تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - الصفحة 24 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 8 - عددالزوار : 17 )           »          طريقة عمل كرات اللحم بالبسلة والكارى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          حيل بسيطة لإزالة الصدأ من الأوانى والمقالى.. حافظى على صحة أسرتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          4 أساسيات للانش بوكس مثالى للمدرسة.. لفطار رايق وصحى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          وصفات طبيعية لتفتيح منطقة الفم وتوحيد لون البشرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          ابني بيكره المدرسة.. إزاي تحلي المشكلة من غير توتر أو إجبار؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          طريقة عمل فتة الطعمية.. إفطار مختلف بالأكلة الشعبية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          وصفات طبيعية للتخلص من الشيب المبكر فى الشعر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          5 وصفات عشاء خفيف.. سريعة الهضم ومشبعة وتتعمل فى 10 دقائق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          طريقة عمل كيك الشاى بالسميد.. مغذية وطعمها حكاية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #231  
قديم 03-12-2025, 08:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة الأنعام
من صـ 450 الى صــ 452
الحلقة (231)







قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال : قال رجل لابن عمر إن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال صدق وتلا هذه الآية "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" وحدثنا أبي حدثنا أبو حذيفة حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل قال : كنت قاعدا عند ابن عباس وحج المختار ابن أبي عبيد فجاءه رجل فقال يا ابن عباس زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة فقال ابن عباس صدق فنفرت وقلت يقول ابن عباس صدق فقال ابن عباس هما وحيان وحي الله ووحي الشيطان فوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ووحي الشيطان إلى أوليائه ثم قرأ "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" وقد تقدم عن عكرمة في قوله "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" نحو هذا وقوله "ليجادلوكم" قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال : خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ؟ فأنزل الله "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم"
الله عليه وإنه لفسق " هكذا رواه مرسلا ورواه أبو داود متصلا فقال حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ؟ فأنزل الله "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" الآية وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع كلاهما عن عمران بن عيينة به ."
ورواه البزار عن محمد بن موسى الجرسي عن عمران بن عيينة به وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة "أحدها" أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا "الثاني" أن الآية من الأنعام وهي مكية .
"الثالث" أن هذا الحديث رواه الترمذي عن محمد بن موسى الجرسي عن زياد بن عبد الله البكائي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ورواه الترمذي بلفظ : أتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقال حسن غريب .
وروي عن سعيد بن جبير مرسلا وقال الطبراني : حدثنا علي بن المبارك حدثنا زيد بن المبارك حدثنا موسى بن عبد العزيز حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا وقولوا له فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال وما ذبح الله عز وجل بشمشير من ذهب يعني الميتة فهو حرام فنزلت هذه الآية "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" أي وإن الشياطين من فارس ليوحون إلى أوليائهم من قريش وقال أبو داود : حدثنا محمد بن كثير أخبرنا إسرائيل حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" يقولون ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم فكلوه فأنزل الله "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم عن عمرو بن عبد الله عن وكيع عن إسرائيل به وهذا إسناد صحيح .
ورواه ابن جرير من طرق متعددة عن ابن عباس وليس فيه ذكر اليهود فهذا هو المحفوظ لأن الآية مكية واليهود لا يحبون الميتة .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا جرير عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" إلى قوله "ليجادلوكم" قال : يوحي الشياطين إلى أوليائهم تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله ؟ وفي بعض ألفاظه عن ابن عباس أن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه وأن الذي قد مات لم يذكر اسم الله عليه وقال ابن جريج : قال عمرو بن دينار عن عكرمة إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم وكاتبتهم فارس فكتب فارس إليهم أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكلونه وما ذبحوه هم يأكلونه فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله "وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" ونزلت "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" وقال السدي في تفسير هذه الآية إن المشركين قالوا للمسلمين كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضات الله فما قتل الله فلا تأكلونه وما ذبحتم أنتم تأكلونه ؟ فقال الله تعالى "وإن أطعتموهم" في أكل الميتة "إنكم لمشركون" وهكذا قاله مجاهد والضحاك وغير واحد من علماء السلف .
وقوله تعالى "وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك كقوله تعالى "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" الآية .
وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال : يا رسول الله ما عبدوهم فقال بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم .
أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122)
أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون
هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا أي في الضلالة هالكا حائرا فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله "وجعلنا له نورا يمشي به في الناس" أي يهتدي كيف يسلك وكيف يتصرف به والنور هو القرآن كما رواه العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال السدي : الإسلام والكل صحيح "كمن مثله في الظلمات" أي الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة "ليس بخارج منها" أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل" كما قال تعالى "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" وقال تعالى "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم" وقال تعالى "مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون" وقال تعالى "وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير" والآيات في هذا كثيرة ووجه المناسبة في ضرب المثلين ههنا بالنور والظلمات ما تقدم في أول السورة "وجعل الظلمات والنور" وزعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان فقيل عمر بن الخطاب هو الذي كان ميتا فأحياه الله وجعل له نورا يمشي به في الناس وقيل عمار بن ياسر وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه الله .
والصحيح أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر .
وقوله تعالى "كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون" أي حسنا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة قدرا من الله وحكمة بالغة لا إله إلا هو وحده لا شريك له .
وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (123)
وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون
يقول تعالى : وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين ورؤساء ودعاة إلى الكفر والصد عن سبيل الله وإلى مخالفتك وعداوتك كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة كما قال تعالى "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين" الآية وقال تعالى "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها" الآية قيل معناه أمرناهم بالطاعة فخالفوا فدمرناهم وقيل أمرناهم أمرا قدريا كما قال ههنا "ليمكروا فيها" وقوله تعالى "أكابر مجرميها ليمكروا فيها" قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس "أكابر مجرميها ليمكروا فيها" قال سلطنا شرارهم فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب .
وقال مجاهد وقتادة "أكابر مجرميها" عظماؤها قلت : وهكذا قوله تعالى "وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين" وقال تعالى "وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" والمراد بالمكر ههنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال كقوله تعالى إخبارا عن قوم نوح "ومكروا مكرا كبارا" وكقوله تعالى "ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا" الآية وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان قال : كل مكر في القرآن فهو عمل وقوله تعالى "وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون" أي وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم كما قال تعالى "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" وقال "ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون" .
وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124)
وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون

وقوله تعالى "وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله" أي إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة قالوا "لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله" أي حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة كما تأتي إلى الرسل كقوله جل وعلا "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا" الآية وقوله "الله أعلم حيث يجعل رسالته" أي هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه كقوله تعالى "وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك" الآية يعنون لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير جليل مبجل في أعينهم "من القريتين" أي من مكة والطائف وذلك أنهم قبحهم الله كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه بغيا وحسدا وعنادا واستكبارا كقوله تعالى مخبرا عنه "وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا" وقال تعالى "وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون" وقال تعالى "ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون" هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه وطهارة بيته ومرباه ومنشئه صلى الله وملائكته والمؤمنون عليه حتى أنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه الأمين "وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان حين سأله هرقل ملك الروم وكيف نسبه فيكم ؟ قال هو فينا ذو نسب قال هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال لا - الحديث بطوله الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته عليه السلام على صدق نبوته وصحة ما جاء به وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن مصعب حدثنا الأوزاعي عن شداد أبي عمار عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم انفرد بإخراجه مسلم من حديث الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به نحوه وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن يزيد بن أبي زياد"
عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن أبي وداعة قال : قال العباس بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس فصعد المنبر فقال من أنا ؟ قالوا : أنت رسول الله فقال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه وجعلهم فريقين فجعلني في خير فرقة وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا ; فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا صدق صلوات الله وسلامه عليه وفي الحديث أيضا المروي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم رواه الحاكم والبيهقي .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو بكر حدثنا عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال : إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ .
وقال أحمد : حدثنا شجاع بن الوليد قال : ذكر قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن سلمان قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هدانا الله ؟ قال تبغض العرب فتبغضني وذكر ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية ذكر عن محمد بن منصور الجواز حدثنا سفيان عن أبي حسين قال : أبصر رجل ابن عباس وهو داخل من باب المسجد فلما نظر إليه راعه فقال من هذا قالوا ابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "الله أعلم حيث يجعل رسالته" وقوله تعالى "سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد" الآية هذا وعيد شديد من الله وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاءوا به فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله صغار وهو الذلة الدائمة كما أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذلا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا كقوله تعالى "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" أي صاغرين ذليلين حقيرين وقوله تعالى "وعذاب شديد بما كانوا يمكرون" لما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا وهو التلطف في التحيل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقا "ولا يظلم ربك أحدا" كما قال تعالى "يوم تبلى السرائر" أي تظهر المستترات والمكنونات والضمائر وجاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل .
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125)
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون
يقول تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام أي ييسره له وينشطه ويسهله لذلك فهذه علامات على الخير كقوله تعالى "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" الآية وقال تعالى "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون" وقال ابن عباس في قوله "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" يقول تعالى يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به وكذا قال أبو مالك وغير واحد وهو ظاهر .
وقال عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن عمرو بن قيس عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المؤمنين أكيس ؟ قال "أكثرهم ذكرا للموت وأكثرهم لما بعده استعدادا" قال : وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله ؟ قال نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت وقال ابن جرير : حدثنا هناد حدثنا قبيصة عن سفيان يعني الثوري عن عمرو بن مرة عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" فذكر نحو ما تقدم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن إدريس عن الحسن بن الفرات القزاز عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح قالوا : يا رسول الله هل لذلك من أمارة ؟ قال نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل الموت وقد رواه ابن جرير عن سوار بن عبد الله العنبري حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة عن أبي جعفر فذكره .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن مسعود قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" قالوا : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال نور يقذف في القلب قالوا : يا رسول الله فهل لذلك من أمارة تعرف ؟ قال نعم قالوا : وما هي ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل الموت .
وقال ابن جرير أيضا : حدثني هلال بن العلاء حدثنا سعيد بن عبد الملك بن وافد حدثنا محمد بن مسلم عن أبي عبد الرحمن عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا : فهل لذلك من علامة يعرف بها ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود والتنحي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت وقد رواه من وجه آخر عن ابن مسعود متصلا مرفوعا فقال : حدثني ابن سنان القزاز حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي عن يونس عن عبد الرحمن بن عبيد بن عتبة عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" قالوا : يا رسول الله وكيف يشرح صدره ؟ قال يدخل فيه النور فينفسح قالوا : وهل لذلك علامة يا رسول الله ؟ قال التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا والله أعلم .
وقوله تعالى "ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا" قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء والأكثرون ضيقا بتشديد الياء وكسرها وهما لغتان كهين وهين وقرأ بعضهم حرجا بفتح الحاء وكسر الراء قيل بمعنى أثم قاله السدي.
وقيل بمعنى القراءة الأخرى حرجا بفتح الحاء والراء وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة فقال هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء فقال عمر رضي الله عنه : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير .
وقال العوفي عن ابن عباس يجعل الله عليه الإسلام ضيقا والإسلام واسع وذلك حين يقول "ما جعل عليكم في الدين من حرج" يقول ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق وقال مجاهد والسدي : ضيقا حرجا شاكا .
وقال عطاء الخراساني ضيقا حرجا أي ليس للخير فيه منفذ وقال ابن المبارك عن ابن جريج ضيقا حرجا بلا إله إلا الله حتى يستطيع أن تدخل قلبه كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه .
وقال سعيد بن جبير يجعل صدره ضيقا حرجا قال : لا يجد فيه مسلكا إلا صعدا وقال السدي "كأنما يصعد في السماء" من ضيق صدره .
وقال عطاء الخراساني "كأنما يصعد في السماء" يقول مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء.
وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس "كأنما يصعد في السماء" يقول فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه وقال الأوزاعي "كأنما يصعد في السماء" كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا أن يكون مسلما.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه يقول فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأنه ليس في وسعه وطاقته وقال في قوله "كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون" يقول كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقا حرجا كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : الرجس الشيطان وقال مجاهد : الرجس كل ما لا خير فيه وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الرجس العذاب.
وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126)
وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون
لما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله الصادين عنها نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق فقال تعالى "وهذا صراط ربك مستقيما" منصوب على الحال أي هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن هو صراط الله المستقيم كما تقدم في حديث الحارث عن علي في نعت القرآن : هو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين وهو الذكر الحكيم رواه أحمد والترمذي بطوله "قد فصلنا الآيات" أي وضحناها وبيناها وفسرناها "لقوم يذكرون" أي لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله .
لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127)
لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون
"لهم دار السلام" وهي الجنة "عند ربهم" أي يوم القيامة وإنما وصف الله الجنة ههنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام "وهو وليهم" أي حافظهم وناصرهم ومؤيدهم "بما كانوا يعملون" أي جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة بمنه وكرمه .
ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128)
ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم

يقول تعالى : واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به "ويوم يحشرهم جميعا" يعني الجن وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم ويطيعونهم ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا "يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس" أي يقول يا معشر الجن وسياق الكلام يدل على المحذوف ومعنى قوله "قد استكثرتم من الإنس" أي من إغوائهم وإضلالهم كقوله تعالى "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس" يعني أضللتم منهم كثيرا وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة "وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض" يعني أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن الحسن في هذه الآية قال : استكثرتم من أهل النار يوم القيامة فقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض قال الحسن : وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس .
وقال محمد بن كعب في قوله "ربنا استمتع بعضنا ببعض" قال الصحابة في الدنيا.
وقال ابن جريج : كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول أعوذ بكبير هذا الوادي فذلك استمتاعهما فاعتذروا به يوم القيامة وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان فيما ذكر ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم فيقولون قد سدنا الإنس والجن "وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا" قال السدي يعني الموت "قال النار مثواكم" أي مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم "خالدين فيها" أي ماكثين فيها مكثا مخلدا إلا ما شاء الله قال بعضهم يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ وقال بعضهم : هذا رد إلى مدة الدنيا وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها عند قوله تعالى في سورة هود "خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد" وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث : حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي حاتم بن أبي طلحة عن ابن عباس قال "النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم" قال إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا .
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129)
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون
قال سعيد عن قتادة في تفسيرها إنما يولي الله الناس أعمالهم فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي واختاره ابن جرير وقال معمر عن قتادة في تفسير الآية يولي الله بعض الظالمين بعضا في النار يتبع بعضهم بعضا وقال : مالك بن دينار قرأت في الزبور إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين ثم أنتقم من المنافقين جميعا وذلك في كتاب الله قول الله تعالى "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا" وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا" قال ظالمي الجن وظالمي الإنس وقرأ "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين" قال ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس .
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن ذر عن ابن مسعود مرفوعا من أعان ظالما سلطه الله عليه وهذا حديث غريب وقال بعض الشعراء :
وما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
ومعنى الآية الكريمة كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض ونهلك بعضهم ببعض وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #232  
قديم 03-12-2025, 08:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة الأنعام
من صـ 452 الى صــ 453
الحلقة (232)






يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130)
يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا
وهذا أيضا مما يقرع الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة حيث يسألهم وهو أعلم هل بلغتهم الرسل رسالاته وهذا استفهام تقرير "يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم" أي من جملتكم والرسل من الإنس فقط وليس من الجن رسل كما قد نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف وقال ابن عباس الرسل من بني آدم ومن الجن نذر .
وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أنه زعم أن في الجن رسلا واحتج بهذه الآية الكريمة وفيه نظر لأنها محتملة وليست بصريحة وهي والله أعلم كقوله "مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان" إلى أن قال "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان من الملح لا من الحلو وهذا واضح ولله الحمد وقد ذكر هذا الجواب بعينه ابن جرير والدليل على أن الرسل إنما هم من الإنس قوله تعالى "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده - إلى قوله - رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" وقوله تعالى عن إبراهيم "وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب" فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته ولم يقل أحد من الناس إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل ثم انقطعت عنهم ببعثته وقال تعالى "وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق" وقال "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى" ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب ولهذا قال تعالى إخبارا عنهم "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين" وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم سورة الرحمن وفيها قوله تعالى "سنفرغ لكم أيها الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان" وقال تعالى في هذه الآية الكريمة "يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا" أي أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك وأنذرونا لقاءك وأن هذا اليوم كائن لا محالة وقال تعالى "وغرتهم الحياة الدنيا" أي وقد فرطوا في حياتهم الدنيا وهلكوا بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم للمعجزات لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها "وشهدوا على أنفسهم" أي يوم القيامة "أنهم كانوا"
كافرين "أي في الدنيا بما جاءتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ."
ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131)
ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون
يقول تعالى "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون" أي إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب لئلا يؤاخذ أحد بظلمه وهو لم تبلغه دعوة ولكن أعذرنا إلى الأمم وما عذبنا أحدا إلا بعد إرسال الرسل إليهم كما قال تعالى "وإن من قرية إلا خلا فيها نذير" وقال تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" كقوله "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" وقال تعالى "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا" والآيات في هذا كثيرة قال الإمام أبو جعفر بن جرير ويحتمل قوله تعالى "بظلم" وجهين : "أحدهما" "ذلك" من أجل "أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم" أهلها بالشرك ونحوه "وهم غافلون" يقول إن لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولا ينبههم على حجج الله عليهم وينذرهم عذاب الله يوم معادهم ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير "والوجه الثاني" "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم" يقول لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك والله غير ظلام لعبيده ثم شرع يرجح الوجه الأول ولا شك أنه أقوى والله أعلم .
ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132)
ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون
قال : وقوله تعالى "ولكل درجات مما عملوا" أي ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله يبلغه الله إياها ويثيبه بها إن خيرا فخير وإن شرا فشر قلت : ويحتمل أن يعود قوله "ولكل درجات مما عملوا" أي من كافري الجن والإنس أي ولكل درجة في النار بحسبه كقوله "قال لكل ضعف" وقوله "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون" "وما ربك بغافل عما يعملون" قال ابن جرير : أي وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه .
وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133)
وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين
يقول تعالى "وربك" يا محمد "الغني" أي عن جميع خلقه من جميع الوجوه وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم "ذو الرحمة" أي وهو مع ذلك رحيم بهم كما قال تعالى "إن الله بالناس لرءوف رحيم" "إن يشأ يذهبكم" أي إذا خالفتم أمره "ويستخلف من بعدكم ما يشاء" أي قوم آخرين أي يعملون بطاعته "كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين" أي هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين كما قال تعالى "إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا" وقال تعالى "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز" .
وقال تعالى "والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" وقال محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة قال : سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية "كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين" الذرية الأصل والذرية النسل .
إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134)
إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين
وقوله تعالى "إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين" أي أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة "وما أنتم بمعجزين" أي ولا تعجزون الله بل هو قادر على إعادتكم وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما هو قادر لا يعجزه شيء وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها : حدثنا أبي حدثنا محمد بن المصفى حدثنا محمد بن حسين عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (135)
قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح
وقوله تعالى "قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون" هذا تهديد شديد ووعيد أكيد أي استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي كقوله "وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "على مكانتكم" ناحيتكم "فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون" أي أتكون لي أو لكم وقد أنجز الله موعده لرسوله صلوات الله عليه أي فإنه تعالى مكنه في البلاد وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد وفتح له مكة وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه واستقر أمره على سائر جزيرة العرب وكذلك اليمن والبحرين وكل ذلك في حياته ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه رضي الله عنهم أجمعين كما قال الله تعالى "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز" وقال "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار" وقال تعالى "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون وقال تعالى إخبارا عن رسله فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد" وقال تعالى "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا" الآية وقد فعل الله ذلك بهذه الأمة المحمدية وله الحمد والمنة أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.
وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136)
وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون

هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعا وكفرا وشركا وجعلوا لله شركاء وجزءا من خلقه وهو خالق كل شيء سبحانه وتعالى ولهذا قال تعالى "وجعلوا لله مما ذرأ" أي مما خلق وبرأ "من الحرث" أي من الزرع والثمار "والأنعام نصيبا" أي جزءا وقسما "فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا" وقوله "فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم" قال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية : إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزءا وللوثن جزءا فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن وإن سقط شيء من الحرث والثمر الذي جعلوه لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا : هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوه لله وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فيجعلوه للأوثان ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله فقال الله تعالى "وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا" الآية وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية : كل شيء يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه وقرأ الآية حتى بلغ "ساء ما يحكمون" أي ساء ما يقسمون فإنهم أخطئوا أولا القسم لأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه وله الملك وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته لا إله غيره ولا رب سواه ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة لم يحفظوها بل جاروا فيها كقوله جل وعلا "ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون" وقال تعالى "وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين" وقال تعالى "ألكم الذكر وله الأنثى" وقوله "تلك إذا قسمة ضيزى" .
وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137)
وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون
يقول تعالى : وكما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم زينوا لهم قتل أولادهم .
وقال مجاهد : شركاؤهم شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة.
وقال السدي : أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات وإما ليردوهم فيهلكوهم وأما ليلبسوا عليهم دينهم أي فيخلطون عليهم دينهم ونحو ذلك قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقتادة وهذا كقوله تعالى "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ."
يتوارى من القوم من سوء ما بشر به "الآية وكقوله" وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت "وقد كانوا أيضا يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الفقر أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف المال وقد نهاهم عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من تزيين الشياطين وشرعهم ذلك قوله تعالى" ولو شاء الله ما فعلوه "أي كان هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كونا وله الحكمة التامة في ذلك فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون" فذرهم وما يفترون "أي فدعهم واجتنبهم وما هم فيه فسيحكم الله بينك وبينهم ."
وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون (138)
وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : الحجر الحرام مما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا .
وكذلك قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما وقال قتادة "وقالوا هذه أنعام وحرث حجر" تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم وتغليظ وتشديد ولم يكن من الله تعالى وقال ابن زيد بن أسلم "حجر" إنما احتجزوها لآلهتهم ; وقال السدي "لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم" يقولون حرام أن يطعم إلا من شئنا وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون" وكقوله تعالى "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون" وقال السدي : أما الأنعام التي حرمت ظهورها فهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها لا إذا ولدوها ولا إن نحروها .
وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود قال لي أبو وائل : أتدري ما في قوله "وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها" قلت لا قال : هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها .
وقال مجاهد : كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا إن حلبوا ولا إن حملوا ولا إن نتجوا ولا إن عملوا شيئا "افتراء عليه" أي على الله وكذبا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم "سيجزيهم بما كانوا يفترون" أي عليه ويسندون إليه .
وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139)
وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم
قال أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس "وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا" الآية قال اللبن وقال العوفي عن ابن عباس "وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا" فهو اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه وكان للرجال دون النساء وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء فنهى الله عن ذلك .
وكذا قال السدي وقال الشعبي : البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء .
وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال مجاهد في قوله "وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا" قال هي السائبة والبحيرة وقال أبو العالية ومجاهد وقتادة في قول الله "سيجزيهم وصفهم" أي قولهم الكذب في ذلك يعني كقوله تعالى "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب."
هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع "الآية" إنه حكيم "أي في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره" عليم "بأعمال عباده من خير وشر وسيجزيهم عليها أتم الجزاء ."
قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140)
قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين
يقول تعالى : قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم وضيقوا عليهم في أموالهم فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم وأما في الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل بكذبهم على الله وافترائهم كقوله "إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون" وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن أيوب حدثنا عبد الرحمن بن المبارك حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين" وهكذا رواه البخاري منفردا في كتاب مناقب قريش من صحيحه عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم عن أبي عوانة واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري عن أبي بشر واسمه جعفر بن أبي وحشية عن إياس به .
وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141)
وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين
والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين "يقول تعالى مبينا أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها هؤلاء المشركون بآرائهم الفاسدة وقسموها وجزءوها فجعلوا منها حراما وحلالا فقال" وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات "قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : معروشات مسموكات وفي رواية فالمعروشات ما عرش الناس وغير معروشات ما خرج في البر والجبال من الثمرات وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس معروشات ما عرش من الكرم وغير معروشات ما لم يعرش من الكرم وكذا قال السدي وقال ابن جريج : متشابها وغير متشابه قال متشابه في المنظر وغير متشابه في المطعم وقال محمد بن كعب" كلوا من ثمره إذا أثمر "قال من رطبه وعنبه وقوله تعالى" وآتوا حقه يوم حصاده "قال ابن جرير : قال بعضهم هي الزكاة المفروضة ."
حدثنا عمرو حدثنا عبد الصمد حدثنا يزيد بن درهم قال : سمعت أنس بن مالك يقول "وآتوا حقه يوم حصاده" قال الزكاة المفروضة.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "وآتوا حقه يوم حصاده" يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله وكذا قال سعيد بن المسيب وقال العوفي عن ابن عباس "وآتوا حقه يوم حصاده" وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده لم يخرج مما حصد شيئا فقال الله تعالى "وآتوا حقه يوم حصاده" وذلك أن يعلم ما كيله وحقه من كل عشرة واحد وما يلقط الناس من سنبله وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق حدثني محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جاذ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين وهذا إسناده جيد قوي وقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج هي الزكاة وقال الحسن البصري هي الصدقة من الحب والثمار وكذا قال زيد بن أسلم وقال آخرون هو حق آخر سوى الزكاة وقال أشعث عن محمد بن سيرين ونافع عن ابن عمر في قوله "وآتوا حقه يوم حصاده" قال : كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة رواه ابن مردويه .
وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح في قوله "وآتوا حقه يوم حصاده" قال : يعطي من حضره يومئذ ما تيسر وليس بالزكاة .
وقال مجاهد : إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد "وآتوا حقه يوم حصاده" قال عند الزرع يعطي القبضة وعند الصرام يعطي القبضة ويتركهم فيتبعون آثار الصرام وقال الثوري عن حماد عن إبراهيم النخعي قال : يعطي مثل الضغث وقال ابن المبارك عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير "وآتوا حقه يوم حصاده" قال : كان هذا قبل الزكاة للمساكين القبضة والضغث لعلف دابته وفي حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا "وآتوا حقه يوم حصاده" قال : ما سقط من السنبل رواه ابن مردويه وقال آخرون : هذا شيء كان واجبا ثم نسخه الله بالعشر أو نصف العشر حكاه ابن جرير عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم النخعي والحسن والسدي وعطية العوفي وغيرهم واختاره ابن جرير رحمه الله قلت : وفي تسمية هذا نسخا نظر لأنه قد كان شيئا واجبا في الأصل ثم إن فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته قالوا وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة فالله أعلم وقد ذم الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة "ن" "إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم" أي كالليل المدلهم سوداء محترقة "فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد" أي قوة وجلد وهمة "قادرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون" .
وقوله تعالى "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" قيل معناه لا تسرفوا في الإعطاء فتعطوا فوق المعروف وقال أبو العالية : كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا ثم تباروا فيه وأسرفوا فأنزل الله "ولا تسرفوا" وقال ابن جريج نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلا له فقال لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة فأنزل الله تعالى "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" رواه ابن جرير عنه وقال ابن جريج عن عطاء نهوا عن السرف في كل شيء وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وقال السدي في قوله "ولا تسرفوا" قال لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء.




وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله "ولا تسرفوا" قال لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم ثم اختار ابن جرير قول عطاء أنه نهى عن الإسراف في كل شيء ولا شك أنه صحيح لكن الظاهر والله أعلم من سياق الآية حيث قال تعالى "كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا" أن يكون عائدا على الأكل أي لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن كقوله تعالى "كلوا واشربوا ولا تسرفوا" الآية وفي صحيح البخاري تعليقا "كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة" وهذا من هذا والله أعلم .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #233  
قديم 03-12-2025, 08:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة الأنعام
من صـ 453 الى صــ 455
الحلقة (233)







ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (142)
ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين
وقوله عز وجل "ومن الأنعام حمولة وفرشا" أي وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش قيل المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل والفرش الصغار منها كما قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله حمولة ما حمل عليه من الإبل وفرشا الصغار من الإبل رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
وقال ابن عباس : الحمولة هي الكبار والفرش الصغار من الإبل وكذا قال مجاهد .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ومن الأنعام حمولة وفرشا" أما الحمولة فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه وأما الفرش فالغنم واختاره ابن جرير قال : وأحسبه إنما سمي فرشا لدنوه من الأرض وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيره : الحمولة الإبل والبقر والفرش الغنم .
وقال السدي : أما الحمولة فالإبل وأما الفرش فالفصلان والعجاجيل والغنم وما حمل عليه حمولة .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الحمولة ما تركبون والفرش ما تأكلون وتحلبون : شاة لا تحمل تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافا وفرشا .
وهذا الذي قال عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى "أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون" وقال تعالى "وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين" إلى أن قال "ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين" وقال تعالى "الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون" وقوله تعالى "كلوا مما رزقكم الله" أي من الثمار والزروع والأنعام فكلها خلقها الله وجعلها رزقا لكم "ولا تتبعوا خطوات الشيطان" أي طريقه وأوامره كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله أي من الثمار والزروع افتراء على الله "إنه لكم" أي إن الشيطان أيها الناس لكم "عدو مبين" أي مبين ظاهر العداوة كما قال "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" وقال تعالى "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما" الآية وقال تعالى "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا" والآيات في هذا كثيرة في القرآن .
ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143)
ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين
هذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام فيما كانوا حرموا من الأنعام وجعلوها أجزاء وأنواعا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاما وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا .
ثم بين أصناف الأنعام إلى غنم وهو بياض وهو الضأن وسواد وهو المعز ذكره وأنثاه وإلى إبل ذكورها وإناثها وبقر كذلك وأنه تعالى لم يحرم شيئا من ذلك ولا شيئا من أولادها بل كلها مخلوقة لبني آدم أكلا وركوبا وحمولة وحلبا وغير ذلك من وجوه المنافع كما قال "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" الآية وقوله تعالى "أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين" رد عليهم في قولهم "ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا" الآية وقوله تعالى "نبئوني بعلم إن كنتم صادقين" أي أخبروني عن يقين كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك وقال العوفي عن ابن عباس قوله "ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين" فهذه أربعة أزواج "قل آلذكرين حرم أم الأنثيين" يقول لم أحرم شيئا من ذلك "أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين" يعني هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعض وتحلون بعضا ؟ "نبئوني بعلم إن كنتم صادقين" يقول تعالى : كله حلال .
ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144)
ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين
وقوله تعالى "أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا" تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على الله من تحريم ما حرموه من ذلك "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم" أي لا أجد أظلم منه "إن الله لا يهدي القوم الظالمين" وأول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة لأنه أول من غير دين الأنبياء وأول من سيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي كما ثبت ذلك في الصحيح .
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145)
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم
يقول تعالى آمرا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم "قل" يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله "لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" أي آكل يأكله قيل معناه لا أجد شيئا مما حرمتم حراما سوى هذه وقيل معناه لا أجد من الحيوانات شيئا حراما سوى هذه فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة المائدة وفي الأحاديث الواردة رافعا لمفهوم هذه الآية ومن الناس من يسمي هذا نسخا والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخا لأنه من باب رفع مباح الأصل والله أعلم وقال العوفي عن ابن عباس "أو دما مسفوحا" يعني المهراق وقال عكرمة في قوله "أو دما مسفوحا" لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود وقال حماد عن عمران بن جرير قال : سألت أبا مجلز عن الدم وما يتلطخ من الذبيح من الرأس وعن القدر يرى فيها الحمرة فقال إنما نهى الله عن الدم المسفوح وقال قتادة : حرم من الدماء ما كان مسفوحا فأما اللحم خالطه الدم فلا بأس به وقال ابن جرير : حدثنا المثنى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسا والحمرة والدم يكونان على القدر وقرأت هذه الآية صحيح غريب .
وقال الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن عبد الله إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك الحبر يعني ابن عباس وقرأ "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" الآية وكذا رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان به وأخرجه أبو داود من حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار ورواه الحاكم في مستدركه مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت وقال أبو بكر بن مردويه والحاكم في مستدركه : حدثنا محمد بن على بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو وقرأ هذه الآية "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" الآية وهذا لفظ ابن مردويه ورواه أبو داود منفردا به عن محمد بن داود بن صبيح عن أبي نعيم به وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت : يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة قال "فلم لا أخذتم مسكها" قالت نأخذ مسك شاة قد ماتت ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما قال الله" قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير "وإنكم لا تطعمونه إن تدبغوه فتنتفعوا به فأرسلت فسلخت مسكها فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها رواه أحمد ورواه البخاري والنسائي من حديث الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس عن سودة بنت زمعة بذلك أو نحوه وقال سعيد بن منصور : حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه قال : كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن أكل القنفذ فقرأ عليه" قل لا أجد فيما أوحي إلي محرم على طاعم يطعمه "الآية فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال خبيث من الخبائث فقال ابن عمر : إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال"
ورواه أبو داود عن أبي ثور عن سعيد بن منصور به .
وقوله تعالى "فمن اضطر غير باغ ولا عاد" أي فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم الله في هذه الآية الكريمة وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان "فإن ربك غفور رحيم" أي غفور له رحيم به وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية والغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم وإنما حرم ما ذكر في هذه الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما عدا ذلك فلم يحرم وإنما هو عفو مسكوت عنه فكيف تزعمون أنتم أنه حرام ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله ؟ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير على المشهور من مذاهب العلماء .
وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146)
وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون
قال ابن جرير : يقول تعالى وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر" وهو البعير والنعامة وكذا قال مجاهد والسدي في رواية وقال سعيد بن جبير : هو الذي ليس منفرج الأصابع .
وفي رواية عنه كل متفرق الأصابع ومنه الديك وقال قتادة في قوله "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر" وكان يقال للبعير والنعامة وأشياء من الطير والحيتان وفي رواية البعير والنعامة وحرم عليهم من الطير البط وشبهه وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع وقال ابن جريج عن مجاهد كل ذي ظفر قال النعامة والبعير شقاشقا قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثته ما شقاشقا ؟ قال : كل ما لا ينفرج من قوائم البهائم قال : وما انفرج أكلته .
قال : انفرج قوائم البهائم والعصافير قال فيهود تأكله قال ولم تنفرج قائمة البعير - خفه - ولا خف النعامة ولا قائمة الإوز فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعامة ولا الإوز ولا كل شيء لم تنفرج قائمته ولا تأكل حمار الوحش وقوله تعالى "ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما" قال السدي : يعني الثرب وشحم الكليتين وكانت اليهود تقول إنه حرمه إسرائيل فنحن نحرمه .
وكذا قال ابن زيد وقال قتادة : الثرب وكل شحم كان كذلك ليس في عظم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "إلا ما حملت ظهورهما" يعني ما علق بالظهر من الشحوم وقال السدي وأبو صالح : الألية مما حملت ظهورهما .
وقوله تعالى "أو الحوايا" قال الإمام أبو جعفر بن جرير : الحوايا جمع واحدها حاوياء .
وحاوية وحوية وهو ما تحوي من البطن فاجتمع واستدار وهي بنات اللبن وهي المباعر وتسمى المرابض وفيها الأمعاء .
قال ومعنى الكلام : ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما وما حملت الحوايا .
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أو الحوايا وهي المبعر .
وقال مجاهد : الحوايا المبعر والمربض وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وقتادة وأبو مالك والسدي .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد : الحوايا المرابض التي تكون فيها الأمعاء تكون وسطها وهي بنات اللبن وهي في كلام العرب تدعى المرابض وقوله تعالى "أو ما اختلط بعظم" يعني إلا ما اختلط من الشحوم بعظم فقد أحللناه لهم وقال ابن جريج : شحم الألية ما اختلط بالعصعص فهو حلال وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين وما اختلط بعظم فهو حلال ونحوه قاله السدي وقوله تعالى "ذلك جزيناهم ببغيهم" أي هذا التضييق إنما فعلناه بهم وألزمناهم به مجازاة على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا كما قال تعالى "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا" وقوله "إنا لصادقون" أي وإنا لعادلون فيما جزيناهم به وقال ابن جرير : وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد من تحريمنا ذلك عليهم لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه والله أعلم .
وقال عبد الله بن عباس : بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن سمرة باع خمرا فقال : قاتل الله سمرة ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس عن عمر به .
وقال الليث : حدثني يزيد بن أبي حبيب قال : قال عطاء بن أبي رباح سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول عام الفتح إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه ورواه الجماعة من طرق عن يزيد بن أبي حميد به وقال الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها ورواه البخاري ومسلم جميعا عن عبدان عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري به.
وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمان بن حرب حدثنا وهب حدثنا خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان قاعدا خلف المقام فرفع بصره إلى السماء فقال لعن الله اليهود - ثلاثا - إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم أنبأنا خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد أنبأنا ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاعدا في المسجد مستقبلا الحجر فنظر إلى السماء فضحك فقال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه ورواه أبو داود من حديث خالد الحذاء وقال الأعمش عن جامع بن شداد عن كلثوم عن أسامة بن زيد قال : دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مريض نعوده فوجدناه نائما قد غطى وجهه ببرد عدني فكشف عن وجهه وقال لعن الله اليهود يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها وفي رواية حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وفي لفظ لأبي داود عن ابن عباس مرفوعا إن الله إذا حرم أكل شيء حرم عليهم ثمنه .
فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147)
فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين
يقول تعالى : فإن كذبك يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم فقل "ربكم ذو رحمة واسعة" وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رسوله "ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين" ترهيب لهم في مخالفتهم الرسول خاتم النبيين وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن كما قال تعالى في آخر هذه السورة "وإن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم" وقال "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب" وقال تعالى "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم" وقال تعالى "غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب" وقال "إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود" والآيات في هذا كثيرة جدا .
سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148)
سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون
هذه مناظرة ذكرها الله تعالى وشبهة تشبث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان ويحول بيننا وبين الكفر فلم يغيره فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا بذلك ولهذا قالوا "لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء" كما في قوله تعالى "وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم" الآية وكذلك الآية التي في النحل مثل هذه سواء قال الله تعالى "كذلك كذب الذين من قبلهم" أي بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء وهي حجة داحضة باطلة لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام وأذاق المشركين من أليم الانتقام "قل هل عندكم من علم" أي بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه "فتخرجوه لنا" أي فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه "إن تتبعون إلا الظن" أي الوهم والخيال والمراد بالظن ههنا الاعتقاد الفاسد "وإن أنتم إلا تخرصون" تكذبون على الله فيما ادعيتموه قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ولو شاء الله ما أشركنا" وقال "كذلك كذب الذين من قبلهم" ثم قال "ولو شاء الله ما أشركوا" فإنهم قالوا عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى فأخبرهم الله أنها لا تقربهم فقوله "ولو شاء الله ما أشركوا" يقول تعالى لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين .
قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149)
قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم "قل" لهم يا محمد "فلله الحجة البالغة" أي له الحكمة التامة والحجة البالغة في هداية من هدى وإضلال من ضل "فلو شاء لهداكم أجمعين" فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين كما قال تعالى "ولو شاء الله لجمعهم على الهدى" وقال تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض" وقوله "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" قال الضحاك : لا حجة لأحد عصى الله ولكن الحجة البالغة على عباده .
قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150)
قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون
وقوله تعالى "قل هلم شهداءكم" أي أحضروا شهداءكم "الذين يشهدون أن الله حرم هذا" أي هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه "فإن شهدوا فلا تشهد معهم" أي لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبا وزورا "ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون" أي يشركون به ويجعلون له عديلا .
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151)
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون
قال داود الأودي عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا - إلى قوله - لعلكم تتقون" وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا بكر بن محمد الصيرفي عن عروة حدثنا عبد الصمد بن الفضل حدثنا مالك بن إسماعيل المهدي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال : سمعت ابن عباس يقول في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب ثم قرأ "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" الآيات ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه قلت ورواه زهير وقيس بن الربيع كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس به والله أعلم .
وروى الحاكم أيضا في مسنده من حديث يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي إدريس عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم يبايعني على ثلاث ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" حتى فرغ من الآيات فمن وفى فأجره على الله ومن انتقض منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وإنما اتفقا على حديث الزهري عن أبي إدريس عن أبي عبادة بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا الحديث وقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما والله أعلم.
وأما تفسيرها فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله وقتلوا أولادهم وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم "قل" لهم "تعالوا" أي هلموا وأقبلوا "أتل ما حرم ربكم عليكم" أي أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقا لا تخرصا ولا ظنا بل وحيا منه وأمرا من عنده "ألا تشركوا به شيئا" وكأن في الكلام محذوفا دل عليه السياق وتقديره وأوصاكم "ألا تشركوا شيئا" ولهذا قال في آخر الآية "ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" وكما قال الشاعر :
حج وأوصى بسليمى الأعبدا ... أن لا ترى ولا تكلم أحدا
ولا يزل شرابها مبردا
وتقول العرب أمرتك أن لا تقوم وفي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئا من أمتك دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر وفي بعض الروايات أن قائل ذلك هو أبو ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه عليه الصلاة والسلام قال في الثالثة وإن رغم أنف أبي ذر فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث وإن رغم أنف أبي ذر وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئا وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك" ولهذا شاهد في القرآن قال الله تعالى "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا وروى ابن مردويه من حديث عبادة وأبي الدرداء لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا نافع بن يزيد حدثني سيار بن عبد الرحمن عن يزيد بن قوذر عن سلمة بن شريح عن عبادة بن الصامت قال : أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع خصال ألا تشركوا بالله شيئا وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم رواه ابن أبي حاتم وقوله تعالى "وبالوالدين إحسانا" أي وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا أي أن تحسنوا إليهم كما قال تعالى "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا" وقرأ بعضهم ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا أي أحسنوا إليهم والله تعالى كثيرا ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين كما قال "أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون" فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما وقال تعالى "وإذ أخذنا ميثاق بني"
إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا "الآية والآيات في هذا كثيرة وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل ؟ قال الصلاة على وقتها قلت ثم أي ؟ قل بر الوالدين قلت ثم أي ؟ قال الجهاد في سبيل الله قال ابن مسعود : حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت كل منهما يقول أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل ولكن في إسناديهما ضعف والله أعلم ."

وقوله تعالى "ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم" لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد فقال تعالى "ولا تقتلوا أولادكم من إملاق" وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك فكانوا يئدون البنات خشية العار وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الذنب أعظم ؟ قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي ؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم أي ؟ قال أن تزاني حليلة جارك ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون" الآية وقوله تعالى "من إملاق" قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيره : هو الفقر أي ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل.
وقال في سورة الإسراء "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق" أي لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل ولهذا قال هناك "نحن نرزقهم وإياكم" فبدأ برزقهم للاهتمام بهم أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على الله وأما هنا فلما كان الفقر حاصلا قال "نحن نرزقكم وإياهم" لأنه الأهم ههنا والله أعلم وقوله تعالى "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن" كقوله تعالى "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى "وذروا ظاهر الإثم وباطنه" وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وقال عبد الملك بن عمير عن وراد عن مولاه المغيرة قال : قال سعد بن عبادة لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعجبون من غيرة سعد ؟ فوالله لأنا أغير من سعد والله أغير مني من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن أخرجاه وقال كامل أبو العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول الله إنا نغار قال والله إني لأغار والله أغير مني ومن غيرته نهى عن الفواحش رواه ابن مردويه ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ومر على شرط الترمذي فقد روي بهذا السند أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقوله تعالى "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" وهذا مما نص تبارك وتعالى عن النهي عنه تأكيدا وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة وفي لفظ لمسلم والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم وذكره قال الأعمش فحدثت به إبراهيم فحدثني عن الأسود عن عائشة بمثله وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال زان محصن يرجم ورجل قتل متعمدا فيقتل ورجل
يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض وهذا لفظ النسائي .
وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه قال وهو محصور : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله ولا قتلت نفسا فبم تقتلوني ؟ .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #234  
قديم 03-12-2025, 08:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة الأنعام
من صـ 455 الى صــ 456
الحلقة (234)






رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب فروى البخاري عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا رواه ابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح وقوله "ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" أي هذا مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أمره ونهيه .
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152)
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون
قال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما أنزل الله "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن" و "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما" الآية فانطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله ويفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله فأنزل الله "ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم" قال : فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم رواه أبو داود وقوله تعالى "حتى يبلغ أشده" قال الشعبي ومالك وغير واحد من السلف يعني حتى يحتلم .
وقال السدي : حتى يبلغ ثلاثين سنة وقيل أربعون سنة وقيل ستون سنة قال وهذا كله بعيد ههنا والله أعلم.
وقوله تعالى "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط" يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء كما توعد على تركه في قوله تعالى "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين" وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي من حديث الحسين بن قيس أبي علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم ثم قال لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسين وهو ضعيف في الحديث .
وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفا قلت وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة المكيال والميزان وقوله تبارك وتعالى "لا نكلف نفسا إلا وسعها" أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه .
وقد روى ابن مردويه من حديث بقية عن ميسرة بن عبيد عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها" فقال من أوفى على يده في الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ وذلك تأويل وسعها هذا مرسل غريب وقوله "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" كقوله "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط" الآية وكذا التي تشبهها في سورة النساء يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال وقوله "وبعهد الله أوفوا" قال ابن جرير : يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا وإيفاء ذلك أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم وتعملوا بكتابه وسنة رسوله وذلك هو الوفاء بعهد الله "ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون" يقول تعالى : هذا أوصاكم به وأمركم به وأكد عليكم فيه "لعلكم تذكرون" أي تتعظون وتنتهون مما كنتم فيه قبل هذا وقرأ بعضهم بتشديد الذال وآخرون بتخفيفها .
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (153)
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" وفي قوله "أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" ونحو هذا في القرآن قال أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ونحو هذا قاله مجاهد وغير واحد وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا الأسود بن عامر شاذان حدثنا أبو بكر هو ابن عياش عن عاصم هو ابن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال هذا سبيل الله مستقيما وخط عن يمينه وشماله ثم قال هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" وكذا رواه الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن أبي بكر بن عياش به وقال صحيح ولم يخرجاه وهكذا رواه أبو جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس عن عاصم عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود مرفوعا به نحوه وكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد والنسائي عن يحيى بن حبيب بن عربي وابن حبان من حديث ابن وهب أربعتهم عن حماد بن زيد عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود به وكذا رواه ابن جرير عن المثنى عن الحماني عن حماد بن زيد به ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق عن إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد به كذلك وقال صحيح ولم يخرجاه وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود به مرفوعا وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث يحيى الحماني عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر به فقد صححه الحاكم كما رأيت في الطريقين ولعل هذا الحديث عن عاصم بن أبي النجود عن زر وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما عن ابن مسعود به والله أعلم وقال الحاكم : وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر من غير وجه معتمد.
يشير إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد وعبد بن حميد جميعا واللفظ لأحمد حدثنا عبد الله بن محمد وهو أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا أبو خالد الأحمر عن مجاهد عن الشعبي عن جابر قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا هكذا أمامه فقال هذا سبيل الله وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال هذه سبل الشيطان ثم وضع يده في الخط الأوسط ثم تلا هذه الآية "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" ورواه أحمد وابن ماجه في كتاب السنة من سننه والبزار عن أبي سعيد عبد الله بن سعيد عن أبي خالد الأحمر به قلت ورواه الحافظ ابن مردويه من طريقين عن أبي سعيد الكندي حدثنا أبو خالد عن مجاهد عن الشعبي عن جابر قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط عن يمينه خطا وخط عن يساره خطا ووضع يده على الخط الأوسط وتلا هذه الآية "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" ولكن العمدة على حديث ابن مسعود مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرا وقد روي موقوفا عليه قال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أبان بن عثمان أن رجلا قال لابن مسعود ما الصراط المستقيم ؟ قال : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ثم رجال يدعون من مر بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة .
ثم قرأ ابن مسعود "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" الآية وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن عبد الوهاب حدثنا آدم حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا أبان بن عياش عن مسلم بن أبي عمران عن عبد الله بن عمر سأل عبد الله عن الصراط المستقيم فقال ابن مسعود تركنا محمد في أدناه وطرفه في الجنة وذكر تمام الحديث كما تقدم والله أعلم .
وقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه قال الإمام أحمد حدثني الحسن بن سوار أبو العلاء حدثنا ليث يعني ابن سعد عن معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعن جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم ورواه الترمذي والنسائي عن علي بن حجر زاد النسائي وعمرو بن عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد عن يحيى بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به وقال الترمذي حسن غريب وقوله تعالى "فاتبعوه ولا تتبعوا السبل" إنما وحد سبيله لأن الحق واحد ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها كما قال تعالى "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان الواسطي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ثم تلا "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" حتى فرغ من ثلاث آيات ثم قال ومن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه .

ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154)
ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون
قال ابن جرير "ثم آتينا موسى الكتاب" تقديره ثم قل يا محمد مخبرا عنا أنا آتينا موسى الكتاب بدلالة قوله "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" قلت وفي هذا نظر , و "ثم" ههنا إنما هي لعطف الخبر بعد الخبر لا للترتيب ههنا كما قال الشاعر :
قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
وههنا لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" عطف بمدح التوراة ورسولها فقال "ثم آتينا موسى الكتاب" وكثيرا ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة كقوله تعالى "ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا" وقوله أول هذه السورة "قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" الآية .
وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155)
وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون
وبعدها "وهذا كتاب أنزلناه مبارك" الآية .
وقال تعالى مخبرا عن المشركين "فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى" قال تعالى "أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون" وقال تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا "يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق" الآية وقوله تعالى "تماما على الذي أحسن وتفصيلا" أي آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمام كاملا جامعا لما يحتاج إليه في شريعته كقوله "وكتبنا له في الألواح من كل شيء" الآية .
وقوله تعالى "على الذي أحسن" أي جزاء على إحسانه في العمل وقيامه بأوامرنا وطاعتنا كقوله "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" وكقوله "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما" وكقوله "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون" وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس "ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن" يقول أحسن فيما أعطاه الله وقال قتادة من أحسن في الدنيا تمم له ذلك في الآخرة واختار ابن جرير أن تقديره "ثم آتينا موسى الكتاب تماما" على إحسانه فكأنه جعل الذي مصدرية كما قيل في قوله تعالى "وخضتم كالذي خاضوا" أي كخوضهم وقال ابن رواحة .
وثبت الله ما آتاك من حسن ... في المرسلين ونصرا كالذي نصروا
وقال آخرون الذي ههنا بمعنى الذين قال ابن جرير وذكر عبد الله بن مسعود أنه كان يقرؤها تماما على الذين أحسنوا وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد تماما على الذي أحسن قال على المؤمنين والمحسنين وكذا قال أبو عبيدة وقال البغوي المحسنون الأنبياء والمؤمنون .
يعني أظهرنا فضله عليهم قلت كقوله تعالى "قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي" ولا يلزم اصطفاؤه على محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والخليل عليهما السلام لأدلة أخرى.
قال ابن جرير : وروى أبو عمرو بن العلاء عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرؤها تماما على الذي أحسن رفعا بتأويل على الذي هو أحسن ثم قال وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها وإن كان لها في العربية وجه صحيح وقيل معناه تماما على إحسان الله زيادة على ما أحسن إليه حكاه ابن جرير والبغوي ولا منافاة بينه وبين القول الأول وبه جمع ابن جرير كما بيناه ولله الحمد وقوله تعالى "وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة" فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه "لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" فيه الدعوة إلى اتباع القرآن يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين.
أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156)
أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين
قال ابن جرير معناه وهذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا "إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا" يعني لينقطع عذركم كقوله تعالى "ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك" الآية .
وقوله تعالى "على طائفتين من قبلنا" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هم اليهود والنصارى وكذا قال مجاهد والسدي وقتادة وغير واحد وقوله "وإن كنا عن دراستهم لغافلين" أي وما كنا نفهم ما يقولون لأنهم ليسوا بلساننا ونحن في غفلة وشغل مع ذلك عما هم فيه .
أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157)
أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون
وقوله "أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم" أي وقطعنا تعللكم أن تقولوا لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم لكنا أهدى منهم فيما أوتوه كقوله "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم" الآية .
وهكذا قال ههنا "فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة" يقول فقد جاءكم من الله على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم النبي العربي قرآن عظيم فيه بيان للحلال والحرام وهدى لما في القلوب ورحمة من الله بعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه وقوله تعالى "فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها" أي لم ينتفع بما جاء به الرسول ولا اتبع ما أرسل به ولا ترك غيره بل صدف عن اتباع آيات الله أي صرف الناس وصدهم عن ذلك قاله السدي وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة وصدف عنها أعرض عنها وقول السدي ههنا فيه قوة لأنه قال "فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها" كما تقدم في أول السورة "وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم" وقال تعالى "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب" وقال في هذه الآية الكريمة "سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون" وقد يكون المراد فيما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة "فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها" أي لا آمن بها ولا عمل بها كقوله تعالى "فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى" وغير ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه وترك العمل بجوارحه ولكن كلام السدي أقوى وأظهر والله أعلم لأن الله قال "فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها" كقوله تعالى "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون" .
هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158)
هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون
يقول تعالى متوعدا للكافرين به والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته والصادين عن سبيله "هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك" وذلك كائن يوم القيامة "أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها" وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها كما قال البخاري في تفسير هذه الآية حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا عمارة حدثنا أبو زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل حدثنا إسحاق حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها وفي لفظ فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ثم قرأ هذه الآية ."
هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة في كتبهم إلا الترمذي من طرق عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة به .
وأما الطريق الثاني فرواه عن إسحاق غير منسوب وقيل هو ابن منصور الكوسج وقيل إسحاق بن نصر والله أعلم وقد رواه مسلم عن محمد بن رافع الجندي سابوري كلاهما عن عبد الرزاق به .
وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة كما انفرد مسلم بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة به وقال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا ابن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاث إذا خرجن "لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا" طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ورواه أحمد عن وكيع عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم سلمان عن أبي هريرة به وعنده والدخان .
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب عن وكيع ورواه هو أيضا والترمذي من غير وجه عن فضيل بن غزوان به .
ورواه إسحاق بن عبد الله القروي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه لضعف القروي والله أعلم وقال ابن جرير حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا شعيب بن الليث عن أبيه عن جعفر بن ربيعه عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت آمن الناس كلهم وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل الآية ورواه ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة به.
ورواه وكيع عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة به أخرج هذه الطرق كلها الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن يحيى أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها قبل منه لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة "حديث آخر" عن أبي ذر الغفاري في الصحيحين وغيرهما من طرق عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبيه عن أبي ذر جندب بن جنادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت ؟ قلت لا أدري ! قال إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها ارجعي من حيث جئت وذلك حين "لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" .
"حديث آخر" عن حذيفة بن أسيد بن أبي سريحة الغفاري رضي الله عنه قال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن فرات عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم وخروج الدجال وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا .
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث فرات القزاز عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد به .
وقال الترمذي حسن صحيح .
"حديث آخر" عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال الثوري عن منصور عن ربعي عن حذيفة قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ما آية طلوع الشمس من مغربها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين فينتبه الذين كانوا يصلون فيها فيعملون كما كانوا يعملون قبلها والنجوم لا ترى قد غابت مكانها ثم يرقدون ثم يقومون فيصلون ثم يرقدون ثم يقومون تبطل عليهم جنوبهم حتى يتطاول عليهم الليل فيفزع الناس ولا يصبحون فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذ طلعت من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم .
رواه ابن مردويه وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه والله أعلم .
"حديث آخر" عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك بن سنان رضي الله عنه وأرضاه قال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا ابن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها قال طلوع الشمس من مغربها .
ورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع عن أبيه به وقال غريب.
ورواه بعضهم ولم يرفعه وفي حديث طالوت بن عباد عن فضال بن جبير عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها .
وفي حديث عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن صفوان بن عسال قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله فتح بابا قبل المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه .

رواه الترمذي وصححه النسائي وابن ماجه من حديث طويل "حديث آخر" عن عبد الله بن أبي أوفى قال ابن مردويه حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا ضرار بن صرد حدثنا ابن فضيل عن سليمان بن زيد عن عبد الله بن أبي أوفى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام فبينما هم كذلك إذ صاح الناس بعضهم من بعض فقالوا ما هذا فيفزعون إلى المساجد فإذا هم بالشمس قد طلعت حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها قال حينئذ لا ينفع نفسا إيمانها .
هذا حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في شيء من الكتب الستة .
"حديث آخر" عن عبد الله بن عمرو قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير قال جلس ثلاثه من المسلمين إلى مروان بالمدينة فسمعوه وهو يحدث عن الآيات يقول إن أولها خروج الدجال قال فانصرفوا إلى عبد الله بن عمرو فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات فقال لم يقل مروان شيئا حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ضحى فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها ثم قال عبد الله وكان يقرأ الكتب وأظن أولاها خروجا طلوع الشمس من مغربها وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش وسجدت واستأذنت في الرجوع فأذن لها في الرجوع حتى إذا بدا الله أن تطلع من مغربها فعلت كما كانت تفعل أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فلم يرد عليها شيء ثم استأذنت في الرجوع فلا يرد عليها شيء حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب وعرفت أنه إذا أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق قالت رب ما أبعد المشرق من لي بالناس , حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع فيقال لها من مكانك فاطلعي فطلعت على الناس من مغربها ثم تلا عبد الله هذه الآية "لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" الآية وأخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجه في سننيهما من حديث أبي حيان التيمي واسمه يحيى بن سعيد بن حيان عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير به .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #235  
قديم 03-12-2025, 08:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة الأنعام
من صـ 456 الى صــ 459
الحلقة (235)






"حديث آخر عنه" قال الطبراني حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زريق الحمصي حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي ويجهر إلهي مرني أن أسجد لمن شئت قال فيجتمع إليه زبانيته فيقولون كلهم ما هذا التضرع فيقول إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم وهذا الوقت المعلوم قال ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا قال : فأول خطوة تضعها بأنطاكيا فتأتي إبليس فتلطمه هذا حديث غريب جدا وسنده ضعيف ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك فأما رفعه فمنكر والله أعلم "حديث آخر" عن عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين قال الإمام أحمد حدثنا الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد يرده إلى مالك بن يخامر عن ابن السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تنقطع الهجرة مادام العدو يقاتل فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الهجرة خصلتان إحداهما تهجر السيئات والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله ولا تنقطع ما تقبلت التوبة ولا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل .
هذا الحديث حسن الإسناد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم .
"حديث آخر" عن ابن مسعود رضي الله عنه قال عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين حدثني أبو عبيدة عن ابن مسعود أنه كان يقول ما ذكر من الآيات فقد مضى غير أربع طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض وخروج يأجوج ومأجوج .
قال وكان يقول الآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها ألم تر أن الله يقول "يوم يأتي بعض آيات ربك" الآية كلها يعني طلوع الشمس من مغربها.
حديث ابن عباس رضي الله عنهما رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه عن ابن عباس مرفوعا فذكر حديثا طويلا غريبا منكرا رفعه وفيه أن الشمس والقمر يطلعان يومئذ من المغرب مقرونين وإذا انتصفا السماء رجعا ثم عادا إلى ما كانا عليه .
وهو حديث غريب جدا بل منكر بل موضوع إن ادعي أنه مرفوع فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه وهو الأشبه فغير مرفوع والله أعلم وقال سفيان عن منصور عن عامر عن عائشة رضي الله عنها قالت : إذا خرج أول الآيات طرحت وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال رواه ابن جرير رحمه الله تعالى فقوله تعالى "لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" أي إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه فأما من كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم وإن لم يكن مصلحا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة وعليه يحمل قوله تعالى "أو كسبت في إيمانها خيرا" أي ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك وقوله تعالى "قل انتظروا إنا منتظرون" تهديد شديد للكافرين ووعيد أكيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها لاقتراب الساعة وظهور أشراطها كما قال "فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم" وقوله تعالى "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا" الآية.
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159)
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون
قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى وقال العوفي عن ابن عباس قوله "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا" وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء" الآية وقال ابن جرير حدثني سعيد بن عمر السكوني حدثنا بقية بن الوليد كتب إلى عباد بن كثير حدثني ليث عن طاوس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء" وليسوا منك هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة .
لكن هذا إسناد لا يصح فإن عباد بن كثير متروك الحديث ولم يختلق هذا الحديث ولكنه وهم في رفعه فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث وهو ابن أبي سليم عن طاوس عن أبي هريرة في الآية أنه قال نزلت في هذه الأمة وقال أبو غالب عن أبي أمامة في قوله "وكانوا شيعا" قال هم الخوارج وروى عنه مرفوعا ولا يصح وقال شعبة عن مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا" قال : هم أصحاب البدع .
وهذا رواه ابن مردويه وهو غريب أيضا ولا يصح رفعه والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه وكانوا شيعا أي فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك" الآية .
وفي الحديث نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد فهذا هو الصراط المستقيم وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له والتمسك بشريعة الرسول المتأخر وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برآء منها كما قال الله تعالى "لست منهم في شيء" وقوله تعالى "إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون" كقوله تعالى "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" الآية .
ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال تعالى .
من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون (160)
من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون
وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى وهي قوله "من جاء بالحسنة فله خير منها" وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية كما قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حدثنا عفان حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا الجعد أبو عثمان عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى إن ربكم عز وجل رحيم من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة .
ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله عز وجل ولا يهلك على الله إلا هالك .
ورواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث الجعد أبي عثمان به.
وقال أحمد أيضا حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول الله عز وجل من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة ومن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا ومن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش به ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا شيبان حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام تارة يتركها لله فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى وهذا عمل ونية ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح فإنما تركها من جرائي أي من أجلي وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها فهذا لا له ولا عليه لأنه لم ينو خيرا ولا فعل شرا وتارة يتركها عجزا وكسلا عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها فهذا بمنزلة فاعلها كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه .
وقال الإمام أبو يعلى الموصلي حدثنا مجاهد بن موسى حدثنا علي وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة قالا حدثنا إسحاق بن سليمان كلاهما عن موسى بن عبيدة عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس عن جده أنس .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هم بحسنة كتب الله له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبت عليه سيئة فإن تركها كتبت له حسنة يقول الله تعالى إنما تركها من مخافتي هذا لفظ حديث مجاهد يعني ابن موسى وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن الركين بن الربيع عن أبيه عن عمه فلان بن عميلة عن خريم بن فاتك الأسدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الناس أربعة والأعمال ستة فالناس موسع له في الدنيا والآخرة وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الأخرة ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة وشقي في الدنيا والآخرة والأعمال موجبتان ومثل بمثل وعشرة أضعاف وسبعمائة ضعف فالموجبتان من مات مسلما مؤمنا لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة ومن مات كافرا وجبت له النار ومن هم بحسنة فلم يعملها فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة ومن هم بسيئة لم تكتب عليه ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها ومن أنفق نفقة في سبيل الله عز وجل كانت بسبعمائة ضعف .
ورواه الترمذي والنسائي من حديث الركين بن الربيع عن أبيه عن بشير بن عميلة عن خريم بن فاتك به ببعضه والله أعلم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حبيب بن المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحضر الجمعة ثلاثة نفر رجل حضرها بلغو فهو حظه منها ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكون ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك لأن الله عز وجل يقول "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا هاشم بن مرثد حدثنا محمد بن إسماعيل حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام .
وذلك لأن الله تعالى قال "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله .


رواه الإمام أحمد وهذا لفظه والنسائي وابن ماجه والترمذي وزاد : فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" اليوم بعشرة أيام.
ثم قال هذا حديث حسن .
وقال ابن مسعود "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" من جاء بلا إله إلا الله ومن جاء بالسيئة يقول بالشرك .
وهكذا جاء عن جماعة من السلف رضي الله عنهم أجمعين وقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته لكني لم أروه من وجه يثبت والأحاديث والآثار في هذا كثير جدا وفيما ذكر كفاية إن شاء الله وبه الثقة.
قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161)
قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين
ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين "يقول تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف" دينا قيما "أي قائما ثابتا" ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين "كقوله" ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه "وقوله" وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم "وقوله" إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين "وليس يلزم من كونه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها لأنه عليه السلام قام بها قياما عظيما وأكملت له إكمالا تاما لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل عليه السلام وقد قال ابن مردويه حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة أنبأنا سلمة بن كهيل سمعت ذر بن عبد الله الهمداني يحدث عن ابن أبزى عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد أخبرنا محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله تعالى ؟ قال الحنيفية السمحة وقال أحمد أيضا حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : وضع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ذقني على منكبه لأنظر إلى زفن الحبشة حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه ."
قال عبد الرحمن عن أبيه قال : قال لي عروة إن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنيفية سمحة أصل الحديث مخرج في الصحيحين والزيادة لها شواهد من طرق عدة وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري ولله الحمد والمنة .
قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162)
قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين
وقوله تعالى "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له وهذا كقوله تعالى "فصل لربك وانحر" أي أخلص له صلاتك وذبحك فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى قال مجاهد في قوله "إن صلاتي ونسكي" النسك الذبح في الحج والعمرة .
وقال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير "ونسكي" قال ذبحي .
وكذا قال السدي والضحاك وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عوف حدثنا أحمد بن خالد الذهبي حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله قال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد النحر بكبشين وقال حين ذبحهما وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.
لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163)
لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين
إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين وقوله عز وجل "وأنا أول المسلمين" قال قتادة أي من هذه الأمة وهو كما قال فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام وأصله عبادة الله وحده لا شريك له كما قال "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" وقد أخبرنا تعالى عن نوح أنه قال لقومه "فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين" وقال تعالى "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الأخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون" وقال يوسف عليه السلام "رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين" وقال موسى "يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين" وقال تعالى "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار" الآية .
وقال تعالى "وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون" فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضا إلى أن نسخت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي لا تنسخ أبد الآبدين ولا تزال قائمة منصورة وأعلامها منشورة إلى قيام الساعة ولهذا قال عليه السلام نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات كما أن إخوة الأخياف عكس هذا بنو الأم الواحدة من آباء شتى والإخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة والله أعلم وقد قال الإمام أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر استفتح ثم قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين إلى آخر الآية "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق ولا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ."
تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد وقد رواه مسلم في صحيحه .
قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164)
قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون
يقول تعالى "قل" يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه "أغير الله أبغي ربا" أي أطلب ربا سواه "وهو رب كل شيء" يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري أي لا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه لأنه رب كل شيء ومليكه وله الخلق والأمر ففي هذه الآية الأمر بإخلاص التوكيل تضمنت التي قبلها إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرا في القرآن كقوله تعالى مرشدا لعباده أن يقولوا له " إياك نعبد وإياك نستعين "وقوله" فاعبده وتوكل عليه "وقوله" قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا "وقوله" رب المشرق والمغرب لا إله هو فاتخذه وكيلا " وأشباه ذلك من الآيات وقوله تعالى "ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى" إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرا فخير وإن شرا فشر وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد وهذا من عدله تعالى كما قال "وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى" وقوله تعالى "فلا يخاف ظلما ولا هضما" قال علماء التفسير : أي فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره ولا تهضم بأن ينقص من حسناته وقال تعالى "كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين" معناه كل نفس مرتهنة بعملها السيئ إلا أصحاب اليمين فإنه قد يعود بركة أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم كما قال في سورة الطور "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء" أي ألحقنا بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال بل في أصل الإيمان وما ألتناهم أي أنقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئا حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنته ثم قال "كل امرئ بما كسب رهين" أي من شر وقوله "ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" أي اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه فستعرضون ونعرض عليه وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم وما كنا نختلف في الدار الدنيا كقوله "قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" .
وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165)
وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم
يقول تعالى "وهو الذي جعلكم خلائف الأرض" أي جعلكم تعمرونها جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن وخلفا بعد سلف .
قاله ابن زيد وغيره كقوله تعالى "ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون" وكقوله تعالى " ويجعلكم خلفاء الأرض "وقوله" إني جاعل في الأرض خليفة "وقوله" عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون "وقوله" ورفع بعضكم فوق بعض درجات " أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوي والمناظر والأشكال والألوان وله الحكمة في ذلك كقوله تعالى "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا" وقوله "انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا" وقوله تعالى "ليبلوكم فيما آتاكم" أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره والفقير في فقره ويسأله عن صبره وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء وقوله تعالى "إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم" ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله "وإنه لغفور رحيم" لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خبر وطلب .
وقال محمد بن إسحاق ليرحم العباد على ما فيهم .
رواه ابن أبي حاتم وكثيرا ما يقرن الله تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين كقوله "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب" وقوله "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم" إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها وتارة بهما لينجع في كل بحسبه جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر وترك ما عنه نهى وزجر وصدقه فيما أخبر إنه قريب مجيب سميع الدعاء جواد كريم وهاب .
وقد قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا زهير عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنة خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها وعند الله تسعة وتسعون ورواه الترمذي عن قتيبة عن عبد العزيز الدراوردي عن العلاء به .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #236  
قديم 03-12-2025, 08:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
سورة الأعراف .
من صـ 459 الى صــ 461
الحلقة (236)






وقال حسن ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر عن العلاء وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي وعنه أيضا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية من أن تصيبه .
رواه مسلم .
آخر تفسير سورة الأنعام ولله الحمد والمنة .


المص (1)
المص
سورة الأعراف .
قد تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه قال ابن جرير : حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس "المص" أنا الله أفصل .
كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2)
كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين

قال سعيد بن جبير "كتاب أنزل إليك" أي هذا كتاب أنزل إليك أي من ربك "فلا يكن في صدرك حرج منه" قال مجاهد وقتادة والسدي شك منه وقيل لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به "فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل" ولهذا قال "لتنذر به" أي أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين "وذكرى للمؤمنين" .
اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (3)
اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون
قال تعالى مخاطبا للعالم "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم" أي اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه "ولا تتبعوا من دونه أولياء" أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره "قليلا ما تذكرون" كقوله "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وقوله "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" الآية .
وقوله "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" .
وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4)
وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون
يقول الله تعالى "وكم من قرية أهلكناها" أي بمخالفة رسلنا وتكذيبهم فأعقبهم ذلك خزي في الدنيا موصولا بذل الآخرة كما قال تعالى "ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون" وكقوله "فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد" وقال تعالى "وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين" وقوله "فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون" أي فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته بياتا أي ليلا أو هم قائلون من القيلولة وهي الاستراحة وسط النهار وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو كما قال "أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون" وقال "أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم" .
فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5)
فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين
إنا كنا ظالمين "قوله" فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين "أي فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم وأنهم حقيقون بهذا كقوله تعالى" وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة - إلى قوله - خامدين "قال ابن جرير : في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله" ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم "حدثنا بذلك ابن حميد حدثنا جرير عن أبي سنان عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال : قال عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم "قال : قلت لعبد الملك كيف يكون ذاك قال فقرأ هذه الآية" فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين "."
فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (6)
فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين
قوله "فلنسألن الذين أرسل إليهم" الآية .
كقوله "ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين" وقوله "يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب" فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين" قال عما بلغوا وقال ابن مردويه حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن حدثنا أبو سعيد الكندي حدثنا المحاربي عن ليث عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام يسأل عن رعيته والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده" .
قال الليث وحدثني ابن طاوس مثله ثم قرأ "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين" وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة .
فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7)
فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين
قال ابن عباس في قوله "فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين" يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون "وما كنا غائبين" يعني أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يغفل عن شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين" .
والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8)
والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون
يقول تعالى "والوزن" أي للأعمال يوم القيامة "الحق" أي لا يظلم تعالى أحدا كقوله "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين" وقال تعالى "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" وقال تعالى "فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية" .
وقال تعالى "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون" .
"فصل" والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما قال البغوي يروى نحو هذا عن ابن عباس كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف .
ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وإنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون فيقول من أنت فيقول أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك .
وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر "فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول من أنت ؟ فيقول أنا عملك الصالح" وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق وقيل يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله فيقول يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول الله تعالى إنك لا تظلم .
فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه وقيل يوزن صاحب العمل كما في الحديث "يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة" ثم قرأ "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا" وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أتعجبون من دقة ساقيه والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد" وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا فتارة توزن الأعمال وتارة توزن محالها وتارة يوزن فاعلها والله أعلم .
ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9)
ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون
يقول تعالى "والوزن" أي للأعمال يوم القيامة "الحق" أي لا يظلم تعالى أحدا كقوله "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين" وقال تعالى "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" وقال تعالى "فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية" .
وقال تعالى "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون" .
"فصل" والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما قال البغوي يروى نحو هذا عن ابن عباس كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف .
ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وإنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون فيقول من أنت فيقول أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك .
وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر "فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول من أنت ؟ فيقول أنا عملك الصالح" وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق وقيل يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله فيقول يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول الله تعالى إنك لا تظلم.
فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه وقيل يوزن صاحب العمل كما في الحديث "يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة" ثم قرأ "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا" وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أتعجبون من دقة ساقيه والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد" وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا فتارة توزن الأعمال وتارة توزن محالها وتارة يوزن فاعلها والله أعلم .
ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10)
ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون
يقول تعالى ممتنا على عبيده فيما مكن لهم من أنه جعل الأرض قرارا وجعل فيها رواسي وأنهارا وجعل لهم فيها منازل وبيوتا وأباح لهم منافعها وسخر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها وجعل لهم فيها معايش أي مكاسب وأسبابا يكسبون بها ويتجرون فيها ويتسببون أنواع الأسباب وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك كقوله "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار" وقد قرأ الجميع معايش بلا همز إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز لأن معايش جمع معيشة من عاش يعيش عيشا ومعيشة أصلها معيشة فاستثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى العين فصارت معيشة فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال فقيل معايش ووزنه مفاعل لأن الياء أصلية في الكلمة بخلاف مدائن وصحائف وبصائر جمع مدينة وصحيفة وبصيرة من مدن وصحف وأبصر فإن الياء فيها زائدة ولهذا تجمع على فعائل وتهمز لذلك والله أعلم .
ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11)
ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين
ينبه تعالى بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم ويبين لهم عداوة عدوهم إبليس وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه فقال تعالى "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا" وهذا كقوله تعالى "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" وذلك أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام بيده من طين لازب وصوره بشرا سويا ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة بالسجود له تعظيما لشأن الله تعالى وجلاله فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين وقد تقدم الكلام على إبليس في أول سورة البقرة .
وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير أن المراد بذلك كله آدم عليه السلام .
وقال سفيان الثوري عن الأعمش عن منهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" قال خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء .
رواه الحاكم .
وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ونقل ابن جرير عن بعض السلف أيضا أن المراد بخلقناكم ثم صورناكم الذرية.
وقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" أي خلقنا آدم ثم صورنا الذرية وهذا فيه نظر لأنه قال بعده "ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" فدل على أن المراد بذلك آدم وإنما قيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم "وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى" والمراد بالآباء آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل صار كأنه واقع على الأبناء وهذا بخلاف قوله "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" الآية .
فإن المراد منه آدم المخلوق من السلالة وذريته مخلوقون من نطفة وصح هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس لا معينا والله أعلم .
قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12)
قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك" لا هنا زائدة وقال بعضهم زيدت لتأكيد الجحد كقول الشاعر : ما إن رأيت ولا سمعت بمثله .
فأدخل "أن" وهي للنفي على ما النافية لتأكيد النفي قالوا وكذا هنا "ما منعك ألا تسجد" مع تقدم قوله "لم يكن من الساجدين" حكاهما ابن جرير وردهما واختار أن منعك مضمن معنى فعل آخر تقديره ما أحرجك وألزمك واضطرك ألا تسجد إذ أمرتك ونحو هذا .
وهذا القول قوي حسن والله أعلم .

وقول إبليس لعنه الله "أنا خير منه" من العذر الذي هو أكبر من الذنب كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له ؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى "فقعوا له ساجدين" فشذ من بين الملائكة لترك السجود فلهذا أبلس من الرحمة أي أويس من الرحمة فأخطأ قبحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضا فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" .
هكذا رواه مسلم وقال ابن مردويه حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلق الله الملائكة من نور العرش وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" .
قلت لنعيم بن حماد أين سمعت هذا من عبد الرزاق ؟ قال باليمن وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح "وخلقت الحور العين من الزعفران" وقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا محمد بن كثير عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن الحسن في قوله "خلقتني من نار وخلقته من طين" .
قال قاس إبليس وهو أول من قاس إسناده صحيح وقال حدثني عمر بن مالك حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن هشام عن ابن سيرين قال أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقايس إسناد صحيح أيضا .
قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13)
قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين
يقول تعالى مخاطبا لإبليس بأمر قدري كوني "فاهبط منها" أي بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي فما يكون لك أن تتكبر فيها قال كثير من المفسرين الضمير عائد إلى الجنة ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى "فاخرج إنك من الصاغرين" أي الذليلين الحقيرين معاملة له بنقيض قصده ومكافأة لمراده بضده فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين .
قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14)
قال أنظرني إلى يوم يبعثون
قال "أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين" أجابه تعالى إلى ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه "وهو سريع الحساب" .
قال إنك من المنظرين (15)
قال إنك من المنظرين
قال "أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين" أجابه تعالى إلى ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه "وهو سريع الحساب" .
قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16)
قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم
يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس "إلى يوم يبعثون" واستوثق إبليس بذلك أخذ في المعاندة والتمرد فقال "فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم" أي كما أغويتني قال ابن عباس كما أضللتني وقال غيره كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على "صراطك المستقيم" أي طريق الحق وسبيل النجاة ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي وقال بعض النحاة الباء هنا قسمية كأنه يقول فبأغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم .
قال مجاهد صراطك المستقيم يعني الحق .
وقال محمد بن سوقة عن عون بن عبد الله يعني طريق مكة قال ابن جرير الصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك .
"قلت" لما روى الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل يعني الثقفي عبد الله بن عقيل حدثنا موسى بن المسيب أخبرني سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي الفاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك قال فعصاه وأسلم" قال "قعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول فعصاه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال فقال : تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال فعصاه وجاهد" .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة وإن قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة" .
ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17)
ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين
قوله "ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم" الآية .
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ثم لآتينهم من بين أيديهم" أشككهم في آخرتهم "ومن خلفهم" أرغبهم في دنياهم "وعن أيمانهم" أشبه عليهم أمر دينهم "وعن شمائلهم" أشهي لهم المعاصي .
وقال ابن أبي طلحة في رواية العوفي كلاهما عن ابن عباس أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم وأما من خلفهم فأمر آخرتهم وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها آتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله .
وكذا روي عن إبراهيم النخعي والحكم بن عيينة والسدي وابن جريج إلا أنهم قالوا من بين أيديهم الدنيا ومن خلفهم الآخرة وقال مجاهد من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون واختار ابن جرير أن المراد جميع طرق الخير والشر فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله "ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم" ولم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل من فوقهم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ولا تجد أكثرهم شاكرين" قال موحدين وقول إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم وقد وافق في هذا الواقع كما قال تعالى "ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ" .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #237  
قديم 03-12-2025, 08:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
سورة الأعراف .
من صـ 461 الى صــ 461
الحلقة (237)






ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا نصر بن علي حدثنا عمرو بن مجمع عن يونس بن خباب عن ابن جبير بن مطعم يعني نافع بن جبير عن ابن عباس وحدثنا عمر بن الخطاب يعني السجستاني حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا عبد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن يونس بن خباب عن ابن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو "اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي" تفرد به البزار وحسنه وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري حدثني جرير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم سمعت عبد الله بن عمر يقول لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي" .
قال وكيع من تحتي يعني الخسف .
ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به وقال الحاكم صحيح الإسناد .
قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18)
قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين
أكد تعالى عليه اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى بقوله "اخرج منها مذءوما مدحورا" قال ابن جرير أما المذءوم فهو المعيب والذأم غير مشدد العيب يقال ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم ويتركون الهمز فيقول ذمته أذيمه ذيما وذاما والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم .
قال والمدحور المقصي وهو المبعد المطرود وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما نعرف المذءوم والمذموم إلا واحدا وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس "اخرج منها مذءوما مدحورا" قال مقيتا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس صغيرا مقيتا وقال السدي مقيتا مطرودا وقال قتادة لعينا مقيتا وقال مجاهد منفيا مطرودا وقال الربيع بن أنس مذءوما منفيا والمدحور المصغر .
وقوله تعالى "لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين" كقوله "قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا" .
ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19)
ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من
يذكر تعالى أنه أباح لآدم ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة .
فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20)
فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين
عند ذلك حسدهما الشيطان وسعى في المكر والوسوسة والخديعة ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن وقال كذبا وافتراء "ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين" أي لئلا تكونا ملكين أو خالدين هاهنا ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما كقوله "قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" أي لئلا تكونا ملكين كقوله "يبين الله لكم أن تضلوا" أي لئلا تضلوا "وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم" أي لئلا تميد بكم .
وكان ابن عباس ويحيى بن أبي كثير يقرآن "إلا أن تكونا ملكين" بكسر اللام وقرأه الجمهور بفتحها .
وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21)
وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين
"وقاسمهما" أي حلف لهما بالله "إني لكما لمن الناصحين" فإني من قبلكما هاهنا وأعلم بهذا المكان وهذا من باب المفاعلة والمراد أحد الطرفين كما قال خالد بن زهير بن عم أبي ذؤيب .
وقاسمهم بالله جهدا لأنتم ... ألذ من السلوى إذ ما نشورها
أي حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله وقال قتادة في الآية حلف بالله إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعان أرشدكما وكان بعض أهل العلم يقول من خدعنا بالله انخدعنا له .
فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22)
فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين
قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس فلما وقع فيما وقع فيه من الخطيئة بدت له عورته عند ذلك وكان لا يراها فانطلق هاربا في الجنة فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة فقال لها أرسليني فقالت : إني غير مرسلتك فناداه ربه عز وجل يا آدم أمني تفر قال يا رب إني استحيتك .
وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق عن الحسن عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا والموقوف أصح إسنادا وقال عبد الرزاق : أنبأنا سفيان بن عيينة وابن المبارك أنبأنا الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما "وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" ورق التين يلزقان بعضه إلى بعض فانطلق آدم عليه السلام موليا في الجنة فعلقت برأسه شجرة من الجنة فناداه الله يا آدم أمني تفر ؟ قال لا ولكني استحيتك يا رب قال : أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك قال : بلى رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا قال وهو قول الله عز وجل "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين" .
قال فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا قال فأهبط من الجنة وكانا يأكلان منها رغدا فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب فعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ .

وقال الثوري عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" قال ورق التين صحيح إليه وقال مجاهد جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة قال كهيئة الثوب وقال وهب بن منبه في قوله "ينزع عنهما لباسهما" قال كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه ولا هذه عورة هذا فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما .
رواه ابن جرير بسند صحيح إليه وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة قال : قال آدم أي رب أرأيت إن تبت واستغفرت قال : إذا أدخلك الجنة وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله النظرة فأعطي كل واحد منهما الذي سأله وقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما أكل آدم من الشجرة قيل له لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها ؟ قال : حواء أمرتني قال : فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها قال فرنت عند ذلك حواء فقيل لها الرنة عليك وعلى ولدك .
قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23)
قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
قال الضحاك بن مزاحم في قوله "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه .
قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24)
قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين
قيل المراد بالخطاب في "اهبطوا" آدم وحواء وإبليس والحية ومنهم من لم يذكر الحية والله أعلم .
والعمدة في العداوة آدم وإبليس ولهذا قال تعالى في سورة طه قال "اهبطا منها جميعا" الآية .
وحواء تبع لآدم والحية إن كان ذكرها صحيحا فهي تبع لإبليس وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات والله أعلم بصحتها ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله صلى الله عليه وسلم وقوله "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" أي قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة قد جرى بها القلم وأحصاها القدر وسطرت في الكتاب الأول وقال ابن عباس "مستقر" القبور وعنه قال "مستقر" فوق الأرض وتحتها رواهما ابن أبي حاتم .
قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25)
قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون
قوله "قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون" كقوله تعالى "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" يخبر تعالى أنه جعل الأرض دارا لبني آدم مدة الحياة الدنيا فيها محياهم وفيها مماتهم وقبورهم ومنها نشورهم ليوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ويجازي كلا بعمله .
يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26)
يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم
يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش فاللباس ستر العورات وهي السوآت والرياش والريش ما يتجمل به ظاهرا فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات قال ابن جرير الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وحكاه البخاري عنه الرياش المال .
وهكذا قال مجاهد وعروة بن الزبير والسدي والضحاك وغير واحد وقال العوفي عن ابن عباس الريش اللباس والعيش والنعيم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الرياش الجمال وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا أصبغ عن أبي العلاء الشامي قال لبس أبو أمامة ثوبا جديدا فلما بلغ ترقوته قال الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم قال سمعت عمر بن الخطاب يقول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من استجد ثوبا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حيا وميتا" .
رواه الترمذي وابن ماجه من رواية يزيد بن هارون عن أصبغ هو ابن زيد الجهني وقد وثقه يحيى بن معين وغيره وشيخه أبو العلاء الشامي لا يعرف إلا بهذا الحديث ولكن لم يخرجه أحد والله أعلم .
وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا محمد بن عبيد حدثنا مختار بن نافع التمار عن أبي مطر أنه رأى عليا رضي الله عنه أتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين يقول حين لبسه الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي فقيل هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكسوة "الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي" .
رواه الإمام أحمد وقوله تعالى "ولباس التقوى ذلك خير" قرأ بعضهم ولباس التقوى بالنصب وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وذلك خير خبره واختلف المفسرون في معناه فقال عكرمة يقال هو ما يلبسه المتقوم يوم القيامة رواه ابن أبي حاتم وقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج ولباس التقوى الإيمان وقال العوفي عن ابن عباس العمل الصالح قال الديال بن عمرو عن ابن عباس هو السمت الحسن في الوجه وعن عروة بن الزبير لباس التقوى خشية الله وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ولباس التقوى يتقي الله فيواري عورته فذاك لباس التقوى وكلها متقاربة ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال حدثني المثنى حدثنا إسحاق بن الحجاج حدثني إسحاق بن إسماعيل عن سليمان بن أرقم عن الحسن قال : رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قميص فوهي محلول الزر وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام ثم قال يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "والذي نفس محمد بيده ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر" .
ثم قرأ هذه الآية "وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله" قال السمت الحسن .
هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم وفيه ضعف وقد روى الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة عن الحسن البصري أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر وأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير له شاهدا من وجه آخر حيث قال حدثنا .
يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27)
يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا
يحذر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله مبينا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء والتسبب في هتك عورته بعدما كانت مستورة عنه وما هذا إلا عن عداوة أكيدة وهذا كقوله تعالى "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا" .
وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28)
وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون
قال مجاهد كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون نطوف كما ولدتنا أمهاتنا فتضع المرأة على قبلها النسعة أو الشيء وتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
فأنزل الله "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها" الآية .
قلت كانت العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها وكانت قريش وهم الحمس يطوفون في ثيابهم ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه ومن معه ثوب جليد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا أعاره أحمسي ثوبا طاف عريانا وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر فتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها" فقال تعالى ردا عليهم "قل" أي يا محمد لمن ادعى ذلك "إن الله لا يأمر بالفحشاء" أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة والله لا يأمر بمثل ذلك "أتقولون على الله ما لا تعلمون" أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته .
قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (29)
قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون
قوله تعالى "قل أمر ربي بالقسط" أي بالعدل والاستقامة "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين" أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله وما جاءوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين أن يكون صوابا موافقا للشريعة وأن يكون خالصا من الشرك .
وقوله تعالى "كما بدأكم تعودون" إلى قوله "الضلالة" اختلف في معنى قوله "كما بدأكم تعودون" فقال ابن أبي نجيح عن مجاهد "كما بدأكم تعودون" يحييكم بعد موتكم .
وقال الحسن البصري كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء وقال قتادة "كما بدأكم تعودون" قال بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئا ثم ذهبوا ثم يعيدهم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرا واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال "يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين" .
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة وفي حديث البخاري أيضا من حديث الثوري به .
وقال ورقاء بن إياس أبو يزيد عن مجاهد "كما بدأكم تعودون" قال يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا وقال أبو العالية "كما بدأكم تعودون" ردوا إلى علمه فيهم وقال سعيد بن جبير كما بدأكم تعودون كما كتب عليكم تكونون وفي رواية كما كنتم عليه تكونون وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى "كما بدأكم تعودون" من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كما أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدئوا عليه وقال السدي "كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" يقول "كما بدأكم تعودون" كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ضلال كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله "كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" قال إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا كما قال "هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن" ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا قلت ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري "فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة" وقال أبو القاسم البغوي حدثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم" هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد وقال ابن جرير حدثني ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "تبعث كل نفس على ما كانت عليه" .

وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه عن الأعمش به ولفظه "يبعث كل عبد على ما مات عليه" وعن ابن عباس مثله قلت ويتأيد بحديث ابن مسعود قلت ولا بد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية وبين قوله تعالى "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها" وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" الحديث ووجه الجمع على هذا أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدا "هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن" وفي الحديث "كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #238  
قديم 03-12-2025, 08:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
سورة الأعراف .
من صـ 461 الى صــ 464
الحلقة (238)







وقدر الله نافذ في بريته فإنه هو "الذي قدر فهدى" و "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" وفي الصحيحين "فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة" .
فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30)
فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون
قال تعالى "فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" ثم علل ذلك فقال "إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله" قال ابن جرير وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادا منه لربه فيها لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهدى فرق وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.
يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (31)
يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب
هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عراة كما رواه مسلم والنسائي وابن جرير واللفظ له من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء الرجال بالنهار والنساء بالليل وكانت المرأة تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
فقال الله تعالى "خذوا زينتكم عند كل مسجد" وقال العوفي عن ابن عباس في قوله "خذوا زينتكم عند كل مسجد" الآية .
قال كان رجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة والزينة اللباس وهو ما يواري السوأة وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد وهكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ومالك عن الزهري وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها أنها نزلت في طوائف المشركين بالبيت عراة وقد روى الحافظ ابن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي عن قتادة عن أنس مرفوعا أنها نزلت في الصلاة في النعال ولكن في صحته نظر والله أعلم .
ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد والطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك ومن أفضل اللباس البياض كما قال الإمام أحمد حدثنا علي بن عاصم حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير وصححه عن ابن عباس مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم وإن خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر" .
هذا حديث جيد الإسناد رجاله على شرط مسلم ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خيثم به وقال الترمذي حسن صحيح والإمام أحمد أيضا وأهل السنن بإسناد جيد عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم" وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين أن تميما الداري اشترى رداء بألف وكان يصلي فيه وقوله تعالى "وكلوا واشربوا" الآية .
قال بعض السلف جمع الله الطب كله في نصف آية "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" وقال البخاري قال ابن عباس : كل ما شئت والبس شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة وقال ابن جرير حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال "أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة" إسناده صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا بهز حدثنا همام عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده" .
ورواه النسائي وابن ماجه من حديث قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة" وقال الإمام أحمد حدثنا أبو المغيرة حدثنا سليمان بن سليم الكلبي حدثنا يحيى بن جابر الطائي سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلا لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" ورواه النسائي والترمذي من طرق عن يحيى بن جابر به وقال الترمذي حسن وفي نسخة حسن صحيح وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا بقية عن يوسف بن أبي كثير عن نوح بن ذكوان عن الحسن عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت" .
ورواه الدارقطني في الأفراد وقال هذا حديث غريب تفرد به بقية وقال السدي كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك ما أقاموا في الموسم فقال الله تعالى لهم "كلوا واشربوا" الآية .
يقول لا تسرفوا في التحريم وقال مجاهد أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم "ولا تسرفوا" يقول ولا تأكلوا حراما ذلك الإسراف وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس قوله "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" ففي الطعام والشراب وقال ابن جرير وقوله "إنه لا يحب المسرفين" يقول الله تعالى "إن الله لا يحب المعتدين" حده في حلال أو حرام الغالين فيما أحل بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال ولكنه يحب أن يحلل ما أحل ويحرم ما حرم وذلك العدل الذي أمر به .
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون (32)
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون
يقول تعالى ردا على من حرم شيئا من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله "قل" يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم "من حرم زينة الله التي أخرج لعباده" الآية أي هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا وإن شركهم فيها الكفار حبا في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد من الكفار فإن الجنة محرمة على الكافرين قال أبو القاسم الطبراني حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين القاضي حدثنا يحيى الحماني حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون فأنزل الله "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده" فأمروا بالثياب.
قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (33)
قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون
قال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله" أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن شقيق عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود وتقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن في سورة الأنعام وقوله "والإثم والبغي بغير الحق" قال السدي أما الإثم فالمعصية والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق وقال مجاهد الإثم المعاصي كلها وأخبر أن الباغي بغيه على نفسه وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه والبغي هو التعدي إلى الناس فحرم الله هذا وهذا وقوله تعالى "وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا" أي تجعلوا له شركاء في عبادته "وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدا ونحو ذلك مما لا علم لكم به كقوله "فاجتنبوا الرجس من الأوثان" الآية .
ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34)
ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
يقول تعالى "ولكل أمة" أي قرن وجيل "أجل فإذا جاء أجلهم" أي ميقاتهم المقدر لهم "لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" .
يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (35)
يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم
أنذر تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلا يقصون عليهم آياته وبشر وحذر فقال "فمن اتقى وأصلح" أي ترك المحرمات وفعل الطاعات "فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" .
والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (36)
والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
"والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها" أي كذبت بها قلوبهم واستكبروا عن العمل بها "أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" أي ماكثون فيها مكثا مخلدا .
فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (37)
فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
يقول "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته" أي لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله أو كذب بآياته المنزلة "أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب" اختلف المفسرون في معناه فقال العوفي عن ابن عباس ينالهم ما كتب عليهم وكتب لمن كذب على الله أن وجهه مسود وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول نصيبهم من الأعمال من عمل خيرا جزي به ومن عمل شرا جزي به وقال مجاهد ما وعدوا به من خير وشر وكذا قال قتادة والضحاك وغير واحد واختاره ابن جرير وقال محمد بن كعب القرظي "أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب" قال عمله ورزقه وعمره وكذا قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهذا القول قوي في المعنى والسياق يدل عليه وهو قوله "حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم" ونظير المعنى في هذه الآية.
كقوله "إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون" وقوله "ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا" الآية .
وقوله "حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم" الآية .
يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النار يقولون لهم أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه قالوا "ضلوا عنا" أي ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم "وشهدوا على أنفسهم" أي أقروا واعترفوا على أنفسهم "أنهم كانوا كافرين" .
قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38)
قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون

يقول تعالى مخبرا عما يقوله لهؤلاء المشركين به المفترين عليه المكذبين بآياته "ادخلوا في أمم" أي من أمثالكم وعلى صفاتكم "قد خلت من قبلكم" أي من الأمم السالفة الكافرة "من الجن والإنس في النار" يحتمل أن يكون بدلا من قوله في أمم ويحتمل أن يكون في أمم أي مع أمم وقوله "كلما دخلت أمة لعنت أختها" كما قال الخليل عليه السلام "ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض" الآية وقوله تعالى "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار" وقوله "حتى إذا اداركوا فيها جميعا" أي اجتمعوا فيها كلهم "قالت أخراهم لأولاهم" أي أخراهم دخولا وهم الأتباع لأولاهم وهم المتبوعون لأنهم أشد جرما من أتباعهم فدخلوا قبلهم فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل فيقولون "ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار" أي أضعف عليهم العقوبة كما قال تعالى "يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب" الآية .
وقوله "قال لكل ضعف" أي قد فعلنا ذلك وجازينا كلا بحسبه كقوله "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا" الآية.
وقوله "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" وقوله "ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم" .
وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (39)
وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون
"وقالت أولاهم لأخراهم" أي قال المتبوعون للأتباع "فما كان لكم علينا من فضل" قال السدي فقد ضللتم كما ضللنا "فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون" وهذه الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم في قوله "ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون" .
إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40)
إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين
قوله "لا تفتح لهم أبواب السماء" قيل المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء قاله مجاهد وسعيد بن جبير ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس وكذا رواه الثوري عن ليث عن عطاء عن ابن عباس وقيل المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء رواه الضحاك عن ابن عباس وقاله السدي وغير واحد ويؤيده ما قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن المنهال هو ابن عمرو عن زاذان عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح الفاجر وأنه يصعد بها إلى السماء فيصعدون بها فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون بابها له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تفتح لهم أبواب السماء" الآية .
هكذا رواه وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن المنهال بن عمرو به وقد رواه الإمام أحمد بطوله فقال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال "استعيذوا بالله من عذاب القبر - مرتين أو ثلاثا - ثم قال : إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان" قال "فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له وما عملك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من روحها" طيبها "ويفسح له في قبره مد البصر قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى"
أهلي ومالي .
"قال" وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضب قال فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط" فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا ثم قرأ "ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق" فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة "وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة فذكر نحوه وفيه حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك من السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله عز وجل أن يعرج بروحه من قبلهم وفي آخره ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا فيضربه ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله عز وجل كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين قال البراء ثم يفتح له باب من النار ويمهد له فرش من"
النار وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن جرير واللفظ له من حديث محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقولان فلان فيقال فلان مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل وإذا كان الرجل السوء قالوا اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقولون فلان فيقولون لا مرحبا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لم يفتح لك أبواب السماء فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى القبر" وقد قال ابن جريج في قوله "لا تفتح لهم أبواب السماء" لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم وهذا فيه جمع بين القولين والله أعلم .
وقوله تعالى "ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط" .
هكذا قرأه الجمهور وفسروه بأنه البعير قال ابن مسعود هو الجمل ابن الناقة وفي رواية زوج الناقة وقال الحسن البصري حتى يدخل البعير في خرق الإبرة وكذا قال أبو العالية والضحاك وكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس وقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرؤها "يلج الجمل في سم الخياط" بضم الجيم وتشديد الميم يعني الحبل الغليظ في خرق الإبرة وهذا اختيار سعيد بن جبير وفي رواية أنه قرأ حتى يلج الجمل يعني قلوس السفن وهي الحبال الغلاظ .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #239  
قديم 03-12-2025, 08:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
سورة الأعراف .
من صـ 464 الى صــ 466
الحلقة (239)






لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41)
لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين
قوله "لهم من جهنم مهاد" قال محمد بن كعب القرظي "لهم من جهنم مهاد" قال الفرش "ومن فوقهم غواش" قال اللحف وكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي "وكذلك نجزي الظالمين" .
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42)
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون
لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء فقال "والذين آمنوا وعملوا الصالحات" أي آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم ضد "أولئك الذين كفروا بآيات الله واستكبروا عنها" نبه تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل لأنه تعالى قال "لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل" أي من حسد وبغض كما جاء في صحيح البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا" .
ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43)
ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون
قال السدي في قوله "ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار" الآية إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدا وقد روى أبو إسحاق عن عاصم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوا من هذا كما سيأتي في قوله تعالى "وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا" إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وقال قتادة قال علي رضي الله عنه إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم "ونزعنا ما في صدورهم من غل" رواه ابن جرير وقال عبد الرزاق أخبرنا ابن عيينة عن إسرائيل قال سمعت الحسن يقول قال علي : فينا والله أهل بدر نزلت "ونزعنا ما في صدورهم من غل" .
وروى النسائي وابن مردويه واللفظ له من حديث أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لولا أن الله هداني فيكون له شكرا وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول لو أن الله هداني فيكون له حسرة" .
ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا "أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون" أي بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم .
وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة" قالوا ولا أنت يا رسول الله قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" .
ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44)

ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
يخبر تعالى بما يخاطب به أهل النار على وجه التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم "أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا" "أن" هاهنا مفسرة للقول المحذوف و "قد" للتحقيق أي قالوا لهم "قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم" كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار "فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين" أي ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال وكذلك تقرعهم الملائكة يقولون لهم "هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون" وكذلك قرع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتلى القليب يوم بدر فنادى "يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رءوسهم - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا" وقال عمر يا رسول الله تخاطب قوما قد جيفوا فقال "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا" .
وقوله تعالى "فأذن مؤذن بينهم" أي أعلم معلم ونادى مناد "أن لعنة الله على الظالمين" أي مستقرة عليهم.
الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45)
الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون
وصفهم بقوله "الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا" أي يصدون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء ويبغون أن يكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد "وهم بالآخرة كافرون" أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون أي جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل لأنهم لا يخافون حسابا عليه ولا عقابا فهم شر الناس أقوالا وأعمالا .
وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46)
وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون
لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار نبه أن بين الجنة والنار حجابا وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة قال ابن جرير وهو السور الذي قال الله تعالى "فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" وهو الأعراف الذي قال الله تعالى فيه "وعلى الأعراف رجال" ثم روي بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى "وبينهما حجاب" هو السور وهو الأعراف وقال مجاهد الأعراف حجاب بين الجنة والنار سور له باب قال ابن جرير والأعراف جمع عرف وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفا وإنما قيل لعرف الديك عرفا لارتفاعه .
حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول الأعراف هو الشيء المشرف .
وقال الثوري عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال الأعراف سور كعرف الديك وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه الأعراف جمع : تل بين الجنة والنار حبس عليه من أهل الذنوب بين الجنة والنار وفي رواية عنه هو سور بين الجنة والنار وكذا قال الضحاك وغير واحد من علماء التفسير وقال السدي إنما سمي الأعراف أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه حدثنا عبد الله بن إسماعيل حدثنا عبد بن الحسن حدثنا سليمان بن داود حدثنا النعمان بن عبد السلام حدثنا شيخ لنا يقال له أبو عباد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته فقال "أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون" .
وهذا حديث غريب من هذا الوجه ورواه من وجه آخر عن سعيد بن سلمة عن أبي الحسام عن محمد بن المنكدر عن رجل من مزينة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته وعن أصحاب الأعراف فقال "إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله" .
وقال سعيد بن منصور حدثنا أبو معشر حدثنا يحيى بن شبل عن يحيى بن عبد الرحمن المزني عن أبيه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف قال "هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله" .
ورواه ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر به وكذا رواه ابن ماجه مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة وقصاراها أن تكون موقوفة وفيه دلالة على ما ذكر .
وقال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا حصين عن الشعبي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف قال : فقال "هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة وخلفت بهم حسناتهم عن النار قال فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم" وقد رواه من وجه آخر أبسط من هذا فقال حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال : قال الشعبي أرسل إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش فإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرا ليس كما ذكرا فقلت لهما إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة فقالا هات فقلت إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة "فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين" فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال لهم اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم .
وقال عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي قال : قال سعيد بن جبير وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ قول الله "فمن ثقلت موازينه" الآيتين ثم قال الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح قال ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أهل النار "قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين" تعوذوا بالله من منازلهم قال فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورا وكل أمة نورا فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا "ربنا أتمم لنا نورنا" وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان بأيديهم فلم ينزع فهنالك يقول الله تعالى "لم يدخلوها وهم يطمعون" فكان الطمع دخولا قال : فقال ابن مسعود إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة ثم يقول هلك من غلبت آحاده عشراته رواه ابن جرير وقال أيضا حدثني ابن وكيع حدثنا ابن حميد قالا حدثنا جرير عن منصور عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال : الأعراف السور الذي بين الجنة والنار وأصحاب الأعراف بذلك المكان حتى إذا بدأ الله أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه قصب الذهب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم وتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن تبارك وتعالى فقال "تمنوا ما شئتم" فيتمنون حتى إذا انقطعت أمنياتهم قال لهم "لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفا" فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها يسمون مساكين أهل الجنة .
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن يحيى بن المغيرة عن جرير به وقد رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن مجاهد وعن عبد الله بن الحارث من قوله وهذا أصح والله أعلم .
وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد وقال سعيد بن داود حدثني جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف قال "هم آخر من يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم" .
وهذا مرسل حسن وقيل هم أولاد الزنا حكاه القرطبي وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الوليد بن موسى عن شيبة بن عثمان عن عروة بن رويم عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب فسألناه عن ثوابهم وعن مؤمنيهم فقال على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فسألناه وما الأعراف فقال حائط الجنة تجري فيها الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار رواه البيهقي عن ابن بشران عن علي بن محمد المصري عن يوسف بن يزيد عن الوليد بن موسى به وقال سفيان الثوري عن خصيف عن مجاهد قال أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء .
وقال ابن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن سليمان التيمي عن أبي مجلز في قوله تعالى "وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم" قال هم رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار قال "ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة" قال فيقال حين يدخل أهل الجنة الجنة "ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" .
وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين وهو غريب من قوله وخلاف الظاهر من السياق وقول الجمهور مقدم على قوله بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه وكذا قول مجاهد إنهم قوم صالحون علماء فقهاء فيه غرابة أيضا والله أعلم .
وقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولا منها أنهم شهدوا أنهم صلحاء تهرعوا من فزع الآخرة وخلق يطلعون على أخبار الناس وقيل هم أنبياء وقيل ملائكة وقوله تعالى "يعرفون كلا بسيماهم" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه وأهل النار بسواد الوجوه وكذا روى الضحاك عنه وقال العوفي عن ابن عباس : أنزلهم الله تلك المنزلة ليعرفوا في الجنة والنار وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها وهم داخلوها إن شاء الله وكذا قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم وقال معمر عن الحسن إنه تلا هذه الآية "لم يدخلوها وهم يطمعون" قال والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم وقال قتادة قد أنبأكم الله بمكانهم من الطمع .
وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (47)
وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين
قوله "وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين" قال الضحاك عن ابن عباس إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين .
وقال السدي وإذا مروا بهم يعني بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار قالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين .
وقال عكرمة تجدد وجوههم للنار فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله "وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار" فرأوا وجوههم مسودة وأعينهم مزرقة "قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين" .
ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48)
ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون
يقول الله تعالى إخبارا عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم يعرفونهم في النار بسيماهم "ما أغنى عنكم جمعكم" أي كثرتكم "وما كنتم تستكبرون" أي لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب الله بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال .
أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49)
أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون
"أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني أصحاب الأعراف "ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" وقال ابن جرير حدثني محمد بن سعد حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس "قالوا ما أغنى عنكم جمعكم" الآية .

قال فلما قالوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا يعني أصحاب الأعراف لأهل الجنة وأهل النار قال الله لأهل التكبر والأموال "أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" وقال حذيفة إن أصحاب الأعراف قوم تكاثفت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة وقصرت بهم سيئاتهم عن النار فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم فلما قضى الله بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة فأتوا آدم فقالوا يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك فقال هل تعلمون أن أحدا خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وسبقت رحمته إليه غضبه وسجدت له الملائكة غيري ؟ فيقولون لا فيقول ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا ابني إبراهيم فيأتون إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم فيقول تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا هل تعلمون أن أحدا أحرقه قومه بالنار في الله غيري ؟ فيقولون لا فيقول ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا ابني موسى فيأتون موسى عليه السلام "فيقول هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري فيقولون لا فيقول ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا عيسى فيأتونه عليه السلام فيقولون له اشفع لنا عند ربك فيقول هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب فيقولون لا فيقول هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري ؟ قال فيقولون لا فيقول أنا حجيج نفسي ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأضرب بيدي على صدري ثم أقول أنا لها ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش فآتي ربي عز وجل فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط ثم أسجد فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي ثم أثني على ربي عز وجل ثم أخر ساجدا فيقال لي ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول ربي أمتي فيقول هم لك فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني بذلك المقام وهو المقام المحمود فآتي بهم الجنة فأستفتح فيفتح لي ولهم فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحيوان حافتاه قصب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك وحصباؤه الياقوت فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة فيصيرون كأنهم"
الكواكب الدرية ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها يقال مساكين أهل الجنة .
ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50)
ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين
يخبر تعالى عن ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم وأنهم لا يجابون إلى ذلك قال السدي "ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله" يعني الطعام وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يستطعمونهم ويستسقونهم وقال الثوري عن عثمان الثقفي عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال ينادي الرجل أباه أو أخاه فيقول له قد احترقت فأفض علي من الماء فيقال لهم أجيبوهم فيقولون "إن الله حرمهما على الكافرين" .
وروي من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس مثله سواء وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم "إن الله حرمهما على الكافرين" يعني طعام الجنة وشرابها قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي أخبرنا موسى بن المغيرة حدثنا أبو موسى الصفار في دار عمرو بن مسلم قال سألت ابن عباس أو سئل أي الصدقة أفضل ؟ فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفضل الصدقة الماء ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله" .
وقال أيضا حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال لما مرض أبو طالب قالوا له لو أرسلت إلى ابن أخيك هذا فيرسل إليك بعنقود من الجنة لعله أن يشفيك به فجاءه الرسول وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر إن الله حرمهما على الكافرين .
الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51)
الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون
وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا باتخاذهم الدين لهوا ولعبا واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل للآخرة وقوله "فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا" أي يعاملهم معاملة من نسيهم لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه كما قال تعالى "في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى" وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كقوله "نسوا الله فنسيهم" وقال "كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى" وقال تعالى "وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا" وقال العوفي عن ابن عباس في قوله "فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا" قال نسيهم الله من الخير ولم ينسهم من الشر وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا وقال مجاهد نتركهم في النار وقال السدي نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا وفي الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : ألم أزوجك ؟ ألم أكرمك ؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع ؟ فيقول بلى فيقول أظننت أنك ملاقي ؟ فيقول لا فيقول الله تعالى فاليوم أنساك كما نسيتني .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #240  
قديم 03-12-2025, 08:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,966
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
سورة الأعراف .
من صـ 464 الى صــ 466
الحلقة (240)






ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52)
ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون
يقول تعالى مخبرا عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول وأنه كتاب مفصل مبين كقوله "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت" الآية وقوله "فصلناه على علم" للعالمين أي "على علم" منا بما فصلناه به كقوله "أنزله بعلمه" قال ابن جرير وهذه الآية مردودة على قوله "كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" الآية .
"ولقد جئناهم بكتاب" الآية .
وهذا الذي قاله فيه نظر فإنه قد طال الفصل ولا دليل عليه وإنما الأمر أنه لما أخبر بما صاروا إليه من الخسارة في الآخرة ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب كقوله "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" .
هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53)
هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون
قال "هل ينظرون إلا تأويله" أي ما وعدوا به من العذاب والنكال والجنة والنار قاله مجاهد وغير واحد وقال مالك : ثوابه وقال الربيع لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيتم تأويله يومئذ وقوله "يوم يأتي تأويله" أي يوم القيامة قاله ابن عباس "يقول الذين نسوه من قبل" أي تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا "قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا" أي في خلاصنا مما صرنا إليه مما نحن فيه "أو نرد" إلى الدار الدنيا "فنعمل غير الذي كنا نعمل" كقوله "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" كما قال هاهنا "قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون" أي خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها "وضل عنهم ما كانوا يفترون" أي ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله فلا يشفعون فيهم ولا ينصرونهم ولا ينقذونهم مما هم فيه .
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54)
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين
يخبر تعالى أنه خالق العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن والستة أيام هي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة وفيه اجتمع الخلق كله وفيه خلق آدم عليه السلام واختلفوا في هذه الأيام هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان أو كل يوم كألف سنة كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق لأنه اليوم السابع ومنه سمي السبت وهو القطع فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال حدثنا حجاج حدثنا ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال "خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" .
فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من غير وجه عن حجاج وهو ابن محمد الأعور عن ابن جريج به وفيه استيعاب الأيام السبعة والله تعالى قد قال في ستة أيام ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعا والله أعلم .
وأما قوله تعالى "ثم استوى على العرش" فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه و "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى وقوله تعالى "يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا" أي يذهب ظلام هذا بضياء هذا وضياء هذا بظلام هذا وكل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا أي سريعا لا يتأخر عنه بل إذا ذهب هذا جاء وهذا وعكسه كقوله "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" فقوله "ولا الليل سابق النهار" أي لا يفوته بوقت يتأخر عنه بل هو في أثره بلا واسطة بينهما ولهذا قال "يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره" منهم من نصب ومنهم من رفع وكلاهما قريب المعنى أي الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته ولهذا قال منبها "ألا له الخلق والأمر" أي له الملك والتصرف "تبارك الله رب العالمين" كقوله "تبارك الذي جعل في السماء بروجا" الآية .
قال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا إسحاق حدثنا هشام أبو عبد الرحمن حدثنا بقية بن الوليد حدثنا عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري عن عبد العزيز الشامي عن أبيه وكانت له صحبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه" لقوله "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" وفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء وروي مرفوعا "اللهم لك الملك كله ولك الحمد كله وإليك يرجع الأمر كله أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله" .
ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55)
ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين
أرشد تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم فقال "ادعوا ربكم تضرعا وخفية" قيل معناه تذللا واستكانة كقوله "واذكر ربك في نفسك" الآية .


وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعون سميع قريب" الحديث وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله "تضرعا وخفية" قال السر وقال ابن جرير تضرعا تذللا واستكانة لطاعته وخفية يقول بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهارا مراءاة وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال : إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول "ادعوا ربكم تضرعا وخفية" وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال "إذ نادى ربه نداء خفيا" وقال ابن جريج يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء ويؤمر بالتضرع والاستكانة ثم روي عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله "إنه لا يحب المعتدين" في الدعاء ولا في غيره وقال أبو مجلز "إنه لا يحب المعتدين" لا يسأل منازل الأنبياء وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن زياد بن مخراق سمعت أبا نعامة عن مولى لسعد أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت به من شر كثير وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء" - وفي لفظ - "يعتدون في الطهور والدعاء" - وقرأ هذه الآية "ادعوا ربكم تضرعا" الآية - وإن بحسبك أن تقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل "ورواه أبو داود من حديث شعبة عن زياد بن مخراق عن أبي نعامة عن مولى لسعد عن سعد فذكره والله أعلم ."
وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا الحريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول : اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال يا بني سل الله الجنة وعذ به من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور" .
وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به وأخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن سعيد بن إياس الحريري عن أبي نعامة واسمه قيس بن عباية الحنفي البصري وهو إسناد حسن لا بأس به والله أعلم .
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين (56)
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين
قوله تعالى "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما أضره بعد الإصلاح فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه فقال "وادعوه خوفا وطمعا" أي خوفا مما عنده من وبيل العقاب وطمعا فيما عنده من جزيل الثواب ثم قال "إن رحمة الله قريب من المحسنين" أي إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره كما قال تعالى "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون" الآية .
وقال قريب ولم يقل قريبة لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب أو لأنها مضافة إلى الله فلهذا قال قريب من المحسنين وقال مطر الوراق استنجزوا موعود الله بطاعته فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين رواه ابن أبي حاتم .
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (57)
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون
لما ذكر تعالى أنه خالق السماوات والأرض وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر نبه تعالى على أنه الرزاق وأنه يعيد الموتى يوم القيامة فقال "وهو الذي يرسل الرياح بشرا" أي منتشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر ومنهم من قرأ بشرا كقوله "ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات" وقوله "بين يدي رحمته" أي بين يدي المطر كما قال "وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد" وقال "فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير" وقوله "حتى إذا أقلت سحابا ثقالا" أي حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة كما قال زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله .
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا
وقوله "سقناه لبلد ميت" أي إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها كقوله "وآية لهم الأرض الميتة أحييناها" الآية .
ولهذا قال "فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى" أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة ينزل الله سبحانه وتعالى ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوما فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب الله مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها ولهذا قال "لعلكم تذكرون" .
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58)
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون
قوله "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه" أي والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعا حسنا كقوله "وأنبتها نباتا حسنا" "والذي خبث لا يخرج إلا نكدا" قال مجاهد وغيره كالسباخ ونحوها وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية : هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر وقال البخاري حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حماد بن أسامة عن ابن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" .
رواه مسلم والنسائي من طرق عن أبي أسامة حماد بن أسامة به .
لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59)
لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم
لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة وما يتعلق بذلك وما يتصل به وفرغ منه شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام الأول فالأول فابتدأ بذكر نوح عليه السلام فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي عليه السلام فيما يزعمون وهو أول من خط بالقلم ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم عليه السلام .
هكذا نسبه محمد بن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب قال محمد بن إسحاق ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل .
وقال يزيد الرقاشي إنما سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه وقد كان بين آدم إلى زمن نوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير وكان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صور أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له فقال "يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم" أي من عذاب يوم القيامة إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به .
قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60)
قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين
"قال الملأ من قومه" أي الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم "إنا لنراك في ضلال مبين" أي في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا آباءنا عليها .
وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة كقوله "وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون" "وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم" إلى غير ذلك من الآيات .
قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61)
قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب
"قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين" أي ما أنا ضال ولكن أنا رسول من رب العالمين رب كل شيء ومليكه .
أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62)
أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون
"أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون" وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا "أيها الناس إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون ؟" قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول "اللهم اشهد اللهم اشهد" .
أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63)
أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون
يقول تعالى إخبارا عن نوح أنه قال لقومه "أوعجبتم" الآية.
أي لا تعجبوا من هذا فإن هذا ليس يعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم لينذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به "ولعلكم ترحمون" .
فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64)
فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين
قال الله تعالى "فكذبوه" أي تمادوا على تكذيبه ومخالفته وما آمن معه منهم إلا قليل كما نص عليه في موضع آخر "فأنجيناه والذين معه في الفلك" أي السفينة كما قال : فأنجيناه وأصحاب السفينة "وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا" كما قال "مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا" وقوله "إنهم كانوا قوما عمين" أي عن الحق لا يبصرونه ولا يهتدون له فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه وأنجى رسوله والمؤمنين وأهلك أعداءهم من الكافرين كقوله "إنا لننصر رسلنا" الآية .
وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة أن العاقبة فيها للمتقين والظفر والغلب لهم كما أهلك قوم نوح بالغرق ونجى نوحا وأصحابه المؤمنين وقال مالك عن زيد بن أسلم كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز وقال ابن وهب بلغني عن ابن عباس أنه نجا مع نوح في السفينة ثمانون رجلا أحدهم جرهم وكان لسانه عربيا .
رواه ابن أبي حاتم وروي متصلا من وجه آخر عن ابن عباس "."
وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (65)
وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا
ما لكم من إله غيره أفلا تتقون "يقول تعالى وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحا كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا قال محمد بن إسحاق هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح ."
"قلت" هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر كما قال تعالى "ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد" وذلك لشدة بأسهم وقوتهم كما قال تعالى "فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون" .
وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف وهو جبال الرمل قال محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة سمعت عليا يقول لرجل من حضرموت : هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة حمراء ذا أراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت ؟ هل رأيته ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه قال لا ولكني قد حدثت عنه فقال الحضرمي وما شأنه يا أمير المؤمنين قال فيه قبر هود عليه السلام رواه ابن جرير وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن فإن هودا عليه السلام دفن هناك وقد كان من أشرف قومه نسبا لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم وكانوا من أشد الأمم تكذيبا للحق ولهذا دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 384.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 378.26 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]