|
|||||||
| ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (242) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (25) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الفائدة الثامنة في التطهير المعنوي للمساجد بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه أحمد). وعن عمرو بن دينار وقد سُئِل عن الصلاة وسط القبور، فقال: ذُكِر لي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلعنهم الله -تعالى-" (مرسل، لكن يشهد له الأحاديث الصحيحة السابقة). وعن أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا: كيف نبني قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أنجعله مسجدًا؟ فقال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه ابن زنجويه في فضائل الصديق). وهذا يدل دلالة واضحة على أن الصحابة لم يريدوا قط أن يتخذوا قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- مسجدًا، وإنما احتاجوا إلى توسعة المسجد فاتسع المسجد من حول القبر، وهو مقصود ابتداءً، وسيظل مقصودًا؛ بنوا، بل دفنوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجرته حتى لا يتخذه الناس مسجدًا. وإنما يتصور اتخاذ القبر مسجدًا بأن يدخل الإنسان إلى المقصورة ليصلي إلى القبر أو بجواره: فعائشة -رضي الله عنها- لم تزل تصلي في حجرتها، ولا تستقبل القبور الثلاثة، ولا قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقط بعد وفاته، ولكن هي تعيش في بيتها، فلم تقصد القبر للصلاة عنده، بخلاف من ينوي اتخاذ القبر مسجدًا بأن يصلي عنده أو يظن أن المسجد النبوي إنما بُني على قبره -صلى الله عليه وسلم-، وأن المسجد زادت فضيلته لما توسع في عهد عمر بن عبد العزيز حتى شمل الحجرة وحجرات نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لم يزل فَاضِلًا قبل ذلك. والحديث الماضي رواه ابن زنجويه في فضائل الصِّدِّيق، وصححه الشيخ الألباني في تحذير الساجد. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ يُتَّخَذَ قَبْرِي وَثَنًا، فَإِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه البزار، وفيه راوٍ ضعيف، لكن له شواهد). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج (رواه الترمذي بسند ضعيف، لكن يصحح بشواهده). والصحيح بلفظ: (لَعَنَ اللهُ زَوَّارَات القُبُورِ)؛ لأن الزيارة المتكررة من النساء كثيرًا ما يقع معها المحرمات، وإلا فأصل الزيارة ليس محرمًا لعموم العلة، فإنه تذكر الآخرة. وصحح الألباني: (لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ)، وأما السُّرُجُ فهي صحيحة المعنى. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ) (رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وهو حديث صحيح، صححه الألباني). وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها: ظهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق". وفي إسناده مقال كثير، فالحديث رواه ابن ماجه، وفيه أبو صالح كاتب الليث، ضعفه جماعة. ورواه الترمذي وأبو داود في الجزء الخاص بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، أو فيما ينهى من الصلاة في المقبرة، فهذا صحيح بشواهده. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَصَلُّوا إِلَى الْقَبْرِ وَلَا تَصَلُّوا عَلَيْهِ) (رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن كيسان مختلف فيه، لكن له شواهد يصح بها). وعن عون بن عبد الله قال: لقيت وائلة بن الأسقع، فقلت: ما أَعْمَلَنِي إلى الشام غيرك، حدثني بما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللهم ارحمنا واغفر لنا، ونهانا أن نصلي إلى القبور أو نجلس عليها" (رواه الطبراني في الكبير، وفيه حجاج بن أرطاة وهو مدلس، ولكن لمعناه شواهد). وغرضنا من ذكر هذه الأحاديث التي في بعضها ضعف، ولكن تصَحَّح وتحَسَّن بشواهدها، بيان أن هذا الأمر متواتر أحاديثه، أعني النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (244) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (27) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ . وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الأحاديث في النهي عن اتخاذ القبور في المساجد: عن يزيد بن حبيب أن عليًّا الهمداني أخبره أنه رأى فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- أمر بقبور فسُوِّيت بأرض الروم، وقال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (سَوُّوا قُبُورَكُمْ بِالْأَرْضِ) (رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وفي فتح الباري وهو عند مسلم في الجنائز، وهو شاهد لما قبله في الجملة). والصحيح في هذه المسألة: أن تسوية القبور بمعنى: عدم رفعها أكثر مما خرج منها من التراب، وهذا يجعلها نحو شبر يزيد أو ينقص، وليس أن تُسَوَّى بالأرض بالكلية، بل المقصود بالمشرف المرتفع جدًّا؛ فهذا الذي يُسَوَّى بالأرض، وما يفعله الناس اليوم من بناء القبور فوق الأرض مرتفعة، بل بعضهم يدفن فوق الأرض! وليس هذا بالدفن المشروع، وإنما هم يغلقون حجرة فوق الأرض أو حجرتين دورًا أو دورين على الميت، فهذا من المحدثات التي أحدثها أهل زماننا! وفي رواية عن ثمامة بن شفي قال: "كنا مع فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- بأرض الروم فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسُوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بتسويتها" (رواه مسلم في الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر، ورواه أبو داود في الجنائز، باب تسوية القبر، والنسائي في الجنائز باب تسوية القبور إذا رفعت). وعن أبي مرثد الغنوي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْها) (رواه مسلم)، وفي لفظ: (لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) (رواه أحمد في المسند، ومسلم في الجنائز في باب النهي عن الجلوس على القبر). قلتُ: وأشد ذلك أن يكون القبر في جهة القبلة، ويتخذه المصلي بينه وبين القبلة. وأما أشد من ذلك فهو: أن يسجد للقبر، والسجود جزء من الصلاة، ويتخذ القبر قبلة؛ ولو عكس اتجاه القبلة أو كان مخالفًا لها؛ فإن هذا من أعظم ذرائع الشرك إن لم يكن شركًا حسب نية الساجد، فمن اتخذ القبر قبلة فقد اتخذ قبلة غير قبلة المسلمين، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ) (رواه البخاري). أما إذا كان يسجد تعظيمًا لصاحب القبر ولو -كما زعم- أن ذلك للتحية؛ فإن ذلك من عظائم الأمور، ومن أهل العلم من يجعله شركًا أكبر بمجرده، وتعظيم الميت حتى يسجد له تعظيمًا له -لا بنية التحية- هو شرك باتفاق المسلمين، والمساجد التي اتخذت فيها قبور أو بنيت على القبور هي أعظم مظاهر هذه البدع المضلة. وأما الجلوس على القبر: فهو كبيرة من الكبائر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جَلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) (رواه مسلم). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُبنى على القبور أو يُقعد عليها أو يُصلى عليها" (رواه أبو يعلى الموصلي بسند رجاله ثقات، ورواه ابن ماجه في النهي عن البناء على القبور). والبناء على القبور يشمل وجود الأضرحة عليها وارتفاع بنائها، وأما الصلاة عليها فهو يشمل أن يقف على القبر ويصلي عليه، أو أن يجعل مسجدًا حول القبر أو عنده، فإن هذا داخل في ذلك؛ عن عمارة بن حزم -رضي الله عنه- قال: رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالسًا على قبر، فقال: "يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ انْزِلْ عَنِ الْقَبْرِ لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ وَلَا يُؤْذِيكَ" (رواه الطبراني في المعجم، والحاكم في المستدرك في الجنائز بسند فيه ابن لهيعة، وله شواهد). وعن عمرو بن حزم -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ) (رواه النسائي في الجنائز في باب التشديد في الجلوس على القبور، وهو حديث حسن). عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جَلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) (رواه مسلم في الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة إليه، ورواه أبو داود). وفي رواية: (لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرٍ)، ورواه الخطيب في التاريخ عن أبي هريرة. وفي رواية: (لَأَنْ أَمْشِيَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ أَخْصِفَ نَعْلِي بِرِجْلِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَمَا أُبَالِي أَوَسَطَ الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسَطَ السُّوقِ) (رواه ابن ماجه في الجنائز بسند صحيح). وقال ابن حجر في الفتح: إن الحديث فيه الرد على من جوز الصلاة على القبور؛ لأنها بداهة تشتمل على طول الجلوس والقيام كما هو معلوم. وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهى أن يُقعد على القبر، وأن يُجصص، وأن يُبنى عليه" (رواه أحمد في المسند وأبو داود، وهو حسن)، ويروى: يُقصص ويُجصص أي: يُطلى بالقصة، وهي الجص والجير، أي: الحجارة الملونة. وفي رواية عن جابر: "نهى أن يُجصص، وأن يُبنى، وأن يُقعد عليه"، وهي عند مسلم. وفي رواية: "وأن يُكتب عليه وأن يُوطأ". قلتُ: قد يكون هناك اضطرار للكتابة إذا خيف من نبشها وتضييع الموتى لسوء حال أهل الزمان. وعن أبي بردة -رضي الله عنه- قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: "إِذَا انْطَلَقْتُمْ بِجِنَازَتِي، فَأَسْرِعُوا الْمَشْيَ، وَلَا يَتَّبِعُنِي مُجَمَّرٌ، وَلَا تَجْعَلُوا فِي لَحْدِي شَيْئًا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ التُّرَابِ، وَلَا تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي بِنَاءً، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ حَالِقَةٍ أَوْ سَالِقَةٍ أَوْ خَارِقَةٍ. قَالُوا: أَوَسَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ" (رواه أحمد في المسند، وإسناده قوي). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (245) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (28) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). الفائدة التاسعة: دلَّت الآية الكريمة على فضل الطواف بالبيت، وأن الله -عز وجل- أمر بتطهير هذا البيت للطائفين به والقائمين والركع السجود، وهي معاني الصلاة في المسجد الحرام. ولنعلم أولًا أن الله -عز وجل- لم يشرع الطواف حول شيء في الأرض كلها إلا الطواف ببيته الحرام الكعبة المشرفة، ولا يجوز لمسلم أن يطوف بشيء آخر؛ سواء بقبر، أو بمكان صالح، أو بمسجد آخر؛ كما يفعل الروافض ومن وافقهم عند مشاهد أئمتهم! وقد نَزَّه الله -عز وجل- قبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يستطيع أحدٌ أن يطوف به؛ حتى بعد اتساع المسجد من حوله، بل إذا كان قصد الطائف تعظيم صاحب القبر والتقرب إليه بالطواف؛ فإن هذا من الشرك -تعوذ بالله من ذلك-. وإنما يطوف الناس بالكعبة المشرفة تقرباً إلى الله -عز وجل- الذي أمر بذلك، فمن شرع الطواف حول قبر من القبور ومشهد من المشاهد سبعًا، أو غير ذلك متقربًا إلى صاحب القبر فقد ضاهى الله -عز وجل- فيما شرع وتقرب إلى غير الله -عز وجل-، فكان مشركًا -والعياذ بالله-، ولا شك أن إقامة الحجة في ذلك، والسؤال عن القصد واجب قبل التكفير للمعين. وأما الأحاديث التي وردت في فضل الطواف بالبيت الحرام واستلام الحجر الأسود، والركن اليماني، والصلاة خلف المقام، ومن أمكنه أن يدخل البيت ليصلي فيه داخل الكعبة، وكذلك من لم يتمكن فصلى في الحجر، فأحاديث كثيرة. فمنها: ما رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- وقد سأله عبيد بن عمير سمعه عمير أنه سمع أباه يقول لابن عمر: ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين: الحجر الأسود والركن اليماني؟ فقال ابن عمر: إن أفعل فقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ اسْتِلَامَهُمَا يَحُطُّ الْخَطَايَا). وسمعته يقول: (مَنْ طَافَ أَسْبُوعًا يُحْصِيهِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ). وسمعته يقول: (مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا وَلَا وَضَعَهَا إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ). ولفظ الترمذي: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا)، (وَلَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً) ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وابن خزيمة في صحيحه، ولفظه: (إِنَّ مَسْحَهُمَا يَحُطُّ الْخَطَايَا) (رواه أحمد، والترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، وصححه الألباني لغيره). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أيضًا قال: "من أحصى أسبوعًا كان كعتق رقبة" (رواه ابن حبان في صحيحه مختصرًا). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَسْحُ الْحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ يَحُطَّانِ الْخَطَايَا حَطًّا) (رواه أحمد، وصححه الألباني لغيره). وعن محمد بن المنكدر عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أَسْبُوعًا لَا يَلْغُو فِيهِ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ يَعْتِقُهَا) (قلتُ: أسبوعًا أي: سبعة أشواط) (رواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات، وصححه الألباني لغيره). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِخَيْرٍ) (رواه الترمذي واللفظ له، وابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني)، وهذا الحديث يدل على وجوب الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر للطواف. وفي الحديث الصحيح أيضًا عن جابر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ ثم طاف، وأفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحج والعمرة محمولها على الوجوب، بل الركنية، ما لم يصرفها صارف لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة لما حاضت: (افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي). فكل هذا يدل على وجوب الطهارة مطلقًا من الحدث الأكبر والأصغر، والحيض والنفاس للمرأة والنجاسة كذلك، والصحيح أن هذا شرط في صحة الطواف؛ خلافًا لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- الذي مال إلى الاستحباب، ووافقه بعض المعاصرين، لكن الصواب هو وجوب الطهارة، ولا تطوف المرأة حتى تطهر كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-. وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ) (رواه ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، وقد تقدم كجزء من الحديث الأول). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحجر: (وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ) (رواه الترمذي وقال حديث حسن، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وصححه الشيخ الألباني). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَأْتِي الرُّكْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ لَهُ لِسَانٌ وَشَفَتَانِ) (رواه أحمد بإسناد حسن، حسنه الألباني لغيره). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ) (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح)، وابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: (أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ)، ورواه البيهقي مختصرًا: (الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، حَتَّى سَوَّدَتْهُ خَطَايَا أَهْلِ الشِّرْكِ). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (230) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت وتأذينه في الناس بالحج (13) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). قال القرطبي -رحمه الله-: "المسألة الثالثة والعشرون: اختلف المتأولون في وجه صفة البيت بالعتيق؛ فقال مجاهد، والحسن: العتيق القديم. يقال: سيف عتيق، وقد عَتُق أي قدم، وهذا قول يعضده النظر. وفي الصحيح أنه أول مسجد وضع في الأرض. وقيل: عتيقًا؛ لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء الزمان؛ قال معناه ابن الزبير، ومجاهد. وفي الترمذي، عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار" قال: هذا حديث حسن صحيح. (قلتُ: سبق بيان المقال فيه ومن ضعفه)، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم مرسلًا-. فإن ذكر ذاكر الحجاج بن يوسف الثقفي ونصبه المنجنيق على الكعبة حتى كسرها قيل له: إنما أعتقها عن كفار الجبابرة؛ لأنهم إذا أتوا بأنفسهم متمردين ولحرمة البيت غير معتقدين، وقصدوا الكعبة بالسوء فعصمت منهم ولم تنلها أيديهم، كان ذلك دلالة على أن الله -عز وجل- صرفهم عنها قسرًا؛ فأما المسلمون الذين اعتقدوا حرمتها فإنهم إن كفوا عنها لم يكن في ذلك من الدلالة على منزلتها عند الله مثل ما يكون منها في كف الأعداء؛ فقصر الله -تعالى- هذه الطائفة عن الكف بالنهي والوعيد، ولم يتجاوزه إلى الصرف بالإلجاء والاضطرار، وجعل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر. وقالت طائفة: سمي عتيقًا؛ لأنه لم يملك موضعه قط. وقالت فرقة: سمي عتيقًا؛ لأن الله -عز وجل- يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب. وقيل: سمي عتيقًا؛ لأنه أعتق من غرق الطوفان؛ قال ابن جبير. وقيل: العتيق الكريم. والعتق الكرم. وعتق الرقيق: الخروج من ذل الرق إلى كرم الحرية. ويحتمل أن يكون العتيق صفة مدح تقتضي جودة الشيء؛ كما قال عمر: حملت على فرس عتيق؛ الحديث. والقول الأول أصح للنظر والحديث الصحيح. (قلتُ: يعني أنه أول بيت وضع للناس لعبادة الله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سأله أبو ذر: أي بيت وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام)، قال مجاهد: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام وسمي عتيقاً لهذا. والله أعلم" (تفسير القرطبي). قال الإمام البغوي -رحمه الله-: "(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ): التفث الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظافر والشعث، تقول العرب لمن تستقذره: ما أتفثك! أي: ما أوسخك. والحاج أشعث أغبر لم يحلق شعره ولم يقلم ظفره، فقضاء التفث: إزالة هذه الأشياء. (لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) أي: ليزيلوا أدرانهم والمراد منه الخروج عن الإحرام بالحلق وقص الشارب ونتف الإبط والاستحداد وقلم الأظفار ولبس الثياب. قال ابن عمر وابن عباس: قضاء التفث مناسك الحج كلها. وقال مجاهد: هو مناسك الحج وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقلم الأظفار. وقيل: التفث هاهنا رمي الجمار؛ قال الزجاج: لا نعرف التفث ومعناه إلا من القرآن. قوله -تعالى-: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) قال مجاهد: أراد نذر الحج والهدي وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج أي: ليتموها بقضائها. وقيل: المراد منه الوفاء بما نذر على ظاهره. وقيل: أراد به الخروج عما وجب عليه نذر أو لم ينذر، والعرب تقول لكل من خرج عن الواجب عليه: وفَّى بنذره (قلتُ: الصحيح أنه في النذر على ظاهره، وليس قضاء الواجب)، وقرأ عاصم برواية أبي بكر: "وَلِيُوَفُّوا" بنصب الواو وتشديد الفاء. (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) أراد به الطواف الواجب عليه وهو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق. والطواف ثلاثة: طواف القدوم؛ وهو: أن مَن قدم مكة يطوف بالبيت سبعًا، يرمل ثلاثًا من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه (قلتُ: بخلاف الرمل في عمرة القضية، فكان من الحجر الأسود إلى الركن اليماني لإغاظة المشركين، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- رمل في حجة الوداع من الركن الأسود إلى الركن الأسود) ويمشي أربعًا، وهذا الطواف سنة لا شيء على من تركه (قلتُ: سبق بيان أنه واجب على من أتى مكة وقَدِم المسجد). عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم لم يكن عمرة، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة ثم عمر مثل ذلك ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت. (قلتُ: فعلوا ذلك؛ لأنهم كانوا قارنين أو مفردين ولم يكونوا متمتعين كما فعل من لم يكن ساق الهدي من الصحابة. والحديث رواه البخاري ومسلم في صحيحهما). عن ابن عمر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم يسعى ثلاثة أطواف ويمشي أربعًا ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة سبعًا. والطواف الثاني: هو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق، وهو واجب لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأتِ به. عن عائشة قالت: حاضت صفية ليلة النفر، فقالت: ما أراني إلا حابستكم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: عقرى حلقى أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم، قال: فانفري. فثبت بهذا أن مَن لم يطف يوم النحر طواف الإفاضة لا يجوز له أن ينفر. والطواف الثالث: هو طواف الوداع لا رخصة فيه لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعًا، فمن تركه؛ فعليه دم إلا المرأة الحائض يجوز لها ترك طواف الوداع (قلتُ: سبق بيان أن طواف الوداع واجب، وليس بنسك؛ ولذا فيأثم من تركه وليس عليه دم)، وعن ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت؛ إلا أنه رخص للمرأة الحائض. والرمل مختص بطواف القدوم، ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع" (تفسير البغوي بتصرفٍ يسيرٍ). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (232) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت وتأذينه في الناس بالحج (15) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 25-31). فيه فوائد: الفائدة الأولى: جعل الله الكعبة البيت الحرام وما حولها من أرض الحرم وقفًا لعبادة الله، يستوي فيه المقيم المستوطن الذي هو من أهله، ومَن هو قادم زائر لعبادة الله في بلده الحرام، وأداء النسك الذي شرعه الله عز وجل لعباده؛ فلا يجوز شرعًا التفريق بين الناس في هذه البقعة بين مقيم وزائر، أو مستوطن، ولا يجوز منع أحدٍ من قصد البيت الحرام إلا المشركين بجميع أنواعهم؛ سواء كانوا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى أم من عُبَّاد الأوثان، أو أي ملة من الملل غير ملة الإسلام؛ لقول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 28). وقد كان الأمر في بداية الإسلام عدم جواز منع أي أحد أمَّ البيت الحرام ولو كان مشركًا؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) (المائدة: 2)، فخصص الله هذه الآية بآية براءة: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ . إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة: 17-18)، وفي القراءة الأخرى: "مسجد الله". وقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب أن ينادي في الناس في حجة أبي بكر هو ومَن معه: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، أما أهل الإسلام فكل مسلم يقصد بيت الله الحرام لا يجوز منعه لا قبل وصوله إلى الأرض الحرام ولا بعد وصوله، ولا شك أن بعد وصوله أولى وأحرى أن لا يخرج منه؛ لقول الله -عز وجل-: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) (آل عمران: 97)، ولو كان قد ارتكب جرمًا خارج الحرم لما جاز إخراجه عند جماهير العلماء، ولكن يضيق عليه حتى يضطر إلى الخروج؛ لا يُبايع، ولا يؤاكل ولا يشارب، حتى يخرج فيؤخذ، وأما من ارتكب الجرم في داخل الحرم فهو الذي انتهك حرمة الحرم فيقام عليه الحد داخل الحرم، وقد جعل الله بركة عجيبة في هذه الأرض المباركة المقدسة في الأطعمة والأشربة والأرزاق، والقوى وصحة الأبدان، وكذلك سعة هذه المساحة لملايين من البشر لو قصدوها للحج والعمرة؛ فهي تتسع لهم بالبركة التي جعل الله فيها: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران: 96). نقول: بهذه البركة التي جعلها الله فيها وما يليها، تسع المسلمين بأنواع التيسير من: الإقامة والحركة، والتنقل في جميع المشاعر؛ التي لو بذلوا جهدهم في التيسير فيها والبناء فيها لتتضاعف السعة السكانية؛ لكان فيها -بإذن الله- التيسير على حجاج بيت الله الحرام، ولم يثبت حديث منع البناء في الأرض الحرام وفي مِنى، وهو الحديث المذكور: أنهم سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ألا نبني لك منزلًا غدًا بمنى؟ فقال: لا، منى مناخ مَن سبق"؛ فهو حديث لم يثبت، وإنما كان المعنى المقصود منه هو: عدم منع السابق إلى مكان منها من النزول فيما سبق إليه، وإن كان هذا لا يحدث منذ أزمنة طويلة. أما إن كان البناء لغرض التوسعة على حجاج بيت الله الحرام؛ فلا نشك في جوازه، نقول: لو بذلوا جهدهم في التيسير فيها والبناء فيها لاستيعاب أضعاف الأعداد الحالية؛ لوسعتهم -بإذن الله- دون مبالغة، ودون ضرر أيضًا، نسأل الله أن يلهم المسلمين ومن ولي أمر الأرض الحرام ما يوسعون به المناسك دون منع مَن قصد البيت الحرام للحج والعمرة والصلاة؛ فليس المنع هو الحل، مع النصوص الكثيرة من الكتاب والسُّنة في استواء الناس في الأرض الحرام ممَّن قصد النسك تعبُّدًا، بعيدًا عن الخلاف الذي ذكرناه في نقل التفسير في جواز بيع رباع مكة ودورها وإجارتها، فإن هذا لا يدخل فيه مَن أراد البيت الحرام والمشاعر لأداء النسك؛ لأن مكة فتحت عنوه، وأوقفها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لم يضرب عليها خراجًا، وإنما جعلها وقفًا للمسلمين لأداء النُّسُك، وأهلها أولى بما سبقوا إليه منها، ولا يَمنعون غيرهم مما لم يسبقوا إليه. وهذه الآية من أوضح النصوص في استواء الناس في الأرض الحرام؛ فلا يصح إهمالها، ولا يجوز لمسلم أن يتشبه بالكفار، ولو بغير قصد، ولو باجتهاد لم يُسبق إليه عبر العصور في منع المسلمين مِن قصد البيت الحرام لأداء النسك: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) (الحج: 25)؛ لذا نقول: مَن منع الناس فقد تشبه بمن لا يجوز التشبه بهم من الكفار، والحقيقة التي لا شك فيها: أنه حتى بالحساب بالمساحات، وحاجة كل فرد لمساحة معينة -مع أن هذا غير مطلوب شرعًا-، فإن مساحات المناسك مع تنوع أعمال النسك تتسع لما لا يقل عن عدة ملايين فوق ما يحصل الآن؛ فضلًا عن البركة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها-: (أَنْفِقِي، وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ) (متفق عليه). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (234) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت وتأذينه في الناس بالحج (17) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 25-31). قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في مقدمة زاد المعاد: "وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ فِيهِ عَلَى الْهَمِّ بِالسَّيِّئَاتِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا؛ قَالَ -تَعَالَى-: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الْحَجِّ: ??)، فَتَأَمَّلْ كَيْفَ عَدَّى فِعْلَ الْإِرَادَةِ هَاهُنَا بِالْبَاءِ، وَلَا يُقَالُ: أَرَدْتُ بِكَذَا إِلَّا لِمَا ضُمِّنَ مَعْنَى فِعْلِ "هَمَّ"، فَإِنَّهُ يُقَالُ: هَمَمْتُ بِكَذَا، فَتَوَعَّدَ مَنْ هَمَّ بِأَنْ يَظْلِمَ فِيهِ بِأَنْ يُذِيقَهُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. وَمِنْ هَذَا تَضَاعُفُ مَقَادِيرِ السَّيِّئَاتِ فِيهِ لَا كَمِّيَّاتِهَا، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ جَزَاؤُهَا سَيِّئَةٌ، لَكِنْ سَيِّئَةٌ كَبِيرَةٌ جَزَاؤُهَا مِثْلُهَا، وَصَغِيرَةٌ جَزَاؤُهَا مِثْلُهَا، فَالسَّيِّئَةُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَبَلَدِهِ وَعَلَى بِسَاطِهِ آكَدُ وَأَعْظَمُ مِنْهَا فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ؛ وَلِهَذَا لَيْسَ مَنْ عَصَى الْمَلِكَ عَلَى بِسَاطِ مُلْكِهِ كَمَنْ عَصَاهُ فِي الْمَوْضِعِ الْبَعِيدِ مِنْ دَارِهِ وَبِسَاطِهِ، فَهَذَا فَصْلُ النِّزَاعِ فِي تَضْعِيفِ السَّيِّئَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ظَهَرَ سِرُّ هَذَا التَّفْضِيلِ وَالِاخْتِصَاصِ فِي انْجِذَابِ الْأَفْئِدَةِ وَهَوَى الْقُلُوبِ وَانْعِطَافِهَا وَمَحَبَّتِهَا لِهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ، فَجَذْبُهُ لِلْقُلُوبِ أَعْظَمُ مِنْ جَذْبِ الْمِغْنَاطِيسِ لِلْحَدِيدِ، فَهُوَ الْأَوْلَى بِقَوْلِ الْقَائِلِ: محَاسِنُهُ هَيُولَى كُلِّ حُسْنٍ وَمِغْنَاطِيسُ أَفْئِدَةِ الرِّجَالِ لَا يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْهَا حِينَ يَنْظُرُهَا حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا الطَّرْفُ مُشْتَاقًا وَلَيْسَ مُحِبًّا مَنْ يَعُدُّ شَقَاءَهُ عَذَابًا إِذَا مَا كَانَ يَرْضَى حَبِيبُهُ وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (235) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت وتأذينه في الناس بالحج (18) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 25-31). الفائدة الثانية: لما كانت مكة قد شرَّفها الله على كلِّ بقاع الأرض وجعلها لعباده المؤمنين سواءً ولهذا لما فتحها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يقسمها بين الغانمين ولم يضرب عليها الخراج كما تعامل مع أهل خيبر، قسم جزءًا منها وترك جزءًا عامل اليهود فيه على العمل فيها على نصف ما يخرج منها مزارعة ومساقاه، وكذلك تعامل عمر مع أرض الخراج في الشام والعراق ومصر، وغيرها، أي: الأرض التي فتحت عنوه، فملكها المسلمون، لكنها مما لا يجب قسمتها؛ لأن الله -عز وجل- إنما أحل للأمة الغنائم التي حرمها على من قبلنا وهي الغنائم المنقولة، وأما الأرض فإنه جعلها لمن قبلنا: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ . يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (المائدة: 20-21). ولما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة لما أبوا أن يقاتلوا مع موسى بعد خروجهم من التيه قاتلوا مع يوشع بن نون، وفتحوا بيت المقدس وملكوا الأرض؛ فدلَّ ذلك على أنها لم تحرم عليهم، فالأرض المغنومة لا يلزم قسمتها، بل يجوز قسمتها ويجوز تركها؛ فلذا ضرب عمر الخراج على الأرض التي فتحت عنوه في الشام والعراق ومصر، وغيرها خراجًا ثابتًا كأنه أجرة للمسلمين؛ أما مكة: فهي وقف من الله ورسوله على المسلمين جميعًا إلى آخر الزمان، وهي أعز عند الله أن يضرب عليها خراج أو يتملكها أناس مخصوصون يتوارثها أهلهم بعدهم، ويضيق الأمر على المسلمين في نسكهم وحجهم وعمرتهم؛ فلذلك لم تقسم، ولم يضرب عليها الخراج. قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد: "فإذا كانت مكة قد فتحت عنوة، فهل يضرب الخراج على مزارعها كسائر أرض العنوة، وهل يجوز لكم أن تفعلوا ذلك أم لا؟ قيل في هذه المسألة قولان لأصحاب العنوة: أحدهما: المنصوص المنصور الذي لا يجوز القول بغيره، أنه لا خراج على مزارعها وإن فتحت عنوة، فإنها أجل وأعظم من أن يضرب عليها الخراج، لا سيما والخراج هو جزية الأرض، وهو على الأرض كالجزية على الرؤوس، وحَرَم الرب أجلُّ قدرًا وأكبر من أن تضرب عليه جزية، ومكة بفتحها عادت إلى ما وضعها الله عليه من كونها حَرَمًا آمنًا يشترك فيه أهل الإسلام؛ إذ هو موضع مناسكهم ومتعبدهم، وقبلة أهل الأرض. والثاني -وهو قول بعض أصحاب أحمد-: أن على مزارعها الخراج، كما هو على مزارع غيرها من أرض العنوة، وهذا فاسد مخالف لنص أحمد -رحمه الله- ومذهبه، ولفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين من بعده -رضي الله عنهم-، فلا التفات إليه، والله أعلم. وقد بنى بعض الأصحاب تحريم بيع رباع مكة على كونها فتحت عنوة، وهذا بناء غير صحيح، فإن مساكن أرض العنوة تباع قولا واحدا، فظهر بطلان هذا البناء والله أعلم" (انتهى كلام ابن القيم من زاد المعاد). فلا يصح التضييق على الناس في سكنى الأراضي المفتوحة في حجهم وعمرتهم؛ إلا ما يضيِّق على الحجاج والمعتمرين طرقهم ومناسكهم، وكذلك يعطِّل على أهل مكة مصالحهم؛ قال ابن القيم -بعد أن بيَّن شأن الأرض المغنومة، وأنها أقسام؛ منها ما يقسم، ومنها ما يضرب عليها الخراج-: "فصل: وأما مكة فإن فيها شيئًا آخر يمنع من قسمتها ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى، وهي: أنها لا تُملَك، فإنها دار النُّسُك ومُتعبَّد الخلق وحرم الرب -تعالى- الذي جعله للناس سواءً العاكفُ فيه والباد فهي وقف من الله على العالمين، وهم فيها سواء -(قلتُ: أي المسلمين)- ومِنى مناخ من سبق. (قلتُ: ذكرنا سابقًا ضعف الحديث بالتفصيل). قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: ??)، والمسجد الحرام هنا المراد به الحرم؛ لقوله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة: ??)، فهذا المراد به الحرم كلُّه؛ وقولِه سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (الإسراء: ?)، وفي الصحيح: أنه أسري به من بيت أم هانئ. وقال -تعالى-: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (البقرة: ???)، وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقًا، وإنما هو حضور الحرم والقربُ منه، وسياق آية الحج يدل على ذلك فإنه قال: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: ??)، وهذا لا يختص مكان الصلاة قطعًا، بل المراد: الحرم كلُّه، فالذي جعله للناس سواءً العاكفُ فيه والباد هو الذي توعَّد مَن صدَّ عنه ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه، فالحرم ومشاعره: كالصفا والمروة، والمسعى، ومنًى وعرفةَ ومزدلفةَ، لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي مشتركة بين الناس؛ إذ هي محل نسكهم ومتعبَّدهم، فهي مسجد من الله وقَفَه ووضعه لخلقه، ولهذا امتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُبنى له بيت بمنًى يُظِلُّه من الحر وقال: "منًى مناخ من سبق" (قلتُ: ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود). قال: ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارةُ بيوتها؛ هذا مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالكٍ في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيانَ الثوري والإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ وإسحاق بن راهويه. وروى الإمام أحمد عن علقمة بن نضلة قال: "كانت رِباع مكة تُدعى السوائب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر؛ من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن" (أخرجه ابن بي شيبة وابن ماجه والدارقطني بإسناد صحيح عن علقمة، وهو مرسل فإن علقمة تابعي صغير لم يدرك زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا زمن أبي بكر وعمر). وروي أيضًا عن عبد الله بن عمر: "من أكل أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم" (أخرجه أبو عبيد في الأموال وابن أبي شيبة والدارقطني عن عبد الله بن عمر موقوفًا، وهذا الإسناد لا بأس به). ورواه الدارقطني مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه: "إن الله حرم مكة، فحرام بيعُ رِباعها وأكلُ ثمنها" (إسناده ضعيف، قال الدارقطني: وهم في رفعه فهو موقوف). وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: يكره أن تباع رِباعُ مكة أو تُكرى بيوتها. وذكر أحمد عن القاسم بن عبد الرحمن قال: من أكل من كراء بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نارًا. وقال أحمد: حدثنا هشيم، بسنده عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: "نُهي عن إجارة بيوت أهل مكة وعن بيع رِباعها" (إسناده فيه مقال). وذكر عن عطاء قال: نهي عن إجارة بيوت أهل مكة. وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، قال: حدثنا عبد الملك، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير أهل مكة ينهاهم عن إجارة بيوت مكة، وقال: إنه حرام. (قلتُ: وهذا قد روي عن عمر بن عبد العزيز من وجوه كثيرة). إلى أن قال: "قال المجوزون للبيع والإجارة: الدليل على جواز ذلك: كتابُ الله، وسنة رسوله، وعمل أصحابه وخلفائه الراشدين؛ قال الله -تعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) (الحشر: ?)، وقال: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) (آل عمران: ???)، وقال: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) (الممتحنة: ?)، فأضاف الدور إليهم، وهذه إضافة تمليك. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد قيل له: أين تنزل غدًا بدارك من مكة؟ فقال: (وهل ترك لنا عَقِيل من رِباع؟!)، ولم يقل: إنه لا دار لي، بل أقرهم على الإضافة، وأخبر أن عقيلًا استولى عليها، ولم ينزعها من يده. وإضافة دورهم إليهم في الأحاديث أكثر من أن يُذكَر، كدار أم هانئ ودار خديجة ودار أبي أحمد بن جحش وغيرها، فكانوا يتوارثونها كما يتوارثون المنقول، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وهل ترك لنا عَقِيل من منزل؟)، وكان عقيل هو ورث أبا طالبٍ دُورَه، فإنه كان كافرًا ولم يرثه عليٌّ لاختلاف الدين بينهما، فاستولى عقيل على الدور. ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها، بل قبل المبعث وبعده، من مات وَرِث ورثتُه دارَه، وإلى الآن. وقد باع صفوان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف درهم فاتخذها سجنًا. وإذا جاز البيع والميراث فالإجارة أجوَز وأجوز. فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى، وحججهم في القوة والظهور لا تُدفَع، وحجج الله وبيناته لا يُبطل بعضُها بعضًا، بل يصدق بعضها بعضًا، ويجب العمل بموجَبها كلِّها، والواجب اتباع الحق أين كان، فالصواب: القول بموجب الأدلة من الجانبين وأن الدور تملك وتوهب وتورث وتباع، ويكون نقل الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها يَسكنها ويُسكن فيها من شاء، وليس له أن يُعاوِض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما استحق أن يتقدّم فيها على غيره ويختص بها لسَبْقه وحاجته، فإذا استغنى عنها لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في الرحاب والطرق الواسعة والإقامةِ على المعدن وغيرِها من المنافع والأعيان المشتركة التي من سبق إليها فهو أحقُّ بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى لم يكن له أن يعاوض، وقد صرَّح أرباب هذا القول بأن البيع ونقل الملك في رباعها إنما يقع على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبي حنيفة" (انتهى من زاد المعاد). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (236) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (19) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). الفائدة الثالثة: دَلَّ قوله -تعالى-: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ): على وجوب التحرز لمن أقام بمكة سواء استوطنها أو أقام بها أو مَرَّ بها في سفره، من المعاصي عمومًا، وخصوصًا الظلم؛ ولذا اختار كثيرٌ من السلف أن يقيم بالحل فإذا جاء وقت الصلاة دخل وصلَّى في الحرم، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل في الحديبية، وأعظم الظلم الشرك بالله؛ قال الله -تعالى-: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13). ومن ذلك الشرك: دعاء الأموات والغائبين بكشف الكربات وقضاء الحاجات، والاستغاثة بهم، وطلب المدد منهم، والنصر على الأعداء، وشفاء الأمراض؛ فإن ذلك كله من شرك الألوهية، وإذا أضيف إلى ذلك: اعتقاد أن الأنبياء أو الملائكة والصالحين -فضلًا عن غيرهم- يدبِّرون الكونَ، ويملكون الملك، ويخلقون ويرزقون، ويحيون ويميتون؛ فهذا أعظم من شرك المشركين الذين بُعِث فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ قال -تعالى-: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (يونس: 31)، فقد أقَرَّ المشركون بأن هذه الأمور ينفرد بها الرب؛ فبُعدًا وتبًّا لمن جعل هذه الأمور لغير الله وإن انتسب للإسلام! وقال الله -عز وجل-: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر: 62)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (فاطر: 3)، وقال: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد: 16)، وقال -سبحانه وتعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر: 13-14). فمَن يحاول إعادة مظاهر الشرك في الأمة بعد أن نفاها الله -عز وجل- عنها في أكثر المواطن، وأظهر -سبحانه- حجج الموحدين؛ فهو من أعظم الظالمين؛ فكيف إذا كان ذلك بمكة المكرمة أعزها الله وحفظها؟! والظلم الذي نهى الله -عز وجل- عنه في الحرم يشمل ظلم العباد بعضهم بعضًا، وخاصة الحُجَّاج والعُمَّار؛ فمَن آذى مسلمًا بمكة وظَلَمَه؛ فقد ارتكب كبيرة من الكبائر حتى لو كان هذا النوع من الظلم في غيرها صغيره؛ لأن اللهَ خَتَم الآية بقوله: (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، وهذا يدل على أن هذه المعصية من الكبائر. ويدخل في الظلم أيضًا: ظلم العبد لنفسه بفعل السيئات في الأرض الحرام، بل الهم الجازم بفعل السيئات هو كبيرة من الكبار أيضًا في الحرم، وظنَّ بعضُ الناس أن مجرد حديث النفس في الحرم يكون كبيرة، وليس كذلك؛ لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ) (رواه مسلم)، وهو يشمل أهل مكة وغيرها. فيجب أن يكون الحرم أمانًا للإنسان والحيوان والنبات، وقد جعل الله -عز وجل- المعتدي على الصيد في الحرم المباح في غيره مستوجبًا لعقاب الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (المائدة: 95). الفائدة الرابعة: اختلف العلماء في إقام الحدود بمكة؛ قال ابن أبي شيبة في مصنفة في إقامة الحدود والقود في الحرم عن عامر -يعني الشعبي- قال: "إذا هرب إلى الحرم فقد أَمِن، فإن أصابه في الحرم أقيم عليه الحد في الحرم. عن عطاء أن الوليد أراد أن يقيم على رجل الحد في الحرم فقال له عبيد بن عمير: لا تقمه إلا أن يكون أصابه فيه. عن الحسن وعطاء قالا: إذا أصاب حدًّا في غير الحرم ثم جاء إلى الحرم أخرج من الحرم حتى يقام عليه الحد. عن مجاهد قال: إذا أصاب الرجل الحد في غير الحرم ثم أتى الحرم، أُخرِج من الحرم، وأقيم عليه الحد، وإذا أصابه في الحرم أقيم عليه في الحرم. عن مجاهد أن رجلًا قتل رجلًا ثم دخل الحرم، قال: يؤخذ فيخرج به من الحرم، ثم يقام عليه الحد؛ يقول: القتل. عن سعيد وعبد الملك عن عطاء في الرجل يقتل ثم يدخل الحرم، قال: لا تبايعه أهل مكة ولا يشترون منه، ولا يسقونه ولا يطعمونه ولا يؤوونه، ولا ينكحونه حتى يخرج فيؤخذ به. عن ابن عمر وابن عباس قالا: لو وجدنا قاتل آبائنا في الحرم لم نقتله عن شعبة قال: سألتُ الحكم وحمادًا عن الرجل يقتل ثم يدخل الحرم، قال حماد: يخرج فيقام عليه الحد. قال الحكم: لا يُبايع ولا يؤاكل". فانظر إلى حرص السلف -رضوان الله عليهم- في حِفْظ حرمة مكة: أن بعضهم اشترط فيمَن ارتكب الحد خارج الحرم ثم لجأ إليه ألا يخرج منه بالقوة، وإنما يُمنع من الطعام والشراب، والبيع والشراء؛ حتى يخرج من نفسه، فإذا خرج أقيم عليه الحج. قال ابن قدامة في المغني: "مَن قتل وأتى حدًّا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يبايع ولم يشار (قلتُ: لم يشترَ منه) حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد. وجملته: أن من جنى جناية توجب قتلاً خارج الحرم ثم لجأ إليه لم يستوفَ منه فيه؛ هذا قول ابن عباس وعطاء وعبيد بن عمير والزهري، ومجاهد، وإسحاق والشعبي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: لا يستوفى من الملتجأ إلى الحرم فيه. والثانية: يستوفى وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن المروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- النهي عن القتل؛ لقوله -عليه السلام-: فلا يسفك فيها دم، وحرمة النفس أعظم فلا يقاس غيرها عليها؛ لأن الحد بالجلد جرى مجرى التأديب فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده والأولى ظاهر كلام الخرقي وهو ظاهر المذهب" (قلتُ: يعني لا يستوفي من الملتجأ إلى الحرم أي من الحدود). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (238) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (21) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). الفائدة الخامسة: دَلَّ قوله -تعالى-: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ): أن مكان البيت مقدَّر ومشروع قبل إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يتوافق مع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) (متفق عليه)، وبهذا نعلم أن وجه الجمع بين هذا الحديث الصحيح وبين قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح أيضًا: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ) (متفق عليه)، فالله حرَّم البقعة المشرفة في مكة المكرمة يوم خلق السماوات والأرض؛ فأرشد الله إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لمكان هذه البقعة مكان البيت، وأمره ببنائه وإظهار التحريم الذي شرعه الله -عز وجل- ببيانه للناس على لسان إبراهيم، فإنما حرم رسول الله هو ما حرَّم الله فلا تعارض -بحمد الله-. وعندما عَلِم إبراهيم مكان البيت، بدأ بتعمير البقعة بإسكان ولده وأم ولده مكة المكرمة وقت ما كان في مكة بشر ولا شيء، ولكنه امتثل أمر الله وتوكل على الله ودعاه -عز وجل-، فقال: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: 37). ومَن امتثل أمر الله -عز وجل- لم يضيعه، وبالفعل قد كان؛ أنبع الله زمزم لسقيا إسماعيل -عليه السلام- وأمه -رضي الله عنها-، ثم قيَّض لهم قبيلة أو رفقة من جُرهم على الفطرة، لم يعتدوا على هاجر -رحمها الله- رغم وحدتها وضعفها، وكونها امرأة، بل وقَبِلوا شرطها أن لا حقَّ لهم في الماء أي: إلا ما فضل عنها وولدها عليه السلام، ونشأ فيهم إسماعيل -صلى الله عليه وسلم- وأعجبهم، وتعلَّم منهم العربية وكانت له ذرية منهم، فنشأت العرب المستعربة، وكلهم كانوا على التوحيد عشرة قرون قبل أن يدخل الشرك إليهم. وكل هذا لتمهيد المكان للبعثة المحمدية والوحي الإلهي الذي بشَّر الله به أنه يكون في هذه البقعة المباركة جبال فاران منذ آلاف السنين قبل نزوله، وهو أعظم وحي وصل إلى الأرض على الأطلاق، وخير كلام أنزله الله من كلامه كما في التوراة: "جاء الرب من طور سيناء وأشرق من ساعير -(وهو جبل بيت المقدس)-، واستعلن من جبال فاران"، وكل ذلك بعمارة مكة المكرمة حيث بوأها الله لإبراهيم وأرشده إليها ودله عليها. الفائدة السادسة: قوله -تعالى-: (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا): دلَّ على أن التوحيد وترك الشرك، أعظم الوصايا والأوامر والتشريعات في جميع الشرائع منذ بدأ وجود الإنسان على وجه الأرض؛ لأن مكة أعدت لذلك يوم خلق الله السماوات والأرض، ونزل آدم -عليه الصلاة والسلام- عارفًا بربه موحدًا، يتوب إليه إذا أذنب، واجتباه -عز وجل- وهدى، وتاب عليه -سبحانه وتعالى-. فالأصل في البشرية التوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له، ولا يسمى موحدًا مَن عبد غير الله، ولو كان يعبده وحده! كما يفتريه البعض فيزعم: أن مَن عبد الشمس مِن قدماء المصريين هو أول الموحدين -والعياذ بالله-؛ قال -تعالى- عن الهدهد: (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ . أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (النمل: 24-26). ولو صح هذا الافتراء أن من عبد إلهًا واحدًا دون الله كان موحدًا؛ لصح أن فرعون ومن عبده من قومه واتبعوه وهو قد استخفهم، كان موحدًا -والعياذ بالله-؛ لأن الله -عز وجل- قال: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ . فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص: 38-40). وجعله الله -عز وجل- يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار، كما قال -تعالى-: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ . وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) (هود: 98-99). وقال الله -عز وجل-: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) (النازعات: 25)، الآيات في فرعون وقومه كثيرة في كتاب الله -عز وجل-. فمن عبد غير الله فهو كافر ولو زعم التوحيد والإيمان بالبعث؛ فإن التوحيد هو عبادة الله وحده لا شريك له على ما جاءت به الرسل، والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان به على ما جاءت به الرسل؛ قال -سبحانه-: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: 29)، فرغم أن أهل الكتاب يقرون بالآخرة، لكن لما خالفوا في ذلك ما جاءت به الرسل خاصة محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا بمؤمنين بالله ولا باليوم الآخر؛ ولذلك لا يصح القول بأن مَن أقر بالبعث على أي وجه كان ولو كان مع قوله بتعدد الآلهة فهو مؤمن الله واليوم الآخر، بل هذا ضلال مبين. وقد جاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- مصدقًا لدعوة إبراهيم، محييًا لها بعد اندثارها، إلا قلة من أهل الكتاب كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) (رواه مسلم)، وأرسل -صلى الله عليه وسلم- مصدقًا لما جاء به موسى وعيسى -صلى الله عليهما وسلم-، كما في التوراة إلى اليوم في أول الوصايا العشر: "الرب إلهنا رب واحد رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب". وفي الإنجيل عندما سألوا المسيح -صلى الله عليه وسلم-: "أيها المعلم: أي الوصايا هي أول الكل؟ قال: كما هو مكتوب -أي: في التوراة-: الرب إلهنا رب واحد رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأن تحب الرب إلهك من كل عقلك وقلبك وفكرك". فذنب الشرك هو أخطر ذنب على البشرية كلها، وهو سبب مقت الله لكل من أشرك مهما كان؛ قال -سبحانه وتعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء: 48). فمن بلغته دعوة الرسل ثم مات مشركًا دخل النار كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه مسلم من حديث جابر، ورواه البخاري من حديث ابن مسعود، وجعل الجملة الثانية: "ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة"، من قول ابن مسعود -رضي الله عنه-، وهي مرفوعة -بلا شك-). وهذا الذي قاله أيضًا عيسى ابن مريم -صلى الله عليه وسلم-؛ قال -تعالى-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: 72). وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: (أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ) (متفق عليه. وهذا يشمل أن يجعل لله ندًّا في الربوبية، أو ندًّا في الألوهية، أو ندًّا في الأسماء والصفات، وقد قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13). أعوذ بالله أن نشرك به شيئًا نعلمه، ونستغفره لما لا نعلمه. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (240) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (23) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الفائدة السابعة في الآيات التي في ذم الشرك والتحذير منه: قال -تعالى-: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا) (الإسراء: 39>، وقال -تعالى-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 30-31>. وقال -تعالى-: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ . عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (المؤمنون: 91-92>، وقال -تعالى-: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 65-66>. وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13>، وقال -تعالى-: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (الزمر: 8>، وقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) (فصلت: 6>. وقال -تعالى-: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (فصلت: 9>، وقال -تعالى-: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (الفتح: 6>، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) (البينة: 6>. وقال -تعالى-: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: 28>، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 39>، وقال -تعالى-: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ . بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) (البقرة: 89-90>. وقال -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (مريم: 88-95>. أما الأحاديث التي ثبتت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحاح وغيرها فكثيرة جدًّا؛ منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اجْتنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ). وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ). وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، لَمْ تَضُرَّهُ مَعَهُ خَطِيئَةٌ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يُشْرِكُ بِهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ مَعَهُ حَسَنَةٌ) (رواه أحمد بسند صحيح، ومعنى لم تضره خطيئة؛ أي: في ضرر الخلود في النار، وإلا فعصاة الموحدين منهم من يدخل النار قطعًا). وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وحوله عصابة من أصحابه: (تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُونَ بِبُهْتَانٍ، تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهْوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ) (رواه البخاري ومسلم). وروى الترمذي في سننه بإسناد حسن عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه-: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 31>، قال: (أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوه). وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح من حديث محمود بن لبيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ)، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عز وجل لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |