تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - الصفحة 21 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5148 - عددالزوار : 2451077 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4739 - عددالزوار : 1772726 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 73 - عددالزوار : 3229 )           »          أطباق شتوية سهلة التحضير تساعد على الشبع.. سعراتها الحرارية قليلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          طرق بسيطة لتنظيف دهون الأوانى وأسطح المطبخ.. مش هتاخد كتير من وقتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          طريقة عمل شوربة العدس بمكونات بسيطة.. لو سنة أولى جواز (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          تفتيح ونضارة.. 5 فوائد لا تعرفيها عن تنظيف البشرة بحمام البخار المنزلي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          6 خطوات بسيطة هتخلى بشرتك ناعمة ونضرة في فصل الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          طريقة عمل دونر الكباب بخطوات بسيطة.. بعد تصدره تريندات السوشيال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          طريقة عمل اللحمة بالعسل والثوم.. جددى مطبخك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #201  
قديم 03-12-2025, 11:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 114 الى صــ 128
الحلقة (201)






عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ويل للأعقاب من النار" قال فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر إليهما .
وحدثنا أبو كريب : حدثنا حسين عن زائدة عن ليث حدثني عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة أو عن أخي أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر قوما يصلون وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء فقال : "ويل للأعقاب من النار" قال فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئا لم يصبه الماء أعاد وضوءه ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف وهكذا وجه هذه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى .
وقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر عن عمر بن الخطاب أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم وقال : "ارجع فأحسن"

وضوءك "وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب حدثنا جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دعامة قال : حدثنا أنس بن مالك أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ارجع فأحسن وضوءك "وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف وابن ماجه عن حرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب به وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات لكن قال أبو داود : ليس هذا الحديث بمعروف لم يروه إلا ابن وهب وحدثنا موسى حدثنا حماد أخبرنا يونس وحميد عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث قتادة ."
وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا بقية حدثني يحيى بن سعد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره رسول الله

صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء ورواه أبو داود من حديث بقية وزاد والصلاة وهذا إسناد جيد قوي صحيح والله أعلم .
وفي حديث حمران عن عثمان في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل بين أصابعه وروى أهل السنن من حديث إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال : قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء فقال : "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قال : قال أبو أمامة حدثنا عمرو بن عبسة قال : قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال : "ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتم ويستنشق وينتثر إلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" قال أبو أمامة : يا عمرو انظر ما تقول سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيعطى هذا الرجل كله في مقامه ؟ فقال عمرو بن عبسة : يا أبا أمامة لقد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك .
وهذا إسناد صحيح وهو في صحيح مسلم من وجه آخر وفيه ثم يغسل قدميه كما أمره الله فدل على أن القرآن يأمر بالغسل وهكذا روى أبو إسحاق السبيعي عن الحارث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : "اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم"

ومن ههنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رش على قدميه الماء وهما في النعلين فدلكهما إنما أراد غسلا خفيفا وهما في النعلين ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها ولكن في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين .

وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه وهو من روايته عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه وهو حديث صحيح وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال : فبال قائما ثم توضأ ومسح على خفيه قلت ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان وعليهما نعلان وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل حدثنا يحيى عن شعبة حدثني يعلى عن أبيه عن أوس بن أبي أوس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه ثم قام إلى الصلاة وقد رواه أبو داود عن مسدد وعباد بن موسى كلاهما عن هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن أوس بن أبي أوس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم ثم قال : وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير محدث أنه كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية متعارضة وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه

ولما كان القرآن آمرا بغسل الرجلين كما في قراءة النصب وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليه توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب ولكن لم يصح إسناده ثم الثابت عنه خلافه وليس كما زعموه قاله قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة عن عبد الكريم بن مالك الجزري عن مجاهد عن جرير بن عبد الله البجلي قال : أنا أسلمت بعد نزول المائدة وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعدما أسلمت .
تفرد به أحمد وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل تفعل هذا ؟ فقال نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه قال الأعمش : قال إبراهيم : فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة - لفظ مسلم - .
وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية المسح على الخفين قولا منه وفعلا كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير مع ما يحتاج إلى ذكره هناك من تأقيت المسح أو عدمه أو التفصيل فيه كما هو مبسوط في موضعه وقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

رضي الله عنه كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن نكاح المتعة وهم يستبيحونها وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر ولله الحمد وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم في كل رجل كعب وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم قال الربيع : قال الشافعي : لم أعلم مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في كتابه في الوضوء هما الناتئان وهما مجمع مفصل الساق والقدم هذا لفظه فعند الأئمة رحمهم الله في كل قدم كعبان كما هو المعروف عند الناس وكما دلت عليه السنة ففي الصحيح من طريق حمران عن عثمان أنه توضأ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين واليسرى مثل ذلك وروى البخاري تعليقا مجزوما به وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي القاسم الحسيني بن الحارث الجدلي عن النعمان بن بشير قال : أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه قال : "أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم" قال : فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه وركبته بركبة صاحبه ومنكبه بمنكبه .
لفظ ابن خزيمة

فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه إلا والمراد به العظم الناتئ في الساق حتى يحاذي كعب الآخر فدل ذلك على ما ذكرناه من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم كما هو مذهب أهل السنة وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن موسى أخبرنا شريح عن يحيى بن الحارث التيمي يعني الخابر قال : نظرت في قتلى أصحاب زيد فوجدت الكعب فوق ظهر القدم وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم تنكيلا بهم في مخالفتهم الحق وإصرارهم عليه .
وقوله تعالى "وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه" كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك لكن البخاري روى ههنا حديثا خاصا بهذه الآية الكريمة فقال :

حدثنا يحيى بن سليمان حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه عن عائشة قالت : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا فأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال : حبست الناس في قلادة فتمنيت الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني وقد أوجعني ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم" إلى آخر الآية فقال أسيد بن الحضير : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم .
وقوله تعالى "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج" أي فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر بل أباح التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم ورحمة بكم وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير وقوله تعالى "ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون" أي لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال : كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله قائما يحدث الناس فأدركت من قوله : "ما من مسلم يتوضأ"

فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة "قال : قلت ما أجود هذه فإذا قائل بين يدي يقول : التي قبلها أجود منها فنظرت فإذا عمر رضي الله عنه فقال : إني قد رأيتك جئت آنفا قال :" ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة وقال مالك : عن نهشل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب" رواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب عن مالك به وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان بن

منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كعب بن مرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو ذراعيه إلا خرجت خطاياه منهما فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه هذا لفظه وقد رواه الإمام أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن منصور عن سالم عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة السلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" وإذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت خطاياه من بين يديه وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه وإذا غسل ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه .
قال : شعبة ولم يذكر مسح الرأس وهذا إسناد صحيح .
وروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ورجليه"

وروى مسلم في صحيحه من حديث يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والله أكبر تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض والصوم جنة والصبر ضياء والصدقة برهان والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" وفي صحيح مسلم من رواية سماك بن حرب عن مصعب بن سعد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور" وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن قتادة سمعت أبي المليح الهذلي يحدث

عن أبيه قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فسمعته يقول : "إن الله لا يقبل صلاة من غير طهور ولا صدقة من غلول" وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة .
واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7)
واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور
يقول تعالى مذكرا عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته والقيام بدينه لإبلاغه عنه وقبوله منه فقال تعالى "واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا" وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إسلامهم كما قالوا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وقال الله تعالى

"وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين" وقيل هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمد صلى الله عليه وسلم والانقياد لشرعه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقيل هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم "ألست بربكم قالوا بلى شهدنا" قاله مجاهد ومقاتل بن حيان والقول الأول أظهر وهو المحكي عن ابن عباس والسدي واختاره ابن جرير ثم قال تعالى "واتقوا الله" تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال ثم أعلمهم أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر من الأسرار والخواطر فقال "إن الله عليم بذات الصدور" .
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8)
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما
قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله" أي كونوا قوامين بالحق لله عز وجل لا لأجل الناس والسمعة وكونوا "شهداء بالقسط" أي بالعدل لا بالجور وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال : نحلني أبي نحلا فقالت أمي عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه ليشهده على صدقتي فقال : أكل ولدك نحلت مثله ؟ قال لا قال : "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم - وقال - إني لا أشهد على جور" قال : فرجع أبي فرد تلك الصدقة

وقوله تعالى "ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا" أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد صديقا كان أو عدوا ولهذا قال "اعدلوا هو أقرب للتقوى" أي أقرب إلى التقوى من تركه ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه في نظائره من القرآن وغيره كما في قوله "وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم" وقوله : هو أقرب للتقوى من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء كما في قوله تعالى "أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا" وكقول بعض الصحابيات لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى "واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها إن خيرا فخير وإن شرا فشر ولهذا قال بعده "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة"
وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9)
وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم
أي لذنوبهم "وأجر عظيم" وهو الجنة التي هي من رحمته على عباده لا ينالوها بأعمالهم بل برحمة منه وفضل وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم وهو تعالى الذي جعلها أسبابا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه فالكل منه وله فله الحمد والمنة .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #202  
قديم 03-12-2025, 11:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 129 الى صــ 143
الحلقة (202)







والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10)
والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم
ثم قال "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم" وهذا من عدله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه بل هو الحكم العدل الحكيم القدير .
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11)
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل
وقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم" قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري ذكره عن أبي سلمة عن جابر أن النبي

صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها وعلق النبي سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فسله ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يمنعك مني قال : الله عز وجل قال الأعرابي مرتين أو ثلاثا من يمنعك مني ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : الله قال فشام الأعرابي السيف فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه.
وقال : معمر كان قتادة يذكر نحو هذا ويذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا هذا الأعرابي وتأول "اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم" الآية .
وقصة هذا الأعرابي وهو غورث بن الحارث ثابتة في الصحيح وقال العوفي : عن ابن عباس في هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم" وذلك أن قوما من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه طعاما ليقتلوهم فأوحى الله إليه بشأنهم فلم يأت الطعام وأمر أصحابه فأتوه.
رواه ابن أبي حاتم وقال أبو مالك : نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا أن يغدروا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف رواه ابن أبي حاتم وذكر محمد بن إسحاق بن يسار ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت في شأن بني النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لرحى لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين ووكلوا عمرو بن جحش بن كعب بذلك وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من فوقه فأطلع الله النبي صلى الله عليه وسلم على ما تمالئوا عليه فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه فأنزل الله في ذلك هذه الآية قوله تعالى "وعلى الله فليتوكل المؤمنون" يعني من توكل على الله كفاه الله ما أهمه وحفظه من شر الناس وعصمه

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغدوا إليهم فحاصرهم حتى أنزلهم فأجلاهم .
ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12)
ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل
لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فبما هداهم له من الحق والهدى شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين : اليهود والنصارى فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنا منه لهم وطردا عن بابه وجنابه وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق وهو العلم النافع والعمل الصالح فقال تعالى "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا" يعني عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه .

وقد ذكر ابن عباس عن ابن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسى عليه السلام لقتال الجبابرة فأمر بأن يقيم نقباء من كل سبط نقيب قال محمد بن إسحاق فكان من سبط روبيل شامون بن ركون ومن سبط شمعون شافاط بن حري ومن سبط يهوذا كالب بن يوفنا ومن سبط تين ميخائيل بن يوسف ومن سبط يوسف وهو سبط إفرايم يوشع بن نون ومن سبط بنيامين فلطم بن دفون ومن سبط زبولون جدي بن شورى .
ومن سبط منشا بن يوسف جدي بن موسى ومن سبط دان خملائيل بن حمل .
ومن سبط أشار ساطور بن ملكيل ومن سبط نفثالي بحر بن وقسي ومن سبط يساخر لايل بن مكيد وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحاق والله أعلم قال فيها فعلى بني روبيل اليصور بن سادون وعلى بني شمعون شموال بن صورشكي وعلى بني يهوذا الحشون بن عمياذاب وعلى بني يساخر شال بن صاعون وعلى بني زبولون الياب بن حالوب وعلى بني أفرايم منشا بن عمنهور وعلى بني منشا حمليائيل بن يرصون وعلى بني بنيامين أيبدن بن جدعون وعلى بني دان جعيذر بن عميشذي وعلى بني أشار نحايل بن عجران وعلى بني كان السيف بن دعواييل وعلى بني نفتالي أجذع بن عمينان وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة كان فيهم اثنا عشر نقيبا : ثلاثة من الأوس وهم : أسيد بن الحضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر ويقال : بدله أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه وتسعة من الخزرج وهم : أبو أمامة أسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك بن العجلان والبراء

بن معرور وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن حرام والمنذر بن عمر بن حنيش رضي الله عنهم وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له كما أورده ابن إسحاق رحمه الله والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال : كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال عبد الله ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ثم قال : نعم ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل" هذا حديث غريب من هذا الوجه وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا" ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي فسألت أي ماذا قال

النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : "كلهم من قريش" وهذا لفظ مسلم ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحا يقيم الحق ويعدل فيهم ولا يلزم من هذا
تواليهم وتتابع أيامهم بل قد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم أبيه اسم أبيه فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامرا فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية بل هو من هوس العقول السخيفة وتوهم الخيالات الضعيفة وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثنا عشر الأئمة الاثنا عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشر من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم وفي التوراة البشارة بإسماعيل عليه السلام وأن يقيم من صلبه اثنا عشر عظيما وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر فيتشيع كثير منهم جهلا وسفها لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقوله تعالى "وقال الله إني معكم" أي بحفظي وكلاءتي ونصري "لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي" أي صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي "وعزرتموهم" أي نصرتموهم ووازرتموهم على الحق "وأقرضتم الله قرضا حسنا" وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته "لأكفرن عنكم سيئاتكم" أي ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها "ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار" أي أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود وقوله "فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل" أي فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده وشده وجحده وعامله معاملة من لا يعرفه فقد أخطأ الطريق

الواضح وعدل عن الهدى إلى الضلال ثم أخبر تعالى عما حل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده .
فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13)
فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين
قال "فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم" أي فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى "وجعلنا قلوبهم قاسية" أي فلا يتعظون بموعظة لغلظها وقساوتها "يحرفون الكلم عن مواضعه" أي فسدت فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله وتأولوا كتابه على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده وقالوا عليه ما لم يقل عياذا بالله من ذلك "ونسوا حظا مما ذكروا به" أي وتركوا العمل به رغبة عنه وقال الحسن : تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها وقال غيره : تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة فلا قلوب سليمة ولا فطر مستقيمة ولا أعمال قويمة "ولا تزال تطلع على خائنة منهم" يعني مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك وقال مجاهد وغيره : يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم "فاعف عنهم واصفح" وهذا هو عين النصر والظفر كما قال بعض السلف ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق ولعل الله يهديهم ولهذا قال تعالى "إن الله يحب المحسنين" يعني به الصفح عمن أساء إليك وقال قتادة : هذه الآية "فاعف عنهم واصفح" منسوخة بقوله "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" الآية .

ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون (14)
ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون
وقوله تعالى "ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم" أي ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى متابعون المسيح ابن مريم عليه السلام وليسوا كذلك أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض ففعلوا كما فعل اليهود خالفوا المواثيق ونقضوا العهود ولهذا قال تعالى "فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" أي فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة ولذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها فالملكية تكفر اليعقوبية وكذلك الآخرون وكذلك النسطورية والآريوسية كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ثم قال "وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون" وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله ورسوله وما نسبوه إلى الرب عز وجل وتعالى وتقدس عن قولهم علوا كبيرا من جعلهم له صاحبة وولدا تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .
يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15)
يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب
قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين "يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض عربهم وعجمهم أميهم وكتابيهم وأنه بعثه بالبينات والفرق بين"

الحق والباطل فقال "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير" أي يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال : من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب" فكان الرجم مما أخفوه ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" .
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16)
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم
فقال "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" أي طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة "ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم" أي ينجيهم من المهالك ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور ويحصل لهم أحب الأمور وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة .
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير (17)
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير

يقول تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم وهو عبد من عباد الله وخلق من خلقه أنه هو الله - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا - ثم قال مخبرا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه "قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا" أي لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه منه أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك ثم قال "ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء" أي جميع الموجودات ملكه وخلقه وهو القادر على ما يشاء لا يسأل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة .
وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير (18)
وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير
قال تعالى ردا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه" أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل أنت ابني بكري فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام كما نقل النصارى من كتابهم أن عيسى قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم يعني ربي وربكم ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام وإنما أرادوا من ذلك معزتهم له به وحظوتهم عنده ولهذا قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه .
قال الله تعالى رادا عليهم "قل فلم يعذبكم بذنوبكم" أي لو كنتم كما تدعون أبناؤه وأحباؤه فلم أعددت لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم ؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء : أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه ؟ فلم يرد عليه فتلا عليه الصوفي هذه الآية "قل فلم يعذبكم بذنوبكم" وهذا الذي قاله حسن وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال :

حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول ابني ابني وسعت فأخذته فقال القوم : يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار قال فخفضهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "لا والله ما يلقي حبيبه في النار" تفرد به أحمد "بل أنتم بشر ممن خلق" أي لكم أسوة أمثالكم من بني آدم وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده "يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" أي هو فعال لما يريد لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب "ولله ملك السموات والأرض وما بينهما" أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه "وإليه المصير" أي المرجع والمآب إليه فيحكم في عباده ما يشاء وهو العادل الذي لا يجور وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن آصا وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله فيهم "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه" إلى آخر الآية.
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير

ورويا أيضا من طريق أسباط عن السدي في قول الله "وقالت النصارى نحن أبناء الله وأحباؤه" أما قولهم "نحن أبناء الله" فإنهم قالوا : إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد فيدخلهم النار فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ثم ينادي مناد أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل فأخرجوهم فذلك قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودات .
يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19)
يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء
يقول تعالى مخاطبا أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول بل هو المعقب لجميعهم ولهذا قال "على فترة من الرسل" أي بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم .
وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه : كانت ستمائة سنة .
ورواه البخاري عن سلمان الفارسي وعن قتادة خمسمائة وستون سنة وقال معمر عن بعض أصحابه : خمسمائة وأربعون سنة وقال الضحاك : أربعمائة وبضع وثلاثون سنة

وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى عليه السلام عن الشعبي أنه قال : ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة والمشهور هو القول الأول وهو أنها ستمائة سنة ومنهم من يقول ستمائة وعشرون سنة ولا منافاة بينهما فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية والآخر أراد قمرية وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف "ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا" أي قمرية لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن أولى الناس بابن مريم لأنا ليس بيني وبينه نبي" وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له خالد بن سنان كما حكاه القضاعي وغيره والمقصود أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل وطموس من السبل وتغير الأديان وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان فكانت النعمة به أتم النعم والحاجة إليه أمر عمم فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين كما قال الإمام أحمد :

حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته وإن ربي أمرني أن أعلمكم مما جهلتم مما علمني في يومي هذا كل مال نحلته عبادي حلال لأني خلقت عبادي حنفاء كلهم , وإن الشياطين أتتهم فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظانا ثم إن الله أمرني
أن أحرق قريشا فقلت : يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة فقال : استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك وأنفق عليهم فسننفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسا أمثاله وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط موفق متصلا ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ورجل عفيف فقير ذو عيال متصدق وأهل النار خمسة : الضيف الذي لا دين له والذين هم فيكم تبع أو تبعا -

شك يحيى - لا يبتغون أهلا ولا مالا والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك وذكر البخل أو الكذب والشنظير الفاحش ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير .
وفي رواية شعبة عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف وإنما سمعه من أربعة عنه ثم رواه هو عن روح عن عوف عن حكيم الأثرم عن الحسن قال : حدثني مطرف عن عياض بن حماد فذكره ورواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله : لأن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل وفي لفظ مسلم من أهل الكتاب فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء ولهذا قال تعالى "أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير" أي لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمدا صلى الله عليه وسلم "والله على كل شيء قدير" قال ابن جرير معناه : إني قادر على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني .
وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20)
وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من

يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام فيما ذكر به قومه نعم الله عليهم وآلائه لديهم في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة فقال تعالى "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء" أي كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته حتى ختموا بعيسى ابن مريم عليه السلام ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلى الله عليه وسلم "وجعلكم ملوكا" قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن الحكم أو غيره عن ابن عباس في قوله وجعلكم ملوكا قال : الخادم والمرأة والبيت




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #203  
قديم 03-12-2025, 11:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 144 الى صــ 159
الحلقة (203)






وروى الحاكم في مستدركه من حديث الثوري أيضا عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال : المرأة والخادم "وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين" قال : الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ ثم قال الحكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال : كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار سمي ملكا وقال ابن جرير : حدثنا يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أنبأنا أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحنبلي يقول : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين فقال عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها قال نعم قال : ألك مسكن تسكنه قال نعم قال : فأنت من الأغنياء فقال : إن لك خادما فقال : فأنت من الملوك وقال الحسن البصري : هل الملك إلا مركب من خادم ودار رواه ابن جرير ثم روى عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحوا من هذا وحكاه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران
وقال ابن شوذب كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم واستؤذن عليه فهو ملك وقال قتادة : كانوا أول من اتخذ الخدم وقال السدي في قوله "وجعلكم ملوكا" قال يملك الرجل منكم نفسه وماله وأهله رواه ابن أبي حاتم وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا : وهذا حديث غريب من هذا
الوجه وقال ابن جرير : حدثنا الزبير بن بكار حدثنا أبو ضمرة - أنس بن عياض - سمعت زيد بن أسلم يقول : وجعلكم ملوكا فلا أعلم إلا أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم : "من كان له بيت وخادم فهو ملك" وهذا مرسل غريب وقال مالك : بيت وخادم وزوجة وقد ورد في الحديث من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وقوله "وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين" يعني عالمي زمانكم فإنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم كما قال "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين" وقال تعالى إخبارا عن موسى لما قالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة "قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين" والمقصود أنهم كانوا أفضل زمانهم وإلا فهذه الأمة أشرف منهم وأفضل عند الله وأكمل شريعة وأقوم منهاجا وأكرم نبيا وأعظم ملكا وأغزر أرزاقا وأكثر أموالا وأولادا وأوسع مملكة وأدوم عزا قال الله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها عند الله عند قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت"
للناس "من سورة آل عمران وروى ابن جرير عن ابن عباس وأبي مالك وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله" وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم فكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله" وآتاكم ما لم يؤت أحدا "مع هذه الأمة والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا وقيل المراد" وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى ويظللهم به من الغمام وغير ذلك مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات فالله أعلم ."
يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21)
يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا
ثم قال تعالى مخبرا عن تحريض موسى عليه السلام لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا زمان موسى فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها فأمرهم رسول الله - موسى عليه السلام - بالدخول إليها وبقتال أعدائهم وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون إلى مقصد مدة أربعين

سنة عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى فقال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال : "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة" أي المطهرة وقال سفيان الثوري : عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في قوله : "ادخلوا الأرض المقدسة" قال هي الطور وما حوله وكذا قال مجاهد وغير واحد وروى سفيان الثوري عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال : هي أريحاء وكذا ذكر عن غير واحد من المفسرين وفي هذا نظر لأن أريحاء ليست هي المقصودة بالفتح ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوهم فرعون اللهم إلا أن يكون المراد بأريحاء أرض بيت المقدس كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير عنه : لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الطور شرقي بيت المقدس وقوله تعالى "التي كتب الله لكم" أي التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل أنه وراثة من آمن منكم "ولا ترتدوا على أدباركم" أي ولا تنكلوا عن الجهاد "فتنقلبوا خاسرين" .
قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22)
"قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون" أي اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها قوما جبارين أي ذوي خلق هائلة وقوى شديدة وإننا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم وقد قال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن الهيثم حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان قال : قال أبو سعيد قال عكرمة عن ابن عباس قال : أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين قال : فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثنا عشر عينا من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم قال فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجسمهم وعظمهم فدخلوا حائطا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم فتبعهم فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقط الاثنا عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب بهم إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال : لهم الملك قد رأيتم شأننا وأمرنا فاذهبوا فأخبروا صاحبكم قال فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم .
وفي هذا الإسناد نظر وقال علي بن أبي طلحة : عن ابن عباس لما نزل موسى وقومه بعث منهم اثنا عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكرهم الله فبعثهم ليأتوه بخبرهم فساروا فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كسائه فحمله حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه فاجتمعوا إليه فقالوا من أنتم ؟ قالوا : نحن قوم موسى بعثنا نأتيه بخبركم

فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل فقالوا : لهم اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم هذا قدر فاكهتهم فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما رأوا فلما أمرهم موسى - عليه السلام - بالدخول عليهم وقتالهم قالوا : يا موسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون رواه ابن أبي حاتم ثم قال : حدثنا أبي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهادي حدثني يحيى بن عبد الرحمن قال : رأيت أنس بن مالك أخذ عصا فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين ثم قال : هكذا طول العماليق.
وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا أخبارا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين وأن منهم عوج بن عوق بنت آدم - عليه السلام - وأنه من طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع تحرير الحساب وهذا شيء يستحى من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن" ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا وأنه كان ولد زنية وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا" وقال تعالى "فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين" وقال تعالى "لا عاصم"
152@@@



اليوم من أمر الله إلا من رحم "وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عوق وهو كافر وولد زنية ؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عوق نظر والله أعلم ."
قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23)
قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين
وقوله تعالى "قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" أي فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى - صلى الله عليه وسلم - حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه وقرأ بعضهم "قال رجلان من الذين يخافون" أي ممن لهما مهابة وموضع من الناس ويقال إنهما : يوشع بن نون وكالب بن يوفنا قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أنس وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله فقالا "ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين" أي إن توكلتم على الله واتبعتم أمره ووافقتم رسوله نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم ودخلتم البلد التي كتبها لكم فلم ينفع ذاك فيهم شيئا.
قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (24)
قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها
وهذا نكول منهم عن الجهاد ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء ويقال إنهم لما نكلوا عن الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر سجد موسى وهارون - عليهما السلام - قدام ملأ من بني إسرائيل إعظاما لما هموا به وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما ولاما قومهما على ذلك ويقال إنهم رجموهما وجرى أمر عظيم وخطر جليل وما أحسن ما أجاب به من الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله حين استشارهم في قتال النفير الذين جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان فلما فات اقتناص العير واقترب منهم النفير وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة والبيض واليلب فتكلم أبو بكر رضي الله عنه فأحسن ثم تكلم من تكلم

من الصحابة من المهاجرين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : "أشيروا علي أيها المسلمون" وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ فقال سعد بن معاذ : كأنك تعرض بنا يا رسول الله فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقول سعد ونشطه ذلك.
وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر ثم استشارهم فقالت الأنصار : يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا : إذا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون" والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك ورواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد الطويل عن أنس به ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد به ورواه ابن حبان عن أبي يعلى عن عبد الأعلى بن حماد عن معمر بن سليمان عن حميد به وقال : ابن مردويه أنا عبد الله بن جعفر أنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا

عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا محمد بن شعيب عن الحكم بن أيوب عن عبد الله بن ناسخ عن عتبة بن عبيد السلمي قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه ألا تقاتلون ؟ قالوا نعم ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون" ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون وكان ممن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي - رضي الله عنه - كما قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع حدثني سفيان عن مخارق بن عبد الله الأحمسي عن طارق - هو ابن شهاب - أن المقداد قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر : يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون" ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون هكذا رواه أحمد من هذا الوجه وقد رواه من طريق أخرى فقال : حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا
صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين فقال : والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون" ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرق لذلك وسر بذلك .
وهكذا رواه البخاري في المغازي وفي التفسير من طرق عن مخارق به ولفظه في كتاب التفسير عن عبد الله قال : قال المقداد يوم بدر يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون" ولكن امض ونحن معك فكأنه سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال البخاري : رواه وكيع عن سفيان عن مخارق عن طارق أن المقداد قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال ابن جرير : حدثنا بشر حدثنا سعيد عن قتادة قال : ذكرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم "إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت" فقال له المقداد بن الأسود : أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذا قالوا لنبيهم "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون" ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فلما سمعها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تتابعوا على ذلك وهذا إن كان محفوظا يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قاله يوم بدر .
قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25)
قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين
قوله "قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين" يعني لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السلام وقال داعيا عليهم "رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي" أي ليس أحد يطيعني منهم فيما أمر الله ويجيب إلى ما

دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون "فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين" قال العوفي : عن ابن عباس يعني اقض بيني وبينهم وكذا قال علي بن طلحة : عن ابن عباس وكذا قال الضحاك : اقض بيننا وبينهم وافتح بيننا وبينهم وقال غيره : افرق افصل بيننا وبينهم كما قال الشاعر :
يا رب فافرق بينه وبيني ... أشد ما فرقت بين اثنين
قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (26)
قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين
وقوله تعالى "فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض" الآية .
لما دعا عليهم موسى - عليه السلام - حين نكلوا عن الجهاد حكم الله بتحريم دخولها عليهم قدر مدة أربعين سنة فوقعوا في التيه يسيرون دائما لا يهتدون للخروج منه وفيه كانت أمور عجيبة وخوارق كثيرة من تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران وهناك نزلت التوراة وشرعت لهم الأحكام وعملت قبة العهد ويقال لها قبة الزمان قال يزيد بن هارون : عن أصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير سألت ابن عباس عن قوله "فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض" الآية .
قال : فتاهوا في الأرض أربعين سنة يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وهذا قطعة من حديث الفتون ثم كانت وفاة هارون - عليه السلام - ثم بعده بمدة ثلاثة سنين وفاة موسى

الكليم - عليه السلام - وأقام الله فيهم يوشع بن نون - عليه السلام - نبيا خليفة عن موسى بن عمران ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة ويقال إنه لم يبق منهم أحد سوى يوشع وكالب ومن ههنا قال بعض المفسرين في قوله "قال فإنها محرمة عليهم" هذا وقف تام وقوله "أربعين سنة" منصوب بقوله "يتيهون في الأرض" فلما انقضت المدة خرج بهم يوشع بن نون عليه السلام أو بمن بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني فقصد بهم بيت المقدس فحاصرها فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر فلما تضيفت الشمس للغروب وخشي دخول السبت عليهم قال : إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي فحبسها الله تعالى حتى فتحها وأمر الله يوشع بن نون أن يأمر بني إسرائيل حين يدخلون بيت المقدس أن يدخلوا بابها سجدا وهم يقولون حطة أي حط عنا ذنوبا فبدلوا ما أمروا به ودخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حبة في شعرة وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن أبي عمر العبدي حدثنا سفيان عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قوله "فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض" قال فتاهوا أربعين سنة قال فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون وهو الذي قام بالأمر بعد موسى وهو الذي افتتحها وهو الذي قيل له اليوم يوم الجمعة فهموا بافتتاحها ودنت الشمس للغروب فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا فنادى الشمس إني مأمور وإنك مأمورة فوقفت حتى افتتحها فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط فقربوه إلى النار فلم تأته فقال فيكم

الغلول فدعا رءوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده فقال : الغلول عندك فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها وهذا السياق له شاهد في الصحيح وقد اختار ابن جرير أن قوله "فإنها محرمة عليهم" هو للعامل في أربعين سنة وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد قال : ثم خرجوا مع موسى عليه السلام ففتح بهم بيت المقدس ثم احتج على ذلك من قال بإجماع علماء أخيار الأولين أن عوج بن عوق قتله موسى عليه السلام قال : فلو كان قتله إياه قبل التيه لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق فدل على أنه كان بعد التيه قال : وأجمعوا على أن بلعام بن باعورا أعان الجبارين بالدعاء على موسى قال وما ذاك إلا بعد التيه لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه هذا استدلاله , ثم قال : حدثنا أبو كريب حدثنا ابن عطية حدثنا قيس بن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كانت عصا موسى عشرة أذرع ووثبته عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع فوثب فأصاب كعب عوج فقتله فكان جسرا لأهل النيل سنة وروي أيضا عن محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبي إسحاق
عن نوف هو البكالي قال : كان سرير عوج ثمانمائة ذراع وكان طول موسى عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع ووثب في السماء عشرة أذرع فضرب عوجا فأصاب كعبه فسقط ميتا وكان جسرا للناس يمرون عليه .
وقوله تعالى "فلا تأس على القوم الفاسقين" تسلية لموسى عليه السلام عنهم أي لا تأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به فإنهم مستحقون ذلك وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم مع أن بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه عن خلقه في ذلك الزمان وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون لتقر به أعينهم وما بالعهد من قدم ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل هذا وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يترددون وهم البغضاء إلى الله وأعداؤه ويقولون مع ذلك نحن أبناء الله وأحباؤه فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود وألزمهم لعنة تصحبهم إلى الدار ذات الوقود ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود وقد فعل وله الحمد في جميع الوجود .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #204  
قديم 03-12-2025, 11:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 160 الى صــ 175
الحلقة (204)






واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27)
واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين
يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه في قول الجمهور وهما قابيل وهابيل كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله بغيا عليه وحسدا له فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل ففاز المقتول بوضع الآثار والدخول إلى الجنة وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين فقال تعالى "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق" أي اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف وقوله "بالحق" أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب ولا وهم ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان كقوله تعالى "إن هذا لهو القصص الحق" وقوله تعالى "نحن نقص عليك نبأهم بالحق" وقال "ذلك عيسى ابن مريم قول الحق" وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف أن الله تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال ولكن قالوا كان يولد له في كل بطن

ذكر وأنثى فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة فأراد أن يستأثر بها على أخيه فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانا فمن تقبل منه فهي له فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه .
[ ذكر أقوال المفسرين ههنا ] قال السدي فيما ذكر عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل وكان قابيل صاحب زرع وكان هابيل صاحب ضرع وكان قابيل أكبرهما وكان له أخت أحسن من أخت هابيل وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه قال هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى وأنهما قربا قربانا إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية وكان آدم عليه السلام قد غاب عنهما أتى مكة ينظر إليها قال الله عز وجل هل تعلم أن لي بيتا في الأرض قال اللهم لا قال إن لي بيتا في مكة فآته فقال آدم للسماء احفظي ولدي بالأمانة فأبت وقال للأرض فأبت وقال للجبال فأبت فقال لقابيل فقال نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم قربا قربانا وكان قابيل يفخر عليه فقال أنا أحق بها منك هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي فقال هابيل إنما يتقبل الله من المتقين .
رواه ابن جرير

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن خيثم قال : أقبلت مع حميد بن جبير فحدثني عن ابن عباس قال : نهي أن تنكح المرأة أخاها توأمها وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وولد له أنثى قبيحة دميمة فقال أخو الدميمة أنكحني أختك وأنكحك أختي فقال لا أنا أحق بأختي فقربا قربانا فتقبل من صاحب الكبش ولم يتقبل من صاحب الزرع فقتله .
إسناد جيد وحدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقوله "إذ قربا قربانا" فقربا قربانهما فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض وصاحب الحرث بصبرة من طعامه فقبل الله الكبش فحزنه في الجنة أربعين خريفا وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليه السلام .
إسناد جيد وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن أبي

المغيرة عن عبد الله بن عمرو قال إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم وإنهم أمرا أن يقربا قربانا وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكودن والزوان غير طيبة بها نفسه وأن الله عز وجل تقبل قربان صاحب الغنم ولم يتقبل قربان صاحب الحرث وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه قال : وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه وقال إسماعيل بن رافع المدني القاص بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان كان أحدهما صاحب غنم وكان أنتج له حمل في غنمه فأحبه حتى كان يؤثره بالليل وكان يحمله على ظهره من حبه حتى لم يكن له مال أحب إليه منه فلما أمر بالقربان قربه لله عز وجل فقبله الله منه فما زال يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم عليه السلام رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الأنصاري حدثنا القاسم بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن علي بن الحسين قال قال آدم عليه السلام لهابيل وقابيل : إن ربي عهد

إلي أنه كائن من ذريتي من يقرب القربان فقربا قربانا حتى تقر عيني إذا تقبل قربانكما فقربا وكان هابيل صاحب غنم فقرب أكولة غنم خير ماله وكان قابيل صاحب زرع فقرب مشاقة من زرعه فانطلق آدم معهما ومعهما قربانهما فصعدا الجبل فوضعا قربانهما ثم جلسوا ثلاثتهم آدم وهما ينظران إلى القربان فبعث الله نارا حتى إذا كانت فوقهما دنا منها عنق فاحتمل قربان هابيل وترك قربان قابيل فانصرفوا وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه فقال : ويلك يا قابيل رد عليك قربانك فقال : أحببته فصليت على قربانه ودعوت له فتقبل قربانه ورد علي قرباني فقال قابيل لهابيل : لأقتلنك وأستريح منك دعا لك أبوك فصلى على قربانك فتقبل منك وكان يتواعده بالقتل إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه فقال آدم : يا قابيل أين أخوك ؟ قال : وبعثتني له راعيا لا أدري فقال آدم : ويلك يا قابيل انطلق فاطلب أخاك فقال قابيل في نفسه الليلة أقتله وأخذ معه حديدة فاستقبله وهو منقلب فقال يا هابيل تقبل قربانك ورد علي قرباني لأقتلنك فقال هابيل قربت
أطيب مالي وقربت أنت أخبث مالك وإن الله لا يقبل إلا الطيب إنما يتقبل الله من المتقين فلما قالها غضب قابيل فرفع الحديدة وضربه بها فقال ويلك يا قابيل أين أنت من الله كيف يجزيك بعملك فقتله فطرحه في حوبة من الأرض وحثى عليه شيئا من التراب .
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل فسلم لذلك هابيل ورضي وأبى ذلك قابيل وكره تكرما عن أخت هابيل ورغب بأخته عن هابيل وقال

نحن من ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض وأنا أحق بأختي ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول كانت أخت قابيل من أحسن الناس فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه والله أعلم أي ذلك كان فقال له أبوه : يا بني إنها لا تحل لك فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه قال له أبوه يا بني قرب قربانا ويقرب أخوك هابيل قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها وكان قابيل على بذر الأرض وكان هابيل على رعاية الماشية فقرب قابيل قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه وبعضهم يقول قرب بقرة فأرسل الله نارا بيضاء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله .
رواه ابن جرير .
وروى العوفي عن ابن عباس قال : من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله أرسل إليه نارا فتأكله وإن لم يكن رضيه الله خبت النار فقربا قربانا وكان أحدهما راعيا وكان الآخر حراثا وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها وقرب الآخر بعض زرعه فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع لأن ابن آدم قال لأبيه أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي فلا والله لا ينظر الناس إلي وأنت خير مني فقال لأقتلنك فقال له أخوه ما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين .
رواه ابن جرير فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارؤ في امرأة كما تقدم عن جماعة ممن تقدم ذكرهم وهو ظاهر القرآن "إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما"

ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين "فالسياق يقتضي إنه إنما غضب عليه وحسده بقبوله قربانه دونه ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل وأن الذي قرب الطعام هو قابيل وأنه تقبل من هابيل شاته حتى قال ابن عباس وغيره : إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب والله أعلم ولم يتقبل من قابيل ."
كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضا ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال : الذي قرب الزرع قابيل وهو المتقبل منه وهذا خلاف المشهور ولعله لم يحفظ عنه جيدا والله أعلم .
ومعنى قوله "إنما يتقبل الله من المتقين" أي ممن اتقى الله في فعله وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زيد حدثنا إسماعيل بن عياش حدثني صفوان بن عمرو عن تميم يعني ابن مالك المقري قال : سمعت أبا الدرداء يقول : لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها إن الله يقول "إنما يتقبل الله من المتقين" وحدثنا أبي حدثنا عمران حدثنا إسحاق بن سليمان يعني الرازي

عن المغيرة بن مسلم عن ميمون بن أبي حمزة قال : كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاوية فقال له شقيق بن سلمة : يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل قال : بلى سمعته يقول : يحبس الناس في بقيع واحد فينادي مناد أين المتقون ؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر قلت من المتقون ؟ قال : قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة .
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28)
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين
قوله "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين" يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك" أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة "إني أخاف الله رب العالمين" أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب قال عبد الله بن عمرو : وايم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال :" إنه كان حريصا على قتل صاحبه ""

وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث بن سعد عن عياش بن عباس عن بكير بن عبد الله عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان : أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي قال : أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني ؟ فقال كن كابن آدم" وكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعد وقال : هذا الحديث حسن وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة ورواه بعضهم عن الليث بن سعد وزاد في الإسناد رجلا قال الحافظ ابن عساكر : الرجل هو حسين الأشجعي

قلت وقال رواه أبو داود من طريقه فقال : حدثنا يزيد بن خالد الرملي حدثنا الفضل عن عياش ابن عباس عن بكير عن بشر بن سعيد عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قال : فقلت يا رسول الله أرأيت إن دخل بيتي وبسط يده ليقتلني قال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "كن كابن آدم" وتلا "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين" قال أيوب السختياني : إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين" لعثمان بن عفان رضي الله عنه رواه ابن أبي حاتم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن حزم حدثني أبو عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : ركب النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وأردفني خلفه وقال : "يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع قال قال : الله ورسوله أعلم قال :" تعفف "قال :" يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد يعني القبر كيف تصنع "قلت : الله ورسوله أعلم قال :" اصبر "قال :" يا أبا ذر أرأيت إن

قتل الناس بعضهم بعضا يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع "قال : الله ورسوله أعلم قال :" اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك "قال : فإن لم أترك قال :" فأت من أنت منهم فكن منهم "قال : فآخذ سلاحي قال :" فإذا تشاركهم فيما هم فيه ولكن إذا خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك "ورواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي من طرق عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت به ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران عن المشعث بن طريف عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر بنحوه قال أبو داود ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي قال : كنا في جنازة حذيفة فسمعت رجلا يقول سمعت هذا يقول في ناس مما سمعت من رسول الله صلى الله"

عليه وسلم : "لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري فلألجنه فلئن دخل علي فلان لأقولن ها بؤ بإثمي وإثمك فأكون كخير ابني آدم ."
إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (29)
إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين
وقوله "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين" قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك" أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك قاله ابن جرير وقال آخرون : يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي وهذا قول وجدته عن مجاهد وأخشى أن يكون غلطا لأن الصحيح من الرواية عنه خلافه يعني ما رواه سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد "إني أريد أن تبوء بإثمي" قال بقتلك إياي "وإثمك" قال بما كان منك قبل ذلك وكذا رواه عيسى بن أبي نجيح عن مجاهد بمثله وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك" يقول إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي فتبوء بهما جميعا ""

قلت "وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له" ما ترك القاتل على المقتول من ذنب "وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا يشبه هذا ولكن ليس به فقال حدثنا عمرو بن علي حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني حدثنا يعقوب بن عبد الله حدثنا عتبة بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه "وهذا بهذا لا يصح ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه فأما أن تحمل على القاتل فلا ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها والقتل من أعظمها وأشدها والله أعلم ."
وأما ابن جرير فقال والصواب من القول في ذلك أن يقال إن تأويله أني أريد أن

تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي وذلك هو معنى قوله "إني أريد أن تبوء بإثمي" وأما معنى وإثمك فهو إثمه يعني قتله وذلك معصية الله عز وجل في إعمال سواه وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويل عليه وأن الله عز وجل أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه وإذا كان هذا حكمه في خلقه فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذا بها القاتل وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ارتكبه قتيله هذا لفظه ثم أورد على هذا سؤالا حاصله كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله وإثم نفسه مع أن قتله له محرم ؟ وأجاب بما حاصله أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله بل يكف عنه يده طالبا إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه قلت وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ وزجر له لو انزجر ولهذا قال "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك" أي تتحمل إثمي وإثمك "فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين" وقال ابن عباس : خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر .
فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30)
فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين
قوله تعالى "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" أي فحسنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله أي بعد هذه الموعظة وهذا الزجر وقد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر وهو محمد بن علي بن الحسين أنه قتله بحديدة في يده

وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة بن عبد الله وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فطوعت له نفسه قتل أخيه فطلبه لقتله فراغ الغلام منه في رءوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء رواه ابن جرير .
وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقا وعضا كما تقتل السباع .
وقال ابن جرير : لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر ثم أخذ حجرا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها وابن آدم ينظر ففعل بأخيه مثل ذلك .
رواه ابن أبي حاتم وقال عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال : أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله فجاءه إبليس فقال أتريد أن تقتله ؟ قال نعم قال : فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه قال فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعا فقال : يا حواء إن قابيل قتل هابيل فقالت له : ويحك وأي شيء يكون القتل قال لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك قالت ذلك الموت قال فهو الموت فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح فقال : ما لك فلم تكلمه فرجع إليها مرتين فلم تكلمه فقال : عليك الصيحة وعلى بناتك وأنا وبني منها برآء رواه ابن أبي حاتم وقوله "فأصبح من الخاسرين" أي في الدنيا والآخرة وأي خسارة أعظم من هذه وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا : حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل"

وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق عن الأعمش به وقال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا حجاج قال : قال ابن جريج قال مجاهد : علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ ووجهه في الشمس حيثما دارت دار عليه في الصيف حظيرة من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج قال : وقال عبد الله بن عمر وإنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن حكيم بن حكيم أنه حدث عن عبد الله بن عمرو أنه كان يقول إن أشقى الناس رجلا لابن آدم الذي قتل أخاه ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شر وذلك أنه أول من سن القتل .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #205  
قديم 03-12-2025, 11:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 176 الى صــ 190
الحلقة (205)





وقال إبراهيم النخعي : ما من مقتول يقتل ظلما إلا وكان على ابن آدم الأول والشيطان كفل منه .
ورواه ابن جرير أيضا .
فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31)
فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من
وقوله تعالى "فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين"

قال السدي بإسناده المتقدم إلى الصحابة رضي الله عنهم : لما مات الغلام تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثى عليه فلما رآه قال "يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي" وقال علي بن أبي طلحة : عن ابن عباس قال : جاء غراب إلى غراب ميت فحثى عليه من التراب حتى واراه فقال الذي قتل أخاه "يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي" وقال الضحاك عن ابن عباس : مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث الله الغرابين فرآهما يبحثان فقال "أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب" فدفن أخاه وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد : كان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتا لا يدري ما يصنع به ويحمله ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب فقال "يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين" رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وقال عطية العوفي : لما قتله فضمه إليه حتى أروح وعكفت عليه الطيور والسباع
تنتظر متى يرمي به فتأكله .
رواه ابن جرير وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول لما قتله سقط في يده أي ولم يدر كيف يواريه وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل في بني آدم وأول ميت "فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين" قال : وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل قال له الله عز وجل يا قابيل أين أخوك هابيل قال ما أدري ما كنت عليه رقيبا فقال الله إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن أنت ملعون في الأرض التي فتحت فاها فتلقت دم أخيك من يدك فإن أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض وقوله "فأصبح من النادمين" قال الحسن البصري : علاه الله بندامة بعد خسران فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه كما هو ظاهر القرآن وكما نطق به الحديث في قوله إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل وهذا ظاهر وجلي ولكن قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن هو البصري قال : كان الرجلان اللذان في القرآن اللذان قال الله "واتل عليهم نبأ ابني آدم"

بالحق "من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه وإنما كان القربان من بني إسرائيل وكان آدم أول من مات وهذا غريب جدا وفي إسناده نظر وقد قال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن ابني آدم - عليه السلام - ضربا لهذه الأمة مثلا فخذوا بالخير منهما "ورواه المبارك عن عاصم الأحول عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا وخذوا من خيرهم ودعوا شرهم "وكذا أرسل هذا الحديث بكير بن عبد الله المزني روى ذلك كله ابن جرير وقال سالم بن أبي الجعد : لما قتل ابن آدم أخاه مكث آدم مائة سنة حزينا لا يضحك"

ثم أتي فقيل له : حياك الله وبياك أي أضحكك .
رواه ابن جرير ثم قال : حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن غياث بن إبراهيم عن أبي إسحاق الهمداني قال : قال : علي بن أبي طالب لما قتل ابن آدم أخاه بكاه آدم فقال :
تغيرت البلاد ومن عليها ... فلون الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه المليح
فأجيب آدم عليه السلام :
أبا هابيل قد قتلا جميعا ... وصار الحي بالميت الذبيح
وجاء بشره قد كان منه ... على خوف فجاء بها يصيح
والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة كما ذكره مجاهد وابن جبير أنه علقت ساقه بفخذه يوم القيامة وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلا به وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا فإنا لله وإنا إليه راجعون.
من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32)
من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في

الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون
يقول تعالى من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانا "كتبنا على بني إسرائيل" أي شرعنا لهم وأعلمناهم "أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" أي من قتل نفسا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية فكأنما قتل الناس جميعا لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس ومن أحياها أي حرم قتلها واعتقد ذلك فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار ولهذا قال "فكأنما أحيا الناس جميعا" وقال الأعمش وغيره عن أبي صالح عن أبي هريرة قال دخلت على عثمان يوم الدار فقلت جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين فقال : يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي معهم قلت لا قال فإنك إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا فانصرف مأذونا لك مأجورا غير مأزور قال : فانصرفت ولم أقاتل

وقال علي بن أبي طلحة : عن ابن عباس هو كما قال الله تعالى "من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" وإحياؤها ألا يقتل نفسا حرمها الله فذلك الذي أحيا الناس جميعا يعني أنه من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه .
وهكذا قال مجاهد ومن أحياها أي كف عن قتلها .
وقال العوفي : عن ابن عباس في قوله "فكأنما قتل الناس جميعا" يقول من قتل نفسا واحدة حرمها الله مثل من قتل الناس جميعا.
وقال سعد بن جبير : من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعا ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعا ومن شد على عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا رواه ابن جرير وقال مجاهد في رواية أخرى عنه من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا وذلك لأن من قتل النفس فله النار فهو كما لو قتل الناس كلهم قال ابن جريج عن الأعرج عن مجاهد في قوله "فكأنما قتل الله جميعا" من قتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا

عظيما يقول لو قتل الناس جميعا "لم يزد على مثل ذلك العذاب قال ابن جريج قال مجاهد" ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا "من لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه ."
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : من قتل نفسا فكأنما قتل الناس يعني وجب عليه القصاص فلا فرق بين الواحد والجماعة ومن أحياها أي عفا عن قاتل وليه فكأنما أحيا الناس جميعا وحكي ذلك عن أبيه رواه ابن جرير وقال مجاهد في رواية : ومن أحياها أي أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة .
وقال الحسن وقتادة في قوله "أنه من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا" هذا تعظيم لتعاطي القتل قال قتادة : عظيم والله وزرها وعظيم والله أجرها وقال ابن المبارك عن سلام بن مسكين عن سليمان بن علي الربعي قال : قلت للحسن هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل فقال : إي والذي لا إله غيره كما كانت لبني إسرائيل وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا

وقال الحسن البصري "فكأنما قتل الناس جميعا" قال : وزرا "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" قال : أجرا وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا حسن بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال : جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله اجعلني على شيء أعيش به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا حمزة نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها" قال : بل نفس أحييها قال : "عليك بنفسك" قوله تعالى "ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات" أي بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة "ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون" وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم من بني قينقاع ممن حول المدينة من اليهود الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية ثم إذا وضعت الحروب أوزارها فدوا من أسروه وودوا من قتلوه وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة حيث يقول "وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون" .
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33)
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم
وقوله "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض" الآية .
المحاربة هي المضادة

والمخالفة وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر حتى قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب : إن قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض وقد قال الله تعالى "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" ثم قال بعضهم نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين كما قال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة والحسن البصري قالا "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" - إلى - "إن الله غفور رحيم" نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه .
رواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا" نزل في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا" الآية قال كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف رواه ابن جرير .
وروى شعبة عن منصور عن هلال بن حافظ عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : نزلت في الحرورية "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا" رواه ابن مردويه والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة واسمه عبد الله بن زيد الجرمي البصري عن أنس بن مالك أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فاستوخموا المدينة وسقمت أجسامهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال : "ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها فقالوا : بلى فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا ."

لفظ مسلم وفي لفظ لهما : من عكل أو عرينة وفي لفظ : وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون فلا يسقون وفي لفظ لمسلم : ولم يحسمهم وعند البخاري قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله ورواه مسلم من طريق هشيم عن عبد العزيز بن صهيب وحميد عن أنس فذكر نحوه وعنده فارتدوا وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس بنحوه وقال سعيد عن قتادة : من عكل وعرينة ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي عن أنس قال إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه وقد وقع بالمدينة الدم وهو البرسام ثم ذكر نحو حديثهم وزاد : عنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فارسا فأرسلهم وبعث معهم قائفا يقفو أثرهم وهذه كلها ألفاظ مسلم رحمه
الله .
وقال حماد بن سلمة حدثنا قتادة وثابت البناني وحميد الطويل عن أنس بن مالك أن ناسا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فصحوا فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي وساقوا الإبل فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم وألقاهم في الحرة قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا ونزلت "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" الآية وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه وهذا لفظه وقال الترمذي : حسن صحيح وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة عن أنس بن مالك منها ما رواه من طريقين عن سلام بن أبى الصهباء عن ثابت عن أنس بن مالك قال : ما ندمت على حديث ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج قال : أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة من البحرين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقوا من بطونهم وقد اصفرت ألوانهم وضمرت بطونهم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم عمدوا إلى الراعي فقتلوه واستاقوا الإبل فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قطع أيدي قوم وأرجلهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى

ماتوا بحال ذود من الإبل فكان الحجاج يحتج بهذا الحديث على الناس .
وقال ابن جرير حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد يعني ابن مسلم حدثني سعيد عن قتادة عن أنس قال كانوا أربعة نفر من عرينة وثلاثة نفر من عكل فلما أتى بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم وتركهم يلتقمون الحجارة بالحرة فأنزل الله في ذلك "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" الآية .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا أبو مسعود يعني عبد الرحمن بن الحسن الزجاج حدثنا أبو سعيد يعني البقال عن أنس بن مالك قال كان رهط من عرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم جهد مصفرة ألوانهم عظيمة بطونهم فأمرهم أن يلحقوا بالإبل فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فصفت ألوانهم وخمصت بطونهم وسمنوا فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم فأتي بهم فقتل بعضهم وسمر أعين بعضهم وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم ونزلت "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" إلى آخر الآية وقال أبو جعفر ابن جرير حدثنا أبو علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا يزيد

بن لهيعة عن ابن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أوائل النفر العرنيين وهم من بجيلة قال أنس فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل وأصابوا الفرج الحرام .
وقال حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد عن عبد الله بن عبيد الله عن عبد الله بن عمر أو عمرو شك يونس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك يعني بقصة العرنيين ونزلت فيهم آية المحاربة ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد وفيه عن ابن عمر من غير شك وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن خلف حدثنا الحسن بن حماد عن عمرو بن هاشم عن موسى بن عبيدة عن محمد بن إبراهيم عن جرير قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة حفاة مضرورين فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح عامدين بها إلى

أرض قومهم قال جرير : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم فجعلوا يقولون : الماء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : النار حتى هلكوا قال وكره الله عز وجل سمل الأعين فأنزل هذه الآية : "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" إلى آخر الآية .
هذا حديث غريب وفي إسناده الربذي وهو ضعيف وفي إسناده فائدة وهو ذكر أمير هذه السرية وهو جرير بن عبد الله البجلي وتقدم في صحيح مسلم أن هذه السرية كانوا عشرين فارسا من الأنصار وأما قوله : فكره الله سمل الأعين فأنزل الله هذه الآية فإنه منكر وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء فكان ما فعل بهم قصاصا والله أعلم .
وقال عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد الأسلمي عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فزارة قد ماتوا هزلا فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه فشربوا منها حتى صحوا ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها فطلبوا فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم قال أبو هريرة : ففيهم نزلت هذه الآية "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" فترك النبي صلى الله عليه وسلم سمر الأعين بعد .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #206  
قديم 03-12-2025, 12:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 191 الى صــ 205
الحلقة (206)






وروي من وجه آخر عن أبي هريرة وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا الحسن بن إسحاق التستري حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد بن عمرو بن محمد المديني حدثنا محمد بن طلحة عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن سلمة بن الأكوع قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يقال له يسار فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة فكان بها قال : فأظهر قوم الإسلام من عرينة وجاءوا وهم مرضى موعوكون كانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم ثم عدوا على يسار فذبحوه وجعلوا الشوك في عينيه ثم أطردوا الإبل فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين كبيرهم كرز بن جابر الفهري فلحقهم فجاء بهم إليه فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم .
غريب جدا وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة منهم : جابر وعائشة وغير واحد وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدا فرحمه الله وأثابه .
وقال ابن جرير حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق سمعت أبي يقول سمعت أبا حمزة عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل فقال : حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال : كان أناس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نبايعك على الإسلام فبايعوه وهم كذبة وليس الإسلام يريدون ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح فاشربوا من أبوالها وألبانها قال : فبينما هم كذلك إذ جاءهم الصريخ فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قتلوا الراعي واستاقوا النعم فأمر النبي فنودي في الناس أن يا خيل الله اركبي قال : فركبوا لا ينتظر فارس فارسا قال وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" الآية قال فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم ونفوهم من أرض المسلمين وقتل نبي الله منهم وصلب وقطع وسمر الأعين قال فما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد قال : ونهى عن المثلة وقال : "ولا تمثلوا بشيء" قال وكان أنس يقول ذلك غير أنه قال : أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم قال : وبعضهم يقول هم ناس من بني سليم ومنهم عرينة ناس من بجيلة وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين هل هو منسوخ أو محكم

فقال : بعضهم هو منسوخ بهذه الآية وزعموا أن فيها عتابا للنبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله "عفا الله عنك لم أذنت لهم" ومنهم من قال : هو منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة وهذا القول فيه نظر ثم قائله مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ وقال بعضهم : كان هذا قبل أن تنزل الحدود قاله : محمد بن سيرين وفيه نظر فإن قصته متأخرة وفي رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها قاله أسلم بعد نزول المائدة ومنهم من قال لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم وإنما عزم على ذلك حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين وهذا القول أيضا فيه نظر فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل وفي رواية سمر أعينهم .
وقال ابن جرير حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم قال : ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا فقال : سمعت محمد بن عجلان يقول أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك وعلمه عقوبة مثلهم من القتل والقطع والنفي ولم يسمل بعدهم غيرهم قال : وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو يعني الأوزاعي فأنكر أن يكون نزلت معاتبة وقال بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم من حارب بعدهم .
ورفع عنهم السمل ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله "ويسعون في الأرض فسادا" وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله ويأخذ ما معه : إن هذه محاربة ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل

وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تكون المحاربة إلا في الطرقات فأما في الأمصار فلا لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه وقوله تعالى "أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض" قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية : من شهر السلاح في فئة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله كذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وروى ذلك كله أبو جعفر ابن جرير وحكي مثله عن مالك بن أنس رحمه الله ومستند هذا القول أن ظاهر أو للتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن كقوله في جزاء الصيد "فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما" وكقوله في كفارة الفدية "فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" وكقوله في كفارة اليمين "فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة" هذه كلها على التخيير فكذلك فلتكن هذه الآية وقال الجمهور هذه الآية منزلة على أحوال كما قال أبو عبد الله الشافعي أنبأنا إبراهيم بن أبي يحيى عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن عطية عن ابن

عباس بنحوه وعن أبي مخلد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء الخراساني نحو ذلك وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة واختلفوا هل يصلب حيا ويترك حتى يموت
بمنعه من الطعام والشراب أو بقتله برمح أو نحوه أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل أو يترك حتى يسيل صديده في ذلك كله خلاف محرر في موضعه وبالله الثقة وعليه التكلان ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسير إن صح سنده فقال : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة قال أنس فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل وأصابوا الفرج الحرام قال أنس : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب فقال : من سرق مالا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ومن قتل فاقتله ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه وأما قوله تعالى "أو ينفوا من الأرض" قال بعضهم هو أن يطلب حتى يقدر عليه فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام

رواه ابن جرير عن ابن عباس وأنس بن مالك وسعيد بن جبير والضحاك والربيع بن أنس والزهري والليث بن سعد ومالك ابن أنس .
وقال آخرون : هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية .
وقال الشعبي ينفيه كما قال ابن هبيرة : من عمله كله.
وقال عطاء الخراساني ينفى من جند إلى جند سنين ولا يخرج من دار الإسلام وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء والحسن والزهري والضحاك ومقاتل بن حيان أنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام .
وقال آخرون المراد بالنفي ههنا السجن وهو قول أبي حنيفة وأصحابه واختار ابن جرير أن المراد بالنفي هنا أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه .
وقوله تعالى "ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم" أي هذا الذي ذكرته من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم خزي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة وهذا يؤيد قول من قال إنها نزلت في المشركين فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضا فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ومن ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه

وعن علي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من أذنب ذنبا في الدنيا فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه" رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث فقال : روي مرفوعا وموقوفا قال ورفعه صحيح ; وقال ابن جرير في قوله "ذلك لهم خزي في الدنيا" يعني شر وعار ونكار وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة "ولهم في الآخرة عذاب عظيم" أي إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا والعقوبة التي عاقبتهم بها في الدنيا عذاب عظيم يعني عذاب جهنم .
إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34)
إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم
وقوله تعالى "إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم" أما على قول من قال إنها في أهل الشرك فظاهر وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة

عليهم فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل وهل يسقط قطع اليد أم لا ؟ فيه قولان للعلماء وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع وعليه عمل الصحابة كما قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أمامة عن مجالد عن الشعبي قال كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة وكان قد أفسد في الأرض وحارب فكلم رجالا من قريش منهم الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره ثم أتى عليا فقال يا أمير المؤمنين أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا فقرأ حتى بلغ "إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم" قال : فكتب له أمانا قال سعيد بن قيس فإنه جارية بن بدر وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد عن الشعبي به وزاد فقال جارية بن بدر :
ألا بلغن همدان إما لقيتها ... على النأي لا يسلم عدو يعيبها
لعمر أبيها إن همدان تتقي الإ ... له وتقضي بالكتاب خطيبها
وروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري عن السدي ومن طريق أشعث كلاهما عن عامر الشعبي قال جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة إمارة عثمان

رضي الله عنه بعدما صلى المكتوبة فقال : يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك أنا فلان بن فلان المرادي وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادا وإني تبت من قبل أن تقدروا علي فقال : أبو موسى فقال : إن هذا فلان بن فلان وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا وإنه تاب من قبل أن نقدر عليه فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير فإن يك صادقا فسبيل من صدق وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه فأقام الرجل ما شاء الله ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله .
ثم قال ابن جرير حدثني علي حدثنا الوليد بن مسلم قال : قال الليث كذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني وهو الأمير عندنا أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال فطلبه الأئمة والعامة فامتنع ولم يقدروا عليه حتى جاء تائبا وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم" فوقف عليه فقال : يا عبد الله أعد قراءتها فأعادها عليه فغمد سيفه ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السحر فاغتسل ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه فلما أسفروا عرفه الناس فقاموا إليه فقال لا سبيل لكم علي جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي فقال أبو هريرة صدق وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة في زمن معاوية فقال : هذا علي جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل فترك من ذلك كله قال وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر فلقوا الروم فقربوا سفينة إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا منه إلى شقها الآخر فمالت به
وبهم فغرقوا جميعا .
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35)
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات وقد قال بعدها "وابتغوا إليه الوسيلة" قال سفيان الثوري : عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس أي القربة وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد وقال قتادة أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه وقرأ ابن زيد "أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة" وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه وأنشد عليه ابن جرير قول الشاعر :
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل
والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود والوسيلة أيضا علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وداره في الجنة وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش وقد ثبت في صحيح البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن

عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة" "حديث آخر" في صحيح مسلم من حديث كعب عن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" "حديث آخر" قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة" قيل : يا رسول الله وما الوسيلة ؟ قال : "أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو" ورواه الترمذي عن بندار عن أبي عاصم عن سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن كعب قال حدثني أبو هريرة به ثم قال : غريب وكعب ليس بمعروف لا نعرف أحدا روى عنه غير ليث بن أبي سليم .

"حديث آخر" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : أبو بكر بن مردويه حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا محمد بن نصر الترمذي حدثنا عبد الحميد بن صالح حدثنا ابن شهاب عن ليث عن المعلى عن محمد بن كعب عن أبي هريرة رفعه قال : "صلوا علي صلاتكم وسلوا الله لي الوسيلة فسألوه أو أخبرهم أن الوسيلة درجة في الجنة ليس ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا" .
"حديث آخر" قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : أخبرنا أحمد بن علي الأبار حدثنا

الوليد بن عبد الملك الحراني حدثنا موسى بن أعين عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "سلوا الله لي الوسيلة لأنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة" ثم قال الطبراني : لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين كذا قال وقد رواه ابن مردويه حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا عبيد الله موسى حدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن عمرو بن عطاء فذكر بإسناده نحوه.
"حديث آخر" روى ابن مردويه بإسناديه عن عمارة بن غزية عن موسى بن وردان أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إن الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه ."
"حديث آخر" روى ابن مردويه أيضا من طريقين عن عبد الحميد بن بحر حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "في الجنة درجة تدعى الوسيلة فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة قالوا : يا رسول"

الله من يسكن معك قال : علي وفاطمة والحسن والحسين "هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه وقال : ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا الحسن الدشتكي حدثنا أبو زهير حدثنا سعيد بن طريف عن علي بن الحسين الأزدي مولى سالم بن ثوبان قال : سمعت علي بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة : يا أيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين إحداهما بيضاء والأخرى صفراء أما الصفراء فإنها إلى بطنان العرش والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة كل بيت منها ثلاثة أميال وغرفها وأبوابها وأسرتها وسكانها من عرق واحد واسمها الوسيلة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته والصفراء فيها مثل ذلك هي لإبراهيم - عليه السلام - وأهل بيته."
وهذا أثر غريب أيضا وقوله "وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون" لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم والتاركين للدين القويم ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة : من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة الآمنة الحسنة مناظرها الطيبة مساكنها التي من سكنها ينعم لا ييأس ويحيا لا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه.
إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36)
إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم
ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال "إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم" أي لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبا

وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص ولهذا قال "ولهم عذاب أليم" أي موجع .
يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37)
يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم
ثم يقول تعالى "يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم" كما قال تعالى كلما أرادوا أن يخرجوا منها - من غم - أعيدوا فيها الآية فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه ولا سبيل لهم إلى ذلك وكلما رفعهم اللهب فصاروا في أعلى جهنم ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد فيردوهم إلى أسفلها "ولهم عذاب مقيم" أي دائم مستمر لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها وقد قال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال له يا ابن آدم كيف وجدت مضجعك ؟ فيقول : شر مضجع فيقال هل تفتدي بقراب الأرض ذهبا ؟ قال فيقول نعم يا رب فيقول الله تعالى كذبت قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل فيؤمر به إلى النار" رواه مسلم والنسائي من طريق حماد بن سلمة بنحوه وكذا رواه البخاري ومسلم من طريق معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن قتادة عن أنس به وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجوني واسمه عبد الملك بن حبيب عن أنس بن مالك به ورواه مطر الوراق عن
أنس بن مالك


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #207  
قديم 03-12-2025, 12:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 206 الى صــ 220
الحلقة (207)





ورواه ابن مردويه من طريقه عنه ثم روى ابن مردويه من طريق المسعودي عن يزيد بن صهيب الفقير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة" قال فقلت لجابر بن عبد الله يقول الله "يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها" قال : اتل أول الآية "إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به" الآية ألا إنهم الذين كفروا وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث من وجه آخر عن يزيد الفقير عن جابر وهذا أبسط سياقا وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد بن أبي شيبة الواسطي حدثنا يزيد بن
هارون أخبرنا مبارك بن فضالة حدثني يزيد الفقير قال جلست إلى جابر بن عبد الله وهو يحدث فحدث أن ناسا يخرجون من النار قال : وأنا يومئذ أنكر ذلك فغضبت وقلت ما أعجب من الناس ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد تزعمون أن الله يخرج ناسا من النار والله يقول "يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها" الآية فانتهرني أصحابه وكان أحلمهم فقال : دعوا الرجل إنما ذلك للكفار فقرأ "إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا من عذاب يوم القيامة" حتى بلغ ""
ولهم عذاب مقيم "أما تقرأ القرآن ؟ قلت بلى قد جمعته قال أليس الله يقول" ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا "فهو ذلك المقام فإن الله تعالى يحتبس أقواما بخطاياهم في النار ما شاء لا يكلمهم فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم قال فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به ثم قال ابن مردويه : حدثنا علي بن أحمد حدثنا عمرو بن حفص السدوسي حدثنا عاصم بن علي أخبرنا العباس بن الفضل حدثنا سعيد بن المهلب حدثني طلق بن حبيب قال كنت من أشد الناس تكذيبا بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار فقال : يا طلق أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله مني ؟ إن الذين قرأت هم أهلها هم المشركون ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا فعذبوا ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه إلى أذنيه فقال صمتا إن لم أكن سمعت رسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : يخرجون من النار بعد ما"
دخلوا ونحن نقرأ كما قرأت .
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم (38)
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم
يقول تعالى حاكما وآمرا بقطع يد السارق والسارقة وروى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن مسعود كان يقرؤها "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما" وهذه قراءة شاذة وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقا لها لا بها بل هو مستفاد من دليل آخر وقد كان القطع معمولا به في الجاهلية فقرر في الإسلام وزيدت شروط أخر كما سنذكره إن شاء الله تعالى كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه وزيادات هي من تمام المصالح ويقال : إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش قطعوا رجلا يقال له دويك مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة كان قد سرق كنز الكعبة ويقال : سرقه قوم فوضعوه عنده

وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت يده به سواء كان قليلا أو كثيرا لعموم هذه الآية "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" فلم يعتبروا نصابا ولا حرزا بل أخذوا بمجرد السرقة وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن عن نجدة الحنفي قال : سألت ابن عباس عن قوله "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" أخاص أم عام ؟ فقال : بل عام وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء ويحتمل غير ذلك فالله أعلم وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده" وأما الجمهور فاعتبروا النصاب في السرقة وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة فعند الإمام مالك بن أنس - رحمه الله - النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة - فمتى سرقها - أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه وجب القطع

واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم أخرجاه في الصحيحين قال مالك - رحمه الله - : وقطع عثمان رضي الله عنه في أترجة قومت بثلاثة دراهم وهو أحب ما سمعت في ذلك وهذا الأثر عن عثمان - رضي الله عنه - قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقا سرق في زمن عثمان أترجة فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت بثلاثة دراهم - صرف اثني عشر درهما - فقطع عثمان يده قال : أصحاب مالك ومثل هذا الصنيع
يشتهر ولم ينكر فمن مثله يحكى الإجماع السكوتي وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافا للحنفية وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم وللشافعية في اعتبار ربع دينار والله أعلم .
وذهب الشافعي - رحمه الله - إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدا والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان : البخاري ومسلم من طريق الزهري عن عمرة عن عائشة - رضي الله

عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا : ولمسلم عن طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا "قال أصحابنا : فهذا الحديث فاصل في المسألة ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه قالوا : وحديث ثمن المجن وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا لأنه إذ ذاك فإن الدينار باثني عشر درهما فهي ثمن ربع دينار فأمكن الجمع بهذا الطريق وروي هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم وبه يقول : عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأصحابه وإسحاق بن راهويه في رواية عنه وأبو ثور وداود بن علي الظاهري رحمهم الله ."
وذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي فمن سرق واحدا منهما أو ما يساويه قطع عملا بحديث ابن عمر وبحديث عائشة - رضي الله عنها - ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك" وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهما وفي لفظ للنسائي "لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن" قيل لعائشة ما ثمن المجن قالت : ربع دينار فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم والله أعلم .
وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه : أبو يوسف ومحمد وزفر وكذا سفيان الثوري - رحمهم الله - فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة واحتجوا

بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ثمنه عشرة دراهم وروى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى حدثنا محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال : فإن ثمن المجن على عهد

النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم ثم قال : حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن" وكان ثمن المجن عشرة دراهم قالوا : فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن فالاحتياط الأخذ بالأكثر لأن الحدود تدرأ بالشبهات .
وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما يبلغ قيمته واحدا منهما يحكى هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر رحمهم الله تعالى .
وقال بعض السلف : لا تقطع الخمس إلا في خمس أي في خمسة دنانير أو خمسين درهما وينقل هذا عن سعيد بن جبير رحمه الله وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة "يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده" بأجوبة أحدها : أنه منسوخ بحديث عائشة وفي هذا نظر لأنه لا بد من بيان التاريخ .
"والثاني" أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه .

"والثالث" أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد اشتهر عنه أنه أورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار ونظم في ذلك شعرا دل على جهله وقلة عقله فقال :
يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض مالنا إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من النار
ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم وقد أجابه الناس في ذلك فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي - رحمه الله - أن قال : لما كانت أمينة كانت ثمينة ولما خانت هانت ومنهم من قال هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب.
ولهذا قال "جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم" أي مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك نكالا من الله أي تنكيلا من الله بهما على ارتكاب ذلك "والله عزيز" أي في انتقامه "حكيم" أي في أمره ونهيه وشرعه وقدره .
فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39)
فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم
ثم قال تعالى "فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم" أي من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه فأما أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو بدلها عند الجمهور وقال أبو حنيفة : متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها وقد روى الحافظ أبو الحسن الدارقطني من حديث عن أبي هريرة أن رسول الله
... صلى الله عليه وسلم - أتي بسارق قد سرق شملة فقال : ما إخاله سرق فقال السارق : بلى يا رسول الله قال : "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به" فقطع فأتي به فقال : "تب إلى الله" فقال : تبت إلى الله فقال : "تاب الله عليك" وقد روي من وجه آخر مرسلا ورجح إرساله علي بن المديني وابن خزيمة رحمه الله.
وروى ابن ماجه من حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه أن عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله فقال : يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني فأرسل إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إنا افتقدنا جملا لنا فأمر فقطعت يده وهو يقول : الحمد لله الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار .
وقال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال : سرقت امرأة حليا فجاء الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله سرقتنا هذه المرأة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقطعوا يدها اليمنى فقالت : المرأة هل من توبة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك" قال فأنزل الله عز وجل "فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم" وقد رواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر أن امرأة سرقت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله إن هذه المرأة سرقتنا قال قومها : فنحن نفديها فقال رسول الله - صلى الله

عليه وسلم - : "اقطعوا يدها" فقالوا : نحن نفديها بخمسمائة دينار فقال : "اقطعوا يدها" فقطعت يدها اليمنى فقالت المرأة : هل لي من توبة يا رسول الله قال : "نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك" فأنزل الله في سورة المائدة "فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم" وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت وحديثها ثابت في الصحيحين من رواية الزهري عن عروة عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الفتح فقالوا : من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتي بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه فيها أسامة بن زيد فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : "أتشفع في حد من حدود الله عز وجل" فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول الله فلما كان العشي قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : "أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها قالت عائشة : فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت
تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا لفظ مسلم وفي لفظ له عن عائشة قالت : كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطع يدها وعن ابن عمر قال : كانت امرأة مخزومية تستعير متاعا على ألسنة جاراتها وتجحده فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع يدها رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وهذا لفظه وفي لفظ له : أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لتتب هذه المرأة إلى الله وإلى رسوله وترد ما تأخذ على القوم"

ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها "وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام ولله الحمد والمنة ."
ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير (40)
ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير
ثم قال تعالى "ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض" أي هو المالك لجميع ذلك الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه وهو الفعال لما يريد يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير.
يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا

أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41)
يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب
نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل "من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم" أي أظهروا الإيمان بألسنتهم وقلوبهم خراب خاوية منه وهؤلاء هم المنافقون "من الذين هادوا" أعداء الإسلام وأهله وهؤلاء كلهم "سماعون للكذب"
سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (42)
سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين
أي مستجيبون له منفعلون عنه "سماعون لقوم آخرين لم يأتوك" أي يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد وقيل المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك "يحرفون الكلم من بعد مواضعه" أي يتأولونه على غير تأويله ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون "يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا" قيل نزلت في أقوام من اليهود قتلوا قتيلا وقالوا : تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد فإن حكم بالدية فاقبلوه وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه

والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمارين مقلوبين




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #208  
قديم 03-12-2025, 12:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 221 الى صــ 235
الحلقة (208)






فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم تعالوا حتى نتحاكم إليه فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه واجعلوه حجة بينكم وبين الله ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك وقد وردت الأحاديث بذلك فقال مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة أخرجاه وهذا لفظ البخاري وهو لفظ له قال لليهود ما تصنعون بهما ؟ قالوا
نسخم وجوههم ونخزيهما قال فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فجاءوا فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور : اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه فقال ارفع يدك فرفع فإذا آية الرجم تلوح قال يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا فأمر بهما فرجما وعند مسلم أن رسول الله أتي بيهودي ويهودية قد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال ما تجدون في التوراة على من
زنى ؟ قالوا نسود وجوههما ونحممها ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما قال فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قال فجاءوا بها فقرءوها حتى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليرفع يده فرفع يده فإذا تحتها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما قال عبد الله بن عمر كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه وقال أبو داود حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا ابن وهب حدثنا هشام بن

سعد أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر قال : أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدارس فقالوا : يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم قال ووضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم قال ائتوني بالتوراة فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها وقال : آمنت بك وبمن أنزلك ثم قال صلى الله عليه وسلم ائتوني بأعلمكم فأتي بفتى شاب ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك عن نافع وقال الزهري : سمعت رجلا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه ونحن عند ابن المسيب عن أبي هريرة قال زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلنا واحتججنا بها عند الله قلنا فتيا نبي من أنبيائك قال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا ؟ فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدارسهم فقام على الباب فقال أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن قالوا يحمم ويجبه ويجلد والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما قال وسكت شاب منهم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت ألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم النشدة فقال اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما أول ما ارتخصتم أمر الله فقال زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل في إثره من الناس فأراد رجمه فحال قومه دونه وقالوا لا نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك
فترجمه فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإني أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما قال الزهري بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم

رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه وابن جرير وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب قال مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال أهكذا تجدون حد الزانية و في كتابكم فقالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم فقال لا والله ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد فقال

النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال فأمر به فرجم قال فأنزل الله عز وجل يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه أي يقولون ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا إلى قوله من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال في اليهود إلى قوله من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون قال في اليهود ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون قال في الكفار مثلها انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه عن الأعمش به وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال زنى رجل من أهل فدك فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه فسألوه عن ذلك فقال أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم فجاءوا برجل أعور يقال له ابن صوريا وآخر فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم أنتما أعلم من قبلكما فقالا قد دعانا قومنا لذلك فقال النبي
صلى الله عليه وسلم لهما أليس عندكما
التوراة فيها حكم الله قالا بلى قال النبي صلى الله عليه وسلم أنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وظلل عليكم الغمام وأنجاكم من آل فرعون وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقال أحدهما للآخر ما نشدت بمثله قط ثم قالا نجد ترداد النظر زنية والاعتناق زنية والتقبيل زنية فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم فقال النبي هو ذاك فأمر به فرجم فنزلت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث مجالد به نحوه ولفظ أبي داود عن جابر قال جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا فقال ائتوني بأعلم رجلين منكم فأتوا بابني صوريا فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟ قالا نجد إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما قال فما يمنعكم أن ترجموهما قالا ذهب سلطاننا فكرهنا القتل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره مثل الميل في المكحلة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما ثم رواه أبو داود عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلا ولم يذكر فيه فدعا بالشهود فشهدوا فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بموافقة حكم التوراة وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة ولكن هذا بوحي خاص من الله عز وجل إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطئوا على كتمانه وجحده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة فلما اعترفوا به مع علمهم على خلافه بأن زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم وعدو لهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به ولهذا قالوا إن أوتيتم

هذا أي الجلد والتحميم فخذوه أي اقبلوه وإن لم تؤتوه فاحذروا أي من قبوله واتباعه قال الله تعالى ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم لي الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب
أي الباطل أكالون للسحت أي الحرام وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد أي ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه وأنى يستجيب له ثم قال لنبيه فإن جاءوك أي يتحاكمون إليك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا أي فلا عليك أن لا تحكم بينهم لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والحسن وغير واحد هي منسوخة بقوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط أي بالحق والعدل وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل إن الله يحب المقسطين .
وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43)
وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين
ثم قال تعالى منكرا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدا ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم فقال وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين .
إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44)
إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون
ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا أي لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها والربانيون والأحبار أي وكذلك الربانيون وهم

العلماء العباد والأحبار وهم العلماء بما استحفظوا من كتاب الله أي بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني أي لا تخافوا منهم أو خافوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فيه قولان سيأتي بيانهما سبب آخر في نزول الآيات الكريمات وقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال إن الله أنزل من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وأولئك هم الظالمون وأولئك هم الفاسقون قال : قال ابن عباس أنزلها الله في الطائفتين من اليهود وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق فقالت الذليلة وهل كان في حيين دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد دية بعضهم نصف دية بعض إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم فأما إذا قدم محمد فلا نعطيكم

فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ثم ذكرت العزيزة فقالت والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا له رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأمرهم كله وما أرادوا فأنزل الله تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله الفاسقون ففيهم والله أنزل
وإياهم عنى الله عز وجل ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه بنحوه وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآيات التي في المائدة قوله فاحكم بينهم أو أعرض عنهم إلى المقسطين إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف تؤدى الدية كاملة وأن قريظة كان يؤدى لهم نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك فجعل الدية في ذلك سواء والله أعلم أي ذلك كان ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن إسحاق بنحوه

ثم قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال كانت قريظة والنضير وكانت النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل القرظي رجلا من النضير قتل به وإن قتل النضري رجلا من قريظة ودي بمائة وسق من تمر فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجلا من النضير رجلا من قريظة فقالوا ادفعوه إليه فقالوا بيننا وبينكم رسول الله فنزلت وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن موسى بنحوه وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حبان وابن زيد وغير واحد وروى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا كما تقدمت الأحاديث بذلك وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد فنزلت هذه الآيات في ذلك كله والله أعلم

ولهذا قال بعد ذلك وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين إلى آخرها وهذا يقول أن سبب النزول قضية القصاص والله سبحانه وتعالى أعلم وقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم : نزلت في أهل الكتاب زاد الحسن البصري وهي علينا واجبة وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة بها رواه ابن جرير وقال ابن جرير أيضا حدثنا
يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت قال : فقالا وفي الحكم قال ذاك الكفر ثم تلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وقال السدي ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون يقول ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به فهو ظالم فاسق رواه ابن جرير

ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب وقال عبد الرزاق عن الثوري عن زكريا عن الشعبي ومن لم يحكم بما أنزل الله قال للمسلمين وقال ابن جرير حدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الصمد حدثنا شعبة بن أبي السفر عن الشعبي ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال هذا في المسلمين ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون قال هذا في اليهود ومن لم يحكم بما أنزل الله أولئك هم الفاسقون قال هذا في النصارى وكذا رواه هشيم والثوري عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي وقال عبد الرزاق أيضا أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله "ومن لم يحكم" الآية قال هي به كفر قال ابن طاوس وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله وقال الثوري عن ابن جريج عن عطاء أنه قال كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق رواه ابن جرير

وقال وكيع عن سعيد المكي عن طاوس "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" قال ليس بكفر ينقل عن الملة وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" قال ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ورواه الحاكم في مستدركه عن حديث سفيان بن عيينة وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45)
وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون
وهذا أيضا مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس وهم يخالفون ذلك عمدا وعنادا ويقيدون النضري من القرظي ولا يقيدون القرظي من النضري بل يعدلون إلى الدية كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار ولهذا قال هناك "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا وقال ههنا "فأولئك هم الظالمون" لأنهم لم ينصفوا المظلوم من

الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه فخالفوا وظلموا وتعدوا على بعضهم بعضا وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن أبي علي بن يزيد عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأها "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين" نصب النفس ورفع العين وكذا رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن المبارك وقال الترمذي : حسن غريب وقال البخاري : تفرد ابن المبارك بهذا الحديث وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررا ولم ينسخ كما هو المشهور عن الجمهور وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب هذه الآية حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة

وقال الحسن البصري : هي عليهم وعلى الناس عامة رواه ابن أبي حاتم وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه ثالثها : أن شرع إبراهيم حجة دون غيره وصحح منها عدم الحجية ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالا عن الشافعي وأكثر الأصحاب ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا فالله أعلم .
وقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ - رحمه الله - في كتابه الشامل إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كتب في كتاب عمرو بن حزم أن الرجل يقتل بالمرأة وفي الحديث الآخر "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وهذا قول جمهور العلماء وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية لأن ديتها على النصف من دية الرجل وإليه ذهب أحمد في رواية وحكي عن الحسن وعثمان البستي ورواية عن أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها بل تجب ديتها وكذا احتج أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر وعلى قتل الحر بالعبد وقد خالفه الجمهور فيهما ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا يقتل مسلم بكافر"

وأما العبد ففيه عن السلف آثار متعددة أنهم لم يكونوا يقيدون العبد من الحر ولا يقتلون حرا بعبد وجاء في ذلك أحاديث لا تصح وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة ويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك كما قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي حدثنا حميد عن أنس بن مالك "أن الربيع عمة أنس كسرت ثنية جارية فطلبوا إلى القوم العفو فأبوا فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال القصاص فقال أخوها - أنس بن النضر - يا رسول الله تكسر ثنية فلانة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أنس كتاب الله القصاص قال فقال : لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة قال فرضي القوم فعفوا وتركوا القصاص فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم"
-
إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره "أخرجاه في الصحيحين وقد رواه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري في الجزء المشهور من حديثه عن حميد عن أنس بن مالك" أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت ثنيتها فعرضوا عليهم الأرش فأبوا فطلبوا الأرش والعفو فأبوا فأتوا رسول

الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال : يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال النبي : صلى الله عليه وسلم : "يا أنس كتاب الله القصاص" فعفا القوم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #209  
قديم 03-12-2025, 12:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 236 الى صــ 250
الحلقة (209)







"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" رواه البخاري عن الأنصاري بنحوه وروى أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن أبي نضرة عن عمران بن حصين أن غلاما لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء فأتى أهله النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله إنا أناسا فقراء فلم يجعل عليه شيئا وكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن قتادة به وهذا إسناد قوي رجاله كلهم ثقات وهو حديث مشكل اللهم إلا أن يقال إن الجاني كان قبل البلوغ فلا قصاص عليه ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء أو استعفاهم عنه وقوله تعالى "والجروح قصاص" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : تقتل النفس بالنفس وتفقأ العين بالعين وتقطع الأنف بالأنف وتنزع السن بالسن وتقتص الجراح بالجراح فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم إذا كان عمدا في النفس وما دون النفس ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدا في النفس وما دون النفس رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .
وقوله تعالى "فمن تصدق به فهو كفارة له" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فمن تصدق به يقول فمن عفا عنه وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب وقال سفيان الثوري : عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : فمن تصدق به فهو كفارة للجارح وأجر المجروح على الله عز وجل رواه ابن أبي حاتم ثم قال : وروي عن خيثمة بن عبد الرحمن ومجاهد وإبراهيم في أحد قوليه وعامر الشعبي وجابر بن زيد نحو ذلك الوجه الثاني ثم قال : ابن أبي حاتم حدثنا حماد بن زاذان حدثنا حرمي - يعني ابن عمارة - حدثنا شعبة عن عثمان - يعني ابن أبي حفصة - عن رجل عن جابر بن عبد الله في قول الله عز وجل "فمن تصدق به فهو كفارة" له قال : المجروح وروى عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي في أحد قوليه وأبي إسحاق الهمداني نحو ذلك

وروى ابن جرير عن عامر الشعبي وقتادة مثله وقال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن قيس يعني ابن مسلم قال : سمعت طارق بن شهاب يحدث عن الهيثم بن العريان النخعي قال : رأيت عبد الله بن عمرو عند معاوية - أحمر شبيها بالموالي - فسألته عن قول الله "فمن تصدق به فهو كفارة له" قال : يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به وهكذا رواه سفيان الثوري عن قيس بن مسلم وكذا رواه ابن جرير من طريق سفيان وشعبة وقال ابن مردويه : حدثني محمد بن علي حدثنا عبد الرحيم بن محمد المجاشعي حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج المهري حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي حدثنا معلى - يعني ابن هلال - أنه سمع أبان بن ثعلب عن العريان بن الهيثم بن الأسود عن عبد الله بن عمرو عن أبان بن ثعلب عن الشعبي عن رجل من الأنصار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله "فمن تصدق به فهو كفارة له" قال هو الذي تكسر سنه أو تقطع يده أو يقطع الشيء منه أو يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك قال : فيحط عنه

قدر خطاياه فإن كان ربع الدية فربع خطاياه وإن كان الثلث فثلث خطاياه وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك ثم قال ابن جرير : حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة حدثنا ابن فضيل عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر قال : دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار فاندفعت ثنيته فرفعه الأنصاري إلى معاوية فلما ألح عليه الرجل قال : شأنك وصاحبك قال : وأبو الدرداء عند معاوية
فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : "ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة" فقال الأنصاري : أنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : سمعته أذناي ووعاه قلبي فخلى سبيل القرشي فقال معاوية : مروا له بمال هكذا رواه ابن جبير ورواه الإمام أحمد فقال حدثنا وكيع حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر قال : كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية فقال معاوية : إنا سنرضيه فألح الأنصاري فقال معاوية : شأنك بصاحبك وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : "ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة أو حط عنه به خطيئة" فقال الأنصاري : فإني قد عفوت

وهكذا رواه الترمذي من حديث ابن المبارك وابن ماجه من حديث وكيع كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق به ثم قال الترمذي : غريب من هذا الوجه ولا أعرف لأبي السفر سماعه من أبي الدرداء وقال ابن مردويه : حدثنا دعلج بن أحمد حدثنا محمد بن علي بن زيد حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمران بن ظبيان عن عدي بن ثابت أن رجلا هتم فمه رجل على عهد معاوية - رضي الله عنه - فأعطي دية فأبى إلا أن يقتص فأعطي ديتين فأبى فأعطي ثلاثا فأبى فحدث رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت" وقال الإمام أحمد : حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم عن المغيرة عن الشعبي أن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : "ما من رجل يجرح من جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به"
ورواه النسائي عن علي بن حجر عن جرير بن عبد الحميد ورواه ابن جرير عن محمود بن خداش عن هشيم كلاهما عن مغيرة به وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن مجالد عن عامر عن المحرر بن أبي هريرة عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أصيب بشيء من جسده فتركه لله كان كفارة له "" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون "قد تقدم عن طاوس وعطاء أنهما قالا كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ."
"قاعدة مهمة" الجراح تارة تكون في مفصل فيجب فيه القصاص بالإجماع كقطع اليد والرجل والكف والقدم ونحو ذلك وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم فقال مالك : - رحمه الله - فيه القصاص إلا في الفخذ وشبهها لأنه مخوف خطر .
وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن.
وقال الشافعي : لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقا وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس وبه يقول : عطاء والشعبي والحسن البصري والزهري لإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز وإليه ذهب سفيان الثوري والليث بن سعد وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد وقد احتج أبو - حنيفة رحمه الله - بحديث الربيع بنت النضر على مذهبه أنه لا قصاص في عظم إلا في السن وحديث الربيع لا حجة فيه لأنه ورد بلفظ كسرت ثنية جارية وجائز أن تكون سقطت من غير كسر فيجب القصاص والحالة هذه بالإجماع وتمموا الدلالة بما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش عن دهشم بن قران عن نمران بن جارية عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها فاستعدى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر له بالدية فقال : يا رسول الله أريد القصاص فقال : "خذ الدية بارك الله لك فيها ولم يقض له بالقصاص" وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر : ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد ودهشم بن

قران العكلي ضعيف أعرابي ليس حديثه مما يحتج به ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضا وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة ثم قالوا : لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه فإن اقتص منه قبل الاندمال ثم زاد جرحه فلا شيء له والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أقدني فقال : "حتى تبرأ" ثم جاء إليه فقال أقدني فأقاده فقال : يا رسول الله عرجت فقال : "قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك" ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه.
تفرد به أحمد "مسألة" فلو اقتص المجني عليه من الجاني فمات من القصاص فلا شيء عليه عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم وقال أبو حنيفة : تجب الدية في مال المقتص وقال عامر الشعبي وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار والحارث العكلي وابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان والزهري والثوري

: تجب الدية على عاقلة المقتص له قال ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة وعثمان البستي يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة ويجب الباقي في ماله .
وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (46)
وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين
يقول تعالى "وقفينا" أي أتبعنا على آثارهم يعني أنبياء بني إسرائيل "بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة" أي مؤمنا بها حاكما بما فيها "وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور" أي هدى إلى الحق ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات ومصدقا لما بين يديه من التوراة أي متبعا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه كما قال تعالى إخبارا عن المسيح أنه قال : لبني إسرائيل "ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم" ولهذا كان المشهور من قول العلماء أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة وقوله تعالى "وهدى وموعظة للمتقين" أي وجعلنا الإنجيل هدى يهدى به وموعظة أي زاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم للمتقين أي لمن اتقى الله
وخاف وعيده وعقابه .
وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (47)
وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون
وقوله تعالى "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله" فيه قرئ وليحكم أهل الإنجيل بالنصب على أن اللام لام كي أي وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم وقرئ وليحكم بالجزم على أن اللام لام الأمر أي ليؤمنوا بجميع ما فيه وليقيموا ما أمروا به فيه ومما فيه البشارة ببعثة محمد والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد كما قال تعالى "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم" الآية وقال تعالى "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة" إلى قوله "المفلحون" ولهذا قال ههنا "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" أي الخارجون عن طاعة ربهم المائلون إلى الباطل التاركون للحق وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى وهو ظاهر من السياق .
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48)
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون
لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه ومدحها وأثنى عليها وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه كما تقدم بيانه شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم فقال تعالى : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق "أي بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند"

الله "مصدقا لما بين يديه من الكتاب" أي من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله واتبعوا شرائع الله وصدقوا رسل الله كما قال تعالى "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا" أي إن كان ما وعدنا الله على ألسنة رسله المتقدم من مجيء محمد - عليه السلام - لمفعولا أي لكائنا لا محالة حسن وقوله تعالى "ومهيمنا عليه" قال : سفيان الثوري وغيره عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس أي مؤتمنا عليه وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس المهيمن الأمين قال : القرآن أمين على كل كتاب قبله .
ورواه عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك

وقال ابن جرير : القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله فما وافقه منه فهو حق وما خالفه منها فهو باطل وعن الوالبي عن ابن عباس "ومهيمنا" أي شهيدا وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وقال العوفي عن ابن عباس "ومهيمنا" أي حاكما على ما قبله من الكتب وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله فهو : أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله وزاده من الكمالات ما ليس في غيره فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة فقال تعالى "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" فأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وابن أبي نجيح عن مجاهد أنهم قالوا في قوله "ومهيمنا عليه" : يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - أمين على القرآن فإنه صحيح في المعنى ولكن في تفسير هذا بهذا نظر وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضا نظر وبالجملة فالصحيح الأول وقال أبو جعفر بن جرير بعد حكايته له عن مجاهد : وهذا التأويل بعيد عن المفهوم في كلام العرب بل هو خطأ وذلك أن المهيمن عطف على المصدق فلا يكون إلا صفة لما كان المصدق صفة له ولو كان الأمر كما قال مجاهد لقال "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من"
الكتاب ومهيمنا عليه "يعني من غير عطف وقوله تعالى" فاحكم بينهم بما أنزل الله "أي فاحكم يا محمد بين الناس عربهم وعجمهم أميهم وكتابيهم بما أنزل الله إليك من هذا الكتاب العظيم وبما فرض لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك هكذا وجهه ابن جرير بمعناه قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم فنزلت" وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم "فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم بينهم بما في كتابنا وقوله" ولا تتبع أهواءهم "أي آراءهم التي"
اصطلحوا عليها وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله ولهذا قال تعالى "ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق" أي لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء وقوله تعالى "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه عن التميمي عن ابن عباس "لكل جعلنا منكم شرعة" قال سبيلا وحدثنا أبو سعيد حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس "ومنهاجا" قال سنة .

وكذا روى العوفي عن ابن عباس شرعة ومنهاجا سبيلا وسنة .
وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبي إسحاق السبيعي أنهم قالوا في قوله "شرعة ومنهاجا" أي سبيلا وسنة .
وعن ابن عباس أيضا ومجاهد أي وعطاء الخراساني عكسه "شرعة ومنهاجا" أي سنة وسبيلا والأول أنسب فإن الشرعة وهي الشريعة أيضا هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء ومنه يقال شرع في كذا أي ابتدأ فيه وكذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء أما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل والسنن الطرائق فتفسير قوله "شرعة ومهاجا" بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس والله أعلم ثم هو الإخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد" يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله كما قال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أن لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت الآية وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الشريعة الأخرى وبالعكس وخفيفا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة والحجة الدامغة

قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا يقول سبيلا وسننا والسنن مختلفة هي في التوراة شريعة وفي الإنجيل شريعة وفي الفرقان شريعة يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام وقيل المخاطب بهذه الآية هذه الأمة ومعناه لكل جعلنا القرآن منكم أيتها الأمة شرعة ومنهاجا أي هو لكم كلكم تقتدون به وحذف الضمير المنصوب في قوله لكل جعلنا منكم أي جعلناه يعني القرآن شرعة ومنهاجا أي سبيلا إلى المقاصد الصحيحة وسنة أي طريقا ومسلكا واضحا بينا هذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن مجاهد رحمه الله والصحيح القول الأول ويدل على ذلك قوله تعالى بعده "ولو يشاء الله لجعلكم أمة واحدة" فلو كان هذا خطابا لهذه الأمة لما صح أن يقول "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة" وهم أمة واحدة ولكن هذا خطاب لجميع الأمم للإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على
دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيء منها ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم ولهذا قال تعالى "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم" يعني أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله

وقال عبد الله بن كثير "فيما آتاكم" يعني من الكتاب ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها فقال "فاستبقوا الخيرات" وهي طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخا لما قبله والتصديق بهذا القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله ثم قال تعالى "إلى الله مرجعكم" أي معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة "فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" أي فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق فيجزي الصادقين بصدقهم ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان بل هم معاندون للبراهين القاطعة والحجج البالغة والأدلة الدامغة وقال الضحاك : "فاستبقوا الخيرات" يعني أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والأول أظهر .
وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49)
وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون
تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك النهي عن خلافه ثم قال "واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك" أي واحذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من الأمور فلا تغتر بهم فإنهم كذبة كفرة خونة "فإن تولوا" أي عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم أي فاعلم أن ذلك كائن عن قدرة الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم "وإن كثيرا من الناس لفاسقون" أي إن أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناكبون عنه كما قال تعالى "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وقال تعالى "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" الآية




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #210  
قديم 03-12-2025, 12:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير
سورة المائدة .
من صـ 251 الى صــ 265
الحلقة (210)






وقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال : قال كعب بن أسد وابن صلوبا وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا : يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونؤمن ونصدقك فأبى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عز وجل فيهم "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك" إلى قوله "لقوم يوقنون" رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .
أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50)
أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون
قوله تعالى "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به الشارع من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى : من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير قال تعالى "أفحكم الجاهلية يبغون" أي يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون "من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل

عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء العادل في كل شيء وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هلال بن فياض حدثنا أبو عبيدة الناجي قال : سمعت الحكم يقول : من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية .
وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال : كان طاوس إذا سأله رجل : أفضل بين ولدي في النحل ؟ قرأ "أفحكم الجاهلية يبغون" الآية .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع أنا شعيب بن أبي حمزة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن نافع بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "أبغض الناس إلى الله عز وجل من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه" وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه بزيادة .

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51)
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم
ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله - قاتلهم الله - ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" الآية قال ابن أبي حاتم : حدثنا كثير بن شهاب حدثنا محمد - يعني ابن سعيد بن سابق - حدثنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب عن عياض : أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد وكان له كاتب نصراني فرفع إليه ذلك فعجب عمر وقال : إن هذا لحفيظ هل أنت قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشام فقال : إنه لا يستطيع فقال عمر : أجنب هو قال لا بل نصراني قال : فانتهرني وضرب فخذي ثم قال : أخرجوه ثم قرأ "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" الآية .
ثم قال : حدثنا محمد بن الحسن عن محمد بن الصباح حدثنا عثمان بن عمر أنبأنا ابن عون عن محمد بن سيرين قال : قال عبد الله بن عتبة ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر قال : فظنناه يريد هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" الآية .
وحدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن فضيل عن عاصم عن عكرمة عن ابن

عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال : كل .
قال الله تعالى "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" وروي عن أبي الزناد نحو ذلك .
فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52)
فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين
وقوله تعالى "فترى الذين في قلوبهم مرض" أي شك وريب ونفاق يسارعون فيهم أي يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك عند ذلك قال الله تعالى "فعسى الله أن يأتي بالفتح" قال السدي يعني فتح مكة وقال غيره يعني القضاء والفصل أو أمر من عنده قال السدي يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى "فيصبحوا" يعني الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين على ما أسروا في أنفسهم من الموالاة نادمين أي على ما كان منهم مما لم يجد عنهم شيئا ولا دفع عنهم محذورا بل كان عين المفسدة فإنهم فضحوا وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبين أمرهم لعباده المؤمنين فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين ويحلفون على ذلك ويتأولون فبان كذبهم وافتراؤهم .
ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53)
ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين
قال تعالى "ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين" وقد اختلف القراء في هذا الحرف فقرأه الجمهور بإثبات الواو في قوله "ويقول"

ثم منهم من رفع "ويقول" على الابتداء ومنهم من نصب عطفا على قوله "فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده" فتقديره أن يأتي وأن يقول وقرأ أهل المدينة "يقول الذين آمنوا" بغير واو وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير قال : ابن جريج عن مجاهد "فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده" تقديره حينئذ "يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين" واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات فذكر السدي أنها نزلت في رجلين قال أحدهما : لصاحبه بعد وقعة أحد أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فآوي إليه وأتهود معه لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث.
وقال الآخر أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فآوي إليه وأتنصر معه فأنزل الله "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" الآيات وقال عكرمة نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني قريظة فسألوه ماذا هو صانع بنا فأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح رواه ابن جرير وقيل نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول كما قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا ابن إدريس قال سمعت أبي عن عطية بن سعد قال : جاء

عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله ابن أبي يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه قال قد قبلت فأنزل الله عز وجل "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" الآيتين ثم قال ابن جرير : حدثنا هناد حدثنا يونس بن بكير حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر فقال مالك بن الصيف أغركم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا فقال عبادة بن الصامت يا رسول الله إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم كثيرا سلاحهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود ولا مولى لي إلا الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي لكني لا أبرأ من ولاية يهود إني رجل لا بد لي منهم فقال : رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : "يا أبا الحباب أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه فقال :"

إذا أقبل قال فأنزل الله "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" إلى قوله تعالى "والله يعصمك من الناس" وقال محمد بن إسحاق فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنو قينقاع فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى نزلوا على حكمه فقام
إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم فقال : يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج قال فأبطأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال يا محمد أحسن في موالي قال فأعرض عنه قال فأدخل يده في جيب درع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلني وغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رأوا لوجهه ظللا ثم قال : "ويحك أرسلني" قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدني في غداة واحدة إني امرؤ أخشى الدوائر قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "هم لك" قال محمد بن إسحاق فحدثني أبو إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال : لما حاربت بنو قينقاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي فجعلهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم وقال : يا رسول الله أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وأتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم" إلى قوله "ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون"

وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زيادة عن محمد بن أسحاق عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد قال دخلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عبد الله بن أبي نعوده فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كنت أنهاك عن حب يهود فقال عبد الله فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات .
وكذا رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق.
يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54)
يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع
يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله يستبدل به من هو خيرا لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلا كما قال تعالى "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" وقال تعالى "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز" أي بممتنع ولا صعب وقال تعالى ههنا "يا أيها الذين آمنوا من"

يرتد منكم عن دينه "أي يرجع عن الحق إلى الباطل قال محمد بن كعب نزلت في الولاة من قريش وقال الحسن البصري نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "قال الحسن هو والله أبو بكر وأصحابه رواه ابن أبي حاتم وقال أبو بكر بن أبي شيبة سمعت أبا بكر بن عياش يقول : في قوله" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "هم أهل القادسية وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد هم قوم من سبأ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا ابن سعيد الأشج حدثنا عبد الله بن الأجلح عن محمد بن عمرو عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "قال ناس من"

أهل اليمن ثم من كندة من السكون .
وحدثنا أبي حدثنا محمد بن المصفى حدثنا معاوية يعني ابن حفص عن أبي زياد الحلفاني عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه" قال هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم من كندة ثم من السكون ثم من تجيب وهذا حديث غريب جدا وقال ابن أبى حاتم حدثنا عمر بن شبة حدثنا عبد الصمد يعني ابن عبد الوارث حدثنا شعبة عن سماك سمعت عياضا يحدث عن أبي موسى الأشعري قال لما نزلت "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هم قوم هذا" ورواه ابن جرير من حديث شعبة بنحوه وقوله تعالى "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه متعززا على خصمه وعدوه كما قال تعالى "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" وفي صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه الضحوك القتال فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه

وقوله "عز وجل يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم" أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله وإقامة الحدود وقتال أعدائه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يردهم عن ذلك راد ولا يصدهم عنه صاد ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا سلام أبو المنذر عن محمد بن واسع عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال أمرني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بسبع : أمرني بحب المساكين والدنو منهم وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن من كنز تحت العرش وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان عن أبي المثنى أن

أبا ذر - رضي الله عنه - قال بايعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا وواثقني سبعا وأشهد الله علي سبعا أني لا أخاف في الله لومة لائم قال أبو ذر فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال هل لك إلى بيعة ولك الجنة قلت نعم وبسطت يدي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يشترط علي أن لا تسأل الناس شيئا قلت نعم قال ولا سوطك
وإن سقط منك يعني تنزل إليه فتأخذه وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا محمد بن الحسن حدثنا جعفر عن المعلى الفردوسي عن الحسن عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم "تفرد به" أحمد

وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن زبيد عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه فيقال له يوم القيامة : ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا ؟ فيقول مخافة الناس فيقول إياي أحق أن تخاف .
ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به وروى أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن أبي طوالة عن نهار بن عبد الله العبدي المدني عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ": إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى إنه ليسأله يقول له أي عبدي أرأيت منكرا فلم تنكره ؟ فإذا لقن الله عبدا حجته قال أي رب وثقت بك وخفت الناس" وثبت في

الصحيح ما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا وكيف يذل نفسه يا رسول الله قال : "يتحمل من البلاء ما لا يطيق" "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" أي من اتصف بهذه الصفات فإنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له "والله واسع عليم" أي واسع الفضل عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه .
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55)
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون
قوله تعالى "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" أي ليس اليهود بأوليائكم بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين وقوله "الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة" أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام وهي عبادة الله وحده لا شريك له وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين وأما قوله "وهم راكعون" فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله "ويؤتون الزكاة" أي في حال ركوعهم ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه

من أئمة الفتوى وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرا عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه وقال ابن أبي حاتم حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا أيوب بن سويد عن عتبة بن أبي حكيم في قوله "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" قال هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب .
وحدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول حدثنا موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل قال تصدق علي بخاتمه وهو راكع فنزلت "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" وقال ابن جرير حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا غالب بن عبد الله

سمعت مجاهدا يقول في قوله "إنما وليكم الله ورسوله" الآية نزلت في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 0 والزوار 6)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 327.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 321.68 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.78%)]