|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#181
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 27 الى صـــ 46 الحلقة (181) قلت: ويلي حديث أبي هريرة وعلي (١) في الصحة، حديث أنس الثابت في «صحيح مسلم» أن رجلًا جاء إلى الصلاة وقد حفزه النفس فقال: الله أكبر الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قال: «أيكم المتكلم فإنه لم يقل بأسًا لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهما يرفعها» (٢). وفي الباب عدة أحاديث لا تقاوم بما ذكرناه. -------------- = الذي رواه الدارقطني ١/ ٣٠٠ فقال في «المغني» ٢/ ١٤٤: وعن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - مثله، رواه النسائي والترمذي، ورواه أنس وإسناد حديثه كلهم ثقات، رواه الدارقطني. وحديث أبي سعيد ضعفه النووي في «المجموع» ٣/ ٢٧٧، وخالفه الحافظ فحسنه في «نتائج الأفكار» ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، وكذا الألباني فقال في «صحيح أبي داود» (٧٤٨): إسناده صحيح. (١) حديث أبي هريرة هو حديث الباب (٧٤٤)، ورواه مسلم (٥٩٨). وحديث علي رواه مسلم (٧٧١). (٢) «صحيح مسلم» (٦٠٠) كتاب: المساجد، باب: ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة. ٩٠ - باب ٧٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ، وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ- تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لَا أَطْعَمَتْهَا، وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ» -قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: -«مِنْ خَشِيشِ -أَوْ خُشَاشِ- الأَرْضِ». [٢٣٦٤ - فتح: ٢/ ٢٣١] ذكر فيه حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ، فقام وأطال القيام .. الحديث بطوله. وسيأتي إن شاء الله تعالى في بابه، وفي كتاب: الشرب (١). وقد سلف طرف منه في رؤية الجنة والنار، في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس (٢)، وحذفه ابن بطال من «شرحه»، وكذا أبو نعيم، ولما ذكره الإسماعيلي قال: بلا ترجمة وانظر وجه مناسبته لها. والذي ظهر لي فيه أن الإمام له أن ينظر ما أمامه، فإن الشارع رأى الجنة والنار في الصلاة.(١) سيأتي برقم (٢٣٦٤) باب: فضل سقي الماء. (٢) برقم (٨٦) كتاب العلم. وقد ذكر بعده حكم رفع البصر إلى الإِمام وإلى السماء. وقوله: («اجترأت») أي: أقدمت. والقطاف: العنقود. وقوله: («وأنا معهم»): كذا هنا. وفي ابن ماجه: «وأنا فيهم» (١). قال الإسماعيلي: والصحيح: «وأنا معهم» وقد يسقط ألف الاستفهام في مواضع. وقال ابن الجوزي: «وأنا معهم»: استفهام أسقط منه الألف. وفيه: أن الجنة والنار مخلوقتان وهو مذهب أهل السنة. وقوله: («فإذا امرأة») أي: حميرية كما جاء في بعض الروايات (٢). وقوله: («تخدشها هرة») قال ابن الأثير: خدش الجلد: قشره بعود أو نحوه (٣). و(الخشاش): مثلث الخاء: هو هوامها. -------------- (١) «سنن ابن ماجه» (١٢٦٥). (٢) رواه مسلم (٩٠٤) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عُرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، وأحمد ٣/ ٣٧٤ من حديث جابر. (٣) «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ١٤. ٩١ - باب رَفْ البَصَرِ إِلَى الإِمَامِ في الصَّلَاةِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ: «فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ». [انظر: ١٠٤٤ - فتح: ٢/ ٢٣١] ٧٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْنَا لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. [٧٦٠، ٧٦١، ٧٧٧ - فتح: ٢/ ٢٣٢] ٧٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ قَالَ: حَدَّثَنَا البَرَاءُ -وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ- أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا، حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ. [انظر: ٦٩٠ - مسلم: ٤٧٤ - فتح: ٢/ ٢٣٢] ٧٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ. قَالَ: «إِنِّى أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا». [انظر: ٢٩ - مسلم: ٩٠٧ - فتح: ٢/ ٢٣٢] ٧٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ رَقَا الْمِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» ثَلَاثًا. [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ٢/ ٢٣٢] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ: «فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ». وهذا يأتي مسندًا في باب: إذا انفلتت الدابة في الصلاة (١). ثم ساق حديث أبي معمر -واسمه عبد الله بن سخبرة- قُلْنَا لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَقْرَأ في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فقُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. وحديث البراء أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا، حَتى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ. وحديث ابن عباس: في تكعكعه فيها. وحديث أنس: في رؤيته - عليه السلام - الجنة والنار فيها. وهذا سلف في باب: عظة الإِمام الناس في إتمام الصلاة (٢). وقد اختلف العلماء في أي موضع ينظر المصلي في صلاته؟ فقال الكوفيون (٣) والشافعي (٤) إسحاق وأبو ثور (٥): ينظر إلى موضع سجوده. وروي ذلك عن إبراهيم وابن سيرين (٦). قال الشافعي: وهو أقرب إلى الخشوع (٧). ---------------- (١) سيأتي برقم (١٢١٢) كتاب: العمل في الصلاة. (٢) برقم (٤١٩). كتاب: الصلاة. (٣) انظر: «الأصل» ١/ ٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٠، «الاختيار» ١/ ٦٦. (٤) انظر: «الأوسط» ٣/ ٢٧٣، «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٠٥، «حلية العلماء» ٢/ ٨٢. (٥) انظر: «الأوسط» ٣/ ٢٧٣، «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٦٣. (٦) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ٦٤ (٦٥٠١، ٦٥٠٢). (٧) لم أقف على هذا القول للشافعي، لكن ورد ما يدل عليه من قوله كما في «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٠٥ حيث قال: واستحب الشافعي في كتاب البويطي أن ينظر المصلّي في صلاته إلى موضع سجوده، قال: وإن رمى بصره أمامه كان خفيفًا والخشوع أفضل، ولا يلتفت في صلاته يمينًا ولا شمالًا. اهـ. والله اعلم. وفيه حديث من طريق ابن عباس في «كامل ابن عدي» ليس من شرط هذا الصحيح، بل فيه رجل مجهول منكر الحديث (١). نعم السنة أن لا يجاوز بصره إشارته في التشهد لحديث ابن الزبير في «سنن أبي داود» بإسناد جيد صحيح (٢). واستثنى بعض أصحابنا ما إذا كان مشاهد الكعبة فإنه ينظر إليها (٣). قال القاضي الحسين (٤): ينظر إلى موضع سجوده في حال قيامه، إلى قدميه في ركوعه، وإلى أنفه في سجوده وحجره في تشهده؛ لأن امتداد النظر يلهي فإذا قصر كان أولى (٥). وقال مالك: ينظر أمامه، وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده -------------- (١) رواه ابن عدي في «الكامل» ٦/ ٣١٣، فقال: حدثنا منصور بن سلمة، حدثنا أبو التقي: هشام بن عبد الملك، ثنا بقية، قال: حدثني علي بن أبي علي القرشي، قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده. (٢) أبو داود (٩٩٠)، ورواه أيضًا: النسائي ٣/ ٣٩، وأحمد ٤/ ٣، وابن خزيمة ١/ ٣٥٥ (٧١٨)، وابن حبان ٥/ ٢٧١ (١٩٤٤). (٣) انظر: «النجم الوهاج» ٢/ ١٧٧، «مغني المحتاج» ١/ ١٨٠. (٤) هو حسين بن محمد بن أحمد، العلامة شيخ الشافعية بخراسان، أبو عليّ المروذي، ويقال أيضًا: المرورذي، تفقه بأبي بكر القفال، له: «التعليقة الكبرى»، «الفتاوى» وغير ذلك، وكان من أوعية العلم، وكان يعرف بحبر الأمة، مات بمرو الروذ في المحرم سنة اثنتين وستين وأربعمائة. انظر ترجمته في: «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٦٤ - ١٦٥، «وفيات الأعيان» ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٢٦٠ - ٢٦٢، «الطبقات» للسبكي ٤/ ٣٥٦ - ٣٦٥. (٥) عزاه النووي في «المجموع» ٣/ ٢٧٠، والدميري في «النجم الوهاج» ٢/ ١٧٧ إلى البغوي والمتولي. قلت: وهو قول بعض الحنفية، وقول شريك بن عبد الله. انظر: «تبين الحقائق» ١/ ١٠٨، «المغني» ٢/ ٣٩٠. وهو قائم، ولا يحد في موضع نظره حدًّا (١). وأحاديث الباب تشهد له؛ لأنهم لو لم ينظروا إليه - عليه السلام - ما رأوا تأخره حين عرضت عليه جهنم، ولا رأوا اضطراب لحيته، ولا استدلوا بذلك على قراءته، ولا نقلوا ذلك، ولا رأوا مناولة ما تناول في قبلته حين مثلت له الجنة. ومثل هذا الحديث قوله - عليه السلام -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (٢)؛ لأن الائتمام به لا يكون إلا بمراعاة حركاته في خفضه ورفعه. وإنما لم يأخذ - عليه السلام - العنقود؛ لأنه من طعام الجنة وهو لا يفنى، ولا يؤكل في الدنيا إلا ما يفنى؛ لأن الله خلقها للفناء، فلا يكون فيها شيء من أمور البقاء (٣). وقوله: في حديث البراء: (حتى يروه قد سجد) كذا بخط الدمياطي: (يروه)، وبخط شيخنا قطب الدين في «شرحه»: يرونه، ثم ---------------- (١) انظر: «المدونة» ١/ ٧٣، «التمهيد» ١٧/ ٣٩٣، «المنتقى» ١/ ٢٨٩، «الذخيرة» ٢/ ١٦٦. وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. قال القرطبي: في هذِه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك، ومن وافقه في أن المصلي حكمه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده. اهـ. «الجامع لأحكام القرآن» ٢/ ١٤٧. قال ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٧٤ بعد أن ذكر قول مالك: وهذِه غفلة منه، استحب ماكره أهل العلم، وكره ما استحبوه مما هو أسلم للمصلي ولقد كان بن تحفُّظ أهل العلم في صلاتهم وحفظهم لأبصارهم أن قال بعضهم: إن لم يستطع ذلك غمض عينيه. اهـ. (٢) جزء من حديث سلف برقم (٦٨٨) باب: إنما جعل الإمام ليأتم به من حديث عائشة. (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٦٣. قال: قال ابن التين: صوابه: يروه؛ لأنه منصوب. قال: وكذلك هو في بعض الروايات. و(التكعكع): التأخر. قال الخطابي: وأصله تكعع فأدخلت الكاف؛ لئلا يجمع بين حرفين من نوع واحد (١). واعترض ابن التين فقال: يظهر لي أنه لئلا يجمع بين ثلاثة أحرف مثل: ﴿دَسَّهَا﴾ (٢). وأما جمع حرفين فكثير. قوله: («لأكلتم منه ما بقيت الدنيا») أي: لكان كلما أزيلت حبة عادت مكانها مثلها كما تعود في الجنة. وقوله في حديث أنس: (ثم رقى المنبر)، قال ابن التين: رويناه بكسر القاف، وكذا هو في القرآن قال تعالى ﴿أَو تَرْقَى في اَلسَّمَآءِ﴾ [الإسراء: من الآية ٩٣] قال: ووقع في بعض النسخ: رقى. بفتح القاف. وقوله: («ممثلتين في قبلة هذا الجدار») يحتمل أن وقع ذلك وهما في مكانهما، وظاهر الحديث أنهما أدنيا له. ---------------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٤٩٠. (٢) قال أبو زيد: أجل كعكعت: كععت، فاستثقلت العرب الجمع بين ثلاثة أحرف من جنس واحد ففرقوا بينهما بحرف مكرر، ومثله كفكفته عن ذلك، وأصله: كفّفته. اهـ. نظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣١٥٤. وأما دسّاها، فقد قال الأنباري: أصلها: دسَّسَها، فاجتمعت الأمثال، فوجد الاستثقال، فأبدل من السين الأخيرة ياء، فصار: دسّيها، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. اهـ. «البيان في غريب إعراب القرآن» ٢/ ٥١٧. ٩٢ - باب رَفْعِ البَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ ٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ؟!». فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ». [فتح: ٢/ ٣٣٢] ذكر فيه حديث أنس بن مالك: عن عَلِيّ بْن عَبْدِ الله، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثنا ابن أَبِي عَرُوبَةَ، ثنا قتادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا بَالُ أَقْوَام يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِي صَلَاِتهِمْ؟!». فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ». هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم. قال علي بن المديني في «علله الكبير»، وعبد الله بن أحمد عن أبيه: حدثنا يونس بن أنس قال: حلف لي سعيد بن أبي عروبة: بالله ما كتبت عن قتادة شيئًا إلا أن أبا معشر كتب إليَّ أن اكتب له من تفسير قتادة. وأخرجه مسلم منفردًا به من حديث جابر بن سمرة وأبي هريرة (١). وفي البيهقي من حديث محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢] نزلت في ذلك، ثم قال: والصحيح إرساله (٢)، وصحح شيخه الحاكم اتصاله على شرط الشيخين (٣). ----------------- (١) «صحيح مسلم» ٤٢٨، ٤٢٩. (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٢٨٣ كتاب: الصلاة، باب: لا يجاوز بصره موضع سجوده. (٣) «المستدرك» ٢/ ٣٩٣. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا خلاف فيه على محمد -أي: ابن سيرين- فقد قيل عنه مرسلًا ولم يخرجاه. اهـ. والإجماع قائم على العمل بمقتضى الحديث، وأنه يكره رفع بصره إلى السماء (١). وقال شريح لرجل رآه رفع بصره ويده إلى السماء: اكفف يدك واخفض بصرك فإنك لن تراه ولن تناله (٢). واختلفوا في رفعه في الدعاء خارج الصلاة، كما قال القاضي: فكرهه شريح كما ذكرناه وآخرون (٣). وذكر الطبري عن إبراهيم التيمي أنه قال: كان يكره أن يرفع الرجل بصره إلى السماء في الدعاء. يعني: في غير الصلاة (٤). وجوزه الأكثرون وقالوا: إن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة (٥) فلا ينكر رفع البصر إليها كما لا يكره رفع اليد. قال تعالى: -------------- (١) نقل الإجماع على ذلك ابن بطال في «شرحه» ٢/ ٣٦٤. (٢) رواه عنه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ٤٨ (٦٣٢٠). (٣) انظر: «إكمال المعلم» ٢/ ٣٤١. (٤) ذكره ابن بطال في «شرحه» ٢/ ٣٦٤. (٥) اعلم رحمك الله تعالى أن السلف وأئمة المسلمين يقولون بأن الله فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، بل ودلّ عليه أيضًا العقل، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه من إقرارهم به وقصدهم إياه - سبحانه وتعالى-، فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف فقف مع نصوص القرآن والسنن؛ ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذِه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم وإما أن تسكت بحلم، ودع المراء والجدال، فإن المراء في القرآن كفر. «العلو» للذهبي ١/ ٢٤٧. قال إمام الأئمة ابن خزيمة: من لم يقل أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. اهـ. «مجموع الفتاوى» ٥/ ٥٢. وقيل لابن المبارك: كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السماء السابعة على العرش = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= بائن من خلقه. رواه الدارمي في «الرد على الجهمية» ص ٤٧. واعلم أن الذين ذهبوا إلى أن السماء قبلة الدعاء؛ قد توهموا أنه على القول بأن الله إذا كان فوق سماواته لكان في جهة، وإذا كان في جهة كان محدودًا وجسمًا، وهذا مردود لوجوه: ١ - أنه لا يجوز إبطال دلالة النصوص بمثل هذِه التعليلات، ولو جاز هذا لأمكن كل شخص لا يريد ما يقتضيه النصّ أن يعلله بمثل هذِه العلل العليلة. ٢ - أن ربَّ السماوات والأرض يستحيل عقلًا أن يصف نفسه بما يلزمه محذور ويلزمه محال أو يؤدي إلى نقص، كل ذلك مستحيل عقلا، فإن الله لا يصف نفسه إلا بوصف بالغ من الشرف والعلو والكمال ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ٣ - أنه إن كان ما ذكر لازمًا العلو لزومًا صحيحًا فلنقل به؛ لأن لازم كلام الله ورسوله حق، إذ أن الله تعالى يعلم ما يلزم من كلامه وما لا يلزم، ولو كانت نصوص العلو تستلزم معنى فاسدًا لبينه، كما بين في الحديث القدسي: «يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ..» الحديث. «آيات الأسماء والصفات» للشنقيطي ص ٣٧، «شرح العقيدة الواسطية» لابن عثيمين ١/ ٣٥٤ - ٣٥٥. أما قولهم: إن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة فمردود من وجوه: أحدها: أن القول بأن السماء قبلة الدعاء، لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفي على جميع سلف الأمة وعلمائها. الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي - ﷺ - يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال: إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة أي إن له قبلتين، إحداهما الكعبة والأخرى السماء فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين. الثالث: أن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه كما يستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء والذكر والذبح ولذلك سميت وجهة، والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه والاستدبار بالدبر، فأمَّا ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو = ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (١) [الذاريات: ٢٢]. وقال ابن حزم: لا يحل ذلك، وبه قال طائفة من السلف قال: والعجب ممن يجيز صلاة من تعمد في صلاته عملًا صح النص بتحريمه عليه وشدة الوعيد (٢). --------------- = جنبه، فهذا لا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء؛ لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازًا. الرابع: أن أمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، والمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الداعي، فإنه يتوجه إلى ربّه وخالقه ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده. انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» ٢/ ٣٩٢، ويراجع ما ذكره ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» ٢/ ٤٣١ وما بعدها. (١) انظر: «إكمال المعلم» ٢/ ٣٤١ «المفهم» ٢/ ٦٠، «مسلم بشرح النووي» ٤/ ١٥٢. (٢) «المحلى» ٤/ ١٦، ١٧. ٩٣ - باب الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ ٧٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ». [٣٢٩١ - فتح: ٢/ ٢٣٤] ٧٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَقَالَ: «شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّةٍ». [انظر: ٣٧٣ - مسلم: ٥٥٦ - فتح: ٢/ ٢٣٤] ذكر فيه حديث عائشة: سُئل رَسُولَ الله - ﷺ - عَنْ الالْتِفَاتِ في الصلاة، فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ». هذا انفرد البخاري أيضًا بإخراجه، بل لم يخرج مسلم فيه شيئًا. وتعجبت من الحاكم حيث قال في «مستدركه»: اتفقا على إخراجه (١). وطرقه الدارقطني في «علله» وقال: رفعه أصح من وقفه (٢). وسلف فقهه، في باب من دخل ليؤم الناس. ثم ذكر بعده حديث عائشة أيضًا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صلَّى في خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَقَالَ: «شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هذِه، اذْهَبُوا بِهَا إلى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنبِجَانِيَّةٍ». وهذا الحديث سلف أيضًا في باب: إذا صلى في ثوب له أعلام (٣).(١) «المستدرك» ١/ ٢٣٧. (٢) نقل ذلك أيضًا عنه ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٤٤٥. (٣) سبق برقم (٣٧٣) كتاب الصلاة. ووجه مناسبة إيراده هنا أن العلم إنما يكون على الكتف، ولا شك في كراهة الالتفات عند العلماء، بل قال المتولي (١) من أصحابنا: إنه حرام (٢)، لقوله - عليه السلام -: «لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه»، رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي ذر (٣). وقال الحاكم في «مستدركه»: صحيح الإسناد (٤). والأشهر عندنا: الكراهة (٥)، وذلك أنه إذا التفت يمينًا وشمالًا ترك الإقبال على صلاته، وفارق الخشوع المأمور به في الصلاة؛ ولذلك جعله الشارع اختلاسًا للشيطان من الصلاة. ---------------- (١) هو العلامة، شيخ الشافعية، أبو سعد، عبد الرحمن بن مأمون بن علي النيسابوري المتُولِّي، دَرّس ببغداد بالنّظامية بعد الشيخ أبي إسحاق، ثم عزل بابن الصباغ ثم بعد مُديدة أُعيد إليها. تفقه بالقاضي حسين، وبأبي سهل أحمد بن عليّ ببخارى، وعلى الفوراني بمرو، وبرع وبذّ الأقران. له كتاب «التتمة» الذي تمَّم به كتاب «الإبانة» لشيخه الفوارني فعاجلته بمنية عن تكميله، انتهى فيه إلى الحدود، وله مختصر في الفرائض. مات ببغداد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٣/ ١٣٣ - ١٣٤، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٥٨٥ - ٥٨٦، «الطبقات الكبرى» للسبكي ٥/ ١٠٦ - ١٠٨. (٢) انظر: «النجم الوهاج» ٢/ ٢٣٧، «مغني المحتاج» ١/ ٤٢١. (٣) رواه أبو داود (٩٠٩)، والنسائي ٣/ ٨، وأحمد ٥/ ١٧٢، وابن خزيمة ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤ (٤٨١، ٤٨٢)، وقال المنذري في «مختصره» ١/ ٢٤٩: أبو الأحوص هذا لا يعرف له اسم، وهو مولى بني ليث، وقيل: مولى بني غفار. ولم يرو عنه غير الزهري، قال يحيى بن سعيد: ليس هو بشيء، وقال أبو أحمد الكرابيسي: ليس بالمتين عندهم. وقال النووي في «خلا صة الإحكام» ١/ ٤٨٠: رواه أبو داود والنسائي بإسناد فيه رجل فيه جهالة، ولم يضعفه أبو داود فهو عنده حسن. وانظر: «صحيح أبي داود» (٨٤٣). (٤) «المستدرك» ١/ ٢٣٦. (٥) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٨٨، «البيان» ٢/ ٣١٧، «المجموع» ٤/ ٢٩، «أسنى المطالب» ١/ ١٨٣. وأما إذا التفت لأمر يعنُّ له من أمر الصلاة أو غيرها فمباح له ذلك وليس من الشيطان (١). وفيه حض على إحضار المصلي ذهنه ونيته لمناجاته ربه ولا يشتغل بأمر دنياه، وذلك [أن] (٢) المرء لا يستطيع أن يخلص صلاته من الفكر في أمور في نياه؛ لأن الشارع أخبر أن الشيطان يأتي إليه في صلاته فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا (٣)؛ لأنه موكل به في ذلك. وقد قال - عليه السلام -: «من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» (٤)، وهذا إنما هو لمغالبة الإنسان، فمن جاهد شيطانه ونفثه وجبت له الجنة. وقد نظر - عليه السلام - إلى عَلَم الخميصة وقال أنها شغلته، فهذا مما لا يستطاع على دفعه في الأعم. --------------- (١) وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة واستدلوا على ذلك بحديث أبي بكر عندما التفت في الصلاة، فرأى رسول الله - ﷺ - فتأخر. يأتي برقم (٦٨٤)، ومسلم (٤٢١)، وبما رواه أبو داود (٩١٦) عن سهل بن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة يعني صلاة الصبح فجعل رسول الله - ﷺ - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب. قال أبو داود: وكان أرسل فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس. وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال: والالتفات في الصلاة يكره … إلا الحاجة فسهل أمره انظر: «الاستذكار» ٢/ ٣١٠، «الذخيرة» ٢/ ١٤٩، «شرح منح الجليل» ١/ ١٦٣، «البيان» ٢/ ٣١٨، «المجموع» ٤/ ٢٩، «أسنى المطالب» ١/ ١٨٣، «المغني» ٢/ ٣٩١، «الفروع» ١/ ٤٨٣، «المبدع»١/ ٤٧٦. (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) جاء هذا المعنى في حديث سلف برقم (٦٠٨) باب: فضل التأذين، وهو بنصه عند مسلم (٣٨٩) كتاب: الصلاة، باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه. (٤) رواه أحمد في «مسنده» ٤/ ١١٧ عن زيد بن خالد الجهني بلفظ: «مَنْ توضأ فأحسن وضوءه ثمَّ صلَّى ركعتين لا يسهو فيهما، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». ورواه عنه أيضًا ٥/ ١٩٤ بلفظ: «مَن صلى سجدتين لا يسهو فيهما؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه». وقد اختلف السلف في ذلك، فممن كان لا يلتفت فيها الصديق (١) والفاروق (٢)، ونهى عنه أبو الدرداء (٣)، وأبو هريرة (٤). وقال ابن مسعود: إن الله لا يزال مقبلًا على العبد ما دام في صلاته، ما لم يحدث أو يلتفت (٥). وقال عمرو بن دينار: رأيت ابن الزبير: يصلي في الحجر فجاءه حجر قدامه فذهب بطرف ثوبه فما التفت (٦). وقال ابن أبي مليكة: إن ابن الزبير كان يصلي بالناس، فدخل سيل في المسجد، فما أنكر الناس من صلاته شيئًا حتى فرغ منها (٧). وقال الحكم: من تأمل من عن يمينه أو شماله في الصلاة حتى يعرفه فليست له صلاة (٨). ------------ (١) من ذلك ما سيأتي برقم (٦٨٤) كتاب: الأذان، باب: من دخل ليؤم الناس، فجاء الإمام الأول، ومسلم (٤٢١) كتاب الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام ولم يخافوا مفسدة بالتقديم. (٢) لم أقف على نصّ صريح في أن عمر بن الخطاب ما كان يلتفت في الصلاة، لكن روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٩٥ (٤٥٣٣) ما يدل على نهيه عن ذلك، فعن زيد بن موهب أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا صلى ركعتين بعد غروب الشمس وقبل الصلاة، فجعل فضربه بالدرة حين قضى الصلاة، فقال: لا تلتفت، لا تعب الركعتين. (٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٩٥ (٤٥٣٥). (٤) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ٢٥٧ (٣٢٧٠)، وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٥ (٤٥٣٨). (٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٥ (٤٥٣٤)، والطبراني في «الكبير» ٩/ ٢٦٩ (٩٣٤٥) من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود. قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٨١: أبو قلابة لم يسمع من ابن مسعود. (٦) رواه أحمد في «الزهد» ١/ ٢٤٩. (٧) أورده ابن بطال في «شرحه» ٢/ ٣٦٥. (٨) أورده ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٩٧، بلفظ روينا، وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٩٥ (٤٥٤٥) عن الحكم أنه قال: إنّ من تمام الصلاة أن لا تعرف = وقال أبو ثور: إن التفت ببدنه كله أفسد صلاته (١). وقال الحسن البصري: إذا استدبر القبلة استقبل صلاته، وإن التفت عن يمينه أو شماله مضى في صلاته (٢). ورخصت فيه طائفة؛ فقال ابن سيرين: رأيت أنس بن مالك: يشرف إلى الشيء في صلاته ينظر إليه (٣). وقال معاوية بن قرة: قيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا قام في الصلاة لم يتحرك ولم يلتفت قال: لكنا نتحرك ونلتفت (٤). وكان إبراهيم يلحظ يمينًا وشمالًا (٥)، وكان ابن معقل يفعله (٦). وقال عطاء: الالتفات لا يقطع الصلاة (٧). وهو قول مالك (٨) والكوفيين (٩) والأوزاعي (١٠). ------------- = من عن يمينك ولا من عن شمالك. (١) أورده ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٩٧، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١٠٣. (٢) أورده سحنون في «المدونة» ١/ ١٠٣ من طريق الربيع عنه، وابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٩٧ بلفظ: روينا. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٦ (٤٥٥٢). (٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٩٦ (٤٥٥٣). (٥) السابق ١/ ٣٩٦ (٤٥٥٥). (٦) السابق ١/ ٣٩٦ (٤٥٥٦). (٧) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٢٥٦ (٣٢٦٦). (٨) انظر: «المدونة» ١/ ١٠٣. (٩) ذهب الحنفية إلى أن الالتفات على ثلاثة أضرب: الأول: مكروه: وهو أن يلوي عنقه يمينًا وشمالًا. الثاني: مباح: وهو أن ينظر بمؤخر عينيه يمنة ويسرة من غير أن يلوي عنقه. الثالث: مبطل: وهو أن يحول صدره عن القبلة. انظر: «المبسوط» ١/ ٢٥، «بدائع الصنائع» ١/ ٢١٥، «منية المصلي» ص ٢٣٣، «تبيين الحقائق» ١/ ١٦٣. (١٠) انظر: «الأوسط» ٣/ ٩٧، «نيل الأوطار» ٢/ ١٣٩. وقال ابن القاسم (١): فإن التفت بجميع جسده لا يقطع الصلاة (٢). ووجهه أنه - عليه السلام - لم يأمر فيه بالإعادة حين أخبر أنه اختلاس من الشيطان، ولو وجبت فيه الإعادة لأمرنا بها؛ لأنه بعث معلمًا، كما أمر الأعرابي بالإعادة مرةً بعد أخرى (٣). وقال المتولي -من أصحابنا-: إذا التفت وبدنه باقٍ إلى القبلة فلا تبطل صلاته، وإن صرف صدره عنها بطلت. وقال القفال في «فتاويه»: إذا التفت في صلاته التفاتًا كثيرًا في حال قيامه، إن كان جميع قيامه كذلك بطلت صلاته، وإن كان في بعضه فلا؛ لأنه عمل يسير. قال: وكذا في الركوع والسجود لو صرف وجهه وجبهته عن القبلة لم يجز؛ لأنه مأمور بالتوجه إلى الكعبة في ركوعه وسجوده. قال: ولو حول أحد ساقيه عن القبلة بطلت؛ لأنه كثير. --------------- (١) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقيّ، عالم الديار المصرية ومفتيها، أبو عبد الله المصري صاحب الإمام مالك، روى عن مالك، وعبد الرحمن ابن شريح، وبكر بن مضر وطائفة قليلة، وكان ذا مال ودنيا، فأنفقها في العلم. قال النسائي: ثقة مأمون، وقال أبو بكر الخطيب: ثقة. توفي في صفر سنة إحدى وتسعين ومائة. انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٣/ ١٢٩، «تهذيب الكمال» ١٧/ ٣٤٤ - ٣٤٧، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ١٢٠ - ١٢٥، «شذرات الذهب» ١/ ٣٢٩. (٢) انظر: «المدونة» ١/ ١٠٣، «المنتقى» ١/ ٢٨٩، «الذخيرة» ٢/ ١٤٩. (٣) يأتي برقم (٧٥٧). ٩٤ - باب هَلْ يَلْتَفِتُ لأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ، أَوْ يَرى شَيْئًا أَوْ بُصَاقًا فِي القِبْلَهَ؟! وَقَالَ سَهْلٌ: التَفَتَ أَبُو بَكْرٍ - ﷺ - فَرَأى النبِيَّ - ﷺ -. ٧٥٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، وَهْوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ». رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ. [انظر: ٤٠٦ - مسلم: ٥٤٧ - فتح: ٢/ ٢٣٥] ٧٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ قَالَ: بَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلاَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، فَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. [انظر: ٦٨٠ - مسلم: ٤١٩ - فتح: ٢/ ٢٣٥] هذا الحديث سلف من رواية أبي حازم عنه في إمامة أبي بكر في باب: من دخل ليؤم الناس (١). ثم ذكر فيه حديث الليث عن نافع، عن ابن عمر: رأى نُخامة. وقد سلف في أبواب المساجد فراجعه (٢). ثم قال: (رواه موسى بن عقبة وابن أبي رواد عن نافع). وهذا التعليق أخرجه مسلم عن هارون بن عبد الله، حدثنا حجاج --------------- (١) برقم (٦٨٤). (٢) برقم (٤٠٦) باب: حك البزاق باليد من المسجد. قال: قال ابن جريج عن موسى، عن نافع به (١). واسم (ابن أبي رواد): عبد العزيز بن ميمون، خراساني، سكن مكة، مات سنة خمسين أو نيف وخمسين ومائة (٢)، مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة ابن عم عمارة بن أبي حفصة (٣). ثم ذكر حديث أنس في وفاته - عليه السلام -، وقد سلف في الإمامة (٤) ويأتي في المغازي. ولا شك أن الالتفات فيما ينوب المصلي ويحتاج إليه إذا كان خفيفًا لا يضر الصلاة. وقد قال النخعي إذا دخل على الإمام السهو فليلمح من خلفه ولينظر ما يصنع (٥). فإن قلت: ما وجه الترجمة من حديث أنس؟ قلتُ: وجهها أن الصحابة لما كشف الستر التفتوا إليه، يدل عليه قول أنس: فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، ولولا (التفاتهم) (٦) ما رأوا إشارته. وحتَّه - عليه السلام - النخامة ظاهرُه أنه كان في الصلاة، وفي بعض الطرق ما يدل على أنه كان بعد انقضائها (٧)، وكيف كان، فهو عمل يسير لا يضر ------------- (١) مسلم (٥٤٧/ ٥١). (٢) ورد في هامش (س) ما نصه: قال الذهبي في «الكاشف» سنة ١٥٩. (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٩٣، «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٢ (١٥٦١)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٩٤ - (١٨٣٠)، «الكامل» لابن عدي ٦/ ٥٠٧ (١٤٢٩) «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٣٦ - ١٤٠ (٣٤٤٧). (٤) سبق برقم (٦٨٠) باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة. (٥) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٩٦ (٤٥٥١). (٦) في الأصل: التفاته، وهو خطأ. (٧) من ذلك ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٤٣٠ (١٦٨٢)، وأحمد ٢/ ٣٥ من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: - ﷺ - في المسجد، فرأى في القبلة نخامة، فلما قضى صلاته، قال: .. وساق الحديث. ![]()
__________________
|
|
#182
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 47 الى صـــ 66 الحلقة (182) وهو كبصاقه في ثوبه في الصلاة وردّ بعضه على بعض، وكإباحته تحت قدمه وحكه، وهو كله متقارب. وقد أخبر الشارع بمعنى كراهية التنخم قبل الوجه، وهو أن الرب ﷻ قبل وجهه، فوجب أن يكون التنخم قبل الوجه سوء أدب. وقوله: (فتوفي من آخر ذلك اليوم) أي: من بعد أن رأوه، كما أوله الداودي؛ لأنه توفي قبل انتصاف النهار. وقال ابن سعد: حين زاغت الشمس (١). --------------- (١) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٢٧٣. ٩٥ - باب وُجُوبِ القِرَاءَةِ لِلإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ. ٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ - رضي الله عنه -، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ. قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِى فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ. [٧٥٨،٧٧٠ - مسلم: ٤٥٣ - فتح: ٢/ ٢٣٦] ٧٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». [مسلم: ٣٩٤ - فتح: ٢/ ٢٣٦] ٧٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَرَدَّ وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». فَرَجَعَ يُصَلِّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». ثَلَاثًا. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي. فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» [٧٩٣، ٦٢٥١، ٦٢٥٢، ٦٦٦٧ - مسلم: ٣٩٧ - فتح: ٢٣٧] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث جابر بن سمرة: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إلى عُمَرَ، فَعَزَلَهُ .. الحديث، وفيه: فَأَرْكُدُ في الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (١)، ولفظه في إحدى روايتيه: فأمد في الأوليين بدل: فأركد (٢). وهو بمعناه، أي: أطول وأمد، وهو بضم الكاف من قولك: ركدت السفن والريح: إذا سكن وسكنت. و(الركود): الثبوت والدوام عند أهل اللغة؛ ومنه: نهيه - عليه السلام - عن البول في الماء الراكد (٣). أي: الدائم، رواه البخاري مرة بزيادة: ------------- (١) مسلم (٤٥٣) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر، أبو داود (٨٠٣)، النسائي ٢/ ١٧٤. (٢) سيأتي برقم (٧٧٠) كتاب: الأذان، باب: يطول في الأوليين ويحذف في الأخريين. (٣) سبق برقم (٢٣٩) بلفظ: الماء الدائم، ورواه مسلم (٢٨١) في كتاب: الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد. بهذا اللفظ. (تعلمني الأعراب الصلاة) (١). وقال هنا: (أصلي صلاة العشاء). وقال في الباب بعده: (صلاتي العشي) (٢)، قال ابن الجوزي: وهما الظهر والعصر، كذا في الرواية. وقوله: (فقال عبد الملك: وأنا رأيته بعد) عبد الملك هذا هو ابن عمير. ثانيها: قوله: (ما أخرم عنها): هو بفتح الهمزة وكسر الراء، أي: لا أنقص. وقال أبو سليمان: لا أقطع. وأصل الخرم النقص والقطع (٣). قال ابن التين: وضبط في بعض الكتب بضم الهمزة على أنه رباعي وليس هو في اللغة. ومعنى (أخف في الأخريين): أقصرهما عن الأوليين، لا أنه يُخل بالقراءة ويحذفها أصلًا. وقوله: (الأوليين) و(الأخريين) هو بيائين مثناتين تحت. ثالثها: (سعد) المشكو هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة رضوان الله عليهم. و(الكوفة): أمر عمر ببنائها؛ سميت بذلك لاستدارتها؛ أو لاجتماع الناس بها؛ أو لأن ترابها خالطه حصا. ويقال لها كوفان، ويقال: إنها ---------------- (١) ولعل رمز البخاري تحرَّف من رمز مسلم لتقاربهما في الخط. بل هي في «صحيح مسلم» (٤٥٣) (١٦٠) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر. (٢) سيأتي برقم (٧٥٨). (٣) يعني الخطابي، وكلامه في «أعلام الحديث» ١/ ٤٩١. كانت منزل نوح - عليه السلام - (١). رابعها: في فوائده: الأولى: أن الإمام إذا شُكِى إليه نائبه بعث إليه، واستفسره على ذلك. الثانية: أنه إذا خاف مفسدة باستمراره في ولايته ووقوع فتنة عزله، ولهذا عزله عمر مع أنه لم يكن فيه خلل، ولم يثبت ما يقدح في ولايته وأهليته، وسيأتي في «صحيح البخاري» في حديث مقتل عمر والشورى أن عمر قال: إن أصابت الإمارة سعدًا فذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة (٢). الثالثة: مدح الرجل الجليل في وجهه؛ فإن الفاروق قال لسعد: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق؛ ومحله إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب ونحوه، والنهي عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه الفتنة (٣)؛ وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح بالأمرين، والجمع بينهما بما ذكرته. الرابعة: خطاب الرجل الجليل بكنيته دون اسمه. الخامسة: إثبات القراءة في الصلاة، وسيأتي واضحًا. السادسة: تخفيف الأخريين بالنسبة إلى الأوليين. وقد اختلف قول الشافعي رضي الله عنه وغيره في قراءة السورة في --------------- (١) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١١٤١ - ١١٤٢، «معجم البلدان» ٤/ ٤٩٠ - ٤٩٤. (٢) سيأتي برقم (٣٧٠٠) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: قصة البيعة. (٣) يومئ المصنف - رحمه الله - إلى الأحاديث التي نهي فيها عن المدح، من ذلك ما سيأتي برقم (٢٦٦٢، ٦٠٦١، ٦١٦٢)، ورواه مسلم (٣٠٠٠) من حديث أبي بكرة. ومنها ما سيأتي برقم (٢٦٦٣، ٦٠٦٠)، ورواه مسلم (٣٠٠١) من حديث أبي موسى. ومنها أيضًا: ما رواه مسلم (٣٠٠٢). الأخريين من الرباعية وثالثة المغرب، والأصح أنه لا يستحب (١)، والأصح عند أصحابنا أنه لا يطول الأولى على الثانية (٢)، والمختار الموافق للسنة التطويل (٣). وعندهم خلاف في استحباب تطويل الثالثة على الرابعة إذا قلنا بتطويل الأولى على الثانية (٤). وبه قال محمَّد بن الحسن (٥) والثوري (٦) وأحمد (٧). ------------- (١) اختلف الفقهاء في حكم القراءة بعد الفاتحة في الأخريين من الرباعية والثالثة من المغرب على قولين: القول الأول: أنها لا تسن، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعي في القديم، وهو الأصح عند الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة. القول الثاني: أنها تسن، وهو قول الشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد. انظر: للحنفية: «المبسوط» ١/ ١٨، «تبيين الحقائق» ١/ ١٢٢، «البناية» ٢/ ٣١٦، وللمالكية: «المنتقى» ١/ ١٤٧، «قوانين الأحكام الشرعية» ص ٧٥، «الفواكه الدواني» ١/ ٢٠٦، وللشافعية: «الحاوي» ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، «حلية العلماء» ٢/ ٩٤، «العزيز» ١/ ٥٠٧، «المجموع» ٣/ ٣٥١، وللحنابلة: «الإفصاح» ١/ ٢٨٨، «التحقيق» ٣/ ١١١، «المغني» ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢، «الإنصاف» ٣/ ٥٧٩ - ٥٨٠. (٢) انظر: «البيان» ٢/ ٢٠٤، «العزيز» ١/ ٥٠٧، «المجموع» ٣/ ٣٥١. (٣) انظر: «المجموع» ٣/ ٣٥١، «تذكرة التنبيه» ٢/ ٤٧٠، «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ١٩٧، «أسنى المطالب» ١/ ١٥٥. (٤) قال النووي في «المجموع» ٣/ ٣٥٢: فيه طريقان، نقل القاضي أبو الطيب الاتفاق على أنها لا تطول لعدم النصّ فيها، ولعدم المعنى المذكور في الأولى، ونقل الرافعي فيها الوجهين. انظر: «العزيز» ١/ ٥٠٧، «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ١٩٧ - ١٩٨. (٥) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٣، «الاختيار» ١/ ٧٩، «تبيين الحقائق» ١/ ١٣٠. (٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٣، «البناية» ٢/ ٣٦٣، «البيان» ٢/ ٢٠٤، «المجموع» ٣/ ٣٥١. (٧) انظر: «التحقيق» ٣/ ١١٢، «المستوعب» ٢/ ١٤٥، «المغني» ٢/ ٢٧٧. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يطيل الأولى على الثانية إلا في الفجر خاصة (١). واتفقوا (٢) على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلا مالكًا فإنه قال: لا بأس بذلك (٣)؛ مستدلًا بأنه - عليه السلام - قرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية بالغاشية وهي ست وعشرون آية (٤). وانفرد أبو حنيفة فلم يوجب في الأخريين قراءة بل خيره بينها وبين التسبيح والسكوت (٥)، وعزوه إلى ابن مسعود (٦) وعلي (٧) ---------------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٨، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٠٦، «تبيين الحقائق» ١/ ١٣٠، «مجمع الأنهر» ١/ ١٠٥. (٢) يعني: الحنفية، ولم أقف على ما ذكر هذا الاتفاق إلا عندهم. انظر: «حاشية شلبي» ١/ ١٣٠، «البناية» ٢/ ٣٦٢، «منية المصلي» ص ٢١٦، «البحر الرائق» ١/ ٥٩٧. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٦، «التاج والإكليل» ٢/ ٢٤١. (٤) روى مسلم في «صحيحه» (٨٧٨) عن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾. وروى ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٢٥٧ (٥١٢) عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - أنهم كانوا يسمعون منه النغمة في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾. (٥) انظر: «الهداية» ١/ ٧٣، «بدائع الصنائع» ١/ ١١١ - ١١٢، «المبسوط» ١/ ١٩، «تبين الحقائق» ١/ ١٧٣. (٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٢). (٧) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٣، ٣٧٤٧)، وابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١١٤، والبيهقي في «المعرفة» ٣/ ٣٢٨ من طريق أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليّ أنه قال: يقرأ في الأوليين ويسبح في الأخريين. قال ابن المنذر: حديث الحارث غير ثابت، وكان الشعبي يكذبه. اهـ. وقال البيهقي: لا يحتج به. اهـ. وقال النووي: ضعيف، الحارث الأعور متفق على ضعفه، وترك الاحتجاج به. اهـ. «المجموع» ٣/ ٢٨٦. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٢) عن عليّ وعبد الله أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين. وعائشة (١). وبه قال النخعي والأسود (٢) والثوري (٣)، وأحمد في رواية ضعيفة (٤). والجمهور على قراءة الفاتحة فيهما وهو الموافق للسنة الصحيحة. ومن عجيب استدلالهم: أن الأمر بالقراءة لا يقتضي التكرار وإنما وجب في الثانية لتشاكلها من كل وجه (٥). وأبعد الأصم وابن علية والحسن بن صالح وابن عيينة فقالوا: لا تجب القراءة في الصلاة أصلًا (٦)؛ ولا يعبأ بذلك. وحكي أيضًا عن مالك وهو شاذ (٧)، وحكى المازَري عن بعضهم عدم تعين أم القرآن (٨). وقال مالك: من تركها في ركعة في غير الصبح سجد للسهو قبل السلام (٩). -------------- (١) قال الحافظ في «الدارية» ١/ ٢٠١: لم أجده عن عائشة. اهـ. وقال العيني: غريب لم يثبت. اهـ. انظر: «الهداية» ١/ ٧٣، «تبيين الحقائق» ١/ ١٠٥، «البناية» ٢/ ٦٣٠. (٢) أثر النخعي فرواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٤، ٣٧٤٥). وأما الأسود فروى ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٧ (٣٧٤٦) قال: حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن الأسود. (٣) انظر: «اختلاف الفقهاء» ص ١٠٩، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١٦، «الاستذكار» ١/ ٤٥١، «البيان» ٢/ ١٩٢. (٤) انظر: «الانتصار» ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣، «المستوعب» ٢/ ١٧٥، «الفروع» ١/ ٤١٤ «المبدع» ١/ ٤٣٦. (٥) انظر: «الهداية» ١/ ٧٣، «شرح فتح القدير» ١/ ٤٥١، «تبيين الحقائق» ١/ ١٧٣. (٦) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١١٠، «شرح فتح القدير» ١/ ٤٥١، «البناية» ٢/ ٦٢٦، «الحاوي» ٢/ ١٠٣، «المجموع» ٣/ ٢٨٥. (٧) انظر: «الاستذكار» ١/ ٤٥١ - ٤٥٢، «المنتقى» ١/ ١٥٦، «الذخيرة» ٢/ ١٨١. (٨) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٨١. (٩) انظر: «التفريع» ١/ ٢٤٧، «الاستذكار» ١/ ٤٢٩ - ٤٤٩، «المنتقى» ١/ ١٥٦. وقال ابن الماجشون: من ترك القراءة من ركعة من الصبح أو أي صلاة كانت، تجزئه سجدتا السهو (١). وقال ابن أبي زيد: روي عن المغيرة فيمن لم يقرأ في الظهر إلا في ركعة منها تجزئه سجدتا السهو قبل السلام (٢). وأثر عمر أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيهما فقيل له؛ فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسن، قال: فلا بأس إذًا (٣)؛ منقطع، والأصح عنه الإعادة (٤). ------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٣٥١. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٣٠٥. (٣) رواه الشافعي في «الأم» ٧/ ١٢٠ في كتاب اختلاف مالك والشافعي، وعبد الرزاق ٢/ ١٢٢ (٢٧٤٩)، والبيهقي ٢/ ٣٨١ من طريق محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنَّ عمر .. قال البيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٣٢٨: وقد روينا عن غير أبي سلمة، قال الشافعي: أخبرنا رجل عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر صلى المغرب .. ثم ذكره. قال الشافعي: أبو سلمة يحدثه بالمدينة وعند آل عمر، لا ينكره أحد. اهـ. وقال: حديث أبي سلمة مرسل، وكذلك حديث محمد بن عليّ مرسل. وقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر اللفظ، ومنقطع الإسناد؛ لأنه يرويه محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر، ومرة يرويه محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عمر؛ وكلاهما منقطع، لا حجة فيه عند أحد من أهل العلم بالنقل. اهـ. «التمهيد» ٢٠/ ١٩٣. وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح، بل باطل، قال ابن حبان: محمد بن مهاجر كان يضع الحديث. اهـ. «العلل المتناهية» ٢/ ٤٦١ (١٥٧٢). وقال النووي: ضعيف؛ لأن أبا سلمة ومحمد بن عليّ لم يدركا عمر. اهـ. «المجموع» ٣/ ٢٨٦. (٤) من ذلك ما رواه البيهقي في «سننه» من طرق عن عمر: الأولى: عن إبراهيم أن عمر صلى بالناس المغرب فلم يقرأ شيئًا، وفيه: فأعاد عمر وأعادوا. = وأثر زيد: القراءة في الصلاة سنة (١)؛ مراده كما قال البيهقي (٢) أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في المصحف؛ لأنها سنة متبعة فلا يجوز مخالفتها، وإن كانت على مقاييس العربية (٣). وللشافعي قول قديم أنه إذا ترك الفاتحة ناسيًا تصح صلاته (٤). وقال الحسن البصري (٥)، وزفر (٦)، والمغيرة المالكي (٧): تجب في ركعة واحدة. وقال به بعض الظاهرية (٨). والصحيح عند أحمد وجوبها في كل --------------- = الثانية: عن إبراهيم أن أبا موسى قال: يا أمير المؤمنين أقرأت في نفسك؟ قال: لا، قال: فإنك لم تقرأ، فأعاد الصلاة. الثالثة: عن الشعبي أن أبا موسى قال لعمر .. ثم ساقه. «السنن الكبرى» ٢/ ٣٨٢. (١) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٨١، «معرفة السنن والآثار» ٢/ ٣٢٧، «التهذيب» ٢/ ٩٦، «البيان» ٢/ ١٨١ «المجموع» ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧. (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٨٥، و«معرفة السنن والآثار» ٣/ ٣٢٩. (٣) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١١٥. قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٢٤٢: إسناده صحيح. (٤) رواه البيهقي ٢/ ٣٨٥ كتاب: الصلاة، باب: وجوب القراءة على ما نزل، بلفظ: «القراءة سنة». (٥) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٨٥، «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٣٢٩. (٦) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١٧٣، «منية المصلي» ص ١٩٧، «حاشية ابن عابدين» ١/ ٩٩. (٧) انظر: «الاستذكار» ١/ ٤٥١، «المنتقى» ١/ ١٥٦، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٩٩. (٨) صرح الماوردي في «الحاوي» ٢/ ١٠٩، والشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٧٨١ بأن هذا القول قول داود: أن الواجب عليه أن يقرأ في ركعة واحدة، ولا يجب عليه في غيرها، وصرح ابن عبد البر في «الاستذكار» ١/ ٤٤٩، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ١/ ١٠٣، والكلوذاني في «الانتصار» ٢/ ١٩٣، والنووي في «المجموع» ٣/ ٣١٨. أن قول داود هو قول الجمهور، لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وأنها متعينة في كل ركعة، ثم قال النووي: والقول بأن الواجب عليه أن يقرأ في ركعة واحدة هو قول بعض أصحاب داود. فالله أعلم بالصواب. ركعة (١)، وبه قال مالك (٢) والأوزاعي (٣) والشافعي (٤). وحديث أبي قتادة الآتي بعد: «وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب». دال لهم. وادعى ابن بطال أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب القراءة في الركعتين الأوليين (٥)؛ وقد علمت ما فيه. وعند أبي حنيفة: أنه لا تتعين الفاتحة لكن تستحب (٦). وفي رواية عنه: تجب ولا تشترط، قال: ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه (٧). وفي قدر الواجب روايات عنه: أصحها كما قال الرازي: ما تناوله الاسم (٨)، وقد سبق كل ذلك وبسط المسألة في كتب الخلاف. -------------- (١) انظر: «المسائل الفقهية» ١/ ١١٧، «الانتصار» ٢/ ١٩٣، «المستوعب» ٢/ ١٤١ - ١٤٢، «المغني» ٢/ ١٥٦، «الفروع» ١/ ٤١٤، «المبدع» ١/ ٤٣٦. (٢) انظر: «المدونة» ١/ ٦٩، ٧٠، «الاستذكار» ١/ ٤٢٨، ٤٤٩، ٤٥٠، «المنتقى» ١/ ١٥٦، «قوانين الأحكام الشرعية» ص ٧٤، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٩٩، «التاج والإكليل» ٢/ ٢١٣. (٣) انظر: «الأوسط» ٣/ ١١٤، «المجموع» ٣/ ٣١٨، «المغني» ٢/ ١٥٦. (٤) انظر: «الأم» ١/ ٩٣، «اختلاف الفقهاء» ص ١٠٩، «حلية العلماء» ٢/ ٨٤، «روضة الطالبين» ١/ ٢٤٣، «أسنى المطالب» ١/ ١٤٩. (٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٢. (٦) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٨، «المبسوط» ١/ ١٩، «الاختيار» ١/ ٧٤. (٧) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١٠٥، «البناية» ٢/ ٢٤٥، «البحر الرائق» ١/ ٥١٥، «مجمع الأنهر» ١/ ٨٨. (٨) في قدر الواجب عند أبي حنيفة ثلاث روايات: أحدها: آية تامة. الثانية: ما يتناوله اسم القراءة. الثالثة: ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١١٢، «تبيين الحقائق» ١/ ١٢٨، وانظر قول الرازي في «المجموع» ٣/ ٢٨٤. وفيه من الفوائد: إجابة دعوة المظلوم، وقد كان مجاب الدعوة. روى الطبري عن سعد أن النبي - ﷺ - دخل عليه يعوده في مرضه بمكة فرقاه وقال: «اللهم أصح جسمه وقلبه واكشف سقمه وأجب دعوته» (١). الحديث الثاني: حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه - قال رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»، أخرجه من حديث سفيان -وهو ابن عيينة- عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عنه. وأخرجه مسلم أيضًا وأصحاب السنن الأربعة (٢)، ولمسلم زيادة: «فصاعدًا» وهي من أفراده (٣). وعند الإسماعيلي «إذا كان وحده». وعنده أيضًا: «لاتجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب». وأخرجه بهذا اللفظ الدارقطني في «سننه» وقال: إسناده صحيح (٤). وهي صريحة في وجوب قراءتها، ورافع لمن أضمر نفي الكمال. ويجب على المأموم عندنا في السرية والجهرية على المشهور (٥) كما هو ظاهر عموم الحديث. ------------ (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا في «المدونة» ٤/ ٢٨١. (٢) مسلم (٣٩٤) كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة .. وأبو داود (٨٢٢)، والترمذي (٢٤٧)، والنسائي ٢/ ١٣٧، وابن ماجه (٨٣٧). (٣) مسلم (٣٩٤/ ٣٧). (٤) «سنن الدارقطني» ١/ ٣٢١ - ٣٢٢. (٥) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٤١، «حلية العلماء» ٢/ ٨٨، «التهذيب» ٢/ ٩٨، «البيان» ٢/ ١٩٤، «العزيز» ٢/ ٤٩٢، «المجموع» ٣/ ٣٢١. قلت: وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعليّ، وابن عباس، ومعاذ، وأُبي بن كعب، وبه قال مكحول، والأوزاعي، وأبو ثور. انظر: «شرح السنة» ٣/ ٨٥. وإليه أشار البخاري في الترجمة أيضًا، وخالف فيه الثوري (١)، والكوفيون (٢)، ولا يجب ما زاد على الفاتحة. وروي عن عمر وعثمان بن أبي العاص وجوب ثلاث آيات (٣). الحديث الثالث: حديث أبي هريرة في المسيء صلاته، وفيه: فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبَّرْ، ثُمَّ اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ..» الحديث. خرجه عن محمد بن بشار، ثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأخرجه في مواضع أخر منها: إذا حلف ناسيًا؛ في الأيمان (٤). --------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٤، «الاستذكار» ١/ ٤٦٩، «الأوسط» ٣/ ١٠٣، «المجموع» ٣/ ٣٢٣. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٤، «المبسوط» ١/ ١٩٩، «بدائع الصنائع» ١/ ١١٠، «الهداية» ١/ ٥٩. «الاختيار» ١/ ٦٩، «تبيين الحقائق» ١/ ١٣١. قلت: وذهب المالكية إلى أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما يسر فيه، ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه، وهو قول الشافعي في القديم. وذهب الحنابلة إلى أنه يجب على المأموم القراءة، ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعده. انظر: للمالكية: «عيون المجالس» ١/ ٢٩٥، «الاستذكار» ١/ ٤٦٤، «قوانين الأحكام الشرعية» ص ٧٦، «الفواكه الدواني» ١/ ٢٤٠. وللشافعية: «حلية العلماء» ٢/ ٨٨، «البيان» ٢/ ١٩٤، «العزيز» ٢/ ٤٩٢، «المجموع» ٣/ ٣٢١. وللحنابلة: «المستوعب» ٢/ ٣١٣، ٣١٤، «المغني» ٢/ ٢٥٩، «شرح الزركشي» ١/ ٣٢٨، «المبدع» ٢/ ٥١. (٣) أما أثر عمر فقد رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣١٧ (٣٦٢٤)، وأما أثر عثمان بن أبي العاص فقد رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٠١. (٤) سيأتي برقم (٦٦٦٧). وزعم الدارقطني في «علله» أن محمد بن بشار لم يقل في روايته: عن أبيه (١). وزعم في «التتبع» أن يحيى خالف أصحاب عبيد؛ كلهم قالوا: سعيد، عن أبي هريرة. وهو المحفوظ إلا هو (٢). وقال البزار في «سننه»: لم يتابع يحيى في روايته هذا الحديث. قال الترمذي: ومنهم من قال: سعيد، عن أبيه هنا أصح (٣). وجاء في حديث يحيى بن خلاد عن أبيه نحو هذا الحديث، فادعى بعض المتأخرين (٤) أن خلادًا هو المسيء صلاته، والله أعلم. والمراد بقوله: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» فاتحة الكتاب بدليل رواية ابن حبان في «صحيحه» في حديث المسيء صلاته من رواية رفاعة بن رافع الزرقي: «ثم اقرأ بأم القرآن» إلى أن قال: «ثم اصنع ذلك في كل ركعة» (٥). فإن قلت: وجه الدلالة على ما بوب به البخاري في هذا الحديث والذي قبله من القراءة ظاهر أن حديث عبادة قال عليه بعمومه، وحديث أبي هريرة في الفذ والمأموم بالقياس عليه فما وجهه من الحديث الأول؟ قلتُ: وجهه قوله: («أركد في الأوليين، وأخف في الأخريين»). -------------- (١) «علل الدارقطني» ١٠/ ٣٦٠. (٢) «الإلزامات والتتبع» ١/ ١٣١ - ١٣٢. (٣) الترمذي ٢/ ١٠٤. (٤) ورد بهامش (س) ما نصه: ادعى أنه خلاد ابن بشكوال في «مبهماته» (…) وهو الحديث الثالث والتسعون (…) المائة. وذكر له شاهدا وأظنه في (…) ابن أبي شيبة ولعله المراد في (…) ببعض المتأخرين، والله اعلم. (٥) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٨٨ - ٨٩ (٧٨٧) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة. بقي عليك وجه ما في الترجمة وهو الجهر والمخافتة، نعم ذكر ما يخافت فيه فقط كما أوضحناه، وأصل صلاة النهار على الإسرار إلا ما خَرَج بدليل كالجمعة والعيد، والليل على الجهر، فإن خالف فلا سجود عليه عند الشافعي (١)؛ خلافًا لأبي حنيفة (٢)، وكذا لو جهر بحرف عند أبي يوسف (٣). وعنه أنه إن زاد في المخافتة على ما تسمع أذنيه سجد (٤). والصحيح عندهم أنه إذا جهر بمقدار ما تجوز به الصلاة (٥). وعند ابن القاسم: أنه إذا جهر فيما يسر فيه لا سجود عليه إذا كان يسيرًا (٦). وروي عن مالك: إذا جهر الفذ فيما يسر فيه جهرًا خفيفًا فلا بأس به (٧). وروى أشهب عن مالك أن من أسر فيما يجهر فيه عامدًا صلاته تامة (٨). وقال أصبغ: فيه وفي عكسه يستغفر الله ولا إعادة عليه (٩). وقال ابن القاسم: يعيد لأنه عابث (١٠). ------------- (١) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٥٠، «المجموع» ٣/ ٣٥٧. (٢) انظر: «المبسوط» ١/ ٢٢٢، «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٦، «تبيين الحقائق» ١/ ١٩٤. (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٦. (٤) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١٩٤، «العناية» ١/ ٥٠٥، «الجوهرة النيرة» ١/ ٧٧. (٥) لم أقف على هذِه الرواية بهذا النص، لكن ورد عنه أنه قال: إن زاد في المخافتة على ما يسمع فقد أساء. انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٦١، «الجوهرة النيرة» ١/ ٥٦. (٦) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٧. (٧) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٣. (٨) انظر: «المنتقى» ١/ ١٦١. (٩) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٧. (١٠) انظر: «المنتقى» ١/ ١٦١، «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٧. وقال الليث: إذا أسر فيما يجهر فيه فعليه سجود السهو (١). وقال الكوفيون فيما حكاه ابن بطال: إذ أسر في موضع الجهر أو جهر في موضع السر وكان إمامًا سجد لسهوه، وإن كان وحده فلا شيء عليه، وإن فعله عامدًا فقد أساء وصلاته تامة. وقال ابن أبي ليلى: يعيد بهم الصلاة إذا كان إمامًا (٢). اهـ. قال ابن بطال: ومن لم يوجب السجود في ذلك أشبه بدليل حديث قتادة الآتي في الباب بعده: وكان يسمعنا الآية أحيانًا. وهو دال على القصد إليه والمداومة عليه، فإنه لما كان الجهر والإسرار من سنن الصلاة، وكان - عليه السلام - قد جهر في بعض صلاة السر ولم يسجد لذلك كان كذلك حكم الصلاة إذا جهر فيها؛ لأنه لو اختلف الحكم في ذلك لبينه، ولا وجه لتفريق الكوفيين السالف إذ لا حجة لهم فيه من كتاب ولا سنة ولا نظر (٣). ----------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٨٣. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٧. (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٨. ٩٦ - باب القِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ ٧٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدٌ: كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ لَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أَرْكُدُ في الأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ. [انظر: ٧٥٥ - مسلم: ٤٥٣ - فتح: ٢/ ٢٣٧] ٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ. [٧٦٢، ٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩ - مسلم: ٤٥١ - فتح: ٢/ ٢٤٣] ٧٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْنَا خَبَّابًا: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا بِأَيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. [انظر: ٧٤٦ - فتح: ٢/ ٢٤٤] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث جابر بن سمرة في الباب قبله. وقال: (وأحذِف في الأُخريين). والمعنى: أقصر كما سلف، وأصل الحذف من الشيء النقص منه. ثانيها: حديث أبي قتادة: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية ويسمع الآية أحيانًا. وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطول في الأولى، وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وذكره البخاري مرات قريبًا (٢). وفي أبي داود: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى (٣). وهذا حكمة تطويل الأولى على الثانية. ثانيها: الأوليان تثنية أولى، وكذلك الأخريان (تثنية) (٤) أخرى ومرجوح في اللغة: الأولة والأولتان. ثالثها: الحكمة في قراءة السورة في الأوليين من الظهر والعصر. وفي الصحيح أن الظهر في وقت قائلة، والعصر في وقت شغل الناس بالبيع والشراء وتعب الأعمال، والصبح في وقت غفلة بالنوم آخر الليل فطولتا بالقراءة ليدركها المتأخر؛ لاشتغاله مما ذكرنا وإن كانت قراءتهما في العصر أقصر من الصبح والظهر. رابعها: إسماعه - عليه السلام - الآية أحيانًا يحتمل أنه كان مقصودًا وأن يكون للاستغراق في التدبر؛ وهو الأظهر، لكن الإسماع يقتضي القصد له، وفيه دلالة على عدم السجود لذلك. خامسها: فيه: أنّ (كان) فيه يقتضي الدوام في الفعل. سادسها: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وقد سلف ما فيه -------------- (١) مسلم (٤٥٣) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر. (٢) يأتي برقم (٧٧٠) باب: يطول في الأوليين ويحذف في الأخريين، و(٧٩٣) كتاب: الأذان، باب: أمر النبي - ﷺ - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة. (٣) «سنن أبي داود» (٨٠٠) باب: ما جاء في القراءة في الظهر. (٤) وردت بالأصل: تأنيث والمثبت هو الصواب. سابعها: فيه: أن السورة لا تشرع في الأخريين من الظهر والعصر، وكذا العشاء وثالثة المغرب، وهو أشهر قولي الشافعي، إلا أن يكون المصلي مسبوقًا كما نص عليه؛ لئلا تخلو صلاته عن سورة. تاسعها: فيه: أن قراءة سورة كاملة أفضل من قدرها من طويلة؛ لأنه قد يخفي الارتباط، ولو اقتصر على بعض سورة ففي الكراهة قولان للمالكية (١). ومن منع (٢) استدل بأن الشارع قرأ ببعض سورة في صلاة الصبح. وأجيب بأنه كان لسعلةٍ إذ في النسائي: قرأ رسول الله - ﷺ - من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون ثم أخذته سعلة فركع (٣). وقيل: تجوز الزيادة عليها؛ لقول ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة سورتين في ركعة، وسيأتي قريبًا (٤). وأجيب بأنه محمول على النوافل. ومشهور مذهب مالك أنه لا يقسم سورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه (٥). وقال مالك في «المجموعة»: لا بأس به وما هو الشأن (٦). -------------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ١٤٨، «الذخيرة» ٢/ ٢٠٩. (٢) انظر: «التفريع» ١/ ٢٢٧، «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٦. (٣) «سنن النسائي» ٢/ ١٧٦، والحديث رواه مسلم (٤٥٥) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح. (٤) سيأتي برقم (٧٧٥) باب: الجمع بين السورتين في الركعة. (٥) أي منع الكراهة، وإلا فالمعنى خطأ؛ لأن ما بعده دليل الجواز لا المنع. (٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٦. والصحيح عند الحنفية أن تفريقها في ركعتين لا يكره قالوا: ولا ينبغي أن يقرأ في الركعتين من وسط السورة ومن آخرها، ولو فعل لا بأس به لما سلف (١). وقال في «المغني»: لا يكره قراءة آخر السورة وأوساطها في إحدى الروايتين عن أحمد، والثانية مكروه (٢). العاشر: فيه: تطويل الأولى على الثانية، وقد سلف في الباب قبله ما فيه، وفيه غير ذلك مما أوضحته في «شرح العمدة» فراجعه منه (٣). قال ابن بطال (٤): وإنما ساق البخاري هذِه الأحاديث؛ لأنه قد روي عن النبي - ﷺ - وابن عباس ما يعارضها ثم ذكر ذلك وأجاب عنه فقال: روى (أبو ذر) (٥)، عن شعبة مولى ابن عباس، عنه أنه سأله رجل: في الظهر والعصر قراءة؟ فقال: لا (٦). -------------- (١) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٠٦، «الاختيار» ١/ ٧٨، «منية المصلي» ص ٣٠٥ - ٣٠٦. (٢) المغني«٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩. (٣)»الإعلام بشرح عمدة الأحكام«٣/ ١٩٦ - ١٩٨. (٤)»شرح ابن بطال«٢/ ٣٧٣ - ٣٧٦. وسيطيل المصنف -رحمه الله- النقل عنه، وذلك إلى نهاية الباب تقريبًا. (٥) كذا بالأصل وفي»شرح ابن بطال«٢/ ٣٧٣، وعلق محققه أنه أيضًا هكذا في أصل الشرح. وهو خطأ صوابه: ابن أبي ذئب؛ ففي ترجمة شعبة هو ابن دينار القرشي مولى ابن عباس من»التهذيب«١٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨ (٢٧٤١) أنه يروي عنه ابن أبي ذئب. والحديث ذكره الحافظ ابن رجب في»فتحه" ٧/ ٧ فقال: وروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس … وساقه، وهذا يدل لما قلنا. (٦) لم أهتد إليه من هذا الطريق، وإنما روى أبو داود (٨٠٨)، والترمذي (١٧٠٧) مختصرًا، والنسائي ٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥، وأحمد ١/ ٢٤٩ من طريق أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: كنت عند ابن عباس فسأله رجل .. = ![]()
__________________
|
|
#183
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 67 الى صـــ 86 الحلقة (183) وروى عكرمة عنه أنه قال: قرأ رسول الله - ﷺ - في صلوات وسكت، فنقرأ فيما قرأ ونسكت فيما سكت، فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؛ فغضب وقال: تتهم رسول الله - ﷺ - (١)؟! قال الطحاوي: فذهب قوم إلى ما روي عن ابن عباس فقالوا: لا نرى لأحد أن يقرأ في الظهر والعصر البتة، وهو قول سويد بن غفلة (٢). وقال الطبري: قال آخرون: في كل صلاة قراءة، غير أنه يجزئ فيما أمر المصلي أن يخافت فيه بالقراءة قراءته في ركعتين منها، وله أن يسبح في باقيها، وروي ذلك عن ابن مسعود والنخعي (٣) فجعل أهل هذِه المقالة سكوت رسول الله - ﷺ - على الخصوص، وقالوا: إنما كان يسكت عنها في الأخريين، فأما الأوليين فلأنه كان يقرأ فيهما؛ لأنه لا خلاف بين الجميع أنه - عليه السلام - كان يقرأ فيما يجهر فيه من الصلوات في الأوليين، قالوا: فحكم ما يخافت فيه الإمام بالقراءة حكم ما يجهر فيه، في أن في الأوليين قراءة وترك القراءة في الأخريين، هذا قول الكوفيين. وقال آخرون: لم يكن - عليه السلام - يترك القراءة في شيء من صلاته ولكنه كان يجهر في بعض ويخافت في بعض، هذا قول أهل الحجاز وأحمد وإسحاق. -------------- = قال الترمذي: حديث حسن صحيح. اهـ. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٦٩): إسناده صحيح. (١) رواه أحمد ١/ ٢١٨ - ٢١٩. والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠٥، والطبراني ١١/ ٣٥٧ (١٢٠٠٥). (٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠٥. (٣) رواها ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٢٧ (٣٧٤٢، ٣٧٤٤، ٣٧٤٥). وأنكروا قول ابن عباس، وقالوا: قد روي عنه خلاف ذلك بإسناد (أصح) (١) من إسناد الخبر عنه بالإنكار. ثم ساق الطبري من حديث عكرمة عنه قال: قد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر أم لا (٢)؟ ولا يندفع العلم اليقين بغير علم. قال الطحاوي: وقد روي عنه من رأيه خلاف ما سلف عنه، روينا عنه أنه قال: اقرأ خلف الإمام بالفاتحة في الظهر والعصر. وإذا كان هذا في المأموم مع أن الإمام يحمل عنه فالإمام أولى (٣). وإذا قد صح عنه أنه قال: لا أدري أقرأ رسول الله - ﷺ - أم لا. فقد انتفي ما قال من ذلك؛ لأن غيره قد حقق قراءة رسول الله - ﷺفيهما وهو نص أحاديث الباب. ورواية البخاري الآتية -في باب: يقرأ في الأخريين بأم الكتاب. في حديث أبي قتادة: كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بأم الكتاب (٤) - قاطع للخلاف. وحديث عطاء عن أبي هريرة: في كل الصلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله - ﷺ - أسمعناكم، وما أخفاه عنا أخفيناه عنكم (٥). ------------ (١) في الأصل: صحيح، والمثبت هو الموافق لما في «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧٤. (٢) رواه أبو داود (٨٠٩)، وأحمد ١/ ٢٤٩، ١/ ٢٥٧، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠٥، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٧٠): إسناده صحيح على شرط البخاري. (٣) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠٦. (٤) الحديث الآتي برقم (٧٥٩). (٥) سيأتي برقم (٧٧٢) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الفجر. وحديث جابر بن سمرة: كان - عليه السلام - يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] (١)، وفي رواية: كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ و﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ (٢)، وليس في خبر ابن عباس إنكاره القراءة في الظهر والعصر خلاف ما ثبت عن الشارع أنه قرأ فيهما؛ لأن ابن عباس لم يذكر أنه قال له: لا قراءة في الظهر والعصر. وإنما أخبر أنه سكت فيهما، وغير نكير أن يقول: إذا لم يسمعه يقرأ أنه يسكت، فيخبر مما كان من حاله عنده، فالذي أخبر ابن عباس أنه - عليه السلام - لم يقرأ كان الحق عنده، والذي أخبر أنه قرأ فإنه سمع قراءته، فمن سامع منه الآية، ومن سامع قراءة سورة، ومن سامع أمره بالقراءة في جميع الصلاة. وَوَجَّهَهُ غيره إلى أنه أمر بذلك في بعض الصلاة. ومن رآه يحرك شفتيه في الظهر والعصر فوجهه أنه لم يحركهما إلا بالقراءة، فكل أخبر مما كان عنده، وكلهم كان صادقًا عند نفسه، والمصيب عين الحق أخبر أنه كان يقرأ فيهما، وذلك أن في خبر أبي قتادة أنه كان يسمعهم الآية أحيانًا، فالشاهد إنما يستحق الاسم إما بالسماع أو بالرؤية، فأما من أخبر أنه لم يسمع ولم ير فغير جائز أن يجعل خبره خلافًا لخبر من قال: رأيت أو سمعت؛ لأنه شاهد وغيره أخبر عن نفسه؛ لأنه لا شهادة عنده. في ذلك. والنفي لا يكون شهادة في قول أحد من أهل العلم. ----------- (١) رواه مسلم (٤٦٠) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح. (٢) رواه أبو داود (٨٠٥)، والترمذي (٣٠٧)، والنسائي ٢/ ١٦٦. قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» ٣/ ٣٩٠ - ٣٩١ (٧٦٧). وقال الطحاوي: فأما النظر في ذلك فإنا رأينا القيام والركوع والسجود فرائض لا تجزئ الصلاة إذا ترك شيئًا منها، وكان ذلك في سائر الصلوات سواء، فرأينا القعود الأول سنة في الصلوات كلها سواء، ورأينا الأخير فيه الاختلاف، مِنهم مَن سَنَّهُ ومنهم من افترضه، وكل فريق منهم قد جعل ذلك في كل الصلوات سواء، فكانت هذِه الأشياء ما كان منها فرضًا في صلاة كان كذلك في كل الصلوات، فلما رأينا القراءة في الصبح والمغرب والعشاء واجبة في قول المخالف لا بد منها كذلك في الظهر والعصر، وهذِه حجج قاطعة على من نفي القراءة في الظهر والعصر ويراها فرضًا في غيرها (١). الحديث الثالث: حديث خباب، وقد سلف في باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة (٢)، وهو من أفراد البخاري. وفيه وفي حديث أبي قتادة: أن الحكم في السر أن يسمع الإنسانُ نفسه. وفيه أيضًا: الحكم بالدليل؛ لأنهم حكموا لاضطراب لحيته -شرفها الله- أنه كان يقرأ. ---------- (١) «شرح معاني الآثار» ٩/ ٢٠١، وإلى هنا انتهى كلام ابن بطال ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٦ بتصرف. (٢) سبق برقم (٧٤٦). ٩٧ - باب القِرَاءَةِ فِي العَصْرِ ٧٦٢ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ سُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا. [انظر:٧٥٩ - مسلم:٤٥١ - فتح: ٢/ ٢٤٦] ٧٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ في الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. [انظر:٧٤٦ - فتح:٢/ ٢٤٥] ذكر فيه حديث أبي قتادة السالف، وكذا حديث خباب. وشيخه فيه هو محمد بن يوسف الفريابي، قاله أبو نعيم وغيره. وشيخه سفيان هو الثوري كما صرَّح به أبو نعيم في روايته. وروي أيضًا القراءة فيهما من السلف عن عمر وابنه وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء وخباب وعبد الله بن مغفل وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وعائشة (١). وقال أبو العالية: العصر على النصف من الظهر. وقال إبراهيم: يضاعف الظهر على العصر أربع مرات. وقال الحسن البصري: القراءة في الظهر والعصر سواء. وقال حماد: القراءة في الظهر والصبح سواء (٢). ----------- (١) انظر: «المصنف» لعبد الرزاق ٢/ ١٠٠ - ١٠٧، «المصنف» لابن أبي شيبة ١/ ٣١٢ - ٣١٣. (٢) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٣١٣ - ٣١٤ (٣٥٧٩، ٣٥٨٤، ٣٥٨٧، ٣٥٨٨). ٩٨ - باب القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ (١) ٧٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، وَاللهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ. [٤٤٢٩ - مسلم: ٤٦٢ - فتح: ٢/ ٢٤٦] ٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ؟! [فتح: ٢/ ٢٤٦] ذكر فيه حديث ابن عباس أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١] فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هذِه السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ بِهَا في المَغْرِبِ. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وله: ثم ما صلى بعدها حتى قبضه الله -عز وجل- (٢). وأخرجها البخاري في كتاب: المغازي، وقال: ثم ما صلى لنا بعدها (٣). وأخرجه الترمذي بلفظ: خرج إلينا رسول الله - ﷺ - عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب بالمرسلات فما صلى بعدها حتى لقي الله -عز وجل-. وأخرجه النسائي بلفظ: صلى بنا في بيته المغرب فقرأ بالمرسلات ----------- (١) جاء في هامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الثالث بعد السبعين كتبه مؤلفه. (٢) مسلم (٤٦٢) باب: القراءة في الصبح. (٣) يأتي برقم (٤٤٢٩) باب: مرض النبي - ﷺ - .. وما صلى بعدها صلاة حتى قبض - ﷺ - (١). وفي «الأوسط»: ثم لم يصل لنا عشاء حتى قبض (٢). وذكر البخاري في الباب أيضًا حديث ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زيدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا لَكَ تَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ؟! وهو من أفراده. وقول الحاكم في «مستدركه» أنه مما اتفقا عليه (٣). من أوهامه، ورواه أبو داود، كذلك قال: قلت ما طولى الطوليين، قال: الأعراف، ونقله ابن بطال عن العلماء، وقال ابن أبي مليكة من قبل نفسه: الأعراف والمائدة (٤). وفي البيهقي عنه أنه قال: ما طولى الطوليين؟ قال: الأنعام والأعراف (٥). وفي «أطراف ابن عساكر»: قيل لعروة: ما طول الطوليين؟ قال: الأعراف ويونس، ورواه النسائي وابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي الأسود سمع عروة، قال زيد لمروان: أبا عبد الله، تقرأ في المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾. قال زيد: فحلفت بالله لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يقرأ فيها بأطول -------------- (١) الترمذي (٣٠٨) باب: ما جاء في القراءة في المغرب، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) «المعجم الأوسط» ٦/ ٢٣٥ (٦٢٨٠). (٣) «المستدرك» ١/ ٢٣٧. (٤) أبو داود (٨١٢) وفيه: قلت: ما طول الطوليين؟ قال: الأعراف والأخرى الأنعام. وانظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨١. (٥) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٩٢. الطوليين وهي ﴿المص (١)﴾ (١). قال ابن القطان: ففي هذا أن عروة سمعه من زيد بن ثابت، ووقع في أبي داود بينهما مروان (٢) أي: وكذا في البخاري كما سلف، وما مثله يصح؛ لأنه قد علل حديث بسرة بذلك مع أنه قد قال فيه كما قال هنا، فيكون سمعه بعد أن حدثه مروان عنه أو حدثه به زيد أولًا، وسمعه أيضًا من مروان، فصار يحدث به على الوجهين (٣). إذا تقرر ذلك، فالطولى: وزن فعلى تأنيث أطول، وقد سلف كذلك في رواية. و(الطوليين): تثنية الطولي، وطولى الطوليين. يريد: أطول السورتين. قال الخطابي: وبعض المحدثين يقول: بطِوَل الطوليين. بكسر الطاء وفتح الواو وهو خطأ فاحش، إنما الطِّوَل: الحبل، وليس هذا موضعه (٤). وكذا قال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يروونه: (بطول) وهو غلط، إنما هو بطولى على وزن فعلى (٥). فإن قلت: هل يجوز أن تكون البقرة؛ لأنها أطول السبع الطوال؟ فالجواب: أنه لو أرادها لقال: بطول الطول. ثم الحديثان المذكوران ظاهران فيما ترجم له البخاري رحمه الله. ------------- (١) النسائي ٢/ ١٦٩ - ١٧٠، وابن حبان في «صحيحه» ٥/ ١٤٤ (١٨٣٦). (٢) أبو داود (٨١٢). (٣) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢ (٢٤٤١). (٤) «معالم السنن» ١/ ١٧٥. (٥) «غريب الحديث» ٢/ ٤٥. قال ابن بطال: ويحتمل أن يكون قرأها في الركعتين؛ لأنه لم يذكر أنه قرأ معها غيرها (١). قلت: صرح به زيد بن ثابت في روايته أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في المغرب بسورة الأعراف في الركعتين كلتيهما، رواه الحاكم (٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين إن لم يكن فيه إرسال (٣). قلت: وفي الصحيحين قراءته - عليه السلام - في المغرب بالطور كما ذكره البخاري بعد (٤). وفي ابن ماجه -بإسناد صحيح- من حديث ابن عمر قراءته فيها بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٥). وفي الطبراني -بإسناد صحيح- أنه أمَّهم فيها بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ (٦) -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨١. (٢) ورد بهامش (س) ما نصه: أصل حديث زيد في صلاته - عليه السلام - بالأعراف في الصحيح. وفي «مسند أحمد» عن (…) وعن زيد بن ثابت كذا على الشك أن النبي - ﷺ - قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين. (٣) «المستدرك» ١/ ٢٣٧، وقال الذهبي في «التلخيص» ١/ ٢٣٧: فيه انقطاع؛ وانظر تمام تخريجه في «البدر المنير» ٣/ ١٨٠ - ١٨٧. (٤) سيأتي برقم (٧٦٥). (٥) رواه ابن ماجه (٨٣٣)، وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٢٤٨: ظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول، قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته. وقال الألباني: شاذ، والمحفوظ أنه كان يقرأ بهما في سنة المغرب. اهـ. «ضعيف سنن ابن ماجه» (١٧٧). (٦) رواه الطبراني في «الكبير» كما في «مجمع الزوائد» ٢/ ١١٨ من حديث عبد الله بن يزيد، قال الهيثمي: فيه جابر الجعفي، وثقه شعبة وسفيان وضعفه بقية الأئمة. اهـ. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ٣١٤ (٣٥٩٢)، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٤٤٢ (٤٩٢). وخرجه ابن حبان في «صحيحه» بنحوه (١). وعند ابن بطال عن الشعبي عنه: قرأ - عليه السلام - في المغرب بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ (٢). وفي «صحيح ابن حبان» من حديث جابر بن سمرة قراءته - عليه السلام - فيها ليلة الجمعة بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ وقراءته في العشاء الآخرة ليلة الجمعة بالجمعة والمنافقين فاستفده (٣). وفي الأحاديث غير ذلك بالصافات وبالدخان وبالبقرة. وعند أبي داود: أن عروة بن الزبير كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما يقرءون والعاديات ونحوها من السور. قال أبو داود: هذا يدلك على أن ذاك منسوخ (٤). وللنسائي عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان، فذكر أنه كان يقرأ في الأوليين من صلاة المغرب بقصار المفصل (٥). وعند ابن شاهين كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن أقرأ في الصحيح بطوال المفصل، وفي الظهر بأوساطه، وفي المغرب بقصاره، وبنحوه ذكره ابن أبي شيبة في «مصنفه». ------------ (١) ابن حبان ٥/ ١٤٦ (١٨٣٨)، عن حديث البراء بن عازب، وهو في صلاة العشاء لا المغرب. وكذا رواه الجماعة العشاء لا المغرب. وهو في البخاري فيما يأتي برقم (٧٦٧)، ومسلم (٤٦٤)، أبو داود (١٢٢١)، الترمذي (٣١٠)، النسائي ٢/ ١٧٣، ابن ماجه (٨٣٥). (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨١. (٣) ابن حبان ٥/ ١٤٩ - ١٥٠ (١٨٤١)، وقال في «الثقات» ٦/ ٣٦٧: المحفوظ عن سماك أن النبي - ﷺ -. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٥٥٩). (٤) «سنن أبي داود» (٨١٣) وقال: وهذا أصح. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٧٤): هذا مقطوع وإسناده صحيح على شرط مسلم. (٥) «إكمال المعلم» ٢/ ٣٧٠. ٩٩ - باب الجَهْرِ فِي المَغْرِبِ ٧٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. [٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤ - مسلم: ٤٦٣ - فتح: ٢/ ٢٤٧] حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أنا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ النَّبي - ﷺ - قَرَأَ فِي الَمغْرِبِ بِالطُّورِ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وزاد البخاري أيضًا في باب بإسناد غير متصل (٢). ووصله ابن ماجه، فلما بلغ هذِه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ إلى ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥: ٣٧] كاد قلبي أن يطير (٣). وذكره في المغازي (٤) مختصرًا في باب: شهود الملائكة بدرًا، وفيه: ذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي (٥). وذكره بطريق أخرى أنه كان جاءه في أسارى بدر يعني في فدائهم (٦). ولما أخرجه البزار بلفظ: قدمت على رسول الله - ﷺ - في فداء أهل بدر فسمعته يقرأ في المغرب وهو يؤم الناس بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾. قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن رسول الله - ﷺ - ولا نعلمه يروى ---------- (١) مسلم برقم (٤٦٣) باب: القراءة في الصبح. (٢) سيأتي برقم (٤٨٥٤) كتاب: التفسير، باب: سورة والطور. (٣) «سنن ابن ماجه» (٨٣٢) باب: القراءة في صلاة المغرب. (٤) ورد في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ يأتي في التفسير أيضًا. (٥) سيأتي برقم (٤٠٢٣). (٦) سيأتي برقم (٣٠٥٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: فداء المشركين. عن رسول الله - ﷺ - من وجه أنه قرأ في المغرب بالطور إلا في هذا الحديث (١). قلتُ: قد أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه «معرفة الصحابة» من حديث الزهري، عن الأعرج قال: سمعت عبيد الله بن الحارث بن نوفل يقول: آخر صلاة صليتها مع رسول الله - ﷺ - المغرب، فقرأ في الأولى بـ ﴿وَالطُّورَ﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ (٢). إذا تقرر ذلك؛ فالحديث ظاهر لما ترجم له من الجهر بالمغرب، وهو إجماع. وقد ذهب قوم -كما قال الطحاوي- إلى الأخذ بحديث جبير هذا، وحديث زيد وأم الفضل السالفين في الباب قبله وقلدوها، وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا: لا ينبغي أن يقرأ في المغرب إلا بقصار المفصل؛ وقالوا: قد يجوز أن يكون يريد بقوله: (قرأ بالطور) ببعضها وهو جائز لغة، يقال: فلان يقرأ القرآن إذا قرأ بشيء منه. قال الطحاوي: والدليل على صحة ذلك ما روى هشيم، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قدمت على رسول الله - ﷺ - لأكلمه في أسارى بدر، فانتهيت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقول: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور:٧ - ٨] فكأنما صدع قلبي؛ فبين هشيم القصة على وجهها وأخبر أن الذي سمعه قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ ------------ (١) «البحر الزخار» ٨/ ٣٣٧ (٣٤٠٩). (٢) أورد هذِه الرواية بسندها الحافظ في «الإصابة» ثمَّ قال: هذا إسنادٌ غريب؛ فيه مَن لا يعرف اهـ. «الإصابة» ٢/ ٤٣٦ (٥٢٩٦) ترجمة عبيد الله بن الحارث بن نوفل. لَوَاقِعٌ (٧)﴾ (١) لا أنه سمع الطور كلها وهو عجيب منه، ترده رواية البخاري السالفة، وقد رواه الطبراني في «معجمه الصغير»، عن إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده .. وقال: لم يروه عن إبراهيم إلا هشيم، تفرد به عروة بن سعيد الربعي، وهو ثقة (٢). وقوله: (فأتيته وهو يصلي) يخالفه ما ذكره ابن سعد من حديث نافع ابنه عنه. قال: قدمت في فداء أسارى بدر فاضطجعت في المسجد بعد العصر، وقد أصابني الكرى فنمت فأقيمت صلاة المغرب فقمت فزعًا لقراءة رسول الله - ﷺ - في المغرب: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) [الطور:١ - ٢] فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد وكان يومئذٍ أول ما دخل الإِسلام قلبي. وفي «الاستيعاب»: روى جماعة من أصحاب ابن شهاب عنه، عن محمد بن جبير، عن أبيه: المغرب أو العشاء (٣). وزعم الدارقطني أن رواية من رواه عن ابن شهاب، عن نافع بن جبير وَهَمٌ في ذكره نافعًا. ثم قال الطحاوي: وكذلك قول زيد لمروان في الطوليين: يجوز أن يكون قرأ ببعضها. ------------- (١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢١٢. (٢) «المعجم الصغير» ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦ (١١٤١) والذي وقع فيه: تفرد به سعيد بن عروة وهو ثقة، وكذا وقع في الإسناد سعيد بن عروة الربعي البصري، حدثنا هشيم، ووقع في «المعجم الكبير» ٢/ ١١٧: عروة بن سعيد، عن عروة الربعي المصري، ثنا هشيم، ووقع في «تاريخ الإسلام» للذهبي ٢٢/ ٣٢٥ (٥٥٤) في ترجمة يعقوب ابن غيلان شيخ الطبراني أنه حدث بالبصرة عن سعيد بن عروة. (٣) «الاستيعاب» ١/ ٣٠٤. والدليل على ذلك ما روى جابر أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون. وعن أنس: كنا نصلي المغرب مع رسول الله - ﷺ - ثم يرمي أحدنا فيرى مواقع نبله (١). فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله - ﷺ - من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك، وقد قرأ فيها بالأعراف أو نصفها (٢). وهو عجيب منه؛ فقد صح أنه فرقها في الركعتين كما أسلفناه في الباب قبله، والظاهر أن ذلك كان في بعض الأحيان منه فلا استحالة إذن. ثم قال الطحاوي: وقد أنكر على معاذ حين صلى العشاء بالبقرة مع سعة وقتها فالمغرب أحرى بذلك (٣). وهو عجيب منه؛ فإنكاره إنما هو للرفق بالمأمومين المعذورين، وقد روي أن ذلك كان في المغرب (٤)، وقد أخبر أبو هريرة أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل، أخرجه ابن أبي شيبة (٥). ----------- (١) رواه أبو داود (٤١٦) باب: في وقت المغرب، وأحمد ٣/ ١١٤، وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ١٧٤ (٣٣٨). قال الألباني: إسناده صحيح، وله شواهد في الصحيحين وغيرهما من حديث رافع بن خديج وغيره «صحيح أبي داود» ٣/ ٢٨٧ - ٢٨٨ (٤٤٣). (٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢١٢. (٣) «شرح معاني الآثار»١/ ٢١٤. (٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢١٣. (٥) أشار إلى هذِه الرواية ابن بطال في «شرحه» فقال: روى ابن أبي شيبة عن زيد بن الحباب قال: حدثنا الضحاك بن عثمان، قال: حدثنا بكير بن الأشج، عن سليمان ابن يسار، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بقصار المفصل. ورواها من طريقه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢١٤ قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل أبو زكريا البغدادي قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا زيد بن الحباب .. الحديث. فلو حملنا حديث جبير، وزيد بن ثابت على ما حمله المخالف لتضادت تلك الآثار. وحديث أبي هريرة هذا وإن حملناه على ما ذكرنا ائتلفت، وهو أولى من التضاد فينبغي إذن القراءة بقصار المفصل. وهو قول مالك (١)، والكوفيين (٢)، والشافعي (٣)، وجمهور العلماء (٤). قلتُ: قد أسلفنا أن قراءته كذلك كان في بعض الأحيان لبيان الجواز أو لامتداد وقت المغرب فلا تضاد. وقراءة الشارع ليست كقراءة غيره، فإنه كان من أخف الناس صلاة في تمام، وكان يقرأ بالستين إلى المائة. وقد أخبر الشارع عن داود صلى الله عليهما وسلم أنه كان يأمر بدابته أن تسرج فيقرأ الزبور قبل إسراجها (٥). فنبينا أَحْرى بذلك وأولى، ودعوى من ادعى أن السورة لم يكمل إنزالها فلذلك قرأ ببعضها وَهَمٌ؛ فالإجماع قائم على نزول الأعراف والأنعام بمكة شرفها الله. ----------- (١) انظر: «التفريع» ١/ ٢٢٧، «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٤، «المعونة» ١/ ٩٥. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٨، «الهداية» ١/ ٥٩، «تبيين الحقائق» ١/ ١٢٩ - ١٣٠. (٣) انظر: «الحاوي» ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧، «المهذب» ١/ ٢٤٨، «البيان» ٢/ ٢٠٢. وانظر للحنابلة: «المغني» ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥، «المبدع» ١/ ٤٤٣، «كشاف القناع» ٢/ ٣١٩. (٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨١. (٥) سيأتي برقم (٣٤١٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. ومنهم من استثنى في الأنعام ست آيات نزلن بالمدينة. وطولى الطوليين هي الأعراف على ما سلف؛ لأنها أطول من الأنعام فلا يتجه ذلك. وفي الحديث أيضًا من متعلقات الأصول والفقه والحديث: أن شهادة المشرك بعد إسلامه مقبولة فيما عمله قبل إسلامه؛ لأن جبيرًا كان يوم سمع الشارع مشركًا قدم في أسارى بدر كما سلف -وكذا روايته- ومثله الفاسق، والصبي أولى. ١٠٠ - باب الجَهْرِ فِي العِشَاءِ ٧٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ، قَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ -، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. [٧٦٨، ١٠٧٤، ١٠٧٨ - مسلم: ٥٧٨ - فتح: ٢/ ٢٥٠] ٧٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي العِشَاءِ فِي إِحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيتُونِ. [٧٦٩، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦ - مسلم: ٤٦٤ - فتح: ٢/ ٢٥٠] ذكر فيه حديث أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ، قَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ - ﷺ -، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. وحديث البراء: أنه - عليه السلام - كَانَ في سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي العِشَاءِ في إِحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فما سمعت أحدًا أحسن صوتا أو قراءةً منه. الشرح: حديث أبي هريرة يأتي قريبًا وفي سجود القرآن (١). وأخرجه مسلم أيضًا (٢). وحديث البراء يأتي في التفسير (٣). وأخرجه باقي الجماعة (٤)، وهما دالان على ما ترجم له وهو الجهر بالعشاء. --------------- (١) سيأتي برقم (٧٦٨)، وبرقم (١٠٧٤) باب: سجدة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾. (٢) مسلم (٥٧٨) باب: سجود التلاوة. (٣) سيأتي برقم (٤٩٥٢) باب: سورة التين. (٤) رواه مسلم برقم (٤٦٤) باب: القراءة في العشاء، وأبو داود (١٢٢١) باب: قصر قراءة الصلاة في السفر، والترمذي (٣١٠) باب: ما جاء في القراءة في صلاة = أما في حديث البراء فهو ظاهر فيه. وأما حديث أبي هريرة فلأنه سجد بها خلفه وذلك مقتضٍ أنه سمعها منه، والإجماع قائم على ذلك. وموضع السجدة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾. ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ وأغرب من قال: إنه آخر السورة. و(العتمة): المراد بها العشاء، وإن سلف النهي في تسميتها بذلك لما فيه. وسجود أبي هريرة خلف رسول الله - ﷺ - لا يلزم منه أن يكون في صلاة؛ لاحتمال سماعه لها منه خارجها. وقوله في حديث البراء: في إحدى الركعتين. جاء في النسائي أنها الأولى (١). وتأسى عمر -رضي الله عنه - بقراءته لها في إحداهما (٢). وقوله: (أو قراءة)، الظاهر أن (أو) بمعنى الواو؛ واستدل بذلك من لا يرى توقيتًا بالقراءة فيها بل بحسب الحال. وعن مالك: يقرأ فيها بالحاقة ونحوها (٣). وعندنا وعند أشهب: بأوساط المفصل (٤). وهو قول عمر بن عبد العزيز، وفيه حديث عن أبي هريرة مرفوعًا، ------------- = العشاء، والنسائي ٢/ ١٧٣، وابن ماجه (٨٣٤ - ٨٣٥) باب: القراءة في صلاة العشاء. (١) النسائي ٢/ ١٧٣. (٢) «مصنف عبد الرزاق» ٢/ ١٠٩ (٢٦٩٧). (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٤. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٤، «التهذيب» ٢/ ١٠١، «الدر» ١/ ٥٠٧. وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن اقرأ بالناس في العشاء الآخرة بوسط المفصل، وقرأ فيها عثمان بالنجم، وابن عمر بالذين كفروا (١) والفتح؛ وأبو هريرة بالعاديات (٢)، فيحتمل أن تكون قراءتها له لسفر أو أعجلته حاجة لذلك. وأجاز العلماء للمسافر إذا أعجله أصحابه واستغيث به في أمرٍ أن يقرأ بسورة قصيرة اتباعًا للشارع في التين والزيتون في السفر، وهو قول مالك (٣). وفي «شرح الهداية»: يقرأ في الفجر أربعين آية سوى الفاتحة. وفي رواية خمسين. وفي أخرى ستين إلى المائة. وهي أبين الروايات عندهم. قالوا: في الشتاء يقرأ مائة، وفي الصيف أربعين، وفي الخريف خمسين أو ستين. وذكر أن في رواية الأصل أن يكون في الظهر دون الفجر والعصر قدر عشرين آية سوى الفاتحة (٤). ونص أصحابنا على أنه يستحب أن يكون في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، وفي المغرب من قصاره (٥). --------------- (١) أي سورة محمد - ﷺ -. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٥. (٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٣١٦ (٣٦١٢، ٣٦١٣، ٣٦١٤). (٤) «شرح فتح القدير» ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥، «العناية» ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥. (٥) انظر: «المهذب» ١/ ٢٤٨، «التهذيب» ٢/ ١٠١، «العزيز» ١/ ٥٠٧. ١٠١ - باب القِرَاءَةِ فِي العِشَاءِ بِالسَّجْدَةِ ٧٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي التَّيْمِيُّ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ، فَقُلْتُ مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ - فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. [انظر: ٧٦٦ - مسلم: ٥٧٨ - فتح: ٢/ ٢٥٠] ذكر فيه حديث أبي رافع السالف، وهو حجة لنا في السجود في المفصل، وأجاز القراءة بها في العشاء وسائر المكتوبات من يراه. واختلفت الرواية عن مالك في ذلك، ففي «المدونة»: كره مالك للإمام أن يتعمد قراءة سورة فيها سجدة، لئلا يخلط على الناس، فإن قرأها فليسجد، وأكره أن يتعمدها الفذ (١). وروى عنه أشهب أنه إذا كان مع الإمام قليل من الناس لا يخاف أن يخلط عليهم فلا بأس بذلك (٢). وروى عنه ابن وهب أنه قال: لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة (٣)، ولا يكره عندنا قراءتها للإمام سرية كانت الصلاة أو جهرية، ويسجد متى قرأها (٤)، وقد عرفت مذهب مالك فيه (٥). وقال أبو حنيفة: يكره في السرية دون الجهرية (٦). قال الروياني -من أصحابنا- في «بحره»: وعلى مذهبنا يستحب ---------------- (١) «المدونة» ١/ ١٠٦. (٢) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٠، «الذخيرة» ٢/ ٤١٥. (٣) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٠، «الذخيرة» ٢/ ٤١٥. (٤) انظر: «البيان» ٢/ ٢٩١، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢٠. (٥) «الذخيرة» ٢/ ٤١٥. (٦) انظر: «الأصل» ١/ ٣١٩، «المبسوط» ٢/ ١٠، «الاختيار» ١/ ١٠١. ![]()
__________________
|
|
#184
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 87 الى صـــ 106 الحلقة (184) تأخير السجود حتى يسلم لئلا يهوش على الناس (١). قلت: فيه نظر؛ لأن في «سنن أبي داود» من حديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع، فرأينا أتى قرأ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ السجدة (٢). ورواه الحاكم في «مستدركه» وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. قال: وهو سنة صحيحة (عزيزة) (٣) أن الإمام يسجد فيما يسر بالقراءة مثل سجوده فيما يعلن (٤). ------------ (١) انظر: «المجموع» ٣/ ٥٦٨. (٢) أبو داود (٨٠٧) وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٤٣). (٣) في مطبوع «المستدرك»: غريبة. (٤) «المستدرك» ١/ ٢٢١. ١٠٢ - باب القِرَاءَةِ فِي العِشَاءِ ٧٦٩ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، سَمِعَ الْبَرَاءَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين: ١] فِي العِشَاءِ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً. [انظر: ٧٦٧ - مسلم: ٤٦٤ - فتح: ٢/ ٢٥١] ذكر فيه حديث البراء، وقد سلف (١). ولو أخر الجهر في العشاء عن القراءة فيها كما فعل في الصبح كان أولى. ------------ (١) سلف آنفًا برقم (٧٦٧). ١٠٣ - باب يُطَوِّلُ فِي الأُولَيَيْنِ وَيَحْذِفُ فِي الُأخْرَيَيِنْ ٧٧٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلَاةِ. قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قَالَ صَدَقْتَ، ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ. [انظر: ٧٥٥ - مسلم: ٤٥٣ - فتح: ٢/ ٢٥١] ذكر فيه حديث جابر بن سمرة: قال: قال عُمر لسعد: شَكَوْكَ في كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى في الصَّلَاةِ. قَالَ: قال أَما إني فَأمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قَالَ: صَدَقْتَ، ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ. أَوْ ظَنِّي بِكَ. وقد سلف الكلام عليه أول باب: وجوب القراءة مستوفًا (١)، والمراد بالحذف: التقصير، وأصل الحذف من الشيء: النقص، وهو بمعنى الرواية الأخرى السالفة هناك، وأخف في الأخريين. ومعنى (لاآلو): لا أقصر. تقول العرب: ما آلوت في حاجتك وما آلوتك نصحًا: ما قصرت بك عن جهدي. والحديث ظاهر لما ترجم له، فإن عكس خالف السنة، والصلاة صحيحة وهو عام في الرباعية والثلاثية وكذا الثنائية. واستثنى أبو حنيفة وأبو يوسف فقالا: إن ركعتي الظهر سواء (٢)، وخالفهما محمد فقال: الأولى أطول في كل الصلوات (٣). ------------ (١) في شرح حديث (٧٥٥). (٢) «فتح القدير» ١/ ٣٣٦، «العناية» ١/ ٣٣٦. (٣) المرجعان السابقان. ١٠٤ - باب القِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ (١) وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالطُّورِ (٢). ٧٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الَمدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ -وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الَمغْرِبِ- وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الِمائَةِ. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٤٦١، ٦٤٧ - فتح ٢/ ٢٥١] ٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. [مسلم: ٣٩٦ - فتح ٢/ ٢٥١] كذا أخرجه معلقًا، وكذا علقه في باب: الجهر بقراءة الصبح بعده، وسيأتي مسندًا غير مرة في الحج (٣)، وأن الصلاة كانت الصبح. -------------- (١) وقع بعده في (س) الجملة الآتية: ذكر فيه حديث أي رافع السالف وهو حجة لنا في السجود في المفصل وأجاز القراءة بها في العشاء وسائر المكتوبات من يراه. [وعلم عليها (لا … إلى) (من … إلى). قلت: لأنه في الباب السالف]. (٢) ورد في هامش (س) ما نصه: مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. (٣) التعليق يأتي معلقًا أيضًا في الباب التالي (١٠٥). وسيأتي مسندًا برقم (١٦١٩) باب: طواف النساء مع الرجال. وسلف مسندًا برقم (٤٦٤) باب: إدخال البعير في المسجد للعلة. ثم ذكر في الباب حديثين: أحدهما: حديث أبي برزة وتقدم في وقت الظهر وغيره، وفي آخره: ويصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة (١). والثاني: حديث عطاء عن أبي هريرة قال: فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ أَجْزَاتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. وهذا الحديث أخرجه مسلم (٢) من هذا الوجه، ولفظه في آخره: فقال له رجل: إن لم أزد على أم القرآن [فقال] (٣): إن زدت عليها فهو خير، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك (٤). وفي أوله: لا صلاة إلا بقراءة (٥). ولما ذكره عبد الحق في «جمعه» وعزاه إلى مسلم قال: لم يخرج البخاري هذا الحديث الموقوف. وقد علمت أنه فيه كما سقناه لك. وفي «الأوسط» للطبراني في كل صلاة قراءة، ولو بفاتحة الكتاب (٦). وتتبع ذلك الدارقطني. وقال: ------------- (١) سلف برقم (٥٤١) باب: وقت الظهر عند الزوال. وبرقم (٥٤٧) باب: تأخير الظهر إلى العصر. وبرقم (٥٦٨) باب: ما يكره من النوم بعد العشاء. (٢) عليها في الأصل (أبو داود، والنسائي). (٣) في الأصل: فقالت. (٤) مسلم (٣٩٦/ ٤٣) كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة .. (٥) مسلم (٣٩٦/ ٤٢). (٦) رواه الطبراني في «الأوسط» بإسنادين إلى أبي هريرة: أحدهما: من طريق داود بن أبي الفرات عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء بن أبي = الصواب من قول أبي هريرة وهو محفوظ عن أبي أسامة على الصواب (١). قال الحافظ أبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد [الله] الدمشقي في كتابه «الرد على الدارقطني» في كتاب «التتبع»: لعل الوَهَمَ فيه من مسلم أو من ابن نمير، أو من أبي أسامة، وأما أن نلزم مسلم فيه بالوَهَم من بينهم فلا، حتى يوجد من غيره حديث مسلم عن ابن نمير على الصواب، فحينئذٍ يلزمه الوَهَم وإلا فلا (٢). و(أجزات) رويناه بغير همز. قال تعالى: ﴿لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيئًا﴾ [البقرة: من الآية ٤٨] وأجزات لغة بني تميم، أجزيت عني، أي: قضيت، وقال أبو سليمان: جزى وأجزى مثل وفي وأوفي. وقال ابن قرقول: أجزيت عنك عند القابسي، وعند غيره: أجزأتك. أما حكم الباب: فالإجماع قائم على أن أطول الصلوات قراءة صلاة الفجر، وبعدها الظهر، واقتصر البخاري فيه على حديث أبي برزة وأم سلمة وذكر في الباب بعده أنه - عليه السلام - قرأ ﴿قُلْ أُوحِىَ﴾ [الجن: من الآية ١]. وفي مسلم من حديث جابر بن سمرة قراءته - عليه السلام - بقاف، قال: وكانت قراءته بعد تخفيفًا (٣). ------------- = رباح، عن أبي هريرة به. ثم قال: لم يروه عن إبراهيم الصائغ إلا داود بن أبي الفرات. «الأوسط» ٨/ ٩٢ (٨٠٦٦). الثاني: من طريق إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الكريم، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة به. ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن الحجاج إلا إبراهيم بن طهمان. «الأوسط» ٩/ ١٥٩ (٩٤١٥). (١) «الإلزامات والتتبع» ص ١٤٣. (٢) «الأجوبة عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم» لأبي مسعود الدمشقي ص ١٥٢. (٣) مسلم (٤٥٨) باب: القراءة في الصبح. وفيه من حديث قطبة بن مالك بـ ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ (١) [ق: ١٠]، وفيه من حديث عمرو بن حريث: القراءة بـ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ (٢) [التكوير: ١٥] وفيه: أمر بالمعوذتين، صححه الحاكم على شرط الشيخين (٣). و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين كلتيهما رواه أبو داود بإسناد صحيح (٤). وفي «الأوسط»: قراءته بـ ﴿يس (١)﴾ (٥)، وعنده أيضًا بالواقعة ونحوها من السور (٦). صحح هذا الحاكم على شرط مسلم (٧). وقرأ بالصافات وبسورتي الإخلاص والكافرون. و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾، وبسورة الحج سجد فيها سجدتين وغير ذلك. ---------------- (١) مسلم (٤٥٧) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح. (٢) مسلم (٤٥٧) كتاب: الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده. (٣) «المستدرك» ١/ ٢٤٠. (٤) «سنن أبي داود» (٨١٦) باب: الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين. قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. اهـ. «الخلاصة» ١/ ٣٨٩ (١٢٢٦)، وقاله الشوكاني في «نيل الأوطار» ١/ ٨٠٢: ليس في إسناده مطعن بل رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني: إسناده حسن «صحيح أبي داود» ٣/ ٣٩٩ (٧٧٥). (٥) «المعجم الأوسط» ٤/ ١٧٥ (٣٩٠٣). ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن سماك إلا شعبة وأيوب بن جابر، ولا رواه عنهما إلا أبو داود، تفرد به عبد الله بن عمران. وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١١٩: رجاله رجال الصحيح. اهـ (٦) «المعجم الأوسط» ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣ (٤٠٣٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سماك إلا إسرائيل، ولا عن إسرائيل إلا سلمة بن رجاء، تفرد به يعقوب بن حميد. قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١١٩: فيه يعقوب بن حميد بن كاسب ضعفه جماعة، قال بعضهم: لأنه كان محدودًا، وذكره ابن حبان في «الثقات» وبقية رجاله رجال الصحيح. (٧) «المستدرك» ١/ ٢٤٠. واختلفت الآثار عن الصحابة في ذلك أيضًا فقرأ الصديق فيها [بالبقرة] (١) في الركعتين، وعُمَر بيونس وهود، وعُثمان بيوسف والكهف، وعَلي بالأنبياء، وعبد الله بسورتين أخراهما: بنو إسرائيل، ومُعاذ بالنساء، وعَبيدة بالرحمن ونحوها، وإبراهيم بـ ﴿يس (١)﴾ وأشباهها، وعُمر بن عبد العزيز بسورتين من طوال المفصل، وغير ذلك (٢). وهذا كله باختلاف الأحوال، والتخفيف لا شك في مطلوبيته. --------------- (١) في الأصل بالقراءة، وهو خطأ. (٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣١٠ - ٣١١. ١٠٥ - باب الجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الفَجْرِ وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَيقْرَأُ بِالطُّورِ. ٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ. فَقَالُوا مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ بِنَخْلَةَ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١ - ٢] فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ. [٤٩٢١ - مسلم: ٤٤٩ - فتح: ٦٤] ٧٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم، ٦٤] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [فتح: ٢/ ٢٥٣] هذا التعليق سلف الكلام عليه في الباب قبله ثم ساق حديث ابن عباس: انْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي طَائِفَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ .. الحديث بطوله؛ وفيه: وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ. ثم ساق قول عكرمة عن ابن عباس: قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وهذا من أفراد البخاري، والأول أخرجه مسلم أيضًا (١)، وأخرجه البخاري في التفسير أيضا (٢)، واستدركه الحاكم على شرطهما، وأنهما لم يخرجاه بهذِه السياق، وإنما أخرج مسلم وحده حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بطوله بغير هذِه الألفاظ (٣). والحديث الأول والثاني ظاهر فيهما ما ترجم له من الجهر بالقراءة في صلاة الفجر. وأما الثالث فوجه الدلالة منه عموم قوله: (فيما أمر) يعني: جهر، بدليل قوله: (وسكت فيما أمر) أي: أسر، فيدخل الفجر في الذي جهر فيه اتفاقا، والدليل عليه قول خباب: إنهم كانوا يعرفون قراءة رسول الله - ﷺ - فيما أسر فيه باضطراب لحيته (٤)، فسمى السر سكوتا، ولا يظن بالشارع أنه سكت في صلاة صلاها؛ لأنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وقال الإسماعيلي: إن سلم الحديث من قبل عكرمة من الطعن فالذي يصلح أن يوجه عنه أنه سكت عن الإعلان لا عن القراءة. ------- (١) مسلم (٤٤٩). (٢) سيأتي برقم (٤٩٢١). (٣) «المستدرك» ٢/ ٥٠٣. (٤) سلف برقم (٧٤٦). وقال الخطابي: لو شاء أن ينزل ذكر بيان أفعال الصلاة وأقوالها حتى يكون قرآنا متلوًّا لفعل، ولم يتركه عن نسيان، لكنه وكل الأمر في بيان ذلك إلى نبيه - ﷺ -، ثم أمرنا بالاقتداء به، وهو معنى قوله ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) [النحل: ٤٤]. ولم تختلف الأمة في أن أفعاله التي في بيان مجمل الكتاب واجبة، كما لم يختلفوا في أن أفعاله التي هي من نوم وطعام وشراب وشبهها غير واجبة. وإنما اختلفوا في أفعاله التي تتصل بأمر الشريعة مما ليس بيان مجمل الكتاب، فالذي نختار أنها واجبة. وحديث ابن عباس دال على أن الشهب إنما رميت في أول الإسلام من أجل استراق الشياطين السمع، لكن رميها لم يزل قبل الإسلام، وعلى ممر الدهور، روى معمر أو غيره، عن الزهري (٢)، عن علي بن حسين، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ قال: بينا النبي - ﷺ - جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟» قالوا: كنا نقول يموت عظيم، أو يولد عظيم؛ قال: «فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، لكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرًا يسبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذي يلونهم حتى يبلغ التسبيح هذِه السماء، ثم يستخبر أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا، ويخطف الجن السمع فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه». ----------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣. (٢) في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: هذا في مسلم. قلت للزهري: أو كان يُرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أرأيت قوله تعالى ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٩] قال: غلظت، وشدد أمرها، حيث بعث إليه النبي - ﷺ - (١). وكذا قال الزمخشري وغيره: إن الصحيح إنه كان قبل المبعث أيضًا، وقد جاء ذكره في شعر أهل البادية، وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما وقع البعث كثر الرجم، وزاد زيادة ظاهرة حتى تنبَّه لها الإنس والجن، ومنع الاستراق أصلًا. وقال ابن الجوزي: الذي أميل إليه أن الشهب لم ترم إلا قبيل مولده، ثم استمر ذلك وكثر حين بعث. فوائد: الأولى: قرئ (وحي) على الأصل: (واحي). و(النفر): جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة، وفي «صحيح الحاكم» عن ابن مسعود: هبطوا على النبي - ﷺ - ببطن نخلة وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة. وقال: صحيح الإسناد (٢). الثانية: اختلف في أصلهم فقال الحسن: إنهم ولد إبليس، وكافرهم يسمى شيطانا، وعن ابن عباس: هم ولد الجان، والشياطين ولد إبليس. -------------- (١) رواه أحمد ١/ ٢١٨ من طريق معمر عن الزهري، به سواء، ورواه أيضًا الترمذي (٣٢٢٤) من طريق معمر، به، دون قوله: أو كان يرمي بها .. والحديث رواه مسلم في «صحيحه» (٢٢٢٩) من طريق صالح عن الزهري وهو المعنيُّ من قول المصنف: (روى معمر أو غيره- به)، دون الزيادة أيضًا كما عند الترمذي. (٢) «المستدرك» ٢/ ٤٥٦. وأبعد من أنكر وجودهم، وإنما قيل: بإنكار تسلطهم على البشر، والصواب الذي لا شك فيه أنهم موجودون. وهل هم أجسام أو جواهر قائمة بأنفسها؟ قولان. وقام الاتفاق على تعذيبهم قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ والصواب أن مؤمنيهم يدخل الجنة ينعم، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ بعد قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآيات. وعن أبي حنيفة: لا، وإنما تحصل لهم النجاة من النار، قال تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم يصيرون ترابًا. الثالثة: كان خروجه - ﷺ - إلى الطائف واستماع الجن بعد موت عمه وخديجة، وقبل المعراج، فلم يستجب له أحد، ورجع في جوار المطعم بن عدي، وذلك -يعني: خروجه- في شوال سنة عشر من النبوة، وكان معه زيد بن حارثة فاستمع له الجن وهو يقرأ سورة الجن، كذا في «طبقات ابن سعد»، وتأمل رواية البخاري التي سقناها فإن ظاهرها أن سورة الجنّ إنما نزلت بعد استماعهم (١). الرابعة: زعم جماعة أن الشهب قد لا تصيبهم، منهم السهيلي، وهذا فائدة تعرضهم لذلك بعد علمهم به، ويجوز أن ينسوه لينفذ فيهم القضاء كما قيل في الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، ولا يرى الفخ على ظاهرها. قال ابن عباس: كانت لا تحجب عن السموات، فلما ولد عيسى منعت من ثلاث، فلما ولد نبينا منعت من الكل. -------------- (١) انظر ذلك بتفصيل في: «سيرة ابن هشام»: ٢٨/ ٢ - ٣١، و«البداية والنهاية»: ٣/ ١٤٧ - ١٥٠، و«تاريخ الإسلام» للذهبي: ١/ ١٩٧ - ٢٠٢ و٢٨٢ - ٢٨٦. الخامسة: إن قلت: أيزول الكوكب الذي رمي به؟ قلت: يجوز أن يفنى ويتلاشى، ويجوز أن لا، فربما فصل شعاع من الكوكب وأحرق، نبه عليه ابن الجوزي. وقال النووي في قوله تعالى: ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ قيل: هو مصدر فتكون الكواكب هي الراجمة المحرقة بشهبها لا بأنفسها، وقيل: هو اسم فتكون هي بأنفسها التي ترجم بها، وتكون (رجوم) بمعنى رجم بفتح الراء. خاتمة: في ألفاظ وقعت في الحديث الثاني. (السوق): يذكر ويؤنث، قال في «الجامع»: اشتقاقها من سوق الناس بضائعهم إليها، وقال ابن التين: لقيام الناس فيها على سوقهم. و(عكاظ): سوق معروف بناحية مكة، وقيل: ما ذكره الزمخشري، وقد ذكره الأزهري (١)، وابن سيده (٢)، والجوهري (٣)، وغيرهم (٤). ولم يكن فيه عشور ولا خفارة، يذكر فيها الشعراء مما أحدثوه من الشعر، يصرف ولا يصرف. ومعنى (عامدين): قاصدين تهامة، وهو نخل. قال: خرجه البخاري وقال: بنخلة، وهو الصواب. و(الأسوة): بكسر الهمزة وضمها، قرئ بهما، ومعناها: القدوة. ------------ (١) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٥٣٢. (٢) «المحكم» ١/ ١٥٩. (٣) «الصحاح» ٣/ ١١٧٤. (٤) انظر: «النهاية» ٣/ ٢٨٤، و«تاج العروس» ١٠/ ٤٧٥ - ٤٧٦. ١٠٦ - باب الجَمْعِ بَيْن السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ، وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ، وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ. [وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ: قَرَأَ النَّبِيُّ -ﷺ - المُؤْمِنُونَ في الصُبْحِ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى، أَخَذتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. وَقَرَأَ عُمَرُ في الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المَثَانِي. وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ في الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ -رضي الله عنه - الصُّبْحَ بِهِمَا. وَقَرَأَ ابن مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المُفَصَّلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِيمَنْ يَقْرأُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ: كُلٌّ كِتَابُ الله]. ٧٧٤ م - وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا [أَنْ] تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى. فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟». فَقَالَ: إِنِّى أُحِبُّهَا. فَقَالَ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ». [فتح: ٢/ ٢٥٥] ٧٧٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابن مَسْعُودٍ فَقَالَ قَرَأْتُ الُمفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةِ. فَقَالَ هذا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ التِي كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ. فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الُمفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةِ. [٤٩٩٦، ٥٠٤٣ - مسلم: ٨٢٢ - فتح: ٢/ ٢٥٥] وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ: قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - المُؤْمِنُونَ فِي الصُّبحِ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى، أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. وهذا التعليق أسنده مسلم في «صحيحه»، وقال: بمكة شرفها الله تعالى (١). وعند أبي داود: الشك من محمد بن عباد بن جعفر (٢)، وعند ابن ماجه: فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة -أو قَالَ: شهقة- وفي رواية: شرقة (٣)، وعند الطبراني: يوم الفتح. و(السَّعلة) -بفتح السين- كما قيده النووي في «شرح مسلم»، وقال ابن التين: بفتح السين كذا رويناه، وروي بضمها. وفيه: جواز قطع القراءة، والقراءة ببعض السور، ولا خلاف في جوازه ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر، وكذا لغير عذر، لكنه خلاف الأولى، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وبه قَالَ مالك في رواية عنه، والمشهور عنه: كراهته (٤)، وهو رواية عند الحنفية، والصحيح: موافقتنا (٥). وهذا الحديث وقع عند مسلم في إسناده: عبد الله بن عمرو بن ------------- (١) مسلم (٤٥٥) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح. وليس في النسخ التي بين أيدينا: (شرفها الله تعالى). (٢) «سنن أبي داود» (٦٤٩) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في النعل. (٣) «سنن ابن ماجه» (٨٢٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: القراءة في صلاة الفجر. (٤) «مسلم بشرح النووي» ٤/ ١٧٧ - ١٧٨. (٥) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٤٧، «البناية» ٢/ ٣٦٥. العاصي، وصوابه: عبد الله بن عمرو المخزومي، كما ذكره البخاري في «تاريخه» وابن أبي حاتم، وخلائق (١)، وعبد الله بن السائب هذا هو عبد الله بن السائب بن أبي السائب صيفي بن عابد المخزومي قارئ مكة، لَهُ صحبة، مات قبل ابن الزبير، وأسلم عام الفتح وكان شريك النبي - ﷺ - فقال لَهُ - ﷺ -: «نعم الشريك كنت؛ لا تداري ولا تماري» أو «لا تشاري ولا تماري» (٢). ثم قَالَ البخاري: وَقَرَأَ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المَثَانِي. وهذا التعليق ذكره ابن أبي شيبة في «مصنفه»: عن عبد الأعلى، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن أبي رافع قَالَ: كان عمر يقرأ في الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني أو من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها بسورة من المثاني أو من صدور المفصل (٣). وسميت المثاني؛ لكونها قصرت عن المئين، وتزيد عَلَى المفصل، كان المئين جعلت مبادئ، والتي تليها مثاني، ثمَّ المفصل، وعن ابن مسعود وطلحة بن مصرف: المئون إحدى عشرة سورة، والمثاني عشرون سورة. وفي «المحكم»: المثاني من القرآن ما يثنى مرة بعد -------------- (١) «التاريخ الكبير» ٥/ ١٥٤ (٤٧٠) و«الجرح والتعديل» ٥/ ١١٧ (٥٣٣). (٢) رواه أبو داود (٤٨٣٦)، النسائي في «الكبرى» ٦/ ٨٦ (١٠١٤٤) كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول للقادم إذا قدم عليه، والطبراني ٧/ ١٣٩ - ١٤٠ (٦٦١٨ - ٦٦٢٠)، والحاكم ٢/ ٦١ كتاب: البيوع، والبيهقي ٦/ ٧٨ كتاب: الشركة، باب: الاشتراك في الأموال والهدايا. قال الحاكم: صحيح على الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣١١ (٣٥٦٣) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر. مرة. وقيل: فاتحة الكتاب. وقيل: سور أولها البقرة، وآخرها براءة. وقيل: القرآن العظيم كله (١). وعند الأزهري: سمي القرآن العظيم كله مثاني؛ لأن القصص والأمثال ثنيت فيه (٢). ثم قَالَ البخاري: وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ فِي الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بيونس أو بيوسف، وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ الصُّبْحَ بِهِمَا. وهذا الأثر أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه»: عن مخلد بن جعفر، ثنا جعفر الفريابي، ثنا قتيبة، عن حماد بن زيد، عن بديل، عن عبد الله ابن شقيق قَالَ: صلى بنا الأحنف بن قيس الغداة فقرأ في الركعة الأولى بالكهف، وفي الثانية بيونس، وزعم أنه صلى خلف عمر بن الخطاب فقزأ في الأولى بالكهف، وفي الثانية بيونس، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن معتمر، عن الزبير بن الخريت، عن عبد الله بن قيس، عن الأحنف قَالَ: صليت خلف عمر الغداة فقرأ بيونس، وهود ونحوهما (٣)، وحَدَّثَنَا وكيع، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب أن عمر قرأ في الفجر بالكهف (٤). وفي «صحيح مسلم» من حديث حذيفة أنه - ﷺ - قرأ في صلاة بالنساء، ثمَّ بآل عمران (٥)، قَالَ مالك: لا بأس بأن يقرأ سورة قبل سورة، ولم -------------- (١) «المحكم» ١١/ ١٧٦ (ثنى). (٢) «تهذيب اللغة» ١/ ٥٠٦ (ثنى). (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣١٠ (٣٥٤٦) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر. (٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣١٠ (٣٥٤٧) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر. (٥) «صحيح مسلم» (٧٧٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. يزل الأمر عَلَى ذَلِكَ من عمل الناس، وقراءة التي بعدها أحب إلينا (١)، وفي «شرح الهداية»: هو مكروه، قَالَ: وعليه جمهور الفقهاء، منهم أحمد (٢). فائدة: ترتيب السور من ترتيبه - ﷺ -، أو من اجتهاد المسلمين؟ قَالَ ابن الباقلاني: الثاني أصح القولين مع احتمالهما (٣)، وتأولوا النهي عن ---------- (١) انظر: «البيان والتحصيل» ١/ ٢٤١، «مواهب الجليل» ٢٤١. (٢) «البناية» ٢/ ٣٦٦، وانظر «المغني» ٢/ ١٦٩. (٣) قال القاضي عياض: تعليقًا على حديث حذيفة في قراءة النبي - ﷺ - بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران: وتقديمه هنا النساء على آل عمران حجة لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف لم يكن ذلك من تحديد النبي - عليه السلام - وإنما وكله إلى أمته بعده وهو قول جمهور العلماء، وهو قول مالك واختيار القاضي أبي بكر الباقلاني وأصح القولين عنده، مع احتمالها. قال: والذي نقوله: إن تأليف السور ليس بواجب في الكتابة ولا في الصلاة، ولا في الدرس ولا في التلقين والتعليم، وإنه لم يكن من الرسول في ذلك نص واحد لا يحل تجاوزه؛ فلذلك اختلفت تأليفات المصاحف قبل مصحف عثمان، واستجاز النبي - ﷺ - والأمة بعده في سائر الأعصار ترك الترتيب للسور في الصلاة والدرس والتلقين والتعليم، وعلى قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك توقيف من رسول الله - ﷺ -، وعلى ما حده ورسمه لهم حسب ما استقر في مصحف عثمان، وأن موجب اختلاف المصاحف قيل في الترتيب، وإنما كان قبل التوقيف وعلى ما جاء هنا كانت هاتان السورتان في مصحف أبي، ولا خلاف أنه يجوز للمصلى من الركعة الثانية أن يقرأ بسورة قبل التي صلى بها في الأولى، أو إنما يقع الكراهة بذلك في ذلك في ركعة واحدة أو لمن يتلو القرآن وقد أجاز هذا بعضهم وتأول نهى من نهى من السلف عن قراءة القرآن، مُنكَّسًا أن يقرأ من آخر السورة آية بعد آية إلى أولها كما يفعل من يُظهر قوة الحفظ، ولا خلاف أن تأليف كل سورة وترتيب آياتها توقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها - عليه السلام -. «إكمال المعلم» ٣/ ١٣٧. قراءة القرآن منكوسًا عَلَى من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وأما ترتيب الآيات فلا خلاف أنه توقيف من الله عَلَى ما هي عليه الآن في المصحف. ثمَّ قَالَ البخاري وَقَرَأَ ابن مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ، وَفِي الثَّانِي بِسُورَةٍ مِنَ المُفَصَّلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِيمَنْ يَقْرَأُ بسُورَةٍ وَاحِدَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً في رَكْعَتَيْنِ: كُلُّ كِتَابُ اللهِ. وقول قتادة هو موضع الاستشهاد عَلَى القراءة بالخواتيم، فيقرأ في الثانية النصف الثاني منها، وقد سلف قريبًا قراءته - ﷺ - في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] في الركعتين كلتيهما، وكذا قراءته الأعراف فيهما، وعن أبي بكر أنه قرأ بالبقرة في الفجر في الركعتين (١)، وعن عمر أنه قرأ بآل عمران في الركعتين الأوليين من العشاء قطعها فيهما، ونحوه عن سعيد بن جبير، وابن عمر، والشعبي، وعطاء، وقال مالك: إِذَا بدأ بسورة، وختم بأخرى لا شيء عليه، وقد كان بلال يقرأ من غير سورة (٢)، وسلف حديث السعلة، وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال. ثمَّ قَالَ البخاري: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرى ----------- (١) رواه مالك ١/ ٨٥ (٢٢٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في قراءة الصبح. وابن أبي شيبة ١/ ٣١٠ (٣٥٤٥) كتاب: الصلوات، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٦. ![]()
__________________
|
|
#185
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 107 الى صـــ 126 الحلقة (185) مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلُّمَهُ أَصْحَابُهُ .. الحديث. وفي آخره: «وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُوم هذِه السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ». فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ». وهذا التعليق أخرجه الترمذي مسندًا بنحوه، ثمَّ قَالَ: صحيح غريب من حديث عبيد الله عن ثابت (١). وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا قَالَ: يا رسول الله، إنى أحب هذِه السورة:- لـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص:١]: قَالَ: «إن حبك إياها يدخلك الجنة» (٢). ورواه أبو نعيم من حديث الدراوردي، عن عبيد الله فذكره مختصرًا، والقصة مسندة في الصحيحين من حديث عائشة (٣)، وأنه كان يختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ كما ستعلمه في باب: الاعتصام إن شاء الله تعالى. وذكر أبو موسى في «الصحابة» أن هذا الرجل اسمه: كلثوم بن الهِدْم (٤)، وقال ابن بَشكوال في «مبهماته» هو: قتادة بن النعمان الظفري (٥). ---------------- (١) «سنن الترمذي» (٢٩٠١) كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة الإخلاص، قال الألباني في «صحيح الترمذي»: حسن صحيح. (٢) رواه الترمذي (٢٩٠١) كتاب: فضائل القرآن،، باب: ما جاء في سورة الإخلاص، وأحمد ٣/ ١٤١، والدارمي ٤/ ٢١٦٢ (٣٤٧٨) كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾، أبو يعلى ٦/ ٨٣ - ٨٤ (٣٣٣٦)، وابن حبان في «صحيحه» ٣/ ٧٢ (٧٩٢) كتاب: الرقائق، باب: قراءة القرآن، وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: حسن صحيح. (٣) سيأتي برقم (٧٣٧٥) كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى. ومسلم برقم (٨١٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾. (٤) نقله عنه ابن الأثير في «أسد الغابة» ٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦. (٥) «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ٨٤. وقال الدارقطني: رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن حبيب بن سُبيعة عن الحارث مرسلًا، قَالَ أبو الحسن: وحماد بن سلمة أشبه بالصواب (١). يعني: من حديث عبيد الله، ومبارك. واختلف العلماء في جمع السورتين في كل ركعة، فأجاز ذَلِكَ ابن عمر، وكان يقرأ بثلاث سور في ركعة (٢)، وقرأ عثمان بن عفان، وتميم الداري القرآن كله في ركعة (٣)، وكذا سعيد بن جبير، وأبو حنيفة، وكان عطاء يقرأ سورتين في ركعة أو سورة في ركعتين من المكتوبة (٤). وعند ابن أبي شيبة: كره أبو جعفر أن يقرن بين سورتين في ركعة، وزيد بن خالد الجهني، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية (٥). وقال مالك: لا بأس أن يقرأ سورتين وثلاثًا في ركعة، وسورة أحب إلينا، ولا يقرأ بسورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه، وقال مرة: لا بأس ---------------- (١) «علل الدارقطني» ١٢/ ٣٧. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٢ (٣٦٨٩) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يقرن السور في الركعة من رخص فيه. (٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٥٤ (٥٩٥٢) في فضائل القرآن، باب: إذا سمعت السجدة وأنت تصلي وفي كم يقرأ القرآن، وابن أبي شيبة ١/ ٣٢٢ (٣٦٩٠)، (٣٦٩١) في الصلوات، باب في الرجل يقرن السورة في الركعة من رخص فيه؟. (٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥ (٥٩٥٣) كتاب: فضائل القرآن، باب: إذا سمعت السجدة، وابن أبي شيبة ١/ ٣٢٣ (٣٦٩٦) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يقرن السور في الركعة متى رخص فيه؟. (٥) ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٤ (٣٧٠٥ - ٣٧٠٨)، (٣٧١٠) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يجمع بين السورتين في ركعة .. به، وما هو من الشأن (١)، وأجاز ذَلِكَ كله الكوفيون (٢)، وروي ذَلِكَ عن الربيع بن خثيم، والنخعي، وعطاء (٣)، زاد ابن حزم: وعمر بن الخطاب، وطاوس (٤). وقال عطاء: كل سورة حظها من الركوع والسجود. وروي عن ابن عمر أنه قَالَ: إن الله فصَّل القرآن؛ لتُعطى كل سورة حظها من الركوع والسجود، ولو شاء لأنزله جملة واحدة (٥). والقول الأول أشبه بالصواب لحديث ابن مسعود الآتي (٦). وقد قَالَ - ﷺ -: «أفضل الصلاة طول القنوت» (٧) أي: القيام، وهو حجة عَلَى من خالف ذَلِكَ، ودليل واضح أن الأفضل من الصلوات ما أطلت فيه القراءة، ولا يكون ذَلِكَ إلا بالجمع بين السور الكثيرة في ركعة، وقد فعل ذَلِكَ الصحابة والتابعون. --------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٦. (٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٤٧ - ٣٤٩، «البناية» ٢/ ٣٦٥، «منية المصلي» ص ٣٠٦. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٣ (٣٦٩٢)، (٣٦٩٣)، (٣٦٩٥) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يقرن السور من رخص فيه. (٤) «المحلى» ٤/ ١٠٣. (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ١٤٩ (٢٨٥٥). (٦) وإليه ذهب الشافعية: وهو رواية عن الإمام أحمد وهي الأصح، انظر: «الإعلام» ٣/ ٢١٣ - ٢١٤، «المبدع» ١/ ٤٨٥، «كشاف القناع» ٢/ ٤١٧. (٧) رواه أبو داود (١٣٢٥) كتاب: التطوع، باب: افتتاح صلاة الليل بركعتين، والنسائي ٥/ ٥٨ كتاب: الزكاة، باب: جهد المقل، والدارمي ٢/ ٨٩٢ (١٤٦٤) كتاب: أي الصلاة أفضل. وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ١٤ ترجمة (١٠٤)، والبيهقي ٣/ ٩ كتاب: الصلاة، باب: من استحب الإكثار من الركوع والسجود. كلهم عن عبد الله بن حبشي. قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٩٦): إسناده صحيح على شرط مسلم، لكن الصواب في لفظه: أي الصلاة. وثبت عن ابن عمر أنه فعله، خلاف ما روي عنه، وفي ابن أبي شيبة أن ابن عمر كان يقرأ في الركعة بعشر سور أو أقل، أو أكثر. ومن جهة النظر أنا رأينا فاتحة الكتاب تقرأ هي وسورة غيرها في كل ركعة، ولا بأس بذلك، فالنظر عَلَى ذَلِكَ أن يكون كذلك سائر السور، وعن معبد بن خالد: قرأ رسول الله - ﷺ - بالسبع الطوُّل في ركعة (١)، وقال عبد الله بن شقيق: قُلْتُ لعائشة: كان رسول الله - ﷺ - يجمع بين السور في ركعة؟ قالت: نعم المفصل (٢). إسناده صحيح. ثمَّ ساق البخاري من حديث شُعْبَة، ثنا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابن مَسْعُودٍ فَقَالَ: قَرَأتُ المُفَصَّلَ اللَّيلَةَ فِي رَكْعَةِ. فَقَالَ هذا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ التِي كَانَ رسول الله - ﷺ - يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وهذا الحديث قَالَ البزار فيه: لا نعلم رواه عن عمرو إلا شعبة (٣)، قُلْتُ: وساقه مسلم أطول من ذَلِكَ من حديث أبي وائل قَالَ: جاء رجل يقال له: نهيك بن سنان إلى أبي عبد الرحمن فقال: إني لأقرأ المفصل في ركعة، فقال عبد الله: هذا كهذِّ الشعر، إلى أن قَالَ: إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن سورتين في كل ركعة. وفي رواية لَهُ: فقال رجل من القوم: قرأت البارحة المفصل كله. فقال عبد الله: هذا كَهَذِّ الشعر، لقد سمعت القرائن التي كان يقرؤهن ----------------- (١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٢٣ (٣٦٩٩) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يقرن السور في الركعة من رخص فيه. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٣ (٣٧٠٢) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يقرن السور في الركعة من رخص فيه. (٣) «مسند البزار» ٥/ ١٢٩ (١٧١٥) و(شعبة) وقعت بالأصل: شعيب، خطأ. رسول الله - ﷺ -: ثماني عشرة من المفصل، وسورتين من آل (حم). وفي رواية لَهُ: اثنتين في كل ركعة، عشرين سورة في عشر ركعات، وفي أخرى: عشرون سورة من المفصل في تأليف عبد الله (١)، وفي بعض طرق البخاري كما ستعلمه: عشرون سورة من أول المفصل -عَلَى تأليف ابن مسعود- آخرهن من الحواميم: الدخان، وعم يتساءلون (٢)، وفي أخرى لَهُ: ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل (حم) (٣). وقد جاء بيان هذِه السور في «سنن أبي داود»: الرحمن والنجم (٤) في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة، وزاد في رواية ابن الأعرابي: والمدثر والمزمل في ركعة (٥) (٦). إِذَا تقرر ذَلِكَ، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: المفصل فيه أقوال عشرة أشهرها: من الحجرات، وأبعد من قَالَ: المراد به القرآن كله؛ لأنه مفصل (٧). ------------------ (١) «صحيح مسلم» (٨٢٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: ترتيل القراءة واجتناب الهذ وهو الإفراط في السرعة. (٢) سيأتي برقم (٤٩٩٦) كتاب: فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن. (٣) سيأتي برقم (٥٠٤٣) كتاب: فضائل القرآن، باب: الترتيل في القراءة. (٤) ورد في هامش الأصل: والقمر. (٥) «سنن أبي داود» (١٣٩٦) كتاب: الصلاة، باب: تحزيب القرآن. (٦) ورد في هامش الأصل ما نصه: وفي رواية: الدخان وعم. (٧) المفصل: ما يلي المثاني من قصار السور؛ سمي مفصلًا، لكثرة الفصول التي بين = والهَذُّ: بالذال المعجمة: السرعة وشدة الاستعجال في القراءة، وقوله: (هذا): هو بتشديد الذال وتنوينها كما ضبطه الخطابي في --------------- = السور (بسم الله الرحيم الرحيم) وقيل: لقلة المنسوخ فيه. وآخره: قُل ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾. وفي أوله اثنا عشر قولًا: أحدها: الجاثية. ثانيها: القتال. وعَزَاه الماوردي للأكثرين. ثالثها: الحجرات. رابعها: (ق) قيل: وهي أوله في مصحف عثمان -رضي الله عنه -. وفيه حديث ذكره الخطابي في «غريبه»، يرويه عيسى بن يونس بن يونس قال: حدثنا عبد الرحمن بن يعلى الطائفي قال: حدثني عمر بن عبد الله بن أوس بن حذيفة عن جده أنه وقد على رسول الله - ﷺ - في وفد ثقيف فسمع من أصحاب النبي - ﷺ - أنه كان يحزب القرآن. قال: وحزب المفصل من (ق). وقيل: إن أحمد رواه في «المسند». وقال الماوردي في «تفسيره»: حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة؛ للحديث المذكور. الخامس«: الصافات. السادس: الصف. السابع: تبارك. حكى هذِه الثلاثة ابن أبي الصيف اليمنى في:»نكت التنبيه«. الثامن: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾؛ حكاه الدزماري في شرح»التنبيه«المسمى:»رفع التمويه«. التاسع: ﴿الرَّحْمَنِ﴾، حكاه ابن السيد في»أماليه«على»الموطأ«وقال: إنه كذلك في مصحف ابن مسعود. قلت: رواه أحمد في»مسنده«كذلك. العاشر: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾. الحادي عشر: ﴿سَبَّحَ﴾؛ حكاه ابن الفركاح في»تعليقه«عن المرزوقي. الثاني عشر: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾، وعزاه الماوردي لابن عباس؛ حكاه الخطابي في»غريبه«ووجه بأن القارئ يفصل بين هذِه السور بالتكبير. قال: وهو مذهب ابن عباس وقراء مكة. والصحيح عند أهل الأثر أن أوله (ق)، قال أبو داود في»سننه" في باب: تحزيب القرآن: حدثنا مسدد، حدثنا جرار بن تمام. ح. وحدثنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد سليمان بن حبان -وهذا لفظه- عن عبيد الله بن عبد الرحمن ابن يعلى عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس، قال عبد الله بن سعيد في حديث أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول الله - ﷺ -: في وقد ثقيف، قال: فنزلت = «معالمه» (١)؛ لأن الدخان: ستون آية، وعم: أربعون، ويجوز أن يكون أطلق ذَلِكَ، لاشتراك ما بينهما في الموعظة أو الحكم أو القصص أو للمقارنة، فإن القرين يقال له: نظير. قَالَ المحب الطبري في «أحكامه»: وكنت أتخيل أن النظير بين هذِه السور؛ لتساويهما في عدد الآي حتَّى اعتبرتها فلم أجد شيئًا منها يساوي شيئًا، وقد ذُكرَتْ نظائر في عدد الآي، أحد وعشرون نظيرًا عدد آياتها ---------------- = الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله - ﷺ - بني مالك في قُبَّة له قال مسدد: وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله - ﷺ - من ثقيف -قال: كان رسول الله - ﷺ - كل ليلة بعد العشاء يحدثنا- قال مسدد: بمكة- فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجالُ الحرب بيننا وبينهم؛ ندال عليهم ويدالون علينا، فلما كانت ليلة، أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلت: لقد أبطأت علينا الليلة، قال: «إنه طرأ على حزبي من القرآن، فكرهت أن أجئ حتى أتمه». قال أوس: فسألت أصحاب رسول الله - ﷺ -: كيف تحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده. رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر به. ورواه أحمد في «مسنده» عن عبد الرحمن بن مهدي وأبو يعلى الطائفي به. وحينئذ فإذا عددت ثمانيًا وأربعين سورة كانت التي بعدهن سورة (ق). بيانه: ثلاث: البقرة، وآل عمران، والنساء. وخمس: المائدة، والأنعام، والأعراف والأنفال، وبراءة. وسبع: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر والنحل، وتسع: سبحان، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج والمؤمنون، والنور، والفرقان. وإحدى عشرة: الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، وآلم السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس. وثلاث عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم السجدة، حم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، والقتال، والفتح، والحجرات، ثم بعد ذلك حزب المفصل- وأوله سورة (ق)، «البرهان في علوم القرآن» ١/ ٢٤٥ - ٢٤٨. (١) «معالم السنن» ١/ ٢٤٦. متساوٍ: الفاتحة الماعون، الأنفال الزمر، يوسف الإسراء، إبراهيم نون، (الجاثية) (١) الحج الرحمن، القصص ص، الروم الذاريات، السجدة الملك الفجر، حم السجدة (٢) سبأ، فاطر ق، الفتح الحديد، الحجرات التغابن، المجادلة البروج، الجمعة المنافقون الضحى العاديات القارعة، الطلاق التحريم، نوح الجن، (المزمل) (٣) المدثر، القيامة عم يتساءلون، الانفطار سبح العلق، ألم نشرح التين لم يكن الزلزلة ألهاكم، القدر الفيل تبت، الفلق، العصر النصر، الكوثر، (قريش) (٤) انتهى. وهو أكثر مما عده أولا. ثالثها: الحديث قال عَلَى قراءة سورتين في ركعة، وحديث أنس قال عَلَى ترداد سورة واحدة في الركعتين، وقال مالك: لا بأس به، وسئل مرة عن تكرير: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ في النافلة فكرهه وقال: هذا مما أحدثوا (٥). يريد: في ركعة واحدة يكررها مرارًا، وحديث أنس وعائشة السالف حجة لمن أجاز تكرارها في الفريضة في كل ركعة؛ لأنه دخل الجنة لحبه إياها، وحديث الدارقطني من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قَالَ: وحدثني أخي قتادة بن النعمان أن رجلًا قام من الليل يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ ------------- (١) لم يذكر المصنف لها نظرًا وقد تناسبها (محمد) فما تزيد عنها إلا آية. (٢) لعله يقصد فصلت. (٣) لم يذكر لها نظيرًا ويناظرها (الإخلاص). (٤) لم يذكر لها نظيرًا ويناسبها (البلد). (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٧٧. اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ يرددها لا يزيد عليها، فجاء رجل إلى النبي - ﷺ - فأخبره - وكان يَتَقَالُّها- فقال: «إنها لتعدل ثلث القرآن» (١). فهو دال عَلَى إجازة تكرارها في ركعة واحدة في النافلة. وروى وكيع عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن محمد بن كعب القرظي قَالَ: من قرأ في سبحة الضحى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ عشر مرات بني لَهُ بيت في الجنة (٢). قُلْتُ: وفي «المعرفة» للبيهقي أن الشافعي احتج في جواز الجمع بين السور مما رواه بإسناده عن ابن عمر، وبما رواه في موضع آخر عن عمر أنه قرأ بالنجم فسجد فيها، ثمَّ قام فقرأ سورة أخرى. قَالَ الربيع: قُلْتُ للشافعي: أتستحب أنت هذا وتفعله؟ قَالَ: نعم، وأفعله -يعني: الجمع بين السور- وهذا نص غريب في استحباب ذَلِكَ، وظاهر حديث أنس وعائشة يدل له. رابعها: إنكار ابن مسعود؛ لأنه مظنة عدم التدبر، وفي الحديث: «إن في كل حرف عشر حسنات» (٣) فإن تدبره كان أعظم لأجره إلى ما لا نهاية له من الإفضال. -------------- (١) انظر: «علل الدارقطني» ١١/ ٢٨٢ - ٢٨٣. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٨ (٧٨١٨) كتاب: الصلاة، باب: ما يقرأ في صلاة الضحى. (٣) رواه الترمذي (٢٩١٠) كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ماله من الأجر، وعبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٣٦٧ (٥٩٩٣) كتاب: فضائل القرآن، باب: تعليم القرآن وفضله، والدرامي في «مسنده» ٤/ ٢٠٨٤ (٣٣٥١) كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن، والبخاري في «تاريخه الكبير» ١/ ٢١٦ ترجمة (٦٧٩)، والطبراني ٩/ ١٣٠ (٨٦٤٦)، (٨٦٤٧)، = خامسها: فيه دلالة عَلَى أن صلاته - ﷺ - بالليل كانت عشر ركعات ويوتر بواحدة (١)، ووجه ذَلِكَ قوله: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في ركعة. ------------------ = (٨٦٤٩)، وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه قال الألباني في «المشكاة» ٩/ ٦٥١ (٢١٣٧): صحيح، وفي «السلسلة الصحيحة» ٧/ ٩٧٠ (٣٣٢٧): صحيح. (١) سيأتي برقم (٤٥٦٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: (إن في خلق السماوات والأرض). ١٠٧ - باب يَقرَأُ فِي الأُخرَيَيْن بِفَاتِحَةِ الكتَابِ ٧٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأوُلَيَينِ بِأُمِّ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرُّكعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ، وُيسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكعَةِ الأوُلَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي العَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ. [انظر: ٧٥٩ - مسلم: ٤٥١ - فتح: ٢/ ٢٦٠] ذكر فيه حديث أبي قتادة السالف في باب: القراءة في الظهر (١) فراجعه منه، ويأتي أيضًا. -------------- (١) سبق برقم (٧٥٩) كتاب: الآذان، باب: القراءة في الظهر. ١٠٨ - باب مَنْ خَافَتَ القِرَاءَةَ في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ: قُلْتُ لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ؟ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. [انظر: ٧٤٦ - فتح: ٢/ ٢٦١] ذكر فيه حديث خباب السالف في باب: رفع البصر إلى الإمام (١) فراجعه. ------------------ (١) سبق برقم (٧٤٦) كتاب: الآذان، باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة. ١٠٩ - باب إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةَ ٧٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأوزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأوُلَيَيْنِ مِنْ صَلَأةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الأولَى. [انظر: ٧٥٩ - مسلم: ٤٥١ - فتح: ٢/ ٢٦١] ذكر فيه حديث أبي قتادة السالف. وكذا: ١١٠ - باب يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى ٧٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. [انظر: ٧٥٩ - مسلم: ٤٥١ - فتح ٢/ ٢٦١] ذكر فيه حديث أبي قتادة المذكور. ١١١ - باب جَهْرِ الإِمَامِ بِالتَّأمِيِن وَقَالَ عَطَاءٌ: آمِينَ دُعَاءٌ. أَمَّنَ ابن الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةَ. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الإِمَامَ: لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابن عُمَرَ لَا يَدَعُهُ وَيَحُضُّهُمْ عليه، وَسَمِعْتُ مِنْهُ في ذَلِكَ خَيْرًا. ٧٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «آمِينَ». [٧٨١، ٧٨٢، ٤٤٧٥، ٦٤٠٢ - مسلم: ٤١٠ - فتح: ٢/ ٢٦٢] ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وَقَالَ ابن شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «آمِينَ». الشرح: أما قول عطاء: (آمين دعاء) فهو قول الجمهور. أي: اللَّهُمَّ استجيب. وتعليقه: (أمن ابن الزبير) إلى آخره، أسنده الشافعي عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء قَالَ: كنت أسمع الأئمة: ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين، ويقول من خلفه: آمين حتَّى إن للمسجد لجة (١)، وفي «المصنف»: حَدَّثَنَا ابن عيينة قَالَ: لعله عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن الزبير قَالَ: كان للمسجد رجة -أو قَالَ: لجة- إِذَا قَالَ ---------------- (١) انظر: «مسند الشافعي» ١/ ٨٢ (٢٣٠ - ٢٣١) كتاب: الصلاة، باب: في صفة الصلاة. الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١). ورواه ابن حزم من طريق الدبري، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قَالَ: قُلْتُ لعطاء: أكان ابن الزبير يؤمن عَلَى إثر أم القرآن؟ قَالَ: نعم، ويؤمن من وراءه حتَّى إن للمسجد للجة (٢). وفي البيهقي بإسناده إلى عطاء قَالَ: أدركت مائتين من أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي عنهم في هذا المسجد إِذَا قَالَ الإمام: ﴿عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] سمعت لهم رجة بآمين (٣). و(اللجة) -بفتح اللامين وتشديد الجيم- الاختلاط. قوله: (للمسجد) أي: لأهله. وأما أثر أبي هريرة: فأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حدثنا وكيع، ثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أنه كان يؤذن بالبحرين فقال للإمام: لا تسبقني بآمين، وحَدَّثنَا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، عنه مثله (٤). ورواه البيهقي من حديث أبي رافع، أن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم فاشترط أن لا يسبقه بـ ﴿الضَّالِّينَ﴾ حتَّى يعلم أنه قَدْ دخل الصف، فكان مروان إِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ أبو هريرة: آمين، يمد بها صوته، وقال: إِذَا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم (٥). --------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٩٠ (٧٩٨٠) كتاب: الصلوات، باب: ما ذكروا في آمين ومن كان يقولها. (٢) «المحلى» ٣/ ٢٦٤. (٣) «الكبرى» للبيهقي ٢/ ٥٩ كتاب: الصلاة، باب: جهر المأموم بالتأمين. (٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٨٩، ١٩٠ (٧٩٦٢)، (٧٩٧٨) كتاب: الصلوات، باب: ما ذكر في آمين ومن كان يقولها. (٥) «السنن الكبرى» ٢/ ٥٨ - ٥٩ كتاب: الصلاة، باب: جهر المأموم بالتأمين. ورواه ابن حزم من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة أنه كان مؤذنًا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين، فاشترط عليه أن لا يسبقه بآمين (١)، وقال ابن بطال: معنى قول أبي هريرة للإمام: لا تسبقني بآمين. أي: لا تحرم في الصلاة حتَّى أفرغ من الإقامة؛ لئلا تسبقني بقراءة أم القرآن فيفوتني التأمين معك، وهو حجة لمذهب الكوفيين؛ لأنهم يقولون: إِذَا بلغ المؤذن: قَدْ قامت الصلاة، يجب عَلَى الإمام الإحرام، والفقهاء عَلَى خلافه لا يرون إحرامه إلا بعد تمامها وتسوية الصفوف، وقد سلف هذا في أثناء الأذان (٢)، وأما أثر ابن عمر: فأخرج البيهقي عنه أنه كان إِذَا قَالَ الناس: آمين. أمَّن معهم، ورأى ذَلِكَ من السنة (٣). وقوله: (وسمعت منه في ذلِكَ خيرًا)، قَالَ ابن التين: أي: خيرا موعودًا لمن فعله، قَالَ: ورُوِيَ (خبرًا) أي: حديثًا. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم والأربعة (٤)، ومناسبته للترجمة أنه لما كان الإمام يجهر بها، ولولا ذَلِكَ لما سمعه المأمومون، وكانوا مأمورين باتباعه في فعله، فالجهر عليهم كالإمام. و(آمين) فيها خمس لغات: أفصحها: بالمد. ---------------- (١) «المحلى» ٣/ ٢٦٤. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧. (٣) «معرفة السنن والآثار» ٢/ ٣٩٣ (٣١٧٩) كتاب: الصلاة، باب: التأمين. (٤) «صحيح مسلم» (٤١٠) كتاب: الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين، وأبو داود (٩٣٤ - ٩٣٦)، والترمذي (٢٥٠) والنسائي ٢/ ١٤٣ - ١٤٤، وابن ماجه (٨٥١). ثانيها: بالقصر. ثالثها: بالمد والإمالة مخففة الميم. رابعها: بالمد وتشديد الميم، وأنكرت، وفي البطلان بها وجه. خامسها: القصر وتشديد الميم وهي غريبة، وقد أوضحت الكلام عَلَى ذَلِكَ في «لغات المنهاج» فراجعه منها. قَالَ ابن الأثير: لو قَالَ: آمين رب العالمين، وغير ذَلِكَ من ذكر الله تعالى كان حسنًا (١). واختلف العلماء في الموافقة عَلَى أقوال: أظهرها: أنها في القول لقوله فيما سيأتي: «وقالت الملائكة في السماء آمين». وقوله: «فمن وافق قوله قول الملائكة» وقيل: الخشوع والإخلاص، وقيل: وافق الملائكة في استجابة الدعاء، وقيل: في لفظه. والملائكة: الحفظة، وفي كتاب ابن بزيزة: المتعاقبون. وقوله: («غفر له ما تقدم من ذنبه») قَالَ ابن بزيزة: أشار إلى الصغائر، وما لا يكاد ينفك عنه في الغالب من اللمم. قَالَ الداودي: وقوله هذا قبل قوله في المؤمن: إنه يخرج من ذنوبه ويكون مشيه إلى الصلاة نافلة (٢). وقيل: إنه يمكن أن يكون أحدث شيئًا ------------ (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٠٧، «المعونة» ١/ ٩٥، «بداية المجتهد» ١/ ٢٨١، «المغني» ٢/ ١٦٠، «التمهيد» ٣/ ٢٠٢، «الشرح الكبير» ٣/ ٤٤٧، «الأم» ١/ ٩٤، «الحاوي» ٢/ ١١١، «إحكام الأحكام» ص ٢٣٥. (٢) إشارة إلى حديث عثمان -رضي الله عنه - أنه توضأ ثم قال: ألا إني رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: «من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة». رواه مسلم (٢٢٩) كتاب الطهارة، باب: فضل الوضوء. في مشيه أو في المسجد أو غير ذَلِكَ فيما بين الوضوء والصلاة، وهو فيما بين العباد وربهم. إِذَا تقرر ذَلِكَ، فاختلف العلماء في الإمام يقول: آمين: فعن مالك أن الإمام يقول: آمين كالمأموم عَلَى حديث أبي هريرة، وهو قول أبي حنيفة والثوري، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد (١)، وإسحق وأبي ثور. وقالت طائفة: لا يقولها الإمام، وإنما يقول ذَلِكَ من خلفه، وإن كان وحده قالها، وحكي عن مالك في «المدونة»، والمصريين من أصحابه (٢). حجة هذا القولِ حديث أبي هريرة الآتي: «إِذَا قَالَ الإمام: ﴿عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين» قالوا: فلو كان الإمام يقول: آمين لقال - ﷺ -: إِذَا قَالَ الإمام: آمين، فقولوا: آمين. ووجدنا الفاتحة دعاء فالإمام داع والمأموم مؤمن، وكذلك جرت العادة أن يدعو واحد ويؤمن المستمع، وقد قَالَ تعالى في قصة موسى وهارون ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] فسماهما داعيين، وإنما كان موسى يدعو وهارون يؤمن كما سلف، فدل ذَلِكَ أن الإمام داعٍ بما في الفاتحة والمأموم مستجيب؛ لأن آمين معناها لغة: استجيب له. واحتج أهل المقالة الأولى بحديث الباب: «إِذَا أمن الإمام فأمنوا» وذلك يدل أن المأموم يقول: آمين، ومعلوم أن قول المأموم هو: آمين، كذلك ينبغي أن يكون قول الإمام، وكذلك قول أبي هريرة للإمام: --------------- (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: بخط الشيخ في هامشه: عنه موافقة الثاني. (٢) «المدونة» ١/ ٧٣، «التمهيد» ٣/ ٢٠١. لا تسبقني بآمين. يدل أن الإمام يؤمن، ألا ترى قول ابن شهاب: وكان - ﷺ - يقول: «آمين» (١). واختلفوا في الجهر بها، فذهب الشافعي في أظهر قوليه، وأحمد إسحاق وأبو ثور إلى الجهر بها (٢)، وحكي عن مالك أن الإمام يسر --------------- (١) ذكر أبو عوانة في «مسنده» ١/ ٤٥٥ عقب الراوية (١٦٨٧) كتاب: الصلوت، باب: إيجاب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم. وذكره البيهقي ٢/ ٥٥ كتاب: الصلاة، باب: التأمين. (٢) مذهب الشافعية أنه يستحب الجهر بالتأمين للإمام والمنفرد في الصلاة الجهرية. قال النووي: وأما المأموم فقد قال المصنف وجمهور الأصحاب: قال الشافعي في الجديد: لا يجهر، وفي القديم يجهر، وهذا أيضًا غلط من الناسخ أو من المصنف بلا شك؛ لأن الشافعي قال في «المختصر» وهو من الجديد: يرفع الإمام صوته بالتأمين ويسمع من خلفه أنفسهم. وقال في «الأم» يرفع الإمام بها صوته فإذا قالها قالوها وأسمعوا أنفسهم، ولا أحب أن يجهروا، فإن فعلوا فلا شيء عليهم. هذا نصه بحروفه، ويحتمل أن يكون القاضي حسين رأى فيه نصا في موضع آخر من الجديد. ثم للأصحاب في المسألة طرق أصحها وأشهرها والتي قالها الجمهور أن المسألة على قولين: (أحدهما) يجهر (والثاني) يسر. قال الماوردي: هذِه طريقة أبي إسحاق المروزي وابن أبي هريرة. ونقلها إمام الحرمين والغزالي في «الوسيط» عن أصحابنا (والثاني) يجهر قولًا واحدا (والثالث) إن كثر الجمع وكبر المسجد جهر. وإن قلوا أو صغر المسجد أسر (والرابع) حكاه الإمام والغزالي وغيرهما أنه إن لم يجهر الإمام جهر، وإلآ فقولان، والأصح من حيث الحجة أن الإمام يجهر به، ممن صححه المصنف في «التنبيه» والغزالي في «الوجيز» والبغوي والرافعي وغيرهم، وقطع به المحاملي في «المقنع» وآخرون، وحينئذ تكون هذِه المسألة مما يفتى فيها على القديم على ما سبق إيضاحه في مقدمة هذا الشرح. وهذا الخلاف إذا أمن الإمام، أما إذا لم يؤمن الإمام فيستحب للمأموم التأمين جهرا بلا خلاف، نص عليه في «الأم» واتفقوا عليه ليسمعه الإمام، فيأتي به، قال = ![]()
__________________
|
|
#186
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 127 الى صـــ 146 الحلقة (186) بها (١)، وهو قول الكوفيين (٢)، وروي ذَلِكَ عن عمر وعلي وابن مسعود، وعن النخعي والشعبي وابن أبي ليلى. حجة من جهر بها أن تأمينه تابع لتأمين الإمام، فيتبعه في كيفيته، وما أسلفناه عن ابن الزبير حجة من أمر القياس عَلَى سائر الأذكار، وقال ابن وهب عن مالك: لم أسمع في الجهر بها للإمام إلا حديث ابن شهاب، ولم أره في حديث غيره، قَالَ ابن التين: مرسل لم يسنده، ولو أسنده لم يكن فيه دليل للمتعلق به؛ لأنه لم يقل أنه كان يقوله في صلاة الجهر، ولعله قاله فيما صلى سرًّا، وقد قَالَ الخطابي: قوله: «فأمنوا» يريد لمن قرب منه؛ لأن جهر الإمام بالتأمين أخفض منه بالقراءة، فقد تسمع قراءة من لا يُسمع تأمينه (٣). -------------- = أصحابنا: سواء تركه عمدا أو سهوا، ويستحب للمأموم الجهر. ممن صرح بأنه لا فرق ببن ترك الإمام له عمدا أو سهوا: الشيخ أبو حامد في «التعليق» وهو مقتضى نص الشافعي في «الأم» فإنه قال: وإن تركه الإمام قاله من خلفه وأسمعه لعله يذكر فيقوله ولا يتركونه لتركه. كما لو ترك التكبير والتسليم لم يكن لهم تركه. هذا نصه، «المجموع» ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢، وانظر: «المغني» ٢/ ١٦٢، «المبدع» ١/ ٤٣٩، «المحلى» ٣/ ٢٦٤. (١) انظر: «المنتقى» ١/ ١٦٣، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٠، «الذخيرة» ٢/ ٢٢٢. (٢) انظر: «الأصل» ١/ ١١، «مختصر الطحاوي» ص ٢٦، «منية المصلي» ص ٢١٤، «المبسوط» ١/ ٣٢. (٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥١٠. ١١٢ - باب فَضْلِ التَّأْمِيِن ٧٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ. وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ. فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [انظر: ٧٨٠ - مسلم: ٤١٠ - فتح: ٢/ ٢٦٦] ذكر فيه حديث أَبِي الزِّنَادِ عبد الله بن ذكوان، عَنِ الأَعْرَجِ عبد الرحمن ابن هرمز، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ. وَقَالَتِ المَلَائِكَةُ فِي السَّمَاء: آمِينَ. فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى، غفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وزاد: «وإذا قَالَ أحدكم في صلاته: آمين» (١) ولم يذكر البخاري لفظة الصلاة، وقد سلف الكلام عَلَى الحديث فيما سلف، وأن المراد بالموافقة: الموافقة في القول، وادعى الأصيلي أنه لا تراعى موافقة الزمان؛ لأنه قَدْ يقول القائل: وافقت فلانا عَلَى كذا إِذَا قَالَ مثله سواء قاله قبله أو بعده، والأجر عَلَى الاتفاق في القول والنية، لا عَلَى وقوع القول في زمن واحد، وظاهر الحديث -كما قَالَ المهلب- خلافه، وأن قول الملائكة والمصلين في زمن واحد، وقال غيره: تأمين الملائكة هو استغفارهم للمصلين ودعاؤهم أن يستجيب الله منهم كما قَالَ تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [غافر:٧]. -------------- (١) «صحيح مسلم» ٤١٠/ ٧٤ - ٧٥ - كتاب: الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين. وإذا كان تأمين العبد مع تأمين الملائكة مرتفعًا إلى الله تعالى في زمن واحد، وتأمين الملائكة مجاب وشفاعتهم يوم القيامة مقبولة فيمن استشفعوا له، فلا يجوز مع تفضل الله أن يجاب الشفيع، إلا وقد عم المشفوع لَهُ الغفران، والله اعلم، وهذا أولى بتأويل الحديث كما قاله ابن بطال (١). ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨. ١١٣ - باب جَهْرِ المأْمُوم بالتَّأْمِينِ ٧٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَنُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه. [انظر: ٧٨٠ - مسلم: ٤١٠ - فتح: ٢/ ٢٢٦]. ذكر فيه حديث أبي صالح ذكوان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». هذا الحديث أخرجه مسلِم من حديث أبي هريرة أيضًا بلفظ: «إِذَا قَالَ القارئ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فقال من خلفه: آمين فوافق قوله قول أهل السماء؛ غفر لَهُ ما تقدم من ذنبه» (١). قَالَ البخاري: تَابَعَهُ مُحَمَّد بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَنُعَيْمٌ المُجْمِرُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أما متابعة محمد بن عمرو فأخرجها البيهقي من حديث النضر بن شميل عنه به بلفظ مسلم السالف (٢)، وأخرجها الدارمي في «مسنده» من حديث يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو به (٣)، ومتابعة نعيم أخرجها البيهقي من حديث سعيد بن هلال عنه، قَالَ: صلى بنا --------------- (١) «صحيح مسلم» ٤١٠/ ٧٦ كتاب: الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين. (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٥٥ كتاب: الصلاة، باب: التأمين. (٣) «مسند الدارمي» ٢/ ٧٩٣ (١٢٨١) كتاب: الصلاة، باب: في فضل التأمين. أبو هريرة فقرأِ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: آمين، ثمَّ قَالَ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -. وقال: رواته ثقات (١)، وعزاه ابن عساكر إلى النسائي ولم نره فيه. وقال البزار: أصح حديث في هذا الباب حديث الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة. إِذَا تقرر ذَلِكَ، فاختلف العلماء في تأويل هذا الحديث عَلَى قولين: أحدهما: أنه خطاب للمأمومين أن يقولوا: آمين، وهي رواية ابن القاسم عن مالك (٢). والثاني معناه: إِذَا بلغ الإمام موضع التأمين وهو قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقال: آمين، فقولوا: آمين، واحتجوا مما رواه معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا قَالَ الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق …» الحديث، وبحديث نعيم السالف عن أبي هريرة، فهذا فعله، وهو راوي الحديث، فلا تعارض إذن بين هذا الحديث وبين قوله: «إِذَا أمن الإمام فأمنوا». وجمع الطبري بينهما بأن الغفران حاصل إِذَا أمن بعد فراغ إمامه من الفاتحة أو بعد تأمين إمامه، فاتفقا على حصول الثواب أمن الإمام أو لم يؤمن، وافترقا بأن في أحدهما أمر من خلف الإمام به إِذَا أمن القارئ، وفي الآخر الأمر به إِذَا قَالَ الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وإن لم يؤمن الإمام. ------------- (١) «السنن الكبرى» ٢/ ٥٨ كتاب: الصلاة، باب: جهر الإمام بالتأمين. (٢) انظر: «التمهيد» ٣/ ٢٠١، «الجامع لأحكام القرآن» ١/ ١١٢، «بداية المجتهد» ١/ ٢٨١. فإن قُلْتَ: فأين وجه الترجمة من الحديث فإنه لا يقتضي الجهر دون السر؟ قُلْتُ: لكن لما كان الإمام يجهر به، ولولا ذَلِكَ ما سمعه المأموم، وكانوا مأمورين باتباع الإمام في فعله، جهر المأموم بها كإمامه، وقد اختلف العلماء فيِ ذَلِكَ، فقال عطاء وعكرمة: لقد أتى علينا زمان إِذَا قَالَ الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ سمعت لأهل المسجد رجة من قولهم: آمين -وقد أسلفناه عن عطاء في باب: جهر الإمام به مبسوطًا- وقالت طائفة: يسر بها المأموم. قَالَ الطبري: والخبر بالجهر به والمخافتة صحيحان، وقد عمل بكل واحد منهما جماعة من علماء الأمة، وذلك يدل أنه مما خيرَّ الشارع فيه، ولذلك لم ينكر بعضهم عَلَى بعض كان منهم في ذَلِكَ، وإن كنتُ مختارًا خفض الصوت بهان؛ إذ كان أكثر الصحابة والتابعين عَلَى ذَلِكَ (١). كذا ادعاه. ------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠. ١١٤ - باب إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنِ الأَعْلَمِ -وَهْوَ زِيَادٌ- عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ». [فتح: ٢/ ٢٦٧] ذكر فيه حديث همام، عن الأعلم -وهو زياد (١) - عن الحسن، عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «زادك الله حفظًا ولا تعُدْ». وهو من أفراد البخاري. وفي النسائي عن الأعلم، ثنا الحسن أن أبا بكرة حدثه به (٢)، وعند أبي داود: فركع دون الصف ثمَّ مشى إلى الصف (٣) وهو عند ابن حبان في «صحيحه» من حديث عنبسة الأعور عن الحسن، ومن حديث شعبة، عن زياد، عن الحسن، وقال: إنه مدحض لقول من زعم أن عنبسة تفرد به (٤). وأعله الدارقطني بأن الحسن لم يسمع (٥) من أبي بكرة (٦). لكن لَهُ ------------ (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: وزياد هذا هو ابن حبان. وقال خليفة: ابن حيان بن قرة الأعلم الباهلي البصري. (٢) «سنن النسائي» ٢/ ١١٨ كتاب: الإمامة، باب: الركوع دون الصف. (٣) «سنن أبي داود» (٦٨٤) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يركع دون الصف. (٤) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٦٨ - ٥٦٩ (٢١٩٤)، (٢١٩٥) كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإمام. (٥) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثبت سماعه من أبي بكرة، إذ في هذا «الصحيح» قوله - ﷺ -: «إن ابني هذا سيد» صرح بالسماع فيه الحسن من أبي بكرة، وهو في النسائي «الصغير» بصيغة: سمعت، وقد رأيت له في «مسند أحمد» غير ما حديث، وقد ذكرت بعضها على نسختي لـ«مراسيل العلائي». (٦) «الإلزامات والتتبع» ص ٢٢٣. عنه في «صحيحه» عدة أحاديث منها هذا، وقصة الكسوف (١) وليس فيها التصريح بالسماع، لكن البخاري لا يكتفي بالإمكان -أعني: إمكان اللقاء- كما أسلفناه في الفصول أوائل هذا الكتاب، فلابد أن يكون ثبت عنده سماعه منه، وغاية ما اعتل به الدارقطني أن الحسن روى أحاديث عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة، وذلك لا يمنع من سماعه، منه ما أخرجه البخاري. وقد اختلف العلماء فيمن ركع دون الصف، فروي عن زيد بن ثابت (٢) وابن مسعود (٣) أنهما فعلاه، ومشيا إلى الصف ركوعًا، وفعله عروة وسعيد بن جبير وأبو سلمة وعطاء (٤). وقال مالك والليث: لا بأس بذلك إِذَا كان قريبًا قدر ما يلحق به (٥). وحد القرب فيما حكاه القاضي إسماعيل عن مالك أن يصل إلى الصف قبل سجود الإمام، وقيل: يقرب قدر ما بين الفرجتين، وفي «العتبية»: ثلاث صفوف (٦). وفي «الأوسط» للطبراني من حديث ابن جريج عن عطاء أن ابن الزبير قَالَ عَلَى المنبر: إِذَا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل، ثمَّ يَدِبّ راكعًا حتَّى يدخل في الصف؛ فإن ذَلِكَ السنة. قَالَ عطاء: وقد رأيته يصنع ذَلِكَ. ----------------- (١) سيأتي برقم (١٠٤٠) كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٩ (٢٦٢٤)، (٢٦٢٥) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يدخل والقوم ركوع فيركع قبل أن يصل الصف. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٩ (٢٦٢٢) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يدخل والقوم ركوع فيركع قبل أن يصل الصف. (٤) روى عنهم هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٠ (٢٦٢٦)، (٢٦٢٨، ٢٦٣١) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يدخل والقوم ركوع فيركع قبل أن يصل الصف. (٥) انظر: «الاستذكار» ٢/ ٣١٥. (٦) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٢٧٣. وقال: لم يروه عن ابن جريج -يعني: عن عطاء- إلا ابن وهب، تفرد به حرملة، ولا يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد. (١) وفي «المصنف» بسند صحيح عن زيد بن وهب قَالَ: خرجت مع عبد الله من داره، فلما توسطنا المسجد ركع الإمام فكبر عبد الله، ثمَّ ركع وركعت معه، ثمَّ مشينا إلى الصف الأخير حين رفع القوم رءوسهم، فلما قضى الإمام الصلاة قمت لأصلي، فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني، وقال: إنك قَدْ أدركت. وصف أبو عبيدة -كما نقله عن أبيه- مثل هذا، وبسند صحيح أن أبا لبابة فعل ذَلِكَ، وزيد بن ثابت وسعيد بن جبير وعروة وأبو سلمة، وعطاء كما سلف، ومجاهد والحسن (٢). وقال أبو حنيفة والثوري: يكره ذَلِكَ للواحد ولا يكره للجماعة (٣). ذكره الطحاوي قَالَ: وأجاز أبو حنيفة ومالك والشافعي والليث صلاة المنفرد وحده دون الصف (٤). وقال مالك: لا يجذب إليه رجلًا. وقال الأوزاعي وأحمد وأهل الظاهر: إن ركع دون الصف بطلت صلاته، محتجين بقوله: «ولا تعد» وقَالَ أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ -: «إِذَا أتى أحدكم إلى الصف فلا يركع دون الصف، ولا تكبر حتَّى تأخذ مقامك من الصف» ذكره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح (٥)، ------------- (١) «المعجم الأوسط» ٧/ ١١٥ (٧٠١٦). (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠ (٢٦٢٢ - ٢٦٣٢). (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٣٤. (٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٩٨ بتصرف. (٥) انظر: «المصنف» ١/ ٢٣٠ (٢٦٣٣)، (٢٦٣٦) كتاب: الصلوات، باب: من كره أن يركع دون الصف. ونهى عنه الحسن في رواية، وكذا إبراهيم (١)، واحتج الأولون بأنه لم يأمره بالإعادة، ولو كان من صلى خلف الصف وحده يعيد لكان من دخل في الصلاة خلف الصف لا يكون داخلًا فيها. فلما كان دخول أبي بكرة في الصلاة دون الصف دخولًا صحيحًا، كانت صلاة المصلي كلها دون الصف صحيحة. فإن قُلْتَ: فما معنى قوله: «ولا تَعُد» وهو بفتح التاء وضم العين؟ قُلْتُ: معنيان: أحدهما: لا تعد أن تركع دون الصف حتَّى تقوم في الصف. حكاه ابن التين عن الشافعي، ويؤيده حديث أبي هريرة السالف من عند ابن أبي شيبة. والثاني: لا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعيًا يحفزك فيه النفس. وقد جاء في حديث أبي بكرة: جئت ورسول الله - ﷺ - راكع وقد حفزني النفس (٢) (٣). الحديث رواه حماد بن سلمة عن الأعلم به: فجاء يلهث. وكان أمرهم - ﷺ - أن يأتوا الصلاة وعليهم السكينة. ويحتمل معنى ثالثًا وهو: لا تعد إلى الإبطاء. وأحسن من الكل ما جاء مصرحًا به وهو: دخوله في الصف راكعًا، فإنها كمشية البهائم، قاله المهلب بن أبي صفرة. -------------- (١) رواه عنهما ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٠ (٢٦٣٤)، (٢٦٣٥) كتاب: الصلوات، باب: من كره أن يركع دون الصف. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وفي «صحاح ابن السكن» فانطلقت أسعى حتى دخلت في الصف، فلما قضى - عليه السلام - الصلاة قال: «من الساعي آنفًا؟» قال أبو بكرة: أنا. فذكر الحديث. (٣) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٩٥ كتاب: الصلاة، باب: من صلى خلف الصف وحده. وقال ابن القطان في «علله»: وهذا هو المراد، فإن في «مصنف حماد بن سلمة» عن الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة أنه دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - يصلي، وقد ركع فركع ثمَّ دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - قال: «أيكم دخل الصف وهو راكع» فقال لَهُ أبو بكرة: أنا، فقال: «زادك الله حرصًا ولا تَعُد». قَالَ ابن القطان: فتبين بهذِه الزيادة أن الذي أنكر عليه الشارع إنما هو أن دَبَّ راكعًا، وقد كان هذا متنازعًا فيه إلى أن تبين أن هذا هو المراد (١). قُلْتُ: لكن ما رواه عن «الأوسط» يخالفه، قَالَ الطحاوي: ولا يختلفون فيمن صلى وراء الإمام في صف فخلا موضع رجل أمامه أنه ينبغي له أن يمشي إليه، وفي تقدمه من صف إلى صف هو فيما بين الصفين في غير صف، فلم يضره ذَلِكَ ولم يخرجه عن الصلاة، فلو كانت الصلاة لا تجوز إلا لقائم في صف لفسدت عَلَى هذا صلاته لما صار في غير صف، وإن كان ذَلِكَ أقل القليل، كما أن من وقف عَلَى موضع نجس أقل القليل وهو يصلي أفسد ذَلِكَ عليه صلاته، فلما أجمعوا أنهم يأمرون هذا بالتقدم إلى ما قد (صلى) (٢) أمامه من الصف، ولا يفسد ذَلِكَ عليه كونهُ فيما بين الصفين في غير صف، دل ذَلِكَ أن من صلى دون الصف أن صلاته تجزئ (٣) (٤). ------------- (١) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٦٠٩ - ٦١٠. (٢) كذا بالأصل، ولعلها: خلا. (٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في السابع بعد الستين، كتبه مؤلفه. (٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٩٧. ١١٥ - باب إِتْمَامِ التَّكْبِيِر فِي الرُّكُوعِ قاله ابن عباس، عن النبي - ﷺ -[٧٨٧] فيه مالك بن الحويرث. [انظر: ٦٧٧] ٧٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ: ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ. وَضَعَ. [٧٨٦، ٨٢٦ - مسلم: ٣٩٣ - فتح: ٢/ ٢٦٩] ٧٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ: إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [٧٨٩، ٧٩٥، ٨٠٣ - مسلم: ٣٩٢ - فتح: ٢/ ٢٦٩] قَالَهُ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -. هذا ذكره بعد هذا الباب مسندًا. قَالَ: وفِيهِ عن مَالِك بْنِ الحُوَيْرِثِ. ويعني به الحديث السالف في الإمامة ثمَّ ساق بإسناده من حديث خَالِد، عَنِ الجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي العَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ: ذَكَّرَنَا هذا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وخالد هو ابن عبد الله الطحان، والجُرَيري هو سعيد بن إياس أبو مسعود، وأبو العلاء: هو يزيد بن عبد الله بن الشخير، ومطرف هو ابن عبد الله بن الشخير. قَالَ البزار في «سننه»: هذا الحديث رواه غير واحد، عن مطرف، ----------------- (١) «صحيح مسلم» (٣٩٣) كتاب: الصلاة، باب: إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة إلا رفعه من الركوع. عن عمران، وعن الحسن، عن عمران، وهذِه الأحاديث فيها أحاديث صحاح (١): حديث ابن مسعود وأبي هريرة، وسائر الأسانيد حسان، وقد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه لا يتم التكبير، روى الحسن بن عمران (٢)، ولا نعلم روى عنه إلا شعبة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه به، ومعناه أنه كان يكبر في بعض صلاته ويترك في خفض أو رفع عَلَى أن هذا الحديث لا يصح من جهة النقل فاستغنينا عن التكثير في ذَلِكَ. ثمَّ ساق البخاري بإسناده من حديث ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ: إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ الله - ﷺ -. وقد أخرجه مسلم أيضًا (٣)، قَالَ البزار في «سننه»: رواه غير واحد عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (٤). وسيأتي في باب: يكبر وهو ينهض من السجدتين ما يخدش في هذِه الرواية. ثمَّ ساق (٥) من حديث قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ ----------- (١) إلى هنا ذكر بمعناه في «البحر الزخار» ٩/ ٢٧ (٣٥٣٣). (٢) رواه أبو داود (٨٣٧) كتاب: الصلاة، باب: تمام التكبير، والبخاري في «تاريخه الكبير» ٢/ ٣٠٠ ترجمة (٢٥٤٠)، والبيهقي ٢/ ٦٨ كتاب: الصلاة، باب: التكبير للركوع وغيره، وابن عبد البر في «التمهيد» ٩/ ١٧٨ - ١٧٩، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٥٠): إسناده ضعيف مضطرب. (٣) «مسلم» (٣٩٢) في الصلاة، باب: إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة. (٤) رواه البزار في «مسنده» ١٤/ ٢٧٦ (٧٨٦٨ - ٧٨٦٩) من طريق أبي سلمة مثل البخاري، ولم يعلق بعده. فالله أعلم. (٥) أي في الباب الآتي بعده. بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ اثْنَتَين وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ - ﷺ -. وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثنَا أَبَانُ، ثَنَا قَتَادَة، ثَنَا عِكْرِمَةُ. انتهى. أراد البخاري بهذا تبيين سماع قتادة من عكرمة وهو مخرج في «سنن البزار»، وقال في حديث سعيد عن قتادة: رواه أيضًا همام عن قتادة، ورواه خالد الحذاء وعبد الله بن المختار وأبو بشر، عن عكرمة، ولم يسند ابن المختار عن عكرمة غير هذا الحديث، وروى قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم أن أبا مالك الأشعري قَالَ: لأصلين بكم صلاة رسول الله - ﷺ -، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة. قَالَ أبو بكر: وهذا الحديث رواه بديل بن ميسرة أيضًا عن شهر. وقد ذكر الإسماعيلي أيضًا في «صحيحه» من حديث سعيد، ثنا قتادة أن عكرمة حدثهم فذكره، وحديث عكرمة هذا من أفراد البخاري. إِذَا عرفت ذَلِكَ فاعلم أن البخاري ترجم لحديث عمران باب إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي السُّجُودِ، وزاد فيه: وكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ. وذكر فيه حديث عكرمة أيضًا، وأبو بشر فيه هو جعفر بن أبي وَحْشِيَّة إياس (١)، وشيخ البخاري في حديث عمران: هو أبو النعمان، واسمه: محمد بن الفضل عارم. وترجم لحديث أبي هريرة باب التَّكْبِيرِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ، وقال فيه: وَقَالَ مُوسَى بن إسماعيل: ثَنَا أَبَانُ، ثَنَا قَتَادَةُ، ثَنَا عِكْرِمَةُ. وأراد به تبيين سماع قتادة من عكرمة كما سلف؛ لتزول تهمة تدليسه. ----------- (١) اليَشْكُري الواسطي، انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٢/ ت ١٩٢٧، «تهذيب الكمال» ٥/ ٥. وأبان هو ابن يزيد أبو يزيد العطار البصري، استشهد به البخاري، وذكر فيه حديثًا آخر كما ستعلمه (١). وهذِه الآثار دالة على أن التكبير في كل خفض ورفع لم يكن مستعملًا عندهم، ولولا ذَلِكَ ما قَالَ عمران: ذكرنا عليٌّ صلاة رسول الله - ﷺ -، ولا قَالَ أبو هريرة: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -، ولا أنكر عكرمة عَلَى الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، ولا نسبه إلى الحمق، وهذا يدل أن التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف عَلَى أنه من أركان الصلاة، وقد فعله جماعة من السلف وتركه جماعة، ولم يقل أحد ممن فعله لمن لم يفعله: إن صلاتك لا تتم إلا به. فممن كان يتم التكبير ولا ينقصه من الصلاة في كل خفض ورفع: الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عمر وجابر وأبو هريرة، ومن التابعين: مكحول والنخعي (٢)، وهو قول مالك والأوزاعي والكوفيين والشافعي وأبي ثور وعوام العلماء (٣). وممن كان ينقص التكبير ذكر الطبري قَالَ: سُئِلَ أبو هريرة: من أول من ترك التكبير إِذَا رفع رأسه وإذا وضعه؟ قَالَ: معاوية. --------------- (١) سيأتي برقم (٧٨٨) كتاب: الآذان، باب: التكبير إذا قام من السجود. (٢) رواه ابن أبي شيبة في ١/ ٢١٦ - ٢١٧ (٢٤٧٧ - ٢٤٨١)، (٢٤٨٢ - ٢٤٩٢) كتاب: الصلوات، باب: من كان يتم التكبير ولا ينقصه في كل رفع وخفض. (٣) انظر: «الأم» ١/ ٩٥، «المدونة» ١/ ٧٢، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٢، «المبسوط» ١/ ١٩، «الأوسط» ٣/ ١٣٥، «المجموع» ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥، «المغني» ٢/ ١٧٠ - ١٧١، «الذخيرة» ٢/ ٢١٠، «المبدع» ١/ ٣٩٦، «نيل الأوطار» ٢/ ٦ - ٧. وعن عمر بن عبد العزيز وابن سيرين والقاسم وسالم وسعيد بن جبير مثله (١). وذكر أبو القاسم البلخي في كتابه «معرفة الرجال»: عن أبي عاصم عن أبي حباب، قَالَ: شهدت عمرو بن عبيد أتى ابن سيرين فقال: يا أبا بكر، ألم يقل عمران حين صلى بهم فلان فجعل يكبر كلما خفض ورفع؟ قَالَ: بلى، قَالَ: فما بالك تحذف تكبيرتين؟ فقال: إن مروان وأهل المدينة لا يكبرون، فقال عمرو: سبحان الله يا أبا بكر، يقول عمران: ذكرني صلاة رسول الله - ﷺ - وتقول أنت: مروان وأهل المدينة لا يكبرون. قَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فقال عمرو: أوَ مروان ممن أمر الله أن يقتدى به؟ لا والله، لا أجالسُك أبدا. واحتجوا مما رواه شعبة عن الحسن بن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قَالَ: صليت خلف النبي - ﷺ - فكان لا يتم التكبير يعني: إِذَا خفض وإذا رفع وقد سلف، وأنه ضعيف والحديث في «مسند أحمد». قَالَ البخاري في «تاريخه» عن أبي داود الطيالسي: هذا عندنا باطل (٢). وقال الطبري: راويه الحسن بن عمران وهو مجهول لا يجوز الاحتجاج به (٣)، قَالَ البيهقي: وقد يكون كبر ولم يسمع الراوي أو ---------------- (١) رواه عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٢١٨ (٢٤٩٨)، (٢٤٩٩)، (٢٥٠١ - ٢٥٠٣) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يتم التكبير وينقصه وما جاء فيه. (٢) «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٠٠ ترجمة (٢٥٤٠). (٣) هو: الحسن بن عمران الشامي، أبو عبد الله، ويقال: أبو علي العسقلاني قال أبو حاتم: شيخ، وقال أبو داود الطيالسي: هذا عندنا لا يصح وذكره ابن حبان في = يكون تركه مرة؛ لبيان الجواز (١)، وتأوله الكرخي على حذفه، وذلك نقصان صفة لا نقصان عدد، وفي «المصنف» عن أبي عبيد: أول من نقصه زياد (٢). وفي «شرح الهداية» سُئِلَ أبو حنيفة عن التكبير، فقال: احذفه واجزمه. ومثله عن صاحبيه. وكان ابن عمر ينقص التكبير، وقال مسعر: إِذَا انحط بعد الركوع لم يكبر (٣)، وإذا أراد أن يسجد الثانية من كل ركعة لم يكبر. وقال سعيد بن جبير: إنما هو شيء يزين به الرجل صلاته. وقال قوم من العلماء: التكبير إنما هو إذن بحركة الإمام وليس بسنة إلا في الجماعة، فأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر، وقال أحمد بن حنبل: كان ابن عمر لا يكبر إِذَا صلى وحده (٤)، وقد قَالَ بسنية تكبيرات الانتقالات الخلفاء الأربعة ومن سلف، وقيس بن (عباد)، والشعبي، وسعيد بن عبد العزيز، وابن الزبير. -------------- = «الثقات» قال ابن حجر في «التقريب» لين الحديث، من السابعة. انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٠٠ (٢٥٤٠)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٧ (١١٤)، و«تهذيب الكمال» ٦/ ٢٨٩ (١٢٦١)، و«تقريب التهذيب» ١٦٣ (١٢٧٣). (١) «السنن الكبرى» ٢/ ٦٨ كتاب: الصلاة، باب: التكبير للركوع وغيره. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢١٨ (٢٥٠٠) كتاب: الصلوات، باب: من كان لا يتم التكبير وينقصه وما جاء فيه. (٣) انظر: «الاستذكار» ١/ ٤١٧ - ٤١٨. (٤) انظر: «التمهيد» ٣/ ٩٣، وقال ابن رجب رحمه الله: ولما حكاه ابن عبد البر، عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده، وذكر أن أحمد بن حنبل حكاه عنه في رواية ابن منصور. فهذا وهم منه -رحمه الله- على أحمد. فإن مراد أحمد التكبير في أدبار الصلوات أيام التشريق. = وقال أهل الظاهر وأحمد في رواية: كلها واجبة (١). ومن الأحاديث الدالة عَلَى المشروعية ما رواه النسائي عن واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله - ﷺ - فقال: الله أكبر كلما وضع وكلما رفع (٢). وما رواه الترمذي محسنًا مصححًا من حديث ابن مسعود: كان رسول الله - ﷺ - يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود (٣). وما رواه مالك من حديث وهب بن كيسان أن جابرًا كان يعلمهم التكبير في الصلاة، وكان يأمرنا أن نكبر كلما خفضنا ورفعنا (٤). وما رواه النسائي من حديث أنس مرفوعًا (٥) وابن أبي شيبة من ------------- = ويدل عليه: أن أحمد في تمام هذِه الرواية حكى -أيضًا-، عن قتادة أنه كان يكبر إذا صلى وحده ثم قال: وأحب إلى أن يكبر من صلى وحده في الفرض. وأما النافلة فلا، ولم يرد أحمد أن صلاة النافلة لا يكبر فيها للركوع، والسجود، والجلوس، فإن هذا لم يقله أحمد قط. ولا فرق أحمد بين الفرض والنفل في التكبير، «فتح الباري» ٧/ ١٤٠ - ١٤١. (١) والرواية الثانية أنها ركن لا يسقط بالسهو، والرواية الثالثة أنها ركن لا يسقط إلا في حق المأموم، والرواية الرابعة أنها سنة، انظر: «شرح الزركشي» ١/ ٣٠٤، «المبدع» ١/ ٤٩٦، «فتح الباري» لابن رجب ٧/ ١٤١ - ١٤٣. (٢) «سنن النسائي» ٣/ ٦٣ كتاب: السهو، باب: كيف السلام على اليمين، قال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح الإسناد. (٣) «سنن الترمذي» (٢٥٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التكبير عند الركوع والسجود، قال: حديث عبد الله حديث حسن صحيح، قال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح. (٤) «الموطأ» ١/ ٨١ (٢١١) كتاب: الصلاة، باب: افتتاح الصلاة والتكبير في كل خفض ورفع. (٥) «سنن النسائي» ٣/ ٢ كتاب: السهو، باب: التكبير إذا قام من الركعتين. وقال الألباني في «صحيح النسائي» صحيح الإسناد. حديث علي مرفوعًا بنحوه (١)، وغير ذَلِكَ. وفي «سنن البزار» بإسناد جيد من حديث أنس قَالَ: كان النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان يتمون التكبير، ثمَّ قَالَ: لا نعلمه يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد. واختلف أصحاب مالك فيمن ترك التكبير في الصلاة، فقال ابن القاسم: من أسقط ثلاثًا فأكثر أو التكبير كله سوى تكبيرة الإحرام، سجد قبل السلام وإن لم يسجد قبله سجد بعده، وإن لم يسجد حتَّى طال بطلت صلاته، وفي «الواضحة»: وإن نسي تكبيرتين سجد قبل أن يسلم، فإن لم يسجد لم تبطل صلاته وإن ترك تكبيرة واحدة، فاختلف قوله هل عليه سجود أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليس على من ترك التكبير سوى السجود، فإن لم يفعل حتَّى تباعد فلا شيء عليه. واختاره ابن المواز وابن حبيب (٢)، وآثار الباب تدل على صحة هذا القول، ولا سجود عليه عند الشافعي (٣). قَالَ ابن القصار: وعلى أصل أبي حنيفة: فيه السجود. وحكى الطحاوي خلاف هذا القول، قَالَ: أجمعوا أن من ترك تكبير الركوع والسجود فصلاته تامة (٤). وقال الطبري: لا نرى صلاته فاسدة وإن كان مخطئا لسنة الشارع؛ لإجماع سلف الأمة وخلفها أن صلاة من فعل ذَلِكَ غير فاسدة (٥). --------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢١٧ (٤٢٩٢) كتاب: الصلوات، باب: من كان يتم التكبير ولا ينقصه في كل رفع وخفض. (٢) انظر: «التمهيد» ٣/ ١٠٨. (٣) انظر: «البيان» ٢/ ٣٣٦. (٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٢٨. (٥) انظر «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥. وفي «شرح الهداية»: لا يجب السجود بترك الأذكار كالثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود، وتسبيحاتها. وفي تكبير أبي هريرة كلما خفض ورفع، من الفقه أن التكبير ينبغي أن يكون معهما سواء، من غير تقدم ولا تأخر، وهو قول أكثر العلماء، ذكره الطحاوي عن الكوفيين والثوري والشافعي، قالوا: ينحط للركوع والسجود وهو يكبر وكذلك يفعل في حال الرفع والقيام من الجلسة الأولى يكبر في حال القيام، وكذلك قَالَ مالك إلا في حال القيام من الجلسة الأولى فإنه يقول: لا يكبر حتَّى يعتدل قائمًا. هذا قوله في «المدونة» (١)، وفي «المبسوط» روى ابن وهب عن مالك: إن كبر بعد استوائه فهو أحب إلى، وإن كبر في نهوضه بعد ما يفارق الأرض، فأرجو أن يكون في سعة. قَالَ الطحاوي: فأخبر في هذا الحديث أن التكبير كان في حال الخفض والرفع، ولما اتفقوا في الخفض والرفع أن الذكر مفعول فيه وجب أن يكون كذلك حال القيام من الجلسة الأولى (٢)، وسيأتي توجيه قول مالك في أنه لا يكبر حتَّى يعتدل قائمًا في أبواب السجود في باب: يكبر وهو ينهض بين السجدتين إن شاء الله تعالى. وللشافعي قولان في مد التكبير في الانتقالات، والأظهر الاستحباب (٣)، ومذهب الكوفيين مقابله فيما ذكره الطحاوي. --------------- (١) «المدونة» ١/ ٧٢. (٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٢٢. (٣) انظر: «المجموع» ٣/ ٣٦٤. ١١٦ - باب إِتْمَامِ التَّكْبِيِر فِي السُّجُودِ ٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فَقَالَ قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. أَوْ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. [انظر: ٧٨٤ - مسلم: ٣٩٣ - فتح: ٢/ ٢٧١] ٧٨٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا عِنْدَ الْمَقَامِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَإِذَا قَامَ وَإِذَا وَضَعَ، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه -، قَال: أَوَلَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَا أُمَّ لَكَ؟! [٧٨٨ - فتح: ٢/ ٢٧١] ذكر فيه حديث عمران وابن عباس وقد سلفا في الباب قبله. ![]()
__________________
|
|
#187
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 147 الى صـــ 166 الحلقة (187) ١١٧ - باب التَّكْبِيِر إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ ٧٨٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ -. وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ. [انظر: ٧٨٧ - فتح: ٢/ ٢٧٢] ٧٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لَمِنْ حَمِدَهُ». حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» - قَالَ عَبْدُ اللهِ [بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ]: «وَلَكَ الْحَمْدُ»- ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ. [انظر: ٧٨٥ - مسلم: ٣٩٢ - فتح: ٢/ ٢٧٢] ذكر فيه حديث عكرمة السالف عن ابن عباس، وحديثًا آخر عن أبي هريرة وسيأتي قريبًا بطوله. ١١٨ - باب وَضْعِ الأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ وقال أبو حميد في أصحابه: أمكن النبي - ﷺ - يديه من ركبتيه. ٧٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ. [مسلم: ٥٣٥ - فتح: ٢/ ٢٧٣] وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ في أَصْحَابِهِ: أَمْكَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ. هذا التعليق أخرجه مسندًا في باب سنة الجلوس في التشهد (١) مطولًا. وأبو حميد اسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد الساعدي، حكى في عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة فصدَّقوه. ثمَّ ساق حديث شُعبةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ. وهو حديث أخرجه مسلم والأربعة (٢). وأبو يعفور -بالفاء- اسمه واقد، ولقبه وقدان (٣)، والد يونس بن ------------ (١) سيأتي برقم (٨٢٨) كتاب: الآذان، باب: سنة الجلوس في التشهد. (٢) «صحيح مسلم» (٥٣٥) كتاب: المساجد، باب: الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق. وأبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٥٩)، والنسائي ٢/ ١٨٥، وابن ماجه (٨٧٣). (٣) في هامش الأصل: قال الذهبي: اسمه وقدان وقيل: واقد. أبي يعفور العبدي الكبير (١)، وادعى النووي أنه الصغير عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس (٢) روى عن أبي الضحى وفيه نظر؛ لأن الصغير لم يذكر في الأخذ عن مصعب ولا في أشياخ شعبة. إذَا عرفت ذَلِكَ، فإجماع فقهاء الأمصار عَلَى القول بهذا الحديث، وروي ذَلِكَ عن عمر وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وجماعة من التابعين، وكان ابن مسعود والأسود بن يزيد وأبو عبيدة يطبقون أيديهم بين ركبهم إِذَا ركعوا (٣). وقال ابن مسعود هكذا فعل رسول الله - ﷺ - (٤). قَالَ الطحاوي: وما روي عن ابن مسعود من ذَلِكَ منسوخ بحديث سعد، ألا ترى قوله: (كنا نفعله فنهينا عنه؟) (٥) وقال عمر: قَدْ سنت لكم الركب. وكذا قَالَ الترمذي: إنه منسوخ عند أهل العلم بهذا الحديث (٦) وبقول عمر المصحح عنده: إن الركب سنت لكم فخذوا بالركب (٧). لا اختلاف بينهم في ذَلِكَ إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض ---------------- (١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد»: ٦/ ٣٤٨، و«تهذيب الكمال»: ٣٠/ ٤٥٩ (٦٦٩٤). (٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ١٧. (٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٠ - ٢٢١ (٢٥٢٨ - ٢٥٣١، ٢٥٣٤، ٢٥٣٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، ورواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٥٢ - ١٥٣. (٤) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٥١ - ١٥٢. (٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٠. (٦) «سنن الترمذي» ٢/ ٤٤ عقب الرواية (٢٥٨) كتاب: الصلاة، باب: مما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع. (٧) رواه الترمذي (٢٥٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع، وقال: حسن صحيح، قال الألباني: صحيح الإسناد. أصحابه أنهم كانوا يطبقون وبنحوه ذكره النسائي (١) واستدل البيهقي بحديث عمرو بن مرة عن خيثمة بن عبد الرحمن عن أبي سبرة الجعفي قَالَ: قدمت المدينة فجعلت أطبق كما يطبق أصحاب عبد الله، فقال رجل من المهاجرين: ما يحملك عَلَى هذا؟ قُلْتُ: كان عبد الله يفعله ويذكر أن رسول الله - ﷺ - كان يفعله، فقال: صدق عبد الله، ولكن رسول الله ربما صنع الأمر ثمَّ يحدث الله لَهُ أمرًا، فانظر ما اجتمع عليه المسلمون فاصنعه، فكان بعدُ لا يطبق. قَالَ البيهقي: وهذا الذي صار إليه موجود في وصفة أبي حميد ركوع رسول الله - ﷺ - (٢)، وعند النسائي من حديث أبي مسعود بن عمرو أنه ركع فوضع يديه عَلَى ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي (٣). وعند أبي داود عن رفاعة بن رافع أنه - ﷺ - قَالَ: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك» (٤). ------------- (١) «سنن النسائي» ٢/ ١٨٣ كتاب: الافتتاح، باب: التطبيق، ورواه أيضًا مسلم (٥٣٤) كتاب: المساجد، باب: الندب إلى وضع الأيدي على الركب، وأبو داود (٨٦٨) كتاب: الصلاة، باب: تفريغ أبواب الركوع والسجود: وأبو يعلى في «مسنده» ٩/ ١٢٩ (٥٢٠٣). (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٨٤ كتاب: الصلاة، باب: السنة في وضع الراحتين على الركبتين ونسخ التطبيق. (٣) النسائي ٢/ ١٨٦ كتاب: الافتتاح، باب: مواضع الراحتين وأصابع اليدين في الركوع ورواه أبو داود (٨٦٣) كتاب: الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود،، وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣ (٥٩٨) كتاب: الصلاة، باب: وضع الراحة على الركبة في الركوع وأصابع اليدين، قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠٩): صحيح. (٤) «سنن أبي داود» (٨٥٩) كتاب: الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠٥): إسناده حسن. وعند الحاكم عَلَى شرط مسلم لما بلغ سعدًا التطبيق عن عبد الله قَالَ: صدق عبد الله، كنا نفعل هذا ثمَّ أمرنا بهذا ووضع يديه على ركبتيه (١). وفي «الأوسط» للطبراني: كان - ﷺ - إذاركع وضع راحتيه عَلَى ركبتيه وفرج بين أصابعه (٢). وقال ابن عمر -في حديث غريب، قَالَه الحازمي-: إنما فعله الشارع مرة (٣). وفي كتاب «الفتوح» لسيف عن عمرو بن محمد، عن الشعبي عن مسروق: سألت عائشة عن إطباق ابن مسعود يديه بين ركبتيه فقالت: إن رسول الله - ﷺ - كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، زيادة من الله زاده إياها في حجته، فرأى أناسًا يصنعون كما كان يصنع الرهبان فحولهم من ذَلِكَ إلى ما عليه الناس اليوم من إطباق الركب بالأكف وتفريج الأصابع. وفي «علل الخلال» عن يحيى بن معين: هذان ليسا بشيء. يعني حديث ابن عمر وحديث محمد بن سيرين أنه - ﷺ - ركع فطبق. قَالَ الطحاوي: ثمَّ التمست ذَلِكَ من طريق النظر، فرأيت التطبيق فيه التقاء اليدين، ورأيت وضع اليدين عَلَى الركبتين فيه تفريقهما، فأردنا أن ننظر في حكم ذَلِكَ كيف هو، فرأينا السنة جاءت بالتجافي في الركوع والسجود، وأجمع المسلمون عَلَى ذَلِكَ، وكان ذَلِكَ تفريق الأعضاء، --------------- (١) «المستدرك» ١/ ٢٢٤ كتاب: الصلاة، قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذِه السياقة. (٢) «المعجم الأوسط» ٢/ ٣٠٤ (٢٠٥٠)، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا عكرمة بن إبراهيم الأزدي. (٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ٦٧. وكان من قام إلى الصلاة أمر بأن يراوح بين قدميه، وقد روي ذَلِكَ عن ابن مسعود راوي التطبيق، فلما رأينا تفريق الأعضاء أولى من إلزاق بعضها ببعض واختلفوا في إلصاقها وتفريقها في الركوع كان النظر عَلَى ذَلِكَ أن يكون ما اختلفوا فيه من ذَلِكَ معطوفًا عَلَى ما أجمعوا عليه، ولما كانت السنة: التفريق كان فيما ذكرنا أيضًا، فثبت نسخ التطبيق ووجوب وضع اليدين على الركبتين (١). ------------------ (١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٠ - ٢٣٢ باختصار. ١١٩ - باب: إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكوعَ ٧٩١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ التِى فَطَرَ اللهُ مُحَمَّدًا - ﷺ -. [انظر: ٣٨٩ - فتح: ٢/ ٢٧٤] ذكر فيه حديث حذيفة أنه رَأى رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلا السُّجُودَ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ التِي فَطَرَ اللهُ مُحَمَّدًا عليها. هذا الحديث من أفراد البخاري وفي حديث أبي وائل: على غير سنة محمد - ﷺ - (١). وللنسائي: منذ كم صليتَ هذِه الصلاة؟ قَالَ: منذ أربعين عامًا (٢). ولأبي نعيم: رأى رجلًا يخف صلاته (٣). الحديث. وللترمذي من حديث أبي مسعود الأنصاري مصححًا: «لا تُجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (٤). وللطبراني في «أوسط معاجمه» من حديث أبي قتادة: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته» قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق منها؟ قَالَ: «لا يتم ركوعها ولا سجودها» (٥). ------------ (١) سلفت روايته برقم (٣٨٩) كتاب: الصلاة، باب: إذا لم يتم السجود. (٢) «سنن النسائي» ٣/ ٥٨ - ٥٩ كتاب: السهو، باب: تطفيق الصلاة، قال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح. (٣) «الحلية» ٤/ ١٧٤. (٤) «سنن الترمذي» (٢٦٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، قال: حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح. (٥) «المعجم الأوسط» ٨/ ١٣٠ (٨١٧٩)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا الوليد، ولا عن الوليد إلا الحكم بن موسى، سليمان بن أحمد الواسطي. ولابن خزيمة من حديث عمرو بن العاصي وغيره: «إنما مثل الذي يصلي ولا يركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين فما تُغنيان عنه، فأتموا الركوع والسجود» (١) وفي «الحدائق» لابن الجوزي من حديث عمر: «ما من مصل إلا وملك عن يمينه وملك عن يساره، فإن أتمها عرجا بها وإن لم يتمها ضربا بها وجهه». إِذَا عرفت ذَلِكَ، فالفطرة هنا: الدين والملة، وإن كانت تطلق على الجبلة وغيرها، وسمى الصلاة فطرة؛ لأنها أكبر عرى الإيمان. قَالَ المهلب: نفي عنه الفعل مما انتفي عنه من التجويد. وهذا معروف في لسان العرب كما قَالَ - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٢) نفي عنه بقلة التجويد للإيمان اسمه. وكذا قول حذيفة للرجل: ما صليت. أي: صلاة كاملة. وأراد تبكيته وتوبيخه عَلَى فعله ليرتدع، وإنما خص الركوع والسجود؛ لأن الإخلاص غالبًا يظهر فيهما. واختلف العلماء في الطمأنينة: هل هي فرض أو سنة، عَلَى قولين، والذي ذهب إليه جماعة فقهاء الأمصار: الشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، ----------------- (١) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣ (٦٦٥) كتاب: الصلاة، باب: إتمام السجود والزجر عن انتقاصه، وساقه ابن خزيمة من حديث أبي عبد الأشعري، وفي آخره: قال أبو صالح، فقلت لأبي عبد الله الأشعري: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أمراء الأجناد عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة، كل هؤلاء سمعوه من النبي - ﷺ -. (٢) سيأتي برقم (٢٤٧٥) كتاب: المظالم، باب: النهي يغير إذن صاحبه. وابن وهب، وداود والطبري الأول (١). وقال أبو حنيفة: يكفيه في الركوع أدنى انحناء، ولا تجب الطمأنينة في شيء من الأركان محتجًّا بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وقال أبو يوسف: الفرض: المكث مقدار تسبيحة واحدة وفي «تخريج الجرجاني»: الطمأنينة في الركوع والقومة والسجود، والجلسة بين السجدتين عند أبي حنيفة ومحمد سنة. وفي «تخريج الكرخي»: واجب يجب سجود السهو بتركها (٢). وفي «الجواهر» لو لم يرفع في ركوعه وجبت الإعادة في رواية ابن القاسم، ولم تجب في رواية على بن زياد في الساهي. وابن القاسم فيمن رفع من الركوع والسجود ولم يعتدل يجزئه ويستغفر الله ولا يعود، ولأشهب: لا يجزئه (٣) وسيأتي الكلام عَلَى المسألة -إن شاء الله- في موضعه قريبًا. -------------- (١) انظر: «المحلى» ٣/ ٢٥٤، «البيان» ٢/ ٢٠٧، «المغني» ٢/ ١٧٧، «البناية» ٢/ ٢٦٦، «نيل الأوطار» ٢/ ٢٤، قال ابن رجب: قد روي عن طائفة من السلف ما يدل على ذلك. فإنه روي عن جماعة أنهم قالوا: إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع، وممن روي عنه: سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن سيرين، ومجاهد، وعطاء، وقال: هو أدنى ما يجزئ في الركوع، «فتح الباري» ٧/ ١٥٦ - ١٥٨، قال ابن رجب -رحمه الله-: وأما المثل المضروب في هذا الحديث لمن لا يتم ركوعه ولا سجوده، ففي غاية الحسن، فإن الصلاة هي قوت قلوب المؤمنين وغذاؤها، مما اشتملت عليه من ذكر الله، ومناجاته، وقربه، فمن أتم صلاته فقد استوفي غذاء قلبه، وروحه، فما دام على ذلك كملت قوته، ودامت صحته، وعافيته، ومن لم يتم صلاته فلم يستوف قلبه وروحه قوقها وغذاءها، فجاع قلبه، وضعف، وربما مرض أو مات لفقد غذائه كما يمرض الجسد ويسقم إذا لم يكمل بتناول غذائه وقوته الملائم له، «فتح الباري» ٧/ ١٦٢. (٢) انظر: «البناية» ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧. (٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٩٠، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٣. ١٢٠ - باب اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرُّكُوعِ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: رَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ. [٨٢٨ - فتح: ٢/ ٢٧٥] هذا التعليق سلف، و(هصر) بتخفيف الصاد أي: ثناه وعطفه للركوع. وأبو حميد اسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك ابن خالد، ابن عم سهل بن سعد بن سعد بن مالك الساعدي وقد سلف قريبًا. ١٢١ - باب حَدِّ إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالاِعْتِدَالِ فِيهِ وَالاِطْمَأْنِينَةِ ٧٩٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ -مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ- قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [٨٠١، ٨٢٠ - مسلم: ٤٧١ - فتح: ٢/ ٢٧٦] ذكر فيه حديث ابن أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ -مَا خَلَا القِيَامَ وَالْقُعُودَ- قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، وقيل: بلال. وهو دال عَلَى طول الطمأنينة فيما ذكر من الأركان، واعترض ابن المنير فقال: الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأن المذكور فيها الاستواء والاعتدال، والحديث إنما فيه تساوي الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين، اللَّهُمَّ إلا أن نأخذه من جهة أن المتأني المطمئن في غالب الحال يستقر كل عضو منهم مكانه، فيلزم الاعتدال (٢). وقوله: (قريبًا من السواء) دال عَلَى أن بعضها كان فيه طول يسير عَلَى بعض، وذلك في القيام والتشهد؛ لأنه يقتضي إما تطويل ما العادة فيه التخفف، أو تخفيف ما العادة فيه التطويل في القيام كقراءة --------------- (١) «صحيح مسلم» (٤٧١) كتاب: الصلاة، باب: اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام. (٢) «المتواري» ص ١٠٥. ما بين الستين إلى المائة في الصبح وغيرها مما تقدم، ويوافق هذا أن مسلمًا لم يعد في روايته القيام بخلاف رواية البخاري السالفة فإنها شاملة لقيام القراءة والاعتدال والقعود والتشهد والجلوس بين السجدتين، فيجاب بأنها باعتبار أحوال، ففي وقت يخفف وآخر يطول، وذهب بعضهم إلى أن التخفيف هو المتأخر من فعله بعد ذَلِكَ التطويل، وأبعد من وهم رواية القيام، ثمَّ الحديث يوافق المختار أن الاعتدال ركن طويل حتَّى يجوز إطالته بالذكر، وإن كان المجزوم به في المذهب أنه قصير، والجمهور -كما قَالَ الإمام أن الجلوس بين السجدتين طويل أيضًا، خلاف ما وقع في «المحرر» ومن تبعه. وقد أوضحت ذَلِكَ في كتب الفروع و«شرح العمدة» أيضًا (١). وقال المهلب هذِه الصفة أكمل صفات صلاة الجماعة، وأما صلاة الرجل وحده فله أن يطول في الركوع والسجود أضعاف ما يطول في القيام بين السجدتين، وبين الركعة والسجدة. وأما أقل ما يجزئ من ذَلِكَ كما قَالَ ابن مسعود: إِذَا أمكن الرجل يديه من ركبتيه فقد أجزأه، وكانت ابنة لسعد تفرط في الركوع، تطأطأ منكرًا، قَالَ لها سعد: إنما يكفيك إِذَا وضعت يديك عَلَى ركبتيك (٢). وقاله ابن سيرين وعطاء ومجاهد (٣)، وهو قول عامة الفقهاء (٤). ------------ (١) «الإعلام» ٣/ ١٠٤، ١٠٥. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٥ (٢٥٧٨) كتاب: الصلوات، باب: في أوفى ما يجزئ من الركوع. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٥ (٢٥٧٧) السابق. (٤) «البيان» ٢/ ٢٠٧، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٣، «الكافي» ١/ ٢٩٩. ١٢٢ - باب أَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - الذِي لَا يُتِمُّ رُكوعَهُ بِالإِعَادَةِ ٧٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَرَدَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عليه السلام فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». ثَلَاثًا. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي. قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». [انظر: ٧٥٧ - مسلم: ٣٩٧ - فتح: ٢/ ٢٧٦] ذكر فيه حديث أبي هريرة وقد سلف في باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات (١)، واستدل به جماعة من الفقهاء فقالوا: الطمأنينة في الركوع والسجود فرض لا تجزئ الصلاة إلا بها، ألا ترى أنَّه - ﷺ - قَالَ له: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثمَّ علمه الصلاة وأمره بالطمأنينة. واستدل ابن أبي صفرة لمن نفاها بأنه - ﷺ - أمر هذا الرجل حين لم يكمل الركوع والسجود بالإعادة، ولم يأمر من نقص الركوع والسجود بالإعادة حين قَالَ لهم: «إني لأراكم من وراء ظهري» (٢) فدل ذَلِكَ من فعله أن الطمأنينة لو كانت فريضة لبين لهم ذلك، والدليل عَلَى صحة ذَلِكَ أنه - ﷺ - أمر المسيء صلاته بالإعادة مرة بعد أخرى ولم يحسن، قَالَ له: والله ما أحسن غير هذا ---------------- (١) سلف برقم (٧٥٧). (٢) سبق برقم (٧١٨) كتاب: الأذان، باب: تسوية الصفوف عند الإقامة. فعلمني. فوصف له هيئة الصلاة ولم يأمره أن يعيد الصلاة التي نقصها مرة أخرى على الصفة التي علمه، ولم يقل لَهُ: لا تجزئك حتَّى تصلي هذِه الصلاة، إنما علمه كيف يصلي فيما يستقبل. واحتج من نفاها أيضًا بحديث رفاعة بن رافع في تعليم المسيء صلاته أنه - ﷺ - قَالَ له: «ثمَّ ارفع فاعتدل قائمًا» (١) وذكر الحديث، قَالَ: «إِذَا صليت عَلَى هذا فقد أتممتها، وما انتقصت من ذَلِكَ فإنما تنقص من صلاتك» فجعلها ناقصة تدل عَلَى الجواز، ويؤيد من أوجب: الحديث السالف في باب: إِذَا لم يتم الركوع: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود». وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢). والقول بما ثبت عنه - ﷺ - وتلقاه الجمهور بالقبول أولى من كل ما خالفه، وقد قَالَ - ﷺ -: «جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار عَلَى من خالف أمري» (٣) وكفي بهذا شدة ومخافة، ورسول الله - ﷺ - هو المبين عن الله تعالى قولًا وفعلا. ---------------- (١) سبق تخريجه أثناء شرح الحديث (١٦١). (٢) سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر. (٣) ذكره البخاري معلقًا بصيغة التمريض قبل الرواية (٢٩١٤)، كتاب: الجهاد، باب: ما قيل في الرمح من حديث ابن عمر، ورواه أحمد ٢/ ٥٠، وعبد بن حميد ٢/ ٥٠ (٨٤٦)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٤/ ٣٦٠ (٢٧١٦)، والطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ١٣٥ - ١٣٦ (٢١٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٢/ ٧٥ (١١٩٩)، والهروي في «ذم الكلام» ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢ (٤٧٦). وذكره الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٢٦٧، ثم قال: فيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وثقة ابن المديني، وأبو حاتم وغيرهما، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١٢٦٩)، قلت: وللحديث شواهد من حديث: أبي هريرة، وأنس. ١٢٣ - باب الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ ٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». [٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧، ٤٩٦٨ - مسلم: ٤٨٤ - فتح ٢/ ٢٨١] ذكر فيه حديث أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، ويأتي قريبًا، وفي المغازي والتفسير (٢)، وترجم عليه البخاري قريبًا باب: التسبيح والدعاء في السجود وزاد فيه بعد قوله: «اللَّهُمَّ اغفر لي»: يتأول القرآن. وفيه أنه يكثر ذَلِكَ (٣) وفي لفظ لَهُ: قالت: ما صلى رسول الله - ﷺ - صلاة بعد ما أنزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر:١] إلا يقول: «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك اللَّهُمَّ اغفر لي» (٤) وعند ابن السكن بعد قولها: يتأول القرآن. قَالَ أبو عبد الله: يعني: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر:٣]، أي: حين أعلمه الله -------------- (١) «صحيح مسلم» (٤٨٤) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود (٨٧٧)، والنسائي ٢/ ١٩٠، وابن ماجه (٨٨٩)، وأما الترمذي فلم يروه في «سننه»! انظر: «تحفة الأشراف» (١٧٦٣٥). (٢) سيأتي برقم (٤٢٩٣) كتاب. المغازي، وبرقم (٤٩٦٧)، (٤٩٦٨) كتاب: التفسير، باب: سورة النصر. (٣) سيأتي برقم (٨١٧) كتاب: الأذان. (٤) يأتي برقم (٤٩٦٧). بانقضاء أجله، وفي «صحيح مسلم» عنها: ما رأيت رسول الله - ﷺ - منذ نزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ يصلي صلاة إلا دعا أو قَالَ فيها: «سبحانك ربي وبحمدك، اللَّهُمَّ اغفر لي» (١)، وعنهما: كان - ﷺ - يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك» قالت: قُلْتُ: يا رسول الله، ما هذِه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قَالَ: «جعلت لي علامة في أمتي إِذَا رأيتها قلتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة (٢). وفي لفظ له: كان يكثر من قول:»سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه«قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، فقَالَ:»أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول ذَلِكَ، فقد رأيتها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ فتح مكة الآية (٣). وفي «أسباب النزول» للواحدي من حديث ابن عباس: لما أقبل - ﷺ - من غزوة حنين، وأنزل الله عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] قَالَ: «يا علي ويا فاطمة، قَدْ جاء نصر الله» إلى أن قَالَ: «فسبحان ربي وبحمده، وأستغفره إنه كان توابًا» (٤). وفي «تفسير مقاتل»: عاش بعد نزولها ستين يومًا (٥)، وفي «تفسير القرطبي» وغيره أنها نزلت بمنى أيام التشريق في حجة الوداع (٦). ---------------- (١) «صحيح مسلم» (٤٨٤/ ٢١٩). (٢) مسلم (٤٨٤/ ٢١٨). (٣) مسلم (٤٨٤/ ٢٢٠). (٤) «أسباب النزول» ص ٤٩٧ (٨٧٥). (٥) انظر: «تفسير البغوي» ٨/ ٥٧٧. (٦) «الجامع لأحكام القرآن» ٢٠/ ٢٣٣. واختلف العلماء فيما يدعو به الرجل في ركوعه وسجوده: فقالت طائفة: لا بأس أن يدعو الرجل في ذَلِكَ مما أحب، وليس عندهم في ذَلِكَ شيء موقت (١)، وقد رويت آثار كثيرة عن النبي - ﷺ - أنه كان يدعو بها، منها: «اللَّهُمَّ لك ركعت ..» إلى آخره، «اللَّهُمَّ لك سجدت ..» إلى آخره، أخرجه مسلم من حديث علي (٢)، ومنها في السجود: «اللَّهُمَّ إني أعوذ برضاك من سخطك ..» إلى آخره، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث عائشة (٣)، وفي رواية: فإذا هو راكع أو ساجد يقول: «سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت» (٤) ومنها في سجوده: «اللَّهُمَّ اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، أولَه وآخره، وعلانيته وسره» أخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة (٥)، والكل لم يخرجها البخاري وغير ذَلِكَ؛ إلا أن مالكا كره الدعاء في الركوع ولم يكرهه في السجود، واقتصر في الركوع عَلَى تعظيم الرب ﷻ والثناء عليه (٦)، وأظنه ذهب إلى حديث علي: «أما الركوع فعظموا فيه ------------ (١) انظر:»شرح المعاني الآثار«١/ ٢٣٥. (٢) مسلم (٧٧١). (٣)»صحيح مسلم«(٤٨٦). (٤)»صحيح مسلم«(٤٨٥). (٥)»صحيح مسلم«(٤٨٣). (٦) انظر:»المدونة الكبرى" ١/ ٧٤. قال ابن عبد البر رحمه الله: وأجمعوا أن الركوع موضع لتعظيم الله بالتسبيح وأنواع الذكر، واختلف الفقهاء في تسبيح الركوع والسجود. فقال ابن القاسم، عن مالك: إنه لم يعرف قول الناس في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وأنكره ولم يجد في الركوع دعاءً مؤقتًا، ولا تسبيحًا مؤقتًا، وقال: إذا أمكن المصلي يديه من ركبتيه في الركوع، وجبهته من الأرض في السجود فقد أجزأ عنه. الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم» أخرجه مسلم من حديث ابن عباس (١) أي: حقيق وجدير. فجعل الركوع لتعظيم الرب وإن كانت قراءة القرآن أفضل من ذكر التعظيم؛ ولذلك ينبغي في كل موضع ما جعل فيه وإن كان غيره أشرف منه، ويؤيد هذا المعنى ما روى الأعمش عن النخعي: كان يقال إِذَا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء: استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء: كان عَلَى الرجاء (٢). وروى ابن عيينة عن منصور بن المعتمر، عن مالك بن الحويرث، قَالَ: يقول الله عزوجل: «إذا شغل عبدي ثناؤه عَلَى عن مسألتي؛ أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (٣) فلهذه الآثار كره مالك الدعاء في الركوع واستحبه في السجود. وقال أهل المقالة الأولى: تعظيم الرب والثناء عليه عند العرب ---------------- = قال أبو عمر: إنما قال ذلك -والله اعلم- فرارًا من إيجاب التسبيح في الركوع والسجود، ومن الاقتصار على سبحان ربي العظيم في الركوع، وعلى سبحان ربي الأعلى في السجود، كما اقتصر عليه غيره من العلماء دون غيره من الذكر. والحجة له قوله - عليه السلام -: «إذا ركعتم فعظموا الرب، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء». ولم يخص ذكرًا من ذكر، وأنه - عليه السلام - قد جاء عنه في ذلك ضروب وأنواع تنفي الاقتصار على شيء بعينه من التسبيح والذكر، فمنها حديث مطرف، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول في سجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح». «الاستذكار» ١/ ٤٣١ - ٤٣٢. (١) «صحيح مسلم» (٤٧٩) كتاب: الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢ (٢٩١٦٢) كتاب: الدعاء، باب: في فضل الدعاء. (٣) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٤١٤ (٥٧٥) باب: في محبة الله -عز وجل-، فصل في إدامة ذكر الله -عز وجل-، وابن عبد البر في «تمهيده» ٦/ ٤٣ - ٤٤. دعاء، قاله ابن شهاب، وهو حجة في اللغة، وقد ثبت في حديث عائشة المذكور في الباب الدعاء في الركوع والسجود وغيره، فلا معنى لمخالفة ذَلِكَ. وقالت طائفة: ينبغي أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم. ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا؛ لحديث عقبة بن عامر في ذَلِكَ، أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم، والتثليث في أبي داود، وقال: أخاف أن لا تكون محفوظة (١)، وفي ابن ماجه في حديث حذيفة بإسناد ضعيف (٢)، وأصل التسبيح فيه في «صحيح مسلم» (٣)، وعند الحاكم: يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم وصلى الله على محمد وآله» (٤). هذا قول الكوفيين والأوزاعي --------------- (١) «سنن أبي داود» (٨٦٩، ٨٧٠) كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، «سنن ابن ماجه» (٨٨٧) كتاب: إقامة الصلاة، باب: التسبيح في الركوع والسجود، «صحيح ابن حبان» ٥/ ٢٢٥ (١٨٩٨) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة، «المستدرك» ١/ ٢٢٥ كتاب: الصلاة. وقال: هذا حديث حجازي صحيح الإسناد، وقد اتفقا على الاحتجاج برواته غير إياس بن عامر، وهو عم موسى بن أيوب القاضي، وهو مستقيم الإسناد، ولم يخرجاه بهذِه السياقة إنما اتفقا على حديث الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة عن زفر عن حذيفة قال: كان النبي - ﷺ - يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وصلى الله على محمد وأله وسلم. وقال: إياس ليس بالمعروف. اهـ. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٥٢ - ١٥٣): كلاهما ضعيف. (٢) ابن ماجه (٨٨٨). (٣) مسلم (٧٧٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. (٤) «المستدرك» ١/ ٢٢٥، كتاب: الصلاة. والشافعي وأبي ثور إلا أنهم لم يوجبوا ذَلِكَ، وقالوا: من ترك التسبيح في الركوع والسجود فصلاته تامة (١) وقال إسحاق وأهل الظاهر: إن ترك ذَلِكَ عليه الإعادة، وقالوا: حديث عقبة ورد مورد البيان فوجب امتثاله. ووافقهم أحمد في رواية وقال: لو نسيه لم تبطل ويسجد للسهو. وقال مرة أخرى: إنه سنة كالجماعة (٢). وقال ابن حزم: هو فرض فان نسيه سجد للسهو (٣)، وأجاب الجمهور بأن البيان إنما يرد في المجمل والركوع والسجود مفسران فلا يفتقران إلى بيان، فحمل حديث عقبة على الاستحباب بدليل إسقاطه من حديث المسيء صلاته وهو موضع الحاجة، قَالَ ابن القصار: لو قَالَ: سبحان ربي الجليل أو الكبير أو القدير لكان معظمًا له، وإذا ثبت أن نفس التسبيح ليس بواجب فتعينه والعدول عنه إلى ما في معناه جائز. ------------------ (١) انظر: «الأوسط» ٣/ ١٨٦ - ١٨٧، «تبيين الحقائق» ١/ ١١٤ - ١١٥. (٢) انظر: «الكافي» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، «فتح الباري» لابن رجب ٧/ ١٨١. قال القرافي رحمه الله: ولما كانت العادة جارية عند الأماثل والملوك بتقديم الثناء عليهم قبل طلب الحوائج منهم؛ لتنبسط نفوسهم لإنالتها، أمرنا الله -سبحانه وتعالى- بتقديم الثناء على الدعاء، كقول أمية بن أبي الصلت: أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضك الثناء كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الجميل ولا مساء فيكون الدعاء في السجود لوجهين، أحدهما: لهذا المعنى، والثاني: أنه غاية حالات الذل والخضوع بوضع أشرف ما في الإنسان الذي هو رأسه في التراب فيوشك أن لا يرد عن مقصده وأن يصل إلى مطلبه. «الذخيرة» ٢/ ١٨٩. (٣) «المحلى» ٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠. ![]()
__________________
|
|
#188
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 167 الى صـــ 186 الحلقة (188) فائدتان: الأولى: في «شرح الطحاوى»: يسبح الإمام ثلاثًا، وقيل: أربعًا؛ ليتمكن المقتضي من الثلاث (١)، وقال الروياني في «الحلية»: لا يزيد الإمام على خمس. وقال الماوردي: أدنى الكمال ثلاث، والكمال إحدى عشرة أو تسع، وأوسطه خمس (٢). وفي «شرح الهداية»: إن زاد عَلَى الثلاث حتَّى ينتهي إلى اثنتي عشرة فهو أفضل عند الإمام، وعندهما إلى سبع. وعن بعض الحنابلة: الكمال أن يسبح مثل قيامه (٣)، وعن --------- (١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٣٢. بتصرف. (٢) «الحاوي» ٢/ ١٢٠. (٣) قال المرداوي رحمه الله: قوله: ثلاثًا. وهو أدنى الكمال. هذا بلا نزاع أعلمه في تسبيحي الركوع والسجود. وما أعلى الكمال، فتارة يكون في حق الإمام، وتارة يكون في حق المنفرد، فإن كان في حق الإمام، فالصحيح من المذهب، أن الكمال في حقه يكون إلى عشر. قال: المجد، وتابعه صاحب «مجمع البحرين»: الأصح ما بين الخمس إلى العشر. قالا: وهو ظاهر كلامه. وقدمه في «الفروع». وقيل: ثلاثٌ، ما لم يوتر المأموم. قال في «التلخيص»، و«البلغة»: ولا يزيد الإمام على ثلاثٍ. وقيل: ما لم يشق. وقاله القاضي، وقيل: لا يزيد على ثلاث إلا برضا المأموم، أو بقدر ما يحصل الثلاث له. وقيل: لا يزيد على ثلاث إلا برضا المأموم، أو بقدر ما يحصل الثلاث له. وقيل: سبعٌ. قدمه في «الحاويين»، و«حواشي ابن مفلح». قال صاحب «الفائق»، وابن تميم: هو ظاهر كلام الإمام أحمد. وظاهر كلام ابن الزاغوني في «الواضح»، أن الكمال في حقه قدر قراءته. وقال الآجري: الكمال خمس، ليدرك المأموم ثلاثًا. وقيل: ما لم يخف سهوًا. وقيل: ما لم يطل عرفا. وقيل: أوسطه سبع، وأكثره بقدر قيامه. ونسبه المجد إلى غير القاضي من الأصحاب. وقدمه في «الفائق». وأطلقهما ابن تميم. وقيل: العرف. وأطلقهن في «الفروع»، وقيل: سبعٌ، وقدمه في «الحاويين»، و«الحواشي». وقيل: عشرٌ. وقيل: أوسطه سبعٌ، وأكثره بقدر قراءة القيام. كما تقدم في حق الإمام. «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» ٣/ ٤٨١ - ٤٨٤. الشافعي: عشرة (١) وهو منقول عن عمر، ورواه أبو داود من حديث أنس (٢) وفيه مقال. الثانية: ادعى الطحاوي -فيما حكاه البيهقي- نسخ الأحاديث بحديث عقبة، وقال: يجوز أن يكون ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ----------- (١) ذكر هذا القول بدر الدين العيني في كتابه «البناية» ٢/ ٢٨٧، ولم نجده في كتب الشافعية، والله اعلم. قال النووي رحمه الله: قال الشافعي رحمه الله في «المختصر»: يقول سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال. وقال في «الأم»: أحب أن يبدأ الراكع فيقول سبحان ربي العظيم ثلاثًا، ويقول ما حكيته عن النبي - ﷺ -، يعني حديث علي رضي الله، عنه قال أصحابنا: يستحب التسبيح في الركوع، ويحصل أجل السبحة بقوله: سبحان الله أو سبحان ربي وذلك أدنى الكمال أن يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فهذا أدنى مراتب الكمال، قال القاضي حسين: قول الشافعي يقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا. وذلك أدنى الكمال، لم يرد أنه لا يجزيه أقل من الثلاث؛ لأنه لو سبح مرة واحدة كان آتيًا بسنة التسبيح، وإنما أراد أن أول الكمال الثلاث، قال: ولو سبح خمسًا أو سبعًا، أو تسعًا أو إحدى عشرة كان أفضل وأكمل؛ لكنه إذا كان إمامًا يستحب أن لا يزيد على ثلاث. وكذا قال صاحب «الحاوي» أدنى الكمال ثلاث وأعلى الكمال إحدى عشرة أو تسع وأوسطه خمس، ولو سبح مرة حصل التسبيح. وقال: قال أصحابنا: والزيادة على ثلاث تسبيحات تستحب للمنفرد، وأما الإمام فلا يزيد على ثلاث تسبيحات، وقيل خمس إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل ويكونوا محصورين لا يزيدون. هكذا قاله الأصحاب، وقد قال الشافعي في «الأم»: وكل ما قال رسول الله - ﷺ - في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه إمامًا كان أو منفردًا، وهو تخفيف لا تثقيل، هذا لفظ نصه، وظاهره استحباب الجميع للإمام، لكن الأقوى ما ذكره الأصحاب فيتأول نصه على ما إذا رضي المأمومون أو على غيره والله أعلم. «المجموع» ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤ بتصرف. (٢) «سنن أبي داود» (٨٨٨) كتاب: الصلاة، باب: مقدار الركوع والسجود. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٥٧) إسناده ضعيف، وهب بن مانوس مجهول. [الأعلى: ١]، أنزلت بعد ذَلِكَ قبل وفاته، قَالَ: ولم يعلم أن حديث ابن عباس صدر منه غداة يوم الاثنين والناس خلف أبي بكر في صلاة الصبح، وهو اليوم الذي توفي فيه (١)، وروينا في الحديث الثابت عن النعمان بن بشير أنه - ﷺ - كان يقرأ في صلاة العيدين والجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] (٢) وفي هذا دلالة أن نزول ﴿سَبِّحِ﴾ كان قبل ذَلِكَ بزمان كثير، وروينا عن الحسن البصري وعكرمة وغيرهما أنها نزلت بمكة شرفها الله. تنبيه: ليس بين السجدتين عند الحنفية ذكر مسنون، قالوا: والذي روي في ذَلِكَ محمول عَلَى التهجد (٣)، وهو بعيد، وأهل الظاهر يقولون: إن تعمد تركه يبطل الصلاة. فائدة: معنى: «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك»: سبحانك بجميع آلائك وبحمدك، سبحتك -أي: نزهتك- عن كل عيب، ونصبه عَلَى المصدر (٤). --------- (١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وانظر: «معرفة السنن» ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤ كتاب: الصلاة، باب: الذكر في الركوع. (٢) رواه مسلم ٦٢ (٨٧٨) عن علي، (٤٧٩) عن ابن عباس كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ به في الجمعة. (٣) انظر: «البناية» ٢/ ٢٨٧، «تبيين الحقائق» ١/ ١١٨، «حاشية ابن عابدين» ١/ ٥٤٤. (٤) ورد بهامش (س) ما نصه: آخر (١) من الرابع من تجزئة المصنف. باب: القراءة في الركوع والسجود هذا الباب في بعض نسخ البخاري ولم يذكر فيه حديثًا، وكأنه بيض له لما لعله يجده على شرطه فلم يجده، وذكره ابن بطال مع الترجمة الآتية بعد ذَلِكَ، واعترض فقال: ترجم لذلك ولم يذكر فيه حديثًا؛ لجواز ذَلِكَ ولا منعه (١)، وتبعه ابن المنير فقال: وضعها ليذكر فيها حديثًا بالإجازة أو المنع، ثمَّ عرض لَهُ مانع من ذَلِكَ وبقيت الترجمة بلا حديث يطابقها (٢). قُلْتُ: وفي أفراد مسلم حديث علي قَالَ: نهاني رسول الله - ﷺ - عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد. وفي لفظ له: نهاني عن القراءة في الركوع والسجود. وفي لفظ: ولا أقول: نهاكم، وحديث ابن عباس قَالَ: نهيت أن أقرأ وأنا راكع (٣). واتفق فقهاء الأمصار عَلَى القول بهذا الحديث، وخالفه قوم من السلف فأجازوه. قَالَ عمرو بن ميمون: سمعت أخي سليمان بن ربيعة وهو ساجد وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. ما لو شاء رجل أن يذهب إلى أهله يتوضأ ثمَّ يجي وهو ساجد لفعل. وقال عطاء: رأيت عبيد بن عمير يقرأ وهو راكع. في المكتوبة. وأجازه الربيع بن خثيم وقال النخعي في الرجل ينسى الآية فيذكرها وهو راكع قال: يقرأ وهو راكع. وعندنا لو فعل ذَلِكَ كره ولم تبطل صلاته، وفي وجه: تبطل، ------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤١٥. (٢) «المتواري» ص ١٠٦. (٣) «صحيح مسلم» (٤٨٠) كتاب: الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركع والسجود. ولعل من أجازه لم يبلغه الحديث، أو بلغه فلم يصححه، ورأوا القراءة حسنة في كل حال، والخبر صح كما أسلفناه؛ فلا ينبغي القراءة في ركوعه وسجوده من أجله، وعلى هذا جماعة أئمة الأمصار. ١٢٤ - باب مَا يَقُولُ الإِمَامُ وَمَن خَلْفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ٧٩٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ». [انظر: ٧٨٥ - مسلم: ٣٩٢ - فتح: ٢/ ٢٨٢] ذكر فيه حديث ابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ». وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا رَكَعَ وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا. وقد اختلف العلماء فيما يقول الإمام ومن خلفه إِذَا رفع رأسه من الركوع، فذهبت طائفة إلى الأخذ بهذا الحديث، وقالوا: ينبغي للإمام أن يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، يجمعهما جميعًا، ثمَّ يقول المأموم: ربنا ولك الحمد، خاصة. وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن (١) وابن نافع صاحب مالك (٢)، قَالَ الحلواني الحنفي: كان شيخ شيخي يميل إليه. وقال الشافعي: يجمع بينهما كالإمام (٣). وقالت طائفة: يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، --------- (١) انظر: «الأصل» ١/ ٤، «المبسوط» ١/ ٢٠. وروي عن أبي حنيفة مثل قولهما. انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٠٩ - ٢١٠. (٢) انظر: «المنتقى» ١/ ١٦٤، وبه قال عيسى بن دينار من المالكية أيضًا. (٣) انظر: «الوسيط» ١/ ٢٢٨، «حلية العلماء» ٢/ ٩٨، «المجموع» ٣/ ٣٩١. وكذا المنفرد، وفي «المعرفة» للبيهقي: كان عطاء يقول: يجمعهما الإمام والمأموم أحب إلى (١). وبه قَالَ ابن سيرين وأبو بردة وأبو هريرة: دون الإمام، ويقول المأموم: ربنا ولك الحمد، وهو قول مالك والليث وأبي حنيفة. وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي والثوري والأوزاعي، وأحمد قَالَ: وبه أقول، وحكى غيره عن أحمد كالأول (٢). حجة الآخرين: قوله - ﷺ -: «إِذَا قَالَ الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد» أخرجه البخاري في الباب بعده (٣)، ومسلم أيضًا (٤). وحجة الأولين: حديث الباب وقد قَالَ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» والجواب عن حديثهم أن معناه: قولوا ذَلِكَ مع ما قد علمتموه من قوله: سمع الله لمن حمده، وإنما خص هذا بالذكر؛ لأنه - ﷺ - كان يجهر بالتسميع، فهم يعلمونه ولا يعرفون: ربنا لك الحمد؛ لأنه يسر به؛ فلذلك علمهم إياها، واحتج الثاني أيضًا فحمل الحديث عَلَى المنفرد، وإنما سقط: سمع الله لمن حمده للمأموم؛ لاختلاف حاله وحال الإمام في الصلاة، وأن الإمام مجيب للدعاء كما قسم الشارع الذكر بين العاطس والمشمت، كذا قسم هذا الذكر بين الإمام ------ (١) «معرفة السنن والآثار» ٣/ ١٢. (٢) «الأوسط» لابن المنذر ٣/ ١٦١ - ١٦٢، «المغني» ١/ ١٨٦، «المدونة» ١/ ٧٣، «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٣٨، «التمهيد» ٣/ ٨٥، «بداية المجتهد» ١/ ٢٩١، «بدائع الصنائع» ١/ ٢٠٩، «البناية» ٢/ ٢٦٢. (٣) حديث (٧٩٦). (٤) «صحيح مسلم» (٤٠٩) كتاب: الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين. والمأموم، وقول الإمام: سمع الله لمن حمده، استجابة لدعاء داع، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد عَلَى وجه المقابلة؛ لأنه لا حامد لَهُ غير المؤتم به في هذِه الحال فلا يشرك أحدهما صاحبه. وأجاب الأول بأنه لا دلالة فيه عَلَى اختصاص ذَلِكَ بالإمام، فالمنفرد مشارك لَهُ وهو إجماع، وفي الدارقطني -بإسناد ليس بذاك- من حديث بريدة، قَالَ لي النبي - ﷺ -: «يا بريدة، إِذَا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد» (١) ويجوز: «ربنا ولك الحمد» بالواو ودونها، «واللهم ربنا لك الحمد» كذلك (٢)، وكلها ثابت في «الصحيح»، قَالَ الشافعي في «الأم»: والإتيان بالواو في ربنا ولك الحمد أحب إلى (٣)، قُلْتُ؛ لأنها تجمع معنيين: الدعاء والاعتراف، أي: ربنا استجيب لنا، ولك الحمد عَلَى هدايتك إيانا. ومذهب أبي حنيفة حذف الواو من قوله: ولك الحمد. وفي «المحيط»: اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد أفضل لزيادة الثناء (٤)، وعن أبي حفص منهم: لا فرق بين قوله: لك، وبين قوله: ولك. ----------- (١) «سنن الدارقطني» ١/ ٣٣٩. قال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ٢/ ١١٧: سنده ضعيف. (٢) الحديث الآتي (٧٩٦). (٣) «الأم» ١/ ٩٧. (٤) «المحيط البرهاني» ٢/ ١١٨. ١٢٥ - باب فَضلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ ٧٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَى، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [٣٢٢٨ - مسلم: ٤٠٩ - فتح: ٢/ ٢٨٣] ذكر فيه حديث أَبِي صَالِحٍ ذكوان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبِهِ». هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي أيضًا (١)، وقد سلف الكلام عليه آنفا. ------------ (١) مسلم (٤٠٩)، أبو داود (٨٤٨)، الترمذي (٢٦٧)، النسائي ٢/ ١٩٦. قلت: وكذا ابن ماجه (٨٧٥). ١٢٦ - باب ٧٩٧ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ. [مسلم: ٦٧٦ - فتح: ٢/ ٢٨٤] ٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ. [١٠٠٤ - فتح: ٢/ ٢٨٤] ٧٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ». قَالَ: أَنَا. قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ». [فتح: ٢٨٤] كذا هذا الباب في الأصول وترجم عليه ابن أبي أحد عشر: باب التكبير إِذَا قام من السجود، ثمَّ ساق الأحاديث فيه، وذكر فيه ابن بطال في الباب قبله حديث أبي هريرة أولًا، ثمَّ قَالَ: قَالَ أبو هريرة: لأقربن، فذكره (١). وحاصل ما في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة: لأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي ------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤١٨ - ٤١٩. رَكْعَةِ الأخُرى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ العِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيلْعَنُ الكُفَّارَ. وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (١)، ولفظه: والله لأقربن بكم صلاة رسول الله - ﷺ -، فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء وصلاة الصبح ويدعو للمسلمين ويلعن الكفار، وفي طريق آخر سمى القبائل الملعونة. وفيه: أن القنوت كان في الصلوات المذكورة لأجل النازلة ثمَّ ترك في الظهر والعشاء. وقوله: (لأقربن): قيل: الوجه فيه: لأقرِبَن أو لأستقربن. أي: لأتبعن، كذا رأيته بخط الدمياطي عَلَى حاشية «الصحيح» بخطه، وفي «المطالع» زعم بعضهم أن صوابه: لأقتربن، بمعنى: لأتتبعن، وفيه تكلف لا يحتاج إليه. الحديث الثاني: حديث أبي قلابة عن أنس: كَانَ القُنُوتُ فِي المَغْرِبِ وَالْفَجْرِ. وأبو قلابة اسمه: عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وفي سنده إسماعيل، وهو: ابن علية، وشيخ البخاري: عبد الله بن أبي الأسود، وهو: عبد الله بن محمد بن حميد بن أبي الأسود بن الأسود أبو بكر البصري الحافظ قاضي همدان، ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي، -------- (١) «صحيح مسلم» (٦٧٦) كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، و«سنن أبي داود» (١٤٤٠) كتاب: الوتر، باب: القنوت في الصلاة، و«النسائي» ٢/ ٢٠٢ كتاب: التطبيق، باب: القنوت في صلاة الظهر. الإمام، روى عنه مع البخاري: أبو داود والترمذي، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (١)، وفقهه كما في الذي قبله، ويأتي أيضًا (٢). الحديث الثالث: حديث رفاعة بن رافع، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمَّا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الركوع قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ؟». قَالَ: أَنَا. قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاِثينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أيُّهُمْ يَكْتبهَا أَوَّلُ». وهو من أفراد البخاري، بل لم يخرج مسلم عن رفاعة في «صحيحه»، شيئًا ورفاعة بدري وأبوه نقيب بقي إلى إمرة معاوية. وفيه: ثواب التحميد لله تعالى والذكر له، وما عند الله أوسع وأكثر ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] وفيه دليل عَلَى جواز رفع المذكر صوته بالتكبير والتحميد في المساجد الكثيرة الجمع؛ ليسمع الناس، وليس ذَلِكَ بكلام تفسد به الصلاة، وكيف يفسدها رفع الصوت؟! أولم يرفع وهو مندوب إليه فيها، وكما لا يجوز لأحد أن يتكلم في الصلاة بكلام الناس، وإن لم يرفع صوته، فكذلك لا يضره رفع الصوت بالذكر، يدل عَلَى ذَلِكَ حديث -------- (١) وينسب إلى جده. قال أبو بكر الخطيب: سكن بغداد، وحدث بها، وكان حافظًا متقنًا، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وروى له الترمذي، قال ابن معين: لا بأس به. انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٨٩ (٥٩٤)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ١٥٩ (٧٣٣)، و«الثقات» ٨/ ٣٤٨، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٤٦ (٣٥٢٩). (٢) برقم (١٠٠٤). معاوية بن الحكم عن النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «إن صلاتنا هذِه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هو التهليل والتكبير وقراءة القرآن» (١) فأطلق أنواع الذكر في الصلاة، فلهذا قلنا إن المذكر إِذَا رفع صوته بـ: ربنا ولك الحمد، وسائر التكبير لا يضره، وقد خالف في ذَلِكَ بعض المتأخرين بلا دليل ولا برهان، وقد ترجم البخاري فيما سلف: من أسمع الناس تكبير الإمام. -------- (١) رواه «مسلم» (٥٣٧) كتاب: المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته. ١٢٧ - باب الاطْمَاْنِينَةِ حِيَن يَرْفَعُ رأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وقَالَ أَبُو حُمَيْدً رَفَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَاسْتَوى جَالِسًا، حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ. [انظر: ٨٢٨] ٨٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ، قَالَ: حَدّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَانَ يُصَلِّي وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ. [٨٢١ - مسلم: ٤٧٢ - فتح: ٢/ ٢٨٧] ٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنِ ابن أبي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُجُودُهُ، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [انظر: ٧٩٢ - مسلم: ٤٧١ - فتح: ٢/ ٢٨٨] ٨٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَتَ هُنَيَّةً، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي بُرَيْدٍ. وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ نَهَضَ. [انظر: ٦٧٧ - فتح: ٢/ ٢٨٨] وقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ رَفَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَاسْتَوى جَالِسًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ. هذا الحديث منقطع من حديث يأتي إن شاء الله تعالى مسندًا في باب: سنة الجلوس (١). والفقار: بفتح الفاء وكسرها: خرزات الصلب، وهي: مفاصله، الواحدة: فقارة، ويقال: اطمان طمأنينة وطمأنينا، والاطمأنينة: الواحدة كالضربة من الضرب. ------- (١) سيأتي برقم (٨٢٨) كتاب: الأذان. ثمَّ ذكر البخاري بعد ذَلِكَ ثلاثة أحاديث. أحدها: حديث ثابت: كَانَ أَنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَانَ يُصَلِّي، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ. وهو من أفراده، وإن كان مسلم أخرجه من وجه آخر (١)، وعند الإسماعيلي: فإذا قَالَ: سمع الله لمن حمده، يقوم حتَّى نقول: قد نسي، وعزاه المزي في «أطرافه» إلى البخاري من هذِه الطريق بهذا اللفظ، والموجود ما قدمته، وكذا ذكره أصحاب الأطراف، وأبو نعيم في «مستخرجه». ثانيها: حديث البراء: قَدْ مضى في باب: حد إتمام الركوع (٢)، والبخاري رواه هنا عن أبي الوليد عن شعبة، وفيما مضى: عن بدل بن المحبر، عن شعبة، وأسقط المزي الحافظ (٣) شيخنا أبا الوليد، وأبدل بدله سليمان بن حرب (٤)، ولم نره، وكأنه انتقال منه، فالبخاري ذكر حديث مالك بن الحويرث، عن سليمان بن حرب. فاعلمه. -------- (١) «صحيح مسلم» (٤٧٢) كتاب: الصلاة، باب: اعتدال أركان الصلاة، وتخفيفها في تمام. (٢) رقم (٧٩٢) كتاب: الأذان. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال شيخنا: المصنف أجاز (…) المزي فكان النهي سنة إحدى وأربعين. (٤) «تحفة الأشراف» ٢/ ٢٦ (١٧٨١). ونبه على ذلك أيضًا الحافظ في «النكت الظراف» ٢/ ٢٦، وقال: ذكره خلف على الصواب. ثالثها: حديث أبي قلابة قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ يُرِينَا … الحديث، وقد سلف في مواضع (١)، ولفظه هنا: ثمَّ رفع رأسه فأنصب هنية. قَالَ ابن التين: ضبطه بعضهم بوصل الألف وتشديد الباء، وبعضهم بقطعها وفتحها وتخفيف الباء من الإنصات، وهو: السكوت، قَالَ: والأول الوجه عندي. وقوله: (صلاة شيخنا هذا أبي بريد، وكان أبو بريد) إلى آخره، هو بضم الباء الموحدة، عمرو بن سلمة -بكسر اللام- الجرمي، لَهُ إدراك، ووقع في «شرح ابن بطال»: بريدة بالهاء (٢)، وهو غلط، وصوابه بحذفها كما ذكره بعد، وقال في «المطالع» للكافة: في البخاري بالزاي إلا الحموي فبالراء (٣)، وكذا ذكره مسلم في «الكنى»، وذكره ابن ماكولا فيهما (٤). إِذَا تقرر ذَلِكَ: فهذِه الصفة في الصلاة حسنة لمن أكثر بها في حاجة نفسه، غير أن فعل أنس ومالك بن الحويرث، ونعتهما صلاة رسول الله - ﷺ - بهذِه الصفة يدل أنهم كانوا لا يبالغون في الطمأنينة في الرفع من الركوع ولا بين السجود، مثل ما ذكر في الحديث عن الشارع، فأراهما ذَلِكَ ولم يقولا لهم: إن صلاتكم هذِه التي تقصرون فيها عن -------- (١) سبق برقم (٦٧٧) كتاب: الأذان، باب: من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النبي وسنته. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٢٠. (٣) انظر: «مشارق الأنوار» ١/ ١١١ حيث نقل القاضي عياض الخلاف في اسمه، وبدأ كلامه بأنه: أبو يزيد، ثم قال: كذا الجميع الرواة إلا الحموي فعنده: أبو بريد. (٤) «الإكمال» ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩. بلوغ هذا الحد من الطمأنينة لا تجوز، وإن كانت هذِه الصفة أفضل لمن قدر عليها، وقد قَالَ أبو أيوب في باب: المكث بين السجدتين، بعد هذا: وقد كان أبو بريد يفعل شيئًا لم أرهم يفعلونه (١)، وكذا قَالَ ثابت عن أنس في ذَلِكَ الباب: إنه كان يصنع شيئا لم أركم تصنعونه، كان إِذَا رفع رأسه من الركوع قام حتَّى يقول القائل: قد نسي (٢). وبين السجدتين كذلك، فدل أن الذي كانوا يصنعونه في ذَلِكَ من خلاف هذِه الآثار جائز أيضًا؛ إذ لا يجوز أن يتفق الصحابة عَلَى صفة من الصلاة إلا وهي جائزة، هذا هو المفهوم من هذِه الآثار، وقد ترجم البخاري أيضًا لحديث أنس والبراء ومالك بن الحويرث: المكث بين السجدتين، كما ستعلمه. ----------- (١) سيأتي برقم (٨١٨) كتاب: الأذان. (٢) سيأتي رقم (٨٢٠) كتاب: الأذان. ١٢٨ - باب يَهْوِي بِالتَّكْبِيِر حِيَن يَسْجُدُ وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابن عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. ٨٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ. حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَقُولُ: حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. [انظر: ٧٨٥ - مسلم: ٣٩٢ - فتح: ٢/ ٢٩٠] ٨٠٤ - قَالا: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ». وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ. [١٠٠٦، ٢٩٣٢، ٣٣٨٦، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠ - مسلم: ٦٧٥ - فتح: ٢/ ٢٩٠] ٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَقَطَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ فَرَسٍ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ فَرَسٍ- فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْنَا -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: صَلَّيْنَا قُعُودًا- فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا». قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لَقَدْ حَفِظَ، كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَلَكَ الْحَمْدُ». حَفِظْتُ: مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ. فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ -وَأَنَا عِنْدَهُ-: فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ. [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٢/ ٢٩٠] (وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبيته): هذا التعليق رواه الحاكم من حديث محرز بن سلمة، عن عبد العزيز، عن عبيد الله، عن نافع، عنه به وقال: كان النبي - ﷺ - يفعل ذَلِكَ ثمَّ قَالَ: صحيح عَلَى شرط مسلم ولم يخرجاه، وله معارض من حديث أنس ووائل بن حجر (١). وقال الحازمي: هذا الحديث يعد من مفاريد عبد العزيز عن عبيد الله. وقال البيهقي: رواه ابن وهب وأصبغ عن عبد العزيز قَالَ: والمشهور عن ابن عمر. ثم ساق بإسناده إلى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قَالَ: إِذَا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه (٢). وبإسناده إلى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رفعه: «إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه وإذا رفعه فليرفعهما». وهذا الأخير خرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٣). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ثمَّ قَالَ ابن خزيمة: ذكر الدليل عَلَى أن الأمر بوضع اليدين عند السجود منسوخ، وأن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ. ثمَّ ساق حديثًا عن سعد قَالَ: كنا نضع ---------- (١) «المستدرك» ١/ ٢٢٦: الصلاة. (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ١٠١ كتاب: الصلاة، باب: من قال: يضع يديه قبل ركبتيه. (٣) «السنن الكبرى» ٢/ ١٠١، «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٢٠ (٦٣٠) كتاب: الصلاة، باب: وضع اليدين على الأرض في السجود. اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين (١). وأعله البيهقي وغيره (٢). وعند الشافعي أن الأفضل أن يضع ركبتيه ثمَّ يديه (٣). وبه قَالَ أحمد وأصحاب الرأي وأكثر العلماء (٤)، كما نقله الترمذي وغيره. وقال مالك: يقدم يديه عَلَى ركبتيه. وهو رواية عن أحمد، وبه قَالَ الأوزاعي والحسن وابن حزم (٥)، وفيه حديث عن أبي هريرة رواه أبو داود والترمذي والنسائي، واستغربه الترمذي، وأعله البخاري والدارقطني (٦). ---------------- (١) «المستدرك» ١/ ٢٢٦. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣١٩ (٦٢٨). (٣) «السنن الكبرى» ٢/ ١٠٠. (٤) «الأم» ١/ ٩٨، «البيان» ٢/ ٢١٥، «المجموع» ٣/ ٣٩٦. «سنن الترمذي» ٢/ ٥٧ عقب الرواية (٢٦٨)، انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢١١، «المبسوط» ١/ ٣١، ٣٢، «بدائع الصنائع» ١/ ٢١٠، «المغني» ٢/ ١٩٣، «شرح الزركشي» ١/ ٣١٠، «المبدع» ١/ ٤٥٢. (٥) انظر: «المحلى» ٤/ ١٢٨ - ١٣٠، «المغني» ٢/ ١٩٣، «المبدع» ١/ ٤٥٢، «الممتع» ١/ ٤٣٥. (٦) رواه أبو داود (٨٤٠)، والنسائي ٢/ ٢٠٧ من طريق عبد العزيز بن محمد، كما رواه أبو داود (٨٤١)، والترمذي (٢٦٩)، والنسائي ٢/ ٢٠٧ من طريق عبد الله بن نافع، كلاهما -عبد العزيز وعبد الله- عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه». وأعله البخاري بمحمد بن عبد الله بن الحسن، فذكر الحديث ثم قال: لا يتابع عليه، ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟ «التاريخ الكبير» ١/ ١٣٩ (٤١٨)، وضعفه كذلك ابن العربي في «العارضة» ٢/ ٦٩. بينما صححه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام» ١/ ٣٩٩، وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٣٩٦، «الخلاصة» (١٢٤٨): إسناده جيد. اهـ. = ![]()
__________________
|
|
#189
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 187 الى صـــ 206 الحلقة (189) وعن مالك رواية أيضًا أنه يقدم أيهما شاء (١). وعنه كالشافعي (٢)، وقال قتادة: يصنع أهون ذَلِكَ عليه، وتوقف النووي في ذَلِكَ فقال (٣): لا يظهر لي الآن ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة (٤). قَالَ الشافعي في «الأم»: فإن خالف الترتيب المذكور كرهته ولا إعادة عليه (٥). قال الطحاوي: اتفقوا أنه يضع رأسه بعد يديه وركبتيه، ثمَّ يرفعه قبلهما، ثم كانت اليدان متقدمتين في الرفع، فوجب أن يكونا مؤخرتين في الوضع (٦). وذكر البخاري أيضًا في الباب حديثين آخرين: -------------- = وكذا المباركفوري في «تحفة الأحوذي»: ٢/ ١٢٠، والألباني في «الإرواء»: ٢/ ٧٨، وفي «صحيح أبي داود» (٧٨٩). (١) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١٣٣. (٢) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٦، «الذخيرة» ٢/ ١٩٥، «الخرشي» ١/ ٢٨٧. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال النووي في «المهذب». (٤) «المجموع» ٣١/ ٣٩٥. (٥) «الأم» ١/ ٩٨. (٦) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٥٦. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى» ١/ ٩٠ - ٩١: أما الصلاة بكليهما فجائزة باتفاق العلماء، إن شاء المصلي يضع ركبتيه قبل يديه، وإن شاء وضع يديه قبل ركبتيه وصلاته صحيحة في الحالتين باتفاق العلماء ولكن تنازعوا في الافضل فقيل: الأول كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وقيل: الثاني كما هو مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى وقد روي بكل منهما حديث في السنن عن النبي - ﷺ - ففي السنن عنه: أنه كان إذا صلى وضع ركبتيه ثم يديه وإذا رفع رفع يديه ثم ركبتيه وفي «سنن أبي داود» وغيره أنه قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك الجمل ولكن يضع يديه ثم ركبتبه» وقد روي ضد ذلك، وقيل: أنه منسوخ والله أعلم. اهـ. أحدهما: حديث أبي هريرة أَنه كَانَ يُكَبَّرُ فِي كُلِّ صَلَاةِ مِنَ المَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا. الحديث الثاني: حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسٍ: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ .. الحديث. وقد سلفا فيما مضى (١)، وعزاه شيخنا المزي (٢) في «أطرافه» إلى النسائي، (وأنه رواه عن هشام بن عمار عن ابن عيينة، وهذا ينبغي أن يعلم أنه سند ابن ماجه) (٣). وقد سلف معنى هذا الباب: في باب إتمام التكبير في الركوع (٤)، ولا خلاف فيه بين الفقهاء إلا في تكبير القيام من اثنتين، وسيأتي ذَلِكَ في باب: يكبر وهو ينهض بين السجدتين (٥). --------------- (١) حديث أبي هريرة سلف برقم (٧٨٥)، وحديث أنس سلف برقم (٣٧٨). (٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: هو شيخه، بمعنى أنه أجازه من دمشق. (٣) كذا في الأصل، وهو خلاف في «التحفة»؛ فإن المزي -رحمه الله- لما طرَّفه في «التحفة» (١٤٨٥) عزاه للنسائي من وراية هناد بن السري، وعزاه لابن ماجه من رواية هشام بن عمار كلاهما عن ابن عيينة!! قلت: وحديث هناد عند النسائي ٢/ ٨٣، ١٩٥ - ١٩٦، وحديث هشام عند ابن ماجه برقم (١٢٣٨) (٤) راجع شرح حديث (٧٨٤، ٧٨٥). (٥) سيأتي برقم (٨٢٥، ٨٢٦). ١٢٩ - باب فَضْلِ السُّجُودِ ٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَى جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلاَّ الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ "فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: ٨٠٦ لَا وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي اللهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِى رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْنِى أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللهُ -عز وجل- مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللهُ -عز وجل-: تَمَنَّ كَذَا وَكَذَا. أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهما: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلاَّ قَوْلَهُ: «لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». [٦٥٧٣، ٧٤٣٧ - مسلم: ٤٩٥ - فتح: ٢/ ٢٩٤] ذكر فيه حديث أبي هريرة في الرؤية بطوله وفيه: «وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ» وفي آخره: «لك ذلك وعشرة أمثاله». وهو حديث عظيم يأتي في (الجنة) (١) والتفسير (٢)، أخرجه مسلم ------------ (١) كلمة غير واضحة في الأصل، ولعل المثبت هو الصواب؛ فالحديث يأتي في أبواب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق. (٢) سيأتي برقم (٤٥٨١) باب: قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] من = أيضًا مطولًا، وفيه: قَالَ أبو هريرة: «وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة» -وهو في الرواية هنا-. وفيه: «فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» وقال قبله: «في صورة غير صورته التي يعرفون» (١) وكذا ذكره البخاري في كتاب: الرقاق، وذكر مرة الإتيان مرتين -كما أخرجه مسلم- وذكره مرة ثلاثًا، وأخرجاه من حديث ابن مسعود أيضًا مطولًا: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة» فذكراه (٢)، وفي (الرواة عن مالك للدارقطني) (٣) من حديث ابن عمر أن اسم هذا الرجل: جهينة، من جهينة: «فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين سلوه: هل بقي من الخلائق أحدٌ؟» (٤). وقال السهيلي: اسمه هناد. وفي «الحلية» لأبي نعيم من حديث ليث عن مجاهد عن أبي هريرة يرفعه: «يخرج أهل الكبائر من النار إلا رجلًا ------------ = حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث أبي هريرة يأتي برقم (٦٥٧٣) كتاب: الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم. وبرقم (٧٤٣٧) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾. (١)»صحيح مسلم«(١٨٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية. (٢) سيأتي برقم (٦٥٧١) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، ومسلم (١٨٦) كتاب: الإيمان، باب: آخر أهل الجنة خروجًا. (٣) كذا في الأصل، ولعل صوابه:»الرواة عن مالك«للخطيب،»غرائب مالك«للدارقطني فهكذا العزو في مصادر التخريج كما سيأتي، فضلًا عن أنه هكذا ضبط اسمي مصنف الخطيب، ومصنف الدارقطني. انظر:»الرسالة المستطرفة«ص ٨٤. (٤) رواه الدارقطني في»غرائب مالك«كما في»لسان الميزان«٢/ ١٦٤ (١٩١٠)،»كنز العمال«(٣٩٤٣٣)، وكذا رواه الخطيب في»رواة مالك«، كما. في»الكنز«أيضًا وقال الدارقطني: هذا الحديث باطل. اهـ. وكذا أشار لضعفه الحافظ في»الفتح«١١/ ٤٥٩، وقال الألباني في»الضعيفة" (٣٧٧): موضوع. يمكث ألف سنة ينادي: يا حنّان يا منّان. فيبعث الله إليه ملكًا فيخوض في النار في طلبه سبعين عامًا لا يقدر عليه حتَّى يدله عليه رب العزة -عز وجل-» (١). إذا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: «تمارون» قد سلف في باب فضل صلاة العصر (٢) أن معناها: تجادلون، أي: لا يدخلكم شك، وهو مخفف الراء من المرية وهو الشك. قَالَ الخطابي: وأصله: يتمارون، وليس هو من المراء (٣)، قَالَ ابن التين: والذي ضبط في هذا الموضع بضم التاء وهو خلاف قول الخطابي: أصله: يتمارون وهي رواية الأصيلي بالفتح. ثانيها: «الطواغيت»: جمع طاغوت، وهو ما عبد من دون الله، يقع عَلَى الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وزنه فعلوت وإنما هو طغيوت، قدمت الياء عَلَى الغين وهي مفتوحة وقبلها فتحة قلبت ألفًا. قاله ابن سيده (٤). ونص الحديث فرق بينه وبين من عبد الشمس ومن عبد القمر، وقال ------------ (١) لم أقف عليه في «الحلية» هكذا، والذي فيها إنما هو من قول سعيد بن جبير، بنحوه انظر: «الحلية» ٤/ ٢٨٥، بينما حديث أبي هريرة قد رواه الحكيم الترمذي في «النوادر» ص ١٣٩ الأصل الثاني والمائة، وهكذا لما أورده صاحب «الكنز» (٣٩٥٤٩) عزاه للحكيم فقط! (٢) رقم (٥٥٤) كتاب: مواقيت الصلاة. (٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥٢٣. (٤) «المحكم» ٦/ ٨. القزاز: هو: فاعول من طاغوت، وأصله: طاغو فحذفوا وجعلوا التاء كأنها عوض من المحذوف فقالوا: طاغوت. وإنما جاز فيه التذكير والتأنيث؛ لأن العرب تسمي الكاهن والكاهنة طاغوتا. وفي ديوان الأدب: تاؤه غير أصلية. وسئل الشارع فيما رواه جابر عنه، عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد (١). وقيل الطاغوت: الشيطان. وقيل: كل معبود من حجرٍ أو غيره فهو جبت وطاغوت، وفي «الغريبين» الطاغوت: الصنم، وقال الجوهري: هو كل رأس في الضلال (٢) وفي العبث، هو الشيطان أو ما زين لهم أن يعبدوه (٣). وقيل: إنه الساحر. وقيل: الكاهن. وقيل: مردة أهل الكتاب. ثالثها: قوله: («وتبقى هذِه الأمة فيها منافقوها») يدل عَلَى أن المنافقين يتبعون محمدًا - ﷺ - لما انكشف لهم من الحقيقة رجاءً منهم أن ينتفعوا بذلك، ويلتزموا الرياء في الآخرة ما التزموه في الدنيا حتَّى تبينهم الغرة والتحجيل من أثر الوضوء عند الحوض، فيتبين حينئذ المنافق إذ لا غرة له ولا تحجيل، ويؤخذ منهم ذات الشمال في جملة من ارتد بعده - ﷺ -، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: «سحقًا سحقًا» (٤) فظنوا أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم كما في الدنيا جهلًا منهم، فاختلطوا بهم أو حشروا معهم لما كانوا يظهرونه من ------------ (١) سيأتي معلقًا قبل حديث (٤٥٨٣). (٢) «الصحاح» ٦/ ٢٤١٣. (٣) «المجموع المغيث» ٢/ ٣٥٧. (٤) سيأتي برقم (٦٥٨٤ - ٦٥٨٥). الإِسلام، فحفظ ذَلِكَ عليهم حتَّى ميز الله بين الخبيث والطيب، أو إنه لما قيل: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد. والمنافقون لم يعبدوا شيئًا فبقوا هناك حيارى حتَّى ميزوا. رابعها: قوله: «فيأتيهم الله» الإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤية الله -عز وجل-، لأن الحركة والانتقال لا تجوز عَلَى الله تعالى؛ لأنها صفات الأجسام المتناهية، والله تعالى لا يوصف بشيء من ذَلِكَ (١)، فلم يبق من معنى الإتيان إلا ظهوره -عز وجل- إلى الأبصار، ------------- (١) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: وقد قال الجد أبو عبد الله في تفسيره: أما الإتيان المنسوب إلى الله فلا يختلف قول أئمة السلف، كمكحول والزهري، والأوزاعي، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث ابن سعد، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وأتباعهم، أنه يمر كما جاء. وكذلك ما شاكل ذلك مما جاء في القرآن، أو وردت به السنة كأحاديث النزول ونحوها، وهي طريقة السلامة، ومنهج أهل السنة والجماعة: يؤمنون بظاهرها، ويكلون علمها إلى الله، ويعتقدون أن الله منزه عن سمات الحدث. على ذلك مضت الأئمة خلفًا بعد سلف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. وقال ابن السائب في قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ هذا من المكتوم الذي لا يفسر. وقال أيضًا: أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله، فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة ومن له عقل؛ فإن الصفات والأفعال تتبع الذات المتصفة الفاعلة، فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها. ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته، ولا ريب أنه العلي الأعلى الأعظم، فهو أعلى من كل شيء، وأعظم من كل شيء، فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع. = لم تكن تراه ولا تدركه، والعادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان، فعبر به عن الرؤية مجازًا، ولا شك أن ما كان عليه السلف من التسليم أسلم، لكن مع القطع بأن الظواهر المذكورة يستحيل حملها على ظواهرها لما يعارضها من ظواهر أخر، والمتأول أولها عَلَى ما يليق بها عَلَى حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان عارفا بلسان العرب، وقواعد الأصول والفروع. ----------- = وأما لفظ الزوال والانتقال فهذا اللفظ مجمل، ولهذا كان أهل الحديث والسنة فيه على أقوال. فعثمان بن سعيد الدرامي وغيره أنكروا على الجهمية قولهم: إنه لا يتحرك، وذكروا أثرًا أنه لا يزول، وفسروا الزوال بالحركة. فبين عثمان بن سعيد أن ذلك الأثر إن كان صحيحًا لم يكن حجة لهم؛ لأنه في تفسير قوله ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكروا عن ثابت: دائم باق لا يزول عما يستحقه، كما قال ابن إسحاق: لا يزول عن مكانته. وقال أيضًا: والكلبي بنفسه الذي روى هذا الحديث هو يقول: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: استقر، ويقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: صعد إلى السماء، وأما الانتقال فابن حامد وطائفة يقولون: ينزل بحركة وانتقال. وآخرون من أهل السنة، كالتميمي من أصحاب أحمد، أنكروا هذا وقالوا: بل ينزل بلا حركة وانتقال. وطائفة ثالثة، كابن بطة وغيره يقفون في هذا، وقد ذكر الأقوال الثلاثة القاضي أبو يعلق في كتاب «اختلاف الروايتين والوجهين» ونفي اللفظ بمجمله، والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه. وهو أن يثبت النزول. والإتيان، والمجئ، وينفي المثل، والسمي والكفؤ، والند. «مجموع الفتاوى» ١٦/ ٤٢٩، ٤٢٢ - ٤٢٤. وقال أيضًا: والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد الكتاب والسنة من أنه يأتي وينزل، وغير ذلك من الأفعال اللازمة: قال أبو عمرو الطلمنكي: أجمعوا -يعني: أهل السنة والجماعة- على أن الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفًا لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء. قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾. «مجموع الفتاوى» ٥/ ٥٧٧ - ٥٧٨. وزعم القاضي عياض أن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانًا. قَالَ: والأشبه أن المراد يأتيهم بعض الملائكة، ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدث الظاهرة عليه، أو يكون معناه: يأتيهم في صورة لا تشبه صفات الإلهية؛ ليختبرهم وهو آخر امتحان المؤمنين، فإذا قَالَ لهم هذا الملك أو هذِه الصورة: أنا ربكم. رأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم فيستعيذون بالله منه (١). وقال القرطبي: هذا مقام هائل يمتحن الله فيه عباده؛ ليميز المحق من المبطل، وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراءون متلبسين بالمؤمنين المخلصين زاعمين أنهم منهم، امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع: أنا ربكم. فأجاب المؤمنون بإنكار ذَلِكَ لما سبق لهم من المعرفة به تعالى، وأنه منزه عن صفات هذِه الصورة؛ إذ سماتها سمات الحدث؛ فلذلك قالوا في حديث أبي سعيد: نعوذ بالله منك، لا نشرك باللهِ شيئًا. مرتين أو ثلاثًا، حتَّى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب، وهذا البعض الذي هم بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين، ولعل هذِه الطائفة هي التي اعتقدت الحق من غير بصيرة، فلذلك كان اعتقادهم قابلًا للانقلاب. ثمَّ يقال بعد هذا للمؤمنين: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، أي: يوضح الحق ويتجلى لهم الأمر، فيروه حقيقة معاينة -وكشف الساق مثل يستعمله العرب في الأمر إِذَا حق ووضح- وعند هذا يسجد الجميع، فمن كان مخلصًا في الدنيا صح لَهُ سجوده عَلَى نهايته ------------- (١) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ٥٤٥ - ٥٤٦. وكماله، ومن كان مناففا أو مرائيًا عاد ظهره طبقة واحدة كلما رام السجود خر عَلَى قفاه، فعلى هذا تكون الصورة التي لا يعرفونها مخلوقة، والفاء التي دخلت عليها بمعنى الباء ويكون معنى الكلام أن الله تعالى يجيئهم بصورة. كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، ويكون معنى الإتيان هنا: يحضر لهم تلك الصورة. وأما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلى لهم الحق فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات، وهذا الوصف الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا، وهو المعبر عنه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] ولهذا قالوا: إِذَا جاء ربنا عرفناه. فقيل لهم في الحديث: وكيف تعرفونه؟ قالوا: إنه لا شبيه له ولا نظير وقد جاء مرفوعًا في كتاب «التصديق بالنظر إلى الله تعالى» للآجري من حديث أبي موسى كذلك، ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة والمجيء والإتيان المضاف إلى الرب ﷻ. ثانيا: هو عبارة عن تجليه لهم فكأنه كان بعيدًا فقرب أو غائبًا فحضر، وكل ذَلِكَ خطاب عَلَى وجه الاستعارة، جار عَلَى المتعارف من توسعات العرب، فإنهم يسمون الشيء باسم الشيء إِذَا جاوره أو قاربه، والتحول المنسوب إليه تعالى في رواية أخرى في الصحيح عبارة عن إزالة تلك الصورة الأولى المتعوذ منها، فيكون قوله: «تحول» (١) حالًا متقدمة قبل سجودهم؛ بمعنى: وقد كان تحوّل. أي: حول تلك الصورة وأزالها وتجلى هو بنفسه، فيكون المراد بهذا ----------- (١) رواه مسلم (١٨٣/ ٣٠٢). الكلام: أنه تعالى لما تجلى لعباده المؤمنين أول مرة رأوه فيها، لم يزل كذلك، لكنهم انصرفوا عن رؤيته عند سجودهم، ثمَّ لما فرغوا منه عادوا إلى رؤيته مرةً ثانية (١). والخطابي قَالَ: الإتيان هنا: كشف الحجاب لهم (٢) وقد مر. والصورة إما بمعنى: الصفة، كقولنا: صورة هذا الأمر كذا وكذا. إذ المذكور من المعبودات صور فخرج الكلام عَلَى نوع من المطابقة. وقوله: («في أدنى صورة») يدل عَلَى أن المراد بالصورة: الصفة كما مر؛ لأنهم ما رأوه قبلها، فعلم أن المراد الصفة التي عرفوه بها. وقوله: («نعوذ بالله منك») هو قول المنافقين وإن كان اللفظ عامًّا، والرؤية هنا تكون بمعنى: العلم. قَالَ الله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] أي: علمنا، وعند أبي الفرج بن الجوزي: يأتيهم بأهوال القيامة وصور الملائكة وما لم يعهدوا مثله في الدنيا فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إِذَا جاء ربنا. أي: أتانا بما نعرفه من لطفه، وهي الصورة التي يعرفون. فيكشف عن ساق أي: عن شدةٍ. كأنه يرفع تلك الشدائد فيسجدون شكرًا (٣). ----------- (١) «المفهم» ١/ ٤١٦ - ٤١٨. (٢) «أعلام المحدثين» ١/ ٥٢٥. (٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، ما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد -إلى ساعتي هذِه- عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه = وقال الكلاباذي: يجوز أن يكون المعنى: أنهم عرفوا الله في الدنيا بقلوبهم من غير كيفية ولا تشبيه بتعريفهم لَهُ باسم نفسه، لا أنهم عرفوه بصفاتهم من حيث هم، ولكنهم عرفوه بأنه أحدث فيهم لطائف عرفهم بها نفسه، يدل عَلَى هذا ما رواه ابن مسعود: فيقولون: سبحانه إِذَا اعترف لنا عرفناه (١). قَالَ: وكشف الساق: زوال الخوف عنهم والهول الذي غيَّبَهم عن كثير من حالهم كما غابوا عن رؤية عوراتهم إذ هم عراة (٢). ------------ = إلا الله. وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كبير. وتمام هذا أنى لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فروى عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، إن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين. ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذِه من الصفات فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر. «مجموع الفتاوى» ٦/ ٣٩٤ - ٣٩٥. (١) قطعة من حديث طويل، رواه العقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٣١٤ - ٣١٦ (٩٠٠)، و٤/ ٤٩٦ - ٤٩٨ كلهم من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله موقوفًا. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. اهـ. بينما أعلم الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٣٣٠، قلت: في الإسناد: أبو الزعراء وهو عبد الله بن هانئ. قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال العقيلي: سمع ابن مسعود، وفيه كلام ليس في حديث الناس. ثم ساق له الحديث بطوله. بينما قد وثقه العجلي وابن حبان. انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٦/ ٢٤٠ (٣٦٢٧). هذا وقد صحت هذِه القطعة عند ابن حبان وغيره في حديث طويل -بنحو حديث الباب- عن أبي هريرة مرفوعًا. «صحيح ابن حبان» ١٦/ ٤٧٨ - ٤٨٠ (٧٤٤٥). (٢) «بحرالفوائد» للكلاباذي ص ٦٠٦ (رسالة ماجستير). خامسها: الصراط: يأتي في ذكر البعث إن شاء الله تعالى. وقوله: («بين ظهراني جهنم»). كذا للعذري، ولغيره: «ظهري» قَالَ ابن الجوزي: أي على وسطها. يقال: نزلت بين ظهريهم وظهرانيهم بفتح النون أي: في وسطهم متمكنا بينهم لا في أطرافهم. سادسها: قوله: («فأكون أول من يجيز بأمته») وهو. بضم الياء، أي: أول من يمضي عليه ويقطعه. قَالَ: أجزت الوادي وجزته لغتان بمعنى. وقال الأصمعي: أجزته: قطعته. وجزته: مشيت عليه. ومعنى الرباعي: لا يجوز أحد عليه حتَّى يجوز هو وأمته، فكأنه يجيز الناس. وقوله: («ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل») أي: في حال الإجازة وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس وتجادل كل نفس عن نفسها، ويسأل بعضهم بعضًا ويتلاومون، وبخاصم التابعون المتبوعين. سابعها: الكلاليب: جمع كَلُّوب -بفتح الكاف وضم اللام المشددة- حديدة معطوفة كالخطاف (١). والسعدان: نبت معروف. وقوله: («لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله») قَالَ القرطبي: قيدناه عن بعض مشايخنا بضم الراء على أن يكون أسبقها «ما» خبرًا مقدمًا و«قدر» مبتدأ، وبنصبها عَلَى أن تكون «ما» زائدة و«قدر» مفعول (٢). ------------ (١) «الصحاح» ١/ ٢١٤، «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٩٥، «لسان العرب» ٧/ ٣٩١٢. (٢) «المفهم» ١/ ٤٢٠. وتخطف -بكسر الطاء وفتحها والفتح أفصح-: وقرئ بالكسر وهو الأخذ بسرعة واستلاب. ومعنى الحديث: تأخذهم الكلاليب وتستلبهم بسرعه عَلَى قدر ذنوبهم. وقوله: («يوبق») قَالَ في «المطالع»: هو بياء موحدة عند العذري ومعناه: المهلك. وللطبري بثاء مثلثة من الوثاق. ثامنها: قوله: («يخردل») هو بالخاء المعجمة ودال مهملة. وقال يعقوب: بذال معجمة. قَالَ صاحب «المطالع»: كذا هو لكافة الرواة (١)، وهو الصواب إلا الأصيلي فإنه ذكره بالجيم (٢) ومعناه: الإشراف عَلَى السقوط والهلاك، وسبقه إلى ذَلِكَ عياض أجمع، من خردلت اللحم -بالمهملة والمعجمة- إِذَا قطعته قطعًا صغارًا، ومعناه: يقطعهم بالكلاليب (٣). وقيل بل المعنى: إنا نقطعهم عن لحوقهم بالناجين، وهذا بعيد. وقيل المخردل: المصروع المطروح. قاله الخليل، والأول أعرف وأظهر لقوله في الكلاليب: «تخطف الناس بأعمالهم». وفي حديث آخر: «فناج مسلم ومخدوش» (٤) وأما جردلت -بالجيم- فقيل: هو الإشراف عَلَى السقوط. وعن الأصيلي مجزذل بالجيم والزاي وذال بعدها، وهو وهم عليه. ورواه بقية رواة مسلم سوى السجزي. ------------- (١) جاء في هامش الأصل: يعني بالمهملة. (٢) ورد في هامش الأصل: يعني في كتاب الرقائق. (٣) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ٥٥١. (٤) سيأتي برقم (٧٤٣٩) كتاب: التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾. المجازى: من الجزاء والأول أصح، والخلاف أيضًا في البخاري بالخاء والجيم وجاء فيه في كتاب التوحيد: أو المجازى (١). عَلَى الشك، وقال ابن سيده: خردل اللحم قطع أعضاءه وافرة، وقيل: قطعه وفرقه (٢). وفي «الصحاح»: خردل اللحم، أي: قطعه صغارًا (٣). تاسعها: قوله: («وحرم الله عَلَى النار أن تأكل آثار السجود») هو موضع الترجمة، وهو دال عَلَى أن الصلاة أفضل الأعمال؛ لما فيها من الركوع والسجود، وقد صح أنه - ﷺ - قَالَ: «اعلمو اأن خير أعمالكم الصلاة» (٤) وصح أيضًا أنه قَالَ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (٥) وقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ولعن الله إبليس؛ لإبائه عن السجود لعنة أبلسه بها وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة. وقال ثوبان لرسول الله - ﷺ -: دلني عَلَى عمل أكون به معك في الجنة. ----------- (١) يأتي برقم (٧٤٣٧). (٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال بن سيده في «المحكم»: خرذل اللحم: قطعة وفرقه ذكره في الخاء المعجمة والراء والذال المعجمة أيضًا، وذكر في أكثر من ..... قال خردل اللحم قطع أعضاءه وافرة، وقيل: خردل اللحم قطعة ومزقه الذال فيه لغة يعني الإعجام. والله أعلم. قلت -المحقق-: انظر «المحكم» ٥/ ٢٠٦ مادة: (خد)، ٥/ ٢٠٨، مادة (خذ). (٣) «الصحاح» ٤/ ١٦٨٤. (٤) رواه ابن ماجه (٢٧٧)، وابن حبان ٣/ ٣١١ (١٠٣٧)، والحاكم ١/ ١٣٠ - وصححه على شرط الشيخين- والبيهقي ١/ ٨٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٣١٨ من حديث ثوبان. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأبي أمامة وجابر بن ربيعة، وصححه الألباني في «الإرواء» (٤١٢). (٥) رواه مسلم (٤٨٢) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود. قَالَ: «أكثر من السجود» (١) وقيل في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] هو أثر السهر والصفرة التي تعلو الوجه من التعب أو الصلاة والخشوع والوقار، أو ما تعلق من التراب بموضع السجود وندى الطهور، أو تبدو صلاتهم في وجوههم يوم القيامة، فإن مواضع السجود أشد بياضًا يوم القيامة، أو السمت الحسن في الدنيا، أو سيما الإسلام وسمته وتواضعه، أقوال. عاشرها: آثار السجود يعم أعضاءه السبعة. قَالَ عياض: والمراد الجبهة خاصة. وكأنه اعتمد عَلَى ما في مسلم: «إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم» (٢). وقد يجاب بأنه أراد المرء أو قومًا مخصوصين بأعيانهم، إما لأنهم أخلصوا في غسل وجوههم فقط ولم يخلصوا، أو لأمر آخر. الحادي عشر: قوله: («امتحشوا») هو بتاء مثناة وحاء وشين معجمة، ذكره القاضي عياض عن متقني شيوخه، قَالَ: وهو وجه الكلام (٣)، وبه ضبطه الخطابي (٤) وغيره، ومعناه: احترقوا. قَالَ: ورواه بعض شيوخنا بضم التاء وكسر الحاء. وعن الداودي: امتحشوا: انقبضوا اسودوا، وفي بعض الروايات: صاروا حممًا (٥). ومحش وامتحش لغتان. ------------ (١) رواه مسلم (٤٨٨) كتاب: الصلاة، باب: فضل السجود والحث عليه. (٢) مسلم (١٩١/ ٣١٩) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها. (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٥٥٤. (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٥٣٣. (٥) رواه أحمد ٣/ ٩٤ - ٩٥، وعبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٤٠٩ - ٤١١ (٢٠٨٥٧)، والبغوي في «شرح السنة» ١٥/ ١٨١ - ١٨٢ (٤٣٤٨). الثاني عشر: الحبة -بكسر الحاء-: بذر البقل أو حب الريحان أو غيرهما مما سلف في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال (١). وماء الحياة: هو الذي من شربه أو صب عليه لم يمت أبدًا، قاله القرطبي (٢). وشبه نباته بنبات الحبة؛ لبياضها كما جاء في الحديث ولسرعة نباتها، لأنها تنبت في يوم وليلة؛ لأنها رويت من المياه وترددت في غثاء السيل، وروِّيت وتشرَّب قلبها للخروج، فإذا خرجت إلى موضع في حميل السيل غرزت عرقها فيه لحينها فنبتت بسرعة. الثالث عشر: قوله: («ثمَّ يفرغ الله من القضاء بين العباد») معناه: تمم عليهم حسابهم وكمَّله وفصَّله؛ لأنه تعالى لا يشغله شيء عن شيء. وعند القرطبي: كمل خروج الموحدين من النار (٣). الرابع عشر: قوله: («قشبني») هو بقاف مفتوحة، ثم شين معجمة مخففة مفتوحة. وقال ابن التين: كذا هو عند المحدثين، وكذا ضبطه بعضهم. والذي في اللغة بتشديد الشين ومعناه: سمني. وقال الفارابي في باب فعل يفعل: قشبه: سقاه السم. وقشبه طعامه، أي: سمه. وفي «المنتهى» لأبي المعالي القشب: أخلاط تخلي للنسر فيأكلها فيموت، فيؤخذ ريشه. يقال: ريش قشيب ومقشوب، وكل مسموم قشيب. وقال ------------- (١) سلف برقم (٢٢). (٢) «المفهم» ١/ ٤٢٢. (٣) «المفهم» ١/ ٤٢٢. أبو عمرو: القشب: السم. قشبه: سقاه السم. وحكى ابن سيده: القشب أيضًا بالفتح (١). وقال صاحب «الأفعال»: تقول العرب: قشبت الشيء قذرته، وقشب -بكسر الشين- قشبًا: قذر (٢). وقال ابن قتيبة: هو من القشيب: وهو السم. كأنه قَالَ: سمني ريحها. وقال الخطابي: يقال: قشبه الدخان إِذَا ملأ خياشيمه وأخذ بكظمه وكانت ريحه طيبة، وأصله: خلط السم، يقال: قشبه: إذا سمه (٣). وقشبتنا الدنيا: فتنتنا، فصار حبها كالسم الضار، ثمَّ قيل عَلَى هذا: قشبه الدخان والريح الذكية إِذَا بلغت منه الكظم، ومنه حديث عمر: أنه كان بمكة فوجد ريح طيب فقال: من قشبنا؟ فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، دخلتُ عَلَى أم حبيبة فطيبتني (٤). الخامس عشر: قوله: («وأحرقني ذكاؤها») كذا هو في جميع روايات الحديث بالمد وبفتح الذال المعجمة ومعناه: لهبها واشتعالها وشدة وهجها. والأشهر في اللغة القصر، وبه جزم خلق منهم، وذكر جماعات أن المد والقصر لغتان (٥). ------------ (١) «المحكم» ٦/ ١٠٧ - ١٠٨. (٢) «الأفعال» لابن القوطية ص ٢٢٢. (٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥٣٣. (٤) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢١٨، والبيهقي ٥/ ٣٥. (٥) ما تقدم هو من قول النووي في «شرح مسلم» ٣/ ٢٣، وقد ذكره عنه الحافظ في «الفتح» أيضًا ١١/ ٤٥٩، ثم قال: وتعقبه مغلطاي بأنه لم يوجد عن أحد من المصنفين في اللغة ولا في الشارحين لدواوين العرب حكايه المد إلا عن أبي حنيفة الدينوري في كتاب «النبات» في مواضع .... ثم قال: وتعقبه علي بن حمزة الأصبهاني، فقال: أما الذكاء بالمد فلم يأت عنهم في النار، وإنما جاء في الفهم. اهـ. قلت: وهذا ما سيشير إليه المصنف متعقبًا. قُلْتُ: وخطئوا أبا حنيفة صاحب «النبات» في مده؛ لأنه بالمد: الفهم والسِّنُّ. السادس عشر: «عسيت» بفتح السين، وحكي كسرها، وهما قراءتان (١)، وهي من الآدميين يكون للشك والترجي واليقين- كما قاله صاحب «الواعي». وقول الرب جلَّ وعلا: «ما أغدرك» تلطف بعبده وتأنيس لكثرة إدلاله عليه وسؤاله. والضحك من صفات الرب ﷻ، ومعناه: الاستبشار والرضا لا الضحك بلَهَواتٍ وتعجب (٢). --------- (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: في السبعة. قلت -المحقق-: أجل قرئ بهما في السبع، قرأ نافع بالكسر، والباقون بالفتح، وهو الأفصح الأشهر في اللغة. انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠. (٢) قال الشيخ الألباني في «الصحيحة» ٧/ ٣٥٥ متعقبًا مثل هذا القول: فسره بالمجاز الذي يؤدي بهم إلى أن يفسروا وجود ذاته تعالى بالمجاز أيضًا؛ لأن للمخلوقات وجودًا أيضًا، فإذا قالوا: لا ينسب الضحك إلى الله؛ لأن الضحك من صفة الإنسان، فلينفوا إذن وجوده تعالى؛ لأن الإنسان موجود أيضًا! فسيقولون: وجوده تعالى ليس كوجودنا، فنقول: قولوا إذن في كل صفة لله ثبتت في الكتاب أو السنة: إنها ليست كصفتنا، تستريحوا وتهتدوا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فله سمع ولكن ليس كسمعنا، وبصر ليس كبصرنا … ويضحك ولكن ليس كضحكنا، فإنه يقال في الصفات كلها ما يقال في الذات إثباتًا وتنزيهًا. فهذا الحق ما به من خفاءٍ … فدعني عن بُنَيَّاتِ الطريق وقال أيضًا سماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين في: قوله - ﷺ -: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة»: ففي هذا: إثبات الضحك لله -عز وجل-، وهو ضحك حقيقي لكنه لا يماثل ضحك المخلوقين ضحك يليق بجلاله وعظمته ولا يمكن أن نمثله؛ لأننا لا نستطيع أن نقول إن لله فمًا أو أسنانًا أو ما أشبه ذلك، ولا يجوز لنا أن نقول ذلك لكن نثبت الضحك لله، ولكنه ضحك يليق به -سبحانه وتعالى-، فإذا قال قائل: يلزم من إثبات الضحك أن يكون الله مماثلًا للمخلوق. = ![]()
__________________
|
|
#190
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (7) من صـــ 207 الى صـــ 226 الحلقة (190) السابع عشر: «لا أكونَّ أشقى خلقك» كذا هنا، وعند أبي الحسن: «لأكون». ولعله يريد إن أنت أبقيتني على هذِه الحالة ولا تدخلني الجنة لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها والألف زائدة. الثامن عشر: قول أبي سعيد: «وعشرة أمثاله». يحتمل أن يكون جميع ما أعطي ذَلِكَ، وأن يكون هو وعشرة أمثاله. ---------------- = فالجواب: لا يلزم من إثبات الضحك أن يكون الله مماثلًا للمخلوق؛ لأن الذي قال: يضحك هو الذي أنزل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ومن جهة أخرى: فالنبي - ﷺ - لا يتكلم في مثل هذا إلا عن وحي؛ لأنه من أمور الغيب ليس من الأمور الاجتهادية التي قد يجتهد فيها الرسول - ﷺ - ثم يقره الله على ذلك، أو لا يقره، ولكنه من الأمور الغيبية التي يتلقاها الرسول - ﷺ - عن طريق الوحي. لو قال قائل: المراد بالضحك الرضى؛ لأن الإنسان إذا رضي عن الشيء سر به وضحك، والمراد بالرضى الثواب، أو إرادة الثواب كما قال ذلك الأشاعرة؟ فالجواب: أن نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه، فما الذي أدراكم أن المراد بالرضى الثواب؟ فأنتم الآن قلتم على الله ما لا تعلمون من وجوه: الوجه الأول: صرفتم النص عن ظاهره بلا علم. الثاني: أثبتم له معنى خلاف الظاهر بلا علم. الثالث: أن نقول لهم الإرادة إذا قلتم أنها ثابتة لله -عز وجل-، فإنه تنتقض قاعدتكم؛ لأن للإنسان إرادة كما قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. فللإنسان إرادة بل للجدار كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، فأنتم إما أن تنفوا الإرادة عن الله -عز وجل- كما نفيتم بقية الصفات وإما أن تثبتوا لله -عز وجل- ما أثبته لنفسه وإن كان مخلوق نظيره في الاسم لا في الحقيقة، فنقول: هذا الضحك حقيقة لكنه لا يماثل ضحك المخلوقين. «شرح العقيدة الواسطية» ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٥. ووجه الجمع بين قول أبي سعيد هذا وقول أبي هريرة: «لك ذَلِكَ ومثله معه» أنه - عليه السلام - أخبر أولًا بالمثل، ثمَّ أطلع عَلَى الزيادة تكرمًا، و[لا] (١) يحتمل العكس؛ لأن الفضائل لا تنسخ. التاسع عشر: إمساك العبد عن السؤال حياءً من الرب، والله تعالى يحب السؤال؛ لأنه يحب صوت عبده فيباسطه بقوله: «إن أعطيت هذا تسأل غيره؟» وهذا حال المقصر، فكيف حال المطيع؟! وليس نقض هذا العبد عهده وترك إقسامه جهلًا؛ بل نقضه عالمًا بأنه أولى؛ لأن سؤاله ربه أفضل من إبراره قسمه، وقول الرب ﷻ له «أليس قَدْ أعطيت العهود؟» إيناس لَهُ وتبسط، وقول العبد في بعض الروايات: «أتهزأ بي؟» (٢) نفي عنه جل وعز الاستهزاء الذي لا يجوز عليه، كأنه قَالَ: أعلم أنك لا تهزأ لأنك رب العباد، و(قولك) (٣): «لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» حق، ولكن العجب من فضلك. و«أتهزأ» ألفه ألف نفي عَلَى هذا كقوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وهي لفظة متبسط متذلل. وفي الحديث «فرأى ضوءًا فخر ساجدًا، فيقال: مالك؟ فيقول: أليس هذا ربي؟ فإذا بشخص قائم» (٤) قَالَ: ليس سجوده للقائم الذي ------------- (١) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق. (٢) رواه أحمد ١/ ٣٩١ - ٣٩٢ من حديث ابن مسعود. (٣) عليها في الأصل علامة تصحيح (صح). (٤) قطعة من حديث رواه الطبراني ٩/ ٣٥٧ - ٣٦١ (٩٧٦٣)، والحاكم ٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢ عن ابن مسعود مرفوعًا، وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه. اهـ. وكذا الهيثمي في «مجمع» ١٠/ ٣٤٣، والألباني في «الصحيحة» (٣١٢٩)، «صحيح الترغيب» (٣٥٩١، ٣٧٠٤). هو قهرمانه (١) ولا قوله: «أليس هذا ربي؟» إشارة منه إليه، وكيف يكون كذلك وهو له موحد به عارف؟! وإنما سجد لله كأنه قَالَ: أليس هذا الضوء علامة تجليه لي، كأنه قَالَ: أليس عند هذا النور يكون تجلى ربي لي وراء هذا؟ ألا ترى إلى حديث جابر: «بينما أهل الجنة في نعيمهم سطع لهم نور من فوقها وإذا الرب قد أشرق عليهم» (٢) فسجود العبد يجوز أن يكون استدعاء لرؤية ربه؛ وذلك لأنه سمع الله تعالى يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ فلم يشر بقوله: (هذاربي) إلى عين قائمة؛ بل أراد ذاتًا موجودة وذلك؛ لأنه طلب الجنة المخلوقة تصريحًا، وطلب الرؤية لسيد ليس كمثله شيء تعويضًا وقسمة؛ لأنها لم تكن جزاء كالجنة التي هي جزاء الإيمان بل فضلًا، فمن محبته وشوقه لربه إِذَا سطع لَهُ نور يهيج شوقه فيرى أن وراءه يكون تجلي ربه فيسجد شكرًا؛ لإنجازه وعده، ومسارعة لاستنجاز الموعود؛ لأنه لما سكنت نفسه وأمن روعه انبعثت محبته التي خلقها الله في قلبه، فسها عن نعيم الجنة؛ لأنه قَالَ: ما اشتهته فيها نفسه، ويطلع إلى ما تلذ بها عينه، فلو أعطي ما تلذ عينه -وهو النظر إلى الرب ﷻ- لسها عن نعيم الجنة ولم يلتذ به. الخاتمة: فيه إثبات الرؤية للرب ﷻ نصًّا من كلام الشارع، وهو تفسير لقوله ﷻ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ---------------- (١) القهرمان: هو القائم بأمور الرجال، وهو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده. انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٢٩. (٢) رواه ابن ماجه (١٨٤)، وضعف البوصيري إسناده في «مصباح الزجاجة» ١/ ٢٦، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣٣). يعني: مبصرة بالله تعالى، ولو لم يكن هذا القول من الشارع بالرؤية نصًّا لكان في الآية كفاية لمن أنصف، وذلك أن النظر إِذَا قرن بذكر الوجه لم يكن إلا نظر البصر، وإذا قرن بذكر القلب كان بمعنى اليقين، فلا يجوز أن ينقل حكم الوجوه إلى حكم القلوب، فإن قُلْت: فقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وأنه عَلَى العموم قُلْتُ: الإدراك: الإحاطة، تعالى عن ذَلِكَ، وهو أولى من جواب ابن بطال أن الآية مخصوصة بالسنة (١). وسلف القول في ذَلِكَ في باب: فضل صلاة العصر ويكون لنا -إن شاء الله- عودة إليه في: الاعتصام في الكلام عَلَى الآية. ----------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٢٤. ١٣٠ - باب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ ٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ [انظر: ٣٩٠ - مسلم: ٤٩٥ - فتح: ٢/ ٢٩٤] ذكر حديث عبد الله بن مالك ابن بحينة في التفريج، وقد سلف في باب: يبدي ضبعيه في أوائل الصلاة (١) واضحًا بفقهه. وهي صفة مستحبة عند العلماء، ومن تركها لم تبطل صلاته. وقد اختلف السلف في ذَلِكَ فممن روي عنه المجافاة في السجود: علي والبراء وابن مسعود وأبو سعيد الخدري وابن عمر، وقَالَ الحسن: حَدَّثَنِي أحمر (٢) صاحب النبي - ﷺ - قَالَ: إن كنا لنأوي لرسول الله - ﷺ - مما يجافي بمرفقيه عن جنبيه. وفعله الحسن. وقال النخعي: إِذَا سجد فليفرج بين فخذيه (٣). وممن رخص أن يعتمد بمرفقيه: قَالَ ابن مسعود: هيئت عظام ابن آدم للسجود فاسجدوا حتَّى ------------- (١) سبق برقم (٣٩٠) كتاب: الصلاة، باب: يبدي ضبعيه ويجافي في السجود. (٢) هو أحمر بن جزي الدوسي وفد إلى النبي - ﷺ -، وكتب له النبي - ﷺ - كتابًا ولابنه شعيل -وكان أحمر يُكنى بأبي شِعْيل- هذا كتاب لأحمر بن معاوية وشعيل بن أحمر في رحالهم وأموالهم، فمن آذاهم فذمة الله منه خلية إن كانوا صادقين. وقد حدث عن النبي - ﷺ -، وروى عنه الحسن البصري. قال ابن عبد البر: لم يَرْوِ عنه غيره فيما علمت. انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ١٧١، «الاستيعاب» ١/ ١٦٦، «الإكمال» ١/ ١٨، ٢/ ٨٢. (٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢ كتاب: الصلاة، باب: التجافي في السجود. بالمرافق، وأجاز ابن سيرين أن يعتمد بمرفقيه عَلَى ركبتيه في سجوده، وقال نافع: كان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إِذَا سجد، وسأله رجل: هل يضع مرفقيه عَلَى فخذيه في سجوده؟ قَالَ: أسجد كيف تيسر عليك، وقال أشعث بن أبي الشعثاء عن قيس بن سكن: كل ذَلِكَ كانوا يفعلون ينضمون ويتجافون كان بعضهم ينضم وبعضهم يجافي، وروى ابن عيينة عن سمي عن النعمان بن أبي عياش قَالَ: شكي إلى رسول الله - ﷺ - الإرغام والاعتماد في الصلاة، فرخص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه عَلَى ركبتيه أو فخذيه. ذكر هذا كله ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١). وإنما كان يجافي - ﷺ - سجوده ويفرج بين يديه حتَّى يرى بياض إبطيه -والله اعلم- ليخف عَلَى الأرض ولا يثقل عليها، كما ذكر أبو عبيد عن عطاء بن أبي رباح أنه قَالَ: خفوا عَلَى الأرض. قَالَ أبو عبيد: وجهه أنه يريد ذَلِكَ في السجود، يقول: لا ترسل نفسك عَلَى الأرض إرسالًا ثقيلًا فيؤثر في جبهتك، ويبين ذَلِكَ حديث مجاهد أن حبيب بن أبي ثابت سأله قَالَ: إني أخشى أن يؤثر السجود في جبهتي، قَالَ: إِذَا سجدت فتجاف. يعني: خفف نفسك وجبهتك عَلَى الأرض. وبعض الناس يقولون: فتجاف. والمحفوظ عندي بالحاء (٢). وقد ذكر ابن أبي شيبة من كره ذَلِكَ ومن رخص فيه: ذكر عن ابن عمر أنه رأى رجلًا قَدْ أثر السجود في جبهته فقال: لا يشينن أحدكم وجهه، وكرهه سعد بن أبي وقاص وأبو الدرداء والشعبي وعطاء. ---------- (١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣ (٢٦٥٨، ٢٦٦٠، ٢٦٦١، ٢٦٦٢) كتاب: الصلاة، باب: من رخص أن يعتمد بمرفقيه. (٢) انظر: «غريب الحديث» ٢/ ٤٤٥. وممن رخص في ذَلِكَ: قَالَ أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت سجدةً أعظم من سجدة ابن الزبير، ورأيت أصحاب علي وأصحاب عبد الله وآثار السجود في جباههم وأنوفهم. وقال الحسن: رأيت ما يلي الأرض من عامر بن عبد فيجس مثل ثفن البعير (١) (٢). وقد أسلفنا في الباب قبله أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] فراجعها، وعن مالك: أنه ما يعلق بالجبهة من أثر الأرض (٣)، وهذا يشبه الرخصة في هذا الباب. ------------- (١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤ (٣١٣٧، ٣١٣٨، ٣١٣٩، ٣١٤٠، ٣١٤١، ٣١٤٢، ٣١٤٣، ٣١٤٤) كتاب: الصلاة، باب: من كره أن يؤثر السجود في وجهه. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: الثفنة واحدة ثفنات … وهو ما يقع على الأرض من الـ … إذا أقمته سبع، وغلط … وغيرهما. (٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١٦/ ٢٩٣. ١٣١ - باب يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. هذا الحديث مقتطع من حديث طويل ستعلمه (١). ولا يختلف العلماء في استحباب هذِه الصفة في السجود، وكذلك يستحبون أن يستقبل الساجد بأنامل يديه القبلة في سجوده، وإن فعل غير ذَلِكَ فصلاته جائزةٌ عندهم. ----------- (١) سيأتي رقم (٨٢٨) كتاب: الأذان، باب: سنة الجلوس في التشهد. ١٣٢ - باب إِذَا لَم يُتِمَّ السُّجُودَ ٨٠٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ -قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ:- وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. [انظر: ٣٨٩ - فتح: ٢/ ٢٩٥] ذكر فيه حديث حذيفة السالف في باب: إِذَا لم يتم الركوع (١). وشيخ البخاري فيه الصلت بن محمد هو الخاركي -بالخاء المعجمة- البصري -وخارك: جزيرة في بحر البصرة (٢) - صالح الحديث (٣). وشيخه مهدي هو ابن ميمون البصري المعولي مولاهم، ختن هشام ابن حسان، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة وقيل: في زمن المهدي (٤). وشيخه واصل وهو ابن حبان الأحدب، مات سنة عشرين ومائة. وشيخه أبو وائل شقيق بن سلمة، مات بعد الجماجم. وحذيفة بن اليمان حسل العبسي ثمَّ الأشهلي حليفهم الصحابي صاحب السر، مات سنة ست وثلاثين. ----------- (١) سبق رقم (٧٩١) كتاب: الأذان. (٢) خارك: جزيرة في وسط البحر الفارسي، وهي جبل عالٍ في وسط البحر، وهي من أعمال فارس، انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٣٣٧. (٣) أبو همام الخاركي، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وانظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٠٤ (٢٩١٩)، و«الجرح والتعديل» ٤/ ٤٤١ (١٩٣٣)، و«الثقات» ٨/ ٣٢٤، و«تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩ (٢٨٩٩). (٤) هو: مهدي بن ميمون الأزدي المعولي، مولاهم، أبو يحيى البصري، قال أبو سعيد الأشج، عن عبد الله بن إدريس: قلت لشعبة: أي شيء تقول في مهدي = ١٣٣ - باب السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ ٨٠٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. [٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦ - مسلم: ٤٩٠ - فتح: ٢/ ٢٩٥] ٨١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا». ٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ. [انظر: ٦٩٠ - مسلم: ٤٧٤ - فتح: ٢/ ٢٩٥] ذكر فيه حديث ابن عباس من طرق ثلاث: أحدها: طريق سفيان عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاس قال: أُمِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرَّجْلَيْنِ. ثانيها: طريق شعبة عَنْ عَمْرٍو، به، بلفظ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا». ----------- = ابن ميمون؟ قال: ثقة وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: مهدي ابن ميمون ثقة. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين، وأبو عبد الرحمن النسائي وابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٢٥ (١٨٦١)، و«معرفة الثقات» ٢/ ٣٠١ (١٨٠٤)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٥٤٧)، و«تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٩٢ - ٥٩٥ (٦٢٢٤). ثالثها: طريق وهيب عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتينِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثّيَابَ وَالشَّعَرَ». وذكر فيه حديث البراء في وضع الجبهة. أما حديث البراء فسلف في باب: متى يسجد خلف الإمام (١). وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم أيضًا باللفظ الثالث وقال: «إلى أنفه»: بدل: «على أنفه». وباللفظ الأول: وقال: «أعظم» بدل «أعضاء»، «والكفين» بدل «واليدين»، و«القدمين» بدل «الرجين». وفي رواية له: «أمرت أن أسجد عَلَى سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين» (٢) وعند ابن ماجه: قَالَ ابن طاوس: فكان أبي يقول: اليدين والركبتين والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحدًا (٣). وفي «مسلم» من حديث العباس بن عبد المطلب، سمع النبي - ﷺ - يقول: «إِذَا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وقدماه، وركبتاه» (٤). إِذَا علمت ذَلِكَ، فاختلف العلماء فيما يجزئ السجود عليه من ----------- (١) سبق (٦٩٠) كتاب: الأذان. (٢) مسلم (٤٩٠) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة. (٣) ابن ماجه (٨٨٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: السجود. (٤) مسلم (٤٩١) كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر، وقال: «أطراف» بدل «آراب» وقَدَّم الركعتين فقال: «وركبتاه وقدماه». الآراب السبعة عند القدرة، بعد إجماعهم عَلَى أن السجود عَلَى الجبهة فريضة، فقالت طائفة: إِذَا سجد عَلَى جبهته دون أنفه أجزأه، وروي ذَلِكَ عن ابن عمر وعطاء وطاوس والحسن وابن سيرين والقاسم وسالم والشعبي والزهري والشافعي في أظهر قوليه، ومالك ومحمد وأبي يوسف وأبي ثور، والمستحب أن يسجد عَلَى أنفه معها (١). وقالت طائفة: يجزئه أن يسجد عَلَى أنفه دون جبهته وهو قول أبي حنيفة، وهو الصحيح في مذهبه (٢). --------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، «بدائع الصنائع» ١/ ١٠٥، «عيون المجالس» ١/ ٣١٥، «عارضة الأحوذي» ٢/ ٧٢، «بداية المجتهد» ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨، قال ابن شاس رحمه الله: وفي إثبات الإجزاء ونفيه عند الاقتصار من الجبهة والأنف على أحدهما، ثلاثة أقوال: يخصص الإجزاء في الثالث بالاقتصار على الجبهة دون الاقتصار على الأنف، وهو المشهور. واختار القاضي أبو بكر نفي الإجزاء بإسقاط أيهما كان، وهو قول ابن حبيب. وحكى القاضي أبو الفرج ما ظاهره تعلق الوجوب بأحدهما على البدل. انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٤، «الأم» ١/ ٩٨ - ٩٩، «الأوسط» ٣/ ١٧٦ - ١٧٧، «البيان» ٢/ ٢١٦ - ٢١٧، «المجموع» ٣/ ٣٩٧ - ٤٠٠، وحكى القول الثاني صاحب «البيان»، وقال النووي رحمه الله: السنة أن يسجد على أنفه مع جبهته. قال البندنيجي وغيره: يستحب أن يضعهما على الأرضي دفعة واحدة لا يقدم أحدهما، فإن اقتصر على أنفه دون شيء من جبهته لم يجزئه بلا خلاف عندنا، فإن اقتصر على الجبهة أجزأه. قال الشافعي في «الأم»: كرهت ذلك وأجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب وبه قطع الجمهور. وحكى صاحب «البيان» عن الشيخ أبي يزيد المروزي أنه حكى قولا للشافعي أنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعًا. وهذا غريب في المذهب، وإن كان قويًا في الدليل. «المجموع» ٣/ ٣٩٩. (٢) انظر: «الأصل» ١/ ١٣، «أحكام القرآن» للجصاص ٥/ ٣٥، «تبيين الحقائق» ١/ ١١٦، وقال ابن نجيم رحمه الله: في «الشرنبلالية»: هذا قول أبي حنيفة أولًا = وروى أسد بن عمرو: لا يجوز إلا من عذر (١). وهو قول صاحبيه، وفي «شرح الهداية» عنه إن وضع الجبهة وحدها من غير عذر جاز بلا كراهة، وفي الأنف وحده يجوز مع الكراهة، والمستحب الجمع بينهما. وفي «الإشراف» للدبوسي: يجزئه. وأشار في «المنظومة» عنه الجواز من غير عذر، ونسب ابن قدامة في «المغني»، والنووي في «شرح المهذب»: انفراد أبي حنيفة به وقالا: لا نعلم أحدًا سبقه إليه (٢)؛ ----------------- = والأصح رجوعه إلى قولهما بعدم جواز الاقتصار في السجود على الأنف بلا عذر في الجبهة كما في البرهان أهـ. وفي شرح الشيخ إسماعيل: ثم في «الهداية» أن قولهما رواية عن أبي حنيفة وفي المجمع وروي عنه قولهما وعليه الفتوى. وفي «الحقائق»: وروى عنه مثل قولهما. قال في «العيون»: وعليه الفتوى. وفي «درر البحار»: والفتوى رجوعه إلى قولهما لأنه المتعارف والمتبادر إلى الفهم أهـ. وفي «شرح الملتقى» للحصكفي: وعليه كما في «المجمع» وشروحه و«الوقاية» وشروحها و«الجوهرة» و«صدر الشريعة والعيون»، و«البحر الرائق» ١/ ٥٥٤ (١) انظر: «البناية» ٢/ ٢٧٧. (٢) انظر: «الأوسط» ٣/ ١٧٧، «المجموع» ٣/ ٣٩٩، «المغني» ٢/ ١٩٧، وقال بدر الدين العيني: قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أسبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه، حكي ذلك عن النووي في شرح «المهذب» وابن قدامة في «المغني». قلت: ذكر الطبري في «تهذيب الآثار»: أن حكم الجبهة والأنف سواء. وقال أبو يوسف عن طاووس أنه سئل عن السجود على الأنف وقال: ليس أكرم الوجه قال أبو هلال: سئل ابن سيرين عن الرجل يسجد على أنفه فقال: أوما تقرأ ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، فالله مدحهم بخرورهم على الأذقان في السجود فإذا يسقط السجود على الذقن بالإجماع بصرف الجواز إلى الأنف؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة؛ لعدم الفصل بينهما بخلاف الجبهة، إذ الأنف فاصل بينهما فكان من الجبهة وقال تقي الدين العبدي: وهو قول مالك. وذكر في «المبسوط» جواز الاقتصار على الأنف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال = لكن ابن شاس في «جواهره» قَالَ: إنه قول مالك (١). وقال ابن جرير في «تهذيبه»: حكم الجبهة والأنف سواء، فواضع الأنف دون الجبهة كواضع راحتيه دون الأصابع أو الأصابع دونها، فرق بين ذَلِكَ (٢). وقال: وبنحو هذا الذي قلناه قَالَ جماعة من السلف. قَالَ ابن بطال: وروي مثله عن طاوس وابن سيرين، وهو قول ابن القاسم (٣)، وفي «المبسوط»: ونقل عن ابن عمر مثل قول إمامنا (٤)، وذكر أصحاب التشريح أن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب وينتهيان إلى الموضع الذي فيه الثنايا والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الخد واحدًا، وهو المشار إليه في الحديث عَلَى الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه فسوى بينهما، ولأن أعضاء السجود سبعة إجماعًا، ولا يتم ذَلِكَ إلا إِذَا عدَّا واحدًا. وفي الترمذي: «لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض بمصيب الجبين»، وصحح إرساله عن عكرمة من غير ذكر ابن عباس (٥). وقالت طائفة من أهل الحديث: يجب السجود عليهما جميعًا، روي --------------- = في «العارض» في بعض طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما أمر النبي - عليه السلام - أن يسجد على سبعة أعظم، الجبهة أو الأنف، وقال بعض شراح مسلم: إن المراد من ذكر الجبهة أو الأنف؛ لئلا تصير ثمانية، ويدل عليه أو الأنف في الرواية المذكورة. وقال ابن المنذر: لا أعلم أيضًا فيه منه إذ ما جهله أكثر مما علمه. وما ذكره تحامل منه وتعصب، وقد بينا من قال بقوله قبله وبعده من السلف والخلف، «البناية» ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧. (١) «عقد الجواهر الثمينة»١/ ١٠٤. (٢) «تهذيب الآثار» ٢/ ٢ (٣٤٦). (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٣١. (٤) «المبسوط» ١/ ٣٤ - ٣٥. (٥) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣. = ذَلِكَ عن النخعي وعكرمة وابن أبي ليلى وسعيد بن جبير، وهو قول أحمد وطائفة، وهو مذهب ابن حبيب (١). وقال ابن عباس: من لم يضع أنفه في الأرض لم يصل (٢). وفي بعض طرق حديث ابن عباس: (أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعضاء منها الوجهه)، فلا يختص بالجبهة دون الأنف، وبهذا الحديث احتج أبو حنيفة في الاقتصار عَلَى الأنف، وقال: ذكره للوجه يدل عَلَى أنه أي شيء وضع منه أجزأه، وإذا جاز عند من خالف الاقتصار عَلَى الجبهة فقط جاز عَلَى الأنف فقط؛ لأنه إِذَا سجد عَلَى أنفه قيل: سجد عَلَى وجهه كما إِذَا اقتصر عَلَى جبهته (٣). وقالت طائفة: لا يجزئه من ترك السجود عَلَى شيء من الأعضاء السبعة، وهو قول أحمد وإسحاق (٤). ------------ = ورواه الدارقطني ١/ ٣٤٨، والحاكم ١/ ٢٧٠، والبيهقي في «السنن» ٢/ ١٠٤، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٣٩٢ (٥٢٦) عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ورواه البيهقي ٢/ ١٠٤ عن عكرمة مرسلًا. وصوب الدارقطني المرسل كالترمذي، وكذا البيهقي في «المعرفة» ٣/ ٢٣ وغلَّط من رفعه. والحديث ضعفه النووي في «الخلاصة» ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ (١٣٠٠)! لكن صوب ابن الجوزي رفع الحديث؛ لأنها زيادة ثقة. وذكره الحافظ في «الدراية» ١/ ١٤٤ - ١٤٥ مرفوعًا وقال: ورواته ثقات، لكن قال الدارقطني: الصواب مرسل. وصححه الألباني مرفوعًا في «تمام المنة» ص ١٧٠ وقال: حديث صحيح على شرط البخاري. (١) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٩٣، «مواهب الجليل» ٢/ ٢١٦، «الأوسط» ٣/ ١٧٤، «المغني» ٢/ ١٩٦. (٢) رواه الطبري في «تهذيبه» ١/ ١٨٨ مسند عبد الله بن عباس. (٣) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ١١٧. (٤) انظر: «المغني» ٢/ ١٩٤. وأصح قولي الشافعي فيما رجحه المتأخرون خلاف ما رجحه الرافعي (١)، وهو مذهب ابن حبيب، وأظن البخاري مال إلى هذا القول وحجته حديث ابن عباس السالف أنه أمران يسجد عَلَى سبعة أعضاء، فلا يجزئ السجود عَلَى بعضها إلا بدلالة. واحتج من لم ير الاقتصار عَلَى الأنف بأن الأحاديث إنما ذكر فيها ----------- (١) قال الرافعي رحمه الله: وضع اليدين والركبتين والقدمين على مكان السجود فيه قولان: أحدهما: وبه قال أحمد: يجب، وهو اختيار الشيخ أبي علي؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة، واليدين، والركبتين، أطراف القدمين» يروى: «على سبعة آراب». وأظهرهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن مالك أيضًا؛ لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز، وتقريبها من الأرض كالجبهة، فإن قلنا: يجب فيكفي وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكف، وفي الرجلين ببطون الأصابع، وإن قلنا: لا يجب فيعتمد على ما شاء منها، فيرفع ما شاء، ولا يمنكه أن يسجد مع رفع الجميع، وهذا هو الغالب، أو المقطوع به، «الشرح الكبير» ١/ ٥٢٠ - ٥٢١. وقال النووي رحمه الله: ففي وجوب وضع اليدين والركبتين والقدمين قولان مشهوران نص عليهما في «الأم»، قال الشيخ أبو حامد: ونص في «الإملاء» أن وضعها مستحب لا واجب، واختلف الأصحاب في الأصح من القولين فقال القاضي أبو الطيب: ظاهر حديث الشافعي أنه لا يجب وضعها، وهو قول عامة الفقهاء. وقال البغوي: هذا هو القول الأشهر، وصححه الجرجاني في «التحرير» والروياني في «الحلية» والرافعي. وصحح جماعة قول الوجوب، ومنهم البندنيجي وصاحب «العدة» والشيخ نصر المقدسي. وبه قطع الشيخ أبو حامد في «التبصرة»، وهذا هو الأصح وهو الراجح في الدليل، فإن الحديث صريح في الأمر بوضعها والأمر للوجوب على المختار، وهو مذهب الفقهاء والقائل الأول يحمل الحديث على الاستحباب، ولكن لا نسلم له؛ لأن أصله الوجوب فلا يصرف عنه بغير دليل فالمختار الصحيح: الوجوب، وقد أشار الشافعي رحمه الله في «الأم» إلى ترجيحه. «المجموع» ٣/ ٤٠٢. الجبهة ولم يذكر الأنف، فدل عَلَى أن الجبهة تجزئ، وأن الأنف تبع، وأما الرواية السالفة: وأشار بيده على أنفه. فالأنف غير مشترط في ذَلِكَ؛ لأنه إنما أشار بيده إلى أنفه إلى جبهته، فجعل الأنف تبعًا للجبهة، ولم يقل: إلى نفسه. كذا قَالَ المهلب (١)، وقد سلف رواية: إلى أنفه. قَالَ ابن القصار: والإجماع حجة ووجدنا عصر التابعين عَلَى قولين، فمنهم من أوجب السجود عَلَى الجبهة والأنف، ومنهم من جوز الاقتصار عَلَى الجبهة، فمن جوز الاقتصار عَلَى الأنف دون الجبهة خرج عن إجماعهم (٢)، لكن في «العارضة» لابن العربي في بعض طرقه: الجبهة أو الأنف (٣)، ويقال لمن أوجب السجود عَلَى الآراب السبعة: إن الله تعالى ذكر السجود في مواضع من كتابه فلم يذكر فيها غير الوجه فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال الشارع: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره» (٤)، ولم يذكر غير الوجه. وقال للأعرابي الذي علمه: «مكن ------------- (١) كما في»شرح ابن بطال«٢/ ٤٣٢. (٢) كما في»شرح ابن بطال«٢/ ٤٣٢. (٣)»عارضة الأحوذي" ٢/ ٧١. (٤) رواه أبو داود (١٤١٤) كتاب: سجود القرآن، باب: ما يقول إذا سجد، والترمذي (٥٨٠) كتاب: الجمعة، باب: ما يقول في سجود القرآن، وبرقم (٣٤٢٥)، كتاب: الدعوات، باب: ما يقول في سجود القرآن، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٢/ ٢٢٢، كتاب: الافتتاح، باب: الدعاء في السجود، وأحمد ٦/ ٣٠، والدارقطني ١/ ٤٠٦ كتاب: الصلاة، باب: سجود القرآن، والحاكم ١/ ٢٢٠ كتاب: الصلاة، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، = جبهتك من الأرض» (١)، ولم يذكر باقي الأعضاء، ولو كان حكم السجود متعلقًا بذلك لكان مع العجز عنه ينتقل إلى الإيماء كالرأس، فلما كان مع العجز يقع الإيماء بالرأس حسب، ولا يؤمر بإيماء الباقي علمنا أن الحكم يعلق بالجبهة فقط. وأما أمره - ﷺ - بالسجود عَلَى الأعضاء السبعة فلا يمتنع أن يؤمر بفعل الشيء ويكون بعضه مفروضًا وبعضه مسنونًا ولا يكون وجوب بعضه دليلًا عَلَى وجوب باقيه إلا بدالة الجمع بين ذَلِكَ، والخلاف في الأعضاء الستة ثابت عند الحنفية أيضًا، ففي «شرح الهداية»: لا تجب. وفي «الواقعات»: لو لم يضع ركبتيه عَلَى الأرض عند السجود لا يجزئه. ونقل أبو الطيب عن عامة الفقهاء عدم الوجوب، وعند زفر وأحمد الوجوب (٢)، وعند أحمد في الأنف روايتان (٣). وفي الترمذي عن أحمد: وضعها سنة (٤). وادعى ابن العربي أن قوله: أمر أو أمرت أو أمرنا. مخصوص به في الظاهر، واختلف الناس فيما فرض عليه هل تدخل معه الأمة؟ فقيل: نعم. والأصح لا إلا بدليل، وقيل: إِذَا خوطب بأمر أو نهي فالمراد به ------------- = والبيهقي ٢/ ٣٢٥ كتاب: الصلاة، باب: ما يقول في سجود التلاوة. من حديث عائشة، قال الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ١٥٧ (١٢٧٣): صحيح. (١) سبق تخريجه في شرح حديث رقم (١٦١). (٢) انظر: «البناية» ٢/ ٢٨٠، «الكافي» ١/ ٣٠٤. (٣) انظر: «الكافي» ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥. (٤) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل الحديث أن يسجد على جبهته وأنفه فإن سجد على جبهته دون أنفه فقد قال قوم من أهل العلم: يجزئه. وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والأنف. ذكر هذا عقب الرواية رقم (٢٧١)، ولم يصرح فيها بذكر الإمام أحمد. الأمة معه، وهذا لا يثبت إلا بدليل. قَالَ: والدليل عَلَى توجب ذَلِكَ علينا إجماع الأمة عَلَى وجوب السجود عَلَى هذِه الأعضاء، ولعل ذَلِكَ أخذ من قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١)، ومن دليل آخر سواه. ولا خلاف أعلمه في الأعضاء السبعة إلا في الوجه (٢)، وكلامه كله عجيب، وأين الإجماع فيما ذكره والأصل عدم الخصوصية. وقوله في رواية: «أعضاء» وفي رواية: «أعظم» إما من باب تسمية الجملة باسم بعضها أو سمى كل واحد منها عظمًا باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل واحد منها عَلَى عظام. وأما كف الشعر والثوب فسيأتي في بابه قريبًا. وقوله: «واليدين» يريد: الكفين. خلافًا لمن حمله عَلَى ظاهره؛ لأنه لو حمل عَلَى ذَلِكَ لدخل تحت النهي عنه في افتراش السبع والكلب. -------------- (١) هو جزء من حديث سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: للمسافر إذا كان جماعة. (٢) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٧١. ١٣٥ (*) - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ فِي الطِّيِنِ ٨١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ؟ فَخَرَجَ. فَقَالَ: قُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟. قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِى تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ:»مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ«. وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٢/ ٢٩٨] ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ إلى أن قال: وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأنَّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ». وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَى رَأَيتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُويَاهُ. وسيأتي بطوله في موضعه في الصيام (١). والأرنبة: طرف الأنف، وهو حجة لمن أوجب السجود عَلَى الأنف والجبهة وقالوا: هذا الحديث مفسر لقوله: «أمرت أن أسجد عَلَى سبعة أعضاء» فذكر منها الوجه، وأبانَ في هذا الحديث أن سجوده - ﷺ - كان -------------- (١) سيأتي رقم (٢٠٤٠) كتاب: الاعتكاف، باب: من خرج من اعتكافه عند الصبح. (*) قال معد الكتاب للشاملة: من هنا اختل الترقيم، وحقه أن يكون رقمه: ١٣٤. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 18 ( الأعضاء 0 والزوار 18) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |