|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#221
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 181 الى صـــ 200 الحلقة (221) وكان أول ما سمعته يقول: «يا أيها الناس أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنَّة بسلام» (١) وقد روي عن بعض التابعين أن قيام الليل فرض، حكاه ابن عبد البر (٢)، وسيأتي. واختلفت الآثار في اضطجاعه المذكور في هذا الحديث، فروي أن ذلك كان بعد وتره قبل أن يركع الفجر، وروي أن ذلك كان بعد ركوعه الفجر، وذلك في رواية عروة عن عائشة (٣). وقوله: فقمت إلى جنبه. جاء أن ذلك على يساره فأخذ بأذنه فجعله عن يمينه. الحديث الثالث: حديث ابن عمر: «صلاة الليل مثنى مثنى» .. الحديث. وقد سلف ما فيه. الحديث الرابع: حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي إِحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً .. الحديث. يأتى في صلاة الليل في باب: طول السجود (٤)، فإنه أليق به، -------- (١) رواه الترمذي (٢٤٨٥) في صفة القيامة، باب: ما جاء في صفة أواني الحوض. قال: هذا حديث صحيح، وابن ماجه (١٣٣٤) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في قيام الليل، وأحمد ٥/ ٤٥١، والدرامي في «مسنده» ٣/ ١٧٢٠ (٢٦٧٤) كتاب: الاستئذان، باب: في إفشاء السلام، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٤٤٤ (٤٩٥)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ١٣ كتاب: الهجرة، قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بولاة الأمر من بعده، والبيهقي ٢/ ٥٠٢. صححه الألباني في «صحيح» الترمذي وابن ماجه. (٢) «الاستذكار» ٥/ ١٨٨. (٣) سلفت برقم (٦٢٦) كتاب: الأذان، باب: من انتظر الإقامة. (٤) سيأتي برقم (١١٢٣) كتاب: التهجد. وأخرجوه أيضًا (١)، ورواه جماعة عن ابن شهاب فزادوا فيه: يسلم من كل ركعتين، ويوتر منها بواحدة. كذا في «الموطأ» (٢)، وروى مالك عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: كان النبي - ﷺ - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين (٣). وفيما سلف: لا يزيد على إحدى عشرة ركعة. وذكر بعض من لم يتأمل قوله أن رواية عائشة اضطربت في الحج والرضاع وصلاته بالليل وقصر الصلاة في السفر، وهو عجيب، فإنه راجع إلى اختلاف حالاته، وأغلبها: إحدى عشرة (٤)، ومرة وصلها: ثلاث عشرة (٥)، ومرة: خمس عشرة بإضافة الركعتين أول قيامه إليها وركعتي الفجر، أو ركعتي سنة العشاء، ولم يعتد بذلك في غيرها فلا تضاد إذن. وقوله: (ثم يضطجع على شقه الأيمن) هذِه الضجعة سنة، ويقوم مقامها الكلام، وعند المالكية: بدعةٌ، وإنما فعلت للراحة. ووافقنا ابن حبيب، وشذَّ ابن حزم فأوجبها وجعلها شرطًا للصحة -وستكون لنا عودة عند الكلام عليها- وكونها على الأيمن؛ لأنه كان يستحب التيمن في شأنه كله. --------- (١) مسلم (٧٣٦) باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل، «سنن أبي داود» (١٣٣٦) كتاب: التطوع، باب: في صلاة الليل، و«النسائي» ٣/ ٦٥ كتاب: السهو، باب: السجود بعد الفراغ من الصلاة، و«ابن ماجه» (١٣٥٨) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في كم يصلي بالليل، ورواه أحمد ٦/ ٨٣. (٢) «الموطأ» ص ٩٤. (٣) «الموطأ» ص ٩٥. (٤) ستأتي برقم (١١٢٣) كتاب: التهجد، باب: طول السجود في قيام الليل. (٥) سلفت برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره. ٢ - باب سَاعَاتِ الوِتْرِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْصَانِي النَّبِيُّ - ﷺ - بِالوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ. ٩٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ أُطِيلُ فِيهِمَا القِرَاءَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ، وَكَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ. قَالَ حَمَّادٌ: أَيْ: سُرْعَةً. [انظر: ٤٧٢ - مسلم: ٧٤٩ - فتح: ٢/ ٤٨٦] ٩٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. [مسلم: ٧٤٥ - فتح: ٢/ ٤٨٦] وذكر فيه حديث أنس بن سيرين قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ أُطِيلُ فِيهِمَا القِرَاءَةَ؟ .. الحديث. وحديث عائشة قالت: كُلَّ اللَّيْلِ قد أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. الشرح: هذا التعليق أسنده البخاري، وسيأتي في باب الضحى في الحضر (١)، وأخرجه مسلم، ونحوه في النسائي (٢). وحديث أنس ---------- (١) سيأتي برقم (١١٧٨) كتاب: التهجد. (٢) «صحيح مسلم» (٧٢١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان وأكملها ثمان. و«سنن النسائي» ٣/ ٢٢٩ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: الحث على الوتر قبل النوم. أخرجه مسلم (١)، وشيخ البخاري فيه أبو النعمان، وهو محمد بن الفضل السدوسي، مات سنة أربع -وقيل: ثلاث- وعشرين ومائتين، ولقبه: عارم (٢). والحديث الثاني أخرجه مسلم والأربعة (٣)، ومسلم الذي في إسناده هو ابن صبيح العطار أبو الضحى، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز (٤). ومسروق هو ابن الأجدع (٥)، ووالد شيخ البخاري عمر بن حفص، وكان والده ثقة مأمونًا، إلا أنه كان يدلس. وقد ورد أيضًا في وقت الوتر أحاديث منها: أنه ما بين العشاء وطلوع الفجر أخرجه أبو داود من حديث خارجة، واستغربه الترمذي (٦). وأحمد من حديث أبي بكرة، وفي أبي داود والترمذي مصححًا من حديث ابن عمر: «بادروا الصبح بالوتر» (٧). وفي أبي داود من حديث أبي قتادة أنه - ﷺ - قَالَ لأبي بكر: «متى توتر؟» قَالَ: أوتر من أوَّل الليل. وقال لعمر: «متى توتر؟» قَالَ: آخره. فقال لأبي بكر: «هذا --------- (١)»صحيح مسلم«(٧٤٩/ ١٥٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل. (٢) انظر:»تهذيب الكمال«٢٦/ ٢٨٧. (٣)»صحيح مسلم«(٧٤٥)،»سنن أبي داود«(١٤٣٥)،»سنن الترمذي«(٤٥٦)،»سنن النسائي«٣/ ٢٣٠،»سنن ابن ماجه«(١١٨٥). (٤) انظر:»تهذيب الكمال«٢٧/ ٥٢٠. (٥) السابق ٢٧/ ٤٥١. (٦)»سنن أبي داود«(١٤٣٤) كتاب: الصلاة، باب: في وقت الوتر،»الترمذي«(٤٥٢). وضعفه الألباني في»ضعيف أبي دواد«برقم (٢٥٥). (٧)»سنن أبي داود«(١٤٣٤) كتاب: الصلاة، باب: في الوتر قبل النوم، و»سنن الترمذي" (٤٦٧) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر، والحديث رواه مسلم (٧٥٠) صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى. أخذ بالحزم» وقال لعمر: «هذا أخذ بالقوة» (١). وفي رواية للبيهقي: «أخذت بالحزم، أو بالوثيقة» (٢). وفي رواية له من حديث ابن عمر. وقال في حق الصديق: «بالحزم أخذت» وفي حق عمر قَالَ: «فعل القوي فعلت» (٣). ولابن ماجه نحوه عن جابر (٤). ولمسلم من حديث أبي سعيد: «أوتروا قبل أن تصبحوا» (٥) وأخرجه الترمذي والنسائي، وفي رواية: «قبل الصبح» (٦) وفي أخرى: «قبل الفجر» (٧). ولمسلم أيضًا من حديث ابن عمر: «من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا قبل الصبح» (٨) وله عن جابر: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فإن صلاة آخر الليل ------ (١)»سنن أبي داود«(١٤٣٤) كتاب: الصلاة، باب: في الوتر قبل النوم. قال الألباني في»صحيح أبي داود«(١٢٨٨): صحيح على شرط مسلم، وكذا قال الحاكم، اهـ. (٢)»السنن الكبرى«٣/ ٣٥ كتاب: الصلاة، باب: الاختيار في وقت الوتر وما ورد من الاحتياط في ذلك. (٣)»السنن الكبرى«٣/ ٣٦. (٤)»سنن ابن ماجه«(١٢٠٢) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الوتر أول الليل، قال الألباني في»صحيح ابن ماجه«(٩٨٨): حسن صحيح. (٥)»صحيح مسلم«(٧٥٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل. (٦)»سنن الترمذي«(٤٦٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر. و»سنن النسائي«٣/ ٢٣١ كتاب: قيام الليل، باب: الأمر بالوتر قبل الصبح. (٧) رواها الترمذي (٤٦٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر، وأحمد ٢/ ١٥٠، والحاكم في»المستدرك«١/ ٢٠٣ كتاب: الوتر، والبيهقي ٢/ ٤٧٨ كتاب: الصلاة، باب: وقت الوتر. (٨)»صحيح مسلم" (٧٥١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل. مشهودة، وذلك أفضل» (١). وفي لفظٍ آخر له: «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من الليل فليوتر من آخره، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل» (٢). وفي «الموطأ» عن عائشة كانت تقول: من خشي أن ينام حَتَّى يصبح فليوتر قبل أن ينام، ومن رجا أن يستيقظ آخر الليل فليؤخر وتره (٣). ولأحمد من حديث معاذ: «زادني ربي صلاة -وهي الوتر- وقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» (٤). واختلف العلماء في وقت الوتر، أما أوله ففيه ثلاثة أوجه: أصحها وأشهرها، وهو قول الجمهور أنه يدخل بفراغه من فريضة العشاء، سواء صلى بينه وبين العشاء نافلة أم لا، وسواء أوتر بركعة أو بأكثر، فإن أوتر قبل فعل العشاء لم يصح وتره، سواء تعمده أو سها فظن أنه صلى العشاء أم ظن جوازه، وكذا لو صلى العشاء فظن الطهارة، ثم أحدث فتوضأ فأوتر، فبان حدثه في العشاء، فوتره باطل. ثانيها: بدخول وقت العشاء، وله أن يصليه قبلها سواء تعمده أوسها. ثالثها: إن أوتر بركعة فلا بد أن يسبقه نفل، فإن خالف وقع تطوعًا، بخلاف ما إذا أوتر بأكثر من ركعة (٥). وقال المرغيناني: أول وقته بعد -------- (١) «صحيح مسلم» (٧٥٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله. (٢) «صحيح مسلم» (٧٥٥/ ١٦٣). (٣) «الموطأ» ص ٩٧. (٤) «مسند أحمد» ٥/ ٢٤٢. (٥) انظر: «المجموع» ٣/ ٥٠٨. العشاء، وهذا قولهما (١)، أما عند أبي حنيفة فأول وقتهما إذا غاب الشفق، ووقتهما واحدٌ، والوتر فرض على حدةٍ، عملًا عنده، وعندهما: سُنَّة (٢). وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا صلى العشاء بغير طهارة ثم توضأ وأوتر ثم علم بحدثه فإنه يعيد العشاء ولا يعيد الوتر عنده، خلافًا لهما، وهو قول مالك وأحمد؛ لأنها سنة تبع للعشاء كركعتي العشاء، لا تقدم عليها. وفي أخرى: وهو أن الترتيب شرط بين فرض الوقت عنده حَتَّى يفسد الفجر عنده إذا كان ذاكرًا لترك الوتر، وعندهما كسنة الفجر، إلا عند أبي حنيفة: لا تقدم على العشاء مع الذكر حَتَّى لو أوتر قبل أن يصلي العشاء وهو ذاكر لها لم يجزه اتفاقًا لأدائها قبل وقتها المرتب (٣). وفي «مختصر الطحاوي»: وقت الوتر: وقت العشاء، فمن صلاها في أوَّل الوقت أو آخره يكون مؤديًا لا قاضيًا. وأما آخر وقت الوتر فقد سلف في الباب قبله واضحًا. ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر (٤). ثم حكي عن جماعة من السلف أنهم قالوا: يمتد وقته حَتَّى يصلي الصبح، وعن جماعة: يفوت بطلوع الفجر. --------- (١) «الهداية» ١/ ٤٢. (٢) انظر: «المحيط» ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٧. (٣) انظر: «الهداية»١/ ٤٢. (٤) «الأوسط» ٥/ ١٩٠. وقال ابن التين: أول وقته انقضاء صلاة العشاء، واختلف في آخره، فقال مالك: يصلى بعد الفجر ما لم يصل الصبح (١)، وقال أبو مصعب: لا يقضى بعد الفجر، وقال بعض الناس: من نسيه أو نام عنه فليصلِّه من الغد. واختلف فيما إذا ذكره، وهو في الصبح، هل يقطعها أم لا؟ فقيل: يقطعها مطلقًا، وسواء كان إمامًا أو مأمومًا أو فذًّا لتأكده، وقيل: لا يقطع مطلقًا؛ لأنه سنة، وقيل: يقطع الإمام والفذ فقط؛ لأن المأموم تابع لغيره بخلافهما، وقيل: يقطع الفذ خاصة لتأكد الجماعة، وقيل: إن يذكر قبل أن يعقد ركعة قطع، وإلا فلا. واستدل من رأى بجواز الوتر بعد الصبح بحديث أبي سعيد الخدري: «من نام عن وتره فليصل إذا أصبح» أخرجه الترمذي (٢)، وله في رواية عنه: (من نام عن الوتر أو نسيه، فليصله إذا ذكر وإذا استيقظ). قَالَ الترمذي: والأول أصح (٣)، وأخرج الثاني وأبو داود إلى قوله: «إذا ذكر» (٤)، وفي النسائي من حديث محمد بن المنتشر قَالَ: كان في مسجد عمرو بن شرحبيل فأقيمت الصلاة فجعلوا ينتظرونه فقال: إني كنت أوتر. قَالَ: وسئل عبيد الله: هل بعد الأذان وتر؟ قَالَ: نعم، وبعد (الإقامة) (٥) قَالَ: وحدث عن النبي - ﷺ - أنه نام ----------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ٢٢٠. (٢) «سنن الترمذي» (٤٦٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الرجل ينام عن الوتر وينساه، قال: هذا أصح من الحديث الأول:، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٣٨٦). (٣) «سنن الترمذي» (٤٦٥) كتاب: الصلاة. (٤) «سنن أبي داود» (١٤٣١) كتاب: الصلاة، باب: في الدعاء بعد الوتر. (٥) في الأصل [الإمامِ]. والمثبت ما يقتضيه للسياق. عن الصلاة حَتَّى طلعت الشمس ثم صلى (١). وفي «الموطأ» عن ابن عباس: نام ليلة ثم استيقظ وقال لغلامه: انظر ما صنع الناس. وكان قد ذهب بصره، فذهب الخادم ثم رجع فقال: انصرفوا من الصبح، فقام فأوتر ثم صلى الصبح (٢). وفيه عن عبادة: كان يؤم قومًا فخرج يومًا إلى الصبح فأقام المؤذن فأسكته حَتَّى أوتر، ثم أقام (٣). وفيه: مالك بلغه أن ابن عباس وعبادة والقاسم بن محمد وعبد الله بن عامر بن ربيعة: إني لأوتر وأنا أسمع الإقامة بالصبح، أو بعد الفجر. شك راويه (٤). وعن ابن مسعود فيما حكاه ابن الأثير من غير عزو: ما أبالي لو أقيمت الصلاة للصبح وأنا أوتر. واستدلوا أيضًا بالحديث -السالف-: «فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر» وقد سلف وجهه. قَالَ ابن التين: فيه متعلقان: أحدهما: قوله: «إذا خشي» فنص على أنه مما ينبغي لصاحب الوتر، وذلك يدل على أن له تأثيرًا فيه، والثاني: قوله: «فليوتر» فأمر بالوتر إذا خشي الفجر، وذلك يقتضي فعله قبل الفجر. وفي وصيته - ﷺ - أبا هريرة بالوتر قبل النوم (٥)، وفعل أبي بكر دليل أن ------- (١) «سنن النسائي» ٣/ ٢٣١ كتاب: قيام الليل، باب: الوتر بعد الأذان، قال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح الإسناد. (٢) «الموطأ» ص ٩٨. (٣) السابق ص ٩٨. (٤) السابق ص ٩٨. (٥) سيأتي برقم (١١٧٨) كتاب: التهجد، باب: صلاة الضحى في الحضر. ذلك مخافة فوات فعله، وإلا فلا شك أنهما يستيقظان بعد الفجر لصلاة الصبح. واعلم أن البخاري ذكر في هذا الباب الأحاديث الثلاثة السالفة، وهي جامعة لأوقات الوتر، مطابقة لما بوب له، وذلك أن حديث أبي هريرة يقتضي أوائل الليل قبل النوم، وحديث: «يصلي من الليل مثنى مثنى ويوتر بركعة» مجموع الليل، وحديث: «انتهاء وتره إلى السحر» (١) آخر الليل. قَالَ المهلب: ليس للوتر وقت مؤقت لا يجوز غيره؛ لأنه - ﷺ - قد أوتر كل الليل كما قالت عائشة، وقد اختلف السلف في ذلك، فعن الصديق وعثمان وأبي هريرة ورافع بن خديج أنهم كانوا يوترون أول الليل (٢)، وكان يوتر آخره عمر وعلي وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر، وجماعة من التابعين (٣). واستحبه مالك والثوري والكوفيون وجمهور العلماء (٤)، فإن قلتَ: ما وجه أمره - ﷺ - بالوتر قبل النوم لأبي هريرة؟ قلتُ: خشية أن يستولي عليه النوم، فأمره بالأخذ بالثقة، وبهذا وردت الأخبار عنه - ﷺ - منها: ----------- (١) رواه مسلم (٧٤٥)، كتاب الصلاة، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي. (٢) رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة ٣/ ١٦ (٤٦٢٢) كتاب: الصلاة، باب: أي ساعة يستحب فيها الوتر. ورواه ابن أبي شيبة عن الصديق ورافع بن خديج ٢/ ٨٣ (١٧٣٥)، (٦٧٣٦) باب: من قال: يصلي شفعًا ولا يشفع وتره، ورواه أيضًا عن عثمان ٢/ ٨٣ (٦٧٢٩) باب: في الرجل يوتر ثم يقوم بعد ذلك. (٣) رواه عبد الرزاق عن عمر ٣/ ١٤ (٤٦١٧) باب: أي ساعة يستحب فيها الوتر، وابن أبي شيبة عن عمر ٢/ ٨١ (٦٧٠٥) باب من قال يجعل الرجل آخر صلاته، ورواها أيضًا عنهم ٢/ ٨٤ - ٨٥ (٦٧٤٩ - ٦٧٦٥) باب في من كان يؤخر وتره. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩١، «الأوسط» ٥/ ١٧٣، «المجموع» ٣/ ٥٠٨، «المغني» ٢/ ٥٩٦، ٥٩٧. حديث عائشة: «من خاف أن لا يستيقظ آخر الليل؛ فليوتر أول الليل، ومن علم أنه يستيقظ آخر الليل؛ فإن صلاته آخر الليل محضورة، وذلك أفضل» (١)، ومنها حديث أبي قتادة السالف. وقوله: (وكان الأذان بأذنيه). قَالَ حماد: أي: سرعة، المراد بالأذان هنا: الإقامة كما قَالَ المهلب، يريد أنه كان يسرع ركعتي الفجر قبل الإقامة من أجل تغليسه بالصبح. وقول عائشة: (كل الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ -) دال على أن الليل من فعل العشاء وقت له كما سلف، وقد يكون أوتر من أوله لشكوى حصلت، وفي وسطه لاستيقاظه إذ ذاك وآخره غاية له. ---------- (١) رواه مسلم (٧٥٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: من يخاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله. من حديث جابر. ٣ - باب إِيقَاظِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَهْلَهُ بِالوِتْرِ ٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ٢/ ٤٨٧] ذكر فيه حديث عائشة: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأوْتَرْتُ. هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود (١) والترمذي (٢) أيضًا، وفي رواية: كاعتراض الجنازة (٣). وفي رواية: يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة (٤). وفي أخرى: على الفراش الذي ينامان عليه (٥). أما حكم الباب وهو إيقاظ الرجل أهله للوتر، فهو مطابق لما ترجم له، وهو امتثال بقول الرب ﷻ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. وفيه: الصلاة على الفراش، وتنبيه النائم للصلاة إذا خيف عليه خروج الوقت. قَالَ القرطبي: ولا يبعد أن يقال: إن ذلك واجب في الصلاة الواجبة؛ لأن النائم وإن لم يكن مكلفًا في حال نومه، لكن ---------- (١) مسلم (٥١٢/ ٢٦٨) كتاب: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي، وأبو داود (٧١١) كتاب: الصلاة، باب: من قال: المرأة لا تقطع الصلاة. (٢) لم أقف عليه. (٣) سلفت هذِه الرواية برقم (٣٨٣) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الفراش. ورواها مسلم (٥١٢/ ٢٦٧) كتاب: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي. (٤) التخريج السابق. (٥) سلف برقم (٣٨٤) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الفراش. مانعه سريع الزوال، فهو كالغافل، ولا شك أنه يجب تنبيه الغافل (١). وفيه: اعتراض المرأة بين يدي المصلي، وقد سلف ذلك في موضعه. وفيه: تأكيد الوتر والأمر به والمواظبة عليه، ومشروعية الوتر في حق النساء. وفيه: الوتر آخر الليل. -------- (١) «المفهم» ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧. ٤ - باب لِيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا ٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». [انظر: ٤٧٢ مسلم: ٧٥١ - فتح: ٢/ ٤٨٨] ذكر فيه حديث نافع، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاِتكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». هذا الحديث أخرجه مسلم (١)، وهو دال على كون الوتر آخر الصلاة. واختلف العلماء فيمن أوتر ثم نام ثم تهجد، هل يجعل آخر صلاته وترًا أم لا؟ فكان ابن عمر إذا عرض له ذلك صلى ركعة واحدة في ابتداء قيامه أضافها إلى وتره ينقضه بها ثم يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة (٢). روي ذلك عن سعد (٣) وابن عباس (٤) وابن مسعود (٥)، وبه قَالَ إسحاق (٦). -------- (١) مسلم (٧٥١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة آخر الليل. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٢ (٦٧٢٥) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يوتر ثم يقوم بعد ذلك. (٣) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ٥/ ١٩٦ كتاب: الوتر، باب: ذكر ونقض الوتر. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٢ (٦٧٢٤) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يوتر ثم يقوم بعد ذلك. (٥) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ١٩٨ كتاب: الوتر، باب: ذكر نقض الوتر. (٦) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ٥/ ١٩٧. وممن روي عنه أنه يشفع وتره عثمان (١) وعليّ (٢)، وعن عمرو بن ميمون (٣) وابن سيرين (٤) مثله. وكانت طائفة لا ترى نقض الوتر. روي عن الصديق أنه قَالَ: أما أنا فإني أنام على وترٍ، فإن استيقظت صليت شفعًا حَتَّى الصباح (٥). وروي مثله عن عمار (٦) وسعد وابن عباس. وقالت عائشة في الذي ينقض وتره: هذا يلعب بوتره (٧). وقال الشعبي: أمرنا بالإبرام ولم نؤمر بالنقض (٨). -------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٣ (٦٧٢٩) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يوتر ثم يقوم بعد ذلك. (٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٠ (٤٦٨٤) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يوتر ثم يستيقظ فيريد أن يصلي. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٢ (٦٧٢٦) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يوتر ثم يقوم بعد ذلك. وعبد الرزاق ٣/ ٣٢ (٤٦٩٢) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يوتر ثم يقوم بعد (٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٠ (٤٦٨٣) كتاب: الصلوات، باب: الرجل يوتر ثم يستيقظ فيريد أن يصلي. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨١ (٦٧٠٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال: يجعل الرجل آخر صلاته بليل وترًا. (٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٣ (٦٧٣٣) كتاب: الصلوات، باب: من قال: يصلي شفعًا ولا يشفع وتره. (٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٤ (٦٧٤٣) كتاب: الصلواج، باب: من قال: يصلى شفعًا ولا يشفع وتره. (٨) السابق. وكان لا يرى نقض الوتر: علقمة (١) ومكحول (٢) والنخعي (٣) والحسن، وهو قول مالك والأوزاعي، والصحيح من مذهب الشافعي وأحمد وأبي ثور (٤). وقال ابن التين: ذكر بعض أهل العلم أن في الحديث دلالة لقول من قَالَ: إذا شفع وتره بركعة ساهيًا أنه يعيد وتره. وفي «المبسوط» فيمن أوتر ثم ظن أنه لم يصل إلا ركعتين فأوتر بركعة، ثم ظهر له أنه أوتر يعيد إليها أخرى، ثم يستأنف الوتر لظاهر الحديث. ومشهور مذهب مالك أن لا إعادة ويعتد بوتره؛ لأن الوتر يوتر ما قبله وما بعده من النوافل، إلا أن الفضل في تأخيره عن جميع ما يوتره (٥). ------ (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٢ (٦٧٣٩) كتاب: الصلوات، باب: من قال: يصلي شفعًا ولا يشفع وتره. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٣ (٦٧٣١) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يوتر ثم يقوم بعد ذلك. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٤ (٦٧٤٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال يصلي شفعًا ولا يشفع وتره. (٤) انظر: «الاستذكار» ٢/ ١١٨، «المجموع» ٣/ ٥٢١، «المغني» ٢/ ٥٩٨. (٥) انظر «المنتقى» ١/ ٢٢٤، «التاج والإكليل» ٢/ ٣٧٩. ٥ - باب الوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ ٩٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ. فَقَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ، فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللهِ. قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ. [١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٤٨٨] ذكر فيه حديث ابن عمر أنه - عليه السلام - كَانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ. وفيه قصة. وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه أيضًا (١). وفيه: أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني. قَالَ ابن الحذاء: لا نعرف اسمه. قَالَ: وقد قيل فيه بإسقاط عمر، والصحيح إثباته. قَالَ أبو حاتم: لا بأس به. ووثقه غيره أيضًا، روى له الجماعة سوى أبي داود هذا الحديث الواحد (٢). ----- (١) رواه مسلم (٧٠٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، وأبو داود (١٢٢٦) كتاب: الصلاة، باب: التطوع على الراحلة والوتر، والترمذي (٤٧٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الوتر على راحلة، وابن ماجه (١٢٠٠) كتاب: إقامة الصلاة والسنة منها، باب: ما جاء في الوتر على الراحلة. (٢) أبو بكر العدوي المدني. قال عنه أبو حاتم: لا بأس به، لا يُسَمَّى، وقال اللالكائي: ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات». انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٣، «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٣٧ (١٤٩١)، «تهذيب الكمال» ٣٣/ ١٢٦ (٧٢٥١). وفيه: دلالة على تأكد الوتر، وأن الوتر قبل طلوع الفجر. و(أسوة) بكسر الهمزة وضمها قراءتان مشهورتان، وهو ما يتأسى به، بمعنى: القدوة. وفيه: استباحة اليمين بغير ضرورة في تصاريف الكلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن العالم يعلِّم من لم يعلم. وفيه: الوتر على البعير، وبه قَالَ مالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور، وقد سلف ما في ذلك في باب ما جاء في الوتر. وقد صحَّ عن ابن عمر أنه كان يوتر على بعيره كما ذكره ابن المنذر عنه (١)، وهو معنى ما ذكره البخاري عنه (٢)، وكان يفعل ذلك عليٌّ وابن عباس أيضًا (٣)، وعن عطاء مثله. قَالَ الطحاوي: ذكر عنهم -يعني: عن الكوفيين- أن الوتر لا يصلى على الراحلة (٤)، وهو خلاف السنة الثابتة. قَالَ ابن التين: والأفضل فعله على الأرض لتأكد أمره واختلاف الناس في وجوبه، هذا هو المشهور من المذهب. وفي «مختصر ما ليس في المختصر»: ويجب أن يوتر المسافر على الأرض ويصلي بقية نافلته على الجمل، فقد روي عنه - ﷺ - أنه إذا حضره الوتر أناخ راحلته وصلى، وهذا هو الأفضل؛ وذاك لبيان الجواز. --------------- (١) «الأوسط» ٥/ ٢٠١ كتاب: الوتر، باب: ذكر الوتر على الراحلة. (٢) سيأتي برقم (١٠٩٥) كتاب: تقصير الصلاة، باب: صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت به. (٣) أثر علي وابن عباس رواهما ابن أبي شيبة ٢/ ٩٨ كتاب: الصلوات، باب: من رخص في الوتر على الراحلة. (٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٣١. ٦ - باب الوِتْرِ فِي السَّفَرِ ١٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً، صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلاَّ الفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ. [انظر: ٩٩٩ - مسلم: ٧٠٠ - فتح: ٢/ ٤٨٩] ذكر فيه حديث ابن عمر: كَانَ رسول الله - ﷺ - يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً، صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الفَرَائِضَ، وُيوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ. الوتر سنة مؤكدة في السفر والحضر، والسنة لا يسقطها السفر. وقد روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: الوتر في السفر سنة (١). وهو رد على الضحاك أن المسافر لا وتر عليه (٢)، وأيضًا فإن ابن عمر ذكر أن رسول الله - ﷺ - كان يتنفل في السفر على راحلته حيث توجهت به، والوتر أولى بذلك؛ لأنه آكد من النافلة. قَالَ المهلب: وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] أن المراد به: الصلوات المفروضات، وأن القبلة فرض فيها، وبيَّن أن القبلة في النوافل سنة؛ لصلاته - ﷺ - لها في أسفاره على راحلته حيثما توجهت به. وفيه: النافلة بالليل في السفر، والتنفل على الراحلة حيث توجهت إيماءً. والوتر على الراحلة كما سلف. وقوله: (إلا الفرائض). يعني: كان يصليها بالأرض، والأظهر عندنا ------------- (١) «المصنف» لابن أبي شيبة ٢/ ٩٦ (٦٨٩٨) باب: في المسافر يكون عليه وتر. (٢) المصدر السابق. أنه لا يختص بالسفر الطويل (١). ونقل ابن التين اعتبار القصر عن الشارع، وعن مالك اعتباره أيضًا (٢)، وعند أبي حنيفة: ينزل لسنة الفجر لتأكدها، وعنده: لا يجوز مثلها قاعدًا، وعنه رواية: أنها واجبة. ومنعها أبو حنيفة في المصر. وجوَّزها أبو يوسف، وهو رأي الإصطخري، وكرهها محمد (٣) (٤). ------------ (١) انظر: «البيان» ٢/ ١٥١ - ١٥٢، «روضة الطالبين» ١/ ٢١٠. (٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١١٩ - ١٢٠. (٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد الثمانين كتبه مؤلفه غفر الله له. (٤) انظر: «البناية» ٢/ ٦٥٤، ٦٥٥. ![]()
__________________
|
|
#222
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 201 الى صـــ 220 الحلقة (222) ٧ - باب القُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ (١) ١٠٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ أَقَنَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ لَهُ: أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ قَالَ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا. [١٠٠٢،١٠٠٣، ١٣٠٠، ٢٨٠١، ٢٨١٤، ٣٠٦٤، ٣١٧٠، ٤٠٨٨، ٤٠٨٩، ٤٠٩٠، ٤٠٩٢، ٤٠٩٤، ٤٠٩٥، ٤٠٩٦، ٦٣٩٤، ٧٣٤١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ٢/ ٤٨٩] ١٠٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ القُنُوتِ. فَقَالَ قَدْ كَانَ القُنُوتُ. قُلْتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ. قَالَ: فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ: كَذَبَ، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا -أُرَاهُ- كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ القُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا إِلَى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَهْدٌ، فَقَنَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ. انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ٢/ ٤٨٩] ١٠٠٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَنَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ٢/ ٤٠٩] ١٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ القُنُوتُ فِي المَغْرِبِ وَالفَجْرِ. [فتح: ٢/ ٤٩٠] ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث أيوب عن محمد -هو ابن سيرين- قَالَ: سُئِلَ أنَسٌ أَقَنَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ لَهُ: أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ قَالَ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا. ----------- (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: آخر ٩ من ٤ تجزئة المصنف. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وقال الدارقطني: تفرد به أيوب ويونس بن عبيد. واختلف عنهما، فذكره واضحًا. وقال الطرقي عن أبي مجلز وأنس بن سيرين: قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا بعد الركوع. وتابعهما محمد بن سيوين على الاختصار وعلى قوله: بعد الركوع، إلا أنه قَالَ: يسيرًا. فكان: شهرًا، ومعناهما واحد؛ لأنه أراد يسيرًا من الزمان لا يسيرًا من القنوت؛ لأن أدنى القيام يسمى قنوتًا، فاستحال أن يوصف بالحقارة والخطارة. والقنوت في الصبح في غير النازلة سنة دائمًا (٢) لحديث أنس: ما زال رسول الله - ﷺ - يقنت في الفجر حَتَّى فارق الدنيا. رواه أحمد في «مسنده» -وعنده كل ما فيه حجة- والدارقطني والبيهقي (٣) والحاكم في «أربعينه». وقال: هذا حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات. وصححه غيره من الحفاظ أيضًا (٤). وروى البيهقي عن الخلفاء الأربعة القنوت فيه أيضًا (٥)، وأعجبني قول القرطبي في «شرح مختصر مسلم»: الذي استقر عليه أمر النبي ------------ (١) مسلم (٦٧٧/ ٢٩٧) كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة. (٢) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٥١، «الوسيط» ١/ ٢٢٩، «حلية العلماء» ٢/ ١١١، «البيان» ٢/ ٢٥٢، «مختصر خلافيات البيهقي» ٢/ ١٣٦، «طرح التثريب» ٢/ ٢٨٩. (٣) «المسند» ٣/ ١٦٢، والدارقطني ٢/ ٣٩، كتاب: الوتر، باب: صفة القنوت وبيان موضعه، والبيهقي في «المعرفة» ٣/ ١٢١ - ١٢٢ (٣٩٥٦)، كتاب: الصلاة، باب: القنوت في صلاة الصبح. (٤) قلت: وللألباني -رحمه الله- في هذا الحديث بحث جيد انظره في «الضعيفة» (١٢٣٨٠) حيث أورد الحديث، وصدر الكلام بقوله: منكر. (٥) «السنن» ٢/ ٢٠٢ كتاب: الصلاة، باب: الدليل على أنه لم يترك أجل القنوت في صلاة الصبح .. - ﷺ - في القنوت هذا الحديث المخرج عند الدارقطني بإسناد صحيح (١)، ووافقنا مالك (٢)، لكن عنده: يقنت قبل الركوع. أي: ليدرك المتأخر الركعة (٣). حكاه ابن المنذر عن عثمان، وأبداه المهلب تفقهًا، وعندنا بعده (٤)، وقال به أيضًا الحسن وابن أبي ليلى (٥)، وخالف أبو حنيفة وأحمد فقالا: لا قنوت في الصبح (٦). وروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي الدرداء وابن الزبير، وقال قتادة وإبراهيم: لم يقنت أبو بكر ولا عمر حَتَّى مضيا (٧). وعن ابن عمر: القنوت في الفجر بدعة (٨). وعن طاوس مثله، وبه قال الليث ويحيى الأنصاري ويحيى بن يحيى الأندلسي، --------- (١) «المفهم» ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥. (٢) وهو عند المالكية مستحب. انظر: «المدونة» ١/ ١٠٠، «التفريع» ١/ ٢٢٦، «المعونة» ١/ ١١٣، «عيون المجالس» ١/ ٣٤٦، «المنتقى» ١/ ٢٨٢. (٣) انظر: «المدونة» ١/ ١٠٠، «التفريع» ١/ ٢٦٦. (٤) انظر: «حلية العلماء» ٢/ ١١٢، «البيان» ٢/ ٢٥٣، «روضة الطالبين» ١/ ٢٥٣. (٥) هذا القول فيه نظر؛ لأن محل القنوت عند ابن أبي ليلى قبل الركوع وليس بعده. (٦) انظر: «الأصل» ١/ ١٦٤، «المبسوط» ١/ ١٦٥، «التحقيق» ٣/ ٣٢٥، «المغني» ٢/ ٥٨٥. (٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٣ (٦٩٧٢) باب: من كان لا يقنت في الفجر. (٨) رواه البيهقي ٢/ ٢١٣ (٣١٥٨) الصلاة، باب: من لم ير القنوت في صلاة الصبح. وقال البيهقي: بشر بن حرب الندبي ضعيف، وإن صحت روايته عن ابن عمر ففيها دلالة على أنه إنما أنكر القنوت قبل الركوع دوامًا. ثم روى أثر ابن عباس أن القنوت في صلاة الصبح بدعة. ثم قال: فإنه لا يصح، وأبو ليلى الكوفي متروك، وقد روينا عن ابن عباس أنه قنت في صلاة الصبح. انتهى. وعلق على ذلك ابن التركماني فقال: قد تقدم أن ذلك رواية واحدة، وأن الذين رووا عنه أنه لم يقنت في الصبح جماعة. ذكره أبو عمر في «الاستذكار» (١) فإن قلت: قد ثبت في الصحيح ثم تركه. قلت: المراد ترك الدعاء على أولئك الكفار ولعنتهم لا أنه ترك القنوت جمعًا بين الأحاديث (٢)، أما في النازلة إذا نزلت فيستحب القنوت ففي ------------ (١) «الاستذكار» ٦/ ١٩٨ - ٢٠٣. (٢) قال الشوكاني رحمه الله: اعلم أنه قد وقع الاتفاق على ترك القنوت في أربع صلوات من غير سبب، وهي: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم يبق الخلاف إلا في صلاة الصبح من المكتوبات وفي صلاة الوتر من غيرها. فأما القنوت في صلاة الصبح فاحتج المثبتون له بحجج منها: حديث البراء وأنس الآتيان. ويجاب بأنه لا نزاع في وقوع القنوت منه - ﷺ -، إنما النزاع في استمرار مشروعيته، فإن قالوا: لفظ: كان يفعل. يدل على استمرار المشروعية. قلنا: قد قدمنا عن النووي ما حكاه عن جمهور المحققين. أنها لا تدل على ذلك. سلمنا فغايته مجرد الاستمرار، وهو لا ينافي الترك آخرًا كما صرحت بذلك الأدلة الآتية على أن هذين الحديثين فيهما أنه كان يفعل ذلك في الفجر والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب فهو جوابنا في الفجر. وأيضًا في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه كان يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح، فما هو جوابكم عن مدلول لفظ كان ها هنا، فهو جوابنا. قالوا: أخرج الدارقطني وعبد الرزاق وأبو نعيم وأحمد والبيهقي والحاكم وصححه عن أنس: أن النبي - ﷺ - قنت شهرًا يدعو على قاتلي أصحابه ببئر معونة ثم ترك. فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا: وأوّل الحديث في الصحيحين، ولو صحّ هذا لكان قاطعًا للنزاع، ولكنه من طريق أبي جعفر الرازي. قال فيه عبد الله بن أحمد: ليس بالقويّ. وقال عليّ بن المديني: إنه يخلط. وقال أبو زرعة: يهم كثيرًا. وقال الدوري: ثقة ولكنه يغلط صدوق سيّئ الحفظ. وقال ابن معين: ثقة ولكنه يخطئ. وقال الدوري: ثقة ولكنه يغلط وحكى السّاجي أنه قال: صدوق ليس بالمتقن، وقد وثقة غير واحد. ولحديثه هذا شاهد، ولكن في إسناده عمرو بن عبيد، وليس بحجة. قال الحافظ: ويعكر على هذا ما رواهُ الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان. قلنا لأنس: إن قومًا يزعمون أن النبي - ﷺ - لم يزل يقنت في الفجر، فقال كذبوا إنما قنت شهرًا واحدًا يدعو على حيّ من أحياء المشركين، وقيس وإن كان ضعيفًا لكنه لم يتهم بالكذب. وروى ابن خزيمة في «صحيحه» من = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= طريق سعيد عن قتادة عن أنس: أن النبي - ﷺ - لم يقنت إلا إذا دعا لقوم زاد في نسخة:، دعا على قوم. فاختلفت الأحاديث عن أنس واضطربت، فلا يقوم لمثل هذا حجة. انتهى. إذا تقرر لك هذا علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختصٌ بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة ألَّا تخص به صلاة دون صلاة. وقد ورد ما يدل على هذِه الاختصاص من حديث أنس عند ابن خزيمة في «صحيحه»، وقد تقدم، ومن حديث أبي هريرة عند ابن حبان بلفظ: كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد، وأصله في البخاري كما سيأتي، وستعرف الأدلة الدالة على ترك مطلق القنوت ومقيده، وقد حاول جماعة من حذّاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل. وحاصله ما عرّفناك، وقد طوّل المبحث الحافظ ابن القيم في «الهدي»، وقال ما معناه: الإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه - ﷺ - قنت وترك، وكان تركه للقنوت أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء للقوم وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم وخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين، وكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت. وقال في غضون ذلك المبحث: إن أحاديث أنس كلّها صحاح يصدّق بعضها بعضًا ولا تتناقض، وحمل قول أنس: ما زال يقنتُ حتى فارق الدنيا. على إطالة القيام بعد الركوع. قال: وأجاب عن تخصيصه بالفجر بأنه وقع بحسب سؤال السائل، فإنه إنما سأل أنسًا عن قنوت الفجر فأجابه عما سأله عنه، وبأنه - ﷺ - كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات، قال: ومعلوم أنه كان يدعو ربه، ويثني عليه، ويمجّده في هذا الاعتدال، وهذا قنوت منه بلا ريب فنحن لا نشك ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، ولما صارت القنوت في لسان الفقهاء وأكثر الناس هو هذا الدعاء المعروف: «اللهمّ اهدني فيمن هديت» … إلخ وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ من لا يعرف غير ذلك، فلم يشك أن رسول الله - ﷺ - وأصحابه كانوا مداومين على هذا كل = جميع الصلوات وفاقًا للثوري، وأحمد (١)، ووقع في شرح شيخنا قطب الدين ما نصه: اختلف العلماء في القنوت، فعن أبي حنيفة أنه واجب (٢). وفي «المبسوط» أنه سنة، قال: وهو مذهب الشافعي وجماعة (٣)، وعبارة ابن التين: القنوت مستحب وليس بسنة، ومن نسيه لم يسجد للسهو. وقال سحنون: هو سنة، ويسجد للسهو قياسًا. وقاله الحسن وغيره. وقال علي بن زياد: من تركه متعمدًا فسدت صلاته. وكذا عبارة ابن رشد: القنوت في الصبح عن مالك مستحب. وعند الشافعي: سنة. قَالَ: وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز فيه، وأن القنوت إنما موضعه الوتر. قَالَ: وقال قوم: لا قنوت إلا في رمضان. وقال قوم: في النصف الآخر منه. وقال قوم: في النصف الأول (٤). ------------- = غداة، وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء، وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنه فعله. وغاية ما روي عنه في هذا القنوت أنه علمه الحسن بن عليّ إلى آخر كلامه، وهو على فرض صلاحية حديث أنس للاحتجاج وعدم اختلافه واضطرابه محمل حسن. واعلم أنه قد وقع الاتفاق على عدم وجوب القنوت مطلقًا؛ كما صرّح بذلك صاحب «البحر» وغيره. «نيل الأوطار» ٢/ ١٥٦ - ١٥٨. (١) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٥٢، «المهذب» ١/ ٢٧٤، «التهذيب» ٢/ ١٤٨، «الفروع» ١/ ٥٤٣، «الأخبار العلمية» ص ٩٧، «المبدع» ٢/ ١٣. (٢) هذا عند أبي حنيفة، وعندهما سنة. انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٧٣، «البحر الرائق» ٢/ ٧١. (٣) «المبسوط» ١/ ٢٢٠، وانظر: «المنتقى» ١/ ٢٨٢، «اختلاف الحديث» ص ١٧٢. (٤) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ٢٥٤، «المجموع» ٣/ ٥٢٠، «المغني» ٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦. وممن حكي عنه القنوت قبل الركوع عمر وعلي وابن مسعود وأبو موسى الأشعري والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وأنس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وابن أبي ليلى، حكاه ابن المنذر عنهم (١)، وبه قَالَ مالك -كما سلف- وإسحاق وابن المبارك. وحكى ابن المنذر عن الخلفاء الأربعة أنه بعد الركوع (٢)، وقد سلف أيضًا عن البيهقي وعن أنس، وحكى ابن المنذر التخيير قبل الركوع وبعده عن أنس وأيوب السختياني وأحمد (٣)، وادَّعى الطحاوي أنه لم يقل بالقنوت في الصبح في غير النازلة أحدٌ قبل الشافعي معللًا بأنه - ﷺ - لم يزل محاربًا للمشركين، ولم يقنت في الصلوات (٤)، وهذا غلط منه كما قاله أبو حامد: بل قنت عليٌّ في المغرب بصفين. وفي «المدونة»: القنوت في الصبح قبل الركوع وبعده واسع، والذي يستحب مالك في خاصة نفسه قبل الركوع، وهو حسن عنده (٥). وذكر الطبري حجة الكوفيين، وهي حديث سعد بن طارق الأشجعي، أنا مالك الأشجعي قَالَ: قلتُ لأبي: صليت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي أكلهم يقنتون؟ قَالَ: لا يا بني محدث. ثم قَالَ: والصواب الأول فإنه صح وداوم عليه في الصبح إلى أن فارق الدنيا، ثم ساق حديث أنس السالف (٦). ------------ (١) «الأوسط» ٥/ ٢٠٨. (٢) «الأوسط» ٥/ ٢٠٩. (٣) «الأوسط» ٥/ ٢٠٩ - ٢١٠. (٤) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٥. (٥) «المدونة» ١/ ١٠٠. (٦) «تهذيب الآثار» ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥ مسند ابن عباس - رضي الله عنه -. وأما حديث. مالك فهو محمول على بيان الجواز وأنه لا حرج في تركه. الحديث الثاني: حديث عاصم -وهو ابن سليمان الأحول القاضي- قَالَ: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت. قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال؟ قبله .. الحديث. هذا الحديث أخرجه هنا وفي المغازي (١) والجنائز (٢) والجزية (٣) والدعوات (٤)، وأخرجه مسلم هنا (٥)، وذكر الإسماعيلي أن محمد بن فضيل يرويه عن عاصم بعد الركوع، وغيره يقول عن عاصم: قبله. قَالَ الأثرم: ثنا أحمد. وقيل له في حديث عاصم عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قنت قبل الركوع: هل قَالَ أحد غيره؟ قَالَ: لا، قتادة عن أنس، والتيمي عن أبي مجلز عن أنس، وأيوب عن محمد، سألت أنسًا وحنظلة السدوسي، أربعتهم كلهم. يعني رووه بعد الركوع. وقول أنس للسائل: (كذب) في نسبته إليه القنوت بعد الركوع. يريد أنه كذب إن كان قَالَ عنه: إن القنوت أبدًا بعد الركوع. قَالَ: فقد بيَّن الثوري هذا المعنى في سياقته لهذا الحديث، فروى عن عاصم عن أنس: إنما قنت رسول الله - ﷺ - بعد الركوع شهرًا. قلتُ: فكيف كان ---------- (١) سيأتي برقم (٤٠٦٩) باب: غزوة الوجيع ورعل وذكوان. (٢) سيأتي برقم (١٣٠٠) باب: من جلس عند المصببة يعرف فيه الحزن. (٣) سيأتي برقم (٣١٧٠) باب: دعاء الإمام علي من نكث عهدًا. (٤) سيأتي برقم (٦٣٩٤) باب: الدعاء على المشركين. (٥) مسلم (٦٧٧) كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة. القنوت؟ قَالَ: قبل الركوع (١). وقال ابن التين: قوله: (كذب). يعني: أوهم عليه، لا أنه تعمده، وهذا ينزه عنه من دون الصحابة، فكيف بهم؟ والكذب يباح للإصلاح، بل يجب فيما إذا التجأ إليه من يقتل ظلمًا. وقوله: (كان بعث قومًا يقال لهم: القراء) سبب هذا القنوت أن أبا براء المعروف بملاعب الأسنة الكلاعي قدم على رسول الله - ﷺ - فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، فقال: يا محمد، لو بعثت معي رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك، فقال - ﷺ -: «أخشى عليهم أهل نجد» قَالَ: أنا لهم جار. وكان شباب من الأنصار يسمون القراء يصلون بالليل، حَتَّى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب واستعذبوا الماء فوضعوه على أبواب حجر رسول الله - ﷺ -، فبعثهم جميعًا، وكانوا سبعين. وقيل: أربعين. والأول هو الصحيح، وأمَّر عليهم المنذر بن عَمْرو أخا بني ساعدة المعروف بالمعتق ليموت -أي: يقدم على الموت- فساروا حَتَّى نزلوا بئر معونة -بالنون- وذلك في صفر على ستة وثلاثين شهرًا من مهاجره، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حَتَّى عدا على الرجل فقتله، ثم اجتمع عليه قبائل من سليم عصيَّة وذكوان ورعل، فنفروا ما حوله بالقوم في مرحالهم (٢)، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حَتَّى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد، فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حَتَّى قتل --------- (١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٤٣ كتاب: الصلاة، باب: القنوت في صلاة الفجر وغيرها. (٢) هكذا في الأصل، وفي «البداية والنهاية»: فأحاطوا بهم في رحالهم ٤/ ٤٥٣. يوم الخندق شهيدًا، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، والمنذر ابن محمد بن أحيحة بن الجلاح، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير يحوم على العسكر، فأقبلا وقاتل المنذر، وقال: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل حَتَّى قتل. وأخذ عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل فجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه، وبلغ أبا براء ذلك فشق عليه ذلك، فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه، ووقع عن فرسه (١). وقوله: (زُهاء سبعين). بضم الزاي، وهو بمعنى القدر. قَالَ صاحب «العين»: الزهاء: القدر في العدد (٢). الحديث الثالث: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا زَائِدَةُ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَنَتَ رسول الله - ﷺ - شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وعصيَّة. هذا الحديث أخرجه في المغازي عن محمد -هو ابن مقاتل- عن ابن المبارك (٣)، وأخرجه مسلم أيضًا (٤). وشيخ البخاري: أحمد بن يونس هو أبو عبد الله أحمد بن عبد الله ابن يونس الكوفي، مات سنة سبع وعشرين ومائتين عن أربع وتسعين -------- (١) انظر: «البداية والنهاية» ٤/ ٤٥٣. (٢) «العين» ٤/ ٧٤. (٣) سيأتي برقم (٤٠٩٤) كتاب: المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة. (٤) مسلم (٦٧٧) كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة. سنة، وروى عنه مسلم أيضًا، وروى البخاري عن يوسف بن موسى بن راشد عنه (١). وزائدة بن قدامة أبو الصلت الثقفي، مات سنة ستين أو إحدى وستين ومائة (٢). والتيمي هو سليمان بن طرخان أبو المعتمر. وأبو مجلز اسمه: لاحق بن حميد السدوسي البصري الأسود الأعور، مات سنة تسع ومائة، وقيل في خلافة عمر بن عبد العزيز (٣) (٤). ورعل، بكسر الراء المهملة ثم عين مهملة ساكنة ثم لام، قَالَ ابن التين: ضبط بفتح الراء، والمعروف أنه بكسرها، وهو في ضبط أهل اللغة بالفتح، وهما قبيلتان من سليم -أعني: رعلًا وذكوان- قال: وقد روينا: رِعلًا بكسر الراء. --------- (١) التميمي اليربوعي، أبو عبد الكوفي، يقال: إنه مولى الفضيل بن عياض وثقه أبو حاتم، والنسائي. انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٥ (١٥٠٢)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٧ (٧٩)، «ثقات ابن حبان» ٨/ ٩، «تهذيب الكمال» ١/ ٣٧٥ (٦٤)، «إكمال التهذيب» ١/ ٦٩ (٦٧)، «تهذيب التهذيب» ١/ ٣٢. (٢) هو أبو الصلت الكوفي: قال ابن سعد عنه: كان زائدة ثقة مأمونا صاحب سنة وجماعة، وقال سفيان الثوري عنه: إن أردت التفسير فعنده، وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم، وقال العجلي: لا يحدث أحدًا حتى يسأل عنه. «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٧٨، و«التاريخ الكبير» ٣/ ٤٣٢ (١٤٤١)، و«الجرح والتعديل» ٣/ ٦١٣ (٢٧٧٧)، و«ثقات ابن حبان» ٦/ ٣٣٩، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٧٣ (١٩٥٠)، «إكمال التهذيب» مغلطاي ٥/ ٢٨ (١٦٣١). (٣) ورد في هامش الأصل: اقتصر في الكاشف على القول الثاني في وفاة زائدة .... في وفاة أبي مجلز … (٤) «تهذيب الكمال» ٣١/ ١٧٦ (٦٧٧٢). الحديث الرابع: حديث أبي قلابة عن أنس قَالَ: كَانَ القُنُوتُ فِي المَغْرِبِ وَالفَجْرِ. وخالد الراوي عن أبي قلابة هو الحذاء. وإسماعيل هو ابن عُلية. ورواه وهيب بلفظ: كنا نقنت في المغرب والفجر. قَالَ المهلب: ولم يحفظ عن النبي - ﷺ -[أنه] (١) تمادى على القنوت في المغرب بل تركه تركًا لا يكاد يثبت معه أنه لو قنت فيها لترك الناس نقله، إلا أنه روي عن الصديق أنه كان يدعو في الثالثة من المغرب بعد قراءة أم القرآن: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] واستحبه الشافعي أي عند النازلة. وقال مالك: ليس العمل عندنا على هذا، وإنما جاء أن الناس كانوا يلعنون الكفرة في رمضان في الوتر. وقال في «المدونة»: ليس العمل على القنوت بلعن الكفرة في رمضان (٢). وقال ابن نافع عنه: كانوا يلعنون الكفرة في النصف من رمضان حَتَّى ينسلخ، وأرى ذلك واسعًا، إن شاء فعل، وإن شاء ترك (٣). --------- (١) ساقطة من الأصول، والمثبت كما في «شرح ابن بطال». (٢) «المدونة» ١/ ١٩٥. (٣) انظر: «الاستذكار» ٢/ ٧٤. ١٥ الاستسقاء ١٥ - الاستسقاء ١ - باب الاِسْتِسْقَاءِ وَخُرُوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الاِسْتِسْقَاءِ ١٠٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَسْقِى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. [١٠٠١، ١٠١٢،١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٢٦، ١٠٢٧، ١٠٢٨، ٦٣٤٣ - مسلم: ٨٩٤ - فتح: ٢/ ٤٩٢] الاستِسْقاء: طلب السقيا. يُقال: سقاه الله وأسقاه بمعنى. وقيل: سقاه: ناوله؛ ليشرب، وأسقاه: جعل له سقيا. وقيل سقيته من سقي الشنة، وأسقيته: دللته على الماء. ثم هي أنواع أدناها الدعاء بلا صلاة، ولا خلف صلاة، وأوسطها الدعاء خلف الصلاة، وأفضلها الاستسقاء بركعتين وخطبتين، وكلها صحيحة كما ستقف عليه. ذكر في الباب حديث عباد بن تميم، عَنْ عَمَّهِ -وهو عبد الله بن زيد ابن عاصم- قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَسْقِي وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. هذا الحديث ثابت في بعض النسخ هنا، وفي بعضها في باب تحويل الرداء في الاستسقاء، وسيأتي في مواضع أخر في الباب، ويأتي في الدعوات أيضًا (١). وأخرجه مسلم أيضًا من طرق، والأربعة (٢). أما حكم المسألة فالإجماع قائم على جواز الخروج إلى الاستسقاء، والبروز إليه في المصلى عند إمساك الغيث عنهم. ومن جملة تراجم البخاري عليه: الاستسقاء في المصلى، وزاد فيه: خرج النبي - ﷺ - إلى المصلى يستسقي (٣). واختلف العلماء في الخروج إليها للصلاة. فقال أبو حنيفة: يبرز المسلمون للدعاء والتضرع إلى الله فيما نزل بهم، وإن خطب مُذكِّرُ لهم ومخوف فحسن، ولم تعرف الصلاة في الاستسقاء (٤). وحكاه ابن بزيزة عن النخعي أيضًا. وحكى الراوي عن أبي حنيفة التخيير بين الفعل والترك، وعنه: تصلى فرادى لا جماعة (٥)، واحتج بهذا الحديث الذي لا ذكر للصلاة فيه. وروى مغيرة عن إبراهيم أنه خرج مرة للاستسقاء، فلما فرغوا قاموا يصلون، فرجع إبراهيم ولم يصل (٦). وخالفه صاحباه، وسائر الفقهاء فقالوا: صلاة الاستسقاء --------- (١) برقم (٦٣٤٣) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء مستقبل القبلة. (٢) «صحيح مسلم» (٨٩٤) كتاب: صلاة الاستسقاء. رواه أبو داود (١٢٠٧)، والترمذي (٥٥٦)، والنسائي ٣/ ١٥٥، وابن ماجه (١٢٦٧)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) يأتي برقم (١٠٢٧). (٤) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٢، «منية المصلي» ص ٢٦٣. (٥) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٢. (٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٣ (٨٣٤٤ - ٨٣٤٥) كتاب: الصلوات، باب: من قال: لا يصلى في الاستسقاء. سنة، ركعتان لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ - (١)، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. ويحمل على أنه فعل أحد الجائزات أو أُنسي الراوي، أو كان ذلك في دعاء عجلت إجابته، فاكتفي به عما سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنته. ولما قصد البيان بينه كما في حديث عبد الله بن زيد. وسيأتي الكلام على تحويل الرداء في بابه فهو أليق به. -------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٠ - ٣٨٤، «الهداية» ١/ ٩٥، «الاختيار» ١/ ٩٧، «المدونة» ١/ ١٥٣، «التفريع» ١/ ٢٣٩، «عقد الجواهر» ١/ ١٧٩، «المهذب» ١/ ٤٠٧، «حلية العلماء» ٢/ ٢٧٣، «روضة الطالبين» ٢/ ٩٢، «المحرر» ١/ ١٧٩، «الفروع» ٢/ ١٦٠. ٢ - باب دُعَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» ١٠٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ». وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ». قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ: هَذَا كُلُّهُ فِي الصُّبْحِ. [انظر: ٨٠٤ - مسلم: ٦٧٥، ٢٥١٥ - فتح: ٢/ ٤٩٢] ١٠٠٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ: «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ». فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ وَالجِيَفَ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٠ - ١٦] فَالبَطْشَةُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ وَالبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ. [١٠٢٠، ٤٦٩٣، ٤٧٦٧، ٤٧٧٤، ٤٨٠٩، ٤٨٢٠، ٤٨٢١، ٤٨٢٢، ٤٨٢٣، ٤٨٢٤، ٤٨٢٥ - مسلم: ٢٧٩٨ - فتح: ٢/ ٤٩٢] ذكر فيه رحمه الله حديثًا معلقًا، وهو: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وهذا يأتي بعدُ مسندًا. وذكر بعده حديثين: أحدهما: حديث أبي الضحى -مسلم بن صبيح- عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ: «اللَّهُمَّ …» الحديث ويأتي قريبًا في باب استشفاع المشركين بالمسلمين، وفي مواضع من التفسير في سورة يوسف والروم والدخان (١). وأخرجه مسلم في التوبة والترمذي والنسائي في التفسير (٢). والكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: (كنا عند عبد الله) هو ابن مسعود، وجاء عنه: كنا جلوسًا عنده، وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصًا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، وتأخذ المؤمن كهيئة الزكام فقال عبد الله -وجلس وهو غضبان-: يا أيها الناس، اتقوا الله. من علم منكم شيئًا، فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم، فليقل: الله أعلم. فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما يعلم: الله أعلم، فإن الله قَالَ لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ ----------- (١) سيأتي برقم (١٠٢٠) كتاب: الاستسقاء، باب: إذا استشفع المشركون و(٤٦٩٣) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾. و(٤٧٧٤) باب: سورة الروم. و(٤٨٢٢) باب: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾. (٢) «صحيح مسلم» (٢٧٩٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: الدخان. و«سنن الترمذي» (٣٢٥٤) باب: ومن سورة الدخان. والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٤٥٥ (١١٤٨١) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾، وقال الترمذي: حسن صحيح. ![]()
__________________
|
|
#223
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 221 الى صـــ 240 الحلقة (223) أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦] والمراد بالناس هنا: كفار قريش، كما قاله ابن التين. وجاء في رواية: لما دعا قريشًا كذبوه، واستعصوا عليه، فقال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» (١). الثاني: قوله: «اللهم سبعا كسبع يوسف» هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ﴾ [يوسف:٤٨]، وقوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يو سف: ٤٧] وفيه: جواز الدعاء على الكفار بالجوع والجهد وغيرهما. وإنما دعا عليهم بالسبع إرادة بالإضعاف بالجوع عن طغيانهم؛ فإن نفس الجائع أخشع لله، وأقرب إلى الانقياد والتذلل، نبه عليه المهلب، وأجاب الله دعاء نبيه، فأخذتهم سنة حصَّت كل شيء، حَتَّى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وأعلمه أنهم سيعودون بعد أن يرغبوا في رد العذاب عنهم. وفيه: الدعاء على الظلمة بالهلاك. والسَّنة -بفتح السين-: القحط والجدب قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] و«حصَّت» -بالحاء والصاد المهملتين- أي: استأصلت وأذهبت النبات، فانكشفت الأرض، والأحَصُّ: القليل الشعر، وحصَّ رحمه: قطعها. ثالثها: قوله: (فَيَنْظُر أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَنظر الدُّخانَ مِنَ الجُوعِ). قد فسر ابن مسعود -فيما ذكره ابن الجوزي- الدخان في هذا الحديث بأنه كان ------------- (١) سيأتي برقم (٤٨٢٣). من شدة جوع أهل مكة كأن أحدهم يرى ما بينه وبين السماء، كهيئة الدخان، وأنه يمور فأنكر أن يكون دخان يجيء قبل يوم القيامة، وقال: أفيكشف عذاب الآخرة، يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان: ١٥] (١) وقد ذهب إلى ما أنكره ابن مسعود جماعة، وقالوا: إنه دخان يأتي قبل قيام الساعة، وهو مروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن (٢)، وعن حذيفة بن أَسِيد مرفوعًا: «إن من اشراط الساعة دخانًا يمكث في الأرض أربعين يومًا» (٣) ويؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [الدخان: ١٢] وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾. رابعها: قوج: فأتاه أبو سفيان: هو صخر بن حرب والد معاوية، وكان إذ ذاك كافرا؛ لأن هذه القضية كانت قبل الهجرة إلى المدينة. وقوله: (وإن قومك). أي: قريش قد هلكوا أي: من القحط والجدب وقوله: فذلك ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] يعني: يوم بدر، وقال جماعة إنها يوم القيامة. وفي رواية أسباط عن منصور، فدعا - ﷺ - فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعًا (٤). ----------- (١) «زاد المسير» ٧/ ٣٤٠. (٢) انظر: «تفسير الطبري» ١١/ ٢٢٧ - ٢٢٨ (٣١٠٥٦ - ٣١٠٦٢). (٣) رواه مسلم (٢٩٠١) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في الآيات التي تكون قبل الساعة. والترمذي (٢١٨٣) كتاب: الفتن، باب: ما جاء في الخسف. وابن ماجه (٤٠٤١) كتاب: الفتن، باب: أشراط الساعة، والطبري في «تفسيره» ٣/ ١٧٢. (٤) سيأتي برقم (١٠٢٠) كتاب: الاستسقاء، باب: إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط. وفيه من الفوائد: إجازة استشفاع المشركين بالمسلمين، والإجابة إذا رجي رجوعهم إلى الحق، وقد ترجم عليه البخاري بذلك كما ستعلمه قريبًا. وكانت هذه القصة والشعبي - ﷺ - بمكة قبل الهجرة كما سلف آنفًا. وفيه: أن الإمام إذا طمع بدار من دور الحرب أن يسلم أهلها أن يرفق بهم ويأخذ عفوهم، ويدعو لهم بالصلاح، ويكف عن ثمارهم وزرعهم، وإن أيس من إنابتهم فلا يدعو لهم بل عليهم، ولا بأس حينئذٍ بقطع ثمارهم وزرعهم. وقال المهلب: الدعاء على المشركين يختلف معناه، فإذا كانوا منتهكين لحرم الدين وحرم أهله، فالدعاء عليهم واجب وعلى كل من سار بسيرهم من أهل المعاصي في الانتهاك، فإن لم ينتهكوا حرم الدين وأهله، وجب أن يُدعى لهم بالتوبة، كما قَالَ - ﷺ - حين سُئل أن يدعو على دوس: «اللهم اهد دوسًا وأتِ بهم» (١) وقيل: إنما يجب الدعاء على أهل المعاصي في حين انتهاكهم وأما عند إدبارهم وتركهم، فيجب أن يُدعى لهم بالتوبة. ورُوي أن الصديق وزوجته كانا يدعوان على ابنهما عبد الرحمن بالهلاك يوم بدر إذا حمل على المسلمين، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة. وفيه أيضًا: إقرار الكفار بفضل نبينا، وقربه من ربه، والتشفع به، وأن ذلك عادة من الله علموها، ولولاها ما لجأوا إليه في كشف الضر عند إشرافهم على الهلاك، وذلك أدل دليل على معرفتهم بصدقه، ولكن الحسد والأنفة الجاهلية حملتهم على معاندته ومعاداته ---------- (١) سيأتي برقم (٦٣٩٧) كتاب: الدعوات، باب الدعاء للمشركين. ومخالفته، لما سبق في أم الكتاب من كفرهم، أعاذنا الله تعالى من العناد وغيره. خامسها: قوله: (وقد مضت البطشة يوم بدر). هذا على قول ابن مسعود وقد مضت، وعلى قول الجماعة السالفة تكون يوم القيامة. وقوله: (وقد مضت الدخان) هو مجاز على قول ابن مسعود، واللزام: هو ما أصابهم من القتل يوم بدر، ذكره ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود، وأُبي ومحمد بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك (١). قَالَ القرطبي: وعلى هذا فالبطشة واللزام واحد، وإليه نحا ابن مسعود (٢)، وهو قول أكثر الناس. وعن الحسن: إن اللزام يوم القيامة، وعنه يكون موتًا، وعنه: يكون بذنبكم عذابًا لازمًا لكم (٣). وفي رواية البرقاني قوله: فسوف يكون لزامًا يوم بدر (٤). وقال ابن العربي: قَالَ أبو عيسى: اللزام: يوم بدر، والذي عندي أن المراد به الانتقام منهم بظهوره عليهم حَتَّى يؤمنوا أو يهلكوا. قَالَ: وقال البخاري في حديث مسروق، عن عبد الله: أن البطشة الكبرى يوم بدر وهو الصحيح أقوى من كلام أبي عيسى عن نفسه (٥). --------- (١) «تفسير ابن أبي حاتم» ٨/ ٢٧٤٦ (١٥٥١٢). (٢) رواه عبد الرزاق في «تفسيره» ٢/ ١٦٨، ١٦٩ (٢٨٠٣). وانظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ١٣/ ٨٦. (٣) «تفسير ابن أبي حاتم» ٨/ ٢٧٤٦ (١٥٥١٣). (٤) رواه مسلم (٢٧٩٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: الدخان. (٥) «عارضة الأحوذي» ١٢/ ١٣٥ - ١٣٦. وفي «الصحيح» عن مسروق، عن عبد الله قَالَ: خمسٌ قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر (١). وقوله: (وآية الروم) تأتي في سورة الروم إن شاء الله وحاصلها أن المسلمين حين اقتتلت فارس والروم كانوا يحبون ظهور الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وكان كفار قريش يحبون ظهور فارس؛ لأنهم مجوس، وكفار قريش عبدة أوثان، فتخاطر (٢) أبو بكر وأبو جهل في ذلك أي: أخرجا سبقًا وجعلوا بينهم مدة بضع سنين. فقال - ﷺ - للصديق: «إن البضع قد يكون إلى تسع- أو قَالَ: إلى سبع فزد في المدة -أو- في الخطار» ففعل، فغلبت الروم (٣) فقال تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ يعني: المدة الأولى قبل الخطار ثم قَالَ: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) في بِضْعِ سِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ [الروم: ٤ - ٥] يعني: بغلبة الرومِ ---------- (١) سيأتي برقم (٤٧٦٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. ورواه مسلم (٢٧٩٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: الدخان. (٢) الخَطَرُ: السبق الذي يتراهن عليه. «العين» ٤/ ٢١٣. (٣) رواه «الترمذي» (٣١٩٣) كتاب: تفسير القرآن، باب: من سورة الروم، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٤٢٦ (١١٣٨٩) كتاب: التفسير، باب: سورة الروم، والبخاري في: «خلق أفعال العباد» ٣٨ (١١٥). وأحمد في ١/ ٢٧٦، ١/ ٣٠٤. والطبري في «التفسير» ١٠/ ١٦٣ (٢٧٨٦٥)، (٢٧٨٦٦) وابن أبي حاتم في «التفسير» ٩/ ٣٠٨٦ (١٧٤٥٧) والحاكم. ٢/ ٤١٠ باب: تفسير سورة الروم، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ جماع أبواب المبعث، باب: ما جاء في آية الروم وما ظهر فيها من الآيات كلهم عن ابن عباس. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي». فارسَ وربما أخذوا من الخطار، ويفرحون بالآية العظيمة التي لا يعلمها إلا الله سبحانه خبَّرهم بما سيكون. قَالَ الشعبي: كان القمار في ذلك الوقت حلالًا. الحديث الثاني: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ..» الحديث. وأخرجه أيضًا في التفسير في مواضع، وفي الجهاد والأدب والإكراه (١)، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا (٢). إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة. صريح في الدعاء بعد ذلك. وكذا جاء مصرحًا به في رواية: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» ---------- (١) سبق برقم (٨٠٤) كتاب: الأذان، باب: يهوي بالتكبير حين يسجد. وسيأتي في (٢٩٣٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة. و(٣٣٨٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾. و(٤٥٦٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ﴾. و(٤٥٩٨) باب: قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾. و(٦٢٠٠) كتاب: الأدب، باب: تسمية الوليد. و(٦٣٩٣) كتاب: الدعوات، باب الدعاء على المشركين. و(٦٩٤٠) كتاب: الإكراه. (٢) «صحيح مسلم» (٦٧٥) كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، و«سنن النسائي» ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ كتاب: الافتتاح، باب: القنوت في صلاة الصبح. وهو قائم (١) وفي أخرى: من الركعة الثانية (٢)، وهو قال على أنه كان في صلاة الصبح، ولهذا قَالَ أبو الزناد في آخره: وهذا كله في الصبح. نعم جاء في أخرى أن ذلك كان في العشاء، وفي أخرى الظهر والعشاء (٣). ثانيها: عيَّاش بالمثناة تحت وبالشين المعجمة، واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة أخو أبي جهل لأمه وابن عمه، وكان إسلامه قبل دخول رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة مع عمر، فقدم عليه أبو جهل والحارث ابنا هشام، فذكر له أن أمه حلفت أن لا تدخل رأسها دهن، ولا تستظل، حَتَّى تراه، فرجع معهما، فأوثقاه وحبساه بمكة، وقُتل يوم اليرموك، وقيل: مات بمكة (٤). وسلمة بن هشام هو ابن المغيرة (بن عم) (٥) خالد بن الوليد، أخو أبي جهل، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فأخذه أخوه أبو جهل فحبسه وضربه، ثم هاجر إلى المدينة بعد الخندق، ---------------- (١) سبق برقم (٨٠٤) كتاب: الأذان، باب: يهوي بالتكبير حين يسجد. (٢) رواه النسائي ٢/ ٢٠١ كتاب: الافتتاح، باب: القنوت في صلاة الصبح. وابن حبان ٥/ ٣٢١ (١٩٨٣) كتاب: الصلاة، فصل في القنوت. والبيهقي ٢/ ١٩٧ (٣٠٨٦) كتاب: الصلاة، باب: القنوت في الصلوات عند نزول النازلة. (٣) سبق برقم (٧٩٧) كتاب: الأذان، باب: فضل اللهم ربنا ولك الحمد. (٤) انظر: «معجم الصحابة» ٢/ ٣٠٦ (٨٤٦)، و«أسد الغابة» ٤/ ٢٢٠ (٤١٣٩)، و«الإصابة» ٣/ ٤٧ (٦١٢٣). (٥) في الأصل: بن عمر بن، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب كما في مصادر الترجمة. ولم يزل بها حَتَّى مات رسول الله - ﷺ -، وقتل بمرج الصفر (١) في ربيع الأول سنة أربع عشرة، وقيل: بأجنادين (٢). والوليد هو أخو خالد بن الوليد، أُسر يوم بدر كافرًا، فافتدى أسره أخواه خالد وهشام بأربعة آلاف درهم، ولما افتدي خرجا به، فلما بلغا ذا الحليفة أفلت، فأتى رسول الله - ﷺ - فأسلم، فقيل: هلا أسلمت قبل أن تُفتدى؟ قَالَ: كرهت أن يُقال: جزعت من الأسر، فأخذ وخرجا به إلى مكة وحبس ثم أفلت ولحق برسول الله - ﷺ -، وشهد عمرة القضية، وقيل: لم يشهدها، وقيل: بل لما أفلت بمكة مشى على رجله، ومات عند بئر أبي عنبة (٣). ثالثها: معنى «اشدد وطأتك» أي: اشدد بأسك وعقوبتك، وهو ما أصابهم من الجوع والشدة وأصله: وطأ الرجل، وقوله: «على مضر» هم: أهل مكة وما والاها، وقوله: «كسني يوسف» يعني: لا تنبت شيئًا، وقوله: «كسني» هذا على من جمع بالياء والنون. ومن قَالَ: سنون، ورفع النون فقيل وزنه فَعِيل، مثل مَكِيث وعَبِيد، وكسرت السين لكسرة ما بعدها. قَالَ الأخفش: هو فِعْلين مثل غِسْلين، وهو جمع شاذ (٤). ----------- (١) انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ٥/ ١٠١. (٢) انظر: «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٢٨٢ (٣٣٥)، و«أسد الغابة» ٢/ ٤٣٥ (٢١٨٩)، و«الاستيعاب» ٢/ ٤٠٣ (١٠٣٧). (٣) انظر: «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٨٨ - ١٨٩ (١١٦٧)، و«الاستيعاب» ٤/ ١١٨ - ١١٩ (٢٧٥٣)، و«أسد الغابة» ٥/ ٤٥٤ - ٤٥٥ (٥٤٧٢)، و«الإصابة» ٣/ ٦٣٩ - ٦٤٠ (٩١٥١). (٤) انظر: «لسان العرب» ٤/ ٢١٢٧ مادة: سنه. وفيه: الدعاء على الظالم بالهلاك، وقد سلف. وللمستضعفين من المؤمنين الذين سَمّى الرسول وأجمل في دعائه، ولأسرى المؤمنين بالنجاة من أيدي العدو، وجواز الدعاء في الفرض بما ليس من القرآن، وخالف في هذا الكوفيون (١). وقوله في غفار وأسلم، قَالَ ذلك تفاؤلًا لهما من أسمائهما فألًا حسنًا، وكان يحبه. وقال الخطابي: خص غفارًا -والله أعلم- بالمغفرة لمبادرتهم إلى الإسلام، وحسن بلائهم فيه، ودعا لأسلم؛ لأن إسلامهم كان سلمًا من غير (خوف) (٢)، ويقال: كان مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين من أسلم أربعمائة، ومن غفار مثلها، وفي ذلك كله الدعاء بالمغفرة للمؤمنين (٣). ------- (١) مذهب المالكية والشافعية أن المصلي يدعو في صلاته بما شاء سواء كان بما يوجد في القرآن أم لا. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يدعو إلا بما نُقل في الأثر. انظر: «الهداية» ١/ ٥٦، «عيون المجالس» ١/ ٣١٩ - ٣٢٠، «روضة الطالبين» ١/ ٢٦٥، «الإفصاح» ١/ ٣٢٤. (٢) كذا بالأصل، والسياق يقتضي: حرب. (٣) «غريب الحديث» ١/ ١٨٣. ٣ - باب سُؤَالِ النَّاسِ الإِمَامَ الاِسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا ١٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ [انظر: ١٠٠٩ - فتح: ٢/ ٤٩٤] ١٠٠٩ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْتَسْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ وَهْوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ. [انظر: ١٠٠٨ - فتح: ٢/ ٤٩٤] ١٠١٠ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللهِ بْنُ المُثَنَّى، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ فَيُسْقَوْنَ. [٣٧١٠ - فتح: ٢/ ٤٩٤] ذكر فيه حديث عبد الله بن دينار قال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرَامِلِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: ثَنَا سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ - ﷺ - يسْتَسْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ: وَأَبْيَضَ .. البيت. وَهوَ قَؤلُ أَبِي طَالِبٍ. وفي الأول أبو قتيبة، وهو: مسلم بن قتيبة الخراساني البصري، مات بعد المئتين (١)، وأبو طالب حضر استسقاء عبد المطلب والنبي - ﷺ - معه، كما ذكره الخطابي (٢) والسهيلي (٣) والتعليق المذكور أسنده ابن ماجه، عن أحمد بن الأزهر، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي عقيل عبد الله بن عقيل، عن عمر بن حمزة (٤)، وفي لفظ: على المنبر يستسقي (٥). ثم ساق البخاري عن أنس: إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ … الحديث. وهو من أفراد البخاري عن الستة، وطوله الإسماعيلي، وجاء أنه استسقى به عام الرمادة، واعترض الإسماعيلي فقال: ما رواه خارج عن الترجمة إذ ليس فيه السؤال، تمحله ابن المنير فقال: فاعل يستسقي الناسُ، وهو محذوف (٦)، وكذا قول عمر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك محمد)، دل أنهم كانوا يتوسلون وأن لعامة المؤمنين مدخلًا في الاستسقاء. قلتُ: ويؤخذ أيضًا من قوله على المنبر يستسقي، ومعلوم أنه استسقى على المنبر لَمَّا سأله الأعرابي وقال: (هلكت الأموال ..) الحديث. وهو صريح فيه وقت القحط، وقد بوب عليه البيهقي ------------- (١) ورد بهامش الأصل: في «الكاشف» سنة مائتين. (٢) «غريب الحديث» ٢/ ٢٤٣. (٣) «الروض الأنف» ٢/ ٣٠. (٤) «سنن ابن ماجه» (١٢٧٢) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الدعاء في الاستسقاء. وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه»: (١٠٥٠). (٥) رواه البيهقي ٣/ ٣٥٢ كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: الاستسقاء بمن ترجى بركة دعائه. (٦) «المتواري» ص ١١٤. بذلك (١)، وبوب على حديثي البخاري: الاستسقاء بمن يرجى بركة دعائه (٢). وعمر بن حمزة هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ابن أخي سالم ابن عبد الله بن عمر، وأخرج له في «الأدب» أيضًا (٣)، وتكلم فيه أحمد والنسائي، ووثقه ابن حبان، وقال: كان يُخطئ، وروى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال ابن عدي: هو ممن يُكْتَب حديثه (٤). والثِمَال -بكسر الثاء المثلثة: المعتمد والملجأ والكافي، وقيل: هو المطعم في الشدة. وقوله: (عصمة للأرامل)، أي: ينلن ببركته وفضله ما يقوم لهن مقام الأزواج. والأرامل يقع على الرجال والنساء، وقيل: لا يقال: أرملة إلا في النساء، والصواب الأول، فقد صرح ابن الأثير أن الأرامل في البيت المذكور المساكين رجالًا ونساءً، يُقال لكل واحد منهما على انفراده أرامل، وهو بالنساء أخص وأكثر ----------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٤٤ كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: سؤال الناس الامام الاستسقاء إذا قحطوا. (٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٥٢ كتاب: صلاة الاستسقاء. (٣) «الأدب المفرد» (١٢٤٦، ١٢٦٣). (٤) هو: عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي العمري المدني. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: أحاديثه مناكير. قال النسائي: ضعيف. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: عمر بن حمزة أضعف من عمر ابن محمد بن زيد. استشهد به البخاري في «الصحيح» وروى له في «الأدب» وروى له الباقون سوى النسائي. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٤٨ (١٩٨٤)، و«الكامل» ٦/ ٣٥ (١١٩٢)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ١٠٤ (٥٥٠)، و«تهذيب الكمال» ٢١/ ٣١١ - ٣١٢ (١٤٢٢١). استعمالا، والواحد أرمل وأرملة، وهو من مات زوجه، وسواء كانا غنيين أو فقيرين (١). وقوله: (كان إذا قحطوا) قَحَط -بفتح القاف والحاء، وبضم القاف مع كسر الحاء -أي: أبطأ عنهم الغيث. وقوله: (حَتَّى يجيش كل ميزاب)، هو بالجيم، جاش البحر إذا هاج، وجاشت القدر جيشانًا إذا غلت، وجاش الوادي والشيء إذا ملئ وتحرك، فكأنه استعار ذلك للميزاب لتحرك الماء فيه عند كثرة المطر وانصبابه، وقيل: يُروى بالجيم والحاء، كذا رأيته بخط الدمياطي. وفيه: أن أبا طالب كان يعرف نبوة رسول الله - ﷺ - قبل أن يُبعَث، بما أخبره مخبر، أو بما وصى به عبد المطلب بما سمع عبد المطلب من سيف بن ذي يزن. واستسقاء عمر بالعباس فللرحم التي كانت بينه وبين رسول الله - ﷺ -، وأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه ويتوصل إلى من أمر بصلة الأرحام، بما وصلوه من رحم العباس، وأن يكون ذلك السبب إلى رحمة الله. وذكر الماوردي في «الأحكام السلطانية» عن أنس، أن أعرابيًا رأى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يغط، ثم أنشده: أتيناك والعذراء يُدمى لبانها … وقد شغلت أم الصبي عن الطفل وألقى بكفيه الصبي استكانة … من الجوع ضعفًا ما يمر وما يحلى ولا شيء بما يأكل الناس عندنا … سوى الحنظل العامي (٢) والعلهز الغسل --------- (١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٢/ ٢٦٦. (٢) في الأصل: العاهي، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج، والحنظل العامي: الذي له عام. وليست لنا إلاإليك فرارنا … وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام - ﷺ - يجر رداءه حَتَّى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «اللهم اسقنا ..» الحديث، وفيه فضحك حَتَّى بدت نواجده، ثم قَالَ: «لله دَرُّ أبي طالب، لو كان حاضرًا لقرت عيناه (مِن الذي أنشدنا) (١) من شعره» فقَالَ علي: (يا) (٢) رسول الله: كأنك أردت قوله: وأبيض .. البيت. يلوذ به الهُلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة فواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمدًا … ولما نناضل دونه ونقاتل وننصره حَتَّى نصرع حوله … و(نذهل) (٣) عن أبنائنا والحوائل فقال - ﷺ -: «أجل». فقام رجل من بني كنانة فأنشده: لك الحمد، والحمد ممن شكر … سُقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة … وأشخص معها إليه البصر فلم يك إلا كإلقاء الرِّدا … وأسرع حَتَّى رأينا الدرَر .. القصيدة. ثم قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إن يكن شاعر أحسن، فقد أحسنت» (٤). فرع: الخروج إلى الاستسقاء والاجتماع متوقف على إذن الإمام؛ لما في الخروج بغير إذنه من الافتيات، وهذه سنن الأمم السالفة، قَالَ تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ [الأعراف ١٦٠] وأما الدعاء في أعقاب الصلوات في الاستسقاء فجائز بغير إذنه. ----------- (١) كذا بالأصل، وفي مصادر التخريج: من ينشدنا شعره. (٢) ساقطة من الأصل، ويقتضيها السياق. (٣) في الأصل: نذهب، والمثبت من مصادر التخريج. (٤) رواه ابن عدي في «الكامل» ٤/ ٤٦٨ - ٤٧٠، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ١٤١ - ١٤٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ٦٣ - ٦٥. ٤ - باب تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ ١٠١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ. [انظر: ١٠٠٥ - مسلم: ٨٩٤ - فتح: ٢/ ٤٩٧] ١٠١٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أَبَاهُ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: هُوَ صَاحِبُ الأَذَانِ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ، لأَنَّ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المَازِنِيُّ، مَازِنُ الأَنْصَارِ. [فتح: ٢/ ٤٩٧] ذكر فيه حديث عَبَّاد بن تميم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ. ومن حديث عباد أيضًا، عن عمه عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: هُوَ صَاحِبُ الأَذَانِ. وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ؛ لانَّ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المَازِنِيُّ، مَازِنُ الأَنْصَارِ. أي: وصاحب الأذان عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج بن حارثة، فهما وإن جمعهما حسبهما الأكبر الخزرج؛ بن حارثة فقد افترقا في بطنيهما كما افترقا في جديهما؛ لأن صاحب النداء بطنه بنو الحارث بن الخزرج، وصاحب الاستسقاء والوضوء بطنه من بني مازن بن النجار بن عمرو بن الخزرج؛ لأنه عبد الله بن زيد بن عاصم بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن. وكالذي قَالَ ابن عيينة: إن صاحب حديث الاستسقاء هو صاحب حديث الأذان. وقع في «مسند أبي داود الطيالسي» وغيره (١) وهو غلط على ما بيناه. وروى مسلم لمحمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهذه العمومة لعباد من جهة الأم؛ لأنه عباد بن تميم بن غَزِيَّة بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، فتميم أخو عبد الله بن زيد بن عاصم بن عمرو بن عوف بن مبذول لأمه أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول. وقد نبهنا في أول كتاب الاستسقاء (٢) أن هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع من هذا الباب وغيره، وأنه أخرجه باقي الستة أيضًا، قَالَ الترمذي: وفي الباب عن ابن عباس (٣) وأبي هريرة وأنس وأبي اللحم (٤). أما حكم الباب، فتحويل الرداء سنة عند الجمهور، وانفرد أبو حنيفة فأنكره (٥)، ووافقه ابن سلاَّم من قدماء العلماء بالأندلس (٦)، والسنة قاضية عليه، والحكمة فيه التفاؤل بتغيير الحال إلى الخصب والسعة، فإنه كان يعجبه الفأل الحسن إذا سمع من القول، فكيف من الفعل؟ وقد جاء مصرحًا به في الدارقطني، من حديث جعفر بن محمد، عن ------------ (١) «مسند أبي داود الطيالسي» ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤ (١١٩٥ - ١١٩٩). (٢) سبق برقم (١٠٠٥) كتاب: الاستسقاء، باب: الاستسقاء. (٣) فوقها في الأصل: أبو داود والنسائي. (٤) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٥٥٦) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في صلاة الاستسقاء. (٥) انظر «الهداية» ١/ ٩٥. (٦) هو صعصعة بن سلام كما في «إكمال المعلم» ٣/ ٣١٤، وانظر: «المفهم» ٢/ ٥٤٠. أبيه: أن رسول الله - ﷺ - استسقى وحَوّل رداءه؛ ليتحول القحط (١). قَالَ ابن العربي: وهذا أمارة بينه وبين ربه لا على طريق الفأل فإن من شرطه أن لا يكون بقصد، وإنما قيل له: حَوِّل رداءك فيتحول حالك، لا يُقال: إن ذلك لعل رداءه سقط ففعله؛ لأن الراوي أعرف بالحال (٢)، وخالفه ابن بطال فقال: فيه دلالة على استعمال الفأل في الأمور، وإن لم يقع بالموافقة، ووقع استعمالا (٣)، واختلف العلماء، هل يفعل من معه مثل الإمام؟ فذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور إلى إلحاقهم به (٤). وفي «مسند أحمد» من حديث عبد الله بن زيد أنه - ﷺ - حول رداءه، فقلبه ظهرًا لبطنٍ، وحوَّل الناس معه (٥)، ولمشاركتهم له في المعنى الذي شُرع له التحويل. وأَبْعَدَ النُّجْعَةَ بعضُهم، فاحتج بحديث: «إنما جُعل الإمام ليُؤتَم به» (٦) فما فعله الإمام واجب على المأموم فعله، ذكره ابن بطال (٧). وقال الليث، وأبو يوسف، ومحمد بن عبد الحكم، وابن وهب: ينفرد به (٨). وعن مالك: إذا حوّل حوّل الناس قعودا (٩)، وليس ذلك --------- (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٦٦ كتاب: الاستسقاء. (٢) «عارضة الأحوذي» ٣/ ٣٣. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٠. (٤) انظر: «المدونة» / ١٥٣، «الأم» ١/ ٢٢٢، «الأوسط» ٤/ ٣٢٣، «المغني» ٣/ ٣٤١. (٥) «المسند» ٤/ ٤١. (٦) سبق برقم (٧٢٢) كتاب: الأذان، باب: إقامة الصف من تمام الصلاة. ورواه مسلم (٤١٤) كتاب: الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام. (٧) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٠. (٨) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٣، «النوادر» ١/ ٥١٣، «إكمال المعلم» ٣/ ٣١٥. (٩) «الموطأ» ص ١٣٥. على النساء؛ خوف التكشف، قاله ابن الماجشون (١)، وقيل: يحول الناس قيامًا كالإمام، وبه قَالَ محمد بن الحسن، واختلف قول الشافعي في تنكيسه، وأصح قوليه: استحبابه، فيجعل أعلاه أسفله وعكسه (٢). وقد أخرجه أبو داود والنسائي (اهتمامًا منه) (٣)، وصححه ابن حبان والحاكم (٤)، وروى ابن عبد الحكم عن مالك (٥): أنه إذا فرغ من الخطبة استقبل وحول رداءه، ما على ظهره منه يلي السماء، وما كان يلي السماء على ظهره (٦)، وبه قَالَ أحمد، وأبو ثور (٧)، وخير ابن الجلاب بين التحويل والتنكيس (٨). فائدة: نقل ابن بزيزة عن أهل الآثار أن رداءه - ﷺ - كان طوله أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر كان يلبسه يوم الجمعة والعيد، وعن الواقدي: كان برده طوله ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد ثم يطويان (٩). --------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٤، «الذخيرة» ٢/ ٤٣٤. (٢) «الأم» ١/ ٢٢٢، «البيان» ٢/ ٦٨٣، «المجموع» ٥/ ٨٤. (٣) كذا بالأصل. (٤) «سنن أبي داود» (١١٦١) كتاب: الاستسقاء. و«سنن النسائي» ٣/ ١٥٧ كتاب: الاستسقاء، باب: متى يحول الإمام ردائه. و«صحيح ابن حبان» ٧/ ١١٦ (٢٨٦٥) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الاستسقاء. و«المستدرك» ١/ ٣٢٦ كتاب: الاستسقاء. (٥) «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٣. (٦) «الموطأ» ١/ ٢٣٩ (٦٠٨) باب: العمل في الاستسقاء. (٧) انظر: «المغني» ٣/ ٣٤٠. (٨) «التفريع» ١/ ٢٣٩. (٩) أورده السيوطي في «الجامع الصغير» ١/ ٢٢٥. خاتمة: في الحديث الخروج إلى الصحراء للاستسقاء؛ لأنه أبلغ في الافتقار والتواضع، وأوسع للناس. وذكر ابن الأثير فرقًا بين رواية: خرج رسول الله - ﷺ - يستسقي، وخرج إلى المصلى، فاستسقى؛ لأن الأولى أبلغ لفظًا من الثانية؛ لأن يستسقي في موضع نصب على الحال من خرج أي: خرج مستسقيًا، فكان الاستسقاء لها لازمًا حال خروجه، وليس كذلك قوله: خرج فاستسقى؛ لأنه معطوف على خرج بالفاء، وليس حالًا، فكان الاستسقاء في هذا مرتبًا على الخروج بخلاف تلك، فإنه كان ممتزجًا به دالُا على أن نيته في الخروج كان له وإن كانت الأخرى كذلك إلا أن اللفظ لا يدل عليه، ثم ذكر سؤالا، وأجاب عنه، ولا طائل تحته (١). فرع: يكون التحويل عند استقبال القبلة، ويستقبلها بعد صدر الخطبة الثانية، قال أصحابنا: نحو ثلثها، كما نقله النووي عنهم في «شرح مسلم» (٢)، وعن «الكافي» للزبيري: إذا بلغ نصفها، وقال الروياني في «بحره»: إذا فرغ من الاستغفار، وقال ابن التين: قلب الرداء لا يكون إلا عند استقبال القبلة، قَالَ: واختلف قول مالك متى يستقبل القبلة ويحول رداءه؟ فروى عنه ابن القاسم: إذا فرغ من الخطبة، ورُوي عنه: في أثناء الخطبة، ويدعو ثم يستقبل الناس، ويتم الخطبة، ----------- (١) «الشافي في شرح مسند الشافعي» لابن الأثير ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢. (٢) «مسلم بشرح النووي» ٦/ ١٨٨. واختاره أصبغ، وذكر عن عبد الملك أنه يفعله بعد صدر من الخطبة، وعن أصبغ أيضًا: في آخر الخطبة الثانية (١)، وعن مالك: أنه يحول قبل الاستقبال، حسماها ابن بزيزة، وأغرب ابن العربي فقال: المراد بالاستقبال: الشروع في الصلاة، وإلا ليس في الدعاء استقبال، وإنما السماء قبلة الدعاء، والكعبة قبلة الصلاة. قَالَ: ويحتمل أن يكون الاستسقاء يخص الاستقبالين تأكيدًا فيه (٢). فرع ثان: قوله: وصلى ركعتين هو حجة الجمهور أن السنة في الاستسقاء أن يصلي ركعتين، ولا زيادة عليهما بالإجماع، ولا يكبر عندنا فيها على الأصح (٣)، وعن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، وأبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، وداود: يكبر. وحكي عن ابن عباس (٤) ومذهب مالك والأوزاعي، وأبي ثور، إسحاق أنها تُصَلَّى ركعتين كصلاة التطوع (٥)، ولا أذان لها، ولا إقامة، بل: الصلاة جامعة (٦). --------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٤، «المنتقى» ١/ ٣٣٢. (٢) «عارضة الأحوذي» ٣/ ٣٣. (٣) وهذا القول فيه نظر؛ لأن مذهب الشافعية أنه يكبر فيها كما يكبر في العيدين. انظر: «الأوسط» ٤/ ٣٢١، «الحاوي» ٢/ ٥١٧، «حلية العلماء» ٢/ ٢٧٣، «البيان» ٢/ ٦٨١، «روضة الطالبين» ٢/ ٩٢، «الإعلام» ٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦. (٤) روى ذلك ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٣٢١. (٥) انظر: «الأوسط» ٤/ ٣٢٠. (٦) انظر: «المبسوط» ٢/ ٧٨، «المعونة» ١/ ١٨٥ - ١٨٦، «المهذب» ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧. ![]()
__________________
|
|
#224
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 241 الى صـــ 260 الحلقة (224) [٥ - باب انْتِقَامِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَزَّ مِنْ خَلْقِهِ بِالقَحْطِ إِذَا انْتُهِكَ مَحَارِمُ اللهِ] (١). [فتح: ٢/ ٥٠١] ٦ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ ١٠١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وُجَاهَ المِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا». قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً وَلَا شَيْئًا، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ. قَالَ: وَاللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». قَالَ: فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي في الشَّمْسِ. ----------- (١) سقط هذا الباب من الأصل من هذا الموضع، وكذا في اليونينية، قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٥٠١: هكذا وقعت هذِه الترجمة في رواية الحموي وحده خالية من حديث ومن أثر. قال ابن رشيد: كأنها وقعت في رقعة مفردة فأهملها الباقون، وكأنه وضعها ليُدْخل تحتها حديثًا، وأليق شيء بها حديث عبد الله بن مسعود يعني المذكور في ثاني باب من الاستسقاء، وأَخّر ذلك ليقع له التغيير في بعض مسنده كما جرت به عادته غالبًا فعاقه عن ذلك عائق، والله أعلم. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَألتُ أَنَسًا أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٥٠١] ذكر فيه حديث أنس أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وُجَاهَ المِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يَخْطُبُ .. الحديث. وقد سلف مختصرًا ومطولًا في الجمعة (١)، وكرره في الباب مرات، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (٢). ولنذكر هنا ما لم يسبق: فقوله: (دخل رجل من باب كان وجاه المنبر) يعني: مستدبر القبلة، كذا قاله ابن التين، وليتأمل، وفي الرواية التي بعد هذا الباب: من باب كان نحو دار القضاء، وسميت دار القضاء؛ لأنها بيعت في قضاء دين عمر كان أنفقه من بيت المال، وكتبه على نفسه، وأوصى ابنه عبد الله أن يُباع فيه ماله، فإن عجز ماله، استعان ببني عدي ثم بقريش، فباعها لمعاوية وما له بالغابة، وقضى دينه، وكان ثمانية وعشرين ألفا، كذا قاله القاضي (٣)، والمشهور أنه كان ستة وثمانين ألفا. ونحوه، وهو في البخاري (٤) وغيره من أهل التاريخ (٥)، وكان يُقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم اخْتَصَروا فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان، وقيل: دار الأمارة وكأنه ظن أن المراد بالقضاء الإمارة. -------- (١) برقم (٩٣٢)، باب: ما جاء والإمام يخطب. (٢) «صحيح مسلم» (٨٩٧) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: رفع اليدين في الاستسقاء، وأبو داود ١١٧٤، ١١٧٥، و«سنن النسائي» ٣/ ١٥٤ - ١٥٥ كتاب: الاستسقاء، باب: متى يستسقي الإمام. (٣) «إكمال المعلم» ٣/ ٣١٩. (٤) سيأتي برقم (٣٧٠٠). (٥) انظر: «أسد الغابة» ١/ ١٧٦. وقوله: (وقطعت السبل) أي: الطرق، وفي رواية أبي ذر: وانقطعت، وهو أشبه كما قَالَ ابن التين، قَالَ: واختُلف في معناه، فقيل: ضعفت الإبل لقلة الكلأ أن يُسافَر بها، وقيل: لأنها لا تجد في أسفارها من الكلأ ما يبلِّغُها، وقيل: إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام، ولم يجلبوه إلى الأسواق خوفًا من الشدة. وقوله: (فادع الله يُغيثُنا) كذا هو في جميع النسخ بضم الياء، وفي الحديث في الباب بعده: «اللهم أغثنا» (١) بالألف رباعي من أغاث يغيث، والمشهور في كتب اللغة أنه إنما يُقال في المطر: غاث الله الناس والأرض يَغيثهم بفتح الياء (٢). قَالَ عياض عن بعضهم: المذكور هنا من الإغاثة بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث، إنما يُقال في طلب الغيث: اللهم غثنا، ويحتمل كما قَالَ القاضي أن يكون من طلب الغيث أي: هب لنا غيثًا أو ارزقنا غيثًا، كما يُقال: سقاه الله وأسقاه: أي: جعل له سقيًا على لغة من فرق بينهما (٣). وقوله (فرفع رسول الله - ﷺ - يديه). فيه: الرفع في دعاء الاستسقاء، وقد أفرده البخاري بباب، وسيأتي (٤). وفيه: الاستسقاء في الجامع دون الصحراء، وقد أجاب الله دعاءَ نبيه فسقى وأسقى، وهو علم من أَعلام نبوته، وجواز الاستسقاء من غير تحويلٍ، والدعاءِ مستدبرَ القبلة؛ لأنه لم يرد في حديث أنس هذا أنه ---------- (١) حديث (١٠١٤). (٢) انظر: «لسان العرب» ٦/ ٣٣٢٣. (٣) «مشارق الأنوار» ٢/ ١٤٠، «إكمال المعلم» ٣/ ٣١٩. (٤) برقم (١٠٢٩) باب: رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء. استقبل القبلة في دعائه على المنبر، وإن جاء في حديث غيره (١)، وفي رواية: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه حذاء وجهه (٢)، وفيه: الاجتزاءُ بالدعاء عن الصلاة. وقوله: «اللهم اسقنا» كرره ثلاثًا؛ لأن تثليثَ الدعاء مستحبٌ. وسَلْع -بفتح السين المهملة وسكون اللام-: جبل بقرب المدينة (٣)، ووقع لبعضهم فتح اللام، ولبعضهم بغين معجمة، وكله خطأ كما قَالَ صاحب «المطالع». ومراد أنس بذلك الإخبار عن معجزة هذا النبي العظيم، وعظيم قَدرِهِ عند ربه، بإنزال المطر حالًا، واستمراره سبعة أيام متوالية من غير تقدم سحاب، ولا قزع، ولا سبب آخر لا ظاهر ولا باطن، وهذا معنى قوله: (وما بيننا وبين سلع من بيت). وفي رواية: من دار، أي: نحن مشاهدون له من السماء، وليس هناك سبب للمطر أصلًا، وشبه السحابة بالترس؛ لكثافتها واستدارتها. وقوله: ثم أمطرت كذا هو بالألف، وفي مسلم: أمطرنا (٤) وهو صحيح، ودليل لمذهب الأكثرين المختار أنه يقال: مطرت وأمطرت لغتان في المطر رباعيًا وثلاثيًا بمعنى واحد، وقيل: لا: يقال أمطرت بالألف إلا في العذاب؛ لقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الشعراء: ١٧٣]، ------------ (١) الحديث السابق. (٢) رواها أبو داود (١١٧٥) كتاب: الصلاة، باب: رفع اليدين في الاستسقاء، والنسائي ٣/ ١٥٩ كتاب: الاستسقاء، باب: كيف يرفع؟ وفي «السنن الكبرى» ١/ ٥٥٧ (١٨١٨) كتاب: الاستسقاء، باب: كيف يرفع؟ (٣) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٧٤٦. و«معجم البلدان» ٣/ ٢٣٧. (٤) كذا عزى هذِه الرواية إلى «صحيح مسلم» ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٥٠٤. حيث قال: ولمسلم في رواية ثابت: فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله. وكذا العيني في «عمدة القاري» ٦/ ٢٢. وقوله: (ما رأينا الشمس سبتًا) هو بسين مهملة، ثم باء موحدة، ثم مثناة فوق أي: قطعة من الزمان، وأصل السبت القطع وقد رواه الداودي (ستًا) وفسره ستة أيام وهو تصحيف. وقوله: «اللهم على الآكام» قَالَ أهل اللغة: الإِكامُ -بكسر الهمزة- جمع أَكَمه، ويقال في جمعها: آكام بالفتح والمد، ويقال: أَكَم بفتح الهمزة والكاف، وأُكُم بضمهما، وهو دون الجبال، وقيل: تل، وقيل: أعلى من الرابية، وقيل: دونها. والظِّراب -بالظاء المعجمة المكسورة- قَالَ الفراء: جمع ظرْب ساكن الراء، قَالَ: وقيل: بكسر الراء، وهو الجبل المنبسط ليس بالعالي وعن الداودي الظَرِب -بفتح الظاء وكسر الراء: الجبل الصغير، وكذا ذكره الجوهري (١) بكسر الراء، وقيل: الآكام أصغر من الظراب وبخط الدمياطي: قيل: بكسر الظاء وسكون الراء. والأودية: أي التي تحمل الماء. ومنابت الشجر: التي تُنبت الزرع والكلأ، يريد بالشجر: المرعى رغبة منه أن تكون الأمطار بحيث لا تضر بأحد كثرتها. وفيه: الدعاء للدفع عن المنازل والمرافق عند الكثرة والضرر، ولا يشرع له صلاة، ولا اجتماع في الصحراء، وممن صرح به ابن بطال حيث قَالَ: ولا بروز فيه، ولا صلاة تفرد له، وإنما يكون الدعاء في الاستصحاء في خطبة الجمعة، أو في أوقات الصلوات وأدبارها، وقد سمى الله تعالى كثرة المطر أذى فقال: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] قَالَ: ولا يحوَّل الرداء في الاستصحاء أيضًا (٢). ----------- (١) «الصحاح» ١/ ١٧٤. مادة: ظرب. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٢ - ١٣. وقوله: (فانقطعت). وفي أخرى: فانقلعت، باللام وهما بمعنى، وفيه معجزة ظاهرة لسيد الأمة في إجابة دعائه متصلًا به، وأدبه في الدعاء؛ فإنه لم يسأل رفْعَه من أصْلِه، بل سأل رفعَ ضَررِه وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن، ولا ابن سبيل، وسألَ بقاءه في موضع الحاجة، بحيث يبقى خصبه ونفعه، وهي بطون الأودية وغيرها من المذكور في الحديث، فيجب امتثال ذلك في نعم الله إذا كثرت، أن لا نسأل الله قطعها وصرفها عن العباد. وقوله: (فسالت أنسًا أهو الرجل الأول؟ قَالَ: لا أدري). كذا هنا، وفي باب الرفع: فأتى الرجل (١)، وظاهره الأول، وفي باب: من اكتفي بالجمعة في الاستسقاء: جاء رجل في الأول، ثم قَالَ: ثم جاء فقال (٢). وفي رواية: قام أعرابي. في الأول، ثم قَالَ: فقام ذلك الأعرابي (٣). وفي أخرى: أو قَالَ غيره (٤)، وفي رواية للبخاري أنه الأول ذكرها في باب الرفع، وسيأتي. قَالَ ابن التين: ولعله تذكر بعد ذلك، أو نسي إن كان هذا الحديث قبل قوله: لا أدري هو الأول أم لا؟ ----------- (١) سيأتي برقم (١٠٢٩) باب: رفع الناس أيديهم مع الإمام. (٢) سيأتي برقم (١٠١٦). (٣) سيأتي برقم (١٠٣٣) كتاب: الاستسقاء، باب: من تمطر في المطر حتى يتحادر على لحيته. (٤) سبق برقم (٩٣٣). ٧ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ ١٠١٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا». قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللهِ مَا نَرَى في السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ. قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». قَالَ: فَأَقْلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِى فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ فَقَالَ مَا أَدْرِي. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٥٠٧] ذكر فيه حديث شريك، عن أنس أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ .. الحديث. وقد سلف (١). ----------- (١) برقم (١٠١٣) الباب السابق، وقبله برقمي (٩٣٢ - ٩٣٣). ٨ - باب الاِسْتِسْقَاءِ عَلَى المِنْبَرِ ١٠١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَحَطَ المَطَرُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَدَعَا، فَمُطِرْنَا، فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنَازِلِنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ إِلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ. قَالَ: فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا». قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينًا وَشِمَالًا يُمْطَرُونَ وَلَا يُمْطَرُ أَهْلُ المَدِينَةِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٩٩٧ - فتح: ٢/ ٥٠٨] ذكر فيه حديث قتادة عن أنس: بَيْنَمَا رَسُولُ الله - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَحَطَ المَطَرُ … الحديث. وقد سلف أيضًا (١). وترجم عليه أيضًا: ------------ (١) هو الحديث السابق. ٩ - باب مَنِ اكْتَفَى بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ ١٠١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ. فَدَعَا، فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ المَوَاشِي، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا. فَقَامَ - ﷺ - فَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٥٠٨] وأخرجه من حديث شريك عن أنس .. الحديث. وفيه: (هلكت المواشي). أي: لعدم وجدان ما ترعى. وفيه: (انجابت عن المدينة انجياب الثوب)، وقد سلف في الجمعة (١). ونقل ابن التين عن ابن شعبان أنه قَالَ في «زاهره»: معناه: خرجت عن المدينة كما خرج الجيب عن الثوب. قَالَ: وفيه دليل على أن من أودع وديعة فجعلها في حبيب قميصه يضمن، وقيل: لا. قَالَ: والأول أحوط لهذا الحديث. قَالَ: وقوله: فقام - ﷺ - فقال. يحتمل أن يكون جالسًا أول ما صعد، أو بين الخطبتين، أو يكون قَالَ له ذلك عند نزوله فثبت قائمًا فدعا. ثم ترجم عليه: ---------- (١) برقم (٩٣٢) باب: رفع اليدين في الخطبة. ١٠ - باب الدُّعَاءِ إِذَا تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ مِنْ كَثْرَةِ المَطَرِ ١٠١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى جُمُعَةٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ المَوَاشِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الجِبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٥٠٩] وساقه من حديث شريك أيضًا عن أنس. ثم ترجم عليه: ١١ - باب مَا قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ١٠١٨ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - هَلَاكَ المَالِ وَجَهْدَ العِيَالِ، فَدَعَا اللهَ يَسْتَسْقِي، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَلَا اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٥٠٩] وساقه من حديث إسحاق بن عبد الله عن أنس مختصرًا وفيه: (جهد العيال): وهو ما أصابهم من الجوع. وفيه: (ولم يذكر أنه حوَّل رداءه ولا استقبل القبلة)، ولا دلالة فيه لمن أنكر التحويل. وشيخ البخاري الحسن بن بشر- (خ. ت. س). وشيخه المعافي بن عمران (خ. د. س) من أفراد البخاري (١)، مات الأول سنة إحدى وعشرين (٢)، والثاني مات سنة أربع (٣) وثمانين ومائة بالموصل. ثم ترجم عليه أيضًا ---------- (١) أي: على مسلم. (٢) فوقها في الأصل كتب: يعني: ومائتين. (٣) فوقها في الأصل كتب: في «الكاشف» ١٢ - باب إِذَا اسْتَشْفَعُوا إِلَى الإِمَامِ لِيَسْتَسْقِيَ لَهُمْ لَمْ يَرُدُّهُمْ ١٠١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله. فَدَعَا الله، فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وَهَلَكَتِ المَوَاشِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الجِبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [انظر: ١٠٠٧ - مسلم: ٢٧٩٨ - فتح: ٢/ ٥١٠] وساقه من حديث شريك عن أنس. ثم ترجم عليه بعد ذلك: ١٤ - باب الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ المَطَرُ (١) [١٠٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَحَطَ المَطَرُ وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ البَهَائِمُ، فَادْعُ الله يَسْقِينَا. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا». مَرَّتَيْنِ، وَايْمُ اللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَأَمْطَرَتْ، وَنَزَلَ عَنِ المِنْبَرِ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ: تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله يَحْبِسُهَا عَنَّا. فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا». فَكُشِطَتِ المَدِينَةُ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوْلَهَا وَلَا تَمْطُرُ بِالمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى المَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٥١٢]] وساقه من حديث ثابت عن أنس. وفيه: (واحمرت الشجر) أي: سقط ورقها من الجدب. وفيه: (وايم الله) اختلف النحويون في ألف أيمن، هل هي وصل أم قطع؟ وليس هذا موضعه. وقوله: (فنشأت سحابة) أي: طلعت وابتدأت وانتشرت. وقوله: (وأمطرت). قَالَ الداودي: جعل الفعل لها كما يقال: مات زيد. وقوله: (صاحوا إليه). قَالَ ابن التين: إن كان هذا محفوظًا، فقد يتكلم الرجل ثم يصيح الناس، فذكره أنس فنسيه الرواة؛ لأن في ------------- (١) كذا بالأصل: باب: الدعاء إذا كَثُر المطر، أتى به المصنف قبل باب: إذا استشفع المشركون بالمسلمين، مخالفًا لما في اليونينية، وسوف يعيد مرة أخرى في موضعه الصحيح باختصار، فتنبه. حديث شريك وغيره: أن رجلًا قَالَ له. ويحتمل أن يعني بالناس: الرجل؛ لأنه يتكلم عنهم وهم حضور سكوت، ولعلهم صاحوا أو تكلم عنهم استشفاعًا بالنبي - ﷺ -، فوافق ذلك قول عمر: كنا نستشفع به (١). قوله: (وإنها لفي مثل الإكليل) كل ما أحاط بشيء فهو إكليل، ومنه سمي الإكليل، وهي العصابة؛ لإحاطتها بالجبين. وقيل: هي الروضة، وعبارة «الصحاح» و«المجمل» هو: شبه عصابة تزين بالجوهر، زاد الجوهري: ويسمى التاج إكليلًا (٢). وممن رواه عن أنس يحيى بن سعيد الأنصاري، ذكره البخاري في باب: رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء. معلقًا (٣). ورواه (مع) (٤) من حديث حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أنس. وفي ذلك أن الإمام إذ سُئل الخروج إلى الاستسقاء يجيب إليه؛ لما فيه من الضراعة إلى الجليل في صلاح أحوال عباده، ثم هو يأمرهم بالتوبة، والخروج من المظالم، وإصلاح نياتهم، ويعظهم. وكذلك إذا سئل الإمام ما فيه صلاح أحوال الرعية يجيبهم إليه أيضًا؛ لأنه راعٍ ومسئول عن رعيته، فعليه حياطتهم، وإجابتهم إلى سؤالهم، وكان من شأنه - ﷺ - أن لا يرد حاجة سائل، وفيما سلف استباحة اليمين لغير ضرورة للتأكيد. ----------- (١) سبق برقم (١٠١٠) باب: سؤال الناس الإمام إذا قحطوا. (٢) «الصحاح» ٥/ ١٨١٢، «المجمل» ٢/ ٧٦٥. (٣) رقم (١٠٢٩). (٤) هكذا رسمها في الأصل. ١٣ - باب إِذَا اسْتَشْفَعَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ عِنْدَ القَحْطِ ١٠٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنِ الإِسْلَامِ. فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا المَيْتَةَ وَالعِظَامَ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا، فَادْعُ الله. فَقَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠] ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ: وَزَادَ أَسْبَاطٌ، عَنْ مَنْصُورٍ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَسُقُوا الغَيْثَ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا، وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ المَطَرِ، [فَ] قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا». فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ. [انظر: ١٠٠٧ - مسلم: ٢٧٩٨ - فتح ٢/ ٥١٠] ذكر فيه حديث مسروق، قال: أتيت ابن مسعود، فقال: إن قريشًا أبطئوا عن الإسلام .. الحديث. تقدم في أول الاستسقاء (١). وقال الداودي: في الحديث تقديم وتأخير واختصار، لما عتت قريش وطغت وآذوا النبي - ﷺ - حَتَّى ألجئوه إلى الخروج من بينهم، وفتنوا من قعد من المسلمين بالعذاب، دعا عليهم الشارع وهو بالمدينة فأُنزل عليه -إما بعد الدعاء وإما قبله- ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠] وهو ما أصابهم من القحط والجدب، فلما اشتد عليهم، أتاه أبو سفيان يسأله أن يدعو لهم. قَالَ: والذي زاد أسباط في البخاري عن منصور: فدعا رسول الله ------------ (١) برقم (١٠٠٧) باب: دعاء النبي - ﷺ -. - ﷺ - فسُقوا الغيث، وأطبقت عليهم سبعًا، وشكا الناس كثرة المطر، فقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا». فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقوا الناس حولهم، غلط. وليس من شأن قريش في شيء؛ لأنه أدخل قصة المدينة في قصة قريش؛ لأنه إنما دعا على أهل مكة، والذي يليهم. والذي أصاب أهل المدينة لم يدعُ النبي - ﷺ - أن يُصابوا به بينه قوله: «حوالينا ولا علينا» وانحدرت السحابة عن رأسه. وليس الوقت الذي أصيب فيه أهل مكة أصيب فيه أهل المدينة. قاله الداودي، وأبو عبد الملك، ونقله ابن التين عنهم، وكذا قَالَ الحافظ شرف الدين الدمياطي: إن الذي زاده أسباط وهم واختلاط، وهو أنه ركَّب سند حديث عبد الله بن مسعود على متن حديث أنس بن مالك، وهو قوله: (فدعا رسول اللهﷺ -، فسقوا الغيث) إلى آخره. وحديث عبد الله بن مسعود كان بمكة، وليس فيه هذا. والعجب من البخاري كيف أورد هذا؟ وإن كان معلقًا مخالفًا لما رواه الثقات. و(أسباط) هو ابن محمد بن عبد الرحمن القاصر، ضعفه الكوفيون، مات أول سنة مائتين (١). ----------- (١) هو أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة، وقيل: أسباط بن محمد ابن أبي عبد الرحمن القرشي، مولاهم، أبو محمد بن أبي عمرو الكوفي، والد عبيد بن أسباط، وقيل: إنه مولى السائب بن يزيد. قال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، وكان من قريش. انظر: «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣ (١٢٦٣)، و«تاريخ بغداد» ٧/ ٤٥، و«تهذيب الكمال» ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٦ (٣٢٠)، و«تهذيب التهذيب» ١/ ١٠٩. ١٤ - باب الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ المَطَرُ: حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا ١٠٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَحَطَ المَطَرُ وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ البَهَائِمُ، فَادْعُ الله يَسْقِينَا. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا». مَرَّتَيْنِ، وَايْمُ اللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَأَمْطَرَتْ، وَنَزَلَ عَنِ المِنْبَرِ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ: تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله يَحْبِسُهَا عَنَّا. فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا». فَكُشِطَتِ المَدِينَةُ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوْلَهَا وَلَا تَمْطُرُ بِالمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى المَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٥١٢] ذكر فيه حديث ثابت عن أنس، وقد سلف بشرح ما فيه (١). ------------- (١) سبق شرح الباب بعد حديث: (١٠١٩) السالف. ١٥ - باب الدُّعَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ قَائِمًا ١٠٢٢ - وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ، وَخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رضي الله عنهم فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ وَلَمْ يُؤَذِّنْ، وَلَمْ يُقِمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ النَّبِيَّ - ﷺ -. [فتح: ٢/ ٥١٣] ١٠٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، أَنَّ عَمَّهُ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ فَدَعَا اللهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ القِبْلَةِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، فَأُسْقُوا. [انظر: ١٠٠٥ - مسلم: ٨٩٤ - فتح: ٢/ ٥١٣] وقال لنا أبو نُعَيْمٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ إلى آخره. وهو قوله: وَلَمْ يُؤَذِّنْ، وَلَمْ يُقِمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَرَأَى عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ النَّبِيَّ - ﷺ -. قلتُ: قد أخرجه البيهقي من طريق أبي غسان، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، ثم قَالَ: رواه البخاري، عن أبي نعيم، قَالَ: ورواه الثوري، عن أبي إسحاق، قَالَ: فخطب ثم صلى، ورواية شعبة، عن أبي إسحاق: فصلى ركعتين ثم استسقى، ورواية الثوري وزهير أشبه (١). وقد رواه عن زهير، عن علي بن الجعد. والذي يظهر أن رواية شعبة موافقة لرواية زهير والثوري، وذلك أنهما ذكرا أنه خطب ثم صلى؛ ولم يذكرا وقت الاستسقاء. وأما شعبة فذكر أنه صلى ثم استسقى، ولم يذكر وقت الخطبة. ---------- (١) «سنن البيهقي» ٣/ ٣٤٩ كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: ذكر الأخبار التي تدل على أنه دعا. وأخرج مسلم في المغازي من حديث غندر عن شعبة، عن أبي إسحاق، أن عبد الله بن يزيد خرج يستسقي بالناس فصلى ركعتين، ثم استسقى، قَالَ: فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: كم غزا رسول الله - ﷺ -؟ قَالَ: تسع عشرة غزوة .. الحديث (١). وجعله خلف من مسند زيد بن أرقم، وذكر في مسند عبد الله بن يزيد ما ذكره البخاري خاصة، وأورد له الحميدي في «جمعه» في المتفق حديثين -أعني: عن عبد الله بن يزيد الخطمي- وقد رأى النبي - ﷺ -، أخرجهما البخاري، ولم يخرج له مسلم شيئًا، وذكر الحديث الآخر، وهو طريق عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد الخطمي أنه - ﷺ - نهى عن المثلة والنهبى (٢)، وقال: وقد رواه عدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - (٣). ولعل مراد الحميدي بقوله: ولم يخرج له مسلم شيئًا يعني: حديثًا متصلًا مرفوعًا، لكن كان ينبغي له أن يذكره ممن انفرد عند البخاري من الصحابة. وقد ذكر جماعة أن مسلمًا خرج له عن البراء وغيره من الصحابة، وذكره ابن طاهر في الصحابة الذين خرج لهم في الصحيحين، وقال: كان صغيرًا على عهد رسول الله - ﷺ -، وكان أمير الكوفة على عهد ابن الزبير (٤). ----------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٥٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: عدد غزوات النبي - ﷺ -. (٢) سيأتي برقم (٢٤٧٤) كتاب: المظالم، باب: النهى بغير إذن صاحبه. وبرقم (٥٥١٦) كتاب: الذبائح والصيد، باب: ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة. (٣) سيأتي برقم (٥٥١٥) كتاب: الذبائح والصيد، باب: ما يكره من المثلة. وانظر: «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٤٩٠. (٤) «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٢٤٥. قَالَ الواقدي: مات في زمن ابن الزبير. وممن نص على أنه كان صغيرًا على عهد رسول الله - ﷺ - أبو حاتم. وقال أبو عبيد الآجري: قلتُ لأبي داود: عبد الله بن يزيد الخطمي له صحبة؟ قَالَ: يقولون رؤية، سمعت يحيى بن معين يقول هذا. قَالَ أبو داود: وسمعت مصعب الزبيري يقول: ليس له صحبة. وهذا ذكره المزي بعد قوله في حقه، وتبع في ذلك أبا عمر بن عبد البر- أن عبد الله هذا شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة وكان أميرًا على الكوفة، وشهد مع علي صفين والجمل والنهروان (١)، فكيف يجتمع هذا القول مع ما سلف (٢). ثم ذكر بعده حديث عباد بن تميم، أن عمه أخبره، أن رسول الله - ﷺ - خرج بالناس يستسقي .. الحديث. أما فقه الباب: فالسنة في الاستسقاء لمن برز إليها أن يدعو الله قائمًا؛ لأنه حال خشوع وإنابة وخضوع، ولذلك لا خلاف بين العلماء أنه لا أذان ولا إقامة لصلاة الاستسقاء. وقوله: (وخرجَ معَهُ البراءُ بنُ عازِب وزيدُ بنُ أرْقم)، إنما استسقى عبد الله بن يزيد؛ لأنه كان الأمير، ففيه: استحباب الخروج إلى المصلى في الاستسقاء. وقوله: (فَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرِ)، فيه: الخطبة قائمًا بدون منبر، حَتَّى منع مالك في «المدونة» الاستسقاء عليه (٣)، وأجازه في ----------- (١) «الاستيعاب» ٣/ ١٢٤ (١٧٠٣)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٠١ - ٣٠٢ (٣٦٥٦). (٢) انظر: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ١١٣٦ (٥٧٠). (٣) ١/ ١٥٣. ![]()
__________________
|
|
#225
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 261 الى صـــ 280 الحلقة (225) «المجموعة» (١)، وفي «الذخيرة» لا يخرج المنبر ولكن يتوكأ على عصا (٢). وقوله: (ولم يُؤذن، ولم يُقِم). هذا حكمها، وقد سلف. وقوله: (فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهما بِالقِرَاءَةِ)، أما الاستغفار فلقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآية. جعل الاستغفار مكان الخطبة. وأما صلاة ركعتين فهو مذهب الجمهور. وأما الجهر فله باب يأتي (٣). وأسلفنا رواية الثوري أن الخطبة قبل الصلاة، ورواية مسلم أنه صلى ثم استسقى. وممن قَالَ: الخطبة قبل الصلاة الليث بن سعد، وقاس على الجمعة (٤)، ومن عكس شبه بالعيد. وفيه: دليل على أن صلاة الاستسقاء كصلاة التطوع، وهو مذهب مالك، والأوزاعي، وأبي ثور، وإسحاق. ------------ (١) «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٦. (٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٣٤. (٣) هو الباب التالي. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٣. ١٦ - باب الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ؟ ١٠٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَسْقِي فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ. [انظر: ١٠٠٥ - مسلم: ٨٩٤ - فتح: ٢/ ٥١٤] ذكر فيه حديث عباد بن تميم، عن عمه قَالَ: خَرَج النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَسْقِي فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَة. الشَرح: السنة المجمع عليها الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء، وإنما اختلف في قراءة الكسوف على ما ستعلمه. والحديث دال على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة؛ لأن (ثمَّ) للترتيب. وروي ذلك عن عمر، وابن الزبير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول الليث (١). وقال مالك، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي: يبدأ بالصلاة قبلها (٢). وحجتهم ما رواه عباد، عن عمه، أنه - ﷺ - خرج يستسقي، فصلى ركعتين، وقلب رداءه، كما يأتي في البخاري في الاستسقاء في ----------- (١) روى هذِه الآثار ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٣١٨ - ٣١٩. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٣. واختلف قول مالك فيه فكان يقول زمانًا أن الخطبة قبل الصلاة، ثم رجع إلى ما في «الموطأ» فقال الصلاة قبل الخطبة. انظر: «المنتقى» ١/ ٣٣٢، «الأوسط» ٤/ ٣١٩. المصلى (١). وحديث أبي هريرة أنه - ﷺ - صلى، ثم خطب (٢). واحتج الطحاوي لأصحابه في ذلك فقال: لما اختلفت الآثار فيه نظرنا فوجدنا الجمعة فيها خطبة، وهي قبل الصلاة عكس العيد، وهي بالعيد أشبه منها بالجمعة (٣). وقال القاضي أبو محمد: لا خلاف في تقديمها على الخطبة (٤)، إلا ما حكي عن ابن الزبير (٥)، وهو عجيب منه. فقد روي عن مالك خلافه، وهو قول العمرين. وبه قَالَ الليث، والذي في «الموطأ» (٦) و«المدونة» (٧)، وهو المشهور من مذهب مالك، وقول جميع الفقهاء ما سلف. وقال أشهب في «مدونته»: اختلف الناس في ذلك، واختلف فيه عن رسول الله - ﷺ -. وقول مالك. فكان قول الأول الخطبة قبل كالجمعة. ودليله الحديث المذكور. ------------ (١) برقم (١٠٢٧). (٢) رواه ابن ماجه (١٢٦٨) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الاستسقاء. وأحمد ٢/ ٣٢٦. وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٣٣٨ (١٤٢٢) كتاب: الصلاة، باب: إعادة الخطبة ثانية بعد صلاة الاستسقاء. والبيهقي ٣/ ٣٤٧ كتاب: الاستسقاء، باب: الدليل على أن السنة في صلاة الاستسقاء السنة في صلاة العيدين. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٦١). (٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٢٦. (٤) «المعونة» ١/ ١٨٧، وانظر: «المغني» ٢/ ٢٨٨. (٥) روى ذلك عبد الرزاق ٣/ ٨٦ (٤٨٩٩) كتاب: الصلاة، باب: الاستسقاء. (٦) «الموطأ» ص ٢٠٦. (٧) ١/ ١٥٣. ١٧ - باب كَيْفَ حَوَّلَ النَّبِيُّ - ﷺ - ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ؟ ١٠٢٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، قَالَ: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ. [انظر: ١٠٠٥ - مسلم: ٨٩٤ - فتح: ٢/ ٥١٤] ذكر فيه حديث عباد بن تميم عَنْ عَمِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، قَالَ: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلى لنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ. ثم ترجم له: ١٨ - باب صَلَاةِ الاِسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ. ١٠٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. [انظر: ١٠٠٥ - مسلم: ٨٩٤ - فتح: ٢/ ٥١٤] ثم ساقه من حديث عباد عَنْ عَمِّهِ أَن النَّبِيُّ - ﷺ - اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. ثم ترجم له: ١٩ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي المُصَلَّى. ١٠٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى المُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. قَالَ سُفْيَانُ: فَأَخْبَرَنِي المَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: جَعَلَ اليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ. [انظر: ١٠٠٥ - مسلم: ٨٩٤ - فتح: ٢/ ٥١٥] ثم ساقه من حديث عَبَّاد، عَنْ عَمِّهِ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى المُصَلَّى يَسْتَسْقِي .. الحديثُ. ثم قال: قَالَ سُفْيَانُ: فَأَخْبَرَنِي المَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ قَالَ: جَعَلَ اليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ. والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبه بن مسعود أخو أبي العميس، عتبة أهمله الكلاباذي في «رجال البخاري». ثم ترجم: ٢٠ - باب اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ ١٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى يُصَلِّي، وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ- اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ ابْنُ زَيْدٍ هَذَا مَازِنِيٌّ، وَالأَوَّلُ كُوفِيٌّ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. [انظر: ١٠٠٥ - مسلم: ٨٩٤ - فتح: ٢/ ٥١٥] وزاد فيه: أَنَّهُ لَمَّا دَعَا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ- اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله هَذَا مَازِنِيٌّ، وَالأَوَّلُ كُوفِيٌّ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. الشرح: سنة من برز إلى الاستسقاء أن يستقبل القبلة ببعض دعائه. وسنة من خطب الناس معلمًا لهم وواعظًا أن يستقبلهم بوجهه أيضًا، ثم يعود عند دعاء الاستسقاء فيستقبل القبلة؛ لأن الدعاء مستقبلها أفضل. واختلف قول مالك وأصحابه في وقت تحويل الإمام ردائه على أقوال أسلفناها في بابه، وهي خارجة من الحديث، من أجل شك المحدث في تحويل الرداء، إن كان قبل الدعاء أو بعده، ولم يذكر في الحديث التكبير في الصلاة كتكبير العيدين، وهو قول الشافعي كما نقله عنه الطحاوي، ثم ذكر حديثًا طعن في إسناده (١). والصحيح من مذهبه أنه يبدله بالاستغفار. وحديث: (خرج إلى المصلى يستسقي). فيه: أن الصلاة قبل الخطبة؛ لأنه فيه ذكر قلب الرداء، والعلماء قاطبة على أنه مختص ------------- (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٢٤. بالخطبة، إلا أن منهم من قَالَ: بعد تمامها. ومنهم من قَالَ: بعد صدر منها، ومنهم من قَالَ: عند فراغها على ما سلف. فإذا كانت الخطبة وقلب الرداء بعد الصلاة، فهو الذي ذهب إليه مالك أن الصلاة قبل الخطبة، وهو نص الحديث. وقوله: (ثم جعل اليمين على الشمال)، قد سلف ما للعلماء فيه. قَالَ المهلب: وفيه دليل على أن الشارع كان يلبس الرداء على حسب لباسنا، وهو غير الاشتمال؛ لأنه حوَّل ما على يمينه على يساره، ولو كان لباسه اشتمالًا لما صحت العبارة عنه إلا بأن يقال: قلب أسفله أعلاه، أو حل رداءه فقلبه، وهذا ظاهر (١). وقوله: (وخرج بهم إلى المصلى) قال على أن له موضعًا يختص به وهو المصلى؛ لأن الألف والسلام للعهد. وهل يصلى قبل الاستسقاء وبعدها؟ أجازه مالك في «الموطأ» (٢)، و«المدونة» (٣)، وقال ابن وهب: يكره فيهما. قَالَ ابن حبيب: وبه أقول (٤). وقاله جماعة من لقيت. ------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٠. (٢) ١/ ٢٣٩ (٦٠٩) باب: العمل في الاستسقاء. (٣) «المدونة» ١/ ١٥٤. (٤) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٣٦. ٢١ - باب رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ الإِمَامِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ ١٠٢٩ - قَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ البَدْوِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَاشِيَةُ، هَلَكَ العِيَالُ، هَلَكَ النَّاسُ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ، قَالَ: فَمَا خَرَجْنَا مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتَّى كَانَتِ الجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَشِقَ المُسَافِرُ، وَمُنِعَ الطَّرِيقُ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٥١٦] ١٠٣٠ - وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَشَرِيكٍ، سَمِعَا أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ. [١٠٣١، ٣٥٦٥، ٦٣٤١ - مسلم: ٨٩٥ - فتح: ٢/ ٥١٦] وقال أيّوب بْنُ سُلَيْمَانَ بن بلال: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ البَدْوِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَاشِيَةُ .. الحديث، إلى أن قال: حَتَّى إذا كَانَتِ الجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَشِقَ المُسَافِرُ، وَمُنِعَ الطَّرِيقُ. الشرح: هذا الحديث أخرجه النسائي مختصرًا، عن بندار، عن أبي هشام المغيرة بن سلمة، عن وهيب، عن يحيى بن سعيد، عن أنس أن النبي - ﷺ - قَالَ: «اللهم اسقنا» (١)، وأسنده البيهقي من حديث أبي إسماعيل ------------ (١) «المجتبى» ٣/ ١٦٠، «السنن الكبرى» ١/ ٥٦٠ (١٨٢٣): أخبرنا محمد بن بشار به. ومحمد بن بشار يلقب: بندار. محمد بن إسماعيل الترمذي ثنا يوسف بن سليمان، ثم ساقه إلى آخره ثم قال: أخرجه البخاري في «الصحيح» فقال: وقال أيوب بن سليمان. ورواه الإسماعيلي عن أبي إسماعيل المذكور به، وفيه: حبس المسافر، وانقطع الطريق (١). ورواه أبو نعيم من هذا الوجه أيضًا. ثم قَالَ: ذكره البخاري، عن أيوب بلا رواية، وفيه: (أشق) وقال غيره: (لشق). قَالَ ابن الجوزي عن البخاري (بشق) أي: اشتد السفر عليه، وقيل: انحصر، وقيل: حبس واعتقل. وقيل: بالباء خطأ إنما هو بالنون. وقال ابن دريد: بشق، وبشك إذا أسرع. وقال الخطابي: بشق ليس بشيء، وإنما هو لثق من اللثق وهو الوحل. يقال: لثق الطريق، ولثق الثوب إذا أصابه ندى المطر ولطخ الطين. ويحتمل أن يكون مشق بالميم، يريد أن الطريق صارت مزلة زلقا، ومنه مشق الخط (٢)، والميم والباء يتقاربان. وقال ابن الأثير: قيل: معناه: تأخر، وقيل: حبس، وقيل: ملّ، وقيل: ضعف (٣). وذكر الرواة في الحديث على ما قاله ابن بطال (بشق) -بالباء (٤) - ولم أجد له في اللغة، ووجدته في «نوادر اللحياني» نَشِق -بالنون وكسر الشين وارتبق وانربق ونشب، وعلق واستورط، وارتبط، واستبرق بمعنى: نشب، وعلى هذا يصح المعنى؛ لقوله ومنع الطريق ------------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٥٧ كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٦٠٦. (٣) «النهاية» ١/ ١٣٠. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢١. وقال كراع: نشق الصيد في الحبالة نَشَقًا نشب. وكذلك فراشه القفل، وقال المطرز: النشاقة: حبالة الصائد. وقال أبو عبيد في «المصنف»: الربقة والنشقة: الحلقة التي تشد بها الغنم. وقال ابن فارس في باب النون والشين: نَشِقَ الظبي في الحِبَالة: عَلِق، ورجل نَشِق: إذا وقع في أمر لا يكاد يتخلص منه (١)، وهذا أبين (٢) مما ذكره أبو سليمان؛ لأن بشق يصح أن يكون تصحيفًا، بخلاف لثق. وقال الدمياطي: قيل: إنه الصواب، وقيد الأصيلي نَشق بفتح النون، وفي «المنضد» بكسرها، وقيل: إنه مشتق من الباشق، وهو ظاهر لا ينصرف إذا كثر المطر، وقيل: ينفر الصيد ولا يصيد، حكاه عياض (٣). وقوله: (رفع يديه) هو سنة الاستسقاء، وقد سلف ما فيه في الجمعة. قَالَ ابن حبيب: كان مالك يرى رفع اليدين في الاستسقاء للناس والإمام وبطونهما إلى الأرض. وذلك العمل عندنا للاستكانة والخوف والتضرع، وهو الرهب، وأما عند الرغب والمسألة فيبسط الأيدي، وهو الرغب، وهو معنى قوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٤): خوفًا وطمعًا، وقوله: (يدعون) فيه دلالة على أنهم يدعون معه والناس يؤمنون، أو يقولون مثل قوله. ------------ (١) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٦٨. (٢) انظر: «لسان العرب» ٧/ ٤٤٣١ - ٤٤٣٢. (٣) «مشارق الأنوار» ١/ ١٠١. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٣ - ٥١٤. ٢٢ - باب رَفْعِ الإِمَامِ يَدَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ ١٠٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. [انظر: ١٠٣٠ - مسلم: ٨٩٥ - فتح: ٢/ ٥١٧] ذكر فيه حديث أنس: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ في شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا في الاِسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّة يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وأول على أن المراد الرفع البليغ. وألحق ابن القاسم في «المدونة» مواضع الدعاء، ومنها الصفا والمروة، وعند الجمرتين، وبعرفات، وبالمشعر الحرام، رفعًا خفيفًا (٢). -------------- (١) «صحيح مسلم» (٨٩٥) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء. (٢) ١/ ٧١. ٢٣ - باب مَا يُقَالُ إِذَا أَمْطَرَتْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (كَصَيِّبٍ) [البقرة:١٩] المَطَرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: صَابَ وَأَصَابَ يَصُوبُ. ١٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَأَى المَطَرَ قَالَ: «صَيِّبًا نَافِعًا». تَابَعَهُ القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ وَعُقَيْلٌ عَنْ نَافِعٍ. [فتح: ٢/ ٥١٨] ثم ذكر حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَأَى المَطَرَ قَالَ: «صَيِّبًا نَافِعًا». هذا الأثر أخرجه الطبري في «تفسيره» (١). والحديث من أفراد البخاري: وفي رواية لأبي داود «صَيِّبًا هنيئًا» (٢) وفي رواية لابن ماجه: «اللهم سيبًا نافعًا» مرتين أو ثلاثًا (٣)، والسيب: العطاء. وللنسائي في «سننه الكبرى»: «اجعله سيبًا نافعا» (٤). و(الصيب): المطر. وقال الخطابي: المطر الشديد (٥). وذكر الدارقطني اختلافًا في إسناده، وقال: الصحيح طريق البخاري، قَالَ البخاري: تابعه القاسم بن يحيى، عن عبيد الله. ورواه الأوزاعي، عن عقيل، عن نافع. ذكر الدارقطني رواية الأوزاعي مرة عن نافع، ومرة عن رجل عنه، ومرة ------------ (١) «تفسير الطبري» ١/ ١٨٢ (٤٠٧). (٢) أبو داود (٥٠٩٩). (٣) «سنن ابن ماجه» (٣٨٨٩) كتاب: الدعاء، باب: الرجل إذا رأى السحاب والمطر. (٤) «السنن الكبرى» ١/ ٥٦١ (١٨٢٨). (٥) «أعلام الحديث» ١/ ٦٠٨. عن محمد بن الوليد، عن نافع، وذكره مرة عن عقيل بن خالد عن نافع. ونقل البيهقي عن يحيى بن معين، أنه كان يزعم أن الأوزاعي لم يسمع من نافع قول ابن عمر (١). و(القاسم بن يحيى) من أفراد البخاري. وقول ابن عباس: (﴿كَصَيِّبٍ﴾: المطر) هو: فعيل من صاب يصوب إذا نزل من علو إلى سفل. قوله: («صيبًا») سلف تفسيره. قَالَ صاحب «المطالع»: أصله: صَيْوِب في مذهب البصريين، وعند غيرهم صويب. وضبط الأصيلي (صيبًا) بتخفيف الياء يُقال: صاب السحاب وأصاب إذا مطر، وأظن الواو تصحفت بالألف. وفي كتاب «الأفعال»: صاب يصوب صوبًا وصيبًا فأصاب مطره (٢). ويقال صاب الشيء نزل من علو إلى سفل، وصاب إذا قصد. وقال ابن الأثير: أصله: الواو؛ لأنه من صاب يصوب إذا نزل، وبناؤه صيوب، فأبدلت الواو ياء وأدغمت (٣). وقال ابن التين: (صيبًا) مخفف في رواية أبي الحسن، ومشدد في رواية أبي ذر على وزن فيعل أصله: صيوب، إلا أن من أصلهم إذا التقت الواو والياء وسبق الأول منها بالسكون قلبت الواو ياء كانت أولًا أو آخرًا وأدغمت الأولى في الثانية مثل عجيز في تصغير عجوز، والأصل: عُجَيْوِز. وقال ابن بطال: قَالَ ابن عيينة: حفظناه (سيبًا) (٤). ------------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٦١ كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: ما كان يقول إذا رأى المطر. (٢) «الأفعال» لابن القطاع ٢/ ٢٥٥. (٣) «النهاية» ٢/ ٦٤. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٢. وقال الخطابي: المسيب: العطاء (١)، وقد سلف، والسيب مجرى الماء، والجمع سيوب، وقد ساب يسوب إذا جرى. أما فقه الباب: ففيه: الدعاء في الازدياد من الخير والبركة فيه، والنفع فيه. وقد صرح أصحابنا (٢) باستحباب ذلك عند المطر (٣). ------------ (١) «أعلام الحديث» ٢/ ٤٣٢. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٩٥. (٣) في هامش الأصل: ثم بلغ في التسعين كتبه مؤلفه غفر الله له. ٢٤ - باب مَنْ تَمَطَّرَ فِي المَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ ١٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ المَالُ، وَجَاعَ العِيَالُ، فَادْعُ الله لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قَالَ: فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، قَالَ: فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَفِي الغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ وَغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ الله لَنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا». قَالَ: فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلاَّ تَفَرَّجَتْ حَتَّى صَارَتِ المَدِينَةُ فِي مِثْلِ الجَوْبَةِ، حَتَّى سَالَ الوَادِى -وَادِي قَنَاةَ- شَهْرًا. قَالَ: فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالجَوْدِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٥١٩] فيه حديث أنس: هَلَكَ المَالُ، وَجَاعَ العِيَالُ .. إلى آخره. سلف في باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة (١). وهو دال على الاستزادة من المطر مع دوامه والصبر للوابل. ولا ينفر وجمعه في الثياب وغيرها عند الحاجة إليه، وكذلك في كل نعمة وفضل يستزاد منه ويشكر. وفيه: بركة دعوة الشارع.(١) سبق برقم (٩٣٣) باب: الاستسقاء في الخطبة. و(تَمَطَّرَ للمَطَرِ) بمعناه تعرض، وتفعل عند العرب تأتي بمعنى: أجزل من الشيء بعضًا بعد بعض، نحو كسيت أكسا وتنقصته الأيام. وقوله (وَادِي قَنَاة) هو مضاف غير مصروف؛ لأنه معرفة، وسلف في الجمعة حَتَّى سأل الوادي قناة (١) غير مصروف أيضًا؛ لأنه بدل من معرفة، وقد أسلفنا ذلك هناك. ----------- (١) سبق برقم (٩٣٣) باب: الاستسقاء في الخطبة. ٢٥ - باب إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ ١٠٣٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [فتح: ٢/ ٥٢٠] ذكر فيه عن أنس قال: كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وجهِ النَّبِيِّ - ﷺ -. هذا الحديث من أفراده. وفي حديث آخر في «الصحيح» أن عائشة قالت: قيل له ذلك، فذكر قصة عاد (١)، وقوله: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] وكان - ﷺ - يخشى أن يصيبهم عقوبة ذنوب العامة، كما أصاب الذين قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. وفيه تذكر ما ينسى الناس من عذاب الله -عز وجل- للأمم الخالية، والتحذير من طريقهم في العصيان خشية نزول ما حل بهم، قَالَ تعالى ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى﴾ إلى قوله: ﴿الخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٨] وعلى هذا كان الأنبياء والصالحون يشعرون أنفسهم الخوف من الله تعالى، يقول الله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] وهم الخاشعون، كذا قَالَ الداودي، واعترضه ابن التين بأن المعروف أن المخبت: المطمئن بأمر الله تعالى، وقيل: الذي لا يظلم، وإذا ظلم لم ينتصر. ومصدر (هبت الريح) هبوبًا، والتيس هبابًا، والنائم هبًا، والسيف هبة، والبعير هبابًا، إذا نشط من سفره. قَالَ أشهب: إذا هبت الريح الشديدة فافزع إلى الصلاة. ------------ (١) رواه مسلم برقم (٨٩٩) كتاب: صلاة الاستسقاء. ٢٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا» ١٠٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ». [٣٢٠٥، ٣٣٤٣، ٤١٠٥ - مسلم: ٩٠٠ - فتح: ٢/ ٥٢٠] ذكر فيه حديث ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وأخرجه البخاري في بدء الخلق (٢)، وأحاديث الأنبياء (٣)، وغزوة الخندق من المغازي (٤)، وبوب عليه البيهقي باب أي الريح يكون منها المطر (٥). و(الصَّبا) بفتح الصاد المهملة، مقصورة: الريح الشرقية تأتي لينة، وهي القبول أيضًا. قَالَ الشافعي: أخبرنا من لا أتهم، ثنا عبد الله بن عبيد الله، عن محمد بن عمرو أن النبي - ﷺ - قَالَ: «نصرت بالصبا، وكانت عذابًا على من كان قبلنا» (٦). قلتُ: والصَّبا إحدى الرياح الأربع: الصبا؛ والدبور مقابلها، والشمال؛ والجنوب مقابلها. قَالَ الجوهري: مهب الصبا المستوى أن ------------ (١) «صحيح مسلم» (٩٠٠) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: في ريح الصبا والدبور. (٢) سيأتي برقم (٣٢٠٥) كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾. (٣) سيأتي برقم (٣٣٤٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. (٤) سيأتي برقم (٤١٠٥). (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٦٤ كتاب: صلاة الاستسقاء. (٦) «مسند الشافعي» ١/ ١٧٦ (٥٠٥) باب: في الدعاء. تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار (١). والشمال الريح التي تهب من ناحية القطب يعني: الجدي؛ لأنها تأتي من جهة الشمال، والجمع شمالات بالفتح، وشمائل على غير قياس. والوارد في أشعار العرب وأقوالهم أن الجنوب تجمع السحاب، والشمال تقصره؛ فتأتي بالمطر. والصبا تسلي عن المكروب. فهذه الثلاثة تأتي بخير وهي المنشآت. وعبارة ابن التين: الرياح ثمانية: قبول: وهي التي تأتي من مطلع الشمس، ودبور: وهي التي تأتي من دبر تلك القبلة، والصبا: عن يمين مستقبلة القبلة وهي الجنوب؛ لأنها من جانب الأيمن. وعند أهل اللغة أن الصبا هي القبول. والشمال عن شمال مستقبل تلك القبلة؛ لأنها عن شماله. وبين كل ريحين من هذه ريح تسمى النكباء. و(نَصْرُهُ بالصبا) يريد ما أنعم الله به في غزوة الخندق على المسلمين، وكان - ﷺ - المسلمون في شدة وضيق، وتجمعت المشركون لقتاله. فبعث الله على المشركين ريحًا باردة في ليالٍ شاتية شديدة البرد، وكانت ريح الصبا فأطفئت النيران، وقطعت الأطناب، وألقت المضارب والأخبية، وألقى الله عليهم الرعب، فانهزموا في غير قتال ليلًا. وجاء في التفسير أن ريح الصبا هي التي حملت ريح يوسف قبل البشير إلى يعقوب فإليها يستريح كل محزون (٢). ----------- (١) «الصحاح» ٦/ ٢٣٩٨. (٢) انظر: «تفسير البغوي» ٤/ ٢٧٥. و«زاد المسير» لابن الجوزي ٤/ ٢٨٤. ![]()
__________________
|
|
#226
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 281 الى صـــ 300 الحلقة (226) وقال الداودي: إذا أراد نصر قوم أتت الرياح من جهتهم فسدت عيون مقاتليهم، فأوهنتهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] والريح القبول: هي التي تأتي من مطلع الشمس، وقيل لها قبول؛ لأنها كانت القبلة قبل الإسلام. وقال القزاز: سميت الصبا قبولًا؛ لأنها تقابل باب الكعبة. يقال: صبت الريح تصبو صبًا إذا هبت بالقبول. وغَلَّطَ ابن التين الداودي. وأما الدبور فهي بفتح الدال: الغربية وهي الريح العقيم؛ لأنها لا تلقح الشجر، وتهدم البنيان، وتقلع الأشجار، وهي مذمومة في القرآن العظيم، وهي التي تقابل الصبا، سميت بذلك؛ لأنها تأتي من دبر الكعبة. وفي الحديث تفضيل المخلوقات بعضها على بعض، وإخبار المرء عن نفسه بما خصه الله به، والإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها على وجه التحدث بالنعم والاعتراف بها والشكر له لا على وجه الفخر في حقنا. ٢٧ - باب مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالآيَاتِ ١٠٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ -وَهْوَ القَتْلُ القَتْلُ- حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضُ». [انظر: ٨٥ - مسلم: ١٥٧ - فتح: ٢/ ٥٢١] ١٠٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِى يَمَنِنَا. قَالَ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا. قَالَ: قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا. قَالَ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا قَالَ: قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. [٧٠٩٤ - فتح: ٢/ ٥٢١] ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث أبي هريرة: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْم ..» الحديث. الحديث الثاني: حديث نافع عن ابن عمر: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا .. الحديث. الشرح: أما الحديث الأول فالمراد بقبض العلم فيه أكثره فيقل، ومنه «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ولكن بقبض العلماء» (١) يبينه قوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حَتَّى يأتي أمر الله» (٢)، وقوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة، ومن مبين طريق المحجة. -------- (١) سبق برقم (١٠٠) كتاب: العلم، باب: كيف يقبض العلم. (٢) سبق برقم (٧١) كتاب: العلم، باب: من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين. وقوله: («وتكثر الزلازل») هو جمع زلزلة: وهي حركة الأرض بتحرك الموضع منها حَتَّى ربما سقط البناء. وظهورها والآيات وعيد من الرب ﷻ لأهل الأرض: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وكذا قَالَ - ﷺ - إنه وعيد شديد لأهل الأرض. والتخويف والوعيد بهذه الآيات إنما يكون عند المجاهرة بالمعاصي والإعلان بها، ألا ترى قول عمر حين زلزلت المدينة في أيامه: يا أهل المدينة، ما أسرع ما أحدثتم؛ والله لإن عادت لأخرجن من بين أظهركم؛ فخشى أن تصيبه العقوبة معهم (١). كما قالت عائشة لرسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قَالَ: «نعم، إذا كثر الخبث» (٢) وإذا هلكت العامة بذنوب الخاصة بعث الله الصالحين على نياتهم. واختلف في الصلاة عند الزلزلة والنار وسائر الآيات كما قَالَ ابن المنذر، فقالت طائفة: يصلى عندها كما في الكسوف، وروي عن ابن عباس أنه صلى في الزلزلة بالبصرة. وقال ابن مسعود: إذا سمعتم هذا من السماء فافزعوا إلى الصلاة (٣). وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور (٤)، وكان مالك والشافعي لا يريان ذلك (٥). وروى الشافعي أن عليًّا صلى في الزلزلة جماعة، ثم قَالَ: إن صح قلتُ به (٦)، فمن ------------ (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٢ (٨٣٣٥)، ونعيم بن حماد المروزي في «الفتن» ٢/ ٦٢٠ - ٦٢١ (١٧٣١)، والبيهقي ٣/ ٣٤٢ من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد قاله زلزلت الأض على عهد عمر .. الحديث. (٢) رواه الترمذي (٢١٨٥)، وسيأتي برقم (٣٣٤٦). ورواه مسلم (٢٨٨٠) من حديث زينب بنت جحش. (٣) «الأوسط» ٥/ ٣١٤. (٤) «المغني» ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣. (٥) انظر: «المدونة» ١/ ١٥٢، «التمهيد» ٥/ ٢٩٨، «الأم» ١/ ٢١٨، «البيان» ٢/ ٦٧٠. (٦) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٥/ ١٥٨ (٧١٦٣). أصحابه من قَالَ: هذا قول آخر له في الزلزلة وحدها، ومنهم من عمم في جميع الآيات (١)، لكنه لم يصح عن علي، ولو ثبت فعل علي للصلاة منفردًا، ولنا ما جاء عن غير علي من نحو هذا، وقال الكوفيون: الصلاة في ذلك حسنة (٢)، وحديث الكسوف «فإذا رأيتم شيئًا من ذلك» (٣) يعم الزلازل وجميع الآيات، لكن رواية «فإذا رأيتموهما» (٤) يعني: الشمس والقمر تأباه، وما صلى الشارع إلا في الشمس والقمر، وهو المنقول عن فعله (٥). وقال الشافعي: قَالَ الله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧] الآية، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية. مع ذكر غيرها من الآيات في كتابه، فذكر الآيات ولم يذكر معها سجودًا إلا مع الشمس والقمر، وأمر أن لا يُسجد لهما وأمر أن يُسجد له. فاحتمل أمره أن يُسجد له عند ذكر الشمس والقمر، أن يؤمر بالصلاة عند حادث فيهما. واحتمل أن ------------ (١) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٨٩. وقال القفال رحمه الله: ولا تسن هذِه الصلاة لآية سوى الكسوف. من الزلازل. والصواعق والظلمة بالنهار. وحكي في «الحاوي»: أن الشافعي رحمه الله حكى في اختلاف علي أنه صلى في زلزلة. وحكي أن الشافعي رحمه الله قال: إن صح قلت به. فمن أصحابنا من قال: أراد إن صح عن النبي - ﷺ -. ومنهم من قال: أراد إن صح عن علي - رضي الله عنه -. ومنهم من قال. قلت به. أراد في الزلزلة خاصة. ومنهم من قال: في سائر الآيات. والأصح من ذكرناه. «حلية العلماء» ٢/ ٢٧٠. (٢) انظر: «الأصل» ٢/ ٧٥، «المبسوط» ١/ ٤٤٤. (٣) سيأتي برقم (١٠٥٩) كتاب: الكسوف، باب: الذكر في الكسوف. (٤) سيأتي برقم (١٠٤٥) كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس. (٥) انظر: «الأوسط» ٥/ ٣١٤. يكون إنما نهى عن السجود لهما كما نهى عن عبادة ما سواه، فدل رسول الله - ﷺ - على أن يصلى عند كسوفهما فاشتبه ذلك الاختصاص بهما، ولا يفعل في شيء غيرهما، هذا معنى كلامه ملخصًا. وقال ابن التين: استحب بعض العلماء أن يفزع إلى الصلاة عند الزلازل والظلمة. نص عليه عند أشهب في الظلمة والريح الشديدة، وقال: يصلون أفرادًا وجماعةً (١)، وكره في «المدونة» السجود عند الزلازل وسجود الشكر (٢). ويروى عن مالك جواز السجود عند الشكر، وعلى هذا يجوز عند الزلازل أن يسجد خوفًا. وقوله: «ويتقارب الزمان» في معناه أربعة أقوال، حكاها ابن الجوزي: أحدها: أنه قرب القيامة، والمعنى إذا اقتربت القيامة كان من شرطها الشح والهرج. ثانيها: أنه قصر مدة الأزمنة عما جرت به العادة، كما جاء حين تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم. ثالثها: أنه قصر الأعمار يعني: قلة البركة فينا. رابعها: أنه تقارب أحوال الناس في غلبة الفساد عليهم. ويكون المعنى: يتقارب أهل الزمان أي: تتقارب صفاتهم في القبائح. ولهذا ذكر على أثره الهرج والشح. وقال ابن التين: قيل: إن الأيام والليالي والساعات تقصر. ويحتمل أن يريد تقارب الآيات بعضها من بعض، وقرب الساعة. قَالَ ------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٢. (٢) ١/ ١٠٤، ١/ ١٥٢. تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١]، وقال: ﴿قْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر:١]. وقال المنذري في»حواشيه«: قيل: معناه: تطيب تلك الأيام، حَتَّى لا تكاد تُستطال بل تقصر. وقيل: على ظاهره من قصر مددها. وقيل: تقارب أحوال أهله في قلة الدين حَتَّى لا يكون فيهم من يأمر بالمعروف، ولا يُنهى عن منكر؛ لغلبة الفسق وظهور أهله. قَالَ الطحاوي: وقد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصة. وقوله: (»يكثر الهرج وهو القتل«).» قَالَ ابن التين: الهرج ساكن الراء: القتل، كما ذكر وبتحريكها: أن تظلم عينا البعير من شدة الحر. وقوله: («حَتَّى يكثر فيكم المال فيفيض») الفيض: الكثيرة، كما قاله أهل اللغة (١). قَالَ صاحب «المطالع»: يفيض المال أي: يكثر حَتَّى يفضل منه بأيدي ملاكه ما لا حاجة لهم به. وقيل: بل ينتشر في الناس ويعمهم، وهو الأولى. وقد سلف نحو هذا الحديث في باب رفع العلم (٢)، فليراجع منه. وفي الحديث أشراط من الساعة قد ظهرت، قَالَ ابن بطال: ونحن في ذلك قد قُبض العلم، وظهرت الفتن، وعمت وطبقت، وكثر الهرج -وهو القتل- وكثر المال، ولا سيما عند أراذل الناس، كما جاء في الحديث «عند تقارب الزمان يكون أسعد الناس في الدعاء لكع بن لكع» (٣)، «ويتطاول، ------------- (١) انظر:»الصحاح«٦/ ٣٥٠٠. (٢) سبق برقم (٨٥) كتاب: العلم. (٣) رواه الترمذي برقم (٢٢٠٩) كتاب: الفتن، باب: منه. وأحمد ٥/ ٣٨٩. والبيهقي في»دلائل النبوة«٦/ ٣٩٢. والبغوي في»شرح السنة" ١٤/ ٣٤٦ (٤١٥٤). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو. = رعاة الإبل البهم في البنيان» (١)، وقد شاهدناه عيانًا، أعاذنا الله من سوء المنقلب، وختم أعمالنا بالسعادة والنجاة من الفتن (٢). هذا لفظه. فكيف لو أدرك زماننا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأما الحديث الثاني فيأتي نحوه في الفتن، من طريق نافع عن ابن عمر (٣)، وأخرجه الترمذي في المناقب، وقال: حسن صحيح غريب (٤). قَالَ: وقد روي هذا الحديث أيضًا عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - في نسخ وقف هذا الحديث على ابن عمر، وفي نسخة الدمياطي رفعه، قَالَ الحميدي: وقد اختلف على ابن عون فيه، فروي عنه مسندًا وموقوفًا على ابن عمر من قوله (٥). والخلاف إنما وقع من حسين بن حسن، فإنه هو الذي روى الوقف، أما غيره فرواه مرفوعًا. قلتُ: وحسين هذا ثقة، مات سنة ثماني وثمانين ومائة، بعد معتمر لسنة. ------------- = وصححه الألباني في «صحيح الترمذي». وله شاهد من حديث أنس بن مالك رواه الطبراني في «الأوسط» ١/ ١٩٧ (٦٢٨) وذكره الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣٢٥ ثم قال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير الوليد بن عبد الملك بن مسرح، وهو ثقة. وللحديث شواهد أخرى من حديث عمر بن الخطاب وأبي ذر وأبي هريرة وأبي بردة بن نيار. (١) جزء من حديث سبق برقم (٥٠) كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٧. (٣) برقم (٧٠٩٤) باب: قول النبي - ﷺ - الفتنة من قبل المشرق. (٤) «سنن الترمذي» (٣٩٥٣) باب: في فضل الشام واليمن. (٥) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ١٦٥. ونقل ابن بطال عن القابسي أنه سقط من الحديث (عن رسول الله - ﷺ -)؛ لأن مثل ذلك لا يدرك بالرأي (١). وهذا نقله ابن التين عن أبي الحسن. إذا علمت ذلك؛ فالشام مأخوذ من اليد الشومى، وهي اليسرى أي: عن يسار الكعبة. واليمن مأخوذ عن اليمين؛ لأنها عن يمين الكعبة. قَالَ ابن الأعرابي: ما كان عن يمينك إذا خرجت من الكعبة فهو يمن، وما كان عن يسارك فهو شام. قَالَ: وقيل: إنما سمي اليمن؛ لأنه عن يمين الشمس. وقوله: (قالوا: وفي نجدنا قَالَ: «اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا»، قالوا: وفي نجدنا. قَالَ: «هنالك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان») وفي رواية أخرى: (ذكر ذلك مرتين) (٢)، وفي أخرى: (ثلاثًا) (٣)، وفي رواية عبيد الله، عن أبيه عبد الله بن عون -أخرجها الإسماعيلي- فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا، قَالَ: أظنه قَالَ: «وفي نجدنا» قَالَ: بها الزلازل والفتن. وخصت الفتن بالمشرق؛ لأن الدجال ويأجوج ومأجوج يخرجون من هناك. وروى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن كعب قَالَ: يخرج الدجال من العراق (٤)، وقال عن عبد الله بن عمرو بن العاص: يخرج الدجال من كورٍ من الكوفة (٥). ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٧. (٢) سيأتي برقم (٧٠٩٤) كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ - الفتنة من قبل المشرق. (٣) «جامع معمر» مع «المصنف» ١١/ ٣٩٦. (٤) «جامع معمر» مع «المصنف» ١١/ ٣٩٦. (٥) السابق ١١/ ٣٩٥ (٣٠٨٢٩) كتاب: الجامع، باب: الدجال. و(قرن الشيطان) ذهب الداودي إلى أن له قرنًا حقيقة، يطلع مع الشمس، ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال. ولا يمتنع أن يخلق الله شيئًا يسمى شيطانًا تطلع الشمس بين قرنيه، ويحتمل أن يريد به قبائل من الناس يستعين بهم الشيطان على كفره. وفي حديث: «القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب البقر؛ حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر» (١). وقال ابن بطال: أمته وحزبه (٢)، وقال المهلب: إنما ترك الدعاء لأهل المشرق -والله أعلم- ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم؛ ولاستيلاء الشيطان بالفتن فيها كما دعا على أهل مكة بسبع كسبع يوسف؛ ليؤذيهم بذلك. وكذا دعا أن ينقل الحمى إلى الجحفة. وذلك والله أعلم لما رآه من إرداف السوداء في المنام، فتأول أنهم أحق بمثل هذا البلاء؛ ليضعفوا عما كانوا عليه من أذى الناس، وإنما لم يقل: في نجدنا؛ لأنه لا يحب أن يدعو بما سبق في علم الله خلافه؛ لأنه لا يبدل القول لديه. وقول («هناك الزلازل») يعني: ما كان بتلك الجهة من الحروب والفتن. ------------ (١) سيأتي برقم (٣٣٠٢) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٨. ٢٨ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ. ١٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ. فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ». [فتح: ٢/ ٥٢٢] وهذا رواه عبد بن حميد في «تفسيره» من حديث عكرمة عنه، ومن حديث عمرو عنه الاستسقاء بالأنواء (١). ثم روى حديث زيد بن خالد الجهني: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ .. الحديث. سلف في باب يستقبل الإمام الناس إذا سَلَّم (٢). كذا فسر ابن عباس الرزق بالشكر هنا، وروي عنه أنه قَالَ: هو استسقاؤهم بالأنواء (٣)، وقد تقدم. وكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ: (وتجعلون شكركم أنكم تَكذِبون) بفتح التاء وتخفيف الذال، ------------ (١) رواه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» ٦/ ٢٣٦. (٢) سبق برقم (٨٤٦) كتاب: الأذان. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٦٦٢ (٣٣٥٥٧ - ٣٣٥٥٩). وهي قراءة تؤول على التفسير. وذكرت عن ابن عباس، إلا أنها مخالفة للمصحف الذي وقع الإجماع عليه. وقيل: معناه شكر رزقكم كقوله: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾. وقيل هو مثل عتابك السيد أي: الذي يقوم مقام الشكر التكذيب؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وقال الطبري: إن قلت: كيف يكون الرزق بمعنى الشكر؟ ثم أجاب عنه بمخارج في اللغة: أحدها: أن يراد به وتجعلون ما جعله الله سببًا لرزقكم من الغيوث أنكم تكذبون به، ثم ترك ذكر السبب وأقيم الرزق مقامه إذ كان مؤديًا عنه كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَه﴾ [آل عمران: ١٧٥] بمعنى يخوف بأوليائه، إذ كان معلومًا أنه لا يخاف من كان له وليا، وإنما يخوف من كان له عدوًّا، فاكتفي بذكر أوليائه. ثانيها: أن يكون المراد: وتجعلون رزقكم الذي رزقكم من الغيث الذي به حياتكم، ووجب به عليكم شكر ربكم تكذيبكم به، فاكتفى بذكر الرزق من ذكر الشكر إذ كان معلومًا أن من رزق إنسانًا فقد اصطنع إليه معروفًا يستوجب به الشكر. ثالثها: أن يكون الرزق اسمًا من أسماء الشكر، حديث عن الهيثم بن عدي أنه قَالَ: من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان فلانًا بمعنى: ما شكره (١). قَالَ المهلب: تعليق الترجمة بهذا الحديث هو أنهم كانوا ينسبون الأفعال إلى غير الله تعالى، فيظنون أن النجم يمطرهم ويرزقهم، فهذا ---------- (١) انظر: «تفسير الطبري» ١١/ ٦٦٢. تكذيبهم، فنهاهم الله تعالى عن نسبة الغيوث التي جعلها الله تعالى حياة لعباده وبلاده إلى الأنواء، وأمرهم أن يضيفوا ذلك إليه؛ لأنه من نعمته وبفضله عليهم، وأن يفردوه بالشكر على ذلك، والحمد على تفضله. فإن قلت: إن كان كما وصف من نهي الله ورسوله عن نسبة الغيوث إلى الأنواء، فما أنت قَائل فيما روي عن عمر أنه حين استسقى قَالَ للعباس: يا عم، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا. قَالَ: فما مضت سابعة حَتَّى مطروا (١)؟ قيل: إن ذلك من عمر لم يكن على المعنى المنهي عنه، وذلك أن المنهي عنه إضافة ذلك إلى أنه من فعل النوء وحده، فكان كفرًا. وأما ما كان من عمر فإنه كان [منه أنه] (٢) من قبل الله تعالى عند نوء النجم، كما يقول القائل: إذا كان الصيف كان الحر، وإذا كان الشتاء كان البرد؛ لا على أن الشتاء والصيف يفعلان شيئًا من ذلك، بل الذي يأتي بها والحر والبرد الرب تعالى خالق كل ذلك. ولكن ذلك من الناس على ما جرت عادتهم فيه، وتعارفوا معاني ذلك في خطابهم، ومرادهم لا على أن النجوم تحدث شيئًا من نفع أو ضر بغير إذن خالقها لها بذلك. ------------ (١) رواه الحميدي ٢/ ٢٠١ (١٠٠٩)، والطبري في «تفسيره» ١١/ ٦٦٢ - ٦٦٣ (٣٣٥٦١)، والبيهقي ٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩ في الاستسقاء، باب كراهية الاستمطار بالأنواء. قال الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٢٨٦ - ١٢٨٧ (٥٧٣١): حسن غريب. (٢) طمس بالأصل والمثبت من «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٩. ٢٩ - باب لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ إِلَّا اللهُ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللهُ». ١٠٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ». [٤٦٢٧، ٤٦٩٧، ٤٧٧٨، ٧٣٧٩ - فتح: ٢/ ٥٢٤] هذا التعليق سلف في باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام (١). ثم ساق عن محمد بن يوسف، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ النبي - ﷺ -: «مِفْتَاحُ (٢) الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ ..» الحديث. وأخرجه أيضًا في التفسير (٣). وأخرجه النسائي في النعوت من طريق سفيان الثوري، عن عبد الله ابن دينار، به (٤). ورواه عن ابن عمر ولده سالم كما ستعلمه في سورة الرعد ولقمان من التفسير إن شاء الله (٥). ------------- (١) سبق برقم (٥٠) كتاب: الإيمان. (٢) في هامش بعد أن علم أنها نسخة: (مفاتيح). (٣) برقم (٤٦٢٧) باب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾. (٤) «السنن الكبرى» ٤/ ٤١١ (٧٧٢٨)، باب: قوله ﷻ: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾. (٥) برقم (٤٦٩٧) باب: قوله: ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾. و(٤٧٧٨) باب: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. و(محمد بن يوسف) هذا هو الفريابي، كما صرح به أبو نعيم. ثم قال: رواه -يعني: البخاري- عن الفريابي. وإذا كان الفريابي فسفيان هو الثوري، وبه صرح أصحاب الأطراف، وإن كان سفيان بن عيينة روى عن ابن دينار لكن الفريابي لا يروي إلا عن الثوري. وقد سبق بيان هذا الحديث فيما أسلفناه. ويأتي في التفسير أيضًا. وقوله: («لا يدري أحد متى يجيء المطر») يدل على صحة التأويل السالف في الباب قبله، أن نسبة الغيث إلى الأنواء كفر؛ لأنه - ﷺ - قد أخبر أنه لا يعلم متى يجيء المطر إلا الله، فلو كان الغيث من قبل الأنواء لعلم متى يكون المطر على ما رسمه أهل الجاهلية في الأنواء، وقد وجدنا خلاف رسمهم في ذلك بالشهادة، وذلك أنه من فعل الله وحده. ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] وهذه الآية مع هذا الحديث يبطل تحريض المنجمين في تعاطيهم علم الغيب، ومن ادعى علم ما أخبر الله به تعالى ورسوله، أن الله منفرد بعلمه وأنه لا يعلمه سواه فقد كذب الله ورسوله، وذلك كفر من قائله. وفي حديث آخر: «ولا يدري متى تجيء الساعة» ودليله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. آخر الاستسقاء. ولله الحمد ١٦ الكسوف [١٦ - الكسوف] ١ - باب الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ١٠٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -: يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ». [١٠٤٨، ١٠٦٢، ١٠٦٣، ٥٧٨٥ - فتح: ٢/ ٥٢٦] ١٠٤١ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا». [١٠٥٧، ٣٢٠٤ - مسلم: ٩١١ - فتح: ٢/ ٥٢٦] ١٠٤٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا». [٣٢٠١ - مسلم: ٩١٤] ١٠٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ». [١٠٦٠، ٦١٩٩ - مسلم: ٩١٥ - فتح: ٢/ ٥٢٦] الكسوف: من كسفت حاله، أي: تغيرت، وأصله: التغطية بنقصان الضوء، والأشهر في ألسِنة الفقهاء: تخصيص الكسوف بالشمس، والخسوف بالقمر. وادَّعى الجوهري أنه أفصح (١)، وقيل: هما فيهما، وبوب له البخاري بابًا كما سيأتي، وقيل: الكسوف للقمر والخسوف للشمس، عكس السالف؛ وهو مردود، وقيل: الكسوف أوله والخسوف آخره. وقال الليث بن سعد: الخسوف في الكل، والكسوف في البعض فيهما (٢). وعن ابن حبيب وغيره: الكسوف أن يكسف ببعضهما، والخسوف أن ينخسف بكلهما، قَالَ تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] وهو سنة، وأبعد من قَالَ إنها فرض كفاية. وعن مالك إجراؤها مجرى الجمعة (٣). ذكر في الباب أربعة أحاديث: أحدها: حديث خالد -هو ابن عبد الله- عن يونس -هو ابن عبيد- عن ----------- (١) «الصحاح» ٤/ ١٣٥٠. (٢) انظر: «البناية» ٢/ ١٥٧. (٣) «المدونة» ١/ ١٥٣. الحسن، عن أبي بكرة -واسمه نفيع بن الحارث- قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث. ويأتي في الباب مكررًا، وفي اللباس أيضًا (١)، وترجمة الحسن عن أبي بكرة من أفراد البخاري، وأخرجه النسائي في الصلاة والتفسير (٢). قَالَ الدارقطني: مرسل، إنما يرويه الأحنف عنه (٣)؛ ولما أورده الترمذي من طريق، طاوس عن ابن عباس مرفوعًا أنه حكي في كسوف … الحديث. قَالَ: وفي الباب عن عليّ، وعائشة، وعبد الله بن عمر، والنعمان ابن بشير (د. س. ق) والمغيرة، وأبي مسعود، وأبي بكرة، وسمرة بن جندب، وابن مسعود، وأسماء ابنة أبي بكر، وابن عمر، وقبيصة -يعني: ابن مخارق الهلالي- وجابر بن عبد الله، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي بن كعب (٤). وقال ابن العربي: روى الكسوف عن رسول الله - ﷺ - سبعة عشر (٥) رجلًا (٦). ---------------- (١) سيأتي برقم (١٠٤٨) كتاب: الكسوف، باب: قول النبي - ﷺ -: «يخوف الله عباده بالكسوف». و(١٠٦٢)، و(١٠٦٣)، وبرقم (٥٧٨٥) كتاب: اللباس، باب: من جر إزاره من غير خيلاء. (٢) «سنن النسائي» ٣/ ١٤٦، وفي «الكبرى» ٦/ ٤٥٢ (١١٤٧١) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ﴾. (٣) «الإلزامات والتتبع» ص ٢٢٣. (٤) «سنن الترمذي» عقب حديث (٥٦٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الكسوف. (٥) كذا بالأصل، وجاء في «عارضة الأحوذي» ٣/ ٣٥: تسعة عشر. (٦) «العارضة» ٣/ ٣٥. ![]()
__________________
|
|
#227
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 301 الى صـــ 320 الحلقة (227) قلتُ: وهم ما في الترمذي. وقال المنذري: رواه تسعة عشر نفسًا. وذكر الطرقي أنه رواه أبو هريرة، وأنس، وأم سلمة، وسهل بن سعد، وجرهد. وذكر غيره حذيفة، وسلمة بن الأكوع، وسعد بن أم عبد الرحمن، وحسان بن ثابت. إذا عرفت ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: (فانكسفت الشمس) كذا هو بالكاف، وقد رواه جماعة من الصحابة بذلك، وآخرون بالخاء، وآخرون بهما، وهما بمعنى واحد، وهو تغيرها ونقصان ضوئها كما سلف. ومن أنكر (انكسف)، وأن صوابه (كسف)، غَلِطَ، فالحديث مصرح به في مواضع. وفي الكسوف فوائد أبداها ابن الجوزي: ظهور التصرف في الشمس والقمر، وتبيين قبح شأن من يعبدهما، وإزعاج القلوب الساكنة للغفلة عن مسكن الذهول، وليرى الناس أنموذج ما سيجري في القيامة من قوله: ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة: ٨ - ٩] وأنهما يوجدان على حال التمام فيركسان، ثم يلطف بهما فيعادان إلى ما كانا عليه، فيشار بذلك إلى خوف المكر ورجاء العفو، وأن يفعل بهما صورة عقاب لمن لا ذنب له، وأن الصلوات المفروضات عند كثير من الخلق عادة لا انزعاج لفم فيها ولا وجود هيبة، فأتى بهذِه الآية، وسنت لها الصلاة؛ ليفعلوا صلاة على انزعاج وهيبة. ثانيها: قوله: («لا ينكسفان لموت أحد») وفي النسائي: «ولكن يخوف الله به عباده» (١). وفي رواية: وثاب الناس إليه، فصلى ركعتين بهم (٢)، وفي أخرى: وذلك أن ابنا للنبي - ﷺ - مات، يقال له: إبراهيم (٣)، وللدارقطني: «ولكن الله تعالى إذا تجلَّى لبشر من خلقه، خشع له، فإذا كسف واحد منهما فصلوا وادعوا» (٤)، وللبيهقي: صلى ركعتين مثل صلاتكم هذِه في كسوف الشمس والقمر (٥). ثالثها: قوله: (فصلى بنا ركعتين) يستدل به من يقول: إن صلاة كسوف الشمس ركعتان كصلاة النافلة، فإن إطلاقه في الحديث يقتضي ذلك. وفي رواية في هذا الحديث: كصلاتكم أو مثل صلاتكم (٦). وكذا قوله: كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة (٧). وفي أخرى: كأحدث صلاة الصبح، وهي ركعتان (٨). وهو ما اقتضاه كلام أصحابنا، أنه لو صلاها كهيئة سنة الظهر ونحوها صحت صلاته للكسوف، وكان ------------ (١) «سنن النسائي» ٣/ ١٢٤ كتاب: الكسوف، باب: كسوف الشمس والقمر. (٢) «سنن النسائي» ٣/ ١٤٦ في الكسوف. وصححه الألباني في «صحيح النسائي». (٣) رواه ابن حزم في «المحلى» ٥/ ٩٥. (٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ٦٤ كتاب: العيدين، باب: صفة صلاة الخوف. (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨ كتاب: صلاة الخسوف، باب: الصلاة في خسوف القمر. (٦) رواها النسائي في «الكبرى» ١/ ٥٧٨ (١٨٧٧) كتاب: كسوف الشمس والقمر، باب: نوع آخر من صلاة الكسوف. (٧) رواها أبو داود (١١٨٥) كتاب: الاستسقاء، باب: من قال: أربع ركعات. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢١٧). (٨) رواها ابن حبان ٧/ ٨٤ - ٨٥ (٢٨٤٢) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الكسوف. تاركًا للأفضل، وصرح به الجرجاني في «تحريره»، وخالف القاضي على ما نقله محكي عنه فمنع. وقال ابن بطال: سنة صلاة الكسوف أن تصلى ركعتين في جماعة، هذا قول جمهور الفقهاء إلا أن في حديث عائشة وغيرها في كل ركعة (ركوعان) (١)، وهي زيادة يجب قبولها، منهم مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور على حديث ابن عباس، وعائشة، وابن عمر. قَالَ: وخالف في ذلك الكوفيون، وقالوا: إنها ركعتان كصلاة الصبح. ولما مر حديث الباب حجة لهم؛ لأنه مجمل لا ذكر فيه لصفة الصلاة، وإنما قَالَ فيه: فصلى ركعتين (٢). وبين غيره مذهب الكوفيين فقال: هو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وهو مذهب عبد الله بن الزبير (٣). ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس (٤)، واستدل لهم بغير ما حديث فيه: فصلى ركعتين. حديث قبيصة، أخرجه أبو داود وصححه الحاكم (٥)، وحديث ------------ (١) في الأصل: ركوعين والمثبت من «شرح ابن بطال» ٣/ ٣١. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣١، «الأصل» ١/ ٤٤٣، «عارضة الأحوذي» ٣/ ٣٥، «الأم» ١/ ٢١٤، «المغني» ٣/ ٣٢٣. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣١. (٤) «المصنف» ٢/ ٢١٩ (٨٣٠٠ - ٨٣٠٧). (٥) أبو داود (١١٨٥ - ١١٨٦)، «المستدرك» ١/ ٣٣٣. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللاه بحديث ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن هلال بن عامر، عن قبيصة وحديث يرويه موسى بن إسماعيل عن وهيب لا يعلله حديث ريحان وعباد. وخالفه الذهبي وأعله. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢١٧ - ٢١٨). النعمان (١)، وعبد الله بن عمرو (٢). قَالَ ابن حزم: وأخذ به طائفة من السلف منهم عبد الله بن الزبير (٣). وذكر ابن عبد البر أنه روي نحو قول العراقيين في صلاة الكسوف من حديث أبي بكرة، وسمرة، وعبد الله بن عمر، وقبيصة، والنعمان، وعبد الرحمن بن سمرة، وقال: الأحاديث في هذا الوجه في بعضها اضطراب، والمصير إلى حديث ابن عباس وعائشة أولى؛ لأنهما أصح ما روي في هذا الباب (٤) ثم أطال بفوائد. وأجاب ابن التين بأن يكون سكت عن بيان الركعتين أو فعله مرة، وذكر عن علي أنه فعله بالكوفة، وقال: إنما أوِّل بعد النبي - ﷺ -، فقال بعض أهل الحديث: إن ذلك كله كان مرات وإنما كان يتحرى التجلي. ------------- (١) رواه أبو داود (١١٩٣) كتاب: الصلاة، باب: من قال يركع ركعتين. باب: كيف صلاة الكسوف. والنسائي ٣/ ١٤١، ١٤٢ كتاب: الكسوف باب: نوع آخر؛ وابن ماجه (١٢٦٢) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في صلاة الكسوف؛ وأحمد في «المسند» ٤/ ٢٦٧، ٢٦٩، ٢٧١، ٢٧٧، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٠ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الكسوف كيف هي؟ والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٣٢ كتاب: الكسوف؛ والبيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ٣٣٢، ٣٣٤ (٦٣٣٥ - ٦٣٣٧) كتاب: صلاة الخسوف، باب: من صلى في الخسوف ركعتين؛ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢١٩) وقال: هذا إسناد منقطع. (٢) رواه أبو داود (١١٩٤) كتاب: الصلاة، باب: من قال: يركع ركعتين؛ والنسائي ٣/ ١٣٧ كتاب: الكسوف، باب: نوع آخر. و٣/ ١٤٩ كتاب: الكسوف، باب: القول في السجود في صلاة الكسوف، وأحمد في «المسند» ٢/ ١٥٩، وابن حبان في «صحيحه» و٧/ ٧٩ (٢٨٣٨) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الكسوف، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠٧٩) (٣) «المحلى» ٥/ ٩٥. (٤) «التمهيد» ٥/ ٢٩٠ - ٢٩١. رابعها: فيه: تطويل صلاة الكسوف إلى الانجلاء؛ عملًا بقوله: «حَتَّى يكشف ما بكم» فإن ظن قرب الانجلاء فلا يبتدئ بأخرى، وعليهم الدعاء والتضرع إلى الانجلاء. خامسها: في قوله أيضًا: «حَتَّى يكشف ما بكم» أنه لا ينبغي قطعها حَتَّى تنجلي، كذا استدل به قوم، فيقال لهم: قد جاء في أوله: «فصلوا وادعوا حَتَّى يكشف ما بكم». وفي رواية: «فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه واستغفاره» (١) فأمر بالدعاء والاستغفار عندهما، كما أمر بالصلاة، فدل ذلك أنه لم يرد عند الكسوف والصلاة خاصة، ولكن أريد منهم ما يتقربون به إلى الله تعالى من الصلاة والدعاء والاستغفار وغيره. واختلف بعض أصحاب مالك إن تجلت الشمس قبل فراغ الصلاة، فقال أصبغ: يتمها على ما بقي من سنتها حَتَّى يفرغ منها؛ ولا ينصرف إلا على شفع. وقال سحنون: يصلي ركعة واحدة وسجدتين ثم ينصرف، ولايصلي باقي الصلاة على سنة الخسوف (٢). سادسها: في قوله: «فقام يجر رداءه» ما كان عليه من خوف الله تعالى والبدار إلى طاعته، ألا ترى أنه قام إلى الصلاة فزعًا، وجر رداءه شغلًا بما نزل. وهذا يدل أن جر الثوب لا يذم إلا ممن قصد ذلك واعتمده. ----------- (١) سيأتي برقم (١٠٥٩) كتاب: كسوف، باب: الذكر في الكسوف. (٢) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٢٧. وفيه: إبطال ما بهان عليه أهل الجاهلية من اعتقادهم أن الشمس تكسف لموت الرجل من عظمائهم، فأعلمهم أنها لا تنكسف لموت أحد ولا لحياته، وإنما هو تخويف وتحذير. وفيه: رد على من زعم أن النجوم تسقط عند موت أحد، وأنه توجب تغيرات في العالم. وفيه: أن من تأول شيئًا يرى أنه صواب وأخطأ ولم يخرج إلى بدعة ليس بآثم. وفيه: أنه لا ينبغي السكوت عن الخطأ. وفي قوله: «فإذا رأيتموهما فصلوا» دلالة أن تجمع في صلاة خسوف الشمس كما تجمع في القمر، وروي ذلك عن ابن عباس، وعثمان بن عفان، والليث، وعمر بن عبد العزيز، وبه قَالَ النخعي، وعطاء، والحسن، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأهل الحديث (١) عملًا بهذا الحديث. وقالوا: قد عرفنا كيف الصلاة في أحدهما، فكان ذلك دليلًا على الصلاة عند الأخرى. وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن ليس في خسوف القمر جماعة، وإنما يصلونها في البيوت فرادى غير مجتمعين (٢). واستدلوا بأنه لم يجتمع فيه كما في الشمس، وقد قَالَ: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (٣) وحملوا قوله: «فافزعوا إلى الصلاة» أي: جماعة في الكسوف، وفرادى في الخسوف. قَالَ مالك: ----------- (١) انظر: «حلية العلماء» ٢/ ٢٦٩، «روضة الطالبين» ٢/ ٨٥، «الإعلام» ٤/ ٢٧٤، «المستوعب» ٣/ ٧٦، «المغني» ٣/ ٣٢٢. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٢، «المبسوط» ١/ ٧٦، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٢، «المدونة» ١/ ١٥٢، «التفريع» ١/ ٢٣٧، «المعونة» ١/ ١٨٤. (٣) سبق برقم (٧٣١) كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل. لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أنه - ﷺ - جمع لكسوف القمر، ولا نقل عن أحد من الأئمة بعده - ﷺ - أنه جمع فيه (١). قَالَ المهلب: ويمكن أن يكون تركه -والله أعلم- رحمة للمؤمنين؛ لئلا تخلو بيوتهم بالليل فيحطمهم الناس ويسرقونهم. يدل على ذلك قوله - ﷺ - لأم سلمة -ليلة نزول التوبة على كعب بن مالك وصاحبيه- قالت لهم: ألا أبشر الناس، فقال - ﷺ -: «أخشى أن يحطمكم الناس» (٢)؛ وفي حديث آخر: «أخشى أن يمنع الناس نومهم» (٣). وقد قَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ جعل السكون في الليل من النعم التي عددها على عباده، وقد سمي ذلك رحمة. وقد أشار ابن القصار إلى نحو هذا المعنى، وقال: خسوف القمر يتفق ليلًا فيشق الاجتماع له، وربما أدرك الناس نيامًا، فيثقل عليهم الخروج لها، ولا ينبغي أن يقاس على كسوف الشمس؛ لأنه يدرك الناس مستيقظين متصرفين ولا يضر اجتماعهم كالعيدين والجمعة والاستسقاء (٤). قلتُ: وصلى ابن عباس بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين، ثم قَالَ: إنما صليت لأني رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي. رواه الشافعي في «مسنده» (٥)، وذكره ابن التين بلفظ: أنه صلى في خسوف القمر، ثم خطب وقال: يا أيها الناس، إني لم أبتدع هذِه الصلاة بدعة، وإنما ------------ (١) «المدونة» ١/ ١٥٣. (٢) سيأتي برقم (٤٦٧٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. (٣) رواه الدارقطني ٢/ ٦٤ كتاب: العيدين، باب: صفة صلاة الخسوف. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩ - ٥٠. (٥) «مسند الشافعي» ١/ ١٦٣ - ١٦٤ (٤٧٦). فعلت كما رأيت رسول الله - ﷺ - فعل. وقد علمنا أنه صلاها في جماعة لقوله: (خطب) لأن الفرد لا يخطب. وروى الدارقطني، عن عروة، عن عائشة أنه - ﷺ - كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات، وأربع سجدات، ويقرأ في الأولى يالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية بياسين (١) فيه إسحاق بن راشد، وهو من رجال البخاري والأربعة صدوق. وروى الدارقطني أيضًا من حديث ابن عباس أنه - ﷺ - صلى في كسوف القمر والشمس ثماني ركعات في أربع سجدات (٢)، وروى ابن عبد البر من حديث أبي قلابة، عن قبيصة الهلالي أنه - ﷺ - قَالَ: «إذا انكسفت الشمس أو القمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها مكتوبة» (٣). وقوله هنا: «فإذا رأيتموهما فصلوا» يعني: آية الشمس والقمر، وفي رواية: «فإذا رأيتموها» يعني: الآية (٤). الحديث الثاني: حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَان لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٥)، ويأتي في بدء الخلق (٦). ----------- (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٦٤ كتاب: العيدين، باب: صفة صلاة الخسوف. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٦٤ كتاب: العيدين، باب: صفة صلاة الخسوف. (٣) رواه في «التمهيد» ٣/ ٣٠٥، ورواه أيضًا أبو داود (١١١٨) وتقدم تخريجه قريبًا. (٤) ستأتي برقم (١٠٤٢) كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس. (٥) برقم (٩١١) صلاة الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف: الصلاة جامعة. (٦) برقم (٣٢٠٤) باب: صفة الشمس والقمر. و(أبو مسعود): هو عقبة بن عمرو. و(قيس) هو ابن أبي حازم تابعي، و(إسماعيل) هو ابن أبي خالد. و(إبراهيم) ثقة مات سنة ثمان وسبعين ومائة. وشيخ البخاري (شهاب بن عباد) ثقة، أخرج له مسلم أيضًا، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١). ولهم شهاب بن عباد آخر، روى له البخاري في «الأدب» خارج «الصحيح» (٢). و(الآية): العلامة، ويحتمل هنا أن المراد: من آياته التي يستدل بها على الوحدانية، والعظمة، والقدرة، أو أنهما من علامات تخويفه وتحذيره وسطوته، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. الحديث الثالث: حديث ابن عمر مرفوعًا: «إِنَّ الشمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ ..» الحديث. ويأتي في بدء الخلق (٣)، وأخرجه مسلم أيضًا (٤). ------------- (١) هو: شهاب بن عباد العبدي، أبو عمر الكوفي. قال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة رضي. وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات». انظر: ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٣٥ (٢٦٣٧)، «معرفة الثقات» ١/ ٤٦١ (٧٤٠)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٦٣ (١٥٨٩)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٧٣ - ٥٧٥ (٢٧٧٧). (٢) هو: شهاب بن عباد العبدي العصري البصري، والد هود بن شهاب. ذكره ابن حبان في «الثقات». روى له البخاري في كتاب «الأدب». انظر: ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٣٤ (٢٦٣٥)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٦١ (١٥٨٢)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٧٥ - ٥٧٦ (٢٧٧٨). (٣) سيأتي برقم (٣٢٠١) باب: صفة الشمس والقمر. (٤) برقم (٩١٤) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف. الحديث الرابع: حديث المغيرة قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ … الحديث وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا (١)، ويأتي قريبًا (٢). ------------- (١) مسلم برقم (٩١٥) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف. (٢) برقم (١٠٦٠) كتاب: الكسوف، باب: الدعاء في الخسوف. ٢ - باب الصَّدَقَةِ فِي الكُسُوفِ ١٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا». ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». [١٠٤٦، ١٠٤٧، ١٠٥٠، ١٠٥٨، ١٠٦٤، ١٠٦٤، ١٠٦٥، ١٠٦٦، ١٢١٢، ٣٢٠٣، ٤٦٢٤، ٥٢٢١، ٦٦٣١ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٢٩] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - .. الحديث. وأخرجه مسلم والأربعة (١)، ووصف صلاة الكسوف: في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان، والسجدتان على حالهما، وبه قَالَ الشافعي، وهو مروي عن مالك والليث وأحمد وأبي ئور، وأكثر أهل الحجاز (٢)، وهو كذلك في حديث ابن عباس الآتي في صلاتها جماعة (٣)، وحديث ------------- (١) «صحيح مسلم» (٩٠١) كتاب: صلاة الكسوف، باب: صلاة الكسوف. (٢) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٧٦، «الذخيرة» ٢/ ٤٢٩، «الأوسط» ٥/ ٣٠٠، «حلية العلماء» ٢/ ٢٦٧، «إحكام الأحكام» ص ٣٥٩، «المستوعب» ٣/ ٧٤، «المغني» ٣/ ٣٢٣. (٣) سيأتي برقم (١٠٥٢) كتاب: الكسوف، باب: صلاة الكسوف جماعة. عبد الله بن عمرو الآتي في طول السجود فيه (١). قَالَ أبو عمر: وحديث عائشة أثبت حديث وأصحه. قَالَ ابن التين: ورواية ابن عباس أيضًا كذلك. قولها: (فأطال القيام) أي: لطول القراءة. وفي حديث ابن عباس نحوًا من سورة البقرة، وفسره ابن شهاب بعد هذا فقال: فاقترأ قراءة طويلة. فرع: تستفتح القراءة في الركعة الأولى والثالثة بأم القرآن، وأما الثانية والرابعة فيقرأ بها أيضًا عندنا، وعند مالك يقرأ السورة، وفي الفاتحة قولان: قَالَ مالك: نعم، وقال ابن مسلمة: لا (٢). وقولها: (وهو دون القيام الأول) أراد به أن القيام الأول أطول من الثاني في الركعة الأولى، وأراد أن القيام في الثانية دون القيام الأول في الأولى، والركوع الأول فيها دون الركوع الأول في الأولى، وأراد بقوله: (في القيام الثاني) في الثانية أنه دون القيام الأول فيها، وكذلك ركوعه الثاني فيها دون ركوعه الأول فيها، قَالَ أبو عمر: وقد قيل غير هذا، وهذا أصح ما قيل في ذلك عندي -والله أعلم- لتكون الركعتان معتدلتين في أنفسهما، فكما ينقص القيام الثاني في الركعة الأولى عن القيام الأول فيها، والركوع الثاني من الأول أيضًا عن الركوع الأول فيها نفسها، فكذلك تكون الركعة الثانية ينقص قيامها الثاني عن قيامها الأول إلى آخره، ثم قَالَ: وجائز على القياس أن ------------ (١) سيأتي برقم (١٠٥١) كتاب: الكسوف، باب: طول السجود في الكسوف. (٢) انظر: «المعونة» ١/ ١٨١، «المنتقى» ١/ ٣٢٦، «الوسيط» ١/ ٣٤٠، «حلية العلماء» ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨. يكون القيام الأول في الثانية مثل القيام الثاني في الأولى، وجائز أن يكون دونه (١). وقال النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني والركوع الثاني من الأولى أقصر من القيام الأول والركوع، وكذا القيام الثاني والركوع الثاني من الثانية أقصر من الأول منها من الثانية، واختلفوا في القيام الأول والركوع الأول من الثانية، هل هما أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى؟ ويكون هذا معنى قوله: (وهو دون القيام الأول ودون الركوع الأول) أم يكونان سواء؟ ويكون قوله: دون القيام أو الركوع الأول، أي: أول قيام وأول ركوع. وقولها: (ثم ركع فأطال الركوع) يعني: أنه خالف به عادته في سائر الصلوات كما في القيام (٢)، قَالَ مالك: ويكون ركوعه نحوًا من قيامه وقراءته (٣). وقولها (ثم سجد فأطال السجود) هو ظاهر في تطويله. قَالَ أبو عمر عن مالك: لم أسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف (٤)، وهو مذهب الشافعي. رأت فرقة من أهل الحديث تطويل السجود في ذلك. قلتُ: وجمهور أصحابنا على أنه لا يطول بل يقتصر على قدره في سائر الصلوات. وقال المحققون منهم: يستحب إطالته نحو الركوع الذي قبله، وهو المنصوص في البويطي (٥)، وهو الصحيح للأحاديث الصريحة ----------- (١) «التمهيد» ٥/ ٢٨٩. (٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٦/ ١٩٩. (٣) انظر: «التمهيد» ٥/ ٢٨٩. (٤) «التمهيد» ٥/ ٢٨٩. (٥) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٨٤. الصحيحة في ذلك، والخلاف عند المالكية: فاستحبه ابن القاسم، وقال مالك وابن حبيب: لا (١). وقولها: (فخطب الناس) صريح في استحبابها، وبه قَالَ الجمهور، منهم الشافعي، وإسحاق، وابن جرير، وفقهاء أصحاب الحديث (٢)، وتكونان بعد الصلاة. وخالف الأئمة الثلاثة فقالوا: لا يشرع لها الخطبة (٣)، ووافقنا أحمد في رواية (٤)، وأغرب ابن التين فعزاه إلى أبي حنيفة أيضًا، والحديث رواه مالك، وخالفه؛ لأنه لم يشتهر. وأغرب ابن قدامة فقال: الشارع أمرهم بالصلاة والدعاء والتكبير والصدقة، ولم يأمرهم بخطبة، ولو كانت سنة لأمرهم بها، ولأنها صلاة يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة، قَالَ: وإنما جعلت بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتى الجمعة (٥)، وكله غريب منه عجيب، وأبعد منه من قَالَ: خطب - ﷺ - بعدها، لا لها؛ ليردهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم وكذا قول ابن التين، يريد أتى بكلام على نظم الخطب، فيه ذكر الله ووعظ للناس، وليس بخطبتين يرقى لهما المنبر، ويجلس في أولهما وبينهما. وقوله: («وتصدقوا») فيه: استحبا بها في هذِه الحد له، وهو ما ترجم له. وفيه: الأمر بالدعاء والتضرع في التوبة والمغفرة وصرف البلاء، -------------- (١) انظر: «التفريع» ١/ ٢٣٦، «المنتقى» ١/ ٣٢٧. (٢) «الأم» ١/ ٢١٧، «الأوسط» ٥/ ٣٠٨، «الحاوي» ٢/ ٥٠٧، «المهذب» ١/ ٤٠٢. (٣) انظر: «الهداية» ١/ ٢٩٥، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٢، «التفريع» ١/ ٢٣٦، «الاستذكار» ٢/ ٤١٨، «بداية المجتهد» ١/ ٤٠٦، «المستوعب» ٣/ ٧٨، «الكافي» ١/ ٥٣٠. (٤) انظر: «الفروع» ٢/ ١٥١، «شرح الزركشي» ١/ ٥٠٤، «المبدع» ٢/ ١٩٧. (٥) «المغني» ٣/ ٣٢٨. وأمر بالتكبير؛ لأنه يتقرب به إليه، ويستدفع به سطوته، وأمرهم بالصدقة؛ لأنها من أقرب الأعمال التي يمكن استعجالها. وأما الصوم والحج والجهاد فتأخر أمرها. وقولها: (ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى) يعني: من التعبير بالتكرار والتطويل. وقولها: (ثم انصرف) يعني: من الصلاة (وقد انجلت الشمس). وفي «الموطأ»: تجلت (١) فيحتمل أن انصرافه كان عند التجلي، وهي السنة، فإن أتم الصلاة قبل الانجلاء فلا تعاد، ولكن يصلي إن شاء لنفسه ركعتين، ويحتمل أن يريد انصرف وقد كانت تجلت. وقوله: («ما من أحد أغير من الله») وفي مسلم: «إن من أحد أغير من الله» (٢) بكسر همزة (إن) وإسكان النون، وهو بمعنى: ما من أحد أغير من الله، وعلى هذا «أغير» بالنصب خبر إن النافية، فإنها تعمل عمل ما عند الحجازيين، وعلى التميمية هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو «أحد»، ومعناه: ليس أحد أمنع من المعاصي من الله، ولا أشد له كراهية لها منه تعالى. وفيه: عظة الناس عند الآيات، وأمرهم بأعمال البر، ونهيهم عن المعاصي، وتذكرهم نعمات الله. وأن الصدقة والصلاة والاستغفار تكشف النقم وترفع العذاب، ألا ترى قوله - ﷺ - للنساء: «تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار» (٣). ----------- (١) «الموطأ» ص ١٣٢. (٢) «صحيح مسلم» (٩٠١) كتاب: صلاة الكسوف، باب: صلاة الكسوف. (٣) سيأتي برقم (١٤٦٢) في الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب. ورواه مسلم (٨٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات. عن أبي سعيد. وفيه: الإعلام بأنه ليس أحد أغير من الله، وإذا كان الواحد منا يغار أن يرى عبده أو أمته، وليس أحد أغير منه، فيجب أن يحذر عقوبته في مواقعة الزنا، وأقسم على ذلك للتأكيد، وناداهم «يا أمة محمد» على معنى الإشفاق عليهم، كما يخاطب الرجل ولده: يا بني. وقوله: («لو تعلمون ما أعلم …») إلى آخره يريد أنه خصه - ﷺ - بعلم لا يعلمه غيره، فلعله أن يكون ما رآه في عرض الحائط من النار، ورأى منها منظرًا شديدًا لو علمت أمته من ذلك ما علم لكان ضحكهم قليلًا وبكاؤهم كثيرًا؛ إشفاقًا وخوفًا. ثم حديث الباب دال على أن في كل ركعة يكرر القيام والركوع -كما سلف- وصح في مسلم في كل ركعة ثلاث ركوعات (١)، وصح فيه أربعة (٢)، وروى أبو داود والحاكم: خمسة (٣)، وقيل: إن روايات الركوعين أصح وأشهر. قال ابن العربي (٤): لا خلاف أن صلاة الكسوف ركعتان في الأصل، ولكن اختلفت الروايات هل كل ركعة من ركعة أو ركعتين ------------ (١) «صحيح مسلم» (٩٠٤) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار. (٢) «صحيح مسلم» (٩٠٨) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ذكر من قال: إنه ركع ثمان ركعات في أربع سجدات. (٣) أبو داود (١١٨٢) كتاب: الصلاة، باب: من قال: أربع ركعات، والحاكم في ١/ ٣٣٣ كتاب: الكسوف، باب: في كل ركعة خمسة ركوعات وسجدتان، وقال: الشيخان قد هجرا أبا جعفر الرازي ولم يخرجا عنه وحاله عند سائر الأئمة أحسن الحال وهذا الحديث فيه ألفاظ ورواته صادقون، وتعقبه الذهبي بقوله: خبر منكر، وعبد الله بن أبي جعفر ليس بشيء، وأبوه فيه لين، والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢١٤)، وفي «الإرواء» (٦٦١). (٤) «عارضة الأحوذي» ٣/ ٤٠. أو من ركعات؟ ففي رواية عائشة في الترمذي: ثلاثًا في واحدة (١)، قَالَ: وكذا في مسلم عن جابر (٢). وقال ابن قدامة: مقتضى مذهب أحمد جواز صلاتها على كل صفة، إلا أن اختياره من ذلك ركعتان في كل ركوع. قَالَ أحمد: وروى ابن عباس، وعائشة في صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات، وأما علي فيقول: ست ركعات وأربع سجدات، وكذا حذيفة، وهذا قول إسحاق، وابن المنذر (٣)، وبعض أهل العلم. قَالَ: وتجوز على كل صفة صح أنه - ﷺ - فعلها، وقد روي عن عائشة وابن عباس أنه - ﷺ - صلى ست ركعات وأربع سجدات (٤). فائدة: قَالَ المهلب في الحديث: إن أكثر ما يهدد - ﷺ - في ذلك بالكسوف إنما كان من أجل الغناء، وذلك عظيم في عهد النبوة وطراوة الشريعة، فلذلك قَالَ - ﷺ - هذا القول في قوله: «والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» دليل على أنهم كانوا مقبلين على اللهو واللعب، وكذلك كانت عادة الأنصار قديمًا، يحبون الغناء واللهو والضحك. ألا ترى قوله - ﷺ - لعائشة وإقبالها من عرس: «هل عندكم لهو؟ فإن الأنصار تحب اللهو» (٥) فدل على أن اتباع اللهو من الذنوب التي توعد عليها بالآيات. شهد بذلك حديث المعازف والقيان (٦). ------------ (١) رواه الترمذي برقم (٥٦٠) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في صلاة الكسوف. من رواية ابن عباس وليس عائشة. وأما حديث عائشة فرواه مسلم برقم (٩٠١). (٢) برقم (٩٠٤) كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف. (٣) انظر: «الأوسط» ٥/ ٣٠١، وانظر: «عارضة الأحوذي» ٣/ ٤٠. (٤) «الأوسط» ٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤. (٥) سيأتي برقم (٥١٦٢) كتاب: النكاح، باب: النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها. (٦) سيأتي برقم (٥٥٩٠) كتاب: الأشربة، باب: ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، وانظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤. ٣ - باب النِّدَاءِ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فِي الكُسُوفِ ١٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمِ بْنِ أَبِي سَلاَّمٍ الحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ. [١٠٥١ - مسلم: ٩١٠ - فتح: ٢/ ٥٣٣] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ. هذا الحديث يأتي بزيادة قريبًا في باب طول السجود فيه (١). وأخرجه مسلم أيضًا، والنسائي (٢) وقال: روي عن أبي حفصة أيضًا مولى عائشة عنها وأخرجه أيضًا (٣). والبخاري رواه عن إسحاق، وذكر الجياني أن في الكسوف (٤)، والوكالة (٥)، والأيمان والنذور (٦)، وعمرة الحديبية (٧): إسحاق عن يحيى بن صالح، لم ينسبه أحد من شيوخه فيما بلغه، ويشبه أن يكون ابن منصور كما ذكره مسلم (٨) في كتابه حديثًا خرجه به البخاري في ------------ (١) سيأتي برقم (١٠٥١). (٢) «صحيح مسلم» (٩١٠) كتاب: الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف. «سنن النسائي» ٣/ ١٣٦ كتاب: الكسوت، باب: كيف صلاة الكسوف. (٣) «سنن النسائي» ٣/ ١٣٧. (٤) سيأتي برقم (١٠٤٥). (٥) سيأتي برقم (٢٣١٢). (٦) سيأتي برقم (٦٦٢٦). (٧) سيأتي برقم (٤١٧١) (٨) مسلم (١٥٩٤). الوكالة (١). وكما أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه». قَالَ: رواه عن إسحاق، عن يحيى، فلم يبين. وذكر المزي في ترجمة إسحاق بن منصور علامة مسلم، وأنه روى عن يحيى بن صالح الوحاظي، فلم يعلم للبخاري، فلم يذكر في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنه روى عن يحيى بن صالح (٢). وذكر في ترجمة يحيى بن صالح أن إسحاق بن منصور الكوسج روى له مسلم، وأن إسحاق غير منسوب، روى له البخاري (٣). قَالَ: ويقال: إنه الكوسج، ومعاوية بن سلام بن أبي سلام الحبشي مشدد اللام فيهما. وقد نص عليه الجياني، وهو ثقة، مات سنة أربع وستين ومائة. والحبشي نسبة إلى بلاد الحبش كما نقله الجياني عن عبد الغني. وقال ابن معين: الحبش حي من حمير. وقال بعضهم: الحُبشي -بضم الحاء وإسكان الباء- وكذا قيده الأصيلي وغيره في «الجامع»، يقال: حَبش وحُبش، وعَرب وعُرب، وعَجم وعُجم. وهذا أيضًا ذكره صاحب «المطالع»، وذكر أن كذا ضبطه الأصيلي مرة وأبو ذر، وكذا قَالَ ابن التين: ضبط في بعض الكتب بالفتح، وفي بعضها بالضم، وهو ما رويناه في رواية الشيخ أبي الحسن. قَالَ: قيل: ------------ (١) هو ما سيأتي برقم (٢٣١٢). وانظر: «تقييد المهمل» للجياني ٣/ ٩٦٨ - ٩٦٩. وقد نص الجياني على ذلك في «تقييد المهمل» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢. وانظر أيضًا: «التقييد» ٢/ ٢٩٢. (٢) «تهذيب الكمال» ٢/ ٤٧٤ ترجمة (٣٨٣). (٣) «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣٧٥ ترجمة (٦٨٤٦). والمعنى: أنه الأسود واسمه ممطور (١). أما فقه الباب: فالكسوف لا يُؤذن لها ولا يُقام؛ لأنه شعار الفرائض. نعم يقال لها: الصلاة جامعة، والإجماع قائم على ذلك. و(الصلاة) منصوب على الإغراء، و(جامعة) على الحال، أي: أحضروا الصلاة في حال كونها جامعة. قَالَ ابن بطال: وينادى لها بذلك عند باب المسجد، وكذا في سائر الصلوات المسنونات -أي: كالعيد والاستسقاء ينادى لها بذلك عند باب المسجد- ثم قَالَ: ولا خلاف في ذلك بين العلماء (٢). ------------ (١) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٨٣ (١٧٥٢)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٤٦٩، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ١٨٤ (٦٠٥٧)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٣٩٧. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤. ![]()
__________________
|
|
#228
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 321 الى صـــ 340 الحلقة (228) ٤ - باب خُطْبَةِ الإِمَامِ فِي الكُسُوفِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ خَطَبَ النَّبِيُّ - ﷺ -. ١٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَخَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ». ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ». وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: إِنَّ أَخَاكَ يَوْمَ خَسَفَتْ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ. قَالَ: أَجَلْ، لأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٣٣] ثم ذكر فيه حديث عروة عن عائشة قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَخَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ .. الحديث. وفيه: وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَأثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «هُمَا آيتان مِنْ آيات اللهِ ..» إلى آخره. وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: إِنَّ أَخَاكَ يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبحِ. فَقَالَ: أَجَلْ؛ إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَةَ. الشرح: أما حديث عائشة وأسماء فيأتيان في باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف (١). وأما حديث عروة عنها فقد أخرجه مسلم والأربعة (٢). وقوله: (وكان يحدث كثير بن عباس ..) إلى آخره. أخرجه مسلم أيضًا (٣)، فإنه لما أخرجه من حديث الزهري، عن عروة، عنها أن النبي - ﷺ - جهر في صلاة الكسوف بقراءته فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. قَالَ عَقِبَهُ: قَالَ الزهري: وأخبرني كثير بن عباس، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه صلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. ثم أسند إلى الزهري قَالَ: كان كثير بن عباس .. إلى قوله: بمثل حديث عروة عن عائشة. وأخرجه أبو داود بمثله، وكذا النسائي (٤). ولما أورد البخاري حديث عائشة قَالَ في آخره: قَالَ ابن شهاب: ثنا كثير، عن ابن عباس، عن رسول الله مثل ذلك، ثم ساق بإسناده إلى عنبسة ثنا يونس بهذا. وزاد: فقلت لعروة .. إلى آخره. وأخرج أبو نعيم في «مستخرجه» حديث عائشة من طرق، ثم قَالَ في آخره: زاد عنبسة: وكان يحدث كثير بن عباس .. إلى آخره. -------------- (١) سيأتي برقم (١٠٥٣) كتاب: الكسوف. (٢) مسلم (٩٠١)، وأبو داود (١١٩٠)، والترمذي (٥٦١)، والنسائي ٣/ ١٢٧، وابن ماجه (١٢٦٣). (٣) «صحيح مسلم» (٩٠١) كتاب: الكسوف، باب: صلاة الكسوف. (٤) «سنن أبي داود» (١١٨٠) كتاب: الاستسقاء، باب: من قال: أربع ركعات. و«سنن النسائي» ٣/ ١٣٠ - ١٣١ كتاب: الاستسقاء، باب: كيف صلاة الكسوف. وأورد المزي الحديث من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن النبي - ﷺ - جهر في صلاة الكسوف بقراءته. قَالَ الزهري: وأخبرني كثير فذكره إلى قوله: وأربع سجدات. ثم عزاه إلى البخاري ومسلم عن محمد بن مهران قَالَ: إلا أن البخاري لم يذكر حديث كثير بن العباس (١). وذكر في ترجمة كثير علامة البخاري ومسلم، وذكر أنه روى عنه الزهري. وذكر عن مصعب أنه كان فقيهًا فاضلًا لا عقب له، وأمه أم ولد، وذكره يعقوب بن شيبة في الطبقة الأولى من أهل المدينة ممن وُلد في عهده - ﷺ -. وكان يقال له: أعبد الناس، ثقة، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان، ثم ساق حديثه عن ابن عباس، وقال: أخرجوه من طرق عن الزهري، واضطرب فيه خلف والحميدي، وقال: ليس لكثير عن أخيه في الصحيح غيره (٢). وذكر الدارقطني واللالكائي كثير بن عباس في أفراد مسلم. وأغرب السفاقسي فقال: ضبط في بعض الكتب عياش بالشين المعجمة، وبعضها بالسين غير معجمة، وهو الذي رويناه. وولد عباس عشرة، أشهرهم عبد الله. وقوله: (فخرج إلى المسجد) فيه فعلها في المسجد دون الصحراء، ولعله خوف الفوت والانجلاء. قَالَ القدوري: كان أبو حنيفة يرى صلاة الكسوف في المسجد، والأفضل في الجامع. وفي شرح الطحاوي: صلاة الكسوف في المسجد الجامع أو في مصلى العيد (٣)، وعند مالك: تصلى فيه دون الصحراء. وقال ابن -------------- (١) «تهذيب الكمال» ١٧/ ٤٦٢ (٣٩٨١). (٢) انظر: «تهذيب الكمال» ٢٤/ ١٣١ - ١٣٣ (٤٩٤٧). (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨١، «البناية» ٣/ ١٥٩. حبيب: هو مخير (١)، وحكي عن أصبغ (٢). وصوب بعض أهل العلم المسجد في المصر الكبير للمشقة وخوف الفوت دون الصغير. وقوله: (ثم قام فأثنى على الله ..) إلى آخره، هو صريح في الخطبة، وقد سلف الخلاف فيه في باب الصدقة في الكسوف واضحًا، وخص كسوفهما بأنهما اثنان وإن كان رؤية الأهلة وحدوث الحر والبرد من الآيات أيضًا؛ لإخباره لهم عن ربه أن القيامة تقوم وهما منكسفان وذاهبا النور، فلهذا أمرهم بالصلاة ونحوها؛ خشية أن يكون الكسوف لقيام الساعة؛ ليعتدوا له، وهذا كان قبل أن يعلمه الله بأشراطها، كما نبه عليه المهلب (٣). وقوله: (فصف الناس وراءه). فيه تقديم الإمام على المأموم، واحتج لأبي حنيفة، ومن يرى برأيه بقوله: «افزعوا إلى الصلاة»؟ لأنها إشارة إلى الصلاة المعهودة في الشرع (٤). ويجاب عنه: بأنه قام الدليل على ما سلف من الكيفية، بل الحديث حجة لنا؛ لأنه قال هذا القول بعد فراغه من الصلاة الموصوفة، فدل أنه أشار بذلك إليها؛ لأنه أقرب معهود. وصلاة ابن الزبير ركعتين في الخسوف لعله تأول حديث أبي بكرة (٥). وفيه: التكبير في الخفض والرفع، ولم ينص على ذلك في الرفع منه ولا في سجوده، ولا في رفعه منه. وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد في الثانية، وقال في الأولى: سمع الله لمن حمده. ----------- (١) انظر: «تنوير المقالة» ٢/ ٥١٩، ٥٢٢. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٠. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٥. (٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٢. (٥) سلف برقم (١٠٤٠)، ويأتي. ٥ - باب هَلْ يَقُولُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوْ خَسَفَتْ؟ وَقَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ٨]. ١٠٤٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَخْبَرَتْهُ. أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ فَكَبَّرَ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». وَقَامَ كَمَا هُوَ، ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، وَهْيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْىَ أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ: «إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ». [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٣٥] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث. وقد سلف (١)، وفيه: «لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ» وأراد بهذا الباب رد قول من زعم أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر للآية المذكورة، روي ذلك عن عروة بن الزبير (٢). وفي الآثار الثابتة أنهما مقولان فيهما، رواه ابن عباس (٣) ------------ (١) برقم (١٠٤٤). (٢) رواه مسلم برقم (٩٠٥/ ١٣) كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف. (٣) سيأتي برقم (١٠٥٢) كتاب: الكسوف، باب: صلاة الكسوف جماعة. بلفظ: «لايخسفان لموت أحد ولا لحياته». ورواه مسلم برقم (٩٠٧) بلفظ: «لا ينكسفان» وابن عمر (١) وأبو بكرة (٢) وعائشة مثل ذلك في حديثهم عنه، وروي: «لا ينكسفان» من طريق المغيرة (٣). وأبي مسعود الأنصاري (٤)، ورواية عن أبي بكرة (٥)، فلا معنى لإنكار شيء من ذلك. وقوله: («لا يخسفان») بفتح الياء ويجوز ضمه؛ بناء لما لم يسمَّ فاعله. وقوله: (ثم سجد سجودًا طويلًا)، فيه تطويل السجود، وسيأتي ما فيه، وهو رأي ابن القاسم خلافًا لمالك (٦). -------------- (١) سبق برقم (١٠٤٢) كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس. بلفظ: «لا يخسفان». (٢) سبق برقم (١٠٤٠) أول الكسوف وفيه: «لا ينكسفان» ويأتي برقم (١٠٦٣) باب: الصلاة في كسوف القمر. وفيه: «لا يخسفان». (٣) سبق برقم (١٠٤٣) باب: الصلاة في كسوف الشمس. (٤) سبق برقم (١٠٤١) باب: الصلاة في كسوف الشمس. (٥) سبق برقم (١٠٤٠) باب: الصلاة في كسوف الشمس. (٦) انظر: «التفريع» ١/ ٢٣٦. ٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يُخَوِّفُ اللهُ عِبَادَهُ بِالكُسُوفِ» قَالَهُ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١٠٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ». وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الوَارِثِ، وَشُعْبَةُ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ: «يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ». وَتَابَعَهُ مُوسَى، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ». وَتَابَعَهُ أَشْعَثُ، عَنِ الحَسَنِ. [انظر: ١٠٤٠ - فتح: ٢/ ٥٣٥] حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ» إلى أن قال: «ولكن اللهَ يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ». وَتَابَعَهُ مُوسَى، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الحَسَنِ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ». ولَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ: «يُخَوِّفُ بهَما عِبَادَهُ». تَابَعَهُ أَشْعَثُ، عَن الحَسَنِ. الشرح: حديث أبي موسى يأتي قريبًا في باب الذكر في الكسوف (١). وفائدة المتابعة تنصيص الحسن بصريح الإخبار عن أبي بكرة. و(مبارك) هو ابن فضالة تابع يونس، وهذِه المتابعة أسندها الطبراني لكن من حديث أبي الوليد الطيالسي عنه به، ومبارك هذا بصري، ----------- (١) سبق برقم (١٠٤٣) باب: الصلاة في كسوف الشمس. مولى عمر، مات سنة أربع أو خمس أو ست وستين ومائة، استشهد به البخاري (١). و(موسى) هو ابن داود بن عبد الله الضبي، كوفي، قاضي الثغور، مات سنة ست أو سبع وعشرين ومائتين روى له مسلم أيضًا (٢)، كذا نقلته من خط الدمياطي، وذكر المزي أنه موسى بن إسماعيل التبوذكي وهو أيضًا يروي عن مبارك بن فضالة، فذكر أن البخاري علق عن التبوذكي، عن مبارك. ولم يذكر الضبي في البخاري لا رواية ولا تعليقًا. وأما طريق عبد الوارث فأخرجها البخاري في باب: الصلاة في كسوف القمر عن أبي معمر عنه (٣)، وليس في طريقه: «يخوف الله بهما عباده». ------------- (١) هو مبارك بن فضالة بن أبي أمية القرشي العدوي، أبو فضالة البصري. قال يحيى بن معين: ليس به بأس. وقال العجلي: لا بأس به. وقال أبو زرعة: يدلس كثيرًا، فإذا قال: حدثنا. فهو ثقة. وقال ابن حجر: صدوق يدلس ويسوِّي. انظر: «معرفة الثقات» ٢/ ٢٦٣ (١٦٨١)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٣٨ (١٥٥٧)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ١٨٠ (٥٧٦٦)، «التقريب» (٦٤٦٤) وفي هامش الأصل: اقتصر في «الكاشف» على الأول (…) توفي سنة ١٦٤ هـ. (٢) هو موسى بن داود الضبيُّ أبو عبد الله الطرسوسي الخلْقانيُّ، كوفي الأصل سكن بغداد ثم وَلِيَ القضاء بطرسوس ومات بها. قال عنه محمد بن عبد الله بن نمير: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ، في حديثه اضطراب. وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات». قال عنه شمس الدين الذهبي: ثقة زاهد مصنف. قال ابن حجر: صدوق فقيه زاهد له أوهام. انظر: «معرفة الثقات» ٢/ ٣٠٤ (١٨١٦)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٤١ (٦٣٦)، «الكاشف» ٢/ ٣٠٣ (٥٦٩٢)، «التقريب» (٦٩٥٩). (٣) سيأتي برقم (١٠٦٣). لكن أخرجه النسائي بها من طريقه (١)، وكذا البيهقي وقال: رواه البخاري عن أبي معمر، عن عبد الوارث؛ إلا أن أبا معمر لم يذكر قوله: «يخوف الله بهما عباده» (٢). وقد ذكره جماعة، فأورده الإسماعيلي من حديث إسماعيل بن علية، عن يونس، عن الحسن به. وقوله: (وشعبة). أي أنه لم يذكر ذلك كما أخرجه البخاري في كسوف القمر (٣). وقوله: (وخالد بن عبد الله). يعني: الطحان، لم يذكر ذلك كما سلف أول الكسوف (٤). وقوله: (وحماد بن سلمة) يعني: لم يذكرها أيضًا، وقد أخرجها الطبراني من حديث حجاج بن منهال عن حماد به، وأخرجه البيهقي من طريق أبي زكريا السَّيْلَحيني عن حماد بن سلمة به، وقال: هكذا رواه جماعة عن بشر بن موسى يعني: أبي زكريا بهذا اللفظ قال: واستشهد البخاري برواية حماد بن سلمة عن يونس (٥). وقوله: (وتابعه أشعث عن الحسن) يعني: تابع موسى عن مبارك عن الحسن عن أبي بكرة، وفيه: «يخوف بهما عباده»، وهذِه الرواية أخرجها النسائي من حديث خالد بن الحارث ثنا أشعث عن الحسن بدون: ---------- (١) «سنن النسائي» ٣/ ١٤٦ كتاب: صلاة الكسوف. (٢) «سنن البيهقي الكبرى» ٣/ ٣٣٢ كتاب: صلاة الخسوف، باب: من صلى في الخسوف ركعتين. (٣) انظر ما سيأتي برقمي (١٠٦٢ - ١٠٦٣). (٤) راجع حديث (١٠٤٠). (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٣٧ صلاة الخسوف، باب: الصلاة في خسوف القمر. «يخوف بهما عباده» (١) وهذا مذكور في بعض النسخ عقب قوله: تابعه موسى عن مبارك عن الحسن. والصواب ذكره آخرًا كما ذكرناه؛ لأن النسائي لم يذكر فيها: «يخوف بهما عباده». وكأن أشعث تابع من روى عن يونس بعد هذِه الرواية. وكذا رواه الطبراني من طريق الأشعث بدونها، وكذا البيهقي من طريق أشعث أيضًا، وأشعث هذا هو ابن عبد الملك الحُمْرَانِيُّ، أبو هانئ، بصري، مات سنة ثنتين وأربعين ومائة، روى له الأربعة (٢). قال المهلب: مصداق هذا الحديث في قول الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ يدل ذلك أن الآيات تحذير للعباد، فينبغي عند نزولها مبادرة الصلاة والخشوع والإخلاص له، واستشعار التوبة والإقلاع عن المعاصي، ألا ترى أنه - عليه السلام - عرض في مقامه الجنة والنار؛ ليشوق بالجنة أهل الطاعة، وليتوعد بالنار أهل المعاصي، وأخبرهم الشارع أن الكسوف ليس كما زعم الجهال أنه من موت إبراهيم ابنه، وأنه تخويف وتحذير (٣). --------- (١) «سنن النسائي» ٣/ ١٤١. وضعفه الألباني في «ضعيف النسائي». (٢) قال فيه يحيى بن سعيد: ثقة مأمون، وقال مرة: لم أدرك أحدًا من أصحابنا هو أثبت عندي من أشعث بن عبد الملك. وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد وبشير بن المفضل يُثَبِّتون الأشعث الحمراني. وقال ابن معين: ثقة. وهذا قال النسائي. وقال أبو زرعة: صالح. وقال أبو حاتم: لا بأس به. انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٤٣١ (١٣٨٨)، و«الجرح والتعديل» ١/ ٢٧٥ (٩٩٠)، و«تهذيب الكمال» ٣/ ٢٧٧ (٥٣١). (٣) كما في «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٥. وكذا قال الخطابي (١). فيه: دليل على أن الصلاة تستحب عند كل آية. وقوله: («لا ينكسفان») كذا قال هنا، وقالءفي حديث آخر: «لا يخسفان» فسمى الاسمين مرة بلفظ الكسوف قومرة بلفظ الخسوف. ------------- (١) انظر: «أعلام الحديث» ١/ ٦١٠ - ٦١١. ٧ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فِي الكُسُوفِ ١٠٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: عَائِذًا بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ. [١٠٥٥، ١٣٧٢، ٦٣٦٦ - مسلم: ٩٠٣ - فتح: ٢/ ٥٣٨] ١٠٥٠ - ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ، فَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. [١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١، ٩٠٣ - فتح: ٢/ ٥٣٨] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنَّ يَهُودِيَّةً جاءَتْ تَسْأَلُهَا؛ فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ .. الحديث. ويأتي إن شاء الله في باب: صلاة الكسوف في المسجد (١)، وأخرجه مختصرًا في باب: الركعة الأولى في الكسوف أطول (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣). -------------- (١) سيأتي برقم (١٠٥٥). (٢) سيأتي برقم (١٠٦٤). (٣) «صحيح مسلم» (٩٠٣) الكسوف، باب: ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف. وهذِه اليهودية لعلها سمعت ذلك في التوراة، أو في كتاب من كتبهم. وسؤال عائشة رسول الله - ﷺ -؛ لأن عائشة كانت تعلم أن العذاب والثواب إنما يكونان بعد البعث، ولم تكن قبل ذلك علمت بعذاب القبر، فقال لها - عليه السلام -: «عائذًا بالله من ذلك»: إني أعوذ عياذًا به منه، وقد ترد مصادر على وزن فاعل: عافاه الله عافية، ويحتمل أن يريد التعوذ بالله من أن يعذب الناس في قبورهم إن لم يكن أخبر بذلك، ويحتمل أنه تعوذ بالله من عذاب القبر، وإن كان الناس يعذبون في قبورهم. وقوله: «ذات غداة» أي: في غداة. فجعل (ذات) بمعنى (في). كذا قاله الداودي، وتعقبه ابن التين فقال: ليس بصحيح، بل تقديره: في ذات غداة. وقوله: (فرجع ضحى، فمر بين ظهراني الحجر، ثم قام يصلي) كذا هو هنا (يصلي) بالياء. وفي باب: صلاة الكسوف في المسجد: (ثم قام فصلى). بالفاء. والمراد بالحجر: حجر النبي - ﷺ - من بيتها إلى المسجد. وقولها: (فرجع ضحى) اختلف العلماء في وقت صلاة الكسوف فأوله: وقت جواز النافلة بعد طلوع الشمس؛ لا خلاف في ذلك كما قال ابن التين. وأما آخره: فقال مالك: إنها إنما تصلى ضحوة النهار (١) ولا تصلى بعد الزوال، يجعلها كالعيدين، وهي رواية ابن القاسم. وروى عنه ابن وهب: تصلى في وقت صلاة النافلة وإن زالت الشمس. وعنه: لا تصلى بعد العصر، ولكن يجتمع الناس فيدعون ويتصدقون ويرغبون. ---------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٢٩، و«التاج والإكليل» ٢/ ٥٩٠. وقال ابن حبيب عند ذكر رواية ابن وهب: وهكذا أخبرني ابن الماجشون ومطرف وأصبغ وابن عبد الحكم، وأنكروا رواية ابن القاسم (١)، وبهذا قال الكوفيون: لا تصلى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها (٢)؛ لورود النهي بذلك، وتصلى في سائر الأوقات. وهو قول ابن أبي مليكة وعطاء وجماعة. وقال الشافعي: تصلى في كل وقت نصف النهار وبعد العصر والصبح (٣)، وهو قول أبي ثور وابن الجلاب المالكي (٤) وقال: النهي عن النافلة المبتدأة لا عن المكتوبات والمسنونات، وعند أهل المقالة الأولى: النهي عن الصلاة المسنونة كنهيه عن الصلاة المبتدأة. وعن الحنفي: لو طلعت الشمس مكسوفة لم يصل حَتَّى يدخل وقت النافلة. واختاره ابن المنذر. وفي «المبسوط»: ولا تصلى الكسوف في الأوقات الثلاثة (٥). قَالَ الليث بن سعد: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، وعلى الموسم سليمان بن هشام، وبمكة عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن شعيب، وأيوب بن موسى، فكسفت الشمس بعد العصر، فقاموا قيامًا يدعون الله في المسجد. فقلت لأيوب: ما لهم لا يصلون وقد صلى رسول الله - ﷺ - في الكسوف؟ فقال: النهي قد جاء عن الصلاة بعد العصر، فلذلك لا يصلون، --------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥١١. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٧٩. (٣) «الأم» ١/ ٢١٥. (٤) انظر: «الاستذكار» ٢/ ٤١٦، «المنتقى» ١/ ٣٢٩ - ٣٣٠. (٥) «المبسوط» ٢/ ٧٦. ولكن يقفون ويذكرون حَتَّى تتجلى الشمس (١). وهو مذهب الحسن البصري، وإسماعيل بن علية، والثوري. وقال إسحاق: يصلون بعد العصر ما لم تصفر الشمس، وبعد صلاة الصبح، ولا يصلون في الأوقات الثلاثة، فلو كسفت عند الغروب لم يصل إجماعًا، كما حكاه في «الذخيرة» لذهاب رجاء نفعها (٢). وقال ابن قدامة: وإذا كان الكسوف في غير وقت صلاة جعل مكان الصلاة تسبيحًا، هذا ظاهر المذهب؛ لأن النافلة لا تفعل في أوقات النهي، سواء كانت لها سبب أو لم يكن. روي ذلك عن الحسن، وعطاء، وعكرمة بن خالد، وابن أبي مليكة، وعمرو بن شعيب، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ومالك، وأبي حنيفة؛ خلافًا للشافعي، وبه قَالَ أبو ثور، ونص عليه أحمد. قَالَ الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الكسوف في غير وقت الصلاة، كيف يصنعون؟ قَالَ: يذكرون الله ولا يصلون إلا في وقت صلاة. قيل له: وكذلك بعد الفجر؟ قَالَ: نعم، لا يصلون. وروى قتادة قَالَ: انكسفت الشمس بعد العصر، ونحن بمكة، فقاموا قيامًا يدعون فسألت عن ذلك عطاء، فقال: هكذا يصنعون. وعن أحمد أنهم يصلون الكسوف في أوقات النهي. قَالَ (أبو بكر عبد العزيز) (٣): وبالأول أقول، وهو أظهر عندي (٤). ------------ (١) انظر: «الاستذكار» ٢/ ٤١٥. (٢) «الذخيرة» ٢/ ٤٢٨. (٣) في الأصل: أبو بكر بن عبد العزيز. (٤) «المغني» ٣/ ٣٣٢. وفي الحديث أن عذاب القبر حق، وأهل السنة مجمعون على الإيمان به والتصديق، ولا ينكره إلا مبتدع، وأن من لا علم له بذلك لا يأثم، وأن من سمع ذلك وجب عليه أن يسأل أهل العلم ليعلم صحته. وأما صلاة الكسوف في المسجد فهو الذي عليه الفقهاء، وقد سلف ما فيه. وقولها: (فانصرف فقال ما شاء الله أن يقول). قصد بذلك تعظيم كلامه ومبالغته فيما قصد إلى الكلام. وقولها: (ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب بالقبر) يحتمل أن يكون قد تقدم علمه بذلك، وظن أنه قد شمل ذلك أصحابه، فلما رأى سؤال عائشة عن ذلك، احتاج أن يذكرهم ويأمرهم بالاستعاذة، ويحتمل أنه لم يكن له قبل ذلك علم، وكان سؤال عائشة أن يعلم به، فأمر أصحابه أن يتعوذوا منه (١). ------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٣ من ٤ من تجزئة المصنف. [وبعدها هامش آخر]: ثم بلغ في الحادي بعد التسعين، كتبه مؤلفه سامحه الله. ٨ - باب طُولِ السُّجُودِ فِي الكُسُوفِ ١٠٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ. فَرَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ. قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا. [انظر: ١٠٤٥ - مسلم: ٩١٠ - فتح: ٢/ ٥٣٨] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث. وقد سلف في باب الصلاة جامعة قريبًا (١). وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، قد سلف وفقهه في باب الصدقة في الكسوف (٣). وقوله: (ركعتين في سجدة)، أي: في ركعة، وقد يعبر بالسجدة عن الركعة. ------------ (١) برقم (١٠٤٥). (٢) «صحيح مسلم» (٩١٠) كتاب: الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف. (٣) راجع حديث (١٠٤٤). ٩ - باب صَلَاةِ الكُسُوفِ جَمَاعَةً وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ. وَجَمَعَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ. ١٠٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللهَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ. قَالَ - ﷺ -: «إِنِّي رَأَيْتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَاليَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ». قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». [انظر: ٢٩ - مسلم: ٩٠٧ - فتح: ٢/ ٥٤٠] ثم ذكر فيه حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث الشرح: أما فعل ابن عباس فأخرجه ابن أبي شيبة، عن غندر، عن ابن جريج، عن سليمان الأحول، عن طاوس أن الشمس انكسفت على عهد ابن عباس، فصلى على صفة زمزم ركعتين، في كل ركعة أربع سجدات (١). ورواه الشافعي عن سفيان، عن سليمان الأحول به، وقال: ست ركعات في أربع سجدات (٢). قَالَ البيهقي: روي عن عبد الله بن أبي بكر، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قَالَ: رأيت ابن عباس صلى على ظهر زمزم في كسوف الشمس ركعتين، في كل ركعة ركعتين (٣). قَالَ الشافعي (٤): إذا كان عطاء، وعمر، وصفوان، والحسن يروون عن ابن عباس خلاف ما روى سليمان الأعمش (٥) كانت رواية ثلاثة أولى أن تُقبل. ولو ثبت عن ابن عباس أشبه أن يكون ابن عباس فرق بين خسوف الشمس والقمر وبين الزلزلة، فقد روي أنه صلى ثلاث ركعات في كل ركعة. وقال ابن التين: صفة زمزم موجزة قيل: كانت أبنية، فصلى فيها ابن عباس. وعلي بن عبد الله بن عباس تابعي ثقة (٦) روى له مسلم والأربعة، ------------ (١) «المصنف» ٢/ ٢١٩ (٨٣٠٧) كتاب: الصلوات، باب: صلاة الكسوف كم هي؟ (٢) «مسند الشافعي» ١/ ١٦٧ (٤٨٥). (٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨، كتاب: صلاة الكسوف، باب: من أجاز أن يصلي في الخسوف. (٤) «مسند الشافعي» ١/ ١٦٧ كتاب: الصلاة، باب: في صلاة الكسوف. (٥) كذا في الأصل، وفي «مسند الشافعي» ١/ ١٦٧: الأحول. (٦) وثقه العجلي، وأبو زرعة، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٣١٢، «معرفة الثقات» ٢/ ١٥٦ (١٣٠٥)، «الثقات» ٥/ ١٦٠، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٣٥ (٤٠٩٧) ولد ليلة قُتِلَ عليّ، وكان أجمل قرشي في الدنيا. وقال علي بن أبي حملة (١): كان يسجد كل يوم ألف سجدة، ورأيته آدم جسيمًا بين عينيه أثر السجود، مات سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل: سنة إحدى عشرة ومائة بالبلقاء (٢). وأثر ابن عمر كأنه يريد ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن عاصم بن عبيد الله قَالَ: رأيت ابن عمر يهرول إلى المسجد في كسوف، ومعه نعلاه يعني: لأجل الجماعة (٣). وأما الحديث فأخرجه في بدء الخلق (٤) والنكاح (٥)، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي أيضًا (٦). ووقع في بعض نسخ أبي داود، عن عطاء، عن أبي هريرة، وهو وهم كما نبه عليه ابن عساكر. إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: (انخسفت الشمس) كذا هنا، وفي مسلم: (انكسفت)، وهنا: «لا يخسفان»، وفي مسلم: «ينكسفان». ------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: حملة، بفتح الحاء المهملة وميم ثم لام مفتوحتين، كذا ضبطه القرطبي. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال أبو عبيد البكري: مات بالحمينة. وكذا قال الذهبي في «الكاشف»، وكأن الحمينة مكان بالبلقاء. (٣) «المصنف» ٢/ ٢٢٠ (٨٣١٥) كتاب: الصلوات، باب: صلاة الكسوف كم هي؟ (٤) سيأتي برقم (٣٢٠٢) باب: صفة الشمس والقمر. (٥) سيأتي برقم (٥١٩٧) باب: كفران العشير. (٦) «صحيح مسلم» (٩٠٧/ ١٧) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - من أمر الجنة والنار، «سنن أبي داود» (١١٨١، ١١٨٣) كتاب: الصلاة، باب: من قال: أربع ركعات، «سنن النسائي» ٣/ ١٢٨ - ١٢٩ كتاب: الكسوف، باب: كيف صلاة الكسوف؟ ![]()
__________________
|
|
#229
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 341 الى صـــ 360 الحلقة (229) وقوله: (فقام قيامًا طويلًا) سببه -والله أعلم- طول زمن الكسوف. وفي حديث عائشة: فأطال القراءة (١). وقوله: (نحوًا من سورة البقرة) وفي مسلم: قدر سورة البقرة. وفي بعض نسخ البخاري: نحوًا من قيام سورة البقرة. وهو دال على استحباب ذلك، وأن القراءة كانت سرًّا. وفي رواية عائشة: فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة (٢). والحزر والنحو يوهم عدم السماع، وكونها سرية، وقد يقال: كان ابن عباس صغيرًا ومقامه آخر الصفوف، فاحتاج إلى الحزر. وبالسر فيها قَالَ مالك والشافعي والكوفيون كما ستعلمه في موضعه. الثاني: (تكعكعت): معناه عند أهل اللغة: احتبست وتأخرت ورائي. يقال: كع الرجل، إذ نكص على عقبيه. وعند الفقهاء: تقهقرت، وكلُّ قريب. أصل تكعكع تكعع فأدخلت الكاف؛ لئلا يجمع بين حرفين متماثلين، كذا ذكر الخطابي (٣). وهو في الحقيقة ثلاثة أحرف مثل دساها أصله دسسها، فأبدلت من إحدى السينات ياءً؛ لئلا تجتمع ثلاثة أحرف، وكذا كبكبوا أصله: كبَّبوا فاجتمع ثلاث باءات، أبدلت من الوسطى كافًا كذلك أبدل العين الوسطي كافًا، وهي عين الفعل ويقال: كاع يكيع، وأصله: من الجبن، يجمع الرجل عن الأمر إذا جبس وتأخر. ----------- (١) سلف برقم (١٠٤٦) كتاب: الكسوف، باب: خطبة الإمام في الكسوف. (٢) رواه أبو داود (١١٨٧) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في صلاة الكسوف. والبيهقي ٣/ ٣٣٥ كتاب: صلاة الخسوف، باب: من قال: يسر بالقراءة في .... وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٠٧٣). (٣) «أعلام الحديث» ١/ ٤٩٠. الثالث: فيه أن الجنة مخلوقة إذ ذاك، وأن فيها ثمارًا موجودة، وكذا النار حقيقة ببينة التناول الذي رأوه يفعله، وإخبار الصادق حق لا شك فيه ولا مرية، فخلق الرب ﷻ له إدراكًا أدركهما به في جهة الحائط الذي أشار إليه، كما فرج له عن بيت المقدس ليلة الإسراء، فجعل يخبرهم عنه (١). وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] قَالَ: فرجت له السماوات، حَتَّى نظر إلى ما فيهن، حَتَّى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن (٢). وإنما لم يأخذ العنقود؛ لأن طعام الجنة باقٍ أبدًا لا يفنى، ولا يكون شيء من دار البقاء في دار الفناء. وقد قدَّر الرب ﷻ أن رزق الدنيا لا ينال إلا بتعب ونصب، فلا يبدل القول لديه. وأيضًا فطعام الجنة شوَّق الرب إليه عباده، ووعدهم به؛ جزاءً لأعمالهم الصالحة، والدنيا ليست دار جزاء، ولذلك لم يأخذه. وقوله: («لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا») ويريد أنهم كانوا يأكلون منه، ويأكل منه من بعدهم حَتَّى تنقضي الدنيا؛ لأنه كان لا يفنى ولا ينقطع بموته. و(لو) عند العرب لامتناع الشيء بامتناع غيره كقوله: «لو كان بعدي نبي لكان عمر» (٣)، ولا سبيل إلى أن يكون بعده نبي، ------------ (١) سيأتي هذا الحديث برقم (٣٨٨٦، ٤٧١٠)، ورواه مسلم (١٧٠) من حديث جابر. (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ٢٤٢ (١٣٤٥٢). (٣) رواه الترمذي (٣٦٨٦) كتاب المناقب، باب في مناقب عمر بن الخطاب، وأحمد ١/ ١٥٤ ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٤٦٢، ٢/ ٥٠٠، والطبراني ١٧/ ٢٩٨ (٨٢٢)، ١٧/ ٣١٠، والحاكم ٣/ ٨٥ وقال: هذا حديث صحيح = كما لا سبيل إلى أن يكون عمر نبيًّا. وروى ابن عبد البر بإسناده إلى عتبة بن عبد السلمي حديثًا فيه أن أعرابيًا سأل رسول الله - ﷺ - عن عظم عنقود الجنة، فقال له: «مسيرة الغراب (١) شهرًا لا يقع ولا يعثر» (٢). وقوله: («وأريت النار») كذا هنا، في الجنة (رأيت)، وفي النار (أريت)، أما (رأيت): فإنه فعل مسمى الفاعل، وفاعله الرائي، كأن في الجنة عرضت له ولا حائل بينه وبينها، فوقع بصره عليها فرآها، وأما (أريت) فإنه فعل ما لم يسم فاعله، وقد أقيم المفعول الذي هو الرائي على الحقيقة مقام الفاعل، فكأن الجنة عُرضت عليه ثم كشف عن بصره فرآها، ورؤياه النار كان من الباب الذي يدخل منه العصاة من المسلمين. وقوله: («فلم أر كاليوم قط أفظع») الكاف في «كاليوم» موضع نصب، التقدير: فلم أر منظرًا مثل منظر شيء اليوم. و«أفظع» (٣) بالفاء والظاء المعجمة أي أهول وأشد، ووقع في موضع من «المطالع» بالضاد المعجمة. الرابع: قوله: (قيل: يكفرن بالله؟ قَالَ: «يكفرن العشير») كذا في البخاري بالواو في «يكفرن العشير» وأثبتها يحيى بن يحيى عن مالك، ورواية -------------- = الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٢٧). (١) في الأصل كتبت بغير نقط وكسرت العين وهي غير منقوطة، ووصفها هكذا (العِراب)؛ والمثبت عن «التمهيد». (٢) «التمهيد» ٣/ ٣٢٠ - ٣٢١. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: أفظع بالظاء المعجمة، وقد ذكر صاحب المطالع في الفاء مع الضاد …، وقد تقدم في الفاء مع الظاء، وهو موضع اللفظ، وكأنه إنما ذكره في الفاء مع الضاد؛ لأنه تبع فيه القاضي عياض … عادته. وقال ابن التين: إنما ذكره في الظاء. القعنبي، وابن القاسم، وابن وهب، وأكثر الرواة حذفها؛ لما فيه من إثبات الكفر بالله، ولعله إخبار عن أكثرهن لا عن الكل. وأجيب عن رواية يحيى بن يحيى بأن السائل لما قَالَ: أيكفرن بالله؟ لم يجب عنه؛ لإحاطة العلم بأن منهن من يكفر كالرجال، فلم يحتج إلى ذلك؛ لأن المقصود من الحديث غيره. فإن قلت: إذا كان أكثر أهلها النساء، كيف يلتئم مع حديث أبي هريرة: «إن أدنى أهل الجنة من له زوجتان من الدنيا» (١) ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة؟ فالجواب أن عمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار، أو خرج مخرج التغليظ والتخويف، وفي هذا نظر؛ لأنه أخبر أن الرؤية حاصلة. وأجاب بعضهم بأنه لعله مخصوص ببعض النساء دون بعض، وقد سلف طرف من شرح الحديث في الحيض. تنبيهات: أحدها: سنة صلاة الكسوف أن تصلى جماعة، وهو ما عقد له البخاري الباب، وفي المسجد للاتباع، فإن تخلف الإمام عنها فليقدموا من يصلي بهم جماعة، وبه قَالَ مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور (٢). وقد صلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسليمان التيمي، كل واحد منهما بأصحابه (٣). -------------- (١) «المدونة» ١/ ١٥١، «التمهيد» ٥/ ٢٩٦، «الأم» ١/ ٢١٤، «الأوسط» ٥/ ٣١٠، «المغني» ٣/ ٣٢٢، «الإنصاف» ٥/ ٣٨٥. (٢) روي ذلك عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢١ (٨٣٢٧) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ في الكسوف. وذكر ابن المنذر هذين الأثرين في «الأوسط» ٥/ ٣١٠. (٣) لم نجده فيما بين أيدينا من مصادر. وفي «المدونة»: يصليها أهل القرى والمسافرون بإمام، إلا أن يعجل بالمسافرين السير، فتصليها المرأة في بيتها (١). وقَالَ أشهب: ومن لم يقدر أن يصليها مع الإمام من النساء والضعفاء، فإنهم يصلونها فرادى وبإمام (٢)، وكره أبو حنيفة والثوري أن يجمع النساء، وقال: يصلون وحدانا ولا يجمعهن رجل (٣). وقول من استحب الجماعة فيها للنساء وغيرهن أولى؛ لأن سنتها الجماعة لكل من صلاها، فكذلك النساء. وأغرب بعضهم فجعل الجماعة فيها شرطًا كالجمعة، حكاه إمام الحرمين عن الصيدلاني (٤)، والذي في كتابه حكايته وجهين في أنها هل تصلى في كل مسجد أو لا تكون إلا في جماعة واحدة كالخلاف في العيد. ثانيها: اختلف العلماء في صفة صلاة الكسوف، وقد سلف أول الباب الخلاف فيها. وقد رويت في صلاة الكسوف أحاديث مختلفة، فقال بها قوم من الفقهاء، وزعم بعضهم أن القول بها كلها جائز؛ لأنه - ﷺ - صلى الكسوف مرات كثيرة، وخير أمته في العمل بأي ذلك شاءوا، منها أنه صلى ثلاث ركعات في ركعة (٥)، وأربعًا في ركعة (٦)، ------------- (١) «المدونة» ١/ ١٥١، ١٥٢. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٥١١. (٣) انظر «الأصل» ١/ ٤٤٦، «الأوسط» ٥/ ٣١٠. (٤) انظر: «الشرح الكبير» للرافعي ٢/ ٣٧٦. (٥) رواه مسلم برقم (٩٠٤) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف، عن جابر. (٦) رواه مسلم برقم (٩٠٨) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ذكر من قال: أنه ركع ثمان ركعات في أربع سجدات، عن ابن عباس. وخمسًا في ركعة (١)، وستًّا في ركعة، وثمانيًا في ركعة؛ لأنه كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس تنجلي، فإذا انجلت سجد فيها، فمن هنا زيادة الركعات، فيقال لهم: أكثر تلك الأحاديث ضعاف، وأصح ما في أحاديث صلاة الكسوف ما ذكره البخاري، وما رواه مالك في «الموطأ» (٢)، وبه قَالَ أهل المدينة عملًا قرنًا بعد قرن. واحتج الطحاوي لأصحابه بالقياس على سائر الصلوات من التطوع (٣)، وجوابه أن هذِه خصت بأمور، كصلاة الخوف والعيد والجنازة، ولا مدخل للنظر في ذلك. الثالث: قوله في صفة القيام الثالث والرابع: (دون القيام الأول)، يريد الذي يليه، ووجه ذلك أن وصفه بأنه دون القيام الذي يليه أبين في موضعه؛ لأنَّا إن صرفناه إلى أول قيامه لم يعلم إن كان تقدير الثاني أكثر منه أو أقل، فكانت إضافته إلى الذي يليه أولى. الرابع: فيه أن يسير العمل في الصلاة لا يفسدها، وهو إجماع، فإنه - ﷺ - تناول، ثم تكعكع، والتناول مد اليد للأخذ، وفي حديث آخر «لو اجترأت» (٤)، وهودال على أنه تركه لما داخله من الهيبة وإعظام ما رأى. ------------ (١) رواه أبو داود برقم (١١٨٢) كتاب: الصلاة، باب: من قال: بأربع ركعات. وقال: وحدثت عن عمرو بن شقيق، حدثنا أبو جعفر الرازي -وهذا لفظه- وهو أتم عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية. والحاكم ١/ ١٣٣ كتاب: الكسوف. وقال: رواته صادقون -وخالفه الذهبي قائلا: منكر- والبيهقي ٣/ ٣٢٩ كتاب: الصلاة، باب: من أجاز أن يصلي في الخسوف. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٢١٤): إسناده ضعيف، أبو جعفر الرازي ليِّن. (٢) «الموطأ» ص ١٣٢ كتاب: الجمعة، باب: العمل في خسوف الشمس. (٣) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٢. (٤) سلفت برقم (٧٤٥) كتاب: الأذان. ١٠ - باب صَلَاةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الكُسُوفِ ١٠٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِىَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ. قَالَتْ: فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي المَاءَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ -أَوْ قَرِيبًا مِنْ- فِتْنَةِ الدَّجَّالِ -لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ- يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوِ المُوقِنُ. لَا أَدْرِي أى ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ -فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا. فَيُقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا. وَأَمَّا المُنَافِقُ -أَوِ المُرْتَابُ. لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ -فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ». [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٢/ ٥٤٣] ذكر فيه حديث فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ .. الحديث. وقد سلف في الطهارة في باب من لم يتوضأ إلا من الغَشْي المثقل (١)، وفي أواخر الصلاة أيضًا (٢). وأخرجه مسلم عن صفية، عن أسماء (٣). ------------- (١) سلف برقم (١٨٤) كتاب: الوضوء. (٢) سيأتي برقم (١٢٣٥) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة. (٣) «صحيح مسلم» (٩٠٦) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار. ورواه ابن ماجه والنسائي من طريق ابن أبي مليكة عن أسماء (١). وفيه من الفقه: حضور النساء صلاة الكسوف مع الجماعة في المساجد. ورخص مالك والكوفيون للعجائز في ذلك، وكره للشابة (٢). وقال الشافعي: لا أكره لمن لا هيئة لها بارعة من النساء ولا للصبية شهود صلاة الكسوف مع الإمام، بل أحب لهن، ويجب لذات الهيئة أن تصليها في بيتها (٣). ورأى إسحاق أن يخرجن شبابًا كن أو عجائزَ، ولو كن حُيَّضًا؛ ويعتزل الحُيَّضُ المسجد، ويقربن منه. وفيه: استماع المصلي إلى ما يخبره به من ليس في صلاة. وفيه: جواز إشارة المصلي بيده وبرأسه لمن يسأله مرة بعد أخرى. وفيه: أن صلاة الخسوف قيامها طويل؛ لقولها: (فقمت حَتَّى تجلاني الغَشْي)، فهو حجة للشافعي ومالك (٤) وأبي حنيفة في قوله: إنها إن شاء قصرها كالنوافل (٥). وقولها: (فجعلت أصب فوق رأسي الماء) فيه دليل على جواز العمل اليسير في الصلاة. وفي أن يفكر المصلي ونظره إلى قبلته جائز؛ لقوله: (»ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا، ----------- (١) «سنن النسائي» ٣/ ١٥١ الكسوف، باب: التشهد والتسليم في صلاة الخسوف، و«ابن ماجه» (١٢٦٥) إقامة الصلاة والسنة، باب: ما جاء في صلاة الكسوف. (٢) انظر: «الأصل» ١/ ٤٤٦، «المدونة» ١/ ١٥٢. (٣) «الأم» ١/ ٢١٨. (٤) «الأم» ١/ ٢١٧، «المنتقى» ١/ ٣٣٠. (٥) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٩. ولقد أوحي إلى أنكم تفتنون في القبور»)، وذلك كله في الصلاة. وفيه: أن فتنة القبر حق، وهذا مذهب أهل السنة. وفيه: أن من ارتاب في تصديق الشارع، أو شك في صحة رسالته فهو كافر، ألا ترى قول المنافق أو المرتاب: لا أدري؟ فهذا لم يوقن به لما دخله الارتياب والنفاق، ومن لم يدر فقد نفى عن نفسه التصديق، ثم زاد شكه بيانًا لقوله: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فأخبر أنه إنما جرى تصديق الشارع على لسانه من أجل قول الناس ذلك لا من أجل اعتقاده صحة ما جرى على لسانه، وهذا هو حقيقة الريب، أن يقول اللسان ما لم يعتقد صحته القلب. وفيه: أن تمام الإيمان والعلم إنما هو المعرفة بالرب ﷻ ورسله، ومعرفة الدلالة على ذلك؛ ألا ترى أنه - ﷺ - نفي الإيمان عمن يقول إذا سئل نبيه: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. وفيه: ذم التقليد، وأن المقلد لا يستحق اسم العلم التام على الحقيقة. فإن قلتَ: كيف قلتَ: تمام الإيمان والعلم هو المعرفة بالله ورسله، ومعرفة الدلالة على ذلك، وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: عليكم بدين العذارى، والعذارى لا علم عندهن بالدلالة على الإيمان، وإنما علمهن التقليد، وأنت قد ذممته؟ فالجواب أنه قد جاءت هذِه الكلمة في حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار حين كلم خاله عثمان بن عفان في أخيه الوليد بن عقبة، وقال له: قد أكثر الناس في شأن الوليد حق عليك أن تقيم الحد. فقال: يا ابن أخي أدركت رسول الله - ﷺ -؟ قلتُ: لا، ولكن قد خلص إلي من علمه كما خلص إلى العذراء في سترها، وذكر الحديث كما ستعلمه في البخاري في باب: فضائل الصحابة في باب هجرة الحبشة (١). ومعنى قولهم: دين العذارى هو أنه - ﷺ - بلغ عن ربه دينه حَتَّى وصل ذلك إلى العذارى في خدورهن، فعلمنه خالصًا، ثم نشب وقد ألزم الله المؤمنين أن يعلموا ذريتهم حقيقة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] فكل مؤمن يعلم بنيه في الصغر خالص الإيمان، وما يلزمه من فرائضه، ولا يعلم اعتراض الملحدين ولا شبه الزائغين؛ لأن الجدال فيه ربما أورث شكًّا. فإيمان العذارى: التصديق الخالص الذي لا ريب فيه، ولا شك، بخلاف أحوال المنافق والمرتاب الذي قَالَ: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. ولا يرد بقوله: عليكم بدين العذارى ترك معرفة الاستدلال على حقائق الإيمان والازدياد من العلم، هذا إبراهيم -خليل الرحمن- سأل ربه أن يريه كيف يحيى الموتى؛ وإنما سأله تعالى زيادة في العلم يطمئن بها نفسه، ولم يكن قبلها شاكًّا، وهذِه غاية ترد على ابن عمر في البكاء على الميت (٢) وغير ذلك، ونقول: يرحم الله أبا عبد الرحمن، إنما أراد رسول الله - ﷺ - خلاف ما ذهب إليه ابن عمر، ويرد على عروة بن الزبير تأويله في الطواف بين الصفا والمروة. وقالت عائشة: نِعْم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين (٣). فحكمت لهن بالفقه في الدين. والفقه في لسان العرب: هو معرفة الشيء، ومعرفة الدلالة على صحته، فلا خلاف بين شيء من ذلك. -------------- (١) سيأتي برقم (٣٨٧٢) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة الحبشة. (٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٥٣ - ٥٥٥ (٦٦٧٤ - ٦٦٧٥) كتاب: الجنائز، باب: الصبر، والبكاء والنياحة. (٣) رواه مسلم (٣٣٢) ٦١ كتاب: الحيض، باب: استحباب استعمال المغتسلة من = ١١ - باب مَنْ أَحَبَّ العَتَاقَةَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ١٠٥٤ - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. [انظر: ٨٦ - فتح: ٢/ ٥٤٣] ذكر فيه حديث أسماء قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَمْسِ. هذا الحديث من أفراد البخاري، ويأتي في العتق أيضًا (١). وشيخ البخاري (ربيع بن يحيى) هو الأشنناني من أفراده عن مسلم. وخرج له أبو داود فقط، ثقة، ثبت، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٢). و(العَتاقة) بفتح العين. ولا شك أن الرب ﷻ يخوف عباده بالآيات ليتقربوا إليه بالأعمال الصالحة كالصلاة والعتق والصدقة، وجاء أن العتق يفك المؤمن من النار (٣)، وقد قرن الله تعالى في كتابه العتق بالصدقة، --------------- = الحيض فرصة من مسك في موضع الدم. (١) سيأتي برقم (٢٥١٩، ٢٥٢٠) كتاب: العتق، باب: ما يستحب من العتاقة في الكسوف أو الآيات. (٢) ابن مقسم المرئي، أبو الفضل البصري. قال أبو حاتم: ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في «الثقات». وذكر ابن حجر في «مقدمة فتح الباري» ص ٤٠٢ أن الدارقطني، قال: يخطئ في حديثه عن الثوري وشعبة، ثم قال: ما أخرج عنه البخاري إلا من حديثه عن زائدة فقط. انظر: «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٧٩ (٩٥٥). و«الجرح والتعديل» ٣/ ٤٧١ (٢١٠٦). و«تهذيب الكمال» ٩/ ١٠٦ (١٨٧٣). (٣) يشير المصنف رحمه الله إلى حديث أبي هريرة الآتي برقم (٢٥١٧): «أيما رجل أعتق امرأ مسلمًا استنفذ الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار»، والحديث رواه مسلم أيضًا (١٥٠٩). فقال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ [البلد: ١٣، ١٤] وبأعمال البر كلها يدفع الله النقم والبلاء عن عباده، فيستحق العتق عند ذلك المعنى المذكور. وهو ما ترجم له: ١٢ - باب صَلَاةِ الكُسُوفِ فِي المَسْجِدِ ١٠٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَائِذًا بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ. [انظر: ١٠٤٩ - مسلم: ٩٠٣ - فتح:٢/ ٥٤٤] ١٠٥٦ - ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ ظَهْرَانَى الحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ وَهْوَ دُونَ السُّجُودِ الأَوَّلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١، ٩٠٣ - فتح:٢/ ٥٤٤] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ … إلى آخره. وقد سلف في باب التعوذ من عذاب القبر (١) (٢). --------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: شيخه في الأول عبد الله بن مسلمة، عن مالك، وفي الثاني: إسماعيل، حدثني مالك. (٢) برقم (١٠٤٩) كتاب: الكسوف. ١٣ - باب لَا تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ وَالمُغِيرَةُ وَأَبُو مُوسَى وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهم. ١٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الشَّمْسُ وَالقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا». [انظر: ١٠٤١ - مسلم: ٩١١ - فتح: ٢/ ٥٤٥] ١٠٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَأَطَالَ القِرَاءَةَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ القِرَاءَةَ وَهْىَ دُونَ قِرَاءَتِهِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ دُونَ رُكُوعِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ يُرِيهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ». [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٤٥] أما حديث أبي بكرة فسلف في أول صلاة الكسوف (١). وأما حديث المغيرة ففي الباب أيضًا. أما حديث أبي موسى فيأتي -إن شاء الله- في الباب بعده. وأما حديث ابن عباس فسلف في باب صلاة الكسوف جماعة (٢). وأما حديث ابن عمر فذكره في الباب الأول من كتاب الكسوف (٣). -------------- (١) برقم (١٠٤٠). (٢) برقم (١٠٥٢) كتاب: الكسوف، باب: صلاة الكسوف جماعة. (٣) برقم (١٠٤١) كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس. وقد روى هذا الكلام غير هؤلاء. وقد ذكره البخاري أيضًا من حديث أبي مسعود (١)، ومن حديث عروة عن عائشة (٢). ------------ (١) برقم (١٠٤١) كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس. (٢) سلف برقم (١٠٤٤) كتاب: الكسوف، باب: الصدقة في الكسوف. وبرقم (١٠٤٦) باب: خطبة الإمام في الكسوف. ١٤ - باب الذِّكْرِ فِي الكُسُوفِ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. ١٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ وَقَالَ: «هَذِهِ الآيَاتُ التِى يُرْسِلُ اللهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ». [مسلم: ٩١٢ - فتح: ٢/ ٥٤٥] ثم ساق حديث أبي موسى: قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث. الشرح: أما رواية ابن عباس فسلفت في باب صلاة الكسوف جماعة (١). وأما حديث أبي موسى فأخرجه مسلم أيضًا (٢). وترجم عليه أيضًا: -------------- (١) برقم (١٠٥٢) كتاب: الكسوف. (٢) «صحيح مسلم» (٩١٢) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف: الصلاة جامعة. ١٥ - باب الدُّعَاءِ فِي الخُسُوفِ قَالَهُ أَبُو مُوسَى وَعَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١٠٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ». [انظر: ١٠٤٣ - مسلم: ٩١٥ - فتح: ٢/ ٥٤٦] أما حديث أبي موسى فسلف في الباب قبله: «فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه». وأما حديث عائشة فسلف في باب الصدقة في الكسوف (١). ثم ساق بإسناده حديث المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث. وسلف في أول كتاب الكسوف (٢). وقيامه فزعًا يدل على أنه أول كسوف رأى، فدخله الخوف إذ رأى ما لم يعهد. وفيه: أنه كان لم يخبر بالآيات التي بين يدي الساعة؛ لأنه لا يخشى من أمر يعلم أن علاماته لم تظهر ثم أُخبر به بعد. وقوله: («فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره») (٣) هو من قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: ٤٣] وذلك مما كانوا ------------- (١) برقم (١٠٤٤) كتاب: الكسوف. (٢) برقم (١٠٤٣) باب: الصلاة في كسوف الشمس. (٣) هذا اللفظ في الحديث السابق (١٠٥٩). يبلون به من البأساء والضراء. وأما إذا أتى العذاب فلا مرد له لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ الآية [يونس: ٩٨] وكذلك من غرغر وعاين الملائكة الذين يقبضون روحه لم ينفعه الإيمان، ولم تكن له توبة، قَالَ تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية. ثم قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] يعني: غرغروا بالموت، فسماهم الله كفارًا؛ لأنهم قاربوه. وقوله في الباب: («فإذا رأيتموهما») يعني: الآيتين. قاله الداودي. وقوله: («حَتَّى تنجلي») يعني: الشمس تظهر حين يكشف عنها. ١٦ - باب قَوْلِ الإِمَامِ فِي خُطْبَةِ الكُسُوفِ: أَمَّا بَعْدُ ١٠٦١ - وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ، فَحَمِدَ اللهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ». [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٢/ ٥٤٧] وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: ثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ .. الحديث. وقد سلف في الجمعة وقال محمود: ثَنَا أبو أسامة، فذكره (١) وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر وأبي كريب؛ عن أبي أسامة (٢). قَالَ الجياني: وقع في رواية ابن السكن في إسناد هذا الحديث وَهَمٌ، وذلك أنه زاد في الإسناد رجلًا، أدخل بين (هشام) و(فاطمة) (عروةَ بنَ الزبير) والصواب: (هشام عن فاطمة) (٣). -------------- (١) برقم (٩٢٢) باب: من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد. (٢) «صحيح مسلم» (٩٠٥) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار. (٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٩٨. ١٧ - باب الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ القَمَرِ ١٠٦٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ١٠٤٠ - فتح: ٢/ ٥٤٧] ١٠٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى المَسْجِدِ، وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، فَانْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ». وَذَاكَ أَنَّ ابْنا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مَاتَ، يُقَالُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ فِي ذَاكَ. [انظر: ١٠٤٠ - فتح: ٢/ ٥٤٧] ذكر فيه حديث أبي بكرة قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثم ساقه من حديثه أيضًا، وقد سلف أول كتاب الصلاة، ولم يذكر البخاري فيه كسوف القمر (١). ورواه ابن أبي شيبة: انكسفت الشمس أو القمر على عهد رسول الله - ﷺ - (٢)، وفي رواية هشيم: انكسفت الشمس والقمر على عهد رسول الله - ﷺ -. وفي رواية لابن علية: «إن الشمس والقمر ..» الحديث، وفيه: «فإذا رأيتم منها شيئًا فصلوا» (٣). ------------- (١) حديث (١٠٤٠). (٢) «المصنف» ٢/ ٢١٩ (٨٣٠٨) كتاب: الصلوات، باب: صلاة الكسوف كم هي؟ (٣) «صحيح مسلم» (٩١١) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف (الصلاة جامعة). ![]()
__________________
|
|
#230
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 361 الى صـــ 3800 الحلقة (230) قَالَ الإسماعيلي: قوله: «منها شيئًا» أدخل في الباب من قوله: «فإذا كان ذلك»، وفي رواية للبيهقي: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله»، وفيه: «فإذا كسف واحد منهما فصلوا وادعوا واذكروا»، وقال: هكذا رواه جماعة من الأئمة عن بشر بن موسى بهذا اللفظ (١). وفي بعض نسخ البخاري إسقاط (شعبة) بين (سعيد بن عامر) و(يونس)، وهو غلط، لا بد من شعبة، نص على ذلك أصحاب الأطراف وغيرهم. وإن كان سعيد بن عامر قد ذكر المزي أنه روى عن يونس بن عبيد (٢)، لكن ليس هذا الحديث، ولا علم عليه علامة من روى له. أما فقه الباب: فقد اختلف العلماء؛ هل في خسوف القمر صلاة جماعة؟ وقد أسلفناه في أول الباب. قَالَ ابن قدامة وأكثر أهل العلم: نعم (٣). ومن الغريب قول ابن رُشْد أنه لم يرو أنه - ﷺ - صلى في كسوف القمر، مع كثرة دورانه. وقد أسلفنا هناك من طريق أنه صلى فيه (٤). وقال ابن التين: وذكر البخاري في الباب كسوف الشمس فقط دون القمر. وفي رواية الأصيلي ذكر فيهما جميعًا القمر ولم يذكر الشمس، وهو أشبه بالتبويب، لكنه ذكر في حديث أبي بكرة أنه صلى ركعتين، وذكر في الحديث الثاني ----------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٣٧ كتاب: صلاة الخسوف، باب: الصلاة في خسوف القمر. (٢) «تهذيب الكمال» ١٠/ ٥١١ ترجمة (٢٣٠٠). (٣) «المغني» ٣/ ٣٢١. (٤) برقم (١٠٤٠) كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس. كذلك، وقال: «إنهما آيتان فإذا كان ذلك فصلوا»، وأمر بالصلاة عند خسوف القمر قَالَ: ودليلنا قوله - ﷺ -: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (١)، وهذا يفيد سقوط الاجتماع لها ولغيرها من النوافل إلا ما قام عليه الدليل. وانكسف القمر على عهد رسول الله - ﷺ - دفعات كثيرة، ولم ينقل أنه صلاها في جماعة، ولا أنه دعى إلى ذلك. قَالَ: وحديث ابن عباس (٢) -يعني الذي أسلفناه في الباب المشار إليه- يحتمل أن يكون إشارة إلى جنس الكسوف أنه يصلى له، وليس في خطبته له دلالة أنه صلاها جماعة؛ لأنه كما أنه خطب فيها، وليس من سنتها الخطبة عند مخالفينا جاز أن يكون صلاها منفردًا ثم خطب وهذا بعيد. قَالَ: وقوله: «فافزعوا إلى الصلاة» أمره بها مطلقًا، ولم يقل: مجتمعين، فوجب أن يستوي في ذلك الأمران. وأما الاقتران في اللفظ فلا يوجب عندنا الاقتران في الحكم إلا بدليل، ثم قَالَ: واعتبارهم بكسوف الشمس غير صحيح؛ لأنه يقع نهارًا فلا يلحق فيه مشقة، بخلاف الليل، والاجتماع فيه كلفة. ثم ذكر ابن حبيب عن ابن عباس: كسف القمر في عهد رسول الله - ﷺ -: فلم يجمعنا إلى الصلاة معه كما فعل في خسوف الشمس، فرأيته صلى ركعتين. وفي «المجموعة» لمالك: يفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع، ويصلون أفرادًا. وأجاز أشهب الجمع لكسوف القمر. وقال عبد العزيز: هي كصلاة خسوف الشمس وتصلى أفرادًا (٣)، والمعروف ---------------- (١) تقدم برقم (٧٣١)، ورواه مسلم (٧٨١). (٢) راجع حديث (١٠٥٢). (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥١١ - ٥١٢. خلافه أنهم يصلونها في بيوتهم كالنافلة. قَالَ: فثبت بهذا أن الاختلاف في خسوف القمر في ثلاثة مواضع: أحدها: في صفة الصلاة. وإذا قلنا: هي كصلاة كسوف الشمس، فهل تصلى جماعة أو أفرادًا؟ والثاني: في الجمع لها. والثالث: أن يصلى لها. فإذا قلنا: يجمع، فهل هو سنة أو مباح؟ وقوله: (وثاب إليه الناس) أي: هادوا إليه. وقال ابن بطال: استغنى البخاري بذكر أحدهما عن الآخر، حيث ترجم للقمر وذكر الشمس (١). -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨. باب صبِّ المرأة الماء على رأسها إذا أطال الإمام القيام كذا ترجم له، ولم يذكر فيه حديثًا، وكأنه اكتفي بحديث أسماء السالف في باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف (١). ---------- (١) برقم (١٠٥٣) كتاب: الكسوف. ١٨ - باب الرَّكْعَةُ الأُولَى فِي الكُسُوفِ أَطْوَلُ ١٠٦٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ، الأَوَّلُ الأَوَّلُ أَطْوَلُ. [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٤٨] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ، الأَوَّلُ الأَوَّلُ أَطْوَلُ. أخرجه عن محمود، ثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة. (محمود) (خ، م، ت، س، ق) هو ابن غَيْلانَ الحافظُ، روى له مسلم أيضًا، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (١). و(أبو أحمد) اسمه محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي، وليس من ولد الزبير بن العوام. قَالَ بُنْدَار: ما رأيت أحفظ منه. وقال آخر: كان يصوم الدهر. مات سنة ثلاث ومائتين (٢). ---------------- (١) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد. قال أحمد بن حنبل: أعرفه بالحديث، صاحب سنة، قد حبس بسبب القرآن، وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات» انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٠٤ (١٧٦٩)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٩١ (١٣٤٠)، «الثقات» ٩/ ٢٠٢. و«تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٠٥ (٥٨١٩). (٢) وثقه يحيى بن معين. وقال العجلي: كوفي ثقة، كان يتشيع. وقال أبو حاتم: حافظ للحديث عابد مجتهد، له أوهام. وقال النسائي: ليس به بأس. قال ابن حجر في «المقدمة» ص ٤٣٩: احتج به الجماعة وما أظن البخاري أخرج له شيئًا من أفراده عن سفيان. انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ١٣٣ (٤٠) و«معرفة الثقات» ٢/ ٢٤٢ (١٦١١). و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٤٧٦ (٥٣٤٣). و(سفيان) هو الثوري. و(يحيى) هو ابن سعيد الأنصاري. وقوله: (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ). يعني: في ركعتين؛ لأنه كذلك جاء مفسرًا من غير طريق، وقد تُسمى الركعة سجدة، ومنه: «من أدرك من الصلاة سجدة فقد أدركها» (١). وقد قام الإجماع على أن القيام الثاني من الركوع الأول في صلاة الكسوف أقصر من القيام من الركوع الأول لقوله: دون القيام الأول، ودون الركوع الأول، وكذلك أجمعوا أن القيام والركوع الثاني من الركعة الثانية أقصر من الأول منها. واختلفوا في القيام والركوع الأول من الركعة الثانية، هل هو دون الثاني من الركعة الثانية أو مثله؟ وهل يرجع قوله: (دون القيام الأول) إلى الركعة الأولى أو إلى الثانية منها؟ فقال قوم: يرجع إلى الأولى من الركعة الأولى. وقال قوم: بل يرجع إلى القيام والركوع الثاني من الركعة الأولى، وهذا قول مالك في «المدونة» أن كل ركعة من الأربع أطول من التي تليها (٢). وقول عائشة: (الأول الأول) حجة لقول مالك، وهذا كله حجة على أبي حنيفة في أنها ركعتان كسائر النوافل. -------------- (١) سلف برقم (٥٨٠) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من أدرك من الصلاة ركعة. (٢) «المدونة» ١/ ١٥٢. ١٩ - باب الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي الكُسُوفِ ١٠٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ، سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: جَهَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ». ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٤٩] ١٠٦٦ - وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَبَعَثَ مُنَادِيًا بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ مِثْلَهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ: مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ، عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَا صَلَّى إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إِذْ صَلَّى بِالمَدِينَةِ. قَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. تَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي الجَهْرِ. [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢/ ٥٤٩] ذكر فيه حديث الوَليدِ، أنا ابن نَمِرٍ، سَمِعَ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: جَهَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ. الشرح: حديث ابن نمر أخرجه مسلم أيضًا، وأبو داود والنسائي (١). واسم (ابن نمر) عبد الرحمن اليحصبي، روى عنه الوليد بن مسلم -------------- (١) «صحيح مسلم» (٩٠١) كتاب: صلاة الكسوف. و«سنن أبي داود» (١١٨٠) كتاب: الصلاة، باب: من قال: أربع ركعات. وبرقم (١١٨٨) باب: القراءة في صلاة الكسوف. و«سنن النسائي» ٣/ ١٤٨ كتاب: الكسوف، باب: الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف. فقط. قال أبو حاتم وغيره: ليس بالقوي (١). وأخرج له مسلم أيضًا. وقول البخاري: (وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ الزُّهْريَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ ..) الحديث ذكر خلف أن مسلمًا رواه عن محمد بن مهران، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، عن ابن شهاب، ثم قَالَ: وهو في حديث البخاري، عن محمد بن مهران، عن الوليد، وقال -يعني الوليد- وقال الأوزاعي وغيره: سمعت الزهري. وأبو داود أخرجه عن عياش بن الوليد، عن أبيه، عن الأوزاعي. وقول البخاري: (تابعه سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير). أما متابعة سفيان فأخرجها الترمذي من حديث إبراهيم بن صدقة عنه قَالَ: وروى أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان بن حسين نحوه من حديث ابن إسحاق (٢). وأما متابعة سليمان فأخرجها البيهقي من حديث محمد بن كثير، عنه، عن الزهري به، وفيه: فجهر بالقرآن وأطال (٣). وذكر حديث الجهر أيضًا من حديث عروة عن عائشة وقَالَ: وروينا عن حنش، عن علي أنه جهر بالقراءة في صلاة الكسوف. قال: وفيما ----------- (١) أبو عمرو الشامي الدمشقي. قال يحيى بن معين: ابن نمر الذي يروي عن الزهري ضعيف. وقال دحيم: صحيح الحديث عن الزهري. وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: من ثقات أهل الشام ومتقنيهم. وقال ابن حجر: ثقة، لم يرو عنه غير الوليد. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٥٧ (١١٣٣). و«الجرح والتعديل» ٥/ ٢٩٥ (١٣٩٧). و«تهذيب الكمال» ١٧/ ٤٦٠ (٣٩٨١). و«تقريب التهذيب» (٤٠٣٠). (٢) «سنن الترمذي» (٥٦٣) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في صفة القراءة في الكسوف. (٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٣٦ كتاب: صلاة الخسوف، باب: من اختار الجهر بها. حكى الترمذي عن البخاري أنه قَالَ: حديث عائشة في الجهر أصح عندي من حديث سمرة أنه - ﷺ - أسر بالقراءة فيها. ونقل البيهقي عن أحمد أن حديث عائشة في الجهر تفرد به الزهري. قَالَ: وقد روينا من وجه آخر عن عائشة، عن ابن عباس ما يدل على الإسرار بها من النبي - ﷺ - (١). إذا تقرر ذلك، فاختلف العلماء في القراءة في صلاة الكسوف. فقالت طائفة: يجهر بها. روي ذلك عن علي (٢)، وبه قَالَ أبو يوسف ومحمد (٣) وأحمد (٤) وإسحاق، وحكاه الترمذي عن مالك (٥)، واحتجوا بحديث سفيان وابن نمر عن الزهري. وقالت طائفة: يسر بالقراءة فيها. روي ذلك عن عثمان بن عفان وابن مسعود وابن عباس، وهو قول مالك والليث والكوفيين والشافعي (٦). واحتجوا بحديث ابن عباس السالف: فقرأ قراءة طويلة نحوًا من سورة البقرة (٧). ولو جهر فيها لم يقل نحوًا من سورة البقرة. وأما سفيان بن حسين، وعبد الرحمن بن نمر، وسليمان بن كثير ----------- (١) السابق. (٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ١٠٣ (٤٩٣٦) كتاب: الوتر، باب: الآيات، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٢ (٨٣٣٠) كتاب: الصلوات، باب: في الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٩٧. (٣) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٠. (٤) «الأوسط» ٥/ ٢٩٧. (٥) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٥٦٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الكسوف. (٦) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٣، «المدونة» ١/ ١٥١، «الأوسط» ٥/ ٢٩٧. (٧) برقم (١٠٥٢) كتاب: الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة. فكلهم ضعيف في حديث الزهري، وفيما ساقه البخاري من رواية الأوزاعي، عن ابن شهاب، ولم يذكر عنه الجهر ما يرد رواية الوليد عن أبي نمر في الجهر. فيبقى سليمان وسفيان، وليسا بحجة في الزهري لضعفهما. وقد عارضهما حديث عائشة وابن عباس وسمرة. أما حديث عائشة فرواه ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، وعبد الله ابن أبي سلمة، عن عروة، عن عائشة قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فخرج فصلى بالناس، فأطال القيام، فحزرت أنه قرأ بسورة البقرة، قَالَ: وسجد سجدتين ثم قام، فحزرت أنه قرأ: سورة آل عمران (١). وقد سلف عنها ما يخالفه (٢)، فيحمل ذلك على كسوف القمر. وأما حديث ابن عباس فرواه ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ: كنت إلى جنب رسول الله - ﷺ - في صلاة الكسوف، فما سمعت منه حرفًا (٣). --------------- (١) رواه أبو داود (١١٨٧) كتاب: الصلاة، باب: القراء في صلاة الكسوف؛ والحاكم في «المستدرك»١/ ٣٣٣ كتاب: الكسوف. قال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، إنما اتفقا على حديث الزهري وهشام بن عروة بلفظ آخر؛ والبيهقي: ٣/ ٣٣٥ كتاب: صلاة الخسوف، باب: من قال: يسر بالقراءة في خسوف الشمس. وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٠٧٣). (٢) برقم (١٠٤٤) كتاب: الكسوف، باب: الصدقة في الكسوف. (٣) رواه أحمد ١/ ٢٩٣. وأبو يعلى ٥/ ١٣٠ (٢٧٤٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٢، والبيهقي ٣/ ٣٣٥ كتاب: صلاة الخسوف، باب: من قال: يسر بالقراءة في خسوف الشمس. وأشار الذهبي إلى ضعفه؛ فقال في «مهذب البيهقي» ٣/ ١٢٥٩ (٥٦٣٢): فيه ابن = وأما حديث سمرة فرواه ثعلبة بن عباد (١) عنه قَالَ: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الكسوف لا نسمع له صوتًا. رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (٢)، وخالف ابن حزم فوهاه (٣). قَالَ ابن القصار: ونقل السر في صلاة الكسوف أهل المدينة خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ نقلًا متصلًا. ولو تعارضت الأحاديث لبقي حديث ابن عباس، --------------- = لهيعة. قال البخاري، عن الحميدي: كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئًا. وقال محمد ابن المثنى: ما سمعت عبد الرحمن يحدث عن ابن لهيعة شيئًا قط. وقال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: ما حديث ابن لهيعة بحجة. (١) ورد بهامش الأصل: عباد بكسر العين والتخفيف هذا الصحيح في ضبطه. قال الذهبي في «المغني»: لا يُدرى من هو. وفي «الكاشف» لم يذكر فيه توثيقا ولا تضعيفا ولا تجهيلا. ثم رأيت المؤلف ذكره في «التحفة» في الكسوف، ثم ذكر كلام ابن حزم، ثم عارضه بأن ابن حبان ذكره في «ثقاته»، وأن الأئمة صححوا الحديث من طريقه وُهُمْ: الترمذي: وقال عنه حسنه وصححه، والذي رأيته أنا أنه حسّن له مع القران مع الرواية. وابن حبان وابن السكن. والحاكم وقال: على شرطهما. والحديث في الكل من طريقه. (٢) أبو داود (١١٨٤)، والترمذي (٥٦٢)، والنسائي ٣/ ١٤٨ - ١٤٩، وابن ماجه (١٢٦٤)، وابن حبان ٧/ ٩٤ - ٩٥ (٢٨٥١ - ٢٨٥٢)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٣٤، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (٣) «المحلى» ٥/ ١٠٢. حيث قال: هذا لا يصح؛ لأنه لم يروه إلا ثعلبة بن عباد العبدي، وهو مجهول. اهـ. قلت: وكذا اعترض الذهبي في «التلخيص» ١/ ٣٣٤ على تصحيح الحاكم للحديث فقال: ثعلبة مجهول، وما أخرجا له شيئًا. وضعفه أيضًا الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢١٦)، و«ضعيف ابن ماجه» (٢٦٠). وهو حجة (١). قَالَ الخطابي: ويحكى عن مذهب الشافعي الجهر فيها (٢)، وبه قَالَ ابن المنذر (٣). وقوله: (أخطأ السنة) هو حجة لمالك والشافعي في أن السنة أربع ركعات في ركعتين. وقد سلف ذلك أيضًا في باب خطبة الإمام آخر الكسوف. ولله الحمد. ----------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٢. (٢) «أعلام الحديث» ٦/ ٦١٧. (٣) «الأوسط» ٥/ ٢٩٨. ١٧ سجود القران ١٧ - سجود القرآن ١ - باب مَا جَاءَ فِي سُجُودِ القُرْآنِ وَسُنَّتِهَا ١٠٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - النَّجْمَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ، غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا. [١٠٧٠، ٣٨٥٣، ٣١٧٢، ٤٨٦٣ - مسلم: ٥٧٦ - فتح: ٢/ ٥٥١] ذكر فيه حديث عبد الله قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - النَّجْمَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ، غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا. هذا الحديث يأتي أيضًا قريبًا (١)، وفي التفسير (٢)، وفي البعث (٣)، -------------- (١) برقم (١٠٧٠) كتاب: سجود القرآن، باب: سجدة النجم. (٢) برقم (٤٨٦٣) باب: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾. (٣) برقم (٣٨٥٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة. والمغازي (١). وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (٢). واختلف العلماء في سجود التلاوة؛ فجمهور العلماء على أنه سنة وليس بواجب، وهو قول عمر، وسلمان، وابن عباس، وعمران بن الحصين، وهو مذهب مالك، والليث، والأوزا عي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود (٣)، وعند المالكية خلاف في كونه سنة أم فضيلة (٤). وقال أبو حنيفة: هو واجب على القارئ والمستمع (٥)، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢١] وبقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢] وبقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]، وبالأحاديث التي فيها أنه - ﷺ - سجد فيها. والذم لا يتعلق إلا بترك واجب، وبالأمر في الباقي، وهو للوجوب، وبقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]. واحتج الجمهور بالأحاديث التي ليس فيها سجود فسجد رسول الله - ﷺ - فيها (٦)، وبحديث عمر الآتي: إن الله لم يكتب علينا السجود إلا أن ----------------- (١) وبرقم (٣٩٧٢) باب قتل أبي جهل. (٢) «صحيح مسلم» (٥٧٦) كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة. و«سنن أبي داود» (١٤٠٦) كتاب: الصلاة، باب: من رأى فيها السجود. و«سنن النسائي» ٢/ ١٦٠ كتاب: الافتتاح، باب: سجود القرآن. (٣) «المدونة» ١/ ١٠٦، «الأم» ١/ ١١٩، «المغني» ٢٢/ ٣٦٤. (٤) «الذخيرة» ٢/ ٤١٠. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٤٠، «المبسوط» ٢/ ٤. (٦) من ذلك ما رواه الترمذي (٥٧٩) كتاب: الصلاة، باب: ما يقول في سجود القرآن، وبرقم (٣٤٢٤) في الدعوات، باب: ما يقول في سجود القرآن، وابن ماجه (١٠٥٣) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: سجود القرآن، وابن خزيمة ١/ ٢٨٢ (٥٦٢) كتاب: الصلاة، باب: الذكر والدعاء في السجود عند قراءة السجود. من حديث ابن عباس. وانظر: «الصحيحة» (٢٧١٠). نشاء (١)؛ وهذا ينفي الوجوب، والصحابة حاضرون ولا منكر، والآية في الأولى في حق الكفار، والسياق يشهد له، وأيضًا فمعناه: لا يخضعون عند تلاوته. والأمر في الباقي للاستحباب جمعًا بين الأخبار. وقوله: ﴿سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] هو من أوصافهم، بدليل أن البكاء غير واجب. ثم اختلف العلماء في سجود النجم اختلافهم في سجود المفصل. فروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة أنهم كانوا يسجدون فيها والمفصل (٢)، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن وهب، وابن حبيب من أصحاب مالك. واحتجوا بهذا الحديث. وقالت طائفة: لا سجود في النجم ولا في المفصل، روي ذلك عن عمر وأبي بن كعب، وابن عباس، وأنس، وعن سعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، وعطاء، ومجاهد (٣). وقال يحيى: أدركت القراء لا يسجدون في شيء من المفصل، وهو قول مالك (٤). واحتج لمن لم يره بحديث زيد بن ثابت الآتي في البخاري أنه - ﷺ - لم يسجد فيها (٥)، وبما رواه قتادة عن عكرمة قَالَ: سجد رسول الله - ﷺ - ---------------- (١) برقم (١٠٧٧) كتاب: سجود القرآن، باب: من رأى أن الله -عز وجل- لم يوجب السجود. (٢) رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عمر وعثمان ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠ (٤٢٤٢ - ٤٢٤٣، ٤٢٤٩، ٤٢٥٢). ورواه البيهقي عن عمر وأبي هريرة وعلي وابن مسعود ٢/ ٣١٤ - ٣١٥ كتاب: الصلاة، باب: سجدة النجم. (٣) انظر: «المصنف» لابن أبي شيبة ١/ ٣٦٨ (٤٢٢٦، ٤٢٢٩، ٤٢٣١ - ٤٢٣٣، ٤٢٣٧)، و«سنن البيهقي» ٢/ ٣١٣ - ٣١٤. (٤) «المدونة» ١/ ١٠٥، وانظر: «التفريع» ١/ ٢٧٠. (٥) برقم (١٠٧٢) كتاب: سجود القرآن، باب: من قرأ السجدة ولم يسجد. بمكة في المفصل، فلما هاجر ترك (١). واحتج الطبري للأولين فقال: يمكن أن يكون - ﷺ - لم يسجد فيها لأن زيدًا لم يسجد فيها فترك تبعًا له وقد ورد كذلك ويمكن أن يكون تركه لبيان الجواز. قال الطحاوي: ويمكن أن يكون قرأها في وقت النهي، أو لأنه كان على غير وضوء. وقيل: بيان جواز تأخيرها، وأنها ليست بواجبة على الفور. واحتج ابن القصار للأول فقال: إذا اعتبرنا سجود النجم والمفصل وجدناه يخرج من طريق سائر السجدات؛ لأن قوله في النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢] إنما هو أمر بالسجود، فوجب أن يتوجه إلى سجود الصلاة، وقوله: (اسجد) أي صلِّ، فلم يلزم ما ذكروه. وقال الطحاوي أيضًا: والنظر على هذا أن يكون كل موضع اختلف فيه، هل هو سجود أم لا؟ أن ينظر فيه، فإن كان موضع أمر فإنما هو تعليم فلا سجود فيه، فكل موضع فيه خبر عن السجود فهو موضع سجود التلاوة (٢). وقال المهلب: يمكن أن يكون اختيار من اختار من العلماء ترك السجود في النجم والمفصل خشية أن يخلط على الناس صلاتهم، لأن المفصل هو الذي يقرأ في الصلوات (٣). وقد أشار مالك رحمه الله إلى هذا (٤). ------------- (١) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤ (٥٩٠٤) باب كم في القرآن من سجدة. (٢) انظر: «التفريع» ١/ ٢٧٠. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤. (٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٦٠ قلتُ: لكن في أبي داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن العاصي أن رسول الله - ﷺ - أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل (١). وأما حديث ابن عباس أنه - ﷺ - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة فأخرجه أبو داود، وإسناده ضعيف (٢). وقد ثبت حديث أبي هريرة في مسلم والأربعة: سجدنا مع رسول الله - ﷺ - في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١] (٣) -وقام الإجماع على أن إسلام أبي هريرة كان بعد الهجرة- والمشهور أنه سنة سبع فدل على السجود فيه. قَالَ ابن التين: وابن عباس لم يشهد جميع إقامته - ﷺ - بالمدينة، وإنما قدم سنة ثمان بعد الفتح. قَالَ: ويحتمل أن يجتزئ بسجود الركعة؛ لأن سجود المفصل أواخر السور. وقد قَالَ ابن حبيب: القارئ غير بين أن يسجد أو يركع ويسجد (٤). وأما حديث زيد فمحمول على تركه لبيان الجواز. --------------- (١) أبو داود (١٤٠١)، ابن ماجه (١٠٥٧)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٤٨). (٢) أبو داود (١٤٠٣)، وأشار الحافظ لضعفه في «الفتح» ٢/ ٤٥٨. وضعفه الألباني «ضعيف أبي داود» (٢٥١). (٣) «صحيح مسلم» (٥٧٨) كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة. أبو داود (١٤٠٧)، والترمذي (٥٧٨) (١٠٨)، والنسائي ٢/ ١٦٢، وابن ماجه (١٠٥٨). (٤) لم نقف على هذا القول لابن حبيب، ولكن رُوي عنه أنه قال فيمن قرأ في الصلاة سجدة فسجد لها ثم قام أنه مخير أن يركع أو يقرأ من سورة أخرى شيئًا ثم يركع. انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٠، و«التاج والإكليل» ٢/ ٣٦٨. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |