|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#201
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 12 الى صـــ 21 (201) وقيل : بنو نوفل وبنو عبد شمس كانوا أقرب إليه من بني المطلب لأن نوفلا وعبد شمس كانا أخوي هاشم لأب وأم والمطلب كان أخا هاشم لأبيه لا لأمه والأخ لأب وأم أقرب إلى المرء من الأخ لأب ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المطلب ولم يعط بني نوفل وبني عبد شمس فأشكل ذلك عليهما فلذلك سألاه ثم أزال إشكالهما ببيان علة الاستحقاق أنه النصرة دون القرابة ولم يرد به نصرة القتال فقد كان ذلك موجودا من عثمان رضي الله عنه وجبير بن مطعم وإنما أراد نصرة الاجتماع إليه للمؤانسة في حال ما هجره الناس على ما روي أن الله تعالى لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم ورأت قريش آثار الخير فيهم حسدوهم وتعاقدوا فيما بينهم أن لا يجالسوا بني هاشم ولا يكلموهم حتى يدفعوا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه وتعاقد بنو هاشم فيما بينهم على القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس في عهد قريش ودخل بنو المطلب في عهد بني هاشم حتى دخلوا معهم الشعب فكانوا فيه ثلاث سنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 13 ] حتى أكلوا العلهز من جهد القصة . وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنا لم نزل نحن وبنو المطلب في الجاهلية والإسلام معا } وإذا ثبت أن الاستحقاق بتلك النصرة ولا تبقى تلك النصرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يبقى الاستحقاق لا للانتساخ بعد موته بل لانعدام الحكم لعدم علته وهذا معنى ما قلنا : إن ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه إليهم مجازاة على تلك النصرة المخصوصة فقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكافئ كل من نصره يوما حتى قال يوما لما عرض عليه الأسارى : لو كان مطعم بن عدي حيا لوهبت هؤلاء السبي منه } مجازاة له على ما صنع وقد كان مات على شركه ولكنه قام بنصرته يوما وفيه قصة معروفة أو نقول ثبت بالكتاب أن الاستحقاق بالقرابة وببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الاستحقاق بالنصرة وما كان ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فصار هذا الاستحقاق ثابتا بعلة ذات وصفين القرابة والنصرة وانعدم أحد الوصفين وهو النصرة بعد وفاته فلا يبقى الاستحقاق كما أنه لما انعدم أحد الوصفين في حق بني نوفل وبني عبد شمس في حياته لم يعطهم شيئا فبنو هاشم وبنو المطلب بعد وفاته بمنزلة بني نوفل وبني عبد شمس في حياته وتعليق الاستحقاق بالنصرة أولى منه بالقرابة لأن القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قربة وطاعة ومال الله تعالى يجوز أن يستحق بعمل هو قربة ولا يجوز أن يستحق بنفس القرابة لأن قرابة الرجل سبب لاستحقاق ماله . فأما مال الله تعالى لا يستحق بالقرابة ولأن درجة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى من أن تجعل علة لاستحقاق شيء من الدنيا ولا معنى لما يقول الخصم أن هذا السهم لهم عوض عن حرمة الصدقة عليهم كما قال صلى الله عليه وسلم { يا معشر بني هاشم إن الله تعالى كره لكم غسالة الناس وعوضكم منها سهما من الخمس } وهذا لأن حرمة الصدقة عليهم لكرامتهم فلا يدخل به عليهم نقصان يحتاج إلى جبره بالتعويض ولئن كان هذا السهم عوضا من حرمة الصدقة فينبغي أن يستحقه من يستحق الصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الفقراء دون الأغنياء وينبغي أن يكون استحقاقهم على نحو استحقاق الصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحقاقهم للصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه جواز الصرف إليهم لا وجوب الصرف إليهم فكذلك هذا السهم ونحن نقول إنه يجوز صرف بعض الخمس إليهم وإنما ننكر وجوب الصرف إليهم بسبب القرابة وأيد جميع [ ص: 14 ] ما قلنا حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال سهم ذوي القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد وفاتي } والحديث وإن كان شاذا فقد تأكد بإجماع الخلفاء الراشدين على العمل به وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كان يحمل من الخمس في سبيل الله تعالى ويعطي منه نائبة القوم فلما كثر المال جعل في غير ذلك وإنما أراد به ما كان يصرف من الخمس إلى ذوي القربى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكر بعد هذا عن الضحاك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه استشار المسلمين في سهم ذوي القربى فرأوا أن يجعل في الخيل والسلاح وفي هذا بيان أنهم كانوا مجمعين على أنه لا استحقاق لهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن استحقاقهم في حياته كان للنصرة ألا ترى أنهم جعلوا مصرفه آلة النصرة وهي الخيل والسلاح ، وقوله ويعطي منه نائبة القوم قيل المراد بالقوم : ذوي القربى كما قال في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عرض علينا عمر رضي الله عنه أن يزوج منه أيمنا ويقضي منه عن مغرمنا وقيل المراد بالقوم الغزاة أي يعطي منه ما يحتاج إليه الغزاة في سبيل الله تعالى ومعلوم أن الصرف إلى المستحق المحتاج أولى من الصرف إلى محتاج غير مستحق وقوله فلما كثر المال جعل في غير ذلك تعرض لبعض من كان لا يصرفه في وقته يعني كثرة الإجماع فيه فمع كثرة المال لا يصل إلى المصرف الذي كان يصل إليه عند قلة المال . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رجلا وجد بعيرا في المغنم قد كان المشركون أصابوه قبل ذلك فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { : إن وجدته قبل القسمة فهو لك وإن وجدته بعد القسمة أخذته بالثمن إن شئت } وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين أحرزوا ناقة لرجل من المسلمين بدارهم فاشتراها رجل منهم وأخرجها فخاصم فيها مالكها فقال صلى الله عليه وسلم { : إن شئت أخذتها بالثمن } وفي الحديثين حجة لنا أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالإحراز لأنهم لو لم يملكوا لرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على المالك مجانا بكل حال فإن المسلمين إنما يملكون على الكفار مالهم لا مال المسلم وكذلك المشتري إنما يملك على البائع ماله إلا أنه جعل له حق الأخذ قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة لأن المستولى عليه صار مظلوما وعلى من يذب عن دار الإسلام القيام بنصرته ودفع الظلم عنه وذلك بإعادة ماله إليه ، وقبل القسمة لم يتعين الملك فيه لأحد بل هو باق على حق الغزاة فكان عليهم الرد ليندفع به الظلم عن صاحبه وبعد القسمة قد تعين الملك لمن وقع في [ ص: 15 ] سهمه وعليه دفع الظلم عنه ولكن ليس له أن يحول ملكه وحقه إليه إلا أن حقه في المالية فلمراعاة النظر من الجانبين قلنا : تعاد إليه العين بالقيمة ليصل المستولي عليه إلى عين ماله ويصل الآخر إلى حقه في المالية ودليل أن حقه في المالية أن للإمام بيع الغنائم وقسمتها بين الغانمين . ومراده بالثمن القيمة فالقيمة ثمن التعديل والمسمى ثمن التراضي ولهذا مكنه من الأخذ من المشتري بالثمن لأن حق المشتري فيما أعطى من ماله وهو الثمن فينظر له في ذلك كما ينظر للمستولي عليه في إعادة ماله إليه وعن الشعبي رحمه الله تعالى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل أهل السواد ذمة المراد سواد العراق وفيه دليل على أن الإمام إذا فتح بلدة عنوة وقهرا فله أن يجعل أهلها ذمة ويضع الجزية على جماجمهم والخراج على أراضيهم كما فعله عمر رضي الله تعالى عنه فإنه افتتح السواد عنوة وقهرا وذلك مشهور في كتب المغازي وفيه أشعار وقد كان صاحب جيش العجم رستم بن فرخ هرمزان وقتل في الحرب وأنشد الأعرابي الذي قتله فقال ألم تر أني حميت الذمار وأبقيت مكرمة في الأمم غداة الهزيمة إذ رستم وقد كان صاحب جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكان قد خرج به دماميل فلم يحضر الحرب يوم الفتح وفي ذلك يقول قائلهميسوق الفوارس سوق النعم رماني بسهم وقد نلته فصك الركاب ببطن القدم وأضرب بالسيف يافوخه فكانت لعمري فتح العجم : ألم تر أن الله أنزل نصره وسعد بباب القادسية معصم وإنما بينا هذا لأن بعض أصحاب الشافعي رحمهم الله ينكرون فتح السواد عنوة .فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم وذكر الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه : لا أدري ماذا أقول في سواد الكوفة ولكني أقول قولا بظن مقرون إلى علم وهذا جهل وتناقض من قائله فإن الظن أن يترجح أحد الجانبين من غير دليل فكيف يكون علما وفتح السواد عنوة وقهرا أشهر من أن يخفى على أحد حتى يحتاج إلى هذا التكلف وربما يقول الشافعي رحمه الله : إن عمر رضي الله عنه ملك الأراضي للمسلمين واسترقهم ثم تركهم ليعملوا في أراضي المسلمين وما جعل عليهم من الخراج والجزية بمنزلة [ ص: 16 ] الضريبة كالمولى يساوي عبده الضريبة ويستعمله وربما يقول من عليهم برقابهم وتملك الأراضي ثم أجرها منهم والخراج الذي جعل عليهم أجرة وهذا بعيد فإن جزيتهم أشهر من أن تخفى وقد كانوا يتبايعون ذلك فيما بينهم ويتوارثونه من ذلك الوقت إلى يومنا هذا فعرفنا أن الصحيح ما قاله علماؤنا رحمهم الله تعالى أنه من عليهم برقابهم وأرضهم وجعل عليهم الجزية في رءوسهم والخراج في أرضهم وإنما فعل ذلك بعد ما شاور الصحابة رضي الله عنهم على ما روي أنه استشارهم مرارا ثم جمعهم فقال : أما إني تلوت آية من كتاب الله تعالى واستغنيت بها عنكم ثم تلا قوله تعالى { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } إلى قوله تعالى { للفقراء المهاجرين } إلى قوله تعالى { والذين تبوءوا الدار } هكذا في قراءة عمر رضي الله عنه إلى قوله تعالى { والذين جاءوا من بعدهم } ثم قال أرى لمن بعدكم في هذا الفيء نصيبا ولو قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم نصيب فمن بها عليهم وجعل الجزية على رءوسهم والخراج على أراضيهم ليكون ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين ولم يخالفه في ذلك إلا نفر يسير منهم بلال رضي الله عنه ولم يحمدوا على خلافه حتى دعا عليهم على المنبر فقال : اللهم اكفني بلالا وأصحابه فما حال الحول وفيهم عين تطرف أي ماتوا جميعا . وذكر عن عطاء رحمه الله تعالى قال : كتب نجدة إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله هل للعبد في المغنم سهم ؟ وهل كانت النساء يحضرن الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ومتى يجب للصبي سهم في المغنم ؟ وعن سهم ذوي القربى ؟ فكتب ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا حق للعبد في المغنم ولكن يرضخ له الحديث وفي هذا بيان أن الاستفتاء بالكتاب كان معروفا فيهم فإن نجدة كان حروريا وهم كانوا قوما يسألون سؤال التعمق فكان كثيرا ما يكتب نجدة إلى ابن عباس رضي الله عنهما حتى ربما كان يضجر ابن عباس رضي الله عنهما ويقول : لا يزال يأتينا بأحموقة من خاطره ، ومع هذا كان يجيبه فيما كتب إليه وفيه بيان أنه لا يسهم للعبد كما يسهم للحر وبه نأخذ فإن العبد تبع للحر وليس من أهل أن يجاهد بنفسه حتى كان للمولى أن يمنعه وهو ممنوع من الخروج بغير إذنه ولا يسوى بين الأصل والتبع في الاستحقاق ولكن يرضخ له إذا قاتل بحسب جرأته وغنائه وكفايته وكتب إليه أن النساء كن يخرجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يداوين الجرحى وكان يرضخ لهن وخروج النساء مع رسول الله عليه الصلاة والسلام مشهور في الآثار ومنهن من كانت تقاتل معه على ما روي أن [ ص: 17 ] أم سليم بنت ملحان قاتلت يوم حنين شادة على بطنها وكانت حاملا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لمقامها خير من مقام فلان وفلان } يعني الذين انهزموا وهي التي قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نقاتل هؤلاء الفرارين كما قاتلنا المشركين فقال صلى الله عليه وسلم { : عافية الله أوسع لنا } وأم أيمن كانت تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتداوي الجرحى وتقوم على المرضى وبعض العجائز كانت تخرج مع خالد بن الوليد رضي الله عنه للطبخ والخبز وسقي الماء وهذا دليل على أنه لا بأس بخروج العجائز مع الجيش لهذه الأعمال ثم يرضخ لهن لأنهن أتباع كالعبيد ولأنهن عاجزات عن القتال بنية والعبيد يعجزون عن ذلك بمنع الموالي فاستويا في المعنى فلهذا يرضخ للفريقين وكتب أنه لا حق للصبي في المغنم حتى يحلم وإنما أراد السهم الكامل أنه لا يثبت اسمه فيمن يسهم له ما لم يبلغ وبه نأخذ . والأصل فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال { : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني } ولكن يرضخ للصبي إذا قاتل فقد كان في الصبيان من يقاتل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روي { أنه عرض عليه صبي فرده فقيل : إنه رام فأجازه وعرض عليه صبيان فرد أحدهما وأجاز لآخر فقال المردود : أجزته ورددتني ولو صارعته لصرعته فقال : صارعه فصارعه فصرعه فأجازهما } والمراد الإجازة في المقاتلين ليرضخ لهما لا ليسهم فقد ثبت أنه لا يستحق السهم إلا بعد البلوغ وذكر عن عمر رضي الله عنه أنه قال : لا حق للعبد في المغنم والمراد : السهم الكامل ، فأما الرضخ ثابت له إذا قاتل بإذن سيده أو المراد الآبق الخارج بغير إذن مولاه وهذا لا حق له بل يؤدب على فعله وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { قسم غنائم بدر بعد ما قدم المدينة } وإنما أورد هذا ليبين أن الإمام لا يشتغل بالقسمة في دار الحرب لأنهم كانوا محتاجين في ذلك الوقت ثم أخر القسمة حتى قدم المدينة فدل أنها لا تقسم في دار الحرب ، والذي يرويه الشافعي رحمه الله تعالى أنه قسمها بالسير شعب من شعاب الصفراء والصفراء من بدر لا يكاد يصح بل المشهور أنه قسم بالمدينة حتى { طلب منه عثمان رضي الله تعالى عنه أن يضرب له فيها بسهم ففعل قال : وأجري يا رسول الله قال : وأجرك } وكان خلفه بالمدينة على ابنته رقية يمرضها فماتت قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قاله بعضهم قدم علينا زيد بن حارثة بشيرا بفتح بدر حين سوينا على رقية يعني التراب [ ص: 18 ] على قبرها { وسأله طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن يضرب له بسهم وكان غائبا بالشام فوافق قدومه قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب له بسهم قال : وأجري يا رسول الله قال : وأجرك } وتكلموا في ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بالسهم ولم يشهدا بدرا فذكر الواقدي رحمه الله تعالى أنه ضرب لثمانية نفر ممن لم يشهدوا بدرا بالسهم فقيل : إنما ضرب لعثمان رضي الله تعالى عنه لأن تخلفه كان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمرض ابنته وكانت تحته وكان في ذلك فراغ قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحق هو بمن شهد بدرا . ألا ترى أنه وعد له الأجر وطلحة كان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتجسس خبر العير فكان مشغولا بعمل المسلمين فجعله كمن شهد بدرا وقيل : بل كان أسهم لهما لأنهما كالمدد أما طلحة فقد كان في دار الحرب عازما على اللحوق بالمسلمين وعثمان رضي الله عنه وإن كان بالمدينة فالمدينة إنما كان لها حكم دار الإسلام في ذلك الوقت حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين فيها ، فأما بعد خروجهم فقد كانت الغلبة فيها لليهود والمنافقين ، وهو دليل لنا على أن المدد إذا لحق الجيش في دار الحرب شركهم في الغنيمة وإن لم يشهد الوقعة . وقيل : إنما أسهم لهما لأن الأمر في غنائم بدر كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي من يشاء ويمنع من يشاء ; أما لأنها أصيبت بمنعة السماء ، أو لأنها كثرت المنازعة بينهم فيها على ما روي { عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : ساءت أخلاقنا يوم بدر فحرمنا ثم بين ذلك فقال : كنا ثلاث فرق فرقة كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرقة جمعوا الغنائم وفرقة اتبعوا المنهزمين فجعلت كل فرقة تقول : الغنيمة لنا فارتفعت أصوتنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت فأنزل الله تعالى { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } } فتبين أن الأمر كان في غنائم بدر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا أعطى من أعطى ممن لم يحضر ، وذكر عن محمد بن إسحاق والكلبي رحمهما الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قسم غنائم حنين بعد منصرفه من الطائف بالجعرانة } وفي هذا دليل أنها لا تقسم في دار الحرب فإنه أخر القسمة حتى انتهى إلى الجعرانة وكانت حدود دار الإسلام في ذلك الوقت ; لأن فتح حنين كان بعد فتح مكة والجعرانة من نواحي مكة وقد روي أن الأعراب طالبوه بالقسمة وأحاطوا به يقولون : أقسم بيننا ما أفاء الله تعالى علينا حتى ألجئوه إلى سمرة وجذب بعضهم رداءه فتخرق فقال : اتركوا لي ردائي فلو كانت هذه العضاه [ ص: 19 ] إبلا وبقرا وغنما لقسمتها بينكم ثم لا تجدونني جبانا ولا بخيلا ، فمع كثرة مطالبتهم أخر القسمة حتى انتهى إلى دار الإسلام فدل أنها لا تقسم في دار الحرب . ( قال ) وأما خيبر فإنه افتتح الأرض وجرى فيها حكمه فكانت القسمة فيها بمنزلة القسمة في المدينة وقسم الغنائم فيها قبل أن يخرج منها ففي هذا دليل أن الإمام إذا افتتح بلدة وصيرها دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها فإنه يجوز له أن يقسم الغنائم فيها ، وقد طال مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد الفتح وأجرى أحكام الإسلام فيها فكانت من دار الإسلام القسمة فيها كالقسمة في غيرها من بقاع دار الإسلام . ( قال ) : وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم وكان قد افتتحها يعني صيرها دار الإسلام ودل على ذلك حديث مكحول قال { : ما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم إلا في دار الإسلام } وفي هذا دليل على أنها لا تقسم في دار الحرب لأن الأفعال المتفقة في الأوقات المختلفة لا تكون إلا على صفة واحدة إلا لداع يدعو إليها وليس ذلك إلا لكراهة القسمة في دار الحرب وذكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الفارس سهمين والراجل سهما يوم بدر } وإنما كان يوم بدر مع المسلمين فرسان وسبعون بعيرا ففي هذا دليل أنه يسهم للفرس دون غيره من البهائم وهذا لأن الإرهاب الذي يحصل بالخيل لا يحصل بغيره قال الله تعالى { ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } وفيه دليل أنه يسهم للفرس سهم واحد وهو حجة لأبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنهما يقولان : للفرس سهمان وللرجل سهم واحد وقد ورد به بعض الآثار ولكن رجح أبو حنيفة رحمه الله تعالى حديث ابن عباس رضي الله عنهما في غنائم بدر قال : السهم الواحد متيقن به لاتفاق الآثار وما زاد عليه مشكوك فيه لاشتباه الآثار فلا أعطينه إلا المتيقن ولا أفضل بهيمة على آدمي وسنقرره في موضعه إن شاء الله تعالى . وعن ابن عباس رضي الله عنهما في جعل القاعد للشاخص : ما جعل من ذلك في الكراع والسلاح فلا بأس به وما صنع ذلك في متاع البيت فلا خير فيه . وفيه دليل جواز التجاعل بخلاف ما يقوله بعض الناس أن من خرج للجهاد لا يحل له أن يجتعل من غيره واعتمدوا فيه ما روي { أن رجلا استؤجر بدينارين للجهاد فلما جاء يطلب الغنيمة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بكم استؤجرت قال بدينارين قال : إنما لك ديناران في الدنيا والآخرة } ولكنا نقول بهذا الحديث فنقول : الاستئجار على الجهاد لا يجوز والتجاعل ليس [ ص: 20 ] باستئجار ولكنه إعانة على السير وهو مندوب إليه وجهاد بالمال والنفس جميعا قال الله تعالى { وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } وقال جل وعلا { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } وأحوال الناس متفاوتة فمنهم من يقدر على إقامة الفرض بهما ومنهم من يقدر على إقامة الجهاد بالنفس لصحة بدنه ويعجز عن الخروج لفقره والآخر يعجز عن الخروج والجهاد بالنفس لمرض أو آفة ويقدر على الجهاد بالمال فيجهز بماله من يخرج فيجاهد بنفسه حتى يكون الخارج مجاهدا بالنفس والقاعد المعطي المال مجاهدا بالمال والمؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا ولهذا كره ابن عباس رضي الله عنهما لقابض المال أن يجعل ذلك في متاع بيته لأن المعطي أمره بالجهاد به وذلك في استعداده له والإنفاق في الطريق على نفسه وهو على وجهين عندنا إن قال : هذا المال لك فاغز به فله أن يصرفه إلى ما يشاء لأنه ملكه المال ثم أشار عليه بأن يصرفه إلى الجهاد فإن شاء قبل مشورته وإن شاء لم يقبل وإن قال اغز بهذا المال فليس له أن يصرفه إلى متاع بيته ولكن يشتري به الكراع والسلاح وينفق على نفسه في طريق الجهاد وقد بينا نظيره في الحج . وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يغزي العزب عن ذي الحليلة ويعطي الغازي فرس القاعد وأنه كان حسن التدبير والنظر للمسلمين فمن حسن نظره هذا أن ذا الحليلة قلبه مع أهله فلا يطيل المقام في الثغر والعزب لا يكون قلبه وراءه فيتمكن من إطالة المقام فلهذا كان يأمر العزب بالخروج ، ومنهم من يروي الأعزب ، وكان يعطي الغازي فرس القاعد ليكون صاحب الفرس مع زوجته يحفظها ، ويكون مجاهدا بفرسه ، والخارج يكون مجاهدا ببدنه ثم منهم من يقول : إنما كان يفعل ذلك بالتراضي فأما عند عدم الرضى ما كان يفعل ذلك بل كان يجهز الغازي من بيت المال إن لم يكن مال فإن مال بيت المال معد لذلك والأصح أن نقول للإمام أن يفعل ذلك عند الحاجة فإن لم يكن في بيت المال مال ومست الحاجة إلى تجهيز الجيش ليذبوا عن المسلمين فله أن يحكم على الناس بقدر ما يحتاج إليه لذلك لأنه مأمور بالنظر للمسلمين وإن لم يجهز الجيش للدفع ظهر المشركون على المسلمين فيأخذون المال والذراري والنفوس فمن حسن التدبير أن يتحكم على أرباب الأموال بقدر ما يحتاج إليه لتجهيز الجيش ليأمنوا فيما سوى ذلك وهو المراد بما ذكر بعده عن جرير بن عبد الله أن معاوية رضي الله عنه ضرب بعثا على أهل الكوفة فرفع عن جرير وعن ولده وقال جرير رضي الله عنه : لا نقبل ذلك ولكن نجعل أموالنا للغازي ومعنى ضرب البعث [ ص: 21 ] التحكم عليهم في أموالهم بقدر الحاجة لتجهيز الجيش فكأنه من على جرير وولده رضي الله عنهم بأن رفع ذلك عنهم فقد كان موقرا فيهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقره حتى قال جرير رضي الله عنه : ما نظر إلي إلا تبسم ولو في صلاته لكن لم يقبل جرير هذه المنة منه لعلمه أن في الجهاد بالمال معنى الثواب واستحقاق المؤمن التوقير بكونه مستبقا إلى الخيرات والطاعات ولكن قال : لا أعطي المال إليك بل أدفع بنفسي إلى من أختاره من الغزاة ليتبين به أنه غير مجبر على ما يعطي وبهذا يستدل من يقول من أصحابنا إن الأفضل للمرء أن يشارك أهل محلته في إعطاء النائبة . ولكنا نقول هذا كان في ذلك الوقت لأنه إعانة على الطاعة فأما في زماننا إنما يوجد أكثر النوائب بطريق الظلم ، ومن تمكن من دفع الظلم عن نفسه فذلك خير له ، وإن أراد الإعطاء فليعطه من هو عاجز عن دفع الظلم عن نفسه وعن أداء المال لفقره حتى يستعين على دفع الظلم فينال المعطي الثواب بذلك وعن أبي مرزوق عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتح قرية بالمغرب فخطب أصحابه فقال : لا أحدثكم إلا بما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول يوم خيبر { : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره ولا يتبع المغنم حتى يقسم ولا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ولا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه } ففيه دليل على أن صاحب الجيش عند الفتح ينبغي له أن يخطب ويعلم الناس في خطبته ما يحتاجون إليه في ذلك الوقت فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعند فتح خيبر فمما ذكر عنده في فتح خيبر هذا الحديث وفيه دليل على أنه لا يحل وطء الحبالى من الفيء وبه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس : { ألا لا توطأ الحبالى من الفيء حتى يضعن ولا الحبالى حتى يستبرئن بحيضة ، } وفي وطء الحامل سقي مائه زرع غيره كما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوة سمع الجنين وبصره وشعره بماء الواطئ ففيه دليل أنه ليس للغازي أن يبيع نصيبه قبل القسمة لأن الملك لا يثبت له إلا بالقسمة وبيع مجرد الحق لا يجوز ولأن نصيبه مجهول لا يدري أين يقع وأي مقدار يكون ، وللإمام رأي في بيع الغنائم وقسمة الثمن فإنما يبيع ما هو مجهول جهالة متفاحشة وذلك باطل وفيه دليل على أنه لا يحل لبعضهم الانتفاع بدواب الغنيمة وثيابها قبل القسمة وقد سمى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ربا الغلول في حديث آخر ونهى عنه ولكن هذا عند عدم [ ص: 22 ] الحاجة فأما إذا تحققت الحاجة والضرورة فلا بأس بأن يفعل ذلك في دار الحرب بغير ضمان وفي دار الإسلام يشترط ضمان النقصان لأن عند الضرورة له أن يدفع الضرر عن نفسه بمال الغير بشرط الضمان مع أنه لا حق له فيه فلأن يكون له ذلك فيما له فيه حق أولى . ![]()
__________________
|
|
#202
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 22 الى صـــ 31 (202) وعن ابن عباس رضي الله عنهما { : أن رجلا من المشركين وقع في الخندق فمات فأعطى المسلمون بجيفته مالا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنهاهم } وفيه دليل لأبي يوسف على أبي حنيفة ومحمد رحمهم الله تعالى في أنه لا يجوز للمسلم بيع الميتة من الحربي في دار الحرب بمال فإن مطلق النهي دليل فساد المنهي عنه ، ولكنهما يقولان : إنما يجوز ذلك للمسلم المستأمن في دار الحرب وموضع الخندق كان من دار الإسلام فلهذا نهى عن ذلك وهذا ليس بقوي فإن في دار الإسلام إنما لا يحل ذلك مع الحربي المستأمن فأما مع الحربي الذي لا أمان له يجوز في دار الإسلام ودار الحرب لأن ماله مباح فللمسلم أن يأخذه بأي وجه يقدر عليه ولكن الأصح أن نقول : إنما نهى عن ذلك لما عرف فيه من الكبت والغيظ للمشركين لا لأن ذلك حرام أو لئلا يظن بالمسلمين أنهم يجاهدون لطلب المال بل لابتغاء مرضاة الله تعالى وإعزاز الدين . وعن الشعبي وزياد بن علاقة رحمهما الله تعالى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أني قد أمددتك بقوم من أهل الشام فمن أتاك منهم قبل أن تتفقى القتلى فأشركه في الغنيمة فيه بيان أن الإمام إذا بعث جيشا ينبغي له أن يمدهم بقوم أخر ليزدادوا بهم قوة وأن المدد إذا لحق الجيش بعد إصابة الغنيمة قبل الإحراز فإنهم يشاركونهم في المصاب كما هو مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى وأن مراد عمر رضي الله عنه في قوله : الغنيمة لمن شهد الوقعة . إذا كانت الوقعة في دار الإسلام ودار الحرب بمنزلة موضع واحد فمن حصل من المدد في دار الحرب كان شاهدا للوقعة معنى وتكلموا في معنى قوله : قبل أن تتفقى القتلى . قيل : معناه قبل أن تتشقق القتلى بطول الزمان فجعل ذلك كناية عن الانصراف إلى دار الإسلام وقيل : معناه قبل أن يميز قتلى المسلمين من قتلى المشركين والتفقؤ عبارة عن هذا ومنه سمي الفقيه لأنه يميز الصحيح من السقيم وقال الشاعر : تفقأ فوقه القلع السواري وجن الخازباز به جنونا . ومنهم من يروي تتقفى القتلى القاف قبل الفاء ومعناه قبل أن تجعلوا القتلى على قفاكم بالانصراف [ ص: 23 ] إلى دار الإسلام وعن أبي قسيط قال : بعث أبو بكر رضي الله عنه عكرمة بن أبي جهل في خمسمائة رجل مددا لزياد بن لبيد البياضي والمهاجر بن أمية المخزومي إلى اليمن فأتوهم حتى افتتحوا النجير فأشركهم في الغنيمة ، وبهذا يستدل من يجعل للمدد شركة وإن لحقوا بالجيش في دار الإسلام لأن بالفتح قد صارت تلك البقعة دار إسلام ولكنا نقول : تأويله أنهم فتحوا ولم تجر أحكام الإسلام فيها بعد وبمجرد الفتح قبل إجراء أحكام الإسلام لا تصير دار إسلام وعليه يحمل أيضا ما روي أن { أبا هريرة رضي الله عنه التحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما فتح خيبر ، } وكذلك جعفر مع أصحابه رضي الله عنهم قدموا من الحبشة بعد فتح خيبر حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا أدري بأي الأمرين أنا أشد فرحا بفتح خيبر أو بقدوم جعفر } ولم يشركهم في الغنيمة لأنهم إنما أدركوا بعد تصير البقعة دار إسلام فلهذا لم يسهم لهم ، مع أن غنائم خيبر كانت عدة من الله تعالى لأهل الحديبية خاصة كما قال الله تعالى { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } وهما ما كانا من أهل الحديبية فلهذا لم يسهم لهما والدليل على أن للمدد شركة إذا لحقوا بالجيش في دار الحرب ما روي أن أهل الكوفة غزوا نهاوند فأمدهم أهل البصرة بألفي فارس وعليهم عمار بن ياسر رضي الله عنه فأدركوهم بعد إصابة الغنيمة فطلب عمار رضي الله عنه الشركة وكان على الجيش رجل من عطارد فقال : يا أجدع أتريد أن تشركنا في غنائمنا فقال عمار رضي الله عنه : خير أذني سببت وكان قد قطعت إحدى أذنيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ثم رفع إلى عمر رضي الله عنه فجعل لهم الشركة في الغنيمة فبهذه الآثار يأخذ علماؤنا رحمهم الله تعالى .وعن ابن عباس رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بيهود قينقاع على بني قريظة ولم يعطهم من الغنيمة شيئا } وفي هذا دليل أنه لا بأس للمسلمين أن يستعينوا بأهل الذمة في القتال مع المشركين وقد كره ذلك بعض الناس فقالوا : فعل المشركين لا يكون جهادا ، فلا ينبغي أن يخلط بالجهاد ما ليس بجهاد ، واستدلوا على ذلك بما روي { أن رجلين من المشركين خرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال : لا يغز معنا إلا من كان على ديننا فأسلما } ، ولكنا نقول في الاستعانة بهم : زيادة كبت وغيظ لهم والاستعانة بهم كالاستعانة بالكلاب عليهم ، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لعلمه أن الرجلين يسلمان إذا أبى ذلك عليهما . ألا ترى أنه قال في الحديث { فأسلما ، } وقيل : كان يخاف الغدر منهما لضعف كان بالمسلمين يوم بدر كما قال الله [ ص: 24 ] تعالى { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } ، وإذا خاف الإمام ذلك فلا ينبغي أن يستعين بهم ، وأن يمكنهم من الاختلاط بالمسلمين وهو تأويل ما ذكر من حديث الضحاك رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد ، فإذا كتيبة حسناء ، أو قال : خشناء ، فقال : من هؤلاء ؟ قالوا : يهود كذا وكذا ، فقال : لا نستعين بالكفار } ، أو تأويله أنهم كانوا متعززين في أنفسهم لا يقاتلون تحت راية المسلمين ، وعندنا إنما يستعين بهم إذا كانوا يقاتلون تحت راية المسلمين ، فأما إذا انفردوا براية أنفسهم فلا يستعان بهم ، وهو تأويل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : لا تستضيئوا بنار المشركين } ، وقال صلى الله عليه وسلم { : أنا بريء من كل مسلم مع مشرك } يعني : إذا كان المسلم تحت راية المشركين . وعن الحكم أن أبا بكر رضي الله عنهما كتب إليه في أسيرين من الروم أن لا تفادوهما وإن أعطيتم بهما مدين من الذهب ، ولكن اقتلوهما أو يسلما ، ففيه دليل أنه لا يجوز مفاداة الأسير بالمال كما هو المذهب عندنا بخلاف ما يقوله الشافعي رحمه الله وقد صح { أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى الأسرى يوم بدر ، وكان الفداء أربعة آلاف } ، إلا أنه انتسخ ذلك بنزول قوله تعالى { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } إلى قوله { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } . وقد كان أبو بكر رضي الله عنه قد أشار عليه بالفداء وعمر رضي الله عنه كان يشير بالقتل ، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر رضي الله عنه لحاجة الصحابة رضي الله عنهم إلى المال في ذلك الوقت ، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { لو نزل من السماء عذاب ما نجي من ذلك إلا عمر ، } فلهذا بالغ أبو بكر رضي الله عنه في النهي عن المفاداة بقوله : ولو أعطيتم بهما مدين من ذهب ففيه دليل على أن الأسير يقتل إن لم يسلم ، وممن قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسارى بدر عقبة بن أبي معيط { قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : قدمه واضرب عنقه وأوف بنذر نبيك } { ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي عزة يوم بدر بشرط أن لا يعين عليه ، وكان شاعرا فوقع أسيرا يوم أحد وأمر بقتله ، وكان طلب أن يمن عليه فقال صلى الله عليه وسلم : لا تحدث العرب أني خدعت محمدا مرتين } ثم ذكر عن الحسن وعطاء رحمهما الله تعالى قال : لا يقتل الأسير ولكن يفادى أو يمن عليه ، وكأنهما اعتمدا ظاهر قوله تعالى { فإما منا بعد وإما فداء } ولسنا نأخذ بقولهما فإن حكم المن والمفاداة بالمال قد انتسخ بقوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ; لأن سورة [ ص: 25 ] براءة من آخر ما نزل ، وذكر في بعض النوادر عن محمد رحمه الله تعالى قال : كان ذلك في عبدة الأوثان من العرب لأنه لا يجوز استرقاقهم ، فلم يكن في المن والمفاداة إبطال حق المسلمين عما ثبت حقهم فيه ، ولكن هذا ضعيف والصحيح ما بينا أن حكم المن والمفاداة قد انتسخ ولا يجوز للإمام أن يفعل ذلك إلا إذا عرف للمسلمين فيه منفعة عامة كما روي { أن ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة أسره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وربطوه بسارية المسجد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما وراءك يا ثمامة فقال : إن عاقبت عاقبت ذا ذنب وإن مننت مننت على شاكر وإن أردت المال فعندي من المال ما شئت فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط أن يقطع الميرة عن أهل مكة ففعل ذلك حتى قحطوا } . وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : لم يخمس طعام خيبر وكان قليلا فكان أحدنا إذا احتاج إلى شيء أخذ قدر حاجته . وفي هذا دليل أنه يباح لكل واحد من الغانمين أن يتناول من الطعام والعلف بقدر حاجته وقد رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنه كان يخمس الغنيمة إلا الطعام والعلف فكان يأخذ من ذلك بقدر حاجته } وكتب صاحب جيش عمر رضي الله عنه بالشام إليه : إنا افتتحنا أرضا كثيرة الطعام فكرهت أن أمضي في ذلك شيئا إلا بأمرك فكتب إليه : دع الناس ليصيبوا من ذلك بقدر حاجتهم بشرط أن لا يبيعوا فمن باع شيئا من ذلك فقد وجب فيه خمس الله تعالى ورسوله وبهذه الآثار نأخذ التساهل في أمر الطعام بالناس وللعلم بتجدد الحاجة إليه في كل وقت وعجزهم عن الحمل من دار الإسلام ما يحتاجون إليه للذهاب والرجوع إذا أمعنوا في دار الحرب فقد روي { عن عبد الله بن المفضل قال : دلي علي جراب من شحم من بعض حصون خيبر فاحتضنته وقلت في نفسي لا أعطي أحدا منه شيئا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي ويتبسم ، } ولم ينكر عليه ذلك لعلمه بحاجته . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم { : المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم } ، والمراد باليد النصرة يعني النصرة للمسلمين على من سواهم كما قال الله تعالى { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } وفي قوله { تتكافأ دماؤهم } دليل لنا على المساواة بين العبيد والأحرار في حكم القصاص ولا معنى لاستدلال الشافعي رحمه الله تعالى بهذا اللفظ أنه لا يقتل مسلم بكافر لأن فيه إثبات التساوي في دماء المسلمين [ ص: 26 ] لا نفي المساواة بين دمائهم ودماء غيرهم بل ذلك مفهوم والمفهوم عندنا ليس بحجة وبقوله يسعى بذمتهم أدناهم يستدل محمد رحمه الله تعالى على صحة أمان العبد فإن أدنى المسلمين العبيد ، ولكنا نقول معناه يسعى بذمتهم أقربهم إلى دار الحرب وهو من يسكن الثغور مشتق من الدنو وهو القرب لا من الدناءة قال الله تعالى { فكان قاب قوسين أو أدنى } وقيل : معناه أقلهم في القرب ويكون ذلك من القلة كما في قوله تعالى { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر } فيكون ذلك دليلا على صحة أمان الواحد ، أو المراد به الفاسق لأنه لا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينسب العبد الورع إلى الدناءة ، وقيل : المراد بالذمة عقد الذمة دون الأمان وذلك صحيح من العبد عندنا . وعن أبي عمير مولى آبي اللحم قال { : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين فقال لي : تقلد هذا السيف فتقلدته فجررته على الأرض فأعطاني من حربي المتاع } ، ومنهم من يروي مولى آبي اللحم والأشهر هو الأول لأن مولاه كان يأبى اللحم فسمي بآبي اللحم وفي الحديث إشارة إلى صغره لأن جر السيف على الأرض لصغره وقيل : لا بل فعل ذلك على طريق الخيلاء كما يفعله المبارز بين الصفين وفائدة الحديث أن من قاتل ممن لا يستحق السهم لصغر أو رق فإنه يرضخ له لأنه أعطاه من حربي المتاع يعني الشفق منه على سبيل الرضخ . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال { : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم لمستهل الشهر وأقام عليها أربعين يوما وفتحها يعني الطائف في صفر } وفي هذا دليل على أنه لا بأس بالقتال في الشهر الحرام فإن المحاصرة من القتال وقد روي أنه نصب المنجنيق على الطائف ففعله بيان أن ما كان من حرمة القتال في الأشهر الحرم قد انتسخ ، وكان الكلبي رحمه الله يقول ذلك ليس بمنسوخ ولسنا نأخذ بقوله في ذلك بل بما روي عن مجاهد رحمه الله قال : النهي عن القنال في الأشهر الحرم منسوخ نسخه قوله تعالى { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } . وقد بينا أن سورة براءة من آخر ما نزل فانتسخ به ما كان من الحكم في قوله تعالى { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } الآية . ( فإن قيل ) كيف يستقيم دعوى النسخ بهذه الآية وقد قال الله تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } الآية . ( قلنا ) : المراد به مضي مدة الأمان الذي كان لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى كما قال { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } ووافق مضي ذلك انسلاخ الأشهر الحرم والدليل على نسخ حرمة القتال في الأشهر الحرم قوله تعالى { منها أربعة حرم } إلى قوله { فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة [ ص: 27 ] كما يقاتلونكم كافة } قيل معناه لا تظلموا فيهن أنفسكم بالامتناع من قتال المشركين ليجترئوا عليكم بل قاتلوهم كافة لتنكسر شوكتهم وتكون النصرة لكم عليهم وفيما ذكر من الأخبار في الأصل عن الزبير رضي الله عنه عمن شهد المشاهد قال { : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة فقال : من كانت له عانة فاقتلوه ومن لم تكن له عانة فخلوا عنه فكنت ممن لا عانة له فخلي عني } قلت : وما من أحد إلا وله عانة فالعانة في اللغة الموضع الذي ينبت عليه الشعر ولكن المراد من نبت الشعر على ذلك الموضع منه وجعل اسم الموضع كناية عنه وبه يستدل مالك رحمه الله تعالى فإنه يجعل نبات الشعر دليل البلوغ ولسنا نقول به لاختلاف أحوال الناس فيه فنبات الشعر في الهنود يسرع وفي الأتراك يبطئ . وتأويل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف من طريق الوحي أن نبات الشعر في أولئك القوم يكون عند البلوغ أو أراد تنفيذ حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فإنه كان من حكمه بأن يقتل منهم من جرت عليه الموسى لعلمه أنه كان من المقاتلة فيهم . وذكر عن محمد بن إسحاق والكلبي رحمهما الله أن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر كان مع سهم عاصم بن عدي وفيه دليل على أن الإمام ينبغي له أن يقسم الغنيمة على العرفاء أولا ثم يقسم كل عريف على من تحت رايته ليكون ذلك أسهل وفيه دليل على تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يجعل باسم نفسه سهما ولكن جعل نفسه تحت راية غيره وروي أن أول السهام خرج يومئذ سهم عاصم بن عدي لكون سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم . وذكر عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : والله ما يصلح إلي من فيئهم ولا مثل هذه الوبرة أخذها من سنام بعيره إلا الخمس والخمس مردود فيكم فأدوا الخيط والمخيط فإن الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال : أخذت هذه لأخيط بها بردعة بعير لي فقال صلى الله عليه وسلم : أما نصيبي فهو لك فقال : أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها } وفيه دليل حرمة الغلول وأن ذلك في القليل والكثير ويستدل الشافعي رحمه الله تعالى بالحديث في جواز هبة المشاع فقد وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه من الرجل وكان مشاعا ولكنا نقول : مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المبالغة في المنع من الغلول يعني أنك تطلب مني أن أجعل لك هذه الكبة ولا ولاية [ ص: 28 ] لي إلا على نصيبي منها فقد جعلت نصيبي منها لك إن جاز ليبين به أنه ليس للإمام ولاية إبطال حق الغانمين وتخصيص أحدهم بشيء منه مع أن الكبة من الشعر لا تحتمل القسمة بين الجند لكثرتهم فإنه لا يصيب كل واحد منهم شيئا منتفعا به إذا قسمت وعندنا هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة يجوز وعن أبي المليح بن أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع { : كل ربا كان في الجاهلية موضوع وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب } زاد في رواية { : وكل دم كان في الجاهلية موضوع وأول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث } وإن العباس رضي الله عنه بعد ما أسلم يوم بدر رجع إلى مكة بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يربي بمكة قبل نزول التحريم وبعد نزوله لأن حكم الربا لا يجري بين المسلم والحربي في دار الحرب وقد كانت مكة يومئذ دار حرب ، ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه موضوع لا خصومة فيه بعد الفتح وقيل : مراده أنه لا مطالبة له بما بقي منه بعد الفتح قال الله تعالى { وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } وإنما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بربا العباس رضي الله عنه فيما أخبر أنه موضوع ليبين أن فعله ليس على نهج الملوك فالملوك في الأوامر يبدءون بالأجانب وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه ليبين للناس أن القريب والبعيد عنده في حكم الشرع سواء . وذكر عن حبيب بن سلمة قال { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث : } وفيه دليل على جواز التنفيل للتحريض على القتال كما أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } وبظاهره يستدل الأوزاعي رحمه الله تعالى في جواز التنفيل بعد الإصابة فإن التنفيل في الرجعة يكون بعد الإصابة ولكنا نقول المراد أنه كان ينفل السرية الأولى الربع والسرية الثانية الثلث قبل الإصابة لا بعدها وهذا لأن التنفيل للتحريض والجيش في أول دخولهم ينشطون في القتال ما لا ينشطون بعد تطاول المدة ولهذا قلل نفل السرية الأولى وزاد في نفل السرية الثانية ولأن السرية الثانية يحتاجون إلى أن يمعنوا في الطلب فلهذا زاد في النفل لهم . وذكر عن الزهري رحمه الله تعالى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا تعقر الخيل في أرض العدو } وهو دليلنا على مالك رحمه الله تعالى فإنه يجوز العقر فيما يقوم عليه من الدواب من الغنيمة كانت أو من غيرها لحديث جعفر الطيار رضي الله عنه فإنه لما استقتل يوم موته وعلم أنه لا ينجو منهم عقر فرسه [ ص: 29 ] وتقدم في نحر العدو حتى قتل ، ولكنا نقول في العقر مثلة { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور } ولعل فعل جعفر رضي الله عنه كان قبل النهي فانتسخ به . وعن الضحاك رضي الله عنه قال { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال : لا تقتلوا وليدا ولا النساء ولا الشيخ الكبير } وقد بينا حرمة قتل النساء والصبيان منهم لأنهم لا يقاتلون وكذلك الشيخ الكبير الذي أمن من قتاله بنفسه ورأيه ولا يرجى له نسل أما إذا كان له رأي يقتل . ألا ترى أن دريد بن الصمة قتل يوم حنين وكان ابن مائة وستين سنة وقد ذهب بصره ولكنهم أحضروه ليستعينوا برأيه وأشار إليهم بأن يرفعوا الثقل إلى عليا بلادهم ويلقوا المسلمين على متون الخيل بسيوفهم فخالفوه في ذلك ، وفيه يقول أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد وإنما قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيه في الحرب .وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى أن تدخل المصاحف أرض العدو } والمشهور فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو } وإنما نهى عن ذلك مخافة أن تناله أيدي العدو ويستخفوا به فعلى هذا النهي في سرية ليست لهم منعة قوية فأما إذا كانوا جندا عظيما كالصائفة فلا بأس بأن يتبرك الرجل منهم بحمل المصحف مع نفسه ليقرأ فيه لأنهم يأمنون من ذلك لقوتهم وشوكتهم . ( فإن قيل ) : أهل الشرك وإن كانوا يزعمون أن القرآن ليس بكلام الله تعالى فيقرون أنه كلام حكيم فصيح فكيف يستخفون به ، ( قلنا ) إنما يفعلون ذلك مغايظة للمسلمين وقد ظهر ذلك من فعل القرامطة في الموضع الذي أظهروا فيه اعتقادهم على ما ذكره ابن رزام في كتابه أنهم كانوا يستنجون بالمصاحف وذكر الطحاوي رحمه الله تعالى في مشكل الآثار أن هذا النهي كان في ذلك الوقت لأنه يخاف فوت شيء من القرآن من أيدي المسلمين فأما في زماننا فقد كثرت المصاحف وكثر الحافظون للقرآن عن ظهر القلب فلا بأس بحمل المصحف إلى أرض العدو لأنه لا يخاف فوت شيء من القرآن وإن وقع بعض المصاحف في أيديهم . وذكر عن يزيد بن هرمز قال : أنا كتبت كتاب ابن عباس رضي الله عنهما إلى نجدة كتبت إلي تسألني عن قتل الولدان وإن عالم موسى قتل وليدا وقد { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان } فلو كنت تعلم في الولدان ما كان يعلم عالم موسى كان ذلك وقد بينا أن نجدة كان [ ص: 30 ] يسأل ابن عباس رضي الله عنهما سؤال التعمق حتى سأله يوما لماذا طلب سليمان عليه الصلاة والسلام الهدهد قال : ليخبره بالماء فإنه يبصر الماء تحت الأرض وإن كان إلى مائة ذراع فقال : إنه لا يبصر الفخ تحت التراب فكيف يبصر الماء تحت الأرض فقال ابن عباس رضي الله عنهما إذا جاء القضا عمي البصر ومما سأله هذا لذا رواه وجوابه ما قال ابن عباس رضي الله عنهما إن عالم موسى كان يعلم من ذلك الغلام ما أظهره لموسى عليه الصلاة والسلام حين استعظم ذلك فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا وذكر الطحطاوي رحمه الله تعالى أن ذلك الغلام الذي قتله عالم موسى كان بالغا فقد كان عاقلا مميزا والبلوغ في ذلك الوقت كان بالعقل ثم ذكر في الحديث وكتبت تسألني عن اليتيم متى يخرج من اليتم ؟ فإذا احتلم يخرج من اليتم ويضرب له بسهم وهذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم { لا يتم بعد الحلم } والذي روي أن الكفار كانوا يسمون رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم أبي طالب بعد المبعث قد كانوا يقصدون الاستخفاف به لا أنه في الحال يتيم قيل هذا لطف من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يشتمون يتيما وهو لم يكن يتيما ولا تتناوله تلك الشتمة كما روي أنهم كانوا يسمونه مذمما ويشتمون مذمما وهو كان محمدا صلى الله عليه وسلم فلا تتناوله تلك الشتمة فهذا مثله والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . . باب معاملة الجيش مع الكفار ( قال ) رضي الله عنه وإذا غزا الجيش أرضا لم تبلغهم الدعوة لا يحل لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم إلى الإسلام ليعرفوا أنهم على ماذا يقاتلون وهو معنى حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم إلى الإسلام } ولو قاتلوهم بغير دعوة كانوا آثمين في ذلك ولكنهم لا يضمنون شيئا مما أتلفوا من الدماء والأموال عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى : في القديم يضمنون ذلك لبقاء صفة الحقن والعصمة إلا أن يوجد الإباء منهم ولا يتحقق ذلك إلا أن تبلغهم الدعوة ولكنا نقول : العصمة المقومة تكون بالإحراز وذلك لم يوجد في حقهم ولئن كانت العصمة بالدين كما يدعيه الخصم فهو غير موجود في حقهم أيضا والقتال إما أن يكون للمحاربة كما يقوله علماؤنا رحمهم الله تعالى أو للشرك كما يقوله الخصم وذلك موجود في حقهم ولكن شرط الإباحة تقديم الدعوة فبدونه لا يثبت [ ص: 31 ] ومجرد حرمة القتل لا يكفي لوجوب الضمان كما في النساء والولدان منهم وكما نهى عن قتل من بلغته الدعوة منهم بطريق المثلة ثم لا يكون موجبا للضمان عليه على من فعله وإن كانوا قد بلغتهم الدعوة فإن هم دعوهم فحسن لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { بعث معاذا في سرية وقال : لا تقاتلوهم حتى تدعوهم فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدؤكم فإن بدؤكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلا ثم أروهم ذلك القتيل وقولوا لهم هل إلى خير من هذا سبيل ؟ فلأن يهدي الله تعالى على يديك خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت } وقد بينا أن المبالغة في الإنذار قد تنفع وإن تركوا ذلك فحسن أيضا لأنهم ربما لا يقوون عليهم إذا قدموا الإنذار والدعاء . ولا بأس أن يغيروا عليهم ليلا أو نهارا بغير دعوة لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون غافلون ويعمهم على الماء بسقي وعهد إلى أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يغيروا على أبنا صباحا ثم يحرق } { وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغير على قوم صبحهم واستمع النداء فإن لم يسمع أغار عليهم حتى روي أنه صبح أهل خيبر وقد خرج العمال ومعهم المساحي والمكاتل فلما رأوهم ولوا منهزمين يقولون : محمد والخميس ، والخميس : الجيش وقد كانوا وجدوا في التوراة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهم يوم الخميس ويظفر عليهم وكان ذلك اليوم يوم الخميس فلما قالوا ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين } ، ولا بأس بأن يحرقوا حصونهم ويغرقوها ويخربوا البنيان ويقطعوا الأشجار وكان الأوزاعي رحمه الله تعالى يكره ذلك كله لحديث أبي بكر رضي الله عنه في وصية يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه : لا تقطعوا شجرا ولا تخربوا ولا تفسدوا ضرعا ولقوله تعالى { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } الآية وتأويل هذا ما ذكره محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير { أن أبا بكر رضي الله عنه كان أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الشام تفتح له على ما روي أنه قال يوما : إنكم ستظهرون على كنوز كسرى وقيصر } فقد أشار أبو بكر رضي الله عنه إلى ذلك في وصيته حيث قال : فإن الله ناصركم عليهم وممكن لكم أن تتخذوا فيها مساجد فلا يعلم الله منكم أنكم تأتونها تلهيا فلما علم أن ذلك كله ميراث للمسلمين كره القطع والتخريب لهذا . ثم الدليل على جوازه ما ذكره الزهري رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم { أمر بقطع نخيل بني النضير فشق ذلك عليهم حتى نادوه ما كنت ترضى [ ص: 32 ] بالفساد يا أبا القاسم فما بال النخيل تقطع فأنزل الله تعالى { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها } } الآية واللينة النخلة الكريمة فيما ذكره المفسرون { وأمر بقطع النخيل بخيبر حتى أتاه عمر رضي الله عنه فقال : أليس إن الله تعالى وعد لك خيبر فقال : نعم ، فقال : إذا تقطع نخيلك ونخيل أصحابك فأمر بالكف عن ذلك } { ولما حاصر ثقيفا أمر بقطع النخيل والكروم حتى شق ذلك عليهم وجعلوا يقولون الحبلة لا تحمل إلا بعد عشرين سنة فلا عيش بعد هذا } ففي هذا بيان أنهم يذلون بذلك وأن فيه كبتا وغيظا لهم وقد أمرنا بذلك قال الله تعالى { ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار } { ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوطاس يريد الطائف بدا له قصر عوف بن مالك النضري فأمر بأن يحرق } وفيه يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير ![]()
__________________
|
|
#203
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 32 الى صـــ 41 (203) فهذه الآثار تدل على جواز ذلك كله وكان الحسن بن زياد رحمه الله تعالى يقول : هذا إذا علم أنه ليس في ذلك الحصن أسير مسلم فأما إذا لم يعلم ذلك فلا يحل التحريق والتغريق لأن التحرز عن قتل المسلم فرض وتحريق حصونهم مباح والأخذ بما هو الفرض أولى ولكنا نقول : لو منعناهم من ذلك يتعذر عليهم قتال المشركين والظهور عليهم والحصون قلما تخلو عن أسير وكما لا يحل قتل الأسير لا يحل قتل النساء والولدان ثم لا يمتنع تحريق حصونهم بكون النساء والولدان فيها فكذلك لا يمتنع ذلك بكون الأسير فيها ولكنهم يقصدون المشركين بذلك لأنهم لو قدروا على التمييز فعلا لزمهم ذلك فكذلك إذا قدروا على التمييز بالنية يلزمهم ذلك . ولا تقسم الغنيمة في دار الحرب حتى يخرجوها إلى دار الإسلام ويحرزوها عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى : لا بأس بقسمتها في دار الحرب بعد ما تم انهزام المشركين وهو بناء على أن الملك عنده يثبت بنفس الإصابة لأنه مال مباح فيملك بنفس الأخذ ويجوز قسمته في ذلك الموضع كالصيد وهذا لأن سبب الملك الأخذ وذلك محسوس يتم بنفسه وقيام منازعة المشركين لكون الغزاة في دارهم لا يمنع تقرر ملكهم لقيام منازعتهم في ثياب الغزاة ودوابهم فإنهم لو تمكنوا من الكر عليهم أخذوا جميع ذلك وهذا لأن توهم الكرة عليهم سبب يعارض الاستيلاء بالنقض والأمن عما ينقض سبب الملك ليس بشرط لوقوع الملك كالملك بالبيع والهبة . ألا ترى أنه لو كان القتال في دار الإسلام أو صير الإمام البقعة دار إسلام يجوز له أن يقسم فيها وهذا التوهم باق ولأنهم إن كروا [ ص: 33 ] فالمسلمون واثقون بجميل وعد الله تعالى في نصرة أوليائه ينصرهم في المرة الثانية كما نصرهم في المرة الأولى فأما عندنا الحق يثبت بنفس الأخذ ويتأكد الإحراز ويتمكن بالقسمة كحق الشفيع يثبت بالبيع ويتأكد بالطلب ويتم الملك بالأخذ وما دام الحق ضعيفا لا تجوز القسمة لأنه دون الملك الضعيف في المبيع قبل القبض وبيان هذا الأصل أن السبب لا يتم قبل الإحراز لأن السبب هو القهر وقبل الإحراز هم قاهرون يدا مقهورون دارا والثابت من وجه دون وجه يكون ضعيفا وهذا لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والشوكة ولما بقيت هذه البقعة منسوبة إليهم عرفنا أن القوة فيها لهم والدليل عليه أنه يحل للإمام أن يرجع إلى دار الإسلام ويترك هذه البقعة في أيديهم وإنما حل ذلك لعجزه عن المقام في هذا الموضع فعرفنا أنا نحسن العبارة في قولنا إنه هزم المشركين وفي الحقيقة هو المنهزم منهم حين ترك هذا الموضع في أيديهم والدليل عليه أن بالأخذ يملك الأراضي كما يملك الأموال ثم لا يتأكد الحق في الأرض التي نزلوا فيها إذا لم يصيرها دار الإسلام فكذلك في الأموال والقصد إلى التملك وجد في الكل فإنه ما دخل دار الحرب إلا قاصدا لملك الأراضي والأموال عليهم بحسب الإمكان ولسنا نسلم أن سبب الملك نفس الأخذ بل هو قهر يحصل به إعلاء كلمة الله تعالى ولهذا كان المصاب غنيمة يخمس وهذا القهر لا يتم بنفس الأخذ ولا بقهر الملاك بل بقهر جميع أهل دار الحرب وذلك بالإحراز ليكون حينئذ جميع دارهم مقابلا بجميع دارنا فأما قبل الإحراز يقابل جميع دارهم بالجيش وليس بهم قوة المقاومة مع جميع أهل الحرب وبه فارق المراغم إذا أحرز نفسه بمنعة أهل الجيش فإنه يعتق لأن حاجته إلى قهر مولاه فقط وذلك يتم بالجيش ألا ترى أنه لا يجب الخمس في رقبته . وإذا كان القتال في دار الإسلام فبنفس الأخذ يصير المال محرزا بالدار فيتم القهر وإذا صير البقعة دار إسلام فقد تم الإحراز بالدار . ألا ترى أنه وإن لم يؤخذ المال يتأكد حقهم فيها وأن الحق يتأكد في الأراضي أيضا وبه فارق الصيد فسبب الملك هناك الأخذ وهو القهر على الممتنع في نفسه وهنا الامتناع في المال بل فيمن يقاتل دونه وذلك جميع أهل الحرب ولا يتم قهر جميعهم إلا بالإحراز حكما نقول : فإن قسمها جاز لأنه أمضى فصلا مجتهدا فيه وقضاء المجتهد في المجتهدات نافذ وبيان هذا الاختلاف في سبب القسمة وهو الملك أنه هل يتم بنفس الأخذ أم لا فإذا نفذ باجتهاده كان صحيحا كما إذا قضى بشهادة الأعمى أو المحدود في قذف [ ص: 34 ] وقيل : من مذهبنا كراهة القسمة في دار الحرب لا بطلان القسمة لما في القسمة من قطع شركة المدد فتقل به رغبتهم في اللحوق بالجيش ولأنه إذا قسم تفرقوا فربما يكثر العدو على بعضهم وهذا أمر وراء ما يتم به القسمة فلا يمتنع جوازها وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال إذا لم يجد الإمام حمولة لها يحمله عليها فليقسمها في دار الحرب هكذا ذكر في بعض روايات هذا الكتاب ووجهه أن هذه حالة ضرورة لأنه لو لم يقسمها يحتاج إلى تركها فيبطل حق الغانمين فيها فكان تقرير حقهم بالقسمة أنفع وإن كان فيه قطع شركة المدد وكما لا يقسمها لا يبيعها في دار الحرب لأن البيع ينبني على تأكد الحق بالإحراز ولأن البيع تصرف كالقسمة . ألا ترى أن في البيع قبل القبض يسوي بين البيع والقسمة وإذا كان في الغنيمة طعام أو علف فاحتاج إليه رجل تناول بقدر حاجته . وقوله فاحتاج مذكور على وجه العادة دون الشرط فللمحتاج وغير المحتاج أن يتناول من ذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن المسلمين أصابوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو طعاما وعسلا فلم يخمس ذلك وكان الرجل منهم يصيب من ذلك بقدر حاجته وأن المسلمين لما ظهروا على كسرى ظفروا بمطبخه وكان قد أركت القدور وظن بعض الأعراب أن ذلك طيب فهموا أن يصبغوا به لحاهم فقيل : إنه مأكول فوقعوا في ذلك حتى اتخموا وأن غلاما لسلمان رضي الله عنه أتاه بسلة يوم القادسية فقال : افتحها فإن كان فيها طعام أصبنا منه وإن كان فيها مال رددناه على هؤلاء فإذا فيها خبز وجبن وسكين فجعل يأكل من ذلك ويقطع لأصحابه من الجبن ويصف لهم كيف يتخذ الجبن فدل أنه كان معروفا بينهم الرخصة في الطعام والعلف نظير الطعام لأنه محتاج إليه لظهره كما يحتاج إلى القوت لنفسه وهذا لأنهم لا يمكنهم أن يستصحبوا من الطعام والعلف مقدار حاجتهم للذهاب والرجوع ولا يجدون في دار الحرب من يشترون منه وما يأخذون يكون غنيمة فللعلم بوقوع الحاجة إليه يصير مستثنى من شركة الغنيمة ويبقى على أصل الإباحة ولهذا حل للمحتاج وغير المحتاج ما لم يخرجوا إلى دار الإسلام فإذا خرجوا فقد ارتفعت الضرورة لأنهم يجدون في دار الإسلام الطعام والعلف بالشراء فيثبت حكم الغنيمة فيما كان باقيا منها . وكذلك يتناول من سلاح الغنيمة إذا احتاج إليه للقتال ثم يرده إذا استغنى عنه ويكره من غير حاجة لأن المستثنى من شركة الغنيمة الطعام والعلف للعلم بتجدد الحاجة إليهما في كل وقت وذلك لا يوجد [ ص: 35 ] في السلاح وكل واحد منهم يتمكن من أن يستصحب السلاح من دار الإسلام فلا يصير هذا مستثنى من الشركة ونفي المبيح تحقق الحاجة فإذا لم يوجد ذلك يكره الاستعمال وإذا وجد فلا بأس به لأن عند الضرورة يجوز له أن ينتفع بملك الغير مما لا حق له فيه فماله فيه حق أولى وهذا لأن المبارز قد يبتلى بهذا بأن يسقط سيفه من يده فيعالج قرنه ليأخذ منه سيفه فإذا أخذه صار غنيمة له فلو لم يجز له أن يضربه أدى إلى الضرر والحرج وإلى نحوه أشار قال : أرأيت لو رماه العدو بنشابة فرماهم بها أو انتزع سيفا من بعضهم فضربه أكان يكره ذلك هذا ونحوه لا بأس به فأما المتاع والثياب والدواب فيكره الانتفاع بها قبل القسمة لما روينا من النهي قبل هذا ولأن حقهم ثبت فيها وإن لم يتأكد قبل الإحراز فلا يكون لبعضهم أن يختص بالانتفاع بشيء منها قبل القسمة اعتبارا للمنفعة بالعين فإن احتاجوا إلى ذلك قسمها الإمام بينهم في دار الحرب لتحقق الحاجة وهذا لأن مراعاة حقهم عند حاجتهم أولى من مراعاة حق المدد ولا يدري أيلحق بهم المدد أم لا يلحق وإن لم يحتاجوا إلى ذلك كرهت القسمة في دار الحرب وهذا اللفظ دليل على أن الخلاف في كراهة القسمة لا في الجواز . ( قال ) : ألا ترى أن جيشا آخر لو دخلوا دار الحرب شركوهم في تلك الغنيمة وهذا عندنا فأما عند الشافعي رحمه الله تعالى لا شركة للمدد إذا لحق الجيش بعد الإصابة بناء على أصله أن السبب هو الأخذ والملك يثبت بنفس الأخذ وما قبل الإحراز بدار الإسلام وبعده سواء وعندنا السبب هو القهر وتمام القهر بالإحراز فإذا شارك المدد للجيش في الإحراز الذي به يتم السبب يشاركونهم في تأكد الحق به كما إذا التحقوا بهم في حالة القتال بعدما أخذوا بعض الأموال وهذا ; لأن اجتماع المحاربين في دار الحرب للمحاربة سبب الشركة في المصاب بدليل أن الردء يستوي بالمباشر للقتال وقد سأل علي رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت الرجل يكون حامية لقوم وآخر لا يقدر على حمل السلاح أيشتركان في الغنيمة فقال صلى الله عليه وسلم { : إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم } ; ولأن دخول دار الحرب سبب لقهر المشركين قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ولهذا جعل الله تعالى الواطئ موطئ العدو بمنزلة النيل في الثواب قال الله تعالى { ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا } الآية فكذلك في الشركة في المصاب يجعل الواطئ موطئ العدو على قصد الحرب بمنزلة النيل [ ص: 36 ] منهم لما فيه من الكبت والغيظ لهم ولا يدخل على شيء مما ذكرنا التجار وأهل سوق العسكر والأسير المنقلب منهم والذي أسلم في دار الحرب إذا التحق بالجيش لأن قصد هؤلاء ليس هو الحرب بل قصد بعضهم التجارة وقصد بعضهم التخلص فلا يستحقون الشركة إلا أن يقاتلوا فيظهر حينئذ بفعلهم أن قصدهم هو القتال . وإن احتاج رجل من المسلمين إلى شيء من المتاع حاجة يخاف على نفسه منها فلا بأس باستعمالها قبل القسمة كما يجوز تناول ملك الغير عند الحاجة إلا أن ذلك بشرط الضمان لثبوت الملك للمأخوذ منه وهذا بغير ضمان لعدم تأكد الحق قبل الإحراز . ألا ترى أنه لو أتلف شيئا من المال قبل الإحراز لم يكن ضامنا لما أتلف ولا يقسم السبي بينهم وإن احتاج الناس إليه ما لم يخرجوهم إلى دار الإسلام ولا يبيعهم كما لا يفعل في شيء من سائر الأموال وهذا لعدم تأكد الحق فيهم قبل الإحراز ولكن يمشيهم حتى يحرزهم بدار الإسلام إن أطاقوا المشي فإن لم يطيقوه وكان معهم فضل حمولة من الغنيمة حملهم عليها لأن الحمولة حق الغانمين والسبي كذلك فمن النظر لهم أن يحمل حقهم فإن لم يكن معهم فضل حمولة ولكن كان مع بعض الغانمين فضل حمولة يحملهم عليها فعل ذلك برضاهم وإن لم تطب أنفسهم بذلك لم يفعل لأن الحمولة للخاص والسبي حق الجماعة فلا يكون له أن يستعمل في إحراز حق الجماعة حمولة الخاص منهم بغير رضاهم أرأيت لو أطاق بعضهم حمل بعض السبي على ظهره أو على عاتقه أكان يجبره الإمام على ذلك ثم يقتل الرجال لما بينا من جواز قتل الأسير قبل تعين الملك فيه إذا كان فيه نظر . وفي هذا الموضع لو لم يقتلهم احتاج إلى تركهم فيرجعون إلى دار الحرب حربا على المسلمين فكان النظر في قتلهم ويترك النساء والصبيان في موضع يأمن أيدي المشركين أن تصل إليهم لأنه إذا تركهم في موضع تصل إليهم أيديهم يتقوون بهم وبتركه إياهم في هذا الموضع لا يكون متلفا بل يكون تاركا للإحسان إليهم وترك الإحسان لا يكون إساءة وإنما جاز له هذا القدر لعجزه عن الإحسان إليهم بالإخراج عن المهلكة وإن رأى أن يقسم ليتكلف كل واحد منهم حمل نصيبه فعل ذلك ، وهو أنفع من الترك ، وأما السلاح والمتاع فيحرقه بالنار إذا لم يستطع إخراجه إلى دار الإسلام لأنه مأمور بقطع قوة المشركين عنه وإثبات القوة للمسلمين به ، وقد عجز عن أحدهما وقدر على الآخر فيأتي بما يقدر عليه وهو الإحراق بالنار كي لا تصل إليه يد المشركين ليتقووا به قال هذا فيما يحترق ، فأما ما لا [ ص: 37 ] يحترق كالحديد ينبغي أن يدفنه في موضع لا يقف عليه أهل الحرب فيستعينوا به وأما الدواب والمواشي إذا قامت عليه فإنه لا يعقرها خلافا لمالك رحمه الله تعالى وقد بينا هذا ولا يتركها كذلك خلافا للشافعي رحمه الله تعالى لما في الترك من تقوي المشركين بها ولكنه يذبحها ثم يحرقها لئلا ينتفع بها العدو فالذبح عند الحاجة مباح شرعا في مأكول اللحم وغير مأكول اللحم وبعد الذبح ربما يتقوون بلحمها فيقطع ذلك عنهم بالإحراق بالنار كما يفعل بالثياب والمتاع وفي هذا كبت وغيظ لهم ، وقد بينا جواز التخريب والإحراق فيما يكون فيه الكبت والغيظ للمشركين . وما ظهروا عليه من أرض العدو فالإمام فيها بالخيار إن شاء خمسها وقسمها بين الغانمين كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، وإن شاء من بها على أهلها فتركهم أحرار الأصل ذمة للمسلمين ، والأراضي مملوكة لهم وجعل الجزية على رقابهم ، والخراج على أراضيهم عندنا كما فعله عمر رضي الله عنه بالسواد ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : له ذلك في الرقاب ، فأما في الأراضي ليس له ذلك بل عليه أن يقسمها بين الغانمين ويصرف الخمس إلى مصارفه ، وينبني هذا الكلام على فصلين : أحدهما في السواد أنها فتحت عنوة أو صلحا وقد بينا ، والثاني في فتح مكة فإنها فتحت عنوة وقهرا عندنا وزعم الشافعي رحمه الله تعالى أنها فتحت صلحا ، قال الكرخي رحمه الله تعالى في كتابه : ومن له أدنى علم بالسير والفتوح لا يقول بهذا وقد كان أهل العلم مجمعين على فتح مكة عنوة وقهرا حتى حدث قول بعد المائتين أنها فتحت صلحا ، وإنما قال الشافعي رحمه الله تعالى هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك لهم الأراضي والنخيل التي هي حول مكة فلم يجد بدا في إجراء مذهبه من هذا ، ( قال ) : والدليل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه { : أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على أن وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ثم دخلها بعد ذلك باثنين وعشرين شهرا } ، فعرفنا أنه دخلها بذلك الصلح وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } ، والدليل عليه أنه لم يضع على أراضيهم وظيفة وفي البلاد المفتوحة عنوة وقهرا لا يجوز ترك الأراضي لهم بغير وظيفة . ( وحجتنا ) في ذلك أن الآثار اشتهرت بنقض قريش الصلح الذي كان بينه وبينهم على ما روي أن بني خزاعة دخلوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وبني بكر في عهد قريش ثم قاتل بنو بكر بني خزاعة وأردفتهم قريش بالأسلحة والأطعمة [ ص: 38 ] وقاتل من قاتل من قريش معهم مستخفيا بالليل حتى جاء وافد بني خزاعة عمر بن سالم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنصره ويقول لاهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا أن قريشا أخلفوك الموعدا فقال صلى الله عليه وسلم : نصرت يا عمر بن سالم فنشأت سحابة فقال : إنها تستهل بنصر بني خزاعة إلى أن نزل صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قال العباس رضي الله عنه : قلت وا صباحا قريش لو دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرجوا فيستأمنوا لهلكت قريش فركبت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت الأراك لعلي أجد بعض الحطابين فأخبرهم بمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيت أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام رضوان الله عليهم أجمعين يتراجعان الحديث ، ويقول أحدهما لصاحبه : ما هذه النيران فيقول الآخر : نيران خزاعة ويقول الآخر : هم أقل من ذلك وأذل فقلت : يا حنظلة ما شأنك قال : يا أبا الفضل ما تفعل ههنا فقلت : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بمر الظهران في عشرة آلاف قال : وما الحيلة ؟ قلت : لا أعرف لك حيلة ولكن اركب عجز دابتي فأردفته فما مررت بنار إلا قيل هذه بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا عمه حتى مررت بنار عمر رضي الله عنه فعرفه فأخذ السيف وعدا خلفه ليقتله فسرت بالدابة حتى اقتحمت مضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عمر رضي الله عنه وقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليك إن الله مكنك من عدوك من غير عقد ولا صلح فدعني لأقتله فقلت : مهلا فإني أجرته ولو كان من بني عدي ما قتلته فبكى عمر رضي الله عنه وقال : والله إن سروري بإسلامك يوم أسلمت أكثر من سروري بإسلام الخطاب أن لو أسلم فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحمله إلى رحلي فغدوت به عليه ، وقال : ألم يأن أن تشهد أن لا إله إلا الله فقال أبو سفيان : إني أقول لو كان مع الله آلهة لجاز أن ينصرونا فقال صلى الله عليه وسلم : أتشهد أني رسول الله فقال : إن في النفس بعد من هذا لشيئا فقلت : أسلم فإن السيف في قفاك فأسلم فقلت : إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له من الأمر شيئا يا رسول الله { فقال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن فقال : وكم تسعهم داري يا رسول الله ، قال : من أغلق الباب [ ص: 39 ] على نفسه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن إلا ابن خطل ويعيش بن صبابة وقينتين لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمرني أن أحبسه في مضيق الوادي لتمر عليه الكتائب فكلما مرت عليه كتيبة قال : من هؤلاء ؟ } الحديث إلى أن مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها ألفا رجل من المهاجرين والأنصار عليهم السلاح والحلق لا يرى منهم إلا الحدق فلما حاذاه سعد بن عبادة وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده هز اللواء ، وقال : اليوم يوم الملحمة اليوم تهتك فيه الحرمة فقال أبو سفيان : إن ابن أخيك أصبح في ملك عظيم فقلت : ليس بملك إنما هو نبوة قال : أو ذاك ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت باستئصال قومك من قريش فقد قال سعد كذا فقال صلى الله عليه وسلم { : يوم المرحمة اليوم تحفظ فيه الحرمة وبعث إلى سعد ليسلم اللواء إلى ابنه قيس } الحديث فهذه القصة من أولها إلى آخرها تدل على انتقاض ذلك العهد { ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه من جانب والزبير بن العوام رضي الله عنه من جانب وقال : أترون أوباش قريش احصدوهم حصدا حتى تلقوني على الصفا } وفيه يقول قائلهم يخاطب زوجتهونقضوا ميثاقك المؤكدا وبيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا : إنك لو شهدت يوم خندمه إذ فر صفوان وفر عكرمة ، { وقال ابن رواحة رضي الله تعالى عنه ينشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقوللم ينطق اليوم بأدنى كلمة : خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله فقال له عمر رضي الله عنه أتنشد الشعر في حرم الله تعالى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه يا عمر فإنه أسرع في قلوبهم من وقع النبل حتى جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لقد انتدب حضرا قريش فلا قريش بعد اليوم فقال صلى الله عليه وسلم : الأبيض والأسود آمن إلا ابن خطل ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باب الكعبة وفيها رؤساء قريش فأخذ بعضادتي الباب وقال : ماذا ترون أني صانع بكم ؟ فقالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ملكت فاسجح ، فقال صلى الله عليه وسلم : إني أقول لكم كما قال أخي [ ص: 40 ] يوسف لإخوته { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } أنتم الطلقاء لكم أموالكم } وصح { أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر } فذلك دليل أنه صلى الله عليه وسلم دخلها مقاتلا { وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته : إن مكة حرام حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة } وإنما مراده حل القتال فيها فدل أنه دخلها مقاتلا وفي قوله تعالى { إذا جاء نصر الله والفتح } يشهد لما قلنا ونزول قوله تعالى { وهو الذي كف أيديهم } في صلح الحديبية .ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله لاهم إني مؤمن بقيله ألا ترى إلى قوله تعالى { والهدي معكوفا أن يبلغ محله } وإنما لم يضع الخراج على أراضيهم لأن الأراضي تابعة للرقاب ولم يضع الجزية على رقابهم إذ لا جزية على عربي ولا رق فكذلك لا خراج على أراضيهم فإذا ظهر أنها فتحت قهرا اتضح مذهبنا في المسألة التي قلنا وعلى سبيل الابتداء في تلك المسألة فالشافعي رحمه الله تعالى يقول : قد تأكد حق الغانمين في الأراضي أما عندي فقد ثبت الملك لهم بنفس الإصابة وعندكم تأكد الحق بالإحراز فقد صارت محرزة بفتح البلدة وإجراء أحكام الإسلام فيها وفي المن إبطال حق الغانمين عما تأكد حقهم فيه والإمام لا يملك ذلك كما إذا استولى على الأموال بدون الأراضي لم يكن له أن يبطل حق الغانمين عنها بالرد عليهم بخلاف الرقاب فالحق في رقابهم لم يتأكد . بدليل أن له أن يقتلهم فكذلك يكون له أن يمن على رقابهم بجزية يأخذها منهم ثم حق مصارف الخمس ثابت بالنص وفي المن إبطال ذلك ولهذا قلت أما تخميس الجزية لأن الخمس من الرقاب كان حقا لأرباب الخمس فيثبت حقهم في بدل ذلك وهو الجزية وعلماؤنا رحمهم الله تعالى يقولون : تصرف الإمام وقع على وجه النظر وأنه نصب لذلك وبيانه أنه لو قسمها بينهم اشتغلوا بالزراعة وقعدوا عن الجهاد فيكر عليهم العدو وربما لا يهتدون لذلك العمل أيضا فإذا تركها في أيديهم وهم أعرف بذلك العمل اشتغلوا بالزراعة وأدوا الجزية والخراج فيصرف ذلك إلى المقاتلة ويكونون مشغولين بالجهاد وبهذا تبين أنه ليس في هذا إبطال حقهم بل فيه توفير المنفعة عنهم لأن منفعة القسمة وإن كانت أعجل فمنفعة الخراج أدوم ولأنه كما ثبت الحق فيها للذين أصابوا ثبت لمن يأتي بعدهم بالنص قال الله تعالى { والذين جاءوا من بعدهم } وفي القسمة إبطال حق من يأتي بعدهم أصلا وفي المن عليهم مراعاة الحقين جميعا ، وإنما { قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر لحاجة لأصحابه رضي الله عنهم كانت [ ص: 41 ] يومئذ } ونحن نقول للإمام ذلك عند حاجة المسلمين فأما بدون الحاجة الأولى ما فعله عمر رضي الله عنه بالسواد والاستدلال بما استدل به ولا قول أبعد من قول من أوجب في الجزية الخمس { فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر والحلل من بني نجران } وقال لمعاذ رضي الله عنه { : خذ من كل حالم وحالمة دينارا ولم يخمس شيئا من ذلك } فدل أنه لا خمس في الجزية . وإذا قسم الغنيمة ضرب للفارس بسهمين وللراجل بسهم في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهو قول أهل العراق وفي قولهما والشافعي رحمهم الله تعالى يضرب للفارس بثلاثة أسهم وهو قول أهل الشام وأهل الحجاز لحديث عبد الله بن العمري رضي الله تعالى عنهما عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم { أنه أسهم للفارس ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه } { وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على ثمانية عشر سهما وكانت الرجال ألفا وأربعمائة والخيل مائتي فرس وباسم كل مائة سهم } فتبين أنه جعل سهم الفرس ضعف سهم الرجل وعند تعارض الأخبار المصير إلى ما روينا أولى لما فيه من إثبات الزيادة ولأنه اتفق عليه أهل الشام وأهل الحجاز فهم أعرف بذلك من أهل العراق ثم مؤنة الفرس أعظم من مؤنة الرجل والاستحقاق باعتبار التزام المؤنة وأبو حنيفة رحمه الله تعالى استدل بحديث عبيد الله العمري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { قسم للفارس سهمين سهما له وسهما لفرسه } وعبيد الله أوثق من أخيه عبد الله رضي الله تعالى عنهما وفي حديث كريمة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها المقداد رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { أسهم له يوم بدر سهمين سهما له وسهما لفرسه } . وفي حديث مجمع بن يعقوب بن مجمع عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم { أسهم للفارس يوم خيبر سهمين } وما رووا { أنه قسم خيبر على ثمانية عشر سهما } صحيح لكن ذكر في هذا الحديث أن الخيل كانت ثلثمائة ولو ثبت ما رووا فالمراد من قوله وكانت الخيل مائتي فرس الخيل بفرسانها والرجال ألف وأربعمائة أي الرجالة قال الله تعالى { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } أي بفرسانك ورجالتك وقال تعالى { يأتوك رجالا } أي رجالة فتبين بهذا أن الناس كانوا ألفا وستمائة فإذا كان باسم كل مائة سهم كان للفارس سهمان وللراجل سهم ثم المصير إلى ما روينا أولى لأنه هو المتيقن وما رجح به من إثبات الزيادة متعارض ففيما روينا إثبات الزيادة في نصيب الراجل ثم في هذا تفضيل البهيمة على الآدمي وذلك غير جائز لأن الاستحقاق [ ص: 42 ] بالقتال والرجل يقاتل وحده والفرس لا تقاتل ولهذا كان القياس أن لا يسوي بين الفرس والرجل وأن لا يستحق بالفرس شيئا لأنه آلة من آلات الحرب كسائر الآلات ، ولكن الآثار اتفقت على سهم واحد فأخذنا بما اتفق عليه الأثر وأبقينا ما اختلف فيه الأثر على أصل القياس ولا معنى لاعتبار المؤنة فصاحب الحمار والبغل يلتزم المؤنة أيضا ولا يستحق به شيئا وصاحب الفيل والبعير مؤنته أكثر ثم لا يستحق بهما شيئا مع أنا لا نسلم أن مؤنة الفرس أكثر فإن ما يحتاج إليه الفرس من العلف يوجد مباحا ومطعوم بني آدم من الخبز واللحم لا يوجد إلا بثمن ومذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى مروي عن عمر رضي الله عنه وصاحب البرذون والهجين والمقرف كصاحب الفرس العربي في استحقاق السهم به عندنا سواء وقال أهل الشام لا يسهم للبراذين ورووا فيه حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه شاذ والمشهور لهم حديث عمر رضي الله عنه على ما روي أن الخيل أغارت بالشام وعلى القوم المنذر بن أبي خمصة الوداعي فأدركت العراب اليوم والبراذين ضحى الغد فلم يسهم المنذر للبراذين وقال : لا أجعل من أدرك كمن لا يدرك وكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه فقال : هبلت الوداعي أمه لقد أذكت به وفي رواية لقد أذكرته أمضوها على ما قال . ![]()
__________________
|
|
#204
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 42 الى صـــ 51 (204) ( وحجتنا ) في ذلك أن استحقاق السهم بالخيل لمعنى إرهاب العدو قال الله تعالى { ومن رباط الخيل } الآية والإرهاب يحصل بالبرذون كما يحصل بالفرس العربي ثم العربي في الطلب والهرب أقوى والبرذون أقوى على الحرب وأصبر وألين عطفا عند اللقاء ففي كل جانب نوع منفعة معتبرة ومعنى التزام المؤنة يجمعهما وتأويل حديث عمر رضي الله عنه أن المنذر فعل ذلك باجتهاده فأمضى عمر رضي الله عنه اجتهاده وهكذا نقول ومن الناس من يقول يستحق بالفرس العربي سهمان وبما سوى ذلك سهم واحد وهذا بعيد فإن البرذون فرس العجم والعربي فرس العرب وكما يسوي بين العجمي والعربي في استحقاق السهم فكذلك في الخيل والهجين ما يكون أبوه من الكوادن وأمه عربية والمقرف ما يكون أبوه عربيا وأمه من الكوادن ومعنى قوله لقد ذكت به أتت به ذكيا وقوله أذكرته أتت به ذكرا جلدا . ( قال ) : وإذا دخل الغازي دار الحرب مع الجيش فارسا ثم نفق فرسه أو عقر قبل إحراز الغنيمة فله سهم الفرسان عندنا وهو قول عمر رضي الله عنه وقال الشافعي رحمه الله : له سهم الراجل لقول عمر رضي الله عنه الغنيمة لمن شهد الوقعة وقد شهد الوقعة راجلا ولأن سبب [ ص: 43 ] الاستحقاق الأخذ وعند الأخذ هو راجل فيستحق سهم الراجل كما لو نفق فرسه قبل دخول دار الحرب وهذا لأن سهم الفرس لا يكون أقوى من سهم صاحبه . ولو مات الغازي بعد مجاوزة الدرب لم يستحق شيئا فإذا نفق الفرس أولى ولأنه يستحق السهم بفرسه كما يستحق الرضخ بعبده ولو مات عبده بعد مجاوزة الدرب لم يستحق به شيئا فكذلك الفرس ( وحجتنا ) أنه دخل دار الحرب فارسا على قصد الجهاد فيستحق سهم الفرسان كما لو كان فرسه قائما وقاتل راجلا وهذا لأن الاستحقاق بالفرس لمعنى إرهاب العدو به وقد حصل به والجيش إنما يعرض عند مجاوزة الدرب فمن كان فارسا في ذلك الوقت وأثبت اسمه في ديوان الفرسان فقد حصل إرهاب العدو بفرسه لأنه ينتشر الخبر في دار الحرب أنه دخل كذا وكذا فارس وقل ما يعيش بعد ذلك ولأن الاعتبار للقهر الذي يحصل به إعزاز الدين وذلك بدخول دار الحرب على قصد الجهاد فإذا كان هو عند دخول دار الحرب ملتزما مؤنة الفرس على قصد الجهاد انعقد له سبب الاستحقاق وبالإجماع لا معتبر ببقاء الفرس إلى حال تمام الاستحقاق لأنه لو نفق فرسه بعد القتال قبل إحراز الغنيمة بدار الإسلام استحق سهم الفرسان فكان المعتبر حال انعقاد السبب ابتداء بخلاف ما لو مات قبل مجاوزة الدرب لأن معنى إرهاب العدو والقهر لم يحصل به وبخلاف ما إذا مات الفارس لأنه هو المستحق ولا يبقى الاستحقاق بعد موت المستحق وإن كان السبب منعقدا . ألا ترى أنه لو قتل في دار الحرب أو مات بعد الفراغ قبل الإحراز عندنا لا يستحق شيئا والعبد آدمي كالحر ثم الرضخ ليس نظير السهم ألا ترى أنه غير مقدر بشيء فلا يستقيم اعتبار السهم بما دونه . ولو باع فرسه بعد ما جاوز الدرب قبل القتال ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى يستحق سهم الفرسان أيضا لأنه أثبت اسمه في ديوان الفرسان وفي ظاهر الرواية يستحق سهم الرجالة لأنه تبين بالبيع أنه ما كان قصده من التزام مؤنة الفرس القتال عليه إنما كان قصده التجارة وبمجاوزة الدرب على قصد التجارة لا ينعقد سبب استحقاق الغنيمة بخلاف ما إذا مات فرسه ولأنه بالبيع والهبة أزاله عن ملكه باختياره فيكون به مسقطا حقه وبالموت ما أزاله عن ملكه باختياره بل هو مصاب في ذلك ولو باعه بعد الفراغ من القتال لم يسقط سهمه لأنه لا يتبين به أنه لم يكن قصده من التزام مؤنة الفرس عدم القتال . ألا ترى أنه ما لم يفرغ من القتال لم يشتغل بالبيع فيه واختلف مشايخنا رحمهم الله [ ص: 44 ] تعالى فيما إذا باعه في حالة القتال ، قال بعضهم : لا يسقط سهمه لأن بيع الفرس عند القتال مخاطرة بالنفس فمن ليس له قصد القتال يطلب في ذلك الوقت فرسا ليهرب عليه وبهذا تبين أن بيعه الفرس لإظهار المبالغة في الحرب وهو أنه يري العدو أنه غير عازم على الفرار أصلا ( قال ) رحمه الله تعالى : والأصح عندي أنه لا يستحق سهم الفارس لأن تأخيره بيع الفرس إلى وقت القتال يحقق قصد التجارة فيه فإن المشتري فيه عند ذلك أرغب والتاجر يحبس مال تجارته إلى وقت عزته وكثرة الرغبة فيه فلهذا يسقط سهمه ببيع الفرس . فأما إذا دخل دار الحرب راجلا ثم اشترى فرسا وقاتل فارسا فله سهم الراجل وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن له سهم الفرسان لأن معنى إرهاب العدو والقهر الذي يتم به إعزاز الدين بالقتال على الفرس أظهر منه في مجاوزة الدرب فإذا كان يستحق سهم الفرسان بمجاوزة الدرب فارسا فالقتال على الفرس أولى ، وجه ظاهر الرواية أن الإمام إنما يدون الدواوين ويثبت أسامي الفرسان والرجالة عند مجاوزة الدرب ويشق عليه تفقد أحوالهم بعد ذلك فمن أثبت اسمه في ديوان الرجالة فقد انعقد له سبب الاستحقاق راجلا فلا يتغير ذلك بشراء الفرس كما في الفصل الأول لا يتغير حاله بموت الفرس . ومن دخل دار الحرب فارسا ، ثم قاتل راجلا بأن كان القتال على باب حصن أو في السفينة فإنه يستحق سهم الفارس ، أما عندنا فلأنه أثبت اسمه في ديوان الفرسان والاستحقاق بحصوله في دار الحرب فارسا وعند الشافعي رحمه الله لأنه قاتل وله فرس معد للقتال عليه لو احتاج إليه فيستحق سهم الفرسان كما يستحق الردء السهم مع المباشر . وإذا مات الغازي أو قتل بعد إصابة الغنيمة قبل إخراجها إلى دار الإسلام لم يورث سهمه عندنا ، وهو قول علي رضي الله عنه وقال الشافعي رحمه الله : يورث وهو قول عمر رضي الله عنه وهذا ينبني على الأصل الذي بينا فإن عنده الملك يثبت لهم بنفس الإصابة وموت أحد الشركاء لا يبطل ملكه عن نصيبه بل يخلفه وارثه فيه كالشركاء في الاصطياد إذا مات أحدهم بعد الأخذ ، ومن أصلنا أن الحق يثبت بنفس الإصابة ولا يتأكد إلا بالإحراز والحق الضعيف لا يورث كحق القبول فإن المشتري إذا مات بعد إيجاب البائع قبل قبوله لا يخلفه وارثه في القبول وأما بعد الإحراز الحق يتأكد والإرث يجري في الحق المتأكد كحق الرهن والرد بالعيب وهو نظير مذهبنا في الشفعة وخيار الشرط لا يورث لأنه حق ضعيف وقد استدل بعض مشايخنا على [ ص: 45 ] ضعف الحق قبل الإحراز بإباحة تناول الطعام والعلف لكل واحد منهم من غير ضرورة وضمان وبامتناع وجوب الضمان على من أتلف شيئا من الغنيمة قبل الإحراز بخلاف ما بعد الإحراز وبقبول شهادة الغانمين في الغنيمة قبل الإحراز وامتناع قبول الشهادة بعد الإحراز وتبين بذلك أن الحق ضعيف كحق كل مسلم في مال بيت المال ولكن أصحاب الشافعي رحمهم الله ربما لا يسلمون هذين الفصلين . وإذا كان العبد مع مولاه فقاتل بإذنه يرضخ له وكذلك الصبي والمرأة والذمي والمكاتب لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد وكان يرضخ لهم } ، وعن فضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يرضخ للمماليك ولا يسهم لهم } ; ولأن العبد غير مجاهد بنفسه . ألا ترى أن للمولى أن يمنعه من الخروج فلا يسوى بينه وبين الحر الذي هو أهل للجهاد بنفسه في استحقاق السهم ولكن يرضخ له إذا قاتل لمعنى التحريض ، والصبي والمرأة ليس لهما قوة الجهاد بأنفسهما ولهذا لا يلحقهما فرض الجهاد ، والذمي ليس من أهل الجهاد بنفسه فإن الكفار لا يخاطبون بالشرائع ما لم يسلموا ، والرق في المكاتب قائم ويتوهم أن يعجز فيمنعه المولى من الخروج إلى الجهاد وإن كان العبد في خدمة مولاه وهو لا يقاتل لا يرضخ له أيضا لأن مولاه التزم مؤنته لخدمته لا للقتال به بخلاف الأول فإنه التزم مؤنته للقتال به ونظيره ما قررناه من بيع الفرس ، وأهل سوق العسكر إن لم يقاتلوا فلا يسهم لهم ولا يرضخ لأن قصدهم التجارة لا إرهاب العدو وإعزاز الدين فإن قاتلوا استحقوا السهم لأنه تبين بفعلهم أن قصدهم القتال ومعنى التجارة تبع لذلك ، فحالهم كحال التاجر في طريق الحج لا ينتقص به ثواب حجه وفيه نزل قوله تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } . ومن دخل دار الحرب بأفراس لا يستحق السهم إلا لفرس واحد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وهو قول أهل العراق وأهل الحجاز ، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى : يستحق السهم لفرسين وهو قول أهل الشام رحمهم الله تعالى لما روي { أن الزبير بن العوام رضي الله عنه شهد خيبر بفرسين فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم سهما له وسهمين لكل فرس } ولأن الإنسان قد يحتاج في القتال إلى فرسين حتى إذا كل أحدهما قاتل على الآخر وهو عادة معروفة في المبارزين ، فكان ملتزما مؤنة فرسين للقتال فيستحق السهم لهما وما زاد على ذلك غير محتاج إليه للقتال فكان من الجنائب وهما استدلا [ ص: 46 ] بما روى إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه { أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لصاحب الأفراس إلا لفرس واحد يوم حنين } وحديث ابن الزبير فإنما أعطاه سهم ذوي القربى له ولأمه صفية وما أسهم له إلا لفرس واحد ثم عند تعارض الآثار يؤخذ بالمتيقن لأن القياس يأبى استحقاق السهم بالفرس ولأنه لا يقاتل إلا على فرس واحد ويحمل ما يروى من الزيادة أنه أعطى ذلك على سبيل التنفيل كما روي { أنه أعطى سلمة بن الأكوع رضي الله عنه سهمين وكان راجلا } ولكن أعطاه أحد السهمين على سبيل التنفيل لجده في القتال فإنه قال { : خير رجالتنا سلمة بن الأكوع وخير فرساننا أبو قتادة } ، وهذه المسألة نظير ما بينا في النكاح أن المرأة لا تستحق النفقة إلا لخادم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف رحمهم الله تستحق النفقة لخادمين . ومن مرض أو كان جريحا في خيمته حتى أصابوا الغنائم فله السهم كاملا لأن سبب الاستحقاق وجد في حقه كما قررنا وفي نظيره قال صلى الله عليه وسلم { : إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم } . وإذا بعث الإمام سرية من العسكر في دار الحرب فجاءت بغنائم وقد أصاب الجيش غنائم أيضا فإن بعضهم يشارك بعضا في المصاب لأنهم اشتركوا في سبب الاستحقاق وهو دخول دار الحرب على قصد القتال ; ولأن الجيش في حق أصحاب السرية كالردء لهم حتى يلجئون إليهم إذا حزبهم أمر وهم بمنزلة الردء لاجتماعهم في دار الحرب وقد بينا أن للردء أن يشارك الجيش في المصاب وإن لم يلقوا قتالا بعد ما التحقوا بهم فهذا أولى . وإن أسر فأصاب المسلمون بعده غنيمة ثم انفلت منهم فالتحق بالجيش الذي أسر منه قبل أن يخرجوا فهو شريكهم في جميع ما أصابوا وإن لم يلقوا قتالا بعد ذلك لأنه انعقد سبب الاستحقاق له معهم فيشاركهم فيما تأكد الحق به وهو الإحراز فلا يعتبر العارض بعد ذلك كما لو مرض أو جرح وإن التحق هذا الأسير بعسكر آخر في دار الحرب وقد أصابوا غنائم فإنه لا يستحق السهم إلا أن يلقوا قتالا فيقاتل معهم لأنه ما انعقد له سبب الاستحقاق معهم وإنما كان قصده من اللحوق بهم الفوز والنجاة فلا يستحق السهم إلا أن يلقوا قتالا فحينئذ تبين بفعله أن قصده القتال معهم ويجعل قتاله للدفع عن المصاب كقتاله للإصابة في الابتداء وكذلك الذي أسلم في دار الحرب إذا التحق بالعسكر ، أو المرتد إذا تاب فالتحق بالعسكر أو التاجر الذي دخل بأمان إذا التحق بالعسكر فإنهم بمنزلة الأسير إن قاتلوا استحقوا السهم وإلا فلا شيء لهم . وفي الأصل ذكر أن عبدا لو جنى جناية [ ص: 47 ] خطأ أو أفسد متاعا فلزمه دين ثم أسره العدو ثم أسلموا عليه فهو لهم لقوله صلى الله عليه وسلم { من أسلم على مال فهو له } ثم الجناية تبطل عنه ، والدين يلحقه لأن حق الجناية في رقبته ولا يبقى بعد زوال ملك المولى . ألا ترى أنه لو زال ملكه بالبيع والهبة لا يبقى فيه حق ولي الجناية ، فأما الدين في ذمته فلا يبطل عنه بزوال ملك المولى كما لا يبطل ببيعه وهذا لأن الدين في ذمة العبد يجب شاغلا لماليته فإنما يملك العدو ماليته مشغولة بالدين كما أسروه ولهذا يبقى الدين عليه بعد ما أسلم ولو اشتراه رجل منهم أو أصابه المسلمون في غنيمة يأخذه المولى بالقيمة أو الثمن فإن الجناية والدين يلحقانه لأنه يعيده بالأخذ إلى قديم ملكه وحق ولي الجناية كان ثابتا في قديم ملكه ، وسيأتي بيان هذا الفصل ، وإن كانت الجناية قتل عمد لم يبطل ذلك عنه بحال ; لأن المستحق عليه نفسه قصاصا فلا يبطل ذلك بزوال ملك المولى كما لو باعه أو أعتقه بعد ما لزمه القصاص . ( قال ) : ولا ينبغي للإمام أن ينفل أحدا مما قد أصابه إنما النفل قبل إحراز الغنيمة أن يقول : من قتل قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له وقد كان يستحب ذلك للإغراء على القتال وهذا الكلام يشتمل على فصول : أحدها أن القاتل لا يستحق السلب بالقتل عندنا من غير تنفيل الإمام ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : إذا قتله مقبلا بين الصفين على وجه المبارزة استحق سلبه واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر { : من قتل قتيلا فله سلبه } فمثل هذا اللفظ في لسان صاحب الشرع لبيان السبب كقوله صلى الله عليه وسلم { : من بدل دينه فاقتلوه } فظاهره لنصب الشرع فإنه صلى الله عليه وسلم بعث لذلك وفي حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال : أصاب المسلمين جولة يوم حنين فلقيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فأتيته من ورائه وضربته على حبل عاتقه ضربة فأقبل علي وضمني إلى نفسه ضمة شممت منها رائحة الموت ثم أدركه الموت ، فأرسلني فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول { : من قتل قتيلا فله سلبه ، فقلت : من يشهد لي ؟ فقال رجل : صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فأرضه عني ، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : لاها الله أيعمد أسد من أسد الله فيقتل عدو الله ثم يعطيك سلبه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان القتل منه قبل مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعطاه سلبه } ، فظهر أن الاستحقاق بالقتل لا بالتنفيل ; ولأن القاتل أظهر فضل عناية على غيره بمباشرة القتل فيستحق التفضيل في الاستحقاق كالفارس مع الراجل [ ص: 48 ] وهذا لأن القاتل على سبيل المبارزة يحتاج إلى زيادة عناء ومخاطرة بالنفس ولهذا لو قتله مدبرا لا يستحق سلبه . وكذلك لو رمى سهما من صف المسلمين فقتل مشركا لا يستحق سلبه ; لأنه ليس فيه زيادة العناء فكل واحد يتجاسر على ذلك ، وأصحابنا استدلوا بقوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } ، والسلب من الغنيمة ; لأن الغنيمة مال يصاب بأشرف الجهات ، فينبغي أن يجب فيه الخمس بظاهر الآية وعندكم لا يجب وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : السلب من الغنيمة وفيه الخمس واستدل بالآية { وجاء رجل من بلقين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لمن المغنم ؟ قال : لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم ، فقال : هل أحد أحق بشيء من غيره ؟ قال : لا حتى لو رميت بسهم في جنبك فاستخرجته لم تكن أحق به من أخيك } وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : كنت واقفا يوم بدر بين شابين حديث أسنانهما أحدهما معوذ ابن عفراء والآخر معاذ بن عمر وابن الجموح فقال لي أحدهما : أي عم أتعرف أبا جهل ؟ قلت : وما شأنك به ؟ قال : بلغني أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لو لقيته ما فارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا موتا وعمر بي الآخر إلى مثل ذلك فلقيت أبا جهل في صف المشركين فقلت : ذاك صاحبكما الذي تريدانه فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه واختصما في سلبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل واحد منهما : أنا قتلته ، والسلب لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أمسحتما سيفيكما ؟ فقالا : لا فقال : أرياني سيفيكما فأرياه فقال : كلاكما قتله ثم أعطى السلب معوذ ابن عفراء } ولو كان الاستحقاق بالقتل لما خص به أحدهما مع قوله صلى الله عليه وسلم { كلاكما قتله } . ( فإن قيل ) : كيف يصح هذا والمشهور أن ابن مسعود رضي الله عنه قتله قلنا : هما أثخناه وابن مسعود رضي الله عنه أجهز عليه على ما روي أنه قال : وجدته صريعا في القتلى وبه رمق فجلست على صدره ففتح عينيه ، وقال : يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى عظيما لمن الدبرة قلت : لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقال : ما تريد أن تصنع قلت : أحز رأسك قال : لست بأول عبد قتل سيده ولكن خذ سيفي فهو أمضى لما تريد وأقطع رأسي من كاهل ليكون أهيب في عين الناظر وإذا لقيت محمدا فأخبره أني اليوم أشد بغضا له مما كنت قبل هذا فقطعت رأسه وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقيته بين يديه وقلت : هذا رأس أبي جهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : الله أكبر هذا كان فرعوني وفرعون أمتي شره على أمتي [ ص: 49 ] أكثر من شر فرعون على بني إسرائيل ونفلني سيفه } ففي هذا بيان أنه أجهز عليه وأن الاستحقاق ليس بنفس القتل إذ لو كان الاستحقاق بنفس القتل لكان المستحق للسيف من أثخنه فما كان ينفله غيره وإن البراء بن مالك رضي الله عنه قتل مرزبان الرازة وأخذ سلبه مرصعا باللؤلؤ والجوهر فقوم بعشرين ألفا فقال عمر رضي الله عنه : كنا لا نخمس الأسلاب وإن سلب البراء بلغ هذا المبلغ وما أراني إلا خامسه قال أنس : فبعثنا بالخمس أربعة آلاف إليه فإذا تبين وجوب الخمس فيه ثبت أن الباقي منه مقسوم بين الغانمين وما نقل من قوله { من قتل قتيلا فله سلبه } كان على سبيل التنفيل منه لا على وجه نصب الشرع وإنما يكون ذلك نصب الشرع إذا قاله في المدينة في مسجده ولم ينقل أنه قال ذلك إلا يوم بدر عند القتال للحاجة إلى التحريض وقد كانوا أذلة يوم حنين حين ولوا منهزمين للحاجة إلى التحريض فعرفنا أنه قال ذلك على سبيل التنفيل لا على وجه نصب الشرع ، وعندنا بالتنفيل يستحق . ولأن القاتل إنما تمكن من قتله وأخذ سلبه بقوة الجيش فلا يختص به كما لو أخذ أسيرا أو أصاب مالا آخر لا يختص به وكما يكون منه فضل عناء في القتل يكون ذلك منه بأخذ الأسير واستلاب سلب الحي ثم لا يختص به إلا بعد تنفيل الإمام وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر { : من قتل قتيلا فله سلبه } قال { : من أخذ أسيرا فهو له } ثم كان ذلك على وجه التنفيل فكذلك في السلب ، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم { : ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه } . ويستحب للإمام أن ينفل قبل الإصابة بحسب ما يرى الصواب فيه للتحريض على القتال قال الله تعالى { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } ولأن بالنفل يعينه على البر وهو بذل النفس لابتغاء مرضاة الله تعالى فكان ذلك مستحبا ولكن قبل الإصابة وأما بعد الإصابة لا يجوز النفل إلا على قول أهل الشام فإنهم يجوزون ذلك وقد روي { أنه صلى الله عليه وسلم نفل بعد الإصابة } وتأويل ذلك عندنا أنه نفل من الخمس أو من الصفي الذي كان له أو فعل ذلك يوم بدر لأن الأمر في الغنائم كان إليه كما روينا وإليه أشار سعيد بن المسيب رضي الله عنه فقال : لا نفل بعد الإحراز إلا ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المعنى فيه أن بعد الإصابة في التنفيل إبطال حق أرباب الخمس وإبطال حق بعض الغانمين عما ثبت حقهم فيه وهو سبب لإيقاع الفتنة والعداوة بينهم ، والتنفيل للتحريض على القتال وتسكين الفتنة فإذا نفل بعد الإصابة عاد على موضوعه [ ص: 50 ] بالنقض والإبطال وذلك لا يجوز . وإذا أخذ الرجل علفا من الغنيمة ففضل منه فضلة بعد ما خرج إلى دار الإسلام أعادها في الغنيمة إن كانت لم تقسم لأن اختصاصه بذلك كان للحاجة وقد زال بالخروج إلى دار الإسلام وكان ذلك لعدم تأكد الحق في الغنيمة لهم وقد زال ذلك بالإحراز وإن كانت الغنائم قد قسمت فذلك بمنزلة اللقطة في يده فإن كان فقيرا فلا بأس بأن يأكله وإن كان غنيا باعه وتصدق بثمنه كما يفعل باللقطة وكذلك لا ينبغي له أن يبيع شيئا من الطعام والعلف لأنه أبيح له التناول للحاجة والمباح له التناول لا يملك التصرف فيه بالبيع وإن فعل ذلك أعاد الثمن في الغنيمة إن لم تقسم وإن كانت قد قسمت صنع ما يصنع باللقطة كما بينا . وإن أقرضه رجلا في دار الحرب من الجند لم يسع له أن يأخذ منه شيئا لأن المقرض والمستقرض في حق إباحة تناوله سواء إلا أن الآخذ كان أحق به لأنه في يده فإذا زال ما بيده إلى الآخر سقط حقه فلهذا لا يأخذ منه شيئا . وإذا أعتق رجل من الجند جارية من الغنيمة نفذ عتقه في القياس لأن حقهم تأكد بالإحراز ألا ترى أن بالقسمة يتعين ملك كل واحد منهم والقسمة لتميز الملك لا لابتداء الملك فتبين به أن الملك كان ثابتا لهم من قبل . وإن أعتق جارية مشتركة بينه وبين غيره وهذا على أصل الشافعي رحمه الله تعالى أظهر فإنه يقول بنفس الإصابة يثبت لهم الملك ، وفي الاستحسان عندنا لا ينفذ عتقه لأن نفوذ العتق يستدعي ملكا قائما في المحن وذلك غير موجود لهم قبل القسمة . ألا ترى أن للإمام أن يبيع الغنائم ويقسم الثمن وأنه لا يدري أن نصيب كل واحد منهم في أي موضع يقع عند القسمة فكان ما هو شرط نفوذ العتق منعدما ، فلهذا لا ينفذ عتقه وكذلك لو استولدها لم يصح استيلاده لأن الاستيلاد يوجب حق العتق وذلك لا يكون إلا بعد قيام الملك في المحل بخلاف الأب يستولد جارية ابنه فله ولاية التملك هناك فيتملكها سابقا على الاستيلاد وليس له ولاية تملك هذه الجارية بدون رأي الإمام فلا يصح استيلاده فيها ولا يثبت النسب منه ولكن يسقط الحد عنه لثبوت حق متأكد ويلزمه العقر لأن الوطء في دار الإسلام عند ذلك لا ينفك عن حد أو عقر فكانت هي وولدها في الغنيمة لأن الولد يتبع الأم وعلى قول الشافعي رحمه الله استيلاده صحيح بناء على الأصل الذي بينا أن الملك عنده يثبت بنفس الإصابة . وإن سرق بعض الغانمين شيئا من الغنيمة لم يقطع لتأكد حقه فيها ، ولكنه يضمن المسروق ويؤدب ولا يحرق رحله عندنا وقال الأوزاعي رحمه الله : يحرق رحله [ ص: 51 ] ويستدل بحديث روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { أمر بأن يحرق رحل الغال } وفي السير الكبير ذكر عن محمد رحمه الله أن هذا الحديث لا يكاد يصح وقد كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجيش أعراب جهال يكون منهم الغلول فلو كان يستحق إحراق رحل الغال لاشتهر ذلك ونقل نقلا مستفيضا ، أرأيت لو كان في رحله مصاحف كانت تحرق واستكثر من الشواهد لاستبعاد هذا القول وكما لا يلزمه إذا سرق بنفسه فكذلك إذا سرق عبده أو ذو رحم محرم منه لأن فعل هذا في السرقة كفعله وقد بينا هذا في كتاب السرقة . وإذا قسمت الغنيمة على الرايات فوقعت جارية بين أهل راية أو عرافة فأعتقها رجل منهم ، قال : يجوز إذا قل الشركاء ; لأن الملك قد ثبت بقسمة الجملة وإن لم يتعين لعدم القسمة على الإفراد . ألا ترى أنه لم يبق للإمام رأي البيع بعد ذلك ولا رأى القتل في الأسارى فكانت مشتركة بين أهل تلك العرافة شركة ملك وعتق أحد الشركاء نافذ ولكن هذا إذا قلوا حتى تكون الشركة خاصة فأما إذا كثروا فالشركة عامة وبالشركة العامة لا تثبت ولاية العتاق كشركة المسلمين في مال بيت المال ثم قال : والقليل إذا كانوا مائة أو أقل ولست أوقت فيه وقتا وفي السير الكبير حكي فيه أقاويل فقال : قد قيل أربعون ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أظهر الإسلام حين كثر المسلمون فكانوا أربعين ، وقيل خمسون اعتبارا بعدد الإيمان في القسامة وقيل : مائة استدلالا بقوله تعالى { فإن يكن منكم مائة صابرة } وقيل : إذا كانوا يحصون من غير حاجة إلى كتاب وحساب وقيل : إذا كانوا بحيث لو ولد لأحدهم ولد يظهر ذلك من يومه فهم قليل والأصح أنه موكول إلى رأي الإمام في استقلال عددهم واستكثاره ; لأن نصب المقادير لا يكون بالرأي وليس فيه نص ، فالأولى أن يجعل موكولا إلى اجتهاد الإمام . وإذا سبى الجند امرأة ثم سبوا زوجها بعدها بقليل أو كثير وقد حاضت فيما بين ذلك حيضتين أو لم تحض غير أنهم لم يخرجوها من دار الحرب حتى سبوا زوجها فهما على نكاحها وأيهما سبي وأخرج إلى دار الإسلام ثم سبي الآخر وأخرج فلا نكاح بينهما وهذا فصل بيناه في كتاب النكاح أن الموجب للفرقة تباين الدارين لا السبي فإذا انعدم تباين الدارين كانا على نكاحهما سواء سبيا معا أو أحدهما بعد الآخر وإذا أخرج المسبي منهما إلى دار الإسلام وجد تباين الدارين بينهما حقيقة وحكما فارتفع النكاح بينهما ثم لا يعود بعد ذلك وإن سبي الآخر منهما والله أعلم بالصواب . . [ ص: 52 ] باب ما أصيب في الغنيمة مما كان المشركون أصابوه من مال المسلم ( قال ) رضي الله عنه : بني مسائل الباب على أصل مختلف فيه وهو أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر إذا أحرزوه بدارهم عندنا ولا يملكونها عند الشافعي لقوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } والتملك بالقهر أقوى جهات السبيل ولما أغار عتيبة بن حصن على سرح المدينة وفيه ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء وامرأة من الأنصار قالت الأنصارية : فلما جن الليل قصدت الفرار من أيديهم فما وضعت يدي على بعير الأرغي حتى وضعت يدي على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء فركنت إلي فركبتها وقلت : لئن نجاني الله تعالى عليها لأنحرنها ولآكلن من سنامها وكبدها فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصصت عليه هذه القصة قال { بئسما جازيتها لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم } وفي رواية { رديها فإنها ناقة من إبلنا وارجعي إلى أهلك على اسم الله } والمعنى فيه أن هذا عدوان محض لأنه حرام ليس فيه شبهة الإباحة فلا يكون سببا للملك كاستيلاء المسلم على مال المسلم وهذا لأن الملك حكم مشروع مرغوب فيه فيستدعي سببا مشروعا والعدوان المحض ضد المشروع ولأن المعصوم بالإسلام لا يملك بالقهر كالرقاب فإن الشرع أثبت العصمة بسبب واحد في المال والرقاب قال صلى الله عليه وسلم { فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم } فذلك دليل المساواة بينهما في المنع من التملك بالقهر وهذا لأن الاستيلاء سبب الملك في محل مباح لا في محل معصوم حتى لا يملك مال المستأمن بالقهر بخلاف مال الحربي الذي لا أمان له ولا يملك صيد الحرم بالاستيلاء بخلاف صيد الحل والسبب لا يعمل إلا في محله فإذا صادف الاستيلاء محلا معصوما لم يكن موجبا للملك وبه فارق سائر أسباب الملك من البيع والهبة لأنه موجب للملك في محل معصوم وهو مملوك . ![]()
__________________
|
|
#205
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 52 الى صـــ 61 (205) ( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم } الآية فإن الله تعالى سمى المهاجرين فقراء والفقير حقيقة من لا ملك له ولو لم يملك الكفار أموالهم بالاستيلاء لما سماهم فقراء ولما قال علي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : ألا تنزل دارك قال { : وهل ترك لنا عقيل من ربع } وقد كان له دار بمكة ورثها من خديجة رضي الله عنها فاستولى عليها عقيل بعد هجرته والمعني فيه أن الاستيلاء سبب يملك به المسلم مال الكافر [ ص: 53 ] فيملك به الكافر مال المسلم كالبيع والهبة وتأثيره أن نفس الأخذ سبب لملك المال إذا تم بالإحراز وبيننا وبينهم مساواة في أسباب إصابة الدنيا بل حظهم أوفر من حظنا لأن الدنيا لهم ولأنه لا مقصود لهم في هذا الأخذ سوى اكتساب المال ونحن لا نقصد بالأخذ اكتساب المال ثم جعل هذا الأخذ سببا للملك في حق المسلم بدون القصد فلأن يكون سببا للملك في حقهم مع وجود القصد أولى وإنما يفارقوننا فيما يكون طريقه طريق الجزاء لأن الجزاء بوفاق العمل وذلك في تملك رقاب الأحرار لأن الآدمي في الأصل خلق مالكا لا مملوكا فصفة المملوكية فيه تكون بواسطة إبطال صفة المالكية وذلك مشروع في حقهم بطريق الجزاء فإنهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى جازاهم الله تعالى على ذلك بأن جعلهم عبيد عبيده ولا يوجد ذلك في حق المسلمين ولا إشكال أن إبطال صفة الحرية يكون بطريق الجزاء والعقوبة . ألا ترى أن إثبات صفة الحرية في المملوك مشروع بطريق الجزاء والتقرب فإبطال صفة الحرية يكون الجزاء والعقوبة وقد تعذر إثبات هذه الواسطة في رقاب الأحرار المسلمين أو من ثبت له حق العتق منهم حتى أن في حق العبيد لما كان الملك يثبت بدون هذه الواسطة قلنا بأنهم يملكون عبيدنا بالأخذ ; والمفارقة بيننا وبينهم في الحل والحرمة لا يمنع المساواة في حكم الملك عند تقرر سببه ألا ترى أن استكساب المسلم عبده الكافر سبب مباح للملك واستكساب الكافر عبده المسلم حرام ومع ذلك كان موجبا للملك لتقرر السبب مع أن الفعل الذي هو عدوان غير موجب للملك عندنا لأن الفعل إنما يكون عدوانا في مال معصوم والعصمة بالإحراز والإحراز بالدار لا بالدين لأن الإحراز بالدين من حيث مراعاة حق الشرع ، والإثم في مجاوزة ذلك ولا يتحقق ذلك في حق المنكرين فإنما يكون الإحراز في حقهم بالدار التي هي دافعة لشرهم حسا وما بقي المال معصوما بالإحراز بدار الإسلام لا يملك بالاستيلاء عندنا وإنما يملك بعد انعدام هذه العصمة بالإحراز بدار الحرب ، والأخذ بعد ذلك ليس بعدوان محض والمحل غير معصوم أيضا فلهذا كان الاستيلاء فيه سببا للملك والدليل على أن الإحراز بالدين لا يظهر حكمه في حقهم فصل الضمان فإنهم لا يضمنون ما أتلفوا من نفوس المسلمين وأموالهم ; وتأثير العصمة في إيجاب الضمان أظهر منه في دفع الملك ثم لما لم يبق للعصمة بالدين اعتبار في حقهم في إيجاب الضمان فكذلك في دفع الملك وتأويل الحديث أنهم لم يحرزوها بدارهم بعد فلم يملكوها ولا ملكت هي فلهذا [ ص: 54 ] استردها وجعل نذرها فيما لا تملك والمراد بالآية حكم الأخذ بدليل قوله تعالى { فالله يحكم بينهم يوم القيامة } وبه نقول أنهم يفارقوننا في دار الآخرة فإنها دار الجزاء ولا سبيل لهم علينا في دار الجزاء إذا عرفنا هذا فنقول : إذا وقع هذا المال في الغنيمة وقد كان المشركون أحرزوه فإن وجده مالكه قبل القسمة أخذه بغير شيء وإن وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة إن شاء لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين أحرزوا ناقة رجل من المسلمين بدارهم ثم وقعت في الغنيمة فخاصم فيها المالك القديم فقال صلى الله عليه وسلم { إن وجدتها قبل القسمة أخذتها بغير شيء وإن وجدتها بعد القسمة أخذتها بالقيمة إن شئت } . ففي هذا دليل أنهم قد ملكوها وإنما فرق في الأخذ مجانا بين ما قبل القسمة وما بعدها لأن المستولى عليه صار مظلوما وقد كان يفترض على من يقوم بنصرة الدار وهم الغزاة أن يدفعوا الظلم عنه بأن يتبعوا المشركين ليستنفذوا المال من أيديهم وقبل القسمة الحق لعامة الغزاة فعليهم دفع الظلم بإعادة ماله إليه فأما بعد القسمة فقد تعين الملك لمن وقع في سهمه وعليه دفع الظلم ولكن لا بطريق إبطال حقه وحقه في المالية حتى كان للإمام أن يبيع الغنائم ويقسم الثمن بين الغانمين وحق المالك القديم في العين فيتمكن من الأخذ بالقيمة إن شاء ليتوصل كل واحد منهما إلى حقه فيعتدل النظر من الجانبين ولأن قبل القسمة ثبوت حق الغزاة فيه ليس بعوض على شيء بل صلة شرعية لهم ابتداء فلا يكون في أخذ المالك القديم إياه مجانا إبطال حقهم عن عوض كان حقا لهم فأما بعد القسمة فمن وقع في سهمه استحق هذا العين عوضا عن سهمه في الغنيمة فلا وجه لإبطال حقه في ذلك العوض فيثبت للمالك القديم حق الأخذ بعد ما يعطي من وقع في سهمه العوض الذي كان حقا له وإنما يأخذه إذا أثبت دعواه فإن مجرد قوله ليس بحجة في إبطال حق الغانمين قبل القسمة ولا في استحقاق الملك على من وقع في سهمه بعد القسمة وهذا إذا كان المأخوذ شيئا لا مثل له فأما الدراهم والدنانير والفلوس والمكيل والموزون فإن وجدها قبل القسمة أخذها بغير شيء وإن وجدها بعد القسمة فلا سبيل له عليها لأن الأخذ شرعا إنما ثبت له إذا كان مفيدا وقبل القسمة هو مفيد فأما بعد القسمة لو أخذها بمثلها وذلك غير مفيد فإن المالية في هذه الأشياء باعتبار الكيل والوزن ولهذا جرى الربا فيها فلكون الأخذ غير مفيد قلنا بأنه لا يكون مشروعا بخلاف ما لا مثل له فإنه يأخذه بالقيمة وذلك يكون مفيدا لما في العين من الغرض الصحيح للناس . وإن [ ص: 55 ] وجد عبدا كان له فأبق إليهم وقد وقع في سهم رجل من الجند أخذه منه بغير شيء في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يأخذه بالقيمة إن شاء لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن عبدا لمسلم أبق إلى دار الحرب ثم وقع في الغنية فخاصم فيه المالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم { فقال : إن وجدته قبل القسمة أخذته بغير شيء وإن وجدته بعد القسمة أخذته بالقيمة إن شئت } وعن الأزهر بن يزيد أن أمة لقوم أبقيت إلى دار الحرب ثم وقعت في الغنيمة فخاصم فيها مولاها فكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر رضي الله عنهما فرد جوابه إن وجدها قبل القسمة أخذها وإن وجدها بعد القسمة فقد مضت القسمة ولأن الآبق يملك بسائر أسباب الملك فيملك بالاستيلاء كما لو كان مترددا في دار الإسلام فأحرزوه بدارهم أو كالدابة إذا ندت إليهم وبيان الوصف أنه يملك بالإرث حتى لو أعتقه الوارث بعد موت المورث ينفذ عتقه ويملك بالضمان حتى إذا كان مغصوبا فضمن الغاصب قيمته يملكه بالضمان ويملك بالهبة من ابنه الصغير وبالبيع ممن في يده وإنما لا يجوز بيعه من غيره للعجز عن التسليم لا لأنه ليس بمحل للتمليك والدليل عليه آبقهم إلينا فإنما نملكه بالاستيلاء فكذا آبقنا إليهم لما بينا من تحقق المساواة بيننا وبينهم في أسباب إصابة الدنيا وعلل أبو حنيفة في الكتاب وقال : لأن الكفار لم يحرزوه ويعني أنه صار في يد نفسه وهي يد محترمة فتكون دافعة لإحراز المشركين إياه كيد المكاتب في نفسه وإنما قلنا ذلك لأن يد المولى زالت عنه حقيقة بالإباق وحكما بدخوله دار الحرب إذ لا يجوز أن يثبت للمسلم يد على من في دار الحرب حكما كما لا يثبت لإمام المسلمين اليد على من كان في دار الحرب فلم يخلفه الآخر إما لأنه حين انتهى إلى الموضع الذي لا يأتي فيه المسلمون وأهل الحرب فقد زالت يد المولى ولا تثبت يد أهل الحرب عليه في هذا الموضع أو لأن يد أهل الحرب إنما تثبت عليه حسا لا حكما فما لم يأخذوه لا تثبت يدهم عليه فصار في يد نفسه لأن الآدمي من أهل أن تثبت له اليد على نفسه وإن كان مملوكا . ألا ترى أن العبد إذا توكل بشراء نفسه من مولاه لا يملك البائع حبسه بالثمن لثبوت اليد له على نفسه وهذا لأن المانع من ثبوت يده على نفسه يد المولى فإذا زالت تلك اليد لا إلى من يخلفه تثبت اليد له في نفسه لزوال المانع كما في المكاتب وباعتبار هذه اليد المحترمة يبقى هو محرزا بدار الإسلام لأن صاحب اليد من أهل دار الإسلام ولا طريق لهم إلى الحيلولة بينه وبين هذه اليد . وما بقي [ ص: 56 ] المال محرزا بدار الإسلام لا يتم إحراز المشركين إياه فهذا معنى قوله أن الكفار لم يحرزوه بخلاف المتردد في دار الإسلام فإنه في يد مولاه حكما ولهذا لو وهبه لابنه الصغير صار قابضا له فبقاء المانع حكما يمنع ثبوت اليد له في نفسه فيتم إحراز المشركين إياه فأما الآبق إلى دار الحرب لا يكون في يد مولاه حكما حتى لو وهبه من ابنه الصغير لا يجوز هكذا ذكره أبو الحسين قاضي الحرمين عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى بخلاف الدابة إذا ندت إليهم لأنها ليست من أهل أن تثبت لها اليد في نفسها وبخلاف آبقهم إلينا لأن يده في نفسه ليست بمحترمة فيتم إحراز المسلمين إياه وبخلاف التملك بالإرث والضمان فإنه تملك حكمي يثبت في المحل الذي لا يقبل الملك قصدا بسببه كالخمر والقصاص يملك بالإرث والدين يملك بالإرث والضمان وإن لم يكن محلا للتمليك بالقهر وهذا لما بينا أنه مع بقاء العصمة والإحراز قد يملك بالإرث والضمان ولا يملك بالأخذ وتأويل الحديثين أن الآبق لم يكن وصل إليهم حتى خرجوا إليه فأخذوه وأحرزوه إذا عرفنا هذا فنقول عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لما كان له أن يأخذه بعد القسمة بغير شيء فالإمام يعوض لمن وقع في سهمه قيمته من بيت المال لأن نصيبه استحق فله أن يرجع على شركائه في الغنيمة وقد تعذر ذلك لتفرقهم في القبائل فيعوضه من بيت المال لأن حقه من نوائب المسلمين ومال بيت المال معد لذلك ولأنه لو فضل من الغنيمة شيء يتعذر قسمه كالجوهر ونحوه يوضع ذلك في بيت المال فكذلك إذا لحق غرم يجعل ذلك على بيت المال لأن الغرم يقابل بالغنم وهكذا يقال على أصل الكل . إذا كان المأسور مدبرا أو أم مكاتبا أو أم ولد لمسلم فإن المالك القديم يأخذه بغير شيء بعد القسمة ويعوض الإمام من وقع في سهمه قيمته من بيت المال لما قلنا . فإن وجد العبد في يد مسلم اشتراه من أهل الحرب فأخرجه فإن كان قد أبق إليهم فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى للمولى أن يأخذه بغير شيء لبقائه على ملكه ولا يغرم للمشتري شيئا مما أدى لأنه فدى ملكه بغير أمره إلا أن يكون أمره بالفداء فحينئذ يرجع عليه بما أدى وعندهما يأخذه منه بالثمن إن شاء وكذلك إن كان العبد مأسورا بالاتفاق لأنه لا يستحق على المشتري دفع الظلم عنه بالتزام الخسران في مال نفسه ولأنه وصل إليه هذا العبد بعوض وهو ما أدى من الثمن فيبقى حقه مرعيا في ذلك العوض ولهذا يأخذه منه بالثمن إن شاء وإن كان أهل الحرب قد وهبوه لرجل أخذه منه مولاه بالقيمة إن شاء لأنه صار ملك الموهوب له وهو ملك مرعي [ ص: 57 ] محترم فلا يجوز إبطاله عليه مجانا لدفع الظلم عن المأسور منه ولكن في ذلك كحال من وقع في سهمه فلهذا يأخذه منه بالقيمة . ( فإن قيل ) : هذا الملك يثبت للموهوب له بغير عوض . ( قلنا ) : لا كذلك فالعوض والمكافأة في الهبة مقصود وإن لم يكن مشروطا ولهذا يثبت حق الرجوع للواهب إذا لم ينل العوض فجعل ذلك المعنى معتبرا في إثبات حقه في القيمة . وإن كان المشتري للعبد من العدو باعه من غيره أخذه المولى من المشتري الثاني بالثمن الذي اشتراه به إن كان من ذوات الأمثال فبمثله وإن لم يكن فبقيمته ولأن المشتري الثاني قائم مقام المشتري الأول وملكه مرعي كملك المشتري الأول وليس للمالك القديم أن يبطل العقد الثاني ليأخذه من يد المشتري الأول وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أن له ذلك لأن حق المولى القديم في العين سابق على حق المشتري الأول ولم يبطل ذلك بتصرفه فيكون متمكنا من نقض تصرفه كما يتمكن الشفيع من نقض تصرف المشتري وهذا لأن له في نقض هذا التصرف فائدة لما بين الثمنين من التفاوت ، وجه ظاهر الرواية أن الشرع جعل للمالك القديم حق الأخذ من غير نقض التصرف ألا ترى أنه لم يجعل له حق نقض القسمة ليأخذه مجانا وفائدته في ذلك أظهر وهذا بخلاف الشفيع لأن تصرف المشتري قد يكون مبطلا لحق الشفيع لو لم يكن له حق النقض وربما يهبه من إنسان والشفعة تثبت في الشراء دون الهبة فلإبقاء حق الشفيع في العين مكناه من نقض التصرف فأما ههنا ليس في تنفيذ تصرف المشتري إبطال حق المالك القديم فإن حق الآخذ يبقى سواء باعه المشتري أو وهبه أو تصدق به ولهذا تمكن من الأخذ من غير نقض التصرف ، توضيحه أن حق الشفيع يثبت قبل ملك المشتري ولهذا لو اشترى بشرط الخيار يثبت حق الشفيع وتصرف المشتري بحكم ملكه فينتقض تصرفه بحق من سبق حقه في ملكه فأما حق المولى القديم لم يثبت بعد ملك المشتري . ألا ترى أن الكفار لو أسلموا قبل أن يبيعوه لم يكن للمولى أن يأخذه ولهذا لا يتمكن من نقض تصرف المشتري فإن وقع الاختلاف بينهما في مقدار الثمن فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه إنما يتملك عليه ما له فلا يتمكن من أخذه إلا بما يقر هو له كالمشتري مع الشفيع إذا اختلفا في الثمن إلا أن يقيم المالك البينة أنه اشتراه بأقل من ذلك فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم . وإن اشتراه رجل من أهل الحرب ويعلم به مولاه فلم يخاصم فيه زمانا ثم أراد أن يأخذه بالثمن فله ذلك وفي رواية ابن سماعة عن [ ص: 58 ] محمد ليس له بمنزلة الشفيع إذا لم يطلب الشفعة بعد علمه بالبيع ، وجه ظاهر الرواية أن سكوت الشفيع جعل مبطلا حقه لدفع الضرر والغرر عن المشتري فإنه يتمكن الشفيع من نقض تصرفه فلو لم يبطل حقه بالسكوت كان يتعذر على المشتري تنفيذ التصرف فيه مخافة أن يبطل الشفيع تصرفه وهذا المعنى لا يوجد ههنا فإن المالك القديم لا يتمكن من نقض تصرف المشتري على ما بينا فلهذا لا يكون سكوته مبطلا لحقه فإن لم يأخذه حتى أسروه ثانيا ثم اشتراه رجل آخر منهم ثم حضر مولاه الأول فلا سبيل له على المشتري الثاني لأن حق الآخذ إنما يثبت للمأسور منه في هذه المرة المشتري الأول دون المالك القديم فلهذا كان حق الآخذ من يد المشتري الثاني للمشتري الأول فإذا أخذه حينئذ يثبت للمالك الأخذ من يده بالثمنين جميعا إن شاء وإن أبى المشتري الأول أن يأخذه فلا سبيل للمالك القديم عليه لأن حقه كان ثابتا في ملك المشتري الأول فإذا أخذه فقد ظهر محل حقه وإن لم يأخذه لم يظهر محل حقه فلا سبيل له عليه كالموهوب له إذا وهبه لغيره فلا سبيل للواهب الأول عليه بالرجوع إلا أن يرجع الموهوب له الأول فيه فحينئذ يثبت للواهب الأول حق الرجوع لهذا المعنى . ( فإن قيل ) : إنما كان للمالك القديم حق الأخذ في الملك الذي استفاده المشتري من العدو وهذا ملك آخر استفاده من المشتري الثاني فكيف يثبت حقه فيه . ( قلنا ) : لا كذلك لأن المأسور منه بالأخذ يعيده إلى قديم ملكه ولهذا لو كان موهوبا كان للواهب أن يرجع فيه وما يغرم المشتري من العدو فداء وليس ببدل عن الملك كالمولى يفدي عبده من الجناية فيبقى على قديم ملكه لا أن يتملكه بالفداء وإنما يأخذه بالثمنين لأن ذلك هو العوض الذي أدى من ماله فيه مرتين ولو أداه مرة واحدة لم يملك المولى أخذه ما لم يرد عليه جميع ذلك فكذلك إذا غرمه مرتين . وإذا أسر العدو عبدا وفي عنقه جناية عمد أو خطأ أو دين إنسان فإن رجع إلى مولاه الأول بوجه من الوجهين بحق الملك الأول فذلك كله في عنقه كما كان لما بينا أنه بالأخذ أعاده إلى قديم ملكه فالتحق بما لم يزل عن ملكه أصلا وإن لم يرجع إليه أو رجع إليه بملك مستأنف بطلت جناية الخطأ لأن المستحق بالجناية الخطأ على الملك الذي كان له في وقتها وقد فات ذلك ولم يعد والحق لا يبقى بعد فوات محله كما لو زال العبد الجاني عن ملكه بالبيع أو بالعتق وأما جناية العمد والدين فهما عليه كما كان يؤخذ بهما لأن المستحق بجناية العمد ذمته وذلك باق بعد زوال ملك المولى . ألا ترى [ ص: 59 ] أنه لو زال ملكه بالبيع أو الهبة لا يبطل القصاص عنه وكذلك الدين المستحق في ذمته وذمته باقية ألا ترى أن بالبيع والعتق لا يبطل الدين عنه والدين في ذمته يكون شاغلا لماليته إذا كان ظاهرا في حق مولاه فلهذا أخذ به وفي الموضع الذي تلحقه الجناية والدين يبدأ بالدفع بالجناية ثم بالبيع ثم بالدين لأنه لو بدأ بالبيع بطل حق ولي الجناية ولو دفع بالجناية أولا لم يبطل حق صاحب الدين فلهذا كانت البداية بالدفع بالجناية . فإن وقع المأسور في سهم رجل فلم يحضر مولاه حتى أعتقه هذا الرجل أو دبره جاز لأنه تصرف بحكم ملكه وملكه تام مع قيام حق المأسور منه فينفذ تصرفه ثم لا يكون للمولى عليه سبيل لأنه خرج من أن يكون قابلا للنقل من ملك إلى ملك لما ثبت فيه من الحرية أو حقها ولأن الولاء عليه قد لزم المشتري الأول على وجه لا سبيل إلى إبطاله وحق المالك القديم بعرض الإبطال وهو نظير الموهوب له إذا أعتق أو دبر يبطل حق الواهب في الرجوع لما قلنا . وإن كانت أمة فزوجها فولدت من الزوج فله أن يأخذها وولدها لأنها بالولادة من الزوج لم تخرج من أن تكون قابلة للنقل من ملك إلى ملك والولد جزء من عينها فيثبت له حق الأخذ فيه كما في سائر أجزائها بخلاف حق الواهب في الرجوع فإنه لا يثبت في الولد لأن ذلك حق ضعيف العين . ألا ترى أنه لا يبقى بعد تصرف الموهوب له والحق الضعيف لا يعد ومحله والولد وإن كان جزءا من - العين ففي المال هو محل آخر فأما حق المولى ههنا قوي يتأكد في العين حتى لا يبطل بتصرف المشتري فلهذا يسري إلى الولد الذي هو جزء من العين ولا يكون له أن يفسخ النكاح لما بينا أنه يتمكن من الأخذ من غير أن ينقض تصرف المشتري والنكاح ألزم من سائر التصرفات ولا يتمكن من نقضه وإن كان أخذ عقرها أو أرش جناية جنى عليها لم يكن للمولى على ذلك سبيل لأن حقه في العين والأرش والعقر غير متولد من العين ولم يوجد فيه السبب وهو الاستيلاء عليه في ذلك المال ولأنه لو أخذ العقر والأرش أخذهما بمثلهما فلا يكون مفيدا شيئا ثم لا ينتقص عن المولى القديم شيء من الثمن بسبب احتباس العقر والأرش عند المشتري . ألا ترى أنها لو تعيبت في يد المشتري بعيب يسير أو فاحش لم ينتقص عن المولى شيء وهذا لما بينا أن ما يعطى فداء وليس ببدل في حقه والفداء لا يقابل بشيء من أوصاف وإن لم يكن زوجها المشتري من العدو حل له وطؤها وإن كان يعلم قصتها لأنها مملوكة ملكا صحيحا وقيام حق المولى في الأخذ لا ينافي ملكه كالجارية [ ص: 60 ] الموهوبة يحل للموهوب له وطؤها وإن كان للواهب فيها حق الرجوع . ( قال ) فإن كان المأسور منه يتيما كان للوصي أن يأخذه من مشتريه بالثمن لأنه قام مقام الصبي في استيفاء حقوقه نظرا له فلا يكون له أخذه لنفسه لأن الأسر لم يقع على ملكه وهو السبب المثبت لحق الأخذ له . فإذا كانت الجارية رهنا بألف درهم وهي قيمتها فأسرها العدو ثم اشتراها منهم رجل بألف درهم كان مولاها أحق بها بالثمن لأنها أسرت على ملكه وحق الأخذ بالثمن للمأسور منه باعتبار ملكه القديم وذلك للراهن دون المرتهن فإن أخذها لم تكن رهنا لأنها في حق المرتهن تاوية ولأنه لا فائدة للمرتهن في أخذها لأن الراهن لم يكن متبرعا فيما أعطي من الألف فإنه ما كان يتوصل إلى إحياء ملكه إلا بأداء الألف فلا يتمكن المرتهن من أخذها إلا برد الألف على الراهن وإنما يأخذها ليستوفي ألفا من ماليتها فلا يفيده إعطاء الألف ليستوفي منه ألفا وهو نظير ما لو جنت جناية يبلغ أرشها ألف درهم وأبى المرتهن أن يفديها ففداها الراهن وإن كان الثمن أقل من ألف درهم كان للمرتهن أن يؤدي ذلك الثمن الذي أداه المولى فيكون رهنا عنده على حاله إن شاء وإن شاء تركها لأن أخذه إياها مفيد له فإنه يغرم الخمسمائة ليحيي به حقه في الألف وهو نظير الجناية إذا كان أرشها أقل من الألف ففداها الراهن كان للمرتهن أن يرد عليه الفداء وتكون رهنا عنده على حالها وإن شاء تركها فكانت تاوية في حقه وقد بينا فيما سبق أن الثمن الذي يعطيه المالك القديم للمشتري فداء وليس ببدل عن الملك بمنزلة الفداء من الجناية . وإن كانت في يده وديعة أو عارية أو إجارة لم يكن له إلى أخذها سبيل وكان الحق في أخذها لمولاها لأن ثبوت الأخذ باعتبار قديم الملك وذلك للمولى دون ذي اليد وهذا بخلاف الاسترداد من الغاصب فالغصب لا يزيل ملك المولى والمودع والمستعير قائم مقامه في حفظ ملكه فيمكن من الاسترداد ليتوصل إلى الحفظ فأما الإحراز يزيل ملك المولى فيخرج به المستعير والمستودع من أن يكون عاملا له ولو أثبتنا له حق الأخذ بالثمن كان عاملا لنفسه في التملك ابتداء فلهذا لم يكن لهما حق الأخذ بالثمن وبه فارق الفداء من الجناية فإن المودع والمستعير لو فداها من الجناية صح وكان متبرعا في ذلك لأن الجناية لا تزيل ملك المولى ونظيرها بالفداء يقرر حفظ الملك عليه وأما الإحراز يزيل ملك المولى فإن أخذ بالثمن يكون إعادة للملك لا أن يكون حفظا للملك وهو ما أقامهما في ذلك مقام نفسه . فإن كان لها زوج قبل [ ص: 61 ] أن تؤسر فالنكاح بحاله لأنه لم تتباين بهما الدار حكما فإنها مسلمة وإن كانت مأسورة في دار الحرب فالمسلم من أهل دار الإسلام حكما وإن كان في دار الحرب صورة وتباين الدارين حقيقة لا حكما لا يقطع عصمة النكاح وبالإحراز تصير مملوكة لأهل الحرب فيكون ذلك في حكم النكاح كبيع المولى إياها وذلك غير مفسد للنكاح . فإن غلب العدو على مال المسلمين فأحرزوه وهناك مسلم تاجر مستأمن حل له أن يشتريه منهم فيأكل الطعام من ذلك ويطأ الجارية لأنهم ملكوها بالإحراز فالتحقت بسائر أملاكهم وهذا بخلاف ما لو دخل إليهم تاجر بأمان فسرق منهم جارية وأخرجها لم يحل للمسلم أن يشتريها منه لأنه أحرزها على سبيل الغدر وهو مأمور بردها عليهم فيما بينه وبين ربه وإن كان لا يجبره الإمام على ذلك لأنه غدر بأمان نفسه لا بأمان الإمام فأما ههنا هذا الملك تام للذي أحرزها بدليل أنه لو أسلم أو صار ذميا كانت سالمة له ولا يفتي بردها فلهذا حل للمشتري منه وطؤها وهذا للفقه الذي قلنا أن العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإسلام تنعدم عند تمام إحراز المشركين إياها وهذا بخلاف ما إذا كانت مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة فإنها لم تصر مملوكة بالإحراز فلا يحل للتاجر أن يشتريها منهم ولا أن يطأها ألا ترى أنهم لو أسلموا أو صاروا ذمة وجب عليهم ردها على المالك القديم فتكون على ملكه كما كانت ، وإن اشترى التاجر مكاتبا أو مدبرا أو حرا أسره أهل الحرب فأخرجه فالحر على حاله والمكاتب والمدبر كذلك لأنهما لا يملكان بشيء من أسباب الملك وإن كان المشتري فداهما بغير أمرهما فلا رجوع له عليهما لأنه تبرع بما فداهما به وإن كان بأمرهما فله أن يرجع عليهما بما فداهما به لأنه أدى مال نفسه في تخليصهما وتوفير المنفعة عليهما بأمرهما وهذا في الحر غير مشكل وكذلك في المكاتب فإن موجب جناية المكاتب على نفسه لأنه بمنزلة الحر في ملك اليد والمكاتب وإن كان المأسور عبدا لمسلم فباعه ملكه من رجل من أهل الحرب فأعتقه فهو حر كما لو باعه من مسلم فأعتقه وقيل على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ينبغي أن يعتق بنفس البيع لا بإعتاقه لأن من أصله أن عبد الحربي إذا أسلم فباعه مولاه يعتق فهذا أيضا عبد مسلم لحربي فإذا زال ملكه ويده ببيعه يزول إلى العتق وعندهما بالبيع لا يعتق وإنما يعتق بالإعتاق أما عند أبي يوسف فالإعتاق من الحربي صحيح وكذلك عند محمد إذا كان من حكم ملكهم منع المعتق من استرقاق المعتق مع أن العبد ههنا مسلم فلا يكون محلا للاسترقاق بعد الإعتاق فلهذا يعتق بإعتاقه وقيل [ ص: 62 ] بل هذا قولهم جميعا فإن أبا حنيفة إنما يقول يعتق بالبيع في عبد ليس لمسلم فيه حق وفي هذا العبد للمولى القديم حق الإعادة إلى ملكه مجانا أو بفداء فلا يعتق بالبيع ما لم يعتقه مالكه . ![]()
__________________
|
|
#206
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 62 الى صـــ 71 (206) وإذا أسلم أهل الحرب على مال أخذوه من أموال المسلمين وصاروا ذمة فهو لهم ولا سبيل للمسلمين عليه لأن القياس أن لا يكون للمالك القديم حق الأخذ بعد زوال ملكه بتمام الإحراز وبه كان يقول الزهري والحسن البصري رحمهما الله وإنما تركنا القياس بالسنة في الذي وقع في الغنيمة أو اشتراه منهم مسلم والسنة ههنا جاءت بتقرر الملك للذي أسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : من أسلم على مال فهو له } والمعنى الذي لأجله ثبت للمالك القديم حق الأخذ هناك وجوب نصرته والقيام بدفع الظلم عنه على المسلم الذي وقع في سهمه كما بينا وهذا غير موجود ههنا فإنه ما كان على هذا الحربي القيام بنصرته حين أحرزوه لأن ذلك ثابت شرعا وهم لا يخاطبون بذلك ولأن القيام بالنصرة على من هو أهل دار الإسلام وهو ما كان يومئذ من أهل دار الإسلام فلم يثبت حقه في ملكه وإذا أسلم أو صار ذمة فقد تقرر ملكه وكذلك لو كان ذلك الحربي باعه من حربي آخر ثم أسلم المشتري أو صار ذمة فالمشتري بمنزلة البائع في المعنى الذي قررنا وكذلك لو خرج إلينا بأمان ومعه ذلك المال فإنه لا يتعرض له فيه وهذا أظهر لأنه حربي وإن كان مستأمنا في دارنا ولم يكن حق المولى ثابتا في ملكه فلو مكناه من الأخذ منه كان غدرا بالأمان وذلك حرام إلا أنه يجبر المستأمن على بيعه من المسلمين لأنه عبد مسلم فلا يمكن الحربي من استذلاله باستدامة الملك وإعادته إلى دار الحرب . وإذا سبي الصبي من أهل دار الحرب وأخرج إلى دار الإسلام فمات فإن كان معه أبواه كافرين أو أحدهما فإنه لا يصلى عليه والأصل فيه أن الولد تابع للأبوين في الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا } ولا تظهر تبعية الدار عند تبعية الأبوين . ألا ترى أن أولاد أهل الذمة في دار الإسلام يكونون على دين آبائهم وهذا لأن الولد من الأبوين ولكنه في الدار لا من الدار فكان اتباعه للأبوين أصلا والدار في حكم الخلف فلا يظهر الخلف مع قيام الأصل وكذلك أحد الأبوين في هذا الحكم بمنزلتهما . ألا ترى أن الذمية إذا ولدت من زنا فإن الولد يتبعها في الدين ولا أبا هنا فعرفنا أن أحد الأبوين يكفي في الاتباع فإن كان معه أبواه أو أحدهما فهو دينه فإذا مات لا يصلى عليه وإن كانت جارية لم يحل [ ص: 63 ] للسابي وطؤها إذا لم يكن أبواها أو أحدهما من أهل الكتاب فإن أسلم أبواه أو أحدهما فقد صار الصبي مسلما تبعا لمن أسلم منهما فإنه يتبع خير الأبوين دينا لأنه يقرب من التابع فإذا مات يصلى عليه وإن خرج وليس معه أبواه أو أحد من الأبوين فمات قبل أن يعقل الإسلام صلى عليه لأن التبعية بينه وبين الأبوين انقطعت بتباين الدار حقيقة وحكما فيظهر تبعية الدار ويصير محكوما بإسلامه تبعا للدار كاللقيط فإذا مات يصلى عليه وإن خرج الأب من ناحية والابن من ناحية معا فمات الصبي لم يصل عليه لأنه ما حصل في دارنا إلا وله أب كافر فيكون تبعا له دون الدار وكذلك إن خرج الأب أولا ثم الصبي بخلاف ما لو خرج الصبي أولا ثم الأب فإنه حين خرج أولا حكم بإسلامه تبعا للدار فلا يحكم بكفره بعد ذلك وإن خرج أبواه . ( فإن قيل ) : إذا خرج معه أحد أبويه فاعتبار جانب الأب يوجب كفره واعتبار جانب الدار يوجب إسلامه فينبغي أن يرجح الموجب لإسلامه كما لو أسلمت أمه قلنا : الاشتغال بالترجيح عند المساواة وذلك في حق الأبوين فأما الدار خلف عن الأبوين في حقه كما بينا ولا يظهر الخلف في حال بقاء الأصل فلا معنى للاشتغال بالترجيح وكذلك لو مات أبوه كافرا في دارنا لأن بموته لا ينقطع حكم التبعية . ألا ترى أن أولاد أهل الذمة لا يحكم بإسلامهم وإن ماتت آباؤهم وفي هذا نوع إشكال فإن من في دار الحرب في حق من هو في دار الإسلام كالميت ثم جعلنا الولد تبعا للدار إذا بقي أبواه في دار الحرب ولا نجمله تبعا للدار إذا مات أبواه في دار الإسلام ولكن نقول : الموت لا يقطع العصمة ألا ترى أن المتوفى عنها زوجها يبقى حل النكاح بينهما وبينه في حق الغسل وتباين الدارين حقيقة وحكما ينافي العصمة والتبعية فمن هذا الوجه يفترقان . ولا بأس ببيع السبي من أهل الذمة ما لم يسلموا لأنهم صاروا من أهل دارنا ولكنهم كفار فلا بأس ببيعهم من أهل الذمة وإن كان الأولى أن لا يفعل الإمام ذلك ولكن يبيعهم من المسلمين ليسلموا عسى ويكره بيعهم من أهل الحرب لأنهم صاروا من أهل دارنا فلا يباعون من أهل الحرب ليعيدوهم إلى دار الحرب فيتقووا بهم على المسلمين ومن صار محكوما بإسلامه من صغارهم يكره بيعه من أهل الذمة كغيره من العبيد المسلمين . وللإمام أن يقتل الرجال من الأسارى وله أن يستبقيهم ويقسمهم بين الجند ينظر أي ذلك خيرا للمسلمين فعله { لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل سبي بني قريظة وقسم سبايا أوطاس } فعرفنا أن كل [ ص: 64 ] ذلك جائز والإمام نصب ناظرا فربما يكون النظر في قتلهم لمعنى الكبت والغيظ للعدو وليأمن المسلمون فتنتهم وربما يكون النظر في قسمتهم لينتفع بهم المسلمون فيختار من ذلك ما هو الأنفع ولهذا لا يحل للمسلمين قتلهم بدون رأي الإمام لأن فيه افتياتا على رأيه إلا أن يخاف الآسر فتنة فحينئذ له أن يقتله قبل أن يأتي به إلى الإمام وليس لغير من أسره ذلك لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله } وإن كان لو قتله لم يلزمه شيء لأن الأسير ما لم يقسم الإمام مباح الدم بدليل أن للإمام أن يقتله وقتل مباح الدم لا يوجب ضمانه فإن أسلموا لم يقتلهم لقوله صلى الله عليه وسلم { : فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم } ولأن القتل لدفع فتنة الكفر وقد اندفعت بالإسلام ولكنه يقسمهم لأنه كان مخيرا فيهم بين القتل والقسمة فإذا تعذر أحدهما تعين الآخر وهذا لأن حق المسلمين قد ثبت فيهم بالأخذ وصاروا بمنزلة الأرقاء والإسلام لا ينافي بقاء الرق والقسمة لتعيين الملك لا أن يكون ابتداء الاسترقاق فإسلامهم لا يمنع من ذلك فإن لم يسلموا ولكنهم ادعوا أمانا فقال قوم من المسلمين : قد كنا أمناهم فإنهم لا يصدقون على ذلك لأن حق المسلمين قد ثبت فيهم فلا يصدقون في إبطال حق المسلمين وقولهم هذا إقرار لا شهادة فإنهم أخبروا به عن أنفسهم ومن أخبر بما لا يملك استئنافه كان متهما في خبره فلا يصدق وإن شهد قوم من المسلمين عدول على طائفة أخرى من المسلمين أنهم أسروهم وهم ممتنعون جازت شهادتهم لأنه لا تهمة في شهادتهم فإنهم إن كانوا من الجند ففي شهادتهم ضرر عليهم وإن كانوا من غير الجند فليس في شهادتهم منفعة لهم وإذا انتفت التهمة فالثابت بالشهادة كالثابت معاينة . ولا يقتل الأعمى ولا المقعد والمعتوه من الأسارى لأنه إنما يقتل من يقاتل ، قال الله تعالى { وقاتلوهم } والمفاعلة تكون من الجانبين ولما { رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة قال : هاه ما كانت هذه تقاتل } فعرفنا أنه إنما يقتل من الأسارى من يقاتل والأعمى والمقعد والمعتوه لا يقاتلون أحدا وإن كان ذلك منهم عارضا فقد اندفع بالأسر فلا يقتلون بعد ذلك كالمرأة منهم إذا قاتلت فأسرت لا تقتل بعد ذلك . ولا بأس بإرساله الماء إلى مدينة أهل الحرب وإحراقهم بالنار ورميهم بالمنجنيق وإن كان فيهم أطفال أو ناس من المسلمين أسرى أو تجار وقال الحسن بن زياد رحمه الله تعالى : إذا علم أن فيهم مسلما وأنه يتلف بهذا الصنع لم يحل له [ ص: 65 ] ذلك لأن الإقدام على قتل المسلم حرام وترك قتل الكافر جائز . ألا ترى أن للإمام أن لا يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين فكان مراعاة جانب المسلم أولى من هذا الوجه ولكنا نقول : أمرنا بقتالهم فلو اعتبرنا هذا المعنى أدى إلى سد باب القتال معهم فإن حصونهم ومدائنهم قل ما تخلو من مسلم عادة ولأنه يجوز لنا أن نفعل ذلك بهم وإن كان فيهم نساؤهم وصبيانهم وكما لا يحل قتل المسلم لا يحل قتل نسائهم وصبيانهم ثم لا يمتنع ذلك لمكان نسائهم وصبيانهم فكذلك لمكان المسلم فلا يستقيم منع هذا وقد روينا { أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على الطائف وأمر أسامة بن زيد رضي الله عنه بأن يحرق وحرق حصن عوف بن مالك } وكذلك إن تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم وإن كان الرامي يعلم أنه يصيب المسلم وعلى قول الحسن رضي الله عنه لا يحل له ذلك وهو قول الشافعي لما بينا أن التحرز عن قتل المسلم فرض وترك الرمي إليهم جائز ولكنا نقول : القتال معهم فرض وإذا تركنا ذلك لما فعلوا أدى إلى سد باب القتال معهم ولأنه يتضرر المسلمون بذلك فإنهم يمتنعون من الرمي لما أنهم تترسوا بأطفال المسلمين فيجترئون بذلك على المسلمين وربما يصيبون منهم إذا تمكنوا من الدنو من المسلمين والضرر مدفوع إلا أن على المسلم الرامي أن يقصد به الحربي لأنه لو قدر على التمييز بين الحربي والمسلم فعلا كان ذلك مستحقا عليه فإذا عجز عن ذلك كان عليه أن يميز بقصده لأنه وسع مثله ولا كفارة عليه ولا دية فيما أصاب مسلما منهم لأنه إصابة بفعل مباح مع العلم بحقيقة الحال والمباح مطلقا لا يوجب عليه كفارة ولا دية والشافعي يوجب ذلك ويقول هذا قتل خطأ لأنه يقصد بالرمي الكافر فيصيب المسلم وهذا هو صورة الخطأ ولكنا نقول إذا كان عالما بحقيقة حال من يصيبه عند الرمي لم يكن فعله خطأ بل كان مباحا مطلقا . وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان وله في أيديهم جارية مأسورة كرهت له غصبها ووطأها لأنهم ملكوها عليه والتحقت بسائر أملاكهم فلو غصبها منهم أو سرقها كان ذلك منه غدرا للأمان وقد ضمن أن لا يغدر بهم ولا يأخذ شيئا من أموالهم إلا بطيب أنفسهم وإن كانت مدبرة أو أم ولد لم يكره له ذلك لأنهم لم يملكوها عليه فهو إنما يعيد ملكه إلى يده ولا يتعرض لملكهم بشيء فلم يكن ذلك منه غدرا للأمان . ألا ترى أنهم لو أسلموا كان عليهم ردها بخلاف الأمة وإن كان الرجل مأسورا فيهم لم أكره له أن يغصب أمته أو يسرقها لأنه ما كان بينه وبينهم أمان ولكنه مقهور فيهم مظلوم [ ص: 66 ] فكان له أن يدفع الظلم عن نفسه بما يقدر عليه ألا ترى أن له أن يقتل من قدر عليه منهم وأن يسرق ما استطاع من أموالهم وأولادهم بخلاف الذي دخل إليهم بأمان . وإذا أسلم الحربي في دار الحرب ثم ظهر المسلمون على تلك الدار ترك له ما في يده من ماله ورقيقه وولده الصغار لأن أولاده الصغار صاروا مسلمين بإسلامه تبعا فلا يسترقون والمنقولات في يده حقيقة وهي يد محترمة لإسلام صاحبها فلا يتملك ذلك عليه بالاستيلاء ولأنه صار محرزا ما في يده من المال بمنعة المسلمين وذلك سبب لتقرير ملك المسلم لا إبطال ملكه يوضحه أن يده إلى أمتعته أسبق من يد المسلمين فأما عقاره فإنها تصير غنيمة للمسلمين في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى : أستحسن فأجعل عقاره له لأنه ملك محترم له كالمنقول واستدل بحديث الكلبي ومحمد بن إسحاق رحمهما الله تعالى { أن نفرا من بني قريظة أسلموا حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محاصرا لهم فأحرزوا بذلك أنفسهم وأموالهم } قال : وعامة أموالهم الدور والأراضي ولكنا نقول : هذه بقعة من بقاع دار الحرب فتصير غنيمة للمسلمين كسائر البقاع وهذا لأن اليد على العقار إنما تثبت حكما ودار الحرب ليست بدار الأحكام فلا معتبر بيده فيها قبل ظهور المسلمين عليها وبعد الظهور يد الغانمين فيها أقوى من يده فلهذا كانت غنيمة بخلاف المنقولات وتأويل الحديث إن صح في المنقول دون العقار وكذلك أولاده الكبار فيء لأنهم ما صاروا مسلمين بإسلامه ولا كانت له عليهم يد فهم كسائر أهل الحرب وكذلك زوجته الحبلى لأنها لا تصير مسلمة بإسلام زوجها فتكون فيئا ويده عليها يد حكمية بسبب النكاح ومثله لا يمنع الاغتنام كاليد على العقار وكذلك ما في بطنها فيء عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى : لا يكون فيئا لأن ما في بطنها مسلم بإسلام أبيه والمسلم لا يسترق أبدا كالولد المنفصل ولكنا نقول : الجنين في حكم جزء من أجزاء الأم وهي قد صارت فيئا بجميع أجزائها ألا ترى أنه لا يجوز أن يستثنى الجنين في إعتاق الأم كما لا يستثنى سائر أجزائها وكما أن في الإعتاق لا يصير الجنين مستثنى بعد ما ثبت الرق في الأم وهذا لأن الحكم في التبع لا يثبت ابتداء بل بثبوته في الأصل يظهر في التبع فيكون هذا في حق التبع بمنزلة بقاء الحكم والإسلام لا يمنع بقاء الرق . وإن كان خرج إلى دار الإسلام ثم أسلم ثم ظهر المسلمون على الدار فأهله وماله وأولاده [ ص: 67 ] أجمعون فيء لأنه لما أسلم في دارنا فولده الذي في دار الحرب لا يصير مسلما بإسلامه لما بينا أن تباين الدارين حقيقة وحكما مناف للتبعية ولأنه لا يد له على شيء مما خلفه في دار الحرب من أمواله فلهذا كان جميع ذلك فيئا للمسلمين لأنهم أحرزوه دونه . ولو أسلم في دار الحرب ثم دخل دار الإسلام ثم ظهر المسلمون على الدار فجميع ماله فيء إلا أولاده الصغار لأنهم صاروا مسلمين بإسلامه لأنه حين أسلم في دار الحرب كانت التبعية بينه وبينهم قائمة وبعد ما صاروا مسلمين لا يسترقون فأما الأموال فلم يبق له يد فيها بعد ما خرج إلى دار الإسلام وتركها في دار الحرب وإن كان أودع شيئا من ماله مسلما أو ذميا فذلك المال لا يكون فيئا لأن يد المسلم والذمي يد صحيحة على هذا المال فتكون مانعة إحراز المسلمين إياها كما في سائر أموال المودع وإذا لم تصر غنيمة كانت يد المودع فيها كيد المودع فيصير هو المحرز لها من هذا الوجه فترد عليه وإن كان أودع شيئا من ماله حربيا فذلك المال فيء في ظاهر الرواية وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يكون فيئا لأن يد المودع كيد المودع فجعلت يده باقية على هذا المال حكما بيد من يخلفه ، وجه ظاهر الرواية أن يد المودع في هذا المال ليست بيد صحيحة ألا ترى أنها لا تكون دافعة لاغتنام المسلمين عن سائر أمواله فكذلك عن هذه الوديعة وإذا لم تكن يده معتبرة كان هذا والمال الذي لم يودعه أحدا سواء . وإذا دخل المسلم أو الذمي دار الحرب تاجرا بأمان فأصاب هناك مالا ودورا ثم ظهر المسلمون على ذلك كله فهو له كله إلا الدور والأرضين فإنها فيء لأن يده يد صحيحة فإنه من أهل دار الإسلام فيكون هو المحرز بيده لأمواله وتكون يده دافعة لإحراز المسلمين تلك الأموال فأما الدور والأرضين فهي بقعة من بقاع دار الحرب فتصير مغنومة كسائر البقاع وتقرير هذا الكلام أن اليد على هذه البقعة من دار الحرب لا تقوى مقصودة بنفسها وإنما تقوى إذا ثبتت على جميع الدار فكانت هذه البقعة في حكم التبع وقد بينا أن ثبوت الحكم في التبع كثبوته في الأصل بخلاف المنقولات فاليد عليها تبقى مقصودة بنفسها وقد سبق ذلك من المسلم فكان هو المحرز لها يوضحه أن المسلم يتحقق منه الإحراز في المنقولات بأن يخرجها إلى دار الإسلام فيجعل أيضا محرزا لها بظهور المسلمين على الدار فأما العقار لا يتحول ولا يتحقق من المسلم إحرازه بالإخراج إلى دار الإسلام فإنما تصير محرزة بالغانمين ومن قاتل من كبار عبيده فهو فيء لأنه نزع نفسه من يده حين قاتل المسلمين فإن المسلم يمنع [ ص: 68 ] عبده من قتال المسلمين وإن لم يبق له عليه يد حقيقة كان فيئا كسائر عبيد أهل الحرب وإن كانت له امرأة حبلى فهي وما في بطنها فيء كما بينا وما كان له من وديعة عند مسلم أو ذمي أو حربي فهو له وليست بفيء أما ما كان عند مسلم أو ذمي فلا إشكال فيه وأما ما كان عند حربي فلأنه ما دام في دار الحرب فيده ثابتة على تلك الوديعة باعتبار يد مودعه وكونه حافظا له فتكون يده دافعة لإحراز المسلمين في ذلك المال بخلاف ما تقدم في ما إذا خرج إلى دار الإسلام . ( قال ) : وكذلك إن كان خرج إلى دار الإسلام قبل ذلك فإن كان مراده من هذا العطف ما أودعه عند مسلم أو ذمي فهو ظاهر وإن كان مراده ما أودعه عند حربي فهو يقوي قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويحتاج إلى الفرق بين هذا وبين ما سبق على ظاهر الرواية ووجه الفرق أن التاجر الذي دخل إليهم ماله كان محرزا بدار الإسلام ولم يبطل ذلك الإحراز إلا بإحراز المشركين إياه وذلك لا يوجد فيما إذا أودعه من الحربي إذا كان الحربي جاريا على وفاق ما أمر به فإذا بقي المال محرزا بدار الإسلام لا يملكه المسلمون بالاستغنام فأما الذي أسلم في دار الحرب فماله لم يصر محرزا بدار الإسلام فكان محلا للاستغنام إلا ما ثبتت عليه يد صحيحة دافعة للاستغنام وذلك غير موجود فيما إذا أودعه من أهل الحرب فإن أخذ المسلمون تلك الوديعة فاقتسموها في الغنيمة ثم جاء صاحبها أخذها بغير قيمة لأنه مال مسلم لم يحرزه المشركون وإن كان المشركون قتلوا هذا المسلم في دارهم وأخذوا ماله ثم ظهر عليهم المسلمون ردوه على ورثة المقتول قبل القسمة بغير شيء لأنهم لما قتلوه وأخذوا ماله فقد صاروا محرزين له فيملكونه ثم المسلمون يملكونه عليهم بالاغتنام فهو بمنزلة مال المسلم استولى عليه أهل الحرب وأحرزوه ثم وقع في الغنيمة وقد مات صاحبه فكان لوارثه أن يأخذه قبل القسمة بغير شيء لأنه قائم مقام مورثه في ملكه وحقوق ملكه وتمكنه من الأخذ كان لحق ملكه القديم فيقوم فيه وارثه مقامه وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يثبت لوارثه حق الأخذ واعتبر هذا بحق الشفعة وحق الخيار فإن ذلك لا يصير ميراثا عنه بعد موته فكذلك في حق المأسور . ألا ترى أن هذا الحق دون ذلك الحق فإن للشفيع أن ينقض تصرف المشتري وليس للمالك القديم ذلك وإن كانوا اقتسموه ثم حضر ورثة المقتول أخذوا الأمتعة بالقيمة إن شاءوا ولم يأخذوا الذهب والفضة كما لو كان المورث حيا وإن كان هؤلاء المشركون أسلموا على دراهم وصالحوا لم يؤخذوا [ ص: 69 ] بشيء من مال المقتول لأن إسلامهم يقرر ملكهم ولا ضمان عليهم في دمه لأنهم قتلوه حين كانوا حربا للمسلمين فلم يكن عليهم ضمان دمه يومئذ ثم لا يجب بعد ذلك بإسلامهم . ولو كان مسلم دخل دار الحرب بأمان واشترى صبيا وصبية فأعتقهما ثم خرج وتركهما هناك فكبرا هناك كافرين ثم ظهر المسلمون على الدار فهما فيء لأن إعتاقه إياهما في دار الحرب ليس بشيء في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فلا يصير محرزا لهما وعند أبي يوسف رضي الله تعالى عنه إن كان ذلك إعتاقا صحيحا فهم كسائر أحرار أهل الحرب من الكفار فيكونون فيئا ومقصوده أن الولاء ليس نظير الولاد فإن الولد يصير مسلما بإسلام أبيه والمعتق لا يصير مسلما بإسلام معتقه إن كان صغيرا لأن الولاء أثر الملك وهو باعتبار أصل الملك لا يتبع مولاه في الدين فباعتبار أثر الملك أولى . وإذا كان المسلم في دار الحرب تاجرا أو أسيرا أو أسلم هناك فأمنهم فأمانه باطل لأنه مقهور في أيديهم والظاهر أنه مكره على الأمان من جهتهم ولأنه لا يقصد بالأمان منفعة للمسلمين وإنما قصده أن يؤمن نفسه ولأن الأمان يكون عن خوف ولا خوف لهم من جهته فيكون عقده على الغير ابتداء لا على نفسه وليس له ولاية العقد على الغير ابتداء فإن من أمن رجلا من أهل الجيش جاز أمانه لقوله صلى الله عليه وسلم { : يسعى بذمتهم أدناهم } أي أقلهم وهو الواحد وقال : يعقد عليهم أولاهم ويرد عليهم أقصاهم قيل : معناه أن السرية الأولى تعقد الأمان فينفذ على المسلمين ثم السرية الأخرى تنبذ إليهم فينفذ ذلك أيضا ولأن من في الجيش إنما يؤمنهم من نفسه لأنهم يخافونه فينفذ عقده على نفسه ثم يتعدى إلى غيره وهذا لأن الأمان لا يحتمل الوصف بالتجزي وسببه وهو الإيمان لا يتجزى أيضا فينفرد به كل مسلم لتكامل السبب في حقه كالتزويج بولاية القرابة . وكذلك لو أمنت المرأة من أهل دار الإسلام أهل الحرب جاز أمانها لما روي { أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أمنت زوجها أبا العاص بن الربيع فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانها } وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت { : أجرت حموين لي يوم فتح مكة فدخل علي رضي الله عنه يريد قتلهما وقال : أتجيرين المشركين ؟ فقلت : لا إلا أن تبدأ بي قبلهما وأخرجته من البيت وأغلقت الباب عليهما ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآني قال : مرحبا بأم هانئ فاختة : قلت : ماذا لقيت من ابن أمي أجرت حموين لي وأراد قتلهما فقال صلى الله عليه وسلم : ليس له ذلك [ ص: 70 ] وقد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت } ولأنها من أهل الجهاد فإنها تجاهد بمالها وكذلك بنفسها فإنها تخرج لمداواة المرضى والخبز وذلك جهاد منها . فأما العبد إذا أمن أهل الحرب فإن كان مأذونا له في القتال فأمانه صحيح لما روي أن عبدا كتب على سهم بالفارسية مترسيت ورمى بذلك إلى قوم محصورين فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه فأجاز أمانه وقال : إنه رجل من المسلمين وهذا العبد كان مقاتلا لأن الرمي فعل المقاتل ولأنه إذا كان متمكنا من القتال لوجود الإذن من مولاه فهم يخافونه فعقده يكون على نفسه ثم يتعدى حكمه إلى الغير وقول العبد في مثله صحيح كما في شهادته على رؤية هلال رمضان وإقراره على نفسه بالقود ولا يقال قرابته فيهم فهو متهم بإيصال المنفعة إليهم دون المسلمين فينبغي أن لا يصح أمانه كالذمي وهذا لأنه لا يظن بالمسلم إيثار القرابة على الدين ولو اعتبرنا هذا لم يصح أمانه بعد العتق أيضا ولا وجه للقول به فأما الذمي لم يوجد في حقه سبب ولاية الأمان وهو موافق لهم في الاعتقاد فالظاهر أنه يميل إليهم وأنهم لا يخافونه . فأما أمان العبد المحجور عليه عن القتال فهو باطل في قول أبي حنيفة رحمه الله صحيح في قول محمد والشافعي رحمهما الله تعالى وذكر الطحطاوي قول أبي يوسف مع أبي حنيفة رحمهما الله تعالى وذكر الكرخي قوله مع محمد رحمهما الله تعالى حجتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم { : يسعى بذمتهم أدناهم } وأدنى المسلمين العبد وفي حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : أمان العبد والصبي والمرأة سواء } وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : أمان العبد أمان } ولأنه من أهل الجهاد ولا تهمة في أمره فيصح أمانه كالحر وبيان الأهلية أن المطلوب بالجهاد إعزاز الدين ودفع فتنة الكفر فكل مسلم يكون أهلا له ثم الجهاد يكون بالنفس تارة وبالمال أخرى فالعبد لا مال له وهو ممنوع من الجهاد بالنفس لما فيه من إبطال حق المولى عن منافعه وتعريض ماليته للهلاك فأما الأمان جهاد بالقول وليس فيه إبطال حق المولى عن شيء فكان العبد فيه كالحر والدليل عليه صحة أمانه إذا كان مأذونا في القتل وتأثير الإذن في رفع المانع لا في إثبات الأهلية لمن ليس بأهل . ألا ترى أن بالإذن لا يصير أهلا للشهادة ونزول المانع من التصرفات لوجود الأهلية ثم الأمان ترك القتال ولا يستفاد بالإذن في القتال لأنه ضده وبعد الإذن هو في الأمان ليس بنائب عن المولى بدليل أن المعتبر دينه لا دين المولى فعرفنا أنه كان أهلا لكونه مسلما [ ص: 71 ] ولأن الأمان من فروع الدين وقوله في أصل الدين معتبر ملزم فكذلك في فروعه ولهذا صح إحرامه وصح منه عقد الذمة مع قوم من المشركين والذمة أقوى من الأمان فيستدل بصحة ما هو أقوى منه على صحة الأدنى بطريق الأولى . ( وحجتنا ) قوله تعالى { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } والأمان شيء وهذا عام لا يجوز دعوى التخصيص فيه لأن الله تعالى ذكر هذا المثل للأصنام واحدها لا يقدر على شيء ولأنه ليس بأهل للجهاد فلا يصح أمانه بنفسه كالذمي والصبي والمجنون وبيان الوصف أن الجهاد يكون بالنفس أو بالمال ونفسه مملوكة لغيره وهو ليس من أهل ملك المال فعرفنا أنه ليس من أهل الجهاد وتأثيره أن صحة الأمان من الواحد باعتبار منفعة المسلمين فربما يكون الأمان خيرا لهم لحفظ قوة أنفسهم لأن القتال حفظ قوة النفس أولا ثم العلو والغلبة ولكن الخيرة في الأمان مستورة لا يعرفه إلا من يكون مجاهدا فإذا كان العبد المحجور لا يملك القتال لا يعرف الخيرة في الأمان فلا يكون أمانه جهادا بالقول بخلاف المأذون في القتال فإنه لما تمكن من مباشرة القتال عرف الخيرة في الأمان فحكمنا بصحة أمانه ولهذا لا يحكم بصحة أمان الأسير لأن الخيرة في الأمان مستورة لا يعرفه إلا من يكون آمنا على نفسه والأسير خائف فإذا تقرر هذا في المقيد بالأسر ففي المقيد بالرق أولى لأن الأسير مالك للقتال وإنما لا يتمكن منه حسا والعبد غير مالك للقتال أصلا ولأن عقد العبد على الغير ابتداء لأنهم لا يخافونه حين لم يكن مالكا للقتال بخلاف المأذون له في القتال فإنهم يخافونه فإنما يعقد على نفسه ولا معنى لقول من يقول : العبد يؤمن نفسه وهو يخافهم وإن كان محجورا عليه لأنه يقول : أمنتكم ولا يقول : أمنت نفسي ولو قال ذلك لا يكون أمانا ولأنه نوع ولاية حيث إنه يتقيد القول على الغير بشرط التكليف فيكون نظير ولاية النكاح والعبد لا يملك النكاح بنفسه إلا أن يأذن له مولاه فيه فكذلك لا يملك الأمان إلا أن يكون مأذونا في القتال لأن الأمان ترك القتال ضرورة ولكنه من القتال معنى فيملكه من يكون مالكا للقتال والآثار محمولة على المأذون في القتال وقد تقدم بيان تأويل قوله صلى الله عليه وسلم { يسعى بذمتهم أدناهم } فأما عقد الذمة فنقول : إنه يتمحض منفعة للمسلمين لأن الكفار إذا طلبوا ذلك افترض على الإمام إجابتهم إليه فلو اعتبر ما سبق من العبد احتسب عليهم تلك المدة لأخذ الجزية ولو لم يعتبر كان ابتداء تلك المدة من الحال فلكونه محض منفعة حكمنا بصحته من العبد كقبول [ ص: 72 ] الهبة والصدقة فأما الأمان يتردد بين المضرة والمنفعة ولهذا لا يفترض إجابة الكفار إليه وفيه إبطال حق المسلمين في الاستغنام والاسترقاق والتصرف الذي فيه توهم الضرر في حق المولى خاصة كالبيع والشراء لا يملكه العبد بنفسه لما فيه من إلحاق الضرر بالمولى فالتصرف الذي فيه إلحاق الضرر بالمسلمين أولى . ![]()
__________________
|
|
#207
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 72 الى صـــ 81 (207) فأما الصبي إذا كان لا يعقل فلا إشكال أن أمانه باطل وإن كان يعقل فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أمانه باطل أيضا وهو قول الشافعي رحمه الله كما أنه لا يصح إيمانه ومحمد يقول بصحة أمانه كما يقول بصحة إيمانه فإن كان هذا الصبي مأذونا في القتال فقد قال بعض مشايخنا لا يصح أمانه أيضا لأن قوله غير معتبر فيما يضر به وإن كان مأذونا كالطلاق والعتاق ففيما يضر بالمسلمين أولى والأصح أنه يجوز أمانه إذا كان مأذونا له في القتال لأن هذا التصرف يتردد بين المضرة والمنفعة فهو نظير البيع والشراء يملكه الصبي بعد الإذن . وإذا قال الإمام : من أصاب شيئا فهو له فأصاب رجل جارية فاستبرأها فإنه لا يطأها ولا يبيعها حتى يخرجها إلى دار الإسلام في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى : يحل له ذلك لأنه اختص بملكها فيحل له وطؤها بعد الاستبراء كالمسلم يشتري جارية في دار الحرب يحل له وطؤها بعد الاستبراء وهذا لأن ملك المنفعة سببه ملك الرقبة وقد تحقق هذا السبب في حقه حين اختص بملكها بتنفيل الإمام وهذا بخلاف اللص في دار الحرب إذا أخذ جارية واستبرأها فإنه لا يحل له وطؤها لأنه ما اختص بملكها . ألا ترى أنه لو التحق بجيش المسلمين في دار الحرب شاركوه فيها وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا : سبب الملك في المنفل القهر فلا يتم إلا بالإحراز بدار الإسلام كما في الغنيمة في حق الجيش وهذا لما بينا أنه قبل الإحراز قاهر يدا مقهور دارا فيكون السبب ثابتا من وجه دون وجه ولا أثر للتنفيل في إتمام القهر إنما تأثير التنفيل في قطع شركة الجيش مع المنفل له فأما سبب الملك للمنفل له ما هو السبب لولا التنفيل وهو القهر فأشبه من هذا الوجه ما أخذه اللص في دار الحرب وهذا لأن لحوق الجيش به موهوم والموهوم لا يعارض الحقيقة فعرفنا أن امتناع ثبوت الحل لعدم تمام القهر بخلاف المشتراة فسبب الملك فيها تم بالعقد والقبض وعلى هذا الخلاف لو قسم الإمام الغنائم في دار الحرب فأصاب رجل جارية فاستبرأها لأن بقسمة الإمام لا ينعدم المانع من تمام القهر وهو كونهم مقهورين دارا ومن أصحابنا من يقول : لما نفذت [ ص: 73 ] القسمة من الإمام تصير هي بمنزلة المشتراة لأن من وقعت في سهمه يملك عينها بالقسمة وقد تم فينبغي أن يحل الوطء عندهم جميعا والأول أظهر . وإذا خرج القوم من مسلحة أو عسكر فأصابوا غنائم فإنها تخمس وما بقي فهو بينهم وبين أهل العسكر سواء كان بإذن الإمام أو بغير إذن الإمام وسواء كانت لهم منعة أو لم تكن لأن أهل العسكر بمنزلة المدد للخارجين فإن المصاب صار محرزا بالدار بقوتهم جميعا إذ هم الردء لهم يستنصرونهم إذا حزبهم أمر لأنهم دخلوا دار الحرب لينصر بعضهم بعضا والإمام أذن لهم في أن يأخذوا ما يقدرون عليه من أموال المشركين لأنه أدخلهم في دار الحرب لهذا فلا حاجة إلى إذن جديد بعد ذلك وكذلك إن بعث الإمام رجلا طليعة فأصاب ذلك لأن أهل العسكر ردء له وإن كانوا خرجوا من مدينة عظيمة مثل المصيصة وملطية بعثهم الإمام سرية منها فأصابوا غنائم لم يشركهم فيها أهل المدينة لأنهم ساكنون في دار الإسلام فلا يكونون ردءا للمقاتلين في دار الحرب وهذا لأن توطنهم على قصد المقام في أهاليهم بخلاف أهل العسكر فإن توطنهم في العسكر للقتال فكانوا بمنزلة الردء للسرية . ألا ترى أن من نوى منهم الإقامة في العسكر في دار الحرب لا تصح نيته بخلاف ساكن المدينة ولأن الإحراز ههنا حصل بالسرية خاصة وهناك الإحراز بدار الإسلام حصل بالسرية والجيش فمن هذا الوجه يقع الفرق ثم الذين خرجوا من مصر من أمصار المسلمين إما أن يكونوا قوما لهم منعة أو لا منعة لهم خرجوا بإذن الإمام أو بغير إذنه فإن كانت لهم منعة فسواء خرجوا بإذن الإمام أو بغير إذنه فإن ما أصابوه غنيمة حتى يخمس ويقسم ما بقي بينهم على سهام الفرسان والرجالة المصيب وغير المصيب فيه سواء لأن دخولهم لا يخفى على الإمام عادة وعليه أن ينصرهم ويمدهم فإنهم لو أصيبوا مع منعتهم كان فيه وهنا بالمسلمين ويجترئ عليهم المشركون فإذا كان على الإمام نصرتهم كانوا بمنزلة الداخلين بإذنه ولأن الغنيمة اسم لما أصيب بطريق فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه وذلك موجود ههنا لأن المصيبين أهل منعة يفعلون ما يفعلون جهارا فأما إذا كانوا قوما لا منعة لهم كالواحد والاثنين فإن كان دخولهما بإذن الإمام فكذلك الجواب لأن على الإمام أن ينصره ويمده إذا حزبه أمر ولأن الإمام لا يأذن للواحد في الدخول إلا أن يعلم قوته على ما بعثه لأجله وعند ذلك يكون الواحد سرية على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { بعث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه سرية وحده } { وبعث دحية الكلبي رضي الله عنه [ ص: 74 ] يوم الخندق طليعة } وقد ذكر في النوادر أنه لا يخمس ما أصاب هذا الواحد لأن أخذه ليس على طريق إعزاز الدين فإنه لا يجاهر بما يأخذ وإنما يفعله سرا إذ هو غير ممتنع من أهل الحرب فهو كالداخل بغير إذن الإمام فإن كان دخول القوم الذين لا منعة لهم بغير إذن الإمام على سبيل التلصص فلا خمس فيما أصابوا عندنا ولكن من أصاب منهم شيئا فهو له خاصة وإن أصابوا جميعا قسم بينهم بالسوية ولا يفضل الفارس على الراجل وقال الشافعي رحمه الله تعالى : يخمس ما أصابوا ويقسم ما بقي بينهم قسمة الغنيمة لقوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } والغنيمة اسم مال يأخذه المسلمون من الكفرة بطريق القهر وذلك موجود ههنا فإنهم دخلوا للمحاربة والقهر لأن القهر تارة يكون بالقوة جهارا وتارة يكون بالمكر والحيلة سرا قال صلى الله عليه وسلم { : الحرب خدعة } . ألا ترى أنهم لو دخلوا بإذن الإمام كان ما يأخذون غنيمة وصفة أحدهم لا تختلف بوجود إذن الإمام وعدمه . ( وحجتنا ) ما روي أن المشركين أسروا ابنا لرجل من المسلمين فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو ما يلقى من الوحشة { فأمره أن يستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ففعل ذلك فخرج الابن عن قليل بقطيع من الغنم فسلم ذلك له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ منه شيئا } والمعنى ما بينا أن الغنيمة اسم لمال مصاب بأشرف الجهات وهو أن يكون فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز الدين ولهذا جعل الخمس منه لله تعالى وهذا المعنى لا يحصل فيما يأخذه الواحد على سبيل التلصص فيتمحض فعله اكتسابا للمال بمنزلة الاصطياد والاحتطاب بخلاف ما إذا كانوا أهل منعة وشوكة والدليل على الفرق أن الواحد من الذين لهم منعة لو أمنهم صح أمانه واللص في دار الحرب ولو أمنهم لم يصح أمانه وقد بينا اختلاف الرواية فيما إذا كان دخول الواحد بإذن الإمام ووجه الفرق على ظاهر الرواية . وإن دخل مسلم دار الحرب بأمان فاشترى جارية كتابية واستبرأها كان له أن يطأها هناك لأن ملكه فيها تم بتمام سببه فإن الشراء في كونه سبب الملك تام لا يختلف بدار الحرب ودار الإسلام بخلاف المتلصص إذا أصاب جارية فإن سبب ملكه هناك لم يتم قبل الإحراز لكونه مقهورا في دارهم ولأنه ربما يتصل بجيش في دار الحرب فيشاركونه فيها إذا شاركوه في الإحراز . ( قال ) : وأكره للرجل أن يطأ أمته أو امرأته في دار الحرب مخافة أن يكون له فيها نسل لأنه ممنوع من التوطن في دار الحرب قال صلى الله عليه وسلم { : أنا بريء من كل مسلم مع مشرك } [ ص: 75 ] وإذا خرج ربما يبقى له نسل في دار الحرب فيتخلق ولده بأخلاق المشركين ولأن موطوءته إذا كانت حربية فإذا علقت منه ثم ظهر المسلمون على الدار ملكوها مع ما في بطنها ففي هذا تعريض ولده للرق وذلك مكروه . ولا بأس بأن يعطي الإمام أبا الغازي شيئا من الخمس إذا كان محتاجا لأنه لو عرف حاجة الغازي إلى ذلك جاز له أن يضعه فيه ففي أبيه أولى وهذا لأن المقصود سد خلة المحتاج بخلاف الزكاة فإنها تجب على صاحب المال والواجب فعل الإيتاء فإنما يتم ذلك إذا جعله لله خالصا بقطع منفعته منه من كل وجه وههنا الخمس ليس بواجب على الغزاة بل خمس ما أصابوه لله تعالى يصرف إلى المحتاجين بأمر الله تعالى والغازي وأبوه في ذلك كغيره . وإذا غزا أمير الشام في جيش عظيم فإنه يقيم الحدود في العسكر وقد بينا هذا في كتاب الحدود وفرقنا بينه وبين أمير الجيش الذي فوض إليه الحرب خاصة . فإن حاصر أمير الشام مدينة مدة طويلة لم يتم الصلاة ولم يجمع لأنه مسافر ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أقام بتبوك عشرين ليلة وكان يقصر الصلاة } وابن عمر رضي الله عنهما أقام بأذربيجان ستة أشهر وكان يقصر الصلاة وقد بينا في كتاب الصلاة أن نية المحارب في دار الحرب الإقامة لا تصح لأنه لا يتمكن من التوطن فإنه بين أن يهزم عدوه فيقر أو ينهزم فيفر . وإذا أراد قوم من المسلمين أن يغزوا أرض الحرب ولم تكن لهم قوة ولا مال فلا بأس بأن يجهز بعضهم بعضا ويجعل القاعد للشاخص وقد بينا ذلك في حديث عمر رضي الله عنه والمعنى فيه أن الجهاد بالنفس تارة وبالمال أخرى والقادر على الخروج بنفسه يحتاج إلى مال كثير ليتمكن به من الخروج وصاحب المال يحتاج إلى مجاهد يقوم بدفع أذى المشركين عنه وعن ماله فلا بأس بالتعاون بينهما والتناصر ليكون القاعد مجاهدا بما له والخارج بنفسه { والمؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا } ثم دافع المال إلى الخارج ليغزو بما له يعينه على إقامة الفرض وذلك مندوب إليه في الشرع وإن كانت عندهم قوة أو عند الإمام كرهت ذلك أما إذا كان في بيت المال فذلك المال في يد الإمام معد لمثل هذه الحاجة فعليه أن يصرفه إليها ولا يحل له أن يأخذ من المسلمين شيئا لاستغنائه عن ذلك بما في يده وكذلك إن كان الغازي صاحب مال فلا حاجة به إلى الأخذ من غيره وتمام الجهاد بالمال والنفس ولأنه لو أخذ من غيره مالا فعمله في الصورة كعمل من يعمل بالأجرة فلا يكون ذلك لله تعالى خالصا . ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لذلك [ ص: 76 ] الأجير بكم استؤجرت ؟ قال : بدينارين قال { : إنما لك دينارك في الدنيا والآخرة } ولأن الاشتراك ينفي معنى العبادة قال صلى الله عليه وسلم فيما يؤثر عن ربه { من عمل لي عملا وأشرك فيه غيري فهو كله لذلك الشريك وأنا منه بريء } فلهذا يكره له الإشراك بأخذ المال من غيره إذا كان مستغنيا عنه وإذا وجد من يكفيه الحرس فالصلاة بالليل أفضل له من الحرس وكل واحد منهما طاعة أما الصلاة بالليل فظاهر وأما الحرس فلقوله صلى الله عليه وسلم { ثلاث أعين لا تمسها نار جهنم عين غضت من محارم الله تعالى وعين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله } إلا أنه إذا كان له من يكفيه الحرس فالصلاة أولى لأنها عبادة بجميع البدن فهي تنهى عن الفحشاء وتدفع الخواطر الردية وتمنع اللغو فالاشتغال بها أولى وإن لم يجد من يكفيه الحرس فإن أمكنه أن يجمع بين الصلاة والحرس فالجمع بينهما أفضل وقد ذكر محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير عن بعض الصحابة أنه كان يجمع بينهما وإذا تعذر عليه الجمع بينهما فالحرس أفضل لأنه أعم نفعا وقال صلى الله عليه وسلم { : خير الناس من ينفع الناس } ولأن الصلاة بالليل ممكن إذا رجع إلى أهله ولا يتمكن من الحرس إلا في هذا الموضع فالاشتغال في هذا الموضع بما هو متعين أولى وهو كالطواف بالبيت للغرباء أفضل من الصلاة بخلاف أهل مكة . وإذا طعن المسلم بالرمح في جوفه لم يكن له أن يمشي إلى صاحبه والرمح في جوفه حتى يضربه بالسيف ولا يكون به معينا على نفسه لأن المسلم مندوب إلى بذل نفسه في قهر المشركين وإعزاز الدين وليس في هذا أكبر من بذل النفس لهذا المقصود ولكن هذا إذا كان يعلم أنه يصيب من قرنه إذا فعل ذلك وهو نظير ما لو حمل الواحد على جمع عظيم من المشركين فإن كان يعلم أنه يصيب بعضهم أو ينكي فيهم نكاية فلا بأس بذلك وإن كان يعلم أنه لا ينكي فيهم فلا ينبغي له أن يفعل ذلك لقوله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم } { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { رأى يوم أحد كتيبة من اليهود فقال : من لهذه الكتيبة فقال وهب بن قابوس : أنا لها يا رسول الله فحمل عليهم حتى فرقهم ثم رأى كتيبة أخرى فقال : من لهذه الكتيبة ؟ فقال وهب : أنا لها فقال صلى الله عليه وسلم : أنت لها وأبشر بالشهادة فحمل عليهم حتى فرقهم وقتل هو } فذلك دليل على أنه إذا كان ينكي فعله فيهم فلا بأس بأن يحمل عليهم . وإذا كان المسلمون في سفينة فألقيت إليهم النار لم يضيق على أحد منهم أن يصبر على النار أو يلقي نفسه في البحر أما إذا كان [ ص: 77 ] يرجو النجاة في أحد الجانبين تعين عليه ذلك لأنه مأمور بدفع الهلاك عن نفسه بما يقدر عليه وذلك في الميل إلى الطريق الذي يرجو النجاة فيه وإن كان يرجو النجاة في الجانبين يخير لاختلاف أحوال الناس فمنهم من يصبر على الماء فوق ما يصبر على النار ومنهم من يكون صبره على الدخان والنار أكثر على غم الماء وإن كان لا يرجو النجاة في واحد من الجانبين فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يتخير وعلى قول محمد رحمه الله تعالى ليس له أن يلقي نفسه في الماء لأنه لو صبر على النار كان هلاكه بفعل العدو ولو ألقى نفسه كان هلاكه بفعل نفسه فيتعين عليه الصبر لذلك ولأنه إنما يجوز له أن يلقي في نفسه الماء لدفع الهلاك وذلك عند رجاء النجاة فيه فإذا كان لا يرجو النجاة لم يكن فعله دفعا للهلاك عن نفسه وهما يقولان أن طبائع الناس تختلف فمنهم من يختار غم الماء على ألم النار فهو بالإلقاء يدفع ألم النار عن نفسه لعلمه أنه لا يجد الصبر عليه فكان في سعة من ذلك لأنه مضطر ومن ابتلي ببليتين يختار أهونهما عليه ثم هو وإن ألقى نفسه مدفوع بفعل المشركين فقد ألجئوه إلى ذلك وأفسدوا عليه اختياره فلا يبقى فعله معتبرا بعد ذلك في إضافة الفعل إليه فلهذا يخير والله أعلم بالصواب . باب في توظيف الخراج ( قال ) رضي الله عنه : وإذا جعل الإمام قوما من الكفار أهل ذمة وضع الخراج على رءوس الرجال وعلى الأرضين بقدر الاحتمال أما خراج الرءوس ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } وأما السنة ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر وأخذ الحلل من نصارى نجران } وكانت جزية وقال { : سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب } يعني في أخذ الجزية منهم وقد طعن بعض الملحدين قال : كيف يجوز تقرير الكافر على الشرك الذي هو أعظم الجرائم بمال يؤخذ منه ولو جاز ذلك جاز تقرير الزاني على الزنا يؤخذ منه ؟ والكلام في هذا يرجع إلى الكلام في إثبات الصانع وأنه حكيم وإثبات النبوة ثم نقول : المقصود ليس هو المال بل الدعاء إلى الدين بأحسن الوجوه لأنه بعقد الذمة يترك القتال أصلا ولا يقاتل من لا يقاتل ثم يسكن بين المسلمين فيرى محاسن الدين ويعظه واعظ فربما يسلم إلا أنه إذا سكن دار [ ص: 78 ] الإسلام فما دام مصرا على كفره لا يخلا عن صغار وعقوبة وذلك بالجزية التي تؤخذ منه ليكون ذلك دليلا على ذل الكافر وعز المؤمن ثم يأخذ المسلمون الجزية منه خلفا عن النصرة التي فاتت بإصراره على الكفر لأن من هو من أهل دار الإسلام فعليه القيام بنصرة الدار وأبدانهم لا تصلح لهذه النصرة لأنهم يميلون إلى أهل الدار المعادية فيشوشون علينا أهل الحرب فيؤخذ منهم المال ليصرف إلى الغزاة الذين يقومون بنصرة الدار . ولهذا يختلف باختلاف حاله في الغنى والفقر فإنه معتبر بأصل النصرة والفقير لو كان مسلما كأن ينصر الدار راجلا ووسط الحال كأن ينصر الدار راكبا والفائق في الغنى يركب ويركب غلاما فما كان خلفا عن النصرة يتفاوت بتفاوت الحال أيضا والأصل في معرفة المقدار حديث عمر رضي الله عنه فإنه وضع الجزية على رءوس الرجال اثني عشر درهما وأربعة وعشرين وثمانية وأربعين ونصب المقادير بالرأي لا يكون فعرفنا أنه اعتمد السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذنا به وقلنا : المعتمل الذي يكتسب أكثر من حاجته ولا مال له يؤخذ منه كل سنة اثني عشر درهما والمعتمل الذي له مال ولكنه لا يستغني بماله عن العمل يؤخذ منه أربعة وعشرون درهما في كل سنة والفائق في الغنى وهو صاحب المال الكثير الذي لا يحتاج إلى العمل يؤخذ منه ثمانية وأربعون درهما ولا يمكن أن يقدر في المال بتقدير فإن ذلك يختلف باختلاف البلدان فبالعراق من يملك خمسين ألفا يعد وسط الحال وفي ديارنا من يملك عشرة آلاف درهم يعد غنيا فيجعل ذلك موكولا إلى رأي الإمام والحسن البصري كان يقول : إنما يؤخذ ثمانية وأربعون ممن يركب البغلة الشهباء ويتختم بخاتم الذهب وقد قيل : إنه بدل عن السكنى لأنه مع الإصرار على الكفر لا يكون من أهل دار الإسلام أصلا ولا يمكن من السكنى في دار الغير إلا بكراء فالفقير يكفيه لمؤنة السكنى في كل شهر درهم ووسط الحال يحتاج إلى أكثر من ذلك فيضعف عليه وكذلك الفائق في الغنى والأصح هو الأول أنه خلف عن النصرة كما بينا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى تتقدر الجزية بدينار ولا يختلف باختلاف حاله في الفقر والغنى بناء على أصله أن وجوب هذا المال بحقن الدم وذلك لا يختلف بفقره وغناه واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه { : خذ من كل حالم وحالمة دينارا } ولكنا نقول : ثبوت الحقن ليس بالمال بل بانعدام علة الإباحة وهو القتال ولصحة إحرازه نفسه وماله في دارنا لأنه بقبول عقد الذمة يصير من أهل دارنا حتى لا يمكن من الرجوع [ ص: 79 ] إلى دار الحرب بحال وحديث معاذ رضي الله عنه في مال كان وقع الصلح عليه دون الجزية ألا ترى أنه أمر بالأخذ من النساء والجزية لا تجب على النساء . وأما خراج الأرض فالأصل فيه حديث عمر رضي الله عنه فإنه وضع على كل أرض تصلح للزرع على الجريب درهما وقفيزا وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم واعتمد في ما صنع السنة أيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : منعت العراق قفيزها ودرهمها } فيما ذكر من أشراط الساعة بعده ثم تفاوت الواجب بتفاوت ريع الأراضي ولأن أصل الوجوب باعتبار الريع فإن الخراج مؤنة الأرض النامية فيتفاوت بتفاوت الريع وقد روي أنه بعث لذلك عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما فلما رجعا إليه قال : لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق فقالا : لا بل حملناها ما تطيق ولو زدنا لأطاقت وبظاهر هذا الحديث يستدل أبو يوسف رضي الله عنه ويقول : لا تجوز الزيادة على وظيفة عمر رضي الله عنه وإن كانت الأرض تطيق الزيادة لأنهما قالا : لو زدنا لأطاقت فلم يأمرهما بالزيادة ومحمد رحمه الله تعالى يقول : إنه فيما وظف اعتبر الطاقة حيث قال : لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق فإذا كانت تطيق الزيادة يزاد بقدر الطاقة . ألا ترى أنها إذا كانت لا تطيق تلك الوظيفة لقلة ريعها تنقص فكذلك إذا كانت تطيق الزيادة لكثرة ريعها ; يزاد وقد قررنا هذا في شرح الزيادات ثم في خراج الأراضي الرجال والنساء والصبيان سواء لأنها مؤنة الأراضي النامية وهم في حصول النماء لهم سواء . فأما خراج الرءوس لا يؤخذ من النساء والصبيان لما بينا أنه خلف عن النصرة التي فاتت بإصرارهم على الكفر ونصرة القتال لو كانوا مسلمين على الرجال دون النساء والصبيان ولأن في حقهم الوجوب بطريق العقوبة كالقتل وإنما يقتل الرجال منهم دون النساء والصبيان حين كانوا حربيين فكذلك حكم الجزية بعد عقد الذمة ولئن كان مؤنة السكنى فالنساء والصبيان في السكنى تبع وأجرة السكنى على من هو الأصل دون التبع ولكن الأول أصح فإنه لا تؤخذ الجزية من الأعمى والشيخ الفاني والمعتوه والمقعد مع أنهم في السكنى أصل ولكن لا يلزمه أصل النصرة ببدنه لو كان مسلما فكذلك لا يؤخذ منه ما هو خلف عن النصرة وعن أبي يوسف أن الأعمى والمقعد إذا كان صاحب مال ورأي يؤخذ منه لأنه يقاتل برأيه وإن كان لا يقاتل ببدنه لو كان مسلما وعجزه لنقصان في بدنه ولا نقصان في ماله فيؤخذ منه ما هو خلف عن النصرة والفقير الذي لا يستطيع أن يعمل لا تؤخذ منه الجزية لأن الجزية مال يؤخذ منه ولا مال له والعاجز عن الأداء معذور شرعا [ ص: 80 ] فيما هو حق العباد قال الله تعالى { : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } ففي الجزية أولى وهذا لأن الجزية صلة مالية وليست بدين واجب . ألا ترى أنها سميت خراجا في الشرع والخراج اسم لما هو صلة قال الله تعالى { فهل نجعل لك خرجا } { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير } والصلة المالية لا تكون إلا ممن يجد للمال فأما من لا يجد يعان بالمال فكيف يؤخذ منه ولا خراج على رءوس المماليك لأنه خلف عن النصرة والمملوك لا يملك نصرة القتال في نفسه أن لو كان مسلما فلا يلزمه ما هو خلف عن النصرة ثم هو أعسر من الحر الذي لا يجد شيئا لأنه ليس من أهل الملك أصلا ثم المملوك في السكنى تبع لمولاه ولا خراج في الاتباع كالنساء والصبيان ولا صدقة في أموال أهل الذمة من السوائم ومال التجارة في أوطانهم لأن الإمام في الباب عمر رضي الله عنه وهو لم يتعرض لأموالهم في ذلك بشيء لا أن يمروا على العاشر فقد بينا ذلك في الزكاة وكان المعنى فيه أن الأخذ من أموال المسلمين بطريق العبادة المحضة دون المؤنة فإن الشرع جعل الزكاة أحد أركان الدين والكافر ليس بأهل لذلك بخلاف الخراج والعشر فالأخذ من المسلم بطريق مؤنة الأرض ولهذا جاز أخذه من الكافر ولكن يؤخذ من الكافر ما هو أبعد عن معنى العبادة وأقرب إلى معنى الصغار وهو الخراج . ومن أسلم من أهل الذمة قبل استكمال السنة أو بعدها قبل أن يؤخذ منه خراج رأسه سقط عنه ذلك عندنا وقال الشافعي إن أسلم بعد كمال السنة لم يسقط عنه وإن أسلم قبل كمال السنة فله فيه وجهان وحجته في ذلك أنه دين استقر وجوبه في ذمته فلا يسقط عنه بإسلامه كسائر الديون وبيان الوصف وهو أنه مطالب بأدائه مجبر على ذلك محبوس فيه كسائر الديون أو أقوى حتى إذا بعث بالجزية على يد نائبه لا تقبل بخلاف سائر الديون وبأن كان لا تجب ابتداء على المسلم فلهذا لا يمنع بقاءه عليه بعد الإسلام كخراج الأراضي فالمسلم لا يبتدأ بتوظيف الخراج على الأرض ثم يبقي وكذلك الرق لا يبتدأ به المسلم ثم يبقى رقيقا بعد الإسلام وكذلك الفقير لا تجب عليه الزكاة ابتداء ثم تبقى إذا استهلك النصاب بعد الوجوب عليه وهذا لأنه مؤنة السكنى فالإسلام لا ينافي استيفاءه كالأجرة وإنما لا يجب عليه بعد الإسلام ابتداء لأنه صار من أهل دار الإسلام أصلا وهذا بدل حقن الدم بمنزلة المال الواجب بالصلح عن القصاص فالإسلام لا يمنع استيفاءه إذا حصل له الحقن به فيما مضى ولكن لا يجب بعد الإسلام ابتداء لأنه حقن دمه بالإسلام . ( وحجتنا ) في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 81 ] قال { : ليس على مسلم جزية } وفي حديث عمر رضي الله عنه أن ذميا طولب بالجزية فأسلم فقيل له : إنك أسلمت تعوذا فقال : إن أسلمت تعوذا ففي الإسلام لمتعوذ فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه عنه فقال : صدق فأمر بتخلية سبيله والمعنى فيه ما قررنا أن الوجوب عليهم بطريق العقوبة لا بطريق الديون وعقوبات الكفر تسقط بالإسلام كالقتل والدليل على أنه نظير القتل أنه يختص بالوجوب عليه من يقتل على كفره حتى لا يوجب على النساء والصبيان وبه فارق خراج الأراضي والاسترقاق مع أن الاسترقاق عقوبة من حيث تبديل صفة المالكية بالمملوكية وقد تم ذلك حين استرق فهو عقوبة مستوفاة ووزانها جزية استوفيت قبل الإسلام ثم في حق المسلمين هذا المال خلف عن النصرة كما بينا وإذا أسلم فقد صار من أهل النصرة فيسقط ما هو خلف لأنه لا بقاء للخلف بعد وجود الأصل ولأن أخذ الجزية منهم بطريق الصغار كما قال تعالى { وهم صاغرون } ولهذا لا تقبل منه لو بعثها على يد نائبه بل يكلف بأن يأتي به بنفسه فيعطي قائما والقابض منه قاعد وفي رواية يأخذ بتلبيبه فيهزه هزا ويقول : أعط الجزية يا ذمي وبعد الإسلام لا يمكن استيفاؤه بطريق الصغار لأن المسلم يوقر لإيمانه وإذا تعذر استيفاؤه من الوجه الذي وجب امتنع الاستيفاء لأنه لا يجوز أن يستوفي غير الواجب وإنما يتحقق استيفاء الواجب إذا استوفي بالصفة التي وجب وهذا بخلاف ما إذا استهلك النصاب في مال الزكاة بعد وجوبها لأن وجوب الزكاة على المسلم بطريق العبادة وبعدما افتقر يستوفي بطريق العبادة أيضا حتى لو خرج من أن يكون أهلا للعبادة بأن ارتد نقول بأنه لا يبقي وقد بينا أن الجزية ليست بدين ولا بدل عن السكنى ولا بدل عن حقن الدم ولئن سلمنا له ذلك فإنما هو بدل عن الحقن في المستقبل لا فيما مضى وقد استفاد الحقن بالإسلام فلا معنى لأخذ الجزية منه بعد ذلك وعلى هذا الخلاف لو مات بعد مضي السنة عندنا لا يستوفي الجزية من تركته وعنده يستوفي اعتبارا بسائر الديون . وطريقنا ما قررنا في المسألة الأولى ولأن هذه صلة والصلات لا تتم إلا بالقبض وتبطل بالموت قبل التسليم كالنفقات ودليل أنها صلة ما بينا أنها ليست ببدل عن السكنى لأنه بعقد الذمة صار من أهل دارنا فإنما يسكن دار نفسه ولا يسكن ملك نفسه حقيقة وقولنا دار الإسلام نسبة للولاية فلا يستحق باعتباره الأجرة ولا هو بدل عن حقن الدم لأن الآدمي في الأصل محقون الدم والإباحة بعارض القتال فإذا زال ذلك بعقد الذمة عاد الحقن الأصلي [ ص: 82 ] ولأن قتل الكافر جزاء مستحق لحق الله تعالى فلا يجوز إسقاطه بمال أصلا فإذا ثبت أنه ليس بعوض عن شيء عرفنا أنه صلة وفي الصلات المعتبر الفعل دون المال والأفعال لا يمكن استيفاؤها من التركة فإنما يبقى بعد الموت ما يمكن استيفاؤه . ألا ترى أنه لو استأجر خياطا ليخيط ثوبه بيده فمات الخياط بطل العقد لأن المستحق الفعل ولا يمكن استيفاؤه من التركة . ![]()
__________________
|
|
#208
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 82 الى صـــ 91 (208) وإن لم يمت ومرت عليه سنون قبل أن يؤخذ خراج رأسه لم يؤخذ بذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى إلا باعتبار السنة التي هو فيها ويؤخذ في قولهما بجميع ما مضى إذا لم يكن ترك ذلك لعذر وتلقب هذه المسألة بالموانيذ وهما يقولان الموانيذ في خراج الرأس كالموانيذ في خراج الأرض ثم يستوفي جميع ذلك وإن طالت المدة فكذلك هنا وهذا لأنه ما بقي حيا مصرا على كفره فاستيفاؤه من الوجه الذي وجب ممكن بخلاف ما بعد إسلامه وموته ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى حرفان : أحدهما أن الواجب عليهم بطريق العقوبة والعقوبات التي تجب لحق الله تعالى إذا اجتمعت تداخلت كالحدود وفي حقنا خلف عن النصرة وهذا المعنى يتم باستيفاء جزية واحدة منه فلا حاجة إلى استيفاء ما مضى ولأن المقصود ليس هو المال بل المقصود استذلال الكافر واستصغاره لأن إصراره على الشرك في دار التوحيد جناية فلا ينفك عن صغار يجري عليه وهذا المقصود يحصل باستيفاء جزية واحدة فلو أخذناه بالموانيذ لم يكن ذلك إلا لمقصود المال وقد بينا أن المال غير مقصود ولهذا لا يبقى بعد موته وإسلامه . ثم أوان أخذ خراج الرأس منه آخر السنة قبل أن يتحول وقد روي عن أبي يوسف أنه يؤخذ منه في كل شهرين بقسط ذلك وعن محمد أنه يؤخذ شهرا فشهرا ليكون أشد عليه وأقرب إلى تحصيل المنفعة للمسلمين والأصح هو الأول من أن المعتبر الحول كما في زكاة المال في حق المسلم وخراج الأراضي . ولا يؤخذ بخراج الأرض في السنة إلا مرة واحدة وإن استغلها صاحبها مرات لحديث عمر رضي الله عنه فإنه ما أخذ الخراج من أهل الذمة في السنة إلا مرة واحدة ولأن ريع عامة الأراضي في السنة يكون مرة واحدة وإنما يبنى الحكم على العام الغالب والأراضي يكون فيها الشجر الكبير يوضع عليها من الخراج بقدر الطاقة لأن عمر رضي الله عنه فيما وظفه اعتبر الطاقة فعرفنا أن ذلك هو الأصل فإذا عطل أرضه لم يسقط عنه خراجها لأنه هو الذي اختار ترك الاستغلال والانتفاع بها وقصد بذلك إسقاط حق مصارف الخراج فرد عليه قصده [ ص: 83 ] بخلاف العشر فالواجب هناك جزء من الخراج والإيجاب بدون المحل لا يتحقق وههنا الواجب مال في ذمته باعتبار تمكنه من الانتفاع بالأرض فلم ينعدم ذلك بتعطيله الأرض . وإن زرعها فأصاب الزرع آفة فذهب لم يؤخذ الخراج لأنه مصاب فيستحق المعونة ولو أخذناه بالخراج كان فيه استئصال ومما حمد من سير الأكاسرة إذا اصطلم الأرض آفة يردون على الدهاقين من خزائنهم ما أنفقوا في الأرض ويقولون : التاجر شريك في الخسران كما هو شريك في الربح فإن لم يرد عليه شيء فلا أقل من أن لا يؤخذ منه الخراج وهذا بخلاف الأجر فإنه يجب بقدر ما كان الأرض مشغولا بالزرع لأن الأجر عوض المنفعة فبقدر ما استوفى من المنفعة يصير الأجر دينا في ذمته فأما الخراج صلة واجبة باعتبار الأراضي فلا يمكن إيجابها بعدما اصطلم الزرع آفة لأنه ظهر أنه لم يتمكن من استغلال الأرض بخلاف ما إذا عطلها . وإذا أسلم الذمي على أرضه كان عليه خراجها كما كان عندنا وقال مالك رحمه الله تعالى : يسقط ذلك وكذلك إذا باعها من مسلم واعتبر خراج الأرض بخراج الرأس فكما لا يجب على المسلم بعد إسلامه خراج الرأس فكذلك خراج الأرض ولكنا نقول الخراج مؤنة الأرض النامية كالعشر والمسلم من أهل التزام المؤنة وهذا لأنه بعد الإسلام لا يخلي أرضه عن مؤنة فإبقاء ما تقرر واجبا أولى لأنا إن أسقطنا ذلك احتجنا إلى إيجاب العشر بخلاف خراج الرأس فإنا لو أسقطنا ذلك عنه بعد إسلامه لا نحتاج إلى إيجاب مؤنة أخرى عليه ولا يكره للمسلم أداء خراج الأرض لما روي عن ابن مسعود والحسن بن علي وشريح رضي الله عنهم أنه كانت لهم أرضون بالسواد يؤدون خراجها فبهذا تبين أن خراج الأرض لا يعد من الصغار وإنما الصغار خراج الإعتاق بخلاف ما يقوله المتقشفة ويستدلون بما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيئا من آلات الحراثة فقال : ما دخل هذا بيت قوم إلا ذلوا } ظنوا أن المراد الذل بالتزام الخراج وليس كذلك بل المراد أن المسلمين إذا اشتغلوا بالزراعة واتبعوا أذناب البقر وقعدوا عن الجهاد كر عليهم عدوهم فجعلوهم أذلة . تغلبي اشترى أرضا من أرض الخراج فعليه الخراج كما كان لأنه إنما يضعف عليه ما يبتدأ المسلم بالإيجاب عليه هكذا جرى الصلح بيننا وبينهم ولا يبتدأ المسلم بتوظيف الخراج على أرضه . ألا ترى أن أهل بلدة لو أسلموا طوعا يجعل على أراضيهم العشر دون الخراج فلهذا لا يضعف الخراج على التغلبي وإن اشترى أرضا من أرض العشر ضوعف عليه العشر لأن [ ص: 84 ] العشر يبتدأ به المسلم فيضعف على التغلبي كالزكاة والرجل والمرأة والصبي منهم في ذلك سواء وقد بينا تمام هذه الفصول في كتاب الزكاة وذكرنا قول محمد أن التضعيف عليهم في الأراضي التي وقع الصلح عليها فأما فيما اشتراها من مسلم لا تتغير الوظيفة بتغير المالك كما لا تتغير وظيفة الخراج إذا اشترى مسلم أرضا خراجية وكما لا تتغير وظيفة العشر إذا اشتراها مكاتب أو صبي . ( قال ) : أرأيت لو أن أرضا بمكة في الحرم اشتراها ذمي أو تغلبي كانت تصير خراجية أو تتحول عن العشر الذي كان عليها قبل ذلك . وإذا دخل الحربي دار الإسلام مستأمنا فتزوج امرأة ذمية لم يصر ذميا لأن الرجل ليس بتابع لامرأته في السكنى فهو بالنكاح لم يصر راضيا بالمقام في دارنا على التأبيد وإنما استأمن إلينا للتجارة والتاجر قد يتزوج في موضع لا يقصد التوطن فيه فلهذا لا يصير ذميا فإن أطال المقام وأوطن فحينئذ توضع عليه الجزية وينبغي للإمام أن يتقدم إليه ويأمره بالخروج إلى دار الحرب على سبيل الإنذار والإعذار وفي التقدم إليه إن بين مدة فقال : إن خرجت إلى وقت كذا وإلا جعلتك ذميا فإن خرج إلى ذلك الوقت تركه ليذهب وإن لم يخرج لم يمكنه من الخروج بعد ذلك وجعله ذميا لأن مقامه بعد التقدم إليه حتى مضت المدة رضا منه بالمقام في دارنا على التأبيد وإن لم يقدر له مدة فالمعتبر هو الحول فإذا أقام في دارنا بعد ذلك حولا لا يمكنه من الخروج لأن هذا لإبلاء العذر والحول لذلك حسن كما في أجل العنين ونحوه وإن اشترى أرض خراج فزرعها يوضع عليه خراج الأرض والرأس أما خراج الأرض فلأنه مؤنة الأرض النامية وقد تقرر ذلك في حقه حين استغل الأرض ثم بالتزام خراج الأرض صار راضيا بالتزام أحكام دار الإسلام فيكون بمنزلة الذمي لأن الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات والالتزام تارة يكون نصا وتارة يكون دلالة . والحربية المستأمنة إذا تزوجت مسلما أو ذميا فقد توطنت وصارت ذمية لأن المرأة في السكنى تابعة للزوج . ألا ترى أنها لا تملك الخروج إلا بإذنه فجعلها نفسها تابعة لمن هو من دارنا رضي بالتوطن في دارنا على التأبيد فرضاها بذلك دلالة كالرضا بطريق الإفصاح فلهذا صارت ذمية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . [ ص: 85 ] باب صلح الملوك والموادعة ( قال ) رضي الله عنه : ملك من ملوك أهل الحرب له أرض واسعة فيها قوم من أهل مملكته هم عبيد له يبيع منهم ما شاء صالح المسلمين ، وصار ذمة لهم ، فإن أهل مملكته عبيد له كما كانوا يبيعهم أنى شاء ; لأن عقد الذمة خلف عن الإسلام في حكم الإحراز ، ولو أسلم كانوا عبيدا له لقوله صلى الله عليه وسلم { من أسلم على مال فهو له } فكذلك إذا صار ذميا ، وهذا لأنه كان مالكا لهم بيده القاهرة ، وقد استقرت يده ، وازدادت وكادة بعقد الذمة ، فإن ظهر عليهم عدو غيرهم ثم استنقذهم المسلمون من أيدي أولئك ، فإنهم يردون على هذا الملك بغير شيء قبل القسمة ، وبالقيمة بعد القسمة بمنزلة سائر أموال أهل الذمة ، وهذا لأن على المسلمين القيام بدفع الظلم عن أهل الذمة كما عليهم ذلك في حق المسلمين . وعلى هذا لو أسلم الملك وأهل أرضه ، أو أسلم أهل أرضه دونه فهم عبيد له كما كانوا ; لأنه كان محرزا لهم بعقد الذمة فيزداد ذلك قوة بإسلامه ، وإسلام مملوكه الذمي لا يبطل ملكه عنه . وإن كان طلب الذمة على أن يترك يحكم في أهل مملكته بما شاء من قتل أو صلب أو غيره مما لا يصلح في دار الإسلام لم يجب إلى ذلك ; لأن التقرير على الظلم مع إمكان المنع منه حرام ، ولأن الذمي من يلتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات فشرطه بخلاف موجب العقد باطل ، كما لو أسلم بشرط أن يرتكب شيئا من الفواحش كان الشرط باطلا ، والأصل فيه ما روي أن وفد ثقيف جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نؤمن بشرط أن لا ننحني للركوع والسجود فإنا نكره أن تعلونا أستاهنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا خير في دين لا صلاة فيه ، ولا خير في صلاة لا ركوع فيها ولا سجود } ، فإن أعطي الصلح ، والذمة على هذا بطل من شروطه ما لا يصلح في الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم { كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل } ، فإن رضي بما يوافق حكم الإسلام ، فإنه أبلغ مأمنه هو ، وأصحابه ; لأن عقد الذمة يعتمد الرضى ، وما تم رضاه بدون هذا الشرط ، وقد تعذر الوفاء بهذا الشرط فإذا أبى أن يرضى بدون هذا الشرط يبلغ مأمنه كغيره من المستأمنين ، فإن التحرز عن الغدر واجب قال صلى الله عليه وسلم { : في العهود ، وفاء لا غدر فيه } بخلاف ما لو أسلم بشرط أن لا يصلي ، فإن الإسلام صحيح بدون تمام الرضى كما لو أسلم مكرها ، ولا يترك بعد صحة إسلامه ليرتد فيرجع إلى الكفر . فإن صار ذمة ثم وقفت منه على أنه يخبر المشركين بعورة المسلمين ، ويقري عيونهم لم يكن هذا منه نقضا للعهد ، ولكن يعاقب [ ص: 86 ] على هذا ويحبس ، وقال مالك رحمه الله تعالى هو ناقض للعهد بما صنع فيقتل ، وكذلك إن كان لا يزال يغتال رجلا من المسلمين فيقتله أو يفعل ذلك أهل أرضه لم يكن هذا نقضا للعهد عندنا ، وقال مالك رحمه الله تعالى هو نقض ; لأنه خلاف موجب العقد ، فإن الذمي من ينقاد لحكم الإسلام في المعاملات ، ويكون مقهورا في دار الإسلام تحت يد المسلمين ، ومباشرة ما كان يخالف موجب العقد يكون نقضا للعهد ، ولكنا نقول لو فعل هذا مسلم لم يكن به ناقضا لإيمانه فكذلك إذا فعله ذمي لا يكون ناقضا لأمانه ، والأصل فيه حديث حاطب بن أبي بلتعة ، وفيه نزل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ، وعدوكم أولياء } ، وقصته فيما صنع معروفة في المغازي ، وقد سماه الله تعالى مؤمنا مع ذلك ، وحديث أبي لبابة بن المنذر ، وفيه نزل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ، والرسول } ، وقصته فيما أخبر به بني قريظة معروفة ، وقد سماه الله مؤمنا فعرفنا أن مثل هذا لا يكون نقضا للإيمان ، ولا للذمة ، ولكن من ثبت عليه القتل بالبينة يقتص منه ، فإن لم يعرف القاتل ، ووجد القتيل في قرية من قراهم ففيه القسامة ، والدية كما { قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتيل الموجود بخيبر } فيحلف الملك خمسين يمينا بالله ما قتلت ، ولا عرفت قاتله ثم يغرم الدية ، ولا يحلف بقية أهل مملكته ; لأنهم عبيده ، والعبيد لا يزاحمون الأحرار في القسامة ، والدية ، فإن كانوا أحرارا فعليهم القسامة ، والدية ; لأنهم يساوونه في الحرية ، والسكنى في القرية فيشاركونه في القسامة ، والدية . إذا طلب قوم من أهل الحرب الموادعة سنين بغير شيء نظر الإمام في ذلك ، فإن رآه خيرا للمسلمين لشدة شوكتهم أو لغير ذلك فعله لقوله تعالى { ، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } { ، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على أن وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين } فكان ذلك نظرا للمسلمين لمواطئة كانت بين أهل مكة ، وأهل خيبر ، وهي معروفة ، ولأن الإمام نصب ناظرا ، ومن النظر حفظ قوة المسلمين أولا ، فربما يكون ذلك في الموادعة إذا كانت للمشركين شوكة أو احتاج إلى أن يمعن في دار الحرب ليتوصل إلى قوم لهم بأس شديد فلا يجد بدا من أن يوادع من على طريقه . وإن لم تكن الموادعة خيرا للمسلمين فلا ينبغي أن يوادعهم لقوله تعالى { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون } ، ولأن قتال المشركين فرض ، وترك ما هو الفرض من غير عذر لا يجوز ، فإن رأى الموادعة خيرا فوادعهم ثم نظر فوجد موادعتهم شرا للمسلمين نبذ إليهم الموادعة وقاتلهم ; لأنه ظهر في الانتهاء [ ص: 87 ] ما لو كان موجودا في الابتداء منعه ذلك من الموادعة فإذا ظهر ذلك في الانتهاء منع ذلك من استدامة الموادعة ، وهذا ; لأن نقض الموادعة بالنبذ جائز قال صلى الله عليه وسلم { يعقد عليهم أولاهم ، ويرد عليهم أقصاهم } ، ولكن ينبغي أن ينبذ إليهم على سواء قال تعالى { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } أي على سواء منكم ، ومنهم في العلم بذلك فعرفنا أنه لا يحل قتالهم قبل النبذ ، وقبل أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا عليه من التحصن ، وكان ذلك للتحرز عن الغدر . فإن حاصر العدو المسلمين ، وطلبوا الموادعة على أن يؤدي إليهم المسلمون شيئا معلوما كل سنة فلا ينبغي للإمام أن يجيبهم إلى ذلك لما فيه من الدينة والذلة بالمسلمين إلا عند الضرورة ، وهو أن يخاف المسلمون الهلاك على أنفسهم ، ويرى الإمام أن هذا الصلح خير لهم فحينئذ لا بأس بأن يفعله لما روي أن المشركين أحاطوا بالخندق ، وصار المسلمون كما قال الله تعالى { هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا } { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبيدة بن حصن ، وطلب منه أن يرجع بمن معه على أن يعطيه كل سنة ثلث ثمار المدينة فأبي إلا النصف فلما حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام سيدا الأنصار سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة رضي الله عنهما ، وقالا يا رسول الله إن كان هذا عن وحي فامض لما أمرت به ، وإن كان رأيا رأيته فقد كنا نحن وهو في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراء أو قرى ، فإذا أعزنا الله بالدين وبعث فينا رسوله نعطيهم الدنية لا نعطيهم إلا السيف فقال صلى الله عليه وسلم إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فأحببت أن أصرفهم عنكم فإذا أبيتم ذلك فأنتم وأولئك اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف } فقد مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين فحين رأى القوة فيهم بما قاله السعدان رضي الله عنهما امتنع من ذلك وقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم من الصدقة لدفع ضررهم عن المسلمين } فدل على أنه لا بأس بذلك عند خوف الضرر ، وهذا لأنهم إن ظهروا على المسلمين أخذوا جميع الأموال ، وسبوا الذراري ، فدفع بعض المال ليسلم المسلمون في ذراريهم ، وسائر أموالهم أهون وأنفع . وإن أراد قوم من أهل الحرب من المسلمين الموادعة سنين معلومة على أن يؤدي أهل الحرب الخراج إليهم كل سنة شيئا معلوما على أن لا تجري أحكام الإسلام عليهم في بلادهم لم يفعل ذلك إلا أن يكون في ذلك [ ص: 88 ] خير للمسلمين ; لأنهم بهذه الموادعة لا يلتزمون أحكام الإسلام ، ولا يخرجون من أن يكونوا أهل حرب ، وقد بينا أن ترك القتال مع أهل الحرب لا يجوز إلا أن يكون خيرا للمسلمين ، فإذا رأى الإمام منفعة في ذلك فصالحهم ، فإن كان قد أحاط مع الجيش ببلادهم فما يأخذ منهم يكون غنيمة يخمسها ، ويقسم ما بقي بينهم ; لأنه توصل إليها بقوة الجيش فهو كما لو ظهر عليهم بالفتح ، فإن لم ينزل مع الجيش بساحتهم ، ولكنهم أرسلوا إليه ، وادعوه على هذا فما يأخذ منهم ، بمنزلة الجزية لا خمس فيها بل يصرف مصارف الجزية ، وإن وقع الصلح على أن يؤدوا إليهم كل سنة مائة رأس ، فإن كانت هذه المائة الرأس يؤدونها من أنفسهم وأولادهم لم يصح هذا لأن الصلح وقع على جماعتهم فكانوا جميعا مستأمنين ، واسترقاق المستأمن لا يجوز . ألا ترى أن واحدا منهم لو باع ابنه بعد هذا الصلح لم يجز ، وكذلك لا يجوز تمليك شيء من نفوسهم وأولادهم بحكم تلك الموادعة ; لأن حريتهم تأكدت بها . وإن صالحوهم على مائة رأس بأعيانهم أول السنة ، وقالوا أمنونا على أن هؤلاء لكم ، ونصالحكم ثلاث سنين مستقبلة على أن نعطيكم كل سنة مائة رأس من رقيقنا فهذا جائز ; لأن المعينين في السنة الأولى لا تتناولهم الموادعة ، وباعتباره يثبت الأمان فإذا جعلوهم مستثنين من الموادعة بجعلهم إياهم عوضا للمسلمين صاروا مماليك للمسلمين بالموادعة ثم شرطوا في السنين المستقبلة مائة رأس من رقيقهم في كل سنة ، ورقيقهم قابل للملك والتملك بالبيع فكذا بالموادعة ، وهذا لأن الموادعة ليست بمال في نفسها ، واشتراط الحيوان دينا في الذمة بدلا عما ليس بمال صحيح إذا كان معلوم الجنس كما في النكاح ، والخلع ، وإذا وقع الصلح على هذا ثم سرق منه مسلم شيئا لم يصح شراء ذلك منه ; لأنهم استفادوا الأمان في أنفسهم وأموالهم ، ومال المستأمن لا يملك بالسرقة ، وإذا لم يملكه السارق لم يحل شراؤه منه ، ولأن ما صنعه غدر يؤدبه الإمام على ذلك إذا علمه منه ، وفي الشراء منه إغراء له هذا الغدر ، وتقرير ذلك لا يحل ، فإن أغار عليهم قوم من أهل الحرب جاز أن يشتري منهم ما أخذوا من أموالهم ورقيقهم ; لأنهم تملكوها عليهم بالإحراز ، ولو تملكوا ذلك من أموال المسلمين جاز شراؤها منهم فمن أموال أهل الحرب أولى ، ثم لا يرد عليهم شيء من ذلك مجانا ، ولا بالثمن ; لأنهم بالموادعة ما خرجوا من أن يكونوا أهل حرب حين لم ينقادوا لحكم الإسلام فلا يجب على المسلمين القيام بنصرتهم ، وبه فارق مال المسلمين ، وأهل الذمة ، ولا يمنع التجار من حمل التجارات إليهم إلا الكراع ، والسلاح ، والحديد ; لأنهم أهل حرب [ ص: 89 ] وإن كانوا موادعين . ألا ترى أنهم بعد مضي المدة يعودون حربا للمسلمين . ولا يمنع التجار من دخول دار الحرب بالتجارات ما خلا الكراع ، والسلاح ، فإنهم يتقوون بذلك على قتال المسلمين فيمنعون من حمله إليهم ، وكذلك الحديد ، فإنه أصل السلاح قال الله تعالى { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } . ومن دخل منهم دار الإسلام بغير أمان جديد سوى الموادعة لم يتعرض له ; لأنه آمن بتلك الموادعة ، ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يتعرضوا له في داره فكذلك إذا دخل دار الإسلام ، وقد دخل أبو سفيان رضي الله عنه المدينة في زمن الهدنة ، ولم يتعرض له أحد بشيء ، وكذلك لو دخل رجل منهم دار حرب أخرى فظهر المسلمون عليهم لم يتعرضوا له ; لأنه في أمان المسلمين حيث كان بمنزلة ذمي يدخل دار الحرب ثم يظهر المسلمون على تلك الدار . وإذا اشترى الحربي المستأمن في دار الإسلام عبدا مسلما أو ذميا أو أسلم بعض عبيده الذين أدخلهم لم يترك ليرده إلى دار الحرب ; لأنه مسلم ، ولا يترك في ملك الكافر ليستذله ، ولكن يجبر على بيعه من المسلمين بمنزلة الذمي يسلم عبده ( فإن قيل ) الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ، والمستأمن غير ملتزم لذلك ( قلنا ) المستأمن ملتزم ترك الاستخفاف بالمسلمين ، إلا ما أعطيناه الأمان ليستذل المسلم إذ لا يجوز إعطاء الأمان على هذا ، فلهذا يجبر على بيعه . وإن رجع المستأمن إلى دار الحرب ، وقد أدان في دار الإسلام وأودع ودبر ثم أسر وظهر على تلك الدار وقتل ، فنقول : أما مدبروه وأمهات أولاده فهم أحرار إن قتل فغير مشكل ، وكذلك إذا استرق ; لأنه صار مملوكا ، والرق إتلاف له حكما ، ولأنهم خرجوا من ملكه لوجود المنافي ، ولا يصيرون في ملك غيره ; لأن المدبر وأم الولد لا يحتمل ذلك فلهذا كان حرا ، وأما الدين فهو يسقط عمن عليه لخروجه من أن يكون أهلا للملك ، ولأن الدين لا يرد عليه القهر ليصير مملوكا للسابي إذ هو في ذمة من عليه ، ويده إلى ما في ذمته أسبق من يد غيره فصار محرزا له ، والودائع فيء ; لأنها تدخل تحت القهر ، ويد المودع كيد المودع ، ولو كانت في يده حين سبي كان ذلك فيئا فكذلك إن كان في يد مودعه ، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنها مملوكة للمودعين ; لأن أيديهم إليها أسبق حين سقط عنها يد الحربي بالأسر فصاروا محرزين لها دون الغانمين ، وهذا كله ; لأن بقاء حكم الأمان له في هذه الأموال ما لم يتقرر المنافي ، وقد تقرر ذلك حين أسر ، وظهر المسلمون على الدار . وإن دخل بعبده المسلم الذي اشتراه أو أسلم في يده في دار الحرب عتق في قول أبي حنيفة رحمه الله ، ولم يعتق في قول [ ص: 90 ] أبي يوسف ومحمد رحمهما الله حتى يظهر المسلمون على الدار أو يخرج مراغما لمولاه ; لأنه كان قاهرا له في دارنا حكما بعقد الأمان ، وفي دار الحرب حسا بقوته فيبقى مملوكا له حتى يصير العبد قاهرا له ، وذلك بخروجه مراغما أو ظهور المسلمين عليه . ألا ترى أنه لو كان في دار الحرب حين أسلم عبده لم يعتق إلا بأحد هذين الوجهين فكذلك إذا أدخله دار الحرب ، وقد بينا طريق أبي حنيفة رحمه الله لهذه المسألة في كتاب العتاق ، وفيه طريق آخر نذكره ههنا ، وهو أنه حين انتهى به إلى آخر جزء من أجزاء دار الإسلام فقد ارتفع حكم الأمان الذي بيننا وبينه ، وبقاء ملكه بعد إسلام العبد كان بحكم الأمان ، فإذا ارتفع زال ذلك الملك ، وحصل العبد في يد نفسه فيعتق ، وهي يد محترمة فتكون دافعة لقهره ، وإن أدخله دار الحرب فلا يثبت له باعتبار هذا القهر الملك في دار الحرب ( فإن قيل ) بارتفاع الأمان زال صفة الحظر لا أصل الملك كمن أباح لغيره شيئا لا يزول أصل ملكه به فملكه المباح في دار الحرب إبقاء ما كان من الملك لا إثبات ملك له فيه ابتداء . ( قلنا ) ما كان ملكه بعد إسلام العبد في دار الإسلام إلا باعتبار صفة الحظر ، فإنه لو لم يكن مستأمنا لكان العبد المسلم قاهرا له في دار الإسلام ، وكان حرا ، فإذا زال الحظر بزوال الأمان زال أصل الملك ( قال ) . ألا ترى أنه في دار الحرب لو قتل مولاه ، وأخذ ماله ، وخرج إلينا كان حرا ، وكان ما خرج به من المال له ، وهذا إشارة إلى ما بينا أنه ظهرت يده في نفسه ، وهي يد محترمة ، وكذلك لو كان هذا العبد الذي اشتراه وأدخله ذميا ; لأن للذمي يدا محترمة في نفسه كما للمسلم . ولو أسلم عبد الحربي في دار الحرب ثم ظهر المسلمون على الدار فالعبد حر لإحرازه نفسه بمنعة المسلمين ، وإن أسلم مولاه قبل أن يظهر المسلمون عليه فهو عبد له ماله ; لأن بإسلام العبد لم يزل ملكه عنه ، ومن أسلم على مال فهو له . ولو كان حين أسلم عبده باعه من مسلم أو ذمي أو حربي فهو حر في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ; لأن العبد المسلم متى زال ملك الحربي عنه يزول إلى العتق كما لو خرج مراغما ، وكان أبو بكر الرازي يقول بمجرد البيع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يعتق ما لم يخرجه من يده بالتسليم ، فإذا أخرجه ثم زال قهره عنه فحينئذ يعتق ، ولا يثبت عليه قهر المشتري ; لأنه مسلم في يد نفسه ، ويده دافعة للقهر عنه سواء كان من مسلم أو ذمي أو حربي ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يعتق ; لأن ملك المشتري ويده كملك البائع ويده ، وقبل البيع كان مملوكا للبائع باعتبار يده فكذلك بعد البيع ، وقد بينا هذه [ ص: 91 ] المسألة مع أخواتها في كتاب العتاق . وإذا مات المستأمن في دار الإسلام عن مال ، وورثته في دار الحرب وقف ماله حتى يقدم ورثته ; لأنه وإن كان في دارنا صورة فهو في الحكم كأنه في دار الحرب فيخلفه ورثته في دار الحرب في أملاكه ، وبموته في دارنا لا يبطل حكم الأمان الذي كان ثبت له بل ذلك باق في ماله فيوقف لحقه حتى يقدم ورثته ، وإذا قدموا فلا بد من أن يقيموا البينة ليأخذوا المال ; لأنهم بمجرد الدعوى لا يستحقون شيئا ، فإن أقاموا بينة من أهل الذمة ففي القياس لا تقبل هذه البينة ; لأن المال في يد إمام المسلمين ، وحاجتهم إلى استحقاق اليد على المسلمين ، وشهادة أهل الذمة لا تكون حجة في الاستحقاق على المسلمين ، وفي الاستحسان تقبل شهادتهم ، ويدفع المال إليهم إذا شهدوا أنهم لا يعلمون وارثا غيرهم ; لأنهم يستحقون المال على المستأمن ، فإن المال موقوف لحقه ، وشهادة أهل الذمة حجة على المستأمن ، ولأنهم لا يجدون شهودا مسلمين على وراثتهم عادة فإن أنسابهم في دار الحرب لا يعرفها المسلمون فهو بمنزلة شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ، ويؤخذ منهم كفيل بما أدرك في المال من درك ، قيل : هو قولهما دون قول أبي حنيفة رحمهم الله تعالى كما فيما بين المسلمين ، وقيل : بل هذا قولهم جميعا ; لأن المال مدفوع إليهم بحجة ضعيفة فلا يدفع إلا بعد الاحتياط بكفيل ، ولا يقبل كتاب ملكهم في ذلك ; لأن ملكهم كافر لا أمان له ، ولو شهد لم تقبل شهادته فكيف يقبل كتابه ، وإن شهد على كتابه وختمه قوم من المسلمين فكذلك الجواب ; لأنه في حق المسلمين كواحد من العوام أو دونه ، وكتابه وختمه لا يكون حجة . وإذا أراد الحربي المستأمن أن يرجع إلى دار الحرب لم يترك أن يخرج معه كراعا وسلاحا أو حديدا أو رقيقا اشتراهم في دار الإسلام مسلمين أو كفارا كما لا يترك تجار المسلمين ليحملوا إليهم هذه الأشياء ، وهذا لأنهم يتقوون بها على المسلمين ، ولا يجوز إعطاء الأمان له ليكتسب به ما يكون قوة لأهل الحرب على قتال المسلمين ، وفي العبيد لا إشكال ; لأنهم مسلمون وأهل الذمة فلا يترك أن يدخل بهم ليعودوا حربا للمسلمين ، ولا يمنع أن يرجع بما جاء به من هذه الأشياء ; لأنه كان معه في دار الحرب فبإعادته لا يزدادون قوة لم تكن لهم بخلاف ما اشتراه في دار الإسلام ، ولأنا أمناه على ما في يده من المال ، وكما لا يمنع هو من الرجوع للوفاء بذلك الأمان فكذلك لا يمنع من أن يرجع بما جاء به . فإن كان جاء بسيف فباعه ، واشترى مكانه قوسا أو رمحا أو ترسا لم يترك أن يخرج به مكان سيفه [ ص: 92 ] لأن معنى القوة يختلف باختلاف الأسلحة ، فإنما قصد بما صنع أن يزداد قوة علينا ، ولأنه قد يكثر فيهم نوع من أنواع الأسلحة ، ويعز نوع آخر خير فيقصدون تحصيل ذلك لهم بهذا الطريق ، وكذلك إذا استبدل بسيفه سيفا آخر خيرا منه ; لأن بتلك الزيادة يزدادون قوة ، ولم يكن استحق ذلك حين أمناه فيمنع من تحصيل تلك الزيادة ، ولا يمكن منعه من ذلك إلا بأن يمنع من إدخاله هذا السيف بأصله دارهم ، وإن كان هذا السيف مثل الأول أو شرا منه لم يمنع أن يدخل به ; لأنه بمنزلة الأول إذ ليس فيه زيادة قوة لهم ، وجنس المنفعة واحد فكما لو أعاد الأول إلى دار الحرب لم يمنع منه فكذلك إذا أعاد مثله ، وله أن يخرج بما شاء من الأمتعة سوى ما ذكرنا كما للتاجر المسلم أن يحمل إليهم ما شاء من سائر الأمتعة للتجارة وللشافعي رحمه الله تعالى قول أنه يمنع من ذلك أيضا ; لأنهم يزدادون قوة بما يحمل طعاما كان أو ثيابا أو سلاحا ، ولكنا نستدل بما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إلى أبي سفيان رضي الله عنه تمر عجوة حين كان بمكة حربيا ، واستهداه أدما } { ، وبعث بخمسمائة دينار إلى أهل مكة حين قحطوا لتفرق بين المحتاجين منهم } ، ولأن بعض ما يحتاج إليه المسلمون من الأدوية وغيرها يحمل من دار الحرب ، فإذا منعنا تجار المسلمين من أن يحملوا إليهم ما سوى السلاح فهم يمنعون ذلك أيضا ، وفيه من الضرر ما لا يخفى . ![]()
__________________
|
|
#209
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 92 الى صـــ 101 (209) وإذا بعث الحربي عبدا له تاجرا إلى دار الإسلام بأمان فأسلم العبد فيها بيع ، وكان ثمنه للحربي ; لأن الأمان يثبت له في مالية العبد حين خرج العبد بأمان منقادا له ، ولو كان المولى معه فأسلم أجبر على بيعه ، وكان ثمنه له فكذلك إذا لم يكن المولى معه ، قلنا : يباع لإزالة ذل الكفر عن المسلم ، ويكون ثمنه للحربي للأمان له في هذه المالية . وإذا وجد الحربي في دار الإسلام فقال أنا رسول ، فإن أخرج كتابا عرف أنه كتاب ملكهم كان آمنا حتى يبلغ رسالته ويرجع ; لأن الرسل لم تزل آمنة في الجاهلية والإسلام ، وهذا لأن أمر القتال أو الصلح لا يتم إلا بالرسل فلا بد من أمان الرسل ليتوصل إلى ما هو المقصود { ، ولما تكلم رسول بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بما كرهه قال لولا أنك رسول لقتلتك } ، وفي هذا دليل أن الرسول آمن ثم لا يتمكن من إقامة البينة على أنه رسول فلو كلفناه ذلك أدى إلى الضيق والحرج ، وهذا مدفوع فلهذا يكتفى بالعلامة ، والعلامة أن يكون معه كتاب يعرف أنه كتاب ملكهم فإذا أخرج ذلك فالظاهر أنه صادق ، والبناء على الظاهر واجب فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته ، وإن لم يخرج كتابا أو أخرج ، ولم يعلم أنه كتاب ملكهم فهو [ ص: 93 ] وما معه فيء ; لأن الكتاب قد يفتعل ، وإذا لم يعلم أنه كتاب ملكهم بختم وتوقيع معروف فالظاهر أنه افتعل ذلك ، وأنه لص مغير في دار الإسلام فحين أخذناه احتال بذلك ليتخلص من أيدينا ، ولهذا كان فيئا مع ما معه ، وإن ادعى أنه دخل بأمان لم يصدق ، وهو فيء لأن حق المسلمين قد ثبت فيه حين تمكنوا منه من غير أمان ظاهر له فلا يصدق هو في إبطال حقهم . وإذا خرج قوم من أهل الحرب مستأمنين لم يعرض لهم فيما كان جرى بينهم في دار الحرب من المداينات ; لأنهم بالدخول بأمان ما صاروا من أهل دارنا ، وقد كانت هذه المعاملة بينهم حين لم يكونوا تحت يد الإمام فلا يسمع الإمام الخصومة في شيء من ذلك إلا أن يلتزموا حكم الإسلام ، وذلك يكون بعقد الذمة ، فإن كان جرى بينهم في دار الإسلام أخذوا به ; لأنهم كانوا تحت يد الإمام حين جرت هذه المعاملة بينهم ، وما أمناهم ليظلم بعضهم بعضا بل التزمنا لهم أن نمنع الظلم عنهم فلهذا تسمع الخصومة التي جرت بينهم في دارنا كما لو جرت بينهم وبين المسلمين . ولو أن حربيا دخل دار الإسلام بغير أمان فأخذه واحد من المسلمين فهو فيء لجماعة المسلمين في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وهي رواية بشر عن أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وظاهر المذهب عند أبي يوسف ، وهو قول محمد رحمهما الله تعالى أنه لمن أخذه خاصة ، وحجتهما في ذلك أن يد الآخذ سبقت إليه ، وهو مباح في دارنا فمن سبقت يده إليه صار محرزا له فاختص بملكه كالصيد والحطب والركاز الذي يجده في دار الإسلام ، وهذا لأنه وإن دخل دارنا فلم يصر به مأخوذا مقهورا لعدم علم المسلمين به . ألا ترى أنه لو عاد إلى دار الحرب قبل أن يعلم به كان حرا ، فإنما صار مقهورا بالأخذ فكان للآخذ خاصة كما لو أخذه في دار الحرب وأخرجه ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى فيه طريقان : أحدهما : أن نواحي دار الإسلام تحت يد إمام المسلمين ، ويده يد جماعة المسلمين فهو كما دخل دار الإسلام صار في يد المسلمين حكما فصار مأخوذا ، وثبت فيه حق جماعة المسلمين فمن أخذه بعد ذلك ، فإنما استولى على ما ثبت فيه حق المسلمين فلا يختص به ، كما إذا استولى على مال بيت المال ، ولكن هذه اليد حكمية فتظهر في حق المسلمين ، ولا تظهر في حق أهل الحرب ; فلهذا إذا عاد إلى دار الحرب قبل أن يعلم به كان حرا حربيا على حاله ، ولأن الحق الثابت فيه ضعيف فهو بمنزلة حق الغانمين في دار الحرب ، وهناك من عاد من الأسرى إلى منعة أهل الحرب قبل الإحراز يكون حرا فهنا من عاد قبل أن يعلم به يكون حرا ، ولكنه لا يختص به الآخذ لثبوت الحق للجماعة [ ص: 94 ] فيه ، والثاني : أن الآخذ إنما تمكن منه بقوة المسلمين ; لأنه يزدان مثله يدفعه عن نفسه ، فإنما صار قاهرا له بقوة المسلمين فلهذا لا يختص به ، وهو نظير السرية مع الجيش في دار الحرب فإن السرية لا تختص بما أخذت ; لأن تمكنهم بقوة الجيش فهذا مثله ، والمسلمون بمنزلة المدد للآخذ ، وتأكد الحق بالأخذ والإحراز ، وقد شاركوه في الإحراز ، وإن اختص هو بالأخذ ، وقد بينا أن المدد يشاركون الجيش إلا أن الإحراز هناك بعد الأخذ ، وههنا الإحراز سبق الأخذ ، فإذا شاركوه بالمشاركة في الإحراز بعد الأخذ ، فلأن يشاركوه بالإحراز منهم قبل أخذه أولى ، وبه فارق الصيد والحطب ; لأن تمكنه من هذه الأشياء لم يكن بقوة المسلمين إذ لا دفع في المال ، ولكن الطريق الأول أصح ، فإن على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى إذا أسلم قبل أن يؤخذ فهو رقيق للمسلمين ، ومن أسلم قبل الأخذ فحريته تتأكد بإسلامه كما لو أسلم في دار الحرب ، فلولا أنه صار مأخوذا بالدار لكان حرا إذا أسلم قبل أن يؤخذ وعندهما إذا أسلم قبل أن يؤخذ فهو حر لا سبيل عليه ; لأن سبب الرق فيه الأخذ ، والمسلم لا يسترق فكان حرا . ولو أسلم ثم رجع إلى دار الحرب قبل أن يؤخذ فهو حر بالاتفاق كما لو رجع قبل أن يسلم ، ثم في وجوب الخمس فيه إذا أخذ روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في إحدى الروايتين قال : المأخوذ بمنعة الدار كالمأخوذ بمنعة الجيش يكون غنيمة يخمس ، وفي الرواية الأخرى قال : الخمس فيما أوجف عليه المسلمون ، ولم يوجد ذلك ههنا فهو بمنزلة الجزية والخراج لا خمس فيها ، ولأن الحق فيه لجماعة المسلمين يصرف إلى بيت المال فلا فائدة في إيجاب الخمس فيه ، وكذلك عن محمد رحمه الله تعالى روايتان في إيجاب الخمس فيه في إحدى الروايتين جعله كالحطب والصيد فلا خمس فيه ; لأنه ما أصيب بطريق فيه إعزاز الدين ، وفي الرواية الأخرى قال : فيه الخمس بمنزلة الركاز ، وهذا لأن الواحد إنما أخذه بقوة المسلمين ، وأذن الإمام له في ذلك فإن الإمام أذن في مثله لكل مسلم ، ولو أخذه في دار الحرب بهذا الطريق اختص به ، وكان فيه الخمس فكذلك إذا أخذه في دار الإسلام . وإن دخل الحرم قبل أن يؤخذ فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى يؤخذ ، ويكون فيئا للمسلمين ; لأن حقهم ثبت فيه قبل أن يدخل الحرم فهو كعبد من عبيد بيت المال دخل الحرم ، وهذا لأنه قبل أن يدخل الحرم كان يجوز قتله ، واسترقاقه فبدخوله الحرم استفاد الأمن من القتل فيبقى حكم الرق فيه للمسلمين كما لو أسلم ، فأما عندهما لا يتعرض له في الحرم ; لأنه لم يصر مأخوذا عندهما فهو حر مباح الدم [ ص: 95 ] التجأ إلى الحرم فلا يتعرض له في الحرم ، ولكن لا يطعم ولا يسقى ولا يؤوى حتى يخرج ، وقد بينا هذا في المناسك . فإن أسلم الحربي في الحرم قبل أن يخرج فهو حر عندهما ; لأنه لم يصر مأخوذا بالدار فتتأكد حريته بالإسلام ، وليس لأحد أن يتعرض له بعد ذلك بشيء . وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فداينهم أو داينوه أو غصبهم شيئا أو غصبوه لم يحكم فيما بينهم بذلك ، فإنهم فعلوا ذلك حيث لا تجري عليهم أحكام المسلمين أما إذا غصبهم ، فلأن أموالهم في حقنا على أصل الإباحة ، وإنما ضمن المستأمن لهم أن لا يخونهم ، وإنما غدر بأمان نفسه دون أمان الإمام فيفتى بالرد ، ولا يجبر عليه في الحكم ، وإن غصبوه فقد غدروا بأمانهم حين لم يكونوا ملتزمين لحكم الإسلام ، ولو قتلوه لم يضمنوا فإذا أتلفوا ماله أو غصبوه شيئا أولى ، وهذا لأنه عرض نفسه لذلك حين فارق منعة المسلمين ، ودخل إليهم فأما في المداينة فهم وإن خرجوا بأمان لم يلتزموا أحكام المسلمين فلا تسمع الخصومة عليهم في مداينة كانت في دارهم ، ولا تسمع الخصومة على المسلم منهم أيضا لتحقيق معنى التسوية بين الخصمين إلا على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، فإنه يقول تسمع الخصومة على المسلم ; لأنه ملتزم أحكام الإسلام حيث ما يكون . وإن بايعهم المستأمن إليهم الدرهم بالدرهمين نقدا أو نسيئة أو بايعهم في الخمر ، والخنزير ، والميتة فلا بأس بذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ، ولا يجوز شيء من ذلك في قول أبي يوسف رحمه الله ; لأن المسلم ملتزم أحكام الإسلام حيثما يكون ، ومن حكم - الإسلام حرمة هذا النوع من المعاملة ، ألا ترى أنه لو فعله مع المستأمنين منهم في دارنا لم يجز فكذلك في دار الحرب ، وهما يقولان هذا أخذ مال الكافر بطيبة نفسه ، ومعنى هذا أن أموالهم على أصل الإباحة إلا أنه ضمن أن لا يخونهم فهو يسترضيهم بهذه الأسباب للتحرز عن الغدر ثم يأخذ أموالهم بأصل الإباحة لا باعتبار العقد ، وبه فارق المستأمنين في دارنا ; لأن أموالهم صارت معصومة بعقد الأمان فلا يمكنه أخذها بحكم الإباحة ، والأخذ بهذه العقود الباطلة حرام ، وتمام هذه الفصول في كتاب الصرف . وإن قتل المسلم في دارنا حربيا مستأمنا عمدا أو خطأ أو قطع يده فلا قود عليه لبقاء شبهة الإباحة في دم المستأمن ، فإنه حربي حكما فلا يمكن المساواة بينه وبين من هو من أهل دارنا في العصمة ، والقصاص يعتمد المساواة ، ولكن عليه دية الحر المسلم ; لأن أصل العصمة تثبت موجبة للتقوم في نفسه حين استأمن إلينا . ألا ترى أن العصمة المتقومة تثبت في ماله بهذا القدر من الإحراز حتى يضمن بالإتلاف [ ص: 96 ] ففي نفسه أولى ، وصار حاله في قيمة نفسه كحال الذمي فكما يسوى بين دية الذمي والمسلم عندنا فكذلك يسوى بين دية المسلم والمستأمن ، والله أعلم بالصواب . باب نكاح أهل الحرب ، ودخول التجار إليهم بأمان ( قال ) رضي الله عنه حربي تزوج امرأة حربية لها زوج ثم أسلما ، وخرجا إلى دارنا لم تحل له إلا بنكاح جديد ; لأن العقد الذي كان بينهما في دار الحرب لغو فإنها كانت منكوحة الغير يومئذ ، ونكاح المنكوحة لا يحله أحد من أهل الأديان فكانا أجنبين حين أسلما فلا يحل له أن يطأها إلا بنكاح جديد كما لو لم يسبق بينهما ذلك العقد في دار الحرب . وإذا تزوج الحر الحربي أربع نسوة ثم سبي وسبين معه فلا نكاح بينه وبينهن سواء تزوجهن في عقدة أو في عقد ; لأن الرق المعترض في الزوج ينافي نكاح الأربع بقاء وابتداء ، وليس بعضهن بأولى من البعض في التفريق بينه وبينها فتقع الفرقة بينه وبينهن ، كما لو تزوج رضيعتين فجاءت امرأة فأرضعتهما ، ولا فرق فالمنافي هناك عارض في المحل بعد صحة نكاحهما ، وهو الأختية ، وههنا عارض في الزوج بعد صحة نكاحهن ، فإن كانت قد ماتت امرأتان منهن فنكاح الباقيتين جائز ; لأنه حين استرق فليس في نكاحه إلا اثنتين ، ورقه لا ينافي نكاح اثنتين ابتداء ولا بقاء ، وقد تقدم بيان هذه الفصول في النكاح ، وذكرنا أنه يكره للمسلم أن يتزوج كتابية في دار الحرب . ولا بأس له أن يتناول من ذبائح أهل الكتاب منهم ، وذلك منقول عن علي رضي الله عنه ثم كراهة النكاح لمعنى كراهة التوطن فيهم أو مخافة أن يبقى له نسل في دار الحرب أو ما فيه من تعريض ولده للرق إذا سبيت ، والولد في بطنها ، وذلك لا يوجد في الذبائح . وإذا قتل المسلم المستأمن في دار الحرب إنسانا منهم أو استهلك ماله لم يلزمه غرم ذلك إذا خرجوا ; لأنهم لو فعلوا ذلك به لم يلزمهم غرم فكذلك إذا فعل بهم ، وهذا لأنهم غير ملتزمين أحكام الإسلام في دار الحرب حيث جرى ذلك بينهم ، وأكره للمسلم المستأمن إليهم في دينه أن يغدر بهم ; لأن الغدر حرام قال صلى الله عليه وسلم { لكل غادر لواء يركز عند باب استه يوم القيامة يعرف به غدرته } ، فإن غدر بهم وأخذ مالهم وأخرجه إلى دار الإسلام كرهت للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك ; لأنه حصله بكسب خبيث ، وفي الشراء منه إغراء له على مثل هذا السبب ، وهو مكروه للمسلم ، والأصل فيه حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه حين قتل أصحابه ، وجاء بمالهم إلى المدينة فأسلم ، وطلب من رسول [ ص: 97 ] الله صلى الله عليه وسلم أن يخمس ماله فقال { أما إسلامك فمقبول ، وأما مالك فمال غدر فلا حاجة لنا فيه ، فإن اشتراه أجزته } ; لأنه صار مالكا للمال بالإحراز . والنهي عن الشراء منه ليس لمعنى في عين الشراء فلا يمنع جوازه ، وإن كانت جارية كرهت للمشتري أن يطأها ; لأنه قائم فيها مقام البائع ، وكان يكره للبائع وطؤها فكذلك للمشتري ، وهذا بخلاف المشتراة شراء فاسدا إذا باعها المشتري جاز للثاني وطؤها بعد الاستبراء ; لأن الكراهة في حق الأول لبقاء حق البائع في الاسترداد ، وقد زال ذلك بالبيع الثاني ، وههنا الكراهة لمعنى الغدر وكونه مأمورا بردها عليهم دينا ، وهذا المعنى في حق الثاني كهو في حق الأول ، فإن أصاب أهل هذه الدار سبايا من غيرهم من أهل الحرب ، وسع هذا المسلم أن يشتريها منهم ; لأنهم ملكوا ذلك بالإحراز بمنعتهم ، فإنهم نهبة يملك بعضهم على بعض نفسه ، وماله بالإحراز فحل للمستأمن إليهم شراء ذلك منهم كسائر أموالهم ، وكذلك إن سبي أهل الدار التي هو فيها جاز له أن يشتريهم من السابين ; لأنهم ملكوهم بالإحراز ، وقد كانوا على أصل الإباحة في حقه إنما كان الواجب عليه أن لا يغدر بهم ، وليس ذلك من الغدر في شيء ، وكذلك لو أن المسلمين وادعوا قوما من أهل الحرب ثم أغار عليهم قوم آخرون أهل حرب لهم فلهذا المسلم أن يشتري السبي منهم ; لأنهم بالموادعة ما خرجوا من أن يكونوا أهل حرب ، ولكن علينا أن لا نغدر بهم ، وقد صاروا مملوكين للسابي بالإحراز فيجوز شراؤه منهم كسائر الأموال ، وإن كان الذين سبوهم قوم من المسلمين غدروا بأهل الموادعة لم يسع المسلمون أن يشتروا من ذلك السبي ، وإن اشتروا رددت البيع ; لأنهم كانوا في أمان من المسلمين فإن أمان بعض المسلمين كأمان الجماعة ، ولا يملك المسلمون رقاب المستأمنين وأموالهم بالإحراز ، وهذا بخلاف ما لو كان دخل إليهم رجل بأمان ثم استولى عليهم المسلمون ; لأن هناك المسلم ما أمنهم ، ولكنهم أمنوه ، وكيف يقال قد أمنهم ، وهو مقهور غير ممتنع منهم فلهذا حل للمسلمين سبيهم ، وههنا هم في أمان من المسلمين ; لأنه أمنهم من له منعة من المسلمين . وإذا كان قوم من المسلمين مستأمنين في دار الحرب فأغار على تلك الدار قوم من أهل الحرب لم يحل لهؤلاء المسلمين أن يقاتلوهم ; لأن في القتال تعريض النفس فلا يحل ذلك إلا على ، وجه إعلاء كلمة الله عز وجل واعزاز الدين ، وذلك لا يوجد ههنا ; لأن أحكام أهل الشرك غالبة فيهم فلا يستطيع المسلمون أن يحكموا بأحكام أهل الإسلام فكان قتالهم في الصورة [ ص: 98 ] لإعلاء كلمة الشرك ، وذلك لا يحل إلا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك فحينئذ لا بأس بأن يقاتلوهم للدفع عن أنفسهم لا لإعلاء كلمة الشرك ، والأصل فيه حديث جعفر رضي الله عنه ، فإنه قاتل بالحبشة مع العدو الذي كان قصد النجاشي ، وإنما فعل ذلك ; لأنه لما كان مع المسلمين يومئذ آمنا عند النجاشي فكان يخاف على نفسه وعلى المسلمين من غيره ، فعرفنا أنه لا بأس بذلك عند الخوف . وإن أغار أهل الحرب الذي فيهم المسلمون المستأمنون على دار من المسلمين فأسروا ذراري المسلمين إذا كانوا يطيقون القتال ; لأنهم ما ملكوا ذراري المسلمين بالإحراز فهم ظالمون في استرقاقهم ، والمستأمنون ما ضمنوا لهم التقرير على الظلم فلا يسعهم إلا قتالهم لاستنفاذ ذراري المسلمين من أيديهم بخلاف الأموال ; لأنهم ملكوها بالإحراز ، وقد ضمن المستأمنون أن لا يتعرضوا لهم في أموالهم ، وكذلك إن كانوا أغاروا على الخوارج ، وسبوا ذراريهم ; لأنهم مسلمون فلا تملك ذراريهم بالإحراز بدار الحرب ، وكذلك إن كان في بلاد الخوارج الذين أغار عليهم أهل الحرب قوم من أهل العدل لم يسعهم إلا أن يقاتلوا عن بيضة المسلمين وحريمهم ; لأن الخوارج مسلمون ففي القتال معهم إعزاز الدين ، ولأنهم بهذا القتال يدفعون أهل الحرب عن المسلمين ، ودفع أهل الحرب عن المسلمين واجب على كل من يقدر عليه ، فلهذا لا يسعهم إلا أن يقاتلوهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم . باب المرتدين ( قال ) رضي الله عنه وإذا ارتد المسلم عرض عليه الإسلام ، فإن أسلم ، وإلا قتل مكانه إلا أن يطلب أن يؤجل فإذا طلب ذلك أجل ثلاثة أيام ، والأصل في وجوب قتل المرتدين قوله تعالى { أو يسلمون } قيل : الآية في المرتدين ، وقال صلى الله عليه وسلم : { من بدل دينه فاقتلوه } ، وقتل المرتد على ردته مروي عن علي وابن مسعود ومعاذ ، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا لأن المرتد بمنزلة مشركي العرب أو أغلظ منهم جناية ، فإنهم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقرآن نزل بلغتهم ، ولم يراعوا حق ذلك حين أشركوا ، وهذا المرتد كان من أهل دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد عرف محاسن شريعته ثم لم يراع ذلك حين ارتد فكما لا يقبل من مشركي العرب إلا السيف أو الإسلام فكذلك من المرتدين إلا أنه إذا طلب التأجيل أجل ثلاثة أيام ; لأن الظاهر أنه دخل عليه شبهة ارتد لأجلها فعلينا إزالة تلك الشبهة ، أو هو يحتاج إلى [ ص: 99 ] التفكر ليتبين له الحق فلا يكون ذلك إلا بمهلة ، فإن استمهل كان على الإمام أن يمهله ، ومدة النظر مقدرة بثلاثة أيام في الشرع كما في الخيار فلهذا يمهله ثلاثة أيام لا يزيده على ذلك ، وإن لم يطلب التأجيل يقتل من ساعته في ظاهر الرواية . وفي النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أنه يستحب للإمام أن يؤجله ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجب على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام ، ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك لما روي أن رجلا قدم على عمر رضي الله عنه فقال له : هل من مغربة خبر . ؟ فقال : نعم ، رجل كفر بعد إيمانه فقال : ماذا صنعتم به . ؟ قال : قدمناه فضربنا عنقه ، فقال : هلا طينتم عليه الباب ثلاثة أيام ، ورميتم إليه كل يوم برغيف فلعله أن يتوب ويراجع الحق ثم رفع يديه ، وقال اللهم إني لم أشهد ، ولم أرض إذ بلغني ، وقد روي هذا الحديث بطريق آخر أن عمر رضي الله عنه قال لو وليت منه مثل الذي وليتم لاستتبته ثلاثة أيام ، فإن تاب وإلا قتلته ، فهذا دليل أنه يستحب الإمهال ، وتأويل اللفظ الأول أنه لعله كان طلب التأجيل إذا كان في ذلك الوقت فقد كان فيهم من هو حديث عهد بالإسلام ، فربما يظهر له شبهة ويتوب إذا رفعت شبهته ، فلهذا كره ترك الإمهال والاستتابة ، فأما في زماننا فقد استقر حكم الدين ، وتبين الحق فالإشراك بعد ذلك قد يكون تعنتا ، وقد يكون لشبهة دخلت عليه ، وعلامة ذلك طلب التأجيل ، وإذا لم يطلب ذلك فالظاهر أنه متعنت في ذلك فلا بأس بقتله إلا أنه يستحب أن يستتاب ; لأنه بمنزلة كافر قد بلغته الدعوة ، وتجديد الدعوة في حق مثله مستحب ، وليس بواجب فهذا كذلك ، فإن استتيب فتاب خلي سبيله ، ولكن توبته أن يأتي بكلمة الشهادة ، ويتبرأ عن الأديان كلها سوى الإسلام أو يتبرى عما كان انتقل إليه ، فإن تمام الإسلام من اليهودي التبري عن اليهودية ، ومن النصراني التبري عن النصرانية ، ومن المرتد التبري عن كل ملة سوى الإسلام ; لأنه ليس للمرتد ملة منفعة ، وإن تبرأ عما انتقل إليه فقد حصل ما هو المقصود . فإن ارتد ثانيا وثالثا فكذلك يفعل به في كل مرة فإذا أسلم خلي سبيله لقوله تعالى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } ، وكان علي وابن عمر رضي الله عنهما يقولان إذا ارتد رابعا لم تقبل توبته بعد ذلك ، ولكن يقتل على كل حال ; لأنه ظهر أنه مستخف مستهزئ ، وليس بتائب ، واستدلا بقوله عز وجل { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم } ، ولكنا نقول : الآية في حق من ازداد كفرا لا في حق من آمن وأظهر التوبة والخشوع فحاله في [ ص: 100 ] المرة الرابعة كحاله قبل ذلك ، وإذا أسلم يجب قبول ذلك منه لقوله تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } . وروي أن أسامة بن زيد رضي الله عنه حمل على رجل من المشركين فقال : لا إله إلا الله فقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { أقتلت رجلا قال لا إله إلا الله من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ، فقال : إنما قالها تعوذا ، فقال : هلا شققت عن قلبه ؟ ، فقال : لو فعلت ذلك ما كان يتبين لي فقال صلى الله عليه وسلم : فإنما يعبر عن قلبه لسانه } إلا أنه ذكر في النوادر أنه إذا تكرر ذلك منه يضرب ضربا مبرحا لجنايته ثم يحبس إلى أن يظهر توبته وخشوعه ، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه إذا فعل ذلك مرارا يقتل غيلة ، وهو أن ينتظر فإذا أظهر كلمة الشرك قتل قبل أن يستتاب ; لأنه قد ظهر منه الاستخفاف . وقتل الكافر الذي بلغته الدعوة قبل الاستتابة جائز . فإن أبى المرتد أن يسلم فقتل كان ميراثه بين ورثته المسلمين على فرائض الله تعالى في قول علمائنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى ماله فيء يوضع في بيت مال المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم { لا يرث المسلم الكافر } ، والمرتد كافر فلا يرثه المسلم ، ولأن المرتد لا يرث أحدا فلا يرثه أحد كالرقيق يوضحه أنه لا يرثه من يواقفه في الملة ، والموافقة في الملة سبب التوريث ، والمخالفة في الملة سبب الحرمان ، فلما لم يرثه من يوافقه في الملة مع وجود سبب التوريث فلأن لا يرثه من يخالفه في الملة أولى ، وإذا انتفى التوريث عن ماله فهو في أحد الوجهين ; لأنه مال حربي لا أمان له فيكون فيئا للمسلمين ، وفي الوجه الآخر هو مال ضائع فمصيبه بيت المال كالذمي إذا مات ، ولا وارث له من الكفار يوضع ماله في بيت المال ( وحجتنا ) في ذلك ظاهر قوله تعالى : { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } والمرتد هالك ; لأنه ارتكب جريمة استحق بها نفسه فيكون هالكا { ، ولما مات عبد الله بن أبي ابن سلول جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله لورثته المسلمين } ، وهو كان مرتدا ، وإن كان منافقا فقد شهد الله بكفره بعد الإيمان ، وفيه نزل قوله تعالى { إن الذين آمنوا ثم كفروا } ، وإن عليا رضي الله عنه قتل المستورد العجلي على الردة ، وقسم ماله بين ورثته المسلمين ، وذلك مروي عن ابن مسعود ومعاذ رضي الله تعالى عنهما ، والمعنى فيه أنه كان مسلما مالكا لماله فإذا تم هلاكه يخلفه وارثه في ماله كما لو مات المسلم ، وتحقيق هذا الكلام أن الردة هلاك ، فإنه يصير به حربا ، وأهل الحرب في حق المسلمين كالموتى إلا أن تمام هلاكه حقيقة بالقتل أو الموت ، فإذا تم ذلك استند التوريث إلى أول الردة ، وقد كان مسلما عند ذلك [ ص: 101 ] فيخلفه وارثه المسلم في ماله ، ويكون هذا توريث المسلم من المسلم ، وهذا لأن الحكم عند تمام سببه يثبت من أول السبب كالبيع بشرط الخيار إذا أجيز يثبت الملك من وقت العقد حتى يستحق المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة جميعا ، فعلى هذا الطريق يكون فيه توريث المسلم من المسلم . ( فإن قيل : ) زوال ملكه إما أن يكون قبل الردة أو معها أو بعدها ، والحكم لا يسبق السبب ولا يقترن به بل يعقبه ، وبعد الردة هو كافر ( قلنا ) نعم المزيل للملك ردته كما أن المزيل للملك موت المسلم ثم الموت يزيل الملك عن الحي لا عن الميت فكذلك الردة تزيل الملك عن المسلم ، وكما أن الردة تزيل ملكه فكذلك تزيل عصمة نفسه ، وإنما تزيل العصمة عن معصوم لا عن غير معصوم فعرفنا أنه يتحقق بهذا الطريق توريث المسلم من المسلم ، ولهذا لا يرثه ورثته الكفار ; لأن التوريث من المسلم ، والكافر لا يرث المسلم ، وهو دليلنا ، فإنه كان تعلق بإسلامه حكمان : حرمان ورثته الكفار ، وتوريث ورثته المسلمين ، ثم بقي أحد الحكمين بعد ردته باعتبار أنه مبقي على حكم الإسلام فكذلك الحكم الآخر ، وإنما لا يرث المرتد أحدا لجنايته ، فهو كالقاتل لا يرث المقتول لجنايته ، ويرثه المقتول لو مات القاتل قبله ، ولأنه لا وجه لجعل ماله فيئا ، فإن هذا المال كان محرزا بدار الإسلام ، ولم يبطل ذلك الإحراز بردته حتى لا يغنم في حياته ، والمال المحرز بدار الإسلام لا يكون فيئا ، وبهذا تبين ثبوت حق الورثة فيه ; لأنه إنما لا يغنم في حياته لا لحقه ، فإنه لا حرمة له بل لحق الورثة فكذلك بعد موته ، وإن قال : يوضع في بيت المال ليكون للمسلمين باعتبار أنه مال ضائع ( قلنا ) المسلمون يستحقون ذلك بالإسلام ، وورثته ساووا المسلمين في الإسلام ، وترجحوا عليهم بالقرابة ، وذو السببين مقدم في الاستحقاق على ذي سبب واحد ، فكان الصرف إليهم أولى . فأما ما اكتسب في حال ردته فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو فيء يوضع في بيت المال وعندهما هو ميراث لورثته المسلمين ; لأن كسبه يوقف على أن يسلم له بالإسلام فيخلفه وارثه فيه بعد موته ككسب الإسلام ، وما ذكرنا من المعاني بجمع الكسبين ، وليس في الردة أكثر من أنه صار به مشرفا على الهلاك فيكون كالمريض ، والمكتسب في مرض الموت كالمكتسب في الصحة في حكم الإرث وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : الوراثة خلافة في الملك ، والردة تنافي بقاء الملك فتنافي ابتداء الملك بطريق الأولى ، فما اكتسب في إسلامه كان مملوكا له فيخلفه وارثه فيه إذا تم انقطاع حقه عنه ، وكسب الردة لم يكن مملوكا له لقيام [ ص: 102 ] المنافي عند الاكتساب ، وإنما كان له حق أن يتملك أن لو أسلم ، والوارث لا يخلفه في مثل هذا الحق فبقي هذا مالا ضائعا بعد موته يوضع في بيت المال ، والأصح أن نقول : إسناد التوريث إلى أول الردة في كسب الإسلام ممكن ; لأن السبب يعمل في المحل ، والمحل كان موجودا عند أول الردة ، فأما إسناد التوريث في كسب الردة غير ممكن لانعدام المحل عند السبب في هذا الكسب ، فلو ثبت فيه حكم التوريث ثبت مقصورا على الحال ، وهو كافر بعد الاكتساب ، والمسلم لا يرث الكافر فيبقى موقوفا على أن يسلم له بالإسلام . ![]()
__________________
|
|
#210
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 102 الى صـــ 111 (210) فإذا زال ذلك بأن مات أو قتل فهذا كسب حربي لا أمان له فيكون فيئا للمسلمين يوضع في بيت مالهم ، ثم اختلفت الروايات عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فيمن يرث المرتد فروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه من كان وارثا له وقت ردته ، وبقي إلى موت المرتد ، فإنه يرثه ، ومن حدث له صفة الوراثة بعد ذلك لا يرثه حتى لو أسلم بعض قرابته بعد ردته ، أو ولد له من علوق حادث بعد ردته ، فإنه لا يرثه على هذه الرواية ; لأن سبب التوريث الردة فمن لم يكن موجودا عند ذلك السبب لم ينعقد له سبب الاستحقاق ، ثم تمام الاستحقاق بالموت ، فإنما يتم في حق من انعقد له السبب لا في حق من لم ينعقد له السبب ، ثم في حق من انعقد له السبب يشترط بقاؤه إلى وقت تمام الاستحقاق ، فإذا مات قبل ذلك يبطل السبب في حقه كما في بيع الموقوف يتم الملك عند الإجازة من وقت السبب ، ولكن بشرط قيام المعقود عليه عند الإجازة حتى إذا هلك قبل ذلك بطل السبب ، وفي رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى يعتبر وجود الوارث ، وقت الردة ثم لا يبطل استحقاقه بموته قبل موت المرتد ; لأن الردة في حكم التوريث كالموت ، ومن مات من الورثة بعد موت المورث قبل قسمة ميراثه لا يبطل استحقاقه ، ولكن يخلفه ، وارثه فيه فهذا مثله ، وأما رواية محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى ، وهو الأصح أنه يعتبر من يكون وارثا له حين مات أو قتل ، سواء كان موجودا عند الردة أو حدث بعده ; لأن الحادث بعد انعقاد السبب قبل تمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السبب . ألا ترى أن الزيادة التي تحدث من المبيع قبل القبض تجعل كالموجود عند ابتداء العقد في أنه يصير معقودا عليه بالقبض ، ويكون له حصة من الثمن فههنا أيضا من يحدث قبل انعقاد السبب يجعل كالموجود عند ابتداء السبب ، ولو تصور بعد الموت الحقيقي ، ولد له من علوق حادث لكنا نجعله كذلك أيضا إلا أن ذلك لا يتصور ، فأما بعد الهلاك بالحكم بالردة [ ص: 103 ] يتصور فيجعل الحادث كالموجود عند ابتداء السبب ، وكذلك إن لحق بدار الحرب قسم الإمام ماله بين ورثته ، وكان لحاقه بدار الحرب بمنزلة موته ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يبقى ماله بعد لحاقه موقوفا كما كان قبل لحاقه ; لأن ذهابه إلى دار الحرب نوع غيبة فلا يتغير به حكم ماله ، كما لو كان مترددا في دار الإسلام ، ولكنا نقول : إنه صار حربيا حقيقة وحكما ; لأنه قد أبطل حياة نفسه بدار الحرب حين عاد إلى دار الحرب حربا للمسلمين ، والحربي في دار الحرب كالميت في حق المسلمين قال الله تعالى : { أومن كان ميتا فأحييناه } ، وقد قررنا هذا في النكاح في مسألة تباين الدارين ، ولأنه قد خرج من يد الإمام حقيقة وحكما ، ولو كان في يده لموته حقيقة بأن يقتله ويقسم ماله ، فإذا عجز عن ذلك بخروجه عن يده موته حكما فيقسم ماله بين ورثته ، وحكم بعتق أمهات أولاده ومدبريه وبحلول آجاله ثم قال أبو يوسف يعتبر من يكون وارثا له وقت قضاء القاضي بلحاقه ، وعند محمد وقت لحاقه ، وهذا لأن عندهما ملكه لا يزول بالردة ، ولهذا ينفذ تصرف المرتد عندهما على ما نبينه ، فإنما زوال ملكه بسبب الردة عند لحاقه فيعتبر وارثه عند ذلك ، ولحاقه موت حكمي فهو كالموت الحقيقي بالقتل ، ولكن أبو يوسف يقول : اللحاق في الحقيقة غيبة ، وإنما يصير موتا حكما بقضاء القاضي فيعتبر من يكون وارثا له عند القضاء باللحاق في استحقاق ماله ، وكذلك ترث منه امرأته إن كانت في العدة ; لأن النكاح بينهما ، وإن ارتفع بنفس الردة لكنه فار عن ميراثها . وامرأة الفار ترث إذا كانت في العدة عند موته ، وعلى رواية أبي يوسف ترث ، وإن كانت منقضية العدة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ; لأن السبب التوريث كان موجودا في حقها عند ردته ، وعلى تلك الرواية إنما يعتبر قيام السبب عند أول الردة ، وتبطل وصاياه ; لأن تنفيذ الوصايا لحق الموصي ، ولم يبق له حق بعد ما قتل على الردة أو لحق بدار الحرب ، وهذا بخلاف التدبير ، فإن حق العبد في العتق بالتدبير قد ثبت للمدبر فيكون عتقه كعتق أم الولد أو حقه كحق أصحاب الديون ، وفي الكتاب يقول : ردته كرجوعه عن الوصية ; لأنه بالردة يبطل حقه ، وتنفيذ الوصية كان لحقه فرجوعه يعمل في إبطال وصاياه ، ولا يعمل في إبطال تدبيره فكذلك ردته ، وهو لا يفعل شيئا من ذلك ما دام المرتد مقيما في دار الإسلام ; لأنه في يده حقيقة وحكما فبموته بالقتل حقيقة إن لم يسلم أولا ثم يقسم ماله ، وإن فعل ذلك بعد لحاقه بدار الحرب ثم رجع تائبا قد مضى جميع ما فعله الإمام غير أنه إذا وجد شيئا من ملكه بعينه في يد وارثه أخذه [ ص: 104 ] منه ; لأن الوراثة خلافة ، والخلف يسقط اعتباره إذا ظهر الأصل ، ولما جاء تائبا فقد صار حيا حكما ، وإنما كانت خلافة الوارث إياه في هذا الملك كموته حكما ، فإذا انعدم ذلك ظهر حكم الأصل ، ولهذا قلنا : لو كان الوارث كاتب عبدا يعاد إليه ذلك العبد مكاتبا ; لأن الحكم لا يكون منتقلا من الخلف إلى الأصل ، وتأثير الكتابة في منع النقل ، ولكن ينعدم الخلف بظهور الأصل فيكون الملك لصاحب الأصل بطريق البقاء ، ولا يعاد إليه شيء مما باعه وارثه ; لأن الأصل والخلف في الحكم فلا بد من قيامه عند ظهور الأصل ليكون عاملا ، وما تصرف الوارث من بيع أو غيره فهو نافذ منه لمصادفته ملكه ، ولا ضمان عليه في شيء مما أتلفه ; لأن الملك كان خالصا له ، وفعله فيما خلص حقا له لا يكون سبب الضمان فلو لم يفعل الإمام شيئا من ذلك حتى رجع تائبا فجميع ذلك له كما كان قبل ردته ; لأن اللحاق قبل أن يتصل به القضاء بمنزلة الغيبة فهو والمتردد في دار الإسلام في الحكم سواء . ( قال ) وجميع ما فعل المرتد في حال ردته من بيع أو شراء أو عتق أو تدبير أو كتابة باطل إن لحق بدار الحرب ، وقسم الإمام ماله ، والحاصل أن تصرفات المرتد أربعة أنواع نوع منها نافذ بالاتفاق ، وهو الاستيلاد حتى إذا جاءت جاريته بولد فادعى نسبه ثبت النسب منه ، وورث هذا الولد مع ورثته ، وكانت الجارية أم ولد له ; لأن حقه في ملكه أقوى من حق الأب في جارية ولده ، واستيلاد الأب صحيح فاستيلاد المرتد أولى ; لأنها موقوفة على حكم ملكه حتى إذا أسلم كانت مملوكة له ، وحقه فيها أقوى من حق المولى في كسب المكاتب ، وهناك يصح منه دعوة النسب فههنا أولى إلا أن هناك يحتاج إلى تصديق المكاتب لاختصاصه بملك اليد والتصرف ، وههنا لا يحتاج إلى تصديق الورثة ; لأنه لم يثبت لهم ملك اليد والتصرف في الحال ، ومنها ما هو بالاتفاق باطل في الحال كالنكاح والذبيحة ; لأن الحل بهما يعتمد الملة ، ولا ملة للمرتد فقد ترك ما كان عليه ، وهو غير مقر على ما اعتمده ، ومنها ما هو موقوف بالاتفاق ، وهو المفاوضة ، فإنه إذا شارك غيره شركة مفاوضة توقف صفة المفاوضة بالاتفاق ، وإن اختلفوا في توقف أصل الشركة ، ومنها ما هو مختلف فيه ، وهو سائر تصرفاته عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يتوقف بين أن ينفذ بالإسلام أو يبطل إذا مات أو قتل على الردة أو لحق بدار الحرب وعندهما نافذ إلا أن أبا يوسف رحمه الله تعالى يقول ينفذ كما ينفذ من الصحيح حتى يعتبر تبرعاته من جميع المال ، وعند محمد رحمه الله تعالى ينفذ كما ينفذ من المريض [ ص: 105 ] وحجتهما في ذلك أنه من أهل التصرف لاقى تصرفه ملكه فينفذ ، وبيان ذلك أن التصرف قول ، والأهلية له باعتبار قوله شرعا ، ولا ينعدم ذلك بالردة ، والمالكية باعتبار صفة الحرية ، ولا ينعدم ذلك بالردة إنما تأثير ردته في إباحة دمه ، وذلك لا يحصل بالمالكية كالمقضي عليه بالرجم والقصاص ، والدليل عليه أن تصرف المكاتب بعد الردة نافذ بالاتفاق ، وحال الحر في التصرف فوق حال المكاتب ، فإذا كانت الردة لا تنافي ملك اليد الذي ينبني عليه تصرف المكاتب حتى ينفذ تصرفه ، فلأن لا ينافي ملك الحر وتصرفه أولى إلا أن محمدا رحمه الله تعالى قال : هو مشرف على الهلاك فيكون بمنزلة المريض في التصرف . ألا ترى أن زوجته ترثه بحكم الفرار ، وذلك لا يتحقق إلا في المريض وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول : هو متمكن من دفع الهلاك عن نفسه بسبب يستحق عليه مرغوب فيه فلا يصير في حكم المريض ، كمن قصد أن يلقي نفسه من شاهق جبل لا يصير به في حكم المريض يوضحه أن المقضي عليه بالرجم والقصاص لا يصير كالمريض ما دام في السجن لتمكنه من دفع الهلاك عن نفسه بادعاء شبهة فالمرتد أولى ، وأبو حنيفة يقول : بالردة يزول ملكه عن المال ، وكان موقوفا على العود إليه بالإسلام ، وتصرفه بحكم الملك فيتوقف بتوقف الملك ، ودليل الوصف أن المالكية عبارة عن القدرة والاستيلاء ، وإنما يكون ذلك حكما باعتبار العصمة . ألا ترى أن الشرع جعل عصمة النفس والمال بسبب واحد ثم عصمة نفسه تزول بالردة حتى يقتل ، فكذلك عصمة ماله ، والدليل عليه أنه هالك حكما ، وإذا كان الهلاك حقيقة ينافي مالكية المال ، ولا ينافي توقف المال على حقه ، كالتركة المستغرقة بالدين ، فكذلك الهلاك الحكمي ، ولأن تأثير الردة في نفي المالكية فوق تأثير الرق ، فإن الرق ينافي مالكية المال ، ولا ينافي مالكية النكاح ، والردة تنافيهما ، وهذا بخلاف المقضي عليه بالقصاص والرجم ، فهناك لم يزل ما به عصمة المال والنفس ، وإنما استحق عليه نفسه بما هو من حقوق تلك العصمة فيبقى مالكا حقيقة لبقاء عصمة ماله ، وقد انعدم ههنا ما به كانت العصمة في حق النفس فكذلك في حق المال ; لأنها تابعة للنفس في العصمة ، وبخلاف المكاتب فإن تصرفه باعتبار عقد الكتابة ، والردة لا تؤثر فيه . ألا ترى أن الهلاك الحقيقي لا يمنع بقاء الكتابة فالهلاك الحكمي أولى ، ولهذا نفذ تصرف المكاتب بعد لحاقه بدار الحرب ، وههنا بالاتفاق لا ينفذ تصرفه في ماله بعد لحاقه بل يتوقف فكذلك قبل لحاقه ; لأن الهلاك بردته لا بلحاقه ، وكذلك التوريث باعتبار ردته على ما قررنا [ ص: 106 ] أنه يستند التوريث إلى أول الردة ليكون فيه توريث المسلم من المسلم ، والدليل عليه أنه بالردة صار حربيا ، ولهذا يقتل ، والحربي المقهور في أيدينا يتوقف تصرفه كالمأسورين إلا أن هناك توقف حالهم بين الاسترقاق والقتل والمن ، وههنا بين القتل والإسلام ، ثم توقف تصرفهم هناك لتوقف حالهم فكذلك ههنا . وإذا أعتق المرتد عبده ثم أعتقه ابنه أيضا ، ولا وارث له غيره لم يجز عتق واحد منهما أما عتق المرتد فكان موقوفا فبموته يبطل ، وأما عتق الوارث فقد سبق ملكه ; لأن قبل موت المرتد لا ملك للوارث في ماله بل الملك موقوف على حق المرتد فلا ينفذ تصرف الوارث ، وهذا بخلاف التركة المستغرقة بالدين إذا أعتق الوارث عبدا منها ثم سقط الدين ; لأن سبب التوريث هناك قد تم ، والتوقف لحق الغرماء ، والعتق بعد تمام سبب الملك لا يتوقف ، وههنا أصل السبب انعقد بالردة ، ولكن لا يتم لقيام الأصل حقيقة وحكما ، والخلافة تكون بعد فوات الأصل فلهذا لا تنفذ تصرفات لوارث ، وإن ملك بعد ذلك . وإذا مات الابن وله معتق والأب مرتد ، ثم مات الأب وله معتق كان ميراث الأب لمعتقه دون معتق الابن لما بينا أن أصل السبب ، وإن انعقد بالردة ، فإذا مات الابن قبل وقت تمام السبب بطل ذلك ; لأن بقاءه إلى وقت تمام السبب شرط ، وقد بينا اختلاف الرواية في هذا الفصل ، وما اكتسبه في ردته فهو فيء عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وهما يستدلان على أبي حنيفة رحمه الله تعالى بكسب الردة أنه ينفذ تصرفه فيه حتى لو قضى دينه بكسب ردته أو رهنه بدين عليه كان صحيحا ، فكذلك كسب الإسلام ، ومن أصحابنا من سلم واشتغل بالفرق فقال : تصرفه في كسب الردة باعتبار أنه كسبه لا باعتبار أنه ملكه ; لأن الردة تنافي الملك ، فأما في كسب الإسلام تصرفه باعتبار ملكه ، وقد بينا توقف ملكه ، والأصح أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يتوقف تصرفه في الكسبين جميعا ، ويبطل ذلك بموته ، واختلفت الروايات عنه في قضاء ديونه ، فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يقضي ديونه من كسب الردة ، فإن لم يف بذلك فحينئذ من كسب الإسلام ; لأن كسب الإسلام حق وريثه ، ولا حق لورثته في كسب ردته بل هو خالص حقه ، فلهذا كان فيئا إذا قتل فكان وفاء الدين من خالص حقه أولى ، فعلى هذا نقول : عقد الرهن لقضاء الدين . وإذا قضى دينه من كسب الردة أو رهنه بالدين فقد فعل عين ما كان يحق فعله ; فلهذا كان نافذا ، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يبدأ بكسب الإسلام في قضاء ديونه ، فإن لم تف بذلك فحينئذ من كسب الردة ; لأن قضاء الدين من [ ص: 107 ] ملك المديون ، وكسب الإسلام كان مملوكا له ، ولهذا يخلفه الوارث فيه ، وخلافة الوارث بعد الفراغ من حقه فأما كسب الردة لم يكن مملوكا له فلا يقضي دينه منه إلا إذا تعذر قضاؤه من محل آخر ، فعلى هذا لا ينفذ تصرفه في الرهن ، وقضاء الدين من كسب الردة إذا كان في كسب الإسلام وفاء بذلك ، وروى زفر عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن ديون إسلامه تقضى من كسب الإسلام ، وما استدان في الردة يقضى من كسب الردة ; لأن المستحق للكسبين مختلف ، وحصول كل واحد من الكسبين باعتبار السبب الذي وجب به الدين فيقضي كل دين من الكسب المكتسب في تلك الحالة ليكون الغرم بمقابلة الغنم ، وبه أخذ زفر رحمه الله تعالى . وإن جنى المرتد جناية لم يعقله العاقلة ; لأن تحمل العقل باعتبار معنى النصرة ، وهو أن تمكنه من الجناية بقوة العاقلة ، وأحد لا ينصر المرتد ، أو ذلك للتخفيف على الجاني لعذر الخطأ ، والمرتد غير مستحق للتخفيف فيكون الأرش في ماله ، وكذلك ما غصب وأتلف من أموال الناس فذلك كله دين عليه ، وإن لم يكن له مال إلا ما اكتسبه في ردته كان ذلك كله فيه ; لأنه كسبه فيكون مصروفا إلى دينه ككسب المكاتب . والجناية على المرتد هدر ; لأن اعتبار الجناية عليه لعصمة نفسه ، وقد انعدمت العصمة بردته فكانت الجناية عليه هدرا . مسلم قطع يد مسلم عمدا أو خطأ ثم ارتد المقطوعة يده عن الإسلام فمات أو قتل أو لحق بدار الحرب فعلى القاطع دية اليد في ماله إن كان عمدا ، وعلى عاقلته إن كان خطأ ; لأن قطع اليد كانت جناية موجبة للضمان ، وقد انقطعت السراية بزوال عصمة نفسه بالردة فصار كما لو انقطع بالبرء فيلزمه دية اليد فقط ، وإن أسلم قبل اللحوق بدار الحرب ثم مات من تلك الجناية فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله عليه دية النفس استحسانا ، وعند محمد وزفر رحمهما الله ليس عليه إلا دية اليد قياسا ; لأن السراية قد انقطعت بزوال عصمة نفسه بالردة ثم بالإسلام بعد ذلك لا يتبين أن العصمة لم تكن زائلة ، فحكم السراية بعد ما انقطع لا يعود ، وكان موته من تلك الجناية ، وموته بسبب آخر سواء . ألا ترى أنه لو لحق بدار الحرب ثم عاد ثانيا فمات من تلك الجناية لم يجب على القاطع إلا دية اليد فكذلك قبل اللحوق ، ولأن اعتبار الجناية والسراية لحقه بعد سقوط حقه بالردة فيصير هو كالمبرإ عن سراية تلك الجناية كما لو قطع يد عبد ثم أعتقه مولاه أو باعه صار مبرئا عن السراية بإزالة ملكه ، وبعد ما صح الإبراء ليس له ولاية إعادة حقه في السراية فكان وجود إسلامه في حكم السراية كعدمه ، وهما يقولان حقه توقف بالردة على ما قررنا [ ص: 108 ] فإذا أسلم زال التوقف فصار ما اعترض كأن لم يكن ، بخلاف العبد إذا باعه أو أعتقه فقد تم زوال ملكه هناك ، واعتبار الجناية كان لملكه يوضح الفرق أن ضمان الجناية في المماليك باعتبار صفة المملوكية ، ولهذا يجب الضمان لتمكن النقصان في المالية شيئا فشيئا ، وقد انعدم ذلك بالعتق أصلا ، وبالبيع في حق من كان مستحقا له ، فأما وجوب ضمان الجزء باعتبار النفسية ، ولا ينعدم بالردة ، ولكن العصمة شرط ، فإنما يراعى وجوده عند ابتداء السبب لينعقد موجبا ، وعند تقرره بالموت لتقرر الحكم فلا يعتبر فيه بقاء العصمة ، وهو نظير ما لو قال لعبده : إن دخلت الدار فأنت حر ثم باعه ثم اشتراه ثم دخل الدار يعتق لهذا المعنى ، فأما إذا لحق بدار الحرب ، فإن كان القاضي قضى بلحاقه فقد صار ميتا حكما ، وبقاء حكم الجناية باعتبار بقاء النفسية ، وذلك لا يتحقق بعد موته حكما إذ لا تصور لبقاء الحكم بدون المحل ، وإذا لم يقض القاضي بلحاقه فالأصح أنه على الخلاف ، فمن أصحابنا من سلم وقال : بنفس اللحاق صار حربيا ، والحربي في حق من هو في دار الإسلام كالميت ، ولهذا لو كانت امرأة تسترق كسائر الحربيات فيتم به انقطاع حكم السراية ، بخلاف ما قبل لحاقه بدار الحرب ، يوضحه أن الردة عارض ، فإذا زال قبل تقرره صار كأن لم يكن كالعصير المشترى إذا تخمر قبل القبض ثم تخلل بقي العقد صحيحا ، ولا يعتبر زواله بعد تقرره كما في العصير إذا تخمر ، فقضى القاضي بفسخ العقد ثم تخلل ، وباللحاق قد تقرر خصوصا إذا قضى به القاضي فلا يعتبر زواله بعد ذلك بخلاف ما قبل اللحاق . وإن كان القاطع هو الذي ارتد فقتل ، ومات المقطوعة يده من ذلك مسلما ، فإن كان عمدا فلا شيء له ; لأن الواجب في العمد القود ، وقد فات محله حين قتل على ردته أو مات ، وإن كان خطأ فعلى عاقلة القاطع دية النفس ; لأنه عند الجناية كان مسلما ، وجناية المسلم إذا كانت خطأ على عاقلته ، وتبين بالسراية أن جنايته كانت قتلا فلهذا كان على عاقلته دية النفس ، وإن كانت الجناية منه في حال ردته كانت الدية في الخطأ في ماله لما بينا أن المرتد لا يعقل جنايته أحد . ولا تقتل المرتدة ، ولكنها تحبس ، وتجبر على الإسلام عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى تقتل إن لم تسلم ، وهكذا كان يقول أبو يوسف رحمه الله تعالى في الابتداء ثم رجع أنه الحسن ، عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنها تخرج في كل قليل ، وتعذر تسعة وثلاثين سوطا ثم تعاد إلى الحبس إلى أن تتوب أو تموت ، واستدل الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم { من بدل دينه فاقتلوه } ، وهذه الكلمة تعم الرجال والنساء كقوله تعالى [ ص: 109 ] { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ، وتبين أن الموجب للقتل تبديل الدين ; لأن مثل هذا في لسان صاحب الشرع لبيان العلة ، وقد تحقق تبديل الدين منها ، وفي الحديث { أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مرتدة يقال لها أم مروان } ، وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قتل مرتدة يقال لها أم فرقة ، ولأنها اعتقدت دينا باطلا بعد ما اعترفت ببطلانه فتقتل كالرجل ، وهذا لأن القتل جزاء على الردة ; لأن الرجوع عن الإقرار بالحق من أعظم الجرائم ، ولهذا كان قتل المرتد من خالص حق الله تعالى ، وما يكون من خالص حق الله فهو جزاء ، وفي أجزية الجرائم الرجال والنساء سواء كحد الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وبهذا تبين أن الجناية بالردة أغلظ من الجناية بالكفر الأصلي ، فإن الإنكار بعد الإقرار أغلظ من الإصرار في الابتداء على الإنكار كما في سائر الحقوق ، وبأن كانت لا تقتل إذا لم تتغلظ جنايتها فذلك لا يدل على أنها لا تقتل إذا تغلظت جنايتها ثم في الكفر الأصلي إذا تغلظت جنايتها بأن كانت مقاتلة أو ساحرة أو ملكة تحرض على القتال تقتل فكذلك بعد الردة ، والدليل عليه أنها تحبس ، وتعزر ، وتجبر على الإسلام بعد الردة ، ولا يفعل ذلك بها في الكفر الأصلي ، وكذلك الشيوخ ، وأصحاب الصوامع ، والرهبان يقتلون بعد الردة ، ولا يقتلون في الكفر الأصلي ، وذوو الأعذار كالأعمى والزمن كذلك ، وكذلك الرق في الكفر الأصلي يمنع القتل ، وهو ما إذا استرق الأسير ، وفي الردة لا يمنع ثم في الكفر الأصلي لا تسلم لها نفسها حتى تسترق لينتفع المسلمون بها فكذلك بعد الردة ، وبالاتفاق لا تسترق في دار الإسلام فقلنا أنها تقتل . ( وحجتنا ) في ذلك { نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء } ، وفيه حديثان أحدهما ما رواه رباح بن ربيعة رضي الله تعالى عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بعض الغزوات قوما مجتمعين على شيء فسأل عن ذلك فقالوا ينظرون إلى امرأة مقتولة فقال لواحد : أدرك خالدا وقل له : لا يقتلن عسيفا ولا ذرية } ، والثاني حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة فقال من قتل هذه قال رجل أنا يا رسول الله أردفتها خلفي فأهوت إلى سيفي لتقتلني فقتلتها ، فقال : ما شأن قتل النساء وارها ولا تعد } { ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة امرأة مقتولة فقال : ها ما كانت هذه تقاتل } ففي هذا بيان أن استحقاق القتل بعلة القتال ، وأن النساء لا يقتلن ; لأنهن لا يقاتلن ، وفي هذا لا فرق بين الكفر الأصلي ، وبين الكفر الطارئ ، وما روي من الحديث غير مجرى [ ص: 110 ] على ظاهره ، فالتبديل يتحقق من الكافر إذا أسلم فعرفنا أنه عام لحقه خصوص فنخصه ونحمله على الرجال بدليل ما ذكرنا ، والمرتدة التي قتلت كانت مقاتلة ، فإن أم مروان كانت تقاتل وتحرض على القتال ، وكانت مطاعة فيهم ، وأم فرقة كان لها ثلاثون ابنا ، وكانت تحرضهم على قتال المسلمين ، ففي قتلها كسر شوكتهم ، ويحتمل أنه كان ذلك من الصديق رضي الله عنه بطريق المصلحة والسياسة كما أمر بقطع يد النساء اللاتي ضربن الدف لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإظهار الشماتة ، والمعنى فيه أنها كافرة فلا تقتل كالأصلية ، وهذا لأن القتل ليس بجزاء على الردة بل هو مستحق باعتبار الإصرار على الكفر . ألا ترى أنه لو أسلم يسقط لانعدام الإصرار ، وما يكون مستحقا جزاء لا يسقط بالتوبة كالحدود ، فإنه بعد ما ظهر سببها عند الإمام لا تسقط بالتوبة ، وحد قطاع الطريق لا يسقط بالتوبة بل توبته برد المال قبل أن يقدر عليه ، فلا يظهر السبب عند الإمام بعد ذلك يقرره أن تبديل الدين ، وأصل الكفر من أعظم الجنايات ، ولكنها بين العبد وبين ربه فالجزاء عليها مؤخر إلى دار الجزاء ، وما عجل في الدنيا سياسات مشروعة لمصالح تعود إلى العباد كالقصاص لصيانة النفوس ، وحد الزنا لصيانة الأنساب والفرش ، وحد السرقة لصيانة الأموال ، وحد القذف لصيانة الأعراض ، وحد الخمر لصيانة العقول ، وبالإصرار على الكفر يكون محاربا للمسلمين فيقتل لدفع المحاربة إلا أن الله تعالى نص على العلة في بعض المواضع بقوله تعالى { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ، وعلى السبب الداعي إلى العلة في بعض المواضع وهو الشرك ، فإذا ثبت أن القتل باعتبار المحاربة ، وليس للمرأة بنية صالحة للمحاربة فلا تقتل في الكفر الأصلي ، ولا في الكفر الطارئ ، ولكنها تحبس فالحبس مشروع في حقها في الكفر الأصلي ، فإنها تسترق ، والاسترقاق حبس نفسها عنها ، ثم الحبس مشروع في حق كل من رجع عما أقر به كما في سائر الحقوق ، وليس ذلك باعتبار الكفر ، ولا باعتبار المحاربة ، وما يدعى من تغليظ الجناية لا يقوى ، فالرجوع عن الإقرار ، والإصرار على الإنكار بعد قيام الحجة في الجناية سواء مع أن الجناية في الإصرار أغلظ من وجه ; لأنه بعد الردة لا يقر على ما اعتقده ، والشيء قبل تقرره يكون أضعف منه بعد تقرره . ولو سلمنا تغلظ الجناية ، فإنما يعتبر بمن يغلظ جنايتها في الكفر الأصلي المشركة العربية ، فكما لا تقتل تلك فكذلك لا تقتل هذه ، وإذا كانت مقاتلة أو ملكة أو ساحرة فقتلها الدفع ، وبدون القتل ههنا يحصل المقصود إذا حبست وأجبرت كما بينا على الإسلام ، وأما الرق لا يمنع القتل في [ ص: 111 ] الكفر الأصلي ، فإنه تقتل عبيدهم كأحرارهم ، وإنما الاسترقاق بمنزلة إعطاء الأمان ، وبعقد الذمة ينتهي القتال في حق من يجوز أخذ الجزية منه لا في حق من لا يجوز أخذ الجزية منه كما في مشركي العرب ، والمرتدون لا تؤخذ منهم الجزية فلهذا لا ينتهي القتال في حقهم بعقد الذمة ، والشيخ إذا كان له رأي يقتل في الكفر الأصلي ، والردة لا تتصور إلا ممن له رأي ، والترهب لا يتحقق بعد الإسلام ; لأن القيام بنصرة دين الحق واجب على كل مسلم قال صلى الله عليه وسلم : { لا رهبانية في الإسلام } وبدون تحقق السبب لا يثبت الحكم ، واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى في ذوي الأعذار من مشركي العرب فمنهم من يقول : يقتلون في الكفر الأصلي ; لأن حلول الآفة كعقد الذمة ، فإنه ينعدم به القتال ، فمن لا يسقط القتال عنه بعقد الذمة في الكفر الأصلي فكذلك بحلول الآفة ، فعلى هذا القول ذوو الأعذار من المرتدين يقتلون ، وقيل حلول الآفة بمنزلة الأنوثة ; لأنه تخرج به نيته من أن تكون صالحة للقتال ، فعلى هذا القول لا يقتلون بعد الردة كما لا يقتلون في الكفر الأصلي . وإذا ثبت أن المرتدة لا تقتل قلنا تسترق إذا لحقت بدار الحرب لاتفاق الصحابة رضي الله عنهم ، فإن بني حنيفة لما ارتدوا استرق أبو بكر رضي الله عنه نساءهم ، وأصاب علي رضي الله عنه جارية من ذلك السبي فولدت له محمد بن حنفية رحمهما الله تعالى ، وذكر عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس رضي الله عنهما في النساء إذا ارتددن يسبين ولا يقتلن ، وهذا لأنها كالحربية ، والاسترقاق مشروع في الحربيات ، وما دامت في دار الإسلام في ظاهر الرواية لا تسترق ; لأن حريتها المتأكدة بالإحراز لم تبطل بنفس الردة ، وهي دافعة للاسترقاق ، وإن دار الإسلام ليست بدار الاسترقاق ، وفي النوادر عن أبي حنيفة رحمه الله أنها تسترق ; لأنا لما جعلنا المرتد بمنزلة حربي مقهور لا أمان له فكذلك المرتدة بمنزلة حربية مقهورة لا أمان لها فتسترق ، وإن كانت في دارنا . فإن تصرفت في مالها بعد الردة نفذ تصرفها ما دامت في دار الإسلام ; لأنها تصرفت في خالص ملكها ، بخلاف الرجل على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وأشار إلى الفرق قال : المرأة لا تقتل ، والرجل يقتل ، ومعنى هذا أن عصمة المال تبع لعصمة النفس ، فبالردة لا تزول عصمة نفسها حتى لا تقتل فكذلك عصمة مالها بخلاف الرجل ، ولهذا استوت بالرجل في التصرف بعد اللحوق ; لأن عصمة نفسها تزول بلحاقها حتى تسترق ، والاسترقاق إتلاف حكما فكذلك عصمة مالها . فإن ماتت في الحبس أو لحقت بدار الحرب [ ص: 112 ] قسم مالها بين ورثتها ، ويستوي في ذلك كسب إسلامها وكسب ردتها لما بينا أن العصمة باقية بعد ردتها فكان كل واحد من الكسبين ملكها فيكون ميراثا لورثتها ، ولا ميراث لزوجها منها ; لأنها بنفس الردة قد بانت منه ، ولم تصر مشرفة على الهلاك فلا تكون في حكم الفارة المريضة ، ولزوجها أن يتزوج بأختها بعد لحاقها قبل انقضاء عدتها ; لأنها صارت حربية فكانت كالميتة في حقه ، وبعد موتها له أن يتزوج أختها ، ولأنه لا عدة على الحربية من المسلم ; لأن العدة فيها حق الزوج ، وتباين الدارين مناف له ، فإن سبيت أو عادت مسلمة لم يضر ذلك نكاح الأخت ; لأنه بعد ما سقطت العدة عنها لا تعود معتدة ، ثم إن جاءت مسلمة فلها أن تتزوج من ساعتها ; لأنها فارغة عن النكاح والعدة ، وإن سبيت أجبرت على الإسلام كما كانت تجبر عليه قبل لحاقها . ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |