|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#221
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأنعام من صـ 421 الى صــ 435 الحلقة (221) تمرات وعلى الآخر خمس رمانات فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى : يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة ؟ فقال عيسى أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل ؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية . فقال له شمعون : لا وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصديقة فقال عيسى عليه السلام : ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين فكلوا مما سألتم بسم الله واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم فإنه بديع قادر شاكر فقالوا يا روح الله وكلمته إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية فقال عيسى : سبحان الله أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى ؟ ثم أقبل عيسى عليه السلام على السمكة فقال يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت فأحياها الله بقدرته فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد تدور عيناها لها بصيص وعادت عليها بواسيرها ففزع القوم منها وانحاسوا فلما رأى عيسى منهم ذلك قال : ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها ؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول فقالوا يا عيسى كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد فقال عيسى : معاذ الله من ذلك . يبدأ بالأكل من طلبها فلما رأى الحواريون وأصحابه امتناع عيسى منها خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثله فتحاموها فلما رأى ذلك عيسى منهم دعا لها الفقراء والزمنى وقال : كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيك واحمدوا الله الذي أنزلها لكم فيكون مهنؤها لكم وعقوبتها على غيركم وافتتحوا أكلكم باسم الله واختموه بحمد الله : ففعلوا فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينقص منها شيء ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها وبرئ كل زمن أكل منها فلم يزالوا أغنياء أصحاء حتى خرجوا من الدنيا وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات قال : وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبل بنو إسرائيل إليها يسعون من كل مكان يزاحم بعضهم بعضا الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضه بعضا فلما رأى ذلك جعلها نوبا بينهم تنزل يوما ولا تنزل يوما فلبثوا على ذلك أربعين يوما تنزل عليهم غبا عند ارتفاع النهار فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم إلى جو السماء بإذن الله وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم قال فأوحى الله إلى نبيه عيسى عليه السلام أن اجعل رزقي في المائدة للفقراء واليتامى والزمنى دون الأغنياء من الناس فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء من الناس وغمطوا ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وسواسه في قلوب الربانيين حتى قالوا لعيسى أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء أحق فإنه قد ارتاب بها منا بشر كثير ؟ فقال عيسى عليه السلام هلكتم وإله المسيح طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقا وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله . فأوحى الله إلى عيسى إني آخذ المكذبين بشرطي فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين . قال فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات هذا أثر غريب جدا قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم وأكمل والله سبحانه وتعالى أعلم . وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم إجابة من الله لدعوته كما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم قال الله "إني منزلها عليكم" الآية . وقال قائلون إنها لم تنزل فروى ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله "أنزل علينا مائدة من السماء" قال هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ثم قال ابن جرير : حدثنا الحارث حدثنا القاسم هو ابن سلام حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا فأبوا أن تنزل عليهم وقال أيضا : حدثنا أبو المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور بن زاذان عن الحسن أنه قال في المائدة إنها لم تنزل . وحدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال : كان الحسن يقول لما قيل لهم "فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين" قالوا لا حاجة لنا فيها فلم تنزل وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا يعرفه النصارى وليس هو في كتابهم ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما توفر الدواعي على نقله وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا ولا أقل من الآحاد والله أعلم ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت وهو الذي اختاره ابن جرير قال : لأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى "إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين" قال ووعد الله ووعيده حق وصدق وهذا القول هو والله أعلم الصواب كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم وقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق فمات وهي في الطريق فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده فرآها الناس فتعجبوا منها كثيرا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة ويقال إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود فالله أعلم . وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن الحكم عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك قال "وتفعلون ؟" قالوا نعم قال : فدعا فأتاه جبريل فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة . قال "بل باب التوبة والرحمة" ثم رواه أحمد وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري به . قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (113) قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين أي نحن محتاجون إلى الأكل منها . "وتطمئن قلوبنا" إذا شاهدنا نزولها رزقا لنا من السماء "ونعلم أن قد صدقتنا" أي ونزداد إيمانا بك وعلما برسالتك "ونكون عليها من الشاهدين" أي ونشهد أنها آية من عند الله ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به . قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا "قال السدي أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا وقال سفيان الثوري : يعني يوما نصلي فيه." وقال قتادة : أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم وعن سلمان الفارسي عظة لنا ولمن بعدنا وقيل كافية لأولنا وآخرنا "وآية منك" أي دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء وعلى إجابتك لدعوتي فيصدقوني فيما أبلغه عنك "وارزقنا" أي من عندك رزقا هنيئا بلا كلفة ولا تعب "وأنت خير الرازقين" قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (115) قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم أي فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين أي من عالمي زمانكم كقوله تعالى ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وكقوله إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار وقد روى ابن جرير من طريق عوف الأعرابي عن أبي المغيرة القواس عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون . وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام هذا أيضا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله يا عيسى ابن مريم "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين" من دون الله وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رءوس الأشهاد هكذا قاله قتادة وغيره واستدل على ذلك بقوله تعالى "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" وقال السدي : هذا الخطاب والجواب في الدنيا وقال ابن جرير : هذا هو الصواب وكان ذلك حين رفعه إلى السماء الدنيا : واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين "أحدهما" أن الكلام بلفظ المضي "والثاني" قوله : إن تعذبهم وإن تغفر لهم وهذان الدليلان فيهما نظر لأن كثيرا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت . ومعنى قوله "إن تعذبهم فإنهم عبادك" الآية التبري منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه كما في نظائر ذلك من الآيات والذي قاله قتادة هو غيره هو الأظهر والله أعلم أن ذلك كائن يوم القيامة ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رءوس الأشهاد يوم القيامة وقد روي بذلك حديث مرفوع رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله مولى عمر بن عبد العزيز وكان ثقة قال : سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقر بها فيقول يا عيسى ابن مريم" اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك الآية ثم يقول "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فينكر أن يكون قال" ذلك فيؤتى بالنصارى فيسألون فيقولون نعم هو أمرنا بذلك قال فيطول شعر عيسى عليه السلام فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من رأسه وجسده فيجاثيهم بين يدي الله عز وجل مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار "وهذا حديث غريب عزيز ." وقوله سبحانك ما "يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق" هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن عمرو عن طاوس عن أبي هريرة قال : يلقى عيسى حجته ولقاه الله تعالى في قوله "وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم" أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله "قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلقاه الله سبحانك" ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق "إلى آخر الآية وقد رواه الثوري عن معمر عن ابن طاوس عن طاوس بنحوه وقوله" إن كنت قلته فقد علمته "أي إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب فإنه لا يخفى عليك شيء فما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته ولهذا قال" تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب "." ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به" بإبلاغه "أن اعبدوا الله ربي وربكم" أي ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه "أن اعبدوا الله ربي وربكم" أي هذا هو الذي قلت لهم وقوله "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم" أي كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم "فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد" قال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة قال انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان فأملى علي سفيان وأنا معه فلما قام انتسخت من سفيان فحدثنا قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال "يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول" أصحابي "فيقال إنك لا" تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" فيقال إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم "ورواه البخاري عند هذه الآية عن أبي الوليد وعن شعبة وعن محمد بن كثير عن سفيان الثوري كلاهما عن المغيرة بن النعمان به ." إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ومتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها . قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن فضيل حدثني فليت العامري عن جسرة العامرية عن أبي ذر رضي الله عنه قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فلما أصبح قلت يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها ؟ قال "إني سألت ربي عز وجل الشفاعة" لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا "." "طريق أخرى وسياق آخر" قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى حدثنا قدامة بن عبد الله حدثتني جسرة بنت دجاجة أنها انطلقت معتمرة فانتهت إلى الربذة فسمعت أبا ذر يقول : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي في صلاة العشاء فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه يصلي فجئت فقمت خلفه فأومأ إلي بيمينه فقمت عن يمينه ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله فقمنا ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو وقام بآية من القرآن رددها حتى صلى الغداة فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة فقال ابن مسعود بيده لا أسأله عن شيء حتى يحدث إلي فقلت بأبي وأمي قمت بآية من القرآن ومعك القرآن لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه قال "دعوت لأمتي" قلت فماذا أجبت أو ماذا رد عليك ؟ قال "أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة" قلت أفلا أبشر الناس ؟ قال "بلى" فانطلقت معنقا قريبا من قذفة بحجر فقال عمر : يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادات فناداه أن "ارجع" فرجع وتلك الآية إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم . وقال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدث عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول عيسى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فرفع يديه فقال "اللهم أمتي" وبكى فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيه ؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك . وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين قال : حدثنا ابن لهيعة حدثنا ابن هبيرة أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول : حدثني سعيد بن المسيب سمعت حذيفة بن اليمان يقول : غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت فيها فلما رفع رأسه قال "إن ربي عز وجل استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم ؟ فقلت ما شئت أي رب هم خلقك وعبادك فاستشارني الثانية فقلت له كذلك فقال لا أخزيك في أمتك يا محمد وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب ثم أرسل إلي فقال ادع تجب وسل تعط فقلت لرسوله أومعطي ربي سؤلي ؟ فقال ما أرسلني إليك إلا ليعطيك ولقد أعطاني ربي ولا فخر وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر وأنا أمشي حيا صحيحا وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة وطيب لي ولأمتي الغنيمة وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا ولم يجعل علينا في الدين من حرج" . قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم يقول تعالى مجيبا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى الملحدين الكاذبين على الله وعلى رسوله ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه عز وجل فعند ذلك يقول تعالى "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" قال الضحاك عن ابن عباس : يقول يوم ينفع الموحدين توحيدهم "لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا" أي ماكثين فيها لا يحولون ولا يزولون "رضي الله عنهم ورضوا عنه" كما قال تعالى "ورضوان من الله أكبر" وسيأتي ما يتعلق بتلك الآية من الحديث وروى ابن أبي حاتم ههنا حديثا عن أنس فقال : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا المحاربي عن ليث عن عثمان يعني ابن عمير أخبرنا اليقظان عن أنس مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثم يتجلى لهم الرب جل جلاله فيقول سلوني سلوني أعطكم قال فيسألونه الرضا فيقول رضاي أحلكم داري وأنا أنالكم كرامتي فسلوني أعطكم فيسألونه الرضا قال فيشهدهم أنه قد رضي عنهم سبحانه وتعالى" وقوله ذلك الفوز العظيم "أي هذا الفوز الكبير الذي لا أعظم منه كما قال تعالى" لمثل هذا فليعمل العاملون "وكما قال" وفي ذلك فليتنافس المتنافسون "." لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120) لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير قوله "لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير" أي هو الخالق للأشياء المالك لها المتصرف فيها القادر عليها فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته فلا نظير له ولا وزير ولا عديل ولا والد ولا ولد ولا صاحبة ولا إله غيره ولا رب سواه . قال ابن وهب : سمعت حيي بن عبد الله يحدث عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر قال آخر سورة نزلت سورة المائدة . "تم تفسير سورة المائدة ولله الحمد والمنة ." تفسير سورة الأنعام الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1) الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون سورة الأنعام قال العوفي وعكرمة وعطاء عن ابن عباس أنزلت سورة الأنعام بمكة . وقال الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : نزلت الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح وقال سفيان الثوري عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت : نزلت سورة الأنعام على النبي صلى الله عليه وسلم جملة وأنا آخذة بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة . وقال شريك عن ليث عن شهر عن أسماء قالت : نزلت سورة الأنعام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد طبقوا ما بين السماء والأرض . وقال السدي عن مرة عن عبد الله قال : نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من الملائكة وروي نحوه من وجه آخر عن ابن مسعود . وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا : حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي أخبرنا جعفر بن عون حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال "لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق" ثم قال صحيح على شرط مسلم . وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن عمر حدثنا إبراهيم بن درستويه الفارسي حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم حدثنا ابن أبي فديك حدثني عمر بن طلحة الرقاشي عن نافع بن مالك بن أبي سهيل عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح , والأرض بهم ترتج" ورسول الله يقول "سبحان الله العظيم سبحان الله العظيم" ثم روى ابن مردويه عن الطبراني عن إبراهيم بن نائلة عن إسماعيل بن عمر عن يوسف بن عطية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد" . يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارا لعباده . وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم فجمع لفظ الظلمات ووحد لفظ النور لكونه أشرف كقوله تعالى "عن اليمين والشمائل" وكما قال في آخر هذه السورة "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" ثم قال تعالى "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" أي ومع هذا كله كفر به بعض عباده وجعلوا له شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا . هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون وقوله تعالى "هو الذي خلقكم من طين" يعني أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب وقوله "ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده" قال سعيد بن جبير عن ابن عباس "ثم قضى أجلا" يعني الموت "وأجل مسمى عنده" يعني الآخرة وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم وعطية والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم وقول الحسن في رواية عنه "ثم قضى أجلا" وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت "وأجل مسمى عنده" وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث هو يرجع إلى ما تقدم وهو تقدير الأجل الخاص وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة وعن ابن عباس ومجاهد "ثم قضى أجلا" يعني مدة الدنيا "وأجل مسمى عنده" يعني عمر الإنسان إلى حين موته وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا "وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار" الآية وقال عطية عن ابن عباس "ثم قضى أجلا" يعني النوم يقبض فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة "وأجل مسمى عنده" يعني أجل موت الإنسان وهذا قول غريب ومعنى قوله "عنده" أي لا يعلمه إلا هو كقوله "إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو" وكقوله "يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها" وقوله تعالى "ثم أنتم تمترون" قال السدي وغيره : يعني تشكون في أمر الساعة . وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون وقوله تعالى "وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم" اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين تعالى عن قولهم علوا كبيرا بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن والإنس وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله" أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض وعلى هذا فيكون قوله "يعلم سركم وجهركم" خبرا أو حالا . "والقول الثاني" أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض من سر وجهر فيكون قوله يعلم متعلقا بقوله "في السموات وفي الأرض" تقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون والقول الثالث أن قوله "وهو الله في السموات" وقف تام ثم استأنف الخبر فقال "وفي الأرض يعلم سركم وجهركم" وهذا اختيار ابن جرير وقوله "ويعلم ما تكسبون" أي جميع أعمالكم خيرها وشرها . وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين يقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين أنهم كلما أتتهم آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات على وحدانية الله وصدق رسله الكرام فإنهم يعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها . فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون (5) فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب وليجدن غبه وليذوقن وباله . ثم قال تعالى واعظا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا وأكثر أموالا وأولادا واستعلاء في الأرض وعمارة لها . ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فقال "ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم" أي من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض والسعة والجنود ولهذا قال "وأرسلنا السماء عليهم مدرارا" أي شيئا بعد شيء "وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم" أي كثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض أي استدراجا وإملاء لهم "فأهلكناهم بذنوبهم" أي بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها "وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين" أي فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث "وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين" أي جيلا آخر لنختبرهم فعملوا مثل أعمالهم فأهلكوا كإهلاكهم فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم فما أنتم بأعز على الله منهم والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه . ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين يقول تعالى مخبرا عن المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهتتهم ومنازعتهم فيه "ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم" أي عاينوه ورأوا نزوله وباشروا ذلك لقال "الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين" وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات "ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون" وكقوله تعالى "وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم" . وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون "وقالوا لولا أنزل عليه ملك" أي ليكون معه نذيرا قال الله تعالى "ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون" أي لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب . كما قال الله تعالى "ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين" وقوله "يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين" الآية . ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون أي لو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا أي لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري كقوله تعالى "قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا" فمن رحمته تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلا منه ليدعو بعضهم بعضا وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال كما قال تعالى "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم" الآية قال الضحاك عن ابن عباس في الآية : يقول لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور "وللبسنا عليهم ما يلبسون" أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون وقال الوالبي عنه : ولشبهنا عليهم .
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 03-12-2025 الساعة 07:09 PM. |
|
#222
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأعراف. من صـ 436 الى صــ 437 الحلقة (222) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (10) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه ووعد له للمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة . قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين أي فكروا في أنفسكم وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم من العذاب والنكال والعقوبة في الدنيا مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين . قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهما وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة كما ثبت في الصحيحين من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي وقوله" ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه "هذه اللام هي الموطئة للقسم فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده" إلى ميقات يوم معلوم "وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه أي لا شك فيه عند عباده المؤمنين فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون وقال ابن مردويه عن تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة حدثنا عباس بن محمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا محصن بن عتبة اليماني عن الزبير بن شبيب عن عثمان بن حاضر عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين هل فيه ماء قال" والذي نفسي بيده إن فيه لماء إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك في أيديهم عصي من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء "هذا حديث غريب." وفي الترمذي "إن لكل نبي حوضا وأرجو أن أكون أكثرهم واردا" وقوله "الذين خسروا أنفسهم" أي يوم القيامة "فهم لا يؤمنون" أي لا يصدقون بالمعاد ولا يخافون شر ذلك اليوم . وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم وهو السميع العليم "أي السميع لأقوال عباده العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع القويم وأمره أن يدعو الناس إلى صراط الله المستقيم ." قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين "قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض" كقوله "قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون" والمعنى : لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له فإنه فاطر السموات والأرض أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق "وهو يطعم ولا يطعم" أي وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم كما قال تعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" الآية وأقر بعضهم ههنا "وهو يطعم ولا يطعم" أي لا يأكل وفي حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم على طعام فانطلقنا معه فلما طعم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يديه قال "الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ومن علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا من الشراب وكسانا من العري وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربي ولا مكفي ولا مكفور ولا مستغنى عنه الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام وسقانا من الشراب وكسانا من العري وهدانا من الضلال وبصرنا من العمى وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين" "قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم" أي من هذه الأمة . قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم يعني يوم القيامة . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين "من يصرف عنه" أي العذاب "يومئذ فقد رحمه" يعني فقد رحمه الله "وذلك هو الفوز المبين" كقوله "فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز" والفوز حصول الربح ونفي الخسارة . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير (17) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير يقول تعالى مخبرا أنه مالك الضر والنفع وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير" كقوله تعالى "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده" وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ولهذا قال تعالى "وهو القاهر فوق عباده" أي هو الذي خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة وعنت له الوجوه وقهر كل شيء ودانت له الخلائق وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته على الأشياء واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه "وهو الحكيم" أي في جميع أفعاله "الخبير" بمواضع الأشياء ومحالها فلا يعطي إلا من يستحق ولا يمنع إلا من يستحق . قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ثم قال "قل أي شيء أكبر شهادة" أي من أعظم الأشياء شهادة "قل الله شهيد بيني وبينكم" أي هو العالم بما جئتكم به وما أنتم قائلون لي "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ" أي هو نذير لكل من بلغه كقوله تعالى "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده" قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب في قوله "ومن بلغ" من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم زاد أبو خالد وكلمه . ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب قال : من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى "لأنذركم به ومن بلغ" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "بلغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله" وقال الربيع بن أنس حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ينذر بالذي أنذر وقوله "أئنكم لتشهدون" أيها المشركون أي "أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد" كقوله "فإن شهدوا فلا تشهد معهم" "قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون" . الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ثم قال تعالى مخبرا عن أهل الكتاب أنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به كما يعرفون أبناءهم بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفتة وبلده ومهاجره وصفة أمته ولهذا قال بعده "الذين خسروا أنفسهم" أي خسروا كل الخسارة "فهم لا يؤمنون" بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ونوهت به في قديم الزمان وحديثه . ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ثم قال "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته" أي لا أظلم ممن تقول على الله فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته "إنه لا يفلح الظالمون" أي لا يفلح هذا ولا هذا لا المفتري ولا المكذب . ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون يقول تعالى مخبرا عن المشركين "يوم نحشرهم جميعا" يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها قائلا لهم "أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون" كقوله تعالى في سورة القصص "ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون" . ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين وقوله تعالى "ثم لم تكن فتنتهم" أي حجتهم إلا أن قالوا "والله ربنا ما كنا مشركين" قال الضحاك عن ابن عباس "ثم لم تكن فتنتهم" أي حجتهم . وقال عطاء الخراساني عنه أي معذرتهم . وكذا قال قتادة وقال ابن جريج عن ابن عباس أي قيلهم وكذا قال الضحاك وقال عطاء الخراساني "ثم لم تكن فتنتهم" بليتهم حين ابتلوا "إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين" وقال ابن جرير : والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا عما سلف منهم الشرك بالله "إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين" وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو يحيى الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن مطرف عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتاه رجل فقال يا ابن عباس سمعت الله يقول "والله ربنا ما كنا مشركين" قال : أما قوله "والله ربنا ما كنا مشركين" فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة فقالوا تعالوا فلنجحد فيجحدون فيختم الله على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا فهل في قلبك الآن شيء ؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا ونزل فيه شيء ولكن لا تعلمون وجهه . وقال الضحاك عن ابن عباس : هذه في المنافقين وفيه نظر فإن هذه الآية مكية والمنافقون إنما كانوا بالمدينة والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة "يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له" الآية . انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون وكذا قال في حق هؤلاء "انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون" كقوله "ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا" الآية . ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين (25) ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وقوله "ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها" أي يجيئون ليستمعوا قراءتك ولا تجزي عنهم شيئا لأن الله "جعل على قلوبهم أكنة" أي أغطية لئلا يفقهوا القرآن "وفي آذانهم وقرا" أي صما عن السماع النافع لهم كما قال تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء الآية . وقوله "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها" أي مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين لا يؤمنوا بها فلا فهم عندهم ولا إنصاف كقوله تعالى "ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم" الآية وقوله تعالى "حتى إذا جاءوك يجادلونك" أي يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل "يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين" أي ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم . وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون وقوله "وهم ينهون عنه وينأون عنه" في معنى ينهون عنه قولان "أحدهما" أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق الرسول والانقياد للقرآن "وينأون عنه" أي ويبعدونهم عنه فيجمعون بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون ولا يدعون أحدا ينتفع قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "وهم ينهون عنه" يردون الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به . وقال محمد بن الحنفية : كان كفار قريش لا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وينهون عنه وكذا قال قتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد وهذا القول أظهر والله أعلم وهو اختيار ابن جرير . "والقول الثاني" رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس يقول في قوله "وهم ينهون عنه" قال : نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى . وكذا قال القاسم بن مخيمرة وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن دينار وغيره أنها نزلت في أبي طالب . وقال سعيد بن أبي هلال : نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر رواه ابن أبي حاتم وقال محمد بن كعب القرظي "وهم ينهون" عنه أي ينهون الناس عن قتله وقوله "وينأون عنه" أي يتباعدون منه "وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون" أي وما يهلكون بهذا الصنيع ولا يعود وباله إلا عليهم وهم لا يشعرون. ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من يذكر تعالى حال الكفار إذا وقفوا يوم القيامة على النار وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال فعند ذلك قالوا "يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين" يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا ليعملوا عملا صالحا ولا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين . بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (28) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون قال الله تعالى "بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل" أي بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة كما قال قبله بيسير "ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم" ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءتهم به الرسل في الدنيا وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه كقوله مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون "لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر" الآية وقوله تعالى مخبرا عن فرعون وقومه "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا" ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان للناس ويبطنون الكفر ويكون هذا إخبارا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت فقال "وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين" وعلى هذا فيكون إخبارا عن قول المنافقين في الدار الآخرة حين يعاينون العذاب فظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والنفاق والشقاق والله أعلم وأما معنى الإضراب في قوله "بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل" فإنهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان بل خوفا من العذاب الذي عاينوه جزاء ما كانوا عليه من الكفر فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا من النار ولهذا قال "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" أي في طلبهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان ثم قال مخبرا عنهم أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمخالفة "وإنهم لكاذبون" إي في قولهم يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين . وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ثم قال مخبرا عنهم أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمخالفة "وإنهم لكاذبون" إي في قولهم يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين أي لعادوا لما نهوا عنه ولقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا أي ما هي إلا هذه الحياة الدنيا لا معاد بعدها ولهذا قال "وما نحن بمبعوثين" . ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ثم قال "ولو ترى إذ وقفوا على ربهم" أي أوقفوا بين يديه قال "أليس هذا بالحق" أي أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون "قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون" أي بما كنتم تكذبون به فذوقوا اليوم مسه "أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون" . قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يقول تعالى مخبرا عن خسارة من كذب بلقائه وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة وعن ندامته على ما فرط من العمل وما أسلف من قبح الفعل ولهذا قال "حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها" وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة وعلى الأعمال وعلى الدار الآخرة أي في أمرها وقوله "وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون" أي يحملون وقال قتادة يعملون وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبي مرزوق قال : يستقبل الكافر أو الفاجر عند خروجه من قبره كأقبح صورة رأيتها وأنتنه ريحا فيقول من أنت فيقول أوما تعرفني فيقول لا والله إلا أن الله قبح وجهك وأنتن ريحك فيقول أنا عملك الخبيث هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه فطالما ركبتني في الدنيا هلم أركبك فهو قوله "وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم" الآية وقال أسباط عن السدي أنه قال : ليس من رجل ظالم يدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح وعليه ثياب دنسة حتى يدخل معه قبره فإذا رآه قال : ما أقبح وجهك قال كذلك كان عملك قبيحا قال ما أنتن ريحك قال كذلك كان عملك منتنا قال ما أدنس ثيابك قال فيقول إن عملك كان دنسا قال له من أنت ؟ قال عملك قال فيكون معه في قبره فإذا بعث يوم القيامة قال له إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات وأنت اليوم تحملني قال فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار ; فذلك قوله "وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون" . وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (32) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون وقوله "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو" أي إنما غالبها كذلك "وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون" . قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون يقول تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه "قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون" أي قد أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم كقوله "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" كما قال تعالى في الآية الأخرى "لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين" "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا" وقوله "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" أي لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر "ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" أي ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم كما قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي قال : قال أبو جهل للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به فأنزل الله "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" رواه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة حدثنا بشر بن المبشر الواسطي عن سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فصافحه قال له رجل ألا أراك تصافح هذا الصابئ ؟ فقال والله إني لأعلم إنه لنبي ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا ؟ وتلا أبو يزيد "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" وقال أبو صالح وقتادة : يعلمون أنك رسول الله ويجحدون ; وذكر محمد بن إسحاق عن الزهري في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل هو وأبو سفيان صخر بن حرب والأخنس بن شريق ولا يشعر أحد منهم بالآخر فاستمعوها إلى الصباح فلما هجم الصبح تفرقوا فجمعتهم الطريق فقال كل منهم للآخر ما جاء بك ؟ فذكر له ما جاء به ثم تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم لئلا يفتتنوا بمجيئهم فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنا أن صاحبيه لا يجيئان لما سبق من العهود فلما أصبحوا جمعتهم الطريق فتلاوموا ثم تعاهدوا أن لا يعودوا فلما كانت الليلة الثالثة جاءوا أيضا فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها ثم تفرقوا فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد قال يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه في بيته فقال يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال ماذا سمعت ؟ قال تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه قال فقام عنه الأخنس وتركه . وروى ابن جرير من طريق أسباط عن السدي في قوله "قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة : يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته قفوا حتى ألقى أبا الحكم فإن غلب محمد رجعتم سالمين وإن غلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا - فيومئذ سمي الأخنس وكان اسمه أبي - فالتقى الأخنس بأبي جهل فخلا به فقال يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ههنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا ؟ فقال أبو جهل ويحك والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" فآيات الله محمد صلى الله عليه وسلم . ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين وقوله "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا" هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له فيمن كذبه من قومه وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ووعد له بالنصر كما نصروا وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة بعدما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ ثم جاءهم النصر في الدنيا كما لهم النصر في الآخرة ولهذا قال "ولا مبدل لكلمات الله" أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين كما قال "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون" وقال تعالى "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز" وقوله "ولقد جاءك من نبأ المرسلين" أي من خبرهم كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم فلك فيهم أسوة وبهم قدوة . وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ثم قال تعالى "وإن كان كبر عليك إعراضهم" أي إن كان شق عليك إعراضهم عنك "فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : النفق السرب فتذهب فيه فتأتيهم بآية أو تجعل لك سلما في السماء فتصعد فيه فتأتيهم بآية أفضل مما أتيتهم به فافعل وكذا قال قتادة والسدي وغيرهما ; وقوله "ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين" كقوله تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا" الآية قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "ولو شاء الله لجمعهم على الهدى" قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول . إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون وقوله تعالى "إنما يستجيب الذين يسمعون" أي إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه كقوله "لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين" وقوله "والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون" يعني بذلك الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم الله بأموات الأجساد فقال والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون وهذا من باب التهكم بهم والازدراء عليهم . وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون يقول تعالى مخبرا عن المشركين أنهم كانوا يقولون لولا نزل عليه آية من ربه أي خارق على مقتضى ما كانوا يريدون ومما يتعنتون كقولهم "لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا" الآيات "قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون" أي هو تعالى قادر على ذلك ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك لأنه لو أنزل وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة كما قال تعالى "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا" وقال تعالى "إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين" . وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون قال مجاهد : أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. وقال قتادة الطير أمة والإنس أمة والجن أمة وقال السدي "إلا أمم أمثالكم" أي خلق أمثالكم. وقوله "ما فرطنا في الكتاب من شيء" أي الجميع علمهم عند الله ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره سواء كان بريا أو بحريا كقوله "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين" أي مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها وحاصر لحركاتها وسكناتها وقال تعالى "وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم" وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد حدثني محمد بن عيسى بن كيسان حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قل الجراد في سنة من سني عمر رضي الله عنه التي ولي فيها فسأل عنه فلم يخبر بشيء فاغتم لذلك فأرسل راكبا إلى كذا وآخر إلى الشام وآخر إلى العراق يسأل هل رئي من الجراد شيء أم لا ؟ قال فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد فألقاها بين يديه فلما رآها كبر ثلاثا ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "خلق الله عز وجل ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه" . وقوله "ثم إلى ربهم يحشرون" قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس في قوله "ثم إلى ربهم يحشرون" قال حشرها الموت وكذا رواه ابن جرير من طريق إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن عكرمة عن ابن عباس قال موت البهائم حشرها وكذا رواه العوفي عنه .
__________________
|
|
#223
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأعراف. من صـ 437 الى صــ 438 الحلقة (223) قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد والضحاك مثله . "والقول الثاني" أن حشرها بعثها يوم القيامة لقوله "وإذا الوحوش حشرت" وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سليمان عن منذر الثوري عن أشياخ لهم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان فقال "يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان ؟" قال لا قال لكن الله يدري وسيقضي بينهما ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عمن ذكره عن أبي ذر قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انتطحت عنزان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون فيم انتطحتا ؟ قالوا لا ندري قال "لكن الله يدري وسيقضي بينهما" رواه ابن جرير ثم رواه من طريق منذر الثوري عن أبي ذر فذكره وزاد قال أبو ذر ولقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه حدثني عباس بن محمد وأبو يحيى البزار قالا : حدثنا حجاج بن نصير حدثنا شعبة عن العوام بن مزاحم من بني قيس بن ثعلبة عن أبي عثمان النهدي عن عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة" وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة في قوله "إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون" قال : يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول : كوني ترابا فلذلك يقول الكافر "يا ليتني كنت ترابا" وقد روي هذا مرفوعا في حديث الصور . والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وقوله "والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات" أي مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم وهو الذي لا يسمع أبكم وهو الذي لا يتكلم وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه كقوله "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون" وكما قال تعالى "أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور" ولهذا قال "من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم" أي هو المتصرف في خلقه بما يشاء . قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد المتصرف في خلقه بما يشاء وأنه لا معقب لحكمه ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه بل هو وحده لا شريك له الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء ولهذا قال "قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة" أي أتاكم هذا أو هذا "أغير الله تدعون إن كنتم صادقين" أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه ولهذا قال "إن كنتم صادقين" أي في اتخاذكم آلهة معه . بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون "بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون" أي في وقت الضرورة لا تدعون أحدا سواه وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كقوله "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه" الآية . ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون وقوله "ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء" يعني الفقر والضيق في العيش "والضراء" وهي الأمراض والأسقام والآلام "لعلهم يتضرعون" أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون قال الله تعالى "فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا" أي فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا "ولكن قست قلوبهم" أي ما رقت ولا خشعت "وزين لهم الشيطان ما كانو يعملون" أي من الشرك والمعاندة والمعاصي "فلما نسوا ما ذكروا به" أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم "فتحنا عليهم أبواب كل شيء" أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم عياذا بالله من مكروه ولهذا قال "حتى إذا فرحوا بما أوتوا" من الأموال والأولاد والأرزاق "أخذناهم بغتة" أي على غفلة "فإذا هم مبلسون" أي آيسون من كل خير قال الوالبي عن ابن عباس المبلس الآيس . وقال الحسن البصري من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ثم قرأ "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" قال مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجتهم ثم أخذوا رواه ابن أبي حاتم وقال قتادة : بغت القوم أمر الله وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون رواه ابن أبي حاتم أيضا . وقال مالك عن الزهري "فتحنا عليهم أبواب كل شيء" قال أرجاء الدنيا وسترها . وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين - يعني ابن سعد أبا الحجاج المهري - عن حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر به . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا هشام بن عمار حدثنا عراك بن خالد بن يزيد حدثني أبي عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "إذا أراد الله بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف وإذا أراد الله بقوم اقتطاعا فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة" "حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" . كما قال "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" ورواه أحمد وغيره . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) لا يوجد تفسير لهذه الأية قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء المكذبين المعاندين "أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم" أي سلبكم إياها كما أعطاكموها كما قال تعالى "هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار" الآية ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع الشرعي ولهذا قال "وختم على قلوبكم" كما قال "أمن يملك السمع والأبصار" وقال "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه" وقوله "من إله غير الله يأتيكم به" أي هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه الله منكم لا يقدر على ذلك أحد سواه ولهذا قال "انظر كيف نصرف الآيات" أي نبينها ونوضحها ونفسرها دالة على أنه لا إله إلا الله وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال ثم هم يصدفون أي ثم هم مع هذا البيان يصدفون أي يعرضون عن الحق ويصدون الناس عن اتباعه . قال العوفي عن ابن عباس : يصدفون أي يعدلون . وقال مجاهد وقتادة : يعرضون . وقال السدي : يصدون . قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون وقوله تعالى "قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة" أي وأنتم لا تشعرون به حتى بغتكم وفجأكم "أو جهرة" أي ظاهرا عيانا "هل يهلك إلا القوم الظالمون" أي إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون كقوله "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" الآية. وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (48) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقوله "وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين" أي مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات ولهذا قال "فمن آمن وأصلح" أي فمن آمن قلبه بما جاءوا به وصلح عمله باتباعه إياهم "فلا خوف عليهم" أي بالنسبة لما يستقبلونه "ولا هم يحزنون" أي بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها الله وليهم فيما خلفوه وحافظهم فيما تركوه . والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ثم قال "والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون" أي ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل وخرجوا عن أوامر الله وطاعته وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته. قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله" أي لست أملكها ولا أتصرف فيها "ولا أعلم الغيب" أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم الله عز وجل ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه ولا أقول لكم إني ملك أي ولا أدعي أني ملك إنما أنا بشر من البشر يوحى إلي من الله عز وجل شرفني بذلك وأنعم علي به ولهذا قال "إن أتبع إلا ما يوحى إلي" أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه "قل هل يستوي الأعمى والبصير" أي هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه ومن ضل عنه فلم ينقد له "أفلا تتفكرون" وهذه كقوله تعالى "أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب" . وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون وقوله "وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع" أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد "الذين هم من خشية ربهم مشفقون الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب" "الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم" أي يوم القيامة "ليس لهم" أي يومئذ "من دونه ولي ولا شفيع" أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم "لعلهم يتقون" أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله عز وجل "لعلهم يتقون" فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه . ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وقوله تعالى "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه" أي لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك كقوله "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا" وقوله "يدعون ربهم" أي يعبدونه ويسألونه "بالغداة والعشي" قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة المراد به الصلاة المكتوبة وهذا كقوله "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" أي أتقبل منكم وقوله "يريدون وجهه" أي يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات وقوله "ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء" كقول نوح عليه السلام في جواب الذين "قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون" أي إنما حسابهم على الله عز وجل وليس علي من حسابهم من شيء كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء وقوله "فتطردهم فتكون من الظالمين" أي إن فعلت هذا والحالة هذه قال الإمام أحمد : حدثنا أسباط هو ابن محمد حدثني أشعث عن كردوس عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء ؟ فنزل فيهم القرآن "وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم" إلى قوله "أليس الله بأعلم بالشاكرين" ورواه ابن جرير من طريق أشعث عن كردوس عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ؟ أنحن نصير تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الآية "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه - وكذلك فتنا بعضهم ببعض" إلى آخر الآية وقال ابن أبي حاتم : حدثنا ابن سعيد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا عمرو بن محمد العنقزي حدثنا أسباط بن نصر عن السدي عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود عن خباب في قول الله عز وجل "لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" قال جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم في نفر في أصحابه فأتوه فخلوا به وقالوا إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال "نعم" قالوا فاكتب لنا عليك كتابا قال فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل فقال "ولا تطرد الذين يدعون ربهم" الآية فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه ورواه ابن جرير من حديث أسباط به وهذا حديث غريب فإن هذه الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر وقال سفيان الثوري عن المقدام بن شريح عن أبيه قال : قال سعد نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم ابن مسعود قال كنا نستبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وندنو منه ونسمع منه فقالت قريش : تدني هؤلاء دوننا فنزلت "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" رواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان وقال على شرط الشيخين وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق المقدام بن شريح به . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وقوله "وكذلك فتنا بعضهم ببعض" أي ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض "ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا" وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل كما قال قوم نوح لنوح "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي" الآية وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل فقال له : فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقال : بل ضعفاؤهم . فقال هم أتباع الرسل . والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ويعذبون من يقدرون عليه منهم وكانوا يقولون أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أي ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيرا ويدعنا كقولهم "لو كان خيرا ما سبقونا إليه" وكقوله تعالى "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا" قال الله تعالى في جواب ذلك "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا" وقال في جوابهم حين قالوا "أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين" أي أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم كما قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين "وفي الحديث الصحيح إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" وقال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين عن حجاج عن ابن جريج عن عكرمة في قوله "وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم" الآية قال : جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له قال فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون من قولهم فأنزل الله عز وجل هذه الآية "وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم" إلى قوله "أليس الله بأعلم بالشاكرين" قال : وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القاري وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو وذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأبو مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب وأشباههم من الحلفاء فنزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء "وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا" الآية فلما نزلت أقبل عمر رضي الله عنه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر من مقالته. ![]()
__________________
|
|
#224
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأعراف. من صـ 433 الى صــ 439 الحلقة (224) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم فأنزل الله عز وجل "وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا" الآية وقوله "وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم" أي فأكرمهم برد السلام عليهم وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم ولهذا قال "كتب ربكم على نفسه الرحمة" أي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلا منه وإحسانا وامتنانا "أنه من عمل منكم سوءا بجهالة" قال بعض السلف كل من عصى الله فهو جاهل وقال معتمر بن سليمان عن الحكم عن أبان عن عكرمة في قوله "من عمل منكم سوءا بجهالة" قال الدنيا كلها جهالة رواه ابن أبي حاتم "ثم تاب من بعده وأصلح" أي رجع عما كان عليه من المعاصي وأقلع وعزم على أن لا يعود وأصلح العمل في المستقبل "فأنه غفور رحيم" قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما قضى الله على الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي" أخرجاه في الصحيحين وهكذا رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ورواه موسى عن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة وكذا رواه الليث وغيره عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقد روى ابن مردويه من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق أخرج كتابا من تحت العرش إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلقا لم يعملوا خيرا مكتوب بين أعينهم عتقاء الله" وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن عاصم بن سليمان عن أبي عثمان النهدي عن سليمان في قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة قال : إنا نجد في التوراة عطفتين إن الله خلق السموات والأرض وخلق مائة رحمة أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة قال فيها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها يتباذلون وبها يتزاورون وبها تحن الناقة وبها تبح البقرة وبها تثغو الشاة وبها تتتابع الطير وبها تتتابع الحيتان في البحر فإذا كان يوم القيامة جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده ورحمته أفضل وأوسع وقد روي هذا مرفوعا من وجه آخر وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله "ورحمتي وسعت كل شيء" ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل "أتدري ما حق الله على العباد ؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ثم قال "أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك ؟ أن لا يعذبهم" وقد رواه الإمام أحمد من طريق كميل بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه . وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين يقول تعالى وكما بينا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد وذم المجادلة والعناد "كذلك نفصل الآيات" أي التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها "ولتستبين سبيل المجرمين" أي ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل وقرئ "ولتستبين سبيل المجرمين" أي ولتستبين يا محمد أو يا مخاطب سبيل المجرمين . قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56) لا يوجد تفسير لهذه الأية قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين وقوله "قل إني على بينة من ربي" أي على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إلي "وكذبتم به" أي بالحق الذي جاءني من الله "ما عندي ما تستعجلون به" أي من العذاب "إن الحكم إلا لله" أي إنما يرجع أمر ذلك إلى الله إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك وإن شاء أنظركم وأجلكم لما له في ذلك من الحكمة العظيمة ولهذا قال "يقص الحق وهو خير الفاصلين" أي وهو خير من فصل القضايا وخير الفاتحين في الحكم بين عباده . قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين (58) قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين وقوله "قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم" أي لو كان مرجع ذلك إلي لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك "والله أعلم بالظالمين" فإن قيل فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال : فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا وهذا لفظ مسلم فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأنى بهم وسأل لهم التأخير لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية "قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين" فالجواب والله أعلم أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم . وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (59) وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وقوله تعالى "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" قال البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير" وفي حديث عمر أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فيما قال له "خمس لا يعلمهن إلا الله" ثم قرأ "إن الله عنده علم الساعة" الآية . وقوله "ويعلم ما في البر والبحر" أي يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات بريها وبحريها لا يخفى عليه من ذلك شيء ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وما أحسن ما قال الصرصري : فلا يخفى عليه الذر ... إما تراءى للنواظر أو توارى وقوله "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" أي ويعلم الحركات حتى من الجمادات فما ظنك بالحيوانات ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم كما قال تعالى "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق حدثنا حسان النمري عن ابن عباس في قوله "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" قال ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها يكتب ما يسقط منها رواه ابن أبي حاتم وقوله "ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين" قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري حدثنا مالك بن سعير حدثنا الأعمش عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال : ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا وعليها ملك موكل يأتي الله بعلمها رطوبتها إذا رطبت ويبوستها إذا يبست وكذا رواه ابن جرير عن أبي الخطاب زياد بن عبد الله الحساني عن مالك بن سعير به . ثم قال ابن أبي حاتم ذكر عن أبي حذيفة حدثنا سفيان عن عمرو بن قيس عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خلق الله النون وهي الدواة وخلق الألواح فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق أو رزق حلال أو حرام أو عمل بر أو فجور وقرأ هذه الآية "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" إلى آخر الآية قال محمد بن إسحاق عن يحيى بن النضر عن أبيه سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن ما لو أنهم ظهروا يعني لكم لم تروا معهم نورا على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله عز وجل على كل خاتم ملك من الملائكة يبعث الله عز وجل إليه في كل يوم ملكا من عنده أن احتفظ بما عندك . وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون يقول تعالى إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل وهذا هو التوفي الأصغر كما قال تعالى "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي" وقال تعالى "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى" فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى فقال "وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار" أي ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم في حال سكونهم وحال حركتهم كما قال "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار" وكما قال تعالى "ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه" أي في الليل "ولتبتغوا من فضله" أي في النهار كما قال "وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا" ولهذا قال تعالى ههنا "وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار" أي ما كسبتم من الأعمال فيه "ثم يبعثكم فيه" أي في النهار قاله مجاهد وقتادة والسدي وقال ابن جريج عن عبد الله بن كثير أي في المنام والأول أظهر وقد روى ابن مردويه بسنده عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرده إليه فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه" فذلك قوله "وهو الذي يتوفاكم بالليل" . وقوله "ليقضى أجل مسمى" يعني به أجل كل واحد من الناس "ثم إليه مرجعكم" أي يوم القيامة "ثم ينبئكم" أي فيخبركم "بما كنتم تعملون" أي ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا . وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون وقوله "وهو القاهر فوق عباده" أي وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء "ويرسل عليكم حفظة" أي من الملائكة يحفظون بدن الإنسان كقوله "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله" وحفظة يحفظون عمله ويحصونه كقوله "وإن عليكم لحافظين" الآية وكقوله "عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" وقوله "إذ يتلقى المتلقيان" الآية وقوله "حتى إذا جاء أحدكم الموت" أي احتضر وحان أجله "توفته رسلنا" أي ملائكة موكلون بذلك قال ابن عباس وغير واحد : لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم وسيأتي عند قوله تعالى "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت" الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة وقوله "وهم لا يفرطون" أي في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله عز وجل إن كان من الأبرار ففي عليين وإن كان من الفجار ففي سجين عياذا بالله من ذلك. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين وقوله "ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق" قال ابن جرير "ثم ردوا" يعني الملائكة "إلى الله مولاهم الحق" ونذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا حسين بن محمد حدثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقال فلان فيقال مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل وإذا كان الرجل السوء قالوا اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقال فلان فيقال لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الثاني" وهذا حديث غريب ويحتمل أن يكون المراد بقوله "ثم ردوا" يعني الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة فيحكم فيهم بعدله كما قال "قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم" وقال "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا" إلى قوله "ولا يظلم ربك أحدا" ولهذا قال "مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين" . قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين يقول تعالى ممتنا على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر أي الحائرين الواقعين في المهامة البرية وفي اللجج البحرية إذا هاجت الرياح العاصفة فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له كقوله "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه" الآية . وقوله "هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين" الآية . وقوله "أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون" وقال في هذه الآية الكريمة "قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية" أي جهرا وسرا "لئن أنجانا" أي من هذه الضائقة "لنكونن من الشاكرين" أي بعدها . قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون قال الله "قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم" أي بعد ذلك "تشركون" أي تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى . قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وقوله "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم" لما قال ثم أنتم تشركون عقبه بقوله "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا" أي بعد إنجائه إياكم كقوله في سورة سبحان "ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا" قال ابن أبي حاتم ذكر عن مسلم بن إبراهيم حدثنا هارون الأعور عن جعفر بن سليمان عن الحسن في قوله "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم" قال هذه للمشركين . وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم" لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعفى عنهم ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك والآثار وبالله المستعان وعليه التكلان وبه الثقة . قال البخاري رحمه الله تعالى في قوله "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون" يلبسكم يخلطكم من الالتباس يلبسوا يخلطوا شيعا فرقا حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعوذ بوجهك" "أو من تحت أرجلكم" قال "أعوذ بوجهك" "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه أهون - أو - أيسر . وهكذا رواه أيضا في كتاب التوحيد عن قتيبة عن حماد به ورواه النسائي أيضا في التفسير عن قتيبة ومحمد بن النضر بن مساور ويحيى بن حبيب بن عدي أربعتهم عن حماد بن زيد به وقد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابرا عن النبي صلى الله عليه وسلم به . ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى الموصلي عن أبي خيثمة عن سفيان بن عيينة به ورواه ابن جرير في تفسيره عن أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع وسفيان بن وكيع كلهم عن سفيان بن عيينة به ورواه أبو بكر بن مردويه من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد وعاصم بن علي عن سفيان بن عيينة به ورواه سعيد بن منصور عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة كلاهما عن عمرو بن دينار به . "طريق آخر" قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا مقدام بن داود حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا عبد الله بن لهيعة عن خالد بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر قال لما نزلت "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعوذ بالله من ذلك أو من تحت أرجلكم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعوذ بالله من ذلك" "أو يلبسكم شيعا" قال "هذا أيسر" وإن استعاذه لأعاذه . ويتعلق بهذه الآية أحاديث كثيرة . "أحدها" قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا أبو اليمان حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي مريم عن راشد هو ابن سعد المقرائي عن سعد بن أبي وقاص قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم" فقال "أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد" . وأخرجه الترمذي عن الحسن بن عرفة عن إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن أبي مريم به ثم قال هذا حديث غريب. ![]()
__________________
|
|
#225
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأعراف. من صـ 439 الى صــ 441 الحلقة (225) "حديث آخر" قال الإمام أحمد حدثنا يعلى هو ابن عبيد حدثنا عثمان بن حكيم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية فدخل فصلى ركعتين فصلينا معه فناجى ربه عز وجل طويلا ثم قال "سألت ربي ثلاثا سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" انفرد بإخراجه مسلم فرواه في كتاب الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن عبد الله بن نمير وعن محمد بن يحيى بن أبي عمرو عن مروان بن معاوية كلاهما عن عثمان بن حكيم به . "حديث آخر" قال الإمام أحمد قرأت على عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك أنه قال جاءنا عبد الله بن عمر في حرة بني معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدكم هذا ؟ فقلت نعم فأشرت إلى ناحية منه فقال هل تدري ما الثلاث التي دعاهن فيه ؟ فقلت نعم فقال أخبرني بهن فقلت دعا أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها قال صدقت فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة . ليس هو في شيء من الكتب الستة وإسناده جيد قوي ولله الحمد والمنة . "حديث آخر" قال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم بن عباد عن خصيف عن عبادة بن حنيف عن علي بن عبد الرحمن أخبرني حذيفة بن اليمان قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرة بني معاوية قال فصلى ثماني ركعات فأطال فيهن ثم التفت إلي فقال "حبستك يا حذيفة" قلت الله ورسوله أعلم قال إني سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني . رواه ابن مردويه من حديث محمد بن إسحاق "حديث آخر" قال الإمام أحمد حدثنا عبيدة بن حميد حدثني سليمان بن الأعمش عن رجاء الأنصاري عن عبد الله بن شداد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لي خرج قبل قال فجعلت لا أمر بأحد إلا قال مر قبل حتى مررت فوجدته قائما يصلي قال فجئت حتى قمت خلفه فأطال الصلاة فلما قضى صلاته قلت يا رسول الله قد صليت صلاة طويلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني صليت صلاة رغبة ورهبة إني سألت الله عز وجل ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي غرقا فأعطاني وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا ليس منهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي . ورواه ابن ماجه في الفتن عن محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد كلاهما عن أبي معاوية عن الأعمش به . ورواه ابن مردويه من حديث أبي عوانة عن عبد الله بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله أو نحوه . "حديث آخر" قال الإمام أحمد حدثنا هارون بن معروف حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه عن أنس بن مالك أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات فلما انصرف قال إني صليت صلاة رغبة ورهبة وسألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي . ورواه النسائي في الصلاة عن محمد بن سلمة عن ابن وهب به . "حديث آخر" قال الإمام أحمد حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب بن أبي حمزة قال : قال الزهري حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن خباب عن أبيه خباب بن الأرت مولى بني زهرة وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وافيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة صلاها كلها حتى كان مع الفجر فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته فقلت يا رسول الله لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت ربي عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل أن لا يلبسنا شيعا فمنعنيها . ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبي حمزة به. ومن وجه آخر وابن حبان في صحيحه بإسناديهما عن صالح بن كيسان والترمذي في الفتن من حديث النعمان بن راشد كلاهما عن الزهري به وقال حسن صحيح . "حديث آخر" قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره حدثني زياد بن عبد الله المزني حدثنا مروان بن معاوية الفزاري حدثنا أبو مالك حدثني نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود فقال قد كانت صلاة رغبة ورهبة سألت الله عز وجل فيها ثلاثا أعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان قبلكم فأعطانيها وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم فأعطانيها وسألت الله أن لا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها قال أبو مالك فقلت له أبوك سمع هذا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : نعم سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم . "حديث آخر" قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق قال : قال معمر أخبرني أيوب عن أبي قلابة عن الأشعث الصنعاني عن أبي أسماء الرحبي عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها وأن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر وإني سألت ربي عز وجل أن لا يهلك أمتي بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا فيهلكهم بعامة وأن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فقال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يهلك بعضا وبعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي بعضا قال : وقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة ليس في شيء من الكتب الستة وإسناده جيد قوي وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد وعباد بن منصور وقتادة ثلاثتهم عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه والله أعلم . "حديث آخر" قال الحافظ أبو بكر بن مردويه حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا محمد بن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه قال وكان أبوه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أصحاب الشجرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى والناس حوله صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود قال فجلس يوما فأطال الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أن اسكتوا إنه ينزل عليه فلما فرغ قال له بعض القوم يا رسول الله لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض إنه ينزل عليك قال لا ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوا يستبيحها فأعطانيها وسألته أن لا يلبسكم شيعا وأن لا يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها قال : قلت له أبوك سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال نعم سمعته يقول إنه سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدد أصابعي هذه عشر أصابع . "حديث آخر" قال الإمام أحمد حدثنا يونس هو ابن محمد المؤدب حدثنا ليث هو ابن سعد عن أبي وهب الخولاني عن رجل قد سماه عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سألت ربي عز وجل أربعا فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها وسألت الله عز وجل أن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة . "حديث آخر" قال الطبراني حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا أبو حذيفة الثعلبي عن زياد بن علاقة عن جابر بن سمرة السوائي عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قال سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة فقلت يا رب لا تهلك أمتي جوعا فقال هذه لك قلت يا رب لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم يعني أهل الشرك فيجتاحهم قال ذلك لك قلت يا رب لا تجعل بأسهم بينهم فمنعني هذه . "حديث آخر" قال الحافظ أبو بكر بن مردويه حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم عن أحمد بن محمد بن عاصم حدثنا أبو الدرداء المروزي حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان حدثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال دعوت ربي عز وجل أن يرفع عن أمتي أربعا فرفع الله عنهم اثنتين وأبى علي أن يرفع عنهم اثنتين دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء والغرق من الأرض وأن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأبى الله أن يرفع اثنتين القتل والهرج . "طريق أخرى" عن ابن عباس أيضا قال ابن مردويه حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد حدثني الوليد بن أبان حدثنا جعفر بن منير حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد حدثنا عمرو بن قيس عن رجل عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال فقام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم قال اللهم لا ترسل على أمتي عذابا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم ولا تلبسهم شيعا ولا تذق بعضهم بأس بعض قال فأتاه جبريل فقال يا محمد إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم . "حديث آخر" قال ابن مردويه حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزار حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد حدثنا عمرو بن محمد العنقزي حدثنا أسباط عن السدي عن أبي المنهال عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة فأعطانيها وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان عن عمرو بن محمد العنقزي به نحوه . "طريق آخر" وقال ابن مردويه حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو كريب حدثنا زيد بن الحباب حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني حدثني الوليد بن رباح مولى آل أبي ذئاب سمع أبا هريرة يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني وسألته أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاني وسألته أن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني . ثم رواه ابن مردويه بإسناده عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنحوه ورواه البزار من طريق عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . ورواه البزار من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . "أثر آخر" قال سفيان الثوري عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال أربع في هذه الأمة قد مضت اثنتان وبقيت اثنتان "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" قال الرجم "أو من تحت أرجلكم" قال الخسف "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" قال سفيان يعني الرجم والخسف وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" قال فهي أربع خلال منها اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعا وذاق بعضهم بأس بعض وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان الرجم والخسف ورواه أحمد عن وكيع عن أبي جعفر ورواه ابن أبي حاتم وقال ابن أبي حاتم حدثنا المنذر بن شاذان حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو الأشهب عن الحسن في قوله "قل هو القادر على أن يبعث" الآية . قال حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي وابن زيد وغير واحد في قوله "عذابا من فوقكم" يعني الرجم "أو من تحت أرجلكم" يعني الخسف . وهذا هو اختيار ابن جرير ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم" قال كان عبد الله بن مسعود يصيح وهو في المسجد أو على المنبر يقول ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم أن الله يقول "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحدا "أو من تحت أرجلكم" لو خسف بكم الأرض أهلككم ولم يبق منكم أحدا "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث . "قول ثان" قال ابن جرير وابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب سمعت خلاد بن سليمان يقول سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" فأئمة السوء "أو من تحت أرجلكم" فخدم السوء وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "عذاب من فوقكم" يعني أمراءكم "أو من تحت أرجلكم" يعني عبيدكم وسفلتكم وحكى ابن أبي حاتم عن أبي سنان وعمرو بن هانئ نحو ذلك. قال ابن جرير : وهذا القول وإن كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى وهو كما قال ابن جرير رحمه الله ويشهد له بالصحة قوله تعالى "أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير" وفي الحديث "ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ" وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى وقوله "أو يلبسكم شيعا" يعني يجعلكم ملتبسين شيعا فرقا متخالفين . قال الوالبي عن ابن عباس يعني الأهواء وكذا قال مجاهد وغير واحد وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" . وقوله تعالى "ويذيق بعضكم بأس بعض" قال ابن عباس وغير واحد يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل. وقوله تعالى "انظر كيف نصرف الآيات" أي نبينها ونوضحها مرة ونفسرها "لعلهم يفقهون" أي يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه. قال زيد بن أسلم لما نزلت "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم" الآية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف" قالوا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال "نعم" فقال بعضهم لا يكون هذا أبدا أن يقتل بعضنا بعضا ونحن مسلمون فنزلت "انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون" رواه ابن أبي حاتم وابن جرير . وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل يقول تعالى "وكذب به" أي بالقرآن الذي جئتهم به والهدى والبيان "قومك" يعني قريشا "وهو الحق" أي الذي ليس وراءه حق "قل لست عليكم بوكيل" أي لست عليكم بحفيظ ولست بموكل بكم كقوله "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" أي إنما علي البلاغ وعليكم السمع والطاعة فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة ومن خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة . لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (67) لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ولهذا قال "لكل نبأ مستقر" قال ابن عباس وغير واحد أي لكل نبأ حقيقة أي لكل خبر وقوع ولو بعد حين كما قال "ولتعلمن نبأه بعد حين" وقال "لكل أجل كتاب" وهذا تهديد ووعيد أكيد ولهذا قال بعده "وسوف تعلمون" . وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وقوله "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا" أي بالتكذيب والاستهزاء "فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره" أي حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب "وإما ينسينك الشيطان" والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها فإن جلس أحد معهم ناسيا "فلا تقعد بعد الذكرى" بعد التذكر "مع القوم الظالمين" ولهذا ورد في الحديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" . وقال السدي عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله "وإما ينسينك الشيطان" قال إن نسيت فذكرت "فلا تقعد" معهم وكذا قال مقاتل بن حيان وهذه الآية هي المشار إليها في قوله "وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم" الآية. أي إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ساويتموهم فيما هم فيه . ![]()
__________________
|
|
#226
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأنعام من صـ 442 الى صــ 441 الحلقة (226) وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون وقوله "وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء" أي إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك فقد برئوا من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي مالك عن سعيد بن جبير . قوله "وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء" قال ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك أي إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم وقال آخرون بل معناه وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية وهي قوله "إنكم إذا مثلهم" قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم. وعلى قولهم يكون قوله "ولكن ذكرى لهم لعلهم يتقون" أي ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه . وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (70) وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون يقول تعالى "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا" أي دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم ولهذا قال وذكر به أي ذكر الناس بهذا القرآن وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة وقوله تعالى "أن تبسل نفس بما كسبت" أي لئلا تبسل قال الضحاك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي تبسل تسلم وقال الوالبي عن ابن عباس تفتضح . وقال قتادة تحبس وقال مرة وابن زيد تؤاخذ . وقال الكلبي تجزى وكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى وحاصلها الإسلام للهلكة والحبس عن الخير والارتهان عن درك المطلوب كقوله "كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين" وقوله "ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع" أي لا قريب ولا أحد يشفع فيها كقوله "من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون" وقوله "وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها" أي ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها كقوله "إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا" الآية . وكذا قال ههنا "أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون" . قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين قال السدي قال المشركون للمسلمين اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد فأنزل الله عز وجل "قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا" أي في الكفر "بعد إذ هدانا الله" فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض يقول مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق والطريق هو الإسلام . رواه ابن جرير وقال قتادة "استهوته الشياطين في الأرض" أضلته في الأرض يعني استهوته سيرته كقوله "تهوي إليهم" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا" الآية . هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها والدعاة الذين يدعون إلى هدى الله عز وجل كمثل رجل ضل عن طريق تائها إذ ناداه مناد يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان يقول مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الندامة والهلكة وقوله "كالذي استهوته الشياطين في الأرض" هم الغيلان "يدعونه" باسمه واسم أبيه وجده فيتبعها وهو يرى أنه في شيء فيصبح وقد رمته في هلكة وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل رواه ابن جرير وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد "كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران" قال رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق وذلك مثل من يضل بعد أن هدي وقال العوفي عن ابن عباس قوله "كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب" هو الذي لا يستجيب لهدى الله وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وحاد عن الحق وضل عنه وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس "إن الهدى هدى الله" والضلال ما يدعو إليه الجن . رواه ابن جرير ثم قال وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه هدى قال : وهذا خلاف ظاهر الآية فإن الله أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى فغير جائز أن يكون ضلالا وقد أخبر الله أنه هدى وهو كما قال ابن جرير فإن السياق يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران وهو منصوب على الحال أي في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة وله أصحاب على المحجة سائرون فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى وتقدير الكلام فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم ولو شاء الله لهداه ولرد به إلى الطريق ولهذا قال "قل إن هدى الله هو الهدى" كما قال "ومن يهد الله فما له من مضل" وقال "إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين" وقوله "وأمرنا لنسلم لرب العالمين" أي نخلص له العبادة وحده لا شريك له . وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون "وأن أقيموا الصلاة واتقوه" أي وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال "وهو الذي إليه تحشرون" أي يوم القيامة . وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير "وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق" أي بالعدل فهو خالقهما ومالكهما والمدبر لهما ولمن فيهما وقوله "ويوم يقول كن فيكون" يعني يوم القيامة الذي يقول الله كن فيكون عن أمره كلمح البصر أو هو أقرب ويوم منصوب إما على العطف على قوله واتقوه وتقديره واتقوا يوم يقول كن فيكون إما على قوله "خلق السموات والأرض" أي وخلق يوم يقول كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته وهذا مناسب إما على إضمار فعل تقديره واذكر يوم يقول كن فيكون وقوله "قوله الحق وله الملك" جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين وقوله "ويوم ينفخ في الصور" يحتمل أن يكون بدلا من قوله "ويوم يقول كن فيكون يوم ينفخ في الصور" ويحتمل أن يكون ظرفا لقوله "وله الملك يوم ينفخ في الصور" كقوله "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" وكقوله "الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا" وما أشبه ذلك واختلف المفسرون في قوله "يوم ينفخ في الصور" فقال بعضهم المراد بالصور هنا جمع صورة أي يوم ينفخ فيها فتحيا . قال ابن جرير كما يقال سور لسور البلد وهو جمع سورة والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام قال ابن جرير والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ . رواه مسلم في صحيحه وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان التيمي عن أسلم العجلي عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو قال : قال أعرابي يا رسول الله ما الصور ؟ قال قرن ينفخ فيه . وقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه المطولات قال حدثنا أحمد بن الحسن المقري الأيلي حدثنا أبو عاصم النبيل حدثنا إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو في طائفة من أصحابه فقال إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخصا بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الصور ؟ قال القرن قلت كيف هو ؟ قال عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض ينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر وهي كقول الله "وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق" فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابا ثم ترتج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة المرمية في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق في العرش ترجرجه الرياح وهو الذي يقول "يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة" فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأت الأقطار فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ويولي الناس مدبرين ما لهم من أمر الله من عاصم ينادي بعضهم بعضا وهو الذي يقول الله تعالى "يوم التناد" فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل ثم انشقت السماء فانتشرت نجومها وانخسف شمسها وقمرها قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك قال أبو هريرة يا رسول الله من استثنى الله عز وجل حين يقول "ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله" ؟ قال أولئك الشهداء وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم يرزقون وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه - قال - وهو الذي يقول الله عز وجل "يا أيها" الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد "فيقومون في ذلك العذاب ما شاء الله إلا أنه يطول ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله فإذا هم قد خمدوا وجاء ملك الموت إلى الجبار عز وجل فيقول يا رب قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت فيقول الله وهو أعلم بمن بقي : فمن بقي ؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت حملة العرش وبقي جبريل وميكائيل وبقيت أنا فيقول الله عز وجل : ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول يا رب يموت جبريل وميكائيل فيقول اسكت فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي فيموتان ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول يا رب قد مات جبريل وميكائيل فيقول الله وهو أعلم بمن بقي : فمن بقي ؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك وبقيت أنا فيقول الله لتمت حملة العرش فتموت ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتي ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملة عرشك فيقول الله وهو أعلم بمن بقي : فمن بقي ؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا فيقول الله أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد كان آخرا كما كان أولا طوى السموات والأرض طي السجل للكتب ثم دحاهما ثم يلقفهما ثلاث مرات يقول أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ثلاثا ثم هتف بصوته" لمن الملك اليوم "ثلاث مرات فلا يجيبه أحد ثم يقول لنفسه" لله الواحد القهار "يقول الله" يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات "فيبسطهما ويسطحهما ثم يمدهما مد الأديم العكاظي" لا ترى فيها عوجا ولا أمتا "ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه الأرض المبدلة مثل ما كانوا فيها من الأولى من كان في بطنها كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش ثم يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوما حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعا ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت قال الله عز وجل ليحي حملة عرشي فيحيون ويأمر" الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه ثم يقول ليحي جبريل وميكائيل فيحيان ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورا وأرواح الكافرين ظلمة فيقبضها جميعا ثم يلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنهم وأنا أول من تنشق الأرض عنه فتخرجون سراعا إلى ربكم تنسلون "مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر" حفاة عراة غلفا غرلا فتقفون موقفا واحدا مقداره سبعون عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم فتبكون حتى تنقطع الدموع ثم تدمعون دما وتعرقون حتى يلجمكم العرق أو يبلغ الأذقان وتقولون من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا فتقولون من أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه فيأبى ويقول ما أنا بصاحب ذلك فيستقرءون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاءوا نبيا أبى عليهم - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخر ساجدا - قال أبو هريرة يا رسول الله وما الفحص ؟ قال - قدام العرش حتى يبعث الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي ويرفعني فيقول يا محمد فأقول نعم يا رب فيقول الله عز وجل ما شأنك وهو أعلم - فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم قال الله قد شفعتك أنا آتيكم أقضي بينكم - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأرجع فأقف مع الناس فبينما نحن وقوف إذ سمعنا من السماء حسا شديدا فهالنا فينزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم وقلنا لهم أفيكم ربنا ؟ قالوا لا وهو آت ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم وقلنا لهم أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا وهو آت ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة فيحمل عرشه يومئذ ثمانية - وهم اليوم أربعة - أقدامهم في تخوم الأرض السفلى والأرض والسموات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم لهم زجل في تسبيحهم يقولون سبحان ذي العرش والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه ثم يهتف بصوته فيقول يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم وأبصر أعمالكم فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم ثم يقول "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون" أو - بها تكذبون - شك أبو عاصم "وامتازوا اليوم أيها المجرمون" فيميز الله الناس وتجثو الأمم . يقول الله تعالى "وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون" فيقضي الله عز وجل بين خلقه إلا الثقلين الجن والإنس فيقضي بين الوحوش والبهائم حتى إنه ليقضي للجماء من ذات القرن فإذا فرغ من ذلك فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى قال الله لها كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر "يا ليتني كنت ترابا" ثم يقضي الله بين العباد فكان أول ما يقضي فيه الدماء ويأتي كل قتيل في سبيل الله ويأمر الله عز وجل كل من قتل فيحمل رأسه تشخب أوداجه فيقول يا رب فيم قتلني هذا ؟ فيقول - وهو أعلم - فيم قتلتهم ؟ فيقول قتلتهم لتكون العزة لك فيقول الله له صدقت فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس ثم تمر به الملائكة إلى الجنة ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقول يا رب فيم قتلني هذا ؟ فيقول - وهو أعلم - لم قتلتهم ؟ فيقول يا رب قتلتهم لتكون العزة لي فيقول تعست ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل بها ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء فإذا فرغ الله من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق كلهم : ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى أحد عبد من دون الله إلا مثلت له آلهته بين يديه ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى ثم قادتهم آلهتهم إلى النار وهو الذي يقول "لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون" فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون جاءهم الله فيما شاء من هيئته فقال : يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون . فيقولون والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره فينصرف عنهم وهو الله الذي يأتيهم فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يأتيهم فيقول : يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون . فيقولون والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره فيكشف لهم عن ساقه ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم فيخرون للأذقان سجدا على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر ثم يأذن الله لهم فيرفعون ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم كحد الشفرة أو كحد السيف عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان دونه جسر دحض مزلة فيمرون كطرف العين أو كلمح البرق أو كمر الريح أو كجياد الخيل أو كجياد الركاب أو كجياد الرجال فناج سالم وناج مخدوش ومكدوس على وجهه في جهنم فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة ؟ فيقولون من أحق بذلك من أبيكم آدم عليه السلام خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول ما أنا بصاحب ذلك ويقول عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلا فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول ما أنا بصاحب ذلك ويقول عليكم بموسى فإن الله قربه نجيبا وكلمه وأنزل عليه التوراة فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول لست بصاحب ذلك ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم فيؤتى عيسى ابن مريم فيطلب ذلك إليه فيقول ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن فأنطلق فآتي الجنة فآخذ بحلقة الباب فأستفتح فيفتح لي فأحيا ويرحب بي فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدا فيأذن الله لي من تحميده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع وسل تعطه فإذا رفعت رأسي يقول الله - وهو أعلم - ما شأنك ؟ فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة فيدخلون الجنة فيقول الله قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والذي نفسي بيده ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة سبعين مما ينشئ الله عز وجل واثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما الله في الدنيا فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليها سبعون زوجا من سندس وإستبرق ثم إنه يضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبدها له مرآة وكبده لها مرآة فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ما يفتر ذكره وما تشتكي قبلها فبينا هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن لك أزواجا غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما أتى واحدة قالت له والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك ولا في الجنة شيء أحب إلي منك . وإذا وقع أهل النار في النار وقع فيها خلق من خلق ربك أوبقتهم أعمالهم فمنهم من تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومنهم من تأخذ جسده كله إلا وجهه حرم الله صورته عليها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقول يا رب شفعني فيمن وقع في النار من أمتي فيقول أخرجوا من عرفتم فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد ثم يأذن الله في الشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع فيقول الله أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار إيمانا فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد ثم يشفع الله فيقول أخرجوا من وجدتم في قلبه إيمانا ثلثي دينار ثم يقول ثلث دينار ثم يقول ربع دينار ثم يقول قيراطا ثم يقول حبة من خردل فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرا قط ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع حتى إن إبليس يتطاول مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له . ثم يقول بقيت وأنا أرحم الراحمين فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره كأنهم حمم فيلقون على نهر يقال له نهر الحيوان فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل فما يلي الشمس منها أخيضر وما يلي الظل منها أصيفر فينبتون كنبات الطراثيث حتى يكونوا أمثال الذر مكتوب في رقابهم الجهنميون عتقاء الرحمن يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب ما عملوا خيرا لله قط فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم ثم يقولون ربنا امح عنا هذا الكتاب فيمحوه الله عز وجل عنهم . ثم ذكر بطوله ثم قال هذا حديث مشهور وهو غريب جدا ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة تفرد به إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة وقد اختلف فيه فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس ومنهم من قال فيه هو متروك وقال ابن عدي أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء قلت وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة وأما سياقه فغريب جدا ويقال إنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقا واحدا فأنكر عليه بسبب ذلك وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث فالله أعلم . ![]()
__________________
|
|
#227
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأنعام من صـ 443 الى صــ 444 الحلقة (226) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (74) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين قال الضحاك عن ابن عباس إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما كان اسمه تارخ رواه ابن أبي حاتم وقال أيضا حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل حدثنا أبي حدثنا أبو عاصم شبيب حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر" يعني بآزر الصنم وأبو إبراهيم اسمه تارخ وأمه اسمها شاني وامرأته اسمها سارة وأم إسماعيل اسمها هاجر وهي سرية إبراهيم . وهكذا قال غير واحد من علماء النسب إن اسمه تارخ وقال مجاهد والسدي آزر اسم صنم قلت كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم فالله أعلم وقال ابن جرير وقال آخرون هو سب وعيب بكلامهم ومعناه معوج ولم يسنده ولا حكاه عن أحد . وقد قال ابن أبي حاتم ذكر عن معتمر بن سليمان سمعت أبي يقرأ "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر" قال بلغني أنها أعوج وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم عليه السلام ثم قال ابن جرير والصواب أن اسم أبيه آزر ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارخ ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان كما لكثير من الناس أو يكون أحدهما لقبا وهذا الذي قاله جيد قوي والله أعلم واختلف القراء في أداء قوله تعالى "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر" فحكى ابن جرير عن الحسن البصري وأبي يزيد المدني أنهما كانا يقرآن "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة" معناه يا آزر أتتخذ أصناما آلهة وقرأ الجمهور بالفتح إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف وهو بدل من قوله لأبيه أو عطف بيان وهو أشبه وعلى قول من جعله نعتا لا ينصرف أيضا كأحمر وأسود فأما من زعم أنه منصوب لكونه معمولا لقوله "أتتخذ أصناما" تقديره يا أبت أتتخذ آزر أصناما آلهة فإنه قول بعيد في اللغة فإن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله لأن له صدر الكلام . كذا قرره ابن جرير وغيره وهو مشهور في قواعد العربية والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام وزجره عنها ونهاه فلم ينته كما قال "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة" أي أتتأله لصنم تعبده من دون الله "إني أراك وقومك" أي السالكين مسلكك "في ضلال مبين" أي تائهين لا يهتدون أين يسلكون بل في حيرة وجهل وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم . وقال تعالى "واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا" فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأبيه مدة حياته فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه كما قال تعالى "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم" وثبت في الصحيح أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة فيقول له آزر يا بني اليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم أي رب ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الأبعد ؟ فيقال يا إبراهيم انظر ما وراءك فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار . وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين وقوله "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض" أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله عز وجل في ملكه وخلقه وأنه لا إله غيره ولا رب سواه كقوله "قل انظروا ماذا في السموات والأرض" وقوله "أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض" وقال "أفلم يروا ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب" وأما ما حكاه ابن جرير وغيره عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم . قالوا واللفظ لمجاهد فرجت له السموات فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن وزاد غيره فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي ويدعو عليهم فقال الله له إني أرحم بعبادي منك لعلهم أن يتوبوا أو يرجعوا. وروى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين عن معاذ وعلي ولكن لا يصح إسنادهما والله أعلم. وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين" فإنه تعالى جلى له الأمر سره وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله إنك لا تسطيع هذا فرده الله كما كان قبل ذلك فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانا ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة كما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه عن معاذ بن جبل في حديث المنام "أتاني ربي في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ فقلت لا أدري يا رب فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت ذلك ." وذكر الحديث . وقوله "وليكون من الموقنين" قيل الواو زائدة تقديره وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين كقوله "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" وقيل : بل هي على بابها أي نريه ذلك ليكون عالما وموقنا. فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين وقوله تعالى "فلما جن عليه الليل" أي تغشاه وستره "رأى كوكبا" أي نجما "قال هذا ربي فلما أفل" أي غاب قال محمد بن إسحاق بن يسار الأفول الذهاب وقال ابن جرير يقال أفل النجم يأفل ويأفل أفولا وأفلا إذا غاب ومنه قول ذي الرمة : مصابيح ليست باللواتي تقودها ... دياج ولا بالآفلات الزوائل ويقال أين أفلت عنا بمعنى أين غبت عنا : قال "لا أحب الآفلين" قال قتادة علم أن ربه دائم لا يزول. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين "فلما رأى القمر بازغا" أي طالعا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما "فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي" أي هذا المنير الطالع ربي "هذا أكبر" أي جرما من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة "فلما أفلت" أي غابت "قال يا قوم إني بريء مما تشركون" . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي "للذي فطر السموات والأرض" أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق "حنيفا" أي في حال كوني حنيفا أي مائلا عن الشرك إلى التوحيد ولهذا قال "وما أنا من المشركين" وقد اختلف المفسرون في هذا المقام هل هو مقام نظر أو مناظرة فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر واختاره ابن جرير مستدلا بقوله "لئن لم يهدني ربي" الآية . وقال محمد بن إسحاق قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه حين تخوفت عليه من نمرود بن كنعان لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه فأمر بقتل الغلمان عامئذ فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك وذكر أشياء من خوارق العادات كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظرا لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر وغير ذلك مما يحتاجون إليه . وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة وهي القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشترى وزحل وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس ثم القمر ثم الزهرة فبين أولا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة لما له في ذلك من الحكم العظيمة وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال ومثل هذه لا تصلح للإلهية ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم ثم انتقل إلى الشمس كذلك فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما يقع عليه الأبصار وتحقق ذلك بالدليل القاطع "قال يا قوم إني بريء مما تشركون" أي أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن فإن كانت آلهة فكيدون بها جميعا ثم لا تنظرون "إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين" أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه كما قال تعالى "إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرا في هذا المقام وهو الذي قال الله في حقه "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون" الآيات وقال تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" وقال تعالى "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "كل مولود يولد على الفطرة" وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قال" الله إني خلقت عبادي حنفاء "." وقال الله في كتابه العزيز "فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله" وقال تعالى "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" ومعناه على أحد القولين كقوله "فطرت الله التي فطر الناس عليها" كما سيأتي بيانه فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ناظرا في هذا المقام بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ولا ريب ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى . وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد وناظروه بشبه من القول أنه قال "أتحاجوني في الله وقد هدان" أي تجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو وقد بصرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة وقوله "ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا" أي ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئا وأنا لا أخافها ولا أباليها فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون بل عاجلوني بذلك. وقوله تعالى "إلا أن يشاء ربي شيئا" استثناء منقطع أي لا يضر ولا ينفع إلا الله عز وجل "وسع ربي كل شيء علما" أي أحاط علمه بجميع الأشياء فلا يخفى عليه خافية "أفلا تتذكرون" أي فيما بينته لكم أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي الله هود عليه السلام على قومه عاد فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول "قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها" الآية . وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون وقوله "وكيف أخاف ما أشركتم" أي كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله "ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا" قال ابن عباس وغير واحد من السلف أي حجة وهذا كقوله تعالى "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" وقوله تعالى "إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان" وقوله "فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون" أي فأي الطائفتين أصوب الذي عبد من بيده الضر والنفع أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة لا شريك له . الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون قال الله تعالى "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة. قال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت "ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" قال أصحابه وأينا لم يظلم نفسه ؟ فنزلت "إن الشرك لظلم عظيم" وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" شق ذلك على الناس فقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه ؟ قال إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح "يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" إنما هو الشرك . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع وابن إدريس عن الأعمش إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت "ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وأينا لم يظلم نفسه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كما تظنون إنما قال لابنه "يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" وحدثنا عمر بن تغلب النمري حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت "إن الشرك لظلم عظيم" . رواه البخاري وفي لفظ قالوا أينا لم يظلم نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح "إن الشرك لظلم عظيم" إنما هو الشرك ولابن أبي حاتم عن عبد الله مرفوعا قال "ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" قال بشرك قال وروي عن أبي بكر الصديق وعمر وأبي بن كعب وسلمان وحذيفة وابن عباس وابن عمر وعمرو بن شرحبيل وأبي عبد الرحمن السلمي ومجاهد وعكرمة والنخعي والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد نحو ذلك وقال ابن مردويه حدثنا الشافعي حدثنا محمد بن شداد المسمعي حدثنا أبو عاصم حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لي أنت منهم . وقال الإمام أحمد حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا أبو جناب عن زاذان عن جرير بن عبد الله قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كأن هذا الراكب إياكم يريد فانتهى إلينا الرجل فسلم فرددنا عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من أين أقبلت ؟ قال من أهلي وولدي وعشيرتي قال فأين تريد ؟ قال أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقد أصبته قال يا رسول الله علمني ما الإيمان قال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال قد أقررت. قال ثم إن بعيره دخلت يده في جحر جرذان فهوى بعيره وهوى الرجل فوقع على هامته فمات فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه فقالا : يا رسول الله قبض الرجل قال فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أما رأيتما إعراضي عن الرجل فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة فعلمت أنه مات جائعا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من الذين قال الله عز وجل فيهم "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" الآية ثم قال دونكم أخاكم فاحتملناه إلى الماء فغسلناه وحنطناه وكفناه وحملناه إلى القبر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على شفير القبر فقال ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا . ثم رواه أحمد عن أسود بن عامر عن عبد الحميد بن جعفر الفراء عن ثابت عن زاذان عن جرير بن عبد الله فذكر نحوه وقال فيه هذا ممن عمل قليلا وأجر كثيرا ; وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يوسف بن موسى القطان حدثنا مهران بن أبي عمر حدثنا علي بن عبد الله عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير ساره إذ عرض له أعرابي فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك وآخذ من قولك وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض فاعرض علي فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل فازدحمنا حوله فدخل خف بكرة في بيت جرذان فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق والذي بعثني بالحق لقد خرج من بلاده وتلاده وماله ليهتدي بهداي ويأخذ من قولي وما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض أسمعتم بالذي عمل قليلا وأجر كثيرا ؟ هذا منهم أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ؟ فإن هذا منهم . وفي لفظ قال هذا عمل قليلا وأجر كثيرا وروى ابن مردويه من حديث محمد بن يعلى الكوفي وكان نزل الري حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي داود عن عبد الله بن سخبرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أعطي فشكر ومنع فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر وسكت قال : فقالوا يا رسول الله ما له ؟ قال "أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" وقوله "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه" أي وجهنا حجته عليهم قال مجاهد وغيره يعني بذلك قوله "وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن" الآية . وقد صدقه الله وحكم له بالأمن والهداية فقال "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" . وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ثم قال بعد ذلك كله "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء" قرئ بالإضافة وبلا إضافة كما في سورة يوسف وكلاهما قريب في المعنى وقوله "إن ربك حكيم عليم" أي حكيم في أقواله وأفعاله عليم أي بمن يهديه ومن يضله وإن قامت عليه الحجج والبراهين كما قال "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" ولهذا قال ههنا "إن ربك حكيم عليم" . ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن وأيس هو وامرأته سارة من الولد فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط فبشروهما بإسحاق فتعجبت المرأة من ذلك وقالت "يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد" فبشروهما مع وجوده بنبوته وبأن له نسلا وعقبا كما قال تعالى "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة . وقال "فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب" أي ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما فتقر أعينكما به كما قرت بوالده فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية وكان هذا مجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض فعوضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه لتقر بهم عينه كما قال تعالى "فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا" وقال ههنا "ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا" وقوله "ونوحا هدينا من قبل" أي من قبله هديناه كما هديناه ووهبنا له ذرية صالحة وكل منهما له خصوصية عظيمة أما نوح عليه السلام فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به وهم الذين صحبوه في السفينة جعل الله ذريته هم الباقين فالناس كلهم من ذريته وأما الخليل إبراهيم عليه السلام فلم يبعث الله عز وجل بعده نبيا إلا من ذريته كما قال تعالى "وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب" الآية. وقال تعالى "ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب" وقال تعالى "أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا" وقوله في هذه الآية الكريمة "ومن ذريته" أي وهدينا من ذريته "داود وسليمان" الآية وعود الضمير إلى نوح لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه وهو اختيار ابن جرير . وعوده إلى إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن لكن يشكل عليه لوط فإنه ليس من ذرية إبراهيم بل هو ابن أخيه هاران بن آزر اللهم إلا أن يقال إنه دخل في الذرية تغليبا كما في قوله "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون" فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبا وكما قال في قوله "فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس" فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذم على المخالفة لأنه كان في تشبه بهم فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار والملائكة من النور وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام بأمه مريم عليها السلام فإنه لا أب له . قال ابن أبي حاتم حدثنا سهل بن يحيى العسكري حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا علي بن عابس عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي حرب بن أبي الأسود قال أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجده في كتاب الله - وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده ؟ قال أليس تقرأ سورة الأنعام "ومن ذريته داود وسليمان" حتى بلغ "ويحيى وعيسى" قال بلى . قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب ؟ قال صدقت . فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه واحتجوا بقول الشاعر العربي : بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأجانب . وقال آخرون : ويدخل بنو البنات فيه أيضا لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للحسن بن علي إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فسماه ابنا فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون : هذا تجوز . ![]()
__________________
|
|
#228
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأنعام من صـ 445 الى صــ 446 الحلقة (227) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام بأمه مريم عليها السلام فإنه لا أب له . قال ابن أبي حاتم حدثنا سهل بن يحيى العسكري حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا علي بن عابس عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي حرب بن أبي الأسود قال أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجده في كتاب الله - وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده ؟ قال أليس تقرأ سورة الأنعام "ومن ذريته داود وسليمان" حتى بلغ "ويحيى وعيسى" قال بلى . قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب ؟ قال صدقت . فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه واحتجوا بقول الشاعر العربي : بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأجانب وقال آخرون : ويدخل بنو البنات فيه أيضا لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للحسن بن علي إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فسماه ابنا فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون : هذا تجوز . وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين وعود الضمير إلى نوح لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه وهو اختيار ابن جرير . وعوده إلى إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن لكن يشكل عليه لوط فإنه ليس من ذرية إبراهيم بل هو ابن أخيه هاران بن آزر اللهم إلا أن يقال إنه دخل في الذرية تغليبا كما في قوله "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون" فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبا وكما قال في قوله "فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس" فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذم على المخالفة لأنه كان في تشبه بهم فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار والملائكة من النور . ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم وقوله "ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم" ذكر أصولهم وفروعهم وذوي طبقتهم وأن الهداية والاجتباء شملهم كلهم ولهذا قال "واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم" . ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ثم قال تعالى "ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده" أي إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون" تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته كقوله تعالى "ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك" الآية وهذا شرط والشرط لا يقتضي جواز الوقوع كقوله "قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين" وكقوله "لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين" وكقوله "لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار" . أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين وقوله تعالى "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة" أي أنعمنا عليهم بذلك رحمة للعباد بهم ولطفا منه بالخليقة "فإن يكفر بها" أي بالنبوة ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على هذه الأشياء الثلاثة الكتاب والحكم والنبوة وقوله "هؤلاء" يعني أهل مكة قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد "فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين" أي إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومليين وكتابيين فقد وكلنا بها قوما آخرين أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة "ليسوا بها بكافرين" أي لا يجحدون منها شيئا ولا يردون منها حرفا واحدا يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وإحسانه . أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ثم قال تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم "أولئك" يعني الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه "الذين هدى الله" أي هم أهل الهدى لا غيرهم "فبهداهم اقتده" أي اقتد واتبع وإذا كان هذا أمرا للرسول صلى الله عليه وسلم فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به قال البخاري عند هذه الآية : حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال أخبرني سليمان الأحول أن مجاهدا أخبره أنه سأل ابن عباس أفي "ص" سجدة فقال نعم ثم تلا "ووهبنا له إسحاق ويعقوب" إلى قوله "فبهداهم اقتده" ثم قال هو منهم زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهيل بن يوسف عن العوام عن مجاهد قلت لابن عباس فقال نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن أمر أن يقتدي بهم وقوله تعالى "قل لا أسألكم عليه أجرا" أي لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن أجرا أي أجرة ولا أريد منكم شيئا "إن هو إلا ذكرى للعالمين" أي يتذكرون به فيرشدوا من العمى إلى الهدى ومن الغي إلى الرشاد ومن الكفر إلى الإيمان . وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (91) وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون يقول تعالى وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم : قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير نزلت في قريش واختاره ابن جرير وقيل نزلت في طائفة من اليهود . وقيل في فنحاص رجل منهم . وقيل في مالك بن الصيف "قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء" والأول أصح لأن الآية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من البشر كما قال "أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس" وكقوله تعالى "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا" وقال ههنا "وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء" قال الله تعالى "قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس" أي قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة "من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى" وهو التوراة التي قد علمتم وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورا وهدى للناس أي ليستضاء بها في كشف المشكلات ويهتدى بها من ظلم الشبهات وقوله "تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" أي تجعلون جملتها قراطيس أي قطعا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم وتحرفون منها ما تحرفون وتبدلون وتتأولون وتقولون هذا من عند الله أي في كتابه المنزل وما هو من عند الله ولهذا قال "تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" وقوله تعالى "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم" أي ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم وقد قال قتادة : هؤلاء مشركو العرب وقال مجاهد هذه للمسلمين وقوله تعالى "قل الله" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي قل الله أنزله وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة لا ما قاله بعض المتأخرين من أن معنى "قل الله" أي لا يكون خطاب لهم إلا هذه الكلمة كلمة "الله" وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرا بكلمة مفردة من غير تركيب والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها وقوله "ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" أي ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون حتى يأتيهم من الله اليقين فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين ؟ . وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون وقوله "وهذا كتاب" يعني القرآن "أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى" يعني مكة "ومن حولها" من أحياء العرب ومن سائر طوائف بني آدم من عرب وعجم كما قال في الآية الأخرى "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" وقال "لأنذركم به ومن بلغ" وقال "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده" وقال تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا "وقال" وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد "وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي "وذكر منهن وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ولهذا قال" والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به "أي كل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه إليك يا محمد وهو القرآن" وهم على صلاتهم يحافظون "أي يقومون بما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها ." ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون يقول تعالى "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا" أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شركاء أو ولدا أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يرسله ولهذا قال تعالى "أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء" قال عكرمة وقتادة نزلت في مسيلمة الكذاب "ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله" أي ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول كقوله تعالى "وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا" الآية قال الله تعالى "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت" أي في سكراته وغمراته وكرباته "والملائكة باسطو أيديهم" أي بالضرب كقوله "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني" الآية . وقوله "يبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء" الآية وقال الضحاك وأبو صالح باسطو أيديهم أي بالعذاب كقوله "ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم" ولهذا قال "والملائكة باسطو أيديهم" أي بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم ولهذا يقولون لهم "أخرجوا أنفسكم" وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم فتفرق روحه في جسده وتعصي وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم "أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق" الآية . أي اليوم تهانون غاية الإهانة كما كنتم تكذبون على الله وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله وقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت وهي مقررة عند قوله تعالى "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" وقد ذكر ابن مردويه ههنا حديثا مطولا جدا من طريق غريب عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا فالله أعلم . ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (94) ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون وقوله "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة" أي يقال لهم يوم معادهم هذا كما قال "وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة" أي كما بدأناكم أعدناكم وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه فهذا يوم البعث وقوله "وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم" أي من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس وقال الحسن البصري يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول الله عز وجل أين ما جمعت ؟ فقول يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول له يا ابن آدم أين ما قدمت لنفسك ؟ فلا يراه قدم شيئا وتلا هذه الآية "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم" الآية رواه ابن أبي حاتم وقوله "وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء" تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا أخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد فإذا كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب وانزاح الضلال وضل عنهم ما كانوا يفترون ويناديهم الرب جل جلاله على رءوس الخلائق . "أين شركائي الذين كنتم تزعمون" وقيل لهم "أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصروكم أو ينتصرون" ولهذا قال ههنا "وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتهم أنهم فيكم شركاء" أي في العبادة لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم ثم قال تعالى "لقد تقطع بينكم" قرئ بالرفع أي شملكم وبالنصب أي لقد تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل "وضل عنكم" أي ذهب عنكم "ما كنتم تزعمون" من رجاء الأصنام والأنداد كقوله تعالى "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار" وقال تعالى "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" وقال تعالى "إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار." وما لكم من ناصرين "وقال" وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم "الآية ." وقال "ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا" إلى قوله "وضل عنهم ما كانوا يفترون" والآيات في هذا كثيرة جدا . إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى أي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها من النوى ولهذا فسر قوله "فالق الحب والنوى" بقوله "يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي" أي يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت كقوله "وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون" إلى قوله "ومن أنفسهم ومما لا يعلمون" وقوله "ومخرج الميت من الحي" معطوف على "فالق الحب والنوى" ثم فسره ثم عطف عليه قوله "ومخرج الميت من الحي" وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى فمن قائل يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه ومن قائل يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها. ثم قال تعالى "ذلكم الله" أي فاعل هذا هو الله وحده لا شريك له "فأنى تؤفكون" أي كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون معه غيره . فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وقوله "فالق الإصباح وجعل الليل سكنا" أي خالق الضياء والظلام كما قال في أول السورة "وجعل الظلمات والنور" أي فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح فيضيء الوجود ويستنير الأفق ويضمحل الظلام ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه ويجيئ النهار بضيائه وإشراقه كقوله "يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا" فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه فذكر أنه فالق الإصباح وقابل ذلك بقوله "وجعل الليل سكنا" أي ساجيا مظلما لتسكن فيه الأشياء كما قال "والضحى والليل إذا سجى" وقال" والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى "وقال" والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها " وقال صهيب الرومي رضي الله عنه لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره : إن الله جعل الليل سكنا إلا لصهيب إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه وإذا ذكر النار طار نومه . رواه ابن أبي حاتم . وقوله "والشمس والقمر حسبانا" أي يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير ولا يضطرب بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا كما قال "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل" الآية . وكما قال لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون وقال "والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره" وقوله "ذلك تقدير العزيز العليم" أي الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف العليم بكل شيء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم كما ذكر في هذه الآية وكما في قوله "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" ولما ذكر خلق السموات والأرض وما فيهن في أول سورة حم السجدة قال "وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم" . وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون (97) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون وقوله تعالى "وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر" قال بعض السلف من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه . إن الله جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر وقوله "قد فصلنا الآيات" أي قد بيناها ووضحناها "لقوم يعلمون" أي يعقلون ويعرفون الحق ويتجنبون الباطل . ![]()
__________________
|
|
#229
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأنعام من صـ 445 الى صــ 446 الحلقة (229) وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون (98) وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون يقول تعالى "وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة" يعني آدم عليه السلام قال "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" وقوله "فمستقر ومستودع" اختلفوا في معنى ذلك فعن ابن مسعود وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي وقيس بن أبي حازم ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والسدي وعطاء الخراساني وغيرهم "فمستقر" أي في الأرحام قالوا أو أكثرهم "ومستودع" أي في الأصلاب وعن ابن مسعود وطائفة عكسه وعن ابن مسعود أيضا وطائفة فمستقر في الدنيا ومستودع حيث يموت وقال سعيد بن جبير فمستقر في الأرحام وعلى ظهر الأرض وحيث يموت وقال الحسن البصري المستقر الذي قد مات فاستقر به عمله وعن ابن مسعود ومستودع في الدار الآخرة والقول الأول أظهر والله أعلم وقوله تعالى "قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون" أي يفهمون ويعون كلام الله ومعناه . وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون وقوله تعالى "وهو الذي أنزل من السماء ماء" أي بقدر مباركا ورزقا للعباد وإحياء وغياثا للخلائق رحمة من الله بخلقه "فأخرجنا به نبات كل شيء" كقوله "وجعلنا من الماء كل شيء" "فأخرجنا منه خضرا" أي زرعا وشجرا أخضر ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر ولهذا قال تعالى "نخرج منه حبا متراكبا" أي يركب بعضه بعض كالسنابل ونحوها "ومن النخل من طلعها قنوان" أي جمع قنو وهي عذوق الرطب دانية أي قريبة من المتناول كما قال علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس "قنوان دانية" يعني بالقنوان الدانية فصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض . رواه ابن جرير قال ابن جرير وأهل الحجاز يقولون قنوان وقيس يقول قنوان قال امرؤ القيس : فأثت أعاليه وآدت أصوله ... ومال بقنوان من البسر أحمرا قال وتميم يقولون قنيان بالياء قال وهي جمع قنو كما أن صنوان جمع صنو وقوله تعالى "وجنات من أعناب" أي ونخرج منه جنات من أعناب وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز وربما كانا خيار الثمار في الدنيا كما امتن الله بهما على عباده في قوله تعالى "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا" وكان ذلك قبل تحريم الخمر وقال "وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب" وقوله تعالى "والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه" قال قتادة وغيره متشابه في الورق والشكل قريب بعضه من بعض ومختلف في الثمار شكلا وطعما وطبعا وقوله تعالى "انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه" أي نضجه قاله البراء بن عازب وابن عباس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي وقتادة وغيرهم أي فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود بعد أن كان حطبا صار عنبا ورطبا وغير ذلك مما خلق سبحانه وتعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح كقوله تعالى "وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل" الآية . ولهذا قال ههنا "إن في ذلكم" أيها الناس "لآيات" أي دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته "لقوم يؤمنون" أي يصدقون به ويتبعون رسله . وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون هذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره وأشركوا به في عبادته أن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء له في العبادة تعالى الله عن شركهم وكفرهم فإن قيل فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام ؟ فالجواب أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك كقوله "إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا" وكقوله تعالى "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني" الآية . وقال إبراهيم لأبيه "يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا" وكقوله "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم" وتقول الملائكة يوم القيامة "سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون" ولهذا قال تعالى "وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم" أي وقد خلقهم فهو الخالق وحده لا شريك له فكيف يعبد معه غيره كقول إبراهيم "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" ومعنى الآية . أنه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق وحده فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له وقوله تعالى "وخرقوا له بنين وبنات بغير علم" ينبه به تعالى على ضلال من ضل في وصفه تعالى بأن له ولدا كما زعم من قاله من اليهود في عزير ومن قال من النصارى في عيسى ومن قال من مشركي العرب في الملائكة أنها بنات الله . تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ومعنى خرقوا أي اختلقوا وائتفكوا وتخرصوا وكذبوا كما قاله علماء السلف قال علي بن أبي طلحة وابن عباس وخرقوا يعني تخرصوا وقال العوفي عنه "وخرقوا له بنين وبنات بغير علم" قال جعلوا له بنين وبنات وقال مجاهد "وخرقوا له بنين وبنات" قال كذبوا . وكذا قال الحسن وقال الضحاك وضعوا وقال السدي قطعوا قال ابن جرير وتأويله إذا وجعلوا لله الجن شركاء في عبادته إياهم وهو المتفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير "وخرقوا له بنين وبنات بغير علم" بحقيقة ما يقولون ولكن جهلا بالله وبعظمته فإنه لا ينبغي لمن كان إلها أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة ولا أن يشركه في خلقه شريك ولهذا قال "سبحانه وتعالى عما يصفون" أي تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء. بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم بديع السموات والأرض "أي مبدعهما وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق كما قال مجاهد والسدي ومنه سميت البدعة بدعة لأنه لا نظير لها فيما سلف" أنى يكون له ولد "أي كيف يكون له ولد" ولم تكن له صاحبة "أي والولد إنما يكون متولدا بين شيئين متناسبين والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه لأنه خالق كل شيء فلا صاحبة له ولا ولد كما قال تعالى" وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا "إلى قوله" وكلهم آتيه يوم القيامة فردا "" وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم "فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء وأنه بكل شيء عليم فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه وهو الذي لا نظير له فأنى يكون له ولد" تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا "." ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل يقول تعالى "ذلكم الله ربكم" أي الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة "لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه" أي فاعبدوه وحده لا شريك له وأقروا له بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو وأنه لا ولد له ولا والد ولا صاحبة له ولا نظير ولا عديل "وهو على كل شيء وكيل" أي حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلأهم بالليل والنهار . لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير وقوله "لا تدركه الأبصار" فيه أقوال للأئمة من السلف . "أحدها" لا تدركه في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة كما تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن . كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب وفي رواية - على الله - فإن الله تعالى قال "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" . رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن أبي الضحى عن مسروق ورواه غير واحد عن مسروق وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة غير وجه وخالفها ابن عباس فعنه إطلاق الرؤية وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله وقال ابن أبي حاتم ذكر محمد بن مسلم حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا يحيى بن معين قال : سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله "لا تدركه الأبصار" قال هذا في الدنيا وذكر أبي عن هشام بن عبد الله أنه قال نحو ذلك . وقال آخرون "لا تدركه الأبصار" أي جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله . أما الكتاب فقوله تعالى "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" وقال تعالى عن الكافرين "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" قال الإمام الشافعي فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى . وأما السنة فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن جريج وصهيب وبلال وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات وفي روضات الجنات جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين . وقيل المراد بقوله "لا تدركه الأبصار" أي العقول رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين عن الفلاس عن ابن مهدي عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك وهذا غريب جدا وخلاف ظاهر الآية وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية والله أعلم. وقال آخرون لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك فإن الإدراك أخص من الرؤية ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم . ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو فقيل معرفة الحقيقة فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى. قال ابن علية في الآية . هذا في الدنيا رواه ابن أبي حاتم . وقال آخرون الإدراك أخص من الرؤية وهو الإحاطة قالوا ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من إحاطة العلم عدم العلم قال تعالى "ولا يحيطون به علما" وفي صحيح مسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" قال لا يحيط بصر أحد بالملك وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد حدثنا أسباط عن سماك عن عكرمة أنه قيل له لا تدركه الأبصار قال ألست ترى السماء ؟ قال بلى قال فكلها ترى ؟ وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في الآية "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" وهو أعظم من أن تدركه الأبصار . وقال ابن جرير حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا خالد بن عبد الرحمن حدثنا أبو عرفجة عن عطية العوفي في قوله تعالى "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" قال هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره محيط بهم فذلك قوله "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" وورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم ههنا فقال حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب بن الحارث السهمي حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" قال "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا" غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم . وقال آخرون في الآية بما رواه الترمذي في جامعه وابن أبي عاصم في كتاب السنة له وابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه أيضا والحاكم في مستدركه من حديث الحكم بن أبان قال سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس يقول رأى محمد ربه تبارك وتعالى فقلت أليس الله يقول "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" الآية فقال لي لا أم لك ذلك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء وفي رواية لا يقوم له شيء قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعا إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل الليل وعمل الليل قبل النهار حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وفي الكتب المتقدمة إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية : يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده . أي تدعثر وقال تعالى "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين" ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس وتنزه فلا تدركه الأبصار ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا وتحتج بهذه الآية "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه فإن ذلك غير ممكن للبشر ولا للملائكة ولا لشيء وقوله "وهو يدرك الأبصار" أي يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه لأنه خلقها كما قال تعالى "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين كما قال السدي في قوله "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" لا يراه شيء وهو يرى الخلائق وقال أبو العالية في قوله تعالى "وهو اللطيف الخبير" قال اللطيف لاستخراجها الخبير بمكانها والله أعلم وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان فيما وعظ به ابنه "يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير" . قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ البصائر هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم "فمن أبصر فلنفسه" كقوله "فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها" ولهذا قال "ومن عمي فعليها" لما ذكر البصائر قال "ومن عمي فعليها" أي إنما يعود وباله عليه كقوله" فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور "" وما أنا عليكم بحفيظ " أي بحافظ ولا رقيب بل إنما أنا مبلغ والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء . وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون وقوله "وكذلك نصرف الآيات" أي وكما فصلنا الآيات في هذه السورة من بيان التوحيد وأنه لا إله إلا هو هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين وليقول المشركون والكافرون المكذبون دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب وقارأتهم وتعلمت منهم هكذا قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم . وقال الطبراني حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن كيسان قال سمعت ابن عباس يقول دارست تلوت خاصمت جادلت وهذا كقوله تعالى إخبارا عن كذبهم وعنادهم "وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها" الآية وقال تعالى إخبارا عن زعيمهم وكاذبهم "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر" وقوله "ولنبينه لقوم يعلمون" أي ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك وبيان الحق لهؤلاء كقوله تعالى "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا" الآية وكقوله "ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم" وقال تعالى "وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو" وقال "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" وقال تعالى "قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد" إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين وأنه يضل به من يشاء ويهدي به من يشاء ولهذا قال ههنا "وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون" وقرأ بعضهم "وليقولوا درست" قال التميمي عن ابن عباس درست أي قرأت وتعلمت وكذا قال مجاهد والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد وقال عبد الرزاق عن معمر قال الحسن "وليقولوا درست" يقول تقادمت وانمحت وقال عبد الرزاق أيضا أنبأنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمعت ابن الزبير يقول إن صبيانا يقرءون ههنا دارست وإنما درست وقال شعبة حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال هي في قراءة ابن مسعود درست يعني بغير ألف بنصب السين ووقف على التاء قال ابن جرير ومعناه انمحت وتقادمت أي أن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديما وتطاولت مدته وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أنه قرأها درست أي قرأت وتعلمت وقال معمر عن قتادة درست قرأت وفي حرف ابن مسعود درس وقال أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا حجاج عن هارون قال هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود وليقولوا درس قال يعنون النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ وهذا غريب فقد روي عن أبي بن كعب خلاف هذا قال أبو بكر بن مردويه حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا الحسن بن ليث حدثنا أبو سلمة حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي حدثنا وهب بن زمعة عن أبيه عن حميد الأعرج عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم "وليقولوا درست" . ورواه الحاكم في مستدركه من حديث وهب بن زمعة وقال يعني بجزم السين ونصب التاء ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه . اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين يقول تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن اتبع طريقته "اتبع ما أوحي إليك من ربك" أي اقتد به واقتف أثره واعمل به فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه لأنه لا إله إلا هو "وأعرض عن المشركين" أي اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم . ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل واعلم أن لله حكمة في إضلالهم فإنه لو شاء لهدى الناس جميعا ولو شاء لجمعهم على الهدى "ولو شاء الله ما أشركوا" أي بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وقوله تعالى "وما جعلناك عليهم حفيظا" أي حافظا تحفظ أقوالهم وأعمالهم "وما أنت عليهم بوكيل" أي موكل على أرزاقهم وأمورهم إن عليك إلا البلاغ كما قال تعالى "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر" وقال "إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" . ![]()
__________________
|
|
#230
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (5) تفسير سورة الأنعام من صـ 446 الى صــ 450 الحلقة (230) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون يقول الله تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين وهو "الله لا إله إلا هو" كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قالوا يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم "فيسبوا الله عدوا بغير علم" وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فيسب الكفار الله عدوا بغير علم فأنزل الله "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله" وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أنه قال في تفسير هذه الآية : لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان يمنعهم فلما مات قتلوه فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البختري وبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب قالوا استأذن لنا على أبي طالب فأتى أبا طالب فقال : هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك فأذن لهم عليه فدخلوا عليه فقالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه فدعاه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب هؤلاء قومك وبنو عمك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تريدون ؟ قالوا نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم وأدت لكم الخراج قال أبو جهل وأبيك لأعطينكها وعشرة أمثالها قالوا فما هي ؟ قال : قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا قال أبو طالب يا ابن أخي قل غيرها . فإن قومك قد فزعوا منها قال يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها إرادة أن يؤيسهم فغضبوا وقالوا لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك فذلك قوله "فيسبوا الله عدوا بغير علم" ومن هذا القبيل وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ملعون من سب والديه قالوا يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه ؟ قال يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه أو كما قال صلى الله عليه وسلم وقوله "كذلك زينا لكل أمة عملهم" أي وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار كذلك زينا لكل أمة أي من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه ولله الحجة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره "ثم إلى ربهم مرجعهم" أي معادهم ومصيرهم "فينبئهم بما كانوا يعملون" أي يجازيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر . وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون يقول تعالى إخبارا عن المشركين أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم أي حلفوا أيمانا مؤكدة "لئن جاءتهم آية" أي معجزة وخارق "ليؤمنن بها" أي ليصدقنها "قل إنما الآيات عند الله" أي قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتا وكفرا وعنادا لا على سبيل الهدى والاسترشاد إنما مرجع هذه الآيات إلى الله إن شاء جاءكم بها وإن شاء ترككم قال ابن جرير حدثنا هناد حدثنا يونس بن بكير حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي قال كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريش فقالوا يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي شيء تحبون أن آتيكم به ؟ قالوا تجعل لنا الصفا ذهبا فقال لهم فإن فعلت تصدقوني ؟ قالوا نعم والله لئن فعلت لنتبعك أجمعون فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فجاءه جبريل عليه السلام فقال له ما شئت إن شئت أصبح من الصفا ذهبا ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يتوب تائبهم فأنزل الله تعالى "وأقسموا بالله جهد أيمانهم" إلى قوله تعالى "ولكن أكثرهم يجهلون" وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر . وقال الله تعالى "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون" الآية وقوله تعالى "وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون" قيل المخاطب بما يشعركم المشركون وإليه ذهب مجاهد كأنه يقول لهم وما يدريكم بصدقهم في هذه الأيمان التي تقسمون بها وعلى هذا فالقراءة "إنها إذا جاءت لا يؤمنون" بكسر إنها على استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عند مجيء الآيات التي طلبوها وقرأ بعضهم "أنها إذا جاءت لا تؤمنون" بالتاء المثناة من فوق وقيل المخاطب بقوله وما يشعركم المؤمنون يقول وما يدريكم أيها المؤمنون وعلى هذا فيجوز في قوله "أنها" الكسر كالأول والفتح على أنه معمول يشعركم وعلى هذا فتكون لا في قوله "أنها إذا جاءت لا يؤمنون" صلة كقوله "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك" وقوله "وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون" أي ما منعك أن تسجد إذ أمرتك وحرام أنهم يرجعون وتقديره في هذه الآية وما يدريكم أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك حرصا على إيمانهم أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون قال بعضهم "أنها" بمعنى لعلها قال ابن جرير وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب . قال وقد ذكر عن العرب سماعا اذهب إلى السوق أنك تشتري لنا شيئا بمعنى لعلك تشتري . قال وقد قيل إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا : أعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد وقد اختار هذا القول ابن جرير وذكر عليه شواهد من أشعار العرب والله أعلم . ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون وقوله تعالى "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة" قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر وقال مجاهد في قوله "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم" ونحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة . وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه وقال "ولا ينبئك مثل خبير" جل وعلا وقال "أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله - إلى قوله لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى وقال : "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" وقال تعالى "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة" وقال ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا وقوله "ونذرهم" أي نتركهم "في طغيانهم" قال ابن عباس والسدي في كفرهم وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة في ضلالهم "يعمهون" قال الأعمش يلعبون وقال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والربيع وأبو مالك وغيره في كفرهم يترددون . ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون يقول تعالى ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها فنزلنا عليهم الملائكة تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل كما سألوا فقالوا "أو تأتي بالله والملائكة قبيلا" وقالوا لن نؤمن لك حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا" "وكلمهم الموتى" أي فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل "وحشرنا عليهم كل شيء قبلا" قرأ بعضهم قبلا بكسر القاف وفتح الباء من المقابلة والمعاينة وقرأ آخرون بضمهما قيل معناه من المقابلة والمعاينة أيضا كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وقال مجاهد قبلا أي أفواجا قبيلا قبيلا أي تعرض عليهم كل أمة بعد أمة فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به "ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله" أي إن الهداية إليه لا إليهم بل يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته وهذه الآية كقوله تعالى "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" . وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون يقول تعالى وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء فلا يحزنك ذلك كما قال تعالى "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا" الآية . وقال تعالى "ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم" وقال تعالى "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين" الآية . وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وقوله "شياطين الإنس والجن" بدل من "عدوا" أي لهم أعداء من شياطين الإنس والجن والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء قبحهم الله ولعنهم . قال عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة في قوله "شياطين الإنس والجن" قال من الجن شياطين ومن الإنس شياطين يوحي بعضهم إلى بعض قال قتادة وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم "تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن" فقال أو إن من الإنس شياطين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم" وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر . وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر رضي الله عنه قال ابن جرير حدثنا المثنى حدثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة عن ابن عائذ عن أبي ذر قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس قال : فقال "يا أبا ذر هل صليت" قلت لا يا رسول الله قال "قم فاركع ركعتين" قال ثم جئت فجلست إليه فقال "يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس" قال : قلت لا يا رسول الله وهل للإنس من شياطين ؟ قال : "نعم هم شر من شياطين الجن" . وهذا أيضا فيه انقطاع وروي متصلا كما قال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا المسعودي أنبأنا أبو عمر الدمشقي عن عبيد بن الحسيحاس عن أبي ذر قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست فقال : "يا أبا ذر هل صليت ؟" . قلت لا قال قم فصل قال فقمت فصليت ثم جلست فقال يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن . قال : قلت يا رسول الله وللإنس شياطين ؟ قال نعم وذكر تمام الحديث بطوله . وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث جعفر بن عون ويعلى بن عبيد وعبيد الله بن موسى ثلاثتهم عن المسعودي به . "طريق أخرى عن أبي ذر" قال ابن جرير حدثنا المثنى حدثنا الحجاج حدثنا حماد عن حميد بن هلال حدثني رجل من أهل دمشق عن عوف بن مالك عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن ؟ قال : قلت يا رسول الله هل للإنس من شياطين ؟ قال : نعم . "طريق أخرى للحديث" قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عوف الحمصي حدثنا أبو المغيرة حدثنا معاذ بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر تعوذت من شياطين الجن والإنس ؟ قال يا رسول الله وهل للإنس شياطين ؟ قال نعم "شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وقوله" يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته والله أعلم قال ابن جرير حدثنا ابن وكيع حدثنا أبو نعيم عن شريك عن سعيد بن مسروق عن عكرمة "شياطين الإنس والجن" قال ليس من الإنس شياطين ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن قال وحدثنا الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا إسرائيل عن السدي عن عكرمة في قوله " يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا "قال للإنس شياطين وللجن شياطين فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وقال أسباط عن السدي عن عكرمة في قوله" يوحي بعضهم إلى بعض "أما شياطين الإنس فالشياطين التي تضل الإنس وشياطين الجن التي تضل الجن يلتقيان فيقول كل واحد منهما لصاحبه إني أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضل أنت صاحبك بكذا وكذا فيعلم بعضهم بعضا ففهم ابن جرير من هذا أن المراد بشياطين الإنس عند عكرمة والسدي الشياطين من الجن الذين يضلون الناس لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى وهو محتمل ." وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا عن ابن عباس من رواية الضحاك عنه قال إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم قال فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن فيقول هذا لهذا أضلله بكذا فهو قوله "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر إن للإنس شياطين منهم وشيطان كل شيء ما رده ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الكلب الأسود شيطان" ومعناه والله أعلم شيطان في الكلاب وقال ابن جريج قال مجاهد في تفسير هذه الآية : كفار الجن شياطين يوحون إلى شياطين الإنس كفار الإنس زخرف القول غرورا وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل قال : فقال لي اخرج إلى الناس فحدثهم قال : فخرجت فجاء رجل فقال : ما تقول في الوحي فقلت الوحي وحيان قال الله تعالى "بما أوحينا إليك هذا القرآن" وقال تعالى "شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" قال فهموا بي أن يأخذوني فقلت لهم : ما لكم ذاك إني مفتيكم وضيفكم فتركوني وإنما عرض عكرمة بالمختار وهو ابن أبي عبيد قبحه الله وكان يزعم أنه يأتيه الوحي وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال صدق قال الله تعالى "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" وقوله تعالى "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره "ولو شاء ربك ما فعلوه" أي وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء "فذرهم" أي فدعهم "وما يفترون" أي يكذبون أي دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم فإن الله كافيك وناصرك عليهم . ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون وقوله تعالى "ولتصغى إليه" ولتميل إليه قاله ابن عباس "أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة" أي قلوبهم وعقولهم وأسماعهم وقال السدي : قلوب الكافرين "وليرضوه" أي يحبوه ويريدوه وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة كما قال تعالى "فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم" وقال تعالى "إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك" وقوله "وليقترفوا ما هم مقترفون" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وليكتسبوا ما هم مكتسبون وقال السدي وابن زيد وليعملوا ما هم عاملون . أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره "أفغير الله أبتغي حكما" أي بيني وبينكم "وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا" أي مبينا "والذين آتيناهم الكتاب" أي من اليهود والنصارى يعلمون أنه منزل من ربك بالحق أي بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين "فلا تكونن من الممترين" كقوله "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين" وهذا شرط والشرط لا يقتضي وقوعه ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا أشك ولا أسأل" . وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم وقوله تعالى "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا" قال قتادة : صدقا فيما قال وعدلا فيما حكم يقول صدقا في الأخبار وعدلا في الطلب فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة كما قال تعالى "يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر" إلى آخر الآية "لا مبدل لكلماته" أي ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة "وهو السميع" لأقوال عباده "العليم" بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله . وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال كما قال تعالى "ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين" وقال تعالى "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل "إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون" فإن الخرص هو الحزر ومنه خرص النخل وهو حزر ما عليها من التمر وذلك كله عن قدر الله ومشيئته . إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين "هو أعلم من يضل عن سبيله" فييسره لذلك "هو أعلم بالمهتدين" فييسرهم لذلك وكل ميسر لما خلق له . فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين هذا إباحة من الله لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه ومفهومه أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات وأكل ما ذبح على النصب وغيرها ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه . وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (119) وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين "فقال" وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم "أي قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه وقرأ بعضهم فصل بالتشديد وقرأ آخرون بالتخفيف والكل بمعنى البيان والوضوح" إلا ما اضطررتم إليه "أي إلا في حال الاضطرار فإنه يباح لكم ما وجدتم ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلالهم الميتات وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى فقال" وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين "أي هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم ." وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون (120) وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون قال مجاهد "وذروا ظاهر الإثم وباطنه" معصيته في السر والعلانية وفي رواية عنه هو ما ينوى مما هو عامل وقال قتادة "وذروا ظاهر الإثم وباطنه" أي سره وعلانيته قليله وكثيره وقال السدي : ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان وقال عكرمة ظاهره نكاح ذوات المحارم والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله وهي كقوله تعالى "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن" الآية ولهذا قال تعالى "إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون" أي سواء كان ظاهرا أو خفيا فإن الله سيجزيهم عليه قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس بن سمعان قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقال "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه" . ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلما وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال فمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا وهو مروي عن ابن عمر ونافع مولاه وعامر الشعبي ومحمد بن سيرين وهو رواية عن الإمام مالك ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية وبقوله في آية الصيد "فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه" ثم قد أكد في هذه الآية قوله "وإنه لفسق" والضمير قيل عائد على الأكل وقيل عائد على الذبح لغير الله وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك" وهما في الصحيحين وحديث رافع بن خديج ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه وهو في الصحيحين أيضا وحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للجن لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه رواه مسلم وحديث جندب بن سفيان البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله أخرجاه. وعن عائشة رضي الله عنها أن ناسا قالوا : يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ قال سموا عليه أنتم وكلوا قال : وكانوا حديثي عهد بالكفر رواه البخاري. ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد والله أعلم . والمذهب الثاني في المسألة أنه لا يشترط التسمية بل هي مستحبة فإن تركت عمدا أو نسيانا لا يضر وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله وجميع أصحابه ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل وهو رواية عن الإمام مالك ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه وحكي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رباح والله أعلم . وحمل الشافعي الآية الكريمة "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق" على ما ذبح لغير الله كقوله تعالى "أو فسقا أهل لغير الله به" وقال ابن جريج عن عطاء "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" قال : ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان وينهى عن ذبائح المجوس وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله "إنه لفسق" حالية أي : لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقا ولا يكون فسقا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة لأنه يلزم منه عطف جملة إسمية خبرية على جمله فعلية طلبية وهذا ينتقض عليه بقوله "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" فإنها عاطفة لا محاولة فإن كانت الواو التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال امتنع عطف هذه عليها فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره وإن لم تكن الواو حالية بطل ما قال من أصله والله أعلم وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا يحيى بن المغيرة أنبأنا جرير عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" قال هي الميتة. ثم رواه عن أبي زرعة عن يحيى بن أبي كثير عن ابن لهيعة عن عطاء وهو ابن السائب به وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في المراسيل من حديث ثور بن يزيد عن الصلت السدوسي مولى سويد بن ميمون أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم أن ناسا قالوا يا رسول الله إن قوما حديثي عهد بجاهلية يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال سموا أنتم وكلوا قالوا فلو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها والله أعلم . المذهب الثالث في المسألة إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضر وإن تركها عمدا لم تحل هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه وإسحق بن راهويه وهو محكي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والحسن البصري وأبي مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة بن أبي عبد الرحمن ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني في كتابه الهداية الإجماع قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدا فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإجماع وهذا الذي قاله غريب جدا وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي والله أعلم . وقال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله من حرم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول جميع الحجة وخالف الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا أبو أمية الطرسوسي حدثنا محمد بن يزيد حدثنا معقل بن عبيد الله عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله وهذا الحديث رفعه خطأ أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزري فإنه وإن كان من رجال مسلم إلا أن سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي روياه عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن أبي الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس من قوله فزادا في إسناده أبا الشعثاء ووثقاه وهذا أصح نص عليه البيهقي وغيره من الحفاظ ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي ومحمد بن سيرين أنهما كرها متروك التسمية نسيانا والسلف يطلقون الكراهية على التحريم كثيرا والله أعلم إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفا لقول الجمهور فيعده إجماعا فليعلم هذا والله الموفق قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا أبو أسامة عن جبير بن يزيد قال : سئل الحسن سأله رجل أتيت بطير كذا فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه واختلط الطير فقال الحسن كله كله قال وسألت محمد بن سيرين فقال : قال الله "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي ذر وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وفيه نظر والله أعلم وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث مروان بن سالم القرقساني عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم اسم الله على كل مسلم ولكن هذا إسناده ضعيف فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف تكلم فيه غير واحد من الأئمة والله أعلم وقد أفردت هذه المسألة على حدة وذكرت مذهب الأئمة ومأخذهم وأدلتهم ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات والله أعلم . قال ابن جرير : وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية هل نسخ من حكمها شيء أم لا ؟ فقال بعضهم لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عنيت به وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد : حدثنا يحيى بن واضح عن الحسين بن واقد عن عكرمة والحسن البصري قالا : قال الله "فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين" وقال "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق" فنسخ واستثنى من ذلك فقال "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم" وقال ابن أبي حاتم : قرأ علي العباس بن الوليد بن يزيد حدثنا محمد بن سعيد أخبرني النعمان يعني ابن المنذر عن مكحول قال : أنزل الله في القرآن "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه" ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال "اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم" فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب ثم قال ابن جرير : والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه وهذا الذي قاله صحيح ومن أطلق من السلف النسخ ههنا فإنما أراد التخصيص والله سبحانه وتعالى أعلم وقوله تعالى "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم" ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |