شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الرجوع إلى الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          أمن الوطن أمانة ومسؤولية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          خلق الحياء وتحديات العصر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          ميلاد الأخلاق والقيم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          سعد بن معاذ رضى الله عنه وأرضاه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 7 )           »          الحقد الرافضي ونصر الله لأوليائه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          يسر الشريعة وشمولية الأجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          الحوار الأسري وأثره في استقرار البيوت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          الزواج.. قرار شخصين أم عائلتين؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          5 خطوات ضرورية يحتاجها عقد الزواج الشرعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-12-2025, 01:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان




شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الرابع عشر من شعب الإيمان: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم


  • من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اتَّبع أوامره جميعًا سواء الواجب أو المستحب في عبادته وسلوكه ومعاملته
  • من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا إلى سنته وحفظها ورغّب الناس فيها ووضحها لهم وحارب البدعة وكَرَّهَ الناس فيها
  • من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دافع عنه وعن سنته ورد على شبهات المعترضين بحسب القدرة والاستطاعة وهذا دليل الحب
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لِحَدِيْثِ أَنَسٍ - رضي الله عنه - الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُوْنَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِه وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ»، وَلِحَدِيْثِ أَنَسَ - رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الْإِيْمَانِ: أَنْ يَكُوْنَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...» الْحَدِيْثُ، وَلِحَدِيْثِهِ فِيْهِمَا أَيْضًا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَثِيْرَ صِيَامٍ وَلاَ صَدَقَةٍ، إلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ، قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
الشرح
  • قوله: (الإيمان بوجوب محبة النبي): محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ركن يتبع التصديق برسالته ونبوته، ويجد بها العبد حلاوة الإيمان، وهي درجة يكون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدما على النفس، والوالد، والولد، والناس أجمعين، كما أن من آثارها وبركاتها: بلوغَ المنازل العليا في جنات النعيم، فالمرء مع من أحب.
  • قوله: (لحديث أنس - رضي الله عنه - المتفقُ على صحته: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين»)، يقول ابن رجب: «محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله ﻷ وقد قرنها الله بها، وتوعَّد من قَدَّم عليها شيئًا من الأمور المحبوبة طبعًا مثل: الأقارب، والأموال، والأوطان، وغير ذلك، فقال -تعالى-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (التوبة: 24).
ولما قال عمر - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال عمر: والله أنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: «الآن يا عمر»، فيجب تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على النفوس، والأولاد، والأقارب، والأهلين، والأموال، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة، وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (آل عمران: 31).
حقيقة المحبة وعلامتها
وسُئل بعضهم عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال، فعلامة تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على محبة كل مخلوق، أنه إذا تعارض طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فقدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي؛ كان دليلًا على صحة محبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتقديمها على كل شيء، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا؛ دلَّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه. وكذلك القول في تعارض محبة الله، ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تبع لمحبة مُرْسِلِهِ عز وجل. هذا كله في امتثال الواجبات، وترك المحرمات، فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، وبلغت المحبة بصاحبها على تقديم المندوبات على دواعي النفس؛ كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى ذلك فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها»، وقوله: (ولحديث أنس - رضي الله عنه - في الصحيحين: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...». الحديث)
معنى وجود حلاوة الإيمان
معنى وجود حلاوة الإيمان هو: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات فيما يرضى الله -تعالى-، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإيثار ذلك على عَرَضِ الدنيا، رغبة في نعيم الآخرة، الذى لا يبيد ولا يفنى، ورُوِيَ عن عتبة الغلام أنه قال: كابدتُ الصلاة عشرين سنة، ثم تلذذتُ بها باقي عمري، وعلامة محبة العبد لخالقه هي التزام طاعته، والانتهاء عن معاصيه لقوله -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31)، وكذلك علامة محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي التزام شريعته، واتباع طاعته، ولما لم نصل إلى الإيمان إلا بالرسول، كانت محبته من الإيمان، وقد سُئل بعض الصالحين عن المحبة ما هي؟ فقال: مواطأة القلب لمراد الرب، أن توافق الله -تعالى-؛ فتحب ما أحب، وتكره ما كره.
  • قوله: (ولحديثه فيهما أيضًا قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: «ما أعددتَ لها»؟ «فقال: يا رسول الله ما أعددتُ لها كثير صيام ولا صدقة، إلا أني أحب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت»).
  • قوله: (مَا أَعْدَدْت لَهَا): قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: سَلَكَ مَعَ السَّائِل أُسْلُوب الْحَكِيم، وَهُوَ تَلَقِّي السَّائِل بِغَيْرِ مَا يَطْلُب مِمَّا يُهِمّهُ أَوْ هُوَ أَهَمُّ.
  • قوله: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت)، زَادَ سَلَّام بْن أَبِي الصَّهْبَاء عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: «إِنَّك مَعَ مَنْ أَحْبَبْت، وَلَك مَا احْتَسَبْت» أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم... وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَشْعَث عَنْ الْحَسَن عَنْ أَنَس: «الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ» وَمَنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عبدالله «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت، وَعَلَيْك مَا اِكْتَسَبْت، وَعَلَى اللَّه مَا احْتَسَبْت».
أثر محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على سلوك العبد
  • من أحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اتَّبع أوامره جميعًا، سواء الواجب، أو المستحب في عبادته وسلوكه ومعاملته.
  • من أحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم - ترك نواهيه جميعًا، سواء كان النهي للتحريم أو الكراهية.
  • من أحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم - صدّقه بكل ما أخبر من علم الغيب، سواء السابق أو اللاحق.
  • من أحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم - دافع عنه وعن سنته ورد على شبهات المعترضين بحسب القدرة والاستطاعة وهذا دليل الحب.
  • من أحب النبي -صلى الله عليه وسلم - دعا إلى سنته وحفظها، ورغب الناس فيها ووضحها لهم، وحارب البدعة، وكَرَّهَ الناس فيها.
  • من آثار حبه -صلى الله عليه وسلم - كثرة الصلاة والسلام عليه، ولا سيما عند ذكره الشريف -صلى الله عليه وسلم -.
  • من آثار حبه حب أصحابه وأحبابه وأزواجه وذرياته وآله -عليه وعليهم الصلاة والسلام- أجمعين.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-01-2026, 03:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان



شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. السابع عشر من شُعب الإيمان: طلبُ العلم


  • علم النبوة هو معرفة حقيقة النبوة وشروطها وخصائصها وضرورة العباد إليها ومعرفة صفات النبي وتمييزه عمّن يشتبه به من المدعين والكذابين والمتنبئين
  • العلم بالله سبحانه وتعالى على خمس مراتب: العلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه وتنزيهه عما لا يليق به والعلم بدينه
  • طلب العلم الذي يحتاجه المسلم للقيام بما يجب عليه من عبادة ربه فرض عليه وما زاد على ذلك فتحصيله من باب فروض الكفايات
  • إشهاده سبحانه وتعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناءُ على ما استرعاهم عليه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
السابع عشر من شُعب الإيمان، طلبُ العلم، وَهُوَ معرفَة الْبَارِي -تعالى- وَمَا جَاءَ من عِنْد الله، وَعلم النُّبُوَّة، وَمَا يُمَيَّزُ بِهِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - عَن غَيره، وَعلم أحكام الله -تعالى- وأقضيته، وَمَعْرِفَة مَا تطلب الأحكام مِنْهُ، كالكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس، وشروط الِاجْتِهَاد، وَالْقرآن والْحَدِيث مشحونان بفضيلة الْعلم وَالْعُلَمَاء، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وقال -تعالى-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} (آل عمران: 18)، وقال -تعالى-: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113)، وقال -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، وقال -تعالى-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9)، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبدالله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - رضي الله عنه - «إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعًا ينتزعه من النَّاس، وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء، حَتَّى إِذا لم يُبْقِ عَالمًا اتخذ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا، فسئلوا، فأفتوا بِغَيْر علم؛ فضلّوا وأضلّوا». وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه -: «من نفّس عَن مُؤمن كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة، وَمن يسّر على مُعسر يسّر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا والآخرة، وَمن ستر مُسلمًا ستره الله فِي الدُّنْيَا والآخرة، وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أخيه، وَمن سلك طَرِيقًا يلْتَمس فِيهِ علمًا سهّل الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلى الْجنَّة، وَمَا اجْتمع قومٌ فِي بَيت من بيُوت الله، يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم؛ إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَة، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَة، وَذكرهمُ الله فِيمَن عِنْده، وَمن بطأ بِهِ عمله لم يسْرع بِهِ نسبه».
الشرح
المعنى الإجمالي: بيان أهمية العلم الشرعي، والحث عليه، والترغيب فيه، وخطورة تصدر الجهلاء للإفتاء، وبيان عاقبة الإفتاء بغير علم، وضرر ذلك على كل من المفتي والمستفتي.
معاني المفردات
نزع: نَزَعْتُ الشيءَ من مكانه أَنْزِعُهُ نَزْعًا: قلعته. وقولهم: فلانٌ في النَزْعِ، أيْ في قَلْعِ الحياةِ. ونَزَعَ فلان إلى أهله يَنْزِعُ نِزاعًا، أيْ اشتاق. وبعيرٌ نازِعٌ وناقةٌ نازِعَةٌ، إذا حَنَّتْ إلى أوطانها ومرعاها. قال جميل: فقلت لهم لا تَعْذِلونِيَ وانْظروا، إلى النازِعِ المَقْصورِ كيف يكون قبض: قَبَضَ الشيء أخذه، والقَبْضُ أيضا ضدّ البسط، وقُبِضَ فلان على ما لم يسم فاعله فهو مقْبُوضٌ أيْ مات. جهل: الجَهْلُ: ضد العلم، وتَجَاهَل: أرى من نفسه ذلك وليس به، واسْتَجْهَلَهُ: عدّه جاهلًا واستخفه أيضًا، والتَّجْهِيلُ: النسبة إلى الجهل، والمَجْهَلةُ بوزن المرحلة: الأمر الذي يحمل على الجهل، ومنه قولهم: الولد مجهلةٌ، والمَجْهَلُ: المفازة لا أعلام فيها. ضلوا: الضَّلاَلُ ضد الرشاد، وقد ضَلَّ يضِلّ بالكسر ضَلاَلًا وضَلاَلَةً، قال الله -تعالى- {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِ} (سبأ:50)، قال ابن السكيت: أضْلَلْتَ بعيري إذا ذهب منك وضَلَلْتُ المسجد والدار إذا لم تعرف موضعهما وكذا كل شيء مقيم لا يهتدى له، قال وأَضَلَّهُ الله فَضَلَّ، تقول إنك تهدي الضَّالَّ ولا تهدي المُتَضَالَّ، وتَضْلِيلُ الرجل أن تنسبه إلى الضلال، وقوله -تعالى-: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} (القمر: 47) أيْ في هلاك.
أقسام العلم
جاء في مخطوطة الشرح: «والعلم إذا أطلق يُعنَى به علم الدين، وهو أقسام منها: علم الأصول، وهو معرفة الباري -تعالى- وقد تقدم القول على فصول منه. ومنها: معرفة ما جاء عن الله -تعالى-، ودخل فيها علم النبوة، ومنها: ما يطلب علم الأحكام منه، وهو الكتاب بأقسامه والسنة بأقسامها، ويدخل فيه معرفة الناسخ والمنسوخ، ومراتب النصوص، والاجتهاد في استنباط المعاني منها، وتمييزُ وجوه القياس وشروطه ومعرفة أقاويل السلف إجماعًا واختلافًا، ومنها: معرفة ما به يمكن طلب الأحكام وغيرها، وهو علم لسان العرب وعادتها في مخاطباتها، وتمييز مراتب الكلام لينزَلَ كل منها منزلته، ثم من العلم ما هو فرض كفاية، كالعلم بأدلة وجود الباري، وقِدمه، ووحدانيته، وقدسه؛ قدر ما يخرج به في معرفة الله من التقليد، ويتمكن من الدعوة إلى سبيله، والذب عن دينه، وبأدلة النبوة ولوازمها، وبوجوب الخطاب من الكتاب والسُنَّة، فإذا عرف الأكثر من (ذلك)، ومما قاله الناس في تأويله، والأشبه بأن يكون هو المراد؛ فلا عليه من الباقي، فإن الإحاطة بعلم الكتاب لم تكن إلا لمن أنزل عليه.
علوم الكتاب
وعلوم الكتاب كثيرة، منها: علم ألفاظه وما أريد بها، ويدخل فيه (القراءات) والتفسير، ومنها: علم المكي والمدني وأسباب النزول، ومنها: علم المحاجات التي أودعها الله -تعالى- إياه...، ومنها: علم الأحكام... ومنها: علم الأمثال المضروبة، ومنها: علم القصص و(فوائدها)، ومنها: علم ما فيه الاعتصام بالله -تعالى- و(الالتجاء) في (النوائب) إليه والاحتراس من شياطين الإنس والجن، ومنها: علم الأخبار بالعواقب، ومنها: علم إعجازه. وجميع هذه توجد في السنة إلا الإعجاز فإنه من خصائص الكتاب, وتختص السنة بالانقسام إلى: متواتر، ومستفيض، وخبر، وآحاد، ومسند، ومرسل، ومتصل، ومنقطع... إلى غير ذلك مما هو مبيّن في موضعه؛ ولا غنى للمفتي عن دراية الأكثر الأظهر مما ذكرناه من أقاويل السلف إجماعًا واختلافًا».
من شُعب الإيمان طلبُ العلم
  • قوله: (من شُعب الإيمان طلبُ العلم): «طلب العلم، الذي يحتاجه المسلم للقيام بما يجب عليه من عبادة ربه، فرض واجب عليه، وما زاد على ذلك فتحصيله من باب فروض الكفايات»، والعلم المقصود في الآيات والأحاديث هو العلم الشرعي المستفاد من الكتاب والسُنَّة، أمّا العلوم الكونية والطبيعية والدنيوية فإن ما يحتاج إليه المسلمون منها، ولم يقم به أحد غيرهم فإنه يكون من باب فروض الكفايات وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّه».
  • قوله: (وهو معرفة الباري -تعالى- وما جاء من عند الله)، قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: «فصل في مراتب إياك نعبد علمًا وعملًا: للعبودية مراتب بحسب العلم والعمل، فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: إحداهما العلم بالله، والثانية العلم بدينه، فأما العلم به -سبحانه- فخمس مراتب: العلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه وتنزيهه عما لا يليق به، والعلم بدينه مرتبتان:
  • إحداهما: دينه الأمري الشرعي، وهو الصراط المستقيم الموصل إليه.
  • والثانية: دينه الجزائي، المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم: العلمُ بملائكته، وكتبه، ورسله».
وقال أيضا:
والعلمُ أقسامٌ ثلاثةٌ ما لها
من رابع، والحقُّ ذو تبيانِ
علمٌ بأوصاف الإله وفعله
وكذلك الأسماءُ للرحمنِ
والأمرُ والنهيُ الذي هو دينُه
وجزاؤه يومُ المعاد الثاني
  • قوله: (وعلم النبوة وما يُميَّز به النبيُّ عن غيره): وهو معرفة حقيقة النبوة وشروطها وخصائصها وضرورة العباد إليها، ومعرفة صفات النبي وتمييزه عمّن يشتبه به من المدعين والكذابين والمتنبئين، وإدراك الفرق بين الآيات التي يؤيد الله بها الأنبياء وهي التي تسمى بالمعجزات، وبين الخوارق التي تجري على يد الدجالين والسحرة والمشعوذين، وهي من قبل الشيطان وجنده!
  • قوله: (وعلم أحكام الله -تعالى- وأقضيته، ومعرفة ما تطلب الأحكام منه، كالكتاب، والسنة، والقياس، وشروط الاجتهاد): فـ «أحكام الله -تعالى-» المقصود بها الأحكام التكليفية، المنصوص عليها في الكتاب والسنة، كالحكم الواجب، والمحرّم، والمكروه، والمندوب، والمباح. «ومعرفة ما تطلب الأحكام منه» بالدليل من الكتاب والسنة، فإن لم يجد الدليل، فيأخذ -مجتهدا- بالقياس الشرعي، مستحضرا شروط الاجتهاد المعروفة عند السلف.
فضيلة العلم والعلماء
  • قوله: (والقرآنُ والحديثُ مشحونان بفضيلة العلم والعلماء)، فالقرآن الكريم والسنة النبوية ذَكرا أدلة كثيرة على فضل العلم والعلماء ومنزلتهم عند الله -تعالى-، ومن هذه الأدلة قوله -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28)، قال الإمام السعدي: «فكلُّ من كان بالله أعلمَ، كان أكثرَ له خشية، وأَوجبتْ له خشيةُ الله الانكفافَ عن المعاصي، والاستعدادَ للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم؛ فإنه داعٍ إلى خشية الله، وأهلُ خشيته هم أهلُ كرامته»، فالخشية رأس الإحسان، وليست لأحد إلا لمن قدَر اللهَ حق قدره، ومن جاء بها فقد جاز القنطرة في العلم، والعبادة معا، فالعلم بالله وما هو عليه من كبرياء وعظمة، وجبروت؛ يثمر الخشية ويولّد الخوف، وذلك مدعاة إلى الإحسان في القول والعمل.
خصوصية عظيمة للعلماء
  • قوله: وقال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28)، قال ابنُ عثيمين: «أيْ العلماء به، وبأسمائه، وصفاته، وبأحكامه. هذه هي هداية العلم؛ لأنهم إذا علِموا خشوا الله، ولم يكرهوا شريعته، ولم يكبر ذلك عليهم، ولم يشقّ».
  • قوله: وقال الله -تعالى-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ}، قال ابنُ كثير: «قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، فقال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ}، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام»، قال الشيخ السعدي: «وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا، ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، ومنها: أنه -تعالى- جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنها: أن إشهاده -تعالى- أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم، وأنهم أمناءُ على ما استرعاهم عليه».
  • قوله: وقال -تعالى-: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113)،قال الفخر الرازي: فسمّى العلم عظيمًا، وسمّى الحكمة خيرًا كثيرًا؛ فالحكمة هي العلم، وقال أيضًا: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ} (الرحمن)؛ فجعل هذه النعمة مقدمة على جميع النعم؛ فدل على أنه أفضل من غيره.

اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13-01-2026, 01:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. السابع عشر من شُعب الإيمان: طلبُ العلم (٢)


  • إذا عزم العبد على التعاون مع أخيه في أمر من الأمور فيه دفعُ شرّ عنه أو جلبُ خير له قولًا كان أو فعلاً فلا ينبغي له أن يتردد عن إنفاذه
  • من أبواب الخير التي يمكن التعاون فيها طلب العلم والمراد به العلم الشرعي ويشترط أن يقصد به وجه الله تعالى
  • رفعة الدرجات تشمل المعنوية في الدنيا بعلوّ المنزلة وحسن الصيت والحسية في الآخرة بعلوّ المنزلة في الجنة
  • ذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماء قال ابن مسعود يوم مات عمر رضي الله عنهما: إني لأحسب تسعة أعشار العلم اليوم قد ذهب!
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
واليوم نستكمل الحديث عن الشعبة السابعة عشرة وهي طلب العلم، وَهُوَ معرفَة الْبَارِي -تعالى- وَمَا جَاءَ من عِنْد الله، وَعلم النُّبُوَّة، وَمَا يُمَيَّزُ بِهِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - عَن غَيره، وَعلم أحكام الله -تعالى- وأقضيته، وَمَعْرِفَة مَا تطلب الأحكام مِنْهُ، كالكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس، وشروط الِاجْتِهَاد، وَالْقرآن والْحَدِيث مشحونان بفضيلة الْعلم وَالْعُلَمَاء.
فضل أهل العلم
  • قوله: قال الله -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: ما خص الله العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضّل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم، قال الإمام السعدي: «وفي هذه الآية فضيلة العلم، وأن زينته وثمرتَه التأدبُ بآدابه والعملُ بمقتضاه»، و«كان مطرف بن عبدالله بن الشِّخِّير يقول: فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة، وخيرُ دينكم الورع، وكان عبدالله بن مطرف يقول: إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صومًا وصلاة وصدقة، والآخر أفضل منه بونًا بعيدًا، قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هو أشدّهما ورعًا لله عن محارمه».
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11): في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به»، ورفعة الدرجات تدل على الفضل؛ إذ المراد به كثرة الثواب، وبها ترتفع الدرجات، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلوّ المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلوّ المنزلة في الجنة.
تنبيه عظيم على فضيلة العلم
  • قوله: وقال -تعالى-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9)، فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله -تعالى-: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة: 31)، قال صاحب (الكشاف): «أراد بالذين يعلمون: الذين سبق ذكرهم وهم القانتون، وبالذين لا يعلمون: الذين لا يأتون بهذا العمل، كأنه جعل القانتين هم العلماء، وهو تنبيه على أن من لا يعمل فهو غير عالم، ثم قال: وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة.
تفاوت عظيم
ثم قال -تعالى-: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9) يعني هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه إلا أولو الألباب، قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء، فأجاب العالم بأن هذا أيضًا يدل على فضيلة العلم؛ لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جَرَم تركوه»، «أيْ: الذين يعلمون أن ما وعد الله به من البعث والثواب والعقاب حق والذين لا يعلمون ذلك، أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله والذين لا يعلمون ذلك، أو المراد العلماء والجهال، ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل. قال الزجَّاج: أي كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقيل المراد بالذين يعلمون: هم العاملون بعلمهم، فإنهم المنتفعون به؛ لأن من لم يعمل بمنزلة من لم يعلم».
قبض العلم بقبض العلماء
  • قوله: «وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: «إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، وقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس»، «أيْ: محوًا من الصدور، والمراد به علم الكتاب والسنة وما يتعلق بهما، يعني: لا يقبض العلم من الناس بأن يرفعه من بينهم إلى السماء، «ولكن يقبض العلم» أيْ يرفعه و «يقبض العلماء» أيْ بموتهم وقبض أرواحهم «حتى إذا لم يترك» أيْ: الله -تعالى- «اتخذ الناس رؤوسًا»، وفي الحديث الحث على حفظ العلم والتحذير من ترئيس الجهلة، وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذمّ من يقدم عليها بغير علم».
قال بدر الدين العيني: «إن الله لا يقبض العلم من بين الناس على سبيل أن يرفعه من بينهم إلى السماء أو يمحوه من صدورهم، بل يقبضه بقبض أرواح العلماء وموت حمَلته، وقال ابن بطال: معناه أن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضل به عليهم، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته وبث شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم، فلا يوجد من يخلف من مضى، فأنذر بقبض الخير كله، وكان تحديث النبي - صلى الله عليه وسلم- بذلك في حجة الوداع كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: لما كان في حجة الوداع قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: خذوا العلم قبل أن يُقبض أو يرفع. فقال أعرابي: كيف يرفع؟ فقال: ألا إن ذهاب العلم ذهاب حمَلته ثلاث مرات».
ذهاب العلم بذهاب العلماء
قال ابن القيّم في دار السعادة: «فذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماء قال ابن مسعود يوم مات عمر - رضي الله عنه -: إني لأحسب تسعة أعشار العلم اليوم قد ذهب، وقد تقدم قول عمر - رضي الله عنه -: «موت ألف عابد أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه»، قال الإمام النووي: «هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوَه من صدور حفاظه، ولكن معناه أنه يموت حمَلتُه، ويتخذ الناس جهّالا يحكمون بجهالاتهم، فيَضِلّون ويُضِلّون».
حديث عظيم
  • قوله: قال رسول لله - صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا، يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»، قال ابن دقيق العيد في شرح الحديث: «هذا الحديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، فيه فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما يتيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك، ومعنى تنفيس الكربة: إزالتها».
من ستر مسلمًا
  • قوله: (من ستر مسلمًا)؛ الستر عليه أن يستر زلاته، والمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالفساد، وهذا في ستر معصية وقعت وانقضت، أما إذا عُلم معصيتُه وهو متلبّس بها، فيجب المبادرة بالإنكار عليه ومنعه منها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إن لم يترتب على ذلك مفسدة، فالمعروف بذلك لا يستر عليه؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الفساد والإيذاء وانتهاك المحرمات وجسارة غيره على مثل ذلك، بل يستحب أن يرفعه إلى الإمام إن لم يَخَف من ذلك مفسدة، وكذلك القول في جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فيجب تجريحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة.
إجمال وإيجاز بليغ
  • قوله: (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)، هذا الإجمال والإيجاز البليغ يمكن توضيح بعضٍ من مفهومه العام؛ فالعبد إذا عزم على التعاون مع أخيه في أمر من الأمور، فيه دفعُ شرّ عنه، أو جلبُ خير له، قولا كان أو فعلا؛ فلا ينبغي له أن يتردد أو يجبن عن إنفاذه، مادام مؤمنا بأن الله -تعالى- في عونه، ومن أبواب الخير التي يمكن التعاون فيها (طلب العلم)، ففي الحديث الحث على فضل التيسير على المعسر، وفضل السعي في طلب العلم، ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم، والمراد: العلم الشرعي، ويشترط أن يقصد به وجه الله -تعالى- وإن كان شرطًا في كل عبادة.
فضل الاجتماع على تلاوة القرآن
  • قوله: قال - صلى الله عليه وسلم-: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم»، هذا دليل على فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المساجد، و(السكينة) ها هنا قيل: المراد بها الرحمة، وهو ضعيف لعطف الرحمة عليها، وقال بعضهم: السكينة الطمأنينة والوقار، وهذا أحسن، وفي قوله: (وما اجتمع قوم) هذا نكرة شائعة في جنسها، كأنه يقول: أيّ قوم اجتمعوا على ذلك كان لهم ما ذكره من الفضل كلية، فإنه لم يشترط - صلى الله عليه وسلم- هنا فيهم أن يكونوا علماءَ ولا زهادًا ولا ذوي مقامات. ومعنى: (حفتهم الملائكة) أيْ: حافتهم، من قوله ﻷ: {حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} (الزمر: 75) أيْ: محدقين محيطين به مطيفين بجوانبه، فكأن الملائكة قريب منهم قربًا حفتهم حتى لم تدع فرجة تتسع لشيطان، وقوله: (وغشيتهم الرحمة) لا يستعمل (غشي) إلا في شيء شمل المغشي من جميع أجزائه، قال الشيخ شهاب الدين بن فرج: والمعنى في هذا فيما أرى أن غشيان الرحمة يكون بحيث يستوعب كل ذنب تقدم إن شاء الله -تعالى-.
قوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) يقتضي أن يكون ذكر الله -تعالى- لهم في الأنبياء وكرام الملائكة والله أعلم، وقوله: (سهل الله له طريقًا إلى الجنَّة) أي في الآخرة أو في الدنيا، بأن يوفقه للأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة، وفيه بشارة بتسهيل العلم على طالبه؛ لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة، قوله: وقال، أيْ الله ﻷ وهو معطوف على قوله؛ لقول الله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ} (فاطر: 28)، قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: في هذا الحديث: فضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله -تعالى-، وإن كان هذا شرطًا في كل عبادة، العلماء يقيدون هذه المسألة؛ لكونه قد يتساهل فيه بعض المبتدئين ونحوهم.
فوائد طلب العلم
1- البصيرة في الدين. 2- التحصّن من الفتن. 3- الحذرُ من الشرك والبدع. 4- التقرّب إلى الله -تعالى- بطلب العلم ونشره. 5- رفع الجهل عن طالب العلم وعن المسلمين.
  • أثر طلب العلم على سلوك المسلم:
1- التعبدُ لله -سبحانه- بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. 2- نصحُ الأمة، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 3- شكرُ الله -تعالى- على نعمة العلم والهداية، وسؤاله الثباتَ عليها. 4- نشرُ العلم، والحرص على تعليم الناس ما ينفعهم. 5- الانكفاف عن المعاصي.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 17-04-2026, 12:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الثالث والعشرون من شُعب الإيمان: الا عتكاف


  • الاعتكاف عبادة عظيمة واظب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم اعتكف أزواجه من بعده وهو سنّة مُستحبة بها زيادةُ الإيمان
  • المحافظة على الوقت وعمارته بالصلاة والذكر والدعاء يعود على المسلم بالخير والبركة في الدنيا والآخرة
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالًا.
  • لاالاعتكاف من شعب الإيمان لقوله -تعالى-: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: 125)، ولحديث عائشة - رضي الله عنه - في الصحيحين: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ»، ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من اعتكف فُواق ناقة فكأنما أعتق نسمة أو رقبة».
المعنى الإجمالي
الاعتكاف عبادة عظيمة ذكرها الله -تعالى- في كتابه الكريم، وواظب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم اعتكف أزواجه من بعده، وهو سنة مستحبة، بها زيادةُ الإيمان، وجمْعُ القلب على الله ـ بالخلوة، والانقطاعُ عن الخلق، والتفرغُ من أعمال الدنيا وشواغلها والانشغال بالله وحده.
  • قوله: الاعتكاف: «هو مِن عَكَفَ على الشيء إذا لزمه وحبس النفس عليه، وقد جاء ذِكْرُ الاعتكاف بهذا المعنى في عدد من آيات الله، قال -تعالى-: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (الأعراف: 138)»، وأما في الشرع: «فيُعرَّف الاعتكاف بأنه اللَّبثُ في المسجد مُدَّةً على صفةٍ مخصوصةٍ مع نيَّة التَّقرُّب إلى الله سبحانه».
  • قوله: لقوله -تعالى-: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: 125)، قال الإمام السعدي: «يخبر-تعالى- عن عبده وخليله، إبراهيم -عليه السلام- المتفق على إمامته وجلالته، الذي كلٌّ من طوائف أهل الكتاب تدعيه، بل وكذلك المشركون: أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، أي: بأوامرَ ونواهٍ، كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده؛ ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق، الذي ترتفع درجته، ويزيد قدره، ويزكو عمله، ويخلص ذهبه، وكان من أجلِّهم في هذا المقام، الخليل -عليه السلام-، فأتم ما ابتلاه الله به، وأكمله ووفاه، فشكر الله له ذلك، ولم يزل الله شكورا، فقال -تعالى-: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (البقرة: 124) أي: يقتدون بك في الهدى، ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية، ويحصل لك الثناء الدائم، والأجر الجزيل، والتعظيم من كل أحد.
وهذه -لعمر الله- أفضل درجة، تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقاما، شمر إليه العاملون، وأكمل حالا حصلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم، من كل صديق متبع لهم، وداع إلى الله وإلى سبيله، فلما اغتبط إبراهيم -عليه السلام- بهذا المقام، وأدرك هذا، طلب ذلك لذريته، لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضًا من إمامته، ونصحه لعباد الله، ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية، والمقامات السامية. فأجابه الرحيم اللطيف، وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال -تعالى-: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أي: لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرّها، وحط قدرها؛ لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟! ودل مفهوم الآية أن غير الظالم سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها، ثم ذكر -تعالى-، نموذجًا باقيًا دالًا على إمامة إبراهيم -عليه السلام-، وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده، ركنًا من أركان الإسلام، حاطا للذنوب والآثام. وفيه من آثار الخليل وذريته، ما عرف به إمامته، وتذكرت به حالته، فقال -تعالى-: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} أي: مرجعًا يثوبون إليه، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية، يترددون إليه، ولا يقضون منه وطرًا، و جعله {وَأَمْنًا} يأمن به كل أحد، حتى الوحش، وحتى الجمادات كالأشجار؛ ولهذا كانوا في الجاهلية -على شركهم- يحترمونه أشد الاحترام، ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم، فلا يهيجه، فلما جاء الإسلام زاده حرمة وتعظيمًا، وتشريفًا وتكريمًا. {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} يحتمل أن يكون المراد بذلك، المقام المعروف الذي قد جعل الآن، مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا، ركعتا الطواف، يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم -عليه السلام-، وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردًا مضافًا، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر كلها: من الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار، والنحر، وغير ذلك من أفعال الحج، فيكون معنى قوله -تعالى-: {مُصَلًّى} أي: معبدًا، أي: اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى؛ لدخول المعنى الأول فيه، واحتمال اللفظ له. {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} أي: أوحينا إليهما، وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك، والكفر، والمعاصي، ومن الرجس والنجاسات، والأقذار؛ ليكون {لِلطَّائِفِينَ} فيه {وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} أي: المصلين، قدَّم الطواف، لاختصاصه بالمسجد (الحرام)، ثم الاعتكاف؛ لأن من شرطه المسجد مطلقًا، ثم الصلاة، مع أنها أفضل، لهذا المعنى. وأضاف الباري البيت إليه لفوائد، منها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره، لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما، ويستفرغان وسعهما في ذلك, ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه، ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه».
  • قوله: ولحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: «أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده»، قال ابن الأمير الصنعاني: «فيه دليل على أن الاعتكاف سنة واظب عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه من بعده، قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أن الاعتكاف مسنون، وأما المقصود منه فهو جمْعُ القلب على الله -تعالى- بالخلوة مع خلوّ المعدة والإقبال عليه -تعالى- والتنعم بذكره، والإعراض عما عداه».
  • قوله: ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من اعتكف فُواق ناقة فكأنما أعتق نسمة أو رقبة»، قال صديق خان البخاري: «من اعتكف فواق ناقة» يدل على أنه يكون أقله لحظة مختطفة وهذا الحديث وإن لم يكن صالحًا للاحتجاج به فالأصل عدم التقدير بوقت معين، والدليل على مدعي ذلك ثم كون اليوم الكامل شرطًا للصوم لا يستلزم أن يكون شرطا للاعتكاف؛ لأنه يمكن الاعتكاف بعض اليوم مع الصوم لكل اليوم؛ فاليوم شرط الصوم لا شرط الاعتكاف على تسليم أن الصوم شرط».
فوائد الاعتكاف
  • الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
  • زيادة الصلة الإيمانية بالله، والتفرغ لعبادته وطاعته.
  • الصبر على حبس النفس وتعويدها على الطاعة.
  • حماية العبد من فضول الصحبة، وحماية القلب من جرائر فضول الكلام.
  • تحرّي المعتكف ليلة القدر -وهي خير من ألف شهر- في إحدى ليالي العَشر الأخيرة من رمضان.
أثر الاعتكاف على سلوك المسلم
  • تربية النفس على التقلل والتزهد، ومجاهدتها على الاستغناء عن كثير مما اعتادته.
  • الارتباط بالله -سبحانه-، وتحقيق معنى العبودية؛ حيث إن المعتكف وهب وقته كله لله.
  • تعويد النفس على المكث في المسجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.
  • اطمئنان النفس، وهدوء البال، وانشراح الصدر مع الذكر.
  • تعوّد المسلم على المحافظة على الوقت وعمارته بالصلاة والذكر والدعاء، بما يعود عليه بخيري الدنيا والآخرة.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 22-04-2026, 01:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان ..


الرابع والعشرون من شُعب الإيمان: الصيام


  • الصيام يُعوّد المسلم على كبح جماح شهوته ويعمل على ترويض نفسه على التحلي بالصبر وكسر هواها أمام نوازع الشهوات وملذات الحياة
  • الصيام يربّي النفس على الحِلم والأناة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : «فإن سابّه أحدٌ أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم»
  • يكتسب المسلم بالصيام صفة الرحمة والإحساس بالآخرين فيدفعه ذلك إلى تلمّس حاجاتهم والسعي إلى نفعهم
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالًا.
الصيام من شعب الإيمان؛ لقوله -تعالى-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} (البقرة: 183)، ولحديث عبدالله بن عمر في الصحيحين: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -فيهما: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ، قال الله -تعالى-: «إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ (الصوم جنة)».
المعنى الإجمالي
فرض الله -تعالى- الصيام، وجعله سببًا للتقوى، واختصه لنفسه من بين سائر العبادات التي يتقرّب بها المؤمن إلى ربّه؛ لأنه من أعظمها، وهو سرّ بين العبد وربه؛ فالعبد حين يصوم يدع طعامه وشهوته من أجل ربه؛ فتكون له بذلك فرحتان: الأولى حين يفطر، والأخرى عند لقاء ربه -جلّ وعلا-؛ إذ يوفيه أجره بغير حساب، والصيام من أعمال الجوارح، وبه كمال الإيمان.
  • قوله: لقوله -تعالى-:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} (البقرة: 183)، قال الفخر الرازي: «اعلم أن الصيام مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} (مريم: 26) وصوم النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة... وفي الشريعة: هو الإمساك، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، عن المفطرات حال العلم بكونه صائمًا مع اقتران النية.
أما قوله -تعالى-: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} فيه مسألتان:
  • المسألة الأولى: في هذا التشبيه قولان:
أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم، لا يفرضها عليكم وحدكم. وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله. القول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره، وهذا ضعيف.
قوله -تعالى-: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
  • أما قوله -تعالى-: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فاعلم أن تفسير (لَعَلَّ) في حق الله -تعالى- قد تقدم، وأما أن هذا الكلام كيف يليق بهذا الموضع؟ ففيه وجوه:
- أحدها: أنه -سبحانه- بيّن بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى؛ لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهون لذات الدنيا ورياستها؛ وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرْج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه. فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين، وخفت عليه مؤنتهما؛ فكان ذلك رادعًا له عن ارتكاب المحارم والفواحش ومهونًا عليه أمر الرياسة في الدنيا، وذلك جامع لأسباب التقوى. فيكون معنى الآية: فرضتُ عليكم الصيام؛ لتكونوا به من المتقين، الذين أثنيتُ عليهم في كتابي، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم. ولمّا اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه -تعالى- أن يقول عند إيجابها: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} منها بذلك على وجه وجوبه؛ لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لابد وأن يكون واجبًا. - وثانيها: المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى وجاؤكم في التقوى، وهذا معنى (لَعَلَّ). - وثالثها: المعنى لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات؛ فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق، والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء، فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهلَ وأخفَّ. - ورابعها: المراد: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها وأصالتها. - وخامسها: لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين؛ لأن الصوم شعارهم، والله أعلم».
بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ
  • قوله: ولحديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- في الصحيحين: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»، قال المهلب: «فهذه الخمس هي دعائم الإسلام التي بها ثباته، وعليها اعتماده، وبإدامتها يعصم الدم والمال»، فدل الحديث على أن الصيام من دعائم الإسلام التي متى أهلمت خشي على هذا البناء من النقض والانهدام!
  • قوله: وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فيهما: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جُنّة».
فوائد الحديث
هذا الحديث حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فيه فوائد:
  • أن الله -سبحانه و تعالى- جعل الصوم له، وعملَ ابنِ آدم الثاني -أي غير الصوم- لابن آدم، يقول الله -تعالى-: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي»، والمعنى أن الصيام يختصه الله من بين سائر الأعمال؛ لأنه -أيْ الصيام- أعظم العبادات إطلاقًا؛ فإنه سرّ بين الإنسان وربه؛ لأنه -الإنسان- لا يعلم إذا كان صائمًا أو مفطرًا، هو مع الناس ولا يعلم به، نيته باطنة؛ فلذلك كان أعظم إخلاصًا، فاختصه الله من بين سائر الأعمال، قال بعض العلماء ومعناه إذا كان الله يوم القيامة وكان على الإنسان مظالم للعباد، فإنه يؤخذ للعباد من حسناته إلا الصيام فإنه لا يؤخذ منه شيء؛ لأنه لله وليس للإنسان، وهذا معنى جيد أن الصيام يتوفر أجره لصاحبه، ولا يؤخذ منه لمظالم الخلق شيئًا.
أنواع الصبر الثلاثة
  • إن عمل ابن آدم يزاد من حسنة إلى عشرة أمثالها إلا الصوم فإنه يعطى أجره بغير حساب، يعني أنه يضاعف أضعافًا كثيرة، قال أهل العلم: وذلك لأن الصوم اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة: ففيه صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله.
١- أما الصبر على طاعة الله فلأن الإنسان يحمل نفسه على الصيام مع كراهته له، أحيانًا يكرهه لمشقته، لا لأن الله فرضه، لو كره الإنسان الصوم لأن الله فرضه لحبط علمه، لكنه كرهه لمشقته، ولكنه مع ذلك يحمل نفسه عليه فيصبر عن الطعام والشراب والنكاح لله؛ ولهذا قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. ٢-الصبر عن معصية الله، وهذا حاصل للصائم، فإنه يصبّر نفسه عن معصية الله؛ فيتجنب اللغو والرفث والزور وغير ذلك من محارم الله. ٣-الصبر على أقدار الله، وذلك أن الإنسان يصيبه في أيام الصوم (ولاسيما في الأيام الحارة والطويلة) من الكسل والملل والعطش ما يتألم ويتأذى به، ولكنه صابر؛ لأن ذلك في مرضاة الله، فلما اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة كان أجره بغير حساب، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
للصائم فرحتان
  • ومن الفوائد التي اشتمل عليها هذا الحديث أن للصائم فرحتين:
الأولى: عند فطره، إذا أفطر فرح بفطره من وجهين: ١- أنه أدى فريضة من فرائض الله وأنعم الله بها عليه، وكم من إنسان في المقابر يتمنى أن يصوم يومًا واحدًا فلا يكون له! وهذا قد منّ الله عليه بالصوم فصام، فهذه نعمة، فكم من إنسان شرع في الصوم ولم يتمه! فإذا أفطر فرح؛ لأنه أدى فريضة من فرائض الله، ويفرح أيضا فرحًا آخر، وهو أن الله أحل له ما يوافق طبيعته من المآكل والمشارب والمناكح بعد أن كان ممنوعا منها، والفرحة الثانية عند لقاء ربه، فهاتان فرحتان في الفطر.
فوائد الحديث
  • ومن فوائد هذا الحديث الإشارة إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب. يعني: لا يقول قولاً يأثم به ولا يصخب فيتكلم بكلام صخب، بل يكون وقورًا مطمئنًا متأنيًا، فإن سابّه أحد أو شاتمه فلا يرفع صوته عليه، بل يقول: «إني صائم»، يقول ذلك لئلا يتعالى عليه الذي سابّه، كأنه يقول: أنا لست عاجزًا عن أن أقابلك بما سببتني، ولكني صائم، يمنعني صومي من الرد عليك، وعلى هذا فيقوله جهرًا، كذلك أيضا إذا قال: (إني صائم) يردع نفسه عن مقابلة هذا الذي سابّه، كأنه يقول لنفسه: «إني صائم فلا تردّي على هذا الذي سب»، وهذا أيضًا معنى جليل عظيم؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا رأى من الدنيا ما يعجبه، وخاف أن تتعلق نفسه بذلك قال: «لبيك إن العيش عيش الآخرة»؛ فالنفس مجبولة على محبة ما تميل إليه، فإذا رأى ما يعجبه من الدنيا فليقل لبيك، يعني إجابة لك ياربّ، إن العيش عيش الآخرة، أما عيش الدنيا فزائلٌ وفان.
فهذه من فوائد الصوم نقلها المؤلف -رحمه الله تعالى- مما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- وفي هذا الحديث نوعان من أنواع الحديث، ألفاظ قدسية من كلام الله -تعالى- التي رواها النبي - صلى الله عليه وسلم- عن ربه، وألفاظ نبوية من عند النبي - صلى الله عليه وسلم-.
أثر الصوم على سلوك المسلم
  • ينمّي فيه جانب المراقبة لله في السر والعلن.
  • يربّي المسلم على تهذيب منطقه وحفظ لسانه من الرفث والصخب.
  • يعوّد المسلم على كبح جماح شهوته، ويعمل على ترويض نفسه على التحلي بالصبر وكسر هواها أمام نوازع الشهوات وملذات الحياة.
  • يعوّد المسلم على الانضباط والنظام من خلال برنامج الصيام.
  • يكسب المسلم بالصيام صفة الرحمة والإحساس بالآخرين؛ فيدفعه ذلك إلى تلمّس حاجاتهم.
فوائد الصيام
  • يورث التقوى كما قال -تعالى-: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183).
  • يعوّد على الصبر ويقوي الإرادة.
  • يربّي النفس على الحِلم والأناة «فإن سابّه أحدٌ أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم».
  • يكسر النفس؛ فإن الشّبع والارتواءَ ومباشرة النساء يحمل النفس على الأشَر والبطَر والغفلة.
  • يقي الجسد من أمراض عديدة، وينقّيه من سموم الفضلات.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 25-05-2026, 07:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. السادس والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الجهاد (١)


  • الجهاد شعبة عظيمة من شعب الإيمان وقد دلَّت النصوص القرآنية والحديثية على علوّ منزلته وكونه من أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله
  • مفهوم الجهاد في الإسلام أوسع من مجرد القتال فهو يشمل جهاد النفس والشيطان والهوى والأمر بالمعروف والثبات على الحق
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالًا.
  • الجهاد من شعب الإيمان لقوله -تعالى-:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78)، وقوله -تعالى-: {جَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} (التوبة: 123)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} (الأنفال: 65)، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في (الصحيحين) سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وحديث عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- في صحيح البخاري: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ».
المعنى الإجمالي
الجهاد من أفضل الأعمال قربة إلى الله تعالى فيه تفتح البلاد وتعبد لله قلوب العباد ويعز الدين وتنقذ البشرية من النار، ولقوله -تعالى-: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78)، والجهاد: «هو ذروة سنام الإسلام، وهو في اللغة: بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل.
  • وشرعًا: بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار، والبغاة، والمرتدين ونحوهم».
قال القرطبي: قوله -تعالى-: «{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78) قيل: عنى به جهاد الكفار، وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم. قال ابن عطية: وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله -تعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16). وكذا قال هبة الله: (إن قوله: {حَقَّ جِهَادِهِ}، وقوله في الآية الأخرى: {حَقَّ تُقَاتِهِ} (آل عمران: 102) منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر، ولا حاجة إلى تقدير النسخ، فإن هذا هو المراد من أول الحكم، لأن (حق جهاده) ما ارتفع عنه الحرج.
خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ
وقد روى سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ»، وقال أبو جعفر النحاس، وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ، لأنه واجب على الإنسان، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ لِلهِ»، وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم -: (أي الجهاد أفضل؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة العقبة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: أين السائل؟ فقال: أنا ذا، فقال -صلى الله عليه وسلم -: «كلمة عدل عند سلطان جائر».
  • قوله: وقوله -تعالى-: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذه ثلاثة أصول لأهل محبة الله: إخلاص دينهم، ومتابعة رسوله، والجهاد في سبيله، فإنه أخبر عن المشركين الذين يتخذون الأنداد أنهم يحبونهم كما يحبون الله، ثم قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: 165)؛ فالمؤمنون أشد حبًا لله من المشركين الذين يحبون الأنداد كما يحبون الله، فمن أحب شيئًا غير الله كما يحب الله فهو من المشركين لا من المؤمنين.
ومحبة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من محبته -سبحانه-؛ ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه في الصحيحين: «فَوَالَّذِي نَفْسِي لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وفي صحيح البخاري أن عمر -رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله، والله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمرُ حتى أكون أحب إليك من نفسك. قال: فأنت أحبّ إليّ من نفسي. قال: فأنت الآن يا عمر»، وفي الصحيحين أنه قال -صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من كنّ فيه فقد وجد حلاوة الإيمان، وفي لفظ لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».
حبهم لله ورسوله
وقد قال الله -تعالى-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة: 24)؛ فلم يرضَ منهم أن يكون حبهم لله ورسوله كحب الأهل والمال، وأن يكون حب الجهاد في سبيله كحب الأهل والمال، بل حتى يكون الجهاد في سبيله، الذي هو تمام حبه وحب رسوله، أحبَّ إليهم من الأهل والمال، فهذا يقتضي أن يكون حبهم لله ورسوله مقدّمًا على كل محبة ليس عندهم شيء يحبونه كحب الله بخلاف المشركين، ويقتضي الأصل الثاني، وهو أن يكون الجهاد في سبيله أحبَّ إليهم من الأهل والمال، فإن ذلك هو تمام الإيمان الذي ثوابه حب الله ورسوله، كما قال -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (الحجرات: 15).
وصف أهل المحبة
وبذلك وصف أهل المحبة في قوله -تعالى:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54)، فأخبر -سبحانه- بذلهم للمؤمنين وعزهم على الكافرين وجهادهم في سبيله، وأنهم لا يخافون لومة لائم، فلا يخافون لوم الخلق لهم على ذلك، وهؤلاء هم الذين يحتملون الملام والعذل في حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، والله يحبهم وهم يحبونه، ليسوا بمنزلة من يحتمل الملام والعذل في محبة ما لا يحبه الله ورسوله، ولا بمنزلة الذين أظهروا من مكروهات الحق ما يلامون عليه ويسمّون بالملامتية، ظانين أنهم لما أظهروا ما يلومهم الخلق عليه من المنكرات مع صحتهم في الباطن كان ذلك من صدقهم وإخلاصهم، وهم في ذلك إنما يتّبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن ذلك المنكر الذي يكرهه الله ورسوله لا يكون فعلُه مما يحبه الله ورسوله، ولا يكون من الصدق والإخلاص في حب الله ورسوله والناس يلامون عليه، وسنام ذلك الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله، واللائمون عليه كثير؛ إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، وهم إما مُخذِّلون مُفتِّرون للهمة والإرادة فيه، وإما مرجفون مضعفون للقوة والقدرة عليه وإن كان ذلك من النفاق، قال الله -تعالى-: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} (الأحزاب: 18)، وقال -تعالى-: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} (الأحزاب: 60). وأما متابعة السنة والشريعة النبوية قال الله -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31)، قال طائفة من السلف: فقد ادعى قوم على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية، فجعل حبّ العبد لربه موجبًا ومقتضيًا لاتباع رسوله، وجعل اتباع رسوله موجبًا ومقتضيًا لمحبة الرب عبده، فأهل اتباع الرسول يحبهم الله، ولا يكون حبا لله إلا من يكون منهم».
كيفية الجهاد
  • قوله: وقوله -تعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} (التوبة: 123)، قال القرطبي: فيه مسألة واحدة: «وهو أنه -سبحانه- عرفهم كيفية الجهاد، وأن الابتداء بالأقرب فالأقرب من العدوّ؛ ولهذا بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرب، فلما فرغ قصد الروم وكانوا بالشام. وقال الحسن: نزلت قبل أن يؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتال المشركين؛ فهي من التدريج الذي كان قبل الإسلام. وقال ابن زيد: المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (التوبة: 29). وقد روي عن ابن عمر أن المراد بذلك الديلم. وروي عنه أنه سئل: بمن يبدأ بالروم أو بالديلم؟ فقال: بالروم، وقال الحسن: هو قتال الديلم والترك والروم. وقال قتادة: الآية على العموم في قتال الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى. قلت: قول قتادة هو ظاهر الآية، واختار ابن العربي أن يبدأ بالروم قبل الديلم؛ على ما قاله ابن عمرَ -رضي الله عنهما- لثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم أهل كتاب، فالحجة عليهم أكثر وآكد. الثاني: أنهم إلينا أقرب أعني أهل المدينة. الثالث: أن بلاد الأنبياء في بلادهم أكثر، فاستنقاذها منهم أوجب. والله أعلم.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-07-2026, 06:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان- السابع والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: المرابطة في سبيل الله -تعالى-


  • الرِّبَاطَ في الثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَاوِرَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَاد وَالْمُجَاوَرَةُ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ وَجِنْسُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ
  • المرابطة في الثغور من أهم الوسائل لحفظ الدين من خطر الأعداء ويترتب عليها أجر عظيم لكل مرابط
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
المرابطة في سبيل الله من شعب الإيمان لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)، ولحديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - في صحيح البخاري: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»، والمرابطة تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة.
المعنى الإجمالي
المرابطة في الثغور من أهم الوسائل لحفظ الدين من خطر الأعداء عليه ورتب عليها أجر عظيم لكل مرابط.
  • قوله: لقوله -تعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)، قال القرطبي: قال الحسن: على الصلوات الخمس، وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها، فهي تدعو وهو ينزع. وقال عطاء والقرظي: صابروا الوعد الذي وعدتم، أي: لا تيأسوا وانتظروا الفرج، قال - صلى الله عليه وسلم -: «انتظار الفرج بالصبر عبادة»، واختار هذا القول أبو عمر -رحمه الله تعالى- والأول قول الجمهور، ومنه قول عنترة:
فلم أرَ حيًّا صابَروا مثْلَ صبرنا ولا كافحوا مثلَ الذين نكافحُ
  • قوله (صابروا) مثل صبرنا، أي صابروا العدو في الحرب، ولم يبدُ منهم جبن ولا خَور، والمكافحة: المواجهة والمقابلة في الحرب، ولذلك اختلفوا في معنى قوله: {وَرَابِطُوا} فقال جمهور الأمَّة: رابطوا أعداءكم بالخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله -تعالى-:{وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} (الأنفال: 60) وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة ابن الجراح - رضي الله عنه - إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يذكر له جموع الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله -تعالى- يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200). وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن - رضي الله عنه -: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله - شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان- السابع والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: المرابطة في سبيل الله -تعالى-- غزو يرابط فيه، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه. واحتج أبو سلمة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط» ثلاثًا.
الملازمة في سبيل الله
قال ابن عطية: والقول الصحيح هو أن الربط الملازمة في سبيل الله، أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطًا، فارسًا كان أو راجلًا، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله محمد بن المواز (ورواه) وأما سكان الثغور دائمًا بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين، قال ابن عطية، وقال ابن خويز منداد: وللرباط حالتان: حالة يكون الثغر مأمونًا منيعًا يجوز سكناه بالأهل والولد، وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال، ولا ينقل إليه الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق، والله أعلم.
فضل الرباط
وجاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها»، وفي صحيح مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان»، وروى أبو داود في سننه عن فضالة ابن عبيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر»، وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم؛ فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم وموت الولد.
الرباط يضاعف أجره
والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة؛ لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة، وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله -تعالى- إلى يوم القيامة؛ وهذا لأن أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة، أخرج ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات مرابطًا في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع»، وفي هذا الحديث قيد ثانٍ وهو الموت حال الرباط، والله أعلم.
المرابطة هي الثبات واللزوم
قال ابن القيم: «فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حاله في الصبر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم، والإقامة على الصبر والمصابرة؛ فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى، فأخبر -سبحانه- أن ملاك ذلك كله التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته».
خير من الدنيا وما عليها
  • قوله: ولحديث سهل بن سعد الساعدي في صحيح البخاري: «رباط يوم في سبيل الله -تعالى- خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها»، قال ابن بطال: «قال المهلب: إنما صار رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها؛ لأنه عمل يؤدي إلى الجنة، وصار موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، من أجل أن الدنيا فانية، وكل شيء في الجنة وإن صغر في التمثيل لنا، وليس فيها صغير؛ فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية المنقطعة، فكان الدائم الباقي خيرًا من المنقطع»، قال ابن تيمية: «قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الرِّبَاطَ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوِرَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ، وَالْمُجَاوَرَةُ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ وَجِنْسُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ، كَمَا قَالَ -تعالى-: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (التوبة: 19 - 22).»، والمرابطة تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة؛ لأن المرابط يقيم في وجه العدو مثل قيامه متأهبًا مستعدا له.
فوائد الرباط السلوكية
  • الرباط في سبيل الله يعوّد النفس على الصبر وتحمل المشاقّ والشدائد.
  • ينمّي الرباط في سبيل الله حبّ أوطان المسلمين وأهلها.
  • يشعر المسلم بعظيم حقوق إخوانه المسلمين؛ إذ يرابط لحماية نفوسهم وأعراضهم وأموالهم.
  • يفرح المسلم ويسرّ بالرباط في سبيل الله رجاء ثوابه.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22-07-2026, 11:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الثامن والعشرون: الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف


  • الثبات أمام الأعداء وعدم الفرار من الزحف من أعظم مظاهر الانتصار ويقابله انتصار المسلم على شهواته وأهواء نفسه
  • على المؤمن إذا ابتُلي أن يصبر ويثبت ويقوم بواجباته بيقين ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الهداية ورفعة الدرجات في الدنيا والآخرة، وقد وردت في الحديث المشهور الذي ذكر أعلاها وأدناها وذكر أن منها شعبة الحياء، ولما كانت مصنفات العلماء في بيانها؛ كالحليمي والبيهقي، مطولةً، قلَّ إقبال كثير من الناس عليها، فجاء اختصار القزويني لكتاب الحافظ البيهقي تيسيرًا للانتفاع بها، ومن هنا شرحته بأسلوب سهل مختصر، مدعَّم بالنصوص والنقول المفيدة.
الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف؛ لقوله -تعالى-: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال: 45)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (الأنفال: 65)، ولحديث عبدالله بن أبي أوفى ت في صحيح البخاري: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف».
قواعد ضرورية في الحروب
  • قوله: لقوله -تعالى-: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال: 45)، قال الزحيلي: «هذه الآيات تعليم من الله لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، وهي قواعد ضرورية في الحروب، وأسس للجندية الحقة الحازمة، وأول هذه الآداب والقواعد: الثبات أمام العدو حين اللقاء معه، بتوطين النفوس على الصمود والصبر على المبارزة وعدم التحدث بالتولي والفرار، ونظرا لأن هذا العنصر أهم عناصر المواجهة الحربية، فقد بدأ الله به، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال:45) أي إذا حاربتم جماعة من أعدائكم الكفار، فاثبتوا أمامهم في القتال، وإياكم من الفرار من الزحف وتولي الأدبار، فالثبات ركيزة الحروب وسبب للانتصار، والفرار جريمة كبري يعاقب عليها الله تعالى لأنها خطأ فادح في حق الأمة قاطبة.».
الشجاعة الإيمانية
  • قوله: وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال)، قال الإمام السعدي: «يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ } بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابًا للكافرين.
قال -تعالى-: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ} أي: رجع {بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهُ} أي: مقره {ِوَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير}، وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد. ومفهوم الآية: أن المتحرّف للقتال- وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى- ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه لم يولِّ دبره فارًا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز، فإن كانت الفئة في العسكر، فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة، كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين، والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز، ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمدُ عاقبة، وأبقى عليهم، أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد -في هذه الحال- أن تكون من الأحوال المرخص فيها؛ لأنه -على هذا- لا يتصور الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد».
التعوذ من الجبن
فائدة: قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ بالله من الجبن، والجبن خلق مذموم عند جميع الخلق، وأهل الجبن هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشجاعة والجود هم أهل حسن الظن بالله، كما قال بعض الحكماء في وصيته عليكم بأهل السخاء والشجاعة، فإنهم أهل حسن الظن بالله، والشجاعة جُنّة للرجل من المكاره، والجبن إعانة منه لعدوه على نفسه، فهو جند وسلاح يعطيه عدوه ليحاربه به، وقد قالت العرب: (الشجاعة وقاية والجبن مقتلة) وقد أكذب الله -سبحانه- أطماع الجبناء في ظنهم أن جبنهم ينجيهم من القتل والموت، فقال الله -تعالى-: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ} (الأحزاب: 16)، اعتبر ذلك في معارك الحروب بأن من يُقتل مدبرًا أكثر ممن يُقتل مقبلًا، وفي وصية أبي بكر الصديق لخالد بن الوليد -رضي الله عنهما-: (احرص على الموت توهب لك الحياة)، وقال خالد بن الوليد - رضي الله عنه -: (حضرت كذا وكذا زحفًا في الجاهلية والإسلام، وما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، وها أنا ذا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء)، ولا ريب عند كل عاقل أن استقبال الموت إذا جاءك خير من استدباره، والله أعلم».
  • قوله: وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (الأنفال: 65)، قال الإمام الطبري: «قال أبو جعفر: يقول -تعالى- ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}، حُثَّ متبعيك ومصدِّقيك على ما جئتهم به من الحق، على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ} رجلًا {صَابِرُونَ}، عند لقاء العدو، ويحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، من عدوهم ويقهروهم {إِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ}، عند ذلك {يَغْلِبُوا}، منهم {أَلْفًا} {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُو}، يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر ولا احتساب، لأنهم لم يفقهوا أن الله مُوجبٌ لمن قاتل احتسابًا، وطلب موعود الله في الميعاد، ما وعد المجاهدين في سبيله، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء، خشية أن يُقتلوا فتذهب دنياهم، ثم خفف -تعالى ذكره- عن المؤمنين، إذ علم ضعفهم، فقال لهم: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ}، يعني: أن في الواحد منهم عن لقاء العشرة من عدوهم ضعفًا {فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ}، عند لقائهم للثبات لهم { يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} منهم { وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} منهم {بِإِذْنِ اللَّهِ} يعني: بتخلية الله إياهم لغلبتهم، ومعونته إياهم {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، لعدوهم وعدو الله، احتسابًا في صبره، وطلبًا لجزيل الثواب من ربه، بالعون منه له، والنصر عليه».
لا تتمنّوا لقاء العدو
  • قوله: ولحديث عبد الله بن أبي أوفى في صحيح البخاري: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، قال ابن حجر العسقلاني: «فأمر بترك التمني؛ لما فيه من التعرض للبلاء، وخوف اغترار النفس، إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع، ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع؛ تسليمًا لأمر الله -تعالى»-.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْعَى فِيمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ فَيَبْخَلُ بِالْوَفَاءِ؛ وَكَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُعَاهِدُ اللهَ عُهُودًا عَلَى أُمُورٍ، وَغَالِبُ هَؤُلَاءِ يُبْتَلَوْنَ بِنَقْضِ الْعُهُودِ، وَيَقْتَضِي أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اُبْتُلِيَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ وَيَثْبُتَ، وَلَا يَتَّكِلَ حَتَّى يَكُونَ مِنْ الرِّجَالِ الْمُوقِنِينَ الْقَائِمِينَ بِالْوَاجِبَاتِ، وَلَابُدَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِنْ الصَّبْرِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّبْرُ وَاجِبًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ.
الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ عَنْ أَنْ يَجْزَعَ فِيهَا، وَالصَّبْرُ عَنْ اتِّبَاعِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ فِيمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ الصَّبْرَ فِي كِتَابِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ مَوْضِعًا وَقَرَنَهُ بِالصَّلَاةِ فِي قَوْله -تعالى-: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45), {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 153) وَقَوْلِهِ: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (هود: 114) إلَى قَوْلِهِ: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (هود: 115), {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} (طه: 130), {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} (غافر:55) الْآيَةَ وَجَعَلَ (الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ) مَوْرُوثَةً عَنْ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ بِقَوْلِهِ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة: 24) فَإِنَّ الدِّينَ كُلَّهُ عِلْمٌ بِالْحَقِّ وَعَمَلٌ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ لَابُدَّ فِيهِ مِنْ الصَّبْرِ، بَلْ وَطَلَبُ عِلْمِهِ يَحْتَاجُ إلَى الصَّبْرِ كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -]- عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ طَلَبَهُ لِلهِ عِبَادَةٌ، وَمَعْرِفَتَهُ خَشْيَةٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ. بِهِ يُعْرَفُ اللهُ وَيُعْبَدُ، وَبِهِ يُمَجَّدُ اللهُ وَيُوَحَّدُ، قَالَ -تعالى-: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم: 1 - 2) فَلَا يُنَالُ الْهُدَى إلَّا بِالْعِلْمِ وَلَا يُنَالُ الرَّشَادُ إلَّا بِالصَّبْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ: أَلَا إنَّ الصَّبْرَ مِنْ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ -فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّأْسُ بَانَ الْجَسَدُ- ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ: أَلَا لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ».
الفوائد السلوكية لشعبة الشجاعة
  • القرآن والإيمان يعززان في نفس المؤمن القوة والشجاعة.
  • يشعر المسلم بعزته أمام جموع الكافرين إذ يجد من الله تثبيتا وتصبيرا وعونا وحسن موعود.
  • الثبات أمام الأعداء وعدم الفرار من الزحف أعظم انتصار للإنسان، وهذا ينعكس على سلوك المسلم بانتصاره على شهوات النفس وملذاتها وقهر أهوائها الجامحة ورغباتها.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29-01-2026, 04:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. التَّاسِع عشر من شُعب الإيمان: تَعْظِيم الْقرَآن الْمجِيد بتعلّمه وتعليمه وَحفظ حُدُوده


  • نصوص الكتاب والسُنَّة تؤكد تعظيم القرآن الكريم وتعلّمه وتعليمه والقيام بأوامره والانتهاء عن حرماته وتعظيم حَمَلَتِه وحُفاظِه
  • من تعظيم القرآن الكريم التحاكم إليه فلا يُتحاكم إلى غيره أو إلى ما يتعارض معه قليلًا كان أو كثيرًا
  • حصولُ بركة القرآن الكريم تكون بالعمل بأحكامه وبالتمتع بالطيبات التي أحلها الله تعالى
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلوّ في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • التَّاسِع عشر من شُعب الإيمان: تَعْظِيم الْقرَآن الْمجِيد بتعلّمه وتعليمه وَحفظ حُدُوده، وأحكامه وَعلم حَلَاله وَحَرَامه وتبجيل أهله وحفّاظه، واستشعار ما يهيج إلى الْبكاء من مواعيد الله ﻷ ووعيده، قَالَ الله -تعالى-: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (الحشر: 21)، وَقَالَ -تعالى-: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (الواقعة)، وَقَالَ -تعالى-: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} (الرعد: 31)، وَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فيما رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه : «أفضلكم -أَو خَيركُمْ- من تعلم الْقُرْآن وَعلمه»، وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن أبي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه : «تَعَاهَدُوا الْقرآن فوَالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَهو أشد تفلتًا من الإبل فِي عقلهَا»، وَقَالَ فِيمَا روياه عَن عبدالله بن عمر رضي الله عنه : «لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجل آتَاهُ الله هَذَا الْكتاب، فَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار، وَرجل آتَاهُ الله مَالًا فَهُوَ يتَصَدَّق بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار»، وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلم عَن عمرَ رضي الله عنه : «إِن الله يرفع بِهَذَا الْكتاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرين».
الشرح
المعنى الإجمالي: هذه النصوص من الكتاب والسُنَّة توضح لنا إحدى شُعب الإيمان، وهي تعظيم القرآن الكريم، من خلال أخذه بعزيمة، وتعلّمه وتعليمه، والقيام بأوامره، والانتهاء عن حرماته، وتعظيم حَمَلَتِه وحُفاظِه، وهذه الشعبة من شعب الإيمان يكون بفقدها زوال الإيمان، وبضعفها ضعف الإيمان، كما أنها تظهر على جوارح من يأخذ بها.
  • قوله: قَالَ الله -تعالى-: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (الحشر: 21)، قال ابن كثير: «يقُولُ -تعالى- مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْقُرْآنِ وَمُبَيِّنًا عُلُوَّ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَخْشَعَ لَهُ الْقُلُوبُ وَتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَمَاعِهِ، لما فيه من الوعد الحق وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي فإذا كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ؛ فَكَيْفَ يَلِيقُ بكم أيها البشر أن لا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ وَتَخْشَعَ وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللهِ أَمْرَهُ وَتَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ، وَلِهَذَا قَالَ -تعالى-: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} قَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ -تعالى-: {َوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا}. إِلَى آخِرِهَا يَقُولُ لَوْ أَنِّي أَنْزَلْتُ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ حَمَّلْتُهُ إِيَّاهُ لَتَصَدَّعَ وَخَشَعَ مِنْ ثِقَلِهِ وَمِنْ خَشْيَةِ اللهِ، فَأَمَرَ اللهُ النَّاسَ إِذَا نَزَّلَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ أَنْ يَأْخُذُوهُ بالخشية الشديدة والتخشع، ثُمَّ قَالَ -تعالى-: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}».
القرآن هو تنزيل رب العالمين
  • قوله: وَقَالَ -تعالى-: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (الواقعة)، قال الشيخ السعدي: «أي: إن هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة هو تنزيل رب العالمين، الذي يربي عباده بنعمه الدينية والدنيوية، ومن أجل تربية ربّى بها عباده، إنزاله هذا القرآن، الذي قد اشتمل على مصالح الدارين، ورحم الله به العباد رحمة لا يقدرون لها شكورًا.
ومما يجب عليهم: أن يقوموا به ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ} أي: أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم أنتم تدهنون، أي: تختفون وتدلسون خوفًا من الخلق وعارهم وألسنتهم؟ هذا لا ينبغي ولا يليق، إنما يليق أن يداهن بالحديث الذي لا يثق صاحبه منه، وأما القرآن الكريم، فهو الحق الذي لا يُغالِبُ به مُغالِبٌ إلا غلب، ولا يصول به صائل إلا كان العالي على غيره، وهو الذي لا يداهن به ولا يختفى، بل يصدع به ويعلن».
فضل القرآن الكريم
  • قوله: وَقَالَ -تعالى-: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} (الرعد: 31)، قال الشيخ السعدي: «يقول تعالى مبينًا فضل القرآن الكريم على سائر الكتب المنزلة {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا} من الكتب الإلهية {سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} عن أماكنها {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ} جنانًا وأنهارًا {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} لكان هذا القرآن. {بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} فيأتي بالآيات التي تقتضيها حكمته، فما بال المكذبين يقترحون من الآيات ما يقترحون؟ فهل لهم أو لغيرهم من الأمر شيء؟».
  • قوله: وَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فيما رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن عُثْمَان بن عَفَّان - رضي الله عنه -: «أفضلكم أَو خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه»، قال ابن بطال: «حديثُ عثمانَ يدل أن قراءة القرآن أفضل أعمال البر كلها؛ لأنه لما كان من تعلم القرآن أو علمه أفضل الناس وخيرهم دل ذلك على ما قلناه؛ لأنه إنما وجبت له الخيرية والفضل من أجل القرآن، وكان له فضل التعليم جاريًا ما دام كل من علمه تاليًا»، قال المناوي في فيض القدير: «أيْ خير المتعلمين والمعلمين من كان تعلمه، وتعليمه في القرآن، إذ خير الكلام كلام الله؛ فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به».
وقال القاري في المرقاة كما نقله المباركفوري في تحفة الأحوذي: «ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما؛ لأن العلم إذا لم يكن مورِثًا للعمل ليس علمًا في الشريعة, إذ أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل انتهى»، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «لا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي؛ ولهذا كان أفضل».
تَعَاهَدُوا الْقرَان
  • قوله: فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن أبي مُوسَى الأشعري - رضي الله عنه -: «تَعَاهَدُوا الْقرَان فوَالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَهو أشد تفلتًا من الإبل فِي عقلهَا»، قال ابن بطال: «إنما شبّه - صلى الله عليه وسلم - صاحب القرآن بصاحب الإبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها، وأنه يتفصى من صدور الرجال؛ لقوله -تعالى-: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا} (المزمل: 5)، فوصفه -تعالى- بالثقل، ولولا ما أعان على حفظه ما حفظوه، فقال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (القيامة: 17)، وقال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} (القمر: 17)، فبتيسير الله وعونه لهم عليه بقي في صدورهم».
قال المناوي في فيض القدير: «(تعاهدوا القرآن) أيْ داوموا على تكراره ودرسه لئلا تنسوه. قال القاضي: تعاهد الشيء وتعهده محافظته وتجديد العهد به، والمراد منه الأمر بالمواظبة على تلاوته والمداومة على تكراره ودرسه (فوالذي نفسي بيده) أي بقدرته وتصرفه (لهو أشد تفصيًا)... أي أسرع تفصيًا وتخلصًا وذهابًا وانقلابًا وخروجًا (من قلوب الرجال) يعني حفظته (من الإبل من عقلها) جمع عقال أي لهو أشد ذهابًا من الإبل، إذا تخلصت من العقال فإنها تفلت حتى لا تكاد تلحق؛ شبه القرآن وكونه محفوظًا على ظهر قلب بالإبل الآبدة النافرة وقد عقل عقلها وشد بذراعيها بالحبل المتين, وذلك أن القرآن ليس من كلام البشر؛ بل كلام خالق القوى والقدر، وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة؛ لأنه حادث وهو قديم، والله سبحانه بلطفه العميم منّ عليهم ومنحهم هذه النعم العظيمة، فينبغي تعاهده بالحفظ والمواظبة ما أمكن».
لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ
  • قوله: وَقَالَ فِيمَا رواه البخاري ومسلم عَن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-: «لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجلٌ آتَاهُ الله هَذَا الْكتاب، فَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار، وَرجلٌ آتَاهُ الله مَالًا فَهُوَ يتَصَدَّق بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار»، قال ابن بطال: «من جمع القرآن فقد حمل أمرًا عظيمًا، وقد استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لصاحب القرآن أن يرفث فيمن يرفث، ولا يجهل فيمن يجهل وفي جوفه كلام الله. وقال سفيان بن عيينة: من أعطي القرآن فمدّ عينيه إلى شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن، ألم يسمع قوله جل وعلا: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر: 87) الآية. قال: يعني القرآن، وقوله سبحانه وتعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا} (السجدة:16) الآية. قال: هو القرآن. قال أبو عبيد: ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أنفق عبدٌ من نفقة أفضل من نفقة في قول»، ومنه قول شريح لرجل سمعه يتكلم فقال له: أمسك عليك نفقتك. وفي حديث ابن عمر وأبي هريرة -رضي الله عنهما-: أن حامل القرآن ينبغي له القيام به آناء الليل والنهار، ومن فعل ذلك فهو الذي يحسد على فعله فيه، وكذلك من آتاه الله مالًا وتصدق به آناء الليل والنهار، فهو المحسود عليه، ومن لم يتصدق به وشحّ عليه فلا ينبغي حسده عليه؛ لما يجتني من سوء عاقبته وحسابه عليه».
وقال النووي: قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحَسَدُ قِسْمَانِ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا، وَهَذَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَعَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ فَهُوَ الْغِبْطَةُ، وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَ النِّعْمَةِ الَّتِي عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ زَوَالِهَا عَنْ صَاحِبِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَتْ مُبَاحَةً، وَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ لَا غِبْطَةَ مَحْبُوبَةٌ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا».
إِن الله يرفع بِهَذَا الْكتاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرين
  • قوله: وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلم عَن عمرَ - رضي الله عنه -: «إِن الله يرفع بِهَذَا الْكتاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرين»، قال القاري: «أَيْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ الْبَالِغُ فِي الشَّرَفِ، وَظُهُورِ الْبُرْهَانِ مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمَةِ (أَقْوَامًا)، أَيْ دَرَجَةَ جَمَاعَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِأَنْ يُحْيِيَهُمْ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنْيَا، وَيَجْعَلَهُمْ مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي الْعُقْبَى (وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)، أَيْ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِنْ مَرَاتِبِ الْكَامِلِينَ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، قَالَ -تعالى-: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} (البقرة: 26)، وَذَكَرَ الْبَغْوَيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي الْمَعَالِمِ: «أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي، أَيْ أَهْل مَكَّةَ؟ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنُ أَبْزَى، فَقَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ عُمَرُ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ قَارِئُ الْقُرْآنَ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ قَاضٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا انَّ نَبِيَّكُمْ -صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إِنَّ اللهَ -تعالى- يَرْفَعُ بِهَذَا الْقُرْآنِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ».
من فوائد تعظيم القرآن
  • حصولُ بركة القرآن الكريم، بالعمل بأحكامه، وبالتمتع بالطيبات التي أحلها الله -تعالى-.
  • إنزال الناس منازلهم، بإكرام حملة القرآن، وتقديمهم في المجالس.
  • استحضار أن المتكلم به هو جبّار السماوات والأرض؛ فمن استخف بكلامه، فكأنما استخف به -سبحانه-، وهو بذلك يكفر.
  • اعتقاد كماله وتمامه، وأنه لا نقص فيه، ولا اختلاف ولا اضطراب.
  • من تعظيمه التحاكم إليه، فلا يتحاكم إلى غيره أو إلى ما يتعارض معه، قليلًا كان أو كثيرًا.
أثر تعظيم القرآن على خلق المسلم
  • ظهورُ الخشوع عند تلاوة آيات الوعيد، والفرح والبشارة عند آيات الوعد.
  • الوقوف عند الحرمات، وترك الشبهات والمكروهات، وفعل المستحبات.
  • الحرص على تعليم القرآن وتعلمه، والإكثار من ذلك لحصول الخيرية.
  • تعاهد القرآن وعدم هجره؛ ولا سيما للحافظ.
  • استشعار العزة في نفس المؤمن؛ لحمله كلام الله -تعالى-.
معاني المفردات
  • الخشوع: الخضوع لله والضراعة له سبحانه.
  • التصدع: التشقق.
  • مكنون: المكنونُ المستور البعيد عن الأعين.
  • المطهّرون: الملائكة الذين طهرهم الله من الذنوب والمعاصي.
  • تعاهُد القرآن: المداومة على مراجعته والمحافظة على تلاوته.
  • يرفع: علوّ المنزلة وحسن الصيت في الدنيا والآخرة.
  • يضع: سفول المنزلة وسوء السمعة والصيت في الدنيا والآخرة.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 21-10-2025, 04:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

( شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان ) التَّاسِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإيْمَانُ بِأَنَّ دَارَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَمَأْوَاهُمْ الْجَنَّة وَدَارُ الْكَافِرِيْنَ وَمَأْوَاهُم النَّار


  • لـمّا كان الكفار يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويكذبونه أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفّين به وبأمره تطييبًا لقلبه وتسكينًا لفؤاده
  • المؤمن على يقين بما أعده الله تعالى لعباده الصالحين وهذا يجعله يجتهد في عبادته لله تعالى وإحسانه فيها
  • من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار قد خُلقتا خلافًا للمعتزلة المنكرين لخلقهما
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
التَّاسِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ هو الْإيْمَانُ بِأَنَّ دَارَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَمَأْوَاهُمْ الْجَنَّة وَدَارُ الْكَافِرِيْنَ وَمَأْوَاهُم النَّار، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة)، وَلِحَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ -تعالى- إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
الشرح:
  • قوله: «الإيمان بأن دار المؤمنين ومأواهم الجنة»: وهو ركن تَبَعٌ للإيمان باليوم الآخر من أعمال القلب.
وقوله: (دار) الدار المنزل اعتبارًا بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة وجمعها ديار، ثم تسمى البلدة دارًا، والصِّقع دارًا، والدنيا -كما هي- دارًا، والدار الدنيا، والدار الآخرة، إشارة إلى المَقَرَّينِ في النشأة الأولى، والنشأة الأخرى.
  • قوله: (دار المؤمنين)، أي: مقر المؤمنين في الآخرة.
  • قوله: (ومأواهم): المأوى مصدر أوى يأوى أويا ومأوى، تقول: أوى إلى كذا، انضم إليه، قال ﻷ: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} (الكهف:10) وقال -تعالى-: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ}.
قوله: (الجنة): كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض، والجنان سبعٌ؛ جنة الفردوس، وعدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون.
  • قوله: (ودار الكافرين ومأواهم النار) أي: مقر الكافرين في الآخرة النار وبئس المصير.
  • قوله: لقوله -تعالى-: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة، يقول ابن كثير في تفسيره للآية: يقول -تعالى-: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، -وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات-؛ فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات -من العمل الموافق للشريعة-؛ فهم من أهل الجنة.
  • قوله: «ولحديث ابن عمر في الصحيحين: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله -تعالى- إليه يوم القيامة».
معنى الحديث
يقول العلامة ابن عثيمين في الجنة والنار: «الجنة لغة: البستان الكثير الأشجار، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للمتقين، والنار لغة: معروفة، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للكافرين، وهما مخلوفتان الآن لقوله -تعالى- في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133)، وفي النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24)، وقد تمَّ الانتهاء منهما؛ لأن الإعداد: التهيئة، ولقوله صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الكسوف: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع منها» متفق عليه.
قوله: (عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ)
قال المباركفوري: «أَيْ: أُظْهِرَ لَهُ مَكَانُهُ الْخَاصُّ مِن الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «ثم قيل هذا العرض إنما هو على الرُّوحِ وحده، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد، فيرد إليه الروح كما ترد عند المسألة حين يقعده الملكان، ويقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، وكيفما كان فإن العذاب محسوس، والألم موجود، والأمر شديد، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلًا في النائم، فإن روحه تعذب أو تنعم في أجواف طير سود بشيء من ذلك». وقال أيضًا: «وهذه حالة مختصة بغير الشهداء، وفي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبدالله بن مسعود عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169)، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترجع أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا».
قوله: (إِنْ كَانَ): أَيْ الْمَيِّتُ.
  • قوله: (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ): قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: التَّقْدِيرُ. إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمَقْعَدٌ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ. أَيْ فَالْمَعْرُوضُ الْجَنَّةُ.
  • قوله: (هَذَا) أَيْ: الْمَقْعَدُ الْمَعْرُوضُ عَلَيْك. قوله: (مَقْعَدُك حَتَّى يَبْعَثُك اللَّهُ... إِلَخْ)، قَالَ اِبْنُ التِّينِ مَعْنَاهُ: أَيْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى ابْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ: حَتَّى يَبْعَثَك اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ اِبْنُ عبدالْبَرِّ: وَالْمَعْنَى حَتَّى يَبْعَثَك اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْعَدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى اللَّهِ، فَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: «ثُمَّ يُقَالُ هَذَا مَقْعَدُك الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، اِنْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ.
حكمة رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- للجنة والنار
وقد ذكر القرطبي فوائد وحكم مترتبة على رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- للجنة والنار وهي:
  • الفائدة الأولى: إن الكفار لما كانوا يستهزئون به ويكذبونه في قوله، ويؤذيه أشد الأذى، أراه الله -تعالى- النار التي أعدها للمستخفين به وبأمره، تطييبًا لقلبه، وتسكينًا لفؤاده.
  • الفائدة الثانية: الإشارة في ذلك إلى أن من طيّب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والانتقام، فالأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه وأحبابه بالتحية والشفاعة والإكرام.
  • الفائدة الثالثة: ويحتمل أن عرضها عليه ليعلم مِنَّة الله -تعالى- حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته.
  • الفائدة الرابعة: ويحتمل أنَّ عَرْضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء: نفسي نفسي، يقول نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- : أمتي أمتي، وذلك حين تسجر جهنم، ولذلك أمر الله ﻷ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقال -جل من قائل-: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ} (التحريم: 8) الآية.
  • الفائدة الخامسة: أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئًا منها، فإذا رأواها جزعوا، وكفت ألسنتهم عن الخطيئة والشفاعة من هولها، وشغلتهم أنفسهم عن أممهم، وأما نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه، مثل ما فزعوا، ليقدر على الخطبة، وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه -تبارك وتعالى- في القرآن المجيد وثبت في صحيح السنة.
  • الفائدة السادسة: فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار قد خُلقتا، خلافًا للمعتزلة المنكرين لخلقها، وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله -تعالى-: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133) {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24)، والإعداد دليل الخلق والإيجاد.
  • الفائدة السابعة: ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خِسَّة الدُّنيا في جنب ما أراه، فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر، حتى يؤديه إلى الجنة، فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء، وبؤسًا لنعمة تردي بصاحبها إلى البلاء.
  • الفائدة الثامنة: ويحتمل أن الله -تعالى- أراد ألا يكون لأحد كرامة إلا يكون لمحمد -صلى الله عليه وسلم- مثلها، ولما كان لإدريس -رحمه الله- كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة، أراد الله -تعالى- أن يكون ذلك لصفيه ونجيه وحبيبه وأمينه على وحيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وكرَّم وعظَّم وبجَّل ووقَّر، قال ذلك جميعه الحافظ ابن دحية -رحمه الله -تعالى- في كتاب: (الابتهاج في أحاديث المعراج).
فوائد الإيمان بالجنة والنار
  • خلق الله -تعالى- الجنة والنار وفرغ منهما -جل وعلا-.
  • إثبات عذاب القبر ونعيمه.
  • المؤمن على يقين بما أعده الله -تعالى- لعباده الصالحين، وهذا يجعله يجتهد في عبادته لله -تعالى- وإحسانه فيها.
  • استمرار عذاب القبر لمن يستحقه إلى يوم القيامة، وذلك من خلال رؤية نار جهنم ومكانه منها، وهذا يجعل المؤمن يخاف من عذاب القبر وأسبابه.
  • استمرار نعيم القبر لمن يستحقه إلى يوم القيامة، وذلك من خلال رؤية الجنة ومكانه منها.

اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 213.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 207.30 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (2.76%)]