الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - الصفحة 18 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ليل الندى |د زين العابدين ود محمد شلبي مع د أحمد الفولي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 8 - عددالزوار : 156 )           »          {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 430 - عددالزوار : 131690 )           »          فتاوى رمضانية ***متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 834 - عددالزوار : 369865 )           »          تفسير قوله تعالى: ﴿ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخاف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          تفسير قوله تعالى: {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم...} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          حين تعود القلوب في رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          رمضان ثورة على النفس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          كيف نقضي رمضان: شهر يغير حالك الإيماني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          متعة الأذهان في شرح أحاديث رمضان - الجزء الثالث (من الحديث 28 - 40) (pdf) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          40 كلمة قصيرة عن شهر رمضان (pdf) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17-01-2026, 11:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 136الى صــ150
الحلقة (171)






حفص، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: قال: قلت: أرأيت قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أهو الرجل يَحْمِل على الكتيبة فيها ألْفٌ، قال: لا، ولكن الرجل يُذنب، فيلقي بيده ويقول: لا توبة (١).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: عَجِب ربُّنا -عز وجل- مِن رجلٍ غزا في سبيل الله، فانهزم -يعني: أصحابه- فَعَلِمَ ما عليه، فرجَع حتى أُهريق دمُه، فيقول الله -عز وجل- لملائكته: انظروا إلى عبدي رجَع رَغْبَةً فيما عندي، وشفقةً ممّا عندي، حتى أُهريق دَمُه» (٢).
[قلت: وفي الباب، حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «ثلاثة يُحبُّهم الله ويَضْحَك إليهم، ويستَبْشِر بهم: الذي إذا انكشَفَت فِئَة؛ قاتل وراءَها بنفسه لله -عز وجل- فإمَّا أن يُقتَل، وإمَّا أنْ ينصرَه الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ كيف صبَر لي بنفسه»] (٣).
واختَلَف أهل العلم في حَمْل الرجل وحدَه على الجيش؛ والعدد الكثير مِن

---------------------
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» وكذا ابن جرير وغيرهما وانظر ما قاله محققا كتاب «الإنجاد» (ص ١٩١)، قلت؛ وأخرج الحاكم نحوه في «المستدرك» ولفظه: «قال له [أي للبراء -رضي الله عنه-] يا أبا عمارة ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، الرجل يلقى العدوَّ، فيقاتل حتى يُقتَل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب، فيقول: لا يغفره الله لي»، وصحَّحه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٦٢٤).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢١١)، ورواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان في «صحيحه»، وحسَّنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٨٤).
(٣) أخرجَه الطبراني، وحسَّنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٨٤).



العدوِّ؛ فأقول [الكلام لمُصنِّف الإنجاد]: أحوال الذي يَحْمِل وحده ثلاث:
حال اضطرار، وذلك حيث يحيط به العدوّ، فهو يخاف تَغَلُّبَهم عليه وأسْرَهُم إياه، فذلك جائزٌ أن يَحْمِل عليهم باتفاق.
وحالٌ يكون فيها في صفِّ المسلمين وَمَنَعتِهم، فيَحْمِل إرادةَ السُّمعة والاتصافَ بالشجاعة، فهذا حرام باتفاق.
وحالٌ يكون كذلك مع المسلمين، فيحمل غَضَبًا لله، محُتَسِبًا نفسه عند الله، ففي هذا اختلف أهل العلم، فمنهم مَن كَرِهَ حَمْلَه وحده، ورآه مما نهى الله عنه مِن الإلقاء باليد إلى التهلكة، ومنهم مَن أجاز ذلك واسْتَحْسَنه؛ إذا كانت به قُوّة، وفي فِعله ذلك منفعةٌ، إمَّا لنكاية العدوِّ أو تَجرئةِ المسلمين -حتى يفعلوا مِثل ما فَعَل- أو إرهابِ العدوِّ؛ ليعلموا صلابة المسلمين في الدين (١).

-----------------------
(١) وجاء في التعليق في الكتاب المذكور: تكاد تُجمِع كلمة الفقهاء على جواز ذلك، بل حكى ابن أبي زمنين في «قدوة الغازي» (ص ١٩٨) الإجماع عليه، ونصُّ عبارتِه: «قال ابن حبيب: ولا بأس أن يَحْملَ الرجل وحده على الكتيبة، وعلى الجيش؛ إذا كان ذلك منه لله، وكانت فيه شجاعةٌ وجَلَدٌ وقوةٌ على ذلك، وذلك حَسَنٌ جميل لم يكرهه أحدٌ من أهل العلم، وليس ذلك مِن التهلكة، وإذا كان ذلك منه للفخر والذِّكر فلا يفعل -وإنْ كانت به عليه قوة- وإذا لم يكن به عليه قوة فلا يفعل وإنْ أراد به الله؛ لأنه حيئذٍ يُلقي بيده إلى التهلكة» ...
وجاء في «البيان والتحصيل» (٢/ ٥٦٤) ما يلي: "قال أشهب: وسُئل مالك عن رجل من المسلمين يحمل على الجيش من العدوّ وحدَه، قال: قال الله -تعالى-: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فجعَل كلَّ رجلٍ برجلين؛ بعد أنْ كان كلّ رجُلٍ بعشرة، فأخافُ هذا يلقي بيده إلى التهلكة، وليس ذلك بسواء أنْ يكون الرجل في الجيش الكثيف =



............................= فيحمل وحده على الجيش، وأنْ يكون الرجل قد خلفه أصحابُه بأرض الروم، أحاطوه فتركوه بين ظهرانَيِ الروم، فهو يخاف الأسر فيستقتل فيحمل عليهم، فهذا عندي خفيف، والأول عندي في كثفٍ وقُوَّة، وليس إلى ذلك بمضطر، يختلف أن يكون الرجل يحمل احتسابًا بنفسه على الله، كما قال عمر بن الخطاب: الشهيد من احتسَب نفسَه على الله، أو يكون يريد بذلك السمعة والشجاعة.
قال محمد بن رشد: أمّا إذا فعَل ذلك إرادةَ السمعة والشجاعة، فلا إشكال ولا اختلافَ في أنّ ذلك من الفعل المكروه، وأمّا إنِ اضطرَّ إلى ذلك بإحاطة العدوِّ به، فَفَعلَهُ مخافة الأسر؛ فلا اختلاف في أنّ ذلك من الفعل الجائز، إنْ شاء أن يستأسر، وإنْ شاء أن يحمل على العدوِّ، ويحتسب نفسه على الله، وأمّا إذا كان في صفِّ المسلمين، وأراد أن يُحمل على الجيش من العدوِّ وحده؛ مُحْتسِبًا بنفسه على الله ليُقوِّي بذلك نفوس المسلمين، ويُلقي الرعب في قلوب المشركين، فمِن أهل العلم مَن كَرهه ورآه مما نهى الله عنه مِن الإلقاء إلى التهلكة؛ لقولهعز وجل-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأيدِيكم إلى التهلُكَةِ﴾، وممَن رَوَىَ ذلك عمرو بن العاص، ومنهم من أجازه واستحبَّه لمن كانت به قوة عليه، وهو الصحيح«...
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في»قاعدة في الانغماس في العدوِّ، وهل يباح ... «(ص ٢٤):»والرجل يَنْهزِم أصحابُه، فيقاتِل وحده، أو هو وطائفة معه العدوَّ، وفي ذلك نكاية في العدوِّ، ولكن يظنُّون أنهم يُقْتلون، فهذا كلّه جائز عند عامّة علماء الإسلام؛ مِن أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلاَّ خلاف شاذّ.
وأمّا الأئمّة المتبوعون كالشافعي وأحمد وغيرِهما؛ فقد نصّوا على جواز ذلك، وكذلك هو مذهب أيى حنيفة ومالك وغيرهما«، ودلَّل عليه بتطويلٍ من الكتاب والسنة وإجماع السلف، ونحوه في»مجموع الفتاوى«(٢٨/ ٥٤٠) له.
وقال الشافعي -رحمه الله- في»الأم«(٤/ ٩٢):»لا أرى ضيقًا على الرجل أن يُحْمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل، وإنْ كان الأغلب أنّه مقتول؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله - ﷺ -، وحَمَل رجلٌ من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر، بعد =



وبالجملة، فكل مَن بَذَلَ نفسه لإعزاز الدِّين، وتوهينِ أهْلِ الكفر؛ فهو المقام الشريف الذي تَتَوجّه إليه مُدْحَةُ الله -تعالى-، وكريمُ وعْدِه في قوله -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٢).
قلت: والراجح: جوازُ حَمْلِ الرجل وحده على جيش العدوِّ حال الاضطرار، إذا أحاط به العدوُّ، لخوفه تغلُّبَهم عليه وأسْرَهم إيّاه. ويجوز في حالٍ يكون في صفِّ المسلمين ويجد في نفسه القوة فيحمل غضبًا لله، محتسبًا نفسه لله، يفعله لنكاية العدوِّ أو إرهابه، أو ليُجرِّئَ المسلمين، ويفعلوا مِثْل ما فَعَل، إذا ترجَّح لديه الظنُّ أنّ في هذا منفعةَ المسلمين. ولا يجوز هذا الحمل إرادة السمعة

-----------------
= إعلام النبي - ﷺ - بما في ذلك من الخير فقُتِل«. وانظر:»الأوسط«(١١/ ٣٠٦ - ٣٠٧). وكلام الإمام أحمد في»مسائل صالح«(٢/ ٤٦٩) قال:»قلت: الأسير يَجِدُ السيف أو السلاح فيحمل عليهم؛ وهو لا يعلم أنّه لا ينجو، أعان على نفسه؟ قال: أما سمعْتَ قولَ عمر حين سأله الرجل فقال: إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: «ذلك اشترى الآخرة بالدنيا».
وقال أبو داود في «مسائله» (٢٤٧): «سمعت أحمدَ بنَ حنبل يقول: إذا عَلِم أنهُ يؤسَر فليقاتل حتى يُقْتل أحب إليَّ». وقال: «لا يستأسر، الأسر شديد». وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سُئل عن الأسير إذا أُسر؛ له أن يقاتلهم؟ قال: «إذا علم أنّه يقوى بهم».
(١) التوبة: ١١١.
(٢) البقرة: ٢٠٧.



والاتصاف بالشجاعة، والله تعالى -أعلم-.
أقول: والأصل في هذا؛ التشاور والرجوع للقائد، فقد أمَر ربُّنا -تبارك وتعالى- رسولَه - ﷺ - بالمشاورة؛ فقد قال -سبحانه-: ﴿وَشَاوِرْهُم في الأمر﴾ (١)، وقال -سبحانه-: ﴿وَأَمرُهُمْ شوُرَى بينهم﴾ (٢).

الخُيَلاء في الحرب (٣)
عن جابر بن عتيك أنّ النبيَّ - ﷺ - كان يقول: «مِن الغَيرة ما يُحِبّ الله، ومنها ما يُبغِض الله، فأما التي يُحبها الله فالغَيرة في الريبة، وأمّا الغَيرة التي يُبغضها الله؛ فالغَيرة في غير ريبة، وإنّ مِن الخيلاء ما يُبغض الله، ومنها ما يُحبّ الله، فأمّا الخيلاء التي يُحب الله؛ فاختيالُ الرجل نفسَه عند القتال، واختيالُه عند الصدقة (٤)، وأمّا التي يبغض الله فاختيالُه في البغي -قال موسى- والفخر» (٥).
...................
(١) آل عمران: ١٥٩.
(٢) الشورى: ٣٨.
(٣) هذا العنوان من «سنن أبي داود» (كتاب الجهاد) (باب - ١١٤).
(٤) الاختيال في الصدقة: أن يُعطيَها طيبةً بها نفسه، فلا يَستكثر، ولا يُبالي بما أعطى، ولا يُعطي منها شيئًا إلاّ هو له مستقلّ. انظر «النّهاية» و«عون المعبود» (٧/ ٢٣٠).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٦٥٩)، «صحيح سنن أبي داود» (الأمّ) (٢٣٨٨)، وابن حبان في «صحيحه» «التعليقات الحِسان» (٤٧٤٢)، وانظر «الإرواء» (١٩٩٩).



التكبيرُ عند الحرب (١)
عن أنس -رضي الله عنه- قال:»صبَّح النبيّ - ﷺ - خيبرَ، وقد خرَجوا بالمساحِي (٢) على أعناقهم، فلمّا رأَوه قالوا: هذا محمّد والخميس، محمّد والخميس، فَلَجؤا إلى الحصن فرفع النبيّ - ﷺ - يديه، وقال: الله أكبر، خَرِبت خيبر، إنّا إذا نَزَلْنا بساحة قوم ﴿فساء صَبَاحُ المنذَرِينَ (٣)﴾ «(٤).

الغارة على الأعداء ليلًا
عن الصّعب بن جثّامة -رضي الله عنه- قال: مرّ النبى - ﷺ - بالأبواء -أو بودّان- فسُئل عن أهل الدار يُبيَّتون (٥) مِن المشركين، فيُصاب مِن نسائهم وذراريِّهم، قال: هم منهم» (٦).

----------------------
(١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد) (باب - ٥٦).
(٢) المساحي: جمع مِسحاة، وهي المِجرفة من الحديد. «النّهاية».
(٣) الصافات: ١٧٧.
(٤) أخرجه البخاري: ٢٩٩١ واللفظ له، ومسلم: ١٣٦٥ كتاب النكاح - ٤٨، ٨٧ (باب فضيلة إعتاق أمة ثم يتزوجها) نحوه.
(٥) أي: يُصابون ليلًا، وتبييت العدو: هو أن يُقصَد في الليل مِن غير أن يَعلم؛ فيُؤخَذ بغتة، وهو البَيات. «النّهاية».
(٦) قال الحافط -رحمه الله-: "هم منهم أي في الحُكم تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتْلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد: إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلاّ بوطء الذريّة، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم، جاز قتْلهم.



وسمْعتُه يقول: «لا حمى إلاّ لله ولرسوله» (١).
قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «لا بأس بالبيات، ولا أعلم أحدًا كَرِهَه» (٢).

القتال أول النهار أو الانتظار حتى تهُبّ الريح
عن صخرٍ الغامديِّ -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ -: «اللهمَّ بارِك لأمّتي في بُكورها (٣) وكان إذا بعثَ سريَّة أو جيشًا؛ بَعَثهُم من أوّل النهار، وكان صخرٌ رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارتَه مِن أوّل النهار؛ فأثرى وكثُر مالُه» (٤).
وعن جُبَير بن حَيَّة قال: «بَعَث عُمر النّاس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين فأسلم الهرمُزان ... وذكر الحديث إلى أن قال: فقال النعمان: ربما أشهدَك الله مثلها مع النبي - ﷺ - فلم يُندِّمك ولم يُخْزِك ولكني شهْدتُ القتال مع رسول الله - ﷺ - كان إذا لم يقاتِل في أول النهار؛ انتظر حتى تهبَّ الأرواح (٥) وتحضرَ

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٠١٢ وهذا لفظه، ومسلم: ١٧٤٥ وتقدّم. قال العلاّمة العيني - رحمه الله- في»عمدة القاري«:»معناه: لا حمى لأحد يخصُّ به نفسه، وإنما هو لله ولرسوله، ولمن وَرِث ذلك عنه - ﷺ - من الخلفاء؛ للمصلحة الشاملة للمسلمين، وما يَحتاجون إلى حمايته«.
(٢) انظر»الفتح«.
(٣) قال في»المرقاة«(٧/ ٤٥٤):»أي صَباحِها وأوّل نهارِها ...، وهو يشمَل طلبَ العِلم والكَسب«.
(٤) أخرجه الترمذي وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٠٧)، وانظر»المشكاة«(٣٩٠٨).
(٥) الأرواح: جمع ريح وأصله الواو، لكن لما انكسر ما قبل الواو الساكنة انقلبت ياء والجمع يَرُدُّ الأشياءَ إلى أصولها ...»الفتح".



الصلوات (١) «(٢).
ولا تعارُض بين هذا وما تقدّم مِن الغارة على الأعداء ليلًا، فهذا يختلف حسبما تقتضيه الحاجة، ويتطلّبه الحال، ويُقدّره القائد، والله -تعالى- أعلم.

إذا ارتدّ على المقاتل سلاحه فقتله فله أجرُه مرّتين
عن سلَمة بنِ الأكوع -رضي الله عنه- قال:»لمّا كان يومُ خيبر، قاتل أخي قتالًا شديدًا مع رسول الله - ﷺ -، فارتدَّ عليه سيفه فقَتَلَه، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - في ذلك، وشكّوا فيه؛ رجل مات في سِلاحه، وشكّوا في بعض أمرِه.
قال سَلَمَة: فقفَل رسول الله - ﷺ - مِن خيبر، فقلتُ يا رسول الله ائذَن لي أن أرجُزَ لك فأَذِن له رسول الله - ﷺ - فقال: عمر بن الخطاب أعلم ما تقول، قال: فقلت:
والله لولا اللهُ ما اهتدَيْنا ... ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّينا
فقال رسول الله - ﷺ -: صدَقْتَ.
وأنزِلَن سكينةً علينا ... وثبِّتِ الأقدام إنْ لاقينا
والمشركون قد بغَوا علينا
قال: فلمّا قضيتُ رَجَزِي قال رسول الله - ﷺ -: مَن قال هذا؟ قلت: قاله

-------------------------
(١) قال الحافظ -رحمه الله-: «في رواية ابن أبي شيبة:»وتزول الشمس" وهو بالمعنى.
(٢) انظر البخاري: ٣١٥٩، ٣١٦٠، وقد تقدّم الحديث بطوله.



أخي، فقال: رسول الله - ﷺ - يرحمُه الله، قال: فقلت يا رسول الله إنّ ناسًا ليهابون الصلاة عليه يقولون: رجلٌ مات بسلاحِه، فقال رسول الله - ﷺ -: مات جاهدًا مجُاهِدًا.
قال ابن شهاب: ثمّ سألتُ ابنًا لسلمةَ بنِ الأكوع. فحدَّثني عن أبيه مثل ذلك. غير أنّه قال: حين قُلت: إنّ ناسًا يهابون الصلاة عليه، فقال رسول الله - ﷺ -: «كذبوا، ماتَ جاهدًا مجُاهدًا، فله أجره مرّتين، وأشار بإِصبَعَيْه» (١).

من لهم ثواب الشهداء
هناك أصناف تُعدّ مِن شهداء الآخرة، كما في حديث مخارق -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - في المقاتل دون ماله بلفظ: «قاتِل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة» (٢).
فهؤلاء يُغسّلون (٣) ويُصلّى عليهم، ولهم أجر الشهداء في الآخرة، وهم:
١ - مَن قُتل دون دِيْنِه.
٢ - المطعون (٤).
٣ - الغريق.
٤ - صاحب ذات الجنب (٥).

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٨٠٢، وأصله في البخاري: ٦٨٩١.
(٢) سيأتي تخريجه -إنْ شاء الله تعالى-.
(٣) إذ لا يُشرع غَسْل الشهيد قتيل المعركة، ولو اتفق أنّه كان جُنُبًا وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٤).
(٤) أي: الذي يموت في الطاعون.
(٥) الدُمّل الكبيرة، التي تظهر في باطن الجنب، وتَنْفَجر إلى داخل، وقلّما يسلم صاحبها. «النّهاية».



٥ - المبطون (١).
٦ - صاحب الحريق (٢).
٧ - الذي يموت تحت الهدم.
٨ - المرأة تموت في نفاسها بسبب ولدها.
١٠ - من قُتل دون ماله.
١١ - من قُتِل دون أهله.
١٢ - من قُتل دون دمه ونفسه ومظلمته.
١٣ - الموت بداء السِّلّ.
وأدلّة ذلك:
١ - عن جابر بن عتيك -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الشهادة سبعٌ سوى القتل في سبيل الله، المطعون شهيد، والغَرِق شهيد، وصاحب ذات الجنْب (٣) شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدة (٤)» (٥).

-----------------------
(١) من مات في البطن.
(٢) هو الذي يقع في حَرْق النار فيلتهب. «النّهاية».
(٣) تقدم، وانظر للمزيد -إنْ شثت- «فيض القدير».
(٤) أي تموت وفي بطنها ولد، أو تموت من الولادة، والمعنى: ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها. «فيض القدير» بحذف.
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٦٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٦١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي، (١٧٤٢)، وانظر»أحكام الجنائز" (ص ٥٤).



٢ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تَعُدّون الشّهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله مَن قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إنّ شُهداء أُمّتي إذًا لقليل، قالوا: فمَن هم يا رسول الله؟ قال: مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في الطّاعون فهو شهيد، ومَن مات في البطن فهو شهيد» (١).
٣ - عن عُتبة بن عبدٍ السُّلمي -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «يأتي الشهداء والمُتوَفَّون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا، فإنْ كانت جِراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا ريحَ المسك؛ فهم شُهداء، فيجدونهم كذلك» (٢).
٤ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله» (٣).
٥ - وعن راشد بن حبيش -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - دخل على عبادةَ بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله - ﷺ -: أتعلمون مَن الشهيد مِن أمّتي؟ فأرَمَّ (٤) القوم، فقال عبادة: ساندوني. فأسندوه، فقال: يا رسول الله! الصابرُ المحتسبُ. فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ شهداء أمّتي إذًا لقليلٌ، القتلُ في

-------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٩١٥.
(٢) أخرجه الإمام أحمد، والطبراني في»الكبير«بسند حسن، وحسنه شيخنا -رحمه الله- بشواهده كما في»أحكام الجنائز«(ص ٥٢).
(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٢٩، ومسلم: ١٩١٤.
(٤) أي: سكتوا ولم يجيبوا.»النّهاية".



سبيل الله -عز وجل- شهادةٌ، والطاعونُ شهادة، والغَرق شهادة، والبَطْنُ شهادة، والنُفساء يجرُّها ولدها بسَرَرِه (١) إلى الجنّة، والحرِق، والسِّلُّ» (٢).
٦ - وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد» (٣).
٧ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت إنْ جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تُعطِه مالك، قال: أرأيت إنْ قاتلني؟ قال: قاتِلْه، قال: أرأيتَ إنْ قَتَلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيتَ إنْ قتلتُه؟ قال: هو والنار» (٤).
٨ - وعن مخارق -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فقال: الرجل يأتيني فيُريد مالي؟ قال: ذكِّره بالله، قال: فإن لم يَذْكُر؟ قال: فاستعن عليه مَن حولك مِن المسلمين، قال: فإنْ لم يكن حولي أحَدٌ مِن المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإنْ نأى السلطان عنّي (وعَجِل عليَّ)؟ قال: قاتِل دون مالك؛ حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك» (٥).

---------------------
(١) ما يُقطع من سُرّة المولود.
(٢) رواه أحمد بإسناد حسن، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٩٦).
(٣) أخرجه البخاري: ٢٤٨٠، ومسلم: ١٤١.
(٤) أخرجه مسلم: ١٤٠.
(٥) أخرجه النسائي وأحمد، والزيادة له وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٧).



٧ - وعن سويد بن مقرّن -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قُتل دون مظلمته فهو شهيد» (١).
٨ - وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه فهو شهيد» (٢).

ماذا يجد الشهيد من مسّ القتل
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما يجدُ الشهيد من مسّ القتل إلاّ كما يجدُ أحدكم مِن مسّ القَرْصَة» (٣).

فضل الحرب في البحر
عن أمّ حرام -رضي الله عنها- عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: «المَائِدُ (٤) في البحر الذي يُصيبُه القيء له أجرُ شهيد، والغَرِقُ له أجرُ شهيدين» (٥).

---------------------
(١) أخرجه النسائي وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٤١٣).
(٢) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وأحمد، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٧).
(٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٣٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٦٠)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٩٦٣)، وانظر «الصحيحة» (٩٦٠).
(٤) المائد: هو الذي يُدارُ برأسه من ريح البحر واضطراب السّفينة بالأمواج. «النّهاية».
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٧٧)، وحسنه شيخنا الألباني -رحمه الله- في «الإرواء» (١١٩٤).



في زيادة الأجر للمجاهدين (١) عند الإخفاق (٢):
عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ما مِن غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون غنيمةً؛ إلاَّ تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهِم مِن الآخرة، ويبقى لهم الثُّلُث، فإن لم يصيبوا غنيمةً؛ تمَّ لهم أجرهم» (٣).
وفي لفظ: «ما مِن غازية أو سريّة، تغزو فتغنم وتسلم؛ إلاَّ كانوا قد تعجّلوا ثُلُثي أُجورِهم، وما من غازيةٍ أو سريّة تخفق وتُصاب، إلاّ تم أجورهم» (٤).
ظاهر هذا الحديث أنَّ مَن غزا فغنِمَ، نَقَصَ أجرُ جهادِه -كما ذهَب إلى ذلك قوم-، وليس معنى ذلك كذلك عند أهل العلم والتحقيق، بل أجْرُ الجهاد كاملٌ لكلِّ واحدٍ منهم، بفضل الله -تعالى-، وإنّما يفترقون في زيادة الأجر فوق ثوابِ الجهاد؛ فأمّا مَن غَنِم، فقد حَصَل له في الحال من السرور، ونشاط النفس بالظهور والغُنْم، ما يَدْفعُ عنه آثارَ الجهد في الغزو، وتخلّف المال في النفقة، ونحو ذلك ممّا تَفترق فيه حالُه مِنْ حال مَنْ غزا فلم يُصبْ شيئًا، ولا عفَّى على كدِّه ونفقته خَلَفٌ، فلهؤلاء زيادةُ أجرٍ فوق أجر الجهاد، مِن حيثُ تضاعُفِ آثار الجَهدِ والكرب بفوت المغنم، كما يُؤجَر مَن أُصيب بجهدٍ في نفسه، أو تَلفِ شيءٍ مِن ماله، وذلك أنَّ حالهَم بالإضافة إلى مَن غَنِمَ حالُ مَن أُصيب بفوتِ مثل ذلك.

-------------------
(١) هذا العنوان وما يتضمنه من «الإنجاد» (١/ ٨٧). بزيادة وتصرُّف.
(٢) قال أهل اللغة: الإخفاق: أن يغزوا فلا يغنموا شيئًا، وكذلك كلّ طالب حاجة إذا لم تحصُل فقد أخفَق، ومنه أخفق الصائد: إذا لم يقع له صيد «شرح النّووي».
(٣) أخرجه مسلم: ١٩٠٦.
(٤) أخرجه مسلم: ١٩٠٦.



فعلى نحو هذا تترتَّبُ زيادةُ الأجر لمِن لم يغنم، ويَتَّصِفُ مَنْ غَنِمَ؛ بنقصان الأجر إذا أضيف أجرُه في ذلك؛ إلى الحَظِّ الذي زِيدَ في ثواب مَنْ لم يغنم، والله أعلم.
... وأدلُّ دليلٍ في ذلك وأوضحه: قوله - ﷺوقد ذكر ما فضَّله الله -تعالى- به، وخصَّه من كَرمِه-: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي؛ كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصَّةً، وبُعثتُ إلى كلِّ أحمر وأسود، وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي» ... الحديث، ثبت في «الصحيحين»: البخاري ومسلم (١)«.
فلو كانت الغنيمة تُحبطُ أجر الجهاد أو تُنْقِصُه، ما كانت فضيلةً، وهذا ظاهر».
قلت: إنَّ أَجْر مَن أخفَق ومَنْ غَنِم؛ لا يعلمه إلاَّ الله -تعالى-، وكذا الأجر الكامل وثلثاه، وفي كُلٍّ خيرٌ، وجزالةُ مثوبة، ولكن المراد من الحديث تحفيز هِمّةِ مَن لم يغنَموا؛ بما لهم عند الله -تعالى-؛ فحين يَعْلَم مَن أخفَق أَنَّ له ما هو أفضل من الغنيمة -وهو الأجر المُدَّخَرُ عند الله تعالى-؛ كان ذلك سبيلًا للمزيد مِن الصبر والاحتساب.
وفي مِثل هذا قال رسول الله - ﷺ -: «لَيَوَدَّنَّ أهل العافية يومَ القيامة؛ أنَّ جلودهم قُرضت بالمقاريض؛ مما يَرَوْن مِن ثواب أهل البلاء» (٢).
وعن أبي سعيد -رضي الله عنه-: «أنّه دخَل على رسول الله - ﷺ - وهو مَوْعوكٌ عليه قَطيفَةٌ، فوضَع يدَه فَوْقَ القَطيفَةِ، فقال: ما أشَدَّ حُمَّاك يا رسول الله!

------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ٤٣٨، ومسلم: ٥٢١.
(٢) أخرجه الترمذي، وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة" (٢٢٠٦).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17-01-2026, 11:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 151الى صــ165
الحلقة (172)






قال: إنا كذلك يُشَدَّدُ علينا البَلاءُ، ويضاعَفُ لنا الأجْرُ. ثمّ قال: يا رسول الله! مَنْ أشدُّ الناس بلاءً؟ قال: الأنبياءُ. قال؛ ثمّ مَن؟ قال: العُلماءُ. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: الصالحِونَ، وكان أحدُهم يُبتلى بالقَمْلِ حتى يَقْتُلَه، ويُبْتلى أحدُهم بالفقر حتى ما يجدَ إلاَّ العباءةَ يلبَسُها، ولأَحدُهم كان أشدَّ فَرَحًا بالبلاءِ مِنْ أحدِكُم بالعطاء» (١).
والشاهد فيه: «إنَّا كذلك يُشدَّد علينا البلاء، ويُضاعف لنا الأجر».
فإذا قُلنا إنَّ الإخفاق مِن البلاء، فإنَّ فيه زيادةَ الأجر والثواب. والله -تعالى- أعلم بالصواب.
قال الإمام النّووي -رحمه الله- في «شرحه» (١٣/ ٥٢): «وأمّا معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره، أنَّ الغزاة إذا سَلِموا أو غنموا؛ يكون أجْرُهم أقلّ مِن أجرِ مَن لم يَسلَم أو سَلِم ولم يَغنم، وأنّ الغنيمة هي في مقابلة جُزءٍ مِنْ أجرِ غزوهم، فإذا حَصَلَت لهم فقد تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهم المترَتِّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة مِنْ جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله:»مِنَّا مَن مات ولم يأكل مِن أجرِه شيئًا، ومِنَّا من أينعَت له ثمرتُه فهو يهدبها «أي: يجتنيها. فهذا الذي ذَكَرْنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث ولم يأتِ حديث صريح صحيح يخالِفُ هذا؛ فتعيَّن حَمْلُه على ما ذَكَرنا ...».
قلت: وكلام الإمام النّووي -رحمه الله- هو الأرجح لدلالة النصوص على ذلك، ويؤيد هذا ما ثبَت عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: «أُهْدِيَتْ

-----------------------
(١) أخرجه ابن ماجه، وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب" (٣٤٠٣).


لرسولِ الله - ﷺ - شاةٌ، قال: اقْسِميها، فكانت عائشةُ إذا رَجَعَتِ الخادِمُ تقولُ: ما قالوا؟ تقولُ الخادم: قالوا: بارَكَ الله فيكُم، فتقول عائشةُ: وفيهِمْ بارَكَ الله، نرُدُّ عليهم مثلَ ما قالوا، ويبقى أجْرُنا لنا» (١).

هل يسلم المجاهد نفسه للأسر (٢)؟
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «بعث رسول الله - ﷺ - عشَرَة رهطٍ (٣) سريّةً عينًا، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابت الأنصاري -جدَّ عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا، حتى إذا كانوا بالهَدَأَة -وهو بين عُسْفَانَ ومكة- ذُكِروا لحِيٍّ من هُذَيْلٍ، يقال لهم بنو لِحْيَانَ (٤)، فَنَفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلُّهم رامٍ، فاقْتصُّوا آثارَهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا، تَزَوَّدوه مِن المدينة، فقالوا: هذا تمرُ يثرب.
فاقتصُّوا (٥) آثارهم، فلمّا رآهم عاصمٌ وأصحابُه لجئوا إلى فَدْفَدٍ (٦)، وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزِلوا وأعطونا بأيديكم، ولكم العهدُ والميثاقُ ولا نَقْتُل

---------------------
(١) أخرجه ابن السني من طريق النسائي بسند جيِّد، وانظر»الكَلِم الطيب«(٢٣٨).
(٢) هذا العنوان مُقتبس من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٧٠).
(٣) الرهط مِن الرجال ما دون العشرة، وقيل إلى أربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحدَ له من لفظه.»عمدة القاري«(١٤/ ٢٩١).
(٤) بكسر اللام، وقيل بفتحها.
(٥) أي: اتَّبَعوها.
(٦) قال الحافظ -رحمه الله-:»هي الرابية المشرِفة، قال ابن الأثير: هو الموضع المرتفِع، ويُقال الأرض المستوية، والأول أصحّ".



منكم أحدًا.
فقال عاصم بن ثابت -أمير السريّة-: أمّا أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمّة كافر، اللهم أخبر عنّا نبيّك، فرموهم بالنَّبْل، فقتلوا عاصمًا في سبعة، فنزَلَ إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق، منهم خُبَيْبٌ الأنصاريّ، وابن دَثِنَةَ ورجلٌ آخر، فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتارَ قِسِيِّهم (١) فأوثقوهم.
فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبُكم، إنّ لي في هؤلاء لأُسوةً -يريد القتلى- فجرّروه وعالجوه على أن يصحبَهم فأبى، فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن دَثِنة؛ حتى باعوهما بمكّة بعد وقعة بدرٍ، فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيبٌ هو قَتَل الحارث بن عامر يوم بدرٍ، فلبِثَ خبيبٌ عندهم أسيرًا. فأخبرني عبيد الله بن عِياض أنّ بنت الحارث أخبرته أنّهم حين اجتمعوا؛ استعار منها موسى يَسْتَحِدُّ بها (٢) فأعارته، فأخذ ابنًا لي وأنا غافلةٌ حين أتاه.
قالت: فوجدته مُجْلِسَه على فخذه والموسى بيده، ففزعْت فزعةً عَرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشَيْن أنْ أقتلَه؟ ما كنت لأفعل ذلك.
والله ما رأيت أسيرًا قطُّ خيرًا من خبيب، والله لقد وجدتُه يومًا يأكل من قِطْف عِنَبٍ في يده، وإنّه لموثَقٌ في الحديد وما بمكَّةَ مِن ثمر. وكانت تقول إنّه لَرِزق من الله رَزَقَه خُبيبًا.

----------------------
(١) جمع قوس.
(٢) يستحِدُّ بها: مِن الاستحداد، وهو حلْق شعر العانة، وهو استفعال مِن الحديد. «عمدة القاري».



فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع (١) لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَدًا (٢).
ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال (٣) شِلْوٍ (٤) مُمَزَّعِ (٥)
فقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْرًا (٦)، فاستجاب الله لعاصم بن ثابتٍ يوم أصيب. فأخبَر النبيُّ - ﷺ - أصحابَه خَبَرهم وما أُصِيبُوا، وبعَث ناسٌ من كُفّار قريش إلى عاصم حين حُدِّثوا أنّه قُتِل ليُؤْتَوا بشيء منه يُعْرَفُ، وكان قد قتل رجلًا مِن عظمائهم يوم بدر، فبُعِث على عاصمٍ مِثْلُ الظُّلّة (٧) مِن الدَّبْرِ (٨) فَحَمَتْه (٩) من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا

-------------------------
(١) الجزع: نقيض الصبر.
(٢) دعا عليهم بالهلاك استِئصالًا، أي: لا تُبْقِ منهم أحَدًا. «عمدة القاري».
(٣) الأوصال: جَمْع وَصل، وهو العضو.
(٤) الشِّلو -بكسر المعجمة-: الجسد، وقد يطلق على العضو، ولكن المراد به هنا الجسد.
(٥) الممزَّع: المُقطَّع.
(٦) قال في «النّهاية»: «... وكلّ من قُتل في غير معركة، ولا حَرْب، ولا خطأ، فإنه مقتولٌ صبرًا».
(٧) الظُلَّة: السَّحابة.
(٨) الدَّبر -بفتح المهملة وسكون الموحَّدة-: الزنانبير، وقيل ذكور النحل، ولا واحد له من لفظه. «الفتح».
(٩) مَنَعتْه منهم.



مِنْ لحمه شيئًا» (١)
قال العلامة العيني -رحمه الله- في «عمدة القاري» (١٤/ ٢٩٤): «في نزول خُبَيبٍ وصاحبِه، جواز أن يَسْتأْسر الرجل (٢).
قال المهلَّب: إذا أراد أن يأخذ بالرخصة في إحياء نفسه؛ فعَل كفِعل هؤلاء، وعن الحَسن لا بأس أن يَستأسِر الرجَل إذا خاف أن يُغلَب. وقال الثوريُّ: أكره للأسير المسلم؛ أن يُمكِّن مِن نفسه إلاَّ مجبورًا، وعن الأوزاعي: لا بأس للأسير المسلم أن يأبى أن يُمكِّن مِن نفسه، بل يأخذ بالشدة والإِباء مِن الأسر والأَنَفة؛ من أن يجري عليه مَلِكٌ كافر -كما فعَل عاصم-».
قلت: والأسير هو الذي يرجِّح مصلحته، ويُقرّر أمْرَه، بحسب يقينه وعزمه وما يشاهده، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وقد قال - ﷺ -: «ليس الخبر كالمعاينة» (٣).

من ركع ركعتين عند القتل
للحديث المتقدم وفيه:
«فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٠٤٥، ٣٩٨٩، ٤٠٨٦.
(٢) أي: يُسْلِم نفسه للأسر.
(٣) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»تخريج الطحاوية«برقم (٤٠١)، وقال شيخنا -رحمه الله- في»هداية الرواة«(٥٦٧٠):»حديث صحيح، صحَّحه ابن حبان وكذا صحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي".



ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَدًا.
ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْرًا«.

استقبال الغزاة (١)
عن ابن أبي مُليكة قال: قال ابن الزبير لابن جعفر -رضي الله عنهم-: أتذكر إذ تلقّينا رسول الله - ﷺ - أنا وأنت وابن عبّاس؟ قال: نعم، فحَمَلَنا وترَكَك» (٢).
وعن السائب بن يزيد -رضي الله عنه- قال: «أَذْكُرُ أني خَرجْتُ مع الغِلمان إلى ثنيّة الوداع؛ نتلقّى رسول الله - ﷺ -» (٣).

مراسلة المجاهدين والديهم وأهليهم
يُشرَع للمجاهدين مراسلةُ، والدِيهم وأهلِيهم، لتذكيرِهم بالله، وطَلَبِ الدعاء منهم.

----------------------
(١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد والسِّير) (باب - ١٩٦).
(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٨٢، ومسلم: ٢٤٢٧.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨٣، ٤٤٢٦.



عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إني لأرى لجِواب الكتاب حقًّا كردِّ السلام» (١).
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٨) -بحذف-: «مِنْ أحمدَ بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ الله عينيها بنعمه، وأسبَغ عليها جزيل كَرَمِه، وجعَلَها مِن خِيار إمائه وخَدَمِه.
سلام الله عليكم، ورحمة الله وبركاته.
فإنَّا نَحْمَد إليكم الله الذي لا إله إلاَّ هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلّيَّ على خاتَم النبيين، وإمام المتقين، محمّدٍ عبدِه ورسولِه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا-.
كتابي إليكم عن نِعَمٍ مِن الله عظيمة، ومنَنٍ كريمة، وآلاء جسيمة نشكُر الله عليها، ونسأله المزيد مِنْ فضله، ونِعَمُ الله كلَّما جاءت في نموٍّ وازدياد، وأياديه جلَّت عن التعداد، وتعلمون أنّ مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنّما هو لأمورٍ ضرورية؛ متى أهملناها فسَد علينا أمْر الدين والدنيا.
ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حَمَلَتْنا الطيور لسِرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنّكم -ولله الحمد- ما تختارون الساعة إلاَّ ذلك، ولم نعزِم على المقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كلّ يوم نستخير الله لنا ولكم، وادعوا لنا بالخِيَرة (٢)، فنسأل الله العظيم أن يَخيرَ لنا

----------------------
(١) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«انظر»صحيح الأدب المفرد«(٨٥٠).
(٢) انظر -إن شئت- لمعرفة الفَرقَ بين الخِيْرة -بسكون الياء- والخِيَرة: -بفتح الياء»النّهاية" (باب الخاء مع الياء) كلمة (خير).



ولكم وللمسلمين ما فيه الخِيَرة، في خيرٍ وعافية.
ومع هذا فقد فتَح الله مِن أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، ونحن في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله -سبحانه وتعالى-.
فلا يظنّ الظانُّ أنّا نُؤثِر على قُربكم شيئًا مِن أمور الدنيا قطّ، بل ولا نُؤْثِر مِن أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثَمّ أمورٌ كِبار، نخاف الضرر الخاصّ والعامّ مِن إهمالها. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
والمطلوب، كثرةُ الدعاء بالخِيرَة، فإنّ الله يَعلم، ولا نعلم ويَقْدِر ولا نَقْدِر. وهو علّام الغيوب.
والتاجر يكون مسافرًا فيخاف ضياعَ بعضِ مالِه فيحتاج أن يقيمَ حتى يستوفيَه، وما نحن فيه أمْر يَجِلّ عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرًا كثيرًا، وعلى سائِر مَنْ في البيت مِن الكبار والصغار، وسائِر الجيران والأهل والأصحابِ واحدًا واحدًا، والحمد لله رب العالمين. وصَلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا».

انتهاء الحرب (١)
تنتهي الحرب بأحد الأمور الآتية:
١ - إسلامِ المحاربين أو إسلامِ بعضهم، ودخولِهم في دين الله، وفي هذه الحال يُصبحون مسلمين، ويكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم مِن

----------------------
(١) عن «فِقه السنة» (٣/ ٤٤٢) بتصرف.


الحقوق والواجبات.
٢ - طلَبِهم إيقافَ القتالِ مدة مُعيَّنة، وحينئذٍ يُحقق القائد الاستجابة إلى ما طلَبوا، [إنْ رأى المصلحة في ذلك] كما فعَل ذلك رسول الله - ﷺ - في صُلح الحديبية.
٣ - رغبتِهم في أن يبقوا على دينهم، مع دفْع الجزية، ويتمّ بمقتضى هذا عقد الذّمة بينهم وبين المسلمين.
٤ - هزيمتِهم، وظَفَرِنا بهم، وانتصارِنا عليهم، وبهذا يكونون غنيمةً للمسلمين.
٥ - وقد يحدُث أن يطلب بعض المحاربين الأمان (١)، فيُجاب إلى ما طلَب، وكذلك إذا طلَب الدخول في دار الإسلام.

لا يجوزُ نزْعُ ثيابِ الشهيد التي قُتل فيها (٢)
لا يجوز نزْعُ ثيابِ الشهيدِ التي قُتل فيها، بل يُدفن وهي عليه لقولهِ - ﷺ - في قتلى أُحُد: «زمِّلوهم في ثيابهم» (٣)، وفي رواية له: «زمِّلوهم بدمائهم» (٤).

استحبابُ تكفين الشهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوق ثيابهِ (٢)
يُستحبُّ تكفينُ الشّهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوقَ ثيابهِ.

-----------------------
(١) وله شروطه وضوابطه، وسيأتي بإذن الله -تعالى-.
(٢) انظر «أحكام الجنائز» (ص ٨٠).
(٣) أخرجه أحمد، وانظر أحكام الجنائز (ص ٨٠).
(٤) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٩٢)، وانظر أحكام الجنائز (ص ٨٠).



فعن شَدّاد بن الهاد: «أن رجلًا من الأعراب، جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتَّبعَه، ثمّ قال: أُهاجرُ معك، فأوصى به النبيّ - ﷺ - بعضَ أصحابه، فلمّا كانت غزوة [خَيْبرَ] غَنِمَ النبي - ﷺ -[فيها] شيئًا، فَقَسم، وَقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قَسَم له، وكان يرعى ظَهْرَهم، فلمّا جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسَمَ لك النبي - ﷺ -.
فأخذه فجاء به إلى النبيّ - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: قَسَمْتُه لك، قال: ما على هذا اتَّبعْتُك، ولكن اتَّبعْتُك على أن أرمى إلى هاهنا -وأشار إلى حَلْقهِ- بسهمٍ فأموتَ، فأدخلَ الجنة، فقال: إن تَصدُقِ الله يَصْدُقْك.
فَلَبِثُوا قليلًا، ثمّ نهَضُوا في قتال العَدُوِّ، فأُتي به النبيّ - ﷺ - يُحْمَل، قد أصابه سهمٌ حيث أشار، فقال النبيّ - ﷺ - أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدَق الله فصدَقَه.
ثمّ كفَّنه النبيّ - ﷺ - في جُبَّةِ النبيّ - ﷺ -، ثمّ قدَّمه فصلَّى عليه، فكان فيما ظَهرَ مِن صلاتِهِ: اللهمَّ هذا عبدك، خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتِل شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك» (١).
وعن الزُّبَير بن العَوّام -رضي الله عنه- قال: «لمّا كان يومُ أُحُد؛ أقبَلتِ امرأةٌ تسعى، حتى إذا كادت أن تُشرِف على القتلى، قال: فَكرِهَ النبيّ - ﷺ - أن تَراهم، فقال: المرأةَ المرأةَ!
قال: فتوسَّمْتُ أنها أمّي صفيّةُ، فخرجْتُ أسعى إليها، فأدْركْتُها قبل أن

---------------------
(١) أخرجه عبد الرزاق والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٤٥) والحاكم وغيرهم وصححه شيخنا رحمه الله في»أحكام الجنائز" (ص ٨١).


تنتهيَ إلى القتلى، قال: فَلَدَمَتْ (١) في صدري، وكانت امرأةً جَلْدةً، قالت: إليك لا أرضَ لك، فقلتُ: إن رسولَ - ﷺ - عَزَمَ عليك، فَوقَفتْ، وأخرجَتْ ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبانِ جئتُ بهما لأخي حمزَةَ، فقد بلغني مقتلُه، فكفِّنْهُ فيهما.
قال؛ فجئنا بالثوبين لِنُكفِّن فيهما حمزة، فإذا إلى جَنْبهِ رجلٌ من الأنصار قتيل، قد فُعل بهِ كما فُعل بحمزة، فوجدنا غضاضةً (٢) وحياءً، أن نُكفِّنَ حمزةَ في ثوبين، والأنصاريُّ لا كَفنَ له، فقلنا: لحمزةَ ثوبٌ، وللأنصاريِّ ثوبٌ، فقدَّرناهما فكان أحدُهما أكبرَ مِن الآخر، فأقْرَعْنا بينهما، فكفَّنّا كلَّ واحدٍ منهما في الثوبِ الذي صار له» (٣).

لا يُشْرَعُ غَسْلُ الشهيد قتيلِ المعركة ولو كان جُنُبًا (٤)
لا يُشْرع غسْل الشهيد قتيل المعركة، ولو كان جُنُبًا، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن جابرٍ قال: «قال النبي - ﷺ -: ادفنوهم في دمائهم -يعني يوم أحد- ولم يَغْسِلْهم» (٥).

----------------------
(١) أي: ضربت ودفعت.
(٢) الغضاضة: العيب والمنقصة.
(٣) أخرجه أحمد -والسياق له بسند حسَن- والبيهقي وسنده صحيح وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٨١).
(٤) انظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٢).
(٥) أخرجه البخاري: ١٣٤٦. وفي رواية «وقال: أنا شهيدٌ على هؤلاء، وأمَر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغسّلهم»، البخاري: ١٣٤٧.



وفي رواية: فقال: «أنا شهيدٌ على هؤلاء، لُفُّوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يُجرح [في الله] إلاَّ جاء وجرحه يوم القيامة يدْمي، لونُه لونُ الدم، وريحهُ ريحُ المسك» (١).
وفي رواية: «لا تغْسِلوهم، فإنّ كلّ جرحٍ يفوح مِسْكًا يوم القيامة، ولم يُصلِّ عليهم» (٢).
الثاني: عن أبي بَرْزَةَ -رضي الله عنه-: «أنّ النبيّ - ﷺ - كان في مغْزىً له، فأفاءَ اللهُ عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون مِن أحدٍ؟ قالوا: نعم، فلانًا، وفلانًا، وفلانًا. ثمّ قال: هل تفْقِدون مِن أحدٍ؟ قالوا: لا: قال: لكني أفقد جُليْبِيبًا، فاطلُبوه.
فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جَنْبِ سبعةٍ قد قَتَلهم، ثمّ قتلوه! فأتى النبيُّ - ﷺ -، فوقفَ عليه فقال: قَتَلَ سبعةً ثم قَتَلوه! هذا منِّي، وأنا منه، هذا منِّي، وأنا منه، قال: فَوَضَعه على ساعِدِيْه، ليس له إلاّ ساعدا (٣) النبيّ - ﷺ - قال: فحُفر له ووُضِع في قبره، ولم يَذْكُر غَسْلًا» (٤).
الثالث: عن أنس: «أنّ شهداء أُحُد لم يُغَسَّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يصلِّ

--------------------------
(١) أخرجه البيهقي في»السنن الكبرى«وابن أبي شيبة في»المصنف«وغيرهما وانظر»أحكام الجنائز«، (ص ٧٢).
(٢) أخرجه أحمد في»المسند«وغيره وصححه شيخنا -رحمه الله- في: الإرواء» (٣/ ١٦٤).
(٣) أي: لم يكن له سرير إلاَّ ساعدي النبي - ﷺ -، وهي رواية ثابتة، انظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٣).
(٤) أخرجه مسلم: ٢٤٧٢.



عليهم [غير حمزة]» (١).
الرابع: عن عبد الله بن الزُّبير في قصة أُحُدٍ واستشهاد حنظلَة بن أبي عامر، قال: «فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ صاحِبَكم تَغسِلُه الملائكةُ، فاسألوا صاحِبَتَه، فقالت: خَرَجَ وهو جُنُبٌ لمّا سَمِع الهائعة (٢)، فقال رسول الله - ﷺ -: لذلك غسَّلتْهُ الملائكة» (٣).
الخامس: عن ابن عباس قال: «أصيبَ حمزةُ بن عبد المطّلب، وحنظلةُ بن الراهب، وهما جُنُبٌ (٤)، فقال رسول الله - ﷺ -: رأيتُ الملائكةَ تُغَسِّلُهما» (٥).
قال شيخنا -رحمه الله - في «أحكام الجنائز» (ص ٧٥):
«واعلم أن وجه دلالة الحديث على عدم مشروعية غَسْل الشهيد الجنبِ؛ هو ما ذكَره الشافعيةُ وغيرهُم؛ أنّه لو كان واجبًا لما سَقَطَ بغسل الملائكةِ، ولأَمرَ النبيُّ - ﷺ - بغسلِه، لأنّ المقصودَ منه تعبُّدُ الآدمى به، انظر»المجموع«(٥/ ٢٦٣) و»نيل الأوطار«(٤/ ٢٦)».

--------------------
(١) أخرجه أبو داود والزيادة له وللحاكم والترمذي وحسّنه، وغيرهم وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٣).
(٢) هو الصوتُ الذي تفْزَعُ منه، وتخافه من عدوّ. «النّهاية».
(٣) أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم، والبيهقي بإسناد جيد، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٤).
(٤) كذا في «السنن والآثار» للبيهقي، وفي «معجم الطبرانيّ الكبير» «جُنُبان».
(٥) أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» وإسناده حسنٌ، كما قال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٢٣).
وانظر «أحكام الجنائز»، (ص ٧٥).



أين يُدفن الشهيد (١)
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- «أن النبيّ - ﷺ - أَمَر بقتلى أُحُد؛ أن يُرَدّوا إلى مصارعهم، وكانوا قد نُقِلوا إلى المدينة» (٢).
عن نُبيح العَنَزي، عن جابر: أن النبيّ - ﷺ - قال: «ادْفِنُوا القتْلَى في مَصَارعِهِمْ» (٣).

دفنْ أكثر من شهيد في قبر واحد إذا كَثُر القتلى
عن هشام بن عَامِرٍ، قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهَّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله الحْفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: احْفِرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ الله؛ قَالَ: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، قَالَ: فَكَانَ أَبي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» (٤).
وقال الإمام البخاري -رحمه الله- (باب دفْنِ الرجلين والثلاثة في قبرٍ) (٥) ثمّ ذكر حديث جابر -رضي الله عنه-: «أنّ النبيّ - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من

---------------------
(١) هذا العنوان من سنن النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢/ ٤٣١)
(٢) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٩٣).
(٣) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٩٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٢٣٠).
(٤) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي، (١٨٩٩)، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٥٤)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٤٠٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٦٦).
(٥) انظر «صحيح البخاري» كتاب الجنائز (باب - ٧٣).



قتلى أُحد» (١).

من غَلب العدوّ فأقام على عرْصتهم (٢) ثلاثًا (٣)
عن قتادةَ قال: «ذكَر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة -رضي الله عنهما- عن النبيّ - ﷺ - أنّه كان إذا ظهَر على قوم، أقام بالعَرْصة ثلاثَ ليال» (٤).

ما يقول إذا رجع من الغزو (٥)
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قَفَل (٦) مِن غزوٍ أو حجٍّ أو عُمرة؛ يُكبّر على كل شَرَف (٧) مِن الأرض ثلاث تكبيرات، ثمّ يقول: لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، آيبون (٨) تائبون عابِدون ساجدون لربنا حامدون، صدَق الله

---------------------
(١) انظر»صحيح البخاري«: ١٣٤٥.
(٢) العَرْصة: هي البقعة الواسعة بغير بناء، من دارٍ وغيرها.»الفتح«.
(٣) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٨٥)، وجاء في تبويب»صحيح ابن حبان«نحوه بزيادة:»إذا لم يكن يخاف على المسلمين فيه«. انظر»التعليقات الحِسان«(٧/ ١٥١).
(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٦٥، ومسلم: ٢٨٧٥.
(٥) هذا العنوان من»صحيح البخاري" (كتاب الجهاد) (باب - ٩٧).
(٦) قفَل: أي رَجع.
(٧) شَرَف: الموضع العالي الذي يُشرِف على ما حولَه.
(٨) آيبون: راجعون.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 17-01-2026, 11:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 166الى صــ180
الحلقة (173)






وعدَه (١)، ونصَر عبدَه، وهزَم الأحزاب وحده (٢)» (٣).

إذا قَدِمَ الإمام أو القائد مِن الغزو يبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين
عن كعب بن مالك -رضي الله عنه- قال: «... وصبَّح رسول الله - ﷺ - قادمًا، وكان إذا قَدِم مِن سفرٍ (٤) بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثمّ جَلَس للناس» (٥).

مراجعة الإمام أو القائد مَن تخلّف من الغزو والقتال
في الحديث المتقدّم: «ثمّ جلَس للناس، فلمّا فَعل ذلك جاءه المخلَّفون، فطفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقَبِل منهم رسول الله - ﷺ - علانِيَّتَهم وبايعَهَم واستغَفَر لهم وَوَكَل سرائرهم إلى الله، فجئتُه (٦) فلمّا سلّمتُ عليه تبسَّم تبسُّم المُغضَب، ثمّ قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ما خلَّفَك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟ ...» (٧).

-------------------------
(١) أي صدَق وَعْدَه في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعْدِه -سبحانه-. «شرح النّووي».
(٢) وهزم الأحزاب وحده: أي: مِن غير قتال من الآدميين، والمُراد بالأحزاب: الذين اجتمعوا يوم الخندق، وتحزّبوا على رسول الله - ﷺ -، فأرسَل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم يَروها.
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٧٩ واللفظ له، ومسلم: ١٣٤٤.
(٤) هكذا ورَد في السَّفَر، وهو أعمّ مِن الغزو في مفارقة الوطن، وقد ورَد هذا السياق في غزوة تبوك في قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه -رضي الله عنهم-.
(٥) أخرجه البخاري: ٤٤١٨، أخرجه مسلم: ٢٧٦٩.
(٦) أي كعب بن مالك.
(٧) أخرجه البخاري: ٤٤١٨، ومسلم: ٢٧٦٩.



قتال الإمام مانعي الزكاة
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لمّا تُوفّيَ رسولُ الله - ﷺ -، واستُخلِف أبو بكر بعده، وكفَر مَن كفَر من العرب؛ قال عمر لأبي بكر: كيف تُقاتل النّاس وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرتُ أنْ أقاتِل النّاس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمَن قال: لا إله إلاَّ الله عَصَمَ مني ماله ونفسه إلاَّ بحقّه، وحسابهُ على الله، فقال: والله لأُقاتلنّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عِقالًا (١) كانوا يؤدّونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتَلْتُهم على مَنْعِه.
فقال عمر: فوالله ما هو إلاَّ أنْ رأيتُ الله قد شَرح صدْرَ أبي بكر للقتال، فعرفْتُ أنّه الحقّ، قال ابن بكير وعبد الله عن الليث: عَناقًا؛ وهو أصح» (٢).

قتل الجاسوس (٣)
عن سلمةَ بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: «أتى النبيَّ - ﷺ - عينٌ من المشركين وهو في سفر، فجلَس عند أصحابه يتحدث ثمّ انفَتَل، فقال: النبيّ - ﷺ - اطلبوه واقتلوه، فقَتَله فنفَّله سَلَبَه» (٤).
وهذا ما يتعلّق الجاسوس الحربيّ، وأمّا المعاهَد والذمّي؛ فقال مالك

----------------------
(١) قال الإمام النّووي -رحمه الله-: «هكذا في مسلم عِقالًا، وكذا في بعض روايات البخاري وفي بعضها (عَنَاقا) بفتح العين وبالنون وهي الأنثى مِن ولد المعز، وكلاهما صحيح».
والعقال: الذي يُعقل به البعير.
(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٤، ٧٢٨٥، ومسلم: ٢٠.
(٣) عن «الروضة الندية» (٢/ ٧٥٢) بتصرفٍ يسير.
(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٥١، ومسلم مُطولًا: ١٧٥٤.



والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك.
وعن فرات بن حيّان أن رسول الله - ﷺ - أمَرَ بقتله -وكان عينًا لأبي سفيان، وحليفًا لرجُل مِن الأنصار-، فمرّ بحلقة من الأنصار، فقال: إنّي مسلم، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول إنّى مُسلم، فقال رسول الله - ﷺ - إنّ منكم رجالًا نَكِلُهم إلى إيمانهم؛ منهم فُراتُ بنُ حيان (١) «(٢).

في حُكم قتل الجاسوس إذا كان مُسلمًا
فيه الحديث المتقدّم في شأن فُرات بن حيّان.
وعن عليٍّ -رضي الله عنه- قال:»بعثَني رسول الله - ﷺ - أنا والزبيرَ والمقدادَ

---------------------
(١) فُرات بن حَيان بن ثعلبة بن عبد العزى بن حبيب بن حية بن ربيعة بن صعب بن عجل بن لجيم الربعي اليشكري ثمّ العجلي حليف بني سهم ...
قال البخاري: وتَبِعَه أبو حاتم، كان هاجَر إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-، زاد أبو حاتم أنّه كوفي، وقال البغوي: سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، وله عقب بالكوفة، وأقطعه أرضًا بالبحرين.
وقال ابن السكن: له صُحبة وذكَره ابن سعد في طبقة أهل الخندق وقال نزَل الكوفة، روى عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: «إنّ منكم رجالًا نَكِلُهم إلى إيمانهم؛ منهم فرات بن حيان».
أخرجه أبو داود والبخاري في «التاريخ» وفيه قصّةٌ.
وروى عنه حارثة بن مضرب، وقيس بن زهير، والحسن البصريّ، وكان عينًا لأبي سفيان في حروبه، ثمّ أسلَم، فحسُن إسلامه، وقال المرزباني كان ممن هجا رسول الله - ﷺ - ثمّ مدَحه فقَبِل مدْحه.
(٢) أخرجه البخاري في «التاريخ» وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣١٠) والحاكم وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (١٧٠١).



ابنَ الأسودِ، وقال: انطلِقوا حتى تأتوا روضة خاخ (١) فإنّ بها ظعينةً (٢) ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تَعادَى (٣) بنا خيلنا؛ حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أَخْرجي الكتاب، فقالت: ما معي مِن كتاب، فقلنا: لتُخْرِجِنّ الكتاب أو لنُلقينّ الثياب، فأخرَجَتْه مِن عِقاصها (٤).
فأتينا به رسول - ﷺ - فإذا فيه: من حاطب بن أبي بَلْتَعة إلى أناسٍ مِن المشركين مِن أهل مكة؛ يُخبِرهم ببعض أمْرِ رسولِ الله - ﷺ -.
فقال رسول الله - ﷺ -: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجَلْ عليّ، إنّي كنتُ امرَءًا مُلصَقًا في قريش، ولم أكن مِن أنفُسِها وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قَرابات بمكّة؛ يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببتُ إذ فاتني ذلك مِن النَّسَب فيهم؛ أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ كُفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول - ﷺ - لقد صدَقكم.
فقال عمرُ: يا رسولَ الله دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافق، قال: إنه قد شهِد بدرًا، وما يدريك لعلّ الله أن يكون قد اطَّلَع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرْتُ لكم» (٥).
قال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٣/ ١١٥): «فاستدلَّ به مَن لا

-----------------
(١) موضع بين مكّة والمدينة.
(٢) الظعينة: هنا الجارية، وأصلها الهودج، وسُميّت بها الجارية لأنها تكون فيه.»شرح النّووي«.
(٣) أي: تجري.
(٤) أي: شعرها المضفور، وهو جمع عقيصة»شرح النّووي".
(٥) أخرجه البخاري: ٣٠٠٧، ٣٠٨١ ومواطن أخرى، ومسلم: ٢٤٩٤.



يرى قَتْل المسلم الجاسوس؛ كالشافعي وأحمد، وأبي حنيفة -رحمهم الله- واستدل به من يرى قَتْلَه؛ كمالك، وابن عقيل من أصحاب أحمد -رحمه الله- وغيرهما.
قالوا: لأنه علّل بعلّة مانعةٍ من القتل، منتفية في غيره (١)، ولو كان الإسلام مانعًا من قَتْله؛ لم يُعلّل بأخص منه (٢)، لأن الحكم إذا علّل بالأعم (٣) كان الأخص (٤) عديم التأثير وهذا أقوى. والله أعلم».
وقال -رحمه الله أيضًا- (ص ٤٢٢): "وفيها (٥) جواز قَتْل الجاسوس -وإنْ كان مُسلِمًا- لأن عمر -رضي الله عنه- سأل رسول الله - ﷺ - قَتْل حاطب بن أبي بلتعة، لمّا بعَث يُخبر أهل مكة بالخبر، ولم يَقُل - ﷺ - لا يحلّ قتلُه إنه مسلم، بل قال وما يدريك لعل الله قد اطلَع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم.
فأجاب بأنّ فيه مانعًا مِنْ قَتْله وهو شهودُه بدرًا، وفي الجواب بهذا؛ كالتنبيه على جواز قَتْل جاسوسٍ ليس له مِثل هذا المانع.
وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يُقتَل وهو ظاهر مذهبِ أحمد والفريقان يحتجّون بقصة حاطب.
والصحيح أن قَتْله راجع إلى رأي الامام فإنْ رأى في قَتْله مصلحة

------------------
(١) وهي شهود بدر.
(٢) أي لو كان الإسلام مانعًا مِن قتله؛ فإن النبي - ﷺ - يُعلّل عدم الإذن بقتله؛ لكونهِ من أهل بدر، بل لإسلامه فحسب.
(٣) وهو الإسلام هنا.
(٤) وهو شهود بدر هنا.
(٥) أي في قصة فتح مكة.



للمسلمين، قَتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه، والله أعلم».
وأشار إلى هذا شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضيّة» (٣/ ٤٧٧).
قلت: والذي يبدو لي أنّ هذا يتعلّق بدراسةِ سببِ فِعْل هذا الجاسوس، والنظر فيما إذا كانت ثمّه قرائن تدلّ على توبته، ففي قصة حاطب -رضي الله عنه- ظَهَر سبب انجراره إلى هذا الفعل، وهو اتخاذ أسباب الحماية من قِبَل أقاربه، وتصريحه أنّه لم يكن لكُفرٍ أو ارتداد، ثمّ ما كان مِن قولِ رسول الله - ﷺ -: «لعلّ الله أن يكون قد اطّلعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرْتُ لكم».
فالأمر متعلِّق بالتوفيق للتوبة المستجلِبة للمغفرة، والأمر يعود إلى الإمام فيما يترجّح لديه مِن حال هذا الجاسوس مِن هذا الجانب، والنظر كذلك فيما يتعلَّق بمصلحة المسلمين، سواءٌكان ذلك في القتل أو عدمه والله -تعالى- أعلم.

من قفز من عسكر المسلمين إلى عسكر الكُفّار
جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٣٤): "فمن قفَز عنهم إلى التتار كان أحقَّ بالقتال مِنْ كثيرٍ من التتار؛ فإنَّ التتار فيهم المُكْرَه وغيرُ المكْرَه، وقد استقرَّت السُّنَّة بأنَّ عقوبةَ المرتدّ أعظمُ مِن عقوبة الكافر الأصلي مِن وجوهٍ متعددة.
منها أنَّ المرتدَّ يُقتَل بكل حال، ولا يُضرَب عليه جزية، ولا تُعقَد له ذِمَّة؛ بخلاف الكافر الأصلي.
ومنها أنَّ المرتد يُقتل -وإنْ كان عاجزًا عن القتال-؛ بخلاف الكافر الأصليّ الذي ليس هو مِن أهل القتال، فإنّه لا يُقتَل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد؛ ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتدَّ يُقتَل؛ كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد.


ومنها أن المرتدَّ لا يَرِث ولا يُناكَح ولا تُؤكَل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلي. إلى غير ذلك من الأحكام».

الهدنة
الهدنة لغةً: السكون.
واصطلاحًا: الصُّلح والموادعة بين المسلمين والكفار، وبين كلّ متحارِبَين، والاتفاق على عدم القتال فترة زمنية معيّنة (١).
قال العلماء: «إذا مال العدوّ للمسالمة؛ فإنّه يجاب طَلَبُه، إذا كانت مصلحة المسلمين تقتضي ذلك؛ كأن يكون العدوّ كثيفًا، وكان الأنفع تأجيل القتال؛ حتى يتقوى المسلمون».
وقد يريد العدوّ المكر والخديعة، فيجب الحذَر والتيقّظ قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ (٢) هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
قال ابن كثير -رحمه الله-: يقول -تعالى-: إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، ﴿وإنْ جَنَحُوا﴾ أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاَجْنَحْ لَهَا﴾ أي:

----------------------
(١) «النّهاية» بتصرف وزيادة.
(٢) قال ابن القيم -رحمه الله- أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه أحد انظر «التفسير القيّم» (ص ٢٩٢).
(٣) الأنفال: ٦١ - ٦٢.



فمِلْ إليها، واقبَلْ منهم ذلك؛ ولهذا لما طلَبَ المشركون عام الحديبية الصلحَ ووضْعَ الحرب بينهم وبين رسول الله - ﷺ - تسعَ سنين؛ أجابهم إلى ذلك؛ مع ما اشترطوا من الشروط الأُخَر.
قال الإمام البخاريّ -رحمه الله-: (باب ما يُحذَر من الغدر) وقول الله - تعالى-: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ (١).
ثمّ ذكر تحته حديث عوف بن مالك -رضي الله عنه- وفيه «اعدُد ستًّا بين يدي الساعة»، ومنها قوله - ﷺ -: «ثمّ هُدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر (٢)، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية (٣)، تحت كل غاية اثنا عَشَرَ ألفًا» (٤).
وعن البراء -رضي الله عنه- قال: «اعتمَر النبيّ - ﷺ - في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخُل مكة؛ حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام.
فلمّا كتبوا الكتاب، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله - ﷺ - فقالوا لا نقرّ بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمّد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله وأنا محمّد بن عبد الله، ثمّ قال لعليّ: امْحُ رسولَ الله، قال: لا والله لا أمحوك أبدًا.
فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب فكتَب: هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله،

--------------------
(١) انظر»صحيح البخاري«(كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١٥).
(٢) هم الروم.
(٣) أي: راية.
(٤) انظر»صحيح البخاري" (٣١٧٦).



لا يدخُلُ مكة سلاح إلاَّ في القِراب (١)، وأن لا يَخرُجَ مِن أهلها بأحدٍ إنْ أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدا مِن أصحابه أراد أن يُقيمَ بها.
فلمّا دخَلها ومضى الأجل، أَتَوا عليًّا فقالوا: قل لصاحِبِك اخرُج عنّا فقد مضى الأجل، فخَرج النبيّ - ﷺ -«(٢).
وعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكَم: أنّهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمَن فيهن النّاس، وعلى أن بيننا عيْبَةً (٣) مكفوفة، وأنّه لا إسلال ولا إغلال (٤)» (٥).
قال الإمام البخاري -رحمه الله-: (باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يفِ بالعهد) (٦).
وجاء في «السيل الجرار» (٤/ ٥٦٤): تعليقًا على عبارة «ويجوز للإمام

----------------------
(١) أي: غِمد السيف، جمعها: قُرُب، وأقربَة.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٩، ومسلم: ١٧٨٣.
(٣) عيْبَةً: ما يُجعَل فيها الثياب، مكفوفة: أي مشدودة ممنوعة، قال في»النيل«أي: أمرًا مطويًّا في صدورٍ سليمةٍ، وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة؛ بما تقدَّم بينهم مِن أسباب الحرب وغيرها، والمحافظة على العهد الذي وقَع بينهم.
(٤) لا إسلال ولا إغلال: أي: لا سرقة ولا خيانة، يُقال: أغلّ الرجل أي: خان، والإسلال: من السّلّة، وهي: السرقة، والمراد: أن يأمن النّاس بعضهم من بعض؛ في نفوسهم وأموالهم سرًّا وجهرًا.»عون المعبود«(٧/ ٣٢٠). وانظر للمزيد من الفائدة، -إن شئت-»النّهاية«(سلل، غلل).
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٤٠٤).
(٦) انظر»صحيح البخاري" (كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١٢).



عقد الصلح لمصلحة»:
أقول: وَجْهُ هذا أنّ الله -سبحانه- قال في كتابه ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فدلّ ذلك على جواز المصالحة؛ إذا طلَبها الكُفّار وجَنحُوا إليها.
وقيل لا يجوز ذلك لقوله -سبحانه-: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١).
ولا يخفاك أنّه لا معارضة بين الآيتين، فإنّ الآية الأولى دلَّت على أن الكُفّار إذا نجحوا للسَّلم جَنَحْنا لها، والآية الأخرى دلّت على عدم جواز الدعاء مِن المسلمين إلى السَّلم، فالجمع بينهما بأنّه يجوز عَقد الصُّلح إذا طلَب ذلك الكفّار، ولا يجوز طَلبُه مِن المسلمين؛ إذا كانوا واثقين بالنصر ...
وقيل: لا يجوز المصالحة أصلًا، وأنّ ما ورَد في جوازها منسوخ بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْركِينَ﴾ (٢). ونحوها، ولا وَجْهَ لدعوى النسخ، وأيضًا الجمعُ ممكِن بأنهم يُقتَلون ويُقاتَلون؛ ما لم يجنحوا إلى السَّلم.
وأمّا كون المدّة معلومةً، فوجْهُه أنّه لو كان الصلحُ مُطلقًا أو مؤبَّدًا؛ لكان ذلك مُبطلًا للجهاد الذي هو مِن أعظم فرائض الإسلام، فلا بُدّ مِن أن يكون مُدّةً معلومة على ما يَرَى الإمام من الصلاح، فإذا كان الكفّار مُستظهرِين وأمرهم مُستعلنًا؛ جاز له أن يعقده على مُدّة طويلة، ولو فوق عشر سنين، وليس في ذلك مخالفة لعقده -صلى الله عليه وآله وسلم- للصُّلح الواقع مع قريش عشر سنين،

-----------------
(١) محمد: ٣٥.
(٢) التوبة: ٥.



فإنّه ليس في هذا ما يدّل على أنّه لا يجوز أن تكون المدة أكثرَ مِن عشر سنين؛ إذا اقتضت المصلحة» انتهى.
والخلاصة: جواز المصالحة إذا طلبها الكفّار؛ إذا كان فيها نفعٌ للمسلمين، ولا يجوز ابتداؤها من المسلمين إذا كانوا واثقين بالنصر.
ولا بُدّ أن تكون المُدّة معلومة -طالت أم قصرت- على ما يرى الإمام فيه تغليب المصلحة وترجيح المنفعة؛ والله -تعالى- أعلم.
قال العلاّمة ابن القَيِّم -رحمه الله- في زاد المعاد (٥/ ٩٣): (في حُكمه - ﷺ - في الهُدنة وما ينقضُها):
"ثبت عنه - ﷺ - أنّه صالَح أهل مكّة، على وضْع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ودخَل حلفاؤهم مِن بني بكر معهم، وحلفاؤه مِن خزاعة معه، فَعَدَتْ حلفاءُ قريش على حلفائه. فغدروا بهم، فرضِيَت قريش ولم تُنكِره، فجعَلَهم بذلك ناقضين للعهد، واستباح غزْوَهم مِن غير نبْذِ عهدِهم إليهم، لأنهم صاروا محاربين له، ناقضين لعهده؛ برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه، وألحَقَ رِدأهم (١) في ذلك بمباشِرِهم.
وثبت عنه أنّه صالَح اليهود، وعاهَدَهم لمّا قَدِمَ المدينة، فغَدَروا به، ونقَضوا عهده مرارًا، وكلّ ذلك يُحاربهم ويظْفَر بهم، وآخرُ ما صالَح يهود خيبر؛ على أنّ الأرض له، ويُقرّهم فيها عُمّالًا له ما شاء، وكان هذا الحكمُ منه فيهم حُجّةً؛ على جواز صُلح الإمام لعدوِّه ما شاء مِن المدّة، فيكون العقدُ جائزًا له

----------------------
(١) أي: المعين والمناصر.


فسْخُه متى شاء، -وهذا هو الصواب-، وهو مُوجِب حُكْم رسولِ الله - ﷺ - الذي لا ناسخ له«.

عقد الذمّة
الذمّة هي: العهد والأمان، وعقد الذّمة: هو أنْ يُقرّ الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب من الكُفّار على كفرهم بالضوابط الشرعية (١).
جاء في»المغني«(١٠/ ٥٧٢):»ولا يجوز عَقْد الذمّة المؤبَّدة إلاّ بشرطين:
أحدهما: أن يلتزموا إعطاء الجزية في كلّ حول.
والثاني: التزام أحكام الإسلام، وهو قَبول ما يُحكَم به عليهم مِن أداء حقّ، أو تَرْك محُرّم، لقول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢).
وقول النبيّ - ﷺ - في حديث بريدة: «فادْعُهم إلى أداء الجزية، فإنْ أجابوك فاقبَل منهم، وكُفَّ عنهم».
وفيه (١٠/ ٥٧٣): «ومَن سواهم، فالإسلام أو القتل».
يعني مَن سوى اليهود والنصارى والمجوس؛ لا تُقبَل منهم الجزية، ولا يُقرّون بها، ولا يُقبَل منهم إلاَّ الإسلام، فإنْ لم يسلموا قُتلوا ... (٣).
وقال -رحمه الله-: «ولنا، قَوْل الله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ

--------------------
(١) عن»فقه السُّنَّة«(٣/ ٤٤٦) بتصرّف.
(٢) التوبة: ٢٩.
(٣) انظر -إن شئت-»المصدر المذكور" لمعرفة أقوال العلماء؛ مع شيء من التفصيل.



قبله، ومِن ثمّ ترجم عليه النسائي (بابُ أخذ الجزية مِن المجوس)».
وقال الإمام البخاري -رحمه الله-: (باب الجزية والموادعة، مع أهل الذّمة والحرب) وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (١)﴾ (٢).
وما جاء في أخذ الجزية مِن اليهود والنّصارى والمجوس والعجم (٣).
ثمّ ذكَر -رحمه الله- ما تقدّم عن بجَالة.
فائدة: وجاء في «المغني» (١٠/ ٥٧٤): «وإذا عقَدَ الذّمة لكفارٍ زعموا أنهم من أهل الكتاب؛ ثمّ تبيّن أنهم عَبَدَة الأوثان؛ فالعقد باطلٌ مِن أصْلِه، وإنْ شكَكْنا فيهم، لم ينتقض عهدُهم بالشك؛ لأن الأصل صحته، فإنْ أقرّ بعضهم بذلك دون بعض، قُبل من المقرّ في نفسه، فانتقض عهْدُه، وبقي في حقّ مَن لم يُقرَّ بحاله».

موجب هذا العقد:
*وإذا تمّ عقْد الذمّة، ترتَّبَ عليه حُرمة قتالهم، والحِفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حرّياتهم، والكفّ عن أذاهم.

-----------------
(١) قال الإمام البخاري -رحمه الله-: «يعني أذلاّء والمسكنة: مصدر المسكين، (فلانٌ) اسكنُ مِن فُلان: احوجُ منه، ولم يذهب إلى السكون ..».
(٢) التوبة: ٢٩.
(٣) «صحيح البخاري» (كتاب الجزية والموادعة) (باب - ١)، وانظر -إن شئت- ما قاله الحافظ -رحمه الله- مُفصلًا في هذا الأمر.



السلاح والخيل وغير ذلك، فيه أنّ أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وأنّها لم تكن لرسول الله - ﷺ -.
قال الشوكانّي: لا يَأْخُذ الإمامُ من الغنيمة إلاَّ الخُمس، ويقسم الباقي منها بين الغانمين، والخُمس الذي يَأخذه أيضًا ليس هو له وحده، بل يجب عليه أن يرُدّه على المسلمين على حسب ما فصَّله الله -تعالى- في كتابه بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾». انتهى.
أمّا نفقات رسول الله - ﷺ - فقد كانت ممّا أفاء الله -سبحانه وتعالى- عليه من أموال بني النضير كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب (الفيء).
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «رأيت المغانم تُجزّأ خمسة أجزاء، ثمّ يُسْهَم عليها، فما كان لرسول الله - ﷺ - فهو له يَتَخير» (١).
وعن رجل مِن بلقين قال: «أتيت النبيّ - ﷺ - وهو بوادي القرى فقلت: يا رسول الله لمن المغنم؟ فقال: لله سهم، ولهؤلاء أربعة أسهم، قلت: فهل أحد أحقّ بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا؛ حتى السهم يأخذه أحدكم من حينه؛ فليس بأحقَّ به مِن أخيه» (٢).

----------------------
(١) أخرجه الطحاوي وأحمد، وانظر «الإرواء» تحت الحديث (١٢٢٥).
(٢) أخرجه الطحاوي وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٥/ ٦٠) تحت الحديث (١٢٢٥).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 17-01-2026, 11:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 181الى صــ200
الحلقة (174)






وأمّا الأربعة الأخماس الباقية، فتُعطى للجيش، ويختصُّ بها الذكور، الأحرار، البالغون، العقلاء.
جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٣٢): «وما غَنِمَه الجيش كان لهم أربعةُ أخماسهِ، وخُمُسه يَصرفهُ الإمام في مصارفهِ لقوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ قلت: اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تُخَمّس، فالخُمُس للأصناف التي ذُكِرت في القرآن، وأربعة أخماسها للغانمين».
وسَهْم ذوي القُربى: أي قرابة رسولِ الله، وهم بنو هاشم، وحُلفاؤُهم مِن بني المطلب (١) ممّن آزرَ النبيّ - ﷺ - وناصَرَه، دون مَن خذَلَه منهم.
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: «مَشَيْتُ أنا وَعثْمانُ بنُ عفانَ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله أَعْطَيْتَ بَني المطَّلِبِ وتركْتنا، ونحْنُ وَهُمْ منكَ بِمنْزلةٍ وَاحدةٍ، فقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّما بنو المطَّلبِ وبنُو هاشمٍ شيءٌ واحدٌ» (٢).
وفي لفظٍ: قال جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: «مَشَيْتُ أنا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَبِيِّ - ﷺ - فَقُلْنَا: أَعْطَيْتَ بَنِي المطَّلبِ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ وَتركْتنا وَنحْنُ بِمنْزلَةٍ واحدةٍ مِنْكَ، فقال: إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، قَالَ جُبَيْرٌ: وَلم يَقْسِمْ النَبِيُّ - ﷺ - لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا» (٣).

------------------------
(١) انظر ترجيح ابن جرير الطبري في «تفسيره»، وأدلته في ذلك.
(٢) أخرجه البخاري: ٣١٤٠.
(٣) أخرجه البخاري: ٤٢٢٩.



وفي لفظٍ: قال جبير بن مطعم: «لما كان يوم خيبر قَسَم رسول الله - ﷺ - سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فأتيتُ أنا وعُثمان بن عفّان، فقلْنا: يا رسول الله، أمّا بنو هاشم، فلا نُنكر فضلَهم؛ لمكانِك الذي وضعكَ اللهُ بهِ منْهم، فما بالُ إخواننا من بَني المُطلب أعطيتَهم وتركْتَنا، وإنّما نحنُ وَهُمْ بمنزلةٍ واحدة؟! فقال: إنّهم لمْ يفارِقوني في جاهليةٍ ولا إسْلام، وإنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك أصابعه» (١).
وقد ثبت عن النبيّ - ﷺ - أنّه كان سيُعطي منه عمّه العبّاس -وهو غنيّ-، ويُعطي عمّته صفيّة -رضي الله عنهما- (٢).
والعبّاس -رضي الله عنه- كان موسرًا في الجاهلية والإسلام؛ كما جزَم بذلك غيرُ واحدٍ من الحُفّاظ؛ منهم أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله- (٣).

يأخذ الفارس مِن الغنيمة ثلاثة أسهم، والراجل (٤) سهمًا
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ رسول الله - ﷺ - جعَل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا» (٥)، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور (٦).
وفي لفظٍ: عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قال: «قَسَمَ رَسُولُ الله

--------------------------
(١) انظر»الإرواء«(١٢٤٢).
(٢) انظر»الإرواء«(١٢٤٣).
(٣) انظر»الإرواء«(٥/ ٧٩).
(٤) وهو الماشي على رجليه.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٨٦٣، ومسلم: ١٧٦٢.
(٦) انظر»الروضة النّديّة" (٢/ ٧٣٥).



- ﷺ - يَوْمَ خيْبرَ لِلْفرَس سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِل سَهْمًا، قَالَ: فَسَّرَهُ نَافِعٌ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ» (١).
وقال مالك: «يُسهم للخيل والبراذين (٢) منها لقوله: ﴿وَالخيلَ وَالبِغَالَ وَاَلحَمِيرَ لِتَركَبُوهَا (٣)﴾ (٤) ولا يُسهَم لأكثر من فرس» (٥).
قال الإمام النّووي -رحمه الله- (١٢/ ٨٣): «واختلف العلماء في سهم الفارس والراجل مِن الغنيمة؛ فقال الجمهور: يكون للراجل سهمٌ واحد وللفارس ثلاثة أسهم، سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه.
ممّن قال بهذا: ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٢٢٨، ومسلم: ١٧٦٢ بلفظ:»قَسَمَ فِي النَّفَلِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا«. والمراد بالنفل هنا: الغنيمة.
(٢) البراذين: جمع بِرذَون، والمراد: الجفاة الخِلْقة من الخيل، وأكثر ما تُجلَب مِن بلاد الروم، ولها جَلَدٌ على السير في الشعاب والجبال والوعر، بخلاف الخيل العربية.»الفتح«.
(٣) جاء في»الفتح«(٦/ ٦٧):»قال ابن بطال: وجه الاحتجاج بالآية؛ أنّ الله -تعالى- امتنّ بركوب الخيل وقد أسهم لها رسول الله - ﷺ -. واسم الخيل يقع على البِرذَون والهجين؛ بخلاف البغال والحمير، وكأنّ الآية استوعَبت ما يُركَب من هذا الجنس؛ لما يقتضيه الامتنان، فلمّا لم ينصّ على البِرذَون والهجين فيها، دلّ على دخولها في الخيل. قلت: وإنما ذكَر الهجين لأن مالكًا ذكَر هذا الكلام في الموطأ وفيه «والهجين» والمراد بالهجين: ما يكون أحد أبويه عربيا والآخر غير عربي، وقيل: الهجين: الذي أبوه فقط عربي وأمّا الذي أمّه فقط عربية، فيُسمّى المقرف، وعن أحمد: الهجين: البِرذَون«.
(٤) النحل: ٨.
(٥) انظر»صحيح البخاري" تحت الحديث السابق (٢٨٦٣).



ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط، سهم لها وسهم له، قالوا: ولم يقل بقوله هذا أحد إلاَّ ما روي عن علي وأبي موسى.
وحُجّة الجمهور هذا الحديث، وهو صريح على رواية مَن روى «للفرس سهمين، وللرجل سهمًا» بغير ألف في (الرجل) وهي رواية الأكثرين، ومن روى (وللراجل) روايتهُ محتَملة، فيتعيّنَ حمْلها على موافقة الأولى جمعًا بين الروايتين، قال أصحابنا وغيرهم: ويرفَع هذا الاحتمال ما وَرَدَ مُفسَّرًا في غير هذه الرواية، في حديث ابن عمر هذا؛ من رواية أبي معاوية وعبد الله بن نمير وأبي أسامة وغيرهم بإسنادهم عنه «أن رسول الله - ﷺ - أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه»، ومِثْلُه من رواية ابن عباس وأبي عمرة الأنصاري -رضي الله عنهم-. والله أعلم«.
أقول: المراد مِن قوله - ﷺ -»جعَل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا«أي غير سهمي الفرس، فيصير للفارس ثلاثة أسهم كما قال الحافظ رحمه الله-:»وسيأتي في غزوة خيبر أنّ نافعًا فسّره كذلك، ولفظه: «إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم» (١).
وعن أبي عمرة عن أبيه قال: "أتينا رسول الله - ﷺ - أربعةَ نَفَر، ومعنا فرس،

--------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٢٢٨.


فأعطى كلّ إنسان منّا سهمًا، وأعطى للفرس سهمين» (١).
قال أبو داود -رحمه الله-: وعن أبي عمرة -بمعناه- إلاَّ أنّه قال: «ثلاثة نفر: فزاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم» (٢).

يستوي في الغنائم مِن أفراد الجيش القوي والضعيف ومَن قاتَل ومن لم يُقاتِل
وَيستوي فيما تقدم مِن تقسيم الغنائم؛ القوي والضعيف، ومَن قاتَل ومن لم يُقاتل مِن أفراد الجيش.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: «مَن فَعَل كذا وكذا؛ فله من النفل كذا وكذا.
قال: فتقدَّم الفتيان، ولَزِم المشيخةُ الراياتِ فلم يبرحوها، فلمّا فتح الله عليهم، قال المشيخة: كنا ردْءًا (٣) لكم، لو انهزمتم لفِئْتُم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى.
فأبى الفِتيان وقالوا: جعَلَه رسول الله - ﷺ - لنا، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (٤).
يقول: فكان ذلك خيرًا لهم، فكذلك أيضًا فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم، زاد في رواية:»فقسَمَها رسول الله - ﷺ - بالسواء«(٥).

---------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٧٤).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٧٥).
(٣) الردء: العون والنصر.
(٤) الأنفال: ١ - ٥.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٧٣٧، ٢٧٣٩)، وهو في»صحيح سنن أبي داود"، (الأمّ) برقم =



وعن مصعب بن سعد قال: «رأى سعد -رضي الله عنه- أنّ له فضلًا على مَن دونه، فقال النبيّ - ﷺ -: هل تُنصَرون وتُرزقون إلاّ بضعفائكم» (١).
قال الحافظ -رحمه الله- «الفتح»: «وعلى هذا؛ فالمراد بالفضل؛ إرادة الزيادة مِن الغنيمة، فأعلَمَه - ﷺ - أنّ سهام المقاتِلة سواء؛ فإنْ كان القوي يترجّح بفضل شجاعته فإن الضعيف يترجّح بفضل دعائه وإخلاصه».
ويستوي كذلك في تقسيم الغنائم مَن تغيَّب لعُذر، أو مَن بعَثَه الأمير لمصلحةِ الجيش.
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «إنما تغيّب عثمانُ عن بدر، فإنّه كانت تحته بنت رسول الله - ﷺ -، وكانت مريضة، فقال له النبيّ - ﷺ -: إنّ لك أجرَ رجُلٍ ممن شهِد بدرًا وسهمَه» (٢).
وجاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٧٣٦) وفي كتاب حُجّة الله البالغة: «ومَن بَعثَه الأمير لمصلحة الجيش؛ كالبريد، والطليعة، والجاسوس؛ يُسهَم له، وإن لم يَحْضُر الواقعة، كما كان لعثمان يوم بدر».

السَّلَب للقاتل
السَّلَب: هو ما يأخذه المقاتل في الحرب مِن المقتول، ممّا يكون عليه،

-----------------------
= (٢٤٤٥)، وقال شيخنا -رحمه الله- فيه: «إسناده صحيح، وصححه ابن حبّان والحاكم والذهبي -دون الزيادة-، والضياء في»المختارة«».
(١) أخرجه البخاري: ٢٨٩٦ وتقدم في (الاستنصار بالضعفاء).
(٢) أخرجه البخاري: ٣١٣٥.



ومعه من سلاح وثياب ودابّة وغيرها، وهو (فَعَل) بمعنى (مفَعول) أي: مسلوب (١).
وللإمام أو القائد أن يُحفّز المجاهدين في سبيل الله، وأن يُرَغّبهم بأخذ سَلَب المقتول والتفرّد به.
عن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: «مَن قَتَل قتيلًا له عليه بيّنة؛ فله سَلَبُهُ» (٢).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - قال يوم حُنين: مَن قتل قتيلًا فله سلَبُه، فقَتَل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا، وأخَذَ أسلابهم» (٣).
وعن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - قضى بالسَّلب للقاتل، ولم يُخمّس السَّلب» (٤).
وعن سَلمةَ بن الأكوع عن أبيه قال: «أتى النبيّ - ﷺ - عينٌ من المشركين -وهو في سفر- فجلَس عند أصحابه يتحدّث، ثمّ انفَتَل، فقال النبيّ - ﷺ - اطلبوه واقتلوه، فقَتَلَه، فنفَّله (٥) سَلَبَه» (٦).

--------------------------
(١) «النّهاية» بتصرف.
(٢) أخرجه البخاري: ٣١٤٢، ومسلم: ١٧٥١.
(٣) أخرجه أبو داود والدارمي وابن حبان وغيرهم، وانظر «الإرواء» (١٢٢١).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٧٢١) وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله - في «الإرواء» (١٢٢٣).
(٥) قال الحافظ -رحمه الله-: «فيه الْتِفات مِن ضمير المتكلّم إلى الغَيْبة، وكان السياق يقتضي أن يقول (فنفلني) وهي رواية أبي داود» قلت: يمضي على قوله (فقَتَلَه) ففي رواية: (فقتلْتُه).
(٦) أخرجه البخاري: ٣٠٥١.



تخميس السَّلَب إذا بلغ مالًا كثيرًا
لقد تقدّم أنّ رسول الله - ﷺ - قضى بالسَّلَب للقاتل، ولم يُخمّس السَّلَب، ولكن وردت بعض الآثار في التخميس.
فقد بارز البراء مرزبان الزارة (١) فقتله، فبلغ سواره ومِنطَقَته (٢)، ثلاثين ألفًا فخمّسه (٣) عمر ودفَعَه إليه.
عن أنس بن مالك: أنّ البراء بن مالك أخا أنس بن مالك؛ بارز مرزبان الزارة، فطَعنه طعنة فكسر القَرَبوس (٤)، وخَلص إليه فَقَتَله، فقوَّم سَلَبَه ثلاثين ألفا، فلمّا صلّينا الصبح، غدا علينا عمر، فقال لأبي طلحة: إنّا كنّا لا نُخمِّس الأسلاب، وإنَّ سَلَب البراء قد بلغ مالًا، ولا أرانا إلاَّ خامسيه، فقوَّمناه ثلاثين ألفا، فدفَعْنا إلى عمر ستة آلاف» (٥).
وفي لفظ: «إن أول سَلَبٍ خمّس في الإسلام، سَلَب البراء بن مالك، كان حَمَل على المرزبان فطعَنه، فقتَله، وتفرّق عنه أصحابه، فنزل إليه، فأخذ منطقته وسواريه، فلمّا قَدِم، مشى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، حتى أتى أبا طلحة الأنصاري ...» فذكره مثل رواية الطحاوي، دون قوله في آخرها:

-----------------------
(١) الزارة: بلدة كبير: بالبحرين.
(٢) ما يُشدّ به الوسط.
(٣) أي: أخذ منه الخُمس: ستة آلاف، وأعطى البراء -رضي الله عنه- الباقي.
(٤) هو حِنو السرج، قال في «القاموس المحيط» القَرَبوس: «حِنو السرج» والحِنو عود الرَّحل.
(٥) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٥/ ٥٨) تحت الحديث (١٢٢٤).



«فدفعنا إلى عمر ستة آلاف» (١).
وفي لفظ: «فنَفَلَه السلاح وقوّم المنطقة ثلاثين ألفًا، فخمَّسَها، وقال: إنها مال» (٢).
أقول: ولا تعارُض بين عدم تخميسه - ﷺ - السَّلَب، وبين فِعْل عمر -رضي الله عنه-، لأنّ السَّلَب الذي عُرف بقيمته المتداولة الشائعة؛ هو الذي لا يُخمَّس، أمّا إذا بلغَ مالًا كثيرًا؛ فإنّه يُخمّس ليكون النفع أكثر، والفائدة أعمّ، مع تحقيق معنى استفادة المقاتل مِن ذلك، والله -تعالى- أعلم.

الرّضخ (٣) من الغنيمة لمن حضر
وَيرْضَخ الإمامُ لمن حضَر، مِن النساء والعبيد -ممن لا سهم له في الغنيمة-.
عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ «أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْألهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لهُنَّ بِسَهْمٍ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنْ الْخُمْسِ لمِنْ هُوَ؟
فكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتبتَ تَسْألُني هَلْ كَانَ رَسُولُ - ﷺ - ِيَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟

------------------------
(١) وصحّح إسناده شيخنا -رحمه الله- في المصدر السابق.
(٢) وقال شيخنا -رحمه الله- في المصدر المذكور: وإسناده لا بأس به.
(٣) الرضخ: هو العطية القليلة.»النّهاية".



وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الجرْحَى وَيُحْذَيْنَ (١) مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لم يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلْ الصِّبْيَانَ.
وَكَتَبْتَ تَسْألنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتيمِ؛ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لتنْبُتُ لحيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النّاس؛ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ.
وَكَتَبْتَ تَسْألنِي عَنْ الْخُمْسِ لمِنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا فَأبى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ» (٢).
وفي رواية: «وسألت عن المرأة والعبد: هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهمٌ معلوم إلاَّ أن يُحذَيا مِن غنائم القوم» (٣).
وفي زيادة: «وأما العبد فليس له من المغنم نصيب، ولكنهم قد كان يُرضَخ لهم» (٤).
وعن عمير مولى آبي اللحم قال: «شَهِدْت خيبر مع سادتي، فكلّموا فيَّ رسول الله - ﷺ - فأمَرَ بي، فقُلّدْتُ سيفًا، فإذا أنا أجرّه (٥)، فأُخبِر أني مملوك، فأَمَر لي

-----------------------
(١) أي: يُعطين.
(٢) أخرجه مسلم: ١٨١٢.
(٣) أخرجه مسلم: ١٨١٢.
(٤) انظر»الإرواء«تحت الحديث (١٢٣٦).
(٥) أي: أسحب السيف على الأرض مِن صِغَر سنّي أو قِصَر قامتي.»عون المعبود".



بشيء مِن خُرثيِّ المتاع (١)» (٢).
وعن ثابت بن حارث الأنصاري -رضي الله عنه- قال: «قسَم رسول الله - ﷺ - يوم خيبر؛ لسهلةَ بنتِ عاصم بن عدي، ولابنةٍ لها وُلِدَت» (٣).
وعن زينب امرأة عبد الله الثقفية «أنّ النبيّ - ﷺ - أعطاها بخيبر خمسين وَسْقًا (٤) تمرًا، وعشرين وسْقًا شعيرًا بالمدينة» (٥).

جواز تنفيل بعض الجيش مِن الغنيمة
يجوز للإمام تنفيل بعض الجيش، وإعطاؤهم سوى قسم عامّة الجيش، إذا كان لهم مِن العناية، والمقاتلة ما لم تكن لغيرهم.
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ رسول الله - ﷺ - بعَثَ سرِيّة فيها عبد الله بن عمر قِبَلَ نجد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سُهمانهم اثني عشَر بعيرًا، أو أحدَ

-----------------------------
(١) الخُرثي: أثاث البيت ومتاعه.»النّهاية«.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٣٠) والترمذي،»صحيح سنن الترمذي«(١٢٦١)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٣٠٤)، وصححه شيخنا -رحمه الله في»الإرواء«(١٢٣٤).
(٣) أخرجه الطبراني في»الكبير«، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٥/ ٧٢) تحت الحديث (١٢٣٧).
(٤) الوَسْق: ستون صاعًا، والأصل في الوَسْق: الحِمْل، وكلُّ شيء وسَقْته فقد حملته»النّهاية«بحذف وتقدم في»كتاب الزكاة«.
(٥) أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وانظر»الإرواء" (٥/ ٧٢) تحت الحديث (١٢٣٧).



عشَر بعيرًا، ونُفِّلوا بعيرًا بعيرًا» (١).
وفي رواية: قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: «بَعَثنا رسول الله - ﷺ - في جيش
قِبَلَ نجدٍ، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سُهمان الجيش اثني عشَر بعيرًا، اثني
عشر بعيرًا، ونفل أهل السريّة (٢) بعيرًا بعيرًا، فكانت سُهْمانُهُم (٣) ثلاثةَ عشَر ثلاثةَ
عشَر» (٤).
جاء في «عون المعبود» (٧/ ٢٩٦): «فيه دليلٌ على أنّه يجوز للإمام أن يُنفِّل
بعض الجيش ببعض الغنيمة، إذا كان له مِن العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره».
وعَن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ
مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عامّة الجيْشِ [وَالْخُمْسُ فِي
ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ (٥)]» (٦).
جاء في «عون المعبود» (٧/ ٣٠٠): «وهذا تصريحٌ بوجوب الخُمُس في كل
الغنائم، قاله النّووي، وقال في»فتح الودود«: يفيد أنّ الخُمُس يُؤخَذ أولًا من
الغنيمة، ثمّ يُنفَّل من الباقي ثمّ يُقْسم ما بقي».

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣١٣٤، ومسلم: ١٧٤٩.
(٢) أي: أعطاهم النبيّ - ﷺ - زائدًا على سهامهم.
(٣) أي: مع النفل.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٧٩).
(٥) كلِّه: مجرور لأنه توكيد لكلمة (في ذلك).
(٦) أخرجه البخاري: ٣١٣٥، ومسلم: ١٧٥٠، وما بين معقوفتين من «صحيح مسلم»
(١٧٥٠ - ٤٠).



وعن حبيب بن مسلمة الفهري -رضي الله عنه- أنّه قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُنفل الثلث بعد الخُمُس» (١).
وعنه: «أنّ رسول الله - ﷺ - كان يُنفّل الرُّبع (٢) بعد الخُمس (٣)، والثُّلث بعد الخُمس، إذا قَفَل (٤)» (٥).
وعن أبي وَهْبٍ يَقُولُ: «سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ، فَأَعْتَقَتْنِي، فَما خَرَجتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أرَى، ثُمَّ آليْتُ الحجَازَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أتيْتُ الْعِرَاقَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ، فَغَرْبَلْتُهَا، كُلُّ ذَلِكَ أَسْأل عَنْ النَّفَلِ، فَلَمْ أَجِدْ أحَدًا يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَيْءٍ، حَتَّى لَقِيتُ شَيْخًا يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي النّفلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» (٦).
وجاء في «عون المعبود» (٧/ ٣٠٠): «وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مكحول والأوزاعي: لا يجاوز بالنّفل الثُّلُث، وقال الشافعي: ليس في النّفل حدٌّ

-------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٨٧).
(٢) أي: في البَدْأةَ أي: ابتداء السفر للغزو.
(٣) أي: بعد أن يُخرِج الخُمس.
(٤) إذا رجع من الغزو.
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٨٨)، وابن ماجه وابن حبان وغيرهم.
(٦) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٣٨٩).



لا يُجاوَز؛ إنما هو اجتهاد الإمام». انتهى.
قلت: هو اجتهاد الإمام بما ورَد في النّصوص.

ردّ أموال وسبايا التائبين
عن ابن شهاب قال: وزعم عروة أنّ مروانَ بن الحكم والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ -رضي الله عنهما- أخبراه: «أنّ رسول الله - ﷺ - قامَ حين جاءه وفْدُ هوازنَ مسلمين، فسألوه أن يَرُدّ إليهم أموالهم وسبْيَهم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: أحبُّ الحديثِ إليّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين إمّا السبي وإمّا المال، وقد كنت استأنَيت (١) بهم، وقد كان رسول الله - ﷺ - انتظَرَهم بضعَ عشَرةَ ليلةً؛ حين قَفَل من الطائف، فلمّا تبيّن لهم أنّ رسول الله - ﷺ - غيرُ رادٍّ إليهم إلاَّ إحدى الطائفتين؛ قالوا: فإنّا نختار سَبْيَنا.
فقام رسول الله - ﷺ - في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّ إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبْيَهم، فمن أحبَّ منكم أن يَطيب بذلك فليفعل، ومَن أحبَّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيَه إياه مِن أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل.
فقال النّاس: قد طيّبنا ذلك لرسول الله - ﷺ - لهم، فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لا ندري مَنْ أذِن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يَرفَعَ إلينا عرفاؤكم أمرَكم، فرجَع النّاس فكلَّمهم عرفاؤهم ثمّ رجعوا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبروه

---------------------------
(١) أي: انتظَرْتُ وتربّصت، يُقال: أنيت وأنَّيْت وتأنَّيْت واسْتَأنيْت.»النّهاية".


أنهم قد طيَّبوا وأذِنوا» (١).
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أعطَى رسول الله - ﷺ - عمرَ ابن الخطاب جارية من سَبْيِ هوازن، فوهَبَها لي فبعثْتُ بها إلى أخوالي من بني جمح ليُصلحوا لي منها، حتى أطوف بالبيت، ثمّ آتيَهم وأنا أريد أن أصيبَها إذا رجعْت إليها.
قال: فخرجْت مِن المسجد حين فرغْتُ فإذا النّاس يشتدّون، فقُلت: ما شأنكم؟ قالوا: ردَّ علينا رسول الله - ﷺ - أبناءنا ونساءنا، قال: قلت: تلك صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا فأخَذوها» (٢).

إذا غنم المشركون مال المسلم ثمّ وجده المسلم (٣)
إذا غنم المشركون مال المسلم، أو وجد المسلم ماله عند الأعداء، فإنّه يُرَدُّ على صاحبه، ولا يُضاف إلى الغنائم ولا يُخمّس.
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «ذهَب (٤) فرسٌ له فأخذَه العدوّ، فظَهر عليه المسلمون، فرُدَّ عليه في زمن رسول الله - ﷺ -، وأَبَقَ (٥) عبدٌ له، فَلَحِقَ بالروم، فظَهر عليه المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النبيّ - ﷺ -» (٦).

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: (٢٣٠٧، ٢٣٠٨، ٢٥٣٩، ٢٥٤٠).
(٢) أخرجه أحمد، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٥/ ٣٧).
(٣) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد والسير) (باب - ١٨٧).
(٤) أي: نَفَر وشرَد إلى الكُفّار «عون المعبود» (٧/ ٢١٢).
(٥) أي: هَرَب.
(٦) أخرجه البخاري: ٣٠٦٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17-01-2026, 11:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 201الى صــ215
الحلقة (175)






وعن عمرانَ بن حصين قال: «كانت ثقيفُ حلفاءَ لبني عُقَيل، فأسرَت ثقيفُ رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأسَر أصحاب رسول الله رجُلًا من بني عُقيلٍ، وأصابوا معه العضباء [وذكر الحديث إلى أن قال:] وأُسِرت امرأةٌ مِن الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوَثاق، وكان القوم يُريِحُون نَعَمَهُم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذاتَ ليلةٍ مِن الوَثاق، فأتت الإِبِلَ؛ فجعَلت إذا دنَت من البعير رغا فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم تَرْغُ، قال: وناقة مُنَوّقَة (١)، فقعدَت في عَجُزِها ثمّ زجَرَتْها فانطلَقت ونذِروا بها (٢) فطلبوها، فأعجَزَتْهم، قال: ونَذَرت لله إنْ نجاها الله عليها لتنحَرَنَّها.
فلمّا قَدِمت المدينة رآها النّاس فقالوا: العضباء ناقةُ رسولِ الله - ﷺ - فقالت: إنها نَذَرَت إنْ نجّاها الله عليها لتنحرنّها، فأتَوا رسول الله - ﷺ -، فذكروا ذلك له.
فقال: سبحان الله بئسما جَزَتْها، نَذَرت لله إنْ نجّاها الله عليها لتنحرَنَّها، لا وفاء لنذرٍ في معصية ولا فيما لا يملك العبد» (٣).

إذا أسلَم قومٌ في دار حرب ولهم مالٌ أو أرضون (٤) فهي لهم (٥)
عن صخر بن عيلة «إنّ قومًا مِن بني سليم؛ فرّوا عن أرضهم حين جاء الإسلام، فأخَذْتُها فأسلموا، فخاصموني فيها إلى النبيّ - ﷺ -، فردَّها عليهم وقال:

----------------------
(١) ناقة مُنَوّقة: أي مُذللة.
(٢) نذِروا بها: أي علموا.
(٣) أخرجه مسلم: ١٦٤١.
(٤) انظر -إن شئت المزيد من الفائدة- ما قاله ابن حزم -رحمه الله- تحت المسألة (٩٣٧).
(٥) هذا العنوان مِن»صحيح البخاري" (كتاب الجهاد) (باب - ١٨٠).



إذا أسلَم الرجل فهو أحقّ بأرضه وماله» (١).
قال الإمام البخاري -رحمه الله- (باب إذا أسلم قوم ...) وذكر العنوان السابق ثم ذكر تحته حديثين (٢).
قال الحافظ -رحمه الله - في «الفتح» (٦/ ١٧٥):
«أشار [أي: الإمام البخاري -رحمه الله-] بذلك إلى الردّ على من قال مِن الحنفية إنّ الحربي إذا أسلَم في دار الحرب، وأقام بها حتى غلَب المسلمون عليها، فهو أحقُّ بجميع ماله إلاَّ أرضَه وعقاره، فإنّها تكون فيئًا للمسلمين، وقد خالفَهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور ...».
ثمّ ذكَر حديث صخر بن عيلة المتقدّم، وأشار شيخنا إلى استدلال الحافظ -رحمهما الله- في «الصحيحة» (١٢٣٠).
جاء في «السيل الجرار» (٤/ ٥٥٤): «الإسلام عصمةٌ لمال الرجل ولأولاده الذين لم يبلغوا، فمَن زعَم أنّه يَحِلُّ شيءٌ مِن مال مَن أسلم؛ لكون المال في دار الحرب؛ لم يُقبل منه ذلك إلاّ بدليلٍ يدلّ على النقل مِن عصمة الإسلام، ولا دليل ... فإنّ الأحاديث الصحيحة المُصرّحة بأنّ الكُفَّار إذا تكلَّموا بكلمة الإسلام؛ عصموا بها دماءهم وأموالهم، يُغني عن غيرها ...». انتهى.
قلت: يُشير -رحمه الله- إلى حديث: ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «أُمِرتُ أنْ أُقاتِل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأنّ محمدًا

---------------------
(١) أخرجه أحمد وإسناده حسن، وانظر الصحيحة (١٢٣٠).
(٢) انظرهما -للمزيد من الفائدة إن شئت- برقم (٣٠٥٨، ٣٠٥٩) وكذا انظر وجه مطابقة الترجمة في»عمدة القاري" (١٤/ ٣٠٤).



رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعَلوا؛ ذلك فقد عصَموا منّي دماءهم وأموالهم؛ إلاَّ بحقّ الإسلام وحسابهم على الله» (١).

حُكم الأرض المغنومة (٢)
الأرض المغنومة أمْرُها إلى الإمام، يفعل الأصلح مِن قِسمَتها، أو ترْكِها مشتركةً بين الغانمين، أو بين جميعِ المسلمين، لأنّ النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قَسَم نصفَ أرض خيبر بين المسلمين، وجَعل النصف الآخر لمن ينزل به مِن الوفود والأمور ونوائبِ الناس.
فعن بُشير بن يَسار مولى الأنصار، عن رجالٍ مِن أصحاب النبيّ - ﷺ - «أنّ رسول الله - ﷺ - لما ظَهَر على خيبر؛ قسَّمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمَع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين النصفُ مِن ذلك، وعزَل النصف الباقي؛ لمن نَزَل به من الوفود والأمور ونوائب النّاس» (٣).
وفي رواية مِن حديث سهل بن أبي حثمة -رضي الله عنه- قال: «قَسَم رسول الله - ﷺ - خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين، قسَمَها بينهم على ثمانيةَ عشَرَ سهمًا» (٤).
وقد ترَك الصحابة ما غَنِموه من الأراضي مُشترَكَةً بين جميع المسلمين،

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢١.
(٢) من «الروضة النّديّة» (٢/ ٧٥٥) بتصرف يسير.
(٣) أخرجه أبو داود: «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٠٣).
(٤) أخرجه أبو داود: «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٠١).



يَقسِمون خَراجها بينهم، وقد ذهَب إلى هذا جمهور الصحابة ومَن بعدهم، وعمل عليه الخلفاء الراشدون -رضي الله عنهم-.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: أيُّما قريةٍ أتيتموها وأقمتم فيها؛ فسَهْمُكم فيها، وأيُّما قريةٍ عَصت الله ورسوله؛ فإنَّ خُمُسَها لله ولرسوله، ثمّ هي لكم» (١).
وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٥٦):
أقول: قسمة الأموال المجتمعة للمسلمين مِن: خراجٍ، ومعاملةٍ، وجزيةٍ، وصُلحٍ، وغير ذلك؛ ينبغي تفويض قِسْمتها إلى الإمام العادل الذي يمحض النّصح لرعيته، ويبذْل جهده في مصالحهم، فيَقْسِم بينهم ما يقوم بكفايتهم، ويدَّخر لحوادثهم ما يقوم بدفعها.
ولا يلزمه في ذلك سلوكُ طريقٍ مُعيَّنة سلَكَها السلف الصالح، فإنّ الأحوال تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فإنْ رأى الصلاح في تقسيم ما حَصل في بيت المال في كلّ عامٍ فعَل، وإنْ رأى الصلاح في تقسيمه في الشهر أو الأسبوع أو اليوم فَعَل.
ثمّ إذا فاضَ مِن بيتِ مال المسلمين على ما يقوم بكفايتهم، وما يدخِر لدفْع ما ينوبهم، جعل ذلك في مُناجزة الكَفَرة، وفتْح ديارِهم، وتكثير جهاتِ المسلمين، وفي تكثير الجيوش والخيل والسلاح، فإنّ تقويةَ جيوش المسلمين هي الأصلُ الأصيل في دفْع المفاسد وجَلْبِ المصالح.

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٧٥٦.


ومِن أعظم موجبات تكثيرِ بيت المال وتوسيع دائرته؛ العدلُ في الرعية، وعدمُ الجور عليهم، والقَبولُ من مُحْسِنهم، والتجاوزُ عن مسيئهم، وهذا معلومٌ بالاستقراء في جميعِ دول الإسلام والكُفر ...».
وعن زيدٍ عن أبيه أنّه سمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: «أما والذي نفسي بيده؛ لولا أن أتركَ آخر النّاس بَبَّانًا (١) ليس لهم شيء ما فُتِحت عليَّ قرية إلاَّ قَسمْتُها كما قسَم النبيّ - ﷺ - خيبر، ولكنّي أتركها خِزانةً لهم يقتسمونها (٢)» (٣).
وفي رواية: «لولا آخر المسلمين؛ ما فُتِحَت عليهم قرية، إلاّ قسمْتُها كما قسَم النبيّ - ﷺ - خيبر» (٤).

-----------------------
(١) جاء في «الفتح»: «قال أبو عبيدة بعد أن أخرجه عن ابن مهدي: قال: ابن مهدي يعني شيئًا واحدًا، قال الخطابي: ولا أحسب هذه اللفظة عربية، ولم أسمعها في غير هذا الحديث، وقال الأزهريّ: بل هي لغة صحيحة، لكنها غيرُ فاشية في لغة معد، وقد صحَّحَها صاحب العين وقال: ضوعفت حروفه، وقال: البَبَّان: المعدَم الذي لا شيء له، ويقال: هم علىَ بَبَّان واحدٍ، أي: على طريقةٍ واحدة، وقال ابن فارس: يقال هم بَبَّان واحد، أي: شيء واحد، قال الطبري: البَبَّان: المعدَم: الذي لا شيء له، فالمعنى: لولا أن أتركهم فقراءَ مُعدمين، لا شيء لهم، أي: متساوين في الفقر».
(٢) أي: يقتسمون خراجها. «الفتح».
(٣) أخرجه البخاري: ٤٢٣٥، ومسلم: ٢٣٣٤، قال الحافظ -رحمه الله -: زاد ابن إدريس في روايته: «ما افتَتَح المسلمون قَريةً مِن قرى الكُفَّار؛ اِلا قَسَمْتها سُهمانًا».
(٤) أخرجه البخاري: ٤٦٣٦، ٢٣٣٤.
وانظر إن شئت المزيد من الفائدة «نيل الأوطار» (٨/ ١٦٢) (كتاب الجهاد) (باب حُكم الأرض المغنومة).



الغُلول

تعريفه:
الغلول: هو الخيانة في المغنم، والسّرقة مِن الغنيمة قبل القِسمة (١).
تحريم الغُلول:
قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، قال: «ما كان لنبيّ أن يتَّهمَه أصحابُه (٣)» (٤).
وفي رواية: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «نزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء فُقِدت يوم بدر، فقال بعضُ النّاس: لعلّ رسول الله - ﷺ - أخذها، فأنزل اللهعز وجل- ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخر الآية» (٥).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «خَرجْنا مع رسول الله - ﷺ - يوم خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة؛ إلاّ الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجل من بني الضُّبَيب -يقال له: رِفاعة بن زيد- لرسول الله - ﷺ - غلامًا يقال له مِدعَم، فوجَّه

------------------------
(١)»النّهاية«.
(٢) آل عمران: ١٦١.
(٣) أي ما كان لنبيٍّ أن يخون أصحابه؛ فيما أفاء الله عليهم، مِن أموال أعدائهم. وانظر»تفسير الطبري«.
(٤) أخرجه البزّار في مسنده، وانظر»الصحيحة«(٢٧٨٨).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٩٧١) والترمذي وغيرهما، وانظر»الصحيحة" تحت الحديث (٢٧٨٨).



رسول الله - ﷺ - إلى وادي القُرى، حتى إذا كان بوادي القُرى -بينما مِدْعَم يحطُّ رَحْلًا لرسول الله - ﷺ - إذا سهْمٌ عائر (١) فقتَله، فقال النّاس: هنيئًا له الجنّة.
فقال رسول الله - ﷺ -: كلاّ؛ والذي نفسي بيده؛ إنّ الشملة (٢) التي أخذَها يوم خيبر مِن المغانم؛ لم تُصبها المقاسم، لتَشْتَعل عليه نارًا، فلمّا سَمِع ذلك النّاس جاء رجل بشِراكٍ (٣) أو شِراكين إلى النبيّ - ﷺ - فقال: شِراك من نار أو شِراكان من نار» (٤).
وعن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «لمّا كان يومُ خيبر أقْبَل نفرٌ مِن صحابة النبيّ - ﷺ -، فقالوا: فلانٌ شهيد، فلانٌ شهيد، حتى مرّوا على رجلٍ فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله - ﷺ -: كلاّ إني رأيته في النار في بُردةٍ (٥) غلَّها أو عباءةٍ» (٦).

-----------------------
(١) سهم عائر: أي لا يُدرى من رمى به. «الفتح».
(٢) الشملة: كساءٌ يُتغطَّى به، ويُتلفّف فيه. «النّهاية».
(٣) الشِّراك: -بكسر السين- وهو السير المعروف؛ الذي يكون في النعل على ظهر القدم. «شرح النّووي».
(٤) أخرجه البخاري: ٦٧٠٧، ومسلم: ١١٥.
(٥) قال النّووي -رحمه الله-: «أمّا البردة -بضم الباء- فكساءٌ مخُطَّط وهي الشملة والنَّمِرة، وقال أبو عبيد: هو كساء أسود فيه صور وجمعها بُرَد -بفتح الراء-» انتهى.
والنّمرة: كل شملة مخطوطة من مآزر الأعراب؛ لأنها أُخذت مِن لون النَّمِر، لما فيها مِن السواد والبياض. «النّهاية».
(٦) أخرجه مسلم: ١١٤.



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:»قام فينا النبيّ - ﷺ - فذكَر الغلول فعظَّمَه، وعظَّم أمْرَه، قال: «لا أُلفِيَنَّ (١) أحدكم يوم القيامة؛ على رقبته شاةٌ لها ثُغاء (٢)، وعلى رقبته فرسٌ له حَمْحَمَة (٣)» (٤).
وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «كان على ثَقَل (٥) النبيّ - ﷺ - رجلٌ يقال له كِركَرة، فمات، فقال رسول الله - ﷺ -: هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلَّها» (٦).
وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - «أنّه نهى أن تُباع السهام حتى تُقسم» (٧).
وعن عبادةَ بن الصامت -رضي الله عنه- أنّ النبيّ - ﷺ - كان يقول: «أدّوا الخِياط والمِخْيَط (٨)، وإيّاكم والغُلول، فإنّه عارٌ على أهله يوم القيامة» (٩).

----------------------
(١) أي: لا أجدنَّ.
(٢) ثُغاء: صوت الشاة.
(٣) حمحمة: صوت الفرس عند العلف، وهو دون الصهيل. «فتح».
(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٧٣، ومسلم: ١٨٣١.
(٥) الثّقَل -بمثلثة وقاف مفتوحتين-: العيال: وما يثقُل حَمْلُه من الأمتعة «الفتح».
(٦) أخرجه البخاري: ٣٠٧٤.
(٧) أخرجه الدارمي بسند حسن، وانظر «هداية الرواة» برقم (٣٩٤٥).
(٨) الخِياط: الخيط، والمِخيط -بالكسرة-: الإبرة. «النّهاية».
(٩) أخرجه الدارمي وإسناده حسن، وانظر «هداية الرواة» برقم (٣٩٥٢).



ما يجوز الانتفاع به قبل قسمة الغنائم
يُباح للمقاتلين أن ينتفعوا بالطعام وعَلَف الدواب؛ ما داموا في أرض العدوّ، قبل أنْ تُقسّم عليهم.
عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ -رضي الله عنه- قال: «كنّا محاصِرين قصرَ خيبر، فرمى إنسانٌ بجرابٍ (١) فيه شحم، فنزوت (٢) لآخذه، فالتفتُّ، فإذا النبيّ - ﷺ - فاستحييتُ منه» (٣). وفي رواية «فالتَفَتُّ فإذا رسول الله - ﷺ - مُتبسّمًا» (٤).
وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: «أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثمّ ينصرف» (٥).
وعن ابن -عمر رضي الله عنهما- «كنّا نُصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه (٦)» (٧).

----------------------
(١) الجراب: وعاء مِن جِلد.
(٢) أي: وَثَبْت، وهي رواية مسلم: ١٧٧٢.
(٣) أخرجه البخاري: ٣١٥٣ واللفظ له، ومسلم: ١٧٧٢.
(٤) أخرجه مسلم: ١٧٧٢.
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٥٣)، والحاكم (٢/ ١٢٦) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي، وشيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضية» (٣/ ٤٦٨) وكذا البيهقي.
(٦) قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «أي ولا نحمله على سبيل الادّخار، ويُحتمل أن يُريد ولا نرفعه إلى متولّي أمر الغنيمة، أو إلى النبيّ - ﷺ -، ولا نستأذنه في أكْلِه، اكتفاءً بما سَبَق منه مِن الإذن».
(٧) أخرجه البخاري: ٣١٥٤.



جاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٧٤٥): «قال مالك في»الموطأ«: لا أرى بأسًا أن يأكُل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو مِن طعامهم؛ ما وجدوا مِن ذلك كلّه، قبل أن تقع في المقاسم».
وقال أيضًا: «أنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام؛ يأكُلُ منه المسلمون إذا دخَلوا أرض العدو؛ كما يأكلون الطعام».
وقال: «ولو أنّ ذلك لا يُؤكَل حتى يحضُر النّاس المقاسم ويُقسَم بينهم؛ أضرَّ ذلك بالجيوش، قال: فلا أرى بأسًا بما أُكل من ذلك كلّه؛ على وجه المعروف والحاجة إليه، ولا أرى أن يدّخِرَ ذلك شيئًا؛ يَرجِع به إلى أهله. قلت: وعليه أهل العلم». انتهى.
قلت: ويجوز ركوب الدوابّ وما في معناها، ولبس الثياب، مِن غير إتلاف ولا إخلاق.
فعَنْ رُوَيْفعِ بْنِ ثَابِتٍ الأنصَارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ المسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا (١) رَدَّهَا فِيهِ (٢)، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ المسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ (٣) رَدَّهُ فِيهِ» (٤).

------------------------
(١) أعْجَفَها: أي أضعَفها وأهزلها «عون المعبود» (٧/ ٢٦٨).
(٢) أي: الفيء.
(٣) أخلَقَه: أي أبلاه.
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود (٢٠٧٨) وغيرهما، وقال شيخنا -رحمه الله- حسن صحيح، وانظر «التعلقيات الرضية على الروضة الندية» (٣/ ٤٦٧).



جاء في عون المعبود (٧/ ٢٦٨): «قال في»السبيل«: يُؤخَذ منه جوازُ الركوبِ ولبسِ الثوب، وإنما يتوجه النهي إلى الإعجاف والإخلاق للثوب، فلو رَكِب من غير إعجاف، وَلَبِس من غَير إخلاق وإتلافٍ؛ جاز. انتهى.
قال في»الفتح«: وقد اتفقوا على جواز رُكوب دوابِّهم يعني؛ أهلَ الحرب ولبس ثيابِهم، واستعمال سلاحهم حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب. وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام وعليه أن يردّ كلما فرغت حاجته، ولا يستعمله في غير الحرب، ولا ينتظر بردّه انقضاء الحرب لئلا يُعرّضه للهلاك».
قلت: وقوله بإذن الإمام ليس على الإطلاق، لحديث عبد الله بن مغفّل -رضي الله عنه- قال: «أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، فقال: فالتزمتُه، فقلت: لا أُعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا؛ فالتفتّ فإذا رسولُ الله - ﷺ - متبسَّمًا» (١).
قال النّووي -رحمه الله-: «ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه، ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلاَّ الزهري ...».
.......................
(١) أخرجه مسلم: ١٧٧٢.


أسرى الحرب
ومن جملة الغنائم الأسرى، ولا خلافَ في ذلك (١)، وهم على قسمين:
١ - النساء والصبيان، وهذا القسم يكون رقيقًا بمجرّد السبي، لأن النبيّ - ﷺ - نهى عن قَتْل النساء والصبيان (٢).
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ النبيّ - ﷺ - أغار على بني المُصطَلَق وهم غارُّون (٣) وأنعامُهم تُسقى على الماء، فقَتَل مُقاتِلتَهم (٤)، وسبى ذراريَّهم، وأصاب يومئذ جُوَيْرية (٥)» (٦).

------------------------
(١) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٧٤٨).
(٢) وفي ذلك أحاديث منها حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله - ﷺ -، فنهى رسول الله - ﷺ - عن قَتْل النساء والصبيان» أخرجه البخاري: ٣٠١٥، ومسلم: ١٧٤٤ وتقدّم.
(٣) وهم غارُّون: جمع غار بالتشديد أي غافل، أي أخَذَهم على غِرة. «الفتح».
(٤) أي: الطائفة البالغين الذين هم على صدد القتال. «الكرماني».
(٥) قال النّووي -رحمه الله- (١٢/ ٣٦): وفي هذا الحديث جواز الإغارة على الكُفّار الذين بلغتهم الدعوة مِن غير إنذار بالإغارة ... «وانظر تتمة كلام النّووي -رحمه الله- إن شئت المزيد.
(٦) أخرجه البخاري: ٢٥٤١، ومسلم: ١٧٣٠، ولفظ مسلم من حديث ابن عون قال:»كتبت إلى نافعٍ أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتَب إليَّ إنما كان ذلك في أول الإسلام؛ قد أغار رسول الله - ﷺ - ... «وذكره، وتقدّم.
وانظر رواية الإمام أحمد -رحمه الله- وما جاء في»الإرواء" تحت رقم (١٢١٢) -إنْ شئت-.



٢ - الرجال البالغون المقاتِلون، والإمام فيهم مخُيَّرٌ بينَ قَتْلٍ وَرِقٍّ ومَنٍّ وفداءٍ بمالٍ أو بأسيرٍ مسلم.
أمّا القَتل: فلقوله تعالى: ﴿فاقتُلُوا المُشْركِينَ حَيْثُ وَجَدتمُوهُم﴾ (١).
وقَتَل النبيّ - ﷺ - رجالًا مِن بني قريظة حين حكَم فيهم سعد بن معاذ -رضي الله عنه- فقال: أَحْكُم فيهم أن تُقتل مُقاتلتهم وتُسبَى ذراريُّهُم وتُقسّم أموالهم، فقال رسول الله - ﷺ -: لقد حكمْتَ بحُكم الله -عز وجل- وحُكم رسوله» (٢).
وجاء في «سنن أبي داود» تحت (بابُ قتلِ الأسير ولا يُعرَض عليه الإسلام) عن سعد قال: «لمّا كان يوم فتح مكة أمَّنَ رسول الله - ﷺ - الناس إلاَّ أربعةَ نفر وامرأتين وسمّاهم، وابن أبي سَرْح، فذكَر الحديث.
قال: وأمّا ابنُ أبي سرح؛ فإنّه اختَبأ عند عثمان بن عفان، فلمّا دعا رسول الله - ﷺ - النّاس إلى البيعة؛ جاء به حتى أوقَفَه على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا نبيَّ الله بايعْ عبد الله، فرفَع رأسه فنظَر إليه ثلاثًا، كلّ ذلك يأبى، فبايَعَه بعد ثلاث، ثمّ أقبَلَ على أصحابه فقال: أمَا كان فيكم رجل رشيد؛ يقوم إلى هذا حيث رآني كَففْتُ يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأتَ إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنةُ الأعين» (٣).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- «أنّ رسول الله - ﷺ - دخَل مكَّة عام

--------------------
(١) التوبة: ٥.
(٢) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وانظر»الصحيحة«(٦٧) و»الإرواء«(١٢١٣).
(٣) أخرجه أبو داود: (٢٦٨٣، ٤٣٥٩) وغيره وانظر»الصحيحة" (١٧٢٣).



الفتح وعلى رأسه المِغفَر (١)، فلمَّا نَزَعَه جاءه رجل فقال: ابن خَطَل متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه.
قال أبو داود: ابن خَطَل اسمه عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قَتَله» (٢).
وأمّا دليل الرِّق، فقوله - ﷺ - لوفد هوازن: «... وأحبّ الحديث إليّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمّا المال وإمّا السبي» (٣).
قال في «منار السبيل» (ص ٢٧٢): «ولأنه يجوز إقرارهم بالجزية، فبالرقّ أولى؛ لأنّه أبلَغُ في صَغارهم».
وأمّا المنّ -وهو إطلاق سراح الأسير مجّانًا-، فلقوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٤).
ولأنّه - ﷺ - مَنّ على ثُمامة بن أُثال، وسيأتي بتمامه -إن شاء الله تعالى- في (باب ما جاء في الإحسان إلى الأسرى).
وكذلكَ منَّ النبيُّ - ﷺ - على أبي العاص بن الربيع.
فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لمّا بعَثَ أهلُ مكّةَ في فداء أسراهم؛ بَعَثَتْ زينبُ بنتُ رسول الله - ﷺ - في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبَعَثَتْ فيه

----------------------
(١) زرَد يُنسج من الدروع، على قدر الرأس، يُلبس تحت القلنسوة.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٣٣٥).
(٣) أخرجه البخاري: ٢٥٣٩، ٢٥٤٠ من حديث مروان والمسور بن مخرمة -رضي الله عنهما-. وتقدم غير بعيد.
(٤) محمد: ٤.



بقلادة لها؛ كانت خديجة أدخلَتْها بها على أبي العاص؛ حينَ بنَى عليها.
قالت: فلمّا رآها رسول الله - ﷺ -، رقَّ لها رِقّةً شديدة، وقال؛ إنْ رأيتم أنْ تُطلِقوا لها أسيرها، وترُدُّوا عليها مالها، فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلَقوه وردُّوا عليها الذي لها» (١).
وأمّا الفداء بالمال، فإنّه قد ثبَت عن النبيّ - ﷺ - أنّه فدى أهل بدرٍ بمال (٢).
ْوأمّا الفداء بالأسير المسلم، فلأنّه قد ثبَت عن رسول الله - ﷺ - أنّه فدّى رجلين مِن أصحابه برجلٍ مِن المشركين من بني عُقَيل.
عن عمرانَ بنِ حصين قال: «كانت ثقيف حلفاء لبنى عُقَيل، فأسرَت ثقيف رجلين مِن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأسرَ أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - رجلًا مِن بني عقيل ... ففُدِي بالرجلين» (٣).
ويَجب على الحاكم فِعْل الأصلح، فمتى رأى المصلحة للمسلمين في إحدى الخصال، تعيَّنَت عليه، لأنّه ناظرٌ للمسلمين، وتخييره تخيير اجتهاد لا شهوة (٤).
قال ابن المناصف -رحمه الله-، في «الإنجاد» (١/ ٢٦٩): «يكون نَظَر

--------------------------
(١) أخرجه ابن إسحاق في»السيرة«ومن طريقه أبو داود وابن الجارود والحاكم وأحمد وحسَّنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١٢١٦/ ٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٩١) وغيره، وانظر للمزيد من الفائدة والتفصيل ما جاء في»الإرواء«(١٢١٨).
(٣) أخرجه مسلم: ١٦٤١ مُطوّلًا، وانظر للمزيد من الفائدة -إن شئت- ما جاء في: الإرواء» (١٢١٧).
(٤) انظر «منار السبيل» (ص ٢٧٢).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18-01-2026, 12:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 216الى صــ230
الحلقة (176)




الإمام في الأسرى؛ بحسب الاجتهاد والمصلحة لأهل الإسلام، فمَن خُشيت شجاعته منهم وإقدامُهُ، أو رأيُهُ وتدبيرُه، وما أشبه ذلك مِن الوجوه التي تعود بتقوية بأس العدو على المسلمين في بقائه؛ كان الأولى قَتْلُهُ، إلاَّ أن يَعْرضَ هناك ما يمنع، وتكونُ مراعاته أهمّ، مِثل أن يكون في بلاد الكفر أسيرٌ مِن المسلمين، لا يُستطاع إخراجُه إلاَّ بالمفاداة بهذا، وما أشبهَ ذلك مِن وجوه النَّظَرِ في الحال، وذلك غير مُنْحَصرٍ، بل هو بحسب ما يرى الحاضر والمجتهد، ومَن لم يكن مِن الأسرى على هذه الصِّفة، وكان في المفاداة به مصلحةٌ وتقويةٌ للمسلمين بالمال، وما أشبه ذلك مما لا ينحصر أيضًا مِن وجوه النَّظَر - فالأوْلَى المفاداةُ.
ومن يُرجى إسلامُه بَعدُ، أو الانتفاع به في استمالة أهل الكفر، أو كَسْرِ شوكتهم، وما في معنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعِم عليه؛ فالأَوْلَى المَنُّ.
ومَن كان صانعًا أو عسيفًا يُنتفع بمِثله في الخدمة، ولم يعرض فيه وجهٌ مِن الوجوه المتقدمة؛ اسْتُرِقَّ هؤلاء، أو ضُربت عليهم الجزية -إن كانوا من أهلها- على حسب ما يظهر من ذلك.
وبالجملة، فالنَّظَر في هذه الوجوه لمصالح المسلمين بحسب الحال؛ أوسَعُ من هذا، وإنما نَبَّهْنا على أنموذج من طريق النَّظَر، لا أنَّ ذلك واجبٌ بعينه، إلاَّ أنّه لا ينبغي أن يميل إلى واحدٍ من هذه الوجوه؛ إلاَّ لمصلحةٍ في حقِّ المسلمين؛ يغلب على نَظَرِه واجتهاده أنهأ أَوْلى.
فأمَّا القتل، فما دام الإمام مُرتئيًا؛ لم يَعزِم على واحدةٍ مما سواه؛ ساغَ له القتل -ولو بعد مدةٍ-.
قال بعض الفقهاء: لو عَرَضَهم للبيع ليختبر أثمانهم، ويناظر بها وجه


المصلحة في إحرازها للمسلمين، أو قتلهم، وما أشبه هذا؛ كان له من ذلك ما رآه بعد، فإذا أنفَذَ نظَرَهُ في واحدةٍ من ذلك غير القتل، أو أسقَط عنه القتل، وبقي مرتئيًا فيما عداه من الوجوه؛ لم يكن له الرجوع إلى القتل؛ لأنه حُكْمٌ وَقَعَ، يتضمَّن التأمين، والله أعلم».

جوازُ استرقاقِ الكُفّار مِنْ عربٍ أو عَجَم (١)
يجوزُ استرقاقُ العرب، لأنّ الأدلة الصحيحة قد دلَّت على جواز استرقاق الكُفَّار، مِن غير فَرْقٍ بين عربيٍّ وعجمي، وذَكَرٍ وأنثى.
ولم يقُم دليلٌ يصلُح للتمسك قطّ في تخصيص أسْرى العرب بعدم جواز استرقاقهم؛ بل الأدلّة قائمةٌ متكاثرة على أن حُكْمهم حُكمُ سائر المشركين.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «ما زلت أُحبُّ بني تميم منذ ثلاثٍ، سمعتُ مِن رسول الله - ﷺ - يقول فيهم: سمعته يقول: هم أشدّ أمّتي على الدجّال، قال: وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله - ﷺ -: هذه صدقات قومِنا، وكانت سَبِيَّةٌ منهم عند عائشة؛ فقال: أعتقيها؛ فإنها مِن وَلَد إسماعيل» (٢).
وعن مروان والمِسْوَر بنِ مخرمة -رضي الله عنهما-: «أنّ النبيّ - ﷺ - قام حين جاءه وفْد هوازن، فسألوه أن يَرُدّ إليهم أموالهم وسبْيَهم فقال: إنّ معي من ترون وأَحَبُّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمّا المال وإمّا السبي ...» (٣).

------------------------
(١) عن الروضة الندية (٢/ ٧٥٠) بتصرف يسير.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٥٤٣، ومسلم: ٢٥٢٥.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٥٣٩، ٢٥٤٠، وتقدّم.



وعن ابن عون قال: «كتبتُ إلى نافع، فكتَب إليّ أن النبيّ - ﷺ - أغارَ على بني المصطلِق وهم غارّون وأنعامُهم تُسقى على الماء فَقَتل مُقاتلتهم وسبَى ذراريَّهم وأصاب يومئذٍ جُوْيرية ...» (١).
وقد ذهَب إلى جوازِ استرقاق العرب الجمهور، والحاصل: أنّ الواجب الوقوفُ على ما دلّت عليه الأدلة الكثيرة الصحيحة؛ مِن التخيير في كلِّ مُشرك بين القتل والمَنّ والفداء والاسترقاق، فمن ادَّعى تخصيصَ نوعٍ منهم، أو فرْدٍ مِن أفرادهم فهو مُطالَب بالدليل.
وأمّا أسْرُ نساء العرب فالأمر أظهر مِن أن يُذكر، والوقائع في ذلك ثابتة في كُتُب الحديث: الصحيحين وغيرِهما، وفي كتب السِّيَر جميعها«.

إذا أسلم الأسير حَرُمَ قتْلُه
عن ابن شُماسةَ المَهْري قال: حَضَرْنا عمرو بنَ العاص وهو في سياقةِ الموت، فبكى طويلا وحوّل وجهَه إلى الجدار، [وذكر الحديث وفيه] أما علِمت أنّ الإسلام يَهْدِم (٢) ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدِم ما كان قبلها، وأنّ الحجَّ يَهدِم ما كان قبله» (٣).
قلت: فيستفاد من هذا الحديث؛ أن الإسلام يهدِم ما استوجبه هذا الأسير من قَتْل.

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٥٤١، ومسلم: ١٧٣٠، وتقدّم.
(٢) وفي رواية أحمد «يجُبّ» وإسنادها صحيح وانظر «الإرواء» (١٢٨٠).
(٣) أخرجه مسلم: ١٢١.



ما وَرَد في الإحسان إلى الأسرى
قال الله -تعالى-: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ (١) مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٢).
قال ابن جرير -رحمه الله-: ﴿وَأَسِيرًا﴾: وهو الحربيّ مِن أهل دار الحرب، يُؤخَذ قهرًا بالغَلبَة، أو مِن أهل القبلة يُؤخذ فيُحبَس بحقّ.
وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: فُكّوا العاني -يعني الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» (٣).
ومِن جملة الإحسان المنّ على الأسرى إذا رأى الإمام مصلحةً في ذلك.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بَعثَ النبيّ - ﷺ - خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجُلٍ مِن بني حنيفة يقال له ثُمامةُ بن أُثال، فرَبطوه بساريةٍ من سواري المسجد، فخرَج إليه النبيّ - ﷺ - فقال: ماذا عندك يا ثُمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إنْ تَقْتلني تقتْل ذا دم، وإن تُنْعم تُنْعِم على شاكر، وإنْ كنت تريد المال فَسلْ منه ما شئت.
فتُرك حتى كان الغد ثمّ قال: له ما عندك يا ثُمامة فقال: ما قلت لك، إنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، فترَكَه حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثُمامة فقال: عندي ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثُمامة.

----------------------
(١) أي: وهم يشتهون هذا الطعام.
(٢) الإنسان: (٨، ٩).
(٣) أخرجه البخاري: ٣٠٤٦.



فانطلق إلى نخْلٍ (١) قريب من المسجد، فاغتسل ثم دَخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمّد والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغَضُ (٢) إليّ مِن وجهك، فقد أصبَحَ وجهُك أحبَّ الوجوه إليّ، والله ما كان مِن دينٍ أبغضَ إليّ من دينك فأصبح دينُك أحبَّ الدين إليّ، والله ما كان مِن بلدٍ أبغضُ إليّ مِن بلدِك، فأصبَح بلدُك أحبَّ البلاد إليّ، وإنَّ خيلَك أخذتني وأنا أريد العمرة؛ فماذا ترى؟
فبشَّره رسول الله - ﷺ - وأمرَهَ أن يعتمر، فلمّا قَدم مكة قال له قائل: صَبَوْت؟ قال: لا ولكنْ أسلمتُ مع محمّد رسولِ الله - ﷺ -، ولا والله لا يأتيكم مِن اليمامة حبّةُ حِنطة حتى يأذَن فيها النبيّ - ﷺ -» (٣).
وفي زيادة: «وانصَرف إلى بلده، ومنَع الحمل إلى مكّة؛ حتى جَهِدَت قريش، فكتبوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة، يُخلِّي إليهم حمْل الطعام، ففعَل رسول الله - ﷺ -» (٤).
وفي زيادة أُخرى:
حتى قال عمر: «لقد كان والله في عيني أصغر من الخنزير، وإنّه في عيني، أعظم من الجبل» (٤).

--------------------
(١) وردت بالجيم: وهو المال القليل المُنبعث، ووردت بالخاء، وتقديره: انطلَق إلى نخلٍ فيه ماء، فاغتسَل منه. وانظر «شرح النّووي» (٨٩١٢).
(٢) وردَ بالرفع والنّصب، وهما وجهان في النحو.
(٣) أخرجه البخاري: ٤٣٧٢، ومسلم: ١٧٦٤.
(٤) أخرجهما أحمد وإسنادهما حسن، انظر «الإرواء» (٥/ ٤٢).



وعن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: «لما قَسَمَ رسول الله - ﷺ - سبايا بني المُصْطَلِق؛ وقعَت جويرية بنت الحارث في السّهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عمٍّ له، وكاتَبته على نفسها، وكانت امرأةً حلوة مُلاّحة (١)، لا يراها أحد إلاَّ أخذَت بنفسه، فأتَت رسول الله - ﷺ - تستعينه في كِتابتها.
قالت: فوالله ما هو إلاّ أن رأيتها على باب حجرتي؛ فكرِهْتُها، وعرفت أنّه سيرى منها ما رأيت، فدخَلَت عليه، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيّد قومه، وقد أصابني ما لم يخفَ عليك، فوقعْتُ في السهم لثابت بن قيس بن الشِّماس أو لابن عمٍّ له، فكاتَبْتُه على نفسي، فجئتك أستعينك على كِتابتي.
قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي كتابتَك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعَلْتُ، قالت: وخرَج الخبر إلى النّاس أنّ رسول الله - ﷺ - تزوَّجَ جويريةَ بنتَ الحارث، فقال النّاس: أصهار رسول الله - ﷺ - فأرسَلُوا ما بأيديهم.
قالت: فلقد أعتقَ بتزويجه إياها مائةَ أهلِ بيتٍ مِن بني المُصطَلِق، فما أعلَمُ امرأةً كانت أعظمَ بركةً على قومها منها» (٢).

-------------------
(١) مُلاّحة أي: شديدةَ المَلاحَة، وهو من أبنية المبالغة. «النّهاية». قلت: على وزن فُعّال كقوله -تعالى-: ﴿وَمَكرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾. وانظر «التطبيق الصرفي» (ص ٨٧) للدكتور عبده الراجحي.
(٢) أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، وحسّن شيخنا -رحمه الله- إسناده في «الإرواء» (٥/ ٣٧) تحت الحديث (١٢١٢).



ما ورَد في الإحسان إلى الرقيق
قال الله -تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى (١) وَالْجَارِ الْجُنُبِ (٢) وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ (٣) وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤).
عن أبي ذرِ الغِفاريّ -رضي الله عنه- قال: «قال النبيّ - ﷺ - إنّ إخوانكم خوَلُكم (٥) جعَلَهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعمِه مما يأكل وليُلبِسْه مما يلبس، ولا تُكلّفوهم ما يغلبهم، فإنْ كلّفتموهم ما يَغْلِبهُم، فأعينوهم» (٦).
وعن أبي هريرة- ر ضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: «للمملوك طعامه وكسوته ولا يُكلَّف مِن العمل إلاَّ ما يُطيق» (٧).
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كان النبيّ - ﷺ - يوصي

-----------------------
(١) أي: الجار ذي القرابة والرّحم، فله حقّان اثنان: حقّ القرابة وحقّ الجار.
(٢) هو الجار الغريب البعيد المجانِب للقرابة.
(٣) والصاحب بالجنب، قال بعضُ أهل التأويل: هو رفيق الرجل في سفره، وقال آخرون: هو امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه، وقال آخرون: هو الذي يلزَمُك ويصحبُك رجاء نفْعِك، قال ابن جرير -رحمه الله -»فالصواب أن يُقال: جميعهم معنيّون بذلك، وكلّهم قد أوصى الله بالإحسان إليه«.
(٤) النساء: ٣٦.
(٥) هم الخَدَم، سُمّوا بذلك لأنهم يتخوّلون الأمور: أي يُصلحونها.»الفتح".
(٦) أخرجه البخاري: ٢٥٤٥، ومسلم: ١٦٦١.
(٧) أخرجه مسلم: ١٦٦٢.



بالمملوكين خيرًا ويقول: أطعِموهم مما تأكلون، وألبِسوهم من لَبوسكم، ولا تُعذِّبوا خَلْق الله -عز وجل-«(١).
وعن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمِعْت مِن خلفي صوتًا: اعلم أبا مسعود للهُ أقدَرُ عليك منك عليه، فالتفتُّ فإذا هو رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! هو حرٌّ لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل، للفَحَتْك النار، أو لمسَّتك النار» (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعْتُ أبا القاسم - ﷺ - يقول: «مَن قذَف مملوكه وهو بريء ممّا قال؛ جُلدَ يوم القيامة، إلاّ أن يكون كما قال» (٣).
وعن عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- قال: «لا يَضْرب أحدٌ عبدًا له، وهو ظالمٌ له؛ إلاّ أُقيدَ (٤) منه يوم القيامة» (٥).
عن أبي ليلى قال: «خرَج سلمان فإذا علَفُ دابّته يتساقط من الآريّ (٦)، فقال لخادمه: لولا أنّي أخاف القِصاص لأوجعتك ضَرْبًا» (٧).
وعن زاذان: «أن ابن عمر -رضي الله عنهما- دعا بغلام له فرأى بظهره أثرًا

-----------------------
(١) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«»صحيح الأدب المفرد«(١٣٩).
(٢) أخرجه مسلم: ١٦٥٩.
(٣) أخرجه البخاري: ٦٨٥٨، ومسلم: ١٦٦٠.
(٤) أُقيد منه: مِن القَوَد وهو القِصاص، أي: أُقتصّ منه يوم القيامة.
(٥) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«»صحيح الأدب المفرد«(١٣٤).
(٦) الآريّ: محبس الدّابة.
(٧) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«»صحيح الأدب المفرد" (١٣٥).



فقال له: أوجعتك؟ قال: لا قال: فأنت عتيقٌ.
قال: ثم أخذ شيئًا مِن الأرض فقال: ما لي فيه من الأجر ما يَزِن هذا، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: مَن ضرَب غلامًا له حدًّا لم يأته، أو لَطَمه؛ فإن كفّارتَه أن يُعتقه» (١).
وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: مَن كانت له جارية، فعلَّمها فأحسن إليها، ثمّ أعتقَها وتزوَّجَها كان له أجران» (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يَقُلْ أحدكم: عبدي، أَمَتي، وليقُل: فتاي وفتاتي وغلامي» (٣).
وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: «كان آخر كلام رسول الله - ﷺ -: الصلاةَ (٤)، الصلاةَ، اتقوا الله فيما ملكت أيمانُكم» (٥).

ربط الأسير وحبْسُه
فيه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «بَعَثَ النبيُّ - ﷺ - خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل مِن بني حَنيفة، يقال له ثُمامة بن أُثال، فرَبطوه بساريةٍ مِن

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٦٥٧.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٥٤٤، ومسلم: ١٥٤.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٥٥٢، ومسلم: ٢٢٤٩.
(٤) بالنّصب على تقدير فِعْل، أي: الزموا الصلاة، أو أقيموا أو احفظوا الصلاة بالمواظبة عليها ...»عون المعبود«(١٣/ ٤٤).
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٢٩٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٨٤) وانظر»الإرواء" (٢١٧٨).



سواري المسجد» (١).

نفيُ جوازِ قتْلِ الحربيّ إذا أتى ببعضِ أَمارات الإسلام (٢)
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «مرّ رجل مِن بني سُليم على نَفَر مِن أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومعَه غنَم فسلَّم عليهم، فقالوا ما سلَّم عليكم إلاَّ ليتعوّذ مِنكم، فعدَوا عليه فقتلوه، وأخذوا غنَمه، فأتوا بها رسول الله - ﷺ - فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ (٣) إلى آخر الآية» (٤).

تحرير الرقاب (٥)
لقد فَتَح الإسلام أبواب تحرير الرِّقاب، وبيَّنَ سُبُل الخلاص، واتخذ وسائل شتّى لإنقاذ هؤلاء مِن الرِّقّ؛ منها:
١ - أنّه طريقٌ إلى رحمةِ الله وجنّته، يقول الله -سبحانه-: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٦).

-------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٣٧٢، ومسلم: ١٧٦٤ وتقدّم.
(٢) هذا العنوان من «صحيح ابن حبان» انظر «التعليقات الحِسان» (٧/ ١٣٠).
(٣) النساء: ٩٤.
(٤) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، وابن حبان «التعليقات الحِسان» (٤٧٣٢) وغيرهما، وفيه: وقد أخرجَه البخاري: ٤٥٩١، ومسلم: ٣٠٢٥ وغيرهما، من طريق عطاء، عن ابن عباس به، ببعض الاختصار.
(٥) عن «فقه السُّنَّة» (٣/ ٤٧٦) بتصرف وزيادة من «تفسير ابن كثير» وغيره.
(٦) البلد: ١١ - ١٣.



عن البراء -رضي الله عنه- قال: «جاء أعرابي فقال: يا نبيّ الله علِّمْني عَمَلًا يُدخلني الجنة، قال: لئن كنت أقصَرْتَ الخُطبة لقد أعرضْتَ المسألة (١)، أعتق النَّسَمَة (٢)، وفُكَّ الرَقَبَة. قال: أوليستا واحدًا؟ قال: لا؛ عتق النَّسَمَة: أن تعتق النَّسَمَة (٣)، وفكُّ الرَّقبةِ: أن تُعين على الرقبة» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال النبيّ - ﷺ -: «أيُّما رجلٍ أعتَق امرَءًا مسلمًا؛ استنقَذَ الله بكل عضوٍ عضوًا منه مِن النار» (٥).
وفي رواية «مَن أعتقَ رقبةً مسلمة؛ أعتقَ اللهُ بكلِّ عضوٍ منه عضوًا مِنه مِن النار، حتى فَرجَه بفرجِه» (٦).
٢ - وأنّ العِتق كَفّارة للقتل الخطأ. يقول الله -عز وجل-: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٧).
٣ - وأنّه كفَّارةٌ للحَنْث في اليمين لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٨).

-------------------------
(١) أي جئت بالخطبة قصيرة، وبالمسألة واسعة كثيرة. «النّهاية».
(٢) النَّسَمَة: النفس والروح، أعتق النَّسَمَة: أعتق ذا روح، وكل دابة فيها روح فهي نَسَمَة، وإنّما يُريد النّاس. «النّهاية».
(٣) أي: تنفرد بِعتْقها، وفكُّ الرقبة أن تُعين في عِتْقها.
(٤) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» «صحيح الأدب المفرد» (٥٠) وغيره.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٥١٧، ومسلم: ١٥٠٩.
(٦) أخرجه البخاري: ٦٧١٥، ومسلم: ١٥٠٩.
(٧) النساء: ٩٢.
(٨) المائدة: ٨٩.



٤ - وأنّ العِتق كفّارة في حالة الظِّهار، يقول الله -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١).
٥ - وجعَل الإسلامُ من مصارف الزكاة شراءَ الارقاء وعِتْقَهم، يقول الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢).
٦ - ومَن نَذَر أن يُحرّر رقبةَ، وجَب عليه الوفاء بالنذر متى تحقَّق له مقصوده. وبهذا يتبيّن أنّ الإسلام ضيَّق مصادر الرَّق، وعامَل الأرقاء معاملةً كريمةً، تمهيدًا لتحريرهم.
٧ - وأمَرَ الله -سبحانه- بمكاتبة العبد على قَدْرِ من المال، قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (٣) وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٤).
والكتابة: أن يكاتِب الرجلُ عبده على مالٍ يؤديه إليه مُنجَّمًا (٥)، فإذا أدّاه صار حُرًّا، وسُمّيت كتابةً لمصدر كتَب كأنه يكتُب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب

-----------------------
(١) المجادلة: ٣.
(٢) سورة التوبة: ٦٠.
(٣) قال بعضهم: أمانة، وقال بعضهم: صِدْقًا، وقال بعضهم: مالًا، وقال بعضهم: حيلةً وكسْبًا. قلت: وهذه الأقوال يُفسّر بعضها بعضًا، ولا يمتنع الجمع بينها. والله -تعالى- أعلم.
(٤) النور: ٣٣.
(٥) قال في «النّهاية»: "... ومنه تنجيم المكاتَب ونجوم الكتابة، وأصْلُه أنّ العرب كانت تجعل مطالعَ منازل القمر ومساقطَها مواقيتَ لحلول ديونها وغيرها، فتقول: إذا طلَع النجم؛ حلّ عليك مالي: أي الثريا، وكذلك باقي المنازل.



مولاه له عليه العِتق، وقد كاتبتُه مكاتبةً والعبد مكاتَب (١).
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ هذا أمرُ إرشاد واستحباب، والسيّدُ مخيَّرٌ في ذلك، وذهَب آخرون إلى وجوب ذلك.
والآية تدل على وجوب المكاتبة، بشرط أن يكون للمملوك حيلة وقوة وكسْبٌ ومال؛ يؤدي إلى سيده ما شارطه على أدائه.
والأثران الآتيان يدلان على الإيجاب:
عن ابن جريج قلتُ لعطاء: «أواجبٌ عليَّ إذا علِمْتُ له مالًا أن أكاتِبَهُ؟ قال: ما أراه إلاَّ واجبًا».
وقال عمرو بن دينارٍ: «قلتُ (٢) لعطاء: أتأثُرُه (٣) عن أحد؟ قال: لا، ثمّ أخبَرَني أن موسى بنَ أنس أخبَره أنّ سيرين سأَل أنسًَا المكاتَبَة وكان كثير المال، فأبى، فانطلَق إلى عمر -رضي الله عنه- فقال كاتِبه، فأبى، فضربَه بالدِّرَّة ويتلو عمر: ﴿فَكاتِبوُهُم إنْ عَلِمتُم فِيهِم خيرًا﴾ فكاتَبهُ» (٤).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ سيرين أراد أن يُكاتِبه، فتلكَّأَ

------------------------
(١)»النّهاية«.
(٢) القائل: ابن جريج.
(٣) أي: أترويه.
(٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في»كتاب المكاتَب«(باب المكاتَب ونجومه في كلّ سنة نجم)، ووصلَه إسماعيل القاضي في»أحكام القرآن«بسندٍ صحيح عنه، وكذلك أخرجَه عبد الرزاق والشافعي من وجهين آخرين عن ابن جُريج، وانظر»فتح الباري«(٥/ ١٨٦) و»مختصر البخاري" (٢/ ١٧٩) لشيخنا -رحمه الله-.



عليه، فقال له عمر: لتُكاتِبنَّه» (١).

الفيء
الفيء: ما حصَل للمسلمين، وأفاءه الله -تعالى- عليهم مِن أموال الكُفار من غير حربٍ ولا جهاد.
وأصْل الفيء: الرجوع، يُقال: فاء يفيء فئةً وفُيُوءًا؛ كأنّه كان في الأصل لهم فرجَع إليهم، قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) (٣).
*لأنَّ الله أفاءه على المسلمين؛ فإنّه خَلَقَ الخَلْق لعبادته، وأحلَّ لهم الطيبات، ليأكلوا طيِّبًا، ويعملوا صالحًا، والكُفّار عبدوا غيره، فصاروا غيرَ مُستحقّين للمال، فأباحَ للمؤمنين أن يعبدوه، وأن يسترِقّوا أنفسهم (٤)، وأن يسترجعوا الأموال منهم، فإذا أعادَها الله إلى المؤمنين منهم فقد فاءت، أي: رجَعَت إلى مُستحقّيها* (٥).
وقد تنزّل ذِكر الفيء في القرآن الكريم قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى

-------------------------
(١) أخرجه ابن جرير -رحمه الله- في «تفسيره»، وصحح الإمام ابن كثير -رحمه الله- إسناده في «تفسيره».
(٢) البقرة: ٢٢٦.
(٣) «النّهاية» بزيادة مِن «حلية الفقهاء».
(٤) أي: أنفس الكفار.
(٥) ما بين نجمتين من «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٦٣).



وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٧٥):
«فذكر -سبحانه وتعالى- المهاجرين والأنصار والذين جاءوا مِنْ بَعدِهم على ما وصَف فدخَل في الصنف الثالث، كلّ مَن جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة؛ كما دخلوا في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ (٢) وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وفي قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤)».
وقال -رحمه الله- (ص ٢٧٦): "وسمّيَ فيئًا؛ لأنَّ الله أفاءَه على المسلمين، أي ردَّه عليهم مِن الكفار؛ فإنّ الأصل أن الله -تعالى- إنّما خلَق الأموال إعانةً على عبادته؛ لأنه إنّما خلَق الخلْق لعبادته. فالكافرون به أباحوا أنفسهم التي لم يعبدوه بها، وأموالهم التى لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين الذين

------------------------
(١) الحشر:٦ - ١٠.
(٢) الأنفال: ٧٥.
(٣) التوبة: ١٠٠.
(٤) الجمعة: ٣.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 18-01-2026, 12:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 246الى صــ260
الحلقة (177)




يعبدونه، وأفاء إليهم ما يستحقّونه، كما يُعاد على الرجل ما غُصِبَ مِن ميراثه؛ وإن لم يكن قَبَضَه قبل ذلك».

إنفاق رسول الله - ﷺ - على أهله نفقةَ سَنتِهِم مِن الفيء، وجعْل الباقي في مَجْعَل مال الله
عن عمرو بن عَبَسَة -رضي الله عنه- قال: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - إلى بعيرٍ مِن المغنم، فلمّا سلَّم أخَذ وبرة من جنب البعير، ثمّ قال: ولا يَحلّ لي من غنائمكم مثل هذا، إلاَّ الخُمُس والخُمُس مردودٌ فيكم» (١).
وعن عطاء في قولهعز وجل-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٢).
قال: خُمُس الله وخُمُس رسولِه، واحد كان رسول الله - ﷺ -، يحمل منه، ويعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء«(٣).
وعن عمر -رضي الله عنه- قال:»إنّ الله قد خصَّ رسوله - ﷺ - في هذا الفيء بشيء؛ لم يُعْطِه أحدًا غيره ثمّ قرأ: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ إلى قوله ﴿قَدِير﴾.
فكانت هذه خالصةً لرسول الله - ﷺ - ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثَرَ

-------------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٩٣) والبيهقي والحاكم وصححه شيخنا - رحمه الله- في «الإرواء» (١٢٤٠). وتقدّم.
(٢) الأنفال: ٤١.
(٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٨٦٢) وقال شيخنا -رحمه الله -: صحيح الإسناد مُرسَل.



بها عليكم، قد أعطاكموها، وبثَّها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله - ﷺ - يُنفِق على أهله نفقةَ سَنتَهم مِن هذا المال، ثمّ يأخُذ ما بقي، فيجعله مَجْعَل مال الله، فَعمِل رسول الله - ﷺ - بذلك حياتَه» (١).
وعن عمر -رضي الله عنه-: «كانت أموال بني النّضير مما أفاءَ الله على رسوله - ﷺ -، مما لم يوجِف (٢) المسلمون عليه بخيل ولا ركاب (٢)، فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصة، وكان يُنفِق على أهله نفقة سنته (٣)، ثمّ يجعل ما بقي في السلاح والكُراع (٤)؛ عُدّةً (٥) في سبيل الله» (٦).
*قال أبو عبيد -رحمه الله- في كتاب «الأموال» (ص ٢٦٤): «وقد كان رأيُ عمرَ الأول؛ التفصيل على السوابق والغَنَاء عن الإسلام، وهذا هو المشهور مِن رأيه، وكان رأي أبي بكرٍ التسوية، ثمّ قد جاء عن عمرَ شيءٌ شبيهٌ بالرجوع إلى رأي أبي بكر».

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٠٩٤، ومسلم: ١٧٥٧.
(٢) يوجف: الإيجاف: هو الإسراع في السير، [والركاب: الإبل]، أي: لم يعملوا فيه سعْيًا؛ لا بالخيل ولا بالإبل. «شرح الكرماني» (١٢/ ١٦٧).
(٣) قال النّووي -رحمه الله-: «أي: يعزل لهم نفقَة سنة، ولكنه كان يُنفِقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير، فلا تَتِمّ عليه السنة، ولهذا تُوفِّي - ﷺ - ودرعه مرهونةٌ على شعير؛ استدانَه لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيام تباعًا، وقد تظاهَرَت الأحاديث الصحيحة؛ بكثرة جوعه - ﷺ - وجوع عياله».
(٤) أي: الخيل.
(٥) قال العيني في «عمدة القاري» (١٤/ ١٨٥): «قوله عُدّةً: وهي الاستعداد، وما أعدَدْته لحوادث الدهر مِن سلاحٍ ونحوه».
(٦) أخرجه البخاري: ٢٩٠٤، ومسلم: ١٧٥٧.



وروى (ص ٢٦٣) بسند صحيح عن عمرَ خطبتَه بالجابية، قال: أمّا بعد؛ فإنّ هذا الفيءَ شيءٌ أفاءه الله عليكم؛ الرفيع فيه بمنزلة الوضيع. ... إلخ.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعْتُ عمر يقول: «لئن عِشت إلى هذا العام المقبِل؛ لأُلحقنّ آخر النّاس بأولهم؛ حتّى يكونوا بيانًا (١) واحدًا».
وسنده حسن.
وذكر عن شيخه عبد الرحمن بن مهدي قال: بيانًا واحدًا: أي: شيئًا واحدًا* (٢).

يُراعى في قَسْم الفيء قِدَمُ الرجل في الإسلام وبلاؤُه، وعِيالُه وحاجتُه
عن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: ذكَر عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- يومًا الفيء، فقال: «ما أنا بأحقَّ بهذا الفيء منكم، وما أحدٌ منّا بأحقَّ به من أحدٍ، إلاَّ أنّا على منازلنا مِن كتاب الله -عز وجل- وقَسْمِ رسول الله - ﷺ -، فالرجلُ وقِدَمُه (٣)، والرجل وبلاؤه، والرجل وعِياله والرجل وحاجته» (٤).

--------------------
(١) كذا وردت في المصادر المذكورة، وتقدّم قبل صفحات في (حُكم الأرض المغنومة) في قول عمر -رضي الله عنه- في «الصحيحين» بلفظ «ببّانًا» وهذا الراجح من خلال هذه الرواية وكلام الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» والله أعلم.
(٢) ما بين نجمتين من كتاب «صحيح سنن أبي داود» (الأمّ) (٨/ ٣٠٢) لشيخنا الألباني -رحمه الله-.
(٣) أي: في الإسلام.
(٤) أخرجه أبو داود وقال شيخنا -رحمه الله- في «هداية الرواة» (٣٩٩٠): «في إسناده عنعنة ابن إسحاق وقال في»صحيح سنن أبي داود" (الأمّ) (٨/ ٣٠١): لكن له شاهد يأتي =



إعطاء المتزوج حظّين والعزب حظًا واحدًا
فيه الحديث المتقدم: «... والرجل وعِياله والرجل وحاجته».
وعن عوف بن مالك «أنّ رسول الله - ﷺ - كان إذا أتاه الفيء؛ قسَمَه في يومه، فأعطى الآهل (١) حظين (٢)، وأعطى العَزبَ (٣) حظًّا، فدُعينا، وكنت أدعى قبل عمّار فدُعيت، فأعطاني حَظَّين وكان لي أهل، ثمّ دُعي بعدي عمّار بن ياسر، فأُعطي له حظًّا واحدًا» (٤).
جاء في «المرقاة» (٧/ ٦٥٨): «والظاهر أنّ في معناه؛ مَن له أحدٌ ممن يَجِب عليه نفقته» أي: له حظّان«.

استيعاب الفيء عامّة المسلمين
عن مالك بن أوس الحدَثان قال: قَرَأ عمرُ بنُ الخطاب ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ...﴾ حتّى بلَغ: ﴿عليم حكيم﴾، فقال: هذه لهؤلاء، ثمّ قَرَأ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأنَّ لله خُمُسَهُ ...﴾ حتى بلَغ: ﴿وابن السَبِيلِ﴾، ثُمّ قال: هذه لهؤلاء، ثُمّ قرَأ: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ...﴾ حتّى بلَغ:

-----------------------
= ذِكْره، إن شاء الله -تعالى-، وقال في تخريج»سنن أبي داود«(٢٩٥٠):»حسن موقوف«.
(١) الآهل -بالمد وكسر الهاء- أي: المتأهل الذي له زوجة، قال في»النيل«:»وفيه دليلٌ عمليّ على أنّه ينبغي أن يكون العطاء؛ على مقدار أتباع الرجل الذي يلزم نفقتهم مِن النّساء وغيرهنّ، إذ غير الزوجة مثلها في الاحتياج إلى المؤونة«وانظر»عون المعبود«(٨/ ١٢٠).
(٢) أي: نصيبَين.
(٣) العزب: مَن لا زوجة له.
(٤) أخرجه أبو داود،»صحيح سنن أبي داود«(٢٥٦٠) وانظر»المشكاة" (٤٠٥٧).



﴿للفقراء﴾، ثمّ قرأ: ﴿والذين جاءوا من بعدهم ...﴾، ثمّ قال: هذه استوعَبَت المسلمين عامّة، فلئِن عشْتُ فليأتينّ الراعي -وهو بِسَرو حِمْيَر (١) - نصيبُه منها، لم يَعْرَق فيها جَبينه» (٢).
وفي رواية: «ما مِن أحدٍ؛ إلاَّ وله في هذا المال حقّ أُعطِيَه أو مُنِعَه؛ إلاَّ ما ملكَت أيمانكم» (٣).
بل وردَ عن النبيّ - ﷺ - أنّه قسَم للحُرّة والأَمَة.
فعن عائشة: «أنّ النبيّ - ﷺ - أُتِيَ بظَبْية (٤) فيها خَرَزٌ، فقسَمها للحُرّة والأَمَة.
قالت عائشة: وكان أبي يَقْسِم للحُرّ والعبد» (٥).

------------------------
(١) وهو بسَرو حمير: -بفَتْح السين وسكون الراء المهملتين-: اسم موضع بناحية اليمن، وحِمْيَر -بكسر المهملة وسكون الميم وفتح التحتية-، وهو أبو قبيلة من اليمن أضيف إليهم، لأنه محلتهم، وقيل: سرو حِمير موضع من بلاد اليمن وأصل السَّرو ما ارتفع من منحدر، أو ما انحدر من مرتفع، وإنما ذَكَر سِرْو حِمْيَر؛ لما بينه وبين المدينة من المسافة الشاقّة، وذكر الراعي مبالغة في الأمر الذي أراده من معنى التعميم؛ في إيصال القسم إلى الطالب وغيره، والقريب والبعيد، والفقير والحقير، وذلك لأن الراعي يشغله الرعي عن طَلَب حقّه أو لحقارته، يظنّ أنّه لا يُعطى له شيء، بل قلّ أن يُعلَم أنّ له حقًّا في ذلك. «المرقاة» (٧/ ٦٦٢).
(٢) انظر «هداية الرواة» (٣٩٩١) و«الإرواء» (٥/ ٨٤).
(٣) أخرجه الشافعيّ، وعنه البيهقي، وقال: هذا هو المعروف عن عمر -رضي الله عنه-، قال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» وإسناده صحيح.
(٤) بظبية: هي جراب صغير عليه شعر، وقيل: هي شِبه الخريطة والكيس «النّهاية».
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٥٥٩)، وقال شيخنا -رحمه الله- في «هداية الرواة» (٣٩٨٩) وإسناده صحيح.



قال القاري: «أي يُعطي كلّ واحد مِن الحرّ والعبد، بقدْر حاجته مِن الفيء ...» (١).

عطاء المحرَّرين
عن زيد بن أسلم: «أنّ عبد الله بن عمر دخل على معاوية -رضي الله عنهم أجمعين- فقال: حاجَتَك (٢) يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: عطاء المحرَّرين (٣)، فإنّي رأيتُ رسول الله - ﷺ - أول ما جاء شيء بدأ بالمحرَّرين» (٤).
*قال الخطابي -رحمه الله-: «يريد بالمحرَّرين المعتَقين، وذلك أنهم قوم لا ديوان لهم، وإنّما يدخلون تبعًا في جملة مواليهم»، وقال القاضي الشوكاني: «فيه استحباب البداءة بهم، وتقديمهم عند القِسمة على غيرهم»* (٥).

كيفية تجزئة النبيّ - ﷺ - الفيء
عن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: «كان فيما احتجَّ (٦) به عمر

----------------------
(١) انظر»عون المعبود«(٨/ ١٢٠).
(٢) حاجتك بالنصب: أي اذكر حاجتَك؛ ما هي؟.
(٣) عطاء المحرَّرين: جمع مُحرَّر، وهو الذي صار حُرًا بعد أن كان عبدًا.»عون المعبود«.
(٤) أخرجه»أبو داود«(٢٩٥١)»صحيح سنن أبي داود«(٢٥٥٨) وقال: شيخنا -رحمه الله- في»هداية الرواة«(٣٩٨٨) وإسناده حسن.
(٥) ما بين نجمتين مِن»عون المعبود" (٨/ ١٢٠).
(٦) أي استدلَّ به على أن الفيء لا يُقسَم، وذلك بمحضرٍ من الصحابة -رضي الله عنهم- ولم يُنكِروا عليه.



-رضي الله عنه- أنّه قال: كانت لرسول الله - ﷺ - ثلاث صفايا (١): بنو النضير (٢) وخيبر وفَدَك (٣)، فأمّا بنو النضير فكانت حُبْسًا (٤) لنوائبه (٥)، وأمّا فَدَك فكانت حُبْسًا لأبناء السبيل (٦)، وأمّا خيبر؛ فجزَّأَها رسول الله - ﷺ - ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين، وجزءًا نفقةً لأهله، فما فَضَل عن نفقة أهله؛ جَعَله بين فقراء المهاجرين«(٧).
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- مُفصِّلًا في الفيء: *»وهو الذي ذَكَرَه الله -تعالى- في «سورة الحشر» حيث قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ معنى قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ أي ما حرَّكتم ولا أعملتم ولا

------------------
(١) صفايا: جَمْعُ صفية وهو: ما يُصطفى ويُختار، قال الخطابي -رحمه الله-: الصفيّ: ما يَصْطفيه الإمام عن عُرْضِ الغنيمة من شيء قبل أن يُقسم؛ من عبدٍ أو جاريةٍ أو فرسٍ أو سيفٍ أو غيرها. وكان - ﷺ - مخصوصًا بذلك مع الخُمُس له خاصة، وليس ذلك لواحدٍ من الأئمة بعده. قالت عائشة رضي الله عنها: «كانت صفيةُ من الصفيّ أي: كانت صفيةُ بنتُ حُيي -زوجُ النبيّ - ﷺ -- مِن صفيّ المغنم».
(٢) أي أراضيهم.
(٣) فَدَك -بفتحتين-: قرية بناحية الحجاز.
(٤) حُبْسًا: -بضمّ الحاء المهملة، وسكون الموحّدة- أي: محبوسة.
(٥) لنوائبه: أي لحوائِجه وحوادثِه؛ من الضيفان والرُّسُل وغير ذلك من السلاح والكراع [أي الخيل: كما تقدم].
(٦) كانت حُبْسًا لأبناء السبيل: قال ابن المَلَك: يُحتمَل أن يكون معناه؛ أنها كانت موقوفةً لأبناء السبيل، أو مُعدَّةً لوقت حاجتهم إليها وَقْفًَا شرعيًا.
ملاحظة: استفدت من المرقاة (٧/ ٦٦٣) في شرح الحديث السابق.
(٧) أخرجه أبو داود (٢٩٦٧) وقال شيخنا -رحمه الله- في «هداية الرواة» (٣٩٩٢) إسناده حسن.



سُقتم [خيلًا ولا إبلًا]. يقال وجَف البعير يَجِف وُجوفًا وأوجَفْته: إذا سار نوعًا مِن السير، فهذا هو الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، وهو ما صار للمسلمين بغير إيجاف خيلٍ ولا رِكاب، وذلك عبارة عن القتال، أي: فما قاتلوا عليه، كان للمقاتِلةِ، وما لم يُقاتِلوا عليه؛ فهو فيء.

مصادر الفيء
وهذا الفيء يدخُل فيه جزية الرؤوس التي تُؤخَذ مِن أهل الذمّة، ويدخُل فيه ما يُؤخَذ منهم مِن العشور، وأنصاف العشور، وما يُصالَح عليه الكُفَّار مِن المال؛ كالذي يحملونه، وغيرِ ذلك، ويدخُل فيه ما جَلَوا عنه وتركوه خوفًا مِن المسلمين؛ كأموال بني النضير التي أنزل الله فيها «سورة الحشر» وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾.
وهؤلاء أجلاهم النبيّ - ﷺ - وكانوا يَسكُنون شرقيَّ المدينة النبوية فأجلاهم بعد أنْ حاصَرهم، وكانت أموالهم مما أفاء الله على رسوله.* (١).
وقال -رحمه الله- (٢٨/ ٢٧٦): «والمال الذي يُصالَح عليه العدو أو يهدونه إلى سلطان المسلمين؛ كالحِمل الذي يُحمَل مِن بلاد النصارى ونحوهم؛ وما يُؤخَذ من تجار أهل الحرب -وهو العشر- ومِنْ تُجّار أهل الذِّمَّة إذا اتجَرَوا

--------------------------
(١) ما بين نجمتين من»مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٥١٢).


في غير بلادهم -وهو نصف العشر- هكذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - يأخذ، وما يُؤخَذ مِن أموال مَنْ ينقُض العهد منهم، والخَراج الذي كان مضروبًا في الأصل عليهم أيضًا -وإن كان قد صار بعضه على بعض المسلمين- ثمّ إنّه يجتمع مِن الفيء جميعُ الأموال السلطانية التي لبيت مالِ المسلمين؛ كالأموال التي ليس لها مالك مُعيَّن مثل من مات من المسلمين وليس له وارث مُعيَّن؛ وكالغصوب، والعواري، والودائع التي تَعذَّر معرفة أصحابِها، وغير ذلك مِن أموال المسلمين: العقار والمنقول، فهذا ونحوه مال المسلمين».

مصارف الفيء
* [وذكر- ربنا سبحانه- مصارف الفىء بقوله]: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
فهؤلاء المهاجرون والأنصار؛ ومَن جاء بعدهم إلى يوم القيامة، ولهذا قال مالك وأبو عبيد وأبو حكيم النهرواني -من أصحاب أحمد وغيرهم-: "إنّ مَن

------------------------
(١) الحشر: ٧ - ١٠.


سَبَّ الصحابة؛ لم يكن له في الفيء نصيب».
ومِن الفيء ما ضَرَبه عمر -رضي الله عنه- على الأرض التي فتحها عَنْوَة (١) ولم يَقْسِمها؛ كأرض مصر، وأرض العراق -إلاَّ شيئا يسيرا منها- وبَرّ الشام وغير ذلك.
فهذا الفيء لا خُمُس فيه عند جماهير الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإن يرى تخميسه الشافعيّ، وبعض أصحاب أحمد، وذُكر ذلك رواية عنه، قال ابن المنذر: لا يُحفَظ عن أحدٍ قبل الشافعي؛ أنّ في الفيء خُمُسًا كخُمُس الغنيمة.
وهذا الفىء لم يكن ملكًا للنبيّ - ﷺ - في حياته عند أكثر العلماء وقال الشافعى وبعض أصحاب أحمد: كان ملكًا له.
وأمّا مصرفه بعد موته؛ فقد اتفَق العلماء على أن يُصْرَف منه أرزاقُ الجند المقاتِلين الذين يُقاتِلون الكُفّار؛ فإنَّ تقويتَهم تُذلّ الكُفَّار؛ فيُؤخَذ منهم الفيء.
وتنازعوا هل يُصَرف في سائر مصالح المسلمين، أم تَخْتَصّ به المقاتِلة؟ على قولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه -وهو مذهب أبي حنيفة ومالك-: أنّه لا يَخْتَص به المقاتِلة؛ بل يصرف في المصالح كلِّها.
وعلى القولين؛ يُعطَى مَن فيه منفعةٌ عامة لأهل الفيء، فإنّ الشافعيّ قال: ينبغي للإمام أن يَخُصّ مَن في البلدان مِن المقاتِلة -وهو مَنْ بَلَغ، ويُحصي الذُّرّية- وهي من دون ذلك والنساء- إلى أن قال: ثمّ يُعطي المقاتِلة في كلّ عام عطاءهم ويُعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم.

-------------------------
(١) عَنْوَة: أي قهرًا وغَلَبة.


قال: والعطاء مِن الفيء لا يكون إلاَّ لبالغٍ يُطيق القتال. قال: ولم يختلف أحدٌ ممن لقيه، في أنّه ليس للمماليك في العطاء حقّ ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة.
قال: فإنْ فَضُل مِن الفيء شيء؛ وَضَعه الإمام في أهل الحصون والازدياد، في الكُراع والسلاح، وكلّ ما يقوى به المسلمون. فإنِ استغنَوا عنه وحَصَلت كلّ مصلحةٍ لهم فُرِّق ما يبقى عنهم بينهم؛ على قدْر ما يستحقّون مِن ذلك المال.
قال: ويعطي من الفيء رزقَ العمال والولاة وكلّ مَن قام بأمر الفيء؛ مِن والٍ وحاكم وكاتب وجندي؛ ممن لا غنى لأهل الفيء عنه.
وهذا مُشْكِلٌ مع قوله: إنه لا يُعطى من الفيء صبيٌّ ولا مجنون ولا عبدٌ ولا امرأة ولا ضعيف لا يَقْدِر على القتال؛ لأنه للمجاهدين.
وهذا إذا كان للمصالح؛ فيُصرَف منه إلى كلِّ مَن للمسلمين به منفعةٌ عامّة؛ كالمجاهدين وكولاة أمورِهم؛ مِن ولاة الحرب ووُلاة الديوان، وولاة الحُكم، ومَن يقرئهم القرآن، وُيفتيهم ويُحدّثهم ويؤمّهم في صلاتهم ويُؤَذِّن لهم. ويُصرَف منه في سداد ثغورهم وعمارةُ طُرقاتهم وحصونهم ويُصرَف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضًا ويُبدَأ فيه بالأهم فالأهم، فيقدَّم ذوو المنافع الذين يَحْتاج المسلمون إليهم على ذوي الحاجات الذين لا مَنفَعة فيهم.
هكذا نصَّ عليه عامّة الفقهاء مِن أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرِهم.
قال أصحاب أبي حنيفة يُصرَف في المصالح ما يُسَدُّ به الثغور من القناطر والجسور ويُعطَى قضاة المسلمين ما يكفيهم، ويُدفَع منه أرزاقُ المقاتِلة وذوو الحاجات يُعطَون من الزكوات ونحوها. وما فَضُل عن منافع المسلمين قُسم بينهم.


لكن مذهب الشافعي، وبعض أصحاب أحمد؛ أنّه ليس للأغنياء الذين لا منفعةَ للمسلمين بهم فيه حقٌّ إذا فضُل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعَل عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- لمّا كَثُر المال أعطى منهم عامّة المسلمين؛ فكان لجميع أصناف المسلمين فرضٌ في ديوان عمر بن الخطاب؛ غنيّهِم وفقيرِهم.
لكن كان أهلُ الديوان نوعين: مقاتلة -وهم البالغون- وذرية -وهم الصغار والنساء الذين ليسوا من أهل القتال-؛ ومع هذا فالواجب تقديمُ الفقراءِ على الأغنياء الذين لا منفعةَ فيهم فلا يُعطَى غنيٌّ شيئًا حتى يَفضُل عن الفقراء.
هذا مذهب الجمهور؛ كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه. ومذهب الشافعي -كما تقدم- تخصيص الفقراء بالفاضل»* (١).

عقد الأمان
إذا طلَب الأمانَ أيُّ فردٍ مِن الأعداء المحاربين، قُبِل منه، وصار بذلك آمنًا؛ لا يجوز الاعتداء عليه؛ بأيّ وجهٍ مِن الوجوه، يقول اللهسبحانه وتعالى-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). (٣).
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: «يقول تعالى لنبيِّه -صلوات الله وسلامه عليه-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمَرْتُكَ بقتالهم، وأحلَلْتُ لك استباحة

------------------------
(١) ما بين نجمتين من»مجموع الفتاوى«(٢٨/ ٥٦٤).
(٢) التوبة: ٦.
(٣) انظر»فقه السُّنَّة" (٣/ ٤٨).



نفوسهم وأموالهم، ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي: استأمَنك، فأجِبْه إلى طِلْبته ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: القرآن تقرؤه عليه وتذكُر له شيئًا من أمر الدين تُقيم عليه به حُجَّة الله، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: وهو آمِنٌ مُستمرّ الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنِه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما شَرَعْنا أمانَ مِثْلِ هؤلاء ليعلموا دين الله، وتنتشر دعوة الله في عباده.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في تفسير هذه الآية، قال: «إنسانٌ يأتيك ليسمع ما تقول، وما أُنزِل عليك، فهو آمِنٌ حتى يأتيَك فيسمعَ كلام الله، وحتى يبلغَ مأمنَه حيث جاء».
ومِن هذا كان رسول الله - ﷺ - يُعطي الأمان لمن جاءه، مُسترشدًا أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعةٌ مِن الرسُل مِن قريش، منهم: عروة بن مسعود، ومِكْرَز بن حفص، وسهيل بن عمرو، وغيرهم؛ واحدًا بعد واحد، يتردّدون في القضية بينه وبين المشركين، فرأَوا مِن إعظام المسلمين رسول الله - ﷺ - ما بَهَرهم وما لم يشاهدوه عند مَلِكٍ ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم فأخبَروهم بذلك، وكان ذلك وأمثالُه مِن أكبر أسباب هداية أكثرِهم (١).

---------------------
(١) قلت: يُشير الحافظ ابن كثير -رحمه الله- إلى قصة الحديبية وفيها" ... ثمّ إنّ عروةَ جَعَل يرمُق أصحاب النبيّ - ﷺ - بعينيه، قال فوالله ما تنخَّم رسول الله - ﷺ - نُخامةً إلاَّ وقعَت في كفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وجهَه وجِلده وإذا أمَرَهم ابتدروا أمْرَه وإذا توضَّأ كادوا يَقْتتِلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خَفضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدّون إليه النَّظَر تعظيمًا له، فرجَع عروة إلى أصحابه، فقال: أيْ قومِ، والله لقد وَفَدْت على الملوك، ووفدْتُ على قيصر وكسرى والنجاشيّ، والله إنْ رأيت مَلِكًا قطُّ يُعظِّمه أصحابه ما يُعظِّم أصحابُ محمّد =


ولهذا أيضًا لمّا قَدِم رسولُ مسيلمةَ الكذّاب على رسول الله - ﷺ -، قال له: «أتشهدُ أنَّ مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول - ﷺ -: لولا أن الرسلَ لا تُقتَل لضَربْتُ عُنُقَك» (١). وقد قيّض الله له ضَرْب العُنُق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظَهَر عنه في زمانِ ابن مسعودٍ أنّه يشهد لمسيلمةَ بالرسالة، فأرسَل إليه ابن مسعودٍ فقال له: إنك الآن لستَ في رسالة، وأمَرَ به فضُرِبت عنقُه، لا رحمه الله ولَعَنه (٢).
والغرض أنّ مَن قَدِمَ من دار الحرب إلى دار الإسلام، في أداء رسالة أو تجارة، أو طَلَبِ صُلحٍ أو مهادنة أو حَمْلِ جِزية، أو نحو ذلك من الأسباب، فطلَب من الإمام أو نائبه أمانًا -أُعطي أمانًا ما دام مُتردّدًا في دار الإسلام، وحتى يرجع

---------------------
= - ﷺ - محمدًا، والله إنْ يتنخم نخامة إلاَّ وقَعَت في كفِّ رجلٍ منهم؛ فدلَك بها وجهه وجِلْده وإذا أمَرهم ابتدروا أمْرَه وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خَفَضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدّون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عَرَض عليكم خُطَةَ رُشْدِ فاقبلوها«أخرجه أحمد، والبخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢).
يرمُق: اْي يَلحظ، قال الحافظ -رحمه الله-: وذكَر الثلاثة [قيصر، وكسرى، والنّجاشي] لكونهم أعظمَ ذلك الزَّمان.
(١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٩٩) وغيرهما.
(٢) عن حارثةَ بنِ مُضرب أنّه أتى عبد الله فقال:»ما بيني وبين أحدٍ من العرب حِنَةٌ وإني مرَرْتُ بمسجدٍ لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجيء بهم فاستتابَهم، غير ابن النواحة قال له: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: لولا أنك رسولٌ لضربتُ عنقَك. فأنت اليوم لست برسول، فأمَر قَرظَة بن كعب، فضَرَب عُنُقَه في السوق، ثمّ قال: مَن أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق«. أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٤٠٠) وغيره.



إلى مأمِنه ووطنه.
لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكَّن مِن الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكَّن مِن إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعةِ أشهر ونقَص عن سنة قولان؛ عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، رحمهم الله». انتهى.
قلت: والذي يبدو أن الأمر يرجع إلى الحاكم، فهو الذي يرجّح المُدّة ما بين الأربعة أشهر والسنة، مع تحرّي المصلحة، والله -تعالى- أعلم.

مَن أَمّنه أحد المسلمين صارَ آمنًا
عنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنْ أَبيه قَالَ: «خَطَبَنَا عَلِيٌّ - رضي الله عنه- عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ (١)، وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَالله مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسَنَانُ الْإِبِلِ (٢)، وإذَا فِيهَا: المدِينَةُ حَرَمٌ مِن عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا (٣)، وَإِذَا فِيهِ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ (٤)،

---------------------
(١) آجُرٍّ: هو الطوب المشويّ.
(٢) أسنان الإبل: أي إبِل الدّيات؛ لاختلافها في العمد وشبهه والخطأ، وانظر»شرح الكرماني«(٢٥/ ٤٦).
(٣) لا يقبل الله صرفًا ولا عدلًا: قال الكرماني -رحمه الله- (٢٥/ ٤٦):»الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقيل بالعكس«.
(٤) ذمّة المسلمين واحدة: قال الإمام النّووي -رحمه الله-:»المراد بالذِّمّة هنا الأمان، معناه أنّ أمان المسلمين للكافر صحيح«، وقال الحافظ -رحمه الله- في الفتح (٤/ ٨٦):»أي أمانهم صحيح فإذا أمّن الكافرَ واحدٌ منهم؛ حَرُم على غيره التعرّض له".




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18-01-2026, 12:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 261الى صــ275
الحلقة (178)






يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ (١)، فَمَنْ أَخْفَرَ (٢) مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، وَإِذَا فِيهَا: مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَاليهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمُلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» (٣).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: «قال رسول الله - ﷺ -: المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم (٤)، وهم يدٌ على مَن سواهم ...» (٥).
جاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٧٥٩): «وقد أجمَعَ أهل العِلم على أنّ مَن أمّنه أحدُ المسلمين؛ صار آمنًا.
وأمّا العبد، فأجاز أمانَه الجمهور، وأمّا الصبيّ، فقال ابن المنذر: أجمَعَ أهل العِلم على أنّ أمانَ الصبيّ غيرُ جائز. انتهى. وأمّا المجنون فلا يصحّ أمانُه بلا خلاف.
قلت: [أي: صاحب الروضة]: إنّما يصحّ الأمان مِن آحاد المسلمين، إذا أَمَّن واحدًا أو اثنين، فأمّا عَقْد الأمان لأهل ناحيةٍ على العموم؛ فلا يَصحّ إلاّ مِن

----------------------
(١) يسعى بها أدناهم: أي: يتولّاها ويذهب ويجيء، والمعنى أنّ ذمّة المسلمين سواءٌ صدَرَت مِن واحد، أو أكثر، شريفٍ أو وضيع؛ فإذا أمّن أحدٌ من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمّة؛ لم يكن لأحدٍ نَقْضُه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحرّ والعبد، لأن المسلمين كنفسٍ واحدة.»الفتح«(٤/ ٨٦).
(٢) أخفرَ مسلمًا: أي نقض العهد، وقال الإمام النّووي -رحمه الله-:»قال أهل اللغة: يقال: أخفرت الرجل إذا نقضْت عهده وخفرْته: إذا أمنته«.
(٣) أخرجه البخاري: ٧٣٠٠، وهذا لفْظُه، ومسلم: ١٣٧٠.
(٤) أي: أبعدهم.
(٥) أخرجه أحمد وأبو داود (٢٧٥١)»صحيح سنن أبي داود" (٢٣٩٠).



الإمام على سبيل الاجتهاد وتحرّي المصلحة كَعَقْد الذّمّة؛ ولو جُعِل ذلك لآحاد النّاس؛ صار ذريعةً إلى إبطال الجهاد». انتهى.
قلت: أمّا جواز أمانِ المرأة؛ فلعموم النصوص الواردة المتقدّمة؛ فهي تمضي على الرجل والمرأة، وقد قال النبيّ - ﷺ -: «النساء شقائق الرجال» (١).
ولا دليل على تخصيص ذلك بالرجال.
بل إنه قدر وَرد حديث صريحٌ يدلّ على صحة أمان المرأة.
فعن أمّ هانئ (بنت أبي طالب) قالت، قلت: «يا رسول الله زَعَم ابن أمّي (٢) أنّه قاتِلٌ رجلًا قد أجرْتُه، فلانَُ بنُ هُبَيرَة فقال رسول الله - ﷺ -: قد أجَرْنا مَن أجرْتِ يا أمّ هانئ» (٣).
قال الإمام النّووي -رحمه الله- (٥/ ٢٣٢): «واستدلَّ بعضُ أصحابنا وجمهور العلماء بهذا الحديث؛ على صحّة أمان المرأة».
وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٥٩): «قال ابن المنذر: أجمَع أهل العِلم

-------------------------
(١) أخرجه أبو داود، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٨) وانظر»المشكاة«(٤٤١) وتقدّم في»كتاب الآذان«.
(٢) قال الإمام النّووي -رحمه الله-:»وإنما قالت: ابن أمّي مع أنّه ابن أمّها وأبيها؛ لتأكيد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن واحد، وكثرة ملازمة الأمّ، وهو موافق لقول هارون - ﷺ - ﴿يَبنَؤُمَّ لَا تَأخُذ بِلِحيتِي﴾. انتهى.
قلت: وهو عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- كما في روايةٍ عند البخاري: (٣١٧١)، ومسلم: (١/ ٤٨٩) (كتاب صلاة المسافرين وقِصَرها) «باب استحباب صلاة الضحى» (٣٣٦ - ٨٢).
(٣) أخرجه البخاري: ٣٥٧، ومسلم: ٣٣٦.



على جواز أمان المرأة» (١).
وأمّا عدم قَبولِ أمانِ الصبيّ والمجنون؛ فلقوله - ﷺ - لي: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ، حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعْقِل» (٢).

تحريم قتل المؤمَّن
عن أنس -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرَف به» (٣).
وعن رفاعة بن شداد القِتباني قال: «قال - ﷺ -: من أمَّنَ رَجُلًا على دَمِهِ فَقَتَلَهُ؛ فأَنا بريءٌ مِن القاتل، وإنْ كان المقتول كافِرًا» (٤).
وفي رواية: «من أَمَّن رجلًا على دمه فقتَله، فإنّه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة» (٥).

حُكم الرسول كالمؤَمّن
وحُكم الرسول كحُكم المؤَمّن.

------------------------
(١) انظر «الإجماع» لابن المنذر (ص ٦١) (رقم ٢٤٧).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠٣) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٥٠) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦١)، وانظر «الإرواء» (٢٩٧).
(٣) أخرجه البخاري: ٣١٨٦، ٣١٨٧، ومسلم: ١٧٣٧.
(٤) أخرجه البخاري في «التاريخ»، والطحاوي في «المشكل»، والطبراني في «الصغير» وغيرهم، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- إسناده في «الصحيحة» تحت (٤٤٠).
(٥) أخرجه البخاري في «التاريخ»، وابن ماجه وغيرهما وانظر «الصحيحة» (٤٤٠).



عن نُعَيم بن مسعود الأشجعي قال: «سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول لهما (١) حين قَرَأ كتاب مسيلمة: ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، قال: أمَا والله لولا أنّ الرسل لا تُقتَل لضربْتُ أعناقَكما» (٢).
وعن أبي رافع -رضي الله عنه- قال: «بَعَثَتْني قريش إلى رسول الله - ﷺ -، فلمّا رأيت رسول الله - ﷺ -؛ أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: إني لا أخِيسُ (٣) بالعهد ولا أحبِس البُرُد (٤)، ولكن ارجِعْ، فإنْ كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع (٥)، قال: فذهبت، ثمّ أتيت النبيّ - ﷺ - فأسلمْتُ» (٦).
قال في «سُبل الإسلام» (٤/ ١٢٠): «وفي الحديثِ دليلٌ على حِفظ العهد

-----------------------
(١) أي: لرسولي مسيلمة الكَذّاب.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٩٩) وغيره وانظر»المشكاة«(٣٩٨٢). وتقدّم.
(٣) أي: لا أغدر.
(٤) البُرُد: جمع بريد؛ وهو الرسول.
(٥) أي: لا تُقِم بين ظَهرانَينا وتُظهرَ الإسلام، ولكن ارجع إليهم، فإن ثبَتّ على ما أنت عليه الآن، فارجِع مِن الكُفّار إِلينا، ثمّ أسْلِم لأنّي لو قَبِلْتُ منك الإسلام الآن، وما أرُدُّك عليهم؛ لغَدرت، قاله ابن الملك، وفيه أنّ قَبولَ الإسلام منه لا يكون غدرًا، ولا يُتصوّر أن يكون عدمُ حَبْسه له غدرًا، بل المراد منه أنّه لا يُظهر الإسلام، ويرجع إليهم حيث يتعذر حبْسه، فإنّه أرفق، ثمّ بعد ذلك يرجع إلى الحقّ على الطريق الأحقّ.»المرقاة«(٧/ ٥٣٧).
(٦) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٩٦) وغيرهما، وانظر»الصحيحة" (٧٠٢).



والوفاء به ولو لكافر، وعلى أنّه لا يُحبَس الرسول، بل يُرَدُّ جوابه فكأنّ وصولَه أمانٌ له؛ فلا يجوز أن يُحبَس بل يُردّ».
وجاء في «السيل الجرار» (٤/ ٥٦٠) -في تأمين الرُّسُل-: «... وجْهُه أنّ تَأمينَ الرُّسلِ ثابت في الشريعة الإسلامية ثبوتًا معلومًا، فقد كان رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يَصِل إليه الرّسلُ من الكفار، فلا يتعرّض لهم أحد مِن أصحابه، وكان ذلك طريقةً مستمرة وسُنّةً ظاهرة، وهكذا كان الأمر عند غيرِ أهل الإسلام مِن ملوك الكفر، فإن النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يُرَاسلهم من غير تَقدُّم أمانٍ منهم لرُسُلِه، فلا يتعرض لهم مُتعرّض.
والحاصل أنّه لو قال قائل: إنّ تأمين الرسل قد اتفقت عليه الشرائع، لم يكن ذلك بعيدًا، وقد كان أيضًا معلومًا ذلك عند المشركين أهل الجاهلية عَبَدة الأوثان، ولهذا إنّ النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم يقول:»لَوْلا أنَّ الرُّسلَ لا تُقْتلُ لضربتُ أعْناقَهُما«قاله لرسولي مسيلمة أخرجه أحمد وأبو داود فقوله:»لولا أنَّ الرُّسَلَ لا تُقْتلُ«فيه التصريح بأنَّ شأنَ الرُّسل أنهم لا يُقتلون في الإسلام وقبلَه».

المستأمَن
*المستأمَن: هو الحربيّ الذي دخَل دار الإسلام بأمان، دون نيةِ الاستيطان بها، والإقامةِ فيها بصفةٍ مستمرّةٍ، بل يكون قصْدُه إقامةَ مدّةٍ معلومةٍ، لا تزيد على سَنةٍ، فإن تجاوَزَها (١)، وقصَد الإقامة بصفةٍ دائمةٍ، فإنه يتحوّل إلى ذميّ، ويكون له

------------------------
(١) هذا كلام الفقهاء؛ وتقدم قول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "لكن قال العلماء: لا يجوز أن يُمكَّن مِن الإقامة في دار الإسلام سَنَة، ويجوز أن يمكَّن مِن إقامة أربعة أشهر، وفيما =


حُكم الذّمّي في تبعيَّته للدولة الإسلامية، ويتبعُ المستأمنَ في الأمان، ويلحقُ به زوجتُه وأبناؤُه الذكور القاصرون، والبناتُ جميعًا، والأمّ، والجدات، والخدَم، ما داموا عائشين مع الحربي الذي أُعطي الأمان.
وأصْل هذا قول اللهسبحانه وتعالى-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (١).
وجاء في «المغني» (١٠/ ٦٠٥): «وليس لأهلِ الحرب دخولُ دارِ الإسلام بغير أمان؛ لأنه لا يُؤمَن أن يَدْخُل جاسوسًا، أو مُتلصّصًا، فيُضِرّ بالمسلمين، فإنْ دخَل بغيرِ أمانٍ، سُئل، فإنْ قال: جئت رسولًا، فالقول قوله؛ لأنه تتعذر إقامة البينة على ذلك، ولم تزل الرُسل تأتي من غير تَقَدُّمِ أمان.
وإنْ قال: جئتُ تاجرًا، نظرنا؛ فإنْ كان معه متاع يبيعه، قُبِل قوله أيضًا، وحُقن دمُه؛ لأنَّ العادةَ جارية بدخول تُجارهم إلينا، وتُجّارنا إليهم، وإنْ لم يكن معه ما يُتّجَر به، لم يُقبل قوله؛ لأن التجارة لا تحصُل بغير مال، وكذلك مُدّعي الرسالة، إذا لم يكن معه رسالة يؤديها، أو كان ممن لا يكون مثله رسولًا.
وإنْ قال: أمَّنَني مُسلم، فهل يُقبَل منه؟ على وجهين؛ أحدهما، يُقبَل، تغليبًا لحقْن دَمهِ، كما يُقبَل من الرسول والتاجر.
والثاني: لا يُقبَل؛ لأن إقامَة البيّنة عليه ممكنة، فإنْ قال مسلم: أنا أمَّنتُه قُبلَ

------------------------
= بين ذلك؛ فيما زاد على أربعةِ أشهر ونقَص عن سنة قولان؛ عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، رحمهم الله».
(١) التوبة: ٦.



قوله؛ لأنه يملك أن يُؤمِّنه، فقُبِل قوله فيه؛ كالحاكم إذا قال: حَكَمْت لفلان على فلان بحقّ.
وإنْ كان جاسوسًا، خُيّر الإمام فيه بين أربعة أشياء؛ كالأسير».

حقوقه
وإذا دخَل الحربيُّ دار الإسلام بأمان؛ كان له حقُّ المحافظةِ على نفسه وماله وسائِر حقوقه ومصالحه؛ مادام مُستمسِّكا بعقد الأمان ولم ينحرف عنه.
ولا يحل تقييد حُريتِه، ولا القبض عليه مُطلَقًا، سواء قُصِدَ به الأسر، أو قُصِد به الاعتقال -لمجرَّد أنهم رعايا الأعداء، أو لمجرّد قيامِ حالِة الحرب بيننا وبينهم.

الواجب عليه
وعليه المحافظة على الأمن والنظام العامّ، وعدم الخروج عليهما، بأن يكون عينًا، أو جاسوسًا، فإن تجسَّسَ على المسلمين لحساب الأعداء، حلَّ قَتْلُه إذ ذاك.

تطبيق حكم الإسلام عليه
تُطبَّق على المستأمَنِ القوانين الإسلامية بالنسبة للمعاملات المالية، فيَعقِد عَقْد البيع وغيره مِن العقود؛ حسب النظام الإسلامي، ويُمنَع ِمن التعامل بالربا، لأن ذلك محُرَّم في الإسلام.
وأمّا بالنسبة للعقوبات، فإنّه يعاقَب بمقتضى الشريعة الإسلامية إذا اعتدى على حقّ مسلم.


وكذلك إذا كان الاعتداء على ذمّي، أو مستأمَن مِثلِه؛ لأنّ إنصافَ المظلوم مِن الظالم وإقامةَ العدل مِن الواجبات التي لا يَحلّ التساهلُ فيها.
وإذا كان الاعتداء على حقٍّ مِن حُقوق الله؛ مثل اقتراف جريمة الزنا؛ فإنّه يُعاقَب كما يُعاقَب المسلم؛ لأنّ هذه جريمةٌ مِن الجرائم التي تُفسد المجتمع الإسلامي (١).

مُصادرة ماله
ومال المستأمَن لا يُصادَر إلاَّ إذا حارَب المسلمين، فأُسِر واستُرِقّ، وصار عبدًا، فإنه في هذه الحال؛ تزول عنهُ مُلكيّة مالِه، لأنه صار غيرَ أهلٍ للملكية.
ولا يستحق الوَرَثة، -ولو كانوا في دار الإسلام- شيئًا، لأنَّ استحقاقهم يكون بالخلافة عنه، وهي لا تكون إلاَّ بعد موته، وهو لم يمت، وماله في هذه الحال يؤول إلى بيت مال المسلمين، على أنّه من الغنائم [والله -تعالى- أعلم].

ميراثه
إذا ماتَ المستأمَن في دار الإسلام، أو في دار الحرب، فإنَّ ملكيته لماله لا تَذهب عنه، وتَنْتقل إلى وَرَثَتِه عند الجمهور، خلافًا للشافعي.
وعلى الدولة الإسلامية؛ أن تَنْقُل مالَه إلى وَرَثَتِه، وتُرسلَه إليهم، فإنْ لم يكن له ورثة، كان ذلك المال فيئًا للمسلمين.* (٢) [والله -تعالى- أعلم].

------------------------
(١) وانظر الجزء السادس من هذا الكتاب «الموسوعة» (باب وجوب الحدّ على الكافر والذمّي).
(٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٤٨٥، ٤٨٦) بحذف، وإضافة ما جاء في «المُغني» (١٠/ ٦٠٥).



العهود والمواثيق
*احترامُ العهود:
إنَّ احترامَ العهودِ والمواثيق واجبٌ إسلاميّ؛ لما له مِن أثرٍ طيِّب، ودورٍ كبير في المحافظة على السلام، وأهميةٍ كبرى في فضِّ المشكلات، وحَلِّ المنازعات، وتسوية العلاقات.
والله -سبحانه- يأمُر بالوفاء بالعهود، سواءٌ أكانت مع الله، أم مع النّاس، فيقول: ﴿يا أيُّهُا الذين آمَنُوَا أَوفُوا بالعُقُودِ﴾ (١).
وأيّ تقصيرٍ في الوفاء بهذا الأمر يُعَدُّ إثمًا كبيرًا؛ يستوجِب المقت والغضَب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢).
وكل ما يقطعه الإنسان على نفسه مِن عهدٍ، فهو مسؤول عنه، ومحاسَبٌ عليه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣).
[وحقُّ العهد مُقدَّم على حقِّ نَصْرِ مَن استنصَر في الدين لقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤)].

-------------------------
(١) المائدة: ١.
(٢) الصف: ٢ - ٣.
(٣) الإسراء: ٣٤.
(٤) الأنفال: ٧٢.



قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: «وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يقول -تعالى-: وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب، الذين لم يُهاجروا في قتالٍ دينيّ، على عدوٍّ لهم فانصُروهم، فإنّه واجبٌ عليكم نَصْرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدّين، إلاَّ أن يستنصروكم على قومٍ مِن الكُفَّار ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: مُهادنة إلى مُدّة، فلا تخفِروا ذمَّتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. وهذا مرويٌّ عن ابن عباس -رضي الله عنهما-» انتهى.
والوفاء جُزءٌ من الإيمان، عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: «إنّ حُسنَ العهد مِن الإيمان» (١).
وليس للوفاء جزاءٌ إلاَّ الجنَّة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢).
ولقد كان الوفاء خُلُقَ الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٣).
وقد عاهدَ رسولُ الله - ﷺ - بعد الهجرة اليهود عهدًا، [أَمَّنَهم على دمائهم، وأموالهم]، بشرط ألا يُعينوا عليه المشركين، فنقَضُوا العهد، ثمّ اعتذروا، ثمّ

--------------------------
(١) أخرجه الحاكم وغيره وانظر «صحيح الجامع» (٢٠٥٢) و«الصحيحة» -لزامًا- تحت رقم (٢١٦).
(٢) المؤمنون: ٨ - ١١.
(٣) مريم: ٥٤.



رجَعوا فنقضوه مرّةً أخرى، فأنزَل اللهعز وجل-: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١)﴾ (٢).
وفي التشنيع على الناقضين للعهود، يقول الله -عز وجل-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا أؤتمُن خان» (٤).
وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن قَتَل

------------------------
(١) قال ابن كثير -رحمه الله-:»أخبَر -تعالى- أنّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض؛ همُ الذين كفَروا فهم لا يؤمنون، الذين كلّما عاهدوا عهدًا نَقضوه، وكلّما أكّدوه بالأيمان نَكثوه، ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون مِن الله في شيءٍ ارتكبوه مِن الآثام.
﴿فإما تثقفنهم في الحرب﴾ أي: تَغْلبهم وتظفر بهم في حرب، ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَنْ خلفَهُم﴾ أي: نكِّل بهم، [قاله: ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره] ومعناه: غَلِّظ عقوبَتَهم، وأثخِنْهم قَتْلًا، ليخاف مَن سواهم مِن الأعداء -مِن العرب وغيرهم- ويصيروا لهم عِبرة".
(٢) الأنفال: ٥٥ - ٥٧.
(٣) النحل: ٩١ - ٩٢.
(٤) أخرجه البخاري: ٣٣، ومسلم: ٥٩.



مُعاهَدًا (١) في غير كُنهِهِ (٢) حرّم الله عليه الجنّة» (٣).

شروط العهود:
ويشترط في العهود التي يجب احترامها والوفاء بها، الشروط الآتية:
١ - ألا تخالف حُكْمًا مِن الأحكام الشرعية المتَّفق عليها.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «قال رسول الله - ﷺ -: ما كان مِن شرط ليس في كتاب الله فهو باطل؛ وإنْ كان مائةَ شرط» (٤).
٢ - أن تكون عن رضا واختيار، فإنَّ الإكراه يَسْلُب الإرادة، ولا احترامَ لعقْدٍ لم تتوفر فيه حريتُها.
٣ - أن تكون بيّنةً واضحةً، لا لُبْس فيها ولا غموض؛ حتى لا تؤوّلَ تأويلًا يكون مثارًا للاختلاف عند التطبيق.

نقض العهود:
ولا تُنقَضُ العهود إلاّ في إحدى الحالات الآتية:
١ - إذا كانت مؤقتةً أو مُحدَّدةً بظرف، وانتهت مدّتُها أو ظرفُها.

-----------------------
(١) المعاهَد: مَن كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يُطلَق في الحديث على أهل الذمّة، وقد يُطلَق على غيرهم من الكُفار؛ إذا صولحوا على تَرْك الحرب مُدّة ما. «النّهاية».
(٢) كُنه الأمر: حقيقته وقيل: وقْتُه وقَدره، وقيل: غايته، يعنيَ من قَتَلَه في غير وَقْتِه أو غاية أمرِه الذي يجوز فيه قَتْلُه. «النّهاية».
(٣) أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٩٨)، وغيرهما.
(٤) أخرجه البخاري: ٢٧٢٩، ومسلم: ١٥٠٤.



عن سُلَيم بن عامر -رجلٍ مِن حِمْيَر- قال: «كان بين معاويةَ وبينَ الروم عهدٌ، وكان يسيرُ نحو بلادِهم؛ حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجلٌ على فرَس أو بِرذَون (١)، وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غَدر، فنظروا فإذا عمرو بن عَبَسَة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعْتُ رسول - ﷺ - يقول: مَن كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يشدَّ عقدةً ولا يحُلّها (٢) حتى ينقضيَ أمدُها أو يَنْبِذَ (٣) إليهم (٤) على سواء (٥)، فرجع معاوية (٦)» (٧).
قال الله- تعالى-: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٨).

----------------------
(١) قال في «المرقاة» (٧/ ٥٣٥): «المراد بالفرس هنا العربيّ، والبِرذَون التركي من الخيل».
(٢) يَحُلُّها مِن الحلّ، بمعنى نقْض العهد، والشدّ ضدّه، والظاهر أنّ المجموع كناية عن حِفظ العهد، وعدم التعرض له، ولفظ الترمذي «فلا يحلّن عهدًا ولا يشدنّه» قال في «المرقاة» (٧/ ٥٣٦): «أراد به المبالغة عن عدم التغيير، وإلا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد، والمعنى: لا يُغيّرنّ عهدًا ولا ينقضنّه بوجه ... قال الطيبي: هكذا بجملته عبارة عن عدم التغيير في العهد، فلا يذهب على اعتبار معاني مفرداتها».
(٣) أي يرمي عهدَهم.
(٤) بأن يُخبرهم أنّ نقض العهد على تقدير خوفِ الخيانة منهم «المرقاة» (٧/ ٥٣٦).
(٥) قال الطيبي: «قوله: (على سواء): حال. قال المظهر: أي يُعلمهم أنّه يريد أن يغزوَهم، وأنّ الصلح قد ارتفَع، فيكون الفريقان في عِلم ذلك سواء». انظر«المصدر السابق».
(٦) أي بالناس، وهي بعض الروايات الثابتة. وانظر «صحيح سنن الترمذي» (١٢٨٥).
(٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٩٧) والترمذي، «صحيح سنن الترمذي» (١٢٨٥)، وانظر «المشكاة» (٣٩٨٠).
(٨) التوبة: ٤.



٢ - إذا أخلّ العدو بالعهد: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
٣ - إذا ظهرت بوادر الغدر، ودلائل الخيانة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٣).
قلت: قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى- لنبيّه صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ قد عاهدْتهم ﴿خِيَانَةً﴾ أي: نَقْضًا لما بينك وبينهم؛ مِن المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عَهْدَهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعْلِمْهم بأنك قد نقضْتَ عهدَهم؛ حتى يبقى عِلمُك وعِلْمَهم بأنك حرْبٌ لهم، وهم حَرْبٌ لك، وأنه لا عهدَ بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز:
فَاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدّر الأعْداء ... حتى يجيبوك إلى السواء
وعن الوليد بن مسلم أنّه قال في قوله: ﴿فانبِذْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مهل، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ أي: حتى ولو في حقّ الكافرين، لا يحبّها أيضًا.

-----------------------
(١) التوبة: ٧.
(٢) التوبة: ١٢ - ١٣.
(٣) سورة الأنفال: ٥٨.



الإعلام بالنقض تحرُّزًا عن الغدر
إذا عَلِم الحاكم الخيانة ممّن كان بينهم وبين المسلمين عَهْد؛ فإنّه لا تَحِلّ محاربتُهم إلاَّ بعد إعلامهم بنبذ العهد، وبلوغِ خَبرِهِ إلى القريب والبعيد، حتى لا يُؤخَذوا على غِرّة.
يقول الله- سبحانه- في سورة الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١).
قال محمّد بن الحسن في كتاب «السير الكبير»: لو بَعث أمير المسلمين إلى مَلِك الأعداء، مَن يُخبره بنبذ العهد عند تحقّق سبَبه، فلا ينبغي للمسلمين أن يُغيروا عليهم وعلى أطراف مملكتهم؛ إلاَّ بعد مُضيّ الوقت الكافي، لأن يبعثَ الملِك إلى تلك الأطراف؛ خَبَر النبْذ حتى لا نأخذَهم على غِزة.
ومع ذلك إذا عَلِم المسلمون يقينًا أن القوم لم يأتهم خبرٌ مِن قِبَل مَلِكِهم؛ فالمستَحبّ لهم أن لا يُغيروا عليهم حتى يعلموهم بالنبذ؛ لأن هذا شبيه الخديعة.
وكما على المسلمين أن يتحرزوا مِن الخديعة، عليهم أن يتحرزوا من شبه الخديعة.
وحدث أنّ أهل قبرص أحدثوا حَدَثًا عظيمًا في ولاية عبد الملك بن مروان، فأراد نَبْذ عهدِهم ونقْض صُلحهم، فاستشار الفقهاءَ في عصره، منهم الليث بن سعد ومالك وأنس، فكتَبَ الليث بن سعد: إن أهل قبرص لا يزالون متّهمين

-------------------------
(١) سورة الأنفال: ٥٨.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 18-01-2026, 12:32 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 276الى صــ290
الحلقة (179)






بغش أهل الإسلام ومناصحة أهل الأعداء -الروم- وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ وإنّي أرى أن تنبِذَ إليهم، وأنْ تنظرَهم سنة.
أمّا مالك بنُ أنس فكتب في الفتيا يقول: إنَّ أمان أهلِ قبرص وعهدهم؛ كان قديمًا متظاهرًا مِن الولاة لهم، ولم أجِدْ أحدًا مِن الولاة نقَضَ صُلحَهم، ولا أخرَجَهم من ديارهم، وأنا أرى أن لا تعجلَ بمنابذتهم؛ حتى تتجه الحُجَّة عليهم؛ فإن الله يقول: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (١).
فإن لم يستقيموا بعد ذلك، ويدَعَوا غشَّهم ورأيت الغدر ثابتًا فيهم؛ أوقعْتَ بهم بعد النبذ والإعذار، فرُزِقْتَ النصر، فرُزقْتَ النصر* (٢).
قلت: والمتأمّل فيما سَبَق من أقوال الفقهاء؛ يرى اتفاقهم؛ لكن موطن الخلاف: هل التخوّف كائنٌ؛ من خيانة أهل قبرص العهد أم لا، وعليه؛ فإنّ الأمر يرجع إلى تقدير الإمام والله -تعالى- أعلم.

إقرار القوانين الدّولية في تحريم قتل الرسل
عن نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِي قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَّ - ﷺ - يَقُولُ لهما (٣) حِينَ قَرَأَ كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ: مَا تَقُولانِ أَنْتما؟ قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ، قَاَلَ: أمَا وَاللهِ لَوْلَا

-----------------------
(١) التوبة: ٤.
(٢) ما بين نجمتين من فقه السُّنَّة (٣/ ٤٨٧ - ٤٩١) بحذف وإضافة بعض النصوص وتفسير ابن كثير -رحمه الله-.
(٣) أي: لرسولي مسيلمة الكَذّاب.



أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» (١).
قلت: فالمصلحة تقتضي عدم قَتْل الرُّسل؛ الذين يُبتعثون للتفاوض والتفاهم والحوار، مهما بلغ فسادُ اعتقادهم، إذ لو مضى القتل في هؤلاء الرُّسل؛ لما كان هناك مجالٌ لتبليغ الدعوة، أو تحقيق المصالح، أو دفْع المفاسد.

قتال البغاة
البغاة: هم الذين لهم مَنَعة وشُبهة، فنصَّبوا رئيسًا، وخرجوا على الإمام العدل (٢).
ويجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحقّ؛ لقوله- تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣).
فأوجَب الله -سبحانه- قتال الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله، ولا فَرْق بين أن يكون البغي مِن بعض المسلمين على إمامهم، أو على طائفةٍ منهم.
ويُستفاد حُكم البغاة مِن أثر علي -رضي الله عنه- حين قاتل أهل البصرة، وأهل الشام وأهل النّهروان (٤).

-------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٩٩) وغيره. وانظر «المشكاة» (٣٩٨٢). وتقدّم.
(٢) عن «الروضة الندية» (٢/ ٧٦٩) بتصرف.
(٣) الحجرات: ٩.
(٤) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٧٦٩).



والحاصل: أنّ أصلَ دم المسلم وماله؛ العِصمَة، ولم يأذن الله -عز وجل- سوى بقتال الطائفة الباغية حتى تفيء، فيجب الاقتصار على هذا (١).
وعن عرفجة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يُقول: «إنّه ستكون هَنات وهَنات، فمن أراد أن يُفرّق اْمر هذه الأُمّة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان» (٢).
وفي لفظ: «مَن أتاكم وأمرُكم جميع، على رجل واحد، يُريد أن يَشُقّ عصاكم؛ أو يُفرّق جماعتكم؛ فاقتلوه» (٣).

لا يُجهز على الجريح منهم ولا يُسلب القاتل ولا يُطلب المولّي
عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: «شهدت صفّين فكانوا لا يجيزون على جريح (٤)، ولا يطلبون مُوَليًّا، ولا يسلِبون قتيلًا» (٥).

---------------------
(١) قال الإمام النّووي -رحمه الله-، (٧/ ١٦٩)، عقب قوله - ﷺ -: «فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُم فَإنَ فِي قَتْلِهِم أجْرًا» [سيأتي تخريجه إن شاء الله]: «هَذَا تَصْرِيح بِوُجُوبِ قِتَال الْخوَارِج وَالْبُغَاة، وَهُوَ إِجْمَاع الْعُلَمَاء، قَالَ الْقَاضِي: أجْمَعَ الْعُلَمَاء، عَلَى أنَ الْخوَارِج، وَأشْبَاهَهُمْ مِنْ أهل الْبِدَع وَالْبَغْي؛ مَتَى خَرَجُوا عَلَى الْإِمَام وَخَالَفُوا رَأْي الجماعَة وَشَقُّوا الْعَصَا؛ وَجَبَ قِتَالهمْ بَعْد إِنذَارهمْ، وَالاعْتِذَار إِلَيْهم. قَالَ الله - تَعَالَى-: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ...، وَهَذَا كُلّه مَا لم يَكْفُرُوا بِبِدْعَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ بِدْعَة مما يَكْفُرُونَ بِهِ جَرَتْ عَلَيْهِمْ أحْكَام المرتدِّينَ».
(٢) أخرجه مسلم: ١٨٥٢.
(٣) أخرجه مسلم: ١٨٥٢.
(٤) لا يجيزون على جريح: أي: مَن صُرع منهم وكُفِي قِتالُه، لا يُقْتَل؛ لأنهم مسْلِمون، والقصْد مِن قتالهِم دَفْعُ شَرِّهِم، فإذا لم يُمْكِن ذلك إلاَّ بقَتْلهم قُتِلوا. «النّهاية».
(٥) أخرجه الحاكم، وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٤٦٣).



وعن الزهري قال: «قد هاجَت الفتنة الأولى، وأدركَت -يعني الفتنة- رجالًا ذوي عددٍ مِن أصحاب رسول الله - ﷺ -، ممن شهد معه بدرًا، وبلَغَنا أنهم كانوا يرون أن يُهدَر أمر الفتنة، ولا يُقام فيها على رجلِ قاتِلٍ في تأويلِ القرآن قِصاصٌ فيمن قتل (١)، ولا حدٌّ (٢) في سباءِ امرأةٍ سُبيَت (٣)، ولا يُرى عليها حدٌّ (٤)، ولا بينها وبين زوجها ملاعنة (٥)، ولا يُرى أن يَقْفُوها أحدٌ إلاَّ جُلد (٦)، ويُرى أنْ تُردَّ إلى زوجها الأول؛ بعد أنْ تعتدّ فتقضى عدّتَها مِن زوجها الآخر (٧)، ويُرى أنْ يَرِثَها زوجُها الأوّل (٨)» (٩).
وفي لفظ: «ولا مالٌ استحلَّه بتأويلِ القرآن إلاّ أنْ يوجَدَ شيء بعينه (١٠)» (١١).
والزهري لم يدرك الفتنة المشار إليها، وهي وقعة صفّين.

--------------------
(١) أي: لا يُقتَل قِصاصًا بقتله، لأنّه مُتَأوّلٌ بالقرآن.
(٢) ولا حد: تقدير الجملة: لا يُقام حدّ.
(٣) أي: فمَن سباها بتأويلِ فلا يُقام عليه الحدّ.
(٤) وكذلك هي لا تُنزّل منزلة الزانية، فلا حدّ عليها.
(٥) يعني: لا يَرَون أن تكون ملاعنةٌ بينها وبين زوجها، وما يَتْبع ذلك مِن أمور؛ كالتفريق مَثلًا.
(٦) أي: إذا اتَّهمَها أحد أو قذَفها بالزنا؛ أُقيم عليه حدّ الجلد.
(٧) وذلك عودةً إلى الأصل واستبراءً للأرحام.
(٨) يعني: إذا تُوفيت وَرِثها زوجها الأول، ولا يرثها الثاني.
(٩) أخرجه البيهقي وصحَّحه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٤٦٥).
(١٠) يعني: مَن عَرَف شيئًا مِن ماله مع أحد فليأخذه، ولا يجوز له تملُّك المال الذي ساقه بتأويلِ القرآن.
(١١) أخرجه البيهقي بإسناد صحيح، انظر «المصدر السابق».



وليس مِن البغي إظهارُ كونِ الإمام سلَك في اجتهاده في مسألة، أو مسائل؛ طريقَ مخالفةٍ لا يقتضيه الدليل؛ فإنّه ما زال المجتهدون هكذا، ولكنه ينبغي لمن ظهَر له غلط الإمام أن يُناصحه، ولا يُظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل كما ورَد في الحديث: «أنّه يأخذ بيده، ويخلو به، ويَبذُل له النصيحة، ولا يُذِلّ سلطان الله (١)» (٢).
ولا يجوز الخروج على الأئمّة -وإن بلَغُوا في الظلم أيَّ مبلغ- ما أقاموا الصلاة، ولم يَظهر منهم الكفر البَوَاح، والأحاديث الواردة بهذا المعنى متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله، ويعصيَه في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٣).

-------------------
(١) وقد ثبت في السنّة التعبير بسلطان الله، فعن زياد بن كُسيبٍ العدوي قال: «كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطُب، وعليه ثياب رِقاق فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفُسّاق، فقال أبو بكرة: اسكت، سَمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: مَن أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله». أخرجه الترمذي، «صحيح سنن الترمذي» (١٨١٢)، وانظر «الصحيحة» (٢٢٩٦).
(٢) وفي هامش «التعليقات الرضية» (٣/ ٥٠٤) إشارة إلى كتاب «السُّنَّة» (١٠٩٦) لابن أبي عاصم.
قلت: ولا بد مِن ذِكْر هذا الحديث لتحقيق الفائدة، فقد ساق المصنف -رحمه الله- بإسناده إلى شريح بن عبيد قال: قال عياض بن غُنم لهشام بن حكيم: ألم تسمع بقول رسول الله - ﷺ -: «مَن أراد أن ينصح لذي سلطان، فلا يُبدِه علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإنْا قَبِل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه» وصححه شيخنا -رحمه الله- بمجموع طُرُقه، وانظر تفصيل تخريجه في الكتاب المذكور.
(٣) انظر «الروضة الندية» (٣/ ٧٧٤).



أقسام البغاة وما جاء في تأويلهم
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» (١٢/ ٤٩٧) تحت مسألة (٢١٥٨) -بتصرف يسير-:
قال الله- تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١).
فكان قتال المسلمين فيما بينهم على وجهين: قتالِ البغاة وقتالِ المحاربين، فالبغاة قسمان لا ثالث لهما.
إمّا قِسْم خرجوا على تأويلِ في الدين، فأخطئوا فيه؛ كالخوارج وما جرى مجراهم مِن سائر الأهواء المخالِفة للحقّ.
وإمّا قِسْم أرادوا لأنفسهم دنيًا، فخرجوا على إمام حقّ، أو على مَن هو في السيرة مثلهم، فإن تعدت هذه الطائفة إلى إخافة الطريق، أو إلى أخْذ مال مَن لقوا أو سفْك الدماء هملًا؛ انتقل حُكمهم إلى حكم المحاربين، وهم ما لم يفعلوا ذلك في حُكم البغاة.
فالقِسم الأول مِن أهل البغي يُبيَّن حُكمهم [ثمّ ساق بإسناده إلى أمّ سَلَمة - رضي الله عنها-]: أنّ رسول الله - ﷺ - قال في عمار «تقتلك الفئة الباغية» (٢) قال أبو

----------------
(١) الحجرات: ٩.
(٢) أخرجه البخاري: (٤٤٧)، (٢٨١٢)، بلفظ: «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية»، ومسلم (٢٩١٦): «تقتلك الفئة الباغية».



محمّد -رحمه الله-: وإنما قَتَل عمّارًا -رضي الله عنه- أصحابُ معاوية -رضي الله عنه- وكانوا متأولين تأويلهم فيه، وإنْ أخطئوا الحقَّ مأجورون أجرًا واحدًا لقصْدِهم الخير.
ويكون مِن المتأولين قومٌ لا يُعذَرون ولا أجر لهم؛ كما روينا من طريق البخاري [ثم ساق بإسناده إلى عليّ -رضي الله عنه- أنّه قال]: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «سيخرُج قومٌ في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام (١) يقولون من قول خير البرية (٢)، لا يُجاوزُ إيمانُهم حناجرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة (٣)، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرًا لمن قَتَلهم يوم القيامة» (٤) وروينا من طريق مسلم [ثم ساق بإسناده إلى] أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - ذكَر قومًا يكونون في أمّته يخرجون في فِرقةٍ من النّاس سيماهم (٥) التحالق هم شرّ الخلق -أو من شرّ الخلق-، تَقْتُلهم أدنى الطائفتين إلى الحق«(٦). وذكَر الحديث.
قال أبو محمّد -رحمه الله-:»ففي هذا الحديث نصٌّ جليٌّ بما قلنا وهو أنّ النبيّ - ﷺ - ذكر هؤلاء القوم؛ فذمّهم أشدَّ الذم وأنهم مِن شر الخلق، وأنهم يخرجون

------------------
(١) أحداث الأسنان سفهاء الأحلام: معناه صغار الأسنان، صغار العقول، «شرح النّووي».
(٢) معناه في ظاهر الأمر؛ بقولهم: لا حُكم إلاَّ لله، ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله -تعالى- والله أعلم، «شرح النّووي».
(٣) الرَّمِيَّة: الصيد الذي ترميه؛ فتقصده، وينفُذُ فيه سهمك، «النّهاية».
(٤) أخرجه البخاري: ٣٦١١، ومسلم: ١٠٦٦ وهذا لفظه.
(٥) السيما: العلامة.
(٦) أخرجه مسلم: ١٠٦٥.



في فرقة مِن النّاس، فصحّ أنّ أولئك أيضًا مفترقون، وأنّ الطائفة المذمومة تقتلها أدنى الطائفتَين المفترِقَتَين إلى الحقّ، فجعَل -عليه السلام- في الافتراق تفاضلًا، وجعَل إحدى الطائفتين المفترقتين لها دنوًا من الحقِّ -وإنْ كانت الأخرى أولى به- ولم يجعل للثالثة شيئًا من الدنو إلى الحقّ.
فصحّ أنّ التأويل يختلف، فأيّ طائفةٍ تأوَّلَت في بُغيتها طمسًا لشيء من السّنة كمن قام برأي الخوارج ليُخرِجَ الأمر عن قريش، أو ليُردَّ النّاس إلى القول بإبطال الرجم، أو تكفيرِ أهل الذنوب، أو استقراضِ المسلمين، أو قتلِ الأطفال والنساء وإظهار القول بإبطال القدر، أو إبطال الرؤية، أو إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئًا إلاّ حتى يكون، أو إلى البراءة عن بعض الصحابة أو إبطال الشفاعة، أو إلى إبطال العمل بالسنن الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، ودعا إلى الردّ إلى مَن دون رسول الله - ﷺ - أَو إلى المنع مِن الزكاة، أو مِن أداء حقّ مِن مسلم أو حقٍّ لله -تعالى- فهؤلاء لا يُعذَرون بالتأويل الفاسد؛ لأنها جهالةٌ تامةٌ.
وأمّا مَن دعا إلى تأويل لا يُحِلّ به سُنّة، لكن مِثل تأويل معاوية في أن يقتص مِن قَتَلَة عثمان قبل البيعة لعليّ، فهذا يُعذَر؛ لأنه ليس فيه إحالة شيء مِن الدِّين، وإنّما هو خطأ خاصٌّ في قصّة بعينها لا تتعدّى.
ومَن قام لعرض دنيا فقط؛ كما فَعَل يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان في القيام على ابن الزبير، وكما فعَل مروان بن محمّد في القيام على يزيد بن الوليد، وكمن قام أيضًا على مروان، فهؤلاء لا يُعذَرون لأنهم لا تأويل لهم أصلًا وهو بغي مجرد.
وأما مَن دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر وإظهار القرآن والسنن


والحُكم بالعدل؛ فليس باغيًا بل الباغي مَن خالفَه وبالله -تعالى- التوفيق».
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٧٥):
«وكلُّ مَن كان باغيًا، أو ظالمًا، أو معتديًا، أو مرتكبًا ما هو ذنب؛ فهو قسمان: متأوِّل، وغير متأول.
فالمتأوّل المجتهد؛ كأهلِ العِلم والدّين؛ الذين اجتهدوا، واعتقد بعضُهم حِلَّ أمور، واعتقَد الآخر تحريمَها، كما استحلّ بعضُهم بعضَ أنواعِ الأشربة، وبعضُهم بعضَ المعاملات الربوية، وبعضُهم بعضَ عقودِ التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثالُه مِن خِيار السلف، فهؤلاء المتأوِّلون المجتهدون غايتهم أنَّهم مخُطئون، وقد قال الله -تعالى-: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، وقد ثبت في»الصحيح«أن الله استجابَ هذا الدعاء.
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- أيضًا (٣٥/ ٧٦):
»أمّا إذا كان الباغي مجتهدًا متأولًا، ولم يتبين له أنّه باغ، بل اعتقَد أنّه على الحقّ وإنْ كان مخطئًا في اعتقاده: لم تكن تسميته باغيًا موجبةً لإثمه -فضلًا عن أن توجب فِسْقه- والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين؛ يقولون مع الأمر بقتالهم: قتالنا لهم لدفع ضررِ بغيهم؛ لا عقوبةً لهم؛ بل للمنع مِن العدوان. ويقولون: إنهم باقون على العدالة؛ لا يَفْسُقون، ويقولون: هم كغير المكلَّف، كما يُمنَع الصبي والمجنون والناسي والمغمى عليه والنائم من العدوان؛ أن لا يَصْدُر منهم، بل تمُنْع البهائم من العدوان.

-------------------
(١) البقرة: ٢٨٦.


ويجب على مَن قتل مؤمنا خطأً الدية بنصّ القرآن؛ مع أنّه لا إثم عليه في ذلك، وهكذا مَن رُفع إلى الإمام مِن أهل الحدود وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحدّ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والباغي المتأول يُجلَد عند مالك والشافعي وأحمد ونظائره متعددة«.
وجاء في»مجموع الفتاوى«(٢٨/ ٥٤٥):»وقد اتفقَ علماءُ المسلمين؛ على أنّ الطائفةَ الممتنعةَ إذا امتنعَت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإنه يَجِب قتالها؛ إذا تكلَّموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة، أو صيامِ شهر رمضان أو حجّ البيت العتيق، أو عن الحُكم بينهم بالكتاب والسنّة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمرِ، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلالِ النفوس والأموال بغير حقّ، أو الربا، أو الميمسر، أو الجهاد للكُفّار، أو عن ضربِهم الجزيةَ على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام، فإنهم يُقاتَلون عليها حتى يكون الدينُ كلُّه لله.
ثمّ ذكر قول أبي بكر -رضي الله عنه-: «والله لو منعوني عَناقًا» ثمّ قوله - ﷺ -: «يحقر أحدكم صلاته ...» ثمّ قال: «وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء».
وفيه أيضًا (ص ٥٥٦): "وسُئل الشيخ: عن قومٍ ذوي شوكة مقيمين بأرض، وهم لا يُصلُّون الصلوات المكتوبات، وليس عندهم مسجد، ولا أذان، ولا إقامة، وإنْ صلّى أحدهم صلّى الصلاة غير المشروعة. ولا يؤدّون الزكاة مع كثرةِ أموالهم مِن المواشي والزروع. وهم يَقْتَتِلون فيَقْتُل بعضُهم بعضًا، ويَنْهَبون مالَ بعضِهم بعضًا، ويَقْتُلون الأطفال، وقد لا يمتنعون عن سَفْك الدماء وأخْذِ الأموال، لا في شهر رمضان ولا في الأشهر الحُرُم ولا غيرِها، وإذا أَسَرَ بعضهم


بعضًا باعوا أسراهم للإفرنج. ويبيعون رقيقهم مِن الذكور والإناث للإفرنج عَلانية، ويسوقونهم كسوق الدوابّ. ويتزوجون المرأة في عِدَّتها. ولا يُوَرّثون النساء. ولا ينقادون لحاكِم المسلمين. وإذا دُعِي أحدهم إلى الشرع قال: أنا الشرع. إلى غير ذلك. فهل يجوز قتالهُم والحالة هذه؟ وكيف الطريق إلى دخولهم في الإسلام مع ما ذُكِر؟
فأجاب:
نعم يجوز؛ بل يَجب بإجماع المسلمين قتالُ هؤلاء وأمثالهِم؛ من كلّ طائفة ممتنعَةٍ عن شريعةِ مِن شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ مِثْل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس، أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه، أو عن صيام شهر رمضان، أو الذين لا يمتنعون عن سَفْك دماءِ المسلمين وأخْذ أموالهم، أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بَعَث الله به رسولَه - ﷺ -، كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة -رضي الله عنهم- في مانعي الزكاة، وكما قاتل عليُّ بن أبي طالب وأصحاب النبيّ - ﷺ - الخوارج، الذين قال فيهم النبيّ - ﷺ -: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قَتَلَهم يوم القيامة». وذلك بقوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١). وبقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ

------------------
(١) الأنفال: ٣٩.


الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). والربا آخر ما حرَّمه الله ورسوله، فكيف بما هو أعظم تحريمًا.
ويُدْعَون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام فإنِ التزموها استُوثِق منهم، ولم يُكْتَفَ منهم بمجرّد الكلام ...».

هل البغاة والخوارج لفظان مترادفان أم لا؟
جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٥٣): «وسُئل -رحمه الله- عن البغاة والخوارج: هل هي ألفاظ مترادفة بمعنى واحد؟ أم بينهما فَرْق؟ وهل فرَّقَت الشريعة بينهما في الأحكام الجارية عليهما أم لا؟ وإذا ادّعى مُدّعٍ أنّ الأئمّة اجتمعَت على أن لا فرق بينهم إلاّ في الاسم؛ وخالفَه مخُالِف مستدلًا بأنّ أمير المؤمنين عليًا -رضي الله عنه- فرَّق بين أهل الشام وأهل النهروان: فهل الحقّ مع المدّعي؟ أو مع مخالفه؟
فأجاب: الحمد لله، أمّا قول القائل: إنّ الأئمّة اجتمعَت على أن لا فرْقَ بينهما إلاَّ في الاسم، فدعوى باطلة، ومدعيها مجُازِف فإنَّ نفيَ الفرق؛ إنما هو قول طائفة مِن أهل العلم مِن أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم؛ مثل كثير من المصنّفين في قتال أهل البغي؛ فإنهم قد يجعلون قتالَ أبي بكر لمانعي الزكاة، وقتالَ عليٍّ الخوارجَ وقتالَه لأهل الجمل وصِفّين إلى غير ذلك من قتال المنتسبين إلى الإسلام؛ مِن باب قتال أهل البغي».
وقال -رحمه الله- أيضًا (ص ٥٦): "وأيضًا؛ فالنبيّ - ﷺ - أمَر بقتال الخوارج

--------------------
(١) البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩.


قبل أن يُقاتلِوا.
وأمّا أهل البغي فإنّ الله -تعالى- قال فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فلم يأمر بقتال الباغية ابتداءً، فالاقتتال ابتداءً ليس مأمورًا به؛ ولكن إذا اقتتلوا أمرَ بالإصلاح بينهم؛ ثم إنْ بغَت الواحدة قوتلت؛ ولهذا قال مَن قال مِن الفقهاء: إنّ البغاة لا يُبتدَءون بقتالهم حتى يُقاتلوا، وأمّا الخوارج فقد قال النبيّ - ﷺ - فيهم: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (١)، وقال: «لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قَتْل عاد» (٢).
وكذلك مانعو الزكاة؛ فإنّ الصّدِيق والصحابة ابتدءوا قتالهم، قال الصّديق -رضي الله عنه-: «والله لو منعوني عَناقًا (٣) كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتَلْتُهم عليه» (٤).

-------------------
(١) تقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٤٤٤، ومسلم: ١٠٦٤.
(٣) العَناق: هي الأُنثى مِن أولاد المعز؛ ما لم يتمّ له سنة، «النّهاية».
(٤) أخرجه البخاري: ١٤٠٠، ومسلم: ٢٠، بلفظ «لو منعوني عقالًا ...» وقال الإمام النّووي -رحمه الله- بحذف: "هَكَذَا فِي مُسْلِم عِقَالًا، وَكَذَا فِي بَعْض رِوَايَات الْبُخَارِي، وَفِي بَعْضهَا عَنَاقًا -بِفَتْحِ العَيْن وَبِالنُّونِ- وَهِيَ الأُنثَى مِنْ وَلَد المعْز، وَكِلاَهُمَا صَحِيح، وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أنَّهُ كَرَّرَ الْكَلَام مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ فِي مَرَّة: عِقَالًا وَفِي الْأُخْرَى: عَنَاقًا فَرُوِيَ عَنْهُ اللَّفْظَانِ. فأمَّا رِوَايَة الْعَنَاق فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْغَنَم صِغَارًا كُلّهَا؛ بِأنْ مَاتَت أماتها فِي بَعْض الحَوْل، فَإِذَا حَال حَوْل الْأُمَّات؛ زَكَّى السِّخَال بِحَوْلِ الْأُمَّات =



وهم يقاتَلون إذا امتنعوا مِن أداء الواجبات وإنْ أقرّوا بالوجوب.
ثمّ تنازع الفقهاء في كُفر مَن مَنَعهما وقاتَل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج.
وأمّا أهل البغي المجرد فلا يُكفَّرون باتفاق أئمّة الدين؛ فإنّ القرآن قد نصَّ على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي. والله أعلم».

إذا بغت طائفة ولم تَقْبَل الصلح كانت بمنزلة الصائل
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- (ص ٣٥/ ٧٨): «ولكن إذا اقتَتَلت طائفتان مِن المؤمنين؛ فالواجب الإصلاح بينهما؛ وإن لم تكن واحدة منهما مأمورةً بالقتال، فإذا بغَت الواحدة بعد ذلك قوتلت؛ لأنها لم تترك القتال ولم تُجِب إلى الصلح؛ فلم يندفع شرّها إلاَّ بالقتال، فصار قتالها بمنزلة قتال الصائل الذي لا يندفع ظُلْمُه عن غيره إلاَّ بالقتال، كما قال النبيّ - ﷺ -:»مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دينه فهو شهيد ... «(١)،

---------------------
= سَوَاء بَقِيَ مِنْ الْأُمَّات شَيء أمْ لَا. هَذَا هُوَ الصَّحِيح المشهُور ... وَأمَّا رِوَايَة عِقَالًا، فَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِيهَا؛ فَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْهُمْ إِلَى أنَّ المرَاد بِالْعِقَالِ؛ زَكَاة عَام ... وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ المحَقَّقِينَ إِلَى أنَّ المرَاد بِالْعِقَالِ؛ الحَبْل الَّذِي يُعْقَل بِهِ الْبَعِير ...».
وقال في النّهاية: «أراد بالعقال: الحبل الذي يُعقل به البعير الذي يُؤخذ في الصدقة؛ لأنّ على صاحبها التسليم ...»، ثم ذكر أقوالًا أخرى.
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٩٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٨١٧)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤٨)، وغيرهم، انظر أحكام الجنائز (ص ٥٧)، والشطر الأوّل أخرجه البخاري ٢٨٤٠، ومسلم: ١٤١.



قالوا: فبتقدير أنّ جميع العسكر بغاة، فلم نُؤمَر بقتالهم ابتداءً؛ بل أُمِرنا بالإصلاح بينهم».

العدل بين الطائفتين وما يترتّب على ذلك مِن ضمان وقِصاص وحَمالة (١).
جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٧٩): «وسُئل -رحمه الله- عن الفتن التي تقع مِن أهل البرّ وأمثالها؛ فيقْتُل بعضهم بعضًا ويستبيح بعضُهم حرمة بعض، فما حُكم الله -تعالى- فيهم؟
فأجاب:
الحمد لله، هذه الفِتن وأمثالها مِن أعظم المحرَّمات، وأكبر المنكرات، قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٢).

--------------------
(١) الحَمالة -بالفتح- ما يتحمّله الإنسان عن غيره مِن دَيّة أو غرامة، مثل أن تقع حَربٌ بين فريقين تسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمّل ديات القتلى ليُصلِح ذات البين، والتَحمُّل: أن يحملها عنهم على نفسه»النّهاية".
(٢) آل عمران: ١٠٢ - ١٠٦.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 18-01-2026, 12:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السابع
من صــ 291الى صــ300
الحلقة (180)




وهؤلاء الذين تفرَّقوا واختلفوا حتى صار عنهم مِن الكُفر ما صار، وقد قال النبيّ - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كُفّارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض» (١) فهذا مِن الكُفر؛ وإنْ كان المسلم لا يُكفَّر بالذنب، قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
فهذا حُكم الله بين المقتتلين من المؤمنين: أخبر أنهم إخوة، وأمر أوّلًا بالإصلاح بينهم إذا اقتتلوا ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ ولم يَقْبَلوا الإصلاح ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ فأمَر بالإصلاح بينهم بالعدل بعد أن ﴿تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي ترجعَ إلى أمر الله، فمَن رجَع إلى أمر الله؛ وجَب أن يُعدَل بينه وبين خصمه، ويُقسَط بينهما، فَقَبْل أن نُقاتِل الطائفة الباغية وبعد اقتتالهما؛ أُمِرنا بالإصلاح بينهما مطلقا؛ لأنه لم تُقهَر إحدى الطائفتين بقتال.
وإذا كان كذلك؛ فالواجب أن يُسعى بين هاتين الطائفتين بالصلح الذي أَمَر الله به ورسوله، ويقال لهذه: ما تَنْقِم من هذه؟ ولهذه: ما تَنْقِم من هذه؟ فإنْ ثبَت على إحدى الطائفتين أنها اعتدت على الأخرى: بإتلاف شيءٍ من الأنفس، والأموال؛ كان عليها ضمان ما أتلفته، وإنْ كان هؤلاء أتلفوا لهؤلاء وهؤلاء أتلفوا لهؤلاء تقاصّوا بينهم، كما قال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٧٠٧٧، ومسلم: ٦٦.


وقد ذكَرَت طائفة من السلف أنها نَزَلت في مِثل ذلك في طائفتين اقتتلتا فأمَرَهم الله بالمقاصة، قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ والعفو الفضل، فإذا فَضُل لواحدة مِن الطائفتين شيء على الأخرى ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والذي عليه الحقّ يؤديه بإحسان.
وإن تعذَّر أنْ تضمن واحدة للأخرى؛ فيجوز أن يتحمَّل الرجل حَمَالةً يؤديها لصلاح ذات البين، وله أن يأخذها بعد ذلك مِن زكاة المسلمين، ويسأل الناس في إعانته في هذه الحالة وإنْ كان غنيًا، قال النبيّ - ﷺ - لقبيصة بن مخارق الهلالي: «يا قبيصةُ إنّ المسألة لا تحلُّ إلاَّ لأحد ثلاثة: رجلٍ تحمَّل حَمالة، فحَلّت له المسألة؛ حتى يصيبها ثم يُمسك، ورجل أصابته جائحة (١) اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا (٢) من عيش (أو قال سِدادًا (٢) من عيشٍ) ورجل أصابته فاقة؛ حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا (٣) من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ؛ فحلَّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش (أو قال سِدادًا من عيشٍ)» (٤).

------------------
(١) الجائحة: هي الآفة التي تُهلك الثمار والأموال وتستأصلها، «النّهاية».
(٢) القِوام والسِّداد -بكسر القاف والسين- وهما بمعنى واحد، وهو ما يغني من الشيء، وما تُسدّ به الحاجة، «نووي».
(٣) (حَتَى يَقُوم ثَلَاثَة مِنْ ذَوِي الحجَا مِنْ قَوْمه) قال النّووي -رحمه الله-: «هَكَذَا هُوَ فِي جميع النُّسَخ: يَقُوم ثَلَاثَة، وَهُوَ صَحِيح. أي يَقُومُونَ بِهَذَا الأمْر فَيقُولُونَ: لَقَدْ أصَابَتْهُ فَاقَة. والحجا، مقصور، وَهُوَ العَقل، وَإِنمَا قَالَ - ﷺ -: مِنْ قَوْمه لِأَنهُمْ مِنْ أهل الخبرَة بِبَاطِنِهِ، وَالمال مما يَخْفَى فِي العَادَة، فَلَا يَعْلَمهُ إلاَّ مَنْ كَانَ خَبيرًا بِصَاحِبِهِ، وَإنَّمَا شَرَطَ الحجَا تَنْبِيهًا عَلَى أنَّهُ يُشتَرَط فِي الشَّاهِد التَّيَقُّظ؛ فَلَا تُقْبَل مِنْ مُغَفَّلٍ».
(٤) أخرجه مسلم: ١٠٤٤، ولقد أحببت أن أذكره بلفظ مسلم، وكان شيخ الاسلام -رحمه الله- قد ذكره بتقديم مفرداتها وتأخيرها.



والواجب على كل مسلم قادر أن يسعى في الإصلاح بينهم ويأمرهم بما أمر الله به مهما أمكن«.

ثواب صبر مَنْ يظُنّ أنّه مظلوم مبغيٌّ عليه
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- (٣٥/ ٨٢):»ومَن كان مِن الطائفتين يظنّ أنّه مظلوم مَبْغيٌّ عليه فإذا صبَر وعفا أعزَّه الله ونصرَه؛ كما ثبت في الصحيح عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: «ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عِزًّا، وما تواضَع أحدٌ لله إلاَّ رفعَه الله؛ ولا نقَصَت صدقة مِن مال» (١).
وقال -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وقال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
فالباغي الظالم يَنْتقم الله منه في الدنيا والآخرة؛ فإن البغي مصرعُه، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «ولو بغَى جبلٌ على جبلٍ لجعل الله الباغي منهما دكًا» (٢).
ومن حِكمة الشعر:
قضى الله أنّ البغي يُصرَع أهلُه ... وأنّ على الباغي تدور الدوائر

-----------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٥٨٨.
(٢) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الأدب المفرد» برقم (٤٥٧).



ويشهد لهذا قوله -تعالى-: ﴿إنَمَا بَغيُكم على أنفُسِكُم متاعَ الحياة﴾ الآية، وفي الحديث: «ما مِن ذنب أحرى أن يُعجَّل لصاحبه العقوبةُ في الدنيا مِن البغي، وما حَسَنَة أحرى أن يُعجَّل لصاحبها الثواب مِن صلة الرحم» (١) فمن كان من إحدى الطائفتين باغيًا ظالمًا فليتق الله وليتُب، ومَن كان مظلومًا مبغيّا عليه وصَبر كان له البشرى مِن الله، قال -تعالى-: ﴿وبشر الصابرين﴾ قال عمرو بن أوس: «هُم الذين لا يَظْلِمون إذا ظُلِموا، وقد قال -تعالى- للمؤمنين في حقّ عدوّهم: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا﴾».
وقال يوسف -عليه السلام- لَمّا فعَل به إخوته ما فَعَلوا، فصبر واتقى حتى نَصَره الله، ودخلوا عليه وهو في عِزّه ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
فمَن اتقى الله مِن هؤلاء وغيرهم بصِدْق وعدل، ولم يتعدّ حدود الله، وصبَر على أذى الآخر وظُلْمِه؛ لم يضرَّه كيد الآخر؛ بل ينصرُه الله عليه«.

ما يفعله ولاة الأمور مع أقوام لم يصلّوا ولم يصوموا ...
وجاء في»مجموع الفتاوى«(٣٥/ ٨٩):»وسُئلرحمه الله- عن أقوامٍ لم يُصلّوا ولم يصوموا، والذي يصوم لم يُصَلِّ، ومالهُم حرام، ويأخذون أموال الناس، ويُكرمون الجار والضعيف، ولم يُعرَف لهم مذهب، وهم مسلمون؟

---------------------
(١) انظر «الصحيحة»: (٩١٨، ٩٧٨)، «التعليقات الحِسان»: (٤٤١).


فأجاب:
الحمد لله، هؤلاء وإنْ كانوا تحت حُكم ولاة الأمور؛ فإنه يَجب أن يأمروهم بإقامة الصلاة، ويعاقبوا على تركها، وكذلك الصيام، وإنْ أقروا بوجوب الصلوات الخمس وصيام رمضان والزكاة المفروضة؛ وإلا فمَن لم يُقِرّ بذلك فهو كافر، وإنْ أقرّوا بوجوب الصلاة وامتنعوا عن إقامتها؛ عوقبوا حتى يقيموها، ويجب قَتْل كلِّ مَن لم يُصلِّ إذا كان بالغًا عاقلًا عند جماهير العلماء، كمالك، والشافعي، وأحمد، وكذلك تقام عليهم الحدود، وإنْ كانوا طائفةً ممتنعةً ذاتَ شوكة؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا أداء الواجبات الظاهرة والمتواترة؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، وتَرْك المحرمات، كالزنا، والرّبا، وقطع الطريق، ونحو ذلك. ومن لم يُقرّ بوجوب الصلاة والزكاة؛ فإنه كافر يستتاب، فإنْ تاب وإلا قُتِل».

لا يجوز لإحدى الطائفتين أن تقول: نأخذ حقّنا بأيدينا
جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٨٨): «وأما إذا طَلَبت إحدى الطائفتين حُكم اللهِ ورسولِه، فقالت الأخرى: نحن نأخذ حقنا بأيدينا في هذا الوقت؛ فهذا مِن أعظمَ الذنوب الموجبة عقوبةَ هذا القاتل الظالم الفاجر، وإذا امتنعوا عن حُكم الله ورسوله ولهم شوكة؛ وجَب على الأمير قتالهم، وإن لم يكن لهم شوكة؛ عُرِف مَن امتنع مِن حُكم الله ورسوله، وألزم بالعدل».

مَن قَتَل أحدًا بعد إصلاح
جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٨٨): "وأمّا مَن قتل أحدًا مِن بعد الإصطلاح أو بعد المعاهدة والمعاقدة؛ فهذا يستحِقّ القتل، حتى قالت طائفةٌ مِن


العلماء: إنه يُقتَل حدًّا، ولا يجوز العفو عنه لأولياء المقتول، وقال الأكثرون: بل قَتْلُه قِصاص، والخيار فيه إلى أولياء المقتول».

بيان طُرُق الإصلاح المذكور في قوله تعالى: ﴿فأصلِحوا بين أخويكم﴾
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٨٥): «والإصلاح له طُرُق؛ منها أن تُجمَع أموال الزكوات وغيرها حتى يُدفع في مِثل ذلك فإنّ الغرم لإصلاح ذات البين؛ يبيح لصاحبه أن يأخذ من الزكاة بقَدْر ما غرم؛ كما ذكَره الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، كما قال النبيّ - ﷺ - لقبيصة بن مخارق -رضي الله عنه-:»إن المسألة لا تحلُّ إلاَّ لثلاثة: ... " (١).
ومِن طُرُق الصلح أن تعفو إحدى الطائفتين أو كلاهما عن بعض مالها عند الأخرى من الدماء والأموال ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين﴾.
ومِن طُرق الصلح أن يُحكَم بينهما بالعدل، فيُنظَر ما أتلفته كلّ طائفة من الأخرى؛ من النفوس والأموال؛ فيتقاصّان ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾.
وإذا فَضُل لإحداهما على الأخرى شيء؛ ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بأحسانٍ﴾؛ فإنْ كان يُجهَل عدد القتلى، أو مقدار المال؛ جُعِل المجهول كالمعدوم.
وإذا ادَّعَت إحداهما على الأخرى بزيادة؛ فإمّا أن تُحلّفها على نفي ذلك، وإمّا أن تقيم البيِّنة، وإمّا تمتنع عن اليمين، فيقضى بردّ اليمين أو النكول.

------------------------
(١) تقدم تخريجه ومعناه غير بعيد.


فإنْ كانت إحدى الطائفتين تبغي بأن تمتنع عن العدل الواجب، ولا تُجيب إلى أمر الله ورسوله، وتُقاتِل على ذلك، أو تَطلُب قتالَ الأخرى وإتلافَ النفوس والأموال، كما جرَت عادتهم به؛ فإذا لم يُقدَر على كفّها إلاَّ بالقتل؛ قوتلت حتى تفيء إلى أمر الله؛ وإنْ أمكَن أن تُلزَم بالعدل بدون القتال، مِثل أن يُعاقَب بعضُهم، أو يُحبَس؛ أو يُقتَل مَن وجَب قَتْلُه منهم، ونحو ذلك: عُمِل ذلك، ولا حاجة إلى القتال».

محاورة الخوارج (١) والمتمرّدين على الإمام
لا بُدّ من محاورةِ الخوارج والبغاة، ومراسلتِهم، وإزالةِ شُبَهِهِم، لمنْع الفتنة، وحقْنِ الدماء، والتوصُّل للحقّ، واجتماع الكلمة.
عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: «قَدِمت عائشةُ -رضي الله عنها-، فبينا نحن جلوس عندها مرجعَها مِن العراق لياليَ قوتِل عليّ -رضي الله عنه- إذ قالت: يا عبدَ الله بن شدّاد، هل أنت صادقي عمّا أسألك عنه؟ حدِّثني عن هؤلاء القوم الذين قَتَلَهم عليّ، قلت: ومالي لا أَصْدُقُك؟ قالت: فحدّثني عن قصتهم.
قلت: إنّ عليًّا لمّا كاتبَ معاوية وحَكم الحكَمَين؛ خرَج عليه ثمانية آلاف مِن قُرّاء الناس، فنزلوا أرضًا مِن جانب الكوفة يُقال لها: حروراء، وإنهم أنكروا عليه،

------------------------
(١) الخوارج: فرقةٌ خَرَجت لقتال عليّ بن أبي طالب بسبب التحكيم، ومذهبُهم التبرّؤ من عثمانَ وعليّ -رضي الله عنهما-، والخروج على الإمام، وتكفير صاحب الكبيرة، وتخليده في النّار، والخوارج فِرَقٌ كثيرة. انظر»معجم ألفاظ العقيدة" (ص ١٧٧).


فقالوا: انسلخْتَ مِن قميصٍ ألبسَكَه اللهُ وأسماك به، ثمّ انطلقْتَ فحَكمْتَ في دين الله ولا حُكم إلاَّ لله، فلمّا أنْ بلَغَ عليًّا ما عتبوا عليه وفارقوه، أمَر فأَذّن مُؤذِّن: لا يدخُل على أمير المؤمنين إلاَّ رجلٌ قد حَمَل القرآن.
فلمّا أن امتَلأَ مِن قُرّاء الناس الدار؛ دعا بمُصحفٍ عظيم فوضَعَه عليٌّ -رضي الله عنه- بين يديه فطفِق يصكّه بيده، ويقول: أيّها المصحف حدِّث الناس، فناداه الناس، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، ما تسأله عنه، إنما هو وَرَقٌ ومِداد، ونحن نتكلّم بما روينا منه فماذا تريد؟
قال: أصحابكم الذين خَرَجوا بيني وبينهم كتاب الله -تعالى-، يقول الله -عز وجل- في امرأةٍ ورجل: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله﴾ (١) فأمّة محمّد - ﷺ - أعظمُ حرمةً مِن امرأةٍ ورجل.
ونقموا عليَّ أنّي كاتبْتُ معاويةَ وكتْبتُ عليَّ بن أبي طالب، وقد جاء سهيل ابن عمرو ونحن مع رسول الله - ﷺ - بالحديبية حين صالح قومُه قريشًا، فكتبَ رسولُ الله - ﷺ -: (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: لا تكتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال: فكيف أكتب؟ قال: اكتب باسمك اللهمّ. فقال رسول الله - ﷺ -: اكتبه، ثمّ قال: اكتب: مِن محمّد رسول الله، قالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نخالفك، فكتب: هذا ما صالَح عليه محمّدُ بنُ عبدِ الله قريشًا.
يقول الله في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢).

------------------
(١) النساء: ٣٥.
(٢) الأحزاب: ٢١.



فبعَث إليهم عليّ بن أبي طالب عبد الله بن عباس، فخرجْت معه حتى إذا توسَّطنا عسْكَرهم، قام ابن الكواء فخطَب الناس فقال: يا حَمَلَة القرآن إنّ هذا عبدُ الله بن عباس، فمن لم يكن يعرفه، فأنا أعرفه مِن كتاب الله هذا، مَن نَزَل في قومه: ﴿بل هم قومٌ خصمون (١)﴾ (٢) فرُدوه إلى صاحبه، ولا تواضعوه كتاب الله -عز وجل-، قال: فقام خطباؤُهم فقالوا: والله لنواضعنَّه كتاب الله، فإذا جاءنا بحقٍّ نعرفه اتبعناه، ولئن جاءنا بالباطل لنبكتنه بباطله، ولنردنّه إلى صاحبه، فواضَعوه على كتاب الله ثلاثة أيام.
فرجع منهم أربعة آلاف كلّهم تائب، فأقبل بهم ابن الكواء، حتى أدخَلَهم على عليّ -رضي الله عنه- فبعثَ عليٌّ إلى بقيّتهم، فقال: قد كان مِن أمرنا وأمْرِ الناس ما قد رأيتم، قِفوا حيث شئتم حتى تجتمعَ أمّة محمّد - ﷺ -، وتنزلوا فيها حيث شئتم، بيننا وبينكم أن نقيَكم رماحنا؛ ما لم تقطعوا سبيلًا، وتطلبوا دَمًا، فإنكم إنْ فعلتم ذلك فقد نبذْنا إليكم الحرب على سواء، إنّ الله لا يُحبّ الخائنين.
فقالت عائشة -رضي الله عنها-: يا ابن شداد فقد قَتَلَهُم؟ فقال: والله ما بعَث إليهم حتى قطَعُوا السبيل، وسفكُوا الدماء، وقَتلُوا ابن خباب واستحلّوا أهلَ الذمّة فقالت: آلله؟ قلتُ: آلله الذي لا إله إلاَّ هو لقد كان.

----------------------
(١) عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما ضَل قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه، إلاَّ أُوتُوا الجدَل، ثمّ تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٥٩٣)، وابن ماجه»صحيح ابن ماجه«(٤٥)،»السُّنَّة" لابن أبي عاصم (١٠١).
(٢) الزخرف: ٥٨.



قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدّثون به يقولون: ذو الثدي ذو الثدي، قلت: قد رأيتُه ووقفتُ عليه مع عليّ -رضي الله عنه- في القتلى فدعا الناس، فقال: هل تعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بني فلان يصلّي، ورأيته في مسجد بني فلان يصلّي، فلم يأتوا بثَبْتٍ يعرف إلاَّ ذلك.
قالت: فما قول عليّ حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قلت: سمعْتُه يقول: صدَق الله ورسوله، قالت: فهل سمعت أنت منه قال غير ذلك؟ قلت: اللهم لا، قالت: أجل؛ صَدَق الله ورسوله، يَرحم الله عليًّا، إنّه مِن كلامه كان لا يرى شيئًا يعجبه إلاّ قال: صدَق الله ورسوله» (١).

متى يُقاتَل الخوارج والمتمرّدون على الإمام
لا يجوز مبادرة الخوارج والمتمرّدين على الإمام بالقتال، لقولِ عليّ -رضي الله عنه- في الحرورية: «لا تبدؤوهم بقتال» (٢).
ويُقتَل المتمرِّدون على الإمام إذا قطَعوا السبيل، وسفَكوا الدماء، واستحلّوا الحُرُمات؛ كما في الأثَر المتقدِّم، قال عليٌّ -رضي الله عنه- للخوارج: «قد كان مِنْ أمرِنا وأمْرِ النّاس ما قد رأيتم قفوا حيث شئتم، حتى تجتمعَ أمّه محمّد - ﷺ -، وتنزلوا فيها حيث شئتم، بيننا وبينكم أن نقيَكم رماحنا؛ ما لم تقطعوا سبيلًا وتطلبوا دمًا، فإنكم إنْ فعلتم ذلك، فقد نبَذْنا إليكم الحرب على سواء، إنّ الله لا يُحبّ الخائنين.

-------------------
(١) أخرجه الحاكم، وعنه البيهقي وأحمد، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٢٤٥٩).
(٢) حسنه شيخنا -رحمه الله في»الإرواء" (٢٤٦٩).



فقالت عائشة -رضي الله عنها-: يا ابن شداد فقد قَتَلَهُم؟ فقال: والله ما بعَث إليهم حتى قطَعُوا السبيل، وسفكُوا الدماء، وقتلوا ابن خباب واستحلُّوا أهل الذمّة فقالت: آلله؟ قلت: آلله الذي لا إله إلاَّ هو، لقد كان».
فائدة: قال في «منار السبيل» (٢/ ٣٥٢): «وكلُّ مَن ثبَتَت إمامتُه؛ حَرُم الخروج عليه وقتاله، سواءٌ ثبَتَت بإجماع المسلمين عليه: كإمامة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، أو بعهدِ الإمام الذي قبله إليه: كعهد أبي بكر إلى عمر، -رضي الله عنهما-، أو باجتهاد أهل الحلّ والعقد؛ لأنّ عمرَ جعَل أمْرَ الإمامة شورى بين ستةٍ من الصحابة، -رضي الله عنهم- فوقع الاتفاق على عثمان أو بقهره للناس، حتى أذعنوا له، ودعوه إمامًا: كعبد الملك بن مروان؛ لمّا خرجَ علي ابن الزبير فقتَله، واستولى على البلاد وأهلِها حتى بايعوه طوعًا وكرهًا، ودعوه إمامًا، لأنّ في الخروج على مَن ثبتَت إمامته بالقهر شقَّ عصا المسلمين، وإراقةَ دمائهم، وإذهابَ أموالهم.
قال أحمد في رواية العطار:»ومَن غَلَب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين؛ فلا يحلّ لأحدٍ يؤمن بالله أن يبيت، ولا يراه إمامًا بَرًّا كان أو فاجرًا. وقال في «الغاية»: ويتجه؛ لا يجوز تعدّد الإمام، وأنه لو تغلَّب كلُّ سلطان على ناحية كزماننا؛ فحُكمه كالإمام«.

ما جاء مِن نصوص تبيّن بعض أمارات الخوارج ومثيري الفتن
عن أبي سعيد الخدري قال:»بَعَثَ عليٌّ -رضي الله عنه- وهو باليمن


بِذَهَبةٍ (١) في تُربَتِها (٢) إلى رسول الله - ﷺ - فقَسَمَها رسول الله - ﷺ - بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيينة بن بدر الفزاريّ، وعلْقَمَةُ بن عُلاثة العامريّ، ثمّ أحَد بني كِلاب، وزيد الخير الطائي، ثمّ أحَد بني نبهان.
قال: فغَضِبَت قريش فقالوا: أتعطي صناديد (٣) نجد وتَدَعُنا، فقال رسول الله - ﷺ -: إنّي إنّما فعلْتُ ذلك لأتألّفَهُم، فجاء رجل كثُّ اللحية (٤)، مُشرف الوجنتين (٥)، غائر العينين (٦)، ناتئ الجبين (٧) محلوق الرأس، فقال: اتّق الله يا محمّد، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: فمن يُطِع الله إنْ عصيتُه! أيأمَنُنِي على أهلِ الأرض ولا تأمَنُوني؟
قال: ثمّ أدبَر الرجل، فاستأذَن رجلٌ من القوم في قَتْله -يرَوْن أنّه خالد بن الوليد-، فقال: رسول الله - ﷺ -: إنّ مِن ضئضئ (٨) هذا قومًا؛ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يَقْتُلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان، يمرُقون من

-----------------------
(١) قال الإمام النّووي -رحمه الله-: «هكذا هو في جميع نُسَخِ بلادِنا -بفتح الذال-، وكذا نقَلَه القاضي عن جميع رواة مسلم عن الجلودي، قال: وفي رواية ابن ماهان (بذُهَيبَة) على التصغير».
(٢) أي: هي مستقِرّة فيها غير مميَّزة عنها.
(٣) صناديد نجدٍ أي: ساداتها.
(٤) أي: كثيرها.
(٥) مُشرف الوجنتين: غليظهما، والوَجْنة: لحم الخدّ.
(٦) يعني: داخلتين في الرأس، لاصقتين بقعر الحدقة. «الكرماني».
(٧) مُرتفِعُه؛ مِن النّتوء.
(٨) أي: الأصل والنسل. «شرح الكرماني».



الإسلام كما يمرُق السهم من الرَّميّة، لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قَتْل عاد» (١).
وفي رواية: قال أبو سعيد -رضي الله عنه-: «بينا نحن عند رسول الله - ﷺ - وهو يَقسِم قَسْمًا، أتاه ذو الخويصِرة -وهو رجلٌ من بني تميم- فقال: يا رسول الله اعدِل، قال رسول الله - ﷺ -: ويلك، ومَن يَعدِل إنْ لم أعدِل؟ قد خِبتَُ وخسرتَُ إنْ لم أعدل، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه.
قال رسول الله - ﷺ -: دعه فإنّ له أصحابًا يحقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم (٢)، يمرقون من الإسلام؛ كما يمرُق السهم مِن الرميّة» (٣).
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «أتى رجل رسول الله - ﷺ - بالجِعْرانَة مُنْصَرَفَه (٤) مِن حُنين وفي ثوب بلالٍ فضّة، ورسول الله - ﷺ - يقبض منها يُعطي الناس، فقال: يا محمّد اعدل، قال: ويلك ومَن يَعدِل إذا لم أكن أعدِل؟ لقد خبتَُ وخسِرْتَُ إن لم أكن أعدل.
فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: دعني يا رسول الله فأقتلَ هذا

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٧٤٣٢، ومسلم: ١٠٦٤.
(٢) التراقي: جمع تَرْقُوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما تَرقُوتان مِن الجانبين. والمعنى: أن قراءتهم لا يرفعها الله، ولا يقبلها، فكأنها لم تتجاوز حلوقهم»النّهاية".
(٣) أخرجه مسلم: (١٠٦٤ - ١٤٨).
(٤) أي: حين انصرافه -عليه الصلاة والسلام-.



المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أَقْتُل أصحابي، إنّ هذا وأصحابَه يقرأون القرآن؛ لا يُجاوِز حناجرهَم، يمرُقون منه كما يمرق السهم مِن الرّميّة» (١).
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنّ النبيّ - ﷺ - ذكَر قومًا يكونون في أمّته، يخرُجون في فرقة مِن الناس، سيماهم التحالُق (٢)، قال: هم شرّ الخلق (أو مِن أشرّ الخلق) (٣)، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ (٤).
قال: فضرَب النبيّ - ﷺ - لهم مَثَلًا أو قال قولًا: الرجل يرمي الرميّة (أو قال الغَرَض) فينظر في النصل فلا يرى بصيرة (٥)، وينظر في النضيّ (٦) فلا يرى بصيرة، وينظر في الفُوق (٧) فلا يرى بصيرة، قال: قال: أبو سعيد وأنتم قتلتموهم يا أهل

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣١٣٨، ومسلم: ١٠٦٣.
(٢) أي: حلْق الرؤوس، والسيما: العلامة.
(٣) تأوَّله الجمهور بمعنى أشرّ المسلمين ونحوه. وانظر «شرح النّووي».
(٤) قال النّووي -رحمه الله- (٧/ ١٦٧): «وفي رواية: أولى الطائفتين بالحقّ، وفي رواية: تكون أمّتي فرقتين، فتخرج مِن بينهما مارقة، تلي قَتْلهم؛ أولاهما بالحق، هذه الروايات صريحة في أنّ عليًاّ -رضي الله عنه- كان هو المصيب المُحِقّ، والطائفة الأخرى أصحاب معاوية -رضي الله عنه- كانوا بغاة متأوّلين، وفيه التصريح بأنّ الطائفتين مؤمنون لا يخرجون بالقتال عن الإيمان ولا يفسقون، وهذا مذهبنا ومذهب موافقينا».
(٥) هي الشيء من الدم، أي: لا يَرى شيئًا من الدم يستدلّ به على إصابة الرميّة. «شرح النّووي».
(٦) هو القدح.
(٧) موضع الوتر من السهم، وهذا تعليقٌ بالمُحال، فإنّ ارتدادَ السهم على الفوق محُال، فرجوعهم إلى الدين أيضًا محُال. «عون المعبود».



العراق» (١).
وفي رواية من حديث أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك -رضي الله عنهما- عن رسول الله - ﷺ - قال: «سيكون في أمّتي اختلافٌ وفُرقة، قومٌ يُحسنون القِيلَ ويسيئون الفِعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، يَمرقون مِن الدين مروق السهم مِن الرميّة، لا يرجعون حتى يرتد على فُوقِه، هم شرُّ الخلق والخليقة، طوبى لمن قَتَلَهم وَقَتلوه، يَدْعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، مَن قاتَلَهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التّحليق» (٢).
وعن سويد بن غَفَلَة قال: قال عليّ -رضي الله عنه-: «إذا حدَّثتُكم عن رسول الله - ﷺ - فَلأَنْ أخِرَّ مِن السماء أحبُّ إليَّ مِن أن أقول عليه ما لم يَقُل، وإذا حدَّثتُكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خَدْعة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداثُ الأسنان سفهاءُ الأحلام (٣)، يقولون مِن خير قول البريّة (٤)، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمرقون مِن الدين كما يَمرُق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرًا لمن قَتَلهم عند الله يوم القيامة» (٥).

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٦١٠، ٦١٦٣، ٦٩٣٣، ومسلم: ١٠٦٥.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٨٧).
(٣) صغار الأسنان صغار العقول «شرح النّووي».
(٤) أي: في ظاهر الأمر؛ كقولهم: لا حُكم إلاَّ لله، ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى -والله أعلم-. «شرح النّووي».
(٥) أخرجه البخاري: ٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٠. ومسلم: ١٠٦٦ وتقدّم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 361.01 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 355.12 كيلو بايت... تم توفير 5.89 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]