التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 21 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         خطر الظلم والتحذير منه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          حسن الظن بالله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          دور وسائل الاتصال في نشر خير الخصال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          ذم الدنيا في التعلق بها، لا بالتمتع بطيباتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          (حجوا وضحوا) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          عاقبة الظلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الأمانة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          {فلينظر الإنسان مم خلق} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          لماذا يُحرقون المصحف؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #201  
قديم 31-01-2026, 10:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 427 الى صـــ 446
الحلقة (201)






يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم (١).
وروى ابن أبي شيبة -بإسناد جيد- عن أبي حمزة الأعور، عن إبراهيم أنه صلى بهم يوم الجمعة الفجر فقرأ بهم، ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١] (٢). وعن علي أنه قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الحشر وسورة الجمعة (٣).
ومذهب الكوفيين كراهة قراءة شيء من القرآن موقتة بشيء من الصلوات، وأن يقرأ سورة السجدة، و﴿هَلْ أَتَى﴾ في الفجر في كلِّ جمعة، وذلك لما فيه من هجران باقي القرآن، وليس فيه مهجور. وإيهام تفضيل بعضه على بعض، وكلام الله في الحقيقة سواء، لقيامه بذات الله وشرفه بها.
قال الطحاوي: معناه إذا رآه حتمًا واجبًا لا يجزي غيره أو رأى القراءة بغيرها مكروهة، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركًا أو تأسيًا بالشارع أو لأجل التيسير فلا كراهة، وفي «المحيط» من كتبهم: بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أنه لا يجوز غيره (٤)، وقال المهلب: القراءة في الصلاة محمولة على قوله:

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٨٧.
وانظر: «حلية العلماء» ٢/ ٩٤، «روضة الطالبين» ١/ ٢٤٨، «الكافي» ١/ ٥٠٩ - ٥١٠، «المبدع» ٢/ ١٦٥، «الذخيرة» ٢/ ٤١٥.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٧١ (٥٤٥٠).
(٣) «المصنف» ١/ ٤٧٠ - ٤٧١ (٥٤٤٥).
(٤) وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله:
ليست قراءة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ التي فيها السجدة ولا غيرها من ذوات السجود واجبة في فجر الجمعة باتفاق الأئمة، ومن اعتقد ذلك واجبًا أو ذم من ترك ذلك فهو ضال =



﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وإنما كره مالك ذلك خشية التخليط على الناس (١).
ولذلك ترك الشارع في آخر فعله السجود في المفصل؛ لأنه الذي يقرأ به في الخمس. وقال ابن العربي: خرَّج البخاري قراءة الصبح يوم الجمعة عن سعد بن إبراهيم بلفظ (كان) المقتضية للمداومة، وهو مضعف عند مالك وغيره، وقد جاءت الرواية أيضًا من غير طريقه، ولكنه أمر لم يعلم بالمدينة والله أعلم من قطعه كما قطع غيره، فينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدوة، ويقطع أحيانًا؛ لئلا يظنه العامة من السنة (٢).

-------------
= مخطئ، يجب عليه أن يتوب من ذلك باتفاق الأئمة. وإنما تنازع العلماء في استحباب ذلك وكراهيته. فعند مالك يكره أن يقرأ بالسجدة في الجهر. والصحيح أنه لا يكره، كقول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد؛ لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه سجد في العشاء الباب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ وثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ و﴿هَلْ أَتَى﴾. وعند مالك يكره أن يقصد سورة بعينها. وأما الشافعي وأحمد فيستحبون ما جاءت به السنة، مثل الجمعة والمنافقين، وفي الجمعة. والذاريات و﴿اقْتَرَبَتِ﴾ في العيد، ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ ﴿هَلْ أَتَى﴾ في فجر الجمعة.
لكن هنا مسألتان نافعتان:
(الأولى) أنه لا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة، فليس الاستحباب لأجل السجدة، بل للسورتين، والسجدة جاءت اتفاقا، فإن هاتين السورتين فيهما ذكر ما يكون في يوم الجمعة من الخلق والبعث.
(الثانية) إنه لا ينبغي المداومة عليها، بحيث يتوهم الجهال أنها واجبة، وأن تاركها مسيء، بل ينبغي تركها أحيانًا لعدم وجوبها، والله أعلم. «مجموع الفتاوى» ٢٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(١) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٠.
(٢) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠.



وهو عجيب منه فهو سنة عند الخاصة والعامة، وصاحب الشرع داوم عليه كما سلف بالإسناد الصحيح، فكيف المعدل عنه؟
وقوله في ابن إبراهيم، ولا نعلم أحدًا ضعفه ولا ذكره في الضعفاء، وفي «شرح ابن التين»: إن هذا الحديث يرد على من قال: لم يُرو عن النبي - ﷺ - أنه سجد في غير المفصل؛ إذ يفيد أنه - ﷺ - يقرأ السجدة ولا يسجدها. قلت: وقد قدمنا سجوده فيها.


١١ - باب الجُمُعَةِ فِي القُرى وَالمُدْنِ
٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ -بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِﷺ - فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ. [٤٣٧١ - فتح: ٢/ ٣٧٩]

٨٩٣ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ». وَزَادَ اللَّيْثُ: قَالَ يُونُسُ: كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ -وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرَى-: هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ؟ وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ -وَأَنَا أَسْمَعُ- يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ -قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح: ٢/ ٣٨٠]
القرى: جمع قرية على غير قياس، قال الجوهري: لأن ما كان على فَعْلَة بفتح الفاء من المعتل فجمعه ممدود، مثل ركْوَة وركاء، وَظْبية وظِبَاء، وجاء القرى مخالفًا لبابه لا يقاس عليه، ويقال: قرية: لغة يمانية، ولعلها جمعت على ذلك مثل لحية ولحى، والنسبة إليها قروي (١).

-----------
(١) «الصحاح» ٦/ ٢٤٦٠.


وقال ابن الأثير: القرية من المساكن والأبنية والضياع، وقد تطلق على المدن (١).
وقال صاحب «المطالع»: القرية: المدينة، وكل مدينة قرية؛ لاجتماع الناس فيها، من قريت الماء في الحوض، أي: جمعته، وأما المدن فجمع مدينة وتجمع أيضًا على مدائن بالهمز، ومدن مخفف الدال وتثقل، واشتقاقها من: مدن بالمكان إذا أقام به.
وقال ابن التين: المدن جمع مدينة تخفف الدال. وتثقل إذا قلنا أن وزنها فعيلة من مدن بالمكان إذا أقام به، وأما إن قلنا: من دنت، أي: ملكت، فوزنها مفعلة قال: وجمعها مداين بغير همز.
ذكر فيه حديثين:
أحدهما:
حديث ابن عباس: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ- بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ.
رواه من طريق أبي عامر العقدي، واسمه: عبد الملك بن عمرو، وأبو جمرة راويه عن ابن عباس بالراء، واسمه نصر بن عمران الضبعي، والحديث من أفراد البخاري، وأخرجه أبو داود بلفظ: إن أول جمعة جمعت في الإِسلام -بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله - ﷺ - بالمدينة- لجمعة جمعت بجواثى، قرية من قرى البحرين.
وقال عثمان بن أبي شيبة قرية من قرى عبد القيس (٢). وللإسماعيلي: أول جمعة جمعت بحواثى بالبحرين بعد جمعة جمعت مع رسول الله - ﷺ -.

--------------
(١) «النهاية» ٤/ ٥٦.
(٢) «سنن أبي داود» (١٠٦٨) كتاب: الصلاة، باب: الجمعة في القرى.



وجواثي بضم الجيم، وفتح الواو، وقد تهمز، ثم ألف وثاء مثلثة: قرية أو مدينة بالبحرين (١).
وحكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أنها مدينة، ثم قال: وهو خلاف ما ذكر القاضيان: أبو محمد وأبو الوليد أنها قرية. (وحكى الجوهري وابن الأثير أنها اسم لحصن بالبحرين (٢)، وكذا هو في «البلداني» للزمخشري) (٣).
وقال البكري: جواثى على وزن فعالى: مدينة بالبحرين لعبد القيس (٤).
إذا تقرر ذلك فالإجماع قائم على وجوب الجمعة على أهل المدن، واختلفوا في وجوبها على أهل القرى، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا؛ لأنهم في حكم المسافرين (٥)، وبه قال الشافعي وجماعة (٦)، وأوجبها منهم أحمد على القرية إذا كان لها أبنية مجتمعة وفيها أربعون من أهل وجوب الجمعة، وهم: الأحرار، البالغون، العقلاء، المقيمون، الذين لا يظعنون شتاء ولا صيفًا إلا ظعن حاجة (٧).
وقال أبو حنيفة: لا تصح إلا في مصرٍ جامع أو في مصلى العصر،

--------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٠١، و«معجم البلدان» ٢/ ١٧٤.
(٢) انظر: «الصحاح» ١/ ١٧٨. و«النهاية» ١/ ٣١١.
(٣) من (ج).
(٤) «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٠١.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥١، ٤٥٢.
(٦) انظر: «التهذيب» ٢/ ٣٢٤، «روضة الطالبين» ٢/ ٤، «المغني» ٢/ ٢٠٣.
(٧) انظر: «الكافي» ١/ ٤٨٢.



ولا تجوز في القرى (١)، وتجوز بمنى إذا كان الأمير أمير الحج (٢)، أو كان الخليفة مسافرًا. ووافقه أبو يوسف، وهو قول الثوري.
وقال محمد: لا جمعة بمنى، ولا يصح بعرفات في قولهم جميعًا (٣)، وعند أصحابنا لها شروط: أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها صيفًا وشتاء من تنعقد بهم الجمعة، سواء أكان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها، وسواء فيه البلاد الكبار وذوات الأسواق والقرى الصغار، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح قطعًا؛ لأنها لا تعد قرية ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف وأما أهل الخيام وإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاءً وصيفًا لم تصح الجمعة قطعًا، وإن كانوا ملازمين فيها صيفًا وشتاءً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض فقولان:
أظهرهما: لا وجوب عليهم، ولا تصح منهم. وبه قال مالك وأبو حنيفة (٤). والثاني: نعم (٥). وبه قال أحمد وداود (٦)، ونُقِلَ قول أبي حنيفة عن علي وحذيفة وعطاء وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والحسن والنخعي ومحمد ومجاهد وابن سيرين والثوري وعبد الله بن الحسن وسُحنون (٧).

-------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٨٩.
(٢) في الأصل: الحاج والمثبت من «بداية المبتدي» ص ٢٦.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٠.
(٤) «الهداية» ١/ ٨٩، «منية المصلي» ص ٣٢٧، «المعونة» ١/ ١٦١، «الاستذكار» ٢/ ٥٧.
(٥) انظر: «المجموع» ٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٦) انظر: «الكافي» ١/ ٤٨٢، «شرح الزركشي» ١/ ٤٦٥، «المحلى» ٥/ ٤٩، ٥٢.
(٧) انظر: «البناية» ٣/ ٤٩.



وقال الرازي في «أحكامه»: اتفق فقهاء الأمصار على أنها مخصوصة بموضع، لا يجوز فعلها في غيره؛ لأنهم مجمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، ونقل عن أصحابهم أنها مخصوصة بالأمصار ولا تصح في القرى (١).
قلت: ذكر ابن المنذر أن ابن عمر كان يرى أن أهل المناهل والمياه يجمعون، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب بذلك، فروى جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إنا أهل قرية ليسوا بأهل عمود ينتقلون. فأمرَّ عليهم أميرًا يجمع بهم (٢).
قال الرازي: فلو كانت الجمعة واجبة في القرى لورد النقل به كما ورد في الأمصار، لعموم الحاجة، ولبينه - ﷺ -، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وللمدينة قرى كثيرة، ولم ينقل عنه أنه أمر أهلها بالجمعة.
واختلف في المصر الذي تجوز فيه الجمعة عندهم، فعن أبي يوسف: كل موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم وفي التبايع عادة، وبه فقيه يفتي وقاض يقيم الحدود. وعنه: إن بلغ سكانه عشرة آلاف، وقيل: عشرة آلاف مقاتل.
وقيل: بحيث لو قصدهم عدو أمكنهم دفعه. وقيل: كل موضع فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود (٣).
قال في «المحيط»: وبه نأخذ، وهو ظاهر الرواية. وقيل: أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم. وقيل: أن تكون مجال يعيش

---------------
(١) «أحكام القرآن» ٥/ ٣٣٧.
(٢) «الأوسط» ٤/ ٢٦ - ٢٧ (١٧٤٧).
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، «تبيين الحقائق» ١/ ٢١٧.



فيها كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى.
وعن محمد: كل موضع مصره الإمام فهو مصر، حتى لو بعث إلى قرية نائبًا؛ لإقامة الحدود والقصاص تصير مصرًا، وإذا عزله ودعاه يلحق بالقرى (١).
يؤيد هذا أن عثمان بن عفان أرسل عبدًا أسود إلى الربذة، فكان أبو ذر يصلي خلفه (٢)، وكذا غيره من الصحابة الجمعة وغيرها. ولا جمعة في المغارة والبراري إجماعًا إلا عند الظاهرية.
ذكر ابن حزم أنه - ﷺ - صلى الجمعة بعرفات قال: إنه لا خلاف؛ لأنه - ﷺ - خطب وصلى ركعتين وهذِه صفة صلاة الجمعة. ولا روى أحد أنه ما جهر فيها، وعنده: لو صلى المعذور بامرأته صلاهما ركعتين، وكذا النساء في جماعة (٣).
وفي «التحفة» من كتب الحنفية: إن فعلها يكون على وجه الشهرة، حتى أن أميرًا لو جمع جنده في الحصين وغلق بابه، ولم يأذن بالدخول فيه للعامة جازت (٤).
وفي «المحيط»: الأداء على سبيل الاشتهار شرط حتى لو أغلق الأمير باب قصره وصلى فيه بجنده لا يجوز، وإن فتح باب قصره وأذن للناس في الدخول جاز ويكره (٥).
استدل من أجاز الجمعة في القرى بالحديث الذي أورده البخاري في

-------------
(١) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٤٩.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠ (٦٠٩٩ - ٦١٠١) كتاب: الصلوات. باب: إمامة العبد.
(٣) «المحلى» ٥/ ٥٠، ٥٥.
(٤) «تحفة الفقهاء» ٢/ ١٦٢.
(٥) «المحيط» ٢/ ٤٦٤.



الباب، وبما رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي، وصححه ابن خزيمة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك -وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره- عن أبيه أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت (١) من حرة بني بياضة في نقيع يعرف بنقيع الخضمات (٢).
وللبيهقي في «سننه»: كان أسعد أول من جمع بالمدينة قبل مقدم رسول الله - ﷺ -، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا (٣).
وللبيهقي في «المعرفة»: قال الزهري: لما بعث رسول الله - ﷺ - مصعب بن عمير إلى المدينة؛ ليقرئهم القرآن جمع بهم وهم اثنا عشر رجلًا، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله - ﷺ -. قال البيهقي: يريد: الاثنى عشر النقباء الذين

---------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: هزم الأرض ما تَهزَّم منها، أي: تكسر وتشقق وهو بفتح الهاء وإسكان الزاي، قال أبو عبيد البكري: وقد روى سعيد في هرم بني بياضة بالراء، والنبيت بفتح النون ثم باء موحدة مكسورة وسكون المثناة تحت ثم تاء مثناة باثنتين فوق. قال البكري: جبل بصدر قناة على بريد من المدينة.
(٢) رواه أبو داود (١٠٦٩)، ابن ماجه (١٠٨٢)، ابن خزيمة ٣/ ١١٢ - ١١٣ (١٧٢٤)، البيهقي ٣/ ١٧٧. قال البيهقي: حديث حسن الإسناد صحيح.
وصححه الحاكم ١/ ٢٨١ على شرط مسلم، ووافقه المصنف. رحمه الله في «البدر المنير» ٤/ ٦٠٠ ونقل عن البيهقي أنه قال في «الخلافيات»: رواته كلهم ثقات.
وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٥٦: إسناده حسن. وقال في «الدراية» ١/ ٢١٥: رجاله ثقات.
وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٨٠).
(٣) «السنن الكبرى» ٣/ ١٧٧، كتاب: الجمعة، باب: العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم الجمعة.



خرجوا به إلى المدينة وكانوا له ظهرًا (١).
وفي حديث كعب: جمع بهم أسعد وهم أربعون. وهو يريد جميع من صلى معه ممن أسلم، من أهل المدينة مع النقباء، وأيضًا فقول كعب متصل، وقول الزهري منقطع.
وفي «مغازي موسى بن عقبة» وابن إسحاق أنه - ﷺ - حين ركب من بني عمرو بن عوف إلى المدينة مر على بني سالم -وهي قرية بين قباء والمدينة- فأدركته الجمعة، فصلى بهم الجمعة، فكانت أول جمعة صلاها حين قدم (٢)، ولم أجد فيها ذكر عدد من صلى بهم.
وفي «سنن سعيد بن منصور» عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب من البحرين يسألونه عن الجمعة، فكتب إليهم: اجتمعوا حيثما كنتم (٣). ورواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ جيد بلفظ: جمعوا (٤). وفي «المعرفة» للبيهقي أن أبا هريرة هو السائل، وحسن سنده (٥). وعند الدارقطني -بإسنادِ ضعيف- عن أم عبد الله الدوسية مرفوعًا: «الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة» (٦)

-------------
(١) «معرفة»السنن«٤/ ٣١٩ (٦٣١٥).
(٢) انظر:»سيرة ابن هشام«٢/ ١١٢.
(٣) رواه البيهقي في»معرفة السنن«٤/ ٣٢٣ (٦٣٣٤) كتاب: الجمعة، باب: العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم الجمعة.
(٤)»المصنف«١/ ٤٤٠ (٥٠٦٨) كتاب: الصلوات.
(٥)»المعرفة«٤/ ٣١٩.
(٦)»سنن الدارقطني" ٢/ ٧. ورواه أيضًا البيهقي ٣/ ١٧٩ من طريق معاوية بن يحيى عن معاوية بن سعيد التجيبي عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية، مرفوعًا به.
قال الدارقطني: لا يصح هذا عن الزهري.
ورواه الدارقطني ٢/ ٨ من طريق الوليد بن محمد الموقدي عن الزهري، به.
وقال: الوليد بن محمد الموقدي متروك ولا يصح هذا عن الزهري، كل من رواه =



زاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي - ﷺ - ثلاثة. وعن مالك -فيما ذكره في «المصنف»- قال: كان أصحاب محمد - ﷺ - في هذِه المياه بين مكة والمدينة يجمعون (١).
واستدل المانع بقول علي - رضي الله عنه -: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصرٍ جامعٍ. رواه ابن أبي شيبة بإسناد جيدٍ، وفي رواية: ولا صلاة فطرٍ ولا أضحى إلا في مصرٍ جامع أو مدينة عظيمة (٢).
قال ابن حزم: صح ذلك عن علي (٣). وأما النووي فقال: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهو موقوف عليه بإسناد ضعيف منقطع (٤).

---------------
= عنه متروك. ورواه الدارقطني ٢/ ٩ من طريق مسلمة بن علي عن محمد بن مطرف.
والبيهقي ٣/ ١٧٩ من طريق معاوية بن يحيى عن معاوية بن سعيد التجيبي.
كلاهما عن الحكم بن عبد الله عن الزهري، به.
قال الدارقطني: الزهري لا يصح سماعه من الدوسية. والحكم هذا متروك. وكذا قال البيهقي.
والحديث ضعفه النووي في «الخلاصة» ٢/ ٧٧٠ (٢٦٩٢) والمصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٤/ ٥٩٨.
وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٥٧: حديث منقطع. وقال في «الدراية»١/ ٢١٦: إسنادة واه جدًا.
وقال الألباني في «الضعيفة» (١٢٠٤): موضوع.
والحديث ذكره عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام» ٢/ ١٠٤ وقال: ولا يصح في عدد الجمعة شيء.
(١) «المصنف» ١/ ٤٤٠ (٥٠٧١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها.
(٢) انظر: «المصنف» ١/ ٣٤٩ (٥٠٥٩) كتاب الصلوات، باب من قال: لا جمعة ولا تشريق
(٣) انظر: «المحلى» ٥/ ٥٢.
(٤) انظر «المجموع» ٤/ ٣٧٣.



ويقويه قول إمامه الشافعي - رضي الله عنه -: ذكر بعض الناس أنه لا تجوز الجمعة إلا في مصر جامع. وذكر فيه شيئًا ضعيفًا، واستدل أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة، إنما الجمعة على أهل الأمصار مثل المدائن (١).
وزعم أبو زيد في «الأسرار» أن محمد بن الحسن قال: رواه مرفوعًا معاذ وسراقة بن مالك.
وروى ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام، عن عمر بن عامر، عن
حماد، عن إبراهيم، عن حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة (٢).
وللترمذي مضعفًا من حديث ثُوَيْر، عن رجلٍ من أهل قباء، عن أبيه -وكان له صحبة- قال: أمرنا النبي - ﷺ - أن نشهد الجمعة من قباء (٣).
ولابن ماجه بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كان أهل قباء يجمعون مع رسول الله - ﷺ - (٤). وعن أبي هريرة رفعه: «الجمعة على من سمع النداء» (٥) أنكره أحمد إنكارًا شديدًا، ولم يعده شيئًا.

------------
(١) انظر: «المصنف» ١/ ٤٣٩ (٥٠٦٠) كتاب: الصلوات، باب: من قال: لا جمعة ولا تشريق …
(٢) انظر التخريج السابق
(٣) «سنن الترمذي» (٥٠١) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء من كم تؤتى الجمعة.
وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ولا يصح في هذا الباب شيء.
وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
(٤) «سنن ابن ماجه» (١١٢٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء من أين تؤتى الجمعة. لكن ضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٣٢).
(٥) رواه أبو داود (١٠٥٦). والدارقطني ٢/ ٦، والبيهقي ٣/ ١٧٣ من طريق قبيصة، عن سفيان، عن محمد بن سعيد الطائفي عن أبي سلمة بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عمرو -لا عن أبي هريرة- مرفوعًا به. =



وللحاكم عنه مرفوعًا: «عسى أحدكم أن يتخذ الصبة (١) من الغنم فينزل بها على ميلين أو ثلاثة من المدينة فتأتي الجمعة فلا يجمع، فيطبع على قلبه» (٢) أعله ابن عدي بمعدي بن سليمان (٣).
وفي «الصحيح» عن عائشة: كانوا ينتابون الجمعة من العوالي ومن منازلهم (٤). وأقرب العوالي ثلاثة أميال.

-------------
= وأشار أبو داود أن جماعة رووا والحديث فوقفوه على عبد الله بن عمرو- وأنه لم يرفعه إلا قبيصة.
وذكر البيهقي كلام أبي داود هذا، وقال: وقبيصة من الثقات ووثقه أيضًا النووي في «الخلاصة» (٢٧٦٢).
وصحح عبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» ٢/ ١٠٢ وقفه.
وانظر: «صحيح أبي داود» (٩٦٦).
والحديث رواه الدارقطني ٢/ ٦، والبيهقي ٣/ ١٧٣ من طريق زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، به.
قال النووي في «الخلاصة» (٢٦٧٤)، والحافظ ابن كثير في «إرشاد الفقية» ١/ ١٩١، والمصنف في «البدر المنير» ٤/ ٦٤٥: إسناده جيد.
والحديث من طريقيه حسنه الألباني في «الإرواء» (٩٣٥) وأما حديث أبي هريرة الذي أنكره الإمام أحمد فهو عند الترمذي (٥٠٢) بلفظ: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله».
وقال النوي في «المجموع» ٤/ ٣٥٥: حديث ضعيف جدًّا.
وضعفه أيضًا في «الخلاصة» ٢/ ٧٦٥ (٢١٦٧٦).
(١) ورد بهامش الأصل: الصبة السرية من الخيل والإبل والغنم أو ما بين العشرة إلى الأربعين أو هي من الإبل ما دون المائة والجماعة من الناس والقليل من المال والبقية من الماء واللبن.
(٢) «المستدرك» ١/ ٢٩٢ كتاب: الجمعة، باب: التشديد على التخلف.
(٣) «الكامل» ٤/ ٢٠ (٦٤٩). وأيضًا أنكر حديثه أبو زرعة والبخاري وذكره ابن حبان وابن الجوزي في الضعفاء وكذلك ابن حجر.
(٤) رواه مسلم (٨٤٧) كتاب: الجمعه، باب: وجوب غسل الجمعه على كل بالغ.



وفي «المصنف»: حَدثَنَا وكيع عن أبي البختري قال: رأيت أنسًا شهد الجمعة بالزاوية، وهي على فرسخين من البصرة (١). وحَدَّثَنَا أزهر، عن ابن عون قال: كان أبو المليح عاملًا على الأيلة، فكانت إذا أتت الجمعة جمع فيها (٢).
وعن الزهري أنهم كانوا يشهدون الجمعة مع رسول الله - ﷺ - من ذي الحليفة (٣).
وكان ابن عمرو يشهد الجمعة في الطائف، وهو في قرية يقال لها: الوهط (٤). على رأس ثلاثة أميال. رواه عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه عنه (٥).
وجه الدلالة من هذِه الآثار أن الجمعة لو أقيمت في القرى لما احتاجوا أن يأتوا إليها من مسيرة أميال، وقد يجاب بأنهم إنما أتوا؛ لينالوا فضل الصلاة خلفه عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه لا يعادلها شيء.

------------
(١) «المصنف» ١/ ٤٤٠ (٥٠٧٦) كتاب: الصلوات، باب: من كم تؤتى الجمعة؟
والزاوية: موضع قرب البصرة كانت به الواقعة الشهيرة بين الحجاج وعبد الرحمن ابن محمد بن الأشعت، قتل فيها خلق كثير من الفريقين وذلك سنة ٨٣ هـ انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٦٩٣ و«معجم البلدان» ٣/ ١٢٨.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٤٠ (٥٠٧٧).
(٣) «المصنف» ١/ ٤٤١ (٥٠٨٨).
(٤) الوهط: بفتح أوله وسكون ثانية وطاء مهملة، وهو المكان المطمئن المستوي ينبت العضاه والسمر والطلح، وقيل: إن الوهط قرية بالطائف على ثلاثة أمثال من وجّ كانت لعمرو بن العاص.
انظر: «معجم ما استعجم» ٤/ ١٣٨٤. و«معجم البلدان» ٥/ ٣٨٦.
(٥) «المصنف» ١/ ٤٤١ - ٤٤٢ (٥٠٩٣).



وأجابوا عن حديث الباب بأن المراد بالقرية: المدينة. كما سلف.
والمدائن تسمى قرى. قال تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣١] يعني: مكة والطائف. وقال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقال: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]
والجواب:
أن العرف غيره، ويبعد أن يقال: أنه - ﷺ - لم يعلم؛ لأنها ثاني جمعة في الإسلام.
وأجابوا عن حديث أسعد بأن ذلك كان قبل مقدم رسول الله - ﷺ -، فلم يكن بإذنه ولا أمرهم عليه.
وادعى بعضهم أن الظاهر أن أسعد لم يجمع بهم إلا بعده - ﷺ -، أما في زمانه فلم تقم جمعة إلا في مسجده، وهو عجيب، فالنص أنه كان قبل قدومه، كما سلف، وأسعد مات في السنة الأولى قبل بدر.
الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا عَبْدُ اللهِ، أنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخبرني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عن أبيه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ». وَزَادَ اللَّيْثُ: قَالَ يُونُسُ: كَتَبَ رُزيقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابن شِهَابٍ -وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرى-: هَلْ تَرى أَنْ أُجَمِّعَ؟ وَرُزيقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزيقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابن شِهَابٍ -وَأَنَا أَسْمَعُ- يَأُمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حدَّثهُ أَنَّ ابن عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كلُّكُمْ رَاعٍ» … الحديث بطوله.


الشرح:
حديث: «كلكم راع» أخرجاه (١)، والبخاري اختصره مرة، وطوله في مواضع، وأخرجه مسلم في المغازي (٢) (٣)، وفي إسناده عبد الله ابن وهب. خبَّرني رجل سماه، وعمرو بن الحارث. وهذا الرجل هو: عبد الله بن لهيعة، كما بينه أبو عبد الرحمن الإسفراييني.
وطريق الليث ذكرناها، وقد روى الليث حديث: «كلكم راع» بغير هذِه القصة، عن نافع، عن ابن عمر، وهو في مسلم.
ورواه البخاري أيضًا في النكاح، ويأتي إن شاء الله تعالى عن عبد الله ابن عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، وقد رواه عن ابن عمر نافع وغيره أيضًا، وعن الزهري شعيب أيضًا، ويونس. رواه عنه عبد الله -وهو ابن المبارك- وعبد الله بن وهب.
وشيخ البخاري: بشر بن محمد، مروزي، من أفراد البخاري، ذكره ابن حبان في «ثقاته» وقال: كان مرجئًا، (٤) مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٥).

--------------
(١) سيأتي برقم (٢٤٠٩) كتاب: الاستقراض، باب: العبد راع في مال سيده. و(٢٥٥٤) كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول و(٢٥٥٨) باب: العبد راع في مال سيده و(٢٧٥١) كتاب: الوصايا، باب: تأويل قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ و(٥١٨٨) كتاب: النكاح، باب: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. وغيرها.
(٢) «صحيح مسلم» (١٨٢٩) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل.
(٣) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: وفي الخراج والعتق. والترمذي في الجهاد وصححه، والنسائي في عشرة النساء وغيره. وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وأبي موسى، وهما غير محفوظين.
(٤) «ثقات ابن حبان» ٨/ ١٤٤.
(٥) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٨٤ (١٧٧٢). و«تهذيب الكمال» ٤/ ١٤٥ =



إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
رُزيق. بتقديم الراء المضمومة على الزاي. وحُكيم بضم الحاء مصغرًا كما قيده ابن ماكولا (١) وهو أبو حُكيم بضم الحاء أيضًا الفزاري، مولى بني فزارة الأيلي -بفتح الهمزة ثم مثناة تحت والي أيلة لعمر بن عبد العزيز، وقال ابن الحذاء: كان حاكمًا بالمدينة، قال ابن ماكولا: كان عبدًا صالحًا. وقال النسائي: ثقة، وأخرج له في «سننه». وقال علي بن المديني: حَدَّثَنَا سفيان مرة: رزيق بن حكيم، أو حكيم، وكثيرًا ما كان يقول: ابن حكيم بالفتح، والصواب الضم (٢).
ثانيها:
وادي القرى من أعمال المدينة، وقال ابن السمعاني: وادي القرى: مدينة بالحجاز مما يلي الشام، وفتحها عليه أفضل الصلاة والسلام في جمادى الآخرة سنة سبع من الهجرة لما انصرف من خيبر بعد أن امتنع أهلها وقاتلوا، وذكر بعضهم أنه - ﷺ - قاتل فيها، ولما فتحها عنوة قسم أموالها، وترك الأرض والنخل في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، وأقام بها أربع ليال (٣).

-------------
= (٧٠٥). و«تقريب التهذيب» (٧٠١).
(١) «الإكمال» ٢/ ٤٨٦.
(٢) وثقة ابن سعد وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال ابن حجر: ثقة من السادسة.
انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٥٢. و«الجرح والتعديل» ٣/ ٥٠٤ (٢٢٨٥). و«تهذيب الكمال» ٩/ ١٧٩ (١٩٠٤). و«التقريب» (١٩٣٥).
(٣) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٣٤٥.



ثالثها:
أيلة -بفتح الأول- على وزن فعلة: مدينة على شاطئ البحر في منتصفج ما بين مصر ومكة، كذا ذكر أبو عبيد (١)، والمشاهدة تدفعه.
وقال ابن قرقول: مدينة بالشام. وقال السمعاني: بلدة على ساحل بحر القلزم مما يلي مصر. قال البكري: وسميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم، قال: وقد روي أن أيلة هي القرية التي كانت حاضرة البحر، قال: وبتبوك ورد صاحب أيلة على رسول الله - ﷺ -، وأعطاه الجزية.
وقال محمد بن حبيب وقد أنشد قول كثير عزة:
رأيت وأصحابي بأيلة مَوْهِنا … أيلة من رضوى وهو جبل ينبع.
وقال اليعقوبي: أيلة مدينة جليلة على شاطئ البحر المالح، وبها يجتمع الحجاج، ومن القلزم إلى أيلة ست مراحل (٢).
رابعها:
إيراد البخاري هذا الحديث؛ لأجل أن أيلة إما مدينة أو قرية كما سلف، وقد ترجم لهما، والظاهر أن رزيق بن حكيم لما سأل عن الأرض التي فيها السودان، وأقل ذلك أنها تكون قرية صغيرة؛ لأن أيلة بلدة مشهورة كما سلف، ومثلها ممتنع ألا تقام الجمعة فيها قبل ذلك. وجواب الزهري له بقوله: «كلكم راعٍ» معناه: أنه يجب عليك أن تقيم فيهم الأحكام الشرعية؛ لأنه كان واليًا عليهم، فهم رعيته، وإقامتها من الأحكام الشرعية التي يجب إقامتها.

--------
(١) «معجم ما استعجم» ١/ ٢١٦.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢١٦ - ٢١٧. «معجم البلدان» ١/ ٢٩٢. «اللباب» لابن الأثير ١/ ٩٨.



خامسها:
الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نظره، فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته، فإن وفى ما عليه من الرعاية؛ حصل له الحظ الأوفر، والأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل أحدٍ من رعيته بحقه.
وقال الخطابي: الرعاية: حسن التعهد للشيء، وقد اشتركوا في التسمية على سبيل التسوية، ثم معانيهم مختلفة، فرعاية حياطة الشريعة: إقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله: السياسة لأمرهم وتوفية الحق في النفقة والعشرة، ورعاية المرأة: حسن التدبير في بيته، والنصح له، ورعاية الخادم لسيده: حفظ ما في يده من ماله، والقيام مما يستحق من خدمته.
قال: وقد استدل ابن شهاب من هذا الحديث على أن للسيد إقامة الحد على مماليكه، قال: وفي الحديث دليل على إقامة الجمعة بغير سلطان (١). وفيه نظر كما أبداه ابن التين.
وقد قال ابن بطال: فيه حجة للكوفيين على أن الجمعة لا تقوم إلا بالأمراء ومن أذن له الأمراء، وزعموا أن الإمامة فيها شرط؛ لأنه - ﷺ - صلى بهم يوم الجمعة، وخلفاؤه بعده (٢).
قال الخطابي: وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكَّما بينهما رجلًا نفذ حكمه إذا أصاب (٣).

------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٥٧٩ - ٥٨٠.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥٨٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #202  
قديم 31-01-2026, 10:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 447 الى صـــ 466
الحلقة (202)






وذكر المنذري عن بعضهم أنه استدل به على سقوط القطع عن المرأة إذا سرقت من مال زوجها، وعن العبد إذا سرق من مال سيده، إلا فيما حجبهما عنه، ولم يكن لهما فيه تصرف (١).
خاتمة:
قد علمت ما في اشتراط المصر من الخلاف، وجوزته الظاهرية في القرى وإن صغرت، وذكر ابن حزم عن عمر بن عبد العزيز أنه صلى بالبطحاء.
قال ابن حزم: ومن أعظم البرهان أنه - ﷺ - أتى المدينة وهي قرى صغار متفرقة: بنو مالك بن النجار، وبنو عدي بن النجار، وبنو مازن بن النجار، وبنو ساعدة، وبنو سالم، وبنو الحارث بن الخزرج، وبنو عمرو بن عوف، وبنو عبد الأشهل، كذلك وسائر بطون الأنصار، فبنى مسجده في بني مالك بن النجار وجمع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك (٢). وأثر علي قد علمت ما فيه، وهو أعلم بحال المدينة.
ومن شروطها السلطان على قول. قال ابن المنذر: مضت السنة بأن الذي يقيم الجمعة السلطان، أو من قام بها بأمره، فإذا لم يكن ذلك صلوا الظهر (٣).
وقال الحسن البصري: أربع إلى السلطان، فذكر منها الجمعة (٤)،

-------
(١) انظر «مختصر سنن أبي داود» ٤/ ١٩٢.
(٢) «المحلى» ٥/ ٥٠ - ٥١، ٥٤.
(٣) «الأوسط» ٤/ ١١٣ كتاب: الجمعة، باب: ذكر أهل القرية لا يحضرهم أو غاب الأمير فصلوا الجمعة بغير إمام.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٨٥ (١٠١٩٨) كتاب: الزكاة، باب: من قال: تدفع الزكاة إلى السلطان.



وقال حبيب بن أبي ثابت: لا تكون الجمعة إلا بأمير وخطبة (١)، وهو قول الأوزاعي، ومحمد بن مسلمة، ويحيى بن عمر المالكي (٢).
وعن مالك: إذا تقدم رجل بغير إذن الإمام لم يجزئهم (٣)، وذكر صاحب «البيان» قولًا قديمًا للشافعي أنها لا تصلح إلا خلف السلطان، أو من أذن له (٤).
وعن أبي يوسف أن لصاحب الشرطة أن يصلي بهم دون القاضي، وقيل: يصلي القاضي (٥). ورد ابن القصار على من قال باشتراط السلطان بغيرها من الصلوات؛ لأنه - ﷺ - متولي ذلك، لكن العادة جرت بحضورهما لمقامها لا أن غيره لا يجوز.
ومن شروطها الوقت، وقد اتفق أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أن وقتها وقت الظهر، وبه قال جمهور الصحابة والتابعين والمروي في غالب الأحاديث (٦).
وقال ابن العربي: اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس، ولا تجزئ قبل الزوال إلا ما روي عن أحمد أنها تجوز قبله (٧).

--------------
(١) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١١٣ كتاب: الجمعة، باب ذكر أهل القرية.
(٢) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٥٩.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٣٤.
(٤) «البيان» ٢/ ٦١٨. وقال النووي رحمه الله عقب هذا القول: وهذا شاذ ضعيف. «المجموع» ٤/ ٤٥٠.
(٥) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٥٥.
(٦) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢٤، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٨، «المعونة» ١/ ١٥٨، «عيون المجالس» ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، «الأم» ١/ ١٧٢، «الأوسط» ٢/ ٣٥٠.
(٧) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٢٩٢.



ونقله ابن المنذر عن عطاء وإسحاق (١) والماوردي عن ابن عباس في السادسة (٢)، وفي «المصنف»: كان سعد بن أبي وقاص يقيل بعد الجمعة، وعن سهل بن سعد: كنا نتغدى ونقيل بعد الجمعة. وعن سعد الأنصاري قال: كنا نُجمع مع عثمان ثم نرجع فنقيل. وكذا قاله أنس وابن عمر، وحُكي عن عمر وأبي وائل، وسويد بن غفلة، وابن مسعود، وأبي سلمة، وابن أبي الهذيل.
وقال مجاهد: ما كان للناس عيد إلا أول النهار، وقال عطاء: كان من قبلكم يصلون الجمعة وإن ظِلَّ الكعبة كما هو. وعن عبد الله بن سلمة: صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى وقال: خشيت عليكم الحر (٣).
وعبد الله هذا تغير في آخر عمره (٤). ويشبه أن يكون غير محفوظ كما قاله ابن الأثير (٥)، وعن سويد بن سعيد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى (٦).

----------------
(١) «الأوسط» ٤/ ٩١ - ٩٢ كتاب: الجمعة، باب: ذكر الصلاة نصف النهار يوم الجمعة.
(٢) «الحاوي» ٢/ ٤٢٨.
(٣) «المصنف» ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥ (٥١٢١ - ٥١٣٤) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقيل بعد الجمعة ويقول: هي أول النهار.
(٤) هو عبد الله بن سلمة -بكسر اللام- المرادي الكوفي. قال العجلي: كوفي، تابعي، ثقة، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال أبو حاتم: تعرف وتنكر. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن حجر: صدوق تغير حفظه.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٩٩ (٢٨٥). و«الجرح والتعديل» ٥/ ٧٣ (٣٤٥). و«الكامل» لابن عدي ٥/ ٢٧٩ (٩٨٩). و«تهذيب الكمال» ١٥/ ٥٠ (٣٣١٣). و«التقريب» (٣٣٦٤).
(٥) «أسد الغابة» ٣/ ٢٦٦.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٥ (٥١٣٥).



قال ابن قدامة: والمذهب جوازها في وقت صلاة العيد، والصحيح عنه أن وقتها من عن صلاة العيد إلى آخر وقت الظهر (١)، ويأتي مزيد للمسألة في باب: وقت الجمعة إن شاء الله تعالى.
ومن شروطها الخطبة أيضًا، وهي شرط لصحتها كما ستعلمه في بابه.
وشرطها الوقت، فلو خطب قبله وصلى بعده فلا إجزاء وتعاد، وقال مالك: يعيدون الجمعة بخطبة ما لم تغرب. زاد سحنون: ويعيدون الظهر أفرادًا أبدًا، وهو قول جمهور الفقهاء، وانفرد أحمد من الأربعة فقال: يُؤذَّنُ لها وتصلى بعد الزوال (٢).
ومن شروطها عند مالك: الجامع (٣). وعندنا: أن تقام في خطة أبنية أوطان المجتمعين (٤).
ومن شرطها عند الحنفية: فعلها على وجه الشهرة وقد سلف.
ومن شرطها: الجماعة، وقد قام الإجماع على عدم صحتها من المنفرد، وانفرد القاشاني أنها تنعقد بواحد، ولا يعتد بخلافه (٥).
وحكى ابن حزم عن بعضهم: أنها ركعتان للفذ والجماعة، وقال:

---------------
(١) «الكافي» ١/ ٤٨٠ - ٤٨١.
(٢) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢٤، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٨، «المعونة» ١/ ١٥٨، «عيون المجالس» ١/ ٤٠٢، ٤٠٣، «الأم» ١/ ١٧٢، «الأوسط» ٢/ ٣٥٠.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٣٥.
(٤) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٤.
(٥) قال النووي رحمه الله: وحكى الدارمي عن القاشانى أنها تنعقد بواحد منفرد، والقاشانى لا يعتد به في الإجماع. «المجموع» ٤/ ٣٧١، وحكاه صاحب «البحر الزخار» ٣/ ١٨ عن الحسن بن صالح. «نيل الأوطار» ٢/ ٤٩٥.



إنه خطأ؛ لأن الجمعة اسم إسلامي سمي بذلك؛ لاجتماع الناس فيه للصلاة، اسمًا مأخوذًا من الجمع؛ فلا تكون صلاة الجمعة إلا في جماعة (١).
وحكاه القرطبي عن الظاهرية أنها تلزم المنفرد، وهي ظهر ذلك اليوم عنده لكل أحد (٢).
واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة ولا تنعقد بدونه على ثلاثة عشر قولًا:
أحدها: لا جمعة إلا بأربعين رجلًا فصاعدًا، قاله أبو هريرة والشافعي للاتباع، ففي الدارقطني عن جابر بن عبد الله: مضت السنة في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطر (٣). وفيه ضعف.
وقال عبيد الله بن عبد الله: كل قرية فيها أربعون رجلًا فعليهم الجمعة (٤)، وفيه إبراهيم بن محمد وحاله معروف.

---------------
(١) «المحلى» ٥/ ٤٥.
(٢) «المفهم» ٢/ ٤٩٩.
(٣) الدارقطني ٢/ ٣ - ٤ وراه أيضًا البيهقي ٣/ ١٧٧ وضعفه وضعفه أيضًا في «المعرفة» ٤/ ٣٢٣ وقال: لا ينبغي أن يحتج به. وضعفه المصنف في «البدر المنير» ٤/ ٥٩٥ قال: ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ونقل عن البيهقي أنه قال في «الخلافيات»: لا أراه يصح.
وضعفه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام» ٢/ ١٠٤. وضعفه النووي في «المجموع» ٤/ ٣٦٨ وفي «الخلاصة» ٢/ ٧٦٩ (٢٦٩٠ - ٢٦٩١)، وكذا الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ١/ ١٩٤.
وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢١٦: إسناده ضعيف وقال الألباني في «الإرواء» (٦٠٣): ضعيف جدًا.
(٤) رواه الشافعي في «مسنده» ١/ ١٣٠ - ١٣١ (٣٨٦).
والبيهقي ٣/ ١٧٧ - ١٧٨ كتاب: الجمعة.



وقال سليمان بن موسى: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المياه: جمعوا إذا بلغتم أربعين رجلًا. رواه الشافعي عن الثقة عبدة (١).
وقد سلف حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك فيه، وهو أقل عدد ثبت فيه التوقيف، والجمعة خصت بمزيد تعبد ولم يثبت غيره، فليقتصر عليه، وادعى المزني أنه لا يصح عند أصحاب الحديث ما احتج به الشافعي من أنه - ﷺ - حين قدم المدينة جمع أربعين رجلًا (٢)؛ لأنه معلوم أنه قدم المدينة وقد تكاثر المسلمون وتوافروا، فيجوز أن يكون جمع في موضع نزوله قبل دخوله نفس المدينة فاتفق له أربعون رجلًا.
ثانيها: بخمسين رجلًا فصاعدًا، قاله عمر بن عبد العزيز (٣)، وهو
رواية عن أحمد (٤)، وفي الدارقطني من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «في الخمسين جمعة، وليس فيما دون ذلك» وفيه من تكلم فيه (٥).
ثالثها: ثلاثين رجلًا حكاه ابن حبيب عن مالك، وحكى مطرف عنه ثلاثون رجلًا وما قاربهم، ولابن الماجشون عنه مثله (٦)، وحكى ابن حزم عنه خمسون رجلًا (٧)، وقال ابن التين المالكي: ليس لعدده حد محصور، ثم حكى بعد عنه ما حكيناه عن مطرف.

---------------
(١) رواه البيهقي من طريق الشافعي ٣/ ١٧٨ كتاب: الجمعة.
وفي «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٣٢١ (٦٣٢٣).
(٢) انظر: «الحاوي» ٢/ ٤١٠.
(٣) رواه البيهقي ٣/ ١٧٨ كتاب: الجمعة، باب: العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت.
(٤) انظر: «المغني» ٣/ ٢٠٤، «الفروع» ٢/ ٩٨.
(٥) «سنن الدارقطني» ٢/ ٤ كتاب: الجمعة، باب: ذكر العدد في الجمعة.
وقال: جعفر بن الزبير متروك.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥١، «الاستذكار» ٢/ ٥٨.
(٧) «المحلى» ٥/ ٤٦.



رابعها: بعشرين رجلًا (١).
خامسها: بسبعة رجال لا أقل، حكي عن علي ولا دليل لهما.
سادسها: قاله أبو حنيفة والليث وزفر ومحمد بن الحسن: إذا كان ثلاثة رجال والإمام رابعهم صلوا جمعة، ولا تكون بأقل، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وأبي ثور، واختاره المزني، وهو أحد قولي الثوري.
سابعها: قاله الحسن البصري: تنعقد برجلين والإمام ثالثهم، وهو قول سفيان الثوري الآخر، ورواية عن أحمد، وقول أبي يوسف، وحكي عن أبي ثور أيضًا (٢).
وحديث أم عبد الله الدوسية مرفوعًا: «الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة» وفي لفظ: «ثلاثة» (٣) ضعيف.

-------------
(١) «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥٢.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٣٠، «أحكام القرآن» للجصاص ٥/ ٣٤١، «الحاوي» ٢/ ٤٠٩.
وقد حكي قولًا قديمًا للشافعي. انظر: «البيان» ٢/ ٥٦١، «روضة الطالبين» ٢/ ٧، «فتح الباري» لابن رجب ٨/ ٩٣٦.
وقال النووي رحمه الله:
ونقل ابن القاص في «التلخيص» قولا الشافعي قديما أنها تنعقد بثلاثة: إمام ومأمومين، هكذا حكاه عن الأصحاب، والذى هو موجود في التلخيص ثلاثة مع الإمام، ثم إن هذا القول الذي حكاه غريب أنكره جمهور الأصحاب وغلطوه فيه.
قال القفال في شرح «التلخيص»: هذا القول غلط لم يذكره الشافعي قط ولا أعرفه، وإنما هو مذهب أبي حنيفة. وقال الشيخ أبو علي السنجي في شرح «التلخيص»: أنكر عامة أصحابنا هذا القول وقالوا: لا يعرف هذا للشافعى. قال: ومنهم من سلم نقله. «المجموع» ٤/ ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٣) تقدم تخريجه.



ثامنها: بواحد مع الإمام، قاله النخعي والحسن بن حي وداود وأتباعه، ومنهم ابن حزم (١).
تاسعها: باثني عشر رجلًا، قاله ربيعة (٢) وكأنه استدل بحديث جابر في قصة العير وتفرقهم عن النبي - ﷺ - حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلًا، أخرجاه في الصحيحين (٣) ولا دلالة فيه، وقد روي: فلم يبق إلا أربعون (٤). لكن الأول أصح، قال ابن مسعود: فقال - ﷺ -: «لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد؛ لسال منكم الوادي نارا» (٥) وما قيل: إن الانفضاض كان في الخطبة بعد الصلاة. أنكر.
العاشر: بثلاثة عشر رجلًا (٦).

---------------
(١) انظر: «البناية» ٣/ ٧٤، «الاستذكار» ٢/ ٥٨، «المجموع» ٤/ ٣٧٠، «فتح الباري» لابن رجب ٨/ ٣١٢، «المحلى» ٥/ ٤٧.
(٢) انظر: «البناية» ٣/ ٧٤، «حلية العلماء» ٢/ ٢٣٠، «البيان» ٢/ ٥٦١، «المغني» ٣/ ٢٠٥، «نيل الأوطار» ٢/ ٤٩٦.
وحكى الماوردي هذا القول عن الأوزاعي والزهري ومحمد بن الحسن، ولم نره لغيره. والله أعلم. «الحاوي» ٢/ ٤٠٩.
(٣) سيأتي هنا برقم (٩٣٦) باب: إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة، ورواه مسلم (٨٦٣) كتاب: الجمعة، باب: قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾.
(٤) رواه الدارقطني ٢/ ٤ كتاب: الجمعة، باب: ذكر العدد في الجمعة. والبيهقي ٣/ ١٨٢.
(٥) رواه أبو يعلى في «مسنده» ٣/ ٤٦٨ - ٤٦٩ (١٩٧٩). وابن حبان ١٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠ (٦٨٧٧) عن جابر بن عبد الله، والبيهقي في «الشعب» ٣/ ١٠٧ (٣٠١٩) فضل الجمعة عن الحسن مرسلًا.
(٦) حكاه ابن حجر عن إسحاق. «فتح الباري» ٢/ ٤٢٣، وحكاه العيني عن مالك في رواية ابن حبيب. «عمدة القاري» ٥/ ٣٤٢.



الحادي عشر: بأربعين من الموالي، حكاه ابن شداد عن عمر بن عبد العزيز (١).
الثاني عشر: بثمانين، حكاه المازري (٢).
الثالث عشر: بمائتين (٣)، حكاه عياض (٤)، فإنه لما حكى رواية خمسين قال: وقال غيره: يشترط لانعقادها مائتين، كذا حكاه وهو غريب، ولا أبعد تصحيفه بثمانين، وفي «معرفة الصحابة» لأبي نعيم من حديث عبد العزيز بن سعيد، عن أبيه قال: سئل النبي - ﷺ - عن خمسة نفرٍ كانوا في سفرٍ فخطب بهم رجل منهم يوم الجمعة، ثم صلى بهم. فلم يعب النبي - ﷺ - عليهم (٥).
وأكثر هذِه الأقوال دعوى بلا دليل، وإنما بعضها حالٌ وقع ولا يلزم منه التحديد، يدل على ما سقناه الآن من رواية الخمسة (٦).

---------------
(١) انظر: «البناية» ٣/ ٧٤، «عمدة القاري» ٥/ ٣٤٢.
(٢) في الأصل: الماوردي والمثبت من «البناية» ٣/ ٧٤، «عمدة القاري» ٥/ ٣٤٢، «فتح الباري» لابن حجر ٢/ ٤٢٣، «نيل الأوطار» ٢/ ٤٩٦.
(٣) وهو مروي عن أبي هريرة كما قال ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢/ ٥٨.
(٤) «إكمال المعلم» ٣/ ٢٦٠.
(٥) «معرفة الصحابة» ٣/ ١٣٠٤ (٣٢٧٢).
(٦) بهامش الأصل: ثم بلغ في الثاني بعد الثمانين. كتبه مؤلفه، آخر ٣ من ٤ من تجزئة المصنف.



١٢ - باب هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ غُسْلٌ
مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيرهِمْ؟
٨٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». [انظر: ٨٧٧ - مسلم: ٨٤٤ - فتح: ٢/ ٣٨٢]

٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». [انظر: ٨٥٨ - مسلم: ٨٤٦ - فتح: ٢/ ٣٨٢]

٨٩٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللهُ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى». فَسَكَتَ. [انظر: ٢٣٨ - مسلم: ٨٥٥ - فتح: ٢/ ٨٣٢]

٨٩٧ - ثُمَّ قَالَ: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ». [٨٩٨، ٣٤٨٧ - مسلم: ٨٤٩ - فتح: ٢/ ٣٨٢]

٨٩٨ - رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لله تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا». [انظر: ٨٩٧ - مسلم: ٨٤٩ - فتح: ٢/ ٣٨٢]

٨٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسَاجِدِ». [انظر: ٨٦٥ - مسلم: ٤٤٢ - فتح ٢/ ٣٨٢]

٩٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالعِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ


فِي المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ؟ قَالَتْ وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ». [٨٦٥ - مسلم: ٤٤٢ - فتح: ٢/ ٣٨٢]
ذكر فيه عن ابن عمر تعليقًا: إِنَّمَا الغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الجُمُعَةُ.
وخمسة أحاديث:
أحدها:
حديث سالم عن أبيه مرفوعًا: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».
وقد سلف في باب: فضل الغسل يوم الجمعة (١)، وقال الإسماعيلي: قال فيه الزبيدي ومعمر وغيرهما: عن جده، ووجه المناسبة للباب أن النساء والصبيان لا يجب عليهم المجيء للجمعة فلا غسل إذن، فإن حضروا فقد سلف الخلاف فيه.
ثانيها:
حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «غُسْلُ يَوْم الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». وقد سلف في الباب المذكور بما فيه (٢).
ثالثها:
حديث أبي هريرة: «نَحْنُ الآخِرُونَ» .. الحديث
رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ. والحديث سلف أول الجمعة (٣)، وفيه هنا زيادة، وهي قوله: (فسكت، ثم قال: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما، يغسل فيه رأسه وجسده»).

------------
(١) برقم (٨٧٧) كتاب: الجمعة.
(٢) برقم (٨٧٩) كتاب: الجمعة.
(٣) برقم (٨٧٦) باب: فرض الجمعة.



ورواية أبان فيه: «على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما» وأبان هذا ثقة حاكم بالمدينة.
والحديث قال على مطلوبية الغسل على الصبي والمرأة؛ لدخولهما في قوله: «كل مسلم» ويؤيده قول من يقول: إنه من سنة اليوم.
وأجمع أئمة الفتوى على أنه لا جمعة على النساء والصبيان (١)، وقال ابن المنير: لا خلاف أن من لم يشهدها ليست واجبة عليه؛ إذ لا يخاطب بها (٢).
رابعها:
حديث ابن عمر: «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ»
خامسها:
حديثه أيضًا. (كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح).
وفي آخره: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ».
وهو من أفراد البخاري بهذِه السياقة، وشيخ البخاري: يوسف بن موسى وهو القطان، لم يخرج له مسلم، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
ووجه المناسبة أنهن إذا لم يمنعهن ليلًا منعهن نهارًا، والجمعة نهارية، ولم يأذن فيها أيضًا.
والحديث الآخر على إذا أرادتها، وشهود زوجة عمر العشاء والصبح قال على أن الصحابة فهمت الإذن بالليل والغلس فقط، على ما بوب به البخاري قبل هذا، وأن الجمعة لا إذن لهن فيها، وقوله

--------------
(١) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ٤٤.
(٢) «المتواري» ص ١١٠.



في حديث أبي هريرة: «فغدًا لليهود» قال ابن التين: كذا وقع بالألف وصوابه: فغد، وأصل غد: غدو مثل يد أصلها يدي، فحذفت واو غد بغير عوض. ووقع في كلام ابن بطال أن الشافعي لا يستحب الغسل لغير المحتلمين إذا حضروا، ومشهور مذهبه ستحبابه، قال: وقوله - ﷺ -: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» يرد على من استحبه في السفر؛ لأنه شرط الغسل لشهود الجمعة، فمن لزمته اغتسل، ومن لا سقط عنه الغسل كما قاله ابن عمر (١).
------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٠.


١٤ - باب الرُّخصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الجُمُعَةَ فِي المَطَرِ
٩٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ. [انظر: ٦١٦ - مسلم: ٦٩٩ - فتح: ٢/ ٣٨٤]
ذكر فيه حديث عبد الله بن الحارث قَالَ ابن عَبَّاسٍ لِمُؤَذنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ .. الحديث.
وقد سلف في باب: الكلام في الأذان (١) وباب: هل يخطب يوم الجمعة في المطر (٢)، وقد اختلف العلماء في التخلف عن الجمعة بالمطر، فممن كان يتخلف عنها بذلك ابن سيرين وعبد الرحمن بن سمرة، وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجوا بهذا الحديث (٣)، وقالت طائفة: لا يتخلف عن الجمعة، وروى ابن نافع: قيل لمالك: أيتخلف عن الجمعة في اليوم المطير؟ قال: ما سمعت. قيل له: في الحديث: «ألا صلوا في الرحال» (٤) قال: ذلك في السفر وقد رخص في تركها بأعذار أخر غير المطر، روى ابن القاسم عن مالك أنه أجاز أن يتخلف عنها بجنازة أخ من إخوانه؛ لينظر في أمره، قال ابن حبيب عن مالك: وكذا إن كان له مريض يخشى عليه الموت (٥).

---------------
(١) سبق برقم (٦١٦) كتاب: الأذان.
(٢) برقم (٦٦٨) كتاب: الأذان.
(٣) انظر: «المغني» ٣/ ٢١٨.
(٤) قطعة من حديث سلف برقم (٦٣٢)، ورواه مسلم (٦٩٧) عن ابن عمر.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥٨.



وقد رأى ابن عمر ابنا لسعيد بن زيد ذكر له شكواه فأتاه إلى العقيق وترك الجمعة (١)، وهو مذهب عطاء والأوزاعي، وقاله الشافعي في الولد أو (٢) الوالد إذا خاف فوات نفسه، وقال عطاء: إذا استُصرخ على أبيك يوم الجمعة والإمام يخطب فقم إليه واترك الجمعة، وقال الحسن: يرخص في الجمعة للخائف (٣).
قال مالك في «الواضحة»: وليس على المريض والشيخ (٤) الفاني جمعة (٥)، وقال أبو مجلز: إذا اشتكى بطنه لا يأتي الجمعة (٦).
وقال ابن حبيب: أرخص - ﷺ - في التخلف عنها لمن شهد الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة؛ لما في رجوعه من المشقة لما أصابهم من شغل العيد، وفعله عثمان لأهل العوالي (٧)،
واختلف قول مالك فيه (٨)، والصحيح عند الشافعية: السقوط (٩).

-------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٩ (٥٥٢٤) كتاب: الصلاة، باب: من رخص في ترك الجمعة.
(٢) في الأصل: من. والمثبت من «الأم» ١/ ١٦٧.
(٣) رواهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٩ (٥٥٢٦، ٥٥٢٩).
(٤) في الأصل: الصحيح. والمثبت من «الذخيرة» ٢/ ٣٥٦.
(٥) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٥٦.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٩ (٥٥٢٧).
(٧) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٠.
(٨) روى ابن القاسم عن مالك أن ذلك غير جائز وأن الجمعة تلزمهم على كل حال.
وروى ابن وهب ومطرف وابن الماجشون عن مالك أن ذلك جائز. انظر: «المنتقى» ١/ ٣١٧، «حاشية الدسوقي» ١/ ٣٩١.
(٩) انظر: «البيان» ٢/ ٥٥٢، «روضة الطالبين» ٢/ ٧٩.



واختلف في تخلف العروس أو المجذوم (١)، حكاه ابن التين، واعتبر بعضهم شدة المطر.
واختلف عن مالك: هل عليه أن يشهدها؟ وكذا روي عنه ممن يكون مع صاحبه فيشتد مرضه لا يدع الجمعة إلا أن يكون في الموت (٢).
وقوله: (الطين والدَّحض): قال في «المطالع»: كذا للكافة، وعند القابسي بالراء، وفسره بعضهم مما يجري في البيوت من الرحاضة، وهو بعيد، إنما الرحض: الغسل، والمرحاض: خشبة يضرب بها الثوب ليغسل عند الغسل. وأما ابن التين فذكره بالراء وقال: كذا لأبي الحسن بالراء.
والدحض: بالدال، كذا في رواية أبي ذر، وهو: الزلق. ورحضت الشيء: غسلته. ومنه: المرحاض. أي: المغتسل. وما له هنا وجه إلا أن يريد أنه يشبه الأرض أصابها المطر بالمغتسل، وهو المرحاضة؛ لأنها تكون حينئذٍ زلقة (٣).

-----------
(١) قال ابن رشد رحمه الله عند حديثه عن أعذار التخلف عن الجمعة:-
ومنها ما يباح على اختلاف كالجذام، لما على الناس من الضرر في مخالطتهم في المسجد الجامع.
وقال: وفي تخلف العروس عنها اختلاف ضعيف. «مقدمات ابن رشد» ١/ ١٤٨.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥٦.
(٣) انظر: «الصحاح» ٣/ ١٠٧٥ - ١٠٧٧. و«النهاية في غريب الحديث» ٢/ ١٠٤ - ١٠٥. و«لسان العرب» ٣/ ١٣٣٥، ١٦٠٧.



١٥ - باب مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الجُمُعَةُ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ لِقَوْلِ الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة:٩]
وقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةِ جَامِعَةٍ، فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا، سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ.
وَكَانَ أَنَسٌ فِي قَصْرِهِ أَحْيَانًا يُجَمِّعُ وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ، وَهْوَ بِالزَّاوِيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ.

٩٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِى، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ، يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهْوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» [٩٠٣، ٢٠٧١ - مسلم: ٨٤٧ - فتح: ٢/ ٣٨٥]
وهذا التعليق (١) رواه ابن أبي شيبة بنحوه كما سلف في باب الجمعة في القرى. وذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: كَانَ النَاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلهِمْ وَالعَوَالِي .. الحديث.
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله في البيوع (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا عن أحمد بن عيسى بإسناده (٣).

------------
(١) رواه عبد الرزاق ٣/ ١٦٨ - ١٦٩ (٥١٧٩) كتاب: الصلاة، باب: القرى الصغار.
(٢) رقم (٢٠٧١) كتاب: البيوع، باب: كسب الرجل وعمله بيده.
(٣) رقم (٨٤٧) كتاب: الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال.



ووقع في «أطراف خلف» أنه رواه عن هارون بن عيسى، وهو غريب ولا أعلم في مشايخه من يسمى بذلك. وقال الطرقى: أخرجه مسلم عن أحمد بن عيسى وهارون الأيلي، وهو هارون بن سعيد، ولا أعلم في أجداده عيسى، ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح (١).
وشيخ البخاري: أحمد، وهو ابن عبد الله، كما ذكره أبو نعيم (٢)، ثم روى الحديث هو والإسماعيلي كطريق مسلم: أحمد بن عيسى كما سلف.
وذكر الجياني أن البخاري روى عن أحمد -يعني: غير مسمى- عن ابن وهب في: كتاب الصلاة في موضعين، وقال: حَدَّثَنَا أحمد، ثنا ابن وهب. قال: ونسبه أبو علي بن السكن في نسخة فقال: فيه أحمد بن صالح المصري.
وقال الحاكم أبو عبد الله: روى البخاري في باب الصلاة في ثلاث مواضع (٣): عن أحمد، عن ابن وهب. فقيل: إنه ابن صالح المصري.
وقيل: ابن عيسى التستري. ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما، وقد روى عنهما في «الجامع»، ونسبهما في مواضع.
وذكر أبو نصر الكلاباذي قال: قال لي أبو أحمد: -يعني: الحاكم- أحمد عن ابن وهب في «الجامع»، هو ابن أخي ابن وهب.
قال الحاكم أبو عبد الله: من قال هذا فقد وهم وغلط، دليله أن المشايخ الذين ترك البخاري الرواية عنهم في «الجامع» قد روى عنهم

---------------
(١) «سنن أبي داود» (١٠٥٥) كتاب: الصلاة، باب: من تجب عليه الجمعة.
(٢) قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٣٨٦: عن أبي نعيم في «مستخرجه» أنه ابن عيسى.
(٣) الموضع الأول حديث رقم (٤٧١)، الثاني (٦٩٨)، الثالث (٩٠٢).



في سائر مصنفاته، كأبي صالح وغيره، وليس له عن ابن أخي ابن وهب رواية في موضع، فهذا يدل على أنه لم يكتب عنه أو كتب عنه، ثم ترك الرواية عنه أصلًا (١).
وقال الكلاباذي: قال ابن منده: كلما قال البخاري في «الجامع»: حَدَّثَنَا أحمد. عن ابن وهب. فهو ابن صالح، ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب في «الصحيح»، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه (٢).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
وجه مناسبة الآية الباب ظاهر، فقوله: (وعلى من تجب). أي: إنها تجب على كل مؤمن، ومفهومه: نفيه عمن لم يؤمن.
وللوجوب شروط محل الخوض فيها كتب الفقه، وأوجبها داود على العبيد (٣)، وهو قول لمالك، والمشهور خلافه (٤)، وفيه خلاف شاذ في حق المسافر.
ثانيها: في ألفاظه:
معنى: ينتابون: يجيئون. والانتياب: المجيء يوما، والاسم: الثوب. وأصله ما كان من قريب كالفرسخ والفرسخين.
وقولها: (فيأتون في الغبار)، يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم

---------
(١) «المدخل إلى الصحيح» ٤/ ٢٤١.
(٢) «تقييد المهمل» للجياني ٣/ ٩٤٣ - ٩٤٦.
(٣) انظر: «المحلى» ٥/ ٤٩.
(٤) نَقَلَ القول بالوجوب على العبد ابن شعبان عن مالك. انظر: «الذخير» ٢/ ٣٣٨.
والمذهب على عدم وجوبها على العبد. انظر: «المدونة» ١/ ١٤٧، «التفريع» ٢/ ٣٣٨.



العرق. قال صاحب «المطالع»: كذا رواه الفربري، وحكاه الأصيلي عن النسفي، قال: وهو وهم، والصواب: فيأتون في الغبار، ويصبهم الغبار، فيخرج منهم الريح. وقال: كذا هو عند القابسي.
قلت: وهو ما شرحه النووي في «شرحه» حيث قال: فيأتون في العباء، هو بالمد جمع عباءة بالمد، وعباية بزيادة ياء لغتان مشهورتان (١).
ثالثها: في أحكامه:
اختلف العلماء في هذا الباب -أعني من كان خارج العصر- فقالت طائفة: تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله، روي ذلك عن أبي هريرة وأنس وابن عمر ومعاوية، وهو قول نافع، والحسن، وعكرمة، والحكم، والنخعي، وأبي عبد الرحمن السلمي، وعطاء، والأوزاعي، وأبي ثور، حكاه ابن المنذر عنهم بحديث أبي هريرة مرفوعًا: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله» (٢) رواه الترمذي والبيهقي وضعفاه (٣)
وعن أبي يوسف في رواية: من ثلاثة فراسخ. وأخرى: إذا كان منزله خارج المصر. وعنه: إن شهدها وأمكنه المبيت في أهله تجب. واختاره كثير من مشايخ الحنفية، وعن أبي حنيفة: تجب إذا كان يجبى خراجها مع المصر.
وفي «الذخيرة» للحنفية في ظاهر الرواية: لا يجب شهودها إلا على

------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٦/ ١٣٤.
(٢) «الأوسط» ٤/ ٣٤ - ٣٥.
(٣) «سنن الترمذي» (٥٠٢) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء من كم تؤتى الجمعة و«سنن البيهقي الكبرى» ٣/ ١٧٦ كتاب: الجمعة، باب: من أتى الجمعة من أبعد من ذلك اختيارًا وتقدم تخريجه والكلام عليه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #203  
قديم 31-01-2026, 10:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 467 الى صـــ 486
الحلقة (203)






من سكن المصر والإرباض دون السواد، سواء كان قريبًا من المصر أو بعيدًا عنها.
وعن محمد: إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة فعليه الجمعة، وهو قول مالك والليث.
وفي «منية المفتي»: على أهل السواد الجمعة إذا كان على قدر فرسخ، هو المختار. وعنه: إذا كانوا أقل من فرسخين تجب (١).
وعن معاذ بن جبل: يجب الحضور من خمسة عشر فرسخًا (٢).
وفي «المحيط» عن أبي يوسف: إذا سمع النداء. وفي المرغيناني: وقيل: منتهى صوت المؤذن. واعتبر الشافعي سماع النداء إذا بلغه بشرط علوه مع الهدوء من طرف يليه لبلد الجمعة، وبه قال ابن عمرو وابن المسيب وأحمد وإسحاق (٣).
وحكاه ابن بطال عن مالك (٤) أيضًا لحديث ابن عمرو يرفعه: «الجمعة على من سمع النداء» (٥) وروي موقوفًا أيضًا. قال البيهقي: الذي رفعه ثقة وله شواهد (٦).
قال ابن المنذر: يجب عند ابن المنكدر وربيعة [و] (٧) الزهري في

------------------
(١) انظر: «البناية» ٣/ ٤٨ - ٤٩.
(٢) ثبت عن معاذ بن جبل أنه أوجبها على من خمسة عشر ميلًا أي خمسة فراسخ. رواه عبد الرزاق ٣/ ١٦٤ (٥١٦٢) كتاب: الجمعة، باب: من يجب عليه شهود الجمعة. وانظر: «التمهيد» ١٠/ ٢٧٩.
(٣) انظر: «المجموع» ٤/ ٣٥٣، ٣٥٤، «الكافي» ١/ ٤٧٨.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٤.
(٥) سبق تخريجه في حديث (٨٩٢).
(٦) «السنن الكبرى» ٣/ ١٧٣ كتاب: الجمعة.
(٧) زيادة ليست من الأصل، مثبتة من «الأوسط» ٤/ ٣٧.



رواية: من أربعة أميال (١). وقال الزهري أيضًا: ستة أميال (٢). وحكاه ابن التين عن النخعي، وعن مالك (٣) والليث: ثلاثة أميال وقد سلف ووجهه أنها نهاية ما يبلغه النداء على ما جرت. وحكى أبو حامد عن عطاء: عشرة أميال.
واختلف أصحاب مالك: هل مراعاة ثلاثة أميال من المنار أو من طرف المدينة؟ فالأول قاله القاضي أبو محمد (٤)، والثاني قاله محمد بن عبد الحكم (٥). قال مالك: لأن بين أبعد العوالي وبين المدينة ثلاثة أميال (٦).
وسميت العوالي: لإشراف موضعها، وقال أحمد بن خلف: العوالي من طرف المدينة. وليس بصحيح. كما قال ابن التين، بل قباء من أدنى العوالي.
وفي البخاري عن أنس: وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال (٧).
ونقل ابن بطال عن الكوفيين: لا تجب إلا على أهل المصر، ومن كان خارجه فلا تجب عليه وإن سمع النداء.
وعن حذيفة: ليس على من علا رأس ميل جمعة (٨).

-------------------
(١) «الأوسط» ٤/ ٣٧.
(٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ١٦٢ (٥١٥٤) باب: من يجب عليه شهود الجمعة.
(٣) «المعونة» ١/ ١٦٢.
(٤) «المعونة» ١/ ١٦٢، «الذخيرة» ٢/ ٣٤١، «كفاية الطالب» ١/ ٣٣٢، «الثمر الداني» ص ١٤٢.
(٥) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٤١، «كفاية الطالب» ١/ ٣٣٢، «الثمر الداني» ص ١٤٢.
(٦) «المدونة» ١/ ١٤٢.
(٧) سبق برقم (٥٥٠) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت العصر.
(٨) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤١ (٥٠٩٢) في الصلوات، باب: من كم تؤتى الجمعة.



وقال المهلب: نص القرآن دال على أن الجمعة تجب على من سمع النداء وإن كان خارج المصر، وهذا أصح الأقوال.
قال ابن القصار: اعتل الكوفيون لقولهم: إن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر؛ لأن الأذان علم لمن لم يحضر، والأذان بعد دخول الوقت، ومعلوم أن من يسمع على أميال يأخذ في المشي فلا يلحق، فيقال لهم معنى الآية: إذا قرب وقت النداء لها بمقدار ما يدركها كل ساع إليها، وليس على أنه لا يجب السعي إليها إلا حين النداء.
والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة، لقوله: «إن ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت» (١). أي: قاربت الصباح، ومثله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] أي: قاربن. لأنه إذا بلغت آخر أجلها لم يكن له إمساكها.
وفي الإجماع على أن من كان في طرف المصر العظيم وإن لم يسمع النداء يلزمه السعي دليل واضح أنه لم يرد بالسعي حين النداء خاصة، وإنما أريد قربه.
وأما من كان خارج المصر إذا سمع النداء فهو داخل في عموم قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاة﴾ [الجمعة: ٩] الآية، ولم يخص من في المصر أو خارجه، وأما حديث الباب ففيه رد لقول الكوفيين: إن الجمع لا تجب على من كان خارج المصر؛ لأنها أخبرت عنهم بفعل دائم: أنهم كانوا ينتابون الجمعة. فدل على لزومها عليهم.
قال محمد بن مسلمة: ومما يبين أن الجمعة لازمة لأهل العوالي إذن عثمان لهم يوم العيد في الانصراف، ولولا وجوبها عليهم ما أذن لهم،

--------------
(١) سبق برقم (٦١٧) كتاب: الأذان، باب: أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.


وما روي عن أنس السالف، فالفرسخ: ثلاثة أميال. ولو كان لازمًا عنده شهودها لمن كان على ستة أميال لما تركها بعض المرات (١).
قال ابن التين: وفعل أنس يرد على النخعي في اعتبار ستة أميال؛ لأن الفرسخ: ثلاثة أميال وزيادة يسيرة. وإن كان خارج المصر.
وقوله: (كان أنس أحيانًا يجمع). يعني: أحيانًا يأتي المصر وأحيانًا لا يأتي؛ لأن فرسخين كثير، فإذا أراد الفضل أتى، وإن ترك كان في سعة.
وقول عائشة: (كان الناس ينتابون الجمعة). ليس مما يمنع تأكد الغسل؛ لأن بعض السنن تترك لسبب كما في الرمل.

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥.


١٦ - باب وَقْتُ الجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ
وَكَذَلِكَ يُرْوى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيِّ وَالنُعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْث - رضي الله عنه -.

٩٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَتْ: قَالَت عَائِشَةُ رضي الله عنها: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. [انظر: ٩٠٢ - مسلم: ٨٤٧ - فتح: ٢/ ٣٨٦]

٩٠٤ - حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ. [فتح: ٢/ ٣٨٦]

٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُبَكِّرُ بِالجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [٩٤٠ - فتح: ٢/ ٣٨٧]
ثم ساق حديث يحيى بن سعيد أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ.
وحديث أنس أنه - عليه السلام - كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ.
وحديثه أيضًا: كُنَّا نُبَكِّرُ بِالجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ.
الشرح:
إنما صدر البخاري رحمه الله بالصحابة الباب؛ لأنه قد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال من طريق لا يثبت. كما قال ابن بطال: رواه وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج الكلابي عن عبد الله بن سيدان السلمي. قال:


شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره (١).
رواه الدارقطني (٢)، وأحمد في رواية ابنه عبد (٣) الله، وثابت ثقة، كما قاله أبو داود وغيره (٤)، وابن سيدان وثقه العجلي (٥)، وذكره ابن حبان في «ثقاته» (٦)، وابن سعد في جملة الصحابة (٧)، وكذا ابن شاهين وبعده أبو موسى وغيره (٨).

------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٧.
(٢) الدارقطني ٢/ ١٧ كتاب: الجمعة، باب: صلاة الجمعة قبل نصف النهار ورواه عبد الرزاق ٣/ ١٧٥ (٥٢١٠) كتاب: الجمعة، باب: وقت الجمعة. وابن أبي شيبة ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥ (٥١٣٢) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقتل بعد الجمعة- ويقول: هي أول النهار. وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٣٥٤.
قال الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ١٩٥ - ١٩٦: حديث ضعيف، وقال النووي في «الخلاصة» ٢/ ٧٧٣: اتفقوا على ضعفه وضعف ابن سيدان.
قال ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٦٩: هو شبه مجهول. وقال البخاري في «التاريخ الكبير» ٥/ ١١٠ لا يتابع على حديث. ثم ذكر له هذا الحديث. وقال ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٣٢١: غير معروف العدالة.
(٣) «مسائل أحمد رواية عبد الله» ص ١٢٥ - ١٢٦ من حديث ابن مسعود، وسهل بن سعد.
(٤) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٧٩. و«التاريخ الكبير» ٢/ ١٦٢ (٢٠٥٩). و«تهذيب الكمال» ٤/ ٣٥ (٨١٣).
(٥) «معرفة الثقات» ٢/ ٣٣ (٩٠٠).
(٦) «الثقات» ٣/ ٢٤٧، ٥/ ٣١.
(٧) «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٣٨.
(٨) انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٢٧٣ (٢٩٩٩). و«الإصابة» ٢/ ٣٢٣ (٤٧٢٩).
وحكى ابن حجر في ترجمته قول البخاري وابن عدي كما تقدم في تخريج الحديث. اهـ.



وأما ابن بطال فقال: عبد الله بن سيدان لا يعرف، والصحيح عن الصحابة ما ذكره البخاري، ونحوه ذكر عن مالك عن عمر في قصة طنفسة عقيل (١).
قلت: ورواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن وكيع، عن جعفر بن برقان به (٢).
وقال ابن حزم: روينا عن عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع الصديق، فذكره، ثم ذكر حديث «الموطأ» السالف. وفيه: ثم يرجع بعد صلاة الجمعة فيقيل قائلة الضحى. قال: وهذا يوجب أن صلاة عمر الجمعة كانت قبل الزوال؛ لأن ظل الجدار ما دام في المغرب منه شيء فهو قبل الزوال، فإذا زالت الشمس صار الظل في الجانب الشرقي ولابد (٣).
وطريق علي قد ذكره ابن أبي شيبة عن وكيع عن (أبي العنبس عن عمرو بن مروان) (٤) عن أبيه قال: كنا نجمع مع علي إذا زالت الشمس (٥).

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٧.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٤٤ (٥١٣٢).
(٣) «المحلى» ٥/ ٤٢ - ٤٣.
(٤) كذا بالأصل ووقع في «مصنف» ابن أبي شيبة: أبو القيس عمرو بن مروان وكلاهما تصحيف.
والصواب ما ذكره البخاري في «تاريخه الكبير» ٦/ ٣٧٥ (٢٦٨٣): أبو العنبس عمر بن مروان.
وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٦١ (١٤٤٥).
(٥) «المصنف» ١/ ٤٤٥ (٥١٣٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: وقتها زوال الشمس.



وعن علي بن مسهر، ثنا إسماعيل بن سميع، عن ابن أبي رزين قال: كنا نصلي مع علي الجمعة، فأحيانًا نجد فيئًا وأحيانًا لا نجد (١)، وهو إسناد جيد.
وقال ابن حزم: روينا عن أبي (٢) إسحاق: شهدت عليًّا يصلي الجمعة إذا زالت الشمس (٣).
وقال ابن الأثير: روى زهير، عن أبي إسحاق أنه صلى خلف علي الجمعة، فصلاها بالهاجرة بعد ما زالت الشمس، وأنه رآه قائمًا يصلي.
وطريق النعمان رواه ابن أبي شيبة بإسناد جيد عن عبيد الله بن موسى، ثنا حسن بن صالح، عن سماك قال: كان النعمان يصلي بنا الجمعة بعد ما تزول الشمس (٤).
والنعمان بن بشير هذا قتل بأرض حمص سنة أربع وستين.
وطريق عمر بن حريث رواه ابن أبي شيبة أيضًا بإسناد جيد: حَدَّثَنَا محمد بن بشر العبدي، ثنا عبد الله بن الوليد، عن الوليد بن العيزار قال: ما رأيت إمامًا كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، كان يصليها إذا زالت الشمس (٥).
وعمرو هذا والي الكوفة، مات بها سنة خمس وثمانين، كانت أمه

--------------
(١) «المصنف» ١/ ٤٤٥ (٥١٤٤) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: وقتها زوال الشمس.
(٢) في الأصل: ابن. والمثبت من «المحلى» ٥/ ٤٥. وهو أبو إسحاق السبيعى.
(٣) «المحلى» ٥/ ٤٥.
(٤) «المصنف» ١/ ٤٤٦ (٥١٤٥) كتاب: الصلوات، باب: كان يقول: وقتها زوال الشمس وقت الظهر.
(٥) «المصنف» ١/ ٤٤٦ (٥١٤٦).



حاملًا به يوم بدر، وقال الواقدي: مات رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثنتي عشرة سنة (١).
وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم أيضًا (٢)، ولأبي داود: مهان أنفسهم (٣).
وللبيهقي: عمال أنفسهم (٤). وللإسماعيلي: كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كُفاة، فكان يكون لهم تفل.
ومناسبة الحديث للباب أن في الحديث: فكانوا إذا راحوا إلى الجمعة. والرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وقد سلف ما نحن فيه.
ومهنة أنفسهم. أي: يباشرون خدمة أموالهم، وهي بفتح الميم، وقد تكسر. قال ابن التين: رويناه بفتح الميم والهاء، جمع ماهن، وهو الخادم. وفي رواية أبي ذر: المهنة -بكسر الميم وسكون الهاء- الخدمة. يكون معناه بإسقاط محذوف. أي: ذو خدمة أنفسهم.
وأما حديث أنس الأول فهو من أفراده، وأخرجه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح (٥). وفي لفظ: كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الجمعة إذا زالت الشمس (٦).

------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٣. و«الاستيعاب» ٣/ ٢٥٦ (١٩٢٨) و«أسد الغابة» ٤/ ٣١٤ (٣٨٩٧) و«الإصابة» ٢/ ٥٣١ (٥٨٠٨).
(٢) مسلم (٨٤٧) كتاب: الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة.
(٣) أبو داود (٣٥٢) كتاب: الطهارة، باب: في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة.
(٤) «السنن الكبرى» ١/ ٢٩٥ كتاب: الطهارة، باب: الدلالة على أن الغسل يوم الجمعة سنة اختيار.
(٥) «سنن أبي داود» (١٠٨٤) كتاب: الصلاة، باب: في وقت الجمعة.
«سنن الترمذي» (٥٠٣ - ٥٠٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في وقت الجمعة.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٥ (٥١٣٨) من حديث سلمة بن الأكوع عن أبيه.



وشيخ البخاري فيه سريج بن النعمان بالسين المهملة. أما بالمعجمة فتابعي، عن عليِّ ليس في «الصحيح» (١).
وأما حديثه الثاني فهو من أفراده أيضًا، وعبد الله المذكور في إسناده هو ابن المبارك. قال الترمذي: وفي الباب عن سلمة بن الأكوع وجابر والزبير بن العوام، وهو الذي أجمع عليه أكثر أهل العلم أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس كوقت الظهر، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. قال: ورأى بعضهم أن صلاة الجمعة إذا صليت قبل الزوال أنها تجوز أيضًا. وقال أحمد: ومن صلاها قبل الزوال كأنه لم ير عليه إعادة (٢)، وحديث سلمة وجابر أخرجهما ابن أبي شيبة (٣).
ومعنى: (نبكر بالجمعة): أي: نصليها بعد الزوال في أول الوقت، وهو وقت الرواح عند العرب، قاله ابن بطال (٤).
وأغرب ابن التين فقال: يبكر، أي: يعجل بذلك قبل الزوال ما بين الغدو إلى أن تزول الشمس بكرة وغدوة.
وقوله: (نقيل بعد الجمعة). يعني: أنهم كانوا يقيلون بعد الصلاة به، بدلًا من القائلة التي امتنعوا منها بسبب تبكيرهم إلى الجمعة.

------------------
(١) شريح بن النعمان الصائدي الكوفي. قال أبو إسحاق السبيعي: كان رجل صدق.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه وعن هبيرة بن يريم. قال: ما أقربهما. قلت: يُحْتُج بحديثهما؟ قال: لا، هما شبيهان بالمجهولين. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن حجر: صدوق من الثالثة. انظر: «الثقات» ٤/ ٣٥٣. و«تهذيب الكمال» ١٢/ ٤٥٠ (٢٧٢٨). و«التقريب» (٢٧٧٧).
(٢) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في وقت الجمعة.
(٣) «المصنف» ١/ ٤٤٥ (٥١٣٧، ٥١٣٨) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: وقتها زوال الشمس.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٨.



ويقيل بفتح أوله؛ لأنه ثلاثي. قال تعالى: ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] وقد أجمع العلماء على أن وقت الجمعة بعد زوال الشمس، إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: جائز فعلها في وقت صلاة العيد (١) لأنها صلاة عيدٍ، كذا نقل الإجماع، وحكى هذِه الحكاية عن مجاهد ابن بطال في «شرحه»، ثم قال: وقال أحمد: يجوز قبل الزوال (٢).
وقد أسلفنا عن الترمذي إجماع أكثر أهل العلم أيضًا على أن وقتها بعد الزوال، وكذا قال ابن العربي: اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس ولا يجزئه قبل الزوال، إلا ما روي عن أحمد بن حنبل أنه يجوز قبل الزوال (٣).
ونقله ابن المنذر عن عطاء إسحاق (٤)، ونقله الماوردي عن ابن عباس في السادسة (٥).
قال ابن المنذر: وروي ذلك بإسناد لا يثبت عن أبي بكر وعمر وابن مسعود ومعاوية (٦).
وقال ابن قدامة: المذهب جوازها في وقت صلاة العيد (٧)، وقد أسلفنا ذلك في أثناء باب: الجمعة في القرى والمدن بزيادة.

-----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٤ (٥١٣١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقيل بعد الجمعة.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨.
(٣) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٢٩٢ وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٣٨٧: وأغرب ابن العربي في ذلك.
(٤) «الأوسط» ٢/ ٣٥٣، ٣٥٥.
(٥) «الحاوي» ٢/ ٤٢٨.
(٦) «الأوسط» ٢/ ٣٥٥.
(٧) «المغني» ٢/ ٢٣٩.



قال ابن حزم: وفرق مالك بين آخر وقت الجمعة وبين آخر وقت الظهر على أنه يوافق أن وقتها هو أول وقت الظهر (١).
ونقل ابن التين أن آخر وقتها عند ابن القاسم وأشهب ومطرف آخر وقت الظهر ضرورة واختيارًا؛ لأنها بدلًا عنها (٢).
وعند ابن الماجشون وأصبغ وابن عبد الحكم: إلى صلاة العصر (٣).
واحتج الإمام أحمد بأحاديث:
أحدها: حديث جابر: كان - ﷺ - يصلي الجمعة ثم نذهب بجمالنا -يعني: النواضح- فنريحها حين تزول الشمس. أخرجه مسلم (٤).
نعم في النسائي: ثم نرجع فنريح نواضحنا. قال محمد بن علي: قلت: أية ساعة؟ قال: زوال الشمس (٥). وأيضًا فإنه أخبر أن الصلاة والرواح كانا حين الزوال؛ لأن الصلاة قبله.
فإن قلت: قوله: (حين تزول الشمس). لا يسع هذِه الجملة، فالجواب أن المراد نفس الزوال ما يدانيه.
ثانيها: حديث سلمة بن الأكوع: كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به أخرجاه، وفي رواية لهما: وليس للحيطان ظل (٦). وهذِه حجة للجماعة في كونها

----------
(١) «المحلى» ٥/ ٤٥.
(٢) انظر قول ابن القاسم وأشهب ومطرف في «المنتقى» ١/ ١٩.
(٣) انظر: «المنتقى» ١/ ١٩.
(٤) مسلم (٨٥٨) كتاب: الجمعة، باب: صلاة الجمعة حين تزول الشمس.
(٥) «المجتبى» ٣/ ١٠٠، «السنن الكبرى» ١/ ٥٢٧ (١٦٩٩).
(٦) سيأتي برقم (٤١٦٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية، مسلم (٨٦٠) كتاب: الجمعة، باب: صلاة الجمعة حين تزول الشمس.



بعد الزوال؛ لأنه ليس فيه نفي الظل مطلقًا، وإنما هو نفي فيء كثير يستظل به المار، ويوضحه الرواية الأخرى: نتتبع الفيء. فصرح بوجود الفيء، لكنه قليل، ومعلوم أن حيطانهم قصيرة وبلادهم متوسطة من الشمس، فلا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلا بعد زمن طويل، وقد جاء في رواية لمسلم: كنا نجمع مع رسول الله - ﷺ - إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء (١).
ولم يذكر البخاري هذِه الزيادة، وهي: إذا زالت الشمس. وهي محل الحاجة.
الثالث: حديث سهل بن سعد: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة على عهد رسول الله - ﷺ -. أخرجاه وسيأتي (٢).
الرابع: حديث أنس الذي ذكره البخاري آخر الباب، ونستدل له أيضًا مما رواه عطاء قال: اجتمع يوم فطر ويوم جمعة على عهد ابن الزبير فجمعهما جميعًا، فصلاهما ركعتين بكرة، ثم لم يزد عليهما حتى صلى العصر. رواه أبو داود (٣)، وفي رواية: فسئل ابن عباس عن ذلك. فقال: أصاب السنة (٤).
وأسلفنا أثر عبد الله ومعاوية في الباب المشار إليه.

-------------
(١) انظر التخريج السابق.
(٢) سيأتي برقم (٩٣٩) كتاب: الجمعة، باب: قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾، ومسلم (٨٥٩) كتاب: الجمعة، باب: صلاة الجمعة حين تزول الشمس.
(٣) «سنن أبي داود» (١٠٧٢) كتاب: الصلاة، باب: إذا وافق يوم الجمعة يوم العيد. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٨٣): إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٤) «سنن أبي داود» (١٠٧١).



وفي «الموطأ» عن عمرو بن يحيى، عن ابن أبي سليط، عن عثمان ابن عفان: صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بملل. قال ابن أبي سليط: وكنا نصلي الجمعة مع عثمان وننصرف وما للجدر ظل. قال مالك: وذلك التهجير وسرعة السير (١).
وقال ابن حزم: بين المدينة وملل اثنان وعشرون ميلًا (٢)، ولا يجوز البتة أن تزول الشمس ثم يخطب ويصلي الجمعة، ثم يمشي هذِه المسافة قبل اصفرار الشمس، إلا من ركض ركض البريد (٣).
ولأن الجمعة عيد لقوله - ﷺ -: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان» (٤) ولقوله: «إن هذا يوم جعله الله عيد المسلمين» (٥) فصار كالفطر والأضحى، فيصح في وقتها، ولأنها جهر شابهته.

----------------
(١) «الموطأ» ص ٣٣.
(٢) ملل: بالتحريك ولامين، اسم موضع في طريق مكة بين الحرمين.
انظر: «معجم البلدان» ٥/ ١٩٤. و«معجم ما استعجم» ٤/ ١٢٥٦.
(٣) «المحلى» ٥/ ٣٤.
(٤) رواه أبو داود (١٠٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، وعبد الرزاق ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥ (٥٧٢٩) كتاب: صلاة العيدين، وابن الجارود ١/ ٢٦٠ (٣٠٢) كتاب: الصلاة، باب: الجمعة، والحاكم ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩ كتاب: الجمعة، والبيهقي ٣/ ٣١٨ كتاب: صلاة العيدين، باب: اجتماع العيدين بأن يوافق يوم العيد يوم الجمعة.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم فإن بقية بن الوليد لم يختلف في صدقه إذا روى عن المشهورين، وهذا حديث غريب من حديث شعبة والمغيرة وعبد العزيز وكلهم ممن يجمع حديثه. وقال الذهبي: صحيح غريب.
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٨٤).
(٥) رواه عبد الرزاق ٣/ ١٩٧ (٥٣٠١) كتاب: الجمعة، باب: الغسل يوم الجمعة والطيب والسواك، والشافعي ١/ ١٣٣ (٣٩١) كتاب: الصلاة، باب: في صلاة الجمعة، والبيهقي ٣/ ٢٤٣ و٣٤٥، كتاب: الجمعة.



واحتج الجمهور بحديث أنس الأول: كان - ﷺ - يصلي الجمعة حين تميل الشمس. وفي رواية: إذا مالت الشمس (١).
ورجح بعضهم حديثه هذا على حديثه الآخر بأمرين:
أحدهما: أن هذِه الرواية أضافها أنس إلى زمنه - ﷺ - بخلاف الأخرى.
الثاني: أن قوله: (كنا نبكر). أي: نأتيها بكرة لأجل البدنة وما بعدها، وكان يؤخر القيلولة إلى بعد صلاة الجمعة؛ لأنه لو قال قبلها لفاتهم فضيلة البدنة، وهذا سبب إخراج البخاري له في هذا الباب.
واحتجوا أيضًا بحديث عائشة في الباب، وبحديث سلمة وجابر السالف، وبحديث الزبير بن العوام: كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الجمعة ثم نبتدر الفيء فما يكون إلا موضع القدم أو القدمين. أودعه الحاكم في «مستدركه»، ثم قال: صحيح الإسناد (٢).
وروى ابن أبي شيبة، عن سفيان، عن عمرو، عن يوسف بن ماهك قال: قدم معاذ مكة وهم يجمعون في الحجر، فقال: لا تجمعوا حتى تفيء الكعبة من وجهها (٣).
ورواه الشافعي عن سفيان، وقال: وجهها الباب. يريد معاذ: حتى تزول الشمس (٤).

-----------------
(١) رواه أبو داود (١٠٨٤) كتاب: الصلاة، باب: في وقت الجمعة، وابن أبي شيبة ١/ ٤٤٥ (٥١٣٦) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: ومنها زوال الشمس وقت الظهر، وأبو يعلى ٧/ ٢٩٦ (٤٣٢٩).
(٢) «المستدرك» ١/ ٢٩١ كتاب: الجمعة- ورواه أحمد ١/ ١٦٧. والبيهقي ٣/ ٢٧١ كتاب: الجمعة، استحباب التعجيل بصلاة الجمعة إذا دخل وقتها.
(٣) «المصنف» ١/ ٤٤٥ (٥١٤١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: وقتها زوال الشمس وقت الظهر.
(٤) «الأم» ١/ ١٩٤.



وروى هشيم، عن منصور، عن الحسين قال: وقت الجمعة عند الزوال (١). وعنه عن مغيرة عن إبراهيم قال: وقت الجمعة وقت الظهر (٢). وبالآثار السالفة.
وقال ابن حزم: روينا عن ابن عباس: خرج علينا عمر حين زالت الشمس، فخطب. يعني: للجمعة (٣).
وفي «المصنف» عن المغيرة، قال: وقت الجمعة وقت الظهر. وعن بلال العبسي: أن عمارًا صلى بالناس الجمعة، والناس فريقان، بعضهم يقول: زالت الشمس. وبعضهم يقول: لم تزل (٤).
وقال ابن عون: كانوا يصلون الجمعة في عهد عمر بن عبد العزيز والفيء هنيهة.
وعن الحسن: وقت الجمعة عند زوال الشمس.
وعند ابن ماجه عن سعد القرظ قال: كان يؤذن على عهد رسول الله - ﷺ - إذا كان الفيء مثل الشراك (٥)، وهو المعروف من فعل السلف والخلف قاطبة.
قال الشافعي: صلى النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال (٦)، وأما حديث جابر وما بعدها فكلها

---------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٥ (٥٤٣).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٦ (٥١٤٧). عن هشيم عن إبراهيم.
(٣) «المحلى» ٥/ ٤٥.
(٤) «المصنف» ١/ ٤٤٥ (٥١٤٣، ٥١٤٢، ٥١٤٠).
(٥) «سنن ابن ماجه» (١١٠١) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في وقت الجمعة.
وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٢٧): ضعيف.
(٦) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٣٣٥.



محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد ولا غيره.
والإبراد بها ستعلمه بعد هذا إثر الباب.
وأما حديث سهل فلأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوات التبكير إليها، فكانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى بعد الصلاة، وقد أسلفنا ذلك، ويؤيده فعل عمر في حديث الطنفسة السالف، وأما الأثر عن أبي بكر وعمر وعثمان فقد أسلفناها.
وادعى النووي الاتفاق على ضعفها قال: لأن ابن سيدان ضعيف عندهم، كذا قال، وقد عرفت حاله. قال: ولو صح لكان متأولًا لمخالفة الأحاديث الصحيحة (١).
وكأنه استند إلى قول ابن المنذر: الأثر عن أبي بكر وعمر وابن مسعود في جواز صلاة الجمعة قبل الزوال لا يثبت (٢). وقال ابن بطال: الآثار عن هؤلاء الصحابة لا تثبت (٣).
وكذا قال ابن التين، ثم الجمعة لا تخلو إما أن تكون ظهر اليوم فوقتها لا يختلف، أو بدلًا عنها فكذلك؛ لأن الأبدال لا تتقدم مبدلاتها، كالقصر في السفر لا يخرج الصلاة عن أوقاتها.
وقد أسلفنا أن البخاري إنما صدر الباب بالصحابة؛ لأنه قد روي عنهم خلافه من طريق لا يثبت، وهو أولى من قول أبي عبد الملك؛ لأنه لم يجد من الشارع في وقت صلى فيه حديثًا (٤)؛ بل هو عجيب، فقد ذكر فيه حديث أنس، وهو صريح فيه.

--------------
(١) «المجموع» ٤/ ٣٨١.
(٢) «الأوسط» ٢/ ٣٥٥.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٧.
(٤) انظر: «فتح الباري» لابن حجر ٢/ ٣٨٨.



١٧ - باب إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ يَومَ الجُمُعَهَ
٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ -هُوَ: خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، يَعْنِى: الجُمُعَةَ. قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ: بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لأَنَسٍ - رضي الله عنه -: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهْرَ؟ [فتح: ٢/ ٣٨٨]
ذكر فيه حديث حرمي بن عمارة عن أبي خلدة خالد بن دينار: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رسول الله - ﷺ - إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ. يَعْنِي: الجُمُعَةَ. وقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ: بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: ثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لِأَنَسٍ - رضي الله عنه -: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهْرَ؟
الشرح:
هذا الحديث انفرد به عن مسلم، وأخرجه النسائي (١) وفي روايةٍ أن الحكم بن أيوب أخر صلاة الجمعة، فتكلم يزيد الضبي، ونادى أنس بن مالك: يا أبا حمزة، شهدت الصلاة مع رسول الله - ﷺ - وشهدت الصلاة معنا، فكيف كان يصلي؟ الحديث (٢).
وأخرجه الإسماعيلي كذلك بلفظ: الصلاة فقط. ثم أسند تعليق يونس عن أبي الحسن الصوفي: ثنا أبو هشام عن يونس بلفظ: إذا

----------------
(١) «سنن النسائي» ١/ ٢٤٨ كتاب: المواقيت، باب: تعجيل الظهر في البرد.
(٢) رواه البيهقي ٣/ ١٩١ كتاب: الجمعة، باب: من قال: يبرد بها إذا اشتد الحر.



كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكَّر بها. يعني: الظهر.
وأسنده البيهقي أيضًا من حديث عبيد بن يعيش عنه بلفظ الصلاة فقط (١). ثم أسند تعليق بشر بن ثابت -أعني: الإسماعيلي- من حديث إبراهيم بن مرزوق، عن بشر، عنه، عن أنس بلفظ: إذا كان الشتاء يبكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها، ولكن يصلي العصر والشمس بيضاء نقية. وأخرجه البيهقي أيضًا (٢).
وأبو خلدة (خ. د. ت. س) بإسكان اللام، ثقة مأمون، روى له
البخاري هذا الحديث الواحد، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة. ذكره ابن نافع، وذكر عبد الغنى في «الكمال» أن أحمد بن حنبل قال: شيخ ثقة (٣). وهذا إنما قاله في خالد بن دينار أبي الوليد فاعلمه.
وروى له ابن ماجه والبخاري في «أفعال العباد»، وبشر بن ثابت بصري بزار ثقة، ذكره ابن حبان في «ثقاته». وقال أبو حاتم: مجهول، ويونس بن بكير الكوفي الجمال احتج به مسلم، مات مع

---------------
(١) «السنن الكبرى» ٣/ ١٩١ - ١٩٢ كتاب: الجمعة، باب: من قال: يبرد بها.
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ١٩١ - ١٩٢.
(٣) هو خالد بن دينار التميمي السعدي، أبو خلدة البصري الحناط.
قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: صالح وقال عثمان بن سعيد، عن يحيى: ثقة.
قال أبو زرعة: أبو خلدة أحب إليَّ من الربيع بن أنس. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن حجر: صدوق.
روى له الجماعة سوى مسلم وابن ماجه.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٤٧ (٥٠٠). و«ثقات العجلي» ١/ ٣٣٠ (٣٨٦). و«الجرح والتعديل» ٣/ ٣٢٧ (١٤٧١). و«تهذيب الكمال» ٨/ ٥٦ (١٦٠٦). و«التقريب» (١٦٢٧).



عبد الله بن نمير سنة تسع وتسعين ومائة (١).
وهذا الباب في معنى الذي قبله: أن وقتها وقت الظهر، وأنها تصلى بعد الزوال، ويبرد بها في شدة الحر، ولا يكون الإبراد إلا بعد تمكين الوقت، والإبراد بها وجه قوي، وإن كان المشهور في المذهب خلافه (٢).
وقد أسلفنا في الباب قبله بأن الأحاديث السالفة محمولة على المبالغة في التعجيل من غير إبراد ولا غيره.
وقال ابن قدامة في «المغني»: لا فرق في استحباب إقامتها عقب الزوال بين شدة الحر وبين غيره، فإن الجمعة يجتمع لها الناس، فإذا انتظروا غيرهم شق عليهم، وكذلك كان - ﷺ - يصليها إذا زالت الشمس شتاءً وصيفًا على ميقات واحد (٣).

--------------
(١) هو بشر بن ثابت البصري، أبو محمد البزار روى عنه، إبراهيم بن مرزوق البصري.
قال ابن أبي حاتم: بشر بن ثابت، سئل أبي عنه فقال: مجهول. وقال بشر بن آدم حدثنا بشر بن ثابت، وكان ثقة. وذكره أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات. وقال ابن حجر: صدوق من التابعة. انظر: «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٥٢ (١٣٣٨). و«الثقات» ٨/ ١٤١. و«تهذيب الكمال» ٤/ ٩٧ (٦٨٠) و«إكمال مغلطاي» ٢/ ٣٩١ (٧٢٣) وقال ابن حجر في «التقريب» (٦٧٨)
(٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٦٣، «الإعلام» ٣/ ٣٥٨.
(٣) «المغني» ٣/ ١٥٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #204  
قديم 31-01-2026, 10:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 487 الى صـــ 506
الحلقة (204)






١٨ - باب المَشْيِ إِلَى الجُمُعَةِ
وَقَوْلِ اللهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَمَنْ قَالَ: السَّعْيُ: العَمَلُ وَالذَّهَابُ، لِقَوْلِهِ الله تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَحْرُمُ البَيْعُ حِينَئِذِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْوَ مُسافر فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ.

٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». [٢٨١١ - فتح: ٢/ ٣٩٠]

٩٠٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». [انظر: ٦٣٦ - مسلم: ٦٠٢ - فتح: ٢/ ٣٩٠]

٩٠٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ -لَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ عَنْ أَبِيهِ- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ». [انظر: ٦٣٧ - مسلم: ٦٠٤ - فتح: ٢/ ٣٩٠]
ثم ساق ثلاثة أحاديث:


أحدها:
حديث يَزِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ».
ثانيها:
حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ ..» الحديث.
ثالثها:
حديث عبد الله بن أبي قتادة -أراه عن أبيه- مرفوعًا: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ».
الشرح:
السعي في لسان العرب: الإسراع في المشي والاشتداد فيه (١)، ومنه حديث أبي هريرة، كذا ذكره الهروي وغيره (٢)، والعمل أيضًا. قال تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وقال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] وقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٧].
وقال ابن سيده: السعي: عدو دون الشد، سعى يسعى سعيًا، والسعي: الكسب، وكل عمل من خير أو شر سعي (٣)، والفعل كالفعل. وذهب مالك وما حكاه ابن التين إلى أن المشي والمضي

---------------
(١) «لسان العرب» ٤/ ٢٠١٩.
(٢) انظر: «غريب الحديث» ٢/ ٢٣٠. و«النهاية» ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٣) «المحكم» ٢/ ١٥٩.



يسميان سعيًا من حيث شدته أو غيره فقد سعى، وأما السعي بمعنى الجري فهو الإسراع، يقال: سعى إلى كذا. بمعنى: العدو والجري، فيتعدى بـ (إلى)، وإن كان بمعنى العمل تعدى باللام، قال تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وإنما يتعدى سعي الجمعة بـ (إلى) لأنه بمعنى المضي (١).
وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنيات والخشوع. وإلى هذا ذهب مالك وأكثر العلماء، وهو مذهب البخاري، وكان عمر وابن مسعود يقرآن: (فامضوا إلى ذكر الله) (٢). قالا ولو قرأناها: ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسعينا حتى يسقط رداؤنا (٣).
وقال عمر لأُبي وقرأ: ﴿فَاسْعَوْا﴾: لا يزال يقرأ المنسوخ. كذا ذكر ابن الأثير، والذي في «تفسير عبد بن حميد»: قيل لعمر: إن أبيًّا يقرأ: ﴿فَاسْعَوْا﴾. فقال عمر: أُبي أعلمنا بالمنسوخ. وكان يقرأ: (فامضوا) (٤).
وفي «المعاني» للزجاج: وقرأ أُبي وابن مسعود: (فامضوا).
وكذا ابن الزبير فيما ذكره ابن التين عن النحاس، وقد رويت عن عمر -كما في «الموطأ» (٥) - لكن اتباع المصحف أولى ولو كان عند عمر فامضوا لا غير، فغيرَّوا في المصحف.

-------------
(١) انظر: «غريب الحديث» ٢/ ٢٣٠. و«النهاية» ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٢) «شواذ القرآن» لابن خالويه ص ١٥٧.
(٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٠٧ (٥٣٤٩، ٥٣٥٠) كتاب: الجمعة، باب: السعي إلى الصلاة، والطبراني ٩/ ٣٠٧. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٢٦٤: رواه الطبراني، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود، ورجاله ثقات.
(٤) انظر: «تفسير الطبري» ١٢/ ٩٤ (٣٤١٠٣).
(٥) «الموطأ» ص ٨٧.



والدليل على أن معنى السعي: التصرف في كل عمل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] فلا اختلاف في أن معناه: وأن ليس للإنسان إلا ما عمل. وعن ابن عباس: ليس السعي إليها بالرجلين ولكن نقول: امضوا إليها (١).
والذكر: صلاة الجمعة. وفي «تفسير أبي القاسم الجوزي» المسمى «بالإفصاح»: ﴿فَاسْعَوْا﴾ أي: (٢) فاقصدوا إلى صلاة الجمعة.
قال ابن التين: ولم يذكر أحد من المفسرين أنه: الجري. واحتج به الزهري لما سأله مالك عن معنى الآية (٣).
واحتج بها الزهري، وإن لم تكن في المصحف؛ لأنها تجري عن جماعة من الأصوليين مجرى خبر الآحاد سواء أسندها القارئ أو لم يسندها، وذهبت طائفة إلى أنها لا تجري مجرى خبر الآحاد إلا إذا أسندت للشارع، وذهب القاضي أبو بكر إلى أنه لا يجوز القراءة بها ولا العمل بمتضمنها، وهو أبين.
وللسعي وقتان: مستحب، وقد سلف، وواجب، وهو وقت النداء، وينبغي أن يقال: إن قلنا حضور الخطبة واجب فيجب رواحه بعد ما يعلم أنه يحصل؛ ليحضرها، وإن قلنا: غير واجب. راح بقدر ما يدرك الصلاة، ذكره ابن التين نصًّا، قال: ونحوه للشيخ أبي إسحاق.
وقوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: في يومها.
وأما أثر ابن عباس: (يحرم البيع حيئنذٍ) فقال ابن حزم: رويناه من

-------------
(١) أخرجه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» ٦/ ٣٢٩.
(٢) في الأصل: أن.
(٣) «الموطأ» ص ٨٧.



طريق عكرمة عنه: لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع (١).
وأما أثر عطاء: (تحرم الصناعات كلها) فأخرجه عبد بن حميد الكشي في «تفسيره الكبير» عن روح، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل من شيء يحرم إذا نودي بالأولى سوى البيع؟ فقال عطاء: إذا نودي بالأولى حرم اللهو والبيع، والصناعات كلها بمنزلة البيع، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتابًا (٢).
وأما أثر الزهري فأخرج أبو داود في «مراسيله» من حديثه أنه خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار، فقيل له في ذلك فقال: إن النبي - ﷺ - خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار (٣). وهذا منقطع.
ورواه ابن أبي شيبة من طريقه بغير واسطة بين ابن أبي ذئب وبينه (٤)، خلاف رواية أبي داود، وقال ابن المنذر: اختلف فيه عن الزهري وقد روي عنه مثل قول الجماعة أنه لا جمعة على مسافرٍ (٥). وحكاه ابن بطال عنه وقال: أكثر العلماء أنه لا جمعة عليه (٦).
وحكاه ابن أبي شيبة عن علي وابن عمر ومكحول وعروة بن المغيرة (٧). وغيره من أصحاب عبد الله وأنس وعبد الرحمن بن سمرة

----------------
(١) «المحلى» ٥/ ٨١.
(٢) رواه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» ٦/ ٣٣٠.
(٣) «مراسيل أبي داود» ص ٢٣٧ (٣١٠) باب: في فضل الجهاد.
(٤) «المصنف» ١/ ٤٤٣ (٥١١٣) كتاب: الصلوات، باب: من رخص في السفر يوم الجمعة.
(٥) «الأوسط» ٤/ ٢٠ - ٢١.
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٠.
(٧) «المصنف» ١/ ٤٤٢ (٥٠٩٥ - ٥٠٩٨، ٥١٠٥) كتاب: الصلوات، باب: من قال ليس على المسافر جمعة.



وإبراهيم النخعي وعبد الملك بن مراون وابن مسعود والشعبي وعمر بن عبد العزيز.
وقال ابن التين في قول الزهري السالف: إن أراد وجوبها عليه فهو قول شاذ.
وأما حديث أبي عبس فيأتي -إن شاء الله تعالى- في أوائل الجهاد أيضًا (١)، وأخرجه النسائي (٢) والترمذي فيه وقال: حسن صحيح غريب (٣). وأبو عبس (خ. ت. س) اسمه عبد الرحمن بن جبر، وفي الباب عن أبي بكر ورجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -. ويزيد بن أبي مريم شامي (٤)، وبريد بن أبي مريم كوفي، أبوه من أصحاب رسول الله - ﷺ -، واسمه مالك بن ربيعة (٥).

-----------------
(١) برقم (٢٨١١) باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله.
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ١١ (٤٣٢٤) كتاب: الجهاد، باب: ثواب من اغبرت قدماه في سبيل الله.
(٣) سنن الترمذي (١٦٣٢).
(٤) يزيد بن أبي مريم بن أبي عطاء، ويقال يزيد بن ثابت بن أبي مريم بن أبي عطاء، الشامي.
قال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين وعن دحيم: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال الدارقطني: ليس بذاك. وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات». وقال ابن حجر في «مقدمة فتح الباري»: هذا جرح غير مفسر فهو مردود وليس له في البخاري سوى حديث واحد أخرجه في الجهاد والجمعة من رواية الوليد بن مسلم ويحيى بن حمزة: كلاهما عن يزيد بن أبي مريم عن عباية بن رافع عن أبي عيسى بن جبر في فضل من اغبرت قدماه في سبيل الله ساعة.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٦١ (٣٣٣٩). و«الجرح والتعديل» ٩/ ٢٩١ (١٢٤٣). و«الثقات» لابن حبان ٥/ ٥٣٦. و«تهذيب الكمال» ٣٢/ ٢٤٣ (٣٠٤٩). هدي الساري ص ٤٥٣.
(٥) بريد بن أبي مريم، واسمه مالك بن ربيعة السلولي البصري. وقال أبو بكر بن أبي =



قلت: ويزيد بالمثناة تحت في أوله لا بالباء الموحدة، ذاك ليس في الصحيحين، بل في السنن الأربعة، تابعي ثقة كوفي، وهذا شامي، مات الشامي سنة أربع وأربعين ومائة.
وأبعد من قال: اسم أبي عبس عبد الله. وقيل: كان اسمه في الجاهلية: عبد العزى. فسمي في الإسلام عبد الرحمن، شهد بدرًا وما بعدها، وهو أنصاري أوسي، وعنه: ابنه زيد والدميمون، وابن ابنه أبو عبس بن محمد بن أبي عيسى بن جبر، وهو الذي قتل كعب ابن الأشرف فيمن معه، مات سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان ابن عفان وهو ابن سبعين سنة، ودفن بالبقيع. وقيل: كان يكتب بالعربية قبل الإسلام، انفرد به البخاري، وكان من كتاب الصحابة.
وشيخ البخاري فيه هو ابن المديني، وقد روى البخاري أيضًا عن علي بن عبد الله بن إبراهيم، ولكن ذاك إنما روى له حديثًا واحدًا في النكاح (١)، وهو قال على أن المشي للجمعة أفضل، وكذلك الأعمال الصالحة إذا أريد بها وجه الله فكلها في سبيله، فإن منعه ماءٌ أو طين كان له حينئذٍ أن يركب إليها إذا شاء.
وكان أبو هريرة يأتى الجمعة ماشيًا من ذي الحليفة، وكان عبد الله ابن رواحة يأتيها ماشيًا، فإذا رجع إن شاء ماشيًا، وإن شاء راكبًا.
وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون الركوب إلى الجمعة والعيدين،

-------------
= خيثمة عن يحيى بن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: صالح.
«التاريخ الكبير» ١/ ١٤٠ (١٩٧٥). و«الجرح والتعديل» ٢/ ٤٢٦ (١٦٩٣).
«الثقات» ٤/ ٨٢. وتهذيب الكمال ٤/ ٥٢ (٦٦٠).
(١) يأتي هذا الحديث برقم (٥١٧٩) كتاب: النكاح، باب: إجابة الداعي في العرس وغيره.



ذكره ابن أبي شيبة (١).
وفي «الفضل» لحميد بن زنجويه حديث من طريق الصديق: إن المشي إليها بكل قدم كعمل عشرين سنة، فإذا فرغ من الجمعة أجير بعمل مائتي سنة.
وأما حديث أبي هريرة فسلف في باب: ما أدركتم فصلوا (٢). وإنما ذكره هنا لأجل قوله: (وأنتم تسعون)، وإن السعي هو المشي لا العدو، فيكون مفسرًا للآية، كذا قاله شيخنا قطب الدين في «شرحه»، وليس بجيدٍ، والظاهر أن المراد بالسعي هنا: العدو.
وكذا فسره ابن بطال في «شرحه» قال: وممن كان يسعى إذا سمع أنس بن مالك (٣)، وكذا قال ابن التين: السعي هنا الجري. منع منه في الإتيان؟ لما فيه من ترك الوقار والشروع فيها. أما ما لا ينافي الوقار لمن خاف فوت بعض الصلاة، فهو مندوب إليه.
وقال مالك: فيمن سمع مؤذن الحرس يحرك قدميه للإدراك: لا بأس به. ومعناه أن يسرع دون جري يخرج عن حد الوقار، ودليل ذلك حديث «الموطأ» أن ابن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي إلى المسجد (٤). هذا قول القاضي أبي الوليد.
وقال الداودي الخطا تكثر مع السكينة وتترك مع السرعة، كما جاء في الحديث الآخر: «يكتب بكل خطوة حسنة ويمحى عنه سيئة وترفع له درجة» (٥).

-------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٧ (٥٤٠٦) كتاب الصلوات، باب: من كان يحب أن يأتي الجمعة ماشيًا.
(٢) برقم (٦٣٦) كتاب: الأذان.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٩.
(٤) «الموطأ» ص ٦٨.
(٥) رواه أحمد ٢/ ٢٨٣.



وقوله: («فما أدركتم فصلوا») يقتضي الدخول مع الإمام على الهيئة التي يوجد عليها وإن كان مما لا يعتد به كالسجدة التي فاتت ركعتها، فإنه مما أدرك فعله.
وقوله: («فأتموا»). كذا رواها الأكثرون عن الزهري، وروى ابن عيينة عنه: «فاقضوا» ويبنى عليهما ما أدركه المسبوق هل هو أول صلاته أم لا؟ وقد سلف في موضعه.
وأما حديث أبي قتادة فتقدم في باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة من حديث أبي قتادة من غير ظن (١)؛ فإنه قال هنا: أراه عن أبيه.
وشيخ شيخ البخاري فيه أبو قتيبة، وهو سلم بن قتيبة، انفرد به البخاري، بصري، مات هو وحرمي بن عمارة وأبو أسامة سنة إحدى ومائتين، كذا بخط الدمياطي عن ابن أبي عاصم. وقال المزي: سنة مائتين (٢).
وفيه قول ثالث، وهو قول ابن قانع: سنة اثنتين ومائتين.
ووقع في «الكمال» وتبعه «التهذيب» (٣): نسبة سلم هذا الفريابي وصوابه: العرماني بعينٍ وراءٍ مهملتين، ثم ميم، ثم ألف ثم نون، كما نبه عليه الرشاطي، نسبة إلى عرمان بن عمرو بن الأزد (٤).
قال الداودي: فيه أن الصلاة تقام والإمام في داره إذا كان يسمع الإقامة، وفيه: أن يقام إلى الصلاة بالسكينة كما يفعل فيها.

----------------
(١) برقم (٦٣٧) كتاب: الأذان.
(٢) «تهذيب الكمال» ١١/ ٢٣٢ - ٢٣٥ (٢٤٣٣).
(٣) «تهذيب الكمال» ١١/ ٢٣٢ (٢٤٣٣).
(٤) قاله مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» ٥/ ٤٣٢.



وقوله: («حتى تروني») يريد: لأنه قد يبطئ لوضوء يجدده أو غيره، فكره أن ينتظروه قيامًا. وقال أبو عبد الملك: إنهم إذا قاموا عنوة للإحرام، وذهب التوقير الذي أمروا به. قال مالك: ليس لقيام الناس عند الإقامة حد، منهم الثقيل والخفيف (١).
وقال الشافعي: يقومون إذا قال: قد قامت الصلاة. وحكاه ابن حبيب عن ابن عمر، كذا حكاه ابن التين عن الشافعي، ومشهور مذهبه خلافه (٢).
إذا تقرر ذلك فالكلام على ما ذكره فيه من الأحكام من أوجه:
أحدها:
في البيع وقت النداء، فعندنا: يحرم على من تجب عليه الجمعة التشاغل بالبيع وغيره بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب، فإن باع صح، ويكره قبل الأذان بعد الزوال (٣).
وعبارة الزجاج: البيع من وقت الزوال من يوم الجمعة إلى انتفاء الصلاة كالحرام.
وقال الفراء: إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء؛ لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء؛ لأن المشتري والبائع يقع عليهما البيعان.

-------------
(١) انظر: «الاستذكار» ٣/ ١٠٠.
(٢) لم نقف على هذا القول، ومذهب الشافعية أن المأموم لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة.
انظر: «حلية العلماء» ٢/ ٦٩، «البيان» ٢/ ١٥٩، «المجموع» ٣/ ٢٣٣.
لكن قال الماوردي رحمه الله:
ينبغي لمن كان منهم شيخًا بطيء النهضة أن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة، ومن كان شابا سريع النهضة أن يقوم بعد فراغه من الإقامة. «الحاوي» ٢/ ٥٩.
(٣) انظر: «حلية العلماء» ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩، «المجموع» ٤/ ٣٦٦.



وفي «تفسير إسماعيل بن زياد الشامي» عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: «تحرم التجارة عند الأذان، ويحرم الكلام عند الخطبة، ويحل الكلام بعد الخطبة، وتحل التجارة بعد الصلاة» الحديث.
وذكر عند سبب نزول الآية الكريمة أن رجلين من الصحابة كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ -، يخطب، فيدعانه ويقومان فيما هما إلا بيعًا حتى تقام الصلاة، فأنزل الله: ﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فحرم عليهما ما كانا قبل ذلك (١). رواه عن عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، فذكره.
وعن قتادة: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع والشراء (٢).
وعن الضحاك: إذا زالت الشمس (٣). وعن عطاء والحسن مثله (٤).
وعن أيوب: لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون: حرم البيع. وذلك عند خروج الإمام.
وعن ميمون بن مهران: كان ذلك إذا أذن المؤذن. وابتاع أهل القاسم بن عطاء شيئًا، وخرج القاسم إلى الجمعة فوجد الإمام قد خرج، فلما رجع أمرهم أن يتناقضوه.

------------------
(١) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٣٢٩ لعبد بن حميد من رواية محمد بن كعب.
(٢) رواه عبد الرزاق ٣/ ١٧٨ (٥٢٢٥) كتاب: الجمعة، باب: وقت الجمعة.
(٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ١٧٧ (٥٢٢٣) كتاب: الجمعة، باب: وقت الجمعة.
وابن أبي شيبة ١/ ٤٦٥ (٥٣٨٥) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي يكره فيها الشراء والبيع.
(٤) رواهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٥ (٥٣٨٦).



وفي «المصنف» عن مسلم بن يسار: إذا علمت أن النهار قد انتصف يوم الجمعة، فلا تبتاعنَّ شيئًا.
وكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة. وعن مجاهد: من باع شيئًا بعد الزوال يوم الجمعة، فإن بيعه مردود. وعن برد: قلت للزهري: متى يحرم البيع والشراء يوم الجمعة؟ فقال: كان الأذان عند خروج الإمام. فأحدث عثمان التأذينة الثالثة، فأذن على الزوراء ليجمع الناس، فأرى أن يترك البيع والشراء عند التأذينة، وعن الشعبي في الساعة التي ترجى في الجمعة قال: فيما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل (١).
وفي «الهداية» للحنفية: إذا أذن المؤذن الأذان الأول ترك الناس البيع وتوجهوا إلى الجمعة للآية، ولا اعتبار بالأذان قبل الزوال، وفي النافع لهم إن كان أذان يكون قبل الزوال، فذاك غير معتبر، والمعتبر الأذان بعد الزوال (٢).
وذكر الرازي عن مسروق والضحاك، ومسلم بن يسار أن البيع يحرم بالزوال. وروي ذلك عن عطاء والقاسم، والحسن، ومجاهد، وقالت طائفة: عند النداء الثاني والإمام على المنبر. رواه ابن القاسم عن مالك، وأنكر منع الناس البيع قبل ذلك (٣).
ثم اختلفوا في جواز البيع وقت النداء، فقال أبو حنيفة وصاحباه وزفر والشافعي: يجوز مع الكراهة. وهو قول الجمهور، كذا حكي

--------------
(١) «المصنف» ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦ (٥٣٩١، ٥٣٨٩، ٥٣٨٨، ٥٣٨٣) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي يكره فيها الشراء والبيع.
(٢) «الهداية» ١/ ٩١.
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ١٤٤، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٨.



عن الشافعي، ولعل المراد بها التحريم، وبالصحة قال أبو حنيفة وأصحابه أيضًا (١). وقال أحمد وداود والثوري ومالك في رواية عنه: لا يصح (٢).
قال الثوري: البيع صحيح، وفاعله عاص؛ لأن النهي لم يقع على البيع، وإنما جرى ذلك البيع لأنهم كانوا يشتغلون بالتجارة عن الجمعة، والمعنى المقصود من ذلك: كل ما منع من إتيانها فالإجماع قائم على أن المصلي لا يحل له في صلاته بيعٌ ولا شراء، فإن خالف صح وكان عاصيًا. أي: وتبطل إن كان بلفظ الخطاب.
وروى ابن القاسم عن مالك أن البيع مفسوخ، وهو قول أكثر المالكية، كما حكاه ابن التين، وروى عنه ابن وهب وعلي بن زياد: بئس ما صنع وليستغفر الله (٣). وقال عنه علي: ولا أرى الربح فيه حرامًا.
قال ابن القاسم: لا يفسخ ما عقد حينئذٍ من النكاح ولا تفسخ الهبة والصدقة والرهن والحمالة. وقال أصبغ: يفسخ النكاح (٤).
قال: ابن التين: كل من لزمه النزول للجمعة يحرم عليه ما يمنعه منه من بيع، أو نكاح، أو عمل. قال: واختلف في النكاح والإجازة قال:

---------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٦٢، «البناية» ٧/ ٢٨٠، «البحر الرائق» ٦/ ١٦٥، «الأم» ١/ ١٧٣، «حلية العلماء» ٢/ ٢٢٨، «البيان» ٢/ ٥٥٨، «المجموع» ٤/ ٣٦٧.
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ١٤٣، «التفريع» ١/ ٢٣٣، «المعونة» ١/ ١٦٦، «المستوعب» ٣/ ١٨، «المغني» ٣/ ١٦٣، «فتح الباري» لابن رجب ٨/ ١٩٤.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٩ - ٤٧٠، «المنتقى» ١/ ١٩٥، «حاشية الدسوقي» ١/ ٣٨٨.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٩، «الذخيرة» ٢/ ٣٥٢، «مواهب الجليل» ٢/ ٥٥٦.



وذكر القاضي أبو محمد أن الهبات والصدقات مثل ذلك. قال أبو محمد: من انتقض وضوؤه فلم يجد ماءً إلا بثمن جاز له أن يشتريه؛ ليتوضأ به، ولا يفسخ شراؤه، ولبعض الحنفية المتأخرين احتمال في حرمة البيع قبل الزوال إذا كان منزله بعيدًا عن الجامع بحيث تفوت عليه الجمعة.
قال الشافعي في «الأم» والأصحاب: ولو تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة لم يحرم بحال ولم يكره، وإذا تبايع رجلان من أهل فرضها أو أحدهما من أهل فرضها، فإن كان قبل الزوال فلا كراهة، وإن كان بعده وقبل ظهور الإمام أو قبل جلوسه على المنبر، وقبل شروع المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب كره كراهة تنزيه، وإن كان بعد جلوسه وشرع المؤذن فيه حرم على المتبايعين جميعًا، سواء كانا من أهل الفرض أو أحدهما، ولا يبطل البيع (١)؛ لأن النهي لايختص بالعقد، فلم يمنع صحته كالبيع عند ضيق الوقت المؤدي لفرض الوقت، والبيع في الأرض المغصوبة، والبيع في المسجد نهي عن البيع فيه، وينعقد.
وقال ابن قدامة: مشروعية الأذان قبل صعود الإمام هو الذي يمنع البيع، ويلزم السعي؛ لأن الله تعالى أمر به، ونهى عن البيع بعد النداء، والنداء الذي كان على عهده هو عقب الجلوس على المنبر، ولا فرق في ذلك بين قبل الزوال أو بعده. أي: على مذهبه في جواز فعلها قبل الزوال، وحكى القاضي رواية عن أحمد أن البيع يحرم بالزوال، وإن لم يجلس الإمام على المنبر، ولا يصح هذا، وتحريم البيع ووجوب السعي مختص بالمخاطبين بالجمعة، فأما غيرهم كالنساء فلا يثبت في

-----------------
(١) «الأم» ١/ ١٧٣، انظر «المجموع» ٤/ ٣٦٦.


حقه ذلك. قال: وذكر ابن أبي موسى في غير المخاطبين روايتين (١).
وقال ابن حزم: لا يحل البيع من إثر الاستواء، ومن أول أخذها في الزوال والميل إلى أن تنقضي صلاة الجمعة، فإن كانت قرية قد منع أهلها الجمعة، أو كان ساكن بين الكفار ولا مسلم معه فإلى أن يصلي ظهر يومئذٍ، فإن لم يصل فإلى أول وقت العصر، ويفسخ البيع حينئذ أبدًا إن وقع (٢)؛ لما سلف عن ابن عباس.
قال ابن قدامة: ولا يحرم غير البيع من العقود كالأجارة والصلح والنكاح، وقيل: يحرم؛ لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع (٣). وبالأول قال ابن حزم، حيث قال: لا يحرم حينئذ لا نكاح ولا إجارة ولا سلم ولا ما ليس بيعًا (٤).
الحكم الثاني: غير البيع، فحيث حرم البيع حرم جميع العقود والصنائع، وكل ما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة، وهو متفق عليه، وممن صرح به الشيخ نصر في «تهذيبه»، ولا يزال التحريم حتى يفرغوا من الجمعة (٥)، قال ابن القاسم: لا يفسخ ما عقد حينئذ من النكاح، وهذا قد سلف قريبًا بزيادة.
الحكم الثالث: السفر بعد الزوال وهو حرام إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة، وبه قال مالك وأحمد وداود (٦).

----------------
(١) «المغني» ٣/ ١٦٢ - ١٦٤.
(٢) «المحلى» ٥/ ٧٩.
(٣) «المغني» ٣/ ١٦٤.
(٤) «المحلى» ٥/ ٧٩.
(٥) انظر: «المجموع» ٤/ ٣٦٧.
(٦) انظر: «التفريع» ١/ ٢٣٣، «الذخيرة» ٢/ ٣٥٥، «قوانين الأحكام» ص ٩٥، «المستوعب» ٣/ ١٦، «الكافي» ١/ ٤٩٧، «الممتع» ١/ ٦٣١، «المبدع» ٢/ ١٤٦.



وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعائشة، وابن المسيب (١) قال: وقال أبو حنيفة: يجوز (٢).
وقبل الزوال قولان: الجديد أنه كبعده إن كان سفرا مباحًا أو طاعة، وبعض أصحابنا قال: إن كان طاعة جاز (٣)، ويكره عندنا السفر ليلتها، وجائز عندنا، وعند العلماء كافة إلا ما حكاه العبدري عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا يسافر بعد دخول العشي من يوم الخميس حتى يصليها وهو بالحل، لا أصل له كما قاله النووي (٤).
وإن روى ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة قالت: إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلي الجمعة.
وجوز عمر والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر والحسن وابن سيرين السفر قبل الزوال (٥)، وبه قال مالك وابن المنذر (٦).
واحتج لهم بحديث ابن رواحة (٧) وهو حديث ضعيف جدًّا، وليس

-------------
(١) «الأوسط» ٤/ ٢٢.
(٢) انظر: «البناية» ٣/ ١٠٦.
(٣) قال النووي رحمه الله في «المجموع» ٤/ ٣٦٦: والأصح أنه لا يجوز، وهو نصه في أكثر كتبه الجديدة.
(٤) المصدر السابق.
(٥) «المصنف» ١/ ٤٤٣ (٥١١٢، ٥١٠٦، ٥١١٤) كتاب: الصلوات، باب: من كره إذا حضرت الجمعة أن يخرج حتى يصلي.
(٦) «المجموع» ٤/ ٣٦٦، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥٩.
(٧) ورد بهامش الأصل ما نصه: روى حديث ابن رواحة أحمد في «المسند» من حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وعلله أن الحكم لم يسمعه من مقسم.



في المسألة حديث صحيح، وحرمته عائشة (١) والنخعي، وحكي عن ابن عمر أيضًا، حكاه عنه في «شرح المهذب» (٢).
وابن أبي شيبة حكى عنه الجواز كما قدمناه أولًا، وإسناده جيد، وحكاه البيهقي عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز وحسان بن عطية، وروي عن معاذ بن جبل ما يدل على ذلك (٣).

------------
(١) رواه عنها ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٣ (٥١١٤) كتاب: الصلوات، باب: من كره إذا حضرت الجمعة أن يخرج حتى يصلي.
(٢) «المجموع» ٤/ ٣٦٧.
(٣) «السنن الكبرى» ٣/ ١٨٧ كتاب: الجمعة، باب: من قال: لا ينشئ يوم الجمعة سفرًا حتى يصليها.
ورواه ابن أبي شيبة عن حسان بن عطية ١/ ٤٤٣ (٥١١٧).



١٩ - باب لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْتَين يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى». [انظر: ٨٨٣ - فتح: ٢/ ٣٩٢]
ذكر فيه حديث سلمان الفارسي: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ» الحديث.
وقد سلف في باب: الدهن للجمعة (١) واضحًا، والاختلاف في التفرقة بين اثنين وأن الأشبه بتأويله أن لا يتخطى رجلين أو يجلس بينهما على ضيق الموضع، ويؤيده ما في «الموطأ» عن أبي هريرة: لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس (٢).
ومعناه أن الماثم عنده في التخطي أكثر من المأثم في التخلف عن الجمعة، كذا تأوله القاضي أبو الوليد، وتأوله أبو عبد الملك: أن صلاته بالحرة -وهي: حجارة سود بموضع بعيد من المسجد- خير له.
وروى ابن أبي شيبة بلفظ: لأن أصلي بالحرة أحب إلى من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة (٣).
وعن سعيد بن المسيب مثله (٤)، وقال كعب: لأن أدع الجمعة أحب

---------------
(١) سلف برقم (٨٨٣).
(٢) «الموطأ» ص ٨٩.
(٣) «المصنف» ١/ ٤٧٤ (٥٤٨١) كتاب: الصلوات، باب: في تخطي الرقاب يوم الجمعة.
(٤) «المصنف» ١/ ٤٧٣.



إليّ من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة (١).
وقال سلمان: إياك والتخطي، واجلس حيث بلغتك الجمعة (٢)، وهو قول الثوري وعطاء وأحمد، وما قدمناه (٣) من أن الأشبه ما سلف، هو ما ذكره ابن التين في «شرحه».
وجزم ابن بطال في «شرحه» بأن المراد: لا يتخطى، يدل على ذلك حديث أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما» رواه ابن وهب (٤)، وروى ابن أبي خيثمة من حديث الأرقم الصحابي: «الذي يتخطى رقاب الناس يفرق بين اثنين يوم الجمعة بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار (٥).
وذكره ابن التين مرفوعًا من غير عزو لراوٍ وفي الترمذي وأبي داود من حديث معاذ بن أنس الجهني مرفوعًا:»من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم«. قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث

--------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٤ (٥٤٨٢).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٤ (٥٤٨٠).
(٣) انظر:»المغني«٣/ ٢٣٥ - ٢٣١.
(٤) رواه أبو داود (٤٨٤٥) كتاب: الأدب، باب: في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما، والبخاري في»الأدب المفرد«٤٢٣ - ٤٢٤ (١١٤٢) من طريق عبد الله بن وهب عن أسامة بن زيد به، ورواه الترمذي (٢٧٥٢)، وأحمد ٢/ ٢١٣ من طريق عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد، به. قال الألباني في»صحيح الترمذي«(٢٢١٠): حسن صحيح.
(٥) رواه أحمد ٣/ ٤١٧، والطبراني: ١/ ٣٠٧ (٩٠٨) والحاكم في»المستدرك«٣/ ٥٠٤ كتاب: معرفة الصحابة. قال الذهبي: في إسناده هشام وهو واه. وقال الهيثمي في»مجمع الزوائد" ٢/ ١٧٨: وفيه هشام بن زياد وقد أجمعوا على ضعفه.



رشدين (١) وقد ضعفه بعض أهل العلم.
وفي أبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي - ﷺ - يخطب، فقال: «اجلس فقد آذيت» (٢).
وقد اختلف العلماء في التخطي، فمذهبنا أنه مكروه إلا أن يكون

----------------
(١) هذا الحديث لم يخرجه أبو داود وإنما رواه الترمذي (٥١٣)، وابن ماجه (١١١٦) من طريق رشدين بن سعد عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه، به.
قال النووي في «الخلاصة» ٢/ ٧٨٦ (٢٧٥٨): إسناده ضعيف.
وقال الحافظ ابن كثير في «إرشاد الفقيه» ١/ ٢٠١: حديث لا يثبت، في إسناده رشدين بن سعد عن زبان بن فائد، وهما ضعيفان.
وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٣٠).
(٢) «أبو داود» (١١١٨): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا بشر بن السري، حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية قال: كنا مع عبد الله بن بسر -صاحب النبي - ﷺ -- يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة … الحديث.
قال النووي في «الخلاصة» ٢/ ٧٨٥، والمصنف في «البدر المنير» ٤/ ٦٨٠، والألباني في «صحيح أبي داود» (١٠٢٤): إسناد صحيح على شرط مسلم.
والنسائي ٣/ ١٠٣: أخبرنا وهب بن بيان، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: سمعت معاوية بن صالح، به.
ومن هذا الطريق صححه ابن حبان ٧/ ٢٩ - ٣٠ (٢٧٩٠).
وقال النووي في «الخلاصة» ٢/ ٧٨٥: إسناده صحيح. وقال المصنف في «البدر المنير» ٤/ ٦٨٠: إسناد كل رجاله ثقات لا نعلم فيهم جرحًا.
والحديث رواه ابن خزيمة ٣/ ١٥٦ (١٨١١)، والحاكم ١/ ٢٨٨ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح به، بزيادة: «وآنيت».
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه المصنف في «البدر» ٤/ ٦٨١. وقال النووي ٢/ ٧٨٥: إسناده صحيح.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #205  
قديم 31-01-2026, 10:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 507 الى صـــ 526
الحلقة (205)






قدامهم فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فلا يكره حينئذ، وبهذا قال الأوزاعي وآخرون، وقال ابن المنذر: كراهته مطلقًا عن سلمان الفارسي، وأبي هريرة وكعب وسعيد بن المسيب وعطاء، وأحمد بن حنبل (١).
وعن مالك كراهته إذا جلس الإمام على المنبر، ولا بأس به قبله، وقال قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه، وقال الأوزاعي: يتخطاهم إلى السعة (٢).
وهذا يشبه قول الحسن قال: لا بأس بالتخطي إذا كان في المسجد سعة (٣)، وقال أبو نضرة: يتخطاهم بإذنهم (٤).
وكان مالك لا يكره، وعن مالك أنه لا يكره إلا إذا كان الإمام على المنبر، ولا بأس به قبل ذلك إذا كان بين يديه فرج (٥).
وذكر الطحاوي عن الأوزاعي مثله، قال: التخطي الذي جاء فيه القول إنما هو والإمام يخطب؛ لأن الآثار تدل عليه (٦)، ألا ترى قوله - ﷺ -: «الذي يتخطى رقاب الناس يفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار» (٧)
وقال ابن المنذر: لا يجوز شيء من ذلك عندي؛ لأن الأذى يحرم قليله وكثيره (٨).

----------------
(١) «الأوسط» ٤/ ٨٤ - ٨٥.
(٢) «الأوسط» ٤/ ٨٥.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٣ (٥٤٧٨) كتاب: الصلوات، باب: في تخطي الرقاب يوم الجمعة.
(٤) «الأوسط» ٤/ ٨٦.
(٥) انظر: «المدونة» ١/ ١٤٨.
(٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٣٥.
(٧) تقدم تخريجه قريبًا.
(٨) «الأوسط» ٤/ ٨٦.



قلت: وهو المختار. وفي كتب الحنفية: لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس، وقيل: لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة، ويكره إن أخذ، وهو قول مالك، قال الحلواني منهم: والصحيح أن الدنو من الإمام أفضل لا التباعد منه (١).
وفي قوله: («لا يفرق بين اثنين») مطلوبية التبكير إلى الجمعة ليصل إلى مكان مصلاه دون تخط، ولا يفرق بين اثنين. وقال ابن التين: التخطي ضربان: قبل جلوس الإمام على المنبر، والثاني بعده، فالأول إذا تخطى لفرجة يباح له التخطي، رواه ابن القاسم عن مالك إلا أن يؤمر بالتحفظ من أذى الناس، ويرفق في التخطي.
والثاني: لا يتخطاها ولا غيرها لأن تأخره عن وقت وجوب السعي أبطل حقه من التخطي إلى فرجة، يبينه ما روى بشير أنه - عليه السلام - قال للذي دخل يوم الجمعة: «اجلس فقد آذيت»، هذا مذهب مالك (٢) والأوزاعي أن التخطي المنهي عنه إذا جلس الإمام على المنبر ولا بأس به قبل ذلك، وروي عن أبي نضرة أنه قال: يتخطاهم بإذنهم (٣).

-------------
(١) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٦٨.
(٢) انظر: «المنتقى» ١/ ٢٠٣.
(٣) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في الثالث بعد الثامن كتبه مؤلفه ..



٢٠ - باب لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَومَ الجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ فِي مَكَانِهِ
٩١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافِعٍ: الجُمُعَةَ؟ قَالَ: الجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. [٦٢٦٩، ٦٢٧٠ - مسلم ٢١٧٧ - فتح: ٢/ ٣٩٣]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن نافع، عن ابْن عُمَرَ: نَهَى النُّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافِعٍ: الجُمُعَةَ؟ قَالَ: الجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم في الاستئذان (١)، ولأبي اليمان عن ابن جريج: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه» ولأبي الفضل بن موسى السيناني عن ابن جريج أنه - ﷺ - كره أن يقيم الرجل من المجلس فيجلس فيه.
ومحمد هو ابن سلام البيكندي، وقد صرح به في بعض النسخ، انفرد به البخاري، مات سنة خمس وعشرين ومائتين.
ومخلد (خ م د س ق) حراني مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، كناه أبو زرعة: أبا يحيى، والبخاري: أبا خداش، والنسائي وغيره: أبا الحسن، وفي «مسند أبي قرة السكسكي» عن نافع: فكان ابن عمر

-----------
(١) «صحيح مسلم» (٢١٧٧) كتاب: السلام، باب: تحريم إقامة الإنسان في موضعه المباح الذي سبق إليه.


يقوم له الرجل من مجلسه فلا يجلس فيه (١).
قال: وذكر ابن جريج عن سليمان بن موسى أن جابر بن عبد الله [قال] (٢): قال رسول الله - ﷺ -: «لا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا» (٣).
إذا تقرر ذلك فإنما كره ذلك؛ لأنه لا يفعل إلا تكبرًا واحتقارًا للمقام، قال تعالى: ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] وهذا من الفساد، والإيثار ممنوع من الأعمال الأخروية، ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، فإن قدم صاحبًا فجلس في موضع حتى إذا جاء قام وأجلسه مكانه جاز، فَعَله ابن سيرين، فإن لم يكن له نائب، وجاء فقام له شخص فيجلسه مكانه جاز؛ لأنه قام باختياره، والقائم إن انتقل إلى

----------------
(١) مخلد بن يزيد القُرَشي أبو يحيى، ويقال: أبو خياش ويقال: أبو الجيش، ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو خالد الحَرَّانيُّ.
قال أبو بكر الأثْرَم عن أحمد بن حنبل: لا بأس به، وكان يَهم.
وقال عثمان بن سعيد الدارمى عن ابن معين، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان: ثقة.
وقال أبو حاتم: صدوق.
وقال أحمد بن علي الأبار: سألت عليّ بن ميمون عنه، فقال: كان قُرَشيًّا، نعم الشيخ.
وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات».
روى له الجماعة سوى الترمذي.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٣٧ - ٤٣٨ (١٩١٣)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٤٧ (١٥٩١)، «الثقات» ٩/ ١٨٦. «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٤٣ (٥٨٤٣).
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٦٨ (٥٥٩١) كتاب: الجمعة، باب: إقامة الرجل أخاه ثم يختلف. وأحمد ٣/ ٢٩٥. والشافعي في «مسنده» ٢/ ١٨٧ (٦٦٣) كتاب: الأدب.



مكان أقرب لسماع الخطبة فلا بأس، وإن انتقل إلى دونه كره؛ لأنه يؤثر في دينه، ويحتمل كما قال ابن قدامة أن لا يكره لأن تقديم أهل الفضل إلى ما يلي الإمام مشروع؛ لقوله - ﷺ -: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» (١).
ولو آثر شخصًا بمكانه لم يجز لغيره أن يسبقه إليه؛ لأن الحق للجالس آثر به غيره فقام مقامه في استحقاقه، كما لو تحجر مواتًا، ثم آثر به غيره، قاله ابن قدامة (٢).
وقال ابن عقيل الحنبلي: يجوز لأن القائم أسقط حقه بالقيام فبقي على الأصل، فكان السابق إليه أحق به، كمن وسع لرجل في طريق فمر غيره. وإن فرش مصلاه في مكان ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز رفعه والجلوس في موضعه؛ لأنه لا حرمة له؛ ولأن السبق بالأجسام لا بالمصلى.
والثاني: لا يجوز لأن فيه افتياتًا على صاحبه، ولأنه ربما أفضى إلى الخصومة، ولأنه سبق إليه فصار كمتحجر الموات (٣).
وقال القاضي أبو الطيب من أصحابنا: يجوز إقامته في ثلاث صور:
وهو أن يقعد في موضع الإمام، أو في طريق يمنع الناس من المرور فيه، أو بين يدي الصف مستقبل القبلة (٤).

-----------
(١) رواه «مسلم» (٤٣٢) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها، من حديث أبي مسعود البدري.
(٢) «المغني» ٣/ ٢٣٣.
(٣) «المغني» ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٤) انظر: «المجموع» ٤/ ٤٢١.



وقال المهلب: هو على العموم كما قال نافع لا يجوز أن يقيم أحد أحدًا من مكانه؛ لأنه من سبق إلى موضع من مواضع الجماعات التي نتساوى الناس فيها فهو أحق به، لبداره إليه.
قلت: وكأن البخاري أشار بترجمته إلى كثرة الزحام يوم الجمعة فربما احتيج في الجلوس مكان الغير، ويؤخذ منه التبكير، فمن بكر لم يحتج إلى شيء من ذلك.


٢١ - باب الأَذَانِ يَومَ الجُمُعَةِ
٩١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. [٩١٣، ٩١٥، ٩١٦ - فتح: ٢/ ٣٩٣]
ذكر فيه حديث السائب بن يزيد قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ.
وترجم له باب: المؤذن الواحد يوم الجمعة، وزاد فيه عن السائب قال: ولم يكن للنبي - ﷺ - مؤذنٌ غير واحد، وكان التأذين حين يجلس الإمام على المنبر (١). وذكره أيضًا في باب: الجلوس على المنبر (٢) وموضعين آخرين من الباب (٣) ويأتي في الاعتصام (٤)، وهو من

------------
(١) الحديث الآتي (٩١٣).
(٢) حديث (٩١٥).
(٣) يأتي في باب: التأذين عند الخطبة، برقم (٩١٦).
(٤) لم أجد حديث الباب في كتاب الاعتصام، ولكن وجدت حديثًا عن السائب بن يزيد سيأتي برقم (٧٣٣٨) باب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم. بلفظ: أخبرني السائب بن يزيد، سمع عثمان بن عفان خطبنا على منبر النبي - ﷺ -. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١٣/ ٣١٠: بقية الحديث أوهم صنيع الإسماعيلي أنه فيما يتعلق بالأذان الذي زاده عثمان، فإنه أخرجه هنا وليس فيه شيء يتعلق عطية عثمان على المنبر، والحق أنه حديث آخر. اهـ.
قلت: وقد تبع المصنف الإسماعيلي في وهمه. والله أعلم. اهـ.



أفراده، وأخرجه الأربعة (١) وفي لفظ له: أمر عثمان بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك (٢). وفي لفظ: أمر عثمان بالأذان الثاني (٣).
وللشافعي: حَدَّثَنَا بعض أصحابنا عن ابن أبي ذئب، وفيه: ثم أحدث عثمان الأذان الأول على الزوراء (٤).
وللنسائي عن السائب: كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر (٥). ولأبي داود: يؤذن بين يدي رسول الله - ﷺ - على باب المسجد وأبي بكر وعمر (٦).
ولابن خزيمة عن السائب: كان النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة إذا خرج الإمام وإذا قامت الصلاة، في زمن رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر، حتى كان عثمان، فكثر الناس، فأمر بالنداء الثالث (٧).
وفي رواية له: كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، حتى كان زمن عثمان فأمر بالنداء الأول بالزوراء (٨).

--------------
(١) رواه أبو داود (١٠٨٨)، والترمذي (٥١٦)، والنسائي ٣/ ١٠٠ - ١٠١ وابن ماجه (١١٣٥).
(٢) سيأتي برقم (٩١٦).
(٣) سيأتي برقم (٩١٥).
(٤) رواه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٣٣٧ (٦٣٨٨) من طريق الشافعي.
(٥) «سنن النسائي» ٣/ ١٠٠ - ١٠١ كتاب: الجمعة، باب: الأذان للجمعة.
(٦) «سنن أبي داود» (١٠٨٨) كتاب: الصلاة، باب: النداء يوم الجمعة.
(٧) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ١٣٦ (١٧٧٣) كتاب: الجمعة، باب: ذكر الأذان الذي كان على عهد رسول الله - ﷺ - الذي أمر الله …
(٨) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ١٣٧ (١٧٧٤).



وفي رواية لعبد بن حميد في «تفسيره»: في زمن رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان، فلما تباعدت المنازل وكثر الناس أمر بالنداء الثالث، فلم يعب ذلك عليه وعيب عليه إتمام الصلاة بمنى (١). الحديث.
وفي «مصنف عبد الرزاق» عن ابن جريج: قال سلمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان. فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعو الناس دعاء ولا يؤذن غير أذان واحد (٢).
وفي «المصنف» عن الحسن: النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام، والذي قبل ذلك محدث، وكذا قاله ابن عمر. وفي رواية عنه: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة.
وعن الزهري: أول من أحدث الأذان الأول عثمان؛ ليؤذن أهل الأسواق.
وفي لفظ: فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء؛ ليجتمع الناس (٣).
وفي «تفسير جويبر»، عن الضحاك، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن معاذ أن عمر هو الذي زاده، فلما كانت خلافة عمر وكثر المسلمون أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس بالجمعة خارجا من المسجد حتى يسمع الناس الأذان، وأمران يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدي

----------------
(١) رواه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» ٦/ ٣٢٦.
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٢٠٦ (٥٣٤٠) كتاب: الجمعة، باب: الأذان يوم الجمعة.
(٣) «المصنف» ١/ ٤٧٠ (٥٤٣٤، ٥٤٣٥، ٥٤٣٧) كتاب: الصلوات، باب: الأذان يوم الجمعة.



رسول الله - ﷺ -، وبين يدي أبي بكر، ثم قال عمر: أما الأذان الأول فنحن ابتدعناه؛ لكثرة المسلمين، فهو السنة من رسول الله - ﷺ - ماضية (١).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
قوله: (كان النداء يوم الجمعة هو النداء). هو: الأذان.
وقوله: (إذا جلس الإمام على المنبر). هذا سنة وعليه عامة العلماء، خلافًا لأبي حنيفة (٢)، كذا قال ابن بطال (٣) وتبعه ابن التين، وقالا: خالف الحديث.
وفي «الهداية» على مذهبهم: وإذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذن بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث، ولم يكن على عهد رسول الله - ﷺ - سوى هذا الأذان (٤).
قال المهلب: إنما جعل التأذين في هذا الحديث؛ ليعرف الناس جلوس الإمام فينصتون له.
ثانيها:
المنبر -بكسر الميم- مشتق من المنبر، وهو الارتفاع، وكان - ﷺ - يقف على الدرجة التي تلي المستراح.
وقوله: (ولم يكن له مؤذن غير واحد). يعني: لصلاة الجمعة، وإلا

---------------
(١) قال ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٣٩٥: هذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت، ولقد تواردت الروايات أن عثمان هو الذي زاده فهو المعتمد. اهـ.
(٢) «المبسوط» ١/ ١٣٤.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٠٣.
(٤) «الهداية» ١/ ٩١.



فله - ﷺ - أربعة من المؤذنين كما هو معروف (١). أو المراد: بلال لمواظبته.
قال الإسماعيلي: وأراد به التأذين، فجاء بلفظ: المؤذن؛ لأن فيه دلالة على التأذين. وعبارة ابن حبيب: كان النبي - ﷺ - إذا رقى المنبر وجلس أذن المؤذنون على المنابر واحدًا بعد واحد، وكانوا ثلاثة، فإذا فرغ الثالث خطب - ﷺ -. وهو غريب منه، يرده ما سلف في باب المؤذن الواحد.
وقال مالك في «المجموعة»: إن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه، وإنما الأذان على المنار واحدًا بعد واحدٍ إذا جلس الإمام على المنبر (٢).
وذكر ابن التين عن هشام خلافه، فذكر أنه نقل في إمارته الأذان الذي في الزوراء، فجعله مؤذنًا واحدًا يؤذن عند الزوال على المنار، فإذا جلس هشام على المنبر أذنوا بين يديه، وهذا أخذ بفعل عثمان قال ابن حبيب: وفعل الشارع أحق أن يتبع (٣).
قال ابن عبد البر: وقد شُبِّه على قومٍ من أصحابنا في موضع الأذان يوم الجمعة، وأنكروا أن يكون الأذان في الجمعة بين يدي الإمام كان في زمن رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر، وزعموا أن ذلك أحدث في زمن هشام بن عبد الملك، وهذا يدل على قلة علم قائله (٤).
والنداء الثالث هو: الإقامة. وقد بينا من «المصنف» وغيره ما هو هذا النداء، وأنه قبل الأذان الذي بين يدي الإمام، وأن الأذان الثاني في

---------------
(١) وقد أذن للنبي - ﷺ - أربعة هم: بلال، وأبو محذورة، وابن أم مكتوم، وسعد القرظ.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٧.
(٣) انظر السابق.
(٤) «الاستذكار» ٥/ ٥٦.



حديث السائب إنما نعني به: الإقامة، لقوله - ﷺ -: «بين كل أذانين صلاة» (١) يعني: بين كل أذان وإقامة. ولأنها في الاشتقاق: أذان؛ لأنها إعلام بحضور الصلاة، وقيل: سميت بذلك للمجاورة، كما قيل: البيعان. وإنما هو بائع ومشتر- والأسودان، وغير ذلك.
وقال القاضي أبو محمد: للجمعة أذانان: عند الزوال، والآخر عند جلوس الإمام (٢). قال أبو عمر (٣): وكان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدث الثاني، وإنما أحدثه معاوية. وعنه: أنه كان يدعو الناس بدعاءٍ ولم يؤذن غير واحد (٤).
واختلف الفقهاء، كما قال أبو عمر: هل يؤذن بين يدي الإمام واحد أو مؤذنون؟ فذكر ابن عبد الحكم عن مالك: إذا جلس الإمام على المنبر ونادى المنادي منع الناس من البيع تلك الساعة.
وهذا يدل على أن النداء عنده واحد بين يدي الإمام. ونص عليه الشافعي (٥)، ويشهد له حديث السائب: ولم يكن لرسول الله - ﷺ - غير مؤذن واحدٍ. وهذا يحتمل أن يكون أراد بلالًا المواظب على الأذان دون ابن أم مكتوم وغيره.
عن ابن القاسم عن مالك: إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ

--------------
(١) سلف برقم (٦٢٤) كتاب: الأذان، باب: كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة؟ و(٦٢٧) كتاب: الأذان، باب: بين كل أذانين صلاة لمن شاء. ورواه مسلم: (٨٣٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة.
(٢) «المعونة» ١/ ١٦٥.
(٣) «الاستذكار» ٢/ ٥٦ - ٥٧.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٠٥ (٥٣٣٩) بأطول مما ذكره المصنف وفيه: أول من أحدثه الحجاج بن يوسف.
(٥) «الأم» ١/ ١٧٣.



المؤذنون في الأذان حرم البيع. فذكر المؤذنون بلفظ الجماعة (١).
ويشهد لهذا حديث الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج وجلس على المنبر وأذن المؤذنون الحديث (٢).
وكذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: وأذن المؤذنون. بلفظ الجماعة.
قال أبو عمر: ومعلوم عند العلماء أنه جائز أن يكون المؤذنون واحدًا وجماعةً في كل صلاة، إذا كان ذلك مترادفًا لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها (٣).
وعن الداودي: كانوا يؤذنون في أسفل المسجد ليسوا بين يدي الإمام، فلما كان عثمان جعل من يؤذن على الزوراء، وهي كالصومعة، فلما كان هشام جعل المؤذنين أو بعضهم يؤذن بين يديه، فصاروا ثلاثة، فسمي فعل عثمان تاليا لذلك.
قلت: والآية يدخل فيها ما يقع عليه اسم نداء، وهو واحدٌ.
الثالث: الزوراء -بزاي في الأول، ثم واو ساكنة بعدها راء ممدودة- موضع عند سوق المدينة بقرب المسجد، قال البخاري في بعض نسخه: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة. وقال ابن بطال: هو حجر كبير عند باب المسجد (٤).
وقال ابن التين: هو موضع السوق. وقال أبو عبيد: هي ممدودة

--------------
(١) «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٧.
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٧٠.
(٣) «الاستذكار» ٥/ ٥٦.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٠٥.



ومتصلة بالمدينة، وبها مال أحيحة بن الجلاح، وهي التي عني بقوله:
إني مقيم على الزوراء أعمرها … إن الكريم على الإخوان ذو مالٍ
وقال أبو عبيد الحموي: هي قرب الجامع، مرتفعة كالمنارة، وفرق بينها وبين أرض أحيحة (١).

--------------
(١) «معجم البلدان» ٣/ ١٥٥.


٢٢ - باب المُؤَذِّنِ الوَاحِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ المَاجِشُونُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ الَّذِي زَادَ التَّأْذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ، يَعْنِى عَلَى المِنْبَرِ. [انظر: ٩١٢ - فتح: ٢/ ٣٩٥]
ذكر فيه حديث السائب وقد أسلفناه، وفيه أن الأذان الثالث هو الذي أحدثه عثمان.
قال الإسماعيلي: الأخبار الكثيرة في اتخاذ المؤذنين أشهر من ذلك، وكأن السائب يريد أنه لم يكن له يوم الجمعة إلا مؤذن واحد -على ما تأوله أبو عبد الله- لا في كل وقت، أو أراد به التأذين، فجاء بلفظ (المؤذن)؛ لأن فيه دلالة على التأذين.


٢٣ - باب يُجيب الإِمَامُ عَلَى المِنْبرَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ
٩١٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى المِنْبَرِ، أَذَّنَ المُؤَذِّنُ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى هَذَا المَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ، يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنّي مِنْ مَقَالَتِي. [انظر: ٦١٢ - فتح: ٢/ ٣٩٦]
ذكر فيه حديث أبي أمامة: قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى المِنْبَرِ، أَذَّنَ المُؤَذِّنُ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللهُ أَكْبَرُ .. الحديث
وقد سلف في الأذان (١)، وشيخ البخاري فيه هو محمد بن مقاتل المروزي المجاور بمكة، انفرد به البخاري ولقبه: رُخ. ثقة، صاحب حديث، مات سنة ست وعشرين ومائتين، ومات بعده محمد بن مقاتل العباداني بعشر سنين، ومحمد بن مقاتل الرازي الفقيه بعشرين.
وشيخه عبد الله هو ابن المبارك (٢).
وفيه: إباحة الكلام للإمام على المنبر قبل أن يدخل في الخطبة، بما فيه معنى تعليم الناس السنن؛ لأن القول مثلما يقول المؤذن قد حض عليه - ﷺ -، وقد سلف هناك اختلاف العلماء فيمن كان في صلاة: هل يقول مثل ما يقول المؤذن؟

---------------
(١) رقم (٦١٢) باب: ما يقول إذا سمع المنادي.
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٤٢، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٥، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٤٩١.



وفيه: الاختصار من القول، فإنه تعالى يعلم المراد.
وفيه: تعليم العلم من الإمام وهو على المنبر.
وفيه: الجلوس قبل الخطبة، وقد سلف ما فيه.
وفيه: أن الخطيب إذا جلس على المنبر يؤذن بعد جلوسه، ثم يحتمل أنه - ﷺ - كان خروجه من بيته وطلوعه على المنبر كان قبل الزوال بيسير، إن كان المؤذن يؤذن عند الزوال؛ لأنه ما كان يؤذن إلا أذانًا واحدًا، وإن كان يؤذن بعده، فيحتمل أن يكون - ﷺ - خروجه عنده.
وفيه: أن الخطيب يجيب المؤذن ولا يمنعه من ذلك كونه على المنبر، وعلى هذا فيرد السلام إلى غير ذلك.
وفيه: أن الأذان مرة واحدة على ما جاء في هذه الرواية وتأول.
فائدة:
قال الهروي: عوام الناس يضمون الراء من أكبر (١)، وكان أبو العباس يقول بالسكون، يحتج بأن الأذان سمع موقوفًا غير معرب في مقاطعه، ونقلت فتحة الألف إلى الراء.

--------------
(١) «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ٢٤٤ وورد بهامش الأصل ما نصه: بفتح أكبر الأول وسكون الثاني كذا نقله النووي عن الهروي عن المبرد في «شرح المهذب».


٢٤ - باب الجُلُوسِ عَلَى المِنْبَرِ عِنْدَ التَّأْذِينِ.
٩١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ. [انظر: ٩١٢ - فتح: ٢/ ٣٩٦]
ذكر فيه حديث السائب، وقد سلف (١)، وهو من أفراده أيضًا، وفي «صحيح الحاكم» من حديث ابن عمر: كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج قعد على المنبر فأذن بلال، فإذا فرغ من خطبته أقام الصلاة. ثم قال: صحيح الإسناد (٢)، وله طريق آخر إلى ابن عمر أيضًا، ثم الجلوس على المنبر إنما هو لمن يخطب عليه، ومن جلس في الأرض فإنما يجلس في موضع خطبته، وهذه الجلسة قبل التأذين وضعت له، وهي سنة كما سلف، فلذلك قال العلماء: لا جلوس في العيد قبل الخطبة؛ لأن العيد لا أذان فيه (٣)، وفي «جزء ابن نجيح» من حديث سماك قال: رأيت المغيرة بن شعبة صلى يوم الجمعة بغير أذان ولا إقامة، ثم خطبهم على بعير. نقلته من خط الحافظ الدمياطي.

-------------
(١) برقم (٩١٢).
(٢) «المستدرك» ١/ ٢٨٣ كتاب: الجمعة. قال: صحيح الإسناد فإن هشام بن الغاز ممن يجمع حديثه ولم يخرجاه. قال الذهبي: صحيح ومصعب ليس بحجة.
(٣) هذا عند الأحناف، وعند المالكية يستحب الجلوس قبلها.
وعند الشافعية وجهان: أصحهما أنه يستحب. وعند الحنابلة القولان.
انظر: «رد المحتار» ٢/ ١٩٠، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٧٤، «جواهر الإكليل» ١/ ١٠٣، «المجموع» ٥/ ٢٨، «المغني» ٣/ ٢٧٨، «الشرح الكبير» ٥/ ٣٥٣.



٢٥ - باب التَّأْذِينِ عِنْدَ الخُطْبَةِ.
٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رضي الله عنه وَكَثُرُوا، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. [انظر: ٩١٢ - فتح ٢/ ٣٩٦]
ذكر فيه حديث السائب (١)، وقد سلف أيضًا (٢).
والسائب هذا صحابي، وهو ابن أخت نمر الكندي، وله عن عمر أيضًا، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: سبع. وقيل: سنة ست وثمانين، وولد في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة، وحُجَّ به مع رسول الله - ﷺ -، وذهبت خالته إليه فقالت: إن ابن أختي وجع، فدعا له ومسح برأسه، وشرب من وضوئه، ورأى الخاتم بين كتفيه (٣).

--------------
(١) ورد بهامش الأصل: السائب بن يزيد بن سعيد بن يزيد. (د. س).
(٢) برقم (٩١٢).
(٣) الحديث سلف برقم (١٩٠)، ورواه مسلم (٢٣٤٥) وفيه: ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، مثل زر الحجلة.
وانظر ترجمه السائب في: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٣٧٦ (١٢٦٥)، «والاستيعاب» ٢/ ١٤٤ (٩٠٧)، «وأسد الغابة» ٢/ ٣٢١ (١٩٢٦).



٢٦ - باب الخُطْبَةِ عَلَى المِنْبِرَ
قَالَ أَنَسٌ: خَطَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى المِنْبَرِ.

٩١٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيُّ القُرَشِيُّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا فِي المِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى فُلَانَةَ -امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ-: «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ». فَأَمَرَتْهُ، فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي». [انظر: ٣٧٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ٢/ ٣٩٧]

٩١٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَال: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ المِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ العِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا. [انظر: ٤٤٩ - فتح: ٢/ ٣٩٧]

٩١٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: «مَنْ جَاءَ إِلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ». [انظر: ٨٧٧ - مسلم: ٨٤٤ - فتح: ٢/ ٣٩٧]
(قال أنس: خطب النبي - ﷺ - على المنبر).
وعن أبي حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا فِي المِنْبَرِ .. الحديث.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #206  
قديم 31-01-2026, 10:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 527 الى صـــ 546
الحلقة (206)






وعن مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ، عن يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - … الحديث.
وعن ابن عمر سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: «مَنْ جَاءَ إِلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ».
الشرح:
أما حديث أنس فذكره بعد مسندًا في حنين الجذع، وغيره (١).
وحديث سهل سلف في باب: الصلاة في السطوح والمنبر (٢)
وفي إسناده: يعقوب بن عبد الرحمن القاري، بتشديد الياء المثناة تحت، من القارة، حليف بني زهرة، مدني، ولي الإسكندرية، ومات بها سنة إحدى وثمانين ومائة، اتفقا عليه (٣).
وسهل بن سعد مات سنة ثمان وثمانين، أو سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة على قول (٤).

----------------
(١) برقم (٣٥٨٣) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام عن عبيد الله بن أنس عن جابر.
(٢) برقم (٣٧٧) كتاب: الصلاة.
(٣) هو يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبيد القاريّ المدني، حليف بني زهرة. قال عباس الدُّوريّ، عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات». قال أبو سعيد بن يونس توفي بالاسكندرية سنة إحدى وثمانين ومائة. روى له الجماعة سوى ابن ماجه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة، من الثمانية، مات سنة إحدى وثمانين.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٩٨ (٣٤٧١). «الجرح والتعديل» ٩/ ٢١٠ (٨٧٧). «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣٤٨ (٧٠٩٥). «تقريب التهذيب» (٧٨٢٤).
(٤) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٨٧ و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٣/ ١٣١٢ (١١٨٥) و«الاستيعاب» ٢/ ٢٢٤ (١٠٩٤) و«أسد الغابة» ٢/ ٤٧٢ (٢٢٩٣).



وحديث جابر يأتي في علامات النبوة أيضًا أتم منه (١). وسلف في: الاستعانة بالنجار والصناع من [حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه] (٢) بنحوه (٣) وتعليق سليمان يأتي مسندًا في الباب المذكور عن يحيى عن حفص (٤)، وذكر أبو مسعود وخلف أن سليمان هذا هو ابن بلال. قالا: وقد روى هذا الحديث عن يحيى بن حفص سليمان عن كثير العبدي، كما قال ابن بلال، ولم يذكر سماع بعضهم من بعضٍ، كذا ذكرا، والذي ذكره الدارقطني أن سليمان بن كثير رواه عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن جابر (٥)، قال أبو مسعود: وإنما لم يسم البخاري ابن أنس؛ لأن محمد بن جعفر يقول فيه: عن يحيى عن عبيد الله بن حفص بن أنس. فقال البخاري: عن ابن أنس. ليكون أقرب إلى الصواب. كذا قال أبو مسعود.
وقد رواه أبو نعيم من طريق البخاري وقال: عن يحيى عن عبيد الله ابن حفص بن أنس أنه سمع جابرًا، والظاهر أن الاختلاف من يحيى، فتارة يقول عن حفص بن عبيد الله، وتارة يعكس، يدل على ذلك أن الإسماعيلي رواه من طريق يعقوب بن محمد، ثنا عبد الله بن يعقوب ابن إسحاق -مولى معاوية- ثنا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنِي عبيد الله بن حفص بن أنس.

--------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٨٤) كتاب المناقب.
(٢) ما بين المعقوفتين كلام غير واضح بالأصل، فأثبتناه من تخريج الرواية التي أشار إليها المصنف.
(٣) سلف برقم (٤٤٩) كتاب: الصلاة.
(٤) برقم (٣٥٨٥) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٥) «العلل» ١٣/ ٣٥٨.



قال يعقوب: وإنما هو حفص بن عبيد الله بن أنس، ولكن هكذا حَدَّثَنَا عن جابر، فقد وافق محمد بن جعفر يعقوب هذا، وكذا سويد بن سعيد. قال الدارقطني: وهو الصواب.
قال الحميدي في «جمعه»: ليس لابن أنس عن جابر في «الصحيح» إلا هذا الحديث. قال: وقد اختلف الرواة في اسمه، فقيل: حفص بن عبيد الله. وقيل عكسه (١). وقال البخاري في «تاريخه»: قال بعضهم: عبيد الله بن حفص. ولا يصح (٢).
وفي نسخة أبي ذر: حفص بن عبد الله، وصوابه عبيد الله بالتصغير.
وحفص هذا روى له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، روى عن جده وجابر وابن عمر وأبي هريرة.
قال أبو حاتم: لا يثبت له السماع إلا من جده (٣)، كذا قال، وهو في البخاري عن جابر (٤) في علامات النبوة مصرحًا به (٥).
وأما حديث ابن عمر فسلف من رواية مالك عن نافع عنه (٦)، وأخرجه مع البخاري الترمذي والنسائي (٧).
إذا تقرر ذلك: فالعشار في حديث جابر بكسر العين وهي: النوق

----------
(١) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠ (١٦٠٣).
(٢) «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٦٠ (٢٧٥٠).
(٣) وانظر تمام ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٧/ ٢٥ (١٣٩٦). «الجرح والتعديل» ٣/ ١٧٦ (٧٥٤).
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: وهنا أيضًا صرح أنه سمع جابرًا.
(٥) سيأتي برقم (٣٥٨٥) كتاب: المناقب.
(٦) برقم (٨٧٧) كتاب: الجمعة، باب: فضل الغسل يوم الجمعة.
(٧) «سنن الترمذي» (٤٩٢) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة، و«سنن النسائي» ٣/ ٩٣ كتاب: الجمعة، باب: الأمر بالغسل يوم الجمعة.



الحوامل. قاله في «المطالع». وقال الجوهري: هي جمع عشراء وهي الناقة التي أتت عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، وزال عنها اسم المخائض ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع وبعدما تضع أيضًا (١).
وقيل: هي النوق التي وضع بعضها وبعضها بعد لم يضع. وقال الداودي: هي التي معها أولادها.
وقال الخطابي: هي التي قاربت الولادة، يقال: ناقة عشراء ونوق عشار، على غير قياس (٢).
ونقل ابن التين أنه ليس في الكلام فعلاء على فعال غير نفساء وعشراء وتجمع على عشراوات ونفساوات، والصواب المذكور، مثله بأصواتها عند فراق أولادها.
والجذع أصل النخل، ولما وضع يده عليه سكن حسه، وجاء في رواية: «لو لم أفعل ذلك حن إلى قيام الساعة» (٣).
وذكر البخاري في هذا الباب الأحاديث الثلاثة، وهي دالة على ما بوب له، وهو الخطبة على المنبر، وهو إجماع، وسببه أنه أبلغ في الإعلام، وأعظم في الوقع؛ لأجل المشاهدة، ويستحب أن يكون على يمين المحراب مستقبل القبلة، فإن لم يكن منبر، فموضع عال،

-----------
(١) «الصحاح» ٢/ ٧٤٧.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٥٨٢.
(٣) رواها الدارمي في «مسنده» ٢/ ٩٧٦ (١٦٠٤ - ١٦٠٥) كتاب: الصلاة، باب: مقام الإمام إذا خطب، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٢٣ (٣١٧٣٧) كتاب: الفضائل، باب: ما أعطى الله تعالى محمدًا - ﷺ -، والبيهقي في «الدلائل» ٢/ ٥٥٨ باب: ذكر المنبر الذي اتخذ لرسول الله - ﷺ -. كلهم عن ابن عباس.



وإلا فإلى خشبة للاتباع، فإنه - ﷺ - كان يخطب إلى جذع قبل اتخاذه، فلما صنع تحول إليه كما ساقه في الباب.
ويكره المنبر الكبير جدًا الذي يضيق على المصلين إذا لم يكن المسجد متسعًا، وسلف في باب: الصلاة في السطوح والمنبر، الكلام عليه، وعلى من عمله، ومن أي شيء كان فراجعه (١). وفيه علم عظيم من أعلام نبوته، ودليل على صحة رسالته، وهو حنين الجماد، وذلك بأن الله تعالى جعل للجذع حياة حيى بها، وهذا من باب الأفضال من الرب الذي يحي الموتى بقوله: كن.
وذكر ابن العربي في كتابه «أنوار الفجر»، وذكر فيه ألف معجزة لنبينا وأنها على قسمين: منها ما هو في القرآن وهو تواتر، ومنها ما نقل آحادًا، ومجموعها خرق العادة على يديه على وجه لا ينبغي إلا لنبي بتحد أو لولي تكرمة له، إن حنين الجذع اليابس وأنينه أغرب من اخضراره وإثماره، فإن الإثمار والاخضرار يكونان فيه بصفة، والحنين والأنين لا يكونان في جنسه بحال، وإنما حنت على فقد ما كانت تأنس به من الذكر، وخُصت به من الشرف والبركة.
وفيه كلام ما لا يعرف له الكلام من الجمادات وشبهها، إذا أتانا ذلك من طريق النبوة كانت هي آية معجزة أراد الله تعالى أن يريها عباده؛ ليزدادوا إيمانا، وما جرى على مجرى الإعجاز فهو خرق العادات، وأما نحن فلا يجوز كلام الجمادات إلينا، كذا قاله ابن بطال في البيوع في باب: النجار (٢)، ويجوز أن يقع ذلك منا على

----------------
(١) راجع شرح حديث (٣٧٧).
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٢٧.



وجه الكرامة، فما كان للنبي معجزة جاز أن يكون للولي كرامة.
وحكى ابن التين عن ابن القزاز أن فيه ردًّا على القدرية؛ لأن الصياح ضرب من الكلام، وهم لا يجيزون الكلام إلا ممن له فم ولسان. وفي «شرح ابن بطال»: إذا كان الخليفة هو الذي يخطب فسنته أن يجلس على المنبر إذا خطب، فإن كان غيره قام إن شاء على المنبر أو شاء على الأرض (١).
قال مالك: ومن لا يرقى بأعلى المنبر عندنا فجلهم يقوم عن يسار المنبر ومنهم من يقوم عن يمينه، وكل واسع. وروي أن الصديق نزل بعد النبي - ﷺ - درجة من المنبر تواضعًا منه، ولم ير نفسه أهلًا لذلك الموضع، وكذلك فعل عمر، نزل بعده فكان يخطب على الأولى، وكان المنبر من ثلاث درجات.
فرع:
جماعة الفقهاء على أن الخطبة من شرط الجمعة لا تصح إلا بها، ومتى لم يخطب الإمام صلى أربعًا (٢)، وشذ الحسن فقال: تجزئهم جمعتهم خطب الإمام أو لم يخطب، ذكره ابن المنذر عنه (٣)، وذكر عبد الوهاب أنه قول أهل الظاهر (٤)، (وحكاه ابن الماجشون عن ابن

------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٠٦.
(٢) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢٤، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٢، «البناية» ٣/ ٦٢ - ٦٣، «التفريع» ١/ ٢٣٢١، «الاستذكار» ٢/ ٥٩، «المعونة» ١/ ١٦٠، «الحاوي» ٢/ ٤٣٢، «حلية العلماء» ٢/ ٢٣٤، «البيان» ٢/ ٥٦٧، «المستوعب» ٣/ ٢٤، «المغني» ٣/ ١٧١.
(٣) «الأوسط» ٤/ ٥٩.
(٤) «المعونة» ١/ ١٦٠.



أبي زيد عن مالك، وشارح «الرسالة» عن عبد الملك) (١)، ويرد قولهم الاتباع فيما نقله الكافة عن الكافة، ومن لا يجوز السهو عليه، ولو كانت الجمعة تجزئ بغير خطبة لبينه.
وقد قال الفاروق: إنما قصرت الصلاة من أجل الخطبة (٢).
وقال سعيد بن جبير: إن الخطبة جعلت مكان الركعتين (٣).
فرع:
من شرط صحتها إسماع أربعين كاملين خلافًا لأبي حنيفة (٤).
تنبيهات:
أحدها: ادعى بعضهم أن حديث سهل: «أعوادًا أجلس عليهن»

------------
(١) هذِه العبارة فيها اضطراب:
أولًا: هو أبو زيد، وليس ابن أبي زيد صاحب «الرسالة».
ثانيًا: هو أبو زيد عبد الرحمن بن يحيى بن يزيد الأندلسي، رحل إلى المشرق وأخذ بالمدينة عن ابن كنانه وابن الماجشون ومطرف، وأَلَّفَ من سؤالهم كتاب «الثمانية». ت ٢٥٨ هـ، لذا فلا يصح أن يروي عنه ابن الماجشون.
قال أبو الوليد الباجي رحمه الله: قال ابن الماجشون في رواية أبي زيد عنه من ترك الخطبة على أي وجه تركها، فإن جمعته ماضية، ورواه عن مالك في الثمانية. «المنتقى» ١/ ١٩٨.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٦١ (٥٣٣١) كتاب: الصلوات، باب: الرجل تفوته الخطبة.
(٣) رواه البيهقي ٣/ ١٩٦ كتاب: الجمعة، باب: وجوب الخطبة وأنه إذا لم يخطب صلى ظهرًا أربعًا لأن بيان الجمعة أخذ من فعل النبي - ﷺ - ولم يصل الجمعة إلا الخطبة.
(٤) انظر «المبسوط» ٢/ ٢٤ - ٢٥، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٣٠ - ٣٣١، «الأم» ١/ ١٦٩، ونقل أبو محمد في «المعونة» ١/ ١٦٠ أنها تصح بأقل من ذلك خلافًا للشافعي.



يعارض حديث جابر: وكان جذع يقوم إليه. ولا تعارض عندي، فإن المراد بالجلوس الأول القيام. وحمل بعضهم حديث سهل في غير الجمعة؛ لوعظ أو تعليم، وحديث جابر فيها، وذكره ابن بطال وابن التين، وليس بطائل، وأيده ابن بطال أنه - ﷺ - لم يحفظ عنه أنه خطب للجمعة قط إلا قائمًا (١).
وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] أي: قائمًا تخطب، قال: ويؤيدها حديث ابن عمر، وقد ترجم له باب: الخطبة قائمًا كما ستعلمه (٢).
ثانيها: قيل: إن المنبر المقام الذي ذكره الله تعالى وصنعه؛ ليراه أقصى من حضره ويسمع كلامه، ويكون ذلك سنة لأمته؛ ليسمع موعظته وليتأهب به؛ ولتكون الصلاة أول ما تفعل عليه، وذلك مستحب أن يفعل في كل جديد، وصلاته على المنبر شكرًا لله وتواضعًا. وكونها فوقه يحتمل أن يكون للارتفاع يسيرا، ولا يعلل هنا بالكبر؛ لأنه ليس من شأنه، ونزوله وصعوده احتمل للتعلم، قال ابن التين: والأشبه أن ذلك له خاصة، وجوزه بعضهم إذا كان معه بعض المأمومين. وصلى عمر بن عبد العزيز على أرفع مما عليه أصحابه، وليس للمنع وجه إذا لم يرد التكبر.

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٠٧.
(٢) الحديث الاتي (٩٢٠).



٢٧ - باب الخُطْبَةِ قَائِمًا
وَقَالَ أَنَسٌ: بَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ قَائِمًا.

٩٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ، كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ. [٩٢٨ - مسلم: ٨٦١ - فتح: ٢/ ٤٠١]
(وقال أنس بينا رسول الله - ﷺ - يخطب قائمًا) (١).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ، كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ.
الشرح:
أما تعليق أنس فأسنده في الاستسقاء كما ستعلمه في حديث: ادع الله أن يسقينا (٢). وأما حديث ابن عمر فسيأتي قريبًا (٣)، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه أيضًا (٤).
وأما حكم الباب فالقيام للقادر شرط لصحتها، وكذا الجلوس بينهما عند الشافعي وأصحابه (٥)، فإن عجز عنه استخلف، فإن خطب قاعدًا أو

---------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: تعليق أنس غير مسند هنا.
(٢) سيأتي برقم (١٠١٣) باب الاستسقاء في المسجد الجامع.
(٣) برقم (٩٢٨) كتاب: الجمعة، باب: القعدة بين الخطبتين.
(٤) «صحيح مسلم» (٨٦١) كتاب: الجمعة، باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة.
و«سنن الترمذي» (٥٠٦) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الجلوس بين الخطبتين.
و«سنن النسائي» ٣/ ١٠٩ كتاب: الجمعة، باب: الفصل بين الخطبتين بالجلوس.
و«سنن ابن ماجه» (١١٠٣) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الخطبة يوم الجمعة.
(٥) «الأم» ١/ ١٧٦ - ١٧٧.



مضطجعًا للعجز جاز قطعًا كالصلاة، ويصح الاقتداء به حينئذٍ، وعندنا وجه أنها تصح قاعدًا للقادر، وهو شاذ، نعم هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد كما حكاه النووي عنهم (١)، قاسوه على الأذان، وحكى ابن بطال عن مالك، كالشافعي (٢).
وعن ابن القصار كأبي حنيفة، ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد أنه مسيء ولا يبطل (٣) حجة الشافعي حديث الباب.
قال ابن بطال: وهو قال على تكرار فعله في ذلك ودوامه، وأنه لم يخالف ذلك، ولا خطب جالسًا.
وذكر ابن أبي شيبة عن طاوس قال: خطب رسول الله - ﷺ - قائمًا، وأبو بكر وعمر وعثمان قائمًا، وأول من جلس على المنبر معاوية. قال الشعبي: حين كثر شحم بطنه ولحمه (٤).
ورواه ابن حزم عن علي أيضًا (٥).
قلت: وقد قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] وفي «صحيح مسلم» من حديث جابر بن سمرة أن رسول الله - ﷺ - كان يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة (٦). وممن كان

----------------
(١) «المجموع» ٤/ ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٠٨.
(٣) «المعونة» ١/ ١٦٥.
(٤) «المصنف» ١/ ٤٤٨ (٥١٧٩ - ٥١٨٠) كتاب: الصلوات، باب: من كان يخطب قائمًا. و١/ ٤٤٩ (٥١٩٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان يخطب قائمًا.
وانظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٠٨.
(٥) «المحلى» ٥/ ٥٨.
(٦) «صحيح مسلم» (٨٦٢) كتاب: الجمعة، باب: ذكر الخطبتين قبل وما فيهما من الجلسة.



يخطب قائمًا أو أمر به عليٌّ إكمالًا للخلفاء الأربعة، والمغيرة والنعمان بن بشير وأبو هريرة وابن مسعود، وابنه أبو عبيدة وابن سيرين (١)، ورواه جعفر بن محمد عن أبيه: كان - ﷺ - يخطب قائمًا (٢)، وابن عباس أيضًا (٣)، وفي «صحيح مسلم» أن كعب بن عجرة دخل المسجد، وعبد الرحمن بن الحكم يخطب قاعدًا فقال: انظروا إلى هذا يخطب قاعدًا، وقد قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٤) [الجمعة: ١١].
ومن أجاب عن أحاديث القيام والآية بأن ذلك من باب الإخبار عن حالتهم عند الانفضاض، وبأنه - ﷺ - يواظب على الفاضل مع جواز غيره عجيب، فلم ينقل أحد عنه أنه خطب قاعدًا، وفي «المغني»: قال الهيثم بن خارجة لأحمد: كان عمر بن عبد العزيز يخطب قاعدًا فأنكره شديدًا (٥).
فرع:
قد أسلفنا أن الجلوس بين الخطبتين شرط في صحتها عند الشافعي وأصحابه، وذكر الطحاوي أنه لم يشترط ذلك إلا الشافعي، وذكر عياض

----------------
(١) رواها عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩ (٥١٨١ - ٥١٨٦ - ٥١٨٨ - ٥١٩٢) كتاب: الصلوات، باب: من كان يخطب قائمًا.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٨ (٥١٧٨) كتاب: الصلوات، باب: من كان يخطب قائمًا.
(٣) رواه أحمد ١/ ٢٥٦. ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٩ (٥١٨٩). وأبو يعلى في «مسنده» ٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣ (٢٤٩٠). والطبراني ١١/ ٣٩٠ (١٢٠٩١). والبزار كما في «كشف الأستار» (٦٤٠)، كتاب: الصلاة، باب: الجلوس بين الخطبتين. قال: لا نعلمه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه.
(٤) «صحيح مسلم» (٨٦٤) كتاب: الجمعة، باب: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
(٥) «المغني» ٣/ ١٧١.



عن مالك أن الجلوس بينهما شرط (١)، وهو خلاف المشهور كما قاله ابن التين قال: ووجهه أنهما ذكران يتقدمان الصلاة، فلم يكن الجلوس بينهما شرطًا في صحتهما كالأذان والإقامة، وقد خطب المغيرة بن شعبة بحضرة الصحابة والتابعين ولم يجلس في خطبته (٢).
وقد حصر عثمان عن الخطبة، فتكلم ونزل ولم يجلس، ولم ينكره أحد.
قلت: الحجة في فعله، وكان فعله الجلوس، فلو كان سنة لتركه ولو مرة.

----------------
(١) «إكمال المعلم» ٣/ ٢٥٦.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٩ (٥١٨٦) كتاب: الصلوات، باب: من كان يخطب قائمًا.
وذكر ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٥٨ - ٥٩.



٢٨ - باب يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ القَوْمَ وَاسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإِمَامَ إِذَا خَطَبَ.
وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ الإِمَامَ.

٩٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. [١٤٦٥، ٢٨٤٢، ٦٤٢٧ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ٢/ ٤٠٢]
وعن أَبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أن النَّبِيَّ - ﷺ - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ.
الشرح:
أما أثر ابن عمر وأنس فأخرجهما البيهقي (١)، وأخرج أثر أنس ابن أبي شيبة (٢).
وأما حديث أبي سعيد فاختصره هنا، وأخرجه في الزكاة والرقاق أيضًا (٣)، وأخرجه مسلم والنسائي (٤)، ووجه مطابقته للباب قوله: (وجلسنا حوله).

---------------
(١) «السنن الكبرى» ٣/ ١٩٩ كتاب: الجمعة، باب: يحول الناس وجوههم إلى الإمام ويسمعون الذكر.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٥٣ (٥٢٣٣) الصلاة، باب: من كان يستقبل الإمام يوم الجمعة.
(٣) سيأتي برقم (١٤٦٥) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على اليتامى. وبرقم (٦٤٢٧) باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها.
(٤) «صحيح مسلم» (١٠٥٢/ ١٢٣) كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا.
و«سنن النسائي» ٥/ ٩٠ كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على اليتيم.



وقوله: (جلس) لعله يريد ثم قام بعد، أو كانت خطبة غير جمعة.
ويحيى المذكور في إسناده هو ابن أبي كثير، مات بعد المائة (١)، وأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود، وضعفه، قال: وفي الباب عن ابن عمر ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ولا يصح في هذا الباب عن رسول الله شيء (٢).
وأما حكم الباب: فالسنة أن يقبل الخطيب على القوم في جميع خطبته ولا يلتفت في شيء منها، ولا يفعل ما يفعله الخطباء يمنة ويسرة في الصلاة على رسول الله - ﷺ -، فإنه لا أجل له، واتفقوا على كراهة الالتفات، وهو معدود في البدع المنكرة، ونقل الشيخ أبو حامد عن أبي حنيفة أنه يلتفت يمينًا وشمالًا في بعض الخطبة كما في الأذان.
ويستحب للقوم الإقبال بوجوههم عليه، وفيه أحاديث كثيرة؛ ولأنه مقتضى الأدب وأبلغ في الوعظ، وهو إجماع.
وسبب ذلك أنه يخاطبهم، فلو استدبرهم قبح، وإن وقف في أخرياته واستدبروه قبح أيضًا، وإن استقبلوه واستدبروا القبلة، فاستدبار واحد واستقبال الجميع أولى من عكسه، فلو خالف الخطيب فاستدبرهم واستقبل القبلة كره، وصحت، وفيه وجه شاذ، لكن الاتباع يقويه.
وباستقبال القوم الإمام قال به أيضًا شريح وعطاء، وأبو إسحاق عمرو بن أبي صعصعة ومالك والأوزاعي والثوري وسعيد بن عبد العزيز وابن جابر ويزيد بن أبي مريم والشافعي وأحمد إسحاق،

-------------
(١) ورد بهامش الأصل: ١٢٩ سنة في «الكاشف».
(٢) «سنن الترمذي» (٥٠٩) في الجمعة، باب: ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب.



وقبلهم طاوس ومجاهد وسالم والقاسم وزاذان، وعمر بن عبد العزيز، وقال: الواعظ قبلة، والشعبي والنضر بن أنس وإبراهيم. قال ابن المنذر: وهذا كالإجماع (١).
وفي «المغني» روي عن الحسن أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الإمام، وكان سعيد بن المسيب لا يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب، فوكل به هشام الشرط يعطفه إليه. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يكون الإمام عن يميني متباعدًا، وإذا أردت أن أنحرف إليه حولت وجهي عن القبلة. فقال: نعم تنحرف إليه (٢).
وفي «المبسوط» من كتب الحنفية: إن القوم الآن يستقبلون القبلة بوجوههم في حال الخطبة للحرج من تسوية الصفوف ولكثرة الزحام (٣).
فرع:
من فاته الخطبة لاتفوته الجمعة خلافًا لعطاء ومكحول ومجاهد وطاوس (٤)، دليل الجمهور: الحديث السالف: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٥) وهو عام في جميع الصلوات.

-------------
(١) «الأوسط» ٤/ ٧٤ - ٧٥.
(٢) «المغني» ٣/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٣) «المبسوط» ٢/ ٣٠.
(٤) روى عنهم هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٠ (٥٣٢٥: ٥٣٢٨) كتاب: الصلوات، باب: الرجل تفوته الخطبة.
(٥) سلف برقم (٥٨٠). ورواه مسلم (٦٠٧) من حديث أبي هريرة وأخرجه البخاري في مواضع عدة.



٢٩ - باب مَنْ قَالَ فِي الخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ: أَمَّا بَعْدُ.
رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

٩٢٢ - وَقَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ قُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ. قَالَتْ: فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - جِدًّا حَتَّى تَجَلاَّنِي الغَشْيُ وَإِلَى جَنْبِي قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَفَتَحْتُهَا فَجَعَلْتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِي، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ». قَالَتْ وَلَغِطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْكَفَأْتُ إِلَيْهِنَّ لأُسَكِّتَهُنَّ فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا قَالَ؟ قَالَتْ: قَال: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ -أَوْ قَرِيبَ مِنْ- فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوْ قَالَ: المُوقِنُ. شَكَّ هِشَامٌ- فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَالهُدَى فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ -أَوْ قَالَ: المُرْتَابُ. شَكَّ هِشَامٌ- فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ». قَالَ هِشَامٌ: فَلَقَدْ قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ: فَأَوْعَيْتُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا يُغَلِّظُ عَلَيْهِ. [نظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٢/ ٤٠٢]

٩٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْىٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ


وَالهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ». فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حُمْرَ النَّعَمِ. تَابَعَهُ يُونُسُ. [٣١٤٥، ٧٥٣٥ - فتح: ٢/ ٤٠٣]

٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا». تَابَعَهُ يُونُسُ. [انظر: ٧٢٩ - مسلم: ٧٦١، ٧٨٢ - فتح: ٢/ ٤٠٣]

٩٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ». تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ». تَابَعَهُ العَدَنِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ فِي: «أَمَّا بَعْدُ». [١٥٠٠، ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، ٧١٧٤، ٧١٩٧ - مسلم: ١٨٣٢ - فتح: ٢/ ٤٠٤]

٩٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ». تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٣١١٠، ٣٧١٤، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠، ٥٢٧٨ - مسلم: ٢٤٤٩ - فتح: ٢/ ٤٠٤]

٩٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الغَسِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ - ﷺ - المِنْبَرَ، وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ


ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ». فَثَابُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ، وَيَكْثُرُ النَّاسُ، فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّهِمْ». [٣٦٢٨، ٣٨٠٠ - فتح: ٢/ ٤٠٤]
ثم ذكر تعليقًا عن أسماء في الكسوف فقال: وَقَالَ مَحْمُودٌ، فذكره، وفيه: ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ».
ثم أسند من حديث عمرو بن تغلب وعائشة وأبي حميد، والمسور
بن مخرمة وابن عباس، وفيها كلها بعد الثناء على الله: «أما بعد».
الشرح:
أما حديث ابن عباس الأول فقد أسنده آخر الباب (١)، وأما حديث أسماء فذكره مطولًا، ومختصرًا، وقد رواه في باب: من أجاب الفتيا بإشارة الرأس واليد من كتاب العلم عن موسى بن إسماعيل (٢)، وفي باب: من لم ير الوضوء إلا من الغشي عن إسماعيل (٣)، وسيأتي في الكسوف (٤) والسهو (٥).
وأسماء جدة فاطمة بنت المنذر جدة أبيها، ومحمود هو ابن غيلان المروزي الحافظ، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين.
وأخرجه مسلم أيضًا (٦)، وسياق البخاري هنا يؤذن أن أسماء روته

--------------
(١) حديث (٩٢٧).
(٢) سلف برقم (٨٦).
(٣) سلف برقم (١٨٤) كتاب: الوضوء.
(٤) برقم (١٠٥٣) باب: صلاة النساء مع الرجال في الكسوف.
(٥) وبرقم (١٢٥٣) باب: الإشارة في الصلاة.
(٦) «صحيح مسلم» (٩٠٥) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار.



عن عائشة، وهو خلاف ما ذكره في العلم والطهارة من رفعه عنها، ولعل الصواب ما هنا.
وأما حديث عمرو بن تغلب فأخرجه في الخمس والتوحيد (١) وهو من أفراده.
وعمرو (بن تغلب) (٢) صحابي خرج له البخاري والنسائي وابن ماجه.
و(تغلب) بمثناة فوق ثم غين معجمة، قال المزي تبعًا لعبد الغني: لم يرو عنه غير الحسن البصري فيما قاله غير واحد (٣)، ولعل المراد إذا في «الصحيح» وإلا فقد ذكر ابن عبد البر أن الحكم بن الأعرج روى عنه أيضًا (٤) كما نبه عليه المزي (٥).
وأبو عاصم -شيخ شيخ البخاري فيه- هو النبيل، الضحاك بن مخلد.
وأما حديث عائشة فسلف في باب: إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة، ويأتي في الصوم (٦)، وقال هنا: (تابعه يونس) وهذه

----------------
(١) سيأتي برقم (٣١٤٥) كتاب: فرض الخمس، باب: ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه.
وبرقم (٧٥٣٥) كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾.
(٢) في الأصل: ربعي.
(٣) «تهذيب الكمال» ٢١/ ٥٥٣ (٤٣٣٢).
(٤) «الاستيعاب» ٣/ ٢٥٢ (١٩٢٠).
(٥) ورد بهامش الأصل: قد ذكر ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» أن الحكم بن الأعرج روى عنه، ذكره شيخنا العراقي.
(٦) سلف برقم (٧٢٩) كتاب: الأذان. =



المتابعة أخرجها مسلم، عن حرملة، عن ابن وهب، عنه (١) وأخرجها النسائي، عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق، عن عبد الله بن الحارث، عن يونس (٢).
وقوله: تابعه يونس أي: في قوله: «أَمَّا بَعْدُ»، كذا قاله خلف وتابعه المزي (٣)، واعتراض شيخنا قطب الدين عليه أنه روى عن الزهري جميع الحديث فلا يختص بـ«أما بعد» ليس بجيد؛ لأنه موضع التبويب فلذا فسره به.
وأما حديث أبي حميد فهو بعض من حديث ذكره البخاري في الزكاة، وترك الحيل، والاعتكاف، والنذور (٤): استعمل رسول الله - ﷺ - رجلًا من الأزد يقال له: ابن (اللتبية) (٥)، على الصدقة، فلما قدم

----------------
= وسيأتي برقم (١١٢٩) باب: تحريض النبي على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب.
(١) «صحيح مسلم» ١٧٨ (٧٦١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.
(٢) «سنن النسائي» ٤/ ١٥٥ كتاب: الصيام، باب: ثواب من قام رمضان وصامه إيمانًا واحتسابًا والاختلاف على الزهري في الخبر في ذلك.
(٣) «تحفة الأشراف» ٨/ ١٤١ (١٠٧١١).
(٤) سيأتي برقم (١٥٠٠) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وبرقم (٦٦٣٦) كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي - ﷺ -.
وبرقم (٦٩٧٩) كتاب: الحيل، باب: احتيال العامل ليهدى له، وليس فيه ذكر في الاعتكاف. ولعلها كانت بالأصل الإيمان والنذور، فتحرفت إلى الاعتكاف لتشابه الرسم، والله أعلم.
(٥) ورد بهامش الأصل: اللتْبيّة بضم اللام وإسكان التاء، بعدها ياء موحدة أتى من (…) الأزد بإسكان الزاي وبالدال، قال التقي: (…) ويقال فيه (…) وبفتح التاء ويقال: ابن اللتْبية بإسكان التاء وليستا بصحيحتين (…) ما قدمته يفي أنه الضبط (…).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #207  
قديم 31-01-2026, 10:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 547 الى صـــ 566
الحلقة (207)






قال: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ فقام رسول الله - ﷺ - على المنبر فقال: «أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم» أخرجه مسلم في المغازي (١).
ثم قَالَ البخاري: تابعه أبو معاوية وأبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أبي حميد، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ» تابعه العدني عن سفيان في: «أما بعد».
أما متابعة أبي معاوية- واسمه محمد بن خازم الضرير، كوفي، فأخرجها مسلم في المغازي، عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن أبي معاوية به (٢).
وأما متابعة أبي أسامة فتأتي -إن شاء الله- مسندة (٣)، وأخرجها مسلم أيضًا (٤) واسمه حماد بن أسامة، ومتابعة سفيان -وهو ابن عيينة- فذكرها بَعْدُ عن الزهري، عن عروة، عن أبي حميد (٥)، وأخرجها مسلم عن العدني عن هشام (٦).
والعدني اسمه محمد بن يحيى احتج به مسلم (٧).

--------------
(١) «صحيح مسلم» (١٨٣٢) كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال.
(٢) مسلم (١٨٣٢/ ٢٨) كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال.
(٣) ستأتي برقم (١٥٠٠) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾.
(٤) مسلم (١٨٣٢/ ٢٧) كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال.
(٥) ستأتي برقم (٢٥٩٧) كتاب: الهبة، باب: من لم يقبل الهدية.
(٦) مسلم (١٨٣٢/ ٢٨) كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال.
(٧) ابن أبي عمر العدني، أبو عبد الله نزيل مكة، وقد ينسب إلى جده، وقيل: إن أبا عمر كنية أبيه يحيى، قال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا وكان به غفلة وكان صالحًا، ذكره ابن حبان في «الثقات». روى له النسائي. مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٦٥ (٨٤٧)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ١٢٤ (٥٦٠)، و«الثقات» ٩/ ٩٨، و«تهذيب الكمال» ٢٦/ ٦٣٩ (٥٦٩٢).



واسم أبي حميد عبد الرحمن (١)، وقيل: المنذر بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة، مات في خلافة معاوية.
وأما حديث علي بن حسين عن المسور بن المخرمة فهو من حديث: أنه - ﷺ - خطب وقال: «إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، وإنما فاطمة بضعة مني» الحديث. ويأتي في الفضائل إن شاء الله (٢). وأخرجه مسلم أيضًا (٣).
وتابعه ابن سيرين، أخرجه الرهاوي من طريقه عن المسور بن مخرمة: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ».
والمسور هذا قدم المدينة سنة ثمان من الهجرة، فسمع وحفظ، أمه عاتكة بنت عوف، قتل أيام ابن الزبير بالمنجنيق سنة أربع وستين.
ومتابعة الزبيدي لا يحضرني من أسندها (٤).
وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضًا في علامات النبوة، وفضائل الصحابة (٥)، وأخرجه الترمذي في «شمائله» (٦).
وابن الغسيل المذكور في إسناده هو أبو سليمان عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة ابن الغسيل.

-----------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «التجريد»: أبو حميد اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن سعد، وقيل: المنذر بن سعد.
(٢) سيأتي برقم (٣٧٢٩) باب: ذكر أصهار النبي - ﷺ -.
(٣) مسلم (٢٤٤٩) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: فضائل فاطمة.
(٤) قلت: أسندها الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ١٢/ ٥١٥ (٤٩٨٩)، والطبراني في «مسند الشاميين» ٣/ ١٤ (١٧٠٧).
(٥) سيأتي برقم (٣٦٢٨) كتاب: المناقب، وبرقم (٣٨٠٠) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي - ﷺ -: «اقبلوا من محسنهم».
(٦) «الشمائل» (١١٩) باب: ما جاء في عمامة النبي - ﷺ -.



قيل: عاش مائة وستين سنة، ذكره ابن التين، وقيل: إنما سمي والده بذلك؛ لأنه غسلته الملائكة يوم أحد (١).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها:
هذه الأحاديث دالة لما ترجم له، وهو ذِكْرُ هذه اللفظة في الخطبة بعد الثناء، وهي من فصيح الكلام، وهو فصل بين الثناء على الله وبين ابتداء الخبر الذي يريد الخطيب إعلام الناس به، وهو فصل الخطاب الذي أوتيه داود - ﷺ -؛ لأنها فصل ما تقدم من كلام المتكلم، وقال الحسن: هي فصل القضاء، وقيل: البينة على المدعي واليمين على من أنكر (٢). وهو المبتدئ بها على أحد الأقوال، ورواه النحاس من حديث بلال بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى أنه - ﷺ - أول من قالها، وأنه فصل الخطاب، وكذا ذكره عبد في «تفسيره»، عن الشعبي، وزياد بن أمية.
ثانيها: أنه كعب بن لؤي جد سيدنا رسول الله - ﷺ -.
ثالثها: قُس بن ساعدة، قاله ابن الكلبي.
رابعها: يعرب بن قحطان.

-------------
(١) قال يحيى بن معين: ثقة، ليس به بأس، صويلح، وقال أبو زرعة، والنسائي، والدارقطني: ثقة، وقال النسائي في موضع آخر: وليس بالقوى، ليس به بأس، قال ابن حجر في «مقدمة فتح الباري»: تضعيفهم له بالنسبة إلى غيره ممن هو أثبت منه من أقرانه، وقد احتج به الجماعة سوى النسائي.
انظر: «تاريخ بغداد» ١٠/ ٢٢٥ (٥٣٥٧)، و«تهذيب الكمال» ١٧/ ١٥٤ (٣٨٤٠)، و«مقدمة فتح الباري» ص ٤١٧.
(٢) انظر: «تفسير الطبري» ١٠/ ٥٦٤ - ٥٦٥ (٢٩٨١٣ - ٢٩٨٢٥).



خامسها: سحبان.
وفي ضبطها أربعة أوجه: ضم الدال وتنوينها، ونصبها وتنوينها (١).
وفي «غرائب مالك» للدارقطني بسند ضعيف: لما جاء ملك الموت إلى يعقوب - عليه السلام -، قَالَ يعقوب في جملة كلام: أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء .. الحديث.
قَالَ سيبويه: معناه: مهما يكن من شيءٍ (٢). وقال أبو إسحاق: إذا كان رجلٌ في حديثٍ وأراد أن يأتي بغيره قَالَ: أما بعد.
وفي «المحكم» معناها: أما بعد دعائي لك (٣). وفي «الجامع»: يعني: بعد الكلام المتقدم، أو بعد ما يبلغني من الخبر. ثم حذفوا هذا وضموا على أصل ما ذكرناه، وذكر عبد القادر الرهاوي أن اثنين وثلاثين من الصحابة رووا ذَلِكَ عن النبي - ﷺ - في خطبه ومواعظه وكتبه.
ثانيها:
معنى: (تَجَلَّانِي الغَشْيُ): غطَّاني وغشاني، وأصله: تجللني فأبدلت إحدى اللامات ألفًا، قاله ابن الأثير، قَالَ: ويحتمل أن يكون معناه: ذهب بقوتي وصبري، من الجلاء، أو ظهر لي وبان عليَّ (٤).

------------
(١) وقد نظمها بعضهم فقال:
جرى الخُلْفُ أما بعد من كان قائلًا … لها خمسُ أقوالٍ وداودُ أقربُ
وكانت له فصلَ الخطابِ وبعدَه … فقُسٌ فسحبانُ فكعبٌ فَيْعُربُ
انظر: «حاشية الباجوري» ١/ ٧.
(٢) «الكتاب» ٤/ ٢٣٥، ونص عبارته: وأما (أما) ففيها معنى الجزاء، كأنه يقول: عبد الله مهما يكن من شيء من أمره، فمنطلق.
(٣) «المحكم» ٢/ ٢٥.
(٤) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٢٩١.



وقولها: (وَلَغطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ). اللغط: الأصوات المختلفة التي لا تفهم. قَالَ ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الغين وبعضهم بكسرها، وهو بالفتح عند أهل اللغة.
قولها: (وانْكَفَأُتُ). أي: ملت بوجهي ورجعت إليهن لأسكتهن.
أي: بالإشارة، وأصله: من كفأت الإناء: إذا أملته وكببته.
والفتنة أصلها: الاختبار، ولا فتنة أكبر من الفتنة المذكورة. منكر -بفتح الكاف- كما قيده به ابن العربي، ونكير -وقد ثبت فيها أحاديث- أعاذنا الله منها.
وقوله: («أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في القبور») أي: أتاه الملك بذلك، وفيه: بيان أنه اعلم به في ذَلِكَ الوقت.
وقوله: («حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ») يعني: أنه رأى أمورًا عظامًا.
وقوله: («من فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ») يعني: ما يبلو به الله -عز وجل- الناس إذا خرج الدجال من الفتنة، فيضل الله به قومًا ويثبت المؤمنين، وقيل له: المسيح؛ لأنه يمسح الأرض، أو لأنه ممسوح العين أعورها، وقد أسلفنا ذَلِكَ مع رواية كسر الميم وتشديد السين.
والمنافق: الذي يظهر خلاف ما يبطن. والمرتاب: الشاك. قاله أبو الوليد المالكي (١). وقال أبو جعفر: المنافق: المرتاب، ومعناهما متقارب في الكفر، إلا أن قوله: «سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ» أقرب إلى نفي المرتاب، وفي بعض الروايات أنه إذا قَالَ: لا أدري. قيل له: «لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ» (٢). ومعنى تليت: اتبعت.

--------------
(١) «المنتقى» ١/ ٣٣١.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٣ - ٤.



وقوله: («أَمَّا المُؤْمِنُ») أو«المُوقِنُ» الأظهر كما قَالَ ابن التين أنه المؤمن؛ لقوله: «قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ» ولقوله: «فَأَجَبْنَا» ولم يقل: فأيقنا. والنوم هنا: هو العود إلى ما كان عليه، ووصفه به وإن كان مؤمنًا لما يناله من الراحة.
وقوله: («فأوعيته») (١) قَالَ الدمياطي في حاشية «الصحيح» بخطه ومنه نقلت الوجه: وعيته قَالَ تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] يقال: وعيت العلم، وأوعيت المتاع.
وقوله: (أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ بسَبْىٍ). وفي بعض النسخ: أو بشيء، وهو ما في «المستخرج» لَأبي نعيم، وفي كتاب الإسماعيلي: أتي بمالٍ من البحرين.
وقوله: (أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ). كذا بخط الدمياطي، وقال شيخنا قطب الدين: الذي في أجل روايتنا: (أن الذي ترك)، ونسخة: (أن الذين ترك).
وقوله: (عتبوا) أي: وجدوا في أنفسهم كراهية لذلك.
وقوله: («لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ») هذا من نظر القلب لا من نظر العين.
و(الجزع) ضد الصبر، وهو شدة القلق، وقيل: القول السيء.
و(الهلع) شدة الجزع.

-------------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال في «المطالع» الوعي الحفظ للشيء، ووعيت العلم وأوعيته: حفظته، وجمعته، وقال في «الأفعال»: وعيت العلم فحفظته، ووعيت الأذن: سمعت، وأوعى المال: جمعه في الوعاء. انتهى. فهذا الذي قاله أولًا مخالف للدمياطي، وما نقله عن «الأفعال» موافق له وكذا قال في «الجمهرة» على وفاق قول الدمياطي، وبذلك الدمياطي (…) في الصحاح.


وقوله: («مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ») أي: أتركهم مع ما وهب الله لهم من غنى النفس فصبروا وتعففوا عن الطمع والشره.
و(«حُمْرَ النَّعَمِ») قيل: المراد: إهداءها أو الصدقة بها فيكون أجر ذَلِكَ له، وهي كلمة تقولها العرب، وإلا فما كان يجب أن يكون له الدنيا وما فيها (١).
وقوله: («مُتَعَطِّفًا»). أي: مترديًا، والتعطف التردي بالرداء، ويسمى الرداء عطافًا؛ لوقوعه على عطفي الرجل، وهما ناحية عنقه، ومنكب الرجل عطفه، وكذلك المعطف، ويعطف، ذكره الهروي (٢).
وفي «المحكم»: والجمع: عُطف، وقيل: المعاطف: الأردية، لا واحد لها (٣). والملحفة: بكسر الميم.
وقوله: (قد عصب رأسه بعصابة دسمة) وفي رواية: (دسماء). ذكرها
في اللباس (٤)، ضبط صاحب «المطالع»: دسِمة بكسر السين، قيل: كانت سوداء، وكان له - ﷺ - عمامة سوداء، والعصابة: العمامة.
ومنه الحديث: أمرنا أن نمسح على العصائب (٥). سميت بذلك؛

------------
(١) في هامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الثمانين. كتبه مؤلفه.
(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٣/ ٢٥٧.
(٣) «المحكم» ١/ ٣٤٦.
(٤) علقها البخاري قبل الرواية (٥٨٠٧) كتاب: اللباس، باب: التقنع، وأسندها -فيما يأتي- برقم (٣٨٠٠) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي - ﷺ -: «اقبلوا من محسنهم». من حديث ابن عباس.
(٥) رواه أبو داود (١٤٦) كتاب: الطهارة، باب: المسح على العمامة، وأحمد ٥/ ٢٧٧، والطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ٢٧٤ (٤٧٧)، والحاكم ١/ ١٦٩ كتاب: الطهارة، والبيهقي ١/ ٦٢ كتاب: الطهارة، باب: إيجاب المسح على الرأس، والبغوي في «شرح السنة» ١/ ٤٥٢ (٢٣٣ - ٢٣٤) كتاب: الطهارة، باب: المسح =



لأنها تعصب الرأس. أي: تربطه، قيل: لونها لون الدسم كالزيت وشبهه، من غير أن يخالطها شيء من الدسم، وقيل: متغيرة اللون من الطيب والغالية.
وقال أبو عبد الملك: ملونة بالصبغ، وقيل: الصفيقة، والدسمة في اللغة: الوسخة.
وقال ابن دريد وغيره فيها سواد (١)، وقيل: الغليظة، وليس بشيء.
وزعم الداودي أنها على ظاهرها وأنه لما نالها من عرقه في المرض.
وقوله: (فَثَابُوا إِلَيْهِ). أي رجعوا بعضهم إثر بعض، وقيل: أي اجتمعوا.
وقوله: («إِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ») وفي رواية: «حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام» (٢) هو من معجزاته وإخباره عن المغيبات، فإنهم الآن فيهم قلة.
وقوله: («فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ») فيه: دلالة على أن الخلافة لا تكون في الأنصار؛ لأنه وصَّى بهم، ولو كانت فيهم لوصَّاهم.
وقوله: («وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّئهِم») أي: في غير الحدود وحقوق الآدميين، والمراد بالحي هنا المدينة وما حولها.

----------------
= على الخفين. من حديث ثوبان.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ إنما اتفقا على المسح على العمامة بغير هذا اللفظ. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٤): صحيح.
(١) «الجمهرة» ٢/ ٦٤٧. (دسم).
(٢) ستأتي برقم (٣٦٢٨) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.



ثالثها: في فوائده:
فيه: الخروج إلى المسجد جوف الليل.
وفيه: صلاته النافلة جماعة.
وفيه: الفرار من القدر إلى القدر وليس ذَلِكَ ناج من القدر.
وفيه: أنه - ﷺ - كان إذا أراد المبالغة في الموعظة طلع المنبر فيتأسى به.
وفيه: الخطبة بالوصية، والخطبة مما قل من الثياب، وفيه: فضيلة الأنصار.
وفيه: قبول خبر المرأة، وخبر المرأة عن المرأة، ورواية الرجل عن المرأة، وعن امرأته.
وفيه: استجازة أسماء سؤال المصلي، ومخاطبته باليسير الذي لا يشغله؛ لأنه مباح له الإشارة، حسبما صنعت عائشة.
وفيه: أن حكم النساء كان عندهم.
وفيه: الافتتان في القبر، وهو بمنزلة التكليف والعبادة، ومعناه: إظهار العمل وإعلام بالمآل؛ لأن العمل والتكليف انقطع بالموت.
وفتنة الدجال بمعنى: التكليف والتعبد، وشبهها بها؛ لصعوبتها وعظم المحنة بها وقلة الثبات.
وفيه: الخطبة للكسوف، وهو حجة لأبي حنيفة والشافعي (١)، وأبعد

---------------
(١) وهذا فيه نظر؛ فإن مذهب الأحناف أنه ليس في الكسوف خطبة، انظر: «الهداية» ١/ ٢٩٥، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٢، «الاختيار» ١/ ٩٦، «تبين الحقائق» ١/ ٢٢٩، «البناية» ٣/ ١٧١، «البحر الرائق» ٢/ ٢٩٢، «ملتقى الأبحر» ١/ ١٢١، «مجمع الأنهر» ١/ ١٣٩، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ١٩٧.
وانظر مذهب الشافعية في «المهذب» ١/ ٤٠٢، «الوسيط» ١/ ٣٤١، «حلية العلماء» ٢/ ٢٦٩، «البيان» ٢/ ٦٦٨.



من قال: إنما استفتح كلامه بالحمد، وليس بخطبة والصلاة لها.
وفيه: أخذ المصلي الماء من جانبه، وصبه إياه على رأسه؛ وقال أبو عبد الملك: قد يكون ذَلِكَ بعد فراغها.
وفيه: انصراف الإمام إذا تجلت الشمس.
وفيه: البداءة بالحمد والثناء.
وفيه: ما كان - ﷺ - من الرأفة بالمؤمنين، وائتلافه إياهم بالعطاء؛ ليحبب إليهم الإيمان، ولما له في ذَلِكَ من الأجر الجزيل.
وفيه: حلف الصادق ليؤكد.
وفيه: خطبة المريض إذا خاف الموت.
وفيه -كما قَالَ أبو جعفر-: لباس العصابة الدسمة، لما ينالها مما يكون بالمريض من العرق، فهذه أربع وعشرون فائدة.
وفيه: أيضًا أن الموعظة تكون بعد الصلاة عشية.
واختلف العلماء في الخطبة: هل هي شرط لصحة الصلاة أو ركن من أركانها أم لا؟ فعند عطاء والنخعي وقتادة وأبي حنيفة والشافعي وأحمد والثوري إسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي هي شرط في الجمعة لا تصح بدونها (١).
قَالَ ابن قدامة في «المغني»: ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن البصري، فإنه قَالَ: تجزئهم جمعتهم (٢) خطب الإمام أو لم يخطب؛ لأنها صلاة عيدٍ، فلم يشترط لها الخطبة كصلاة الأضحى (٣).

-------------
(١) انظر: «الأوسط» ٤/ ٥٩ - ٦٠، «المعونة» ١/ ١٦٠، «المغني» ٣/ ١٧٠ - ١٧١.
(٢) كتب فوقها في الأصل: بيان جمعتهم.
(٣) «المغني» ٣/ ١٧١.



قُلْتُ: وحكى ابن المنذر عن داود وعبد الملك المالكي مثل قول الحسن، قَالَ القاضي: وروي ذَلِكَ عن مالك أيضًا (١)، وحكاه ابن حزم أيضًا عن ابن سيرين.
قَالَ ابن حزم: وليست الخطبة فرضًا، فلو صلاها إمام دون خطبة صلاها ركعتين جهرًا ولا بد.
وقال عطاء وطاوس ومجاهد: من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة لم يصلها. وقد أسلفنا ذَلِكَ؛ قَالَ: وروينا من طريق عبد الرزاق، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب قَالَ: الخطبة موضع الركعتين، فمن فاتته الخطبة صلى أربعًا (٢).
احتج الجمهور بالاتباع، فإنه - ﷺ - كان يخطب خطبتين. رواه جابر وابن عمر (٣)، وقد قَالَ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤)، ولأن كل خطبة قيمت مقام ركعة إذا قلنا أنها تدل على الركعتين.
فرع: أركانها عند الشافعي خمسة: حمد لله، والصلاة على نبيه، ولم أرَ هذا في خُطَبِهَ - ﷺ - بعد الفحص، نعم رأيت في «دلائل النبوة» للبيهقي في باب المعراج من حديث عيسى بن ماهان، عن الربيع بن

------------
(١) «التفريع» ١/ ٢٣٠، «الذخيرة» ٢/ ٣٤١، «المنتقى» ١/ ١٩٨.
(٢) «المحلى» ٥/ ٥٧ - ٥٨.
(٣) سلف برقم (٩٢٠) كتاب: الجمعة، باب: الخطبة قائمًا. من حديث ابن عمر، وحديث جابر بن سمرة رواه أحمد ٥/ ٩١ - ٩٢ بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - يخطب خطبتين، يخطب ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، وكانت خطبة رسول الله - ﷺ - وصلاته قصدًا، والطبراني ٢/ ٢٢٥ (١٩٣٠)، ورواه مسلم مختصرًا (١٦٦) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة.
(٤) سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع.



أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - عن ربه ﷻ في جمل أوصافه التي منحها تعالى له: «وجعلت أمتك لا تجوز عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» (١).
وروى فيه في باب: أول خطبة خطبها حين قدم المدينة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قَالَ: كانت أول خطبة خطبها رسول الله - ﷺ - بالمدينة. فذكرها، وقال في آخرها: «والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته» (٢).
وقراءة آية في إحداهما على الأصح والوصية بالتقوى والدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح، ووقع في كلام ابن التين عن الشافعي: أن يحمد الله ويسبح. ولم أر هذا في كلامه ولا كلام أحد من أصحابنا عنه فاحذره.
وقال أبو حنيفة: إن اقتصر على ذكر الله جاز (٣). وعن الشعبي أنه كان يخطب بأقل أو أكثر (٤)، وفي «قاضي خان»: التسبيحة الواحدة تجزي في قول أبي حنيفة.
الآخر: وهو قول أبي يوسف الآخر إلا أنه يكون مسيئًا بغير عذر لترك السنة، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يخطب خطبة خفيفة، يحمد الله ويثني عليه، ويتشهد ويصلى على رسوله، ويعظ الناس ويذكرهم، ويقرأ سورة (٥).

------------
(١) «دلائل النبوة» ٢/ ٣٩٧ - ٤٠٢ وهي قطعة من حديث طويل.
(٢) «دلائل النبوة» ٢/ ٥٢٤.
(٣) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٦، «المبسوط» ٢/ ٣٠، «بدائع الصنائع» ٢/ ٢٦٢.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٢٢ (٥٤١٢) كتاب: الجمعة، باب: وجوب الخطبة. وفيه: ما قل أو كثر.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.



وعن مالك: إن سبح وهلل وصلى على نبيه فلا إعادة عليه، وعنه: إن سبح فقط أعاد ما لم يصل، فإن صلى أجزأ (١)، وعنه: يسبحون واحدة، وهو قول الأوزاعي وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وأبي ثور (٢).
قَالَ ابن حبيب: ولو لم يتم الأولى وتكلم بما خف من الثناء على الله وعلى نبيه أجزأ (٣).
وعن مالك: إن لم يخطب من الثانية ماله بال لم يجزءوا وأعادوا (٤)، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ذكره مطلقًا من غير قيد فأجزأ ما يسمى ذكرا.
قُلْتُ: الاتباع أولى، والشرط أن يكون عنده على قصد الخطبة حتى لو عطس فقال: الحمد لله، على عطاسه لا ينوب عن ذَلِكَ، وحديث الرجل الذي قَالَ: علمني عملًا أدخل به الجنة فقال: «لئن أقصرت في الخطبة لقد أعرضت في المسألة» (٥). لا دلالة فيه، وكذا ما ذكره

---------------
(١) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٤٠٨، «الذخيرة» ٢/ ٣٤٤.
(٢) وهذِه النسبة فيها نظر؛ لأنه عند أبي يوسف ومحمد لا يجزئ إلا ما يقع عليه اسم الخطبة، قال النووي رحمه الله في «المجموع» ٤/ ٣٩٢: وقال الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن القاسم المالكي وأبو يوسف ومحمد ودواد: الواجب ما يقع عليه اسم الخطبة.
وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٤٤، «المبسوط» ٢/ ٣٠، «الهداية» ١/ ٨٩، «الأوسط» ٤/ ٦١، «حلية العلماء» ٢/ ٢٣٥.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٣.
(٤) انظر: «المدونة الكبرى» ١/ ١٤٥، «عيون المجالس» ١/ ٤٠٩، «الذخيرة» ٢/ ٣٤٤.
(٥) رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» ٢/ ١٠٤ (٧٧٥) وأحمد ٤/ ٢٩٩، والبخاري في «الأدب المفرد» ص ٣٧ (٦٩) باب: فضل من يصل ذا الرحم الظالم، وابن حبان في «صحيحه» ٢/ ٩٧ - ٩٨ (٣٧٤) كتاب: البر والإحسان، باب: ما جاء في =



جماعة من المؤرخين أن عثمان أُرْتج عليه بعد قوله: الحمد لله، فاعتذر، وقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وصلى بحضرة الصحابة. منكر، كما قَالَ ابن العربي (١).
وفي «المبسوط»: أن الحجاج أُرْتج عليه بعد قوله: الحمد لله. فقال: يا أيها الناس قد هالني كثرة رءوسكم وإحداقكم إليَّ بأعينكم، وإني لا أجمع عليكم بين الشح والعي، إن لي نعما في بني فلان، فإذا قضيتم الصلاة فانتهبوها، ونزل وصلى، ومعه أنس بن مالك وغيره من الصحابة (٢).
وروي عنه أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يشكو إليه الحصر في الخطبة، وقلة الشهوة للأكل، وضعف شهوة الجماع، فكتب إليه الوليد: إنك إذا خطبت انظر إلى أخريات (النساء) (٣)، ولا تنظر إلى (ما) (٤) يكون

-------------
= الطاعات وثوابها، والدارقطني ٢/ ١٣٥ كتاب: الزكاة، باب: الحث على إخراج الصدقة وبيان قسمتها، قال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٣٣٨٤): إسناده صحيح.
(١) قال ابن العربي: وحكى المؤرخون عن عثمان كذبة عظيمة أنه صعد المنبر فأُرْتج منه فقال كلامًا منه: وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال. فيا لله والعقول أن أقلنا اليوم لا يرتج عليه فكيف عثمان لا سيما وأقوى أسباب الحصر في الخطبة أنه لا يدري ما يرمي السامعين ويميل قلوبهم؛ لأنه يقصد الظهور عندهم ومن كان خطبته لله فليس يحصر عن حمد وصلاة وحض على خير وتحذير من شر أي شيء كان ولم يخلق من تحصير إلا من كان له غرض غير الحق فربما أعانه عليه بالفصاحة فتنة وربما خلق له العى تعجيزًا. «عارضة الأحوذي» ٢/ ٢٩٦.
(٢) «المبسوط» ٢/ ٣١.
(٣) كذا بالأصل في «البناية» ٣/ ٧١: الناس.
(٤) كتب فوقها بالأصل: كذا.



بقرب منك، وأكثر ألوان الأطعمة؛ فإنك لو أكلت من كل لون شيئًا يسيرًا اكتفيت، وأكثر السراري؛ فإن لكل واحدة لذة (١).
وعند أبي يوسف ومحمد: لا يجزىُ أقل من مقدار التشهد إلى قوله: عبده ورسوله (٢).
وفي «ملتقى البحار»: أن يثني على الله ويصلي على نبيه ويدعو للمسلمين.
قَالَ ابن حبيب: وتكون الثانية أقصر من الأولى، قَالَ: وكان - ﷺ - لا يدع أن يقرأ في خطبته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠]. وينبغي أن يقرأ في خطبته الأولى بسورة تامة من قصار المفصل قَالَ: وكان عمر بن عبد العزيز يقرأ تارة بـ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾، وتارة بالعصر (٣).
وحديث عمار في «صحيح مسلم» أجل في (تقصير) (٤) الخطبتين، وفيه: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا» (٥).
ومعنى (مَئِنَّة): علامة، مأخوذ من أنَّ فوزنها: مفعلة، وهي فعيلة من يئن.

-----------
(١) ذكره صاحب «البناية» ٣/ ٧١ من قول السروجي.
(٢) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٢٢٠.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٢ - ٤٧٣، «الذخيرة» ٢/ ٢٣٥.
(٤) صورتها في الأصل: (نقر) أو (تفسير).
(٥) مسلم (٨٦٩) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة.



٣٠ - باب القَعْدَةِ بَيْن الخُطْبَتَين يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا. [انظر: ٩٢٠ - مسلم: ٨٦١ - فتح: ٢/ ٤٠٦]
ذكر فيه حديث عمر قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا.
هذا الحديث سلف في باب: الخطبة قائمًا (١) وشرحه واضحًا.
وقال ابن قدامة: هي مستحبة للاتباع، وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة (٢)، وصرح إمام الحرمين -من أصحابنا- بأن الطمأنينة بينهما واجبة، وهو خفيف جدًّا قدر قراءة سورة الإخلاص تقريبًا (٣)، وفي وجه شاذ أنه يكفي السكوت في حق القائم؛ لأنه فصل (٤).
وذكر ابن التين أن مقدارها كالجلسة بين السجدتين، وعزاه لابن القاسم، قَالَ: وجهه أنه فصل بين مشتبهين، كالجلوس بين السجدتين. وادعى ابن بطال أن حديث الباب قال على السنية؛ لأنه - ﷺ - كان يفعله، ولم يقل: لا يجزئه غيره؛ لأن عليه فرض البيان، قَالَ: ومن قَالَ بالفرض لا حجة له؛ لأنها فصل بين الذكرين واستراحة للخطيب وليست من الخطبة في شيء، والمفهوم من لسان العرب أن الخطبة اسم للكلام الذي يخطب به لا للجلوس (٥).

-------------
(١) سلف برقم (٩٢٠) كتاب: الجمعة.
(٢) «المغني» ٣/ ١٧٦.
(٣) انظر: «المجموع» ٤/ ٣٨٤.
(٤) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٢٧.
(٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥١٢.



وقال الطحاوي: ولما كان لو خطب قاعدًا جاز ولم يقع بينهما فصل فكذا إذا قام موضع القعود (١)، وكل هذا عجيب فما ذكره لا يسلم له.
وقال ابن التين: لا خلاف أن من شأن الخطبة أن تفصل على خطبتين، فإن ترك الثانية لانحصار أو نسيان أو حدث وصلى غيره أجزأهم، وكذلك لو لم يتم الأولى، وأتى منها مما له بال كما سلف.
فرع: هكذا تفصل في غيره من الخطب كالاستسقاء وغيره، أما خطب الحج سواها؛ فكلها فردة إلا التي بنمرة، بقرب عرفة.

----------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٤٥.


٣١ - باب الاِسْتِمَاعِ إِلَى الخُطبَةِ
٩٢٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِى بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِى بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». [٣٢١١ - مسلم: ٨٥٠ - فتح: ٢/ ٤٠٧]
ذكر فيه حديث أبي عبد الله الأغر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَاسْتَمَعُوا الذِّكْر».
الشرح:
هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في باب: بدء الخلق كما ستعلمه، بزيادة أبي سلمة مع الأغر (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
و(الأغر) اسمه: سلمان، جهني مولاهم القاص المدني، وأصله من أصبهان، اتفقا عليه (٣)، وانفرد مسلم بالأغر بن سليك بن حنظلة أبو مسلم الكوفي، روى أيضًا عن أبي هريرة وغيره (٤).

----------------
(١) سيأتي برقم (٣٢١١) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة.
(٢) مسلم (٨٥٠) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة.
(٣) أبو عبد الله المدني، روى له الجماعة، قال محمد بن سعد: كان ثقة قليل الحديث.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٨٤، و«التاريخ الكبير» ٤/ ١٣٧ (٢٢٣٨)، و«الجرح والتعديل»٤/ ٢٩٧ (١٢٩٢).
(٤) قال ابن سعد: لعله نسب إلى جده سليك بن حنظلة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٤٣، و«الثقات» ٤/ ٥٣، و«تهذيب الكمال» ٣/ ٣١٤ (٥٤٠)



وهؤلاء غير الحفظة كما نبه عليه ابن التين.
أما فقه الباب: فالإنصات لسماع الخطبة مطلوب بالاتفاق. والجديد الصحيح من مذهب الشافعي أنه لا يحرم الكلام، ويسن الإنصات، وبه قَالَ عروة بن الزبير وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي (١)، والثوري وداود. والقديم أنه يحرم، وبه قَالَ مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد (٢).
وقال ابن بطال (٣): استماع الخطبة واجب وجوب سنة عند أكثر العلماء، ومنهم من جعله فريضة، وروي عن مجاهد أنه قَالَ: لا يجب الإنصات للقرآن إلا في موضعين: في الصلاة، والخطبة. ثم نقل عن أكثر العلماء أن الإنصات واجب على من سمعها ومن لم يسمعها، وأنه قول مالك (٤).
وقد قَالَ عثمان: للمنصت الذي لا يسمع من الأجر مثل ما للمنصت الذي يسمع (٥). وكان عروة لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة، ذكره ابن المنذر (٦).

----------------
(١) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٢٦ (٥٤٣٢ - ٥٤٣٣) كتاب: الجمعة، باب: ما يقطع الجمعة. وابن أبي شيبة ١/ ٤٥٩ (٥٣٠٩ - ٥٣١١) كتاب: الصلوات، باب: من لخص في الكلام والإمام يخطب.
وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٦٦ - ٦٧، والنووي في «المجموع» ٤/ ٣٩٥.
(٢) انظر: «حلية العلماء» ٢/ ٢٢٩، «روضة الطالبين» ٢/ ٢٨، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٤، «المعونة» ١/ ١٦٦، «المبسوط» ٢/ ٢٨، «تبيين الحقائق» ١/ ٢٢٣، «المغني» ٣/ ١٩٤.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥١٣.
(٤) انظر: «المدونة» ١/ ١٣٩.
(٥) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢١٣ (٥٣٧٣) كتاب: الجمعة، باب: ما أوجب الإنصات يوم الجمعة، وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٦٩ - ٧٠.
(٦) «الأوسط» ٤/ ٧٠.



وقال إبراهيم: إني لأقرأ حزبي إذا لم أسمع الخطبة (١).
وقال أحمد: لا بأس أن يذكر الله ويقرأ من لم يسمع الخطبة (٢).
وقال ابن عبد البر: لا خلاف نعلمه بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات لها على من سمعها، واختلف فيمن لم يسمعها.
قَالَ: وجاء في هذا المعنى خلافٌ عن بعض التابعين، فروي عن الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وأبي بردة أنهم كانوا يتكلمون والإمام يخطب إلا في حين قراءة القرآن في الخطبة خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
وفعلهم مردود عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذَلِكَ، وهو قوله: «إذا قُلْتَ لصاحبك: أنصت» الحديث (٣)؛ لأنه حديث انفرد به أهل المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به.
وقال ابن قدامة: يجب الإنصات ويحرم الكلام على الحاضرين.
وكره ذَلِكَ عامة أهل العلم، منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي، وعن أحمد رواية أخرى: لا يحرم الكلام.
قَالَ: وكان سعيد بن جبير وإبراهيم بن مهاجر وأبو بردة والنخعي والشعبي يتكلمون والحجاج يخطب. وقال بعضهم: إنما لم نؤمر أن ننصت لهذا (٤).

--------------
(١) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢١٣ (٥٣٧٤) كتاب: الجمعة، باب: ما أوجب الإنصات يوم الجمعة.
(٢) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٧١.
(٣) يأتي عن أبي هريرة برقم (٩٣٤) ورواه مسلم (٨٥١).
(٤) «المغني» ٣/ ١٩٤.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #208  
قديم 31-01-2026, 10:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 567 الى صـــ 586
الحلقة (208)






واختلف العلماء في وقت الإنصات، فقال أبو حنيفة: خروج الإمام يقطع الكلام والصلاة جميعًا لقوله: «فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر» (١).
وقالت طائفة: لا يجب الإنصات إلا عند ابتداء الخطبة، ولا بأس بالكلام قبلها، هذا قول مالك والثوري وأبي يوسف ومحمد والأوزاعي والشافعي، حجتهم قوله - ﷺ -: «وينصت إذا تكلم الإمام» ذكره في باب: الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب بعد هذا (٢).
وقال صاحب «البداية» من الحنفية: إذا خرج الإمام يوم الجمعة.
أي: صعد على المنبر ترك الناس الصلاة والسلام حتى يفرغ من خطبته، وعندهما: لا بأس بالكلام قبل الشروع فيها، وإذا نزل، قبل أن يكبر (٣).
وفي «جوامع الفقه» عند أبي يوسف: يباح الكلام عند جلوسه إذا سكت. وعند محمد: لا يباح (٤). وفي «جوامع الفقه» أنه ينصت ولا يقرأ، ولا يصلي نفلًا، ولا يشتغل بالذكر وغيره، ويكره السلام ورده، وتشميت العاطس، والأكل والشرب.
قَالَ: وقال الأوزاعي: إن شرب عند الخطبة بطلت جمعته. وهو قول أحمد، ذكرها ابن المنذر (٥)، وروى محمد عن أبي يوسف أنهم يردون

-----------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) سيأتي برقم (٩٣٤) كتاب: الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٣٨، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٠.
(٣) «البداية» ١/ ٩١.
(٤) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٢٢٣، «البناية» ٣/ ٩٩.
(٥) انظر: «الأوسط» ٤/ ٧٣ - ٧٤.



السلام ويشمتون، وهل يرد بعد الفراغ من الخطبة؟ عند محمد: يرده، وعند أبي يوسف: لا. والتشميت مثله، وعن أبي حنيفة: يرد في قلبه ولا يرد بلسانه (١).
وقال الحسن والنخعي والشعبي والحكم وحماد والثوري وأحمد وإسحاق: يرد ويشمت (٢).
وقال قتادة: يرد ويسمعه (٣).
وقال مالك: لا يشمت سرًّا ولا جهرًا، ولا يرد السلام، ولا يشرب الماء، ويسكت عن التسبيح والإشارة ولا يحصبهم (٤).
قَالَ: واختلف المشايخ فيما إذا لم يتكلم بلسانه، ولكنه أشار بيده، أو أومأ برأسه، أو بعينيه بنعم أو لا، أو رأى منكرًا، فمنهم من كره ذَلِكَ كفعل اللسان، والصحيح أنه لا بأس به. وفي «الذخيرة»: ويكره الكلام في وقت الخطبة (٥).
ومن العلماء من قَالَ: كان السكوت لازمًا في حقهم؛ لأنه - ﷺ - كان بسمعهم ما ينزل عليه من القرآن، بخلاف اليوم؛ لأنه قد يكون في القوم من هو أعلم من الإمام وأورع منه، فلا يلزمه استماع خطبة من هو دونه، ومنهم من قَالَ: مادام في الحمد والثناء على الله والوعظ للناس فعليهم

-------------
(١) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢٨، «مختصر اختلاف العلماء»١/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٢) رواه عبد الرزاق عن إبراهيم ٣/ ٢٢٧ (٥٤٣٧) كتاب: الجمعة، باب: العطاس يوم الجمعة والإمام يخطب، وابن أبي شيبة ١/ ٤٥٥ (٥٢٥٨ - ٥٢٦٠)، وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٧٢، وانظر: «التمهيد» ٥/ ٥٠.
(٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٢٧ (٥٤٤٠) كتاب: الجمعة، باب: رد السلام في الجمعة، وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٧٢.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٤، «الذخيرة» ٢/ ٣٤٧.
(٥) «الذخيرة» ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧.



أن يستمعوا، فإذا أخذ في مدح الظلمة والدعاء لهم فليس عليهم أن يستمعوا.
وكان الطحاوي يقول: على القوم أن ينصتوا، فإذا بلغ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فحينئذٍ يجب على القوم أن يصلوا عليه (١). والذي عليه عامة المشايخ أن عليهم أن ينصتوا من أولها إلى آخرها.
وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا ذكر الله والرسول استمعوا، ولم يذكروا الله بالثناء عليه، ولم يصلوا على نبيه.
قَالَ ابن المنذر: هذا أحب إليَّ، وهو قول الثوري. وعن أبي يوسف: يصلون عليه سرًا، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق (٢)، وهذا كله في حق القريب من الإمام، وقال في «الذخيرة»: لا رواية في البعيد. وأشار محمد بن سلمة إلى السكوت (٣)، وكان محمد هذا ونصر بن يحيى يقرءان القرآن، وهكذا رواه حماد عن إبراهيم.
وأما دراسة الفقه وكتابته والنظر فيه، فمن الأصحاب من أباحه، وروي عن أبي يوسف (٤). وكان الحكم بن زهير الحنفي الكبير ينظر في الفقه، وكان مولعًا بالتدريس (٥).
وفي «المرغيناني»: اختلفوا في التسبيح والتهليل للنائي. أي: عن

-------------
(١) انظر: «مختصر إختلاف العلماء» ١/ ٣٣٣، «المبسوط» ٢/ ٢٩، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٤.
(٢) «الأوسط» ٤/ ٨١.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٤.
(٤) انظر: «البحر الرائق» ٢/ ٢٧٢.
(٥) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢٨، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٤.



الإمام، وأجمعوا أنه لا يتكلم بكلام الناس، وأما قراءة القرآن والذكر والفقه فقال بعضهم: الاشتغال بقراءة القرآن والذكر أفضل من الإنصات. وقال بعضهم: الإنصات أفضل (١).
وأما دراسة العلم فالنظر في كتبه وكتابته، فمن الأصحاب من كره ذَلِكَ، ومنهم من قَالَ: لا بأس به إذا كان لا يسمع الخطبة.
وقال ابن قدامة: لا فرق بين البعيد والقريب، وللبعيد أن يقرأ القرآن، ويذكر الله ويصلي على نبيه، ولا يرفع صوته.
قَالَ أحمد: لا بأس بالصلاة عليه سرًّا. قَالَ: ورخص له في القراءة والذكر عطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي، وليس له أن يرفع صوته ولا يذاكر في الفقه ولا يصلي ولا يجلس في حلقة. وذكر ابن عقيل أن له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة (٢).
وأما تفاريع مذهب الشافعي وتحريره وفاقًا وخلافًا، فلو سردناه هنا طال وخرج عن موضوعه، وقد حررناه في «شرح المنهاج» وغيره فليراجع منه.
قَالَ أبو محمد ابن حزم: وفرض على كل من حضر الجمعة -سمع الخطبة أم لم يسمع- أن لا يتكلم مدة خطبة الإمام بشيء (البتة) (٣) إلا التسليم ورد السلام، وحمد الله إن عطس، ويشمت إن حمد، والرد على المشمت، والصلاة على رسول الله - ﷺ - إذا أمر الخطيب بالصلاة عليه، والتأمين على دعائه، وابتداء مخاطبة الإمام في

--------------
(١) انظر: «التجنيس والمزيد» ٢/ ١٨٨.
(٢) «المغني» ٣/ ١٩٦ - ١٩٧.
(٣) في الأصل: كلمتان غير مقروءتين، والمثبت من «المحلى».



الحاجة، ومجاوبة الإمام فيمن ابتدأه الإمام بالكلام في أمر ما فقط، ولا يحل أن يقول أحد حينئذٍ لمن يتكلم: أنصت، ولكن يشير إليه أو يغمزه أو يحصبه.
ومن تكلم بغير ما ذكرنا ذاكرًا عالمًا بالنهي فلا جمعة له، فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله ولا من الدعاء المأمور به فالكلام مباح حينئذٍ، وكذلك إذا جلس بين الخطبتين وبين الخطبة وابتداء الصلاة (١) وهذا جمود منه كعوائده.
استدل من قَالَ بالاستماع بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وبهذا الحديث في استماع الملائكة الخطبة حض على الاستماع لها والإنصات.
وفي قوله: («فإذا خرج الإمام طويت الصحف، واستمعوا الخطبة»)
دلالة على أنه لا عمل إذا خرج الإمام إلا ذَلِكَ لطي الصحف فيما عداه.
ونهى عن الكلام عثمان وابن عمر (٢).
وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصى (٣)، وبالحديث الآتي -إن شاء الله-: «فَقَدْ لَغَوْتَ» (٤) وبما روي عن أبيٍّ بن كعب أنه - ﷺ - قرأ يوم الجمعة ﴿تَبَارَكَ﴾ فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء (٥) يغمزني، فقال: متى أنزلت؟ فإني لم أسمعها

--------------
(١) «المحلى» ٥/ ٦١ - ٦٢.
(٢) رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر ١/ ٤٥١ (٥٢٩٧) كتاب الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب، وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٦٩.
(٣) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٦٦.
(٤) حديث (٩٣٤).
(٥) في هامش الأصل: أبو ذر.



إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قَالَ: سألتك: متى أنزلت هذه السورة؟ فلم تخبرني. قَالَ أبيٌّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت. فذهب إلى رسول الله - ﷺ - ذكر له ذَلِكَ، وأخبره بما قَالَ، فقال - ﷺ -: «صدق أبيُّ» رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي، وقال: إسناده صحيحٌ (١).
وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة نحوه (٢)، وعن ابن عباس مرفوعًا: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار

------------
(١)»مسند أحمد«٥/ ١٤٣،»سنن ابن ماجه«(١١١١) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي بن كعب، به.
قال البوصيري في»الزوائد«(٣٦٧): إسناد صحيح رجاله ثقات. وقال الألباني في»الإرواء«٣/ ٨٠: إسناده جيد.
وصححه الألباني في»صحيح ابن ماجه«(٩١٢).
أما البيهقي فرواه في»السنن«٣/ ٢١٩ - ٢٢٠ من طريق محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن شريك، عن عطاء، عن أبي ذر، به. فجعله من مسند أبي ذر، لا أبي. وبنحوه صححه ابن خزيمة ٣/ ١٥٤ - ١٥٥ (١٨٠٧ - ١٨٠٨)، والحاكم في»المستدرك«١/ ٢٨٧ - ٢٨٨ فقال: صحيح على شرط الشيخين و٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠ وقال: إسناده صحيح.
وكذا صححه النووي في»الخلاصة«٢/ ٨٠٤ - ٨٠٥.
وقال البيهقي -كما ذكره المصنف- في»المعرفة«٤/ ٣٧٩: إسناده صحيح.
لكن قال الذهبي في»التلخيص«١/ ٢٨٧: ما أحسب عطاء أدرك أبا ذر. وقال في»المهذب«٣/ ١١٤٨ (٥١٨٧): حديث مرسل؛ فإن عطاء لم يدرك أبا ذر.
وإلي هذا أشار الحافظ، فإنه ذكر الحديث في»الإتحاف«١٤/ ١٧٣ (١٧٥٨٥) وعزاه لابن خريمة والحاكم. وقال: أظن فيه انقطاعًا.
(٢)»المصنف" ١/ ٤٥٨ (٥٢٩٥) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب. ورواه أيضًا البيهقي ٣/ ٢٢٠.



يحمل أسفارًا» (١) رواه ابن أبي خيثمة.
وذكر ابن حزم أن ثلاثة من الصحابة يبطلون صلاة من تكلم عامدًا في الخطبة: أبيٌّ، وابن عمر، وابن مسعود. قَالَ: وبه نقول؛ وعليه إعادتها في الوقت؛ لأنه لم يصلها (٢).
وقالوا: لأن الخطبة بدل من الركعتين، فحرم فيهما الكلام كالصلاة.
استدل من قَالَ بالإباحة بالأحاديث الصحيحة المشهورة أنه - ﷺ - تكلم في خطبته يوم الجمعة مرات.
وبحديث أنس: دخل رجل المسجد والشعبي - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت، فسأله ثلاث مرات، كل ذَلِكَ يشيرون إليه أن اسكت، فقال له - ﷺ -: «ويحك، ما أعددت لها؟» رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح (٣).

---------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٥٨ (٣٥٠٥)، وأحمد ١/ ٢٣٠، والطبراني ١٢/ ٩٠ (١٢٥٦٣)، والبزار كما في «كشف الأستار» (٦٤٤) من طريق ابن نمير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس.
قال الحافظ ابن كثير -طيب الله ثراه- في «إرشاد الفقيه» ١/ ٢٠١: إسناده حسن، وإن كان قد تكلم في مجالد من قبل حفظه. وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٤٧٩): رواه أحمد بإسناد لا بأس به.
لكن الحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٧٦٠)، وفي «ضعيف الجامع» (٥٢٣٨)، وفي «ضعيف الترغيب» (٤٤٠)، وفي «المشكاة» (١٣٩٧)، وفي «تمام المنة» ص ٣٣٧ - ٣٣٨. وفي الأخير تعقيب على كلام الحافظ.
(٢) «المحلى» ٥/ ٦٣.
(٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٢٢١ كتاب: الجمعة، باب: الإشارة بالسكوت دون التكلم.
وصحح النووي إسناده في «المجموع» ٤/ ٣٩٦، وفي «الخلاصة» ٢/ ٨٠٦ (٢٨٤١).



وعن أنس: بينما النبي - ﷺ - يخطب في يوم جمعة إذ قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال .. الحديث أخرجاه (١).
--------------
(١) سيأتي برقم (٩٣٣) كتاب: الجمعة، باب: الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، ومسلم (٨٩٧) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: الدعاء في الاستسقاء.


٣٢ - باب إِذَا رَأَى الإِمَامُ رَجُلًا جَاءَ وَهوَ يَخطُبُ أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْن.
٩٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: «أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟». قَالَ لَا. قَالَ «قُمْ فَارْكَعْ». [٩٣١، ١١٦٦ - مسلم: ٨٧٥ - فتح: ٢/ ٤٠٧]
ذكر فيه حديث جابر بن عبد الله قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: «أَصَليْتَ يَا فُلَانُ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «قُمْ فاركع ركعتين».


٣٣ - باب مَنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخطُبُ صَلَّى رَكعَتَين خَفِيفَتَيْنِ
٩٣١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ، فَقَالَ: «أَصَلَّيْتَ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». [انظر: ٩٣٠ - مسلم: ٨٧٥ - فتح: ٢/ ٤١٢]
ذكر فيه حديث جابر المذكور وليس فيه: خفيفتين.
وأخرجه في التطوع مثنى مثنى (١)، وأخرجه مسلم وباقي الجماعة (٢)، وشيخ البخاري في الأول أبو النعمان، وهو محمد بن الفضل السدوسي، ولقبه عارم، تغير بأَخَرَةٍ. قَالَ البخاري: جاءنا نعيه سنة أربع وعشرين ومائتين (٣). وروى مسلم عن جماعة عنه.
وشيخه في الثاني: علي بن عبد الله -وهو ابن المديني- روى عن سفيان -وهو ابن عيينة- ورواه الحسن عن جابر، كما أخرجه الترمذي، ورواه ابن ماجه بنحوه، ورواه جابر عن سليك بن هدبة الغطفاني كما أفاده المنذري (٤)، ورواه الترمذي مصححًا من حديث

--------------
(١) سيأتي برقم (١١٦٦) كتاب: التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى.
(٢) مسلم (٨٧٥) كتاب: الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب، و«سنن أبي داود» (١١١٥) كتاب: الصلاة، باب: إذا دخل الرجل والإمام يخطب، و«سنن الترمذي» (٥١٠) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب، و«سنن النسائي» ٣/ ١٠٧ كتاب: الجمعة، باب: كيف الخطبة، «سنن ابن ماجة» (١١١٢) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن دخل المسجد والإمام يخطب.
(٣) انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٨ (٥٦٤).
(٤) انظر: «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٢٢ - ٢٣.



أبي سعيد الخدري وأنه جاء في هيئة بذة (١)، وفي رواية يحيى بن سعيد القطان: أمرته أن يصلي ركعتين وأنا أرجو أن يفطن له رجلٌ فيتصدق عليه. ورواه أبو داود من حديث أبي سفيان، عن جابر وأبي صالح، عن أبي هريرة قالا: جاء سليك .. الحديث. وفيه: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليركع ركعتين» (٢)، وفي مسلم: «قم فاركع ركعتين تجوز فيهما» (٣) وإليه إشار البخاري في الترجمة بقوله: صلى ركعتين خفيفتين.
وفي رواية له أنه جاء والنبي - ﷺ - على المنبر، وأنه جلس قبل أن يصلي، فقال له: «قم فاركع» وفي رواية له: «إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما» (٤).
وفي ابن ماجه: «أصليت ركعتين قبل أن تجيء؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فصل ركعتين وتجوز فيهما» (٥)
وفي رواية للدارقطني من حديث أنس: وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته (٦).

----------------
(١) «سنن الترمذي» (٥١١) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب، قال: حديث حسن صحيح، قال الألباني في «صحيح الترمذي»: حسن صحيح.
(٢) «سنن أبي داود» (١١١٦) كتاب: الصلاة، باب: إذا دخل الرجل والإمام يخطب، قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠٢٢): إسناده صحيح.
(٣) مسلم (٨٧٥/ ٥٩).
(٤) مسلم (٨٧٥) كتاب: الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب.
(٥) «سنن ابن ماجه» (١١١٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن دخل المسجد والإمام يخطب.
(٦) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٥ كتاب: الجمعة، باب: في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب.



قَالَ: والصواب إرساله. وفي رواية له من حديث مجاهد عن جابر: «اركع ركعتين ولا تعد لمثل هذا» قَالَ: فركعهما ثم جلس (١).
ولابن حبان في حديث أبي سعيد السالف: ثم حث الناس على الصدقة، فألقوا ثيابًا فأعطاه منها ثوبين، وأنه جاء في الجمعة الأخرى وطرح أحد ثوبيه لما أمر - ﷺ - بالصدقة. وخرجه ابن خزيمة، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٢).
وفي «صحيح ابن حبان» أنه أمره بأن يصلي ركعتين في ثاني جمعة وثالثها (٣). وحديث: «إذا صعد الإمام المنبر لا تصلوا والإمام يخطب» واهٍ (٤).
وفي «الأسرار» من كتب الحنفية عن الشعبي عن ابن عمر مرفوعًا: «إذا صعد إلامام المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ» والصحيح من الرواية: «إذا جاء أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولاكلام» (٥).

-------------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٦ كتاب: الجمعة ومن تجب عليه، باب: في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٢٤٩ - ٢٠٥ (٢٥٠٣)، (٢٥٠٥) كتاب: الصلاة، باب: النوافل، و«صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١١٤ (٢٤٨١) كتاب: الزكاة، باب: التغليظ في مسألة الغني الصدقة، و«المستدرك» ١/ ٢٨٥، وقال: صحيح على شرط مسلم وهو شاهد للحديث الذي قبله.
(٣) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٢٤٩ (٢٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: النوافل.
(٤) قال ابن حجر في «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» ١/ ٢١٦ - ٢١٧: أخرجه أبو سعيد الماليني فيما ذكره عبد الحق، وإسناده واه.
(٥) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ١٨٤ من حديث ابن عمر وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه أيوب بن نهيك، وهو متروك ضعفه جماعة، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: يخطئ.



وحديث ابن عمر يرفعه: «من دخل المسجد يوم الجمعة فصلى أربع ركعات قرأ في كل ركعة الفاتحة وخمسين مرة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ فذلك مائة مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له» ذكره الدارقطني في «غرائبه» وضعفه.
إذا تقرر ذَلِكَ، فاختلف العلماء فيمن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب.
ومذهبنا أنه يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد ويخففهما، ويكره له تركها، وبه قَالَ الحسن البصري ومكحول وعبد الله بن يزيد وابن عيينة وأبو ثور والحميدي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وداود وآخرون (١).
قَالَ الترمذي: العمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضهم: إذا دخل والإمام يخطب فإنه يجلس ولا يصلي، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، والقول الأول أصح (٢)، وذكر ابن عبد البر أن الطبري قَالَ كذلك -يعني: بالصلاة (٣) - ورواه ابن العربي عن محمد بن الحسن عن مالك (٤).
وقال عطاء بن أبي رباح وشريح وعروة وابن سيرين والنخعي وقتادة

---------------
(١) روى بعض هذِه الآثار ابن شيبة ١/ ٤٤٧ (٥١٦٢، ٥١٦٤، ٥١٦٥) كتاب: الصلاة، باب: في الرجل يحيى يوم الجمعة والإمام، وانظر: «المجموع» ٤/ ٤٢٩، «المحلى» ٥/ ٦٨.
(٢) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٥١١) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب.
(٣) «الاستذكار» ٢/ ٢٥.
(٤) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٢٩٩.



ومالك والليث والثوري والشعبي وأبو حنيفة وسعيد بن عبد العزيز: لا يصلي شيئًا (١).
وقال أبو مجلز: هو غير بين الصلاة وتركها جمعًا بين الأحاديث (٢).
وقال الأوزاعي: إن كان صلاهما في بيته جلس، وإلا ركعهما والإمام يخطب عملًا بالرواية السالفة: «أصليت قبل أن تجيء؟» (٣)
واحتج من يرى الصلاة بحديث سليك هذا، وبعموم: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين» (٤) أو بغيره من الأحاديث السالفة، وحمله على غير هذه الحالة بعيد.
قَالَ ابن حزم: ولولا البرهان (بأن) (٥) لا فرض غير الخمس، لكانت هاتان فرضًا، ولكنهما في غاية التأكيد، ولا شيء من السنن أوكد منهما؛ لتردد أمره - ﷺ - (٦) بهما.
احتج من منع -ونقل ابن بطال أنه قول جمهور أهل العلم (٧)، وذكره ابن أبي شيبة عن عمر وعثمان وعليٍّ وابن عباس (٨) - بقول ابن شهاب:

--------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٣٧، «عيون المجالس» ١/ ٤١٦، «الأوسط» ٤/ ٩٥.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٧ (٥١٦٦).
(٣) انظر: «الأوسط» ٤/ ٩٥.
(٤) سبق برقم (٤٤٤) كتاب: الصلاة، باب: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين.
(٥) كذا في الأصل، وفي «المحلى»: ولولا البرهان الذي قد ذكرنا من قبل بأن لا فرض إلا الخمس.
(٦) «المحلى» ٥/ ٦٩.
(٧) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥١٤.
(٨) «المصنف» ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨ (٥١٦٧)، (٥١٧٣)، (٥١٧٥) كتاب: الصلوات، باب من كان يقول: إذا خطب الإمام فلا تصل، وانظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٥١٤ - ٥١٥.



خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام (١). وروي عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، أنصتنا فلم يتكلم منا أحد (٢).
وفي «الإكمال» لعياض أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمنعون من الصلاة عند الخطبة (٣)، وقال ابن بزيزة: هو مروي عن الخلفاء الثلاثة: عمر وعثمان وعلي، وفي كتاب «اللباب» روى علي بن عاصم عن خالد الحذاء أن أبا قلابة جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يصل، وروي عن عقبة بن عامر: الصلاة والإمام على المنبر معصية (٤).
واحتج أيضًا بالحديث الذي فيه أن رجلًا جاء يتخطى رقاب الناس، فقال له: «اجلس فقد آذيت» فأمره بالجلوس، وقيل دون الصلاة (٥).

-------------
(١) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ١٧٠ (٤٤٠) كتاب: الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ١٧٠ (٤٣٩) كتاب: الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة، وابن أبي شيبة ١/ ٤٤٨ (٥١٧٣)، و١/ ٤٥٨ (٥٢٩٦) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب.
(٣) «إكمال المعلم» ٣/ ٢٧٨، وفيه: عمر وعثمان وعلي، وليس فيها أبو بكر.
(٤) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٧٠.
(٥) رواه أبو داود (١١١٨) كتاب: الصلاة، باب: تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، السائي ٣/ ١٠٣ كتاب: الجمعة، باب: النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة، وأحمد ٤/ ١٨٨، ١٩٠، ابن الجارود في «المنتقى» ١/ ٢٥٦ (٢٩٤) كتاب: الصلاة، باب: الجمعة، وابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ١٥٦ (١٨١١) كتاب: الجمعة، باب: النهي عن تخطي الناس يوم الجمعة والإمام يخطب وإباحة زجر الإمام عن ذلك في خطبته، والطحاوي في «معاني الآثار» ١/ ٣٦٦، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ٢٩ - ٣٠ (٢٧٩٠) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الجمعة. =



وذكر سَنَدٌ في كتاب «الطراز»: وترك الخطباء الركوع إذا خرجوا لحاجة الخطبة، ولم ينقل عن الشارع أنه ركع قبلها في المسجد، فكذا الحاجة للاستماع والإنصات.
وقال ابن العربي: الصلاة حين ذاك حرام من ثلاثة أوجه: الآية، فكيف يترك الفرض الذي شرع الإمام فيه إذا دخل عليه فيه، ويشتغل بغير فرض، وصح عنه - ﷺ - أنه قَالَ: «إذا قُلْتَ لصاحبك: أنصت فقد لغوت» (١)، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -الأصلان المفروضان الركنان في الملة- يحرمان حال الخطبة، فالنفل أولى بالتحريم، ولو دخل والإمام في صلاة لم يركع، والخطبة صلاة؛ إذ يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة.
قَالَ: وأما حديث سليك فلا يعترض على هذه الأصول من أربعة أوجه:
أولها: فلأنه خبرُ واحدٍ (تعارضه) (٢) أخبار أقوى منه، وأصول من القرآن والشريعة فوجب تركه.
ثانيها: يحتمل أنه كان في وقت كان الكلام مباحًا في الصلاة؛ لأنا لا نعلم تاريخه، فكان مباحًا في الخطبة، فلما حرم بالخطبة الأمر

---------------
= والحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٨٨ كتاب: الجمعة. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، ووافقه الذهبي، والبيهقي ٣/ ٢٣١ كتاب: الجمعة، باب: لا يتخطى رقاب الناس من حديث عبد الله بن بسر.
قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠٢٤): صحيح على شرط مسلم وقد تقدم تخريج هذا الحديث بأفضل من ذلك.
(١) سيأتي برقم (٩٣٤) كتاب: الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب.
(٢) في الأصل: (فلا تعارضه)، وفي «العارضة» (فلا) غير مثبتة، والسياق يقتضي حذفها.



بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو آكد فرضية من الاستماع فأولى أن يحرم ما ليس بفرض.
الثالث: أن الشارع كلم سليكا وقال له: «قم فصل» فلما كلمه وأمره سقط عنه فرض الاستماع، إذ لم يكن هنالك قولٌ ذَلِكَ الوقت (إلا) (١) منه - ﷺ - إلا مخاطبته له وسؤاله وأمره.
الرابع: أن سليكا كان ذا بذاذة وفقر، فأراد - ﷺ - أن يشهره؛ ليُرى حاله (٢).
وكذا سلف في رواية، وكذا قَالَ الداودي: إنما فعل ذَلِكَ به ليُتَصَدَّقَ عليه، قَالَ: وفي الحديث أنهم كسوه ثوبين فأمر - ﷺ - بالصدقة، فقام الرجل فألقى أحد الثوبين، فنهاه وأمره بإمساكه.
وهذا من الأمور التي يفعلها الإمام في الخطبة؛ ورده ابن التين بالحديث، ولو كان كما ذكره لما سأله: «هل صليت؟».
وقال الطحاوي: يجوز أنه لما أمره قطع خطبته ثم استأنف، ويجوز أن يكون بني عليها. قَالَ: ومن الدليل على أن ذَلِكَ كان وقت إباحة الكلام في خطبته أنه ذكر في حديث أبي سعيد الخدري، فذكر ما سلف، قَالَ: ولا نعلم خلافًا أن مثل هذا الكلام محظور في الخطبة لأمره فيها بالإنصات (٣).
وعند ابن بزيزة: رأى بعض المالكية أن قصة سليك قضية عين (٤)، وأراد - ﷺ - أن يراه الناس فيتصدقوا عليه.

----------------
(١) كذا بالأصل وهي زيادة ليست من كلام ابن العربي.
(٢) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٢.
(٣) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٦٦.
(٤) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٤٦.



قَالَ: وقد قيل: إنَّ ترك الركوع سنة ماضية، وعمل مستفيض في زمن الخلفاء، واستدلوا أيضًا بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لا تصلوا والإمام يخطب» (١) قَالَ: وذكر الدارقطني أنه - ﷺ - قَالَ لسليك: «اركع ركعتين ولا تعد لمثل هذا» (٢) وقد سلف مع رواية الإمساك أيضًا، واستدلوا أيضًا بواقعة عثمان حين دخل وعمر يخطب، وإنكار عمر عليه في ترك الغسل فقط (٣)، ولم ينقل أمره بالركعتين، ولا نقل أنه
---------------
(١) هذا الحديث لم أقف عليه بهذا اللفظ مرفوعًا للنبي - ﷺ - من طريق أبي سعيد الخدري، وما وقفت عليه مرفوعًا للنبي - ﷺ - من طريق أبي سعيد الخدري مخالف لذلك ولفظه: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ -، يخطب فقال: «صل ركعتين» ثم جاء الجمعة اثانية، والنبي - ﷺ - يخطب فقال: «صل ركعتين» الحديث وهذا اللفظ للنسائي رواه أبو داود (١٦٧٥) كتاب: الزكاة، باب: الرجل يخرج من ماله. والترمذي (٥١١) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الركعتين، وقال: حديث أبي سعيد الخدري حديث حسن صحيح؛ والنسائي ٥/ ٦٣، كتاب: الزكاة، باب: إذا تصدق وهو محتاج إليه هل يرد عليه.
وابن ماجه (١١١٣) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن دخل المسجد والإمام يخطب، وأحمد ٣/ ٢٥، وأبو يعلى ٢/ ٢٧٩ (٩٩٤)، وابن خزيمة ٣/ ١٥ (٧٩٩) كتاب: الجمعة، باب: أمر الإمام الناس في خطبة يوم الجمعة بالصدقة، إذا رأى حاجة وفقرًا، والبيهقي في «الكبرى» ٣/ ١٩٤ (٥٦٩٣) كتاب: الجمعة، باب: من دخل المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر ولم يركع ركع ركعتين. أما هذا اللفظ فقد عزاه الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ٢٠٤ لأبي سعيد الماليني في كتابه عن محمد بن أبي مطيع عن أبيه عن محمد بن جابر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي.
قال ابن القطان: وأبو سعيد الماليني اسمه: أحمد بن محمد وهو الذي روى عن ابن عدي كتابه «الكامل». اهـ
(٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٦ كتاب: الجمعة، ومن تجب عليه، باب: في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب.
(٣) سلفت برقم (٨٨٢) كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة.



صلاهما، وأجابوا عن حديث سليك بأنه لا دلالة فيه؛ لأن عندهم فوات التحية بالجلوس، خلافًا لأبي حنيفة.
وفي «المدونة» أن الإمام إذا دخل قبل أن يحرم المتنفل يجلس لقربه، وخوف الفوت (١). وفي «المختصر»: الصلاة جائزة إلى أن يجلس على المنبر، وإن دخل بعد جلوسه والمؤذن يؤذن جلس، فإن أحرم ساهيًا أو جاهلًا، ففي الإتمام قولان عن مالك (٢).
وفي الحديث حجة لمن أجاز للخطيب يوم الجمعة أن يتكلم في خطبته بما عرض له من كلام من غير جنس الخطبة ما فيه نفع للناس وتعليم لهم، وقد روي عن علي ذَلِكَ حين تخطى الأشعث بن قيس رقاب الناس، ذكره الطبري.
وفي «المدونة»: جائز أن يتكلم الإمام في خطبته لأمرٍ أو نهيٍ ولا يكون لاغيًا، ومن كلمه الإمام فرد عليه لم يكن لاغيًا (٣) (٤).

------------
(١) «المدونة الكبرى» ١/ ١٣٨.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٤٦، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٠.
(٣) «المدونة الكبرى» ١/ ١٤٠.
(٤) ورد بهامش الأصل: بلغ في الخامس بعد الثمانين، كتبه مؤلفه غفر الله له.
وبعده تعليق على سماع وهو: من أوله إلى هنا سمع الإمام عز الدين الحاضري. اهـ
وبعده تعليق آخر: آخر ٤ من ٤ من تجزئة المصنف.



٣٤ - باب رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الخُطْبَةِ
٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ. وَعَنْ يُونُسَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا. [٩٣٣، ١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٥، ١٠١٦، ١٠١٧، ١٠١٨، ١٠١٩، ١٠٢١، ١٠٢٩، ١٠٣٣، ٣٥٨٢، ٦٠٩٣، ٦٣٤٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٤١٢]
ذكر فيه عن أنس: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةِ .. الحديث.
وترجم له:



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #209  
قديم 31-01-2026, 10:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 587 الى صـــ 606
الحلقة (209)






٣٥ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
٩٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَبَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ المَالُ، وَجَاعَ العِيَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ - ﷺ -، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الغَدِ، وَبَعْدَ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ -أَوْ قَالَ غَيْرُهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ وَغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا». فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلاَّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ المَدِينَةُ مِثْلَ الجَوْبَةِ، وَسَالَ الوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِيءْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالجَوْدِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٢/ ٤١٣]
وزاد فيه: في باب من تمطر بالمطر: حَتَّى سالَ الوَاْدِي -وَادِي قَنَاةَ- شَهْرًا. وَلَمْ يَجِيءْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلا حَدَّثَ بِالجَوْدِ.
الشرح:
هذا الحديث ذكره البخاري مطولًا ومختصرًا في مواضع هنا، وفي الاستسقاء وعلامات النبوة (١) والاستئذان (٢)، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (٣).

-----------
(١) سيأتي برقم (١٠١٣) باب: الاستسقاء في المسجد الجامع، وبرقم (٣٥٨٢) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٢) ليس فيه، وإنما هو في الدعوات برقم (٦٣٤٢) باب الدعاء غير مستقبل القبلة، وفي الأدب قبله (٦٠٩٣) باب التبسم والضحك.
(٣) رواه مسلم (٨٩٧) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: الدعاء في الاستسقاء، وأبو
داود (١١٧٤) كتاب: الصلاة، ب باب: رفع اليدين في الاستسقاء. والنسائي ٣/ =



و(ثابت) راويه، هو ابن أسلم البناني، وعبد العزيز الراوي عن أنس هو ابن صهيب، وحماد هو ابن زيد، ويونس هو ابن عبيد.
والأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، الإمام.
قيل: روى عن مالك، وعنه مالك.
وقوله: (إِذْ قَامَ رَجُلٌ). وفي رواية الحديث الذي بعده: قَالَ أعرابي.
وفي أخرى: فقام بعض المسلمين (١). وفي أخرى: جاء من نحو دار القضاء (٢).
وفي أخرى تأتي في الاستسقاء: فقام الناس فصاحوا: يا رسول الله، قحط المطر (٣).
وقوله: (هَلَكَ الكُرَاعُ). هو بضم الكاف، وهو اسم لجميع الخيل، قاله الجوهري (٤). قَالَ ابن قرقول: وضبطه بعضهم عن الأصيلي بكسر الكاف، وهو خطأ.
وقوله: (هَلَكَ الشَّاءُ). الشاء: جمع كثرة، وشياه بالهاء من ثلاث إلى عشر، فإذا جاوز العشر فبالتاء، فإذا كثرت قُلْتَ: شاء كثيرة، وجمع شاء

--------------
= ١٦٦ - ١٦٧ كتاب: الاستسقاء، باب: رفع الإمام يديه عد مسأله إمساك المطر.
(١) رواها النسائي ٣/ ١٦٥ - ١٦٦ كتاب: الاستسقاء، باب: مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره، والبخاري في: «الأدب المفرد» ص ٢٠٩ (٦١٢) باب: رفع الأيدي في الدعاء، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ١٠٧ (٢٨٥٩) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الاستسقاء.
(٢) ستأتي برقم (١٠١٤) كتاب: الاستسقاء، باب: الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة.
(٣) ستأتي برقم (١٠٢١) كتاب: الاستسقاء، باب: الدعاء إذا كثر المطر حوالينا لا علينا.
(٤) «الصحاح» ٣/ ١٢٧٦.



شوى، إنما كان شاء جمع شاة مثل تمرة وتمر؛ لأن أجل شاة: شاهة، ظهرت الهاء في الجمع؛ لأن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها، وأبدل من الهاء همزة.
وقال ابن الأثير: جمع النساء: شياه وشياء وشوى، (وجمعها) (١): شويهة وشوية، وعينها واو، وإنما انقلبت في شياه لكسرة الشين.
وهلاكها بسبب عدم الرعى (٢).
وقوله: (أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ). أي: شدة وجهد وجدب، وهو من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]
و(المال) هنا وما بعده: الحيوان كذا فسره في حديث «الموطأ»: هلكت إذ لم تجد ما ترعى (٣).
و(القَزَعة) بفتح القاف والزاي: القطعة من السحاب.
وقيل: قطع دقاق متفرقات، ومنه قزعُ الشَّعْرِ المنهي عنه، وهو ما ذكره ابن التين، والجمع: قُزع.
قَالَ: وقيل: القطعة الدقيقة من السحاب كأنها ظل يمر من تحت السحاب، والجمع: قزع. كقصبة وقصب.
وقال أبو عبيد: وأكثر ما يكون ذَلِكَ في الخريف (٤).
وقوله: (ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الجِبَالِ). أي: لكثرتها وسيرها وتحادر المطر؛ لأن السقف لم يكن يرده.

--------------
(١) كذا بالأصول، ولعله يقصد: (وتصغيرها).
(٢) «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٥٢١.
(٣) «الموطأ» ١/ ٢٤٠ (٦١١) كتاب: الجمعة، باب: صلاة الاستسقاء.
(٤) «غريب الحديث» ١/ ١١٥.



وقوله: (وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ قَالَ غَيْرُهُ). قَالَ ابن التين: بيَّن في حديث أيوب أنه ذكر ذَلِكَ الرجل بعد هذا.
وقوله: («حَوَالَيْنَا») بفتح اللام، ولا يجوز كسرها، وفيه إضمار. أي: أمطر حوالينا. أي: حولنا وما دار بنا. وفي رواية: «حولنا» (١) وبين - ﷺ - الحوالي بقوله: «على الآكام» إلى آخره كما ستعلمه في بابه (٢).
(الجَوْبَة) -بفتح الجيم، وإسكان الواو، ثم باء موحدة- الفجوة.
وقال أبو عبد الملك: أي: الجيب. وفي حديث آخر: مثل الإكليل (٣). أي: دار بها السحاب، وكذا قَالَ ابن القاسم في معنى حديث مالك: انجابت عن المدينة انجياب الثوب، أي: تدورت كما يدور جيب القميص.
وقال ابن وهب: معناه: انقطعت عن المدينة كما يقطع الثوب. وقال ابن شعبان: خرجت عن المدينة كما يخرج الجيب عن الثوب.
وقال الداودي: مثل الجوبة. أي: صارت مستديرة كالحوض المستدير، وأحاطت بها المياه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ﴾ [سبأ:١٣].
قَالَ ابن التين: وهذا عندي وَهَمٌ؛ لأن اشتقاق الجابية من جبا العين، فيكون اسم الفعلة منه: جبوة. وإنما هو من جاب يجوب إذا قطع، من قوله تعالى: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالوَادِ﴾ [الفجر: ٩] فالعين منه واو فتكون الفعلة منه جوبة كما في الحديث.

--------------
(١) مسلم (٨٩٧) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: الدعاء في الاستسقاء.
(٢) ستأتي برقم (١٠١٣) كتاب: الاستسقاء، باب: الاستسقاء في المسجد الجامع.
(٣) سيأتي برقم (١٠٢١) كتاب: الاستسقاء، باب: الدعاء إذا كثر المطر حوالينا ولا علينا.



وقال الجوهري: (الجَوْبَةِ): الفرجة من السحاب والجبال (١)، وقد أسلفناه.
وقال ابن فارس: الجوبة كالغائط من الأرض (٢).
وقال الخطابي: هي الترس (٣)، وفي حديث آخر: فبقيت المدينة كالترس؛ قال: والجوبة أيضًا: الوهدة المنقطعة عمّا علا من الأرض، وهذا نحو ما ذكر ابن فارس (٤).
و(قَنَاةُ) بفتح القاف: اسم لواد من أودية المدينة (٥).
و(الجَوْد): المطر الكثير. والقناة: مجمع الماء. وقيل: القناة: اسم الوادي، لم يصرفه؛ لأنه معرفة بدل معرفة.
وفي أبواب الاستسقاء: حتى سال وادي قناة (٦) غير مصروف أيضًا؛ لأن قناة معرفة، وهي اسم للبقعة لا ينصرف.
وأما أحكام البابين ففيه ما ترجم له، وهو رفع اليدين في الخطبة، وسؤال الغيث، وذلك عند الضراعة إلى الله والتذلل له.
ويأتي في الاستسقاء حديث أنس أنه - ﷺ - كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه (٧).

----------------
(١) «الصحاح» ١/ ١٠٤.
(٢) «المجمل» ١/ ٢٠٢.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥٨٥.
(٤) «المجمل» ١/ ١٠٢.
(٥) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠٩٦، و«معجم البلدان» ٤/ ٤٠١.
(٦) ستأتي برقم (١٠٣٣) باب: من تمطر في المطر حتى يتحادر على لحيته.
(٧) سيأتي برقم (١٠٣١) كتاب: الاستسقاء، باب: رفع الإمام يده في الاستسقاء.



وليؤول على إرادة الرفع البليغ بحيث يرى بياض إبطيه؛ إلا في هذا الموضع، فإنه قد ثبت رفع يديه في مواطن غيره، ويجوز أن يكون المراد: لم أره يرفع ورآه غيره، فقدم المثبت.
وقد استحب جماعة من العلماء الرفع في الدعاء، وعن مالك كراهته، ونقل ابن بطال عنه أنه كان لا يرى الرفع إلا في خطبة الاستسقاء (١).
واختلف في كيفية الرفع، فاختار مالك الإشارة بظهر كفيه إلى السماء كما جاء في الحديث في مسلم (٢)، وقيل: ببطنهما، وهو رفع الرغب والطلب (٣).
وقال جماعة من العلماء من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاءٍ لدفع بلاءٍ كالقحط ونحوه كالأول. فإن كان لنوال شيء وتحصيله فالثاني.
وعن أبي يوسف: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعه. وفي «المحيط» و«القنية»: بإصبعه السبابة (٤).
وفي «التجريد»: من يده اليمنى.
وفيه: الاستسقاء بالدعاء بدون صلاة، وهو أحد أنواعه ولا يستدل به على عدم مشروعية الصلاة (٥)، وإن استدل به جماعة فإنه فعل أحد أنواعه.

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥١٨، وانظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٤.
(٢) مسلم (٨٩٦) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥١٣ - ٥١٤، «الذخيرة» ٢/ ٤٣٥.
(٤) انظر: «المبسوط» ٢/ ٧٧، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٤.
(٥) وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة قال الكاساني رحمه الله: ظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه قال لا صلاة في الاستسقاء وإنما فيه الدعاء وأراد بقوله لا صلاة في الاستسقاء =



قَالَ ابن بطال: رفع اليدين في الخطبة في معنى الضراعة إلى الجليل، والتذلل له، وقد أخبر النبي - ﷺ - أن العبد إذا دعى الله تعالى وبسط كفيه أنه لا يردهما خائبتين من فضله، فلذلك رفع الشارع يديه، وقد أنكر بعضهم ذَلِكَ، فروي عن مسروق أن الإمام رفع يوم الجمعة يديه على المنبر، فرفع الناس أيديهم.
فقال مسروق: ما لهم قطع الله أيديهم (١).

-----------------
= الصلاة بجماعة أي: لا صلاة فيه بجماعة بدليل ما روى عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة عن الاستسقاء هل فيه صلاة أو دعاء موقت أو خطبة؟ فقال: أما صلاة بجماعة فلا ولكن الدعاء والاستغفار وإن صلوا وحدانا فلا بأس به؛ وهذا مذهب أبي حنيفة: وقال محمد: يصلي الإمام أو نائبه في الاستسقاء ركعتين بجماعة كما في الجمعة، ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي يوسف ويذكر في بعض المواضع قوله مع قول أبي حنيفة وذكر الطحاوي قوله مع قول محمد وهو الأصح، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٢، وقال بدر الدين العيني رحمه الله: قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة؛ وبه قال إبراهيم النخعي وأبو يوسف في رواية.
وقال النووي: لم يقل أحد غير أبي حنيفة هذا القول. قلت: هذا ليس بصحيح، وقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» بسند صحيح وقال: حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله الثقفي ليستسقي قال فصلى المغيرة فرجع إبراهيم حيث رآه يصلي، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال ابن أبي شيبة ثنا وكيع عن عيسى بن حفص بن عاصم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه قال خرجنا مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليستسقي فما زاد على الإستغفار وقد تحرى بعض المتعصبين بمن لا يبالى بما لا يترتب عليه في تعصبه بالباطل فقال، قال أبو حنيفة إن صلاة الاستسقاء بدعة لما قال ليست بسنة، ولا يلزم من نفي السنة إثبات البدعة؛ لأن عدم السنة يحتمل الجواز ويحتمل الإستحباب، وفي المنافع مطلق الفعل لا يدل على كونه سنة. «البناية» ٣/ ١٧ - ١٧٥
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٥ (٥٤٩٤) كتاب: الصلوات، باب: في رفع الأيدي في الدعاء يوم الجمعة.



وقال الزهري: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث. وقال ابن سيرين: أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر (١).
وفيه: الاستسقاء بالدعاء يوم الجمعة.
وفيه: الاكتفاء بدعاء الإمام، ولم يذكر فيه تحويل الرداء.
وفيه: إباحة أن يكلم الإمام في الخطبة عند الحاجة، ولا يكون من يكلمه لاغيًا (٢). وكلام الداخل مع الخطيب في حال الخطبة، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتةٍ كانت منه؛ إما لاستراحة في النطق، وإما حال الجلوس، لكن يُبْعِدُهُ قولُه: قائم يخطب.
وفيه: قيام الواحد بأمر العامة.

-------------------
(١) رواهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٥ (٥٤٩١)، (٥٤٩٢) كتاب: الصلوات، باب: في رفع الأيدي في الدعاء يوم الجمعة. وانظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٥١٧.
فائدة: سئل فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله؛ عن رفع اليدين في الدعاء فقال: لا يُشرع رفعهما في المواضع التي وجدت في عهد النبي - ﷺ - ولم يرفع فيها كأدبار الصلوات الخمس وبين السجدتين وقبل التسليم من الصلاة وحين خطبة الجمعة والعيدين. لأن النبي - ﷺ - لم يرفع في هذِه المواضع وهو عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة فيما يأتي ويذر لكن إذا استسقى في خطبة الجمعة أو خطبة العيدين شرع له رفع اليدين كما فعل النبي - ﷺ -. «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» ١١/ ١٨١
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ١٤٠ قال أبو اليد الباجي رحمه الله: وقد قال ابن القاسم في «المدونة» من كلمه الإمام فرد عليه لم أره لاغيا ووجه ذلك أن الانصات إنما هو للإمام والإصغاء إليه وإلى كلامه فإذا سأله عن أمر فقد أذن في الجواب عنه فليس بمفتات عليه ولا معرض عنه وليس لغيرهم أن يتكلم حينئذ لأن ما يأمر الإمام به وينهى عنه ويسأل بسببه ويجاب عنه حكمه حكم الخطبة فإن المقصود منه تبليغه إلى الجماعة وإعلامهم به فلا يجوز الاعراض عنه بالتكلم كما لا يجوز ذلك في نفس الخطبة، «المنتقى» ١/ ١٨٤ - ١٨٥.



وفيه: إتمام الخطبة في المطر.
وفيه: الدعاء برفع المطر إذا كثر، لما فيه: من الأذى.
وفيه: سؤال رفعه عن موضع البناء وبقاؤه في موضع النبات وغير ذَلِكَ.
فرع:
قَالَ ابن حبيب المالكي: إذا دعا الإمام في خطبته المرة بعد المرة أمَّن الناس وجهروا جهرًا ليس بالعالي. قَالَ: وذلك فيما ينوب الناس من قحطٍ وغيره كعدو يخشى، ولا بأس أن يأمرهم فيه بالدعاء ورفع اليدين بعد فراغ الخطبة. فأما أن يجعل ذَلِكَ حدًّا بعد كل خطبة فهو بدعة (١).
قيل: وأول من أبدعه من الخلفاء عبد الملك بن مروان، وإذا كان لأمرٍ نزل فذلك جائزٌ، وكذا إذا قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فلا خلاف في إجابته، وإنما الخلاف في صفة النطق به سرًّا أو جهرًا، ذكره القاضي أبو الوليد (٢).
وذكر ابن حارث عن محمد بن عبد الحكم: بل ينصت ولا يحرك لسانه، ويكفيه الضمير من ذَلِكَ.
فرع: هذا الدعاء كان منه - ﷺ - بعد الزوال، وكذلك الاستسقاء الذي لا يجتمع بسببه ليس له وقت محدود؛ ولأنه دعاء مجرد، فيفعل في كل وقت.

-----------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٥، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٦٧.
(٢) «المنتقى» ١/ ١٨٨، «عقد الجواهر» ١/ ١٦٧.



وأما الدعاء للاستسقاء الذي (يبرز) (١) له، فوقته ضحوة (٢) كما قاله ابن التين. والأصح عندنا: أنه لا يختص بوقت العيد (٣).
---------------
(١) في الأصل: (ينزو) والمثبت من «المنتقى» ١/ ٣٣٣.
(٢) انظر: «المتقى» ١/ ٣٣٣.
(٣) قال النووي رحمه الله: وهو الصحيح بل الصواب أنها لا تختص بوقت بل تجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار، إلا أوقات الكراهة على أصح الوجهين، وهذا هو المنصوص للشافعي، وبه قطع الجمهور وصححه المحققون، ممن قطع به صاحبا «الحاوي» و«الشامل» وصاحب «التتمة» وآخرون، وصححه الرافعي في «المحرر» وغيره، ونقله صاحب «الشامل» وصاحب «جمع الجوامع» في نصوص الشافعي عن نص الشافعي، واستصوبه إمام الحرمين وقال: لم أر التخصيص بوقت لغير الشيخ أبي على السنجي، واستدلوا له بأنها لا تختص بيوم فلا تختص كصلاة الاستخارة وركعتي الاحرام وغيرهما، وليس لتخصيصها بوقت صلاة العيد وجه أصلًا فلا يغتر بوجوده في الكتب التي أضفته إليها، فإنه مخالف للدليل ولنص الشافعي ولأكثر الأصحاب.
فإن قيل: فقد قال الشافعي في «الأم» في آخر باب: كيف صلاة الاستسقاء قبل الزوال يصليها بعد الظهر وقبل العصر، هذا نصه، وظاهره مخالف للأصح.
(والجواب) أن هذا صريح في أنها لا تختص بوقت صلاة العيد، ومراد الشافعي أنه يصليها بعد الظهر ولا يصليها بعد العصر لأنه ووقت كراهة الصلاة، وقد سبق أن صلاة الاستسقاء لا تصلى في وقت النهى على الأصح فنصه موافق للصحيح وهو أنها لا تختص بوقت أصلًا، «المجموع» ٥/ ٧٧ - ٧٨.



٣٦ - باب الإِنصَاتِ يَومَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخطُبُ
إِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ. فَقَدْ لَغَا. وَقَالَ سَلْمَانُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّم الإِمَامُ.

٩٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَنْصِتْ. وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ». [مسلم: ٨٥١ - فتح: ٢/ ٤١٤]
ثم ساق بإسناده من حديث عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ».
الشرح:
أما حديث سلمان فسلف في باب: لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة (١)، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم والأربعة (٢).
قَالَ الترمذي: وفي الباب عن ابن أبي أوفي وجابر بن عبد الله (٣).
قَالَ الدارقطني: تفرد به الزهري، ثم طرقه، قَالَ: والمحفوظ ما في البخاري (٤).

----------------
(١) سلف برقم (٩١٠) كتاب: الجمعة.
(٢) مسلم (٨٥١) كتاب: الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، وأبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١٢)، والنسائي ٣/ ١٠٤، وابن ماجه (١١١٠).
(٣) «سنن الترمذي» عقب حديث (٥١٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في كراهية الكلام والإمام يخطب.
(٤) «علل الدارقطني» ٧/ ٢٦٦ - ٢٦٨.



وذكر الاختلاف فيه أيضًا عبد الغني المقدسي وتابع سعيدًا إبراهيمُ ابن قارظ، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ، أخرجهما مسلم (١)، وذكره الحميدي من طريق إبراهيم بن عبد الله بن قارط (٢).
ولأحمد وأبي داود: من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر، ومن قَالَ: صه. فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له (٣).
ورواية سفيان ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: «فَقَدْ لَغَيت» قال ابن عيينة: «لغيت» لغة أبي هريرة.
ولأحمد من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت. ليس له جمعة» (٤) أي: كاملة مثل المنصت. وذكره ابن بطال عن ابن أبي شيبة مرفوعًا، وعن عمر وابنه كذلك (٥). وإنما أولناه بذلك؛ لأن جماعة الفقهاء يجمعون على أن جمعته مجزئة عنه، ولا يصلي أربعًا.

--------------
(١) مسلم (١/ ٨٥١)؛ وفيه: عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ .. إلخ؛ ثم ساقه من طريق ابن جريج، وقال: غير أن ابن جريج قال: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ. اهـ.
قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ١/ ٧٢: والحق أنهما واحد، والاختلاف فيه على الزهري، وغيره. وقال ابن معين: كان الزهري يلغط فيه. اهـ
(٢) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ٣/ ٢٩ - ٣٠ (٢٢٠٥).
(٣) «سنن أبي داود» (١٠٥١) كتاب: الصلاة، باب: فضل الجمعة، وأحمد ١/ ٩٣، قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٩٤): إسناده ضعيف.
(٤) «مسند أحمد» ١/ ٢٣٠ وتقدم تخريجه.
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٥٨ (٥٣٠٣ - ٥٣٠٥) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب.



قَالَ ابن وهب: من لغا كانت صلاته ظهرًا ولم تكن له جمعة، وحرم فضلها (١). وقال عطاء: لا يقطعها شيء.
ولابن ماجه لما قَالَ أُبي لأَبِي الدرداء وسأله: متى أنزلت هذه السورة؟ والنبي - ﷺ - يقرأ ﴿تَبَارَكَ﴾ على المنبر، فلما انصرفنا قَالَ له أُبيّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فقال النبي - ﷺ -: «صدق أُبىُّ» (٢).
وفي «مسند أحمد»: براءة (٣).
ولابن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب هو المقول فيه: صدق عمر (٤). وهو مرسل. وفي رواية له ضعيفة أن سعد بن أبي وقاص سمع رجلًا يتكلم فقال له: لا جمعة لك، فأخبر - ﷺ - بذلك فقال: «صدق سعد» (٥) وللبيهقي بإسنادٍ جيدٍ أن أبا ذر هو السائل لأُبيِّ بن كعب قَالَ: وقيل: إن جابرًا هو السائل لابن مسعود.
قَالَ: وهذا الاختلاف إنما هو في اسم صاحب القصة، واتفقت الرواة على تصديق النبي - ﷺ - قائله (٦).

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥١٩، وانظر: «الاستذكار» ٢/ ٢٢.
(٢) «سنن ابن ماجة» (١١١١) وليس فيه ذكر لأبي الدرداء، إنما هو مسند أبي، وقد تقدم تخريجه. وحديث أبي الدرداء رواه البيهقي في «المعرفة» ٤/ ٣٧٨ (٦٥٢٢).
وصححه النووي في «المجموع» ٤/ ٣٩٥.
(٣) «مسند أحمد» ٥/ ١٤٣.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٥٨ (٥٣٠٤) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب.
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٥٩ (٥٣٠٦) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب.
(٦) «السنن الكبرى» ٣/ ٢١٩ - ٢٢٠ كتاب: الجمعة، باب: الإنصات للخطبة. وتقدم تخريج هذا الحديث.



ولأحمد: لا جمعة لك؛ ولأبي داود عن عبد الله بن عمرو يرفعه:»يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو، وهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاءٍ إن شاء الله أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله -عز وجل- يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] (١).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
أنصت ينصت إنصاتًا إذا سكت واستمع إلى الحديث، تقول منه: أنصتوا وأنصتوا له.
قَالَ (أبو المعالي) (٢) في «المنتهى»: نصت ينصت: إذا سكت،
وأنصت لغتان. أي: استمع. يقال: أنصت وأنصت له، وينشد:
إذا قالت حذام فانصنوتها.
ويروى: فصدقوها.
وفي «المحكم»: أنصت عليَّ. والنصت الاسم من الإنصات.
وفي «الجامع»: والرجل ناصت ومنصت.
وفي «المغرب» و«المجمل»: الإنصات: السكوت للاستماع (٣).
السمع للعين، والإنصات للأذن.

---------------
(١) «سنن أبي داود» (١١١٣) كتاب: الصلاة، باب: الكلام والإمام يخطب، قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠١٩): إسناده حسن.
(٢) جاء في «كشف الظنون» ٢/ ١٨٥٨ أنه أبو المعالي محمد بن تميم البرمكي صاحب كتاب «المنتهى» في الفروع.
(٣) «المغرب» للمطرزي مادة: نصت، «المجمل» ٤/ ٨٧٠.



ثانيها:
اللغو: الهدر من القول والباطلُ. يقال: لغا يلغو لغوًا؛ ولغى يلغي لغيًا. وعلى هذه اللغة جاءت الرواية الأخرى.
قَالَ قتادة: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم (١).
ثالثها:
المراد بالصاحب هنا: الجليس إلى جنبه. ثم في هذه الرواية زيادة: يوم الجمعة. وإن كان المراد بالروايات جميعها خطبة الجمعة، لكن هذه الرواية صرحت بها زيادة في البيان، وفي رواية قدَّم الإنصات على الجمعة (٢)،
وفي (آخرها) (٣) بعكسها (٤)، وفي أخرى ذكر الإمام (٥). وكلٌ من هذه له فائدة.
فمن كانت عنايته أحد الأشياء الثلاثة قدمه في الذكر، والكل في

--------------
(١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٨/ ٢٧٣٦ (١٥٤٤٩)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» ٦/ ٩٨.
(٢) رواها مسلم (٨٥١) كتاب: الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة.
(٣) كذا بالأصل، ولعلها: أخرى.
(٤) رواها النسائي في «الكبرى» ١/ ٥٣٤ (١٧٢٧) كتاب: الجمعة، باب: الإنصات للخطبة، وعبد الرزاق ٣/ ٢٢٣ (٥٤١٦) كتاب: الجمعة، باب: ما يقطع الجمعة، وأحمد ٢/ ٢٨٠، وابن الجارود في «المنتقى» ١/ ٢٥٩ (٢٩٩) كتاب: الطهارة، باب: الجمعة وابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ١٥٣ (١٨٠٥) كتاب: الجمعة، باب: الزجر عن إنصات الناس بالكلام يوم الجمعة والإمام يخطب، والبيهقي ٣/ ٢١٩ كتاب: الجمعة، باب: الإنصات للخطبة.
(٥) مسلم (٨٥١) كتاب: الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة.



العناية سواء، فأيها قدم جاز؛ لأنه لا بد من ذكر الإنصات والجمعة، وبذكر الثلاثة يحصل كمال الغرض.
رابعها: في فقه الباب:
قَالَ الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم كرهوا للرجل أن يتكلم والإمام يخطب، وقالوا: إن تكلم غيره فلا ينكر عليه إلا بالإشارة، واختلفوا في رد السلام، وتشميت العاطس، فرخص بعض أهل العلم في ذَلِكَ، وهو قول أحمد وإسحاق -قُلْتُ: والنخعي والشعبي والحسن والثوري والأوزاعي (١) - وكره بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم ذَلِكَ، وهو قول الشافعي (٢).

---------------
(١) انظر: «المغني» ٣/ ١٩٨ - ١٩٩.
(٢) «سنن الترمذي» عقب الراوية (٥١٢) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في كراهية الكلام والإمام يخطب. مذهب الشافعي أنه يستحب رد السلام بالإشارة، وفي تشميت العاطس ثلاثة أوجه، الصحيح تحريمه.
قال النووي رحمه الله: قال الشافعي في «مختصر المزني» والأصحاب: يكره
للداخل في حال الخطبة أن يسلم على الحاضرين، سواء قلنا: الإنصات واجب أم
لا، فإن خالف وسلم قال أصحاب: إن قلنا بتحريم الكلام حرمت إجابته باللفظ،
ويستحب بالإشارة كما لو سلم في الصلاة، وفي تشميت العاطس ثلاثة أوجه:
(الصحيح) المنصوص تحريمه كرد السلام
(والثاني) استحبابه لأنه غير مفرط بخلاف المسلم
(والثالث) يجوز ولا يستحب. وحكى الرافعي -وجها- أنه يرد السلام لأنه واجب، ولا يشمت العاطس؛ لأنه سنة، فلا يترك لها الانصات الواجب، وإذا قلنا: لا يحرم الكلام جاز رد السلام والتشميت بلا خلاف، ويستحب التشميت على أصح الوجهين لعموم الأمر به (والثاني) لا يستحب لأن الإنصات آكد منه فإنه مختلف في وجوبه.
وأما السلام ففيه ثلاثة أوجه: (أحدها) يجوز ولا يستحب، وبه قطع إمام الحرمين (والثاني) يستحب (والثالث) يجب، وهذا هو الأصح وهو ظاهر نصه في «مختصر المزني» وصححه البغوي وآخرون، «المجموع» ٤/ ٣٩٤.



قُلْتُ: ومالك والكوفي (١) (٢).
وقال ابن بطال: جماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات للخطبة.
وفي حديث سلمان حجة لمن رأى الإنصات عند ابتدائها، وقد سلف (٣).
وقال ابن الجوزي: اختلفت الروايات عن أحمد: هل يحرم الكلام حال سماع الخطبة؟ على روايتين، وعن الشافعي قولان (٤)، فمن حرَّم أخذ بظاهره، ومن أباح حمله على الأدب.
وقال ابن قدامة: إذا سمع من يتكلم لا ينهه بالكلام لهذا الحديث، لكن يشير إليه، نص عليه أحمد، فيضع إصبعه على فيه، قَالَ: وممن رأى أن يشير ولا يتكلم زيد بن صوحان وعبد الرحمن بن أبي ليلى والثوري والأوزاعي؛ وابن المنذر قَالَ: وكره الإشارة طاوس (٥).
وزعم ابن العربي أن الشافعي وأحمد إسحاق قالوا: يشمت ويرد.
وخالفهم سائر فقهاء الأمصار، وهو الحق فإن العاطس ينبغي أن يخفض صوته في التحميد، وينبغي للداخل أن لا يسلم، فإن فعل ففرضهم أهم من فرضه وأولى (٦).
وقال ابن رشد: وفرق بعضهم بين السلام والتشميت، فقالوا: يرد ولا يشمت. وعن ابن وهب: من لغا فصلاته ظهر أربع (٧).

----------------
(١) كذا في الأصل ولعل الصواب: الكوفيين.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٣٩ - ٣٤٠، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٦٧.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥١٨.
(٤) «التحقيق» ٤/ ١٩٨ - ١٩٩.
(٥) «المغني» ٣/ ١٩٨.
(٦) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٣٠٢.
(٧) «بداية المجتهد» ١/ ٣١٢.



وأما من لم يوجبها فلا أعلم له شبهة إلا أن يكونوا يرون أن هذا الأمر قد عارضه دليل الخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] أي: أن ما عدا القرآن لا يجب الإنصات له، وهذا فيه ضعف والأشبه أن يكون الحديث لم يصلهم.
ونُقل أن الكلام في حال الخطبة جائزٌ إلا في حال القراءة، فروي عن الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي (١).
وفي «جوامع الفقه» في «المجرد» أنه ينصت ولا يقرأ ولا يصلي نفلًا ولا يشتغل بالذكر وغيره، ويكره السلام وتشميت العاطس والأكل والشرب.
وفي «الذخيرة» عن محمد: لا يشمت ولا يرد، ولم يذكر فيه خلافًا.
وعن أبي يوسف خلافه (٢).
والخلاف بناءً على أنه إذا لم يرد السلام في الحال هل يرد بعد الفراغ من الخطبة؟ عند محمد: نعم. وعند أبي يوسف: لا. والتشميت مثله، وعن أبي حنيفة: يرده بقلبه دون لسانه، وهذا كالمتغوط إذا سمع الأذان يجيب بقلبه، فإذا فرغ أجاب بلسانه (٣).

-------------------
(١) «الأوسط» ٤/ ٦٦ - ٦٧.
(٢) انظر: «المحيط البرهاني» ٢/ ٤٦٢.
(٣) وفي «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٦٨ - ٦٩: قال في «الأصل»: لا تشمتوا العاطس ولا تردوا السلام يعني وقت الخطبة، ولم يذكر فيه خلافًا، وروى محمد عن أبي يوسف في صلاة الأثر أن ما ذكر في «الأصل» قول محمد، والخلاف بين أبي يوسف ومحمد في هذا بناء على أنه إذا لم يرد السلام في الحال هل يرده بعد ما فرغ الإمام من الخطبة؟ على قول محمد رحمه الله يرد، وعلى قول أبي يوسف لا يرد، وروى عن أبي حنيفة في غير رواية «الأصل»: ويرد بقلبه ولا يرد بلسانه.
ولم يذكر محمد في «الأصل» أن العاطس هل يحمد الله تعالى؟ ذكر الحسن بن =



وحكى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان يسلم ويردون عليه، وعن إبراهيم مثله بزيادة: ويشمتون العاطس (١)، وعن الحكم وحماد وسالم وعامر: لا يرد السلام ويستمع (٢). وعن طاوس ومحمد وسعيد بن المسيب مثله (٣). وعن الباقر والقاسم: يرد في نفسه.
وروي عن إبراهيم -بسندٍ صحيح- أنه رئي يكلم رجلًا والإمام يخطب يوم الجمعة (٤)، وكان عروة لا يرى بذلك بأسًا إذا لم يسمع الخطبة (٥).
وقال إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه: رأيت إبراهيم وسعيد بن جبير

---------------
= زياد عن أبي حنيفة أن العاطس وقت الخطبة يحمد الله تعالى في نفسه ولا يجهر. وهذا صحيح، وعن محمد أن العاطس يحمد الله تعالى بقلبه ولا يحرك شفتيه. وفي النصاب: ويكره السلام وصلاة التطوع حالة الخطبة بالإجماع. وإذا شمت أو رد السلام في نفسه جاز. وعليه الفتوى.
وفي «الكبرى»: والأصوب أنه لا يجيب، وبه يفتى. وفي «الحجة»: وكان أبو حنيفة يكره تشميت العاطس ورد السلام إذا خرج الإمام؛ وإذا فرغ الإمام من الخطبة يحمد الله تعالى بلسانه، وهذا المتغوط إذا سمع الأذان يجب بقلبه وإذا فرغ من ذلك يجيب بلسانه ..
(١) رواهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٥٥ (٥٢٥٨ - ٥٢٥٩) كتاب: الصلوات، باب: الرجل يسلم إذا جاء والإمام يخطب.
(٢) رواها عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٤٥٥ (٥٢٦٠ - ٥٢٦١): بلفظ يسلم ويردون عليه.
(٣) رواها عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٤٥٥ (٥٢٦٢ - ٥٢٦٣)، (٥٢٦٥ - ٥٢٦٦) كتاب: الصلوات، باب: من كره أن يرد السلام ويشمت العاطس.
(٤) رواه عنه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٤٥٩ (٥٣٠٩) كتاب: الصلوات، باب: من رخص في الكلام والإمام يخطب.
(٥) روى ذلك عنه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٤٥٩ (٥٣١٠) كتاب: الصلوات، باب: من رخص في الكلام والإمام يخطب.



يتكلمان والحجاج يخطب (١)، ومثله عن الشعبي وأبي بردة (٢).
وقال بعضهم: إنَّا لم نؤمر أن ننصت لهذا.
قَالَ ابن بطال: فلذا رخص جماعة من التابعين في الكلام والإمام يخطب إذا كان من أئمة الجور، أو أخذ في خطبته في غير ذلك (٣)، وروى ابن أبي شيبة أن إبراهيم كُلِّم في ذلك فقال: إني كنت قد صليت (٤).
ورأى الليث إذا أخذ الإمام في ذكر الخطبة أن يتكلم ولا ينصت، وعن مالك: يُسكِت الناسَ بالتسبيح والإشارة ولا يحصبهم (٥) لقوله - ﷺ -: «ومن مس الحصى فقد لغا» (٦) وكان ابن عمر يحصب (٧). وليس عليه العمل (٨)، وروى ابن المنذر أيضًا عن مالك: لا بأس بالإشارة (٩).
وقال القاضي أبو الوليد: مقتضى مذهبه أن لا يشير؛ لأنها كالقول، وسماه الشارع: لاغيًا (١٠).

---------------
(١) رواهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٥٩ (٥٣١١) كتاب: الصلوات، باب: من رخص في الكلام والإمام يخطب.
(٢) رواهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٥٧ (٥٢٨٥) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام والصحف تقرأ يوم الجمعة.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥١٩.
(٤) روى عنه ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٠ (٥٣٢٠) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام يوم الجمعة.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٤.
(٦) رواه مسلم (٨٥٧) كتاب: الجمعة، باب: فضل من استمع وأنصت في الخطبة.
(٧) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٤٥٢ (٥٢١٨) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يسمع الرجل يتكلم يوم الجمعة، وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٦٦.
(٨) انظر: «المنتقى» ١/ ١٩٠، «الذخيرة» ٢/ ٣٤٧.
(٩) «الأوسط» ٤/ ٦٨.
(١٠) «المنتقى» ١/ ١٩٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #210  
قديم 31-01-2026, 10:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 607 الى صـــ 626
الحلقة (210)






والأول أشبه؛ لأنها في الصلاة ليست كلامًا، وعن مالك أيضًا أن الإمام إذا لغا وشتم الناس فعليهم الإنصات ولا يتكلمون، وخالفه ابن حبيب قَالَ: وفعله ابن المسيب لما لغا الإمام أقبل سعيد على رجل يكلمه، وعنه أيضًا: إذا خطب في أمر ليس من الخطبة ولا من الصلاة من أمر كتاب يقرؤه ونحو ذلك فليس على الناس الإنصات (١)، وعن ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم فاقرع رأسه بالعصى (٢).
وعن ابن المنذر: رخص مجاهد وطاوس في شرب الماء (٣)، ونقله عن الشافعي، وعن أحمد: إن لم يسمع الخطبة شرب، وقد سلف جمله في ذلك في باب: الاستماع إلى الخطبة فراجعه أيضًا (٤).
وقال ابن التين: معنى الحديث: المنع من الكلام عند الخطبة وأكد ذلك بأن من أمر غيره بالإنصات إذن فهو لاغٍ، وخص هذا تنبيهًا على أن كل متكلم لاغٍ، ثم قَالَ: فإن قلت: معنى لغوت: أمرت بالإنصات من لا يجب عليه، فالجواب أنه لا خلاف بيننا في الأمر بالإنصات وإلا فلا معنى للخطبة إن لم ينصت فيها للإمام ويسمع وعظه ويفهم أمره ونهيه، فلا يجوز أن يكون الأمر بالإنصات لاغيًا؛ لأجل أمره؛ لأن الإنصات مأمورٌ به في الجمعة فلم يبق إلا أن يكون لاغيًا لمَّا تكلم في وقت هو ممنوع من الكلام فيه.
وروى ابن شهاب أنه - ﷺ - قَالَ: «إذا خطب الإمام فاستقبلوه بوجوهكم وأصغوا إليه بأسماعكم، وارمقوه بأبصاركم» (٥).

-------------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٥.
(٢) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٦٦.
(٣) «الأوسط» ٤/ ٧٣.
(٤) راجع شرح حديث (٩٢٩).
(٥) سبق تخريجه.



فرع:
في المنع من الكلام من دخل رحاب المسجد والإمام يخطب خلاف، منعه أصبغ وأجازه مطرف وابن الماجشون (١).
فرع:
اختلف في ابتداء الإنصات وفي آخره، فعند مالك وأصحابه: أوله من حيث يشرع في الخطبة وبين الخطبتين (٢)، وكره ابن عيينة الكلام بعد انقضاء الخطبة حتى تنقضي الصلاة.
فرع:
من لم يسمع كالسامع عند عثمان ومالك، خلافًا لعروة وأحمد، وأحد قولي الشافعي (٣).
فائدة:
كلام حاضر القراءة ضربان: عبادة (٤) كالقراءة والذكر فكثيره

----------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
(٢) انظر: «المنتقى» ١/ ١٨٨.
(٣) انظر: «المنتقى» ١/ ١٨٨، ١٩٠، «المغني» ٣/ ١٩٧، وعند الشافعية وجهان، قال النووي: وفي وجوب الإنصات على من لا يسمع الخطبة، وجهان: أحدهما: لا يجب. ويستحب أن يشتغل بالذكر، والتلاوة. وأصحهما: يجب، نص عليه، وقطع به كثيرون وقالوا: البعيد بالخيار بين الإنصات، وبين الذكر والتلاوة. ويحرم عليه كلام الآدميين، كما يحرم على القريب، «روضة الطالبين» ٢/ ٢٩.
(٤) كذا بالأصل وجاء في «المنتقى» ١/ ١٨٨: إذا ثبت ذلك فإن ما يتكلم به من حضر الجمعة على ضربين ضرب فيه عبادة كقراءة القرآن وذكر الله تعالى وضرب لا عبادة فيه فقليله وكثيره ممنوع لما ذكرناه وأما ما فيه عبادة فإن كثيره ممنوع لأن الخطبة مشروعة لمعنى التذكير والوعظ وأمر الإمام ونهيه وتعليمه فهو ذكر مخصوص يفوت ما قصد بها وما يأتي به من الذكر والتسبيح وقراءة القرآن لا يفوته وأما يسير =



ممنوع؛ لأن بذلك يفوت مقصود الخطبة، وهما لا يفوتان، ويسيره إن اختص به كالحمد للعطاس والتعوذ عند ذكر النار فخفيف.
قَالَ أشهب: الإنصات أحب إليَّ منه، فإن فعل فسرًّا (١)، وإن لم يختص به كالتشميت فهو ممنوع منه عند ابن المسيب (٢) ومالك (٣).
ورخص فيه وفي رد السلام الحسنُ والنخعي والشعبي والحكم وحماد (٤) وإسحاق، دليل الأول أن الاشتغال به يفوت الإنصات؛ ولذلك لا يجهر العاطس؛ لأن فيه استدعاء من يشمته، ذكره كله ابن التين.

----------------
= الذكر فإنه على ضربين ضرب يختص به كحمد الله عند العطاس والتعوذ من النار عند ذكرها فهذا خفيف لأنه ليس يشغل عن الإصغاء ولا يمنع من الإنصات إلى الخطبة.
وقال أشهب: الإنصات أحب إلى منه وإن فعلوا فسرا في أنفسهم. والضرب الثاني لا يختص به مثل أن يعطس غيره فيشمته فهذا ممنوع منه. وقد روى علي بن زياد عن مالك إذا قرأ الإمام: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فليصل عليه في نفسه.
وقد قال ابن حبيب: إذا دعا الإمام في خطبته المرة بعد المرة أمن الناس وجهروا جهرا ليس بالعالي. قال: وذلك فيما ينوب الناس من قحط أو غيره ومعنى ذلك أنه بدعائه مستدع تأمينهم وآذن فيه وكذلك إذا قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية مستدع منهم الصلاة عليه عليه - ﷺ - تسليما فهذا لا خلاف في إباحته وإنما الاختلاف في صفة النطق به من سر وجهر.
(١) انظر: «المنتقى» ١/ ١٨٨.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٤٥٥ (٥٢٦٦) كتاب: الصلوات، باب: من كره أن يرد السلام ويشمت العاطس.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٤٧.
(٤) رواها عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٤٥٥ (٥٢٥٨ - ٥٢٦٠) كتاب: الصلوات، باب، الرجل يسلم إذا جاء والإمام يخطب.



٣٧ - باب السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ
٩٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. [٥٢٩٤، ٦٤٠٠ - مسلم: ٨٥٢ - فتح: ٢/ ٤١٥]
ذكر فيه حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة
أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَ يَومَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا.
الشرح:
هذا الحديث رواه عن أبي هريرة: ابن عباس وأبو موسى ومحمد بن سيرين وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهمام ومحمد بن زياد وأبو سعيد المقبري وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وأبو رافع وأبو الأحوص وأبو بردة ومجاهد وعبد الرحمن بن يعقوب.
أما طريق ابن عباس فأخرجها النسائي في «اليوم والليلة» (١)، وذكر الدارقطني فيه اختلافًا في رفعه ووقفه (٢).
وأما طريق أبي موسى فذكره الدارقطني في، «علله» (٣).
وأما طريق محمد فذكرها البخاري في الطلاق وسيأتي (٤).

-----------------
(١) «عمل اليوم والليلة» (٤٧٧ - ٤٧٨) باب: ما يستحب من الاستغفار يوم الجمعة.
(٢) «العلل» ٩/ ١٠٠ - ١٠١ (١٦٦٣).
(٣) «العلل» ١١/ ٢٢٨ (٢٢٤٩).
(٤) سيأتي برقم (٥٢٩٤) باب: الإشارة في الطلاق والأمور.



وأما طريق أبي سلمة فأخرجها أبو داود والترمذي والنسائي (١). وقال الطرقي: إنه أكمل الطرق إلى أبي هريرة، وفي آخره: قَالَ أبو هريرة: فلقيت عبد الله بن سلام فقال: هي آخر ساعة من يوم الجمعة.
وأما طريق همام فأخرجه مسلم (٢).
وأما طريق محمد ففي مسلم أيضًا (٣).
وأما طريق أبي سعيد فأخرجه النسائي في «اليوم والليلة» (٤).
وأما طريق سعيد ففيه أيضًا (٥).
وأما طريق عطاء -وأنها ما بين العصر إلى الغروب- فذكرها الدارقطني وقال: هو موقوف، ومن رفعه فقد وهم (٦).
وأما طريق أبي رافع فذكره الدارقطني في «علله» وقال: الأشبه قتادة عنه عن أبي هريرة (٧).
وأما طريق أبي الأحوص فذكره أيضًا وقال: الأشبه عن ابن مسعود، واختلف عن عطاء في رفعه (٨).

--------------
(١) «سنن أبي داود» (١٠٤٦) في الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، قال: هذا حديث حسن صحيح، و«سنن الترمذي» (٤٩١)، «سنن النسائي» ٣/ ١١٣ - ١١٤ كتاب الجمعة، باب الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٦١): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) «صحيح مسلم» (٨٥٢/ ١٥) في الجمعة، باب: في الساعة التي في يوم الجمعة.
(٣) مسلم (٨٥٣/ ١٤).
(٤) «عمل اليوم والليلة» (٤٧٥).
(٥) «عمل اليوم والليلة» (٤٧٦) باب: ما يستحب من الاستغفار يوم الجمعة.
(٦) «العلل» ١١/ ١٠٨ (٢١٥٢).
(٧) «العلل» ١١/ ٢٠٦ (٢٢٢٤).
(٨) «العلل» ١١/ ٢٠٦ (٢٢٤٠).



وأما طريق أبي بردة ومجاهد؛ فذكرهما أيضًا (١).
وأما طريق عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرَقَة؛ فذكره ابن عبد البر وصححه.
وأما طريق البخاري (وهو قائم) هنا؛ الأعرج عبد الرحمن بن هرمز عنه وأخرجها مسلم والترمذي والنسائي (٢).
قَالَ ابن عبد البر: عامة الرواة في هذا الحديث: (وهو قائم يصلي) إلا قتيبة وابن أبي أويس وعبد الله بن يوسف وأبا مصعب (٣) فلم يقولوها، وهو محفوظ في هذا الحديث من رواية مالك وغيره عنه (٤).
قلتُ: وروى حديث ساعة الجمعة عن رسول الله - ﷺ - غير أبي هريرة: أبو موسى وأبو لبابة وعمرو بن عوف المزني وابن مسعود وعبد الله بن سلام وأبو سعيد وجابر وأنس، وذكر الترمذي أن في الباب أيضًا عن أبي ذر وسلمان وسعد بن عبادة (٥).

-----------------
(١) «العلل» ٩/ ١٠٠ (١٦٦٣).
(٢) «صحيح مسلم» (٨٥٢) كتاب: الجمعة، باب: في الساعة التي في يوم الجمعة، و«سنن الترمذي» (٤٨٨) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في فضل يوم الجمعة، و«سنن النسائي» ٣/ ٨٩ - ٩٠ كتاب: الجمعة، باب: ذكر فضل يوم الجمعة.
(٣) كذا بالأصل، وفي «التمهيد» أبو مصعب.
(٤) «التمهيد» ٤/ ٥١، وعقب الحافظ ابن حجر على كلام ابن عبد البر فقال: وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، وكان السبب في ذلك أنه يشكل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذِه الساعة، وهما حديثان أحدهما: أنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة، والثاني: أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس، «فتح الباري» ٢/ ٤١٦.
(٥) «الترمذي» عقب الرواية (٤٨٨) في الجمعة، باب: ما جاء في فضل يوم الجمعة.



أما حديث أبي موسى فأخرجه مسلم والترمذي: هي ما بين أن يجلس الإمام -يعني: على المنبر- إلى أن يقضى الصلاة (١).
وذكر الدارقطني اختلافًا في إسناده، وأنه روي موقوفًا ولفظه: هي عند نزول الإمام، ولفظ رواية الموقوف: ما بين نزول الإمام عن منبره إلى دخوله في الصلاة.
وروى البيهقي بإسناده عن مسلم بن الحجاج قَالَ: هذا الحديث أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الجمعة (٢).
قلتُ: لكنه من رواية مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة، عن أبي موسى. وفي سماع مخرمة من أبيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه سمع منه مطلقًا. قاله أحمد وابن معين والبخاري (٣)، وانتقد الدارقطني هذه الترجمة على مسلم (٤).
ثانيها: أنه سمع منه فرد حديث. قَالَ أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديث الوتر (٥).
ثالثها: أنه سمع منه. قلتُ: وضعفه ابن معين أيضًا (٦).
وأما حديث أبي لبابة أخرجه ابن ماجه مطولًا؛ وأنه سيد الأيام،

----------------
(١) «صحيح مسلم» (٨٥٣) كتاب: الجمعة، باب: في الساعة التي في يوم الجمعة، و«الترمذي» (٤٩٠) كتاب: الصلاة، باب ما جاء في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة.
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٢٥٠ كتاب: الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة.
(٣) انظر: الجزء المتمم «للطبقات الكبرى» ص ٣٠٨ (٢٠٨)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٦٣ (١٦٦٠)، و«تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٢٤ (٥٨٢٩)، «التقريب» (٦٥٢٦).
(٤) «الإلزامات والتتبع» ص ١٦٦ - ١٦٧ (٤٠).
(٥) انظر التخريج قبل السابق.
(٦) «معرفة الرجال» لابن معين ١/ ٥٣.



وأنه أعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى (١).
وأما حديث عمرو بن عوف فأخرجه ابن ماجه وحسنه الترمذي ولفظه: حين تقام الصلاة إلى الانصراف، واستغربه الترمذي أيضًا مع التحسين وقال: إنه أحسن شيء في الباب (٢). ولا نسلِّم له، فمداره على كثير بن عمرو بن عوف، وهو واهٍ.
قَالَ الشافعي: ركن من أركان الكذب (٣).
وأما حديث ابن مسعود فأورده الدارقطني من حديث أبي الأحوص عنه، ثم قَالَ: ورواه عطاء بن السائب والأغر بن الصباح عن أبي الأحوص عنه، وذكر أن حديثه أشبه.
وأما حديث عبد الله بن سلام فأخرجه ابن ماجه (٤).
وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد، وفيه: (وهي بعد العصر) (٥).

--------------
(١) «سنن ابن ماجه» (١٠٨٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: في فضل الجمعة، قال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٨٨٨): حسن.
(٢) «سنن الترمذي» (٤٩٠)، «سنن ابن ماجه» (١١٣٨).
(٣) كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني المدني، قال أبو طالب عن الإمام أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: ضرب أبي على حديث كثير بن عبد الله، وقال أبو خيثمة: قال لي أحمد بن حنبل ألا تحدث عنه شيئًا، قال أبو زرعة: واهي الحديث ليس بقوي، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث.
انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤١٢، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ١٣٦ (٤٩٤٨).
(٤) «سنن ابن ماجه» (١١٣٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الساعة التي ترجى في الجمعة، قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٣٧٦): إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٩٣٤): حسن صحيح.
(٥) «مسند أحمد» ٢/ ٢٧٢.



وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم، وفيه: «التمسوها آخر ساعة بعد العصر» (١). وذكر ابن عبد البر أن قوله: «فالتمسوها ..» إلى آخره. من قول أبي سلمة (٢)، وقال العقيلي: الرواية في التوقيت لينة.
وأما حديث أنس فأخرجه الترمذي واستغربه، وفيه: «التمسوها بعد العصر إلى غيبوبة الشمس» (٣).
إذا تقرر ذلك؛ فالحديث قال على فضيلة يوم الجمعة على سائر الأيام.
وفي يوم عرفة وجهان لأصحابنا: أصحهما أنه أفضل من يوم الجمعة (٤)، وذاك على أن فيه ساعة هي أفضل من سائر ساعاته، ولا مانع من التفضيل على لسان هذا النبي العظيم.
وقوله: («وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي») يحتمل الحقيقة، ويحتمل صلاة ذات سبب، ويحتمل الدعاء، ويحتمل الانتظار، ويحتمل المواظبة على

--------------
(١) «سنن أبي داود» (١٠٤٨) كتاب: الصلاة، باب: الإجابة أية ساعة هي في يوم الجمعة، و«سنن النسائي» ٣/ ١٠٠ كتاب: الجمعة، باب: وقت الجمعة، و«المستدرك» ١/ ٢٧٩ كتاب: الجمعة، قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بالحلال بن كثير ولم يخرجاه. قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٦٣): إسناده صحيح على شرط مسلم، وكذا قال الحاكم، ووافقه المنذري والذهبي، وصححه أيضًا النووي، وحسنه العسقلانى.
(٢) «التمهيد» ٤/ ٥٤.
(٣) «سنن الترمذي» (٤٨٩)، وضعفه النووي في «المجموع» ٤/ ٤٢٦، وفي «الخلاصة» ٢/ ٧٥٥ (٢٦٣٩). وضعف الحافظ إسناده في «الفتح» ٢/ ٤٢٠، وفي «التلخيص» ٣/ ٢٢٨، وفي «النكت الظراف»١/ ٤١٥.
(٤) انظر: «المجموع» ٦/ ٤٣٠.



الشيء إلا الوقوف، من قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: مواظبا.
وقوله: (يقللها). وفي «صحيح مسلم»: يزهدها (١). وهو بمعناه، وفي لفظ: وهي ساعة خفيفة.
وقوله: («شَيْئًا») كذا في «الصحيح» وللنسائي: «خيرًا» (٢).
وقد اختلفت الآثار في الساعة المذكورة، واختلف العلماء العظماء بسببها على أقوال كثيرة يحضرنا منها نحو عشرين قولًا:
أحدها: أنها بعد صلاة العصر إلى الغروب؛ قاله جماعة.
وهذا رواه عبد الله بن سلام وأبو سعيد الخدري وأنس وأبو هريرة كما سلف.
وذكر ابن بطال أنه مروي عن عبد الله بن سلام وأبي هريرة وابن عباس ومجاهد وطاوس (٣)، وقد رواه ابن أبي شيبة عنهم بالأسانيد (٤).
وقال الترمذي: رأى بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم أن هذا هو الساعة التي ترجى. قَالَ: وبه يقول أحمد وإسحاق. قَالَ: وقال أحمد: أكثر الحديث في ساعة الإجابة أنها بعد العصر، وترجى بعد الزوال (٥)، وتأول قوله: «وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي». على ما سلف، والملائكة

-----------------
(١) «صحيح مسلم» (٨٥٢) كتاب: الجمعة، باب: في الساعة التي في يوم الجمعة.
(٢) «السنن الكبرى» ١/ ٥٣٩ (١٧٥٢) كتاب: الجمعة، باب: الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٢١.
(٤) «المصنف» ١/ ٤٧٢ - ٤٧٣ (٥٤٦٠ - ٥٤٦١، ٥٤٦٨، ٥٤٧١) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي ترجى يوم الجمعة.
(٥) «سنن الترمذي» عقب الرواية رقم (٤٨٩) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة.



يتعاقبون في صلاة العصر (١)، فهو عرض الأعمال على الرب، ولذلك شدد - ﷺ - فيمن حلف على سلعة بعد العصر لقد أعطي بها أكثر (٢)، تعظيمًا للساعة، وفيها يكون اللعان والقسامة، ذكره المهلب.
ثانيها: عند الزوال؛ قاله الحسن وأبو العالية (٣).
وعبارة الدزماري عن الحسن أنها من زوال الشمس إلى الغروب (٤).
ثالثها: أنها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ قاله أبو هريرة، وروي (٥) عنه أيضًا كما سلف، وعبارة بعضهم فيه: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وكذا حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وآخرون (٦).
رابعها: عند الأذان؛ رواه ابن أبي شيبة عن عائشة، وفي رواية: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة (٧).
خامسها: إذا جلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، رواه

------------
(١) يشير المصنف إلى حديث أبي هريرة السالف برقم (٥٥٥) ورواه مسلم (٦٣٢).
(٢) يشير -رحمه الله- إلى حديث أبي هريرة أيضًا الآتي برقم (٢٣٥٨)، ورواه مسلم (١٠٨).
(٣) عبد الرزاق ٣/ ٢٦١ (٥٥٧٦) كتاب: الجمعة، باب: الساعة في يوم الجمعة، وابن أبي شيبة ١/ ٤٧٢ (٥٤٦٦) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي ترجى يوم الجمعة، وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٩.
(٤) انظر: «فتح الباري» ٢/ ٤١٨.
(٥) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: الذي نقله ابن القاسم عن أبي هريرة أنه قال: هي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ذكره ابن المنذر عنه.
(٦) انظر: «المجموع» ٤/ ٤٢٣.
(٧) «المصنف» ١/ ٤٧٣ (٥٤٦٩ - ٥٤٧٠) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي ترجى يوم الجمعة.



مسلم كما سلف، وصححه النووي (١).
وقال ابن التين: إنه الصحيح عندي، وعبارة القاضي عياض: ما بين خروج الإمام وصلاته، وقيل: من حين تقام الصلاة حتى تفرغ.
سادسها: وقت صلاة الجمعة، وقد سلف أن هذه رواية عمرو بن عوف، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر (٢)، ونقله ابن بطال عن أبي بردة ومحمد بن سيرين (٣)، وعبارة ابن عبد البر: وقال آخرون: من الإحرام بها إلى السلام منها، وذلك موافق لقوله: «قَائِم يُصلِّي».
سابعها: ما بين الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكر أبو السوار العدوي أنهم كانوا يرون ذلك، وعبارة ابن الصباغ في حكاية هذا القول كذلك: من الزوال إلى أن يدخل الإمام في الصلاة. وعبارة القاضي أبي الطيب: من الزوال إلى خروج الإمام، فيكون قولًا آخر.
ثامنها: ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع. نقله ابن بطال عن أبي ذر (٤)، ورواه ابن عبد البر عن أبي ذر أن امرأته سألته عنها، فأجاب بذلك (٥).
تاسعها: رواه ابن أبي شيبة عن أبي أمامة، قَالَ: إني لأرجو أن تكون الساعة التي في الجمعة إحدى هذه الساعات، إذا أذن المؤذن أو الإمام على المنبر أو عند الإقامة (٦).

------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٦/ ١٤٠ - ١٤١.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٧٢ (٥٤٦٣) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي ترجى يوم الجمعة.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٢١.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٢٠.
(٥) «التمهيد» ٤/ ٥٧.
(٦) «المصنف» ١/ ٤٧٢ (٥٤٦٥) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي ترجى يوم الجمعة.



العاشر: ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل، ذكره ابن بطال عن الشعبي (١)، ورواه ابن أبي شيبة (٢).
الحادي عشر: آخر ساعة من يوم الجمعة، تقدم في رواية جابر وعبد الله بن سلام، وروى سعيد بن منصور في «سننه» عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وسلف أنه رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: وهي الساعة التي خلق فيها آدم (٣).
وعن طاوس: أنها التي تقوم فيها الساعة، والتي أنزل فيها آدم، من حين تصفر الشمس إلى حين تغيب (٤).
وفي كتاب أبي القاسم الجُوذي من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «هي عشاء يوم الجمعة آخر ساعة من يوم الجمعة قبل غروب الشمس، أغفل ما يكون الناس». وهذا القول مال إليه ابن عبد البر (٥)، وقال الطُرطُوسي: إنه في نفسي أقوى.
الثاني عشر: من عند الزوال إلى نصف ذراع؛ ذكره المنذري (٦).
الثالث عشر: أنها مخفية في اليوم كله، كليلة القدر والصلاة

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٥٢١.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٧٣ (٥٤٦٧) كتاب: الصلوات، باب: الساعة التي ترجى يوم الجمعة.
(٣) ورواه عبد الرزاق ٣/ ٢٦١ (٥٥٧٥) كتاب: الجمعة، باب: الساعة في يوم.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤ (٥٥٨٢) كتاب: الجمعة، باب: الساعة في يوم الجمعة.
(٥) «التمهيد» ٤/ ٦٣ - ٦٤.
(٦) انظر: «نيل الأوطار» ٢/ ٥١١.



الوسطى، حكاه القاضي عياض وغيره، ونقله ابن الصباغ عن كعب الأحبار، والحكمة في إخفائها: الجد والاجتهاد في طلبها في كل اليوم كما أخفى أولياءه في خلقه تحسينًا للظن بالصالحين.
الرابع عشر: أنها الساعة الثالثة من النهار، حكاه ابن قدامة.
الخامس عشر: قَالَ كعب: لو قسم الإنسان جمعة في جمع أتى على تلك الساعة.
وقال الزهري -فيما حكاه ابن الأثير-: إذا قسم الإنسان ساعات نهار الجمعة على أيام الجمع صادف الساعة المخصوصة لا بعينها.
قلتُ: إلا على القول بأنها لا تنتقل.
السادس عشر: أنها متنقلة في اليوم. واختاره الغزالي في «الإحياء» وقال: إنه الأشبه كما في ليلة القدر (١). وقال الحافظ محب الدين الطبري: إنه الأظهر.
السابع عشر: قَالَ ابن الجُوذي: وفي حديث فاطمة -بضعة رسول الله- أنها سألت رسول الله - ﷺ - عنها فقال: «إذا تدلى نصف عين الشمس».
قلتُ: وأخرجه البيهقي في «فضائل الأوقات» (٢)، ثم قَالَ: كان - ﷺ - يعلم هذه الساعة بعينها ثم نسيها كما أنسي ليلة القدر؛ ليستغرق العبد جميع النهار بالذكر والدعاء (٣). وهذا يأتي قريبًا مرفوعًا.
فهذه سبعة عشر قولًا وأنيف، وقد أفردتها قديمًا في جزء، وفي هذا

---------------
(١) «إحياء علوم الدين» ١/ ٢٤٦.
(٢) «فضائل الأوقات» ص ٤٦٦، وفيه ذكره معلقًا، ورواه مسندًا في «شعب الإيمان» ٣/ ٩٣ (٢٩٧٧) وضعف إسناده.
(٣) «فضائل الأوقات» ص ٤٦٧.



زيادة، وذكرت هناك قولًا: إنها ساعة بعد طلوع الشمس. حكاه الجيلي في «شرحه»، والحافظ محب الدين الطبري في «شرحه» أيضًا، وأن الغزالي في «الإحياء» (١) حكى قولًا عند طلوع الشمس، وآخر أنها مع الأذان، وقد سلف، وآخر أنها إذا صعد الخطيب المنبر وأخذ في الخطبة، وآخر أنها إذا قام الناس إلى الصلاة، وآخر أنها آخر وقت اختيار العصر، وتأمل هذه الأقوال مع ما سلف تجدها أكثر مما ذكرناه. قَالَ القاضي عياض: وليس معنى هذه الأقوال أن هذا كله وقت لهذه الساعة بل معناه أنها تكون في أثناء ذلك الوقت لقوله: (وأشار بيده يقللها).
قَالَ النووي: وهذا الذي قاله في نفسه صحيح (٢)، وعلى كل من الأقوال فهي تختلف باختلاف البلاد؛ لاختلاف الأزمنة باختلافها، فإن قلتَ: كيف يسأل وهو يصلي؟ فالجواب: إما أن يكون في الصلاة بأن يكون في التلاوة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مثلًا فقد سأل، أو عند القراءة كما جاء في حديث حذيفة: إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب استعاذ (٣).
وهو محتمل للفرض والنفل، نعم ورد في النفل، أو يسأل بعد انقضاء التشهد، فإنه يسن عقيب الصلاة عليه إما بما صح في الحديث أو بقرآن، فيدعو مما شاء، وأيضًا فنفس قيامه إلى الصلاة سؤال.
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاهُ من تعرضه الثناء

----------------
(١) «الاحياء» ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٢) «المجموع» ٤/ ٤٢٦.
(٣) رواه مسلم (٧٧٢) كتاب: المسافرين، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل.



وهذا مع مربوب فكيف برب الأرباب؟! وإما أن يكون خارجها ويسأل بعد السلام، والساعة لم تنقض فيكون معنى سؤاله في الصلاة عند فراغها.
وقال الأثرم في «ناسخه»: لا تخلو هذه الأحاديث من وجهين: إما أن يكون بعضها أصح من بعض، وإما أن تكون متنقلة كما تنتقل ليلة القدر في العشر (١).
وقَالَ ابن قدامة -لما أورد: «من حين تقام إلى الانصراف» (٢) -: فعلى هذا تكون الساعة مختلفة، فتكون في حق كل قوم في وقت صلاة (٣).
وأبعَدَ قوم فقالوا: رفعت؛ حكاه ابن عبد البر، ثم قَالَ: وليس بشيء عندنا؛ لحديث ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم، عن عبد الله بن قيس مولى معاوية، قلتُ لأبي هريرة: زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة قد رفعت. قَالَ: كذب من قَالَ ذلك. قلتُ: فهي في كل جمعة أستقبلها؟ قَالَ: نعم (٤).
قَالَ أبو عمر: على هذا تواترت الأخبار (٥).
وفي «صحيح الحاكم» من حديث أبي سلمة: قلتُ: يا أبا سعيد، إن أبا هريرة حَدِّثْنا عن الساعة التي في يوم الجمعة، هل عندك فيها علم؟ فقال: سألنا النبي - ﷺ - عنها فقال: «إني كنت أعلمها ثم أُنسيتها كما

----------------
(١)»ناسخ الحديث ومنسوخه«١/ ٥٦.
(٢) هو حديث عمرو بن عوف، المتقدم تخريجه.
(٣)»المغني«٣/ ٢٣٨.
(٤) رواه عبد الرزاق في»المصنف«٣/ ٢٦٦ (٥٥٨٦).
(٥)»التمهيد" ٤/ ٥٣.



أنسيت ليلة القدر» ثم قَالَ: صحيح (١). وخرجه ابن خزيمة أيضًا في «صحيحه» (٢).
وفي كتاب ابن زنجويه عن محمد بن كعب القرظي أن كلبًا مر بعد العصر في مسجد رسول الله - ﷺ -، فقال رجل من الصحابة: اللهم اقتله. فمات، فقال النبي - ﷺ -: «لقد وافق الساعة التي إذا دعي فيها استجيب».
وروى الأوزاعي عمن حدثه عن أبي الخير، عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: «إذا زالت الأفياء وراحت الأرواح فاطلبوا (…) (٣) الله تعالى حوائجكم، فإنها ساعة الأوابين، وإنه كان للأوابين غفورًا» (٤).

---------------
(١) «المستدرك» ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠ كتاب: الجمعة، قال: وهذا شاهد صحيح على شرط الشيخين لحديث يزيد بن الهاد ومحمد بن إسحاق ولم يخرجاه.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ١٢٢ (١٧٤١) كتاب: الجمعة، باب: ذكر إمساك النبي - ﷺ - وقت تلك الساعة بعد علمه إياها.
(٣) في الهامش: لعله (من).
(٤) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ١٢٣ (٣٠٧٣) كتاب: الصلوات، باب: فضل الأذان والإقامة للصلاة المكتوبة وفضل المؤذنين.



٣٨ - باب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمَامِ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ
فَصَلَاةُ الإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَة.

٩٣٦ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. [فتح: ٢/ ٤٢٤]
ذكر فيه عن جابر بن عبد الله قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
الشرح:
هذا الحديث أخرجه أيضًا في البيوع والتفسير (١)، وأخرجه مسلم هنا (٢). قَالَ الحميدي: زاد أبو مسعود فيه: فقال - ﷺ -: «لو تتابعتم حَتَّى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارًا» ولم أجد هذه الزيادة في الكتابين ولا فيما أخرجه الإسماعيلي والبرقاني، وهي فائدة من أبي مسعود (٣).

-----------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥٨) كتاب: البيوع، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، و(٤٨٩٩) في التفسير، باب: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾.
(٢) «صحيح مسلم» (٨٦٣) كتاب: الجمعة، باب: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. وورد في هامش الأصل: من خط الشيخ: أبو داود والترمذي في التفسير (…) والنسائي هنا وفي التفسير.
(٣) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ٢/ ٣٥٥ (١٥٧٦).



إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
قوله: (بينما نحن نصلي مع رسول الله - ﷺ -) الظاهر أن المراد بالصلاة هنا: الخطبة، يسميه باسم ما قاربها، وهو من جنسها، أو لأنهم كانوا ينتظرونها.
وقال ابن الجوزي: معناه: حضرنا الصلاة وكان - ﷺ - يخطب يومئذٍ قائمًا. وبين هذا في الحديث فإنه في «الصحيح» في حديث جابر هذا أنه - ﷺ - كان يخطب قائمًا.
وقال البيهقي: الأشبه أن يكون الصحيح رواية من روى أن ذلك في الخطبة، والمراد بالصلاة: الخطبة، فعبر بها عنها (١)، يدل على ذلك حديث كعب بن عجرة السالف في باب الخطبة قائمًا (٢)، ويؤيده أيضًا حديث الدارقطني: بينما رسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة .. الحديث (٣) كما ستعلمه، وكذا أوله المهلب حيث يحتمل أن يكون في الخطبة، كما قَالَ الحسن؛ لأن من انتظر الصلاة فهو في صلاة ولا يظن بالصحابة إلا أحسن الظن. أي: لأن الله وصف أصحاب محمد بأنهم ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧] إلا أن يكون هذا الحديث قبل نزول الآية، كما نبه عليه الأصيلي.
ثانيها:
(العير)، مؤنثة، لا واحد لها من لفظها: القافلة أو الإبل التي تحمل

---------------
(١) «معرفة السنن والآثار» ٤/ ٣٥٠ (٦٤١٩) كتاب: الجمعة، باب: الخطبة قائمًا.
(٢) يراجع شرح حديث (٩٢٠).
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ٤ - ٦ كتاب: الجمعة، باب: ذكر العدد في الجمعة.



الطعام أو التجارة لا تسمى عيرًا إلا هكذا.
وفي الدارقطني: أنهم نزلوا بالبقيع (١).
ووقع في «الجمع بين الصحيحين» لعبد الحق أن البخاري لم يخرج قوله: عير تحمل طعامًا. وهو عجيب، وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد، حَدَّثَني جعفر بن محمد عن أبيه قَالَ: كان النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة، وكانت لهم سوق يقال لها: البطحاء، كانت بنو سُليم يجلبون إليها الخيل والإبل والسمن فَقدِمُوا، فخرج إليهم الناس وتركوا رسول الله - ﷺ -، وكان لهم لهو إذا تزوج أحد من الأنصار ضربوا بالكَبَرِ -بفتح الكاف والباء- وهو الطبل، فعيرهم الله بذلك، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١] الآية (٢)، وهو مرسل؛ لأن محمدًا الباقر من التابعين.
وقال السهيلي: ذكر أهل التأويل والحديث: أن دحية بن خليفة الكلبي قدم من الشام بعير له تحمل طعامًا وبرًّا، وكان الناس إذ ذاك محتاجين، فانفضوا إليها وتركوا رسول الله - ﷺ -. وذكر ابن الجوزي نحو ذلك، وقال: إنه كان قبل إسلام دحية (٣).
وروى ابن طاهر في «صفة التصوف» عن جابر -وقال: إسناده مخرج في مسلم-: كان - ﷺ - يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، وكن الجواري إذا أنكحوهن يقرون وهم يضربون بالدفوف والمزامير فيهل الناس، ويدعون رسول الله - ﷺ - قائمًا، فعاتبهم الله فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا﴾ الآية.

-----------------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٤.
(٢) «مسند الشافعي» ١/ ١٣٠ (٣٨٤) باب: في صلاة الجمعة.
(٣) «زاد المسير» ٨/ ٢٦٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 13 ( الأعضاء 0 والزوار 13)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 447.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 441.32 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]