|
|||||||
| ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (183) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (12) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123). الفائدة الحادية عشرة: قوله -تعالى-: (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ): دَلَّ على أن الله يجمع لعبده المؤمن سعادة الدنيا والآخرة، والإيمان سبب الحياة الطيبة، ومن ذلك الذكر الحسن الباقي بعد موته وحب الناس له عبر الزمان، بل إنه راحة في الدنيا والآخرة، والكفر شقاء وتعاسة في الدنيا والآخرة؛ قال -تعالى-: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى . وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (طه: 123-127). وقال -تعالى-: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ . وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ . وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ . وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ . إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ) (فاطر: 19-23). فقوله -تعالى-: (وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ) فالظل حال المؤمن في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة، والحرور حال الكافر في الدنيا والقبر ويوم القيامة، فالناس يقبلون على الشهوات المحرمة ويتبعون الشبهات المضلة طلبًا لسعادة وهمية؛ لذة عابرة كسحابة صيف، أو كطيف زار في المنام ثم تبيَّن أنه مجرد خيال لا حقيقة له؛ فأين هذا من الفرح الذي تحدثه العبادة للمؤمن؟! قال الله -تعالى-: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس: 58). فالله -عز وجل- فطر القلوب على الفرح والراحة والسعادة عند عبادته وذكره والتحنث له والميل إليه سبحانه ومحبته، بل لا تستغني عن محبته وقربه وعبادته طرفة عين؛ إلا عندما يغيب العقل في النوم لضرورة البشرية في هذه الدنيا، وإنما تكون المعاصي كالسكرة: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الحجر: 72)، وهي كالمواد المخدرة كلها تشعل مخ الإنسان باكتفاء غير حقيقي باللذة الوهمية، وربما أدَّت إلى الموت البدني بالفعل بوهمٍ كاذبٍ لمركز التنفس بالمخ بوفرة الأكسجين في الدم، فلا يطلب تحريك عضلات التنفس، ويحدث الفشل التنفسي فيموت البدن، وقد مات القلب قبله بشهوة وهمية، ولذة وقتية غلبت على القلب؛ فألقت عنه إدراكه للهدى والنور، وألغت عنه رغبته الدفينة في غذائه وشفائه الذي يطلبه دائمًا أحياء القلوب من الوحي المنزَّل. فالشفاء للأمراض، والغذاء لحياة القلب بالحب والقرب، والرضا، والخوف والرجاء، والتوكل والإنابة، والتوبة، والافتقار، وغيرها من أعمال القلوب: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ? وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء: 82). فإذا كان هذا يجده المؤمن: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ? وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97)؛ فكيف بالخليل الذي امتلأ قلبه بالحب لله حتى تخلل شغاف قلبه؟! فاتخذه الله خليلًا؛ لعظيم محبته -سبحانه- له، وخصه بنوع خاص من محبته -عز وجل- هي الخلة؛ التي لم يسمِّ بها بعده إلا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم-، حتى قال إبراهيم -عليه السلام-: (إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ) (رواه مسلم). وهناك قَدْر مشترك من حبِّ الله في قلب العبد المؤمن يعقبه حب الله للعبد، وذلك بكونه من الصالحين؛ قال الله -عز وجل- في الحديث القدسي: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) (رواه البخاري). وليس هذا من الوحدة في شيء -كما يقوله الزنادقة المنافقون!-، بل هذا معناه: أن يكون سمع العبد وبصره ويده ورجله كلها لله إخلاصًا، وبه استعانة، كما روي: "فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش وبي يمشي"؛ أي: بحول الله وقوته، وليس أنه يصير عين الله! والدليل على ذلك: قوله: (وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ) فهناك سائل ومسألة ومسؤول، (وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ): فهناك مستعيذ واستعاذة ومستعَاذ به؛ فأنى يسمَّى ذلك وحدة؟! نعوذ بالله. وإنه لمن أعظم الشرف للصالحين أن يخبر الله -عز وجل- عن إبراهيم أنه منهم، كما قال -تعالى-: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)، وكذا شرف للمؤمنين والمحسنين قوله -تعالى- عن إبراهيم: (سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (الصافات: 109-111). فليحرص العبد على هذا القدر المشترك، وليزدد منه ما استطاع ليقترب بروحه من هؤلاء الأنبياء والمرسلين والصالحين؛ لينال حسنة الدنيا، ويكون في الآخرة من الصالحين. اللهم ألحقنا بالصالحين واجعلنا في الندي الأعلى.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (184) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (13) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123). الفائدة الثانية عشرة: قوله -تعالى-: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) دَلَّ على أن مَن أحيا ملة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في الناس هو النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد أن قَلَّ تابعوها حتى كادت أن تندثر، وإنما كان عليها آحاد من الناس: كزيد بن عمرو بن نوفيل الذي كان يقول لقومه: لا أعلم أحدًا على ملة إبراهيم غيري. ذكر البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه زيد بن عمرو بن نوفيل -وساق سنده عن عبد الله بن عمر-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ. وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ. إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ. قَالَ مُوسَى: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا تُحُدِّثَ بِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي، فَقَالَ: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا، حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللهِ، قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ! فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ. فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ. فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ -عليه السلام- خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنهما- قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، وَاللهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، وَكَانَ يُحْيِي المَوْؤُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ، قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا" (انتهى ما ذكره البخاري). وذكر ابن كثير -رحمه الله- عن أسماء -رضي الله عنها- قالت: "سمعت زيد بن عمرو بن نوفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معشر قريش، إياكم والزنا؛ فإنه يورث الفقر... وعن جابر قال: سُئِل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن زيد بن عمرو بن نوفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية، ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم، ويسجد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يحشر ذاك أمة وحده، بيني وبين عيسى ابن مريم. إسناده جيد حسن، وروي من طرق متعددة أنه قال يبعث يوم القيامة أمة وحده" (البداية والنهاية). فهذه الآثار تدلك على حال التوحيد والحنيفية، وملة إبراهيم، وغربة الدِّين قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم ظهر الحق كالشمس وأجلى ببعثته -عليه الصلاة والسلام-، وظهر نور الله، وعادت الحنيفية إلى الانتشار في الناس وترك الشرك بحمد الله -تعالى-؛ حتى وصل إلينا كما أنزله الله. وتأمل أن اليهودية والنصرانية ليست ملة إبراهيم الحنيفية: قال الله -عز وجل-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران: 67)، بعد أن بدَّلوا وغيَّروا ولم يبقَ منهم على التوحيد قبل البعثة النبوية إلا قِلَّة قليلة؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) (رواه مسلم). أما الآن فلم يعد أحد منهم موحِّدًا ولا حنيفًا؛ إذ بلغهم خبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكذَّبوه وكذبوا القرآن؛ فلا تصح لهم نسبة إلى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، إضافة إلى ما أشركوا وعبدوا غير الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 30، 31). فأما تسميتهم ضلالهم الحالي بـ"الدين الإبراهيمي الجديد"؛ فهو زيادة في الكفر يُضَل به الذين كفروا، وكيف يكون دين إبراهيم فيه الإقرار بالشرك وملل الوثنية، وتكذيب الأنبياء، وتكذيب كلام الله القرآن العظيم؟! وقد أكَّد الله -عز وجل- براءة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- من الشرك مرة ثانية، فقال: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)؛ لنعرف أهمية البراءة من الشرك وأهله حتى يصح لنا ديننا؛ دين إبراهيم دين الإسلام، ولا يصح أبدًا مع الإقرار بالشرك وتصويب الملة؛ فالدعوة إلى دين واحد وملة واحدة تجتمع فيها اليهودية والنصرانية والإسلام، وأيضًا البوذية والهندوسية، وأنواع الشرك والضلالات؛ كما يقولونه في الطرق الصوفية العالمية، وغيرها، ممَّن يقول بمساواة الديان ووحدة الوجود؛ فهذا كله من الكفر الأكبر المستبين. فلا يصح لأحدٍ دين الإسلام إلا بالبراءة من هذه الملة الجديدة القديمة، برأنا الله -عز وجل- منها، ونجَّانا من شرِّها.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (185) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (1) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). إن الدعوة إلى الله -سبحانه- أشرف المهمات، وأعظم الوظائف، وهي وظيفة الرسل وأتباع الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، وهي مبنية على حبِّ الخير للناس وكمال الشفقة عليهم، وتمام الحرص على هدايتهم، والخوف عليهم أن يصيبهم عذاب الله في الدنيا والآخرة. ولا شك أن قلب الداعي إلى الله الذي اتسع لحب الخير لجميع الناس وحب هدايتهم أولى بأن يكون أكثر اتساعًا لحب الخير لأهله وذويه الأقربين، وهي مسألة عظيمة الأهمية أن تكون دائرة تأثير الداعي تبدأ في عشيرته الأقربين، فإن إيمانهم من أعظم العون له على الحق؛ كما كانت خديجة -رضي الله عنها- أعظم معين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- على تحمل أعباء النبوة في بدايتها. وكذلك كان إسلام حمزة عم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من أعظم أسباب نصرة الإسلام، وقوة للرسول -عليه الصلاة والسلام-. وكذلك عدم إيمان الأهل طعنة في ظهر الداعي، وحاجز بين الناس وبين قبول دعوته، كما كان أشد شيء على الرسول -صلى الله عليه وسلم- عدم إيمان بعض قرابته كعمه أبي لهب، وابن عمه أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب؛ الذي كانت قصائد هجائه من أشد ما يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وظل مُعْرِضًا عنه مدة بعد إسلامه من أجل هجائه له طيلة عشرين سنة، حين أسلم قبيل الفتح حتى أرشده علي -رضي الله عنه- أن يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- من قِبَل وجهه، ويقول له: (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) (يوسف: 91)؛ فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن مردودًا منه، ففعل؛ فالتفت له النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92)، وكان يقول: أرجو الله أن يجعل منه خَلَفًا لحمزة، وكان لا يحجبه بعد ذلك متى استأذن. ولذا أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- في كتابه بدعوة أهله فقال: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: 214). وفي القرآن المنسوخ التلاوة: "ورهطك منهم المخلصين"، ووقف النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصفا تنفيذًا لهذا الأمر، كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، واللفظ لمسلم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دَعَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: (يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا). وقد قصَّ الله -عز وجل- علينا في قصة إبراهيم في سورة مريم، دعوته لأبيه إلى التوحيد، وترك الشرك وعبادة الأوثان، وبيَّن -سبحانه وتعالى- شدة تلطفه، وحرصه على هداية أبيه، وتنويع الخطاب له بأنواع الحجج الظاهرة البينة، وشدة خوفه عليه، وشفقته من أن يمسه شيء من العذاب، وأن يكون للشيطان وليًّا ثم دعا له رغم الأذى، واستغفر له؛ ليرجو له الرحمة، وهي لا تحصل إلا بالهداية إلى التوحيد وترك الشرك. فلما مات أبوه على الكفر عَلِم إبراهيم أنه عدو لله؛ فتبرأ منه، وترك الاستغفار له؛ قال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا). ولنبدأ أولًا بتفسير هذه الآيات الكريمات، ثم نذكر ما تيسر من فوائدها. والله المستعان. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (187) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (3) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا): "يقول -تعالى- مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه أنه قال: (أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ)؟ يعني: إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها؛ فانتهِ عن سبِّها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنتهِ عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: (لَأَرْجُمَنَّكَ)؛ قاله ابن عباس، والسدي، وابن جريج، والضحاك، وغيره. وقوله: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا): قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق: يعني دهرًا. وقال الحسن البصري: زمانًا طويلًا. وقال السدي: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) قال: أبدًا. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) قال: سويًا سالمًا قبل أن تصيبك مني عقوبة، وكذا قال الضحاك وقتادة، وعطية الجدلي، وأبو مالك، وغيرهم، واختاره ابن جرير. فعندها قال إبراهيم لأبيه: (سَلَامٌ عَلَيْكَ) كما قال -تعالى- في صفة المؤمنين: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: 63)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص: 55). ومعنى قول إبراهيم لأبيه: (سَلَامٌ عَلَيْكَ) يعني: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة. (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) أي: ولكن سأسأل الله -تعالى- فيك أن يهديك ويغفر ذنبك. (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا): قال ابن عباس وغيره: لطيفًا؛ أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له. وقال مجاهد وقتادة، وغيرهما: (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) قال: عوَّده الإجابة. وقال السدي: "الحفي": الذي يهتم بأمره. وقد استغفر إبراهيم لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن وُلِد له إسماعيل وإسحاق -عليهما السلام- في قوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 41). وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداءً بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله -تعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) (الممتحنة: 4)؛ يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به. ثم بيَّن -تعالى- أن إبراهيم أقلع عن ذلك، ورجع عنه؛ فقال -تعالى-: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 113، 114). وقوله: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، (وَأَدْعُو رَبِّي) أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له، (عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) و(عَسَى) هذه موجبة لا محالة؛ فإنه -عليه السلام- سيد الأنبياء بعد محمد -صلى الله عليه سلم-. فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله؛ أبدله الله مَن هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: (وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) (الأنبياء: 72)، وقال: ((وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود: 71). ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) (البقرة: 133)؛ ولهذا إنما ذكر ها هنا إسحاق ويعقوب، أي: جعلنا له نسلًا وعقبًا أنبياء أقرَّ الله بهم عينه في حياته؛ ولهذا قال: (وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا)، فلو لم يكن يعقوب قد نبئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضًا كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق على صحته، حين سُئِل عن خير الناس، فقال: (يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ) (متفق عليه)، وفي اللفظ الآخر: (الْكَرِيمُ، ابْنُ الْكَرِيمِ، ابْنِ الْكَرِيمِ، ابْنِ الْكَرِيمِ، يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) (رواه البخاري). وقوله: (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الثناء الحسن. وكذا قال السدي، ومالك بن أنس. وقال ابن جرير: إنما قال: (عَلِيًّا)؛ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-" (تفسير ابن كثير). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (188) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (4) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). فيه فوائد: الفائدة الأولى: قوله -تعالى-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ): أمرُ الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يذكر في الكتاب أنبياءه وأولياءه له أهمية عظيمة في حياة المسلمين؛ أن الأسوة الحسنة فيهم ضرورة في إثبات أن عقيدة التوحيد والإيمان، وكذا العبادة والإسلام، وكذا الأخلاق وأعمال القلوب والسلوك والإحسان، أمور قابلة للتطبيق في الحياة، ولها واقع في البشر، وليست مجرد أفكار نظرية ومثاليات مجردة، بل واقع عملي يلزمنا اتباعه والاقتداء به، فوجود الأنبياء والصالحين ومحبتهم ضرورة لتحقيق الإسلام والإيمان والإحسان في نفوس المؤمنين. الفائدة الثانية: وصفُ الله -تعالى- إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بالصديقية مع وصفة بالنبوة، كما وصف إدريس بذلك: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ? إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) (مريم: 56)، دال على أن وصف الصديقية لا ينافي وصف الرسالة والنبوة، بل هو جزءٌ من معاني النبوة والرسالة عظيمة القدر. ووصف الصديقية مأخوذ من التصديق كما رجحه ابن جرير -رحمه الله- على صيغة المبالغة؛ فهو كثير التصديق، وإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- قد وصفه الله بأنه من الموقنين؛ قال -تعالى-: (وَكَذَ?لِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام: 75). وقد بيَّن -سبحانه- أن هذا التصديق العظيم الذي وصل إلى أعلى درجات اليقين والطمأنينة هو مِنَّة مِن الله يجعلها في قلوب عباده، وإن كان لها أسباب؛ وهي: كثرة النظر في خلق السماوات والأرض، فيرى العبد ملك الله فيها، فالناس لا يملكون شيئًا في هذا الملكوت الواسع، والتدبير الدائم في كل لحظة مع الإتقان والإحكام والحكمة، وهي كلها تدل على كمال الخبرة والعلم والقدرة، وغيرها من صفات الله، ويصل العبد مع تكرير النظر إلى اليقين وعظيم التصديق؛ قال الله -تعالى-: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (آل عمران: 189-192) الآيات. الفائدة الثالثة: قوله -تعالى-: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا): دليل على البدء في دعوة التوحيد، بدعوة الأقارب والأهل، هكذا ينبغي أن يبدأ الداعي في عشيرته المقربين كما قال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: 214)، فبدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوته بدعوة عشيرته وأهل بيته، فآمن به من آمن ورد عليه من رد، وهكذا ينبغي على كل داعية أن يبدأ دعوته بأهل بيته ثم المقربين منهم من أقاربه وجيرانه وزملائه، وهذا أمر عظيم الأهمية؛ فليست القضية عبادة الله برسوم معينة لا نستطيع الدعوة إلا من خلالها أو أشكال معينة لا تقوم الدعوة إلا بها، بل الدعوة إلى الله تكون بالقول والعمل والسلوك، ومخالطة الإنسان لمن حوله. ولو كان الإنسان صادقًا في دعوته فإن الله لا يضيع عمله هباءً منثورًا؛ لا سيما في أقاربه وأهل بيته، ومن يخالطه؛ فإن الله يضع للمؤمن القبول في الأرض، ولا نعني بذلك أنه لا بد أن يهتدي كلُّ مَن تدعوهم من أهل بيتك؛ لأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56)؛ فهو بعلمه وحكمته يهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الضلال، ولكن لا بد أن نبذل معهم الجهد الكبير مقدِّمين لهم على غيرهم، لا أن نتركهم فريسة للشياطين التي تريد أن تفتك بهم. وهكذا كان أنبياء الله -صلى الله عليهم وسلم- يدعون أهلهم أولًا، وهكذا كان الدعاة إلى الله يهتمون دائمًا بالمقربين بهم، ولا يعني ذلك أن تترك دعوة الأباعد والأغراب، ولكن ابدأ بأهل بيتك واسعَ في إصلاح أسرتك، (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه). فتدعو الكبير والصغير؛ تدعو أباك، وإخوانك، وذريتك، وأقاربك، وتدعو كل من حولك إلى الله -عز وجل-؛ عليك العمل وعلى الله الهداية، فإن إبراهيم دعا أباه إلى الله ولم يؤمن، ودعا نوح ابنه إلى الله ولم يؤمن، ولكن أغلب مَن حول الأنبياء تأثروا بهم أعظم التأثر، وهو -عز وجل- يضع الخير في موضعه، وهو أعلم بالشاكرين، وهو أعلم بالظالمين. نسأل الله أن يهدينا وآباءنا وأمهاتنا، وذرياتنا، وأزواجنا، والمؤمنين والمؤمنات. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (189) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (5) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). الفائدة الرابعة: في قول إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لِأَبِيهِ: (يَا أَبَتِ)، فائدة أن الدعوة تكون بهذا الأسلوب الرفيع الراقي، الرفيق الشفيق؛ فهو يذكِّره بالعلاقة بينهما التي تقتضي كمال الشفقة؛ فهو يذكره بها بلفظ الأبوة، مع حذف ياء المتكلم وإبدالها بالتاء. هذه الرابطة العظيمة التي هي من آيات الله في خلقه والتي تقتضي في هذا الموضع كمال الحرص على الخير، وكمال حب الهداية له، والرغبة في نجاته من هاوية الكفر المؤدي إلى الجحيم، وهذه التاء التي بدل ياء المتكلم وقد أعطيت حركتها من الكسر تدل على خصوصية العلاقة المقتضية الحنان الخاص، والشفقة الخاصة، وكل ذلك ترغيبًا له في اتباع دين الحق وترك الدين الباطل الذي هو عليه، وهذا كما قال الله -عز وجل-: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (الإسراء: 24). وهذا الانكسار الذي لا يقع من كثير من الأبناء يترتب على تركه العقوق، ومن القطيعة للأرحام ما لا يرضاه الله؛ فإن الله شرع للابن أن يرفق بأبيه وأمه، وأمه مقدَّمة على أبيه في البر والإحسان، وحسن الصحبة، والرفق واللين؛ كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- مَن سأله: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: (أُمُّكَ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أُمُّكَ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أُمُّكَ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أَبُوكَ) (متفق عليه). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَاكَ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وفي رواية: (أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) (رواه النسائي، وصححه الألباني)، فينبغي أن يكون المرء في أتمِّ الحرص على إظهار هذا الرفق وهذا اللين، فإذا كان الله -سبحانه- قد أمر موسى وهارون -صلى الله عليهما وسلم- أن يقولا لفرعون الطاغية قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى؛ فإن أولى الناس بالرفق والقول اللين، أهل بيتك وأقاربك؛ خصوصًا والداك، كما قال -سبحانه وتعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125). وكما ذكرنا، ليس علينا هداية أحد، لكن علينا أن نحسن الأسلوب، ولنعلم أن الفظاظة وغلظة القلب؛ خصوصًا مع الأقارب، ومع الآباء والأمهات من أعظم أسباب نفور الناس عن الالتزام بالكتاب والسُّنة. ومن أعظم أسباب سوء الفهم الذي يقع مِن الذين يصدقون وسائل الإفساد التي تشوِّه صورة الإسلام؛ حيث يجد الآباء في سلوك أبنائهم الذين ابتعدوا عن تعاليم الشرع، مسوغًا لتصديق ما يروجه أهل الباطل عن دعوة الحق وتشويه صورتها؛ فلا بد أن تكون رفيقًا شفيقًا في الأمر كله، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) (رواه مسلم). ولا نعني بذلك المداهنة في العقيدة، وقول الباطل والسكوت عن الحق، وإنما نعني الأسلوب الطيب في توصيل كلمة الحق وإظهارها، والبدء بدعوة الأقارب لا يعني ترك دعوة الأباعد والأغراب، ولكن نبدأ بالسعي في إصلاح الأسرة والأقارب؛ لأننا رعاة ومسئولون عن رعيتنا كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه)؛ فندعو الكبير والصغير، وندعو الآباء والإخوان والأقارب، والأبناء، وندعو كلَّ مَن حولنا إلى الله -عز وجل- بالرفق واللين. وأما قضية المداهنة: فقد كان نفيها واضحًا تمام الوضوح في دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- مع ملازمة الرفق في الدعوة وأسلوبها، قال الله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الأنعام: 74)، وكذا قوله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (الزخرف: 26، 27)؛ فليس هذا من باب السب، ولا من باب الطعن، ولكن من باب بيان الحق. وكثيرًا ما يشتبه الأمر على الناس حين يصفون الباطل ظلمًا وزورًا بأنه حق، وأنه لا بأس به، ويزعمون أنه حسن أسلوب ودبلوماسية في الدعوة؛ نعوذ بالله، بل هذا هو الضلال! وهو الذي يحصل به الانحراف، وإنما الأمر في طريقة العرض، وفي استغلال العلاقة الأسرية، وعلاقة البنوة والأبوة والإخوة، والقرابة، في بيان الحق وإظهار الشفقة، وإظهار إرادة الرحمة والخير بمن تدعوه، وفي نفس الوقت تبيِّن له البيان الكافي الشافي ولا تتركه. ولا بد أن يشعر المدعو منك بصدق مشاعرك في إرادة الخير له، وحبك الخير له؛ فأنت تحبه ذلك الحب الفطري الذي يتحول في قلبك -إذا لم يكن القريب على الهدى- إلى حبِّ الخير له، وإرادة الخير به؛ كما قال أبو بكر -رضي الله عنه- عن إسلام أبي طالب: "والله لقد كان إسلام أبي طالب لو أسلم أحبُّ إليَّ من إسلام أبي قحافة؛ لأن إسلامه كان أحب إلى رسول الله"؛ أي: إلى قلب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو يحب إسلام أبيه وقد حقَّقه الله له، وكان الأحب إلى قلبه إسلام أبي طالب؛ لأنه أحب إلى قلب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن سبحان الله لم يتحقق! فهو -سبحانه وتعالى- أعلم بالمهتدين. والغرض المقصود: أن تكون محبًّا لهداية أهلك وأقاربك، مؤثِّرًا فيهم بحسن العشرة والسلوك الطيب، والخُلُق الحسن الذي يجعلهم يحبونك، ويصدقون كلامك، وإن أظهروا التكذيب والرد؛ فبرك بوالديك وإحسانك إلى جيرانك دعوة إلى الله، وأنت إذا عققت والديك وقطعت رحمك، وأسأت إلى جيرانك؛ فهذا من أعظم الصدِّ عن سبيل الله؛ وإن ظننت أنك تدعو إلى الله، وإن ادعيت الالتزام بالشرع؛ فلا بد أن تجتهد في إظهار الإحسان إلى الخلق.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (191) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (7) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). الفائدة السابعة: في قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا): المقصود بالهداية في هذه الآية: هداية التبيين والإرشاد، وأما هداية القلب بالتوفيق والإسعاد فهي لا يملكها إلا الله -عز وجل-، ولذا لم يهتدِ أبوه؛ فالله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته، وهو أعلم بالشاكرين وأعلم بالظالمين؛ يضع الهدى في مواضعه، ويضع الضلال في مواضعه، يهدي مَن يشاء ويعافي فضلًا، ويضل مَن يشاء ويبتلي عدلًا. وجعل -عز وجل- العباد يفعلون بإرادتهم التي خلقها الله لهم وقدرتهم، ما قدَّره -سبحانه وتعالى- بعلمه وحكمته وعدله؛ لم يظلم الناس شيئًا، وقال -سبحانه وتعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56). يعلم -سبحانه- مَن يستحق الهدى وينبت أنواع الطاعات، ونور الخيرات في قلبه؛ لأن الأرض قابلة والمعدن قابل لهذا الخير، ويضل من يشاء -سبحانه-؛ لأنه يعلم أن أرض هذا القلب أرض خبيثة لا يصلح فيها البذر الطيب، ولو وضعه فيها لأماته، وما أنبتت أرض قلبه شيئًا: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (الأنفال: 23). وقوله -سبحانه وتعالى-: (صِرَاطًا سَوِيًّا) أي: مستقيمًا معتدلًا قصدًا، وهو الذي يوصل إلى الله -عز وجل-، وهو أقرب الطرق وأقصرها على المكلَّف؛ ولذا هذا الصراط المستقيم السوي هو دين الإسلام والتوحيد، واتباع كل الرسل كلٌّ في زمنه -صلوات الله عليهم أجمعين-، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ غير صراط المغضوب عليهم الذين علموا الحق وأعرضوا عنه "واليهود على رأسهم"، ولا صراط الضالين الذين لم يعلموا الحق وضلوا عنه فلم يريدوه "وعلى رأسهم النصارى"، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). الفائدة الثامنة: في قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا): أكثر الخلق يعبدون الشيطان وإن كانوا لا يظهرون ذلك، وربما لا يستشعرونه، فلا يوجد إلا قلة هي كالأنعام، بل هم أسوأ من ذلك يقرون بعبادة الشيطان صراحة، وتوجد منهم طائفة تنتسِب زورًا وبهتانًا إلى الإسلام، وهي كافرة بإجماع المسلمين، وهي الطائفة اليزيدية التي بدأت بعدم جواز لعن يزيد، ثم تطوروا إلى عدم جواز لعن أحد، ثم تطوروا إلى عدم لعن الشيطان، ثم تطوروا إلى عبادة الشيطان، وأن مَن قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كَفَر عندهم، نعوذ بالله، ولهم خرافات وخزعبلات فظيعة، وسبحان الله! لا تزال طائفة منهم موجودة في العراق وغيرها، ولكن أكثر أهل الأرض يعبدون الشيطان بطاعته في الكفر، بعبادة ما يأمر بعبادته من دون الله من الأوثان والأحجار، والأشجار والقبور، والأشخاص الأحياء والأموات، وسائر الآلهة الباطنة من دون الله أو مع الله، تعالى الله عن شركهم علوًّا كبيرًا. وقوله: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ): أي: لا تطعه في الكفر بالله وكل من عبد غير الله، فقد عبد الشيطان في الحقيقة؛ قال الله -عز وجل-: (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا . لَّعَنَهُ اللَّهُ) (النساء)، فهم يعبدون الشيطان حين أطاعوه فيما شرع لهم من الكفر والشرك وكل عابد لغير الله وكل مكذب لأنبياء الله ورسوله عليهم الصلاة والسلام، وكل مكذب بكتب الله فهو عابد للشيطان، إذ هو الذي أمر بعبادة غير الله وأمر بتكذيب الرسل؛ ولذا كان كل كافر مشرك، وكل مشرك كافر؛ لأن المشرك قد عبد الشيطان من دون الله عز وجل، وهو في نفس الوقت ستر فطرة التوحيد التي فطر الله الناس عليها، وكل كافر ستر فطرة التوحيد فقد عبد الشيطان فهو أيضًا مشرك خلاف لمن يقول: هناك كفار ليسوا مشركين كما يظن البعض في اليهود والنصارى، أو في بعضهم، وقد قال سبحانه وتعالى عنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ? يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ? قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ? أَنَّى? يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَ?هًا وَاحِدًا ? لَّا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 30، 31). فنص على شركهم، وكل من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر مشرك لا نزاع في ذلك وكذلك كل من كذب نبيًّا من الأنبياء، نعوذ بالله فهناك تلازم بين الشرك والكفر، والمقصود بذلك الأكبر منهما، ولا بد أن ننبِّه هنا على الفرق بين طاعة الشيطان في المعصية وبين طاعته في الكفر والشرك، وتكذيب الرسل؛ فإن طاعته في غير الشرك لا يطلق عليها أنها عبادة له إلا مع بيان أنها من الشرك الأصغر، وأما إذا أطلق عبادة الشيطان فالمقصود بها الشرك الأكبر بطاعته في الكفر -والعياذ بالله- إلا والخوارج يحتجون على تكفير العصاة بذلك. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (196) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (12) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). الفائدة الخامسة عشرة: من الحِكَم في عدم إيمان أبي إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: أن تتحقق عقيدة الولاء والبراء اعتقادًا وعملًا وسلوكًا في موقف إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، من البراءة من أبيه في الدنيا والآخرة؛ كما قال -عز وجل-: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 114)، وفي الآخرة يتبرأ منه أيضًا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَلَّا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ؛ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ؛ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ) (رواه البخاري). (قلتُ: الذِّيخ هو: الذَّكَر من الضباع كثير الشعر. ومُلْتَطِخٍ: أي: بعذرته وبرازه). فيتبرأ إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- من أبيه في الآخرة كما تبرأ منه الدنيا، وقد جعل الله صورة أبيه المعذب في صورة ضبع متلطخ بنجاسته؛ حتى لا يتأذى إبراهيم بصورة إبراهيم الذي يعرفه وهو يعذب في النار. نسأل الله العافية. فالله أعلم بالمهتدين، ولقد قَدَّر الله -عز وجل- أن يوجد في أقارب كثيرٍ من الأنبياء من لم يؤمن؛ حتى تتحقق هذه العقيدة، وغيرها من الحِكَم؛ فقضى الله بحكمته ألا يؤمن ابن نوح -عليه الصلاة والسلام- رغم أنواع الدعوة التي استعملها نوح -صلى الله عليه وسلم- من التلطف، والدعوة باللين، والتذكير بالبنوة التي تربطه به، وتذكيره بالآخرة ورؤيته للآيات الباهرة، والمعجزة الحسية الظاهرة؛ بالإضافة إلى الأدلة العقلية القاهرة لعقل أي مشرك، ملحد، معاند، ومع ذلك لم يؤمن ابن نوح، وهو أحد أعمام هذه البشرية التي توجد الآن على ظهر الأرض، ومع ذلك فالكل تبرأ منه، ونوح -عليه السلام- استغفر ربَّه بعد أن قال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (هود: 45-47). وقَدَّر الله وجود امرأة نوح وامرأة لوط في أسرتين من أُسَر أنبياء الله -عز وجل-، وقدَّر الله أن يوجد أبو لهب وأبو طالب عَمَّا النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يؤمنا، وقدَّر الله أن كثيرًا من أقارب أهل الإيمان من الكافرين؛ لتُفصَل الروابط الدنيوية، وتبقى رابطة الدِّين؛ فإن الله لم يأذن لهم حتى في الاستغفار لذويهم من المشركين؛ قال الله -تعالى-: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 113-114). فانفصلت وانقطعت وزالت روابط الأسرة الواحدة وبقي الإحسان؛ هذه الروابط التي تنفصل هي روابط المودة والموالاة التي تكون على الدِّين وعلى طاعة الله، واتباع أمره؛ لا على غيره؛ لأنه إذا لم يوجد الإيمان والدين الذي افترض الله على الخلق جميعًا اتباعه؛ فلا بد من العداوة والبغضاء، قال الله -عز وجل-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: 4). الفائدة السادسة عشرة: في قوله -عز وجل- عن أبي إبراهيم: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ): أعرض أبوه عن كل الحجج، بل صار منكرًا على إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، واندفع يستنكر كيف يرغب عن آلهته التي يصنعها؟! وكان فيما يذكرون ينحت الأصنام لقومه -والعياذ بالله-، فقال: (أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ). نعم رغب إبراهيم -عليه السلام- عن آلهة أبيه التي تُعبَد من دون الله؛ فإن الرغبة في الله لا تحصل إلا بالرغبة عن آلهة المشركين، وتوحيد الله لا يحصل إلا بالكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه؛ كما قال -تعالى-: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 256)، وهي كلمة لا إله إلا الله، وهي تبدأ بالنفي لكلِّ ما يعبد من دون الله، ثم بالإثبات لألوهية الله وحده؛ فلا يُبنَى الإسلام إلا على أنقاض الجاهلية والشرك، ولا بد أن تُهدَم هذه الجاهلية وهذه العقائد الفاسدة في النفوس كما تهدم في الواقع، وذلك أنه لا تتحقق دعوة التوحيد في قلب إنسان حتى يتبرأ من عبادة غير الله، ويرغب عن كل ما يعبد من دون الله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (الزخرف: 26-27). وليس الأمر كما يقول الزنادقة والمنافقون؛ الذين يصححون مِللًا غير ملة الإسلام؛ حتى ولو صححوا ملة الإسلام، ويرون كل الأديان حقًّا كما أن الإسلام حق؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فـ(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران: 19)، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85) بنصِّ القرآن. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (190) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (6) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). الفائدة الخامسة: دعوة الحق تبدأ بهدم الباطل: فقد بدأ إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوة أبيه، بهدم الباطل الذي عليه أبوه، ولكن بأرق صيغة داعية إلى التفكير؛ وهي: صيغة الاستفهام: (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا)؟ وهدم الباطل أساس دعوة التوحيد "لا إله إلا الله"؛ فإنها براءة من الشرك وإثبات الألوهية لله وحده، وبدون هدم الشرك وعبادة غير الله لا يقوم التوحيد؛ فتبًّا لدعاة وحدة الأديان، ووحدة المعبودات، ووحدة الوجود! إن هذه الدعوة التي يقوم عليها "الدِّين الإبراهيمي الجديد" الذي صنعه اليهود، هي دعوة لهدم دين إبراهيم الحق -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف يكون من يعبد غير الله كمن يعبد الله؟! (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (القلم: 35-36)، وقال -تعالى-: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (ص: 28)، وقال الله -عز وجل-: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (الجاثية: 21). ثم استعمل إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- الأسلوب العقلي الصحيح الموقِظ للفطرة الإنسانية من سُبات التقليد الأعمى؛ الذي يغلق العقل والفطرة معًا؛ فكيف تصح عبادة مَن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني شيئًا عن عابده؟! ومَن تأمل كلَّ المعبودات الباطلة حتى مِن غير الأصنام -كعبادة البشر- وجدها كذلك؛ فالجمادات: كالشمس والقمر، والأشجار والأحجار؛ لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عن نفسها ولا عن غيرها شيئًا، ولولا الضلالات والأوهام التي جعلوها اعتقادات راسخة؛ لأدرك كلُّ عاقل بطلان عبادتها، وأما الحيوانات والأشخاص فرغم أنها تسمع وتبصر في حال من أحوالها؛ إلا أنها مَرَّ عليها مرحلة النطفة، والعلقة، والمضغة، وما بعدها في مرحلة الجنين؛ لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عن نفسها شيئًا؛ فضلًا عن غيرها، ثم في مرحلة الموت هي لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عن عابدها شيئًا، بل عن نفسها لا تملك دفع الموت عن نفسها؛ فلماذا يعبدها الإنسان الذي كرَّمه الله -عز وجل- بالعقل والفطرة، وأرسل إليه رسله ليخاطبوه بمقتضى هذا العقل، وهذه الفطرة. فقول إبراهيم -عليه السلام- لأبيه: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا): بيان لعجز كل ما يعبد من دون الله، وفقره وحاجته، فإنما هو فقير؛ فكيف يغني الفقير عن غيره وهو في نفسه عاجز؟! وهذه الجملة: (مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) متضمنة لإثبات صفات الكمال لله -عز وجل- السميع البصير، الغني الحميد؛ فتبيَّن أن ما يُعبَد من دون الله، لا يملك شيئًا؛ لا سمع ولا بصر، ولا يغني عن عُبَّاده شيئًا، وحتى البشر الذين يعيشون مدة يسمعون ويبصرون؛ ليس سمعهم بالسمع المحيط، ولا بصرهم بالبصر المحيط؛ لذا فالاعتقاد في الأموات كما يعتقد غلاة الصوفية الخرافيون: أن لهم السمع والبصر المحيط، وسؤالهم على ذلك، هو اعتقاد أنهم يرون ويجيبون، ويغنون عن المرء شئيًا؛ فهذا -والعياذ بالله- شركًا بالله العظيم في أسمائه وصفاته، وكذلك في ربوبيته، وسؤالهم إياهم: شرك في الإلهية، فيُقَال لهم: لِمَ تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنكم شيئًا؟! فهذه الحجة تُقَال لجميع عُبَّاد القبور، وعباد الأشخاص، وعباد الأموات، وعباد الأوثان التي جعلت رموزًا لهذه الإلهة الباطلة؛ فهي نفس الحجة التي يجب أن نكرِّرها دائمًا عليهم؛ لو استحضرتها عقولهم لنفروا مِن عبادة مَن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عن عابده شيئًا. الفائدة السادسة: قول الله -عز وجل- عن إبراهيم -عليه السلام-: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا): فيه شرف العلم، وأن شرفه عظيم؛ به يعلو الصغير على الكبير، ويرتفع الابن على الأب، ويكون الإنسان فوق غيره؛ لأن الله يرفع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات، وقال -تعالى-: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ? وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف: 76). وقول إبراهيم -عليه السلام-: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا): علاج لمرض ينتشر في كثيرٍ من الناس؛ أنهم لا يقبلون الحق من الصغير، أو ممَّن هو دونهم في السنِّ أو المنزلة، فإبراهيم -عليه السلام- يذكِّر أباه بأنه قد جاءه من عند الله من العلم ما لم يأتِه هو؛ فليست العبرة بكبر السن، ولا بالمنزلة الاجتماعية لدى الناس. وهنا أمر يستفيده المؤمن في دعوته إلى الله ليبيِّن للناس: أن الواجب اتباع مَن جاءه العلم مِن عند الله؛ الذي هو العلم بالوحي المنزَّل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمن كان عنده هذا العلم وجب اتباعه؛ سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، كما كان عمر -رضي الله عنه- يدني القُرَّاء، وكانوا أصحاب مجلس عمر -رضي الله عنه- ومشورته شيوخًا كانوا أو شبانًا، وكان منهم ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- رغم صغر سنه، وكان منهم الحر بن قيس -رضي الله عنه-، ولم يكن يقدِّم أحدًا لكبر سنه، وإنما لمنزلته وعلمه، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا) (رواه مسلم). والتقديم بالسن فيما إذا استوى الإنسان مع غيره في الفضائل، وأما احترام الكبير؛ فهو واجب، لكن لا يلزم منه أن يكون متبعًا على أي حال، وإنما يحترم ويعرف قدره؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ) (رواه أحمد والحاكم، وحسنه الألباني). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (192) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (8) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50). الفائدة التاسعة: ذكرنا في المقال السابق: أن طاعة الشيطان في الكفر والشرك هي العبادة له، وأما طاعته في غير الشرك، فإنها لا تطلق أنها عبادة له؛ إلا مع بيان أنها من الشرك الأصغر. ويُلَاحظ: أن كثيرًا من الناس يسب الشيطان ويلعنه، ولكنه مع ذلك مطيع له وعابد له، كما أن أكثر الناس إذا اتبعوا أهواءهم ينفون عن أنفسهم عبادة الهوى، لكنهم طالما اتبعوا الهوى في الكفر، كان ذلك عبادة للهوى؛ قال الله -تعالى-: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) (الفرقان: 43). وكما يعبدون الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة، وذلك إذا باعوا دينهم من أجل هذه الأعراض من أعراض الدنيا، وأما مَن يقدِّم حب الدرهم والدينار، والقطيفة والخميصة على طاعة الله، ولكنه لا يرضى أن يقدمها على توحيد الله -عز وجل-؛ فهذا نوع عبادة، وهي شرك أصغر. وكذلك يذمون طالب الرياسة، وهم في أنفسهم طالبون لها، كما ذمَّ قوم فرعون موسى وهارون -عليها السلام- بالباطل؛ حيث قالوا: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ) (يونس: 78)، فنسبوا إليهما على وجه الذم أنهما يريدان الكبرياء، مع أن قوم فرعون وأشباههم من أهل الرياسة والمُلك هم الذين يريدون الكبرياء، ويتهالكون في سبيل ذلك، ثم هم يذمون مَن يريد الملك والرياسة، ويزعمون أنهم لا يريدونها إلا لمصلحة الناس، وإلا للمحافظة على الطريقة المثلى، ووالله ما هي بمثلى. وطلب الرياسة والملك والجاه قد يكون شركًا أكبر إذا كان صاحبه يكفر ويبيع دينه من أجل الرياسة والجاه والملك، ويكون شركًا أصغر إذا كان يعصي الله -سبحانه وتعالى- في المحافظة على المُلك والجاه أو في طلبهما. وعلى الرغم من أن هؤلاء الذين يعبدون الشياطين، وفي الوقت نفسه يذمونها، ويعبدون الأهواء ويزعمون التبرؤ منها، ويعبدون الدرهم والدينار، والقطيفة والخميصة وهم يذمون مَن يريد المال، ويقولون: هذا يشترى بالمال! يذمون ذلك... مع أنهم يَقْتُلون ويُقتَلون من أجله! وهذا التبرؤ لا يغني عنهم شيئًا، فكونهم لا يسمونها عبادة -مع أنها في الحقيقة عبادة-؛ لا يغني عنهم شيئًا. وكذلك مَن يعبد غير الله من الأموات، ويصرف لهم أنواع العبادات من الدعاء والاستغاثة والاستعانة، وطلب المدد، وطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات، والأرزاق والأولاد، وهو في كل ذلك لا يسمي ذلك عبادة، وهي شاء أم أبى عبادة لهذا الميت، وإن أجازها أهل الباطل والضلال؛ بزعم أنها على سبيل السببية، أن طلب قضاء الحاجات من الأموات على سبيل السببية جائز -ونعوذ بالله-، فما كان شرك المشركين إلا بذلك (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (يونس: 18)، وقال الله -سبحانه وتعالى-: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: 3). والحقيقة -التي لا شك فيها-: أن قلب الإنسان يتعلَّق بهؤلاء، ويتطور به الحال إلى أن يعتقد أنهم يملكون الأرزاق، ويدبرون الكون، ويملكون العطاء والمنع -نعوذ بالله من ذلك-. وكذلك من يعبد غير الله من الكبراء والسادة، والأحبار والرهبان، ممَّن يقبل تشريعه من دون الله مخالفًا لما شرع الله وإن لم يسمها عبادة، كما قال عدي بن حاتم -رضي الله عنه- عن حال النصارى قبل أن يتم إسلامه عندما سَمِع قولَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) (التوبة: 31)، قال: قلتُ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدُهم! فقال: (أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟)، قال: قُلتُ: بَلَى! قال: (فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ!) (رواه الترمذي والطبراني، وحسنه الألباني). فعدم تسمية العبادة عبادة لا ينفع صاحبه إذا قامت عليه الحجة ووصلت إليه؛ لأن هذه عبادة لهؤلاء من دون الله، كما أن طاعة الشيطان في الكفر طاعة له من دون الله، ولو ظل عابده يلعنه بالليل والنهار! وتأمل في تعليم إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه في قوله: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) فهذا التعليل؛ لبيان أن طاعة الشيطان في معصية الرحمن مع تجويز هذه المعصية وتصحيحها، هو من الكفر -والعياذ بالله-. ولذلك نقول: إن طاعة الشيطان في المعصية معصية، بشرط اعتقاد أنها معصية، بعد بلوغ الحجة الرسالية، وأما طاعته مع تصحيحها وتصويبها كما يفعل أهل الغرب في زندقتهم في استباحة الفواحش والمحرمات بزعم أنها حرية؛ فإن ذلك -والعياذ بالله- كفر، وعبادة للأهواء، وعبادة للشيطان. ثم ذَكَّر إبراهيم -عليه السلام- أباه بصفة الرحمة الظاهرة في الكون ظهورًا واضحًا جليًّا لكلِّ مَن يتأمل، فآثار هذه الرحمة العامة فيما خلقه الله للبشر، وفيما خلق في قلوبهم من أنواع الشفقة والرحمة على ذويهم وعلى أولادهم، بل بجعلها -سبحانه وتعالى- في الدواب، لا تخفى على أحدٍ. وآثار رحمة الله لأهل الأرض من أنهار وأمطار بالليل والنهار، وأنواع الرحمات، أمر ظاهر لا ينكره متأمل. يذكِّر إبراهيم أباه بأن الرحمن يريد لنا الرحمة، والشيطان عاصٍ له؛ فهل تعبده بطاعته في الكفر -والعياذ بالله-، فتفقد أسباب الرحمة الربانية؟! وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |