|
|||||||
| ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (203) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (19) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). في قوله -تعالى-: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: ما تدعون من دون الله من آلهة باطلة. (وَأَدْعُو رَبِّي): أفرده بالدعاء الذي هو العبادة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). (عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) فالدعاء من أعظم أسباب السعادة؛ فمن دعا الله -عز وجل- إلهًا واحدًا لا شريك له، ودعاه لقضاء حوائجه، وأثنى عليه بما هو أهله؛ فهذا يسعد في الدنيا والآخرة. و(عَسَى) من الله واجبة، وهي على ألسنة أنبيائه منه -سبحانه وتعالى-؛ فلذا قال: (عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) فلا يشقى إنسان بالدعاء، فالدعاء من أعظم أسباب الراحة، ومن أعظم أسباب النجاة والسعادة والفوز فلا يتركه إلا جاهل؛ هذا السلاح الأعظم هو ما ننصر به، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ) (رواه البخاري)، أي: بدعائهم، وتضرعهم وانكسارهم. ومن حكم تقدير الله -عز وجل- البلاء على المؤمنين: أن تنكسر قلوبهم لله -تعالى-، ويستشعروا فقرهم وعجزهم، وحاجتهم إلى الله -سبحانه وتعالى-، فيُكثروا من الدعاء وهم مستشعرون أنهم ليس لهم إلا الله، ولا سبيل لهم إلا التوجه إليه -سبحانه وتعالى-، وما لهم من دونه من والٍ، وأنه -سبحانه- هو مولاهم، ما لهم مولى سواه، وأهل الأرض جميعًا قد تركوهم، بل قد اجتمعوا عليهم، ورموهم عن قوس واحدة؛ قدَّر الله ذلك لتلتجئ القلوب إليه، وتصعد الأدعية إليه، ولا يشقى مع الدعاء أحد إلا مَن حُرِمَه، نسأل الله ألا يحرمنا دعاءه، والإجابة من فضله -سبحانه وتعالى-. لقد جعل الله -عز وجل- أنبياءه ورسله الأسوة الحسنة في البذل والتضحية في سبيل الله -سبحانه وتعالى-، وفي اللجوء إلى الله -عز وجل- والرضا به مدبرًا معينًا، وجعلهم قدوة للعباد في الصبر على ما يصيبهم في سبيل الله، وبيَّن الله -عز وجل- للعباد ما فعل لهم من الكرامة في الدنيا والآخرة. قال -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام- في محاورته لأبيه: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا). هاجر إبراهيم -عليه السلام- بعد أن استنفد أغراض الدعوة إلى الله في قومه بأن أقام عليهم الحجة، وهدى الله -عز وجل- به من شاء؛ فهدى به لوطًا -عليه السلام-، قال -تعالى-: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) (العنكبوت: 26)، وهدى به امرأته سارة، وكانت فيما يذكرون ابنة أحد ملوكهم أو أمرائهم، أو كانت ابنة عمه، فالله -عز وجل- أعلى وأعلم، لكنها مع ذلك آثرت أن تهجر قومها وأن تهاجر في سبيل الله مع إبراهيم -عليه السلام- حين ترك الأهل والمال والوطن لله، وذهب إلى ربه -عز وجل-، وذهب إلى الأرض المقدسة، وسكن في ديارٍ لم يسكنها من قبل، وقال: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الصافات: 99). ومن ترك شيئًا لله أعطاه الله -عز وجل- خيرًا منه، ومن ضحى بشيء في سبيل الله؛ فلا بد أن يجزيه الله حياة طيبة في الدنيا، وثوابًا آجلًا يوم القيامة؛ قال -تعالى-: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) لما فارق أهله لله -عز وجل-؛ عوضه الله خيرًا منهم، وأي صحبة أحسن من صحبة الأنبياء؟! فهذه هي الصحبة الحسنة التي عوضه الله -عز وجل- بها عن مفارقته لقومه. وكذلك كل من يترك شيئًا لله، فإن الله يأتيه بما هو خير منه، والله -عز وجل- يعطي من فارق أهل السوء الخير الكثير في صحبة أهل الخير والإيمان، وصحبة الأنبياء سعادة بالغة عظيمة؛ فالنبي -صلى الله عليه سلم- وهو بالمحل الأعلى، وهو أفضل خلق الله -عز وجل-؛ قال -وهو في مرض موته-: (اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى) (رواه البخاري). والله -تعالى- قد أمر بمصاحبة الصالحين؛ فقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28). فلما اعتزل إبراهيم -عليه السلام- أهله وقومه، وترك كل ذلك لله -عز وجل-؛ آتاه الله الذرية الصالحة -إسحاق ويعقوب-، ولم يذكر الله -عز وجل- في هذا الموضع إسماعيل مع أنه الابن الأكبر لإبراهيم؛ وذلك لأنه إنما ذكر ذلك في مقام الامتنان عليه بالصحبة، ولقد كان إسماعيل -عليه السلام- بعيدًا- عن صحبته؛ إذ جعله الله -عز وجل- مع أبيه إبراهيم سببًا لتعمير بيت الله الحرام، فكان في مكة المكرمة مع أمه هاجر. وإنما ذكر الله -عز وجل- إسحاق وابنه يعقوب -عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام-؛ لأنهما اللذان صحبا إبراهيم -عليه السلام-. ولا شك أن هذا فيه من المِنَّة على إبراهيم -عليه السلام- ما يجعلنا ننتبه إلى هذه المسألة المهمة؛ وهي: نعمة صحبة أهل الخير والإيمان، ونعمة صحبة الصالحين والبحث عنهم، ومفارقة أهل السوء واعتزالهم ومخالفتهم؛ رضًا بما قسم الله -سبحانه وتعالى-. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (204) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (20) كتبه/ ياسر برهامي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). وإذا علمنا أن إبراهيم -عليه السلام- إنما وهب ذلك الولد، وولد الولد بعد عمر طويل؛ كما قال -عز وجل- عنه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (إبراهيم: 39)؛ نتبيَّن أن الله قد يؤخِّر إجابة دعوة عبده المؤمن وهو قد قضاها وأجابها، ولكنه يؤخر ظهورها في حياة المؤمن على وجه الأرض لحِكَمٍ بالغةٍ. وليوقن المؤمن رغم مرور الزمن بأن الله -عز وجل- يجيب دعوته؛ فإبراهيم -عليه السلام- لم يقنط من رحمة ربه أبدًا رغم أنه قد بلغه الكبر، وتعجب حين بلغه نبأ وبشارة ولادة إسحاق -عليه السلام-، وقالت له الملائكة في بشارتهم: (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (الحجر: 55، 56)، فهو على الكبر لم ييأس من رحمة الله، وكان يعلم أن الله -عز وجل- يجيب دعوته؛ فقد قال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات: 100)، فبشَّره الله بإسماعيل أولًا، ثم بإسحاق ثانيًا، وبعد إسحاق يعقوب بن إسحاق، وكل ذلك من فضل الله -سبحانه وتعالى-. فلا نستعجل في الدعاء، ونقول: دعونا فلم يُستجب لنا؛ فإن الله -عز وجل- لم يجعل للمؤمن شقاءً مع الدعاء: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) (مريم: 4)؛ فإذا دعا العبد ربه فقد ربح في دنياه وآخرته، وقد حصل على ما يريد أو أفضل مما يريد؛ فإما أن يستجيب الله دعوته، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له يوم القيامة من الثواب ما يتمنى معه أن لم يكن قد استُجيب شيء من دُعائه في الدنيا، وإلا فكل دعواته مجابة؛ قال -سبحانه-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)، وقال -عز وجل-: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (الشورى: 26)، فهو -عز وجل- يستجيب للمؤمنين، ولكن بما هو خير لهم، بما لا يحسن المؤمن تصوره، وربما ظن خيرًا في أمر، ويجعل الله غيره خيرًا منه لعبده المؤمن. فالله -عز وجل- يدبر أمر عباده المؤمنين بعلمه وحكمته، وفضله ورحمته -سبحانه وتعالى-؛ فعلى العبد أن يرضى بما قضاه الله -عز وجل-، ويوقن بوعد الله، ويوقن بإجابة الدعوات، وعليه أن يظل متضرعًا منكسرًا لله، ولا يشك في وعد الله، فإن الله لا يخلف الميعاد؛ قال -تعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186). والله وعد عباده المؤمنين بالإجابة وهو أكبر وأكثر فضلًا، وإذا أكثر العباد من الدعاء أكثر الله لهم من العطاء، وكلما تضرع الإنسان إلى الله -عز وجل- وانكسر له؛ جَبَرَه الجبار -سبحانه وتعالى- بفضله ورحمته؛ فعلينا أن نكثر من الدعاء دائمًا ولا نستعجل، ولا نقول: دعونا فلم يستجب لنا؛ فإبراهيم -عليه السلام- هاجر بعد دعوته إلى الله -عز وجل- وبقي في أرض فلسطين مدة طويلة من الزمن إلى أن وهبه الله عز وجل إسحاق ويعقوب. قال الله -تعالى-: (وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 50،51)، فالله -عز وجل- وهب لهم من رحمته بالهداية للإيمان وبالتوفيق للعمل الصالح بأن جعلهم أئمة يهدون بأمره، وهذه الرحمة الخاصة -الرحمة بالدين، والرحمة بالعمل الصالح- هي أكبر وأعظم أثرًا من الرحمة العامة التي يرحم بها المؤمن والكافر بالطعام والشراب، والنَّفَس، والنِّعم الدنيوية؛ فإن أعظم الرحمة هي الرحمة التي سببها عطاء الله -عز وجل- وتوفيقه للعمل بطاعته، كما قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ? وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 73)، فهذا معنى: (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا)، فهي الرحمة التي يخص الله -عز وجل- بها عباده المؤمنين، وهي التي تبقى وتستمر معهم، (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (الأعراف: 156). وذلك أنه إذا رحمهم الله -عز وجل- بطاعته، كان ذلك سببًا لرحمته المستمرة المستقرة التي لا عذاب معها ولا شقاء أبدًا، وذلك بأن تكتب لهم الرحمة في الآخرة؛ فكل من وهبه الله -عز وجل- نعمة الإيمان، ووهبه له نعمة العمل الصالح ووفقه للعمل بطاعته؛ فقد قَسَم الله له من رحمته ما لم يقسم لغيره، فليشكر نعمة الله بالثبات، وليشكر نعم الله بمزيد الطاعة والخير، وهداية الناس إلى صراط الله المستقيم، ومزيد من العبودية لله -عز وجل-، (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 73). قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 50)؛ جعل الله لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، ولآل إبراهيم جميعًا -عليهم جميعًا وعلى نبينا الصلاة والسلام- لسان صدق في الآخرين؛ وذلك أن الناس تثني عليهم، واجتمعت الأمم على مباركتهم والدعاء والثناء لهم؛ كما أخبر الله عن دعوة إبراهيم: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) (الشعراء: 83، 84). وذلك اللسان الصدق هو: الثناء الحسن من أهل الإيمان، وهذا هو المقصود باللسان العلي؛ أي: رفيع القَدْر؛ لأن أهل الإيمان إذا أثنوا على أحدٍ؛ فإن الله يوجب له الخير. وليس هناك اعتبار إلا بثناء أهل الخير والإيمان، فإنهم شهداء الله -عز وجل- في أرضه: كما في الحديث عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (وَجَبَتْ)، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: (وَجَبَتْ)، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ) (متفق عليه). فأهل الخير والإيمان هم المعتبَرون في الثناء، وفي المديح، وفي الذِّكْر الحَسَن، وأما أهل الباطل فمدحهم وذمهم لا قيمة له، (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الفرقان: 44)، فهم يمدحون الباطل ويذمون الحق؛ فلا اعتبار لهم، ولا تقبل شهادتهم عند الله -عز وجل-. فقوله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ) (مريم: 50)؛ أي: ثناءً حسنًا، (عَلِيًّا): عليّ القدر، مرتفعًا في الناس؛ وذلك لأن أهل الإيمان هم الذين يشهدون لهم بالخير والسبق.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (205) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (1) كتبه/ ياسر برهامي (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 51-73). الدعوة إلى الله لها صور عديدة تتنوع حسب الظروف والأحوال؛ فمنها ما يكون باللسان، ومنها ما يكون باليد عند وجود ضوابطها، ولقد قام نبي الله إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بأنواع الدعوة، وإقامة الحجة على قومه، وكان من ذلك: تحطيمه الأصنام بيده؛ وذلك لإقامة الحجة عليهم، ولو كان الغرض مجرد إزالة المنكر الموجود، لكان البدء بتحطيم الصنم الكبير، وإنما كان الغرض إزالة المنكر في القلوب الضالة الجاهلة التي تعظِّم الأصنام رغم علمها أنها لا تنطق، وبالأولى لا تنفع ولا تضر. ولقد تضمنت قصة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في سورة الأنبياء أنواعًا من العِبَر والعِظَات نذكرها -إن شاء الله- بعد تفسير الآيات. قال ابن كثير -رحمه الله-: "يخبر -تعالى- عن خليله إبراهيم -عليه السلام- أنه آتاه رشده من قبل؛ أي: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال -تعالى-: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) (الأنعام: 83)، وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام فنظر إلى الكوكب والمخلوقات فتبصَّر فيها، وما قصَّه كثير من المفسرين وغيرهم فعامَّتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم، قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه؛ بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب منها فقد رخصَّ كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما لا ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة، والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية؛ لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروَج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرَّره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأُمة. والمقصود ههنا: أن الله -تعالى- أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل؛ أي: من قبل ذلك. وقوله: (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) أي: وكان أهلًا لذلك. ثم قال: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره؛ الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله -عز وجل-، فقال: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) أي: معتكفون على عبادتها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا سعيد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: مَرَّ عليٌّ -رضي الله عنه- على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يَمسَّ أحدكم جمرًا حتى يطفأ، خير له من أن يمسَّها. (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال؛ ولهذا قال: (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: الكلام مع آبائكم الذي احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم وضلل آباءهم واحتقر آلهتهم. (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعبًا أم محقًا فيه، فإنا لم نسمع به قبلك. (قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ) أي: ربكم الذي لا إله غيره، وهو الذي خلق السماوات والأرض وما حوت من المخلوقات الذي ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه، (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ). ثم أقسم الخليل قسمًا أسمعه بعض قومه ليكيدنَّ أصنامهم؛ أي: ليحرصنَّ على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين؛ أي: إلى عيدهم، وكان لهم عيد يخرجون إليه. قال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض، وقال: إني سقيم فجعلوا يمّرون عليه وهو صريع فيقولون: مه، فيقول: إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) فسمعه أولئك. وقال أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مرّوا عليه، فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم، وقد كان بالأمس، قال: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) فسمعه ناس منهم. وقوله: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا) أي: حطامًا كسرها كلَّها، إلا كبيرًا لهم؛ يعني: إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) (الصافات: 93). وقوله: (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ): ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه، وأنفَ أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسَّرها. (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها وعلى سخافة عقول عابديها. (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي: في صنيعه هذا، (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) أي: قال مَن سمعه يحلف إنه ليكيدنهم: (سَمِعْنَا فَتًى)؛ أي: شابًا، (يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ). قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن قابوس، (عن أبيه)، عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًا إلا شابًا ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ). وقوله: (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ) أي: على رؤوس الأشهاد في الملأ الأكبر بحضرة الناس كلِّهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم -عليه السلام-؛ أن يبيَّن في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضرًا، ولا تملك لها نصرًا، فكيف يُطلب منها شيء من ذلك؟! (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) يعني: الذي تركه لم يكسره (فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)، وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون، وأن هذا لا يصدر عن هذا الصنم لأنه جماد. وفي الصحيحين من حديث هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن إبراهيم -عليه السلام- لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) (الصافات: 89) قال: وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة ومعه سارة، إذ نزل منزلًا فأتى الجبار رجل فقال: إنه قد نزل ههنا رجل بأرضك معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه فرآها أهوى إليها فتناولها فأُخذ أخذًا شديدًا، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت له، فأرسل فأهوى إليها، فتناولها فأخذ بمثلها أو أشد، ففعل ذلك الثالثة، فأُخذ فذكر مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي الله فلا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر. فأخرجت وأعطيت هاجر فأقبلت، فلما أحسَّ إبراهيم بمجيئها، انفتل من صلاته، وقال: مهيم؟ قالت: كفى الله كيد الكافر الفاجر وأخدمني هاجر". قال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال: تلك أمكم يا بني ماء السماء" (انتهى من تفسير ابن كثير). وللحديثة بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (207) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (3) كتبه/ ياسر برهامي فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 51-73). في الآيات فوائد: الفائدة الأولى: دَلَّت الآيات على أهمية الالتزام بالدين الحق في الصغر؛ قال الله -عز وجل-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ) على الوجه الذي رجَّحه ابن كثير؛ أي: مِن أول نشأته. والقول الثاني: أي: مِن قَبْل موسى وهارون -صلى الله عليهما وسلم-، والأول أظهر. والله أعلم. وإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- قد آتاه الله رشده، وفهَّمه وعلَّمه من أول نشأته، وهذه فضيلة لمَن نشأ مِن صغره في طاعة الله -عز وجل-، وعلى دينه؛ كما قال أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لما تناظروا في صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلِدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياءً؛ فدل ذلك على فضيلة مَن وُلِد في الإسلام؛ لأن الله -عز وجل- قد أتم عليه نعمته، وجعله من أول نشأته على الهداية، وعلى الفطرة المستقيمة. فهذه نعمة لا يقدرها كثيرٌ من المسلمين، ولا يرون فضل الله -عز وجل- العظيم عليهم؛ لأجل أنهم لم يقارنوا بينهم وبين غيرهم ممَّن لم يأتهم الله رشدهم، ولم يهدهم الصراط المستقيم من أول نشأتهم، مع أنهم قارنوهم في نفس الزمان، بل وكثيرًا ما يكونون معهم في نفس الأوطان، وقد نشأوا يعبدون الأوثان، ويعبدون الأبقار، ويعبدون الصلبان، مع تناقض ذلك مع الفطرة السوية؛ فهي من أعظم نعم الله على عبادة المسلمين: أنه عصمهم من السجود للصنم، وقضى لله بقَدَم الصدق في القِدَم، وهذا يوجب عليهم أن يتضرَّعوا إليه، وأن يسألوه أن يتم عليهم نعمة؛ هو ابتدأها عليهم بلا سببٍ منهم. والله -عز وجل- يحب الشاب الذي ينشأ في عبادة الله كما هو في الحديث الصحيح في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم الشاب الذي نشأ في عبادة الله. ويدل على صحة التفسير بأن إبراهيم -عليه السلام- أوتي رشده من قبل -أي: في صغره، ومن أول نشأته-: قوله -تعالى- في الآيات: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)؛ فيا أيها الشباب فرصة عظيمة أنكم قد نشأتم في هذا الدِّين -بفضل الله-، وأمامكم التزام ميسَّر بدعوة الحق، ومنهج الحق -بفضل الله-، والسُّنة -بفضل الله- ميسرة لمن طلبها، ولمن يسلك سبيل تعلمها والتزامها، فما أكثر من يعرض عن نعمة الله ولا يشكرها؛ فلا تكن من هؤلاء أيها الشاب، واعلم أن فضل الله عليك بسرعة الالتزام في أول النشأة، أو أن تنشأ في أسرة ملتزمة من أعظم ما يهيئ لك الاستمرار على الالتزام ويُهَيِّئُكَ لأنواع الخير مِن: العِلْم النافع، والعمل الصالح في مستقبل العمر؛ فإن مَن حَفِظ جوارحه لله -عز وجل- في شبابه، حفظها الله -عز وجل- عليه في آخر عمره؛ قال الله -عز وجل-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (التين: 4-6)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما- في وصيته له: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). فبيَّن الله -تعالى- أنه آتى إبراهيم -عليه السلام- رُشْدَه، وهذا يردُّ على مَن يزعم أو مَن يفسِّر نظر إبراهيم في النجوم على أنه كان يبحث عن الله -سبحانه وتعالى-؛ فإبراهيم -عليه السلام- على الفطرة السوية المستقيمة من أول نشأته، وكيف يتسنى له أن يبحث عن الله وهو يجزم لأبيه وقومه أنهم في ضلال مُبِين؟! وإنما كان إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- مناظرًا لقومِه -كما سبق بيانه في قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم من سورة الأنعام-. ومما يدل على أنه كان مناظِرًا لقومه -وليس ناظرًا في البحث عن الله-: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللهِ...) وذكر منها قوله عن الكوكب: (هَذَا رَبِّي) (الأنعام: 76)؛ فجعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الكذبات؛ أي: مِن أنواع التعريض في ذات الله؛ إذًا كان ذلك إقامة للحجة، وليس أنه كان يبحث عن ربِّه -سبحانه وتعالى-. فالله -عز وجل- عليم بإبراهيم، وهو الذي يضع الأشياء في مواضعها؛ يضع الهدى فيمَن يستحق الهدى، ويضع الشكر في الشاكرين الذين يقبلون نعمة الله -عز وجل-؛ قال -سبحانه وتعالى-: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (الأنعام: 53)، وقال -عز وجل-: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56). والله -عز وجل- وحده هو الذي قسَّم الأرزاق بعلمه وحكمته، وقسَّم الأخلاق كذلك، وقسَّم الأعمال والأقوال، وهو الذي يقسم رحمته؛ كلُّ ذلك بعلمه وحكمته؛ قال الله -عز وجل-: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 31، 32). فالله هو الذي وضع بذر الإيمان الطيب في أرض قلوب المؤمنين الطيبة، ووضع البذر الخبيث في قلوب الخبثاء وأرضهم الفاسدة، وهو أعلم بالشاكرين، وأعلم بالظالمين، وأعلم حيث يجعل رسالته. وهو -سبحانه وتعالى- يقسِّم فضله على عبادة المؤمنين بعلمه السابق، وبرحمته وحكمته وعدله؛ فلا يعترض عليه أحدٌ؛ فهو لا يُسأَل عما يفعل وهم يسألون؛ لأنه لا يفعل شيئًا إلا بعلمه وحكمته -سبحانه وبحمده-. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (208) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (4) كتبه/ ياسر برهامي فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ . وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 51-73). فيه فوائد: الفائدة الثانية: قوله -سبحانه وتعالى- عن إبراهيم: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)، يسألهم سؤال استنكار واستقباح لما يفعلونه، أنهم يعكفون -أي: يلازمون- عبادة التماثيل، وهي إفك مصنوع باطل، كما قال -تعالى- في الآية الأخرى عنه: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ . فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (الصافات: 86، 87). فدلَّ ذلك على أنه يعرف الله -عز وجل- بأنه الحق، وأن ما يُدْعَى من دونه هو الباطل، وأن هذه الأصنام التي كانوا يصنعونها ترمز عندهم لأنواع النجوم؛ التي كانوا يتخذون هذه الأصنام رموزًا لعبادتها، فصاروا يعبدون هذه الأوثان من دون الله، والأصنام قد أضلت كثيرًا من الناس، وإن كانت الأصنام لا تفعل شيئًا، ولكن كبار عُبَّادها هم الذين شَرَعوا لهم عبادتها، ولكن يصح نسبة الإضلال إليها؛ إذ كانت محلًّا لهذا الضلال، وسببًا للشرك بالله. وعبادة الأصنام في البشر قديمة جدًّا من عهد نوحٍ -عليه الصلاة والسلام-، وهو أول شرك وقع في هذه الأرض من بني آدم؛ وذلك بسبب الغلو والإفراط في محبة بعض الصالحين. وكذلك في إعطاء الأصنام معنى رمزيًّا حول عبادة نجوم أو كائنات مخترعة في أذهان الناس، وذلك بسبب ضلال الناس في تفسير الواقع الذي يعيشونه؛ حيث ينسبون إلى الأصنام النفع والضر، والرزق، وأنواع التصرف على حسب فساد اعتقادهم؛ فبعضهم يعلم أن الله -عز وجل- وحده هو الذي يفعل ما يرونه من أفعالٍ في الكون؛ مِن: إحياء وإماتة، وإتيان بالشمس من المشرق وتوجيهها إلى المغرب، ومع ذلك فإنهم يصرفون العبادة لغير الله، فيصير الشرك في الألوهية، وإن كان عندهم جزءٌ من توحيد الربوبية. وأشدهم كفرًا: مَن يجمع شركَ الربوبية وشرك الألوهية، وكل ذلك بسبب بُعد الناس عن الوحي المنزَّل من عند الله. وأن هؤلاء المخلوقات؛ سواء البشر من الصالحين، أو النجوم وغيرها من الأجرام العلوية، أو الملائكة، أو الأنبياء؛ كل هؤلاء خلقٌ مِن خلق الله -سبحانه وتعالى-، وهذا يدل على أنهم لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا، ولا حياة ولا نشورًا؛ فكيف يصح أن يُعْتقَدَ فيهم شيء من ذلك؟ ثم كيف يصح أن تُصْرَفَ لهم عبادة من دون الله -عز وجل-؟! فكان قوم إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- يعبدون هذه الأصنام والتماثيل على أنها ترمز للنجوم التي جعلوها وسائط بينهم وبين ربهم، يعبدونها من دون الله، أو مع الله -سبحانه وتعالى-، ومِن الناس مَن يعبد الأوثان فقط، ومنهم مَن يعبدها مع الله كمشركي قريش، وكل ذلك من الشرك الذي لا يرضاه الله -عز وجل- ولا يغفره لمن ارتكبه. الفائدة الثالثة: في قوله -سبحانه وتعالى-: (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ)، فيها ذَمُّ التقليد الأعمى للآباء والمشايخ والأسلاف، وليس عند أهل الباطل إلا التقليد؛ ليس عندهم حجة بينة من عقل ولا نقل، فإن الشرك لا تقبله الفطرة ولا تسلِّم به العقول، ولا ترضاه النفوس إذا بقيت على فطرتها، بل هو مُرٌّ وبيءٌ سيئ، لا يمر بسهولة إلى قلب الإنسان، ومع ذلك فهو أكثر انتشارًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. مِن أين أُوتي الناس؟! أُوتوا من التقليد الأعمى، من أنهم وجدوا آباءهم على أُمَةٍ وهم على آثارهم مقتدون، ويحسبون أنهم مهتدون (الأمة في هذا الموضع بمعنى: الملة والدِّين والطريقة). ولو تأملتَ عقائد البشر في المشارق والمغارب؛ لوجدتها لا يمكن أن يقبلها أيُّ عاقل سليم؛ لمخالفتها دين التوحيد الذي جاءت به الرُّسُل، ومع ذلك تجد ملايين البشر، بل مليارات يعتقدون هذه الاعتقادات الفاسدة، ويربون أبناءهم عليها، وتنشأ على ذلك أجيالٌ تلو أجيالٍ. وتتعجب كيف قَبِل البشر أن يعبدوا حجرًا صنعوه بأنفسهم، أو تمثالًا نحتوه بأيديهم؟! كيف قَبِل الإنسان أن يعبد حيوانًا بهيمًا؛ لا ينطق، ولا يملك لنفسه في العالم كله ضرًّا ولا نفعًا، ولا يمنع عن نفسه ذبحًا ولا حَلْبًا؟! إلا في بلادهم حيث يقدِّسونه ويعظِّمونه، ويتبركون ببوله وروثه! وأيضًا: كيف يعبد الإنسان العاقل إنسانًا مثله، عَلِم أنه كان عدمًا في وقتٍ من الأوقات، ولم يكن شيئًا مذكورًا، ويراه يأكل الطعام ويدخل الخلاء لإخراج الفضلات؟! وكيف يؤلِّه البشر أنفسهم وهم يعلمون أنهم وُلِدوا بعد أن لم يكونوا على وجه الأرض، وأنهم ولدوا لا يعلمون شيئًا، ولا يملكون شيئًا، ثم بعد ذلك يَدَّعون الألوهية؟! سبحان الله! لكن الجواب دائمًا تجده: في أن التقليد الأعمى هو الذي يدفع الناس إلى ذلك؛ كما قال -عز وجل- عن مَلِكَة سبأ قبل إسلامها: (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ) (النمل: 43)، وقال الله -عز وجل- مخاطبًا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) (هود: 109). وهذا يدفع المؤمن دائمًا إلى: الحذر من التقليد المجرد عن الدليل في عقيدة أو عمل أو سلوك، وأنه لا بد أن ينظر فيما نشأ عليه من قِيَم اجتماعية أو عادات أو تقاليد، أو اتباع لمذهب عقدي أو فقهي أو طريقة صوفية، ولا بد أن يزنها بميزان الشرع، ولا بد أن يكون مستعدًّا لمخالفة ما يعلم أنه خلاف الدليل، ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسُّنة، وإجماع السلف، وما يُقَاس على ذلك من قياس صحيح، ولا يكون مقلدًا أعمى للآباء والأجداد، ولا يكون كمن قال الله عنهم ذمًّا لهم: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) (الزخرف: 22). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (209) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (5) كتبه/ ياسر برهامي فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ . وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 51-73). الفائدة الرابعة: إن الاحتجاج بأننا وجدنا من سبقنا على طريقة، ولا بد وأن نسير على طريقتهم -سواء في الاعتقاد أو في العمل أو في السلوك-؛ ليس من حجة أهل الإسلام وأهل الإيمان، وإنما هي من كلام أهل الباطل والكفران، ولا يتشبه بهم أهل الإسلام ولو في فروع دينهم، وإنما أمرهم الله -عز وجل- أن يسألوا أهل الذِّكْر عن الذكر إذا جهلوه؛ قال الله -تعالى-: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43)، وأهل الذكر هم أهل العلم، وأما الذكر فهو الذكر المنزَّل من الله -عز وجل- على نبيه -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9). وهو يشمل الكتاب والسُّنة؛ فأنت تسألهم عن الذكر، وليس عن رأي فلان، ولا مذهب فلان؛ فضلًا عن أن ينتقي له من أقوال المختلفين ما يوافق هواه، وما يظن أنه تتحقق به المصلحة الوهمية فإنما تعرف المصالح بموافقة الشريعة، وليس بالانتقاء من المذاهب ما تشتهيه الأنفس؛ فالواجب أن يُسأل العالم عن حكم الشرع عن الذكر الذي هو أهله، وهو يعلمه، وهذا من أوضح البيان. والواجب على العَالِم: أن يجتهد في معرفة حكم الشرع لا في البحث عن الآراء المتناقضة التي ينتقي منها ما يشتهي الناس، ويختار لهم الرأي الأسهل تيسيرًا لهم -بزعمه!-، وليس الأمر كذلك؛ فليس هذا بالسهل، ولا بالطريق المرضي؛ فمن تتبع رخص العلماء اجتمع فيه الشر كله. وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على عدم جواز الانتقاء من المذاهب بالهوى، ومَن خالفه مِن بعده، خالف الإجماع السابق القديم؛ فلا حجة له فيما يدعيه من وجود من جوَّز ذلك بعد ذلك. والزنادقة يتعلقون -دائمًا- بمثل هذه الطريقة من انتقاء الأقوال الباطلة من المذاهب المختلفة؛ كما يزعم أحدهم في زماننا: جواز شرب البيرة، وجواز النظر إلى أجساد الكافرات العارية، وجواز التعامل بالربا، وجواز سماع المعازف والألحان والأغاني، وهو يجمع الضلال كله في ذلك؛ كما قال غير واحد من السلف: إذا أخذت بمذهب أهل العراق في الشراب، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في الصرف، اجتمع فيك الشر كله! ثم إذا لم يجدوا أقوالًا توافق أهواءهم فيمن مضى يتبرع أحدهم بالمخالفة، ويأتي بقول محدث يأتي مَن بعده ويقول: هذا قول الشيخ فلان، وهو أحد الأقوال، كما قد نقلوا هم الاتفاق في المذاهب على عدم جواز تهنئة الكفار بأعيادهم ثم هم يخالفونها، وينقلون اتفاق المذاهب المختلفة، بل إجماع المسلمين على كفر مَن يخالف دين الإسلام ثم يحدثون أقوالًا بأن ذلك قول معتبر بمساواة الأديان، وهذا كله من أعظم أسباب الزندقة، وإدخال الخلل على عقائد المسلمين وأعمالهم. وعلى طالب العلم أن يأخذ من أقوال العلماء بالدليل، وعلى مَن لا يعلم أن يسأل أهل الذكر عما لا يعلمه؛ يسألهم عن الذكر حتى ولو على طريق الترجمة والإجمال إن لم يكن يستطيع فهم الأدلة، وطرق الاستنباط منها، فيسألهم عن حكم الشرع في هذا، ويسألهم عن حكم الكتاب والسنة. والواجب على كل مسلم: أن يتجنب التعصب الأعمى؛ وهو: أن يتبع غيره على أمرٍ قد بانت له فيه السنة؛ فقد قال الشافعي -رحمه الله-: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له السنة لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس"، وإنما بيَّن العلماء لزوم عدم التقليد حتى لا يقع الناس فيما وقع فيه المتقدمون ممَّن عبدوا غير الله بسبب التقليد (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 53). الفائدة الخامسة: قوله -تعالى-: (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ): دل ذلك على أنه لا بد من كشف الباطل، وعدم المداهنة في الحق لأجل أنه صادر عن الآباء والأجداد، أو السادة والكبراء، وبهذا جَهَر إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بالحق وصدع به؛ فليس مقام الدعوة مقام مجاملة، ولا مداهنة، ولا يحتمل هذا المقام أن يتكلم الناس بالباطل في صيغة الحق، ولا يحتمل على أن يُسكت عن الضلال البيِّن، ولا عن فضحه في نفوس أصحابه؛ من أجل ألا ينفِّرهم؛ فقد نَفَر كثيرٌ من أقوام الرسل بسبب كلام الرسل بالحق، وبيانهم أن قومهم على ضلال، وسموا ذلك شتمًا لآلهتهم، وتسفيهًا لعقولهم، ولم يدفع ذلك الرُّسُل إلى أن يغيروا أسلوب مواجهتهم للباطل، وألا يسموه بغير اسمه؛ (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). ذلك أن الحق لا يقوم في قلب الإنسان إلا بهدم الباطل والبراءة منه، وعدم المداهنة فيه، وإنما يمكن للداعي إلى الله أن يغير وسيلة الدعوة بأن يتكلم بأسلوب غير الذي كان يتكلم به حسب مقتضى الحال؛ فيمكنه أن يغيِّر أرض الدعوة، ويهاجر إلى أرض أخرى، ويمكنه أن يغير المدعوين، وأن يدعو غير مَن أعرضوا عن دعوته، ولكن لا يمكن أن يغير الحق، ولا أن يقول الباطل، ولا أن يداهن فيما يعلم أنه من شرع الله؛ فإنه لا بد أن يبيِّن الباطل ويصفه باسمه، ويقول: "إنه ضلال مبين" -كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام-. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (211) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (7) كتبه/ ياسر برهامي فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 51-73). الفائدة الثامنة: قوله -تعالى-: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) أي: أقسم بالله أن أكيد الأصنام بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدكم، فهو يريد هدمها في نفوسهم، ويريد هدمها في حقيقة الواقع، وإن كانت إرادة هدمها في النفوس مقدَّمة على هدمها في حقيقة الواقع؛ ولذا كاد هذه الأصنام بأن نَظَر (نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ) (الصافات: 88-89)؛ ليشتغلوا عنه ويتركوا أخذه معهم إلى عيدهم، وهو يقصد بقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ): إني سقيم منكم، أو إني سأمرض قبل الموت -على الأقل-، ولا بد من أحد هذه الأنواع من التعريضات حتى يتسنَّى له أن يخلوَ بالأصنام. ودخل البهو الكبير -الذي قد وضعت فيه الأصنام-، وقد جعلوا أمامها طعامًا قرَّبوه إليها لأجل أن تبرِّكه تلك الآلهة المزعومة! وعجبًا لهم يرونها أحجارًا صماء ومع ذلك يتركونها وحدها لتبرِّك ذلك الطعام! فقال إبراهيم -صلى الله عليه وآله وسلم- للأصنام مستهزئًا ساخرًا: (فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) (الصافات: 91)؛ حتى تنفي عن نفسها نقيصة الأكل؛ فإن الأكل في الحقيقة علامة على الحاجة والضعف والفقر، وهو يقول: (فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ)؛ استهزاءً وسخرية؛ لأنه يعلم أنهم لا يأكلون، وأيضًا لا ينطقون، ثم قال: (مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ) (الصافات: 92)؛ فعند ذلك راغ وأسرع على تلك الأصنام ضربًا باليمين؛ لأنها أقوى؛ قال الله -عز وجل- حكاية عنه: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا) أي: فتاتًا قطعًا صغيرة- (إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ). لماذا ترك إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- الصنم الكبير؟ مع أنه لو كان الغرض فقط هو تكسير الأصنام في الواقع؛ لكان أولى بالتكسير هذا الصنم الكبير أن يبدأ به؛ إذ هو الكبير عندهم، ومع ذلك تركه إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، ولا شك أن هذا الصنم منكر، بل من أعظم المنكر، لكن تركه إبراهيم؛ لكي يتمكَّن من إزالة المنكر الذي هو أكبر منه؛ الذي هو الشرك الذي تعلَّق في القلوب، فلا يكفي أن تُكسر الأصنام أو الأوثان، وتظل القلوب متعلقة بها؛ فالذي يفعل ذلك لم يغيِّر شيئًا في الحقيقة، سوف يعبدون صنمًا بدلًا منه، ينحتونه من جديد، أو يجددون ذلك الصنم بعينه وذلك الوثن؛ إن لم تهدم عبادة هذه الأصنام في القلوب، وإذا لم يهدم الشرك في القلوب. وفي هذا دليل على مراعاة المصلحة والمفسدة في قضية الدعوة إلى الله، وأنه يجوز ترك بعض المنكر للتمكُّن من إزالة ما هو أكبر منه؛ لا رضًا بالمنكر، ولا إقرارًا به، ولكن إثارة لعقول البشر في إزاحة الباطل عنهم، وإقامة للحجة عليهم؛ كما فعل إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وذلك حتى يتمكَّن بذلك من هدم الباطل في القلوب، وهذا هو الغرض المقصود؛ سواء تحقق أم لم يتحقق. ولذا كان الذي عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- طيلة ثلاث عشرة سنة وهو بمكة، هو أن يدعو إلى الله -عز وجل- بأن يهدم الباطل في النفوس، ولم يكسر صنمًا من أصنام المشركين؛ وذلك لأن الله كان قد فتح عليه من جوامع الكلم ما يقيم به الحجة دون كسر الأصنام، تمهيدًا لكسرها يوم الفتح؛ لذا -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مكة بعد صلح الحديبية في عمرة القضية، دخلها وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا منصوبة، ومع ذلك لم يكسرها النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك لأنه يراعي أنه دخل مكة بالعهد؛ فهو يفي بالعهد ولا ينقضه، ولما دخلها فاتحًا -بفضل الله- يوم فتح مكة كسر تلك الأصنام، وجعل يشير إليها وهو يقول: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81)، والأصنام تتساقط على وجهها؛ فهكذا تنمو دعوة الحق بفضل الله -عز وجل-. وقضية مراعاة المصالح والمفاسد في الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله -وهو نوع من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالسيف والسنان- بعد الدعوة إلى الله بالحجة والبيان، قضية عظيمة الأهمية إذا أهملها البعض ضاعت المصالح العظيمة على الدعوة وعلى أهلها، وعلى المجاهدين. فلا بد أن تُراعَى هذه الأمور التي دَلَّت عليها سيرة الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، مع أن مكة المكرمة أنشئت على التوحيد بهجرة إسماعيل -عليه السلام- وأمه هاجر، ونبع زمزم بين يدي إسماعيل، ثم قدوم القبيلة من جُرْهم، ثم تأسست هذه البلدة وجُعِلت على التوحيد بدعوة إسماعيل -عليه الصلاة والسلام- بعد دعوة إبراهيم، وظلت عشرة قرون من بني إسماعيل على التوحيد، إلى أن أدخل الشرك إلى العرب عمرو بن لحي، وأمرهم بعبادة الأوثان ونصبوا الأوثان حول الكعبة. فمكة أصلًا دار إسلام غَلَب عليها الشرك، ودفع ذلك فرض، لكن على القادر، وعلى ما يحقق المصالح في هدم الشرك في القلوب أولًا، فلما كسرت بعد ذلك وكانت قد هدمت بهدم حجتهم؛ سهل عليهم أن يدخلوا في الإسلام، وحسن إسلام معظم الطلقاء، ولم يكن فيهم من المنافقين كما يزعم أهل البدع بالطعن في معاوية بن أبي سفيان وأبيه أبي سفيان بن حرب، وكلهم ممن حسن إسلامه ولم يرتد مع مَن ارتد مِن العرب، بل ظل الطلقاء يعبدون الله -عز وجل- في مكة المكرمة على التوحيد بخلاف المرتدين، فلم يكن يصلَّى لله -عز وجل- في مسجد في الأرض؛ إلا مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسجد الحرام، ومسجد عبد القيس في جواثا في البحرين، فحسن إسلام الطلقاء؛ لأن هدم العقيدة الفاسدة بالشرك قد تَمَّ بإقامة الحجة، وكان تكسير الأصنام بعد ذلك إزالة لواقعٍ منكرٍ، كما هُدِم الشرك في القلوب -بحمد الله تبارك وتعالى-. والله أعلم. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (216) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (12) كتبه/ ياسر برهامي فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 51-73). الفائدة السادسة عشرة: قوله -تعالى-: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً): لما ترك إبراهيم -صلى الله عليه وآله وسلم- وطنه وقومه وأهله لله -عز وجل-؛ أبدله الله -عز وجل- خيرًا منهم، فإن من ترك شيئًا لله -عز وجل- أبدله الله خيرًا منه، فكانت التضحية بهؤلاء الأهل والقرابات والقوم لله -سبحانه وتعالى- لها جزاؤها عند الله؛ أن وهبه -عز وجل- صحبة الأنبياء من ذريته، ولا شك أن هذا أعظم الفضل؛ فإن الإنسان يأنس بأهله وأولاده وذريته، ويسعد بوجودهم معه، وهذا من منن الله -سبحانه وتعالى- على الإنسان؛ كما قال -عز وجل- في الكافر الذي قال عن القرآن: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (المدثر: 25)، قال فيما امتن عليه به: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا . وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا . وَبَنِينَ شُهُودًا) (المدثر: 11-13). فوجود البنين الذين هم معه مِن نعم الله -عز وجل- التي لم يشكرها هذا الكافر، وإبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وهبه الله -عز وجل- إسحاق ويعقوب نافلة، أي: حفيدًا من ذرية إسحاق، وأدركه إبراهيم -صلى الله عليه وآله وسلم-، فكان من نعم الله -عز وجل- عليه، بعد طول انتظار، وتأمل أن الله وهبه بإسحاق ويعقوب من سارة، وكان قد وهبه قبل ذلك إسماعيل من هاجر، ولكن امتن عليه في مواضع عديدة بإسحاق ويعقوب، ولم يذكر إسماعيل في نفس الموضع؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 84-86). فذكر -عز وجل- الامتنان بإسحاق ويعقوب لأجل الصحبة، وأما إسماعيل فإنه كان بأمر الله -عز وجل- في مكة، بعيدًا عن أبيه إبراهيم؛ لأجل أن تعمَّر مكة، وأن تُبنَى الكعبة، وأن يظهر اختيار الله لهذه البقعة المشرَّفة على كلِّ بقاع العالم. فكان الامتنان على إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- بإسحاق ويعقوب، ومن سارة خاصة؛ لأنها هي التي آمنت به من نساء قومها، وهي التي صارت زوجة له وصَحِبته في رحلاته، بل كانت هاجر التي وهب الله له منها إسماعيل مِلكَها، وجاريتها التي وهبها لها الملك الظالم الفاجر بعد أن نجاها الله -عز وجل- منه؛ فكفَّ الله كيد الفاجر وأخدم هاجر. ووهبتها سارة لإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- علامة على الحب؛ إذ تأكدت أنها عقيم لا تلد، وإبراهيم يرغب في الولد، وهي رغبة مشروعة محبوبة: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات: 100)، فكانت هذه التضحية العظيمة من سارة أن وهبت له هاجر لكي يعاشرها بملك اليمين لكي يرزق الذرية الصالحة، وإن كان قد حصل في قلبها من الغيرة الطبيعية بعد ذلك منها، وكان ذلك من الأسباب، وليس السبب الرئيسي في التفريق بينها وبين سارة. فأما السبب الرئيسي لترك هاجر وابنها إسماعيل في مكة المكرمة: بداية تعمير هذه البقعة؛ ولذلك قال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) (إبراهيم: 37)، فلا يجوز أن نقول: إن السبب من أجل مهاجرة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بهاجر وإسماعيل إلى مكة مجرد الغيرة، وإنما كان لأجل إقامة الصلاة في هذه البقعة المشرفة المعظمة. وإبراهيم -عليه الصلاة والسلام- عوَّضه الله -عز وجل- عن صحبة ابنه إسماعيل الذي جعل الله له من الشرف بناء بيت الله الحرام مع أبيه إبراهيم، وقبل ذلك شرف الصبر على الذبح والاستعداد لذبح النَّفْس في سبيل الله -عز وجل-، ولأجل طاعة الله -سبحانه وتعالى-؛ فكان هذا الشرف العظيم تعويضًا له عن مفارقة أبيه، فإنما كانت هذه المفارقة بأمر الله -سبحانه وتعالى-، كما قالت له هاجر: "آلله أمرك بهذا" أي: بتركهم في هذا الوادي الذي ليس به أنيس، ولا أحد، قال: "نعم". ولما احتاج إبراهيم إلى الصحبة بعد أن ترك -هو وزوجته سارة- قومه، وهاجر لله -عز وجل-، وقال: (إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت: 26)؛ كانت الكرامة والمعجزة بأن وهب الله له من سارة العجوز العقيم وبعلها شيخ كبير؛ وهب لهما ولدًا، وفي حياة جده وجدته كان له ولد، فكان يعقوب نافلة أي: حفيدًا لإبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، يؤنسانه بدلًا من القوم الذين فارقهم لله -سبحانه وتعالى-. فما أعظم أثر الطاعة في الدنيا والآخرة! والصحبة عمومًا -صحبة مع الأولاد والأحفاد- صحبة سعيدة، لكن أعظم أنواعها أن يكونوا من الأنبياء، وأن تكون ذرية إبراهيم المباشرة من أولاده كلهم أنبياء، ومن ذريتهم أنبياء؛ فهذا كله من أعظم الصحبة نفعًا، وهو ما يسأله أهل الإيمان ويطلبونه؛ كما قال -عز وجل-: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا . ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) (النساء: 69، 70)، وقال إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (الشعراء: 83)، وقال يوسف -عليه الصلاة والسلام-: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101). فصحبة الصالحين في الدنيا والآخرة من أعظم النعيم، وصحبة الأنبياء أخص أنواع النعيم؛ فآخر ما سأله النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى) (متفق عليه)؛ ولذلك كان هذا الجزاء من الله -سبحانه وتعالى- بصحبة أنبياء، هم أولاده تربوا في كنفه، وسعد هو وامرأته المؤمنة التقية الوفية، بوجود الأولاد والأحفاد من الأنبياء. والله المستعان. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (210) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (6) كتبه/ ياسر برهامي فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ . وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 51-73). الفائدة السادسة: قوله -تعالى-: (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ): دليل على أن أكثر البشر يعيشون حياتهم على أن الأمور كلها لعب ولهو؛ حتى الدِّين يأخذونه باللعب! كما قال -تعالى-: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا) (الأنعام: 70)، وقال -تعالى-: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) (الزخرف: 83). فأكثر الناس في لهو ولعب حتى جعلوا قضية الإيمان تحتمل أيضًا المزاح، وتحتمل السخرية، وتحتمل اللهو واللعب فيها -والعياذ بالله من ذلك-؛ كما قال -سبحانه وتعالى- عن المنافقين: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (التوبة: 65، 66). ولذا بين أهل العلم أن الاستهزاء واللعب بآيات الله -سبحانه وتعالى-، أو برسوله -صلى الله عليه وسلم-، أو بأي أحدٍ من الرُّسُل الكرام، وكذا الملائكة، أو الاستهزاء واللعب بالجنة والنار، أو بركنٍ من أركان الإسلام، أو شعائره المعلومة من الدِّين بالضرورة؛ أن ذلك كله -ونحوه- من الكفر الأكبر الناقل عن الملة. بل جعل كثيرٌ من الناس قضية الموت والحياة، وما أخبر الله به من البعث والنشور، من اللعب؛ مع أن الموت أكبر اليقينيات عند الناس؛ فالكل يعلم أنه سوف يموت، ومع ذلك يجعلون ذلك مادة للعب والسخرية والمزاح -نعوذ بالله-. وكذا جعلوا تصديق الأنبياء والالتزام باتباع كُتُب الله التي أنزلها إليهم، مِن الأمور التي يمكن فيها اللعب، ولذا قال قوم إبراهيم له: (أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ)؛ فقد تعودوا على أن يجعلوا في الدِّين من اللهو واللعب، بل كثيرٌ مِن الناس يأخذ من الدِّين ما يشتهي لكي يتخذه لعبًا -والعياذ بالله من ذلك-. فاحذر أيها المسلم أن تكون على هذا الطريق، ولو في جزئية من جزئيات حياتك، أو في فرع علمته من الدين؛ فإن الخطر في ذلك عظيم، بل تعظيم شرع الله -عز وجل- أمر لازم من لوازم الإيمان، وجزء من أجزائه، وركن من أركانه لا يحصل الإيمان بدون تعظيم شرع الله -عز وجل-، وتعظيم أوامره. وقد أفتى بعض الحنفية: بكفر مَن صَلَّى بغير وضوء عامدًا؛ قالوا: لأنه يستهزئ بهذه الشعيرة، وإن كنَّا نرجِّح قول جمهور العلماء أنه يكون قد ارتكب كبيرة من الكبائر دون أن يكفر، لكن نذكر ذلك لأجل أن يُعلَم أن تعظيم الشرع عند أهل العلم، لا يمكن أن يُفقَد من قلب مسلم. المسالة السابعة: قوله -تعالى-: (قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ): بعد أن بيَّن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- ضلال ما هم عليه، وأن عبادة الأصنام هي الباطل الذي لا خفاء فيه صَرَّح بالحق حتى يكون الحق مبنيًّا في القلوب على طهارة؛ يبدأ بالنفي ويُثَنِّي بالإثبات، يهدم الشرك ويبني التوحيد؛ يقول: "لا إله إلا الله"؛ فلا إله: تبرؤ من الشرك وأهله، وإلا الله: إثبات للتوحيد؛ كما قال الله -تعالى- عنه في سورة الزخرف: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف: 26-28). جعلها الله -عز وجل- كلمة باقية؛ كلمة: "لا إله إلا الله" لا يزال في ذريته مَن يقولها؛ لم تمحَ هذه الدعوة دعوة التوحيد من ذرية إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان الشرك قد طرأ على كثيرٍ من ذريته، بل قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- كان الشرك قد طرأ على عامة أهل الأرض كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ؛ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) (رواه مسلم)، فبقي في أهل الكتاب بقايا كما دلَّ عليه الحديث، وبقي في العرب كذلك بقايا على التوحيد؛ كزيد بن عمرو بن نوفيل الذي أدركه النبي -صلى الله عليه وسلم- في شبابه، وكان لا يسجد للأوثان، ولا يأكل مما ذُبِح لها، ولا يعبد إلا الله، ولكنه لا يدري كيف يعبده؛ فكان يخر على بعيره. فلنعرف هذا الدرس جيدًا من دروس الدعوة إلى الله؛ الذي ضيعه كثيرٌ ممن ينتسب إلى الدعوة، وممن ينتسب إلى الدِّين والعلم، وهو أن يداهن أهل الباطل، لا يصرح بباطلهم، وربما اكتفى بالتصريح ببعض الحق دون أن يبيِّن الباطل! وفي قوله -تعالى-: (قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ): استدلال على توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، فَفَطْرُ السماوات والأرض أي: خَلْقُهن على غير مثال سابق أوضح دليل على استحقاق الرب -سبحانه وتعالى- للعبادة. ومن معاني الرب الإله أيضًا: وإن كان ذلك ليس مشهورًا عند كثيرٍ من الناس، فإن معنى السيد الكامل السؤدد من معاني الرب: يدخل فيه معنى الإله؛ كما ذكره غير واحد من أهل اللغة، وذكروا أن الرب هو الإله، وقد كثر استدلال القرآن بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية في مواضع عديدة؛ قال -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 21، 22). وقال -سبحانه وتعالى-: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ . أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ . أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل: 59-64). وكذلك قال -سبحانه وتعالى-: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ . أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ . نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ . عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ . وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ . أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ . أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ . لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ . إِنَّا لَمُغْرَمُونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ . أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ . أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ . نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (الواقعة: 58-74). فهذه الآيات كلها تذكير لربوبية الله، ومظاهر هذه الربوبية؛ للاستدلال بها على وجوب إفراده -عز وجل- بالعبادة، سبحانه وبحمده، سبحان ربنا العظيم. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (212) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (8) كتبه/ ياسر برهامي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 51-73). الفائدة التاسعة: دَلَّ فعل إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في كسر الأصنام، وترك النبي -صلى الله عليه وسلم- لها وهو بمكة، وأيضًا لما دخلها في الحديبية على تنوُّع الوسائل الشرعية للدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- حسب المصلحة؛ فليس ما حدث من إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- من هدم الأصنام وتحطيمها، وبين ما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- باختلاف منهج، بل هو منهج واحد، وطريقة واحدة؛ إنما كسر إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- الأصنام لا لمجرد إزالتها، بل ليقيم عليهم الحجة، والحجج تتنوع؛ فهذا اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، كما يحلوا للبعض أن يزعم أن حكمة النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت في موضعها، وأما تصرف إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بهدم الأصنام ترتَّب عليه محاولة إحراقه. وليس الأمر كذلك، بل إن إبراهيم -عليه السلام- إمام الأنبياء، وهو الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- باتباعه واتباع ملته، وإنما ذلك -كما ذكرنا- اختلاف تنوع في أنواع الحجج التي يُرَاد إقامتها، وقد ترك إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- الصنم الكبير حتى يقيمَ الحجة عليهم؛ لعلهم إليه يرجعون، فينتبهوا إلى عجز تلك الأصنام وقصورها وحاجتها، فالطريق واحد -بفضل الله سبحانه وتعالى-. وقد هَدَم النبي -صلى الله عليه وسلم- الأصنام في مرحلة أخرى من مراحل دعوته؛ فهذا الذي لا بد أن ينتبه له الدعاة إلى الله، بالموازنة بين أنواع الحجج التي تُقَام على من يدعونهم، وأنواع البيان، ويختاروا المناسب من ذلك لكل وقت، ولا يبادروا دائمًا إلى طريقة واحدة، ربما أفسدت عليهم دعوتهم! فكثير من الناس قد يستعمل وسائل لتغيير المنكر -في ظنه- ما قد يترتب عليه زيادته في كثيرٍ من الأحيان. فهذا أمر لا بد أن نفقهه ونفهمه، ونعلم: أن ترك بعض المنكر بغرض إقامة الدعوة إلى الله في وسط الناس، أمر قد سَبَق إليه الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، كما ترك إبراهيم الصنم الكبير؛ فضلًا عن أن يكون هناك عجز عن إزالة ذلك المنكر؛ فإن عذرَ الدُّعَاة إلى الله في عدم إزالته بين يدي الله، طالما قد دعوا إلى الله، وصرَّحوا بأن هذا المنكرَ منكرٌ، فعذرهم قائم. وإنما ينبغي على الإنسان أن يترك أرض المنكر إذا أقام الحجة، وظلَّ الناس على باطلهم لا يقبلون الحق -نسأل الله العافية، ونعوذ بالله من تضييع دعوة الحق-. وذلك إذا لم يعد يوجد مَن يرجو صلاحه وتوبته في المستقبل، أو لم يعد يوجد مِن المكلفين الجدد -الصغار الذين يَكبرون- مَن يقبل الحق ويستجيب له، ولم يعد هناك إظهار للحق عامة في وسط الناس لمنع العقوبة العامة؛ فإذا لم يجد الإنسان نفعًا في الدعوة في وسط قوم لا عاجلًا ولا آجلًا، ولا خاصًّا ولا عامًّا، ولا في المدعوين ولا في غيرهم؛ فعند ذلك يهاجر إلى الله -سبحانه وتعالى-. الفائدة العاشرة: قوله -تعالى-: (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ): رجع القوم من عيدهم فوجدوا الأصنام مكسورة إلا ذلك الكبير، وفي الفطرة الإنسانية أنه لا يوجد فعل بغير فاعل، وفي فطرتهم أيضًا: أن الأصنام لا تتحرك، ولا تصنع شيئًا، وأنهم لا بد من فاعلٍ فعل ذلك بهذه الأصنام، فقالوا مقرين في حقيقة الأمر بعجز الأصنام، وأنها جمادات لا تصلح لشيء: (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا)، والإنسان قد فُطِر على أن الجماد لا يصلح أن يكون فاعلًا، وأن هذه الأرض وما فيها وما عليها لا تصلح أن تكون فاعلة، وهذه فطرة في البشر. والعجب أن بعضَ الناس في زماننا هذا، بعد أن مَكَّنهم الله ما لم يمكِّن لمَن قبلهم من أنواع العلوم والاكتشافات، والقدرة، يقبلون أن هذا الكون الذي قد أُحكِم وأتقِن غاية الإتقان، بقوانين في غاية الدقة - أنه قد يكون بغير فاعلٍ! وينسبون إلى الطبيعة أنها هي التي تفعل، فإذا وجدوا الرياح تعصف بهم قالوا: "غضب الطبيعة!"، وإذا وجدوا الأرض تتزلزل من تحتهم؛ قالوا: "اضطراب القشرة الأرضية! الطبيعة تفعل كذا وكذا...!". أي طبيعة هذه؟! ألا يتعظون ويتذكرون أن الله قد فطر الخلق جميعًا على أن كلَّ فعلٍ لا بد له من فاعل؟! حتى المشركون يقرون بأنه لا بد لهذا الخلق من خالق؛ ولذا أقام الله -عز وجل- عليهم الحجة بقوله: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ . أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) (الطور: 35-37). قد كانت الآيات في الماضي؛ مثل: آيات الطوفان، وآيات الغرق، وآيات الرياح المدمِّرة، وآيات الزلزال، تأتي كل حين، الله -عز وجل- قد جعل الأنبياء يذكِّرون الأمم: بأن الله هو الخالق، وقد قدَّر الله في آخر الزمان انقطاع النبوة، ولكن جعل الآيات كل يوم تُرَى؛ فلا يكاد يمر أسبوع إلا وترى آية من آيات الله تثبت عجز البشر جميعًا؛ عجز الأقوياء وعجز الضعفاء؛ أفلا نتعظ ونتذكر: أن الله يفعل ذلك بالناس حتى يفهموا ويعقلوا؟! إن الزلازل والرياح والأعاصير والأوبئة المنتشرة في المشارق والمغارب وما يصيب البشر بأنواع العجز والضعف؛ كل ذلك تذكير من الله لهم؛ أفلا يعي البشر في هذا الزمان ما وعاه المشركون من قبل من أن كلَّ فعلٍ له فاعل، وأن الأصنام -فضلًا عن الأرض التي يتحركون عليها، أو النجوم التي فوقهم، أو الشمس والقمر- لا تصنع شيئًا، وأنه ليس منها شيء يضر أو ينفع؟! سبحان الله الذي خذلهم، وطمس على عقولهم -والعياذ بالله-. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |