|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#211
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 627 الى صـــ 646 الحلقة (211) ثالثها: الانفضاض: التفرق؛ فضضت القوم فانفضوا. أي: فرقتهم فتفرقوا. وقوله: (حتى ما بقي معه إلا اثنا عشر رجلًا) كذا في «الصحيح»، وفي الدارقطني: ليس معه إلا (أربعين) (١) رجلًا أنا (فيهم) (٢). ثم قَالَ: لم يقله كذلك غير علي بن عاصم عن حُصين، وخالفه أصحاب حُصين فقالوا: اثنا عشر رجلًا (٣). وفي «المعاني» للفراء: إلا ثمانية نفر (٤). وفي «تفسير عبد بن حميد»: إلا سبعة (٥). وفي «مراسيل أبي داود» من حديث مقاتل بن حيان أنه - ﷺ - كان يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين حتى كان يوم جمعة والنبي - ﷺ - يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية قدم بتجارته. وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفوف، فخرج الناس لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء، فأنزل الله ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الآية، فقدم الخطبة يوم الجمعة وأخَّر الصلاة، فكان لا يخرج أحد لرعاف أو حدث بعد النهي حَتَّى يستأذن رسول الله، يشير إليه بإصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له، ثم يشير إليه بيده (٦). قَالَ السهيلي: هذا وإن لم يتصل من وجه ثابت، فالظن الجميل بالصحابة يوجب أن يكون صحيحًا. -------------- (١) كذا بالأصل وفي الدارقطني: أربعون وهو الجادة. (٢) كذا بالأصل، وفي الدارقطني: منهم. (٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ٤ كتاب: الجمعة، باب: ذكر العدد في الجمعة. (٤) «معاني القرآن» ٣/ ١٥٧. (٥) انظر: «الدر المنثور» ٦/ ٣٣١. (٦) «المراسيل» (٦٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الجمعة. وكذا قَالَ القاضي عياض: إن هذا أشبه بحال الصحابة، والمظنون بهم أنهم ما كانوا يدعون الصلاة معه، وإنما ظنوا جواز الانصراف بعد انقضاء الصلاة، وقد أنكر بعضهم كونه - ﷺ - خطب قط بعد صلاة الجمعة هنا (١). رابعها: جاء في «الصحيح»: لما ذكر الاثني عشر رجلًا وأنا فيهم. وفي أفراد مسلم: ومنهم أبو بكر وعمر (٢). وذكر السهيلي أنه جاء ذكر أسماء الباقين في حديث مرسل رواه أسعد (٣) بن عمرو والد موسى بن أسد، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وبلال، وابن مسعود في رواية، وفي رواية: عمار بن ياسر، وأهمل جابرًا -وهو الصحيح كما سلف- وسالمًا مولى أبي حذيفة، ذكرها إسماعيل بن أبي زياد الشامي في «تفسير ابن عباس». وجاء في رواية: فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا وامرأة (٤). وفي أخرى: وامرأتان. ذكرها إسماعيل هذا. خامسها: إن قلتَ: ما السر في قوله ﴿إِلَيْهَا﴾ دون قوله: إليهما؟ قلتُ: لأن التجارة كانت أهم إليهم. وفي قراءة عبد الله: (وإذا رأوا ---------------- (١) «إكمال المعلم» ٣/ ٢٦٢. (٢) «صحيح مسلم» (٨٦٣) كتاب: الجمعة، باب: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. (٣) في هامش الأصل: لعله أسد. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٩٨ (٣٤١٤٠، ٣٤١٤٢). لهوًا أو تجارة انفضوا إليها). ذكره الفراء (١) والمبرد. والتقدير كما قَالَ الزجاج: إليها في كل واحد، وحذف؛ لأن الثاني يدل عليه. قَالَ: ويجوز في الكلام: انفضوا إليه وإليها وإليهما، أو أن العطف إذا كان بـ (أو) إذا كان ضميرًا، قياسه عوده إلى أحدهما لا إليهما، أو أن الضمير أعيد إلى المعنى دون اللفظ. أي: انفضوا إلى الرؤية التي رأوها. أي: مالوا إلى طلب ما رأوه. قاله ابن الأثير (٢). سادسها: اختلف العلماء في الإمام يفتتح الجمعة بالجماعة ثم يتفرقون، وهو ما ترجم له البخاري فقال الثوري: إذا ذهبوا إلا رجلين صلى ركعتين، وإن بقي واحد صلى أربعًا (٣). وقال أبو ثور: إذا بقي معه واحد صلى جمعة اعتبارًا بالدخول. ورآه الشافعي (٤)، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كبَّر ثم تفرقوا كلهم صلاها جمعة وحده (٥). وقال أبو حنيفة: إذا نفروا قبل أن يركع ويسجد سجدة يستقبل الظهر، وإن نفروا بعد سجوده سجدة صلاها جمعة (٦)؛ وحُكي عن مالك والمزني (٧). ------------- (١) انظر: «معاني القرآن» ٣/ ١٥٧. (٢) «الشافي في شرح مسند الشافعي» لابن الأثير ٢/ ٢٢٥. (٣) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١١١. (٤) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١١١، ١١٢. وورد بهامش الأصل: أي: في القديم. (٥) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١١٢، ١١٣. (٦) انظر: «الهداية» ١/ ٩٠. (٧) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٤٠٤ - ٤٠٦. وقال زفر: إذا نفروا عنه قبل أن يجلس للتشهد بطلت صلاته (١)؛ لأنه يراعى فيها الاجتماع إلى آخرها. وعن الشافعي أقوال: أظهرها: البطلان إذا انفضوا. ثانيها: لا، إن بقي اثنان. ثالثها: لا، إن بقي واحد. وخرج المزني قولين آخرين: أحدهما: إن بقي وحده جاز أن يتم الجمعة. والثاني: إنه إن صلى ركعة ثم انفضوا أتم الجمعة، وإن انفضوا قبل الركعة لم يتم الجمعة (٢). وعن أشهب: إذا لم يبق معه [إلا] (٣) عبيد أو نساء صلى بهم الجمعة (٤). وقال إسحاق: إن بقي معه اثنا عشر رجلًا صلى الجمعة ركعتين على ظاهر هذا الحديث. وهذه المسألة فرع على اختلافهم في عدد من تقوم بهم الجمعة، وقد سلف. قَالَ ابن بطال: والصحيح قول من قَالَ: إن نفروا عنه بعد عقد ركعة كاملة أنه يتمها جمعه لقوله - ﷺ -: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٥)، ولا يكفي الدخول؛ لأنه لو كبَّر ولم يكبروا وانفضوا ------------ (١) انظر: «المبسوط» ٢/ ٣٤. (٢) انظر: «المجموع» ٤/ ٣٧٤. (٣) زيادة يقتضيها السياق. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥٥، ٤٥٦. (٥) سلف برقم (٥٨٠)، ورواه مسلم (٦٠٧). لا جمعة، فكذا إذا نفروا بعد أن كبَّر لا يقال: إن الجمعة استقرت بدخولهم فيها فلا اعتبار بعقد الركعة، فإنه بإدراك التشهد منها مدرك لتكبيرة الإحرام معه، ولا يعتد بها، ولا ينبني عليها جمعة (١). واحتج الطحاوي لأصحابه بأن قَالَ: شرط صحة الجمعة الإمام والمأموم، فلما كان المأموم تصح له الجمعة بأن يدرك بعض الصلاة مع الإمام وإن لم يدرك جميعها، كذلك ينبغي أن يصح للإمام مشاركة المأمومين له في بعض صلاته (٢). ----------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٢٤. (٢) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٤٩. ٣٩ - باب الصَّلَاةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا ٩٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. [١١٦٥، ١١٧٢، ١١٨٠ - مسلم: ٧٢٩، ٨٨٢ - فتح: ٢/ ٤٢٥] ذكر فيه حديث عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وأبو داود والنسائي (١)، وفي رواية معن عن مالك: حَتَّى ينصرف فيصلي في بيته. وفي رواية يحيى عن مالك: وكان لا يصلي بعد الجمعة في المسجد حتى ينصرف فيسجد سجدتين (٢). قَالَ الدارقطني في «الموطآت»: وكذلك قَالَ أبو علي الحنفي وبشر ابن عمر: حين ينصرف فيصلي. فقط. ورواية سالم عن أبيه لم يذكر فيها البيت في المغرب، وفي «الغرائب»: وبعد صلاة العشاء ركعتين في بيته. -------------- (١) «صحيح مسلم» (٧٢٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن. أبو داود (١٢٥٢) كتاب: التطوع، باب: تفريع أبواب التطوع وركعات السنة، النسائي ٢/ ١١٩ كتاب: الإمامة، باب: الصلاة بعد الظهر. (٢) رواها مسلم (٨٨٢/ ٧١) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة، ومالك ص ١٢١ كتاب: الصلاة، باب: العمل في جامع الصلاة. وفيها أيضًا: كان - ﷺ - لا يصلي بعد الجمعة شيئًا. إذا تقرر ذلك؛ فالبخاري -رحمه الله- ذكر الصلاة بعد الجمعة كما ترى، ولم يذكر الصلاة قبلها إلا أن يريد أنها تداني الظهر. وقد أفردته في جزء مفرد قديمًا، ومنه حديث ابن عمر أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين، ويحدث أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك، أخرجه أبو داود وابن حبان في «صحيحه» (١)، وذكرت فيه أحاديث عامة وخاصة، ولابد لك من مراجعته. وفي ابن ماجه -بإسنادٍ ضعيف- عن ابن عباس قَالَ: كان النبي - ﷺ - يركع من قبل الجمعة أربعًا لا يفصل في شيء منهن (٢)، وصح فيما بعدها حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات» (٣)، وفي لفظٍ: «من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا» (٤)، وفي آخر: «إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعًا» أخرجه مسلم (٥). وفي «علل الخلَّال»: «فإن عجل بك شيءٌ فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت» وقال الخطيب: هذا مدرج (٦). وقال الأثرم: قلتُ لأحمد: عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر عن حفصة: كان - ﷺ - يصلي بعد الجمعة وكعتين؟ فقال: عن حفصة! --------------- (١) «سنن أبي دواد» (١١٢٨) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بعد الجمعة، و«صحيح ابن حبان» ٦/ ٢٢٧ (٢٤٧٦) كتاب: الصلاة، باب: النوافل. (٢) «سنن ابن ماجه» (١١٢٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة قبل الجمعة، قال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٣٤): ضعيف جدًّا. (٣) رواه مسلم (٨٨١) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة. (٤) رواه مسلم (٨٨١). (٥) رواه مسلم (٨٨١). (٦) «الفصل للوصل المدرج في النقل» ١/ ٣١١. كالمنكر، ليس هذا بشيء، من قَالَ هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، فقال: حماد بن سلمة! ثم سكت. ولأبي داود: فعلها ستًّا بعدها، من طريق ابن عمر. وفي «سنن سعيد بن منصور» عن أبي عبد الرحمن السلمي قَالَ: علَّمنا ابن مسعود أن نصلي بعد الجمعة أربعًا، فلما قدم علينا علي علَّمنا أن نصلي ستًّا. وسيأتي في باب التطوع: مثنى مثنى من حديث ابن عمر أنه - ﷺ - كان يصلي بعد الجمعة ركعتين لم يرد (١). وأخرجه مسلم أن عبد الله بن عمر كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قَالَ: كان رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك (٢). ويأتي في باب الركعتين قبل الظهر أيضًا من حديث ابن عمر: ركعتين قبل الظهر أيضًا (٣)، ولما أخرجه الترمذي قَالَ: وفي الباب عن علي وعائشة، وحديث ابن عمر حسنٌ صحيح (٤)، وأخرجه من حديث عائشة أيضًا وقال: حسنٌ صحيحٌ (٥). وأخرجه مسلم (٦) وأبو داود وقالا: أربعًا (٧). ------------- (١) سيأتي برقم (١١٦٥) كتاب: التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى. (٢) «صحيح مسلم» (٧٢٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن. (٣) سيأتي برقم (١١٨٠) كتاب: التهجد. (٤) «سنن الترمذي» (٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الركعتين بعد الظهر. (٥) «سنن الترمذي» (٤٣٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الركعتين بعد العشاء. (٦) «صحيح مسلم» (٧٣٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا، وفعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا. (٧) «سنن أبي داود» (١٢٦٩ - ١٢٧٠) كتاب: التطوع، باب: الأربع قبل الظهر وبعدها. وأخرج الأربع قبلها البخاري من حديث عائشة كما سيأتي في بابه (١)، وكذا مسلم (٢). وفي رواية للترمذي وابن ماجه: كان إذا لم يصل أربعًا قبلها صلاهن بعدها، وقال: حسنٌ غريب (٣). ولابن ماجه أيضًا: كان إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاها بعد (٤). ولابن ماجه والترمذي عنها مرفوعًا: «من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بني الله له بيتًا في الجنة: أربع قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» قَالَ: وفي الباب عن أم حبيبة (م، والأربعة) وأبي هريرة وأبي موسى وابن عمر (٥)، وللنسائي مثله؛ إلا أنه أبدل ركعتين (قبل) (٦) العشاء بركعتين قبل العصر (٧). ------------- (١) سيأتي برقم (١١٨٢) كتاب: التهجد، باب: الركعتين قبل الظهر. (٢) «صحيح مسلم» (٧٣٠). (٣) «سنن الترمذي» (٤٢٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الركعتين بعد الظهر عن عائشة، قال الألباني في «صحيح الترمذي»: حسن. (٤) «سنن ابن ماجه» (١١٥٨) كتاب: إقامة الصلاة، باب: من فاتته الأربع قبل الظهر، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٤١)، وخرجه في «الضعيفة» (٤٢٠٨) وقال: منكر. (٥) «سنن الترمذي» (٤١٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة ما له من الفضل، و«سنن ابن ماجه» (١١٤٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في ثنتي عشرة ركعة من السنة، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٩٣٥). (٦) كذا بالأصل. (٧) «سنن النسائي» ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣ كتاب: قيام الليل، باب: ذكر ثواب من صلى في اليوم والليلة ثنتي عشرة ركعة .. من حديث أم حبيبة. وأخرج الأربعة أيضًا قبل الظهر: أبو داود (١)، والترمذي في «شمائله» (٢)، وابن ماجه من حديث أبي أيوب (٣)، والترمذي، وقال: حسن من حديث عبد الله بن السائب (٤)، والترمذي من حديث علي، وحسَّنه (٥)، ومن حديث عمر، وقال: غريب (٦). وفي «سنن سعيد بن منصور» عن البراء مرفوعًا: «من صلى قبل الظهر أربعًا كان كأنما تهجد من ليلته، ومن صلاهن بعد العشاء كان كمثلهن من ليلة القدر». وفي النسائي من حديث أبي هريرة: «ركعتين قبلها وبعدها» وفي الصحيحين من حديث أم سلمة: «ركعتين بعدها». وقوله: («وبعد المغرب ركعتين في بيته») كذا رواه مالك وعبيد الله عن نافع عن ابن عمر، ورواه ولده سالم، ولم يذكر: «في بيته». وأخرجه الترمذي من حديث أيوب عن نافع عنه، ثم قَالَ: حسنٌ صحيح. قَالَ: وفي الباب عن رافع بن خديج وكعب بن عجرة (٧). ------------ (١) «سنن أبي داود» (١٢٥١) كتاب: التطوع، باب: الأول من الكتاب. (٢) «شمائل الترمذي» (٢٩٦) باب: صلاة الضحى. (٣) «سنن ابن ماجه» (١١٥٧) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الأربع ركعات قبل الظهر، وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه»: صحيح دون جملة الفصل. (٤) «سنن الترمذي» (٤٧٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة عند الزوال، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي». (٥) «سنن الترمذي» (٤٢٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الأربع قبل الظهر، صححه الألباني في «صحيح الترمذي». (٦) «سنن الترمذي» (٣١٢٨) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة النحل، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». (٧) «سنن الترمذي» (٤٣٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أنه يصليهما في البيت. وروى عن ابن مسعود -وقال: غريبٌ- أنه قَالَ: ما أحصي ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ (١). وفيه: وقال: غريب (٢)، وأبي داود وابن ماجه (٣) من حديث كعب بن عجرة أنه - ﷺ - أتى مسجد بني عبد الأشهل فصلى فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها، فقال: «هذه صلاة البيوت» وفي رواية: «عليكم بهذه الصلاة في البيوت». ولأبي داود عن ابن عباس قَالَ: كان رسول الله - ﷺ - يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حَتَّى يتفرق أهل المسجد (٤). وذكر ابن الأثير في «جامع الأصول» عن مكحول يبلغ به رسول الله - ﷺ - قَالَ: «من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم ركعتين -وفي رواية: أربع ركعات- رفعت صلاته في عليين». وعن حذيفة: كان يقول: «عجلوا الركعتين بعد المغرب، فإنهما يرفعان مع المكتوبة» (٥)، ولم يعزهما. وللترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا -وقال: غريب-: «من صلى --------------- (١)»سنن الترمذي«(٤٣١). (٢) الترمذي (٦٠٤). (٣) أبو داود (١٣٠٠)، وابن ماجه (١١٦٥)، وحسنه الألباني في»صحيح أبي داود«(١١٧٦). (٤)»سنن أبي داود«(١٣٠١) كتاب: التطوع، باب: ركعتي المغرب أين تصليان؟، وضعفه الألباني في»ضعيف أبي داود«(٢٣٨) قائلًا: إسناده ضعيف، يعقوب بن عبد الله، ليس بالقوي ومثله شيخه. (٥) ورواه البيهقي في»شعب الإيمان" ٣/ ١٢١ - ١٢٢ (٣٠٦٨) باب: فضل الأذان والإقامة. بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوء عُدلن له بعبادة ثنتي عشرة سنة» قَالَ: وقد روت عائشة مرفوعًا: «من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بني الله له بيتًا في الجنة» (١). وقوله: («وبعد العشاء ركعتين») وفي البخاري معلقًا كما سيأتي في بابه عن ابن عمر «بعد العشاء في أهله» (٢)، ولأبي داود عن عائشة: ما صلى رسول الله - ﷺ - العشاء قط فدخل عليَّ الأولى أربع ركعات أو ست ركعات (٣). وعن ابن عباس قَالَ: بت عند خالتي ميمونة، فصلى رسول الله - ﷺ - العشاء ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات، ثم نام .. الحديث (٤). وفي البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من صلى أربع ركعات خلف العشاء الآخرة، قرأ في الركعتين الأوليين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ وفي الأخيرتين ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ و﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة كتب له كأربع ركعات ليلة القدر» قَالَ البيهقي: تفرد به ابن فروخ المصري، والمشهور ما رواه عن يثيع عن كعب قَالَ: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى العشاء الآخرة وصلى بعدها أربع ركعات، فأتم ركوعهن وسجودهن، يعلم ما يقترئ فيهن، ------------ (١)»سنن الترمذي«(٤٣٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في فضل التطوع وست ركعات بعد المغرب، وضعفه الألباني في»ضعيف الترمذي«قائلًا: ضعيف جدًا. (٢) برقم (١١٧٢ - ١١٧٣) كتاب: التهجد، باب: التطوع بعد المكتوبة. (٣)»سنن أبي داود«(١٣٠٣) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بعد العشاء، قال الألباني في»ضعيف أبي داود" برقم (٢٣٩): ضعيف، مقاتل لا يعرف. (٤) سلف برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم. فإن له -أو قَالَ: كن له- بمنزلة ليلة القدر» (١). وقال ابن بطال: اختلف العلماء في الصلاة بعد الجمعة، فقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين في بيته كالتطوع بعد الظهر، روي ذلك عن عمر وعمران بن حصين والنخعي وقال مالك: إذا صلى الإمام الجمعة فينبغي أن يدخل معزله ولا يركع في المسجد؛ لما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع في المسجد. قَالَ: ومن خلفه أيضًا إذا سلموا فأُحب أن ينصرفوا ولا يركعوا في المسجد وإن ركعوا فذاك واسع. وقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين ثم أربعًا. روي ذلك عن علي وابن عمر وأبي موسى، وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف، إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين (٢). وقال الشافعي: ما أكثر المصلي بعد الجمعة من التطوع فهو أحبُّ إليَّ (٣). وقالت طائفة: يصلي بعدها أربعًا لا يفصل بينهن بسلام. روي ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والنخعي (٤)، وهو قول أبي حنيفة ------------- (١) «السنن الكبرى» للبيهقي ٢/ ٤٧٧ كتاب: الصلاة، باب: من جعل بعد العشاء أربع ركعات أو أكثر. (٢) رواه عبد الرزاق عن ابن عمر ٣/ ٢٤٦ (٥٥٢٢ - ٥٥٢٣) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة قبل الجمعة وبعدها، وابن أبي شيبة ١/ ٤٦٤ (٥٣٦٧ - ٥٣٧٠) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٢٥. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٤٢. (٤) رواه عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٤ - ٤٦٥ (٥٣٧٦ - ٥٣٧٧)، (٥٣٧٩) في الصلوات، باب: من كان يصلي بعد الجمعة أربعًا، وذكرها ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٢٥. وإسحاق (١). احتج الأولون بحديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان لا يصلي بعد الجمعة إلا ركعتين في بيته. قَالَ المهلب: وهما الركعتان بعد الظهر؛ وكرر ابن عمر ذكرها لأجل أنه - ﷺ - كان يصليها في بيته؛ ووجهه أنه لما كانت الجمعة ركعتين لم يصل بعدها صلاة مثلها خشية أن يظن أنها التي حذفت منها وأنها واجبة، فلما زال عن موطن القصد صلى في بيته. وقد روى ابن جريج عن عمر بن عطاء أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شيءٍ رآه منه معاوية في الصلاة. قَالَ: نعم، صليت معه الجمعة، فلما سلم الإمام قمت فصليتُ، قال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا أن لا نصِل صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلم أو نخرج. وهو من أفراد مسلم (٢). وروى الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قَالَ: كنا نقرأ في المسجد فنقوم فنصلي في الصف، فقال (عبد الله) (٣): صلوا في رحالكم؛ لئلا يراكم الناس فيرونها سنة. وقد أجاز مالك الصلاة بعد الجمعة في المسجد للناس، ولم يجزه للأئمة (٤). وحجة الآخرين ما رواه أبو إسحاق عن عطاء قَالَ: صليت مع ابن عمر الجمعةَ، فلما سلم قام فركع ركعتين، ثم صلى أربع ركعات، ثم ------------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٦. (٢) «صحيح مسلم» (٨٨٣) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة. (٣) في الأصل: أبو عبد الله. (٤) «المدونة» ١/ ١٤٧، «النوادر» ١/ ٤٧٠. انصرف (١)، وما رواه سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، عن على: من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل ستًا (٢). ووجه قول أبي يوسف ما رواه الأعمش، عن إبراهيم، عن سليمان بن مسهر، عن خَرَشة بن الحُرِّ: أن عمر كره أن يصلي بعد صلاة مثلها (٣). ووجه أهل المقالة الثالثة ما رواه ابن عيينة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: «من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا» (٤) وقد سلف (٥). وقال ابن التين: معنى: (كان يصلي قبل الظهر ركعتين): يتنفل بهما، ومقتضى هذا اللفظ المداومة عليهما، وكذلك: الركعتان بعدها، وترك ذكر ما قبل العصر، وهو مباح وبعدها ممنوع عند كافة الفقهاء، إلا داود فإنه أجازه (٦). قَالَ: والتنفل بعد المغرب جائز، ولا اختصاص له يثبت ولا غيره أكثر من سرعة انصارفه لنظرٍ أو غيره. قَالَ: والمراد بالانصراف على ------------ (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٤ (٥٣٦٩)، وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٢٦. (٢) رواه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٤١١ (٦٦٤٥) كتاب: الجمعة، باب: الإمام ينصرف إلى منزله، ورواه عبد الرزاق ٣/ ٢٤٧ (٥٥٢٥) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة قبل الجمعة وبعدها، وابن أبي شيبة ١/ ٤٦٤ (٥٣٦٧) كتاب: الصلوات، باب: من كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، كلاهما (عبد الرزاق وابن أبي شيبة) عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي .. الأثر. (٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٦٧ (٤٨١٩ - ٤٨٢٠) كتاب: الصلاة، باب: التطوع قبل الصلاة وبعدها، ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢١ (٥٩٩٧) كتاب: الصلوات، باب: من كره أن يصلي بعد الصلاة مثلها. (٤) سلف تخريجه. (٥) نهاية كلام ابن بطال من «شرحه» ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٧. (٦) انظر: «المحلى» ٣/ ٨. أصل مالك: إلى منزله. ويحتمل أن يريد الانصراف إلى مكانه. ويدل عليه حديث البخاري في باب التطوع بعد المكتوبة: «فأما المغرب والعشاء ففي بيته» (١)، فلما خص المغرب والعشاء بالبيت دل بأن غيرهما بخلافهما، فيحمل هذا الانصراف على الانتقال في المسجد. وظاهره هنا أن المغرب وحدها ببيته، وفي الحديث المذكور ذكر العشاء معها. فإما في المسجد فلا يخلو المصلي أن يكون إمامًا أو مأمومًا، فأما الإمام فقال مالك: لا يصلي بعد الجمعة حَتَّى ينصرف إلى منزله، ثم نقل عن النخعي موافقة عمر وعمران. قَالَ: ودليل مالك من القياس أنها صلاة فرض ركعتان غير مقصورة، يجهر بالقراءة فيها، فكان للمنع تكثير في التنفل بعدها كالصبح. وأما المأموم فإن شاء ركع وإن شاء لم يركع، واختار ابن القاسم الثاني، والفرق بين الإمام والمأموم أنَّ الإمام شرع له سرعة القيام من موضع مصلاه ولا يقيم به، ولم يشرع ذلك للمأموم، وفي الحديث دليلٌ على أن صلاة التطوع مثنى مثنى وستعلمه. ---------------- (١) يأتي برقم (١١٧٢). ٤٠ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية ٩٣٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ. [٩٣٩، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩ - مسلم: ٨٥٩ - فتح: ٢/ ٤٢٧] ٩٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا، وَقَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلاَّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [انظر: ٩٣٨ - مسلم: ٨٥٩ - فتح: ٢/ ٤٢٧] ذكر فيه عن سَهَل قَالَ: كَانَتْ فِينَا امْرَأَة تحقل (١) عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا .. الحديث. ويأتي إن شاء الله في المزارعة والأطعمة (٢)، وأخرجه النسائي، وأهمله ابن عساكر والطرقي. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حدثني ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا، وَقَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نتَغَذَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ. ثم قَالَ: ------------- (١) كذا الأصل، وهو الموافق لرواية أبي ذر، والأصيلي، والكشميهني كما في «اليونينية». (٢) برقم (٢٣٤٩) كتاب: المزارعة، باب: ما جاء في الفرس، وبرقم (٥٤٠٣) كتاب: الأطعمة، باب: السلق والشعير. ٤١ - باب القَائِلَةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ ٩٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ. [انظر: ٩٠٥ - فتح: ٢/ ٤٢٨] ٩٤١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - الجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ القَائِلَةُ. [انظر: ٩٣٨ - مسلم: ٨٥٩ - فتح: ٢/ ٤٢٨] ذكر فيه عن أنس: كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ. وعن سهل: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - الجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ القَائِلَةُ. الشرح (١): بعد أن (أقرر) (٢) أني لم أعرف اسم هذه مع شدة البحث عنها. الأربعاء: جمع ربيع، وهي الساقية الصغيرة تجري إلى النخل، حجازية. ذكره ابن سيده. وقال ابن التين: هي الساقية. وقيل: النهر الصغير. وقال أبو عبد الملك: هو حافات الأحواض ومجاري المياه. وقال «صاحب العين»: هي: الجداول، واحدها: ربيع (٣). والعَرْق: عظم عليه لحم، والجمع: عُراق، وتحقل مأخوذة من الحقل، وهو الزرع المتشعب الورق. كذا قاله ابن بطال (٤)، وتبعه ابن التين فقال: تحقل أي: تغرس. وقيل: تزرع. قَالَ: وفي رواية أبي ذر --------------- (١) جمع المصنف شرح البابين هنا. (٢) في (ج): أقدم. (٣) «العين» ٢/ ١٣٣. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٢٨. تجعل بالعين والجيم (١). قلتُ: وهو ما كتبه الدمياطي بخطه. وفي سند الأول أبو غسان المسمعي، وهو: محمد بن مطرِّف الليثي (٢)، وأبو حازم واسمه: سلمة بن دينار القاص، مات سنة أربعين ومائة، وقيل: ثلاث وثلاثين (٣). وفي الثاني: ابن أبي حازم، واسمه: عبد العزيز بن سلمة بن دينار المدني، مات فجأة في يوم الجمعة في مسجد رسول الله - ﷺ - سنة اثنتين، وقيل: أربع وثمانين ومائة، ومولده سنة سبع وثما نين، وبيعت داره فوجد فيها أربعة آلاف دينار (٤). قَالَ أحمد: لم يكن يعرف بطلب الحديث، ولم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، ويقال: إن كتب سليمان بن بلال وقعت له ولم يسمعها (٥). -------------- (١) سبق أن أشرنا أن رواية أبي ذر: تحقل، وفصل ذلك القسطلاني في «إرشاد الساري» قال: ولأبي ذر والأصيلي عن الكشميهني: تحقل بالحاء المهملة والقاف المكسورة. قال: وزاد في «اليونينية» بالفاء. (٢) هو ابن داود بن مُطرِّف بن عبد الله بن سارية الليثي، أبو غسان المدني، يقال إنه من موالي عمر بن الخطاب، قدم على المهدي بغداد، وحدث بها ونزل عسقلان الشام، وثقه يزيد بن هارون، وأحمد وأثنى عليه، وأبو حاتم ويحيى بن معين، وقال ابن المديني: كان شيخًا وسطًا صالحًا. انظر «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٧٠. (٣) في هامش الأصل: وفي «الكاشف» (…) أنه ١٤٤، والقول الأول ما قدمه المصنف. (٤) عبد العزيز أبي حازم، واسمه سلَمَة بن دينار المخزومي، مولاهم، أبو تمام المدنيّ، قال أبو بكر بن أبي خَيْثَمة، عن يحيى بن معين: ثقة صدوق ليس به بأس. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ثقة. انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٢٤، و«التاريخ الكبير» ٦/ ٢٥ (١٥٧١)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٣٨٢ (١٧٨٧)، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ١٢٠ (٣٤٣٩). (٥) انظر: «المعرفة والتاريخ» ١/ ٤٢٩. ووقع في الأصل بعدها: وأبو حازم سلمة بن دينار أحد الأعلام. وعلّم عليها (مكرر. إلى). إذا عرفت ذلك؛ فقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] الإباحة بعد حظر بالاتفاق، وقيل: هو أمر على بابه. وعن الداودي أنه إباحة لمن كان له كفاف أو لا يقدر على الكسب وفرض على عكسه. وألحق غيره من يعطف عليه بسؤال أو غيره ممن له كسب. قلتُ: ونظير ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَكَاتِبُوهُم﴾ -على اختلاف فيه- ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يحرمون لحوم الضحايا فأعلم بالإباحة، ومنه: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، ومنه قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقوله: (كُنَّا نتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا). يحتمل التبرك به والحاجة إليه. وفيه: اصطناع المعروف ومواساة الأنصار وإمساك الرباع؛ ليصونوا بها وجوههم وعدم الاحتقار لشيء من المعروف وإن قل، وفضل الكفاف، وفرح المرء مما يأتيه من الفضل، والتهجير بالجمعة، وزيارة الصالحين و(…) (١) والصالحة. وقوله: (فتكون أصول السلق عُراقه) ضبطه في رواية أبي الحسن بالغين المعجمة وبالفاء، وفي رواية أبي ذر بالعين المهملة والقاف. قيل: معناه: أنها جعلته مكان العرق، وهو اللحم. وقوله: (مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نتَغَدى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ) فقد سلف الجواب عنه في باب: وقت الجمعة. أي: لاشتغالهم بالغسل والتبكير (٢). وفيه: نوم القائلة، وهو مستحب، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ------------- (١) كلمة لم نتبين قراءتها. (٢) سبق برقم (٩٠٥) كتاب: الجمعة. ![]()
__________________
|
|
#212
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 7 الى صـــ 20 الحلقة (212) ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨] أي: من القائلة. ثم موافقة الحديث للترجمة ظاهر؛ فإن انصرافهم كان لابتغاء الغداء، والقائلة عوض ما فاته من ذلك في وقته، وهذا الحديث رد على قول مجاهد وأحمد أن الجمعة تصلى قبل الزوال استدلالًا بقوله: وما كنا نقيل إلا بعد الجمعة. ولا يسمى بعد الجمعة وقت الغداء، فبان أن قائلتهم وغدائهم بعد الجمعة، إنما كان عوضًا عما فاتهم في وقته من أجل بكورهم، وعلى هذا التأويل جمهور الأئمة وعامة العلماء، وقد أسلفنا ذلك. ووجه ذكر البخاري الحديث في باب: الغرس من كتاب المزارعة (١) ليستدل به على عمل الصحابة رجالًا ونساءً بأنفسهم، وذلك شعار الصالحين من غير عارٍ ولا نقيصة على أهل البصيرة. واعترض الإسماعيلي في قوله: (في مزرعة لها سلقًا) المعروف أن السلق يزرع ولا يغرس، ولو استدل بحديث محمد بن جعفر بن الزبير عن أبي حاتم كان واضحًا إذ فيه: كانت لنا عجوز تزرع السلق، وفي لفظٍ: ترسل إليَّ بضاعة (٢). قَالَ ابن مسلمة: نخل بالمدينة، فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر، وتكركر عليه حبات من شعير (٣) (٤). ----------------- (١) سيأتي برقم (٢٣٤٩). (٢) ستأتي برقم (٦٢٤٨) كتاب: الاستئذان، باب: تسليم الرجال علي النساء، والنساء على الرجال. (٣) السابق. (٤) في هامش الأصل: ثم بلغ في السادس بعد الثمانين كتبه مؤلفه. ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨] أي: من القائلة. ثم موافقة الحديث للترجمة ظاهر؛ فإن انصرافهم كان لابتغاء الغداء، والقائلة عوض ما فاته من ذلك في وقته، وهذا الحديث رد على قول مجاهد وأحمد أن الجمعة تصلى قبل الزوال استدلالًا بقوله: وما كنا نقيل إلا بعد الجمعة. ولا يسمى بعد الجمعة وقت الغداء، فبان أن قائلتهم وغدائهم بعد الجمعة، إنما كان عوضًا عما فاتهم في وقته من أجل بكورهم، وعلى هذا التأويل جمهور الأئمة وعامة العلماء، وقد أسلفنا ذلك. ووجه ذكر البخاري الحديث في باب: الغرس من كتاب المزارعة (١) ليستدل به على عمل الصحابة رجالًا ونساءً بأنفسهم، وذلك شعار الصالحين من غير عارٍ ولا نقيصة على أهل البصيرة. واعترض الإسماعيلي في قوله: (في مزرعة لها سلقًا) المعروف أن السلق يزرع ولا يغرس، ولو استدل بحديث محمد بن جعفر بن الزبير عن أبي حاتم كان واضحًا إذ فيه: كانت لنا عجوز تزرع السلق، وفي لفظٍ: ترسل إليَّ بضاعة (٢). قَالَ ابن مسلمة: نخل بالمدينة، فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر، وتكركر عليه حبات من شعير (٣) (٤). --------------- (١) سيأتي برقم (٢٣٤٩). (٢) ستأتي برقم (٦٢٤٨) كتاب: الاستئذان، باب: تسليم الرجال علي النساء، والنساء على الرجال. (٣) السابق. (٤) في هامش الأصل: ثم بلغ في السادس بعد الثمانين كتبه مؤلفه. [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١٢ - كتاب صلاة الخوف] (١) ١ - باب صلاة الخوف وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠١ - ١٠٢] ٩٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ -؟ يَعْنِى: صَلَاةَ الخَوْفِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ التِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. [٩٤٣، ٤١٣٢، ٤١٣٣، ٤٥٣٥ - مسلم: ٨٣٩ - فتح: ٢/ ٤٢٩] ----------------- (١) من اليونينية. ذكر فيه حديث الزهري: سَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ -؟ يَعْنِي: صَلَاةَ الخَوْفِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ .. الحديث. الشرح: هذا الحديث يأتي أيضًا في المغازي والتفسير إن شاء الله (١)، وأخرجه مسلم (٢). ورويت على وجوهٍ كثيرة. قَالَ الترمذي: قَالَ الإمام أحمد: قد روي عن النبي - ﷺ - الخوف على أوجه، وما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا صحيحًا. وعنه: لا أعلم أنه روي عن رسول الله -ﷺ - في صلاة الخوف إلا حديثٌ ثابتٌ، هي كلها صحاح ثابتة (٣)، وقيل: أي حديث صلى منها المصلي صلاة الخوف أجزأه. وقال ابن العربي: رويت عن النبي - ﷺ - في صلاة الخوف روايات كثيرة، أصحها ست عشرة رواية مختلفة (٤)، وقال في «القبس»: صلاها أربعًا وعشرين مرة (٥). ------------- (١) برقم (٤١٣٢) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، وبرقم (٤٥٣٥) كتاب: التفسير، باب: قوله -عز وجل-: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾. (٢) «صحيح مسلم» (٨٣٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف، ورمز الناسخ فوق كلمة يسلم (د، ت، س) يعني: ورواه أبو داود (١٢٤٣)، والترمذي (٥٦٤)، والنسائي ٣/ ١٧١، ١٧٣. (٣) «سنن الترمذي» (٥٦٤) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في صلاة الخوف. (٤) «عارضة الأحوذي». (٥) «القبس» ١/ ٣٧٥. وقال أبو عمر: المروي عن النبي - ﷺ - في ذلك ستة أوجه. وقال غيره: صح منه سبعة. وذكر ابن القصار أنه صلاها في عشرة مواطن، وصححها بعضهم في ثلاث فقط. وقال ابن حزم: هو غير بين أربعة عشر وجهًا، كلها صح عن رسول الله - ﷺ -، وعبارته: من حضره خوفٌ من عدو ظالمٍ كافرٍ أو باغٍ من المسلمين أو من سيل أو من نار أو وحشٍ أو سبع أو غير ذلك، وهم في ثلاثة فصاعدًا فأميرهم مخيَّر بين أربعة عشر وجهًا كلها صحت عن رسول الله - ﷺ - (١). قَالَ ابن القطان: لم يذكر البخاري في أبواب صلاة الخوف غير حديث ابن عمر هذا، وليس كذلك لما ستعلمه، أحد الأحاديث حديث سهل بن أبي حثمة أخرجه البخاري في المغازي (٢) ومسلم والأربعة (٣). وكان ابن ثمان حين قبض النبي - ﷺ - أو خمس عشرة والإشكال على هذا. ثانيها: حديث جابر (٤) أخرجه البخاري تعليقًا (٥). ثالثها: حديث ابن عباس أخرجه البخاري والنسائي (٦). رابعها: حديث أبي عياش الرزقي، أخرجه أبو داود والنسائي ---------------- (١) «المحلى» ٥/ ٣٣. (٢) سيأتي برقم (٤١٣١) باب: غزوة ذات الرقاع. (٣) «صحيح مسلم» (٨٤١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف. وأبو داود (١٢٣٧)، والترمذي (٥٦٥)، والنسائي ٣/ ١٧٠ - ١٧١، وابن ماجه (١٢٥٩). (٤) فوقها في الأصل: س. يعني النسائي. (٥) سيأتي برقم (٤١٣٧) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع. (٦) سيأتي برقم (٩٤٤) كتاب: صلاة الخوف، باب: يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف، و«سنن النسائي» ٣/ ١٦٩ - ١٧٠ كتاب: صلاة الخوف. وصححه الحاكم على شرط الشيخين (١). خامسها: حديث حذيفة أخرجه أبو داود والنسائي (٢). سادسها: حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (٣) (٤)، وعائشة وابن مسعود أخرجهما أبو داود، وصحح الحاكم الأول على شرط مسلم، وهو أتم حديث في صلاة الخوف (٥)، وأبي بكرة أخرجه أبو داود --------------- (١) «سنن أبي داود» (١٢٣٦) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف، و«سنن النسائي» ٣/ ١٧٧ - ١٧٨ كتاب: صلاة الخوف، و«المستدرك» ١/ ٣٣٧ - ١٧٨ كتاب: صلاة الخوف. ورواه أحمد في «المسند» ٤/ ٥٩ - ٦٠، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ١٢٨ (٢٨٧٦) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف، والدارقطني في «السنن» ٢/ ٥٩ - ٦٠ (٨)، كتاب الوتر، باب: صفة صلاة الخوف، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥ (٦٠١٧) كتاب: صلاة الخوف، باب: أخذ السلاح في صلاة الخوف، و٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧ (٦٠٢٥) كتاب. صلاة الخوف، باب: العدو يكون وجاه القبلة، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١١٢١). (٢) «سنن أبي داود» (١٢٤٦) كتاب: الصلاة، من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون، و«سنن النسائي» ٣/ ١٦٧ - ١٦٨ كتاب: صلاة الخوف. ورواه أحمد في «المسند» ٥/ ٣٨٥، ٣٩٥، ٣٩٩، ٤٠٤، ٤٠٦، ابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٩٣ (١٣٤٣) كتاب: الصلاة، جماع أبواب صلاة الخوف باب: صلاة الإمام في شدة الخوف، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٣٠٢ (١٤٥٢) كتاب: الصلاة، باب: فرض الصلاة، و٥/ ١٨٢ (٢٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: الوتر، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٣٥ كتاب: صلاة الخوف، والبيهقي في ٣/ ٢٦١ (٦٠٤٦) كتاب: صلاة الخوف، باب: من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولم يقضوا، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» ٤/ ٤٠٩ (١١٣٣). (٣) فوقها في الأصل: (د) يعني أبي داود. (٤) سيأتي برقم (٤١٣٧). (٥) حديث عائشة: «سنن أبي داود» (١٢٤٢) كتاب: الصلاة، باب: من قال يكبرون = والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين (١) وقال ابن حزم: إنه آخر فعله، فهي أفضل الصفات. وقال أبو عمر: لا وجه لمن قَالَ: إنه وحديث جابر أنه كان في الحضر. وعبد الله بن أنيس أخرجه أبو داود وترجم عليه: صلاة الطالب والمطلوب، وصححه ابن حبان (٢). ---------------- = جميعًا، «مسند أحمد» ٦/ ٢٧٥، «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ٣٠٣ (١٣٦٣) كتاب: الصلاة، باب: في صلاة الخوف، «صحيح ابن حبان» ٧/ ١٢٤ (٢٨٧٣) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف، «المستدرك» للحاكم ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وهو أتم حديث وأشفاه في صلاة الخوف، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٣١). وأما حديث ابن مسعود ففي: «سنن أبي داود» (١٢٤٤ - ١٢٤٥) كتاب: الصلاة، باب: من قال يصلي بكل طائفة ركعة، و«المسند» للإمام أحمد ١/ ٣٧٥، ٣٧٦، ١/ ٤٠٩، «مسند أبي يعلى» ٩/ ٢٣٩ (٥٣٥٣)، و«المعجم الكبير» للطبراني ١٠/ ١٤٧ - ١٤٨ (١٠٢٧٢)، «السنن الكبرى» للبيهقي، ٣/ ٢٦١ (٦٠٤٤) كتاب: صلاة الخوف، باب: من قال في هذا: كبرَّ بالطائفتين جميعًا، وقال: وهذا الحديث مرسل، أبو عبيدة لم يدرك أباه، وخصيف الجزري ليس بالقوي، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٢٩ - ٢٣٠). (١) «سنن أبي داود» (١٢٤٨) كتاب: الصلاة، باب: من قال يصلي بكل طائفة ركعتين، «النسائي» ٣/ ١٧٨ - ١٧٩ كتاب: صلاة الخوف، أحمد في «المسند» ٥/ ٤٩، ابن حبان في «صحيحه» ٧/ ١٣٥ (٢٨٨١)، كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف، والدارقطني في «السنن» ٢/ ٦١ (١٢) باب: صفة صلاة الخوف وأقسامها، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٣٧ كتاب: صلاة الخوف، البيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠ كتاب: صلاة الخوف، باب: الإمام يصلي بكل طائفة ركعتين ويسلم، وصححه الحاكم على شرط الشيخين وقال الذهبي: على شرطهما وهو غريب، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٣٥). (٢) أبو داود (١٢٤٩) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الطالب، وأحمد في «المسند» ٣/ = وخوات بن جبير والد صالح أخرجه البيهقي (١). وزيد بن ثابت أخرجه النسائي والبيهقي (٢). وعلي أخرجه ابن أبي شيبة (٣). وأبي موسى أخرجه البخاري (٤) وغير ذلك. واختار أصحابنا منها ثلاثة: صلاته بعسفان، وببطن نخل، وبذات الرقاع، وصلاة المسايفة. وزعم الداودي أن صلاة الخوف كانت بذات الرقاع فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، وكانت في المحرم يوم السبت لعشرٍ خلون منه، وقيل: سنة خمس. وقيل: في جمادى الأولى سنة أربعٍ. وذكرها البخاري قبل غزوة خيبر كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٥)، ويقال: ------------------- = ٣/ ٤٩٦، وأبو يعلى في «المسند» ٢/ ٢٠١ (٩٠٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٩١ - ٩٢ (٩٨٢) (٩٨٣) كتاب: الصلاة، باب: الرخصة في الصلاة ماشيًا عند طلب العدو، ابن حبان في «صحيحه» ١٦/ ١١٤ (٧١٦٠)، كتاب: إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة، ذكر عبد الله بن أنيس رضي الله عنه، البيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ٢٥٦، (٦٠٢٤) كتاب: صلاة الخوف، باب: كيفية صلاة شدة الخوف، ضعفه الألباني ثم أشار إلى نقله إلى الصحيح «صحيح أبي داود» (١١٣٥). (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٢٥٣ كتاب: صلاة الخوف، باب: كيفية صلاة الخوف في السفر، وفي «الدلائل» ٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩. (٢) «سنن النسائي» ٣/ ١٦٨ كتاب: صلاة الخوف، و«السنن الكبرى» ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣ كتاب: صلاة الخوف، ورواه أحمد ٥/ ١٨٣، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٩٤ (١٣٤٥) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الإمام في شدة الخوف بكل طائفة، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣١٠ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف كيف هي؟، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ١٢١ (٢٨٧٠) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف، وصححه الألباني في «صحيح النسائي». (٣) «المصنف» ٢/ ٢١٧ (٨٢٨٥) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف كم هي؟ (٤) سيأتي برقم (٤١٢٦) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع. (٥) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، الأحاديث من (٤١٢٥ - ٤١٣٧). كانت قبل بدرٍ الموعد (١). وحديث زيد بن ثابت أنه - ﷺ - صلاها مرة، ثم لم يصل قبلها ولا بعدها. أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن مجاهد (٢)، ووهاه ابن حزم فقال: خبر ساقط. وعند ابن بزيزة: نزلت في عسفان في صلاة العصر. وفي حديث جابر: صلاها في غزوة جهينة. وقيل: في بطن نخل. وقيل: في ذات الرقاع، سنة خمس. وقيل: في غطفان. وحديث ابن عمر في الكتاب استشكل من حيث أنه إنما أجيز في الخندق. وغزوة نجد -المذكورة هنا- هي ذات الرقاع، وهي قبل الخندق إجماعًا، إلا ما شذ به البخاري من أنها بعد خيبر. اللهم إلا أن يكون حضرها من غير إجازة، نعم لما كان يوم الخندق لم تنزل صلاة المسايفة، كما رواه الدارمي وأبو داود الطيالسي من حديث أبي سعيد، فاتجه ما قاله ابن عمر، وإن كان أهل السير على خلافه (٣). ------------------- (١) قال ابن سعد: ذات الرقاع في المحرم على رأس سبعة وأربعين شهرًا من مهاجره، خرج ليلة السبت لعشرٍ خلون من المحرم، وقال ابن هشام: في سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى ثم غزا نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلًا وهي غزوة ذات الرقاع. وقال: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان، انظر: «طبقات ابن سعد» ٢/ ٦١ و«سيرة ابن هشام» ٣/ ٢١٤، ٢٢١. (٢) «المصنف» ٢/ ٢١٥ (٨٢٧٢) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف. (٣) «مسند الدارمي» ٢/ ٩٥٤ (١٥٦٥) كتاب: الصلاة، باب: الحبس عن الصلاة، و«مسند الطيالسي» ٣/ ٦٧٦ (٢٣٤٥). وكذا وقع في كلام النووي (١) وابن القصار: إن صلاة الخوف كانت بعد الخندق في غزوة ذات الرقاع (٢). وفي مسلم من حديث ابن عباس: وفي الخوف ركعة (٣). وأخرجه الحاكم مطولًا: وصلاته بذي قرد. وقال صحيح على شرطهما (٤). قَالَ ابن بطال: وإليه ذهب ابن أبي ليلى. قَالَ الطحاوي وأبو يوسف أيضًا: إذا كان العدو في القبلة، فإن كانوا في غيرها فكما روى ابن عمر (٥). وأما أبو حنيفة ومالك فتركا العمل به لمخالفته الكتاب (٦). وقال أحمد فيما حكاه الخلال في «علله» عنه: لا أعلم أحدًا قَالَ في الماشي يصلي إلا عطاء، وما يعجبني أن يصلي الماشي. قلتُ: حكاه عطاء عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، رواه ابن أبي شيبة، وروى أيضًا عن مجاهد الصلاة وهو بمنًى (٧). ----------------- (١) ورد في هامش الأصل: وقال النووي في «الروضة»: في السير السنة الرابعة فيها غزوة الخندق وساق كلامًا إلى أن قال الخامسة وفيها غزوة ذات الرقاع في أول المحرم وبها صلى صلاة الخوف وهي أول صلاة للخوف وكذا قال في «التهذيب» أن الخندق سنة أربع وقيل سنة خمس. [قلت (المحقق): انظر: «تهذيب الأسماء» ٣/ ١٠٢، «روضة الطالبين» ٧/ ٤١٠]. (٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٦/ ١٢٨. (٣) «صحيح مسلم» (٦٨٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها. (٤) «المستدرك» ١/ ٣٣٥ كتاب: صلاة الخوف. (٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣١٩ - ٣٢٠. (٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٤٠، وانظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣١٩ - ٣٢٠. (٧) «المصنف» ٢/ ٢٢٥ (٨٣٦٤ - ٨٣٦٥) كتاب: الصلوات، باب: الرجل يصلي وهو يمشي. وقال مكحول: لا بأس به وفعله سعيد بن جبير وأبو برزة الصحابي (١). وفي «المصنف» عن عطاء وسعيد بن جبير وأبي البختري وأصحابهم قالوا: إذا التقى الزحفان وضرب الناس بعضهم بعضًا وحضرت الصلاة فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فتلك صلاتك، ثم لا يعيد (٢). وعن مجاهد والحكم: إذا كان عند الطراد وسَل السيوف أجزأ الرجل أن تكون صلاته تكبيرًا، فإن لم يكن إلا تكبيرةً واحدةً أجزأته أينما كان وجهه، وعن إبراهيم: إذا حضرت الصلاة في المطاردة فأوم حيث كان وجهك. وفي لفظٍ: ركعة (٣). وقال هرم بن حيان لأصحابه وكانوا في جيش: ليسجد كل رجل منكم سجدة تحت جنته، وسئل الحسن عن الصلاة إذ ذاك. قَالَ: يصلي ركعة وسجدتين تلقاء وجهه. وقال حماد: ركعة حيث كان وجهه (٤). ونهى ثابت بن السمط (٥) -أو عكسه- عن النزول للصلاة حالتئذ (٦). ------------ (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٥ (٨٣٦٥ - ٨٣٦٧) كتاب: الصلوات، باب: الرجل يصلي وهو يمشي. (٢) «المصنف» ٢/ ٢١٤ (٨٢٦٠) كتاب: الصلوات، باب: في الصلاة عند المسايفة. (٣) «المصنف» ٢/ ٢١٤ - ٢١٥ (٨٢٦١، ٨٢٦٣). (٤) «المصنف» ٢/ ٢١٥ (٨٢٦٣ - ٨٢٦٥) كتاب: الصلوات، باب: الصلاة عند المسايفة. (٥) ابن الأسود بن جبلة بن عدي بن ربيعة من أهل الشام، تابعي ثقة، يروي عن جماعة من الصحابة، انظر: «ثقات ابن حبان» ٤/ ٩٤، «إكمال مغلطاي» ٣/ ٧٠ (٨٤٩)، «تهذيب التهذيب» ١/ ٢٦٤. (٦) «المصنف» ٢/ ٢١٥ (٨٢٧٠) كتاب: الصلوات، باب: في الصلاة عند المسايفة. وقال جابر بن عبد الله: صلاة الخوف ركعة (١). وللبزار عن ابن عمر مرفوعًا: «صلاة المسايفة ركعة، على أي وجه كان الرجل تجزئ عنه، فإذا فعل ذلك فيما أحسب لم يُعد» (٢). وزعم ابن حزم أنه إن كان وحده فهو مخير بين ركعتين في السفر أو ركعة واحدة وتجزئه (٣). وقد روي هذا عن حذيفة أنه صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا (٤). وعن زيد بن ثابت مثله. قَالَ: وصح هذا أيضًا مسندًا عن جابر (٥). وأخبر جابر أن القصر المذكور في الآية عند الخوف هو هذا. وصح من طريق الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، وروي أيضًا عن ابن عمر. فهذِه آثار متظاهرة متواترة، وقال بها جمهور السلف، كما رويناه عن حذيفة أيام عثمان ومن معه من الصحابة، لا ينكر ذلك أحد منهم، وروينا عن أبي هريرة أنه صلى بمن معه صلاة الجمعة بكل طائفة ركعة، إلا أنه لم يقض ولا أمر بالقضاء، وعن الحسن أن أبا موسى صلى في الخوف ركعة (٦)، وعن ابن عباس: يومئ بركعة عند القتال. ------------- (١) «المصنف» ٢/ ٢١٧ (٨٢٨١) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف كم هي؟ (٢) كما في «كشف الأستار» ١/ ٣٢٦ (٦٧٨) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف، قال: محمد بن عبد الرحمن أحاديثه مناكير وهو ضعيف عند أهل العلم. (٣) «المحلى» ٥/ ٣٣. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢١٥ (٨٢٧٣) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف كم هي؟ (٥) رواهما ابن أبي شيبة ٢/ ٢١٥ - ٢١٦ (٨٢٧٢)، (٨٢٧٦). (٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢١٧ (٨٢٩٠) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف كم هي؟ وعن مكحول: إذا لم يقدروا أن يصلوا على الأرض فيصلوا على ظهور الدواب ركعتين، فإن لم يقدروا فركعة وسجدتان، فإن لم يقدروا أخروا حَتَّى يأمنوا. قَالَ ابن حزم: أما التأخير فلا يحل البتة، وبالأول يقول سفيان بن سعيد. قال: وملنا إلى هذا لسهولته، ولكثرة من رواه عن رسول الله - ﷺ -، ولكثرة من قَالَ به من الصحابة والتابعين لتواتر الخبر به عن النبي - ﷺ - ولموافقته القرآن العظيم (١). وحكى ابن بزيزة عن جابر: صلاة الخوف ركعة للمأموم واثنتان للإمام. وحكي عن طاوس والحسن وجماعة من التابعين، ولما ذكر المنذري القائلين بأنها ركعة: عطاء وطاوس والحسن ومجاهد والحكم وحماد وقتادة: يومئ إيماءً. وكان ابن راهويه يقول: أما عند المسايفة فيجزئك ركعة واحدة تومئ بها إيماءً. وكان يقول: فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة؛ لأنها ذكر الله تعالى، وأما سائر أهل العلم، فلم ينقصوا منها شيئًا، ولكن يصلي بحسب الإمكان ركعتين أي وجه يوجهون إليه يومؤن إيماءً. وحمل قول ابن عباس: وفي الخوف ركعة (٢). يعني مع الإمام فلا يكون مخالفًا لغيره من الأحاديث الصحيحة. ------------ (١) «المحلى» ٥/ ٣٥ - ٣٦. (٢) أورده أبو داود عقب الرواية (١٢٤٧) كتاب: صلاة السفر، باب: من قال: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون، ورواه النسائي ٣/ ١٦٩ كتاب: صلاة الخوف، وابن أبي شيبة ٢/ ٢١٧ (٨٢٨٢ - ٨٢٨٣) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف كم هي؟ وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٧. إذا تقرر ذلك، فمذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت، إلا أبا يوسف والمزني فقالا: إنها مخصوصة به (١). قَالَ مكحول والحسن اللؤلؤي ومحمد بن الحسن (٢) وبعض علماء الشاميين، كما نقله ابن بزيزة عنهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية. والجواب: أن هذا خطاب مواجهة؛ لأنه المبلغ عن الله، لا خطاب تخصيص، لما صح أن الصحابة صلوها بعده، منهم علي وأبو هريرة وأبو موسى وغيرهم (٣)، وقد قَالَ: «صلوا كلما رأيتموني أصلي» (٤). وقالت طائفة، منهم: أبو يوسف وابن علية، فيما حكاه في «التمهيد»: لا يصلي بعده إلا بإمامين كل واحد بطائفة ركعتين، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية. فإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم؛ لأنه ليس كغيره في ذلك، ولم ----------------- (١) هذا قول أبي يوسف الأول، أما الثاني: فهو موافقته لأبي حنيفة في كونها مشروعة انظر: «المبسوط» ٢/ ٤٥، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٤٢، «البيان» ٢/ ٥٠٠. (٢) انظر: «البناية» ٣/ ١٩٤، أما ما ذكره عن محمد بن الحسن ففيه نظر؛ لأنه لا يقول بعدم مشروعيتها، أو أنها مخصوصة به، بل قوله كقول أبي حنيفة أنها مشروعة، انظر: «المبسوط» ٢/ ٤٥، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٤٢، «الفتاوى الهندية» ١/ ١٥٤. (٣) رواه النسائي عن حذيفة ٣/ ١٦٨ كتاب: صلاة الخوف، وابن أبي شيبة ٢/ ٢١٥ (٨٢٧٣) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف كم هي؟ ورواه أيضًا عن أبي موسى ٢/ ٢١٧ (٨٢٩٠) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف كم هي؟ وروى البيهقي عن حذيفة وعلى وأبي موسى ٣/ ٢٥٢ كتاب: صلاة الخوف، باب: الدليل على ثبوت صلاة الخوف وأنها لم تنسخ. (٤) سلف برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، والإقامة وكذلك بعرفة وجمع. يكن من أصحابه من يؤثر بنصيبه منه غيره، وكلهم كان يحب أن يأتم به، والناس بعده يستوي أحوال أهل الفضل منهم أو يتقارب، فليس بالناس اليوم حاجة إلى إمام واحد عند الحرب. والجواب أن الإجماع على أن قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أن خلفاءه يقومون مقامه في ذلك، فكذا هذِه الآية وغيرها (١). وقيل: إن أبا يوسف رجع عن ذلك، حكاه الأقطع في «شرحه» (٢)، وأجاب ابن العربى عن شبهة أبي يوسف أنه إذا زال الشرط بطل المشروط من أوجه: أحدها: أن شرط كونه - ﷺ - أنما دخل لبيان الحكم لا لوجوده، تقديره: بيِّن لهم بفعلك، فهو أوقع في الإيضاح من قولك. ثانيها: أنه إذا جاز له فعل ذلك جاز لنا إلا ما خص. ثالثها: أن كل عذر طرأ على (٣) العبادة يستوي فيها الشارع وغيره كالسفر وغيره (٤)، وذكر ابن التين أن المعنى الذي أمر به في صلاة الخوف؛ تعليمًا لحراسة المسلمين وحذرًا من العدو، وذلك واجبٌ على كافة المسلمين، فوجب أن لا يختص - ﷺ - به دون أمته. تنبيهات: أحدها: أخذ أبو يوسف بحديث ابن مسعود وابن عمر، إلا أنه قَالَ: بعد سلام الإمام تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الإمام فتقضي ثم --------------- (١) «التمهيد» ٥/ ٢٧٥ - ٢٧٦. (٢) انظر: «البناية» ٣/ ١٩٤ - ١٩٥. (٣) كذا بالأصل، والمثبت من «عارضة الأحوذي» ٣/ ٤٥. (٤) «عارضة الأحوذي» ٣/ ٤٥. تذهب، ثم تأتي الطائفة الثانية فتقضي ثم تذهب. وقد أنكرت عليه هذِه الزيادة، وقيل: إنها لم تذكر في حديث. قَالَ ابن حزم: وأما قوله: تقضي الأولى الركعة التي بقيت عليها بلا قراءة شيء من القرآن فيها وتقضي الثانية التي بقيت عليها (بقراءة) (١) القرآن فيها، ولابد، وهذا لم يأت عن النبي - ﷺ - ولا عن الصحابة (٢)، ووافق أبو حنيفة أشهب (٣) والأوزاعي، ثم رجع فأخذ بحديث غزوة ذات الرقاع (٤). والشافعي أخذ بحديث صالح بن خوات الآتي (٥)، واختاره أحمد وأبو ثور، ورجع عنه مالك (٦). قَالَ الشافعي: والمصير إليه أولى (٧). ثانيها: روى الدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعًا: «ليس في صلاة الخوف سهو» (٨)، وهو واهٍ رده ابن عدي (٩) ببقية (١٠) وشيخه عبد الحميد بن ---------------- (١) في الأصل: (قراءة) والمثبت من «المحلى». (٢) «المحلى» ٥/ ٤٠. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٦٦، «المنتقى» ١/ ٣٢٢. (٤) لم نقف على هذا القول. (٥) انظر: «البيان» ٢/ ٥٠٥. (٦) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٤٢٦، «المغني» ٣/ ٢٠١ - ٢٠٢. (٧) «الأم» ١/ ١٩٢. (٨) «سنن الدارقطني» ٢/ ٥٨ كتاب: صلاة الخوف، باب: صفة صلاة الخوف وأقسامها، قال: تفرد به عبد الحميد بن السري وهو ضعيف. (٩) «الكامل» ٧/ ١٢ ترجمة (١٤٧٤). (١٠) هو بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعي الحميري الميتمي، أبو يحمد الحمصي، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عن بقية وإسماعيل ابن عياش، فقال: بقية أحب إلي وقال محمد بن سعد: كان ثقة في روايته من = ![]()
__________________
|
|
#213
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 21 الى صـــ 40 الحلقة (213) السري (١)، وأما السهيلي فقال: سنده ثابت. الثالث: قَالَ ابن حزم: روينا عن الضحاك ومجاهد والحكم بن عتيبة وإسحاق: أن تكبيرتين فقط تجزئان في صلاة الخوف، وروينا أيضًا عن الحكم ومجاهد تكبيرة واحدة تجزئ في صلاة الخوف. قَالَ: وليس له أجل من كتاب ولا سنة (٢). وعن إسحاق: إن لم يقدر على ركعة ربما صلى سجدة، وإن لم يقدر فتكبيرة، وسيأتي قريبًا قول الأوزاعي ومن وافقه، وقول أنس في تستر. الرابع: القضاء في رواية ابن عمر في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده، وفي رواية ابن مسعود القضاء متفرق على صفة صلاتهم، وقد تأول حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود. الخامس: قَالَ مالك في حديث «سهل بن سعد» (٣): هذا أحسن ما سمعت في صلاة الخوف (٤)، وفي رواية: إنه أحب ما سمعت (٥)، ثم رجع وقال: يكون قضاؤهم بعد السلام أحبُّ إليَّ على حديث سهل (٦) ------------ = الثقات، ضعيف في روايته من غير الثقات، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة، فيما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء. وقال أبو زرعة: بقية عجيب إذا روى عن الثقات، فهو ثقة. انظر: «تهذيب الكمال» ٤/ ١٩٢. (١) هو: عبد الحميد بن السري، قال أبو حاتم عنه: مجهول، من المجاهيل، والخبر منكر، انظر: «الجرح والتعديل» ٦/ ١٤ (٦٦)، «الكامل» لابن عدي ٧/ ١٢ (١٤٧٤)، و«لسان الميزان» ٤/ ٢٣١ (٤٩٧٣). (٢) «المحلى» ٥/ ٤١. (٣) كذا بالأصل، ووقع في «الموطأ» ص ١٣٠ سهل بن أبي حثمة. (٤) «الموطأ» ١/ ٢٣٤ (٦٠٣) رواية أبي مصعب كتاب الجمعة، باب: صلاة الخوف. (٥) وردت في راوية يحيى ١٣٢. (٦) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٢٤. ولم يذكر فيه سلام الطائفة الأولى إذا تمت صلاتها، ولا ذكر سلامه - ﷺ - قبل أن تتم لانفسها، وذكر مالك ذلك في روايته عن يحيى بن سعيد، والزيادة مقبولة. سادسها: لا يعترض على بعض الأحاديث لمخالفة الأصول، فإن الصلاة نفسها خرجت عنه للحاجة إليه. سابعها: دل الدليل على أن الطائفة الثانية لا تدخل في الصلاة إلا بعد انصراف الأولى، وقوله ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] دليلٌ على أن الطائفة الأولى تنصرف، فلم يبق عليها من الصلاة شيء تفعله بعد الإمام، وقد يقال: إن معنى ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ما بقي من صلاتك ويقضون ما فاتهم، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ لا يقتضي قضاء الجميع معًا، وإنما هو إخبارٌ عما أبيح لهم فعله بعدها من الذكر وغيره. ثامنها: حديث جابر أخذ به الشافعي أيضًا: يصلي بكل طائفة ركعتين بناءً على جواز صلاة الفرض خلف المتنفل، وهذا إذا كان في سفر، ولم يُحْفظ عن رسول الله - ﷺ - أنه صلى صلاة الخوف قط في حضرٍ، ولم يكن له حرب في حضرٍ إلا يوم الخندق، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعد. ودفع مالك وأبو حنيفة هذا التأويل، وقال أصحابهما: إنه - ﷺ - كان في حضرٍ ببطن نخل على باب المدينة ولم يكن مسافرًا؛ وإنما كان خوف، فخرج منه محترسًا، ولم ينقل عنه سلام في ركعتين بهم، وادَّعى ابن القصار خصوصية ذلك به على تقدير أن يكون سفرًا، وهو بعيدٌ. ويرد دعوى الحضر، أن جابرًا ذكر في الحديث أنهم كانوا بذات الرقاع، وقد كانت صلاة الخوف نزلت. وادَّعى الطحاوي أنه قد يجوز أن يكون ذلك منه والفريضة حينئذٍ تصلى مرتين، وكان ذلك في أول الإسلام ثم نُسخ (١). تاسعها: روي عن جابر أنه - ﷺ - صلى أيضًا، فركع في الصف المتقدم ركعة كاملة، ثم تأخروا، ثم تقدم الآخرون فركع بهم ثانية كذلك، فكانت لرسول الله - ﷺ - ركعتين وللناس ركعة ركعة (٢)، ويجوز أن تكون هذِه صفة أخرى، وقد اْسلفنا عن أحمد أن أحاديث صلاة الخوف صحاح كلها، وهو قول الطبري وطائفة من أهل الحديث. العاشر: (الضرب) في الآية التي ذكرها البخاري (السفر). وهذِه الآيات نزلت في عسفان بين الظهر والعصر، كما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عياش الزرقي السالف. وقوله: (﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾) [النساء: ١٠٢] أي: وليأخذ الباقون أسلحتهم. --------------- (١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣١٦. (٢) رواه النسائي ٣/ ١٧٤ - ١٧٥ كتاب: صلاة الخوف، وابن ماجه (١٢٦٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الخوف، أحمد في «المسند» ٣/ ٢٩٨، وابن أبي شيبة ٢/ ٢١٦ (٨٢٧٦) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف كم هي؟، وابن خزيمة ٢/ ٢٩٥ (١٣٤٧ - ١٣٤٨) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيان أن النبي صلى هذِه الصلاة بكل طائفة ركعة، وابن حبان ٧/ ١٢٠ (٢٨٦٩)، كتاب: الصلاة، باب: ذكر وصف صلاة المرء في الخوف إذا أراد أن يصليها جماعة ركعة واحدة، وأبو عوانة ٢/ ٨٨ (٢٤٢١)، والبيهقي ٣/ ٢٦٣ كتاب صلاة الخوف، باب: من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولم يقضوا وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٠٤٢)، وفي «صحيح أبو داود» (١١٢٢). وقوله: (﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾) يحتمل أن يكون الجميع، ويحتمل أن يكون لمن لم يصل. الحادي عشر: الخلاف في صلاة الخوف في ثلاثة مواضع في جواز فعلها الآن، وهل تفعل في الحضر؟ وفي صفتها. وقد عرفت ذلك، وانفرد ابن الماجشون فمنعها في الحضر (١)؛ تمسكًا بظاهر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]. الثاني عشر: قوله في الحديث: (فوازينا العدو). أي: حاذيناهم. وفي «الصحاح»: وقد آزَيْتُهُ إذا حاذيته، ولا تقل: وازَيته (٢). وأقره ابن التين في «شرحه». --------------- (١) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٣٧. (٢) «الصحاح» ٦/ ٢٢٦٨. ٢ - باب صَلَاةِ الخَوْف رِجَالًا وَرُكْبَانًا رَاجِلٌ: قَائِمٌ. ٩٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا». [انظر: ٩٢٤ - مسلم: ٨٣٩ - فتح: ٢/ ٤٣١] ذكر فيه حديث ابن عمر نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكبَانًا». الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وبه أخذ الأئمة مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة الفقهاء (٢). وقال بعض العلماء: بحسب ما يتمكن منه، وقال جماعة من الصحابة والسلف: يصلي في الخوف ركعة يومئ بها إيماءً، وقد سلف هذا. ولا شك أن صلاة الخوف رجالًا وركبانًا إنما تكون إذا اشتد الخوف واختلطوا في القتال، وتسمى: صلاة المسايفة، فيصلي إيماءً وكيف تمكَّن، وممن قَالَ بذلك ابن عمر، ذكره عنه مالك في «الموطأ» (٣)، وهو قول مجاهد وطاوس وإبراهيم والحسن والزهري وطائفة من التابعين (٤). --------------- (١) مسلم (٨٣٩). (٢) انظر: «الأوسط» ٥/ ٣٩. (٣) «الموطأ» ص ١٣٠ كتاب: الجمعة، باب: صلاة الخوف. (٤) حكاها عنهم ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٨. روى ابن جريج عن مجاهد قَالَ: إذا اختلطوا فإنما هو الذكر والإشارة بالرأس (١)، فمذهب مجاهد إجزاء الإيماء عند شدة القتال كمذهب ابن عمر، وهو مذهب مالك والثوري والشافعي (٢). وقول البخاري: (وزاد ابن عمر ..) إلى آخره مراده: أنه رواه لا من رأيه، وكذلك قَالَ مالك. قَالَ نافع: ولا أرى ذكر ذلك عبد الله إلا عن رسول الله - ﷺ - (٣). ومراده بقوله: (وإن كانوا أكثر من ذلك) ما ذكره في «الموطأ» من قوله: فإن كان خوفًا هو أشد من ذلك. يعني: خوفًا لا يمكن معه القيام في موضع، ولا إقامة صف، فليصلوا قيامًا على أقدامهم، كما زاده في «الموطأ» (٤)، يريد: أن ركوعهم وسجودهم إيماءً. وقوله: (وركبانًا) يريد: على رواحلهم؛ لأن فرض النزول سقط. قَالَ الشافعي في ذلك: لا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة الخفيفة ويطعن، وإن تابع الضرب أو الطعن أو عمل عملًا يطول بطلت صلاته (٥). وقال الطحاوي: وذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على دابته وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول. قَالَ: وذهب آخرون إلى أن الراكب إن كان يقاتل فلا يصلي، وإن ---------------- (١) روى عنه هذا الأثر البيهقي ٣/ ٢٥٥ كتاب: صلاة الخوف، باب: كيفية صلاة شدة الخوف. (٢) ذكر عنهم ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٨، ٥/ ٣٩. (٣) «الموطأ» ص ١٣٠ كتاب: الجمعة، باب: صلاة الخوف. (٤) السابق. (٥) انظر: «البيان» ٢/ ٥٢٨. كان راكبًا لا يمكنه النزول ولا يقاتل صلى؛ ويجوز أن يكون - ﷺ - يوم الخندق لم يصل؛ لأن القتال عمل، والصلاة لا عمل فيها، ورد الطحاوي القول الأول بأنه - ﷺ - لم يكن صلى يوم الخندق؛ لأنها لم تشرع إذ ذاك. وروى ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قَالَ: صلى النبي - ﷺ - الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق بعد المغرب بهوي من الليل كما كان يصليها في وقتها (١)، وذلك قبل أن ينزل الله عليه في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (٢). قَالَ الطحاوي: وأخبر أبو سعيد أن تركهم الصلاة يومئذ ركبانا إنما كان قبل أن يباح لهم ذلك، ثم أبيح بهذِه الآية، فثبت بذلك أن الرجل إذا كان في الخوف لا يمكنه النزول عن دابته أنَّ له أنْ يصلي عليها إيماءً، وكذلك لو أن رجلًا كان على الأرض خاف أن يفترسه سبع أو يضربه رجل بسيف فله أن يصلي قاعدًا إن كان يخاف ذلك في القيام ويومئ إيماء، وهذا كله قول أبي حنيفة وصاحبيه (٣). -------------------- (١) رواه النسائي ٢/ ١٧ كتاب: الأذان، باب: الأذان للفائت من الصلوات، وأحمد ٣/ ٢٥، والشافعي في «مسنده» ١/ ١٩٦ - ١٩٧ (٥٥٣) كتاب: الصلاة، باب: في قضاء الفوائت، وابن أبي شيبة ١/ ٤١٦ (٤٧٨٠) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يتشاغل في الحرب أو نحو، كيف يصلي، الدارمي في «مسنده» ٢/ ٩٥٤ (١٥٦٥) كتاب: الصلاة، باب: الحبس عن الصلاة، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٩٩ (٩٩٦) كتاب: الصلاة، باب: ذكر فوت الصلوات والسنة في قضائها، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٢١. (٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٢١. (٣) انظر التخريج قبل السابق. قَالَ في «المدونة»: حيث توجهت به (١)، وكان أحبَّ إليه إن أمن أن يعيد في الوقت، ولم يره كالعدو. وقال المغيرة: هما سواء، ويعيد الخائف من العدو في الوقت. وقال ابن المنذر: وكل ما فعله المصلي في حال شدة الخوف مما لا يقدر على غيره، فالصلاة مجزئة عنه قياسًا على ما وضع عنه من القيام والركوع والسجود لعلة ما هو فيه من مطاردة العدو، وهذا أشبه بظاهر الكتاب والسنة مع موافقته للنظر (٢). وروي عن ابن زياد عن مالك فيمن خاف أن ينزل عن دابته من لصوص أو سباع، فإنه يصلي عليها الفريضة حيثما توجهت به ويومئ، وقاله أشهب (٣). وقال ابن التين: الخوف ضربان: يمكن فيه إقامة الصف لكن يخاف من ظهور العدو بالاشتغال بالصلاة، ولا يخلو أن يرجو أن يأمن في الوقت، فهذا ينتظر أن يأمن أو لا يرجو، فيصلي صلاة الخوف. ولا يمكن معه إقامة الصف، ولا استدبار مثل المنهزم المطلوب، فهذا يصلي كيف أمكنه راجلًا وراكبًا؛ للآية لأنه لم يقدر على أكثر من ذلك، فلم يلزمه غيره. فرع: ما سلف إذا كان مطلوبًا، فإن كان طالبًا فقال ابن عبد الحكم: لا يصلي إلا بالأرض صلاة الآمن. --------------- (١) انظر: «المدونة» ١/ ١٥٠. (٢) انظر: «الأوسط» ٥/ ٣٨. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٨٤. وقال ابن حبيب: هو في سعة من ذلك، كذا نقل أبو الوليد عن ابن عبد الحكم (١)، ونقل غير واحد عنه أن صلاته بالأرض أولى منها على الدواب. ----------------- (١) «المنتقى» ١/ ٣٢٥. ٣ - باب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي صَلَاةِ الخَوْفِ ٩٤٤ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. [فتح: ٢/ ٤٣٣] ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ .. الحديث. وهو من أفراده، وفي رواية أنها كانت بذي قرد (١). وفي آخره: وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ، ولكن يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وهذا إذا كان العدو بينه وبين القبلة، فيصف الناس صفين، فيركع بالصف الذي يليه ويسجد معه، والصف الثاني قائم يحرس، فإذا قام من سجوده إلى الركعة الثانية تقدم الصف الثاني وتأخر الأول فركع - ﷺ - بهم وأكمل الركعة، وهم كلهم في صلاة. وقد روي الحديث من طريق آخر عن ابن عباس أنه - ﷺ - صلى بهم صلاة الخوف بذي قرد والمشركون بينه وبين القبلة (٢)، وقد روى نحوه أبو عياش الزرقي وجابر بن عبد الله مرفوعًا (٣)، وبه قَالَ ابن عباس: إذا كان العدو في القبلة أن يصلي على هذِه الصفة (٤). وهو مذهب ابن أبي --------------- (١) ستأتي برقم (٤١٢٥) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع. (٢) رواه البخاري معلقًا عقب الرواية (٤١٢٥). (٣) سبق تخريجهما. (٤) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣١٩ - ٣٢٠. ليلى، وحكى ابن القصار عن الشافعي نحوه. وقال الطحاوي: وذهب أبو يوسف إلى أن العدو إذا كان في القبلة فالصلاة هكذا، وإن كان في غيرها فالصلاة كما روى ابن عمر وغيره. قَالَ: وبهذا تتفق الأحاديث. قَالَ: وليس هذا بخلاف التنزيل؛ لأنه قد يجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] إذا كان العدو في غير القبلة، ثم أوحي إليه بعد ذلك كيف حكم الصلاة إذا كانوا في القبلة، ففعل الفعلين جميعًا كما جاء الخبران (١). وترك مالك وأبو حنيفة (٢) العمل بهذا الحديث لمخالفته القرآن، وهو قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ الآية، والقرآن يدل على ما جاءت به الروايات في صلاة الخوف عن ابن عمر وغيره من دخول الطائفة الثانية في الركعة الثانية، ولم يكونوا صلوا قبل ذلك. وقال أشهب وسحنون: إذا كان العدو في القبلة لا أحبُّ أن يصلى بالجيش أجمع؛ لأنه يتعرض أن يفتنه العدو ويشغلوه، ويصلى بطائفتين سنة صلاة الخوف (٣). ----------------- (١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣١٩. (٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣١٩. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٨٤. ٤ - باب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ وَلِقَاءِ العَدُوِّ [وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ، حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أَوْ يَأمَنُوا. فَيُصَلُّوا رَكعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وُيؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أنَسٌ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا. وَقَالَ أنَسٌ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا]. ٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَأَنَا وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ». قَالَ: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ بَعْدَهَا. [انظر: ٥٩٦ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢/ ٤٣٤] وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً. إلى أن قال: وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أنَسٌ: حَضَرْتُ مُنَاهَضَةَ حِصْنِ تُسْتَرَ .. إلى آخره. ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ .. الحديث. وقد سلف في مواضع منها: باب: من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت (١). وشيخ البخاري فيه: يحيى. قَالَ الجياني (٢)، نسبه ابن السكن: يحيى بن موسى الحداني. ونسبه أبو ذر عن المستملي: يحيى بن جعفر البلخي. وروى الكلاباذي أن يحيى بن موسى ويحيى بن جعفر يرويان جميعًا عن وكيع في الجنائز، وبخط الدمياطي الحافظ هو: خت. وقيل: خت أبوه موسى، مات سنة تسع (٣) وثلاثين (٤). إذا عرفت ذلك، فالصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، فهي صلاة حال المسايفة والقتال، الذي تقدم ذكرها في باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا (٥). وحديث جابر هو حجة الأوزاعي ومكحول أن من لم يقدر على الإيماء أخَّر الصلاة حتى يصليها كاملة، ولا يجزئ عنها تسبيح ولا تهليل؛ لأنه - ﷺ - قد أخَّرها يوم الخندق، وإن كان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، فإن فيه من الاستدلال أن الله تعالى لم يعب تأخيره لها لما كان فيه من شغل الحرب، فكذا الحال التي هي أشد من ذلك؛ إلا أنه استدلالٌ ضعيفٌ من أجل أن سُنَّة صلاة الخوف لم تكن نزلت قبل ذلك، فأما قول الأوزاعي: فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين. فقد ------------ (١) برقم (٥٩٦) كتاب: مواقيت الصلاة. (٢) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٥٩. (٣) ورد في هامش الأصل: في «الكاشف» ٢٤٠. (٤) يحيى بن موسى بن عبد ربه بن سالم الحداني، أبو زكريا البلخي السختياني المعروف، وثقة أبو زرعة والنسائي، قال محمد بن إسحاق الثقفي: ثقة مأمون، وقال الدارقطني: كان من الثقات، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر: «الكاشف» (٦٢٥٤). (٥) سلف برقم (٩٤٣) كتاب: صلاة الخوف. روي مثله عن الحسن البصري وقتادة، وهو قول مكحول (١). وعن الحسن أن الإمام يصلي ركعتين والمأموم ركعة، فلعله اختلف قوله فيه، أو تكون صلاة المسايفة تخالف غيرها، ويحتمل أن مستند ذلك قول مجاهد عن ابن عباس: صلاة الخوف ركعة. قَالَ الطحاوي: وهذا الحديث يعارضه القرآن، وذلك أنه تعالى قَالَ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، ففرض الله صلاة الخوف، ونص فرضها في كتابه هكذا، وجعل صلاة الطائفة الأخرى بعد تمام الركعة الأولى مع الإمام، فثبت بهذا أن الإمام يصليها في حال الخوف ركعتين، وقد روى عبد الله عن ابن عباس خلاف ما روى عنه مجاهد (٢)، وقد سلف. والفقهاء وأكثر الصحابة على أن القصر في الخوف ليس بقصر عدد، وإنما هو قصر هيئة. وأما التكبير فقد روي عن مجاهد أنه قَالَ: صلاة المسايفة تكبيرة واحدة (٣). وعن سعيد بن جبير وأبي عبد الرحمن قَالَ: الصلاة عند المسايفة تهليل وتسبيح وتمجيد وتكبير (٤). وذكر ابن المنذر عن إسحاق: تجزئك ركعة تومئ بها، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة واحدة؛ لأنه ذكر الله (٥). -------------- (١) انظر: «المغني» ٣/ ٣٠٦. (٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٠٩. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢١٥ (٨٢٦٦) في الصلاة، باب: في الصلاة عند المسايفة. (٤) رواهما ابن أبي شيبة ٢/ ٢١٤ (٨٢٦٠) كتاب: الصلوات. (٥) «الأوسط» ٥/ ٢٨. وقال الحسن بن حَيّ: يكبر مكان كل ركعة تكبيرة. وقد سلف. وأما أئمة الفتوى فلا يجزئ عندهم التكبير عن الركوع والسجود؛ لأن التكبير لا يسمى بركوع ولا سجود، وإنما يجزئ الإتيان بأيسرهما، وأقل الأعمال الثابتة عنها الإشارة والإيماء الدال على الخضوع لله تعالى فيهما. قَالَ الأصيلي: ومعنى (قول أنس: فلم يقدروا على الصلاة): فإنهم لم يجدوا السبيل إلى الوضوء من شدةِ القتال، فأخروا الصَّلاةَ إلى وجود الماء، ويحتمل أن يكون تأخيره - ﷺ - يوم الخندق حَتَّى غربت؛ لأنه لم يجد السبيل إلى الوضوء. قلتُ: ويحتمل النسيان، ولأجل الخوف والشغل بحرب المشركين. وقوله: (لَمْ يُصَلِّ إلاَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ). قَالَ خليفة بن خياط في «تاريخه»: حدَّثَنَا ابن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قَالَ: لم نُصَلِ يومئذِ الغداة حَتَّى انتصف النهار. قَالَ خليفة: وذلك في سنة عشرين. وقوله: (مَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وفي رواية خليفة: الدنيا كلها. بمعنى: أنهم أتوا بها في وقتها لم يفرطوا، ولم يكن عليهم أكثر من ذلك. وقيل: يريد: لو كانت في وقتها كان أحبَّ إليَّ من الدنيا وما فيها. وقول الأوزاعي: فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال. فيه مخالفة لقول مالك؛ لأنه لا يعجزه عن الإيماء طالبين ولا مطلوبين، ولا يمنعهم مسايفة (١). وقوله: (لا يجزئهم التكبير). قد سلف ما فيه. --------------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٢٥، و«عارضة الأحوذي» ٣/ ٤٦. ٥ - باب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالمَطلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً وَقَالَ الوَلِيدُ: ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الفَوْتُ، وَاحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». - باب ٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. [٤١١٩ - مسلم: ١٧٧٠ - فتح: ٢/ ٤٣٦] ذكر فيه حديث ابن عمر قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا في بَني قُرَيْظَةَ ..» الحديث. كذا في بعض النسخ: (باب). وفي شرح شيخنا حذفه. وهذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي (١) ومسلم أيضًا هناك (٢). والأثر أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا ابن عون، عن رجاء بن حيوة الكندي قَالَ: كان ثابت بن السَّمط -أو السَّمط بن ثابت- في مسيرٍ في خوفٍ، فحضرت الصلاة فصلوا ركبانًا، فنزل الأشتر. فقال: ما له؟ ------------------ (١) سيأتي برقم (٤١١٩) باب: مرجع النبي من الأحزاب. (٢) «صحيح مسلم» (١٧٧٠/ ٦٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين. قالوا: نزل يصلي. قَالَ: ما له خالف خولف به (١). وذكر ابن حبان أن ثابت بن السَّمط أخو شرحبيل بن السمط (٢)، فإذا كان كذلك فيشبه أن يكونا كانا في ذلك الجيش فنسب إلى كل منهما؛ لأنهما كانا رئيسيه. والسَّمط بفتح السين وكسر الميم، قيده الجياني (٣). وعن بعضهم بكسر السين وإسكان اليم، وقد ذكر شرحبيل جماعة في الصحابة، وثابتًا في التابعين، وشرحبيل هو الذي كان على حمص، وهو الذي افتتحها. قال أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي صاحب «تاريخ حمص»: مات بسلمية سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة أربعين، هاجر إلى المدينة زمن عمر. وقَالَ أبو داود: مات بصفين (٤). واختلفت الرواية: هل قَالَ: «لا يصلين أحد الظهر» أو«العصر»؟ ففي البخاري عن شيخه عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية: «العصر». ووافقه أبو غسان عن جويرة، أخرجهما الإسماعيلي. وروى عنه مسلم «الظهر» (٥)، وكذا رواه ابن حبان في «صحيحه» من طريق أبي غسان (عنه) (٦) (٧). --------------- (١) «المصنف» ٢/ ٢١٥ (٨٢٧٠) كتاب: الصلوات، باب: في الصلاة عند المسايفة. (٢) «الثقات» ٤/ ٩١. (٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٣٠١. (٤) «سنن أبي داود» عقب الرواية (٣٩٦٧) كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل. (٥) «صحيح مسلم» (١٧٧٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين. (٦) كذا في الأصل، وعلق عليه في الهامش قائلًا: هو رجل وهو جويرية بن أسماء. (٧) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٣٢٠ - ٣٢١ (١٤٦٢) كتاب: الصلاة، باب: الوعيد على ترك الصلاة، وأبو غسان هو مالك بن إسماعيل النهدي. واختلف على أبي يعلى الموصلي عنه، فرواه عنه الإسماعيلي بلفظ: «العصر» ورواه أبو نعيم في «مستخرجه» على البخاري «الظهر»، ورواه ابن سعد، عن مالك كذلك أيضًا (١). وذكر ابن إسحاق: لما انصرف رسول الله - ﷺ - عن الخندق راجعًا إلى المدينة، والمسلمون قد وضعوا السلاح، فلما كان الظهر أتى جبريل رسول الله - ﷺ - قَالَ: لقد وضعت السلاح؟ قَالَ: «نعم». قَالَ جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم. فأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا فأذن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة (٢). قَالَ ابن سعد: ثم سار إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة عقب الخندق (٣). والاختلاف في الخندق هل هي سنة خمس أو أربع؟ فحاصرهم خمس عشرة ليلة، وقيل: خمسًا وعشرين ليلة. وقال ابن عبد البر: بضعًا وعشرين ليلة. وذكر ابن حزم: وتتابع المسلمون، ولما كانت صلاة العصر وهم في الطريق ذكروا الصلاة، فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول الله - ﷺ - أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة؟ فصلت طائفة منهم، وأخرت طائفة منهم العصر فصلوها في بني قريطة بعد العشاء. وفي الجمع بين روايتي الظهر أو العصر احتمالان: -------------------- (١) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٧٦. (٢) ذكره ابن هشام في «السيرة النبوية» ٣/ ٢٥٢ عنه. (٣) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٧٤. أحدهما: أنه كان بعد دخول وقت الظهر، وقد صلاها بالمدينة بعضهم دون بعض، فقيل للذين لم يصلوها: لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة. وللذين صلوها بالمدينة: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة. الثاني: أنه قيل ذلك للجميع، ويحتمل ثالثًا وهو أنه قيل للذين ذهبوا أولًا: لا تصلوا الظهر إلا في كذا. وللذين ذهبوا بعدهم: العصر. إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: صلاة شرحبيل ظاهرها أنها كانت في الوقت، وهو من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] واحتجاج الوليد بحديث بني قريظة لا حجة فيه كما قاله الداودي؛ لأنه كان قبل نزول صلاة الخوف، أو لأنه إنما أراد سرعة سفرهم، ولم يجعل لهم في بني قريظة موضعًا للصلاة، وقيل: إنما صلى شرحبيل على ظهر الدابة؛ لأنه طمع بالفتح للحصن فصلى إيماءً ثم فتحه، وجوز ذلك بعض أصحاب مالك، وهو نحو ما سلف عن ابن حبيب، وقاله مالك أيضًا والأوزاعي في الأصل. وقال عطاء والحسن والثوري والشافعي: لا يصلي الطالب إلا بالأرض (١)، ويحتمل أن يكون لما أمرهم - ﷺ - بتأخير العصر ترك الفرض، وهو فرض ولم يعنفهم بذلك فشرع للطالب أن يصلي راكبًا في الوقت إيماءً، قياسًا على ترك الوقت. الثاني: اختلف العلماء في صلاة الطالب على ظهر الدابة بعد اتفاقهم على ---------------- (١) ذكرها عنهم ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٤٢. جواز صلاة المطلوب راكبًا، فذهبت طائفة إلى أن الطالب لا يصلي على دابته وينزل فيصلي بالأرض، هذا قول عطاء -ومن أسلفناه- وأحمد وأبي ثور (١). وقال الشافعي: إلا في حالة واحدة، وهو أن يقطع الطالبون من أصحابهم فيخافوا عودة المطلوبين إليهم، فإذا كان هكذا جاز لهم الإيماء ركبانًا (٢). وذكر ابن حبيب عن ابن عبد الحكم قَالَ: صلاة الطالب بالأرض أولى من الصلاة على الدواب وفيها قول ثان. قَالَ ابن حبيب: هو في سعة، وإن كان طالبًا لا ينزل فيصلي إيماءً؛ لأنه مع عدوه لم يصل إلى حقيقة أمن، وقاله مالك (٣)، وهو مذهب الأوزاعي وشرحبيل، وذكر المدائني عن الأوزاعي قَالَ: إذا خاف الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلوا حيث وجهوا على كل حال؛ لأن الحديث جاء أن النصر لا يرفع مادام الطلب. ونقل ابن النقيب في «تفسيره» عن أبي حنيفة أن المطلوب يصلي وهو مسايف، والطالب لا يصلي على الدابة (٤). وعن مالك وجماعة من أصحابه: هما كل واحد منهما يصلي على دابته (٥). وعن الأوزاعي والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث كقول أبي حنيفة؛ لأن الطلب تطوع والصلاة المكتوبة فرضها أن يصلي الرجل ------------------- (١) انظر التخريج السابق. (٢) «الأم» ١/ ٢٠. (٣) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٢٥. (٤) انظر: «البناية» ٣/ ٢٠٢. (٥) انظر: «عارضة الأحوذي» ٢/ ٤٦. حيثما أمكن ذلك، وهو قول عطاء ومن سلف (١)، وعن الأوزاعي مرة: إن كان الطالب قرب المطلوب أومأ وإلا فلا. وعن الشافعي ما سلف. وروى أبو داود في صلاة الطالب حديث عبد الله بن أنيس قَالَ: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرفة وعرفات، وقال: «اذهب فاقتله». قَالَ: فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي، أومئ إيماءً نحوه، فلما دنوت منه قَالَ: من أنت؟ قلتُ: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك قَالَ: إني لفي ذلك قَالَ: فمشيت معه ساعة حَتَّى إذا أمكنني علوته بسيفي حَتَّى برد (٢). قَالَ ابن بطال: وطلبت قصة شرحبيل بن السمط بتمامها لأبيِّن هل كانوا طالبين أم لا؟ فذكر الفزاري في «السير» عن ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن ثابت بن السمط -أو عكسه- قَالَ: كانوا في سفر في خوفٍ فصلوا ركبانًا، فالتفت فرأى الأشتر قد نزل للصلاة، فقال: خالف خولف به. فجرح الأشتر في الفتنة (٣). فبان بهذا الخبر أنهم كانوا طالبين حين صلوا ركبانًا؛ لأن الإجماع حاصل على أن المطلوب لا يصلي إلا راكبًا، إنما اختلفوا في الطالب، --------------- (١) انظر: «الأوسط» ٥/ ٤٢. (٢) «سنن أبي داود» (١٢٤٩) كتاب: صلاة السفر، باب: صلاة الطالب، وصححه ابن خزيمة ٢/ ٩١ - ٩٢ (٩٨٢) كتاب: الصلاة، باب: الرخصة في الصلاة ماشيًا. وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٤٣٧: إسناده حسن. وانظر: «صحيح أبي داود» (١١٣٥)، و«الإرواء» (٥٨٩). (٣) تقدم عزو هذا الأثر عند المصنِّف قريبًا، فعزاه إلى ابن أبي شيبة ٢/ ٢١٥ عن وكيع عن ابن عون، به. ![]()
__________________
|
|
#214
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 41 الى صـــ 60 الحلقة (214) وأما استدلال الوليد بقصة بني قريظة على صلاة الطالب راكبًا، فلو وجد في بعض طرق الحدشج أن الذين صلوا في الطريق صلوا ركبانًا لكان ثبتًا في الاستدلال، ولم يحتج إلى غيره، ولما لم يوجد ذلك احتمل أن يكون لما أمرهم - ﷺ - بتأخير العصر إلى بني قريظة. وقد علم بالوحي أنهم لا يأتونها إلا بعد مغيب الشمس، ووقت العصر فرضٌ، فاستدل أنه كما ساغ للذين صلوا في بني قريظة ترك الوقت وهو فرض، ولم يعنفهم - ﷺ -، فلذلك سوغ للطالب أن يصلي في الوقت راكبًا بالإيماء، ويكون تركه للركوع والسجود المفترض كترك الذين صلوا في بني قريظة الوقت الذي هو فرض، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، قاله المهلب. قَالَ: والأمر بالصلاة في بني قريظة أراد به إزعاج الناس إليها لما كان خبره جبريل أنه لم يضع السلاح بعد، وأمره ببني قريظة (١)، وقد أسلفنا ذلك. وقال ابن المنير: أشكل ذلك على ابن بطال ثم لخص كلامه السالف، وقال: والأبين عندي والذي أعلم على غير ذلك. وإنما استدل البخاري بالطائفة التي صلَّت فظهر له إنما لم تنزل؛ لأنه - ﷺ - إنما أمرهم بالاستعجال إلى بني قريظة، والنزول ينافي مقصود الجد في الوصول، فمنهم من بني أن النزول للصلاة معصية للأمر بالجد، فتركها إلى أن فات وقتها لوجود المعارضين (٢)، ومنهم من جمع بين دليلي وجوب الصلاة ووجوب الإسراع في هذ السير، فصلى راكبًا، -------------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥. (٢) كذا بالأصل، وفي «الفتح»: المعارض، ولعله الصواب. ولو فرضناها صُليت نازلة لكان ذلك مضادة لما أمر به الرسول، وهذا لا يظن بأحد من الصحابة على تقوية أفهامهم وحسن أفئدتهم، وأما صلاة المطلوب فمأخوذ بالقياس على الطالب بطريق أولى (١). وقال بعضهم: يحتمل أنه لما بوَّب ما سلف ثم ذكر قول الوليد أن هذا الأثر هو حكم التبويب، وأن الحديث الذي ساقه بعد ذلك لا تكون الترجمة له مطابقة، ولأجل ذلك فرق بينهما بباب كما سلف ولم يجعل فيه ترجمة، وأن يكون ما ذكره من قول الوليد والأوزاعي هو حكم صلاة الطالب والمطلوب عند البخاري، وأن يكون الحديث الذي أورده في الباب بعده حكم صلاة الطالب والمطلوب إما أن يصلي أو يؤخر، وهو قول بعضهم، أو يكون مراد البخاري لما ذكر استدلال الوليد بالحديث أورد لذلك الحديث سندًا ليعلم صحة الحديث عنده، واستدلاله. الثالث: استنبط أبو حاتم بن حبان منه معنًى حسنًا حيث قَالَ: لو كان تأخير المرء للصلاة عن وقتها إلى أن يدخل وقت الأخرى يلزمه بذلك اسم الكفر لما أمر المصطفي بذلك (٢). الرابع: قَالَ السهيلي: فيه دليل على أن كل مختلفَيْن في الفروع من المجتهدين مصيب، إذ لا يستحيل أن يكون الشيء صوابًا في حق إنسان خطأً في حق غيره، فيكون من اجتهد في مسألة فأدَّاه اجتهاده ------------------- (١) «المتواري» ص ١١١ - ١١٢. (٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٤١٨ - ٤١٩ عقب الرواية (١٤٦٠) كتاب: الصلاة، باب الوعيد على ترك الصلاة. إلى الحل مصيبًا في حلها، وكذا الحرمة، وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخصٍ واحدٍ، وإنما عرفهم هذا الأصل على طائفتين: الظاهرية: لأنهم علقوا الأحكام بالنصوص، فاستحال عندهم أن يكون النص يأتي بحظر وإباحة معًا إلا على وجه النسخ. والمعتزلة: فإنهم علقوا الأحكام بتقبيح العقل وتحسينه، فصار حسن العقل عندهم أو قبحه صفة عين، فاستحال عندهم أن يتصف فعلٌ بالحسن في حق زيد والقبح في حق عمرو، كما يستحيل ذلك في الألوان والأكوان، وغيرها من الصفات القائمة بالذوات. وأما ماعدا هاتين الطائفتين فليس الحظر عندهم والإباحة بصفات أعيان، وإنما هي صفات أحكام. وردَّ هذا الخطابي فقال: فيه حجة لمن يرى تساوي الأدلة ويقول: كل مجتهد مصيب، وليس كما ظنه، وإنما هو ظاهر خطاب خص بنوع من الدليل، ألا تراه قَالَ: بل نصلي، لم يرد منا ذلك؛ يريد أن طاعة رسول الله - ﷺ - فيما أمر به من إقامة الصلاة في بني قريظة لا توجب تأخيرها عن وقتها على عموم الأقوال، وإنما هو كأنه قَالَ: صلوا في بني قريظة إلا أن يدرككم وقتها قبل أن تصلوا إليها. وكذا الطائفة الأخرى في تأخيرهم الصلاة، كأنه قيل لهم: صلوا الصلاة في أوَّل وقتها، إلا أن يكون لهم عذر، فأخروها إلى آخر وقتها، وتخصيص العموم بناء على أصل متقرر، ومن خصه بدليل فإنه لا يخصه (١) عن جملة أصله الموجوب (٢)، وفي القول بتساوي الأدلة ----------------- (١) في «أعلام الحديث»: يخرجه. (٢) في «أعلام الحديث» الموجب. تجويز أحكام متضادة (١). وقال غيره: اختلاف الصحابة في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها وتأخيرها سببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم، فإن الصلاة مأمورٌ بها في الوقت، مع أن المفهوم من قوله: «لَا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ -كذا- إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»: المبادرةُ بالذهاب إليه، وأن لا يشتغل عنه بشيء؛ لأن تأخير الصلاة مقصودٌ في نفسه من حيث أنه تأخيرٌ، فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم، ونظر إلى المعنى لا إلى اللفظ، فصلوا حين خافوا الفوت، وأخَّر آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته، ولم يعنف الشارع واحدًا منهما؛ لأنهم مجتهدون، ففيه دليل لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى، ولمن يقول بالظاهر أيضًا. وفيه: أنه لا يعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده إذا بذل وسعه في الاجتهاد. قَالَ: وقد يستدل به على أن كل مجتهد مصيب وللقائل الآخر أن يقول: لم يصرح بإصابة الطائفتين، بل ترك تعنيفهم، ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد وإن أخطأ إذا بذل وسعه في الاجتهاد. الخامس: فيه أيضًا: كما قَالَ الداودي: إن المتأول إذا لم يتعد في التأويل ليس بمخطئ، وأن السكوت على فعل أمرٍ كالقول بإجازته. فرع: في جواز الجمع بالخوف قولان في مذهب مالك، وقال ابن القاسم: لا بأس به، أي: لأن مشقته أكثر من مشقة السفر والمطر (٢). ---------------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٥٨٨ - ٥٨٩. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٨٦. ٦ - باب التَّبْكِيرِ وَالغَلَسِ بِالصُّبْحِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالحَرْبِ. ٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ». فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ -قَالَ: وَالخَمِيسُ الجَيْشُ- فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا. فَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا. فَتَبَسَّمَ. [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٢/ ٤٣٨] ذكر فيه حديث أنس أنه - ﷺ - صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ .. الحديث. وقد سلف في باب: ما يذكر في الفخذ (١)، وسيأتي في المغازي أيضًا (٢)، وأخرج قطعة منه في البيوع (٣)، وهو مشتمل على صلاته بغلس ونزوله بخيبر وعتق صفية. و(الغلس): بقايا ظلام الليل، وكان نزوله بها ليلًا فصلى الصبح بغلس ثم ركب. وفيه: التكبير شكرًا لله تعالى عندما يرى الإنسان ما يسر به كبَلَدِهِ، وكذا لولادة الغلام، ورؤية الهلال؛ لأنه إعلام بما ظهر، ورفع الصوت به إظهارًا لعلو دين الله وظهور أمره. فإن قلتَ: ثواب العتق معلوم، فكيف فوته وفعله في مقابلة النكاح؟ ------------------ (١) برقم (٣٧١) كتاب: الصلاة. (٢) برقم (٤٠٨٣) باب: أحد يحبنا ونحبه. (٣) سيأتي برقم (٢٢٢٨) باب: بيع العبيد والحيوان بالحيوان نسيئة. فالجواب: أن صفية كانت بنت ملك، ومثلها لا تقنع بالمهر إلا بالكثير، فلم يكن بيده ما يرضيها ولم ير أن يقصر بها، فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرف من الأموال الكثيرة. وقوله: (مَا مَهَرَهَا؟) قَالَ: أمْهِرْها نفسها. قَالَ شيخنا قطب الدين: صوابه: مهرها. يعني: بحذف الألف، وبخط الحافظ الدمياطي، يقال: مهرت المرأة وأمهرتها: أعطيتها الصداق. وأنكر أبو حاتم: أمهرت. إلا في لغةٍ ضعيفة. قَالَ: وهذا الحديث يرد عليه، وصححها أبو زيد، وقال: تميم تقول: مهرت. وكذا قَالَ ابن التين: يقال: مهرت المرأة وأمهرتها، وقيل: مهرتها، ثلاثي أفصح وأغرب. والتغليس بالصبح سنة سفرًا وحضرًا وكان من عادته ذلك، ولم يخالف ذلك إلا يوم الأعرابي الذي سأله عن المواقيت لأجل التعليم (١). وقوله: («إنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ») يريد: أنهم تقدم إليهم الإنذار فعتوا، فنزل بساحتهم نزول الانتقام منهم والإذلال لهم، يقول: إذا حللنا مع قوم في ديارهم غلبناهم. قَالَ ابن التين: والساحة: الموضع. وقيل: ساحة الدور. وقوله: («فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ») أي: أصابهم السوء من القتل على الكفر والاسترقاق. ---------------- (١) سلف برقم (٥٩) كتاب: العلم، باب: من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل. وقوله: (جَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا) قد أسلفنا أن هذا من خواصه، وحكاه ابن التين عن مالك، ثم قَالَ: وعند الشافعي: لا. وهذا نقل غريب عن الشافعي (١)، ولعله تبع الترمذي فيه (٢)، وليس فيه ذكر الدعوة إلى الإسلام قبل القتال، وإن كان يحتمل وقوعه وعدم نقله لكنه بعيد. ------------- (١) ورد بهامش الأصل: صريح هذا اللفظ أن الشافعي لا يجوز ذلك، والذي رأيته للشافعية مثل ما قال، وأما قول المؤلف هذا نقل غريب إنما الغريب قوله بالجواز، وكأنه انعكس على المؤلف، ويدل على ذلك قوله: ولعله تبع فيه الترمذي، فإن الذي حكاه الترمذي في «السنن» عن الشافعي وأحمد وإسحاق هو الجواز. فاعلم ذلك. (٢) انظر: «سنن الترمذي» ٣/ ٤١٤ - ٤١٥. ١٣ كتاب العيدين [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١٣ - كتاب العيدين] (١) ١ - باب فِي العِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ ٩٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ، بْنَ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْتَعْ هَذِهِ؛ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالوُفُودِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الجُبَّةِ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ». [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح: ٢/ ٤٣٩] هو في اللغة: الوقت الذي يعود فيه الفرح والسرور، وأصله من الرجوع والمعاودة في كل سنة بفرحٍ، قلبت الواو منه ياء لسكونها --------------- (١) من اليونينية. وانكسار ما قبلها كالميزان والميقات من الوزن والوقت، وجمعه: أعياد. فلم يعيدوا الواو لزوال علة القلب للفرق بينه وبين جمع عود، وقيل للزوم الياء في الواحد ولهذا صغر على عييد، بالياء، وقيل: سمي عيدًا لكثرة عوائد الله فيهما على عباده. وقيل: اشتقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، وأول عيد صلاه - ﷺ - عيد الفطر من السنة الثانية من الهجرة، وفي «سنن أبي داود» والنسائي من حديث أنس: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيها في الجاهلية. فقال - ﷺ -: «إن الله قد أبدلكما بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى والفطر» (١)، إسناده صحيح (٢). وصلاة العيد سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية. واختلف في النساء والعبيد والصبيان والمسافرين وأهل القرى الذين لا جمعة عليهم، ففي «المدونة»: لا تجب على النساء والعبيد، ولا يؤمرون بالخروج كالجمعة (٣). وقال مطرف وابن الماجشون: عند ابن حبيب: هي سنة لجميع المسلمين، النساء والعبيد والمسافرين ومن عقل الصلاة من الصبيان. وقال في «العتبية»: إنما يجمع في العيدين من تلزمهم الجمعة. وروى ابن القاسم عن مالك أنها تلزم قرية فيها عشرون رجلًا، والنزول إليها --------------- (١) «سنن أبي داود» (١١٣٤) كتاب: الصلاة، باب: صلاة العيدين، «سنن النسائي» ٣/ ١٧٩ - ١٨٠ كتاب: الصلاة، باب: صلاة العيدين. (٢) قلت: صححه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٩٤ على شرط مسلم. وصححه عبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» ٢/ ٧٩. وصحح إسناده النووي في «الخلاصة» ٢/ ٨١٩ (٢٨٨٣)، والحافظ في «الفتح» ٢/ ٤٤٢. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠٣٩)، وفي «الصحيحة» (٢٠٢١): إسناده صحيح على شرط مسلم. (٣) «المدونة» ١/ ١٥٥. من ثلاثة أميال كالجمعة (١). ذكر في الباب حديث عبد الله بن عمر قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ .. الحديث. سلف في الجمعة (٢)، ولا شك أن التجمل بالثياب غير منكر شرعًا، وأن التهيؤ للقاء الناس بالتجمل المباح لا ينكر، ولهذا لم ينكر الشارع إلا كونها حريرًا، وهذا على خلاف بعض المتقشفين، وقد روي عن الحسن البصري أنه خرج يومًا وعليه حلة يمان، وعلى فرقد جبة صوف، فجعل فرقد ينظر ويمس حلة الحسن ويسبح، فقال له: يا فرقد، ثيابي ثياب أهل الجنة، وثيابك ثياب أهل النار -يعني: القسيسين والرهبان- ثم قَالَ له: يا فرقد، التقوى ليس في هذا الكساء إنما التقوى ما وقر في الصدر وصدقه العمل. وفيه: استفهام الصحابة عند اختلاف القول والفعل؛ ليعلموا الوجه الذي يصرف إليه الأمر الثاني. وفيه: ائتلاف أصحابه بالعطاءِ وقبول العطية، إذا لم تجر عن مسألة، وفضل الكفاف، وجواز بيع الحرير للرجال والنساء وهبته، وهذا أغلظ حديث جاء في لبس الحرير، وقد جاء في التجمل في العيد وغيره أحاديث سلف بعضها في الجمعة. وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم، أنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - ﷺ - كان يلبس بردَ حبَرةٍ في كل عيد، وحَدَّثنَا إبراهيم، ثنا جعفر بن محمد قَالَ: كان - ﷺ - يعْتَم في كل عيد (٣). ---------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٨ - ٥٠٠. (٢) سلف برقم (٨٨٦) باب: يلبس أحسن ما يجد. (٣) «مسند الشافعي» ١/ ١٥٢ (٤٤١) باب: صلاة العيدين. ولابن خزيمة من حديث الحجاج، عن أبي جعفر، عن جابر أن رسول الله - ﷺ - كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة. وقال: حجاج: أظنه ابن عثمان (١). وللبيهقي عن أبي رزين، عن علي بن ربيعة قَالَ: شهدت عليًا يوم عيدٍ معتمًا قد أرخى عمامته من خلفه، والناس مثل ذلك، وعن نافع أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه (٢)، وصح أنه - ﷺ - خطب الناس وعليه عمامة سوداء، أخرجه مسلم من رواية عمرو بن حريث، عن أبيه (٣). وللبيهقي عن السائب بن يزيد قَالَ: رأيت عمر بن الخطاب معتمًّا قد أرخى عمامته من خلفه (٤). ------------- (١) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ١٣٢ (١٧٦٦). وقال النووي في «الخلاصة» ٢/ ٨٢٠ (٢٨٨٩): إسناده ضعيف. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٤٥٥). (٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٢٨١ كتاب: صلاة العيدين، باب: الزينة للعيد. (٣) «صحيح مسلم» (١٣٥٩/ ٤٥٢) كتاب: الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام. (٤) «السنن الكبرى» ٣/ ٢٨١ كتاب: صلاة العيدين، باب: الزينة للعيد. ٢ - باب الحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَومَ العِيدِ ٩٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - عليه السلام - فَقَالَ: «دَعْهُمَا». فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. [انظر: ٩٥٢، ٩٨٧، ٢٩٠٦، ٣٥٢٩، ٣٩٣١ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٤٠] ٩٥٠ - وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ». حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: «حَسْبُكِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاذْهَبِي». [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٤٠] حدثنا أَحْمَدُ، ثَنَا ابن وَهْبٍ، أنا عَمْروٌ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ علينا النبي - ﷺ - وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ .. الحديث. الشرح: هذا الحديث أخرجه أيضًا عقب هذا الباب (١)، وفي باب: نظر المرأة إلى الحبشة (٢)، وفي باب: إذا قام العبد يصلي ركعتين (٣)، وفي باب: حسن العشرة مع الأهل (٤)، وفي باب: أصحاب الحراب ----------- (١) يأتي برقم (٩٥٢) كتاب: العيدين، باب: سنة العيدين لأهل الإسلام. (٢) سيأتي برقم (٥٢٣٦) كتاب: النكاح. (٣) سيأتي برقم (٩٨٧ - ٩٨٨) كتاب: العيدين، باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين. (٤) برقم (٥١٩٠) كتاب: النكاح. في المسجد (١)، وفي باب: الدرق من الجهاد (٢)، فهذِه سبعة أبواب، وأخرجه مسلم أيضًا (٣). وعمرو هذا هو ابن الحارث، مصري، مات سنة ثمان وأربعين ومائة (٤). وأحمد هذا شيخ البخاري (٥)، قَالَ الدمياطي في الحاشية: أحمد بن صالح، مات سنة ثمان وأربعين، وابن عيسى سنة ثلاث وأربعين. وقال الجياني: أحمد هذا نسبه ابن السكن: أبو علي أحمد بن صالح المصري، وقال الحاكم: روى البخاري في كتاب الصلاة في ----------- (١) سبق برقم (٤٥٤) كتاب: الصلاة. (٢) سيأتي برقم (٢٩٠٦ - ٢٩٠٧) كتاب: الجهاد والسير. (٣) «صحيح مسلم» (٨٩٢) كتاب: صلاة العيدين، باب: الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد. (٤) عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري، أبو أمية المصري، مدني الأصل، مولى قيس بن سعد بن عُبادة. كان قارئًا، فقيهًا، مفتيًا، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين وأبو زرعة والعجلي، والنسائي، وغير واحد: ثقة، وقال أبو حاتم: كان أحفظ أهل زمانه. انظر: «تهذيب الكمال» ٢١/ ٥٧٠. (٥) أحمد بن صالح المصري أبو جعفر الحافظ المعروف بابن الطبري كان أبوه من أهل طبرستان من الهند، وكان أبو جعفر أحد الحفاظ المبرزين والأئمة المذكورين. قال البخاري عنه: أحمد بن صالح ثقة صدوق ما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة، كان أحمد بن حنبل وعلي وابن نمير وغيرهم يُثبتون أحمد بن صالح، وقال ابن عدي: وكان النسائي سيئ الرأي في أحمد بن صالح، فأحمد بن صالح من حفاظ الحديث، وخاصة لحديث الحجاز، ومن المشهورين بمعرفته، وحدث عنه البخاري مع شدة استقصائه، ولولا أني شرطت في كتابي أن أذكر فيه كل من تكلم فيه متكلم، لكنت أُجلُّ أحمد بن صالح أن أذكره، قال ابن حجر: ثقة حافظ من العاشرة. انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٦ (١٥١٠)، «الكامل» ١/ ٢٩٥ (٢١)، «تهذيب الكمال» ١/ ٣٤٠ (٤٩)، «تقريب التهذيب» (٤٨). ثلاثة مواضع عن أحمد، عن عبد الله بن وهب، فقيل: إنه أحمد بن صالح. وقيل: ابن عيسى التستري، ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما، فقد روى عنهما في «جامعه»، ونسبهما في مواضع وذكر الكلاباذي عن أبي أحمد الحافظ: أحمد عن ابن وهب في «جامع البخاري» هو ابن أخي ابن وهب. قَالَ الحاكم: وهذا وهمٌ وغلط، والدليل على ذلك أن المشايخ الذين ترك أبو عبد الله الرواية عنهم في «الصحيح» قد روى عنهم في سائر مصنفاته كابن صالح وغيره، وليس عن ابن أخي ابن وهب رواية في موضع، فهذا يدلك على أنه لم يكتب عنه أو كتب عنه ثم ترك الرواية عنه أصلًا. قَالَ ابن منده: كل ما في البخاري: حَدَّثَنَا أحمد، عن ابن وهب. فهو ابن صالح، ولم يخرج البخاري عن ابن أخي ابن وهب في «صحيحه» شيئًا، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه (١). قلتُ: وقد ساق ابن حزم هذا الحديث من طريق البخاري وقال فيه عنه: حَدَّثَنَا أحمد بن صالح (٢). ورواه الإسماعيلي وأبو نعيم، عن الحسن بن سفيان، ثنا أحمد بن عيسى، ثنا ابن وهب. وذكر أبو نعيم أن البخاري رواه عن أحمد بن عيسى، وذكره في المناقب في باب: قصة الحبش عن يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة (٣). ------------- (١) انتهى كلام ونقل الجياني بتصرف، «تقييد المهمل» ٣/ ٩٤٣ - ٩٤٦. (٢) «المحلى» ٥/ ٩٢. (٣) سيأتي برقم (٣٥٢٩). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: الجارية في النساء كالغلام في الرجال، ويقال على من دون البلوغ منهما. ثانيها: معنى تغنيان: ترفعان أصواتهما بالإنشاد، وكل من رفع صوته بشيءٍ ووالى به مرة بعد مرة فصوته عند العرب غناءٌ، وأكثره فيما ساق من صوت أو شجا من نغمة ولحن، ولهذا قالوا: غنت الحمام، ويغني الطائر. هذا قول الخطابي (١)، وفي رواية له في الباب بعده: وليستا بمغنيتين (٢)، وللنسائي: تضربان الدف بالمدينة. وفي قوله: (ليستا بمغنيتين) إرشاد إلى أن ذلك ليس بالغناء الذي يهيج النفوس إلى أمور لا تليق، وإنما لم يتخذا الغناء صناعة وعادة. قَالَ القرطبي: ولا خلاف في تحريم هذا الغناء؛ لأنه من اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، فأما ما يسلم من المحرمات فيجوز القليل منه في الأعراس والأعياد وشبهها (٣)، ومذهب أبي حنيفة تحريمه، وبه يقول أهل العراق، ومشهور مذهبنا ومذهب مالك كراهته (٤)، وقد ألَّف الناس في تحريمه وإباحته تصانيف عديدة، والتحقيق ما ذكرناه. وقد بسطت المسألة في «شرح المنهاج» في الشهادات فراجعها منه تجد ما يشفي الغليل (٥). ---------------- (١) «غريب الحديث» ١/ ٦٥٦ - ٦٥٧. (٢) حديث (٩٥٢). (٣) «المفهم» ٢/ ٥٣٤. (٤) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي ٣/ ١٠٥٣. (٥) وانظر لزامًا «تحريم آلات الطرب» للألباني. ثالثها: بغُاث -بالباء الموحدة، ثم غين معجمة- وتهمل وهو المشهور -كما قال ابن قرقول- وبعد الألف ثاء مثلثة، والأشهر ترك صرفه، موضع من المدينة على ليلتين وذكر ابن الأثير أنه أعظم حصن، وكان فيه حرب بين الأوس والخزرج. قَالَ: ومن قاله بالمعجمة فقد صحف (١). وقال ابن الجوزي: إنه يوم كان الأنصار في الجاهلية اقتتلوا فيه، وقالوا فيه الأشعار، وبقيت الحرب قائمة بين الأوس والخزرج مائة وعشرين سنة حَتَّى جاء الإسلام. قَالَ القرطبي: وكان الظهور فيه للأوس (٢). وذكر ابن التين أنه قتل فيه صناديدهم توطئة بين يدي رسول الله - ﷺ - حَتَّى لا يطول شغبه مع الرؤساء. رابعها: كان الشعر الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب، وإذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة على أمر الدين كما سلف، وأما الغناء الذي فيه غناء بمحظور كما سلف. وحاشا من هو دون الشارع أن يقال بمحضره ذلك، فيترك النكير له فيحمل على ما قلناه، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاد والترنم، وأجازوا الحداء، وفعلوه بحضرة الشارع، وفي هذا إباحة مثل هذا وما في معناه، وهذا ومثله ليس بحرام ولا يجرح الشاهد. ------------ (١) «النهاية في غريب الحديث» ١/ ١٣٩. (٢) «المفهم» ٢/ ٥٣٤. خامسها: جاء في مسلم أن هذا كان أيام مني (١)، وكذا في النسائي: ورسول الله بالمدينة (٢). وفي مسلم أيضًا: والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله (٣). وقد سلف في أبواب المساجد، باب: أصحاب الحراب في المسجد، وذكر فيه حديثًا في ذلك (٤). سادسها: (مزمارة) بكسر الميم، وروي: أبمزمور الشيطان (٥)؟ بضم الميم الأولى، وقد تفتح، وأصله: صوت تصفير، والزمير: الصوت الحسن، يطلق على الغناء أيضًا. قَالَ القرطبي: إنكار أبي بكر مستصحبًا لما كان تقرر عنده من تحريم اللهو والغناء جملة، حَتَّى ظن أن هذا من قبيل ما ينكر، فبادر إلى ذلك قيامًا عنه بذلك على ما ظهر، وكأنه ما كان بين له أنه - ﷺ - قررهن على ذلك بعد فقال له: «دَعْهُمَا» وعلل الإباحة بأنه يوم عيد، يعني: يوم سرور وفرح شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا (٦). وقال المهلب: الذي أنكره أبو بكر كثرة التنغيم وإخراج الإنشاد عن وجهه إلى معنى التطريب بالألحان، ألا ترى أنه لم ينكر الإنشاد وإنما -------------- (١) «صحيح مسلم» (٨٩٢/ ١٧) كتاب: صلاة العيدين، باب: الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد. (٢) «سنن النسائي» ٣/ ١٩٦ - ١٩٧ كتاب: صلاة العيدين، باب: الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد. (٣) «صحيح مسلم» (٨٩٢/ ١٨) كتاب: صلاة العيدين، باب: الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه. (٤) سلف برقم (٤٥٤) كتاب: الصلاة. (٥) مسلم (٨٩٢). (٦) «المفهم» ٢/ ٥٣٤ - ٥٣٥. أنكر مشابهة الزمير، فما كان من الغناء الذي يجري هذا المجرى من اختلاف النغمات وطلب الإطراب فهو الذي يخشى فتنته واستهواؤه للنفوس، وقطع الذريعة فيه أحسن، وما كان دون ذلك من الإنشاد ورفع الصوت حَتَّى لا يخفي معنى البيت، وما أراده الشاعر بشعره فغير منهي عنه (١). وقد روي عن عمر أنه رخص في غناء الأعراب وهو صوت كالحداء يسمى: النصب. إلا أنه رقيق. قَالَ عمر لرباح بن المعترف: اسمع واقصر المسير، فإذا سحرت فارفع. فرفع عقيرته وتغنى (٢)، فهذا لم ير به بأس؛ لأنه حداء، وفي هذا أن مواضع الصالحين وأهل الفضل ينزه عن اللهو واللغو ونحوه. وفيه: أن التابع الكبير إذا رأى ما يستنكر أو لا يليق بمجلس الكبير ينكره، ولا يكون هذا من باب الافتيات على الكبير، بل هو أدب ورعاية حرمة وإجلال به وتسجيه بثوبه وتحويله وجهه إعراضًا عن اللهو؛ ولئلا يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن، وهذا من رأفته وحلمه وحسن خلقه. سابعها: قولها: (بغناء بعاث). كذا هنا، وفي الباب بعده: بما تقاولت الأنصار يوم بعُاث (٣). وفي رواية: بما تقاذفت (٤). أي: رمى به --------------- (١) كما في «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٥٠. (٢) رواهما البيهقي ١٠/ ٢٢٤ كتاب: الشهادات، باب: الرجل لا ينسب نفسه إلى الغناء. (٣) ستأتي برقم (٩٥٢) كتاب: العيدين، باب: سنة العيدين لأهل الإسلام، ورواها مسلم برقم (٨٩٢) كتاب: صلاة العيدين، باب: الرخصة في اللعب. (٤) ستأتي برقم (٣٩٣١) في مناقب الأنصار، باب: مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة. ![]()
__________________
|
|
#215
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 61 الى صـــ 80 الحلقة (215) بعضهم بعضًا من الأشعار. وروي: تعازفت. والظاهر أنه من العزيف كعزيف الرياح وهو دويها، ويبعد أن يكون من عزف اللهو وضرب المعازف. ثامنها: قوله: («دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ») كذا هنا، وفي باب: إذا فاته العيد: «أمنًا بني أرفدة»، يعني من الأمن (١). و(دونكم) منصوب على الظرف بمعنى الإغراء، والمغرى به محذوف دلت عليه الحالة، وهو لعبهم بالحراب، فكأنه قَالَ: دونكم اللعب. والعرب تغري بعليك وعندك ودونك، وشأنها أن يتقدم الاسم كما في هذا الحديث، وقد يتأخر شاذًّا كقوله: يا أيها المائح دلوي دونكا … إني رأيت الناس يحمدونكا و(بنو أرفدة): لقب للحبشة أو اسم أبيهم الأقدم. وقيل: جنس منهم يرقصون. وقيل: أراد بني الإماء. وأرفدة بتفح الفاء، وكسرها وهو أشهر، وهو في كتب اللغة بالفتح كما قاله ابن التين. وفي نصب: «أمنًا». وجهان: أحدهما: أن المعنى: آمنوا أمنًا ولا تخافوا. والثاني: أنه أقام المصدر مقام الصفة كقوله: رجل صور. أي: صائم، والمعنى: آمنين. قَالَ ابن التين: وضبط في بعض الكتب: آمنا على وزن فاعلا، وتكون أيضًا بمعنى آمنين اسم للجنس. وقوله: («حَسْبُكِ؟») هو استفهام، وحذفت همزته بدليل قولها: -------------------- (١) ستأتي برقم (٩٨٨) كتاب: العيدين، باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين. قلتُ: نعم. تقديره: أحسبك؟ أي: هل يكفيك هذا القدر؟ وقوله: (فَزَجَرَهُمْ) يعني: أبا بكر، كما ذكره المهلب في «مختصره» عن الليث، وفي البخاري في باب: فوات العيد: فزجرهم عمر (١). تاسعها: في فوائده: الأولى: جواز اللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب في المسجد وقد سلف. ويلحق به ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد، وأن السودان يلعبون بمثل هذا في المسجد. وقال ابن التين: كان هذا في أول الإِسلام تعلمًا لقتال أعداء الله. ونقل عن أبي الحسن في «تبصرته» أنه منسوخ بالقرآن والحديث ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [التوبة: ١٨] «وجنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم» لكن هذا ضعيف (٢). قَالَ ابن التين: حمل السلاح والحراب يوم العيد لا مدخل له عند العلماء في سنة العيد ولا في هيئة الخروج إليه، ولا استحبه أحد من العلماء ولا ندب إليه، ويمكن أن يكون - ﷺ - محاربًا خائفًا من بعض أعدائه، فرأى الاستعداد والتأهب بالسلاح وإذا كان كذلك فهو جائز عند العلماء. ---------------- (١) سيأتي برقم (٩٨٨) كتاب: العيدين، باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين. (٢) رواه ابن ماجه (٧٥٠) كتاب: المساجد، باب: ما يكره في المساجد، والطبراني ٢٢/ ٥٧ (١٣٦)، والبيهقي ١٠/ ١٠٣ كتاب: آداب القاضي، باب: ما يستحب للقاضي من أن لا يكون قضاؤه في المسجد. من حديث واثلة. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ٢٥ - ٢٦: رواه ابن ماجه والطبراني في «الكبير»، وفيه العلاء بن كثير الليثي الشامي، وهو ضعيف. قال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٦٤): ضعيف. قَالَ: ولعب الحبشة ليس فيه أن الرسول خرج بهذا في العيد ولا أمر أصحابه بالتأهب بها، ولم يكن الحبشة للنبي - ﷺ - حشدًا ولا أنصارًا وإنما هم يلعبون. قَالَ: وفائدة هذا الحديث إباحة النظر إلى اللهو إذا كان فيه تدريب الجوارح على تقليب السلاح لتخف الأيدي بها في الحرب، ولك أن تقول: البخاري بوب لذلك بيانًا للجواز أو بيانًا لضعفِ مرسل أبي داود عن الضحاك بن مزاحم قَالَ: نهى رسول الله - ﷺ - أن يخرج يوم العيد بالسلاح (١)، ومخالفة لما ذكره هو بعد من قوله للحجاج وجاءه يعوده: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه (٢). ولابن ماجه بإسنادٍ جيد عن عياض الأشعري (٣): وشهد عيدًا بالأنبار فقال: ما لي أراكم تقلسون كما كان يقلس عند رسول الله - ﷺ -؟! (٤) وله أيضًا بإسنادٍ جيد عن قيس بن سعد قَالَ: ما كان شيء على عهد رسول الله - ﷺ - إلا وقد رأيته إلا شيءٌ واحدٌ، فإن رسول الله - ﷺ - كان يقلس له يوم الفطر (٥). والتقليس: اللعب. ---------------- (١) «المراسيل» (٦٥) باب: ما جاء في العيدين. (٢) سيأتي برقم (٩٦٦) في العيدين، باب: ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم. (٣) ورد بهامش الأصل: عياض بن عمرو الأشعري الأصح أنه تابعي، وكذا قال أبو حاتم: قال: مرسل. (٤) «سنن ابن ماجه» (١٣٠٢) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في التقليس يوم العيد. قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤٢٤): إسناد رجاله ثقات، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٦٧)، وفي «الضعيفة» (٤٢٨٥). (٥) «سنن ابن ماجه» (١٣٠٣) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في التقليس يوم العيد، قال البوصيري ١٩٤ (٤٢٥): إسناد حديث قيس صحيح، ورجاله ثقات، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٦٨)، وانظر: «الضعيفة» (٤٢٨٥). الثانية: ما كان عليه - ﷺ - من الخلق الحسن، وما ينبغي للمرء أن يتمثل مع أهله من إيثاره مسارهم فيما لا حرج عليهم فيه. الثالث: قَالَ ابن حزم: الغناء واللعب والزمر أيام العيدين حسن في المسجد وغيره (١). وساق هذا الحديث. وحديث مسلم من طريق أبي هريرة قَالَ: بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله - ﷺ - بحرابهم إذ دخل عمر فأهوى إليهم يحصبهم فقال: «دعهم يا عمر» (٢) ثم قَالَ: أين يقع إنكار من أنكر من إنكار سيديِّ هذِه الأمة بعد نبيها؟! وقد أنكر - ﷺ - عليهما فرجعا. الرابعة: رخصة المثاقفة في المسجد. الخامسة: راحة النفوس في بعض الأوقات وراحة من ينظر إليهم؛ ليستعين بذلك على ما وراءه من أداء الفرائض؛ لأن النفس تمل، ولا شك أن العيد موضوع للراحة، وبسط النفس إلى المباحات، والأخذ بالطيبات، وما أحل الله من اللعب والأكل والشرب والجماع، ألا ترى أنه أباح الغناء من أجل العيد حيث قَالَ: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» وكان أهل المدينة على سيرة من أمر الغناء واللهو، وكان - ﷺ - وأبو بكر على خلافه، ولذلك أنكر أبو بكر ذلك، فرخص في ذلك للعيد وفي ولائم إعلان النكاح. السادسة: جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن، وأما نظرها إلى وجهه بغير شهوة ومخافة فتنة، فالأصح عندنا أنه حرام لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ------------------ (١) «المحلى» ٥/ ٩٢. (٢) «صحيح مسلم» (٨٩٣) كتاب: صلاة العيدين، باب: الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه أيام العيد. ولقوله - ﷺ - لأم سلمة وأم حبيبة: «احتجبا عنه» -أي: عن ابن أم مكتوم- فقالتا: إنه أعمى لا يبصرنا. فقال: «أفعمياوان أنتما؟ أليس تبصرانه؟» حسنه الترمذي (١). وأجيب عن حديث عائشة بجوابين: أقواهما: أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصد صرفته في الحال. والثاني: لعل هذا كان قبل نزول الآية في تحريم النظر، أو أنها كانت صغيرة قبل بلوغها فلم تكن مكلفة على قول من يقول: إن ------------------ (١) رواه أبو داود (٤١١٢) كتاب: اللباس، باب: في قوله -عز وجل-: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، والترمذي (٢٧٧٨) كتاب: الأدب، باب: ما جاء في احتجاب النساء من الرجال، وقال: حسن صحيح، والنسائي في «السنن الكبرى» ٥/ ٣٩٣ (٩٢٤١ - ٩٢٤٢) كتاب: عشرة النساء، باب: نظر النساء إلى الأعمى، وأحمد ٦/ ٢٩٦، وابن سعد في «الطبقات» ٨/ ١٧٥ - ١٧٦، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٤١٦، وأبو يعلى في «مسنده» ١٢/ ٣٥٣ (٦٩٢٢)، والطحاوي في «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٧/ ٧٠ (٤٩٤٩، ٤٩٥٠)، وابن حبان ١٢/ ٣٨٧ (٥٥٧٥) كتاب: الحظر والإباحة، باب: الزجر عن أن تنظر المرأة إلى الرجل الأجنبي الذي لا يبصر، والطبراني ٢٣/ ٣٠٢ (٦٧٨)، والبيهقي ٧/ ٩١ - ٩٢ كتاب: النكاح، باب: مساواة المرأة الرجل في حكم الحجاب والنظر إلى الأجانب، والخطيب في «تاريخه» ٣/ ١٧ ترجمة رقم (٩٣٩). قال ابن حجر في «فتح الباري» ٩/ ٣٣٧: وهو حديث أخرجه أصحاب السنن من رواية الزهري عن بهمان مولى أم سلمة عنهما وإسناده قوي، وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان، وليست بعله قادحة فإن من يعرفه الزهري، ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة، لم يجرحه أحد لا ترد روايته؛ وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود». الصغير المراهق لا يمنع النظر. السابعة: من تراجم البخاري على هذا الحديث باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وستعلم ما فيه من الخلاف هناك (١)، وروي عن ابن مسعود والضحاك: أنه يصلي أربعًا إذا فاتته الصلاة مع الإمام (٢)، وقال عليٌّ فيمن لا يستطيع الخروج إلى (الجبانة) (٣) لضعف: يصلي أربعًا (٤). وفيه أيضًا: الرفق بالمرأة الصغيرة واستجلاب مودتها، وإنه لم يعب على أبي بكر تأويله وقوله: (مزمارة الشيطان) لأنه: أراد الخير. وفيه: خوف عائشة من حدة أبيها. وفيه: ستر الشارع إياها ولعلهم لم يكونوا يرونها. وفيه: إغراء الشارع إياهم، وأن إظهار السرور في العيدين من شعار الدين والاستراحة. وفي حديث آخر: «إنها أيام أكل وشرب» (٥). وفي بعض الأخبار: وبعال (٦). ----------------- (١) انظر الحديث الآتي برقم (٩٨٧ - ٩٨٨). (٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٠٠ (٥٧١٣) كتاب: صلاة العيدين، باب: من صلاها غير متوضئ ومن فاته العيدان، وابن أبي شيبة عنهما ٢/ ٤ (٥٧٩٨ - ٥٧٩٩ - ٥٨٠٤) كتاب: الصلوات، باب: الرجل تفوته الصلاة في العيد كم يصلي. (٣) الجبَّانة- كما في «القاموس المحيط» ١/ ١٥٣٠ فصل الجيم: المقبرة والصحراء والمنبت الكريم .. وهي هنا تعني الصحراء أي: الخلاء. والله أعلم. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥ (٥٨١٣) كتاب: الصلوات، باب: القوم يصلون في المسجد، كم يصلون؟. (٥) مسلم (١١٤١) كتاب: الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق عن نبيشة الهذلي. (٦) رواها الدارقطني في «سننه» ٢/ ٢١٢ كتاب: الصيام، باب: طلوع الشمس بعد = ٣ - باب سُنَّهَ العِيدَيْنِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ ٩٥١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ فَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا». [٩٥٥، ٩٦٥، ٩٦٨، ٩٧٦، ٩٨٣، ٥٥٤٥، ٥٥٥٦، ٥٥٥٧، ٥٥٦٠، ٥٥٦٣، ٦٦٧٣ - مسلم: ١٩٦١ - فتح: ٢/ ٤٤٥] ٩٥٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ -قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ- فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟! وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا» .. [انظر: ٩٤٩ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٤٥] ذكر فيه حديث البراء وحديث عائشة. فأما حديث عائشة فسلف الكلام عليه في الباب قبله. وأما حديث البراء: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هذا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا». وقد أخرجه البخاري مطولًا ومختصرًا في هذا الكتاب، أعني: ------------------- = الإفطار. قال: الواقدي ضعيف، والبيهقي ٤/ ٢٩٨ كتاب: الصيام، باب: الأيام التي نهي عن صومها. من رواية مسعود بن الحكم عن جدته. ورواها الدارقطني في «سننه» ٤/ ٢٨٣ كتاب: الأشربة وغيرها، باب: الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك. من رواية أبي هريرة، ورواها أيضًا: ابن أبي شيبة ٣/ ٣٧٥ (١٥٢٦٠) كتاب: الحج، باب: من قال: أيام التشريق أيام أكل وشرب، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤٥، من رواية عمرو بن خالدة عن أمه. ورواها أيضًا: الطبراني ١١/ ٢٣٢ (١١٥٨٧) من رواية ابن عباس. صلاة العيدين، وأخرجه في الأضحية في ثلاثة مواضع (١)، وفي الإيمان والنذور (٢)، وأبو داود والترمذي في الأضاحي، والنسائي هنا والأضاحي (٣). و(حجاج) - شيخ البخاري فيه، هو ابن منهال. و(زبيد) بضم الزاي ثم باء موحدة هو ابن الحارث اليامي الكوفي، مات سنة اثنتين أو أربع وعشرين ومائة (٤)، وقد أسلفنا أن كل ما في البخاري: زبيد، فهو بالباء الموحدة، وكل ما في «الموطأ» فهو بالياء المثناة (٥). واختلف العلماء في صلاة العيدين، فعندنا أنها سنة مؤكدة. وقال الإصطخري: فرض كفاية (٦). وهو مذهب أحمد، وقولٌ في ---------------- (١) سيأتي برقم (٥٥٤٥) باب: سنة الأضحية. وبرقم (٥٥٦٠) باب: الذبح بعد الصلاة، وبرقم (٥٥٦٣) باب: من ذبح قبل الصلاة أعاد. (٢) سيأتي برقم (٦٦٧٣) باب: إذا حنث ناسيًا في الأيمان. (٣) «سنن أبي داود» (٢٨٠٠) باب: ما يجوز من السنن في الضحايا «سنن الترمذي» (١٥٠٨) باب: ما جاء في الذبح بعد الصلاة، «سنن النسائي» ٧/ ٢٢٢ - ٢٢٣ باب: ذبح الضحية قبل الإمام. (٤) هو: زبيد بن الحارث بن الحارث بن عبد الكريم بن عمر بن كعب اليامي ويقال: الإيامي أيضًا، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، قال على ابن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: ثبت، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٥٠ (١٤٩٩)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٦٧ (٤٩١)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٦٢٣ (٢٨١٨)، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٨٩ - ٢٩٢ (١٩٥٧). (٥) بعد هذِه الجملة: (تحت. حكاه ابن الله) وضرب الناسخ عليها. (٦) «الأم» ١/ ٢١٣، «الحاوي» ٢/ ٤٨٢، «المهذب» ١/ ٣٨٦. مذهب أبي حنيفة ومالك، وهو قول ابن أبي ليلى (١)، والصحيح عند مالك كمذهبنا (٢)، وعند الحنيفة أنها واجبة، وقيل: سنة مؤكدة كمذهبنا (٣)، ونقل القرطبي عن الأصمعي أنها فرضٌ (٤). وقوله: (فننحر) يستدل به من يرى أن النحر كصلاة العيد سنة وواجب، وفيه أن الخطبة للعيد بعد الصلاة، فإن قوله: «أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر». والنحر لا يكون إلا بعد الصلاة، ولو ذبح قبل مضي قدر الصلاة لم يجز عندنا كما ستعلمه في بابه، وأبو حنيفة اعتبر الفراغ من الصلاة، ومالك اعتبر صلاة الإمام وذبحه إلا أن يؤخر (…) (٥) متعديًا فيسقط الاقتداء به. وفيه: التعليم في الخطبة. واختلف فيمن يخاطب بالعيد، فروى ابن القاسم عن مالك، في القرية فيها عشرون رجلًا: أرى أن يصلوا العيدين. وروى ابن نافع عنه: أنه ليس ذلك إلا على من تجب عليه الجمعة (٦)، وهو قول الليث وأكثر أهل العلم فيما حكاه ابن بطال (٧)، وقال ربيعة: كانوا يرون الفرسخ وهو ثلاثة أميال. ------------------ (١) انظر: «البناية» ٣/ ١١٢، «المعونة» ١/ ١٧٥، «الكافي» ١/ ٥١٣. (٢) انظر: «التفريع» ١/ ٢٣٣، «الذخيرة» ٢/ ٤١٧. (٣) انظر: «المبسوط» ٢/ ٣٧، «الاختيار» ١/ ١١٣، «رد المحتار» ٢/ ١٨٠. (٤) «المفهم» ٢/ ٥٢٣. (٥) كلمة غير واضحة في الأصل، ويقارب رسمها إلى (شيئًا). (٦) انظر: «النوادر» ١/ ٤٩٨. (٧) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٤٩. وقال الأوزاعي: من آواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد (١). وقال ابن القاسم وأشهب: إن شاء من لا تلزمهم الجمعة أن يصلوها بإمام فعلوا، ولكن لا خطبة عليهم، فإن خطب فحسنٌ (٢). ---------------- (١) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٣٥. (٢) السابق. ٤ - باب الأَكْلِ يَوْمَ الفِطرِ قَبْلَ الخُرُوجِ (١) ٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَال: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. وَقَالَ مُرَجَّا بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا .. [فتح: ٢/ ٤٤٤] ذكر فيه حديث هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. وَقَالَ مُرَجَّا (٢) بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيُّ - ﷺ -: وَيَأُكُلُهُنَّ وِتْرًا. الشرح: هذا الحديث من أفراد البخاري. قَالَ أبو مسعود الدمشقي (٣): هذا من قديم حديث هشيم، وعنده فيه طريق آخر. يعني: المخرَّج عند الترمذي عن قتيبة، عنه، عن محمد بن إسحاق، عن حفص بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس: أن النبي - ﷺ - كان يفطر على تمرات يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى. قَالَ الترمذي: حديث حسن صحيح غريب (٤). وقال الدارقطني: رواه علي بن عاصم عن عبيد الله، وتابعه أبو الربيع فرواه عن هشيم، عن ابن إسحاق، عن حفص (٥). ------------- (١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد الثمانين، كتبه مؤلفه غفر الله له. (٢) كذا ضبطه في «الفتح» بغير همز مقصورًا بوزن مُعَلَّى وفي اليونينية مهموزًا وكذا ضبطه القسطلاني. (٣) انظر: «تحفة الأشراف» (١٠٨٢). (٤) «سنن الترمذي» (٥٤٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الأكل يوم الفطر قبل الخروج. (٥) «الإلزامات والتتبع» ٣٥٧ - ٣٥٨ (١٩٧). وقد أنكر أحمد حديث أبي الربيع عن هشيم -يعني: المخرَّج في صحيحي أبي نعيم والإسماعيلي- وقال: هشيم مدلس (١). وقد روى عنه ابن أبي شيبة هذا الحديث: عن محمد بن إسحاق، عن حفص بن عبيد الله بلفظ: كان النبي - ﷺ - يفطر يوم العيد على تمرات ثم يغدو؛ وأخبرناه محمد بن زياد، ثنا أحمد بن منيع، نا هشيم مثله (٢). وقال المزي في «أطرافه»: تابعه عمرو بن عون الواسطي عن هشيم. قَالَ: ورواه سعيد بن سليمان وجبارة بن المغلس، عن هشيم، عن عبيد الله، عن أنس (٣). وأما التعليق المذكور فأخرجه أحمد عن حرمي بن عمارة عن مرجَّا، به (٤). ورواه أبو نعيم من حديث هاشم بن القاسم ثنا مرجا، به ولفظه: كان لا يخرج حَتَّى يأكل تمرات في يوم الفطر ويأكلهن وترًا. ورواه الإسماعيلي أيضًا كذلك، ورواه هو والدارقطني من حديث أبي النضر ثنا مرجا (٥). قلتُ: ومرجا ضعفه يحيى وأبو داود مرة، وقال مرة: صالح. وقال أبو زرعة: ثقة (٦). وله طريق آخر رواه عمرو بن عون، عن هشيم، عن ------------------ (١) «علل أحمد» ١/ ٢٥٥ مسألة (٣٦٣). (٢) «المصنف» ١/ ٤٨٤ (٥٥٨١) في الصلاة، باب: في الطعام يوم الفطر .. (٣) «تحفة الأشراف» (١٠٨٢). (٤) «مسند أحمد» ٣/ ١٢٦. (٥) «سننن الدارقطني» ٢/ ٤٥ كتاب: العيدين. (٦) مرجا بن رجاء اليشكري، ويقال: العدوي، أبو رجاء البصري، خال أبي عمر الضرير، ويقال: خال أبي عمر الحوضي، استشهد له البخاري بحديث واحد، قال ابن حجر: صدوق ربما وهم، من الثامنة. = حفص، عن أنس، أخرجه البيهقي (١). ورواه الإسماعيلي من طريق زهير، ثنا عتبة بن حميد الضبي، حَدَّثَني عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس قَالَ: ما خرج رسول الله - ﷺ - يوم فطر حَتَّى يأكل تمرات ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقل من ذلك أو أكثر؛ وترًا. وله شواهد منها حديث بريدة: كان رسول الله - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حَتَّى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حَتَّى يرجع. أخرجه الترمذي وابن ماجه (٢)، وللبيهقي: فيأكل من كبد أضحيته (٣). ومنها حديث ابن عمر: كان رسول الله - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حَتَّى يغذي أصحابه من صدقة الفطر. أخرجه ابن ماجه من حديث عمرو بن صهبان -وهو متروك- عن نافع عنه (٤). وروى الترمذي محسنًا عن الحارث عن عليٍّ قَالَ: من السنة أن ----------------- = انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ٦٢ (٢١٥٤)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤١٢ (١٨٨٢)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٦١ (٥٨٥٣)، «تقريب التهذيب» (٦٥٥٠). (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٢٨٢ صلاة العيدين، باب: الأكل يوم الفطر قبل الغدو. (٢) «سنن الترمذي» (٥٤٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الأكل يوم الفطر قبل الخروج، قال: حديث بريدة بن حصيب الأسلمي حديث غريب، «سنن ابن ماجه» (١٧٥٦) كتاب: الصيام، باب: في الأكل يوم الفطر قبل أن يخرج، صححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٤٢٢). (٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٢٨٣ كتاب: صلاة العيدين، باب: يترك الأكل يوم النحر حتى يرجع. قال الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٢١٩ (٥٤٧٤): لم يتابع عليه، وظني أن عقبة هو ابن عتبة المذكور قبله غلط في اسمه. (٤) «سنن ابن ماجه» (١٧٥٥) كتاب: الصيام، باب: في الأكل يوم الفطر قبل أن يخرج، ضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣٨٨) وخرجه في «الضعيفة» (٤٢٤٨) وقال: ضعيف جدًّا. يطعم الرجل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى (١). وأخرجه الدارقطني عنه وعن ابن عباس (٢). وفي «الموطأ» عن ابن المسيب: إن الناس كانوا يؤمرون بالأكل قبل الغدو يوم الفطر (٣). وللشافعي: حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمد، أخبرني صفوان بن سليم أن النبي - ﷺ - كان يطعم قبل أن يخرج إلى الجبان، ويأمر به (٤). وهذا مرسل. وقد روي مرفوعًا عن عليٍّ (٥)، ورواه الشافعي بمعناه عن ابن المسيب وعروة بن الزبير (٦). وفي «المصنف» من حديث ابن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قَالَ: كان النبي - ﷺ - يأكل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى (٧). زاد البزار في «مسنده»: فإذا خرج صلى ركعتين للناس، فإذا رجع صلى ------------------- (١) «سنن الترمذي» (٥٣٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في المشي يوم العيد، قال: هذا حديث حسن، وحسنه الألباني في «صحيح الترمذي» (٤٣٧). (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٤٤ كتاب: العيدين. (٣) «الموطأ» ص ١٢٨ (٥٨٥) كتاب جامع الصلاة، باب الأكل قبل الغدو يوم الفطر. (٤) «مسند الشافعي» ١/ ١٥٢ (٤٤٣) كتاب: الصلاة، باب: في صلاة العيدين. (٥) رواه العقيلي في «الضعفاء الكبير» ٢/ ١٦٨ ترجمة (٦٨٣)، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٧٥ (٥٨٣٦)، قال العقيلي: حدثني آدم قال: سمعت البخاري قال: سواء بن مصعب الأعمي: منكر الحديث، وقال الطبراني لا يروى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد، تفرد به، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ١٩٩ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: سواد بن مصعب، وهو ضعيف جدًّا. (٦) «الأم» ١/ ٢٣٣. (٧) «المصنف» ١/ ٤٨٦ (٥٦٠١) كتاب: الصلوات، باب: في الطعام يوم الفطر قبل أن يخرج. في بيته ركعتين، وكان لا يصلي قبل الصلاة شيئًا. يعني: يوم العيد. وفيه أيضًا من حديث الحجاج، عن عطاء، عن ابن عباس قَالَ: إن من السنة أن يخرج صدقة الفطر قبل الصلاة، ولا يخرج حَتَّى يطعم (١). وعن الشعبي قَالَ: إن من السُّنَّة أن يطعم قبل الفطر قبل أن يغدو، ويؤخر الطعام يوم النحر حَتَّى يرجع. وعن السائب بن يزيد قَالَ: مضت السنة أن تأكل قبل أن تغدو يوم الفطر. وعن أبي إسحاق عن رجلٍ من الصحابة أنه كان يأمر بالأكل يوم الفطر قبل أن يأتي المصلى (٢). وحكاه عن معاوية بن سويد بن مقرن، وابن مغفل، وعروة، وصفوان بن محرز، وابن سيرين، وعبد الله بن شداد، والأسود بن يزيد، وأم الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وتميم بن سلمة، وأبي مجلز (٣). وعن عبيد الله بن نمير: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ولا يطعم شيئًا؛ وحَدَّثَنَا هشيم أنا مغيرة عن إبراهيم قَالَ: إن طعم فحسن، وإن لم يطعم فلا بأس (٤). --------------- (١) ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٤ (٥٥٨٣) كتاب: الصلوات، باب: في الطعام يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى. (٢) «المصنف» ١/ ٤٨٥ - ٤٨٦ (٥٥٩٠، ٥٥٩٣، ٥٥٩٩) كتاب: الصلوات، باب: في الطعام يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى. (٣) «المصنف» ١/ ٤٨٤ - ٤٨٥ (٥٥٨٤ - ٥٥٨٩، ٥٥٩١ - ٥٥٩٢، ٥٥٩٥ - ٥٥٩٨) كتاب: الصلوات، باب: في الطعام يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى. (٤) «المصنف» ١/ ٤٨٦ (٥٦٠٢ - ٥٦٠٣) كتاب: الصلوات، باب: من رخص أن لا يأكل أحد شيئًا ومن فعل ذلك. وحكاه الدارقطني عن ابن مسعود: إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل. وعن النخعي مثله (١). أما حكم المسألة فالأكل يوم الفطر قبل الصلاة مستحب لما ذكرناه، وكان بعض التابعين يأمرهم بالأكل في الطريق. قَالَ ابن المنذر: والذي عليه الأكثر استحباب الأكل (٢). وفرق بين العيدين في المعنى بأن ما قبل الفطر يحرم الأكل فيه فخالف، وبأنه ليشارك الفقراء في الفطر؛ لأنه يخرج فطرته قبل الصلاة. فإن قلتَ: ما الحكمة في الفطر على تمرات؟ قلتُ: لأنه - ﷺ - كان يحب الحلواء (٣). وقال الداودي: لأنه مثَّل النخلة بالمسلم؛ ولأنه قيل: إنها الشجرة الطيبة. فإن قلتَ: فما الحكمة في كونها وترًا؟ قلت: لأنه - ﷺ - كان يحب الوتر في كل شيءٍ استشعارًا بالوحدانية، فإنه وترٌ يحب الوتر (٤). -------------- (١) ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٦ (٥٦٠٣). (٢) «الأوسط» ٤/ ٢٥٤. (٣) سيأتي برقم (٥٢٦٨) كتاب: الطلاق، باب: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾. (٤) ستأتي برقم (٦٤١٠) كتاب: الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحد، ورواه مسلم برقم (٢٦٧٧) كتاب: الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى، وفضل من أحصاها. ٥ - باب الأَكْلِ يَوْمَ النَّحْرِ. ٩٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ. وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَدَّقَهُ، قَالَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا. [٩٨٤، ٥٥٤٦، ٥٥٤٩، ٥٥٦١ - مسلم: ١٩٦٢ - فتح: ٢/ ٤٤٧] ٩٥٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا نُسُكَ لَهُ». فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ -خَالُ البَرَاءِ-: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ. قَالَ: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً هِىَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتَجْزِي عَنِّي قَالَ: «نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِىَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». [انظر: ٩٥١ - مسلم: ١٩٦١ - فتح ٢/ ٤٤٧] ذكر فيه حديث أنس: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ». رواه عن أنس محمد، وهو ابن سيرين، وإسماعيل هو ابن عُلية، ويأتي في الباب أيضًا، وفي الأضاحي في موضعين (١)، وفي النذور، وأخرجه مسلم أيضًا (٢). وحديث البراء: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ الأَضْحَى. -------------- (١) سيأتي برقم (٥٥٤٦) باب: سنة الأضحية، وبرقم (٥٥٤٩) باب: ما يشتهي من اللحم يوم النحر. (٢) «صحيح مسلم» (١٩٦٢) كتاب: الأضاحي، باب: وقتها. وسلف قريبًا (١). وشيخ البخاري فيه عثمان، هو: ابن أبي شيبة، ووجه مناسبة التبويب قوله: وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب. وأنه - ﷺ - لم يعنف أبا بردة لما قال له: تغديت قبل أن آتي الصلاة. وقوله: («مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ») قد يستدل به من يرى وجوب الأضحية، وأن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ عنها، وقد سلف الخلاف في وقته. وقوله: (فَقَامَ رَجُلٌ). هو أبو بردة بن نيار كما جاء مبينًا. وقوله: (وهذا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ). دال على أنه يوم فطر. وقوله: (وَذَكَرَ يعني: هنة من جيرانه) - كذا في نسخة شيخنا قطب الدين، قَالَ: وفي بعض النسخ إسقاط: يعني: هنة. وبخط الدمياطي: وذكر من جيرانه. وفي نسخة: هنة. يعني: أنه أطعمهم منها. وسيأتي في باب: كلام الإمام في الخطبة (٢) فيها أنه قَالَ: (جيران لي إما قَالَ: بهم خصاصة، وإما قَالَ: فقر). والهنة: الحاجة والفقر والفاقة، وحكى الهروي عن بعضهم شد النون في هن وهنة (٣)، وأنكره الأزهري (٤). وقال الخليل (٥): من العرب من يسكنه يجريه مجرى (من)، ومنه من ينونه في الوصل. قَالَ صاحب «المطالع»: وهو أحسن من الإسكان. ------------------ (١) سلف برقم (٩٥١) كتاب: العيدين، باب: سنة العيدين لأهل الإسلام. (٢) سيأتي برقم (٩٨٣) كتاب: العيدين. (٣) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٢٧٨، مادة (هنن). (٤) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٨٠٨ - ٣٨١٠. (٥) «العين» ٣/ ٣٥٥. قوله: (فَكَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَدَّقَهُ). أي: بعذرٍ بيِّن. والجذعة ما قوي من الغنم قبل أن يحول عليه الحول، فإن حال صار ثنيًّا، ولا يجوز في الأضاحي دون الجذع من الضأن، وهو ما كمل سنة على الأصح. ووقع في شرح شيخنا قطب الدين أنه ما كمل له ستة أشهر، وهو وجه مرجوح. قَالَ القاضي عياض: أجمع العلماء على الأخذ بحديث أبي بردة، وأنه لا يجوز الجذع من المعز (١). واختلف في الجذع من الضأن، فانفرد عمر بن عبد العزيز فقال: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء. وقال جميع الفقهاء بالإجزاء، فإن قلت: ما الفرق بين جذع الضأن وجذع المعز؟ قلتُ: النص، ولأن ابن الأعرابي قَالَ: المعز والإبل والبقر لا تضرب فحولها إلا أن تثني، والضأن تضرب فحولها إذا جذعت. قَالَ الحربي: لأنه ينزو من الضأن ويلقح، ولا ينزو إذا كان من المعز. وفي رواية البخاري: فإن عندنا عناقًا لنا جذعة. والعناق: الأنثى من المعز، قاله الخليل (٢). وقوله: (خَطَبَنَا يَوْمَ الأَضْحَى بعد الصلاة). فيه دلالة على أن الخطبة بعد الصلاة. وقوله: («وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فلَا نُسُكَ لَهُ») المراد، والله أعلم: ومن ذبح قبل الصلاة على قصد النسك فلا نسك له. ------------- (١) «إكمال المعلم» ٦/ ٤١٠. (٢) «العين» ١/ ١٦٩. وتكلف ابن الجوزي فقال: لما ذبحها بنية القربة ظانًّا الكفاية أثيب بنيته، وسميت نسيكة. وقال ابن التين: سماها الشارع نسيكة، وإن ذبحت قبل الصلاة. قَالَ: واستنبط القابسي منه عدم جواز بيعها؛ لأجل التسمية. وأصل نسكت: ذبحت، والنسيكة: الذبيحة المتقرب بها إلى الله، كانوا في أول الإسلام يذبحونها في المحرم، فنسخ ذلك بالأضاحي، والعرب تقول: من فعل كذا فعليه نسك. ثم اتسعوا فيه حَتَّى جعلوه لموضع العبادة والطاعة، ومنه قيل للعابد: ناسك، والنسك بإسكان السين وضمها، والنسك هو فعل النسك، وقيل: النسك: الصيد، قاله ابن عباس (١). وفي رواية في البخاري أيضًا: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» (٢) وهو أبين. وقوله: (أحب إليّ من شاتين) يعني: من طيب لحمها، ولا أطيب من شاتين من الذي ذبحها (…) (٣). قوله: «وَلَنْ تَجْزِيَ» هو بفتح التاء، جزى يجزي بمعنى: قضى. قَالَ تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وأجزأ يجزئ بمعنى: كفي، وهذا تخصيص لمعين بحكم المفرد، وليس من باب النسخ، فإن النسخ إنما يكون عمومًا غير خاص لبعضهم، فإن شبه على أحدٍ أمر النسخ في صلاة الليل فليعلم أن فرضها نُسخ عن الأمة، وكذا في حق نبينا على الأصح، والاعتراض بها على ما ذكرناه غير صحيح. --------------- (١) رواه الطبري ٢/ ٢٥١ (٣٤١٩) بلفظ: النسك أن يذبح شاة. (٢) ستأتي برقم (٩٦٨) كتاب: العيدين، باب: التكبير إلى العيد. (٣) كلمة غير واضحة بالأصل. ![]()
__________________
|
|
#216
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 81 الى صـــ 100 الحلقة (216) وقوله: («لَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ») يعني: العناق الجذع من المعز، ولا يتوهم أن المراد به الأولى، معللًا بأنه يتأول، فكان عذرًا وإن توهمه بعض الغفلة. واحتج من قَالَ بوجوب الأضحية، وهو أبو حنيفة وغيره من العلماء بقوله: «وَلَنْ تَجْزِيَ». وروي في بعض أخبار أبي بردة هذا أنه - ﷺ - أمره بالإعادة (١)، ولا دلالة فيه؛ لأنه لما أوقعها على غير الوجه المشروع بين له الجهة المشروعة، فقال: «اذبح مكانها». والمراد: بنفي الإجزاء نفي السُّنة، ولا يختص الإجزاء بالوجوب. ------------------ (١) انظر: «البناية» ١١/ ٥، ٨. ٦ - باب الخُرُوجِ إِلَى المُصَلَّى بِغَيْرِ مِنْبَرٍ ٩٥٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ -وَهْوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ - فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا المُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ غَيَّرْتُمْ وَاللهِ. فَقَالَ أَبَا سَعِيدٍ: قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ. فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ. فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ. [مسلم: ٨٨٩ - فتح ٢/ ٤٤٨] ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري. وقد سلف في باب ترك الحائض الصوم من الطهارة مختصرًا (١)، وزيدٌ فيه هو ابن أسلم العدوي. وفيه هنا من الفوائد: أن الصلاة قبل الخطبة، وأنه كان يخطب قائمًا على غير منبر، وهو دليل الترجمة، وهو من باب التواضع للرب ﷻ؛ ولأنه كان في فضاء، ولا يغيب عن أحدٍ منهم النظر إليه، فلما كثر الناس زمن عثمان [رضي الله عنه] خشي أن لا يسمع أقصاهم فبني له منبر من طين، قيل: بناه كثير بن الصلت. وقيل: إنما بناه عمروان. وفي «المدونة» أنه بناه عثمان أيضًا، وهو أول من أحدثه (٢). ------------------ (١) سبق برقم (٣٠٤) كتاب: الحيض. (٢) «المدونة» ١/ ١٥٣. وفي قوله: (فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ) دلالة على أن أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة مروان. وذكر ابن بطال وابن التين عن مالك أنه قَالَ في «المبسوط»: أول من فعله عثمان ليدرك الناس الصلاة (١). وحكى ابن التين عن يوسف بن عبد الله بن سلام أنه قَالَ: أول من بدأ بها قبل الصلاة يوم الفطر عمر بن الخطاب، وعن ابن شهاب: أول من فعله معاوية. وخالف ابن بطال فقال عن يوسف هذا: أول من فعله عثمان (٢). ولعله لا يصح عن عثمان؛ لأنه سيأتي في باب: الخطبة بعد العيد، عن ابن عباس قَالَ: شهدت العيد (٣) مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان، وكلهم كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة (٤). وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد حَدَّثَني داود بن الحصين عن عبد الله بن يزيد الخَطْمِي أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يبدءون بالصلاة قبل الخطبة حَتَّى قدم معاوية فقدم الخطبة (٥). وهذا يدل على أن ذلك لم يزل إلى آخر زمن عثمان، وعبد الله صحابي، وإنما قدم معاوية في حال خلافته. وحديث أبي سعيد هذا أوَّل قدمة قدمها مروان، ويمكن الجمع بأن مروان كان أميرًا على المدينة لمعاوية، فأمره معاوية بتقديمها، فنسب أبو --------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٥٤. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٥٤. (٣) شهدت العيد: مكررة في الأصل. (٤) سيأتي برقم (٩٦٢) كتاب: العيدين. (٥) «مسند الشافعي» ١/ ١٥٦ (٤٥٤) باب: في صلاة العيدين. سعيد التقديم إلى مروان؛ لمباشرة التقديم، ونسبه عبد الله إلى معاوية؛ لأنه أمر به. وروى القاضي أبو بكر بن العربي عن سفيان أن أوَّل من قدَّمها عثمان، ورواية «الموطأ» والبخاري أنه لم يفعل ذلك (١)، وعن مالك أن أوَّل من قدَّمها عثمان، وهي باطلة لا يلتفت إليها (٢). وممن قَالَ بتقديم الصلاة على الخطبة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والمغيرة وابن مسعود وابن عباس (٣)، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق والأئمة الأربعة وجمهور العلماء (٤)، وروي عن عثمان، لما كثر الناس خطب قبل الصلاة كما سلف (٥)، ومثله عن ابن الزبير ومروان كما نقله ابن المنذر (٦)، وعند الحنفية والمالكية لو خطب قبلها جاز وخالف السُّنَّة ويكره، ولا يكره الكلام عندها (٧). وقوله: (إِن النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ). المراد بالجلوس لسماعها، وهو مأمور به لمن شهد الصلاة مطلقًا، وعدم ------------------ (١) ستأتي هنا برقم (٩٦٢) باب: الخطبة بعد العيد، و«الموطأ» ص ١٢٧ - ١٢٨. (٢) «عارضة الأحوذي» ٣/ ٥ - ٦. (٣) رواه عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٤٩١ - ٤٩٢ (٥٦٧٢)، (٥٦٧٦)، (٥٦٧٧)، (٥٦٧٨) كتاب: الصلوات، باب: من قال: الصلاة يوم العيد قبل الخطبة، ورواه عبد الرزاق ٣/ ٢٨٢ (٥٦٣٨) عن المغيرة. (٤) انظر: «البناية» ٣/ ١٣٧. (٥) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٨٤ (٥٦٤٥) كتاب: الصلاة، باب: أول من خطب ثم صلى. (٦) «الأوسط» ٤/ ٢٧٢. (٧) انظر: «الاختيار» ١/ ١١٣، «منية المصلي» ص ٣٣٤، «النوادر والزيادات» ١/ ٥٠١. وسيأتي الحديث برقم (٩٦١) كتاب: العيدين، باب: المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة. الجلوس؛ لأنه كان يؤدي في خطبه من لا يحل أذاه فينصرف الناس لئلا يسمعوا ذلك فيه، ولعل أبا سعيد لما ذكر له مروان عذره بين له وجهه، ولذلك اتصل العمل به دون إنكار من جمهور الناس حَتَّى قَالَ عطاء: لا أدرى من أحدثه (١)، ولا ينبغي أن يُؤمَر لصلاةٍ من يؤذي من لا يحل له أذاه في خطبته، فمن قدر أن يأتي بعد الخطبة للصلاة فحسن، قاله ابن التين. فرع: الخطبة للعيد سنة بأركان الجمعة، وعند بعض الحنفية أن شروط العيد كالجمعة من المصر والقوم والسلطان والوقت (٢)، وعن عبد الله بن السائب: لما صلى - ﷺ - قَالَ: «إنا نخطب فمن أحب أن يذهب فليذهب» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (٣)، وهو دال على سنية الخطبة إذ لو كانت واجبة لوجب الجلوس لاستماعها. وإنكار أبي سعيد كان على معنى الكراهة، ولذلك شهد مع مروان العيد، ولو كان ذلك مؤثرًا لما شهد الصلاة معه. وبنيان كثير بن الصلت للمنبر يدل على أنه كان يخطب قبل ذلك للعيد على غير منبر، وهو ما بوب له البخاري، وقد جاء في حديث جابر بعد هذا: لما فرغ نبي الله نزل فأتى النساء (٤). يدل على أنه كان ------------------ (١) انظر: «المنتقى» ٢/ ٣١٦. (٢) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٧٥، «الاختيار» ١/ ١١٣. (٣) «سنن أبي داود» (١١٥٥) كتاب: الصلاة، باب: الجلوس للخطبة. و«النسائي» ٣/ ١٨٥ في صلاة العيدين، باب: التخيير بين الجلوس في الخطبة للعيدين. و«ابن ماجه» (١٢٩٠) في إقامة الصلاة، باب: ما جاء في انتظار الخطبة بعد الصلاة. قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠٤٨): إسناده صحيح على شرط الشيخين. (٤) يأتي برقم (٩٧٨). على مرتفع. وكذا قوله في الحديث: فيقوم مقابل الناس. وعن بعضهم: لا بأس بإخراج المنبر. وعن بعضهم كره بنيانه في الجبانة، ويخطب قائمًا أو على دابته (١). وعن أشهب خروج المنبر إلى العيدين واسمع، وعن مالك: لا يخرج فيهما. من شأنه أن يخطب إلى جانبه (٢)، وإنما يخطب عليه الخلفاء. ومن فوائد الحديث: مواجهة الخطيب الناس وأنهم بين يديه، والبروز إلى مصلى العيد والخروج إليه، وأنه من سنتها، ولا تصلي في المسجد إلا من ضرورة. روى ابن زياد عن مالك قَالَ: السُّنَّة: الخروج إليها إلى المصلى إلا لأهل مكة، ففي المسجد (٣)، وفيه كما قَالَ المهلب أنه يحدث للناس أمور بقدر الاجتهاد إذا كان صلاحًا لهم، وذلك أنه - ﷺ - خطب للجمعة قبلها فترك ذلك عثمان، والعلة أوجبت ذلك من افتراق الأمة لسنته في تقديمه الخطبة في الجمعة، فليس بتغيير، وإنما ترك فعلًا بفعل، ولم يترك بغير فعل الشارع، وإنما كانت قبل الصلاة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فعلم الشارع من هذِه الآية أن ليس بعدها جلوس لخطبة ولا لغيرها. وفيه: وعظ الإمام في العيد، ووصيته وأمره، وعلى ذلك شأن الأئمة. وفيه أيضًا: جذب ثياب الإمام ليرجع للصواب. ------------------- (١) انظر: «البناية» ٣/ ١٣٧. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٥٠٤ - ٥٠٥. (٣) «النوادر والزيادات»١/ ٤٤٩. وفيه: حلف الواعظ والمحدث على تصديق حديثه. وفيه: أن الزمان تغير في زمن مروان عما كان عليه. فائدة: كثير بن الصلت هذا هو ابن معدي كرب أبو عبد الله الكندي أخو زبيد عدادهم في بني جمح، ولد في عهد رسول الله - ﷺ -، وسماه: كثيرًا. وكان اسمه قليلًا، وكان له شرف وحال جميلة في نفسه، وله دار كبيرة بالمدينة في المصلى، وقبلة المصلى في العيدين إليها، كان كاتبًا لعبد الملك بن مروان على الرسائل (١). قَالَ العجلي: مدني تابعي ثقة (٢). ---------------- (١) انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٠٥ (٨٩٩)، و«الجرح والتعديل» ٧/ ١٥٣ (٨٥٥)، و«الاستيعاب» ٣/ ٣٦٨ (٢٢٠١)، و«أسد الغابة» ٤/ ٤٦٠ (٤٤٢٤)، و«الإصابة» ٣/ ٣١٠ (٧٤٧٩). (٢) «معرفة الثقات» ٢/ ٢٢٥ (١٥٤٣). ٧ - باب المَشْيِ وَالرُّكُوبِ إِلَى العِيدِ بِغَيِرْ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ٩٥٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي فِي الأَضْحَى وَالفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. [٩٦٣ - مسلم: ٨٨٨ - فتح ٢/ ٤٥١] ٩٥٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ. [٩٦١، ٩٧٨ - مسلم: ٨٨٥ - فتح: ٢/ ٤٥١] ٩٥٩ - قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الفِطْرِ، إِنَّمَا الخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. [٩٦٠ - مسلم: ٨٨٦ - فتح: ٢/ ٢٣] ٩٦٠ - وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَا لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الأَضْحَى. [انظر: ٩٥٩ - مسلم: ٨٨٦ - فتح: ٢/ ٤٥١] ٩٦١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ، فَلَّمَا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِى فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ؟ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا. [انظر: ٩٥٨ - مسلم: ٨٨٥ - فتح: ٢/ ٤٥١] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يُصَلِّي فِي الأَضْحَى وَالفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. ولا يطابق التبويب، وأوَّل من أحدث الأذان في العيد معاوية أو زياد، وهو الأشبه عند القرطبي (١)، أو ----------------- (١) «المفهم» ٢/ ٥٢٨. هشام أو مروان، قاله الداودي: أو عبد الله بن الزبير. وذكره ابن المنذر في «الإشراف» (١)، وحكاه ابن التين عن أبي قلابة أقوال. وقال الشعبي والحكم وابن سيرين: الأذان لهما بدعة، وينادى فيهما: الصلاة جامعة (٢). وأما المشي إلى العيد ففي الترمذي عن علي: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا (٣). ولابن ماجه من حديث جماعة أنه - ﷺ - كان يخرج إليه ماشيًا (٤). وكذا قاله عمر بن عبد العزيز، وفعله عمر (٥)، وكان إبراهيم يكره الركوب إليهما، وأتى الحسن العيدَ راكبًا (٦). ثم ذكر البخاري في الباب أيضًا حديث جابر أنَّه - ﷺ - خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ .. الحديث بطوله. وأخرجه مسلم أيضًا (٧) ولا يطابق التبويب. قَالَ الترمذي: والعمل عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم أنه ---------------- (١) انظر «الأوسط» ٤/ ٢٥٩. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٩١ (٥٦٦٣)، (٥٦٦٧) كتاب: الصلوات، باب: من قال: ليس في العيدين أذان ولا إقامة عن محمد والحكم. (٣) «سنن الترمذي» (٥٣٠) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في المشي يوم العيد. وحسنه، وكذا الألباني في «صحيح الترمذي» (٤٣٧). (٤) «سنن ابن ماجه» (١٢٩٤ - ١٢٩٥) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الخروج إلى العيد ماشيًا. (٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٦ (٥٦٠٤)، (٥٦٠٦) كتاب: الصلوات، باب: في الركوب إلى العيدين والمشي. (٦) رواها ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٦ (٥٦٠٧)، (٥٦٠٨) السابق. (٧) «صحيح مسلم» (٨٨٥) كتاب: صلاة العيدين. لا يؤذن لهما ولا لشيء من النوافل (١). وفيه من الفوائد: الابتداء بالصلاة قبل الخطبة، والخطبة على مرتفع، وإليه يشير قوله: فلما فرغ نزل. وأن النساء: يحضرن العيد، والأمر لهن بالصدقة. وقوله: (وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا؟) يريد بذلك التأسي لهم، قَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وفي أبي داود، وهي من حديث ابن عباس -لا جابر- أن ما تصدقن به قسمه بين فقراء المسلمين (٢). وحاصل مسائل الباب ثلاثة: أحدها: المشي إلى العيد؛ لأنه من التواضع، والركوب مباح، وممن استحب عدم الركوب الأربعة والثوري وجماعة (٣)، وقال مالك: إنما نجيء نمشي ومكاننا قريب، ومن بعُد ذلك عليه فلا بأس أن يركب (٤). وكان الحسن يأتي العيد راكبًا. وكره النخعي الركوب في العيدين والجمعة (٥). ثانيها: الصلاة قبل الخطبة، وهو إجماع من العلماء قديمًا وحديثًا --------------- (١) «سنن الترمذي» عقب حديث (٥٣٢) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء أن صلاة العيدين بغير أذان وإقامة. (٢) «سنن أبي داود» (١١٤٤) كتاب: الصلاة، باب: الخطبة يوم العيد. قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠٣٨) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه مسلم في «صحيحه». (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٤٩، «الأوسط» ٤/ ٢٦٤. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٤٩. (٥) سبق تخريجهما في حديث (٩٥٧). إلا ما كان من بني أمية من تقديم الخطبة (١)، وقد تقدم ذلك، وروي عن ابن الزبير مثله (٢). ثالثها: أن سنة صلاة العيد أن لا يؤذن لها ولا يقام، وهو قول جماعة الفقهاء بل هو بدعة لما سلف (٣). وقال عطاء: سأل ابن الزبير ابن عباس، وكان الذي بينهما حسن، فقال: لا يؤذن ولا يقيم، فلما ساء ما بينهما أذن وأقام (٤). وقوله: (أَنَّ ابن عَبَّاسِ أَرْسَلَ إِلَى ابن الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ مَا بُويعَ لَهُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الفِطْرِ، إِنَّما الخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ). سبب إرساله بما ذكر؛ ليبين أنه خشي أن يفعل ابن الزبير ذلك، وهذا لا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار ولا في الصدر الأول. وفي الحديث شهود النساء صلاة العيد والتوكؤ على يد بعض أصحابه، وفضل بلال، ولعله خص به؛ لأنه الذي يؤذنه لصلاة المكتوبة، ويحمل العنزة بين يديه. وفيه: الأمر بالصدقة للنساء، وخصهن بذلك في قول بعض العلماء؛ لقوله: «رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» (٥) واحتج بهذا الحديث لوجوب زكاة ----------------- (١) انظر: «التمهيد» ٥/ ٢٣٢. (٢) «الأوسط» ٤/ ٢٧٢. (٣) انظر: «التمهيد» ٥/ ٢١٩، ٢٢٧ - ٢٢٨، «المجموع» ٥/ ١٩ - ٢٠، «الإعلام» ٤/ ٢٢٣، «المغني» ٣/ ٢٦٨. (٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٩١ (٥٦٦٢) كتاب: الصلوات، باب: من قال: ليس في العيدين أذان ولا إقامة. (٥) سيأتي برقم (١٤٦٢) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب. من حديث أبي سعيد الخدري. الحلي، وهو قول أبي حنيفة (١)، واحتج به في تقديم الزكاة لأنه لم يسألهن: هل وجبت أم لا؟ وفيهما نظرٌ، وكذا من أخذ منه جواز فعل البكر وذات الزوج في أكثر من ثلثها، وقول عطاء: ذلك حق على الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. ----------------- (١) انظر: «البناية» ٣/ ٤٤٢. ٨ - باب الخُطْبَهَ بَعْدَ العِيدِ ٩٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الخُطْبَةِ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح ٢/ ٤٥٣] ٩٦٣ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ. [انظر: ٩٥٧ - مسلم: ٨٨٨ - فتح: ٢/ ٤٥٣] ٩٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ، تُلْقِى المَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٢/ ٤٥٣] ٩٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: «اجْعَلْهُ مَكَانَهُ، وَلَنْ تُوفِيَ -أَوْ تَجْزِىَ- عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». [انظر: ٩٥١ - مسلم: ١٩٦١ - فتح: ٢/ ٤٥٣] ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث ابن عباس: شَهدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الخُطْبَةِ. هذا الحديث أخرجه هنا عاليا، وفي تفسير سورة الممتحنة نازلًا (١)، أخرجه هنا عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد ثنا ابن جريج. وهناك عن محمد بن عبد الرحيم، عن هارون بن معروف، عن عبد الله بن وهب، عن ابن جريح. وأخرجه مسلم هنا (٢)، وما ذكره عن عمر وعثمان هو الصحيح عنهما، وقد تقدم. فإن قلتَ: ما الحكمة في تقديم الصلاة هنا على الخطبة؟ قلتُ: من أوجه: أحدها: للتفرقة بين ما هو فرض عين، وكفاية، أو سنة. ثانيها: اهتمام الناس بالعيدين، فقدمت؛ لئلا يشتغلوا عنها. ثالثها: أن الخطيب يبين لهم ما يخرجون من الفطر وما يضحون، وذلك يفتقر إلى الحفظ، فأخَّر؛ لئلا يتفكر الحافظ له قبل الصلاة في الخطبة، فأما خطبة الجمعة فلا يزيد محل الموعظ في التي هي الصلاة من جنسها. الحديث الثاني: حديث ابن عمر: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٣). وأبو أسامة في إسناده اسمه: حماد بن أسامة. وعبيد الله هو العمري. ----------------- (١) سيأتي برقم (٤٨٩٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾. (٢) «صحيح مسلم» (٨٨٤) كتاب: صلاة العيدين. (٣) «صحيح مسلم» (٨٨٨) كتاب: صلاة العيدين. الحديث الثالث: حديث ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأمَرَهُنَّ بِالصَّدقةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ، تُلْقِي المَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا. هذا الحديث يأتي قريبًا، وذكره في اللباس والزكاة (١)، وأخرجه مسلم (٢) والأربعة (٣) أيضًا. الحديث الرابع: حديث البراء بن عازب مرفوعًا: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هذا أَنْ نُصَلِّيَ». الحديث، وقد تقدم. إذا تقرر ذلك فالكلام عليها من أوجه: أحدها: هذِه الأحاديث دالة على تأخر الخطبة للعيدين عن الصلاة، أما حديث ابن عمر وابن عباس الأول فظاهر، وأما حديث ابن عباس الآخر فموضعه: ثم أتى النساء وأمرهن بالصدقة. وهذا هو الخطبة. وفي ابن ماجه من حديثه أنه صلى قبل الخطبة ثم خطب، فرأى أنه لم يسمع النساء، فأتاهن فذكَّرهن (٤)، وأما حديث البراء ففيه أن أوَّل ما يفعل في اليوم الصلاة (٥). ------------------ (١) سيأتي برقم (٩٧٥) كتاب: العيدين، باب: خروج الصبيان إلى المصلى، وبرقم (١٤٣١) كتاب: الزكاة، باب: التحريض على الصدقة. وبرقم (٥٨٨٠) كتاب: اللباس، باب: الخاتم للنساء. (٢) «صحيح مسلم» (٨٨٤) كتاب: صلاة العيدين. (٣) أبو داود (١١٥٩)، الترمذي (٥٣٧)، النسائي ٣/ ١٩٣، ابن ماجه (١٢٩١). (٤) «سنن ابن ماجه» (١٢٧٣) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة العيدين. (٥) سلف برقم (٩٥١) كتاب: العيدين، باب: سنة العيدين لأهل الإسلام. ثانيها: وقع للنسائي استدلاله بحديث البراء هذا على أن الخطبة قبلها، وترجم له باب: الخطبة يوم العيد قبل الصلاة. واستدل من ذلك بقوله: «أوَّل ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر» (١). وتأول أن قوله هذا قبل الصلاة؛ لأنه كيف يقول: «أول ما نبدأ به أن نصلي». وهو قد صلى. قَالَ ابن بطال: غلط النسائي في ذلك؛ لأن العرب قد تضع الفعل المستقبل مكان الماضي، فكأنه - ﷺ - قَالَ: أول ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصلاة التي قدمنا فعلها وبدأنا بها. وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ﴾ [البروج: ٨] المعنى: إلا الإيمان المتقدم منهم، وقد بين ذلك في باب استقبال الإمام الناس في خطبة العيد. فقال: «إن أوَّل نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة» (٢). وللنسائي: خطب يوم النحر بعد الصلاة (٣). ثالثها: لم يذكر فعل عليًّ مع من تقدم، وقد كان يفعل مثله إلا ابن عباس لم يكن شهد معه العيد بالكوفة؛ لأنه ولاه على البصرة، كما نبه عليه الداودي، وروى مثل ذلك مرفوعًا جابر وأبو سعيد وأنس والبراء وجندب وابن عمر، خرَّجه البخاري عنهم وجماعة من الصحابة (٤). ---------------- (١) «سنن النسائي» ٣/ ١٨٢ كتاب: صلاة العيدين. (٢) سيأتي برقم (٩٧٦) كتاب: العيدين، وانظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٥٨. (٣) «سنن النسائي» ٣/ ١٨٤ - ١٨٥ كتاب: الصلاة، باب: الخطبة في العيدين بعد الصلاة. (٤) سلف برقم (٩٥١) كتاب: العيدين، باب: سنة العيدين لأهل الإسلام. عن البراء. = قَالَ أشهب في «المجموعة»: من بدأ بالخطبة قبل الصلاة أعادها بعد الصلاة، وإن لم يفعل أجزأه، وقد أساء (١). قَالَ مالك: والسُّنَّة تقديم الصلاة قبل الخطبة، وبذلك عمل رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان صدرًا من ولايته (٢)، وقد أسلفنا أنه إجماعٌ، وذكرنا من قدَّمها. رابعها: فيه أن لا يصلى قبلها ولا بعدها، وبه أخذ مالك. قَالَ: لا يتنفل في المصلى قبلها ولا بعدها (٣). وفيه قول ثان: أنه يتنفل قبلها وبعدها كما في الجمعة، روي ذلك عن بريدة الأسلمي وأنس بن مالك والحسن وأخيه سعيد وعروة (٤). قَالَ ابن بطال: وبه قَالَ الشافعي. أي لغير الإمام. وحكي القول الذي قبله عن عليًّ وابن مسعود وحذيفة وجابر وابن عمر وابن أبي أوفى والشعبي ومسروق والضحاك والقاسم وسالم والزهري ومعمر وابن جريج (٥)، وهو قول أحمد، وحكي عن مالك. ------------------- = وبرقم (٩٥٦) باب: الخروج إلى المصلى بغير منبر عن أبي سعيد. وبرقم (٩٥٧) باب: المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة. عن ابن عمر. وسيأتي برقم (٩٨٥) باب: كلام الإمام والناس خطبة العيد. عن جندب. (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٠١. (٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٣١٦. (٣) «المدونة» ١/ ١٥٦. (٤) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٢٧١ - ٢٧٢. كتاب: صلاة العيدين، باب: الصلاة قبل خروج الإمام وبعد الخطبة. (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨. كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يصلي قبل العيد ولا بعده. وفيه قول ثالث: أنها إذا صليت في المسجد جاز التنفل قبلها وبعدها، حكاه ابن بطال عن مالك، وهي رواية ابن القاسم عنه (١). وفيه قولٌ رابع -عكسه- أنه لا يتنفل في الجامع قبلها ويباح بعدها، قاله ابن وهب وأشهب (٢)، وأما في بيته فأجازه مالك في «المدونة» (٣). وقال ابن حبيب: قَالَ قوم: هي سبحة ذلك اليوم فيقتصر عليها إلى الزوال. قَالَ: وهو أحب إليَّ (٤). وفيه قولٌ خامس: أنه يصلي قبلها لا بعدها، روي ذلك عن أبي مسعود البدري، وبه قَالَ علقمة والأسود وابن أبي ليلى والنخعي ومجاهد (٥) والثوري والكوفيون منهم أبو حنيفة والأوزاعي، وحكاه ابن شعبان عن مالك (٦). وفيه قولٌ سادس: الكراهة في المصلى قبلها وبعدها والرخصة فيها في غيره (٧). وسابعٌ: ذكره في «الجواهر»: أنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها في هذا اليوم. وقال أحمد: أهل الكوفة لا يتطوعون قبلها ويتطوعون بعدها، وأهل البصرة يتطوعون قبلها وبعدها، وأهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها. ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٧٤. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٥٠٤. (٣) «المدونة» ١/ ١٥٦. (٤) «النوادر والزيادات» ١/ ٥٠٤. (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٩٩ - ٥٠٠ كتاب: الصلوات، باب: من رخص في الصلاة قبل خروج الإمام. (٦) «الأوسط» ٤/ ٢٨٦ - ٢٦٩. (٧) انظر: «المدونة» ١/ ١٥٦. وعند الحنفية أقوال غير ما سلف: ليس قبلها صلاة. عن محمد كما في «الذخيرة». وإن شاء تطوع قبل الفراغ من الخطبة. معناه: أنه ليس قبلها صلاة مسنونة لا أنها تكره، إلا أن الكرخي نص على الكراهة قبل العيد حيث قَالَ: يكره لمن حضر المصلى التنفل قبلها (١). وفي «التجريد»: إن شاء تطوع بعد الفراغ من الخطبة. ولم يذكر أنه تطوع في الجبانة أو في بيته، وذكر في كتاب «العالم والمتعلم» ما يدل على أنه يتطوع في بيته ويكره ذلك في الجبانة، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: لا بأس بصلاة الضحى قبل الخروج إلى المصلى، وإنما تكره في الجبانة. وعامة المشايخ على الكراهة مطلقًا (٢). قلتُ: والسنة الثابتة: المنع مطلقًا، فثبت أنها ليس كالجمعة. واستخلف عليُّ أبا مسعود فخطب الناس وقال: لا صلاة قبل الإمام يوم العيد (٣)، ولم يرو عن غيره خلافه، ومثل هذا لا يقال بالرأي وإنما طريقه التوقيف كما نبه عليه الطحاوي (٤)، وقد عقد البخاري لهذِه المسألة بابًا قريبًا (٥). خامسها: إتيانه النساء بعد خطبته ورأى أنهن لم يسمعن كما سلف، فيستحب عظتهن، ويذكرهن الآخرة والأحكام، وحثهن على الصدقة، وهذا إذا -------------- (١) انظر: «المحيط البرهاني» ٢/ ٤٩٨. (٢) «البناية» ٣/ ١٢٢. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨ (٥٧٣٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يصلي قبل العيد وبعده. (٤) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٧٨. (٥) سيأتي قبل الحديث (٩٨٩) كتاب: صلاة العيدين، باب: الصلاة قبل العيد وبعدها. لم يترتب عليه مفسدة وخوف فتنة على الواعظ والموعوظ أو غيرهما. وفيه: أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعهم يكن بمعزل عنهم؛ خوفًا من فتنة ونحوها. وفيه: أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول بل يكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال ولا من غيره، وهو صحيح مذهب الشافعي وأكثر العراقيين يفتقر إلى الإيجاب والقبول باللفظ كالهبة. وفيه: جواز صدقة المرأة من مالها، وعن مالك: لا تجوز الزيادة على ثلث مالها إلا برضا زوجها (١). سادسها: قوله: (يُلْقِينَ). كذا هو في «الصحيح» وهو جائز على لغة أكلوني البراغيث. وفي مسلم: يلقين ويلقين مكرر، وهو صحيح، ومعناه: يلقين كذا ويلقين كذا. والخُرص -بضم الخاء المعجمة ثم راء ثم صاد مهملة- حلقة تكون في الأذن. وفي «البارع»: القرط، يكون فيه حبة واحدة، حكاه ابن قرقول. وقال ابن الأثير: الخرص -بالضم والكسر-: الحلقة الصغيرة من الحلي، وهو من حلي الأذن (٢). والسخاب -بسين مهملة، ثم خاء معجمة، ثم ألف ثم باء موحدة- خيط ينضم فيه خرزات ويلبسه الصبيان والجواري، وقيل: هو قلادة ----------------- (١) «الإعلام» ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥. (٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٢/ ٢٢. ![]()
__________________
|
|
#217
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 101 الى صـــ 120 الحلقة (217) تتخذ من قرنفل ومحلب وسك ونحوه، وليس فيها من اللؤلؤ والجوهر شيءٌ. ونقل صاحب «المطالع» عن البخاري أنه القلادة من طيب أو مسك. وقال غيره: هو من المعاذات. وذكر في الزكاة بدل السخاب: القلب، وهو: الخلخال، قاله الخطابي (١). وقال ابن فارس والجوهري: القلب من السوار ما كان قلبًا واحدًا (٢). وحكى النحاس عن يحيى بن سليمان الجعفي أنه قَالَ: القلب: السوار. ولم يزد على ذلك. وقوله: (فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) انعقد الإجماع كما قَالَ ابن بزيزة على أن صلاة العيد ركعتان لا أكثر، إلا ما روي عن علي أنها في الجامع أربع، فإن صليت في المصلى فهي ركعتان، كقول الجمهور كما تعلمه في باب: إذا فاته العيد. وفي الحديث جواز خروج النساء للعيدين، واختلف السلف في خروجهن للعيدين، فرأى جماعة ذلك حقًّا عليهن، منهم أبو بكر وعلي وابن عمر وغيرهم (٣). وقال أبو قلابة: قالت عائشة: كانت الكواعب تخرج لرسول الله - ﷺ - في الفطر والأضحى. وكان علقمة والأسود يخرجان نساءهم في العيد ويمنعونهن الجمعة (٤). ------------ (١) «غريب الحديث» ٢/ ٨٩. (٢) انظر: «الصحاح» ١/ ٢٠٥، و«المجمل» ٣/ ٧٣٠. (٣) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٣ (٥٧٨٤: ٥٧٨٦) كتاب: الصلوات، باب: من رخص في خروج النساء إلى العيدين. (٤) «المصنف» ٢/ ٣ (٥٧٨٩)، وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٢٦٢. وروى ابن نافع عن مالك أنه لا بأس أن تخرج المتجالة إلى العيدين والجمعة، وليس بواجب، وهو قول أبي يوسف (١). ومنهم من منعهن ذلك، منهم عروة والقاسم والنخعي ويحيى الأنصاري (٢) ومالك وأبو يوسف، وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه أخرى (٣)، وقول من رأى خروجهن أصح لشهادة السنة الثابتة له. والمسنة: التي بدلت أسنانها كما قَالَ الداودي، وقال غيره: هي الثنية. وقوله: («وَلَنْ تُوفِيَ أَوْ تَجْزِيَ») وَفِيَ وأَوْفَى بمعنى، كذا جزى وأجزى، فجزى يجزي معنى قضى يقضي، وأجزأ يجزئ: كفاه وقام مقامه مهموز، يقال: هذا يجزئ من هذا. أي: يغني منه وليس هو هنا مهموزًا؛ لأن المهموز لا يستعمل معه عند العرب، إنما يقولون: هذا يجزي من هذا. أي: يكون مكانه. وفي «الصحاح»: جزى بمعنى: قضى. وبنو تميم يقولون: أجزأ يجزئ مهموز (٤). ------------ (١) انظر: «المبسوط» ٢/ ٤١، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٧٥، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٤٩. (٢) رواها عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٤ (٥٧٩٥: ٥٧٩٧) كتاب: الصلوات، باب: من كره خروج النساء إلى العيدين، وذكرها ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٢٦٣. (٣) انظر: «السرخسي» ٢/ ٤١، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٧٥، «المدونة» ١/ ١٥٥. (٤) «الصحاح» ٦/ ٢٣٠٢. ٩ - باب مَا يُكْرَهُ من حَمْلِ السِّلَاحِ فِي العِيدِ وَالحَرَمِ وَقَالَ الحَسَنُ: نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ يَوْمَ عِيدٍ إِلَّا أَنْ يَخَافوا عَدُوًّا. ٩٦٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا وَذَلِكَ بِمِنًى، فَبَلَغَ الحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ، فَقَالَ الحَجَّاجُ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ أَصَبْتَنِي. قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ الحَرَمَ وَلَمْ يَكُنِ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الحَرَمَ. [٩٦٧ - فتح: ٢/ ٤٥٤] ٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ الحَجَّاجُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ مَنْ أَصَابَكَ؟ قَالَ: أَصَابَنِى مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ، يَعْنِي: الحَجَّاجَ. [انظر: ٩٦٦ - فتح: ٢/ ٤٥٥] وذكر فيه عن سعيد بن جبير قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابن عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ. الحديث. وفي إسناده: المحاربي. وهو عبد الرحمن بن محمد الكوفي، مات سنة خمس وتسعين ومائة. وشيخ البخاري فيه: زكرياء بن يحيى أبو السكين بضم السين طائي كوفي، مات سنة إحدى وخمسين ومائتين، انفرد به البخاري عن الخمسة، وجده الأعلى خريم بن أوس، له صحبة. وروى البخاري أيضًا عن زكريا بن يحيى بن صالح البلخي في الوضوء والتيمم والمزارعة، مات بعد الثلاثين ومائتين، وفي طبقتهما: زكريا بن يحيى آخران: أحدهما: قضاعي مصري، أخرج له مسلم وحده. وثانيهما: خياط السنة، روى عنه: النسائي ووثقه. و(السنان): حديدة في الرمح. والأخمص: ما رَقَّ من أسفل القدم. وقال يعقوب: المتجافي عن الأرض من بطن القدم. وقال الخليل: (١) الأخمص: خصر القدم، والجمع: الأخامص، قدم مخصرة ومخصورة: إذا كان في أرساغها تخصير، كأنه مربوط، أو فيه يمن مستدير (٢). وذكر فيه البخاري أيضًا عن أحمد بن يعقوب: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ الحَجَّاجُ عَلَى ابن عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ الحديث. زاد الإسماعيلي: وذلك؛ لأن الناس نفروا عشية نفرة ورجل من أصحاب الحجاج عارضٌّ حربته، فضرب ظهر قدم ابن عمر، فأصبح وهنًا منها حَتَّى مات. وأحمد شيخ البخاري روى عنه في المناقب أيضًا من أفراد البخاري، يقال له: المسعودي، وهو كوفي. وإسحاق بن سعيد هو أخو خالد بن سعيد، وابن عم إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، مات سنة سبعين ومائة، وقيل: ست وسبعين. إذا عرفت ذلك فقول ابن عمر: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه. يدل أن حملها ليس من شأن العيد، وحملها في المشاهد التي لا يحتاج إلى الحرب فيها مكروه؛ لما يخشى فيها من الأذى ------------ (١) «العين» ٤/ ١٩١. (٢) انظر: «الصحاح» ٣/ ١٠٣٨، و«لسان العرب» ٣/ ١٢٦٦. والعقر عند تزاحم الناس، وقد قَالَ - ﷺ - للذي رآه يحمل: «أمسك بنصالها لا تعقرن بها مسلمًا» (١) فإن خافوا عدوًّا فمباح حملها (٢) كما قَالَ الحسن، وقد أباح الله تعالى حمل السلاح في الصلاة عند الخوف. وقوله: (وَلَمْ يَكُنِ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الحَرَمَ). إنما ذلك للأمن الذي جعله الله لجماعة المسلمين فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقوله للحجاج: (أنت أصبتني). دليل على قطع الذرائع؛ لأنه لامه على ما أداه إلى أذاه، وإن كان الحجاج لم يقصد ذلك. وقوله: (لو نعلم من أصابك). أي: لعاقبته. ثم فيه فوائد أخر: عيادة الأمير العالم، وتلطف الحجاج لابن عمر، وإنكار ابن عمر على الحجاج إدخال السلاح الحرم، وأن يحمل في ذلك اليوم. وسياق ذكر مني يدل على أنه العيد، وهو مطابق لترجمة البخاري. وأثر الحسين صريح، وأن من سن سنة كان عليه كفل منها. قَالَ البيهقي: ورويناه عن الضحاك بن مزاحم، عن رسول الله - ﷺمرسلًا- أنه نهى أن يخرج يوم العيد بالسلاح (٣). ------------ (١) سبق برقم (٤٥١) كتاب: الصلاة، باب: يأخذ نصول النبل إذا مر في المسجد، بلفظ: مر رجل في المسجد ومعه سهام فقال له رسول الله - ﷺ - أمسك بنصالها. عن جابر. ورواه مسلم (٢٦١٤) كتاب: البر والصلة، باب: أمر من مر بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما أن يمسك بنصالها، وأحمد ٣/ ٣٠٨. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: يستحب حمل السلاح في أنواع صلاة الخوف. وفي قول: يحب. (٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٢٨٥ كتاب: صلاة العيدين، باب: حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد. ١٠ - باب التَّبْكِيرِ للعِيدِ (١) [وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ: إِنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ]. ٩٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَىْءٍ». فَقَامَ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. قَالَ: «اجْعَلْهَا مَكَانَهَا -أَوْ قَالَ: اذْبَحْهَا- وَلَنْ تَجْزِىَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». [٩٥١ - مسلم: ١٩٦١ - فتح: ٢/ ٤٥٦] (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ: إِنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِي هذِه السَّاعَةِ، وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ.) هذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث يزيد بن خمير الرحبي قَالَ: خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله - ﷺ - مع الناس في يوم عيد فطرٍ أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام وقال: إن كنا قد فزعنا في هذِه الساعة، وذلك حين التسبيح. ولفظ ابن ماجه: وقال: إنا كنا فزعنا ساعتنا هذِه. وللبيهقي: وقال: إن كنا مع رسول الله - ﷺ - (٢). -------------- (١) ورد في هامش الأصل: في نسخة: إلى العيد. (٢) أبو داود (١١٣٥)، ابن ماجه (١٣١٧)، البيهقي ٣/ ٢٨٢. ورواه أيضًا الحافظ في «التغليق» ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦ جميعًا من طريق صفوان بن عمرو، عن يزيد بن خمير، به فقال: أما الحديث فصحيح الإسناد؛ لا أعلم له علة، وأما كونه على شرط البخاري فلا؛ فإنه لم يخرج ليزيد بن خمير في «صحيحه» شيئًا. والله أعلم اهـ. وصححه عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٧٤. وقال النووي في «الخلاصة» ٢/ ٨٢٦ - = واستدركه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري (١). وعبد الله بن بُسر، بالسين المهملة، السلمي، مات فجأة وهو يتوضأ سنة ثمانٍ وثمانين. وقيل: بعد ذلك، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام (٢). ثم ذكر حديث زُبَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ: خَطَبَنَا رسول الله - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ .. الحديث. وقد سلف. أما حكم الباب، فالإجماع قائم على أن العيد لا يصلى قبل طلوع الشمس. قَالَ ابن بطال: ولا عند طلوعها (٣). وفيه نظرٌ، فمذهبنا يدخل بطلوعها، وهو ما حكاه ابن التين عن الشيخ أبي القاسم في تعريفه، وفسر تأخيرها بارتفاعها قدر رمح، ألا ترى إلى قول عبد الله بن بسر: وذلك حين التسبيح. أي: حين الصلاة، فدل على أن صلاة العيد سبحة ذلك اليوم، فلا تؤَّخر عن وقتها لقوله - ﷺ -: «أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هذا أَنْ نُصَلَّيَ» ودل ذلك على التبكير بصلاة العيد كما ترجم له البخاري، نعم تؤخر في الفطر وتعجل في الأضحى؛ لورود السُّنَّة به. واختلفوا في وقت الغدو إلى العيد، فكان ابن عمر يصلي الصبح ثم ----------- = ٨٢٧ (٢٩١٤)، والحافظ ابن كثير في «إرشاد الفقيه» ١/ ٢٠٣، والألباني في «صحيح أبي داود»، وفي «الإرواء» ٣/ ١٠١: إسناده صحيح على شرط مسلم. (١) «المستدرك» ١/ ٣٩٥. قلت: تعقبه الحافظ في التغليق. (٢) انظر: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٥٩٥ (١٥٧٧)، و«الاستيعاب» ١٠/ ٣ (١٤٩٠)، و«أسد الغابة» ٣/ ١٨٦ (١٨٣٧)، و«الإصابة» ٢/ ٢٨١ (٤٥٦٤). (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٦٠. يغدو كما هو إلى المصلى. وفعله سعيد بن المسيب. وقال إبراهيم: كانوا يصلون الفجر وعليهم ثيابهم يوم العيد (١). وعن أبي مجلز مثله (٢). وعن رافع بن خديج أنه كان يجلس في المسجد مع بنيه فإذا طلعت الشمس صلى ركعتين، ثم يذهبون إلى الفطر والأضحى (٣). وكان عروة لا يأتي العيد حَتَّى يستقبل الشمس، وهو قول عطاء والشعبي (٤). وفي «المدونة» عن مالك: يغدو من داره أو من المسجد إذا طلعت الشمس (٥). وقال علي بن زياد عنه ومن غدا إليها قبل الطلوع فلا بأس، ولكن لا يكبر حتى تطلع الشمس. ولا ينبغي للإمام أن يأتي المصلى حتى تحين الصلاة (٦) وقال الشافعي: يأتي في المصلى حين تبرز الشمس في الأضحى، ويؤخر الغدو في الفطر عن ذلك قليلًا (٧). وحديث البراء دالُّ أنه لا يجب أن يشتغل بشيءٍ غير الأهبة له والخروج إليه، وأن لا يُفعل قبل الصلاة شيءٌ غيرها. ---------------- (١) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٦ (٥٦٠٩)، (٥٦١٠)، (٥٦١٢) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي يتوجه فيها إلى العيد أية ساعة. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٧ (٥٦١٣) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي يتوجه فيها إلى العيد أية ساعة. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٧ (٥٦١٦). (٤) رواهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٧ (٥٦١٤ - ٥٦١٥). (٥) «المدونة» ١/ ١٥٤. (٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٨، «عمدة القاري» ٥/ ٣٩٠. (٧) انظر: «المجموع» ٥/ ٧. ١١ - باب فَضْلِ العَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ: أَيَّامُ العَشْرِ، وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ. ٩٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامِ العَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ العَمَلِ فِي هَذِهِ». قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَىْءٍ». [فتح: ٢/ ٤٥٧] وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ: أَيَّامُ العَشْرِ، وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. كذا في كثير من نسخ البخاري: (معلومات). والتلاوة: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾. وقد رواه عبد بن حميد في «تفسيره» عن قبيصة عن سفيان عن ابن جريج عن عروة بن دينار قَالَ: سمعت ابن عباس يقول: واذكروا الله في أيام معدودات الله أكبر. اذكروا الله في أيام معدودات، الله أكبر. ثم ذكر تفسيرها كما سلف. ثم قَالَ البخاري: وَكَانَ ابن عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. قلت: أخرجه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، أخبرني عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر أنه كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبر حَتَّى يأتي المصلى يوم العيد ثم يكبر بالمصلى، حَتَّى إذا جلس الإمام ترك التكبير. وزاد في «المصنف»: ويرفع صوته حَتَّى يبلغ الإمام (١). قَالَ البيهقي: ورواه عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - في رفع الصوت بالتهليل والتكبير حَتَّى يأتي المصلى. وروي في ذلك عن عليٍّ وغيره من الصحابة (٢). ثم قال البخاري: وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ. محمد هذا هو أبو جعفر. قَالَ البيهقي: وكان أبو جعفر محمد بن علي يكبر بمنى أيام التشريق خلف النوافل (٣). قال ابن التين: ولم يتابعه عليه أحد. ثم ساق البخاري حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامِ أَفْضَلَ منها فِي هذِه» .. الحديث. وهو من أفراده، وأخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب. وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله ابن عمرو وجابر (٤). وسليمان المذكور في إسناده هو الأعمش، وما ذكره من تفسير ابن عباس: (المعلومات) (والمعدودات)، وهي ثلاثة بعد النحر، هو قول --------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٨٧ (٥٦١٨) كتاب: الصلوات، باب: في التكبير إذا خرج إلى العيد. (٢) «سنن الكبرى» ٣/ ٢٧٩ كتاب: صلاة العيدين، باب: التكبير ليلة الفطر ويوم الفطر وإذا غدا إلى صلاة العيدين. (٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٣١٦ كتاب: صلاة العيدين، باب: سنة التكبير للرجال والنساء والمقيمين والمسافرين. (٤) «سنن أبي داود» (٢٤٣٨) كتاب: الصيام، باب: في صوم العشر. و«سنن الترمذي» (٧٥٧) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في العمل في أيام العشر. و«سنن ابن ماجه» (١٧٢٧). النخعي والشافعي وعطاء ومجاهد وإبراهيم والضحاك، وهو قول أهل الكوفة (١). قَالَ النحاس: لا أعلم فيه اختلافًا. وحكاه الكرخي عن أبي حنيفة، وهو قول الحسن وقتادة. وروي عن عليٍّ وابن عمر أن المعلومات هي ثلاثة أيام: النحر ويومان بعده، والمعدودات أيام التشريق (٢)، وهذا قول صاحبيه، وبه قَالَ مالك، سميت معدودات لقلتهن، ومعلومات لحرص الناس على علمها لأجل فعل المناسك في الحج، ولأنها معلومة للذبح فيتوخى المساكين القصد فيها فيعطون. قَالَ الطحاوي: وإليه أذهب للآية، وهي أيام النحر، وعامة العلماء في المعدودات يقول بقول ابن عباس. وقيل: سميت معدودات؛ لأنه إذا زيد عليها في البقاء كان حصرًا لقوله - ﷺ -: «لا يبقين مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث» (٣) وقيل: معناه محصنات أُمروا بالتكبير فيها أدبار الصلوات وعند رمي الجمار. قال أبو عبيد: سميت أيام التشريق؛ لأن التشريق صلاة العيد؛ لأن وقتها من حين الشروق، ومنه حديث: «من ذبح قبل التشريق أعاد» فسميت الأيام كلها أيام التشريق؛ وقبل: لأن لحوم الأضاحي تشرق للشمس فيها. وقيل: تفرد. وقيل: لقولهم: أَشْرِقْ ثبيرُ كيما نُغِير. وأنكر مالك أن يقال: الأم التشريق، وقال: يقول الله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ و﴿مَعْلُومَاتٌ﴾. --------------- (١) رواها الطبري في «تفسيره» ٢/ ٣١٥ (٣٨٩٦، ٣٩٠٣، ٣٩١١). وذكرها ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨. (٢) ذكرهما ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨. (٣) سيأتي برقم (٣٩٣٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه. بلفظ «ثلاث للمهاجر». والعمل في أيام التشريق هو التكبير المسنون، وهو أفضل من صلاة النافلة كما قَالَ المهلب؛ لأنه لو كان هذا الكلام خطأ على الصلاة والصيام في هذِه الأيام يعارض قول: «أيام أكل وشرب» (١). وقد نهي عن صيام هذِه الأيام، وهو دال على تفريغها للأكل والشرب واللذة، فلم يبق تعارض إذا عني بالعمل التكبير، وهو الذي ذكره على تأويل قوله: «أفضل منها في هذه الأيام» أن المراد بهذا الضمير أيام التشريق. والمراد أيام العشر. كما ورد مصرحًا به في الترمذي من حديث ابن عباس أيضًا: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله من هذِه الأيام العشر» قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد؟ الحديث. ورواه أبو داود وابن ماجه أيضًا (٢)، وفي روايتهما: يعني: العشر. أوردوه في الصيام، فعلى هذا لا مناسبة في الحديث للترجمة والمبوب عليه قول ابن عباس، نعم يوم العيد معلوم كما ذكره ابن عباس. قوله: («وَلَا الجِهَادُ») أي: ليس مطلق الجهاد كله بموجب، بل الموجب ما ذكر من المخاطرة بالنفس والمال ففضله لا يحاط به. قَالَ الداودي: ولم يرد هنا أن هذِه الأيام خير من يوم الجمعة لأنه قد يكون فيها يوم جمعة، وفيه نظرٌ؛ لأنه إذا كان فيها زاد الفضل. ومعنى: «يخاطر بنفسه»: يكافح العدو بنفسه وسلاحه وجواده فيسلم من القتل أو لا يسلم منه، فهذِه المخاطرة، وهذا العمل أفضل منه في هذِه الأيام وغيرها مع أن هذا العمل لا يمتنع صاحبه من إتيان التكبير والإعلان به. ----------- (١) سلف برقم (٩٥٥). (٢) سبق تخريجه. وأصله حديث الباب. وقوله: («فلَمْ يَرْجِعْ بِشَيءٍ») يحتمل أن لا يرجع بشيءٍ من ماله ويرجع هو، ويحتمل أن لا يرجع هو ولا ماله فيرزقه الله الشهادة، وقد وعد عليها الجنة. وأما خروج ابن عمر وأبي هريرة إلى السوق وتكبير الناس بتكبيرهما، فقد قالت طائفة به. قَالَ أبو جعفر الحنفي: كان مشايخنا يرون التكبير في الأسواق في أيام العشر، والفقهاء لا يرون ذلك كما نقله عنهم ابن بطال، وإنما التكبير عندهم من وقت رمي الجمار؛ لأن الناس فيه تبع لأهل مني (١)، والمختار عندنا أنه يكبر من صبح مني ويختم بعصر آخر (أيام) (٢) التشريق، خلف كل صلاة مفعولة في هذِه الأيام قضاء، وأداء، فرض عين، أو كفاية، أو سنة (٣)، ويستحب عندنا التكبير في الأيام المعلومات إذا رأى شيئًا من بهيمة الأنعام. وفي فعل ابن عمر وأبي هريرة هذا خروج العلماء إلى السوق يذكرون الناس في الأوقات التي يصلح الذكر فيها، وأما تكبير أبي جعفر خلف النافلة فهو قول الشافعي (٤). قَالَ البيهقي: روينا عن النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» (٥) وسائر الفقهاء كما قَالَ ابن بطال: لا يرون ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٦٣. (٢) من (ج). (٣) فيه ثلاثة أقوال انظر: «البيان» ٢/ ٦٥٤ - ٦٥٩، «العزيز» ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٧. (٤) انظر: «المجموع» ٥/ ٤٢. (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٣١٢ كتاب: صلاة العيدين، باب: من قال: يكبر في الأضحى خلف صلاة الظهر من يوم النحر. التكبير إلا خلف الفريضة (١). وقال ابن التين: لم يتابعه أحد عليه؛ لأن في تخصيص الخمس بذلك تعظيمًا لها. قَالَ: ولأنه ذكر واجب فوجب أن يختص بالواجب، وهو المشهور من مذهب مالك (٢). أعني: تخصيصه بالفرائض. قَالَ ابن المنذر: التكبير في المكتوبة في الجماعة مذهب ابن مسعود، وكان ابن عمر إذا صلى وحده لا يكبر، وبه قَالَ أبو حنيفة والثوري، وهو المشهور عن أحمد. وقال صاحباه ومالك والشافعي والأوزاعي: يكبر المنفرد (٣). والصحيح من مذهب أبي حنيفة أن التكبير واجب (٤). وفي «فتاوى قاضي خان» و«التجريد» أنه سنَّةٌ. قَالَ أبو محمد بن حزم (٥): التكبير دبر كل صلاة وفي الأضحى وأيام التشريق ويوم عرفة حسن كله؛ لأن التكبير فعل خير، وليس ها هنا أثر عن رسول الله - ﷺ - بتخصيص الأيام المذكورة دون غيرها، روينا عن الزهري وأبي وائل وأبي يوسف استحباب التكبير غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق عند العصر، وكان ابن مسعود يكبر في صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر يوم النحر (٦)، وعن ابن عمر: من يوم النحر إلى صلاة الصبح آخر أيام التشريق (٧). ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٦٣. (٢) «المدونة» ١/ ١٥٧ وله رواية أخرى أنه يكبر بعد النافلة «الذخيرة» ٢/ ٤٢٦. (٣) «الأوسط» ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦. (٤) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ١٠٤. (٥) «المحلي» ٥/ ٨٩. (٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٨ (٥٦٣٢) كتاب: الصلوات، باب: التكبير من أي يوم هو إلى أي ساعة. (٧) السابق ١/ ٤٨٨ (٥٦٣٩). ١٢ - باب التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ وَكَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا. وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ. وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزَ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ. ٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ قَالَ: كَانَ يُلَبِّي المُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. [١٦٥٩ - مسلم: ١٢٨٥ - فتح: ٢/ ٤٦١] ٩٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ البِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ وَطُهْرَتَهُ. [انظر: ٣٢٤ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ٢/ ٤٦١] (وَكَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا). وهذا رواه البيهقي من حديث عطاء عن عبد الله بن عمر أن عمر كان يكبر، وفيه: ليسمعه أهل السوق فيكبرون (١). ----------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٣١٢ صلاة العيدين، باب: من قال: يكبر في الأضحى. ومعنى: (ترتج مني): تتحرك وتضطرب، فهو شبه الزلزلة، وهو مجاز. والمعنى: يرتج الحاضرون بهم. وهذا عبارة عن كثرة المكبرين ورفع أصواتهم. ذكر هذا في «الموطأ» عن عمر فقال: خرج عمر الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئًا فكبَّر وكبَّر الناس معه، ثم خرج الثانية بعد ارتفاع النهار فكبَّر وكبَّر الناس معه بتكبيره، ثم خرج حين زاغت الشمس فكبَّر وكبَّر الناس معه، حَتَّى بلغ البيت فتعرفت أن عمر خرج يرمي (١). وهذا منه على وجه التذكير للناس على ذكره لما روي أنه - ﷺ - قَالَ: «أيام مني أيام أكل وشرب وذكر الله» (٢) وخاف الغفلة على الناس عن ذكر الله تعالى، وقد قَالَ ابن حبيب: ينبغي لأهل مني أن يكبروا أوَّل النهار، وإذا ارتفع، ثم إذا زالت الشمس، ثم بالعشي. وكذا فعل عمر رضي الله عنه (٣). ثم قَالَ البخاري: (وَكَانَ ابن عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ ------------- (١) «الموطأ» ١/ ٥٤١ (١٤٠٥) كتاب: المناسك، باب: باب: تكبير أيام التشريق. (٢) رواه ابن ماجه (١٧١٩) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في النهي عن صيام أيام التشريق، وأحمد ٢/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٥١٣، ٥٣٥، وأبو يعلى في «مسنده» ١٠/ ٣٢٠ (٥٩١٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤٥، وابن حبان في «صحيحه» ٨/ ٣٦٦ - ٣٦٧ (٣٦٠١)، (٣٦٠٢) كتاب: الصوم، باب: صوم أيام التشريق، وصححه البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٥٨٣) على شرط الشيخين. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه»: حسن صحيح. ورواه مسلم. من حديث نبيشة الهذلي بلفظ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله». (١١٤١). (٣) سبق تخريجه. تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا) وهذا أيضًا ذكره البيهقي فقال: ويذكر عن ابن عمر. إلى آخره (١). والفسطاط: بيت من شعر، فيه ثلاث لغات حكاها في «الصحاح»: فسطاط، وفستاط، وفساط. قَالَ: وكسر الفاء لغة فيهن (٢)، وهو عند ابن فارس: ضرب من الأبنية (٣). ثم قَالَ البخاري: (وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ) وهذا أيضًا ذكره البيهقي أيضًا هكذا، وذكر أيضًا قوله في البخاري: (وَكُنِّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزَ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ) قَالَ البيهقي: وكان الشعبي وإبراهيم النخعي يقولان هذا القول (٤). ثم ساق البخاري حديثين: أحد هما: حديث محمد بن أبي بكر الثقفي (٥) قَالَ: سَألْتُ أَنَسًا وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إلى عَرَفَاتٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ .. الحديث. ويأتي في الحج إن شاء الله تعالى أيضًا (٦). -------------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٣١٢ كتاب: صلاة العيدين، باب: من قال: يكبر في الأضحى. (٢) «الصحاح» ٣/ ١١٥٠. (٣) «المجمل» ٢/ ٧٢٠. (٤) «السنن الكبرى» ٣/ ٣١٦ كتاب: صلاة العيدبن، باب: سنة التكبير للرجال والنساء. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: شيخه في حديث محمد بن أبي بكر الثقفي هذا أبو نعيم، وهناك عبد الله بن يوسف كلاهما عن مالك. (٦) سيأتي برقم (١٦٥٩) باب: التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة. وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه أيضًا (١). ومحمد (خ. م. س. ق) هذا هو ابن أبي بكر بن عوف بن رباح حجازي، وهذا التكبير يحتمل أن يكون نوعًا من الذكر أدخله الملبي في خلال تلبيته من غير ترك التلبية؛ لأن المروي عن الشارع أنه لم يقطع التلبية حَتَّى رمى جمرة العقبة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: يقطع إذا زالت الشمس. وقال مرة أخرى: إذا وقف. وقال أيضًا: إذا راح إلى مسجد عرفة. وهو قريب من قولهم: إذا زالت. الثاني: قَالَ البخاري: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ .. الحديث. هكذا في البخاري: حَدَّثَنَا محمد، ثنا عمر بن حفص. قَالَ الجياني: هكذا رواه أبو ذر. وكذلك خرجه أبو مسعود الدمشقي في كتابه عن محمد عن عمر بن حفص فقال: وفي روايتنا عن أبي علي بن السكن وأبي أحمد وأبي زيد: ثنا عمر بن حفص. لم يذكروا محمدًا قبل عمر، ويشبه أن يكون محمد بن يحيى الذهلي، وإليه أشار الحاكم في هذا الموضع (٢). وأما خلف والطرقي فذكرا أن البخاري رواه عن عمر بن حفص، لم يذكر محمدًا قبل عمر، وكذا ذكر أبو نعيم أن البخاري رواه عن عمر بن حفص. وذكر ابن عساكر أن عمر بن حفص هذا ------------ (١) «صحيح مسلم» (١٢٨٥) كتاب: الحج، باب: التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات في يوم عرفة، وأبو داود (١٨١٦) كتاب: المناسك، باب: من يقطع التلبية -لكن حديث أبي داود عن ابن عمر عن أبيه- وابن ماجه (٣٠٠٨) كتاب: المناسك، باب: الغدو من منى إلى عرفات. (٢) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٤٤. روى عنه البخاري ومسلم، ورويا عن رجلٍ عنه، وسلف هذا الحديث في باب: شهود الحائض للعيدين من كتاب الطهارة (١). وترجم له في الباب: خروج الحيض إلى المصلى واعتزال الحيض المصلى كما ستعلمه (٢). قولها: (كُنَّا نُؤْمَرُ). هو مرفوع كما سلف، وقد جاء ذلك صريحًا كما ستعلمه، وفيه دليل على تساوي النساء في ذلك بالرجال، وحمل على الندب، بدليل الأمر للحيض بالخروج. والحيض بضم الحاء وفتح الياء المشددة جمع حائض. والخدر: السرير المضروب عليه القبة. وفي «الصحاح»: الخدر: الستر. يقال: جارية مخدرة. إذا لزمت الخدر (٣). قولها: (يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ). هكذا شأن المؤمن يرجو عند العمل ولا يقطع ولا يدري ما يحدث له. قَالَ تعالى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي: خائفة مشفقة. وقولها: (وَطُهْرَتَه). تعني: من الذنوب. وقولها: (فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ). فيه تأخرهن عن الرجال. قَالَ المهلب: أيام منى هي أيام التشريق. وتأول العلماء فيها قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومعنى التكبير في هذا: الفضل -والله أعلم- لأنه فضل الذبائح لله تعالى، وكانت الجاهلية تذبح لطواغيتها ونصبها، فجعل التكبير استشعارًا للذبح لله حَتَّى لا يذكر في أيام الذبح غيره، ومعنى ذكر التسمية على الذبح الاختصاص به، والإعلان بذكره؛ لتنسى ----------- (١) سلف برقم (٣٢٤) كتاب: الحيض. (٢) انظر: حديث (٩٧٤). (٣) «الصحاح» ٢/ ٦٤٣. عبادة الجاهلية. واستحب العلماء التكبير أوَّل يوم العيد وليلته من طريق المصلى، وروي عن علي أنه كبَّر يوم الأضحى حَتَّى أتى الجبانة (١). وعن أبي قتادة أنه كان يكبر يوم العيد حَتَّى يبلغ المصلى (٢). وعن ابن عمر أنه كان يكبر في العيد حَتَّى يبلغ المصلى ويرفع صوته بالتكبير (٣)، وهو قول مالك والأوزاعي (٤). قَالَ مالك: ويكبر في المصلى إلى أن يخرج الإمام، فإذا خرج قطعه، ولا يكبر إذا رجع (٥). وقال الشافعي: أحبُّ إظهار التكبير ليلة النحر، وإذا غدوا (إلى) (٦) المصلى حَتَّى يخرج الإمام، ولا يستحب عندنا ليلة الفطر عقب الصلوات في الأصح (٧). وقال أبو حنيفة: يكبر يوم الأضحى يخرج في ذهابه ولا يكبر يوم الفطر. وذكر الطحاوي عن سفينة مولى ابن عباس قَالَ: كنت أقود ابن عباس إلى المصلى فيسمع الناس يكبرون، فيقول: ما شأن الناس؟ أكبَّر الإمام؟ فأقول: لا. فيقول: مجانين الناس. فأنكر التكبير في طريق المصلى، وهذا يدل على أن التكبير عنده الذي يكبر الإمام مما يصلح أن يكبر الناس معه (٨). --------------- (١) رواه الدارقطني في «سننه» ٢/ ٤٤ كتاب: العيدين، وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٢٥٠. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٧ (٥٦١٩) كتاب: الصلوات، باب: في التكبير إذا خرج إلى العيد. (٣) السابق ١/ ٤٨٧ (٥٦١٨). (٤) «المدونة» ١/ ١٥٤. (٥) السابق ١/ ١٥٤. (٦) في الأصل: إذا. (٧) انظر: «المجموع» ٥/ ٤٨. (٨) «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٢/ ٤٣١ (١١٠١) كتاب: صلاة العيدين، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله من إظهار التكبير. ![]()
__________________
|
|
#218
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 121 الى صـــ 140 الحلقة (218) قَالَ ابن بطال: ولم أجد أحدًا من الفقهاء ممن يقول بقول ابن عباس (١). قَالَ الطحاوي: ومن كبَّر يوم الفطر تأول فيه قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وتأول ذلك زيد بن أسلم، قَالَ: ويحتمل ذلك تعظيم الله تعالى بالأفعال والأقوال لقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (٢) [الإسراء: ١١١] قَالَ: والقياس أن يكبر في العيدين جميعًا، فإن صلاة العيدين لا يختلفان في التكبير فيهما والخطبة بعدهما وسائر سننهما، كذلك التكبير في الخروج إليهما. وقال ابن أبي عمر: إن السُّنَّة عند أصحاب أبي حنيفة جميعًا في الفطر أن يكبر في الطريق إلى المصلى ولم يعرفوا قول أبي حنيفة. وفي حديث أم عطية خروج النساء إلى المصلى كما ترجم، وقد فسرت أم عطية إخراج الحيَّض، فقالت ليشهدن الخير ودعوة المؤمنين؛ رجاء بركة اليوم وطهرته، ورغبت في دعاء المسلمين في الجماعات؛ لأن البروز إلى الله تعالى لا يكون إلا عن نية وقصد، فيرجى بركة القصد إلى الله تعالى والبروز إليه، والجماعة لا تخلو من فاضل من الناس، ودعاؤهم مشترك. وفي حديث أم عطية حجة لمالك والشافعي في قولهما أن النساء يلزمهن التكبير عقب الصلوات أيام التشريق (٣)، وأبو حنيفة لا يرى عليهن تكبيرًا، وخالفه صاحباه فقالا به. وقد ذكر البخاري عن ميمونة أم المؤمنين أنها كانت تكبر يوم النحر، وأن النساء كن يكبرن خلف -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٦٥. (٢) «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٢/ ٤٣٢. (٣) «المدونة» ١/ ١٥٧. أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز كما سلف، وهذا أمر مستفيض، وإنما أمر الحيض باعتزال المصلى خشية الاختلاف أن تكون طائفة تصلي وطائفة بينهم لا تصلي، وخشية ما يحدث للحائض من خروج الدم الذي لا يؤمن ذلك منها فتؤذي من جاورها وينجس موضع الصلاة. فروع: من مذهب مالك رحمه الله: من غدا قبل طلوع الشمس، فعن مالك قولان: لا يكبر حَتَّى تطلع الشمس، يكبر بعد صلاة الصبح، وقيل: من خرج مسفرًا يكبر (١). وقال ابن حبيب: من اغتدى للعيدين لا يكبر حَتَّى يسفر (٢). ولا يختلف قول مالك أن ابتداء التكبير من ظهر يوم النحر. وفي انتهائه أقوال: أشهرها: عقب الصبح. وقال ابن المنذر عنه: إلى العصر من آخر أيام التشريق قال: وهو قول الشافعي (٣)، وقال سحنون: بعض أصحابنا يرون أن يكبر بعد الظهر من آخر أيام التشريق، ونقل ذلك عن الشافعي. وقال أبو حنيفة: أوَّله صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وقال صاحباه: من وقت الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق كالمختار عندنا (٤). وقال الشافعي مرة: من المغرب ليلة النحر (٥). ووافق مالكًا في آخره --------------- (١) السابق ١/ ١٥٤. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٥٠٠. (٣) «الأوسط» ٤/ ٣٠٢ بلفظ: إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وقال ابن المنذر: هذا قول مالك والشافعي. (٤) «الأصل» ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٢٢. (٥) «الأم» ١/ ٢١٣. فيكبر على قوله عقب ثماني عشرة صلاة (١). دليله المشهور: أن الله تعالى خاطب بالتكبير أهل مني فقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾ وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وقد ثبت -كما قَالَ ابن التين- أن أوَّل التكبير هو عند الفجر بعد رمي جمرة العقبة، وأوَّل صلاة تلي ذلك الظهر إلى صلاة الصبح من آخر آيام التشريق، وهذِه مدة صلاة الناس بمنى، وصلاة الظهر آخر أيام التشريق، لما يصلي بهم، وإنما يرمي الحاج ثم ينفر فيصلي بالمحصب أو حيث أدركته الصلاة من طريقه، وروي ذلك عن ابن عمر وغيره من الصحابة، ووجه ما حكاه سحنون أن الناس وقت الظهر بمنى؛ لأن الرمي بعد الزوال. فرع: صفة التكبير كما قَالَ مالك في «المدونة»: الله أكبر. ثلاثًا. وقال أيضًا: ليس في ذلك حدٌّ، إن شاء كبَّر ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا (٢). وقال في «المختصر»: الله أكبر -مرتين- لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد. وإن اقتصر على ثلاث تكبيرات أجزأه، والأول أفضل؛ لأنه يجمع تهليلًا وتحميدًا، وهو كالتكبير في الخطبة؛ ولذلك كان الجميع واسعًا، وروي بلفظ آخر، وعن عطاء أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر كبيرًا -مرتين- الله أكبر على ما هدانا. فرع: في التكبير في غير عقب الصلاة أيام مني قَالَ مالك: رأيت الناس ---------------- (١) «المدونة» ١/ ١٥٧، «الأم» ١/ ٢١٣. (٢) «المدونة» ١/ ١٥٧. يفعلونه، وأما من أدركتهم وأقتدي بهم فلم يكونوا يكبرون إلا دبر الصلوات (١). وقال مرة: لا بأس بتكبير أهل الآفاق في أيام مني في غير الصلاة. وقال ابن حبيب: يكبر أهل الآفاق دبر الصلوات. وفي خلال ذلك، ولا يجهرون. وأهل مني لا يجهرون به (٢). فرع: في تكبير النساء قولان، عن مالك: يكبرن كالمسافرين (٣)، ووجهه ما سلف في البخاري. فرع: قَالَ في «المدونة»: إذا خرج الإمام قطع (٤). وعن سحنون في تأويله (خلف) فقال مرة: إذا كبَّر للصلاة. وقال مرة: إذا أخذ في الخطبة. قَالَ مالك: ويكبر الناس إذا كبر الإمام على المنبر (٥). وقال المغيرة: يمسكون إذا كبر. وجه الأول: ما رواه سفينة عن مولاه ابن عباس أنه سمع الناس يكبرون والإمام يخطب فقال له ابن عباس: ما لهم كبَّروا، أكبر الإمام؟ قلتُ: لا. قال: مجانين الناس (٦). --------------- (١) «المدونة» ١/ ١٥٧. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٥٠٦. (٣) «المدونة» ١/ ١٥٧. (٤) السابق ١/ ١٥٤. (٥) «النوادر والزيادات» ١/ ٥٠٥. (٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٨ (٥٦٢٩) باب: في التكبير إذا خرج إلى العيد. وقد سلف، فدل ذلك على أن لهم أن يكبروا إذا كبَّر. وعن ابن عمر أنه كان يكبر مع الإمام إذا كبَّر. واحتج المغيرة بأن قَالَ: لأن شروع الإمام في الخطبة يقطع الكلام جملة، أصله في غير التكبير. وقول مالك أولى لما سلف. فرع: إذا ذكر صلاة في هذِه الأيام قولان في التكبير. ١٣ - باب الصَّلاةِ إِلَى الحرْبَةِ يَوْمَ العِيدِ ٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ تُرْكَزُ الحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ ثُمَّ يُصَلِّي. [انظر: ٤٩٤ - مسلم: ٥٠١ - فتح: ٢/ ٤٦٣] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ تُرْكَزُ الحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ ثُمَّ يُصَلِّي إليها. وترجم له أيضًا: ١٤ - باب حَمْلِ العَنَزَةِ أَوِ الحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَيِ الإِمَامِ يَوْمَ العِيدِ ٩٧٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَغْدُو إِلَى المُصَلَّى، وَالعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. [انظر: ٤٩٤ - مسلم: ٥٠١ - فتح: ٢/ ٤٦٣] وقال فيه ابن عمر أن النبيَّ - ﷺ - كان يَغْدُو إِلَى المُصَلَّى، وَالعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وقد سلف في الصلاة (١). وحمل الحربة والعنزة بين يديه؛ ليكون له سترة في صلاته - ﷺ - إذا كان المصلى في الصحراء، ولم يكن فيها من البنيان ما يستتر به، ومن سنته - ﷺ - أن لا يصلي المصلي إلا إلى سترة إمامًا كان أو منفردًا. وأما صلاته - ﷺ - بمنى إلى غير جدار في حديث ابن عباس، فيؤخذ منه أنها ليست شرطًا بل سنة، وكان ذلك نادرًا منه، والذي واظب عليه طول دهره الصلاة إلى سترة، وقد سلف ذلك في باب سترة الإمام سترة من خلفه (٢)، والعنزة سلف بيانها في الطهارة (٣). ----------- (١) سلف برقم (٤٩٤) باب: سترة الإمام سترة من خلفه. (٢) انظر: التخريج السابق. (٣) سلف برقم (١٨٧)، كتاب: الوضوء، باب: استعمال فضل وضوء الناس. ١٥ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ وَالحُيَّضِ إِلَى المُصَلَّى (١) ٩٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ. وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنَحْوِهِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ -قَالَ أَوْ قَالَتِ-: العَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ، وَيَعْتَزِلْنَ الحُيَّضُ المُصَلَّى. [انظر: ٣٢٤ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ٢/ ٤٦٣] ذكر فيه حديث أم عطية السالف (٢). والعواتق: جمع عاتق، وهن الحديثات الإدراك. وقولها: (أَوْ قَالَتِ العَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ). شكت (٣) أي اللفظين قالت، فإن كان هذا هو المحفوظ فمعناه: تخرج العواتق حَتَّى ذوات الخدور فكرر للتأكيد، وهن من العواتق، وهذا أشبه بظاهر الحديث كما قال ابن التين؛ لأنه قال: العواتق: ذات الخدور، فقد خص بالخروج ذوات الخدور، وليس الخدر إلا للطفل منهن، وأراه إنما عزم عليهن؛ لما أراد أن يأمرهن بالصدقة. ------------ (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن بعد الثمانين كتبه مؤلفه سامحه الله. (٢) سلف برقم (٣٢٤) كتاب: الحيض، باب: شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى. (٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: الشاك حفصة. ١٦ - باب خُرُوجِ الصِّبْيَانِ إِلَى المُصَلَّى ٩٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٢/ ٤٦٤] ذكر فيه حديث ابن عباس: قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى .. الحديث. الشرح: خروج الصبيان إلى المصلى هو في المميز، ألا ترى ضبط ابن عباس للقصة. وفيه: شهودهم وشهود النساء العيد. وفيه أيضًا: الصلاة قبل الخطبة، وأمره النساء بالصدقة، ولم يذكر أنه أمر بها الرجال؛ لأن النساء أكثر أهل النار. وشيخ البخاري: عمرو بن عباس باهلي بصري، انفرد به عن الخمسة، مات في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومائتين (١). ---------- (١) انظر: «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٩٤ (٤٣٩٤). ١٧ - باب اسْتِقْبَالِ الإِمَامِ النَّاسَ فِي خُطْبَةِ العِيدِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُقَابِلَ النَّاسِ. ٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ أَضْحًى إِلَى البَقِيعِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. قَالَ: «اذْبَحْهَا، وَلَا تَفِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». [انظر: ٩٥١ - مسلم: ١٩٦١ - فتح: ٢/ ٤٦٥] وهذا سلف مسندًا (١). وذكر فيه حديث البراء: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ الأَضْحى إِلَى البَقِيعِ .. الحديث. الشرح: السنة استقبال الإمام الناس في خطبة العيد وغيرها؛ لأن كل من حضر الجمعة مأمور باستماعها، ولا يكون المستمع إلا مقبلًا بوجهه على المسموع منه؛ ليكون أوعى لموعظته. ------------ (١) سيأتي برقم (٣٠٤) كتاب: الحيض، باب: ترك الحائض الصوم. ١٨ - باب العَلَمِ الَّذِي بِالمُصَلَّى ٩٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: أَشَهِدْتَ العِيدَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ، حَتَّى أَتَى العَلَمَ الذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٢/ ٤٦٥] ذكر فيه حديث ابن عباس: قِيلَ لَهُ: أَشَهِدْتَ العِيدَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ .. الحديث. وقوله: (وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ). فيه تقديم وتأخير واختصار. يقول: لولا مكاني من رسول الله - ﷺ - وقرابتي لم أشهده لصغري. وقيل: أراد ما شهدت. وفيه: مضي بلال إلى بيت رسول الله - ﷺ -. وقوله: (يُهْوِينَ) (١). هو بضم الياء، يقال: أهوى الرجل بيده إلى الشيء ليتناوله ويأخذه. وإتيانه النساء ووعظهن فهو خاص به عند العلماء- كما قَالَ ابن بطال؛ لأنه أب لهن، وهم مجمعون أن الخطيب لا تلزمه خطبة أخرى للنساء، ولا يقطع خطبته ليتمها عند النساء. وفائدة هذا الحديث الرخصة في شهود الصبيان والنساء العيد (٢). ------------- (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: حاشية: يهوين، رباعي، وثلاثي أيضًا. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٦٨. ١٩ - باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ يَوْمَ الْعِيدِ ٩٧٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ الفِطْرِ، فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ، تُلْقِى فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ. قُلْتُ: أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ وَيُذَكِّرُهُنَّ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ. [انظر: ٩٥٨ - مسلم: ٨٨٥ - فتح: ٢/ ٤٦٦] ٩٧٩ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: شَهِدْتُ الفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم يُصَلُّونَهَا قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ بَعْدُ، خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجْلِسُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ مَعَهُ بِلَالٌ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآيَةَ [الممتحنة:١٢] ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا «آنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ؟». قَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا: نَعَمْ. لَا يَدْرِى حَسَنٌ مَنْ هِيَ. قَالَ: «فَتَصَدَّقْنَ». فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ ثُمَّ قَالَ هَلُمَّ لكن فِدَاءٌ أَبِي وَأُمِّي، فَيُلْقِينَ الفَتَخَ وَالخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: الفَتَخُ: الخَوَاتِيمُ العِظَامُ كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ. [فتح: ٢/ ٤٦٧] ذكر فيه حديث جابر: قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ الفِطْرِ، فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ .. الحديث. والفتخ -بالخاء المعجمة-: خواتيم بلا فصوص كأنها حلق، الواحدة: فتخة، كذا جزم به ابن بطال (١). ونقل ابن التين عن عبد الرزاق أنها الخوتيم العظام كانت في ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٦٩. الجاهلية، وهذا في البخاري في آخر الحديث. والفتخ واحده الفتخة. محرك التاء (١)، وهي حلقة من فضة ليس لها فص، وإن كان فيها فص فهي: خاتم. وإنما جعلته المرأة في أصابع رجليها. وقوله: (حين فرغ منها). يعني: من البيعة. وفيه أن قول المخاطب: نعم. يقوم مقام الخطاب، ثم جاوب عنه. وفيه: أن جواب الواحد عن الجماعة كاف. وفيه: الأمر بالصدقة وبسط الثوب لقبولها. وقوله: هلم هي كلمة دعوة إلى شيء، يريد الإتيان إلى الطعام، ثم كثرت، ويحتمل أن يكون معناها: هل لك في الطعام أَمٌّ؟ أي: قصد. يقال: هلم للواحد والاثنين والجماعة، بلفظ واحد. --------------- (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: وساكنة أيضًا، حكاها في «القاموس» وليست في «صحاح الجوهري». ٢٠ - باب إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَاب فِي العِيدِ ٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ العِيدِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَأَتَيْتُهَا، فَحَدَّثَتْ أَنَّ زَوْجَ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَىْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، فَكَانَتْ أُخْتُهَا مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ. فَقَالَتْ فَكُنَّا نَقُومُ عَلَى المَرْضَى وَنُدَاوِي الكَلْمَى، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ فَقَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، فَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ». قَالَتْ حَفْصَةُ: فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ أَتَيْتُهَا، فَسَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ فِي كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي -وَقَلَّمَا ذَكَرَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - إِلاَّ قَالَتْ: بِأَبِي- قَالَ: «لِيَخْرُجِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ -أَوْ قَالَ: العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ. شَكَّ أَيُّوبُ- وَالحُيَّضُ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى، وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ». قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: آلْحُيَّضُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَلَيْسَ الحَائِضُ تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا؟ [انظر: ٣٢٤ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ٢/ ٤٦٩] ذكر فيه حديث حفصة: كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ العِيدِ .. الحديث. وقد سلف في الحيض (١)، وشيخ البخاري فيه أبو معمر عبد الله ابن عمرو المقعد، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٢)، وروى مسلم عن رجل عنه. وفي «الصحيح» أيضًا: أبو معمر إسماعيل ابن إبراهيم الهذلي نزيل بغداد، مات سنة ست وثلاثين ومائتين، رويا عنه (٣). ---------- (١) برقم (٣٢٤) باب: شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى. (٢) انظر: «تهذيب الكمال» ١٥/ ٣٥٣ (٣٤٤٩). (٣) السابق ٣/ ١٩ (٤١٦). والحديث دال على تأكد خروج النساء إلى العيدين؛ لأنه إذا أمرت المرأة أن تلبس من لا جلباب لها، فمن لها جلباب أولى أن تخرج وتشهد دعوة المؤمنين رجاء بركة ذلك. وقَالَ الطحاوي: وأمره - ﷺ - الحيض أن يخرجن إلى العيد يحتمل أن يكون ذلك في أوَّل الإسلام والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن إرهابًا للعدو، وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك (١)، وهذا كما قَالَ ابن بطال: يحتاج إلى معرفة تاريخ الوقت الذي أمر فيه الشارع النساء بذلك ونسخ أمره لهن بالخروج إلى العيدين، وهذا لا سبيل إليه، والحديث باق على عمومه لم ينسخه شيء ولا أحاله، والنسخ لا يثبت إلا باليقين، وأيضًا فإن النساء لسن ممن يُرهب بهن على العدو، وكذلك لا جهاد عليهن (٢). وقول حفصة: (كنا نمنع جوارينا). كانوا يفعلون ذلك قبل أن يبلغهم عن الشارع ما بلَّغتهم أم عطية، ففيه قبول خبر الواحد، وفيه المواساة عند الضرورة. وقولها: (أليس الحائض تشهد عرفات، وتشهد كذا. وتشهد كذا؟) تريد: مزدلفة ورمي الجمار، غير أنها لا تقرب البيت. ------------ (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٨٨ بتصرف. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٧٠. ٢١ - باب اعْتِزَالِ الحُيَّضِ المُصَلَّى ٩٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ، فَنُخْرِجَ الحُيَّضَ وَالعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَوِ العَوَاتِقَ ذَوَاتِ الخُدُورِ، فَأَمَّا الحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلاَّهُمْ. [انظر: ٣٢٤ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ٢/ ٤٧٠] ذكر فيه حديث أم عطية: أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ، فَنُخْرِجَ الحُيَّضَ .. الحديث. وقد سلف (١). وفيه ابن أبي عدي، واسمه محمد بن أبي عدي إبراهيم (٢)، وابن عون، وهو عبد الله بن عون، ومحمد هو ابن سيرين. ---------------- (١) برقم (٣٢٤). (٢) انظر: «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٣٢١ (٥٠٢٩). ٢٢ - باب النَّحْرِ وَالذَّبْحِ بِالمُصَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ ٩٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْحَرُ أَوْ يَذْبَحُ بِالمُصَلَّى. [١٧١٠، ١٧١١، ٥٥٥١، ٥٥٥٢ - فتح: ٢/ ٤٧١] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْحَرُ أَوْ يَذْبَحُ بِالمُصَلَّى. الذبح بالمصلى بمعنيين: أحدهما: الإعلام بذبح الإمام ليترتب عليه ذبح الناس، ووقته سلف. وهو المشهور من قول مالك. وقال أبو حنيفة: من ذبح بعد الصلاة قبل الإمام أجزأه، دليلنا قوله: فأمر - ﷺ - من كان نحو قبله أن يعيد بنحو آخر، ولا تنحروا حَتَّى ينحر النبي - ﷺ -، وهذا المعنى يختص بالإمام. الثاني: أن الأضحية من القرب العامة، وإظهارها أفضل؛ لأن فيه إحياء لسنتها، وقد أمر ابن عمر نافعًا أن يذبح أضحيته بالمصلى، وكان مريضًا لم يشهد العيد، أخرجه في «الموطأ» (١). وقال ابن حبيب: يستحب الإعلان بها؛ لكي تعرف ويعرف الجاهل سنتها، وكان ابن عمر إذا ابتاع أضحية يأمر غلامه بحملها في السوق يقول: هذِه أضحية ابن عمر. وهذا المعنى يستوي فيه الإمام وغيره. قَالَ الداودي: الأحاديث كلها: من ذبح قبل أن يصلي لم يجزه. وقال مالك: من ذبح قبل الإمام لم يجزه. ومن كان بحضرة الإمام ولم يظهر للإمام ذبح أضحيته، ففي كتاب محمد: إن ذبح رجلٌ قبله في وقت لو ذبح الإمام بالمصلى لكان هذا ذبح بعده لم يجز. -------------- (١) «الموطأ» ص ٢٩٨. وقال أبو مصعب: إذا ترك الإمام الذبح بالمصلى فمن ذبح بعد ذلك فهو جائز. وقال ابن بطال: السنة -والله أعلم- الذبح في المصلى؛ لئلا يتقدم الإمام بالذبح. ولما كانت أفعال العيدين والجماعات إلى الإمام وجب أن يكون متقدمًا في ذلك والناس له تبع. ولهذا قَالَ مالك: لا يذبح أحدٌ حَتَّى يذبح الإمام. وروي -مثل ذلك قول مالك- أثر انفرد به ابن جريج، وأكثر الآثار على مراعاة الصلاة فقط، وإنما قَالَ مالك ذلك ليكون للضعفاء وقت يقصدونه للصدقة ولا يجيئون حَتَّى يعم الناس الأفضال ويستوي بهم الحال، ويكفي الضعفاء بقية قوتهم، ولم يختلفوا أن من رمى الجمرة أنه قد حل له الحلق والذبح وإن لم يذبح الإمام إلا بعد ذلك؛ وكذلك عندهم من صلى يوم النحر أن المعنى المتعبد به الوقت لا الفعل، وقد أجمعوا أن الإمام لو لم يذبح يوم النحر أصلًا ودخل وقت الذبح أن الذبح حلال (١). ---------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١. ٢٣ - باب كَلَامِ الإِمَامِ وَالنَّاسِ فِي خُطْبَةِ العِيدِ، وَإِذَا سُئِلَ الإِمَامُ عَنْ شَيْءٍ وَهْوَ يَخْطُبُ ٩٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسْكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ». فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ فَتَعَجَّلْتُ وَأَكَلْتُ، وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ». قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ جَذَعَةٍ، هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَىْ لَحْمٍ، فَهَلْ تَجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». [انظر: ٩٥١ - مسلم: ١٩٦١ - فتح: ٢/ ٤٧١] ٩٨٤ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ فَأَمَرَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحَهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِيرَانٌ لِي -إِمَّا قَالَ: [بِهِمْ] خَصَاصَةٌ، وَإِمَّا قَالَ: بِهِمْ فَقْرٌ- وَإِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعِنْدِي عَنَاقٌ لِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَرَخَّصَ لَهُ فِيهَا. [انظر: ٩٥٤ - مسلم: ١٩٦٢ - فتح: ٢/ ٤٧١] ٩٨٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ». [٥٥٠٠، ٥٥٦٢، ٦٦٧٤، ٧٤٠٠ - مسلم: ١٩٦٠ - فتح: ٢/ ٤٧٢] ذكر فيه حديثي البراء وأنس، وقد سلفا. وحديث جندب قَالَ: صلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ وقالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ». وشيخ البخاري فيه مسلم هو ابن إبراهيم الأزدي الفراهيدي مولاهم، وروى عنه أبو داود أيضًا، وروى الباقون عن رجل عنه، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين وولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وعمي بآخره، وكان يقول: ما حللت إزاري على حلال ولا حرام قط (١). وشيخ البخاري في الثاني: حامد بن عمر وهو البكراوي من ولد أبي بكرة قاضي كرمان، سكن نيسابور، ومات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، روى عنه مسلم أيضًا (٢). وشيخ شيخه في الأول أبو الأحوص، وهو سلام بن سُلَيْم الحنفي الكوفي، مات مع مالك وحماد وخالد الطحان، كلهم سنة تسع وسبعين ومائة (٣). إذا تقرر ذلك فالكلام في الخطبة مما كان من أمر الدين للسائل والمسئول جائزٌ. وقد قَالَ - ﷺ - للذين قتلوا ابن أبي الحقيق، حين دخلوا عليه يوم الجمعة وهو يخطب: «أفلحت الوجوه» (٤). وقال عمر وهو على المنبر: املكوا العجين فإنه أحد الربعين (٥). ------------- (١) انظر: «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٨٧ (٥٩١٦). (٢) انظر: «تهذيب الكمال» ٥/ ٣٢٤. (٣) السا بق ١٢/ ٢٨٢ (٢٦٥٥). (٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢١٥ (٥٣٨٢) كتاب: الجمعة، باب: يكلم الإمام على المنبر يوم الجمعة في غير الذكر، وأبو يعلى في «مسنده» ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦ (٩٠٧)، والبيهقي ٣/ ٢٢٢ كتاب: الجمعة، باب: حجم من زعم أن الإنصات للإمام اختيار وإن الكلام فيما يعنيه أو يعني غيره والإمام يخطب مباح. (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٧/ ١١٥ (٣٤٤٤٣) كتاب: الزهد، باب: كلام عمر بن الخطاب. ![]()
__________________
|
|
#219
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 141 الى صـــ 160 الحلقة (219) رواه هشام بن عروة عن أبيه. وقال هشام: أمرهم بما كان يأمر أهله، ورأى أن ذلك حق. وكره العلماء كلام الناس والإمام يخطب، روي ذلك عن عطاء والحسن والنخعي (١)، وقال مالك: لينصت للخطبة وليستقبل، وليس من تكلم في ذلك كمن تكلم في خطبة الجمعة (٢). وقال شعبة: كلمني الحكم بن عتيبة يوم عيد والإمام يخطب (٣). وقوله: (إن عندي عناقًا جذعة خير من شاتي لحم) يريد: لسمنها. وقوله: («فليذبح باسم الله») يحتمل أن يريد: من تأخر ذبحه شيئًا بعد الصلاة فليذبح، ويحتمل أن يأمر من لم يضح أن يضحي فيؤكد أمر الأضحية. واختلفت عبارات المالكية في التسمية، فقال ابن الجلاب: هي شرط في صحة الذكاة همن تركها ناسيًا أكلت (٤). وقال القاضي أبو محمد: هي سنَّة. وقال غيره: هي واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان. قَالَ في «المدونة»: من تركها عمدًا لم تؤكل (٥). وقال أشهب: إن تركها جهلًا أُكلت، أو استخفافًا فلا (٦). يريد أن الجاهل كالناسي. ------------ (١) رواها عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٤٩٣ (٥٦٨٧: ٥٦٨٩) كتاب: الصلوات، باب: الكلام يوم العيد والإمام يخطب. (٢) انظر: «مواهب الجليل» ٢/ ٥٧٩ - ٥٨٠. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٩٣ (٥٦٩٢) كتاب: الصلوات، باب: الكلام يوم العيد والإمام يخطب. (٤) «التفريع» ١/ ٤٠١ - ٤٠٢. (٥) لم أهتد لقوله في «المدونة، وهو في»التفريع«١/ ٣٩٢. (٦)»النوادر والزيادات" ٤/ ٣٦٠. ٢٤ - باب مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ العِيدِ ٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ فُلَيْحٍ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ. [فتح: ٢/ ٤٧٢] حَدَّثنَا مُحَمَّد، ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحٍ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ. الشرح: هكذا في الرواية، وذكر الجياني (١) أن في روايته هكذا عن أبي الحسن والأصيلي وأبي ذر، وعند ابن السكن بزيادة بعد فليح: عن سعيد عن أبي هريرة. وحديث جابر أصح. وعن النسفي عن البخاري، تابعه يونس عن فليح لم يرد شيئًا في الباب. وقال أبو مسعود في روايته عن البخاري: تابعه يونس عن فليح. وقال محمد بن الصلت: عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة. قَالَ أبو مسعود: (وأما ما) (٢) رواه يونس عن أبي هريرة لا عن جابر، قَالَ: وكذلك رواه الهيثم بن جميل، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة، كما رواه (الصلت) (٣). ونقل المزي عن أبي مسعود أنه قَالَ بعد قوله: وتابعه يونس عن ------------ (١) كذا بالأصل، وفي «التقييد» ٢/ ٥٩٤: محمد بن الصلت وهنا انتهى كلام الجياني. (٢) كذا بالأصل: وفي «تقييد المهمل» ٢/ ٥٩٤ - وهو المصدر-: (وإنما). (٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤. فليح: وقال محمد بن الصلت: عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة. قَالَ أبو مسعود: كذا ذكره البخاري، وقد رواه محمد بن حميد عن أبي تميلة، عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة، هكذا رواه الناس عنه، وأما حديث (يوسف) (١) إنما رواه عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة لا عن جابر، وكذا رواه الهيثم بن جميل عن فليح به، فصار مرجع الحديث إلى أبي هريرة (٢). قَالَ الجياني لما ذكر ما نقله عن أبي مسعود، وهذا تصريح منه في الرد على البخاري، وقول البخاري صحيح، ومتابعة يونس لأبي تميلة صحيحة. وذكر أبو مسعود في مسند أبي هريرة قَالَ: قَالَ البخاري في كتاب العيدين: وقال محمد بن الصلت، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة بنحوه. يعني: بنحو هذا الحديث. قَالَ الجياني: ورواية يونس لهذا الحديث من طريق جابر محفوظة صحيحة من رواية الثقات عن يونس. ثم ذكر طريق سعيد بن السكن إلى محمد بن الصلت: ثنا فليح، عن سعيد، بن الحارث، عن أبي هريرة. الحديث. ويرى أن ذلك من اصطلاحه، وأورده كذلك الترمذي وقال: غريب. قَالَ وروى أبو تميلة ويوسف بن محمد هذا الحديث عن فليح، عن سعيد، عن جابر (٣)، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة والعقيلي (٤) (٥). ------------- (١) كذا بالأصل: وهو خطأ، وفي «تحفة الأشراف» ٢/ ١٨٠: يونس بن محمد. (٢) «تحفة الأشراف» ٢/ ١٨٠ بتصرف. (١٧٧) «الضعفاء الكبير» للعقيلي ٣/ ٣١٩. (٣) «سنن الترمذي» ٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥ عقب الرواية (٥٤١) كتاب: الصلوات، باب: ما جاء في خروج النبي - ﷺ - إلى العيد في طريق ورجوعه من طريق آخر. (٤) «الضعفاء الكبير» ٣/ ٣١٩ ترجمة (١٣٣٧). (٥) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٩٣ - ٥٩٧ بتصرف. ورواه البيهقي من طريق أبي تميلة، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة، وساقه بإسناده (١)، وساق بإسناده إلى يوسف بن محمد، عن سعيد، عن أبي هريرة (٢). ومحمد بن الصلت، اثنان أخرج لهما البخاري: أحدهما: أبو جعفر محمد بن الصلت الأزدي الكوفي الأصم، مات سنة تسع عشرة ومائتين، روى عن ابن المبارك في مناقب عمر (٣). الثاني: أبو يعلى محمد بن الصلت التوزي، وتوز من فارس (٤)، أصله منها، سكن البصرة، ومات سنة ثمانٍ وعشرين ومائة، روى عن فليح وجماعة (٥). وأما محمد شيخ البخاري فهو: محمد بن سلام البيكندي كما صرح ------------ (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٠٨ كتاب: صلاة العيدين، باب: الإتيان من طريق غير التي أتى منها. (٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٠٨ وساق بإسناده إلى يونس بن محمد ثنا فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن أبي هريرة. (٣) قال محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، زاد ابن نمير: وأبو غسان النهدي أحب إليَّ منه، وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، روى له الترمذي والنسائي، وابن ماجه، انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ١١٨ (٣٤٥)، و«الجرح والتعديل» ٧/ ٢٨٨ (١٥٦٧)، و«ثقات ابن حبان» ٩/ ٧٧، و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٩٦ (٥٣٠٢). (٤) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٥٨. (٥) قال أبو حاتم: صدوق صدوق، كان يملي علينا من حفظه التفسير وغيره، وربما وهم، روى له النسائي، وقال ابن حجر في «تقريب التهذيب»: صدوق يهم من العاشرة. (٥٩٧١)، انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ١١٨ (٣٤٦)، و«الجرح والتعديل» ٧/ ٢٨٩ (١٥٦٨)، و«ثقات ابن حبان» ٩/ ٨٢، و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٤٠٠ (٥٣٠٣). به الجياني (١) وابن بطال، وفي «أطراف خلف» على الحاشية: ابن مقاتل ثنا أبو تميلة. وتعجب ابن العربي من إخراج البخاري الحديث المذكور لأجل الاضطراب الذي فيه. قَالَ الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر وأبي رافع (٢). ورواه البيهقي من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي - ﷺ - كان يغدو يوم العيد إلى المصلى من الطريق الأعظم، فإذا رجع رجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر (٣). ورواه البخاري في «التاريخ»، ورواه البيهقي من طريق معاذ بن عبد الرحمن التميمي، عن أبيه، عن جده (٤). إذا عرفت ذلك فجمهور العلماء على استحباب الذهاب يوم العيد في طريقٍ والرجوع في أخرى، اقتداءً به. قَالَ مالك: وأدركنا الأئمة يفعلونه. وقال أبو حنيفة: يستحب له ذلك، فإن لم يفعل فلا حرج عليه. واختلف الناس في سر ذلك على أقوال: قَالَ القاضي أبو محمد: ذكر الناس في فوائد هذا أشياء بعضها يقرب من الإمكان، ويحتمل أن يقال: وكثير منها دعاوى فارغة واختراعات عنه، ونحن نذكر ما قيل في ذلك، فأقوى ذلك أنه فعله؛ لتعم الناس بركته من كل جهة ويراه الناس في الطريق الذي رجع فيه من لم يره في الأخرى. -------- (١) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٢٨ - ١٠٢٩. (٢) «سنن الترمذي» عقب حديث (٥٤١) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في خروج النبي - ﷺ - إلى العيد في طريق رجوعه من طريق آخر. (٣) «معرفة السنن» ٥/ ٩٨ (٦٩٦٣) كتاب: صلاة العيدين، باب: الإتيان من طريق غير الطريق التي غدا منها. (٤) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠ كتاب: صلاة العيدين، باب: الإتيان من طريق غير الطريق الذي غدا منها. ثانيها: خشية الزحام، لئلا يتأذى الناس منه، واختاره الشيخ أبو حامد وابن الصلاح، وورد في رواية لابن عمر: لئلا يكثر الزحام. ثالثها: لتعم الناس صدقته، إذ قد يكون من الفقراء من لا يمكنه الحركة. رابعها: للاستفتاء فيهما. خامسها: ليحصل لهما فضل مروره فيه. سادسها: لاحتمال أن العدو كمن له كمينًا، وفيه نظرٌ. سابعها: لتكثر خطاه فيكثر ثوابه، إذ حض على كثرة الخطا إلى المساجد. ثامنها: ليكثروا في أعين الأعداء. قَالَ ابن بطال: ورأيت للعلماء في معنى رجوعه من طريق أخرى تأويلات كثيرة، وأَوْلاها عندي -والله أعلم- أن ذلك ليري المشركين كثرة عدد المسلمين ويرهب بذلك عليهم (١). قلتُ: والأصح أنه كان يقصد أطول الطريقين في الذهاب والأقصر في الرجوع؛ لأن الذهاب أفضل من الرجوع، ولا يختص ذلك بالعيد بل سائر العبادات كالجمعة والصلاة وغيرهما يفعل كذلك، ومن ذلك لمَّا سار إلى عرفة سار على طريق ضب وعاد على طريق المازمين. ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٧٢. ٢٥ - باب إِذَا فَاتَهُ العِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ [وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ، وَمَنْ كَانَ فِي البُيُوتِ وَالقُرَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ». وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَاهُمُ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ، فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ، وَصَلَّى كَصَلَاةِ أَهْلِ المِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي العِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا فَاتَهُ العِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.] ٩٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ». وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى. [انظر: ٩٤٩ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٧] ٩٨٨ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «دَعْهُمْ، أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ». يَعْنِي: مِنَ الأَمْنِ. [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٢/ ٤٧٤] (وكذلكَ النِّساءُ، ومَنْ كانَ فِي البُيُوتِ وَالقُرى لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «هذا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ».) (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي العِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا فَاتَهُ العِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.) هذا التعليق سلف في باب سنة العيدين خلا: أهل الإسلام (١)، وكأنه من البخاري. --------------- (١) سلف برقم (٩٥٢) كتاب: العيدين، باب: سنة العيدين لأهل الإسلام. قَالَ: (وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مالك مَوْلَاهُمُ ابن أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوَيةِ، فَجَمَعَ أَهْلَة وَبَنِيهِ، وَصَلَّى كَصَلَاةِ أَهْلِ المِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ). وهذا رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية، عن يونس قَالَ: حَدَّثَني بعض آل أنسٍ أن أنسًا كان ربما جمع أهله وحشمه يوم العيد فيصلى بهم عبيد الله بن أبي عتبة ركعتين (١). وقال البيهقي في «المعرفة»: وروينا عن أنس بن مالك أنه كان إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد. قَالَ: وفي رواية أخرى: أمر مولاه عبيد الله ابن أبي عتبة فيصلي بهم كصلاة أهل العصر ركعتين، ويكبر بهم كتكبيرهم. قَالَ: وهو قول محمد بن سيرين وعكرمة (٢). وأسنده في «سننه» من حديث هشيم عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس ابن مالك قَالَ: كان أنس إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد. ثم قَالَ: ويذكر عن أنس أنه كان إذا كان بمنزله بالزاوية فلم يشهد العيد بالبصرة جمع مواليه وولده ثم يأمر مولاه عبد الله بن أبي عتبة فيصلي بهم كصلاة أهل العصر ركعتين، ويكبِّر بهم كتكبيرهم (٣). وابن أبي عتبة (خ م س) جاء في بعض الروايات: عبد الله. ------------- (١) «المصنف» ٢/ ٤ (٥٨٠٢) كتاب: الصلوات، باب: الرجل تفوته الصلاة في العيد كم يصلي. (٢) «معرفة السنن والآثار» ٥/ ١٠٣. (٣) انظر: «السنن الكبرى» ٣/ ٣٠٥ كتاب: صلاة العيدين، باب: صلاة العيدين سنة أهل الإسلام. وفي بعضها: عبيد الله (١). وفي «الجعديات» عن شعبة، عن قتادة، عن عبد الله -أو عبيد الله، مولى لأنس- عن أبي سعيد الخدري. وهو روى عن مولاه أنس وعدة من الصحابة، وروى له، مسلم أيضًا، وذكره ابن حبان في «ثقاته» في عبد الله مكبرًا (٢). قال البخاري: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي العِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ.) وهذا رواه ابن أبي شيبة عن غندر، عن شعبة، عن قتادة عن عكرمة أنه قَالَ في القوم يكونون في السواد في السفر في عيد فطر أو أضحى، قَالَ: يجتمعون فيصلون ويؤمهم أحدهم (٣). قَالَ البخاري: (وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا فَاتَهُ العِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وهذا رواه ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء قَالَ: يصلي ركعتين ويكبر. ذكره ابن أبي شيبة في الرجل تفوته الصلاة في العيدين، كم يصلي؟ (٤). ثم ذكر حديث عائشة أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ .. الحديث. --------------- (١) عبد الله بن أبي عتبة الأنصاري البصري مولى أنس بن مالك، قال البخاري: قال بعضهم الأول أصح، وذكره ابن ابن حبان في «الثقات»، قال ابن حجر في «تقريب» ثقة، انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٥٨ (٤٨٧)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ١٢٤ (٥٧١)، و«الثقات» ٥/ ٧١ (٣٤١٣)، و«تقريب التهذيب» ص ٣١٣ (٣٤٦٢). (٢) «الثقات» ٥/ ٢٤. (٣) «المصنف» ٢/ ١٠ (٥٨٧٥) كتاب: الصلوات، باب: في القوم يكونون في السواد فتحضر الجمعة أو العيد. (٤) «المصنف» ٢/ ٤ (٥٨٠١) كتاب: العيدين. وسلف في باب: الحراب والدرق يوم العيد (١). أما فقه الباب: فاختلف العلماء فيمن فاته صلاة العيد مع الإمام، فقالت طائفة: يصلي ركعتين مثل صلاة الإمام. روي ذلك عن عطاء والنخعي والحسن وابن سيرين (٢)، وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور، إلا أن مالكًا قَالَ: يستحب له ذلك من غير إيجاب. قلتُ: وكذا قَالَ الشافعي. وقال الأوزاعي: يصلي ركعتين ولا يجهر بالقراءة، ولا يكبر بتكبير الإمام، وليس بلازم (٣). وقالت طائفة: يصليها أربعًا إن شاء؛ لأنها إنما تصلى ركعتين إذا صليت مع الإمام بالبروز لها، كما على من لم يحضر الجمعة مع الإمام أن يصلي أربعًا. روي ذلك عن علي وابن مسعود (٤)، وبه قَالَ الثوري وأحمد، لكن إن شاء بتسليمة وإن شاء بتسليمتين (٥). --------------- (١) برقم (٩٥٠) كتاب: العيدين. (٢) روى ابن أبي شيبة هذِه الآثار عنهم ٢/ ٤ - ٥ (٥٨٠١)، (٥٨٠٦)، (٥٨٠٧)، (٥٨١٠) كتاب: الصلوات، باب: الرجل تفوته الصلاة في العيد كم يصلي؟ (٣) «المدونة» ١/ ١٥٥، «المنتقى» ٢/ ٣١٩، «الأوسط» ٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣، «البيان» ٢/ ٢٥١. (٤) روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود. رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٠٠ (٥٧١٣) كتاب: صلاة العيدين، باب: من صلاها غير متوضئ ومن فاته العيدان. وابن أبي شيبة ٢/ ٤ (٥٧٩٨ - ٥٧٩٩) كتاب: الصلوات، باب: الرجل تفوته الصلاة في العيد كم يصلي؟ وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٢٩١ - ٢٩٢. (٥) انظر: «المغني» ٣/ ٢٨٤. وقال أبو حنيفة: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل، فإن صلى صلى أربعًا، وإن شاء ركعتين (١). وقال إسحاق: إن صلى في الجبانة صلى كصلاة الإمام وإلا صلى أربعًا، وأولى الأقوال بالصواب أن يصليها كما سنَّها رسول الله - ﷺ -، وهو الذي أشار إليه البخاري، واستدل على ذلك بقوله: «هذا عيدنا أهل الإسلام» و«إنها أيام عيد» وذلك إشارة إلى الصلاة، وقد أبان ذلك بقوله: «أول نسكنا في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا» (٢) ومن صلى كصلاة الإمام فقد أصاب السنة، واتفق مالك والكوفيون والمزني على أنه لا تصلى صلاة العيد في غير يوم العيد. وقال الشافعي في أظهر قوليه: إنها تقضى متى شاء (٣). وحكى ابن المنذر عنه مثل ذلك (٤)، وفي قولٍ: تصلى من الغد أداءً (٥). واحتج عليه المزني فقال: لما كان ما بعد الزوال أقرب إلى وقتها من اليوم الثاني (٦)، وأجمعوا أنها لا تصلى إلا قبل الزوال فأحرى أن لا تصلى من الغد إذ هو أبعد. وحرر بعض المتأخرين مذهب أبي حنيفة فقال: من فاتته مع الإمام لم يقضها. يعني أنه صلاها الإمام في جماعة وفاتت بعضهم حَتَّى خرج ---------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٧١. (٢) سبق تخريجه. (٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٨٧، «النوادر والزيادات» ١/ ٥٠٠، «الحاوي» ٢/ ٥٠٢. (٤) «الأوسط» ٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣. (٥) «الأوسط» ٤/ ٢٩٥. (٦) «مختصر المزني» ١/ ١٥٦. وقتها فإنه لا يصليها وحده ولا جماعة، وسقطت عنه. وأما إذا فاتت الإمام أيضًا فإنه يصليها مع الجماعة في اليوم الثاني، إذا كان الفوات لعذر، مثل أن يظهر أنهم صلوها بعد الزوال في يوم غير (١). وقال ابن حزم: من لم يخرج يوم الفطر ولا يوم الأضحى للعيد خرج لها ثانية، فإن لم تخرج غدوة خرجت ما لم تزل الشمس؛ لأنه فعل خير، والله تعالى يقول: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] ثم قَالَ: وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، ولو لم يخرج في الثاني من الأضحى وخرج في الثالث فقد قَالَ به أبو حنيفة، وهو فعل خير لم يأت عنه نهيٌ (٢)، واستدل بحديث أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له من أصحاب النبي - ﷺ - أن ركبًا جاءوا إلى النبي - ﷺ - يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا يغدو إلى مصلاهم (٣). صححه الخطابي والبيهقي وابن المنذر (٤). ---------------- (١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٨٨. (٢) «المحلى» ٥/ ٩١ - ٩٢. (٣) «سنن أبي داود» (١١٥٧) كتاب: الصلاة، باب: إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد، و«سنن ابن ماجه» (١٦٥٣) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في على رؤية الهلال. ورواه أيضًا عبد الرزاق ٤/ ١٦٥ (٧٣٣٩) كتاب: الصيام، باب: أصبح الناس صيامًا، وأحمد ٥/ ٥٨. والدارقطني في «سننه» ٢/ ١٧٠ كتاب: الصيام، باب: الشهادة على رؤية الهلال. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠٥٠). (٤) قلت: صححه الخطابي في «معالم السنن» ١/ ٢١٨، والبيهقي في «سننه» ٣/ ٣١٦ وفي «المعرفة» ٥/ ١١١ - ١١٢، وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٢٩٥. وهذا ما ذكره المصنف -رحمه الله- وحسن اسناده الدارقطني في «السنن» ٢/ ١٧٠، وكذا = فرع: من تخلف عن الجماعة هل يصليها جماعة؟ قَالَ مالك: لا. وخالفه ابن حبيب. --------------- = البيهقي في موضع ثانٍ من «سننه» في كتاب: الصيام ٤/ ٢٤٩. وصححه عبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» ٢/ ٧٧، وابن حزم في «المحلى» ٥/ ٩٢، والنووي -رحمه الله- في «المجموع» ٥/ ٣٣، وفي «الخلاصة» ٢/ ٨٣٨ - ٨٣٩: والمصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٥/ ٩٥. وقال ابن كثير -قدس الله روحه- في «إرشاد الفقيه» ١/ ٢٠٣: إسناده جيد صحيح. وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٥١١). والألباني في «صحيح أبي داود» (١٠٥٠): إسناده صحيح. وصححه أيضًا في «الإرواء» (٦٣٤). ٢٦ - باب الصَّلَاةِ قَبْلَ العِيدِ وَبَعْدَهَا وَقَالَ أَبُو المُعَلَّى: سَمِعْتُ سعيد بن جبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرِهَ الصَّلَاةَ قَبْلَ العِيدِ. ٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَمَعَهُ بِلَالٌ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٢/ ٤٧٦] ثم ساق حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَصلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَمَعَهُ بِلَالٌ. وهذا الحديث قد سلف في باب الخطبة بعد العيد (١)، وذكرنا مذاهب العلماء هناك واضحًا. وأبو المعلى اسمه: يحيى بن ميمون العطار (٢)، سماه الحاكم أبو أحمد ومسلم، ولم يذكره الكلاباذي. ------------ (١) برقم (٩٦٤) كتاب: العيدين. (٢) وثقه النسائي ويحيى بن معين، وقال ابن حاتم: صالح الحديث، واستشهد به البخاري، وروى له النسائي، وابن ماجه، انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٧١، و«التاريخ الكبير» ٨/ ٣٠٦ (٣١١٢)، و«الجرح والتعديل» ٩/ ١٨٨ (٧٨٤)، و«تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٥ (٦٩٣٣). ١٤ كتاب الوتر [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١٤ - كتاب الوتر] (١) ١ - باب مَا جَاءَ فِي الوِتْرِ ٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». [انظر: ٤٧٢ - مسلم: ٧٤٩ - فتح: ٢/ ٤٧٧] ٩٩١ - وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الوِتْرِ، حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ. [فتح: ٢/ ٤٧٧] ٩٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ -وَهْيَ خَالَتُهُ- فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ وِسَادَةٍ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ ----------------- (١) غير موجود بالأصل والمثبت من «الصحيح». رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ، خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٢/ ٤٧٧] ٩٩٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ». قَالَ القَاسِمُ: وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ، وَإِنَّ كُلاًّ لَوَاسِعٌ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ. [انظر: ٤٧٢ - مسلم: ٧٤٩ - فتح: ٢/ ٤٧٧] ٩٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ -تَعْنِي: بِاللَّيْلِ- فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٣٦ فتح: ٢/ ٤٧٨] ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى» .. الحديث. وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الوِتْرِ، حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم وباقي الجماعة (١). قَالَ الترمذي: وفي الباب عن عائشة وجابر والفضل بن عباس وأبي أيوب وابن عباس، وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح (٢)، ورواه عن ابن عمر جماعات منهم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وفي روايته: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (٣) وقال الدارقطني: هو غير محفوظ، وإنما نعرف صلاة النهار. وقد خالفه نافع، وهو أحفظ منه، وساق بسنده إلى الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا «صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار أربعًا» (٤) وساق بسنده إلى يحيى بن سعيد عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى ويصلي بالنهار أربعًا. ورواه عن نافع خلق، منهم بكير بن الأشج، وفي روايته: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» قاله الدارقطني، ثم ذكر فيه اختلافًا، ثم قَالَ: والمحفوظ عن ابن عمر: «صلاة الليل مثنى مثنى» وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعًا (٥). -------------------- (١) «صحيح مسلم» ٧٤٩١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل، و«سنن أبي داود» (١٣٢٦) كتاب: التطوع، باب: صلاة الليل مثنى مثنى، و«الترمذي» (٤٣٧) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أن صلاة الليل مثنى مثنى، و(٤٦١) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الوتر بركعة، و«النسائي» ٣/ ٢٢٨ كتاب: قيام الليل، باب: كيف صلاة الليل، و«ابن ماجه» (١٣٢٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الليل ركعتين. (٢) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٤٦١) في الصلاة، باب: ما جاء في الوتر بركعة. (٣) رواه أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي ٣/ ٢٢٧ وابن ماجه (١٣٢٢). (٤) رواه الترمذي بعد حديث (٥٩٧). (٥) عزا الحافظ في «الفتح» ٢/ ٤٧٨ كلام الدارقطني هذا إلى كتابه «موطآت الدارقطني». = ![]()
__________________
|
|
#220
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (8) من صـــ 161 الى صـــ 180 الحلقة (220) إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الرجل جاء أنه من أهل البادية، ولم أره مسمى، والمراد: صلاة الليل، وأفضله آخره. وأما النهار فأفضل أوقاته الهاجرة. قَالَ مالك: إنما كانت عبادتهم آخر الليل والهاجرة والورع والفطرة. وقال ابن عبد البر: «مثنى مثنى» كلام خرج على جواب السائل كأنه قَالَ له: يا رسول الله، كيف نصلي بالليل؟ فقال: «مثنى مثنى» ولو قَالَ له: بالنهار. جاز أن يقول له كذلك وجائز أن يقول بخلافه، فصلاة النهار موقوفة على دلائلها (١)، ومن الدليل على أنها وصلاة الليل مثنى مثنى جميعًا أنه قد روي عنه - ﷺ - أنه قَالَ: «الصلاة مثنى مثنى يتشهد في كل ركعتين» لم يخص ليلًا من نهار، وإن كان حديثًا لا يقوم بإسناده حجة فالنظر يقصده والأصول توافقه، وأورد هذا الحديث من كتاب أبي داود عن عبد الله بن الحارث عن المطلب، وذكر أن الليث خالف شعبة في هذا الحديث (٢). ثم أورد حديث ابن عمر مرفوعًا: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». وفي رواية: «ركعتين» (٣)، وذكر أن في «الموطأ» أنه بلغه أن ابن عمر ---------- = وسيأتي الكلام حول هذِه الزيادة وهي قوله: «والنهار» في أول حديث في كتاب: سجود القرآن. وهناك ذكرنا من صحح الزيادة ومن ضعفها مما يروي الغليل. (١) «الاستذكار» ٥/ ٢٥٤. (٢) «سنن أبي داود» (١٢٩٦) كتاب: التطوع، باب: في صلاة النهار، وقال الألباني في «ضعيف أبي دواد» (٢٣٨): إسناده ضعيف. (٣) رواها النسائي ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤ كتاب: الصلاة، باب: كيف الوتر بواحدة، وأحمد ٢/ ٧٥. كان يقول مثل ذلك، يسلم من كل ركعتين (١)، وقال: فهذِه فتيا ابن عمر. وقد روي مرفوعًا: «صلاة الليل مثنى مثنى» وعلم مخرجه، وفهم مراده. وحديث مالك هذا وإن كان من بلاغاته فإنه متصل عن ابن عمر، ثم ساقه بإسناده، وقال في آخره: يعني: التطوع. قَالَ: ومن الدليل أيضًا على أن صلاة النهاركالليل مثنى مثنى سواء أنه - ﷺ - كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد الجمعة ركعتين، وبعد الفجر، وكان إذا قدم من سفرٍ صلى في المسجد ركعتين، وصلاة الفطر والأضحى والاستسقاء وتحية المسجد، ومثل هذا كثير. ودليل آخر أن العلماء لما اختلفوا في صلاة النافلة في النهار، وقام الدليل على حكم صلاة النافلة بالليل وجب رد ما اختلفوا فيه على ما اجتمعوا عليه قياسًا. وفي أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (٢) وهو محمول على بيان الأفضل، والليل والنهار فيه سواء، فإن جمع ركعات بتسليمة جاز، أو صلى ركعة فردة جاز. وقال البخاري: وقد سئل عن زيادة النهار فصححها. وكذا قَالَ ابن الجوزي: إنها زيادة من ثقة فقبلت، فكان ابن عمر لا يصلي أربعًا إلا يفصل بينهن، إلا المكتوبة (٣). ------------- (١) «الموطأ» ص ٩٤. (٢) «سنن أبي داود» (١٢٩٥) كتاب: التطوع، باب: في صلاة النهار، و«سنن الترمذي» (٥٩٧) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، و«سنن النسائي» ٣/ ٢٢٧ كتاب: قيام الليل، باب: كيف صلاة الليل. (٣) رواه البيهقي ٢/ ٤٨٧ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى بلفظ: كان ابن عمر لا يصلي أربعًا لا يفصل بينهن إلا المكتوبة. واختلف العلماء في التطوع ليلًا ونهارًا، فقال مالك وأحمد والليث والشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور: صلاة الليل والنهار مثنى للحديث السالف (١)، لا يقال: إن معنى الحديث أن يجلس المصلي في كل ركعتين؛ لأن مثل هذا اللفظ لا يستعمل بالجلوس، وكذلك لا يقال: صلاة العصر مثنى مثنى، وإن كان يجلس في كل ركعتين، ويقال: الصبح مثنى؛ لما كان يسلم من ركعتين، وسيأتي في التطوع: مثنى مثنى (٢)، عن يحيى بن سعيد: ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون في كل اثنتين من النهار (٣). وقال الداودي: لم يأت عنه - ﷺ - حديث صحيح مفسر أنه صلى النافلة أكثر من ركعتين، وثبت عنه من غير طريق أنه كان يصلي بالليل والنهار ركعتين (٤)، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر هذا: يسلم من كل ركعتين. وكذا في حديث ابن عباس هنا: «ركعتين ثم ركعتين» (٥) ------------ (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٤، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٣، «المدونة» ١/ ٩٨، «التفريع» ١/ ٢٦٣، «التمهيد» ٤/ ١٧١، «الأوسط» ٥/ ٢٣٥، «المجموع» ٣/ ٥٤٣. (٢) سيأتي برقم (١١٣٧) باب: كيف كان صلاة النبي - ﷺ -. (٣) سيأتي برقم (١١٦٢)، (١١٦٣)، (١١٦٥: ١١٦٧) كتاب: التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى، (١١٦٨) باب: ركعتي الفجر، وبرقم (١١٧٩) باب: صلاة ركعتي الضحى. (٤) رواه أحمد ٢/ ٤٤، ٢/ ٧٧، والبيهقي ٣/ ٢٣ في الصلاة، باب الوتر بركعة واحدة. (٥) رواه ابن ماجه (٢٨٨) كتاب: الطهارة وسننها، باب: السواك، و(١٣٢٢) كتاب: إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب: ما جاء في صلاة الليل ركعتين، والنسائي في «الكبرى» ١/ ٤٢٤ (١٣٤٣) كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: ذكر الاختلاف على عبد الله بن عباس في صلاة الليل، وأحمد ٢/ ٢١٨، وأبو يعلى ٤/ ٣٦٧ (٢٤٨٥)، والطبراني ١٢/ ١٧ (١٢٣٣٧)، والحاكم في «المستدرك» = وقال غيره: روي عن الشارع في ذلك أحاديث دالة على التوسعة، منها حديث عائشة: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها (١). وقال طائفة: كان نبي الله - ﷺ - يصلي تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة ثم ينهض ولا يسلم، ويصلي التاسعة، فلما أسنَّ وأخذه اللحم أوتر بسبع، أخرجهما مسلم (٢). قَالَ: وحديث: كان - ﷺ - يقوم من الليل فيصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا. أخرجه البخاري (٣). وقال أبو حنيفة والثوري: صل بالليل والنهار إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا أو ستًّا أو ثمانيًا (٤). وقال الثوري: صل ما شئت بعد أن تقعد في كل ركعتين (٥)، وهو قول الحسن بن حَيّ (٦). وقال الأوزاعي: صلاة الليل مثنى والنهار أربعًا، وهو قول إبراهيم النخعي وابن معين (٧). وقال أحمد فيما حكاه الأثرم: أما الذي أختار فمثنى مثنى، وإن --------------- = ١/ ١٤٥ كتاب: الطهارة، قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٣٤): صحيح. (١) رواه مسلم (٧١٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة، وأبو داود (١٣٣٨) كتاب: الصلاة، باب: في صلاة الليل، والترمذي (٤٥٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الوتر بخمس. (٢) «صحيح مسلم» (٧٤٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض. (٣) سيأتي برقم (٢٠١٣) كتاب: صلاة التراويح، باب: فضل من قام رمضان. (٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٤. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٣. (٦) انظر: «التمهيد» ٤/ ١٧١. (٧) انظر: «التمهيد» ٤/ ١٧١، و«المجموع» ٣/ ٥٤٩. صلى أربعًا فلا بأس، وأرجو أن لا يضيق عليه (١). وضعف ابن معين حديث: «النهار مثنى». وقال: مَنْ عليٌّ الأزدي حَتَّى أقبل منه هذا وأدع يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يتطوع بالنهار أربعًا لا يفصل بينهن، وآخذ بحديث عليٍّ الأزدي؟! لو كان حديث عليٍّ صحيحًا لم يخالفه ابن عمر، وقد كان شعبة يتقي هذا الحديث وربما لم يرفعه (٢)، ولما أورده الترمذي ذكر فيه اختلافًا عن ابن عمر في الرفع والوقف. قَالَ: والصحيح ما روي عنه ذكر الليل فقط (٣). وقال النسائي: ذكر النهار خطأ (٤). فرع: قام إلى ثالثة سهوًا فالأصح أنه يقعد ثم يقوم للزيادة إن شاء. وقال ابن القاسم: يتمها أربعًا. وقال ابن عبد الحكم: يرجع إلى الجلوس يسجد بعد السلام. وقال محمد بن مسلمة: إن كان بالليل قطع -أي: رجع إلى الجلوس- وإن كان بالنهار أتم أربعًا، وهو يراعي قوله: «صلاة الليل مثنى مثنى» (٥). ثانيها: معنى «مثنى مثنى»: اثنين اثنين. يريد: ركعتين ركعتين بتسليم في آخر كل ركعتين، ومثنى معدول عن اثنين اثنين، فهي لا تنصرف للعدل ---------------- (١) انظر: «المغني» ٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨. (٢) انظر: «نصب الراية» ٢/ ١٤٣ - ١٤٤. (٣) «سنن الترمذي» (٥٧٩) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. (٤) «سنن النسائي» ٣/ ٢٢٧ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: كيف صلاة الليل؟ (٥) انظر: «التفريع» ١/ ٢٥٢، «الكافي» ص ٦٠. المكرر، وكأنها عدلت مرتين: مرة عن صيغة اثنين، ومرة عن تكررها، وهي نكرة تعرف بلام التعريف، تقول: المثنى. وكذا ثلاث ورباع، وقيل: إنما لم تنصرف للعدل والوصف، تقول: مررت بقوم مثنى. أي: مررت بقوم اثنين اثنين. وموضعها رفع لأنها خبر المبتدأ الذي هو قوله: «صلاة الليل» وفي رواية عن ابن عمر سئل: ما مثنى مثنى؟ قَالَ: يسلم في كل ركعتين (١). ثالثها: قوله: («فإذا خشي أحدكم الصبح») وجاء: «فإذا خفت الصبح» (٢) و«إذا رأيت الصبح فأوتر بواحدة» (٣) وفي أخرى: «أوتروا قبل الصبح» (٤) وهذا دليل على أن السُّنَّة جعل الوتر آخر الليل، وعلى أن وقته يخرج بطلوع الفجر، وهذا هو المشهور من مذهبنا، وبه قَالَ جمهور العلماء، منهم ابن عمر وعطاء والنخعي وسعيد بن جبير، وقيل: يمتد بعده حَتَّى يصلي الفجر. وبقول الجمهور قَالَ الثوري وأبو حنيفة وصاحباه، واختلف فيه قول مالك، والمشهور من مذهبه أنه يصليه بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، والشاذ من مذهبه أنه لا يصلي بعد طلوع الفجر (٥). ----------- (١) سبق تخرجها. (٢) رواه مسلم (٧٤٩/ ١٤٧) باب: صلاة الليل مثنى مثنى. من حديث ابن عمر. (٣) السابق. (٤) مسلم (٧٥٤) السا بق، والنسائي ٣/ ٢٣١ كتاب: قيام الليل، باب: الأمر بالوتر قبل الصبح، وأحمد ٣/ ١٣، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ١٤٧ (١٠٨٩) كتاب: الصلاة، باب: الأمر وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٦١، وأبو عوانة ٢/ ٤٥ (٢٢٥٨) كتاب: الصلوات، باب: إيجاب الوتر، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ١٦، والبيهقي ٢/ ٤٧٨ كتاب: الطهارة، باب: وقت الوتر، من حديث أبي سعيد الخدري. (٥) انظر: «البناية» ٢/ ٣٦، «التمهيد» ٤/ ١٧٧ - ١٧٨، «عقد الجواهر الثمنية» ١/ ١٣٣. وادَّعى ابن بزيزة: أن بالمشهور من مذهب مالك قَالَ أحمد والشافعي (١)، وقال به السلف: ابن مسعود، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وحذيفة، وأبو الدرداء، وعائشة. وقال جماعة من السلف بقول أبي حنيفة، وهو قول جماعة من الكوفيين، وهو رواية ابن مصعب عن مالك، وحكاه الخطابي عنه (٢)، وقال طاوس: يصلي الوتر بعد صلاة الصبح (٣). وقال أبو ثور والأوزاعي والحسن والليث والشعبي وطاوس (٤): يصلي ولو طلعت الشمس. وقال سعيد بن جبير: يوتر من الليلة القابلة بعد العشاء (٥). وقال عليُّ بن الجهم: الخلاف في ذلك مبني على الخلاف الذي بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، هل هو من الليل أو من النهار أو زمن قائم بنفسه؟ وقال ابن العربي: اختلف الناس في أقل النفل، فقال الشافعي: ركعة. قَالَ: ولا يشرع إلا في الوتر. قلتُ: قائل الحديث الصحيح: «الصلاة خير موضوع، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر» (٦). قَالَ: --------------- (١) «الإعلام» ٣/ ٥٨٢، «المبدع» ٢/ ٣. (٢) «معالم السنن» ١/ ٢٤٨. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٨ (٦٧٩١ - ٦٧٩٢) باب: من قال: يوتر وإن أصبح .. (٤) التخريج السابق. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٨ (٦٧٩٤). (٦) رواه أحمد ٥/ ١٧٨ - ١٧٩، وابن حبان في «صحيحه» ٢/ ٧٦ (٣٦١) كتاب: البر والإحسان، باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، والطبراني ٨/ ٢١٧ (٧٨٧١)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٥٩٧ كتاب: التاريخ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩١ (٣٥٧٦) باب: في الصيام، من حديث أبي ذر. وانظر «البدر المنير» ٤/ ٣٥٣ - ٣٥٧، و«تلخيص الحبير» ٢/ ٢١. واختلفوا في الوتر فقالت طائفة: الوتر ركعة. وروي ذلك عن ابن عمر وقال: كذلك أوتر رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر (١). وروي عن عثمان أنه كان يحيى الليل بركعة يجمع فيها القرآن يوتر بها (٢)، وعن سعد بن أبي وقاص وابن عباس ومعاوية وأبي موسى وابن الزبير وعائشة: الوتر ركعة. وبه قَالَ عطاء (٣) ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، إلا أن مالكًا قَالَ: والوتر واحدة، ولابد أن يكون قبلها شفع، يسلم بينهن في الحضر والسفر. وعن مالك: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة. وعنه: يوتر بثلاث وأقل. وأوتر سحنون في مرضه بواحدة، وهو دالٌّ على أن الشفع ليس بشرط في صحة الوتر. وقال الأوزاعي: إن شاء فصل بينهما، وإن شاء وصل. وقالت طائفة: يوتر بثلاث لا يفصل بينهن بسلام. روي ذلك عن عمر وعليٍّ وابن مسعود وحذيفة وأُبي بن كعب وابن عباس وأنس وأبي أمامة، وبه قَالَ عمر بن عبد العزيز (٤) والفقهاء السبعة بالمدينة. وقال سعيد بن المسيب: لا يسلم في ركعتي الوتر (٥). وإليه ذهب الكوفيون والثوري (٦)، وقال الترمذي: ذهب جماعة من الصحابة ---------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٨ - ٨٩ (٦٨٠٢)، (٦٨٠٦) باب: من كان يوتر بركعة. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٩ - ٩٠ (٦٨١٦). (٣) رواه عن بعضهم ابن أبي شيبة ٢/ ٨٩ (٦٨٠٨ - ٦٨٠٩)، (٦٨١١)، وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ١٧٧. (٤) رواه ابن أبي شيبة عن عمر وأنس وعلى ٢/ ٩٠ - ٩١ - ٩٢ (٦٨٣٠)، (٦٨٣٩)، (٦٨٤٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان يوتر بثلاث أو أكثر، ورواه ابن المنذر عنهم في «الأوسط» ٥/ ١٨٠ - ١٨١. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٩١ (٦٨٣٦). (٦) انظر: «التمهيد» ٤/ ١٧٦. وغيرهم إلى هذا. وقال الزهري: يوتر بثلاث في رمضان، وفي غيره بواحدة. قَالَ القاسم: ورأينا الناس منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإن كلًّا لواسع، أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس. ذكره البخاري في الحديث الثالث (١). وتأول الكوفيون حديث ابن عباس الآتي حين بات عند خالته ميمونة ورمق صلاته - ﷺ - ليلًا، فذكر أنه صلى ركعتين ثم ركعتين، حَتَّى عدَّ ثنتي عشرة ركعة. قَالَ: ثم أوتر. فيحتمل أن يكون أوتر بواحدة مع اثنتين قد تقدمتاها. فتكون مع الواحدة ثلاثًا؛ ولذلك تأولوا في حديث عائشة الآتي: كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته بالليل. أن الوتر منها الركعة الأخيرة مع ركعتين تقدمتها، ويدل على ذلك أنه - ﷺ - كان لا يزيد في رمضان وغيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا كذلك، ثم ثلاثًا، فدل أن الوتر ثلاث (٢). وقال أهل المقالة الأولى: قوله: «صلاة الليل مثنى مثنى» تفسير حديث عائشة أنه كان يصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا، وهي زيادة يجب قبولها. وقوله: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت» دلالة على أن الوتر واحدة؛ لأنه - ﷺ - قَالَ في الوكعة: «إنما هي التي توتر ما كان قبلها» (٣). ------------- (١) «سنن الترمذي» (٤٦٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الوتر بثلاث. (٢) سيأتي برقم (١١٤٧) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي - ﷺ - في رمضان وغيره. (٣) سلف برقم (٤٧٣) كتاب: الصلاة، باب: الحلق والجلوس في المسجد. والوتر في لسان العرب هو الواحد، فلذلك قَالَ - ﷺ -: «إن الله وترٌ» (١) أي: واحد لا شريك له والاسم يتعلق بأول الاسم، كما أن الظاهر من قوله: «مثنى مثنى» أي: ثنتين مفردتين، فدل ذلك أن الواحدة هي الوتر دون غيرها، وإذا جازت الركعة بعد صلاة ركعتين أو أكثر جازت دونها؛ لأنها منفصلة بالسلام منها، وكان مالك يكره الوتر بواحدة ليس قبلها نافلة، ويقول: أي شيء يوتر له الركعة وقد قَالَ - ﷺ -: «يوتر له ما قد صلى»؟ (٢) ألا ترى أنه لم يوتر قط إلا بعد عشر ركعات أو اثنتي عشرة ركعة على اختلاف الأحاديث في ذلك (٣)، فلذلك استحب أن تكون للركعة الوتر نافلة توترها، وأقل ذلك ركعتان. تنبيه: ادَّعى بعضهم أن معنى قوله: «فإذا خشي أحدكم الصبح» ظاهره: إذا خشي وهو في شفع انصرف من ركعة واحدة، فالوتر إذن لا يفتقر إلى نية، وليس كما زعم، بل ظاهره أنه يصلي ركعة كاملة بعد الخشية. فرع: هل يحتاج الوتر إلى نية؟ قَالَ مالك: نعم. وخالفه أصبغ، وقال محمد: إذا أحرم بشفع ثم جعله وترًا لا يجزئه. ------------- (١) رواه أبو داود (١٤١٦) كتاب: الوتر، باب: استحباب الوتر، والترمذي (٤٥٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أن في الوتر ليس بواحد، قال حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١١٦٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الوتر، وأحمد ١/ ١١٠، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٠٠، والبيهقي ٢/ ٤٦٨ كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيان بأنه لا فرض في اليوم والليلة. من حديث علي، وصححه الألباني «صحيح أبي داود» (١٢٧٤). (٢) سلف برقم (٤٧٣). (٣) رواها مسلم (٧٣٨) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ -. رابعها: قوله: «توتر له ما قد صلى» قد يستدل به مالك أن يكون قبل الوتر شفع، وهو مشهور مذهبه، وأقل الشفع: ركعتان عنده. وقول البخاري: (وعن نافع ..) إلى آخره. مبني على السند الذي قبله، وهو حديث «صلاة الليل مثنى مثنى» وإنما ذكره كذلك لأمرين: أن يكون سمع كلاًّ منهما مفترقًا عن الآخر، أو أراد أن يفرق بين الحديث والأثر. والبيهقي لما ذكر الأثر خاصة من طريق مالك عن نافع أن ابن عمر كان يسلم، فذكره وعزاه إلى البخاري (١)، ورواه الشافعي عن مالك، ولفظه: من الوتر. بدل: في الوتر (٢). وروي من طريق الأوزاعي عن المطلب بن عبد الله المخزومي قَالَ: أتى عبد الله بن عمر رجل قَالَ: وكيف أوتر؟ قَالَ: أوتر بواحدة. قَالَ: إني أخشى أن يقول الناس: البُتَيراء. قَالَ: أسُنَّة الله ورسوله تريد؟ هذِه سُنَّةُ الله ورسوله (٣). وفي رواية أخرى: البتيراء: أن يصلي الرجل الركعة الثانية ------------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٢١ كتاب: الصلاة، باب: الوتر بركعة واحدة ومن أجاز أن يصلي. (٢) «مسند الشافعي» ١/ ١٩٦ (٥٥٢) كتاب: الصلاة، باب: في الوتر. و«الموطأ» ص ٩٧ كتاب: الصلاة، باب: الأمر بالوتر. (٣) رواه ابن ماجه (١١٧٦) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الوتر بركعة. وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ١٤٠ (١٠٧٤) كتاب: الصلاة، باب: ذكر الأخبار المنصوصة عن النبي - ﷺ -، والبيهقي ٣/ ٢٦ كتاب: الصلاة، باب: الوتر بركعة واحدة ومن أجاز أن يصلي. قال البوصيري في «الزوائد» (٣٨٥): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، قال البخاري: لا أعرف للمطلب سماعًا من أحد الصحابة، قال أبو حاتم: روى عن ابن عمر وما أدري سمع أم لا؟، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه». (٢٤٦). في ركوعها وسجودها وقيامها ثم يقوم في الأخرى ولا يتم لها ركوعها ولا سجودها ولا قيامها، فتلك البُتّيراء (١). ثم ساق عن عثمان أنه أوتر بركعة، وعن ابن عباس أنه قَالَ لعطاء: ألا أعلمك الوتر؟ قلت: بلى. فقام فركع ركعة (٢). وإنما ذكر البخاري عن ابن عمر هذا الأثر ليرد على أبي حنيفة قوله، وكل من روي عنه الفصل بين الشفع وركعة الوتر بسلام يجيز الوتر بواحدة ليس قبلها شيء. قَالَ الشعبي: كان آل سعيد وآل عبد الله بن عمر يسلمون في ركعتي الوتر ويوترون بركعة (٣). خامسها: أكثر العلماء على أن الوتر سُنَّة متأكدة، منهم عليُّ وعبادة بن الصامت وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي وابن شهاب، وبه قَالَ الثوري والأئمة الثلاثة والليث وعامة الفقهاء، وقال القاضي أبو الطيب: إنه قول العلماء كافة حَتَّى أبو يوسف ومحمد. قَالَ: وقال أبو حنيفة وحده: هو واجب وليس بفرض، فإن تركه حَتَّى طلع الفجر أثم ولزمه القضاء. وقال أبو حامد في «تعليقه»: الوتر سُنَّةٌ مؤكدة ليس بفرض ولا واجب، وبه قالت الأمة كلها (٤). وقال أبو حنيفة: هو واجب. وهو آخر أقواله، وعنه: فرض. وهو قول زفر. وسُنَّة، وهو قول صاحبيه كما سلف (٥). ---------- (١) رواه البيهقي ٣/ ٢٦ كتاب: الصلاة، باب: الوتر بركعة واحدة ومن أجاز أن يصلي. (٢) التخريج السابق. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٨٩ (٦٨١٢) كتاب: الصلوات، باب: من كان يوتر بركعة. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٤، «الذخيرة» ٢/ ٣٩٢، «الأم» ١/ ١٢٥، «المجموع» ٣/ ٥١٤، «الكافي» ١/ ٣٣٦. (٥) انظر: «البناية» ٢/ ٥٦٥ - ٥٦٦. وعن مالك فيما رواه ابن حزم عنه: ليس فرضًا، ولكن من تركه أُدب وكانت جرحة في شهادته (١). ومال سحنون وأصبغ فيما حكاه عنه ابن العربي إلى وجوبه (٢)، وعن أحمد فيما حكاه في «المغني» أنَّ تاركه عمدًا رجل سوءٍ، ولا ينبغي أن تقبل شهادته (٣). وحكى ابن بطال عن ابن مسعود وحذيفة والنخعي أنه واجب على أهل القرآن دون غيرهم (٤). وعن يوسف بن خالد السمتي شيخ الشافعي: واجب (٥). وفي المرغيناني الحنفي: لو اجتمع أهل قرية على ترك الوتر أدبهم الإمام وحبسهم، فإن امتنعوا قاتلهم (٦). وفي «الذخيرة»: يعصي في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف: لا. وعند محمد: أحبه (٧). وعند الشافعي: لا يجب القضاء. وفي استحبابه قولان: أظهرهما: نعم (٨). وعن أحمد وأبي مصعب واللخمي: لا تقضى بعد الفجر وتقضى طلوعَ الشمس (٩). لا تقضى عند مالك (١٠). حجة الجمهور حديث الأعرابي: لا أزيد على هذا ولا أنتقص قَالَ - ﷺ -: «أفلح إن صدق» فيه أدلة أربعة (١١) إخباره أن ----------- (١) «المحلى» ٢/ ٢٣١. (٢) «القبس» ١/ ٢٩٥. (٣) «المغني» ٢/ ٥٩٤. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٨٥. (٥) «المبسوط» ١/ ١٤٤. (٦) «التجنيس والمزدي» لصاحب «الهداية» ٢/ ٨٩. (٧) انظر: «البناية» ٢/ ٥٧٤. (٨) انظر: «الحاوي الكبير» ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨. (٩) انظر: «المستوعب» ٢/ ٢٠٥، «الفروع» ١/ ٥٣٧. (١٠) «المدونة» ١/ ١٢٠. (١١) ورد في هامش الأصل ما نصه: استنبط هذِه الأحكام الشيخ أبو حامد وغيره. الواجب الخمس فقط: هل علي غيرها؟ قال «لا إلا أن تطوع» فصريحه أن الزيادة تطوع (١). «أفلح إن صدق» دليل على أن لا إثم بترك غير الخمس، وحديث معاذ: «أعلمهم بأن الله فرض عليهم خمس صلوات». الحديث. أخرجاه (٢)، وهو من أحسن الأدلة؛ لأن بعث معاذ كان قبل وفاته بقليل، وبحديث عبادة بن الصامت وتكذيبه المُخدَجي فإنه قَالَ: هو واجب. قَالَ عبادة: كذب، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» رواه مالك في «الموطأ» (٣) وأبو داود والنسائي بإسنادٍ صحيح (٤). احتج المخالف بأدلة: بحديث أبي أيوب مرفوعًا: «الوتر حق على كل مسلم» صححه الحاكم (٥)، وبحديث على مرفوعًا: «يا أهل القرآن، أوتروا، فإن الله وترٌ يحب الوتر» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه (٦). وبحديث بريدة مرفوعًا: «الوتر حق، فمن لم يوتر فليس ---------------- (١) سلف برقم (٤٦) كتاب: الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام. (٢) سيأتي برقم (١٣٩٥) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، ورواه مسلم (١٩) كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام. (٣)»الموطأ«ص ٩٦ كتاب: الصلاة، باب: الأمر بالوتر. (٤)»سنن أبي داود«(١٤٢٠) كتاب: الوتر، باب: فيمن لم يوتر، و»سنن النسائي«١/ ٢٣٠ كتاب: الصلاة، باب: المحافظة على الصلوات الخمس، وصححه الألباني في»صحيح أبي داود«(١٢٧٦). (٥)»المستدرك«١/ ٣٠٢ - ٣٠٣ كتاب: الوتر، قال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (٦)»سنن أبي داود«(١٤١٦) كتاب: الصلاة، باب: استحباب الوتر، و»سنن الترمذي«(٤٥٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أن الوتر ليس بحتم، و»سنن النسائي" ٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: الأمر بالوتر، = منا» قَالَ ذلك ثلاثًا، رواه أبو داود وصححه الحاكم (١). وبحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «إن الله زادكم صلاة فحافظوا عليها، وهي الوتر» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٢)، وبحديث أبي سعيد مرفوعًا: «أوتروا قبل أن تصبحوا» (٣) وبحديث عائشة: كان - ﷺ - يصلي من الليل الوتر، فإذا أوتر قَالَ: «قومي يا عائشة فأوتري» رواه مسلم أيضًا (٤)، وبحديث خارجة بن حذافة العدوي مرفوعًا: «إن الله قد أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، الوتر الوتر» مرتين، أخرجه أبو داود والترمذي (٥)، وبحديث أبي ---------------- = وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٢٧٤). (١) «سنن أبي داود» (١٤١٩) كتاب: الصلاة، باب: فيمن لم يوتر، «المستدرك» ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦ كتاب: الوتر، قال: هذا حديث صحيح، أبو المنيب العتكي مروزي ثقة، يجمع حديثه ولم يخرجاه. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٢٥٦). (٢) لم أقف عليه عندهم، وقد رواه أحمد ٢/ ١٨٠، والدارقطني في «سننه» ٢/ ٣١، وانظر «البدر المنير» للمصنف ٤/ ٣١٦. والذي عند أبي داود (١٤١٨)، والترمذي (٤٥٢)، وابن ماجه (١١٦٨) حديث خارجة بن حذافة مرفوعًا، ولفظه «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم؛ الوتر؛ جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر» وسيأتي بعد. (٣) رواه مسلم (٧٥٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى. (٤) «صحيح مسلم» (٧٤٤٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة. (٥) «سنن أبي داود» (١٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استحباب الوتر. و«سنن الترمذي» (٤٥٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في فضل الوتر. قال. حديث خارجة بن حذافة حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب. قال الألباني في: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١١٤١): صحيح. سعيد الخدري مرفوعًا: «من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره» روياه أيضًا (١)، والقضاء فرع الأداء لكن لا يسلم الوجوب، وبحديث معاذ مرفوعًا: «زادني ربي صلاة -وهي الوتر- وقتها بين العشاء إلى طلوع الفجر» رواه أحمد (٢)، وبحديث جابر: «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد» الحديث، أخرجه مسلم (٣). والزيادة والأمداد تكون من جنس اللاحق به كمد الله في عمرك، وأمد السلطان الجيش، ونسب زيادته للرب ﷻ، فكان بأمره وإيجابه، ولو لم يكن واجبًا لكان كالتراويح والسنن التي واظب عليها ولم يجعلها زائدة في الفرائض، فجعل الوتر زيادة على الفرائض من الله، ولم يجعل السنن زيادة عليها، فدل على أن الوتر زيادة. وذكر الطحاوي (٤) أن وجوب الوتر إجماع من الصحابة، وأجابوا عن حديث الأعرابي أنه كان قبل وجوبه؛ لأن قوله: «زادكم» يشعر بتأخيره عن الخمس، ولا نسلم لهم ذلك. وأما صلاته الوتر على الراحلة، والفرض لا يؤدى عليها، فكان واجبًا عليه، ومن خصائصه تأدِّيه على الراحلة، وحديث: «ثلاث هن على فرائض ولكم تطوع». وعد منها الوتر (٥)، لا يصح، فلا أحتج به. ------------- (١) «سنن أبي داود» (١٤٣١) كتاب: الوتر، في الدعاء بعد الوتر، و«سنن الترمذي» (٤٦٥) كتاب: الصلاة، باب: في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٢٨٥). (٢) «مسند أحمد» ٥/ ٢٤٢. (٣) «صحيح مسلم» (٧٥٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله. (٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٣٠ - ٤٣١. (٥) رواه أحمد ١/ ٢٣١، والبزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ١٤٤ (٢٤٣٣) كتاب: = وادعى القرافي في «الذخيرة» أن الوتر في السفر ليس بواجب عليه، وفعله - ﷺ - كان في السفر (١)، وهو غريب، وروى الطحاوي عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض (٢). ويزعم ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك (٣). وفي «المحيط» للحنفية: لا يجوز أن يوتر قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا على راحلته من غير عذر (٤). وفي «المبسوط»: يوتر عندهما -يعني: الصاحبين على الدابة- من غير ضرورة. وإنما لم يكفر جاحده للاختلاف. وفي النسائي والترمذي محسنًا عن عليٍّ قَالَ: ليس الوتر يحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سُنَّة سنَّها رسول الله - ﷺ - (٥). وقال عبادة بن الصامت: الوتر أمر حسن جميل عمل به النبي - ﷺ - والمسلمون من بعده، وليس بواجب. أخرجه --------- = علامات النبوة، باب: فيما خصه الله به. قال: لا نعلم رواه ابن عباس، ولا رواه عن عكرمة إلا جابر، وأبو جناب روى عنه الثوري وغيره، ولم يكن بالقوي، واسمه يحيى بن أبي حية، والطبراني ١١/ ٢٦٠ (١١٦٧٤)، والدارقطني في «السنن» ٢/ ٢١ كتاب: الوتر، باب: صفة الوتر، والبيهقي ٩/ ٢٦٤ كتاب: الضحايا، باب: الأضحية سنة نحب لزومها ونكره تركها. من حديث ابن عباس، قال الألباني في «ضعيف الجامع الصغير وزيادته» (٢٥٦١): موضوع. (١) «الذخيرة» ٢/ ٣٩٢. (٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٢٩. (٣) انظر: التخريج السابق. (٤) «المحيط» ٢/ ٤٢٦. (٥) «سنن الترمذي» (٤٥٣ - ٤٥٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أن الوتر ليس بحتم. قال: حديث عليًّ حسن، وقال عن ثانيهما: هذا أصح من حديث أبي بكر بن عياش. و«سنن النسائي» ٣/ ٢٢٩ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: الأمر بالوتر. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٣٧٥). الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (١)؛ ولأنها صلاة لا يشرع لها أذان ولا إقامة فلم تكن واجبة على الأعيان كالضحى وغيرها، واحترزنا بالأعيان عن الجنازة والنذر. والأحاديث التي استدلوا بها للوجوب محمولة على الاستحباب والتأكد، ولا بد من ذلك للجمع بينهما وبين الأحاديث التي استدللنا بها على عدم الوجوب، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأخبر أن لها وسطى. وإذا جعلنا الوتر واجبًا لزمنا المحافظة على ست، وإنما هي خمس. وحديث الباب: «فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى» أي: توتر له تلك الصلاة، وصلاة الليل ليست بواجبة فكذا ما يوتر بها. الحديث الثاني: حديث كريب عن ابن عباس أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ .. الحديث. وقد سلف في باب: السمر في العلم، والتخفيف في الوضوء وغيرهما، ويأتي -إن شاء الله- في تفسير آل عمران بزيادة (٢)، ومما لم يتقدم هناك قوله: فاضطجعت في عرض وسادة. كذا في الرواية؛ وفي رواية أخرى: الوسادة (٣). والعرض بفتح العين: ضد الطول، قَالَ صاحب «المطالع»: كذا لأكثرهم، ولبعضهم بضمها وهو: الناحية والجانب. والفتح أشهر. قَالَ ابن عبد البر: وهي الفراش وشبهه. قَالَ: وكان -والله أعلم- -------------- (١) «المستدرك» ١/ ٣٠٠ كتاب: الوتر. وافقه الذهبي. (٢) سلف برقم (١١٧) كتاب: العلم، وبرقم (١٣٨) كتاب: الوضوء. وسيأتي برقم (٤٥٧١) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ﴾. (٣) ستأتي برقم (١١٩٨) كتاب: العمل في الصلاة، باب: استعانة اليد في الصلاة. مضطجعًا عند رجلي رسول الله - ﷺ - أو رأسه (١). قَالَ ابن الأثير: الوسادة: المخدة، والجمع: وسائد (٢). وقد وسدته الشيء فتوسده. أي: جعلته تحت رأسه، وكذا هو في «الصحاح» (٣). وقال صاحب «المطالع»: وقد قالوا إساد ووساد، واشتقاقهما واحد، والواو هنا بعد الألف ولعلها صورة الهمزة، والوساد: ما يتوسد إليه للنوم. يقال: إساد وإسادة ووسادة، وكانت هذِه الوسادة آدم حشوها ليف كما في أبي داود والنسائي (٤). قَالَ أبو الوليد: والظاهر أنه لم يكن عندهما فراش غيره، فلذلك ناموا جميعًا فيه. واستنبط بعضهم منه قراءة القرآن على غير وضوء؛ لأنه - ﷺ - نام ثم استيقظ فقرأ قبل أن يتوضأ. أقول: ولا يصح؛ لأن وضوءه - ﷺ - لا ينتقض بالنوم كما هو معلوم، ولا شك أن الأولى قراءته على وضوء، وبهذا قَالَ عمر للذي قَالَ له: أتقرأ وأنت على غير وضوء؟! فقال له عمر: من أفتاك بهذا، أمسيلمة الكذاب (٥)؟ وكان الرجل فيما زعموا من بني حنيفة قد صحب مسيلمة ثم هداه الله للإسلام. وقول ابن عباس: فصنعت مثله. يحتمل كما قَالَ ابن التين: أن يريد به جميع ما فعله - ﷺ - على وجه الاقتداء به والمبادرة إلى الانتفاع لما يعلم منه. ----------- (١) «الاستذكار» ٥/ ٢٤٦. (٢) «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ١٨٢. (٣) «الصحاح» ٢/ ٥٥٠. (٤) «سنن أبي داود» (٤١٤٦) كتاب: اللباس، باب: في الفرش من حديث عائشة. و«سنن النسائي» ٤/ ٢١٥ - ٢١٦ من حديث عبد الله بن عمرو. (٥) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ٤٣٧ ترجمة (١٤٠٢)، والبيهقي ١/ ٩٠ كتاب: الطهارة، باب: قراءة القرآن بعد الحدث. وفيه: ما كان عليه - ﷺ - من التواضع كيف أمكنه. وقوله: (فاستيقظ يمسح النوم عن وجهه). يحتمل أن يكون أراد بمسحه إزالة النوم عن وجهه أو إزالة الكسل به. وقوله: (ثم قرأ عشر آيات من آل عمران). وفي رواية: العشر الآيات الخواتم منها (١). وفي أخرى: فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السورة (٢) فيقتدى به ليبدأ يقظته بذكر الله تعالى، ويختمها به عند نومه. وآخر شيء أنت أول هجعة … وأول شيء أنت عند هبوبي فيذكر ما ندب إليه من العبادة وما وعد على ذلك من الثواب، وتوعد على المعاصي من العقاب، فإن الآيات المذكورة جامعة لكثير من ذلك، فينشط على العبادة. وقوله: (ثم صلى ركعتين ..) إلى آخره. مقتضاه الفصل بين كل ركعتين بسلام. وقوله: (ثم اضطجع حَتَّى جاءه المؤذن). هذا الاضطجاع؛ لأجل طلوع الفجر، والخلاف في الاضطجاع بين الفجر والصبح. وقوله: (فقام فصلى ركعتين) زاد في «الموطأ»: خفيفتين (٣) يعني بذلك: ركعتي الفجر. وفيه أن قيام الليل سُنَّة مسنونة لا ينبغي تركها لهذا الحديث. وقد روى عبد الله بن سلام قَالَ: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، -------------- (١) سلفت برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره. (٢) رواها مسلم (٧٦٣/ ١٩) صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه. (٣) «الموطأ» ١/ ١١٦ - ١١٧ (٢٩٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الليل. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 14 ( الأعضاء 0 والزوار 14) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |