|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#231
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 92 الى صـــ 101 (231) ولو غصب من آخر كتانا فغزله ونسجه فعليه مثله أو قيمته إن كان لا يوجد مثله ، ولا سبيل له على الثوب ، وكذلك إن غصب قطنا فغزله ، ونسجه أو غصب غزلا فنسجه ، وهذا عندنا ، فأما على قول أبي يوسف الآخر ، وهو قول الشافعي رضي الله عنه فلصاحب الكتان والقطن الخيار على نحو ما بينا في الحنطة إذا طحنها ; لأنه لا فرق بين الفصلين في المعنى ، فإن هناك الغاصب فرق الأجزاء المجتمعة بالطحن ، وهنا جمع الأجزاء المتفرقة بالنسج ، فكما لا تبدل العين بتفريق المجتمع فكذلك لا تتبدل بجمع المتفرق ، وهو كما غزل القطن ولم ينسجه ، فإنه لا ينقطع حق صاحب القطن ، ولكن يثبت له الخيار ، ولكنا نقول : الثوب غير الغزل والقطن صورة ومعنى . أما الصورة فالغزل خيط ممدود ، والثوب مؤلف مركب له طول وعرض ، والدليل على المغايرة تبدل الاسم ، ومن حيث المعنى والحكم الغزل والقطن موزون ، وهو مال الربا ، والثوب مذروع ليس بمال الربا ، وبعد [ ص: 93 ] النسج لا يتصور إعادته إلى الحالة الأولى ، فإذا ثبتت المغايرة بينهما فمن ضرورة حدوث الثاني انعدام الأول لاستحالة أن يكون الشيء الواحد شيئين ، ثم هذا حادث بعمل الغاصب فكان مملوكا له ، والأول صار مستهلكا بعمله فصار ضامنا له ، فأما القطن إذا غزله فالصحيح من الجواب أنه ينقطع حق المالك أيضا ، وإليه أشار في كتاب الدعوى حيث سوى بين القطن إذا غزله ، وبين الغزل إذا نسجه ، ومن أصحابنا رحمهم الله من فرق بينهما فقال : القطن غزل ; لأنه خيوط رقيقة يبدو ذلك لمن أمعن النظر فيه ، ويتحقق ذلك في الإبريسم ، فالغزل إحداث المجاورة بينهما ، وليس بتركيب وتأليف ، وبإحداث المجاورة لا تتبدل العين ; ولهذا بقي موزونا يجري فيه الربا كما كان قبله بخلاف الغزل إذا نسجه . ولو غصب ساجة فجعلها بابا أو حديدا فجعله سيفا ضمن قيمة الحديد والساجة ، وجميع ذلك للغاصب عندنا . وكذلك لو غصب ساجة أو خشبة ، وأدخلها في بنائه أو آجرا فأدخله في بنائه أو جصا فبنى به فعليه في كل ذلك قيمته عندنا ، وليس للمغصوب منه نقض بنائه ، وعلى قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى في هذه الفصول لا ينقطع حق صاحبها فزفر مع الشافعي رحمهما الله في هذا النوع ; لأن الحادث زيادة وصف من غير أن يكون الأول مستهلكا ، بخلاف ما تقدم . وبيان هذا ما ذكر في الجامع إذا اشترى حنطة فطحنها أو غزلا فنسجه ، ثم زاد البائع في الثمن لم يجز ، ولو اشترى ثوبا فقطعه وخاطه ، ثم زاد في الثمن يجوز ، فوجه قولهم في ذلك أن الغاصب قادر على رد عين المغصوب من غير إيلام حيوان ، فيجب رده كالساجة إذا بنى عليها ، وتأثير هذا الكلام أن العين باق ، والرد جائز شرعا ، فإن بالاتفاق لو رده الغاصب جاز ، ولو صبر المغصوب منه حتى نقض الغاصب البناء والخياطة كان له أن يأخذه ، فدل أن العين باق ، ورده عين المغصوب مستحق شرعا ، فما دام الرد جائزا يبقى ذلك الاستحقاق بحاله ، بخلاف ما إذا غصب خيطا ، وخاط به بطن نفسه أو بطن عبده أو لوحا ، وأصلح به سفينة ، والسفينة في لجة البحر ، فإن ذلك لا يجوز رده لما فيه من إيلام الحيوان ونقض البنية ، وذلك محرم شرعا ، ومن ضرورة عدم جواز الرد انعدام استحقاق الرد شرعا . وحجتنا في ذلك أن العين ملك المغصوب منه ، وما اتصل به من الوصف متقوم حقا للغاصب ، وسبب ظلمه لا يسقط قيمة ما كان متقوما من حقه كما في الثوب إذا صبغه بصبغ نفسه إلا أن هناك الصبغ متقوم بنفسه فيمكن إبقاء حق صاحب الثوب في الثوب مع دفع الضرر عن الغاصب بإيجاب قيمة [ ص: 94 ] الصبغ له ، وهذا الوصف غير متقوم بنفسه مقصودا ، ودفع الضرر واجب فيتعين دفع الضرر هنا بإيجاب المغصوب حقا للمغصوب منه ليتوصل هو إلى مالية ملكه ، ويبقى حق صاحب الوصف في الوصف مرعيا ، وهذا لأنه لا بد من إلحاق الضرر بأحدهما إلا أن في الإضرار بالغاصب إهدار حقه ، وفي قطع حق المغصوب منه بضمان القيمة توفير المالية عليه لا إهدار حقه ، ودفع الضرر واجب بحسب الإمكان ، وضرر النقل دون ضرر الإبطال ، وهو نظير مسألة الخيط واللوح ; ولهذا جوزنا الرد ههنا ; لأن الامتناع لدفع الضرر عن الغاصب ، فإذا رضي فقد التزم الضرر ، ( فإن قيل : ) صاحب الثوب صاحب أصل ، والغاصب صاحب وصف ، ولا شك أن مراعاة حق صاحب الأصل أولى ، ولم يجز لحق صاحب الوصف وهو جان . ( قلنا : ) لأن هذا الوصف قائم من كل وجه ، والأصل قائم من وجه ; لأن الأصل كان ملكا للمغصوب منه مقصودا ، والآن صار تبعا لملك غيره ، والتبع غير الأصل ; ولهذا صار بحيث يستحق بالشفعة بعد أن كان منقولا لا يستحق بالشفعة ، وانعدم منه سائر وجوه الانتفاع سوى هذا ، فعرفنا أنه قائم من وجه دون وجه ، والقائم من كل وجه يترجح على ما هو قائم من وجه مستهلك من وجه ، وإنما يترجح الأصل إذا كان قائما من كل وجه كما في مسألة الساجة ، فإنها قائمة من كل وجه صالحة لما كانت صالحة له قبل البناء تستحق بالشفعة كما كان من قبل ; فلهذا رجحنا هناك اعتبار حق صاحب الساجة . ولا يدخل على شيء مما ذكرنا إذا غصب ثوبا فقصره ; لأنه ليس للغاصب في الثوب وصف قائم متقوم ، والقصارة تزيل الدرن والوسخ عن الثوب ، ثم لون البياض وصف أصلي للقطن . ولا يقال : أليس أن القصار يحبس بالأجر . ؟ ( قلنا : ) نعم ، ولكن باعتبار أثر عمله في المعمول لا باعتبار قيام الوصف في العمل للمعمول بعمله ، وذكر الكرخي في مسألة الساجة أن موضع المسألة فيما إذا أدخل الساجة في بنائه بأن بنى حولها لا عليها ; لأنه لا يكون متعديا بالبناء في ملكه ، فأما إذا بنى على الساجة فهو متعد في هذا البناء ، والساجة من وجه كالأصل لهذا البناء فيهدم للرد كما في مسألة الساجة ، ولكن هذا ضعيف فقد ذكر محمد رحمه الله تعالى في كتاب الصرف أنه لو غصب بقرة ، واتخذ منها عروة مزادة انقطع حق المالك عنها ، وهو في العمل هنا متعد ; لأن عمله في ملك الغير فدل أنه لا فرق بين أن يكون عمله في ملك الغير أو في ملك نفسه ، وإن الصحيح ما قلنا . وإن غصب حنطة فزرعها ثم جاء صاحبها وقد أدرك الزرع أو هو بقل فعليه حنطة [ ص: 95 ] مثل حنطته ، ولا سبيل له على الزرع عندنا ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه الزرع له ; لأنه متولد من ملكه ، والمتولد يملك بملك الأصل كولد الجارية وثمرة الشجرة ، وهذا لأن فعل الزارع حركاته ، والأجسام لا تتولد من الحركات . والدليل على أن التولد من الأصل أن بصفة الأصل يختلف الزرع مع اتحاد عمل الزارع ، والدليل عليه أنه لو حصل بغير فعل أحد بأن هبت الريح بحنطة إنسان ، وألقته في أرض الغير فينبت كان الزرع لصاحب الحنطة . ( وحجتنا ) في ذلك أن الزرع غير الحنطة ; لأن الحنطة مطعوم بني آدم ، والزرع بقل هو علف الدواب ، وهذا الزرع حادث ; لأنه ما لم يفسد الحب في الأرض لا ينبت الزرع ، فإما أن يكون حادثا بأصل الحنطة أو بقوة الأرض والهواء أو بعمل الزارع ، والأول باطل ; لأن كونه حنطة ليس بعلة لبقائها كذلك حنطة فكيف تكون علة لحدوث شيء آخر . وقوة الأرض والهواء كذلك ; لأنهما مسخران بتقدير الله تعالى لا اختيار لهما ، فلا يصلح إضافة الحكم إليهما بنفي عمل الزارع ، وهو في معنى الشرط ; لأنه يجمع بين البذر وقوة الأرض والهواء بعمله ، وقد بينا أنه يضاف الحكم إلى الشرط عند تعذر الإضافة إلى العلة كما أن الواقع في البئر يضاف هلاكه إلى الحافر ، وعمله في الشرط ، ولكن ما كان علة ، وهو تعلة ، ومشبه بغير علة لا يصلح عمله لإضافة الحكم إليه ، فيكون مضافا إلى الشرط ، وإذا ثبت أنه مضاف إلى عمل الزارع كان هو مكتسبا للزارع ، والكسب ملك للمكتسب ، وعليه ضمان ما صار مستهلكا بعمله ، إلا أنه لا يطيب له الفضل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وعند أبي يوسف رحمه الله يطيب له الفضل ; لأنه كسبه . ولكنا نقول : دخل في كسبه من حيث إنه استعمل في الاكتساب ملك الغير ، ولأنه من حيث الصورة هذا متولد من ذلك الأصل كما قاله الخصم ، ومن حيث المعنى والحكم غيره فلاعتبار الصورة قلنا : لا يطيب له الفضل احتياطا ، وعلى هذا لو غصب نواة فأنبتها أو تالة فغرسها إلا أنه روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال في التالة : لا يحل له أن ينتفع بها حتى يؤدي الضمان ، وفي الزرع والنواة له ذلك ; لأن البذر والنواة تفسد في الأرض ، فكان الزرع والشجرة كسب الغاصب من كل وجه ، فيجوز له الانتفاع به قبل أداء الضمان المستهلك ، وأما التالة فلا تفسد ، ولكنها تنمو ، وإنما جعلنا الشجرة غير التالة من حيث الحكم ، فلا يحل له الانتفاع بها قبل أداء الضمان كما في الحنطة إذا طحنها . وفي ظاهر الرواية الجواب في [ ص: 96 ] الفصلين سواء ، وعلى هذا لو غصب بيضة وحضنها تحت دجاجة له حتى أفرخت ، فهذا ومسألة الزرع سواء ، والمغايرة بين الفرخ والبيضة لا تشكل على أحد ; لأن هذا حيوان ، وذلك موات ، ولا يدخل على شيء من هذا إذا غصب شجرة وقلعها وكسرها ; لأن القلع نقصان محض لا يتبدل به اسم العين ، ثم الكسر تحقيق ما هو المقصود بالشجرة بعد القلع ، وهو الحطب فهو كمسألة الشاة إذا ذبحها وسلخها . ( مسلم ) غصب خمرا من مسلم فاستهلكها ، فلا ضمان عليه ; لأن الخمر ليس بمال متقوم ، فإن الشرع أفسد تقومه حين حرم تموله ، وإن جعلها خلا فلرب الخمر أن يأخذها ; لأن بفساد معنى التمول والتقوم لا تخرج من أن تكون مملوكة للمسلم ، إذ الملك صفة للعين ، والعين باقية ; ولهذا جاز له إمساك الخمر للتخلل ، وكان أحق بها من غيرها ، فإن خللها الغاصب من غير إلقاء شيء فيها فالعين باقية على حالها لبقاء الهيئة كما كانت ، وإن ألقى فيها ملحا فالملح صار مستهلكا أيضا ، وإن صب فيها خلا فهذا خلط إلا أن الخلط إنما يزيد ملك المغصوب منه بشرط الضمان ، وإيجاب الضمان هنا متعذر ; لأن الخمر لا يضمن للمسلم بالاستهلاك ; فلهذا كان شريكا في المخلوط بقدر ملكه ، وكذلك لو غصب جلد ميتة فدبغه قالوا هذا على وجهين : أما إذا ألقى الجلد صاحبه فأخذه إنسان ، ودبغه فهو مملوك له ; لأن صاحبها ألقاه تاركا له بمنزلة من يلقي النوى وقشور الرمان فيجمع ذلك إنسان وينتفع به ، فإنه يكون مباحا له ، وأما إذا غصب الجلد من صاحبه ، ودبغه بشيء لا قيمة له كالتراب والشمس فصاحبه أحق به ، ويأخذه ، ولا يعطي الغاصب شيئا ; لأن ملكه باق بعد الموت ، ولم يحدث الغاصب فيه زيادة مال متقوم ، وقد بينا أن صنعته إنما تعتبر إذا أمكن تحويل حق صاحب الأصل إلى الضمان ، وهذا غير ممكن هنا ; لأن جلد الميتة لا يضمن بالاستهلاك . وأما إذا دبغه بشيء له قيمة كالشب والقرظ والعفص ، وما أشبه ذلك فلصاحب الجلد أن يأخذ جلده ويضمن ما زاد الدباغ فيه ; لأنه عين مال قائم للغاصب بمنزلة الصبغ في الثوب ، ولكن ليس له أن يدع الجلد ، ويضمنه قيمته هنا ، بخلاف الثوب ; لأن الثوب بدون الصبغ كان مالا متقوما ، والجلد قبل الدباغ لم يكن مالا متقوما ، حتى ذكر في كتاب الإجارات لو غصبه جلدا ذكيا فدبغه بشيء له قيمة ، فإن شاء صاحب الجلد ضمنه قيمة الجلد غير مدبوغ ، وإن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الدباغ فيه ; لأن الجلد الذكي مال متقوم قبل الدباغ ، فهو ومسألة الثوب سواء . وإن غصبه عصيرا فصار عنده خمرا فله أن يضمنه قيمة العصير ; لأن المغصوب كان مالا متقوما ، وبالتخمير يصير هذا الوصف منه مستهلكا . ومراده [ ص: 97 ] من قوله : يضمنه قيمة العصير أن الخصومة بعد انقطاع أوان العصير ، فأما في أوانه يضمنه مثله ; لأن العصير من ذوات الأمثال ، وإن لم يحضر حتى صارت خلا ، فإن شاء أخذ الخل ، وإن شاء ضمنه قيمة العصير ; لأن العين باق ببقاء الهيئة ، ولكنه تغير من صفة الحلاوة إلى صفة الحموضة . فإن شاء رضي به متغيرا ، ولا يضمنه شيئا آخر ; لأن العصير مال الربا ، وقد بينا أنه لا يثبت فيه حق تضمين النقصان مع أخذ العين ، ولم يذكر هذا الخيار قبل التخلل ، فمن أصحابنا رحمهم الله من يقول لا خيار له ; لأنه لو ثبت له الخيار هناك لكان أخذ الخمر عوضا عما استوجب من قيمة العصير ، وذلك لا يجوز ، والأصح أن هناك يثبت الخيار أيضا بطريق أنه يكون مبرئا عن الضمان ، ثم يأخذ خمره ليخلله كما لو كان العصير وديعة له في يده فتخمر . ( رجل ) له حنطة عند رجل وشعير لآخر عند ذلك الرجل أيضا وديعة فخلطهما من لا يقدر عليه ، ولا يعرف . قال : يباعان ، ثم يقسم الثمن على قيمة الحنطة والشعير ، وهذا عندهما وهو الاستحسان عند أبي حنيفة أيضا ، فأما في القياس على قوله المخلوط صار مملوكا للخالط ، وحق كل واحد منهما في ذمته ، ولا ولاية لهما عليه في بيع ملكه لحقهما ، ووجه الاستحسان أن المخلوط ، وإن صار مملوكا للخالط ، ولكن لم ينقطع حقهما عنه بل يتوقف تمام انقطاع حقهما على وصول البدل إليهما ، ألا ترى أنه لا يحل للخالط الانتفاع بالمخلوط ما لم يؤد البدل إليهما ، وإذا بقي حقهما فيه قلنا : يباع لإيفاء حقهما عند تعذر استيفاء الضمان من الخالط كالمبيع في يد البائع ، يباع في الثمن إذا تعذر استيفاؤه من المشتري لغيبته ، ثم يضرب صاحب الحنطة في الثمن بقيمة حنطته مخلوطا بالشعير ، وصاحب الشعير يضرب بقيمة شعيره غير مخلوط بالحنطة ; لأن الحنطة تنقص بالاختلاط بالشعير . وإنما دخل في البيع بهذه الصفة ، فلا يضرب بقيمتها إلا بالصفة التي دخلت في البيع ، والشعير تزداد قيمته بالاختلاط بالحنطة ، ولكن هذه الزيادة من مال صاحب الحنطة ، فلا يستحق الضرب بها معه ; فلهذا يضرب بقيمة الشعير غير مخلوط . ( قال : ) وكذلك كل ما يكال أو يوزن يعني إذا تحقق الخلط على وجه يتعسر معه التمييز أو يتعذر ، فإن اختلفا في مبلغ كيل الحنطة والشعير ، وقد باعهما مجازفة ، واستهلكهما المشتري ، فالقول في الحنطة قول صاحب الشعير ، وفي الشعير قول صاحب الحنطة ; لأن كل واحد منهما يدعي زيادة في مقدار ملكه ، وكل واحد منهما غير مصدق فيما يدعي لنفسه على صاحبه ، وكل واحد منهما منكر للزيادة التي يدعيها صاحبه ، فيحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه لإنكاره ، وبعد ما حلف يقسم [ ص: 98 ] الثمن بينهما على مقدار ما يزعم صاحبه المنكر من ملك كل واحد منهما . ( ثوب ) في يدي رجل أقام رجل البينة أنه ثوبه غصبه إياه هذا ، وأقام الذي في يديه البينة أنه وهبه له ( فقال : ) أقضي للذي هو في يديه ; لأنه يثبت سبب الملك الحادث لنفسه ، وصاحبه ينفي ذلك ، ولأنا نجعل كأن الأمرين كانا ، والهبة بعد الغصب تتحقق موجبا للملك ، وكذلك لو أقام البينة على البيع منه بثمن مسمى أو على إقراره أنه ثوبه ; لأن البيع والإقرار بالملك بعد الغصب يتحقق ، فتقبل البينتان جميعا . ( وإن ) كان في أيديهما جميعا فأقام كل واحد منهما البينة أنه ثوبه غصبه الآخر إياه قضيت به بينهما نصفين ; لأن كل واحد منهما يثبت على صاحبه أنه غصب ما في يده منه ، وفي يد كل واحد منهما نصفه فكان بينة كل واحد منهما فيما في يد صاحبه أولى بالقبول ; فلهذا قضى لكل واحد منهما بالنصف الذي في يد صاحبه . فإن أقام رجل البينة أنه ثوبه استودعه الميت الذي هذا وارثه ، وأقام آخر البينة أنه ثوبه غصبه إياه الميت قضيت به بينهما ; لأن كل واحد منهما أثبت الملك لنفسه في جميع الثوب أن وصوله إلى يد الميت كان من جهته فاستويا ، ولا ترجح لمدعي الغصب في معنى الضمان ; لأن الضمان للآخر ثابت أيضا ، فإن المودع إذا مات مجهلا للوديعة يكون ضامنا ; ولأن المقصود إثبات الملك في العين ، ولا معتبر بضمان القيمة مع بقاء العين ، وإن جاء بالبينة على دراهم بعينها أنها ماله غصبها إياه الميت فهو أحق بها من غرماء الميت ; لأنه أثبت بالبينة ملك العين لنفسه ، فإن الدراهم تتعين في الغصب ; ولهذا لا يملك الغاصب إمساك العين ورد المثل ، وحق الغريم إنما كان في ذمة الميت فيتعلق بعد موته بماله دون مال المغصوب منه . وإن أقام رجل البينة أن هذا ثوبه غصبه ذو اليد ، وأقام آخر البينة أن ذا اليد أقر به له أقضي به للذي أقام البينة أنه ثوبه غصبه إياه ; لأنه أثبت الملك لنفسه بالبينة ، وأثبت أن ذا اليد كان غاصبا ، والآخر إنما أثبت ببينته إقرار الغاصب له بالملك ، وإقرار الغاصب ليس بحجة في الاستحقاق على المالك . ( رجل ) غصب ثوب رجل فأودعه عند آخر فهلك عنده فلصاحبه أن يضمنه أيهما شاء ; لأن كل واحد منهما متعد في حقه ، فإن المالك غير راض بقبض المودع فهو كالغاصب في حقه ، فإن ضمن المستودع رجع على الغاصب بما ضمن ; لأنه في حفظ العين كان عاملا له ، وكان مغرورا من جهته حين أخبره أنه ملكه ، وأنه لا يغرم شيئا إن هلك في يده ، ولم يذكر أن المودع إذا رد الثوب على الغاصب أو كان غصب منه فرده عليه هل يبقى للمالك عليه سبيل . ؟ . ( والجواب ) أنه لا سبيل للمالك عليه إلا في رواية عن [ ص: 99 ] أبي يوسف رحمه الله ، فإنه يقول : صار ضامنا للمالك بقبضه ، فلا يبرأ إلا بالرد على المالك أو على من قامت يده مقام يد المالك ، ويد الغاصب لا تقوم مقام يد المالك ، فلا يبرأ بالرد عليه . ولكنا نقول : وجوب الضمان عليه باعتبار يده ، وقد انفسخ ذلك حين أعاده إلى يد من ، وصلت إليه من جهته فانعدم به حكم يده ، وكان هذا في حقه بمنزلة رد الغاصب على مالكه . ( وإذا ) قال الرجل لآخر : غصبتني هذه الجبة المحشوة ، وقال الغاصب : ما غصبتكها ، ولكن غصبتك الظهارة فالقول قول الغاصب مع يمينه لإنكاره ما ادعاه ، فإنه ادعى غصب الجبة ، والظهارة ليست بجبة ، ولأنه منكر الغصب في البطانة والحشو ، ولو أنكر الغصب في الكل كان القول قوله مع يمينه ، ثم إذا حلف يضمن قيمة الظهارة لإقراره بغصب الظهارة ، وإقراره حجة في حقه فكان غايته غصب الظهارة ، وجعلها جبة . وإنقال : غصبتك الجبة ، ثم قال بعد ذلك : البطانة ، والحشو لي لم يصدق ; لأنه رجع عما أقر به ، فاسم الجبة يتناول الكل . وكذلك لو قال : غصبتك هذا الخاتم ، ثم قال : فصه لي ، أو هذه الدار ، ثم قال : بناؤها لي ، أو هذه الأرض ، ثم قال : شجرها لي ، أو أنا غرستها لم يصدق على شيء من ذلك لكونه راجعا ، فإن البناء والشجر تبع للأصل فيصير مذكورا بذكر الأصل ، ويثبت حكم الغصب فيه بثبوته في الأصل ، والفص في الخاتم كذلك فيكون راجعا بدعواه الملك لنفسه فيما أقر به لغيره . وإن قال : غصبتك هذه البقرة ، ثم قال : عجولها لي أو قال : هذه الجارية ، ثم قال : ولدها لي فالقول قوله ; لأن الولد منفصل ، فلا يكون تبعا للأم ، فإقراره بالأصل لا يتعدى إليه ، بخلاف الاستحقاق باليد عندنا . وقد بينا هذا الفرق في الدعوى ، فلا يكون هو في دعوى الولد لنفسه مناقضا بل يكون متمسكا بما هو الأصل ، وهو أن ما في يده فالظاهر أنه ملكه إلا ما يقر به لغيره . ( رجل ) غصب من رجل ثوبا ، ثم إن الغاصب كسا الثوب رب الثوب فلبسه حتى تخرق ، ولم يعرفه ، فلا شيء له على الغاصب ، وكذلك المكيل والموزون إذا غصب منه ثم أطعمه إياه بعينه أو وهبه فأكله ولم يعرفه ، فالغاصب بريء عن الضمان عندنا ، وفي أحد قولي الشافعي رضي الله تعالى عنه لا يبرأ ; لأنه ما أتى بالرد المأمور به ، فإنه غرور منه ، والشرع لا يأمر بالغرور ، والغاصب لا يستفيد البراءة إلا بالرد . فإذا لم يكن يوجد صار ضامنا ، ولأنه ما أعاد إلى ملكه كما كان ; لأن المباح له الطعام لا يصير مطلق التصرف فيما أبيح له ، فكان فعله قاصرا في حكم الرد ، فلو جعلنا هذا ردا تضرر به المغصوب منه ; لأنه إقدام على الأكل بناء [ ص: 100 ] على خبره أنه أكرم ضيفه ، ولما علم أنه ملكه ربما لم يأكله ، وحمله إلى عياله فأكله معهم فلدفع الضرر عنه بقي الضمان على الغاصب . وحجتنا في ذلك أن الواجب على الغاصب نسخ فعله ، وقد تحقق ذلك . أما من حيث الصورة فلأنه ، وصل إلى يد المالك ، وبه ينعدم ما كان فائتا . ومن حيث الحكم فلأنه صار به متمكنا من التصرف حتى لو تصرف فيه نفذ تصرفه غير أنه جهل بحاله ، وجهله لا يكون مبقيا للضمان في ذمة الغاصب مع تحقق العلة المسقطة ، كما أن جهل المتلف لا يكون مانعا من وجوب الضمان عليه مع تحقق الإتلاف إذا كان يظن أنه ملكه . وقد بينا أن الغرور بمجرد الخبر لا يوجب حكما ، إنما المعتبر ما يكون في ضمن عقد ضمان ، ولم يوجد ذلك ، فإن الغاصب المضيف ما شرط لنفسه عوضا ، ولأن أكثر ما في الباب أن لا يكون فعل الغاصب هو الرد المأمور به ، ولكن تناول المغصوب منه عين المغصوب كاف في إسقاط الضمان عن الغاصب ، ألا ترى أنه لو جاء إلى بيت الغاصب ، وأكل ذلك الطعام بعينه ، وهو يظن أنه ملك الغاصب برئ الغاصب من الضمان ، فكذلك إذا أطعمه الغاصب إياه ، وإن كان الغاصب قد نبذ التمر ، ثم سقاه فهو ضامن للتمر ; لأنه بدل العين بما صنع ، وتقرر ضمان التمر في ذمته ، فسقي النبيذ إياه لا يكون ردا للعين المغصوب منه ، ولا أداء الضمان . وكذلك كل ما يشبهه كالدقيق إذا خبزه ثم أطعمه ، أو اللحم إذا شواه ثم أطعمه . ( قال : ) وكذلك إذا غصب حديدا فجعله درعا فهو ضامن لحديد مثله ، وإن لم يقدر على ذلك ضمن قيمته . وكذلك إذا غصب صفرا فجعله كوزا ; لأنه غيره عن حاله ، وصار الغاصب مستهلكا ، وهذا الحادث حادث بفعل الغاصب لتبدل العين صورة ومعنى واسما وحكما ومقصودا ; فلهذا لا سبيل له على المصنوع ، وكان الكرخي يقول : هذا إذا كان بعد الصنعة لا يباع وزنا ، أما إذا كان يباع وزنا ينبغي أن يكون للمغصوب منه حق أخذ المصنوع إن شاء عند أبي حنيفة رحمه الله كما في البقرة لبقاء حكم الربا ، والأصح أن الجواب مطلق ; لأن اسم العين قد تبدل بصنع الغاصب ، بخلاف القلب على ما نبينه ، فإن كسر صاحب الصفر الكوز بعد ما ضمن له الغاصب قيمة صفره فعليه قيمة الكوز صحيحة ; لأن الكوز مملوك للغاصب ، وهو ملك محترم فيكون المغصوب منه الصفر في كسره كغيره . وكذلك إن كسره قبل أن يقضي له بالقيمة ; لأن الكوز مملوك ; لأنه كان حادثا بعمله فيكون الحال قبل القضاء بالقيمة ، وبعده سواء في حقه إلا أنه يحاسبه بما عليه ; لأن المغصوب منه استوجب عليه قيمة الصفر ، والغاصب استوجب عليه قيمة الكوز فيتقاصان [ ص: 101 ] ويترادان الفضل ، فإن غصب فضة فضربها دراهم أو صاغها إناء فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هذا والحديد والصفر سواء ; لأن الاسم تبدل بصنعة الغاصب ، وكذلك الحكم ، فإن البقرة لا تصلح رأس مال الشركة ، والمضاربة والدراهم تصلح لذلك ، ولا معتبر بالتمكن من الإعادة ، فإن هذا موجود في الحديد والصفر ، ثم جعل هناك الثاني غير الأول ، وجعل الإناء حادثا بعمل الغاصب ، فهذا مثله وأبو حنيفة رحمه الله يقول هنا للمغصوب منه أن يأخذها ، ولا أجر للغاصب ، وعلل فقال : لأنه فضة بعينها لا تخرج من الوزن بخلاف الحديد والصفر . وبهذا الحرف يستدل الكرخي في تقسيم الجواب هناك ، ثم معنى هذا التعليل أن اسم العين لا يتبدل ; لأن اسم العين هو الذهب والفضة ، وهو يبقى بعد الصنعة إنما يتبدل اسم الصنعة ، فإن الدراهم والدنانير اسم الصنعة ، وكذلك حكم العين باق ، فإن حكم العين أنه موزون ، ويجري فيه الربا بعلة الوزن ، وتجب الزكاة فيه باعتبار العين ، فأما صلاحية رأس مال الشركة والمضاربة فهو حكم الصنعة لا حكم العين ; ولهذا يقول ما لا يتفاوت من الفلوس الرائجة في هذا الحكم كالذهب والفضة ، فإذا بقي اسم العين وحكم العين كان ذلك دليل بقاء العين المغصوب ، وإن تعذر على المغصوب منه أخذه إنما يتعذر للصنعة ، ولا قيمة للصنعة في هذه الأموال منفردة من الأصل ، وبه فارق الحديد والصفر ، فإن الصنعة هناك تخرجها من الوزن ، ومن أن تكون مال الربا ، وللصنعة في غير مال الربا قيمة مع أن اسم العين وحكمه قد تبدل هناك كما قررنا . وإن غصب حنطة فاستهلكها ، ثم باعه بها شعيرا أو غيره مما يكال أو يوزن أو من العروض قبل القبض ، فلا بأس به يدا بيد ; لأن الواجب مثل الحنطة في ذمته ، وبيع الحنطة بالشعير جائز كيفما كان ، ولو كانت الحنطة عينا فكذلك إذا كان ذلك دينا إلا أن الدين بالدين حرام ، فيشترط قبض ما يقابلها في المجلس ، فلا تنعدم الدينية من الجانبين . وكذلك إن أقرضه طعاما فله أن يأخذ ما بدا له ، بخلاف البيع والسلم يريد به أن الاستبدال بالمبيع قبل القبض لا يجوز ، والمسلم فيه في حكم المبيع ، فأما بدل القرض والغصب ليس في حكم المبيع حتى يجوز إسقاط القبض فيه أصلا في الإبراء ، فكذلك في الاستبدال به كالثمن في البيع . . وإذا غصب رجل دابة من رجل فأقام صاحبها البينة أنها نفقت عند الغاصب وأقام الغاصب البينة أنه قد ردها إليه وأنها نفقت عنده فلا ضمان عليه ، وقد بينا خلاف أبي يوسف في هذه المسألة ، وأن بينة المغصوب منه بطريق استصحاب الحال ، وبينة الغاصب وافقت على أمر هو حادث ، وهو الرد [ ص: 102 ] فكانت أولى بالقبول . ( مسلم ) غصب من نصراني خمرا فاستهلكها فعليه ضمان قيمتها عندنا ، وقال الشافعي لا ضمان عليه ، وكذلك الخنزير . وجه قوله أن الخمر والخنزير محرم العين ، ولا يضمن بالإتلاف حقا للمسلم فكذلك للذمي ; لأن حقوقهم دون حقوقنا ، وهذا لأنا بعقد الذمة إنما ضمنا ترك التعرض لهم في الخمر والخنزير ، وإيجاب ضمان القيمة على المتلف أمر وراء ذلك ، تحقق هذا أن ترك التعرض لاعتقادهم أن الخمر والخنزير مال متقوم ، ولكن اعتقادهم لا يكون حجة على المسلم المتلف في إيجاب الضمان ، وإنما يكون معتبرا في حقهم ; ولهذا لا نحدهم على شربها ، ولا ندع أحدا يتعرض لهم في ذلك ، ولا يتعرض لهم في الأنكحة أيضا . والدليل على أن اعتقادهم لا يكون حجة على الغير ، إن المجوسي إذا مات عن ابنتين إحداهما امرأته ، فإنها لا تستحق بالزوجية شيئا ، ولم يجعل اعتقادهم معتبرا في استحقاق التفضيل بشيء من الميراث على الأخرى . ![]()
__________________
|
|
#232
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 102 الى صـــ 111 (232) وكذلك العبد المرتد لا يضمن للذمي بالإتلاف ، وإن كان هو يعتقد أنه مال متقوم ، وأنه محق في اعتقادها ، ثم لم يصر اعتقاده حجة في إيجاب الضمان على المتلف ، إلا أن هناك يتعرض له في ذلك ; لأنا بعقد الذمة ما ضمنا ترك التعرض لهم في ذلك . وحجتنا في ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين سأل عماله ماذا تصنعون بما يمر به أهل الذمة من الخمر فقالوا : نعشرها فقال : لا تفعلوا ، ولو هم ببيعها ، وخذوا العشر من أثمانها فقد جعلها مالا متقوما في حقهم حيث جوز بيعها ، وأمر بأخذ العشر من الثمن . وذكر أبو عبيدة في كتاب الأموال أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى عماله أن اقتلوا خنازير أهل الذمة ، واحتسبوا لأصحابها بقيمتها من الجزية فهذا تنصيص منه على أنه مال متقوم في حقهم يضمن بالإتلاف عليهم ، والمعنى فيه أن الخمر كان مالا متقوما في شريعة من كان قبلنا ، وكذلك في شريعتنا في الابتداء ، ثم إن الشرع أفسد تقومه بخطاب خاص في حق المسلمين حيث قال : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } إلى قوله تعالى : { فهل أنتم منتهون } فبقي في حق من لم يدخل تحت هذا الخطاب على ما كان من قبل . هذا من حيث الصورة ، ومن حيث المعنى أن حرمة العين وفساد التقوم ثبت بخطاب الشرع ، وقد أمرنا أن نتركهم ، وما يدينون لمكان عقد الذمة فقصر الخطاب عنهم حين لم يعتقدوا الرسالة في المبلغ ، وانقطعت ولاية الإلزام بالسيف والمحاجة لمكان عقد الذمة ، ويصير في حقهم كأن الخطاب غير نازل فيبقى الحكم على ما كان ، ألا ترى أن من [ ص: 103 ] شرب الخمر من المسلمين بعد ما نزل خطاب التحريم قبل علمه به لم يكن معاتبا بذلك كما قال الله تعالى : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية . وكذلك أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد ما نزلت فريضة التوجه إلى الكعبة ، وجاز ذلك منهم كأن الخطاب غير نازل حين لم يبلغهم ، فهذا مثله أيضا وأمر الأنكحة على هذا ، وليس في هذا توسعة الأمر عليهم بل فيه استدراج وترك لهم على الجهل ، وتمهيد بعقوبة الآخرة والخلود في النار ، وتحقيق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر } وبهذا تبين فساد ما قال : أن اعتقاده لا يكون حجة على المتلف ; لأنا لا نوجب الضمان باعتبار اعتقاده ، ولكن يبقى ما كان على ما كان ، وهو المالية والتقوم . ثم وجوب الضمان بالإتلاف لا يكون به المحل مالا متقوما ، ولكن شرط سقوط الضمان بالإتلاف انعدام المالية والتقوم في المحل ، وهذا الشرط لم يثبت في حقهم مع أنا لما ضمنا بعقد الذمة ترك التعرض لهم فقد التزمنا حفظها وحمايتها لهم ، والعصمة والإحراز تتم بهذا الحفظ ، ووجوب الضمان بالإتلاف ينبني على ذلك ، فكان هذا من ضرورة ما ضمناه بعقد الذمة ، بخلاف قتل المرتد فإنا ما ضمنا لهم ترك التعرض في ذلك لما فيه من الاستخفاف بالدين ، وكان نظير ذلك من العقود الربا ، فإنه يتعرض لهم في إبطال عقود الربا بينهم ; لأنا لم نضمن لهم ترك التعرض لهم في ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إلا من أربى فليس بيننا ، وبينه عهد } وهذا لأن ذلك فسق منهم في الاعتقاد ، ولا ديانة فقد ثبت بالنص حرمة الربا في اعتقادهم قال الله تعالى : { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } وكذلك الجواب في موقوذة المجوسي الصحيح أن المسلم يضمنها له بالغصب والإتلاف ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله ، وقد روي عن محمد رحمه الله أنه لا يضمنها كالميتة والدم ; لأنها ليست بمال في اعتقاد أهل الذمة ، وقد أمرنا أن نبني أحكام المجوس على أحكام أهل الكتاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب } الحديث ، إلا أن هذا ضعيف ، فإنا في حكم الأنكحة اعتبرنا اعتقاد المجوس من غير أن نبني ذلك على اعتقاد أهل الكتاب ، والعذر عن فضل الميراث بالزوجية بيناه في النكاح أنه ليس من ضرورة الحكم بصحة النكاح استحقاق الميراث ، وهذا كله بخلاف ما لو أتلف متروك التسمية عامدا على شفعوي المذهب ; لأن ولاية الإلزام بالمحاجة ، والدليل هنا ثابت ، وقد ثبت لنا بالنص أن متروك التسمية حرام ليس بمال ، فلهذا لا يعتبر اعتقادهم في إيجاب الضمان . ( ولو ) غصب نصراني من نصراني خمرا فاستهلكها فعليه مثلها [ ص: 104 ] لأن الخمر من ذوات الأمثال ، والمصير إلى القيمة في ذوات الأمثال عند العجز عن أداء المثل ، وذلك في حق المسلم دون النصراني ; لأنه قادر على تمليك الخمر من غيره بعوض ; ولهذا جازت المبايعة بالخمر فيما بينهم ، وإن أسلم الطالب بعد ما قضي له بمثلها ، فلا شيء له على المستهلك ; لأن الخمر في حق المسلم ليس بمال متقوم . ولو احتبس عينها عند النصراني له بالغصب والاستهلاك لم يضمنه شيئا ، فكذلك إذا احتبس ما صار دينا منها ، ولكنه بإسلامه يكون مبرئا له عما كان له في ذمته من الخمر ; لأنه يخرج بفعله من أن يكون مالا متقوما في حقه ، ومن أن يكون متمكنا من قبضه ، وكذلك لو أسلما معا ; لأن في إسلامهما إسلام الطالب ، ولو أسلم المطلوب وحده أو أسلم المطلوب ثم الطالب فعلى قول أبي يوسف وهو روايته عن أبي حنيفة رحمهما الله الجواب كذلك ، وفي قول محمد رحمه الله تعالى ، وهو رواية عافية وزفر عن أبي حنيفة رحمهما الله على المطلوب قيمة الخمر . وجه قول محمد رحمه الله أن الإسلام الطارئ بعد تقرر سبب الضمان يجعل كالمقترن بالسبب . كما أن الإسلام الطارئ بعد العقد قبل القبض يجعل كالمقترن بالعقد ، ثم اقتران إسلام المطلوب بغصب الخمر واستهلاكها لا يمنع وجوب ضمان القيمة بخلاف إسلام الطالب فكذلك الطارئ ، وهذا لأن خمر الذمي يجوز أن يكون مضمونا في يد المسلم ، فكذلك يجوز أن يكون مضمونا في ذمة المسلم . وبهذا تبين أنه ليس في إسلام المطلوب معنى البراءة ، وأما خمر المسلم يجوز أن يكون مضمونا في يد الذمي فكذلك في ذمته فكان إسلامه مبرئا بهذا الطريق ، وهو أنه يمنع بقاءها في ذمته بعده ، ولا يمكن جعل أصل السبب موجبا للقيمة في الإسلام المقارن ; لأنه وجب به ضمان المثل ، فلا تجب به القيمة أيضا بخلاف النكاح ، فإن على قول محمد يجب قيمة الخمر بعد إسلام أحدهما كانت بعينها أو بغير عينها ; لأن إسلام الطالب مبرئ من حيث تعذر إبقائها في الذمة أو مضمونا في يد الزوج بعد إسلامهما ، ولكن هذا لا يمنع وجوب ضمان القيمة بأصل السبب ; لأن هذه القيمة عوض عن البضع ، وشرط وجوبها صحة التسمية لإبقاء استحقاق المسمى ، وقد كانت التسمية صحيحة حين كان المسمى مالا متقوما يومئذ وأبو يوسف رحمه الله يقول : تعذر قبض الخمر المستحق في الذمة بسبب الإسلام ، فلا تجب القيمة كما لو أسلم الطالب ، وتحقيقه أنه لما وجب الخمر بالسبب دينا في ذمته ، فلا يمكن إيجاب القيمة باعتبار أصل السبب ، ولا يمكن إيجاب القيمة عوضا عما كان في الذمة ; لأن شرطها تمليك ما في الذمة بها . والذمي لا يقدر على تمليك الخمر من المسلم بعوض كما أن المسلم [ ص: 105 ] لا يتملك الخمر بعوض ; فلانعدام الشرط يتعذر استيفاء القيمة ، كما لو هشم قلب فضة إنسان ، ثم تلف المكسور في يد صاحب القلب ليس له أن يضمن الكاسر شيئا ; لأن شرط تضمين القيمة تمليك المكسور منه ، وذلك فائت ، وبه فارق الإسلام المقارن ; لأن وجوب القيمة هناك باعتبار أصل السبب ، وهو الغصب والاستهلاك ، فإنه موجب للضمان باعتبار الجناية من غير أن يكون موجبا الملك في المحل عند التعذر كما في غصب المدبر . وإن غصب خنزيرا فاستهلكه ، ثم أسلم أحدهما أو أسلما فعليه قيمته ; لأن بنفس الاستهلاك وجبت القيمة هنا ، فإن الحيوان ليس من ذوات الأمثال ، والقيمة دراهم أو دنانير ، فلا يمتنع بقاؤها في الذمة ، واستيفاؤها بعد إسلامهما أو إسلام أحدهما . ولو غصب مسلم من مسلم خمرا فجعلها خلا ، ثم استهلكها فعليه خل مثلها ; لأنه بعد ما جعلها خلا بقيت على ملك صاحبها حتى كان له أن يأخذها منه ، فإذا استهلكها فقد استهلك مالا متقوما لغيره ، وذلك موجب للضمان عليه أمانة كانت عنده أو مضمونة . وكذلك لو غصب جلد ميتة فدبغه بشيء لا قيمة له ثم استهلكه فعليه ضمان قيمته ; لأنه باق على ملك صاحبه ; ولهذا يتمكن من أخذه من غير أن يعطيه عوضا . ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول : يضمنه قيمته طاهرا غير مدبوغ ; لأن صفة الدباغ حصل بفعله ، فلا يوجب الضمان عليه ، ولكن من ضرورته زوال صفة النجاسة ، وذلك غير حاصل بفعله بل يتميز الجلد من الدسومات النجسة . وأكثرهم على أنه يضمنه قيمته مدبوغا ; لأن صفة الدباغ هنا تبع للجلد ، وهو غير معتبر منفردا عن الجلد ; ولهذا لا يغرم باعتباره شيئا ، وإذا صار أصل الجلد مضمونا عليه بالاستهلاك فكذلك ما يتبعه كالخمر إذا خلله ، فأما إذا دبغه بشيء له قيمة ثم استهلكه ، فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يضمن قيمة الجلد مدبوغا ويعطيه ما زاد الدباغ فيه . وجه قولهما أن الجلد باق على ملك صاحبه بعد الدباغ ، وهو مضمون الرد على الغاصب ، ولكن يشترط أن يعطيه ما زاد الدباغ فيه ، فإذا استهلكه كان ضامنا كالثوب المغصوب إذا صبغه ثم استهلكه ، وهذا لمعنيين : ( أحدهما ) أن الاستهلاك جناية موجبة للضمان في محل هو مال متقوم ، وقد وجد ذلك لما بقي الجلد على ملك صاحبه بعد ما صار مالا متقوما كما في الثوب ، إلا أن هناك السبب الأول وهو الغصب غير موجب للضمان أيضا ، فله أن يضمنه بأي السببين شاء ، وهنا الأول وهو الغصب موجب للضمان فيتعين التضمين بالسبب الثاني ، وكان هو في هذا السبب كغيره ، ولو استهلكه [ ص: 106 ] غيره كان للمغصوب منه أن يضمن المستهلك ويعطي الغاصب ما زاد الدباغ فيه . ( والثاني ) وهو أنه لما بقي الجلد مضمون الرد عليه ، وإذا تعذر رد عينها باستهلاكه يجب عليه رد قيمته ; لأنه بالاستهلاك فوت ما كان مستحقا عليه ، والتفويت موجب للضمان ، وبه فارق ما لو هلك في يده ، فإن التفويت منه لم يوجد ، وهو نظير المستعار إذا فوت المستعير رده بالاستهلاك ضمن قيمته ; بخلاف ما إذا فات بغير صنعه . وكذلك لو دبغه بشيء لا قيمة له أو جعل الخمر خلا ، فلا يضمن إذا فوت الرد بالاستهلاك ، ولا يضمن إذا هلك في يده ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله في ذلك أن المغصوب منه استفاد المالية والتقوم في هذا الجلد من الغاصب ببدل استوجبه الغاصب عليه ، فلا يكون له أن يضمنه شيئا بعد استهلاكه كما لو استهلك البائع المبيع قبل التسليم ، وتقريره من وجهين : ( أحدهما ) أن الاستهلاك غير موجب للضمان عليه باعتبار ما زاد الدباغ فيه ; لأن ذلك كان مملوكا له قبل الاتصال بالجلد ، وبعد الاتصال بقي حقا له حتى كان له أن يحبسه ليستوفي بدله ، والجلد بدون هذا الوصف لا يكون مضمونا عليه بالاستهلاك كما لو استهلكه قبل الدباغ ، وبه فارق الثوب ، فإن الاستهلاك فيه بدون صفة الصبغ موجب للضمان ، وبه فارق ما إذا دبغه بشيء لا قيمة له ; لأن الصنعة ما بقيت حقا للغاصب بعد الاتصال بالجلد ; ولهذا لا يحبسه ، ولا يرجع ببدله ، وكذلك الخمر إذا خلله . ( والثاني ) أن ما اتصل بالجلد من الصفة هنا مال متقوم للغاصب حقيقة وحكما وهو قائم من كل وجه ، وقد كان مالا قبل الاتصال بالجلد ، وبقي بعده كذلك ، وأما أصل الجلد لم يكن مالا متقوما قبل الدباغ ، وما كان مالا بنفسه ومتصلا بغيره يترجح على ما لم يكن مالا قبل الاتصال ، وإنما صار مالا بالاتصال فتكون العبرة للراجح واستهلاكه فيه غير موجب للضمان ، بخلاف الثوب ; لأن الأصل هناك كان مالا قبل الاتصال ، وإنما صار مالا بالاتصال ، ولما استويا في صفة المالية رجحنا ما هو الأصل . وإذا دبغه بشيء لا قيمة له فالوصف ليس بمال قبل الاتصال ولا بعده ، والأصل مال بعد الاتصال فرجحنا جانب الأصل لهذا ، ولا يقال في حال بقاء الجلد رجحنا حق صاحب الأصل حتى مكناه من أخذه . ويملك الوصف على الغاصب بعوض ، وهذا لأن أخذ العين كان باعتبار الملك دون المالية والتقوم ; ولهذا كان متمكنا من استرداده قبل الدباغ ، وفي حكم الملك الأصل مرجح ; لأنه كان مملوكا قائما بنفسه قبل الاتصال وبعده ، فأما وجوب الضمان عند الاستهلاك باعتبار صفة المالية والتقوم ، وصفة الدباغ في معنى المالية والتقوم يترجح على [ ص: 107 ] أصل الجلد فيعتبر ذلك في إيجاب الضمان . يحقق ما قلنا أن فائدة وجوب الضمان الاستيفاء ، ولا يستوفي منه قدر مالية الدباغة بالاتفاق ، وكيف يستوفي منه ما هو واجب له على غيره . ولو ظفر صاحب الحق بجنس حقه فاستهلكه لم يغرم شيئا ، فإذا ظفر بعين حقه فاستهلكه أولى أن لا يضمن شيئا ، فإذا تعذر إيجاب هذا القدر عليه انفصل أصل الجلد عن صفة الدباغة حكما فيعتبر بما لو كان منفصلا حقيقة ، فلا يجب عليه ضمان قيمة الجلد ، وهما قد اعتبرا هذا حتى قالا : لا يكون له أن يضمنه قيمة الجلد غير مدبوغ . ( ولو ) غصب من رجل عينا فقال المغصوب منه للغاصب أبرأتك عن الغصب ، ثم هلك في يد الغاصب لم يضمن شيئا في قول علمائنا رحمهم الله . وقال زفر هو ضامن للقيمة ; لأن الإبراء عن العين لغو ، فإن الإبراء إسقاط ، والعين ليست بمحل له إذ لا تسقط حقيقة ، ولا يسقط ملك المالك عنها أيضا ، وإضافة التصرف إلى غير محله لغو . ولكنا نقول : قوله أبرأتك عن الغصب أي عما وجب لي عليك بسبب الغصب بمنزلة إبراء المجني عليه الجاني عن الجناية ، وإبراء المشتري البائع عن العيب ، والواجب له بسبب الغصب رد العين عند قيامه ، ورد القيمة عند هلاكه ، وذلك قابل للإسقاط فيسقط عنه ، وإذا سقط عنه ذلك بقي العين أمانة في يده كالوديعة ، ولأنه لو أبرأه بعد تقرر الضمان عليه بالهلاك صح الإبراء فكذلك إذا أبرأه بعد تقرر السبب . ( ولو ) غصب جارية فحبلت عند الغاصب ثم ردها فولدت ثم هلكت بالولادة يجب عند أبي حنيفة رحمه الله على الغاصب ضمان قيمتها ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تقوم حاملا وغير حامل ، فيكون على الغاصب ضمان النقصان ; لأن الرد قد صح مع الحبل ، ولكنها معيبة بعيب الحبل ، وذلك موجب ضمان النقصان عليه ، فأما هلاكها بسبب الآلام الحادثة بعد الرد وهو الطلق ، فلا يبطل به حكم الرد ، كما لو حمت الجارية عند الغاصب ثم ردها فهلكت أو زنت عند الغاصب ، ثم ردها فجلدت وماتت من ذلك لم يضمن الغاصب إلا نقصان عيب الزنا . وكذلك المبيعة إذا سلمها إلى المشتري ، وهي حبلى فماتت في الولادة لم يرجع المشتري على البائع بجميع الثمن بالاتفاق وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الواجب على الغاصب نسخ فعله بالرد ، ولم يوجد ذلك حين ردها لا على الوجه الذي قبضها ، ولما هلكت بالسبب الذي كان عند الغاصب يجعل في الحكم كأنها هلكت عند الغاصب كما لو جنت عند الغاصب ثم ردها فدفعت في الجناية ، فإنه يضمن قيمتها ويجعل كأنه لم يردها أصلا ، بخلاف الحمى لأن الهلاك لم يكن بالسبب الذي كان . [ ص: 108 ] عند الغاصب إنما كان لضعف الطبيعة عن دفع آثار الحمى المتوالية ، وذلك لا يحصل بأوله الحمى عند الغاصب ، وإن ذلك غير موجب لما كان بعده . وهنا أصل السبب ما كان عند الغاصب ; لأن الحبل يوجب انفصال الولد ، وانفصال الولد يوجب آلام الولادة ، فما يحدث به يكون محالا على السبب الأول ، بخلاف الجلد ; لأن الزنا يوجب جلدا مؤلما غير جارح ولا متلف ; ولهذا يختار سوطا لا ثمرة له ، فلم يكن الهلاك محالا به على السبب الذي كان عند الغاصب ، وهذا بخلاف الشراء ; لأن الشراء يوجب تسليم المبيع إلى المشتري على الوجه الذي يتناوله العقد ، وهو أنه مال متقوم ، وقد وجد ذلك باعتبار ظاهر الحال ، وهو أن الغالب في الولادة السلامة ، فإنما على الغاصب نسخ فعله وذلك في أن يرده كما قبضه ، ولم يوجد ذلك . ألا ترى أن البائع لو قطع يده ثم باعه وسلمه إلى المشتري فمات من ذلك في يده لم يرجع بجميع الثمن ، بخلاف الغاصب إذا قطع يدها ، ثم ردها فماتت من ذلك . ثم على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هي قد تعيبت في يد الغاصب بعيب الزنا والحبل جميعا ففي القياس يضمن الغاصب نقصان العيب وهو قول محمد رحمه الله . وفي الاستحسان وهو قول أبي يوسف يضمن أكثرهما ، ويدخل الأقل في الأكثر . وكذلك عند أبي حنيفة إذا سلمت من الولادة ينظر إلى نقصان الزنا ، ونقصان الحبل فعليه ضمان أكثرهما ، ولكن إن كان عيب الحبل أكثر فقد زال ذلك بالولادة ، فلا يلزمه إلا قدر نقصان عيب الزنا ، وإن كان عيب الزنا أكثر فعليه ضمان ذلك ; لأن عيب الزنا لا ينعدم بالولادة فمحمد رحمه الله اعتبر الحقيقة ، وهو أن الحبل عيب آخر سوى عيب الزنا لتحقق انفصال كل واحد منهما عن الآخر وأبو يوسف رحمه الله اعتبر اتحاد السبب وقال : الحبل هنا حصل بذلك السبب ، فبحكم اتحاد السبب يدخل الأقل في الأكثر كما في نقصان البكارة مع العقر الواجب بالوطء ، فإنه يدخل الأقل في الأكثر لاتحاد السبب فكذلك هنا ، والله سبحانه وتعالى أعلم . كتاب الوديعة ( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله تعالى ، إملاء - : الإيداع عقد جائز ; لأنه تصرف من المالك في ملكه ، وقد يحتاج إليه عند إرادة السفر ، والحاج يحتاج إلى إيداع بعض ماله في كل موضع ; لينتفع به إذا رجع ، والمودع مندوب [ ص: 109 ] إلى القبول - شرعا - ; لما فيه من الإعانة على البر . قال الله - تعالى - { : وتعاونوا على البر والتقوى } . وقال - صلى الله عليه وسلم - { : إن الله - تعالى - في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه } . وبعد القبول ، عليه أداء ما التزم - وهو الحفظ - حتى يؤديها إلى صاحبها ; لقوله تعالى { : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } . وقد قيل في سبب النزول : إن المراد رد مفتاح الكعبة على عثمان بن أبي طلحة ; لأنه حين أتاه به قال : خذه بأمانة الله - تعالى - ولكن ظاهر الآية يتناول كل أمانة . قال - صلى الله عليه وسلم - { : من ائتمن أمانة فليؤدها } . وقال - صلى الله عليه وسلم - { : أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك } . وقال - صلى الله عليه وسلم - : { علامة المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . } على الموحد أن يحترز عما هو من علامة المنافق ، وذلك بأن يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ به مال نفسه ; فيضعها في بيته ، أو صندوقه ; لأنه وعد لصاحبها ذلك ، وخلف الوعد مذموم ، وإذا ترك الحفظ بعد غيبة صاحبها : ففيه ترك الوفاء بما التزم ، والغرور في حق صاحبها ، وذلك حرام . فإن وضعها في بيته أو صندوقه ، فهلكت : لم يضمنه ; لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { من أودع وديعة فهلكت : فلا ضمان عليه . } ولحديث ابن الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { ليس على المستعير غير المغل ضمان ، ولا على المودع غير المغل ضمان . } فالمراد بالمغل : الخائن . قال - صلى الله عليه وسلم - { : لا إغلال ولا إسلال في الإسلام } . والإغلال : الخيانة ، والإسلال : السرقة . وقد قيل : المغل المنتفع ، من قولهم : أرض مغل ، أي كثير الريع والغلة ، فعلى هذا : المراد : المنتفع بغير إذن صاحبه . وقال عمر : العارية كالوديعة ، لا يضمنها صاحبها إلا بالتعدي . وقال علي : لا ضمان على راع ، ولا على مؤتمن . والمعنى فيه : أن المودع متبرع في حفظها لصاحبها ، والتبرع لا يوجب ضمانا على المتبرع للمتبرع عليه ، فكان هلاكها في يده كهلاكها في يد صاحبها ، وهو معنى قول الفقهاء - رحمهم الله تعالى - : يد المودع كيد المودع . ويستوي إن هلك بما يمكن التحرز عنه ، أو بما لا يمكن ; لأن الهلاك بما يمكن التحرز عنه بمعنى العيب في الحفظ ، ولكن صفة السلامة عن العيب إنما تصير مستحقا في المعاوضة - دون التبرع - والمودع متبرع ، فإن دفعها إلى بعض من في عياله - من زوجته أو ولده أو والديه أو أجيره - فلا ضمان عليه إذا هلكت - استحسانا - وفي القياس : هو ضامن ; لأنه استحفظ - من استحفظ - منه ، ويؤيد وجه القياس - قوله تعالى - { : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } . [ ص: 110 ] والمراد : النساء ، فإن كان هو منهيا عن دفع مال نفسه إلى امرأته ، فما ظنك في مال غيره ؟ . وجه الاستحسان : أن المطلوب منه : حفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ مال نفسه ، والإنسان يحفظ مال نفسه بيد من في عياله ، على ما قيل : قوام العالم بشيئين : كاسب يجمع ، وساكنة تحفظ ، ولأنه لا يجد بدا من هذا ، فإنه إذا خرج من داره - في حاجته - لا يمكنه أن يجعل الوديعة مع نفسه ، وإذا خلفها في داره صارت في يد امرأته حكما ، وما لا يمكن الامتناع عنه عفو . وذكر في جملة من في عياله : الأجير ، والمراد : التلميذ الخاص الذي استأجره مشاهرة ، أو مسانهة ، فأما الأجير بعمل من الأعمال - كسائر الأجانب - يضمن الوديعة بالدفع إليه . فإذا انشق الكيس في صندوقه ; فاختلط بدراهمه : فلا ضمان عليه ; لانعدام الصنع الموجب للضمان عليه ، ولو يمكن تقصير ، فذلك من المودع بأن جعل دراهم الوديعة في كيس بال ، ولكن المختلط مشترك بينهما بقدر ملكهما ، فإن هلك بعضها هلك من مالها جميعا ويقسم الباقي بينهما على قدر ما كان لكل واحد منهما ; لأنه ليس أحدهما بأن يجعل الهالك من نصيبه بأولى من الآخر ، والأصل في المال المشترك إذا هلك شيء منه : أن ما هلك هلك على الشركة ، وما بقي على الشركة باعتبار أن الهالك يجعل كأن لم يكن . ( وإن ) فعل ذلك إنسان ممن هو في عيال المودع - من صغير ، أو كبير ، أو مملوك أو أجنبي - فلا ضمان فيه على المستودع ; لانعدام الخلط منه حقيقة وحكما ، فإن فعل من في عياله كفعله فيما هو مأمور به من جهته صريحا ، أو دلالة ، وذلك لا يوجد في الخلط ، ولكن الضمان على الذي خلطها بمباشرة الفعل الموجب للضمان . والصغير والكبير في ذلك سواء ; لأن الصغير مؤاخذ بضمان الفعل ، فإن تحقق الفعل بوجوده : لا ينعدم بالحجر بسبب الصغر . ثم الخلط أنواع ثلاثة : ( خلط ) يتعذر التمييز بعده - كخلط الشيء بجنسه - فهذا موجب للضمان ; لأنه يتعذر به على المالك الوصول إلى عين ملكه . وخلط يتيسر معه التمييز - كخلط السود بالبيض ، والدراهم بالدنانير - فهذا لا يكون موجبا للضمان ; لتمكن المالك من الوصول إلى عين ملكه ، فهذه مجاورة - ليس بخلط - . وخلط يتعسر معه التمييز - كخلط الحنطة بالشعير - فهو موجب للضمان ; لأنه يتعذر على المالك الوصول إلى عين ملكه ، إلا بحرج ، والمتعسر كالمتعذر - كما بيناه في الغصب - . ( فإن قيل ) : تمييز الحنطة من الشعير ممكن : بأن يصب من ماء فترسب الحنطة ، ويطفو الشعير ، ( قلنا ) : في هذا إفساد للمخلوط في الحال ، ثم الحنطة لا تخلو عن حبات الشعير ، كما لا يخلو الشعير عن حبات الحنطة ، فما كان من حبات الحنطة لصاحب الشعير يرسب ، وما كان من حبات الشعير لصاحب [ ص: 111 ] الحنطة يطفو ، فعرفنا أن التمييز متعذر بهذا الطريق أيضا . وكذلك خلط الجياد بالزيوف ، إن كان بحيث يتعذر التمييز ، أو يتعسر ، فهو موجب للضمان على الخالط ، وإن كان بحيث يتيسر التمييز ، لا يكون موجبا للضمان عليه ، يقول : فإن لم يظهر بالخلط ، فقال أحدهما : أنا آخذ المخلوط ، وأغرم لصاحبي مثل ما كان له ، فرضي به صاحبه : جاز ; لأن الحق لهما ، فإذا تراضيا على شيء صح ذلك في حقهما ، وإن أبى ذلك أحدهما ، فإنه يباع المخلوط ويقسم الثمن بينهما على قيمة الحنطة والشعير ، على التفسير الذي بيناه في الغصب قبل هذا الجواب . إنما يستقيم على قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله ورواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله في أن ملك المالك لا ينقطع عن المخلوط ، بل له الخيار بين الشركة في المخلوط وبين تضمين الخالط ، فأما على ما هو الظاهر من مذهب أبي حنيفة : المخلوط ملك للخالط ، وحقهما في ذمته ، فلا يباع ماله في دينهما ; لما فيه من الحجر عليه وأبو حنيفة لا يرى ذلك . والأصح : أنه قولهم جميعا ; لأن ملكهما - وإن انقطع عن المخلوط - فالحق فيه باق ، ما لم يصل إلى كل واحد منهما بدل ملكه ، ولهذا لا يباح للخالط أن ينتفع بالمخلوط قبل أداء الضمان ، فلبقاء حقهما يكون لهما أن يستوفيا حقهما من المخلوط ، إما صلحا بالتراضي ، أو بيعا وقسمة الثمن ، إذا لم يتراضيا على شيء . وإذا كان عند الرجل وديعة - دراهم أو دنانير ، أو شيء من المكيل ، أو الموزون - فأنفق طائفة منهما في حاجته : كان ضامنا لما أنفق منها - اعتبارا للبعض بالكل - ولو لم يصر ضامنا لما بقي منها ; لأنه في الباقي حافظ للمالك ، وبما أنفق لم يتعيب الباقي ، فإن هذا مما لا يضره التبعيض ، فهو كما لو أودعه وديعتين ، فأنفق إحداهما : لا يكون ضامنا للأخرى ، فإن جاء بمثل ما أنفق ، فخلطه بالباقي ، صار ضامنا لجميعها ; لأن ما أنفق صار دينا في ذمته ، وهو لا ينفرد بقضاء الدين بغير محضر من صاحبه ، فيكون فعله هذا خلطا لما بقي بملك نفسه ، وذلك موجب للضمان عليه ، فإن كان حين أنفق بعضها وجاء ، بمثله فخلط بالباقي أفتي بأنه صار ضامنا لها كلها ، فباعها ثم جاء رب الوديعة فضمنها إياه ، وفي الثمن فضل قال : يطيب له حصة ما خلطه بها من ماله من الفضل ; لأنه ربح حصل على ملكه وضمانه ، ويتصدق بحصة الثاني من الوديعة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - : لا يتصدق به ; لأنه بالضمان قد ملكه ، مستندا إلى وقت وجوب الضمان ، ولهذا نفذ بيعه ، فكان هذا ربحا حاصلا على ملكه وضمانه ، فيطيب له كما في حصة ملكه ، وهما يقولان : هذا ربح حصل له بكسب خبيث ، فإنه ممنوع من بيع الوديعة ، [ ص: 112 ] إما لبقاء ملك المودع - كما في الباقي بعد الخلط في إحدى الروايتين ، أو لبقاء حقه على ما قلنا - والربح الحاصل بكسب خبيث سبيله التصدق به ، ولأن المودع عند البيع يخبر المشتري أنه يبيع ملكه وحقه ، وهو كاذب في ذلك ، والكذب في التجارة يوجب الصدقة ; بدليل حديث قيس بن عروة الكناني قال : { كنا نتبايع في الأسواق بالأوساق ونسمي أنفسنا السماسرة ، فدخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمانا بأحسن الأسماء وقال : يا معشر التجار ، إن تجارتكم هذه يحضرها اللغو والكذب ; فشوبوها بالصدقة } . فعملنا بالحديث في إيجاب التصدق بالفضل . وهذا إذا كانت الوديعة شيئا يباع . فإن كانت دراهم : فالدراهم يشترى بها ، ثم ينظر : إن اشترى بها بعينها ونقدها ، لا يطيب له الفصل أيضا ، وإن اشترى بها ، ونقد غيرها ، أو اشترى بدراهم مطلقة ، ثم نقدها : يطيب له الربح هنا ; لأن الدراهم لا تتعين بنفس العقد ، ما لم ينضم إليه التسليم . ولهذا لو أراد أن يسلم غيرها كان له ذلك ، فأما بالقبض يتعين نوع تعين ، ولهذا لا يملك استرداد المقبوض من البائع ليعطيه مثلها ; فلهذا قلنا : إذا استعان في العقد والنقد جميعا بالدراهم الوديعة أو المغصوبة ، لا يطيب له الفضل ، وكذلك إن اشترى بها مأكولا ونقدها ، لم يحل له أن يأكل ذلك قبل أداء الضمان . ولو اشترى بدراهم مطلقة ثم نقد تلك الدراهم : حل له أن ينتفع بها . ![]()
__________________
|
|
#233
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 112 الى صـــ 121 (233) وفي النوادر : لو اشترى دينارا بعشرة دراهم ، ونقد الدراهم المغصوبة : لم يحل له أن ينتفع بالدينار ، ما لم يؤد الضمان ; لأن صاحب الدراهم إذا استحق دراهمه فسد العقد ، ووجب عليه رد الدينار ، فكانت كالمقبوض بحكم عقد فاسد . بخلاف ما لو نقدها في ثمن الطعام ; لأنه بالاستحقاق هناك لا يبطل الشراء ، بل يبقى الثمن دينا في ذمته - كما كان - . وعلى هذا قالوا : لو غصب ثوبا واشترى به جارية ، لم يحل له أن يطأها ; لأنه لو استحق الثوب لزمه رد الجارية ، ولو تزوج بالثوب المغصوب امرأة : حل له أن يطأها ; لأن المغصوب منه إذا استحق الثوب ، لا يبطل النكاح ولا التسمية . ( فإن ) كان أخذ بعض الوديعة لينفقه في حاجته ، ثم بدا له ، فرده إلى موضعه ، ثم ضاعت الوديعة : فلا ضمان عليه ; لأن رفعه حفظ ، فلا يكون موجبا للضمان عليه . بقي مجرد نية الإنفاق في حاجته ، وبمجرد النية لا يصير ضامنا ، كما لو نوى أن يغصب مال إنسان ; وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم - { : إن الله - تعالى - تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسهم ما لم يعملوا ، أو يتكلموا } . والعراقيون يقولون : كاد ولما . أي : كاد يعصي فعصم ، والمعصوم لا يعاقب بعقوبة من عصى ، ولئن صار ضامنا بالرفع فقد عاد إلى الوفاق برد العين إلى مكانه ، وذلك يبرئه عن الضمان " عندنا " - على ما نبينه - بخلاف [ ص: 113 ] ما سبق ; لأن هناك إنما جاء بملك نفسه ، فوضعه مكان ما أنفق ، ولهذا لا يكون عودا إلى الوفاق فيما خالف فيه ، وهنا إنما جاء الوديعة بعينها ، فتحقق عوده إلى الوفاق ، وهذا أولى الوجهين " عندي " ; فإنه لو باعها ثم ضمن قيمتها ، نفذ البيع من جهته ، وإنما يستند ملكه بالضمان إلى وقت وجوب الضمان ، فلو لم يكن الرفع للبيع موجبا للضمان عليه قبل البيع والتسليم ، لم يستند ملكه إلى تلك الحالة ، فينبغي أن لا ينفذ بيعه ، والرواية محفوظة في هذا الكتاب . وفي المضاربة أن البيع نافذ ، فعرفنا أن الأوجه هو الطريق الثاني . وإذا طلب المودع الوديعة فقال المستودع : قد رددتها عليك فالقول قوله مع يمينه ; لأنه أمين والقول قول الأمين مع اليمين ; لإنكاره السبب الموجب للضمان ، وإخباره بما هو مسلط عليه - وهو رد الوديعة على صاحبها - والمودع هو الذي سلطه على ذلك ، فيجعل قوله كقول المسلط إلا أنه يستحلف لنفي التهمة عنه ، وكذلك لو سرقت أو ضاعت ، أو ذهبت وقال : لا أدري كيف ذهبت ; لأنه أمين أخبر بما هو محتمل ، ولأنه ينكر وجوب الضمان عليه ، والمالك يدعي عليه سبب الضمان - وهو المنع بعد الطلب - فلا يصدق إلا بحجة . ( واختلف ) المتأخرون رحمهم الله فيما إذا قال - ابتداء - : لا أدري كيف ذهبت ، فمنهم من يقول : هو ضامن لها ; لأنه جهلها بما قال ، والمودع بالتجهيل يصير ضامنا ، بخلاف ما إذا قال : ذهبت ولا أدري كيف ذهبت ; لأنه بقوله : ذهبت ، يخبر بهلاكها ، ويكفيه هذا المقدار ، فلا معتبر بعد ذلك بقوله : لا أدري كيف ذهبت . والأصح : أنه لا يصير ضامنا ; لأنه مخبر بهلاكها ، محترز عن الكذب والمجازفة في القول بقوله : لا أدري كيف ذهبت ; وهذا لأن أصل الذهاب معلوم من هذا اللفظ - لا محالة - وإنما التجهيل في كيفية الذهاب . والإخبار بأصل الذهاب يكفي في براءته عن الضمان . وإن قال : بعثت بها إليك مع رسولي ، وسمى بعض من في عياله : فهو كقوله : رددتها عليك ; لأن يد من في عياله لما جعل كيده في الحفظ ، فكذلك في الرد : يد من في عياله كيده ; فلا يصير بهذا مقرا بالسبب الموجب للضمان عليه . ( وإذا ) قال : بعثت بها إليك مع أجنبي : فهو ضامن حتى يقر المودع بوصولها إليه " عندنا " . ( قال ) ابن أبي ليلى رحمه الله : لا ضمان عليه ، وهذا بناء على أن " عنده " للمودع أن يودع غيره ; لأنه يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ ماله ، وقد يودع الإنسان مال نفسه من أجنبي ، فكذلك له أن يودع الوديعة من غيره ; فلا يصير ضامنا بالدفع إلى غيره ليحفظ ، أو يرد - كما في حق من في عياله - " وعندنا " : ليس للمودع أن يودع غيره ; لأن الحفظ يتفاوت فيه الناس ، والمودع إنما رضي بحفظه وأمانته دون غيره ، فإذا [ ص: 114 ] دفع إلى أجنبي ، فقد صار تاركا للحفظ الذي التزمه ، مستحفظا عليه من استحفظ منه ; فيكون ضامنا ، بخلاف من في عياله : فإن المودع هو الحافظ له بيد من في عياله ; لأن من في عياله في يده ، فما في يد من في عياله كذلك . فأما إذا دفع إلى أجنبي : لا يكون هو حافظا له ، بل الأجنبي هو الحافظ له ، والمودع لم يرض بهذا ; فيكون ضامنا حتى يقر المودع بوصولها إليه ، فإذا أقر بذلك برئ عن الضمان بوصول المال إلى يد صاحبه - كما يبرأ الغاصب بوصول المغصوب إلى يد صاحبه - . وكذلك العارية - في جميع ذلك - ; لأنها أمانة كالوديعة . وفي هذا بيان أن المستعير ليس له أن يودع أجنبيا كالمودع ، وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله : له ذلك ; لأن للمستعير أن يعير فيما لا تتفاوت الناس في الانتفاع به . وفي الإعارة إيداع وزيادة ، ولكن الأول أصح ; لأن المستعير " عندنا " مالك للمنفعة ، فإعاراته من الغير تصرف فيما هو مملوك له - وهو المنفعة - ثم يتعدى تسليمه إلى العين حكما ; لتصرفه في ملك نفسه ، فلا يكون موجبا للضمان عليه . فأما إيداعه من الغير فهو تصرف في العين ، ولا حق له في العين ، فيكون موجبا للضمان عليه كالإيداع من المودع . فإن قال : بعثت بها إليك مع هذا الأجنبي أو استودعتها إياه ، ثم ردها علي ، فضاعت : " عندي " لم يصدق وهو ضامن لها ; لأنه أقر بوجود السبب الموجب للضمان عليه ثم ادعى ما يسقط عنه ، فلا يصدق - كالغاصب إذا ادعى رد المغصوب - فإن أقام البينة على ذلك برئ من الضمان ; لأنه أثبت البراءة بالحجة والثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، وهو مذهبنا ، فإن المودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق : يبرأ عن الضمان . " وعند الشافعي " : لا يبرأ ، وبيانه : في هذه المسألة ، وفيما إذا لبس ثوب الوديعة ثم نزعه ، فهلك . وحجة الشافعي قوله - صلى الله عليه وسلم - { : على اليد ما أخذت حتى ترد } . وهو حين أخذها للاستعمال صارت مضمونة عليه ، حتى لو هلكت في تلك الحالة : ضمنها ، فلا يبرأ إلا بالرد على المالك - ولم يوجد - ولأن الوديعة تضمن بالخلاف من طريق القول - وهو الجحود - تارة ، وبالخلاف من طريق الفعل أخرى ، ثم إذا ضمنها بالجحود لم يبرأ بذلك الخلاف ما لم يردها إلى المالك فكذلك بالاستعمال بل أولى ; لأن الاستعمال يتصل بالعين ، والجحود لا يتصل به . وقاس بالمستأجر للدابة إلى مكان : إذا جاوزه ثم عاد إليه لم يبرأ . وكذلك المستعير يعلم أنه أمين ضمن الأمانة بالخيانة ، ولأن المودع معير يده من المودع في الحفظ ، فإذا خالف فقد استرد يد عاريته ، وهو ينفرد به ، ثم إذا عاد إلى الوفاق فقد أراد إعادة يده ثانيا منه ، وهو لا ينفرد به ، ولأن موجب العقد هو الحفظ للمالك ، وبالخلاف [ ص: 115 ] يفوت موجب العقد ، إما لتركه الحفظ أصلا ، أو لتركه الحفظ للمالك حين حفظها لنفسه ; فلا يبقى العقد بعد فوات موجبه ، ولأن الإنسان إنما يأتمن الأمين على ماله - دون الخائن - ومطلق العقد يتقيد بدلالة العرف - كالشراء بمطلق الدراهم يتقيد بنقد البلد - وإذا تقيد العقد بما قبل الخلاف : لا يبقى بعده ، وحجتنا في ذلك : أن الإيداع مطلق فكان باقيا بعد الخلاف ، وبيان الوصف أنه قال : احفظ مالي ، أو قال : احفظه أبدا . ولا يشكل على أحد أن هذا اللفظ يتناول الحفظ قبل الخلاف وبعده ، ثم لم يبطل بالخلاف ; لأن بطلان الشيء بما هو موضع لإبطاله ، أو بما ينافيه ، والاستعمال ليس بموضع لإبطال الإيداع ، وهو لا ينافيه . ألا ترى أن الأمر بالحفظ مع الاستعمال صحيح - ابتداء - بأن يقول للغاصب : أودعتك ، وهو مستعمل له ، والخلاف ليس يرد ; لأن الأمر قول ، ورد القول بقول مثله ، ولأن الخلاف يكون في حال غيبة المودع ، ولو قال : رددت الأمر في هذه الحالة : لم يرتد . ولأنه تصرف في حفظ الواجب بالأمر على خلاف ما يوجبه ، وليس بتصرف في الأمر وصحة الأمر ، كأن يكون الآمر أهلا له . وكون الحفظ مقصودا من المأمور ، ولم ينعدم شيء من ذلك - بخلاف الجحود - فإنه رد للأمر بعينه ; لأن الجاحد يكون متملكا للعين . والمالك في ملكه لا يكون مأمورا بالحفظ من جهة غيره . والدليل عليه : أوامر الشرع ، فالجحود فيها رد ، والخلاف لا يكون ردا ، حتى لو ترك صوما أو صلاة : لم يكفر . ( وكذلك ) في أوامر العباد إذا وكله ببيع عين بألف ، فباعه بخمسمائة ، وسلم : لم تبطل الوكالة مع تحقق الخلاف ، ومع أن الوكالة جائزة غير لازمة - كالإيداع - . وعذره أن البيع لا يستغرق المدة ، فالأمر به لا يبطل بالخلاف ، والحفظ يستغرق المدة ، فيبطل الأمر به إذا خالف في بعض المدة هنا وهناك حتى يصير ضامنا ، ويشكل بالاستئجار للحفظ ، فإنه يستغرق المدة ثم لا يبطل بالخلاف من طريق الفعل . وعذره عن الإجارة أنها لازمة حتى لا يبطل بالجحود ضعيف ; لأن بطلان العقد " عنده " بفوات المعقود عليه ، واللازم وغير اللازم فيه سواء . إنما يفترق اللازم وغير اللازم فيما هو رد ، ثم في الاستئجار العقد ورد على منفعة الحافظ في المدة ، والمنفعة تحدث شيئا فشيئا ، فبترك الحفظ في بعض المدة يبطل العقد في ذلك القدر ، ويكون باقيا فيما وراءه كبقاء المعقود عليه ، فكذلك في الحفظ بغير بدل . فأما استئجار الدابة إلى مكان فقد قال بعض أصحابنا رحمهم الله : إن استأجرها ذاهبا وجائيا يبرأ عن الضمان بالعود إلى ذلك المكان ، فيصير ضامنا بالمجاوزة لوجود سبب الضمان ، ثم بالعود إلى ذلك المكان : لا يعود العقد بينهما . ولو سلمنا [ ص: 116 ] فنقول : العقد هناك يرد على منافع الدابة في ذلك المكان ، فبإخراج الدابة من ذلك المكان يفوت المعقود عليه أصلا ، وهنا العقد يرد على منفعة الحافظ ، وبالخلاف من طريق الفعل لم يفت جميع المعقود عليه ، إنما وقع التغير في التسليم في بعضه ; لأنه كان مأمورا بتسليم العين في المصر ، فإذا أخرجه يتغير التسليم ، من غير أن يفوت المعقود عليه ، حتى أن في الإجارة : لو حمل عليها حملا آخر في ذلك المكان ، ثم نزع : برئ عن الضمان لبقاء المعقود عليه ، وتمكن التغير كان في الاستيفاء ، ولأن المستأجر ضامن بالإمساك لا في المكان المأمور به ، وهو في الإمساك عامل لنفسه . ألا ترى أنه لو أمسكها أياما في بيته : كان ضامنا . فلا يتحقق الرد منه بعد الخلاف إذا كان ممسكا لمنفعة نفسه ، فأما المودع لا يضمن بالإمساك ، بل بالاستعمال ، وقد زال ذلك كله ، حتى أن في الإجارة إذا لم يضمن بالإمساك : برئ بترك الخلاف ، على ما قال في الإجارات : إذا استأجرت المرأة ثوب صيانة لتلبسه أياما ، فلبست بالليل : كانت ضامنة ، فإذا جاء النهار برئت ; لأن الضمان عليها بالاستعمال ليلا - دون الإمساك - . ( إذا ) ثبت بقاء عقد الوديعة ، فنقول : يد المودع كيد المودع ، فإما أن يجعل في حالة الخلاف ، كان العين في يد المالك ، والمستعمل متشبث به فإن هلك من عمله : ضمن وإلا فلا . كما لو تشبث بثوب في يد صاحبه ، وهذا اختيار الهندواني - رحمه الله - ، والأصح : أنه ضامن إذا هلك في حالة الخلاف ، سواء كان من استعماله ، أو من غير استعماله ، وفي الكتاب ما يدل عليه ; فإنه قال : برئ عن الضمان وذلك لا يكون إلا بعد صيرورة العين مضمونا عليه . ولو تنازعا في الهلاك أنه كان في حالة الخلاف ، أو بعد ترك الخلاف : كان القول قول المالك ، فعرفنا أنه صار ضامنا ، وطريق صيرورته ضامنا تفويت المعقود عليه ونزع يده ضمنا للخلاف . ولكن ما ثبت ضمنا للشيء يتقدر بقدره ، ففيما وراء زمان الخلاف يد المودع كيد المودع ; لبقاء العقد ، والاستدامة فيما يستدام له حكم الإنشاء ، ولو أودعه ابتداء برئ عن الضمان باعتبار أن يد المودع كيد المودع ، فكذلك هنا ، وتبين بهذا أن استرداده يد عاريته كان مقصودا ، على حالة الخلاف ; لأنه ثبت ضمنا له ودعوى تقيد الأمر بما قبل الخلاف كلام باطل ; فإن أحدا لا يظن بصاحب المال أن يقول : احفظ مالي ما لم تخن ، فإذا خنت فلا تحفظ ، ولكنه يقول : احفظ ، ولا تخن ، فإذا خنت فاترك الخيانة ، واحفظه لي ; لأن مقصوده من الأمر بالحفظ أن يكون ماله مصونا عنده . والحاجة إلى ذلك في حالة الخلاف أظهر . وإذا طلب المودع الوديعة ، فجحدها المستودع ، [ ص: 117 ] كان ضامنا لها ; لوجهين ( أحدهما ) : أنه بالجحود صار متملكا ; فإن الشرع جعل القول قوله فيما في يده ، ولا يتملك أحد مال الغير بغير رضاه إلا بالضمان ، ولأن المالك عزله عن الحفظ حين طالبه بالرد ، فهو بالجحود صار مانعا المالك عن ملكه ، مفوتا عليه يده الثابتة حكما ; فيكون كالغاصب : ضامنا بهذا الطريق ، ولم يذكر في الكتاب إذا جحدها ، لا في وجه المودع ، فإن قال له إنسان : ما حال وديعة فلان عندك ؟ فجحدها ، أو جحدها في وجه المودع ، من غير أن يطالبه بالرد بأن قال له : ما حال وديعتي عندك ؟ ليشكره على حفظها ، فجحدها . وذكر الفصلين في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله أنه على قول زفر يكون ضامنا ; لما ذكر : أنه بالجحود متملك لها ، ومفوت يد المالك حكما . ( وقال ) أبو يوسف : لا يكون ضامنا ; لأن المالك ما عزله عن الحفظ ; فيكون العقد باقيا وباعتبار بقائه ، يده كيد المالك في العين ، ولأن الجحود في حال غيبة المالك من الحفظ ; لأنه طريق لدفع طمع الطامعين عنها ; فلا يكون موجبا للضمان عليه . فإن أقام رب الوديعة البينة بعد جحود المودع أنه استودعه كذا ، ثم أقام المستودع البينة أنها ضاعت : فهو ضامن لها ; لأنه بالجحود صار ضامنا ، وهلاك المضمون في يد الضامن يقرر عليه الضمان ، وكذلك إن أقام البينة أنها كانت ضاعت قبل جحوده ; لأن البينة لا تقبل إلا بعد تقدم الدعوى ، وهو مناقض في كلامه ، فجحوده أصل الإيداع يمنعه من دعوى الهلاك قبله ; فلهذا لا تقبل بينته ، إلا أن يقر المودع بذلك ، فحينئذ لا ضمان على المودع ; لأن الإقرار موجب بنفسه في حق المقر ، ولأن المناقض إذا صدقه خصمه كان مقبول القول . وإن قال : لم تودعني شيئا ثم قال : قد أودعتني ولكنها هلكت : فهو ضامن لها ; لما بينا أن جحوده أصل الإيداع يمنعه من دعوى الهلاك قبله ، والهلاك بعد الجحود يؤكد الضمان عليه . وإن قال : قد أعطيتكها ، ثم قال بعد أيام : لم أعطكها ، ولكنها ضاعت ، لم يصدق وهو ضامن لها . وطعن عيسى في هذا وقال : لا ضمان عليه ; لأنه تكلم بكلامين ، لو تكلم بكل واحد منهما على الانفراد لم يكن ضامنا ، فبمجموعهما كيف يصير ضامنا ؟ وتقرير هذا من وجهين ، ( أحدهما ) : أن الضمان يستدعي سببا - لا محالة - ولم يوجد ; لأن قبضه بإذن المالك ، ولم يوجد منه جحود ليكون ضامنا . ( والثاني ) : أن قول المودع : رددتها ، أو هلكت ، معتبر في نفي الضمان عنه ، لا في ثبوت الرد به ; ولهذا لو ادعى الرد على الوصي ، لم يضمن الوصي شيئا ، وإذا كان المقصود نفي الضمان عنه ، ولا تناقض بين كلاميه فيما هو المقصود ، لا يكون ضامنا شيئا . ووجه ظاهر الرواية أنه مناقض في كلامه ; لأن إخباره بالرد [ ص: 118 ] يمنعه من دعوى الهلاك في يده ، وإخباره بالهلاك في يده يمنعه من دعوى الرد ; فسقط اعتبار كلامه للتناقض ، فيبقى ساكتا ممتنعا من رد الوديعة بعد ما طالب بها ، وذلك سبب موجب للضمان عليه ; فكان ضامنا لهذا . فإن قال : استودعتني ألف درهم ، فضاعت ، وقال الطالب : كذبت ، بل غصبتها مني ، فالقول قول المستودع ; لأن المقر له يدعي عليه سبب الضمان - وهو الغصب - والمستودع منكر لذلك ، ولم يسبق منه إقرار بسبب موجب للضمان ، إنما ذكر أن صاحب المال وضع ماله في موضع ، فضاع ، وفعل الإنسان في مال نفسه لا يكون موجبا للضمان على غيره . وإن قال المستودع : أخذتها منك وديعة ، وقال الآخر : بل غصبتني ، فهو ضامن لها ; لإقراره بوجود الفعل الموجب للضمان منه في ملك الغير - وهو الأخذ - . قال - صلى الله عليه وسلم - { : على اليد ما أخذت حتى ترد } . ثم ادعى ما يسقط الضمان عنه ، وهو إذن المالك إياه في الأخذ ، فلا يصدق على ذلك ، ويكون ضامنا ، إلا أن يقيم البينة ، أو يأتي المالك اليمين ; فيقوم نكوله مقام إقراره . وإن قال رب المال : بل أقرضتكها قرضا ، وقال المستودع : بل وضعتها عندي وديعة ، أو أخذتها منك وديعة ، وقد ضاعت ، فلا ضمان عليه ; لأنهما تصادقا على أن الأخذ حصل بإذن المالك ; فلا يكون موجبا للضمان إلا باعتبار عقد الضمان . والمالك يدعي ذلك بقوله : أقرضتكها ، والمودع منكر فكان القول قوله - لإنكاره - ثم بين في خلط الحنطة بالشعير أنه إن كان بحيث يستطاع أن يخلص ; فلا ضمان على المودع . وقد يكون ذلك بأن يدق حبات الحنطة فتغربل ، فتتميز من الشعير ، فإذا كان بهذه الصفة : كان هذا كخلط البيض بالسود ; فلا يكون موجبا للضمان . ( رجل ) استودع رجلا ألف درهم ، وله على المستودع ألف قرض ، فأعطاه ألف درهم ، ثم اختلفا بعد أيام فقال الطالب : أخذت الوديعة وقال المستودع : أعطيت القرض وقد ضاعت الوديعة : فالقول قول المستودع ; لأنه هو الدافع للألف ، فالقول قوله إنه من أي جهة دفعه ، وقد زعم أنه دفعه عن جهة قضاء الدين ; فبرئ من الدين به ، وبقيت الوديعة في يده ، وقد أخبر بهلاكها ; فالقول قوله في ذلك ، يوضحه : أنه لو لم يدفع إليه شيئا حتى أخبر بهلاك الوديعة ، كان القول قوله ، ولا يجب عليه إلا أداء الألف - بدل القرض - فكذلك إذا أخبر بهلاك الوديعة بعد أداء الألف . ( رجل ) استودع صبيا محجورا عليه مالا ، فاستهلكه : لم يضمن ، في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله . وهو ضامن في قول أبي يوسف والشافعي رحمهما الله . وجه قولهما : أن ضمان الاستهلاك ضمان فعل ، والصبي والبالغ فيه سواء ; [ ص: 119 ] لما بينا أن تحقق الفعل بوجوده . ألا ترى أن الوديعة لو كانت عبدا ، أو أمة ، فقتلهما الصبي ، كان ضامنا بهذا الطريق . فكذلك في سائر الأموال . ولأن الإيداع من الصبي باطل ; لأنه استحفاظ من لا يحفظ ، فكأنه لم يودعه ولكنه جاء فأتلف ماله . واستحفاظ من لا يحفظ : تضييع للمال ، فكأنه ألقاه على قارعة الطريق ، ولو فعل ذلك فأتلفه صبي كان ضامنا ؟ فكذا هذا . وحجة أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ما قال في الكتاب : لأنه صبي ، وقد سلطه رب المال على ماله حين دفعه إليه . ( وفي ) تفسير هذا التسليط نوعان من الكلام ( أحدهما ) : أنه تسليط باعتبار العادة ; لأن عادة الصبيان إتلاف المال ; لقلة نظرهم في عواقب الأمور ، فهو لما مكنه من ذلك - مع علمه بحاله - يصير كالإذن له في الإتلاف . وبقوله : احفظ ، لا يخرج من أن يكون إذنا ; لأنه إنما يخاطب بهذا من لا يحفظ ، فهو كمقدم الشعير بين يدي الحمار ، وقال : لا تأكل ، بخلاف العبد والأمة ; لأنه ليس من عادة الصبيان القتل ; لأنهم يهابون القتل ، ويفرون منه ، فلا يكون إيداعه تسلطا على القتل - باعتبار عادتهم - . وهذا بخلاف الدابة ، فإن من عادتهم إتلاف الدواب ، ركوبا ، فيثبت التسليط في الدابة بطريق العادة ، وإلا صح أن تقول : معنى التسليط : تحويل يده في المال إليه ; فإن المالك - باعتبار يده - كان متمكنا من استهلاكه ، فإذا حول يده إليه ، صار ممكنا له من استهلاكه - بالغا كان المودع ، أو صبيا - إلا أنه بقوله : احفظ ، قصد أن يكون هذا التحويل مقصورا على الحفظ - دون غيره - وهذا صحيح في حق البالغ ، باطل في حق الصبي ; لأنه لما التزم بالعقد ، والصبي ليس من أهله ، فيبقى التسليط على الاستهلاك بتحويل اليد إليه مطلقا ، بخلاف العبد والأمة ، فإن المالك - باعتبار يده - ما كان متمكنا من قتل الآدمي ، فتحويل اليد إليه لا يكون تسليطا على قتله ; لأن الإيداع من المالك تصرف في ملكه ، والمملوك في حكم الدم مبقى على أصل الحرية ; فلا يتناوله الإيداع . والتسليط يثبت باعتباره ، بخلاف ما لو قال : اقتل عبدي ; لأن ذاك استعمال ، والاستعمال وراء التسليط ، فإن بعد الاستعمال إذا لحقه ضمان ، يرجع على المستعمل ، وبعد التسليط يسقط حق المسلط في التضمين - لرضاه به - ولا يثبت لأحد حق الرجوع عليه . ولهذا قلنا في هذا الموضع : إن الصبي المستهلك ، إذا ضمن للمستحق ، لا يرجع على المودع ، بخلاف ما لو قال له : أتلفه ، فذلك استعمال للصبي ، وهذا تسليط له بمنزلة قوله : أبحت لك أن تأكل هذا الطعام ، إن شئت ، ولو قال ذلك ، فأكله الصبي ، لم يضمن . ولو جاء مستحق وضمنه ، لم يرجع على الذي قال له ذلك ; فهذا مثله ، إلا أن أبا يوسف يقول : قوله : احفظه ، بمنزلة الاستثناء مما تناوله مطلق التسليم . [ ص: 120 ] والاستثناء تصرف من المستثني على نفسه في حقه ; فلا يعتبر لصحته حال المخاطب به ، أو ثبوت ولاية له عليه ، بل باستثنائه يخرج ما وراء الحفظ من هذا التسليط . فإذا استهلكه الصبي كان مستهلكا بغير إذنه . ولكن أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يقولان : التسليط : بالفعل ، وهو نقل اليد إليه مطلقا . وقوله : احفظ ، كلام ، فلا يتحقق استثناؤه من الفعل المطلق ، بل يكون معارضا لذلك الفعل الذي هو تسليط ، ولا يكون معارضا إلا بعد صحته حكما ; لكون المخاطب من أهل الالتزام بالعقد ، وذلك في حق البالغ دون الصبي ، فيبقى التسلط في حق الصبي . والدليل عليه : أن الصبي لو ضيع الوديعة ، لم يضمن ; بأن رأى إنسانا يأخذها ، أو دله على أخذها ، والبائع يضمن - بمثله - . فعرفنا أن العارض صحيح في حق البالغ - دون الصبي - . وعلى هذا : لو أودع عبدا ، محجورا عليه ، مالا فاستهلكه : لم يضمن ، عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يعتق ; لأن العارض صحيح في حقه دون المولى فإنه التزام بالعقد . وعلى قول أبي يوسف : يباع فيه في الحال ; لأن المودع يتصرف على نفسه في الاستثناء ; فيبقى الاستهلاك بغير إذنه . فإن كان العبد صبيا لم يضمن " عندهما " في الحال ، ولا بعد البلوغ والعتق ; لأن العارض لم يصح في حقه ولا في حق المولى . وإن كان الصبي ، أو العبد مأذونا ، كان ضامنا في الحال ; لأن العارض قد صح في حقهما ، وفي حق المولى ; فالمأذون من أهل الالتزام بالعقد ، ولهذا يؤاخذان بضمان التضييع . وعلى هذا : الخلاف لو أقرض صبيا محجورا عليه ، أو عبدا محجورا عليه ، مالا فاستهلكه ; لأن التسليم إليه تسليط . وقوله : أقرضتك : معارض لقوله : احفظ في الوديعة - على ما بينا - ، وكذلك لو باع من صبي محجور عليه ، أو عبد محجور عليه شيئا ، فاستهلكه ، فهو على هذا الخلاف ; لأن التسليم إليهما تسليط . وقوله : بعت ، معارض فلا يعمل هذا المعارض في حق الصبي أصلا ، ولا في حق العبد حتى يعتق ، فهذا هو الحرف الذي يخرج عليه هذه المسائل . ( وإن ) هلكت الوديعة عند الصبي والعبد : فلا ضمان عليهما ; لانعدام صنيع موجب للضمان منهما . وفي قتل العبد والأمة يجب عليهما ما يجب قبل الإيداع ، فعلى عاقلة الصبي قيمة المقتول في ثلاث سنين - عمدا قتله أو خطأ ; لأن عمد الصبي وخطأه سواء - وعلى المملوك القصاص إن قتله عمدا ، وإن قتله خطأ : يخاطب المولى بالدفع ، أو الفداء في العبد ، وعليه القيمة في المدبر ، وأم الولد ، يعني الأقل من قيمة المقتول وقيمة القاتل . وعلى المكاتب أن يسعى في الأقل من قيمته ، ومن قيمة المقتول . ولو أودع رجلا شيئا فاستهلكه ابن له صغير ، أو عبد : فعلى المستهلك ضمانه في الحال ; [ ص: 121 ] لأن قبوله الوديعة يكون إذنا لمن في عياله بأن يحفظها . والصبي والعبد إذا كان مأذونا في حفظ الوديعة يؤاخذ بضمان الاستهلاك . . ( رجل ) استودع رجلا ألف درهم ، فدفعها المستودع إلى آخر ، وادعى أن رب الوديعة أمره بذلك : لم يصدق عليه إلا ببينة . ( وقال ) ابن أبي ليلى : هو مصدق في ذلك مع يمينه ; لأن " عنده " : للمودع أن يودع ، وهو منكر لوجوب الضمان عليه . " فأما عندنا " : ليس للمودع أن يودع ، فدفعه إلى الثاني سبب لوجوب الضمان عليه . ثم يدعي ما يسقط الضمان عنه - وهو الإذن - ; فلا يصدق إلا ببينة ، كما لو أخذ مال إنسان فادعى أنه أخذه بإذنه ، وله أن يستحلف صاحبها أنه لم يأمره بالدفع ; لأنه لو أقر بالأمر برئ المودع ، فإذا أنكر يستحلف ; لرجاء نكوله . فإن كان رب الوديعة أمره أن يدفعها إلى رجل ، فقال : قد دفعتها ، وقال الرجل : لم أقبضها منك ، وقال رب الوديعة : لم تدفعها ، فالقول قول المودع مع يمينه ; لأن دعواه الدفع إلى من أمر المالك بالدفع إليه بمنزلة دعواه الدفع إلى مالكها ; فيكون مصدقا في براءته عن الضمان دون وصول المال إلى ذلك الرجل ، حتى لا يضمن ذلك الرجل ، ما لم تقم البينة على قبضه . . وإذا قال صاحب الوديعة للمودع : اخبأها في بيتك هذا ، فخبأها في بيت آخر في داره تلك ، فضاعت : فلا ضمان عليه - استحسانا - وفي القياس : هو ضامن ; لأنه خالف أمره نصا ، فهو كما لو قال : اخبأها في دارك هذه ، فخبأها في دار أخرى ; فهلكت . وفي الاستحسان يقول : إنما يعتبر من كلامه ما يكون مفيدا دون ما لا يكون مفيدا . ألا ترى أنه لو قال : احفظها بيمينك دون يسارك ، أو : انظر إليها بعينك اليمنى دون اليسرى ، لم يعتبر ; لأنه غير مفيد . إذا ثبت هذا فنقول : البيتان في دار واحدة لا يتفاوتان في معنى الحرزية ; لأن الكل حرز واحد . ألا ترى أن السارق إذا أخرج المتاع من أحد البيتين إلى البيت الآخر ، لم يقطع إذا أخذ قبل أن يخرجه من الحرز ، فأما الداران يتفاوتان في الحرز ، فكان تقييده في الدار مفيدا ; لأن كل دار حرز على حدة . ألا ترى أنه لو قال له : لا تخرج بها من الكوفة ، فخرج بها إلى البصرة كان ضامنا ; لأن التقييد في المصرين مفيد ، فإن انتقل من الكوفة إلى البصرة ، أو إلى غيرها لشيء لم يكن له منه بد ، فهلكت : فلا ضمان عليه ; لأن المودع إنما يلتزم شرط المودع بحسب إمكانه . ألا ترى أنه لو قال : أمسكها بيدك ولا تضعها ليلا ولا نهارا ، فوضعها في بيته ; فهلكت : لم يضمنها ، ; لأن ما شرط عليه ليس في وسعه - باعتبار العادة - فكذلك يسقط اعتبار شرطه . إذا لم يجد بدا من الانتقال من بلد إلى بلد ، فلا ضمان عليه [ ص: 122 ] إذا هلكت ، وهذا بناء على أصلنا ; فإن للمودع أن يسافر الوديعة عند إطلاق العقد ، " وعند الشافعي " : ليس له ذلك ; لأن فيه تعريض المال للهلاك . قال - صلى الله عليه وسلم - { : المسافر ومتاعه وماله على قلت إلا ما وقى الله - تعالى - } . وليس للمودع تعريض الوديعة للمتلف ، وهذا بخلاف الأب والوصي والمضارب ; فإنهم يسافرون للتجارة وطلب الربح . ![]()
__________________
|
|
#234
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 122 الى صـــ 131 (234) ألا ترى أن لهم أن يسافروا بالمال من طريق البحر . وليس للمودع حق التصرف والاسترباح في الوديعة ; ولهذا : لا يسافر من طريق البحر ، يوضحه : أن مقصود المودع أن يكون ماله في المصر محفوظا ، يتمكن منه متى شاء ، ويفوت عليه هذا المقصود إذا سافر المودع به . وحجتنا في ذلك : أن الأمر مطلق ، فلا يتقيد بمكان دون مكان ، كما لا يتقيد بزمان ; وهذا لأن من يراعى أمره في شيء يراعى إطلاق أمره ، كأوامر الشرع ، والأمكنة كلها في صفة الأمر سواء ، إنما الخوف من الناس - دون المكان - فإذا كان الطريق أمنا ، كان الحفظ فيه كالحفظ في جوف المصر . ومراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بيان الحالة في ذلك الوقت . فإن المسلمين كانوا لا يأمنون خارج المدينة ; لغلبة الكفار . ألا ترى أنه فيما أخبر من الأمر بعده قال : يوشك أن تخرج الظعينة من القادسية إلى مكة لا تخاف إلا الله - تعالى - والذئب على غنمها . ولا يجوز أن يتقيد مطلق أمره بالعرف والمقصود ; لأن النص مقدم على ذلك ، والمقصود مشترك ، فقد يكون قصده : أن يحمل المال إليه ، خصوصا إذا سافر إلى البلد الذي فيه صاحب المال ، ولأن المودع لا يتعذر عليه الخروج للسفر في حاجته بسبب قبول الوديعة ، وإذا خرج : فإما أن يدفع الوديعة إلى غيره ; فيكون تاركا للنص ; لأنه أمره أن يحفظ بنفسه ، وإما أن يحمل مع نفسه ; فيكون مخالفا لمقصوده ، ولا شك أن مراعاة النص أولى من مراعاة المقصود ، ولهذا قال أبو حنيفة : ماله حمل ومؤنة ، وما لا حمل له ولا مؤنة في ذلك سواء - بعدت المسافة أو قربت - لمراعاة النص ، وهو القياس . واستحسن أبو يوسف رحمه الله فقال : إذا كان له حمل ومؤنة ، فليس له أن يسافر به ; لأنه يلزم صاحبها مؤنة الرد ، ولا ولاية له عليه في إلزام المؤنة إياه . واستحسن محمد رحمه الله فقال : إذا قربت المسافة فله أن يسافر بها ، وإذا بعدت المسافة فليس له ذلك ; لأنه يعظم الضرر والمؤنة على صاحبها عند بعد المسافة ، إذا أراد ردها . ولو أودعه وديعة فقال : لا تدفعها إلى امرأتك ، أو عبدك ، أو ولدك ، أو أجيرك ; فإني أتهمهم عليها ، فدفعها إلى الذي نهاه عنه ، فهلكت : فإن كان يجد بدا من الدفع إليه - بأن كان له سواه أهل وخدم - : فهو ضامن ، وإن كان لا يجد بدا من ذلك : لم يضمن ; لأن شرطه هذا مفيد ، وقد [ ص: 123 ] يأتمن الإنسان الرجل على ماله ولا يأتمن زوجته ، إلا أنه إنما يلزمه مراعاة شرطه بحسب الإمكان . فإذا كان يجد بدا من الدفع إلى من نهاه عنه ; فهو متمكن من حفظها على الوجه المأمور به ، فيصير ضامنا بحفظها على الوجه المنهي عنه ، وإذا كان لا يجد بدا من ذلك ، فهو حافظ لها - بحسب الإمكان - وليس عليه أكثر من ذلك : فلا يضمنها .وإذا استعمل المودع الوديعة وأقر بذلك ثم قال : رددتها إلى مكانها فهلكت : لم يصدق إلا ببينة ; لأن السبب الموجب للضمان عليه - وهو الاستعمال - معلوم ، ثم ادعى ما يسقط الضمان عنه - وهو ترك الخلاف قبل الهلاك - فلا يصدق إلا بحجة فإن أقام البينة أنه رده إلى وضعه صحيحا ، ثم هلك : كان الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، فلا يضمن شيئا عندنا . وإن كانت الوديعة أمة ، فوطئها المودع ، فولدت : فالولد مملوك لصاحب الأصل ، وعلى المودع الحد ، ولا يثبت نسب الولد منه ; لأن فعله زنا محض ، وكونها وديعة عنده لا يمكن في شبهة المحل إلا أن يدعي شبهة نكاح ، أو شراء ; فحينئذ يسقط الحد عنه ، ويغرم العقر للشبهة . ( وإذا ) استودع رجلان رجلا وديعة من دراهم ، أو دنانير ، أو ثياب ، أو دواب ، أو عبيد ، ثم حضر أحدهما وطلب حقه منه : لم يكن له ذلك حتى يجتمعا ولو خاصمه إلى القاضي ، لم يأمره بدفع نصيبه إليه ، في قول أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - : يأمره بأن يقسم ذلك ويدفع نصيبه إليه ، ولا تكون قسمته جائزة على الغائب ، وعن محمد - في الأمالي - قال : قول أبي حنيفة أقيس وقول أبي يوسف رحمه الله أوسع وجه : قولهما : أن كل واحد من المودعين مالك لنصيبه حقيقة ; فلا يتعذر عليه قبض نصيبه في غيبة الآخر ، كالشريكين في الدين إذا حضر أحدهما كان له أن يطالب المديون بنصيبه ; وهذا لأنه يجب دفع الضرر عن الحاضر ، كما يجب دفع الضرر عن الغائب ، وإنما يندفع الضرر عنهما فيما قلنا : بأن يقسم ، فيدفع إلى الحاضر نصيبه ، ليندفع الضرر عنه ، ثم لا تنفذ قسمته على الغائب ، حتى إذا هلك الباقي في يده ، ثم حضر الغائب : كان له أن يشارك الحاضر فيما قبض دفعا للضرر عنه ، هذا في المكيل والموزون واضح ، فإن الحاضر له أن ينفرد بأخذ نصيبه منهما مع غيبة الآخر ، فكذلك للمودع أن يدفع نصيبه إليه . وقد بينا نظيره في مال المفقود . ومذهب أبي حنيفة مروي عن علي . والمعنى فيه أنه لو دفع شيئا إلى الحاضر : فإما أن يكون المدفوع من نصيبهما جميعا ، أو نصيب الحاضر خاصة ، ولا يمكن أن يجعل ذلك من نصيب الحاضر خاصة ; لأن ذلك لا يكون إلا بعد قسمة معتبرة ، وليس للمودع ولاية على الغائب في القسمة ، فلم يبق إلا أن يكون المدفوع من النصيبين ، [ ص: 124 ] ودفع مال الغير إلى الغير يكون جناية ; فلا يكون للمودع أن يباشر ذلك ، ولا يأمره القاضي به . والحاضر ، وإن كان يتضرر بهذا ، فقد رضي بالتزام هذا الضرر حين ساعد شريكه على الإيداع قبل القسمة ، وإن كان يتمكن هو من أخذه . فكذلك لا يدل على أنه يكون للمودع أن يدفع إليه . ألا ترى أن صاحب الدين إذا طالب المودع بقضاء دينه من الوديعة ، لم يؤمر المودع بذلك ، ولو ظفر به وهو من جنس حقه كان له أن يأخذه ، وهذا بخلاف الدين ; لأن المديون إنما يقضي بالدين من ملك نفسه ، فدفعه نصيب الآخر إليه تصرف في ملكه ، وليس فيه قسمة على الغائب ; فلهذا يؤمر بخلاف ما نحن فيه . ( رجل ) أودع رجلا دراهم ، فجاء رجل فقال : أرسلني إليك صاحب الوديعة لتدفعها إلي ، فصدقه ، ودفعها إليه ، فهلكت عنده ، ثم حضر صاحبها وأنكر الرسالة : فإنه يضمنها له ; لأنه دفع ماله إلى غيره . وبتصادقهما : لا يثبت الأمر في حق المالك إذا أنكر ; فكان ضامنا ، ولا يرجع بها على الرسول إذا كانت الوديعة هلكت في يده ، أو زعم أنه أوصلها إلى صاحبها ; لأنه قد صدقه - فإنه رسول أمين - وإن المالك ظالم في تضمينه إياه ، ومن ظلم فليس له أن يظلم غيره ، إلا أن يكون المقبوض قائما بعينه في يده فيأخذه ; لأنه قد تملكه بأداء بدله ، وإن كان كذبه في دعوى الرسالة ، أو لم يصدقه ولم يكذبه ، ودفع المال إليه ، ثم جاء المالك فضمنه ، فله أن يرجع على الرسول ; لأنه لم يقر بأنه كان أمينا ، ولكن دفع المال إليه بناء على قوله أنه رسول المالك ، وأنه لا يلحقه غرم بسبب الدفع إليه ، فإذا لحقه غرم كان له أن يرجع عليه به ، ولو صدقه في دعوى الرسالة ، ودفعه إليه ، وضمنه يعني أن الرسول قال له : إن لحقك فيه غرم فأنا ضامن لك ، ثم حضر المالك وضمنه : فله أن يرجع على الرسول ; لأنه قد ضمن له ذلك ، وهذه كفالة مضافة إلى سبب وجوب المال ; فإنهما يتصادقان أن المالك ظالم وأن ما يقبضه دين عليه للمودع ، والرسول ضمن له ذلك مضافا إلى سبب الوجوب ; فلهذا طالبه به . ( وإذا ) كان عند رجل وديعة ، أو عارية ، أو بضاعة ، فغصبها منه رجل ، فهو خصمه فيها " عندنا " ، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - : لا خصومة بينهما ، حتى يحضر المالك . ولأن المال ملك صاحبه ، فإنما يخاصم في الاسترداد ، هو أو وكيله ، والمودع ليس بوكيل عنه في الخصومة ; فلا يخاصم في الاسترداد كأجنبي آخر . ولكنا نقول : للمودع يد معتبرة في الوديعة ، وقد أزالها الغاصب ; فكان له أن يخاصم عن نفسه ; لإعادة اليد التي أزالها بالغصب ، ولأنه مأمور بالحفظ من جهة المودع ، ولا يتأتى له الحفظ إلا باسترداد عينه من الغاصب ، أو استرداد [ ص: 125 ] قيمته بعد هلاك العين ; ليحفظ ماليته عليه ، فكان كالمأمور به دلالة ، وفي إثبات حق الخصومة له تحقيق معنى الحفظ ; لأن الغاصب إذا علم أن المودع لا يخاصمه في حال غيبة المودع تجاسر على أخذه ; فلهذا كان المودع فيه خصما . وإن كانت الوديعة عند رجلين - من ثياب أو غيرها - فاقتسماها وجعل كل واحد منهما نصفها في بيته ، فهلك أحد النصفين ، أو كلاهما : فلا ضمان عليهما . وهكذا أمر الناس ; لأنهما لا يستطيعان أن يجتمعا على حفظها في مكان واحد ; لما بينا أن المودع إنما يلتزم الحفظ بحسب إمكانه . ومعلوم أنهما لا يقدران على أن يتركا جميع أشغالهما ، ويجتمعا في مكان واحد لحفظ الوديعة . والمالك لما أودعهما - مع علمه بذلك - فقد صار راضيا بقسمتها وحفظ كل واحد منهما للنصف دلالة ، والثابت بالدلالة كالثابت بالنص . وإن أبيا القسمة وأودعاه عند رجل ، فهلك : ضمناه ; لتركهما ما التزماه من الحفظ والمستبضعان والوصيان ، والعدلان في الرهن قياس المودعين في ذلك ، فإن تركها أحدهما عند صاحبه - وإن كان ذلك شيئا لا يحتمل القسمة - فلا ضمان على واحد منهما إذا هلك ; لأن المالك لما أودعهما - مع علمه أنهما لا يجتمعان على حفظه آناء الليل والنهار - فقد صار راضيا بحفظ كل واحد منهما لجميعه . ألا ترى أنهما يتهايآن في الحفظ ، وفي مدة المهايأة يتركه كل واحد منهما عند صاحبه في نوبته . فإن كان شيئا يحتمل القسمة ، فتركه أحدهما عند صاحبه : فلا ضمان على الذي هلك في يده ; لأنه مقبل على حفظه ، وهو في نصيب صاحبه مودع المودع . ومودع المودع عند أبي حنيفة لا يضمن . فأما الدافع عند أبي حنيفة - رحمه الله - فإنه ضامن للنصف ; لأنه ترك الحفظ الذي التزمه مع الإمكان ، فإنهما يتمكنان من القسمة ; ليحفظ كل منهما نصفه ، وعندهما لا يضمن شيئا ; لأنه لما ائتمنهما ، فقد صار راضيا بحفظ كل واحد منهما له ، كما لا يحتمل القسمة . وقول أبي حنيفة أقيس ; لأن رضاه بأمانة اثنين لا يكون رضا بأمانة واحد ، فإذا كان الحفظ منهما يتأتى عادة ، لا يصير راضيا بحفظ أحدهما للكل وحده . ( وإذا ) احترق بيت المودع وأخرج الوديعة مع متاعه ، ووضعه في بيت جاره ، فهلك : فهو ضامن في القياس ; لأنه ترك الحفظ الذي التزمه بالتسليم إلى غيره ، وعذره يسقط المأثم عنه ، ولكن لا يبطل حق المالك في الضمان . وفي الاستحسان : لا ضمان عليه ; لأنه لا يجد بدا من هذا في مثل هذه الحالة ، ولأن وضعه في بيت جاره - في مثل هذه الحالة - من الحفظ ; لأنه يقصد به دفع الحرق عن الوديعة . ألا ترى أنه إنما يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ مال نفسه ، وإنما يحفظ مال نفسه في هذه [ ص: 126 ] الحالة بهذا الطريق . أرأيت لو كان في سفينة ، فغرقت ، فناول الوديعة إنسانا على الجلد - يمسكها - أكان ضامنا ؟ . ( وإذا ) كانت الوديعة إبلا ، أو بقرا ، أو غنما ، وصاحبها غائب ، فإن أنفق عليها المستودع من ماله بغير أمر القاضي ، فهو متطوع ; لأنه متبرع بالإنفاق على ملك الغير ، بغير أمره . وإن دفعها إلى القاضي : يسأله البينة ; لأنه يدعي ثبوت ولاية الأمر بالإنفاق للقاضي فيه ; فلا يصدقه إلا ببينة . فإن أقام البينة أنها وديعة عنده لفلان : أمره أن ينفق عليها من ماله على قدر ما يرى القاضي ; لأنه مأمور بالنظر ، والحيوان لا يبقى بدون النفقة ، والمودع لا ينفق بغير أمره ; لأنه لا يرضى بالتبرع به ، فيأمره بذلك ، نظرا منه للغائب ، ويكون ذلك دينا على رب الوديعة ; لأن أمر القاضي - في حال قيام ولايته - كأمره بنفسه ، ولو أمره بأن ينفق : كان ما ينفقه دينا له على المالك . فكذا إذا أمره القاضي به . فإذا جاء : أجبره على رد نفقته عليه ، وإن رأى القاضي أن يأمره ببيعها ، فعل ذلك ، وإذا باعها جاز بيعه ; لأن في الأمر بالإنفاق تلف بعض المالية على المالك ، وفي البيع يتوفر عليه حفظ جميع المالية فلهذا نفذ بيعه بأمر القاضي . وإن لم يكن رفعها إلى القاضي ، واجتمع عنده من ألبانها شيء كثير ، يخاف فساده ، أو كان ذلك ثمرة أرض فباع بغير أمر القاضي ; فهو ضامن لها إن كان في مصر يتمكن من استطلاع رأي القاضي . وإن باعها بأمر القاضي لم يضمن ; لأن القاضي نائب الغائب فيما يرجع إلى النظر له ، ولو تمكن من استطلاع رأي المالك فباعه بغير أمره : لم ينفذ بيعه ، وكان ضامنا . فكذلك إذا تمكن من استطلاع رأي القاضي فلم يفعل ، فأما إذا كان في موضع لا يتوصل إلى القاضي قبل أن يفسد ذلك الشيء : لم يضمن - استحسانا - ; لأن بيعه الآن من الحفظ ، وليس في وسعه إلا ما أتى به . ( وحكي ) أن أصحاب محمد رحمهم الله مات رفيق لهم في طريق الحج ، فباعوا متاعه ، وجهزوه به ، ثم رجعوا إلى محمد - رحمه الله - فسألوا عن ذلك فقال : لو لم تفعلوا لم تكونوا فقهاء { والله يعلم المفسد من المصلح } . وإن حمل عليها المستودع ; فنتجت ، ولم يكن صاحبها أمر بذلك : فأولادها لصاحبها ; لأن الولد خير متولد من الأصل ، يملك بملك الأصل ، وإن هلكت الأمهات بذلك ، فالمستودع ضامن لها ; لأنه مخالف حين أتى بغير ما أمر به فيضمن ما هلك بسببه . ( ولو ) أكرى الإبل إلى مكة ، وأخذ الكراء كان الكراء له ; لأنه وجب بعقده ، وليست الغلة كالولد ولا كالصوف واللبن ; فإن ذاك يتولد من الأصل فيملك بملك الأصل ، وهذا غير متولد من الأصل ، بل هو واجب بالعقد ; فيكون للعاقد . وقد بينا نظيره [ ص: 127 ] في الغصب . ( وإن ) ادعى المستودع أنه أنفق الوديعة على عيال المودع بأمره ، وصدقه عياله في ذلك ، وقال رب الوديعة لم آمرك بذلك : فالقول قول رب الوديعة مع يمينه ; لأن المودع باشر سبب الضمان في الوديعة - وهو الإنفاق - وادعى ما يسقط الضمان عنه - وهو إذن المالك - ; فلا يصدق على ذلك إلا ببينة ، وإذا لم تكن له بينة : فالقول قول رب الوديعة مع يمينه لإنكاره . وكذلك لو ادعى أنه أمره بأن يتصدق بها على المساكين ، أو يهبها لفلان . فإن كانت الوديعة جارية فزوجها المستودع من رجل ، وأخذ عقرها فولدت ، ونقصتها الولادة ، ثم جاء سيدها : له أن يأخذها وولدها ، وله أن يفسد النكاح ; لأن المودع باشره بغير رضاه فكان موقوفا على إجازته ، وإذا فسد النكاح : أخذ عقرها ; لأن المستوفى بالوطء في حكم جزء من العين ، والعقر كالأرش ، فيكون بمنزلة المتولد من العين بخلاف الأجر ، ويضمن المستودع نقصان الولادة إن كانت الولادة نقصتها ، ولم يكن في الولد وفاء بها ، وإن كان في الولد وفاء بها : انجبر النقصان بالولد ; لأن المودع صار كالغاصب فيما صنع ، وقد بينا هذا الحكم في حق الغاصب . وإن كان نقصانها من غير الولادة - من شيء أحدثه الزوج من جماعها - فالمستودع ضامن لذلك ; لأنه سلط الزوج على ذلك ، وصار غاصبا بما صنع ، وإنما ينجبر بالولد نقصان الولادة ; لاتحاد سبب النقصان والزيادة ، وذلك لا يوجد في نقصان حدث بسبب آخر ، وإن كان المستودع استهلك الولد : ضمن قيمة الولد ; لأن الولد كان أمانة عنده - كولد الغصب عند الغاصب - فيضمن قيمته بالاستهلاك . ( ثم ) رد قيمة الولد كرد عينه في انجبار نقصان الولادة به . ( رجل ) استودع رجلين جارية فباع أحدهما نصفها الذي في يده فوقع عليها المشتري فولدت له ، ثم جاء سيدها : ( قال ) : يأخذها وعقرها ، وقيمة الولد ; لأن المستولد مغرور ، فإن قيام الملك له في نصفها كقيام الملك له في جميعها ، في صحة الاستيلاد ، ولو كان الملك له في جميعها ظاهرا ، كان يتحقق الغرر ، فكذلك في نصفها . وولد المغرور حر بالقيمة . ثم رد قيمة الولد كرد عين الولد في جبر نقصان الولادة به فإن لم يكن في قيمة الولد وفاء بالنقصان : أخذ تمام ذلك من المشتري ; لأن المشتري كان غاصبا لها في حق مالكها ، فيكون ضامنا لما حدث من النقصان في يده ، ثم يرجع المشتري على البائع بالثمن ، وبنصف قيمة الولد ; لأن البائع إنما ملكه نصفها ، ولو ملكه كلها رجع عليه بجميع قيمة الولد ، إذا ظهر الاستحقاق ، فالجزء معتبر بالكل . وأما الرجوع بالثمن فلانفساخ البيع بسبب الاستحقاق ، وإن شاء رب الجارية ضمن [ ص: 128 ] البائع نصف النقصان ; لأنه كان أمينا في نصفها ، وقد تعدى بالبيع والتسليم . ألا ترى أنها لو هلكت كان له أن يضمن البائع نصف قيمتها ، فكذلك إذا فات جزء منها بالولادة . فإن لم يعلم أن الجارية لهذا الذي حضر إلا بقول المستودعين لم تقبل شهادتهما في ذلك ; لأن البائع منهما مناقض في كلامه ، والآخر قد تملك عليه المستولد نصيبه أيضا بالضمان ; فلا تقبل شهادتهما على إبطال ملك ثابت للمستولد عليهما ، ولكن الجارية أم ولد للمشتري ، باعتبار الظاهر ، ويضمن لشريكه نصف قيمتها ، ونصف عقرها فيدفعه إلى شريكه فيها ، كما هو الحكم في جارية مشتركة بين شريكين يستولدها أحدهما . ( فإن قيل ) : كيف يغرم للشريك هنا ، وهو يأبى ذلك ، ويزعم أنها مملوكة لغيره ؟ ( قلنا ) : نعم ، ولكنه صار مكذبا في زعمه شرعا حين كانت الجارية أم ولد للمشتري ; فلهذا سقط اعتبار زعمه . ( وإذا ) جحد المستودع ما عنده من الوديعة ، ثم أودع من ماله عند المودع مثل ذلك : وسعه إمساكه قصاصا بما ذهب به من وديعته ; لأن المال صار دينا له على المستودع بجحوده . وصاحب الحق متى ظفر بجنس حقه من مال المديون يكون له أن يأخذه . والأصل فيه : قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهند : { خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف } . ( وقيل ) في تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - لصاحب الحق : اليد واللسان ، أن المراد أخذ جنس حقه إذا ظفر به . وكذلك إن كان المال دينا عليه ، وأنكره ، ثم أودعه مثله ، فأما إذا أودعه شيئا من غير جنس حقه لم يسعه إمساكه عنه ; لأن هذا بيع عند اختلاف الجنس فلا ينفرد هو به ، والأول : استيفاء ، وصاحب الحق ينفرد بالاستيفاء ، وحكي عن ابن أبي ليلى رحمه الله التسوية بينهما ; للمجانسة من حيث المالية ، ولكنه بعيد ; فالوديعة عين لا يكون له أن يحبسها باعتبار صفة المالية ، إذا لم يثبت له حق تملك العين ، ولا يدخل عليه المرهون ; لأن هناك : المرتهن يحبس المرهون بإيجاب الراهن ملك اليد له في العين ، وإن كان عند الهلاك يصير مستوفيا دينه باعتبار المالية ، ثم عند المجانسة إذا طلب الثاني يمين المودع الأول ، كان له أن يحلف بالله : لا يلزمني تسليم شيء إليك ، فإن قال للقاضي : حلفه بالله ما استودعته كذا : فله ذلك إلا أن يؤدي المدعى عليه ، فيقول : قد يودع الرجل غيره شيئا ، ثم لا يلزمه تسليم شيء إليه . فإن أدى بهذه الصفة ، فقد طلب من القاضي أن ينظر له ، فيجيبه إلى ذلك . فأما إذا لم يذكر هذا فإن القاضي يحلفه - كما طلب الخصم - بالله ما أودعه ما يدعي ، ثم لا ينبغي له أن يحلف على ذلك ; لأنه يكون كاذبا في يمينه ، ولا رخصة في اليمين الكاذبة ، فطريق التخلص له : أن [ ص: 129 ] يعرض للقاضي بما ذكرنا ، أو يحلف : ما استودعتني شيئا إلا كذا وكذا ، يستثني ذلك بكلامه ويخفيه من خصمه ومن القاضي ، ويسعه ذلك ; لأنه مظلوم دافع الضرر عن نفسه ، غير قاصد إلى الإضرار بغيره ، إلا أن مجرد نيته لا تكفي لذلك ; لأنه يحتاج إلى إخراجه من جملة ما يتناوله كلامه ، لولا الاستثناء ، وذلك يحصل بالنية ; لأن الاستثناء بيان أن كلامه عبارة عما وراء المستثنى ، فلا يحصل ذلك إلا بما يصلح أن يكون ناسخا ، أو معارضا ، ومجرد النية لا تصلح لذلك ; فلهذا شرط التكلم بالاستثناء . وجه ذلك ما لو قرب إنسان أذنه من فمه سمع ذلك ، وفهمه . وأما إذا غاب رب الوديعة ، ولا يدرى : أحي هو أو ميت ، فعليه أن يمسكها حتى يعلم بموته ; لأنه التزم حفظها له ، فعليه الوفاء بما التزم ، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في العهود : وفاء لا غدر فيه . بخلاف اللقطة فإن مالكها غير معلوم عنده ، فبعد التعريف : التصدق بها طريق لا يصلها إليه ، وهنا مالكها معلوم ، فطريق إيصالها الحفظ إلى أن يحضر المالك ، أو يتبين موته فيطلب ، وارثه ، ويدفعها إليه . ، وإن مات الرجل ، وعليه دين ، وعنده ، وديعة ، ومضاربة ، وبضاعة ، فإن عرفت بأعيانها : فأربابها أحق بها من الغرماء ; لأن حق الغرماء بعد موت المديون يتعلق بماله دون مال سائر الناس ، وكما كانوا أحق بها في حياة المديون فكذلك بعد موته . وإن لم تعرف بأعيانها : قسم المال بينهم بالحصص ، وأصحاب الوديعة ، والمضاربة ، والبضاعة بمنزلة الغرماء عندنا ، وعلى قول ابن أبي ليلى : الغرماء أحق بجميع التركة . وأصل المسألة أن الأمين إذا مات مجهلا للأمانة ; فالأمانة تصير دينا في تركته عندنا ; لأنه بالتجهيل صار متملكا لها ، فإن اليد المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك ; ولهذا : لو شهد الشهود بها كان ذلك بمنزلة الشهادة بالملك ، حتى يقضي القاضي للوارث والمودع بالتمليك ; فيصير ضامنا ، ولأنه بالتجهيل يصير مسلطا غرماءه وورثته على أخذها . والمودع بمثل هذا التسليط يصير ضامنا كما لو دل سارقا على سرقتها ، ولأنه التزم أداء الأمانة ، ومن أداء الأمانة : بيانها عند موته ، وردها على المالك إذا طلب ، فكما يضمن بترك الرد بعد الطلب يضمن أيضا بترك البيان عند الموت وابن أبي ليلى يقول : هذا كله إذا علم قيامها عند الموت ، ولا يعرف ذلك ، ولكنا نقول : قد علمنا بقاءها ، والتمسك بما هو المعلوم واجب ، ما لم يتبين خلافه ، وربما يقول : حق الغرماء كان في ذمته ، ويتحول بالموت إلى ماله ، وحق أصحاب الأمانة لم يكن في ذمته في حياته ، فكيف يزاحمون الغرماء في ماله بعد موته ؟ ولكنا نقول : صار حقهم أيضا دينا قبل [ ص: 130 ] موته حين وقع اليأس عن بيانه ، ثم حق أصحاب الأمانة من وجه أقوى ، لعلمنا أنه كان في عين المال الذي في يده ، ومن له حق العين ، فهو مقدم على سائر الغرماء - كالمرتهن في الرهن - فإن كان لا يستحق صاحب الأمانة الترجيح ، فلا أقل من أن يزاحم الغرماء . ( وإذا ) رد المستودع الوديعة إلى المودع ، ثم أقام رجل البينة أنها له ، وحضروا عند القاضي : فلا ضمان على المستودع ; لأن فعله في القبض قد انتسخ بالرد إلى من أخذ منه ; فلا يبقى له حكم بعد ذلك ، وبيان الانتساخ من حيث الحس ظاهر . ومن حيث الحكم : فلأنه مأمور بالرد شرعا على من أخذها منه قبل حضور المالك . ألا ترى أن الأول لو كان غاصبا معروفا فطالب المودع بالرد عليه قبل أن يحضر المالك : ألزمه القاضي ذلك ، وكذلك لو كانت سرقة ، أو غصبا : فالمودع بالرد على من أخذه منه يكون ناسخا حكم فعله فيبقى للمالك قبله حق ; وهذا لأن وجوب الضمان عليه باعتبار التفويت ; فإن بأخذه فات على المالك التمكن من الأخذ من الأول ، وقد زال ذلك بالإعادة إلى يده . وكذلك إن كان المودع صبيا ، أو عبدا محجورا عليه ، وكذلك إن كان رب الوديعة صبيا ، أو عبدا ; لأن المسقط للضمان في حق المودع : رده إلى من أخذه منه ، وذلك متحقق منه . ( وإن ) كان المودع دفعها إلى إنسان بأمر المودع ، أو باع ، أو وهب ، وسلم بأمره ، ثم ظهر الاستحقاق : كان للمستحق أن يضمن المستودع ; لأنه ما نسخ فعله بالرد إلى من أخذه منه إنما سلمه إلى غيره ، وذلك سبب موجب للضمان عليه بدون أمر المودع ، وقد ظهر بالاستحقاق أن أمره لم يكن معتبرا ; فكان المستودع ضامنا - بخلاف الأول - فقد رد هناك إلى الموضع الذي أخذه منه ، وذلك ناسخ لفعله . ( عبد ) استودع رجلا وديعة ، ثم غاب : لم يكن لمولاه أن يأخذ الوديعة تاجرا كان العبد ، أو محجورا ; لأن المودع ما قبض منه شيئا ، ولأن تمكنه من أخذ هذا المال بشرطين ، ( أحدهما ) : قيام ملكه في رقبة الدافع في الحال . ( والثاني ) : فراغ ذمة الدافع عن دين العبد ; لأن دين العبد في كسبه مقدم على حق المولى ، والمودع ليس بخصم في إثبات هذين الشرطين عليه ، ولأنه إنما يتمكن من أخذه إذا علم أن الوديعة كسب العبد ، وذلك غير معلوم فلعلها كانت وديعة في يده لغيره ، وإنما أورد هذا لإيضاح ما سبق أن المودع رد الوديعة إلى من أخذها منه ، وليس عليه طلب المالك ليردها عليه ، فإن في هذا الموضع يلزمه ردها إلى العبد إذا حضر ، ولا يلزمه ردها على مالكها . ( وإذا ) مات رب الوديعة : فالوارث خصم في طلب الوديعة ; لأنه خليفة [ ص: 131 ] المورث ، قائم مقامه بعد موته ، فإن كان على الميت دين ، وله وصي ، فينبغي للمستودع أن يدفع الوديعة إلى الوصي ; لأنه قائم مقام الوصي بعد موته فأما الوارث فإنما يخلف المورث بشرط فراغ التركة عن حق الغرماء ; لأن حق الغرماء مقدم على حق الوارث ; فلهذا كان له أن يدفعها إلى الوصي ليبيعها فيقضي الدين ، ثم يدفع ما بقي إلى الوارث . ( وإن ) كانت الوديعة عبدا ، أو دابة ، أو ثوبا واحدا عند رجلين : فإنهما يتهايآن على حفظه ; فيمسكه كل واحد منهما شهرا ; لأن اجتماعهما على الحفظ - آناء الليل والنهار - لا يتصور ، ولأنهما يحفظان ما لا يحتمل القسمة من ملكهما بهذه الصفة ، فكذلك من الوديعة ; لأنهما يحفظان الوديعة على الوجه الذي يحفظان ما لهما . ( وإن ) وضعه أحدهما عند صاحبه ، فهلك ، لم يضمنا شيئا ; اعتبارا بما لو هلك في يد أحدهما في زمان المهايأة ، وقد بينا هذا . ( وإذا ) قال رب الوديعة : أودعتك عبدا وأمة ، وقال المستودع : ما أودعتني إلا الأمة ، وقد هلكت ، فأقام رب الوديعة البينة على ما ادعى : ضمن المستودع قيمة العبد ; لأنه جحد الوديعة في العبد ; فصار ضامنا قيمته ، ولا ضمان عليه في الأمة ; لأنه مقر الوديعة فيها ، وقد زعم أنها هلكت ، فالقول قوله مع يمينه . ( رجلان ) ادعى كل واحد منهما أمة في يد رجل أنه أودعها إياه ، وقال المستودع : ما أدري لأيكما هي ، غير أني أعلم أنها لأحدكما . ( قال ) : يحلف لكل واحد منهما ; لأن كل واحد منهما يدعي عليه أنه أودعه الأمة بعينها ، وهو منكر لذلك ، إنما أقر بإيداع أحدهما بغير عينه منه ، والمنكر غير المعين ; فلهذا يحلف لكل واحد منهما . وتمام بيان المسألة في كتاب الإقرار . وإنما أورد المسألة هنا لبيان خلاف ابن أبي ليلى في فصل ، وهو أنه إذا أبى أن يحلف لهما ، فإنه يدفع الأمة إليهما ، ويغرم قيمتها بينهما نصفين . وعند ابن أبي ليلى يردها عليهما ، ولا شيء عليه سوى ذلك ، وهو - بناء على ما بينا - أن التجهيل غير موجب للضمان على المودع . " وعندنا " : التجهيل موجب للضمان عليه ، وقد صار مجهلا في حق كل واحد منهما ، فيصير ضامنا ، ثم بنكوله صار مقرا لكل واحد منهما أنه أخذ جميعها منه ، وإنما رد على كل واحد منهما نصفها ، فيصير ضامنا لكل واحد منهما ما بقي من حقه ، وذلك بأن يغرم قيمتها بينهما . ألا ترى أنه لو قال : هذا استودعنيها ، ثم قال : أخطأت ، بل هو هذا ، كان عليه أن يدفعها إلى الأول ; لأن إقراره له بها صحيح ، ورجوعه بعد ذلك باطل ، ويضمن للآخر قيمتها ; لإقراره أنها للثاني ، وأنه صار مستهلكا على الثاني بإقراره بها للأول ; فيكون ضامنا له قيمتها . وهذا إذا دفعها إلى الأول بغير قضاء [ ص: 132 ] القاضي ، وكذلك إن كان دفعها بقضاء القاضي في قول محمد . وفي قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يكون ضامنا ; لأن بمجرد إقراره لم يفت على الثاني شيء ، وإنما الفوات بالدفع إلى الأول ، وقد كان بقضاء القاضي ، ولكن محمد - رحمه الله - يقول هو الذي سلط القاضي على القضاء بها للأول بإقراره قد أقر أنه مودع فيها من الثاني ، والمودع إذا سلط الغير على أخذ الوديعة يصير ضامنا للمودع . ![]()
__________________
|
|
#235
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 132 الى صـــ 141 (235) ( رجل ) استودع رجلا وديعة فأودعها المستودع غيره ، من غير عياله ، فهلكت : فالأول ضامن لها ; لأنه متعد بالتسليم إلى غير من أمر بحفظها منه ، ولا ضمان على مودع المودع في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - : هو ضامن لها أيضا ، ولصاحب المال الخيار ، يضمن أيهما شاء . " وعند ابن أبي ليلى " : لا ضمان على واحد منهما ; بناء على أصله : أن للمودع أن يودع غيره - وقد بينا هذا - . فأما هما فيقولان : الأول متعد في التسليم بغير إذن المالك ، والثاني متعد في القبض بغير إذن المالك فكان للمالك أن يضمن أيهما شاء ، كالغاصب مع غاصب الغاصب . فإن ضمن الأول لم يرجع على الثاني ; لأنه بالضمان ملك ; فتبين أنه أودع ملك نفسه ، وقد هلكت في يد المودع ، وإن ضمن الثاني رجع على الأول ; لأنه مغرور من جهته فإنه أودعه على أنه ملكه ، وأنه لا يلحقه الضمان فهلك في يده . فإذا لحقه الضمان رجع عليه ، ولأنه في القبض ، والحفظ كان عاملا له فيرجع عليه بما يضمن بسببه وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول : الأول يصير ضامنا بالتسليم إلى الثاني بدليل أنه لو سلمها إليه ليحفظها بحضرته ، فهلكت : لم يضمن واحد منهما ، وإنما يصير الأول ضامنا ; بترك الحفظ حين غاب بعد ما سلمها إلى الثاني . فأما الثاني لم يترك الحفظ ، بل هو مقبل على الحفظ حين هلكت ، فلا يضمن شيئا . يوضحه : أن أصل قبض الثاني لم يكن موجبا للضمان عليه ، حتى لو هلك قبل غيبة الأول لم يضمن ، ولم يوجد من جهته صنع بعد ذلك ; فيصير به ضامنا ، والضمان لا يجب بدون الصنع ، إنما وجد الصنع من الأول - وهو الذهاب ، وترك الحفظ - ولما لم يصر الثاني ضامنا بالقبض ، كان هذا في حقه كثوب هبت به الريح ، وألقته في حجره ، فإذا هلكت من غير صنعه لم يضمن . يقرره : أن الأول لما لم يضمن بمجرد التسليم ، وإنما ضمن بتركها في يد الثاني بعد غيبته ، فقد صارت يده يدا معتبرة في إيجاب الضمان على الأول ، ولا يمكن اعتبار تلك اليد بعينها في إيجاب الضمان على الثاني كأجير القصار ، إذا دق الثوب وتخرق ، لما وجب الضمان على الأستاذ بسبب فعل الأجير ، ولم يجب على الأجير شيء من [ ص: 133 ] الضمان ; لأنه لو ضمن إنما يضمن بذلك الفعل أيضا ، والفعل الواحد لا يكون موجبا للضمان على الشخصين ، فهذا مثله ، بخلاف الغاصب مع غاصب الغاصب : فإن كل واحد منهما إنما يصير ضامنا بفعله - وهو غصبه - وغصب أحدهما غير غصب الثاني ، ولهذا يعتبر في كل حق واحد منهما قيمته حين غصبه ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب . ( كتاب العارية ) ( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله تعالى إملاء : العارية : تمليك المنفعة بغير عوض ، سميت عارية لتعريها عن العوض ، فإنها مع العرية اشتقت من شيء واحد ، والعرية : العطية في الثمار بالتمليك من غير عوض ، والعارية في المنفعة كذلك ; ولهذا اختصت بما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها أو ما يجوز تمليك منافعها بالعوض بعقد الإجارة ، وقيل : هي مشتقة من التعاور ، وهو التناوب ، فكأنه يجعل للغير نوبة في الانتفاع بملكه على أن تعود النوبة إليه بالاسترداد متى شاء ; ولهذا كانت الإعارة في المكيل والموزون قرضا ; لأنه لا ينتفع بها إلا باستهلاك العين ، فلا تعود النوبة إليه في تلك العين لتكون عارية حقيقة ، وإنما تعود النوبة إليه في مثلها ، وما يملك الإنسان الانتفاع به على أن يكون مثله مضمونا عليه يكون قرضا ، ( وكان ) الكرخي رحمه الله يقول : موجب هذا العقد إباحة الانتفاع بملك العين لا بملك المنفعة بدليل أنه لا يشترط إعلام مقدار المنفعة فيه ببيان المدة ، والجهالة تمنع صحة التمليك أما لا تمنع صحة الإباحة ؟ ، وبدليل أن المستعير ليس له أن يؤاجر ، ومن تملك شيئا بغير عوض جاز له أن يملكه من غيره بعوض كالموهوب له ، والصحيح أن موجب هذا العقد ملك المنفعة للمستعير ; لأن المنفعة تحتمل التمليك بعوض فتحتمل التمليك بغير عوض أيضا كالعين ، والدليل عليه أن للمستعير أن يعير فيما لا يتفاوت الناس بالانتفاع به ، والمباح له لا يملك أن يبيح لغيره . ( والعارية ) تنعقد بلفظ التمليك بأن يقول : ملكتك منفعة داري هذه شهرا ، أو جعلت لك سكنى داري هذه شهرا ، إلا أنه لا يؤاجره لما فيه من إلحاق الضرر بالمعير ، فإنه ملكه على وجه يتمكن من الاسترداد ، فهو نظير ما لو استأجر دابة أو ثوبا ليس له أن يؤاجر من غيره ، وإن ملك منفعة اللبس والركوب ، ولكن لما كان الناس يتفاوتون في ذلك ففي الإجارة من غيره [ ص: 134 ] إضرار بالآخر ، ( فإن قيل : ) كان ينبغي أن يملك المستعير الإجارة ، ولا ينقطع حق المعير في الاسترداد بل يصير قيام حق المعير في الاسترداد عذرا في نقض الإجارة ، ( قلنا : ) لو ملك المستعير الإجارة كان ذلك من مقتضيات عقد المعير ، وكان صحة العقد بتسليطه ، فلا يتمكن من نقضه بعد ذلك . وإنما لا يشترط إعلام المدة أو المكان في الإعارة لأن اشتراط ذلك في المعاوضات لقطع المنازعة ، وذلك لا يوجد في العارية ; لأنه لا يتمكن بينهما منازعة إذا أراد المعير الاسترداد ، ولأن المعاوضات يتعلق بها صفة اللزوم ، وذلك لا يتحقق في غير المعلوم ، فأما العارية لا يتعلق بها صفة اللزوم ; فلهذا لا يشترط إعلام المكان ، ولا إعلام المدة ، ولا إعلام ما يحمل على الدابة ، وعند إطلاق العقد للمستعير أن ينتفع بالدابة من حيث الحمل والركوب كما ينتفع بدابة نفسه في قليل المدة وكثيرها ما لم يطالبه المالك بالرد ; لأنه لا يؤاجرها ، فإن آجرها صار غاصبا ، وكان الأجر له يتصدق به ، وقد بيناه في كتاب الغصب . وإن هلكت بعد ما آجرها كان ضامنا لها ، فإذا لم يؤاجرها ولكنها هلكت في يده لم يضمن في أقوال علمائنا رحمهم الله سواء هلكت من استعماله أو لا ، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود رضوان الله عليهم ، وقال الشافعي رحمه الله إن هلكت من الاستعمال المعتاد لم يضمن ، وإن هلكت لا من الاستعمال ضمن قيمتها للمالك ، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما ، واحتج في ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { العارية مضمونة } فقد جعل الضمان صفة للعارية . فيقتضي أن يكون صفة لازمة لها كما أن الله تعالى لما جعل القبض صفة للرهن بقوله عز وجل : { فرهان مقبوضة } اقتضى أن يكون ذلك صفة لازمة للرهن { واستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان دروعا في حرب هوازن فقال له : أغصبا يا محمد . ؟ قال صلى الله عليه وسلم لا : بل عارية مضمونة مؤداة } { وكتب في عهد بني نجران وما تعار رسلي فهلكت على أيديهم فضمانها على رسلي } وقال صلى الله عليه وسلم : { على اليد ما أخذت حتى ترد } والأخذ إنما يطلق في موضع يأخذ المرء لمنفعة نفسه ، وذلك موجود في العارية ، وهو المعنى الفقهي أنه لما قبض مال الغير لنفسه لا عن استحقاق تقدم ، فكان مضمونا عليه كالمغصوب والمقبوض على سوم الشراء والمستقرض ، وهذا لأنه لما لم يثبت بهذا العقد استحقاق تسليم العين عرفنا أنه مقصور على المنفعة لا يتعدى إلى العين فصار في حق العين كأنه قبضه بغير إذنه ، بخلاف الإجارة فقد تعدى العقد هناك إلى العين حتى تعلق به استحقاق تسليم العين ، وبخلاف [ ص: 135 ] الوديعة فإن المودع لا يقبض الوديعة لمنفعة نفسه إنما يقبضها لمنفعة المالك ; ولهذا لم يكن عليه مؤنة الرد ، وهو المعتمد لهم ، فإن قبض العارية يوجب ضمان الرد حال قيام العين ، فيوجب ضمان القيمة حال هلاك العين كالقبض بطريق الغصب . يقرره أن ضمان الرد إنما يلزمه لأنه يسقط بالرد ضمان العين عن نفسه ، ولما لزمه ضمان الرد فعليه أداء ما لزمه ، ولا يتحقق أداء ذلك إلا برد العين عند قيامه ورد القيمة عند هلاك العين ليصير به مؤديا ما لزمه من ضمان الرد ، وهذا بخلاف ما لو تلف في الاستعمال ; لأن فعله في الاستعمال منقول إلى المالك ، فإنه يستعمل بتسليط المالك فيحصل به الرد معنى ، ويجوز أن يكون العين مضمونا عليه ، ثم يبرأ عن ضمانه بفعل يباشره بتسليط المالك ، كما لو غصب من غيره شاة فقال له المغصوب منه : ضح بها ، فإن هلكت قبل أن يضحي بها ضمنها ، وإن ضحى بها لم يضمن شيئا ، ولا يقال : قبضه بتسليط المالك أيضا ; لأنه يقبض من يد المالك لنفسه ، فلا يمكن أن يجعل فعله في القبض كفعل المالك ، والدليل عليه أنه لو ضمن للمستحق لم يرجع على المعير ، ولو كان يد المستعير في العين كيد المعير لرجع عليه بالمودع ، وحجتنا في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ليس على المستعير غير المغل ضمان ، ولا على المستودع غير المغل ضمان } والمغل هو الخائن فقد نفى الضمان عن المستعير عند عدم الخيانة ، والمعنى فيه أنه قبض العين للانتفاع به بإذن صحيح ، فلا يكون مضمونا عليه كالمستأجر ، وتأثيره أن وجوب الضمان يكون للجبران ، وذلك لا يتحقق إلا بعد تفويت شيء على المالك ، وبالإذن الصحيح ينعدم التفويت ، ألا ترى أن القبض في كونه موجبا للضمان لا يكون فوق الإتلاف ، ثم الإتلاف بالإذن لا يكون موجبا للضمان فالقبض أولى ، ولا يجوز أن يجب الضمان هناك باعتبار العقد ; لأن العقد عقد تبرع ، فلا يكون عقد ضمان كالهبة ، والدليل عليه أن ما تناوله العقد وهو المنفعة لا يصير مضمونا بهذا العقد فما لم يتناوله العقد أولى ، ولأن العقد على المنفعة إذا كان بعوض ، وهو الإجارة لا يوجب ضمان العين ، وتأثير العوض في تقدير حكم ضمان العقد ، فإذا كان العقد على المنفعة مقرونا بالعوض لا يوجب الضمان ، فالمتعري عن العوض كيف يوجب الضمان . والدليل عليه أنه لو تلف في الاستعمال لم يضمن ، ولا يجوز أن يجعل فعله كفعل المالك ; لأنه استعمل لمنفعة نفسه ، ولكن إنما لا يضمن لوجود الإذن من المالك في الاستعمال فكذلك للقبض وإن قال بحكم الإذن من المالك في الاستعمال جعل استعماله [ ص: 136 ] كاستعمال المالك ، فبحكم الإذن في القبض والإعطاء ينبغي أن يجعل قبضه كقبض المالك أيضا ، ووجوب ضمان الرد على المستعير ليس لما قال ، بل لأن منفعة النقل حصلت له ، والرد فسخ لذلك النقل ، فكانت المؤنة على من حصلت له منفعة النقل ; ولهذا تجب مؤنة الرد على الموصى له بالخدمة أيضا ، فأما ضمان العين إنما يجب على من فوت شيئا على المالك بقبضه كالغاصب ، ولم يوجد ذلك إذا كان القبض بإذنه ، والمقبوض على سوم الشراء إنما كان مضمونا ضمان العقد ، والإذن يقرر ضمان العقد ، ولأن المالك هناك ما رضي بقبضه إلا بجهة العقد ، ففيما وراء العقد كان المقبوض بغير إذنه ، والمستقرض كذلك ، إنما كان مضمونا بالعقد ، والإذن يقرر ضمان العقد ، وإنما لا يرجع المستعير بضمان الاستحقاق ; لأن الرجوع عند الاستحقاق بسبب الغرور أو بسبب العيب ، وذلك يختص بعقد المعاوضة ، فإنه يقتضي السلامة عن العيب ، فأما عقد التبرع لا يقتضي ذلك ; ولهذا لا يرجع الموهوب له بضمان الغرور عندنا . ( وقوله ) بأنه قبض العين لا عن استحقاق تقدم ( قلنا : ) نعم ، ولكنه قبض العين بحق ، والموجب للضمان القبض بغير حق لما فيه من التفويت على المالك ، وكما أن القبض موجب للضمان فالإتلاف كذلك ، ثم الإتلاف إنما يوجب الضمان إذا حصل بغير حق لا إذا حصل بغير استحقاق تقدم فالقبض مثله والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم : { العارية مضمونة } ضمان الرد ، ولأنه جعل الضمان صفة للعين ، وحقيقة ذلك في ضمان الرد ; لأنه يبقى ببقاء الرد ، وحديث صفوان فقد قيل : إنه أخذ تلك الدروع بغير رضاه ، وقد دل عليه قوله : أغصبا يا محمد . ؟ إلا أنه إذا كان محتاجا إلى السلاح كان الأخذ له حلالا ثمة شرعا ، ولكن بشرط الضمان ، كمن أصابته مخمصة له أن يتناول مال الغير بشرط الضمان ، ( وقيل : ) كانت الدروع أمانة لأهل مكة عند صفوان فاستعارها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته إليها فكان مستعيرا من المودع ، وهو ضامن عندنا ( وقيل : ) المراد ضمان الرد . ( وقوله ) مؤداة تفسير لذلك ، كما يقال : فلان عالم ففيه يعلم باللفظ الثاني أن المراد بالأول علم الفقه . ( وقيل : ) كان هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراط الضمان على نفسه ، والمستعير وإن كان لا يضمن ، ولكن يضمن بالشرط كالمودع على ما ذكره في المنتقى ، ولكن صفوان كان يومئذ حربيا ، ويجوز بين المسلم والحربي من الشرائط ما لا يجوز بين المسلمين ، ( وقيل : ) إنما قال ذلك تطييبا لقلب صفوان على ما روي أنه هلك بعض تلك الدروع فقال : { صلى الله عليه وسلم : إن شئت غرمناها لك ، فقال : لا ، فإني اليوم [ ص: 137 ] أرغب في الإسلام مما كنت يومئذ } ولو كان الضمان واجبا لأمره بالاستيفاء أو الإبراء . ( وقوله صلى الله عليه وسلم ) { وما يعار رسلي فهلك على أيديهم } أي استهلكوه لأنه يقال : هلك في يده إذا كان بغير صنعه على يده إذا استهلكه . ( وقوله صلى الله عليه وسلم ) { على اليد ما أخذت حتى ترد } يقتضي وجوب رد العين ، ولا كلام فيه إنما الكلام في وجوب ضمان القيمة بعد هلاك العين . قال : ( وإن استعار الدابة يوما إلى الليل ، ولم يسم ما يحمل عليها لم يضمن إذا هلكت ) ; لأنه قبضها بإذن صحيح ، ولكن إن أمسكها بعد مضي اليوم فهو ضامن لها ; لأنه لما وقت فقد بين أنه غير راض بقبضه إياها فيما وراء المدة ، فإذا أمسكها بعد مضي المدة كان ممسكا لها بغير رضا صاحبها فيضمنها كما في المودع إذا طولب بالرد فلم يرد حتى هلكت ، وهذا بخلاف المستأجر فإنه بعد مضي المدة إذا أمسكها لا يضمنها ما لم يطالبه صاحبها بالرد ; لأن مؤنة الرد هناك ليست على المستأجر ، ولكنها على المالك ، فإذا لم يحضر المالك ليأخذها لم يوجد من المستأجر منع يصير به ضامنا ، وهنا مؤنة الرد على المستعير ، فإذا أمسكها بعد مضي المدة فقد وجد منه الامتناع من الرد المستحق عليه ، وذلك موجب ضمان المستعار عليه . ( وإذا لم يؤقت المالك ولكنه أعارها ليحمل عليها الحنطة فجعل ينقل عليها الحنطة أياما ، فلا ضمان عليه ) لأن الإذن من المالك مطلق ، فلا ينعدم حكمه إلا بالنهي والمطالبة بالرد ، ولم يوجد . وإن حمل عليها الآجر أو اللبن أو الحجارة فعطبت فهو ضامن ; لأنه خالف ما أمره به نصا فصار غاصبا مستعملا بغير إذنه . وهذه المسألة على أربعة أوجه : ( أحدها ) أن يحمل عليها غير ما عينه المالك ، ولكنه مثل ما عينه في الضرر على الدابة من جنسه بأن استعارها ليحمل عليها عشرة مخاتيم من هذه الحنطة فحمل عليها عشرة مخاتيم من حنطة أخرى ، أو ليحمل عليها حنطة نفسه فحمل عليها حنطة غيره ، فلا ضمان عليه ; لأن التقييد إنما يعتبر إذا كان مفيدا ، وهذا التقييد والتعيين لا يفيد شيئا ، فإن حنطته وحنطة غيره في الضرر عليها سواء . ( والثاني ) أن يخالف في الجنس بأن استعارها ليحمل عليها عشرة أقفزة حنطة فحمل عليها عشرة أقفزة شعير في القياس يكون ضامنا ; لأنه مخالف ، فإنه عند اختلاف الجنس لا تعتبر المنفعة والضرر ، ألا ترى أن الوكيل بالبيع بألف درهم إذا باع بألف دينار لم ينفذ بيعه ، وفي الاستحسان لا يكون ضامنا ; لأنه لا فائدة للمالك في تعيين الحنطة ، فإن مقصوده دفع زيادة [ ص: 138 ] الضرر عن دابته ، ومثل كيل الحنطة من الشعير يكون أخف على الدابة ، وقد بينا أنه إنما يعتبر من تقييده ما يكون مفيدا دون ما لا يفيده شيئا حتى قيل : لو سمى مقدارا من الحنطة وزنا فحمل مثل ذلك الوزن من الشعير يضمن ; لأنه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما يأخذ من الحنطة ، فهو كما لو استعارها ليحمل عليها حنطة فحمل عليها حطبا أو تبنا ، فأما مثل ذلك كيلا من الشعير لا يأخذ من ظهرها أكثر مما يأخذ من الحنطة . ( والثالث ) أن يخالف إلى ما هو أضر على الدابة بأن استعارها ليحمل عليها حنطة فحمل عليها حديدا أو آجرا مثل وزن الحنطة فهو ضامن لها ; لأن هذا يجتمع في موضع واحد فيدق ظهر الدابة فكان أضر عليها من حمل الحنطة ، وتقييد المالك معتبر إذا كان مفيدا له ، وكذلك لو حمل عليها مثل وزن الحنطة قطنا ; لأنه يأخذ من ظهر الدابة فوق ما تأخذ الحنطة فكان أضر عليها من وجه كما لو حمل عليها حطبا أو تبنا . ( والرابع ) أن يخالف في المقدار بأن استعارها ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها خمسة عشر مختوما فهلكت فهو ضامن ثلث قيمتها ; لأنه في مقدار عشرة مخاتيم موافق ; لأنه حامل بإذن المالك ، وفيما زاد على ذلك حامل بغير إذنه فيعتبر الجزء بالكل ، ويتوزع الضمان على ذلك ، وهذا إذا كان مثل تلك الدابة تطيق حمل خمسة عشر مختوما ، فإن كان يعلم أنها لا تطيق ذلك فهو ضامن لجميع قيمتها ; لأنه متلف لها بهذا الحمل ، والمالك ما أذن له في إتلافها . وللشافعي ثلاثة أقاويل في هذه المسألة : قول مثل قولنا ، وقول آخر أنه يضمن جميع قيمتها ; لأنه خالف إلى ما هو أضر على الدابة ، فهو كما لو خالف في الجنس ، وقول آخر أنه يضمن نصف قيمتها ; لأنها تلفت من حملين أحدهما بإذن صاحبه ، والآخر بغير إذنه فيضمن نصف قيمتها كما لو أمره أن يضرب عبده عشرة أسواط فضربه أحد عشر سوطا فمات من ذلك يضمن نصف قيمته ، ولكن الفرق بينهما ظاهر ; لأن ذاك ضمان قتل ، وفي باب القتل المعتبر عدد الجناة لا عدد الجنايات ، فقد تقوى الطبيعة على دفع ألم عشر جراحات في موضع ، ولا تقوى على دفع ألم جراحة واحدة في موضع ; فلهذا اعتبرنا عدد الجناة ، وجعلنا الضمان نصفين ، وهنا تلف الدابة باعتبار ثقل المحمول ، وثقل عشرة مخاتيم فوق ثقل خمسة مخاتيم في الضرر على الدابة ، فلا بد من أن يتوزع الضمان على قدر ثقل المحمول . وهذا بخلاف ما لو استعار ثورا ليطحن به عشرة مخاتيم حنطة فطحن أحد عشر مختوما فهلك ، فإنه يضمن جميع قيمته ; لأن الطحن يكون شيئا فشيئا ، فلما طحن عشرة مخاتيم انتهى إذن المالك ، فبعد ذلك هو في الطحن مخالف في جميع الدابة [ ص: 139 ] مستعمل لها بغير إذن مالكها فيضمن جميع قيمتها ، فأما الحمل يكون جملة واحدة فهو في البعض مستعمل لها بإذن المالك ، وفي البعض مخالف فيتوزع الضمان على ذلك وإذا جاوز المكان الذي سمي له وأخذ إلى مكان غير ذلك فعطبت فهو ضامن لها ; لأنه استعملها بغير إذن صاحبها ، فالتقييد من صاحبها هنا مفيد ; لأن الضرر على الدابة يختلف بقرب الطريق وبعده ، والسهولة والوعورة . وإن استعارها ليحمل كذا وكذا ثوبا هرويا فحمل عليها مثل ذلك مرويا أو فوهيا أو نرمقا لم يضمن ; لأن التقييد بالهروي غير مفيد ، فإن سائر أجناس الثياب كالهروي في الضرر على الدابة . وكذلك في الوزنيات من الأدهان وغيرها كل تقييد يكون مفيدا فهو معتبر ، وإذا خالف ذلك كان ضامنا ، وما لا يكون مفيدا لا يعتبر . ( وإن ) استعارها ليركبها هو فركبها هو وحمل معه عليها رجلا ضمن نصف قيمتها ; لأنه في نصفها موافق ، وفي النصف مخالف ، والجزء معتبر بالكل . ( فإن قيل : ) أليس أنه لو لم يركبها ، وحمل عليها غيره فهلكت ضمن جميع قيمتها ، فإذا ركبها معه أولى ; لأن الضرر على الدابة أكثر . ( قلنا : ) إذا حمل عليها غيره فهو مخالف في الكل ، وإذا ركبها فهو موافق فيما شغله بنفسه مخالف فيما شغله بغيره ، ألا ترى أنه لو كان استأجرها لركوبه لم يجب الأجر إذا حمل عليها غيره ، ووجب الأجر إذا ركبها ، وحمل مع نفسه غيره ، وهذا إذا كانت الدابة بحيث تطيق حمل رجلين ، فإن كان يعلم أنها لا تطيق ذلك فهو متلف لها ضامن لجميع قيمتها ، ثم لم يعتبر هنا الثقل والخفة بأن يكون الذي حمله مع نفسه أخف منه أو أثقل منه ، بخلاف مسألة الحنطة ، وهذا لأنه استقبح وزن الرجال في مثل هذا ، ( فقال : ) أرأيت لو كان يوزن كل واحد منهما أو يوزن قبل الطعام أو بعده قبل الخلاء أو بعده ; لأن الضرر في حق الراكبين على الدابة لا يكون باعتبار الثقل والخفة ، فرب ثقيل يروض الدابة إذا ركبها لهدايته في ذلك ، ورب خفيف يعقرها لخرقه في ذلك ; فلهذا اعتبرنا المناصفة . فإن قضى حاجته من الدابة ثم ردها مع عبده أو بعض من هو في عياله فلا ضمان عليه إن عطبت ; لأن يد من في عياله في الرد كيده ، كما أن يد من في عياله في الحفظ كيده ، والعرف الظاهر أن المستعير يرد المستعار بيد من في عياله ; ولهذا يعولهم فكان مأذونا فيه من جهة صاحبها دلالة . وكذلك إن ردها إلى عبد صاحب الدابة ، وهو الذي يقوم عليها فهو بريء استحسانا ، والقياس أن لا يبرأ ما لم تصل إلى صاحبها كالمودع إذا رد الوديعة لا يبرأ عن الضمان ما لم تصل إلى يد [ ص: 140 ] صاحبها ، ووجه الاستحسان صاحبها إنما يحفظ بيد هذا السائس ، ولو دفعها إليه لكان يدفعها إلى السائس أيضا فكذلك إذا ردها على السائس ، والعرف الظاهر أن صاحب الدابة يأمر السائس بدفعها إلى المستعير ، وباستردادها منه إذا فرغت فيصير مأذونا في دفعها إليه دلالة ، ولم يوجد مثل هذا العرف في الوديعة ، فإن صاحبها هو الذي يتولى استردادها عادة ، وإنما أودعها لأنه لم يرض بكونها في يد عياله حتى قالوا في المستعار : لو كان عقد لؤلؤ فرده المستعير على عبد هو سائس دواب المعير لا يبرأ ; لأنه في مثل هذا لا يرضى باسترداد مثله عادة . وإن استعار ثوبا ليلبسه هو فأعطاه غيره فلبس فهو ضامن ; لأن الناس يتفاوتون في لبس الثوب ، ولبس القصاب والدباغ لا يكون كلبس البزاز والعطار فكان هذا تقييدا مفيدا في حق صاحب الثوب ، فإذا ألبسه المستعير غيره صار مخالفا ، وكذلك الدابة إذا استعارها ليركبها هو ; لأن الناس يتفاوتون في الركوب فرب راكب يروض الدابة ، وآخر يقتلها ، فأما إذا استعاره ولم يسم من يلبسه فأعاره غيره لم يضمن ; لأن صاحب الثوب رضي باستيفاء منفعة اللبس من ثوبه مطلقا ، فسواء لبسه المستعير أو غيره لم يكن مخالفا لما نص عليه المستعير ، وكذلك إن كان المستعار مما لا تتفاوت الناس في الانتفاع به كسكنى الدار وخدمة العبد ; لأن تقييده هنا بنفسه غير مفيد فيكون وجوده كعدمه ، وهو بناء على أصلنا أن للمستعير أن يعير ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى ليس للمستعير أن يعير ; لأنه منتفع بملك الغير بإذنه ، فلا يكون له أن يأذن لغيره في ذلك كالمباح له الطعام لا يبيح لغيره ، وهذا لأنه يسوي غيره بنفسه فيما هو من حق الغير ، وإنما له هذه الولاية في حق نفسه لا في حق الغير ألا ترى أن الوكيل بالتصرف لا يوكل غيره به ، وحجتنا في ذلك أن المستعير مالك للانتفاع بهذه العين فيملك أن يعيره من غيره كالمستأجر ، والموصى له بالخدمة ، وهذا لما بينا أن المستعير يملك المنفعة بالعارية ، وإليه أشار بعد هذا فقال : ( من أعارك شيئا فقد جعل لك منفعة ذلك ) والدليل عليه أنه لو قال : ملكتك منفعة هذه العين كانت عارية صحيحة . فإذا ثبت أنه مالك للمنفعة فهو بالتمليك من الغير يتصرف في ملك نفسه ، ويستوي غيره بنفسه في حق نفسه ، وذلك صحيح بخلاف المباح له الطعام ، فإنه لا يملك الطعام ، وإنما يتناوله على ملك المبيح إلا أن العين بقي على ملك صاحبه ففيما يتفاوت الناس في الانتفاع به لا يعيره من غيره ، وإن كان تصرفه في ملك نفسه لدفع الضرر ، وذلك صحيح كما أن أحد الشريكين في العبد إذا كاتبه كان للآخر [ ص: 141 ] أن يفسخ لدفع الضرر عن نفسه ، والمشتري إذا تصرف في الشقص المشفوع فهو متصرف في ملكه ، ثم ينقض تصرفه لدفع الضرر على الشفيع . قال : ( رجل استعار من رجل أرضا على أن يبني فيها أو على أن يغرس فيها نخلا فأذن له صاحبها في ذلك ، ثم بدا له أن يخرجه فله ذلك عندنا ) وقال مالك رحمه الله تعالى ليس له ذلك ; لأنه غير متعد في البناء والغرس ، فلا يهدم عليه ذلك ، وصاحب الأرض وإن كان يتضرر بذلك فقد رضي بالتزام هذا الضرر ، فأما صاحب البناء لم يرض بهدم بنائه وغرسه ، فلا يكون لصاحب الأرض أن يأخذها ما لم يفرغ ، ولكنا نقول : الأرض بقيت على ملك صاحبها ، والعارية لا يتعلق بها اللزوم فلا يمتنع بسببه عليه إثبات اليد على ملكه والانتفاع به متى شاء ، وصاحب البناء والغرس لما بنى على بقعة هي مملوكة لغيره من غير حق لازم له فقد صار راضيا بأن يهدم عليه بناؤه وغرسه ; لأنه ملكه ، وقد شغل أرض الغير به فيؤمر بتفريغه ، ولا ضمان له على صاحب الأرض عندنا ( وقال : ) ابن أبي ليلى البناء للمعير ، ويضمن قيمتها مبنية لصاحبها ; لأن دفع الضرر من الجانبين واجب ، وإنما يندفع الضرر بهذا ، وشبه هذا بثوب إنسان إذا انصبغ بصبغ غيره فأراد صاحب الثوب أن يأخذه ، فإنه يضمن للصباغ قيمة صبغه ، ولكنا نقول : صاحب الأرض غير راض بالتزام قيمة البناء ففي إلزام ذلك عليه من غير رضاه إضرار به ، ولا يجوز المصير إليه بدون تحقق الضرورة ، ولا ضرورة هنا لأن رفع البناء ، وتمييز ملك أحدهما من ملك الآخر ممكن بخلاف مسألة الصبغ ، فإن تمييز ملك أحدهما من ملك الآخر هناك غير ممكن ، ثم هناك لا يلزمه قيمة الصبغ بدون رضاه أيضا حتى يكون له أن يأبى التزام القيمة ليصار إلى بيع الثوب ، فكذلك هنا ينبغي أن لا يلزمه قيمة البناء بغير رضاه . فإن كان وقت له وقتا عشرين سنة أو نحو ذلك ، ثم أخرجه قبل الوقت فهو ضامن للمستعير قيمة بنائه وغرسه عندنا ، وعلى قول زفر رحمه الله لا يضمن ذلك ; لأن التوقيت في العارية غير ملزم إياه شيئا كأصل العقد ، فكما لا يكون له أن يضمنه قيمة البناء والغرس باعتبار مطلق الإعارة فكذلك بالتوقيت منها ، وبيان التوقيت غير ملزم إياه أنه يتمكن من إخراجه قبل مضي ذلك الوقت ، وحجتنا في ذلك أن المعير بالتوقيت يصير غارا للمستعير ; لأنه نص على ترك الأرض في يده ، وإقرار بنائه فيها في المدة التي سمى ، فإذا لم يف بذلك صار غارا له ، وللمغرور أن يدفع الضرر عن نفسه بالرجوع على الغار ، بخلاف ما إذا أطلق فهلك المعير لم يصر غارا له ، ولكن المستعير [ ص: 142 ] مغتر بنفسه حتى ظن أنه بمطلق العقد يتركها في يده مدة طويلة ، ولكن قد بينا فيما سبق أن الغرور بمباشرة عقد الضمان يكون سببا للرجوع ، وذلك لا يوجد هنا ، فإن المعير لم يباشر عقد ضمان ، وإن وقت فالوجه أن يقول : كلام العاقل محمول على الفائدة ما أمكن ، ولا حاجة إلى التوقيت في تصحيح العارية ، فلا بد من أن يكون لذكر الوقت فائدة أخرى ، وليس ذلك الالتزام قيمة البناء والغرس إذا أراد إخراجه قبله ، وصار تقدير كلامه كأنه قال : ابن لي في هذه الأرض لنفسك على أن أتركها في يدك إلى كذا من المدة ، فإن لم أتركها فأنا ضامن لك ما تنفق في بنائك ، ويكون بناؤك لي ، فإذا بدا له في الإخراج ضمن قيمة بنائه وغرسه ، ويكون كأنه بنى له بأمره إلا أن يشاء المستعير أن يرفعها ، ولا يضمنه قيمتها فيكون له ذلك ; لأن البناء والغرس ملكه ، وإنما أوجبنا الضمان على المعير لدفع الضرر عن المستعير ، فإذا رضي بالتزام هذا الضرر كان هو أحق بملكه يرفعه بتفريغ ملك الغير . ( وقيل : ) هذا إذا لم يكن في قلع الأشجار ضرر عظيم بالأرض ، فأما إذا كان فيه ضرر عظيم فليس للمستعير أن يرفعها بغير رضا المعير لما فيه من الإضرار به ، ولكن للمعير أن يتملكها عليه بالقيمة . ![]()
__________________
|
|
#236
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 142 الى صـــ 151 (236) وإن كان أعاره الأرض ليزرعها ووقت لذلك وقتا أو لم يوقت وقتا ، فلما تقارب حصاده أراد أن يخرجه ففي القياس له ذلك كما في البناء والغرس ، وهذا لأن الزارع زرع الأرض من غير حق لازم له فيها ، فلصاحبها أن يأخذها متى شاء كالغاصب للأرض إذا زرعها ، ولكن في الاستحسان لا يأخذها صاحبها إلى أن يحصد المستعير زرعها ; لأنه ما كان متعديا في الزراعة بجهة العارية ، ولإدراك الزرع نهاية معلومة ، فلو تمكن المعير من قلع زرعه كان فيه إضرار بالمستعير في إبطال ملكه ، ولو تركت في يد المستعير كان فيه إضرار بالمعير من حيث تأخير حقه ، وضرر الإبطال فوق ضرر التأخير ، فإذا لم يكن بد من الإضرار بأحدهما ترجح أهون الضررين . بخلاف البناء والغرس ، فإنه ليس له نهاية معلومة فيكون الضرر من الجانبين ضرر إبطال الحق فترجح جانب صاحب الأصل على جانب صاحب التبع ، وبخلاف الغصب ; لأن الغاصب متعد في الزراعة في الابتداء ، فلا يستحق بفعل التعدي إبقاء زرعه ، ولم يبين في الكتاب أن الأرض تترك في يد المستعير إلى وقت إدراك الزرع بأجر أو بغير أجر قالوا : وينبغي أن يترك بأجر المثل كما لو انتهت مدة الإجارة والزرع نقل بعده ، وهذا لأن إبطال حق صاحب الأرض عن منفعة ملكه مجانا لا يجوز بغير رضاه ، وإنما يعتدل النظر من الجانبين إذا [ ص: 143 ] ترك الزرع إلى وقت الإدراك بأجر المثل . ( فإن ) رد المستعير الدابة مع غلامه فعقرها الغلام فهو ضامن لقيمتها يباع في ذلك أو يؤدي عنه مولاه لأنه استهلكها ، والعبد المحجور عليه يؤاخذ بضمان الاستهلاك في الحال . ( وإذا اختلف رب الدابة والمستعير فيما أعارها له ، وقد عقرها الركوب أو الحمولة فالقول قول رب الدابة عندنا ) وعند ابن أبي ليلى رحمه الله القول قول المستعير ; لأن رب الدابة يدعي سبب الضمان ، وهو الخلاف ، وهو منكر لذلك فالقول قوله ، ولكنا نقول : الإذن يستفاد من جهة صاحب الدابة ، ولو أنكر أصل الإذن كان القول قوله فكذلك إذا أنكر الإذن على الوجه الذي انتفع به المستعير ، وهذا لأن سبب وجوب الضمان قد ظهر ، وهو استعمال دابة الغير ، والمستعمل يدعي ما يسقط الضمان عنه ، وهو الإذن ، وصاحبها منكر لذلك ، فإذا حلف فقد انتفى المسقط ، ويبقى هو ضامنا بالسبب الظاهر . وإن أعاره الأرض على أن يبني فيها أو يسكن ما بدا له ، فإذا خرج فالبناء لصاحب الأرض ، فهذا الشرط فاسد لأن البناء ملك الباني ، شرط رب الأرض ذلك عليه لنفسه بإزاء منفعة الأرض فيكون هذا إجارة لا إعارة ، وهي إجارة فاسدة لجهالة المعقود عليه حين لم يذكر مدة معلومة ، وبجهالة الأجر حين لم يكن مقدار ما يبني معلوما لهما وقت العقد ، وعلى الساكن أجر مثل الأرض فيما سكن ; لأنه استوفى منفعتها بحكم عقد فاسد . ( وينقض الساكن بناءه إذا طالبه صاحبها برد الأرض ) ; لأن البناء ملكه . ( فإن قيل : ) لماذا لا يتملك البناء صاحب الأرض بحكم الإجارة الفاسدة ; لأنه صار قابضا له باتصاله بالأرض . ( قلنا : ) كان الشرط بينهما أن يبني الساكن لنفسه ، ثم البناء كان معدوما عند العقد ، والعقد على المعدوم لا ينعقد أصلا ، وإنما يملك بالقبض ما يتناوله العقد الفاسد . وإذا مات المعير والمستعير انقطعت العارية . أما إذا مات المعير فلأن العين انتقلت إلى وارثه ، والمنفعة بعد هذا تحدث على ملكه ، وإنما جعل المعير للمستعير ملك نفسه لا ملك غيره ، وأما إذا مات المستعير فلأن المنفعة لا تورث ; لأن الوراثة خلافة ، وذلك فيما كان للميت فيخلفه فيه وارثه ، وإذا كانت المنافع لا تبقى وقتين لا يتصور فيها هذه الخلافة ، ولأن الدلالة قامت لنا على أن العقد على المنفعة بعوض يبطل بموت أحد المتعاقدين وهو الإجارة ، فما كان منها بغير عوض أولى . وكذلك إن كان قال له : هذه الدار لك سكنى ; لأن معناه : سكناه لك ، فإن قوله لك يحتمل تمليك العين ، ويحتمل تمليك المنفعة ، وقوله سكنى يكون تفسيرا لذلك المحتمل ، وكذلك إذا قال : عمري سكنى كان قوله سكنى تفسيرا لقوله عمري ، فإنما تثبت العارية [ ص: 144 ] بهذا اللفظ ، ثم تنقطع بموته . ( وإذا جاء رجل إلى المستعير ، وقال : إني استعرت من فلان هذا الذي عندك ، وأمرني أن أقبضه منك فصدقه ودفعه إليه فهلكت عنده ، ثم أنكر المعير أن يكون أمره بذلك ، فالمستعير ضامن له ) لأنه يدعي على المعير الأمر بالدفع إليه ، وهو منكر فالقول قوله مع يمينه ، وإذا حلف يتبين أن المستعير دفعه إلى غير المالك بغير إذنه ، وذلك موجب للضمان عليه . ( فإن قيل : ) لماذا لم تجعل هذه إعارة من المستعير حتى لا يكون موجبا للضمان عليه ( قلنا ) المستعير إذا أعاره من غيره ، فإنه يقيمه مقام نفسه في الانتفاع وإمساك العين ، فيكون يد الثاني كيد الأول ; ولهذا كان له أن يسترده متى شاء ، وهنا تسليمه إلى الثاني لم يكن بهذا الطريق بل بطريق أنه أحق بالعين منه ; ولهذا لا يملك الاسترداد منه ، فلا يمكن أن يجعل كالمعير منه ، ثم إذا ضمن المستعير لا يرجع به على الذي قبضه منه ; لأنه صدقه فيما ادعى ، ففي زعمه أنه مستعير من المالك ، وأنه لا ضمان على واحد منهما إلا أن المالك ظلمه حين ضمنه ، ومن ظلم فليس له أن يظلم غير ظالمه . وإن كان الذي جاء فقبض العارية منه خادم المعير ، وأنكر مولاه أن يكون أمره بذلك ، فلا ضمان على المستعير لما بينا أن الرد على خادم المعير كالرد على المعير ، فلا يكون سببا لوجوب الضمان على المستعير . وإذا رد المستعير الدابة فلم يجد صاحبها ولا خادمه فربطها في دار صاحبها على معلفها فضاعت فهو ضامن لها في القياس ; لأنه ضيعها حين أخرجها من يده ، ولم يسلمها إلى أحد يحفظها ، ألا ترى أن الغاصب لو فعل ذلك كان مضيعا ضامنا فكذلك المستعير ، وفي الاستحسان لا ضمان عليه ; لأنه ربطها في موضعها المعروف ، ولو ردها على صاحبها لكان يربطها في هذا الموضع فكذلك إذا ربطها بنفسه ، وهذا للعادة الظاهرة أن المستعير يأخذ الدابة من مربطها ، ويردها إلى مربطها فيثبت الإذن له من جهة صاحبها في ذلك بهذا الطريق دلالة ، وهذا بخلاف الغاصب ; لأنه ضامن محتاج إلى إسقاط الضمان عن نفسه بنسخ فعله ، وذلك لا يتم بردها إلى مربطها بعد ما أخذها من صاحبها ، فأما المستعير فهو أمين ، فإنما الحاجة إلى دفع سبب الضمان عنه وهو التضييع ، وقد اندفع باعتبار العادة ; لأن المربط في يد صاحب الدابة فإعادتها إلى المربط بمنزلة الإعادة إلى يد صاحبها حكما . ( ولو جحد المستعير العارية ، ثم زعم أنها هلكت فهو ضامن لها ) ; لأن العين كانت أمانة في يده فيصير ضامنا بالجحود كالمودع ، وإن لم يجحد ، ولكن قال : قد رددته أو ضاع مني فهو مصدق مع يمينه في كل ما يصدق فيه المودع ; لأنه أمين ينكر وجوب الضمان عليه . ( وعارية الدراهم [ ص: 145 ] والدنانير والفلوس قرض ) لأن الإعارة إذن في الانتفاع ، ولا يتأتى الانتفاع بالنقود إلا باستهلاك عينها فيصير مأذونا في ذلك وفيه طريقان : إما الهبة أو القرض فيثبت الأقل لكونه متيقنا به ، ولأن المستعير يلتزم رد العين بعد الانتفاع ، ويتعذر هنا رد العين فيقام رد المثل مقام رد العين ، والقبض الذي يمكنه من استهلاك المقبوض ويوجب عليه ضمان المثل القبض بجهة القرض . وكذلك كل ما يكال أو يوزن أو يعد مثل الجوز والبيض ، قال في الأصل : أرأيت لو استعار دراهم يشتري بها طعاما أو جارية أما كان له أن يأكل الطعام أو يطأ الجارية له ذلك ، والمال قرض عليه . وإن استعار آنية يتجمل بها في منزله ، أو سكينا محلى أو سيفا أو منطقة مفضضة أو خاتما لم يكن شيء من هذا قرضا ; لأن الانتفاع بهذه الأعيان مع بقائها ممكن ; ولهذا تجوز إجارتها . ( قالوا : ) ولو أن صيرفيا استعار دراهم أو دنانير ليتجمل بها في حانوته أو ليعبر بها صنجاته ، فإنه لا يكون قرضا ; لأنهما لما صرحا به علمنا أن مقصودهما الانتفاع مع بقاء العين دون الإذن في استهلاك العين . وإذا استعار دابة ليركبها إلى مكان معلوم فأخذ بها في طريق آخر إلى ذلك المكان فعطبت لم يضمن ; لأنه مأذون في الوصول عليها إلى ذلك المكان ، ولم يقيد له طريق ، فلا يكون مخالفا في أي طريق ذهب بعد أن يكون طريقا يسلكه الناس إلى ذلك المكان ، فإن كان طريقا لا يسلكه الناس إلى ذلك المكان فهو ضامن ; لأن مطلق الإذن ينصرف إلى المتعارف . وإن استعارها إلى حمام أعبر فجاوز بها حمام أعبر ، ثم جاء بها إلى حمام أعين أو إلى الكوفة فعطبت الدابة فهو ضامن لها حتى يردها إلى صاحبها . ( قيل : ) هذا إذا استعارها ذاهبا لا راجعا ، فأما إذا استعارها ذاهبا ، وجائيا فلا ضمان عليه ، وهكذا ذكر في النوادر ; لأنه في الأول لما وصل إلى حمام أعين انتهى العقد ، فإذا جاوز كان غاصبا ، فلا يبرأ إلا بالرد على المالك ، وفي الثاني إنما يضمن بالخلاف ، وهو استعمالها وراء المكان المشروط ، فإذا رجع إلى حمام أعين فقد ارتفع الخلاف ، والعقد قائم بينهما فيكون أمينا ( وقيل : ) الجواب في الفصلين سواء ; لأن يد المستعير يد نفسه . وفي الوديعة إذا خالف ، ثم عاد إلى الوفاق إنما أبرأناه عن الضمان ; لأن يده يد المالك فيجعل في الحكم كما لو رده على المالك ، وهذا لا يوجد هنا فبقي ضامنا كما كان ، وإن عاد إلى مكان العقد ما لم يوصله إلى المالك ، والإجارة في هذا كالعارية ; لأن يد المستأجر يد نفسه أيضا ، فإنه يقبض لمنفعة نفسه ، ورجوعه بضمان الاستحقاق لأجل الغرور الثابت بعقد ضمان لا ; لأن يده يد المالك يوضح الفرق أن [ ص: 146 ] المستعير والمستأجر يضمنان بالإمساك ، فإنه لو استعار أو استأجر دابة ليركبها إلى مكان كذا فأمسكها في المصر أياما كان ضامنا فكذلك إذا جاوز المكان المشروط ، فإنما ضمناه بإمساكها في غير الموضع الذي تناوله الإذن ، ولا ينعدم الإمساك إلا بالرد ، فأما المودع يصير ضامنا بالاستعمال لا بالإمساك ، وقد انعدم الاستعمال حين عاد الوفاق . يقول : فإن أقام صاحبها البينة أنها نفقت تحته في دير عبد الرحمن من ركوبه ، وأقام المستعير شاهدين أنه قد ردها إلى صاحبها أخذت ببينة رب الدابة ; لأنها تثبت سبب تقرر الضمان على الراكب ، وبينة المستعير تنفي ذلك ، والبينات للإثبات . وإذا نفقت الدابة تحت المستعير ، ثم أقام رجل البينة أنها دابته يقضي القاضي له بالملك لإثباته ذلك بالحجة ، ولا يسأله البينة أنه لم يبع ولم يهب ; لأن ذلك لا يدعيه أحد ، والقاضي نصب لفصل الخصومات لا لإنشائها ، فإن ادعى ذلك الذي أراد أن يضمنه أو قال : أذن لي في عاريتها يحلف على ذلك ; لأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه فإذا أنكر يستحلفه ، فإن نكل كان نكوله كإقراره ، فلا يضمن المستحق أحدا ، وإن حلف كان له أن يضمن أيهما شاء ; لأن كل واحد منهما متعد في حقه ، المعير بالتسليم والمستعير بالقبض والاستعمال ، فإن ضمن المعير لم يرجع على المستعير ; لأنه ملكها من حين وجب عليه الضمان فيتبين أنه أعار ملك نفسه ، وإن ضمن المستعير لم يرجع على المعير أيضا ; لأنه ضمن بفعل باشره لنفسه بخلاف المودع ، ولأنه لم يصر مغرورا من جهة المعير حين لم يشترط المعير لنفسه عوضا ، بخلاف المستأجر فقد صار مغرورا من جهة الأجر بمباشرته عقد الضمان ، واشتراط العوض لنفسه ، ثم على المستأجر الأجر إلى الموضع الذي نفقت فيه الدابة ; لأنه استوفى المعقود عليه ، وذلك للأجر دون الملك ; لأن تقوم المنفعة كان بعقده ، وبه وجب الأجر ، ولا بأس بأن يعير العبد التاجر والعبد الذي يؤدي الغلة الدابة ، وفي القياس ليس لهما ذلك ; لأنه تبرع ، والمملوك ليس من أهله ، فإن تبرعه يكون بملك الغير ، ولأنه صار منفك الحجر عنه في التجارة ، والإعارة ليست من التجارة في شيء . ووجه الاستحسان أن هذا من توابع التجارة ، فإن التاجر لا يجد منه بدا ; لأنه إذا أراد الإنسان أن يعامله ، فلا بد أن يجلسه في حانوته أو يضع وسادة له ، وهو إعارة لذلك الموضع منه ، وقد يستعار منه الميزان أو صنجات الميزان ، فإذا لم يعر لا يعار منه عند حاجته أيضا . وما يكون من توابع التجارة يملكه المأذون كاتخاذ الضيافة اليسيرة والإهداء إلى المجاهدين بشيء ، والأصل فيه ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب [ ص: 147 ] دعوة المملوك } ، وحديث أبي سعيد مولى أبي أسيد رضي الله تعالى عنه قال : عرست ، وأنا عبد فدعوت رهطا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيهم أبو ذر فأجابوني فدل أن للعبد اتخاذ الدعوة حتى أجابه أبو ذر رضي الله تعالى عنه مع زهده . والعبد الذي أمره المولى بأداء الغلة مأذون له في التجارة ; لأنه لا يتمكن من الأداء إلا بالاكتساب ، فأمر المولى إياه بأداء الغلة يكون إذنا ناله في الاكتساب . ( عبد مأذون له ) أجر دابته من رجل فنفقت تحته فاستحقها رجل ، وضمن الراكب قيمتها يرجع بها على العبد المأذون كما يرجع على الحر ; لأنه صار مغرورا من جهته باشتراطه العوض لنفسه ، والمأذون يؤاخذ بضمان الغرور كالحر ; ولهذا تبين خطأ بعض المتأخرين من مشايخنا - رحمهم الله تعالى - أن ضمان الغرور كضمان الكفالة ، وأن الغار يصير كالقائل للمغرور : إن ضمنك أحد بسبب ركوب هذه الدابة أو استيلاد هذه الجارية في البيع فأنا ضامن لك ذلك ; لأنه لو كان هذا بطريق الكفالة لم يؤاخذ به المأذون ، فإن العبد المأذون لا يؤاخذ بضمان الكفالة ، ولكن الطريق أن من باشر عقد المعاوضة فهو ملتزم سلامة المعقود عليه عن العيب ، ولا عيب فوق الاستحقاق والرجوع عليه لهذا ; ولهذا لا رجوع على المعير الواهب ; لأنه لا يلتزم صفة السلامة بعقد التبرع . ثم العبد في التزام صفة السلامة بعقد المعاوضة ، وهو التجارة كالحر . وإذا أعار عبد محجور عليه عبدا مثله دابة فركبها فهلكت تحته ، ثم استحقها رجل فله أن يضمن أيهما شاء ; لأن أحدهما غاصب لملكه بالتسليم إلى الآخر ، والآخر مستهلك باستعماله ، فإن ضمن الراكب لم يرجع على المعير لانعدام الغرور منه ، ولأن المعير كان محجورا عليه فلا يؤاخذ بضمان الأقوال ، وإن ضمن المعير رجع به مولاه في رقبة الراكب ; لأن الدابة صارت كسب المعير حين تقرر عليه ضمانها ، وكسب العبد لمولاه ، فتبين أن الراكب أتلف ملكه بغير رضاه ، وكذلك إن كانت الدابة لمولى المعير فله أن يضمن الراكب ; لأن إذن العبد المحجور عليه غير معتبر في إسقاط حق المولى فبقي الراكب مستعملا دابته بغير رضاه فكان غاصبا ضامنا . وإن استعار الرجل دابة نتوجا فألقت من غير أن يعنف عليها ، فلا ضمان عليه ; لأنها لو هلكت من الركوب المعتاد لم يضمن ، فإذا هلك ما في بطنها أولى ، وإن ضربها ففقأ - عينها أو كبحها باللجام فهلكت فهو ضامن لها لأنه متلف بما صنع ، وإنما أذن له المالك في الركوب دون الضرب . ولو استعار من رجل سلاحا ليقاتل به فضرب بالسيف فانقطع نصفين أو طعن بالرمح فانكسر ، فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون في الاستعمال ، والاستعمال لا يكون إلا هكذا [ ص: 148 ] وإن ضرب به حجرا فهو ضامن ; لأن المعير إنما أذن له في المقاتلة بالسلاح ، والمقاتلة مع الخصم لا مع الحجر ، والضرب بالسيف الحجر غير معتاد أيضا فكان به ضامنا . قال : ( وإذا قال المستعير في صحته أو مرضه : قد هلكت مني العارية فالقول قوله مع يمينه ) ; لأنه أمين فيه كالمودع ، ولا يتغير حكم أمانته بمرضه . ( وإذا ) كان على دابة بإعارة أو إجارة فنزل عنها في السكة ، ودخل المسجد ليصلي فخلى عنها فهلكت فهو ضامن لها ، وكذلك إن أدخل الحمل في بيته ، وخلى عنها في السكة ; لأنه ضيعها حين تركها في غير حرز لا حافظ معها ، من أصحابنا رحمهم الله من قال هذا إذا لم يربطها بشيء ، فإن ربطها لم يضمن ; لأنه متعارف لا يجد المستعير من ذلك بدا ، والأصح أنه يضمن إذا غيبها عن بصره ، ألا ترى أنه قال : وإن كان في صحراء فنزل ليصلي وأمسكها فانفلتت منه فلا ضمان عليه ، فبهذا تبين أن المعتبر أن لا يغيبها عن بصره ليكون حافظا لها ، فأما بعد ما غيبها عن بصره لا يكون هو حافظا لها ، وإن ربطها بشيء بل يكون مضيعا لها بترك الحفظ فيكون ضامنا . وإذا استعارها ليركبها في حاجته إلى ناحية مسماة من النواحي في الكوفة فأخرجها إلى الفرات ليسقيها ، والناحية التي استعارها إليها من غير ذلك المكان فهلكت فهو ضامن لها لإمساكه إياها في غير الموضع المأذون فيه أو ركوبه إياها إلى موضع السقي . ( ولا يقال : ) إنما فعل هذا لمنفعة الدابة ; لأنه لا ولاية له على ملك الغير في ذلك إلا أن يأذن صاحبها ، وهو لم يأذن له في سقيها ، ولأنه يمكنه أن يسقيها في خروجه إلى الناحية التي استعارها إليها ; لأن الماء موجود في كل موضع . ( وإذا ) وجد المعير دابته مع رجل يزعم أنها له فهو خصم له فيها ; لأنها في يده ، وهو يدعي رقبتها ، وذو اليد في مثل هذا خصم للمستحق وإن قال الذي هي في يديه : أودعنيها فلان الذي أعرتها إياه ، فلا خصومة بينهما ; لأنهما تصادقا على أن الوصول إليه من ذلك الرجل ، وذلك الرجل ليس بخصم للمدعي لو كان حاضرا ; لأنه مستعير منه فكذلك من قامت يده فيها مقام يده لا يكون خصما ، ولأنهما تصادقا أنه مودع حافظ لها ، فلا يكون خصما ، وإن كان ذلك المستعير باعها من رجل أو باعها وصية بعد موته فأخذها صاحبها وأقام البينة أنها له قضي بها له ، ورجع المشتري بالثمن على بائعه ; لأن بالاستحقاق يتبين بطلان البيع . وإذا طلب المعير ثوبه فأبى المستعير أن يدفعه فهلك عنده فهو ضامن لقيمته ; لأنه بالمنع بعد الطلب صار غاصبا ، وإن لم يمنعه ، ولكنه قال : دعه عندي إلى غد فرضي به صاحبه فلا ضمان عليه ; لأنه بهذا الرضا صار كالمجدد للإعارة منه ، فلا [ ص: 149 ] يكون في إمساكه إلى الغد متعديا . ( رجل ) أرسل رسولا يستعير له دابة من فلان إلى الحيرة فجاء الرسول إلى صاحبها وقال : إن فلانا يقول لك أعرني دابتك إلى المدينة فدفعها إليه فجاء بها الرسول فدفعها إلى الذي أرسله ، ثم بدا للذي أرسله أن يركبها إلى المدينة ، وهو لا يشعر بما كان من قول الرسول فركبها فهلكت تحته ، فلا ضمان عليه لأنه استعملها بإذن مالكها ، وإن ركبها إلى الحيرة فهلكت تحته فهو ضامن لها ; لأنه جاوز المكان الذي أذن فيه المالك فصار مستعملا لها بغير إذنه ، وهذا لأن ظنه غير معتبر ، إنما المعتبر إذن المالك ، وقد كان إلى الموضع الذي طلب الرسول ، ثم لا يرجع المرسل على الرسول بشيء ; لأنه لم يوجد منه عقد ضمان إنما أخبره بخبر أو لم يخبره بشيء ، ولكنه لم يبلغ رسالته كما أمره به ، وذلك غير موجب للضمان عليه ، والكراء في هذا قياس العارية . وإن قال : أعرتني دابتك فنفقت ، وقال رب الدابة : ما أعرتكها ، ولكن غصبتها فلا ضمان عليه إن لم يركبها ; لأنه أقر بفعل المالك في ملكه ، وذلك غير موجب للضمان عليه ، والمالك يدعي عليه سبب الضمان ، وهو الغصب فيكون القول قول المنكر . إن كان قد ركبها فهو ضامن لها ; لأن السبب الموجب للضمان عليه قد ظهر ، وهو استعمال دابة الغير بغير إذنه ، والإذن المسقط للضمان لا يثبت بدعواه ، وإن قال رب الدابة أجرتكها فالقول قول الراكب مع يمينه ; لأنهما تصادقا على أن الركوب حصل بالإذن ، ثم رب الدابة يدعي عليه الأجر ، والراكب منكر فالقول قوله لإنكار ذلك ، وهذا بخلاف العين ، فإنه إذا هلك مال الغير في يده فقال : وهبتها لي ، وقال المالك : بل بعتها منك ، فإنه يكون ضامنا ; لأن العين مال متقوم بنفسه ، فلا يسقط حق المالك عن ماليته إلا بإسقاطه ، فأما المنفعة إنما تأخذ حكم المالية والتقوم بعقد الإجارة ، ورب الدابة يدعي ذلك ، والراكب منكر ; فلهذا لا يضمن شيئا . وإن أقام رجل البينة على أرض ونخل أنها له ، وقد أصاب ذو اليد من غلتها ، وثمرتها فهو ضامن لما أصاب من ذلك ، ( وقال ) ابن أبي ليلى لا ضمان عليه ; لأن الثمرة منفعة الأشجار ، والمنفعة لا تكون مضمونة بغير عقد ضمان كمنفعة الدابة ، ولكنا نقول : الثمرة عين مال متقوم بدليل جواز بيعها ، وهي مملوكة لصاحب الشجرة لتولدها من ملكه ، فيكون المصيب ضامنا لماله بالإتلاف ، كولد الجارية ، والحمل في الشاة إذا أتلفها . وإذا غصب الرجل الأرض وزرعها فالزرع له ; لأنه حصل بعمله من بذره ، وهذا بخلاف ما إذا غصب جارية فأحبلها ، فإن الولد هناك يكون لصاحبها ; لأن حصول الولد بحضانتها في رحمها لا بفعل الواطئ ، فإن ماء الفحل [ ص: 150 ] يصير مستهلكها بالاختلاط بمائها ، ولأن الولد في حكم جزء من عينها ، وهي بجميع أجزائها مملوكة للمغصوب منه ، فأما الزرع ليس بجزء من الأرض ، ألا ترى أنه من جنس البذر ، وأنه حاصل بعمل الزارع كما قررناه في الغصب ، ثم الزارع ضامن لما نقص الأرض عندنا ، وعلى قول ابن أبي ليلى رحمه الله لا ضمان عليه ; لأن العقار لا يكون مضمونا بالغصب ، والنقصان لم يحصل بفعله ، ولأن النقصان في الأرض من حيث تقليل المنفعة والريع ، والمنفعة لا تكون مضمونة على الغاصب ، ولكنا نقول : قد انتقص مالية العين بفعله ، وهو الزراعة فكان متلفا بقدر النقصان ، والعقار يضمن بالإتلاف كما لو هدم الأبنية أو قلع الأشجار ، ثم يرفع من الزرع مقدار بذره ، وما أنفق فيه وما غرم من نقصان الأرض ، ويتصدق بالفضل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأنه حصل له بكسب خبيث ، وفي قول أبي يوسف وابن أبي ليلى رحمهما الله لا يتصدق بشيء ; لأنه حصل له بزراعته ، وهو سبب مشروع للاكتساب ، وقد بينا هذا في الغصب . وإذا استأجر أرضا سنة فزرعها سنتين فعليه الأجر للسنة الأولى ; لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد صحيح ، وعليه نقصان الأرض بالزراعة في السنة الثانية ; لأنه غاصب فيما صنع ، ويتصدق بالفضل عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله كما في الفصل الأول ، وعند ابن أبي ليلى عليه أجر مثلها في السنة الثانية لاعتبار الظاهر ، فكأنه زرعها في السنة الثانية بناء على العقد في السنة الأولى ، وإنما لم يتعرض له صاحبها لهذا ، والعقد ينعقد بالدلالة كما ينعقد بالتصريح فيلزمه أجر مثلها . ( ثم ) ختم الكتاب بمسألة ذكرها في كتاب الزكاة أن من وجد كنزا في دار رجل ففيه الخمس ، وأربعة أخماسه لصاحب الخلطة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وفي قول أبي يوسف وابن أبي ليلى رحمهما الله للواحد ، وإنما ذكر أبو يوسف رحمه الله هذه المسألة المختلفة بين أبي حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله في آخر هذا الكتاب وآخر الوديعة ; لأن كل واحد منهما كان أستاذه ، فإنه كان في الابتداء يختلف إلى ابن أبي ليلى تسع سنين ، ثم تحول منه إلى أبي حنيفة ، واختلف عنده أيضا تسع سنين ، فأحب أن يذكر بعض الفصول عن أستاذيه جميعا ; فلهذا ذكر هذه الفصول ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . بسم الله الرحمن الرحيم [ ص: 151 ] كتاب الشركة ) ( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله تعالى إملاء : الأصل في جواز الشركة ما روي { أن السائب بن شريك جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أتعرفني ؟ فقال : وكيف لا أعرفك ، وكنت شريكي ، وكنت خير شريك لا تداري ، ولا تماري . } أي : لا تداجي ، ولا تخاصم . وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس يفعلون ذلك فأقرهم عليه ، وقد تعامله الناس من بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا من غير نكير منكر . ( ثم ) الشركة نوعان : شركة الملك وشركة العقد . ( فشركة الملك ) أن يشترك رجلان في ملك مال ، وذلك نوعان : ثابت بغير فعلهما كالميراث ، وثابت بفعلهما ، وذلك بقبول الشراء ، أو الصدقة أو الوصية . والحكم واحد ، وهو أن ما يتولد من الزيادة يكون مشتركا بينهما بقدر الملك ، وكل واحد منهما بمنزلة الأجنبي في التصرف في نصيب صاحبه . ( وأما شركة العقد ) فالجائز منها أربعة أقسام : المفاوضة ، والعنان ، وشركة الوجوه ، وشركة التقبل . ويسمى هذا شركة الأبدان ، وشركة الصنائع . ( فأما العنان ) فهو مشتق من قول القائل : عن لي كذا أي عرض . قال امرؤ القيس : فعن لنا سرب كأن نعاجه عذارى دوار في ملاء مذبل . أي : عرض ، وزعم بعض أهل الكوفة أن هذا شيء أحدثه أهل الكوفة ، ولم يتكلم به العرب ، وليس كذلك ; فقد قال النابغة الجعدي :وشاركنا قريشا في نقاها وفي أحسابها شرك العنان . ( وقيل ) : هو مأخوذ من عنان الدابة ، على معنى أن راكب الدابة يمسك العنان بإحدى يديه ، ويعمل بالأخرى ، وكل واحد من الشريكين يجعل عنان التصرف في بعض المال إلى صاحبه دون البعض ، أو على معنى أن للدابة عنانين : أحدهما أطول ، والآخر أقصر ، فيجوز في [ ص: 152 ] هذه الشركة أن يتساويا في رأس المال ، والربح ، أو يتفاوتا ; فسميت عنانا ( وأما المفاوضة ) فقد قيل : اشتقاقها من التفويض ; فإن كل واحد منهما يفوض التصرف إلى صاحبه في جميع مال التجارة . ( وقيل ) : اشتقاقها من معنى الانتشار ، يقال : فاض الماء إذا انتشر واستفاض الخير يستفيض إذا شاع . فلما كان هذا العقد مبنيا على الانتشار ، والظهور في جميع التصرفات سمي مفاوضة . ( وقيل ) : اشتقاقها من المساواة ، قال القائل :لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا يعني : متساوين . فلما كان هذا العقد مبنيا على المساواة في المال والربح ; سمي مفاوضة( وأما شركة الوجوه ) تسمى شركة المفاليس ، وهو أن يشترك الرجلان بغير رأس مال على أن يشتريا بالنسيئة ، ويبيعا . سميت بهذا الاسم على معنى أن رأس مالهما وجههما ، فإنه إنما يباع في النسيئة ممن له في الناس وجه ، وشركة التقبل أن يشترك صانعان في تقبل الأعمال كالخياطة والقصارة ، ونحو ذلك ، وتسمى شركة الأبدان لأنهما يعملان بأبدانهما . وشركة الصنائع ; لأن رأس مالهما صنعتهما . ![]()
__________________
|
|
#237
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 152 الى صـــ 161 (237) ( وأما شركة العنان ) فهو أن يشترك الرجلان برأس مال يحضره كل واحد منهما ، ولا بد من ذلك ، إما عند العقد ، أو عند الشراء حتى أن الشركة لا تجوز برأس مال غائب ، أو دين . ولا يشترط لجواز هذه الشركة خلط المالين " عندنا " وقال الشافعي - رحمه الله تعالى : يشترط ، وهي رواية عن زفر ، والأصل عنده أن شركة الملك أصل ، ثم شركة العقد تنبني عليه . قال : لأن الشركة عبارة عن الاختلاط ، وذلك إنما يتحقق في الملك ، والمعتبر في كل عقد ما هو قضية اسم ذلك العقد كالحوالة ، والكفالة ، والصرف ، فإذا خلطا المالين على وجه لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر ; فقد ثبتت الشركة في الملك ; فينبني عليه شركة العقد . فأما قبل الخلط فالشركة في الملك لم تثبت حتى إذا هلك رأس مال أحدهما ، كان هالكا عليه خاصة ، فلا تثبت شركة العقد ; لأن معنى الاختلاط فيه لا يتحقق مقصودا . " وعندنا " موجب شركة العقد الوكالة على معنى أن كل واحد منهما يكون وكيل صاحبه في الشراء بالمال الذي عينه ; ولهذا شرطنا تعيين المال عند العقد ، أو عند الشراء ; لأن الوكالة بالشراء بماله لا تصح إلا به ، فإنه بدون تعيين المال يكون الوكيل مشتريا بما في ذمته ، وهذا التوكيل صحيح ، بدون خلط المالين ، ومعنى الاختلاط الذي تقتضيه الشركة في المشترى بالمال والربح لا في رأس المال ، وذلك ثابت بدون خلط . وعلى هذا الأصل : لو كان رأس مال أحدهما دراهم ، والآخر دنانير ، تنعقد الشركة بينهما [ ص: 153 ] صحيحة " عندنا " خلافا لزفر والشافعي رحمهما الله . وكذلك إن كان رأس مال أحدهما بيضا ، والآخر سودا ; لأن الشركة في الملك لا تثبت هنا حين كانا لا يختلطان . وعلى الرواية التي شرط زفر الخلط : جواب هذه الفصل ظاهر على مذهبه ، وأما على الرواية التي لا يشترط ذلك ، نقول : في هذين الفصلين ربما يظهر الربح لأحدهما دون الآخر بتغيير سعر أحد النقدين ، وذلك تقتضيه الشركة . " وعندنا " موجب هذا العقد الوكالة ، وذلك صحيح مع اختلاف النقدين فإنهما لو صرحا بالوكالة بأن يشتري أحدهما بهذه الدراهم على أن يكون المشترى بينهما ، ويشتري الآخر بهذه الدنانير على أن يكون المشترى بينهما : كان صحيحا ، فكذلك تصح الشركة بهذه الصفة . ( فأما شركة المفاوضة ) فهي جائزة " عندنا " . وقال مالك رحمه الله تعالى : لا أعرف ما المفاوضة ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : إن كان في الدنيا عقد فاسد فهو المفاوضة . وربما قال أنه نوع من القمار ، فأما مالك رحمه الله فإن كان لا يعرفها لغة فقد بينا اشتقاقها ، وإن كان لا يعرفها شرعا فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { تفاوضوا ; فإنه أعظم للبركة } . وقال عليه الصلاة والسلام { : إذا فاوضتم فأحسنوا المفاوضة } . وأما الشافعي رحمه الله فإنه ينبني على مذهبه أن الأصل شركة الملك ، وما هو موجب المفاوضة قط لا يثبت باعتبار شركة الملك ; فلهذا أفسدها ، وقال : لأنها تتضمن الكفالة بالمجهول للمجهول ; فإن كل واحد منهما يكون كفيلا عن صاحبه فيما يلزمه بجهة التجارة ، والكفالة للمجهول بالمعلوم باطل ، فبالمجهول أولى . والذي يقول إنه ضرب من القمار فإنما يدخل ذلك على مذهب الثوري ; لأنه يقول : إذا ورث أحدهما مالا يكون ذلك مشتركا بينهما ، ولسنا نقول بذلك ; فلا يدخل ذلك على مذهبنا ، وحجتنا في ذلك أن هذه الشركة تتضمن الكفالة والوكالة ، وكل واحد منهما صحيح مقصودا ، فكذلك في ضمن الشركة ، فأما الجهالة بعينها لا تبطل الكفالة ، ولكن تمكن المنازعة سببا ، وذلك منعدم هنا ; لأن كل واحد منهما إنما يصير ضامنا عن صاحبه ما لزمه بتجارته ، وعند اللزوم : المضمون له ، والمضمون به معلوم ، ومثل هذا لا يوجد في شركة العنان فإن التوكيل بشراء مجهول الجنس لا يصح مقصودا ، ثم صحت شركة العنان ، وإن تضمنت ذلك ; لأن ما يشتريه كل واحد منهما غير مسمى في العقد ، فكذلك المفاوضة . ومن شروط هذا العقد أن يتساويا في رأس المال ، ولا يختص أحدهما بملك مال يصلح أن يكون رأس ماله في الشركة من النقود ، وأن يتساويا في الربح فلا يشترط لأحدهما زيادة على صاحبه ; لما بينا أن قضية اللفظ المساواة . ثم في ظاهر هذه الرواية تصح هذه الشركة [ ص: 154 ] من غير خلط المالين ، والمالان لا يختلطان كالدراهم والدنانير ، والسود والبيض وزفر رحمه الله لا يجوز هذه الشركة بدون خلط المالين برواية واحدة ( قال ) : لأنه لو جاز لكان كل واحد منهما مختصا بملك مال بعد عقد الشركة ، وذلك لا يجوز في هذا العقد . ( وقد ) روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أن هذه الشركة لا تجوز بمالين لا يختلطان ; لأن المساواة شرط في هذا العقد ، والمساواة بين الدراهم والدنانير في المالية إنما تكون بالتقويم . وطريق ذلك الحرز . والمساواة شرعا لا تثبت بهذا الطريق كالمساواة التي تشترط في مبادلة الأموال الربوية بجنسها . وإن كان رأس مال أحدهما بيضا ، ورأس مال الآخر سودا ، وبينهما تفاوت في الصرف : لا يجوز هذا العقد في ظاهر الرواية ; لعدم المساواة . ( وذكر ) إسماعيل بن حماد عن أبي يوسف رحمهم الله أنه يجوز ; لأنه لا قيمة للجودة في الأموال الربوية إذا قوبلت بجنسها ، وإنما تعتبر المساواة في الوزن . قال - صلى الله عليه وسلم - { : جيدها ورديئها سواء } . وروى الحسن عن أبي حنيفة أن المفاوضة لا تنعقد إلا بلفظ المفاوضة ، حتى إذا لم يذكر لفظة المفاوضة كان عنانا عاما . والعنان قد يكون عاما ، وقد يكون خاصا ، وتأويل هذا : أن أكثر الناس لا يعرفون جميع أحكام المفاوضة ; فلا يتحقق منهما الرضا بحكم المفاوضة قبل علمهما به ويجعل تصريحهما بالمفاوضة قائما مقام ذلك كله فإن كان المتعاقدان يعرفان أحكام المفاوضة صح العقد بينهما إذا ذكرا معنى المفاوضة ، وإن لم يصرحا بلفظها ; لأن المعتبر المعنى دون اللفظ . ( فأما شركة الوجوه ) فهي صحيحة " عندنا " وباطلة " عند الشافعي " بناء على أصله أن الأصل شركة الملك ، وذلك لا يوجد في شركة الوجوه ، " وعندنا " شركة العقد تصح باعتبار الوكالة ، وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بالشراء ، على أن يكون المشترى بينهما نصفين أو أثلاثا ، صحيح . فكذلك الشركة التي تتضمن ذلك إلا أن في هذا العقد لا يصح التفاضل في اشتراط الربح بعد التساوي في ملك المشتري ; لأن الذي يشترط له الزيادة ليس له في نصيب صاحبه رأس مال ولا عمل ولا ضمان . فاشتراط جزء من ذلك الربح له يكون ربح ما لم يضمن ، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فإن أراد التفاوت في الربح فينبغي أن يشترط التفاوت في ملك المشترى ; بأن يكون لأحدهما الثلث ، وللآخر الثلثان ; حتى يكون لكل واحد منهما الربح بقدر ملكه . وهذه الشركة " عندنا " تجوز عنانا ومفاوضة . إلا أن المفاوضة لا تكون إلا باعتبار المساواة في المشترى والربح جميعا . ( فأما شركة التقبل ) فهي صحيحة " عندنا " ، ولا تصح " عند الشافعي " رحمه الله بناء على أصله أن شركة الملك أصل ، ولا يوجد [ ص: 155 ] ذلك في الشركة ، فإن الخلط في العمل لا يتحقق ، ولكنا نقول : جواز الشركة باعتبار الوكالة . وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بتقبل العمل صحيح ، فكذلك الشركة . والناس تعاملوا بهذه الشركة ، وشركة الوجوه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير ، وهو الأصل في جواز الشركة . . ثم استحقاق الربح في طريق الشركة يكون بالمال تارة وبالعمل أخرى ، بدليل المضاربة ، فإن رب المال يستحق نصيبه من الربح بماله والمضارب بعمله . وذلك العقد شركة الإجارة بدليل أنها لا تلزم ، وأنه لا يحتاج فيها إلى بيان المدة . فإذا صح عقد الشركة بين اثنين بالمال ، فكذلك يصح باعتبار العمل ; لأن كل واحد منهما يستحق به الربح ، وسواء اتفقت الأعمال أو اختلفت " عندنا " . وقال زفر رحمه الله : إن اتفقت الأعمال كالقصارين والصباغين إذا اشتركا يجوز ، وإذا اختلفت بأن يشترك قصار وصباغ لا تجوز الشركة ; لأن كل واحد منهما عاجز عن العمل الذي يتقبله صاحبه ; فإن ذلك ليس من صنعته فلا يتحقق ما هو مقصود الشركة عند اختلاف الأعمال ، ولكنا نقول : جواز هذه الشركة باعتبار الوكالة ، والتوكيل بتقبل العمل صحيح ممن يحسن مباشرة ذلك العمل ، وممن لا يحسن ; لأنه لا يتعين على المتقبل إقامة العمل بيده ، بل له أن يقيم بأعوانه ، وأجرائه ، وكل واحد منهما غير عاجز عن ذلك ; فكان العقد صحيحا . ( وهذا ) النوع من الشركة قد يكون عنانا ، وقد يكون مفاوضة عند استجماع شرائط المفاوضة ، ومعنى هذا أنه متى كان مفاوضة فإن كل واحد منهما مطالب بما يلتزمه صاحبه بحكم الكفالة ، ومتى كان عنانا فإنما يطالب به من باشر السبب دون صاحبه - كما هو حكم الوكالة - . ( إذا ) عرفنا هذا فنقول : بدأ الكتاب ببيان شركة العنان ، وأنهما كيف يكتبان كتاب هذه الشركة بينهما ، والشركة عقد يمتد فيستحب الكتاب في مثله ; ليكون حكما بينهما فيما يجري من المنازعة . قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } . ثم المقصود بالكتاب : التوثق والاحتياط ; فينبغي أن يكتب على أوثق الوجوه ، ويتحرز فيه من طعن كل طاعن . ثم بدأ فقال : ( هذا ما اشترك عليه فلان وفلان ) ، وبعض أصحاب الشروط عابوا عليه في هذا اللفظ ; فقال : هذا إشارة إلى الصك ، فالأحوط أن يكتب : هذا كتاب فيه ذكر ما اشترك فلان وفلان . ولكن محمدا رحمه الله اتبع الكتاب والسنة فيما اختار . قال الله تعالى { : هذا ما توعدون } ، وهو إشارة إلى ما هو المقصود من الوعد للأبرار ، والوعيد للفجار . { ولما اشترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبدا ، أمر أن [ ص: 156 ] يكتب : هذا ما اشترى محمد رسول الله من الغد بن خالد بن هوذة اليهودي } . ( ولما ) { أمر صلى الله عليه وسلم بكتاب الصلح يوم الحديبية كتب علي رضي الله تعالى عنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا ما اصطلح محمد بن عبد الله وسهل بن عمرو على أهل مكة ، ثم قال : اشتركا على تقوى الله وأداء الأمانة } ; فإن هذا العقد عقد أمانة ، والمقصود تحصيل الربح ، وذلك بالتقوى وأداء الأمانة يحصل . ( ثم يبين مقدار رأس مال كل واحد منهما ) ; لأن عند القسمة لا بد من تحصيل رأس مال كل واحد منهما ; ليظهر الربح ، فلا بد من إعلام ذلك في كتاب الشركة ليرجعا إليه عند المنازعة . ثم قال : ( وذلك كله في أيديهما ) . وهذه إشارة إلى أن رأس المال ليس بغائب ، ولا دين ، بل هو عين في أيديهما . ومن الناس من شرط الخلط ، ومنهم من شرط أن يكون المال في أيديهما جميعا . فللتوثق يذكر ذلك ويذكر أنهما يشتريان به ، ويبيعان جميعا في شيء ، ويعمل كل واحد منهما فيه برأيه ، ويبيع بالنقد والنسيئة . " وعندنا " : هذا يملكه كل واحد منهما بمطلق عقد الشركة ، إلا أن من العلماء من يقول : لا يملك كل واحد منهما ذلك ، ما لم يصرحا به في عقد الشركة ، فللتحرز عن قول هذا القائل يكتب هذا . ( ثم يذكر فما كان فيه من ربح فهو بينهما على قدر رءوس أموالهما ، وما كان من وضيعة أو تبعة فكذلك ) . ولا خلاف أن اشتراط الوضيعة بخلاف مقدار رأس المال باطل ، واشتراط الربح صحيح " عندنا " خلافا للشافعي رضي الله تعالى عنه على ما نبينه . وأما مكاتبة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : الربح على ما اشترطا ، والوضيعة على المال . وإنما يذكر هذا ليكون أبعد عن الاختلاف ، ولكن إنما يكتب هذا إذا كان الشرط بينهما هكذا . ثم قال : ( اشتركا على ذلك في شهر كذا من سنة كذا ) . وإنما بتبيين التاريخ تنقطع المنازعة ; حتى لا يدعي أحدهما لنفسه حقا فيما اشتراه قبل هذا التاريخ . ( وكتب ) التاريخ في زمن عمر رضي الله تعالى عنه ، فإنه شاور الصحابة - رضوان الله عليهم - في التاريخ : من أي وقت يعتبرونه ؟ فمنهم من قال : من مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من قال : من وقت مبعثه ، ومنهم من قال : من وقت موته ، ثم اتفقوا على التاريخ من وقت الهجرة ، وهو المعروف الذي يتعامل عليه الناس إلى يومنا هذا . قال : ولا يجوز أن يفضل أحدهما صاحبه في الربح ، لا في المال العين ، أو العمل بأيديهما ، أو في الذي ليس فيه شراء شيء بتأخير . فأما في المال العين : إذا تساويا في رأس المال واشترطا أن يكون الربح بينهما ثلاثا ، أو تفاوتا في رأس المال ، فكان لأحدهما ألف وللآخر ألفان ، واشترطا أن يكون الربح بينهما نصفين : يجوز " عندنا " ، وعلى قول زفر [ ص: 157 ] والشافعي - رحمهما الله تعالى - لا يجوز ، أما عند الشافعي رحمه الله تعالى فلأن شركة الملك على مذهبه أصل ، وفي شركة الملك لا يجوز أن يستحق أحدهما شيئا من ربح ملك صاحبه ، فكذلك في شركة العقد ، واعتبر الربح بالوضيعة ، فهي بينهما على قدر رءوس أموالهما ، واشتراطهما خلاف ذلك باطل ، فكذلك الربح . ولكنا نقول : استحقاق الربح بالشرط . فإنما يستحق كل واحد منهما بقدر ما شرط له ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - { المسلمون عند شروطهم } . ثم جواز هذا العقد لحاجة الناس إليه ، والحاجة ماسة إلى هذا الشرط ، فقد يكون أحدهما أحذق من الآخر في وجوه التجارة ; فلا يرضى بأن يساويه صاحبه في استحقاق الربح مع حذاقته ، وخرق صاحبه . ثم الربح يستحق بالعمل بدون المال - وهو في المضاربة - فبالعمل مع المال أولى . ( ثم ) الوضيعة هلاك جزء من المال ، وكل واحد منهما أمين فيما في يده من مال صاحبه ، واشتراط الضمان على الأمين باطل ، ألا ترى أن في المضاربة لا يجوز اشتراط شيء من الوضيعة على المضارب ، ولهذا يقول زفر رحمه الله : إن التساوي في الربح مع التفاضل في رأس المال لا يجوز هنا ; لأنه لو جاز إنما يجوز بالقياس على المضاربة ، على معنى أن صاحب الألفين يشترط جزءا من الربح للآخر بعمله فيه ، ومثل هذا في المضاربة لا يجوز ; لأن المال في أيديهما هنا ، والعمل مشروط عليهما ، وفي المضاربة لو شرط العمل على رب المال ، أو كون المال في يده : لا يجوز ، ولكنا نقول موجب المضاربة التخلية بين المضارب وبين رأس المال ; فيكون أمينا عاملا فيه ، وذلك ينعدم بهذا الشرط . فأما موجب الشركة ليس هو التخلية بين أحدهما والمال ، فهذا الشرط لا يؤدي إلى إبطال موجب الشركة . ( ثم ) حكم المضاربة هنا ثبت تبعا للشركة ، وقد يثبت الشيء حكما على وجه لا يجوز إثباته قصدا كالكفالة الثابتة في ضمن المفاوضة . وكذلك في العمل بأيديهما يجوز شرط التفاضل في الربح " عندنا " للحاجة إلى ذلك ; فقد يكون أحدهما أحذق في العمل من الآخر . فأما قوله : أو في الذي ليس فيه شراء شيء بتأخير ، فهو إشارة إلى شركة الوجوه ، فإن التفاضل في الربح هناك لا يجوز عند اشتراط التساوي في ملك المشتري ; لأن ذلك ربح ما لم يضمن ، وقد بينا ذلك . قال : ( والشريكان في العمل إذا غاب أحدهما ، أو مرض ، أو لم يعمل ، وعمل الآخر : فالربح بينهما على ما اشترطا ) ; لما روي { أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أنا أعمل في السوق ، ولي شريك يصلي في المسجد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لعلك بركتك منه } . والمعنى أن استحقاق الأجر بتقبل العمل - دون مباشرته - والتقبل كان [ ص: 158 ] منهما ، وإن باشر العمل أحدهما . ألا ترى أن المضارب إذا استعان برب المال في بعض العمل كان الربح بينهما على الشرط . أولا ترى أن الشريكين في العمل يستويان في الربح ، وهما لا يستطيعان أن يعملا على وجه يكونان فيه سواء ، وربما يشترط لأحدهما زيادة ربح لحذاقته ، وإن كان الآخر أكثر عملا منه ، فكذلك يكون الربح بينهما على الشرط ما بقي العقد بينهما ، وإن كان المباشر للعمل أحدهما ، ويستوي إن امتنع الآخر من العمل بعذر ، أو بغير عذر ; لأن العقد لا يرتفع بمجرد امتناعه من العمل ، واستحقاق الربح بالشرط في العقد . قال : ( وإن جاء أحدهما بألف درهم ، والآخر بألفي درهم فاشتركا على أن الربح والوضيعة نصفان : فهذه شركة فاسدة ) ، ومراده أن شرط الوضيعة هلاك جزء من المال ، فكأن صاحب الألفين شرط ضمان شيء مما يهلك من ماله على صاحبه ، وشرط الضمان على الألفين فاسد ، ولكن لا يبطل بهذا أصل العقد ; لأن جواز الشركة باعتبار الوكالة ، والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة ، وإنما تفسد الشروط وتبقى الوكالة ، فكذا هذا . فإن عملا على هذا فوضعا ; فالوضيعة على قدر رءوس أموالهما ، لأن الشرط بخلافه كان باطلا ، وإن ربحا فالربح على ما اشترطا ; لأن أصل العقد كان صحيحا ، واستحقاق الربح بالشرط في العقد ، فكان بينهما على ما اشترطا . وإن اشترطا الربح والوضيعة على قدر رأس المال ، والعمل من أحدهما بعينه ، كان ذلك جائزا ; لأن العامل منهما معين لصاحبه في العمل له في ماله حين لم يشترط لنفسه شيئا من ربح مال صاحبه ، فهو كالمستبضع في مال صاحبه . ( وإن ) اشترطا الربح نصفين ، والوضيعة على رأس المال ، والعمل عليهما : جاز ذلك ; لأن صاحب الألف شرط لنفسه جزءا من ربح مال صاحبه ، وهو السدس ، بعمله فيه ; فيكون في معنى المضارب له . إلا أن معنى المضاربة تبع لمعنى الشركة ، والمعتبر موجب الأصل - دون التبع - فلهذا لا يضرهما اشتراط العمل عليهما . فإن عملاه ، أو عمل أحدهما ، فالربح على ما اشترطا ; لأن الاستحقاق - بعد صحة العقد - بالشرط لا بنفس العمل . وقد كان العمل مشروطا عليهما ، فلا يضرهما تفرد أحدهما بإقامة العمل ، وكذلك إن اشترطا العمل على صاحب الألف . ووجه الجواز هنا أبين ; لأن صاحب الألفين دفع إليه ماله ليعمل فيه بسدس الربح ، فإن المشروط له نصف الربح ، ثلث الربح حصة رأس ماله ، وسدسه إلى تمام النصف يستحق من مال صاحبه بعمله فيه ، واشتراط العمل على المضارب يصحح المضاربة ، ولا يبطلها . ( فإن قيل ) : إذا كان يعمل هو في شيء شريك ، فكيف يستوجب عوض [ ص: 159 ] عمله على شريكه ؟ ( قلنا ) : استحقاق الربح بطريق الشركة لا بطريق الإجارة ، ولهذا لا يشترط فيه تسمية مقدار العمل ، ولا بيان المدة ، والعامل فيما هو شريك فيه لا يستوجب الأجر ; لأن استحقاق الأجر بنفس العمل . فإذا العامل فيما هو شريك فيه يستحق الربح بالشرط في عقد صحيح ، وإن اشترطا العمل على صاحب الألفين لم تجز الشركة ; لأن العامل شرط لصاحبه جزءا من ربح ماله من غير أن يكون له فيه رأس مال ، أو عمل ، وذلك باطل ; فإن استحقاق الربح باعتبار العمل والمال ، أو العمل ، أو الضمان ، ولم يوجد شيء من ذلك لصاحب الألف في مال صاحب الألفين ; فكان اشتراطه جزءا من الربح له باطلا ، والربح بينهما على قدر رءوس أموالهما ; لأن العامل لم يطمع في شيء من ربح مال صاحب الألفين حين لم يشترط شيئا من ذلك لنفسه . قال : ( وإذا أقعد الصانع معه رجلا في دكانه يطرح عليه العمل بالنصف فهو فاسد في القياس ) ; لأن رأس مال صاحب الدكان منفعة والمنافع لا تصلح أن تجعل رأس مال في الشركة ، ولأن المتقبل للعمل ، إن كان صاحب الدكان ، فالعامل أجيره بالنصف ، وهو مجهول والجهالة تفسد عقد الإجارة ، وإن كان المتقبل هو العامل ، فهو مستأجر لموضع جلوسه من دكانه بنصف ما يعمل ، وذلك مجهول ، إلا أنه استحسن ; فأجاز هذا لكونه متعاملا بين الناس من غير نكير منكر ، وفي نزع الناس عما تعاملوا به نوع حرج ; فلدفع هذا الحرج يجوز هذا العقد ; إذ ليس فيه نص يبطله . ولأن بالناس حاجة إلى هذا العقد ، فالعامل قد يدخل بلدة لا يعرفه أهلها ، ولا يأمنونه على متاعهم ، وإنما يأمنون على متاعهم صاحب الدكان الذي يعرفونه . وصاحب الدكان لا يتبرع بمثل هذا على العامل في العادة . ففي تصحيح هذا العقد تحصيل مقصود كل واحد منهما ; لأن العامل يصل إلى عوض عمله ، والناس يصلون إلى منفعة عمله ، وصاحب الدكان يصل إلى عوض منفعة دكانه ; فيجوز العقد ويطيب الفضل لرب الدكان ; لأنه أقعده في دكانه وأعانه بمتاعه . وربما يقيم بعض العمل أيضا كالخياط يتقبل المتاع ، ويلي قطعه ، ثم يدفعه إلى آخر بالنصف ; فلهذا يطيب له الفضل . وجواز هذا العقد كجواز عقد السلم ، فإن الشرع رخص فيه لحاجة الناس إليه . قال : ( ولا تصح الشركة بالعروض ) ، واعلم بأن الشركة بالنقود من الدراهم والدنانير جائزة ، ولا تجوز الشركة بالتبر في ظاهر المذهب . وقد ذكر في كتاب الصرف أن من اشترى بتبر بعينه شيئا ، فهلك قبل القبض لا يبطل العقد . فقد جعل التبر كالنقود ، حتى قال : لا يتعين بالتعيين . فالحاصل أن هذا يختلف باختلاف العرف في كل [ ص: 160 ] موضع . فإن كانت المبايعات بين الناس في بلدة بالتبر ; فهو كالنقود لا يتعين بالتعيين ، ويجوز الشركة به ، وإن لم يكن في ذلك عرف ظاهر ; فهو كالعروض لا تجوز الشركة به ، فإن كان التعيين مفيدا فيه ، فهو معتبر ، وإن لم يكن مفيدا لا يعتبر ، كتعين الصنجان والقيمات . ( فأما الشركة بالفلوس ) إن كانت نافعة لا تجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وتجوز في قول محمد رحمه الله . ( وذكر ) الكرخي في كتابه أن قول أبي يوسف كقول محمد رحمهما الله . والأصح ما قلنا : ، وهو بناء على مسألة كتاب البيوع إذا باع قلنا : تعيينه بفلسين بأعيانها يجوز " عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله " ، وتعين الفلوس بالتعيين بمنزلة الجوز ، والبيض " وعند محمد رحمه الله " لا يجوز ، ولا تتعين الفلوس الرائجة بالتعيين كالنقود ، فكذلك في حكم الشركة . محمد رحمه الله يقول : هي بمنزلة النقود ما دامت رائجة . وهما يقولان : الرواج في الفلوس عارض في اصطلاح الناس ، وذلك يتبدل ساعة فساعة ، فلو جوزنا الشركة بها أدى إلى جهالة رأس المال عند قسمة الربح إذا كسدت الفلوس ، وأخذ الناس غيرها ; لأن رأس المال عند قسمة الربح يحصل باعتبار المالية لا باعتبار العدد ، ومالية الفلوس تختلف بالرواج والكساد . ( وروى ) الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أن المضاربة بالفلوس الرائجة تصح ، وقال أبو يوسف رحمه الله : لا تصح الشركة بها ، ولا تصح المضاربة ، وفرق بينهما فقال : في المضاربة يحصل رأس المال أولا ليظهر الربح ، والفلوس ربما تكسد فلا تعرف ماليتها بعد الكساد إلا بالحزر ، والظن . ولا وجه لاعتبار العدد ; لما فيه من الإضرار بصاحب المال . فأما في الشركة إذا كسدت الفلوس يمكن تحصيل رأس مال كل واحد منهما باعتبار العدد ; لأن حالهما فيه سواء ، فلا يختص أحدهما بالضرر دون الآخر . ( فأما ) الشركة بالعروض من الدواب والثياب والعبيد : لا تصح " عندنا " ، وعلى قول ابن أبي ليلى ومالك رحمهما الله هي صحيحة ; للتعامل وحاجة الناس إلى ذلك ، ولاعتبار شركة العقد بشركة الملك ، وفي الكتاب علل للفساد ، فقال : لأن رأس المال مجهول ، يريد به أن العروض ليست من ذوات الأمثال . وعند القسمة لا بد من تحصيل رأس مال كل واحد منهما ; ليظهر الربح . فإذا كان رأس مالهما من العروض ، فتحصيله عند القسمة يكون باعتبار القيمة ، وطريق معرفة القيمة الحزر والظن ، ولا يثبت التيقن به . ثم الشركة مختصة برأس مال يكون أول التصرف به بعد العقد شراء لا بيعا ، وفي العروض أول التصرف يكون بيعا ، وكل واحد منهما يصير موكلا لصاحبه ببيع متاعه على أن يكون له بعض [ ص: 161 ] ربحه ، وذلك لا يجوز . وقد بينا أن صحة الشركة باعتبار الوكالة . ففي كل موضع لا تجوز الوكالة بتلك الصفة ، فكذلك الشركة . ومعنى هذا أن الوكيل بالبيع يكون أمينا ، فإذا شرط له جزء من الربح كان هذا ربح ما لم يضمن ، والوكيل بالشراء يكون ضامنا للثمن في ذمته ، فإذا شرط له نصف الربح كان ذلك ربح ما قد ضمن ، ولأن في الشركة بالعروض ربما يظهر الربح في ملك أحدهما من غير تصرف بتغير السعر فلو جاز استحق الآخر حصته من ذلك الربح من غير ضمان له فيه . وربما يخسر أحدهما بتراجع سعر عروضه ويربح الآخر ; فلهذه المعاني بطلت الشركة بالعروض ، فإن باعا العروض بثمن واحد قسما الثمن على قيمة متاع كل واحد منهما يوم باعه ; لأن كل واحد منهما تابع لملكه ، والمسمى من الثمن بمقابلة جميع ما دخل في العقد من العروض ، فيقسم عليهما باعتبار القيمة ، ولكل واحد منهما حصة عرضه ; لأن الشركة لما فسدت كأنها لم تكن . ( وكذلك ) لا يصح أن يكون رأس مال أحدهما دراهم ورأس مال الآخر عروضا في مفاوضة ولا عنان ; لجهالة رأس المال في نصيب صاحب العروض ، على ما بينا . قال : ( وإن اشتركا في مكيل ، أو موزون ، أو معدود متفق في المقدار والصفة ، فإن لم يخلطاه ; فليسا بشريكين ، ولكل واحد منهما متاعه له ربحه ، وعليه وضيعته ) ; لأن هذه الأشياء بمنزلة العروض ، وتستحق أعيانها بالعقد ، وأول التصرف فيها بعد الشركة يكون بيعا لا شراء ، فكانت كالعروض : لا تجوز الشركة بها ، وإن خلطاه فهو بينهما ، وما ربحا فيه فلهما ، وما وضعا فيه فعليهما ، وهذا ظاهر ; لأن الخلط حصل بفعلهما ، فالمخلوط يكون مشتركا بينهما على قدر ملكهما ، وقد كان ملكهما سواء ; فالربح والوضيعة بعد البيع يكون بينهما على ذلك . ولم يذكر في الكتاب أن الشركة بينهما بعد الخلط تكون شركة ملك ، أو شركة عقد . وذكر في النوادر أن على قول أبي يوسف رحمه الله الشركة بينهما شركة ملك . وعند محمد رحمه الله تكون شركة عقد . وفائدة هذا الخلاف فيهما أنهما إذا اشترطا من الربح لأحدهما زيادة على نصيبه : " عند أبي يوسف رحمه الله " لا يستحق ذلك ; بل لكل واحد منهما من الربح بقدر ملكه ، " وعند محمد " : الربح بينهما على ما اشترطا محمد يقول : المكيل والموزون عرض من وجه ، ثمن من وجه . ألا ترى أن الشراء بهما دينا في الذمة صحيح ; فكان ثمنا ، وأن بيع عينهما صحيح ; فكانت مبيعة . وما تردد بين الأصلين يوفر حظه عليهما . فلشبههما بالعروض قلنا : لا تجوز الشركة بهما قبل الخلط ، ولشبههما بالأثمان قلنا : تجوز الشركة بهما بعد الخلط ; وهذا لأن باعتبار الشبهين تضعف [ ص: 162 ] إضافة عقد الشركة إليهما ، فيتوقف ثبوتها على ما يقويها ، وهو الخلط ; لأن بالخلط تثبت شركة الملك - لا محالة - فيتأكد به شركة العقد - لا محالة - . وأبو يوسف رحمه الله يقول : ما يصلح أن يكون رأس مال في الشركة لا يختلف الحكم فيه بالخلط وعدم الخلط - كالنقود - ; فكذلك ما لا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة لا يختلف الحكم فيه بالخلط وعدم الخلط ; وهذا لأن قبل الخلط إنما يجوز شركة العقد بها ; لأنها متعينة ، فتعين رأس المال لا بد منه في عقد الشركة ، وأعيانها مبيعة ، وأول التصرف بها يكون بيعا ، وهذا المعنى موجود بعد الخلط ، بل يزداد تقررا بالخلط ; لأن الخلط لا يتقرر إلا في معين ، والمخلوط المشترك لا يكون إلا معينا ; فتقرر المعنى المفسد لا يكون مصححا للعقد . والذي يقال لمحمد : إن تحصيل رأس المال عند القسمة هنا ممكن ; لأنها من ذوات الأمثال يشكل بما قبل الخلط ، فإن هذا المعنى موجود فيه ، ومع ذلك لا يثبت بينهما شركة العقد . ![]()
__________________
|
|
#238
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 162 الى صـــ 171 (238) وكذلك يشكل بما إذا كان رأس مال أحدهما حنطة ، ورأس مال الآخر شعيرا . فالشركة لا تصح هنا بينهما - خلطاه أو لم يخلطاه - ورأس مال كل واحد منهما من ذوات الأمثال يمكن تحصيله عند قسمة الربح . ولكن محمد رحمه الله يفرق ويقول : عقد الشركة إنما يثبت ، بعد الخلط ، باعتبار المخلوط . فعند اختلاف الجنس المخلوط ليس من ذوات الأمثال . ألا ترى أن من أتلف هذا المخلوط كان عليه قيمته ، وإن لم يكن من ذوات الأمثال كان بمنزلة العروض ، وأما إذا كان الجنس واحدا فالمخلوط من ذوات الأمثال ، حتى أن من أتلفه يضمن مثله . فيمكن تحصيل رأس مال كل واحد منهما وقت القسمة باعتبار المثل . ( ثم ) عند اختلاف الجنس إذا باعا المخلوط ; فالثمن بينهما على قدر قيمة متاع كل واحد منهما يوم خلطاه مخلوطا ; لأن الثمن بدل المبيع ، فيقسم على قيمة ملك كل واحد منهما ، وملك كل واحد منهما كان معلوم القيمة وقت الخلط ; فتعتبر تلك القيمة ، ولكن مخلوطا ; لأنه دخل في البيع بهذه الصفة ، واستحقاق الثمن بالبيع ; فتعتبر صفة ملك كل واحد منهما حين دخل في البيع . فإن كان أحدهما يزيده الخلط خيرا ; فإنه يضرب بقيمته يوم يقتسمون غير مخلوط . ومعنى هذا أن قيمة الشعير تزداد إذا خلطاه بالحنطة ، وقيمة الحنطة تنتقص ، فصاحب الشعير يضرب بقيمة شعيره غير مخلوط ; لأن تلك الزيادة ظهرت في ملكه من مال صاحبه ، فلا يستحق الضرب به معه . وصاحب الحنطة يضرب بقيمة حنطته مخلوطة بالشعير ; لأن النقصان حصل بعمل هو راض به - وهو الخلط - وقيمة ملكه عند البيع ناقص ، فلا يضرب إلا بذلك القدر . وقد طعن عيسى في الفصلين [ ص: 163 ] جميعا فقال : قوله في الفصل الأول أنه يعتبر قيمة متاع كل واحد منهما يوم خلطاه ، وفي الفصل الثاني يوم يقتسمون ، غلط ; بل الصحيح أنه يقسم الثمن على قيمة متاع كل واحد منهما يوم وقع البيع ; لأن استحقاق الثمن بالبيع ، وإنما يقسم الثمن على القيمة وقت البيع . ألا ترى أنهما لو لم يخلطا ، ولكن باعا الكل جملة فقسمة الثمن تكون على القيمة وقت البيع ، فكذلك بعد الخلط ، إلا أن يكون تأويل المسألة أن تكون قيمته وقت الخلط والقسمة والبيع سواء . ( قال ) الشيخ الإمام الأجل رحمه الله تعالى : " وعندي " أن ما ذكره صحيح ; لأن معرفة قيمة الشيء بالرجوع إلى قيمة مثله مما يباع في الأسواق ، وليس للمخلوط مثل يباع في الأسواق ; حتى يمكن اعتبار قيمة ملك كل واحد منهما وقت البيع . فإذا تعذر هذا ، وجب المصير إلى التقويم في وقت يمكن معرفة قيمة كل واحد منهما ، كما في جارية مشتركة بين اثنين أعتق أحدهما ما في بطنها ; فهو ضامن لنصيب شريكه معتبرا بوقت الولادة ; لتعذر إمكان معرفة القيمة وقت العتق لكونه مختبئا في البطن ، فيصار إلى تقويمه في أول الحال الذي يمكن معرفة القيمة فيه - وهو بعد الولادة - فكذلك هنا يصار إلى معرفة قيمة ملك كل واحد منهما في أول أوقات الإمكان - وهو عند الخلط - إلا أنه إذا علم أن الخلط يزيد في مال أحدهما وينقص من مال الآخر ، فقد تعذر قسمة الثمن على قيمة ملكهما وقت الخلط ; لتيقننا بزيادة ملك أحدهما ، ونقصان ملك الآخر ، فتعتبر القيمة وقت القسمة باعتبار أن عند الخلط ملك كل واحد منهما من ذوات الأمثال ، فيجعل حق كل واحد منهما بعد الخلط كالباقي في المثل إلى وقت القسمة ، فيقسم الثمن على ما هو حق كل واحد منهما ، بخلاف ما إذا لم يخلطه ; لأن تقويم ملك كل واحد منهما وقت البيع . ( قال ) فإن كان لأحدهما ألف درهم وللآخر مائة دينار فخلطا أو لم يخلطا ; فهما سواء لأنهما لا يختلطان . وقد بينا أن خلط المالين في النقود ليس بشرط لصحة عقد الشركة ، فأيهما هلك هلك من مال صاحبه ; لأنه بقي على ملكه بعد عقد الشركة ، وكل واحد منهما أمين في رأس مال صاحبه سواء هلك في يده أو في يد صاحبه ; يكون هلاكه عليه . ثم الشركة تبطل بهلاك أحد المالين ; لأن المقصود بالشركة التصرف بها ، لا عينها . فإذا اعترض بعد العقد قبل حصول المقصود ما لو اقترن بالعقد كان مانعا من العقد ، فكذلك إذا اعترض يكون مبطلا كالتخمر في العصير المشترى قبل القبض ، والكساد في الفلوس . وانعدام رأس المال لأحدهما لو اقترن بالعقد كان مانعا ، فكذا إذا اعترض . والمشترى بالمال الباقي بعد ذلك يكون لصاحبه خاصة ، هكذا يقول في [ ص: 164 ] بعض المواضع . وفي بعض المواضع يقول : إذا اشترى الآخر بماله بعد ذلك يكون المشترى بينهما نصفين ، ويرجع المشترى على صاحبه بنصف ما نقد من الثمن ، وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع . فحيث قال : يكون الباقي مشتريا لنفسه خاصة ، وضع المسألة فيما إذا أطلقا الشركة ; فيكون المشترى بمال أحدهما مشتركا بينهما عند الإطلاق من قضية عقد الشركة ، وقد بطلت بهلاك مال أحدهما ; فيكون الآخر مشتريا لنفسه . وحيث قال : المشترى بمال آخر ، لا بينهما . وضع المسألة فيما إذا صرحا عند عقد الشركة على أن ما اشتراه كل واحد منهما بماله هذا يكون مشتركا بينهما . وعند هذا التصريح الشركة في المشترى من قضية الوكالة ; لأن كل واحد منهما قد وكل صاحبه بالشراء بماله نصا على أن يكون نصف المشترى له . والشركة وإن بطلت بهلاك أحد المالين فالوكالة باقية ; فلهذا كان المشترى بينهما نصفين ، ويرجع المشتري على صاحبه بنصف الثمن ; لأنه اشترى له النصف بحكم الوكالة ، ونقد الثمن من مال نفسه ، فيرجع به عليه . وإذا تأملت موضوع المسألة في كل موضع يتبين لك صحة الجواب من غير حاجة إلى الفرق ، ومن غير تناقض في الجواب . قال : ( فإن اشتريا متاعا على المال فنقدا الثمن من الدراهم ، ثم هلكت الدنانير فإنها تهلك من مال صاحبها خاصة ) ; لبقائها على ملكه بعد الشراء بالدراهم ، والمشترى بالدراهم بينهما على قدر رءوس أموالهما ; لأن الشركة كانت قائمة بينهما حين اشتريا بالدراهم وصار المشترى مشتركا بينهما ; فلا يتغير ذلك بهلاك الدنانير بعد ذلك ، ولكن يرجع صاحب الدراهم على صاحب الدنانير من ثمن المتاع بقدر حصته من المتاع ; لأنه اشترى ذلك القدر له بوكالته ، ونقد الثمن من مال نفسه . وإنما رضي بذلك على أن يشتري الآخر بالدنانير لهما ، وينقد الثمن من مال نفسه . فإذا فات ذلك رجع بما نقد من ثمن حصته من دراهمه ، ( ثم ) لم يذكر أن شركتهما في المتاع المشترى شركة عقد أو شركة ملك ، وفيه اختلاف بين محمد والحسن - رحمهما الله تعالى - " فعند محمد هي شركة عقد حتى إذا باعه أحدهما نفذ بيعه في الكل ، " وعند الحسن رحمه الله " هي شركة ملك حتى لا ينفذ بيع أحدهما إلا في حصته ; لأن شركة العقد قد بطلت بهلاك الدنانير كما لو هلكت قبل الشراء بالدراهم ، وإنما بقي ما هو حكم الشراء - وهو الملك - ; فكانت شركتهما في المتاع شركة ملك . وجه قول محمد رحمه الله أن هلاك الدنانير كان بعد حصول ما هو المقصود بالدراهم - وهو الشراء بها - ; فلا يكون مبطلا شركة العقد بينهما في ذلك كما لو كان الهلاك بعد الشراء بالمالين جميعا . قال : ( فإن اشتريا [ ص: 165 ] بالدراهم والدنانير جميعا متاعا فالمتاع بينهما على قدر رءوس أموالهما ) . والحاصل أن في شرط الربح يعتبر قيمة رأس مال كل واحد منهما وقت عقد الشركة ، وفي وقوع الملك للمشتري يعتبر قيمة رأس مال كل واحد منهما وقت الشراء ، وفي ظهور الربح في نصيبهما أو في نصيب أحدهما يعتبر قيمة رأس المال وقت القسمة ; لأنه ما لم يحصل رأس المال لا يظهر الربح ، وقد بينا هذا فيما أمليناه من شرح الجامع . قال : ( وإن اشتريا بالألف متاعا ، ثم اشتريا بعد ذلك بالدنانير متاعا ، فوضعا في أحد المتاعين وربحا في الآخر ، فذلك بينهما على قدر رءوس أموالهما ) ; لأن الوضيعة هلاك جزء من المال ، والربح كالمال ، فيكون على قدر رأس المال ما لم يغير ذلك بشرط صحيح . ( وكذلك ) رجلان اشتريا متاعا بألف درهم ، وكر حنطة على أن لأحدهما من المتاع بحصة الألف ، وللآخر بحصة الكر ، ودفعا الثمن ، فهذا الشرط معتبر ; لمقتضى مطلق السبب ; لأن كل واحد منهما في الشراء يكون عاملا لنفسه ، وإنما يملك من المبدل بقدر ما نقده من البدل . ( وكذلك ) لو اشتريا متاعا بكر حنطة وكر شعير ، فكال أحدهما كر حنطة على أن له من المتاع بحصته ، وكال الآخر الشعير على أن له من المتاع بحصته ، ثم باعا ذلك بدراهم ; فإنهما يقتسمان الثمن على قيمة الحنطة والشعير يوم يقتسمان ، وكذلك كل ما يكال أو يوزن ، قال عيسى رحمه الله : هذا غلط ، والصواب أن يقتسما ذلك على القيمة يوم الشراء ; لما بينا أن في وقوع الملك في المشترى يعتبر قيمة مال كل واحد منهما يوم الشراء . فإنما يملك كل واحد منهما من المتاع المشترى بقدر رأس ماله عند الشراء . ثم إذا باع ذلك فثمن حصة كل واحد منهما يكون له كما في العروض لو اشتريا متاعا بعرضين أحضراهما لكل واحد منهما عرض ، ثم باعا ذلك المتاع بدراهم اقتسما الثمن على قيمة عرض كل واحد منهما وقت الشراء بها إلا أن يكون تأويل المسألة أنهما باعا المتاع مرابحة ، فحينئذ الثمن في بيع المرابحة مبني على الثمن الأول على قدر الملك فيقسم الثمن بينهما على قدر قيمة رأس مالهما وقت القسمة بخلاف العروض ; فإن المشترى بالعروض لا يجوز بيعه مرابحة إنما يجوز بيع المرابحة في المشترى بماله مثل من جنسه ، فكانت القسمة على قدر قيمة العروض وقت الشراء بها ، ولكن هذا التأويل بعيد ; فإنه قال : ثم باعا ذلك بدراهم ، وقد نص على حكم بيع المرابحة بعد هذا . فقال : إذا اشتريا بالمكيل ، والموزون ، وباعاه مرابحة استوفى كل واحد منهما رأس ماله الذي كاله ، أو وزنه ، ثم اقتسما الربح على قيمة رأس مال كل واحد منهما إن باعاه مرابحة بمال مسمى ، وإن باعاه بربح [ ص: 166 ] عشرة أحد عشر ، كان لكل واحد منهما رأس ماله ، وحصته من الربح على ما باعا لأنهما إذا باعا بربح عشرة أحد عشر ، فالربح من جنس أصل رأس المال بصفته ، وإذا باعاه مرابحة بمال مسمى ، فالربح مبني على الثمن الأول فيقسم على قيمة رأس مال كل واحد منهما . بيان هذا فيما قال في كتاب المضاربة : لو اشترى شيئا بألف درهم ، نقد بيت المال ، ثم باعه مرابحة بربح مائة درهم ، فالربح الغلة ، ولو باعه بربح عشرة أحد عشر ، فالربح من نقد بيت المال كأصل الثمن . وبهذا الفصل يتبين ضعف التأويل الذي قلنا في مسألة الطعن ; فإنه قال هناك : يقتسمان الثمن على قيمة الحنطة والشعير يوم يقتسمان ، فاعتبر في جميع ذلك الثمن دون الربح . قال الشيخ الإمام رحمه الله ، والذي تخايل لي بعد التأمل في تصحيح جواب الكتاب أنه بني على قول محمد رحمه الله : أن شركة العقد بالمكيل والموزون ثبتت عند خلط المال ، وقد بينا هذا إلا أن الخلط إذا كان في أصل رأس المال يختلف الجواب باتحاد الجنس ، وخلاف الجنس ; لأن تمام الاختلاط عند اتحاد الجنس . فأما الخلط هنا باعتبار المشترى . والمشترى مختلط بينهما - سواء اتفق جنس رأس المال أو اختلف - فكان المشترى مشتركا بينهما شركة عقد ، ورأس مال كل واحد منهما ما أداه ، وهو من ذوات الأمثال ; فيجب تحصيله عند القسمة . فلهذا قال : يقسم الثمن على قيمة الحنطة والشعير يوم يقتسمان بخلاف العروض ; فإن شركة العقد لا تثبت بالعروض بحال ، ولا يكون حق كل واحد منهما في مثل عرضه ; لأنه لا مثل له ، فكان المعتبر قيمة عرض كل واحد منهما وقت الشراء . قال : ( ولو أن رجلا أعطى رجلا دنانير مضاربة فعمل بها ، ثم أرادا القسمة كان لرب المال أن يستوفي دنانير ، أو يأخذ من المال بقيمتها يوم يقتسمون ) ; لأن المضارب شريك في الربح ، ولا يظهر الربح إلا بعد وصول كمال رأس المال إلى رب المال إما باعتبار العين أو باعتبار القيمة . وقد بينا في إظهار الربح أن المعتبر قيمة رأس المال في وقت القسمة . وإنما أورد فصل المضاربة لإيضاح ما أشار إليه في الشركة . قال : ( وينبغي لمن خالف ذلك أن يقول : يأخذ قيمتها يوم أعطاه ، ولم يبين من المخالف قبل المخالف ) زفر رحمه الله قال : لا يجوز شركة العقد بالدراهم والدنانير ; لاختلاف جنس رأس المال ، وإنما يكون لكل واحد من ملك المشتري بقدر ما أعطى من ماله ; فلهذا يعتبر قيمة كل واحد منهما وقت الإعطاء . وفي النوادر : لو دفع إلى رجل ألف درهم على أن يعمل بها على أن له ربحها ، وعليه الوضيعة ، فهلكت قبل الشراء ، فالقابض ضامن لها ; لأن المعطي مقرض المال منه حين شرط [ ص: 167 ] أن الربح كله له والوضيعة عليه ، فهو إشارة إلى أنه يعمل بها لنفسه ، وذلك لا يكون إلا بعد الإقراض . والقبض بحكم القرض قبض ضمان ، ولو قال : اعمل بها على أن الربح بيننا والوضيعة بيننا ، فهلكت قبل أن يعمل بها ; فلا ضمان عليه " في قول أبي يوسف " ; لأنه أمره بالعمل بها على وجه الشركة . والمال أمانة في يد الشريك ، وثبوت حكم القرض في النصف هنا بمقتضى الشراء ; لأنه في النصف يصير مشتريا لنفسه ، فما ينقد فيه الثمن يكون قرضا عليه ; فلا يثبت ذلك قبل الشراء ، " وعند محمد رحمه الله " هذا والأول سواء . فإذا هلكت قبل الشراء بها فعليه ضمان نصفها للمعطى - اعتبارا للجزء بالكل - ; وهذا لأنه شرط الوضيعة عليه في النصف ، وذلك لا يكون إلا بطريق الإقراض ; فإن المضارب ليس عليه من الوضيعة شيء ، فجعلناه مقرضا نصف المال منه ، وضمان القرض يثبت بالقرض . قال : ( وإذا جاء كل واحد منهما بألف درهم فاشتركا بها وخلطاها ، كان ما هلك منها هالكا منهما ، وما بقي فهو بينهما ) ; لأن المخلوط مشترك بينهما ، وما يهلك من المال المشترك يهلك على الشركة ; إذ ليس صرف الهالك إلى نصيب أحدهما بأولى من صرفه إلى نصيب الآخر إلا أن يعرف شيء من الهالك أو الباقي من مال أحدهما بعينه ; فيكون ذلك له وعليه ; لأن الاختلاط في ذلك القدر لم يتحقق . وإنما يعرف ذلك بأن يكون مال أحدهما صحاحا ، والآخر مكسورا ، فما كان باقيا من الصحاح يعلم أنه ملك صاحبها ، والحال في هذا قبل الاختلاط وبعده سواء . فأما إذا لم يعرف فإنه يجعل الهالك والقائم بينهما على قدر ما اختلط من رءوس أموالهما ليتحقق الاختلاط في ذلك . قال : ( وإذا اشتركا بغير رأس مال على أن ما اشتريا من الرقيق بينهما ، فهذا جائز ) . وهذا يفسد شركة الوجوه في الرقيق خاصة . وقد بينا أن شركة الوجوه تكون مفاوضة تارة ، وعنانا أخرى ، والعنان منها يكون عاما وخاصا ، كالعنان في الشركة بالمال ; وهذا لأن جوازها باعتبار الوكالة ، والتوكيل بشراء نوع خاص صحيح ، وكذلك لو قالا في هذا الشهر لأنه توقيت في التوكيل ، والوكالة تقبل التخصيص في الوقت والعمل جميعا . قال : ( فإن قال أحدهما قد اشتريت متاعا فهلك مني ، وطالب شريكه بنصف ثمنه لم يصدق على شريكه بذلك القدر ) ; لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه بالشراء ، إذا لم يكن الثمن مدفوعا إليه ، فقال : اشتريته وهلك في يدي لا يصدق في إلزام الثمن في ذمة الموكل . بخلاف ما إذا كان الثمن مدفوعا إليه ; لأن الوكيل أمين فيقبل قوله في براءته عن الضمان ، ولا يقبل قوله في إلزام الدين لنفسه في ذمة الموكل ; لأنه [ ص: 168 ] في ذلك غير أمين ، ولكن إذا دخل في ملكه ظاهرا مثل ما لزمه صح إلزامه إياه ، وذلك بمباشرة الشراء لا بإقراره . فكذلك هنا كل واحد منهما في مباشرة الشراء يلزم ذمة صاحبه مثل ما يدخله في ملكه ظاهرا ، فأما في الإقرار لا يدخل شيئا في ملك شريكه ظاهرا ; فلا يصدق في إلزام شيء في ذمته . والقول قول الشريك لإنكاره بعد أن يحلف ، وإنما يحلف على العلم لأنه استحلاف على فعل الغير - وهو شراء المدعي - والحلف على فعل الغير يكون على العلم ، كما أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث القسامة { : يحلف لكم اليهود خمسين يمينا بالله ما قتلوه ولا علموا له قاتلا } . قال : ( وإن أقام البينة على الشراء والقبض ، ثم ادعى هلاك المتاع ، فالقول قوله مع يمينه على الهلاك ) ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ثم هو أمين في المقبوض من نصيب صاحبه فيكون القول قوله في الهلاك مع يمينه ، ويتبع شريكه في نصف الثمن ; لأن هلاك المشترى في يد الوكيل إذا لم يمنعه من الموكل كهلاكه في يد الموكل . وكذلك إذا اشتريا متاعا وقبضاه ، ثم قبضه أحدهما ليبيعه ، وقال قد هلك ، فهو مصدق مع يمينه ; لأنه وكيل بالبيع في نصف صاحبه ، والوكيل بالبيع أمين فيما في يده ; فالقول في هلاكه قوله مع يمينه . قال : ( وإذا اشتركا بغير مال على أن ما اشترياه من شيء فهو بينهما نصفين ، ولأحدهما بعينه ثلثا الربح ، وللآخر الثلث : فالشركة جائزة ، والشرط باطل ) ; لأن أحدهما شرط لنفسه جزءا من ربح ملك صاحبه ، وهو غير ضامن لشيء من نصيب صاحبه ، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ربح ما لم يضمن . ولكن أصل الشركة لا تبطل بالشرط الفاسد ; فيجوز بيع كل واحد منهما فيما اشترى ، والربح بينهما نصفين على قدر ملكهما في المشترى . قال : ( وإذا اشتركا شركة عنان بأموالهما ، أو بوجوههما ، فاشترى أحدهما متاعا ، فقال الشريك الذي لم يشتره : هو من شركتنا . وقال المشتري هو لي خاصة ، وإنما اشتريته بمالي لنفسي قبل الشركة ، فالقول قول المشتري ) ; لأن الظاهر شاهد له ، والأصل أن يكون كل أحد عاملا لنفسه ما لم يقم دليل على عمله لغيره ، ولأن سبب الملك له في المشترى ظاهر ، والآخر يدعي استحقاق بعض ما في يده عليه ; فكان القول قول المنكر مع يمينه بالله ما هو من شركتنا . ( فإن قيل ) : قيام عقد الشركة بينهما في هذا النوع دليل ظاهر على أن المشترى بينهما ، فهو في قوله اشتريته قبل عقد الشركة يدعي لنفسه تاريخا سابقا في الشراء ، ومثل هذا التاريخ لا يثبت إلا بحجة . ( قلنا ) : نعم هذا نوع ظاهر يشهد للآخر ، ولكن الظاهر [ ص: 169 ] حجة لدفع الاستحقاق ; فلا يثبت الاستحقاق بها . وحاجة الآخر إلى إثبات الاستحقاق ، فلا يكفيه الظاهر لذلك ، فأما حاجة المشتري إلى دفع الاستحقاق للآخر عما في يده ، فالظاهر يكفيه لذلك . قال : ( رجل أمر رجلا أن يشتري عبدا بعينه بينه وبينه ، فقال المأمور : نعم ، ثم ذهب فاشتراه ، وأشهد أنه يشتريه لنفسه خاصة : فالعبد بينهما على الشركة ) ; لأنه وكيل من جهة الآخر في شراء نصف العبد له ، والوكيل لا يعزل نفسه بغير محضر من الموكل ، كما أن الموكل لا يعزل وكيله بغير علم منه ; لما في فعل كل واحد منهما من الإلزام في حق صاحبه ، وذلك لا يثبت بدون علمه - كخطاب الشرع لا يلزم المخاطب ما لم يعلم به - ولأنه قصد عزل نفسه هنا في امتثال أمر الآمر ، فإنما عزله في مخالفته أمره لكي لا ينفذ تصرفه عليه . فأما في امتثال أمره ، لا يمكنه أن يعزل نفسه . وعلى هذا إذا اشتركا على أن ما اشترى كل واحد منهما اليوم فهو بينهما : لم يستطع أحدهما الخروج عن الشركة إلا بمحضر من صاحبه ; لأن كل واحد منهما وكيل لصاحبه ، ولو أشهد الموكل على إخراج الوكيل عما وكله به ، وهو غير حاضر : لم يجز ذلك . حتى إذا تصرف قبل أن يعلم بالعزل نفذ تصرفه على الآمر . فكذلك في الشركة . قال : ( رجل أمر رجلا أن يشتري له عبدا بعينه بينه وبين المأمور ، فقال : نعم . ثم لقيه آخر فقال : اشتر هذا العبد بيني وبينك ، فقال المأمور : نعم . ثم ذهب المأمور فاشترى العبد ، فالعبد بين الآمرين نصفين ، ولا شيء للمشتري فيه ) ; لأن الآمر الأول وكله بشراء نصفه له ، وقد تمت الوكالة بقبوله ، وصار بحال لا يملك شراء ذلك النصف لنفسه ، فكذلك لا يملك شراءه لإنسان آخر ; لأنه إنما يملك الشراء لغيره بإذنه فيما يملك شراءه لنفسه ، ولما أمره الثاني بأن يشتري العبد بينه وبينه ، فقد أمره بشراء نصفه له ، فينصرف هذا النصف إلى النصف الآخر غير النصف الذي قبل الوكالة فيه من الأول ; وهذا لأنه وإن ذكر كل النصف مطلقا ، ولكن مقصودهما تصحيح هذا التصرف ، ولا يمكن تصحيحه إلا أن يتعين في الوكالة من الثاني النصف الآخر ، وهو نظير عبد بين شريكين باع أحدهما نصفه مطلقا ، ينصرف بيعه إلى حصته خاصة . فهنا أيضا ينصرف توكيل الثاني إلى النصف الآخر خاصة ; فلهذا يجعل مشتريا نصفه لكل واحد منهما بوكالته ، وخرج من البين . قال : ( رجل اشترى عبدا وقبضه ، فطلب إليه رجل آخر الشركة ; فأشركه فيه : فله نصفه ) ; لأن الإشراك تمليك نصف ما ملك بمثل الثمن الذي ملكه به ، ولو ملكه منه جميع ما ملك بعد ما قبضه ; بأن ولاه البيع : كان صحيحا . فكذلك إذا ملكه نصفه . وبيان [ ص: 170 ] هذا أن مطلق عقد الشركة يقتضي التسوية . قال الله تعالى في ميراث أولاد الأم { : فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث . } اقتضى التسوية بين الذكور والإناث . فلما قال هنا : أشركتك فيه . فمعناه سويتك بنفسي ، وذلك تمليك للنصف منه . وكذلك لو أشرك رجلين فيه صفقة واحدة ، كان العبد بينهم أثلاثا ; لأنه سواهما بنفسه ، وإنما تتحقق التسوية إذا كان العبد بينهم أثلاثا . قال : ( ولو اشترى رجلان عبدا فأشركا فيه رجلا ، فالقياس أن يكون للرجل نصفه ، ولكل واحد من المشتريين ربعه ) ; لأن الإشراك تمليك بطريق التسوية بين المشتري وبين من أشرك ; على ما روي { أن أبا بكر رضي الله عنه لما اشترى بلالا رضي الله عنه أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فقال - صلوات الله وسلامه عليه - : أشركني فيه ، فقال : قد أعتقته } . فعرفنا بهذا أن الإشراك تمليك حتى امتنع منه بالإعتاق . ومقتضى لفظ الإشراك التسوية ، فكل واحد منهما صار مملكا نصف نصيبه منه حين سواه بنفسه في نصيبه فيجمع له نصف العبد ، ويبقى لكل واحد منهما ربعه . وفي الاستحسان : يكون له ثلثه ; لأنهما حين أشركاه فقد سوياه بأنفسهما فيقتضي هذا اللفظ أن يسوى بينهما في ملك العبد . وإنما يتحقق ذلك إذا صار له ثلث العبد من جهة كل واحد منهما السدس ، ويبقى لكل واحد منهما ثلثه . يوضحه : أنهما حين أشركاه فقد جعلاه كالمشتري للعبد معهما كان له ثلث العبد . قال : ( ولو أشركه أحد الرجلين في نصيبه ونصيب صاحبه ، فأجاز شريكه ذلك : كان للرجل نصفه ، وللشريكين نصفه ) ; لأن إشراكه في نصيبه نفذ في الحال ، وفي نصيب شريكه توقف على إجازة الشريك . وعند الإجازة يصير الشريك مشركا له في نصيبه . فكأن كل واحد منهما أشركه في نصيبه بعقد على حدة . ( وروى ) ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله أن أحد المشتريين إذا قال لرجل أشركتك في هذا العبد ، فأجاز شريكه كان العبد بينهم أثلاثا ; لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء ، ولو أشركه بإذن شريكه كان بينهم أثلاثا ; وهذا لأن المجيز صار راضيا بالسبب لا مباشرا له . والحكم الثابت عند الإجازة يسند إلى وقت العقد ، فيصير كأنهما أشركاه معا ، فيكون بينهم أثلاثا . قال : ( وكذلك إن أشركه أحدهما في نصيبه ، ولم يسم في كم أشركه ، ثم أشركه الآخر أيضا في نصيبه ) ; لأن كل واحد منهما سواه بنفسه في نصيبه في عقد على حدة ، فيصير مملكا نصف نصيبه منه . وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله أن أحد المشتريين لو قال لرجل : أشركتك في نصف هذا العبد ، كان مملكا جميع نصيبه منه [ ص: 171 ] بمنزلة قوله قد أشركتك بنصف هذا . ألا ترى أن المشتري لو كان واحدا ، فقال لرجل : قد أشركتك في نصفه ، كان له نصف العبد ، بمنزلة قوله : أشركتك بنصفه - بخلاف ما لو قال : أشركتك في نصيبي - ; فإنه لا يمكن أن يجعل بهذا اللفظ مملكا جميع نصيبه بإقامة حرف في مقام حرف الباء . فإنه لو قال : أشركتك بنصيبي ، كان باطلا ; فلهذا كان له نصف نصيبه . قال : ( رجل اشترى عبدا ولم يقبضه حتى أشرك فيه رجلا ، لم يجز ) ; لأنه بيع ما لم يقبض ، وذلك منهي عنه . ألا ترى أنه لو ملكه الكل قبل القبض بطريق التولية لم يجز ، فكذلك إذا ملكه البعض بالإشراك . فإن أشركه بعد القبض ، فهلك قبل أن يسلمه إليه ، لم يكن عليه ثمن ما أشركه فيه ، بمنزلة ما لو ولاه ; وهذا لأنه في حقه بائع ، وهلاك المبيع في يد البائع قبل التسليم مبطل للبيع ، ولم يذكر في الكتاب لو قبض نصف العبد ثم أشرك فيه غيره . ( والجواب ) : أنه يصح إشراكه في نصف العبد اعتبارا للبعض بالكل . ( فإن قيل ) : كان ينبغي أن ينصرف إشراكه إلى النصف الذي قبضه خاصة تصحيحا لتصرفه بمنزلة عبد بين شريكين باع أحدهما نصفه مطلقا ينصرف البيع إلى نصيبه خاصة . ( قلنا ) : الإشراك يقتضي التسوية ، وإنما يتحقق إذا انصرف إشراكه إلى الكل . ثم يصح في المقبوض لوجود شرطه ، ولا يصح في غير المقبوض لانعدام شرطه . فأما إذا انصرف إلى تمليك المقبوض خاصة ، لا يكون تسوية بينهما ، وتصحيح التصرف يجوز على وجه لا يخالف الملفوظ . ففي تعيين المقبوض هنا مخالفة الملفوظ بخلاف ما إذا باع أحد الشريكين نصف المقبوض ، فليس في تعيين نصيبه هناك لتصحيح العقد مخالفة الملفوظ . قال : ( وإذا اشترك الرجلان في عبد قبل أن يشترياه ، فقال كل واحد منهما لصاحبه : أينا اشترى هذا العبد فقد أشرك فيه صاحبه ، أو قال : فصاحبه فيه شريك له . فهو جائز ) ; لأن كل واحد منهما يصير موكلا لصاحبه بأن يشتري نصف العبد له . فأيهما اشتراه كان مشتريا نصفه لنفسه ونصفه لصاحبه ; بوكالته . فإذا قبضه فذلك كقبضهما جميعا ; لأن القبض من حقوق العقد ، وذلك إلى العاقد . ثم يد الوكيل كيد الموكل ، ما لم يمنعه منه ، حتى إذا مات كان من مالهما جميعا . ( فإن اشترياه معا ، أو اشترى أحدهما نصفه قبل صاحبه ، ثم اشترى صاحبه النصف الباقي : كان بينهما ) ; لأنهما إن اشترياه معا فقد صار كل واحد منهما مشتريا نصفه لنفسه ، وإن اشترى أحدهما نصفه فقد صار مشتريا نصف هذا العبد لنفسه [ ص: 172 ] ونصفه لصاحبه ، وكان العبد بينهما ; فإن نقد أحدهما الثمن بأمر صاحبه أو بغير أمره ، وقد كانا اشتركا فيه قبل الشراء - على ما وصفت لك - فإنه يرجع بنصف الثمن على شريكه ; لأن بالعقد السابق بينهما صار كل واحد منهما وكيل صاحبه في نقد الثمن من ماله . ألا ترى أنه لو اشتراه أحدهما ، ونقد الثمن رجع على شريكه بنصفه ، بحكم تلك الوكالة ، . فكذلك إذا اشترياه وأدى الثمن أحدهما فإنما أدى النصف عن نفسه ، والنصف عن شريكه بوكالته ، فيرجع به عليه . قال : ( فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه في بيعه ، ثم باعه أحدهما على أن له نصفه : كان بائعا لنصف شريكه بنصف الثمن ; فإن باعه إلا نصفه ، كان جميع الثمن ونصف العبد بينه وبين شريكه نصفين ) في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله ، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله : البيع على نصف المأمور خاصة . فيحتاج في تخريج هذه المسألة إلى معرفة فصلين ( أحدهما ) : أن " عند أبي حنيفة " الوكيل ببيع العبد يملك بيع نصفه ، والوكيل ببيع نصف العبد يملك بيع نصف ذلك النصف . " وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله " لا يملك ، وقد بينا هذا في كتاب الوكالة . ![]()
__________________
|
|
#239
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 172 الى صـــ 181 (239) ( والثاني ) : أن العبد إذا كان لواحد فقال لرجل : بعته منك إلا نصفه بألف درهم ، كان بائعا للنصف بألف درهم ، ولو قال : بعته منك بألف درهم على أن لي نصفه ، كان بائعا للنصف بخمسمائة ; لأن الاستثناء والكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى . فكأنه قال : بعت منك نصفه بألف درهم . فأما قوله : على أن لي نصفه ، ليس باستثناء ، بل هو عامل على سبيل المعارضة للأول ; فكان الإيجاب الأول متناولا لجميعه ، وبالمعارضة تبين أنه جعل الإيجاب في نصفه للمخاطب ، وفي نصفه لنفسه ، وذلك صحيح منه إذا كان مقيدا . ألا ترى أن رب المال يشتري مال المضاربة من المضارب ، فيكون صحيحا ، وإن كان ذلك مملوكا له ; لكونه مقيدا ، . فهنا أيضا ضم نفسه إلى المخاطب في شراء العبد مقيد في حق التقسيم ; فلهذا كان بائعا نصفه من المخاطب بخمسمائة . إذا عرفنا هذا فنقول : البائع منهما هنا بائع نصفه بحكم الملك ، وفي النصف وكيل عن صاحبه . فإذا قال : بعته منك على أن لي نصفه ، كان إيجابه متناولا للكل . ثم قوله : على أن لي نصفه معارض ، فيكون ذلك معتبرا في تقسيم الثمن ، وفي إبقاء نصيبه على ملكه ، ويبقى موجبا للمشتري نصيب شريكه بنصف الثمن . وإذا قال : بعته إلا نصفه ; فهذا بمنزلة قوله : بعت نصفه بكذا . " فعند أبي حنيفة " ينصرف إلى النصف من النصيبين جميعا ; لأن تعين نصيبه قبل الوكالة لتصحيح تصرفه ، وبعد الوكالة تصرفه صحيح - وإن لم يتعين له نصيبه - لأن من أصله أن الوكيل [ ص: 173 ] ببيع نصف العبد يملك بيع نصف ذلك النصف ; فلهذا كان جميع الثمن ونصف العبد بينه وبين شريكه نصفين . " وعندهما " لا يمكن تصحيح تصرفه في النصيبين ; لأن الوكيل ببيع نصف العبد لا يبيع نصف ذلك النصف ، فينصرف بيعه إلى نصيب نفسه لتصحيح تصرفه . قال : ( رجل اشترى عبدا وقبضه ، ثم قال لرجل آخر : قد أشركتك في هذا العبد على أن تنقد الثمن عني ، ففعل : كانت هذه الشركة فاسدة ) ; لأنه ملكه نصف العبد بيعا بنصف الثمن ، وشرط فيه أن ينقد جميع الثمن عنه { . ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع وشرط } . ; فيبطل هذا البيع بينهما لمكان الشرط . وإن نقد عنه الرجل رجع عليه بما نقد عنه ; لأنه قضى دينه بأمره ، ولا شيء له في العبد ; لأن الإشراك كان فاسدا ، والبيع الفاسد بدون القبض لا يوجب شيئا . قال : ( رجل اشترى نصف عبد بمائة درهم ، واشترى رجل آخر نصف ذلك العبد الباقي بمائتي درهم ، ثم باعاه - مساومة - بثلثمائة درهم ، أو بمائتي درهم : فالثمن بينهما نصفين . ولو باعاه - مرابحة - بربح مائة درهم ، أو قال : بالعشرة أحد عشر : كان الثمن بينهما أثلاثا ) . وكذلك لو ولياه رجلا برأس المال ، أو باعاه بوضيعة كذا : فالثمن بينهما أثلاثا ; لأن الثمن في بيع المساومة بمقابلة الملك هو في المحل دون الثمن الأول ، حتى لو كان موهوبا ، أو كان مشترى بعرض لا مثل له : يجوز بيعه مساومة . فعرفنا أن الثمن بمقابلة الملك ، وهما يستويان في ملك العبد ، فيستويان في ثمنه . وأما بيع المرابحة والتولية والوضيعة : باعتبار الثمن الأول . ألا ترى أنه لا تستقيم هذه البيوع في الموهوب والموروث ، وفي المشترى بعرض لا مثل له ، . والثمن الأول كان أثلاثا بينهما ، فكذلك الثاني . يوضح الفرق أن في بيع المرابحة لو اعتبرنا الملك في قيمة الثمن دون الثمن الأول كان البيع مرابحة في حق أحدهما ، وضيعة في حق الآخر ، وقد نصا على بيع المرابحة في نصيبيهما فلا بد من اعتبار الثمن الأول كذلك - بخلاف بيع المساومة - . قال : ( وإذا اشترك الرجلان شركة عنان في تجارة على أن يشتريا ويبيعا بالنقد والنسيئة ، فاشترى أحدهما شيئا من غير تلك التجارة : فهو له خاصة ) ; لأن كل واحد منهما بحكم الشركة يصير وكيل صاحبه ، والوكالة تقبل التخصيص . فإذا خصا نوعا كان كل واحد منهما في شراء ما سوى ذلك كالأجنبي عن صاحبه ، فيكون مشتريا لنفسه خاصة . فأما في ذلك النوع فبيع كل واحد منهما وشراؤه بالنقد والنسيئة ينفذ على صاحبه ; لأنهما صرحا بذلك . وهكذا لو لم يصرحا ; فإن بمطلق التوكيل يملك الوكيل البيع والشراء بالنقد والنسيئة على الموكل ، فكذلك بمطلق الشركة . إلا أنه إذا اشترى أحدهما بالنسيئة [ ص: 174 ] بالنقود أو المكيل أو الموزون ; فإن كان في يده من مال الشركة من ذلك الجنس جاز شراؤه على الشركة ، وإن لم يكن كان مشتريا لنفسه ; لأنه لو نفذ شراؤه على الشركة كان مستدينا على المالك ، وليس للشريك شركة عنان ، ولا للمضارب ولاية الاستدانة بمطلق العقد لمعين ، وهو أنه لو صح استدانتهما زاد مال الشركة والمضاربة ، وما رضي كل واحد من الشريكين بتصرف صاحبه إلا في مقدار ما جعلاه رأس المال . فلهذا كان شراؤه بالنسيئة في هذه الحالة على نفسه خاصة . قال : ( وإن كان مال الشركة في يده دراهم فاشترى بالنسيئة بالدنانير " عندنا " يصير مشتريا على الشركة استحسانا ) . وفي القياس " وهو قول زفر رحمه الله " يصير مشتريا لنفسه بناء على أصل معروف ، وهو أن الدراهم والدنانير في القياس جنسان ، وفي الاستحسان كجنس واحد في ضم أحدهما إلى الآخر ، وفي تكميل النصاب وغيره . ثم قد بينا أن " عند زفر رحمه الله " في حكم الشركة هما جنسان ، حتى لا تصح الشركة إذا كان رأس مال أحدهما دراهم ، ورأس مال الآخر دنانير . فكذلك في حكم الشراء بالنسيئة ، " وعندنا " هما كجنس واحد في صحة الشركة بهما ، فكذلك في الشراء بالنسيئة على شريكه . قال : ( فإن أقر أحدهما بدين في تجارتهما وأنكره الآخر : لزم المقر جميع الدين إن كان هو الذي وليه ) ; لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد - وكيلا كان أو مباشرا لنفسه - . وإن أقر أنهما ولياه لزمه نصفه ; لأنه في النصف مقر على نفسه ، وفي النصف على صاحبه ، وبعقد الشركة لا يثبت له ولاية إلزام الدين في ذمة صاحبه بإقراره ، فبطل إقراره . وإن أقر أن صاحبه وليه : لم يلزمه منه شيء ; لأنه أقر على غيره ، ولا ولاية له في إلزام الدين على غيره بإقراره . وهذا بخلاف شركة المفاوضة ، فإنها تتضمن الكفالة والوكالة جميعا ، فيكون كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه بما يلزمه . فإذا أقر أحدهما كان كل واحد منهما مطالبا بجميع ذلك المال - بحكم الكفالة - . فأما شركة العنان تتضمن الوكالة دون الكفالة ، وبحكم الوكالة لا يصير كل واحد منهما مطالبا بما على صاحبه . قال : ( فإن كان لشريكي العنان ، على رجل ، دين ، فأخره أحدهما : لم يجز على صاحبه ) - بخلاف شريكي المفاوضة - ; لأن المتفاوضين - فيما هو من صنيع التجار - كشخص واحد ، والتأجيل من صنيع التجار ; فمباشرة أحدهما فيه كمباشرتهما . وبشركة العنان ما صارا كشخص واحد ، ولأن في شركة المفاوضة لكل واحد منهما حق المطالبة بما وجب لصاحبه بمباشرته ; فكان له أن يؤجل فيه ، وليس لشريك العنان حق المطالبة بما وجب بمباشرة صاحبه ; فلا يكون له أن يؤجل في نصيب صاحبه . وفي نصيب نفسه اختلاف بين [ ص: 175 ] أبي حنيفة ، وبين صاحبيه - رحمهم الله في صحة التأجيل . موضع بيانه في كتاب الصلح . قال : ( وإن اشترى أحدهما شيئا من تجارتهما فوجد به عيبا : لم يكن للآخر أن يرده ) ; لأن الرد بالعيب من حقوق العقد ، وذلك يتعلق بالعاقد ، ولأن الآخر في النصف أجنبي ، وفي النصف موكل ، وليس للموكل أن يخاصم في العيب مع البائع فيما اشتراه وكيله . وكذلك لو أخذ أحدهما مالا مضاربة ، فربح فيه : كان الربح له خاصة ; لأن مال المضاربة ليس من شركتهما في شيء ; فعمله فيه يكون لنفسه خاصة دون شريكه ، واستحقاق المضارب الربح بعمله ، وكل وضيعة لحقت أحدهما من غير شركتهما فهي عليه خاصة ; لأن فيما ليس من شركتهما كل واحد منهما من صاحبه بمنزلة الأجنبي . وعلى هذا : لو شهد أحدهما لصاحبه بشهادة من غير شركتهما فهو جائز ; لأنه عدل لا تهمة في شهادته بخلاف ما هو من شركتهما ; فإنه متهم في شهادته ; لما له من النصيب في المشهود به . وقال أبو حنيفة : لشريك العنان أن يضع وأن يدفع المال مضاربة - وإن لم يأذن له شريكه في ذلك - ويجوز له أن يعمل في المال الذي ليس من شركتهما كل شيء يجوز للمضارب أن يعمله . وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - . وهذه المسألة تشتمل على فصول ( أحدهما ) : أن لأحد الشريكين أن يوكل بالتصرف ، وهو استحسان ، وفي القياس : ليس له ذلك ; لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه ، وليس للوكيل أن يوكل غيره . وأن الموكل إنما رضي برأيه ولم يرض برأي غيره . وفي الاستحسان : التوكيل من عادة التجار ، وكل واحد منهما لا يجد بدا منه ; لأن الربح لا يحصل إلا بالتجارة الحاضرة والغائبة ، وكل واحد منهما عاجز عن مباشرة النوعين لنفسه ، ولا يجد بدا من أن يوكل غيره بأحد النوعين ليحصل مقصودهما - وهو الربح - فيصير كل واحد منهما كالآذن لصاحبه في ذلك دلالة . ولأن الوكالة التي تتضمنها الشركة بمنزلة الوكالة العامة ، ولهذا صحت من غير بيان جنس المشترى وصفته . وفي الوكالة العامة : للوكيل أن يوكل غيره ; فإنه لو قال لوكيله : اعمل برأيك ; كان له أن يوكل غيره . ( وكذلك ) لأحد الشريكين أن يضع ; لأن ذلك من عادة التجار ، ولأنه لو استأجر من يتصرف في مال الشركة لجاز ذلك منه على شريكه . فإذا وجد من يتصرف بغير أجر كان له أن يضعه بطريق الأولى . ( وكذلك ) له أن يودع من مال الشركة ; لأن له أن يستأجر من يحفظ مال الشركة . فلأن يكون له أن يودع ليحفظ المودع بغير أجر أولى . وله أن يدفع من مال الشركة مضاربة ; لأن له أن يستأجر من يتصرف في مال الشركة بأجر مضمون في الذمة . [ ص: 176 ] فلأن يكون له أن يستأجر من يتصرف ببعض ما يحصل من عمله من غير أن يكون ذلك مضمونا في الذمة أولى ; لأن هذا أنفع لهما . ( وروى ) الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه ليس له أن يدفع المال مضاربة ; لأنه إيجاب الشركة للمضارب في الربح ، فيكون بمنزلة عقد الشركة ، وليس لأحد الشريكين أن يشارك مع غيره بمال الشركة . فكذلك لا يدفعه مضاربة . وما ذكره في الكتاب أصح . ووجه الفرق بين الشركة والمضاربة : أن ما يستفاد بعقد فهو من توابع ذلك العقد ، وإنما يتبع الشيء ما هو دونه لا ما هو مثله ، أو فوقه ، والمضاربة دون الشركة . ألا ترى أنه ليس على المضارب شيء من الوضيعة ، وأن المضاربة لو فسدت لم يكن للمضارب شيء من الربح فيمكن جعل المضاربة مستفادة بعقد الشركة ; لأنه دونه ، فأما الاشتراك مع الغير مثل الأول ; فلا يمكن أن يجعل من توابعه مستفادا به ; فهو نظير . ما يقول : إن للمضارب أن يوكل ; لأن الوكالة دون المضاربة ، وليس له أن يدفع المال مضاربة ; لأن الثاني مثل الأول ; فلا يكون مستفادا به ، ولهذا لم يكن للوكيل أن يوكل بمطلق التوكيل ; لأن الثاني مثل الأول ، ولكن هذا كله في حق الغير . فأما في حق نفسه فيجوز أن يوجب لغيره مثل ماله . ولهذا كان للمكاتب أن يكاتب ، وللمأذون أن يأذن لعبده ; لأنه متصرف لنفسه بفك الحجر عنه ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم باب شركة المفاوضة ( روي ) عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال : لا تجوز شركة بعروض ولا بمال غائب . وفي هذا دليل على أنه لا بد من إحضار رأس المال . ولكن إن وجد الإحضار عند الشراء بها فهو والإحضار عند العقد سواء ، حتى إذا دفع إلى رجل ألف درهم على أن يشتري بها وبألف من ماله ، وعقدا عقد الشركة بينهما بهذه الصفة ، فأحضر الرجل المال عند الشراء : جازت الشركة ; لأن المقصود هو التصرف - لا نفس الشركة - فإذا وجد إحضار المال عند المقصود كان ذلك بمنزلة الإحضار عند العقد . ( وعن ) الشعبي رحمه الله قال : الربح على ما اصطلحا عليه ، والوضيعة على المال . فكذلك في الشركة ، وهو مروي عن علي رضي الله تعالى عنه ، وبه نأخذ . وتعتبر الشركة بالمضاربة فكما أن الربح في المضاربة على الشرط والوضيعة على المال ، فكذلك في الشركة . ( وعن ) علي رضي الله تعالى عنه قال : ليس على من قاسم الربح ضمان . [ ص: 177 ] وتفسير هذا أن الوضيعة على المال في المضاربة والشركة ; لأن الوضيعة هلاك جزء من المال ، والمضارب والشريك أمين فيما في يده من المال ، وهلاك المال في يد الأمين كهلاكه في يد صاحبه . قال : ( وإذا اشترك الرجلان شركة مفاوضة فكتبا بينهما كتابا بينا فيه أنهما اشتركا فيه في كل قليل أو كثير شركة مفاوضة ، وأن رأس مالهما كذا وكذا بينهما نصفين يعمل كل واحد منهما برأيه ، فإذا اشتركا على هذا فهما متفاوضان ) ; وهذا لما بينا أن اعتبار المساواة ركن المفاوضة . فلا بد من أن تذكر التسوية بينهما في رأس المال والربح . وأن الشركة بينهما في كل قليل أو كثير ; لأنه إذا اختص أحدهما بملك مال يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، لا يكون العقد بينهما مفاوضة ; لانعدام المساواة . ولكن إن اختص أحدهما بملك عرض أو دين على إنسان ، فالشركة بينهما مفاوضة ; لأن العرض لا يصلح أن يكون رأس مال الشركة ، والدين كذلك . وهو نظير الاختصاص بالزوجة أو الولد ; وذلك لانعدام المساواة المعتبرة في المفاوضة ، ونص في الكتاب على لفظة المفاوضة . وقد بينا أن هذا لا بد منه ، وإن كانا لا يعرفان جميع أحكام المفاوضة ، وبعد ما صارا متفاوضين فما اشترى أحدهما فهو جائز عليه ، وعلى صاحبه يؤخذ به كله ; لأن المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة ، فبحكم الوكالة يجعل شراء أحدهما كشرائهما ، وبحكم الكفالة يجعل كل منهما مطالبا بما يجب على صاحبه بسبب التجارة . قال : ( وإن كان رأس مال كل واحد منهما ألف درهم فاشتركا ، ولم يخلطا المال : فالشركة جائزة ) . وفي النوادر قال : في القياس لا تكون الشركة مفاوضة بينهما قبل خلط المالين ; لأن كل واحد منهما مختص بملك مال يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، وذلك ينفي المفاوضة ، وفي الاستحسان : يجوز ; لأن المساواة موجودة بينهما - وإن لم يخلطا المال - واختصاص أحدهما بملك مال غير صارف للمفاوضة بعينه ، بل بانعدام المساواة . فإذا كانت المساواة موجودة : كان الخلط وعدم الخلط سواء ; فإن هلك أحد المالين يهلك من مال صاحبه - على ما بينا في شركة العنان - وتبطل الشركة بينهما . وإن اشتريا بأحد المالين : في القياس تبطل المفاوضة أيضا ; لأن المشترى صار بينهما نصفين ، والآخر مختص بملك رأس ماله ، فتنعدم المساواة ، وفي الاستحسان لا يبطل العقد . وللاستحسان وجهان : ( أحدهما ) أن المساواة قائمة معنى ; لأن الآخر ، وإن ملك نصف المشترى فقد صار نصف الثمن مستحقا عليه لصاحبه ، ونصف ماله مستحق به لصاحبه . ( والثاني ) أن ما لا يمكن التحرز عنه يجعل عفوا ، ولا يمكن [ ص: 178 ] التحرر عن هذا التفاوت عادة . فقلما يجدان شيئا واحدا يشتريانه بمالهما . ولا بد من أن يكون الشراء بأحد المالين قبل الآخر ، فيجعل هذا عفوا لعدم إمكان التحرز عنه . قال : ( فإن كانت دراهم أحدهما بيضا ودراهم الآخر سودا : فهو كذلك ) ; لأن السود والبيض كل واحد منهما يصلح أن يكون رأس مال في الشركة . وبتفاوت الوصف ينعقد الاختلاط . وقد بينا أن الخلط ليس بشرط ، إلا أن يكون لأحدهما على الآخر فضل في الصرف ; فلا تجوز شركة المفاوضة لانعدام التساوي بينهما إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله ، وقد بينا هذا . ثم تكون الشركة بينهما عنانا ; لأن تحصيل مقصود المتعاقدين بقدر الإمكان واجب ، والعنان قد يكون عاما وقد يكون خاصا ، وهذا عنان عام . وإن لقباه بالمفاوضة فهو لقب فاسد ; لانعدام شرط المفاوضة ، ولكن لا يبطل به أصل الشركة ; فإن كان شراء يوم وقعت الشركة ، ثم صار في أحدهما فضل قبل أن يشتريا شيئا : فسدت المفاوضة أيضا ; لأنه اعترض بعد العقد قبل حصول المقصود به ما يمنع ابتداء العقد - وهو التفاوت في ملك المال - فيكون مبطلا للعقد كما لو ورث أحدهما مالا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة تفسد به المفاوضة ، وإن كان ذلك بعد الشراء بالمالين جميعا ، فالشركة جائزة ; لأن المقصود قد حصل حين اشتريا بالمالين ، فلا معتبر بما يظهر من التفاوت في العرف بعد ذلك . ( فإن قيل ) : أليس أنه لو ورث أحدهما مالا بعد الشراء بالمالين ، أو وهب له مال فسدت المفاوضة . ( قلنا ) : لأن المساواة في ملك المال منعدم هناك بما اختص به أحدهما ، وهنا لا ينعدم ; لأن ملكهما تحول من الدراهم إلى المشترى ، والمشترى بينهما نصفان . ( فإن قيل ) : لا كذلك بل لكل واحد منهما على صاحبه نصف رأس ماله دينا عليه حتى لو هلك المشترى يرجع كل واحد منهما على صاحبه بنصف رأس ماله فتنعدم المساواة أيضا بظهور الفصل في النصف . ( قلنا ) : نعم ، ولكن ما استوجبه كل واحد منهما على صاحبه دين عليه ، والدين لا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة فالتفاوت بينهما في ذلك لا يمنع بقاء المفاوضة ، كما لو ورث أحدهما دينا أو عرضا ، وكذلك لو كان رأس مال أحدهما ألف درهم ، ورأس مال الآخر مائة دينار . فإن كانت قيمتها مثل الألف : فالشركة بينهما مفاوضة ، وهذا في التفريع كالسود والبيض ، وإن كانت قيمة الدنانير أكثر من ألف درهم لم تجز المفاوضة لانعدام المساواة ، وكانت الشركة بينهما عنانا حتى لا يطالب كل واحد منهما بما يجب على صاحبه ; لأن ذلك من حكم الكفالة الثابتة [ ص: 179 ] بالمفاوضة . قال : ( وإذا اقتسما ضرب كل واحد منهما برأس ماله ، أو بقيمته يوم يقتسمون ) ; لما بينا أن المعتبر قيمة رأس المال وقت القسمة لإظهار الربح ; فإنه لما لم يصل إلى كل واحد منهما جميع رأس ماله لا يظهر الربح ليقتسماه بينهما قال : ( ولو قال أحدهما لصاحبه : بعتك نصف مالي هذا بنصف مالك هذا ، فرضي بذلك ، وتقابضا كانا شريكين فيهما بمنزلة المال المختلط ) ; لأن العقد الذي جرى بينهما عقد صرف ، وقد تم بالتقابض ; فصار كل واحد من المالين مشتركا بينهما نصفين . فإن كان رأس مال أحدهما دراهم ورأس مال الآخر عروضا ، فباعه نصف العروض بنصف الدراهم وتقابضا ثم اشتركا شركة مفاوضة ، أو شركة عنان : جاز ذلك ; لأن الدراهم بهذا العقد صارت نصفين بينهما ، فيكون ذلك رأس مالهما ، ثم يثبت في الشركة حكم العروض ، وهو بينهما نصفان بيعا ، وقد يدخل في العقد بيعا ما لا يجوز إيراد العقد عليه قصدا - كالشرب . والطريق في البيع ، والمنقولات في الوقف يثبت فيها حكم الوقف تبعا ، إذا وقف قرية بما فيها من الدواب والمماليك وآلات الحراثة . وإن كان لا يثبت حكم الوقف في المنقولات قصدا ، فهذا مثله . وقد بينا أن الشراء والحل بمنزلة العروض في أنه لا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة . قال : ( وإن اشتركا شركة مفاوضة بغير مال على أن يشتريا بوجوههما ، فهو جائز ) ، كما بيناه في شركة العنان ، إلا أن تكون المفاوضة عامة . ومثله في الوكالة لا يجوز ; فإن من قال لغيره : اشتر بيني وبينك ، لا يكون ذلك صحيحا ما لم يعين المشترى أو يخص بذكر الوقت ، أو بتسمية الجنس في العروض والقدر في المكيل والموزون ، أو بتسميته الثمن وتفويض الأمر إلى رأيه على العموم . وفي شركة الوجوه يجوز ذلك بدون التخصيص ; لأنها تشتمل على البيع والشراء ، ومقصودهما الربح لا عين المشترى ، ومثله في الوكالة يجوز . أيضا لو قال كل واحد منهما لصاحبه : ما اشترينا من شيء فهو بيننا نصفان على أن يبيعه ويقسم ربحه نصفين . وكان ذلك تفسيرا للشركة ، فأما في الوكالة الخاصة المقصود عين المشترى ، فلا بد من اعتبار معنى الخصوص فيه لتصحيح الوكالة . قال : ( وكذلك إن اشترك خياطان في الخياطة مفاوضة ، أو خياط وقصار ، أو شبه ذلك من الأعمال المختلفة ، أو المتفقة ، حتى إذا تقبل أحدهما عملا أخذ الآخر به - وإن كان عمله غير ذلك العمل ) - ; لأن بشركة المفاوضة صار كل واحد منهما وكيل صاحبه في تقبل العمل له ، وكفيلا عن صاحبه فيما يجب عليه ; فكان كل واحد منهما مأخوذا بما يقبله الآخر ، ولا يمتنع صحة التقبل باعتبار أن ذلك ليس من عمله ; لأنه لا يتعين عليه [ ص: 180 ] إقامة ما يقبل ببدنه ، ولكن له أن يقيمه بأعوانه وأحزابه ، وهو يقدر له على إبقاء ما التزمه بهذا الطريق ; فلهذا كان مطالبا بحكم الكفالة ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم باب بضاعة المفاوض قال : ( ولأحد المتفاوضين أن يبيع بضاعة مع رجل ، وأن يدفع مضاربة ، وأن يودع ) ، وقد بينا أن شريك العنان يملك هذا ; فالمفاوض أولى لأنه أعلم تصرفا منه . قال : ( وليس له أن يقرض ; لأن الإقراض تبرع ) ، وكل واحد من المتفاوضين إنما قام مقام صاحبه في التجارة في مال الشركة دون التبرع . ألا ترى أنه لا يملك الهبة ولا الصدقة في نصيب صاحبه ، . فالاقتراض في كونه تبرعا كالصدقة أو فوقه . قال - صلى الله عليه وسلم - { : الصدقة بعشرة أمثالها ، والقرض بثمانية عشر } . وقيل : إنما جعل الثواب في القرض أكثر ; لأن ملتمس القرض لا يأتيك إلا محتاجا ، والسائل للصدقة قد يكون غير محتاج . ( وذكر ) الحسن أن على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لأحد المتفاوضين أن يقرض مال المفاوضة من رجل ، ويأخذ منه ما يتحققه به . " وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى " : ليس له ذلك . وجعل هذا بمنزلة الكفالة من حيث إنه متبرع في الأداء ، ولكن يرجع بمثله . كما أن الكفيل متبرع في الالتزام ، ولكن يرجع بمثل ما يؤدي . ثم من أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن أحد المتفاوضين إذا كفل بمال يلزم شريكه ، ويجعل معنى المفاوضة في ذلك راجحا لذلك الإقرار . " وعندهما " : كفالة أحد المتفاوضين لا يلزم شريكه . وجعلا معنى التبرع فيه راجحا لذلك في الإقرار . قال : ( فإن أقرض أحدهما فهو ضامن نصف ما أقرض لشريكه ) ; لأنه متعد في نصيب شريكه بتصرفه في المال على غير ما هو مقتضى الشركة ، ولكن لا يفسد ذلك المفاوضة ; لأن المضمون له إنما اختص بملك دين ، وذلك غير مفسد للمفاوضة ما لم يقبضه ، ولأن المقترض مستوجب مثل ذلك عن المستقرض ; فكانت المساواة بينهما قائمة . قال : ( وليس له أن يعير دابة بغير رأيه من شركتهما ، في القياس ) ; لأن الإعارة تبرع بالمنفعة بغير بدل ، فهو كالتبرع بالعين بغير بدل - كالهبة - وذلك خلاف ما تقتضيه المفاوضة . قال : ( فإذا فعل فعطبت الدابة تحت المستعير ; كان المعير ضامنا نصف قيمة الدابة لشريكه ، في القياس ) ; لأنه متعد في نصيبه بالتسليم إلى المستعير . ولكن استحسن فقال : له أن يعير ولا ضمان عليه ; لأن الإعارة من توابع التجارة ، فإن التاجر لا يجد بدا منه ; [ ص: 181 ] لأنه إذا أتاه من يعامله فلا بد أن يعيره ثوبا ; ليلبس ، أو وسادة يجلس عليها . ولا يجد بدا من إعارة الميزان وصنجاته من بعض الجيران ; فإن من لا يعير لا يعار عند حاجته ، وكل واحد منهما مالك للتجارة في هذا المال فيملك ما هو من توابع التجارة . ألا ترى أن المأذون يعير ، والمفاوض أعم تصرفا من المأذون حتى أن المفاوض يكاتب والمأذون لا يكاتب . وعلل في بعض النوادر فقال : التاجر في المال - وإن لم يكن مالكا لشيء منه - فله أن يعير ، وإنما أراد به المأذون . فالتاجر الذي يملك النصف يكون شريكا في الربح ; لأن تملك الإعارة أولى . قال : ( ولو أبضع أحدهما بضاعة مع رجل لم يفرق المتفاوضان . ثم اشترى المستبضع بالبضاعة شيئا ، وهو لا يعلم توفرهما ; فشراؤه جائز على الآمر وعلى شريكه ) ; لأن الإبضاع توكيل ، ومباشرة أحدهما فيه حال قيام المفاوضة كمباشرتهما . ثم افتراقهما عزل منهما إياه عن التصرف قصدا ، وحكم العزل لا يثبت قصدا في حق الوكيل ما لم يعلم به ; فلهذا نفذ شراؤه عليهما ، ولو كان أمره بالشراء ، ولم يدفع إليه مالا ; كان ما اشترى للآمر خاصة ، لأن عمل أحدهما فيما هو من شركتهما كعملهما . وإذا دفع إليه مالا من شركتهما ، وأمره أن يشتري بها فإنما وجد عمل أحدهما فيما هو من شركتهما . فإذا لم يكن دفع إليه مالا فإنما عمل أحدهما بالتوكيل والإنابة ، فيما ليس من شركتهما ، إلا أن المفاوضة إذا بقيت بينهما حتى اشترى الوكيل جعل شراؤه كشراء الموكل ، وكان المشترى بينهما نصفين بهذا الطريق . وذلك لا يوجد إذا افترقا قبل شراء الوكيل ; لأن عند شراء الوكيل لو اشتراه الموكل كان مشتريا لنفسه ، وكذلك الوكيل يكون مشتريا للآمر خاصة . يوضحه : أن دفع الضرر عن الوكيل واجب ، وإذا كان المال مدفوعا إليه لو جعلناه مشتريا للآمر خاصة كان ضامنا للآخر نصيبه من المال . فلدفع هذا الضرر جعلناه مشتريا بينهما إذا لم يعرف افتراقهما ، وذلك غير موجود فيما إذا لم يكن المال مدفوعا إليه ; لأنه لا يضمن للشريك شيئا - وإن صار مشتريا للآمر - ولكن يجب الشراء بالثمن في ذمته ، ويرجع به على الآمر ، وقد رضي بذلك حين قبل الوكالة . قال : ( ألا ترى أنه لو مات الذي لم يبضع ثم اشترى المستبضع المتاع لزم الحي خاصة ) ، إلا أن في فضل الموت إذا كان المال مدفوعا إلى المستبضع فورثه الميت بالخيار إن شاءوا ضمنوا المستبضع ، وإن شاءوا ضمنوا الآمر ; وهذا لأن الموت يوجب عزل الوكيل حكما بطريق أنه ينقل الملك إلى الورثة ، ولم يوجد من واحد منهم الرضا بتصرف الوكيل ، والعزل الحكمي يثبت في حق الوكيل ، وإن لم يعلم به - بخلاف افتراقهما - [ ص: 182 ] فإن ذلك من الذي لم يبضع عزل الوكيل في نصيبه قصدا ; فلا يثبت حكمه في حقه ما لم يعلم به - وإن كان للورثة حق تضمين المستبضع - ; لأنه جان في نصيبهم من المال بالدفع إلى البائع من غير رضاهم . ثم فلهم أن يضمنوه إن شاءوا ، وإن شاءوا الآمر ; لأن دفعه كان بإذن الآمر فيكون كدفع الآمر بنفسه ، فإن ضمنوا المستبضع رجع به على الآمر ; لأنه غرم لحقه في عمل باشره له بأمره ، ولأن جميع المتاع صار للآمر فيكون عليه جميع الثمن ، وقد نقد نصف الثمن من ماله ونصفه من مال غيره ، وقد استحق أن يرجع عليه بمثله . ![]()
__________________
|
|
#240
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الحادى عشر صـــ 182 الى صـــ 191 (240) قال : ( وإذا وكل أحد المتفاوضين رجلا بشراء جارية بعينها ، أو بغير عينها بثمن مسمى ، ثم إن الآخر نهاه عن ذلك : فنهيه جائز ) ; لأن عزل الوكيل من صنيع التجارة كالتوكيل ، فكما جعل فعل أحدهما في التوكيل كفعلهما ، فكذلك يجعل نهي أحدهما إياه كنهيهما ، وإن اشتراه الوكيل فهو مشتر لنفسه ; فإن الوكالة قد بطلت بعزل أحدهما إياه ، فإن لم ينهه حتى اشتراها كان مشتريا لهما جميعا فيرجع بالثمن على أيها شاء ; لأن كل واحد يطالب بما وجب على صاحبه بحكم الكفالة ، وقد كان توكيل أحدهما كتوكيلهما جميعا فيستوجب الوكيل الرجوع عليها بالثمن فله أن يأخذ أيهما شاء بجميعه ; لأنه في النصف أصيل وفي النصف كفيل عن صاحبه . وكذا إن اشترى أحدهما شيئا ، وقبضه كان للبائع أن يأخذ شريكه بالثمن ; لأنه كفيل عن المشتري بما يلزمه بطريق التجارة . وإن كان بالمتاع عيب كان للشريك أن يرده على البائع بعينه ; لأن الرد بالعيب من حقوق التجارة ، وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه فيما يجب بالتجارة له وعليه . وكذلك إن باع أحدهما متاعا فوجد المشتري به عيبا كان له أن يرده على الذي لم يبع ; لأنه قائم مقام صاحبه فيما يلزمه بالتجارة ، والخصومة في العيب إنما لزمته بالتجارة ، فكان الآخر قائما مقام البائع في ذلك فرد عليه . قال : ( أرأيت لو كانا قصارين متفاوضين ، فأسلم رجل إلى أحدهما ثوبا ، أما كان له أن يأخذ الآخر بعمله ذلك ؟ له ذلك . ) وللآخر أن يأخذه بالأجر إذا فرغ من العمل . فحكم الرد بالعيب كذلك . قال : ( وإذا أبضع أحد المتفاوضين بضاعة له ولشريك له شاركه شركة عنان ، فأبضع ألف درهم بينهما نصفين مع رجل يشتري له بها متاعا ، فرضي الشريك فمات الدافع ، ثم اشترى المستبضع بذلك متاعا : فالمتاع للمشتري أولا ) . يقول : فيما ذكرنا بيان أن لأحد المتفاوضين أن يشارك مع رجل شركة عنان ، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله ليس له ذلك ; لأنه يجاب إلى الشركة للغير في المال المشترك . ولهذا لم يكن لشريك العنان أن يشارك [ ص: 183 ] غيره ، فكذلك في المفاوض . وجه ظاهر الرواية أن العنان دون المفاوضة ; فيمكن أن يجعل من توابع المفاوضة مستفادا بها كالمضاربة وشركة العنان . قال : ( وإن شارك أحد المتفاوضين رجلا شركة مفاوضة لم يجز ذلك على شريكه ) في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ; لأن الثاني مثل الأول ، فلا يكون من توابع الأول مستفادا به . كما أنه ليس لشريك العنان أن يشارك غيره فكذلك ، وعلى قول محمد رحمه الله تعالى يجوز ذلك منه ; لأن المتفاوضين كل واحد منهما قائم مقام صاحبه فيما هو من صنيع التجار ; فيكون كل واحد منهما كفعلهما . إذا عرفنا هذا فنقول : المستبضع وكيل للدافع ; فيعزل بموت الدافع - علم به أو لم يعلم - ; لأن هذا عزل من طريق الحكم . فإذا اشترى المتاع بعد ذلك كان مشتريا لنفسه ، فإذا نقد الثمن بالمال المدفوع إليه فقد قضى بمال الغير دينا عليه ; فيكون ضامنا مثل ذلك المال لصاحب المال ، ونصف هذا المال لشريك العنان فيضمن له ذلك ، والنصف الآخر للمفاوض الحي ولورثة الميت فيضمن لهما ذلك . وإنما قلنا : إنه ينعزل بموت الدافع أما في حقه لا يشكل ، وفي حق الشريكين الآخرين ; لأن الشركة قد انقطعت من الدافع ، وبين كل واحد منهما بموته ، واعتبار أمره في حقهما كان بعقد الشركة ; فلا يبقى بعد انتقاضها . ولو كان الدافع حيا ومات شريك العنان ثم اشترى المستبضع المتاع ; كان المتاع كله للمتفاوضين ، لأن شركة الدافع مع شريك العنان قد انتقضت بموته ، وانقطعت الوكالة التي كانت بينهما ، فلا يثبت له الملك في المتاع بشراء الوكيل ; لأن شراء الوكيل كشراء الموكل بنفسه ، والدافع لو اشترى المتاع بنفسه كان المتاع كله للمتفاوضين ، فكذلك وكيله . ويرجع ورثة الميت بحصته من المال إن شاءوا على المستبضع ; لأنه دفع ما صار ميراثا لهم إلى البائع بغير رضاهم ، ثم يرجع المستبضع به على أي المتفاوضين شاءوا ; لأن كل واحد منهما ضامن عن صاحبه ما يلزمه بحكم قيام المفاوضة بينهما ، وقد صار الدافع ضامنا لذلك ; لأن أداء وكيله بأمره كأدائه بنفسه ، فإن لم يمت هذا ولكن المتفاوض الآخر مات ، ثم اشترى المستبضع المتاع ; فنصف المتاع لشريك العنان لقيام الشركة بين الدافع وبين شريك العنان ، ولأن شراء وكيله له كشرائه بنفسه ، ونصف المتاع للآمر لا شيء له منه لورثة الميت ; لأن المفاوضة قد انتقضت بين الدافع وبين الميت . ولو اشترى بنفسه في هذه الحالة لم يكن شيء من المشترى لورثة الميت ، فكذلك إذا اشترى وكيله . ولورثة الميت الخيار إن شاءوا ضمنوا نصيبهم من المال المفاوض الحي ; لأن أداء وكيله كأدائه بنفسه ، وإن شاءوا ضمنوه المستبضع ; لأنه دفع مالهم إلى البائع [ ص: 184 ] بغير رضاهم . ثم يرجع المستبضع به على الآمر ; لأنه عامل له فيما أدى بأمره ، فيرجع عليه بما يلحق من العهدة ولا يرجع بها على شريكه الآخر ; لأن الشركة بينهما عنان ; فلا يكون كل واحد منهما مطالبا بما يجب على الآخر . ( قال : وإن أخذ أحد المتفاوضين من رجل مالا على بيع فاسد فاشترى به وباع ; كان البيع لهما والضمان عليهما ) ; لأن ما حصل إنما يحصل بطريق التجارة ، وما وجب بطريق التجارة ; وهذا لأن الفاسد من البيع معتبر بالجائز في الأحكام . وفعل كل واحد منهما في التجارة كفعلهما فيما يجب به عليهما ، وفيما يحصل به لهما . ( قال : وإذا أمر أحد المتفاوضين رجلين بأن يشتريا عبدا لهما ، وسمى جنسه وثمنه ، فاشترياه وافترقا عن الشركة فقال الآمر : اشترياه بعد التفريق ; فهو لي خاصة . وقال الآخر اشترياه قبل الفرقة ; فهو بيننا . فالقول قول الآمر مع يمينه ) ; لأن الشراء حادث ، فيحال حدوثه إلى أقرب الأوقات . ومن ادعى فيه تاريخا سابقا فعليه إثباته بالبينة ، وإن لم يكن له بينة فالقول قول من يجحد التاريخ مع يمينه ، ولأن سبب الملك في المشترى أظهر للآمر ; فإن فعل وكيله كفعله بنفسه . والآخر يدعي استحقاق المشترى عليه ، وهو ينكر ، فالقول قوله مع يمينه ، وعلى الآخر البينة ، فإن أقاما البينة فالبينة بينة الآخر ; لأن فيه إثبات التاريخ ، فإثبات الاستحقاق له ، والبينات للإثبات ، فتترجح بزيادة الإثبات ولا تقبل فيه شهادة الوكيلين لأنهما خصمان في ذلك يشهدان على فعل أنفسهما ، فإن قال الشريكان : لا ندري متى اشترياه فهو للآمر أيضا ; لأنه إنما يحال بالشراء على أقرب الأوقات لما يعلم فيه تاريخ سابق . وإذا قال الآمر : اشترياه قبل الفرقة ، وقال الآخر : اشترياه بعد الفرقة . فالقول قول الذي لم يأمر لإنكاره التاريخ ، وإنكاره وقوع الملك له ، ووجوب شيء من الثمن عليه ، والبينة بينة الآمر ، وكذلك هذا في شركة العنان بعد الفرقة . باب خصومة المفاوضين فيما بينهما . قال : ( وإذا ادعى رجل على رجل أنه شاركه شركة مفاوضة ، وجحد المدعى عليه ، والمال في يد الجاحد ، فالقول قول الجاحد مع يمينه وعلى المدعي البينة ) ; لأنه يدعي العقد ، واستحقاق نصف ما في يده - وذو اليد منكر - فعلى المدعي البينة ، وعلى المنكر اليمين . وإن أقام المدعي البينة فشهد الشهود أنه مفاوضة ، أو زادوا على هذا فقالوا : المال الذي في يده من شركتهما ، أو قالوا : هو بينهما نصفين فإنه يقضى للمدعى بنصفه ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، ولأنهما إن قالا : المال الذي في [ ص: 185 ] يده بينهما نصفان ، أو هو من شركتهما فقد صرحا بالشهادة للمدعى بملك نصف ما في يد ذي اليد ، وإن قالا : هو مفاوضة فمقتضى المفاوضة هذا ، وهو أن يكونا مستويين في ملك المال شريكين فيه فإذا قضى القاضي بذلك ، ثم ادعى ذو اليد عينا مما في يده أنه ميراث له ، وأقام البينة على ذلك لم تقبل بينته في قول أبي يوسف رحمه الله . وقال محمد : إن كان شهود المدعي شهدوا بأنه مفاوضة فبينة ذي اليد مقبولة ، وإن شهدوا أن المال الذي في يده من شركتهما ، أو هو بينهما ; فلا تقبل بينة ذي اليد بعد ذلك . واحتج في ذلك فقال : القاضي يقضي بما شهد به الشهود فإذا شهدوا بمطلق المفاوضة قضى القاضي بذلك أيضا . ومطلق المفاوضة لا ينفي احتمال كون بعض ما في يده ميراثا له . ألا ترى أن العقد لو كان ظاهرا بينهما ، وورث أحدهما مالا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة كان ذلك له خاصة ، وتبقى المفاوضة بينهما إلا أنا إنما نجعل جميع ما في يده بينهما نصفين لاعتبار مقتضى المفاوضة ، وهذا ظاهر نعتبره ، والظاهر يسقط اعتباره إذا قام الدليل بخلافة فإذا أقام البينة على عين أنه ميراث له فقد ظهر الدليل المانع من اعتبار الظاهر في هذا العين ، فيجب العمل بذلك الدليل بخلاف ما إذا شهدوا بالشركة فيما في يده ; لأن القاضي قضى بالشركة بدليل موجب لذلك . فإقامة البينة بعد ذلك على عين أنه ميراث يتضمن إبطال حكم الحاكم ، وبينة المقضي عليه على إبطال القضاء لا تكون مقبولة . والدليل على الفرق بين حالة الإطلاق والبيان أن شاهدين لو شهدا بدار في يد رجل لإنسان ، وقضى القاضي بذلك ، ثم زعم المدعي أن البناء كان ملك المقضي عليه فإنه لا يبطل قضاء القاضي بالأرض له . ولو كان الشهود شهدوا له بالبناء والأرض مفسرا ، ثم أقر المدعي أن البناء للمدعى عليه يكون ذلك إكذابا منه لشهوده ، ويبطل به قضاء القاضي له ، والفرق ما بينا أن البناء تبع فاستحقاقه في الفصل الأول باعتبار الظاهر إلى استحقاقه الأصل . وعند التفسير والبيان استحقاقه البناء بالحجة ، فإذا أكذب شهوده في ذلك بطلت شهادتهم له . وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن ذا اليد صار مقضيا عليه بنصف ما في يده لصاحبه ، وبينة المقضي عليه في إثبات الملك لا تقبل إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له ، كما لو كانت الشهادة مفسرة ; وهذا لأن الأسباب غير مطلوبة لأعيانها بل لأحكامها ، والمفاوضة سبب ، وحكمها الشركة في المال . ألا ترى أن دعوى المفاوضة لا تصح بدون دعوى الشركة في المال ، فكذا في الشهادة عليها إنما تقبل باعتبار الحكم . ولا فرق بين أن يصرح الشاهد بالحكم ، [ ص: 186 ] وبين أن يذكر السبب في أن القاضي يقضي بالحكم والسبب جميعا بالشهادة ، كما لو شهدوا بالشراء ، أو بالشراء والملك جميعا للمشتري ، ثم عند التفسير لم تقبل بينة ذي اليد يعتبرون به مقضيا عليه ، فكذلك عند الإبهام . قال : ( فإن ادعى ذو اليد عينا في يده أنه له خاصة ، وهبه شريكه منه حصته فيه ، وأقام البينة على الهبة والقبض قبل ذلك منه ) ومحمد رحمه الله يستدل بهذا على أبي يوسف رحمه الله ، ولا حجة له فيه على أبي يوسف رحمه الله ; لأن هنا بينته مقبولة - سواء فسر شهود المدعي بشهادتهم أو لم يفسروا - . ثم الفرق أنه ليس في قبول هذه البينة إبطال القضاء الأول في هذا العين بل فيها تقرير القضاء الأول ; لأن القضاء الأول بالملك للمدعي ، وإنما تصح الهبة باعتبار ملكه بخلاف الأول مع قبول البينة هناك إبطال القضاء الأول فيما تناوله القضاء . قال : ألا ترى أنهما لو شهدا أن هذا العبد الذي في يده مشترك بينهما ، وقضى القاضي بذلك ثم أقام ذو اليد البينة أن المدعي وهبه له ، أو تصدق به عليه قبلت بينته . ولو أقام البينة أنه ورثه عن أبيه وهو يملكه ، أو أن رجلا آخر وهبه منه ; لم تقبل بينته على ذلك ، والفرق ما بينا . فكذلك في المفاوضة . وإن ادعى أنه شريكه شركة مفاوضة ، والمال في يد المدعى عليه ، فأقر له بالمفاوضة وقضى عليه بإقراره ، ثم ادعى عبدا مما كان في يده أنه ميراث له ، أو وهبه من فلان فأقام البينة على ذلك ; قبل ذلك وقضي له بالعبد ، وهو دليل لمحمد رحمه الله أيضا من الوجه الذي قلنا أن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم . ولكن الفرق بينهما لأبي يوسف رحمه الله من وجهين ( أحدهما ) : أن ذا اليد هنا مقر بالمفاوضة مدع الميراث ، ولا منافاة بينهما ، وقد أثبت دعواه بالبينة فوجب قبول بينته . ألا ترى أنه لو لم يكن له بينة لما كان يستحلف خصمه ، وفي الأول ذو اليد جاحد مدعى عليه ، وقد صار مقضيا عليه بحجة صاحبه . ألا ترى أنه لو ادعى الميراث ، ولم يكن له بينة لم يكن له أن يستحلف خصمه ، فعرفنا بهذا أنه منكر ، والمنكر لا يكون مدعيا ; فلهذا لم تقبل بينته . ( والثاني ) أن الإقرار موجب الحق بنفسه بدون القضاء ، وإنما يقضي القاضي بالإقرار فقط ; ولهذا قلنا : إن استحقاق الملك بالإقرار لا يظهر في حق الزوائد المنفصلة ، فأما البينة لا توجب إلا بقضاء القاضي ، وإنما يقضي القاضي بما هو المقصود ، وهو كون المال مشتركا بينهما ; فلهذا لا يقبل بينة ذي اليد بعد ذلك . وكذلك لو كان المال في يديهما جميعا ، وهما مقران بالمفاوضة فادعى أحدهما شيئا من ذلك أنه له ميراث ، وأقام البينة قبلت بينته ; لأنه مدع أثبت دعواه بالحجة . وإن لم يكن له بينة استحلف صاحبه ; [ ص: 187 ] لأنه منكرها لو أقر به يلزمه ، ولا إشكال في هذا الفصل أنه لو ادعى تملك نصيب صاحبه عليه بالهبة ، وأقام البينة على ذلك أن بينته تكون مقبولة . ( وإن ادعى رجل قبل رجل شركا في عبد له خاصة ، وجحد ذو اليد وأقام المدعي البينة أن العبد بينهما نصفان ; فإنه يقضى له بنصفه ) ; لأنه نور دعواه بالحجة ، ولا تقبل من ذي اليد البينة أنه ادعى ميراثا فيه ; لأنه مقضي عليه بالملك في نصفه ، ولا بينة له إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له . قال : ( وإذا مات أحد المتفاوضين والمال في يد الباقي منهما ، فادعى ورثة الميت المفاوضة ، وجحد ذلك الحي ، فأقاموا البينة أن أبوهم كان شريكه شركة مفاوضة : لم يقض لهم بشيء مما في يد الحي ) ; لأنهم شهدوا بعقد قد علمنا ارتفاعه بأن المفاوضة تنتقض بموت أحدهما ، ولأنه لا حكم لما شهدوا به في المال الذي في يده في الحال ; لأن المفاوضة فيما مضى لا توجب أن يكون ما في يده في الحال من شركتهما ، إلا أن يقيموا البينة أنه كان في يده في حياة الميت ، وأنه من شركة ما بينهما ; فحينئذ يقضى لهم بنصفه ; لأنهم أثبتوا الاستحقاق بالحجة . أما إذا شهدوا أنه كان من شركتهما ، فقد شهدوا بالنصف للميت ، وورثته خلفاؤه فيه بعد موته ، وإن شهدوا أنه كان في يده في حياة الميت ، فاليد الثابتة له في حال قيام الشركة كاليد الثابتة بالمعاينة أو بإقرار الخصم ، وذلك موجب ملك الميت في نصفه ، وورثته في ذلك يخلفونه . ( فإن أقام الحي البينة أنه ميراث له من قبل أبيه لم تقبل بينته ) ; لأن الشهود قد فسروا ، وقضى القاضي عليه بالنصف للورثة بشهادتهم قالوا : وهذا إذا شهدوا أنه من شركة ما بينهما ، فأما إذا شهدوا أنه كان في يده في حياة الميت فينبغي أن تكون المسألة على الخلاف كما في حال الحياة ، ولو كان المال في يد الورثة وجحدوا الشركة ، فأقام الحي البينة على شركة المفاوضة ، وأقام الورثة البينة أن أبوهم مات وترك هذا ميراثا من غير شركة بينهما : لم أقبل منهم البينة على ذلك ; لأنهم جاحدون للشركة ، وإنما يقيمون البينة على النفي ، وقد أثبت المدعي الشركة فيما في أيديهم بالبينة فيقضى له بنصفه ; وهذا لأنهم حين زعموا أن أباهم مات ، وترك ميراثا فقد أقروا أنه كان في يد أبيهم حال قيام الشركة ، وهذا الفصل أيضا حمله بعضهم على الخلاف ، والأصح في الفصلين أنه قولهم جميعا ; لأن بعد الموت قبلت البينة للحكم لا للسبب ، فالسبب قد انتقض بالموت . ولهذا يسوى بين ما إذا فسر الشهود أنه من شركتهما ، أو لم يفسروا ذلك بخلاف حال الحياة . ( ولو قال ورثة الميت : مات جدنا وترك ميراثا لأبينا ، وأقاموا البينة على هذا لم يقبل ) في قول أبي يوسف [ ص: 188 ] رحمه الله ، وقبلت في قول محمد - رحمه الله بمنزلة ما لو كان المفاوض حيا وأقام البينة على ذلك بعد ما شهد الشهود عليه بالمفاوضة المطلقة . فإن كان شهود الحي شهدوا على شيء بعينه أنه من شركتهما لم تقبل بينة الورثة في ذلك ، كما لا تقبل البينة فيه من المورث لو كان حيا . قال : ( وإذا افترق المتفاوضان ، ثم ادعى أحدهما أن صاحبه كان شريكه بالثلث ، وادعى صاحبه النصف ، وكلاهما مقر بالمفاوضة ، فجميع المال من العقار وغيره بينهما نصفان ) ; لأن موجب المفاوضة المساواة في ملك المال . فاتفاقهما على المفاوضة يكون اتفاقا على حكمها ، وهو أن المال بينهما نصفان ، ثم مدعي التفاوت يكون راجعا بعد الإقرار ، ومناقضا في كلامه ، ولأن مطلق الإقرار بالعقد يتناول الصحيح من العقد ، ولا تصح المفاوضة إلا بعد التساوي بينهما في المال إلا ما كان من ثياب كسوة ، أو متاع بيت ، أو رزق العيال أو خادم يطؤها فإني أجعل ذلك لمن يكون في يديه ، ولا أجعله في الشركة - استحسانا - وفي القياس : يدخل هذا في الشركة ; لأنه مال في يد أحدهما ، وهو حاصل بالتصرف ، وكل واحد منهما في التصرف قائم مقام صاحبه . ووجه الاستحسان أن هذه الأشياء مستثناة من عقد الشركة لعلمنا بوقوع الحاجة لكل واحد من المتفاوضين إليها مدة المفاوضة . ولهذا لو عايناه اشترى ذلك جعلناه مشتريا لنفسه فإذا صار مستثنى لم يتناوله مطلق المفاوضة ، فينفى ظاهر الدعوى والإنكار ، ويجعل القول قول ذي اليد ; لإنكاره . وكذلك الخادم يطؤها ; لأن فعله محمول على ما يحل شرعا ولا يحل له الإقدام على وطئها إلا إذا كان مختصا بملكها . أرأيت لو كانت مدبرة أو أم ولد أما كان القول فيها قول ذي اليد ، وكذلك الأمة . ولذلك لو لم يفترقا ، ولكن مات أحدهما ثم اختلفوا في مقدار الشركة ، فهو على النصف ; لأنا علمنا بوجود المال في يد أحدهما في حال قيام المفاوضة وتأثير موت أحدهما في نقض العقد ، فهو وافتراقهما سواء . ( ولو كانا حيين والمال في يد أحدهما ، وهو منكر للشركة وأقام الآخر البينة أنه شريكه شركة مفاوضة له الثلثان ، وللذي في يده الثلث ; فهذه الشهادة في القياس لا تقبل ) ، لأن إقراره بالمفاوضة إقرار بالمناصفة في المال ، وذلك إكذاب منه لشهوده فيما شهدوا به من الثلث والثلثين ، والمدعي إذا كذب شاهده تبطل شهادته له . وفي الاستحسان شهادتهم على أصل المفاوضة مقبولة والمال بينهما نصفان ; لأنه لا حاجة بهم إلى إتمام الشهادة إلى ما ذكروا من الثلث والثلثين فتلغى تلك الشهادة فتبقى شهادتهم على أصل المفاوضة ، ولأن من الناس من يقول : مع التفاوت [ ص: 189 ] في المال تصح المفاوضة . فلعل الشهود ممن يعتمدون ذلك ففسروا بناء على اعتقادهم ، ولكن القاضي يبني ما ثبت عنده على اعتقاده - لا على اعتقاد الشهود - فتبين بهذا الفعل ضعف كلام محمد رحمه الله في الفرق بين ما إذا فسر الشهود أو أبهموا ; فإن تفسيرهم لما لم يعتبر في قبول شهادتهم على المفاوضة ، فكذلك لا يعتبر تفسيرهم في المنع من قبول بينة أحدهما على متاع في يده أنه ميراث . بل المبهم والمفسر في ذلك سواء ، وكذلك لو كان المدعي ميتا وأقام وارثه البينة على مثل ذلك ; لأنه خليفة مورثه قائم مقامه . قال : ( وإذا افترق المتفاوضان فأقام أحدهما البينة أن المال كله كان في يد صاحبه ، وأن قاضي كذا قد قضى بذلك عليه وقسموا المال ، وأنه قضى به بينهما نصفين ، وأقام الآخر البينة بمثل ذلك من ذلك القاضي بعينه أو من غيره . فإن كان ذلك من قاض واحد وعلمنا التاريخ من القضاءين أخذنا بالآخر ، وهو رجوع عن الأول ) ; لأنه عالم بقضاء نفسه ; فإنما يقضي ثانيا بخلاف ما قضى به أولا إذا تبين له الخطأ في القضاء الأول ; فلهذا جعلنا الثاني نقضا للأول ، وهو كما لو تبايعا بألف ، ثم تبايعا بمائة دينار يجعل الثاني نقضا للأول ، وإن لم يعلم التاريخ بينهما ، أو كان القضاء من قاضيين لزم كل واحد منهما القضاء الذي لا نعده عليه ; لأن كل واحد منهما صحيح ظاهر ، وأنه قضى بالحجة ممن له ولاية القضاء فلا يجوز إبطاله بالشك ; إذ ليس أحدهما بالإبطال أولى من الآخر . ( وإذا كان من قاضيين وكل واحد منهما لا يملك نقض قضاء الآخر ولا يقصد ذلك ، إنما يقضي كل واحد منهما بما شهد عنده الشهود به ولا منافاة بينهما ) ; لجواز أن يكون في يد كل واحد منهما بعض مال الشركة ، فظن كل فريق أن ذلك جميع مال الشركة ، فيحاسب كل واحد منهما صاحبه بما عليه ، ويترادان الفضل . قال : ( ولا يلزم المفاوض ما على شريكه من مهر أو أرش جناية ) ; لأن كل واحد منهما ملتزم لما وجب لطريق التجارة . والنكاح ليس بتجارة ; فالمهر الواجب به لا يكون واجبا بسبب التجارة ، ولأنه بدل مما لا يحتمل الشركة . وكفالة كل واحد منهما عن صاحبه بدين هو بدل ما يحتمل الشركة حتى يكون منفعة مباشرة بسبب الالتزام لهما ، وأرش الجناية واجب بطريق العدوان دون التجارة . فهو بدل ما لا يحتمل الشركة بينهما . والدليل على الفرق أن إقرار المأذون بالمهر وأرش الجناية غير صحيح في حق المولى بخلاف إقراره بديون التجارة . قال : ( ولا يشارك أحدهما صاحبه فيما يرث من ميراث ، ولا جائزة يجيزها السلطان له أو هبة ، أو هدية ) إلا " عند ابن أبي ليلى رحمه الله " فإنه يقول : مقتضى الشركة المساواة . وقد بقيت الشركة بينهما فيثبت ما هو مقتضاها ، وهو بناء على مذهبه [ ص: 190 ] أن في الابتداء لو كان رأس مالهما على التفاوت يجوز الشركة ، ويصير رأس المال بينهما نصفين ، فكذلك في الانتهاء . ولكنا نقول : لا بد للملك من سبب ، وسبب الإرث القرابة ، وذلك غير موجود في حق الشريك ، ولا يمكن جعل الوارث مملكا نصفه من شريكه بعقد الشركة ; لأن تمام سبب الملك له بعد موت المورث ، والتمليك لا يسبق سببه ; لأن كل واحد منهما يجعل كالوكيل عن صاحبه فيما يحتمله ، ويجوز الميراث يدخل في ملك الوارث بغير صنعه ، فلا يجوز أن يكون نائبا عن شريكه فيه ، وكذلك الصدقة ; فإن مع إضافة موجب العقد إليه لا يمكن جعله نائبا عن شريكه . قال : ( ولا يفسد ذلك المفاوضة إلا أن يكون دراهم أو دنانير ، وقد قبضه ) معناه : لم يكن دينا ، وهذا بناء على ما بينا أنه متى اختص أحدهما بملك مال يصلح أن يكون رأس مال الشركة ينعدم به موجب المفاوضة فتبطل المفاوضة . قال : ( وكل وديعة كانت عند أحدهما فهي عندهما جميعا ) ; لأنهما بعقد المفاوضة صار الشخص واحدا فيما يلتزمه كل واحد منهما بسبب هو من صنيع التجارة . ويقول : الوديعة من جملة ذلك ، فإن مات المستودع قبل أن يبين لزمهما جميعا ; لأن المودع إذا مات مجهلا للوديعة يصير متملكا للوديعة . فهذا ضمان ما أوجب بتملك أحدهما ما يحتمل الشركة ، فيكون ملزما صاحبه . ( فإن قيل ) : وجوب هذا الضمان بعد الموت ، ولا مفاوضة بينهما بعد الموت . ( قلنا ) : لا كذلك ولكنه لما أشرف على الموت ، وقد عجز عن البيان قد تحقق التجهيل ، وصار ذلك دينا عليه قبل موته . فإن قال الحي : ضاعت في يد الميت قبل موته ; لم يصدق لأنه لا عقد بينهما بعد موت أحدهما ، وإنما يجعل قول أحدهما كقول صاحبه بسبب العقد القائم بينهما . ولأن المودع بنفسه بعد ما صار ضامنا بالجحود ، ولو زعم أنه كان هلك في يده لم يصدق . فكذلك قول شريكه في ذلك ; لأن قول المرء مقبول فيما هو أمين فيه لنفي الضمان عنه . فأما في إسقاط الضمان الواجب عليه غير مقبول . وإن كان الحي هو المستودع صدق ; لأنه ما صار متملكا ولا ضامنا للوديعة ما دام حيا بعد موت شريكه فإنه قادر على ما التزمه . فلهذا كان قوله مقبولا . ( فإن قيل ) : أليس أن كل واحد منهما فيما يلزمهما مقبول الوديعة مثل صاحبه ؟ ( قلنا ) : نعم ، ولكن التمليك عند الموت باعتبار اليد ; لأن الأيدي المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك ، الوديعة في يد المودع حقيقة لا في يد شريكه . ( وإن قال : أكلتها قبل موت صاحبي لزمه الضمان خاصة ، ولم يصدق على صاحبه ) ; لأن وجوب الضمان عليه بإقراره ، وعند الإقرار لا مفاوضة بينهما ، وهو في الانتهاء غير مصدق في حق صاحبه إلا أن [ ص: 191 ] يقيم البينة أنه أنفقها في حياة الميت . والثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ; فيكون عليهما ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - " وعند أبي يوسف " هو عليه خاصة . وأصل المسألة إذا وجب على أحدهما ضمان بغصب أو استهلاك مال : " فعند أبي يوسف رحمه الله " هذا نظير أرش الجناية ; لأنه واجب بسبب ليس بتجارة ، ولأنه بدل المستهلك ، والمستهلك لا يحتمل الشركة . وهما قالا : ضمان الغصب الاستهلاك ضمان تجارة بدليل صحة إقرار المأذون به وكونه مؤاخذا به في الحال ; وهذا لأنه بدل مال محتمل للشركة ، وإنما يجب بأصل السبب . وعند ذلك المحل قابل للملك ، ولهذا ملك المغصوب والمستهلك بالضمان . قال : ( وإذا أودع أحد المتفاوضين من مالهما وديعة عند رجل فادعى المستودع أنه قد ردها إليه أو إلى صاحبه فالقول قوله مع يمينه ) ; لأنه مسلط على الرد على كل واحد منهما أمين فيه فإنه كما يقوم أحدهما مقام صاحبه في الإيداع ، فكذلك في الاسترداد . فلهذا كان القول قول المودع مع يمينه فإن جحد الذي ادعى عليه ذلك لم يضمن ; لقوله لشريكه شيئا ; لأن قول المودع مقبول في براءة نفسه عن الضمان لا في وصول المال إلى من أخبر بدفعه إليه . ألا ترى أن المودع لو كان وصيا فادعى المودع الرد عليه لا يعزم الوصي لليتيم شيئا . وكذلك لو أمره أن يقضي الوديعة دينه ، فقال : قد فعلت ، وقال صاحب الدين : ما قضيت شيئا ; فالقول قول المودع في براءته ، ودين الطالب على المودع بحاله . ولكن يحلف الشريك الذي ادعى المودع الرد إليه بالله ما قبضته ; لأن شريكه يدعي عليه ضمان نصيبه بجحوده القبض ، ولو أقر بذلك لزمه ، فإذا أنكر حلفه عليه . ( وكذلك ) لو مات أحدهما ثم ادعى المستودع أنه كان دفعه إلى الميت منهما ; لأنه بقي أمينا بعد موته . ألا ترى أن قوله في الرد مقبول في حق ورثة المودع ، فكذلك في حق شريكه . ثم يستحلف الورثة على العلم ; لأن المورث لو كان حيا ، وأنكر القبض استحلف لشريكه ، فكذلك بعد موته . إلا أنه إذا كان حيا فإنما يستحلف على فعل نفسه ، والورثة يستحلفون على فعل المورث بالقبض . فقد بينا أن الاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم ، فإن ادعى أنه دفعه إلى ورثة الميت فكذبوه ، وحلفوا أنهم ما قبضوه ، فهو ضامن لنصف حصة الحي من ذلك ; لأن في نصيب الميت كان له حق الدفع إلى ورثته ، وقد أخبر بأداء الأمانة في ذلك . فأما نصيب الحي فليس له أن يدفعه إلى ورثة الميت ; لأنهم خلفاء الميت في حقه خاصة ، ولأن المفاوضة قد انقضت بالموت ، فهو في نصيب الحي مقر بوجوب الضمان له على نفسه يدفعه إلى ورثة الميت ، ثم يكون ذلك النصف بين الحي وورثة الميت نصفين ; [ ص: 192 ] لأن المودع لم يصدق في وصول شيء من المال إلى ورثة الميت ، وإنما يصدق في براءته عن الضمان ، فيجعل ذلك النصف كالناوي ، والمال المشترك ما ينوى منه ينوى على الشركة ، وما يبقى يبقى على الشركة . ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |