقطني على الشيخين إخراجه عن ابن أبي ذئب، وعلى مسلم إخراجه عن الليث (٣). وقال: الصواب: عن سعيد، عن أبي هريرة بإسقاط ذكر أبيه، واحتج بأن مالكًا، ويحيى، وسهيلًا أسقطوه. قَالَ: والصحيح من حديث مسلم إسقاطه؛ وكذا ذكره ابن مسعود كما سلف، وكذا رواه معظم رواة «الموطأ» عن مالك. قَالَ الدارقطني: ورواه الزهراني والفروي عن مالك فقالا: عن سعيد، عن أبيه. وذكر النووي عن خلف في «أطرافه» أن مسلمًا رواه بإثبات أبيه (٤)، وكذا رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح من طريق بشر بن عمر، عن مالك، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة (٥). ورواه أبو داود في الحج عن القعنبي، والنفيلي عن مالك، وجرير، كلاهما عن سهيل بإسقاط (٦). فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه. فلعله سمع من أبيه عن أبي هريرة، ثم سمعه من أبي هريرة نفسه، فرواه تارة كذا، وتارة كذا، وسماعه من أبي هريرة صحيح. وقد روى هذا الحديث أيضًا أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أخرج الأول الشيخان ففي ----------- (١) «التمهيد»٢١/ ٥٥. (٢) «التمهيد» ٢١/ ٥٥. (٣) «الإلزامات والتتبع» ص ١٣٤. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٠٨. (٥) سبق تخريجه. (٦) «سنن أبي داود» (١٧٢٤ - ١٧٢٥) المرأة تحج بغير محرم. لفظ: «لا تسافر المرأة يومين» (١) وفي لفظ: «ثلًاثا» (٢) وفي لفظ: «فوق ثلاث» (٣) وفي لفظ: «أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا» (٤). وأخرج الثاني الشيخان أيضًا بإطلاق السفر (٥). وأخرج الثالث ابن عبد البر، وقال مثله مقطوعًا على حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام» (٦). إذا تقرر ذلك، فالكلام على ما في الباب من أوجه: أحدها: أربعة برد: ستة عشر فرسخًا. قَالَ صاحب «المطالع»: البريد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، زاد ابن الأثير في «غريبه»: والميل: أربعة آلاف ذراع (٧)، وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب، والميل من الأرض: منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل فيه على وجه الأرض حَتَّى يفنى إدراكه. وفيه سبعة مذاهب: ----------- (١) سيأتي برقم (١١٩٧) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: مسجد بيت المقدس. (٢) «صحيح مسلم» (٨٢٧/ ٤١٧) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره. (٣) «صحيح مسلم» (٨٢٧/ ٤١٨). (٤) «صحيح مسلم» (١٣٤٠/ ٤٢٣) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره. (٥) سيأتي برقم (١٨٦٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: حج النساء، وهو في «صحيح مسلم» (١٣٤١/ ٤٢٤) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى غيره. (٦) «التمهيد» ٢١/ ٥٤. (٧) «النهاية في غريب الحديث» ١/ ١١٦. أحدها: قاله صاحب «التنبيهات»: هو عشر غلا، والغلوة: طلق الفرس وهو مائتا ذراع، فيكون الميل ألفي ذراع. وذكر في «المعرب» أن الغلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة. وقال ابن الأثير: الغلوة قدر رمية سهم (١). الثاني: قال أبو عمر: أصح ما فيه أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة. الثالث: ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب «البيان». الرابع: أربعة آلاف. الخامس: مد البصر، ذكره الجوهري (٢). السادس: ألف خطوة بخطوة الجمل. السابع: أن ينظر إلى الشخص فلا يعلم أهو آت أو ذاهب، رجل أو امرأة. وذكر ابن قدامة عن الأثرم: قيل لأبي عبد الله: في كم يقصر؟ قَالَ: في أربعة برد. قيل له: مسيرة يوم تام؟ قَالَ: أربعة برد ستة عشر فرسخًا، مسيرة يومين، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل -كما قَالَ القاضي- اثنا عشر ألف قدم. وذلك يومان (٣). الثاني: ظاهر الأحاديث الواردة في الباب حرمة ما يسمى سفرًا للمرأة، إلا مع زوج أو محرم، وفي معنى ذلك النسوة الثقات؛ وكذا الواحدة في الجواز على الأصح (٤). فالمحرم إذن شرط في وجوب الحج ------------ (١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٣٨٣. (٢) «الصحاح» ٥/ ١٨٢٣. (٣) «المغني» ٣/ ١٠٥. (٤) ورد بهامش الأصل: لم يقل الشافعية بجواز النسوة الثقات ولا الواحدة إلا في حج الفرض. عليها، وبه قَالَ النخعي، والحسن (١). وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحاب الرأي، وفقهاء أصحاب الحديث وأجلهم الشافعي (٢). وذهب عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والأوزاعي، ومالك، وعزي إلى الشافعي أيضًا إلى أن ذلك ليس بشرط (٣)، وروي مثله عن عائشة (٤). وقال القرطبي: ظاهر قول مالك على اختلاف في تأويل قوله: تخرج مع رجال أو نساء، هل بمجموع ذلك، أو في جماعة من أحد الجنسين؟ وأكثر ما نقله عنه أصحابنا من اشتراط النساء. وسبب هذا الاختلاف مخالفة ظاهر هذِه الأحاديث لظاهر السبيل في الآية (٥). ------------ (١) روى ابن أبي شيبة ٣/ ٣٦٦ (١٥١٦١، ١٥١٦٣) عن هشيم، عن يونس، عن الحسن قال: لا تحج المرأة إلا مع ذي مَحْرم، وقال: نا جرير، عن ليث، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة قال: كتبت امرأة من أهل الري إلى إبراهيم أنها موسرة وليس لها بعل ولا محرم ولم تحج قط، فكتب إليها إبراهيم: إن هذا من السبيل الذي قال الله وليس لك محرم، فلا تحجي إلا مع بعل أو محرم. (٢) «المجموع» ٧/ ٦٩، «مختصر الطحاوي» ص ٥٩، «الهداية» ١/ ١٤٦. (٣) روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: تخرج في رفقة فيها رجال ونساء، وتتخذ سلما تصعد عليه، ولا يقربها الكاري «المصنف» ٣/ ٣٦٦ (١٥١٦٢). وقال مالك في الصرورة -تقال لمن لم تتزوج- التي لم تحج قط من النساء: إن لم يكن معها ذو محرم يخرج معها، أو كان فلم يستطع أن يخرج معها: أنها لا تدع فريضة الله عليها في الحج، وأنها تخرج مع جماعة من النساء. «الموطأ» ص ٢٧٤. وانظر: «عيون المجالس» ٢/ ٧٧٤، «روضة الطالبين» ٣/ ٩. (٤) روى ابن أبي شيبة عن الزهري قال: ذكر عند عائشة: المرأة لا تسافر إلا مع محرم فقالت عائشة: ليس كل النساء تجد محرمًا «المصنف» ٣/ ٣٦٧ (١٥١٧١). (٥) «المفهم» ٥/ ١٨٢٣. وأجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام بهذِه الآية وبقوله: «بني الإسلام على خمس» (١) وعدّ منها الحج، فتعارضت مع الأحاديث الواردة في الباب: لا تسافر إلا مع كذا. واختلف العلماء في تأويل ذلك، فجمع أبو حنيفة ومن قَالَ بقوله بينهما، بأن جعل الحديث مبينًا للاستطاعة في حق المرأة. ورأي مالك ومن قَالَ بقوله أن الاستطاعة سنة بنفسها في حق الرجال والنساء، وأن الأحاديث المذكورة في هذا لم تتعرض للأسفار الواجبة، وقد خرجت المؤمنات مهاجرات ليس معهن محرم، وفيهن زينب بنت رسول الله - ﷺ -. وقد اشترط مالك خروجها للحج في جماعة الناس المرافقين بألفة الدين في سفر الطاعة لله، واستشعارهم الخشية له، ولذلك سن - ﷺ - بأمير أو سلطان محافظ وإمام معلم يحفظ الضيعة، ويضم الفاذة، ويرد الشاردة، ولا ينفرد أحد عن الجماعة، ولا تتفق الأعين كلها على الغفلة، ولا يجمع على النوم في وقت واحد. فلابد من وجود المراقبة على الجماعة، فضعف الخوف بحضور الكثرة. واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة، إلا مع ذي محرم، إلا لهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها بغير محرم، والفرق لائح، وهو أنها تخشى على نفسها ودينها من الإقامة، بخلاف تأخير الحج مع أنه هل هو على الفور، أو على التراخي؟ وخص الباجي الحديث بالشابة، ورد عليه بأن المرأة مظنة الطمع، ولكل ساقطة لاقطة. ---------- (١) سلف برقم (٨) كتاب: الإيمان، باب: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم. الثالث: قوله: «ثَلَاَثةَ أيَّامٍ»، وفي الرواية الأخرى: («يوم وليلة»)، وفي أخرى: «فوق ثلاث»، وفي أخرى: «ثلاث ليال»، وفي أخرى «يومين»، وفي أخرى: «يوم»، وفي أخرى: «ليلة»، وفي أخرى: إطلاق السفر، وفي أخرى لأبي داود: «بريدًا» (١)، والبريد: نصف يوم. وهذِه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين والمواطن، وليس في النهي عن الليلة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو البريد، فأدى كل ما سمع وما جاء منها مختلفًا من راوٍ واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس فيه تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر. ولم يرد - ﷺ - تحديدًا، بل ما يسمى سفرًا، ولا تعارض، ولا نسخ، خلافًا لقول الداودي: أحدهما ناسخ للآخر، ولا يعلمه بعينه فأخذ الأحوط؛ لأن الأصل أن لا تسافر المرأة أصلًا، ولا تخلو مع غير ذي محرم، خوف الخشية على ناقصات العقل والدين. وحديث أمر فاطمة أن تعتد عند ابن أم مكتوم (٢) مخصوص بمن علم صلاحه، كذا قاله ابن التين. وقيل في الجمع بأن اليوم المذكور مفرد، والليلة المفردة بمعنى: اليوم والليلة المجموعين. فاليوم إشارة إلى مدة الذهاب، واليوم والليلة إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع، والثلاثة إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع واليوم الذي يقضى فيه الحاجة. وقيل قد يكون هذا كله تمثيلًا لأقل الأعداد، فاليوم الواحد أول ----------------- (١) سلف تخريج هذِه الروايات جميعها آنفًا. (٢) قصة فاطمة بنت قيس وتطليقها من زوجها وأمره - ﷺ - إياها بأن تنتقل إلى ابن أم مكتوم رواها مسلم في «صحيحه» (١٤٨٠) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها. العدد وأقله، والاثنان أول التكثير وأقله، والثلاث أقل الجمع. الرابع: جميع المحارم سواء النسب والسبب كالرضاع والمصاهرة، وكره مالك سفرها مع ابن زوجها؛ لفساد الناس بعد العصر الأول؛ ولأن كثيرًا من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب، والزوج أولى من المحرم؛ لاطلاعه على ما لا يطلع عليه، وعدم ذكره في بعض الروايات خطاب لمن لا زوج لها. وقال أبو حنيفة: لا تخرج إلا مع ذي محرم، إلا أن يكون بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام (١). الخامس: قوله: («تُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الأخِرِ») هو في موضع خبر؛ لأنه صفة امرأة، تقديره: لامرأة مؤمنة بالله. وفيه: تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم تخالف شرط الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن التعرض إلى وصفها بذلك إشارة إلى التزام الوقوف عند ما نهيت عنه، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقضي لها ذلك. وقوله: («أَنْ تُسَافِرَ») هو في موضع رفع؛ لأنه فاعل، التقدير: لا يحل لها السفر، والهاء في «مسيرة يوم» للمرة الواحدة، التقدير: أن تسافر مرة واحدة سفرة واحدة؛ بخصوصية يوم وليلة (٢). -------------- (١) «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٥٨. (٢) ورد بهامش الأصل: آخر الجزء ٨ من ٤ من تجزئة المصنف. ٥ - باب يَقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَخَرَجَ عَلِيٌّ فَقَصَرَ وَهْوَ يَرَى البُيُوتَ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الكُوفَةُ. قَالَ: لَا، حَتَّى نَدْخُلَهَا. ١٠٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. [١٥٤٦، ١٥٤٧، ١٥٥١، ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥، ٢٩٥١، ٢٩٨٦ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٢/ ٥٦٩] ١٠٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. [انظر: ٣٥٠ - مسلم: ٦٨٥ - فتح: ٢/ ٥٦٩] ثم ذكر فيه حديث أنس: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيَّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. وحديث عائشة: الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. الشرح: أما أثر علي فأخرجه البيهقي من حديث علي بن ربيعة، قَالَ: خرجنا مع علي فقصر ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا فقصرنا ونحن نرى البيوت، فقلنا له، فقال علي: نقصر حَتَّى ندخلها (١). ------------ (١) «السنن الكبرى» للبيهقي ٣/ ١٤٦ (٥٤٤٩) كتاب: الصلاة، باب: لا يقصر الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية. وأخرجه ابن المغلس في «موضحه» أيضًا. ورواه البيهقي مرة بلفظ: عن علي بن ربيعة قَالَ: خرجنا مع علي متوجهين ها هنا، وأشار بيده إلى الشام، يصلي ركعتين ركعتين، حَتَّى إذا رجعنا ونظرنا إلى الكوفة حضرت الصلاة، فقال: أيا أمير المؤمنين هذِه الكوفة، نتم الصلاة؟ قَالَ: لا، حَتَّى ندخلها (١). وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وقال: صحيح (٢)، ويأتي في الحج مكررًا إن شاء الله (٣). وحديث عائشة أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي أيضًا (٤). وسفيان المذكور في إسناده هو ابن عيينة كما صرح به الطرقي. ورواه البخاري أيضًا في علامات النبوة، من حديث يزيد، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي -ﷺ - ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى. تابعه عبد الرزاق عن معمر (٥). وروى ابن أبي نجيح من حديث سماك، عن عون بن أبي جحيفة، ------------- (١) السابق ٣/ ١٤٦ (٥٤٤٨). (٢) «صحيح مسلم» (٦٩٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها، و«سنن أبي داود» (١٢٠٢) كتاب: صلاة السفر، باب: متى يقصر المسافر؟، و«سنن الترمذي» (٥٤٦) أبواب: الصلاة، باب: ما جاء في التقصير في السفر، و«سنن النسائي» ١/ ٢٣٥ كتاب: الصلاة، باب: عدد صلاة الظهر في الحضر. (٣) برقم (١٥٤٦ - ١٥٤٧) باب: من بات بذي الحليفة حتى أصبح، و(١٥٤٨) باب: رفع الصوت بالإهلال، و(١٥٥١) باب: التحميد والتسبيح والتكبير. (٤) «صحيح مسلم» (٦٨٥) كتاب: صلاة المسافرين باب: صلاة المسافر وقصرها، و«سنن النسائي» ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦ كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة؟. (٥) برقم (٣٩٣٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: التاريخ، من أين أرخوا التاريخ؟ عن أبيه أن النبي - ﷺ - صلى بمكة سجدتين. ورواه عن سفيان أيضًا محمد بن عباد، وفي روايته بعد عثمان: وإني اتخذت أهلًا ومالًا. قَالَ ابن عبد البر: وكل من رواه قَالَ فيه -عن عائشة-: فرضت الصلاة، ولا يقول فرض الله، ولا فرض رسوله، إلا ما حدَّث به أبو إسحاق الحربي بإسناده إليها: فرض رسول الله - ﷺ -، وغيره يقول: فرضت الصلاة (١). قلتُ: قد سلف في رواية البخاري في أول كتاب الصلاة بلفظ: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (٢)، وسيأتي في باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه، كما ستعلمه إن شاء الله (٣). إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: ذو الحليفة بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وذكر ابن حزم أربعة (٤). وقوله: الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، كذا هو هنا، وكذا رواه أبو نعيم عن سفيان، وكذا أبو نعيم والبيهقي (٥). قَالَ ابن حزم: والمراد بركعتين هي العصر، كما جاء مبينًا في رواية ------------- (١) «التمهيد» ١٦/ ٢٩٣. (٢) برقم (٣٥٠) باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء. (٣) برقم (٣٩٣٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: التاريخ، من أين أرخوا التاريخ؟. (٤) «المحلى» ٧/ ٧٠، وانظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٦٤، «معجم البلدان» ٢/ ٢٩٥. (٥) «السنن الكبرى» للبيهقي ٥/ ١٠ (٨٨٣٢) كتاب: الحج، باب: من اختار القرآن وزعم أن النبي - ﷺ - كان قارنًا. أخرى. قَالَ ابن حزم: وذلك من يومه. قَالَ: وكان ذلك يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة. وابن سعد يقول: يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة (١). وفي «صحيح مسلم»: لخمس بقين من ذي القعدة، وذلك سنة عشر؛ للحج (٢). الثاني: أورد الشافعي هذا الحديث مستدلًا على أن من أراد سفرًا وصلى قبل خروجه فإنه يتم كما فعل الشارع في الظهر بالمدينة، وقد نوى السفر ثم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين (٣). والحاصل أن من نوى السفر فلا يقصر حَتَّى يفارق سور تلك البلدة إن كان لها، فإن كان وراءه عمارة لم يشترط مجاوزتها في الأصح، وقيل بالاشتراط (٤)، وبه قَالَ أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق (٥). وعن قتادة: إذا فارق الجسر والخندق قصر (٦). وعن الحارث بن أبي ربيعة أنه إذا أراد سفرًا صلى بهم ركعتين في منزله، فيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب ابن مسعود (٧). --------------- (١) «الطبقات الكبرى» ٢/ ١٧٣. (٢) «صحيح مسلم» (١٢١١/ ١٢٥) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام. (٣) «الأم» ١/ ١٨٠. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: هذا على ما صححه النووي، فأما الرافعي فصحح الاشتراط في «المحرر» وذكر ما يخالفه في «الشرح الصغير»، ولفظه: لا يشترط مجاوزة ذلك على ما نقله كثير من الأئمة، وفي كلام بعضهم ما يدل على اشتراطه، قال الأسنوي: وبالجملة فالفتوى على عدم الاشتراط؛ لذهاب الجمهور إليه كما تقدم. (٥) انظر: «الأصل» ١/ ٣٦٦، «المدونة» ١/ ١١٢، «الأوسط» ٤/ ٣٥٣، «المغني» ٣/ ١١١. (٦) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ٥٣١ (٤٣٢٧). (٧) أورده ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٣٥٣. وعن عطاء: إذا حضرت الصلاة ولم يخرج من بيوت القرية، فإن شاء قصر، وإن شاء أتم (١). وعن مجاهد: إذا خرج نهارًا فلا يقصر إلى الليل، وإن خرج ليلًا فلا يقصر إلى النهار (٢). ورواية عن مالك أنه لا يقصر حَتَّى يجاوز ثلاثة أميال. وفي «مبسوط» الحنفية: يقصر حين يخلف عمران العصر (٣). ويقول عطاء بقول سليمان بن موسى في إباحة القصر في البلد لمن يرى السفر (٤). وقام الإجماع على أن المسافر لا يقصر الصلاة حَتَّى يبرز عن بيوت القرية التي يخرج منها (٥)، واختلفت الرواية عن مالك في صفة ذلك، ففي «المدونة» وكتاب ابن عبد الحكم عنه -وهو كما قَالَ ابن التين-: لا يقصر حَتَّى يبرز من بيوت القرية، ثم لا يزال يقصر حَتَّى يدنو منها راجعًا كقول الجماعة (٦). وروى ابن وهب عنه: لا أرى أن يقصر من حد ما تجب فيه الجمعة، وذلك ثلاثة أميال، وعنه أنه استحب ذلك؛ لأن ثلاثة أميال مع المصر كقرار واحد، وإذا رجع قصر إلى حده ذلك. وإن كانت قرية لا يجمعون أهلها قصر إذا جاوز بيوتها المنفصلة. وفي -------------- (١) رواه عبد الرزاق ٢/ ٥٣١ (٤٣٢٩). (٢) أورده ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٣٥٤. (٣) «المبسوط» ١/ ٢٣٦. (٤) أثر سليمان بن موسى رواه عبد الرزاق ٢/ ٥٣١ - ٥٣٢ (٤٣٣٠). (٥) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ٤٧. (٦) «المدونة الكبرى» ١/ ١١٢. «المجموعة» عن مالك في البحر: إذا جاوز البيوت ورفع (١). واختار قوم من السلف: تقصر الصلاة قبل الخروج من بيوت القرية. قَالَ ابن المنذر: روينا عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد الله. وروينا معنى هذا القول عن عطاء، وسليمان بن موسى. وشذ مجاهد فقال: إذا خرجت مسافرًا فلا تقصر لو مكثت حَتَّى الليل، وإذا خرجت ليلًا فحتى تصبح (٢). ولا أعلم أحدًا وافقه عليه، وهو مردود بالضرب في الأرض (٣)، وبفعله - ﷺ - حين أتم الظهر بالمدينة، وقصر العصر بذي الحليفة (٤)، وإنما قصر إذا خرج من بيوت القرية، لا قبل ذلك؛ لأن السفر يحتاج إلى عمل ونية، وليس كالإقامة التي تصح بالنية دون العمل. ولا شك أن المشقة حاصلة من ابتداء السفر إلى حين رجوعه، وسبب القصر في حديث أنس توجهه - ﷺ - إلى مكة كما ذكره البخاري في بعض طرقه (٥)، لا أنه كان سفره إلى ذي الحليفة فقط، وبين المدينة وذي الحليفة من ستة أميال إلى سبعة. فلا حجة لمن أجاز القصر في قليل السفر، ولمن خرج إلى بستانه؛ لأن الحجة في السنة لا فيما خالفها، وإنما لم يترك عليّ القصر وهو يرى الكوفة حَتَّى يدخلها؛ لأنه كان حكمه حكم المسافر في ذلك الوقت. فلو أراد أن ------------ (١) «النوادر والزيادات» ١/ ٤٢٠. (٢) «الأوسط» ٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤. (٣) يومئ المصنف -رحمه الله- إلى آية [النساء: ١٠١] ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾. (٤) هو حديث أنس في الباب. (٥) سيأتي برقم (١٧١٤) كتاب: الحج، باب: نحر البدن قائمة. يصلي حينئذٍ لصلى صلاة سفر، وكان له تأخير الصلاة إلى الكوفة إذا كان في سعة من الوقت، فيصليها صلاة حضر، فاختار ذلك؛ أخذًا بالأفضل واحتياطًا للإتمام حين طمع به وأمكنه. الثالث: حديث عائشة أسلفنا الكلام عليه في أول الصلاة (١)، كما أسلفنا الإشارة إليه. قَالَ الدولابي فيما نقله ابن التين: قدم الشارع المدينة وهو يصلي ركعتين، ثم نزل إتمام صلاة المقيم في الظهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، بعد مقدمه بشهر، وأقرت صلاة المسافر. وقَالَ أبو محمد: فرضت الصلاة خمسًا بمكة ليلة الإثنين، وأتمت بالمدينة. وقال الأصيلي: أول ما فرضت الصلاة أربعًا في الظهر والعصر على هيئتها اليوم. وأنكر على من قَالَ: كانت ركعتين ثم أتمت بالمدينة، وقال: لا يقبل في هذا خبر الآحاد، وأنكر حديث عائشة. وقال ابن عبد البر: حديث عائشة صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحة إسناده، إلا أن الأوزاعي قَالَ فيه: عن الزهري، عن عروة، عنها، وهشام بن عروة، عن عروة، عنها، ولم يروه مالك عن الزهري، ولا عن هشام. إلا أن شيخًا يسمى محمد بن يحيى بن عباد بن هانئ، رواه عن مالك، وابن أخي الزهري جميعًا، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وهذا لا يصح عن مالك، والصحيح ----------- (١) راجع شرح حديث (٣٥٠). في إسناده عن مالك ما في «الموطأ» (١)، وطرقه عن عائشة متواترة، وهو عنها صحيح ليس في إسناده مقال، إلا أن أهل العلم اختلفوا في معناه، فذهب جماعة منهم إلى ظاهره، وعمومه، وما يوجبه لفظه، فأوجبوا القصر في السفر فرضًا في كل رباعية. وأما الصبح والمغرب فلا يقصران إجماعًا (٢)، وإن حكي أن الصبح يقصر في الخوف إلى ركعة فهو شاذ (٣). وهذا يدل على أن قول عائشة ظاهره العموم، والمراد به الخصوص، ألا ترى خروج المغرب والصبح من ذلك، وهذا الحديث واضح في الفريضة، ألا ترى أن المصلي في الحضر لا تجوز الزيادة في صلاته بالإجماع، وكذا المسافر. وممن ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز -إن صح عنه - وحماد بن أبي سليمان، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وقول بعض أصحاب مالك، وقد روي عن مالك أيضًا، وهو المشهور عنه أنه قَالَ: من أتم في السفر أعاد في الوقت (٤)، واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب قَالَ: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم - ﷺ - (٥). رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي بإسناد صحيح (٦)، وعن ابن عمر ----------- (١) «الموطأ» ص ١٠١. (٢) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ٤٦. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال به جماعة من الصحابة والتابعين، ومحمد بن نصر المروزي الشافعي، وفيه حديث في «صحيح مسلم»، وأما المغرب فيقال: إن ابن دحية ذكر في قصرها حديثًا. (٤) انظر: «المبسوط» ١/ ٢٣٩، «بدائع الصنائع» ١/ ٩١، «الذخيرة» ٢/ ٣٦٩، «المدونة الكبرى» ١/ ١١٥. (٥) «التمهيد» ١٦/ ٢٩٣ - ٢٩٥. (٦) «مسند أحمد» ١/ ٣، «سنن النسائي» ٣/ ١١١، ١١٨، ١٨٣، «سنن ابن ماجه» (١٠٦٣)، «سنن البيهقي» ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠ من طريق زبيد الإيامي عن عبد الرحمن = قَالَ: صحبت رسول الله - ﷺ - فكان لا يزيد على ركعتين في السفر، وأبا بكر، وعمر، وعثمان. أخرجاه (١). وعن ابن عباس: إن الله فرض الصلاة على نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. أخرجه مسلم (٢). وممن قَالَ بفرض القصر المتعين: عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، والثوري، وعن عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان لا يصلح غيرهما (٣). وقال الأوزاعي: إن قام إلى الثالثة وصلاها فإنه يلغيها، ويسجد للسهو (٤). وقال الحسن بن حي: إذا صلى أربعًا متعمدًا أعادها إن كان ذلك منه الشيء اليسير، فإن طال ذلك منه وكثر في سفره --------------- = ابن أبي ليلى، عن عمر وصححه ابن حبان ٧/ ٢٢ - ٢٣ (٢٧٨٣)، وحسنه النووي في «المجموع» ٤/ ٤٠٢، ٥/ ٢١، وصححه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوي» ٢٢/ ٥٤٢، ٢٤/ ٢٠، والألباني في «الإرواء» (٦٣٨). ورواه ابن ماجه (١٠٦٤)، والبيهقي ٣/ ١٩٩ من طريق زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن عمر. فزيد في هذا الإسناد كعب بن عجرة. وبنحوه صححه ابن خزيمة ٢/ ٣٤٠ (١٤٢٥). وقال النووي في «المجموع» ٤/ ٢٢٣: إسناد صحيح. (١) سيأتي برقم (١١٠٢) كتاب: تقصير الصلاة، باب: من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها، ورواه مسلم (٦٨٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها. (٢) «صحيح مسلم» (٦٨٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها. (٣) أورده ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٣٣٤. (٤) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١١/ ١٧٧. لم يعد (١). وعن الحسن البصري في متعمد الأربع: بئس ما صنع، وقضيت عنه، ثم قَالَ للسائل: لا أبالك. أترى أصحاب رسول الله - ﷺ - تركوها؛ لأنها تغلب عليهم (٢)؟! وقال الأثرم: قلتُ لأحمد: للرجل أن يصلي أربعًا في السفر؟ قَالَ: ما يعجبني. وقال البغوي: إنه قول أكثر العلماء (٣). وقال الخطابي: الأولى القصر؛ ليخرج من الخلاف (٤). وقال الترمذي: العمل على ما فعله الشارع، وأبو بكر، وعمر، وهو القصر (٥). وهو قول محمد بن سحنون، وأجازه القاضي إسماعيل المالكي، وهو رواية عن مالك، وأحمد، حكاه عنهما ابن المنذر (٦). وفي «الذخيرة» رواية أشهب أن القصر فرض (٧). وقال ابن المواز: لو افتتح على ركعتين فأتمها أربعًا تعمدًا أعاد أبدًا، وإن كان سهوًا سجد للسهو وأجزأه. وقال سحنون: بل يعيد أبدًا؛ لكثرة السهو (٨). -------------- (١) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١١/ ١٧٧. (٢) أورده ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٣٣٥، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١/ ١٧٧. (٣) «التهذيب» ٢/ ٢٩٧. (٤) «معالم السنن» ١/ ٢٢٥. (٥) «سنن الترمذي» ٢/ ٤٣٠. (٦) «الأوسط» ٤/ ٣٣٤. (٧) «الذخيرة» ٢/ ٣٦٨. (٨) «المدونة» ١١٥. وقيل: إن القصر والإتمام جائزان. والأفضل القصر إذا بلغ سفره ثلاث مراحل. وبه قَالَ الشافعي، وهو قول سعد بن أبي وقاص. وقيل: إن القصر والإتمام فرض غير فيه كالخيار في واجب خصال الكفارة. وقيل: إن القصر سنة. وهو قول مالك في أشهر الروايات عنه، كما ذكره ابن رشد في «قواعده» (١). وقال ابن التين: إنه قول أكثر أصحابهم. وقيل: القصر رخصة، والإتمام أفضل، كالصوم في رمضان في السفر، ثم روي عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة أن النبي - ﷺكان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم (٢)، قَالَ الدارقطني: إسناده صحيح (٣). وفي رواية: كل قد فعل رسول الله - ﷺ - صام وأفطر، وأتم وقصر في السفر (٤). -------------- (١) «بداية المجتهد» ١/ ٣٢١. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ٢٠٨ (٨١٨٧) كتاب: الصلوات، في المسافر إن شاء صلّى ركعتين وإن شاء صلّى أربعًا، والبزار كما في «كشف الأستار» ١/ ٣٢٩ (٦٨٢) كتاب: الصلاة، باب: الإتمام في السفر والدارقطني في «سننه» ٢/ ١٨٩ (٤٤)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١/ ١٧٢، كلهم من طريق المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة به، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ٥٧: فيه المغيرة ابن زياد، واختلف في الاحتجاج به، والحديث له شاهد من حديث عمر بن سعيد عن عطاء عن عائشة، ورواه البيهقي ٣/ ١٤١ وضعفه. (٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٨٩. (٤) رواها البيهقي في «السنن» ٣/ ١٤٢ (٥٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: من ترك القصر في السفر غير رغبة عن السنة. ![]()
__________________
|
|
#236
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 481 الى صـــ 500 الحلقة (236) وفي الدارقطني من حديث عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في عمرة في رمضان فأفطر رسول الله - ﷺ - وصمت، وقصر وأتممت. فقال: أحسنتِ يا عائشة، ثم قَالَ: وعبد الرحمن قد أدرك عائشة، ودخل عليها وهو مراهق (١). وفي رواية حماد بن زيد عنها: كان - ﷺ - يصلي ركعتين -يعني الفرائض- فلما قدم المدينة، وفرضت عليه الصلاة أربعًا، صلى الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تمامًا للمسافر (٢). قَالَ أبو عمر (٣): فهذِه عائشة قد اضطربت الآثار عنها في هذا الباب، وإتمامها في السفر يقضي بصحة ما وافق معناه عنها، فإنه قد صح عنها أنها كانت تتم في السفر، في الحديث الذي روته، وهو قولها: (فرضت الصلاة ركعتين) الحديث. لم يدخله الوهم من جهة النقل، فهو على غير ظاهره، وفيه معنى مضمر باطن، وذلك -والله أعلم- كأنها قالت: فأقرت صلاة السفر لمن شاء أو نحو هذا. ولا يجوز على عائشة أن تقر بأن القصر فرض في السفر، وتخالف الفرض، هذا ما لا يجوز لمسلم أن ينسبه إليها. ---------------- (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٨٨. (٢) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ١٦/ ٣٠٤ وفيه: جابر بن زيد، وليس حماد. (٣) «التمهيد» ١٦/ ٣٠٤. ٦ - باب يُصَلِّي المَغْرِبَ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ ١٠٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. [١٠٩٢، ١١٠٦، ١١٠٩، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ١٨٠٥، ٣٠٠٠ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٢/ ٥٧٢] ١٠٩٢ - وَزَادَ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ سَالِمٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ. قَالَ سَالِمٌ: وَأَخَّرَ ابْنُ عُمَرَ المَغْرِبَ، وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: سِرْ. فَقُلْتُ الصَّلَاةُ. فَقَالَ: سِرْ. حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٢/ ٥٧٢] ذكر فيه حديث: شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهَ -ﷺ - إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السفَرِ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ. وَزَادَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ سَالِمٌ: كَانَ ابن عُمَرَ يَجْمَعُ … ثم ساق الحديث. الشرح: أما الحديث الأول فأخرجه مسلم أيضًا (١). قَالَ الإسماعيلي: وهو غير مشبه لترجمة الباب، فإنه ليس فيه بيان عدد المغرب. قَالَ: وفي حديث عائشة بيانه. ----------------- (١) «صحيح مسلم» (٧٠٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر. وأما الثاني فقال الإسماعيلي: رواه أبو صالح عن الليث هكذا، فكأنه -يعني: البخاري- لم يستجز في هذا الكتاب أن يروي عنه، إلا أنه رأى أن الإرسال عنه كأنه أقوى. قَالَ: وهذا أمر عجيب إذ جعل إرساله هذا عن ضعيف يصحح ترجمة بقصده من الباب، وذكره لذلك، وروايته عنه لهذا الحديث غير مصحح ترجمة بابه. ثم ساقه من حديث أبي صالح ثنا الليث بهذا، لا على هذا الطول، ولكن قَالَ: إن ابن عمر قَالَ: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا أعجله يقيم صلاة المغرب فيصليها ثلاثًا. ثم ذكر باقي الحديث إلى قوله: (وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ). قَالَ: وقال القاسم -أحد رواته-: حَتَّى جوف الليل. ولم يقل: يقوم، ولا يقيم. وأخرج مسلم من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله [بن عبد الله] (١) بن عمر، عن أبيه أنه جمع رسول الله - ﷺ -، وفيه: وصلى المغرب ثلاث ركعات (٢). ومن حديث سعيد بن جبير، عن ابن عمر مثله (٣). وسيأتي للبخاري من حديث أسلم عن ابن عمر في الجمع أيضًا (٤). وروى أحمد من حديث ثمامة بن شراحيل قَالَ: خرجت إلى ابن ---------------- (١) ساقطة من الأصل والمثبت من «صحيح مسلم». (٢) «صحيح مسلم» (٧٠٣/ ٤٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر. (٣) «مسلم» (١٢٨٨) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، واستحباب صلاتي المغرب والعشاء. (٤) برقم (١٨٠٥) كتاب: العمرة، باب: المسافر إذا جدَّ به السير. عمر، فقلت: ما صلاة المسافر؟ قَالَ: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثًا (١). إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: (إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ). كذا هنا، وفي رواية أخرى: عجل به السير (٢)، وأخرى: عجل في السير (٣)، وأخرى: عجل به أمر (٤)، وأخرى: أعجله السفر، وأخرى: حزبه أمر (٥). وكلها متفقة المعنى ومقاربة. وقوله: (أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ) فيه زيادة إيضاح؛ لئلا يتوهم أن السير لم يكن في سفر. والمراد سفر القصر؛ لقرينة أحكام القصر والجمع والفطر؛ ولئلا يظن أنه كان في ضواحي البلدة ومتنزهاتها، فإنه يسمى سيرًا لا سفرًا، ولأنه قد قيل: إن السير أحد ما يشتمل عليه اسم السفر، فأضاف لفظة السير إليه؛ ليزول هذا الوهم. الثاني: فيه الجمع بين المغرب والعشاء، وسيأتي في بابه. الثالث: قوله: (وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ). صفية هذِه ----------- (١) «مسند أحمد» ٢/ ٨١. (٢) رواه مسلم (٧٠٣/ ٤٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في السفر. (٣) رواه أحمد في «مسنده» ٢/ ١٤٨. (٤) رواه أبو داود (١٢٠٧) كتاب: الصلاة، باب: الجمع بين الصلاتين. (٥) رواه النسائي في «المجتبى» ١/ ٢٨٩ كتاب: المواقيت. زوج عبد الله بن عمر، كما صرح به، وجدُّها مسعود، الثقفية، أخت المختار بن أبي عبيد، تابعية ثقة، استشهد بها البخاري، وأخرج لها الباقون سوى الترمذي، وعمرت أزيد من ستين عامًا، وكان أصابها شدة وجع فكتبت إليه (١). كما أخرجه النسائي: وهو في زراعة له: إني في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة (٢). وفي رواية: خرج في سفر يريد أرضًا له، فأتاه آتٍ فقال: إن صفية بنت أبي عبيد لما بها، فانظر أن تدركها، فخرج مسرعًا ومعه رجل من قريش يسايره (٣). الرابع: (فقلت له: الصلاة. فقال: سر). فيه: ما كانوا عليه من مراعاة الأوقات، خوفًا أن يكون نسي ابن عمر فذكره سالم. وفيه: جواز تأخير البيان لقوله: (سِرْ) مرتين، ثم بعد ذلك بين له بعد الصلاة. الخامس: قوله: (يقيم المَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا). فيه: ما ترجم له، وهو أنها لا تقصر، وهو إجماع. كما قال المهلب؛ لأنها وتر صلاة النهار، ولم يزد في الفجر؛ لطول قراءتها، وقد روي هذا عن عائشة كما أخرجه -------------- (١) انظر ترجمتها في: «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٤٥٤ (٢٣٣٩)، «الثقات» لابن حبان ٤/ ٣٨٦، «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٢١٢ (٧٨٧٥). (٢) «المجتبى» ١/ ٢٨٥، كتاب: المواقيت. (٣) رواه النسائي أيضًا في «المجتبى» ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨ كتاب: المواقيت. البيهقي (١). ومراده بالوتر: وتر النهار، فلو قصرت منها ركعة لم يبقَ وترًا، وإن قصرت اثنتان صارت ركعة، فيكون إجحافًا وإسقاطًا للأكثر. وذكر ابن أبي صفرة أن المغرب وحدها فرضت ثلاثًا، بخلاف باقي الصلوات فرضت ركعتين ركعتين. وفي البيهقي عن أنس: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - من المدينة إلى مكة، فصلى بنا ركعتين ركعتين، إلا المغرب حَتَّى رجعنا إلى المدينة (٢). السادس: فيه: القصر في السفر المباح غير الحج والجهاد، كما وقع لابن عمر أنه خرج إلى أرض له وفعله (٣)، وعلم ونقل فعل ذلك عن الشارع. وهو مذهب جماعة الفقهاء (٤). وأبعد أهل الظاهر فخصوه بهما (٥). وهو مروي ------------ (١) «السنن الكبرى» للبيهقي ٣/ ١٤٥ كتاب: الصلاة، باب: إتمام المغرب في السفر والحضر. (٢) «السنن الكبرى» ٣/ ١٤٥ السابق. (٣) روى ابن المنذر عن ابن جريج قال: أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقصر الصلاة إلى مال له بخيبر يطالعه، وروى أيضًا عن الزهري قال: أخبرنا سالم أن ابن عمر اشترى من رجلٍ قال: أحسبه ناقة فخرج ينظر إليها فقصر الصلاة. «الأوسط» ٤/ ٣٤٤. (٤) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٩٣، «الذخيرة» ٢/ ٣٦٧، «الحاوي الكبير» ٢/ ٣٥٨، «المغني» ٣/ ١١٤. (٥) ذكر ابن حزم هذا التخصيص في «المحلى» ٤/ ٢٦٤ بأنه قول لأبي سليمان وأهل الظاهر وجماعة من السلف فقالوا: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد أو عمرة، واعترض على ذلك فقال: الصلوات المذكورة في السفر ركعتين فرض، سواء كان سفر طاعة أو معصية، أو لا طاعة ولا معصية، أمنًا كان أو خوفًا فمن أتمها أربعًا عامدًا، فإن كان عالمًا بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته، وإن كان ساهيًا سجد للسهو بعد السلام فقط. عن ابن مسعود (١)، وابن عمر روى السنة في ذلك عن الشارع، وفهم عنه معناها، وأن ذلك جائز في كل سفر مباح، ألا ترى قوله: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - إذا أعجله السير يفعل. وهذا عام في كل سفر. فمن ادعى الخصوص فعليه البيان، ويقال لهم: إن الله تعالى قد فرق بين أحوال المسافرين في طلب الرزق، وفي قتال العدو في سقوط قيام الليل عنهم، فقال تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فلما سوى بينهم تعالى في سقوط قيام الليل وجب التسوية بينهم في استباحة رخصة القصر في السفر، وهذا دليل لازم. السابع: قوله: (ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ). قَالَ الحميدي: هكذا في زيادة الليث. وفي رواية شعيب، عن الزهري، أن ذلك عن فعل ابن عمر من قول الراوي: (ثم قلما يلبث) لم يسنده، ورواية شعيب هنا ليس فيها هذا (٢). وقد جاء في بعض طرق الحديث أنه كان صلاته بعد غروب الشفق (٣). وفي رواية: ومعه -يعني ابن عمر- رجل من قريش يسايره، وغابت الشمس فلم يقل: الصلاة. وعهدي، وهو يحافظ على الصلاة، فلما أبطأ قلنا: الصلاة ----------- (١) روى ابن المنذر عن الأسود قال: كان عبد الله لا يرى التقصير إلا على حاج أو مجاهد، وروى عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد «الأوسط» ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥. (٢) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ٢/ ١٧٥ (١٢٨٠). (٣) سيأتي برقم (١٨٠٥) كتاب: العمرة، باب: المسافر إذا جدَّ به السير يعجل إلى أهله. يرحمك الله. فالتفت إليَّ ومضى حَتَّى إذا كان آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق، فصلى بنا ثم أقبل علينا (١). وفي أخرى عن ابن عمر: ما جمع رسول الله -ﷺ - قط بين المغرب والعشاء في سفر إلا مرة (٢). قَالَ أبو داود: هذا يروى عن أيوب، عن نافع موقوفًا على ابن عمر، لم ير ابن عمر جمع بينهما قط، إلا تلك الليلة، يعني ليلة استصرخ على صفية. وفي رواية (أنه فعل) (٣) ذلك مرة أو مرتين (٤). وفي رواية واقد: حَتَّى إذا كان قبل غروب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حَتَّى غاب الشفق، فصلى العشاء ثم قَالَ: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا عجل به أمر صنع مثل الذي صنعت، فسار في ذلك اليوم والليلة مسيرة ثلاث (٥). الثامن: قوله: (وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ). فيه: أن السنن لا تصلى في السفر. وقد عقد لذلك البخاري باب من لم يتطوع في السفر، ويأتي. -------------- (١) رواه النسائي في «المجتبى» ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨ كتاب: المواقيت. (٢) رواه أبو داود (١٢٠٩) كتاب: الصلاة، باب: الجمع بين الصلاتين، وضعف الألباني إسنادها في «ضعيف أبي داود» (٢٢١). (٣) غير واضحة في الأصل والمثبت من (ج). (٤) «سنن أبي داود» ١/ ٣٨٧. (٥) رواه أبو داود (١٢١٢) كتاب: الصلاة، باب: الجمع بين الصلاتين، وقال الألباني بعد ذكره إياها: إسناده صحيح، لكن قوله: قبل غيوب الشفق: شاذ، والمحفوظ أنه أخَّر المغرب إلى أن غاب الشفق فجمع بين بالصلاتين «صحيح أبي داود» (١٠٩٧). التاسع: فيه: أن قيام الليل كان لا يتركه سفرًا، فالحضر أولى، وهو من خصائصه. والأصح أنه ما مات حَتَّى نسخ عنه (١). فرع: في قوله: (إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ). قَالَ مالك في «المدونة»: إذا جدَّ به السير، وخاف فوات أمر، جمع بين المغرب والعشاء في أول وقتها، وهذا إذا لم يرتحل عند الزوال والغروب، فإن ارتحل بعدها فيجمع حينئذٍ، ولا يكون الجمع إلا بين صلاتين مشتركتين في الوقت. فرع: حد الإسراع الذي شرع فيه الجمع مبادرة ما يخاف فواته، والإسراع إلى ما يهمه. قاله أشهب (٢). فرع: يختص الجمع بالسفر الطويل خلافًا للمالكية. فرع: هذا الجمع لضرورة قطع السفر، فأما الجمع للمطر فجائز عندنا تقديمًا لا تأخيرًا، بشروط تذكر في كتب الفروع. وبغير عذر لا يجوز عند الجمهور، فإن فعل أعاد الثانية أبدًا عند ابن القاسم (٣). وقال أشهب: أحب أن لا يجمع بين الظهر والعصر إلا بعرفة (٤). وأبو حنيفة -------------- (١) أوْفَى المصنف هذِه المسألة حقَّها بحثًا في مصنفه «خصائص النبي» ٣٠ - ٣٧ فلتُراجع. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٦٥. (٣) السابق ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥. (٤) السابق ١/ ٢٦٣. منع الجمع إلا بعرفة والمزدلفة (١). دليلنا حديث معاذ أنه - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، فإن رحل قبل أن تزيغ أخر الظهر حَتَّى ينزل للعصر، وفي المغرب والعشاء كذلك. حديث صحيح أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان (٢) (٣). قَالَ ابن التين: والجمع بين الظهر والعصر على وجهين: أحدهما: أن يرتحل عند الزوال فيجمع حينئذٍ. والثاني: أن يرتحل قبله فيؤخر الظهر إلى آخر وقتها، ثم يصلي العصر في أول وقتها. ثم قَالَ: ودليله حديث معاذ المتقدم، والحديث المذكور لا يطابقه. فائدة: قَالَ الداودي في رواية شعيب عن ابن عمر أنه - ﷺ - جمع بينهما، وفي رواية الليث: بمزدلفة. وقال ابن عمر: إذا أعجله السير يصلي المغرب ثلاثًا ثم يسلم، ثم قلما يلبث حَتَّى يقيم العشاء. وهذِه أحوال، جمع مرة، وأخر العشاء مرة، وأما الجمع بمزدلفة فبعد مغيب الشفق للصلاتين. -------------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٣. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: أعله البخاري. (٣) «سنن أبي داود» (١٢٠٦، ١٢٠٨، ١٢٢٠) كتاب: صلاة السفر، باب: الجمع بين الصلاتين، «سنن الترمذي» (٥٥٣) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الجمع بين الصلاتين، «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٤٧٥ (٦٥٣٧) كتاب: التاريخ، باب: المعجزات. والحديث رواه مسلم بنحوه (٧٠٦) وبعد حديث (٢٢٨١). ٧ - باب صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدابة حيثما تَوَجَّهَتْ بِهِ ١٠٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. [١٠٩٧، ١١٠٤ - مسلم: ٧٠١ - فتح: ٢/ ٥٧٢] ١٠٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ القِبْلَةِ. [انظر: ٤٠٠ - مسلم:- فتح: ٢/ ٥٧٣] ١٠٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُهُ. [انظر: ٩٩٩ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٥٣٧] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عامر: قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. ثانيها: حديث جابر: أنه - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ القِبْلَةِ. ثالثها: حديث نافع: كَانَ ابن عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وُيوتِرُ عَلَيْهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ - كَانَ يَفْعَلُهُ. الشرح: حديث عامر أخرجه مسلم (١)، ويأتي أيضًا (٢). ----------- (١) «صحيح مسلم» (٧٠١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت. (٢) سيأتي برقم (١٠٩٧) باب: من تطوع في السفر. وعامر: هو ابن ربيعة بن كعب بن مالك، بدري، حليف الخطاب أبي عمر، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ومات قبيل عثمان (١). وفي رواية للإسماعيلي: تطوعًا حيث توجهت به. وحديث جابر يأتي في باب: ينزل للمكتوبة (٢)، وهو من أفراده. وحديث ابن عمر سلف في باب: الوتر على الدابة (٣). وهو دال على أن البخاري يرى أن الوتر سنة، حيث أورده في هذا الباب. ولا خلاف أن للمسافر سفرًا طويلًا التنفل على دابته حيث توجهت به؛ لهذِه الأحاديث «الصحيحة» وذلك مستثنى من استقبال القبلة. وتخصيص قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ويبين أن ذلك في المكتوبات، ويفسر قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أنه في النافلة على الدابة. وقد روي عن ابن عمر أن هذِه الآية نزلت في قول اليهود في القبلة. وممن نص على ذلك من الفقهاء علي، والزبير، وأبو ذر، وابن عمر، وأنس، وقال به طاوس، وعطاء، ومالك، والثوري، والكوفيون، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، غير أن أحمد، وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير (٤). --------------- (١) انظر: ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥ (٧٤٥)، «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٠٤٩ - ٢٠٥١ (٢١٣٠)، «الاستيعاب» ٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠ (١٣٣٥)، «أسد الغابة» ٣/ ١٢١ - ١٢٢ (٢٦٩١)، «الإصابة» ٢/ ٢٤٩ (٤٣٨١). (٢) سيأتي برقم (١٠٩٩). (٣) سلف برقم (٩٩٩) كتاب: الوتر. (٤) انظر: «الأصل» ١/ ٢٩٥، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣١٥، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٩٣، «الذخيرة» ٢/ ١١٩ - ١٢٠، «الأم» ١/ ٨٤، «روضة الطالبين» ١/ ٢١٠، «الأوسط» ٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠، «الإنصاف» ٣/ ٣٢٠ - ٣٢٢، ٣٢٥. واختلفوا في الماشي، فأجازه الشافعي، ومنعه مالك، تمسكًا بمورد النص. واختلفوا في السفر القصير، فأظهر قولي الشافعي جوازه فيه، ووافقه من سلف ذكره ممن عددنا خلا مالكًا فمنع، وقاسه على الفطر والقصر (١). واختلفوا في جوازه في الحضر فجوزه أبو يوسف، والاصطخري من الشافعية، والأصح المنع (٢) كالفرض. حجة مالك في اشتراط سفر القصر أيضًا، بأن الشارع إنما فعل ذلك في سفره إلى خيبر، ولم ينقل عنه فعل ذلك إلا في سفر القصر؛ ولأن القبلة آكد؛ لأن الصلاة تقصر في السفر، ولا يعدل فيها عن القبلة مع القدرة، فلما امتنع القصر في القصير وهو أضعف، فالقبلة أولى. أجاب الجمهور بأن الأحاديث الواردة في الباب ليس فيها تحديد سفر، ولا تخصيص مسافة، فوجب حملها على العموم في كل ما يسمى سفرًا، وبالقياس على إسقاط الفرض بالتيمم إذا عُدِمَ الماء في السفر القصير. قَالَ الطبري: ولا أعلم من وافق مالكًا في ذلك. -------------- (١) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٢١٠، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٩٣. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣١٦، «البيان» ١/ ١٥٦. ٨ - باب الإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ ١٠٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ يُومِئُ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُهُ. [انظر: ٩٩٩ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٥٧٤] ذكر فيه حديث عبدِ الله بنِ دينار قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ يُومِئُ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُهُ. هذا الحديث تفرد البخاري فيه بذكر الإيماء، وأصله في مسلم أيضًا (١)، وكان الظاهر المراد بها هنا التكرار، وهو المستعمل غالبًا. ومعنى: أينما توجهت، أي: إلى القبلة وغيرها، ومقصده بدل عن القبلة. قَالَ مالك -فيما رواه علي بن زياد-: فمن صلى على راحلته في محمله مشرقًا أو مغربًا لا ينحرف إلى القبلة، وإن كان يسيرًا وليصلِّ قبل وجهه؛ عملًا بهذا الحديث، ومفهوم ذلك أن يجلس عليها على هيئة التي تركها عليه غالبًا ويستقبل بوجهه ما استقبلته الراحلة، والتقدير: يصلي على راحلته إلى حيث توجهت به، ويحتمل أن يقدر أنه كان يصلي على راحلته وهي حيث توجهت إلا أنه ينحرف عن القبلة، والأول أصح؛ لأنه يتعلق بقوله: «عَلَى رَاحِلَتِهِ»؛ ولأنه رُوي ------------ (١) «صحيح مسلم» (٧٠٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر. مفسرًا في حديث عامر بن ربيعة كما سلف (١)، ويأتي (٢)؛ ولأنه لا فائدة في قوله: حيث توجهت به إذا كان ينحرف إلى القبلة إلا ما يفيده قوله: «عَلَى رَاحِلَتِهِ»، وهذا في نفس الصلاة، وأما افتتاحها فذهب مالك إلى أنه وغيره سواء. وقال الشافعي وأحمد: يفتتحها مستقبلًا ثم يصلي كيف أمكنه دليلهما حديث ابن عمر، ودليل مالك القياس على باقي الصلاة (٣). فرع: راكب السفينة يلزمه الاستقبال إلا للملاح. وفي «المدونة» موافقتنا خلافًا لابن حبيب عنه (٤). وقوله: (يُومِئُ). فيه: أن سنة الصلاة على الدابة الإيماء، ويكون سجوده أخفض من ركوعه تمييزًا بينهما. وروى أشهب عن مالك في الذي يصلي على الدابة أو المحمل: لا يسجد بل يومئ؛ لأن ذلك من سنة الصلاة على الدابة (٥). وقَالَ ابن القاسم: المصلي في المحمل متربعًا إن لم يشق عليه أن يثني رجليه عند سجوده فليفعل. قَالَ ابن حبيب: وإذا تنفل على الدابة فلا ينحرف إلى جهة القبلة، وليتوجه لوجه دابته، وله إمساك عنانها، وضربها، وتحريك رجليه، إلا أنه لا يتكلم، ولا يلتفت ولا يسجد الراكب على مرءوس سرجه، ولكن يومئ. -------------- (١) برقم (١٠٩٣). (٢) برقم (١٠٩٧). (٣) «الأم» ١/ ٨٥، «المغني» ٢/ ٩٨. (٤) «المدونة» ١/ ١١٧. (٥) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٥٠. واستحب أحمد، وأبو ثور في الافتتاح التوجه ثم لا يبالي حيث توجهت به، والحجة لهم حديث أنس أن النبي - ﷺ - كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه. رواه أبو داود بإسناد حسن (١). وليس في الأحاديث السالفة الاستقبال في التكبير، وهي أصح منه. وحجة الجمهور وهم مَنْ قَالَ بأنه لا يشترط الاستقبال في التكبير القياس على الباقي. فرع: اختلف قول مالك في المريض العاجز عن الصلاة على الأرض، إلا إيماءً، هل يصلي الفريضة على الدابة في محمله، ففي «المدونة»: لا. وروى أشهب: نعم، ويوجه إلى القبلة، وفي كتاب ابن عبد الحكم مثله (٢). ------------ (١) أبو داود (١٢٢٥). وأصله سيأتي برقم (١١٠٠)، ورواه مسلم (٧٠٢). وانظر: «صحيح أبي داود» (١١١٠). (٢) انظر: «المدونة» ١/ ٨٠ و«النوادر والزيادات» ١/ ٢٤٩. ٩ - باب يَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبَةِ ١٠٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهْوَ عَلَى الرَّاحِلَةِ يُسَبِّحُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ. [انظر: ١٠٩٣ - مسلم: ٧٠١ - فتح: ٢/ ٥٧٤] ١٠٩٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُسَافِرٌ، مَا يُبَالِي حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَى وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ. [انظر: ٩٩٩ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٥٧٥] ١٠٩٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [انظر: ٤٠٠ - مسلم: ٥٤٠ - فتح ٢/ ٥٧٥] ذكر فيه حديث عامر: قَالَ: رَأَيْتُ النبي - ﷺ - وهْوَ عَلَى راحلته يُسَبِّحُ، يُومِئُ بِرَأسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ .. الحديث. وحديث ابن عمر مثله بلفظ: وقال الليث .. إلى آخره. وحديث جابر: أنه - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ المَكْتوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. الشرح: حديث عامر سلف قريبًا (١)، وسيأتي في باب من تطوع في السفر --------------- (١) سلف برقم (١٠٩٣) باب: صلاة التطوع على الدواب، وحيثما توجهت به. معلقًا عن الليث (١)، وهو أصل في الإيماء على الدابة. وقوله: (وقَالَ: اللَّيْثُ .. إلى آخره). قَالَ الإسماعيلي: إنه رواه عن أبي صالح في غير هذا الكتاب عن الليث، أخبرناه ابن ناجية عنه، عن أبي صالح. وقد رواه ابن وهب وشبيب، عن يونس بن يزيد به، ولفظه: كان يصلي السبحة بالليل على راحلته حيث توجهت به شرق أو غريب يومئ إيماءً، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني أيضًا. وحديث جابر سلف قريبًا (٢)، وهو من أفراده كذلك. والسبحة: النافلة في الصلاة، ويقال: لكل صلاة سبحة، لكن ما قدمناه أشهر. وقام الإجماع على أنه لا يصلي الفرض على الدابة من غير عذر. فرع: ترك الاستقبال جائز؛ رفقًا بالأمة أيضًا. فرع: مصلي النافلة على الأرض هل يومئ؟ منعه ابن القاسم، وأجازه ابن حبيب، قَالَ: كما يدع القيام. ------------- (١) سيأتي برقم (١١٠٤). (٢) برقم (١٠٩٤) باب: صلاة التطوع على الدواب. ١٠ - باب صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الحِمَارِ ١١٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الجَانِبِ، يَعْنِي عَنْ يَسَارِ القِبْلَةِ. فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ القِبْلَةِ. فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلْهُ. رَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [مسلم: ٧٠٢ - فتح: ٢/ ٥٧٦] ذكر فيه حديث حبان -بفتح الحاء والموحدة- ثَنَا هَمَّامٌ ثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ .. الحديث. رَوَاهُ ابن طَهْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث عفان، عن همام (١)، وله، ولأبي داود، والنسائي، عن ابن عمر: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر، وأعله النسائي بأن قال: عمرو بن يحيى لا يتابع على قوله: «يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ»، وربما يقول: «عَلَى رَاحِلَتِهِ» (٢)، ولذا وهَّم الدارقطني وغيره عمرًا في قوله: «عَلَى حِمَارٍ»، والمعروف على راحلته على البعير. ----------- (١) «صحيح مسلم» (٧٠٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حديث توجهت. (٢) «صحيح مسلم» (٧٠٠/ ٣٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز صلاة النافلة، «سنن أبي داود» (١٢٢٦) كتاب: صلاة السفر، باب: التطوع على الراحلة والوتر، «المجتبى» ٢/ ٦٠ كتاب: المساجد. وقد أخرجه مسلم من فعل أنس (١)، وكذا مالك في «الموطأ» (٢). أما فقه الباب: فالتنفل على البعير، والبغل، والحمار، وجميع الدواب سواء في ترك الاستقبال معه على ما تقدم. وعلى ذلك جماعة الفقهاء. وقد أسلفنا عن أبي يوسف وغيره إلحاق الحمر بذلك في الإيماء بحديث يحيى بن سعيد، عن أنس أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماءً (٣). وجماعة الفقهاء على خلافه. ---------------- (١) مسلم (٧٠٢/ ٤١). (٢) «الموطأ» ص ١١٢. (٣) أورده ابن عبد البر في «التمهيد» ١٧/ ٧٨. ![]()
__________________
|
|
#237
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 501 الى صـــ 520 الحلقة (237) ١١ - باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَهَا ١١٠١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُ قَالَ: سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما فَقَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١١٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ رضي الله عنهم. [انظر: ١١٠١ - مسلم: ٦٨٩ - فتح: ٢/ ٥٧٧] ذكر فيه حديث حفص بن عاصم: أنه سأل ابن عُمَرَ، فَقَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وعن ابن عمر: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة، ثم في بعض رواياته: لو كنت مسبحًا لأتممت. وفي بعضها: صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلتُ: يسبحون. قَالَ: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي (١). --------------- (١) «صحيح مسلم» (٦٨٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها. وأبو داود (١٢٢٣)، والترمذي (٥٤٤)، والنسائي ٣/ ١٢٢ - ١٢٣، وابن ماجه (١٠٧١). وفي «الموطأ» عن مالك، عن نافع، عنه أنه لم يكن يصلي مع الفريضة في السفر شيئًا ولا بعدها إلا من جوف الليل، فإنه كان يصلي على الأرض وعلى راحلته حيثما توجهت به. كذا هو موقوف في «الموطأ» (١)، ورفعه الباقون. وأول ابن بطال قوله: «لَمْ أَرَهُ يُسبحُ فِي السفَرِ»، يريد التطوع قبل الفرض وبعده، أي: بالأرض؛ لأنه روى الصلاة على الراحلة في السفر، وأنه كان يتهجد بالليل في السفر، ولا تضاد إذًا بين الأخبار كما جاء مبينًا عنه (٢). وقد سلف عن رواية البخاري في صلاة المغرب: ولا يسبح بعد العشاء حَتَّى يقوم من جوف الليل (٣). فبان أن المراد التطوع في الأرض المتصل بالفريضة الذي حكمه حكمها في الاستقبال والركوع والسجود، ولذلك قَالَ ابن عمر: لو تنفلت لأتممت (٤). أي: لو تنفلت التنفل الذي هو من جنس الفريضة لجعلته في الفريضة ولم أقصرها. وممن كان لا يتنفل في السفر قبل الصلاة ولا بعدها علي بن الحسين، وسعيد بن جبير (٥). ----------- (١) «الموطأ» ص ١١٢. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٩١. (٣) سيأتي برقم (١٠٩٢) باب: يصلي المغرب ثلاثًا في السفر. (٤) هذِه الرواية في «مسلم» (٦٨٩/ ٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها. (٥) روى ابن أبي شيبة عن حميد مولى الأنصار قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يحدث عن أبيه علي بن حسين أنه كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها. هذا وقد قال ابن المنذر: وروينا عن سيد بن المسيب وسعيد بن جبير أنهما قالا: لا يصلي المسافر قبل المكتوبة ولا بعدها. «المصنف» ١/ ٣٣٤ (٣٨٣٠)، و«الأوسط» ٥/ ٢٤٢. وليس قول ابن عمر: لم أره - ﷺ - يسبح في السفر. بحجة على من رآه؛ لأن من نفي شيئًا ليس بشاهد. وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه تنفل في السفر مع صلاة الفريضة (١)، وهو قول عامة العلماء. وقال الطبري: يحتمل أن يكون تركه - ﷺ - التنفل فيه في حديث ابن عمر، تحريًا منه إعلام أمته أنهم في أسفارهم بالخيار في التنفل بالسنن المؤكدة وتركها، وقد بين ذلك أنه - ﷺ - كان إذا جمع في السفر صلى المغرب، ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يرتحل (٢). وإذا جاز الشغل بالعشاء بعد دخول وقتها، وبعد الفراغ من صلاة المغرب، فالشغل بالصلاة أحرى أن يجوز. وقال ابن التين: معنى لم أره يسبح: في النهار، ويدل عليه قول ابن عمر في الباب بعده: كان - ﷺ - يسبح على ظهر راحلته (٣). ------------ (١) روى الترمذي (٥٥١ - ٥٥٢) عن ابن عمر قال: صليت مع النبي - ﷺ - الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين ثم قال: هذا حديث حسن، وروى أيضًا عنه أنه قال: صليت مع النبي - ﷺ - في الحضر والسفر فصليت معه في الحضر الظهر أربعًا وبعدها ركعتين، وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم يصلِّ بعدها شيئًا، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات، لا تنقص في الحضر ولا في السفر، وهي وتر النهار وبعدها ركعتين ثم قال: هذا حديث حسن. قال الألباني عن الحديث الأول في «ضعيف الترمذي»: (٨٤) ضعيف الإسناد، والحديث الثاني (٨٥): ضعيف الإسناد منكر المتن. (٢) روى أبو داود (١٢٣٤) عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده أن عليًّا - رضي الله عنه - كان إذا سافر سار بعد ما تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم، ثم ينزل فيصلي المغرب، ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يصلي ثم يرتحل ويقول: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يصنع. (٣) يأتي برقم (١١٠٥) باب: مَن تطوع في السفر في غير دبر الصلوات وقبلها. ولا خلاف بين الأئمة في جواز النافلة بالليل في السفر، وكان ابن عمر لا يفعله بالنهار في السفر، ويقول: لو كنت مسبحًا لأتممت. يعني: لو كان التنفل جائزًا لكان الإتمام أولى. وابن عمر ممن صحب الشارع في سفره، وكان من أكثر الناس اقتداءً به، وذكر أنه لم يرَ النبي - ﷺ - يزيد في السفر على ركعتين. فلما لم يره بالنهار امتنع، ورآه يتنفل بالليل ففعله. وأكثر العلماء على جوازه ليلًا ونهارًا، ودليلهم حديث أم هانئ الآتي أنه صلى يوم الفتح ثماني ركعات سبحة الضحى (١). ولعل ابن عمر لم يبلغه، وحكى ابن أبي صفرة أنه قَالَ: إنما صلاها قضاء لصلاته ليلة فتح مكة؛ لأنه اشتغل في تلك الليلة عن صلاة الليل. وقال النووي: اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي، وأصحابه، والجمهور (٢). ولعل الشارع كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر، فإن النوافل في البيت أفضل، أو لعله تركها في بعض الأوقات تنبيهًا على جواز تركها. وأما ما يحتج به مَنْ تَرَكَ مِن أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى، فجوابه أن الفريضة محتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق به أن تكون مشروعة ويخير، إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وان شاء تركها ولا شيء عليه. --------------- (١) الحديث الآتي. (٢) «صحيح مسلم شرح النووي» ٥/ ١٩٨. قَالَ الخطابي: وفي حديث ابن عمر دليل أنه كان يستفتح صلاته مستقبلًا القبلة (١). قَالَ ابن التين: ولا أدري من أين أخذه الخطابي. ------------- (١) «معالم السنن» ١/ ٢٣١. ١٢ - باب مَنْ تَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ فِي غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَوَاتِ وَقَبْلَهَا وَرَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فِي السَّفَرِ. ١١٠٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أَنْبَأَ أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ، ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. [١١٧٦، ٤٢٩٢ - مسلم: ٣٣٦ - فتح: ٢/ ٥٧٨] ١١٠٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. [انظر: ١٠٩٣ - مسلم: ٧٠١ - فتح: ٢/ ٥٧٨] ١١٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. [انظر: ٩٩٩ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٥٧٨] ثم ذكر حديث ابن أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أخبرنا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ .. الحديث. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَاب، عن عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، عن أبيه: أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. وحديث ابن عمر: أنه - ﷺ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ … الحديث. الشرح: أما صلاته ركعتي الفجر فهو في حديث نومهم بالوادي. أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة، وأبي هريرة بلفظ: فصلى - ﷺ - ركعتين، ثم صلى الغداة (١). وصرح بذلك أبو داود في حديث عمرو بن أمية الضمري. وذي مخبر أو مخمر الحبشي في «سنن أبي داود» بإسناده الصحيح (٢). وفي «صحيح ابن حبان» و«مستدرك الحاكم» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «من لم يصلِ ركعتي الفجر فليصلهما إذا طلعت الشمس» قَالَ الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (٣). وحديث أم هانئ سلف في باب التستر في الغسل عند الناس (٤)، ويأتي في الضحى قريبًا (٥). ثم هنا أنه اغتسل في بيتها، وفي «الموطأ»: ذهبت إليه فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره (٦). قَالَ ابن التين: فإما أن يكون أحدهما وهمًا، أو يكون الشارع وفاطمة أتيا بيت أم هانئ وهي غائبة. وفيه: تخفيف النافلة مع إتمام الركوع والسجود. ------------- (١) «صحيح مسلم» (٦٨١) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها. (٢) «سنن أبي داود» (٤٤٤، ٤٤٥) كتاب: الصلاة، باب: من نام عن صلاة أو نسيها. وصححهما الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٧٢ - ٤٧٣). (٣) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٢٢٤ (٢٤٧٢) كتاب: الصلاة، باب: النوافل، «المستدرك» ١/ ٢٧٤ كتاب: الصلاة. والحديث رواه الترمذي (٤٢٣)، والبيهقي ٢/ ٤٨٤. وجوَّد النووي إسناده في «المجموع» ٣/ ٥٣٣، وفي «الخلاصة» ١/ ٦١٢ - ٦١٣ (٢١١٠)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٦١). (٤) سيأتي برقم (٢٨٠) كتاب: الغسل. (٥) سيأتي برقم (١١٧٦) كتاب: التهجد. (٦) «الموطأ» ص ١١٣ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى. وتعليق الليث سلف في باب: ينزل للمكتوبة قريبًا عن يحيى بن بكير، عنه (١). وهنا زيادة أن صلاة السبحة كانت ليلًا. وحديث ابن عمر سلف (٢)، وقد سلف في الباب قبله: من لم يتطوع في السفر قبل الفرض وبعده. ولنذكر هنا من تطوع فيه. قَالَ ابن المنذر: رويناه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وأنس، وأبي ذر، وجماعة من التابعين، وهو قول مالك، والكوفيين، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور (٣). وصححه ابن بطال؛ لأنه ثبت عن الشارع أنه كان يفعله في السفر من غير وجه. وليس قول ابن أبي ليلى بحجة تسقط صلاة الضحى؛ لأن كثيرًا من الأحاديث يرويها الواحد من الصحابة يُلجأ إليه، ويصير سنة معمولًا بها، وما فعله الشارع مرة اكتفت أمته بذلك، فكيف وقد روى أبو هريرة، وأبو الدرداء عن النبي - ﷺ - أنه أوصاهما بثلاث منها: وركعتي الضحى (٤). وروى الترمذي من حديث أبي بسرة الغفاري، عن البراء قَالَ: صحبت رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر شهرًا فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر (٥). وذكره ابن بطال بلفظ: سافرت معه ثماني عشرة سفرة (٦)، وهو لفظ ------------- (١) سيأتي برقم (١٠٩٧) أبواب: تقصير الصلاة. (٢) سيأتي برقم (٩٩٩) كتاب: الوتر، باب: الوتر على الدابة. (٣) «الأوسط» ٢٤٢ - ٢٤٣. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٩٤. وحديث أبي هريرة سيأتي برقم (١١٧٨)، ورواه مسلم (٧٢١). وحديث أبي الدرداء رواه مسلم (٧٢٢). (٥) الترمذي (٥٥٠). (٦) «شرح ابن بطال» ٣/ ٩٣. أبي داود (١) - وفي الباب عن ابن عمر وحديث البراء غريب، وسألت محمدًا عنه فلم يعرف اسم أبي بسرة الغفاري، ورآه حسنًا. وروي عن ابن عمر أنه - ﷺ - كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها، وروي عنه عن رسول - ﷺ - أنه كان يتطوع في السفر. قَالَ: وقد اختلف أهل العلم بعد رسول الله - ﷺ -، فرأى بعض الصحابة أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد وإسحاق، ولم تره طائفة قبلها ولا بعدها. ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوع فله فيذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع فيه (٢). ثم روى حديث حجاج، عن عطية، عن ابن عمر قَالَ: صليت مع النبي - ﷺ - الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين. حديث حسن. وقد رواه ابن أبي ليلى عن عطية، ونافع، عن ابن عمر ثم ساقه بزيادة: ركعتين بعد المغرب في السفر. ثم قَالَ: حديث حسن، سمعت محمدًا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثًا أعجب إليَّ من هذا (٣). قَالَ البيهقي: ومضت أحاديث في تطوعه - ﷺ - في أسفاره على الراحلة. ثم أسند حديث ابن عباس قَالَ: سن رسول الله - ﷺيعني صلاة السفر- ركعتين، وسن صلاة الحضر أربع ركعات. فكما الصلاة قبل صلاة الحضر وبعدها حسن، فكذلك الصلاة في السفر قبلها وبعدها (٤). --------------- (١) «سنن أبي داود» (١٢٢٢) كتاب: صلاة السفر، باب: التطوع في السفر. (٢) «سنن الترمذي» ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦ (٥٥٠). وحديث البراء هذا ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٢٤). (٣) «سنن الترمذي» (٥٥١ - ٥٥٢) الصلاة، باب: ما جاء في التطوع في السفر. (٤) «السنن الكبرى» للبيهقي ٣/ ٢٢٥ كتاب: الصلاة، باب: تطوع المسافر. وذكر السرخسي في «المبسوط»، والمرغيناني من الحنفية: لا قصر في السنن. ويكملوا، وفي الأفضل: قيل الترك ترخصًا، وقيل الفعل؛ تقربًا (١). وقال الهندواني منهم: الفعل أفضل في حالة النزول، والترك في حالة السفر. قَالَ هشام: رأيت محمدًا كثيرًا يتطوع في السفر قبل الظهر وبعدها، ولا يدع ركعتي الفجر والمغرب، وما رأيته يتطوع قبل العصر، ولا قبل العشاء، ويصلي العشاء ثم يوتر. انتهى. وفي صلاة الشارع الضحى يوم الفتح، وركعتي الفجر في السفر دليل على جواز التنفل بالأرض؛ لأنه لما جاز له التنفل على الراحلة كان في الأرض أجوز. وقد قَالَ الحسن البصري: كان أصحاب النبي - ﷺ - يسافرون ويتطوعون قبل المكتوبة وبعدها (٢). قَالَ ابن بطال: وهو قول جماعة العلماء (٣). ------------ (١) «المبسوط» ١/ ٢٤٨. (٢) أورده ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٤٢. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٩٣. ١٣ - باب الجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ ١١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٢/ ٥٧٩] ١١٠٧ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الحُسَيْنِ المُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ. [فتح: ٢/ ٥٧٩] ١١٠٨ - وَعَنْ حُسَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي السَّفَرِ. وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ وَحَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَنَسٍ: جَمَعَ النَّبِيُّ - ﷺ -. [١١١٠ - فتح: ٢/ ٥٧٩] ذكر فيه حديث ابن عمر: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الحُسَيْنِ المُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ. وعَنْ حُسَيْنٍ المعلم، عَنْ يَحْييَ بْنِ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي السَّفَرِ. وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ وَحَرْبٌ، عَنْ يَحْييَ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَنَسٍ: جَمَعَ النَّبِيَّ - ﷺ -. الشرح: حديث ابن عمر سلف قريبًا في باب يصلي المغرب ثلاثًا (١). وشيخ البخاري فيه علي بن عبد الله هو ابن المديني. وسفيان هو ابن عيينة. وحديث ابن عباس أخرجه مسلم وباقي الستة (٢). ورواه عن ابن عباس جماعة: عكرمة كما سلف، وجابر بن زيد كما سيأتي في الكتاب (٣)، وسعيد بن جبير أخرجه مسلم، والأربعة (٤)، وعبد الله بن شقيق أخرجه مسلم (٥)، وكريب أخرجه الدارقطني (٦)، وأبو قلابة أخرجه البيهقي (٧)، وعطاء، وصالح مولى التوأمة رواهما ابن أبي شيبة (٨) وطاوس (٩). وأسنده البيهقي من حديث أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم به، ثم قَالَ: أخرجه البخاري في «الصحيح» فقال: وقال إبراهيم بن طهمان، فذكره (١٠). ------------ (١) سلف برقم (١٠٩١) كتاب: تقصير الصلاة. (٢) مسلم برقم (٧٠٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأبو داود برقم (١٢١٠) كتاب: صلاة السفر، باب: الجمع بين الصلاتين، والترمذي برقم (١٨٧) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الجمع بين الصلاتين، والنسائي في «المجتبى» ١/ ٢٩٠ كتاب: المواقيت، وفي «الكبرى» ١/ ٤٩١ (١٥٧٤)، وابن ماجه (١٠٦٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: التطوع في السفر. (٣) سيأتي برقم (١١٧٤) أبواب، التهجد، باب: مَن لم يتطوع بعد المكتوبة. (٤) مسلم برقم (٧٠٥)، أبو داود (١٢١٠)، الترمذي (١٨٧)، النسائي ١/ ٢٩٠، ابن ماجه (١٠٦٩). (٥) مسلم (٧٠٥/ ٥٧) باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر. (٦) «سنن الدارقطني» ١/ ٣٨٨ باب: الجمع بين الصلاتين في السفر. (٧) «السنن الكبرى» ٣/ ١٦٤ كتاب: الصلاة، باب: الجمع بين الصلاتين في السفر. (٨) «المصنف» ٢/ ٢١٢ (٨٢٣٠، ٨٢٣٣) من قال: يجمع المسافر بين الصلاتين. (٩) رواه ابن ماجه (١٠٦٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: التطوع في السفر. (١٠) «السنن الكبرى» ٣/ ١٦٤ كتاب: الصلاة، باب: الجمع بين الصلاتين في السفر. وأحمد هذا هو السلمي، ووالده حفص بن عبد الله بن راشد، روى عن إبراهيم نسخة كبيرة، روى له البخاري وأبو داود والنسائي، ولوالده هم (١) وابن ماجه (٢). وحديث أنس أخرجه الإسماعيلي في مجموع حديث يحيى بن أبي كثير من حديث معمر، عن يحيى به، بزيادة: يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر. ومتابعة علي بن المبارك أخرجها أبو نعيم الأصبهاني، والإسماعيلي من حديث عثمان بن عمر عنه به. ومتابعة حرب عن يحيى أخرجها البخاري في الباب بعده (٣). وحرب هو ابن شداد أبو الخطاب اليشكري البصري العطار، وقيل: القصاب، مات سنة إحدى وستين ومائة رويا له، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٤). ولما أورد الترمذي حديث معاذ الذي أسلفناه في باب: يصلى المغرب ثلاثًا في السفر قَالَ: وفي الباب عن علي (د. س)، وابن عمر، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن عباس، وأسامة بن زيد، وجابر (د. س) (٥). قلتُ: وأخرجه مالك في «الموطأ» من حديث أبي هريرة (٦)، وابن ------------- (١) يعني: البخاري وأبا داود والنسائي. (٢) انظر: «تهذيب الكمال» ١/ ٢٩٤ (٢٧)، ٧/ ١٨ (١٣٩٣). (٣) حديث (١١١٠) باب: هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء. (٤) انظر: «تهذيب الكمال» ٥/ ٥٢٤ (١١٥٦). (٥) «سنن الترمذي» ٢/ ٤٣٩. (٦) «الموطأ» ص ١٠٨ كتاب: قصر الصلاة في السفر، باب: الجمع بين الصلاتين في الخضر والسفر. رواية يحيى. أبي شيبة من حديث ابن مسعود (١)، والنسائي من حديث أبي أيوب (٢). أما فقه الباب: ففيه الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وهو إجماع بالنسبة إلى الظهر والعصر بعرفة، وإلى المغرب والعشاء بمزدلفة، وأنه سنة (٣)، واختلفوا في غيرهما: فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منع الجمع فيه، وهو قول ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، ذكره ابن شداد في «دلائله»، وابن بطال (٤)، وابن عمر في رواية أبي داود (٥)، والنخعي، وابن سيرين، ومكحول، وجابر بن زيد، وعمرو بن دينار، وذكره ابن الأثير عن الحسن، والثوري، ورواه ابن القاسم عن مالك (٦)، كما ذكره أبو عمر في «تمهيده» (٧)، ونسبه إلى «المدونة» ابن بطال قال: وهو قول الليث، وأجازه الشافعي وأحمد، وأظهر قولي الشافعي اختصاصه بالسفر الطويل، وروي جواز الجمع أيضًا عن سعيد بن زيد وأبي موسى الأشعري وابن عباس وأسامة بن زيد، حكاه ابن بطال عنهم. قَالَ: وهو قول مالك، والليث أيضًا، ونقل عنهما المنع كما سلف، والأوزاعي، وأبي ثور، والثوري، وإسحاق (٨). ------------- (١) «المصنف» ٢/ ٢١٣ (٨٢٤٠) من قال يجمع المسافرين الصلاتين. (٢) «المجتبى» ١/ ٢٩١ كتاب: المواقيت. (٣) انظر: «الإجماع» ص ٤٦، و«الأوسط» ٤/ ٣٣١. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٩٤. (٥) أبو داود (١٢٠٩) باب: الجمع بين الصلاتين. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٢١): منكر. (٦) «المنتقى» ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣. (٧) انظر: «التمهيد» ١٩٦ - ٢٠٧. (٨) «شرح ابن بطال» ٣/ ٩٥. وذكره ابن الأثير عن معاذ بن جبل، وأنس بن مالك، وطاوس، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وسالم، وحكاه النووي عن أبي يوسف، وأنكر عليه. وقال ابن العربي: اختلف الناس في الجمع في السفر على خمسة أقوال: المنع بحال، قاله أبو حنيفة (١). والجواز، قاله الشافعي، ونقله ابن بطال عن الجمهور (٢). والجواز إذا جد به السير، قاله مالك (٣). والجواز إذا أراد قطع السفر، قاله ابن حبيب، وابن الماجشون، وأصبغ. والكراهة، قاله مالك في رواية المصريين. واحتج مالك بحديث ابن عمر كان إذا جد به السير، جمع، وفي رواية: كان إذا أعجله (٤) السير وقد سلفت (٥)، وبحديث ابن عباس الذي في الكتاب: إذا كان على ظهر سير. واحتج من منع بأن مواقيت الصلاة قد صحت فلا تترك لأخبار الآحاد. وجوابه: أنها جرت مجرى الاستفاضة، رواه خلق كما قدمناه، --------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٩٢ غير أن أصحابه أجازوا الجمع نقلًا عن «منية المصلي» ص ٣٢٧. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٩٦. (٣) «المدونة» ١/ ١١١. (٤) «الموطأ» ص ١٠٨، وانظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٦٤ «الذخيرة» ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤. (٥) سلف برقم (١٠٩١) باب: يصلي المغرب ثلاثًا في السفر. وأوقات السفر لا تعترض أوقات الحضر، وبالقياس على موضع الاتفاق بعرفة ومزدلفة لا فرق، بل لو لم يأتِ عنه إلا جمع عرفة والمزدلفة فقط لكفى ذلك في حق المسافر. وروى مالك عن ابن شهاب قَالَ: سألت سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم، ألا ترى إلى صلاة الناس بعرفة (١). وحديث أنس دال على الجمع وإن لم يجد به السير كما قاله جمهور الفقهاء، فكلا الفعلين صح عنه - ﷺ - مرة كذا ومرة كذا، ففعل كلٌّ ما رأى، وكلٌّ سنة. ---------------- (١) ورد في هامش الأصل: من خط الشيخ: وقال أبو داود فيما حكاه اللؤلؤي ليس في تقديم الوقت حديث يقال. ١٤ - باب هَلْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ ١١٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ، وَيُقِيمُ المَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَا يُسَبِّحُ بَيْنَهَا بِرَكْعَةٍ، وَلَا بَعْدَ العِشَاءِ بِسَجْدَةٍ، حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٢/ ٥٨١] ١١١٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا رضي الله عنه حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ. يَعْنِي: المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ. [انظر: ١١٠٨ - فتح: ٢/ ٥٨١] ذكر فيه حديث ابن عمر: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ المَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ. وذكر فيه أيضًا حديث أنس: أنه - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ … الحديث. الشرح: هذان الحديثان سلفا في الباب قبله، والأول في باب: صلاة المغرب في السفر (١)، والبخاري روى الثاني عن إسحاق، أنا عبد الصمد، وإسحاق: هو ابن إبراهيم كما ذكره البخاري في باب مقدم رسول الله - ﷺ - المدينة (٢). -------------- (١) برقم (١٠٩١). (٢) في الباب الذي ذكره المصنف وجدناه: إسحاق بن منصور وليس: إسحاق بن إبراهيم، حديث (٣٩٢٤)، قال ابن حجر: هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم في = وذكر الكلاباذي أن إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور يرويان عن عبد الصمد. وروى مسلم في الحج عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد (١). رواه أبو نعيم من حديث إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الصمد، ثم قَالَ: رواه البخاري، عن إسحاق، عن عبد الصمد. وقوله: (يُقِيمُ المَغْرِبَ ثُمَّ يُقِيمَ العِشَاءَ). ظاهره أراد به الإقامة وحدها على ما جاء في الجمع بعرفة ومزدلفة من الاختلاف في إقامتها، وإن كان يحتمل أيضًا أن يكون المراد بما تقام به الصلوات في أوقاتها من الأذان والإقامة، وقد سلف الكلام على ذلك في باب الأذان. وقال ابن المنذر: يؤذن ويقيم، فإن أقام ولم يؤذن أجزأه، ولو ترك الأذان والإقامة لم يكن عليه إعادة الصلاة وإن كان مسيئًا بتركه ذلك (٢). وقال ابن التين: لم يذكر أنه أذن لها. وذكر بعض المخالفين عنه أنه كان يقيم للمغرب خاصة. وقد اختلف العلماء في ذلك. فقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين. وقال ابن الماجشون: بأذان وإقامتين (٣). قلتُ: وهو ما فعله - ﷺ - بالمزدلفة كما أخرجه مسلم من حديث جابر (٤)، وبعرفة كما أخرجه الشافعي عنه (٥). -------------- = «المستخرج» ومال أبو علي الحياني إلى أنه إسحاق بن منصور ا. هـ.، «الفتح» ٢/ ٥٨٢. (١) مسلم (١٣٢١/ ٣٦٨)، (١٣٧٤/ ٤٧٦). (٢) «الأوسط» ٣/ ٦٠. (٣) «المدونة» ١/ ٦٤، «الذخيرة» ٢/ ٧١. (٤) سيأتي برقم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -. (٥) في «مسنده» ص ٣٥٣ (٩١٣). وعند ابن الجلاب بإقامتين (١). وذكر عن ابن عمر الإقامة في الأولى، فأثبت مالك الأذان فيهما؛ لأنه الشأن في الجماعة، وأسقط عبد الملك الأذان من الثانية؛ لأنه لا إعلام، فإنهم متأهبون. وأسقط ابن الجلاب الأذان للحضور، ونقض بجمع المطر، ويلزم عليه ألا يؤذن للمغرب وإن لم يجمع. وأسقط ابن عمر الإقامة في الثانية؛ لأن الإقامة أذان في الحقيقة، كذا قَالَ: وقد علمت أن ظاهر فعل ابن عمر أنه أقام لها. وعندنا: إن جمع في وقت الأولى أذن لها وأقام لكلٍ، أو وقت الثانية وبدأ بالأولى لم يؤذن للثانية، والأولى كفائتة، فيأتي الخلاف، وجزم الإمام هنا أنه يؤذن لها؛ لأنها مؤداة، وإن بدأ بالثانية أذن لها على الأصح دون الأخرى، وقيل يؤذن لكل من صلاتي الجمع قدم أو أخر. تنبيه: قَالَ الداودي: أتى البخاري بهذا الحديث بهذا السند، وذكر فيه الجمع، ولم يقل: قلَّما يلبث إلا في حديث أتى به بعده، فإما أن يكون أتى ببعض الحديث، ثم أتى ببعضه في حديث آخر، ثم أتى به ها هنا على التمام، أو يكون نقص من نقل أدخل بعض الحديثين في بعض، فإن يكن المحفوظ ما هنا أنه لبث بعد المغرب شيئًا، فليس هذا صفة الجمع إلا أن يكون أراد القليل جدًا كالذي فعلوا بمزدلفة حين أناخوا رواحلهم، وإلا فلا يكون جمعًا. ------------ (١) «التفريع» ١/ ٢٦٢. ١٥ - باب يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى العَصْرِ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١١١١ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ الوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. [١١١٢ - مسلم: ٧٠٤ - فتح: ٢/ ٥٨٢] ثم ساق حديث أنس: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. الشرح: حديث ابن عباس الظاهر أنه حديثه السالف (١)، وحديث أنس أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي أيضًا (٢)، وشيخ البخاري فيه هو حسان بن عبد الله الواسطي الثقة، روى عنه البخاري، وروى النسائي، وابن ماجه عن رجل عنه (٣). ------------- (١) سيأتي برقم (١١٠٧) باب: الجمع في السفر بين المغرب والعشاء. (٢) مسلم برقم (٧٠٤) باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وأبو داود برقم (١٢١٨) باب: الجمع بين الصلاتين، والنسائي في «المجتبى» ١/ ٢٨٤ كتاب: المواقيت. (٣) انظر: «تهذيب الكمال» ٦/ ٣١. ![]()
__________________
|
|
#238
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 521 الى صـــ 540 الحلقة (238) ١٦ - باب إِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ مَا زَاغَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ ١١١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. [انظر: ١١١١ - مسلم: ٧٠٤ - فتح: ٢/ ٥٨٢] ذكر فيه حديث أنس المذكور. وأجمع العلماء على أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس فإنه يؤخر الظهر إلى العصر كل على أصله من القول بالاشتراك أو يقيم. واختلفوا في وقت جمع المسافر بين الصلاتين، فذهبت طائفة إلى أنه يجمع بينهما في وقت إحداهما، هذا قول عطاء بن أبي رباح، وسالم، وجمهور علماء المدينة: ابن أبي الزناد، وربيعة، وغيرهم. وحكي عن مالك أيضًا (١)، وبه قَالَ الشافعي، وإسحاق قالوا: إن شاء جمع بينهما في وقت الأولى، وإن شاء جمع في وقت الآخرة (٢). وقالت طائفة: إذا أراد المسافر الجمع أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. روي هذا عن سعد بن أبي وقاص وغيره كما سلف، وإليه ذهب أحمد، وقال: وجه الجمع أن يؤخر الظهر حَتَّى يدخل وقت العصر، ثم ينزل فيجمح بينهما، ويؤخر المغرب كذلك، قَالَ: فأرجو أن لا يكون به بأس (٣). -------------- (١) «المدونة» ١/ ١١٠. (٢) «انظر:»التهذيب«٢/ ٣١٣. (٣) انظر:»المغني" ٣/ ١٣٩. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصلي الظهر في آخر وقتها ثم يمكث قليلًا، ثم يصلي العصر في أول وقتها، ولا يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداها في غير عرفة ومزدلفة (١). وحجة الأولين حديث أنس السالف، فإن معنى (صلى الظهر)، أي: ثم العصر وركب، فإنه كان يؤخر الظهر إلى العصر إذا لم تزغ، فلذا يقدمها إذا زاغت، وعلى ذلك تأولوا حديث ابن عباس السالف (٢) أيضًا أنه كان إذا زاغت الشمس. ومن حجة أبي حنيفة وأصحابه أنه - ﷺ - لم يؤخر الجمع إلى وقت العصر إلا إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس خاصة. وأما إذا ارتحل بعد أن تزيغ فإنه كان يجمع في أول وقت الظهر ولا يؤخر الجمع إلى العصر، فهذا خلاف الحديث والآثار، وأثبتها في ذلك حديث معاذ السالف، فبان أنه كان يجمع بينهما مرة في وقت الظهر، ومرة في وقت العصر، وكذا المغرب مع العشاء، وكذا قول أنس أنه - ﷺ - كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ أخر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع، مخالف لهم أيضًا لأنهم لا يجيزون صلاة الظهر في وقت العصر في الجمع. ومن طريق النظر لو كان كما قالوا لكان ذلك أشد حرجًا وضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن وقت كل صلاة واسمع، ومراعاته أمكن من مراعاة طرفي الوقتين، ولو كان الجمع كما قالوا لجاز الجمع بين العصر والمغرب، وبين العشاء والفجر، ولما أجمع العلماء أن الجمع ------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٩٢. (٢) حديث (١١٠٧). بينهما لا يجوز علم أن المعنى في الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء إنما وردت به السنة للرخصة في اشتراك وقتيهما، فإذا صليت كل صلاة في وقتها فلا يسمى جمعًا. وليس في حديث أنس تقديم العصر إلى الظهر إذا زاغت وذلك محفوظ في حديث معاذ وهو قاطع للالتباس؛ فإن الجمع بينهما إذا زاغت نازلًا كان أو سائرًا جد به السير أو لم يجد على خلاف ما تأوله المخالف، وهو حجة أيضًا على من أجاز الجمع، وإذا لم يجد به السير. وارتكب الداودي مذهب المخالف فقال: هذا هو المعمول به، يصلي الظهر آخر وقتها، والعصر ليس أول وقتها، وليس ما قيل: إنه يجمع إذا ارتحل بعد الزوال بينهما حينئذ بشيء. قَالَ: وإنما تعلق من قاله بجمع عرفة. قَالَ: وتلك سنة لا يقاس عليها، ولا شك أن الصحابة قصدت برواياتهم الإخبار عن صفة يختص بها السفر، وما ذكره المخالف يمكن في الحضر مثله، فلا خصوصية إذن، وقد اعتنى بالصلاة آكد من الوقت، وقد أثر السفر في ترك النقص، فالوقت أولى. ١٧ - باب صَلَاةِ الْقَاعِدِ ١١١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا». [انظر: ٦٨٨ - مسلم: ٤١٢ - فتح: ٢/ ٥٨٤] ١١١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ -أَوْ فَجُحِشَ- شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا قُعُودًا، وَقَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٢/ ٥٨٤] ١١١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ -. أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ -وَكَانَ مَبْسُورًا- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ: «إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ». [١١١٦، ١١١٧ - فتح: ٢/ ٥٨٤] ذكر فيه حديث عائشة أنها قالت: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ .. الحديث. وحديث أنس: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ فَرَسٍ .. الحديث. وحديث عمران بن حصين: من حديث رَوْحِ بْنُ عُبَادَةَ، عن حُسَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ئنِ بُرَيْدَةَ، عنه أَنَّهُ سَأَل رسولَ اللهِ - ﷺ -. وفي لفظ عن عَبْدِ الصَّمَدِ، عن أبيه، عن الحُسَيْنِ به، عن عِمْرَانَ -وَكَانَ مَبْسُورًا- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، فَقَالَ: «إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أفضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ». ثم ترجم على حديث عمران: ١٨ - باب صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِالإِيمَاءِ ١١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ -وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا، وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً: عَنْ عِمْرَانَ- قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: نَائِمًا عِنْدِي مُضْطَجِعًا هَا هُنَا. [انظر: ١١١٥ - فتح: ٢/ ٥٨٦] ثم ساقه باللفظ المذكور من حديث عبد الوارث عن حسين. ثم ترجم عليه: ١٩ - باب إِذَا لَمْ يُطِقْ أن يصلي قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ. ١١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». [انظر: ١١١٥ - فتح: ٢/ ٥٨٧]. ثم ساقه من حديث إبراهيم بن طهمان عن الحسين به، بلفظ: كانت بي بواسير، فسألت النبي - ﷺ - عن الصلاة فقال: صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب. وحديث عمران هذا من أفراد البخاري، وأخرجه الأربعة أيضًا (١). وقال الترمذي حديث حسن صحيح. ولا نعلم أحدًا روى عن الحسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان، وقد روى أبو أسامة، وغير واحد عن الحسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس (٢). وكما رواه أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه». وقد رواه عن أبي أسامة، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن عمران، قال: هذا ------------ (١) أبو داود برقم (٩٥٢) باب: في صلاة القاعد، والترمذي برقم (٣٧٢) باب: ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤ كتاب: قيام الليل، وابن ماجه برقم (١٢٣١) باب: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. (٢) «سنن الترمذي» ٢/ ٢٠٨. إسناد قد يتوهم من لا معرفة عنده أنه منفصل غير متصل، وليس كذلك، فإن عبد الله بن بريدة ولد في الثالثة من خلافة عمر سنة خمس عشرة هو وسليمان بن بريدة أخوه توأم، فلما وقعت فتنة عثمان بالمدينة خرج مدة عنها وسكن البصرة وبها عمران بن حصين فسمع منه (١). إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: البخاري روى الأول عن إسحاق بن منصور، عن روح بن عبادة، عن الحسين، ثم قَالَ: وحَدَّثَنَا إسحاق أنا عبد الصمد، سمعت أبي: ثنا الحسين. وإسحاق هذا الظاهر أنه ابن منصور. وذكر الكلاباذي أن إسحاق بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم يرويان عن عبد الصمد. وروى مسلم في كتابه، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد بن عبد الوارث (٢). قَالَ الجياني: قَالَ البخاري: حَدَّثنَا عبدان، عن ابن المبارك، عن إبراهيم بن طهمان: حَدَّثَني حسين المعلم، عن ابن بريدة. الحديث. قَالَ: سقط ذكر ابن المبارك من نسخة أبي زيد في هذا الإسناد، والصواب: عبدان، عن ابن المبارك، عن ابن طهمان (٣). -------- (١) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩ (٢٥١٣). (٢) تقدم ذكر ذلك وأنه في كتاب الحج في موضعين (١٣٢١/ ٣٦٨)، (١٣٧٤/ ٤٧٦) ومواضع أخر. (٣) «تقييد المهمل» للجياني ٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩. ثانيها: قَالَ الإسماعيلي: ترجم الباب بصلاة القاعد بالإيماء، وذكر حديث عبد الوارث. قَالَ: وهذا تصحيف؛ وذلك أنا روينا عن القاسم، عن الزعفراني، عن عفان، عن عبد الوارث هذا الحديث نائمًا، وقال فيه: قَالَ عبد الوارث: والنائم: المضطجع فوقع التصحيف في نائمًا فقال: قائمًا. قَالَ الإسماعيلي: والمعنى على جنب، وسائر الأحاديث تفسره، وتفسير عبد الوارث يوضح الأمر، وهذا في التطوع منهما. وفي بعض نسخ البخاري: قَالَ أبو عبد الله: نائمًا عندي: مضطجعًا عندي ها هنا. قَالَ ابن بطال: وقد غلط النسائي في هذا الحديث، وترجم له: باب: صلاة النائم (١). فظن قوله: بإيماء نائمًا، والغلط ظاهر؛ لأنه قد ثبت عن الشارع قطع الصلاة عند غلبة النوم، وهي مباحة له، وله عليها نصف أجر القاعد. قَالَ: وحديث عمران إنما ورد في صلاة النافلة؛ لأن المصلي فرضه جالسًا لا يخلو أن يكون مطيقًا على القيام أو عاجزًا، فإن كان مطيقًا وصلى جالسًا فلا تجزئه صلاته، فكيف يكون له نصف فرض مصلٍ، فإذا عجز عن القيام فقد سقط عنه فرضه، وانتقل فرضه إلى الجلوس، فإذا صلى جالسًا، فليس المصلي قائمًا أفضل منه، وأما قوله: «من صلى نائمًا فله نصف أجر صلاة القاعد»، فلا يصح معناه عند العلماء؛ لأنهم مجمعون أن النافلة لا يصليها القادر على القيام إيماءً. قلتُ: لا إجماع؛ فهو عندنا وجه أنه يجوز مضطجعًا مومئًا. ---------- (١) «المجتبى» ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤. قال: فضل صلاة القاعد على صلاة النائم. ثم قَالَ: وإنما دخل الوهم على ناقل هذا الحديث فأدخل معنى الفرض في لفظ النافلة، ألا ترى قوله: (كان مبسورًا). وهذا يدل على أنه لم يكن يقدر على أكثر بما أدى به فرضه، وهذِه صفة صلاة الفرض. ولا خلاف أنه لا يقال لمن لا يقدر على الشيء: لك نصف أجر القادر عليه. بل الآثار الثابتة عن الشارع أنه من منعه الله، وحبسه عن عمله بمرض أو غيره، فإنه يكتب له أجر عمله وهو صحيح، ورواية عبد الوارث، وروح بن عبادة عن حسين هذا تدفعه الأصول، والذي يصح فيه رواية إبراهيم بن طهمان، عن حسين، وهو في الفرض هذا لفظه. وبخط الدمياطي حديث ابن طهمان أصح من هذا؛ لأن من صلى على جنب في الفرض أجره تام لعذر المرض، ومن صلى على جنب في النافلة مع القدرة على الق عود أو القيام لا يجوز. أدخل معنى الفرض في التنفل فوهم. قلتُ: قوله: لا يجوز. هو وجه عندنا، والأصح جوازه. وقال ابن بطال في الباب بعده: حديث عمران هذا تعضده الأصول، ولا يختلف الفقهاء في معناه، وهو أصح معنى من حديث روح، وعبد الوارث، عن حسين (١). وأغرب ابن التين فقال: قوله: «ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد». ذكره بالنون. قَالَ: وفي رواية الأصيلي: «بإيماء»، ويدل عليه تبويب البخاري بذلك، فيكون معناه: ومن صلى قاعدًا بإيماء كان نصف أجر من صلى قاعدًا يركع ويسجد. -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٠٢ - ١٠٤. قَالَ: وقوله: «بإيماء»، يريد مضطجعًا، قاله البخاري. وقال الخطابي: لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في صلاة التطوع نائمًا كما رخصوا فيها قاعدًا. فإن صحت هذِه اللفظة عن الشارع ولم يكن من كلام بعض الرواة أدرجه في الحديث، وقاسه على صلاة القاعد إذا اعتبره بصلاة المريض نائمًا إذا لم يقدر على القعود، فإن التطوع مضطجعًا للقادر على القعود جائز، كما يجوز للمسافر أن يتطوع على راحلته. وأما من جهة القياس فلا يجوز أن يصلي مضطجعًا، كلما يجوز أن يصلي قاعدًا؛ لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، وليس الاضطجاع شيء من أشكال الصلاة (١). وقال الخطابي: كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به التطوع، وعليه تأوله أبو عبيد وغيره، إلا أن قوله: «من صلى نائمًا» يفسد هذا التأويل؛ لأن المضطجع لا يصلي تطوعًا كما يصلي القاعد، فرأيت الآن أن المراد المريض المفترض الذي عليه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم، ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده وكذا المضطجع الذي لو تحامل لأمكنه القعود مع شدة المشقة، والمراد بالنوم: الاضطجاع كما قال: «فإن لم تستطع فعلى جنب» (٢). وقَالَ الترمذي: معنى الحديث عند بعض أهل العلم في صلاة التطوع. وساق بسنده إلى الحسن قَالَ: إن شاء الرجل صلى صلاته للتطوع قائمًا، وجالسًا، ومضطجعًا. ---------------- (١) «معالم السنن» ١/ ١٩٤. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٦٣٠ - ٦٣١. قَالَ: واختلف أهل العلم في صلاة المريض إذا لم يستطع أن يصلي جالسًا، فقال بعض أهل العلم: يصلي على جنبه الأيمن. وقال بعضهم: يصلي مستلقيًا على قفاه ورجلاه إلى القبلة. وقال الثوري: إنه في الصحيح ولمن لا عذر له. فأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالسًا فله مثل أجر القائم، وقد روي في بعض الحديث مثل قول سفيان (١). ثالثها: في فقه الباب: أما حديث عائشة ففيه: أنه من لم يقدر على صلاة الفريضة لعلة نزلت به، فإن فرضه الجلوس؛ ألا ترى قولها: (وهو شاك)، وكذا في حديث أنس أنه سقط من الفرس، فأراد البخاري أن الفريضة لا يصليها أحد جالسًا إلا من شكوى تمنعه من القيام. والعلماء مجمعون على أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي الفريضة جالسًا ثم مضطجعًا، وقد سلف في أبواب الإمامة في باب: إنما جُعل الإِمام ليؤتم به (٢)، اختلافهم في إمامة القاعد، فأغنى عن إعادته. ولخص ابن التين الاختلاف السابق فقال: اختلف في هذا الحديث في موضعين: أحدهما: هل المراد به النافلة، أو الفريضة، أو هما؟ والثاني: هل هو في الصحيح، أو فيه والمريض؟ فأكثر أهل تفسير الحديث منهم القاضي إسماعيل، والداودي، وأبو عبيد، وأبو عبد الملك على أنه محمولٌ على النافلة. -------------- (١) «سنن الترمذي» ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠. (٢) راجع شرح حديث (٦٨٩). وقال الخطابي: هو محمولٌ على الفريضة (١). وقال أبو الوليد: هو محمول عليهما، وعلى النافلة. واختلف في صفة حمله عليها، فقال الخطابي: هو في المريض المستطيع القيام بمشقة (٢). وقال أبو الوليد: هو من لا يستطيع القيام في الفريضة. وأمَّا الثاني: فقال جماعة منهم عبد الملك بن الماجشون: إنه في المستطيع القيام أما غيره فالمكتوبة وغيرها سواء. وقال أبو الوليد: صلاةُ القاعد على النصف في موضعين: من صلَّى الفريضةَ غير مستطيع للقيام. ومن صلَّى النافلة مستطيعًا أو غير مستطيع. فرع: لا شك في جواز النافلة جالسًا؛ ودليله من السنة أيضًا حديث عائشة الآتي عقب هذا الباب: كان رسول الله - ﷺ - يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي عليه من السورة نحو من ثلاثين أو أربعين آيةً … الحديث (٣) فخصت بذلك الآية في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] على قول من يقول: إنها تتناول الفرض والنفل. فرع: اختلف عنها في جواز النافلة مضطجعًا على وجهين: أصحهما: نعم؛ لحديث الباب. وهل يجوز بالإيماء؟ فيه وجهان: أصحهما: لا. ----------- (١) «معالم السنن» ١/ ١٩٥. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٦٣١. (٣) يأتي برقم (١١١٩) باب: إذا صلَّى قاعدًا ثمَّ صحَّ أو وجد خفة تمم ما بقي. وفي جوازها مستلقيًا وجهان: أصحهما: المنع. ومشهور مذهب مالك جواز النافلة مضطجعًا للمريض، ومنعه للصحيح (١). وفي «النوادر»: منع المريض (٢). وأجاز ذلك الأبهري للصحيح، واحتج بحديث عمران هذا. قال فإذا قلنا: يصلي مضطجعًا فعلى جنبه لقوله: («فَعَلَى جَنْبٍ») ففيه منع الاستلقاء وليس الباسور المذكور في الحديث علة جواز هذا، ولكنه بتصادف الحال. قَالَ: ورخص في الحديث الإيماء بغير علة، وهذا مثل قول ابن حبيب، وابن القاسم لا يجيز ذلك. قَالَ: ومن لم يستطع الجلوس صلَّى على جنبه الأيمن كما يجعل في سجوده، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم: يبتدأ بالظهر قبل الجنب. قال: وهو وهم. دليل الأول حديث عمران هذا: «فعلى جنب» يريد: الأيمن. وفي «المدونة» قَالَ: إن لم يستطع الجلوس جلس على جنبه أو ظهره (٣)، فإذا قلنا: يبدأ بالأيمن، فإن لم يقدر عليه فعلى الأيسر كما قاله محمد، فإن لم يقدره فعلى ظهره، ورجلاه إلى القبلة. وقال سحنون: إن لم يقدر على الأيمن فعلى ظهره، وإن قلنا: يبدأ بظهره، فإن لم يقدره فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يقدر فعلى الأيسر (٤). --------------- (١) «المدونة» ١/ ٧٨. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٥١. (٣) «المدونة» ١/ ٧٨. (٤) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٦٢. فائدة: البواسير -بالباء- واحدها باسور، وهو علة تحدث في المقعدة، وفي داخل الأنف أيضًا، والناسور بالنون قريب منه، إلا أنه لا يسمى ناسورًا إلا إذا جرى وتفتحت أفواه عروقه من داخل المخرج، وحكي فيه الصاد أيضًا مع النون. ٢٠ - باب إِذَا صَلَّى قَاعِدًا [ثُمَّ صَحَّ] (١) أَوْ وَجَدَ خِفَّةً تَمَّمَ مَا بَقِيَ وَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ شَاءَ الْمَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا وَرَكْعَتَيْنِ قَاعِدًا. ١١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ. [١١١٩، ١١٤٨، ٤٨٣٧ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٢/ ٥٨٩] ١١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَسْجُدُ، يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ. [انظر: ١١١٨ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٢/ ٥٨٩] وذكر فيه حديث عائشة: أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ. وحديثها: أنه - عليه السلام - كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ .. الحديث. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ------------ (١) غير موجودة بالأصل ومثبت من الصحيح. أيضًا (١)، وقول الحسن: أخرجه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة، وعن يونس، عن الحسن أنهما قالا: يصلي المريض على الحالة التي هو عليها (٢). وفي الترمذي عن الحسن: إن شاء الرجل صلى التطوع قائما وجالسًا ومضطجعًا (٣). وقال ابن التين: إنه لا وجه له؛ لأنه قَالَ: إن شاء وفرض القيام لا يسقط عمن قدر عليه، إلا أن يريد إن شاء بكلفة كبيرة. قَالَ الحميدي: وليس لعلقمة عن عائشة في «صحيح مسلم» غير هذا (٤). قلتُ: علقمة أحد الأربعة الذين حدث عنهم الزهري حديث الإفك عن عائشة (٥). واعترض ابن بطال فقال: ترجم للفرض، وذكر النافلة ووجه استنباط البخاري منه الفرض أنه لما جاز في النافلة القعود لغير علة مانعة من القيام، وكان - ﷺ - يقوم فيها قبل الركوع، كانت الفريضة التي لا يجوز فيها إلا بعدم القدرة على القيام أولى أن يلزم القيام فيها إذا ارتفعت العلة المانعة منه (٦). ------------ (١) مسلم برقم (٧٣١) باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا، وأبو داود برقم (٩٥٣) باب: في صلاة القاعد، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٢٢٠ كتاب: قيام الليل، وابن ماجه برقم (١٢٢٧) باب: في صلاة النافلة قاعدًا. (٢) «المصنف» ١/ ٢٤٥ (٢٨١٤) من قال: المريض يومئ إيماءً. (٣) «سنن الترمذي» ٢/ ٢٠٩. (٤) «الجمع بين الصحيحين» ٤/ ٩٦. ورواية علقمة عن عائشة رواها مسلم برقم (٧٣١/ ١١٤). (٥) مسلم (٢٧٧٠) في التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف. والأربعة هم: علقمة بن وقاص وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. والحديث سيأتي برقم (٢٦٦١) عنهم. (٦) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٠٤ - ١٠٥. وقال ابن المنير بعد أن سأل: ما وجه دخول الترجمة في الفقه؟ ومن المعلوم ضرورة أن القيام إنما سقط لمانع منه، فإذا جاءت الصحة وزال المانع وجب الإتمام قائما. فإنما أراد دفع خيال من تخيل أن الصلاة لا تتبعض فإما (أنها) (١) كلها تُستأنف إذا صح القيام، وإما جالسًا كلها إذا استصحب العلة، فبين بهذا الحديث أنه - ﷺ - كان يحتفظ على القيام في النافلة ما أمكنه، ولمَّا أسن تعذر عليه استيعابها بالقيام فبعَّضها، فكذلك الفريضة إذا زال المانع لما يستأنفها بطريق الأولى (٢). وقال ابن التين: مراد النافلة (…) (٣) تتم للفريضة وجاء بحديث النفل. وقولها: بالليل ونبهت بالليل على فعله من الفريضة التي هي آكد، وقصدت أيضًا الإخبار عن فعله باللفظ الخاص؛ لأنها لو قالت: يصلِّي قائمًا لجاز أن يكون في الفرض دون النفل فلا يحصل في ذلك الحث والتأكيد في قيام النافلة ثم قالت: (حَتَّى أسن فكان يصلي قاعدًا). فأخبرت عن عذره بالسن؛ إبقاء على نفسه؛ ليستديم الصلاة، ثم قالت: (حَتَّى إذا أرادَ أنْ يركعَ قام فقرأ). فأخبرت بمواظبته على القيام وأنه كان لا يجلس عما يطيقه من ذلك. وفيه: أنَّ من لم يطق القيام في جميع صلاته قام ما يطيقه منها، ولا خلاف فيه في النافلة، ثم هذا لمن افتتح النافلة قاعدًا، فإن ---------------- 0(١) كذا بالأصل، وفي «المتواري»: قائمًا. (٢) «المتواري» ص ١١٦. (٣) كلمة غير واضحة بالأصل. افتتحها قائمًا ثم اراد أن يجلس فذلك له عند ابن القاسم (١) وأباه أشهب، إتمامًا لما افتتح به. وقولها: (فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا ..) إلى آخره. ظاهره تكرار ذلك منه وإن فعله لضعف عن القيام في جميعها، ولم يكن ذلك لأمر طرأ له في بعض الصلاة، وإلا لخرج عن حد الجواز في النافلة، لما ذكرناه. وأمَّا الفرض فإن افتتحها قاعدًا؛ لعجزه عن القيام، ثم أطاقه لزمه، ولو افتتح قائمًا ثم عجز أتمها قاعدًا. وبه قَالَ أبو حنيفة، والثوري، والشافعي (٢). وقال محمد بن الحسن: يستأنف الصلاة إلا أن يتمادى قائمًا. وكذا قَالَ أبو يوسف، وكذا نقله ابن بطال عنهما: والذي في البداية عدم التفرقة. ولا شك أن طرءان العجز بعد القدرة لعلة، والعجز عن الركن لا يبطل حكم الركن المقدور عليه، كما أنَّ القدرة إذا طرأت لم تبطل حكم ما مضى (٣). وقال ابن القاسم في المريض: يصلِّي مضطجعًا أو قاعدًا، ثم يخف عنه المرض فيجد قوةً أنه يقوم في الباقي (٤)، وهو قول زفر، والشافعي. وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن صلى ركعةً مضطجعًا، ثم صح أنه يستقبل الصلاة ولو كان قاعدًا يركع ويسجد بني في قول أبي حنيفة، ولم يبن في قول محمد بن الحسن، ووجه البناء أن قدرته على القعود بعد الإيماء توجب البناء، فكذا قدرته على القيام؛ لأنه أصل كالقعود (٥). -------------- (١) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٦٤. (٢) انظر: «المبسوط» ١/ ٢١٢. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٠٥. (٤) «المدونة» ١/ ٨٠. (٥) انظر: «فتح القدير» ٢/ ٦ - ٧، ٨. لا يقال: إن القاعد يقدر على الركوع والسجود، والمومئ لا يقدر عليه والقادر معه بدل على القيام، والمومئ لابدل معه؛ لأن صلاته بالإيماء صحيحة كقدرته على القيام والقعود، فقد استوت أحواله، فإذا كان عجزه عن فرض لا يبطل الآخر ويبني عليه فكذا القدرة. لا يقال: قد جوزنا مصلي إمامة القاعد دون المومئ فثبت الفرق؛ لأن القاعد معه بدل القيام والسجود جميعًا، وقد صح عقده لتكبيرة الإحرام، كما يصح في قيامه وقعوده، وأما التفرقة بينهما في الإمامة فليس إذا أبطلنا حكم المأموم لعلة في الإمام وجب أن يبطل صلاة الإمام، وصلاة المومئ في نفسه صحيحة، وإن لم يصح الائتمام به كصلاة المرأة هي صحيحة، وإن لم يصح الائتمام بها، والأمى بالقارئ، واختلفوا في النافلة يفتتحها قاعدًا هل يجوز له أن يركع قائمًا؟ فكرهه قومٌ لحديث عائشة: كان - ﷺ - يكثر الصلاة قائمًا وقاعدًا، فإذا صلَّى قائمًا ركع قائمًا، ماذا صلى قاعدًا ركع قاعدًا (١). وخالفهم آخرون وأجازوه لحديث عائشة في الباب. وهو قول أبي ------------- (١) رواه مسلم (٧٣٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا، وفعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا، وأبو داود (٩٥٥) كتاب: الصلاة، باب: في صلاة القاعد، والنسائي ٣/ ٢١٩ - ٢٢٠ كتاب: قيام الليل، وابن ماجه (١٢٢٨) كتاب: إقامة الصلاة، باب: في صلاة النافلة قاعدًا، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٣٩ (١٢٤٦ - ١٢٤٧)، ٢/ ٢٤١ (١٢٤٨) كتاب: الصلاة، باب: ذكر ضروري عن النبي - ﷺ - في صفة صلاته جالسًا، وأبو عوانة في «مسنده» ١/ ٥٣٠ (١٩٨٢) كتاب: الصلوات، باب: الإباحة للمصلي إذا افتتح الصلاة قائمًا أن يركع قاعدًا، وابن حبان في «صحيحه» ٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦ (٢٥١٠) كتاب: الصلاة، باب: النوافل. ![]()
__________________
|
|
#239
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 9 الى صـــ 30 الحلقة (239) حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد. وهو قياس قول مالك وقاله أشهب (١)، وحديثها هذا أولى من ذاك؛ لأن في هذا أنه كان يركع قائمًا بعد ما افتتحها قاعدًا، وهو نص في موضع الخلاف؛ لتماديه على الركوع في ذاك الحديث حَتَّى يركعَ قاعدًا لا يدل أنه ليس له أن يقومَ فيركع قائمًا، وقيامه من قعود حَتَّى يركع قائمًا يدل أن له أن يركع قائمًا بعدما افتتح قاعدًا، وهو حكم زائد، والزيادة يجب الأخذ بها؛ فلذلك جعلناه أولى من حديثها ذاك. وقال مالك: من افتتح النافلة قائمًا، ثم شاء الجلوس له ذلك. وخالفه أشهب فقال: لا يجلس لغير عذر (٢) وقد لزمه تمامها بما نوى فيها من القيام، فإن فعل أعاد، إلا أن يُغلب فلا قضاء عليه (٣). وقولها في الحديث: (ففعل في الثانية مثل ذلك). ذاك للأول، ويحتمل أنه - ﷺ - ينوي ذلك عند افتتاحه. ولعل أشهب لا يمنع ذلك إذا نوى فيه الجلوس، وإنما يمنعه إذا نوى القيام أو أطلق نيته. وقولها: (فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين). ظاهره أن ما يقرأ قبل القيام أكثر؛ لأن البقية لا تطلق في الأغلب إلا على الأقل. وفيه: حديث الرجل آخر الليل بخلاف حديثه قبل النوم. وفيه: الاضطجاع بعد التهجد إذا لم يحدث أهله، ومفهوم هذا أنَّ اضطجاعه نوم. -------------- (١) انظر: «فتح القدير» ٢/ ٦ - ٧، «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٠٨، «المدونة» ١/ ٧٧، «النوادر والزيادات» ١/ ٢٥٦. (٢) «المدونة» ١/ ٨٠، انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٥٩. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٠٦ - ١٠٧. ١٩ - التهجد (١) ١ - باب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ وَقَوْلِهِ -عز وجل-: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. ١١٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أَوْ «لَا إِلَهَ غَيْرُكَ». قَالَ ------------- (١) من «اليونينة». سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ». قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٦٣١٧، ٦٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩ - مسلم: ٧٦٩ - فتح: ٣/ ٣] ذكر فيه حديث ابن عباس: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ …» الحديث بطوله. الشرح: التهجد عند العرب -كما نقله ابن بطال-: التيقظ والسهر بعد نومة من الليل، قال: والهجود أيضًا: النوم، يقال: تهجد، إذا سهر، وهجد إذا نام (١). قَالَ الجوهري: هجد وتهجد أي: نام ليلا، وهجد وتهجد سهر، وهو من الأضداد، ومنه قيل لصلاة الليل: التهجد (٢). وقال ابن فارس: المتهجد: المصلي ليلًا (٣). كما ذكر البخاري، وفي بعض نسخ البخاري، أي: اسهر به، وعليه مشى ابن التين وابن بطال أي: اسهر نافلة لك (٤). وقيل له: تهجد؛ لإلقاء الهجود عن نفسه. ونقل ابن التين عن علقمة والأسود: التهجد بعد النوم، وهو في اللغة السهر، ونقل النووي عن العلماء أنَّ التهجدَ أصلُه: الصلاة في الليل بعد النوم (٥). ثم قيام الليل سنة مؤكدة، وادعى بعض السلف -كما حكاه القاضي- أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم ولو قدر حلب شاة، وهو غَلَطٌ مردود، ولا شك أنَّ التطوع المطلق الذي لا سبب له ليلًا أفضل منه نهارًا؛ لقوله - ﷺ -: «أفضل الصلاةِ بعد ----------------- (١)»شرح ابن بطال«٣/ ١٠٨. (٢)»الصحاح«٢/ ٥٥٥. (٣)»مجمل اللغة«٢/ ٨٩٩. (٤)»شرح ابن بطال«٣/ ١٠٧. (٥)»المجموع" ٣/ ٥٣٤. الفريضة صلاة الليل» أخرجه جسلم من حديث أبي هريرة (١). ولأنها تُفْعَل في وقت الغفلة فكانت أهم، فإن قسم الليل نصفين فالثاني أفضل، أو ثلاثًا فالثلث الأوسط أفضل، أو أسداسًا فالسدس الرابع والخامس أفضل؛ لقصة داود في «الصحيح»: «كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» (٢). ويكره قيام كل الليل دائمًا؛ للحديث الصحيح فيه: «وإن لجسدك عليك حقا» قاله لعبد الله بن عمرو (٣). لا يكره إحياء بعض الليالي سيما العشر الأواخر فيستحب، وكذا ليلتا العيدين، فقد ورد أن من أحياهما لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (٤). ----------- (١) مسلم (١١٦٣) كتاب: الصيام، باب: فضل صوم المحرم. (٢) سيأتي هذا الحديث برقم (١١٣١) كتاب: التهجد، باب: من نام عند السحر. (٣) سيأتي هذا الحديث برقم (١٩٧٥) كتاب: الصوم، باب: حق الجسم في الصوم. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: حديث «من أحيا ليلة العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» ذكره الدارقطني من رواية مكحول، عن أبي أمامة. قال: ورواه ثور عن مكحول وأسنده معاذ بن جبل، والمحفوظ أنه موقوف على مكحول وفي رواية: «من قام ليلتى العيدين محتسبًا لله» بمثله. رواه ابن ماجه هكذا من رواية ابن عباس مرفوعًا، وفيه عنعنة بقية. قاله المؤلف. بمعناه في مصنف آخر. قلت: روى ابن ماجه (١٧٨٢) من حديث أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: «من قام ليلتي العيد محتسبًا لله لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»، ورواه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٥٦ (٨٩٨) بلفظ: «من أحيا ليلة الفطر أو ليلة الأضحى لم يمت قلبه إذا ماتت القلوب» ثم قال: قال الدارقطني: ورواه عمر بن هارون عن جرير عن ثور عن مكحول، وأسنده عن معاذ بن جبل عن النبي - ﷺ - والمحفوظ أنه موقوف على مكحول ا. هـ. قال البوصيري في «الزوائد»: إسناده ضعيف؛ لتدليس بقية. اهـ. وضعف العراقي إسناده في «تخريج الإحياء» ١/ ٣٤٢ (١٢٩٧)، وقال الألباني: ضعيف جدًّا = وحقيقة التهجد عندنا أن يصلي من الليل شيئًا وإن قل. وهل يسمى الوتر تهجدًا، أو هو غيره؟ اضطرب عندنا فيه. وفي «الأم» للشافعي أنه يسمى تهجدًا (١). وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] تعني: فضلًا لك عن فرائضك. وقال قتادة: تطوعًا وفضيلة (٢). --------------- = «الضعيفة» (٥٢١). وروى الطبراني في، «الأوسط» ١/ ٥٧ (١٥٩) بسنده إلى عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال: «من صلى ليلة الفطر والأضحى، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» ثم قال: لم يُرْوَ هذا الحديث عن ثور إلا عمر بن هارون، تفرد به جرير. اهـ. قلت: أخرجه الديلمي في «الفردوس» ٣/ ٦١٩ (٥٩٣٦)، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ١٩٨ (٣٢٠٣) كتاب: الصلاة، باب: إحياء ليلتي العيد، ثم قال: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» وفيه: عمر بن هارون البلخي، والغالب عليه الضعف، وأثنى عليه ابن مهدي وغيره، لكن ضعفه جماعة كثيرة والله أعلم. اهـ. وحكم عليه الألباني بالوضع «الضعيفة» (٥٢٠). وروى الشافعي بسنده عن أبي الدرادء قال: من قام ليلتي العيد لله محتسبًا فلم يمت قلبه حتى تموت القلوب. رواه البيهقي في «السنن» ٣/ ٣١٩ (٦٢٩٣) و«الشعب» ٣/ ٣٤١ (٣٧١١)، وذكر النووي لفظي: «من أحيا» و«من قام ..» ثم قال: رواه الشافعي، وابن ماجه من رواية أبي أمامة مرفوعًا وموقوفًا، وعن أبي الدرداء موقوفًا والجميع ضعيف. اهـ. «الخلاصة» ٢/ ٨٤٧. هذا وقد روى المروزي بسنده في «البر والصلة» ص ٣٣ (٦٣) عن الحسين بن الحسن قال: سمعت ابن المبارك يقول: بلغني أنه من أحيا ليلة العيد أو العيدين لم يمت قلبه حين تموت القلوب. قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٢/ ٢٤٧: ولا يصح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء. اهـ. وانظر: «الضعيفة» (٥١٦٣). (١) «الأم» ١/ ٦٩، ١/ ١٤٢. (٢) رواه عنه الطبري في «تفسيره» ٨/ ١٣٠ (٢٢٦٢٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٧/ ٢٣٤٢ (١٣٣٦٦). والنافلة في اللغة: الزيادة. واختلف في المعنى الذي من أجله خص بذلك الشارع - ﷺ -، فقال بعضهم: لأنها كانت عليه فريضة ولغيره تطوع، فقال: أتمها نافلة لك، قاله ابن عباس؛ كما نقله ابن بطال (١). ومنهم من قَالَ بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه ثم نسخت؛ فصارت نافلة، أي: تطوعًا. وقال مجاهد: إنما قيل له ذلك؛ لأنه لم يكن فعله ذلك يكفر عنه شيئًا في الذنوب؛ لأن الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان له نافلة فضلٍ وزيادة، وأما غيره فهو كفارة له وليس له نافلة (٢)، وهذا خاص به. ومن قَالَ بأنه كان واجبًا عليه قَالَ معنى قوله: (نافلة له) على التخصيص. أي: فريضة لك زائدة على الخمس، خصصت بها من بين أمتك. وصوب الطبري الأول؛ لأنه - ﷺ - خصه الله بما فرضه عليه من قيام الليل من بين أمته، ولا معنى لقول مجاهد؛ لأنه - ﷺ - كان أشد استغفارًا لربه بعد نزول آية الغفران (٣)، وذلك أن هذِه السورة نزلت عليه بعد منصرفه من الحديبية، وأنزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر:١] عام قبض وقيل له فيها: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] وكان يعد استغفاره في المجلس الواحد مائة مرة (٤). قَالَ: ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٠٨. (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٨/ ١٣٠ (٢٢٦١٨). (٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. (٤) روى أبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤)، وابن ماجه (٣٨١٤) عن ابن عمر قال: إن كنا لنعد لرسول الله - ﷺ - في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم. وهذا لفظ أبي داود. = ومعلوم أن الرب تعالى لم يأمره أن يستغفره إلا بما يغفر له باستغفاره. قَالَ: فبان فساد قول مجاهد (١). وحديث ابن عباس أخرجه مسلم (٢) والأربعة. وشيخ البخاري فيه (علي بن عبد الله) هو ابن المديني. و(سفيان) هو ابن عيينة. ورواه مالك في «الموطأ» عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، كذا رواه جماعة «الموطأ» (٣)، ورواه بعض من جمع حديث مالك، فذكره عن مالك، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن ابن عباس، كما رواه يحيى (٤). وقول البخاري: (قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ») يعني: أن عبد الكريم زاد عن طاوس هذِه الزيادة. في كتاب أبي نعيم الأصبهاني. قَالَ سفيان: كنت إذا قلتُ له: -يعني: لعبد الكريم أبي أمية- آخر حديث سليمان -يعني: ابن أبي مسلم الراوي عن طاوس-: «ولا إله غيرك» قَالَ: «ولا حول ولا قوة إلا بالله» قَالَ سفيان: وليس هو في حديث سليمان. وليس لعبد الكريم هذا في كتاب البخاري غير هذا الموضع، وهو أبو --------------- = وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٥٧)، و«الصحيحة» (٥٥٦). وروى مسلم في «صحيحه» (٢٧٠٢) عن الأغر المزني مرفوعًا: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة. (١) «تفسير الطبري» ٨/ ١٣٠. (٢) مسلم برقم (٢٢٢٧) في الصلوات، باب ذكر الخبر المبين دعاء النبي - ﷺ -. (٣) «موطأ مالك» ص ١٥٠، «رواية يحيى» ١/ ٢٤٦، رواية أبي مصعب، باب: ما جاء في الدعاء. (٤) «موطأ مالك» ص ١٥٠ وهو عنده كما عند جماعة «الموطأ» ولم يذكر الداني في «أطراف الموطأ» ٢/ ٥٥٠ الطريق المذكورة (عن عطاء) بل ذكر (طاوس). أمية عبد الكريم بن أبي المخارق قيس -ويقال: طارق- المعلم البصري نزيل مكة، روى عن أنس بن مالك وغيره، وعنه أبو حنيفة ومالك، وهو واهٍ، وقد بين مسلم جرحه في مقدمته (١)، ولم ينبه البخاري على شيء من أمره، فهو محتمل عنده، كما قَالَ في «تاريخه»: كل من لم أبين جرحه فهو على الاحتمال، وإذا قلتُ: فيه نظر، فلا يحتمل. (٢) ووهم ابن طاهر فادَّعى أنهما أخرجا له في الحج حديثًا واحدًا (٣)، والذي أخرجا له ذلك هو عبد الكريم الجزري (٤) كما خرجا به، مات سنة سبع وعشرين ومائة، أفاده ابن الحذاء، وأهمله المزي (٥) تبعًا لعبد الغني (٦). وقوله: (قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: سمعته مِنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ عَنِ رسول الله - ﷺ -) مقصوده بهذاَ أن سليمان سمعه من طاوس، فإن في السند الأول أتى عنه بالعنعنة، وعبارة أبي نعيم ------------ (١) «صحيح مسلم» المقدمة ص ١٦ - ١٧. (٢) لم نجد قول البخاري هذا في المطبوع من التاريخ، ولم يقف عليه أحد من الباحثين فيما نعلم، أفاده د. أحمد معبد، ونقل هذا النص أيضا المزي في «تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٦٥ ولو ثبت هذا عن البخاري لكان قاعدة يهرع إليها في الحكم على الرجال المسكوت عنهم في «التاريخ». (٣) «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٣٢٤. (٤) هو عبد الكريم بن مالك الجزري. أبو سعيد الحراني، مولى عثمان بن عفان ويقال: مولى معاوية بن أبي سفيان، رأى أنس بن مالك، عن أحمد بن حنبل: ثقة، ثبت. وعن يحيى: حديث عبد الكريم عن عطاء رديء. وقال ابن حجر: لم يخرج البخاري من روايته عن عطاء إلا موضعًا واحدًا معلقًا، واحتج به الجماعة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٨٨ (١٧٩٤)، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٥٢. (٥) «تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٥٩ (٣٥٠٦). (٦) ورد بهامش الأصل: وكذلك الذهبي تبعًا للمزي. الأصبهاني: وقال سفيان: كان سليمان بن أبي مسلم سمعه من طاوس، عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ -. إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجهين: أحدهما: قوله: (كان إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ») فيه: تهجده - ﷺ -، وأنه كان يدعو عند قيامه، ويخلص الثناء على الله بما هو أهله، والإقرار بوعده ووعيده. وفيه: الأسوة الحسنة. وفي رواية ابن عباس السالفة حين بات عند ميمونة أنه - ﷺ - لما استيقظ تلا العشر الآيات من آخر آل عمران، فبلغ ما شهده، أو بلغه، وقد يكون كله في وقت واحد وسكت هو عنه أو نسيه الناقل. ثانيهما: في معاني الدعاء الواقع فيه: قوله: («أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ») كذا في أصل الدمياطي، وفي بعضها بحذف: «أَنْتَ» وفيه لغات (١): قيام، وقيوم، وقيم، وفي «الموطأ»: «أنت قيام» (٢) وهما من صفاته تعالى. والقيوم بنص القرآن، وقائم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، قَالَ الهروي: ويقال: قوَّام. قَالَ مجاهد وأبو عبيد: القيوم: القائم على كل شيء (٣). أي: مدبر أمر خلقه. وقال ابن عباس: هو الذي لا يزول. وقرأ علقمة: (الحي القيم). وقرأ عمر: (القيام) (٤). ------------ (١) فوقها في الأصل: (ثلاث) ولم يعلم عليها بشيء، بعلامة اللحق. (٢) «الموطأ» ص ١٥٠ باب: ما جاء في الدعاء. رواية أبي مصعب. (٣) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ٧ (٥٧٦٧). (٤) انظر: «المحتسب» ١/ ١٥١. واختلف في معناه فقيل: القائم بخلقه المدثر لهم. وقيل: الذي لا يزول. كما تقدم، وأصله: قَيْوِم على وزن فيعل مثل صيِّب، وهذا قول البصريين. وقال الكوفيون: أصل قيم: قويم، قَالَ ابن كيسان: ولو كان كذلك ما جاز تغييره، كما لم يغير سويق وطويل. وقال ابن الأنباري: أصل القيوم: القَيْووم، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن جعلنا ياءً مشددة، وأصل القيام: القَيْوَام. قَالَ الفراء: وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفيعال، ويقولون للصواغ: صياغ (١). وقيل: (قيام). على المبالغة من (قام) بالشيء: إذا هيأ له ما يحتاج إليه. وقيل فيهما: خالقهما وممسكهما أن يزولا. وقوله: («وَمَنْ فِيهِنَّ») أي: أنت القائم على كل نفسٍ بما كسبت وخالقها ورازقها ومميتها ومحييها. وقيل في معنى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أفمن هو حافظ على كل نفس لا يغفل ولا يمل، فالمعنى: الحافظ لهما ومن فيهن (٢). وقوله: («أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ومن فيهن») أي: بنورك يهتدي من في السموات والأرض. قاله ابن بطال (٣). وقال ابن التين: يحتمل أن يكون من قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] قيل: معناه: ذو نور السموات والأرض. وروي عن ابن عباس معناه: هادي أهلهما (٤). -------------- (١) «معاني القرآن» للفراء ١/ ١٩٠. (٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الرابع والتسعين كتبه مؤلفه. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٠٩. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٣٢٠ (٢٦٠٨٥). وروي عنه أيضًا وعن مجاهد: معناه: مدبرهما، شمسهما وقمرهما ونجومهما (١). وقال ابن عرفة: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] أي: منيرهما (٢). فعلى قول من قَالَ: معناه: ذو نور، فنوره القرآن. وقال كعب: محمد (٣). فهو يعود إلى أنه ذو النور الذي هدى به أهل السموات والأرض. ويحتمل على هذا الوجه أن يكون معناه: ذو النور الذي أضاءت السموات والأرض به. وإن قلنا: معناه: هادي أهلهما. فيحتمل أن يكون معناه: أن الهدى الذي يهدي به منير، نير في نفسه، ويحتمل أن يريد أنه ينير قلوب المؤمنين. وإذا قلنا: معناه: مدبرهما، فمعناه به يكون ومن خلقه وتدبيره الشمس والقمر والنجوم التي هي تنيرهما، ويحتمل أن يكون: النور الذي بمعنى: الهداية، وأنه بتدبيره تعالى يهتدون، وقرئ: (الله نَوَّر السموات والأرض). بفتح النون والواو مشددة. وقيل: منزه فيهما من كل عيب، ومبرأ من كل ريبة. وقيل: إنه اسم مدح، يقال: فلان نور البلد وشمس الزمان. وقال أبو العالية: مزينهما بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والأولياء والعلماء (٤). وقوله: («أنت مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ») أي: مالكهما ومالك من فيهما، وخالقهما وما فيهما، وهو تكذيب لمن قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقوله: («أَنْتَ الحَقُّ») هو اسم من أسمائه وصفة من صفاته، --------------- (١) «تفسير الطبري» ٩/ ٣٢٠ - ٣٢١ (٢٦٠٨٥). (٢) «تفسير البغوي» ٣/ ٣٤٥، و«تفسير القرطبي» ١٢/ ٢٥٧. (٣) «تفسير الطبري» ٩/ ٣٢٢ (٢٦٠٩٣). (٤) «تفسير القرطبي» ١٢/ ٢٥٧. ومعناه: المحقق وجوده، وكل شيء صح وجوده وتحقق فهو حق، ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ [الحاقة: ١] أي: الكائنة حقًا بغير شك. وهذا الوصف للرب ﷻ بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه بما يقال عليه ذلك فهو بخلافه. وقال ابن التين: «أَنْتَ الحَقُّ» يحتمل أن يريد أنه اسم من أسمائه، ويحتمل أن يريد أنه الحق ممن يدعي المشركون أنه إله من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] وظاهر قوله في هذا: الحق، يعود إلى الصدق، ويتعلق تسميته إلهًا. بمعنى أن من سمَّاه إلهًا قَالَ الحق. من سمَّى غيره: إلهًا. كذب. وقوله: («وَوَعْدُكَ الحَقُّ») يعني: إنه متحقق لا شك فيه، ولا يَخْلِف ولا يُخلف الميعاد؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ إلا ما تجاوز عنه ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] وقيل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]: وعد الجنة من أطاعه، ووعد النار من كفر به؛ وفاءً بوعده، وكان عائدًا إلى معنى الصدق، ويحتمل أن يريد به أن وعده حق بمعنى: إثبات أنه قد وعد بالبعث والحشر والثواب والعقاب؛ إنكارًا لقول من أنكر وعده بذلك وكذب الرسل فيما بلغوه من وعده ووعيده. وقوله: («وَلقَاؤُكَ حَقٌّ») أي: البعث، وقيل: الموت؛ وفيه ضعف، فأنت المميت لسائر الخلق وناشرهم للقاء والجزاء. وقوله: («وَقَوْلُكَ حَقٌّ») أي: صدق وعدل. وقال ابن التين: يقول: ووعدك صدق. وقوله: («وَالْجَنَّةُ حَقُّ، وَالنَّارُ حَقٌّ») فيه: الإقرار بهما وبالأنبياء كما سيأتي. وقال ابن التين: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن خبره بذلك لا يدخله كذب ولا تغيير. ثانيها: أن خبر من أخبر عنه بذلك وبلغه حق. ثالثها: أنهما قد خلقتا. وقوله: («وَالنَّيِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - حَقٌّ») يقول: إنهم رسل الله، وأعيد ذكر نبينا ولخصوصيته، كما قَالَ: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقوله: («وَالسَّاعَةُ حَقٌّ») يحتمل الوجهين السابقين في الجنة والنار، فهي محققة، وفيه: الإقرار بهذِه الأمور كلها، و(السَّاعة): القطعة من الزمان؛ لكن لما لم يكن هناك كواكب تقدر فيها بالأزمان سميت بالساعة. يعني: يوم القيامة. وقوله: («اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ») أي: استسلمت وانقدت لأمرك ونهيك، وسلمت ورضيت وأطعت، من قولهم: أسلم فلان لفلان. إذا انقاد وعطف عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ [الصافات: ١٠٣]. وقوله: («وَبِكَ آمَنْتُ») أي: صدقت بك، وبما أنزلت من أخبار وأمر ونهي. وظاهره أن الإيمان ليس بحقيقة الإسلام، وإنما الإيمان التصديق. وقال القاضي أبو بكر: الإيمان المعرفة بالله. والأول أشهر في كلام العرب. قَالَ تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: بمصدق. إلا أن الإسلام إذا كان بمعنى الأنقياد والطاعة فقد ينقاد المكلف بالإيمان فيكون مؤمنًا مسلمًا، وقد ينقاد بغير الإيمان فيكون مسلمًا لا مؤمنًا. قَالَ تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] الآية. فأثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان فتقرر أن ما أثبت غير ما نفى، ومن قَالَ: الإيمان هو الإسلام فهو راجع إلى ذلك. وقوله: («وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ») أي: تبرأت من الحول والقوة، وصرفت أمري إليك، وأيقنت أنه لن يصيبني إلا ما كتب لي، وفوضت أمري إليك، ونعم المفوض إليه. قَالَ الفراء: ﴿الْوَكِيلُ﴾: الكافي. وقوله: («وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ») أي: أطعت أمرك، والمنيب: المقبل بقلبه إلى الرب ﷻ، فأنا راجع إليك. أي: في تدبير ما فوضته إليك أو إلى عبادتك. وقوله: («وَبِكَ خَاصَمْتُ») أي: بما آتيتني من البراهين، احتججت على من عاند فيك وكفر، وجمعته بالحجة، وسواء خاصم فيه بلسان أو سيف. وقوله: («وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ») يعني: إليكَ احتكمت مع كل من أبى قبول الحق والإيمان، لا غيرَكَ ممن كانت الجاهلية تحاكم إليه من صنم وكاهن وغير ذلك، فأنت الحكم بيني وبين من خالف ما جئت به، وكان - ﷺ - يقول عند القتال: «اللهم أنزل الحق» ويستنصر. وقيل: ظاهره: لا نحاكمهم إلا إلى الله ولا نرضى إلا بحكمه. قَالَ تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] وقال: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]. وقوله: («فَاغفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ ..» إلى آخره). هذا من باب التواضع والخضوع والإشفاق والإجلال، فإنه مغفور له ذلك، ولنقتدي به في أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع والرغب والرهب، وفي هذا الدعاء المعين. وقد كان - ﷺ - يقول: «اللهم إني أستغفرك من عمدي وخطئي وجهلي وظلمي وكل ذلك عندي» (١) يقر على نفسه بالتقصير. ويقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي ..» إلى آخره (٢). وبهذا رفع الله رسله وأنبياءه أنهم مجتهدون في الأعمال؛ لمعرفتهم بعظمة من يعبدونه، وأمتهم أحرى بذلك. والمغفرة: تغطية الذنب، وكل ما غطي فقد غفر، ومنه: المِغْفَر. وقوله: («ومَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ») أمر الأنبياء بالإشفاق والدعاء إلى الله والرغبة إليه أن يغفر ما يكون من غفلة تعتري البشر. وما قدَّم: ما مضى. وما أخَّر: ما يستقبل. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] حمله أهل التفسير -كما نقله عنهم ابن التين- على أن الغفران تناول من أفعاله الماضي والمستقبل. وقوله: («وَمَا أَعْلَنْتُ») أي: ما تحرك به لسان أو نطق به. وقوله: («أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ») أي: أنت الأول والآخر، قاله ابن التين. وقال ابن بطال: يعني: أنه قدم في البعث إلى الناس على غيره - ﷺ -(١) يأتي (٦٣٩٨) من حديث أبي موسى مرفوعًا: «رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وهذلي وكل ذلك عندي». (٢) يأتي برقم (٧٤٤) كتاب: الأذان، باب: ما يقول بعد التكبير. بقوله: «نحن الآخرون السابقون» (١) ثم قدَّمه عليهم يوم القيامة بالشفاعة بما فضله به على سائر الأنبياء، فسبق بذلك الرسل (٢). وقوله: («لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ») أي: لا أستطيع تحولًا ولا تصرفًا بنية ولا فعل ولا قول إلا بقوتك التي جعلت فيَّ أو تجعل، ولا قوة لي في شيء من أمري إلا بما جعلت فيَّ من قوتك، وكذلك سائر الخلق. ------------- (١) سلف برقم (٢٣٨). (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ١١٠. ٢ - باب فَضلِ قِيَامِ اللَّيلِ ١١٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَىِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ. [انظر: ٤٤٠ - مسلم: ٢٤٧٩ - فتح: ٣/ ٦] ١١٢٢ - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ». فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلًا. [١١٥٧، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠١٦، ٧٠٣١ - مسلم: ٢٤٧٩ - فتح: ٣/ ٦] ذكر فيه عن سالم عن أبيه قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ- إِذَا رَأى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرى رُؤْيَا إلى أن قال: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا. هذا الحديث تقدم في باب: نوم الرجال في المسجد. مختصرًا مقتصرًا على ذكر نومه في المسجد (١)، ويأتي في فضل من تعارَّ من الليل، ومناقب ابن عمر، والأمن وذهاب الروع في المنام (٢)، ------------ (١) سلف برقم (٤٤٠) كتاب: الصلاة، باب: نوم الرجال في المسجد. (٢) سيأتي برقم (١١٥٦) أبواب: التهجد، باب: فضل من تعارَّ من الليل فصلى، و(٣٧٣٨، ٣٧٤٠) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب، و(٧٠٢٨) كتاب: التعبير، باب: الأمن وذهاب الشروع في المنام. وأخرجه مسلم (١) والأربعة. ومحمود (خ، م، ت، س، ق) (٢) الذي يروي عن عبد الرزاق هو ابن غيلان. وجعل خَلَف هذا الحديث في مسند ابن عمر، وجعل بعضه في مسند حفصة، وأورده ابن عساكر في مسند ابن عمر، والحميدي في مسند حفصة (٣)، وذكر في رواية نافع عن ابن عمر أنها من مسند ابن عمر. وقال: إذ لا ذكر فيها لحفصة. فحاصله أنهم جعلوا رواية سالم من مسند حفصة، ورواية نافع من مسند ابن عمر. إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: إنما كانت الرؤيا تقص على رسول الله - ﷺ -؛ لأنها من الوحي، وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما نطق به عليه أفضل الصلاة والسلام (٤)، فكان أعلم بذلك من كل أحد، وتفسيره من العلم الذي يجب الرغبة فيه. ثانيها: فيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ما له عند الله، وتمني الخير والعلم والحرص عليه. -------------- (١) «صحيح مسلم» (٢٤٧٩) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: من فضائل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (٢) ورد بهامش الأصل: محمود شيخ (خ، م، ت). (٣) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (٣٤٧٢). (٤) سيأتي الحديث الدال على ذلك برقم (٦٩٨٣) كتاب: التعبير، باب: رؤيا الصالحين. ثالثها: جواز النوم في المسجد لقوله: (وَكُنْتُ أَنَامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). وفي رواية: أعزب (١). ولا كراهة فيه عند الشافعي (٢). قَالَ الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم فيه. وقال ابن عباس: لا تتخذه مبيتًا (٣) ومقيلا. وذهب إليه قوم من أهل العلم. قَالَ ابن العربي: وذلك لمن كان له مأوى، فأما الغريب فهي داره، والمعتكف فهو بيته، ويجوز للمريض أن يجعله الإمام في المسجد إذا أراد افتقاده، كما كانت المرأة صاحبة الوشاح ساكنة في المسجد (٤)، وكما ضرب الشارع قبة لسعدٍ في المسجد حَتَّى سأل الدم من جرحه (٥). ومالك وابن القاسم يكرهان المبيت فيه للحاضر (٦) القوي، وجوَّزه ابن القاسم للضعيف الحاضر. وقال بعض المالكية: من نام فاحتلم ينبغي أن يتيمم لخروجه منه. رابعها: فيه: رؤية الملائكة في المنام وتحذيرهم له؛ لقوله: (فَرَأَيْتُ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ). وفيه: الانطلاق بالصالح إليها في المنام؛ تخويفًا. --------------- (١) سلفت هذِه الرواية برقم (٤٤٠) كتاب: الصلاة، باب: نوم الرجال في المسجد. (٢) «الأم» ١/ ٤٦. (٣) «سنن الترمذي» ٢/ ١٣٩. عقب الرواية (٣٢١) (٤) سلف حديث هذِه المرأة برقم (٤٣٩) كتاب: الصلاة، باب: نوم المرأة في المسجد. (٥) هذا الحديث سلف برقم (٤٦٣) كتاب: الصلاة، باب: الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم، وانظر: «عارضة الأحوذي» ٢/ ١١٧ - ١١٨. (٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٣٣ «المنتقى» ١/ ٣١٢. ومعنى: (فإذا هي مطوية كطي البئر). يعني: مبنية الجوانب، فإن لم تبن فهي القليب. والقرنان: منارتان عن جانبي البئر تجعل عليها الخشبة التي تعلق عليها البكرة. وقوله: (فإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ). (إنما أخبرهم؛ ليزدجروا) (١) سكوته عن بيانهم، إما أن يكون لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين، وليس ذلك بما يختم عليهم بالنار، وإما أن يكون ذلك تحذيرًا كما حذر ابن عمر، نبه عليه ابن التين. وفيه: الاستعاذة من النار، وأنها مخلوقة الآن، لقوله: (فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار). ومعنى (لَمْ تُرَعْ) لم تخف. أي: لا روع عليك ولا ضرر ولا فزع. خامسها: إنما قصَّها على حفصة أخته أم المؤمنين أن تذكر لرسول الله - ﷺ -. وفيه: استحياء ابن عمر أن يذكر لرسول الله - ﷺ - فضيلته بنفسه. وفيه: القص على النساء، وتبليغ حفصة، وقبول خبر المرأة. وقوله: فقال: («نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ») فيه: القول بمثل هذا إذا لم يخش أن يفتتن بالمدح. سادسها: قوله: («لَوْ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»). فيه: فضيلة قيام الليل، وهو ما بوب عليه البخاري، وهو منجٍ من النار. ----------- (١) من (ج). قَالَ المهلب: وإنما فسر الشارع هذِه الرؤيا في قيام الليل -والله أعلم- من أجل قول الملك: لم ترع. أي: لم تعرض عليك لأنك مستحقها، إنما ذكرت بها. ثم نظر الشارع في أحوال عبد الله فلم يرَ شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيذكر بالنار، وعلم مبيته في المسجد، فعبر بذلك؛ لأنه منبه على قيام الليل فيه بالقرآن، ألا ترى أنه - ﷺ - رأى الذي علمه ونام عنه بالليل تشدخ رأسه بالحجر إلى يوم القيامة في رؤياه - ﷺ - (١). وقال القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤية عبد الله بالنار أنه ممدوح؛ لأنه عرض على النار ثم عوفي منها وقيل له: لا روع عليك، وهذا إنما هو لصلاحه وما هو عليه من الخير غير أنه لم يكن يقوم من الليل، إذ لو كان ذلك لما عرض على النار ولا رآها، ثم إنه حصل لعبد الله من تلك الرؤيا يقين مشاهدة النار والاحتراز منها، والتنبيه على أن قيام الليل بما يتقى به النار، ولذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك (٢). وروى سنيد، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: «قالت أم سليمان لسليمان: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرًا يوم القيامة» (٣) --------- (١) سيأتي الحديث الدال على هذا برقم (١٣٨٦) كتاب: الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين. (٢) «المفهم» ٦/ ٤٠٩، ٤١٠. (٣) رواه ابن ماجه (١٣٣٢) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في قيام الليل، والعقيلي في «ضعفائه» ٤/ ٤٥٦، وابن حبان في «المجروحين» ٣/ ١٣٦، والطبراني في «الصغير» ١/ ٢١٠ (٣٣٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٤/ ١٨٣ - ١٨٤ (٤٧٤٦)، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٣/ ٢٥٠ (١٤٧٨)، والمزي في «تهذيبه» ٣٢/ ٤٥٧، والذهبي في «السير» ١٣/ ١٦٥، وفي «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٦٠٢. = وفي الحديث من طريق أبي هريرة: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان فمن رأى ما يكره فليقم فليصل» (١). سادسها: فيه: فضل عبادة الشاب. --------- = وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله، ويوسف لا يتابع على حديثه. وقال البوصيري في «زوائده» (٤٣٥): هذا إسناد فيه سنيد بن داود، وشيخه يوسف ابن محمد؛ وهما ضعيفان. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٧٩). (١) سيأتي برقم (٧٠١٧) كتاب: التعبير، باب: القيد في المنام. ٣ - باب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ١١٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلَاةِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٣٦ - فتح: ٣/ ٧] ذكر فيه حديث عائشة: أنه - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي من الليل (١) إِحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ .. الحديث. وقد سلف في الوتر بطوله (٢)، ويأتي بعضه في باب: الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر (٣). وطول سجوده - ﷺ - في قيام الليل؛ لاجتهاده فيه بالدعاء والتضرع إلى الرب ﷻ؛ إذ ذاك أبلغ أحوال التواضع والتذلل إليه، وهو الذي أبى إبليس منه فاستحق اللعن بذلك إلى يوم الدين والخلود في النار أبدًا، فكان - ﷺ - يطول في السجود في خلوته ومناجاته لله تعالى شكرًا على ما أنعم به عليه، وقد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وفيه: الأسوة الحسنة لمن لا يعلم ما يفعل به، أي: تمثيل فعله - ﷺ - في صلاته بالليل وجميع أفعاله، ويلجأ إلى الله في سؤال العفو ------------- (١) عليها في الأصل علامة أنها نسخة. (٢) برقم (٩٩٤) كتاب: الوتر، باب: ما جاء في الوتر. (٣) برقم (١١٦٠) كتاب: التهجد، باب: الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر. والمغفرة، فهو الميسر لذلك عز وجهه. وكان السلف يفعلون ذلك. قَالَ أبو إسحاق: ما رأيت أحدًا أعظم سجدة من ابن الزبير (١). وقال يحيى بن وثاب: كان ابن الزبير يسجد حَتَّى تنزل العصافير على ظهره وما تحسبه إلا جذم حائط (٢). ------------- (١) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٤ (٣١٤٣)، والفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٣١٨ (١٥٨١). (٢) رواه أحمد في «الزهد» ص ٢٤٩. ![]()
__________________
|
|
#240
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 31 الى صـــ 50 الحلقة (240) ٤ - باب تَرْكِ الْقِيَامِ لِلْمَرِيضِ ١١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ. [١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٥١، ٤٩٨٣ - مسلم: ١٧٩٧ - فتح: ٣/ ٨] ١١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ - ﷺ - عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣]. [انظر: ١١٢٤ - مسلم: ١٧٩٧ - فتح: ٣/ ٨] ذكر فيه حديث الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ. وفي رواية له: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتِ امْرَأَة مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. الشرح: هذا الحديث يأتي في تفسير: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ أيضًا (١). وقوله: (لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ) هو شك من الراوي. وكان ذلك؛ لأنه لم يكلف إلا ما يطيق، قَالَ تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] والمريض يكتب له عمله الذي يعمل في الصحة إذا غلب عليه. وسيأتي في الجهاد من حديث أبي موسى: «إذا مرض العبد أو سافر يكتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢)، وفي حديث آخر: "من كان له --------------- (١) برقم (٤٩٥٠، ٤٩٥١). (٢) يأتي برقم (٢٩٩٦) باب: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة. حظ من العبادة، ومنعه الله منها بمرض، فإن الله -عز وجل- يتفضل عليه بهبة ثوابها»، وفي آخر: «ما من عبد يكون له صلاة يغلبه عليها نوم إلا كتب له آخر صلاله، وكان نومه عليه صدقة» (١). ولما لم يقم - ﷺ - وقت شكواه، ولم تسمعه المرأة يصلي حينئذٍ ظنت هذا الظن. والقصة واحدة، رواها جندب. وقد روي أن خديجة قالت لرسول الله - ﷺ - حين أبطأ عنه الوحي: إن ربك قد قلاك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾ (٢) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة من لؤلؤ، ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له. ذكره بقي ابن مخلد في «تفسيره» (٣). وقد قيل في هذا الحديث: «من لم يرزأ في جسمه فليظن أن الله قد قلاه»، ولكن روي عنه - ﷺ - أنه قَالَ: «لا يحزن أحدكم أن لا يراني في منامه إذا كان طالبًا للعلم فله في ذلك العوض». وقال ابن التين: ذكر احتباس جبريل في هذا الباب ليس في موضعه. قال: وقول الكافرة: أبطأ عليه شيطانه -يعني: جبريل- ففيه ما كان يلقى من الأذى. وفيه: استعماله ما أمر به من الصبر، وما ذكره ماش في الكافرة على ما رواه الحاكم من حديث زيد بن أرقم، أن قائل ذلك امرأة أبي --------------- (١) ورد بهامش الأصل: (من خط الشيخ، ذكره الواقدي وفيه لما علم من صحة نفسه) وهذِه الرواية في «سنن أبي داود» (١٣١٤) باب: من نوى القيام فنام، وصححها الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ٥٩ (١١٨٧). (٢) رواه ابن جرير في «تفسيره» ١٢/ ٦٢٤ (٣٧٥١٢). (٣) وروى هذِه الزيادة ابن جرير أيضًا في «تفسيره» ١٢/ ٦٢٤ (٣٧٥١٤). لهب (١)، فنزلت السورة. وقال: هذا إسناد صحيح، إلا أني وجدت له علة فذكرها (٢). وفي «تفسير سنيد بن داود» أن قائل ذلك عائشة، وفيه نظر؛ لأن السورة مكية بالاتفاق. وزعم أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر أن قائلة ذلك أحد عماته. وروى ابن جرير عن جندب بن عبد الله قَالَ: امرأة من أهله، أو من قومه وُدع محمد (٣). ولابن إسحاق أن المشركين سألوا رسول الله - ﷺ - عن الخضر، وذي القرنين، والروح، فوعدهم بالجواب إلى غدٍ، ولم يستثنِ، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة، وقيل أكثر من ذلك، فقال المشركون: ودعه ربه، فنزل جبريل بالضحى، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (٤) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. ومعنى ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ أي: ورب الضحى. وقيل: إنه يقسم بما شاء من خلقه. و﴿سَجَى﴾ [الضحى: ٢] سكن، أو استوى، أو جاء، أو غطى كل شيء، أو أظلم، أو ذهب؛ أقوال، يقال: سجى يسجو إذا سكن، وإنما يسكن إذا غطيت ظلمته. (﴿وَدَّعَكَ﴾) [الضحى: ٣] من التوديع، ولا تستعمل ودعك إلا في قليل من الكلام، ومن قرأ بتشديد الدال يقول: ما هو آخر عهدك بالوحي. ومن خفف يقول: ما تركك؛ والمعنى واحد. -------------- (١) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان واسمها العوراء. (٢) «المستدرك» ٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧. (٣) «تفسير الطبري» ١٢/ ٦٢٣ (٣٧٥٠٣). (٤) «سيرة ابن هشام» ١/ ٣٢١ - ٣٢٢. وقال أبو عبيدة: التشديد من التوديع، والتخفيف من ودع يدع إذا سكن. و﴿قَلَى﴾. يُقال: قلاه يقليه ويقلاه قَلاء وقِلاء إذا أبغضه؛ إذا كسرت قصرت، وإذا فتحت مددت. ٥ - باب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ وَطَرَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا عليهما السلام لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ. ١١٢٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ». [انظر: ١١٥ - فتح: ٣/ ١٠] ١١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ - عليه السلام - لَيْلَةً فَقَالَ: «أَلَا تُصَلِّيَانِ؟». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا. ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. [الكهف: ٥٤] ١١٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهْوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. [١١٧٧ - مسلم: ٧١٨ - فتح: ٣/ ١٠] ١١٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ». وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. [انظر: ٧٢٩ - مسلم: ٧٦١، ٧٨٢ - فتح: ٣/ ١٠] ذكر فيه حديث أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ:»سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفتن؟ .. «الحديث. وحديث الزهري: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أنه - عليه السلام - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ .. الحديث. وحديث عائشة: أنه - عليه السلام - صلى ذات ليلة في المسجد .. الحديث، وعنها إن كان رسول الله - ﷺ - لَيَدَعُ العَمَلَ .. إلى آخره. الشرح: أما قوله: (وطَرَقَ فَاطِمَةَ وعليًا) قد أسنده في الباب. ومعنى (طرقهما): أتاهما ليلًا، هذا هو المشهور، وقيل: طرقه: أتاه. وقوله في الحديث: (لَيْلَةٍ) للتأكيد. وحكى ابن فارس أن طرق: أتى كما تقدم (١)، فعلى هذا يكون لنا ليلًا على البيان لوقت مجيئه أنه كان بالليل. وحديث أم سلمة سلف في باب العلم، والعظة بالليل من كتاب العلم (٢). وحديث علي يأتي في تفسير سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٣) [الكهف: ٥٤]. وقوله فيه: (»أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ «) أي: النافلة. وفيه: كراهة احتجاج علي، وأراد منه أن ينسب نفسه إلى التقصير. ---------------- (١)»مجمل اللغة" ١/ ٥٩٥. (٢) سبق برقم (١١٥). (٣) سيأتي برقم (٤٧٢٤). وفيه: أن السكوت يكون جوابًا. وفيه: ضرب الفخذ عند التوجع والأسف. وفيه: تروعه بالقرآن، وسرعة الانصراف عمن كره مقالته، وحفظ علي لما رأى منه، وبثه إياه؛ ليتأسى به غيره، وقبول خبر الواحد. ورواية الرجل عن أبيه عن جده. وكان علي بن الحسين يوم قتل الحسين ابن سبع عشرة سنة. ولما أمر بقتل من أثبت منهم قام إليه عمرو بن حريث، فنظر إليه، فوجده قد أثبت، فقال: لم ينبت فترك (١). قَالَ الزهري: وما رأيت قرشيًّا أفضل منه (٢). وقوله: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾) [الكهف: ٥٤] احتج به من قَالَ: الإنسان ها هنا عام في سائر الناس المؤمن والكافر، وقيل: هو الكافر خاصة مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر:٢] فهذِه أكثر من عشر فوائد معجلة. وحديث عائشة: إن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل. أخرجه مسلم (٣). وفي بعض الروايات تقديم قولها: (مَا سَبَّحَ رَسُولُ الله - ﷺ - ..) إلى آخره على قولها: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيَدَعُ العَمَلَ) (٤)، وحديثها الآخر سلف في باب إذا كان بين الإمام والقوم حائط وغيره (٥). ---------------- (١) ذكره ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٢٢١. (٢) انظر: «المعرفة والتاريخ» ١/ ٥٤٤. (٣) مسلم برقم (٧١٨) باب: استحباب صلاة الضحى .. (٤) «سنن أبي داود» (١٢٩٣) باب: صلاة الضحى. (٥) برقم (٧٢٩) كتاب: الأذان. إذا تقرر ذلك، فالكلام على أحاديث الباب من أوجه: أحدها: قوله: (فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ). يحتمل وجهين، كما قَالَ ابن الجوزي. أحدهما: فيفرضه الله تعالى. والثاني: فيعملوا به اعتقادًا أنه مفروض. وقال ابن بطال: ظاهر حديث عائشة أن من الفرائض ما يفرضه الله تعالى على العباد من أجل رغبتهم فيها وحرصهم؛ والأصول ترد هذا التوهم، وذلك أن الله تعالى فرض على عباده الفرائض، وهو عالم بثقلها وشدتها عليهم، أراد محنتهم، بذلك لتتم الحجة عليهم فقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. وحديث موسى ليلة الإسراء حين رده من خمسين صلاة إلى خمس. قَالَ: ويحتمل حديث عائشة -والله أعلم- معنيين: أحدهما: أنه يمكن أن يكون هذا القول منه في وقت فرض قيام الليل عليه دون أمته، لقوله في الحديث الآخر: «لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن ثفرض عليكم» (١)، فدل على أنه كان فرضًا عليه وحده. وروى ابن عباس أن قيام الليل كان فرضًا عليه، فيكون معنى قول عائشة: إن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل. يعني: إن كان يدع عمله لأمته، ودعواهم إلى فعله معه لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلًا وقد فرضه الله عليه، أو ندبه إليه؛ لأنه كان أتقى أمته، وأشدهم اجتهادًا. ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم، ولا شك أنه صلى حزبه تلك الليلة في بيته، فخشي أن يخرج ------------- (١) حديث (١١٢٩). إليهم، والتزموا معه صلاة الليل أن يسوي الله -عز وجل- بينه وبينهم في حكمها، فيفرضها عليهم من أجل أنها فرض عليه، إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة، فما كان منها فريضة فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنة أو نافلة. الثاني: أن يكون خشي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعفوا عنها فيكون من تَرَكَها عاصيًا لله تعالى في مخالفته لنبيه وترك اتِّباعه، متوعدًا بالعقاب على ذلك؛ لأن الله تعالى فرض اتباعه فقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال في ترك اتَّباعه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض الله عليه؛ لأن طاعة الرسول كطاعته، وكان - ﷺ - رفيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم. ويأتي في باب: ما يكره من السؤال. في كتاب الاعتصام، زيادة إن شاء الله (١). وقال ابن التين -بعد أن ذكر السؤال في أنه كيف يجوز أن تكتب عليهم صلاة الليل وقد أكمل الله عدد الفرائض ورد عدد الخمسين إلى الخمس-: قيل: صلاة الليل كانت مكتوبة عليه، وأفعاله التي تتصل بالشريعة واجب على الأمة الاقتداء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعلٍ في وقت معلوم يقتدون به ويرونه واجبًا، فَتَرَك الخروج إليهم في الليلة الرابعة لئلا يدخل ذلك في حد ما وجب، والزيادة إنما يتصل وجوبها عليهم من جهة وجوب الاقتداء بأفعاله لا من جهة ابتداء فرض زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يدل ذلك على زيادة فرض في جملة الشرع المفروض في الأصل. ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١١٧ - ١١٨، وانظر ما سيأتي (٧٢٨٩ - ٧٢٩٧). وجواب ثان؛ وهو أن الله فرض الصلاة خمسين ثم حط معظمها بشفاعة نبيه وجعل عزائمها خمسًا، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت وألزمت متبرعة ما كانت استعفت منه لم يستنكر ثبوته فرضًا عليهم. وقد ذكر الله تعالى فريقًا من النصارى ابتدعوا رهبانية ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ ثم لامهم لما قصروا فيها في قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فخشي الشارع أن يكونوا مثلهم بقطع العمل شفقة على أمته. وأجاب عن أمره أبا هريرة بالضحى والوصاية بها من وجهين: أحدهما: أنه أفرده به وعلم أنه لا يثابر عليه الصحابة كمداومة أبي هريرة عليه، فأمن الافتراض به. قلتُ: لم يفرده به بل شاركه فيه أبو ذر وأبو الدرداء كما سلف. والثاني: أن يكون أوصاه بالمداومة عليها بعد موته - ﷺ -، وهو وقت يؤمن فيه الافتراض. قَالَ الداودي: وفي تخلفه؛ لئلا يفرض عليهم الفرار من قدر الله. وفيه: صلاة النافلة جماعة، والجمع في المسجد ليلًا. وقولها: (وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا). كذا ثبت من حديث عروة عنها، والسبحة -بضم السين- النافلة. وقيل: الصلاة. قَالَ تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ [الصافات: ١٤٣] قَالَ المفسرون: من المصلين. وفي مسلم (١) عنها من طريق عبد الله بن شقيق كما سلف: أكان رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى؟ فقالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه (٢). وفيه عن معاذة عنها ---------------- (١) كتب فوقها في الأصل: (ت، س) أي: الترمذي والنسائي. (٢) «صحيح مسلم» (٧١٧) كتاب صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى. من حديث قتادة وغيره: كان رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء (١). وفي رواية: ما شاء الله (٢). والمراد بالنفي في الأول في علمها، وإثباتها بسبب وهو المجيء من السفر، فلا تعارض وقول النسائي: خالفها عروة وعبد الله بن سفيان. وليس الأمر على ما ذهب إليه؛ لأن عروة إنما روى عنها نفي صلاة الضحى لغير سبب. ورواية معاذة عنها أنه صلاها لسبب، وذلك إذا قدم من سفر أو غيره كما سلف في الرواية الأخرى، نبه على ذلك ابن التين. وقَالَ ابن الجوزي: رواية إثباتها مقدمة على نفيها. وقال ابن عبد البر (٣): وأما قولها: (مَا سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ). فهو: أن من علم من السنن علمًا خاصًا يؤخذ به عند بعض أهل العلم دون بعضٍ، فليس لأحدٍ من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، والإحاطة ممتنعة، وإنما حصل المتأخرون على علم ذلك منذ صار العلم في الكتب، وقد روي عن النبي - ﷺ - آثار كثيرة حسان في صلاة الضحى. وذكر حديث أم هانئ، ثم ذكر طريقًا منه من حديث أبي الزبير عن عكرمة بن خالد عن أم هانئ أنها قالت: قدم رسول الله - ﷺ - مكة، فصلى ثماني ركعات، فقلت: يا رسول الله، ما هذِه الصلاة؟ قَالَ: «صلاة الضحى» (٤)، ثم قَالَ: ألا ترى أن أم هانئ قد علمت من صلاة --------------- (١) «صحيح مسلم» (٧١٩/ ٧٨) باب: استحباب صلاة الضحى. (٢) «صحيح مسلم» (٧٩/ ٧١٩) باب: استحباب صلاة الضحى. (٣) «التمهيد» ٨/ ١٣٤ - ١٤٥. (٤) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» ٢/ ٢٢٦ (١٨١٦). الضحى ما جهلت عائشة؟ وأين أم هانئ في الفقه والعلم من عائشة. ثم أورد أيضًا حديث أبي ذر: «يصبح على كل سلامَى من ابن آدم صدقة» وفيه: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» أخرجه مسلم (١)، وأوصى أبا ذر وأبا الدرداء وأبا هريرة بركعتي الضحى (٢)، ثم روى حديث معاذ بن أنس في ذلك، وإسناده لين ضعيف (٣)، من حديث نعيم بن همار عنه (٤)، فهؤلاء كلهم قد عرفوا من صلاة الضحى ما جهله غيرهم. --------------- (١) برقم (٧٢٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى. (٢) حديث أبي ذر رواه النسائي ٤/ ٢١٧ - ٢١٨، وأحمد ٥/ ١٧٣، وابن خزيمة (١٠٨٣، ١٢٢١، ٢١٢٢). وحديث أبي الدرداء رواه مسلم (٧٢٢). وحديث أبي هريرة سيأتي برقم (١١٧٨)، ورواه مسلم (٧٢١). (٣) حديث معاذ بن أنس لم يروه ابن عبد البر كما ذكر المصنف -رحمه الله- وإنما علقه، فقال: وروى ابن وهب عن يحيى بن أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ -، قال: «من قعد في مصلاه حين ينصرف من الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى، لا يقول إلا خيرًا، غفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». قلت: رواه مسندًا أبو داود (١٢٨٧)، والبيهقي ٣/ ٤٩ من طريق ابن وهب، به. قال المنذري في «المختصر» ٢/ ٨٤: سهل بن معاذ ضعيف، والراوي عنه زبان ضعيف أيضًا. وضعف النووي الحديث في «الخلاصة» ١/ ٥٧١ (١٩٣٧)، والألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٣٨). (٤) هكذا سياق الكلام بالأصل، ويفهم منه أن نعيم بن همار روى عن معاذ بن أنس حديثه هذا، وليس كذلك، ففي «التمهيد» ٨/ ١٤٢ - وهو المصدر الذي ينقل منه المصنف- ذكر ابن عبد البر حديثًا آخر في صلاة الضحى عن نعيم ابن همار مرفوعًا بإسناده إليه. وحديث نعيم بن همار رواه أبو داود (١٢٨٩)، ومن طريقه ابن عبد البر من طريق = وذكر أيضًا حديث عتبان بن مالك أنه - ﷺ - صلى في بيته سبحة الضحى، وقاموا وراءه فصلوا (١). ثم قَالَ: وقد كان الزهري يفتي بحديث عائشة ويقول: إن رسول الله - ﷺ - لم يصل الضحى قط، وإنما كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يصلونها بالهواجر، ولم يكن عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر يصلونها ولا يعرفونها. قَالَ ابن عمر: وإنما صلاة القوم بالليل. وقال طاوس: أوَّل من صلاها الأعراب. وقال ابن عمر: ما صليتها منذ أسلمت. أخرجه عبد الرزاق (٢). وروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قَالَ: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إليَّ منها، وهذا نحو قول عائشة. ثم ذكر حديث معاذة عنها في صلاتها وقال: إنه منكر غير صحيح عندي (٣). وهو مردود، وقد علمت أن مسلمًا أخرجه (٤). وجمع النووي بين حديث إثباتها ونفيها أنه كان يصليها وقتًا؛ ويتركها وقتًا خشية الافتراض كما ذكرت عائشة، ويُتأول قولها: (ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه): على أن معناه: ما رأيته -كما قالت في الرواية الثانية- ما رأيته يصلي سبحة الضحى. ------------------ = مكحول عن كثير بن مرة عن نعيم بن همار قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يقول الله -عز وجل-: يا ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات في أول نهارك أكفك آخره». قال النووي في «المجموع» ٣/ ٥٣١، وفي «الخلاصة» ١/ ٥٦٩ (١٩٢٨): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٦٧). (١) سلف برقم (٤٢٥)، ورواه مسلم (٣٣/ ٢٦٣). (٢) «المصنف» ٣/ ٨١ (٤٨٧٩). (٣) انتهى كلام ابن عبد البر بتصرف. «التمهد» ٨/ ١٣٤ - ١٤٥. (٤) مسلم (٧١٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى .. وسببه أنه - ﷺ - ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات، فإما مسافرٌ أو حاضر في المسجد أو غيره أو عند بعض نسائه، ومتى يأتي يومها بعد تسعة، فيصبح قولها: (ما رأيته يصليها). وتكون قد علمت بخبره أو خبر غيره أنه صلاها. أو المراد بها: يصليها ما يداوم عليها. فيكون نفيًا للمداومة لا لأصلها -قَالَ-: وأما ما صح عن ابن عمر قَالَ في الضحى: هي بدعة (١)، فمحمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة؛ لا أن أصلها في البيوت ونحوها. أو يقال: قوله: بدعة. أي: المواظبة عليها؛ لأن الشارع لم يواظب عليها خشية أن تفرض، وهذا في حقه. وقد ثبت استحباب المحافظة عليها في حقنا بحديث أبي الدرداء وأبي ذر وأبي هريرة (٢). ويقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل رسول الله - ﷺ - لها وأمره بها، وكيفما كان فالجمهور على استحبابها، ولربما نقل التوقف فيها عن ابن عمر وابن مسعود (٣). وذكر المنذري وجهًا آخر فقال: ويجمع بينهما بأنها أنكرت صلاة الضحى المعهودة حينئذ عند الناس على الذي اختاره من السلف من صلاتها ثماني ركعات، وأنه - ﷺ - كان يصليها أربعًا ويزيد ما شاء، فيصليها مرة ستًا ومرة ثمانيًا، وأقل ما تكون ركعتين، وقد رأى جماعة صلاتها في بعض الأيام دون بعض؛ ليخالف بينها وبين الفرائض. -------------- (١) سيأتي برقم (١٧٧٥)، ورواه مسلم (١٢٥٥/ ٢٢). (٢) تقدم تخريجها قريبًا. (٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ١٣٠. وقال عياض: إنه الأشبه عندي في الجمع (١). وقال القرطبي: يحتمل أن يقال: إنما أنكرت عائشة الاجتماع لها في المسجد -أي: وإنما سنتها البيت- وهو الذي قَالَ فيه عمر: بدعة. قال: وقد روي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود أنهم كانوا لا يصلونها. قَالَ: وهذا إن صح محمول على أنهم خافوا أن تتخذ سنة، أو يظن بعض الجهال وجوبها، ويحتمل أنها بدعة. أي: حسنة. كما قَالَ في قيام رمضان. وقد روي عنه: ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل من صلاة الضحى. وهذا منه نص على ما تأولناه. قَالَ: وقول عائشة: (وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا) بالسين المهملة والباء الموحدة، وهي الرواية المشهورة، أي: لأفعلها (٢). قلتُ: وفي «الموطأ» -كما عزاه ابن الأثير-: أنها كانت تصليها ثماني ركعات، وروي عنها: لو نشر إليَّ أبواي من قبري ما تركتها (٣). قَالَ: وقد وقع في «الموطأ»: لأستحبها. من الاستحباب، والأول أولى (٤). ولعلها سمعت من النبي - ﷺ - الحض عليها، وأنه إنما تركها -يعني: المداومة عليها- لأجل ما ذكرته قبل، وهذا يشكل على ما صححه أصحابنا من أن الضحى كانت واجبة عليه وعلى أمته، ومن شأنه أنه إذا عمل عملًا أثبته. ---------------- (١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٣. (٢) «المفهم» ٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧. (٣) «الموطأ» ص ١١٣، بلفظ: نشر لي. (٤) هذا من تتمة كلام القرطبي في «المفهم» ٢/ ٣٥٧. فرع: وأول وقتها ارتفاع الشمس، وآخره ما لم تزل الشمس، وأفضل وقتها ربع النهار، كما قاله الغزالي في «الإحياء» (١)، والماوردي، وهو حين ترمض الفصال، وعند الأكثرين: أكثرها ثمانية. وقال الروياني والرافعي وغيرهما: أكثرها اثنتا عشرة ركعة (٢)، وفيه حديث ضعيف (٣). قَالَ المهلب (٤): في حديث عائشة أن قيام رمضان بإمام ومأمومين سنة؛ لأنه - ﷺ - صلى بصلاته ناس ائتموا به، وهذا خلاف من أزرى فقال: سخره عمر ولم يثق إليه في مقالته ولا صدق؛ لأن الناس كانوا يصلون لأنفسهم أفذاذًا، إنما فعل عمر التخفيف عنهم فجمعهم على قارئ واحد يكفيهم القراءة ويفرغهم للتدبر. واحتج قوم من الفقهاء بقعوده - ﷺ - عن الخروج إلى أصحابه الليلة الثالثة أو الرابعة وقالوا: إن صلاة رمضان في البيت أفضل للمنفرد من فعلها في المسجد. منهم مالك وأبو يوسف والشافعى (٥)، وقال ------------ (١) «إحياء علوم الدين» ١/ ٢٦٠. (٢) «العزيز» للرافعي ٢/ ١٣٠. (٣) روى الترمذي (٤٧٣)، وابن ماجه (١٣٨٠) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة بني الله له قصرًا من ذهب في الجنة. وهو حديث ضعيف -كما ذكر المصنف- وضعفه النووي في «الخلاصة» ١/ ٥٧١ (١٩٣٨)، والألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٩١)، وفي «ضعيف الجامع» (٥٦٥٨). (٤) كما في «شرح ابن بطال» ٣/ ١١٩. (٥) «المدونة» ١/ ١٩٣، «الأم» ١/ ١٢٥ وهو القول القديم للشافعي والمذهب على خلافه. مالك: كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وأنا أفعل ذلك، وما قام - ﷺ - إلا في بيته (١). وذكر ابن أبي شيبة عن ابن عمر وسالم وعلقمة والأسود أنهم كانوا لا يقومون مع الناس في رمضان (٢). وقال الحسن البصري: لأن تفوه بالقرآن أحبُّ إليك من أن يفاه عليك (٣). ومن الحجة لهم أيضًا حديث زيد بن ثابت أنه - ﷺ - حين لم يخرج إليهم قَالَ لهم: «إني خشيت أن تفرض عليكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» أخرجه مسلم (٤)، فأخبر أن التطوع في البيت أفضل منه في المسجد لا سيما مع رسول الله - ﷺ - في مسجده. وخالفهم آخرون فقالوا: صلاتها في الجماعة أفضل. قَالَ الليث: لو أن الناس في رمضان قاموا لأنفسهم وأهليهم حَتَّى تترك المساجد حَتَّى لا يقوم (أحد) (٥) فيها، لكان ينبغي أن يخرجوا إلى المسجد حَتَّى يقوموا فيه (٦). لأن قيام الليل في رمضان الأمر الذي لا ينبغي تركه، وهو مما سن الفاروق للمسلمين وجمعهم عليه. وذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله ابن السائب قَالَ: كنت أصلي بالناس في رمضان، فبينما أنا أصلي سمعت تكبير عمر على باب المسجد، قدم معتمرًا، فدخل فصلى ----------------- (١) انظر: «التمهيد» ٤/ ٩٨. (٢) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ١٦٨ (٧٧١٣ - ٧٧١٤، ٧٧١٧). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٨ (٧٧١٨). (٤) برقم (٧٨١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد. (٥) من ابن بطال ٣/ ١١٩. (٦) عزاه لليث ابن قدامة في «المغني» ١/ ٤٢٦. خلفي. وكان ابن سيرين يصلي مع الجماعة، وكان طاوس يصلي لنفسه ويركع ويسجد معهم (١). وقال أحمد: كان جابر يصليها في جماعة (٢). وروي عن علي وابن مسعود مثل ذلك، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وممن قَالَ: إن الجماعة أفضل عيسى بن أبان والمزني وبكار بن قتيبة وأحمد بن أبي عمران. واحتج أحمد في ذلك بحديث أبي ذر أنه - ﷺ - خرج لما بقي من الشهر سبع فصلى بهم حَتَّى مضى ثلث الليل، ثم لم يصل بنا السادسة، ثم خرج الليلة الخامسة فصلى بنا حَتَّى مضى شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا. فقال: «إن القوم إذا صلوا مع الإمام حَتَّى ينصرف كتب قيام تلك الليلة» ثم خرج السابعة وخرجنا، وخرج بأهله حَتَّى خشينا أن يفوتنا الفلاح، وهو السحور. أخرجه ابن أبي شيبة (٣). وكل من اختار الانفراد فينبغي أن يكون ذلك على أن لا ينقطع معه القيام في المسجد، كما نبه عليه الطحاوي (٤)، فأما الذي ينقطع منه ذلك فلا. ---------------- (١) «المصنف» ٢/ ١٦٨ - ١٦٩ (٧٧١٩ - ٧٧٢١). (٢) انظر: «المغني» ٢/ ٦٠٥. (٣) «المصنف» ٢/ ١٦٦ (٧٦٩٤). والحديث رواه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي ٣/ ٨٣ - ٨٤، وابن ماجه (١٣٢٧). وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢٤٥)، وفي «الإرواء» (٤٤٧). (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣١٤. قَالَ: وقد أجمعوا على أنه لا يجوز تعطيل المساجد عن قيام رمضان، فصار هذا القيام واجبًا على الكفاية، فمن فعله كان أفضل ممن انفرد، كالفروض التي على الكفاية، أما الذين لا يصبرون ولا يقوون على القيام فالأفضل لهم حضورها؛ ليسمعوا القرآن وتحصل لهم الصلاة، ويقيموا السُّنَّة التي قد صارت علمًا. ذكره ابن القصار، وهو مقالة عندنا. وفي حديث أم سلمة وعلي -السالفين أول الباب- دلالة على فضل صلاة الليل، وإنباه النائمين من الأهل والقرابة؛ لأنه - ﷺ - أيقظ لها عليًّا وابنته من نومهما؛ حثًّا لها على ذلك في وقت جعله الله لخلقه سكنًا لما علم عظم ثواب الله تعالى عليها، وشرفت عنده منازل أصحابها اختار لهم إحراز فضلها على السكون والدعة، وأيقظهن ليخبرهن بما أُنزل؛ ليزدادوا خشوعًا؛ وليصلوا ليلًا. قالت عائشة: وإذا أراد أن يوتر أيقظني (١). وفيه: السمر بالعلم. وفي حديث عليًّ رجوع المرء عما ندب إليه إذا لم يوجب ذلك، وأنه ليس للعالم والإمام أن يشتد في النوافل. وقوله: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) كلام صحيح قنع به - ﷺ - من العذر في النافلة، ولا يعذر بمثل هذا في الفرض. وقوله: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) هو كقول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك (٢). وهو معنى قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] -------------- (١) سلف برقم (٥١٢) باب: الصلاة خلف النائم. (٢) رواه مسلم (٦٨٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائته واستحباب تعجيل قضائها. الآية. أي أن نفس النائم ممسكة بيد الله، وأن التي في اليقظة مرسلة إلى جسدها غير خارجة من قدرة الله، فقنع - ﷺ - بذلك وانصرف. وأما ضربه فخذه وقوله: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾) [الكهف: ٥٤] فإنه ظن أنه أحرجهم وندم على إنباههم، وكذلك لا يحرج الناس إذا حضوا على النوافل ولا يضيق عليهم، إنما يذكروا في ذلك ويشار عليهم. وقوله: («مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَ ومِنَ الخَزَائِنِ») قاله لما أعلمه ربه تعالى بوحيه بأنه يفتح على أمته من الغنى والخزائن، وعرفه أن الفتن مقرونة بها بعده مخوفة على من فتحت عليه، ولذلك آثر كثير من السلف القلة على الغنى خوف التعرض لفتنة المال، وقد استعاذ الشارع - ﷺ - من فتنته كما استعاذ من فتنة الفقر. وقوله: («وصَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ») أزواجه. يعني: من يوقظهن لصلاة الليل، وهو دال على أن الصلاة تنجي من شر الفتن ويعتصم بها من المحن. وقوله: («كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ») يريد: كاسية بالثياب الواصفة لأجسامهن لغير أزواجهن، ومن يحرم عليه النظر إلى ذلك منهن، وهن عاريات في الحقيقة، فربما عوقبت في الآخرة بالتعري الذي كانت إليه مائلة في الدنيا مباهية بحسنها، فعرف - ﷺ - أن الصلاة تعصم من شر ذلك، وقد فسر مالك أنهن لابسات رقيق الثياب، وقد يحتمل -كما قَالَ ابن بطال- أن يريد - ﷺ - بذلك النهي عن لبس رقيق الثياب واصفًا كان أو غير واصف خشية الفتنة (١). ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١١٧. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |