الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال - الصفحة 23 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         Womens In Your Town - Anonymous *** Dating - No Verify (اخر مشاركة : apkchew - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          أهم أسباب تورم القدمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          فحص الحوض: معلومات مهمة لكل أنثى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          8 أسباب محتملة لتضخم المبيض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          4 أنواع شائعة من أمراض المبيض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          مضاعفات الوسواس القهري ومخاطر إهمال علاجه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          ما هي أسباب انقطاع الحيض؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الذرة الرفيعة: ما هي وما فوائدها للصحة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          أسباب فطريات المهبل وعوامل خطر الإصابة بها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          أسباب النزيف بعد انقطاع الطمث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى الحوارات والنقاشات العامة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-09-2025, 05:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (223) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (6)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ): "واستدل ‌من ‌نصر ‌القول ‌بأن ‌الأضاحي ‌يتصدق ‌منها ‌بالنصف بقوله في هذه الآية: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)، فجزأها نصفين: نصف للمضحي، ونصف للفقراء.
والقول الآخر: أنها تجزأ ثلاثة أجزاء: ثلث له، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به؛ لقوله في الآية الأخرى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) (الحج: 36). (قلتُ: وقد بيَّن بعد ذلك أن القانع: مَن لا يسألك، والمعتر: المعترض لك الذي يسألك).
وقوله: (الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)، قال عكرمة: هو المضطر الذي عليه البؤس، والفقير المتعفف.
وقال مجاهد: هو الذي لا يبسط يده. وقال قتادة: هو الزّمِن <قلتُ: أي: المريض مرضًا مزمنًا>. وقال مقاتل بن حيان: هو الضرير.
وقوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو وضع الإحرام مِن حَلْق الرأس، ولُبس الثياب، وقص الأظفار، ونحو ذلك. وهكذا روى عطاء ومجاهد عنه. وكذا قال عكرمة، ومحمد بن كعب القُرَظي.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: التفث: المناسك.
وقوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: نحر ما نذر من أمر البُدن.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ): نذر الحج والهدي، وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج.
وقال إبراهيم بن مَيْسَرَة، عن مجاهد: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) قال: الذبائح.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) كل نذر إلى أجل.
وقال عكرمة: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)، قال: حجهم. وكذا روى الإمام ابن أبي حاتم بسنده عن سفيان في قوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) قال: نذر الحج، فكل مَن دخل الحج فعليه مِن العمل فيه: الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، على ما أُمِروا به. وروي عن مالك نحو هذا. (قلتُ: هذا القول جعل أعمال الحج هي النذر؛ لأن الإنسان حين فرض الحج فقد أوجب على نفسه هذه الأعمال، والظاهر أنها النذور التي ينذرها الإنسان على نفسه؛ سواء من الذبح أو النذر، أو نذر الحج زائدًا على فرض الحج في العمر مرة الذي افترضه الله -عز وجل-، فالقول الأول أرجح).
وقوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ): قال مجاهد: يعني: الطواف الواجب يوم النحر. <قلتُ: أي: طواف الإفاضة>.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج؟ يقول الله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، فإن آخر المناسك الطواف بالبيت. قلت: وهكذا صنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت. وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف؛ إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. (قلتُ: الآية دلت على الطواف الركن؛ وهو: طواف الإفاضة، وهو آخر المناسك التي هي ركن في الحج؛ إذ هناك نسك بعد ذلك، لكنه من الواجبات، فرمي الجمار في أيام التشريق الثلاثة والمبيت بمنى، كله من الواجبات الذي يمكن جبره إذا تركه بالدم، وإن كان يأثم مَن تركه، وأما طواف الإفاضة فالذي دلت عليه الآية عند جماهير أهل العلم أن طواف الإفاضة ركن من الأركان، وأما طواف الوداع فهو واجب، والصحيح أنه ليس بنسك؛ فلا يصح حمل الآية عليه. والله أعلم).
وقوله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ): فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت، حين قصرت بهم النفقة؛ ولهذا طاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من وراء الحِجْر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة؛ ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العَدَني، حدثنا سفيان، عن هشام بن حُجْر، عن رجل، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، طاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ورائه. وقال قتادة، عن الحسن البصري في قوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) قال: لأنه أول بيت وضع للناس. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق يوم الغرق زمان نوح. وقال خَصِيف: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط" (انتهى من تفسير ابن كثير).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-09-2025, 05:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (224) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (7)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
قال ابن كثير رحمه الله في قوله -تعالى-: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ): "‌أعتق ‌من ‌الجبابرة ‌أن ‌يسلطوا ‌عليه. ‌وكذا ‌قال ‌قتادة. وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد: لأنه لم يُرِده أحد بسوء إلا هلك. وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن الزبير قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة (قلتُ: الصحيح أنه البيت العتيق -أي: القديم-؛ لأنه أول بيت وضع للناس، وهذا هو ظاهر القرآن؛ لأن الله لم يذكر ما ذكروه من الإعتاق من الجبابرة، وقد تسلَّط القرامطة على مكة، وانتزعوا الحجر الأسود، وقبلهم المُبِير المُهلِك الحجاج؛ الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ ‌فِي ‌ثَقِيفٍ كَذَّابًا ‌وَمُبِيرًا) (رواه مسلم)، واتفق العلماء على أن المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي، كان يرمي مكة بالمنجنيق، وأصاب البيت واحترق، وبناه عبد الله بن الزبير، ثم قَتَل عبدَ الله بن الزبير، فالصحيح أن المقصود: البيت القديم؛ الذي هو أول بيت وُضِع للناس كما ذكر الله -عز وجل-).
وقال الترمذي -وساق السند- عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار"، وكذا رواه ابن جرير وقال: إن كان صحيحًا -(قلتُ: أشار إلى ضعفه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي)-" (انتهى من تفسير ابن كثير).
ومع ذلك لا يتسلط على مكة كافر معلن بكفره، وإنما تسلط بعض الجبارين ممن ينتسب إلى الإسلام لا يتبرأ منه -كما ذكرنا-؛ وذلك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، ‌كَمَا ‌تَأْرِزُ ‌الْحَيَّةُ ‌إِلَى ‌جُحْرِهَا) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌لَا ‌هِجْرَةَ ‌بَعْدَ ‌الْفَتْحِ) أي: من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، وهذه بشارة بأن مكة ستظل دار إسلام ما بقي في الأرض مسلمون
فائدة: قال ابن جرير -رحمه الله- في قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ): يقول تعالى ذكره: ثم ليقضوا ما عليهم من مناسك حجهم: من حلق شعر، وأخذ شارب، ورمي جمرة، وطواف بالبيت. عن ابن عمر أنه قال: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: ما هم عليه في الحجّ. عن ابن عمر قال: التفث: المناسك كلها.
عن ابن عباس أنه قال: التفث: حلق الرأس، وأخذٌ من الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقصّ الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة.
عن عكرمة قال: التفث: الشعر والظفر. عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ): رمي الجمار وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية، والأظفار، والطواف.
عن مجاهد في قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ): حلق الرأس وحلق العانة، وقص الأظفار، وقصّ الشارب، ورمي الجمار، وقص اللحية.
عن ابن جُرَيج سُئِل عن قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: الأخذ من اللحية ومن الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ورمي الجمار" (انتهى من تفسير الطبري).
قلتُ: أخذ الشيخ الألباني -رحمه الله- من هذه الآية وتفسيرها بهذه الآثار، وجوب الأخذ من اللحية بعد التحلل من الإحرام، وهذا الوجوب قول شاذ ليس عند أهل العلم. والحقيقة: أن هذا أمر بعد حظر: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)؛ فهذه الشعور التي تقص كانت بعد المنع من قصها والأخذ منها حال الإحرام، فتعود إلى ما كان عليه الأمر قبل ذلك؛ فهو أمر للإباحة أو للاستحباب، وهو الأظهر؛ لأنه ضمن المناسك، وهو معنى الأخذ من العارضين وقص اللحية -أي: ما زاد على القبضة- كما ثبت عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- من فعله، وهو أنه كان إذا تحلل قبض على لحيته فما زاد أخذه، وهذا مع كونه هو راوي حديث: (أَحْفُوا ‌الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا ‌اللِّحَى) (متفق عليه)؛ فدل على أن هذا من الأخذ المشروع من اللحية فيما زاد على القبضة، أو الأخذ من العارضين شيئًا يسيرًا، كما ثبتت هذه الآثار عن الصحابة والتابعين. والله أعلم.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-09-2025, 05:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (225) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (8)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
قال القرطبي -رحمه الله- في المسألة الأولى في قوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): "أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن المسجد الحرام عام الحديبية، وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع؛ إلا أن يريد صدهم لأفراد من الناس، فقد وقع ذلك في صدر المبعث. (قلتُ: يعني لم يكن أحدٌ من العرب يمنع جموعًا من الناس عن المسجد الحرام، وقد وقع صد أفراد فقط)، والصد: المنع؛ أي: وهم يصدون.
الثانية: والمسجد الحرام قيل: إنه المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن؛ لأنه لم يذكر غيره. وقيل: الحرم كله؛ لأن المشركين صدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه عنه عام الحديبية، فنزل خارجًا عنه (قلتُ: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل، والحديث صحيح، فهو لم يُمنع عن دخول هذا الجزء من الحرم؛ فلا يصح الاستدلال بأنه مُنِع من الأرض الحرام، وإنما كان قاصدًا الكعبة).
الثالثة: قوله -تعالى-: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ) أي: للصلاة والطواف والعبادة، وهو كقوله -تعالى-: (?إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا)، وقوله: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) العاكف: المقيم الملازم. والبادي: أهل البادية ومَن يقدم عليهم. يقول: سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد؛ فليس أهل مكة أحق من النازح إليه. وقيل: إن المساواة إنما هي في دوره، ومنازله، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها.
وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كلُّه، وهذا قول مجاهد، ومالك؛ رواه عنه ابن القاسم. وروي عن عمر، وابن عباس، وجماعة؛ إلا أن القادم له النزول حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى. وقال ذلك سفيان الثوري، وغيره، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة؛ فاتخذ رجل بابًا فأنكر عليه عمر، وقال: أتغلق بابًا في وجه حاج بيت الله؟ فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه، فاتخذ الناس الأبواب.
وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أيضًا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء، وكانت الفساطيط تضرب في الدور. وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد، ولأهلها الامتناع منها والاستبداد؛ وهذا هو العمل اليوم. وقال بهذا جمهور من الأمة.
وهذا الخلاف يُبنى على أصلين: أحدهما: أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس. وللخلاف سببان: أحدهما: هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم؛ كما فعل عمر -رضي الله عنه- بأرض السواد، وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانًا إليهم دون سائر الكفار، فتبقى على ذلك لا تباع ولا تُكْرَى، ومن سبق إلى موضع كان أولى به، وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي. أو كان فتحها صلحًا -وإليه ذهب الشافعي- فتبقى ديارهم بأيديهم، وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاءوا. وروي عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنًا، وهو أول من حبس في السجن في الإسلام. وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حبس في تهمة. وكان طاوس يكره السجن بمكة، ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة.
قلت: الصحيح ما قاله مالك؛ وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة؛ لأنها فتحت عنوة. (قلتُ: رجَّح ابن القيم في زاد المعاد أن مكة فتحت عنوة من سبعة عشر وجهًا، وهو الصحيح -بلا شك-).
قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد. وروى الدارقطني عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر، وعمر -رضي الله عنهما- وما تدعى رباع مكة إلا السوائب؛ من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وزاد في رواية: وعثمان . وروي أيضًا عن علقمة بن نضلة الكناني قال: كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر، وعمر -رضي الله عنهما- السوائب، لا تباع؛ من احتاج سكن ومن استغنى أسكن.
وروي أيضًا عن عبد الله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله -تعالى- حرم مكة، فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها. وقال: من أكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارًا. قال الدارقطني: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعًا ووهم فيه، ووهم أيضًا في قوله: عبيد الله بن أبي زياد، وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والصحيح أنه موقوف. وأسند الدارقطني أيضًا عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها. (قلتُ: ضعيف).
وروى أبو داود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله؛ ألا أبني لك بمنى بيتًا أو بناءً يظلك من الشمس؟ فقال: لا، إنما هو مناخ مَن سبق إليه. (قلتُ: ضعيف أيضًا).
وتمسَّك الشافعي -رضي الله عنه- بقوله -تعالى-: (‌الَّذِينَ ‌أُخْرِجُوا ‌مِنْ ‌دِيارِهِمْ) (الحج: 40)، فأضافها إليهم. وقال: -عليه السلام- يوم الفتح: مَن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (انتهى باختصارٍ).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-10-2025, 04:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (227) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت وتأذينه في الناس بالحج (10)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
قال القرطبي -رحمه الله- في قوله -تعالى-: "المسافر يخاطب بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر؛ إذ الأصل عموم الخطاب بها، وهو قول كافة العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة، والنخعي، وروي عن علي، والحديث حجة عليهم "قلتُ: أي لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)، والأحاديث المرغِّبة في الأضحية تشمل المقيم والمسافر".
واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى، فلم يرَ عليه أضحية، وبه قال النخعي. وروي ذلك عن الخليفتين: أبي بكر، وعمر، وجماعة من السلف -رضي الله عنهم-؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي، فإذا أراد أن يضحي جعله هديًا، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منى فيحصل لهم حظٌّ من أجرهم. "قلتُ: هذا هو الصحيح؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يضحِّ بمنى، بل زاد في الهدي حتى بلغ هديه -صلى الله عليه وسلم- مائة ولم يجعل سُبعًا منها أضحية".
قال: واختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال؛ روي عن علي وابن عمر -رضي الله عنهما- من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا بعد ثلاث. وروياه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسيأتي. وقالت جماعة: ما روي من النهي عن الادخار منسوخ؛ فيدخر إلى أي وقت أحب. وبه قال أبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي. وقالت فرقة: يجوز الأكل منها مطلقًا. وقالت طائفة: إن كانت بالناس حاجة إليها فلا يدخر؛ لأن النهي إنما كان لعلة وهي قوله -عليه السلام-: (إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ ‌مِنْ ‌أَجْلِ ‌الدَّافَّةِ ‌الَّتِي ‌دَفَّتْ)، ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدِّم لارتفاع موجبه؛ لا لأنه منسوخ. "قلتُ: هذا هو الأقرب إلى ظاهر الأحاديث وقواعد الأصول".
وتنشأ هنا مسألة أصولية، وهي: الفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته. اعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدًا، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة؛ فلو قَدِم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا؛ لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، والأحاديث الواردة في هذا الباب بالمنع والإباحة صحاح ثابتة. وقد جاء المنع والإباحة معًا كما هو منصوص في حديث عائشة، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري رواها الصحيح. "قلتُ: يعني قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُمْسِكُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ‌فَكُلُوا وَادَّخِرُوا) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، وروي معناه عن الصحابة الذين ذكرهم".
وروى الصحيح عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب قال: ثم صليت العيد مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوها. وروي عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. قال سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. وروى أبو داود عن نبيشة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّا ‌كُنَّا ‌نَهَيْنَاكُمْ ‌عَنْ ‌لُحُومِهَا أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ لِكَيْ تَسَعَكُمْ، فَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالسَّعَةِ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَأْتَجِرُوا، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ولا تتضاد، ويكون قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعثمان محصور؛ لأن الناس كانوا في شدة محتاجين، ففعل كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قدمت الدافة. والدليل على هذا ما روى عن يزيد بن أبي يزيد عن امرأته أنها سألت عائشة -رضي الله عنها- عن لحوم الأضاحي، فقالت: قَدِم علينا علي بن أبي طالب من سفر فقدمنا إليه منه، فأبى أن يأكل حتى يسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فسأله فقال: كل من ذي الحجة إلى ذي الحجة. "قلتُ: في سنده مقال".
وقال الشافعي: من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة. ومن قال بالرخصة مطلقًا لم يسمع النهي عن الادخار. ومن قال بالنهي والرخصة سمعهما جميعًا، فعمل بمقتضاهما. والله أعلم" (انتهى من تفسير القرطبي).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04-10-2025, 04:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (228) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت وتأذينه في الناس بالحج (11)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
قال القرطبي -رحمه الله-: "المسألة التاسعة عشرة: قوله -تعالى-: (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) الفقير: من صفة البائس، وهو الذي ناله البؤس وشدة الفقر؛ يقال: بئس يبأس بأسًا إذا افتقر؛ فهو بائس. وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم يكن فقيرًا؛ ومنه قوله عليه السلام: (‌لَكِنِ ‌الْبَائِسُ ‌سَعْدُ ‌بْنُ ‌خَوْلَةَ. يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) (متفق عليه).
وكلما كان التصدق بلحم الأضحية أكثر كان الأجر أوفر؛ في القدر الذي يجوز أكله خلاف قد ذكرناه؛ فقيل النصف؛ لقوله: (فَكُلُوا ‌وَأَطْعِمُوا)، وقيل: الثلثان؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (‌ألا ‌فَكُلُوا ‌وَادَّخرُوا ‌وَاتجِرُوا) أي: اطلبوا الأجر بالإطعام. واختلف في الأكل والإطعام؛ فقيل واجبان. وقيل مستحبان. وقيل بالفرق بين الأكل والإطعام؛ فالأكل مستحب والإطعام واجب؛ وهو قول الشافعي. (قلتُ: بل المرجح عند الشافعية استحباب الأكل واستحباب الإطعام).
المسألة الموفية العشرين: قوله -تعالى-: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) أي: ثم ليقضوا بعد نحر الضحايا والهدايا ما بقي عليهم من أمر الحج؛ كالحلق، ورمي الجمار، وإزالة شعث، ونحوه. قال ابن عرفة: أي: ليزيلوا عنهم أدرانهم. وقال الأزهري: التفث الأخذ من الشارب، وقص الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة؛ وهذا عند الخروج من الإحرام. وقال النضر بن شميل: التفث في كلام العرب إذهاب الشعث وسمعت الأزهري يقول: التفث في كلام العرب لا يعرف إلا من قول ابن عباس، وأهل التفسير. وقال الحسن: هو إزالة قشف الإحرام. (قلتُ: القشف مثل التقشف)، وقيل: التفث مناسك الحج كلها، رواه ابن عمر، وابن عباس.
قال ابن العربي: لو صح عنهما لكان حجة لشرف الصحبة والإحاطة باللغة، قال: وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرًا، ولا أحاطوا بها خبرًا؛ لكني تتبعت التفث لغة؛ فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال: إنه قص الأظفار وأخذ الشارب، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح. قال: ولم يجئ فيه شعر يحتج به. وقال صاحب العين: التفث هو الرمي، والحلق، والتقصير، والذبح، وقص الأظفار، والشارب، والإبط. وذكر الزجاج، والفراء نحوه، ولا أراه أخذوه إلا من قول العلماء. وقال قطرب: تفث الرجل إذا كثر وسخُه؛ قال أمية بن أبي الصلت:
‌حفوا ‌رؤوسهم ‌لَمْ ‌يَحْلِقُوا ‌تَفَثًا ‌وَلَمْ ‌يَسُلُّوا ‌لَهُمْ ‌قَمْلًا ‌وَصِئْبَانَا
وما أشار إليه قطرب هو الذي قال ابن وهب، عن مالك، وهو الصحيح في التفث. وهذه صورة إلقاء التفث لغة، وأما حقيقته الشرعية فإذا نحر الحاج، أو المعتمر هديه، وحلق رأسه، وأزال وسخه، وتطهر، وتنقى، ولبس فقد أزال تفثه، ووفى نذره؛ والنذر ما لزم الإنسان والتزمه.
قلت: ما حكاه عن قطرب وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي وذكر بيتًا آخر، فقال:
قَضَوْا تَفَثًا وَنَحْبًا ثُمَّ سَارُوا إِلَى نَجْدٍ وَمَا انْتَظَرُوا عَلِيَّا
وقال الثعلبي: وأصل التفث في اللغة الوسخ؛ تقول العرب للرجل تستقذره: ما أتفثك؛ أي: ما أوسخك وأقذرك. قال أمية بن أبي الصلت:
سَاخِّينَ آبَاطَهُمْ لَمْ يَقْذِفُوا تَفَثًا وَيَنْزِعُوا عَنْهُمْ قَمْلًا وَصِئْبَانَا
قال الماوردي: قيل لبعض الصلحاء: ما المعنى في شعث المحرم؟ قال: ليشهد الله -تعالى- منك الإعراض عن العناية بنفسك، فيعلم صدقك في بذلها لطاعته. "قلتُ: لم يأتِ الإسلام بعدم قتل القمل وغيره من الحشرات، وإنما كان هذا عادتهم في الجاهلية؛ إلا أنه أحيانًا يكون القمل وغيره من الحشرات كثيرًا جدًّا لا يمكن علاجه إلا بحلق الرأس، وهذا سبب نزول الآية: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (البقرة: 196)".
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لكعب بن عجرة: (‌آذَاكَ ‌هَوَامُّ ‌رَأْسِكَ؟) قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (احْلِقْ رَأْسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، ‌أَوْ ‌صُمْ ‌ثَلَاثَةَ ‌أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ) (رواه مسلم).
الحادية والعشرون: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) أُمِروا بوفاء النذر مطلقًا إلا ما كان معصية؛ لقوله -عليه الصلاة السلام-: (لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ اللهِ) (رواه مسلم)، وقوله: (‌مَنْ ‌نَذَرَ ‌أَنْ ‌يُطِيعَ ‌اللهَ ‌فَلْيُطِعْهُ، ‌وَمَنْ ‌نَذَرَ ‌أَنْ ‌يَعْصِيَهُ ‌فَلَا ‌يَعْصِهِ) (رواه البخاري).
(وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: لا خلاف بين المتأولين في ذلك" (انتهى من تفسير القرطبي).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-10-2025, 04:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (229) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت وتأذينه في الناس بالحج (12)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ ‏لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا ‏لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . ‏وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ‏وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ ‏الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).‏
قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: "الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: لا خلاف بين المتأولين في ذلك. (قلتُ: قوله: من واجبات الحج لا يعني به التقسيم المعروف إلى ‏ركن وواجب ومستحب، ولكنه يعني مما أوجبه الله في الحج، وهو ركن باتفاق العلماء)‏.
قال: المسألة الثانية والعشرون للحج ثلاثة أطواف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، ‏وطواف الوداع. قال إسماعيل بن إسحاق: طواف القدوم سنة، وهو ساقط عن المراهق، وعن ‏المكي، وعن كل من يحرم بالحج من مكة. ‏
قال: والطواف الواجب الذي لا يسقط بوجه من الوجوه، وهو طواف الإفاضة الذي يكون ‏بعد عرفة؛ قال الله -تعالى-: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ). قال: فهذا ‏هو الطواف المفترض في كتاب الله -عز وجل-، وهو الذي يحل به الحاج من إحرامه كله. ‏قال الحافظ أبو عمر -يعني ابن عبد البر-: ما ذكره إسماعيل في طواف الإفاضة هو قول مالك ‏عند أهل المدينة، وهي رواية ابن وهب، وابن نافع، وأشهب عنه. وهو قول جمهور أهل العلم ‏من فقهاء أهل الحجاز، والعراق.‏
‏ وقد روى ابن القاسم، وابن عبد الحكم عن مالك: أن طواف القدوم واجب. وقال ابن ‏القاسم في غير موضع من المدونة، ورواه أيضًا عن مالك: الطواف الواجب طواف القادم مكة. ‏وقال: من نسي الطواف في حين دخوله مكة أو نسي شوطًا منه، أو نسي السعي أو شوطًا ‏منه حتى رجع إلى بلده، ثم ذكره، فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة حتى يطوف ‏بالبيت، ويركع، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يهدي. وإن أصاب النساء رجع، فطاف ‏وسعى، ثم اعتمر وأهدى. وهذا كقوله فيمن نسي طواف الإفاضة سواء. فعلى هذه الرواية ‏الطوافان جميعًا واجبان، والسعي أيضًا.
وأما طواف الصدر -وهو المسمى بطواف الوداع-: فروى ‏ابن القاسم، وغيره عن مالك فيمن طاف طواف الإفاضة على غير وضوء: أنه يرجع من بلده ‏فيفيض؛ إلا أن يكون تطوع بعد ذلك. وهذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه، وأنه يجزيه تطوعه ‏عن الواجب المفترض عليه من طوافه.
وكذلك أجمعوا أن مَن فعل في حجه شيئًا تطوَّع به من ‏عمل الحج، وذلك الشيء واجب في الحج قد جاز وقته، فإن تطوعه ذلك يصير للواجب لا ‏للتطوع؛ بخلاف الصلاة. فإذا كان التطوع ينوب عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول ‏مكة أحرى أن ينوب عن طواف الإفاضة؛ إلا ما كان من الطواف بعد رمي جمرة العقبة يوم ‏النحر أو بعده للوداع.
ورواية ابن عبد الحكم عن مالك بخلاف ذلك؛ لأن فيها أن طواف ‏الدخول مع السعي ينوب عن طواف الإفاضة لمن رجع إلى بلده مع الهدي، كما ينوب طواف ‏الإفاضة مع السعي لمن لم يطف ولم يسعَ حين دخوله مكة مع الهدي أيضًا عن طواف القدوم. ‏ومن قال هذا قال: إنما قيل لطواف الدخول واجب، ولطواف الإفاضة واجب؛ لأن بعضهما ‏ينوب عن بعض؛ ولأنه قد روي عن مالك أنه يرجع من نسي أحدهما من بلده على ما ذكرنا، ‏ولأن الله -عز وجل- لم يفترض على الحاج إلا طوافًا واحدًا بقوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)، ‏وقال في سياق الآية: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) والواو عندهم في هذه الآية وغيرها لا توجب رتبة ‏إلا بتوقيف.
وأسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيرًا عن قوله -تعالى-: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) فقال: هو طواف الوداع. وهذا يدل على أنه واجب، وهو أحد قولي ‏الشافعي؛ لأنه -عليه السلام- رَخَّص للحائض أن تنفر دون أن تطوفه، ولا يرخص إلا في ‏الواجب" (انتهى من تفسير القرطبي).
(قلتُ: القول بأن طواف القدوم واجب إنما هو لمن قَدِم مكة وأتى المسجد؛ فهذا يجب عليه ‏طواف القدوم، وأما من ذهب إلى منى أو عرفه مطلقًا ابتداءً فليس عليه شيء؛ لقول النبي -صلى ‏الله عليه وسلم- في حديث عروة بن مضرس، وقد كان في المشعر الحرام صباح يوم النحر: (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)؛ فهذا الحديث نصٌّ في عدم وجوب طواف القدوم لمَن لم يأتِ مكة، أو لمن ‏ذهب إلى عرفة مباشرة، وكذلك القول بأن طواف القدوم يعني عن طواف الإفاضة خلاف ‏الصواب؛ لنقل ابن جرير الإجماع على أن قوله -تعالى-: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ): أنه طواف الإفاضة، ‏والأقوال الأخرى شاذة؛ فإذا كان هذا هو المأمور به فلا يتم الحج إلا به، وهو ركن من الأركان ‏ولا ينوب عنه شيء إلا أنه يصح أن ينوي طواف الإفاضة والوداع معًا؛ لأن طواف الوداع واجب ‏وليس بنُسُك؛ لأن الحاج يؤديه بعد قضاء نسكه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ ‌بَعْدَ ‌قَضَاءِ ‌نُسُكِهِ ‌ثَلَاثًا) (رواه مسلم)، فهو إذًا يقيم ثلاث ليال بعد قضاء نسكه ولم ‏يطف طواف الوداع؛ لأنه إنما يطوفه بعد أن يقضي بمكة ما شاء أن يقضي ثلاثة أيام؛ لذلك قلنا: ‏هو واجب وليس بنسك، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة).‏
وللحديث بقية -إن شاء الله-.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17-10-2025, 09:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (231)

بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت ‏وتأذينه في ‏الناس بالحج (14)‏



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ ‏لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ ‏مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي ‏النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا ‏اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ ‏لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).‏
قال البغوي -رحمه الله-: "قوله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) اختلفوا في معنى العتيق قال ابن عباس، وابن الزبير ومجاهد وقتادة: سمي ‏عتيقًا؛ لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه فلم يظهر عليه جبار قط. قال سفيان ‏بن عيينة: سمي عتيقًا؛ لأنه لم يملك قط، وقال الحسن وابن زيد: سمي به؛ لأنه قديم، وهو أول بيت ‏وضع للناس، يقال: دينار عتيق أي: قديم. وقيل: سمي عتيقًا؛ لأن الله أعتقه من الغرق فإنه رفع أيام ‏الطوفان.
‏(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (الحج: 30)، ‏(ذَلِكَ) أي: الأمر ذلك، يعني ما ذكر من أعمال الحج. (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) أي: معاصي الله وما نهى عنه، وتعظيمها ترك ملابستها. قال الليث: حرمات الله ما ‏لا يحل انتهاكها. وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وذهب قوم إلى أن ‏معنى الحرمات هاهنا: المناسك، بدلالة ما يتصل بها من الآيات. وقال ابن زيد: الحرمات ‏هاهنا: البيت الحرام، والبلد الحرام والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام. (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي: تعظيم الحرمات خير له عند الله في الآخرة.‏
قوله -عز وجل-: (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ) أن تأكلوها إذا ذبحتموها، وهي: الإبل والبقر والغنم، (‏إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) تحريمه، وهو قوله في سورة المائدة: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) (المائدة: ‏‏3)، الآية، (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) أي: عبادتها، يقول: كونوا على جانب منها ‏فإنها رجس، أي: سبب الرجس، وهو العذاب، والرجس: بمعنى الرجز. وقال الزجاج: (مِنَ‏‏) هاهنا للتجنيس أي: اجتنبوا الأوثان التي هي رجس، (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) يعني: الكذب ‏والبهتان. وقال ابن مسعود: شهادة الزور. وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام خطيبًا ‏فقال: "يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور بالشرك بالله"، ثم قرأ هذه الآية. وقيل: هو قول ‏المشركين في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.‏
‏(حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 31).‏
‏(حُنَفَاءَ لِلَّهِ) مخلصين له. (مُشْرِكِينَ بِهِ) قال قتادة: كانوا في الشرك يحجون، ويحرمون ‏البنات والأمهات والأخوات، وكانوا يسمون حنفاء، فنزلت: (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) أي‏‏: حجاجًا لله مسلمين موحدين، يعني: من أشرك لا يكون حنيفًا.‏
‏(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ) أي: سقط، (مِنَ السَّمَاءِ) إلى الأرض، (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) ‏أي: تستلبه الطير وتذهب به، والخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة. وقرأ أهل المدينة: ‏فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء، أي: يتخطفه، (أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ) أي: تميل وتذهب به‏، (فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) أي: بعيد؛ معناه: بُعد من أشرك من الحق كبعد من ‏سقط من السماء فذهبت به الطير، أو هوت به الريح، فلا يصل إليه بحال. وقيل: شبه حال ‏المشرك بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع بحيث تسقطه الريح، فهو ‏هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه إلى المكان السحيق، وقال الحسن: شبَّه ‏أعمال الكفار بهذه الحال في أنها تذهب وتبطل فلا يقدرون على شيء منها" (انتهى من تفسير البغوي).‏
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15-11-2025, 06:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال



الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (233) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت ‏وتأذينه في ‏الناس بالحج (16)‏



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 25-31).
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في مقدمة زاد المعاد: "وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مِنَ الْأَمَاكِنِ وَالْبِلَادِ خَيْرَهَا وَأَشْرَفَهَا، وَهِيَ الْبَلَدُ الْحَرَامُ؛ فَإِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- اخْتَارَهُ لبيته، وَجَعَلَهُ مَنَاسِكَ لِعِبَادِهِ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِتْيَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، فَلَا يَدْخُلُونَهُ إِلَّا مُتَوَاضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ، كَاشِفِي رُءُوسِهِمْ مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِبَاسِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لَا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، وَلَا تُعْضَدُ بِهِ شَجَرَةٌ، وَلَا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمْلِيكِ، بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إِلَّا، (قلتُ: فإذا كان لا ينفَّر الصيد؛ فلا ينفر المسلمون).
وَجَعَلَ قَصْدَهُ مُكَفِّرًا لِمَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ، مَاحِيًا لِلْأَوْزَارِ، حَاطًّا لِلْخَطَايَا، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)، وَلَمْ يَرْضَ لِقَاصِدِهِ مِنَ الثَّوَابِ دُونَ الْجَنَّةِ، فَفِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ).
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ)، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الْبَلَدُ الْأَمِينُ خَيْرَ بِلَادِهِ، وَأَحَبَّهَا إِلَيْهِ، وَمُخْتَارَهُ مِنَ الْبِلَادِ؛ لَمَا جَعَلَ عَرَصَاتِهَا مَنَاسِكَ لِعِبَادِهِ وفَرَضَ عَلَيْهِمْ قَصْدَهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ آكَدِ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ، وَأَقْسَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ، فَقَالَ -تَعَالَى-: (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (التين: ?)، وَقَالَ -تَعَالَى-: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) (البلد: ?).
وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بُقْعَةٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ السَّعْيُ إِلَيْهَا وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ الَّذِي فِيهَا غَيْرَهَا، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَوْضِعٌ يُشْرَعُ تَقْبِيلُهُ وَاسْتِلَامُهُ، وَتُحَطُّ الْخَطَايَا وَالْأَوْزَارُ غَيْرَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ. وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، فَفِي النَّسَائِيِّ وَالْمُسْنَدِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عبد الله بن الزبير، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ) وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلِذَلِكَ كَانَ شَدُّ الرِّحَالِ إِلَيْهِ فَرْضًا، وَإلى غَيْرِهِ إنما يُسْتَحَبُّ وَلَا يَجِبُ.
وَفِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ عبد الله بن عدي بن الحمراء، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْحَزْوَرَةِ (قلتُ: هذا موضع بمَكَّة، وهو الآن داخل المسجد بعد التوسعاتَ) يَقُولُ: (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَمِنْ خَصَائِصِهَا: كَوْنُهَا قِبْلَةً لِأَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ، فَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قِبْلَةٌ غَيْرُهَا.
وَمِنْ خَوَاصِّهَا أَيْضًا: أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُهَا وَاسْتِدْبَارُهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ دُونَ سَائِرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ.
وَأَصَحُّ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا قَدْ ذُكِرَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (قلتُ: الصحيح التفرقة بين الفضاء والبنيان؛ لقول ابن عمر: "إنما نهي عن ذلك في الفضاء"، وهو حديث صحيح، وقول الصحابي أُمِرنا بكذا... أو نهينا عن كذا... له حكم الرفع)، وَلَيْسَ مَعَ الْمُفَرِّقِ مَا يُقَاوِمُهَا الْبَتَّةَ، مَعَ تَنَاقُضِهِمْ فِي مِقْدَارِ الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِيفَاءِ الْحِجَاجِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وَمِنْ خَوَاصِّهَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبي ذر قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ)، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى)، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ عَامًا).
وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمُرَادَ بِهِ فَقَالَ: مَعْلُومٌ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ عَامٍ، وَهَذَا مِنْ جَهْلِ هَذَا الْقَائِلِ؛ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى تَجْدِيدُهُ لَا تَأْسِيسُهُ، وَالَّذِي أَسَّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَآلِهِمَا وَسَلَّمَ- بَعْدَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ. (قلتُ: قد يكون إسحاق هو الذي بناه، وقد يكون إبراهيم أيضًا إذا مَدَّ الله في عمره؛ فليس عندنا دليل على عمر إبراهيم بعد بناء الكعبة).
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهَا: أَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- أَخْبَرَ أَنَّهَا أُمُّ الْقُرَى؛ فَالْقُرَى كُلُّهَا تَبَعٌ لَهَا وَفَرْعٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَصْلُ الْقُرَى، فَيَجِبُ أَلَّا يَكُونَ لَهَا فِي الْقُرَى عَدِيلٌ، وهذا كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ (الْفَاتِحَةِ) أَنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ؛ ولذلك لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لها عَدِيلٌ.
وَمِنْ خَصَائِصِهَا: أَنَّهَا لَا يَجُوزُ دُخُولُهَا لِغَيْرِ أَصْحَابِ الْحَوَائِجِ الْمُتَكَرِّرَةِ إِلَّا بِإِحْرَامٍ، (قلتُ: هذا مذهب المالكية والحنفية وإلا فإن الشافعية والحنابلة يجوزون دخولها إذا دخل لحاجة ولو غير متكررة بغير إحرام، وإنما يجب الإحرام على من أراد الحج والعمرة، وهو الذي يدل علية ظاهر الحديث المتفق على صحته: "‌هُنَّ ‌لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ").
وَهَذِهِ خَاصِّيَّةٌ لَا يُشَارِكُهَا فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْبِلَادِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَلَقَّاهَا النَّاسُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ مَرْفُوعًا: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ، مِنْ أَهْلِهَا وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا"؛ ذَكَرَهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، وَلَكِنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ فِي الطَّرِيقِ، وَآخَرَ قَبْلَهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: النَّفْيُ، وَالْإِثْبَاتُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ هُوَ دَاخِلُ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ هُوَ قَبْلَهَا؛ فَمَنْ قَبْلَهَا لَا يُجَاوِزُهَا إِلَّا بِإِحْرَامٍ، وَمَنْ هُوَ دَاخِلُهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة، وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وأحمد" (انتهى من زاد المعاد).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 28-11-2025, 12:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (237) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (20)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
نستكمل كلام ابن قدامة -رحمه الله-؛ قال: "والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه حد جنايته حتى يخرج منه وإن هتك حرمة الحرم بالجناية فيه، هُتِكت حرمته بإقامة الحد عليه فيه. وقال مالك والشافعي وابن المنذر: يستوفى منه فيه؛ لعموم الأمر بجلد الزاني وقطع السارق، واستيفاء القصاص من تخصيص بمكان محدد، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا ‌بخَرْبَةٍ ولا دم (قلتُ: هذا ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يصح إسناده).
وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة حديث حسن صحيح؛ ولأنه حيوان أبيح دمه بعصيانه فأشبه الكلب العقور، ولنا قول الله -تعالى-: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) (آل عمران: 97)، يعني الحرم بدليل قوله: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) (آل عمران: 97)، والخبر أريد به الأمر؛ لأنه لو أريد به الخبر لأفضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر (قلتُ: يعني قد وقع من أُناس قتل أعدائهم ومن خالفهم في الحرم؛ فليس المقصود بالخبر الإخبار العام، بل هو بمعنى الأمر؛ أي: اجعلوا مَن دخله آمنًا، وهو كونًا في معظم الأحوال أمان؛ إلا ما استثني).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ ‌مَكَّةَ ‌حَرَّمَهَا ‌اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) (متفق عليه).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌إنَّ ‌اللهَ ‌حَرَّمَ ‌مَكَةَ ‌يَوْمَ ‌خَلَقَ ‌السَّمَاوَاتِ ‌وَالْأَرْضَ، ‌وإنَّما ‌أُحِلَّتْ ‌لِي ‌سَاعَةً ‌مِنْ ‌نَهَارٍ ‌ثُمَّ ‌عَادَتْ ‌إلى ‌حُرْمَتِها، ‌فَلَا ‌يُسْفَكُ ‌فيها ‌دَمٌ) (متفق عليه).
فالحجة فيه من وجهين: أحدهما: أنه حرم سفك الدم بها على الإطلاق، وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم يختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيدًا. والثاني: كان قوله: (إنَّما ‌أُحِلَّتْ ‌لِي ‌سَاعَةً ‌مِنْ ‌نَهَارٍ ‌ثُمَّ ‌عَادَتْ ‌إلى ‌حُرْمَتِها) معلوم أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم فحرمها الحرم ثم أحلت له ساعة، ثم عادت الحرمة ثم أكَّد هذا بمنعه قياس غيره عليه -صلى الله عليه وسلم- والاقتداء به بقوله: (فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فقُولُوا: إنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِه، ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ)، وهذا يدفع به ما احتج بقتل ابن خطل فإنه من رخصة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي منع الناس أن يقتدوا به فيها وبين أنها له على الخصوص وما رواه من الحديث؛ فهو من كلام عمر بن سعيد الأشدق يرد به قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين روى له أبو شريح هذا الحديث وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن يُتبع .
وأما جلد الزاني، وقطع السارق، والأمر بالقصاص، فإنما هو مطلقٌ في الأمكنة والأزمنة، فإنه يتناول مكانًا غير معينٍ له ضرورة أنه لا بد من مكان، فيمكن إقامته في مكان غير الحرم، ثم لو كان عمومًا، فإن ما رويناه خاصٌّ يخص به، مع أنه قد خص مما ذكروه الحامل، والمريض المرجو برؤه، فتأخر الحد عنه، وتأخر قتل الحامل، فجاز أن يخص أيضًا بما ذكرناه. والقياس على الكلب العقور غير صحيحٍ؛ فإن ذلك طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، فأما الأذى، فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمةٌ، وإنما أبيح لعارضٍ، فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإن الحرم يعصمها.
إذا ثبت هذا؛ فإنه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى، ويقال له: اتقِ الله واخرج إلى الحل؛ ليستوفى منك الحق الذي قبلك. فإذا خرج استوفي حق الله منه. وهو قول جميع من ذكرناه. وإنما كان كذلك؛ لأنه لو أطعم وأوي، لتمكن من الإقامة دائمًا، فيضيع الحق الذي عليه، وإذا منع من ذلك، كان وسيلةً إلى خروجه، فيقام فيه حق الله -تعالى-، وليس علينا إطعامه، كما أن الصيد لا يصاد في الحرم، وليس علينا القيام به.
قال ابن عباسٍ -رضي الله عنه-: مَن أصاب حدًّا، ثم لجأ إلى الحرم، فإنه لا يجالس، ولا يبايع، ولا يؤوى، ويأتيه من يطلبه، فيقول: أي فلان، اتق الله. فإذا خرج من الحرم، أقيم عليه الحد. رواه الأثرم. فإن قتل من له عليه القصاص في الحرم، وأقام حدًّا بجلدٍ أو قتلٍ أو قطع طرفٍ، أساء، ولا شيء عليه؛ لأنه استوفى حقه في حالٍ لم يكن له استيفاؤه فيه، فأشبه ما لو اقتص في شدة الحر أو بردٍ مفرطٍ" (انتهى باختصار يسير).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 18-12-2025, 01:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (239) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (22)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
الفائدة السابعة:
التحذير من الشرك وَرَد في الكتاب والسُّنة ببيان شافٍ، لا مزيد بعده، وبتكرارٍ يؤكِّد أهمية هذا الأمر؛ التحذير من الشرك والخوف منه.
وهذه آيات في التحذير من الشرك؛ حتى يتسنَّى لكلِّ داعٍ إلى الله -عز وجل- أن يتناولها دائمًا في دروسه وخطبه، ودعوته إلى الله -عز وجل-: قال الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 21-22).
وقال -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) (البقرة: 116). وقال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (البقرة: 165). وقال -تعالى-: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 64). وقال -تعالى-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران: 67).
وقال -تعالى-: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء: 36). وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء: 48).
وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء: 116). وقال -تعالى-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة: 72-73).
وقال -تعالى- عن أنبيائه: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 88). وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (الأنعام: 94).
وقال -تعالى-: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الأنعام: 151). وقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: 33).
وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ . وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ . إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ . إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ . وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (الأعراف: 189-198).
وقال -تعالى-: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ . وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 1-6).
وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 28-31).
وقال -تعالى-: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الرعد: 33).
وقال -تعالى-: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر: 94-96). وقال -تعالى-: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ . خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النحل: 1-3).
وقال -تعالى-: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ . ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (النحل: 53-54).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 188.33 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 182.45 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (3.12%)]