السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4737 - عددالزوار : 1767497 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 37 - عددالزوار : 3095 )           »          الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 183 - عددالزوار : 1977 )           »          تعلم كيف تدرُس؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          حياة محمد صلى الله عليه وسلم من الناحية العسكرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          أرجوزة الشهاب في آداب الاتصال والواتسآب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          الأضرار الفكرية والمعرفية للوجبات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          وساوس التواصل الاجتماعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          عشر مظاهر لرحمة الله في القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          قلبٌ وقلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 89 - عددالزوار : 29442 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 06-01-2026, 07:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (11)

صــ 81إلى صــ 90






قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

(نَسَبُ دَوْسٍ):
دوس ابْن عُدْثَانَ [١] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَسَدِ بْنِ الْغَوْثِ. وَيُقَالُ: دَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ.

(هُبَلُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اتَّخَذَتْ صَنَمًا عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يُقَالُ لَهُ: هُبَلُ [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَذْكُرُ حَدِيثه إِن سَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ.

(إسَافٌ وَنَائِلَةٌ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْهُمَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاتَّخذُوا إسَافًا [٣] وَنَائِلَةً، عَلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ [٤] يَنْحَرُونَ عِنْدَهُمَا.
وَكَانَ إسَافٌ وَنَائِلَةٌ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ- هُوَ إسَافُ بْنُ بَغْيٍ [٥]، وَنَائِلَةُ بِنْتُ [٦] دِيكٍ- فَوَقَعَ إسَافٌ عَلَى نَائِلَةٍ فِي الْكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ حَجَرَيْنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:

------------------------
[١] كَذَا فِي أوالاشتقاق لِابْنِ دُرَيْد. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عدنان» .
[٢] وَكَانَ هُبل أعظم أصنام الْعَرَب الَّتِي فِي جَوف الْكَعْبَة وحولها، وَكَانَ من عقيق أَحْمَر على صُورَة إِنْسَان، مكسور الْيَد الْيُمْنَى، أَدْرَكته قُرَيْش كَذَلِك، فَجعلُوا لَهُ يدا من ذهب، وَكَانَ أول من نَصبه خُزَيْمَة ابْن مدركة بن الْيَأْس بن مُضر، وَكَانَ يُقَال لَهُ: هُبل خُزَيْمَة، وَكَانَت تضرب عِنْده القداح: (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
[٣] هُوَ بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. (رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة أَسف) .
[٤] وَكَانَ أحد هذَيْن الصنمين أَولا بلصق الْكَعْبَة، وَالْآخر فِي مَوضِع زَمْزَم، فنقلت قُرَيْش الّذي كَانَ بلصق الْكَعْبَة إِلَى الآخر، فَكَانَا فِي موضعهما هَذَا. (رَاجع الآلوسي وَابْن الْكَلْبِيّ) .
[٥] وَقيل: هُوَ إساف بن يعلى، كَمَا قيل إِنَّه إساف بن عَمْرو، وَقيل: ابْن بغاة. (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ. ومعجم الْبلدَانِ، وَشرح الْقَامُوس مادتي أَسف ونال، وبلوغ الأرب ج ٢ ص ٢١٧) .
[٦] وَيُقَال: هِيَ نائلة بنت زيد من جرهم، كَمَا قيل: إِنَّهَا نائلة بنت سهل: كَمَا يُقَال إِنَّهَا بنت ذِئْب أَو بنت زفيل. (رَاجع ابْن الْكَلْبِيّ وبلوغ الأرب ومعجم الْبلدَانِ وَشرح الْقَامُوس) .


سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَنَّ إسَافًا وَنَائِلَةً كَانَا رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ، أَحْدَثَا [١] فِي الْكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى حَجَرَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ [٢]:
وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ ... بِمُفْضَى السُّيُولِ مِنْ إسَافٍ وَنَائِلِ
[٣] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْعَرَبُ مَعَ الْأَصْنَامِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاِتَّخَذَ أَهْلُ كُلِّ دَارٍ فِي دَارِهِمْ صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ سَفَرًا تَمَسَّحَ بِهِ حِينَ يَرْكَبُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ مَا يَصْنَعُ حِينَ يَتَوَجَّهُ إلَى سَفَرِهِ، وَإِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ تَمَسَّحَ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالتَّوْحِيدِ، قَالَتْ قُرَيْشٌ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. وَكَانَتْ الْعَرَبُ قَدْ اتَّخَذَتْ مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ وَهِيَ بُيُوتٌ تُعَظِّمُهَا كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ، لَهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ، وَتُهْدِي لَهَا كَمَا تُهْدِي لِلْكَعْبَةِ، وَتَطوف بهَا كَطَوَافِهَا بِهَا، وَتَنْحَرُ عِنْدَهَا. وَهَى تَعْرِفُ فَضْلَ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا بَيْتُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَمَسْجِدُهُ.

(الْعُزَّى وَسَدَنَتُهَا):
فَكَانَتْ لِقُرَيْشِ وَبَنِيَّ كِنَانَةَ الْعُزَّى [٤]

---------------------
[١] يُرِيد الْحَدث الّذي هُوَ الْفُجُور. وَمِنْه قَوْله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث حَدثا أَو آوى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة الله» .
[٢] وَقَالَ أَبُو طَالب هَذَا الشّعْر يحلف باساف ونائلة حِين تحالفت قُرَيْش على بنى هَاشم فِي أَمر النَّبِي ﷺ (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
[٣] وَقبل هَذَا الْبَيْت:
أحضرت عِنْد الْبَيْت رهطي ومعشرى ... وَأَمْسَكت من أثوابه بالوصائل
(الوصائل: ثِيَاب يَمَانِية بيض، أَو مخططة بخطوط بيض وحمر) .
[٤] والعزى: أحدث من اللات وَمَنَاة، فقد سمت الْعَرَب بهما قبل الْعُزَّى، فقد سمى تَمِيم بن مرابنه بزيد مَنَاة، كَمَا سمى ثَعْلَبَة بن عكابة ابْنه بتيم اللات، وَكَانَ عبد الْعُزَّى بن كَعْب من أقدم مَا سمت بِهِ الْعَرَب، وَكَانَ الّذي اتخذ الْعُزَّى ظَالِم بن أسعد، وَكَانَت أعظم الْأَصْنَام عِنْد قُرَيْش، وَكَانُوا يزورونها، ويهدون لَهَا، ويتقربون عِنْدهَا بِالذبْحِ. وَقد قيل: إِن رَسُول الله ﷺ ذكرهَا يَوْمًا، فَقَالَ: «لقد



بِنَخْلَةٍ [١]، وَكَانَ سَدَنَتَهَا وَحُجَّابَهَا بَنُو شَيْبَانَ [٢]، مِنْ سُلَيْمٍ، حُلَفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُلَفَاءُ (بَنِي) [٣] أَبِي طَالِبٍ خَاصَّةً، وَسُلَيْمٌ: سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورِ ابْن عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ:
لَقَدْ أُنْكِحَتْ أَسْمَاءُ رَأْسَ [٤] بُقَيْرَةٍ ... مِنْ الْأُدْمِ أَهْدَاهَا امْرُؤٌ مِنْ بَنِي غَنْمِ [٥]
رَأَى قَدَعَا [٦] فِي عَيْنِهَا إذْ يَسُوقُهَا ... إلَى غَبْغَبِ الْعُزَّى فَوَسَّعَ [٧] فِي الْقَسْمِ
وَكَذَلِكَ كَانُوا يَصْنَعُونَ إذَا نَحَرُوا هَدْيًا قَسَّمُوهُ فِي مَنْ حَضَرَهُمْ. وَالْغَبْغَبُ:
الْمَنْحَرُ وَمِهْرَاقُ الدِّمَاءِ.

------------------
[()] أهديت للعزى شَاة عفراء، وَأَنا على دين قومِي» . وَلَقَد بلغ من حرص قُرَيْش على عبادتها أَنه لما مرض أَبُو أحيحة مَرضه الّذي مَاتَ فِيهِ دخل عَلَيْهِ أَبُو لَهب يعودهُ، فَوَجَدَهُ يبكى، فَقَالَ: مَا يبكيك يَا أَبَا أحيحة! أَمن الْمَوْت تبكى، وَلَا بُد مِنْهُ؟ قَالَ: لَا وَالله، وَلَكِن أَخَاف أَن لَا تعبد الْعُزَّى بعدِي، قَالَ أَبُو لَهب:
وَالله مَا عبدت حياتك لِأَجلِك، وَلَا تتْرك عبادتها بعْدك لموتك، فَقَالَ أَبُو أحيحة: الْآن علمت أَن لي للَّه خَليفَة. وَأَعْجَبهُ من أَبى لَهب شدَّة نَصبه فِي عبادتها: (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، ومعجم الْبلدَانِ لياقوت) .
[١] هِيَ نَخْلَة الشامية، وَكَانَت الْعُزَّى بواد مِنْهَا، يُقَال لَهُ الحراض، بِإِزَاءِ الغمير عَن يَمِين المصعد إِلَى الْعرَاق من مَكَّة، وَذَلِكَ فَوق ذَات عرق إِلَى الْبُسْتَان بِتِسْعَة أَمْيَال، وَقد حمت قُرَيْش للعزى شعبًا من وَادي الحراض، يُقَال لَهُ: سقام. يضاهون بِهِ حرم الْكَعْبَة. (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، ومعجم الْبلدَانِ لياقوت) .
[٢] وشيبان: ابْن جَابر بن مرّة بن عبس بن رِفَاعَة بن الْحَارِث بن عتبَة بن سليم بن مَنْصُور. وَكَانَ آخر من سدنها من بنى شَيبَان دبية بن حرمي السّلمِيّ، وَله يَقُول أَبُو خرَاش الْهُذلِيّ- وَكَانَ قد قدم عَلَيْهِ فحذاه نَعْلَيْنِ- أبياتا، مِنْهَا:
حذانى بعد مَا خدمت نعالى ... دبية، إِنَّه نعم الْخَلِيل
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ ج ٣ ص ٦٦٥ طبع أوربا، والأصنام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ: «لحي» . واللحى: عظم الحنك، وَهُوَ الّذي عَلَيْهِ الْأَسْنَان.
[٥] هُوَ غنم بن فراس بن كنَانَة.
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول، والقدع: السدر فِي الْعين، وَفِي الْفَائِق للزمخشري: القدع: انسلاق الْعين من كَثْرَة الْبكاء. وَفِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ: «قذعا» بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. والقذع: الْبيَاض.
[٧] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي الْأَصْنَام: «فَوضع» . وَفِي الْفَائِق للزمخشري: «فَنصف» . يُرِيد أَن يشبه هَذَا الممدوح بِرَأْس بقرة قد قاربت أَن يذهب بصرها، فَلَا تصلح إِلَّا للذبح والتقسيم.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِأَبِي خِرَاشٍ: الْهُذَلِيِّ [١]، وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ مُرَّةَ، فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.

(مَعْنَى السَّدَنَةِ):
وَالسَّدَنَةُ: الَّذِينَ يَقُومُونَ بِأَمْرِ الْكَعْبَةِ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
فَلَا وَرَبِّ الْآمِنَاتِ الْقُطَّنِ [٢] ... بِمَحْبَسِ الْهَدْى وَبَيْتِ الْمَسْدَنِ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ [٣] فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ.

(اللَّاتُ وَسَدَنَتُهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ اللَّاتُ [٤] لِثَقِيفِ بِالطَّائِفِ، وَكَانَ سَدَنَتَهَا وَحُجَّابَهَا بَنُو مُعَتِّبٍ [٥] مِنْ ثَقِيفٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ.

(مَنَاةُ وَسَدَنَتُهَا وَهَدْمُهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ مَنَاةُ [٦] لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ، عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشَلَّلِ بِقُدَيْدٍ [٧] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ بَنِي أَسْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ:
وَقَدْ آلَتْ قَبَائِلُ لَا تُوَلَّى ... مَنَاةَ ظُهُورَهَا مُتَحَرَّفِينَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:

----------------------
[١] قَالَ أَبُو خرَاش هَذَا الشّعْر يهجو بِهِ رجلا تزوج امْرَأَة جميلَة يُقَال لَهَا أَسمَاء.
[٢] يُرِيد حمام مَكَّة، لِأَنَّهُ آمن فِي حرمه والأرجوزة فِي ديوانه، طبع ليبسج (١٦٠- ١٦٥) .
[٣] هَذَا على أَنه من مشطور الرجز.
[٤] وَهِي أحدث من مَنَاة، وَكَانَت صَخْرَة مربعة.
[٥] فِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ: «وَكَانَ سدنتها من ثَقِيف بَنو عتاب بن مَالك» .
[٦] وَكَانَت مَنَاة أقدمها كلهَا، وَلم يكن أحد أَشد إعظاما لَهَا من الْأَوْس والخزرج.
(رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ) .
[٧] قديد: مَوضِع قرب مَكَّة. والمشلل: جبل يهْبط مِنْهُ إِلَى قديد من نَاحيَة الْبَحْر. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فَهَدَمَهَا. وَيُقَالُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [١] .

(ذُو الْخَلَصَةِ وَسَدَنَتُهُ وَهَدْمُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ [٢] لِدَوْسٍ وَخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ، وَمَنْ كَانَ بِبِلَادِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ بِتَبَالَةَ [٣] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ذُو الْخُلُصَةِ. قَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ:
لَوْ كُنْتَ يَا ذَا الْخُلُصِ الْمَوْتُورَا ... مِثْلِي وَكَانَ شَيْخُكَ الْمَقْبُورَا
لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ الْعُدَاةِ زُورَا
قَالَ: وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ، فَأَرَادَ الطَّلَبَ بِثَأْرِهِ، فَأَتَى ذَا الْخَلَصَةِ، فَاسْتَقْسَمَ عِنْدَهُ بِالْأَزْلَامِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُنْحِلُهَا امْرَأَ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ الْكِنْدِيَّ [٤] . فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَرِيرَ ابْن عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ فَهَدَمَهُ.

--------------------


[١] وعَلى هَذَا الرأى ابْن الْكَلْبِيّ فِي كِتَابه الْأَصْنَام، وَيُقَال إِن عليا لما هدمها أَخذ مَا كَانَ لَهَا، فَأقبل بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ، فَكَانَ فِيمَا أَخذ سيفان كَانَ الْحَارِث بن أَبى شمر الغساني ملك غَسَّان أهداهما لَهَا، أَحدهمَا يُسمى «مخذما»، وَالْآخر «رسوبا»، وهما سَيْفا الْحَارِث اللَّذَان ذكرهمَا عَلْقَمَة فِي شعره:
فَقَالَ:
مظَاهر سربالى حَدِيد عَلَيْهِمَا ... عقيلا سيوف: مخذم ورسوب
فوهبهما النَّبِي ﷺ لعلى. كَمَا يُقَال إِن عليا وجد هذَيْن السيفين فِي الْفلس، صنم للْعَرَب. وَإِلَى هَذَا الرأى الْأَخير ذهب ابْن إِسْحَاق عِنْد الْكَلَام على فلس. (رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ وبلوغ الأرب ج ٢ ص ٢١٨) .
[٢] وَكَانَ ذُو الخلصة مروة بَيْضَاء منقوشة عَلَيْهَا كَهَيئَةِ التَّاج، وَكَانَ سدنتها بَنو أُمَامَة، من باهلة ابْن أعصر.
[٣] تبَالَة: قرب مَكَّة على مسيرَة سبع لَيَال مِنْهَا، وَذُو الْخصْلَة الْيَوْم عتبَة بَاب مَسْجِد تبَالَة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ، والأصنام، وخزانة الْأَدَب للبغدادى ج ١ ص ٩٢. والآلوسي ج ٢ ص ٢٢٣) .
[٤] وَمن ينْحل هَذَا الرجز امْرأ الْقَيْس يَقُول إِنَّه هُوَ الّذي استقسم بالأزلام عِنْد ذِي الخلصة لما وترته بَنو أَسد بقتل أَبِيه، وَأَنه استقسم بِثَلَاثَة أزلام وَهِي الزاجر، والآمر، والمربض، فَخرج لَهُ الزاجر، فسب الصَّنَم ورماه بِالْحِجَارَةِ، وَقَالَ لَهُ: اعضض بظر أمك. وَأَنه لم يستقسم أحد عِنْد ذِي الخلصة بعده حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .



(فِلْسٌ وَسَدَنَتُهُ وَهَدْمُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ فِلْسُ [١] لِطَيِّئٍ وَمَنْ يَلِيهَا بِجَبَلَيْ طيِّئ، يَعْنِي سَلْمَى وَأَجَأَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَهَدَمَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا سَيْفَيْنِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا:
الرَّسُوبُ، وَلِلْآخِرِ: الْمِخْذَمُ. فَأَتَى بِهِمَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَهَبَهُمَا لَهُ، فَهُمَا سَيْفَا عَلِيٍّ رضي الله عنه.

(رِئَامٌ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ لِحِمْيَرَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ بَيْتٌ بِصَنْعَاءَ يُقَالُ لَهُ: رِئَامٌ [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَدْ ذَكَرْتُ حَدِيثَهُ فِيمَا مَضَى
[٣] .

(رُضَاءٌ وَسَدَنَتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ رُضَاءٌ [٤] بَيْتًا لِبَنِي رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَلَهَا يَقُولُ المُسْتَوْغِرُ [٥] بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ حِينَ هَدَمَهَا فِي الْإِسْلَامِ:
وَلَقَدْ شَدَدْتُ عَلَى رُضَاءٍ شَدَّةً ... فَتَرَكْتُهَا قَفْرًا بِقَاعِ أَسْحَمَا
[٦]

------------------
[١] كَذَا فِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، وَكَانَ أنفًا أَحْمَر فِي وسط جبلهم الّذي يُقَال لَهُ أجأ، كَأَنَّهُ تِمْثَال إِنْسَان، وَكَانُوا يعبدونه ويهدون إِلَيْهِ، وَلَا يَأْتِيهِ خَائِف إِلَّا أَمن عِنْده، وَكَانَت سدنته بَنو بولان.
وبولان هُوَ الّذي بَدَأَ بِعِبَادَتِهِ. وَفِي الأَصْل: قلس (بِالْقَافِ)، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول، وَهُوَ يتَّفق وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْبَغْدَادِيّ. وَفِي صفة جَزِيرَة الْعَرَب للهمدانى «ريام» بِالْمُثَنَّاةِ.
[٣] رَاجع الْكَلَام عَلَيْهِ (ص ٢٨ من هَذَا الْجُزْء) .
[٤] وَيذكر بعض الروَاة أَنه «رضى» بِالْقصرِ، وَأوردهُ الْبَغْدَادِيّ ممدودا، وَورد ممدودا فِي بَيت المستوغر الْمَذْكُور بعد.
[٥] واسْمه كَعْب، وَقيل عَمْرو، وسمى مستوغرا لقَوْله:
ينش المَاء فِي الربلات مِنْهُ ... نشيش الرضف فِي اللَّبن الوغير
(رَاجع الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، وَالرَّوْض الْأنف، وَكتاب المعمرين لأبى حَاتِم السجسْتانِي، ومعجم الْبلدَانِ) .
[٦] القاع: المنخفض من الأَرْض. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر فِي الْأَصْنَام:
فتركتها تَلا تنَازع أسحما



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ:
فَتَرَكْتهَا قَفْرًا بِقَاعِ أَسْحَمَا
عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ.

(المُسْتَوْغِرُ وَعُمْرُهُ):
وَيُقَالُ: إنَّ الْمُسْتَوْغِرَ عُمِّرَ ثَلَاثَ ماِئَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ أَطْوَلَ مُضَرَ [١] كُلِّهَا عُمْرًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنْ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَعَمَرْتُ مِنْ عَدَدِ السنين مئينا
مائَة حَدَتْهَا بَعْدَهَا مِائَتَانِ لِي ... وَازْدَدْتُ مِنْ عَدَدِ الشُّهُورِ سِنِينَا
هَلْ مَا بَقِيَ إلَّا كَمَا قَدْ فَاتَنَا ... يَوْمٌ يَمُرُّ وَلَيْلَةٌ تَحْدُونَا
وَبَعْضُ النَّاسِ يَرْوِي هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِزُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ
[٢] .

(ذُو الْكَعَبَاتِ وَسَدَنَتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ذُو الْكَعَبَاتِ لِبَكْرِ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ وَإِيَادٍ بِسَنْدَادٍ [٣] وَلَهُ يَقُولُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ [٤] وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ ... وَالْبَيْتِ ذِي الْكَعَبَاتِ [٥] مِنْ سَنْدَادِ

-------------------------
[١] ذكر بَعضهم أَن المستوغر حضر سوق عكاظ، وَمَعَهُ ابْن ابْنه وَقد هرم وَالْجد يَقُودهُ. فَقَالَ لَهُ رجل: ارْفُقْ بِهَذَا الشَّيْخ فقد طَال مَا رفق بك، فَقَالَ: وَمن ترَاهُ؟ قَالَ: هُوَ أَبوك أَو جدك، فَقَالَ:
مَا هُوَ إِلَّا ابْن ابْني، فَقَالَ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ، وَلَا المستوغر بن ربيعَة، فَقَالَ: أَنا المستوغر، وَذكر هَذِه الأبيات، وَقد سَاق عَنهُ السجسْتانِي فِي المعمرين حَدِيثا طَويلا.
[٢] هُوَ من المعمرين أَيْضا: كالمستوغر بن ربيعَة، وَيُقَال إِنَّه عَاشَ ٤٢٠ سنة، وأوقع مِائَتي وقْعَة، وَمن شعره لِبَنِيهِ:
أبنى إِن أهلك فَإِنِّي ... قد بنيت لكم بنيه
وتركتكم أَبنَاء سَادَات ... زنادهم وريه
من كل مَا نَالَ الْفَتى ... قد نلته إِلَّا التَّحِيَّة
(رَاجع كتاب المعمرين) .
[٣] سنداد (بِكَسْر السِّين وَفتحهَا): منَازِل لاياد أَسْفَل سَواد الْكُوفَة، وَرَاء نَجْرَان الْكُوفَة. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] الخورنق: قصر بناه النُّعْمَان الْأَكْبَر ملك الْحيرَة لسابور ليَكُون وَلَده فِيهِ عِنْده، وبناه بنيانا عجيبا لم تَرَ الْعَرَب مثله، بناه لَهُ سنمار، وَله مَعَه حَدِيث مَشْهُور، وَمعنى السدير (بِالْفَارِسِيَّةِ): بَيت الْملك
[٥] الكعبات: يُرِيد التربيع، وكل بِنَاء يبْنى مربعًا، فَهُوَ كعبة.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيِّ. نَهْشَلُ بْنُ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ ابْن حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَأَنْشَدَنِيهِ أَبُو مُحْرِزٍ خَلَفٌ الْأَحْمَرُ:
أَهْلُ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ ... وَالْبَيْتِ ذِي الشُّرُفَاتِ مِنْ سِنْدَادِ

أَمْرُ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي

(رَأْيُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِيهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا الْبَحِيرَةُ فَهِيَ بِنْتُ السَّائِبَةِ، وَالسَّائِبَةُ: النَّاقَةُ إذَا تَابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إنَاثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، سُيِّبَتْ فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهَا، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهَا وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ، فَمَا نُتِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أُنْثَى شُقَّتْ أُذُنُهَا، ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهَا مَعَ أُمِّهَا فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهَا، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهَا، وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ كَمَا فُعِلَ بِأُمِّهَا، فَهِيَ الْبَحِيرَةُ بِنْتُ السَّائِبَةِ. وَالْوَصِيلَةُ: الشَّاةُ إذَا أَتْأَمَتْ [١] عَشْرَ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ فِي خَمْسَةِ أَبْطُنٍ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، جُعِلَتْ وَصِيلَةً.
قَالُوا: قَدْ وَصَلَتْ، فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلذُّكُورِ مِنْهُمْ دُونَ إنَاثِهِمْ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَشْتَرِكُوا فِي أَكْلِهِ، ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيَرْوِي: فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِذُكُورِ بَنِيهِمْ دُونَ بَنَاتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَامِي: الْفَحْلُ إذَا نُتِجَ لَهُ عَشْرُ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، حُمِيَ ظَهْرُهُ فَلَمْ يُرْكَبْ، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهُ، وَخُلِّيَ فِي إبِلِهِ يَضْرِبُ فِيهَا، لَا يُنْتَفَعُ مِنْهُ بِغَيْر ذَلِك.

(رأى ابْن هِشَام فِيهَا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا (كُلُّهُ) [٢] عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى غَيْرِ هَذَا إلَّا الْحَامِي، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ. فَالْبَحِيرَةُ عِنْدَهُمْ: النَّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُهَا فَلَا يُرْكَبُ ظَهْرُهَا، وَلَا يُجَزَّ وَبَرُهَا، وَلَا يَشْرَبُ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ. أَوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ،

---------------------------
[١] أتأمت: جَاءَت بِاثْنَيْنِ فِي بطن وَاحِد.
[٢] زِيَادَة عَن أ.



وَتُهْمَلُ لِآلِهَتِهِمْ. وَالسَّائِبَةُ: الَّتِي يَنْذِرُ الرَّجُلُ أَنْ يسيبها إِن بَرِيء مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ إنْ أَصَابَ أَمْرًا يَطْلُبُهُ. فَإِذَا كَانَ أَسَابَ نَاقَةً مِنْ إبِلِهِ أَوْ جَمَلًا لِبَعْضِ آلِهَتهمْ، فَسَابَتْ فَرَعَتْ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا. وَالْوَصِيلَةُ: الَّتِي تَلِدُ أُمُّهَا اثْنَيْنِ فِي كُلِّ بَطْنٍ، فَيَجْعَلُ صَاحِبُهَا لِآلِهَتِهِ الْإِنَاثَ (مِنْهَا) [١] وَلِنَفْسِهِ الذُّكُورُ مِنْهَا، فَتَلِدُهَا أُمُّهَا وَمَعَهَا ذَكَرٌ فِي بَطْنٍ، فَيَقُولُونَ: وَصَلَتْ أَخَاهَا. فَيُسَيَّبُ أَخُوهَا مَعَهَا فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ وَغَيْرُهُ، رَوَى بَعْضٌ مَا لَمْ يَرْوِ بَعْضٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تبارك وتعالى رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنَزَلَ عَلَيْهِ: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ، وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ٥: ١٠٣ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ، سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ، إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ٦: ١٣٩. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ١٠: ٥٩. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمن الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ٦: ١٤٣ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ٦: ١٤٤.

(الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالْحَامِي لُغَةً):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ الشَّاعِرُ:

-----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] وَالْكَلَام فِي الْبحيرَة وَأَخَوَاتهَا كثير مُخْتَلف فِيهِ، وَقد ذكر الآلوسي معظمه. (رَاجع بُلُوغ الأرب ج ٣ ص ٣٤- ٣٩) .



حَوْلُ الْوَصَائِلِ [١] فِي شُرَيْفٍ [٢] حِقَّةٌ ... وَالْحَامِيَاتُ ظُهُورَهَا وَالسُّيَّبُ
وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أُبَيِّ (بْنِ) [٣] مُقْبِلٍ أَحَدِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ:
فِيهِ مِنْ الْأَخْرَجِ [٤] الْمِرْبَاعِ [٥] قَرْقَرَةٌ [٦] ... هَدْرَ الدِّيَافِي [٧] وَسْطَ الْهَجْمَةِ الْبُحُرِ
[٨] وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمْعُ بَحِيرَةٍ: بَحَائِرُ وَبُحُرٌ. وَجَمْعُ وَصِيلَةٍ: وَصَائِلُ وَوُصَلٌ. وَجَمْعُ سَائِبَةٍ (الْأَكْثَرُ): سَوَائِبُ وَسُيَّبُ. وَجَمْعُ حَامٍ (الْأَكْثَرُ): حُوَّمٌ.

عُدْنَا إلَى سِيَاقَةِ النَّسَبِ

(نَسَبُ خُزَاعَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخُزَاعَةُ تَقُولُ: نَحْنُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، مِنْ الْيَمَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتَقُولُ خُزَاعَةُ: نَحْنُ بَنُو عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو ابْن عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَخِنْدِفُ أُمُّهَا [٩]، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيُقَالُ خُزَاعَةُ:
بَنُو حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ خُزَاعَةَ لِأَنَّهُمْ تَخَزَّعُوا [١٠] مِنْ وَلَدِ عَمْرِو

---------------------------[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الفصائل» .
[٢] الشريف (مُصَغرًا): مَاء لبني نمير، وَيُقَال إِنَّه سرة بِنَجْد، وَهُوَ أَمر نجد موضعا.
قَالَ أَبُو زِيَاد: وَأَرْض بنى نمير: الشريف، دارها كلهَا بالشريف إِلَّا بَطنا وَاحِدًا بِالْيَمَامَةِ. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٣] زِيَادَة عَن أومعجم الْبلدَانِ، والإصابة.
[٤] الأخرج: الظليم الّذي فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد، يُرِيد حمَار الْوَحْش.
[٥] كَذَا فِي الْأُصُول. والمرباع: الْفَحْل الّذي يبكر بالإلقاح، وَيُقَال للناقة أَيْضا: مرباع إِذا بكرت بالنتاج، وَقيل: المرباع: الّذي رعى فِي الرّبيع، ويروى: «المرياع» بِالْيَاءِ المنقوطة بِاثْنَتَيْنِ من أَسْفَل، على أَنه مفعال من رَاع يريع: أَي رَجَعَ.
[٦] القرقرة: هدير الْفَحْل.
[٧] دياف: (بِكَسْر أَوله) بلد بِالشَّام. وَقيل من قرى الجزيرة.
[٨] الهجمة: الْقطعَة من الْإِبِل. وَالْبَحْر: جمع بحيرة، وَهِي المشقوقة الآذان، وَجعلهَا بحرا لِأَنَّهَا تأمن من الغارات، يصفها بالمنعة والحماية كَمَا تأمن الْبحيرَة من أَن تذبح أَو تنحر.
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أمنا» .
[١٠] تخزع: تَأَخّر وَانْقطع.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 06-01-2026, 07:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (12)

صــ 91إلى صــ 100




ابْن عَامِرٍ، حِينَ أَقْبَلُوا مِنْ الْيَمَنِ يُرِيدُونَ الشَّامَ، فَنَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَأَقَامُوا بِهَا.
قَالَ عَوْنُ [١] بْنُ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ فِي الْإِسْلَامِ:
فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ مُرٍّ تَخَزَّعَتْ ... خُزَاعَةُ مِنَّا فِي خُيُولٍ [٢] كَرَاكِرِ [٣]
حَمَتْ كُلَّ وَادٍ مِنْ تِهَامَةَ وَاحْتَمَّتْ ... بِصُمِّ الْقَنَا وَالْمُرْهِفَاتِ الْبَوَاتِرِ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْمُطَهَّرِ إسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ ابْن الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ مَكَّةَ أَحْمَدَتْ ... خُزَاعَةُ دَارَ الْآكِلِ الْمُتَحَامِلِ
فَحَلَّتْ أَكَارِيسَا [٤] وَشَتَّتْ [٥] قَنَابِلًا [٦] ... عَلَى كُلِّ حَيٍّ بَيْنَ نَجْدٍ وَسَاحِلِ
نَفَوْا جُرْهُمًا عَنْ بَطْنِ مَكَّةَ وَاحْتَبَوْا ... بِعِزِّ خُزَاعِيٍّ شَدِيدِ الْكَوَاهِلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَأَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَذْكُرُ نَفْيَهَا جُرْهُمًا فِي مَوْضِعِهِ.

(أَوْلَادُ مُدْرِكَةَ وَخُزَيْمَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مُدْرِكَةُ بْنُ إلْيَاسَ رَجُلَيْنِ: خُزَيْمَةَ بْنَ مُدْرِكَةَ، وَهُذَيْلَ بْنَ مُدْرِكَةَ، وَأُمُّهُمَا امْرَأَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ. فَوَلَدَ خُزَيْمَةُ بْنُ مُدْرِكَةَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: كِنَانَةَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَأَسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَأَسَدَةَ بْنَ [٧] خُزَيْمَةَ،

------------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ومعجم الْبلدَانِ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَوْف» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ. وَالرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة: «حُلُول» . والحلول:
الْبيُوت الْكَثِيرَة.
[٣] كراكر: جماعات، وَقيل هُوَ خَاص بجماعات الْخَيل.
[٤] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة. والأكاريس: الْجَمَاعَات من النَّاس. وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة فِي سَائِر الْأُصُول محرفة.
[٥] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. وشتت: فرقت. وَفِي أ: «سنت»، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «شنت»، وَالظَّاهِر أَن كليهمَا مصحف عَمَّا أَثْبَتْنَاهُ.
[٦] القنابل: جمع قنبلة، وَهِي الْقطعَة من الْخَيل.
[٧] لم يذكر ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف «أسدة» ولدا لخزيمة، وَاقْتصر على إخْوَته الثَّلَاثَة.


وَالْهُونَ بْنَ خُزَيْمَةَ، فَأُمُّ كِنَانَةَ عُوَانَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الْهَوْنُ بْنُ خُزَيْمَةَ.

(أَوْلَادُ كِنَانَةَ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ كِنَانَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: النَّضَرَ بْنَ كِنَانَةَ، وَمَالِكَ بْنَ كِنَانَةَ، وَعَبْدَ مَنَاةَ بْنَ كِنَانَةَ، وَمِلْكَانَ بْنَ كِنَانَةَ [١] . فَأُمُّ النَّضْرِ بَرَّةُ بِنْتُ مُرِّ بْنِ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَسَائِرُ بَنِيهِ لِامْرَأَةِ أُخْرَى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ النَّضر وَمَالك زملكان: بَرَّةُ بِنْتُ مُرٍّ، وَأُمُّ عَبْدِ مَنَاةَ:
هَالَةُ بِنْتُ سُوَيْدِ بْنِ الْغِطْرِيفِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ. وَشَنُوءَةُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا شَنُوءَةَ، لِشَنَآنِ كَانَ بَيْنَهُمْ. والشَّنَآنُ: الْبُغْضُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّضْرُ: قُرَيْشٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ أَحَدُ بَنِي كُلَيْبِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ تَمِيمِ بْنِ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ:
فَمَا الْأُمُّ الَّتِي وَلَدَتْ قُرَيْشًا ... بِمُقْرِفَةِ النَّجَّارِ وَلَا عَقِيمِ [٢]
وَمَا قَرْمٌ [٣] بِأَنْجَبَ مِنْ أَبِيكُمْ ... وَمَا خَالٌ بِأَكْرَمَ مِنْ تَمِيمِ
يَعْنِي بَرَّةَ بِنْتَ مُرٍّ أُخْتَ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ، أُمُّ النَّضْرِ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَيُقَالُ: فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ: قُرَيْشٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا مِنْ التَّقَرُّشِ، وَالتَّقَرُّشُ:
التِّجَارَةُ وَالِاكْتِسَابُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
قَدْ كَانَ يُغْنِيهِمْ عَنْ الشُّغُوشِ ... وَالْخَشْلِ مِنْ تَسَاقُطِ الْقُرُوشِ
شَحْمٌ وَمَحْضٌ لَيْسَ بِالْمَغْشُوشِ
[٤]

-----------------------------
[١] وَزَاد الطَّبَرِيّ فِي ولد كنَانَة: عَامِرًا، والْحَارث، وَالنضير، وَغنما، وسعدا، وعوفا، وجرولا، وَالرِّجَال، وغزوان.
[٢] المقرفة: اللئيمة. والنجار: الأَصْل. والعقيم: الَّتِي لَا تحمل.
[٣] القرم: الْفَحْل من الْإِبِل، واستعاره هُنَا للرجل السَّيِّد.
[٤] من أرجوزة لَهُ يمدح الْحَارِث بن سليم الهُجَيْمِي (ديوَان طبع ليبسج ٧٧- ٧٩) .



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالشُّغُوشُ: قَمْحٌ، يُسَمَّى الشُّغُوشَ. وَالْخَشْلُ: رُءُوسُ الْخَلَاخِيلِ وَالْأَسْوِرَةِ [١] وَنَحْوِهِ. وَالْقُرُوشُ: التِّجَارَةُ وَالِاكْتِسَابُ. يَقُولُ: قَدْ كَانَ يُغْنِيهِمْ عَنْ هَذَا شَحْمٌ وَمَحْضٌ. وَالْمَحْضُ: اللَّبَنُ الْحَلِيبُ الْخَالِصُ.
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو جِلْدَةَ [٢] الْيَشْكُرِيُّ، وَيَشْكُرُ بْنُ بَكْرِ ابْن وَائِلٍ:
إخْوَةٌ قَرَشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنَا ... فِي حَدِيثٍ مِنْ عُمْرِنَا وَقَدِيمِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُقَالُ: إنَّمَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا لِتَجَمُّعِهَا مِنْ بَعْدِ تَفَرُّقِهَا، وَيُقَالُ لِلتَّجَمُّعِ: التَّقَرُّشُ.

(أَوْلَادُ النَّضْرِ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
فَوَلَدَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ رَجُلَيْنِ: مَالِكَ بْنَ النَّضْرِ، وَيَخْلُدَ بْنَ النَّضْرِ، فَأُمُّ مَالِكٍ: عَاتِكَةُ بِنْتُ عَدْوَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَلَا أَدْرِي أَهِيَ أُمُّ يَخْلُدَ أَمْ لَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالصَّلْتُ بْنُ النَّضْرِ- فِيمَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ- وَأُمُّهُمْ جَمِيعًا بِنْتُ سَعْدِ بْنِ ظَرِبٍ الْعَدْوَانِيِّ. وَعَدْوَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ. قَالَ كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ أَحَدُ بَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ:
أَلَيْسَ أَبِي بِالصَّلْتِ أَمْ لَيْسَ إخْوَتِي ... لِكُلِّ هِجَانٍ مِنْ بَنِي النَّضْرِ أَزْهَرَا [٣]
رَأَيْتُ ثِيَابَ الْعَصْبِ مُخْتَلِطَ السَّدَى [٤] ... بِنَّا وَبِهِمْ وَالْحَضْرَمِيَّ الْمُخَصَّرَا [٥]

----------------------------
[١] وَيُقَال: الخشل (هُنَا): الْمقل (هُوَ ثَمَر الدوم) . والقروش: مَا تساقط من حتاته، وتقشر مِنْهُ.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «أَبُو خلدَة» بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَلَام سَاكِنة، كَمَا يرْوى:
(حلزة) أَيْضا.
[٣] الهجان: الْكَرِيم، مَأْخُوذ من الهجنة، وَهِي الْبيَاض. والأزهر: الْمَشْهُور.
[٤] ثِيَاب العصب: ثِيَاب يمنية، لِأَنَّهَا تصبغ بالعصب. وَلَا ينْبت العصب وَلَا الورس إِلَّا بِالْيمن.
يُرِيد أَن قدورنا من قدورهم، فسدى أثوابنا مختلط بسدى أثوابهم.
[٥] الحضرميّ: النِّعَال. والمخصرة: الَّتِي تضيق من جانبيها، كَأَنَّهَا نَاقِصَة الخصرين.



فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا مِنْ بَنِي النَّضْرِ فَاتْرُكُوا ... أَرَاكًا بِأَذْنَابِ الْفَوَائِجِ [١] أَخْضَرَا
وَهَذِهِ [٢] الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَاَلَّذِينَ يُعْزَوْنَ إلَى الصَّلْتِ بْنِ النَّضْرِ مِنْ خُزَاعَةَ، بَنُو مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، رَهْطُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ.

(وَلَدُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَأُمُّهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ، وَأُمُّهُ جَنْدَلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَيْسَ بِابْنِ مُضَاضٍ الْأَكْبَرِ.

(أَوْلَادُ فِهْرٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: غَالِبَ بْنَ فِهْرٍ، وَمُحَارِبَ ابْن فِهْرٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ فِهْرٍ، وَأَسَدَ بْنَ فِهْرٍ، وَأُمُّهُمْ لَيْلَى بِنْتُ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ ابْن مُدْرِكَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَجَنْدَلَةُ بِنْتُ فِهْرٍ، وَهِيَ أُمُّ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ يَدِ [٣] مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَأُمُّهَا لَيْلَى بِنْتُ سَعْدٍ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ بْنِ الْخَطَفِيِّ- وَاسْمُ الْخَطَفِيِّ حُذَيْفَةُ بْنُ بَدْرِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ
وَإِذَا غَضِبْتُ رَمَى وَرَائِي بِالْحَصَى ... أَبْنَاءُ جَنْدَلَةٍ كَخَيْرِ الْجَنْدَلِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.

(أَوْلَادُ غَالِبٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ غَالِبُ بْنُ فِهْرٍ رَجُلَيْنِ: لُؤَيَّ بْنَ غَالِبٍ، وَتَيْمَ بْنَ غَالِبٍ، وَأُمُّهُمَا سَلْمَى [٤] بِنْتُ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ. وَتَيْمُ بْنُ غَالِبٍ: الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو الْأَدْرَمِ [٥] .

--------------------------
[١] الفوائج: رُءُوس الأودية، وَقيل هِيَ عُيُون بِعَينهَا.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ: وَهَذِه ... إِلَخ» .
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زيد بن مَنَاة» .
[٤] وَيُقَال إِن أم لؤيّ عَاتِكَة بنت يخلد بن النَّضر بن كنَانَة، وَهِي أول العواتك اللَّاتِي ولدن رَسُول الله ﷺ من قُرَيْش. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] الأدرم: المدفون الْكَعْبَيْنِ من اللَّحْم. وَهُوَ أَيْضا المتقوس الذقن، وَيُقَال إِن تيم بن غَالب كَانَ



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَيْسُ بْنُ غَالِبٍ، وَأُمُّهُ سَلْمَى بِنْتُ كَعْبِ [١] بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ، وَهِيَ أُمُّ لُؤَيٍّ وَتَيْمٍ ابْنَيْ غَالِبٍ.

(أَوْلَادُ لُؤَيٍّ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ لُؤَيُّ بْنُ غَالِبٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ ابْن لُؤَيٍّ، وَسَامَةَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَوْفَ [٢] بْنَ لُؤَيٍّ، فَأُمُّ كَعْبٍ وَعَامِرٍ وَسَامَةَ:
مَاوِيَّةُ [٣] بِنْتُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ، مِنْ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَالْحَارِثُ بْنُ [٤] لُؤَيٍّ، وَهُمْ جُشَمُ بْنُ الْحَارِثِ، فِي هِزَّانَ مِنْ رَبِيعَةَ. قَالَ جَرِيرٌ:
بَنِي جُشَمٍ لَسْتُمْ لِهِزَّانَ فَانْتَمُوا ... لِأَعْلَى الرَّوَابِي [٥] مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ [٦]
وَلَا تُنْكِحُوا فِي آلِ ضَوْرٍ نِسَاءَكُمْ ... وَلَا فِي شُكَيْسٍ بِئْسَ مَثْوَى الْغَرَائِبِ
[٧] وَسَعْدُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَهُمْ بُنَانَةُ: فِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ ابْن بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ رَبِيعَةَ.

------------------------
[()] كَذَلِك. وَبَنُو الأدرم هَؤُلَاءِ هم أَعْرَاب مَكَّة، وهم من قُرَيْش الظَّوَاهِر لَا من قُرَيْش البطاح، وَكَذَلِكَ بَنو محَارب ابْن فهر، وَبَنُو معيص بن فهر.
[١] كَذَا فِي الْأُصُول. وَقد انْفَرد ابْن هِشَام بِزِيَادَة: «كَعْب» فِي نسب سلمى، والّذي ذكره ابْن إِسْحَاق أَو لَا مُجَردا من «كَعْب» يتَّفق مَعَ مَا أوردهُ الطَّبَرِيّ عِنْد الْكَلَام على أم لؤيّ وَإِخْوَته.
[٢] وَأم عَوْف بن لؤيّ: الْبَارِدَة بنت عَوْف بن غنم بن عبد الله بن غطفان، وَيُقَال إِن الْبَارِدَة لما مَاتَ لؤيّ خرجت بابنها عَوْف إِلَى قَومهَا، فَتَزَوجهَا سعد بن ذبيان بن بغيض، فتبني عوفا.
[٣] كَأَنَّهَا نسبت إِلَى المَاء لصفائها بعد قلب همزَة المَاء واوا، وَكَانَ الْقيَاس قَلبهَا هَاء. وَكَانَت ماوية هَذِه تحب سامة أَكثر من إخْوَته.
[٤] اتّفق ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه المعارف مَعَ السِّيرَة فِي ذكر الْحَارِث ولدا للؤى، وَخَالَفَهُمَا فِي ذَلِك الطَّبَرِيّ وَابْن دُرَيْد فَلم يذكرَا ولدا الِاسْم، بِهَذَا الِاسْم، وَقد ذكر أَبُو الْفرج فِي الْجُزْء التَّاسِع من الأغاني (ص ١٠٤- ١٠٥) الْحَارِث ولدا لسامة بن لؤيّ، وَذكر أَن من النسابين من يَدْفَعهُ عَن قُرَيْش، ويدعى أَنه ابْن لناجية امْرَأَة سامة، وَلَيْسَ ابْنا لسامة.
[٥] الروابي: جمع رابية، وَهِي الكدية المرتفعة، وَيُرِيد بهَا هُنَا الْأَشْرَاف من النَّاس والقبائل.
[٦] وَيُقَال: إِنَّهُم أعْطوا جَرِيرًا على هَذَا الشّعْر ألف بعير، وَكَانُوا ينتسبون إِلَى ربيعَة فَمَا انتسبوا بعد إِلَّا لقريش.
[٧] ضور وشكيس: بطْنَان من عنزة. ٠



وَبُنَانَةُ: حَاضِنَةٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ بْنِ جَسْرِ بْنِ شَيْعِ اللَّهِ، وَيُقَالُ سَيْعُ اللَّهِ، ابْن الْأَسْدِ بْنِ وَبْرَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ [١] بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. وَيُقَالُ:
بِنْتُ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، مِنْ رَبِيعَةَ. وَيُقَالُ: بِنْتُ جَرْمِ بْنِ رَبَّانَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ.
وَخُزَيْمَةُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، وَهُمْ عَائِذَةُ فِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَعَائِذَةُ:
امْرَأَةٌ مِنْ الْيَمَنِ، وَهِيَ أُمُّ بَنِي [٢] عُبَيْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ لُؤَيٍّ.
وَأُمُّ بَنِي لُؤَيٍّ كُلَّهُمْ إلَّا عَامِرَ [٣] بْنَ لُؤَيٍّ: مَاوِيَّةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ، وَأُمُّ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مَخْشِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَيُقَالُ:
لَيْلَى بِنْتُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ.

أَمْرُ سَامَةَ

(رِحْلَتُهُ إِلَى عَمَّانَ وَمَوْتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا سَامَةُ بْنُ لُؤَيٍّ فَخَرَجَ إلَى عُمَانَ، وَكَانَ بِهَا. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ أَخْرَجَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَفَقَأَ سَامَةُ عَيْنَ عَامِرٍ، فَأَخَافَهُ عَامِرٌ، فَخَرَجَ إلَى عُمَانَ. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ سَامَةَ بْنَ لُؤَيٍّ بَيْنَا هُوَ يَسِيرُ عَلَى نَاقَتِهِ، إذْ وَضَعَتْ رَأْسَهَا تَرْتَعُ، فَأَخَذَتْ حَيَّةٌ بِمِشْفَرِهَا فَهَصَرَتْهَا حَتَّى وَقَعَتْ النَّاقَةُ لِشِقِّهَا ثُمَّ نَهَشَتْ سَامَةَ فَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ سَامَةُ حِينَ أَحَسَّ بِالْمَوْتِ فِيمَا [٤] يَزْعُمُونَ:

------------------------
[١] فِي الطَّبَرِيّ: «... بن تغلب» .
[٢] هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن هِشَام. وَأما ابْن جرير الطَّبَرِيّ، فقد جعل عائذة أما لخزيمة، وَهِي عِنْده عَائِدَة بنت الْخمس بن قُحَافَة، من خثعم.
[٣] يذهب ابْن جرير الطَّبَرِيّ إِلَى غير مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن هِشَام، وَهُوَ يتَّفق مَعَ ابْن إِسْحَاق فِي أَن كَعْبًا، وعامرا، وسامة إخْوَة أشقاء، وأمهم ماوية. وَقد قدمنَا عَن ابْن جرير قَوْله فِي أم عَوْف، وَأَنَّهَا الْبَارِدَة، وَأَن عوفا أَخُو هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة لأبيهم، وَكَذَلِكَ خُزَيْمَة، وَأمه العائذة، وَسعد، وَأمه بنانة، وَقد ذكر ابْن هِشَام أَن بنانة حاضنتهم.
[٤] روى أَبُو الْفرج فِي الأغاني (ج ٩ ص ١٠٤) قصَّة سامة هَذِه إِلَّا أَنه لم يتَّفق مَعَ ابْن إِسْحَاق فِي أَن خُرُوج سامة كَانَ بِسَبَب أَخِيه عَامر: بل جعل ذَلِك لخلاف كَانَ بَين سامة، وأخيه كَعْب، وَأَن هَذَا الشّعْر هُوَ لكعب يرثى بِهِ أَخَاهُ سامة.
٧- سيرة ابْن هِشَام- ١



عَيْنِ فَابْكِي لِسَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ ... عَلَّقَتْ سَاقَ [١] سَامَةَ الْعَلَّاقَهْ [٢]
لَا أَرَى مِثْلَ سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ ... يَوْمَ حَلُّوا بِهِ قَتِيلًا لِنَاقَهْ
بَلِّغَا عَامِرًا وَكَعْبًا رَسُولًا ... أَنَّ نَفْسِي إلَيْهِمَا مُشْتَاقَهْ
إنْ تَكُنْ فِي عُمَانَ دَارِي فَإِنِّي ... غَالِبِيٌّ، خَرَجْتُ مِنْ غَيْرِ نَاقَهْ
رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يَا بْنَ لُؤَيٍّ ... حَذَرَ الْمَوْتِ لَمْ تَكُنْ مُهْرَاقَهْ
رُمْتَ دَفْعَ الْحُتُوفِ يَا بْنَ لُؤَيٍّ ... مَا لِمَنْ رَامَ ذَاكَ بِالْحَتْفِ طَاقَهْ
وَخَرُوسَ السَّرَى [٣] تَرَكْتَ رَدِيَّا [٤] ... بَعْدَ جَدٍّ وَجَدَّةٍ وَرَشَاقَهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ وَلَدِهِ أُتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَانْتَسَبَ إلَى سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: آلشَّاعِرُ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:
رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يَا بْنَ لُؤَيٍّ ... حَذَرَ الْمَوْتِ لَمْ تَكُنْ مُهْرَاقَهْ
قَالَ: أَجَلْ.

أَمْرُ عَوْفِ بْنِ لُؤَيٍّ وَنَقَلَتِهِ

(سَبَبُ انْتِمَائِهِ إلَى بَنِي ذُبْيَانَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا عَوْفُ بْنُ لُؤَيٍّ فَإِنَّهُ خَرَجَ- فِيمَا يُزْعِمُونَ- فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، أُبْطِئَ بِهِ، فَانْطَلَقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَتَاهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدٍ، وَهُوَ أَخُوهُ فِي نَسَبِ بَنِي ذُبْيَانَ [٥]- ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ.

------------------------
[١] كَذَا فِي الأغاني. وَفِي الْأُصُول:
علقت مَا بسامة ...
إِلَخ.
[٢] العلاقة (هُنَا): الْحَيَّة الَّتِي تعلّقت بالناقة.
[٣] خروس السّري: يُرِيد نَاقَة صموتا صبورا على السّري لَا تضجر مِنْهُ، فسراها كالأخرس.
[٤] الردى: الَّتِي سَقَطت من الإعياء وَمثله الرذيلة: بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... ذبيان بن ثَعْلَبَة» بِزِيَادَة «بن»، وَظَاهر أَنَّهَا مقحمة.



وَعَوْفُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ- فَحَبَسَهُ وَزَوْجَهُ وَالْتَاطَهُ [١] وَآخَاهُ. فَشَاعَ نَسَبُهُ فِي بَنِي ذُبْيَانَ. وَثَعْلَبَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- الَّذِي يَقُولُ لِعَوْفٍ حِينَ أُبْطِئَ بِهِ فَتَرَكَهُ قَوْمُهُ:
احْبِسْ [٢] عَلَيَّ ابْنِ لُؤَيٍّ جَمَلَكْ ... تَرَكَكَ الْقَوْمُ وَلَا مَنْزِلَ [٣] لَكَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ [٤] بْنِ الزُّبَيْرِ، أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ.
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُدَّعِيًا حَيًّا مِنْ الْعَرَبِ، أَوْ مُلْحِقَهُمْ بِنَا لَادَّعَيْتُ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، إنَّا لَنَعْرِفُ فِيهِمْ الْأَشْبَاهَ مَعَ مَا نَعْرِفُ مِنْ مَوْقِعِ ذَلِكَ الرَّجُلِ حَيْثُ وَقَعَ، يَعْنِي عَوْفَ بْنَ لُؤَيٍّ.

(نَسَبُ مُرَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهُوَ فِي نَسَبِ غَطَفَانَ: مُرَّةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ. وَهُمْ يَقُولُونَ إذَا ذُكِرَ لَهُمْ هَذَا النَّسَبُ: مَا نُنْكِرُهُ وَمَا نَجْحَدُهُ، وَإِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّسَبِ إلَيْنَا.
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَحَدُ بَنِي مُرَّةَ ابْن عَوْفِ- حِينَ هَرَبَ مِنْ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ:
فَمَا قَوْمِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ ... وَلَا بِفَزَارَةِ الشُّعُرِ [٥] الرِّقَابَا
وَقَوْمِي، إنْ سَأَلْتَ، بَنُو [٦] لُؤَيٍّ ... بِمَكَّةَ عَلَّمُوا مُضَرَ الضِّرَابَا
سَفِهْنَا بِاتِّبَاعِ بَنِي بَغِيضِ ... وَتَرْكِ الْأَقْرَبِينَ لَنَا انْتِسَابَا

------------------------
[١] التاطه: ألصقه بِهِ، وضمه إِلَيْهِ، وألحقه بنسبه. وَمِنْه: كَانَ يليط أَوْلَاد الْجَاهِلِيَّة بآبائهم:
أَي يلصقهم.
[٢] فِي الطَّبَرِيّ: «عرج» .
[٣] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ. وَفِي الْأُصُول: «مترك» .
[٤] هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير بن الْعَوام بن خويلد الْأَسدي الْمدنِي، حدث عَن عَمه عُرْوَة وَابْن عَمه عباد بن عبيد الله، وَغَيرهمَا. وَحدث عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، وَعبيد الله بن أَبى جَعْفَر، وَغَيرهمَا.
وَكَانَ فَقِيها عَالما، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ.
[٥] الشّعْر: جمع أشعر، وَهُوَ الْكثير الشّعْر الطَّوِيلَة.
[٦] كَذَا فِي الأغاني (ج ١٠ ص ٢٨) . وَفِي الْأُصُول: «بنى» وَهُوَ تَحْرِيف.



سَفَاهَةَ مُخْلِفٍ [١] لِمَا تُرَوَّى ... هَرَاقَ الْمَاءَ وَاتَّبَعَ السَّرَابَا
فَلَوْ طُووِعْتَ، عَمْرَكَ، كُنْتَ فِيهِمْ ... وَمَا أُلْفِيتُ أَنْتَجِعُ السَّحَابَا [٢]
وَخَشَّ [٣] رَوَاحَةُ الْقُرَشِيِّ رِحَلِي ... بِنَاجِيَةٍ وَلَمْ يَطْلُبْ ثَوَابَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ الْمُرِّيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَهْمِ بن مرّة، يردّ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ، وَيَنْتَمِي إلَى غَطَفَانَ:
أَلَا لَسْتُمْ مِنَّا وَلَسْنَا إلَيْكُمْ ... بَرِئْنَا إلَيْكُمْ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ
أَقَمْنَا عَلَى عِزِّ الْحِجَازِ وَأَنْتُمْ ... بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ [٤] بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
[٥] يَعْنِي قُرَيْشًا. ثُمَّ نَدِمَ الْحُصَيْنُ عَلَى مَا قَالَ، وَعَرَفَ مَا قَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ، فَانْتَمَى إلَى قُرَيْشٍ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَقَالَ:
نَدِمْتُ عَلَى قَوْلٍ مَضَى كُنْتُ قُلْتُهُ ... تَبَيَّنْتُ فِيهِ أَنَّهُ قَوْلُ كَاذِبٍ
فَلَيْتَ لِسَانِي كَانَ نِصْفَيْنِ مِنْهُمَا ... بَكِيمٌ [٦] وَنِصْفٌ عِنْدَ مَجْرَى الْكَوَاكِبِ
أَبُونَا كِنَانِيٌّ بِمَكَّةَ قَبْرُهُ ... بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
لَنَا الرُّبُعُ مِنْ بَيْتِ الْحَرَامِ وِرَاثَةً ... وَرُبُعُ الْبِطَاحِ عِنْدَ دَارِ ابْنِ حَاطِبِ
أَيْ أَنَّ بَنِي لُؤَيٍّ كَانُوا أَرْبَعَةً: كَعْبًا، وَعَامِرًا، وَسَامَةَ، وَعَوْفًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٧]: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ:
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ لِرِجَالِ مِنْ بَنِي مُرَّةَ: إنْ شِئْتُمْ أَنْ تَرْجِعُوا إلَى نَسَبِكُمْ فَارْجِعُوا إلَيْهِ.

-------------------------
[١] المخلف (هُنَا): المستقى للْمَاء، يُقَال: ذهب يخلف لِقَوْمِهِ: أَي يستقى لَهُم.
[٢] أنتجع السحابا: أَي أطلب مَوضِع الْغَيْث والمطر كَمَا تفعل الْقَبَائِل الَّذين يرحلون من مَوضِع إِلَى مَوضِع. يُرِيد أَنه لَو انتسب إِلَى قُرَيْش لَكَانَ مَعَهم بِمَكَّة مُقيما وَلم يكن بدويا يطْلب الْمَطَر من مَوضِع إِلَى مَوضِع.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وخش: أصلح. والناجية: النَّاقة السريعة. وَفِي أ: «وحس ... إِلَخ» وحس (بِالْحَاء الْمُهْملَة): قوى وَأعَاد. وَفِي الأغاني: «
... وهش رَوَاحَة الجمحيّ
» .
[٤] المعتلج: الْموضع السهل الّذي يعتلج فِيهِ الْقَوْم، أَي يتصارعون. والبطحاء (هُنَا): بطحاء مَكَّة.
[٥] الأخاشب يُرِيد الأخشبين: جبلان بِمَكَّة، فجمعهما مَعَ مَا حولهما.
[٦] بكيم: أبكم.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن هِشَام» .



(سَادَاتُ مُرَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْقَوْمُ أَشْرَافًا فِي غَطَفَانَ، وهم سَادَتُهُمْ وَقَادَتْهُمْ. مِنْهُمْ:
هَرِمُ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ [بْنِ مُرَّةَ بْنِ نُشْبَةَ] [١]، وَخَارِجَةُ بْنُ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ، وَهَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَةَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ:
أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمَ [٢] بْنُ حَرْمَلَهُ [٣] ... يَوْمَ الْهَبَاآتِ [٤] وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ [٥]
تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهُ [٦] ... يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ
[٧]

(هَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَةَ، وَعَامِرٌ الْخَصَفِيُّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِعَامِرِ الْخَصَفِيِّ، خَصَفَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ:
أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَهُ ... يَوْمَ الْهَبَاآتِ وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ
تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهُ ... يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ
وَرمحه للوالدات مثكله
وَحَدَّثَنِي [٨] أَنَّ هَاشِمًا قَالَ لِعَامِرِ: قُلْ فِيَّ بَيْتًا جَيِّدًا أُثِبْكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَامِرٌ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ، فَلَمْ يُعْجِبْ هَاشِمًا: ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ، فَلَمَّا قَالَ الرَّابِعَ:

-------------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ. وَالظَّاهِر أَنَّهَا: «بن نشبة بن مرّة» كَمَا فِي اللِّسَان (مَادَّة نشب) .
[٢] هَاشم بن حَرْمَلَة: هُوَ جد مَنْظُور بن زبان بن يسَار الّذي كَانَت بنته زجلة عِنْد ابْن الزبير، فَهُوَ جد مَنْظُور لأمه، وَاسْمهَا قهطم بنت هَاشم، وَكَانَت قهطم قد حملت بمنظور أَربع سِنِين- فِيمَا يَزْعمُونَ- فَسمى منظورا لطول انتظارهم إِيَّاه: (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٣] يُرِيد أَنه أَخذ بثأره، فَكَأَنَّهُ أَحْيَاهُ.
[٤] يَوْم الهباآت: يَوْم مَشْهُور من أَيَّام الْعَرَب. وهباءة: مَوضِع، فَجَمعه مَعَ مَا يَلِيهِ. (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ١ ص ١٠٢) .
[٥] يَوْم اليعملة: من أَيَّام الْعَرَب. واليعملة: اسْم مَوضِع.
[٦] مغربلة: مقتولة، يُقَال: غربل، إِذا قتل أَشْرَاف النَّاس وخيارهم. وَيُقَال: إِنَّمَا أَرَادَ بالغربلة استقصاءهم وتتبعهم، كَأَنَّهُ من غربلت الطَّعَام، إِذا تتبعته بالاستخراج حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ إِلَّا الحثالة.
[٧] يصفه بِالْعِزَّةِ والامتناع، وَأَنه لَا يخَاف حَاكما يعدى عَلَيْهِ، وَلَا ترة من طالبي ثأر.
[٨] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن هِشَام وحَدثني ... إِلَخ» .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 06-01-2026, 07:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (13)

صــ 101إلى صــ 110






يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
أَعْجَبَهُ، فَأَثَابَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَلِكَ الَّذِي أَرَادَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ:
وَهَاشِمَ مُرَّةَ الْمُفْنِي مُلُوكًا ... بِلَا ذَنْبٍ إلَيْهِ وَمُذْنِبِينَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَوْلُ عَامِرٍ: «يَوْمَ الْهَبَاآتِ [١]» عَنْ غَيْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ.

(مُرَّةُ وَالْبَسْلُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَوْمٌ لَهُمْ صِيتٌ وَذِكْرٌ فِي غَطَفَانَ وَقَيْسٍ كُلِّهَا، فَأَقَامُوا عَلَى نَسَبِهِمْ [٢]، وَفِيهِمْ كَانَ الْبَسْلُ [٣] .

أَمْرُ الْبَسْلِ

(تَعْرِيفُ الْبَسْلِ، وَنَسَبُ زُهَيْرٍ الشَّاعِرِ):
وَالْبَسْلُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- ثَمَانِيَةُ [٤] أَشْهُرٍ حُرُمٍ، لَهُمْ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ مِنْ بَيْنِ الْعَرَبِ قَدْ عَرَفَتْ ذَلِكَ لَهُمْ الْعَرَبُ لَا يُنْكِرُونَهُ وَلَا يَدْفَعُونَهُ، يَسِيرُونَ بِهِ إلَى أَيِّ بِلَادِ الْعَرَبِ شَاءُوا، لَا يَخَافُونَ مِنْهُمْ شَيْئًا. قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى، يَعْنِي بَنِي مُرَّةَ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُهَيْرُ أَحَدُ بَنِي مُزَيْنَةَ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إلْيَاسَ [٥] بْنِ مُضَرَ، وَيُقَالُ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى مِنْ غَطَفَانَ، وَيُقَالُ حَلِيفٌ فِي غَطَفَانَ-

------------------------------
[١] ويروى: «يَوْم الهباتين» فقصر للضَّرُورَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ الهباءتين. وَكَثِيرًا مَا يرد الْمَكَان مثنى أَو مجموعا فِي الشّعْر العربيّ، وَيُرَاد بِهِ الْمُفْرد، وَيَوْم الهباءة كَانَ لعبس على ذبيان. والهباءة: مَوضِع بِبِلَاد غطفان: (رَاجع العقد الفريد ج ٣ ص ٦٩) .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سُنَنهمْ» .
[٣] البسل: الْحَرَام والحلال، فَهُوَ من الأضداد.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «نسيئهم ثَمَانِيَة ... إِلَخ» . وَلَا يَسْتَقِيم الْكَلَام بِهَذِهِ الزِّيَادَة.
[٥] يحمل بَعضهم إلْيَاس بن مُضر على إلْيَاس النَّبِي فِي همز أَوله، وَالصَّوَاب فِي إلْيَاس بن مُضر أَن تعْتَبر فِيهِ الْألف وَاللَّام زائدتين، كزيادتهما فِي الْفضل وَالْعَبَّاس، وأنهما داخلتان على الْمصدر الّذي هُوَ الْيَأْس، وَقد تسهل همزته الثَّانِيَة، فَيُقَال فِيهِ إلْيَاس. أما إلْيَاس النَّبِي فَهُوَ بِقطع الْهمزَة الأولى مَفْتُوحَة أَو مَكْسُورَة (رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة ألس) .


تَأَمَّلْ [١] فَإِنْ تُقْوِ الْمَرُورَاةَ [٢] مِنْهُمْ ... وَدَارَاتِهَا لَا تُقْوِ مِنْهُمْ إِذا نَخْلُ [٣]
بِلَادٌ بِهَا نَادِمَتُهُمْ وَأَلِفْتُهُمْ ... فَإِنْ تُقْوِيَا مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ بَسْلُ
يَقُولُ: سَارُوا فِي حَرَمِهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أعشى بن قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
أَجَارَتُكُمْ بَسْلٌ عَلَيْنَا مُحَرَّمٌ ... وَجَارَتُنَا حِلٌّ لَكُمْ وَحَلِيلُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.

(أَوْلَادُ كَعْبٍ وَأُمُّهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَعَدِيَّ ابْن كَعْبٍ، وَهُصَيْصَ بْنَ كَعْبٍ. وَأُمُّهُمْ وَحْشِيَّةُ [٤] بِنْتُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.

(أَوْلَادُ مُرَّةَ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
فَوَلَدَ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: كِلَابَ بْنَ مُرَّةَ، وَتَيْمَ بْنَ مُرَّةَ، وَيَقَظَةَ [٥] بْنَ مُرَّةَ.
فَأُمُّ كِلَابٍ: هِنْدُ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ (فِهْرِ بْنِ [٦] مَالِكِ)

------------------------
[١] فِي مُعْجم الْبلدَانِ (ج ٤ ص ٥٠٦): «تربص» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «المرورات» . بتاء مَفْتُوحَة، كَأَنَّهُ جمع مرورى، وَلَيْسَ فِي الْكَلَام مثل هَذَا الْبناء، وَإِنَّمَا هُوَ المروراة بهاء مِمَّا ضوعفت فِيهِ الْعين وَاللَّام، فَهُوَ فعلعلة، وَالْألف فِيهِ منقلبة عَن وَاو أَصْلِيَّة. والمروراة: مَوضِع كَانَ فِيهِ يَوْم المروراة.
[٣] نخل: مَوضِع بِنَجْد من أَرض غطفان، وَقيل: هُوَ مَوضِع لبني مرّة بن عَوْف على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة:
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] وَيُقَال: إِن أم هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة: مخشية. كَمَا يُقَال: إِن أم مرّة وهصيص: مخشية بنت شَيبَان بن محَارب بن فهر، وَأم عدي: رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كَعْب بن حَرْب بن تيم بن سعد بن فهم بن عَمْرو بن قيس بن عيلان. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] هُوَ بِفَتْح الْقَاف، وَقد جَاءَ فِي شعر مدح بِهِ خَالِد بن الْوَلِيد، ساكنها، وَهُوَ:
وَأَنت لمخزوم بن يقظة جنَّة ... كلا أسميك فِيهِ ماجد وَابْن ماجد
[٦] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.



ابْن (النَّضْرِ بْنِ) [١] كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَأُمُّ يَقَظَةَ: الْبَارِقِيَّةُ [٢]، امْرَأَةٌ مِنْ بَارِقٍ، مِنْ الْأَسْدِ مِنْ الْيَمَنِ. وَيُقَالُ: هِيَ أُمُّ تَيْمٍ. وَيُقَالُ: تَيْمٌ لِهِنْدِ بِنْتِ سُرَيْرٍ أُمِّ كِلَابٍ.

(نَسَبُ بَارِقٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَارِقٌ: بَنُو عَدِيِّ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَهُمْ فِي شَنُوءَةَ. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
وَأَزْدُ شَنُوءَةَ انْدَرَءُوا [٣] عَلَيْنَا ... بِجُمٍّ يَحْسِبُونَ لَهَا قُرُونَا [٤]
فَمَا قُلْنَا لِبَارِقَ قَدْ أَسَأْتُمْ ... وَمَا قُلْنَا لِبَارِقَ أَعْتِبُونَا
[٥] قَالَ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَإِنَّمَا سُمُّوا بِبَارِقَ، لِأَنَّهُمْ تَبِعُوا الْبَرْقَ.

(وَلَدَا كِلَابٍ وَأُمُّهُمَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ كِلَابُ بْنُ مُرَّةَ رَجُلَيْنِ: قُصَيَّ [٦] بْنَ كِلَابٍ، وَزُهْرَةَ [٧] بْنَ كِلَابٍ. وَأُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ [٨] أَحَدِ (بَنِي) [٩] الْجَدَرَةِ، مِنْ جُعْثُمَةَ [١٠] الْأَزْدِ، مِنْ الْيَمَنِ، حُلَفَاءُ فِي بَنِي الدَّيْلِ [١١] بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن كِنَانَةَ.

--------------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] وَيُقَال إِن أم تيم، ويقظة: أَسمَاء بنت عدي بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر بن بارق، وَيُقَال:
هِنْد بنت حَارِثَة البارقية. كَمَا يُقَال: بل يقظة لهِنْد بنت سَرِير أم كلاب. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٣] اندرءوا: خَرجُوا.
[٤] الجم: الكباش لَا قُرُون لَهَا. وَاحِدهَا: أجم. يُرِيدُونَ أَنهم يناطحون بِلَا عدَّة، وَلَا منَّة، كالكباش الجم الَّتِي لَا قُرُون لَهَا، وَيَحْسبُونَ أَن لَهُم قُوَّة.
[٥] وَقيل: سموا بارقا بجبل نزلُوا عِنْده اسْمه بارق.
[٦] وَاسم قصي: زيد، وسمى قصيا، لِأَن أَبَاهُ مَاتَ عَنهُ، وَعَن أَخِيه زهرَة، وَكَانَ زهرَة كَبِيرا وقصي فطيما، وتركهما لِأُمِّهِمَا فَاطِمَة، فَتزوّجت ربيعَة بن حزَام، ورحلت مَعَه، وَأخذت مَعهَا زيدا لصغره، فَسمى قصيا لبعده عَن دَار قومه (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٧] وزهرة: امْرَأَة نسب وَلَدهَا إِلَيْهَا دون الْأَب، وهم أخوال رَسُول الله ﷺ.
[٨] وَاسم سيل: خير بن حمالَة بن عَوْف بن غنم بن عَامر الجادر بن عَمْرو بن جعثمة.
[٩] زِيَادَة عَن أ.
[١٠] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ، والاشتقاق لِابْنِ دُرَيْد، ولسان الْعَرَب (مَادَّة جعثم) . وَفِي الْأُصُول:
«خثعمة» وَهُوَ تَحْرِيف.
[١١] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ١ ص ٥٠ من هَذَا الْجُزْء) .



(نَسَبُ جُعْثُمَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جُعْثُمَةُ الْأَسْدِ، وَجُعْثُمَةُ الْأَزْدِ، وَهُوَ جُعْثُمَةُ ابْن يَشْكُرَ بْنِ مُبَشِّرِ بْنِ صَعْبِ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ نَصْرِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَيُقَالُ: جُعْثُمَةُ ابْن يَشْكُرَ بْنِ مُبَشِّرِ بْنِ صَعْبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ.
وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجَدَرَةَ، لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ عَمْرِو [١] بْنِ جُعْثُمَةَ تَزَوَّجَ بِنْتَ الْحَارِثِ ابْن مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَكَانَتْ جُرْهُمُ أَصْحَابَ الْكَعْبَةِ. فَبَنَى لِلْكَعْبَةِ جدارا، فسمّى عَامر بِذَلِكَ الْجَادِرِ، فَقِيلَ لِوَلَدِهِ: الْجَدَرَةُ لِذَلِكَ [٢] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلِسَعْدِ بْنِ سَيَلٍ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
مَا نَرَى فِي النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا ... مَنْ عَلِمْنَاهُ كَسَعْدِ بْنِ سَيَلْ
فَارِسًا أَضْبَطَ فِيهِ عُسْرَةٌ ... وَإِذَا مَا وَاقَفَ الْقِرْنَ نَزَلْ [٣]
فَارِسًا يَسْتَدْرِجُ الْخَيْلَ كَمَا ... اسْتَدْرَجَ الْحُرُّ الْقَطَامِيُّ [٤] الْحَجَلْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: «كَمَا اسْتَدْرَجَ الْحُرُّ» عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ.

(بَقِيَّةُ أَوْلَادِ كِلَابٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنُعْمُ بِنْتُ كِلَابٍ، وَهِيَ أُمُّ أَسْعَدَ وَسُعَيْدٍ ابْنَيْ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ.

(أَوْلَادُ قُصَيٍّ وَأُمُّهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ قُصَيُّ [٥] بْنُ كِلَابٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ: عَبْدَ مَنَافِ

----------------------
[١] فِي الأَصْل: «عَامر بن عَمْرو بن خُزَيْمَة بن خثعمة. وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] وَذَلِكَ أَن السَّيْل دخل الْكَعْبَة ذَات مرّة وصدع بنيانها، فَفَزِعت لذَلِك قُرَيْش، وخافوا انهدادها إِن جَاءَ سيل آخر، وَأَن يذهب شرفهم وَدينهمْ، فَبنى عَامر لَهَا جدارا، فَسمى الجادر لذَلِك.
[٣] الأضبط: الّذي يعْمل بكلتا يَدَيْهِ، يعْمل باليسرى كَمَا يعْمل باليمنى. والعسرة: الشدَّة. والقرن:
الّذي يُقَاوم فِي الْحَرْب.
[٤] الْحر الْقطَامِي: يُرِيد الصَّقْر.
[٥] وَكَانَ قصي يَقُول فِيمَا زَعَمُوا: ولد لي أَرْبَعَة، فسميت اثْنَيْنِ بصنمى، وواحدا بداري، وواحدا بنفسي.



ابْن قُصَيٍّ، وَعَبْدَ الدَّارِ بْنَ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ الْعُزَّى بْنَ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ (قُصَيِّ) [١] بْنَ قُصَيٍّ، وَتَخْمُرَ [٢] بِنْتَ قُصَيٍّ، وَبَرَّةَ بِنْتَ قُصَيٍّ. وَأُمُّهُمْ حُبَيُّ بِنْتُ حُلَيْلِ بْنِ حَبَشِيَّةَ بْنِ سَلُولَ ابْن كَعْبِ بْنِ عَمْرِو الْخُزَاعِيِّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: حُبْشِيَّةُ [٣] بْنُ سَلُولَ.

(أَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ عَبْدُ مَنَافٍ- وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ قُصَيٍّ- أَرْبَعَةَ نَفَرٍ:
هَاشِمَ [٤] بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَعَبْدَ شَمْسِ [٥] بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَالْمُطَلِّبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ [٦] بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ هِلَالِ [٧] بْنِ فَالِجِ [٨] بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ، وَنَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُ وَاقِدَةُ بِنْتُ عَمْرٍو الْمَازِنِيَّةُ.
مَازِنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ.

--------------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] لم يذكر الطَّبَرِيّ تخمر فِي أَوْلَاد قصي، وَاقْتصر على الذُّكُور الْأَرْبَعَة، وَذكرهَا الزبيدِيّ فِي كِتَابه إِيضَاح المدارك، وَقَالَ: تخمر كتنصر.
[٣] ضبطت فِي الأولى بِفتْحَتَيْنِ، وَفِي الثَّانِيَة بِالضَّمِّ، وعَلى هَذَا الرأى الْأَخير الزبيدِيّ فِي كِتَابه إِيضَاح المدارك عَن العواتك، فقد ضبطت فِيهِ الْعبارَة بِالضَّمِّ.
[٤] واسْمه عَمْرو، وَيُقَال لَهُ: هَاشم لِأَنَّهُ أول من هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ، وَله يَقُول مطرود بن كَعْب الْخُزَاعِيّ، وَقيل ابْن الزبعري:
عَمْرو الّذي هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ ... وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف
(رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] وَكَانَ عبد شمس تلوا لهاشم، وَقيل: بل كَانَا توأمين، فولد هَاشم، وَرجله فِي جبهة عبد شمس ملتصقة، فَلم يقدر على نَزعهَا إِلَّا بِدَم، فَكَانُوا يَقُولُونَ: سَيكون بَين ولديهما دِمَاء، فَكَانَت تِلْكَ الدِّمَاء مَا وَقع بَين بنى هَاشم وَبنى أُميَّة بن عبد شمس
[٦] وَيُقَال: إِن لعاتكة من غير عبد منَاف: الْحَارِث بن حبش السّلمِيّ، فَهُوَ أَخُو هَاشم، وَعبد شمس وَالْمطلب، لأمهم، وَأَنه رثى هاشما لهَذِهِ الْأُخوة.
[٧] وَأم عبد منَاف عَاتِكَة بنت هِلَال بن فالج بن ذكْوَان، وعَلى هَذَا تكون أم عبد منَاف عمَّة عَاتِكَة
[٨] كَذَا فِي أ، وإيضاح المدارك عَن العواتك للزبيدى. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فألح» بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.



(نَسَبُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبِهَذَا النَّسَبِ خَالَفَهُمْ عُتْبَةَ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرِ بْنِ وهب بن تسيب [١] بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ.

(عَوْدٌ إلَى أَوْلَادِ عَبْدِ مَنَافٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَبُو عَمْرٍو، وَتُمَاضِرُ، وَقِلَابَةُ، وَحَيَّةُ، وَرَيْطَةُ، وَأُمُّ الْأَخْثَمِ، وَأُمُّ سُفْيَانَ: بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ.
فَأُمُّ أَبِي عَمْرٍو: رَيْطَةُ، امْرَأَةٌ مِنْ ثَقِيفٍ، وَأُمُّ سَائِرِ النِّسَاءِ: عَاتِكَةُ بِنْتُ مرّة ابْن هلام، أُمُّ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ، وَأُمُّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حَوْزَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَلُولَ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَأُمُّ صَفِيَّةَ: بِنْتُ عَائِذِ اللَّهِ [٢] ابْن سَعْدِ [٣] الْعَشِيرَةِ بْنِ مَذْحِجٍ.

(أَوْلَادُ هَاشِمٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٤]: فَوَلَدَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَخَمْسَ نِسْوَةٍ:
عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ، وَأَسَدَ بْنَ هَاشِمٍ، وَأَبَا صَيْفِيِّ بْنَ هَاشِمٍ، وَنَضْلَةَ بْنَ هَاشِمٍ، وَالشِّفَاءَ، وَخَالِدَةَ، وَضَعِيفَةَ، وَرُقَيَّةَ، وَحَيَّةَ. فَأُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرُقَيَّةَ: سَلْمَى [٥] بِنْتُ عَمْرِو [٦] بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدِ (بْنِ حَرَامِ) [٧] بْنِ خِدَاشِ بْنِ عَامِرِ [٨] بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ

-----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سيب» .
[٢] ويروى: عبد الله.
[٣] كَذَا: فِي الأَصْل. وَالظَّاهِر أَن صَوَاب الْعبارَة: «... من سعد ... إِلَخ» . لِأَن سعد الْعَشِيرَة ابْن مذْحج هُوَ أَبُو الْقَبَائِل المنسوبة إِلَى مذْحج إِلَّا أقلهَا، وَلَا يكون فِي عصر هَاشم من هُوَ ابْن لَهُ لصلبه.
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. وَلَقَد عودنا ابْن هِشَام فِيمَا مضى من الْكَلَام على النّسَب أَن ينْقل عَن ابْن إِسْحَاق ويقفى هُوَ بِرَأْيهِ، وَلكنه عرض هُنَا للْكَلَام على أَوْلَاد هَاشم غير ناقل عَن ابْن إِسْحَاق، وَكَذَلِكَ كَانَ شَأْنه عِنْد الْكَلَام على أَوْلَاد عبد الْمطلب.
[٥] وَأمّهَا عمْرَة بنت صَخْر المازنية، وَابْنهَا عَمْرو بن أحيحة بن الجلاح، وَأَخُوهُ معبد، ولدتهما لأحيحة بعد هَاشم.
[٦] وَيُقَال: هِيَ سلمى بنت زيد بن عَمْرو. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٧] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٨] اتّفق الطَّبَرِيّ مَعَ السِّيرَة فِي نسب سلمى إِلَى خِدَاش، ثمَّ خالفها فِيمَا بعد هَذَا، فَقَالَ: «خِدَاش ابْن جُنْدُب بن عدي بن النجار» .



ابْن النَّجَّارِ. وَاسْمُ النَّجَّارِ: تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ.
وَأُمُّهَا: عَمِيرَةُ بِنْتُ صَخْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ. وَأُمُّ عَمِيرَةَ سَلْمَى بِنْتُ عَبْدِ الْأَشْهَلِ النَّجَّارِيَّةُ.
وَأُمُّ أَسَدٍ: قَيْلَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ الْخُزَاعِيِّ.
وَأُمُّ أَبِي صَيْفِيٍّ وَحَيَّةَ: هِنْدُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ الْخَزْرَجِيَّةُ [١] .
وَأُمُّ نَضْلَةَ وَالشِّفَاءِ: امْرَأَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ.
وَأُمُّ خَالِدَةَ وَضَعِيفَةَ: وَاقِدَةُ بِنْتُ أَبِي عَدِيٍّ الْمَازِنِيَّةُ.

أَوْلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ

(عَدَدُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَوَلَدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ عَشَرَةَ نَفَرٍ وَسِتَّ نِسْوَةٍ: الْعَبَّاسَ وَحَمْزَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَأَبَا طَالِبٍ- وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ- وَالزُّبَيْرَ [٢]، وَالْحَارِثَ، وَحَجْلًا [٣]، وَالْمُقَوِّمَ، وَضِرَارًا، وَأَبَا لَهَبٍ [٤]- وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى- وَصَفِيَّةَ، وَأُمَّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ، وَعَاتِكَةَ، وَأُمَيْمَةَ، وَأَرَوَى، وبَرَّةَ.

----------------------
[١] هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن إِسْحَاق وَالْمَعْرُوف عِنْد أهل النّسَب أَن أم حَيَّة: جحل بنت حبيب بن الْحَارِث ابْن مَالك بن خطيط الثقفية، وَأَن حَيَّة هَذِه كَانَت تَحت الأحجم بن دندنة الْخُزَاعِيّ، ولدت لَهُ أسيدا وَفَاطِمَة.
[٢] الزبير هُوَ أكبر أعمام النَّبِي ﷺ، وَهُوَ الّذي كَانَ يرقص النَّبِي ﷺ وَهُوَ طِفْل، وَيَقُول:
مُحَمَّد بن عبدم ... عِشْت بعيش أنعم
فِي دولة ومغنم ... دَامَ سجيس الأزلم
وبنته ضباعة كَانَت تَحت الْمِقْدَاد، وَابْنه عبد الله من الصَّحَابَة رضي الله عنهم. وَكَانَ الزبير يكنى أَبَا طَاهِر، بِابْنِهِ الطَّاهِر، وَكَانَ من أظرف فتيَان قُرَيْش، وَبِه سمى رَسُول الله ﷺ ابْنه الطَّاهِر، وَيُقَال إِن الزبير كَانَ مِمَّن يقرونَ بِالْبَعْثِ.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وَالرَّوْض الْأنف، والمعارف، والقاموس مَادَّة «حجل» . وَفِي أ:
«جحل» بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] وَاسم أَبى لَهب عبد الْعُزَّى، وكنى أَبَا لَهب لإشراق وَجهه.



فَأُمُّ الْعَبَّاسِ وَضِرَارٍ: نُكَيْلَةُ [١] بِنْتُ جَنَابِ بْنِ كُلَيْبِ [٢] بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو ابْن عَامِرِ [٣] بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَامِرٍ- وَهُوَ الضَّحْيَانُ- بْنُ سَعْدِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ تَيْمِ اللَّاتِ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ.
وَيُقَالُ: أَفْصَى ابْنُ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ.
وَأُمُّ حَمْزَةَ وَالْمُقَوَّمِ وَحَجْلٍ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالْغَيْدَاقِ لِكَثْرَةِ خَيْرِهِ، وَسَعَةِ مَالِهِ، وَصَفِيَّةَ: هَالَةُ [٤] بِنْتُ [٥] وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ [٦] بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ.
وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَجَمِيعِ النِّسَاءِ غَيْرَ صَفِيَّةَ: فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ [٧] النَّضْرِ.
وَأُمُّهَا: صَخْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
وَأُمُّ صَخْرَةَ: تَخْمُرُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
وَأُمُّ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: سَمْرَاءُ بِنْتُ جُنْدُبِ بْنِ جُحَيْرِ بْنِ رِئَابِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ سُوَاءَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ ابْن عِكْرِمَةَ.

-----------------------
[١] وَأم نتيلة: أم حجر، أَو أم كرز بنت الأزب من بنى بكيل من هَمدَان.
[٢] فِي المعارف: «نتيلة بنت كُلَيْب بن مَالك بن جناب» .
[٣] وعامر هَذَا هُوَ الّذي يعرف بالضحيان، وَكَانَ من مُلُوك ربيعَة.
[٤] وَيُقَال: إِن أم الغيداق: مَنْعَة بنت عَمْرو الْخُزَاعِيَّة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، والمعارف) .
[٥] كَذَا فِي المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة. وَفِي الْأُصُول: «أهيب بن عبد منَاف» .
[٦] وَيُقَال: إِن أَوْلَاد فَاطِمَة فِي عبد الْمطلب هم: عبد الله، وَعبد منَاف (أَبُو طَالب) وَالزُّبَيْر، وَعبد الْكَعْبَة، وعاتكة، وبرة، وَأُمَيْمَة. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٧] فِي المعارف: صَفِيَّة بنت جُنْدُب، وَفِيه أَن ولديها اثْنَان: الْحَارِث وأروى.



وَأُمُّ أَبِي لَهَبٍ: لُبْنَى بِنْتُ هَاجَرَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ ضَاطِرَ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ.

(رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّهَاتُهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَوَلَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ. وَأُمِّهِ: آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ [١] بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
وَأُمُّهَا: بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ. وَأُمُّ بَرَّةَ:
أُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ. وَأُمُّ أُمِّ حَبِيبٍ: بَرَّةُ [٢] بِنْتُ عَوْفِ ابْن عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشْرَفُ وَلَدِ آدَمَ حَسَبًا، وَأَفْضَلُهُمْ نَسَبًا مِنْ قِبَلِ أَبِيه وَأمه صلى [٣] الله عَلَيْهِ وَسلم.

إشَارَةٌ إلَى ذِكْرِ احْتِفَارِ زَمْزَمَ

(شَيْءٌ عَنْ زَمْزَمَ):
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيُّ [٤]: بَيْنَمَا عَبْدُ الْمُطَلِّبِ بْنُ هَاشِمٍ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ، إذْ

----------------------
[١] فِي المعارف لِابْنِ قُتَيْبَة: أَن زهرَة اسْم امْرَأَة عرف بهَا بَنو زهرَة؟ وَهَذَا مُنكر غير مَعْرُوف، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم جدهم، كَمَا قَالَ ابْن إِسْحَاق
[٢] الْمَعْرُوف: أَن جَمِيع أمهاته ﷺ من آمِنَة إِلَى برة بنت عَوْف قرشيات، وَأما مَا بعد ذَلِك من أمهاته فلسن من قُرَيْش. فَأم برة بنت عَوْف: قلَابَة بنت الْحَارِث، وَأم قلَابَة: أُمَيْمَة بنت مَالك، وَأم أُمَيْمَة: دبة بنت الْحَارِث، وَأمّهَا: بنت كَهْف الظُّلم، من ثَقِيف
[٣] ورد عَنهُ عليه الصلاة والسلام أَنه قَالَ: «مَا ولدتني بغى قطّ مُنْذُ كنت فِي صلب آدم، فَلم تزل تنازعني الْأُمَم كَابِرًا عَن كَابر حَتَّى خرجت فِي أفضل حيين فِي الْعَرَب: هَاشم وزهرة»
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام. قَالَ: وَكَانَ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ مَا حَدثنَا بِهِ زِيَاد بن عبد الله البكائي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق المطلبي قَالَ ... إِلَخ» .



أُتِيَ فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ، وَهِيَ دَفْنٌ بَيْنَ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ: إسَافٍ وَنَائِلَةٍ، عِنْدَ مَنْحَرِ قُرَيْشٍ. وَكَانَتْ جُرْهُمُ دَفَنَتْهَا حِينَ ظَعَنُوا مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ بِئْرُ إسْمَاعِيلَ ابْن إبْرَاهِيمَ عليهما السلام، الَّتِي سَقَاهُ اللَّهُ حِينَ ظَمِئَ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَالْتَمَسَتْ لَهُ أُمُّهُ مَاءً فَلَمْ تَجِدْهُ، فَقَامَتْ إلَى الصَّفَا تَدْعُو اللَّهَ وَتَسْتَغِيثُهُ لِإِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَفَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ. وَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ عليه السلام، فَهَمَزَ لَهُ [١] بِعَقِبِهِ فِي الْأَرْضِ، فَظَهَرَ الْمَاءُ، وَسَمِعَتْ أُمُّهُ أَصْوَاتَ السِّبَاعِ فَخَافَتْهَا عَلَيْهِ، فَجَاءَتْ تَشْتَدُّ نَحْوَهُ، فَوَجَدَتْهُ يَفْحَصُ [٢] بِيَدِهِ عَنْ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ خَدِّهِ وَيَشْرَبُ، فَجَعَلَتْهُ حِسْيًا [٣] .

أَمْرُ جُرْهُمٍ وَدَفْنِ زَمْزَمَ

(وُلَاةُ الْبَيْتِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ جُرْهُمٍ، وَدَفْنُهَا زَمْزَمَ، وَخُرُوجُهَا مِنْ مَكَّةَ وَمَنْ وَلِيَ أَمْرَ مَكَّةَ بَعْدَهَا إلَى أَنْ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ، مَا حَدَّثَنَا بِهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيُّ، قَالَ:
لَمَّا تُوُفِّيَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نَابِتُ بْنُ إسْمَاعِيلَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلِيَهُ، ثُمَّ وَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَهُ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ.

(جُرْهُمٌ وَقَطُورَاءُ، وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو إسْمَاعِيلَ وَبَنُو نَابِتٍ مَعَ جَدِّهِمْ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو

---------------------
[١] وَمن هُنَا سميت زَمْزَم أَيْضا: همزَة جِبْرِيل، وهزمة جِبْرِيل. وَقَالَ المَسْعُودِيّ: سميت زَمْزَم لِأَن الْفرس كَانَت تحج إِلَيْهَا فِي الزَّمن الأول فزمزمت عَلَيْهَا، والزمزمة: صَوت تخرجه الْفرس من خياشيمها عِنْد شرب المَاء، وَقد كتب عمر رضي الله عنه إِلَى عماله: أَن انهوا الْفرس عَن الزمزمة. وَقيل: بل سميت زَمْزَم لِأَنَّهَا زمت بِالتُّرَابِ لِئَلَّا يَأْخُذ المَاء يَمِينا وَشمَالًا.
[٢] يفحص: يكْشف.
[٣] الْحسي: الحفيرة الصَّغِيرَة، وَقيل: أصل الْحسي مَا يغور فِي الرمل، فَإِذا بحث عَنهُ ظهر.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 06-01-2026, 07:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (14)

صــ 111إلى صــ 120






وَأَخْوَالِهِمْ مِنْ جُرْهُمٍ [١] . وَجُرْهُمٌ وَقَطُورَاءُ [٢] يَوْمَئِذٍ أَهْلُ مَكَّةَ، وَهُمَا ابْنَا عَمٍّ وَكَانَا ظَعَنَا مِنْ الْيَمَنِ، فَأَقْبَلَا سَيَّارَةً، وَعَلَى جُرْهُمٍ مُضَاضُ بْنُ عَمْرِو، وَعَلَى قَطُورَاءَ السَّمَيْدَعُ [٣]، رَجُلٌ مِنْهُمْ. وَكَانُوا إذَا خَرَجُوا مِنْ الْيَمَنِ لَمْ يَخْرُجُوا إلَّا وَلَهُمْ مَلِكٌ يُقِيمُ أَمْرَهُمْ. فَلَمَّا نَزَلَا مَكَّةَ رَأَيَا بَلَدًا ذَا مَاءٍ وَشَجَرٍ، فَأَعْجَبَهُمَا فَنَزَلَا بِهِ. فَنَزَلَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمٍ بِأَعْلَى مَكَّةَ بِقُعَيْقِعَانَ [٤] فَمَا حَازَ. وَنَزَلَ السَّمَيْدَعُ بِقَطُورَاءَ، أَسْفَلَ مَكَّةَ بِأَجْيَادِ [٥] فَمَا حَازَ. فَكَانَ مضاض يعثر [٦] مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَكَانَ السَّمَيْدَعُ يَعْشُرُ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَكُلٌّ فِي قَوْمِهِ لَا يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. ثُمَّ إنَّ جُرْهُمَ وَقَطُورَاءَ، بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَنَافَسُوا الْمُلْكَ بِهَا، وَمَعَ مُضَاضٍ يَوْمَئِذٍ بَنُو إسْمَاعِيلَ وَبَنُو نَابِتٍ، وَإِلَيْهِ وِلَايَةُ الْبَيْتِ دُونَ السَّمَيْدَعِ، فَسَارَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، فَخَرَجَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو مِنْ قُعَيْقِعَانَ فِي كَتِيبَتِهِ سَائِرًا إلَى السَّمَيْدَعِ، وَمَعَ كَتِيبَتِهِ عُدَّتُهَا مِنْ الرِّمَاحِ وَالدَّرَقِ وَالسُّيُوفِ وَالْجِعَابِ، يُقَعْقِعُ بِذَلِكَ مَعَهُ، فَيُقَالُ: مَا سُمِّيَ قُعَيْقِعَانُ بِقُعَيْقِعَانَ إلَّا لِذَلِكَ. وَخَرَجَ السَّمَيْدَعُ مِنْ أَجْيَادٍ وَمَعَهُ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ، فَيُقَالُ: مَا سُمِّيَ أَجْيَادٌ أَجِيَادًا إلَّا لِخُرُوجِ الْجِيَادِ [٧] مِنْ الْخَيْلِ مَعَ السَّمَيْدَعِ مِنْهُ. فَالْتَقَوْا بِفَاضِحٍ [٨]، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ السَّمَيْدَعُ، وَفُضِحَتْ قَطُورَاءُ. فَيُقَالُ: مَا سُمِّيَ فَاضِحٌ فَاضِحًا إلَّا لِذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ الْقَوْمَ تَدَاعَوْا
-------------------------
[١] جرهم: هُوَ قحطان بن عَابِر بن شالخ.
[٢] قطوراء: هُوَ قطوراء بن كركر.
[٣] السميدع: هُوَ السميدع بن هوثر بن لأى بن قطوراء بن كركر بن عملاق، وَيُقَال: إِن الزباء من ذُريَّته، وَهِي بنت عَمْرو بن أذينة بن ظرب بن حسان، وَبَين حسان والسميدع آبَاء كَثِيرَة.
[٤] قعيقعان: جبل بِمَكَّة يَلِي الصَّفّ. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٥] أجياد: مَوضِع بِمَكَّة يَلِي الصَّفّ (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] يُقَال: عشر فلَان الْقَوْم عشرا وعشورا: إِذا أَخذ عشر أَمْوَالهم.
[٧] هَذَا بعيد: لِأَن جِيَاد الْخَيل لَا يُقَال فِيهَا أجياد، وَأما أجياد فَجمع جيد. وَقد ذكر أَن مضاضا ضرب فِي ذَلِك الْموضع أجياد مائَة رجل من العمالقة، فَسمى الْموضع أجيادا لهَذَا.
[٨] فاضح: مَوضِع قرب مَكَّة عِنْد أَبى قبيس، كَانَ النَّاس يخرجُون إِلَيْهِ لحاجاتهم. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .


إلَى الصُّلْحِ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا الْمَطَابِخَ: شِعْبًا بِأَعْلَى مَكَّةَ [١]، وَاصْطَلَحُوا بِهِ، وَأَسْلَمُوا الْأَمْرَ إلَى مُضَاضٍ. فَلَمَّا جُمِعَ إلَيْهِ أَمْرُ مَكَّةَ فَصَارَ مُلْكُهَا لَهُ، نَحَرَ لِلنَّاسِ فَأَطْعَمَهُمْ، فاطّبخ [٢] النَّاس ويأكلوا، فَيُقَالُ: مَا سُمِّيَتْ الْمَطَابِخُ الْمَطَابِخَ إلَّا لِذَلِكَ. وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُ أَنَّهَا إنَّمَا سُمِّيَتْ الْمَطَابِخَ، لَمَّا كَانَ تُبَّعٌ نَحَرَ بِهَا وَأَطْعَمَ، وَكَانَتْ مَنْزِلَهُ. فَكَانَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ مُضَاضٍ وَالسَّمَيْدَعِ أَوَّلَ بَغْيٍ كَانَ بِمَكَّةَ فِيمَا يَزْعُمُونَ.

(أَوْلَادُ إسْمَاعِيلَ وَجُرْهُمٍ بِمَكَّةَ):
ثُمَّ نَشَرَ اللَّهُ وَلَدَ إسْمَاعِيلَ بِمَكَّةَ، وَأَخْوَالُهُمْ مِنْ جُرْهُمٍ، وُلَاةُ الْبَيْتِ وَالْحُكَّامُ بِمَكَّةَ، لَا يُنَازِعُهُمْ وَلَدُ إسْمَاعِيلَ فِي ذَلِك لخؤولتهم وَقَرَابَتِهِمْ، وَإِعْظَامًا لِلْحُرْمَةِ أَنْ يَكُونَ بِهَا بَغْيٌ أَوْ قِتَالٌ. فَلَمَّا ضَاقَتْ مَكَّةُ عَلَى وَلَدِ إسْمَاعِيلَ انْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ، فَلَا يُنَاوِئُونَ قَوْمًا إلَّا أَظْهَرَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِدِينِهِمْ فَوَطِئُوهُمْ.

اسْتِيلَاءُ قَوْمِ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ على الْبَيْت وَفِي جُرْهُمٍ

(بَغْيُ جُرْهُمٍ بِمَكَّةَ وَطَرْدُ بَنِي بَكْرٍ لَهُمْ):
ثُمَّ إنَّ جُرْهُمًا بَغَوْا بِمَكَّةَ، وَاسْتَحَلُّوا خِلَالًا [٣] مِنْ الْحُرْمَةِ، فَظَلَمُوا مَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَأَكَلُوا مَالَ الْكَعْبَةِ الَّذِي يُهْدَى [٤] لَهَا، فَرَقَّ أَمْرَهُمْ. فَلَمَّا رَأَتْ بَنُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَغُبْشَانُ مِنْ خُزَاعَةَ ذَلِكَ، أَجَمَعُوا

------------------------
[١] وَفِي المطابخ يَقُول الشَّاعِر:
أَطُوف بالمطابخ كل يَوْم ... مَخَافَة أَن يشردنى حَكِيم
يُرِيد حَكِيم بن أُميَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] اطبخ الرجل: طبخ لنَفسِهِ خَاصَّة، أَو اتخذ طبيخا، وَيُقَال: اطبخ الرجل اللَّحْم، وَذَلِكَ إِذا طبخه.
[٣] الْخلال: الْخِصَال.
[٤] كَانَ كل مَا يهدى إِلَى الْكَعْبَة يلقى فِي بِئْر قريبَة القعر، كَانَ احتفرها إِبْرَاهِيم عليه السلام عِنْد بَاب الْكَعْبَة. وَيُقَال: إِنَّه لما فسد أَمر جرهم، وسرقوا مَال الْكَعْبَة مرّة بعد مرّة، دخل رجل مِنْهُم الْبِئْر ليَسْرِق مَال الْكَعْبَة، فَسقط عَلَيْهِ حجر من شَفير الْبِئْر فحبسه فِيهَا. كَمَا يذكرُونَ أَنه أرْسلت على الْبِئْر حَيَّة، فَكَانَت تهيب من يدنو مِنْهَا.
٨- سيرة ابْن هِشَام- ١



لِحَرْبِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ. فَآذَنُوهُمْ بِالْحَرْبِ فَاقْتَتَلُوا، فَغَلَبَتْهُمْ بَنُو بَكْرٍ وَغُبْشَانُ فَنَفَوْهُمْ مِنْ مَكَّةَ. وَكَانَتْ مَكَّةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا تُقِرُّ فِيهَا ظُلْمًا وَلَا بَغْيًا، وَلَا يَبْغِي فِيهَا أَحَدٌ إلَّا أَخَرَجَتْهُ، فَكَانَتْ تُسَمَّى النَّاسَّةَ [١]، وَلَا يُرِيدُهَا مَلِكٌ يَسْتَحِلُّ حُرْمَتَهَا إلَّا هَلَكَ مَكَانَهُ، فَيُقَالُ: إنَّهَا مَا سُمِّيَتْ بِبَكَّةِ إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَبُكُّ [٢] أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ إذَا أَحْدَثُوا فِيهَا شَيْئًا.

(بَكَّةُ لُغَةً):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ:
أَنَّ بَكَّةَ اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ، لِأَنَّهُمْ يَتَبَاكَوْنَ فِيهَا، أَيْ يَزْدَحِمُونَ. وَأَنْشَدَنِي:
إذَا الشَّرِيبُ [٣] أَخَذَتْهُ أَكَّهُ ... [٤]، فَخَلِّهِ حَتَّى يَبُكَّ بَكَّهُ
أَيْ فَدَعْهُ حَتَّى يَبُكَّ إبِلَهُ، أَيْ يُخَلِّيهَا إلَى الْمَاءِ فَتَزْدَحِمُ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِعَامَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيُّ بِغَزَالِيِّ الْكَعْبَةِ وَبِحَجَرِ الرُّكْنِ، فَدَفَنَهَا فِي زَمْزَمَ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمٍ إلَى الْيَمَنِ، فَحَزِنُوا عَلَى مَا فَارَقُوا مِنْ أَمْرِ مَكَّةَ وَمُلْكِهَا حُزْنًا شَدِيدًا. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ (بْنِ عَمْرِو) [٥] بْنِ مُضَاضٍ فِي ذَلِكَ [٦]، وَلَيْسَ بِمُضَاضٍ الْأَكْبَرِ:
وَقَائِلَةٍ وَالدَّمْعُ سَكْبٌ مُبَادِرُ ... وَقَدْ شَرِقَتْ بِالدَّمْعِ مِنْهَا الْمَحَاجِرُ

--------------------
[١] كَمَا كَانَت تسمى النساسة، وهما من «نس» بِمَعْنى يبس وأجدب، كَمَا يُقَال لَهَا: الباسة» أَيْضا، وَهُوَ من البس بِمَعْنى التفتيت.
[٢] تبك: تكسر.
[٣] كَذَا فِي أولسان الْعَرَب (مادتي أك وَبِك) . والشريب: الّذي يسقى إبِله مَعَ إبلك. وَفِي الأَصْل:
«الشريت»، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] الأكة: شدَّة الْحر، وَقيل شدَّة الْأَلَم.
[٥] زِيَادَة عَن مُعْجم الْبلدَانِ.
[٦] وَالسَّبَب فِي قَول هَذَا الشّعْر: أَن عَمْرو بن الْحَارِث كَانَ قد نزل بقنونى من أَرض الْحجاز، فضلت لَهُ إبل، فبغاها حَتَّى أَتَى الْحرم، فَأَرَادَ دُخُوله ليَأْخُذ إبِله، فَنَادَى عَمْرو بن لحي: من وجد جرهميا فَلم يقْتله قطعت يَده. فَسمع بذلك عَمْرو بن الْحَارِث، وأشرف على جبل من جبال مَكَّة، فَرَأى إبِله تنحر ويتوزع لَحمهَا، فَانْصَرف بائسا خَائفًا ذليلا، وَأبْعد فِي الأَرْض: وبغربته يضْرب الْمثل، ثمَّ قَالَ هَذَا الشّعْر



كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ [١] إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
فَقُلْتُ لَهَا وَالْقَلْبُ مِنِّي كَأَنَّمَا ... يُلَجْلِجُهُ [٢] بَيْنَ الْجَنَاحَيْنِ طَائِرُ
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَزَالَنَا ... صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودِ [٣] الْعَوَاثِرِ
وَكُنَّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ [٤]
وَنَحْنُ وَلِينَا الْبَيْتَ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... بِعَزٍّ فَمَا يَحْظَى لَدَيْنَا الْمُكَاثِرُ
مَلَكْنَا فَعَزَّزْنَا فَأَعْظِمْ بِمُلْكِنَا ... فَلَيْسَ لِحَيِّ غَيْرِنَا ثَمَّ فَاخِرُ
أَلَمْ تُنْكِحُوا مِنْ خَيْرِ شخص [٥] عَلمته [٦] ... فأبناوه مِنَّا وَنَحْنُ الْأَصَاهِرُ
فَإِنْ تَنْثَنِ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بِحَالِهَا ... فَإِنَّ لَهَا حَالًا وَفِيهَا التَّشَاجُرُ
فَأَخْرَجَنَا مِنْهَا الْمَلِيكُ بِقُدْرَةٍ ... كَذَلِكَ يَا لِلنَّاسِ تَجْرِي الْمَقَادِرُ
أَقُولُ إذَا نَامَ الْخَلِيُّ وَلَمْ أَنَمْ ... أَذَا الْعَرْشِ: لَا يَبْعُدُ سُهَيْلٌ وَعَامِرٌ
وَبُدِّلْتُ مِنْهَا أَوْجُهًا لَا أُحِبُّهَا ... قَبَائِلُ مِنْهَا حِمْيَرُ وَيُحَابِرُ [٧]
وَصِرْنَا أَحَادِيثَا وَكُنَّا بِغِبْطَةٍ ... بِذَلِكَ عَضَّتْنَا السِّنُونَ الْغَوَابِرُ
فَسَحَّتَ دُمُوعُ الْعَيْنِ تَبْكِي لِبَلْدَةٍ ... بِهَا حَرَمٌ أَمْنٌ وَفِيهَا الْمَشَاعِرُ [٨]
وَتَبْكِي لِبَيْتٍ لَيْسَ يُوذَى حَمَامُهُ ... يَظَلُّ بِهِ أَمْنًا وَفِيهِ الْعَصَافِرُ [٩]

-----------------------
[١] الْحجُون: جبل بِأَعْلَى مَكَّة، عَلَيْهِ مدافن أَهلهَا، وَقيل: مَكَان من الْبَيْت على ميل وَنصف، وَقيل على فَرسَخ وَثلث، عَلَيْهِ سَقِيفَة آل زِيَاد بن عبد الله الْحَارِثِيّ، وَكَانَ عَاملا على مَكَّة فِي أَيَّام السفاح وَبَعض أَيَّام الْمَنْصُور. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْحجُون: هُوَ الْجَبَل المشرف الّذي بحذاء مَسْجِد الْبيعَة على شعب الجزارين. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] يلجلجه: يديره.
[٣] الجدود: جمع جد، وَهُوَ الْحَظ.
[٤] يُشِير بِهَذَا الْبَيْت إِلَى أَنه بعد موت نابت، وَأمه جرهمية، وَلم يكثر ولد إِسْمَاعِيل، غلبت جرهم على ولَايَة الْبَيْت.
[٥] يعْنى: إِسْمَاعِيل عليه السلام، وَذَلِكَ أَنه نكح امْرَأَة من جرهم.
[٦] وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر فِي الطَّبَرِيّ:
وصاهرنا من أكْرم النَّاس والدا
[٧] حمير ويحابر: من قبائل الْيمن، وَيُقَال: إِن يحابر هِيَ مُرَاد.
[٨] المشاعر: الْمَوَاضِع الْمَشْهُورَة فِي الْحَج الَّتِي يتعبد بهَا.
[٩] أَرَادَ: العصافير، وَحذف الْيَاء للضَّرُورَة.



وَفِيهِ وُحُوشٌ لَا تُرَامُ أَنِيسَةٌ ... إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ فَلَيْسَتْ تُغَادِرُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «فَأَبْنَاؤُهُ منا»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا يَذْكُرُ بَكْرًا وَغُبْشَانُ، وَسَاكِنِي مَكَّةَ الَّذِينَ خَلَفُوا فِيهَا بَعْدَهُمْ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ سِيرُوا إنَّ قَصْرَكُمْ [١] ... أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا
حُثُّوا الْمَطِيَّ وَأَرْخُوا مِنْ أَزِمَّتِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَضُّوا مَا تُقِضُّونَا
كُنَّا أُنَاسًا كَمَا كُنْتُمْ فَغَيَّرَنَا ... دَهْرٌ فَأَنْتُمْ كَمَا كُنَّا تَكُونُونَا
[٢] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لَهُ مِنْهَا. وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ: أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْعَرَبِ، وَأَنَّهَا وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً فِي حَجَرٍ بِالْيَمَنِ، وَلَمْ يُسَمِّ لِي قَائِلَهَا [٣] .

-------------------------
[١] قصركم: نهايتكم وغايتكم.
[٢] وَزَاد بَعضهم على هَذِه الأبيات:
إِن التفكر لَا يجدي لصَاحبه ... عِنْد البديهة فِي علم لَهُ دونا
فاستخبروا فِي صَنِيع النَّاس قبلكُمْ ... كَمَا استبان طَرِيق عِنْده الهونا
كُنَّا زَمَانا مُلُوك النَّاس قبلكُمْ ... بمسكن فِي حرَام الله مسكونا
[٣] ويروى: أَنه وجد فِي بِئْر بِالْيَمَامَةِ ثَلَاثَة أَحْجَار. فوجدوا فِي حجر من الثَّلَاثَة مَكْتُوبًا هَذِه الأبيات، ووجدوا فِي حجر آخر مَكْتُوبًا:
يَا أَيهَا الْملك الّذي ... بِالْملكِ ساعده زَمَانه
مَا أَنْت أول من علا ... وَعلا شئون النَّاس شانه
أقصر عَلَيْك مراقبا ... فالدهر مخذول أَمَانه
كم من أَشمّ معصب ... بالتاج مرهوب مَكَانَهُ
قد كَانَ ساعده الزَّمَان ... وَكَانَ ذَا خفض جنانه
تجرى الجداول حوله ... للجند مترعة جفانه
قد فاجأته منية ... لم ينجه مِنْهَا اكتنانه
وَتَفَرَّقَتْ أجناده ... عَنهُ وناح بِهِ قيانه
والدهر من يعلق بِهِ ... يطحنه مفترسا جرانه
وَالنَّاس شَتَّى فِي الْهوى ... كالمرء مُخْتَلف بنانه
والصدق أفضل شِيمَة ... والمرء يقْتله لِسَانه
والصمت أسعد للفتى ... وَلَقَد يشرفه بَيَانه
وَوجد بِالْحجرِ الثَّالِث قصيدة على هَذَا النمط كلهَا حكم ومواعظ، ومطلعها:



اسْتِبْدَادُ قَوْمٍ مِنْ خُزَاعَةَ بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ غُبْشَانَ مِنْ خُزَاعَةَ وَلِيَتْ الْبَيْتَ دُونَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَكَانَ الَّذِي يَلِيهِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْغُبْشَانِيُّ، وَقُرَيْشٌ إذْ ذَاكَ حُلُولٌ وَصِرَمٌ، [١] وَبُيُوتَاتٌ مُتَفَرِّقُونَ فِي قَوْمِهِمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَوَلِيَتْ خُزَاعَةُ الْبَيْتَ يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ حُلَيْلُ بْنُ حَبَشِيَّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيَّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ حُبْشِيَّةُ بْنُ سَلُولَ.

تَزَوُّجُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ حُبَّى بِنْتَ حُلَيْلٍ

(أَوْلَادُ قُصَيٍّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ خَطَبَ إلَى حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ ابْنَتَهُ حُبَّى، فَرَغِبَ فِيهِ حُلَيْلٌ فَزَوَّجَهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الدَّارِ، وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَعَبْدَ الْعُزَّى، وَعَبْدًا. فَلَمَّا انْتَشَرَ وَلَدُ قُصَيٍّ، وَكَثُرَ مَالُهُ، وَعَظُمَ شَرَفُهُ، هَلَكَ حُلَيْلٌ.

(تَوَلِّي قُصَيٍّ أَمْرَ الْبَيْتِ وَنُصْرَةَ رُزَاحٍ لَهُ):
فَرَأَى قُصَيٌّ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ، وَبِأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قُرْعَةُ [٢] إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَصَرِيحُ وَلَدِهِ. فَكَلَّمَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَبَنِيَّ كِنَانَةَ،

---------------------
[()]
كل عَيْش تعله ... لَيْسَ للدهر خله
يَوْم بؤس ونعمه ... واجتماع وقله
حبنا الْعَيْش وَالتَّكَاثُر ... جهل وضله
وَمِنْهَا:
آفَة الْعَيْش وَالنَّعِيم ... كرور الْأَهِلّة
وصل يَوْم وَلَيْلَة ... وَاعْتِرَاض بعلة
[١] الصرم: الْجَمَاعَات المتقطعة.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والقرعة: نخبة الشَّيْء وخياره. وَفِي الطَّبَرِيّ وأ: «فرعة» بِالْفَاءِ.
وفرعة الْجَبَل: أَعْلَاهُ. يُرِيد أَن قُريْشًا أَعلَى ولد إِسْمَاعِيل.



وَدَعَاهُمْ إلَى إخْرَاجِ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، فَأَجَابُوهُ. وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ حَرَامٍ مِنْ [١] عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ قَدْ قَدِمَ مَكَّةَ بَعْدَ هُلْكِ كِلَابٍ، فَتَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ، وَزُهْرَةَ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، وَقُصَيٌّ فَطِيمٌ، فَاحْتَمَلَهَا إلَى بِلَادِهِ، فَحَمَلَتْ قُصَيًّا مَعَهَا، وَأَقَامَ زُهْرَةَ، فَوَلَدَتْ لِرَبِيعَةَ رِزَاحًا. فَلَمَّا بَلَغَ قُصَيٌّ وَصَارَ رَجُلًا أَتَى مَكَّةَ، فَأَقَامَ [٢] بِهَا، فَلَمَّا أَجَابَهُ قَوْمُهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، كَتَبَ إلَى أَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ، رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، يَدْعُوهُ إلَى نُصْرَتِهِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ. فَخَرَجَ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَعَهُ إخْوَتُهُ: حُنُّ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَحْمُودُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَجُلْهُمَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهُمْ لِغَيْرِ فَاطِمَةَ، فِيمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ فِي حَاجِّ الْعَرَبِ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ لِنُصْرَةِ قُصَيٍّ. وَخُزَاعَةُ تَزْعُمُ أَنَّ حُلَيْلَ بْنَ حُبْشِيَّةَ أَوْصَى بِذَلِكَ قُصَيًّا وَأَمَرَهُ بِهِ حِينَ انْتَشَرَ لَهُ مِنْ ابْنَتِهِ مِنْ الْوَلَدِ مَا انْتَشَرَ. وَقَالَ: أَنْتِ أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ، وَبِالْقِيَامِ عَلَيْهَا، وَبِأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ قُصَيٌّ مَا طَلَبَ. وَلَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ [٣]، فاللَّه أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
----------------------
[١] فِي أ: «بن» .
[٢] وَالسَّبَب فِي رُجُوعه إِلَى مَكَّة، هُوَ أَنه لما كَانَ غُلَاما- وَكَانَ يدعى إِلَى ربيعَة لِأَنَّهُ لَا يعلم لَهُ أَب إِلَّا إِيَّاه- تساب هُوَ وَرجل من قضاعة، فَعَيَّرَهُ بالدعوة وَقَالَ لَهُ: لست منا، وَإِنَّمَا أَنْت فِينَا ملصق. فَدخل على أمه، وَقد وجم لذَلِك، فَقَالَت لَهُ: يَا بنى، صدق، إِنَّك لست مِنْهُم، وَلَكِن رهطك خير من رهطه، وآباءك أشرف من آبَائِهِ، وَإِنَّمَا أَنْت قرشي، وأخوك وَبَنُو عمك بِمَكَّة، وهم جيران بَيت الله الْحَرَام، فَدخل فِي سيارة حَتَّى أَتَى مَكَّة.
[٣] وَيُقَال أَيْضا فِي انْتِقَال ولَايَة الْبَيْت إِلَى قصي: أَن حليلا كَانَ يعْطى مَفَاتِيح الْبَيْت إِلَى ابْنَته حبي حِين كبر وَضعف، فَكَانَت بِيَدِهَا، وَكَانَ قصي رُبمَا أَخذهَا فِي بعض الأحيان فَفتح الْبَيْت للنَّاس وأغلقه، وَلما هلك حليل أوصى بِولَايَة الْبَيْت إِلَى قصي، فَأَبت خُزَاعَة أَن تمضى ذَلِك لقصي، فَعِنْدَ ذَلِك هَاجَتْ الْحَرْب بَينه وَبَين خُزَاعَة.
كَمَا يذكر أَيْضا: أَن حليلا لما كبر وَلم يقدر على فتح الْبَاب وإغلاقه، عهد بالمفاتيح إِلَى أَبى غبشان- وَهُوَ من خُزَاعَة، واسْمه سليم بن عَمْرو- فابتاعها مِنْهُ قصي بزق خمر، فَقيل: أخسر صَفْقَة من أَبى غبشان.
وَكَانَ الأَصْل فِي الِانْتِقَال ولَايَة الْبَيْت من ولد مُضر إِلَى خُزَاعَة: أَن الْحرم حِين ضَاقَ عَن ولد نزار وبغت فِيهِ إياد، أخرجتهم بَنو مُضر بن نزار، وأجلوهم عَن مَكَّة، فعمدوا فِي اللَّيْل إِلَى الْحجر الْأسود، فاقتلعوه وَاحْتَمَلُوهُ على بعير، فرزح الْبَعِير بِهِ وَسقط إِلَى الأَرْض، وجعلوه على آخر، فرزح أَيْضا.
وعَلى الثَّالِث، فَفعل مثل ذَلِك. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك دفنوه وذهبوا، فَلَمَّا أصبح أهل مَكَّة وَلم يروه، وَقَعُوا فِي كرب عَظِيم. وَكَانَت امْرَأَة من خُزَاعَة قد بصرت بِهِ حِين دفن، فأعلمت قَومهَا بذلك، فَحِينَئِذٍ أخذت



مَا كَانَ يَلِيهِ الْغَوْثُ بْنُ مُرَّ مِنْ الْإِجَازَةِ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ
وَكَانَ الْغَوْثُ بْنُ مُرَّ بْنِ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ يَلِي الْإِجَازَةَ [١] لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ مِنْ [٢] عَرَفَةَ، وَوَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ولِوَلَدِهِ صُوفَةُ [٣] . وَإِنَّمَا وَلِيَ ذَلِكَ الْغَوْثُ بْنُ مُرَّ، لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ، وَكَانَتْ لَا تَلِدُ، فَنَذَرَتْ للَّه إنْ هِيَ وَلَدَتْ رَجُلًا أَنْ تَصَّدَّقَ بِهِ عَلَى الْكَعْبَةِ عَبْدًا لَهَا يَخْدُمُهَا، وَيَقُومُ عَلَيْهَا. فَوَلَدَتْ الْغَوْثَ، فَكَانَ يَقُومُ عَلَى الْكَعْبَةِ فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ مَعَ أَخْوَالِهِ مِنْ جُرْهُمٍ، فَوَلِيَ الْإِجَازَةَ بِالنَّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، لِمَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَوَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى انْقَرَضُوا [٤] . فَقَالَ مُرُّ بْنُ أَدٍّ لِوَفَاءِ نَذْرِ أُمِّهِ:
إنِّي جَعَلْتُ رَبَّ مَنْ بَييَّهْ ... رَبِيطَةً بِمَكَّةَ الْعَلِيَّهْ
فَبَارِكْنَ لِي بِهَا أليَّهْ [٥] ... وَاجْعَلْهُ لِي مِنْ صَالِحِ الْبَرِيَّهْ
وَكَانَ الْغَوْثُ بْنُ مُرٍّ- فِيمَا زَعَمُوا- إذَا دَفَعَ بِالنَّاسِ قَالَ:
لَا همّ إنِّي تَابِعٌ تَبَاعَهُ [٦] ... إنْ كَانَ إثْمٌ فَعَلَى قُضَاعَهُ
[٧]

-----------------------
[()] خُزَاعَة على وُلَاة الْبَيْت أَن يتخلوا لَهُم عَن ولَايَته ويدلوهم على الْحجر، فَفَعَلُوا ذَلِك، فَمن هُنَالك صَارَت ولَايَة الْبَيْت لخزاعة إِلَى أَن صَارَت إِلَى بنى عبد منَاف. (رَاجع الرَّوْض الْأنف وَكتاب الْأَوَائِل لأبى هِلَال العسكري) .
[١] الْإِجَازَة: الْإِفَاضَة.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «من بعد عَرَفَة» .
[٣] وَإِنَّمَا قيل للغوث وَولده: صوفة، لِأَن أمه حِين جعلته ربيطا للكعبة علقت بِرَأْسِهِ صوفة، وَقيل ألبسته ثوبا من صوف، وَقيل: إِنَّمَا سمى كَذَلِك، لِأَن أمه لما ربطته عِنْد الْبَيْت أَصَابَهُ الْحر فمرت بِهِ وَقد سقط وذوى واستعرض، فَقَالَت: مَا صَارا بنى إِلَّا صوفة، فَسمى صوفة. وَقيل: إِنَّمَا سمى كَذَلِك لِأَن كل من ولى الْبَيْت شَيْئا من غير أَهله، أَو قَامَ بِشَيْء من خدمَة الْبَيْت، أَو بِشَيْء من أَمر الْمَنَاسِك، يُقَال لَهُم صوفة وصوفان.
[٤] وَقيل: إِن ولَايَة الْغَوْث بن مر كَانَت من قبل مُلُوك كِنْدَة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٥] الألية: فِي الأَصْل الْيَمين، وَهِي هُنَا: النّذر الّذي نذرته أمه.
[٦] التباعة: مَا يتبعهُ الْإِنْسَان ويقتدى بِهِ.
[٧] إِنَّمَا خص قضاعة بِهَذَا، لِأَن مِنْهُم مخلين يسْتَحلُّونَ الْأَشْهر الْحرم، كَمَا كَانَت خثعم وطيِّئ تفعل



قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى [١] بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ (عَبَّادٍ) [٢] . قَالَ:

(صُوفَةُ وَرَمْيُ الْجِمَارِ):
كَانَتْ صُوفَةُ تَدْفَعُ بِالنَّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، وَتُجِيزُ بِهِمْ إذَا نَفَرُوا مِنْ مِنًى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ أَتَوْا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ صُوفَةَ يَرْمِي لِلنَّاسِ، لَا يَرْمُونَ حَتَّى يَرْمِي [٣] . فَكَانَ ذَوُو الْحَاجَاتِ الْمُتَعَجِّلُونَ يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: قُمْ فَارْمِ حَتَّى نَرْمِيَ مَعَكَ، فَيَقُولُ: لَا وَاَللَّهِ، حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ. فَيَظَلُّ ذَوُو الْحَاجَاتِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ التَّعَجُّلَ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَيَسْتَعْجِلُونَهُ بِذَلِكَ، وَيَقُولُونَ لَهُ: وَيْلَكَ! قُمْ فَارْمِ، فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ. حَتَّى إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ قَامَ فَرَمَى وَرَمَى النَّاسُ مَعَهُ.

(تَوَلِّي بَنِي سَعْدٍ أَمْرَ الْبَيْتِ بَعْدَ صُوفَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ وَأَرَادُوا النَّفْرَ مِنْ مِنًى، أَخَذَتْ صُوفَةُ بِجَانِبَيْ الْعَقَبَةِ، فَحَبَسُوا النَّاس وَقَالُوا: أجيرى صُوفَةَ، فَلَمْ يَجُزْ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَمُرُّوا، فَإِذَا نَفَرَتْ صُوفَةُ وَمَضَتْ خُلِّيَ سَبِيلُ النَّاسِ فَانْطَلَقُوا بَعْدَهُمْ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى انْقَرَضُوا، فَوَرِثَهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِمْ بِالْقُعْدُدِ [٤] بَنُو سعد بن زِيَاد مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ [٥]، وَكَانَتْ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فِي آلِ صَفْوَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ.

(نَسَبُ صَفْوَانَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَفْوَانُ بْنُ جُنَابِ بْنِ شِجْنَةَ بْنِ عُطَارِدَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ.

----------------------
[١] روى عَن جده، وَأَبِيهِ، وَعَمه حَمْزَة. وَعنهُ هِشَام بن عُرْوَة، ومُوسَى بن عقبَة، وَابْن إِسْحَاق وَجَمَاعَة، وَلَقَد مَاتَ شَابًّا عَن سبع وَثَلَاثِينَ سنة. (رَاجع تراجم رجال لِابْنِ إِسْحَاق) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يرومى»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] يُرِيد قرب النّسَب. يُقَال: رجل قعدد، إِذا كَانَ قريب الْآبَاء إِلَى الْجد الْأَكْبَر. وَمن أغرب مَا يذكر أَن يزِيد بن مُعَاوِيَة حج بِالنَّاسِ سنة خمسين، وَأَن عبد الصَّمد بن على حج بِالنَّاسِ سنة مائَة وَخمسين وآباؤهما فِي القعدد إِلَى عبد منَاف وَاحِد، وَبَينهمَا مائَة سنة.
[٥] وَذَلِكَ لِأَن سَعْدا هُوَ ابْن زيد مَنَاة بن تَمِيم بن مر، وَكَانَ سعد أقعد بالغوث بن مر من غَيره من الْعَرَب.



(صَفْوَانُ وَكَرِبٌ وَالْإِجَازَةُ فِي الْحَجِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ صَفْوَانُ هُوَ الَّذِي يُجِيزُ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمَّ بَنَوْهُ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى كَانَ آخِرَهُمْ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، كَرِبُ بْنُ صَفْوَانَ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ تَمِيمِ بْنِ مَغْرَاءَ السَّعْدِيُّ:
لَا يَبْرَحُ النَّاسُ مَا حَجُّوا مُعَرَّفَهُمْ ... حَتَّى يُقَالَ أَجِيزُوا آلَ صَفْوَانَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لِأَوْسِ بْنِ مَغْرَاءَ.

مَا كَانَت عَلَيْهِ عدوان من إفَاضَة الْمزْدَلِفَة

(شِعْرُ ذِي الْإِصْبَعِ فِي إفَاضَتِهِمْ بِالنَّاسِ):
وَأَمَّا قَوْلُ ذِي الْإِصْبَعِ الْعَدْوَانِيِّ، وَاسْمُهُ حُرْثَانُ (مِنْ عَدْوَانَ) [١] بْنِ عَمْرٍو، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْإِصْبَعِ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ إصْبَعٌ فَقَطَعَهَا:
عَذِيرَ [٢] الْحَيِّ مِنْ عَدْوَانَ ... كَانُوا حَيَّةَ الْأَرْضِ [٣]
بَغَى بَعْضُهُمْ ظُلْمًا ... فَلَمْ يُرْعِ [٤] عَلَى بَعْضِ
وَمِنْهُم كَانَت السّادات ... وَالْمُوفُونَ بِالْقَرْضِ [٥]
وَمِنْهُمْ من يُجِيز النّاس ... بِالسُّنَّةِ وَالْفَرْضِ
وَمِنْهُمْ حَكَمٌ يَقْضِي ... فَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي

-------------------
[١] زِيَادَة عَن الشّعْر وَالشعرَاء، وَهِي زِيَادَة يقتضيها السِّيَاق، إِذْ لم نجد مرجعا من المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا اتّفق مَعَ الْأُصُول فِي اسْم ذِي الإصبع، وَهُوَ كَمَا نصت عَلَيْهِ: حرثان بن الْحَارِث بن محرث بن ثَعْلَبَة ابْن سيار (شباة، شَبابَة) بن ربيعَة بن هُبَيْرَة بن ثَعْلَبَة بن ظرب بن عَمْرو (عياذ) بن يشْكر بن عدوان ابْن عَمْرو بن سعد بن قيس بن عيلان بن مُضر بن نزار. وَقيل: حرثان بن موت بن الْحَارِث بن شباة بن ذهب بن ثَعْلَبَة ... إِلَخ (رَاجع خزانَة الْأَدَب ج ٢، ص ٤٠٨، والمفضليات ص ٣١٢ طبع بيروت، والأغاني ج ٣ ص ٨٩ طبع دَار الْكتب، وَالشعر وَالشعرَاء، وَشرح الْقَامُوس) .
[٢] العذير: من يعْذر. يُرِيد: أَي هاتوا من يعْذر.
[٣] يُقَال: فلَان حَيَّة الأَرْض، وحية الْوَادي: إِذا كَانَ مهيبا يذعر مِنْهُ، وَقيل: حَيَّة الأَرْض:
أَي حَيَاتهَا، لأَنهم كَانُوا يقومُونَ بِالنَّاسِ لجودهم وكرمهم، فكأنهم كَانُوا حَيَاة للْأَرْض وَأَهْلهَا.
[٤] لم يرع: لم يبْق، يُقَال: مَا أرعى فلَان على فلَان: أَي مَا أبقى عَلَيْهِ.
[٥] الْقَرْض هُنَا: الْجَزَاء، أَي من فعل شَيْئا جازوه بِهِ.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 06-01-2026, 07:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (15)

صــ 121إلى صــ 130






(أَبُو سَيَّارَةَ وَإِفَاضَتُهُ بِالنَّاسِ):
- وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ- فَلِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ كَانَتْ فِي عَدْوَانَ- فِيمَا حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ- يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. حَتَّى كَانَ آخِرَهُمْ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ أَبُو سَيَّارَةَ، عُمَيْلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ [١] .
فَفِيهِ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ:
نَحْنُ دَفَعْنَا عَنْ أَبِي سَيَّارَهْ ... وَعَنْ مَوَالِيهِ بَنِي فَزَارَهْ [٢]
حَتَّى أَجَازَ سَالِمًا حِمَارَهْ ... مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو جَارَهُ
[٣] قَالَ: وَكَانَ أَبُو سَيَّارَةَ يَدْفَعُ بِالنَّاسِ عَلَى أَتَانٍ [٤] لَهُ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ: «سَالِمًا حِمَارَهُ» .

أَمْرُ عَامِرِ بْنِ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ

(قَضَاؤُهُ فِي خُنْثَى وَمَشْوَرَةُ جَارِيَتِهِ سُخَيْلَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَوْلُهُ «حَكَمٌ يَقْضِي»، يَعْنِي عَامِرَ بْنَ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ الْعَدْوَانِيَّ. وَكَانَتْ الْعَرَبُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا نَائِرَةٌ [٥] وَلَا عُضْلَةٌ [٦] فِي قَضَاءٍ إلَّا أَسْنَدُوا ذَلِكَ إلَيْهِ ثُمَّ رَضُوا بِمَا قَضَى فِيهِ. فَاخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي بَعْضِ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فِي رَجُلٍ خُنْثَى، لَهُ مَا لِلرَّجُلِ وَلَهُ مَا لِلْمَرْأَةِ، فَقَالُوا:
أَتَجْعَلُهُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؟ وَلَمْ يَأْتُوهُ بِأَمْرِ كَانَ أَعْضَلَ مِنْهُ. فَقَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمركُم، فو الله مَا نَزَلَ بِي مِثْلُ هَذِهِ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ! فَاسْتَأْخَرُوا عَنْهُ. فَبَاتَ لَيْلَتَهُ سَاهِرًا، يُقَلِّبُ أَمْرَهُ، وَيَنْظُرُ فِي شَأْنِهِ، لَا يَتَوَجَّهُ لَهُ مِنْهُ وَجْهٌ. وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا سُخَيْلَةُ تَرْعَى عَلَيْهِ غَنَمَهُ، وَكَانَ يُعَاتِبُهَا إذَا سَرَحَتْ فَيَقُولُ: صَبَّحْتِ وَاَللَّهِ

---------------------
[١] وَقيل اسْمه العَاصِي، وَاسم الأعزل خَالِد.
[٢] يعْنى بمواليه: بنى عَمه، لِأَنَّهُ من عدوان، وعدوان وفزارة من قيس عيلان.
[٣] يَدْعُو جَاره: أَي يَدْعُو الله عز وجل يَقُول: اللَّهمّ كن لي جارا مِمَّن أخافه، أَي مجيرا.
[٤] وَكَانَت تِلْكَ الأتان سَوْدَاء. وَلذَلِك يَقُول:
لاهم مَا لي فِي الْحمار الْأسود ... أَصبَحت بَين الْعَالمين أحسد
[٥] النائرة: الكائنة الشنيعة تكون بَين الْقَوْم.
[٦] العضلة: الْأَمر الشَّديد الّذي لَا يعلم لَهُ وَجه.


يَا سُخَيْلُ! وَإِذَا أَرَاحَتْ عَلَيْهِ قَالَ: مَسَّيْتِ وَاَللَّهِ يَا سُخَيْلُ! وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَخِّرُ السَّرْحَ حَتَّى يَسْبِقَهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَتُؤَخِّرُ الْإِرَاحَةَ حَتَّى يَسْبِقَهَا بَعْضٌ. فَلَمَّا رَأَتْ سَهَرَهُ وَقِلَّةَ قَرَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ قَالَتْ: مَا لَكَ لَا أَبَا لَكَ! مَا عَرَاكَ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ؟
قَالَ: وَيْلَكَ! دَعِينِي، أَمْرٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِكَ، ثُمَّ عَادَتْ لَهُ بِمِثْلِ قَوْلِهَا. فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: عَسَى أَنْ تَأْتِيَ مِمَّا أَنَا فِيهِ بِفَرَجٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! اُخْتُصِمَ إلَيَّ فِي مِيرَاثِ خُنْثَى، أَأَجْعَلُهُ رَجُلًا أَو امْرَأَة؟ فو الله مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، وَمَا يَتَوَجَّهُ لِي فِيهِ وَجْهٌ.
قَالَ: فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَا أَبَا لَكَ! أَتْبِعْ الْقَضَاءَ الْمَبَالَ [١]، أَقْعِدْهُ، فَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَهِيَ امْرَأَةٌ.
قَالَ: مَسِّي سُخَيْلُ بَعْدَهَا أَوْ صَبِّحِي، فَرَّجْتِهَا وَاَللَّهِ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ حِينَ أَصْبَحَ، فَقَضَى بِاَلَّذِي أَشَارَتْ عَلَيْهِ بِهِ.

غَلَبُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ عَلَى أَمْرِ مَكَّةَ وَجَمْعُهُ أَمْرَ قُرَيْشٍ وَمَعُونَةُ قُضَاعَةَ لَهُ

(هَزِيمَةُ صُوفَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ فَعَلَتْ صُوفَةُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، وَقَدْ عَرَفَتْ ذَلِكَ لَهَا الْعَرَبُ، وَهُوَ دِينٌ فِي أَنْفُسِهِمْ فِي عَهْدِ جُرْهُمٍ وَخُزَاعَةَ وَوِلَايَتِهِمْ.
فَأَتَاهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ: لَنَحْنُ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكُمْ، فَقَاتِلُوهُ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَتْ صُوفَةُ، وَغَلَبَهُمْ قُصَيٌّ عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ.

(مُحَارَبَةُ قُصَيٍّ لِخُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ وَتَحْكِيمُ يَعْمُرَ بْنِ عَوْفٍ):
وَانْحَازَتْ عِنْدَ ذَلِكَ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ عَنْ قُصَيٍّ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ سَيَمْنَعُهُمْ كَمَا مَنَعَ صُوفَةَ، وَأَنَّهُ سَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ. فَلَمَّا انْحَازُوا عَنْهُ بَادَاهُمْ [٢]

--------------------------
[١] أَي اجْعَلْهُ تَابعا لَهُ، وَهَذَا من الِاسْتِدْلَال بالأمارات، وَله نَظَائِر كَثِيرَة فِي الشَّرِيعَة. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ١٢: ١٨. لِأَن الْقَمِيص المدمى لم يكن فِيهِ خرق، وَلَا أثر لأنياب الذِّئْب.
[٢] باداهم: كاشفهم.



وَأَجْمَعَ لِحَرْبِهِمْ (وَثَبَتَ مَعَهُ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُضَاعَةَ) [١] .
وَخَرَجَتْ لَهُ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ فَالْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا (بِالْأَبْطَحِ) [٢]، حَتَّى كَثُرَتْ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ إنَّهُمْ تَدَاعَوْا إلَى الصُّلْحِ وَإِلَى أَنْ يُحَكِّمُوا بَيْنَهُمْ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ، فَحَكَّمُوا يَعْمُرَ بْنَ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ [٣] بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِأَنَّ قُصَيًّا أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَصَابَهُ قُصَيٌّ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ، مَوْضُوعٌ يَشْدَخُهُ [٤] تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَنَّ مَا أَصَابَتْ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ فَفِيهِ الدِّيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَأَنْ يُخَلَّى بَيْنَ قُصَيٍّ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَمَكَّةَ.

(سَبَبُ تَسْمِيَةِ يَعْمُرَ بِالشَّدَّاخِ):
فَسُمِّيَ يَعْمُرُ [٥] بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ: الشَّدَّاخَ، لِمَا شَدَخَ مِنْ الدِّمَاءِ وَوَضَعَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الشُّدَاخُ.

(قُصَيٌّ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِ مُجَمِّعًا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ قُصَيٌّ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، وَجَمَعَ قَوْمَهُ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إلَى مَكَّةَ، وَتَمَلَّكَ عَلَى قَوْمِهِ وَأَهْلِ مَكَّةَ فَمَلَّكُوهُ. إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لِلْعَرَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ دِينًا فِي نَفْسِهِ لَا يَنْبَغِي تَغْيِيرُهُ. فَأَقَرَّ آلَ صَفْوَانَ وَعَدْوَانَ وَالنِّسْأَةَ وَمُرَّةَ بْنَ عَوْفٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ فَهَدَمَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ كُلَّهُ.
فَكَانَ قُصَيٌّ أَوَّلَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَصَابَ مُلْكًا أَطَاعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ، فَكَانَتْ

-------------------------------
[١] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] فِي الطَّبَرِيّ: «... بن كَعْب بن لَيْث» .
[٤] يشدخه: يكسرهُ، وَيُرِيد أَنه أبطل تِلْكَ الدِّمَاء، وَلم يَجْعَل لَهَا حظا، وَلذَلِك قيل: تَحت قَدَمَيْهِ.
[٥] يعمر الشداخ: هُوَ جد بنى دأب الَّذين أَخذ عَنْهُم كثير من علم الْأَخْبَار والأنساب. وهم عِيسَى ابْن يزِيد بن دأب، وَأَبوهُ يزِيد، وَحُذَيْفَة بن دأب، ودأب: هُوَ ابْن كرز بن أَحْمَر، من بنى يعمر ابْن عَوْف.



إلَيْهِ الْحِجَابَةُ [١]، وَالسِّقَايَةُ [٢]، وَالرِّفَادَةُ [٣]، وَالنَّدْوَةُ [٤]، وَاللِّوَاءُ [٥]، فَحَازَ شَرَفَ مَكَّةَ كُلَّهُ. وَقَطَعَ مَكَّةَ رِبَاعًا بَيْنَ قَوْمِهِ، فَأَنْزَلَ كُلَّ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَنَازِلَهُمْ مِنْ مَكَّةَ الَّتِي أَصْبَحُوا عَلَيْهَا، وَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ قُرَيْشًا هَابُوا قَطْعَ شَجَرِ الْحَرَمِ فِي مَنَازِلِهِمْ فَقَطَعَهَا قُصَيٌّ بِيَدِهِ وَأَعْوَانِهِ [٦]، فَسَمَّتْهُ قُرَيْشٌ مُجَمِّعًا لِمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِهَا، وَتَيَمَّنَتْ بِأَمْرِهِ، فَمَا تُنْكَحُ امْرَأَةٌ، وَلَا يَتَزَوَّجُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرٍ نَزَلَ بِهِمْ، وَلَا يَعْقِدُونَ لِوَاءً لِحَرْبِ قَوْمٍ مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا فِي دَارِهِ، يَعْقِدُهُ لَهُمْ بَعْضُ وَلَدِهِ، وَمَا تَدَّرِعُ [٧] جَارِيَةٌ إذَا بَلَغَتْ أَنْ تَدَّرِعَ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا فِي دَارِهِ، يَشُقُّ عَلَيْهَا فِيهَا دِرْعَهَا ثُمَّ تَدَّرِعُهُ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ بِهَا إلَى أَهْلِهَا. فَكَانَ أَمْرُهُ فِي قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي حَيَاتِهِ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، كَالدِّينِ الْمُتَّبِعِ لَا يُعْمَلُ بِغَيْرِهِ. وَاِتَّخَذَ لِنَفْسِهِ دَارَ النَّدْوَةِ وَجَعَلَ بَابَهَا إلَى مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، فَفِيهَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقْضِي أُمُورَهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:

---------------------------
[١] الحجابة: أَن تكون مَفَاتِيح الْبَيْت عِنْده فَلَا يدْخلهُ أحد إِلَّا بِإِذْنِهِ.
[٢] السِّقَايَة: يعْنى سِقَايَة زَمْزَم، وَكَانُوا يصنعون بهَا شرابًا فِي الْمَوْسِم للْحَاج الّذي يوافي مَكَّة ويمزجونه تَارَة بِعَسَل، وَتارَة بِلَبن، وَتارَة بنبيذ، يتطوعون بذلك من عِنْد أنفسهم.
[٣] الرفادة: طَعَام كَانَت قُرَيْش تجمعه كل عَام لأهل الْمَوْسِم، وَيَقُولُونَ: هم أضياف الله تَعَالَى.
وسيعرض لَهَا الْمُؤلف بالْكلَام بعد قَلِيل.
[٤] الندوة: الِاجْتِمَاع للمشورة والرأى، وَكَانَت الدَّار الَّتِي اتخذها قصي لذَلِك يُقَال لَهَا دَار الندوة، وَهَذِه الدَّار صَارَت بعد بنى عبد الدَّار إِلَى حَكِيم بن حزَام بن خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي، فَبَاعَهَا فِي الْإِسْلَام بِمِائَة ألف دِرْهَم. وَذَلِكَ فِي زمن مُعَاوِيَة، فلامه مُعَاوِيَة فِي ذَلِك. وَقَالَ: أبعت مكرمَة آبَائِك وشرفهم؟ فَقَالَ حَكِيم: ذهبت المكارم إِلَّا التَّقْوَى، وَالله لقد اشْتَرَيْتهَا فِي الْجَاهِلِيَّة بزق خمر، وَقد بعتها بِمِائَة ألف دِرْهَم، وأشهدكم أَن ثمنهَا فِي سَبِيل الله، فأينا المغبون؟
[٥] اللِّوَاء: يعْنى فِي الْحَرْب، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يحملهُ عِنْدهم إِلَّا قوم مخصوصون.
[٦] الْمَعْرُوف وَالأَصَح أَن قُريْشًا حِين أَرَادوا الْبُنيان قَالُوا لقصي: كَيفَ نصْنَع فِي شجر الْحرم؟
فَحَذَّرَهُمْ قطعهَا وخوفهم الْعقُوبَة فِي ذَلِك، فَكَانَ أحدهم يحوف بالبنيان حول الشَّجَرَة حَتَّى تكون فِي منزله، وَإِن أول من ترخص فِي قطع شجر الْحرم للبنيان عبد الله بن الزبير حِين ابتنى دورا بقيقعان، وَلكنه جعل دِيَة كل شَجَرَة بقرة، وَكَذَلِكَ يرْوى عَن عمر رضي الله عنه أَنه قطع دوحة كَانَت فِي دَار أَسد بن عبد الْعُزَّى وَكَانَت تنَال أطرافها ثِيَاب الطائفين بِالْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ قبل أَن يُوسع الْمَسْجِد، فقطعها عمر رضي الله عنه، ووداها بقرة.
[٧] ادرعت الْجَارِيَة: لبست الدرْع.



قُصَيٌّ لَعَمْرِي كَانَ يُدَعَّى مُجَمِّعًا ... بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ
[١] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ [٢] ابْن خَبَّابٍ صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ، حَدِيثَ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَإِخْرَاجِهِ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، وَوِلَايَتِهِ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ.

(شِعْرُ رِزَاحٍ فِي نُصْرَتِهِ قُصَيًّا وَرَدُّ قُصَيٍّ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ قُصَيٌّ مِنْ حَرْبِهِ، انْصَرَفَ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ إلَى بِلَادِهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ رِزَاحٌ فِي إجَابَتِهِ قُصَيًّا:
لَمَّا أَتَى مِنْ قُصَيٍّ رَسُولُ ... فَقَالَ الرَّسُولُ أَجِيبُوا الْخَلِيلَا
نَهَضْنَا إلَيْهِ نَقُودُ الْجِيَادَ ... وَنَطْرَحُ عَنَّا الْمَلُولَ الثَّقِيلَا
نَسِيرُ بِهَا اللَّيْلَ حَتَّى الصَّبَاحِ ... وَنَكْمِي [٣] النَّهَارَ لِئَلَّا نَزُولَا
فَهُنَّ سِرَاعٌ كَوِرْدِ [٤] الْقَطَا ... يُجِبْنَ بِنَا مِنْ قُصَيٍّ رَسُولَا
جَمَعْنَا مِنْ السِّرِّ مِنْ أَشْمَذَيْنِ [٥] ... وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ جَمَعْنَا قَبِيلَا
فَيَا لَكَ حُلْبَةَ مَا لَيْلَةٌ ... تَزِيدُ على الْألف سَببا رَسِيلَا [٦]
فَلَمَّا مَرَرْنَ عَلَى عَسْجَدٍ [٧] ... وَأَسْهَلْنَ مِنْ مُسْتَنَاخٍ سَبِيلَا [٨]

------------------------
[١] وَيذكر أَن هَذَا الشّعْر لحذافة بن جمح.
[٢] هُوَ السَّائِب بن خباب الْمدنِي أَبُو مُسلم صَاحب الْمَقْصُورَة، وَيُقَال هُوَ مولى فَاطِمَة بنت عتبَة، وَلم نجد فِيمَن رووا عَنهُ عبد الْملك بن رَاشد، كَمَا لم نجده فِي شُيُوخ ابْن إِسْحَاق الَّذين روى عَنْهُم. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب وتراجم رجال) .
[٣] نكمى: نكمن ونستتر.
[٤] الْورْد: الْوَارِدَة.
[٥] أشمذان (بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر النُّون، على لفظ التَّثْنِيَة): قبيلتان، وَيُقَال جبلان بَين الْمَدِينَة وخيبر تنزلهما جُهَيْنَة وَأَشْجَع.
[٦] الحلبة: جمَاعَة الْخَيل. والسيب: الْمَشْي السَّرِيع فِي رفق كَمَا تنساب الْحَيَّة. والرسيل: الّذي فِيهِ تمهل.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عسجر» وَكِلَاهُمَا اسْم على مَوضِع بِعَيْنِه. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٨] أسهل: حل الْموضع السهل.



وَجَاوَزْنَ بِالرُّكْنِ مِنْ وَرِقَانٍ [١] ... وَجَاوَزْنَ بِالْعَرْجِ [٢] حَيَّا حُلُولَا
مَرَرْنَ عَلَى الْحِلِّ [٣] مَا ذُقْنَهُ ... وَعَالَجْنَ مِنْ مَرٍّ لَيْلًا طَوِيلَا
نُدْنِي مِنْ الْعُوذِ أَفْلَاءَهَا [٤] ... إرَادَةَ أَنْ يَسْتَرِقْنَ الصَّهِيلَا
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَى مَكَّةَ ... أَبَحْنَا الرِّجَالَ قَبِيلًا قَبِيلًا
نُعَاوِرُهُمْ ثُمَّ حَدَّ السُّيُوفِ ... وَفِي كُلِّ أَوْبٍ خَلَسْنَا الْعَقُولَا [٥]
نخبّزهم بصلاب النّسور ... خَبْزَ الْقَوِيِّ الْعَزِيزَ الذَّلِيلَا [٦]
قَتَلْنَا خُزَاعَةَ فِي دَارِهَا ... وَبَكْرًا قَتَلْنَا وَجِيلًا فَجِيلَا

-----------------------
[١] ورقان (بِالْفَتْح ثمَّ الْكسر، ويروى بِسُكُون الرَّاء): جبل أسود بَين العرج والرويثة، على يَمِين المصعد من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت) .
[٢] العرج (بِفَتْح أَوله وَسُكُون ثَانِيه): وَاد من نواحي الطَّائِف، وَإِلَيْهِ ينْسب العرجى الشَّاعِر.
(رَاجع مُعْجم مَا استعجم، ومعجم الْبلدَانِ) .
[٣] كَذَا فِي إِحْدَى رِوَايَات الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة. والحل (بِالْكَسْرِ): جمع حلَّة، وَهِي شَجَرَة شاكة، أَصْغَر من القتاد، يسميها أهل الْبَادِيَة الشرق. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هِيَ شَجَرَة إِذا أكلتها الْإِبِل سهل خُرُوج أَلْبَانهَا، وَقيل هِيَ شَجَرَة تنْبت بالحجاز تظهر من الأَرْض غبراء ذَات شوك تأكلها الدَّوَابّ. وَهُوَ سريع النَّبَات ينْبت بالجدد والآكام والحصباء، وَلَا ينْبت فِي سهل وَلَا جبل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْحلَّة: شَجَرَة شاكة، تنْبت فِي غلظ الأَرْض، أَصْغَر من العوسجة، وَرقهَا صغَار وَلَا ثَمَر لَهَا، وَهِي مرعى صدق.
وَفِي رِوَايَة ثَانِيَة: «الْحِيَل» . وَهُوَ المَاء المستنقع فِي بطن وَاد.
وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة، وَهِي الرِّوَايَة الَّتِي أَجمعت عَلَيْهَا الْأُصُول: «الْحلِيّ» . وَقد ذهب السهيليّ فِي تَفْسِيره إِلَى أَنه نبت، وَهُوَ ثَمَر القلقلان. وغلطه فِي ذَلِك أَبُو ذَر فِي شرح السِّيرَة، وَقَالَ: «... وَهَذَا غلط، لِأَن اسْم النَّبَات الْحلِيّ، بتَشْديد الْيَاء وبكسر اللَّام» . وَهَذَا مَا عَلَيْهِ معاجم اللُّغَة، وَذهب أَبُو ذَر إِلَى أَن «الْحلِيّ» اسْم مَوضِع، وَلم يتَعَرَّض للْكَلَام عَنهُ بِشَيْء. والّذي فِي المعاجم الجغرافية: أَن حلى: مَوضِع بِالْيمن على سَاحل الْبَحْر بَينه وَبَين السرين يَوْم وَاحِد، وَبَينه وَبَين مَكَّة ثَمَانِيَة أَيَّام، وَقيل هِيَ لُغَة فِي حلية، وَهِي من أَرض الْيمن، وَقيل بنواحي الطَّائِف. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة، ولسان الْعَرَب، ومعجم الْبلدَانِ) .
[٤] العوذ: جمع عَائِذ، وَهِي النَّاقة أَو الْفرس الَّتِي لَهَا أَوْلَاد. والأفلاء: جمع فَلَو، وَهُوَ الْمهْر الْعَظِيم أَو الْبَالِغ سنة.
[٥] نعاورهم: نداولهم مرّة بعد مرّة. والأوب: الرُّجُوع.
[٦] نخبزهم: نسوقهم سوقا شَدِيدا. وصلاب النسور: الْخَيل. والنسور: جمع نسر، وَهُوَ اللَّحْم الْيَابِس الّذي فِي بَاطِن الْحَافِر.



نَفَيْنَاهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمَلِيكِ ... كَمَا لَا يَحِلُّونَ أَرْضًا سُهُولَا
فَأَصْبَحَ سَبْيُهُمْ فِي الْحَدِيدِ ... وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ شَفَيْنَا الْغَلِيلَا
وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ [١] هُذَيْمٍ الْقُضَاعِيُّ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ قُصَيٍّ حِينَ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ:
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مُضْمَرَةً تَغَالِي [٢] ... مِنْ الْأَعْرَافِ [٣] أَعْرَافَ الْجِنَابِ [٤]
إلَى غَوْرَى تِهَامَةَ فَالْتَقَيْنَا ... مِنْ الْفَيْفَاءِ فِي قَاعٍ يَبَابِ [٥]
فَأَمَّا صُوفَةُ الْخُنْثَى فَخَلَّوْا ... مَنَازِلَهُمْ مُحَاذَرَةَ الضِّرَابِ
وَقَامَ بَنُو عَلِيٍّ إذْ رَأَوْنَا ... إلَى الْأَسْيَافِ كَالْإِبِلِ الطِّرَابِ
[٦] وَقَالَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ:
أَنَا ابْنُ الْعَاصِمِينَ [٧] بَنِي لُؤَيٍّ ... بِمَكَّةَ مَنْزِلِي وَبِهَا رَبِيتُ
إلَى الْبَطْحَاءِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ ... وَمَرْوَتُهَا رَضِيتُ بِهَا رَضِيتُ
فَلَسْتُ لِغَالِبِ إنْ لَمْ تَأَثَّلْ [٨] ... بِهَا أَوْلَادُ قَيْذَرَ وَالنَّبِيتُ [٩]
رِزَاحٌ نَاضِرِي وَبِهِ أُسَامِي ... فَلَسْتُ أَخَافُ ضَيْمًا مَا حَيِيتُ

--------------------------
[١] كَذَا فِي أوالاشتقاق والمعارف. وَكَانَ هذيم عبدا حَبَشِيًّا فنسب إِلَيْهِ سعد، وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«سعد بن هذيم» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] تغالى: ترْتَفع فِي سَيرهَا، من المغالاة، وَهِي الِارْتفَاع والتزيد فِي السّير.
[٣] الْأَعْرَاف: جمع عرف، وَهُوَ الرمل الْمُرْتَفع المستطيل.
[٤] الجناب (بِالْكَسْرِ): مَوضِع بعراض خَيْبَر وَسلَاح ووادي الْقرى، وَقيل: هُوَ من منَازِل بنى مَازِن، وَقيل: من ديار بنى فَزَارَة بَين الْمَدِينَة وفهر. وَقَالَ السهيليّ: هُوَ مَوضِع من بِلَاد قضاعة.
وَهُنَاكَ جناب آخر، إِلَّا أَنه بِفَتْح الْجِيم، وَهُوَ مَوضِع فِي أَرض كلب فِي السماوة بَين الْعرَاق وَالشَّام.
وَالظَّاهِر أَن الأول هُوَ المُرَاد هُنَا.
[٥] الْغَوْر: المنخفض. والفيفاء: الصَّحرَاء. والقاع: المنخفض من الأَرْض. واليباب: القفر.
[٦] كَذَا فِي الأَصْل. والطراب: الْإِبِل الَّتِي حنت إِلَى مواطنها واشتاقت. ويروى: «الظراب» .
(بالظاء الْمُعْجَمَة): جمع ظرب، وَهُوَ الجبيل الصَّغِير، شبه الْإِبِل بِهِ.
[٧] يُرِيد أَنهم يعصمون النَّاس ويمنعونهم، لكَوْنهم أهل الْبَيْت وَالْحرم.
[٨] يُقَال: تأثل فلَان بِالْمَكَانِ: إِذا أَقَامَ بِهِ وَاسْتقر وَلم يبرح.
[٩] أَوْلَاد قيذر والنبيت: يعْنى أَوْلَاد إِسْمَاعِيل عليه السلام.



(مَا كَانَ بَيْنَ رِزَاحٍ وَبَيْنَ نَهْدٍ وَحَوْتَكَةَ، وَشِعْرُ قُصَيٍّ فِي ذَلِكَ
): فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي بِلَادِهِ، نشره الله ونشرحنا، فَهُمَا قَبِيلَا عُذْرَةَ [١] الْيَوْمِ. وَقَدْ كَانَ بَيْنَ رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، حِينَ قَدِمَ بِلَادَهُ، وَبَيْنَ نَهْدِ بْنِ زَيْدِ وَحَوْتَكَةَ بْنِ أَسْلُمَ [٢]، وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ قُضَاعَةَ، شَيْءٌ، فَأَخَافَهُمْ حَتَّى لَحِقُوا بِالْيَمَنِ وَأَجْلَوْا مِنْ بِلَادِ قُضَاعَةَ، فَهُمْ الْيَوْمَ بِالْيَمَنِ. فَقَالَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ، وَكَانَ يُحِبُّ قُضَاعَةَ وَنَمَاءَهَا وَاجْتِمَاعَهَا بِبِلَادِهَا، لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِزَاحٍ مِنْ الرَّحِمِ، وَلِبَلَائِهِمْ [٣] عِنْدَهُ إذْ أَجَابُوهُ إذْ دَعَاهُمْ إلَى نُصْرَتِهِ، وَكَرِهَ مَا صَنَعَ بِهِمْ رِزَاحٌ:
أَلَا مِنْ مُبْلِغٍ عَنِّي رِزَاحَا ... فَإِنِّي قَدْ لَحَيْتُكَ [٤] فِي اثْنَتَيْنِ
لَحَيْتُكَ فِي بَنِي نَهْدِ بْنِ زَيْدِ ... كَمَا فَرَّقْتَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنِي
وَحَوْتَكَةُ بْنُ أَسْلُمَ إنَّ قَوْمًا ... عَنَوْهُمْ بِالْمَسَاءَةِ قَدْ عَنَوْنِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِزُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ.

(مَا آثَرَ بِهِ قُصَيٌّ عَبْدَ الدَّارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَبِرَ قُصَيٌّ وَرَقَّ عَظْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ الدَّارِ بِكْرَهُ، وَكَانَ عَبْدُ مَنَافٍ قَدْ شَرُفَ فِي زَمَانِ أَبِيهِ وَذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَعَبْدُ الْعُزَّى وَعَبْدٌ. قَالَ قُصَيٌّ لِعَبْدِ الدَّارِ: (أَمَا وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّ) [٥] لِأُلْحِقَنَّكَ بِالْقَوْمِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ شَرُفُوا عَلَيْكَ: لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ مِنْهُمْ الْكَعْبَةَ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تَفْتَحُهَا لَهُ، وَلَا يَعْقِدُ لِقُرَيْشٍ لِوَاءً لِحَرْبِهَا إلَّا أَنْتَ بِيَدِكَ، وَلَا يَشْرَبُ أَحَدٌ بِمَكَّةَ إلَّا مِنْ سِقَايَتِكَ، وَلَا يَأْكُلُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْسِمِ طَعَامًا إلَّا مِنْ طَعَامِكَ، وَلَا تَقْطَعُ قُرَيْشٌ

-------------------------
[١] فِي قضاعة عذرتان، عذرة بن رفيدة، وهم من بنى كلب بن وبرة، وعذرة بن سعد بن سود بن أسلم (بِضَم اللَّام) بن الحاف بن قضاعة. وَأسلم هَذَا من ولد حن بن ربيعَة أخى رزاح بن ربيعَة (عَن الرَّوْض الْأنف) .
[٢] هُوَ بِضَم اللَّام، وَلَيْسَ فِي الْعَرَب أسلم بِضَم اللَّام إِلَّا ثَلَاثَة اثْنَان فِي قضاعة، وهما أسلم بن الحاف هَذَا، وَأسلم بن تدول بن تيم اللات بن رفيدة بن ثَوْر بن كلب، وَالثَّالِث فِي عك، وَهُوَ أسلم بن القياتة بن الشَّاهِد بن عك. (رَاجع مؤتلف الْقَبَائِل ومختلفها لِابْنِ حبيب) .
[٣] بلاؤهم: نعمتهم.
[٤] لحاه: لامه.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
٩- سيرة ابْن هِشَام- ٢



أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا إلَّا فِي دَارِكَ. فَأَعْطَاهُ دَارَهُ دَارَ النَّدْوَةِ، الَّتِي لَا تَقْضِي قُرَيْشٌ أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا إلَّا فِيهَا، وَأَعْطَاهُ الْحِجَابَةَ واللواء والسقاية والرّفاة.

(الرفادة):
وَكَانَتْ الرِّفَادَةُ خَرْجًا تُخْرِجُهُ قُرَيْشٌ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ مِنْ أَمْوَالِهَا إلَى قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، فَيَصْنَعُ بِهِ طَعَامًا لِلْحَاجِّ، فَيَأْكُلُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَعَةٌ وَلَا زَادٌ. وَذَلِكَ أَنَّ قُصَيًّا فَرَضَهُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ بِهِ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَأَهْلُ الْحَرَمِ، وَإِنَّ الْحَاجَّ ضَيْفُ اللَّهِ وَزُوَّارُ بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ، فَاجْعَلُوا لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا أَيَّامَ الْحَجِّ، حَتَّى يَصْدُرُوا عَنْكُمْ فَفَعَلُوا. فَكَانُوا يُخْرِجُونَ لِذَلِكَ كُلَّ عَامٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ خَرْجًا فَيَدْفَعُونَهُ إلَيْهِ، فَيَصْنَعُهُ طَعَامًا لِلنَّاسِ أَيَّامَ مِنًى. فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى قَوْمِهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ، ثُمَّ جَرَى فِي الْإِسْلَامِ إلَى يَوْمِكَ هَذَا. فَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يَصْنَعُهُ السُّلْطَانُ كُلَّ عَامٍ بِمَنَى لِلنَّاسِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَجُّ» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بِهَذَا مِنْ أَمْرِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا قَالَ لِعَبْدِ الدَّارِ فِيمَا دُفِعَ إلَيْهِ مِمَّا كَانَ بِيَدِهِ، أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهم قَالَ:
سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِرَجُلِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، يُقَالُ لَهُ: نُبَيْهُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَجَعَلَ إلَيْهِ قُصَيٌّ كُلَّ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَكَانَ قُصَيٌّ لَا يُخَالَفُ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ صَنَعَهُ.

ذِكْرُ مَا جَرَى مِنْ اخْتِلَافِ قُرَيْشٍ بَعْدَ قُصَيٍّ وَحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ

(الْخِلَافُ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ الدِّارِ وَبَنِي أَعْمَامِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ هَلَكَ، فَأَقَامَ أَمْرَهُ فِي قَوْمِهِ وَفِي غَيْرِهِمْ بَنُوهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَاخْتَطُّوا مَكَّةَ رِبَاعًا [١]- بَعْدَ الَّذِي كَانَ قَطَعَ

----------------------------
[١] الرباع: الْمنَازل وَمَا حولهَا، وَاحِدهَا: ربع (بِالْفَتْح) .


لِقَوْمِهِ [١] بِهَا- فَكَانُوا يَقْطَعُونَهَا [٢] فِي قَوْمِهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ وَيَبِيعُونَهَا، فَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْشٌ مَعَهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَازُعٌ، ثُمَّ إنَّ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ ابْن قُصَيِّ [٢] عَبْدَ شَمْسٍ وَهَاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ وَنَوْفَلًا [٣] أَجَمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مَا بِأَيْدِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ مِمَّا كَانَ قُصَيٌّ جَعَلَ إلَى عَبْدِ الدَّارِ، مِنْ الْحِجَابَةِ وَاللِّوَاءِ وَالسِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، فَتَفَرَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ، فَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى رَأْيِهِمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِمَكَانِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، يَرَوْنَ أَنْ لَا يُنْزَعَ مِنْهُمْ مَا كَانَ قُصَيٌّ جَعَلَ إلَيْهِمْ.

(مَنْ نَاصَرُوا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَمَنْ نَاصَرُوا بَنِي أَعْمَامِهِمْ.):
فَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَسَنَّ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَامِرُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن عَبْدِ الدَّارِ. فَكَانَ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَبَنُو زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَبَنُو تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ، مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ.
وَكَانَ بَنُو مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ، وَبَنُو سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَخَرَجَتْ عَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ وَمُحَارِبُ بْنُ فِهْرٍ، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ.
فَعَقَدَ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى أَمْرِهِمْ حِلْفًا مُؤَكَّدًا عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا، وَلَا يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا بَلَّ بَحْرَ صُوفَةَ [٤] .

------------------------
[١] تقدم أَن قصيا أنزل كل قوم من قُرَيْش مَنَازِلهمْ من مَكَّة الَّتِي أَصْبحُوا عَلَيْهَا.
[٢] فِي أ: «يعطونها» .
[٣] وَقد كَانَ لعبد منَاف ولد خَامِس، وَهُوَ أَبُو عَمْرو، واسْمه عبيد، أدرج وَلَا عقب لَهُ. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] يُرِيد إِلَى الْأَبَد. وصوف الْبَحْر: شَيْء على شكل الصُّوف الحيواني، واحدته: صوفة. يُقَال:
لَا آتِيك مَا بل بَحر صوفة. أَو مَا بل الْبَحْر صوفة. يُرِيد لَا آتِيك أبدا (لِسَان الْعَرَب مَادَّة صوف) .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 06-01-2026, 07:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (16)

صــ 131إلى صــ 140






(مَنْ دَخَلُوا فِي حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ):
فَأَخْرَجَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ بَعْضَ نِسَاءِ [١] بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَخْرَجَتْهَا لَهُمْ، فَوَضَعُوهَا لِأَحْلَافِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ غَمَسَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ فِيهَا، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحَلْفَاؤُهُمْ، ثُمَّ مَسَحُوا الْكَعْبَةَ بِأَيْدِيهِمْ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَسُمُّوا الْمُطَيَّبِينَ.

(مَنْ دَخَلُوا فِي حِلْفِ الْأَحْلَافِ):
وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحُلَفَاؤُهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حِلْفًا مُؤَكَّدًا، عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسُمُّوا الْأَحْلَافَ [٢] .

(تَوْزِيعُ الْقَبَائِلِ فِي الْحَرْبِ):
ثُمَّ سُونِدَ [٣] بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَلُزَّ [٤] بَعْضُهَا بِبَعْضِ، فَعُبِّيَتْ [٥] بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ لِبَنِي سَهْمٍ، وَعُبِّيَتْ بَنُو أَسَدٍ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَعُبِّيَتْ زُهْرَةُ لِبَنِي جُمَحَ، وَعُبِّيَتْ بَنُو تَيْمٍ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَعُبِّيَتْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ لِبَنِي عَدِّي بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ قَالُوا: لِتُفْنَ كُلُّ قَبِيلَةٍ مَنْ أُسْنِدَ إلَيْهَا.

(مَا تَصَالَحَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ):
فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ قَدْ أَجَمَعُوا لِلْحَرْبِ إذْ تَدَاعَوْا إلَى الصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، وَأَنْ تَكُونَ الْحِجَابَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ كَمَا كَانَتْ. فَفَعَلُوا وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ، وَتَحَاجَزَ النَّاسُ عَنْ الْحَرْبِ، وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ مَنْ حَالَفُوا، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إلَّا شِدَّةً» [٦] .

-------------------------[١] يُقَال: إِن الَّتِي أخرجت لَهُم الْجَفْنَة هِيَ أم حَكِيم الْبَيْضَاء بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله ﷺ وتوأمة أَبِيه. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة) .
[٢] وَيُقَال إِن عمر كَانَ من الأحلاف، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر من المطيبين.
[٣] المساندة: الْمُقَابلَة والمعاونة.
[٤] لز: أَي شدّ بَعْضهَا بِبَعْض.
[٥] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ٢ ص ٥٢) .
[٦] يُرِيد المعاقدة على الْخَيْر ونصرة الْحق. وبذا يجْتَمع هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر لَهُ صلى الله عَلَيْهِ


حِلْفُ الْفُضُولِ

(سَبَب تَسْمِيَته كَذَلِك):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا حِلْفُ الْفُضُولِ [١] فَحَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ:
تَدَاعَتْ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى حِلْفٍ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ ابْن عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، لِشَرَفِهِ وَسِنِّهِ، فَكَانَ حِلْفُهُمْ عِنْدَهُ: بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَزُهْرَةُ ابْن كِلَابٍ، وَتَيْمُ بْنُ مُرَّةَ. فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يَجِدُوا بِمَكَّةَ مَظْلُومًا مِنْ

-----------------------
[()] وَسلم، وَهُوَ: «لَا حلف فِي الْإِسْلَام» . على أَن يكون المُرَاد من هَذَا الحَدِيث الثَّانِي: النهى عَمَّا كَانَت تَفْعَلهُ الْجَاهِلِيَّة من المحالفة على الْفِتَن، والقتال بَين الْقَبَائِل والغارات. وَقيل: إِن الحَدِيث الثَّانِي، وَهُوَ «لَا حلف فِي الْإِسْلَام» حاء لاحقا، قَالَه الرَّسُول ﷺ: زمن الْفَتْح، فَهُوَ نَاسخ للْحَدِيث الأول.
(لِسَان الْعَرَب: حلف) .
[١] يذكرُونَ: فِي سَبَب تَسْمِيَة هَذَا الْحلف بِهَذَا الِاسْم، أَن جرهما فِي الزَّمن الأول، قد سبقت قُريْشًا إِلَى مثل هَذَا الْحلف، فتحالف مِنْهُم ثَلَاثَة هم وَمن تَبِعَهُمْ، أحدهم: الْفضل بن فضَالة، وَالثَّانِي: الْفضل ابْن ودَاعَة، وَالثَّالِث: فُضَيْل بن الْحَارِث، وَقيل: بل هم: الفضيل بن شراعة، وَالْفضل بن ودَاعَة، وَالْفضل بن قضاعة، فَلَمَّا أشبه حلف قُرَيْش هَذَا حلف هَؤُلَاءِ الجرهميين سمى حلف الفضول.
وَقيل: بل سمى كَذَلِك لأَنهم تحالفوا أَن ترد الفضول على أَهلهَا، وَألا يَغْزُو ظَالِم مَظْلُوما.
وَكَانَ حلف الفضول هَذَا قبل الْبَعْث بِعشْرين سنة، وَكَانَ أكْرم حلف وأشرفه. وَأول من تكلم بِهِ ودعا إِلَيْهِ الزبير بن عبد الْمطلب، وَكَانَ سَببه أَن رجلا من زبيد قدم مَكَّة ببضاعة، فاشتراها مِنْهُ العَاصِي بن وَائِل، وَكَانَ ذَا قدر بِمَكَّة وَشرف، فحبس عَنهُ حَقه، فاستعدى عَلَيْهِ الزبيدِيّ الأحلاف: عبد الدَّار، ومخزوما، وجمح، وَسَهْما، وعدي بن كَعْب، فَأَبَوا أَن يعينوه على العَاصِي، وزبروه (انتهروه) .
فَلَمَّا رأى الزبيدِيّ الشَّرّ، أَو فِي على أَبى قبيس عِنْد طُلُوع الشَّمْس، وقريش فِي أَنْدِيَتهمْ حول الْكَعْبَة، فصاح بِأَعْلَى صَوته:
يَا آل فهر لمظلوم بضاعته ... بِبَطن مَكَّة نائى الدَّار والنفر
ومحرم أَشْعَث لم يقْض عمرته ... يَا للرِّجَال وَبَين الْحجر وَالْحجر
إِن الْحَرَام لمن تمت كرامته ... وَلَا حرَام لثوب الْفَاجِر الْغدر
فَقَامَ فِي ذَلِك الزبير بن عبد الْمطلب، وَقَالَ: مَا لهَذَا مترك. فاجتمعت هَاشم، وزهرة، وتيم بن مرّة فِي دَار ابْن جدعَان، فَصنعَ لَهُم طَعَاما وتعاقدوا، وَكَانَ حلف الفضول. وَكَانَ بعْدهَا أَن أنصفوا الزبيدِيّ من العَاصِي. (عَن الرَّوْض الْأنف) .



أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ إلَّا قَامُوا مَعَهُ، وَكَانُوا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ حَتَّى تُرَدَّ عَلَيْهِ مَظْلِمَتُهُ، فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ.

(حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ حِلْفِ الْفُضُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ [١] التَّيْمِيُّ [٢] أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ [٣] حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ [٤] وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ.

(نَازَعَ الْحُسَيْنُ الْوَلِيدَ فِي حَقٍّ، وَهَدَّدَ بِالدَّعْوَةِ إلَى حِلْفِ الْفُضُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [٥] بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللَّيْثِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ ابْن إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيَّ حَدَّثَهُ:
أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما، وَبَيْنَ الْوَلِيدِ ابْن عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ أَمَّرَهُ عَلَيْهَا عَمُّهُ مُعَاوِيَةُ

------------------------
[١] هُوَ مُحَمَّد بن زيد بن المُهَاجر بن قنفذ التَّيْمِيّ الجدعانى الْمدنِي. روى عَن عبد الله بن عمر، وَعُمَيْر مولى آبى اللَّحْم، وأبى سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَغَيرهم. وروى عَنهُ مَالك بن أنس، وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني، وَبشر بن الْمفضل، وَحَفْص بن غياث، وفضيل بن سُلَيْمَان النميري، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن ماجة. (تراجم رجال) .
[٢] زِيَادَة عَن أ، وتراجم رجال.
[٣] هُوَ عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم، ويكنى أَبَا زُهَيْر. وَهُوَ ابْن عَم عَائِشَة رضي الله عنها، وَلذَلِك قَالَت لرَسُول الله ﷺ: إِن ابْن جدعَان كَانَ يطعم الطَّعَام، ويقرى الضَّيْف، فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّه لم يقل يَوْمًا: رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدَّين. وَكَانَ ابْن جدعَان فِي بَدْء أمره صعلوكا ترب الْيَدَيْنِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِك فاتكا لَا يزَال يجنى الْجِنَايَات، فيعقل عَنهُ أَبوهُ وَقَومه، حَتَّى أبغضته عشيرته ونفاه أَبوهُ، وَحلف أَلا يؤويه أبدا لما أثقله بِهِ من الْغرم وَحمله من الدِّيات، ثمَّ كَانَ أَن أثرى ابْن جدعَان بعثوره على ثعبان من ذهب، وَعَيناهُ ياقوتتان، فأوسع فِي الْكَرم حَتَّى كَانَ يضْرب بِعظم جفنته الْمثل، ومدحه أُميَّة بن أَبى الصَّلْت لكرمه.
[٤] أَي لَا أحب نقضه، وَإِن دفع لي حمر النعم فِي مُقَابلَة ذَلِك.
[٥] هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَادِي اللَّيْثِيّ الْمدنِي أَبُو عبد الله. روى عَن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيرهمَا. وروى عَنهُ يحيى بن أَيُّوب، وَاللَّيْث وَآخَرُونَ. قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث توفى بِالْمَدِينَةِ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. (رَاجع تراجم رجال) .



ابْن أَبِي سُفْيَانَ- مُنَازَعَةً فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا بِذِي الْمَرْوَةِ [١] . فَكَانَ الْوَلِيدُ تَحَامَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ رضي الله عنه فِي حَقِّهِ لِسُلْطَانِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَحْلِفُ باللَّه لَتُنْصِفَنِّي مِنْ حَقِّي أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَأَدْعُوَنَّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَلِيدِ حِينَ قَالَ الْحُسَيْنُ رضي الله عنه مَا قَالَ: وَأَنَا أَحْلِفُ باللَّه لَئِنْ دَعَا بِهِ لَآخُذَنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ مَعَهُ حَتَّى يُنْصَفَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ نَمُوتَ جَمِيعًا. قَالَ: فَبَلَّغْتُ الْمِسْوَرَ ابْن مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَبَلَّغْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيَّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ حَقِّهِ حَتَّى رَضِيَ.

(سَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ وَدُخُولِهِمَا فِي حِلْفِ الْفُضُولِ، فَأَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِمَا مِنْهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللَّيْثِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ قَالَ:
قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ- وَكَانَ مُحَمَّدُ ابْن جُبَيْرٍ أَعْلَمَ قُرَيْشٍ- عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ قَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ، يَعْنِي بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنِيَّ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي حِلْفِ الْفُضُولِ؟ قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِتُخْبِرَنِّي يَا أَبَا سَعِيدٍ بِالْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ، لَقَدْ خَرَجْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ مِنْهُ! قَالَ: صَدَقْتَ.
تَمَّ خَبَرُ حَلِفِ الْفُضُولِ.

(وِلَايَةُ هَاشِمٍ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ وَمَا كَانَ يَصْنَعُ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ رَجُلًا سِفَارًا قَلَّمَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مُقِلًّا ذَا وَلَدٍ، وَكَانَ هَاشِمٌ مُوسِرًا فَكَانَ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- إذَا حَضَرَ الْحَاجُّ قَامَ فِي قُرَيْشٍ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ

-------------------------
[١] ذُو الْمَرْوَة: قَرْيَة بوادي الْقرى، وَقيل بَين خشب ووادي الْقرى. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .


قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ يَأْتِيكُمْ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ زُوَّارُ اللَّهِ وَحُجَّاجُ بَيْتِهِ، وَهُمْ ضَيْفُ اللَّهِ، وَأَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ ضَيْفُهُ، فَاجْمَعُوا لَهُمْ مَا تَصْنَعُونَ لَهُمْ بِهِ طَعَامًا أَيَّامَهُمْ هَذِهِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا، فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مَالِي يَسَعُ لِذَلِكَ مَا كَلَّفْتُكُمُوهُ» . فَيُخْرِجُونَ لِذَلِكَ خَرْجًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، كُلُّ امْرِئِ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، فيصنع بِهِ للحجّاج طَعَامًا حَتَّى يُصْدَرُوا مِنْهَا.

(شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ هَاشِمٍ):
وَكَانَ هَاشِمٌ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرِّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشِ: رِحْلَتَيْ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
وَأَوَّلَ مَنْ أَطْعَمَ الثَّرِيدَ بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهُ عَمْرًا، فَمَا سُمِّيَ هَاشِمًا إِلَّا بهشمه الْخَبَر بِمَكَّةَ [١] لِقَوْمِهِ. فَقَالَ شَاعِرٌ [٢] مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ:
عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ [٣]
سُنَّتْ إلَيْهِ الرِّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا ... سَفَرُ الشِّتَاءِ وَرِحْلَةُ الْأَصْيَافِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ:
قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ
[٤]

---------------------


[١] وَمِمَّا يذكر فِي هَذَا أَن هاشما- وَقد كَانَ يَسْتَعِين بِقُرَيْش على إطْعَام الْحَاج- أَصَابَته وأصابت قومه أزمة شَدِيدَة، فكره أَن يُكَلف قُريْشًا أَمر الرفادة، فَاحْتمل إِلَى الشَّام بِجَمِيعِ مَاله، فَاشْترى بِهِ أجمع كعكا، ثمَّ أَتَى الْمَوْسِم فهشم ذَلِك الكعك كُله هشما، ودقه وصنع مِنْهُ للْحَاج طَعَاما شبه الثَّرِيد. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] هُوَ عبد الله بن الزبعري، وَكَانَ سَبَب مدحه لبني عبد منَاف، مَعَ أَنه سهمي، أَنه كَانَ قد هجا قصيا بِشعر كتبه فِي أَسْتَار الْكَعْبَة، فَاسْتَعدوا عَلَيْهِ بنى سهم، فأسلموه إِلَيْهِم، فضربوه وحلقوا شعره وربطوه إِلَى صَخْرَة، فاستغاث قومه فَلم يغيثوه، فَجعل يمدح قصيا ويسترضيهم، فَأَطْلقهُ بَنو عبد منَاف مِنْهُم وأكرموه، فمدحهم بِهَذَا الشّعْر، وبأشعار كَثِيرَة. وَيُقَال: إِن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من أَبْيَات لمطرود بن كَعْب ستجيء فِيمَا بعد من هَذَا الْكتاب أَولهَا:
يَا أَيهَا الرجل المحول رَحْله ... هلا نزلت بآل عبد منَاف
[٣] المسنتون: الَّذين أَصَابَتْهُم السّنة، وَهِي الْجُوع والقحط. والعجاف: من العجف، وَهُوَ الهزال والضعف. وَذَلِكَ أَن قومه من قُرَيْش كَانَت أَصَابَتْهُم لزبة وقحط، فَرَحل إِلَى فلسطين، فَاشْترى مِنْهَا الدَّقِيق، فَقدم بِهِ مَكَّة، فَأمر بِهِ فخبز لَهُ، وَنحر جزورا، ثمَّ اتخذ لِقَوْمِهِ مرقة ثريد بذلك الْخبز. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٤] ويروى:
وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف



(ولَايَة الْمطلب الرفادة وَالسِّقَايَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ هَلَكَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بِغَزَّةَ [١] مِنْ أَرْضِ الشَّامِ تَاجِرًا، فَوَلِيَ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ مِنْ بَعْدِهِ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَفَضْلٍ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا تُسَمِّيهِ الْفَيْضَ لِسَمَاحَتِهِ وَفَضْلِهِ.

(زَوَاجُ هَاشِمٍ):
وَكَانَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَتَزَوَّجَ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو أَحَدِ بَنِي عَدِيِّ ابْن النَّجَّارِ [٢]، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ [٣] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: الْحَرِيسُ- ابْنُ جَحْجَبِي بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ ابْن الْأَوْسِ. فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرَو بْنَ أُحَيْحَةَ، وَكَانَتْ لَا تَنْكِحُ الرِّجَالَ لِشَرَفِهَا فِي قَوْمِهَا حَتَّى يَشْتَرِطُوا لَهَا أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا، إذَا كَرِهَتْ رَجُلًا فَارَقَتْهُ.

(مِيلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِ كَذَلِكَ):
فَوَلَدَتْ لِهَاشِمِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَسَمَّتْهُ شَيْبَةَ [٤] . فَتَرَكَهُ هَاشِمٌ عِنْدَهَا حَتَّى كَانَ وَصِيفًا [٥] أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِ عَمُّهُ الْمُطَّلِبُ لِيَقْبِضَهُ فَيُلْحِقَهُ بِبَلَدِهِ وَقَوْمِهِ، فَقَالَتْ لَهُ سَلْمَى: لَسْتُ بِمُرْسَلَتِهِ مَعَكَ، فَقَالَ لَهَا الْمُطَّلِبُ: إنِّي غَيْرُ مُنْصَرَفٍ حَتَّى

---------------------
[()] وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يكون فِي الشّعْر إقواء. وَلَعَلَّ هَذِه الرِّوَايَة عَن غير أهل الْعلم بالشعر من أهل الْحجاز، الَّذين أَخذ عَنْهُم ابْن هِشَام الرِّوَايَة الأولى، ورفض الثَّانِيَة: لِأَنَّهَا لم تستقم فِي نظره، وأدلى بِعُذْرِهِ فِي أَنه أَخذهَا عَن أهل علم بالشعر، وَلم يكن لَهُ بِهِ دراية تَامَّة، فيقيم نَفسه فِي هَذَا الميدان حكما.
[١] غَزَّة (بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه وفتحه): مَدِينَة فِي أقْصَى الشَّام من نَاحيَة مصر، بَينهَا وَبَين عسقلان فرسخان أَو أقل. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] وَيُقَال: إِنَّه بِسَبَب هَذَا النّسَب، رحب سيف بن ذِي يزن، أَو ابْنه معديكرب بن سيف ملك الْيمن، بِعَبْد الْمطلب بن هَاشم، حِين وَفد عَلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش، وَقَالَ لَهُ: مرْحَبًا بِابْن أُخْتنَا: لِأَن سلمى من الْخَزْرَج، وهم من الْيمن من سبإ، وَلِأَن سَيْفا من حمير بن سبإ
[٣] وَيُقَال: إِن كل من فِي الْأَنْصَار بِهَذَا الِاسْم، فَهُوَ حريس (بِالسِّين الْمُهْملَة) إِلَّا هَذَا فَهُوَ بالشين الْمُعْجَمَة. (رَاجع شرح السِّيرَة وَالرَّوْض الْأنف) .
[٤] سمى شيبَة لشيبة كَانَت فِي رَأسه، ويكنى بِأبي الْحَارِث أكبر وَلَده. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] الوصيف (كقتيل): الْغُلَام دون المراهقة.



أَخْرُجَ بِهِ مَعِي، إنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ بَلَغَ، وَهُوَ غَرِيبٌ فِي غَيْرِ قَوْمِهِ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ شَرَفٍ فِي قَوْمِنَا، نَلِي كَثِيرًا مِنْ أُمُورِهِمْ، وَقَوْمُهُ وَبَلَدُهُ وَعَشِيرَتُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهِمْ، أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَالَ شَيْبَةُ لِعَمِّهِ الْمُطَّلِبِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-: لَسْتُ بِمُفَارِقِهَا إلَّا أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَذِنَتْ لَهُ، وَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَاحْتَمَلَهُ فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ مُرْدِفَهُ مَعَهُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ابْتَاعَهُ، فَبِهَا سُمِّيَ شَيْبَةُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ الْمُطَّلِبُ: وَيْحَكُمْ! إنَّمَا هُوَ ابْنُ أَخِي هَاشِمٍ، قَدِمْتُ بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ.

(مَوْتُ الْمُطَّلِبِ وَمَا قِيلَ فِي رِثَائِهِ مِنْ الشِّعْرِ):
ثُمَّ هَلَكَ الْمُطَّلِبُ بِرَدْمَانَ [١] مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَبْكِيهِ:
قَدْ ظَمِئَ الْحَجِيجُ بَعْدَ الْمُطَّلِبِ ... بَعْدَ الْجِفَانِ وَالشَّرَابِ المُنْثَعِبْ [٢]
لَيْتَ قُرَيْشًا بَعْدَهُ عَلَى نَصَبْ
[٣] وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيُّ، يَبْكِي الْمُطَّلِبَ وَبَنِيَّ عَبْدِ مَنَافٍ جَمِيعًا حِينَ أَتَاهُ نَعْيُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ نَوْفَلٌ آخِرَهُمْ هُلْكًا:
يَا لَيْلَةً هَيَّجَتْ لَيْلَاتِي ... إحْدَى لَيَالِيَ الْقَسِيَّاتِ [٤]
وَمَا أُقَاسِي مِنْ هُمُومٍ وَمَا ... عَالَجْتُ مِنْ رُزْءِ الْمَنِيَّاتِ
إذَا تَذَكَّرْتُ أَخِي نَوْفَلًا ... ذَكَّرَنِي بِالْأَوَّلِيَّاتِ
ذَكَّرَنِي بالأزر الْحمر و... الأردية الصُّفْرِ الْقَشِيبَاتِ
أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ سَيِّدُ ... أَبْنَاءِ سَادَاتٍ لِسَادَاتِ
مَيْتٌ بِرَدْمَانَ وَمَيْتٌ بِسَلْمَانَ ... [٥] وَمَيِّتٌ عِنْدَ غَزَّاتِ [٦]

-----------------------
[١] ردمان (بِفَتْح أَوله): مَوضِع بِالْيمن. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] المنثعب: الْكثير السَّيْل، يُقَال: انشعب المَاء: إِذا سَالَ من مَوضِع حصر فِيهِ.
[٣] النصب: التَّعَب وَالْعَذَاب.
[٤] كَذَا فِي الأَصْل. والقسيات: الشدائد. ويروى: العشيات. والعشيات: المظلمات.
[٥] سلمَان: مَاء قديم جاهلى، وَبِه قبر نَوْفَل بن عبد منَاف، وَهُوَ طَرِيق إِلَى تهَامَة من الْعرَاق فِي الْجَاهِلِيَّة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] هِيَ غَزَّة، وَلَكنهُمْ يجْعَلُونَ لكل نَاحيَة، أَو لكل ربض من الْبَلدة اسْم الْبَلدة، فَيَقُولُونَ:
غزات فِي غَزَّة، كَمَا يَقُولُونَ فِي بغدان بغادين كَقَوْل بعض الْمُحدثين:



وَمَيِّتٌ [١] أُسْكِنَ لَحْدًا لَدَى ... الْمَحْجُوبِ شَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ [٢]
أَخْلَصُهُمْ عَبْدُ مَنَافٍ فَهُمْ ... مِنْ لَوْمِ مَنْ لَامَ بِمَنْجَاةِ
إنَّ الْمُغِيرَاتِ وَأَبْنَاءَهَا ... مِنْ خَيْرِ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ
[٣] وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُغِيرَةَ، وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ هُلْكًا هَاشِمٌ، بِغَزَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثُمَّ عَبْدَ شَمْسٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ الْمُطَّلِبَ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ ثُمَّ نَوْفَلًا بِسَلْمَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ.
فَقِيلَ لِمَطْرُودِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-: لَقَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْتَ، وَلَوْ كَانَ أَفْحَلَ مِمَّا قُلْتَ كَانَ أَحْسَنَ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي لَيَالِيَ، فَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ قَالَ:
يَا عَيْنُ جُوى وَأَذْرِي الدَّمْعَ وَانْهَمِرِي ... وَابْكِي عَلَى السِّرِّ مِنْ كَعْبِ الْمُغِيرَاتِ [٤]
يَا عَيْنُ وَاسْحَنْفِرِي بِالدَّمْعِ وَاحْتَفِلِي [٥] ... وَابْكِي خَبِيئَةَ نَفْسِي فِي الْمُلِمَّاتِ [٦]
وَابْكِي عَلَى كُلِّ فَيَّاضٍ أَخِي ثِقَةٍ ... ضَخْمِ الدَّسِيعَةِ وَهَّابِ الْجَزِيلَاتِ [٧]
مَحْضِ الضَّرِيبَةِ عَالِي الْهَمِّ مُخْتَلِقٌ ... جَلْدِ النَّحِيزَةِ نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ [٨]
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ لَا نِكْسٍ وَلَا وَكِلٍ ... مَاضِي الْعَزِيمَةِ مِتْلَافِ الْكَرِيمَاتِ [٩]

--------------------------
[()]
شربنا فِي بغادين ... على تِلْكَ الميادين
والّذي عِنْد غَزَّة هُوَ هَاشم بن عبد منَاف.
[١] وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي مُعْجم الْبلدَانِ فِي الْكَلَام على ردمان:
وميت مَاتَ قَرِيبا من ... الْحجُون من شَرق البنيات
قَالَ ياقوت: «... والّذي بِقرب الْحجُون عبد شمس بن عبد منَاف» .
والحجون: جبل بِأَعْلَى مَكَّة عِنْد مدافن أَهلهَا.
[٢] البنيات: الْكَعْبَة.
[٣] الْمُغيرَات: بَنو الْمُغيرَة.
[٤] السِّرّ: الْخَالِص النّسَب.
[٥] اسحنفرى: أديمى. واحتفلى: أَي اجمعيه، من احتفال الضَّرع، وَهُوَ اجْتِمَاع اللَّبن فِيهِ.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والخبيئة: الشَّيْء المخبوء. يُرِيد أَنه كَانَ ذخيرته عِنْد نزُول الشدائد.
وَفِي أ: «خبيئات» .
[٧] الْفَيَّاض: الْكثير الْمَعْرُوف. وضخم الدسيعة: كثير الْعَطاء. والجزيلات الكثيرات.
[٨] الضريبة: الطبيعة. والمختلق: التَّام الْخلق. والنحيزة: الطبيعة أَيْضا. وناء: ناهض.
[٩] النكس: الدنىء من الرِّجَال. والوكل: الضَّعِيف الّذي يتكل على غَيره.



صَقْرٍ تَوَسَّطَ مِنْ كَعْبٍ إذَا نُسِبُوا ... بُحْبُوحَةَ الْمَجْدِ وَالشُّمِّ الرَّفِيعَاتِ [١]
ثُمَّ اُنْدُبِي الْفَيْضَ وَالْفَيَّاضَ مُطَّلِبًا ... وَاسْتَخْرِطِي بَعْدَ فَيْضَاتٍ بِجُمَّاتِ [٢]
أَمْسَى بِرَدْمَانَ عَنَّا الْيَوْمَ مُغْتَرِبًا ... يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَيْهِ بَيْنَ أَمْوَاتِ [٣]
وَابْكِي، لَكَ الْوَيْلُ، إمَّا كُنْتِ بَاكِيَةً ... لِعَبْدِ شَمْسٍ بِشَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ
وَهَاشِمٍ فِي ضَرِيحٍ وَسْطَ بَلْقَعَةٍ ... تَسْفَى الرِّيَاحُ عَلَيْهِ بَيْنَ غَزَّاتِ
وَنَوْفَلٌ كَانَ دُونَ الْقَوْمِ خَالِصَتِي ... أَمْسَى بِسَلْمَانَ فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ [٤]
لَمْ أَلْقَ مِثْلَهُمْ عُجْمًا وَلَا عَرَبًا ... إذَا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ أُدْمُ الْمَطِيَّاتِ [٥]
أَمْسَتْ دِيَارُهُمْ مِنْهُمْ مُعَطَّلَةً ... وَقَدْ يَكُونُونَ زَيْنًا فِي السَّرِيَّاتِ [٦]
أَفْنَاهُمْ الدَّهْرُ أَمْ كَلَّتْ سُيُوفُهُمْ ... أَمْ كُلُّ مَنْ عَاشٍ أَزْوَادُ الْمَنِيَّاتِ [٧]
أَصْبَحْتُ أَرْضَى مِنْ الْأَقْوَامِ بَعْدَهُمْ ... بَسْطَ الْوُجُوهِ وَإِلْقَاءَ التَّحِيَّاتِ
يَا عَيْنُ فَابْكِي أَبَا الشُّعْثِ الشَّجِيَّاتِ [٨] ... يَبْكِينَهُ حُسَّرًا مِثْلَ الْبَلِيَّاتِ [٩]

--------------------------
[١] البحبوحة: وسط الشَّيْء. والشم: الْعَالِيَة.
[٢] استخرطى: استكثرى. والجمات: الْمُجْتَمع من المَاء، فاستعاره هُنَا الدمع.
[٣] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ١ ص ١٣٨ من هَذَا الْجُزْء)
[٤] الموماة: القفر.
[٥] الْأدم من الْإِبِل: الْبيض الْكِرَام.
[٦] السريات: جمع سَرِيَّة، وَهِي الْقطعَة من الْجَيْش أقصاها أَربع مائَة، تبْعَث إِلَى الْعَدو. سموا بذلك لأَنهم يكونُونَ خُلَاصَة الْعَسْكَر وخيارهم.
[٧] ويروى: «أوراد» . يُرِيد الْقَوْم الَّذين يُرِيدُونَ الْمَوْت، شبههم بالذين يردون المَاء.
[٨] الشجيات: الحزينات. وينكر بعض أهل اللُّغَة تَشْدِيد يَاء الشجى وَيَقُولُونَ بِأَن يَاء الشجى مُخَفّفَة وياء الخلي مُشَدّدَة، وَقد اعْترض ابْن قُتَيْبَة على أَبى تَمام الطَّائِي فِي قَوْله:
أيا وَيْح الشجى من الخلي فَإِنَّهُ ... وويح الدمع من إِحْدَى بلَى
وَاحْتج بقول يَعْقُوب فِي ذَلِك. فَقَالَ لَهُ الطَّائِي: وَمن أفْصح عنْدك: ابْن الجرمقانية يَعْقُوب، أم أَبُو الْأسود الدؤَلِي حَيْثُ يَقُول:
ويل الشجى من الخلي فَإِنَّهُ ... وصب الْفُؤَاد بشجوه مغموم؟
وَالْقِيَاس لَا يمْنَع من أَن يكون هُنَاكَ شج وشجى، لِأَنَّهُ فِي معنى حزن وحزين.
[٩] البليات: جمع بلية، وَهِي النَّاقة الَّتِي كَانَت تعقل عِنْد قبر صَاحبهَا إِذا مَاتَ حَتَّى تَمُوت جوعا وعطشا، وَيَقُولُونَ: إِن صَاحبهَا يحْشر رَاكِبًا عَلَيْهَا، وَمن لم يفعل مَعَه هَذَا حشر رَاجِلا. وَهَذَا على مَذْهَب من كَانَ يَقُول مِنْهُم بِالْبَعْثِ.



يَبْكِينَ أَكْرَمَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ ... يُعْوِلْنَهُ بِدُمُوعٍ بَعْدَ عَبَرَاتِ [١]
يَبْكِينَ شَخْصًا طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ ... آبِي الْهَضِيمَةِ فَرَّاجِ الْجَلِيلَاتِ [٢]
يَبْكِينَ عَمْرَو الْعُلَا إذْ حَانَ مَصْرَعُهُ ... سَمْحَ السَّجِيَّةِ بَسَّامَ الْعَشِيَّاتِ [٣]
يَبْكِينَهُ مُسْتَكِينَاتٍ عَلَى حَزَنٍ ... يَا طُولَ ذَلِكَ مِنْ حُزْنٍ وَعَوْلَاتٍ
يَبْكِينَ لَمَّا جَلَّاهُنَّ الزَّمَانُ لَهُ ... خُضْرُ الْخُدُودِ كَأَمْثَالِ الْحَمِيَّاتِ [٤]
مُحْتَزِمَاتٍ عَلَى أَوْسَاطِهِنَّ لِمَا ... جَرَّ الزَّمَانُ مِنْ أَحْدَاثِ الْمُصِيبَاتِ
أَبِيتُ لَيْلِي أُرَاعِي النَّجْمَ مِنْ أَلَمٍ ... أَبْكِي وَتَبْكِي مَعِي شَجْوِي بُنَيَّاتِي
مَا فِي الْقُرُومِ لَهُمْ عِدْلٌ وَلَا خَطَرٌ ... وَلَا لِمَنْ تركُوا شروى بقبّات [٥]
أَبْنَاؤُهُمْ خَيْرُ أَبْنَاءٍ وَأَنْفُسُهُمْ ... خَيْرُ النّفوس لَدَى جِهَاد الْأَلِيَّاتِ [٦]
كَمْ وَهَبُوا مِنْ طِمِرٍّ سَابِحٍ أَرِنٍ ... وَمِنْ طِمِرَّةٍ نَهْبٍ فِي طِمِرَّاتِ [٧]
وَمِنْ سُيُوفٍ مِنْ الْهِنْدِيِّ مُخْلَصَةٍ ... وَمِنْ رِمَاحٍ كَأَشْطَانِ الرَّكِيَّاتِ [٨]
وَمِنْ تَوَابِعِ مِمَّا يُفْضِلُونَ بِهَا ... عِنْدَ الْمَسَائِلِ مِنْ بَذْلِ الْعَطِيَّاتِ
فَلَوْ حَسَبْتُ وَأَحْصَى الْحَاسِبُونَ مَعِي ... لَمْ أَقْضِ أَفَعَالَهُمْ تَلِكَ الْهَنِيَّاتِ
هُمْ الْمُدِلُّونَ إمَّا مَعْشَرٌ فَخَرُّوا ... عِنْدَ الْفَخَّارِ بِأَنْسَابٍ نَقِيَّاتٍ
زَيْنُ الْبُيُوتِ الَّتِي خَلَّوْا [٩] مَسَاكِنَهَا ... فَأَصْبَحَتْ مِنْهُمْ وَحْشًا خَلِيَّاتٍ

---------------------------
[١] كَانَ الْوَجْه أَن يَقُول «عبرات» بِالتَّحْرِيكِ: إِلَّا أَنه أسكن للتَّخْفِيف ضَرُورَة.
[٢] الهضيمة: الذل وَالنَّقْص. والجليلات: الْأُمُور الْعِظَام.
[٣] السجية: الطبيعة. وبسام العشيات: يُرِيد أَنه يتبسم عِنْد لِقَاء الأضياف، لِأَن الأضياف أَكثر مَا يردون عَشِيَّة.
[٤] الحميات: الْإِبِل الَّتِي حميت المَاء: أَي منعت.
[٥] القروم سَادَات النَّاس، وَأَصله الفحول من الْإِبِل. وَالْعدْل: الْمثل. والخطر: الْقدر والرفعة.
وشروى: مثل، يُقَال: هَذَا شروى هَذَا، أَي مثله.
[٦] الأليات: الشدائد الَّتِي يقصر الْإِنْسَان بِسَبَبِهَا، وَهِي أَيْضا جمع ألية، وَهِي الْيَمين.
[٧] الطمر: الْفرس الْخَفِيف. وسابح: كَأَنَّهُ يسبح فِي جريه، أَي يعوم. وأرن: نشط. والنهب:
مَا انتهب من الْغَنَائِم.
[٨] الأشطان: جمع شطن، وَهُوَ الْحَبل. والركيات: جمع ركية، وَهِي الْبِئْر.
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حلوا» بِالْحَاء الْمُهْملَة.








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 07-01-2026, 12:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (17)

صــ 141إلى صــ 150






أَقُولُ وَالْعين لَا ترقى مَدَامِعُهَا [١] ... لَا يُبْعِدُ اللَّهُ أَصْحَابَ الرَّزِيَّاتِ
[٢] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفَجْرُ: الْعَطَاءُ. قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ [٣]:
عَجَّفَ أَضْيَافِي جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ ... بِذِي فَجَرٍ تَأْوِي إلَيْهِ الْأَرَامِلُ
[٤] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَبُو الشُّعْثِ الشَّجِيَّاتِ: هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ.

(وِلَايَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ):
قَالَ: ثُمَّ وَلِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ بَعْدَ عَمِّهِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقَامَهَا لِلنَّاسِ، وَأَقَامَ لِقَوْمِهِ مَا كَانَ آبَاؤُهُ يُقِيمُونَ قَبْلَهُ لِقَوْمِهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَشَرُفَ فِي قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ، وَأَحَبَّهُ قَوْمُهُ وَعَظُمَ خَطَرُهُ فِيهِمْ.

ذِكْرُ حَفْرِ زَمْزَمَ وَمَا جَرَى مِنْ الْخُلْفِ فِيهَا

(الرُّؤْيَا الَّتِي أُرِيهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي حَفْرِ زَمْزَمَ):
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أُتِيَ فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنْ حَفْرِهَا، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ [٥] بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيِّ عَنْ مَرْثَدِ [٦] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

----------------------
[١] لَا ترقا: لَا تَنْقَطِع، وَأَصله الْهَمْز فَخفف فِي الشّعْر.
[٢] الرزيات: جمع رزية، لُغَة فِي الرزيئة، بِمَعْنى الْمُصِيبَة والإصابة بالانتقاص. وَيُرِيد بأصحاب الرزيات: من أصيبوا وانتقصوا وَأصْبح شَأْنهمْ كَمَا وصف.
[٣] وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لأبى خرَاش قَالَهَا فِي قتل زُهَيْر بن الْعَجْوَة أخى بنى عَمْرو بن الْحَارِث، وَكَانَ قَتله جميل بن معمر بن حبيب بن حذافة بن جمح بن عَمْرو بن هصيص، يَوْم حنين.
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. وعجف: حبس عَن الطَّعَام. يُرِيد: أجاعهم. وَفِي أشعار الهذليين المخطوط وَالْمَحْفُوظ بدار الْكتب المصرية برقم (٦ أدب ش): «فجع» .
[٥] هُوَ يزِيد بن أَبى حبيب سُوَيْد أَبُو رَجَاء الْأَسدي الْمصْرِيّ عَالم أهل مصر، مولى شريك بن الطُّفَيْل الْأَزْدِيّ، وَقيل أَبوهُ مولى بنى حسل، وَأمه مولاة لتجيب. روى عَن عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ، وَابْن الطُّفَيْل الْكِنَانِي، وأبى الْخَيْر مرْثَد الْيَزنِي وَغَيرهم. (عَن تراجم الرِّجَال) .
[٦] هُوَ مرْثَد بن عبد الله الْيَزنِي (بِفَتْح الْيَاء والزاى) أَبُو الْخَيْر الْمصْرِيّ الْفَقِيه. روى عَن عقبَة بن عَامر الجهنيّ، وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ، وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيرهمَا. وروى عَنهُ غير يزِيد هَذَا ربيعَة بن جَعْفَر، وَكَعب بن عَلْقَمَة، وَعبد الرَّحْمَن بن شماسَة وَغَيرهم. توفى سنة تسعين. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .


ابْن زُرَيْرٍ [١] الْغَافِقِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يُحَدِّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَفْرِهَا، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إنِّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ [٢] .
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ [٣] . قَالَ: وَمَا بَرَّةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ [٤] .
قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا زَمْزَمُ؟
قَالَ: لَا تَنْزِفُ [٥] أَبَدًا وَلَا تُذَمُّ [٦]، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، عِنْدَ نُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ [٧]، عِنْدَ قَرْيَةِ [٨] النَّمْلِ.

(عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَابْنُهُ الْحَارِثُ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عِنْدَ حَفْرِهِمَا زَمْزَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بُيِّنَ لَهُ شَأْنُهَا، وَدُلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَعَرَفَ أَنَّهُ صُدِّقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ

----------------------
[١] هُوَ عبد الله بن زرير (بِالتَّصْغِيرِ) الغافقي الْمصْرِيّ. روى عَن على وَعمر. وَعنهُ أَبُو الْخَيْر مرْثَد الْيَزنِي وَأَبُو الْفَتْح الهمدانيّ، وَغَيرهمَا. مَاتَ فِي خلَافَة عبد الْملك سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَقيل سنة ثَمَانِينَ.
(رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
[٢] قيل لزمزم طيبَة، لِأَنَّهَا للطيبين والطيبات من ولد إِبْرَاهِيم.
[٣] قيل لَهَا برة، لِأَنَّهَا فاضت على الْأَبْرَار وغاضت عَن الْفجار.
[٤] قيل لَهَا مضنونة، لِأَنَّهَا ضن بهَا على غير الْمُؤمنِينَ فَلَا يتضلع مِنْهَا مُنَافِق.
[٥] لَا تنزف: لَا يفرغ مَاؤُهَا وَلَا يلْحق قعرها.
[٦] لَا تذم: أَي لَا تُوجد قَليلَة المَاء، تَقول: أذمت الْبِئْر: إِذا وَجدتهَا قَليلَة المَاء.
[٧] الأعصم من الْغرْبَان: الّذي فِي جناحيه بَيَاض، وَقيل غير ذَلِك.
[٨] إِنَّمَا خصت بِهَذِهِ العلامات الثَّلَاث لِمَعْنى زَمْزَم ومائها. فَأَما الفرث وَالدَّم، فان ماءها طَعَام طعم، وشفاء سقم، وَأما عَن الْغُرَاب الأعصم، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا ورد عَن رَسُول الله ﷺ: «ليخربن الْكَعْبَة ذُو السويقتين من الْحَبَشَة» . وَأما قَرْيَة النَّمْل، فَفِيهَا من المشاكلة أَيْضا والمناسبة أَن زَمْزَم هِيَ عين مَكَّة الَّتِي يردهَا الحجيج والعمار من كل جَانب، فيحملون إِلَيْهَا الْبر وَالشعِير وَغير ذَلِك، وَهِي لَا تحرث وَلَا تزرع، وقرية النَّمْل كَذَلِك لَا تحرث وَلَا تبذر وتجلب الْحُبُوب إِلَى قريتها من كل جَانب.
(رَاجع الرَّوْض الْأنف وَمَا يعول عَلَيْهِ فِي قَرْيَة النَّمْل) .



غَيْرَهُ، فَحَفَرَ فِيهَا. فَلَمَّا بَدَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ الطَّيَّ [١] كَبَّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، إنَّهَا بِئْرُ أَبِينَا إسْمَاعِيلَ، وَإِنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، إنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وَأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَأَنْصِفْنَا فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إلَيْهِ، قَالُوا:
كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ هُذَيْمٌ [٢]، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَكَانَتْ بِأَشْرَافِ [٣] الشَّامِ. فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي أَبِيهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَرَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ. قَالَ: وَالْأَرْضُ إذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ. قَالَ: فَخَرَجُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابِهِ، فَظَمِئُوا حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: إنَّا بِمَفَازَةٍ، وَنَحْنُ نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ. فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ وَمَا يَتَخَوَّفُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: مَا رَأْيُنَا إلَّا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَتَهُ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمْ الْآنَ مِنْ الْقُوَّةِ، فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمَّ وَارَوْهُ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا، قَالُوا: نِعْمَ مَا أَمَرْتَ بِهِ.. فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَحَفَرَ حُفْرَتَهُ، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عَطَشًا، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاَللَّهِ إنَّ إلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ وَلَا نَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا، لَعَجْزٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ الْبِلَادِ، ارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلُوا. حَتَّى إذَا فَرَغُوا، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ مَا هُمْ فَاعِلُونَ، تَقَدَّمَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا. فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ، انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَكَبَّرَ

--------------------
[١] الطى: الْحِجَارَة الَّتِي طوى بهَا الْبِئْر.
[٢] كَذَا فِي أ. والطبري. وَفِي سَائِر الْأُصُول: سعد بن هذيم وَهُوَ تَحْرِيف «لِأَن هذيما لم يكن أَبَاهُ، وَإِنَّمَا كفله بعد أَبِيه فأضيف إِلَيْهِ» . (رَاجع شرح السِّيرَة والمعارف) .
[٣] أَشْرَاف الشَّام: مَا ارْتَفع من أرضه.



عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَشَرِبَ وَشَرِبَ أَصْحَابُهُ وَاسْتَقَوْا حَتَّى مَلِئُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: هَلُمَّ إلَى الْمَاءِ، فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ، فَاشْرَبُوا وَاسْتَقَوْا، فَجَاءُوا فَشَرِبُوا وَاسْتَقَوْا. ثُمَّ قَالُوا: قَدْ وَاَللَّهِ قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَاَللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُوَ الَّذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ، فَارْجِعْ إلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا. فَرَجَعَ وَرَجَعُوا مَعَهُ، وَلَمْ يَصِلُوا إلَى الْكَاهِنَةِ، وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فِي زَمْزَمَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ:
ثُمَّ اُدْعُ بِالْمَاءِ الرِّوَى [١] غَيْرِ الْكَدِرْ ... يَسْقِي حَجِيجَ [٢] اللَّهِ فِي كُلِّ مَبَرْ [٣]
لَيْسَ يُخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَرْ
[٤] فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: تَعَلَّمُوا أَنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَحْفِرَ لَكُمْ زَمْزَمَ، فَقَالُوا: فَهَلْ بُيِّنَ لَكَ أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا:
فَارْجِعْ إلَى مَضْجَعِكَ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ مَا رَأَيْتَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا مِنْ اللَّهِ يُبَيَّنُ لَكَ، وَإِنْ يَكُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلَنْ يَعُودَ إلَيْكَ. فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلَى مَضْجَعِهِ فَنَامَ فِيهِ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ، إنَّكَ إنْ حَفَرْتهَا لَمْ تَنْدَمْ، وَهِيَ تُرَاثٌ مِنْ أَبِيكَ الْأَعْظَمِ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمُّ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ، مِثْلَ نَعَامٍ حَافِلٍ [٥] لَمْ يُقْسَمْ، يَنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمٍ، تَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمٍ، لَيْسَتْ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمُ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْكَلَامُ وَالْكَلَامُ الَّذِي قَبْلَهُ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ (رِضْوَانُ

------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «رواء» . وهما بِمَعْنى، فَيُقَال: مَاء روى (بِالْكَسْرِ وَالْقصر) ورواء (بِالْفَتْح وَالْمدّ): أَي كثير.
[٢] الحجيج: جمع حَاج.
[٣] مبر: يُرِيد مَنَاسِك الْحَج ومواضع الطَّاعَة، وَهُوَ مفعل من الْبر.
[٤] عمر: بَقِي، أَي مَا عمر هَذَا المَاء فَإِنَّهُ لَا يُؤْذى وَلَا يخَاف مِنْهُ.
[٥] الحافل: الْكثير.
١٠- سيرة ابْن هِشَام- ١



اللَّهِ عَلَيْهِ) [١] فِي حَفْرِ زَمْزَمَ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمُّ» إلَى قَوْلِهِ: «عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ» عِنْدَنَا سَجْعٌ وَلَيْسَ شِعْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قِيلَ لَهُ:
عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ، حَيْثُ يُنْقَرُ الْغُرَابُ غَدًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
فَعَدَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ، فَوَجَدَ قَرْيَةَ النَّمْلِ، وَوَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ: إسَافٍ وَنَائِلَةٍ، اللَّذَيْنِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا ذَبَائِحَهَا. فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ حِينَ رَأَوْا جِدَّهُ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ تَحْفِرُ بَيْنَ وَثَنَيْنَا هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِابْنِهِ الْحَارِثِ: ذُدْ عَنِّي حَتَّى أحفر، فو الله لَأَمْضِيَنَّ لِمَا أُمِرْتُ بِهِ. فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ غَيْرُ نَازِعٍ [٢]، خَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، وَكَفُّوا عَنْهُ، فَلَمْ يَحْفِرْ إلَّا يَسِيرًا، حَتَّى بَدَا لَهُ الطَّيُّ، فَكَبَّرَ وَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ صُدِقَ.
فَلَمَّا تَمَادَى بِهِ الْحَفْرُ وَجَدَ فِيهَا غَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُمَا الْغَزَالَانِ اللَّذَانِ دَفَنَتْ جُرْهُمٌ فِيهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيَّةً [٣] وَأَدْرَاعًا، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقٌّ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَلُمَّ إلَى أَمْرٍ نَصَفٍ [٤]، بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ: نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ [٥]، قَالُوا: وَكَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ:

----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] يُقَال: نزع عَن الْأَمر نزوعا (وَرُبمَا قَالُوا: نزاعا): إِذا كف وانْتهى.
[٣] قلعية: نِسْبَة إِلَى القلعة (بِالْفَتْح ثمَّ السّكُون): قيل جبل بِالشَّام. وَقَالَ مسعر بن مهلهل فِي خبر رحلته إِلَى الصين: «... ثمَّ رجعت من الصين إِلَى كلة، وَهِي أول بِلَاد الْهِنْد من جِهَة الصين، وإليها تَنْتَهِي المراكب ثمَّ لَا تتجاوزها، وفيهَا قلعة عَظِيمَة فِيهَا مَعْدن الرصاص القلعي، لَا يكون إِلَّا فِي قلعتها، وَفِي هَذِه القلعة تضرب السيوف القلعية، وَهِي الْهِنْدِيَّة العتيقة. وَأهل هَذِه القلعة يمتنعون على ملكهم إِذا أَرَادوا ويطيعونه إِذا أَرَادوا» . وَقَالَ: «لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مَعْدن الرصاص القلعي إِلَّا فِي هَذِه القلعة»، وَبَينهَا وَبَين سندابل، مَدِينَة الصين، ثَلَاث مائَة فَرسَخ، وحولها مدن ورساتيق وَاسِعَة. وَقَالَ أَبُو الريحان: «يجلب الرصاص القلعي من سرنديب، جَزِيرَة فِي بَحر الْهِنْد» .
وبالأندلس إقليم القلعة من كورة قبرة، ويظن أَن الرصاص القلعي ينْسب إِلَيْهَا. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ، وعجائب الْهِنْد) .
[٤] النّصْف: اسْم من الْإِنْصَاف.
[٥] القداح: جمع قدح (بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال)، وَهُوَ السهْم الّذي كَانُوا يستقسمون بِهِ،



أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قِدْحَيْنِ، وَلِي قِدْحَيْنِ، وَلَكُمْ قِدْحَيْنِ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ قِدْحَاهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ لَهُ، وَمَنْ تَخَلَّفَ قِدْحَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، قَالُوا: أَنْصَفْتَ. فَجَعَلَ قِدْحَيْنِ أَصْفَرَيْنِ لِلْكَعْبَةِ، وَقِدْحَيْنِ أَسْوَدَيْنِ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِدْحَيْنِ أَبْيَضَيْنِ لِقُرَيْشِ، ثُمَّ أَعْطَوْا (الْقِدَاحَ) [١] صَاحِبَ الْقِدَاحِ الَّذِي يَضْرِبُ بِهَا عِنْدَ هُبَلَ (وَهُبَلُ:
صَنَمٌ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي يَعْنِي أَبُو سُفْيَانَ ابْن حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَالَ: أُعْلِ [٢] هُبَلُ: أَيْ أَظْهِرْ دِينَكَ) وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ عز وجل، فَضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ الْأَصْفَرَانِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ لِلْكَعْبَةِ، وَخَرَجَ الْأَسْوَدَانِ عَلَى الْأَسْيَافِ، وَالْأَدْرَاعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَخَلَّفَ قِدْحَا قُرَيْشٍ. فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْأَسْيَافَ بَابًا لِلْكَعْبَةِ، وَضَرَبَ فِي الْبَابِ الْغَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ. فَكَانَ أَوَّلَ ذَهَبٍ حَلِيَتْهُ الْكَعْبَةُ، فِيمَا يَزْعُمُونَ. ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَقَامَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِلْحُجَّاجِ.

ذِكْرُ بِئَارِ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ

(الطَّوِيُّ وَمَنْ حَفَرَهَا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ احْتَفَرَتْ [٣] بِئَارًا بِمَكَّةَ، فِيمَا حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، قَالَ:

--------------------
[()] يُقَال للسهم أول مَا يقطع: قطع (بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الطَّاء)، ثمَّ ينحت ويبري فيسمى: بريا، ثمَّ يقوم قدحا، ثمَّ يراش ويركب نصله فيسمى سَهْما، وَهَذِه هِيَ الأزلام الْمَذْكُورَة فِي قَوْله عز وجل:
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ٥: ٣.
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَمَا يَصح أَن يكون أمرا من الْفِعْل الثلاثي (علا يَعْلُو): أَي تبوأ منزلتك من الْعُلُوّ والسمو.
[٣] يُقَال إِن قصيا كَانَ يسقى الحجيج فِي حِيَاض من أَدَم، وَكَانَ ينْقل المَاء من آبار خَارِجَة من مَكَّة، مِنْهَا بِئْر مَيْمُون الحضرميّ، ثمَّ احتفر قصي العجول فِي دَار أم هَانِئ بنت أَبى طَالب، وَهِي أول سِقَايَة احتفرت بِمَكَّة، وَكَانَت الْعَرَب إِذا استقوا مِنْهَا ارتجزوا فَقَالُوا:
نروى على العجول ثمَّ ننطلق ... إِن قصيا قد وفى وَقد صدق
فَلم تزل العجول قَائِمَة حَيَاة قصي وَبعد مَوته، حَتَّى كبر عبد منَاف بن قصي، فَسقط فِيهَا رجل من بنى جعيل فعطلوا العجول واندفنت، واحتفرت كل قَبيلَة بِئْرا. (عَن الرَّوْض الْأنف) .



حَفَرَ عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ الطَّوِيَّ [١]، وَهِي الْبِئْرُ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْضَاءِ، دَارُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ (الثَّقَفِيُّ)
[٢] .

(بَذَّرُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بَذَّرَ، وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي عِنْدَ الْمُسْتَنْذَرِ، خَطْمُ الْخَنْدَمَةِ [٣] عَلَى فَمِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ. وَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَفَرَهَا: لَأَجْعَلَنَّهَا بَلَاغًا لِلنَّاسِ [٤] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:
سَقَى اللَّهُ أَمْوَاهًا عَرَفْتُ مَكَانَهَا ... جُرَابًا [٥] وَمَلْكُومًا [٦] وَبَذَّرَ وَالْغَمْرَا
[٧]

(سَجْلَةُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَفَرَ سَجْلَةَ [٨]، وَهِيَ بِئْرُ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الَّتِي يَسْقُونَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ. وَيَزْعُمُ بَنُو نَوْفَلٍ أَنَّ الْمُطْعِمَ ابْتَاعَهَا مِنْ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَيَزْعُمُ بَنُو هَاشِمٍ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ حِينَ ظَهَرَتْ زَمْزَمُ، فَاسْتَغْنَوْا بِهَا عَنْ تِلْكَ الْآبَارِ.

----------------------------
[١] وَفِي الطوى تَقول سبيعة بنت عبد شمس:
إِن الطوى إِذا ذكرْتُمْ ماءها ... صوب السَّحَاب عذوبة وصفاء
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] الخندمة: جبل بِمَكَّة.
[٤] وَذكر ياقوت نقلا عَن أَبى عُبَيْدَة فِي كتاب الْآبَار: أَن هَاشم بن عبد منَاف قَالَ حِين حفرهَا:
أنبطت بذرا بِمَاء قلاس ... جعلت ماءها بلاغا للنَّاس
[٥] جراب (بِالضَّمِّ): اسْم مَاء، وَقيل: بِئْر بِمَكَّة قديمَة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] ملكوم (على زنة اسْم الْمَفْعُول): اسْم مَاء بِمَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٧] الْغمر (بِفَتْح أَوله وَسُكُون ثَانِيه): بِئْر قديمَة بِمَكَّة حفرتها بَنو سهم، وَفِي ذَلِك يَقُول شَاعِرهمْ:
نَحن حفرنا الْغمر للحجيج ... تثج مَاء أَيّمَا ثجيج
(رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) . وسيعرض لَهَا الْمُؤلف بعد قَلِيل.
[٨] وَيُقَال إِن الّذي حفر سجلة لَيْسَ هاشما، وَإِنَّمَا هُوَ قصي، ويروون عَنهُ أَنه قَالَ حِين حفرهَا:
أَنا قصي وحفرت سجلة ... تروى الحجيج زغلة فزغلة
ويروى هَذَا الْبَيْت لخالدة بنت هَاشم باخْتلَاف فِي صَدره، وَهُوَ:
نَحن وهبنا لعدي سجلة ... تروى الحجيج زغلة فزغلة
(الزغلة «بِالضَّمِّ»: الدفعة) . (رَاجع الرَّوْض الْأنف ومعجم الْبلدَانِ) .



(الْحَفْرُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ الْحَفْرَ [١] لِنَفْسِهِ.

(سُقَيَّةُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَتْ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى سُقَيَّةَ [٢]، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي أَسَدٍ.

(أُمُّ أَحْرَادٍ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ أُمَّ أَحْرَادٍ [٣] .

(السُّنْبُلَةُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَتْ بَنُو جُمَحَ السُّنْبُلَةَ، وَهِيَ بِئْرُ خَلَفِ بْنِ وَهْبٍ.

(الْغِمْرُ وَمَنْ حَفَرَهَا):
وَحَفَرَتْ بَنُو سَهْمٍ الْغِمْرَ، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي سَهْمٍ

(رُمُّ وَخُمُّ وَالْحَفْرُ وَأَصْحَابُهَا):
وَكَانَتْ آبَارُ حَفَائِرَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ قَدِيمَةً مِنْ عَهْدِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَكِلَابِ

----------------------
[١] ذكرهَا ياقوت عِنْد الْكَلَام على الْحفر (بِالْحَاء الْمُهْملَة)، فَقَالَ: «... وحفر بِئْر لبني تيم بن مرّة بِمَكَّة، وَرَوَاهُ الْحَازِمِي بِالْجِيم» .
ثمَّ ذكرهَا عِنْد الْكَلَام على الجفر (بِالْجِيم) نقلا عَن أَبى عُبَيْدَة، فَقَالَ: «... واحتفرت كل قَبيلَة من قُرَيْش فِي رباعهم بِئْرا، فاحتفر بَنو تيم بن مرّة الجفر، وَهِي بِئْر مرّة بن كَعْب، وَقيل: حفرهَا أُميَّة ابْن عبد شمس، وسماها جفر مرّة بن كَعْب» .
[٢] كَذَا فِي مُعْجم الْبلدَانِ، وَفِي الْأُصُول: «شفية» قَالَ ياقوت: «سقية» (بِلَفْظ تَصْغِير سقية، وَقد رَوَاهَا قوم «شفية» بالشين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء): وَهِي بِئْر قديمَة كَانَت بِمَكَّة. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وحفرت بَنو أَسد شفية. فَقَالَ الْحُوَيْرِث بن أَسد:
مَاء شفية كصوب المزن ... وَلَيْسَ مَاؤُهَا بطرق أجن
قَالَ الزبير: وَخَالفهُ عمى فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ سقية (بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْقَاف) .
[٣] ويروون عَن أُميَّة بنت عميلة بن السباق بن عبد الدَّار امْرَأَة الْعَوام بن خويلد حِين حفرت بَنو عبد الدَّار أم أحراد:
نَحن حفرنا الْبَحْر أم أحراد ... لَيست كبذر البرور الجماد
فأجابتها ضَرَّتهَا صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب أم الزبير بن الْعَوام رضي الله عنه:
نَحن جفرنا بذر ... تسقى الحجيج الْأَكْبَر
من مقبل ومدبر ... وَأم أحراد بثر
بثر: أَي قَلِيل نزر (رَاجع الرَّوْض، ومعجم الْبلدَانِ) .



ابْن مُرَّةَ، وَكُبَرَاءِ قُرَيْشٍ الْأَوَائِلِ مِنْهَا يَشْرَبُونَ، وَهِيَ رُمُّ، وَرُمُّ: بِئْرُ مُرَّةَ ابْن كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: وَخُمُّ، وَخُمُّ بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، وَالْحَفْرُ [١] . قَالَ حُذَيْفَةُ [٢] بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ أَبُو أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ:
وَقِدْمَا غنَينا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبَةً ... وَلَا نَسْتَقِي إلَّا بِخُمَّ أَوْ الْحَفْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ: سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا.

(فَضْلُ زَمْزَمَ وَمَا قِيلَ فِيهَا مِنْ شِعْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَعَفَّتْ [٣] زَمْزَمُ عَلَى الْبِئَارِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا يَسْقِي عَلَيْهَا الْحَاجُّ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ إلَيْهَا لِمَكَانِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ، وَلِأَنَّهَا بِئْرُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عليهما السلام، وَافْتَخَرَتْ بِهَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى قُرَيْشٍ كُلِّهَا، وَعَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، فَقَالَ مُسَافِرُ [٤] بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ يَفْخَرُ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَا وُلُّوا عَلَيْهِمْ مِنْ السِّقَايَةِ والرّفادة، وَمَا أَقَامُوا لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِزَمْزَمَ حِينَ ظَهَرَتْ لَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، شَرَفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ شَرَفٌ، وَفَضْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ فَضْلٌ:

--------------------------
[١] لقد ذكر ابْن هِشَام «الْحفر» قبل هَذَا بِقَلِيل ونسبها إِلَى أُميَّة، وأردفنا نَحن ثمَّ بِمَا ذكر عَنْهَا فِي المعاجم. وَلَعَلَّ فِي ذكرهَا هُنَا مَعَ «رم» و«خم» إِشَارَة إِلَى الرأى الْقَائِل بِأَنَّهَا من حُفْرَة مرّة بن كَعْب. (رَاجع الْحَاشِيَة رقم ١ ص ١٤٧) .
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول، ومعجم الْبلدَانِ لياقوت، والإصابة (ج ٤ ص ٥٤١) عِنْد الْكَلَام على ليلى بنت أَبى حثْمَة. وَفِي الطَّبَرِيّ: والاشتقاق لِابْنِ دُرَيْد (ص ٨٧ طبع أوروبا) والأغاني (ج ٧ ص ٢٢٩ طبع دَار الْكتب المصرية): «حذافة» .
[٣] عفت على البئار: غطت عَلَيْهَا وأذهبتها.
[٤] وَكَانَ مُسَافر سيدا جوادا، وَهُوَ أحد أزواد الركب، وَإِنَّمَا سموا بذلك لأَنهم كَانُوا لَا يدعونَ غَرِيبا وَلَا مارا طَرِيقا وَلَا مُحْتَاجا يجتاز بهم إِلَّا أنزلوه وتكفلوا بِهِ حَتَّى يظعن، وَهُوَ أحد شعراء قُرَيْش، وَكَانَ يُنَاقض عمَارَة بن الْوَلِيد. وَله شعر فِي هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة وَكَانَ يهواها، فراقها، فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا بعد ضَرَّتهَا الْفَاكِه بن الْمُغيرَة، فَلم ترض ثروته وَمَاله، وَكَانَ أَن تزَوجهَا أَبُو سُفْيَان، فَحزن مُسَافر، وانْتهى بِهِ الْحزن إِلَى أَن مَاتَ بهبالة وَدفن بهَا. (رَاجع الأغاني ج ٨ ص ٤٨- ٥١ طبع بلاق وَالرَّوْض الْأنف) .



وَرِثْنَا الْمجد من آبَائِنَا ... فَنَمَى بِنَا صُعُدَا
أَلَمْ نَسْقِ الْحَجِيجَ وَنَنْحَرُ ... الدَّلَّافَةَ الرُّفُدَا [١]
وَنُلْقَى عِنْدَ تَصْرِيفِ ... الْمَنَايَا شُدَّدًا رُفُدَا [٢]
فَإِنْ نَهْلِكْ فَلَمْ نُمْلَكْ [٣] ... وَمَنْ ذَا خَالِدٌ أَبَدَا [٤]
وَزَمْزَمُ فِي [٥] أَرُومَتِنَا [٦] ... وَنَفْقَأُ عَيْنَ مَنْ حَسَدَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ:
وَسَاقِي الْحَجِيجِ ثُمَّ لِلْخَيْرِ هَاشِمُ ... وَعَبْدُ مَنَافٍ ذَلِكَ السَّيِّدُ الفِهري [٧]
طوى زمزما عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَصْبَحَتْ ... سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلِّ ذِي فَخْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ذِكْرُ نَذْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ذَبْحَ وَلَدِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ- فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- قَدْ نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ مَا لَقِيَ عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ، لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ، ثُمَّ بَلَغُوا مَعَهُ حَتَّى يَمْنَعُوهُ، لَيَنْحَرَنَّ أَحَدَهُمْ للَّه عِنْدَ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا تَوَافَى بَنُوهُ عَشَرَةً، وَعَرَفَ أَنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ، جَمَعَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ، وَدَعَاهُمْ إلَى الْوَفَاء للَّه بِذَلِكَ، فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا

-----------------------
[١] الدلافة: يُرِيد بهَا هُنَا الْإِبِل الَّتِي تمشى متمهلة لِكَثْرَة سمنها، يُقَال: دلف الشَّيْخ، إِذا مَشى مشيا ضَعِيفا، وَهُوَ فَوق الدبيب. والرفد: جمع رفود. وَهِي الَّتِي تملأ الرفد، وَهُوَ قدح يحلب فِيهِ.
[٢] رفد: من الرفد، وَهُوَ الْإِعْطَاء.
[٣] لم نملك (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول): أَي لم يكن علينا وَال وَلَا ملك.
[٤] فِي أ: «خلدا» .
[٥] فِي الأغاني: «من» .
[٦] الأرومة: الأَصْل.
[٧] ويروى: «الْغمر»: أَي الْكثير الْعَطاء. كَمَا يرْوى: «الْقَهْر»: أَي القاهر، وَيكون صفة بِالْمَصْدَرِ.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 07-01-2026, 12:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (17)

صــ 151إلى صــ 160






ثُمَّ يَكْتُبُ فِيهِ اسْمَهُ، ثُمَّ ائْتُونِي. فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَتَوْهُ، فَدَخَلَ بِهِمْ عَلَى هُبَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ هُبَلُ عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ هِيَ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ.

(الضَّرْبُ بِالْقِدَاحِ عِنْدَ الْعَرَبِ):
وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ قِدَاحٌ سَبْعَةٌ، كُلُّ قِدْحٍ مِنْهَا فِيهِ (كِتَابٌ. قِدْحٌ فِيهِ) [١] (الْعَقْلُ) [٢] إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِ مَنْ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ، ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السَّبْعَةِ [٣]، فَإِنْ خَرَجَ الْعَقْلُ فَعَلَى مَنْ خَرَجَ حَمْلُهُ، وَقِدْحٌ فِيهِ «نَعَمْ» لِلْأَمْرِ إذَا أَرَادُوهُ يُضْرَبُ بِهِ فِي الْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَ قِدْحُ «نَعَمْ» عَمِلُوا بِهِ، وَقِدْحٌ فِيهِ «لَا» إذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا بِهِ فِي الْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ الْقِدْحُ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَقِدْحٌ فِيهِ «مِنْكُمْ»، وَقِدْحٌ فِيهِ «مُلْصَقٌ»، وَقِدْحٌ فِيهِ «مِنْ غَيْرِكُمْ»، وَقِدْحٌ فِيهِ «الْمِيَاهُ» إذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ، وَفِيهَا ذَلِكَ الْقِدْحُ، فَحَيْثُمَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ. وَكَانُوا إذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِنُوا غُلَامًا، أَوْ يُنْكِحُوا مُنْكَحًا، أَوْ يَدْفِنُوا مَيتا، أَو شكوا فِي نَسَبِ أَحَدِهِمْ، ذَهَبُوا بِهِ إِلَى هُبل وبمائة دِرْهَمٍ وَجَزُورٍ، فَأَعْطَوْهَا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الَّذِي يَضْرِبُ بِهَا، ثُمَّ قَرَّبُوا صَاحِبَهُمْ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ، ثُمَّ قَالُوا: يَا إلَهَنَا، هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَدْ أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخْرِجْ الْحَقَّ فِيهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ «مِنْكُمْ» كَانَ مِنْهُمْ وَسِيطًا [٤]، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ «مِنْ غَيْرِكُمْ» كَانَ حَلِيفًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ «مُلْصَقٌ» كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، لَا نَسَبَ لَهُ وَلَا حِلْفَ، وَإِنْ خَرَجَ فِيهِ شَيْءٌ، مِمَّا سِوَى هَذَا مِمَّا يَعْمَلُونَ بِهِ «نَعَمْ» عَمِلُوا بِهِ،

----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ
[٢] الْعقل: الدِّيَة.
[٣] ويروى أَنهم كَانُوا إِذا قصدُوا فعلا ضربوا ثَلَاثَة أقداح، مَكْتُوب على أَحدهَا: أمرنى ربى.
وعَلى الآخر: نهاني ربى. وَالثَّالِث غفل. فان خرج الْآمِر مضوا على ذَلِك، وَإِن خرج الناهي تجنبوا عَنهُ.
وَإِن خرج الغفل أجالوها ثَانِيَة. ولعلهم كَانُوا يستعملون الطريقتين.
[٤] وَسِيطًا: خَالص النّسَب فيهم، وَيُقَال: إِن الْوَسِيط هُوَ الشريف فِي قومه، لِأَن النّسَب الْكَرِيم دَار بِهِ من كل جِهَة، وَهُوَ وسط.


وَإِنْ خَرَجَ «لَا» أَخَّرُوهُ عَامَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، يَنْتَهُونَ فِي أُمُورِهِمْ إلَى ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَتْ بِهِ الْقِدَاحُ
[١] .

(عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَأَوْلَادُهُ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْقِدَاحِ):
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ عَلَى بَنِيَّ هَؤُلَاءِ بِقِدَاحِهِمْ هَذِهِ وَأَخْبَرَهُ بِنَذْرِهِ الَّذِي نَذَرَ، فَأَعْطَاهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قِدْحَهُ الَّذِي فِيهِ اسْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَصْغَرَ بَنِي [٢] أَبِيهِ، كَانَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ وَأَبُو طَالِبٍ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنُ مَخْزُومٍ [٣] .

(خُرُوجُ الْقَدَحِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَشُرُوعُ أَبِيهِ فِي ذَبْحِهِ، وَمَنْعُ قُرَيْشٍ لَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- أَحَبَّ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَيْهِ، فَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَرَى أَنَّ السَّهْمَ إذَا أَخَطَأَهُ فَقَدْ أَشْوَى [٤]، وَهُوَ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا أَخَذَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ الْقِدَاحَ لِيَضْرِبَ بِهَا، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِهِ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ إلَى إسَافٍ وَنَائِلَةٍ لِيَذْبَحَهُ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا، فَقَالُوا: مَاذَا تُرِيدُ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: أَذْبَحُهُ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: وَاَللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ. لَئِنْ فَعَلْتَ هَذَا لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَأْتِي بِابْنِهِ حَتَّى يَذْبَحَهُ، فَمَا بَقَاءُ النَّاسِ عَلَى هَذَا! وَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ

-------------------------
[١] وَقد عرض الآلوسي فِي كِتَابه بُلُوغ الأرب فِي أَحْوَال الْعَرَب (ج ٣ ص ٧٠- ٧٥) للْكَلَام على القداح بإسهاب وتفصيل فَارْجِع إِلَيْهِ.
[٢] الظَّاهِر أَنه يُرِيد أَن عبد الله كَانَ أَصْغَر ولد أَبِيه حِين أَرَادَ نَحره، أَو لَعَلَّ الرِّوَايَة «أَصْغَر بنى أمه» . وَإِلَّا فالمعروف أَن حَمْزَة كَانَ أَصْغَر من عبد الله، وَالْعَبَّاس كَانَ أَصْغَر من حَمْزَة، وَقد ذكر عَن الْعَبَّاس رضي الله عنه أَنه قَالَ: أذكر مولد رَسُول الله ﷺ وَأَنا ابْن ثَلَاثَة أَعْوَام أَو نَحْوهَا، فجيء بى حَتَّى نظرت إِلَيْهِ، وَجعل النسْوَة يقلن لي: قبل أَخَاك، قبل أَخَاك، فقبلته. وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن عبد الله لَيْسَ أَصْغَر أَوْلَاد عبد الْمطلب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] وَهَذَا الرأى- رأى ابْن هِشَام- هُوَ الْأَصَح، فقد ذكر الزبيريون أَن «عبدا» . هُوَ أَخُو عَائِذ ابْن عمرَان، وَأَن بنت عبد هِيَ صَخْرَة امْرَأَة عَمْرو بن عَائِذ، على قَول ابْن إِسْحَاق، إِن عَائِذ: هُوَ ابْن عبد، تكون صَخْرَة عمَّة لعائذ، وعَلى قَول ابْن هِشَام بنت عَمه. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٤] أشوى: أبقى، يُقَال: أشويت من الطَّعَام: إِذا أبقيت.



ابْن عَمْرِو [١] بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ: وَاَللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِدَاؤُهُ بِأَمْوَالِنَا فَدَيْنَاهُ. وَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ:
لَا تَفْعَلْ، وَانْطَلِقْ بِهِ إلَى الْحِجَازِ، فَإِنَّ بِهِ عَرَّافَةً [٢] لَهَا تَابِعٌ، فَسَلْهَا، ثُمَّ أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ، إنْ أَمَرَتْكَ بِذَبْحِهِ ذَبَحْتَهُ، وإنْ أَمَرَتْكَ بِأَمْرٍ لَكَ وَلَهُ فِيهِ فَرَجٌ قَبِلْتُهُ.

(عَرَّافَةُ الْحِجَازِ وَمَا أشارت بِهِ أم عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
فَانْطَلَقُوا حَتَّى قدمُوا الْمَدِينَة، فوجودها- فِيمَا يَزْعُمُونَ- بِخَيْبَرِ. فَرَكِبُوا حَتَّى جَاءُوهَا، فَسَأَلُوهَا، وَقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ابْنِهِ، وَمَا أَرَادَ بِهِ وَنَذْرَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: ارْجِعُوا عَنِّي الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلُهُ. فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا عَنْهَا، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، كَمْ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ [٣] .
قَالَتْ: فَارْجِعُوا إلَى بِلَادِكُمْ، ثُمَّ قَرِّبُوا صَاحِبَكُمْ، وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، ثُمَّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ [٤]، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا مِنْ الْإِبِلِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ، فَقَدْ رَضِيَ رَبُّكُمْ، وَنَجَا صَاحِبُكُمْ.

(نَجَاةُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الذَّبْحِ):
فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَلَمَّا أَجَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ وَعَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللَّهَ عز وجل، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ عِشْرِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ عز وجل، ثُمَّ ضَرَبُوا

---------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَابْن الْأَثِير ووفى أوالطبري: «عمر»
[٢] يُقَال إِن اسْم هَذِه العرافة: قُطْبَة. وَقيل: بل اسْمهَا: سجَاح.
[٣] من هُنَا ترى أَن الدِّيَة كَانَت عِنْدهم عشرَة من الْإِبِل، وَيكون عبد الله- على هَذَا- هُوَ أول من جعلهَا مائَة من الْإِبِل.
وَالْمَعْرُوف أَن أول من ودى بِالْإِبِلِ من الْعَرَب زيد بن بكر بن هوَازن حِين قَتله أَخُوهُ مُعَاوِيَة جد بنى عَامر بن صعصعة. (عَن الرَّوْض الْأنف، وَكتاب الْأَوَائِل لأبى هِلَال العسكري) .
[٤] فِي ر: «الْقدح» .



فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَلَاثِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ أَرْبَعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ خَمْسِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ؛ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سِتِّينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سَبْعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَمَانِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ تِسْعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فبلغت الْإِبِل مائَة، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ حَضَرَ: قَدْ انْتَهَى رِضَا رَبِّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَزَعَمُوا أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى أَضْرِبَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَضَرَبُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَعَلَى الْإِبِلِ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، ثُمَّ عَادُوا الثَّانِيَةَ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللَّهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، ثُمَّ عَادُوا الثَّالِثَةَ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللَّهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ تُرِكَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا إنْسَانٌ وَلَا يُمْنَعُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنْسَانٌ وَلَا سَبُعٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَيْنَ أَضْعَافِ هَذَا الْحَدِيثِ رَجَزٌ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ.

ذِكْرُ الْمَرْأَةِ الْمُتَعَرِّضَةِ لِنِكَاحِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ

(رَفْضُ عَبْدِ اللَّهِ طَلَبَ الْمَرْأَةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ آخِذًا بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ، فَمَرَّ بِهِ- فِيمَا


يَزْعُمُونَ- عَلَى امْرَأَةٍ [١] مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ، وَهِيَ أُخْتُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهِيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَتْ لَهُ حِينَ نَظَرَتْ إلَى وَجْهِهِ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَعَ أَبِي، قَالَتْ: لَكَ مِثْلُ الْإِبِلِ الَّتِي نُحِرَتْ عَنْكَ، وَقَعْ عَلَيَّ الْآنَ، قَالَ: أَنَا مَعَ أَبِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ خِلَافَهُ، وَلَا فِرَاقَهُ.

(زَوَاجُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ):
فَخَرَجَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى بِهِ وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ ابْن مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وَشَرَفًا، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَفَضْلُ امْرَأَةٍ فِي قُرَيْشٍ نَسَبًا وَمَوْضِعًا.

(أُمَّهَاتُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ):
وَهِيَ لِبَرَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ ابْن كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وَبَرَّةَ: لِأُمِّ حَبِيبِ بِنْتِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْن قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وَأُمُّ حَبِيبٍ لِبَرَّةَ بِنْتِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.

(مَا جَرَى بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمَرْأَةِ الْمُتَعَرِّضَةِ لَهُ بَعْدَ بِنَائِهِ بِآمِنَةَ):
فَزَعَمُوا أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا حِينَ أُمْلِكَهَا [٢] مَكَانَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا، فَأَتَى الْمَرْأَةَ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ مَا عَرَضَتْ

-------------------
[١] وَاسم هَذِه الْمَرْأَة: رقية بنت نَوْفَل، وتكنى: أم قتال. وَيُقَال إِن عبد الله قَالَ حِين ذَاك:
أما الْحَرَام فالحمام دونه ... والحل لَا حل فأستبينه
فَكيف بِالْأَمر الّذي تبغينه ... يحمى الْكَرِيم عرضه وَدينه
كَمَا يُقَال: إِن الْمَرْأَة الَّتِي مر عَلَيْهَا عبد الله مَعَ أَبِيه اسْمهَا فَاطِمَة بنت مر، وَكَانَت من أجمل النِّسَاء وأعفهن، وَكَانَت قَرَأت نور النُّبُوَّة فِي وَجهه، فدعته إِلَى نِكَاحهَا فَأبى. فَلَمَّا أَبى قَالَت أبياتا مِنْهَا:
إِنِّي رَأَيْت مخيلة نشأت ... فتلألأت بحناتم الْقطر
للَّه مَا زهرية سلبت ... مِنْك الّذي استلبت وَمَا تَدْرِي
وَيُقَال: إِن الَّتِي عرضت نَفسهَا عَلَيْهِ هِيَ ليلى العدوية. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة) .
[٢] أملك الْمَرْأَة (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول): تزَوجهَا.



فَقَالَ لَهَا: مَا لَكَ لَا تَعْرِضِينَ عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا كُنْتِ عَرَضْتِ عَلَيَّ بِالْأَمْسِ؟ قَالَتْ لَهُ:
فَارَقَكَ النُّورُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ بِالْأَمْسِ، فَلَيْسَ (لِي) [١] بِكَ الْيَوْمَ حَاجَةٌ. وَقَدْ كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ أَخِيهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ- وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ وَاتَّبَعَ الْكُتُبَ: أَنَّهُ سَيَكُونُ [٢] فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ [٣] أَنَّهُ حُدِّثَ:
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ كَانَتْ لَهُ مَعَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَقَدْ عَمِلَ فِي طِينٍ لَهُ، وَبَهْ آثَارٌ مِنْ الطِّينِ، فَدَعَاهَا إلَى نَفْسِهِ، فَأَبْطَأَتْ عَلَيْهِ لِمَا رَأَتْ بِهِ مِنْ أَثَرِ الطِّينِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ مَا كَانَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى آمِنَةَ، فَمَرَّ بِهَا، فَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا، فَأَبَى عَلَيْهَا، وَعَمَدَ إلَى آمِنَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَصَابَهَا، فَحَمَلَتْ بِمُحَمِّدِ ﷺ. ثُمَّ مَرَّ بِامْرَأَتِهِ تِلْكَ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكَ؟ قَالَتْ: لَا، مَرَرْتَ بِي وَبَيْنَ عَيْنَيْكَ غُرَّةٌ بَيْضَاءُ، فَدَعَوْتُكَ فَأَبَيْتَ عَلَيَّ، وَدَخَلْتَ عَلَى آمِنَةَ فَذَهَبَتْ بِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّ امْرَأَتَهُ تِلْكَ كَانَتْ تُحَدِّثُ: أَنَّهُ مَرَّ بِهَا وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ غُرَّةٌ مِثْلُ غُرَّةِ الْفَرَسِ، قَالَتْ: فَدَعَوْتُهُ رَجَاءَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ بِي، فَأَبَى عَلَيَّ، وَدَخَلَ عَلَى آمِنَةَ، فَأَصَابَهَا، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْسَطَ قَوْمِهِ نَسَبًا، وَأَعْظَمَهُمْ شَرَفًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، ﷺ.

ذِكْرُ مَا قِيلَ لِآمِنَةَ عِنْدَ حَمْلِهَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَيَزْعُمُونَ- فِيمَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ تُحَدِّثُ:

----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «كَائِن» .
[٣] رأى مُعَاوِيَة، وروى عَن عُرْوَة ومقسم وَغَيرهمَا، وَعنهُ- غير وَلَده مُحَمَّد- يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن طحلاء. وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: هُوَ أوثق من ابْنه. (عَن تراجم رجال) .



أَنَّهَا أُتِيَتْ، حِينَ حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقِيلَ لَهَا: إنَّكَ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ إلَى الْأَرْضِ فَقُولِي: أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ، مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ، ثُمَّ سَمِّيهِ [١] مُحَمَّدًا. وَرَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ رَأَتْ بِهِ قُصُورَ بُصْرَى، مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.

(مَوْتُ عَبْدِ اللَّهِ):
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [٢]، أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنْ هَلَكَ، وَأُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَامِلٌ بِهِ [٣] .

وِلَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضَاعَتُهُ

(رَأَى ابْنُ إسْحَاقَ مَوْلِدَهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وُلِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، عَامَ الْفِيلِ [٤]

---------------------
[١] لَا يعرف فِي الْعَرَب من تسمى بِهَذَا الِاسْم قبله ﷺ إِلَّا ثَلَاثَة، طمع آباؤهم حِين سمعُوا بِذكر مُحَمَّد ﷺ وبقرب زَمَانه وَأَنه يبْعَث فِي الْحجاز، أَن يكون ولدا لَهُم. وهم: مُحَمَّد ابْن سُفْيَان بن مجاشع، جد جد الفرزدق الشَّاعِر، وَالْآخر: مُحَمَّد بن أحيحة بن الجلاح بن الْحَرِيش بن جحجبى بن كلفة بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس، وَالْآخر مُحَمَّد بن حمْرَان بن ربيعَة. وَكَانَ آبَاء هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة قد وفدوا على بعض الْمُلُوك، وَكَانَ عِنْده علم من الْكتاب الأول فَأخْبرهُم بمبعث النَّبِي ﷺ وباسمه، وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُم قد خلف امْرَأَته حَامِلا. فَنَذر كل وَاحِد مِنْهُم إِن ولد لَهُ ولد ذكر أَن يُسَمِّيه مُحَمَّدًا، فَفَعَلُوا ذَلِك. (رَاجع الْفُصُول لِابْنِ فورك، وَالرَّوْض الْأنف) .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد بن عبد الْملك بن هِشَام. قَالَ حَدثنَا زِيَاد بن عبد الله البكائي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق المطلبي قَالَ ... إِلَخ» .
[٣] أَكثر الْعلمَاء على أَن عبد الله مَاتَ وَرَسُول الله ﷺ فِي المهد، ابْن شَهْرَيْن أَو أَكثر من ذَلِك. وَقيل: بل مَاتَ عبد الله عِنْد أَخْوَاله بنى النجار وَرَسُول الله ﷺ ابْن ثَمَان وَعشْرين شهرا. وَيُقَال إِنَّه دفن فِي دَار النَّابِغَة فِي الدَّار الصُّغْرَى، إِذا دخلت الدَّار على يسارك فِي الْبَيْت. (رَاجع الطَّبَرِيّ وَالرَّوْض الْأنف) .
[٤] اخْتلف فِي مولده ﷺ، فَذكر أَنه كَانَ فِي ربيع الأول، وَهُوَ الْمَعْرُوف. وَقَالَ الزبير: كَانَ مولده فِي رَمَضَان. وَهَذَا القَوْل مُوَافق لقَوْل من قَالَ: إِن أمه حملت بِهِ فِي أَيَّام التَّشْرِيق.
ويذكرون أَن الْفِيل جَاءَ مَكَّة فِي الْمحرم، وَأَنه ﷺ ولد بعد مَجِيء الْفِيل بِخَمْسِينَ يَوْمًا. وَكَانَت وِلَادَته ﷺ بِالشعبِ، وَقيل بِالدَّار الَّتِي عِنْد الصَّفَا، وَكَانَت بعد لمُحَمد بن يُوسُف أخى الْحجَّاج



(رِوَايَةُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ مَوْلِدِهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ:
وَلَدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ، فَنَحْنُ لِدَانِ [١] .

(رِوَايَةُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ مَوْلِدِهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ [٢] إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ. قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
وَاَللَّهِ إنِّي لَغُلَامٌ [٣] يَفَعَةٌ، ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ، أَعْقِلُ كُلَّ مَا سَمِعْتُ، إذْ سَمِعْتُ يَهُودِيًّا يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عَلَى أَطَمَةٍ [٤] بِيَثْرِبَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودِ، حَتَّى إذَا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، قَالُوا لَهُ: وَيلك مَالك؟ قَالَ: طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدِ الَّذِي وُلِدَ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَقُلْتُ:
ابْنُ كَمْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؟
فَقَالَ: ابْنُ سِتِّينَ (سَنَةً) [٥]، وَقَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَسَمِعَ حَسَّانُ مَا سَمِعَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ.

(إعْلَامُ أُمِّهِ جَدَّهُ بِوِلَادَتِهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ ﷺ، أَرْسَلَتْ إلَى جَدِّهِ

----------------------
[()] ثمَّ بنتهَا زبيدة مَسْجِدا حِين حجت. (رَاجع الرَّوْض الْأنف والطبقات الْكُبْرَى لِابْنِ سعد والطبري) .
[١] كَذَا فِي أ. ولدان: مثنى لِدَة. واللدة: الترب، وَالْهَاء فِيهِ عوض عَن الْوَاو الذاهبة من أَوله، لِأَنَّهُ من الْولادَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لدتان» . وَلم تذكره كتب اللُّغَة بِدُونِ تَاء.
[٢] هُوَ صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بن عمرَان الزُّهْرِيّ الْمدنِي، روى عَن أَبِيه وَأنس ومحمود بن لبيد والأعرج وَغَيرهم. وَعنهُ- غير ابْن إِسْحَاق- ابْنه سَالم وَالزهْرِيّ وَيُونُس بن يَعْقُوب الْمَاجشون وَجَمَاعَة. مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك. (عَن تراجم رجال) .
[٣] غُلَام يفعة: قوى قد طَال قده، مَأْخُوذ من اليفاع، وَهُوَ العالي من الأَرْض.
[٤] الأطمة (بِفتْحَتَيْنِ): الْحصن.
[٥] زِيَادَة عَن أ.



عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَكَ غُلَامٌ، فَأْتِهِ فَانْظُرْ إلَيْهِ، فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ، وَحَدَّثَتْهُ بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ، وَمَا أُمِرَتْ بِهِ أَنْ تُسَمِّيَهُ.

(فَرَحُ جَدِّهِ بِهِ ﷺ، وَالْتِمَاسُهُ لَهُ الْمَرَاضِعَ):
فَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَخَذَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ، فَقَامَ يَدْعُو اللَّهَ، وَيَشْكُرُ لَهُ مَا أَعْطَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى أُمِّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهَا [١] . وَالْتَمَسَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرُّضَعَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاضِعُ. وَفَى كِتَابِ اللَّهِ تبارك وتعالى فِي قِصَّةِ مُوسَى عليه السلام: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ ٢٨: ١٢ [٢] .

(نَسَبُ حَلِيمَةَ، وَنَسَبُ أَبِيهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاسْتَرْضَعَ لَهُ [٣] امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، يُقَالُ لَهَا: حَلِيمَةُ ابْنَةُ أَبِي ذُؤَيْبٍ.
وَأَبُو ذُؤَيْبٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ شِجْنَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ رِزَامِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيَّةَ [٤] بْنِ نَصْرِ [٥] بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيَلَانَ.

-------------------
[١] وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَن عبد الْمطلب عوذة بِشعر مِنْهُ:
الْحَمد للَّه الّذي أعطانى ... هَذَا الْغُلَام الطّيب الأردان
قد سَاد فِي المهد على الغلمان ... أُعِيذهُ بِالْبَيْتِ ذِي الْأَركان
(رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] الْمَعْرُوف أَن المراضع: جمع مرضع. وعَلى هَذَا تخرج رِوَايَة ابْن إِسْحَاق على أحد وَجْهَيْن، أَحدهمَا:
حذف الْمُضَاف، كَأَنَّهُ قَالَ: ذَوَات الرضعاء. وَالثَّانِي: أَن يكون أَرَادَ بالرضعاء: الْأَطْفَال على حَقِيقَة اللَّفْظ، لأَنهم إِذا وجدوا لَهُ مُرْضِعَة ترْضِعه، فقد وجدوا لَهُ رضيعا يرضع مَعَه. فَلَا يبعد أَن يُقَال: التمسوا لَهُ رضيعا، علما بِأَن الرَّضِيع لَا بُد لَهُ من مرضع. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٣] كَذَا فِي أ. واسترضعت الْمَرْأَة ولدى: طلبت مِنْهَا أَن ترْضِعه. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «واسترضع لَهُ من امْرَأَة» .
[٤] فِي الْأُصُول: «قصية» بِالْقَافِ. وَهُوَ تَصْحِيف. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة، والطبقات) .
[٥] فِي الطَّبَرِيّ هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي فِي نسب الْحَارِث: «قصية بن سعد» . بِإِسْقَاط «نصر» .



(نَسَبُ أَبِيهِ ﷺ فِي الرَّضَاعِ):
وَاسْمُ أَبِيهِ الَّذِي أَرْضَعَهُ ﷺ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِفَاعَةَ ابْن مَلَّانَ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيَّةَ [١] بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ [٢] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: هِلَالُ بْنُ نَاصِرَةَ.

(إخْوَتُهُ ﷺ مِنْ الرَّضَاعِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِخْوَتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُنَيْسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَحُذَافَةُ [٣] بِنْتُ الْحَارِثِ، وَهِيَ الشَّيْمَاءُ [٤]، غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى اسْمِهَا فَلَا تُعْرَفُ فِي قَوْمِهَا إلَّا بِهِ. وَهُمْ لِحَلِيمَةِ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَيَذْكُرُونَ أَنَّ الشَّيْمَاءَ كَانَتْ تَحْضُنُهُ مَعَ أُمِّهَا [٥] إذَا كَانَ عِنْدَهُمْ [٦]

--------------------
.[١] كَذَا فِي م هُنَا. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قصية» بِالْقَافِ. وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] وَيُقَال إِن الْحَارِث قدم على رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة حِين أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن، فَقَالَت لَهُ قُرَيْش: أَلا تسمع يَا حَار مَا يَقُول ابْنك هَذَا؟ فَقَالَ: وَمَا يَقُول؟ قَالُوا: يزْعم أَن الله يبْعَث النَّاس بعد الْمَوْت وَأَن للَّه دارين يعذب فيهمَا من عَصَاهُ، وَيكرم من أطاعه، فقد شتت أمرنَا وَفرق جماعتنا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَي بنى، مَالك ولقومك يشكونك، ويزعمون أَنَّك تَقول: إِن النَّاس يبعثون بعد الْمَوْت، ثمَّ يصيرون إِلَى جنَّة ونار، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: أَنا أزعم ذَلِك، وَلَو قد كَانَ ذَلِك الْيَوْم يَا أَبَت لقد أخذت بِيَدِك حَتَّى أعرفك حَدِيثك الْيَوْم. فَأسلم الْحَارِث بعد ذَلِك وَحسن إِسْلَامه، وَكَانَ يَقُول حِين أسلم:
لَو قد أَخذ ابْني بيَدي فعرفني مَا قَالَ لم يُرْسِلنِي إِن شَاءَ الله حَتَّى يدخلني الْجنَّة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح الْمَوَاهِب، والإصابة) .
[٣] فِي الْإِصَابَة: «خذامة»، وَهِي بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة، كَمَا نبه على ذَلِك السهيليّ وَأَبُو ذَر، وَقد ذكر السهيليّ وَأَبُو ذَر وَابْن حجر مَا أَثْبَتْنَاهُ رِوَايَة أُخْرَى، وَانْفَرَدَ أَبُو ذَر بالتنبيه على أَنه هُوَ الصَّوَاب.
وَفِي أوالطبري: والطبقات «جدامة»، وَبهَا جزم ابْن سعد فِي الطَّبَقَات على أَنَّهَا «جدامة» بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة.
[٤] وَيُقَال إِنَّهَا: «الشماء» بلاياء (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٥] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ. وَفِي الْأُصُول: «أمه» .
[٦] وَيُقَال: إِن أول من أَرْضَعَتْه ﷺ: ثويبة، أَرْضَعَتْه بِلَبن ابْن لَهَا يُقَال لَهُ:
ممزوج، أَيَّامًا، قبل أَن تقدم حليمة. وَكَانَت قد أرضعت قبله حَمْزَة بن عبد الْمطلب المَخْزُومِي. كَمَا أرضعت عبد الله بن جحش، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يعرف ذَلِك لثويبة، ويصلها من الْمَدِينَة. فَلَمَّا افْتتح مَكَّة سَأَلَ عَنْهَا وَعَن ابْنهَا مسروح، فَأخْبر أَنَّهُمَا مَاتَا، وَسَأَلَ عَن قرابتهما، فَلم يجد أحدا مِنْهُم حَيا وَكَانَت ١١- سيرة ابْن هِشَام- ١






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 07-01-2026, 12:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (18)

صــ 161إلى صــ 170






(حَدِيثُ حَلِيمَةَ عَمَّا رَأَتْهُ مِنْ الْخَيْرِ بَعْدَ تَسَلُّمِهَا لَهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَهْمُ بْنُ أَبِي جَهْمٍ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ الْجُمَحِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. أَوْ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْهُ قَالَ:
كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السَّعْدِيَّةُ. أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ، تُحَدِّثُ: أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ [١] تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، تَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، قَالَتْ: وَذَلِكَ فِي سَنَةٍ [٢] شَهْبَاءَ، لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا. قَالَتْ: فَخَرَجَتْ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ [٣]، مَعَنَا شَارِفٌ [٤] لَنَا، وَالله مَا نبض [٥] بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَنَا أَجْمَعَ مِنْ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعَنَا، مِنْ بُكَائِهِ مِنْ الْجَوْعِ، مَا فِي ثَدْيَيَّ مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَدِّيهِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: يُغَذِّيهِ [٦]- وَلَكِنَّا كُنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ فَلَقَدْ أَدَمْتُ [٧] بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا [٨]، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ [٩] الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ

-----------------------[()] ثويبة جَارِيَة لأبى لَهب. كَمَا يُقَال: إِنَّه ﷺ رضع أَيْضا من غير هَاتين. (رَاجع الطَّبَرِيّ وَالرَّوْض الْأنف، والاستيعاب، وَشرح الْمَوَاهِب) .
[١] يُقَال: إِن اسْمه عبد الله بن الْحَارِث. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب والمعارف والطبقات) .
[٢] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ. وَفِي أ: «وَفِي سنة ... إِلَخ» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَهِي فِي سنة ... إِلَخ»
[٣] القمرة (بِالضَّمِّ): لون إِلَى الخضرة، أَو بَيَاض فِيهِ كدرة. يُقَال: حمَار أقمر، وأتان قَمْرَاء.
[٤] الشارف: النَّاقة المسنة.
[٥] مَا تبض: مَا ترشح بِشَيْء.
[٦] وَمَا ذكره ابْن هِشَام أتم فِي الْمَعْنى من الِاقْتِصَار على ذكر الْغَدَاء دون الْعشَاء. ويروى: «مَا يعذبه» أَي مَا يقنعه حَتَّى يرفع رَأسه وَيَنْقَطِع عَن الرَّضَاع.
[٧] كَذَا فِي أ. وَلَقَد شرحها أَبُو ذَر فَقَالَ: فَلَقَد أدمت بالركب، أَي أطلت عَلَيْهِم الْمسَافَة لتمهلهم عَلَيْهَا، مَأْخُوذ من الشَّيْء الدَّائِم. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أذمت» . وأذمت الركاب: أعيت وَتَخَلَّفت عَن جمَاعَة الْإِبِل، وَلم تلْحق بهَا. يُرِيد أَنَّهَا تَأَخَّرت بالركب، أَي تَأَخّر الركب بِسَبَبِهَا.
[٨] العجف: الهزال.
[٩] يذكرُونَ فِي دفع قُرَيْش وَغَيرهم من أَشْرَاف الْعَرَب أَوْلَادهم إِلَى المراضع أسبابا، أَحدهَا: تَفْرِيغ النِّسَاء إِلَى الْأزْوَاج، كَمَا قَالَ عمار بن يَاسر لأم سَلمَة رضي الله عنها، وَكَانَ أخاها من الرضَاعَة، حِين انتزع من حجرها زَيْنَب بنت أَبى سَلمَة، فَقَالَ: دعِي هَذِه المقبوحة المشقوحة الَّتِي آذيت بهَا رَسُول الله ﷺ.


عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَأْبَاهُ، إذَا قِيلَ لَهَا إنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إنَّمَا كُنَّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ! وَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ! فَكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ، فَمَا بَقِيَتْ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْتُ لِصَاحِبِي: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاَللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَآخُذَنَّهُ، قَالَ: لَا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً. قَالَتْ [١]: فَذَهَبْتُ إلَيْهِ فَأَخَذْتُهُ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ إلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا أَخَذْتُهُ، رَجَعْتُ بِهِ إلَى رَحْلِي، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي [٢] أَقَبْلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ [٣]، ثُمَّ نَامَا، وَمَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ زَوْجِي إلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا إنَّهَا لَحَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ، وَشَرِبْتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وَشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ. قَالَتْ: يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: تَعَلَّمِي [٤] وَاَللَّهِ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أَخَذْتُ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا وَرَكِبْتُ (أَنَا) [٥] أَتَانِي، وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا معى، فو الله لَقَطَعَتْ بِالرَّكْبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا [٦]
------------------[()] وَقد يكون ذَلِك مِنْهُم لينشأ الطِّفْل فِي الْأَعْرَاب، فَيكون أفْصح لِسَانا، وَأجْلَد لجسمه وأجدر أَلا يُفَارق الْهَيْئَة المعدية، كَمَا قَالَ عمر رضي الله عنه: تمعددوا تمعززوا وَاخْشَوْشنُوا. وَلَقَد قَالَ عليه الصلاة والسلام لأبى بكر رضي الله عنه حِين قَالَ لَهُ: مَا رَأَيْت أفْصح مِنْك يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنعنِي وَأَنا من قُرَيْش وأرضعت فِي بنى سعد. فَهَذَا وَنَحْوه كَانَ يحملهم على دفع الرضعاء إِلَى المرضعات الأعرابيات. وَقد ذكر أَن عبد الْملك بن مَرْوَان كَانَ يَقُول: أضربنا حب الْوَلِيد. لِأَن الْوَلِيد كَانَ لحانا وَكَانَ سُلَيْمَان فصيحا، لِأَن الْوَلِيد أَقَامَ مَعَ أمه، وَسليمَان وَغَيره من إخْوَته سكنوا الْبَادِيَة فتعربوا، ثمَّ أدبوا فتأدبوا. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح الْمَوَاهِب) .
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ» وَلَعَلَّ تذكير الْفِعْل على معنى الشَّخْص.
[٢] وَيُقَال: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَا يقبل إِلَّا على ثدي وَاحِد، وَكَانَ يعرض عَلَيْهِ الثدي الآخر فيأباه، كَأَنَّهُ قد أشعر عليه الصلاة والسلام أَن مَعَه شَرِيكا فِي أَلْبَانهَا. (رَاجع الرَّوْض الْأنف)
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والطبري. وَفِي أوالروض الْأنف: «رويا» .
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. يُرِيد: اعلمي. وَفِي الطَّبَرِيّ: «أتعلمين ... إِلَخ» .
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] فِي: أ «على» .



شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ، حَتَّى إنَّ صَوَاحِبِي لِيَقُلْنَ لي: يَا بنة أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَيْحَكَ! ارْبَعِي [١] عَلَيْنَا، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أَتَانَكَ الَّتِي كُنْتُ خَرَجْتُ عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاَللَّهِ، إنَّهَا لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاَللَّهِ إنَّ لَهَا لَشَأْنًا. قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيَّ حِينَ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبَّنًا، فَنَحْلُبُ وَنَشْرَبُ، وَمَا يَحْلُبُ إنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ، وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ، حَتَّى كَانَ الْحَاضِرُونَ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمْ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبَّنًا. فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنْ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَالْخَيْرَ [٢] حَتَّى مَضَتْ سَنَتَاهُ [٣] وَفَصَلْتُهُ، وَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لَا يَشِبُّهُ الْغِلْمَانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا [٤] . قَالَتْ: فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا، لِمَا كُنَّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ. فَكَلَّمْنَا أُمَّهُ وَقُلْتُ لَهَا: لَوْ تَرَكْتُ بُنَيَّ عِنْدِي حَتَّى يَغْلُظَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ وَبَأَ [٥] مَكَّةَ، قَالَتْ: فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حَتَّى رَدَّتْهُ مَعَنَا.

(حَدِيثُ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ شَقَّا بَطْنَهُ ﷺ):
قَالَتْ: فرجعنا بِهِ، فو الله إنَّهُ بَعْدَ مَقْدِمِنَا (بِهِ) بِأَشْهُرِ مَعَ أَخِيهِ لَفِي بَهْمٍ [٦] لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ [٧]، فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، فَهُمَا يَسُوطَانِهِ [٨] .

---------------------[١] اربعى: أقيمى وانتظري. يُقَال: ربع فلَان على فلَان إِذا أَقَامَ عَلَيْهِ وانتظره. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
عودي علينا واربعى يَا فاطما
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «الزِّيَادَة والخيرة» . وَفِي الطَّبَرِيّ: «زِيَادَة الْخَيْر» .
[٣] فِي الطَّبَرِيّ: «سنتَانِ» .
[٤] الجفر: الغليظ الشَّديد.
[٥] الوبأ: يهمز وَيقصر (والوباء) بِالْمدِّ: الطَّاعُون.
[٦] البهم: الصغار من الْغنم، واحدتها: بهمة.
[٧] اشْتَدَّ فِي عدوه: أسْرع.
[٨] يُقَال: سطت اللَّبن أَو الدَّم أَو غَيرهمَا أسوطه: إِذا ضربت بعضه بِبَعْض. وَاسم الْعود الّذي يضْرب بِهِ: السَّوْط.



قَالَتْ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبوهُ نَحوه، فَوَجَدنَا قَائِمًا مُنْتَقَعَا [١] وَجْهُهُ. قَالَتْ: فَالْتَزَمْتُهُ وَالْتَزَمَهُ أَبُوهُ، فَقُلْنَا لَهُ: مَالك يَا بُنَيَّ، قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَانِي وَشَقَّا بَطْنِي، فَالْتَمِسَا (فِيهِ) شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا (بِهِ) [٢] إلَى خِبَائِنَا.

(رُجُوعُ حَلِيمَةَ بِهِ ﷺ إلَى أُمِّهِ):
قَالَتْ: وَقَالَ لِي أَبُوهُ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ، قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ، فَقَدِمْنَا بِهِ على أمّه، فَقَالَت: مَا أَقْدَمَكَ بِهِ يَا ظِئْرُ [٣] وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ، وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَكَ؟
قَالَتْ: فَقُلْتُ [٤]: قَدْ بَلَغَ اللَّهُ بِابْنِي وَقَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ، وَتَخَوَّفْتُ الْأَحْدَاثَ، عَلَيْهِ، فَأَدَّيْتُهُ إلَيْكَ [٥] كَمَا تُحِبِّينَ، قَالَتْ: مَا هَذَا شَأْنُكَ، فَاصْدُقِينِي خَبَرَكَ.
قَالَتْ: فَلَمْ تَدَعْنِي حَتَّى أَخْبَرْتُهَا. قَالَتْ: أَفَتَخَوَّفَتْ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ نَعَمْ، قَالَتْ: كَلَّا، وَاَللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، وَإِنَّ لِبُنَيَّ لَشَأْنًا، أَفَلَا أُخْبِرُكِ خَبَرَهُ، قَالَتْ: (قُلْتُ) [٢] بَلَى، قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ [٦] لِي قُصُورَ بُصْرَى [٧] مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثُمَّ حملت بِهِ، فو الله مَا رَأَيْتُ مِنْ حَمْلٍ قَطُّ كَانَ أَخَفَّ (عَلَيَّ) [٢] وَلَا أَيْسَرَ مِنْهُ، وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ وَإِنَّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ، رَافِعٌ رَأَسَهُ إلَى السَّمَاءِ، دَعِيهِ عَنْكَ وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً.

------------------------[١] منتقعا وَجهه: أَي متغيرا، يُقَال: انتقع وَجهه وامتقع (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول): إِذا تغير.
[٢] زِيَادَة عَن أوالطبري.
[٣] الظِّئْر (بِالْكَسْرِ): العاطفة على ولد غَيرهَا الْمُرضعَة لَهُ، فِي النَّاس وَغَيرهم، فَهُوَ أَعم من الْمُرضعَة لِأَنَّهُ يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى.
[٤] كَذَا فِي أوالطبري، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَقلت.. نعم قد بلغ ... إِلَخ» .
[٥] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ وَفِي الْأُصُول «عَلَيْك» .
[٦] كَذَا فِي أوالطبري. وَفِي سَائِر الْأُصُول «أَضَاء لي بِهِ قُصُور ... إِلَخ» .
[٧] بصرى (بِالضَّمِّ وَالْقصر): من أَعمال دمشق بِالشَّام، وَهِي قَصَبَة كورة حوران، مَشْهُورَة عِنْد الْعَرَب قَدِيما وحديثا، وَلَهُم فِيهَا أشعار كَثِيرَة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .



(تَعْرِيفُهُ ﷺ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَحَدَّثَنِي ثَوْرُ [١] بْنُ يَزِيدَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ [٢] الْكُلَاعِيِّ:
أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ [٣]، وَبُشْرَى (أَخِي) [٤] عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ الشَّامِ [٥]، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بَهْمًا لَنَا، إذْ أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا، ثُمَّ أَخَذَانِي فَشَقَّا بَطْنِي، وَاسْتَخْرَجَا قلبِي فشقّاه، فاستخرجنا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا، ثُمَّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى أَنْقَيَاهُ [٦]، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ زِنْهُ بِعَشَرَةِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ، ثُمَّ قَالَ: زنه بِمِائَة مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ، ثُمَّ قَالَ: زَنِّهِ بِأَلْفِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ، فَقَالَ: دَعه

----------------------[١] هُوَ ثَوْر بن يزِيد الكلَاعِي، وَيُقَال الرحبيّ، أَبُو خَالِد الْحِمصِي أحد الْحفاظ الْعلمَاء. روى عَن خَالِد هَذَا وحبِيب بن عبيد وَصَالح بن يحيى وَغَيرهم، وروى عَنهُ ابْن الْمُبَارك وَيحيى الْقطَّان، وَخلق كثير، وَكَانَ يرى الْقدر. وَمَات سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة، وَهُوَ ابْن بضع وَسِتِّينَ سنة، وَقيل مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَة. (رَاجع تراجم رجال) .
[٢] هُوَ خَالِد بن معدان بن أَبى كريب الكلَاعِي أَبُو عبد الله الشَّامي الْحِمصِي. روى عَن ثَوْبَان وَابْن عَمْرو وَابْن عمر وَغَيرهم. وروى عَنهُ بجير بن سعيد وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث وَغَيرهمَا. توفى سنة ١٠٣، وَقيل سنة ١٠٤، وَقيل سنة ١٠٨. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والطبري. وَفِي أ: «دَعْوَة إِبْرَاهِيم» .
[٤] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ.
[٥] وَتَأْويل هَذَا النُّور مَا فتح الله عَلَيْهِ من تِلْكَ الْبِلَاد حَتَّى كَانَت الْخلَافَة فِيهَا مُدَّة بنى أُميَّة، واستضاءت تِلْكَ الْبِلَاد وَغَيرهَا بنوره ﷺ. ويحكى أَن خَالِد بن سعيد بن العَاصِي رأى قبل الْبَعْث بِيَسِير نورا يخرج من زَمْزَم حَتَّى ظَهرت لَهُ الْبُسْر فِي نخيل يثرب، فَقَصَّهَا على أَخِيه عَمْرو فَقَالَ لَهُ: إِنَّهَا حفيرة عبد الْمطلب وَإِن هَذَا النُّور مِنْهُم. فَكَانَ ذَلِك سَبَب مبادرته إِلَى الْإِسْلَام. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ: ثمَّ قَالَ ... إِلَخ» .



عَنْك، فو الله لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَوَزَنَهَا [١] .

(هُوَ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ رَعَوْا الْغَنَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ، قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَأَنَا» [٢] .

(اعْتِزَازُهُ ﷺ بِقُرَشِيَّتِهِ، وَاسْتِرْضَاعُهُ فِي بَنِي سَعْدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: أَنَا أَعْرَبُكُمْ، أَنَا قُرَشِيٌّ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.

(افْتَقَدَتْهُ حَلِيمَةُ ﷺ حِينَ رُجُوعِهَا بِهِ، وَوَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ النَّاسُ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ أُمَّهُ السَّعْدِيَّةَ لَمَّا قَدِمَتْ بِهِ مَكَّةَ أَضَلَّهَا فِي النَّاسِ وَهِيَ مُقْبِلَةٌ بِهِ نَحْوَ أَهْلِهِ، فَالْتَمَسَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَأَتَتْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ لَهُ: إنِّي قَدْ قَدِمْتُ بِمُحَمَّدٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَلَمَّا كُنْتُ بِأَعْلَى مكّة أضلّنى، فو الله مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيَا بِهِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَا لَهُ: هَذَا ابْنُكَ وَجَدْنَاهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يُعَوِّذُهُ وَيَدْعُو لَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهِ إلَى أُمِّهِ آمِنَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:
أَنَّ مِمَّا هَاجَ أُمَّهُ السَّعْدِيَّةَ عَلَى رَدِّهِ إلَى أُمِّهِ، مَعَ مَا ذَكَرَتْ لِأُمِّهِ مِمَّا أَخْبَرَتْهَا عَنْهُ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ الْحَبَشَةِ نَصَارَى، رَأَوْهُ مَعَهَا حِينَ رَجَعَتْ بِهِ بَعْدَ فِطَامِهِ، فَنَظَرُوا إلَيْهِ وَسَأَلُوهَا عَنْهُ وَقَلَّبُوهُ، ثُمَّ قَالُوا لَهَا: لَنَأْخُذَنَّ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَنَذْهَبَنَّ بِهِ إلَى مَلِكِنَا وَبَلَدِنَا، فَإِنَّ هَذَا غُلَامٌ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ نَحْنُ نَعْرِفُ أَمْرَهُ، فَزَعَمَ الَّذِي حَدَّثَنِي أَنَّهَا لَمْ تَكَدْ تَنْفَلِتُ بِهِ مِنْهُمْ.

------------------[١] وَزَاد الطَّبَرِيّ بعد هَذَا: «قَالَ ثمَّ ضموني إِلَى صدرهم، وقبلوا رَأْسِي وَمَا بَين عَيْني، ثمَّ قَالُوا:
يَا حبيب، لم ترع، إِنَّك لَو تَدْرِي مَا يُرَاد بك من الْخَيْر لقرت عَيْنك» .
[٢] الْمَعْرُوف أَن رَسُول الله ﷺ رعى الْغنم فِي بنى سعد مَعَ أَخِيه من الرضَاعَة، وَأَنه رعاها بِمَكَّة أَيْضا على قراريط لأهل مَكَّة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .



وَفَاةُ آمِنَةَ وَحَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَهَا

(وَفَاةُ آمِنَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ.
وَجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فِي كَلَاءَةِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ، يُنْبِتُهُ اللَّهُ نَبَاتًا حَسَنًا لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّ سِنِينَ، تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ:
أَنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمِنَةُ تُوُفِّيَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، كَانَتْ قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، تُزِيرُهُ إيَّاهُمْ، فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إلَى مَكَّةَ [١] .

(سَبَبُ خُؤُولَةِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ: سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو النَّجَّارِيَّةُ.
فَهَذِهِ الْخُؤُولَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ.

(إكْرَامُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَهُ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْن هَاشِمٍ، وَكَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَ فِرَاشِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَخْرَجَ إلَيْهِ، لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إجْلَالًا لَهُ، قَالَ:
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي وَهُوَ غُلَامٌ جَفْرٌ، حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذَهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، إذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ: دعوا ابْني، فو الله إنَّ لَهُ لَشَأْنًا، ثُمَّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ [٢]، وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، وَيَسُرُّهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ.

-------------------[١] وَيُقَال إِن قبر آمِنَة بنت وهب فِي شعب أَبى ذَر بِمَكَّة. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... مَعَه عَلَيْهِ ... إِلَخ» .



وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَمَا رُثِيَ بِهِ مِنْ الشِّعْرِ

(وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمَا قِيلَ فِيهِ مِنَ الشِّعْرِ):
فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِي سِنِينَ هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ. وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِي سِنِينَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ [١] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ:
أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ تُوُفِّيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ [٢] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ:
أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَرَفَ أَنَّهُ مَيِّتٌ جَمَعَ بَنَاتِهِ، وَكُنَّ سِتَّ نِسْوَةٍ: صَفِيَّةَ، وَبَرَّةَ، وَعَاتِكَةَ، وَأُمَّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ، وَأُمَيْمَةَ، وَأَرْوَى، فَقَالَ لَهُنَّ: ابْكِينَ عَلَيَّ حَتَّى أَسْمَعَ مَا تَقُلْنَ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَعْرِفُ هَذَا الشِّعْرَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا [٣] رَوَاهُ عَنْ مُحَمِّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَتَبْنَاهُ.

(رِثَاءُ صَفِيَّةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
فَقَالَت صفيّة بنت عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا.
أَرِقْتُ لِصَوْتِ نَائِحَةٍ بِلَيْلٍ ... عَلَى رَجُلٍ بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ
فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي [٤] ... عَلَى خَدِّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ [٥]

---------------------[١] هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الله بن معبد بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي الْمدنِي. روى عَن أَخِيه إِبْرَاهِيم وَأَبِيهِ وَعِكْرِمَة وَغَيرهم. وروى عَنهُ ابْن جريح وَابْن إِسْحَاق ووهيب وسُفْيَان بن عُيَيْنَة والدراوَرْديّ.
(عَن تراجم رجال) .
[٢] وَبَعْضهمْ يَقُول: توفى عبد الْمطلب وَرَسُول الله ابْن عشر سِنِين. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «إِلَّا أَنه رَوَاهُ ... كَمَا كتبناه» .
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ:
فَفَاضَتْ عِنْد ذَاك دموع عَيْني
[٥] الفريد: الدّرّ



عَلَى رَجُلٍ كَرِيمٍ غَيْرِ وَغْلٍ [١] ... لَهُ الْفَضْلُ الْمُبِينُ عَلَى الْعَبِيدِ
عَلَى الْفَيَّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي ... أَبِيكِ الْخَيْرِ وَارِثِ كُلِّ جُودِ [٢]
صَدُوقٍ فِي الْمَوَاطِنِ غَيْرِ نِكْسٍ ... وَلَا شَخْتِ الْمَقَامِ وَلَا سَنِيدٍ [٣]
طَوِيلِ الْبَاعِ أَرْوَعَ شَيْظَمِيٌّ [٤] ... مُطَاعٍ فِي عَشِيرَتِهِ حَمِيدٍ
رَفِيعِ الْبَيْتِ أَبْلَجَ ذِي فُضُولٍ ... وَغَيْثِ النَّاسِ فِي الزَّمَنِ [٥] الْحَرُودِ [٦]
كَرِيمِ الْجَدِّ لَيْسَ بِذِي وُصُومِ [٧] ... يَرُوقُ عَلَى الْمُسَوَّدِ وَالْمَسُودِ
عَظِيمِ الْحِلْمِ مِنْ نَفَرٍ كِرَامٍ ... خَضَارِمَةٍ مَلَاوِثَةٍ أُسُودٍ [٨]
فَلَوْ خَلَدَ امْرُؤٌ لِقَدِيمِ مَجْدٍ ... وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْخُلُودِ
لَكَانَ مُخَلِّدًا أُخْرَى اللَّيَالِي ... لِفَضْلِ الْمَجْدِ وَالْحَسَبِ التَّلِيدِ

(رِثَاءُ بَرَّةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَعَيْنَيَّ جُودَا بِدَمْعٍ دِرَرْ ... على طيّب الخم وَالْمُعْتَصَرْ [٩]
عَلَى مَاجِدِ الْجِدِّ وَارَى الزِّنَادَ ... جَمِيلِ الْمُحَيَّا عَظِيمِ الخَطَرْ
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ ذِي الْمَكْرُمَاتِ ... وَذِي الْمَجْدِ وَالْعِزِّ والمُفْتَخَرْ

---------------------[١] الوغل: الضَّعِيف النذل السَّاقِط المقصر فِي الْأَشْيَاء.
[٢] أَرَادَت «الْخَيْر» بِالتَّشْدِيدِ فخففت، وَيجوز أَن يكون الْخَيْر (هَاهُنَا): ضد الشَّرّ، جعلته كُله خيرا على الْمُبَالغَة.
[٣] النكس: الرجل الضَّعِيف الّذي لَا خير فِيهِ. والشخت (بِالْفَتْح وبالتحريك): الدَّقِيق الضامر من الأَصْل لَا هزالًا. والسنيد: الضَّعِيف الّذي لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ حَتَّى يسند رَأْيه إِلَى غَيره.
[٤] الشيظمى: الْفَتى الجسيم.
[٥] فِي أ: «فِي الزَّمَان» . وَلَا يَسْتَقِيم بهَا الْوَزْن.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والحرود: النَّاقة القليلة الدّرّ، شبه الزَّمن فِي جدبه بهَا. وَفِي أ:
«الجرود» . والجرود: جمع جرد، وَهُوَ الْمَكَان لَا نَبَات فِيهِ.
[٧] الوصوم: جمع وصم، وَهُوَ الْعَار.
[٨] الخضارمة: جمع خضرم (كزبرج) . وَهُوَ الْجواد المعطاء وَالسَّيِّد الحمول. والملاوثة: جمع ملواث من اللوثة، وَهِي الْقُوَّة، وَمِنْه قَول قريط بن أنيف:
عِنْد الحفيظة إِن ذُو لوثة لأَنا
[٩] الخيم (بِالْكَسْرِ): السجية والطبيعة. وَمعنى كَونه طيب المعتصر، أَنه جواد عِنْد الْمَسْأَلَة.



وَذِي الْحِلْمِ وَالْفَصْلِ فِي النَّائِبَاتِ ... كَثِيرِ الْمَكَارِمِ جَمِّ الْفَجَرْ [١]
لَهُ فَضْلُ مَجْدٍ عَلَى قَوْمِهِ ... مُنِيرٍ يَلُوحُ كَضَوْءِ القَمَرْ
أَتَتْهُ الْمَنَايَا فَلَمْ تُشْوِهِ [٢] ... بِصَرْفِ اللَّيَالِي وَرَيْبِ القَدَرْ
[٣]

(رِثَاءُ عَاتِكَةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَعَيْنِيَّ جُودَا وَلَا تَبْخَلَا ... بِدَمْعِكُمَا بَعْدَ نَوْمِ النِّيَامِ
أَعَيْنِيَّ وَاسْحَنْفِرَا واسكبا ... وشوبا بكاء كَمَا بِالْتِدَامِ [٤]
أَعَيْنِيَّ وَاسْتَخْرِطَا وَاسْجُمَا ... عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ نِكْسٍ كَهَامِ [٥]
عَلَى الْجَحْفَلِ الْغَمْرِ فِي النَّائِبَاتِ ... كَرِيمِ الْمَسَاعِي وَفِيِّ الذِّمَامِ [٦]
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ وَارَى الزِّنَادِ ... وَذِي مَصْدَقٍ بَعْدُ ثَبْتِ الْمَقَامِ
وَسَيْفٍ لَدَى الْحَرْبِ صَمْصَامَةٍ ... وَمُرْدَى الْمُخَاصِمِ عِنْدَ الْخِصَام
وَسَهل الْخَلِيفَة طَلْقِ الْيَدَيْنِ ... وَفِي [٧] عَدْمَلِيٍّ صَمِيمٍ لُهَامِ [٨]
تَبَنَّكَ فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ ... رَفِيعُ الذُّؤَابَةِ صَعْبُ المَرَامِ
[٩]

(رِثَاءُ أُمِّ حَكِيمٍ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءِ بنتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَلَا يَا عَيْنُ جُودِي وَاسْتَهِلِّي ... وَبَكِّي ذَا النَّدَى وَالْمَكْرُمَاتِ [١٠]

---------------------------
[١] الْفجْر: الْعَطاء، وَالْكَرم، والجود، وَالْمَعْرُوف، وَالْمَال وكثرته.
[٢] لم تشوه: لم تصب الشوى بل أَصَابَت المقتل. والشوى: الْأَطْرَاف.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ويبث الْقَمَر» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] اسحنفر الْمَطَر وَغَيره: كثر صبه. والالتدام: ضرب النِّسَاء وجوههن فِي النِّيَاحَة.
[٥] استخرط الرجل فِي الْبكاء: لج فِيهِ. والكهام: الرجل الكليل المسن. تُرِيدُ أَنه لَيْسَ بنكس، أَي ضَعِيف وَلَا كليل.
[٦] الجحفل: الرجل الْعَظِيم، وَالسَّيِّد الْكَرِيم.
[٧] خففت الْيَاء من «وفى» ليستقيم الْوَزْن.
[٨] العدملى: الضخم. واللهام (كغراب): الْكثير الْخَيْر.
[٩] تبنك: تأصل وَتمكن، مَأْخُوذ من البنك (بِضَم الْبَاء)، وَهُوَ أصل الشَّيْء وخالصة. تُرِيدُ أَن بَيته تأصل فِي باذخ من الشّرف.
[١٠] استهلى: أظهرى الْبكاء. وَبكى: أَمر من بكاء (بِالتَّشْدِيدِ)، بِمَعْنى بَكَى عَلَيْهِ ورثاه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 07-01-2026, 12:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (19)

صــ 171إلى صــ 180






أَلَا يَا عَيْنُ وَيْحَكَ أَسْعِفِينِي ... بِدَمْعٍ مِنْ دُمُوعٍ هَاطِلَاتٍ [١]
وَبَكِّي خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... أَبَاكِ الْخَيْرُ تَيَّارَ الْفُرَاتِ [٢]
طَوِيلَ الْبَاعِ شَيْبَةَ ذَا الْمَعَالِي ... كَرِيمَ الْخِيمِ مَحْمُودَ الْهِبَاتِ [٣]
وَصُولًا لِلْقَرَابَةِ هِبْرَزِيّا ... وَغَيْثًا فِي السِّنِينَ الْمُمْحِلَاتِ [٤]
وَلَيْثًا حَيْنَ تَشْتَجِرُ الْعَوَالِي ... تَرُوقُ لَهُ عُيُونُ النَّاظِرَاتِ [٥]
عَقِيلَ بَنِي كِنَانَةَ وَالْمُرَجَّى ... إذَا مَا الدَّهْرُ أَقْبَلَ بِالْهَنَاتِ [٦]
وَمَفْزَعَهَا إذَا مَا هَاجَ هَيْجٌ ... بِدَاهِيَةٍ وَخَصْمَ الْمُعْضِلَاتِ [٧]
فَبَكِّيهِ وَلَا تسمي بِحُزْنٍ ... وَبَكِّي، مَا بَقِيَتْ، الْبَاكِيَاتُ [٨]

(رِثَاءُ أُمَيْمَةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَلَا هَلَكَ الرَّاعِي الْعَشِيرَةَ ذُو الْفَقْدِ ... وَسَاقِي الْحَجِيجِ وَالْمُحَامِي عَنْ الْمَجْدِ [٩]
وَمَنْ يُؤْلَفُ الضَّيْفَ الْغَرِيبَ بُيُوتَهُ ... إذَا مَا سَمَاءُ النَّاسِ تَبْخَلُ بِالرَّعْدِ
كَسَبْتَ وَلَيَدًا خَيْرَ مَا يَكْسِبُ الْفَتى ... فَلم تنفك تَزْدَادُ يَا شَيْبَةَ الْحَمْدِ
أَبُو الْحَارِثِ الْفَيَّاضُ خَلَّى مَكَانَهُ ... فَلَا تُبْعِدَنْ فَكُلُّ حَيٍّ إلَى بُعْدٍ
فَإِنِّي لَبَاكٍ مَا بَقِيتُ وَمُوجَعٌ ... وَكَانَ لَهُ أَهْلًا لِمَا كَانَ مِنْ وَجْدِي [١٠]

--------------------------
[١] فِي أ: «أسعدينى» . وأسعده: أَعَانَهُ على الْبكاء.
[٢] أَصله الْخَيْر (بِالتَّشْدِيدِ) فخففت الْيَاء. والتيار: مُعظم المَاء. والفرات: المَاء العذب.
[٣] الخيم: الطبيعة والسجية.
[٤] الهبرزى: الْجَمِيل الوسيم. وَيُقَال: الحاذق فِي أُمُوره.
[٥] تشتجر: تختلط وتشتبك. والعوالي: الرماح. تُرِيدُ حِين تَجِد الْحَرْب.
[٦] الهنات: جمع هنة، وَهِي كِنَايَة عَن الْقَبِيح.
[٧] مفزعها: ملجؤها. والهيج: الْحَرْب، وَهُوَ من التَّسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ.
[٨] وَلَا تسمى: أَي لَا تسأمى، فسهل الْهمزَة بِالنَّقْلِ ثمَّ حذفهَا.
[٩] الرَّاعِي الْعَشِيرَة: الْحَافِظ لعشيرته. وَفِي الْفَقْد: الّذي يفقد، تُرِيدُ الْبَاذِل الْمُعْطى.
[١٠] أخْبرت بِهَذَا الشّطْر عَن نَفسهَا إِخْبَار الْمُذكر، على معنى الشَّخْص، كَمَا قيل:
قَامَت تبكيه على قَبره ... من لي من بعْدك يَا عَامر
تَرَكتنِي فِي الدَّار ذَا غربَة ... قد ذل من لَيْسَ لَهُ نَاصِر
(تُرِيدُ: شخصا ذَا غربَة) .


سَقَاكَ وَلِيُّ النَّاسِ فِي القَبرُ مُمْطِرًا ... فَسَوْفَ أُبَكِّيهِ وَإِنْ كَانَ فِي اللَّحْدِ
فَقَدْ كَانَ زَيْنًا لِلْعَشِيرَةِ كُلِّهَا ... وَكَانَ حَمِيدًا حَيْثُ مَا كَانَ مِنْ حَمْدٍ

(رِثَاءُ أَرِوَى لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
وَقَالَتْ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
بَكَتْ عَيْنَيَّ وَحُقَّ لَهَا الْبُكَاءُ ... عَلَى سَمْحٍ سَجِيَّتُهُ الْحَيَاءُ [١]
عَلَى سَهْلِ الْخَلِيقَةِ أبْطَحيٍّ ... كَرِيمِ الْخِيمِ نِيَّتُهُ الْعَلَاءُ [٢]
عَلَى الْفَيَّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي ... أَبِيكِ الْخَيْرِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ [٣]
طَوِيلِ الْبَاعِ أَمْلَسَ شَيْظميٌّ ... أَغَرَّ كَأَنَّ غُرَّتَهُ ضِيَاءُ [٤]
أَقَبِّ الْكَشْحِ أَرُوعَ ذِي فُضُولٍ ... لَهُ الْمَجْدُ الْمُقَدَّمُ وَالسَّنَاءُ [٥]
أَبِيِّ الضَّيْمِ أَبْلَجَ هِبْرَزِيٌّ ... قَدِيمِ الْمَجْدِ لَيْسَ لَهُ [٦] خَفَا
وَمَعْقِلِ مَالِكٍ وَرَبِيعِ فِهْرٍ ... وَفَاصِلِهَا [٧] إذَا اُلْتُمِسَ الْقَضَاءُ
وَكَانَ هُوَ الْفَتَى كَرَمًا وَجُودًا ... وَبَأْسًا حَيْنَ تَنْسَكِبُ الدِّمَاءُ
إذَا هَابَ الْكُمَاةُ الْمَوْتَ حَتَّى ... كَأَنَّ قُلُوبَ أَكْثَرِهِمْ هَوَاءُ [٨]
مَضَى قُدُمًا بِذِي رُبَدٍ خَشِيبٍ [٩] ... عَلَيْهِ حَيْنَ تُبْصِرهُ الْبَهَاءُ [١٠]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ أَشَارَ بِرَأْسِهِ وَقَدْ أَصْمَتَ [١١]: أَنَّ هَكَذَا فَابْكِينَنِي.

---------------------
[١] السجية: الطبيعة.
[٢] أَي من قُرَيْش البطاح: وهم الَّذين ينزلون بَين أخشبى مَكَّة.
[٣] الكفاء: الْمثل.
[٤] الشيظمى: الْمَقُول الفصيح.
[٥] الأقب: الضامر الْبَطن. والكشح: الخصر. والأروع: الّذي يُعْجِبك بحسنة، ومنظره وشجاعته.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بِهِ» .
[٧] كَذَا فِي أ. والفاصل: الّذي يفصل فِي الْخُصُومَات. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وفاضلها» بالضاد الْمُعْجَمَة، وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أولى للسياق.
[٨] الكماة: الشجعان، واحدهم: كمي.
[٩] الربد (كصرد) الفرند. والخشيب: الصَّقِيل.
[١٠] ويروى: «الهباء» . يُرِيد بِهِ مَا يظْهر على السَّيْف المجوهر تَشْبِيها بالغبار.
[١١] أصمت العليل: اعتقل لِسَانه.



(نَسَبُ الْمُسَيِّبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: [وَ] [١] الْمُسَيِّبُ [٢] بْنُ حَزْنِ [٣] بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.

(رِثَاءُ حُذَيْفَةَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ [٤] حُذَيْفَةُ [٥] بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ وَفَضْلَ قُصَيٍّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَفَضْلَ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُخِذَ بِغُرْمِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ بِمَكَّةَ، فَوَقَفَ بِهَا فَمَرَّ بِهِ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَافْتَكَّهُ:
أَعَيْنِيَّ جُودَا بِالدُّمُوعِ عَلَى الصَّدْرِ ... وَلَا تَسْأَمَا أُسْقِيتُمَا سَبَلَ الْقَطْرِ [٦]
وَجُودَا بِدَمْعٍ وَاسْفَحَا كُلَّ شَارِقٍ ... بُكَاءَ امْرِئٍ لَمْ يُشْوِهِ نَائِبُ الدَّهْرِ [٧]
(وَسُحَّا وَجُمَّا وَاسْجُمَا مَا بَقِيتُمَا [٨] ... عَلَى ذِي حَيَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَذِي سِتْرِ) [٩]
عَلَى رَجُلٍ جَلْدِ الْقُوَى ذِي حَفِيظَةٍ ... جَمِيلِ الْمُحَيَّا غَيْرِ نِكْسٍ وَلَا هَذْرِ [١٠]

-----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] أهل الْعرَاق يفتحون الْيَاء من «الْمسيب»، وَأهل الْمَدِينَة يكسرون، وَنقل عَن سعيد ابْنه أَنه كَانَ يَقُول: سيب الله من سيب أَبى، وَحكى الْكسر عِيَاض وَابْن الْمَدِينِيّ.
[٣] روى سعيد بن الْمسيب، قَالَ: أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن يُغير اسْم جدي ويسميه سهلا، فَأبى، وَقَالَ: لَا أغير اسْما سماني بِهِ أَبى. فَمَا زَالَت تِلْكَ الحزونة فِينَا. (رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة حزن) .
[٤] وَيُقَال إِن الشّعْر لحذافة بن غَانِم، وَهُوَ أَخُو حُذَيْفَة، ووالد خَارِجَة بن حذافة، وَله يَقُول فِي هَذِه القصيدة:
فخارج إِمَّا أهلكن فَلَا تزل
[٥] وَهُوَ وَالِد أَبى جهم عبيد بن حُذَيْفَة، وَهُوَ الّذي أهْدى الخميصة لرَسُول الله ﷺ، فَنظر إِلَى علمهَا فَردهَا. وَأم أَبى جهم: يسير بنت عبد الله بن أذاة بن ريَاح. وَابْن أذاة هُوَ خَال أَبى قُحَافَة. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٦] السبل: الْمَطَر.
[٧] كل شارق: أَي عِنْد طُلُوع الشَّمْس كل يَوْم، وَلم يشوه: لم يخطئه.
[٨] سَحا: صبا. وجما: أجمعا وأكثرا. واسجما: أسيلا.
[٩] زِيَادَة عَن أ.
[١٠] الحفيظة: الْغَضَب مَعَ عزة. والنكس من السِّهَام: الّذي نكس فِي الكنانة ليميزه الرَّامِي فَلَا يَأْخُذهُ لرداءته، وَقيل: الّذي انْكَسَرَ أَعْلَاهُ فَنَكس ورد أَعْلَاهُ أَسْفَله، وَهُوَ غير جيد للرمي. والهذر: الْكثير الْكَلَام فِي غير فَائِدَة.



عَلَى الْمَاجِدِ الْبُهْلُولِ ذِي الْبَاعِ وَالنَّدَى [١] ... رَبِيعِ لؤيّ فِي المحوط وَفِي الْعسر [٢]
على خير حَافٍ مِنْ مُعَدٍّ وناعل ... كريم الْمُسَمّى طَيِّبَ الْخِيمِ وَالنَّجْرِ [٣]
وَخَيْرُهُمْ أَصْلًا وَفَرْعًا وَمَعْدِنًا ... وَأَحْظَاهُمْ بِالْمُكْرَمَاتِ وَبِالذِّكْرِ
وَأَوْلَاهُمْ بِالْمَجْدِ وَالْحِلْمِ وَالنُّهَى ... وَبِالْفَضْلِ عِنْدَ الْمُجْحِفَاتِ مِنْ الْغُبْرِ [٤]
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ ... يُضِيءُ سَوَادَ اللَّيْلِ كَالْقَمَرِ الْبَدْرِ
وَسَاقِي الْحَجِيجِ ثُمَّ لِلْخَيْرِ هَاشِمٍ [٥] ... وَعَبْدُ مَنَافٍ ذَلِكَ السَّيِّدُ الفِهْري [٦]
طَوَى زَمزَما عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَصْبَحَتْ ... سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلِّ ذِي فَخْرٍ
لِيَبْكِ عَلَيْهِ كُلُّ عَانٍ بِكُرْبَةٍ ... وَآلُ قُصَيٍّ مِنْ مُقِلٍّ وَذِي وَفْرٍ [٧]
بَنُوهُ سَرَاةَ كَهْلُهُمْ وَشَبَابُهُمْ ... تَفَلَّقَ عَنْهُمْ بَيْضَةُ الطَّائِرِ الصَّقْرِ [٨]
قُصَيُّ الَّذِي عَادَى كِنَانَةَ كُلَّهَا ... وَرَابَطَ بَيْتَ اللَّهِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
فَإِنْ تَكُ غَالَتْهُ الْمَنَايَا وَصَرْفُهَا ... فَقَدْ عَاشَ مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ وَالْأَمْرِ [٩]
وَأَبْقَى رِجَالًا سَادَةً غَيْرَ عُزَّلٍ ... مَصَالِيتُ أَمْثَالَ الرُّدَيْنِيَّةِ السُّمْرِ [١٠]
أَبُو عُتْبَةَ الْمُلْقَى إلَيَّ حِبَاؤُهُ ... أَغَرُّ هِجَانُ اللَّوْنِ مِنْ نَفَرِ غُرٍّ [١١]
وَحَمْزَةُ مِثْلُ الْبَدْرِ يَهْتَزُّ لِلنَّدَى ... نَقِيُّ الثِّيَابِ وَالذِّمَامِ مِنْ الْغَدْرِ

-----------------------
[١] البهلول: السَّيِّد.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. واللهى: العطايا. وَفِي أ: «والندا» . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: «والنهى» والنهى: جمع نهية، وَهِي الْعقل.
[٣] النجر: الأَصْل.
[٤] المجحفات: الَّتِي تذْهب بالأموال. والغبر: السنون المقحطات
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «للخبز» .
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي شرح السِّيرَة: «الْقَهْر» بِالْقَافِ. أَي الّذي يقهر النَّاس، فوصفه بِالْمَصْدَرِ، كَمَا تَقول: رجل عدل، أَو رجل صَوْم، أَو رجل فطر.
[٧] العاني: الْأَسير.
[٨] سراة: خِيَار.
[٩] النقيبة: النَّفس. وَمَيْمُون النقيبة: منجح الفعال مظفر المطالب.
[١٠] عزل: جمع أعزل. وَلَا يجمع أفعل على فعل، وَلَكِن جَاءَ هَكَذَا، لِأَن الأعزل فِي مُقَابلَة الرامح، وَقد يحملون الصّفة على ضدها. وَقد يجوز أَن يكون أجراه مجْرى «حسر» جمع حاسر، لِأَنَّهُ قريب مِنْهُ فِي الْمَعْنى. ومصاليت: شجعان. والردينية: الرماح.
[١١] الحباء: الْعَطاء. وهجان اللَّوْن: ابيض.



وَعَبْدُ مَنَافٍ مَاجِدٌ ذُو حَفِيظَةٍ ... وَصُولٌ لِذِي الْقُرْبَى رَحِيمٌ بِذِي [١] الصِّهْرِ
كُهُولُهُمْ خَيْرُ الكهول ونسلهم ... كتسل الْمُلُوكِ لَا تَبُورُ وَلَا تَحَرَّى [٢]
مَتَى مَا تُلَاقِي مِنْهُمْ الدَّهْرَ نَاشِئًا ... تَجِدْهُ بِإِجْرِيَّا أَوَائِلِهِ بَجْرَى [٣]
هُمْ مَلَئُوا الْبَطْحَاءَ مَجْدًا وَعِزَّةً ... إذَا اُسْتُبِقَ الْخَيْرَاتُ فِي سَالِفِ الْعَصْرِ
وَفِيهِمْ بُنَاةٌ لِلْعُلَا وَعِمَارَةٌ ... وَعَبْدُ مَنَافٍ جَدُّهُمْ جَابِرُ الْكَسْرِ
بِإِنْكَاحِ عَوْفٍ بِنْتَهُ لِيُجِيرَنَا ... مِنْ أَعْدَائِنَا إذْ أَسْلَمَتْنَا بَنُو فِهْرِ
فَسِرْنَا تهامي الْبِلَادِ وَنَجْدَهَا [٤] ... بِأَمْنِهِ حَتَّى خَاضَتْ الْعِيرُ فِي الْبَحْرِ [٥]
وَهُمْ حَضَرُوا وَالنَّاسُ بَادٍ فَرِيقُهُمْ ... وَلَيْسَ بِهَا إلَّا شُيُوخُ بَنِي [٦] عَمْرِو [٧]
بَنَوْهَا دِيَارًا جَمَّةً وَطَوَوْا بِهَا ... بِئَارًا تَسُحُّ الْمَاءَ مِنْ ثَبَجِ بَحْرِ [٨]
لَكَيْ يَشْرَبَ الْحُجَّاجُ مِنْهَا وَغَيْرُهُمْ ... إذَا ابْتَدَرُوهَا صُبْحَ تَابِعَةِ النَّحْرِ

----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لذِي» .
[٢] لَا تبور: لَا تهْلك. وَلَا تحرى: لَا تنقص.
[٣] الإجريا (بِالْقصرِ وَالْمدّ): الْوَجْه الّذي تَأْخُذ فِيهِ وتجرى عَلَيْهِ.
[٤] يُرِيد مَا انخفض مِنْهَا وَمَا علا.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول «بأمنة» . وَهُوَ تَصْحِيف. وَقد قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على هَذِه الْكَلِمَة: «... حذف الْيَاء من هَاء الْكِنَايَة (الضَّمِير) ضَرُورَة كَمَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ:
سأجعل عَيْنَيْهِ لنَفسِهِ مقنعا
فِي أَبْيَات كَثِيرَة أنشدها سِيبَوَيْهٍ، وَهَذَا مَعَ حذف الْيَاء وَالْوَاو وَبَقَاء حَرَكَة الْهَاء، فَإِن سكنت الْهَاء بعد الْحَذف، فَهُوَ أقل فِي الِاسْتِعْمَال من نَحْو هَذَا، وأنشدوا:
نضواى مشتاقان لَهُ أرقان
وَهَذَا الّذي ذَكرْنَاهُ هُوَ فِي الْقيَاس أقوى، لِأَنَّهُ من بَاب حمل الْوَصْل على الْوَقْف، نَحْو قَول الراجز:
لما رأى أَن لَا دعة وَلَا شبع
وَمِنْه فِي التَّنْزِيل كثير، نَحْو إِثْبَات هَاء السكت فِي الأَصْل، وَإِثْبَات الْألف من أَنا، وَإِثْبَات ألف الفواصل نَحْو: «وتظنون باللَّه الظنونا» . وَهَذَا الّذي ذكره سِيبَوَيْهٍ من الضَّرُورَة فِي هَاء الْإِضْمَار إِنَّمَا هُوَ إِذا تحرّك مَا قبلهَا نَحْو: بِهِ، وَلَا يكون فِي هَاء الْمُؤَنَّث الْبَتَّةَ لخفة الْألف، فَإِن سكن مَا قبل الْهَاء نَحْو: فِيهِ، كَانَ الْحَذف أحسن من الْإِثْبَات.
[٦] شُيُوخ بنى عَمْرو: يُرِيد بنى هَاشم، لِأَن اسْمه عَمْرو.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بَنو» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٨] كَذَا فِي أ. وثبج كل شَيْء: معظمه. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... ثبج الْبَحْر» .



ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَظَلُّ رِكَابُهُمْ ... مُخَيَّسَةً [١] بَيْنَ الْأَخَاشِبِ وَالْحِجْرِ [٢]
وَقِدْمًا غَنِيّنَا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبَةً ... وَلَا نَسْتَقِي إلَّا بِخُمَّ أَوْ الْحَفْرِ [٣]
وَهُمْ يَغْفِرُونَ الذَّنْبَ يُنْقَمُ دُونَهُ ... وَيَعْفُونَ عَنْ قَوْلِ السَّفَاهَةِ وَالْهُجْرِ [٤]
وَهُمْ جَمَعُوا حِلْفَ الْأَحَابِيشِ كلِّها ... وَهُمْ نَكَّلُوا عَنَّا غُوَاةَ بَنِي بَكْرِ [٥]
فَخَارِجَ، إمَّا أَهْلكُنَّ فَلَا تَزَلْ ... لَهُمْ شَاكِرًا حَتَّى تُغَيَّبَ فِي الْقَبْرِ
وَلَا تَنْسَ مَا أَسُدَى ابْنُ لُبْنَى فَإِنَّهُ ... قَدْ أَسْدَى يَدًا مَحْقُوقَةً مِنْكَ بِالشُّكْرِ [٦]
وَأَنْتَ ابْنُ لُبْنَى مِنْ قُصَيٍّ إذَا انْتَمَوْا ... بِحَيْثُ انْتَهَى قَصْدُ الْفُؤَادِ مِنْ الصَّدْرِ
وَأَنْتَ تَنَاوَلْتَ الْعُلَا فَجَمَعْتَهَا ... إلَى مَحْتِدٍ لِلْمَجْدِ ذِي ثَبَجِ جَسْرِ [٧]
سَبَقْتَ وَفُتَّ الْقَوْمَ بَذْلًا وَنَائِلًا ... وَسُدْتُ وَلَيَدًا كُلَّ ذِي سُوْدُدِ غَمْرِ
وَأُمُّكَ سِرٌّ مِنْ خُزَاعَةَ جَوْهَرِ ... إذَا حَصَّلَ الْأَنْسَابَ يَوْمًا ذَوُو الْخُبْرِ [٨]
إلَى سَبَأِ الْأَبْطَالِ تُنَمَّى وَتَنْتَمِي ... فَأَكْرِمْ بِهَا مَنْسُوبَةً فِي ذُرَا الزُّهْرِ
أَبُو شَمَرٍ مِنْهُمْ وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ ... وَذُو جَدَنٍ مِنْ قَوْمِهَا وَأَبُو الْجَبْرِ [٩]
وَأَسْعَدُ قَادَ النَّاسَ عِشْرِينَ حِجَّةً ... يُؤَيَّدُ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ بِالنَّصْرِ [١٠]

------------------------
[١] كَذَا فِي الْأُصُول. ومخيسة: مذللة. ويروى: «محبسة» والمحبسة: المحبوسة.
[٢] الأخاشب: جبال بِمَكَّة، وهما جبلان، فجمعهما على مَا يليهما.
[٣] خم والحفر: اسْما بئرين. وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِمَا.
[٤] الهجر: الْقَبِيح من الْكَلَام الْفَاحِش.
[٥] الْأَحَابِيش: أَحيَاء الفارة، انضموا إِلَى بنى لَيْث فِي محاربتهم قُريْشًا، وَقيل: حالفوا قُريْشًا تَحت جبل يُسمى حَبَشِيًّا، فسموا بذلك. ونكلوا: صرفُوا وزجروا.
[٦] محقوقة كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «محفوفة» . (بفاءين) .
[٧] الجسر: الْمَاضِي فِي أُمُوره القوى عَلَيْهَا.
[٨] سر: خَالِصَة النّسَب.
[٩] أَبُو شمر: مَالك. وَيُقَال لَهُ: ملك الْأَمْلَاك. وَابْنه شمر هُوَ الّذي بنى سَمَرْقَنْد، وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أَبَا شمر الغساني وَالِد الْحَارِث بن أَبى شمر. وَعَمْرو بن مَالك: قد يكون عمرا ذَا الأذعار. وَأَبُو الْجَبْر: ملك من مُلُوك الْيمن، وَيُقَال: إِن سميَّة أم زِيَاد كَانَت لأبى جبر هَذَا، وَدفعهَا إِلَى الْحَارِث بن كلدة المتطبب فِي طب طبه.
[١٠] أسعد: هُوَ أسعد أَبُو حسان بن أسعد، وَهُوَ وَمن ذكرهم فِي الْبَيْت السَّابِق، من التبابعة، وَإِنَّمَا جعلهم مفخرا لأبى لَهب، لِأَن أمه خزاعية من سبإ، والتبابعة كلهم من حمير بن سبإ.
١٢- سيرة ابْن هِشَام- ١



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «أُمُّكَ سِرٌّ مِنْ خُزَاعَةَ»، يَعْنِي أَبَا لَهَبٍ، أُمُّهُ لُبْنَى بِنْتُ هَاجِرٍ الْخُزاَعِيِّ. وَقَوْلُهُ: «بِإِجْرِيّا أَوَائِلُهُ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

(رِثَاءُ مَطْرُودٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبني عَبْدِ مَنَافٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزاَعِيُّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وبَني عَبْدِ مَنَافٍ:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُحَوِّلُ رَحْلَهُ ... هَلَّا سَأَلْتَ عَنْ آلِ عَبْدِ مَنَافِ
هَبَلَتْكَ أُمُّكَ لَوْ حَلَلْتَ بِدَارِهِمْ ... ضَمِنُوكَ مِنْ جُرْمٍ وَمِنْ إقْرَافِ [١]
(الْخَالِطِينَ غَنِيَّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ ... حَتَّى يَعُودَ فَقِيرُهُمْ كَالْكَافِي) [٢]
الْمُنْعِمِينَ إذَا النُّجُومُ تَغَيَّرَتْ ... وَالظَّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْإِيلَافِ
وَالْمُطْعِمِينَ إذَا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَتْ ... حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ فِي الرَّجَّافِ [٣]
إمَّا هَلَكْتَ أَبَا الْفِعَالِ فَمَا جَرَى ... مِنْ فَوْقِ مِثْلِكَ عَقْدُ ذَاتِ نِطَافِ [٤]
إلَّا أَبِيكَ أَخِي الْمَكَارِمِ وَحْدَهُ ... وَالْفَيْضِ مُطَّلِبٍ أَبِي الْأَضْيَافِ [٥]

(وِلَايَةُ الْعَبَّاسِ عَلَى سِقَايَةِ زَمْزَمَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٦]: فَلَمَّا هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَلِيَ زَمْزَمَ وَالسِّقَايَةَ عَلَيْهَا [٧] بَعْدَهُ الْعَبَّاسُ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ إخْوَتِهِ سِنًّا، فَلَمْ

----------------------
[١] هبلتك: فقدتك. وَهُوَ على جِهَة الإغراء لَا على جِهَة الدُّعَاء، كَمَا تَقول: تربت يداك، وَلَا أَبَا لَك، وأشباههما. والإقراف: مقاربة الهجنة. أَي منعوك من أَن تنْكح بناتك وأخواتك من لئيم فَيكون الابْن مقرفا للؤم أَبِيه وكرم أمه، فيلحقك وصم من ذَلِك. وَنَحْو مِنْهُ قَول مهلهل:
أنْكحهَا فقدها الأراقم فِي جنب ... وَكَانَ الحباء من آدم
(أَي أنكحت لغربتها من غير كُفْء، وَذَلِكَ أَن مهلهلا نزل فِي جنب، وَهُوَ حَيّ وضيع من مذْحج، فَخطبت ابْنَته، فَلم يسْتَطع منعهَا فَزَوجهَا، وَكَانَ مهرهَا من أَدَم) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] تناوحت: تقابلت. والرجاف (هُنَا): الْبَحْر.
[٤] النطاف: جمع نُطْفَة، وَهِي القرط الّذي يعلق من الْأذن. هَذَا على رِوَايَة من روى «عقد» بِكَسْر الْعين، وَمن رَوَاهُ بِفَتْح الْعين جعل النطاف جمعا لنطفة، وَهِي المَاء الْقَلِيل الصافي.
[٥] يُرِيد أَنه كَانَ لأضيافه كَالْأَبِ. وَالْعرب تَقول لكل جواد: أَبُو الأضياف، كَمَا قَالَ مرّة بن محكان
أدعى أباهم وَلم أقرف بأمهم ... وَقد عمرت وَلم أعرف لَهُم نسبا
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَلَيْهِمَا» . وَهُوَ تَحْرِيف.



تَزَلْ إلَيْهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ بِيَدِهِ. فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ وِلَايَتِهِ، فَهِيَ إلَى آلِ الْعَبَّاسِ، بِوِلَايَةِ الْعَبَّاسِ إيَّاهَا، إلَى (هَذَا) [١] الْيَوْمِ.

كِفَالَةُ أَبِي طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- يُوصِي بِهِ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.

(وِلَايَةُ أَبِي طَالِبٍ لِأَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي يَلِي أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ جَدِّهِ، فَكَانَ إلَيْهِ وَمَعَهُ.

(نُبُوءَةُ رَجُلٍ مِنْ لَهَبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى [٢] بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ:
أَنَّ رَجُلًا مِنْ لَهَبٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَهَبٌ: مِنْ أَزْدَشَنُوءَةَ [٣]- كَانَ

----------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَانَ يحيى ثِقَة كثير الحَدِيث. روى عَن أَبِيه وجده وَعَمه حَمْزَة وَابْن عَم أَبِيه عبد الله بن عُرْوَة بن الزبير. وَعنهُ غير ابْن إِسْحَاق ابْن عَم أَبِيه هِشَام بن عُرْوَة ومُوسَى بن عقبَة وَحَفْص بن عمر بن ثَابت بن زُرَارَة وَعبد الله بن أَبى بكر بن حزم، وَيزِيد بن عبد الله بن الْهَاد. مَاتَ وَهُوَ ابْن سِتّ وَثَلَاثِينَ. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب، وتراجم رجال) .
[٣] وَقيل: هُوَ لَهب بن أحجن بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عبد الله بن مَالك بن نصر بن الأزد. وَهِي الْقَبِيلَة الَّتِي تعرف بالعيافة والزجر، وَمِنْهُم اللهبي الّذي زجر حِين وَقعت الْحَصَاة بصلعة عمر رضي الله عنه فأدمته وَذَلِكَ فِي الْحَج فَقَالَ: أشعر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله لَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام، فَكَانَ كَذَلِك. وَفِيهِمْ يَقُول كثير
تيممت لهبا أَبْتَغِي الْعلم عِنْدهم ... وَقد رد علم العائفين إِلَى لَهب
(رَاجع شرح الْقَامُوس مَادَّة لَهب، وَالرَّوْض الْأنف) .



عَائِفًا [١]، فَكَانَ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَاهُ رِجَالُ قُرَيْشٍ بِغِلْمَانِهِمْ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَعْتَافُ لَهُمْ فِيهِمْ. قَالَ: فَأَتَى بِهِ أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ غُلَامٌ، مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ، فَنَظَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ شَغَلَهُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: الْغُلَامُ عَلَيَّ بِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ حِرْصَهُ عَلَيْهِ غَيَّبَهُ عَنْهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: وَيْلَكُمْ، رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ الَّذِي رَأَيْت آنِفا، فو الله لَيَكُونَنَّ لَهُ شَأْنٌ. قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَالِبٍ.

قِصَّةُ بَحِيرَى [٢]

(نُزُولُ أَبِي طَالِبٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبُحَيْرَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ فِي رَكْبٍ تَاجِرًا إلَى الشَّامِ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ، وَأَجْمَعَ الْمَسِيرَ صَبَّ بِهِ [٣] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- فَرَقَّ لَهُ (أَبُو طَالِبٍ) وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ بِهِ مَعِي، وَلَا يُفَارِقُنِي، وَلَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، أَوْ كَمَا قَالَ. فَخَرَجَ بِهِ [٤] مَعَهُ فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى [٥] مِنْ أَرْضِ الشَّامِ،

------------------------
[١] العائف: الّذي يتفرس فِي خلقَة الْإِنْسَان فيخبر بِمَا يؤول حَاله إِلَيْهِ.
[٢] وَاسم بحيرى بحيرى بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة آخِره رَاء مَقْصُورا وَقيل ممدودا: هُوَ جرجيس (بِكَسْر الجيمين) . وَيُقَال: سرجس، كَمَا يُقَال: جرجس. وَكَانَ حبرًا من أَحْبَار يهود تيماء، كَمَا قيل إِنَّه كَانَ نَصْرَانِيّا من عبد الْقَيْس، وَهُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن إِسْحَاق هُنَا. وَيُقَال إِنَّه سمع قبل الْإِسْلَام بِقَلِيل هَاتِف يَهْتِف: أَلا إِن خير أهل الأَرْض ثَلَاثَة: بحيرى ورباب الشنى، وَالثَّالِث المنتظر، فَكَانَ الثَّالِث رَسُول الله ﷺ. (رَاجع المعارف، ومروج الذَّهَب، والإصابة، وَالرَّوْض، وَشرح الْمَوَاهِب) .
[٣] كَذَا فِي الْأُصُول والطبري، وَشرح الْمَوَاهِب اللدنية (ج ١ ص ١٩٢ طبع المطبعة الأزهرية) .
وصب بِهِ: مَال إِلَيْهِ. وَفِي هَامِش الطَّبَرِيّ، وَشرح السِّيرَة: «ضَب بِهِ» بالضاد الْمُعْجَمَة. وضب بِهِ:
تعلق بِهِ وامتسك. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي هَامِش الطَّبَرِيّ وَالرَّوْض، وَشرح الْمَوَاهِب: «ضبث» . وضبث بِهِ: لزمَه. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
كَأَن فُؤَادِي فِي يَد ضبثت بِهِ
[٤] وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذْ ذَاك ابْن تسع سِنِين، وَقيل ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَقيل غير ذَلِك. (رَاجع الطَّبَرِيّ، وَشرح الْمَوَاهِب، وَالرَّوْض) .
[٥] بصرى: مَدِينَة حوران، فتحت صلحا لخمس بَقينَ من ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة، وَهِي أول مَدِينَة فتحت بِالشَّام، وَقد وردهَا ﷺ مرَّتَيْنِ (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .



وَبِهِمَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَى فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ مُنْذُ قَطُّ [١] رَاهِبٌ، إلَيْهِ يَصِيرُ عِلْمُهُمْ عَنْ كِتَابٍ فِيهَا فِيمَا يَزْعُمُونَ، يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَلَمَّا نَزَلُوا ذَلِكَ الْعَامَ بِبَحِيرَى وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرُّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ. فَلَمَّا نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، فِي الرَّكْبِ حِينَ أَقْبَلُوا، وَغَمَامَةٌ تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ. قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلُوا فَنَزَلُوا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ. فَنَظَرَ إلَى الْغَمَامَةِ حَيْنَ أَظَلَّتْ الشَّجَرَةُ، وَتَهَصَّرَتْ [٢] أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَحِيرَى نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ [٣]، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: إنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوا كُلُّكُمْ، صَغِيرُكُمْ وَكَبِيرُكُمْ، وَعَبْدُكُمْ وَحُرُّكُمْ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاَللَّهِ يَا بَحِيرَى إنَّ لَكَ لَشَأْنًا الْيَوْمَ، فَمَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا بِنَا، وَقَدْ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ كَثِيرًا، فَمَا شَأْنُكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ لَهُ بَحِيرَى: صَدَقْتَ، قَدْ كَانَ مَا تَقُولُ، وَلَكِنَّكُمْ ضَيْفٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكُمْ وَأَصْنَعَ لَكُمْ طَعَامًا فَتَأْكُلُوا [٤] مِنْهُ كُلُّكُمْ. فَاجْتَمِعُوا إلَيْهِ، وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ، فِي رِحَالِ الْقَوْمِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا نَظَرَ بَحِيرَى فِي الْقَوْمِ لَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُ وَيَجِدُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا يَتَخَلَّفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي، قَالُوا لَهُ: يَا بَحِيرَى، مَا تَخَلَّفَ عَنْكَ أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَكَ إلَّا غُلَامٌ، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، فَتَخَلَّفَ فِي رِحَالِهِمْ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، اُدْعُوهُ فَلِيَحْضُرْ هَذَا الطَّعَامَ مَعَكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ الْقَوْمِ، وَاَللَّاتِ وَالْعُزَّى، إنْ كَانَ لَلُؤْمٌ بِنَا أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ طَعَامٍ مِنْ
----------------------
[١] قطّ: أَي الدَّهْر.
[٢] تهصرت: مَالَتْ وتدلت، وَتقول: هصرت الْغُصْن، وَذَلِكَ إِذا جذبته إِلَيْك حَتَّى يمِيل.
[٣] كَذَا فِي الطَّبَرِيّ، وَفِي الْأُصُول: «... نزل من صومعته، وَقد أَمر بذلك الطَّعَام فَصنعَ ثمَّ أرسل ... إِلَخ» .
[٤] كَذَا فِي شرح الْمَوَاهِب وَفِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فتأكلون» . وَهُوَ تَحْرِيف.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 0 والزوار 6)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 360.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 354.15 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.62%)]