|
|||||||
| ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (228) أولاً: الغضب (2-2) علاج الغضب: لتفادي الغضب أو تفادي أخطاره حين وقوعه لا بد من اتباع بعض الخطوات التي تعدّ وقاية وعلاجًا في آن واحد، ومن أهم هذه الخطوات: 1- أن يتجنب الإنسان أسباب الغضب ودواعيه، وهذا معنى قوله ﷺ للذي سأله قائلاً: يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى فقال رسول الله ﷺ: «لا تغضب»(1). وقد فسر علماء الحديث قوله عليه الصلاة والسلام «لا تغضب» بالابتعاد عن أسباب الغضب ودوافعه. 2- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وشروره وهمزاته، لقوله تبارك وتعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(2). وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}(3). وفي الصحيح أنه «استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه، قال رسول الله ﷺ: إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الرجل وهل ترى بي من جنون»(4). 3-الوضوء: وهي وصفة نبوية تخفف من وطأة الغضب على الإنسان وتحد من ثورته، وتهدئ نفس الغاضب، وتخفض من حرارة جسمه المتوهجة نتيجة الانفعال، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»(5). وقال عليه الصلاة والسلام في خطبة له: «ألا إن الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم»(6). ومثل الوضوء؛ بل قد يكون أعظم وأجدى الغسل. 4- الالتصاق بالأرض: أي أن يبقى الإنسان الغاضب في مكانه، فإن كان جالسًا فلا يقوم، لأن الحركة قد تثيره أكثر، يقول الرسول ﷺ: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء فليلصق بالأرض»(7). 5-تغيير وضعية الغاضب أثناء غضبه، إن كان واقفًا يجلس أو يضطجع، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع»(8). وهو علاج لتهدئة النفس وإخماد نار غضبها، لأن الإنسان في حالة الوقوف يكون مهيئًا للانتقام أكثر منها في حالة الجلوس، وفي حالة الجلوس منها في حالة الاضطجاع. 6-كظم الغيظ أثناء الغضب بالعفو وعدم الانتقام، لأن ذلك يقضي على بذور الفتن، ويفتح أبواب المحبة والتسامح بين الناس، ويسد أبواب الشيطان التي يمكن من خلالها أن يدخل بين المسلمين فيثير الفتن بينهم، يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(9). ويقول عليه الصلاة والسلام: «من كظم غيظًا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره أي الحور شاء»(10). 7- السكوت وضبط اللسان عن الكلام أثناء الغضب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «علِّموا ويسِّروا ولا تعسّروا وإذا غضب أحدكم فليسكت» قالها ثلاثًا(11). لأن إطلاق اللسان أثناء الغضب قد يجعل الإنسان يتلفظ بكلمات سيئة وبذيئة، تكون لها آثارٌ ضارة عليه وعلى الآخرين. 8- الإحسان إلى المسيء وهو أعلى درجات الإحسان، وهو امتثال حقيقي لأخلاق النبي ﷺ، فعن أنس رضي الله عنه قال: «كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثّرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء»(12). ويقول ﷺ في حديث آخر: «اتق الله حيثما ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن»(13). 9-الحلم والتحلي بكل مكارم الأخلاق عند الغضب، وعدم الحكم على شيء إلا بعد التحقق منه، درءًا للمفاسد التي قد تترتب على الاندفاع والانتقام، والحلم من صفات المؤمنين، وهو سبب لعلاج كثير من المشكلات النفسية ومنها الغضب، لقول النبي ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه»(14). 10– أن يمتلك الغاضب نفسه أثناء الغضب، ويتحكم بها ولا يطلقها للانتقام أو الكلام، لقوله ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(15). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه البخاري (ص1066، رقم 6116) كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب. ومسلم (ص1076، رقم 2449) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة. ومالك في الموطأ (ص569) كتاب حسن الخُلق، باب ما جاء في الغضب.(2) [الأعراف: 159](3) [الأعراف: 201](4) أخرجه البخاري (ص1066، رقم 6113) كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب. ومسلم (ص1139، رقم 2610) كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب.(5) سبق تخريجه.(6) سبق تخريجه.(7) سبق تخريجه.(8) سبق تخريجه.(9) [آل عمران: 134](10) أخرجه أبوداود (ص677، رقم4777) كتاب الأدب، باب كظم الغيظ. والترمذي (ص416، رقم 2021) كتاب البر والصلة، باب كظم الغيظ. وابن ماجه (ص610، رقم 4186) كتاب البر والصلة، باب في كظم الغيظ. والحديث حسن.(11) أخرجه أحمد (1/239، رقم 2136) مسند بني هاشم، باب بداية مسند عبدالله بن العباس. والحديث حسن لغيره.(12) أخرجه البخاري (ص523-524، رقم 3149) كتاب الأدب، باب التبسم والضحك. ومسلم (ص424، قم 2429) كتاب الزكاة باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة.(13) أخرجه الترمذي (ص460، رقم 1987) كتاب البر والصلة، باب ما جاء في المعاشرة.(14) أخرجه مسلم (ص1133، قم 6602) كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق.(15) أخرجه البخاري (ص1066، رقم 6114) كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب. ومسلم (ص1138، رقم 26089) كتاب البر والصلة، باب من يملك نفسه عند الغضب.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (229) ثانيًا: الحسد (1-2) هو تمني زوال النعمة من الغير. والفرق بين الحسد والغبطة، أن الحسد هو تمني زوال نعمة الغير، أما الغبطة فهي تمني بقاء النعمة عند الغير وتمني أن يكون عنده مثلها. والحسد من الشيطان، ليورث العداوة بين الناس ويرفع بينهم أسباب الألفة والتعاون والصلاح. والحسد في حقيقته اعتراض على حكم الله تعالى في قسمه وعطاياه بين الناس، وصدق الشاعر القائل: ألا قل لمن ظل لي حاسدًا *** أتدري على من أسأتَ الأدب أسأت على الله في حكمه *** لأنك لم ترضَ لي ما وهب فأخزاك ربي بأن زادني *** وسدَّ عليك وجوهَ الطلب أضرار الحسد: للحسد أضرار وسلبيات كثيرة، فمن أهمها: 1- أنه يحرّق قلب الحاسد حسرة على ما عند الناس، فيراقب الناس ويتحسس ما عندهم من النعم والآلاء، ليست النعم المادية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى الصحة والعافية التي يتمتع بها الناس، والقوة والشباب، والعقل والذكاء، والعلم والمعرفة، فلا يزيده ذلك إلا احتراقًا وغيظًا في نفسه. 2- أن الحسد سبب لتراكم الذنوب والخطايا، وانتقاص الحسنات والأجور، لقوله ﷺ: «إياكم والحسد، فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب«(1). 3- فيه هدر للطاقات والقدرات والأوقات والأعمار، حين يسخّر الحاسد جلّ قدراته وأوقاته في مراقبة الناس وشؤونهم، وما يَرد إليهم وما يخرج من عندهم. 4- الحسد يورث العداوة والبغضاء بين الناس، ويمزق الصف الواحد، ويفكك الأسر ويفرّق الإخوة والأحباب، لأنه وليد الكراهية والحقد، والمجتمع الذي يسوده الحسد تندر فيه معالم المحبة والوئام التي هي أساس التعامل بين الناس. 5- الحسد سبب لجهل المجتمع وتخلفه وفقره، لأنه مبني في الأصل على زوال النعم من المجتمع، سواء كانت مادية كالأموال والممتلكات أو معنوية كالصحة والقوة، وإذا فُقدتْ هذه المقوّمات من أي مجتمع فإنه سيبقى غارقًا في ظلمات الجهل والفقر والتخلف. 6- الحسد يورث في النفس الأرق والحسرة، لأن الحاسد دائم التفكير في غيره بصورة سلبية، فلا يقر له قرار ولا يهدأ له بال، ومثل هذه الحالات تؤدي بالشخص إلى اكتئاب وسواس، لا سيما إذا عرف أن الذين من حوله عرفوا حسده وحقده عليهم، فإن ينحسر على نفسه ويتقوقع فيها الأمر الذي يؤدي الإصابة بالأمراض النفسية المتنوعة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ (1) أخرجه أبو داود (ص691، رقم 4903) كتاب الأدب، باب الحسد. وابن ماجه (ص613، رقم 4210) كتاب الزهد، باب الحسد. والحديث ضعيف لكن معناه صحيح.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (230) ثانيًا: الحسد (2-2) علاج الحسد: إن مثل هذه الصفات المذمومة تحتاج دائمًا إلى مجموعة من الخطوات والإجراءات بمثابة وقاية من الوقوع فيها أو العلاج منها بعد الإصابة بها، ومن أهمها: 1- معرفة أن الله تعالى نهى عن هذا الخُلق الذميم، وهذه الجبلة المنحرفة، وأمر عباده الاستعاذة منها، فقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِن شَرِّ مَا خَلَقَ . وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ . وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ . وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}(1). ويقول عليه الصلاة والسلام: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا«(2). ويقول ﷺ: «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابو، أفلا أنبئكم بما يثَبَّتُ ذلك لكم، أفشوا السلام بينكم«(3). 2- تدريب النفس على محبة الآخرين وحب الخير لهم، وتدريبها على العمل والسعي من أجل قضاء حوائج الناس واحتساب الأجر والثواب من عند الله تعالى، لما في ذلك من أثر كبير في دفع الكراهية والحسد عن النفس وإحلال المودة والمحبة فيها، امتثالا لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(4). 3- العلم الشرعي، الذي يبين حقيقة الحسد، وأنه من الشيطان، وأن فيه آثار وأضرار على النفس وعلى المجتمع، فضلاً عن العقاب والعذاب المترتب عليه. 4- العلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته، حيث يفيد ذلك أن الكون كله بيد الله تعالى ويسير وفق إرادته، وأن النعم والأرزاق بيده سبحانه وتعالى وهو الذي جعل هذه القسمة بين الناس، لأن في الحسد اعتراض على قسمة الله وحكمه وقدره. 5- الاعتقاد بأن الحياة دار ابتلاء واختبار، والناس جميعًا محاسبون على ما هم فيه، فيُبتلى الغني في ماله، هل يشكر الله تعالى ويخرج حق الله منه، أم أنه يجحد هذه النعمة ويهدرها في المعاصي والمنكرات؟ وكذلك يُبتلى الفقير بحرمانه، هل يصبر ويحتسب، أم أنه يتضجر ويعترض؟ وهكذا جميع أصناف البشر. 6– الدعاء إلى الله تعالى واللجوء إليه أن يعافيه من الحسد والحقد ويزرع في نفسه حب الآخرين وتمني الخير لهم، وكذلك الدعاء للمحسود أن يزيده الله من النعيم ويبارك له فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ (1) سورة الفلق.(2) أخرجه البخاري (ص1059، رقم 6066) كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد. ومسلم (ص1122، رقم 2558) كتاب البر والصلة، باب تحريم التحاسد والتباغض.(3) أخرجه مسلم (ص44، رقم 54) كتاب الإيمان، باب لا يدخل الجنة إلا مؤمن.(4) [المائدة: 2]
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (232) ثالثًا: الكبر (2-2) علاج الكبر: ومن أجل ألا يقع الإنسان في الكبر، أو يتعافى منه بعد الوقوع فيه ينبغي معرفة بعض الحقائق واتباع الخطوات اللازمة لذلك، وهي كالآتي: 1-استشعار عظم ذنب الكبر وما يترتب عليه من بغض الله للمتكبر، وعقاب منه وعذاب، يقول تبارك وتعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}(1). ويقول عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه«(2). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل الناس طينة الخبال«(3). ويقول ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر«(4). كما جاء في الحديث القدسي عن النبي ﷺ أنه قال: «قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار«(5). والأحاديث عن ذمّ الكبر والنهي عنه كثيرة، ويطول المقام لذكرها جميعًا. 2-تأمل قوة الله تعالى واستشعار عظمته في الكون، وأنه بيده ملكوت السموات والأرض، فهو الجبار المتكبر، وهو العزيز القوي، فإذا شاء أضعف القوي، وأفقر الغني، وأجهل العالم، ووضع ذا القدر والمكانة، وأذهب الحسن والجمال، وهكذا، فلا يغرنّ أحد بما عنده أو ما هو عليه من الفضل والنعمة، لأنها من الله وإلى الله، وصدق الله القائل في قوم عام:{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ}(6). ويقول عليه الصلاة والسلام: «بينما رجل يمشي في حلة تعجب نفسه، مرجل جمته، إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة«(7). 3-أن يتأمل الإنسان في ذاته ونفسه، ومعرفة أصل خلقته، لقوله تعالى: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}(8)، وكذلك التأمل فيما يحمل في جوفه من أقذار وخبائث، فإن التفكير الصحيح في مثل هذه الحقائق يمنع صاحبه من التكبر والاستعلاء على الناس. 4-التأمل والتفكر في الشدائد التي تمر على الإنسان كالمرض والحوادث والكوارث التي تجلب الآلام وتذهب الأرواح، وتتلف الأموال والأملاك، في حين يبقى الإنسان عاجزًا عن منع حدوثها أو ردّ شيء منها. 5-التفكر والتأمل في حاله بعد موته، وحال بدنه وجسمه التي كان يتباهى به في الدنيا، فإنها تتحول إلى قطعة هامدة يابسة، وتصبح غذاء للديدان والحشرات، وصدق الشاعر حين قال: يابن التراب ومأكول التراب غداً *** أقصـر فإنـك مأكـول ومشـروب 6-معرفة أن الناس جميعًا يرجعون إلى أصل واحد وهو آدم عليه السلام، وهو من التراب، فلا يتفاضل أحد على أحد بالنسب أو اللون أو الجمال أو العرق، لأنهم جميعًا عباد الله تعالى وأقربهم إلى الله وأفضلهم عنده أكثرهم تقوى بالقول والعمل، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(9). 7-معرفة أن الله تعالى خلق الإنسان في أجمل صورة وأحسن تقويم، مهما كان لونه وطوله وحجمه، لقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}(10)، فلا ينبغي لأحد أن يتعالى على خَلق الله تعالى وعلى صورته وشكله، لأنه بذلك يسخر من خَلق الله للإنسان. كما أن جل وعلا أكرم الإنسان وأعلى شأنه وأسجد الملائكة له، فلا ينبغي لأحد أن يتكبر على هذا المخلوق الذي رفع الله مكانته وفضله على سائر الخلائق، يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}(11). 8– معرفة أن الكبر خُلق مذموم من الناس، وترفضه الفطرة السليمة، وأن الذين يتكبر على الناس يصغر في أعينهم، والذي يتواضع مع الناس يكبر عندهم، وقد قيل: مثل المتكبر كمثل رجل في أعلى الجبل يرى الناس من حوله صغارًا والناس يرَوْنَه صغيرًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ (1) [النحل: 23](2) أخرجه مسلم (ص1124، رقم 6541) كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذلانه .(3) أخرجه مسلم (ص895، رقم 2002) كتاب الأشربة، باب بيان إن كل مسكر حرام .(4) أخرجه مسلم (ص54، رقم 265) كتاب الإيمان، تحريم الكبر .(5) أخرجه أبوداود (ص577، 4090) كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر. وابن ماجه (ص609، رقم 4174) كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر. وهو حديث حسن.(6) [فصلت: 15-16](7) أخرجه البخاري (ص1021، رقم 5789) كتاب اللباس، باب من جرّ ثوبه من الخيلاء. ومسلم (ص934، رقم 2088) كتاب اللباس، باب تحريم التبختر في المشي مع إعجابه بثيابه.(8) [عبس: 17-21](9) [الحجرات: 13](10) [التين: 4](11) [الإسراء: 70]
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (233) رابعًا: الريــاء (1-2) وهو أن يقوم العبد بعمل من أجل الدنيا، إما لشهرة، أو جاه، أو مال، أو مصلحة شخصية. وهو عكس الإخلاص. أما في العبادة، فيعبد الله تعالى لا لطلب الأجر والثواب من الله والطمع في جنته، ولا خشية من عقابه وعذابه، ولا استجابة لندائه وأمره، وإنما من أجل أن يمدحوه الناس ويثنوا عليه، كالذي يصلي ويصوم من أجل أن يقال عنه عابد وتقي، أو الذي ينفق ويزكي من أجل يقال عنه كريم وسخي، أو يجاهد من أجل أن يقال له شجاع، وهكذا. وقد جاء النهي عن الرياء بصورة عامة، في العبادة وغيرها، لقوله ﷺ: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء«(1). أضرار الريــاء: للرياء أضرار كثيرة، من أهمها: 1- عدم قبول العبادة، لأن المرائي لم يقصد من عبادته تلبية أمر الله والطمع في الأجر والثواب، وإنما قام لأغراض دنيوية، وحينها يوكله الله تعالى إلى من يرائي من أجله، لقوله ﷺ في الحديث القدسي: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه«(2). 2- أن في الرياء تعلقًا بالمخلوقين، وهذا الأمر تترتب عليه أضرار عظيمة، لأنه ينافي أصل التوحيد وهوإفراد الله تعالى بالعبادة، وهو رأس المفاسد كلها، ومن أشد أنواع الظلم للنفس، كما قال تعالى على لسان لقمان في وصيته لابنه: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(3). ثم إن المرائي يدخل في دوامة نفسية خطيرة، حين يعلّق أعماله بالناس، لأن قلبه يتشتت بين إرضاء البعض وسخط الآخرين، والتوفيق صعب في مثل هذه الأحوال، فتتعدد عليه الغايات وتتناقض، الأمر الذي يجعله يعيش في قلق وأرق وخوف. 3- الرياء صورة من النفاق، وهو إظهار ما يخالف الباطن، وهذا يؤدي إلى فقدان الثقة بين الناس مع مرور الوقت، فيحل الكذب والخيانة والغش مكان الصدق والأمانة والاستقامة، وهذا كفيل بتمزيق المجتمع وانهياره. 4- بما أن الرياء هو عكس الإخلاص، فإنه بذلك يقضي على مقوّمات التقدم والبناء في المجتمع، ومن أهمها الإتقان في العمل والإبداع فيه، لأن الشكل والصورة عند المرائي أهم من الحقيقة، فلا يهمه إن كان العمل متقنًا أم لا، كما لا يهمة الجودة في الإنتاج، بل يهمه أن يظهر أمام الناس بصورة إيجابية، وهو خلاف ما حثّ عليه النبي ﷺ حين قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم«(4). 5- الرياء تصنع الأنانية في النفس وتقضي على روح التعاون ومحبة الآخرين وحب الخير لهم، لأن المرائي يعمل دائمًا من أجل نفسه، وشهرته وثناء الناس عليه، أو تحقيق مكاسب مالية خاصة، أو الوصول إلى مكانة اجتماعية أو وظيفية عليا وإن كان على حساب الآخرين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه أحمد (5/429، رقم 23686). والحاكم (4/365، رقم 7937). وقال: صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي.(2) أخرجه مسلم (ص 1292، رقم 7475) كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله.(3) [لقمان: 13](4) أخرجه مسلم (ص1124، رقم 6543) كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذلانه.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (234) رابعًا: الريــاء (2-2) علاج الريــاء: 1-تدريب النفس على إخلاص النية لله تعالى في العبادات وسائر الأعمال، ورجاء الأجر والثواب من الله وحده دون سواه، وهو السبيل إلى تحقيق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}(1)، ويقول عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى«(2). 2- معرفة أن ما في الدنيا من مال، وجاه، وسلطان، وشهرة، تؤول إلى الزوال لا محال، وأن ما عند الله تعالى أكثر وأعظم وأبقى، لقوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(3). فمن استطاع أن يصل إلى هذا اليقين ويتفاعل معه، فلن تستطيع الشياطين أن تفتح عليه أبواب الرياء أو تمهّد له أسبابه. 3- مصاحبة الأخيار والمخلصين لأنها تساعد على الإخلاص في العبادات والأعمال، لقوله ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»(4). وبالمقابل تجنب مخالطة المرائين، لأنها تؤثر على سلوك الإنسان من حيث لا يشعر، لأنه يكتسب منهم النفاق والمجاملات الكاذبة من أجل تمرير الباطل والوصول إلى أهداف دنيوية من خلال هذا الأسلوب. 4- معرفة أن الرياء آفة نفسية خطيرة، وقد نهى الله ورسوله ﷺ عنه، ورُتّب عليه العذاب والعقاب، لقوله ﷺ في الحديث المشهور: «إن أول الناس يقُضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتى به، فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيها حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: هو جرىءٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار«(5). 5- تجنب إجلال العمل مهما كان شأنه، بل النظر إليه على أنه صغير وناقص ويحتاج إلى مزيد من الجهد والاجتهاد، لأن تعظيم العمل وإعطائه حجمًا كبيرًا يفتح على النفس باب الرياء في المستقبل. 6– الإكثار من هذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئًا بما أعلمه وأعوذ بك من أن أشرك بك شيئًا بما لا أعلمه»(6). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ (1) [النساء: 146](2) أخرجه البخاري (ص1، رقم1) كتاب بدء الوحي، باب كيف بدأ الوحي.(3) [النحل: 96](4) أخرجه أحمد (ص683، رقم 4833) كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس. والترمذي (ص542، رقم 2378) كتاب الزهد. وهو حديث حسن.(5) أخرجه مسلم (ص852، رقم 1905) كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء. (6) أخرجه أبويعلى (1/62، رقم 61) والحديث ضعيف لكنه صحيح المعنى
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (235) خامسًا: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وتجاوز حدود الحرية المباحة، سواء ما يتعلق بحقوق الله تعالى أو حقوق العباد. لذا أخبر الله تعالى أن أعظم أنواع الظلم هو الشرك بالله كما قال على لسان لقمان: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(1). كما أن فيه اعتداء على العباد في أبدانهم أو أعراضهم أو أموالهم، أو السخرية بهم، وغيرها من الممارسات المحرمة التي تتعلق بحقوق العباد، يقول عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره«(2). ومصدر الظلم هو الشيطان ومقرّه النفس الأمارة بالسوء، وأسبابه الحسد والبغض والغرور، من المحرمات التي رتّب الله عليها العذاب الأليم فقال جل شأنه: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(3)، وقال جل وعلا: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ}(4). وفي الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا«(5). آثار الظلم وتبعاته: 1- للظلم أثر كبير في حدوث الأمراض النفسية لدى المظلوم الذي يعتدى على حقه وكرامته وإنسانيته وماله ولا يستطيع أن يفعل شيئًا، فيعيش في حالة نفسية صعبة، وربما تراكَمت لديه الأزمات نتيجة الظلم فلا يجد سبيلاً إلا الانتقام والثأر وقد يكون شديدًا أحيانًا كالقتل مثلاً، أو أنه يلجأ إلى الانتحار للخروج من معاناته النفسية نتيجة القهر والظلم الواقع عليه. 2- عقوبة الله تعالى لاحقة بالظالم لا محال، عن أبي موسى رضي الله عنه مرفوعًا: «إن الله عز وجل يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: {َ و كَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}(6)»(7)فهذه العقوبة ربما تكون في الدنيا قبل الآخرة.3- إن الظلم من الأسباب المباشرة لتفشي النفاق بين الناس، فتكثر المجاملات الكاذبة والمظاهر الخداعة، والكلمات المنمقة، من أجل إرضاء الظالم وتفادي شره وظلمه. 4- إن الظلم يحدث الأحقاد والضغائن بين الناس، ويزيد من الفتن والتقاتل بينهم، لأن المظلوم يفكر دائمًا في الانتقام والثأر لظلمه، ومتى وجد الفرصة لذلك فإنه لن يتوانى عن فعل أية مخالفة أو جريمة من أجل إشفاء غليله وردّ الاعتبار لنفسه. 5- إن من تبعات الظلم أنه يجلب لصاحبه المصائب والأمراض والنوازل في الدنيا، لا سيما إذا كان لجأ المظلوم إلى الله تعالى وقدّم بين يديه مظلمته وطلب منه نصره وتأييده، لقوله عليه الصلاة والسلام: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»(8). ألا فليرجع كل ظالم إلى ربه، ويندم على ظلمه للناس، ويرد إليهم حقوقهم، ويتوب إلى الله تعالى ويتوعد بين يديه بالإقلاع عن الظلم وتجنب أسبابه، قبل أن يعجله الأجل ثم يندم يوم لا ينفع فيه الندم، يقول الله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}(9). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ (1) [لقمان: 13](2) أخرجه مسلم (ص1124، رقم 6541) كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم.(3) [الشورى: 42](4) [الأنبياء: 11](5) أخرجه مسلم (ص1128، رقم 2577) كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم.(6) [هود: 102](7) أخرجه مسلم (ص1130، رقم 2583) كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم.(8) أخرجه مسلم (ص31، رقم 19) كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين.(9) [النساء: 110]
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (237) سابعًا: الخلافات الزوجية إن الخلافات الزوجية بين الأبوين بصورة دائمة من الأسباب الكبيرة لانتشار الأمراض النفسية في المجتمعات، لا سيما عند أفراد الأسر التي تكثر فيها هذه المشكلات والخلافات. فمن أهم الآثار المترتبة على الأسرة نتيجة المشكلات الزوجية: 1- اضطراب شخصية الطفل وعدم استقرارها في ظل الخلافات بين الأبوين، لأنه يعيش بين المتناقضات مع أبويه، فالأب يسير في اتجاه معاكس لاتجاه الأم، والجدال والشجار ديدن الطرفين، الأمر الذي يدخل الطفل في تيه نفسي وضياع في السلوك والتعامل. 2- إن المشكلات الزوجية سبب لهروب أفرادها من البيت وقضاء الأوقات الطويلة خارج البيت والذي يعرضهم للوقوع في شراك أصدقاء السوء والمخدرات وغيرها. 3- إن الخلافات الزوجية المستمرة تؤدي إلى تشويه صورة الأبوين عند الأبناء وتجنب الاقتداء بهما، الأمر الذي يعكس بعد ذلك على سلوكهم في اختيار قدوات أخرى عبر الفضائيات والانترنت، أو التعلق بالمغريات والفواحش التي تؤدي في معظم الحالات إلى الجريمة والسجون. 4- إن المشكلات الزوجية تكوّن لدى الأبناء الانطوائية والانعزالية، وهي من الأبواب الواسعة التي يلج منها الشيطان إلى النفس ويعرضها إلى الأمراض المختلفة. علاج المشكلات الزوجية: يتم علاج هذه المشكلات من خلال الوقاية من أسبابها، والعمل على على إزالتها حين وقوعها عبر الخطوات الآتية: 1- قيام كل من الزوجين بمهمته الواجبة داخل البيت قدر الإمكان، والسعي نحو الأفضل عند وجود تقصير أو إهمال. 2- معرفة كل من الزوجين حقوق الآخر وأدائها بمحبة وطيب نفس. 3- مناقشة الأمور المختلف فيها بمعزل عن الأطفال، حتى لا تضطرب حالتهم النفسية. 4- عدم إفشاء الأسرار خارج البيت، لأنه يفتح الباب لمداخلات الناس بينهم بصورة سلبية كتحريض طرف على آخر، مما يزيد من الأزمة والمشكلة داخل البيت. 5- التعاون فيما بينهما من أجل بناء الأسرة وتربية الأبناء على أسس سليمة، لأن كل من الزوجين مسؤول عن الأسرة، لقوله ﷺ: «كلكم راع وكلكهم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها«(1). 6- التشاور والتناصح فيما بينهما في الأمور التي تهم الأسرة في الجوانب المختلفة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(2)، ويقول عليه الصلاة والسلام: «أمّروا النساء في بناتهن»(3) أي شاورهن في زواج بناتهن. 7- أن يعذر كل منهما الآخر على تقصيره، ويتذكر كل منهما محاسن الآخر، لقوله ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر»(4). 8- عمل كل شيء من شأنه أن يعمّق المودة والمحبة بينهما، كالتحبب بالكلام اللطيف والدعاء وتقديم الهدايا وغيرها. 9- تجنب الغضب والانفعال عند حدوث خلاف أو ظهور مشكلة، لأنه من مداخل الشيطان عليهم، لقوله ﷺ: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»(5). 10- الصبر على الظروف الصعبة التي تمر بها بعض الأسر، والتي تكون سببًا الخلافات الزوجية، كالفقر وضيق الحال، وقد أمر الله تعالى بالصبر في الأمور كلها ورتّب عليه أجرًا عظيمًا فقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}(6). ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها»(7). 11– البعد عن الغيرة المذمومة من الطرفين، وإبدالها بحسن الظن بينهما، حتى تدوم الألفة وتزداد عرى المحبة بينهما، لأن الشك والغيرة الزائدة يسبب المشكلات الكثيرة بين الطرفين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ (1) أخرجه البخاري (ص143-144، رقم 893) كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن. ومسلم (ص820، رقم 1820) كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل.(2) [الشورى: 38](3) أخرجه أبوداود (ص303، رقم 297) كتاب النكاح، باب في الاستئمار. وأحمد (2/34، رقم 4905). ورجاله ثقات غير رجل مبهم حدث عنه إسماعيل بن أمية ووثقه فقال: حدثني الثقة عن ابن عمر.(4) أخرجه مسلم (ص626، رقم 3645) كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.(5) سبق تخريجه.(6) [الزمر: 10](7) أخرجه مسلم (ص369، رقم 2126) كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (238) ثامنًا: المخدرات (1-2) هي كل مادة مخدرة للعقل، ومفترة للجسم، تعطى على شكل شراب، أو إبر، أوحبوب، أو مسحوق، وهي أخطر من الخمر من حيث الأثر على نفسية الإنسان وجسمه وماله وأسرته. ويبدأ تأثر المخدرات على المتعاطي بصورة تدريجية، حتى يصل إلى الإدمان، فإنه بعد ذلك يصعب التخلص منها، ويقع أوحال من الشرور والمصائب والمآسي. أضرار المخدرات: 1-إن المخدرات من كبائر الذنوب، وقد نهى الشرع عنها ورتّب عليها عقوبات في الدنيا والآخرة، وعدّها الله تعالى من الرجس لشناعتها وأضرارها، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(1). وقال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث«(2). 2- إن المخدرات تفسد العقول وتخلّ بها، مما يسبب مشكلات متواصلة داخل الأسرة مع الزوجة والأولاد، وقد يتسبب أحيانًا في الطلاق وتشتت أفراد الأسرة وضياعهم. 3- إن المخدرات تحرف السلوك وتفسد الأخلاق، حيث تزيد من الفواحش والزنا في المجتمع، لأن المدمن حين يفقد عقله وصوابه لا يميّز بين الحلال والحرام، ولا تردعه العقوبات والقوانين، فتراه يفعل كل الخبائث دون أن يحسب حسابًا لأحد. 4- إن المخدرات تسبب للمدمن الضعف والوهن والهزال، لأنها تفقد شهية الطعام لديه، مما يسبب له بعد ذلك ضعفًا في المناعة وخمولاً في الحركة والنشاط، فضلاً عن فقدان التوازن واحمرار العينين وغير ذلك من الأعراض. 5- يحدث تعاطي المخدرات أضرار صحية جسيمة، كالاضطراب في الجهاز الهضمي، وارتفاع ضغط الدم، والذبحة الصدرية، والتهابات في المعدة، وتليف الكبد أو تضخمه، كما أنه يعطل عمل الخلايا العصبية في المخ الذي يسبب أحيانًا فقدانًا في الذاكرة. كما أنها تحدث في بعض الحالات عيوبًا خَلقية في الأطفال عند الولادة، نتيجة تعاطي الأم للمخدرات. 6- إن المخدرات تسبب للمدمن النوبات الصرعية لا سيما إذا انقطع عن التعاطي أو لم يتمكن من الحصول عليه. 7- يحدث تعاطي المخدرات اختلالاً في التفكير والتصور، فقد يرى الأحجام الصغيرة كبيرة، أو يرى الأشياء من حوله مقلوبة، بل إنه يؤدي في كثير من الأحيان إلى التخريف المبكر، أو الجنون. 8- يحدث تعاطي المخدرات عند المدمن الفتور والخمور الذي يصاحبه القلق والانقباض أحيانًا، والتوتر والعصبية أحيانًا أخرى. 9- المخدرات ترهق المجتمع والأمة في الجوانب المختلفة، حيث تهدر طاقات الأجهزة الأمنية التي كان من المفروض أن تسخر جميعها من أجل أمن البلاد وسلامتها، إلا أن المخدرات تربك هذه الأجهزة وتشغلها بمتابعة التجار والمروجين والمدمنين وغيرهم ممن لهم علاقة بها. كما أنها تضرب اقتصاد الأفراد والمجتمع، وتجعلهم في حالة فقر دائم، لأنها تباع بأسعار باهظة لا تتناسب مع دخل الأفراد والطبقات المتوسطة. 10- تزيد المخدرات من نسبة الجريمة في المجتمع، لأنها تخل بالعقل وتذهبه حتى يصل المدمن أحيانًا مرحلة الجنون، حيث يتوقع أن يصدر عنه أي فعل إجرامي كالقتل أو الاغتصاب أو السرقة، ومن جانب آخر فإن الحصول على المخدرات يحتاج إلى مبالغ كبيرة، مما يدفع بعض المدمنين إلى السرقات والقتل من أجل الحصول على هذه الأموال لشراء المخدرات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ (1) [المائدة: 90](2) أخرجه النسائي (ص767، رقم 5669) كتاب الأشربة، باب ذكر الآثام المتولدة عن شرب الخمر من ترك الصلوات...
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
حيـــــــــاة الســــــعداء الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر (239) ثامنًا: المخدرات (2-2) علاج المخدرات: يمكن اتباع بعد الخطوات لتجنب الوقوع في المخدرات أو العلاج منها، ومن أهمها: 1- معرفة نعمة العقل، الذي جعله الشرع من المقاصد الشرعية الخمسة الضرورية، وأمر بالمحافظة عليها وحمايتها من خلال شكر الله تعالى، وتسخيرها في الطاعة والعبادة، وإبعادها عما يخامرها أو يخل بها، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(1). 2- التعلق بالله تعالى والتقرب إليه بالطاعات والعبادات، وقراءة القرآن والدعاء والأذكار والاستغفار والتوبة بين الفينة والأخرى، لأن ذلك من أسباب حصن العبد وحمايته من الشياطين. 3- مصاحبة الأخيار ومجالستهم، وتجنب أصدقاء السوء، وعدم مرافقتهم، لأنهم لا يجلبون للإنسان سوى الضرر والفساد في أخلاقه وسلوكه، والفشل والخيبة في دراسته وعمله وسائر شؤونه، وقد يبدأ الإنسان في مراحله الأولى بالصحبة الفاسدة والتي لا تخلو في كثير من الأحيان من تعاطي الدخان إلى أن ينتهي بهم الأمر إلى المخدرات، والشواهد على هذه الحقيقة من الواقع كثيرة، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل بائع المسك ونافخ الكير»(2)، ويقول عليه الصلاة والسلام: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»(3). 4- معرفة أضرار المخدرات والاطلاع على قصص المدمنين والنتائج التي وصلوا إليها، وأخذ الدروس والعبر منها. 5- تنمية الإرادة الذاتية، لا سيما للمدمنين الذين يتعالجون ويحاولون التخلص من الإدمان، لأن التهيأة النفسية مطلب ضروري للشفاء من هذه الآفة، وبعدها تبدأ الخطوات الأخرى من العلاجات. * * * وأخيرًا فأختم الكلام ببعض الوصايا لأولئك الذين ابتلاهم الله تعالى بالمرض سواء كان نفسيًا أو عضويًا: 1- تجديد الشعور مع الله تعالى في التقرب إليه بالطاعات والدعاء والذكر، وقراءة القرآن وغيرها من العبادات، حتى يستقر الإنسان نفسيًا، وينطلق في الحياة بصورة إيجابية. 2- الاعتقاد أن الخير فيما قدره الله وإن كان ظاهره غير ذلك، وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. 3-التداوي بالمشروع وعدم التداوي بالمحرم لقوله ﷺ: «يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء»(4). ويلحق بهذا الأمر تجنب الوقوف على أبواب المشعوذين والسحرة، وإبدال ذلك باللجوء إلى الله تعالى والوقوف على بابه، فهو أرحم بعباده من أنفسهم وذويهم وجميع الخلق، ولا يرد دعوة عبده المنيب إليه بصدق وإخلاق. 4- تقوية الإرادة وإخراجها من دائرة العجز والكسل إلى ميدان الحركة والتفاؤل، وإن كلّف ذلك تعبًا ونصبًا في بعض المراحل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) [المائدة: 90](2) أخرجه مسلم (ص1146، رقم 2628) كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين.(3) سبق تخريجه.(4) أخرجه الترمذي (ص469-470، رقم 2038) كتاب الطب، باب الدواء والحد عليه. وأحمد (4/315، رقم 18851). وهو حديث صحيح.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |