|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 207 الى صـــ 226 الحلقة (190) السابع عشر: «لا أكونَّ أشقى خلقك» كذا هنا، وعند أبي الحسن: «لأكون». ولعله يريد إن أنت أبقيتني على هذِه الحالة ولا تدخلني الجنة لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها والألف زائدة. الثامن عشر: قول أبي سعيد: «وعشرة أمثاله». يحتمل أن يكون جميع ما أعطي ذَلِكَ، وأن يكون هو وعشرة أمثاله. ---------------- = فالجواب: لا يلزم من إثبات الضحك أن يكون الله مماثلًا للمخلوق؛ لأن الذي قال: يضحك هو الذي أنزل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ومن جهة أخرى: فالنبي - ﷺ - لا يتكلم في مثل هذا إلا عن وحي؛ لأنه من أمور الغيب ليس من الأمور الاجتهادية التي قد يجتهد فيها الرسول - ﷺ - ثم يقره الله على ذلك، أو لا يقره، ولكنه من الأمور الغيبية التي يتلقاها الرسول - ﷺ - عن طريق الوحي. لو قال قائل: المراد بالضحك الرضى؛ لأن الإنسان إذا رضي عن الشيء سر به وضحك، والمراد بالرضى الثواب، أو إرادة الثواب كما قال ذلك الأشاعرة؟ فالجواب: أن نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه، فما الذي أدراكم أن المراد بالرضى الثواب؟ فأنتم الآن قلتم على الله ما لا تعلمون من وجوه: الوجه الأول: صرفتم النص عن ظاهره بلا علم. الثاني: أثبتم له معنى خلاف الظاهر بلا علم. الثالث: أن نقول لهم الإرادة إذا قلتم أنها ثابتة لله -عز وجل-، فإنه تنتقض قاعدتكم؛ لأن للإنسان إرادة كما قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. فللإنسان إرادة بل للجدار كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، فأنتم إما أن تنفوا الإرادة عن الله -عز وجل- كما نفيتم بقية الصفات وإما أن تثبتوا لله -عز وجل- ما أثبته لنفسه وإن كان مخلوق نظيره في الاسم لا في الحقيقة، فنقول: هذا الضحك حقيقة لكنه لا يماثل ضحك المخلوقين. «شرح العقيدة الواسطية» ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٥. ووجه الجمع بين قول أبي سعيد هذا وقول أبي هريرة: «لك ذَلِكَ ومثله معه» أنه - عليه السلام - أخبر أولًا بالمثل، ثمَّ أطلع عَلَى الزيادة تكرمًا، و[لا] (١) يحتمل العكس؛ لأن الفضائل لا تنسخ. التاسع عشر: إمساك العبد عن السؤال حياءً من الرب، والله تعالى يحب السؤال؛ لأنه يحب صوت عبده فيباسطه بقوله: «إن أعطيت هذا تسأل غيره؟» وهذا حال المقصر، فكيف حال المطيع؟! وليس نقض هذا العبد عهده وترك إقسامه جهلًا؛ بل نقضه عالمًا بأنه أولى؛ لأن سؤاله ربه أفضل من إبراره قسمه، وقول الرب ﷻ له «أليس قَدْ أعطيت العهود؟» إيناس لَهُ وتبسط، وقول العبد في بعض الروايات: «أتهزأ بي؟» (٢) نفي عنه جل وعز الاستهزاء الذي لا يجوز عليه، كأنه قَالَ: أعلم أنك لا تهزأ لأنك رب العباد، و(قولك) (٣): «لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» حق، ولكن العجب من فضلك. و«أتهزأ» ألفه ألف نفي عَلَى هذا كقوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وهي لفظة متبسط متذلل. وفي الحديث «فرأى ضوءًا فخر ساجدًا، فيقال: مالك؟ فيقول: أليس هذا ربي؟ فإذا بشخص قائم» (٤) قَالَ: ليس سجوده للقائم الذي ------------- (١) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق. (٢) رواه أحمد ١/ ٣٩١ - ٣٩٢ من حديث ابن مسعود. (٣) عليها في الأصل علامة تصحيح (صح). (٤) قطعة من حديث رواه الطبراني ٩/ ٣٥٧ - ٣٦١ (٩٧٦٣)، والحاكم ٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢ عن ابن مسعود مرفوعًا، وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه. اهـ. وكذا الهيثمي في «مجمع» ١٠/ ٣٤٣، والألباني في «الصحيحة» (٣١٢٩)، «صحيح الترغيب» (٣٥٩١، ٣٧٠٤). هو قهرمانه (١) ولا قوله: «أليس هذا ربي؟» إشارة منه إليه، وكيف يكون كذلك وهو له موحد به عارف؟! وإنما سجد لله كأنه قَالَ: أليس هذا الضوء علامة تجليه لي، كأنه قَالَ: أليس عند هذا النور يكون تجلى ربي لي وراء هذا؟ ألا ترى إلى حديث جابر: «بينما أهل الجنة في نعيمهم سطع لهم نور من فوقها وإذا الرب قد أشرق عليهم» (٢) فسجود العبد يجوز أن يكون استدعاء لرؤية ربه؛ وذلك لأنه سمع الله تعالى يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ فلم يشر بقوله: (هذاربي) إلى عين قائمة؛ بل أراد ذاتًا موجودة وذلك؛ لأنه طلب الجنة المخلوقة تصريحًا، وطلب الرؤية لسيد ليس كمثله شيء تعويضًا وقسمة؛ لأنها لم تكن جزاء كالجنة التي هي جزاء الإيمان بل فضلًا، فمن محبته وشوقه لربه إِذَا سطع لَهُ نور يهيج شوقه فيرى أن وراءه يكون تجلي ربه فيسجد شكرًا؛ لإنجازه وعده، ومسارعة لاستنجاز الموعود؛ لأنه لما سكنت نفسه وأمن روعه انبعثت محبته التي خلقها الله في قلبه، فسها عن نعيم الجنة؛ لأنه قَالَ: ما اشتهته فيها نفسه، ويطلع إلى ما تلذ بها عينه، فلو أعطي ما تلذ عينه -وهو النظر إلى الرب ﷻ- لسها عن نعيم الجنة ولم يلتذ به. الخاتمة: فيه إثبات الرؤية للرب ﷻ نصًّا من كلام الشارع، وهو تفسير لقوله ﷻ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ---------------- (١) القهرمان: هو القائم بأمور الرجال، وهو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده. انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٢٩. (٢) رواه ابن ماجه (١٨٤)، وضعف البوصيري إسناده في «مصباح الزجاجة» ١/ ٢٦، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣٣). يعني: مبصرة بالله تعالى، ولو لم يكن هذا القول من الشارع بالرؤية نصًّا لكان في الآية كفاية لمن أنصف، وذلك أن النظر إِذَا قرن بذكر الوجه لم يكن إلا نظر البصر، وإذا قرن بذكر القلب كان بمعنى اليقين، فلا يجوز أن ينقل حكم الوجوه إلى حكم القلوب، فإن قُلْت: فقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وأنه عَلَى العموم قُلْتُ: الإدراك: الإحاطة، تعالى عن ذَلِكَ، وهو أولى من جواب ابن بطال أن الآية مخصوصة بالسنة (١). وسلف القول في ذَلِكَ في باب: فضل صلاة العصر ويكون لنا -إن شاء الله- عودة إليه في: الاعتصام في الكلام عَلَى الآية. ----------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٢٤. ١٣٠ - باب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ ٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ [انظر: ٣٩٠ - مسلم: ٤٩٥ - فتح: ٢/ ٢٩٤] ذكر حديث عبد الله بن مالك ابن بحينة في التفريج، وقد سلف في باب: يبدي ضبعيه في أوائل الصلاة (١) واضحًا بفقهه. وهي صفة مستحبة عند العلماء، ومن تركها لم تبطل صلاته. وقد اختلف السلف في ذَلِكَ فممن روي عنه المجافاة في السجود: علي والبراء وابن مسعود وأبو سعيد الخدري وابن عمر، وقَالَ الحسن: حَدَّثَنِي أحمر (٢) صاحب النبي - ﷺ - قَالَ: إن كنا لنأوي لرسول الله - ﷺ - مما يجافي بمرفقيه عن جنبيه. وفعله الحسن. وقال النخعي: إِذَا سجد فليفرج بين فخذيه (٣). وممن رخص أن يعتمد بمرفقيه: قَالَ ابن مسعود: هيئت عظام ابن آدم للسجود فاسجدوا حتَّى ------------- (١) سبق برقم (٣٩٠) كتاب: الصلاة، باب: يبدي ضبعيه ويجافي في السجود. (٢) هو أحمر بن جزي الدوسي وفد إلى النبي - ﷺ -، وكتب له النبي - ﷺ - كتابًا ولابنه شعيل -وكان أحمر يُكنى بأبي شِعْيل- هذا كتاب لأحمر بن معاوية وشعيل بن أحمر في رحالهم وأموالهم، فمن آذاهم فذمة الله منه خلية إن كانوا صادقين. وقد حدث عن النبي - ﷺ -، وروى عنه الحسن البصري. قال ابن عبد البر: لم يَرْوِ عنه غيره فيما علمت. انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ١٧١، «الاستيعاب» ١/ ١٦٦، «الإكمال» ١/ ١٨، ٢/ ٨٢. (٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢ كتاب: الصلاة، باب: التجافي في السجود. بالمرافق، وأجاز ابن سيرين أن يعتمد بمرفقيه عَلَى ركبتيه في سجوده، وقال نافع: كان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إِذَا سجد، وسأله رجل: هل يضع مرفقيه عَلَى فخذيه في سجوده؟ قَالَ: أسجد كيف تيسر عليك، وقال أشعث بن أبي الشعثاء عن قيس بن سكن: كل ذَلِكَ كانوا يفعلون ينضمون ويتجافون كان بعضهم ينضم وبعضهم يجافي، وروى ابن عيينة عن سمي عن النعمان بن أبي عياش قَالَ: شكي إلى رسول الله - ﷺ - الإرغام والاعتماد في الصلاة، فرخص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه عَلَى ركبتيه أو فخذيه. ذكر هذا كله ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١). وإنما كان يجافي - ﷺ - سجوده ويفرج بين يديه حتَّى يرى بياض إبطيه -والله اعلم- ليخف عَلَى الأرض ولا يثقل عليها، كما ذكر أبو عبيد عن عطاء بن أبي رباح أنه قَالَ: خفوا عَلَى الأرض. قَالَ أبو عبيد: وجهه أنه يريد ذَلِكَ في السجود، يقول: لا ترسل نفسك عَلَى الأرض إرسالًا ثقيلًا فيؤثر في جبهتك، ويبين ذَلِكَ حديث مجاهد أن حبيب بن أبي ثابت سأله قَالَ: إني أخشى أن يؤثر السجود في جبهتي، قَالَ: إِذَا سجدت فتجاف. يعني: خفف نفسك وجبهتك عَلَى الأرض. وبعض الناس يقولون: فتجاف. والمحفوظ عندي بالحاء (٢). وقد ذكر ابن أبي شيبة من كره ذَلِكَ ومن رخص فيه: ذكر عن ابن عمر أنه رأى رجلًا قَدْ أثر السجود في جبهته فقال: لا يشينن أحدكم وجهه، وكرهه سعد بن أبي وقاص وأبو الدرداء والشعبي وعطاء. ---------- (١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣ (٢٦٥٨، ٢٦٦٠، ٢٦٦١، ٢٦٦٢) كتاب: الصلاة، باب: من رخص أن يعتمد بمرفقيه. (٢) انظر: «غريب الحديث» ٢/ ٤٤٥. وممن رخص في ذَلِكَ: قَالَ أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت سجدةً أعظم من سجدة ابن الزبير، ورأيت أصحاب علي وأصحاب عبد الله وآثار السجود في جباههم وأنوفهم. وقال الحسن: رأيت ما يلي الأرض من عامر بن عبد فيجس مثل ثفن البعير (١) (٢). وقد أسلفنا في الباب قبله أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] فراجعها، وعن مالك: أنه ما يعلق بالجبهة من أثر الأرض (٣)، وهذا يشبه الرخصة في هذا الباب. ------------- (١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤ (٣١٣٧، ٣١٣٨، ٣١٣٩، ٣١٤٠، ٣١٤١، ٣١٤٢، ٣١٤٣، ٣١٤٤) كتاب: الصلاة، باب: من كره أن يؤثر السجود في وجهه. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: الثفنة واحدة ثفنات … وهو ما يقع على الأرض من الـ … إذا أقمته سبع، وغلط … وغيرهما. (٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١٦/ ٢٩٣. ١٣١ - باب يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. هذا الحديث مقتطع من حديث طويل ستعلمه (١). ولا يختلف العلماء في استحباب هذِه الصفة في السجود، وكذلك يستحبون أن يستقبل الساجد بأنامل يديه القبلة في سجوده، وإن فعل غير ذَلِكَ فصلاته جائزةٌ عندهم. ----------- (١) سيأتي رقم (٨٢٨) كتاب: الأذان، باب: سنة الجلوس في التشهد. ١٣٢ - باب إِذَا لَم يُتِمَّ السُّجُودَ ٨٠٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ -قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ:- وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. [انظر: ٣٨٩ - فتح: ٢/ ٢٩٥] ذكر فيه حديث حذيفة السالف في باب: إِذَا لم يتم الركوع (١). وشيخ البخاري فيه الصلت بن محمد هو الخاركي -بالخاء المعجمة- البصري -وخارك: جزيرة في بحر البصرة (٢) - صالح الحديث (٣). وشيخه مهدي هو ابن ميمون البصري المعولي مولاهم، ختن هشام ابن حسان، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة وقيل: في زمن المهدي (٤). وشيخه واصل وهو ابن حبان الأحدب، مات سنة عشرين ومائة. وشيخه أبو وائل شقيق بن سلمة، مات بعد الجماجم. وحذيفة بن اليمان حسل العبسي ثمَّ الأشهلي حليفهم الصحابي صاحب السر، مات سنة ست وثلاثين. ----------- (١) سبق رقم (٧٩١) كتاب: الأذان. (٢) خارك: جزيرة في وسط البحر الفارسي، وهي جبل عالٍ في وسط البحر، وهي من أعمال فارس، انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٣٣٧. (٣) أبو همام الخاركي، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وانظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٠٤ (٢٩١٩)، و«الجرح والتعديل» ٤/ ٤٤١ (١٩٣٣)، و«الثقات» ٨/ ٣٢٤، و«تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩ (٢٨٩٩). (٤) هو: مهدي بن ميمون الأزدي المعولي، مولاهم، أبو يحيى البصري، قال أبو سعيد الأشج، عن عبد الله بن إدريس: قلت لشعبة: أي شيء تقول في مهدي = ١٣٣ - باب السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ ٨٠٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. [٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦ - مسلم: ٤٩٠ - فتح: ٢/ ٢٩٥] ٨١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا». ٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ. [انظر: ٦٩٠ - مسلم: ٤٧٤ - فتح: ٢/ ٢٩٥] ذكر فيه حديث ابن عباس من طرق ثلاث: أحدها: طريق سفيان عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاس قال: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرَّجْلَيْنِ. ثانيها: طريق شعبة عَنْ عَمْرٍو، به، بلفظ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا». ----------- = ابن ميمون؟ قال: ثقة وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: مهدي ابن ميمون ثقة. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين، وأبو عبد الرحمن النسائي وابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٢٥ (١٨٦١)، و«معرفة الثقات» ٢/ ٣٠١ (١٨٠٤)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٥٤٧)، و«تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٩٢ - ٥٩٥ (٦٢٢٤). ثالثها: طريق وهيب عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتينِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثّيَابَ وَالشَّعَرَ». وذكر فيه حديث البراء في وضع الجبهة. أما حديث البراء فسلف في باب: متى يسجد خلف الإمام (١). وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم أيضًا باللفظ الثالث وقال: «إلى أنفه»: بدل: «على أنفه». وباللفظ الأول: وقال: «أعظم» بدل «أعضاء»، «والكفين» بدل «واليدين»، و«القدمين» بدل «الرجين». وفي رواية له: «أمرت أن أسجد عَلَى سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين» (٢) وعند ابن ماجه: قَالَ ابن طاوس: فكان أبي يقول: اليدين والركبتين والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحدًا (٣). وفي «مسلم» من حديث العباس بن عبد المطلب، سمع النبي - ﷺ - يقول: «إِذَا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وقدماه، وركبتاه» (٤). إِذَا علمت ذَلِكَ، فاختلف العلماء فيما يجزئ السجود عليه من ----------- (١) سبق (٦٩٠) كتاب: الأذان. (٢) مسلم (٤٩٠) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة. (٣) ابن ماجه (٨٨٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: السجود. (٤) مسلم (٤٩١) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر، وقال: «أطراف» بدل «آراب» وقَدَّم الركعتين فقال: «وركبتاه وقدماه». الآراب السبعة عند القدرة، بعد إجماعهم عَلَى أن السجود عَلَى الجبهة فريضة، فقالت طائفة: إِذَا سجد عَلَى جبهته دون أنفه أجزأه، وروي ذَلِكَ عن ابن عمر وعطاء وطاوس والحسن وابن سيرين والقاسم وسالم والشعبي والزهري والشافعي في أظهر قوليه، ومالك ومحمد وأبي يوسف وأبي ثور، والمستحب أن يسجد عَلَى أنفه معها (١). وقالت طائفة: يجزئه أن يسجد عَلَى أنفه دون جبهته وهو قول أبي حنيفة، وهو الصحيح في مذهبه (٢). --------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، «بدائع الصنائع» ١/ ١٠٥، «عيون المجالس» ١/ ٣١٥، «عارضة الأحوذي» ٢/ ٧٢، «بداية المجتهد» ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨، قال ابن شاس رحمه الله: وفي إثبات الإجزاء ونفيه عند الاقتصار من الجبهة والأنف على أحدهما، ثلاثة أقوال: يخصص الإجزاء في الثالث بالاقتصار على الجبهة دون الاقتصار على الأنف، وهو المشهور. واختار القاضي أبو بكر نفي الإجزاء بإسقاط أيهما كان، وهو قول ابن حبيب. وحكى القاضي أبو الفرج ما ظاهره تعلق الوجوب بأحدهما على البدل. انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٤، «الأم» ١/ ٩٨ - ٩٩، «الأوسط» ٣/ ١٧٦ - ١٧٧، «البيان» ٢/ ٢١٦ - ٢١٧، «المجموع» ٣/ ٣٩٧ - ٤٠٠، وحكى القول الثاني صاحب «البيان»، وقال النووي رحمه الله: السنة أن يسجد على أنفه مع جبهته. قال البندنيجي وغيره: يستحب أن يضعهما على الأرضي دفعة واحدة لا يقدم أحدهما، فإن اقتصر على أنفه دون شيء من جبهته لم يجزئه بلا خلاف عندنا، فإن اقتصر على الجبهة أجزأه. قال الشافعي في «الأم»: كرهت ذلك وأجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب وبه قطع الجمهور. وحكى صاحب «البيان» عن الشيخ أبي يزيد المروزي أنه حكى قولا للشافعي أنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعًا. وهذا غريب في المذهب، وإن كان قويًا في الدليل. «المجموع» ٣/ ٣٩٩. (٢) انظر: «الأصل» ١/ ١٣، «أحكام القرآن» للجصاص ٥/ ٣٥، «تبيين الحقائق» ١/ ١١٦، وقال ابن نجيم رحمه الله: في «الشرنبلالية»: هذا قول أبي حنيفة أولًا = وروى أسد بن عمرو: لا يجوز إلا من عذر (١). وهو قول صاحبيه، وفي «شرح الهداية» عنه إن وضع الجبهة وحدها من غير عذر جاز بلا كراهة، وفي الأنف وحده يجوز مع الكراهة، والمستحب الجمع بينهما. وفي «الإشراف» للدبوسي: يجزئه. وأشار في «المنظومة» عنه الجواز من غير عذر، ونسب ابن قدامة في «المغني»، والنووي في «شرح المهذب»: انفراد أبي حنيفة به وقالا: لا نعلم أحدًا سبقه إليه (٢)؛ ----------------- = والأصح رجوعه إلى قولهما بعدم جواز الاقتصار في السجود على الأنف بلا عذر في الجبهة كما في البرهان أهـ. وفي شرح الشيخ إسماعيل: ثم في «الهداية» أن قولهما رواية عن أبي حنيفة وفي المجمع وروي عنه قولهما وعليه الفتوى. وفي «الحقائق»: وروى عنه مثل قولهما. قال في «العيون»: وعليه الفتوى. وفي «درر البحار»: والفتوى رجوعه إلى قولهما لأنه المتعارف والمتبادر إلى الفهم أهـ. وفي «شرح الملتقى» للحصكفي: وعليه كما في «المجمع» وشروحه و«الوقاية» وشروحها و«الجوهرة» و«صدر الشريعة والعيون»، و«البحر الرائق» ١/ ٥٥٤ (١) انظر: «البناية» ٢/ ٢٧٧. (٢) انظر: «الأوسط» ٣/ ١٧٧، «المجموع» ٣/ ٣٩٩، «المغني» ٢/ ١٩٧، وقال بدر الدين العيني: قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أسبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه، حكي ذلك عن النووي في شرح «المهذب» وابن قدامة في «المغني». قلت: ذكر الطبري في «تهذيب الآثار»: أن حكم الجبهة والأنف سواء. وقال أبو يوسف عن طاووس أنه سئل عن السجود على الأنف وقال: ليس أكرم الوجه قال أبو هلال: سئل ابن سيرين عن الرجل يسجد على أنفه فقال: أوما تقرأ ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، فالله مدحهم بخرورهم على الأذقان في السجود فإذا يسقط السجود على الذقن بالإجماع بصرف الجواز إلى الأنف؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة؛ لعدم الفصل بينهما بخلاف الجبهة، إذ الأنف فاصل بينهما فكان من الجبهة وقال تقي الدين العبدي: وهو قول مالك. وذكر في «المبسوط» جواز الاقتصار على الأنف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال = لكن ابن شاس في «جواهره» قَالَ: إنه قول مالك (١). وقال ابن جرير في «تهذيبه»: حكم الجبهة والأنف سواء، فواضع الأنف دون الجبهة كواضع راحتيه دون الأصابع أو الأصابع دونها، فرق بين ذَلِكَ (٢). وقال: وبنحو هذا الذي قلناه قَالَ جماعة من السلف. قَالَ ابن بطال: وروي مثله عن طاوس وابن سيرين، وهو قول ابن القاسم (٣)، وفي «المبسوط»: ونقل عن ابن عمر مثل قول إمامنا (٤)، وذكر أصحاب التشريح أن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب وينتهيان إلى الموضع الذي فيه الثنايا والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الخد واحدًا، وهو المشار إليه في الحديث عَلَى الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه فسوى بينهما، ولأن أعضاء السجود سبعة إجماعًا، ولا يتم ذَلِكَ إلا إِذَا عدَّا واحدًا. وفي الترمذي: «لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض بمصيب الجبين»، وصحح إرساله عن عكرمة من غير ذكر ابن عباس (٥). وقالت طائفة من أهل الحديث: يجب السجود عليهما جميعًا، روي --------------- = في «العارض» في بعض طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما أمر النبي - عليه السلام - أن يسجد على سبعة أعظم، الجبهة أو الأنف، وقال بعض شراح مسلم: إن المراد من ذكر الجبهة أو الأنف؛ لئلا تصير ثمانية، ويدل عليه أو الأنف في الرواية المذكورة. وقال ابن المنذر: لا أعلم أيضًا فيه منه إذ ما جهله أكثر مما علمه. وما ذكره تحامل منه وتعصب، وقد بينا من قال بقوله قبله وبعده من السلف والخلف، «البناية» ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧. (١) «عقد الجواهر الثمينة»١/ ١٠٤. (٢) «تهذيب الآثار» ٢/ ٢ (٣٤٦). (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٣١. (٤) «المبسوط» ١/ ٣٤ - ٣٥. (٥) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣. = ذَلِكَ عن النخعي وعكرمة وابن أبي ليلى وسعيد بن جبير، وهو قول أحمد وطائفة، وهو مذهب ابن حبيب (١). وقال ابن عباس: من لم يضع أنفه في الأرض لم يصل (٢). وفي بعض طرق حديث ابن عباس: (أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعضاء منها الوجهه)، فلا يختص بالجبهة دون الأنف، وبهذا الحديث احتج أبو حنيفة في الاقتصار عَلَى الأنف، وقال: ذكره للوجه يدل عَلَى أنه أي شيء وضع منه أجزأه، وإذا جاز عند من خالف الاقتصار عَلَى الجبهة فقط جاز عَلَى الأنف فقط؛ لأنه إِذَا سجد عَلَى أنفه قيل: سجد عَلَى وجهه كما إِذَا اقتصر عَلَى جبهته (٣). وقالت طائفة: لا يجزئه من ترك السجود عَلَى شيء من الأعضاء السبعة، وهو قول أحمد وإسحاق (٤). ------------ = ورواه الدارقطني ١/ ٣٤٨، والحاكم ١/ ٢٧٠، والبيهقي في «السنن» ٢/ ١٠٤، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٣٩٢ (٥٢٦) عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ورواه البيهقي ٢/ ١٠٤ عن عكرمة مرسلًا. وصوب الدارقطني المرسل كالترمذي، وكذا البيهقي في «المعرفة» ٣/ ٢٣ وغلَّط من رفعه. والحديث ضعفه النووي في «الخلاصة» ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ (١٣٠٠)! لكن صوب ابن الجوزي رفع الحديث؛ لأنها زيادة ثقة. وذكره الحافظ في «الدراية» ١/ ١٤٤ - ١٤٥ مرفوعًا وقال: ورواته ثقات، لكن قال الدارقطني: الصواب مرسل. وصححه الألباني مرفوعًا في «تمام المنة» ص ١٧٠ وقال: حديث صحيح على شرط البخاري. (١) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٩٣، «مواهب الجليل» ٢/ ٢١٦، «الأوسط» ٣/ ١٧٤، «المغني» ٢/ ١٩٦. (٢) رواه الطبري في «تهذيبه» ١/ ١٨٨ مسند عبد الله بن عباس. (٣) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١١٧. (٤) انظر: «المغني» ٢/ ١٩٤. وأصح قولي الشافعي فيما رجحه المتأخرون خلاف ما رجحه الرافعي (١)، وهو مذهب ابن حبيب، وأظن البخاري مال إلى هذا القول وحجته حديث ابن عباس السالف أنه أمران يسجد عَلَى سبعة أعضاء، فلا يجزئ السجود عَلَى بعضها إلا بدلالة. واحتج من لم ير الاقتصار عَلَى الأنف بأن الأحاديث إنما ذكر فيها ----------- (١) قال الرافعي رحمه الله: وضع اليدين والركبتين والقدمين على مكان السجود فيه قولان: أحدهما: وبه قال أحمد: يجب، وهو اختيار الشيخ أبي علي؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة، واليدين، والركبتين، أطراف القدمين» يروى: «على سبعة آراب». وأظهرهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن مالك أيضًا؛ لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز، وتقريبها من الأرض كالجبهة، فإن قلنا: يجب فيكفي وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكف، وفي الرجلين ببطون الأصابع، وإن قلنا: لا يجب فيعتمد على ما شاء منها، فيرفع ما شاء، ولا يمنكه أن يسجد مع رفع الجميع، وهذا هو الغالب، أو المقطوع به، «الشرح الكبير» ١/ ٥٢٠ - ٥٢١. وقال النووي رحمه الله: ففي وجوب وضع اليدين والركبتين والقدمين قولان مشهوران نص عليهما في «الأم»، قال الشيخ أبو حامد: ونص في «الإملاء» أن وضعها مستحب لا واجب، واختلف الأصحاب في الأصح من القولين فقال القاضي أبو الطيب: ظاهر حديث الشافعي أنه لا يجب وضعها، وهو قول عامة الفقهاء. وقال البغوي: هذا هو القول الأشهر، وصححه الجرجاني في «التحرير» والروياني في «الحلية» والرافعي. وصحح جماعة قول الوجوب، ومنهم البندنيجي وصاحب «العدة» والشيخ نصر المقدسي. وبه قطع الشيخ أبو حامد في «التبصرة»، وهذا هو الأصح وهو الراجح في الدليل، فإن الحديث صريح في الأمر بوضعها والأمر للوجوب على المختار، وهو مذهب الفقهاء والقائل الأول يحمل الحديث على الاستحباب، ولكن لا نسلم له؛ لأن أصله الوجوب فلا يصرف عنه بغير دليل فالمختار الصحيح: الوجوب، وقد أشار الشافعي رحمه الله في «الأم» إلى ترجيحه. «المجموع» ٣/ ٤٠٢. الجبهة ولم يذكر الأنف، فدل عَلَى أن الجبهة تجزئ، وأن الأنف تبع، وأما الرواية السالفة: وأشار بيده على أنفه. فالأنف غير مشترط في ذَلِكَ؛ لأنه إنما أشار بيده إلى أنفه إلى جبهته، فجعل الأنف تبعًا للجبهة، ولم يقل: إلى نفسه. كذا قَالَ المهلب (١)، وقد سلف رواية: إلى أنفه. قَالَ ابن القصار: والإجماع حجة ووجدنا عصر التابعين عَلَى قولين، فمنهم من أوجب السجود عَلَى الجبهة والأنف، ومنهم من جوز الاقتصار عَلَى الجبهة، فمن جوز الاقتصار عَلَى الأنف دون الجبهة خرج عن إجماعهم (٢)، لكن في «العارضة» لابن العربي في بعض طرقه: الجبهة أو الأنف (٣)، ويقال لمن أوجب السجود عَلَى الآراب السبعة: إن الله تعالى ذكر السجود في مواضع من كتابه فلم يذكر فيها غير الوجه فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال الشارع: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره» (٤)، ولم يذكر غير الوجه. وقال للأعرابي الذي علمه: «مكن ------------- (١) كما في»شرح ابن بطال«٢/ ٤٣٢. (٢) كما في»شرح ابن بطال«٢/ ٤٣٢. (٣)»عارضة الأحوذي" ٢/ ٧١. (٤) رواه أبو داود (١٤١٤) كتاب: سجود القرآن، باب: ما يقول إذا سجد، والترمذي (٥٨٠) كتاب: الجمعة، باب: ما يقول في سجود القرآن، وبرقم (٣٤٢٥)، كتاب: الدعوات، باب: ما يقول في سجود القرآن، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٢/ ٢٢٢، كتاب: الافتتاح، باب: الدعاء في السجود، وأحمد ٦/ ٣٠، والدارقطني ١/ ٤٠٦ كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن، والحاكم ١/ ٢٢٠ كتاب: الصلاة، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، = جبهتك من الأرض» (١)، ولم يذكر باقي الأعضاء، ولو كان حكم السجود متعلقًا بذلك لكان مع العجز عنه ينتقل إلى الإيماء كالرأس، فلما كان مع العجز يقع الإيماء بالرأس حسب، ولا يؤمر بإيماء الباقي علمنا أن الحكم يعلق بالجبهة فقط. وأما أمره - ﷺ - بالسجود عَلَى الأعضاء السبعة فلا يمتنع أن يؤمر بفعل الشيء ويكون بعضه مفروضًا وبعضه مسنونًا ولا يكون وجوب بعضه دليلًا عَلَى وجوب باقيه إلا بدالة الجمع بين ذَلِكَ، والخلاف في الأعضاء الستة ثابت عند الحنفية أيضًا، ففي «شرح الهداية»: لا تجب. وفي «الواقعات»: لو لم يضع ركبتيه عَلَى الأرض عند السجود لا يجزئه. ونقل أبو الطيب عن عامة الفقهاء عدم الوجوب، وعند زفر وأحمد الوجوب (٢)، وعند أحمد في الأنف روايتان (٣). وفي الترمذي عن أحمد: وضعها سنة (٤). وادعى ابن العربي أن قوله: أمر أو أمرت أو أمرنا. مخصوص به في الظاهر، واختلف الناس فيما فرض عليه هل تدخل معه الأمة؟ فقيل: نعم. والأصح لا إلا بدليل، وقيل: إِذَا خوطب بأمر أو نهي فالمراد به ------------- = والبيهقي ٢/ ٣٢٥ كتاب: الصلاة، باب: ما يقول في سجود التلاوة. من حديث عائشة، قال الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ١٥٧ (١٢٧٣): صحيح. (١) سبق تخريجه في شرح حديث رقم (١٦١). (٢) انظر: «البناية» ٢/ ٢٨٠، «الكافي» ١/ ٣٠٤. (٣) انظر: «الكافي» ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥. (٤) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل الحديث أن يسجد على جبهته وأنفه فإن سجد على جبهته دون أنفه فقد قال قوم من أهل العلم: يجزئه. وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والأنف. ذكر هذا عقب الرواية رقم (٢٧١)، ولم يصرح فيها بذكر الإمام أحمد. الأمة معه، وهذا لا يثبت إلا بدليل. قَالَ: والدليل عَلَى توجب ذَلِكَ علينا إجماع الأمة عَلَى وجوب السجود عَلَى هذِه الأعضاء، ولعل ذَلِكَ أخذ من قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١)، ومن دليل آخر سواه. ولا خلاف أعلمه في الأعضاء السبعة إلا في الوجه (٢)، وكلامه كله عجيب، وأين الإجماع فيما ذكره والأصل عدم الخصوصية. وقوله في رواية: «أعضاء» وفي رواية: «أعظم» إما من باب تسمية الجملة باسم بعضها أو سمى كل واحد منها عظمًا باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل واحد منها عَلَى عظام. وأما كف الشعر والثوب فسيأتي في بابه قريبًا. وقوله: «واليدين» يريد: الكفين. خلافًا لمن حمله عَلَى ظاهره؛ لأنه لو حمل عَلَى ذَلِكَ لدخل تحت النهي عنه في افتراش السبع والكلب. -------------- (١) هو جزء من حديث سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: للمسافر إذا كان جماعة. (٢) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٧١. ١٣٥ (*) - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ فِي الطِّيِنِ ٨١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ؟ فَخَرَجَ. فَقَالَ: قُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟. قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِى تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ:»مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ«. وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٢/ ٢٩٨] ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ إلى أن قال: وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأنَّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ». وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَى رَأَيتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُويَاهُ. وسيأتي بطوله في موضعه في الصيام (١). والأرنبة: طرف الأنف، وهو حجة لمن أوجب السجود عَلَى الأنف والجبهة وقالوا: هذا الحديث مفسر لقوله: «أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعضاء» فذكر منها الوجه، وأبانَ في هذا الحديث أن سجوده - ﷺ - كان -------------- (١) سيأتي رقم (٢٠٤٠) كتاب: الاعتكاف، باب: من خرج من اعتكافه عند الصبح. (*) قال معد الكتاب للشاملة: من هنا اختل الترقيم، وحقه أن يكون رقمه: ١٣٤. ![]()
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 227 الى صـــ 246 الحلقة (191) عَلَى أنفه وجبهته، واحتج من قَالَ: يجزئه السجود عَلَى جبهته بأن قَالَ: إنما أمر الساجد أن يمس من وجه الأرض ما أمكنه إمساسه محاذيًا بها القبلة ولا شيء من وجه ابن آدم يمكنه إمساسه منه غير أنفه وجبهته، فإذا سجد عليهما فقد فعل أكثر ما يقدر عليه فإن قصر من ذَلِكَ وسجد عَلَى جبهته دون أنفه فقد أدى فرضه، وهذا إجماع من جمهور الأمة. وفي الحديث أن المصلي في الطين يسجد عليه، وهذا عند العلماء إِذَا كان يسيرا لا يمرث وجهه ولا ثيابه، ألا ترى أن وجهه كان سالمًا من الطين وإنما كان منه شيء عَلَى جبهته وأرنبته، فإذا كان كثيرًا فالسنة فيه ما روى يعلق بن أمية عن النبي - ﷺ - أنه صلى إيماءً عَلَى راحلته في الماء والطين (١)، وبه قال أكثر الفقهاء. واختلف قول مالك فيه، فروى أشهب عنه أنه لا يجزئه إلا النزول ويسجد عَلَى الأرض عَلَى حسب ما يمكنه استدلالًا بحديث أبي سعيد. وقال ابن حبيب: مذهب مالك أنه يومئ، إلا عبد الله بن عبد الحكم فإنه كان يقول: يسجد عليه، ويجلس فيه إِذَا كان لا يعم وجهه، ولا يمنعه من ذَلِكَ إلا إحراز ثيابه. وقال ابن حبيب: وبالأول أقول؛ لأنه أشبه بيسر الله في الدين وأنه لا طاعة في تلويث الثياب في الطين وإنما يومئ في الطين إِذَا كان لا يجد المصلي موضعًا نقيًّا من الأرض يصلي عليه فإن طمع أن يدرك موضعًا نقيًا قبل خروج الوقت لم يجزئه الإيماء في الطين (٢). ----------------- (١) رواه الترمذي (٤١١) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين، وقال: حديث غريب، وأحمد ٤/ ١٧٤، والطبراني ٢٢/ ٣٥٦ (٦٦٣)، والدارقطني ١/ ٣٨٠ - ٣٨١ كتاب: الصلاة، باب: صلاة المريض لا يستطيع القيام والفريضة على الراحلة، والبيهقي ٢/ ٧ كتاب: الصلاة، باب: النزول للمكتوبة، وقال الألباني في «ضعيف الترمذي»: ضعيف الإسناد. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤. وفي بعض نسخ البخاري: قَالَ أبو عبد الله: كان الحميدي يحتج بهذا الحديث أن لا يمسح الجبهة في الصلاة بل يمسح بعدها (١)؛ لأنه - ﷺ - رئي الماء في أرنبته وجبهته بعدما صلى. ---------------- (١) ورد ذلك في نسخة ابن عساكر، قال أبو عبد الله: كان الحميدي يحتج بهذا الحديث يقول: لا يمسح. انظر: «اليونينة» ١/ ١٦٣. ١٣٦ - باب عَقْدِ الثِّيَابِ وَشَدِّهَا وَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِذَا خَافَ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ. ٨١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: «لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِىَ الرِّجَالُ جُلُوسًا». [انظر: ٣٦٢ - مسلم: ٤٤١ - فتح: ٢/ ٢٩٨] ذكر فيه حديث أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل، وقد سلف في باب: إِذَا كان الثوب ضيقًا (١). -------------- (١) سبق رقم (٣٦٢) كتاب: الصلاة. ١٣٧ - باب لَا يَكُفُّ شَعَرًا ولا ثوبا ٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ. [انظر: ٨٠٩ - مسلم: ٤٩٠ - فتح: ٢/ ٢٩٩] ذكر فيه حديث ابن عباس: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ. ١٣٨ - باب لَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ فِي الصَّلَاةِ ٨١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا». [انظر: ٨٠٩ - مسلم: ٤٩٠ - فتح: ٢/ ٢٩٩] ذكر فيه حديث ابن عباس أيضًا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أعظم، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا». وقد أخرجهما مسلم أيضًا وعنده: «ولا يكف الثياب ولا الشعر» (١) وكلاهما بمعنى واحد، وهو الجمع والضم. وفي الحديث «اكفتوا صبيانكم عند فحمة العشاء» (٢) ومنه ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ [المرسلات: ٢٥]. وقال ابن الأثير: قوله: «لا أكف» إلى آخره: يعني: في الصلاة؛ ويحتمل أن يكون بمعنى: لا أمنعهما من الاسترسال حال السجود ليقعا عَلَى الأرض، قَالَ: ويحتمل أن يكون بمعنى: الجمع. أي: لا يضمهما ويجمعهما (٣). وقد اتفق العلماء عَلَى النهي عن الصلاة وثوبه مشمر أو كمه ورأسه معقوص أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذَلِكَ، وهو كراهة تنزيه، ولو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته. --------------- (١) مسلم (٤٩٠) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب. (٢) سيأتي برقم (٣٣٦١) كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم. ولفظ البخاري: «اكفتوا صبيانكم عند المساء ..»، وفي «الأدب المفرد» (١٢٣١) ص ٤٥٢ باب: ضم الصبيان عن فورة العشاء، بلفظ: «كفتوا صببانكم عند فحمة العشاء ..». (٣) «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٩٠. وحكى الطبري في ذَلِكَ إجماع الأمة، قَالَ: مع أنه غير جائز أن يصلي عَلَى تلك الحالة. قَالَ: وممن روي عنه ذَلِكَ من السلف علي وابن مسعود وحذيفة وابن عمر وأبو هريرة، وكان ابن عباس إِذَا سجد يقع شعره عَلَى الأرض. وقال ابن عمر لرجل رآه سجد معقوصًا شعره: أرسله يسجد معك (١). وقال ابن المنذر: عَلَى هذا قول أكثر أهل العلم غير الحسن البصري فإنه قَالَ: من صلى عاقصًا شعره أو كافًا ثوبه فعليه إعادة الصلاة (٢). قُلْتُ: وفي أفراد «صحيح مسلم» من حديث ابن عباس أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص، فقام من ورائه فجعل يحله، فلما انصرف أقبل عَلَى ابن عباس فقال: مالك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف» (٣). وفي «سنن أبي داود» بإسناد جيد: رأى أبو رافع الحسن بن علي يصلي قَدْ غرز ظفرته في قفاه، فحلها وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ذَلِكَ كفل الشيطان» أو قَالَ: «مقعد الشيطان» (٤) يعني: مغرز ظفرته. وقال ابن التين: هذا مبني عَلَى الاستحباب وليس من الوجوب وذلك إِذَا صنع ذَلِكَ من أجل الصلاة، فأما إِذَا فعله لشغلٍ فحضرت الصلاة فلا بأس أن يصلي كذلك. ------------- (١) انظر: «البناية» ٢/ ٥٣٠ - ٥٣٢. (٢) «الأوسط» ٣/ ١٨٣ - ١٨٤. (٣) مسلم (٤٩٢) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب. (٤) أبو دواد (٦٤٦) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يصلي عاقصًا شعره، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» ٣/ ٢١٣ (٦٥٣). وقال أبو جعفر: إِذَا كان ينوي أن يعود لعمله. وأجمع الفقهاء أنه يجوز السجود عَلَى اليدين في الثياب، وإنما كرهه سالم وأبوه وبعض التابعين؛ لأن اليدين حكمهما حكم الوجه لا حكم الركبتين، وقياسًا عَلَى أن اليدين من المرأة تبع الوجه في كشفهما في الإحرام فكذلك اليدان مع الوجه في كشفهما في السجود. وحجة الجماعة ما رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن النبي - ﷺ - نهى أن يكشف الثوب عن يده إِذَا سجد (١). وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ذكره ابن أبي شيبة (٢). وإجماع الأمة عَلَى جواز السجود عَلَى الركبتين مستورتين؛ لأنهما إما عورة وإما أنهما مظنة كشفها. ولا نعلم أيضًا خلافًا في القدمين؛ لأنه - ﷺ - كان يصلي وهو لابس الخف، وللشافعي قولان في مباشرة المصلي بالكف، والأصح عدم الوجوب (٣). واحتج الطحاوي بهذا الحديث في جواز السجود عَلَى كور العمامة (٤) قَالَ: لأنه - ﷺ - قَالَ: «أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعظم» --------------- (١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٤٠٢ (١٥٧٢) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يسجد متلحفًا لا يخرج يديه. (٢) «المصنف» ١/ ٢٣٨ (٢٧٣٩) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يسجد ويداه في ثوبه. (٣) انظر: «المجموع» ٣/ ٤٠٥. (٤) قال ابن حجر: حديث أن النبي - ﷺ - كان يسجد على كور عمامته، رواه عبد الرزاق من حديث أبي هريرة وفيه عبد الله بن حجر وهو واه، وعن عبد الله بن عمر مثله = ولو سجد عَلَى باقي الأعضاء وهي مستورة جاز فكذا الجبهة (١)، وهو عجيب فالفرق لائح. قَالَ البيهقي: وإنما وجب كشف الجبهة لما روى صالح بن حيوان وغيره أنه - ﷺ - رأى رجلًا يسجد على جبهته. قَالَ: وهذا المرسل شاهد لحديث ابن عباس المذكور. قَالَ: ولم يثبت عن النبي - ﷺ - على كور العمامة شيءٌ، وروينا عن عبادة بن الصامت وابن عمر قريبًا من حديث صالح (٢). وقال الشافعي في القديم: بلغنا أن النبي - ﷺ - قَالَ لرجل: «إذا سجدت فأمكن جبهتك حتى تجد حجم الأرض» (٣). وفرق مالك بين الستر الكثيف في الجبهة فمنعه وبين الخفيف فجوزه (٤). ----------------- = أخرجه تمام في «فوائده»، وفي إِسناده سويد بن عبد العزيز وهو واه، وعن أبي أوفى قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد على كور عمامته أخرجه الطبراني في «الأوسط» وإسناده ضعيف، وعن جابر مثله أخرجه ابن عدي في ترجمة عمرو بن شمر أحد المتروكين، وعن ابن عباس كالأول أخرجه أبو نعيم في ترجمة إبراهيم بن أدهم من «الحلية» بإسناد ضعيف، وعن أنس أن النبي - ﷺ - سجد على كور عمامته، أخرجه ابن أبي حاتم في «العلل» ونقل عن أبيه أنه منكر، وهو من رواية حسان بن سياه وهو ضعيف، وقال البخاري: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه ووصله البيهقي، وعن صالح بن حيوان أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يسجد، وقد اعتم على جبهته فحسر عن جبهته، أخرجه أبو داود في «المراسيل». «الدراية» ١/ ١٤٥ - ١٤٦ (١٧٠). (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٣٣. (٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٤ (٣٥٢٤، ٣٥٢٥، ٣٥٢٦). (٣) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٢ (٣٥١١). والحديث رواه أحمد ١/ ٢٨٧ من حديث ابن عباس، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٤٩). (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٨٤. وقد سلف اختلاف العلماء في السجود على كور العمامة في باب السجود عَلَى الثوب في شدة الحر فراجعه منه. ١٣٩ - باب التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ ٨١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنه - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. [انظر: ٧٩٤ - مسلم: ٤٨٤ - فتح: ٢/ ٢٩٩] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ. هذا الحديث سلف قريبًا في باب: الدعاء في الركوع (١)، وسلف الكلام عليه. ------------ (١) سبق برقم (٧٩٤). ١٤٠ - باب المُكْثِ بَيْن السَّجْدَتَيْنِ ٨١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: وَذَاكَ فِي غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ، فَقَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ هُنَيَّةً، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً، فَصَلَّى صَلَاةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا. قَالَ أَيُّوبُ: كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ، كَانَ يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. [انظر:٦٧٧ - فتح: ٢/ ٣٠٠] ٨١٩ - قَالَ: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». [٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ٣٠٠] ٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كَانَ سُجُودُ النُّبِيِّ - ﷺ - وَرُكُوعُهُ وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [انظر: ٧٩٢ - مسلم: ٤٧١ - فتح: ٢/ ٣٠٠] ٨٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: إِنِّي لا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي بِنَا. قَالَ ثَابِتٌ: كَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ. وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ. [انظر: ٨٠٠ - مسلم: ٤٧٢ - فتح: ٢/ ٣٠١] ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث والبراء وأنس وقد سلف الكلام عليها فيما سلف. وقوله في حديث مالك بن الحويرث: (كان يقعد في الثالثة والرابعة كذا هو ثابت هنا، وفي بعض النسخ: (أو الرابعة). وقال ابن التين في رواية أبي ذر (والرابعة): وأراه غير صحيح. قَالَ ابن قدامة: والمستحب عند أحمد أن يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي؟ يكرره مرارًا، والواجب مرة (١). وهذا قاعدته في الوجوب وعندنا يستحب أعني: الذكر- وعند الحنفية: ليس بينهما ذكر مسنون؛ لأن الاعتدال فيه تبع، وليس بمقصود، فلا يسن فيه، وما روي في ذَلِكَ فمحمول على التهجد (٢)، وعند داود وأهل الظاهر أنه فرض إن تعمد تركه بطلت صلاته (٣). ------------- (١) «المغني» ٢/ ٢٠٧. (٢) انظر: «البناية» ٢/ ٢٨٧. (٣) انظر: «المحلى» ٣/ ٢٥٥. ١٤١ - باب لَا يَفْتَرشُ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَوَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا. ٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ». [انظر: ٥٣٢ - مسلم: ٤٩٣ - فتح: ٢/ ٣٠١] ثمَّ ذكر حديث قتادة عن أنس عن النبي - ﷺ - قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ». الشرح: أما الحديث فهو قطعة من حديث طويل، وأما الثاني فأخرجه مسلم والأربعة (١)، وفي حديث معاذ، عن شعبة عند أبي نعيم عن قتادة، سمعت أنسًا. وفي الترمذي -محسنًا- من حديث جابر: «لا يفترش ذراعيه افتراش الكلب» (٢)، وفي مسلم من حديث عائشة: نهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع (٣). وفي ابن خزيمة من حديث أبي هريرة: «إِذَا سجد أحدكم فلا يفترش يديه افتراش الكلب وليضم فخذيه» (٤)، وفي ----------- (١) مسلم (٤٩٣) كتاب: الصلاة، باب: الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض، وأبو داود (٨٩٧)، الترمذي (٢٧٦)، والنسائي ٢/ ٢١١ - ٢١٣، وابن ماجه (٨٩٢). (٢) الترمذي (٢٧٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الاعتدال في السجود، وقال: حسن صحيح. (٣) مسلم (٤٩٨) كتاب: الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع والاعتدال منه. (٤) ابن خزيمة ١/ ٣٢٨ (٦٥٣) كتاب: الصلاة، باب: ضم الفخذين في السجود. مسلم من حديث البراء: «إِذَا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك» (١). وفي «المستدرك» مصححًا من حديث عبد الرحمن بن شبل: نهي عن افتراش السبع (٢). فإن قُلْتَ: يعارض ذَلِكَ حديث أبي هريرة في ابن خزيمة و«المستدرك» مصححًا عَلَى شرط مسلم: شكى أصحاب رسول الله مشقة السجود عليهم إِذَا انفرجوا فقال: «استعينوا بالركب» وذلك أن يضع مرفقيه عَلَى ركبتيه إِذَا طال السجود وأعيا (٣). قُلْتُ: قَالَ أبو داود: كان هذا رخصة (٤). وذكره الترمذي في باب: ما جاء في الاعتماد إِذَا قام من السجود، واستغربه (٥). وقال ابن سيرين: وسئل: الرجل يعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ قَالَ: ما أعلم به بأسًا (٦). وكان ابن عمر يضع يديه إلى جنبيه إِذَا سجد (٧). ---------------- (١) مسلم (٤٩٤) كتاب: الصلاة، باب: الاعتدال في السجود. (٢) «المستدرك» ١/ ٢٢٩ كتاب: الصلاة، وقال: صحيح ولم يخرجاه. (٣) «المستدرك» ١/ ٢٩٩ كتاب: الصلاة، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (٤) قال أبو داود ذلك مترجمًا لهذا الحديث، ولعل المصنف أخذ فقهه من هذِه الترجمة. انظر: «سنن أبي داود» (٩٠٢) كتاب: الصلاة، باب: الرخصة في ذلك أي: للضرورة. (٥) الترمذي (٢٨٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الاعتماد في السجود، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه من حديث الليث عن ابن عجلان؛ وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». (٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ (٢٦٥٩) في الصلاة، باب: من رخص أن يعتمد بمرفقيه. (٧) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ (٢٦٦٠) السابق. وقال قيس بن سكن: كل ذَلِكَ قَدْ كانوا يفعلون، ينضمون ويتجافون، وقد سلفا. وسئل ابن عمر: أضع مرفقي على فخذي إِذَا سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك (١). وأسانيدها جيدة. وفي «الأوسط» من حديث أبي هريرة: نهى أن أقعي إقعاء القرد (٢)، وفي ابن ماجه من حديث علي: «لا تقع بين السجدتين» (٣)، وفي لفظ: «لا تقعِ إقعاء الكلب» (٤)، وفي رواية لَهُ -ضعيفة- عن أنس: «إِذَا رفعت رأسك من الركوع فلا تقع كما يقعي الكلب، ضع إليتيك بين قدميك والزق ظاهر قدميك بالأرض» (٥). وفي البيهقي من حديث سمرة: نهي عن الإقعاء (٦) وللحاكم: أمرنا أن نعتدل في السجود ولا نستوفز (٧). وترجم الترمذي الرخصة في الإقعاء فذكر حديث ابن عباس: الإقعاء على القدمين من سنة نبيكم، وحسنه (٨)، وهو عند مسلم (٩)، وفي «مشكل الطحاوي» عن عطية العوفي: رأيت العبادلة: ابن عباس، --------------- (١) المصدر السابق ١/ ٢٣٣. (٢) «المعجم الأوسط» ٥/ ٢٦٦ (٥٢٧٥). (٣) رواه ابن ماجه (٨٩٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: الجلوس بين السجدتين، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٨٨). (٤) المصدر السابق (٨٩٥)، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٧٣٠). (٥) ابن ماجه (٨٩٦) كتاب: إقامة الصلاة، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٨٩)، وفي «الضعيفة» (٢٦١٥): موضوع. (٦) رواه البيهقي ٢/ ١٢٠ كتاب: الصلاة، باب: الإقعاء المكروه في الصلاة. (٧) الحاكم ١/ ٢٧١ كتاب: الصلاة، عن سمرة بن جندب، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يستوفز الرجل في صلاته. وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. (٨) رواه الترمذي (٢٨٣) كتاب: الصلاة، باب: الإقعاء المكروه في الصلاة. (٩) رواه مسلم (٥٣٦) كتاب: المساجد، باب: جواز الإقعاء على العقبين. وابن عمر، وابن الزبير يقعون في الصلاة ويراهم الصحابة فلا ينكرونه (١)، وعند الخلال: عن ابن مسعود قَالَ: هيئت عظام ابن آدم للسجود فاسجدوا حتىَّ تسجدوا عَلَى المرافق. وقد سلف. وقال أحمد: تركه الناس. افتراش السبع لا شك في كراهته واستحباب نقيضها، وهو التجنح الثابت في حديث ميمونة وغيره، والحكمة في ذَلِكَ أنه إِذَا جنح كان اعتماده على يديه، فيجب اعتماده عَلَى وجهه فلا يتأذى بملاقاة الأرض ولا يتشوش في الصلاة، بخلاف ما إِذَا بسط يديه؛ فإن اعتماده يكون عَلَى وجهه فيتأذى ولا يبدو وضح إبطيه كما كان يبدو من الشارع. وأما أثر ابن عباس السالف فلعله عند الازدحام؛ لأن المعروف عنه أن آدم بن علي صلى إلى جنبه فافترش ذراعيه، فقال: لا تفترش افتراش السبع وادعم على راحتيك وابد ضبعيك، فإذا فعلت ذَلِكَ سجد كل عضو منك (٢)؛ فروي عنه الوجهان فيؤنس الأول. -------------- (١) ذكره الطحاوي في «المشكل» كما في «تحفة الأخيار» ٢/ ٣٦٢ (١٠١٩) كتاب: الصلاة، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - في نهيه عن الإقعاء في الصلاة ما هو؟. (٢) المعروف من حديث آدم بن عليّ أنه عن ابن عمر لا ابن عباس، فروى عبد الرزاق ٢/ ١٧٠ عن آدم بن عليّ، قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي لا أتجافي عن الأرض بذراعي، فقال: يا ابن أخي لا تبسط بسط السبع وادْعم علي راحتيك .. الأثر. وقد روي مرفوعًا من حديث آدم بن عليّ عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ -: «لا تبسط ذراعيك كبسط السبع ..» الحديث، رواه ابن خزيمة ١/ ٣٢٥، وابن حبان ٥/ ٢٤٢، والحاكم ١/ ٢٢٧، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٢٢٧. قال الحاكم: صحيح لم يخرجاه ولا إعادة عند جميع العلماء على تارك ذَلِكَ لاختلاف السلف فيه كما مر. واختلف أصحابنا في تفسير الإقعاء المنهي عنه عَلَى ثلاثة أوجه: أصحها: أن يجلس على وركيه ناصبًا ركبتيه، وضَمَّ إليه أبو عبيد: أن يضع يديه عَلَى الأرض. وثانيها: أن يفرش رجليه ويضع إليتيه عَلَى عقبيه. وثالثها: أن يضع يديه عَلَى الأرض ويقعد عَلَى أطراف أصابعه، والصواب هو الأول والباقي غلط، وقد ثبت في «صحيح مسلم» أن الإقعاء سنة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام (١). وفسره العلماء مما قاله الثاني ونص عَلَى استحبابه إمامنا في البويطي والإملاء في الجلوس بين السجدتين (٢). والإقعاء ضربان: مكروه، وهو الأول، وغيره الثاني. وكذا بينه البيهقي في «سننه»، ثمَّ قَالَ: وأما حديث النهي عن عقبة الشيطان، فيحتمل أن يكون واردًا في الجلوس في التشهد الأخير؛ فلا منافاة (٣). ----------- (١) «صحيح مسلم» (٥٣٦) كتاب: المساجد، باب: جواز الإقعاء على القدمين، من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه سئل عن الإقعاء، فقال: هي السنة. فقيل له: إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال: بل هي سنة نبيك - ﷺ -. (٢) انظر: «العزيز» ١/ ٤٨١، «المجموع» ٣/ ٤١٥ - ٤١٧. (٣) وحكى البيهقي عن أبي عبيدة أنه قال: الإقعاء: هو أن يلصق إليته بالأرض وينتصب على ساقه ويضع يديه بالأرض، وقال في موضع آخر: الإقعاء جلوس الإنسان على إليتيه ناصبًا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع، وقال البيهقي: وهذا النوع من الإقعاء غير ما روينا عن ابن عباس وابن عمر، وهذا منهي عنه، وما روينا عن ابن عباس وابن عمر مسنون، وأما حديث أبي الجوزاء عن عائشة عن النبي - ﷺ - أنه كان ينهي عن عقب الشيطان، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، = وأغرب الجويني في «التبصرة» فقال: لا يجوز الإقعاء في الجلوس بين السجدتين إقعاء الكلب، قَالَ: وهو أن يجلس عَلَى قدميه، وهما منتصبتان (١). --------------- = فيحتمل أن يكون واردًا في الجلوس للتشهد الأخير، فلا يكون منافيًا لما روينا عن ابن عباس وابن عمر في الجلوس بين السجدتين والله أعلم، انظر: «السنن الكبرى» ٢/ ١٢٠ كتاب: الصلاة، باب: الإقعاء المكروه في الصلاة. (١) «التبصرة» ص ٣٦٥. ١٤٢ - باب مَنِ اسْتَوى قَاعِدًا فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ نَهَضَ ٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ اللَّيْثِىُّ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. [فتح: ٢/ ٣٠٢] ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. هذا الحديث دال عَلَى ما ترجم لَهُ وهو جلسة الاستراحة، وقد أوضحنا الكلام عليها في باب: من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم (١)، في الكلام عَلَى الحديث المذكور فراجعه من ثم. وقال ابن بطال: ذهب جمهور الفقهاء إلى ترك الأخذ بهذا الحديث وقالوا: ينهض عَلَى صدور قدميه ولا يجلس (٢). روي ذَلِكَ عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس (٣). وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من الصحابة إِذَا رفع رأسه من السجدة في الركعة الأولى والثالثة قام كما هو ولم يجلس (٤)، وكان النخعي يسرع القيام في ذَلِكَ. وقال الزهري: كان أشياخنا يقولون ذَلِكَ. ----------- (١) سبق برقم (٦٧٧) كتاب: الأذان. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٣٧. (٣) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٣٤٦ كتاب: الصلاة، باب: من كان ينهض على صدور قدميه. (٤) انظر: المصدر السابق: ١/ ٣٤٧. قَالَ أبو الزناد: تلك السنة. وبه قَالَ مالك والثوري والكوفيون وأحمد وإسحاق. وقال أحمد بن حنبل: أكثر الأحاديث عَلَى هذا. وذكره عن عمر وعلي وعبد الله. وذهب الشافعي إلى الأخذ بهذا الحديث وقال: يقعد في وتر من صلاته ثمَّ ينهض (١). --------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٣٧، وانظر ما ذهب إليه الجمهور في: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٣، «المبسوط» ١/ ٢٣، «عيون المجالس» ١/ ٣١٤ - ٣١٥، «التمهيد» ٣/ ٢٢٩، واختلفت الرواية عن أحمد، فروي عنه أنه لا يجلس وهو اختيار الخرقي، والرواية الثانية أنه يجلس اختارها الخلال، وقال: رجع أبو عبد الله إلى هذا -أي ترك قوله بترك الجلوس، والمذهب أنه لا يجلس، انظر: «الممتع» ١/ ٤٤٢، «المغني» ٢/ ٢١٢ - ٢١٣، «المبدع» ١/ ٤٥٩، «الإنصاف» ٣/ ٥٢٤ - ٥٢٦، وعند الشافعية قولان، الأول: لا يجلس كالجمهور الثاني: يجلس وهو المذهب. قال النووي: مذهبنا الصحيح المشهور أنها مستحبة، انظر: «الحاوي» ٢/ ١٣١، «حلية العلماء» ٢/ ١٠٢ - ١٠٣، «البيان» ٢/ ٢٦٦، «المجموع» ٣/ ٤٢١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: جلسة الاستراحة قد ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - جلسها؛ لكن تردد العلماء هل فعل ذلك من كبر السنن للحاجة، أو فعل ذلك لأنه من سنة الصلاة، فمن قال بالثاني استحبها كقول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين. ومن قال بالأول لم يستحبها إلا عند الحاجة، كقول أبي حنيفة ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى. ومن فعلها لم ينكر عليه. وإن كان مأمومًا، لكون التأخر بمقدار ما ليس هو من التخلف المنهي عنه عند من يقول باستحبابها، وهل هذا إلا فعل في محل اجتهاد فإنه قد تعارض فعل هذِه السنة عنده، والمبادرة إلى موافقه الإمام فإن ذلك أولى من التخلف. لكنه يسير، فصار مثل ما إذا قام من التشهد الأول قبل أن يكمله المأموم، والمأموم يرى أنه مستحب، أو مثل أن يسلم وقد بقي عليه يسير من الدعاء، هل يسلم أو يتمه؟ ومثل هذِه المسائل هي من مسائل الاجتهاد، والأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف، لفعل مستحب، والله أعلم، «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٤٥١ - ٤٥٢. ![]()
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 327 الى صـــ 346 الحلقة (196) خبيبًا (١) وصلبه (٢). كذا في البخاري كما ستعلمه (٣)، وكذا ذكر مسلم أن أبا سروعة اسمه عقبة بن الحارث. وقال أبو حاتم: أبو سروعة قاتل خبيب، له صحبة، اسمه: عقبة بن الحارث وليس هو عندي بعقبة بن الحارث الذي روى عنه ابن أبي مليكة. كذا قَالَ في «الكنى». وقال في موضع آخر: عقبة بن الحارث بن عامر أبو سروعة له صحبة، روى عنه ابن أبي مليكة، أخرج له البخاري ثلاثة أحاديث، وأخرج لَهُ أبو داود والترمذي والنسائي (٤). وعمر بن سعيد (٥) الراوي عنه هو ابن أبي حسين النوفلي، ثقة، روى لَهُ الجماعة إلا أبا داود، ففي «مراسيله» (٦). وشيخ البخاري: محمد بن عبيد بن ميمون هو العلاف التبان المديني القرشي، روى عنه ابن ماجه أيضًا. قَالَ أبو حاتم: شيخ. وقال ابن حبان: ربما أخطأ (٧). --------------- (١) في الأصل: خبيب. (٢) حكى ذلك مصعب الزبيري في «نسب قريش» ص ٢٠٤ - ٢٠٥. (٣) سيأتي هذا الحديث برقم (٣٠٤٥). (٤) انظر ترجمة عقبة بن الحارث في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٧٣ (٧٩٨)، «معرفة الصحابة» ٤/ ٢١٥٤ (٢٢٤٢)، «الاستيعاب» ٣/ ١٨٢ (١٨٤١)، «أسد الغابة» ٤/ ٥٠ (٣٦٩٨)، «الإصابة» ٢/ ٤٨٨ (٥٥٩٢). (٥) عمر بن سعيد هذا: قال عنه أحمد بن حنبل: مكي، قرشي، ثقة، من أمثل من يكتبون عنه، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة، وكذلك قال النسائي. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٥٩ (٢٠٢١)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١١٠ (٥٨٣)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٣٦٤ (٤٢٤٢). (٦) «المراسيل» ص ١٦٠. (٧) محمد بن عبيد هذا قال ابن حجر في ترجمته: صدوق يخطئ، وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ١٧٣ (٥١٩)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١١ (٤٢)، «الثقات» لابن حبان ٩/ ٨٢، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٧٢ (٥٤٤٧)، «تقريب التهذيب» (٦١٢١). وقوله: (ففزع الناس) سببه أنهم كانوا إِذَا رأوا منه غير ما يعهدون تخوفوا أن يكون أتى فيهم شيء. وقوله: (فخرج عليهم) سببه إما علمه بأنهم قد فزعوا، أو لعله يفرقه عليهم قبل أن يتفرقوا، والتبر: قطع الذهب. قيل: والفضة. قيل: جميع ما يستخرج من المعدن قبل أن يضرب دنانير. والقطعة منه: تبرة. قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي: منقطع ذاهب. وقيل: من التبر، وهو الهلاك والتبديد. وقيل: لأن صاحبه يلحقه من التعزير ما يوجب هلاكه، فهو من التبار، وهو الهلاك. وقوله: («فيحبسني») أي: يشغل ضميري فيحبسه عما يريده من الأعمال. وقيل: يحبسني في الآخرة. حكاه ابن التين. وأما حكم الباب فالتخطي لما ترجم له مباح، ومثله ما لا غنى للإنسان عنه كإزالة حقنه ورعافه، والمكروه إِذَا كان في موضع يشغل الناس فيه عن الصلاة أو عن سماع الخطبة، فهو مكروه لأجل ذَلِكَ، وفيه أن من حبس صدقة المسلمين من وصية أو زكاة أو شبههما يخاف عليه أن يحبس في القيامة لقوله - ﷺ -: «كرهت أن يحبسني» يعني: في الآخرة، وفيه السرعة للحاجة المهمة، ولعله - ﷺ - أسرع؛ لئلا ينسى ما أراد فعله، أو لعله فعل ذَلِكَ ليفرقه عليهم قبل تفرقهم كما سلف. قَالَ الداودي: وفيه أنه كان لا يمسك شيئًا من الأموال غير الرباع، كما في الحديث الآخر: «ما يسرني أن لي مثل أحد ذهبًا تمرُّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيئًا أرصده لدين» (١). وفيه: أن من وجب عليه فرض فالمبادرة إليه أفضل. --------------- (١) سيأتي برقم (٢٣٨٩) كتاب: في الاستقراض، باب: أداء الديون. ١٥٩ - باب الاِنْفِتَالِ وَالاِنْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَكَانَ أَنَسٌ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى، أَوْ يَعْمِدُ الانْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ. ٨٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ. [مسلم: ٧٠٧ - فتح: ٢/ ٣٣٧] هذا الأثر لا يحضرني من أسنده، نعم روى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن أنس أن النبي - ﷺ - كان ينصرف عن يمينه (١)، وفي مسلم والنسائي عنه: أكثر ما رأيت رسول الله - ﷺ - ينصرف عن يمينه (٢). وفي «صحيح ابن حبان» من حديث قبيصة بن هُلْب عن أبيه قَالَ: أمنا رسول الله - ﷺ - فكان ينصرف عن جانبيه جميعًا (٣)، وأخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: صح الأمران عن رسول الله - ﷺ - (٤). ------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٧١ (٣١١٠) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل إذا سلَّم ينصرف عن يمينه أو عن يساره. (٢) «صحيح مسلم» (٧٠٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال، «سنن النسائي» ٣/ ٨١ كتاب: السهو، باب: الانصراف من الصلاة. (٣) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٣٣٩ (١٩٩٨) كتاب: الصلاة، باب: القنوت. (٤) «سنن أبي داود» (١٠٤١) كتاب: الصلاة، باب: كيف الانصراف من الصلاة، «سنن الترمذي» (٣٠١) كتاب: الصلاة، باب: في الانصراف عن يمينه وعن شماله، «سنن ابن ماجه» (٩٢٩) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الانصراف من الصلاة. ولابن ماجه -بإسناد جيد- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ينفتل عن يمينه ويساره في الصلاة (١). ثمَّ ساق البخاري بإسناده من حديث سليمان عن عمارة بن عمير، عن الأسود قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ عليه شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ شماله. وفي الإسناد المذكور ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض: سليمان، وهو الأعمش أولهم. وعبد الله هو ابن مسعود، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: «لا يجعلن أحدكم للشيطان» (٢). بنون التأكيد، ومعنى: يرى أن حقًّا عليه أو واجبًا أو مسنونًا فاضلًا. أما حكم الباب: فالسنة أن ينصرف المصلي إمامًا وغيره في جهة حاجته -أي جهة كانت- وإلا فيمينه؛ لأنها أولى، وكان - ﷺ - تارة يفعل هذا وتارة يفعل هذا، فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يفعله، فدل عَلَى جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما، والكراهة --------------- (١) «سنن ابن ماجه» (٩٣١) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الانصراف من الصلاة. (٢) «صحيح مسلم» (٧٠٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال، و«سنن أبي داود» (١٠٤٢) كتاب: الصلاة، باب: كيف الانصراف من الصلاة، «سنن النسائي» ٣/ ٨١ كتاب: السهو، باب: الانصراف من الصلاة، «سنن ابن ماجه» (٩٣٠) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الانصراف من الصلاة. التي اقتضاها كلام ابن مسعود هي فيمن يرى وجوب أحدهما كما أسلفناه. قَالَ ابن التين: وذلك بدعة، وهي من الشيطان. وانفرد الحسن البصري فاستحب الانصراف عن اليمين، ورأى أبو عبيدة رجلًا انصرف عن يساره فقال: أما هذا فقد أصاب السنة. وكان علي لا يبالي انصرف عن يمينه أو عن يساره، وعن ابن عمر مثله (١). وهو في «الموطأ» عنه أنه قَالَ لواسع بن حبان: إن قائلًا يقول: انصرف عن يمينك، فإذا صليت فانصرف حيث شئت. وهو قول النخعي (٢). وقال علي: إِذَا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجتك، فإن كانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك فخذ نحو حاجتك (٣). ---------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٧١ (٣١١٢، ٣١١٤، ٣١١٥، ٣١١٦) كتاب: الصلوات، في الرجل إذا سلَّم ينصرف عن يمينه أو عن يساره. (٢) «الموطأ» ص ١٢٢، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٧١ (٣١١٧) كتاب: الصلوات، في الرجل إذا سلَّم ينصرف عن يمينه أو عن يساره. (٣) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ١/ ٢٧١ (٣١١١) كتاب: الصلوات، في الرجل إذا سلم ينصرف عن يمينه أو عن يساره. ١٦٠ - باب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّ وَالبَصَلِ وَالكُرَّاثِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ البَصَلَ مِنَ الجُوعِ أَوْ غَيرِهِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا». ٨٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي: الثُّومَ - فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا». [٤٢١٥، ٤٢١٧، ٤٢١٨، ٥٥٢١، ٥٥٢٢ - مسلم: ٥٦١ - فتح: ٢/ ٣٣٩] ٨٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ- فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا». قُلْتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلَّا نِيئَهُ. وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: إِلاَّ نَتْنَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أُتِيَ بِبَدْرٍ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خُضَرَاتٌ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وَأَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ القِدْرِ، فَلَا أَدْرِى هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ فِي الحَدِيثِ. [٨٥٥، ٥٤٥٢، ٧٣٥٩ - مسلم: ٥٦٤ فتح: ٢/ ٣٣٩] ٨٥٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا -أَوْ قَالَ: - فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا- وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ». وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا» إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي». وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ بَعْدَ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهْوَ يُثْبِتُ قَوْلَ يُونُسَ. [انظر: ٨٥٤ - مسلم: ٥٦٤ - فتح: ٢/ ٣٣٩] ٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: سَألَ رَجُلٌ أَنَسًا: مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - فِي الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا» أَوْ: «لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا». [٥٤٥١ - مسلم: ٥٦٢ - فتح: ٢/ ٣٣٩] ذكر فيه أحاديث ثلاثة: أحدها: حديث ابن عمر أَنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبرَ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِه الشَّجَرَةِ -يَعْني: الثُّومَ- فَلَا يَقْرَبنَّ مَسْجدَنَا». ثانيها: حديث جابر من طريقين: أحدهما: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِه الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ- فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا». قُلْتُ: مَا يَعْنِي بهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلَّا نِيئَهُ. وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابن جُرَيْج: إِلَّا نَتْنَهُ. ثانيهما: من حديث ابن وهب عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزلْنَا -أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا- وَلْيَقْعُدْ في بَيْتِهِ». وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِقِدْرِ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا» إلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي». قَالَ أحمد بن صالح بعد حديث يونس عن ابن شهاب: نُثْبِتُ قول يونس. وقال أحمد بن صالح عن ابن وهب: أتي ببدر. قال ابن وهب يعني طبقا فيه خضرات ولم يذكر الليث وأبو صفوان عن يونس قصة القدر، فلا أدري هو من قول الزهري أو في الحديث. ثالثها: حديث عبد العزيز بن صهيب قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا: مَا سَمِعْتَ النَبِيَّ - ﷺ - فِي الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِه الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا ولَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا». الشرح: هذِه الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم أيضًا (١) ولفظه في حديث ابن عمر: «فلا يأتين المساجد» (٢). وفي لفظ له: «من أكل من هذِه البقلة فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها» يعني: الثوم (٣)، وأورده ابن بطال في «شرحه» بلفظ: «فلا يغشنا في مسجدنا». قُلْتُ: ما يعني به؟ قَالَ: ما أراه يعني إلا نيئه (٤). وهذا لم يرد في حديث ابن عمر، إنما هو في حديث جابر الذي بعده (٥)، ولفظه في حديث جابر الأول من طريق أبي الزبير عنه: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: «من أكل من هذِه الشجرة الخبيثة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس» (٦). ولفظه في الثاني لرواية البخاري، وفي رواية له: «من أكل من هذِه البقلة، الثوم» وقال مرة: «من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (٧) وفي أخرى له: --------------- (١) «صحيح مسلم» (٥٦١، ٥٦٢، ٥٦٤) كتاب: المساجد، باب: نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها عن حضور المسجد. (٢) مسلم (٦٨١/ ٥٦). (٣) مسلم (٥٦١/ ٦٩). (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٦٥. (٥) حديث رقم (٨٥٤). (٦) «صحيح مسلم» (٥٦٤/ ٧٢). (٧) «صحيح مسلم» (٥٦٤/ ٧٤). «من أكل من هذِه الشجرة -يريد الثوم- فلا يغشنا في مسجدنا» (١). ولفظه في حديث أنس كالبخاري وقال: «ولا يصلي معنا» (٢). وفي بعض ألفاظ البخاري: «فلا يقربن مسجدنا» (٣) وأخرجه البخاري أيضًا في الأطعمة (٤). إِذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: اعترض ابن التين عَلَى تبويب البخاري من وجهين: أحدهما: ليس فيما أورده من الأحاديث ذكر الجوع. ثانيهما: لم يذكر في الكراث حديثًا، وكأنه قاسه عَلَى البقلتين. والجواب عن الأول أن ما ذكره من الأحاديث إطلاقها يدخل فيه حالة الجوع، وما أوردناه من عند مسلم صريح فيه، فإن الحاجة هي الجوع. وفي «صحيح مسلم» أيضًا عن أبي سعيد الخدري قَالَ: لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول الله - ﷺ - في تلك البقلة -الثوم- والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا ثمَّ رحنا إلى المسجد، فوجد - ﷺ - الريح فقال: «من أكل من هذِه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد» فقال الناس: حرمت حرمت. فبلغ ذَلِكَ رسول الله - ﷺ - فقال: «أيها الناس، إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة -------------- (١)»صحيح مسلم«(٥٦٤/ ٧٥). (٢)»صحيح مسلم" (٥٦٢/ ٧٠). (٣) رواية رقم (٨٥٣). (٤) سيأتي برقم (٥٤٥١) كتاب: الأطعمة، باب: ما يكره من الثوم والبقول. أكره ريحها» (١) وإنما لم يذكره البخاري، وكذا حديث أبي الزبير عن جابر السالف؛ لأنهما ليسا عَلَى شرطه. والجواب عن الثاني أنه لم يقع له عَلَى شرطه ذكر الكراث فلذا قاس عليه، وقد علمت أن مسلمًا أخرجهما من حديث أبي الزبير عنه، ومن غير طريقه أيضًا كما سلف، وسيأتي أيضًا. وفي «مسند الحميدي» بإسناد عَلَى شرط الصحيح: سُئِلَ جابر عن الثوم، فقال: ما كان بأرضنا يومئذ، إنما الذي نهى رسول الله - ﷺ - عنه البصل والكراث (٢). ولابن خزيمة: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكلهما، ولم يكن ببلدنا يومئذ الثوم (٣). وفي «مسند السراج»: نهى - ﷺ - عن أكل الكراث فلم ينتهوا، ثمَّ لم يجدوا بدًّا من أكلها، فوجد ريحها، فقال: «ألم أنهكم؟» الحديث (٤). ثمَّ تقييد البخاري في تبويبه الثوم بكونه نيئًا اعتمادًا عَلَى ما وقع في تفسيره عَلَى إحدى الروايتين المذكورتين. ------------- (١) «صحيح مسلم» (٥٦٥) كتاب: المساجد، باب: نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كرَّاثًا أو نحوها عن حضور المسجد. (٢) «مسند الحميدي» ٢/ ٣٤٧ (١٣١٥). (٣) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ٨٥ (١٦٦٨) كتاب: الإمامة في الصلاة. (٤) انظر «حديث السراج» ٣/ ١٨٢ وقال ابن حجر في «تغليق التعليق» ٢/ ٣٤١: قال أبو العباس السراج في «مسنده»: حدثنا أبو كريب، ثنا مخلد بن يزيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، سمع جابرًا يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن أجل الكراث فلم ينتهوا. الحديث. قلت: هذِه الرواية رواها أيضًا النسائي في «الكبرى» ٤/ ١٥٩ (٦٦٨٧) في أبواب الأطعمة، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٥٢٤ - ٥٢٥ (١٦٤٦) كتاب: الصلاة، باب: المساجد. من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. الثاني: لما أخرجه الترمذي من حديث عطاء عن جابر قَالَ: وفي الباب عن عمر وأبي أيوب وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر بن سمرة وقرة وابن عمر (١). وقد علمت من أخرجه من طريق ابن عمر وأبي سعيد، وطريق أبي هريرة أخرجه مسلم منفردًا به بلفظ: «من أكل من هذِه الشجرة فلا يقربن مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثوم» (٢). وأخرجه ابن ماجه بلفظ: «من أكل من هذِه الشجرة -يعني الثوم- فلا يؤذينا في مسجدنا هذا». قَالَ إبراهيم بن سعد أحد رواته: وكان أبي يزيد فيه الكراث والبصل (٣). وطريق عمر أخرجاه بلفظ: ثمَّ إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم، ولقد رأيت رسول الله - ﷺ - إِذَا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (٤). وفي «علل ابن أبي حاتم»: وقيل: سئل عن حديث عمرو بن ميمون عن عمر: كان - ﷺ - يكره الكراث، فمن أكل منكم فلا يحضر المساجد وتلاوة القرآن، فقال: إنما هو مرسل عن هلال بن يساف عن عمر (٥). ---------------- (١) «سنن الترمذي» (١٨٠٦) كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في كراهية أكل الثوم والبصل. (٢) مسلم (٥٦٣/ ٧١). (٣) ابن ماجه (١٠١٦). (٤) هذِه رواية لم أقف عليها عند البخاري وأخرجها مسلم في موضعين: في كتاب: المساجد برقم (٥٦٧/ ٧٨)، وفي كتاب: الفرائض برقم (١٦١٧). (٥) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٠٠ (٢٧٥). وحديث أبي أيوب أخرجه الترمذي (١)، وحديث قرة أخرجه البيهقي بلفظ: «من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا، فإن كنتم لا بد آكليهما فأميتوهما طبخًا» (٢). قُلْتُ: وفي الباب أيضًا عن حذيفة وأبي ثعلبة الخشني والمغيرة بن شعبة وعلي، أما حديث حذيفة فأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما: «من أكل من هذِه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثا» (٣) وأما حديث أبي ثعلبة فأخرجه الطبراني في «الأوسط»، وفي إسناده بقية، ولفظه: غزونا مع رسول الله - ﷺ - فأصبنا بصلًا، فأكلوا منه والقوم جياع، فقال - ﷺ -: «من أكل من هذِه الشجرة» الحديث (٤)، وحديث المغيرة عند الترمذي (٥)، وحديث علي في «الحلية» لأبي نعيم (٦). الثالث: قوله: (وقال أحمد بن صالح، عن ابن وهب). في بعض النسخ ساق حديث سعيد بن عفير عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، زعم عطاء السالف عنه، والصواب تقديمه عليه كما أسلفناه؛ لأن شأن التعليق أن يبين بعض الحديث الذي قبله وهو حديث سعيد بن عفير، وقد أخرجه في كتاب الاعتصام عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب إلى آخره (٧)، ---------------- (١) «سنن الترمذي» (١٨٠٧) كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في كراهية أكل الثوم والبصل. (٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٧٨. (٣) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ٨٢ (١٦٦٢). و«صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٤٢ (٢٠٨٨). (٤) «المعجم الأوسط» ٤/ ٢٢ - ٢٣ (٣٥١٢). (٥) سبق تخريجه عند الترمذي آنفًا. (٦) «حلية الأولياء» ٨/ ٣٥٧ - ٣٥٨ و١٠/ ٣١٦. (٧) سيأتي برقم (٧٣٥٩) كتاب: الاعتصام، باب: الأحكام التي تعرف بالدلائل. وأخرج رواية يونس عن ابن شهاب هنا. وفي الأطعمة (١) والاعتصام، ومسلم (٢) في الصلاة (٣). الرابع: في ألفاظه: قوله: (زعم) السالف ليس عَلَى معنى التهمة، لكن لما كان أمرًا مختلفًا فيه عبر عنه بالزعم، وقد يستعمل فيما يختلف فيه كما يستعمل فيما يرتاب فيه، نبه عليه الخطابي وغيره (٤). والنيئ -بكسر النون ممدود مهموز- ضد المطبوخ، وكذا قوله: (إلا نيئه) و(نتنه) عَلَى رواية ابن جريج بفتح النون، أي: الرائحة الكريهة. قَالَ ابن التين: كذا رويناه بفتحها، وضبط في بعض الكتب المصححة بكسرها، ولا أعلم له وجهًا. والثوم بضم الثاء المثلثة، وفي قراءة ابن مسعود: (وثومها) (٥) ومعنى: «لا يقربنا»: لا يدنو منا، و«مسجدنا» لأبي ذر ولأبي الحسن: «مساجدنا». وقوله: (بقدر) هو ما اقتصر عليه مسلم. وذكر البخاري بعده رواية: ببدر -ببائين موحدتين- وهو الصواب أي: بطبق، سمي بدرًا؛ لاستدارته (٦). و(خضرات) بفتح أوله وكسر ثانيه قَالَ ابن التين: كذا --------------- (١) سيأتي برقم (٥٤٥٢) كتاب: الأطعمة، باب: ما يكره من الثوم والبقول. (٢) ورد في هامش الأصل: أبو داود في الأطعمة والنسائي في الوليمة. (٣) «صحيح مسلم» (٥٦٤) كتاب: المساجد، باب: كراهية الصلاة بحضرة الطعام. (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٥٥٩، وانظر: «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٣٠٣، «الفائق في غريب الحديث» للزمخشري ٢/ ١١١. (٥) «تفسير الطبري» ٢/ ١٣٠. (٦) «شرح مسلم للنووي» ٥/ ٥٠. روايتنا. وضبطه بعضهم على خلاف الأصل بضم الخاء وفتح الضاد قَالَ: وأنكر بعض أهل اللغة فتح الخاء. والبقول: جمع بقل، وهو كل نبات اخضرت به الأرض، وسماها: شجرة وهو خلاف الأصل، فإنها من البقول، والشجر في كلام العرب ما كان عَلَى ساق تحمل أغصانه، وإلا فهو نجم، وتسميتها: خبيثة. في رواية مسلم (١) المراد به: المستكره. وقوله: (فيه خضرات). الضمير يعود إلى القدر، وقد أنثها بعد قوله: (بما فيها). وهما لغتان، ولو قلنا بالتأنيث فالضمير يعود إلى الطعام الذي فيه، والضمير في: (قربوها) عائد إلى البقول، ويحتمل عوده إلى (خضرات) (٢). وقوله: («فإني أناجي من لا تناجي») أي: أسارر من لا تسارر. وقوله: (في غزاة خيبر). يعني: حين أراد الخروج أو حين قدم، قاله أبو جعفر الداودي، ولا يصح، فإن ظاهر الكلام أنه قاله وهو في الغزاة نفسها. الخامس: في أحكامه مختصرة، وهي موضحة في «شرح العمدة» (٣). فيه: إباحة أكل الثوم والبصل ونحوهما، وهو إجماع، وشذ أهل الظاهر فحرموها؛ لإفضائها إلى ترك الجماعة، وهي عندهم فرض عين (٤)، --------------- (١) مسلم (٥٦٤). (٢) انظر: «لسان العرب» ٢/ ١١٨٥، «الصحاح» للجوهري ٢/ ٦٤٧ - ٦٤٨، «الفائق في غريب الحديث» ١/ ٣٧٩. (٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣٠/ ٤٠٨ - ٤١٧. (٤) قال ابن حزم: أكل الثوم والبصل حلال إلا أن من أكل منهما شيئًا فحرام عليه دخول المسجد حتى تذهب الرائحة «المحلى» ٧/ ٤٣٧. وقد أسلفنا أنه - ﷺ - قَالَ: «ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها» (١). بل الأصح أنه يكره في حقه ولا يحرم، وقد أكله جماعة من السلف. وفيه: احترام الملائكة، ولا دلالة فيه عَلَى تفضيلهم عَلَى البشر؛ لأنه سوى بينهم وبين بني آدم في الأذى، ولا تختص بمسجده - ﷺ - بل المساجد كلها سواء عملا برواية: «مساجدنا» و«المساجد» (٢)، وشذ من خصه بمسجده، فالنهي في مسجده ثابت في الباقي عملًا بالعموم. قَالَ الداودي: ويحمل قوله: «مسجدنا» عَلَى «مساجدنا»، ويلحق بما نص عليه في الحديث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها، وخصه بالذكر؛ لكثرة أكلهم لها، وقد ورد الفجل أيضًا في الطبراني في «أصغر معاجمه» (٣)، ولم يظفر به القاضي عياض ولا النووي بل ألحقاه مما ذكر (٤). وقال مالك -فيما حكاه ابن التين- الفجل إن كان يؤدي ويظهر فكذلك، وألحق بذلك بعضهم من بفيه بخر أو به جرح له رائحة، ------------------ (١) هذِه الرواية سلف تخريجها. (٢) سلف تخريجهما. (٣) روى الطبراني في «المعجم الصغير» ١/ ٤٥ (٣٧) من حديث أبي الزبير عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أكل من هذِه الخضروات: الثوم، والبصل، والكرَّات، والفجل، فلا يقربنَّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما تتأذى منه بنو آدم». ثم قال: لم يروه عن هشام القردوسي إلا يحيى بن راشد، تفرد به سعيد بن عضير، والقراديسي فخذ من الأزد اهـ، قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١٧: فيه يحيى بن راشد البراء البصري، وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان، وقال: يخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات، والحديث في الصحيح خلا قوله: «والفجل». وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٣٤٤: في إسناده يحيى بن راشد وهو ضعيف. (٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٩٧، «شرح النووي» ٥/ ٤٨. وكذا القصاب والسماك والمجذوم والأبرص أولى بالإلحاق، وصرح بالمجذوم ابن بطال (١)، ونقل عن سحنون: لا أرى الجمعة تجب عليه. واحتج بالحديث (٢). وألحق بالحديث كل من آذى الناس بلسانه في المسجد، وبه أفتى ابن عمر وهو أصل في نفي كل ما يتأذى به، وقاس العلماء عَلَى المساجد مجامع الصلاة في غيرها، وكذا مجامع العلم والولائم، وخصها بعضهم بالمحيطة المبنية، ويمتنع الدخول بهذِه الروائح المسجد وإن كان خاليًا؛ لأنه محل الملائكة، ولا يبعد أن يعذر من كان معذورًا بأكل ما له ريح كريهة، وقد صرح به ابن حبان -من أصحابنا- في «صحيحه» (٣). وحكم رحبة المسجد حكمه؛ لأنها منه، وقد سلف أنه كان يخرج به إلى البقيع (٤). وخص القاضي عياض الكراهة مما إِذَا كان معهم غيرهم ممن يتأذى، أما إِذَا أكلوه كلهم فلا، لكن يبقى احترام الملائكة، وليس المراد بالملائكة الحفظة. وفيه: التعليل بعلتين فصاعدًا، والنهي إِذَا لم يطبخ دون ما إِذَا طبخت، وقد يستدل به عَلَى أن أكل هذِه الأمور من الأعذار المرخصة في ترك الجماعة. وقد يقال: إن ذَلِكَ خرج مخرج الزجر عنها، فلا يقتضي ذَلِكَ أن يكون عذرًا في تركها إلا أن تدعو إلى أكلها ضرورة، لكن يبعده تقريبه إلى بعض أصحابه، فإن ذَلِكَ ينافي الزجر (٥). ------------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٦٦. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥٨. (٣) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٥٠ - ٤٥١. (٤) انظر: «الإعلام» ٣/ ٤١٢ - ٤١٣. (٥) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٩٦ - ٥٠١. وفيه: أن الخضر كانت عندهم بالمدينة، وفي إجماع أهلها عَلَى أنه لا زكاة فيها دليل عَلَى أن الشارع لم يأخذ منها الزكاة، ولو أخذ منها لم يخف على جميعهم، ولنقل ذَلِكَ، وهو قول مالك والشافعي وجماعة، خلافًا لأبي حنيفة (١). وفيه: اختصاص البر بطائفة حيث خص أهل المسجد دون الأسواق. وفيه: أن من ترك طعامًا لا يحبه أنه لا لوم عليه، كما فعل في الضب (٢). ------------ (١) انظر: «الهداية» ١/ ١١٧ - ١١٨، «المدونة» ١/ ٢٥٢، «الذخيرة» ٣/ ٧٤، «الأم» ٢/ ٢٩، «البيان» ٣/ ٣٥٦. (٢) سيأتي في البخاري برقم (٢٥٧٥) -وهذا لفظه- ورواه مسلم (١٩٤٧) عن ابن عباس قال: أهدت أم حفيد خالة ابن عباس إلى النبي - ﷺ - أقطًا وسمنًا وأضبًّا، فأكل النبي - ﷺ - من الأقط والسمن، وترك الضب تقذرًا .. الحديث. ١٦١ - باب وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغَسْلُ وَالطُّهُورُ، وَحُضُورِهِم الجَمَاعَةَ وَالعِيدَيْنِ وَالجَنَائِزَ وَصُفُوفِهِمْ؟ ٨٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ؟ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ. ٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». [٨٧٩، ٨٨٠، ٨٩٥، ٢٦٦٥ - مسلم: ٨٤٦ - فتح ٢/ ٣٤٤] ٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا -يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ جِدًّا- ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، فَأَتَاهُ المُنَادِي يَأْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: إِنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّى أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٢/ ٣٤٤] ٨٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ «قُومُوا فَلأُصَلِّيَ بِكُمْ». فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاليَتِيمُ مَعِي، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ٣٨٠، مسلم: ٦٥٨، فتح: ٢/ ٣٤٥] ٨٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. [انظر: ٧٦ - مسلم: ٥٠٤ - فتح: ٢/ ٣٤٥] ٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ - ﷺ -. وَقَالَ عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي العِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يُصَلِّي هَذِه الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ». وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ المَدِينَةِ. [انظر: ٥٦٦ - مسلم: ٦٣٨ - فتح: ٢/ ٣٤٥] ٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ لَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ الخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ -يَعْنِى: مِنْ صِغَرِهِ- أَتَى العَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُهْوِي بِيَدِهَا إِلَى حَلْقِهَا تُلْقِي فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، ثُمَّ أَتَى هُوَ وَبِلَالٌ البَيْتَ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٢/ ٣٤٥] ذكر فيه أحاديث: أحدها: عن سليمان الشيباني قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ. قال الشيباني: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَنْ حَدَّثَكَ؟ فَقَالَ: ابن عَبَّاسٍ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ويأتي في الجنائز حيث ذكره البخاري (٢). والمنبوذ: المفرد عن القبور، قَالَ ابن الجوزي: وقد رواه قوم: عَلَى قبرِ منبوذٍ. بكسر الراء مع الإضافة، وفسروه باللقيط، قَالَ: وهذا ليس بشيء؛ لأن في بعض الألفاظ: أتى قبرًا منبوذًا. وفي رواية: أتى عَلَى قبر قَدْ دفن البارحة، فصففنا خلفه، ثمَّ صلى عليها (٣). وفيه: دلالة أن حكم اللقيط إِذَا وجد في دار الإِسلام حكم المسلمين، وكذا ذكر الخطابي أنه يروى عَلَى وجهين: بالإضافة وقبر منبوذ. بمعنى: أن المنبوذ نعت للقبر، أي: منتبذًا ناحية عن القبور. قَالَ: اوفيه: كراهة الصلاة إلى المقابر؛ لأنه جعل انتباذ القبر عن القبور شرطًا في جواز الصلاة (٤). وفي هذا نظر. وفيه: جواز الصلاة عَلَى القبر، وهو أحد قولي مالك، وقول الشافعي (٥)، وبخط شيخ شيوخنا الحافظ شرف الدين الدمياطي: من رواه منونًا فيهما على النعت، أي: منتبذا عن القبور ناحية، يقال: جلست نبذة. بالفتح والضم، أي: ناحية، ويرجع إلى معنى الطرح، وكأنه طرح في غير موضع قبور الناس. ومن رواه بغير تنوين عَلَى الإضافة فمعناه: قبر لقيط وولد مطروح، والرواية الأولى أصح؛ لأنه --------------- (١) «صحيح مسلم» (٩٥٤) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر. (٢) سيأتي برقم (١٢٤٧) كتاب: الجنائز، باب: الإذن بالجنازة. (٣) سيأتي برقم (١٣٢١). (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٥٦٠ - ٥٦١. (٥) انظر: «التفريع» ١/ ٢٦٧، «عيون المجالس» ١/ ٤٤٠ - ٤٤١، «البيان» ١/ ١٠٩، «روضة الطالبين»١/ ٢٧٩. ![]()
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 247 الى صـــ 266 الحلقة (192) قَالَ الطحاوي: حجة الجماعة عَلَى الشافعي: حديث عطاء عن ابن عباس أن سهلًا الساعدي كان في مجلس فيه أبوه -وكان من أصحاب النبي - ﷺ -- وفي المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي والأنصار؛ وأنهم تذاكروا الصلاة. قَالَ أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله. قالوا: فأرنا. فقام يصلي فكبر ورفع يديه في أول التكبير، ثمَّ ذكر حديثًا طويلًا فيه: أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى قام ولم يتورك، فلما جاء هذا الحديث كما ذكرنا وخالف حديث مالك بن الحويرث احتمل أن يكون ما فعله - ﷺ - فيه لعلة كانت به فقعد من أجلها لا لأن ذَلِكَ من سنة الصلاة، فلما كان ابن عمر يتربع في الصلاة، فلما سُئِلَ عن ذَلِكَ قَالَ: إن رجلاي لا تحملاني؛ فكذلك احتمل أن يكون ما فعله - ﷺ - من القعود كان لعلة أصابته حتَّى لا يضاد حديث مالك بن الحويرث، وهذا أولى بنا من حمل ما روي عنه عَلَى التنافي والتضاد. وحديث أبي حميد أيضًا حكاه بحضرة جماعة من الصحابة فلم ينكر ذَلِكَ أحد منهم، فدل أن ما عندهم في ذَلِكَ غير مخالف لما حكاه لهم في حديث مالك بن الحويرث من قول (أيوب) (١) أن ما كان عمرو بن سَلِمة يفعله من ذَلِكَ لم ير الناس يفعلونه، وهو قَدْ رأى جماعة من جلة التابعين، فذلك حجة في دفع حديث مالك بن الحويرث أن يكون سنة. ثمَّ إن النظر يوافق ما رواه أبو حميد وذلك أنا رأينا الرجل إِذَا خرج في صلاته من حال إلى حال استأنف ذكرًا، من ذَلِكَ إنا رأيناه إِذَا أراد ----------- (١) في الأصل: أبي أيوب والمثبت من «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٥٥. الركوع كبر وخر راكعًا، وإذا رفع رأسه من الركوع قَالَ: سمع الله لمن حمده. وإذا خر من القيام إلى السجود كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا عاد إلى السجود كبر، وإذا رفع رأسه لم يكبر من بعد رفع رأسه إلى أن يستوي قائمًا غير تكبيرة واحدة، فدل ذَلِكَ أنه ليس بين سجوده وقيامه جلوس، ولو كان بينهما جلوس لاحتاج إلى أن يكون يكبر بعد رفعه رأسه من السجود للدخول في ذَلِكَ الجلوس، ولاحتاج إلى تكبيرة أخرى إِذَا نهض للقيام، فلما لم يؤمر بذلك ثبت أن لا قعود بين الرفع من السجدة الأخيرة والقيام إلى الركعة التي بعدها؛ ليكون ذَلِكَ وحكم سائر الصلاة مؤتلفًا غير مختلف (١). هذا آخر كلامه. ونفيه إياها في حديث أبي حميد عجيب بل هي ثابتة فيه، بل هي ثابتة في البخاري في حديث المسيء صلاته، كما ستعلمه في كتاب الاستئذان في باب: من رد فقال: عليكم السلام (٢). وقد أسلفنا ذَلِكَ في الموضع السالف فاستفده. --------------- (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥ كتاب: الزيادات، باب: ما يفعله المصلي بعد رفعه من السجدة الأخيرة من الركعة الأولى. (٢) سيأتي برقم (٦٢٥١). ١٤٣ - باب كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ؟ ٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا، هَذَا فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي. قَالَ أَيُّوبُ: فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ وَكَيْفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ؟ قَالَ: مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا -يَعْنِى عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ- قَالَ أَيُّوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ. [انظر: ٦٧٧ - فتح: ٢/ ٣٠٣] ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث أيضًا، في آخره: وإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ. هذا الحديث سلف أيضًا هناك. واختلف العلماء في اعتماد الرجل عَلَى يديه عند القيام، فروي عن ابن عمر أنه كان يعتمد عَلَى يديه إِذَا أراد القيام (١)، وروي مثله عن مكحول وعطاء ومسروق والحسن، وهو قول الشافعي وأحمد. والحجة لهم هذا الحديث (٢)، وأجازه مالك في «العتبية» ثمَّ كرهه (٣). ---------------- (١) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٩٩ (١٥٠٨). (٢) «الأم» ١/ ١٠١، «الحاوي» ٢/ ١٣١، أما ما ذكره عن أحمد ففيه نظر؛ لأن مذهب أحمد أنه يعتمد على صدور قدميه عند القيام من السجود، لكنه أجاز للرجل أن يعتمد على يديه إذا كان شيخًا كبيرًا أو لضعف أو لمرض، انظر: «المغني» ٢/ ٢١٣ - ٢١٤، «الممتع» ١/ ٤٤٣، «المبدع» ١/ ٤٥٩. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٨٦. ورأت طائفة أن لا يعتمد عَلَى يديه إلا إِذَا كان شيخًا كبيرًا أو ضعيفًا، وروي ذَلِكَ عن علي، وبه قَالَ النخعي والثوري، وكره الاعتماد ابن سيرين (١). وقال الشافعي: كان عمر وعلي وأصحاب رسول الله - ﷺ - ينهضون في الصلاة عَلَى صدور أقدامهم، وعن ابن مسعود مثله. ------------- (١) انظر: «الأوسط» ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠. ١٤٤ - باب يُكَبِّرُ وَهْوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ وَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يُكَبِّرُ فِي نَهْضَتِهِ. ٨٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ، وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -. [فتح: ٢/ ٣٠٣] ٨٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ صَلَاةً خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه -، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. أَوْ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. [انظر: ٧٨٤ - مسلم: ٣٩٣ - فتح ٢/ ٣٠٣] هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة، عن عبد الوهاب الثقفي، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار أن ابن الزبير كان يكبر لنهضته (١). ثمَّ ذكر البخاري بعده حديثين: أحدهما: حديث سعيد بن الحارث قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ، وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَبِيَّ - ﷺ -. وهو من أفراده عن أصحاب الكتب، وطوله الإسماعيلي وفيه: اشتكى أبو هريرة أو غاب، فصلى أبو سعيد. الحديث. ------------------ (١) ابن أبي شيبة ١/ ٢١٧ (٢٤٨٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يتم التكبير ولا ينقصه في كل رفع وخفض. وذكر الحميدي في «جمعه» أن البرقاني خرجه في «صحيحه» بلفظ: إن الناس قد اختلفوا في صلاتك (١). وفي سياق القصة دلالة أن أبا هريرة كان يصلي خلاف هذِه الصلاة، وينظر روايته السالفة في باب: إتمام التكبير: كان يصلي بهم ويكبر كلما خفض ورفع (٢). فإنها مخالفة لذلك. الحديث الثاني: حديث عمران. وقد سلف في باب إتمام التكبير في الركوع (٣)، وأن مذاهب أكثر العلماء أن التكبير في القيام من الركعتين مع قيامه كسائر تكبير الصلاة، التكبير في حال الخفض والرفع عَلَى ما جاء في حديث هذا الباب، واختلف فيه قول مالك، فروى ابن وهب عنه أنه قَالَ: إن كبر بعد استوائه فهو أحب إلي، وإن كبر في نهوضه بعد ما يفارق الأرض فهو في سعة. وذكر في «الموطأ» عن أبي هريرة وجابر وابن عمر أنهم كانوا يكبرون في حال قيامهم (٤). وقال في «المدونة»: لا يكبر حتَّى يستوي قائمًا (٥)، ويحتمل أن يكون وجه هذِه الرواية إجماعهم عَلَى أن تكبير افتتاح الصلاة هو بعد القيام فشبه القيام إلى الثنتين الباقيتين بالقيام في أول الصلاة والله أعلم إذ كان فرض الصلاة ركعتين ركعتين ثمَّ زيد فيها ركعتان، فجعل افتتاح الركعتين المزيدتين كافتتاح المزيدة عليهما، وقوله الذي وافق فيه الجماعة أولى، وهو الذي تشهد لَهُ الآثار. ------------- (١) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٤٦١ (١٧٩٣). (٢) سبق رقم (٧٨٥) كتاب: الأذان. (٣) سبق رقم (٧٨٤) كتاب: الأذان. (٤) «الموطأ» ١/ ٧٠ - ٨١ كتاب: الصلاة، باب: افتتاح الصلاة والتكبير في كل خفض ورفع. (٥) «المدونة الكبرى» ١/ ٧٢. ١٤٥ - باب سُنَّةِ الجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْداءِ تَجْلِسُ فِي صَلَاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ، وَكَانَتْ فَقِيهَةً. ٨٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ: إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى وَتَثْنِيَ اليُسْرَى. فَقُلْتُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ! فَقَالَ: إِنَّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِي. [فتح: ٢/ ٣٠٥] ٨٢٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَلْحَلَةَ، وَابْنُ حَلْحَلَةَ مِنَ ابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: كُلُّ فَقَارٍ. وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ: كُلُّ فَقَارٍ. [فتح: ٢/ ٣٠٥] وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ثور، عن مكحول أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة بجلسة الرجل (١). وقوله: (وكانت فقيهة). الظاهر أنه من قول البخاري وكان أنس أيضًا يقول ذَلِكَ، وبه قَالَ النخعي، ومالك (٢). وروي عن مالك أنها تجلس على وركها الأيسر، ثمَّ تضع فخذها الأيمن عَلَى الأيسر وتضم بعضها إلى بعض قَدْر طاقتها، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس بخلاف الرجل (٣). وقالت طائفة: تجلس كيف شاءت إِذَا تجمعت، منهم عطاء والشعبي والحنفيون (٤) والشافعيون (٥)، وكانت صفية تصلي متربعة، ونساء ابن عمر كن يفعلنه. وقال بعض السلف: كن النساء يؤمرن أن يتربعن إِذَا جلسن في الصلاة ولا يجلسن جلوس الرجل عَلَى أوراكهن فتتقي أن يكون منهن الشيء. وقال الشعبي تجلس كيف تيسر. وقاله جماعة وعطاء، ذكره ابن أبي شيبة (٦). وأم الدرداء اسمها: هجيمة. وقيل: جهيمة. وقيل: جهانة بنت حيي الوصابية، وهي الصغرى، حجت سنة إحدى وثمانين، خطبها معاوية، لا صحبة لها (٧). ----------- (١) ابن أبي شيبة ١/ ٢٤٢ (٢٧٨٥) كتاب: الصلوات، باب: في المرأة كيف تجلس في الصلاة. (٢) «المدونة» ١/ ٧٤. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٨٦ - ١٨٧. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٢. (٥) «الأم» ١/ ١٠٠. (٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٤٣. (٧) الحميرية الدمشقية، اشتهرت بالعلم والعمل والزهد، وقال مكحول: كانت أم الدرداء فقيهة. روت عن أبي الدرداء، وروى لها الجماعة. انظر: "الجرح = أما أم الدرداء الكبرى فهي خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي، نزلت الشام وتوفيت في إمرة عثمان (١). و(الِجلسة) -بكسر الجيم-: الحالة التي يكون عليها الجالس. قَالَ ابن التين: وكذا رويناه. ثمَّ ذكر البخاري بعد ذَلِكَ حديث ابن عمر وحديث أبي حميد. أما حديث ابن عمر فرواه مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم عن عبد الله بن عبد الله أنه كان ير عبد الله بن عمريتربع في الصلاة ففعلته -وأنا يومئذ حديث السن- فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنها سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى فقلت: إنك تفعل ذلك، قال: إن رجليَّ لا تحملاني (٢). وللنسائي: من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقبالك بأصابعها القبلة، والجلوس عَلَى اليسرى (٣). وفي رواية: من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى (٤). وللبيهقي: من حديث مالك عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد كان إِذَا جلس في التشهد نصب رجله اليمنى وثنى اليسرى، وجلس عَلَى وركه اليسرى، ولم يجلس عَلَى قدمه ثمَّ قَالَ: أراني ---------------- = والتعديل«٩/ ٤٦٣ (٢٣٧٢)،»تهذيب الكمال«٣٥/ ٣٥٢ (٧٩٧٤)،»سير أعلام النبلاء«٤/ ٢٧٧ (١٠٠). (١) انظر:»معرفة الصحابة«٦/ ٣٣٢٢ (٣٨٦٤)،»الاستيعاب«٤/ ٤٨٨ (٣٥٨٤)،»أسد الغابة«٧/ ١٠٠ (٦٨٩٤)،»الإصابة«٤/ ٢٩٥ (٣٨٦). (٢)»الموطأ«ص ٧٧ كتاب: الجمعة، باب: العمل في الجلوس في الصلاة. (٣) النسائي ٢/ ٢٣٦ كتاب: الافتتاح، باب: الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبة عند القعود للتشهد، والحديث صححه الألباني في»صحيح النسائي". (٤) النسائي ٢/ ٢٣٥ كتاب: الافتتاح، باب: كيف الجلوس للتشهد الأول؟. عبد الله بن عبد الله بن عمر وحَدَّثَنِي أن أباه كان يفعل ذَلِكَ (١). وللإسماعيلي: مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عبد الله، وكذا رواه ابن نافع، والأكثرون عن القعنبي فقالوا: عن أبيه. وفي «الموطآت» للدارقطني: وقال عبد الرزاق، عن مالك: صلى ابن عمر متربعًا ففعلت. الحديث. وقول ابن عمر: (إن رجلاي لا تحملاني) يريد أنه كان فُدِعَ بخيبر فلم يقدر عَلَى أكثر مما فعل. وقوله: (رجلاي). قَالَ ابن التين: كذا روي ويُحتمل وجهان: أن تكون (أن) بمعنى نعم. كقوله: ويقلن شيب قَدْ علاك … وقد كبرت، فقلت: إنه ويحتمل أن يريد ما ذكر عن بعض العرب أن التثنية عَلَى صفة واحدة في حال الرفع والنصبِ والجر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣]. وقوله: إن أباها وأبا أباها … قَدْ بلغا في المجد غايتاها ولم يقل: غايتيها. وليس هناك ضرورة شعر. وهذا الحديث من المسند؛ لأن الصحابي إِذَا قَالَ سنة فإنما يريد سنة النبي - ﷺ -، ولا يرد عَلَى ذَلِكَ قول عليّ لما حلف الوليد بن عقبة: جلد رسول الله - ﷺ - كذا، وجلد أبو بكر كذا، وكلٌّ سنة (٢)؛ لأنه أراد بالنسبة إلى فعل أبي بكر: الطريقة. ---------------- (١) البيهقي ٢/ ١٣١ كتاب: الصلاة، باب: كيف يضع يديه على فخذيه؟. (٢) رواه مسلم (١٧٠٧). وقول ابن عمر: (سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى). هي صفة جلوس الصلاة عند مالك (١). الحديث الثاني: حديث أبي حميد أخرجه عن يَحْيَى عن بُكَيْرٍ ثنا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ بن يزيد، عَنْ سَعِيدٍ يعني ابن أبي هلال، عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. قال: وحدثني اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَيزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّﷺ -، فَذَكَرْنَا صَلَاةَ رسول الله - ﷺ -، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأُسَهُ اسْتَوى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرى وَنَصَبَ اليُمْنَى فإذا جلس فِي الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته، وفي نسخة: وإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأخيرة قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرى وَنَصَبَ الأُخْرى. قال أبو عبد الله: وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَيزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عمر بن حَلْحَلَةَ، وَابْنُ حَلْحَلَةَ عن عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: كُلُّ فَقَارٍ. وَقَالَ ابن المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثهُ: كُلُّ فَقَارٍ. --------------- (١) «المدونة» ١/ ٧٤. الشرح: تعليق أبي صالح عن الليث رواه الطبراني في أكبر معاجمه: ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنِي الليث، عن يزيد بن محمد القرشي ويزيد بن أبي حبيب، فذكره. وأخرجه ابن خزيمة من حديث سهل بن سعد وأبي حميد وأبي أسيد الساعدي (١)، وفي لفظ عبد الحميد: وفيهم أبو قتادة (٢). واعترض ابن القطان فقال: أبو قتادة مات زمن علي، وسن محمد بن عمرو نقص من إدراك ذَلِكَ، وقد قيل في وفاة أبي قتادة: سنة أربع وخمسين ولم يصح (٣). قُلْتُ: محمد بن عمرو سمع أبا قتادة كما صرح به ابن حبان في «ثقاته» (٤)، وما ضعفه في وفاته هو ما ذكره البخاري والترمذي وخلائق. و(الفقار) بفتح الفاء وكسرها كما سلف، وصوب ابن قرقول الفتح، وقول أبي صالح عن الليث: كل قفار بتقديم القاف، كذا للأصيلي كما ذكره ابن قرقول، وعند ابن السكن بكسر الفاء ولغيرهما فتحها، وصححه ابن التين وقال: إنه الذي رويناه، قَالَ: ورواية أبي صالح: قفار، بسبق القاف وكسرها، وليس ببين، وإنما الفقار جمع فقر (٥)، وهي الفقار. -------------- (١) رواه ابن خزيمة ١/ ٢٩٨ (٥٨٩) كتاب: الصلاة، باب: الاعتدال في الركوع والتجافي ووضع اليدين على الركبتين. (٢) المصدر السابق رقم (٥٨٨). (٣) «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٤٦١ - ٤٦٢ (٤٦٢). (٤) «ثقات ابن حبان» ٥/ ٣٦٨. (٥) ضبطها الناسخ بإسكان القاف وفتحها وعلم على الكلمة (معًا) يعني: بالسكون والتحريك. واختلف العلماء في صفة الجلوس في الصلاة، فذهب قوم إلى حديث ابن عمر وقالوا: سنة الجلوس في الصلاة كلها وبين السجدتين أن ينصب رجله اليمنى، ويثني اليسرى، ويقعد على وركه الأيسر حتىَّ يستوي قاعدًا. هذا قول مالك (١)، وروي عن النخعي وابن سيرين. وذهب آخرون إلى حديث أبي حميد وقالوا: إنما القعود في آخر الصلاة، فكما قَالَ أهل المقالة الأولى لأن الجلسة الآخرة فيه متقاربة كما قَالَ ابن عمر، وأما الأولى فعلى الرجل اليسرى على ما في حديث أبي حميد، هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وعن أحمد: يفترش في الثانية ويتورك في آخر الرباعية (٢). وذهب الثوري والكوفيون في الجلوس كله إلى الجلسة الأولى من حديث أبي حميد، وهو الافتراش (٣). حجة الأولين قول ابن عمر: «إن ذَلِكَ سنة الصلاة». وهو مرفوع كما سلف. وحجة الثانية حديث أبي حميد كما سلف ولم ينكر عليه، فدل عَلَى أنه السنة. وحجة الثالثة حديث وائل بن حجر أنه - ﷺ - كان إِذَا جلس في الصلاة فرش رجله اليسرى ثمَّ قعد عليها (٤)، وجمع بعضهم بأن هذِه أحوال --------------- (١) «المدونة» ١/ ٧٤، «التمهيد» ٣/ ٢٢٣. (٢) انظر: «الأم» ١/ ٧٢، «اختلاف الفقهاء» ص ١٣٨، «البيان» ٢/ ٢٣٠، «لتحقيق» ٣/ ١٦٨ - ١٦٩، «المغني» ٢/ ٢٢٥. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٢، «المبسوط» ١/ ٢٤. (٤) رواه أبو داود (٩٥٧)، والترمذي (٢٩٢). وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٧١٦، ٨٨٤). جائزة كلها، وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقعدون متربعين في الصلاة، كما كان يفعل ابن عمر منهم ابن عباس وأنس، وفعله سالم وعطاء وابن سيرين ومجاهد، وأجازه الحسن في النافلة (١)، وكرهه ابن مسعود وقال: لأن أصلي على رضفتين أحبُّ إلى من أن أتربع في الصلاة، وكرهه الحسن والحكم (٢)، وحكمه التفرقة بين الجلوس أنه أقرب إلى تذكر الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول بعضه حركة بخلاف الثاني، وليتوقر للدعاء، ولأن المسبوق إِذَا رآه علم في أي التشهدين هو. قَالَ الشافعي: حديث أبي حميد صريح في التفرقة بينهما، وبقية الأحاديث مطلقة فيجب حملها عليه، فمن روى التورك أراد الآخر ومن روى الافتراش أراد الأول (٣). وقول أبي حميد: (أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ -). فيه جواز ذَلِكَ للعالم ليؤكد ذَلِكَ عند سامعه لما في التعليم من الأجر. وقوله: (كنت). يعني: فيما مضى وما يأتي، فيصف نفسه بالعناية لهذا الأمر وتحفظه عليه (٤). ------------------ (١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢ كتاب: الصلوات، باب: من رخصَّ في التربع في الصلاة. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣ كتاب: الصلوات، باب: من كره التربع في الصلاة. (٣) انظر: «المجموع» ٣/ ٤٣١. (٤) جاء عند نهاية الباب في الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد الستين، كتبه مؤلفه. ١٤٦ - باب مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَين وَلَمْ يَرْجِعْ ٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ -مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ- أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ -وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -. أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. [٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠ - مسلم: ٥٧٠ - فتح: ٢/ ٣٠٩] ذكر فيه حديث الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ -أن عَبْدَ اللهِ ابن بُحَيْنَةَ- وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ولَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١) وترجم لَهُ عَقَبهُ باب: التشهد في الأولى وباب: إِذَا حنث ناسيًا من الأيمان والنذور (٢). وعند مسلم: وقال الليث، عن ابن شهاب: قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. ----------------- (١) رواه مسلم (٥٧٠) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له، أبو داود (١٠٣٤)، والترمذي (٣٩١)، والنسائي ٣/ ٢٠٠١٩، وابن ماجه (١٢٠٧). (٢) سيأتي برقم (٦٦٧٠). قَالَ النووي في «شرح مسلم»: قوله: حليف بني عبد المطلب. كذا وقع في مسلم، والذي ذكره ابن سعد (١) وغيره أنه حليف بني المطلب بن عبد مناف (٢)، وكان جده حالف المطلب بن عبد مناف (٣). هذا كلامه، وكأنه اعتقد أن هذا ينصرف إلى ابن بحينة فذكر ما عند ابن سعد، وإنما ينصرف إلى الأعرج وهو الموصوف بولاء ابن عبد المطلب فليتأمل. أما حكم الباب فأجمع فقهاء الأمصار: أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، والليث، وأبو ثور على أن التشهد الأول غير واجب (٤)، حاشى أحمد فإنه أوجبه (٥)، كذا قَالَ ابن القصار لكن وافقه إسحاق فيما حكاه ابن الأثير، ونقله ابن التين أيضًا عن الليث وأبي ثور، وفي «شرح الهداية» قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبة عند أبي حنيفة وهو المختار والصحيح، وقيل: سنة. وهو أقيس لكنه خلاف ظاهر الرواية، وفي «المغني»: إن كانت الصلاة مغربًا أو رباعية فهما واجبان فيهما عَلَى إحدى الروايتين، وهو مذهب الليث وإسحاق (٦)؛ لأنه - ﷺ - فعله وداوم عليه وأمر به. ---------------- (١) «الطبقات» ٤/ ٣٤٢. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ما قاله النووي صحيح وقد ذكر مثله أبو محمد الدمياطي والذي قاله المؤلف في الأعرج صحيح في نفسه لكن سند مسلم لا يساند أنه المنسوب الأعرج نمنعه عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن عبد الله بن بحينه الأزدي حليف بني عبد المطلب. (٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ٥٩. (٤) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٣، «بداية المجتهد» ١/ ٢٦٢، «التفريع» ١/ ٢٢٨، «التهذيب» ٢/ ١١٩، «المجموع» ٣/ ٤٢٩. (٥) انظر: «الإفصاح» ٢/ ٢٩٩، «المغني» ٢/ ٢١٧، «الممتع» ١/ ٤٧٦. (٦) «المغني» ٢/ ٢١٧. وفي حديث ابن عباس بقوله: فقولوا: «التحيات لله» (١) وجبره بالسهو حين نسيه، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢). وفي مسلم عن عائشة: وكان يقول في كل ركعتين التحية (٣). وللنسائي من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «إِذَا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات» الحديث (٤)، وحديث المسيء وحديث رفاعة السالف، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قَالَ: من لم يتشهد فلا صلاة له (٥). حجة الجمهور هذا الحديث، ولو كان واجبًا لرجع إليه حين سبح فيه ولم ينسب منابه سجود السهو لأنه لا ينوب عن الفرض، ألا ترى أنه لو نسي تكبيرة الإحرام أو سجدة لم ينسب عنها سجود السهو فثبت أنه غير واجب. واعترض ابن التين فقال، عن أبي جعفر: ليس تأويل من لم ير التشهد الأول فرضًا بين؛ لأن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين (٦)؛ ولأن المسافر فرضه أن يجلس في الركعتين، وليس جعل الشارع السجود بدلًا منه مما يوجب زوال فرضيته. قَالَ: ولأن من تعمد ترك الجلوس تبطل صلاته، كذا ادعى، وفيه أيضًا أن الجلسة الأولى سنة ------------- (١) رواه مسلم (٤٠٣) كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة. (٢) سبق برقم (٦٣١). (٣) رواه مسلم (٤٩٨) كتاب: الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع والاعتدال منه. (٤) رواه النسائي ٢/ ٢٣٨ كتاب: الافتتاح، باب: كيف التشهد الأول. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥٥ (٨٧١٣) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل ينسى التشهد. (٦) سبق رقم (٣٥٠) كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء. لأن سجوده - ﷺ - للسهو نائب عن التشهد، وعن الجلوس، فدل أن الجلوس فيها كالتشهد، وحكم السهو يأتي في موضعه إن شاء الله. ١٤٧ - باب التَّشَهُّدِ فِي الأُولَى. ٨٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الظُّهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ. [انظر: ٨٢٩ - مسلم: ٥٧٠ - فتح: ٢/ ٣١٠] ذكر فيه حديث ابن بحينة السالف في الباب المذكور. ١٤٨ - باب التَّشَهُّدِ فِي الآخِرَ ٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَالتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ -فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ للهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». [٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١ - مسلم: ٤٠٢ - فتح: ٢/ ٣١١] ذكر فيه حديث عبد الله قال: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْنَا: السَّلَامُ على الله قبل عباده، السلام عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لله صَالِحِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١)، وهو أشدها صحة باتفاق المحدثين. وأخرجه البخاري في مواضع جمة منها غير ما في الصلاة: ------------ (١) رواه مسلم (٤٠٢) كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة. ![]()
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 267 الى صـــ 286 الحلقة (193) الدعوات (١) والتوحيد (٢)، والاستئذان، وباب: الأخذ باليد من كتاب الاستئذان، ولفظه، عن عبد الله: علمني رسول الله - ﷺ - وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. فذكره، وفي آخره: وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام. يعني: على النبي - عليه السلام - (٣). ولمسلم فقال لنا ذات يوم: «إن الله هو السلام»، وفي «المنتقى» «السلام على إسرافيل»، وفي «المصنف»: ما كنا نكتب في عهد رسول الله - ﷺ - من الحديث إلا التشهد والاستخارة. واختلف العلماء في التشهد الأخير، فذهب الكوفيون ومالك والأوزاعي إلى أنه ليس بفرض (٤)، وقال الشافعي وأحمد: هو فرض (٥). واحتج الشافعي بقوله - ﷺ -: «فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله» والأمر للوجوب، واعترض بأن كل أمر ليس كذلك بدليل تكبيرات الانتقالات مع الأمر بها وفعله، وقال حين نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ (٥٢)﴾ [الحاقة: ٥٢] «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قَالَ: «اجعلوها في سجودكم» (٦). -------------- (١) سيأتي برقم (٦٣٢٨) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء في الصلاة. (٢) سيأتي رقم (٧٣٨١) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى السلام المؤمن. (٣) سيأتي برقم (٦٢٦٥). (٤) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٦٣، «تبيين الحقائق» ١/ ١٢٢. (٥) «الأم» ١/ ١٠٢، «المهذب» ١/ ٢٦٥، «المجموع» ٣/ ٤٤٢، «المغني» ٢/ ٢٢٦، «الممتع» ١/ ٤٧٢، «شرح الزركشي» ١/ ٣٢١. (٦) رواه أبو داود (٨٦٩) كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، وابن ماجه (٨٨٧) كتاب: إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب: التسبيح في الركوع والسجود، والدارمي ٢/ ٨٢٥ - ٨٢٦ (١٣٤٤) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع، وابن خزيمة ١/ ٣٠٣ (٦٠٠) كتاب: الصلاة، باب: الأمر بتعظيم = وتلقى العلماء والشافعي هذا الأمر عَلَى الندب ولم يقم عنده فرضه بفعله - ﷺ - وأمره به، فلذلك فعله - ﷺ - التشهد وأمره به لأن كليهما عنده ذكر ليس من عمل بدن، وقد يأمر بالسنن كما يأمر بالفرائض، وأيضًا فإنه كما ناب سجود السهو عن التشهد في الأولى وعن الجلوس فيها فأحرى أن ينوب عن التشهد في الآخرة إِذَا جلس فيها وسهى عن التشهد. فإن قُلْت: الجلسة الآخرة فرض. وكذا ذكرها، كما أن الأولى سنة، وكذا ذكرها. وأجيب بأنه لا تكون الجلسة الآخرة مقدرة بذكرها وإنما هي للسلام، وقد روي عن جماعة من السلف أنه من رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته، روي ذَلِكَ عن علي وابن المسيب والحسن وإبراهيم (١). وقال عطاء: من نسي التشهد فصلاته جائزة. وعن الحكم وحماد مثله. وقال الطبري والطحاوي: أجمع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة عَلَى النبي - ﷺ - في التشهد غير واجبة، وشذ الشافعي في ذَلِكَ فقال: من لم يصل عليه في التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذَلِكَ لم يجزئه، ولا سلف لَه في هذا القول ولا سنة تبعها، وتشهد ابن مسعود ليس ----------------- = الرب -عز وجل- في الركوع، و(٦٧٠) باب: التسبيح في الركوع، وابن حبان ٥/ ٢٢٥ (١٨٩٨) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة، من حديث عقبة بن عامر. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٥٢). (١) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١٢٢، «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٣، «عيون المجالس» ١/ ٣٠٥، «بداية المجتهد» ١/ ٢٥٠، «المجموع» ٣/ ٤٤٣. فيه ذكرها؛ وليس كما قالا، فقد وافق الشافعي على ذَلِكَ جماعة من الصحابة، وروي عن أحمد أيضًا (١)، وابن المواز من المالكية (٢)، حكاه الروياني في «بحره» عن عمر وابنه وابن مسعود وأبي مسعود البدري، ونقله الماوردي عن محمد بن كعب القرظي التابعي (٣)، ورواه البيهقي عن الشعبي وغيره عن علي بن الحسين (٤)، وقال إسحاق: إن تركها عمدًا لا يصح، وإن تركها سهوًا رجوت أن تجزئه (٥). وروى ابن حبان والحاكم في صحيحهما من حديث أبي مسعود عقبة ابن عمرو الأنصاري قَالَ: أقبل رجل حتَّى جلس بين يدي رسول الله - ﷺ - ونحن عنده فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إِذَا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ قَالَ: «قولوا: اللَّهُمَّ صلى على محمدٍ» (٦) الحديث، وهو في «صحيح مسلم» بدون: إِذَا --------------- (١) هذِه إحدى الروايات الثلاث عن أحمد، والرواية الثانية أنها فرض وعليها المذهب، والرواية الثالثة أنها واجبة، وهي اختيار الخرقي وأبي البركات، ونقل عنه أبو زرعة رجوعه من الأولى، فقال: قد كنت أتهيب ذلك -أي: القول بالفرضية- ثم تبينت، فإذا الصلاة على النبي - ﷺ - أمر، فمن تركها في الصلاة أعاد الصلاة. انظر: «الانتصار» ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٦، «المغني» ٢/ ٢٢٨، «الفروع» ١/ ٤٦٤، «شرح الزركشي» ١/ ٣٢١. (٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٢١٨. (٣) «الحاوي» ٢/ ١٣٧. (٤) «السنن الكبرى» ٢/ ٥٣٠. (٥) انظر: «المجموع» ٣/ ٤٤٩. (٦) رواه ابن حبان ٥/ ٢٨٩ (١٩٥٩) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة، والحاكم ١/ ٢٦٨ كتاب: الصلاة، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه فذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلوات. نحن صلينا عليك في صلاتنا (١). وفي «سنن الدارقطني» و«سنن البيهقي» -وقالا: إسناده صحيح- عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام عَلَى جبريل وميكائيل، السلام على فلان. فقال - ﷺ -: «لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله» الحديث (٢). ففيه دليلان: أحدهما: قول ابن مسعود: قبل أن يفرض التشهد. فدل عَلَى أنه قَدْ فرض. والثاني: قوله: «قولوا» وهو أمر والأمر للوجوب، وعند أبي حنيفة أن الجلوس بقدر التشهد واجب ولا يجب التشهد (٣)، والأشهر عن مالك أنه يجب الجلوس بقدر السلام (٤)، ثمَّ اعلم أنه ورد في الباب تشهدات عددتها في تخريجي لأحاديث الرافعي، فبلغت ثلاثة عشر تشهدًا (٥)، واختار الشافعي تشهد ابن عباس في مسلم والأربعة (٦). -------------- (١) مسلم (٤٠٥) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد. (٢) رواه الدارقطني ١/ ٣٥٠ كتاب: الصلاة، باب: صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه، وقال: إسناد صحيح، والبيهقي ١/ ١٣٨ كتاب: الصلاة، باب: مبتدأ فرض التشهد. (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٣، «تبيين الحقائق» ١/ ١٢٢. (٤) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٩٩، «قوانين الأحكام الشرعية» ص ٧٩. (٥) «البدر المنير» ٤/ ١٢ - ٤١. وقال بعد أن سبرها: فاستفد ما ذكرنا لك من ذكر التشهدات والكلام عليها فإنه من المهمات الجليلة التي يرحل إليها. (٦) رواه مسلم (٤٠٣) كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، وأبو داود (٩٧٤)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وابن ماجه (٩٠٠). ومالك تشهد عمر في «الموطأ» (١)، وخالف عمر فيه ابنه كما قَالَ ابن حزم (٢). وأبو حنيفة: تشهد ابن مسعود، وأكثر المحدثين وأحمد (٣)، وقد بسطت ذَلِكَ في الكتاب المذكور فراجعه منه، والرواية السالفة: فلما قبض قلنا: السلام على النبي - ﷺ -. يدل على أن الخطاب خاص بزمنه. وروى أبو موسى المديني في «ترغيبه وترهيبه» من حديث سعد بن إسحاق بن كعب قَالَ: كانت الصحابة يقولون إِذَا سلموا على رسول الله - ﷺ -: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال - عليه السلام -: «هذا السلام علي وأنا حي، فإذا مت فقولوا: السلام على النبي - ﷺ - ورحمة الله وبركاته» (٤) (٥). -------------- (١) «الموطأ» ص ٧٧ كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، من طريق عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب، وهو على المنبر، وهو يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. (٢) «المحلى» ٣/ ٢٧٠. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٤، «المبسوط» ١/ ٢٧، «المغني» ٢/ ٢٢٠، «الممتع» ١/ ٤٤٥. (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٢٠٣ عن ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي - ﷺ - حي: «السلام عليك أيها النبي» فلما مات قالوا: «السلام على النبي»، وقال ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٣١٤: هذا إسناد صحيح. (٥) قال ابن رجب رحمه الله: وقد اختار بعضهم أن يقال بعد زمان النبي - ﷺ -: «السلام على النبي»، وقد ذكر البخاري في موضع آخر من كتابه أنهم كانوا يسلمون على النبي - ﷺ - بعد موته في التشهد كذلك، وهو رواية عن ابن عمر وعائشة. «فتح الباري»٧/ ٨٣١. فائدة: السلام: الله. كما نطق به في الحديث، وهو المسلم لعباده. وقيل: ذو السلام. و(التحيات): جمع تحية، وهو الملك أو البقاء أو العظمة أو السلامة أو الحياة. (الصلوات)، أي: الخمس أو النوافل أو العبادات أو الدعاء. الطيبات، أي: طيب القول أو الأعمال الزاكية. تنبيه: وقع في «شرح ابن التين» عزو حديث ابن عمر في كيفية وضع اليد في التشهد إلى البخاري، وهو وهم، وإنما هو في أفراد مسلم (١)، ووقع فيه أيضًا أن مسلمًا زاد فيه: «هي مُدْيَة الشيطان لا يسهو أحدكم مادام يشي بإصبعه» وهذا لم نره في مسلم أصلًا، فاجتنبت ذلك. -------------- (١) مسلم (٥٨٠) كتاب: المساجد، باب: صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين. عن ابن عمر بلفظ: أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها. ١٤٩ - باب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ. ٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ». فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ». ٨٣٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. [انظر: ٨٣٢ - مسلم: ٥٨٧ - فتح: ٢/ ٣١٧] ٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه -. أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ». [٦٣٢٦، ٧٣٨٧، ٧٣٨٨ - مسلم: ٢٧٠٥ - فتح: ٢/ ٣١٧] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّ النبي - ﷺ - كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأثمِ وَالمَغْرَمِ». فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأخْلَفَ». وفي رواية عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. وحديث أبي الخير -واسمه مرثد بن عبد الله اليزني- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو، عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ». ١٥٠ - باب مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ. فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو» [انظر: ٨٣١ - مسلم: ٤٠٢ - فتح: ٢/ ٣٢٠] ذكر فيه حديث ابن مسعود السالف، وقال في آخره: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو». وحديث أبي بكر قَدْ أخرجه البخاري كما ترى، وأخرجه في الدعوات والتوحيد (١). وأخرجه النسائي في «اليوم والليلة» عن أبي الطاهر فقال: عن ابن عمرو أن أبا بكر (٢) .. فجعله من مسند ابن عمرو. ورواه مسلم عن أبي الطاهر فجعله من مسند أبي بكر (٣)، والله أعلم. --------------- (١) سيأتي رقم (٦٣٢٦) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء في الصلاة، (٧٣٨٨) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. (٢) النسائي في «الكبرى» ٦/ ٥٣ (١٠٠٠٧) كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول إذا دخل بيته. (٣) مسلم (٢٧٠٥) كتاب: الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر. وصح في الباب أحاديث منها حديث علي: «اللَّهُمَّ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» أخرجه مسلم (١). ومنها حديث أبي هريرة: «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» أخرجاه (٢). ومنها حديث ابن عباس: «اللَّهُمَّ إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ونعوذ بك من عذاب القبر، ونعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات» أخرجه مسلم (٣). ومنها حديث عائشة: «اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل» أخرجه مسلم (٤). ومنها حديث محجن بن الأدرع: «اللَّهُمَّ إني أسألك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم» أخرجه ابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين (٥). --------------- (١) مسلم (٧٧١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامها. (٢) سيأتي برقم (١٣٧٧) كتاب: الجنائز، باب: التعوذ من عذاب القبر، ومسلم (٥٨٨) كتاب: المساجد، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة. (٣) مسلم (٥٩٠) كتاب: المساجد، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة، ورواه أبو داود (٩٨٤) كتاب: الصلاة، باب: ما يقول بعد التشهد، وابن ماجه (٣٨٤٠) كتاب: الدعاء، باب: تعوذ منه رسول الله - ﷺ -. وأحمد ١/ ٣٠٥. (٤) مسلم (٢٧١٦) كتاب: الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، ورواه أبو داود (١٥٥٠) كتاب: الوتر، باب: في الاستعاذة، والنسائي ٣/ ٥٦ كتاب: السهو، باب: التعوذ في الصلاة، وأحمد ٦/ ٢٧٨. (٥) رواه ابن خزيمة ١/ ٣٥٨ (٧٢٤) كتاب: الصلاة، باب: الاستغفار بعد التشهد وقيل: السلام، والحاكم ١/ ٢٦٧ كتاب: الصلاة، ورواه أبو داود (٩٨٥) كتاب: = ومنها حديث شداد بن أوس: «اللَّهُمَّ إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأستغفرك لما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم» رواه أحمد والنسائي (١). ومنها حديث عمار بن ياسر: «اللَّهُمَّ بعلمك الغيب وبقدرتك عَلَى الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي، أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة، اللَّهُمَّ زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين». رواه أحمد من حديث عطاء بن السائب، عن أبيه عنه (٢)، وغير ذلك. واختلف العلماء في هذا الباب، فقال مالك والشافعي وجماعة: لا بأس أن يدعو الرجل في صلاته مما شاء من أمر الدين والدنيا. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يدعو في الصلاة إلا بالأدعية المأثورة --------------- = الصلاة، باب: ما يقول بعد التشهد، والنسائي ٣/ ٥٢ كتاب: السهو، باب: الدعاء بعد الذكر، وفي «الكبرى» ١/ ٣٨٦ (١٢٢٣) كتاب: صفة الصلاة، باب: الدعاء، وأحمد ٤/ ٣٣٨، وقال الألباني: إسناده صحح على شرط مسلم انظر: «صحيح أبي داود» ٤/ ١٤٠ (٩٠٥). (١) رواه أحمد ٤/ ١٢٣، والنسائي ٣/ ٥٤ كتاب: السهو، باب: الدعاء بعد الذكر، والطبراني ٧/ ٢٨٧ (٧٣٥٧)، وابن حبان ٣/ ٢١٥ (٩٣٥) كتاب: الرقاق، باب: ذكر الأمر باكتناز سؤال المرء ربه جل وعلا الثبات على الأمر، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٦٧. (٢) رواه أحمد ٤/ ٢٦٤ من طريق أبي مجلز قال: صلى بنا عمار .. الحديث. ولم أجده من طريق عطاء بن السائب. أو الموافقة، وهو قول النخعي وطاوس، زاد ابن أبي شيبة: وإبراهيم ومحمد بن سيرين، واحتجوا بحديث معاوية بن الحكم لما شَمَّت الرجل في صلاته، فقال - ﷺ -: «إن صلاتنا هذِه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» أو كما قَالَ رسول اللهﷺ -، وهو من أفراد مسلم (١). قالوا: ولا يجوز أن يريد جنس الكلام؛ لأن جميع ما يوجد في الصلاة من الأذكار من نفس الكلام، فوجب أن يكون المراد ما يتخاطبون به في العادة. وقوله: (يرحمك الله). دعاء، وقد نهى الشارع عنه، وهذا يمنع من فعل الدعاء بهذا الجنس، والجواب: أن هذا وشبهه يعني أن يوجه دعاءه إلى إنسان يخاطبه به في الصلاة، وكأنه جواب: على شيء كان منه، فأما أن يدعو لنفسه ولغيره ابتداء من غير أن يخاطب فيه إنسانا فلا، فصار قوله - ﷺ -: «لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» متوجهًا إلى هذا. ومن حجة الأولين: حديث ابن مسعود «ثمَّ ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» ولم يخص دعاءً من دعاء، ولو كان لا يجوز الدعاء إلا بما قاله المخالف بينه - ﷺ -، فلما لم يخص عم الجميع، واستعاذة الشارع بما في حديث عائشة وغيره ليس شيء منه في القرآن، وقد روي عن جماعة من السلف مثل ذَلِكَ. روي عن ابن عمر أنه قَالَ: إني لأدعو في صلاتي حتىَّ لشعير حماري وملح بيتي. --------------- (١) مسلم برقم (٥٣٧) كتاب: المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته. وعن عروة بن الزبير مثله، وكان الشارع يدعو في صلاته عَلَى أحياء من العرب (١)، لا يقال: إن ذَلِكَ كان وقت إباحة الكلام في الصلاة ثمَّ نسخ؛ لأنه قَدْ روي عن السلف استعمال الحديث، ولا يجوز أن يخفى عليهم نسخه لو نسخ، وكان علي يقنت في صلاته على قوم يسميهم، وكان أبو الدرداء يدعو لسبعين رجلًا في صلاته، وعن ابن الزبير أنه كان يدعو للزبير في صلاته (٢). وإذا انضاف قول هؤلاء إلى قول ابن عمر وعروة جرى مجرى الإجماع إذ لا مخالف لهم، وقد كان - ﷺ - يدعو في سجوده: «أعوذ برضاك من سخطك ..» إلى آخره (٣). وروي عن ابن شبرمة أنه قَالَ: يجوز الدعاء في المكتوبة بأمر الآخرة، فأما الدنيا فلا. وقال ابن عون: أليس في القرآن ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] فسكت، وقد ترجم البخاري في كتاب الدعاء: باب: الدعاء في الصلاة، وستعلمه إن شاء الله (٤). وانفرد ابن حزم قَالَ بفرضية التعوذ الذي في حديث عائشة، ولأن مسلمًا ذكر عن طاوس أنه أمر ابنه بإعادة صلاته التي لم يدع بها فيها (٥). ----------------- (١) سيأتي برقم (١٠٠٣) كتاب: الوتر، باب: القنوت قبل الركوع وبعده. (٢) روى أثر علي وأبي الدرداء وابن الزبير ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ٢٠١ كتاب: الصلوات، باب: في تسمية الرجل في الدعاء. (٣) رواه مسلم (٤٨٦) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود. (٤) انظر ما سيأتي برقم (٦٣٢٨). (٥) مسلم (٥٩٠) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة، قال مسلم: بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ قال: أعد صلاتك لأن طاوسًا رواه عن ثلاثة أو أربعة، أو كما قال. وفي الحديث: إثبات عذاب القبر وقد مضى ما فيه. و(المسيح الدجال): بفتح الميم وتخفيف السين، ويروى بكسر الميم وتشديد السين، أي: لأنه ممسوح العين، أو لتمرده، أو شبه بالدرهم الأطلس الذي لا نقش عليه، والتخفيف من السياحة. قَالَ خلف بن عامر: لا فرق بينهما، أحدهما عيسى - عليه السلام -، والآخر: الدجال، وقيل: سمي المسيح لمسحه الأرض، وقيل: لأنه ممسوح العين اليمنى أعورها. قَالَ ابن فارس: المسيح: الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب، وبذلك سمي الدجال مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين (١). وأما عيسى - عليه السلام - فقيل: سمي مسيحًا لحسنه أو لسياحته، أو لأنه كان يقطع الأرض ويمسحها، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بلا دهن، أو لأنه لا أخمص لرجله وهو ما حفي عن الأرض من باطن الرجل، أو لأن زكريا مسحه، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو أنه اسم خصه الله به، أو المسيح: المدبر. قَالَ أبو عبيد: أصله (بالعبرانية: مَشِيحًا) (٢) فعرب (٣)، كما عرب موسى. والدجال قَالَ ابن دريد (٤): سمي بذلك؛ لأنه يغطى الأرض بالجمع الكثير، وقيل: لتغطيته الحق بكذبه، وفي «الغريبين»: لأنه يقطع الأرض. قَالَ ثعلب: الدجال: المموه، وهذا من معنى الكذب؛ لأنه يموه بتكذيبه ويلبس. -------------- (١) «مجمل اللغة» لابن فارس ٢/ ٨٣٠ - ٨٣١. (٢) في الأصول: بالعربية ماشيًا، والتصويب من عند ابن الأثير، وصدرها أبو عبيد بقيل. (٣) «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ٣٢٧. (٤) «جمهرة اللغة» ٢/ ٥٣٥. وقال ابن دحية في «تنويره»: قيل: إنه من طلي البعير بالقطران، سمي بذلك؛ لتغطيته نواحي الأرض أو لوطئه جميع البلاد إلا ما استثني، أو لأنه (بمخرق) (١) وعن أبي عمرو أن منهم من قَالَ: إنه بالخاء المعجمة، وهو خطأ. والمراد بـ«المحيا والممات»: الحياة والموت. ويحتمل زمن ذَلِكَ؛ لأن ما كان معتل العين من الثلاثي فقد يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد. ويريد بذلك: محنة الدنيا وما بعدها حالة الاحتضار، وحالة المساءلة في القبر، فكأنه لما استعاذ من فتنة هذين المقامين سأل التثبت فيهما، كما قَالَ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وأما الماثم: فهو: الإثم الذي يجر إلى الذم والعقوبة. والمغرم: الذي غرم بكسر الراء: أدان. وكل هذا منه تعليم لنا لندعو به، وأما هو فقد عوفي من ذَلِكَ كله واستعاذ من الغرم؛ لأنه إما أن يكون في مباح ولكن لا وجه عنده لقضائه فهو، متعرض لهلاك مال أخيه، وإما مستدين وله إلى القضاء سبيل، غير أنه يرى ترك القضاء. ولا يعارض هذا حديث عبد الله بن جعفر يرفعه: «إن الله مع الدائن حتَّى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكره الله -عز وجل-». وكان ابن جعفر يقول لخازنه: اذهب فخذ لي بدين فإني أكره أن أبيت الليلة إلا والله معي (٢). ----------------- (١) كذا في الأصول. (٢) رواه ابن ماجه (٢٤٠٩)، والحاكم ٢/ ٢٣، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٠٤، والبيهقي ٥/ ٣٥٥ من طريق ابن أبي فديك عن سعيد بن سفيان الأسلمي عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر. = فإن قُلْت: كيف استعاذ من الدجال وقد ثبت أن الدجال إِذَا رأى المسيح - عليه السلام - يذوب، فكيف نبينا؟ قُلْتُ: أراد تعليمنا، أو أنه تعوذ منه لأمته، أو أنه معصوم ويظهر الاستعاذة. وأما قوله: (كثيرًا). فهو بالثاء المثلثة، وفي مسلم بالباء الموحدة وينبغي جمعهما كما قاله النووي أو يقول: ذا مرة وذا أخرى (١). فإن قُلْتَ: المغفرة لا تكون إلا من عند الله، فكيف قَالَ: مغفرة من عندك؟ قُلْتُ: المعنى: هب لي الغفران بفضلك وإن لم أكن أهلا له بعملي، وقد أوضحت الكلام عَلَى هذا الحديث في «شرحي للعمدة» (٢) فراجعه منه تجد نفائس، وكذا عَلَى حديث أبي هريرة وهو في معنى حديث عائشة الذي في «العمدة». ومعنى: «يتخير من الدعاء أعجبه» ما يجوز الدعاء به، كما قَالَ الداودي. تنبيه: هذا حكم التشهد الأخير، فأما الأول فلا دعاء فيه؛ لثباته عَلَى التخفيف، وعن مالك كذلك، وروى عنه ابن نافع: لابأس أن (يُدعى) (٣) بعده (٤). ---------------- = قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٢/ ٣٧٥ (٢٧٨٤)، والحافظ في «الفتح» ٥/ ٥٤، وفي «مختصر الترغيب والترهيب» (١٧٠): إسناده حسن. وقال البوصيري في «الزوائد» (٧٩٩): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٠٠). (١) «الأذكار» ص ١٢٩ عقب الحديث رقم (١٨٠). (٢) «الإعلام» ٣/ ٥٠٦. (٣) كذا بالأصول، وفي «النوادر الزيادات»: يدعو ولعله الصواب. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٨٨، «المنتقى» ١/ ١٩٨. ١٥١ - باب مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنفَهُ حَتَّى صَلَّى ٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٢/ ٣٢٢] ذكر فيه حديث أبي سلمة قَالَ: سَأَلْت أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. هذا الحديث سلف مطولًا في باب: السجود عَلَى الأنف في الطين (١)، ويأتي إن شاء الله في الصوم والاعتكاف أيضًا (٢)، واستحب العلماء ترك مسح الوجه حتَّى يفرغ من صلاته؛ لأنه من التواضع لله تعالى، وخفف مالك مسحه في الصلاة (٣). ------------ (١) سلف برقم (٨١٣) كتاب: الأذان باب: السجود على الأنف والسجود على الطين. (٢) سيأتي برقم (٢٠١٦) كتاب: فضل ليلة القدر، باب: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر. (٣) وخفف فيه أيضًا الأحناف، انظر: «الأصل» ١/ ٩، «المبسوط» ١/ ٢٧، «بدائع الصنائع» ١/ ٢١٩، «المدونة» ١/ ١٠٤، «النوادر» ١/ ٢٣٨، «الذخيرة» ٢/ ١٥١، وكرهه ابن المنذر وقال: وكره ذلك أحمد والأوزاعي، وقال الشافعي: لو ترك مسح وجهه من التراب حتى يسلم كان أحب إلي، فإن فعل فلا شيء عليه، «الأوسط» ٣/ ٢٧٦، ومذهب الحنابلة كراهة مسح الجبهة من التراب في الصلاة، انظر: «الكافي» ١/ ٣٩٠، «كشاف القناع» ٢/ ٤١٦، «الروض المربع» ص ٩٧، «منار السبيل» ١/ ٩٣. ١٥٢ - باب التَّسْلِيمِ ٨٣٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأُرَى -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ مُكْثَهُ لِكَىْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ. [٨٤٩، ٨٥٠ - فتح: ٢/ ٣٢٢] ذكر فيه حديث هند بنت الحارث أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ ابن شِهَابٍ: فَأُرى -والله أَعْلَمُ- أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ. هذا الحديث لم يخرجه مسلم -ويأتي أيضًا- (١)، وفيه من حديث عائشة: كان - ﷺ - لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والاكرام» (٢). ولابن خزيمة من حديث ابن مسعود: كان - ﷺ - إِذَا سلم في الصلاة لا يجلس إلا مقدار ما يقول: «اللَّهُمَّ أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٣). ولأبي نعيم في «اليوم والليلة» من حديث أبي سعيد، بإسناد فيه ضعف: كان - ﷺ - لا يجلس بعد أن ينصرف من الصلاة إلا قدر ما -------------- (١) يأتي برقمي (٨٤٩ - ٨٥٠). (٢) مسلم (٥٩٢) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته. (٣) ابن خزيمة ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣ (٧٣٦) كتاب: الصلاة، باب: الثناء على الله -عز وجل- بعد السلام من الصلاة. يقول: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] إلى آخر السورة. واختلف العلماء في وجوب التسليم: فذهبت جماعة منهم إلى أنه فرض لا يصح الخروج من الصلاة إلا به، وممن أوجب ذلك ابن مسعود قَالَ: مفتاح الصلاة التكبير وانقضاؤها التسليم (١). ذكره الطبري. وبه قَالَ عطاء والزهري ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم حتَّى لو أخل بحرف من حروفه لم تصح صلاته (٢). وذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إلى أن السلام سنة، وأن الصلاة يصح الخروج منها بغير سلام، وعنه أنه واجب (٣). وفي «العتبية» عن ابن القاسم: إِذَا أحدث الإمام متعمدًا قبل السلام صحت صلاته كقول أبي حنيفة، واحتجوا بحديث ابن مسعود لما ذكر التشهد. فإذا قُلْتَ هذا -أو قضيتَ هذا- فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد. ----------- (١) رواه البيهقي ٢/ ١٥ - ١٦ كتاب: الصلاة، باب: ما يدخل به في الصلاة من التكبير، و٢/ ١٧٣ - ١٧٤ كتاب: الصلاة، باب: تحليل الصلاة بالتسليم، وصححه البيهقي فقال: وهذا الأثر الصحيح عن عبد الله بن مسعود يدل على صحة ما نقول. (٢) انظر: «التفريع» ١/ ٢٧٠، «عيون المجالس» ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧، «الأم» ١/ ١٠٦، «البيان» ٢/ ٢٤٣، «المجموع» ٣/ ٤٦٢، «المغني» ٢/ ٢٤٠، «شرح الزركشي» ١/ ٣٢٦، «المبدع» ١/ ٤٦٩. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٢، «بدائع الصنائع» ١/ ١٩٤، «البناية» ٢/ ٣٣٧. والجواب أن هذِه مدرجة من عند ابن مسعود باتفاق الحفاظ كما أوضحه الدارقطني (١) والبيهقي (٢) والخطابي (٣) والخطيب (٤)، وخلق، قَالَ البيهقي: ذهب الحفاظ إلى أن هذا وهم، وأن ذَلِكَ من قول ابن مسعود أدرج في الحديث (٥). وذهب بعض أهل العلم أن ذَلِكَ قبل أن ينزل التسليم. قُلْتُ: ويتنزل ويجاب بأن المراد: فقد قضيت معظم صلاتك وبقي عليه الخروج منها بالسلام، فكنى عن التسليم بالقيام؛ إذ كان القيام إنما يقع عقبه جمعًا بينه وبين قوله - ﷺ -: «تحريمها التكبيروتحليلها التسليم» قالوا: وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قَالَ: إِذَا رفع رأسه من آخر سجدة ثمَّ أحدث فقد تمت صلاته؛ قُلْتُ: وروي أيضًا مرفوعًا (٦) وهو ضعيف. قَالَ الشافعي: ليسوا يقولون به (٧)، وقد روي عن رجل: فيه كلام كثير هم ينكرونه، وعن سعيد بن المسيب والنخعي مثله، واحتج الطحاوي بأنه - ﷺ - صلى الظهر خمسًا، فلما أخبر بصنعه ثنى رجله فسجد سجدتين، فقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم، ولو جاء بالخامسة وقد بقي عليه بما قبلها سجدة، كان ذَلِكَ مفسدًا للأربع، ----------------- (١) الدارقطني ١/ ٣٥٣ (١١ - ١٢) كتاب: الصلاة، باب: صفة الجلوس للتشهد وبين السجدتين. (٢) «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٦٣ (٣٧٠٠) كتاب: الصلاة، باب: التشهد. (٣) «معالم السنن» ١/ ١٩٨ كتاب: الصلاة، باب: ومن باب التشهد. (٤) «الفصل للوصل» ١/ ١٥٥. (٥) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٢/ ١٠١. (٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٤ كتاب: الصلاة، باب: في الإمام يرفع رأسه من الركعة ثم يحدث قبل أن يتشهد مرفوعًا وموقوفًا. (٧) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٣/ ١٠٠. ![]()
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 287 الى صـــ 306 الحلقة (194) فلو كان واجبًا كالسجدة لكان حكمه كالسجدة، فعلم أنه ليس بركن ولا نسلم له ذَلِكَ (١). قَالَ الطبري: السلام من الأعمال التي علم النبي - ﷺ - أمته العمل به، كما علمهم التحريم فيها والقراءة، فمن ضيع ذَلِكَ أو تركه عامدًا فهو مفسد؛ لأنه ضيع ما قامت به الحجة لجواز الصلاة معهم، وكما لا يجوز الدخول في الصلاة إلا بالاحرام فكذلك لا يجوز الخروج منها إلا بالسلام. واختلفوا في صفة السلام من الصلاة، قالت طائفة: يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره، روي ذَلِكَ عن أبي بكر الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وعمار، وروي ذَلِكَ عن الشعبي وعطاء وعلقمة والأسود وأبي عبد الرحمن السلمي، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد إسحاق وأبي ثور (٢). قَالَ ابن المنذر: وبه أقول (٣). واحتجوا بآثار كثيرة رويت عن النبي - ﷺ - بذلك، منها حديث ابن مسعود وأبي موسى وعمار ووائل بن حجر وأبي حميد الساعدي وأبي رمثة وواثلة وابن عمر وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة والبراء بن عازب وقبيصة بن ذؤيب ويعقوب بن الحصين وعدي بن عميرة الحضرمي وسهل بن سعد وأبي سلمة الأشعري وعائشة وسلمة بن الأكوع وأنس، وبعضها عند مسلم وابن خزيمة وابن حبان، وغالبها --------------- (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٧٥ كتاب: الصلاة، باب: السلام في الصلاة هل هو من فروضها أو من سننها. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٩، «البناية» ٢/ ٣٣٠، «روضة الطالبين» ١/ ٢٦٨، «المغني» ٢/ ٢٤١. (٣) «الأوسط» ٣/ ٢٢٣. عند الطبراني والطبري، فالأولى واجبة والثانية سنة. قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر عَلَى تسليمة واحدة جائزة (١)، وعند الطحاوي: عن الحسن بن (حي) (٢): هما واجبتان (٣) وهي رواية عن أحمد، وبها قَالَ بعض أصحاب مالك (٤). وقالت طائفة: يسلم تسليمة واحدة فقط. روي ذَلِكَ عن ابن عمر وأنس وعائشة وسلمة بن الأكوع، ومن التابعين سليمان بن يسار وأبي وائل وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن، وهو قول مالك والليث والأوزاعي (٥) ودفعوا الأحاديث الأول، وذكر محمد بن عبد الحكم عن عبد الرحمن بن مهدي قَالَ: أحاديث التسليمتين لا أصل لها. وقال الأصيلي: حديث أم سلمة المذكور في الباب يقتضي تسليمة واحدة، وكذلك حديث ابن بحينة، وحديث ذي اليدين، لأن قول أم سلمة: كان - ﷺ - إِذَا سلم؛ يقتضي ظاهره أن كل ما وقع عليه اسم سلام يتحلل به من الصلاة. قَالَ المهلب: لما كان السلام تحللًا من الصلاة وعلمًا عَلَى فراغها ------------ (١) انظر: «الأوسط» ٣/ ٢٢٠ - ٢٢٣. (٢) في الأصل: الحي. والصواب ما أثبتناه. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٢. (٤) وهي إحدى الروايتين عن أحمد، والثانية: أنها سنة، انظر: «المستوعب» ٢/ ١٧٢، «المغني» ٢/ ٢٤٣، «شرح الزركشي» ١/ ٣٢٦، «الذخيرة» ٢/ ٢٠٠، «عقد الجواهو الثمينة» ١/ ١٠٦. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٠، «المدونة» ١/ ١٣٤، «الذخيرة» ٢/ ٢٠٠، «الأوسط» ٣/ ٢٢٣، وهو قول قديم للشافعي، انظر: «المجموع» ٣/ ٤٥٨. دلت التسليمة الواحدة عَلَى ذَلِكَ، وإن كان في التسليمتين كمالًا فقد مضى العمل بالمدينة في مسجده - ﷺ - عَلَى تسليمة واحدة فلا تجب مخالفة ذَلِكَ. وذكر الطبري بإسناده إلى أنس قَالَ: صليت خلف علي بن أبي طالب فسلم واحدة، ذكره ابن أبي شيبة (١). قَالَ الطبري: والقول في ذَلِكَ أن يقال: كلا الخبرين الواردين عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يسلم واحدة وثنتين صحيح، وأنه كان من الأمور التي كان يفعل هذا مرة وهذا مرة، يعلم بذلك أمته أنهم مخيرون في العمل بأي ذَلِكَ شاءوا، كرفعه يديه في الركوع والرفع منه وتركه ذَلِكَ مرة أخرى، وبجلوسه في الصلاة على قدمه اليسرى ونصبه اليمنى فيها مرة، وإفضائه بإليتيه إلى الأرض، وإدخاله قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى مرة، في أشباه ذَلِكَ كثيرة. وعند الشافعية قول آخر: أنه إن كان منفردًا أو في جماعة قليلة ولا لغط عندهم، فتسليمة وإلا فثنتان (٢). وروي أنه - ﷺ - سلم ثلاثًا، وهي معلولة. وعن مالك في «الواضحة»: يسلم الفذ تسليمتين. وقد قَالَ مالك: يأخذ في خاصة نفسه (٣). وقال عمار بن أبي عمار: كان مسجد الأنصار يسلمون فيه تسليمتين، وكان مسجد المهاجرين يسلمون فيه تسليمة واحدة لا يردون عَلَى الإمام (٤). واعتذر في «المحيط» فقال: لما كانت التسليمة الثانية أخفض من الأولى خفيت ----------------- (١) «المصنف» ١/ ٢٦٧ كتاب: الصلوات، باب: من كان يسلم تسليمة واحدة. (٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٤٥٨. (٣) انظر: «المنتقى» ١/ ١٦٩. (٤) انظر: «الأوسط» ٣/ ٢٢٣، «المجموع» ٣/ ٤٦٣. على من كان بعيدًا عنه - ﷺ -. وقال ابن التين: ذكر السلام عن النبي - ﷺ - في غير حديث، وقيل ما يأتي من طريق صحيح كيفية سلامه. وروي أنه - ﷺ - كان يسلم تسليمتين حتَّى يرى صفح خده. وفي مسلم: حتَّى يرى بياض خده (١). قَالَ: ورواية أنه كان يسلم واحدة غير ثابتة. وروي عنه: ثنتين. أخرجه مسلم (٢)، وهي أخبار تحتمل التأويل، والقياس يقتضي إفراد السلام في حكم الإمام والمنفرد. فرع: صفة السلام بالتعريف، وفي تنكيره خلاف عندنا، والأصح المنع (٣). ------------ (١) مسلم (٥٨٢) كتاب: المساجد، باب: السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها، وكيفيته عن عامر بن سعد عن أبيه الحديث. (٢) مسلم (٥٨١) كتاب: المساجد. (٣) قال النووي رحمه الله: وإن قال: سلام عليكم بالتنوين فوجهان مشهوران في الطريقتين، وحكاهما الجرجاني قولين وهو غريب: أحدهما: يجزئه ويقوم التنوين مقام الألف واللام كما يجزئه في سلام التشهد، وهذا هو الأصح عند جماعة من الخراسانيين، منهم إمام الحرمين والبغوي والرافعي. الثاني: لا يجزئه، وهو الأصح المختار، ممن صححه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب. هذا هو الأصح وهو الذي ذكره أبو إسحاق المروزي في الشرح وهو نص الشافعي رحمه الله قال الشيخ أبو حامد: هو ظاهر نص الشافعي وقول عامة أصحابنا. قال: ومن قال: يجزئه فقد غلط. ودليله قوله - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وبينت الأحاديث الصحيحة أنه - ﷺ - كان يقول: «السلام عليكم» ولم ينقل عنه سلام عليكم بخلاف التشهد فإنه نقل بالأحاديث الصحيحة بالتنوين وبالألف واللام. اهـ. «المجموع» ٣/ ٤٥٦. فصل: وفي الحديث خروج النساء إلى المساجد وسبقهن بالانصراف، فالاختلاط بهن مظنة الفساد، ويمكث الإمام في مصلاه والحالة هذِه، فإن لم يكن هناك نساء فالمستحب للإمام أن يقوم من مصلاه عقب سلامه. كذا قاله الشافعي في «المختصر» (١). وفي «الإحياء» للغزالي: أن ذَلِكَ فعل رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر، وصححه ابن حبان في غير «صحيحه» ولم يذكر عمر. وفي «النهاية» لإمام الحرمين أن في الحديث: «إِذَا لم يقم إمامكم فانخسوه» وحاصل كلام ابن الرفعة في «كفايته»: أن الإمام يستحب لَهُ إِذَا لم يكن نسوة أن يمكث بعد السلام للدعاء، فإذا فرغ منه وثب قائمًا ثمَّ جلس ويستقبل الناس، عَلَى الخلاف في كيفية الاستقبال، وهذا المجموع عَلَى هذا الترتيب غريب منه لم يقل به أحد، ولا معنى لَهُ أيضًا، وكلام النووي في «شرح المهذب» يخالفه، وكلام الماوردي في «حاويه» أقرب منه (٢). قَالَ النووي عقب النص السالف: اتفق عَلَى هذا النص الأصحاب وعللوه بعلتين: أحدهما: لئلا يشك هو ومن خلفه هل سلم أم لا. الثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة فيقتدي به (٣). قُلْتُ: لكن ظاهر حديث البراء بن عازب -الثابت في «صحيح مسلم»: رمقت الصلاة مع محمد - ﷺ -، فوجدت قيامه فركعته، فاعتداله -------------- (١) «مختصر المزني» ١/ ٧٧. (٢) «الحاوي» ٢/ ١٤٨. (٣) «المجموع» ٣/ ٤٧٠. بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء (١) - يعطي أنه لم يكن يُثب ساعة ما سلم بل كان يجلس بعد السلام جلسة قريبة من السجود وما قبله. قَالَ الشافعي في «الأم»: وللمأموم أن ينصرف إِذَا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وإن أخر ذَلِكَ حتَّى ينصرف بعد الإمام أو معه كان ذَلِكَ أحب إلى (٢). وفي «الذخيرة»: إِذَا فرغ من صلاته أجمعوا أنه لا يمكث في مكانه مستقبل القبلة، وجميع الصلوات في ذَلِكَ سواء، فإن لم يكن بعدها تطوع إن شاء انحرف عن يمينه أو يساره أو ذهب في حاجته، وإن شاء استقبل الناس بوجهه إِذَا لم يكن أمامه من يصلي، وإن كان بعد الصلاة سنن يقوم إليها -وبه نقول- ويكره تأخيرها عن أداء الفريضة فيتقدم أو يتأخر، أو ينحرف يمينًا أو شمالًا، أو يذهب إلى بيته فبه. وعن الحلواني من الحنفية جواز تأخير السنن بعد المكتوبة، والنص: إن التأخير مكروه (٣). ويدعو في الفجر والعصر؛ لأنه لا صلاة بعدهما، فجعل الدعاء بدل الصلاة، ويستحب أن يدعو بعد السلام (٤). فرع: إِذَا أراد الإمام أن ينفتل في المحراب ويقبل عَلَى الناس للذكر والدعاء جاز أن ينفتل كيف شاء، وأما الأفضل فأن يجعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب. وقيل عكسه، وبه قَالَ أبو حنيفة (٥). -------------- (١) «صحيح مسلم» (٤٧٠) كتاب: الصلاة، باب: اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها. (٢) «الأم» ١/ ١٢٧. (٣) «مراقي الفلاح» ص ١٧٠. (٤) انظر: «المبسوط» ١/ ٣٨، «بدائع الصنائع» ١/ ١٥٩. (٥) وفي مذهب أبي حنيفة أقوال: الأول الانحراف إلى اليمين أولى. كما في = وقال الإمام: إن لم يصح حديث تخير. قُلْتُ: وصح بالأول، ففي مسلم من حديث البراء قَالَ: كنا إِذَا صلينا خلف النبي - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: «رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك» (١). وفي «فوائد الرحلة» للشيخ تقي الدين بن الصلاح عن «المدخل» لزاهر السرخسي أن الإمام إِذَا سلم من الظهر أو المغرب أو العشاء قام؛ ليركع السنة إما عن يمينه أو عن شماله، وإن سلم من الصبح أو العصر أقبل بوجهه عَلَى الناس. فصل: وفي الحديث أيضًا وجوب غض البصر، ومكث الإمام في موضعه لعلة -وقد علمت ما فيه- ومكث القوم في أماكنهم. ----------- = «الخانية»، الثاني: الانحراف عن اليمين أولى، كما في «شرح المنية»، الثالث: والتسوية بينهما هو ما صححه في «البدائع»، انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٠، «رد المحتار»١/ ٥٧٠. (١) مسلم (٧٠٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب يمين الإمام. ١٥٣ - باب يُسَلِّمُ حِيَن يُسَلِّمُ الإِمَامُ وَكَانَ ابن عُمَرَ يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ أَنْ يُسَلمَ مَنْ خَلْفَهُ. ٨٣٨ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. [فتح ٢/ ٣٢٣]. ثمَّ ذكر فيه عن محمود بن الربيع عَنْ عِتْبَانَ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النبِيَّ - ﷺ - فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. هذا الحديث تقدم مطولًا في باب: المساجد في البيوت (١). ثم ترجم عليه بعد ذَلِكَ: ---------------- (١) سبق برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: المساجد في البيوت ١٥٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَدد السَّلَامِ عَلَى الإِمَامِ وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ ٨٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَ فِي دَارِهِمْ. ٨٤٠ - قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَ: «أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ». فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟». فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ المَكَانِ الذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٣٣ - فتح: ٢/ ٣٢٣] وساقه مطولًا (١) وفي آخره: ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. قَالَ ابن التين وغيره: يريد البخاري أن من كان خلفه - ﷺ - إنما سلم واحدة ينوي بها الخروج من الصلاة ولم يرد عَلَى الإمام، ولا عن يساره. قَالَ الداودي: وليس هذا مما يسقط السلام عن المأموم. قَالَ: ويحتمل قوله: (وسلمنا حين سلم). أي: عَلَى الإمام، وسكت عنه لعلم السامع. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٨٦]: إنه السلام، وهو عَلَى عمومه، وقد أمرهم - ﷺ - أن يأتموا به في. أفعاله. قَالَ: ومجه - ﷺ - في وجه محمود بن الربيع في الحديث؛ لتناله بركته وبركة يلقه. ------------- (١) يعني حديث الباب السابق. وقوله: (مجة مجها من دلو كان في دارهم) كذا في رواية أبي الحسن، وفي رواية أبي ذر: كانت. و(الدلو) تذكّر وتؤنث، والتأنيث أكثر. وقوله: (زعم أنه عقل) ليس عَلَى معنى التهمة. قَالَ: (وكان ابن عمر لا يرد عَلَى الإمام). وقد أسلفنا في الباب قبله كلام عمار في ذَلِكَ. وقال النخعي: إن شاء رد أو لم يرد. ومالك يرى أنه يرد (١)، وبه قَالَ ابن عمر في أحد قوليه وجماعة من التابعين. وبالرد قَالَ الشعبي وسالم وسعيد بن المسيب وعطاء. وقال ابن بطال: أظن البخاري أراد بالباب الثاني رد قول من أوجب التسليمة الثانية، ولم يوجبها إلا أحمد والحسن بن صالح (٢)، وفي صفة سلام المأموم في الرد روايتان: السلام عليكم، سلام عليكم. رواهما أشهب (٣)، والمأموم يرد بالثانية عَلَى الإمام (٤) ودليله حديث جابر: أنه - ﷺ - قَالَ: «وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده عَلَى فخذه ثمَّ يسلم عَلَى أخيه من عن يمينه ويسلم من عن يساره، ثمَّ يرد هو عليه بعد ذَلِكَ» (٥)، فإن سلموا هذا فيمن عن يساره قسنا عليه الإمام؛ لأنه يسلم عَلَى من معه في صلاته، فكان حكمه للرد كالمأمومين، وعندنا أن الإمام ينوي السلام من عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وجن، والسلام عَلَى المأمومين، وهم: الرد عليه (٦). -------------- (١) انظر: «التمهيد» ٥/ ١٠٣. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٥٦. (٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٢٠٤. (٤) انظر: «المعونة» ١/ ١٠١. (٥) رواه مسلم (٤٣١) كتاب: الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة. (٦) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٢٦٨، «البيان» ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧. واختلف فيما حكاه القاضي أبو محمد: هل تجزئ بتسليمة الإمام عن كل من على يساره أو يفرد المأمومين بتسليمة ثالثة. واختلف عن مالك بأيهما يبدأ (١)، فروى ابن بطال الكلام في سلام الإمام والمأمومين كالكلام في إحرامهما (٢)، وقد سلف في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به واضحًا، ولا شك أن المصلي لا يكون داخلًا في الصلاة إلا بتمام التكبير، ولا ينبغي للمأموم الدخول في صلاة لم يصح فيها دخول إمامه بعد، والسلام كذلك، ولا ينبغي أن يفعله المأموم إلا بعد إمامه لأنه تحليل، أو بعد تقدمه بلفظ بعض السلام. هذا حق الائتمام في اللغة أن يكون فعل المأموم تاليًا له، ألا ترى قول عتبان: فسلمنا حين سلم، وهو يقتضي أن سلامهم كان بعد تمام سلامه، وهو الذي كان يستحبه ابن عمر (٣). -------------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ١٧٠، «الذخيرة» ٢/ ٢٠٢. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٥٥. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٢ من ٤ من تجزئة المصنف. ١٥٥ - باب الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. [مسلم: ٥٨٣ - فتح: ٢/ ٣٢٤] ٨٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حدَّثنا عَمْرٍو قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالتَّكْبِيرِ. [انظر: ٨٤١ - مسلم: ٥٨٣ - فتح: ٢/ ٣٢٥] ٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَا وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ قَالَ: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، إِلاَّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؟ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ». فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا فَقَالَ بَعْضُنَا نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: «تَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لله، وَاللهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ». [٦٣٢٩ - مسلم: ٥٩٥ - فتح: ٢/ ٣٢٥] ٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ». وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بِهَذَا، وَعَنِ الحَكَمِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا. وَقَالَ الحَسَنُ: الجَدُّ غِنًى. [١٤٧٧، ٢٤٠٨، ٥٩٧٥، ٦٣٣٠، ٦٤٧٣، ٦٦١٥، ٧٢٩٢ - مسلم: ٥٩٣ - فتح: ٢/ ٣٢٥] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث معبد عن ابن عباس أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. وفي لفظ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالتَّكْبِيرِ. وقال سفيان عن عمرو قَالَ: كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس. الشرح: قوله: (وقال ابن عباس) هو من كلام أبي معبد عنه، كما بينه أحمد في «مسنده»، فإنه ذكره إلى قوله: (عَلَى عهد رسول الله - ﷺ -) ثمَّ قَالَ: وإنه يعني: أبا معبد. قَالَ: قَالَ ابن عباس. فذكره (١). وفي مسلم: عن ابن عيينة، عن عمرو قَالَ: أخبرني بها أبو معبد ثمَّ أنكره بعد عن ابن عباس، قَالَ: نعرف انقضاء صلاة رسول الله بالتكبير. ثمَّ ساقه به. قَالَ عمرو: فذكرت لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا. قَالَ عمرو: فقد أخبرتنيه قبل ذَلِكَ (٢). قَالَ الشافعي: كأنه نسيه بعد ما حدثه إياه (٣). ------------ (١) «مسند الإمام أحمد» ١/ ٢٢٢. (٢) مسلم (٥٨٣) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: الذكر بعد الصلاة. (٣) «مسند الشافعي» ١/ ٩٩. قُلْتُ: ولا يقدح ذَلِكَ إِذَا كان الراوي عنه ثقة عند الجمهور خلافًا للكرخي. و(أبو معبد) اسمه: نافذ -بالذال المعجمة- مات سنة أربع أو تسع ومائة (١)، والحديث دال عَلَى ما ترجم له. ووجهه تقريره - ﷺ - ذَلِكَ من غير تكبر منه، وان نقل عن مالك وعبيدة أنه محدث، فالسلف عَلَى خلافه. ووجه الجهر التعليم، ثمَّ ظاهره المداومة. قَالَ الشافعي: وأختار للإمام والمأموم أن يذكر الله تعالى من الفراغ من الصلاة ويخفيان ذَلِكَ، إلا أن يقصدا التعليم فيعلما ثمَّ يسرا (٢)، وفيه أنه لم يكن يسمع جهر الصوت بتبليغ السلام، والذكر أعم من التكبير وغيره، وإنما لم يحضر ابن عباس الجماعة لصغره. وقول ابن عباس: (إن رفع الصوت بالذكر ..) إلى آخره يدل أنه لم يكن يفعل ذَلِكَ الصحابة حين حدث ابن عباس به، إذ لو كان يفعل ذَلِكَ الوقت لم يكن، لقوله: (إن ذَلِكَ كان عَلَى عهد رسول الله - ﷺ -). معنى، وهذا كما كان أبو هريرة يكبر في كل خفض ورفع، ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -. فالتكبير إثر الصلاة، مثل هذا مما لم يواظب الشارع عليه طول حياته، وفَهِمَ أصحابه أن ذَلِكَ ليس بلازم فتركوه؛ خشية أن يظن أن من قصر علمه أنه مما لا تتم الصلاة إلا به، فلذلك كرهه من كرهه من الفقهاء؛ قاله ابن بطال (٣). --------------- (١) نافذ أبو معبد، حجازي، من أصدق موالي ابن عباس، انظر: «الطبقات» ٥/ ٢٩٤، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٣٢ (٢٤٥٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٠٧ - ٥٠٨ (٢٣٢١)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٤٨٤. (٢) «الأم» ١/ ١١٠. (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٥٨. الحديث الثاني: حديث سمي، عن أبي صالح عن أبي هريرة: جَاءَ فقراء المهاجرين إلَى رسول الله - ﷺ - فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَا … الحديث بطوله. وقد أخرجه مسلم أيضًا مطولًا، وفي رواية له أدرج قول أبي صالح: ثمَّ رجع فقراء المهاجرين إلى آخره، وفي آخره يقول سهيل: إحدى عشرة، إحدى عشرة، إحدى عشرة. فجميع ذَلِكَ كله ثلاث وثلاثون (١). وللبخاري في كتاب الأدعية: «تسبحون في كل صلاة عشرًا وتحمدون عشرًا وتكبرون عشرًا» ثمَّ قَالَ: ورواه أبو صالح عن أبي الدرداء (٢). قُلْتُ: أخرجه النسائي (٣)، وفي الترمذي في الأول: «والله أكبر أربعًا وثلاثين، ولا إله إلا الله عشرًا» ثمَّ قَالَ: حسن غريب (٤). وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «سبح الله عند دبر كل صلاة ثلًاثا وثلاثين، وحمد الله ثلًاثا وثلاثين وكبر الله ثلًاثا وثلاثين، فذلك تسعة وتسعون ثمَّ قَالَ تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه -------------- (١)»صحيح مسلم«(٥٩٥) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته. (٢) سيأتي برقم (٦٣٢٩) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء بعد الصلاة. (٣)»السنن الكبرى«٦/ ٤٣ (٩٩٧٥) كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد دبر الصلوات. (٤) الترمذي (٤١٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التسبيح في أدبار الصلاة. وقال الألباني في»ضعيف الترمذي": ضعيف الإسناد، والتهليل منكر. وإن كانت مثل زبد البحر» (١). وفي أفراده من حديث كعب بن عجرة مرفوعًا: «معقبات لا يخيب قائلهن -أو فاعلهن- دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة» (٢). قَالَ الدارقطني: ورواه منصور وشعبة عن الحكم موقوفًا، وهو الصواب، فلعل لأجل ذا لم يخرجه البخاري. وفي «جامع الترمذي» -وقال: حسن صحيح- من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «خصلتان -أو خلتان- لا يحافظ عليهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير. ومن يعمل بهما قليل». قالوا: وما هما يا رسول الله؟ قَالَ: «أن يحمد الله ويسبحه ويكبره في كل صلاة عشرًا عشرًا» (٣). وفي «صحيح ابن حبان» (٤) من حديث ابن عمر أن رجلًا رأى فيما يرى النائم: أي شيء أمركم نبيكم؟ قَالَ: أمرنا أن نسبح ثلاثًا وثلاثين .. الحديث، فقال: سبحوا خمسًا وعشرين، واحمدوا خمسًا وعشرين، وكبروا خمسًا وعشرين، وهللوا خمسًا وعشرين، فتلك مائة؛ فلما أصبح ذكر ذَلِكَ لرسول الله - ﷺ -، فقال: «افعلوا كما قَالَ الأنصاري». وأخرجه ابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٥). ----------- (١) مسلم (٥٩٧) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته. (٢) مسلم (٥٩٦) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته. (٣) الترمذي (٣٤١٠) كتاب: الدعوات، باب: (٢٥)، وقال: حديث حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: وهو في النسائي من طريقين عن ابن عمر وزيد بن ثابت ورجاله. (٥) حديث ابن عمر رواه الطبراني في «الدعاء» ٢/ ١١٣٤ - ١١٣٥ (٧٣٠) وعزاه ابن حجر في «الإتحاف» ٩/ ١٤٣ (١٠٧٣٠) للسراج. فقط، وأما الحديث الذي أخرجه = إذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: (الدثور): بضم الدال. الأموال الكثيرة، واحدها (دثر) بالإسكان، وحكي التحريك. قَالَ ابن سيده: لا يثنى ولا يجمع (١)، وخالفه أبو عمر المطرز، وقال الداودي: الدثور: الغنى، والدثور الاندراس، وهو من الأضداد. والدرجات يجوز أن تكون حسية ومعنوية. و(النعيم): ما يتنعم به. و(المقيم): الدائم. والسبقية يحتمل أن تكون في المعنى أو الزمن. وقوله: «كل صلاة» تشمل الفرض والنفل، وإن وقع التقييد في حديث كعب بن عجرة بالمكتوبة. وقوله: (فرجعت إليه) هو أبو صالح الراوي، عن أبي هريرة، وظاهر الحديث أولى من تأويله كما قاله القاضي (٢). الثاني: فيه تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر، وهو أصح المذاهب الخمسة فيه، وإن كان جمهور الصوفية عَلَى ترجيح الفقير الصابر؛ ----------- = ابن حبان وابن خزيمة والحاكم فهو من حديث زيد بن ثابت، رواه ابن حبان ٥/ ٣٦٠ - ٣٦١ (٢٠١٧) كتاب: الصلاة، والحاكم ١/ ٢٥٣ كتاب: الصلاة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ورواه الترمذي (٣٤١٣) كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في التسبيح، والنسائي ٣/ ٧٦ كتاب: السهو، باب: نوع آخر من التسبيح، وابن حجر في «نتائج الأفكار» ٢/ ٢٧٧، وقال: هذا حديث صحيح. (١) «المحكم» ١٠/ ١٨. (٢) انظر: «إكمال المعلم» ٢/ ٥٤٧. لسبقه قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وهم مسئولون (١). الثالث: فيه فضل الذكر أدبار الصلوات، فإنه وقت فاضل، وفيه غير ذَلِكَ كما أوضحته في «شرح العمدة» (٢)، فراجعه منه، وستكون لنا عودة إليه في كتاب الرقاق وغيره إن شاء الله تعالى. ------- (١) انظر: «الإعلام» ٤/ ٥٤ - ٦٠، «إحكام الأحكام» ص ٣٣٦ - ٣٣٧، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله: قد كثر تنازع الناس: أيهما أفضل الفقير الصابر، أو الغني الشاكر؟ وأكثر كلامهم فيها مشوب بنوع من الهوى، أو بنوع من قلة المعرفة، والنزاع فيها بين الفقهاء والصوفية، والعامة والرؤساء وغيرهم. وقد ذكر القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى في كتاب «التمام لكتاب الروايتين والوجهين» لأبيه فيها عن أحمد روايتين: أحدهما: أن الفقير الصابر أفضل. وذكر أنه اختار هذِه الرواية أبو إسحاق بن شاقلا، ووالده القاضي أبو يعلى، ونصرها هو. الثانية: أن الغني الشاكر أفضل، اختاره جماعة منهم ابن قتيبة. والقول الأول يميل إليه كثير من أهل المعرفة والفقه والصلاح. من الصوفية والفقراء. ويحكى هذا القول عن الجنيد وغيره والقول الثاني يرجحه طائفة منهم كأبي العباس بن عطاء وغيره. وربما حكى بعض الناس في ذلك إجماعًا، وهو غلط. وفي المسألة قول ثالث: وهو الصواب أنه ليس هذا أفضل من هذا مطلقًا ولا هذا أفضل من هذا مطلقًا بل أفضلهما أتقاهما. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال عمر بن الخطاب: الغنى والفقر مطيتان لا أبالي أيتهما ركبت. وقد قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] وهذا القول اختيار طائفة منهم الشيخ ابن حفص السهروردي، وقد يكون هذا أفضل لقوم، وفي بعض الأحوال. وهذا أفضل لقوم وفي بعض الأحوال، فإن استويا في سبب الكرامة استويا في الدرجة، وإن فضل أحدهما الآخر في سببها ترجح عليه، هذا هو الحكم العام. «مجموع الفتاوى» ١١/ ١٢٢ - ١٢٥. (٢) «الإعلام» ٤/ ٥٤. الحديث الثالث: حديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن وراد، عن المغيرة بن شعبة أنه - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةِ مَكْتُوبَةِ: «لَا إله إِلَّا اللهُ ..» الحديث. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بهذا، وَعَنِ الحَكَمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ وَرَّادٍ بهذا. وَقَالَ: الجَدُّ غِنًى. وذكره في الدعوات والرقاق والاعتصام وغيرها كما ستعلمه (١). وأخرجه مسلم: كان إِذَا فرغ من الصلاة وسلم قَالَ ذَلِكَ (٢)، وفي أخرى للبخاري: كان يقولها في دبر كل صلاة (٣). ولم يقل: مكتوبة. وأدخله البخاري في كتاب القدر (٤)، وكذا مالك لأجل: «لا مانع لما أعطيت ..». إلى آخره (٥). والقاسم هذا احتج به مسلم والأربعة، واستشهد به البخاري كما ترى. والتعليقان أخرجهما السراج في «مسنده» بإسناد صحيح، قَالَ في الأول: حَدَّثنَا معاذ بن المثنى، حَدَّثَنِي أبي، ثنا أبي، عن عبد الملك (٦). ---- (١) سيأتي برقم (٦٣٣٠) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء بعد الصلاة، و(٦٤٧٣) كتاب: الرقاق، باب: ما يكره من قيل وقال، و(٦٦١٥) كتاب: القدر، باب: لا مانع لما أعطى، و(٧٢٩٢) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف مالا يعنيه. (٢) مسلم (٥٩٣) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته. (٣) سيأتي برقم (٦٣٣٠). (٤) سيأتي برقم (٦٦١٥). (٥) رواه مالك في «الموطأ» ٢/ ٩٠٠ - ٩٠١ رواية يحيى الليثي. (٦) «مسند السراج» (ق ٧٦/ ٢)، وانظر: «حديث السراج» للشحامي ٢/ ١٥٤. وقال في الثاني: حَدَّثَنَا أبو المثنى، حَدَّثَنِي أبي، عن شعبة، حَدَّثَنِي الحكم بن عتيبة (١). و(سفيان) السالف هو: الثوري. كما قاله خلف والبيهقي، ولابن خزيمة: لا إله إلا الله. ثلاث مرات (٢). وفي الباب حديث ابن الزبير في مسلم (٣)، وغير ذَلِكَ مما محله «عمل اليوم والليلة» للنسائي (٤)، وأبي نعيم (٥)، وغيرهما (٦). و(دُبُر): بضم الدال والباء، وتسكن. و(الجد): بفتح الجيم عَلَى الأشهر: الغنئ والحظ، وحكي الكسر فيهما، أي: الاجتهاد في الدنيا. و(منك): عَلَى بابها، بمعنى: البدل، ولا بمعنى: عندك، كما في «الصحاح»، المعنى: لا ينفع ذا المال ماله إن أنت أردته بسوء، وقد أوضحت الكلام عليه في «شرح العمدة»، فليراجع منه أيضًا (٧). ------------------- (١) «مسند السراج» (ق ٧٧/ ٢)، وانظر: «حديث السراج» للشحامي ٢/ ٣٢٩. (٢) ابن خزيمة ١/ ٣٦٥ (٧٤٢) كتاب: الصلاة، باب: التهليل والثناء على الله بعد السلام. (٣) مسلم (١٣٩/ ٥٩٤). (٤) «عمل اليوم والليلة» للنسائي (١٢٨). (٥) ورواه أبو نعيم في «المستخرج على مسلم» ٢/ ١٩٢ (١٣١٨). (٦) ورواه أيضًا أبو داود (١٥٠٦)، وأحمد ٤/ ٥. (٧) «الإعلام» ٤/ ٢٢ - ٢٣. ![]()
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 307 الى صـــ 326 الحلقة (195) ١٥٦ - باب يَسْتَقْبِل الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ ٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. [١١٤٣، ١٣٨٦، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٢٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٧٤ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٢/ ٣٣٣] ٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ». [١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣ - مسلم: ٧١ - فتح:٢/ ٣٣٣] ٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ». [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ٣٣٤] ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث جرير بن حازم عن أبي رَجَاءٍ عمران بن ملحان، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: كَانَ النَبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الجنائز، والبيوع، وبدء الخلق، والجهاد، والأدب، وصلاة الليل (١)، وأخرجه مسلم أيضًا وفيه: إِذَا صلى الصبح (٢). ولأبي نعيم والإسماعيلي: الغداة. و(جرير) هذا ثقة، ولما اختلط حجبه ولده. وقال ابن التين: هو ثقة، لنكه قيل: يغلط. والبخاري لا يدخل ما غلط فيه، وذكره البخاري أيضًا في باب: ما قيل في أولاد المشركين. وفي بعض النسخ: لما ذكر أولاد المشركين. قَالَ: (باب). ولم يترجم له، ثمَّ ساق بالسند المذكور الحديث، وفيه: فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا؟» وذكر رؤياه بطولها، ولم يذكر ما ترجم له وهو: أولاد المشركين. وكأنه أحال عَلَى أنه في الحديث الذي ذكره في كتاب التعبير عَلَى ما هو عادته (٣)، وهو قال عَلَى استحباب إقبال الإمام بعد صلاته عَلَى أصحابه، وقد أسفلنا الخلاف في كيفيته. قَالَ المهلب: وهو عوض من قيامه من مصلاه؛ لأن قيامه إنما هو ليعرف الناس بفراغ الصلاة (٤)، وقد قَالَ مالك، في إمام مسجد القبائل والجماعات: لا بد أن يقوم من موضعه ولا يقوم في داره وسفره إلا أن يشاء (٥) -قَالَ ابن خربوذ: من غير أن يستقبل القبلة- وفي بقاء الإمام في موضعه تخليط عَلَى الداخلين، وأن موضع الإمام موضع حظه وولائه، -------------- (١) سيأتي برقم (١٣٨٦) كتاب: الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين، وبرقم (٢٠٨٥) كتاب: البيوع، باب: آكل الربا وشاهده وكاتبه، وبرقم (٢٧٩١) كتاب: الجهاد والسير، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله، وبرقم (٣٢٣٦) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين. (٢) مسلم (٢٢٧٥) كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي - ﷺ -. (٣) سيأتي برقم (٧٠٤٧) كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. (٤) كما في «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٦٠. (٥) انظر: «التفريع» ١/ ٢٧١، «الكافي» ص ٤٧. فإذا قضى صلاته زال منه، وفيه ضرب من الرياء فإنه يجب أن يعلم الناس أنه الإمام. ذكره ابن التين. وكان علي إِذَا صلى استقبل القوم بوجهه (١)، وكان النخعي إِذَا سلم انحرف واستقبل القوم (٢)، وفي طريقه الآخر إباحة الكلام في العلم وغيره، وكان يسألهم عن الرؤيا لما كانوا عليه من الصلاح والصدق فيحصل به الاطلاع عَلَى المغيبات، وفيه: اهتمام بالرؤيا والتشوق إلى فوائدها، وأن تعبيرها إنما يكون عَلَى ذي ود. ولنتكلم عَلَى ألفاظ وقعت في هذِه الرؤيا المطولة؛ لتخف علينا المؤنة عند الوصول إلى موضعها -إن شاء الله وقدره- ومسارعة إلى الخيرات. فقوله: «من رأى منكم الليلة رؤيا؟» كذا هنا، وفي مسلم «البارحة» بدل «الليلة» (٣) والمراد به: الليلة الذاهبة، اسم فاعل من برح الشيء إِذَا ذهب، ومنه قولهم: برح الخفاء، أي: ذهب، وإذا دخل حرف النفي عَلَى (برح) صار من أخوات (كان) التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وصوب ابن الجوزي ما في البخاري، وذاك من تغيير الرواة للرواية بالمعنى، وغلط من سوى بينهما. قَالَ أبو منصور اللغوي: من الغلط أن تقول فيما بين صلاة الفجر إلى الظهر: فعلت البارحة كذا، والصواب أن تقول: فعلت الليلة كذا، إلى الظهر، وتقول بعد ذَلِكَ: فعلت البارحة إلى آخر اليوم. قُلْتُ: لعله من باب المجاز، والحقيقة ما ذكر. -------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٦٩ (٣٠٩٤). (٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٢٦٩ (٣٠٩٢). (٣) «صحيح مسلم» (٢٢٧٥). واستدل به بعضهم عَلَى أن ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل، ولا يصح لأنه إنما أشار إلى الليلة الماضية لا إلى الساعة الحاضرة، بدليل رواية: «البارحة» ومعناها: الماضية باتفاق، ولما كانت قرينة الانصرام أشار إليها، واكتفي بذكر الليلة عن صفتها للعلم بها، ولما كانت البارحة صفة معلومة لليلة استعملها غير متابعة استعمال الأسماء، وكان الأصل الجمع بين التابع والمتبوع، فيقال: الليلة، والبارحة. لكن جاز ذَلِكَ لما ذكرنا. قَالَ ابن العربي: وكان - ﷺ - يسأل عن الرؤيا استشرافًا للبشرى، واستطلاعًا لما يكون، وحرصًا عَلَى الخير، فلما ذكر له ابن زئل (١) تلك الرؤيا وعلم ما فيها من الشدائد ترك السؤال حتى يأتي الله مما شاء من أمره، وهو حديث مظلم السند، فيه: قَالَ: رأيت كأنك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وعن يمينك رجل آدم طوال، إِذَا تكلم يكاد يفزع الرجال، وعن يسارك رجل ربعة أحمر، كثير خيلان الوجه، إِذَا تكلم أصغيتم له، وأمام ذَلِكَ شيخ تقتدون به، وإذا أمام ذَلِكَ ناقة عجفاء، وإذا أنت كأنك تبعتها. فانتقع لون رسول الله - ﷺ - ساعة ثمَّ سري عنه وقال: «أما المنبر فالدنيا سبعة آلاف سنة وأنا في آخرها ألفًا، وأما الرجل الطويل فموسى، والربعة عيسى، والشيخ إبراهيم، وأما الناقة العجفاء فهي --------------- (١) كذا بالأصل، وورد بهامش: إنما هو زمل، وهو خزاغي، قص على النبي - ﷺ -. رؤيا. ولا يصح ذلك، وذكره السهيلي، وقد ذكره المؤلف على الصواب في باب من أدرك ركعة قبل الغروب، فاعلمه. [قلت: وقد علق سبط هناك، وأضاف نقلًا عن»تجريد الذهبي" وأحال إلى هنا]. الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي» (١). قَالَ ابن العربي: فما سأل رسول الله - ﷺ - أحدًا عن رؤيا إلا أن يجيء الرجل متبرعًا فيحدثه (٢). وذكر أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء في كتابه «البشرى في تأويل الرؤيا»، في قولهْ «هل رأى منكم أحد الليلة رؤيا» دليل عَلَى أن تأويلها والإخبار بها في صبيحة الليلة التي رؤيت فيها أولى؛ لقرب ذَلِكَ من رؤيتها، وإذا بعدت دخل ذَلِكَ النسيان والسهو وتأويل الرجل المضطجع يدل عَلَى غفلة في الدين، ولا غفلة أكثر من تضييع القرآن والصلاة. والذي يشق شدقه، فلأن الشدق موضع الكلام، فوقعت العقوبة فيه كما وقعت في رأس النائم الغافل، إذ الرأس موضع النوم والغفلة، وأما الزناة وعريهم فلأن اللباس ستر الله الذي كان يسترهم به، فلما كشفوه كشفه الله تعالى وفضحهم. والنهر من الدم، وفيه آكل الربا، فلا شك أن آكل الربا يؤذن بحرب من الله ورسوله، ومن حاباه قتل، ومن قتل سأل دمه، فكأنه غرق فيه؛ لكثرته. ----------------- (١) رواه ابن حبان في «المجروحين» ١/ ٣٢٥ - ٣٢٧، والطبراني في «الكبير» ٨/ ٣٠٣ (٨١٤٦)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٢١٣ - ٢١٤ (١١٧١) وقال: هذا حديث لا يصح؛ قال ابن حبان: سليمان بن عطاء يروى عن مسلمة أشياء موضوعة لا أدري التخليط منه أو من مسلمة. وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ١٨٣ - ١٨٤. وقال: رواه الطبراني، وفيه: سليمان بن عطاء القرشي، وهو ضعيف. وانظر «الضعيفة» (٣٦١١). (٢) «عارضة الأحوذي» ٩/ ١٦٦ - ١٦٧. وقوله: أرض مقدسة. جاء في الإسماعيلي: مستوية. وقوله: «يدخل ذَلِكَ الكلوب في شدقه» وفي رواية أخرى له: «فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه فيشق». وفي أخرى: «ثمَّ تحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به كذلك» (١). وقد فسره في الحديث. وقول البخاري: (وقال بعض أصحابنا عن موسى بن إسماعيل) هذا ذكره أبو نعيم فقال: حَدَّثَنَا الطبراني، ثنا العباس بن الفضل، ثنا موسى ابن أبي إسماعيل فذكره. وقوله: «ثمَّ يفعل الآخر بشدقه». كذا وقع هنا، وفي رواية: «ثمَّ يفعل بشدقه الآخر». وصحح. وقوله: «فيشدج» أي: يكسر. وفي رواية: «فيثلغ» (٢) أي: يشق ويفضخ. وقوله: «يتدهده» وفي أخرى: «فيتدهدى» أي: يتدحرج، تقول: دهدهت الحجر ودهديتُه. والنقب: قَالَ صاحب «المطالع»: رواه بعضهم بمثلثة، وللأصيلي بنون وقاف مفتوحة، وهو الطريق. وقوله: «فإذا أقترت ارتفعوا» قَالَ ابن التين: كذا وقع في رواية أبي الحسن: قترت، وعند أبي ذر: أقترت، وصوابه قترت بالقاف ومعناه: ارتفعت، أي: لهبت وارتفع فوارها، لأن القتر: الغبار. قَالَ أبو نصر: قتر اللحم يقتر بالكسر إِذَا ارتفع قتاره، وقتر بالكسر لغة فيه، قَالَ: وأما -------------- (١) سيأتي برقم (٧٠٤٧) بالروايتين. (٢) هو أيضًا في حديث (٧٠٤٧). فترت بالفاء فلا أعلم له وجهًا، لكن بعده إِذَا خمدت، وهو بمعنى: فترت، وأما أقترت فمثل قترت، وفي «المطالع»: قترت. للقابسي وابن السكن وعبدوس، وعند أبي ذر والأصيلي: أقترت. وعند النسفي: «فإذا وقدت ارتفعوا» وهو الصحيح بدليل قولة بعد: «فإذا خمدت رجعوا». الحديث الثاني: حديث زيد بن خالد الجهني أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لنَا رَسُولُ الله - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْح بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ .. الحديث. وفي آخره «وَأمَّا مَنْ قَالَ مطرنا بِنَوْءِ كذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ». الشرح: الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الاستسقاء، والمغازي، والتوحيد (١)، وأخرجه مسلم في الإيمان (٢). ثانيها: المختار تخفيف ياء الحديبية، ولحن من شدَّدها، وهو لغة أهل العراق. قَالَ ابن سيده: قيل: إن حكي التخفيف عن بعضهم، فالحديبية ---------- (١) سيأتي برقم (١٠٣٨) كتاب: الاستسقاء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ و(٤١٤٧) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية، و(٧٥٠٣) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾. (٢) «صحيح مسلم» (٧١) كتاب: الإيمان، باب: بيان كفر مَن قال: مطرنا بالنوء. وورد بهامش الأصل ما نصه: وأبو داود في الطب والنسائي في الصلاة. موضع، وقيل: بئر سمي المكان بها (١). وهي من الحل، خلافًا لمالك. والسماء هنا المطر؛ لأنه يأتي منها، وكل عال فهو سماء. والإثر مثلث الهمزة، وفيه أن السماء مؤنثة، ولعل ذَلِكَ عَلَى لفظها، لا على معناها؛ لأن السماء تذكر وتؤنث إِذَا لم يرد بها المطر. وقوله: (فلما انصرف أقبل عَلَى الناس) هو موضع الترجمة، وقال القرطبي: أي انصرف من صلاته وفرغ منها، وظاهره أنه لم يكن يثبت في مكان صلاته بعد سلامه بل كان ينتقل عنه، ويتغير عن حالته، وهذا يستحبه مالك للإمام في المسجد (٢). وقد سلف. قوله: («هل تدرون؟») لفظة استفهام ومعناها: التنبيه. يعني: اعلموا ما قَالَ ربكم. والظاهر أن المراد هنا بالكفر الحقيقي؛ لأنه قابله بالإيمان الحقيقي، فمن اعتقد أن المطر من فعل الكواكب فهو كافر كما ستعلمه، ومن اعتقد أن الله خلقه واخترعه فهو مخطئ لا كافر، ووجهه أنه خالف الشرع، فإنه حذر من الإطلاق؛ ولأنه تشبه بأهل الكفر في قولهم؛ لأنا أُمرنا بمخالفتهم، ونهينا عن التشبه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأقوال والأفعال، فلو قَالَ غير هذا اللفظ الممنوع يريد به الإخبار عما أجرى الله به سببه جاز. وفي «موطأ مالك»: إِذَا نشأتْ بَحْرَّية ثمَّ تشامت فتلك عين غديقة (٣). ---------------- (١) «المحكم» ٣/ ١٩٧. (٢) «المفهم» ١/ ٢٥٨. (٣) «الموطأ» ص ١٣٦، وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٣٧٧: هذا حديث لا أعرفه كوجه من الوجوه في غير «الموطأ» إلا ما ذكره الشافعي في كتاب الاستسقاء عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: «إذا نشأت بحرية ثم استحالت شآمية فهو أمطر لها». وابن أبي يحيى مطعون عليه متروك وإن كان فيه نبل ويقظة، اتهم بالقدر والرفض، وبلاغ مالك خير من حديثه. والنوء: الكوكب. وجمعه أنواء، وهي ثمانية وعشرون نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، يسقط منها في كل ثلاثة عشر نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر مقابله في المشرق في ساعته، وسمي نوءًا؛ لأنه إِذَا سقط الساقط ناء الطالع، وذلك النهوض هو النوء، فسمي النجم نوءًا لذلك، وانقضاء هذِه الثمانية والعشرين مع انقضاء السنة، وكانت الجاهلية إِذَا سقط منها نجم وطلع آخر يقولون: لا بد أن يكون عند ذَلِكَ مطر ورياح، فيقولون: مطرنا بنوء كذا. وقال ابن الأعرابي: الساقطة منها في الغرب هي الأنواء، والطالعة منها في الشرق هي البوارح. قَالَ صاحب «المطالع»: فمنهم من يجعله الطالع؛ لأنه ناء، ومنهم من ينسبه للغارب، قَالَ: وقد أجاز العلماء أن يقال: مطرنا في نوء كذا، ولا يقال: بنوء كذا. ويحكى عن أبي هريرة أنه كان يقول: مطرنا بنوء الله. وفي رواية: مطرنا بنوء الفتح، ثمَّ يتلو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (١) [فاطر: ٢] وفي «المحكم» بعضهم يجعل النوء السقوط. كأنه من الأضداد (٢). وفي «الأنواء الكبير» لأبي حنيفة: الذي عندي في الحديث أن المطر كان من أجل أن الكوكب ماء، وأنه هو الذي هاجه، ثمَّ أنشد عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: وأما من زعم أن الغيث حصل عند سقوط الثريا فهذا وما أشبهه إنما هو إعلام للأوقات والفصول، وليس من وقت ولا زمن إلا وهو معروف بنوع من مرافق العباد يكون فيه دون غيره، وقد قَالَ عمر ----------- (١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» ص ١٣٦ وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١٠/ ٣١٧١ (١٧٩٢٦)، وذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٦/ ٢٨٦، والحافظ ابن كثير في «تفسيره» ١١/ ٣٠٥ - ٣٠٦ وعزاه للإمام مالك. (٢) «المحكم» ١٢/ ١٩٠. للعباس وهو يستسقي الناس: يا عم رسول الله، كم بقي علينا من نوء الثريا (١)؟ فإن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا. وقال ابن عباس لامرأة: خطأ الله نوءها (٢). يريد أخطأها الغيث. فلو لم يدلك عَلَى افتراق المذهبين في ذكر الأنواء إلا هذان الخبران لكفى بهما دليلًا. هذا وابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] وكان علي يقرؤها: (وتجعلون شكركم) (٣). وقد اختلف العلماء في كفر من قَالَ: مطرنا بنوء كذا. عَلَى قولين حكاهما النووي: أحدهما: نعم، إِذَا اعتقد أنه فاعل مدبر منشئ المطر كما كان بعض الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه الجمهور منهم الشافعي (٤)، وهو ظاهر الحديث، قالوا: وعلى هذا القول لو قَالَ: مطرنا بنوء كذا، معتقدًا أنه من الله وبرحمته، وأن النوء صفات له وعلامة اعتبارًا بالعادة، فكأنه قَالَ: مطرنا في وقت كذا، فهذا لا يكفر، واختلف في كراهته، والأظهر نعم تنزيهًا؛ لترددها بين الكفر وغيره، ويساء الظن بصاحبها؛ لأنها شعار الجاهلية كما سلف. والقول الثاني: في أجل تأويل الحديث أن المراد: كفر نعمة الله ------------- (١) رواه البيهقي ٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩ كتاب: الاستسقاء، باب: كراهية الاستمطار بالأنواء، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٣٨٠ - ٣٨١. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٩٠ (١٨٠٨٢، ١٨٠٨٣، ١٨٠٨٥) كتاب: الطلاق، باب: ما قالوا فيه إذا جعل أمر امرأته بيدها، فتقول: أنت طالق ثلاثًا، والبيهقي ٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠ كتاب: الخلع والطلاق، باب: المرأة تقول في التمليك: طلقتك وهي تريد الطلاق. (٣) انظر: «تفسير الطبري» ١١/ ٦٦٢، و«زاد المسير» ٨/ ١٥٤. (٤) «الأم» ١/ ٢٢٣. تعالى؛ لاقتصاره عَلَى إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبيره (١). الحديث الثالث: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن منير، سَمِعَ يَزِيدَ، أنبأ حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ الله - ﷺ - الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا» … الحديث. سلف الكلام عليه في باب: وقت العشاء إلى نصف الليل (٢). ويزيد هذا هو ابن هارون، وقد جاء مصرحًا به في بعض الروايات: يعني: ابن هارون. وصرح به أيضًا أبو نعيم، ورواه عن حميدٍ يزيدُ بن زريع كما سيأتي بعد وزائدة (٣)، كما سلف. --------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٦٠ - ٦١. (٢) راجع حديث (٥٧٢). (٣) سيأتي برقم (٥٨٦٩). ١٥٧ - باب مُكثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ ٨٤٨ - وَقَالَ لَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ القَاسِمُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: «لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ». وَلَمْ يَصِحَّ. [فتح: ٢/ ٣٣٤] ٨٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَنُرَى -واللهُ أَعْلَمُ- لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ. [انظر: ٨٣٧ - فتح: ٢/ ٣٤٤] ٨٥٠ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا- قَالَتْ: كَانَ يُسَلِّمُ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ الزُّبَيْدِىُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الحَارِثِ القُرَشِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ مَعْبَدِ بْنِ المِقْدَادِ -وَهْوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ- وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ القُرَشِيَّةُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ الفِرَاسِيَّةِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَّثَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٨٣٧ - فتح: ٢/ ٣٣٤] وقال لنا اَدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابن عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ القَاسِمُ. وُيذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: «لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ». وَلَمْ يَصِحَّ. الشرح: قوله: (وقال لنا آدم) هو من باب المذاكرة، وقد أسنده ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي سبحته مكانه (١). وأثر القاسم أخرجه ابن أبي شيبة، عن معتمر، عن عبيد الله بن عمر قَالَ: رأيت القاسم وسالمًا يصليان الفريضة ثمَّ يتطوعان في مكانهما قَالَ: وأنبأني نافع أن ابن عمر كان لا يرى به بأسًا (٢). وحديث أبي هريرة رواه أبو داود وابن ماجه من حديث حماد وعبد الوارث، عن ليث، عن حجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أيعجز أحدكم أن يتَقَدَّمَ أو يَتَأَخَّرَ، أو عن يمينِه أو عن شِماله في الصلاة» (٣) يعني: في السُّبْحَةِ، سكت عليه أبو داود، وفيه مجهول كما قَالَه أبو حاتم (٤)، ------------ (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٣ (٦٠١٥) كتاب: الصلوات، باب: مَن رخص أن يتطوع في مكانه. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٣ (٦٠١٦) السابق. (٣) «سنن أبي داود» (١٠٠٦) كتاب: الصلاة، باب: في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلَّى فيه المكتوبة، و«سنن ابن ماجه» (١٤٢٧) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في صلاة النافلة حيث تصلى المكتوبة. (٤) «الجرح والتعديل» ٢/ ٨٣ (١٩٥). ورد في هامش الأصل: مقتضى كلام الذهبي في «الكاشف» أنه ليس بمجهول، فإنه روى عنه عمرو بن غفار وحجاج بن عبيد الله، وقد علمت من اصطلاح أهل هذا الشأن أن الشخص إذا روى عنه اثنان يخرج عن جهالة العين، وقد عنيت كلامه في «الكاشف» فنقل تجهيله عن أبي حاتم وقال في «المغني» في إسماعيل بن إبراهيم: لا يعرف. وفي إبراهيم بن إسماعيل: مجهول. وقال أيضًا في «الميزان»: إبراهيم بن إسماعيل حجازي عن أبي هريرة لا يدرى من ذا ويقال: إسماعيل بن إبراهيم في الصلاة. قال البخاري: لم يصح إسناد حديثه وذكر كلاما آخر. وهو إبراهيم بن إسماعيل. قَالَ البخاري (١): وإسماعيل بن إبراهيم أصح. وليث بن أبي سليم، وأخرجه البيهقي من طرقٍ إليه (٢). ونقل عن البخاري أنه قَالَ: الليث يضطرب فيه، وطرقه الدارقطني في «علله»، ثمَّ قَالَ: ولا يصح، والاضطراب من ليث بن أبي سليم (٣). ونقل المزي في «تهذيبه» عن البخاري أن الحديث لم يثبت ولم يصح إسناده (٤). ثمَّ ساق البخاري حديث الزهري عن هند بنت (٥) الحارث عن أم سلمة. أنه - عليه السلامكَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا … الحديث. وقد سلف في باب التسليم (٦). ثم قَالَ: وَقَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أنبا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبيعَةَ، أَنَّ ابن شِهَاب كَتَبَ إِلَيْهِ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّﷺ -، وَكَانَتْ مِنْ صواحبها- وَقَالَ ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ: أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وهذا أسنده النسائي، عن محمد بن مسلمة، عن ابن وهب (٧). --------------- (١) «التاريخ الكبير» ١/ ٣٤٠ - ٣٤١ (١٠٧٣). (٢) «السنن الكبرى» للبيهقي ٢/ ١٩٠ كتاب: الصلاة، باب: الإمام يتحول عن مكانه إذا أراد أن يتطوع في المسجد. (٣) «علل الدارقطني» ٩/ ٧٤ (١٦٥١). (٤) «تهذيب الكمال» ٢/ ٥٢ وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٤٧٣: إسناده ضعيف، وقال في «الخلاصة» ١/ ٤٧٤: اتفقوا على ضعفه. (٥) في الأصل: ابن. (٦) سلف برقم (٨٣٧) كتاب: الأذان، باب: التسليم. (٧) النسائي ٣/ ٦٧. ثم قال: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَتْنِي هِنْدُ القرشية. هذا رواه بعد، عن عبد الله بن محمد، عن عثمان به، ثمَّ علقه بعد من طريقين وفيه: القرشية. وفي إحداهما: وكانت تحت معبد بن المقداد وهو حليف بني زهرة، وكانت تدخل على أزواج رسول الله - ﷺ -. وفي ثالث: الفراسية. وفي رابع: عن امرأة من قريش حدثته عن النبي - ﷺ -، وحاصل ما ذكره أن جعفر بن ربيعة وابن أبي عتيق ويونس في حديث ابن وهب يقولون: الفراسية. وأن عثمان بن عمر، عن يونس والزبيدي وشعيب والليث، عن يحيى بن سعيد: القرشية. وقال يحيى: عن امرأة من قريش حدثته. قَالَ الداودي: وليس هذا الاختلاف بمانع من أن تكون فراسية من بني فراس ثمَّ من بني فارس ثمَّ من قريش، فنسبت مرة إلى أب من آبائها ومرة إلى أب آخر ومرة إلى غيره من آبائها، كما يقال في جابر بن عبد الله: السلمي والأنصاري، وسعد بن ساعدة: الساعدي والأنصاري. واعترض ابن التين على قول الداودي: ثمَّ من بني فارس. وقال: ما علمت له وجهًا؛ لأن فارس أعجمي، وفراس وقريش عرب، وليس في البخاري ذكر فارس. وذكر عن الشيخ أبي عمران أنه قَالَ جعلها قرشية لما حالف زوجها فيهم؛ لما سلف في رواية الزبيدي. أما فقه الباب وهو مكث الإمام في مصلاه بعد السلام، فأكثر العلماء -كما نقله عنهم ابن بطال- عَلَى كراهته، إِذَا كان إمامًا راتبًا إلا أن يكون مكثه لعلة كما فعله الشارع. قَالَ: وهو قول الشافعي وأحمد (١) (٢). وقد أسلفنا قول مالك فيه في الباب قبله. وقال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يقوم بعد، وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح، فهو غير (٣)، وهو قول أبي مجلز (٤). وقال القاضي في «شرح الرسالة»: من أصحابنا من يحمل قول مالك عَلَى صلاة لا نافلة بعدها، أما إِذَا كان يتنفل بعدها فلا بأس أن يجلس في موضعه، وظاهر قول مالك الأفضل فإن كان ذَلِكَ مجلسه فذلك واسع؛ لأنه إنما يستحب لَهُ ذَلِكَ إِذَا كان قصده لأجل الصلاة. وقال أبو محمد: ينتقل في الصلوات كلها؛ ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه من سجوده سهو ولا غيره، كذا نقله عن أبي محمد ابن بطال (٥). وحكاه شيخنا قطب الدين في «شرحه» عن محمد بن الحسن وتوبع (٦)، ورأيته في «شرح ابن التين» أيضًا. وذكر ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود وعائشة قالا: كان النبي - ﷺ - إِذَا سلم لم يقعد إلا بقدر ما يقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» وقال ابن مسعود أيضًا: كان - ﷺ - إذا قضى صلاته انفتل سريعًا، إما أن يقوم، وإما أن ينحرف (٧). وقال ابن جبير: شرق أو غريب ولا تستقبل القبلة. وقال قتادة: كان ------------- (١) «الأم» ١/ ١١٠، «المغني» ٣/ ٢٥٥. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٦١. (٣) انظر: «الأصل» ١/ ١٧، «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٠. (٤) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٦٨ حديث رقم (٣٠٨٨). (٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٦٢. (٦) غير واضحة بالأصل ولعل ما أثبتناه الصواب. (٧) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٦٨ (٣٠٨٥، ٣٠٨٦). الصديق إِذَا سلم كأنه عَلَى الرضف حتَّى ينهض (١). وقال ابن عمر: الإمام إِذَا سلم قام (٢). وقال مجاهد: قَالَ عمر: جلوس الإمام بعد السلام بدعة (٣). وذهب جماعة الفقهاء إلى أن الإمام إِذَا سلم قَالَ: من صلى خلفه من المأمومين يجوز لهم القيام قبل قيامه إلا رواية عن الحسن والزهري. وذكرها عبد الرزاق قَالَ: لا تنصرفوا حتَّى يقوم الإمام (٤). قَالَ الزهري: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (٥). وجماعة الناس عَلَى خلافهما، وروى معمر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قَالَ: إِذَا فرغ الإمام ولم يقم ولم ينحرف، وكانت لك حاجة، فاذهب ودعه، فقد تمت صلاتك (٦). وروى ابن شاهين في «المنسوخ» من حديث سفيان، عن سماك، عن جابر: كان النبي - ﷺ - إِذَا صلى الغداة لم يبرح من مجلسه حتَّى تطلع الشمس حسنًا (٧). وفي حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: -------------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٦٣ (٣٠١٧) كتاب: الصلوات، باب: قدركم يقعد في الركعتين الأوليين. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٦٨ (٣٠٨١) كتاب: الصوات، باب: مَن كان يستحب إذا سلم أن يقوم أو ينحرف. (٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٦٨ (٣٠٨٣) كتاب: الصلوات، باب: مَن كان يستحب إذا سلم أن يقوم أو ينحرف. (٤) «مصنف عبد الرزاق» ٢/ ٤٤٤ (٣٢٢٣). (٥) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ١١٦ (٧١٣٣) كتاب: الصلوات، باب: في الإمام يصلي جالسًا. (٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٢ (٣١٣٦) كتاب: الصلوات، باب: مَن رخص أن يقضي قبل أن ينحرف، ولكن من طريق أبي خالد الأحمر عن حجاج عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله. (٧) «ناسخ الحديث ومنسوخه» لابن شاهين ١/ ٢١٦ (٢٢٦). صليت مع النبي - ﷺ - فكان ساعة يسلم يقوم، ثمَّ صليت مع أبي بكر فكان إِذَا سلم وثب من مكانه كأنه يقوم عَلَى رضفه (١). ثمَّ حمل ابن شاهين الأول عَلَى صلاة لا يعقبها نافلة، والثاني عَلَى مقابله. ثمَّ اعلم أن الجمهور عَلَى أن الإمام لا يتطوع في مكانه الذي صلى فيه الفريضة. وذكر ابن أبي شيبة عن علي: لا يتطوع الإمام حتَّى يتحول من مكانه أو يفصل بينهما بكلام، وكرهه ابن عمر للإمام ولم ير به بأسًا لغيره. وعن عبد الله بن عمرو مثله (٢). وروى موسى عن القاسم: إن الإمام إِذَا سلم فواسع أن ينتقل من مكانه (٣). قَالَ ابن بطال: وهذا لم أجده لغيره من العلماء (٤). قُلْتُ: لكنه قول أشهب فيما حكاه ابن التين ودل عَلَى الفصل من السنة الصحيحة حديث مسلم أن معاوية رأى السائب ابن أخت نمر صلى معه الجمعة في المقصورة قَالَ: فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فأرسل إلي: لا تعد، إِذَا صليت الجمعة فلا تَصِلْهَا بصلاة حتَّى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا بذلك (٥). وفي «سنن أبي داود» من حديث عطاء الخراساني عن المغيرة، مرفوعًا --------------- (١) رواه ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣. ترجمة: عبد الله بن فروخ، وابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» ١/ ٢١٧ (٢٢٧)، وابن بشكوال في «غوامض الأسماء المبهمة» ٢/ ٧٦١. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٤ (٦٠٢٠) كتاب: الصلوات، باب: من كره للإمام أن يتطوع في مكانه. (٣) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٩٢. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٦١. (٥) «صحيح مسلم» (٨٨٣) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة. «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتَّى يتحول» ثم قَالَ: عطاء لم يدرك المغيرة (١). وفي البيهقي من حديث علي: قَالَ: من السنة إِذَا سلم الإمام أن لا يقوم من موضعه الذي صلى فيه حتَّى ينحرف أو يفصل بكلام (٢). ولفظ ابن أبي شيبة: لا يتطوع الإمام حتَّى يتحولَ من مكانه أو يفصل بينهما بكلام (٣). وفي حديث أم سلمة من الفقه أن خروج النساء ينبغي أن يكون قبل خروج الرجال. -------------- (١) «سنن أبي داود» (٦١٦) كتاب: الصلاة، باب: الإمام يتطوع في مكانه، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» ٣/ ١٧٧ (٦٢٩). (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ١٩١ كتاب: الصلاة، باب: الإمام يتحول عن مكانه إذا أراد أن يتطوع في المسجد. (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٤ (٦٠٢٠) كتاب: الصلوات، باب: من كره للإمام أن يتطوع في مكانه. ١٥٨ - باب مَنْ صلَّى بِالنَّاسِ فَذَكرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ ٨٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» [انظر: ١٢٢١، ١٤٢٠، ٦٢٧٥، فتح ٢/ ٣٣٦] ذكر فيه حديث عمر بن سعيد، عن ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزعَ النَّاسُ .. الحديث. الشرح: هذا الحديث ذكره البخاري هنا وفي أواخر الصلاة في باب: يفكر الرجل الشيء في الصلاة. ولفظه: «ذكرت وأنا في الصلاة تبرًا عندنا فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا» (١) والزكاة في باب: من أحب تعجيل الصدقة في يومها (٢)، وفي الاستئذان في موضعين (٣). وعقبة هذا هو: ابن الحارث أبو سروعة، بكسر السين وفتحها ويقال: بالفتح وضم الراء، أسلم يوم الفتح، وأهل النسب: الزبير وعمه مصعب وغيرهما يقولون: إن أبا سروعة هو أخو عقبة بن الحارث، وإنهما أسلما جميعًا يوم الفتح، وعقبة هو الذي قتل --------------- (١) سيأتي برقم (١٢٢١) كتاب: العمل في الصلاة، باب: يفكر الرجل الشيء في الصلاة. (٢) سيأتي برقم (١٤٣٠) كتاب: الزكاة، باب: مَن أحب تعجيل الصدقة في يومها. (٣) سيأتي برقم (٦٢٧٥) كتاب: الاستئذان، باب: في أسرع في مشيه لحاجة أو قصد. ![]()
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 347 الى صـــ 366 الحلقة (197) جاء في بعض طرق البخاري عن ابن عباس في التي كانت تقم المسجد (١). الثاني: حديث أبي سعيد الخدري عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». ويأتي -إن شاء الله- قريبًا في أبواب الجمعة والشهادات بالسند الذي ساقه به (٢). الثالث: حديث ابن عباس: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ .. الحديث. وتقدم في باب التخفيف في الوضوء (٣)، وفيه عبيد بن عمير، يقال: له رؤية، مات قبل ابن عمر ومات ابن عمر بعد ابن الزبير، آخر سنة ثلاث وأول سنة أربع وسبعين. الرابع: حديث أنس بن مالك أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ … الحديث. وتقدم في أوائل الصلاة في باب: الصلاة عَلَى الحصير (٤). الخامس: حديث ابن عباس: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ … الحديث. --------- (١) سلف برقم (٤٥٨) كتاب: الصلاة، باب: كنس المسجد، والتقاط الخرق والقذى والعيدان. (٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٨٧٩) كتاب: الجمعة، باب: فضل الغسل يوم الجمعة و(٢٦٦٥) كتاب: الشهادات، باب: بلوغ الصبيان وشهادتهم. (٣) سلف هذا الحديث برقم (١٣٨) كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء. (٤) تقدم برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الحصير. تقدم في كتاب العلم في باب: متى يصح سماع الصغير، وفي غيره (١). السادس: حديث عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ - ﷺ -. وَقَالَ عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى .. فذكره. تقدم في فضل العشاء (٢)، وهذا التعليق قَالَ أبو نعيم في «مستخرجه»: إن البخاري رواه عن عياش عن عبد الأعلى، ورواه الإسماعيلي عن الفريابي، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الأعلى، ورواه النسائي في الصلاة، عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى (٣)، وكذا رواه أبو نعيم أولا، وعياش هو ابن الوليد الرقام البصري، مات سنة لست وعشرين ومائتين، وانفرد به البخاري. السابع: حديث سفيان عن عبد الرحمن بن عابس: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ وَقالَ لَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ الخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، الحديث. ويأتي إن شاء الله تعالى في أبواب العيدين والاعتصام (٤). وسفيان هو الثوري، وعبد الرحمن هو النخعي الكوفي، اتفقا عليه وعلى أبيه. --------------- (١) تقدم برقم (٧٦) كتاب: العلم، باب: متى يصحُّ سماع الصغير، و(٤٩٣) كتاب: الصلاة، باب: سترة الإمام سترة مَنْ خلفه. (٢) سلف برقم (٥٦٦) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل العشاء. (٣) «سنن النسائي» ١/ ٢٣ كتاب الصلاة. (٤) سيأتي برقم (٩٧٧) كتاب: العيدين، باب: العلم الذي بالمصلى، (٧٣٢٥) كتاب: الاعتصام، باب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم. وفيه: فجعلت المرأة تهوي بيدها. قَالَ القاضي: أهوى بيده، وأهوى يده للشئ: تناوله (١). وقال صاحب «الأفعال»: هوى إليه بالسيف وأهوى: أماله إليه (٢)، وقال ابن التين: أهوى بيده كذا إِذَا تناوله بيده، قَالَ: فهو بضم الياء، وهذِه الأحاديث دالة عَلَى ما ترجم له. أما الأول ففيه حضور الصبي صلاة الجنازة وكونه في الصف، ألا ترى إلى قوله: (فصففنا خلفه). وأما الثاني هو غسل الجمعة فمناسبته للباب وقت وجوب الغسل عليهم، وأنه واجب على كل محتلم، وأنه لا يجب عَلَى الصبيان، قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ﴾ [لنور: ٥٩]، ومعنى الوجوب: التأكد عند الشافعي ومالك وأكثر الفقهاء، وعن أحمد ومالك والحسن وأبي هريرة وأبي قتادة وبعض أصحاب الحديث وأهل الظاهر وجوبه، ذكره الخطابي (٣). وأصحاب أحمد ينكرونه، وحكي الوجوب عن الشافعي أيضًا، وهو غريب (٤)، ولا خلاف في فضيلته، ويدل عَلَى التأكد وعدم الوجوب قوله - ﷺ -: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (٥). --------------- (١) «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٧٣. (٢) «الأفعال» لابن القوطية ص ١٢. (٣) انظر: «معالم السنن» ١/ ٩١. (٤) انظر: «طرح التثريب» ٣/ ١٦١. (٥) هذا الحديث رواه أبو داود (٣٥٤) كتاب: الطهارة، باب: الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، والترمذي (٤٩٧) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الوضوء يوم الجمعة. والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٩٤ كتاب: الجمعة، باب: الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» ٢/ ٦٨٨ (١٤٤٧)، وأحمد = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= في «مسنده» ٥/ ١٥، ٥/ ١٦، ٥/ ٢٢، والدارمي ٢/ ٩٦٣ (١٥٨١) كتاب: الصلاة، باب: الغسل يوم الجمعة. وابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» ص ٢٨٨، وابن الجارود في «المنتقى» ١/ ٢٥٠ - ٢٥١ (٢٨٥)، والروياني في «مسنده» ٢/ ٤٢ (٧٨٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ١٢٨ (١٧٥٧) كتاب: الجمعة، باب: ذكر دليل أن الغسل يوم الجمعة فضيلة لا فريضة. والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١١٩، والطبراني في «الكبير» ٧/ ١٩٩ (٦٨١٧ - ٦٨٢٠)، والبيهقي في «السنن» ٣/ ١٩٠، وفي «معرفة السنن والآثار»٤/ ٣٣٢ (٦٣٧٤) كتاب: الطهارة، باب: الغسل للجمعة والخطبة وما يجب في صلاة الجمعة، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٠/ ٧٩، ١٦/ ٢١٢، ٢١٤، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٢/ ٣٥٢. كلهم من حديث قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب، وقد اختلف في سماع الحسن من سمرة بن جندب كما حكاه الزيلعي على ثلاثة أقوال أولها: أنه سمع منه مطلقًا وهو قول ابن المديني؛ فقد نقل عنه البخاري في أول: «تاريخ واسط»: سماع الحسن من سمرة صحيح. وتابعه الترمذي والحاكم أيضًا في ذلك. ثانيها: أنه لم يسمع منه شيئًا. اختاره ابن حبان في «صحيحه» وقال ابن معين: الحسن لم يلق سمرة. وقال شعبة: الحسن لم يسمع من سمرة. ثالثها: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط. قاله النسائي، وإليه مال الدارقطني، واختاره عبد الحق في «أحكامه» والبزار في «مسنده» ا. هـ بتصرف. انظر: «نصب الراية» ١/ ٨٨ - ٩٣. والحديث قال عنه الترمذي: حديث حسن، وقد رواه بعض أصحاب قتادة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب، ورواه بعضهم عن قتادة عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلا ا. هـ. وقال عنه الدارقطني بعد إيراد بعض طرقه: وكلها وهمٌ، والمحفوظ: ما رواه شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة ا. هـ. انظر: «علل الدارقطني» ١٠/ ٢٦٣. وقال ابن عبد البر: وحديث الحسن عن سمرة أحسنها إسنادًا ا. هـ بتصرف. انظر: «التمهيد» ١٠/ ٨٨. وقال النووي في «مجموعه» ٤/ ٥٣٣: حديث حسن. وقال في «شرحه على صحيح مسلم» ٦/ ١٣٣: حديث حسن. وقال في «تهذيب الأسماء» ٣/ ٣٥: حديث صحيح. وقال ابن حجر: ولهذا الحديث طرق أشهرها وأقواها رواية الحسن عن = وأما الحديث الثالث: وهو حديث ابن عباس ومبيته عند خالته ميمونة ففيه وضوء الصبيان وإقامته في الصلاة عن يمينه، وإليه أشار البخاري في الترجمة بقوله: (وصفوفهم). أي: وصفوف الصبيان. وفيه من الفوائد أيضًا نوم الصبي عند خالته. والشن المذكور فيه هو السقاء البالي. وفيه أيضًا: أن الواحد يقوم عن يمين الإمام، وخالف فيه ابن المسيب مستدلًا بأنه - ﷺ - وقف عن يسار أبي بكر في مرضه، وكان أبو بكر الإمام (١)، وهو ناسخ لهذا، وأنه الآخر. وهو عجيب منه. وفيه: أن الإمام يديره، وأن نية الإمامة لا تجب. قَالَ ابن التين: وهو رد عَلَى الشافعي، قُلْتُ: لا، فهو مذهبه (٢). وقال أبو حنيفة: يأتم به الرجال دون النساء (٣). وفيه: دليل عَلَى صحة صلاة الصبي، وإن لم يبلغ الحلم إِذَا عقل الصلاة، ويحتمل أن يكون سن ابن عباس إِذ ذاك عشر سنين (٤). وقد ذكر البخاري في فضائل القرآن أنه توفي النبي - ﷺ - وسن ابن -------------- = سمرة، وله علتان: إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى: أنه اختلف عليه فيه ا. هـ بتصرف. انظر: «الفتح» ٢/ ٣٦٢. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٢/ ١٨٤ (٣٨١): حديث حسن. ا. هـ والحديث له غير شاهد من حديث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الرحمن بن سمرة وابن عباس، حكم ابن حجر على أكثرها بالضعف، انظر: «الفتح» ٢/ ٣٦٢. (١) سلف هذا الحديث برقم (٧١٣) كتاب: الأذان، باب: الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأمون. (٢) انظر: «الأم» ١/ ١٤١، «البيان» ٢/ ٣٦٧. (٣) انظر: «الأصل» ١/ ١٩١، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٦٦. (٤) انظر: «حلية العلماء» ٢/ ٨. عباس عشر سنين (١)، وستعلم الخلاف فيه هناك، وقد صح الأمر بالصلاة لسبع والضرب عليها لعشر (٢). وقال به جماعة من الفقهاء منهم مالك ومكحول والأوزاعي وأحمد والشافعي إسحاق (٣)، وأغرب أشهب فقال عن مالك في «العتبية»: يضرب عَلَى تركها لسبع، والحديث يرده لا جرم، قَالَ به ابن القاسم (٤)، وقال عروة: يؤمر بالصلاة إِذَا عقلها (٥). وقال ابن عمر: يعلم الصبي الصلاة إِذَا عرف يمينه من شماله (٦). -------------- (١) سيأتي هذا الحديث برقم (٥٠٣٥) كتاب: فضائل القرآن، باب: تعليم الصبيان القرآن. (٢) دل على ذلك حديث رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ١٦٨، وأبو داود (٤٩٥، ٤٩٦) كتاب: الصلاة، باب: متى يؤمر الغلام بالصلاة؟ وابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٠٤ (٣٤٨٢) كتاب: الصلوات، متى يؤمر الصبي بالصلاة؟ وأحمد ٢/ ١٨٠، ٢/ ١٨٧، والدولابي في «الكنى» ١/ ٣٤٦ (١٢٢٥)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٥٠٧، والدارقطني ١/ ٢٣٠ - ٢٣١، والحاكم في «المستدرك» ١/ ١٩٧ كتاب: الصلاة، وأبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٢٦، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩ كتاب: الصلاة، باب: عورة الرجل و٣/ ٨٤ كتاب: الصلاة، باب: ما على الآباء والأمهات من تعليم الصبيان، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٢/ ٢٧٨. والحديث قال عنه النووي في «المجموع» ٣/ ١٠، وفي «خلاصة الأحكام» ١/ ٢٥٢ (٦٨٧): رواه أبو داود بإسناد حسن. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٢/ ٤٠١ (٥٠٩): حسن صحيح ا. هـ وله شاهد من حديث سبرة الجهني، وآخر من حديث أبي هريرة، وثالث من حديث أنس. (٣) انظر: «الأوسط» ٤/ ٣٨٥، «المغني» ٣/ ٣٥٠. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩. (٥) رواه عنه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٠٥ (٣٤٨٨) كتاب: الصلاة، باب: متى يؤمر الصبي بالصلاة. (٦) رواه عنه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٠٥ (٣٤٨٥) كتاب: الصلاة، باب: متى يؤمر الصبي بالصلاة. وهو قول ابن سيرين وابن المسيب، وهو متقارب. وكره فضيل وسفيان أن يضرب على الصلاة وقالا: أرشه عليها وهو حسن لمن يقدر عليه، فإن لم يقدر أو أبي بعد أن أرشي ضرب. وقوله فيه: (فأتاه المؤذن يأذنه بالصلاة) كذا وقع هنا (يأذنه)، وصوابه يؤذنه، أي: يعلمه. كما نبه عليه ابن التين. قَالَ: ومعنى (يأذنه): من أذنت لك في كذا، وليس له هنا موضع. وفيه أيضًا: إباحة العمل اليسير في الصلاة، وأن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل. وفي رواية: فأخذ بأذني يفتلها (١)؛ وفتلها ليدور أو للتأدب؛ وليكون أذكر لَهُ فيما يستأنف بعد. ويقال: إن المعلم إِذَا فتل أذن التلميذ كان أذكى لفهمه. وأما الحديث الرابع: وهو حديث أنس، ففيه: الاصطفاف به. وأما الخامس: وهو حضوره مع الجماعة بمنى وقد ناهز الاحتلام، أي: قارب، ووصفه لنفسه بذلك، يفيد أن إقرار الشارع له دليل عَلَى إباحته؛ لأنه كان يعقل الأمر والنهي، وقد ورد الشرع بتقرير من هو دونه، وقد نزع تمرة من يد الحسين بن علي وقال: «أما علمت أنا لا نأكل الصدقة» (٢). وأما السادس: وهو قوله: (نام النساء والصبيان) ففيه حضور الصبيان. ومعنى: أعتم بالعشاء: أخرها، والعتمة: الظلمة. -------------- (١) سلفت هذِه الرواية برقم (١٨٣) في الوضوء، باب قراءة القرآن بعد الحديث .. (٢) سيأتي برقم (١٤٩١) كتاب: الزكاة، باب: ما يذكر في الصدقة للنبي - ﷺ -. وروى ابن عمر: نهى النبي - ﷺ - عن تسمية العشاء عتمة (١). وروي عنه - ﷺ -: «من سماها العتمة فليستغفر الله». وكان ابن عمر إِذَا سمع أحدًا يسميها عتمة صاح وغضب عليه (٢). وقوله: (ولم يكن أحد يومئذ يصلي غير أهل المدينة)، أي: جماعة، ويحتمل أن يكون ذَلِكَ الوقت. وأما السابع ففيه: حضور العيد؛ لأن الخروج كان لها، وإليه يرشد قول ابن عباس: (ولولا مكاني منه ما شهدته) يعني: من صغره. وعليه بوب البخاري: حضورهم العيد. وذكره في الترجمة الطهور بعد الغسل. لعله يريد الوضوء، وكرره؛ لأجل الوجوب. وحاصل الباب: تمرين الصبيان عَلَى الوضوء والصلاة، وحضور الجماعات في النفل والفرض، وتدريبهم عَلَى ذَلِكَ؛ ليعتادوها عند البلوغ، ولا خلاف أن الاحتلام أول وقت لزوم الفرائض والحدود والأحكام. واختلفوا إِذَا أتى عليه من السنين ما يحتلم في مثلها ولم يحتلم على أقوال ستأتي في موضعها، إن شاء الله ذَلِكَ وقدره. ---------------- (١) لم أقف على هذا الأثر مرفوعًا من حديث ابن عمر، وأخرجه ابن عدي في «الكامل» مرفوعًا من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ -: نهى أن نسمي العشاء العتمة قال: «إنما سماها العتمة شيطان» ثم قال: ولفرات بن السائب غير ما ذكرت من الحديث خاصة أحاديثه عن ميمون بن مهران مناكير، انظر: «الكامل» ٧/ ١٣٣ وابن حجر في «لسان الميزان» ٥/ ٤٣٨. (٢) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٥٦٦ (٢١٥٤) كتاب: الصلاة، باب: اسم العشاء الآخرة، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ١٩٩ (٨٠٧٨) كتاب: الصلوات، باب: من كره أن يقول: العتمة. ١٦٢ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى المَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ وَالغَلَسِ ٨٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالعَتَمَةِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيْرُكُمْ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ». وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِالمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ العَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. [انظر: ٥٦٦ - مسلم: ٦٣٨ - فتح: ٢/ ٣٤٧] (١). ٨٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ». تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٨٧٣،٨٩٩، ٩٠٠، ٥٢٣٨ - مسلم: ٤٤٢ - فتح: ٢/ ٣٤٧] ٨٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ. [انظر: ٣٧٢ - مسلم: ٦٤٥ - فتح: ٢/ ٣٤٩] ٨٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ». [انظر: ٧٠٧ - فتح: ٢/ ٣٤٩] ٨٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَوَ مُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. [مسلم: ٤٤٥ - فتح: ٢/ ٣٤٩] ----------------- (١) سيأتي حديث رقم ٨٦٦ لاحقًا بعد حديث ٨٧٠ حسب ترتيب المصنف. ذكر فيه أحاديث عن عائشة، وحديثًا عن ابن عمر من طريقين، وحديثًا عن أبي قتادة. أولها: حديث عروة عنها: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالعَتَمَةِ … الحديث. وقد سلف في الباب قبله آنفًا بهذا السند. ثانيها: حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ -: «إِذَا اسْتَاْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ» … الحديث. تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وأخرجه مسلم (١). وحنظلة -في إسناده- هو ابن أبي سفيان الأسود، مات سنة إحدى وخمسين ومائة (٢)، وأخواه عبد الرحمن وعمرو ثقتان، وأخرجاه من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي - ﷺ -: «إِذَا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها» (٣). ------------ (١) «صحيح مسلم» (٤٤٢) كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة. (٢) هو حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية القرشي الجمحي المكي أخو عمرو بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن أبي سفيان، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: كان وكيع إذا أتى على حديث لحنظلة يقول: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان وكان ثقة ثقة. وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال عبد الله بن شعيب، عن يحيى بن معين: حنظلة بن أبي سفيان وأخوه عمرو بن أبي سفيان: ثقتان. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٩٣، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٤ - ٤٥ (١٧٠)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٤١ (١٠٧١)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٤٤٣ (١٥٦١). (٣) سيأتي برقم (٨٧٣) كتاب: الأذان، باب: استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد، ورواه مسلم (٤٤٢) كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة. ثالثها: حديث عائشة في التغليس بالصبح وقد سلف (١). وفيه: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ. وهو بكسر (إن) مخففة من الثقيلة. رابعها: حديث أبي قتادة في التجوز في الصلاة مخافة الافتتان. خامسها: حديث عائشة: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائيلَ. قُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَوَ مُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. وأخرجه مسلم أيضًا (٢) وخص في حديث ابن عمر الليل لما فيه من الستر، والغلس مثله. وقوله: («فأذنوا لهن»)، فيه أن للزوج منعها من ذَلِكَ، وكذا وليها، ولولاه لخوطب النساء بالخروج كما خوطبن بالصلاة. وقول عائشة: (ما يعرفن من الغلس) أي: لا يتميزن نساءً كن أو رجالا، يوضحه حديث قَيْلة قالت: قدمت عَلَى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي بالناس صلاة الغداة حين انشق الفجر، فصففت مع الرجال وأنا امرأة حديثة عهد بجاهلية، فقال لي الرجل الذي يليني: امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: امرأة (٣). ----------------- (١) سلف برقم (٣٧٢). (٢) «صحيح مسلم» (٤٤٥) كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة. (٣) هذا جزء من حديث قيلة بنت مخرمة العنبرية، وهو حديث طويل، قال عنه أبو عمر: هو حديث طويل فصيح حسن وقد شرحه أهل العلم بالغريب وقال أبو علي ابن السكن روي عنها حديث طويل فيه كلام فصيح قال ذلك ابن حجر في «الإصابة» ٤/ ٣٩١. = وينبغي إِذَا استاذنته ألا يمنعها مما فيه منفعتها، وهو محمول عَلَى أمن الفتنة كما أسلفناه في باب: كم تصلي المرأة من الثياب؛ لأنه كان الأغلب من حال أهل ذَلِكَ الزمان. وحديث عائشة دال على المنع إذ حدث في الناس الفساد. وهذا عند مالك محمول عَلَى العجائز، وروى عنه أشهب قَالَ: وللمتجالة أن تخرج إلى المسجد، ولا تكثر الترداد، وللشابة أن تخرج إليه المرة بعد المرة، وتخرج في جنائز أهلها (١). وقال أبو حنيفة: أكره للنساء شهود الجمعة والصلاة المكتوبة، وأرخص للعجوز أن تشهد العشاء والفجر، وأما غير ذَلِكَ فلا. وقَالَ أبو يوسف: لا بأس أن تخرج العجوز في الصلوات كلها وأكره للشابة (٢). وقال الثوري: ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت ------------ = الحديث أخرجه مختصرًا البخاري في «الأدب المفرد» (١١٧٨)، وأبو داود (٣٠٧٠) كتاب: الخراج والغنيمة والفيء، باب: في إقطاع الأرضين، و(٤٨٤٧) كتاب: الأدب، باب: في جلوس الرجل، والترمذي (٢٨١٤) كتاب: الأدب، باب: ما جاء في الثوب الأصفر. وقال: حديث قيلة لا نعرفه إلا من حديث عبد الله ابن حسَّان. وأبو داود الطيالسي في «مسنده» ٣/ ٢٢٣ (١٧٦٣)، وابن سعد مطولًا في «الطبقات الكبرى» ١/ ٣١٧ - ٣٢١، وابن أبي عاصم في «الآحاد المثاني» ٦/ ٢٦٢ (٣٤٩٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٧٧، والطبراني ٣/ ٣٠٢ (٣٤٦٩)، ٢٥/ ٧ - ١١ (١)، وابن منده كما في «الإصابة» ٤/ ٣٩١ - ٣٩٣، والبيهقي ٣/ ٢٣٥ كتاب: الجمعة، باب: الاحتباء المباح في غير وقت الصلاة، ٦/ ١٥٠، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٧/ ٢٤٦، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٢٧٥ - ٢٨٠. وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٦/ ١٠ - ١٢ وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. قال ابن حجر في «فتح الباري» ٣/ ١٥٥: حسن الإسناد. (١) انظر: «النوادر» ١/ ٥٣٦. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٣١، «البناية» ٢/ ٤٢٠ - ٤٢١. عجوزا (١). وقال ابن مسعود: المرأة عورة، وأقرب ما تكون إلى الله في قعر بيتها، فإذا خرجت استشرفها الشيطان (٢). وكان ابن عمر يقوم بحصب النساء يوم الجمعة يخرجهن من المسجد (٣). وقال أبو عمرو الشيباني: سمعت ابن مسعود حلف فبالغ في اليمين: ما صلت امرأة صلاة أحب إلى الله من صلاتها في بيتها إلا في حج أو عمرة إلا امرأة قد يئست من البعولة (٤). وقال ابن مسعود لامرأة سألته عن الصلاة في المسجد يوم الجمعة، فقال: صلاتك في مخدعك أفضل من صلاتك في بيتك، وصلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك أفضل من صلاتك في مسجد قومك (٥). وكان إبراهيم يمنع نساءه الجمعة والجماعة. وسئل الحسن ---------------- (١) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٣/ ٤٠٢. (٢) رواه الطبراني ٩/ ٢٩٥ (٩٤٨١). ورواه ابن خزيمة ٣/ ٩٣ (١٦٨٥ - ١٦٨٧) كتاب: الإمامة في الصلاة، باب: اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد، وقال: وإنما شككت أيضًا في صحته؛ لأني لا أقف على سماع قتادة هذا الخبر من مورق، والطبراني ١٠/ ١٠٨ (١٠١١٥)، وفي «الأوسط» ٨/ ١٠١ (٨٠٩٦)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٨/ ٤٥١ مرفوعًا. (٣) لم أقف عليه لابن عمر، ووجدته لابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ١٥٩ (٧٦١٦) كتاب: الصلوات، باب: ما كره من خروج النساء إلى المسجد. (٤) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٩ (٧٦١٨) السابق. (٥) لم أقف على هذا الأثر لابن مسعود، وقد روى أحمد ٦/ ٣٧١ حديثا عن أم حميد -امرأة أبي حميد الساعديرضي الله عنهما أنها جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: «صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في حجرتك ..» الحديث. ورواه أيضًا ابن خزيمة (١٦٨٩)، وابن حبان (٢٢١٧) والحديث حسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٤٠). البصري عن امرأة حلفت إن خرج زوجها من السجن أن تصلي في كل مسجد تجمع فيه الصلاة بالبصرة ركعتين، فقَالَ الحسن: تصلي في مسجد قومها؛ لأنها لا تطيق ذَلِكَ، لو أدركها عمر لأوجع رأسها (١). وفي «المدونة»: لا تمنع النساء المساجد (٢). فيحتمل أن يريد: يحكم لهن به، ويحتمل أن يريد به حض الأزواج عَلَى إباحة ذَلِكَ لما كان لهم المنع، وعليه جماعة أهل العلم أن خروجهن مباح، قَالَه ابن التين. وقول عائشة: (ما أحدث النساء) تعني: من الطيب والتجمل وقلة التستر، قَالَ: وقولها: (كما منع نساء بني إسرائيل) يحتمل أن تكون شريعتهم المنع، ويحتمل أن يكون منعهن بعد الإباحة، ويحتمل غير ذَلِكَ مما لا طريق لنا إلى معرفته إلا بالخبر. وقال ابن مسلمة في «المبسوط»: إنما يكره من خروجهن الفتنة للرائحة، أو الجميلة المشتهرة التي يكون في مثلها الفتنة (٣). قال الداودي: فكيف لعائشة لو أدركت وقتنا هذا. قُلْتُ: فكيف لو أدركت وقتنا هذا (٤). وكانت عاتكة بنت زيد امرأة عمر تقول: لأخرجن إلا أن يمنعني، وكان عمر شديد المغيرة، فكره منعها؛ لقوله - ﷺ -، وكره خروجها، فذكر أنه جلس لها في الغلس في طريق المسجد، فمس طرف ثوبها وهي لا تعرفه، فرجعت، فقال لها: لم لا تخرجين، قالت: كنا -------------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ١٥٩ (٧٦١٧) كتاب: الصلوات، باب: من كره للنساء في الخروج إلى المسجد. (٢) «المدونة» ١/ ١٠٣. (٣) «المبسوط» ٢/ ٤١. (٤) قلت: وكيف لو أدركوا وقتنا هذا، وإنا لله وإنا إليه راجعون. نخرج حين كان الناس ناسا، وذكر أنه أعلمها بعد ذَلِكَ أنه فاعل ذَلِكَ، فقالت: ولو. وأبت أن تخرج. والبخاري ذكر بعض هذا في كتاب الجمعة كما ستعلمه (١). وروى ابن عباس أن امرأة جميلة دخلت المسجد، فوقفت في الصف الأول من صفوف النساء فمن الناس من تقدم حتَّى لا يراها، ومنهم من تأخر يلاحظها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الآية [الحجر: ٢٤] (٢). ---------------- (١) سيأتي برقم (٩٠٠). (٢) أخرجه الترمذي (٣١٢٢) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الحجر، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ١١٨ كتاب: القبلة، باب: المنفرد خلف الصف ١/ ٣٠٢ (٩٤٢) كتاب: الإمامة والجماعة، وفي «الكبرى» ٦/ ٣٧٤ (١١٢٧٣) كتاب: التفسير، وابن ماجه (١٠٤٦) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الصلاة في الثوب الواحد، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» ٤/ ٤٣٣ - ٤٣٤ (٢٨٣٥)، وأحمد ١/ ٣٠٥، والطبري في «تفسيره» ٧/ ٥٠٩ - ٥١٠ (٢١١٣٦، ٢١١٣٧) وابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ٩٧ - ٩٨ (١٦٩٦ - ١٦٩٧) كتاب: الصلاة، باب: التغليظ في قيام. وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٧/ ٢٢٦١ (١٢٣٦١)، وابن حبان في «صحيحه» ٢/ ١٢٦١ (٤٠١) كتاب: البر والإحسان، باب: الإخلاص وأعمال السر، والطبراني ١٢/ ١٧١ (١٢٧٩١)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٥٣ كتاب: التفسير، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٨١، والبيهقي ٣/ ٩٨ كتاب: الصلاة، باب: الرجل يقف في آخر صفوف الرجال لينظر إلى النساء. وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٤/ ١٨٠ لـ: سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، قال الترمذي: وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه، ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح ا. هـ، وقال أبو نعيم: غريب من حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس تفرد برفعه نوح بن قيس. وقال الذهبي: صحيح، وقال الفلاس: لم يتكلم أحد في نوح بن قيس بحجة، هو صدوق خرج له مسلم ا. هـ بتصرف. وقال ابن كثير في «تفسيره» ٨/ ٢٥٣ - ٢٥٤: غريب جدًّا فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن عمرو ابن مالك -وهو النكري- أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا = وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» (١). قَالَ الخطابي: في حديث أبي قتادة دليل عَلَى أن الراكع إِذَا ما أحس بمقتدٍ مقبلا طوّلَ ليدركها، كما جاز التخفيف لسببه (٢). وفيه نظر كما أبداه ابن التين؛ لأن طول المقام ضرر بمن خلفه، ولا يستدل بالتخفيف عنهم عَلَى الشدة عليهم، وقد قَالَ القاضي أبو محمد: يكره فعل ذَلِكَ (٣). وفي كتاب ابن الحارث عن سحنون: تبطل صلاتهم. وفيه: أن من طول في صلاةٍ أو عرض له ما يخفف يراعيه، ويتجوز أيضًا؛ ليكلم أبويه، ومن عرضت له حاجة أيضًا، ومن دخل في نافلة قائمًا لا بأس أن يجلس لغير علة، قاله ابن القاسم. وقال أشهب: لا يجلس إلا من علة (٤). ------------- = المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ..﴾ الحديث فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط ليس فيه لابن عباس ذكر ا. هـ بتصرف يسير. قلت: في إسناده عمرو بن مالك النكري؛ لم يوثقه غير ابن حبان، فقد ذكره في «الثقات» ٨/ ٤٨٧ وقال: يخطئ ويغرب. قال ابن عدي في «الكامل» ٦/ ٢٥٩: ولعمرو أحاديث مناكير بعضها سرقها من قوم ثقات ا. هـ بتصرف يسير. وأما رواية أبي الجوزاء التي أشار إليها الترمذي وابن كثير فقد أخرجها عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ٣٠١ (١٤٤٥)، والطبري في «تفسيره» ٧/ ٥٠٩ (٢١١٣٥)، وعزاها السيوطي في «درِّه» ٤/ ١٨٠ لابن المنذر. وقد ذكرنا آنفًا قول الترمذي فيها: وهذا أشبه أن يكون أصح. وهذا ما أقره القرطبي فقال في «تفسيره» ١٠/ ١٩ عند الكلام على رواية أبي الجوزاء: وهو أصح ا. هـ. والحديث ذكره الألباني في «الصحيحة» (٢٤٧٢). وله شاهد من مرسل مروان بن الحكم، أخرجه الطبرى في «تفسيره» ٧/ ٥٠٩ (٢١١٣٤). (١) «صحيح مسلم» (٤٤٠) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف، وإقامتها وفضل الأول. (٢) «معالم السنن» ١/ ١٧٤. (٣) «المعونة» ١/ ١٢٢. (٤) انظر: «المنتقى» ١/ ٢٤٢. ١٦٣ - باب صَلَاةِ النِّسَاءِ خَلْفَ الرَّجَالِ ٨٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ: نَرَى -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ [أَحَدٌ] مِنَ الرِّجَالِ. [٨٧٥ - فتح: ٢/ ٣٥٠] حَدَّثَنَا يَحْييَ بْنُ قَزَعَةَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ .. الحديث. وقد سلف. ويحيى من أفراد البخاري، وأم سلمة: هند بنت أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم أم المؤمنين. ١٦٤ - باب انْتِظَارِ النَّاسِ قِيَامَ الإِمَامِ العَالِمِ ٨٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِى هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَخْبَرَتْهَا، أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَامَ الرِّجَالُ. [انظر: ٨٣٧ - فتح: ٢/ ٣٤٩] ٨٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. [انظر: ٣٨٠ - مسلم: ٦٥٨ - فتح: ٢/ ٣٥١] ذكر فيه حديث هند عن أم سلمة السالف. وحديث أنس: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فقمت ويتيم خلفه وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. هكذا سنة صلاة النساء أن يقمن خلف الرجال كما سلف في الباب قبله، وذلك -والله أعلم- خشية الفتنة بهن، واشتغال النفوس بما جبلت عليه من أمورهن عن الخشوع في الصلاة، والإخلاص والإقبال عليها، وإخلاص الفكر فيها لله تعالى، إِذ النساء مزينات في القلوب، ومقدمات عَلَى جميع الشهوات، وهو أجل في سد الذرائع. ووجه ما بوب له قوله: (فإذا قام رسول الله - ﷺ - قام الرجال). ١٦٥ - باب سُرْعَةِ انصِرَاف النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ، وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي المَسْجِدِ ٨٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ، لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ، أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. [انظر: ٣٧٢ - مسلم: ٦٤٥ - فتح: ٢/ ٣٥١] ذكر فيه حديث فليح عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ، لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ، أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. وقد سلف (١). وفليح لقب، واسمه: عبد الملك بن سليمان العدوي مولاهم المدني، مات سنة ثمانٍ وستين ومائة. قَالَ ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي (٢). وهذِه السنة المعمول بها أن ينصرف النساء في الغلس قبل الرجال؛ ليخفين أنفسهن، ولا يبن لمن لقيهن من الرجال، فهذا يدل أنهن لا يقمن في المسجد بعد تمام الصلاة، وهذا من باب سد الذرائع، والتحظير عَلَى حدود الله تعالى، والمباعدة بين الرجال والنساء خوف الفتنة ومواقعة الإثم في الاختلاط بهن. وقوله: (فينصرفن) قَالَ بعض من فسره: يبادرن بالخروج؛ لئلا يزاحمن الرجال. --------------- (١) برقم (٣٧٢). (٢) سبقت ترجمته. قَالَ ابن التين: وعندي أنهن يخرجن بانقضاء الصلاة؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب، ويصح أن يبادرن لستر الظلام لهن، ويصح أن يفعلنه مبادرة لبيوتهن، وفعل ما يلزمهن فعله من أمور دنياهن. ![]()
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 367 الى صـــ 386 الحلقة (198) كتاب الجمعة ١١ - كتاب الجمعة ١ - باب فَرْضِ الجُمُعَةِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ الآية. ٨٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ -مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ- حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ». [انظر: ٢٣٨ - مسلم: ٨٥٥ - فتح: ٤/ ٣٥٢] ثمَّ ذكر حديث أبي هريرة سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هذا يَوْمُهُمُ الذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ له، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارى بَعْدَ غَدٍ». الشرح: الجمعة: بضم الميم وإسكانها وفتحها، حكاها الواحدي، وقرئ بها في الشواذ كما قاله الزمخشري (١)، وعن «المعاني» للزجاج أنه قرئ بكسرها أيضًا، والمشهور الضم، وبه قرئ في السبعة، سميت بذلك، لاجتماع الناس لها. وقيل: لما جمع فيها من الخير. وقيل: لاْن الله جمع فيه خلق آدم. وقيل: لاجتماع آدم فيه مع حواء في الأرض، وفيه حديث، وقيل: لأنه آخر الأيام الستة التي خلق الله فيها المخلوقات، فاجتمع جميع الخلق فيه. وفي «أمالي ثعلب»: سمي بذلك لأن قريشًا كانت تجتمع إلى قصي في دار الندوة. وفي «الإنساب» للزبير: كانت تسمى: العروبة، وأن كعب بن لؤي كانوا يجتمعون إليه فيها فيخطبهم ويعلمهم بخروج سيدنا رسول الله - ﷺ -، وأنه من ولده، قَالَ: فسميت الجمعة بذلك (٢). وقال ابن حزم: هو اسم إسلامي، ولم يكن في الجاهلية، وإنما كان يسمى في الجاهلية: العروبة. فسمي في الإِسلام الجمعة؛ لأنه يجتمع فيه للصلاة، اسمًا مأخوذًا من الجمع (٣). وادعى الشيخ أبو حامد في «تعليقه» أن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة، وفيه نظر. والآية المذكورة مذكررة كلها في رواية أبي الوقت، وهذِه السورة مدنية، وهي من آخر ما نزل بها، وأنه لم ينزل بعدها إلا التغابن والتوبة والمائدة. كما ذكره الأستاذ أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب «ترتيب التنزيل». ------------- (١) «الكشاف» ٤/ ٣٩٣. (٢) المصدر السابق ٤/ ٣٩٤. (٣) «المحلى» ٥/ ٤٥. والنداء: الأذان، والمراد به: الأذان عند قعود الإمام عَلَى المنبر. وقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] أي: امضوا. وقد قرئ بها، وقيل: المراد به: القصد دون العدو. والذكر: الخطبة والصلاة. وفي هذِه الآية خمس فوائد: النداء للجمعة، والأمر بالسعي، والنهي عن البيع -وهو تنبيه عن كل ما يشغله مما هو في معناه- ووجوب الخطبة؛ لأن الذكر الذي يحضره الساعي هو في وقت إتيانه الخطبة، والخطبةُ غير محصورٍ ما يذكر فيها، وسيأتي اختلاف العلماء فيه. وأما الحديث فأخرجه مسلم أيضًا، وفيه: «نحن أول من يدخل الجنة» (١). وفيه: «فهم لنا فيه تبع» (٢) وسيأتي في البخاري فيه زيادة أخرى في الغسل عن قريب في باب: هل عَلَى من لم يشهد الجمعة غسل (٣) وأخرجه مسلم منفردًا به من حديث حذيفة بلفظ: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا». وفيه: «فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم فيه لنا تبع يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق» (٤). ومعنى: «نحن الآخرون السابقون»: الآخرون الذين جاءوا آخر الأمم، السابقون في الفضل والكرامة، والذين سبقوا ------------------ (١) «صحيح مسلم» (٨٥٥/ ٢٠) كتاب: الجمعة، باب: هداية الأمة ليوم الجمعة. (٢) «صحيح مسلم» (٨٥٥/ ٢٠) كتاب: الجمعة، باب: هداية الأمة ليوم الجمعة. (٣) سيأتي برقم (٨٩٦). (٤) «صحيح مسلم» (٨٥٦) كتاب: الجمعة، باب: هداية هذِه الأمة ليوم الجمعة. الناس يوم القيامة إلى الموقف، فحازوا سرعة الحساب والتقدم عَلَى العباد، وسبقوا في الدخول إلى الجنة. ورواية حذيفة السابقة توضحه، وحصل لهم ذَلِكَ أجمع بهذا النبي العظيم، وبشفاعته فيهم، خير أمة أخرجت للناس، وقد سلف في حديث: «إنما مثلكم فيمن خلا من الأمم قبلكم» (١) إن هذِه الأمة أعطيت أجر أهل الكتابين، فالوصفان أعني: الآخرون السابقون ثابتان، وبذكرهما يعرف الآخر، ورواية مسلم: «نحن الآخرون ونحن السابقون» (٢) بالعطف وله فائدتان: الأولى: ما في إعادة ضمير المتكلم الذي يضاف الخبر إليه من الفائدة يقرع السمع به في كل خصلة. الثانية: ليبين أن السبق لهم دون غيرهم، كأن قائلًا قَالَ لما قَالَ: نحن الآخرون فماذا لكم بذلك إِذَا ثبت لكم التأخر وتركتم المتقدم؟ فقال: ونحن السابقون. و(بيد) بفتح الباء ثم مثناه تحت ساكنة يعني: غير. قال القرطبي: نصبه على الاستثناء ويمكن على ظرف الزمان. وقيل بمعنى على أنهم. وعن الشافعي: يعني: من أجل، وحكي بالميم بدل الباء؛ لقرب المخرج. قَالَ ابن سيده: والأولى عَلَى وزن بأيد أي: بقوة إنا أعطينا، حكاها صاحب «مجمع الغرائب» وهي غلط، قَالَ أبو عبيد: هو غلط ليس له معنى يعرف (٣). وكذا قَالَ في «الواعي» وابن الأثير: لا أعرفها لغة ولا في كتاب، ولا أعلم وزنها، وهل الباء أصلية أم زائدة؟ (٤) وقال --------------- (١) سيأتي برقم (٣٤٥٩). (٢) «صحيح مسلم» (٨٥٥/ ١٩) كتاب: الجمعة، باب: هداية هذِه الأمة ليوم الجمعة. (٣) «غريب الحديث» ١/ ٨٩. (٤) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ١٧١. القرطبي: وقوله: «أوتوا الكتاب من قبلنا» يريد به: التوراة والإنجيل (١). واختلف في كيفية ما وقع لليهود، هل أمروا بيوم معين وهو الجمعة، أو بيوم غير معين؟ على قولين، ويؤيد الأول وهو الظاهر، كما قال القاضي (٢). قوله: («هذا يومهم الذي فرض عليهم») وعينت اليهود السبت، قالوا: لأن الله فرغ فيه من الخلق؛ فنحن نستريح فيه عن العمل، ونشتغل بالشكر، وعينت النصارى الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ الخلق فيه، وهذِه الأمة عينه الله لهم، ولم يكلهم إلى اجتهادهم فضلًا منه ونعمة، فهو خير يوم طلعت عليه الشمس وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء. ويؤيد الآخر، وهو ما جزم به ابن بطال (٣)، قوله: («فاختلفوا فيه») أي: في تعيينه، («فهدانا الله له») أي: بتعيينه لنا لا باجتهادنا، إذ لو عين لهم فعاندوا فيه لما أجيب بالاختلاف، بل بالمخالفة والعناد، ويؤيده رواية حذيفة السالفة: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا» وقد جاء أن موسى - ﷺ - أمرهم بالجمعة، وأعلمهم بفضلها، فناظروه أن السبت أفضل، فقيل له: دعهم. قَالَ النووي: ويمكن أن يكونوا أمروا به صريحًا ونص على عينه، فاختلفوا فيه، هل لهم إبداله (٤) فغلطوا في إبداله، أم ليس لهم إبداله؟ قَالَ الداودي: وفيه أنزلت: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. ---------------- (١) «المفهم» ٢/ ٤٩١. (٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩. (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٦/ ١٤٣ - ١٤٤. وروي نحوه عن زيد بن أسلم قَالَ: اختلفوا فيه وفي القبلة والصلاة والصيام، وفي إبراهيم وعيسى (١)، فهدى الله هذِه الأمة للحق من ذَلِكَ بإذنه أي: بعلمه، ولسبق الجمعة على السبت والأحد معنى، وذلك لأن ترتيب الأيام الثلاثة إِذَا سردت متتابعة لا يصح إلا بأن يتقدمها الجمعة، وليس ذَلِكَ لواحد من السبت والأحد. وفيه: دلالة عَلَى وجوب الجمعة -وهو إجماع إلا من شذ (٢) - وفضيلة هذِه الأمة، وفيه: سقوط القياس مع وجود النص وذلك أن كلًّا منهما قال بالقياس مع وجود النص على قول التعيين فضلَّا. وفيه: التفويض وترك الاختيار؛ لأنهما اختارا فضلَّا، ونحن علقنا الاختيار عَلَى من هو بيده فهدى وكفى. قَالَ مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] تركوا الجمعة واختاروا السبت (٣)، وقال قتادة: أحله بعضهم وحرمه بعضهم (٤). ونصبَ غدًا عَلَى الظرف، وهو متعلق بمحذوف، التقدير: فاليهود يعظمون غدًا والنصارى بعد غد، وسببه أن ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث، فيقدر فيه معنى يمكن تقديره خبرًا، ويجوز أن يكون فرض عليهم الاجتماع للعبادة في ذَلِكَ اليوم، ونسكه وتعظيمه، فهدينا نحن ------------- (١) روى هذا ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٣٧٨ (١٩٩٤). (٢) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ٤٤. (٣) رواه عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ٣١٢ (١٥٢١)، والطبري في «تفسيره» ٧/ ٢٢٢ (٢١٩٨٨، ٢١٩٨٩)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٧/ ٢٣٠٧ (١٢٦٨٥)، وزاد السيوطي نسبته في «الدر المنثور» ٤/ ٢٥٤ لابن المنذر. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٧/ ٢٢٢ (٢١٩٩١). لذلك فاجتمعنا فيه لها بفرض الله، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وهذا يصلح أن يكون مناسبة الباب للحديث. وفي قوله: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا» دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدى والإضلال، والخير والشر كله بإرادة الله تعالى، وهو فعله خلافًا للمعتزلة. ٢ - باب فَضْلِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهَل عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ؟ ٨٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». [٨٩٤، ٩١٩ - مسلم: ٨٤٤ - فتح: ٢/ ٣٥٦] ٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ وَالوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ بِالغُسْلِ.؟! [٨٨٢ - مسلم: ٨٤٥ - فتح: ٢/ ٣٥٦] ٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». [انظر: ٨٥٨ - مسلم: ٨٤٦ - فتح: ٢/ ٣٥٧]. ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». وهو حديث صحيح أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١)، وفي رواية ---------- (١) «صحيح مسلم» (٨٤٤) كتاب: الجمعة، و«سنن أبي داود» (٣٤٢) كتاب: الطهارة، باب: في الغسل يوم الجمعة، و«سنن الترمذي» (٤٩٢) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة، و«المجتبى» ٣/ ١٠٥ كتاب: الجمعة، = لمسلم «إِذَا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل» (١) وفي رواية له: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» (٢)، وفي رواية لابن حبان في «صحيحه» وأبي عوانة في «مستخرجه»: «من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل» (٣)، ورواه ابن خزيمة بزيادة: «ومن لم يأتها فليس عليه كسل من النساء والرجال» (٤) ووهم أبو غسان فجعله عن ابن عمر، عن عمر كما نبه عليه الدارقطني، ذاك في الحديث بعده. الحديث الثاني: حديث: ابن عمر عن عمر: بَيْنَمَا هُوَ قَائمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ الحديث. وفي آخره: «إِذَا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» (٥)، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وسمى هذا الرجل عثمان بن عفان (٦)، وفي لفظ له يأتي من طريق أبي هريرة: «إِذَا راح أحدكم إلى الجمعة ------------- = باب: حض الإمام في خطبته على الغسل يوم الجمعة،»سنن ابن ماجه«(١٠٩٨) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء الزينة يوم الجمعة. (١)»صحيح مسلم«(٨٤٤/ ١) كتاب: الجمعة. (٢)»صحيح مسلم«(٨٤٤/ ٢) كتاب: الجمعة. (٣)»مسند أبي عوانة«٢/ ١٣٨ (٢٥٩٤) كتاب: الجمعة، بيان: الخبر المبين الذي يوجب الغسل على من يأتي الجمعة، و»صحيح ابن حبان«٤/ ٢٧ (١٢٢٦) كتاب: الطهارة، باب: غسل الجمعة. (٤)»صحيح ابن خزيمة«٣/ ١٢٦ (١٧٥٢) كتاب: الجمعة، باب: أمر النساء بالغسل لشهود الجمعة. (٥) هذا اللفظ ليس في الحديث كما هو واضح، وإنما في الحديث الآتي برقم (٨٨٢) وعند شرحه أحال المصنف عَلَى هذا الحديث، واكتفي. (٦)»صحيح مسلم«(٨٤٥) كتاب: الجمعة، و»سنن أبي داود«(٣٤٠) كتاب: الطهارة، باب: الغسل يوم الجمعة. والنسائي في»الكبرى" ١/ ٥٢٠ (١٦٧٠). فليغتسل» (١) قَالَ الدارقطني: هو في «الموطأ» بإسقاط ابن عمر، والصواب إثباته (٢). الحديث الثالث: حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». ويأتي أيضًا في الباب مكررًا، وفي الشهادات بلفظ: أشهد عَلَى أبي سعيد قَالَ: أشهد عَلَى رسول الله - ﷺ - (٣). الحديث. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه أيضًا (٤)، ووهم من قَالَ: عطاء بن يزيد كما نبه عليه الدارقطني، وطرقه. إِذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: اعترض أبو عبد الملك عَلَى البخاري، فقال: بوب هل عَلَى الصبي شهود الجمعة أو عَلَى النساء. وأراد به: «إِذَا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» أي: إِذَا جاءها النساء والصبيان فليغتسلوا، وليس فيه ذكر وجوب شهود كما ذكر، ولا غير ذَلِكَ. وأجاب عنه ابن التين، فقال: عندي إنما أراد البخاري -والله أعلم- أنها ليست بواجبة عليهما؛ لأنه ------------ (١) سيأتي برقم (٨٨٢) كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة. (٢) «علل الدارقطني» ٢/ ٤٢ - ٤٤. (٣) سيأتي برقم (٢٦٦٥) كتاب: الشهادات، باب: بلوغ الصبيان وشهادتهم. (٤) «صحيح مسلم» (٨٤٦) كتاب: الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ، «سنن أبي داود» (٣٤١) كتاب: الطهارة، باب: في الغسل يوم الجمعة، «سنن النسائي» ٣/ ٩٣ كتاب: الجمعة، باب: إيجاب الغسل يوم الجمعة، «سنن ابن ماجه» (١٠٨٩) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الغسل يوم الجمعة. قَالَ: وهل عليهم؛ فأبان بحديث: «غسل الجمعة واجب عَلَى كل محتلم» أنها غير واجبة عَلَى الصبيان (١)، وقال أبو جعفر: فيه أيضًا دليل عَلَى سقوطها عن النساء؛ لأن أكثرهن إنما يجب عليه الفروض بالحيض لا بالاحتلام، والاحتلام في حقهن كالحيض. ثانيها: هذِه الأحاديث دالة عَلَى مطلوبية الغسل يوم الجمعة، ورواية: «من جاء» أبلغ؛ لأنه شرط وجزاء، فهو يتناول كل جاء، وإذا جاء، وإن أعطى معنى الشرط فليس بشرط حقيقي، وقوله: «فليغتسل» أمر، وهو مجزوم لأنه جواب الشرط، وهو أبلغ في الدلالة عَلَى ثبوت الغسل وتقريره والحث عليه، وقد أسلفنا في باب: وضوء الصبيان قريبًا خلاف العلماء في وجوبه، وأن أكثر الفقهاء عَلَى عدم الوجوب، والمراد التأكد. قَالَ الشافعي: احتمل الوجوب أن لا يجزئ غيره أو في الاختيار والنظافة كما تقول: وجب حقك عليَّ (٢). وفي رواية لابن حزم من حديث ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - ربما اغتسل يوم الجمعة وربما لم يغتسل (٣). ويسن عندنا لكل من أراد الحضور، وإن لم يجب عليه عَلَى الأصح، وهو مذهب مالك (٤). وقيل لكل أحد بناء عَلَى أنه لليوم، ويتأكد في الذكور أكثر من النساء؛ لأنه في حقهن قريب من الطيب وفي حق البالغ أكثر من الصبي. ---------- (١) انظر: «فح الباري» ٢/ ٣٥٧. (٢) «اختلاف الحديث» ص ١٠٩، «الأوسط» ٤/ ٤٨، «المجموع» ٤/ ٤٠٥. (٣) «المحلى» ٢/ ١١. (٤) «المدونة» ١/ ١٣٦، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٣. الثالث: في ألفاظه: قوله: (بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة) فيه مطلوبية القيام فيها، وفي رواية: (عَلَى المنبر) وهو مطلوب أيضًا إجماعًا كما سيأتي في بابه، فإن لم يكن، فعلى موضع عال؛ ليسمع صوته جميعهم ويبصروه فيكون أوقع في النفوس. وقوله: (آية ساعة هذِه؟) آية: تأنيث أي، وهو اسم يستفهم به، تقول: أي شخص هو هذا؟ وأية امرأة هي هذِه؟ وهو تقرير وتوبيخ إشارة إلى أنها ليست من ساعات الرواح؛ لأن الصحف طويت. والساعة اسم لجزء من الزمان مخصوص، ويطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءًا هي مجموع اليوم والليلة وعلى جزءٍ ما غيرُ مقدر من الزمان، ولا يتحقق، وعلى الوقت الحاضر، والهندسي يقسم اليوم عَلَى اثني عشر قسمًا وكذا الليلة طالا أم قصرا يسمونه ساعة، ويسمون هذِه الساعات المعوجة وتلك الأدلة المستقيمة، ففيه تفقد الإمام رعيته، وأمرهم بمصالح دينهم، والإنكار عَلَى المخالف وإن جل، والإنكار عَلَى الكبار بمجمع من الناس، والكلام في حال الخطبة بالأمر بالمعروف؛ لأنه من باب الخطبة. والانقلاب: الرجوع من حيث جاء وهو انفعال من قلبت الشيء أقلبه إِذَا كببته أو رددته، وفيه الاعتذار إلى ولاة الأمر، وإباحة الشغل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء. وقوله: (التأذين)، كذا هنا، وفي رواية أخرى: (النداء) (١)، وهو بكسر النون أشهر من ضمها. ------------- (١) سيأتي برقم (٨٨٢) كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة. وقوله: (والوضوء أيضًا؟) كذا هو بإثبات الواو، وروي بحذفها، والأول يفيد العطف عَلَى الإنكار الأول؛ لأنه أراد بقوله: (أية ساعة هذِه؟) التعريض بالإنكار عليه، والتوبيخ عَلَى تأخر المجيء إلى الصلاة، وترك السبق إليها في أول وقتها، وهذا من أحسن التعريضات وأرشق الكنايات، ثمَّ إن عثمان لما علم مراد عمر من سؤاله عن الساعة اعتذر بأنه لما سمع النداء لم يشتغل بغير الوضوء فقال له: ألم يكفك أن أخرت الوقت، وفوت نفسك فضيلة السبق حتَّى أتبعته بترك الغسل، والقناعة بالوضوء، فتكون هذِه الجملة المبسوطة مدلول عليها بتلك اللفظة، وهي معطوفة عَلَى الجملة الأولى، فخشي عثمان فوات الجمعة، فرأى أن تركه أولى من تركها، وقال القرطبي: الواو عوض من همزة الاستفهام كما قرأ ابن كثير (قال فرعون وآمنتم به) (١) [الأعراف: ١٢٣] وأما مع حذف الواو فيكون -إن صحت الرواية- إما لأنه مبتدأ وخبره محذوف، التقدير: الوضوء عذرك أو كفايتك في هذا المقام. أو لأنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: عذرك وكفايتك الوضوء، ويجوز في الوضوء الرفع عَلَى أنه مبتدأ وخبره محذوف، التقدير: الوضوء تقتصر عليه، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار فعل، التقدير: فعلت الوضوء وحده أو توضأت، ويعضده قوله: وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بالغسل، وتكون هذِه الجملة حالًا منه، والعامل فيها الفعل المقدر، ويكون العامل في الحال مع الرفع ما دل عليه مجموع الجملة المقدرة، ولعل عثمان رأى أن سماعه للخطبة أولى، وكذلك عمر لم يأمره بالخروج. وروى ابن القاسم في «المستخرجة»: من نسي الغسل حتَّى أتى -------------- (١) «المفهم» ٢/ ٤٨١. المسجد فإن علم أنه يغتسل ويدرك الجمعة خرج، وإلا صلى ولا شيء عليه، قَالَ ابن حبيب: لا يؤثم تاركه (١)، وقد يجري فيه الخلاف عن الوتر هل يحرج تاركه لأنهما سنتان مؤكدتان؟ والأصح عند الشافعية أن ترك الغسل يوصف بالكراهة (٢)، وقوله: (أيضًا)، منصوب لأنه من آض يئيض أيضا، أي: عاد ورجع، قاله ابن السكيت (٣). تقول: فعلته أيضًا إِذَا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنك قد أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور. وقوله: (يأمر با لغسل) وفي رواية: أمرنا ويأمرنا، وهو من ألفاظ رواية الحديث، ورفعه، وفي قوله: (يأمرنا): زيادة حجة لعمر فإنه عام، بخلاف يأمر، فإنه ليدل صريحًا عليه، والمحتلم: البالغ، وعبر به؛ لأنه الغالب، ويعرفه كل أحد، وهو مشترك فيه، وقوله: («غسل يوم الجمعة») هو أظهر ثباتًا من رواية مسلم: «الغسل يوم الجمعة» (٤)؛ لأنه أضاف الغسل إلى اليوم فكان مخصوصًا به، وليس غسلًا مطلقًا، فكأنه اعتبر فيه الاختصاص به والنية فيه، وأما إطلاق الغسل فلا، فإنه لو اغتسل فيه ولم ينوه لم يجزه؛ لأنه وجد صورة غسل. ولما ذكر ابن أبي شيبة في باب: القائلين بإجزاء الوضوء عن الغسل، قول أبي الشعثاء وإبراهيم وعطاء وأبي وائل وأبي جعفر: ليس غسل واجب إلا من جنابة، ساق بإسناده حديث أبي سعيد مرفوعًا (٥). --------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٣. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٤٣، و«المجموع» ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣. (٣) «إصلاح المنطق» لابن السكيت ص ٣٤٢. (٤) مسلم (٨٤٦) وسلفت أيضًا برقم (٨٥٨). (٥) «المصنف» لابن أبي شيبة ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧. وفيه: قرن الغسل بالطيب والاستنان، والإجماع قائم فيما ذكره الطحاوي والطبري أن تاركهما غير حرج إِذَا لم يكن لَهُ رائحة مكروهة يؤدي بها أهل المسجد، فكذا حكم تارك الغسل؛ لأن مخرج الأمر واحد (١). الرابع: الفاء في قوله: («فليغتسل») للتعقيب، وهو مخصوص بالإرادة، كما سلف في الرواية الأخرى، وعمم أبو ثور وقال أحمد: لا يستحب للمرأة إِذَا حضرت (٢). وحكاه النووي في «شرح مسلم» وجهًا عندنا (٣). وقال مالك: لا تغتسل (٤). قَالَ: وكذا المسافر إن أتاها للصلاة لا للفضل، وإن أتاها للفضل اغتسل (٥)، ووقته من الفجر وتقريبه من ذهابه أفضل، وقال مالك: لا يكون إلا عند الرواح. وبه قَالَ الليث في أحد قوليه (٦)، وخالفه ابن وهب، وهو قول مجاهد والحسن البصري والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، انفرد الأوزاعي فقال بالإجزاء قبل الفجر (٧)، وقد أسلفنا عن الظاهرية وجوب الغسل. قَالَ ابن حزم: هو فرض لازم لكل بالغ ولو امرأة لليوم لا للصلاة، فإن صلى الجمعة والعصر ولم يغتسل أجزأه ذَلِكَ، قَالَ: ووقته اليوم إلى ---------------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٦. (٢) انظر: «المغني» ٣/ ٢٢٨. (٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٦/ ١٣٤ - ١٣٥. (٤) «المدونة» ١/ ١٣٦. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٣، «المنتقى» ١/ ١٨٦. (٦) «المدونة» ١/ ١٣٦، «الاستذكار» ٢/ ١٧. (٧) انظر: «البيان والتحصيل» ٢/ ١٥٤، «الأوسط» ٤/ ٤٤ - ٤٥، «المغني» ٣/ ٢٢٧. أن يبقى ما يتم غسله قبل الغروب. قال: وهو لازم للحائض والنفساء كغيرهما، وروى حديث البخاري الآتي: «اغتسلوا يوم الجمعة وإن لم تكونوا جنبًا» (١)، وحديث مسلم: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» (٢) وحديثه أيضًا من طريق أبي هريرة: «حق عَلَى كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» (٣) ويأتي أيضًا (٤). وللبزار: «وهو يوم الجمعة» ورواه ابن أبي شيبة من حديث جابر (٥)، وروي من حديث البراء أيضًا (٦)، فصح هذا أنه لليوم لا للصلاة، وكان ابن عمر يغتسل بعد طلوع الفجر يوم الجمعة، فيجزئ به عن غسل الجمعة (٧)، وكذلك نقل عن مجاهد: إِذَا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه (٨). وكذا عن الحسن والنخعي (٩)، ثمَّ قَالَ: فإن قيل رويتم عن ابن عمر مرفوعًا: «إِذَا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (١٠) وعن ابن عمر مرفوعًا: «إِذَا أراد أحدكم» (١١) وعنه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - قَالَ وهو قائم عَلَى المنبر: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» (١٢). --------------- (١) سيأتي برقم (٨٨٤) كتاب: الجمعة، باب: الدهن للجمعة. (٢) «صحيح مسلم» (٨٤٩) كتاب: الجمعة، باب: الطين والسواك يوم الجمعة. (٣) «صحيح مسلم» (٨٤٩) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة. (٤) برقم (٨٩٦ - ٨٩٧). (٥) «المصنف» ١/ ٤٣٤ (٤٩٩٣) كتاب: الصلوات، باب: في غسل الجمعة. (٦) «المصنف» ١/ ٤٣٣ (٤٩٨٩) كتاب: الصلوات، باب: في غسل الجمعة. (٧) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٤٣٩ (٥٠٥٥) كتاب: الصلوات. (٨) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٤٣٨ (٥٠٤١ - ٥٠٤٣) كتاب: الصلوات. (٩) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ٤٣٨/ ١ (٥٠٤٢) كتاب: الصلوات. (١٠) سيأتي برقم (٨٨٢) كتاب: الجمعة، الطيب للجمعات. (١١) رواه مسلم (٨٤٤) (١) كتاب: الجمعة. (١٢) سيأتي برقم (٨٧٧) كتاب: الجمعة، باب: فضل الغسل يوم الجمعة. قُلْتُ: هذِه آثار صحاح، ولا خلاف فيها لقولنا (١). أما الأول فهو نص فيه، وإنما فيه الأمر به لمن جاء، وليس فيه أي وقت، ولا إسقاطه عمن لا يأتي إليها، وفي الآخر إيجابه عَلَى كل مسلم ومحتلم، فهي زائدة، حكمًا عَلَى ما في حديث ابن عمر، وكذا قوله: «إِذَا أراد» وقد يريد إتيانها من أول النهار، ولفظ: «إِذَا راح» ظاهره أن الغسل بعد الرواح. وقال مالك: إن بال أو أحدث بعد الغسل لم ينقض غسله ويتوضأ فقط، وإن أكل أو نام انتقض غسله (٢). وقال طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير: من اغتسل للجمعة ثمَّ أحدث فيستحب أن يعيد غسلًا (٣). وعن أبي يوسف أن الغسل لليوم (٤)، ثمَّ استدل من قَالَ بالوجوب بالأحاديث التي فيها غسل يوم الجمعة واجب. قَالَ ابن حزم: وروينا إيجاب الغسل مسندًا من طريق عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وأبي هريرة كلها في غاية الصحة. قَالَ: وممن قَالَ بوجوب فرض غسل يوم الجمعة عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة لم يخالفه فيه أحد، منهم أبو هريرة وابن عباس وأبو سعيد وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمرو بن سليم وعطاء وكعب والمسيب بن رافع. واحتج من قَالَ بعدم الوجوب بحديث عمر المذكور في هذا الباب -------------- (١) آخر كلام ابن حزم «المحلى» ٢/ ٨، ١٩ - ٢١. (٢) «المدونة» ١/ ١٣٦. (٣) انظر: «الأوسط» ٤/ ٤٥. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٥٩. ![]()
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 387 الى صـــ 406 الحلقة (199) وحديث أبي هريرة: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له» (١) الحديث، وبحديث «كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم، ومن العوالي» الحديث يأتي، وفيه: «لو أنكم تطهرتم» أخرجاه (٢)، وبحديث سمرة السالف في ذَلِكَ الباب: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» أخرجه الأربعة وحسنه الترمذي (٣)، وبحديث أورده ابن حزم عن الحسن: أنبئنا أن رسول الله - ﷺ - كان لا يغتسل يوم الجمعة، ولكن كان أصحابه يغتسلون. وبحديث ابن عباس: كان - ﷺ - ربما اغتسل يوم الجمعة وربما لم يغتسل (٤). وبحديث من طريقه أيضًا: إن غسل يوم الجمعة خير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين (٥) يلبسون الصوف ويعملون عَلَى ظهورهم الحديث بطوله، وهو في أبي داود (٦)، ثمَّ ---------------- (١) رواه مسلم (٨٥٧/ ٢٧) كتاب: الجمعة، باب: فضل من استمع وأنصت في الخطبة. (٢) سيأتي برقم (٩٠٢) كتاب: الجمعة، باب: من أين تؤتي الجمعة وعلى من تجب، ورواه مسلم (٨٤٧) كتاب: الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ وبيان ما أمروا به. (٣) أبو داود (٣٥٤، ٣٥٥)، الترمذي (٤٩٧) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، النسائي ٣/ ٩٤، ابن ماجه (١٠٩١). (٤) رواها الطبراني في «الكبير» ١٢/ ٢٤٢ (١٢٩٩٩)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ١٧٥ فيه: محمد بن معاوية النيسابوري، وهو ضعيف، ولكنه أثنى عليه أحمد، وقال عمرو بن علي: ضعيف ولكنه صدوق. (٥) في الأصل: مجهودون. (٦) «سنن أبي داود» (٣٥٣) كتاب: الطهارة، باب: في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، والحديث رواه أحمد ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩، وعبد بن حميد في «منتخبه» ١/ = عللها (١)، وقالوا في حديث عمر وعثمان لو كان واجبًا عند عمر وعثمان ومن حضرهما من الصحابة لما تركه عثمان، ولا أقر عمر وسائر الصحابة عَلَى تركه. قَالَ ابن حزم: ومن أين لكم بأن عثمان لم يكن اغتسل في صدر يومه إذ ذاك عادة له؟ ومن أين لكم من أن عمر لم يأمره بالرجوع إلى الغسل؟ قالوا: فأنتم من أين لكم أنه اغتسل، وأن عمر أمره بالرجوع له؟ قلنا: هبكم أنه لا دليل عندنا بهذا فلا دليل عندكم بخلافه. ثمَّ ذكر حديث مسلم بن حمران قَالَ: كنت أضع لعثمان طهوره، فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه (٢). فإذا كان ذَلِكَ كل يوم فيوم الجمعة أولى، وقد قطع عمر الخطبة وأنكر، فلو لم يكن ذَلِكَ فرضًا عنده لما= ٥١٣ - ٥١٤ (٥٨٨)، وابن خزيمة في «صيححه» ٣/ ١٢٧ (١٧٥٥) كتاب: الجمعة، باب: ذكر علة ابتداء الأمر بالغسل للجمعة، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١١٦ - ١١٧، والطبراني ١١/ ٢١٩ (١١٥٤٨)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٨٠ - ٢٨١ كتاب: الجمعة- وقال: صحيح على شرط البخاري- و٤/ ١٨٩ كتاب: اللباس، والبيهقي ١/ ٢٩٥ كتاب: الطهارة، باب: الدلالة على أن الغسل يوم الجمعة سنة اختيار كلاهم من حديث عكرمة عن ابن عباس، وقد ضعفه ابن حزم في المحلى ٢/ ١٢، وحسنه ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٣٦٢، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» ٢/ ١٨٢ - ١٨٤ (٣٨٠). قلت: ومدار الاختلاف في تصحيحه وتحسينه وتضعيفه على عمرو بن أبي عمرو، وهو إن كان من رجال الصحيحين إلا أنه قد اختلف في حفظه، فقال ابن معين: في حديثه ضعف، ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: ثقة وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: لا بأس به. وقال ابن حبان في «ثقاته»: ربما أخطأ، فيتلخص من أقوالهم هذِه كما قال الألباني: في نفسه ثقة، وأن في حفظه ضعفًا ا. هـ. (١) «المحلى» ٢/ ١١ - ١٢. (٢) رواه مسلم (٢٣١) كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه. قطعها، وحلف: والله ما هو بالوضوء. فلو لم يكن فرضًا لما كانت يمينه صادقة (١). وقد ذكر البخاري في الباب أحاديث تدل عَلَى المطلوبية، وتأتي، وفي أبي داود والنسائي من حديث حفصة (٢)، وفيهما والترمذي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد (٣)، وفي أبي داود من حديث عائشة (٤) وغير ذَلِكَ. --------------- (١) «المحلى» ٢/ ١٥ - ١٦. (٢) أبو داود (٣٤٢) والنسائي ٣/ ٨٩ والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٧٠). (٣) رواه أبو داود (٣٤٣) والترمذي (٤٩٨) من حديث أبي هريرة والنسائي ٣/ ٩٢ من حديث أبي سعيد وحسنه النووي في «المجموع» ٤/ ٤٠٩، وفي «الخلاصة» (٢٧٣٤)، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٧١). (٤) «سنن أبي داود» (٣٥٢) كتاب: الطهارة، باب: في الرخصة في ترك الغسل في يوم الجمعة. ٣ - باب الطِّيبِ يوم الجمعة ٨٨٠ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ». قَالَ عَمْرٌو: أَمَّا الغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فَاللهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا، وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الحَدِيثِ. [انظر: ٨٥٨ - مسلم: ٨٤٦ - فتح: ٢/ ٣٦٤] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرٍ هَذَا. رَوَاهُ عَنْهُ بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، وَعِدَّةٌ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ يُكْنَى بِأَبِى بَكْرٍ وَأَبِى عَبْدِ اللهِ. ذكر فيه حديث علي -هو ابن المديني- ثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ المُنْكَدِرِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَاريُّ أشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمِ، وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ». قَالَ عَمْروٌ: أَمَّا الغُسْلُ فَأَشْهًدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فالله أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا، ولكن هَكَذَا فِي الحَدِيثِ. وأخرجه مسلم أيضًا (١)، وطرقه الدارقطني في «علله» (٢)، والبخاري صح عنده سماع عمرو من أبي سعيد، فإن الشهادة لا تكون إلا بالسماع، وإن رواه مرة عن ابن أبي سعيد عبد الرحمن، فيكون سمعه منهما، وإن ---------------- (١) «صحيح مسلم» (٨٤٦) كتاب: الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال وبيان ما أمروا به. (٢) «علل الدارقطني» ١١/ ٢٥٣ (٢٢٧٠). صحح الدارقطني الأول، وأبو بكر بن المنكدر لم يسم، كما قَالَ البخاري، وكذا قَالَ أبو حاتم: إنه لا يسمى (١)، وهو أخو محمد بن المنكدر وعمر بن المنكدر، وكان أسن من أخيه محمد، ومحمد يكنى: أبا بكر أيضًا، وأبا عبد الله، كما ذكره البخاري، وكلهم ثقات. والاستنان: مأخوذ من السنن، يقال: سننت الحديد: حككته عَلَى السن. وقيل له: الاستنان؛ لأنه إنما يستاك عَلَى الأسنان. و(«يمس»): بفتح الميم، وحكي ضمها. وقوله: («وأن يمس») كذا روي، وروي بحذف «أن». وفي مسلم: «ولو من طيب المرأة» (٢) أي: لأن طيبها مكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، وطيب الرجال بالعكس، وأباحه هنا للرجال للضرورة لعدم غيره، وهو دال عَلَى تأكده. وقوله: (أما الغسل فأشهد أنه واجب). أي: متأكد. وقوله في باب: الدهن للجمعة: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري (٣). وكذا في الدهن. يعني: أنه ليس كوجوب الغسل. وذكر الطحاوي والطبري أنه - ﷺ - لما قرن الغسل بالطيب يوم الجمعة وأجمع الجميع عَلَى أن تارك الطيب يومئذ غير حرج، إِذَا لم يكن لَهُ رائحة مكروهة يؤدي بها أهل المسجد، فكذا حكم تارك الغسل؛ لأن مخرجهما من الشارع واحد، وكذا الاستنان بالإجماع أيضًا، فكذا هما، وإن كان العلماء يستحبون لمن قدر عليه كما يستحبون اللباس الحسن (٤). ------------- (١) «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٤٣. (٢) «صحيح مسلم» (٨٤٦/ ٧) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة. (٣) سيأتي برقم (٨٨٤). (٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٦. وفي «المصنف»: وكان ابن عمر يجمر ثيابه كل جمعة (١). وقال معاوية بن قرة: أدركت ثلاثين من مزينة كانوا يفعلون ذَلِكَ (٢). وحكاه مجاهد عن ابن عباس (٣)، وعن أبي سعيد وابن مغفل وابن عمر ومجاهد نحوه (٤)، وخالف ابن حزم لما ذكر فرضية الغسل عَلَى الرجال والنساء، قَالَ: وكذلك الطيب والسواك (٥). وشرع الطيب؛ لأن الملائكة عَلَى أبواب المسجد يكتبون الأول فالأول، فربما صافحوه أو لمسوه. وفي حديث: «إن من الحق عَلَى المسلمين أن يغتسل أحدهم يوم الجمعة، وأن يمس من طيب إن كان عنده، وإن لم يكن فالماء له طيب» (٦). ---------------- (١) «المصنف» لابن أبي شيبة ١/ ٤٨١ (٥٥٤٧) كتاب: الصلوات، من كان يأمر بالطيب. (٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨١ (٥٥٤٦) السابق. (٣) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨١ (٥٥٤٣) السابق. (٤) رواه عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٤٨٠ - ٤٨١ (٥٥٤١، ٥٥٤٢، ٥٥٤٤) السابق. (٥) «المحلى» ٢/ ٨. (٦) رواه الترمذي برقم (٥٢٨ - ٥٢٩) من حديث البراء بن عازب، قال الترمذي: حديث البراء حديث حسن، ورواية هشيم أحسن من رواية إسماعيل بن إبراهيم التيمي، وإسماعيل بن إبراهيم التيمي يضعف في الحديث. وقال في «علله الكبير» ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥: سألت محمدًا عن هذا الحديث: فقال: عن ابن أبي ليلى عن البراء موقوف، وإسماعيل بن إبراهيم التيمي ذاهب الحديث، كان ابن نمير يضعفه جدًّا، ولم يعرف حديث هشيم عن يزيد بن أبي زياد، وحديث هشيم أصح وأحسن من حديث إسماعيل. قلت: مدار الحديث على يزيد بن أبي زياد، وقد اختلف في جرحه وتعديله: فعن شعبة: كان رفاعًا، وعن أحمد: ليس حديثه بذاك، وقال مرة: ليس بالحافظ، وعن ابن معين: ليس بالقوي. وقال العجلي: جائز الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلا أنه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». فرع: اختلف في الاغتسال في السفر، فممن كان يراه عبد الله بن الحارث وطلق بن حبيب وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين وطلحة بن مصرف (١). قَالَ الشافعي: ما تركته في حضر ولا سفر، وإن الشربة منه بدينار. وممن كان لا يراه علقمة وعبد الله بن عمر وابن جبير وابن مطعم ومجاهد وطاوس والقاسم بن محمد والأسود وإياس بن معاوية (٢). وفي كتاب ابن التين قبيل باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر، عن طلحة وطاوس ومجاهد أنهم كانوا يغتسلون للجمعة في السفر، واستحبه أبو ثور، وحكاه ابن بطال عنهم أيضًا (٣). فرع: عند مجاهد إِذَا اغتسل يوم الجمعة بعد الفجر من الجنابة أجزأه من غسل الجمعة (٤)، وهو قول للشافعي (٥). آخر: اغتسل ثمَّ أحدث، فعن النخعي: يعيده. وكذا ذكره طاوس، وخالفه عبد الرحمن بن أبزى وابن سيرين والحسن، وقالوا: لا يعيده. ذكره ابن أبي شيبة (٦)، ونقل ابن التين عن الحسن الإعادة. -------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨ (٥٠٣٧ - ٥٠٤٠) باب من كان يغتسل في السفر يوم الجمعة. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٣٧ (٥٠٣٠ - ٥٠٣٦). (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٩٠. (٤) روى ذلك عنه ابن أبي شيبة ١/ ٤٣٨ (٥٠٤١) كتاب: الصلوات من قال: إذا اغتسل يوم الجمعة بعد الفجر أجزأه. (٥) انظر: «الأوسط» ٤/ ٤٤، «المجموع» ٤/ ٤٠٦. (٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٣٨ (٥٠٤٨ - ٥٠٥٠). ٤ - باب فَضْلِ الجُمُعَةِ ٨٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَى -مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». [مسلم: ٨٥٠ - فتح: ٢/ ٣٦٦] ذكر حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً». أخرجه مسلم والجماعة (١)، ويأتي في الباب أيضًا. والكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: («غسل الجنابة») كذا رواه الجمهور، ولابن ماهان: غسل الجمعة. والمراد: غسلًا كغسل الجنابة في صفاته، وأبعد من قَالَ: إنه حقيقة حتَّى يستحب أن يواقع زوجته؛ ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه، وإن كان يؤيده حديث أوس في السنن الأربعة: «من غسل يوم --------------- (١) مسلم برقم (٨٥٠) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة، وأبو داود برقم (٣٥١) كتاب: الطهارة، باب: في الغسل يوم الجمعة، والترمذي برقم (٤٩٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التبكير يوم الجمعة، والنسائي في»المجتبى«٣/ ٩٩ كتاب: الجمعة، باب: وقت الجمعة، وفي»السنن الكبرى" ١/ ٥٢٦ (١٦٩٥) كتاب: الجمعة، باب: التبكير إلى الجمعة، وابن ماجه (١٠٩٢) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في التهجير إلى الجمعة. الجمعة واغتسل» (١) إلى آخره، عَلَى تفسير من فسر: «اغتسل» بغسل الجنابة، والأشبه فيه حمل غيره عَلَى الغسل بالحث والترغيب، وأبعد من قَالَ: إن المراد غسل ثيابه، واغتسل بجسده، حكاه ابن التين. ثانيها: المراد بالرواح هنا: الذهاب أول النهار. وقد نبه عليه ابن حبان في «صحيحه»، وقال: في الخبر دليل عليه ضد من قَالَ: لا يكون إلا بعد الزوال (٢). وهذا مذهب الكوفيين والأوزاعي والشافعي، وجماهير أصحابه، وأحمد وابن حبيب المالكي، ومحمد بن إبراهيم العبدري (٣). وذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي الحسين وإمام الحرمين أن المراد بالساعات هنا: لحظات لطيفة بعد الزوال، وكره مالك التبكير ---------------- (١) أبو داود (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، النسائي ٣/ ٩٥ - ٩٦، ابن ماجه (١٠٨٧). قال النووي في «المجموع» ٤/ ٤١٦، وفي «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٢٩: حديث حسن، وقال في «الخلاصة» ٢/ ٧٧٥ (٢٧١٧): رواه الثلاثة بأسانيد حسنة. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٧٣): إسناده صحيح. (٢) «صحيح ابن حبان» ٧/ ١٣. (٣) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٢٢٣، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٦٥، «الحاوي الكبير» ٢/ ٤٥٢، «المغني» ٣/ ١٦٤ والشافعية على خلاف حكاه النووي رحمه الله فقال: اتفق أصحابنا وغيرهم على استحباب التبكير إلى الجمعة في الساعة الأولى للحديث السابق، وفيما يعتبر منه الساعات ثلاثة أوجه الصحيح: عند المصنف والأكثرين من طلوع الفجر والثاني: من طلوع الشمس، وبه قطع المصنف في «التنبيه»، وينكر عليه الجزم به والثالث: أن الساعات هنا لحظات لطيفة بعد الزوال، واختاره القاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهما من الخراسانيين وهو مذهب مالك، واحتجوا بأن الرواح إنما يكون بعد الزوال، وهذا ضعيف أو باطل، والصواب أن الساعات من أول النهار؛ وأنه يستحب التبكير من أول النهار، وبهذا قال جمهور العلماء، وحكاه القاضي عياض عن الشافعي وابن حبيب المالكي وأكثر العلماء، «المجموع» ٤/ ٤١٣ - ٤١٤. في أول النهار (١). والأصح عند أصحابنا أن أولها من طلوع الفجر لا من طلوع الشمس (٢)، ونقل ابن بطال مقابله عن الكوفيين (٣)، وبسطنا الكلام عليه في «شرح العمدة» فليراجع منه (٤). ثالثها: معنى «قرب»: تصدق. والبدنة: الواحدة من الإبل والبقر والغنم، وخصها جماعة بالإبل، وهو المراد هنا، ويعجب مالك ممن قَالَ: لا تكون البدنة إلا من الإناث (٥). ونقله ابن التين عن الشافعي، وأبعد من قَالَ: إن الغنم لا تسمى هديًا. والبقرة: تطلق عَلَى الذكر والأنثى، الأهلي والوحشي، ووصف الكبش بالأقرن؛ لكماله به، ففيه فضيلة عَلَى الأجم، والدجاجة مثلثة الدال، وحضر بفتح الضاد أفصح من كسرها. رابعها: في فقهه: فيه: الحث عَلَى التبكير إلى الجمعة، وأن مراتب الناس في الفضيلة فيها وفي غيرها بحسب أعمالهم، وأن القربان والصدقة تقع عَلَى القليل كالكثير، وقد جاء في النسائي بعد الكبش بطة ثمَّ دجاجة ثمَّ بيضة، وفي أخرى: دجاجة ثمَّ عصفور ثمَّ بيضة، بإسنادهما صحيح (٦). وفيه: إطلاق القربان عَلَى الدجاجة والبيضة، والمراد: الصدقة. -------------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ١٨٣. (٢) انظر: «المجموع» ٤/ ٤١٤. (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٨٠. (٤) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ١٥٨ - ١٦١. (٥) «المدونة» ١/ ٣٠٨. (٦) «المجتبى» ٣/ ٩٨ - ٩٩، كتاب: الجمعة، باب: التبكير إلى الجمعة. وقيل: هو محمول عَلَى حكم ما تقدمه كقولك: أكلت طعامًا وشرابًا، وعلفتها تبنًا وماءً باردًا. وفيه: أن التضحية بالإبل أفضل من البقر؛ لأنه - ﷺ - قدمها أولًا وتلاها بالبقرة، وأجمعوا عليه في الهدايا، واختلفوا في الأضحية (١)، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور أن الإبل أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الغنم كالهدايا (٢)، ومذهب مالك أن الغنم أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الإبل (٣). قالوا: لأنه - ﷺ - ضحى بكبشين (٤)، وهو فداء إسماعيل. وحجة الجمهور حديث الباب مع القياس عَلَى الهدايا، وفعله لا يدل عَلَى الأفضلية بل عَلَى الجواز، ولعله لما لم يجد غيره، كما ثبت في الصحيح أنه - ﷺ - ضحى عن نسائه بالبقر (٥). الخامس: الملائكة المذكورون غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضريها، قاله المازري ثمَّ النووي (٦). وقال ابن أبي بزيزة: لا أدري هم أو غيرهم. وقوله: («فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر») لا تنافي بينه وبين الراوية الأخرى في الصحيح: «فإذا جلس الإمام -------------- (١) انظر:»التمهيد«٤/ ١٦. (٢) انظر:»مختصرالطحاوي«ص ٣٠١،»المجموع«٤/ ٤١٢،»المغني«١٣/ ٣٦٦. (٣) انظر:»عيون المجالس«٢/ ٩٣٢. (٤) سيأتي الحديث الدالُّ على هذا برقم (٥٥٥٣) كتاب: الأضاحي، باب: في أضحية النبي - ﷺ - بكبشين. (٥) سلف الحديث الدال على هذا برقم (٢٩٤) كتاب: الحيض، باب: الأمر بالنفساء إذا نفس. (٦)»صحيح مسلم بشرح النووي" ٦/ ١٣٧. طووا الصحف» (١) لأن بخروج الإمام يحضرون من غير طي، فإذا جلس عَلَى المنبر طووها. وفي رواية لابن خزيمة: «على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الأول فالأول» الحديث (٢). وفي حديث عبد الله بن عمرو: «ورفعت الأقلام فتقول الملائكة بعضهم لبعض: ما حبس فلانًا؟ فتقول الملائكة: اللَّهُمَّ إن كان ضالًا فاهده، وإن كان مريضًا فاشفه وإن كان عائلًا فأغنه» (٣). وفي «الديباج» للختلي من حديث عائشة مرفوعًا: «الأول فالأول حتَّى يكتبان أربعين ثمَّ يطويان الصحف، ويقعدان يسمعان الذكر» (٤). والمراد بالذكر: الخطبة، وقد بين ذَلِكَ في حديث ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال: يستمعون الخطبة، فمن أتى والإمام في الخطبة فاته الكتابة في الصحف، وله أجر المدرك لا المسارع. ------------------ (١) ستأتي هذِه الرواية برقم (٩٢٩) باب: الاستماع إلى الخطبة. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ١٣٤ (١٧٧٠) كتاب: الجمعة، باب: ذكر عدد من يقعد على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة من الملائكة. (٣) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ١٣٤ - ١٣٥ (١٧٧١) كتاب: الجمعة، باب: ذكر دعاء الملائكة للمتخلفين عن الجمعة بعد طيهم الصحف. وسكت عنه الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٣٦١ وقال الألباني: إسناده ضعيف. (٤) «الديباج» ص. ٥ - باب ٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا هُوَ إِلاَّ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ»؟! [انظر: ٨٧٨ - مسلم: ٨٤٥ - فتح: ٢/ ٣٧٠] ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، الحديث. وأخرجه مسلم أيضًا (١) وقد سلف من طريق عمر قريبًا واضحًا (٢). ----------------- (١) «صحيح مسلم» (٨٤٥) كتاب: الجمعة. (٢) برقم (٨٧٨). ٦ - باب الدُّهْنِ لِلجُمُعَةِ (١) ٨٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى». [٩١٠ - فتح: ٢/ ٣٧٠] ٨٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ طَاوُسٌ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «اغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا الغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي. [٨٥٥ - مسلم: ٨٤٨ - فتح: ٢/ ٣٧٠] ٨٨٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَة، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ. [انظر: ٨٨٤ - مسلم: ٨٤٨ - فتح: ٢/ ٣٧١] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن وديعة عن سلمان الفارسي قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الامَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرى». ------------------ (١) في هامش الأصل ما نصه: بلغ في الحادي بعد الثمانين. كتبه مؤلفه. ويأتي إن شاء الله قريبًا (١) وهو من أفراده، ونعلم بعضه من طريق أبي هريرة، وأخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث قرثع الضبي عن سلمان (٢)، وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن وديعة عن أبي ذر الغفاري (٣)، وذكره الإسماعيلي فقال: رواه المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن أبي ذر، ورواه مرة بإسقاط أبيه وزيادة: «ثلاثة أيام» ورواه ابن سعد من حديث سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن رسول الله، ذكره في الطبقة الثالثة من الصحابة في ترجمة ثابت بن وديعة، ورواه أيضًا من حديث ثابت بن وديعة بن خذام عن رسول الله، ولثابت صحبة، وذكره في الطبقة الثالثة (٤)، ورواه المقبري عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا (٥). ------------------- (١) سيأتي برقم (٩١٠) كتاب: الجمعة، باب: لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة. (٢) «السنن الكبرى» ١/ ٥١٨ (١٦٦٥) كتاب: الجمعة، باب: ذكر فضل يوم الجمعة، و«صحيح ابن خزيمة» ٣/ ١١٨ (١٧٣٢) كتاب: الجمعة، باب: ذكر العلة التي أحسب لها سميت الجمعة: جمعة. (٣) «سنن ابن ماجه» (١٠٩٧) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الرخصة يوم الجمعة. (٤) «الطبقات الكبرى» ٤/ ٣٧٣. (٥) حديث أبي هريرة رواه ابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ١٥٢ (١٨٠٣) كتاب: الجمعة، باب: فضل الإنصات والاستماع للخطبة، والبيهقي ٣/ ٢٤٣ (٥٩٥٧) كتاب: الجمعة، باب: السند في التنظيف يوم الجمعة بغسل، قال ابن أبي حاتم في «علله» ١/ ٢٠١ - ٢٠٢ (٥٨١): وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث: رواه سليمان بن بلال، عن صالح عن النبي - ﷺ - قال: «إذا كان يوم الجمعة ..» الحديث. فقالا: هذا خطأ، هو عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، قال: ابن عجلان عن أبي ذر، وقال: ابن أبي ذئب، عن سلمان الخير، وقال أبو زرعة: حديث ابن عجلان أشبه، وقال أبي: حديث ابن أبي ذئب أشبه؛ لأنه قد تابعه الضحاك بن عثمان، وقال أبي: قال يحيى بن معين: ابن أبي ذئب أثبت في المقبري من ابن عجلان أ. هـ. وفيه: أن غسل الجمعة مطلوب لهذا الثواب، وأن الادهان لخروجه إليها كذلك كالطيب، وهو إجماع كما قاله ابن بطال (١). قَالَ: وروي في حديث قرثع عن سلمان مرفوعًا: «إِذَا توضأ الرجل» الحديث فذكر مكان الغسل الوضوء، وهو دال عَلَى أن الثواب الموصوف إنما هو لمن شهد الجمعة بالصفة التي وصفها، وأنصت لخطبة إمامه وقراءته في صلاته دون من لم ينصت، والمعذور لعدم السماع ملحق به. وابن وديعة اسمه: عبد الله بن وديعة بن خذام تابعي، وذكره أبو حاتم الرازي وغيره في الصحابة، وتبعهم الذهبي في «تجريده» فجزم به (٢)، وليس لَهُ في البخاري غير هذا الموضع الواحد، ووديعة منافق، ووالده (٣) رد - ﷺ - نكاح بنته خنساء (٤). وسلمان الخير المعمر مات سنة ست وثلاثين بعد الجمل، كذا قاله الدمياطي في «حاشيته»، وقال الواقدي: مات في خلافة عثمان بالمدائن. الحديث الثاني: حديث طاوس لابن عباس: ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «اغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رؤوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا». وقد سلف. ثمَّ ذكره من طريق آخر عنه: فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا ------------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٨٣. (٢) وبيض له مغلطاي في «الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة» ١/ ٣٨٨ (٦٢٧). (٣) في هامش الأصل: يعني والد وديعة وهو خذام. (٤) حديث ردِّ النبي - ﷺ - نكاح خنساء بنت خذام بعد أن زوجها أبوها وهي كارهة سيأتي برقم (٥١٣٨) كتاب: النكاح، باب: إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود. إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ. وهذِه في مسلم (١)، وهو محمول عند الفقهاء عَلَى الندب كما سلف. وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يجزئ غسل واحد للجنابة والجمعة (٢). قَالَ ابن بطال: ورويناه عن ابن عمر ومجاهد ومكحول ومالك والثوري والأوزاعي وأبي ثور (٣)، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه (٤)، وهو قول أشهب وغيره (٥)، وبه قَالَ المزني (٦)، وقال آخرون: لا يجزئه عن غسل الجنابة حتَّى ينويها، وهو قول مالك في «المدونة» وذكره ابن عبد الحكم (٧)، وذكر ابن المنذر عن بعض ولد أبي قتادة أنه قَالَ: من اغتسل للجنابة يوم الجمعة، اغتسل للجمعة (٨)، وقال ابن حبيب: لم يختلف قول مالك ومن علمت من أصحابنا فيمن اغتسل للجنابة وهو ناسٍ للجمعة؛ أن ذَلِكَ لا يجزئه عن غسل الجمعة غير محمد بن عبد الحكم فإنه قَالَ: غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة، ولا يجزئ عكسه (٩)، قَالَ الأبهري: لأن غسل الجنابة فرض بخلاف غسل الجمعة. وقوله في الحديث الأول: («ويتطهر ما استطاع») يعني: إن لم يمنعه من ذَلِكَ مانع ووجد الطيب، وقال الداودي: يعني: إن استطاع الغسل وإلا تطهر بالوضوء. وقوله: («أو يمس من طيب بيته») أي: امرأته. ------------------- (١) «صحيح مسلم» (٨٤٨) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة. (٢) «الأوسط» لابن المنذر ٤/ ٤٣. (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٨٤. (٤) انظر: «المغني» ٣/ ٢٢٨. (٥) انظر: «الاستذكار» ٢/ ١٩. (٦) «مختصر المزني» ص ٢١. (٧) «المدونة» ١/ ١٣٦. (٨) «الأوسط» ٤/ ٤٤. (٩) انظر: «الاستذكار» ٢/ ٢٠. وقوله: («ولا يفرق بين اثنين») أي: لا يتخطاهما أو يجلس بينهما عَلَى ضيق الموضع، وقال ابن أبي صفرة: سألت الأصيلي عنه قَالَ لي: يريد أنه قائم يصلي النافلة عَلَى قدميه، ولم يفرق بين قدميه، وفيه نظر، فانه ذكر الصلاة بعد التفرقة، ولو كان كما قَالَ، لقال: ثمَّ يصلي غير مفرق بين اثنين. وسيأتي له مزيد في بابه، وممن كره التخطي القاسم بن مخيمرة، وسعيد بن المسيب، وعروة وابن سيرين وأبو مسعود وشريح، وسلمان الخير، وأبو هريرة، وكعب الحبر. وقال الحسن: لا بأس أن يتخطى رقاب الناس إِذَا كان في المسجد سعة (١). وقوله: («ثمَّ يصلي ما كتب له») فيه أن التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة مستحب وأن النوافل المطلقة لا حد لها لقوله: «ما كتب له»، وفي رواية: «ما قدر له» (٢). وقوله: «ثمَّ ينصت إِذَا تكلم الإمام» ووقع في بعض الروايات: «ثمَّ أنصت» وهو نقل الجمهور في مسلم (٣)، ووقع في بعض الأصول: «انتصت» بزيادة تاء مثناة فوق، ووهمها عياض (٤)، وليس كذلك بل لغة صحيحة، قَالَ الأزهري: قال: أنصت، وتنصت وانتصت ثلاث لغات، والإنصات: السكون (٥)، والاستماع: الإصغاء. ------------------ (١) رواه عن الحسن ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٣ (٥٤٧٨) كتاب: الأذان والإقامة، باب: في تخطي الرقاب يوم الجمعة. (٢) رواها مسلم (٨٥٧) كتاب: الجمعة، باب: فضل مَن استمع وأنصت في الخطبة. (٣) التخريج السابق. (٤) «إكمال المعلم» ٣/ ٢٥٢. (٥) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٥٨٢. واختلف العلماء في الكلام هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه؟ وهما قولان للشافعي: قديم وجديد (١). قَالَ القاضي: قَالَ مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة (٢)، وحكي عن الشعبي والنخعى وبعض السلف أنه لا يجب إلا إِذَا تلي فيها القرآن. قالَ: واختلفوا إِذَا لم يسمع الإمام هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟ فقال الجمهور: يلزمه، وقال النخعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه، ولو لغا الإمام هل يلزم الإنصات أم لا؟ فيه قولان لأهل العلم (٣)، وفي قوله: «إِذَا تكلم الإمام» دليل أن الإنصات إنما هو في حال كلامه في الخطبة (٤)، وعن أبي حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام (٥). وقوله: («إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى») قيل: المراد ما بينهما من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذَلِكَ الوقت من الجمعة الأخرى حتَّى تكون سبعة أيام سواء، وأما الثلاثة الأيام السالفة الزائدة؛ فلأجل أن الحسنة بعشر أمثالها، كما فسر في الحديث. قَالَ الداودي: وهذا لا يكون إلا قبل ما سمع منه عثمان وغيره في الوضوء أنه يغفر له مع آخر قطر الماء يبشرهم بالشيء ثمَّ بأكثر منه. ------------------- (١) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٢٨. (٢) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢٨ - ٢٩، و«المدونة» ١/ ١٣٨ - ١٣٩ و«الأم» ١/ ١٨٠. (٣) حكاهما القرطبي في «المفهم» ٣/ ١٤٣٨. (٤) «الإعلام» ٤/ ١٤٧ - ١٤٨. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٣٨، «المبسوط» ٢/ ٢٩. فرع: إِذَا بلغ في الخطبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] صلى القوم. وقال الطحاوي: يجب عليهم أن يصلوا عليه (١) والذي عليه عامة المشايخ أنهم ينصتوا من أولها إلى آخرها من غير أن يذكروا الله ورسوله. قَالَ ابن المنذر: وهذا أحب إليَّ (٢). وعن أبي يوسف: يصلون عليه سرًّا، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق (٣)، وهذا كله في حق القريب من الإمام، وأما البعيد فليس فيه رواية عندهم، وكان الحكم بن زهير شيخ الحنفية ينظر في الفقه (٤)، وأجمعوا أنه لا يتكلم بكلام الناس. واختلفوا في القراءة والذكر، وقال ابن قدامة: لا فرق بين القريب والبعيد أن يذكر الله ويقرأ القرآن، ويصلي عَلَى النبي ولا يرفع صوته، وله أن يذاكر بالفقه ويصلي النافلة (٥). ------------- (١) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٦٧. (٢) «التمهيد» ٤/ ٤٨. (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٤، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٧٥، «الأوسط» ٤/ ٨١، «المغني» ٣/ ١٩٧. (٤) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢٨. (٥) «المغني» ٣/ ١٩٧. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |