شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5293 - عددالزوار : 2693302 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4896 - عددالزوار : 2036700 )           »          البشرة الوردية حلم كل فتاة.. كيف تحصلين عليها من الطبيعة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          7 استخدامات للسدر للعناية بالشعر والبشرة.. للتنظيف العميق وعلاج القشرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          7 حيل سهلة لتخزين اللحوم بأمان والحفاظ عليها كالطازجة لأطول وقت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          طريقة عمل طاجن البطاطس باللحم المفروم فى الفرن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          أسرار تنظيف الممبار زى الشيفات.. 6 خطوات سهلة تخلصك من الروائح والشوائب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          ما بقاش عندى ثقة فى حد.. ماذا تعرف عن اضطراب الثقة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          طريقة عمل الرقاق الناشف.. أساسي على مائدة عيد الأضحى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          5 خطوات توحد لون البشرة فى الصيف وتحميها من بقع الشمس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 04-05-2026, 07:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,577
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم.. باب: تَحْريمُ بَيْعِ الخَمْر


  • الخَمرُ أمُّ الخبائثِ وضَررُها أكثرُ مِن نفْعِها ولا يحلّ للمُسلمِ أنْ يَشرَبَها وقد حرَّمَ الشَّرعُ كلَّ أنواع الخَمرِ وكلَّ أنواع الانْتِفاعِ بها
  • أحلَّ اللهُ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ
عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَئيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ: أَنَّهُ سَأَلَ عبداللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ العِنَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَاناً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟» فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا؛ حَرَّمَ بَيْعَهَا». قَالَ: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيها، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1206) باب: تحريم بيع الخمر.
في هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ عبدالرَّحمنِ بنُ وَعْلةَ، أنَّه سألَ عبداللهِ بنَ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عن حُكمِ الشَّرابِ الَّذي يُعصَرُ مِنَ العنَبِ، وظاهِرُه أنَّه يَسألُ عنِ الخَمرِ الَّتي تُتَّخذُ منَ العنَبِ، فأخبَرَه عبداللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ رجُلًا أَهْدَى إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رَاويةَ خَمرٍ» والرَّاويةُ: هي القِرْبةٌ منَ الجِلدِ.
هَلْ علِمْتَ أنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدْ حرَّمَها؟
فسَألَه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ علِمْتَ أنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدْ حرَّمَها؟» لعلَّ السُّؤالَ كان ليَعرِفَ حالَه، فإنْ كان عالِماً بتَحريمِها، أنكَرَ عليه هَديَّتَها، وإمْساكَها، وحَملَها، وعزَّرَه على ذلك، فلمَّا أخبَرَه أنَّه كان جاهلاً بذلك عذَرَه، ولعلَّ الرَّجلَ كان مِنْ خارجَ المدينةِ قبلَ أنْ يَنتشِرَ حُكمُ تَحريمِها، فنَفى الرَّجلُ عِلمَه بالنَّهيِ والتَّحْريمِ.
قوله: «فَسَارَّ إِنْسَانا»ً
  • قوله: «فَسَارَّ إِنْسَانا»ً أي: فكلَّمَ هذا الرَّجلُ رَجلاً آخَرَ بجِوارِه سرّاً، دونَ أنْ يَسمَعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فسَألَه - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ سَارَرْتَه؟» وإنَّما سأَلَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عمَّا سرَّ به؛ لمَا غلَبَ في ظنِّه أنَّ كلامَه للآخَرِ؛ كان فيه ما يتعَلَّقُ بتلك الخَمرِ، فأرادَ أنْ يُبيِّنَ له شُموليَّةَ حُكمِ الخَمرِ، وأنَّ التَّحريمَ يَتعدَّى شُربَها كما سيأْتي، فَأجابَ الرَّجلُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أمَرْتُه بِبَيْعِها»، وفي رِوايةٍ لأحمدَ: «فأقبَلَ الرَّجلُ على غُلامِه، فقال: اذهَبْ فبِعْها».
إنَّ الَّذي حرَّمَ شُربَها حرَّمَ بيْعَها
  • قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الَّذي حرَّمَ شُربَها حرَّمَ بيْعَها» أي: فبَيعُها حَرامٌ مِثلُ شُربِها، وقولُه: «الَّذي» كنايةٌ عنِ اسمِ اللهِ -تعالى-، فكأنَّه قال: إنَّ اللهَ حرَّمَ شُربَها، وحرَّمَ بَيعَها. ويَحتمِلُ أنْ يكونَ مَعناه: إنَّ الَّذي اقْتَضى تَحريمَ شُربِها، اقْتَضى تَحريمَ بَيعِها؛ إذ لا تُرادُ إلَّا للشُّربِ، فإذا حُرِّمَ الشُّربُ لم يجُزِ البَيعُ؛ لأنَّه يكونُ من أكْلِ المالِ بالباطِلِ، وهو داخل في قوله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2)، فيأمر عباده المؤمنين بالتعاون على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم. قال ابن جرير: «الإثم» تَركُ ما أمَرَ الله بفعله، و»العُدْوان» مُجاوزة ما حدّ الله في دِينكم، ومُجَاوزة ما فَرَضَ اللهُ عليكم في أنفسكم، وفي غيركم.
  • قوله: «فَفتحَ الرَّجلُ المَزادةَ» وهي القِرْبةُ، «حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيها» أي: حتَّى سَكَبَ ما فيها، وتَخلَّصَ منه، وظاهرٌ من إيرادِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- هذا الحديثَ جواباً لسُؤالِ عبدالرَّحمنِ بنِ وَعْلةَ: أنَّه أرادَ أنَّ التَّحريمَ يقَعُ في كُلِّ ما يكونُ يُعَدُّ خَمراً، ويكونُ مُسكِراً، ومُغيِّباً للعقلِ، سواءٌ أكانت مُتَّخَذةً منَ العنبِ، أو من غيرِها.
فوائد الحديث
  • النَّهْيُ عَن بَيْعِ الخَمرِ.
  • وفيه: أنَّ مَن أَهْدَى المُحَرَّمَ لم تُقبَلْ هَدِيَّتُه.
  • وفيه: أنَّ مَنِ ارتكَبَ مَعْصيةً جاهلًا بتَحْريمِها لا إثْمَ عليه، ولا تَعزيرَ.
  • وأنّ الخَمرُ أمُّ الخبائثِ، وضَررُها أكثرُ مِن نفْعِها، ولا يحلّ للمُسلمِ أنْ يَشرَبَها، وقد حرَّمَ الشَّرعُ كلَّ أنواع الخَمرِ، وكلَّ أنواع الانْتِفاعِ بها.
  • وفيه: حُسنُ تَعليمِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه.
باب: تَحْريمُ بيعِ المَيْتَةِ والْأَصْنَامِ والخِنْزِيرِ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؛ فَقَالَ: «لَا هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا؛ أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1207) باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.
تحريم بيع الخمور بكل أنواعها
في هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبداللهِ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خطبَ الناس عامَ فتْحِ مكَّةَ في السَّنةِ الثامنةِ مِن الهِجرةِ، فحرَّمَ بَيعَ الخمرِ بكلِّ أنْواعِها، وحرَّمَ المَيتَةِ مِن الحَيَواناتِ والطُّيورِ، والخِنزيرِ الَّذي حَرَّمه اللهُ في كِتابِه، وحرَّمَ بيعَ الأصنامِ، وهي التَّماثيلُ المُصوَّرةُ المُجسَّمةُ؛ لأنَّها تكونُ ذَريعةً إلى الشِّركِ باللهِ -تعالى-، سَواءٌ كان بمُضاهاتِهم ومُشابَهتِهم اللهَ -تعالى- في خلْقِه، أو بعِبادتِها كما فَعَل الناس في الجاهليَّةِ. وقال ابن التين: بيعها ما دامتْ مُصوّرة ممنوع، وإذا طُمِست صُورها؛ جاز بيعها، كانت فضةً أو نحاساً أو حَجَراً، والنّهي في الشحوم منصب عند أكثر العلماء إلى البيع دُون الانتفاع، وأجاز أبو حنيفة بيع شحوم الميتة وخالف الحديث؟ ونَحَا إليه ابن وهب وسلف، واستدل الخطّابي بجواز الانتفاع؛ بإجماعهم أنّ مَنْ ماتتْ له دابة؛ ساغ له إطْعامها لكلابه، فكذلك الدُّهن، وظاهر كلام عبدالملك منعه.
أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟
  • قوله: «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، أي: أخْبَرَه النَّاسُ أنَّ شُحومَ الحَيواناتِ الَّتي تَموتُ؛ يُنتفَعُ بها في طِلاءِ السُّفنِ ودَهْنِ الجُلودِ، ويَجعَلُها النَّاسُ في مَصابيحِهم يَستضِيئونَ بها، فهلْ يَجوزُ ذلك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا، هو حَرامٌ» أي: قَطْعاً؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ المَيتةَ في كِتابِه، وكل وجوه الانتفاع بها،
ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عندَ ذلك: «قاتَلَ اللهُ اليَهودَ» أي: أهلَكَهُم ولَعَنَهم؛ «إنَّ اللهَ لَمَّا حرَّمَ شُحومَها» والمرادُ: شُحومُ المَيتةِ، أو شُحومُ البقَرِ والغنَمِ، كما أخْبَرَ -تعالى- بقَولِه: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} (الأنعام: 146).
  • قوله: «جَمَلُوه» أي: أذابُوه، أي: أذابُوا هذه الشُّحومَ ثُمَّ باعُوها؛ تَحايُلاً على الشَّريعةِ، وعلى ما حرّم الله، وأخَذوا ثَمَنَها، فاستَحقُّوا اللَّعنةَ مِنَ اللهِ -تعالى-، وفي هذا تَحذيرٌ مِن التَّحايُلِ على المُحرَّماتِ كما فَعَلَت بَنو إسرائيلَ.
فوائد الحديث
  • إبطالُ الحِيَلِ والوَسائلِ إلى المُحرَّمِ.
  • وفيه: أنَّ الشَّيءَ إذا حُرِّمَ عَينُه حُرِّم ثَمَنُه.
  • وفيه: أنّ اللهُ أحلَّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 04-05-2026, 08:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,577
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهْيُّ عن ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ البَغِيِّ وحُلْوَانِ الكَاهِنِ


  • حرص الإسلامُ على اتِّخاِذ سُبُلِ الرِّزقِ الطيِّبةِ والبُعدِ عن كُلِّ كسب خَبيث
  • نَهَى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكلْبِ وأخْذِ ثَمَنِه مُطلقاً وما يُكتسب مِنْ ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومَهْرِ الْبَغِيِّ، وحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» رواه مسلم في المساقاة (3/1198) باب: تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنّهي بيع السنّور.
  • في هذا الحديثِ نَهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثَلاثةِ أشياءَ:
الأوَّلُ: النهي عن بيع الكلب
نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكلْبِ، وأخْذِ ثَمَنِه مُطلقاً، وما يتمَّ كَسْبُهُ مِنْ ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ وذلك لأنَّ الكلْبَ مَنْهِيٌّ عَنِ اقتنائِهِ وتَربيتِهِ، إلَّا كلْبَ الماشيةِ والحَرْث. قيل: إنَّ هذا حكْمٌ عامٌّ، سُواءٌ كان مُعلَّماً على الصَّيدِ أو غيرَ مُعلَّمٍ، أو كان ممَّا يَجوزُ اقتِناؤه، أو ممَّا لا يَجوزُ اقتِناؤُه.
  • والصحيح: أنّه يُستثنَى مِن ذلك كَلبُ الحِراسةِ والصَّيدِ؛ لأنَّه ذُو مَنفَعةٍ، مأذونٍ فيه، كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنِ اقتَنى كَلباً إلَّا كَلباً ضارياً لصَيدٍ، أو كَلبَ ماشيةٍ، فإنَّه يَنقُصُ مِن أجرِه كُلَّ يَومٍ قيراطانِ»؛ متفق عليه.
وكما في سُنَنِ أبي داود والتِّرمذيِّ: «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكلْبِ، إلَّا كلبِ الصيدِ»، أخرجه أبو داود (3484) أوله بنحوه في أثناء حديث، والترمذي (1281) واللفظ له، والنسائي (4675)، وابن ماجة (2160)، وأحمد (10489)، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ النَّهيُ عن ثمَنِ الكلْبِ كان في بَدءِ الإسلامِ، ثمَّ نُسِخَ ذلك، وأُبِيحَ الاصطيادُ به، وكان كسائرِ الجَوارحِ في جَوازِ بَيْعِه, قال الحافظ: «ظاهرُ النّهي تَحريم بيعه، وهو عامٌّ في كلّ كلبٍ معلّماً كان أو غيره، ممّا يَجُوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومِنْ لازم ذلك: أنْ لا قيمةَ على مُتْلفه، وبذلك قال الجمهور؛ انتهى. وقال عطاء والنّخعي: يجوزُ بيع كلبِ الصّيد دون غيره». «فتح الباري» (4/ 426).
الثاني: النهي عن مَهْرِ البَغِي
  • قوله: «ومَهْرِ البَغِي» هو ما تُعطاه على الزّنا، وسُمّي مَهْراً لكَونِه على صُورتِه، أو على سبيل المجاز، إذْ هو حَرام؛ لأنه في مقابلة حرام، فمَهْرِ البَغيِّ، وهو الثَّمَنُ الَّذي تَتَقاضاهُ الزَّانيةُ مُقابلَ تَسليمِ نفْسِها للرجُلِ الأجْنبيِّ، وقدْ كانوا في الجاهليَّةِ يُكرِهون إماءَهم على الزِّنا والاكتسابِ به، فأنْكَرَ الإسلامُ عليهم ذلك، كما في قَولِ اللهِ -تعالى-: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور: 33), في حديث أبي هريرة: «نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كَسْبِ الإمَاء». زاد أبو داود: من حديث رافع بن خُديج: «نَهَى عن كسْبِ الأمَة، حتّى يُعْلمَ مَنْ أينَ هو؟».
الثالث: النهي عن حلوان الكاهن
  • قوله: «وحُلْوانِ الكَاهِن» وهو ما يُعطَاه على كهانته، وأصْله مِنَ الحَلاوة، شُبّه بالشيء الحُلو؛ مِنْ حيث إنه يأخذه سَهلاً بلا كلفةٍ ولا مَشقّة، قال الحافظ: وهو حرامٌ بالإجْماع، لما فيه مِنْ أخَذ العِوض على أمرٍ بَاطل، وفي معناه: التنجيم والضرب بالحصى، وغير ذلك ممّا يَتعاطاه العَرّافون من استطلاع الغيب». «الفتح» (4/ 427).
وقال في كتاب الطب: «والكهانة ادّعاء علم الغيب، كالأخْبار بما سيقع في الأرض مع الاسْتناد إلى سبب، والأصلُ فيه استراقُ الجِنّي السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذُن الكاهن، والكاهن لفظٌ يُطلق على العَرّاف، والذي يَضرب بالحَصَى والمُنْجم، ويُطلق على مَنْ يقوم بأمرٍ آخر، ويَسَعى في قضاء حوائجه». «الفتح» (10/ 216).
أنواع الكهانة
وقال الخطابي: «الكهنة قومٌ لهم أذهانٌ حادّة، ونفوسٌ شريرة، وطباعٌ نارية، فألِفَتهم الشياطين لما بينهم مِنَ التّناسب في هذه الأمُور، ومساعدتهم بكلّ ما تَصل قُدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية، خُصُوصاً في العرب، لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أربعة أصناف:
النوع الأول: التلقي من الجن
منها: ما يتلقّونه مِنَ الجنّ، فإنّ الجنّ كانوا يَصْعدُون إلى جِهة السّماء، فيركبُ بعضُهم بعضاً إلى أنْ يدنُو الأعلى؛ بحيثُ يسمعُ الكلام، فيُلقيه إلى الذي يليه إلى أنْ يتلقّاه مَنْ يلقيه في أذُن الكاهن، فيزيدُ فيه، فلمّا جاء الإسلام ونَزَل القرآن، حُرسَت السّماء مِنَ الشّياطين، وأُرْسلت عليهم الشُّهُب، فبقيَ مَن اسْتراقِهم ما يَتخطّفُه الأعلى، فيُلقيه إلى الأسْفل قبل أنْ يُصيبه الشّهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله -تعالى-: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} (الصافات: 10)، وكانت إصابةُ الكهان قبل الإسلام كثيرة جدًّا؛ كما جاء في أخبار شقّ وسطيح ونحوهما، وأمّا في الإسْلام فقد ندر ذلك جدّاً، حتى كادَ يَضمحلُ، ولله الحمد.
النوع الثاني: ما يُخبر الجنّيّ به مَنْ يُواليه
ما يُخبر الجنّيّ به مَنْ يُواليه، بما غابَ عن غيره ممّا لا يطلع عليه الإنسان غالباً، أو يطّلع عليه مَنْ قرُب منه لا من بعد.
النوع الثالث: ما يُستندُ إلى الظَنٍّ والتخمينٍ
ما يُستندُ إلى ظَنٍّ وتخمينٍ وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة؛ مع كثرة الكذب فيه.
النوع الرابع: ما يستند إلى التّجربة والعادة
رابعها: ما يستند إلى التّجربة والعادة، فيستدلُّ على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يُضَاهي السِّحر، وقد يعتقد بعضهم في ذلك بالزّجر والطَّرْق والنُّجوم، وكلُّ ذلك مذمومٌ شرعًا، وورد في ذمّ الكِهَانة ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم: من حديث أبي هريرة رفعه: «ومَنْ أتَى كاهِناً أو عَرّافاً فصدَّقه بما يقول، فقد كَفَر بما أنزلَ على مُحمّد». ولمسلم: من حديث امرأة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومَنْ أتَى عَرّافاً أو سَاحِراً أو كاهناً؛ فصَدّقه بما يقول، لمْ تُقبل له صلاةُ أرْبعينَ يوماً». «الفتح» (10/ 216). - قال الحافظ: «والوعيدُ قد جاء تارةً بعدَم قَبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي، أشارَ إلى ذلك القرطبي، والعَرّاف: مَنْ يَستخرج الوقوف على المغيبات؛ بِضَربٍ مِنْ فعلٍ أو قول». انتهى. - قال شيخ الإسلام: «وصناعةُ التّنْجيم، وأخذُ الأجْرة عليها، وبذلها، حَرامٌ بإجْماع المسلمين، وعلى وُلاة أمُور المُسْلمين المَنْع من ذلك، والقيام في ذلك؛ مِنْ أفضل الجِهادِ في سبيل الله». «مجموع الفتاوى» (35/ 197).
فوائد الحَديثِ
  • تحريم بيع الكلب؛ إلا كلبَ الصّيد المعلّم.
  • وفيه: الحثُّ على تَجنُّبِ البُيوعِ الخَبيثةِ، ببَيعِ المُحرَّماتِ أو المَنْهيِّ عنه.
  • حِرصُ الإسلامُ على اتِّخاِذ سُبُلِ الرِّزقِ الطيِّبةِ، والبُعدِ عن كُلِّ سَبيلٍ خَبيثةٍ.
باب: النَّهْيُّ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً - رضي الله عنه -: عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟ قَالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ»، أخرجه مسلم في الباب السابق، في هذا الحديثِ يقولُ جابِرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما-: «زَجرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- عن ثَمَنِ الكَلبِ»، أي: نَهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكَلبِ أو شِرائِه بشدّةٍ، لأنَّ الكَلبَ لا يُؤكَلُ، ويَحرَّمٌ اقتناؤه؛ إلا الكلبَ المُعلّم للصّيد والحِراسة كما سبق. قال: «والسِّنَّوْرِ» أي: نَهَى أيضاً عن ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، وهو القِطُّ، قيل: هو لا مَنفَعةَ له، أو هو كالمُتوحِّشُ الذي لا يُقدَر على تَسليمه، وقد ذهبَ جماعةٌ من العلماء إلى جواز بيع السّنّور، منْ أهل المَذَاهب الأربعة وغيرهم، وذهبَ بعضُ أهلِ العلم إلى تَحْريمه وهُم الظّاهريّة، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة ومجاهد وجابر بن زيد، وحكاه المُنذري عن طاووس، وهو الراجحُ الذي يدلُّ عليه النَّصّ، كما في حديث الباب، وعند البيهقي: عن جابر أيضاً: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم- عنْ أكل الهِرّة، وأكلِ ثَمَنها, وقد ذهبَ بعض أهلُ العلمِ إلى تَضعيف هذه الأحاديث؟ ولكن قولهم مَرْدُود.
  • قال الحافظ النووي في «المجموع»: «وأمّا ما ذَكره الخَطّابي وابن المنذر، أنَّ الحديث ضعيفٌ، فغلطٌ منهما؛ لأنَّ الحديثَ في صحيح مسلم بإسنادٍ صحيح», وقال الشوكاني في «النيل» ردَّاً على الجُمْهور؛ الذين حَمَلُوا النّهيَ في الحديث على كراهة التّنْزيه، وأنَّ بيعه ليسَ مِنْ مَكارِم الأخْلاق والمُرُوءات، فقال: «ولا يَخْفى أنَّ هذا إخْراجُ النّهْي عن معناه الحَقيقي؛ بلا مُقتضٍ».
  • وقال البيهقي في السنن: ردّاً على الجُمهور أيضاً: «وقد حَمَله بعض أهل العلم على الهرّ إذا تَوحشّ فلمْ يُقْدر على تَسْليمه، ومنْهم مَنْ زَعَمَ أنّ ذلك كان في ابتداء الإسْلام، حين كان مَحْكُوماً بنَجَاسته؟ ثُمّ حين صارَ مَحكوماً بطهارة سُؤْره؛ حَلّ ثَمنُه، وليسَ على واحدٍ مِنْ هذين القَولين دلالةٌ بيّنة». انتهى.
  • وجزم الإمام ابنُ القيم بتَحْريم بيعه في «زاد المعاد»، وقال: «وكذلك أفْتَى أبو هريرة - رضي الله عنه -، وهو مذهبُ طاووس ومجاهد وجابر بن زيد، وجميع أهل الظّاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي اختيار أبي بكر، وهو الصواب لصحّة الحديث بذلك، وعدم ما يُعَارضه، فوجبَ القَولُ به». انتهى وقال ابن المنذر: «إنْ ثَبَتَ عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- النّهيُّ عن بيعه؛ فبيعه باطلٌ، وإلا فجائز». انتهى, قد عرفتَ ثُبُوت الحديث، فلازم مذهب ابن المنذر: تحريم بيعه.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 17-05-2026, 07:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,577
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ


  • احْتَجَمَ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأعْطى الحجَّامَ أُجْرةً وفي ذلك جواز التداوي بالاحتجام
  • أحلَّ الله لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ وغيرِ ذلك
عن رَافِع بْن خَدِيجٍ - رضي الله عنه -: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1199) باب: تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنهي عن بيع السنور, في هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «ثَمَنُ الكلبِ خَبيثٌ» أي: حَرامٌ، والمُرادُ ثَمَنُ بَيعِهِ أو شِرائِهِ، وما تمَّ كَسْبُهُ مِن ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ لأنَّ الكلبَ مَنْهيٌّ عَنِ اقْتنائِهِ وتَربيتِهِ، إلَّا كلْبَ الماشيةِ والحَرْثِ، كما سبق.
مَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ
  • قوله: «ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ» وكذلك ما تَأخُذُهُ البَغِيِّ مِن مالٍ مُقابِلَ فعلها، ومُقابلَ تَسليمِ نفْسِها للرَّجُلِ الأجْنبيِّ، فهو مُحرَّمٌ؛ لأنَّ الزِّنا حَرامٌ، وما أُخِذَ عليه مِن مالٍ فهو حَرامٌ، وسمَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- مَهراً؛ لكَونِه على صُورتِه؛ فهو مقابلُ تَمكينِ المرأةِ من نَفْسِها.
كَسْبُ الحَجَّامِ
  • قوله: «وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ» والحَجَّامُ هو مَنْ يقومُ بالحِجامةِ، وهي إخْراجُ الدَّمِ الفاسِدِ مِنَ نواحي الجسد، وتعتمد على استخدام أكوابٍ خاصة، يتم وضعها على الجلد ثُمّ شفط الدم، وهذا ممّا يحفّز تدفق الدّم، ثمّ يُجْرح الجلد فيخرج الدّم، وفي الحِجَامة منافعُ عظيمة للبدن، وشفاءٌ مِنْ أمْراض وعلل كثيرة، ولذا حثّ عليها النبيّ - صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة؛ حيثُ قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ ما تَدَاويتُم به الحِجَامة». أخرجه البخاري ومسلم.
وروى جابر: عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «إنْ كانَ في شيءٍ مِن أدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أوْ لَذْعَةٍ بنارٍ تُوافِقُ الدَّاءَ، وما أُحِبُّ أنْ أكْتَوِيَ». رواه البخاري، وعن أبن عباس: عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «الشِّفَاءُ في ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وكَيَّةِ نَارٍ، وأَنْهَى أُمَّتي عَنِ الكَيِّ». رواه البخاري في الطب (5680)، وكَوْنُ كَسْبِهِ خَبيثًا لا يَعني أنَّه مُحرَّمٌ؛ فالخَبيث هو الرّديءُ مٍنْ كلّ شيء، وقد يرِد الخَبيث بمعنى الحَرَام. ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم- قدِ احْتَجَمَ وأعْطى الحجَّامَ أُجْرةً، كما في الصَّحيحَينِ من حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، كما سيأتي، ولو كان ذلك حَراماً لَمَا أعْطاهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا حُمِلتْ أحاديثُ النَّهيِ عن كَسْبِ الحجَّامِ، والتَّصريحِ بأنَّه خَبيثٌ؛ على التَّنْزِيهِ والتَّرَفُّعِ عن دَنيءِ المكاسبِ، والحَثِّ على مَكارمِ الأخْلاقِ، ومَعالي الأُمُورِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ النَّهيُ كان في أول الإسْلامِ، ثمَّ نُسِخَ ذلك؛ فلَمَّا أعْطى الحَجَّامَ أجْرَه، كان ناسخاً لِمَا تَقدَّمَه.
من فوائد الحديث
  • أنّ اللهُ -تعالى- أحلّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ، وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارةِ، وغيرِ ذلك.
  • وفيه: الحَثَّ على أنْ يكونَ المسلِمَ كَريمَ النَّفْسِ، مُترَفِّعًا عَنِ الدَّنايا.
باب: إباحة أجْرة الحَجّام
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: «حَجَمَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- أَجْرَهُ، وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، ولَوْ كَانَ سُحْتاً لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-»، وعَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ؛ الْحِجَامَةُ، أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ». في الباب حديثان، رواهما مسلم في المساقاة (1204-1205) باب: حلّ أجْرة الحِجامة، وروى الحديث الأول البخاري في الإجارة (2278، 2279) باب: خراج الحجّام، وروى الحديث الثاني البخاري في البيوع، وفي الإجارة أيضا (2277) باب: ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإماء. وفي (2281) باب: مَنْ كلّم موالي العبد أنْ يُخففوا عنه من خراجه.
حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- عبدٌ لبني بياضة
  • قوله: «حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- عبدٌ لبني بياضة» وهو أبو طيبة، كما في حديث أنس، واسمه نافع على الصحيح، وكان مولًى لمحيصة بن مسعود من بني حارثة وعبد بني بياضة، وكان يقال له أيضاً: أبو هند، وفي لفظ لمسلم: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم- غلاماً لنا، إلخ. ولا معارضة، فإنّ قول أنس: غلاماً لنا يعني الأنصار، وكونه من بني بياضة، أو بني حارثة، يدلُّ على تكرّر الاحْتِجام؛ إذْ إنّ بني بياضة غير بني حارثة.
  • قوله: «فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- أَجْرَهُ» أجْره؛ أي: قِيمة عمله. وفي حديث أنس: «فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ».
قوله: «ولَوْ كَانَ سُحْتاً لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-» أي: ولو كان حَرَاماً لمْ يُعطه؛ أي: ولو كان أجرُ الحجَّام محرّمَاً؛ لم يُعطِه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- أُجرةً على عمله هذا؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم- لا يُعطي شيئاً محرَّمّاً - صلى الله عليه وسلم-، وفي بعضها: «ولو عَلِمَ كراهيةً لم يُعطه»؛ ولا تعارضَ فيه؛ إذ قد تُحمل الكراهية على كراهة التّحريم، أو على نفي التَّحْريم بل الكراهية فقط.
كسب الحَجّام
  • قوله: «وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ» أي: شَفَع له عند سيّده، فخفّف عنه الخَراج الذي يَدفعه له، قال الحافظ: «واختلفَ العُلماء في كسب الحَجّام، فذهبَ الجُمهور إلى أنّه حلال، واحتجّوا بهذا بحديث ابن عباس، قالوا: هو كسبٌ فيه دَناءة وليس بمُحرّم، فحَمَلوا الزَّجر عنه على التنزيه، ومنهم مَنْ ادّعى النّسخ، وأنّه كان حراماً، ثم أبيح وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحُرّ والعبد، فكرهوا للحُر الاحْتِراف بالحجامة، ويَحرُم عليه الإنْفاق على نفسِه منها، ويجوزُ له الإنْفاق على الرّقيق والدَّواب منها، وأباحُوها للعَبد مُطلقاً، وعُمْدتهم حديث محيصة: أنّه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن كسب الحجام، فنَهَاه، فذكر له الحاجة فقال: اعْلفه نَواضِحك. أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن ورجاله ثقات». «فتح الباري» (4/ 459).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتخاذُ الحِجَامة صناعةً يتكسّب بها، هو ممّا نهي عنه عند إمكان الاستغناء عنه، فإنّه يُفضي إلى كثرةِ مُباشرة النَّجاسات والاعتناء بها، لكن إذا عَمِل ذلك العَمل بالعِوض؛ استحقَّه، وإلا فلا يجتمع عليه استعماله في مباشرة النَّجاسة، وحِرْمانه أجرته، ونُهي عن أكله مع الاستغناء عنه، مع أنّه ملكه، وإذا كانت عليه نفقة رقيق أو بهائم يحتاج إلى نفقتها، أنفقَ عليها من ذلك؛ لئلا يَفْسد ماله، إذا كان الرجل محتاجاً إلى هذا الكسْب، ليس له ما يُغْنيه عنه إلا المسألة للناس، فهو خيرٌ له مِنْ مسألة الناس؛ كما قال بعض السلف: كسبٌ فيه دَنَاءة؛ خَيرٌ مِنْ مَسألة الناس». الفتاوى الكبرى (5/ 412).
  • قوله: - صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ؛ الحِجَامَةُ، أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ» وفيه الحثّ على الحِجامة، وأنّها منْ أحْسن الدّواء وأنفعه.
قال الحافظ: وفي الحديث إباحة الحِجَامة، ويلتحقُ به ما يتداوى مِنْ إخْراج الدم وغيره، وفيه: الأجْرة على المُعَالجة بالطب. انتهى. الفتح (4/ 459).
من فوائد الحديث
  • جوازُ أخذ الأجْرة على الحِجامة، والاكتساب بها، مع الكراهة.
  • جواز التداوي بالاحتجام.
  • وفيه: الشفاعة إلى أصْحاب الحُقُوق أنْ يُخفّفوا منها.
  • وجواز مُخارجة السيد لعبده، كأن يقول له: أذنت لك أن تكتسب على أن تعطيني كل يوم كذا، وما زاد فهو لك.
  • وفيه: أنّ الله أحلَّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك، كما حَثَّ الشَّرْعُ المُسلِمَ على أنْ يكونَ كَريمَ النَّفْسِ، مُتْرَفِّعاً عَنِ الدَّنايا.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 85.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 83.05 كيلو بايت... تم توفير 2.63 كيلو بايت...بمعدل (3.07%)]