التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 18 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الغافلون عن الموت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          إطلالة على مشارف السبع المثاني (4) {مالك يوم الدين} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          ثبات الأمن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          علق قلبك ببيوت الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          سلسلة هدايات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 13 - عددالزوار : 910 )           »          تفسير سورة الفاتحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          تأملات في بعض الآيات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 617 )           »          ومضات نبوية « أنتم شهداء الله في أرضه» (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          على حافة الفجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          هبوط الذهب... وارتفاع الحسرة!! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #171  
قديم 29-01-2026, 05:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 461 الى صـــ 480
الحلقة (171)






ذلك في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى صلاة الصبح ومعه بلال، فأقام الصلاة فمر بي وأنا أصلي، فضرب منكبي وقال: «تصلي الصبح أربعًا؟» (١).
إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء فيمن دخل المسجد لصلاة الصبح فأقيمت الصلاة: هل يصلي ركعتي الفجر أم لا؟
فكرهت طائفة أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمام في صلاة الفجر، واحتجوا بهذا الحديث، رُوي ذلك عن ابن عمر (٢) وأبي هريرة (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وعروة بن الزبير، وابن سيرين (٥)،

----------------
= وانظر تمام ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٣٥٥ (٣٢٨٣)، «أسد الغابة» ٧/ ٣٥ (٦٧٥٨)، «الإصابة» ٤/ ٢٤٩ (١٥٩).
(١) «السنن الكبرى» ٢/ ١١٧، لكن عقب حديث ابن بحينة في الشفع، وليس الحديث الذي أشار إليه المصنف، وانما الذي عند النسائي في الحديث المشار إليه من طريق سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن ابن بحينة. وطريق محمد بن جعفر التي أشار إليها المصنف أخرجها أحمد ٥/ ٣٤٦، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٢/ ٤٨٣، وأظن أن المصنف ذهل في عزو هذا القول للنسائي ولعله يقصد البيهقي كما وجدته في «السنن الكبرى» ٢/ ٤٨٢، فإن المزي لم يشر إلى هذِه الطريق كما في «التحفة» ٦/ ٤٧٦، ٨/ ٣٣٥.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٤٠ (٤٠٠٥)، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٣٠.
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٣٦ (٣٩٨٧)، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٣٠.
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٣٧ (٣٩٩٣).
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٤٠ - ٤٤١ (٤٠٠٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٥٧ (٦٤٢٣).



وإبراهيم، وعطاء (١)، والشافعى (٢)، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والطبري (٣).
وقالت طائفة: لا بأس أن يصليها خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرة مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٤) والأوزاعي، إلا أن الأوزاعي أجاز أن يوقعهما في المسجد ورخص (٥)، وحكاه القرطبي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود (٦).
وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصلهما (٧)، وإلا صلاهما في المسجد، وهو قول لمالك (٨).
وذهب بعض الظاهرية أنه يقطع صلاته إذا أقيمت الصلاة (٩).
قال ابن حزم: فلو تعمد تركها إلى أن تقام الصلاة فلا سبيل إلى قضائها؛ لأن وقتها خرج (١٠).
ونقل القرطبي عن جمهور العلماء من السلف وغيرهم منعهما إذا دخلا والإمام في الصلاة (١١).

-------------------
(١) انظر: «الأوسط» ٥/ ٢٣١.
(٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٥٥٠.
(٣) انظر: «المغني» ٢/ ١١٩.
(٤) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٦.
(٥) انظر: «التمهيد» ٤/ ٢٠٨.
(٦) «المفهم» ٢/ ٣٥٠.
(٧) انظر: «التمهيد» ٤/ ٢٠٨.
(٨) انظر: «المدونة» ١/ ١١٨.
(٩) انظر: «المحلى» ٣/ ١٠٤.
(١٠) نفسه ٣/ ١١٤.
(١١) المصدر السابق.



وحُكي عن مالك اعتبار خشية فوت الركعة الأخيرة (١).
وقيل: يصلي وإن فاتته صلاة الإمام إذا كان الوقت واسعًا؛ قاله (ابن) (٢) الجلاب (٣)، واستدل من كره ذلك بهذا الحديث وبحديث الباب الذي أسلفناه أولًا.
قال ابن حزم: أعله بعضهم بأن قال: عمرو بن دينار قد اضطرب عليه في هذا الحديث، فرواه عنه ابن عيينة والحمادان فأوقفوه على أبي هريرة (٤).
قال ابن بطال: فلذلك ثركه البخاري، ثم أجاب بأن ابن جريج وأيوب وزكريا بن إسحاق أسندوه (٥). والذي أسنده من طريق حماد بن سلمة أوثق وأضبط من الذي أوقفه عنه، وأيوب لو انفرد لكان حجة على جميعهم، وكان عمرو بن دينار رواه عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا، ورواه عن عطاء عن أبي هريرة أنه أفتى به، وبحديث عبد الله بن سرجس السالف، وفي آخره: فقال لى: «يا فلان: أيتهما صلاتك، التي صليت وحدك أو التي صليت معنا؟» (٦) وبحديث ابن عباس السالف أيضًا، وأخرجه ابن خزيمة أيضًا في «صحيحه» بلفظ:

------------------
(١) انظر «بداية المجتهد» ١/ ٣٩٥.
(٢) في الأصل: (في) خطأ.
(٣) «التفريع» ١/ ٢٦٨.
(٤) «المحلي» ٣/ ١٠٨.
(٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٦) الحديث بهذا اللفظ، رواه أبو داود (١٢٦٥)، وابن خزيمة ٢/ ١٧٠ (١١٢٥) وقال: هذا لفظ حماد بن زيد، والحديث أخرجه مسلم (٧١٢) كتاب: الصلاة، باب: كراهية الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن بلفظ: «يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟»



كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فحدثني النبي - ﷺ - وقال: «تصلى الصبح أربعًا؟» (١) وله عن أنس نحوه (٢).
وما رُوي عن ابن عباس أنه - عليه االسلام - كان يصلي عند الإقامة في بيت ميمونة واهٍ، كما نبه عليه ابن القطان (٣)، وفيه مع ذلك آثار عن السلف أيضًا، ومنهم ابن عمر وأنه حصب من فعل ذلك (٤).
وأما حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر» (٥) واه.
قال البيهقي: لا أصل لهذِه الزيادة (٦)، ثم أوضحه، وبمقتضاه فعله جماعة من الصحابة.
وادعى الطحاوي أن الذي كرهه - عليه السلام - لابن بحينة وصله إياها بالفريضة في مكان واحد دون فصل بينهما (٧)، وحمله مالك على من

------------------
(١) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ١٦٩ - ١٧٠ (١١٢٤).
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ١٧٠ - ١٧١ (١١٢٦) كتاب: الصلاة، باب: النهي عن أن يصلي ركعتي الفجر بعد الإقامة.
(٣) «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» ٣/ ٣٥٧ (١١٠٣). وانظر: «الأحكام الوسطى» ١/ ٣٥٩ والحديث أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٤/ ٣٢٨، وقال: وأظن أن البلاء في هذِه الرواية من محمد بن الفضل، فإنه تقبل بسالم الأفطس لابن سلام.
(٤) رواه البيهقي في «سننه» ٢/ ٤٨٣ أن ابن عمر أبصر رجلًا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصبه، وقال: أتصلي الصبح أربعًا. وقال البيهقي: موقوف.
(٥) روى هذا الحديث بهذِه الزيادة البيهقي ٢/ ٤٨٣ كتاب: الصلاة، باب: كراهية الاشتغال بهما بعدما أقيمت الصلاة. وقال: حجاج وعباد ضعيفان، ويروى عن حجاج أيضًا لكن فيه مجاهد بدل عطاء، وليس بشيء.
(٦) «سنن البيهقي» ٢/ ٤٨٣.
(٧) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٧٣.



اشتغل بنافلة عن فريضة، ولو كان فيمن اشتغل بفريضة عن نافلة أمره بقطع الصلاة، وأجمعوا أن من عليه صلاة الظهر فدخل في المسجد ليصليها فأقيمت عليه العصرأنه لا يقطع صلاته ويكملها.
قال مالك: ومن أحرم بفريضة في المسجد فأقيمت عليه تلك الفريضة، فإن لم يركع قطع بسلام ودخل مع الإمام، وإن ركع صلى ثانية وسلم ودخل مع الإمام، وإن صلى ثالثة صلى رابعة، وإن كانت المغرب قطع ودخل مع الإمام عقد ركعة أم لا؟ وإن صلى اثنتين أتمهما ثلاثًا (١).
وقوله: لاث به الناس أي: اجتمعوا حوله وأحاطوا به.
قال صاحب «العين»: لاث الشجر والنبات: التف بعضه ببعض، وكل شيء اجتمع والتبس بعضه ببعض فهو لائث ولاث، ويقال أيضًا: ألاث بمعنى واحد، وفي «الصحاح»: الالتياث: الاختياط (٢).
وقال الكسائي: يقال للأشراف: إنهم لملاوث، أي: يطاف بهم ويلاث (٣).
الحديث الثالث: سئل أنس: هل اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتمًا … الحديث، وقد سلف في باب: وقت العشاء إلى نصف الليل (٤) (٥) (٦).

-----------------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ٨٧.
(٢) «الصحاح» ١/ ٢٩١.
(٣) انظر: «لسان العرب» ٧/ ٤٠٩٤، «تاج العروس» ٣/ ٢٥٨ مادة: لوث.
(٤) برقم (٥٧٢) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٨ من ٣ من تجزئة المصنف.
(٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثالث بعد السبعين؛ كتبه مؤلفه.



٣٩ - باب حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ
٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: الأَسْوَدُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَذَكَرْنَا الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى، فَوَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ مَكَانَكَ. ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ. قِيلَ لِلأَعْمَشِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ بِرَأْسِهِ نَعَمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ بَعْضَهُ. وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٥١]

٦٦٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي: وَهَلْ تَدْرِى مَنِ الرَّجُلُ الَّذِى لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٥٢]
هو بالحاء المهملة، كما ذكره ابن بطال وغيره أي: حد المريض وحرصه على شهود الجماعة، كما قال الفاروق في الصديق رضوان الله عليهما: وكنت أداري منه بعض الحد، يعني: بعض الحدة.
والمراد بالحديث الذي ساقه الحض على شهود الجماعة والمحافظة


عليها (١). وقال ابن التين: الذي ذكر أن حدًا بمعنى: حدة، ذكر عن الكسائي ويحتاج الكلام على تقديره إلى إضمار، قال: ويظهر لي أن يقال: جد بالجيم مكسورة، وهو الاجتهاد في الأمر أي: اجتهاد المريض في شهود الجماعة. قال: ولم أسمع أحدًا رواه بالجيم.
قلت: فذكره صاحب «المطالع» في باب الجيم والدال المهملة، ونقله عن القابسي وغيره، ونقل الحاء المهملة عن بعضهم.
ثم ذكر البخاري بإسناده حديث الأسود: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ، فَذَكَرْنَا المُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَرَضَهُ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» … الحديث.
ثم قال: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَش بَعْضَهُ. وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري قريبًا (٢)، وفي باب من أسمع الناس
تكبير الإمام (٣) وأخرجه مسلم أيضًا (٤)، ورواية أبي داود أسندها البزار عن محمد بن المثنى عنه، ولفظه: كان رسول الله - ﷺ - هو المقدم بين يدي أبي بكر، يعني: يوم صلى بالناس وأبو بكر إلى جنبه، وزيادة أبي معاوية أسندها البخاري في باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس

------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٨٩.
(٢) سيأتي برقم (٦٦٥).
(٣) سيأتي برقم (٧١٢) كتاب: الأذان.
(٤) مسلم (٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.



بالمأموم عن قتيبة عنه (١)، ورواه ابن حبان عن الحسن بن سفيان، عن ابن عمر، عنه بلفظ: فكان النبي - ﷺ - يصلي بالناس قاعدًا وأبو بكر قائمًا (٢).
ثم ذكر البخاري حديث عبيد الله بن عبد الله عن عائشة: لَمَّا ثَقُلَ رسول الله - ﷺ - وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ … الحديث.
وهذا سبق في الغسل من الطهارة (٣)، ويأتي في باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، من حديث أبي موسى (٤) وعائشة (٥)، وابن عمر (٦)، ومن طريق عائشة في باب، إنما جعل الإمام ليؤتم به (٧)، ويأتي في الهبة أيضًا (٨).
ثانيها:
المراد بالمواظبة: المداومة والمثابرة.
وقوله: فأذن أي: بالصلاة، كما جاء في رواية أخرى، وفي أخرى: وجاء بلال يؤذنه بالصلاة (٩)، وفي أخرى: إن هذِه الصلاة صلاة الظهر (١٠)، وفي مسلم: خرج لصلاة العصر، وفي أبي داود من حديث عبد الله بن زمعة فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر

---------------
(١) سيأتي برقم (٧١٣) كتاب: الأذان.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٩٠ (٢١٢١) كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإمام.
(٣) بر قم (١٩٨) كتاب: الوضوء.
(٤) برقم (٦٧٨) كتاب: الأذان.
(٥) برقم (٦٧٩).
(٦) برقم (٦٨٢).
(٧) برقم (٦٨٧).
(٨) برقم (٢٥٨٨) باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها.
(٩) سيأتي برقم (٧١٢) كتاب: الأذان، باب: من أسمع الناس تكبير الإمام.
(١٠) سيأتي برقم (٦٨٧) كتاب: الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به.



تلك الصلاة فصلى بالناس، وقال: «يأبى الله ذلك والمسلمون» (١).
ثالثها:
قولها: فقيل: إن أبا بكر رجل أسيف، القائل: هو عائشة كما جاء في بعض الروايات، والأسيف: سريع البكاء والحزن، والأسف عند العرب: شدة الحزن والندم، يقال منه: أسف فلان على كذا يأسف: إذا اشتد حزنه، وهو رجل أسيف وأسوف، ومنه قول يعقوب: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: من الآية ٨٤] يعني: يا حزنًا ويا جزعًا توجعًا لفقده، وقيل: الأسيف: الضعيف من الرجال في بطشه، وأما الآسف: فهو الغضبان المتلهث، قال تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: من الآية ٨٦]. وفي بعض الروايات: أن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه (٢)، ترجم عليه باب إذ بكى الإمام في الصلاة (٣)، وفي أخرى: لم يسمع الناس من البكاء (٤).
رابعها:
قولها: وأعاد فأعادوا له. في البخاري في الإمامة: قالت عائشة: قلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر، أي: في الثانية، فلو أمرت عمر. فقال: مروا أبا بكر، فقالت لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا قط.
وقولها: فأعاد الثالثة: وفي رواية أخرى: فراجعته مرتين أو ثلاثة (٥).

-----------------
(١) أبو داود (٤٦٦٠) كتاب: السنة، باب: في استخلاف أبي بكر - رضي الله عنه -. قال الألباني: حسن صحيح.
(٢) مسلم (٩٤/ ٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس.
(٣) البخارى: كتاب: الأذان (٧١٦).
(٤) المصدر السابق.
(٥) مسلم (٤١٨/ ٩٤) كتاب: الأذان، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ....



في اجتهاد عائشة في أن لا يتقدم والدها وجهان:
أحدهما: ما هو مذكور في بعض طرقه، (قالت) (١): وما حملني
على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس من بعده رجلًا قام مقامه أبدًا، وأني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله - ﷺ - عن أبي بكر (٢).
ثانيهما: أنها علمت أن الناس علموا أن أباها يصلح للخلافة، فإذا رأوه استشعروا بموت رسول الله - ﷺ - بخلاف غيره.
خامسها:
قوله: «إنكن صواحب يوسف» أي: في ترادهن وتظاهرهن والإغراء والإلحاح كتظاهر امرأة العزيز ونسائها على يوسف - عليه السلام - ليصرفنه عن رأيه في الاستعصام، وصواحبات جمع صاحبة وهو جمع شاذ، وقيل: يريد امرأة العزيز وأتى بلفظ الجمع كما يقال: فلان يميل إلى النساء، وإن كان مال إلى واحدة، ذكره ابن التين.
سادسها:
قولها: فخرج يهادى بين رجلين أي: يمشي عليهما معتمدًا عليهما من ضعفه وتمايله، هذا موضوعه في اللغة، وبه صرح الجوهري (٣)، وظاهر قوله: كأني انظر إلى رجليه يخطان: أنهما كانا يحملانه، وهذان الرجلان العباس وعلي، كما ذكره في الحديث الذي بعده، وسلف في الطهارة (٤). وفي رواية لابن حبان في «صحيحه» أنه خرج

-----------------
(١) في (ج): قلت: وما ذكرناه كما ذكر في الحديث وهو ما يقتضيه السياق.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٤٥) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته.
(٣) «الصحاح» ٦/ ٢٥٣٤.
(٤) سبق برقم (١٩٨) كتاب: الوضوء، باب: الغسل والوضوء في المخضب.



إلى الصلاة بين بريرة ونوبة (١) أي: بالنون والباء الموحدة وهو عبد أسود، كما قاله سيف في كتاب الردة وفي مسلم: ويده على الفضل، والأخرى على رجل آخر (٢)، وفي الدارقطني: بين أسامة والفضل (٣)، فلعل ذلك كان نوبًا مرة هذا ومرة هذا، وبريرة ونوبة من البيت إلى الباب والباقي خارج الباب، وإن كان مسافة ما بين الحجرة والصلاة ليست بعيدة؛ لالتماس البركة وزيادة الإكرام، والعباس ألزمهم ليده وغيره يتناوب، فاقتصرت عائشة عليه لذلك، وهذا أولى من قول من قال: إنما لم يذكر الآخر وهو علي لشيء كان بينهما أو كان ذلك ليس حالة واحدة كما ستعلمه.
سابعها:
معنى أومأ: أشار، واختلفت الروايات هل كان الإمام النبي - ﷺ - أو الصديق؟ فرواية عائشة قد علمتها أن الصديق كان يقتدي بالنبي - ﷺ - والناس يقتدون بصلاة أبي بكر، وفي أخرى: وأبو بكر يسمعهم التكبير.
وفي الترمذي من حديث جابر مصححًا: أن آخر صلاة صلاها رسول الله - ﷺ - في ثوب واحد متوشحًا به خلف أبي بكر (٤) ونصر هذا

-------------------
(١) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٨٥ - ٤٨٦ (٢١١٨) كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإمام.
(٢) مسلم (٤١٨/ ٩١).
(٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٠٢ كتاب: الصلاة، باب: الإمام يسبق المأمومين ببعض الصلاة، موقوف على الحسن.
(٤) لم أقف على هذا الحديث عند الترمذي من رواية جابر وإنما الذي عنده الترمذي من رواية أنس برقم (٣٦٣) وحديث جابر رواه مسلم بنحوه (٥١٨) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد ولم يذكر فيه أنه صلى خلف أي بكر - رضي الله عنه -، وحديث أنس قد صححه الترمذي كما أشار المصنف وأخرجه النسائي ٢/ ٧٩، =



غير واحد من الحفاظ والقراء، منهم الضياء المقدسي وابن ناصر وقال: إنه صح وثبت أنه - عليه السلام - صلى خلفه مقتديًا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل لا علم له بالرواية، وقد أوضحت الكلام على ذلك في «شرح العمدة» (١). وقيل: إن ذلك كان مرتين جمعًا بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان (٢)، وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي - ﷺ - هو الإمام (٣).
واختلفت الرواية أيضًا: هل قعد رسول الله - ﷺ - عن يسار أبي بكر أو عن يمينه؟ وادّعى القرطبي أنه ليس في الصحيح ذكرًا لأحدهما (٤)، وقد أسلفنا ذلك عن البخاري أنه جلس عن يسار أبي بكر (٥).
ثامنها:
فيه تقديم الأفقه الأقرأ، وقد جمع الصديق القرآن في حياته - عليه السلام - كما أبو بكر بن الطيب الباقلاني وأبو عمرو الداني، وسيأتي في الفضائل

---------------
= وأحمد ٣/ ١٥٩، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: ١/ ٤٠٦، وابن حبان في «صحيحه»٤/ ٤٩٦ (٢١٢٥)، والضياء في «المختارة» ٦/ ١٩ (١٩٧٠)، وقال ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٩٧: هذا الخبر ينفي الارتياب عن القلوب أن شيئًا من هذِه الأخبار يضاد ما عارضها في الظاهر ولا يتوهمن متوهم أن الجمع بين الأخبار على حسب ما جمعنا بينها في هذا النوع من أنواع السنن يضاد قول الشافعي رحمه الله … أهـ.
(١) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٧١ - ٥٧٢.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٨٨ كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإمام.
(٣) «التمهيد» ٦/ ١٤٥.
(٤) «المفهم» ٢/ ٥١.
(٥) روى البخاري جلوس رسول الله - ﷺ - عن يسار أبي بكر موقوفًا على أبي معاوية لحديث (٦٦٤) وروا ها مسندة برقم (٧١٣) كتاب: الأذان، باب: الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم.



في باب القراء من الصحابة، أنه حفظه من الصحابة في عهده - عليه السلام - يزيد على عشرين نفرا وامرأة.
تاسعها:
فيه صحة الصلاة بإمامين على التعاقب، وصرح به الطبري والبخاري (١) وأصحابنا.
عاشرها:
احتج به سعيد بن المسيب في أن المأموم يقوم عن يسار الإمام، والجماعة بخلافه عملًا بالرواية الأخرى وبحديث ابن عباس: فجعله عن يمينه (٢)، وهذا إنما يمشي إذا قلنا: إن الإمام كان الصديق. وجاء في بعض الروايات أنه - عليه السلام - لما جلس إلى جنب أبي بكر قرأ من المكان الذي انتهى إليه أبو بكر من السورة (٣).

-------------------
(١) بوب عليه البخاري في «صحيحه» قائلا: باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الآخر أو لم يتأخر جازت صلاته، ثم ذكر حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٢) سبق برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم.
(٣) جاءت هذِه الرواية عند ابن ماجه (١٢٣٥) من طريق أبي إسحاق، عن الأرقم ابن شرحبيل عن ابن عباس، وأحمد ١/ ٢٠٩ بنحوها، والطبراني ١٢/ ١١٤ (١٢٦٣٤)، والبيهقي في «سننه» ٣/ ٨١، والضياء في «المختارة» مطولًا ٩/ ٤٩٦ - ٤٩٧ (٤٨٣ - ٤٨٤)، وقال البوصيري في «زوائده»: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، إلا أن أبا إسحاق السجعي اختلط بآخره وكان يدلس، وقد رواه معنعنا لاسيما وقد قال البخاري: لم يذكر أبو إسحاق سماعًا من أرقم بن شرحبيل.
والمتن مشهور من حديث عائشة. اهـ. بتصرف ١/ ١٨٧. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٢٠): حسن دون ذكر علي.



حادي عشرها:
جواز وقوف مأموم واحد بجنب الإمام لحاجة أو مصلحة كإسماع المأمومين وضيق المكان.
ثاني عشرها:
فيه صحة اقتداء القائم بالقاعد، وقد سلف ما فيه في أوائل الصلاة في باب: الصلاة في السطوح (١).
ثالث عشرها:
جواز الأخذ بالشدة لمن جازت لى الرخصة؛ لأنه - عليه السلام - كان له أن يتخلف عن الجماعة لعذر المرض، فلما تحامل على نفسه وخرج على هذِه الهيئة دل على فضل الشدة على الرخصة ترغيبًا لأمته في شهود الجماعة لما لهم فيها من عظيم الأجر، ولئلا يعذر أحد منهم نفسه في التخلف عنها ما أمكنه وقدر عليها، مع علمه أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبذلك عمل السلف الصالحون، وكان الربيع بن خثيم يخرج إلى الصلاة يهادى بين رجلين وكان أصابه الفالج فيقال له: إنك لفي عذر، فيقول: أجل، ولكني أسمع المؤذن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، فمن سمعها فليأتها ولو حبوًا (٢).
وكان أبو عبد الرحمن السلمي يحمل وهو مريض إلى المسجد (٣).
وقال سفيان: كان سويد بن غفلة ابن سبع وعشرين ومائة سنة يخرج

------------------
(١) كتاب: الصلاة، بعد حديث (٣٧٦).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٠٨ (٣٥١٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يشهد الصلاة وهو مريض لا يدعها.
(٣) المصدر السابق برقم (٣٥٢٠).



إلى صلاة، وكان أبو إسحاق الهمداني يهادى إلى المسجد فإذا فرغ من صلاته لم يقدر أن ينهض حتى يقام.
وقال سعيد بن المسيب: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد (١).

----------------
(١) المصدر السابق برقم (٣٥٢٢).


٤٠ - باب الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالْعِلَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ فيِ رَحْلِهِ
٦٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. [انظر: ٦٣٢ - مسلم: ٦٩٧ - فتح: ٢/ ١٥٦]

٦٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهْوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللهِ فِي بَيْتِى مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّىَ؟». فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٣٣ - فتح: ٢/ ١٥٧]
ذكر فيه حديث ابن عمر: أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ.
وحديث عتبان.
وقد سلفا: الأول في الأذان للمسافر (١)، والثاني في المساجد في البيوت (٢)، وفيهما أن المطر والريح والظلمة من أعذار الجماعة، وهو إجماع كما حكاه ابن بطال (٣) وغيره، ولو كان يصلي مع جماعة ليس له، فإذا كان ذلك عذرًا فالمرض أولى، وقد قال إبراهيم النخعي: ما كانوا

------------------
(١) برقم (٦٣٢) كتاب: الأذان.
(٢) برقم (٤٢٤) كتاب: الصلاة.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٩١. نص إجماع ابن بطال على شدة المطر والظلمة والريح وما أشبه ذلك مباح بأحاديث الباب. وقال ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٣٩: لا اختلاف أعلمه بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعة من أجل المرض، ونقله ابن حزم في «المحلى» ٤/ ٢٠٢ عن المرض والخوف.



يرخصون في ترك الجماعة إلا لخائف أو مريض (١)، وفي حديث عتبان دلالة على جواز إمامة الأعمى، فإنه - عليه السلام - اطلع عليه وأقره.
----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٠٨ (٣٥٢٣).


٤١ - باب هَل يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ؟ وَهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ؟
٦٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، لَمَّا بَلَغَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: قُلِ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ: كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا، إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي -يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ - إِنَّهَا عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ. وَعَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمْ، فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ. [انظر: ٦١٦ - مسلم: ٦٩٩ - فتح: ٢/ ١٥٧]

٦٦٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَقَالَ: جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْل، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. [٨١٣، ٨٣٦، ٢٠١٦، ٢٠١٨، ٢٠٢٧، ٢٠٣٦، ٢٠٤٠ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٢/ ١٥٧]

٦٧٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ. وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا وَنَضَحَ طَرَفَ الْحَصِيرِ، صَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الْجَارُودِ لأَنَسٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلاَّهَا إِلاَّ يَوْمَئِذٍ. [١١٧٩، ٦٠٨٠ - فتح: ٢/ ١٥٧]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث عبد الله بن الحارث: خَطَبَنَا ابن عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ …


الحديث. وقد سلف في باب الكلام في الأذان، ويأتي في الجمعة (١)، وزاد هنا: «وإني كرهت أن أحرجكم» هو بالحاء المهملة من الحرج، وحكى صاحب «المطالع» فيه الخاء المعجمة من الخروج، وفي لفظ: «وأؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم». قال الداودي: أي أنه يقع في نفوسكم السخط لما ينالكم من أجل الوحل والطين فتأثمون. وإلى الركب مبالغة، والدوس: الدرس، داست الخيل القتلى: وطئتهم، ودياس البقر منه (٢)، وسلف هناك تفسير الردغ.
الثاني:
حديث أبي سعيد الخدري: جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الصلاة والصوم والاعتكاف (٣)، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى هناك، وأخرجه مسلم أيضًا، وهو مختصر من حديث مطول في ليلة القدر، وكان ذلك تصديقًا

-----------------
(١) سلف برقم (٦١٦) كتاب: الأذان. ويأتي برقم (٩٠١) باب: الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر.
(٢) انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١١٣٣، مادة: (داس)، «لسان العرب» ٣/ ١٤٥٤، مادة: (دوس)، «القاموس» (٥٤٧) مادة: (الدوس).
(٣) سيأتي برقم (٨١٣) كتاب: الأذان، باب: السجود على الأنف والسجود على الطين، ويأتي في الصوم في موضعين برقم (٢٠١٦) كتاب: فضل ليلة القدر، وباب: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر، وبرقم (٢٠١٨) باب: تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر.
ويأتي في الاعتكاف في موضعين أيضًا برقم (٢٠٣٦) باب: الاعتكاف وخرج النبي - ﷺ - صبيحة عشرين، وبرقم (٢٠٤٠) باب: من خرج من اعتكاف عند الصبح.



لرؤياه فقال: «إني رأيت ليلة القدر ثم أُنْسِيتها وإني رأيت أسجد في ماء وطين» (١)، فلما مطرت تلك الليلة رؤي ذلك في جبهته.
الثالث:
حديث أنس بن سيرين، عن أنس: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنِّي لَا أسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ. وَكَانَ رَجُلًا ضَخمًا، فَصَنَعَ لِلنَّبِيٌّ - ﷺ - طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَسَط لَهُ حَصِيرًا فصَلَّى عَلَيْهِ رَكعَتَينِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ لأنَسٍ: أكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلَّي الضُّحَى؟ قَالَ: مَا رَأيْتُهُ صَلَّاهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب صلاة الضحى في الحضر كما ستعلمه (٢)، ووقع في شرح شيخنا قطب الدين أن البخاري أخرجه في الصلاة على الحصير، ولم نره فيه (٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث أنس بن سيرين، عن عبد الحميد بن المنذر ابن الجارود، عن أنس قال: صنع بعض عمومتي للنبي - ﷺ - طعامًا فقال: أني أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه (٤)، وفي هذِه الرواية إدخال عبد الحميد بين أنس وأنس، وإن كان أنس بن سيرين في

---------------
(١) مسلم برقم (١١٦٧) كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها.
(٢) سيأتي برقم (١١٧٩) كتاب: التهجد.
قلت: وسيأتي برقم (٦٠٨٠) كتاب: الآداب، باب: الزيارة.
(٣) وبعد مراجعة حديث الباب هناك (٣٨٠٠) وجدنا أن اتفاق القصتين في زيارة النبي - ﷺ - لداعيه وصلاته في بيته هو ما أوقع اللبس عند قطب الدين في «شرحه».
وافتراقهما في الداعي للزيارة: فهنا رجل وهناك امرأة، هو ما تقرر للمصنف هنا فأثبت ذلك على أنهما قصتان فيختلف تخريجهما.
(٤) «المصنف» ١/ ٣٥٠ (٤٠٢٥) كتاب: الصلوات، باب: في الصلاة على الحصر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #172  
قديم 29-01-2026, 05:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 481 الى صـــ 500
الحلقة (172)






البخاري بسماعه من أنس وهو دال على أن السِّمَن المفرط من أعذار الجماعة، وبه صرح ابن حبان في «صحيحه» حيث قال: إن الأعذار عشرة هذا أحدها، وساق الحديث المذكور (١).
وفيه أيضًا: إقامة الجماعات في البيوت والمساجد بمن حضر، وعدم تعطيل المساجد في البيوت فيما سلف ولا في المطر والطين أيضًا، ولا شك أن الجمعة يتخلف عنها بعذر المطر كما في غيرها، ويلزم من ذلك ترك الخطبة (٢).

---------------
(١) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤١٧ كتاب: الصلاة، باب: فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها. والحديث في ٥/ ٤٢٦ (٢٠٧٠). وقال: ذكر العذر الرابع وهو السمن المفرط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات.
(٢) فائدة: لم يذكر المصنف هنا التصريح باسم الرجل، وقد قال ابن رجب في «فتح الباري» له ٦/ ٩٣: والظاهر أن هذا الرجل غير عتبان بن مالك، فإن ذاك كان عُذره العمى مع بعد المنزل وحيلولة السيول بينه وبين المسجد. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٢/ ١٥٨: قيل إنه عتبان بن مالك، وهو محتمل لتقارب القصتين، لكن لم أر ذلك صريحًا. ثم ذكر ما وقع في رواية ابن ماجه من ذكر الداعي أنه من عمومة أنس، وعتبان عمٌّ لأنس على سبيل المجاز؛ لأنهما قبيلة واحدة وهي الخزرج لكن كل منهما من بطن. اهـ. بتصرف يسير.



٤٢ - باب إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ
وَكَانَ ابن عُمَرَ يَبْدَأُ بِالْعَشَاءِ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارغٌ.

٦٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ». [٥٤٦٥ - مسلم: ٥٥٨ - فتح: ٢/ ١٥٩]

٦٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ». [٥٤٦٣ - مسلم: ٥٥٧ - فتح: ٢/ ١٥٩]

٦٧٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ. [٦٧٤، ٥٤٦٥ - مسلم: ٥٥٩ - فتح: ٢/ ١٥٩]

٦٧٤ - وَقَالَ زُهَيْرٌ وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ». رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ، وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ. [انظر: ٦٧٣ - مسلم: ٥٥٩ - فتح: ٢/ ١٥٩]
ذكر فيه أثرين وثلاثة أحاديث:
الأثر الأول عن ابن عمر قال فيه: وَكَانَ ابن عُمَرَ يَبْدَأ بِالْعَشَاءِ
ذكر أبو محمد معناه مسندًا قريبًا حيث قال: وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وأنه ليسمع


قراءة الإمام (١).
وفي ابن ماجه من طريق صحيحة: وتعشى ابن عمر ليلة وهو يسمع الإقامة (٢).
الثاني: عن أبي الدَّرْدَاء - رضي الله عنه -: مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارغٌ. أي: من الشواغل الدنيوية؛ ليقف بين يدي الرب ﷻ على أكمل حال.
وأما الحديث الأول أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِذَا وُضعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ».
وأخرجه مسلم أيضًا والنسائي ذكره من حديث أنس مرفوعًا: «إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم» وأخرجه البخاري في موضع آخر (٣) ولمسلم: «إذا أقيمت الصلاة والعشاء فابدءوا بالعشاء» (٤).
والثالث: ذكره من حديث عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِع، عَنِ ابن عُمَرَ مرفوعًا: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدءُواَ بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغ مِنْهُ». وَكَانَ ابن عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَام.

------------------
(١) برقم (٦٧٣) كتاب: الأذان، باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة.
(٢) «سنن ابن ماجه» (٩٣٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: إذا حضرت الصلاة ووضع العشاء.
(٣) سيأتي برقم (٥٤٦٥) كتاب: الأطعمة، باب: إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه.
(٤) مسلم (٥٥٧) كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة بحضرة الطعام. ولفظه هناك: «إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة، فابدءوا قبل أن تصلوا المغرب …».



وأخرجه مسلم أيضًا (١).
ثم قال البخاري: وَقَالَ زُهَيْرٌ وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ». قال: ورَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ، وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ.
وأخرجه مسلم من حديث أنس بن عياض عن موسى (٢)، ووقع للحميدي في «جمعه» أنهما أخرجاه من حديث [موسى بن] (٣) عقبة (٤)، والبخاري إنما أخرجه تعليقًا كما ترى، ورواه عن موسى حفص بن ميسرة، أخرجه البيهقي (٥)، ووهب هذا استشهد به البخاري هنا.
إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء في تأويل هذِه الأحاديث (٦)، فذكر ابن المنذر أنه قال بظاهرها عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وهو قول الثوري وأحمد واسحاق، ووجهه شغل القلب وذهاب كمال الخشوع (٧). وقال الشافعي: يبدأ بالطعام إذا كانت نفسه شديدة

-----------------
(١) مسلم (٥٥٩) كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة بحضرة الطعام.
(٢) مسلم (٥٥٩).
(٣) ساقطة من (م)، (ج)، أثبتت من «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٢٠٣.
(٤) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٢٠٣ (١٣١٤).
(٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٧٣ - ٧٤ كتاب: الصلاة، باب: ترك الجماعة بحضرة الطعام.
(٦) جعل العلماء حضور الطعام أو توقان النفس ومدافعة الأخبثين سببًا لترك الجماعة.
وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية. انظر: «البحر الرائق» ١/ ٦٠٦، «حاشية ابن عابدين» ١/ ٥٥٩، «قوانين الأحكام الشرعية» ص ٨٣، «التاج والإكليل» ٢/ ٥٦٠، «الأم» ١/ ١٣٨، «المجموع» ٤/ ٩٩، «الفروع» ٢/ ٤١، «الإنصاف» ٤/ ٤٦٥، «المحلى» ٤/ ٢٠٢، «نيل الأوطار» ١/ ٤٨٤.
(٧) «الأوسط» ٤/ ١٤٠ - ١٤١.



التوقان إليه، فإن لم يكن كذلك ترك العشاء، وإتيان الصلاة أحب إلي (١)، وذكر ابن حبيب مثل معناه (٢). وقال ابن المنذر عن مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعامًا خفيفًا (٣). وفي الدارقطني: قال حميد: كنا عند أنس فأذن بالمغرب، فقال أنس: أبدءوا بالعشاء وكان عشاؤه خفيفًا.
وقال أهل الظاهر: لا يجوز لأحد حضر طعامه بين يديه وسمع الإقامة أن يبدأ بالصلاة قبل العشاء، فإن فعل فصلاته باطلة (٤).
والجمهور على الصحة وعلى عدم وجوب الإعادة، وحجتهم أن المعنى بالبداءة بالصلاة ما يخشى من شغل القلب بذلك فيفارقه الخشوع، وربما نقص من حدود الصلاة أو سها فيها، وقد بين هذا المعنى أبو الدرداء فيما سلف من قوله: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ، ولو كان إقباله على طعامه فرضًا لم يقل فيه: من فقه المرء أن يبدأ به، بل كان يقول: من الواجب عليه اللازم له أن يبدأ به، فبين العلة في قوله: ابدءوا بالعشاء أنه لما يخاف من شغل البال، وقد رأينا شغل البال في الصلاة لا يفسدها، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام صلى في جبة لها علم فقال: «خذوها وائتوني بأنبجانية» (٥)، فأخبر أنه اشتغل بالعلم ولم تبطل صلاته.

-------------------
(١) «الأم» ١/ ١٣٨، «الأوسط» ٤/ ١٤١.
(٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٤١.
(٣) انظر: «الأوسط» ٤/ ١٤١.
(٤) «المحلى» ٤/ ٢٠٢.
(٥) سبق برقم (٣٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها.



وقال عمر بن الخطاب: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة (١). وقال - عليه السلام -: «لا يزال الشيطان يأخذ أحدكم فيقول له: اذكر كذا، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى» (٢)، ولم يأمرنا بإعادتها لذلك، وإنما يستحب أن يكون المصلي فارغ البال من خواطر الدنيا ليتفرغ لمناجاة ربه -عز وجل- وقد اشترط بعض الأنبياء على من يغزو معه أن لا يتبعه من ملك بضع امرأة ولم يبن بها، ولا من بنى دارًا ولم يكملها (٣)؛ ليتفرغ قلبه من شواغل الدنيا، فهذا في الغزو فكيف في الصلاة التي هي أفضل الأعمال، والمصلي واقف بين يدي الله -عز وجل-، ثم هذِه الكراهة -أعني: كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله- عند الجمهور إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل خرج وقت الصلاة، صلى على حاله؛ محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز تأخيرها.
وقال بعض أصحابنا: لا يصلي بحال، بل يأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته، والصواب الأول، وقد ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الحق -عز وجل-، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق، ليدخل العباد في العبادة بقلوب غير مشغولة بذكر الطعام، وإنما كان عشاء القوم يسيرًا لا يقطع عن لحاق الجماعة، ومما يؤيد ما قلنا أن الأحاديث محمولة على من تاقت نفسه إلى الطعام، وإن كان الحديث الصحيح: «لا صلاة

-----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٨٨ (٧٩٥١) كتاب: الصلوات، باب: في حديث النفس في الصلاة.
(٢) سبق برقم (٦٠٨) كتاب: الأذان، باب: فضل التأذين.
(٣) سيأتي برقم (٣١٢٤) كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبي - ﷺ -»أحلت لكم الغنائم".



بحضرة طعام» (١) عام لا سيما وإنكار عائشة على ابن أخيها القاسم بن محمد صلاته بحضرته (٢).
رواه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أنس بن مالك: «إذا قرب العشاء وأحدكم صائم فليبدأ به قبل الصلاة -صلاة المغرب- ولا تعجلوا عن عشائكم» (٣). وفي لفظ: «فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب» (٤)، وقال الدارقطني لما ذكرها: ولو لم تصح هذِه الزيادة لكان معلومًا من قاعدة الشرع الأمر بحضور القلب في الصلاة والإقبال عليها. وقال الطبراني في «الأوسط»: لم يقل فيه: «وأحدكم صائم …» إلا عمرو بن الحارث تفرد به موسى بن أعين (٥)، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على امتداد وقت المغرب، وقال: لو كان مضيقًا لما كان لأحد أن يشتغل فيه بالأكل حتى يفوت (٦).

-------------------
(١) رواه مسلم برقم (٥٦٠) كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال …
وابن أبي شيبة ٢/ ١٨٧ (٧٩٤٠) كتاب: الصلوات، باب: في مدافعة الغائط والبول في الصلاة، وابن حبان في «صحيحه» ٥/ ٤٣٠ (٢٠٧٤) كتاب: الصلاة، باب: فرض الجماعة والأعذار التي تبيحها. والبيهقي ٣/ ٧٣ كتاب: الصلاة، باب: ترك الجماعة بعذر الأخبثين إذا أخذاه … و٣/ ٧٣ باب: ترك الجماعة بحضرة الطعام ونفسه إليه شديدة التوقان.
(٢) مسلم (٥٦٠).
(٣) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤١٨ - ٤١٩ (٢٠٦٦) كتاب: الصلاة، باب: فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٢١ - ٤٢٢ (٢٠٦٨).
(٥) «المعجم الأوسط» ٥/ ٢٠٠، وفيه: ولم يقل: «وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب» إلا عمرو …
(٦) «الانتصار» للكلوذاني ٢/ ١٤٥.



٤٣ - باب إِذَا دُعِيَ الإِمَامُ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُ
٦٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [انظر: ٢٠٨ - مسلم: ٣٥٥ - فتح: ٢/ ١٦٢]
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
هذا الحديث سلف في باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق (١)، ويأتي إن شاء الله في الجهاد في باب: ما يذكر في السكين (٢)، وهناك ذكره بالإسناد المذكور بإسقاط صالح، وهذا الحديث يفسر الأمر بالبداءة بالأكل بأنه على الندب لا الوجوب؛ لأنه قام إلى الصلاة وتركه، وقد تأول أحمد بن حنبل من هذا الحديث أن من شرع في الأكل ثم أقيمت الصلاة أنه يقوم إليها ولا يتمادى في الأكل لأنه أخذ منه ما يمنعه من شغل البال، وإنما الذي أمر بالأكل قبل الصلاة من لم يكن بدأ به؛ لئلا يشغل باله به، ورد ابن بطال هذا التأويل بحديث ابن عمر ولا يعجل حتى يقضي حاجته منه، ومن كان على الطعام يقتضي تقدم أكله منه قبل الإقامة، وقد أمره - عليه السلام - أن لا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وهو خلاف ما تأوله أحمد (٣).
قلت: يجوز أن يكون قضى حاجته منه ولا سيما ما علم من قلة أكله - ﷺ -.

-------------------
(١) سلف برقم (٢٠٨) كتاب: الوضوء.
(٢) برقم (٢٩٢٣).
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٩٦.



٤٤ - باب مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَت الصَّلَاةُ فَخَرَجَ
٦٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِى خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. [٥٣٦٣، ٦٠٣٩ - فتح: ٢/ ١٦٢]
ذكر فيه حديث الأسود عن عائشة: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَج إِلَى الصَّلَاةِ.
هذا الحديث ذكره أيضًا في باب كيف يكون الرجل في مهنة أهله؟ وسيأتي (١). والمهنة بكسر الميم وفتحها، وأنكر الأصمعي الكسر (٢)، وقال غيره: إنه القياس، وقال صاحب «المحكم»: المَهْنَة والمِهنة والمهَنَة كله: الحذق بالخدمة والعمل (٣) وفيه أن الأئمة والفضلاء يتناوبون خدمة أمورهم بأنفسهم وأن ذلك من فعل الصالحين اتباعًا لسيدهم.
قال ابن بطال: ولما لم يذكر في الحديث أنه أزاح عن نفسه هيئة مهنته دل على أن المرء له أن يصلي مشمرًا وكيف كان من حالاته؛ لأنه إنما يكره له التشمير وكف الشعر والثياب إذا كان يقصد بذلك الصلاة، ولذلك قال مالك (٤): لا بأس أن يقوم إلى الصلاة على هيئة

-----------------
(١) سيأتي برقم (٦٠٣٩) كتاب: الأدب، وسيأتي أيضا برقم (٥٣٦٣) كتاب: النفقات، باب: خدمة الرجل في أهله.
(٢) انظر: «لسان العرب» ٧/ ٤٩٠ مادة: مهن.
(٣) «المحكم» ٤/ ٢٤١ مادة: (هـ - ن - م).
(٤) انظر: «المدونة» ١/ ٩٥.



جلوسه وبذلته (١).
قلت: وأصحابنا كرهوا ذلك (٢) مطلقًا؛ لإطلاق النهي عنه في الصحيح (٣).

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٢) انظر: «البيان» ٢/ ٣١٩.
(٣) يشير المصنف لحديث رواه البخاري برقم (٨١٥) كتاب: الأذان، باب: لا يكف شعرًا، (٨١٦) باب: لا يكف ثوبه في الصلاة.



٤٥ - باب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهْوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُنَّتَهُ
٦٧٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي. فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا. قَالَ: وَكَانَ شَيْخًا يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى. [٨٠٢، ٨١٨، ٨٢٤ - فتح: ٢/ ١٦٣]
ذكر فيه حديث أيوب عن أبي قلابة قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هذا فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي. فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ: كَيفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هذا. قَالَ: وَكانَ الشيخ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: هذا الحديث من أفراد البخاري، وقد ذكره في مواضع أخر في رفع اليدين وفيمن استوى قاعدًا في وتر من صلاته (١)، وفي كيف يعتمد على الأرض؟ (٢)
ثانيها: أبو قلابة تابعي، واسمه عبد الله بن زيد الجرمي، جرم قضاعة البصري، طلب للقضاء فهرب، مات بالعريش، وقد ذهبت يداه ورجلاه وبصره، وهو مع ذلك يحمد الله ويشكره، سنة أربع أو

---------------
(١) سيأتي برقم (٨٢٣) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (٨٢٤) كتاب: الأذان.



ست أو سبع ومائة (١)، ومالك بن الحويرث ليثي له وفادة مات بالبصرة سنة أربع وتسعين (٢) (٣).
ثالثها: قوله: فقلت لأبي قلابة: القائل هو أيوب بن أبي تميمة، سيد شباب أهل البصرة (٤)، وهذا الشيخ هو عمرو بن سلمة، بكسر اللام كما ذكره البخاري في باب كيف يعتمد من الأرض إذا قام من الركعة؟ كما ستعلمه (٥)، والأشهر أنه لا رؤية له ولا سماع من النبي - ﷺ -، ولأبيه وفادة (٦).
رابعها: قوله: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أي: أصلي صلاة لأجل التعليم لا لغيره من مقاصد الصلاة، وهو دال على جواز فعل مثل

-----------------
(١) هو عبد الله بن زيد بن عمرو، ويقال: ابن عامر بن نائل بن مالك بن عبيد بن علقمة بن سعد بن كثير بن غالب أحد الأئمة الأعلام، وهو ابن أخي أبي المهلب الجري، روى عن أنس بن مالك الأنصاري، وأنس بن مالك الكعبي، وجعفر بن عمرو بن أمية الضمري وغيرهم، وروى عنه أشعب بن عبد الرحمن، وأيوب السختياني، وثابت البناني، وخالد الحذاء، قال العجلي: بصري تابعي ثقة، وكان يحمل على عليّ، ولم يرو عنه شيئًا، ولم يسمع من ثوبان شيئًا وروى له الجماعة.
وانظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٥/ الترجمة (٢٦٨)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٤٢ (٣٢٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٦٨، «الكاشف» ٢/ الترجمة (٢٧٥٩).
(٢) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٨٧).
(٣) ورد بهامش الأصل: كذا قال النووي في «التهذيب» وصبقه ابن عبد البر في «الاستيعاب» وابن طاهر وكذلك قال الدمياطي في حاشية البخاري (…) بأن قال: وفيه نظر، وأما (…) وفي أبي عوانه … ذكر ذلك فيه «تجريده» …، والظاهر أنه لم يبق إلى تلك السنة.
(٤) تقدمت ترجمته في شرح حديث (١٦).
(٥) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٢٠٢ (١٠٣٠)، «أسد الغابة» ٢/ ٤٣٧ (٢١٩٢)، «الإصابة» ٢/ ٧٠ (٣٤١١).
(٦) سيأتي برقم (٨٢٤) كتاب: الأذان.



ذلك، وليس هو من باب التشريك في العمل، ودال أيضًا على البيان بالفعل.
خامسها: هذا الحديث دليل ظاهر على إثبات جلسة الاستراحة، وهو مشهور مذهب الشافعي (١)، وخالف فيه مالك وأبو حنيفة وجماعات (٢)، واختلف عن أحمد، والذي اختاره الخلاِل، ورجع إليه آخرًا موافقة الشافعي، وحمل حديث مالك هذا على حالة الضعف بعيد، وكذلك قول من قال: إن مالك بن الحويرث رجل من أهل البادية أقام عند رسول الله - ﷺ - عشرين ليلة، ولعله رآه فعل ذلك في صلاة واحدة لعذر فظن أنه من سنة الصلاة، أبعد وأبعد، لا يقال ذلك فيه. والمسألة مبسوطة في «شرح العمدة» فلتراجع منه (٣)، وأفدت فيه أنها ثابتة في حديث أبي حميد الساعدي (٤) لا كما نفاها الطحاوي عنه (٥)، بل هي في البخاري ثابتة في حديث المسيء صلاته في كتاب: الاستئذان، في باب: من رد فقال: عليكم السلام. كما سيأتي (٦)، وهو من النفائس لا كما نفيت عنه.

-----------------
(١) «الأم» ١/ ١٠١.
(٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٣١٤ - ٣١٥، «البناية» ٢/ ٢٩٠.
(٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ١٢٥ - ١٣٢.
(٤) رواه أبو داود (٧٣٠ و٩٦٣)، والترمذي (٣٠٤)، وأحمد ٥/ ٤٢٤، وسيأتي برقم (٨٢٨) مختصرًا. وانظر: «الإرواء» (٣٠٥).
(٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٦١.
(٦) سيأتي برقم (٦٢٥١).



٤٦ - باب أَهْلُ العِلْمِ وَالْفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ
٦٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» فَعَادَتْ، فَقَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ». فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٣٣٨٥ - مسلم: ٤٢٠ - فتح: ٢/ ١٦٤]

٦٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ فِي مَرَضِهِ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ». فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٦٤]

٦٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ -وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ- أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَهْوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ. [٦٨١، ٧٥٤، ١٢٠٥، ٤٤٤٨ - مسلم: ٤١٩ - فتح: ٢/ ١٦٤]


٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ - ﷺ - ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ وَضَحَ لَنَا، فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ - ﷺ - الْحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ. [انظر: ٦٨٠ - مسلم: ٤١٩ - فتح ٢/ ١٦٤]

٦٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ. قَالَ: «مُرُوهُ فَيُصَلِّي» فَعَاوَدَتْهُ. قَالَ: «مُرُوهُ فَيُصَلِّي، إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ». تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى الْكَلْبِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ عُقَيْلٌ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [فتح: ٢/ ١٦٥]
ذكر فيه حديث أبي بكر في مرضه عليه أفضل الصلاة والسلام.
وقد سلف ذلك في باب حد المريض أن يشهد الجماعة (١).
وقال البخاري في آخره: تابعه يعني: يونس في روايته عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه الزبيدي، وابن أخي الزهري، وإسحاق ابن يحيى الكلبي، عن الزهري.
وقال عقيل ومعمر عن الزهري، عن حمزة، عن النبي - ﷺ -، يعني: مرسلًا (٢)، فالزهري اختلف عليه فيه كما ترى، والحديث الأول من

-------------------
(١) انظر «المغني» ٢/ ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) قال البخاري هذا الكلام عقب الحديث الآتي (٦٨٢).



أحاديث الباب يأتي في أحاديث الأنبياء أيضًا (١)، وأخرجه مسلم (٢) وسلف هناك من طريق الأسود عن عائشه (٣).
والثاني: من حديث هشام عن أييه عن عائشه.
وأخرجه مسلم أيضًا (٤).
والثالث: من حديث الزهري عن أنس.
وأخرجه مسلم أيضًا (٥).
والرابع: من حديث عبد العزيز عن أنس.
وأخرجه مسلم أيضًا (٦)، وشيخ البخاري فيه أبو معمر، وهو عبد الله ابن عمرو المقعد، ليس إسماعيل بن إبراهيم بن معمر، ذاك آخر، وهو من شيوخه أيضًا مات سنة ست وثلاثين ومائتين (٧)، والمقعد مات سنة أربع وعشرين (٨). وحديث حمزة بن عبد الله عن أبيه شيخ البخاري فيه يحيى بن سليمان، وهو الجعفي الكوفي نزيل مصر، انفرد به البخاري عن الخمسة (…) بواسطة، مات سنة ثمان أو تسع وثلاثين

-----------------
(١) برقم (٣٣٨٥) باب: قول الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧].
(٢) «صحيح مسلم» (٤٢٠) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.
(٣) سبق برقم (٦٦٤).
(٤) «صحيح مسلم» (٤١٨).
(٥) «صحيح مسلم» (٤١٩).
(٦) «صحيح مسلم» (٤١٩).
(٧) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٣٤٢ (١٠٨٠)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٥٧ (٥٢٧)، «تاريخ بغداد» ٦/ ٢٧١، «تهذيب الكمال» ٣/ ١٩ (٤١٦).
(٨) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٧٥).



ومائتين (١) (٢).
والزبيدي محمد بن الوليد الحمصي مات سنة ثمان وأربعين ومائة، سنة مات الأعمش (٣)، وابن أخي الزهري محمد بن عبد الله بن مسلم قتله غلمانه بأمر ولده في خلافة أبي جعفر (٤). وتوهم ابن بطال أن حمزة هذا هو حمزة الأسلمي. فقال: روته عائشة وأنس وحمزة الأسلمي وهو عجيب! وإنما هو حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
واختلف العلماء فيمن أولى بالإمامة، فقالت طائفة: الأفقه، وبه

----------------
(١) انظر تمام ترجمة يحيى بن سليمان في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٨٠ (٢٩٩٩)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٥٤ (٦٣٨)، «الثقات» ٩/ ٢٦٣، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣٦٩ (٦٨٤٢)، «شذارت الذهب» ٢/ ٩١.
وأما قول المصنف -رحمه الله-: انفرد به البخاري عن الخمسة، فيه تحفظ، وذلك لأن الحافظ المزي لما ترجم ليحي هذا في «التهذيب» رمز إلى أن البخاري والترمذي أخرجا له، وقال ٣١/ ٣٧١: روى عنه: البخاري، وأحمد بن الحسن الترمذي (ت)، وقال في ترجمة أحمد بن الحسن الترمذي ١/ ٢٩٠ - ٢٩١ (٢٥): روى عن: يحيى بن سليمان الجعفي (ت). وكذا قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٤/ ٣٦٣ بعد أن رمز إلى أن البخاري والترمذي أخرجا له، قال: روى عنه: البخاري، وروى الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه.
وفي «سنن الترمذي» وجدت حديثًا واحدًا له، لكنه في «العلل الصغير» الملحق بكتاب «السنن» ٥/ ٧٥٢، قال الترمذي: حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي البصري -رحمه الله- فقد ذهل وغفل عن هذا، أو أنه لم يعتبر كتاب «العلل» جزء من «السنن». والله اعلم.
(٢) ورد بهامش الاصل ما نصه: في «الكاشف» توفي سنة ٢٣٧ هـ فقط، وكذلك في «الصلة» له.
(٣) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٧٧).
(٤) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٢٧).



قال أبو حنيفة ومالك، والشافعي والجمهور (١). وقال أبو يوسف وأحمد وإسحاق: الأقرأ، وبه قال ابن سيرين وبعض الشافعية (٢)، ولا شك في اجتماع هذين الوصفين في حق الصديق كما سلف في الباب المشار إليه، ألا ترى إلى قول أبي سعيد: وكان أبو بكر أعلمنا، ومراجعة الشارع بأنه هو الذي يصلي يدل على ترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله.
وحديث أبي مسعود البدري الثابت في مسلم «يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله» (٣) لا يخالف ما نجحن فيه؛ لأنه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارئ إلا وهو فقيه، وبعضهم أجاب بأن تقديم الأقرأ كان في أول الإسلام حين كان حفاظ القرآن قليلًا، وقد قُدِّم عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك (٤)، وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة (٥)؛ لعدم الحُفَّاظ حينئذ.
وفي الحديث أيضًا أن الإمام إذا عرض له عذر من حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم، وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم.
وقوله: (كأن وجهه ورقة مصحف) لا شك أنه - عليه السلام - كان وجهه أبيض مشربًا حمرة، فلما اشتد مرضه غلب البياض الحمرة.
وقوله: (فلما وضح وجهه) أي: ظهر. ويحتمل كما قال ابن التين أن يريد: ظهر لنا بياضه وحسنه؛ لأن الوضاح عند العرب: هو الأبيض اللون الحسنه.

------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٦٠، «المدونة» ١/ ٥٨، «الأم» ١/ ١٤٠.
(٢) انظر: «البناية» ٢/ ٣٨٦، «الأوسط» ٤/ ١٤٩، «المغنى» ٣/ ١١.
(٣) مسلم برقم (٦٧٣) كتاب: المساجد، باب: من أحق بالإمامة.
(٤) سيأتي برقم (٤٣٠٢) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح.
(٥) يأتي قريبًا برقم (٦٩٢) باب: إمامة العبد المولى، وبرقم (٧١٧٥) كتاب: الأحكام، باب: استقصاء الموالي واستعمالهم.



وقوله: (فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي - ﷺ -) أي: نذهل من الفرح برؤيته.
وقوله: (ثم تبسم يضحك) إنما كان فرحًا بما رأى من اجتماعهم في مغيبه وإقامة الشريعة، ويجوز أن يكون من باب التأنيس لهم.


٤٧ - باب مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ
٦٨٣ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ. قَالَ عُرْوَةُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٦٦]
ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: أمَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَبَا بَكْرِ أنْ يُصَلَّيَ بِالنَّاسِ … الحديث.
وقد سلف (١) وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، ولا شك أن سنة الإمامة تقديم الإمام وتأخر الناس عنه. قال ابن بطال: ولا يجوز أن يكون أحد مع الإمام في صف إلا في موضعين:
أحدهما: العلة التي في هذا الحديث وما كان في معناها، مثل أن يضيق الموضع فلا يقدر على التقدم فيكون معهم في صف ومثل العراة أيضًا إذا أمن أن يرى بعضهم بعضًا.
والثاني: أن يكون رجل واحد مع الإمام، فإنه يصلي عن يمينه في الصف معه، كما فعل النبي - ﷺ - بابن عباس إذ أداره من خلفه إلى يمينه (٣)، فإن صلى الإمام في صف المأمومين لغير عذر فقد أساء وخالف سنة الإمامة، وصلاته تامة (٤).

-----------------
(١) برقم (٦٦٤) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة.
(٢) مسلم (٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.
(٣) سبق برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠١.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #173  
قديم 29-01-2026, 03:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 501 الى صـــ 520
الحلقة (173)






وفيما ذكره من الإساءة نظر. وقال الطبري: إنما أقام النبي - ﷺ - أبا بكر إلى جنبه؛ ليعلم الناس تكبير ركوعه وسجوده إذ كان - ﷺ - قاعدًا، وفي القوم ممن يصلي بصلاته ممن لا يراه، ولا يعلم ركوعه ولا سجوده، فبان أن الأئمة إذا كانوا بحيث لا يراهم من يأتم بهم أن يجعلوا بينهم وبين من يأتم بهم علمًا يعلمون بتكبيره وركوعه تكبيرهم وركوعهم، وأن لمن لا يرى الإمام أن يركع بركوع المؤتم به ويسجد بسجوده، وأن ذلك لا يضره، ويجزئه أن لا يرى الإمام في كل ذلك إذا رأى من يصلي بصلاته.
وقوله: (فلما رآه أبو بكر استأخر): دليل واضح أنه لم يكن عنده مستنكرًا أن يتقدم الرجل عن مقامه الذي قام فيه في صلاته ويتأخر، وذلك عمل في الصلاة عن غيرها، فلما كان نظير ذلك يفعله فاعل في صلاته لأمر دعاه إليه فذلك جائز (١).

--------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢.


٤٨ - باب مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإِمَامُ الأوَّلُ فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ، جَازَتْ صَلَاتُهُ
٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ -وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ- فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟! مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». [١٢٠١، ١٢٠٤، ١٢١٨، ١٢٣٤، ٢٦٩٠، ٢٦٩٣، ٧١٩٠ - مسلم: ٤٢١ - فتح: ٢/ ١٦٧]
فِيهِ: عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
قلت: تقدم في صلاته - عليه السلام - في مرضه (١).
ثم ساق حديث سهل بن سعد الساعدي أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ … إلى آخره.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها:

------------------
(١) سبق برقم (٦٦٤).


هذا الحديث أخرجه البخاري في سبعة مواضع هنا، وثلاثة في الصلاة فيما يجوز من التسبيح والحمد للرجال، ورفع الأيدي فيها لأمر ينزل به، والإشارة فيها والسهو والصلح والأحكام (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
ثانيها:
بنو عمرو بن عوف من ولد مالك بن الأوس من الأنصار وكانوا بقباء فصلى - عليه السلام - الظهر ثم أتاهم ليصلح بينهم، وكان لينهم شر وقتال وتراموا بالحجارة، فحبس وحانت الصلاة.
ثالثها:
فيه ذهاب الإمام للإصلاح بين رعاياه؛ لئلا يختلفوا فيفسد حالهم، وفضل الإصلاح بين الناس.
رابعها:
قوله: (فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر) هو بلال؛ إذ في أبي داود فقال -يعني: عليه السلام - لبلال: «إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس» فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام، ثم أمر أبا بكر فتقدم (٣)، وفي هذِه الرواية بيان أن هذِه الصلاة هي العصر،

-----------------
(١) سيأتى برقم (١٢٠١) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال. و(١٢٠٤) باب: التصفيق للنساء. و(١٢٣٤) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة. و(٢٦٩٠) كتاب: الصلح، باب: ما جاء في الإصلاح بين الناس. و(٢٦٩٣) باب: قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح. و(٧١٩٠) كتاب: الأحكام، باب: الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (٤٢١) كتاب: الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام ولم يخافوا مفسدة بالتقديم.
(٣) «سنن أبي داود» (٩٤١) كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة.



وقد جاء أيضًا في بعض طرقه.
خامسها:
قوله: فقال: أتصلي للناس فأقيم؟: فيه سبع فوائد:
الأولى: تقديم غير الإمام إذا تأخر ولم يخف فتنة وإنكار من الإمام، وتقديم الناس لأنفسهم إذا غاب.
الثانية: تقديم الأصلح والأفضل.
الثالثة: عرض المؤذن وغيره التقدم على الفاضل وموافقته.
الرابعة: تفضيل الصديق - رضي الله عنه - حيث قدم وإشارته - ﷺ - بالثبات على حاله، ذكره ابن الجوزي وابن التين والنووي (١)، وقد أفدناك أن الشارع هو الذي قدمه.
الخامسة: تفضيل الصلاة في أول الوقت.
وقال ابن التين: إنهم خافوا فوت الوقت، وظنوا أنه - عليه السلام - لا يأتيهم في الوقت، ففيه المحافظة على الأوقات.
السادسة: أن الإقامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة؛ لقوله: أتصلي فأقيم؟.
السابعة: أن المؤذن هو الذي يقيم، وهذا هو السنة، فإن أقام غيره كان خلاف السنة، نعم يعتد بأذانه عند الجمهور.
سادسها:
قوله: (فجاء رسول الله - ﷺ - والناس في الصلاة): جاء في رواية أخرى: أنه جاء بعد أن كبر الصديق وكبر الناس، وخرق رسول الله

-------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٤/ ١٣٧.


- ﷺ - ليصل إلى موضعه (١). ففيه جواز فعل الإمام ذلك عند الحاجة إليه لخروجه لطهارة أو رعاف أو نحوهما، ورجوعه، وكذا من احتاج من المأمومين إلى الخروج لعذر.
سابعها:
قوله: وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، إنما كان لا يلتفت للنهي عنه في البخاري كما سيأتي (٢). قال ابن عبد البر: وجمهور العلماء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا (٣). قلت: وهذا إذا كان لحاجة فإن كان فلا كراهة، وسيعقد البخاري له بابًا ستعلمه بعد فيما سيأتي (٤)، وفي أبي داود من حديث سهل بن الحنظلية: فجعل رسول الله - ﷺ - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، وكان أرسل إليه فارسًا. قال الحاكم: سنده صحيح (٥)، وكذا التفات الصديق عند الإكثار من التصفيق ولم ينكره عليه.
ثامنها: رَفْع أبي بكر يديه بحمد الله كان إشارة منه لا كلامًا، كذا قال ابن الجوزي، ويحتمل خلافه. قال مالك: من أُخبر في صلاته بسرور فحمد الله تعالى لا يضر صلاته، وله أن يتركه تواضعًا وشكرًا لله تعالى وللمنعِم به. قال ابن القاسم فيه: ومن أُخبر بمصيبة فاسترجع وأُخبر بشيء فقال: الحمد لله على كل حال. (أو قال:

----------------
(١) سيأتي برقم (١٢٣٤) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (٧٥١) كتاب: الأذان، باب: الالتفات في الصلاة.
(٣) «التمهيد» ٢١/ ١٠٣.
(٤) سيأتي برقم (٧٥١) كتاب: الأذان، باب: الالتفات في الصلاة.
(٥) أبو داود (٩١٦، ٢٥٠١)، «المستدرك» ١/ ٢٣٧. ورواه أيضًا البيهقي ٩/ ١٤٩، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٥٠، ٢٢٥٩).



الذي) (١) بنعمته تتم الصالحات، لا يعجبني، وصلاته مجزئة. قال أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة (٢).
قلت: وفيه شكر الله تعالى على الوجاهة في الدين، وأن ذلك من أعظم النعم، قال تعالى في عيسى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]. وفيه جواز إعلام المصلي بما يسره.
تاسعها:
إنما لم يثبت أبو بكر عند الإشارة إليه بالثبوت، وإن كان فيه مخالفة؛ لأنه فهم أنها إشارة تكريم لا إلزام، ويدل عليه شق الشارع الصفوف حتى خلص إليه، فلولا أنه أراد الإمامة لصلى حيث انتهى.
وقوله: (ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله - ﷺ -) - أي: لأن الكبير شأنه التقدم، ويجوز أن يكون الصديق خاف حدوث حادث في الصلاة يغير حكمًا، فلم يتول الصلاة مع وجوده.
العاشر:
قوله: (وتقدم رسول الله - ﷺ - فصلى) استدل به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يحرم بالصلاة بعده، فإن الصديق أحرم بالصلاة أولًا ثم اقتدى به حين أحرم بعده، وهو أظهر القولين عندنا، وفيه الصلاة بإمامين على التعاقب، وقد سلف. ونقل ابن بطال عن الأكثرين المنع بغير عذر، قال ابن بطال: لا أعلم من يقول: إن من كبرّ قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي؛ بناءً على مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة

-----------------
(١) في الأصل: (قال الداودي، وهو غير مناسب للسياق، والمثبت من «النوادر والزيادات» ١/ ٢٣١.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٣١.



بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون صلاة من كبرّ قبل إمامه (١).
الحادي عشر:
استنبط ابن بطال وغيره جواز الاستخلاف من هذا الحديث (٢) ووجهه أن الصديق صار مأمومًا بعد أن كان إمامًا، وبنى القوم على صلاتهم، فكذا إذا خرج من الصلاة لسبق حدث ونحوه يقدم رجلًا، وهو أظهر قولي الشافعي، وبه قال عمر، وعلى، والحسن، وعلقمة وعطاء، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة (٣)، وقال الشافعي مرة وأهل الظاهر: لا يستخلف (٤)، وادعى بعض المالكية أن تأخر الصديق وتقدم الشارع من خواصه؛ لأنهم كانوا يقدموه بالإحرام ولا يفعل ذلك بعده، وليس بظاهر.
وعن ابن القاسم في الإمام يحدث فيستخلف ثم ينصرف، فيأتي ثم يخرج المستخلف ويتم الأول بالناس أن الصلاة تامة، فإذا تمت الصلاة فينبغي أن يشير إليهم حتى يتم لنفسه، ثم يسلم ويسلموا، فيجوز التقدم والتأخر في الصلاة (٥). قال ابن بطال: وهذا القول مطابق للحديث، وبه ترجم البخاري، وأكثر الفقهاء لا يقولون ذلك؛ لأنه لا يجوز عندهم الاستخلاف في الصلاة إلا لعذر، وقال أولًا: هذا الحديث رد على الشافعي وأهل الظاهر في إنكارهم الاستخلاف (٦). وقد عرفت أنه قول عنده، وأن أظهر قوليه جوازه.

-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠٥.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠٣.
(٣) «الهداية» ١/ ٦٤، «النوادر والزيادات» ١/ ٣١٥، انظر: «المجموع» ٤/ ١٤١.
(٤) انظر: «التهذيب» ١/ ٣٠١، «المجموع» ٤/ ١٣٨.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٣١١.
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠٢.



الثاني عشر:
قوله: «من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء»، وفي رواية أخرى للبخاري: «فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت» (١).
التصفيق: هو التصفيح -بالحاء- سواءً صفق بيده أو صفح، وقيل:
هو بالحاء: الضرب بظاهر اليد وإحداهما على باطن الأخرى. وقيل: بل بإصبعين من إحديهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه، وبالقاف: ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهما للهو واللعب.
وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيح للنساء (٢). يحتمل أنهم ضربوا بأكفهم على أفخاذهم.
قلت: وإن ضربت المرأة كان ببطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، ولا يضرب ببطن كف على كف على وجه اللعب واللهو، فإن فعلت ذلك على وجه اللعب بطلت صلاتها؛ لمنافاة الصلاة، واحتج به الجماعة -كما قال ابن التين- من الحذاق على أبي حنيفة في قوله: إن سبح الرجل لغير إمامه لم تجزه صلاته (٣).
ومذهب مالك والشافعي: إذا سبح الأعمى خوف أن يقع في بئر أو خوفًا من دابة أو حية أنه جائز (٤). وقال أصحاب أبي حنيفة: إن معنى قوله: «فليسبح» أي: لإمامه إذا سهى؛ لأن سهو إمامه سهو له،

------------------
(١) سيأتي برقم (١٢٣٤) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة.
(٢) «سنن أبي داود» (٩٤٢) كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة.
(٣) انظر: «الهداية» ١/ ٦٦.
(٤) «المدونة» ١/ ٩٨، «روضة الطالبين» ١/ ٢٩١، وهو مذهب الحنابلة انظر «المغني» ٢/ ٤٥٤.



فأجاز له هذا؛ لأنه من مصلحة الصلاة. وأجاب عند بعضهم بأن الخبر خرج على سبب كما سلف، فتصفيقهم؛ ليُعلموا الصديق بمجيئه - عليه السلام -، وإنما كان السبب مع غير الإمام، وهذا لا يعود إلى الإمام، فما كان مثل هذا السبب جائز، لكن قوله: «من نابه شيء» عام فيما كان مع الإمام وغيره. وقال مالك: إنما قال ذلك على معنى العتب لما فعل، أي: ذلك للنساء فهو ذم للتصفيق، فالمرأة تسبح كالرجل؛ لقوله - عليه السلام - «من نابه شيء» و(من) تقع على الذكور والإناث. قال: والتصفيق منسوخ بقوله: «من نابه شيء في صلاته فليسبح» وأنكره بعضهم. وقال: لأنه لا يختلف أن أول الحديث لا ينسخ آخره، ومذهب الشافعي والأوزاعي يخصص النساء بالتصفيق وهو ظاهر الحديث.
وفي أبي داود: «وإذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء» (١)، وسيأتي في البخاري في بابه من حديث أبي هريرة (٢)، وهو في مسلم: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة (٣).

-----------------
(١) «سنن أبي داود» (٩٤٠ - ٩٤١) كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة.
(٢) برقم (١٢٠٣) كتاب: العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء.
(٣) مسلم (٤٢٢) كتاب: الصلاة، باب: تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذ نابهما شيء في الصلاة.



٤٩ - باب إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ
٦٨٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَحِيمًا فَقَالَ: «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلَادِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ، مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». [انظر: ٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ١٧٠]
ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ .. الحديث.
سلف في الأذان (١)، وذكرنا هناك أنه قدم الأكبر للتساوي في شروط الإمامة، ورجحان أحدهما بالسن. وإن كان يحتمل أن بعضهم أسرع حفظًا وأقبل لما يتعلمه عن بعضهم، لكنهم تساووا في تعليم ما يجزئهم الصلاة به؛ فلأجل ذلك ذكر الأسن، وإلا فالأسن إذا اجتمع وكان من هو أصغر منه أقرأ قدم الأقرأ، كما في حديث عمرو بن سلمة وهو صبي في مسجد عشيرته، وفيهم الشيوخ والكهول (٢). لكن سلف لك أن الأفقه أولى منه وأن هذا كان أول الحال.

------------------
(١) برقم (٦٢٨) باب: من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد. و(٦٣٠ - ٦٣١) باب: الأذان للمسافر، وإذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع. و(٦٥٨) باب: اثنان فما فوقهما جماعة.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٤٣٠٢) وتقدم تخريجه.



٥٠ - باب إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَومًا فَأَمَّهُمْ
٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: أسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَأَذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟». فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا. ﴿انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٣٣ - فتح: ٢/ ١٧٢]
ذكر فيه حديث محمود بن الرييع: سَمِعتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَأذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» .. الحديث. تقدم في باب المساجد فيِ البيوت وغيره (١).

------------------
(١) برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة. و(٦٦٧) كتاب: الأذان، باب: الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في محله.


٥١ - باب إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ
وَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ جَالِسٌ. [انظر ٩٨] وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ. وَقَالَ الحَسَنُ فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكعَتَيْنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا. وَفِيمَن نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُدُ.

٦٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟». قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ». قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ - ﷺ -: «أَصَلَّى النَّاسُ؟». قُلْنَا لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ». قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟». قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟». فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ -وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ - عليه السلام - لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ- فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ -أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ- لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ. قَالَ: «أَجْلِسَانِى إِلَى جَنْبِهِ». فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهْوَ يَأْتَمُّ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -


وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - قَاعِدٌ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ قَالَ: هَاتِ. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٧٢]

٦٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا». [١١١٣، ١٢٣٦، ٥٦٥٨ - مسلم: ٤١٢ - فتح: ٢/ ١٧٣]

٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا». هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ، فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٢/ ١٧٣]
وَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ جَالِسٌ.
هذا التعليق تقدم مسندًا عن حديث عائشة (١).
ثم قال البخاري: وَقَالَ ابن مَسْعُودِ: إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ فيمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ.

---------------
(١) رقم (٦٦٤) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة.


وهذا التعليق أسنده ابن أبي شيبة، فقال: حدثنا هشيم، أنا حصين، عن هلال بن يساف، عن أبي حيان الأشجعي -وكان من أصحاب عبد الله- قال عبد الله: لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، أذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد، ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام.
وحدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن هلال به نحوه (١).
وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة أن عمر قال: إذا رفع أحدكم رأسه وظن أن الإمام قد رفع فليعد رأسه، وليمكث بقدر ما ترك، ثم قال وروينا عن إبراهيم والشعبي أنه يعود فيسجد (٢).
قلت: وكل هذا لأجل المتابعة. وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه أن سحنونًا رفع قبل إمامه ولم يعلم رفع الإمام رأسه، فرجع سحنون يسجد القدر الذي كان مع الإمام. ومذهب مالك أن من خفض أو رفع قبل إمامه أنه يرجع فيفعل ما دام إمامه لم يفرغ من ذلك (٣)، وبه قال أحمد وإسحاق، والحسن والنخعي (٤)، وروي نحوه عن عمر (٥)، وقال ابنه: من ركع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له (٦). وهو قول أهل الظاهر (٧)، وقال الشافعي وأبو ثور: إذا ركع وسجد قبله فإن أدركه الإمام فيهما

--------------------
(١) «المصنف» ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٠ - ٤٦٢١).
(٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٩٣ كتاب: الصلاة، باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٢٧٥.
(٤) رواه عنها بن أبي شيبة ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٤ - ٤٦٢٥).
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٣٧٥ (٣٧٥٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٢)، وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٩١ - ١٩٢ (٢٠١٣، ٢٠١٥).
(٦) رواه ابن المنذر ٤/ ١٩٠ - ١٩١ (٢٠١٠ - ٢٠١٢) وبمعناه رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٣).
(٧) انظر: «المحلى» ٤/ ٦٠ - ٦١.



أساء ويجزئه. حكاه ابن بطال، قال: وشذ الشافعي فقال: إن كبر للإحرام قبل إمامه فصلاته تامة (١).
قلت: هو أصح قوليه فيما إذا أحرم منفردًا ثم نوى الاقتداء في أثناء صلاته.
ثم قال البخاري: وَقَالَ الحَسَنُ فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا. وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَى قَامَ: يَسْجُدُ.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم أنا يونس عن الحسن أنه كان يقول: إذا رفع رأسه قبل الإمام والإمام ساجد فليعد وليسجد (٢). وقال مالك في مسألة الزحام لا يسجد على ظهر أحد، فإن خالف يعيد (٣). وقال الشافعي والكوفيون وأبو ثور: يسجد ولا إعادة (٤).
ثم ذكر البخاري من حديث مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَصلَّى النَّاسُ؟» … الحديث.
وقد ذكر بعضه في باب الغسل والوضوء في المخضب (٥). قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول تريبني رواية موسى هذا. قلت: ما يقول فيه؟ قال: صالح الحديث، قلت يحتج بحديثه؟ قال: يكتب

-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣١١.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٤) في الصلوات، باب: الرجل يرفع رأسه قبل الإمام.
(٣) «المدونة» ١/ ١٣٧.
(٤) انظر «المبسوط» ٢/ ٣٢، «الأوسط» ٤/ ١٠٤.
(٥) سلف برقم (١٩٨) كتاب: الوضوء.



حديثه (١)، قلت: هو ثقة ناسك، أخرج له الجماعة، وسلف بيان المخضب هناك.
وقوله: (ذهب لينوء) أي: لينهض بجهد ومشقة، وناء: سقط وهو من الأضداد.
وقيل: معنى لينوء، أي: تمايل ليتحامل على القيام.
وقولها: (عكوف) أي: لم يبرحوا في المسجد، والعكوف: الملازمة.
ثم ذكر البخاري أيضًا من حديث عروة عن عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ … الحديث. ويأتي أيضًا (٢).
ثم ذكر أيضًا من حديث ابن شهاب عن أنس أنه - ﷺ - رَكِبَ فَرَسًا … الحديث.
وقد سلف في باب الصلاة في السطوح والخشب، من حديث حُميد عن أنس (٣)، ويأتي إن شاء الله في باب: إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة من حديث الزهري عن أنس أيضًا (٤). وسيأتي نحوه من حديث أبي هريرة أيضًا (٥).
وحاصل ما ذكره البخاري في الباب من الأحاديث والآثار وجوب متابعة الإمام في أفعاله، وأنها عقبه، فلو خالف وقارنه لم يضر إلا تكبيرة

----------------
(١) «الجرح والتعديل» ٨/ ١٥٧ (٧٠٠).
(٢) سيأتي برقم (١١١٣) كتاب: تقصير الصلاة، باب: صلاة القاعد.
(٣) سلف برقم (٣٧٨) كتاب: الصلاة.
(٤) سيأتي برقم (٧٣٢ - ٧٣٣)، كتاب: الأذان، باب: إيجاب التكبير، وافتتاح الصلاة.
(٥) برقم (٧٢٢) كتاب: الأذان، باب: إقامة الصف من تمام الصلاة.



الإحرام، وكذا السلام عندنا على وجه، والأصح المنع، وإن سبقه بركن لم تبطل على الأصح مع ارتكاب الحرام بخلاف ركنين (١) فإنها تبطل.
وعند ابن حزم أنه لا يفعل شيئًا قبل إمامه ولا معه، فإن فعل عامدًا بطلت صلاته، لكن بعد تمام كل ذلك من إمامه، وعليه سجود السهو (٢). وعند مالك فيما نقله ابن حبيب عنه: أنه يفعل المأموم مع الإمام إلا في الإحرام والقيام من اثنتين والسلام فلا يفعله إلا بعده (٣).
وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر والثوري: يكبر في الإحرام مع إمامه، وخالف أبو يوسف. احتج من جوز المقارنة بأن الائتمام امتثال لفعل الإمام وهو حاصل (٤). واحتج من منع بأن الشارع جعل فعلهم عقب فعله؛ لأن الفاء للتعقيب، وإذا لم يتقدمه الإمام بالتكبير فلا يصح الائتمام به؛ لأنه محال أن يدخل المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه.
وباقي أحكام الباب سبق مفرقًا في الأبواب، ويأتي بعضه أيضًا.

--------------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٣٧٣.
(٢) «المحلى» ٤/ ٦٠ - ٦١.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٢٧٥.
(٤) المصدر السابق.



٥٢ - باب مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ؟
قَالَ أَنَسٌ: فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. [انظر: ٣٧٨]

٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ. [٧٤٧، ٨١١ - مسلم: ٤٧٤ - فتح: ٢/ ١٨١]
وقَالَ أَنَسٌ عن النبي - ﷺ -: «فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
كذا في بعض النسخ، وهو ما في «شرح ابن بطال» (١)، وفي بعضها: قال أنس: وإذا سجد سجدوا.
ثم ساق من حديث سفيان، عن أبي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كَانَ النبي - ﷺ - إذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.
حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَهُ بهذا.
وهذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في موضعين آخرين: رفع البصر إلى الإمام (٢)، والسجود على سبعة أعظم (٣). وأخرجه مسلم أيضًا (٤).
وسفيان: هو الثوري، وأبو إسحاق: هو السبيعي، وعبد الله بن يزيد:

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣١٧.
(٢) برقم (٧٤٧) كتاب: الأذان.
(٣) برقم (٨١١) كتاب: الأذان.
(٤) مسلم (٤٧٤) كتاب: الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده.



هو الخطمي، صحابي ابن صحابي كالبراء ووالده.
وقال الدارقطني: إنه محفوظ لعبد الله عن البراء، ولم يقل أحد عن ابن أبي ليلى عن البراء غير أبان بن تغلب عن الحكم، وغير أبان أحفظ منه. قلت: حديث أبان أخرجه مسلم (١)، والسند الثاني مذكور في بعض النسخ ومضروب عليه في بعضها، ولم يذكره أصحاب الأطراف ولا أبو نعيم في «مستخرجه».
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: قوله: (وهو غير كذوب)، قائله هو أبو إسحاق في عبد الله لا البراء، قاله الحفاظ، وليس بجيد؛ لأن عبد الله صحابي أيضًا كما أسلفناه. وعبد الله لم يرد به التعديل، وإنما أراد به قوة الحديث كما أوضحته في «شرح العمدة» بشواهده (٢).
ثانيها: قوله: (لم يحنِ) أي: لم يعطف، ومنه حنيت العود: عطفته، ويقال: حنيت وحنوت، والأكثر في اللغة والرواية بالياء. وقد روي بهما في «صحيح مسلم» (٣).
ثالثها: قوله: (ثم نقع) هو بالرفع على الاستئناف وليس معطوفًا على (يقع) الأول المنصوب بـ (حتى)؛ إذ ليس المعنى عليه.

-----------------
(١) مسلم (٤٧٤/ ٢٠٠).
وقال النووي: اعتراض الدارقطني هذا لا يقبل، بل أبان ثقة، نقل شيئًا فوجب قبوله، ولم يتحقق كذبه وغلطه، ولا امتناع في أن يكون مرويًّا عن ابن يزيد وابن أبي ليلى والله اعلم. اهـ. «شرح مسلم» ٤/ ١٩١.
(٢) انظر: «الإعلام» ٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩. وانظر: «مسلم بشرح النووي» ٤/ ١٩٠، «فتح الباري» لابن رجب ١/ ١٦٣.
(٣) مسلم (٤٧٤/ ١٩٧، ٢٠٠).



رابعها: في أحكامه، فيه ما كانت الصحابة عليه من الاقتداء بالشارع والمتابعة له في الصلاة وغيرها حتى لم يتلبثوا بالركن الذي ينتقل إليه حتى يشرع في الهوي إليه بل يتأخرون عنه. وفي فعل الصحابة ذلك دلالة على طول الطمأنينة منه.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #174  
قديم 29-01-2026, 03:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 521 الى صـــ 540
الحلقة (174)






٥٣ - باب إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ
٦٩١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ -أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» أَوْ «يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟». [مسلم: ٤٢٧ - فتح: ٢/ ١٨٢]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ -أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» أَوْ «يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، وتابع محمد بن سيرين محمد بن زياد، أخرجه البيهقي (٢).
ثانيها:
يخشى: معناه: يخاف، وخص الحمار دون غيره؛ لبلادته وعدم فهمه؛ لأن المتعاطي لمخالفة إمامه ومسابقته في أفعاله كأنه بلغ هذا المبلغ من البلادة، فناسب أن يحول به؛ لشبهه به، والعقوبة من جنس الذنب، وخصت الرأس (٣) بذلك دون غيره؛ لوقوع الجناية به،

---------------
(١) مسلم (٤٢٧) كتاب: الصلاة، باب: النهي عن سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما، وأبو داود (٦٢٣)، والترمذي (٥٨٢)، والنسائي ٢/ ٩٦، وابن ماجه (٩٦١).
(٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٩٣ كتاب: الصلاة، باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام.
(٣) ورد بهامش الأصل: الرأس مذكر، ولكن المصريون يؤنثونه.



والوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه. ويجوز أن يكون ذلك حقيقة، وقد وقع (١).
ثالثها:
الحديث نص في الرفع، ومثله الخفض، وخص الركوع والسجود دون غيرهما؛ لأنهما آكد أركان الصلاة، وهما محل القرب. وفيه الوعيد على الفعل المذكور وتحريم مسابقة الإمام وغلظها. ونظر ابن مسعود إلى من سبق إمامه، فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت. وعن ابن عمر نحوه، وأمره بالإعادة. والجمهور على عدم الإعادة. وقال أحمد: من سبق الإمام عالمًا بتحريمه ليس له صلاة (٢). لهذا الحديث، ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب ولم يُخشَ العقاب.
وفيه: كمال شفقته - عليه السلام - بأمته، وبيانه لهم الأحكام وما يترتب على المخالفة.

---------
(١) قال المصنف -رحمه الله-: قد نقل وقوعه بإسناد صحيح لشخص أو شخصين في أزمنة قديمة، لكن الحديث لا يدل على وقوعه، وإنما فاعل الرفع قبل الإمام متعرض له، خصوصًا إن كان مستهزءًا بالحديث، فإنه يقع به كما ذكرنا ونعوذ بالله من ذلك … اهـ. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩.
وقال المغربي: قد نقل الشيخ شهاب الدين بن فضل الله في «شرح المصابيح» أن بعض العلماء فعل ذلك امتحانًا فحول الله تعالى رأسه رأس حمار، وكان يجلس بعد ذلك خلف مستر حتى لا يبرز للناس، وكان يفتي من رواء حجاب. اهـ. «مواهب الجليل» ٢/ ٤٦٨.
(٢) «المغني» ٢/ ٢١٠.



٥٤ - باب إِمَامَهَ العَبْدِ وَالْمَوْلَى
وَكَانَتْ عَائِشَةُ يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ، وَوَلَدِ البَغِيِّ وَالأَعْرَابِيِّ وَالْغُلَامِ الذِي لَمْ يَحْتَلِمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ».
الشرح:
أما هذا الأثر، فأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبي بكر بن أبي مليكة، أن عائشة أعتقت غلامًا لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف. وحدثنا ابن عُلية عن أيوب سمعت القاسم يقول: كان يؤم عائشة عبد بقراءة في المصحف (١)، ورواه الشافعي عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج: أخبرني عبد الله ابن عبيد الله بن أبي مليكة أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي [و] (٢) هو وعبيد ابن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير، فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة وهو يومئذٍ غلام لم يعتق (٣)، وكان إمام بني محمد بن أبي بكر وعروة. وروى البيهقي من حديث هشام، عن أبيه أن أبا عمرو ذكوان كان عبدًا لعائشة، فأعتقته، وكان يؤم بها في شهر رمضان، يؤمها وهو عبد (٤). وفي «المصنف»: وكان ابن سيرين لا يرى به بأسًا. وفعلته عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، ورخص فيه الحكم والحسن بن أبي الحسن وعطاء، ونحوه عن أنس بن مالك (٥).

------------------
(١) «المصنف» ٢/ ١٤٢ (٧٢١٥).
(٢) زائدة في الأصل، والسياق يستقيم بدونها.
(٣) «مسند الشافعي» ١/ ١٠٦ - ١٠٧ (٣١٤).
(٤) «السنن الكبرى» ٣/ ٨٨ كتاب: الصلاة، باب: إمامة العبيد.
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣١ (٦١٠٥)، ٢/ ١٣٤ (٧٢١٤)، ٢/ ١٢٤ - ١٢٥ (٧٢١٧ - ٧٢٢٢).



وقوله: (وكانت عائشة)، في رواية: وكان. على أن يضمر في كان الشأن والقصة.
وأما الحديث الذي ذكره: «يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله» فهو حديث صحيح ثابت، أخرجه مسلم منفردًا به في «صحيحه» من حديث أبي مسعود رضي الله عنه (١)، وفيه من حديث أبى سعيد مرفوعًا: «أحقهم بالإمامة أقرؤهم» (٢). ولأبي داود من حديث ابن عباس: «وليؤمكم أقرؤكم» (٣).
وأما فقه الباب: فأما إمامة العبد فأجازها أبو ذر، وحذيفة، وابن مسعود، ذكره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح (٤). وعن أبي سفيان أنه كان يؤم بني عبد الأشهل وهو مكاتب وخلفه صحابة: محمد بن مسلمة،

------------------
(١) مسلم (٦٧٣) كتاب: المساجد، باب: من أحق بالإمامة؟
(٢) مسلم (٦٧٢).
(٣) كذا بالأصل، وفي «سنن أبي داود» (٥٩٠) من حديث ابن عباس: «وليؤمكم قراؤكم».
ورواه أيضًا ابن ماجه (٧٢٦)، وأبو يعلى ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢ (٢٣٤٣)، والطبراني ١١/ ٢٣٧ (١١٦٠٣)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٢٢٥، والبيهقي ١/ ٤٢٦، والذهبي في «الميزان» ٣/ ٤٣٥، والمزي في «تهذيب الكمال» ٦/ ٤٦٤، والذهبي في «الميزان» ٣/ ٤٣٥ من طريق الحسين بن عيسى الحنفي، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: «ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم».
قال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ١/ ٣٠٧: الحسين بن عيسى الكوفي، تكلم فيه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان. وذكر الدارقطني أن الحسين بن عيسى تفرد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان.
وقال الألباني: إسناد ضعيف، حسين بن عيسى الحنفي ضعفه الجمهور، وقد تفرد بهذا الحديث عن الحكم، وقال البخاري: إنه حديث منكر. اهـ. «ضعيف سنن أبي داود» (٩٢).
(٤) «المصنف» ٢/ ٣٠ - ٣١ (٦٠٩٩ - ٦١٠١ - ٦١٠٣) كتاب: الصلوات، باب: في إمامة العبد.



وسلمة بن سلامة. وصلى سالم خلف زياد مولى أم الحسن وهو عبد.
ومن التابعين: ابن سيرين، والحسن، وشريح، والحسن بن على، والنخعي، والشعبي، والحكم (١). ومن الفقهاء: الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي، وإسحاق (٢). وقال مالك: تصح إمامته في غير الجمعة. وفي رواية: لا يؤم إلا إذا كان قارئًا ومن خلفه من الأحرار لا يقرءون، ولا يؤم في جمعة ولا عيد (٣). وعن الأوزاعي: لا يؤم إلا أهله (٤). وممن كره الصلاة خلفه: أبو مجلز فيما ذكره ابن أبي شيبة، والضحاك بزيادة: ولا يؤم من لم يحج قومًا فيهم من قد حج (٥). وفي «المبسوط»: أن إمامته جائزة، وغيره أحب (٦). قلت: ولا شك أن الحر أولى منه؛ لأنها منصب جليل؛ فالحر أليق بها. وقال ابن خيران (٧) من أصحابنا: تكره إمامته بالحرُ (٨)، وخالف سليم الرازي (٩).

----------------------
(١) «المصنف» ٢/ ٣١ (٦١٠٤ - ٦١٠٦، ٦١٠٩، ٦١١٢ - ٦١١٣).
(٢) انظر: «الأصل» ١/ ٤٠، «الهداية» ١/ ٦٠، «روضة الطالبين» ١/ ٣٥٣، «المغني» ٣/ ٢٦ - ٢٧.
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٨٥، «المنتقى» ١/ ٢٣٦، «الذخيرة» ٢/ ٢٥١.
(٤) انظر: «البناية» ٢/ ٣٩١، «البيان» ٢/ ٤٢٠، «حلية العلماء» ٢/ ١٧٩.
(٥) «المصنف» ٢/ ٣١ (٦١١٠، ٦١١٤)، وانظر: «الأوسط» ٤/ ١٥٥ - ١٥٧.
(٦) «المبسوط» ١/ ٤١.
(٧) هو الإمام شيخ الشافعية، أبو علي الحسين بن صالح بن خيران البغدادي الشافعي، عرض عليه القضاء، فلم يتقلده، كان من جلة الفقهاء المتورعين، وأفاضل الشيوخ، توفي لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة سنة عشرين وثلاث مائة.
انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٨/ ٥٣، «المنتظم» ٦/ ٢٤٤، «وفيات الأعيان» ٢/ ١٣٣، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٥٨ (٢٧)، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٣٧٨.
(٨) انظر: «مغني المحتاج» ١/ ٤٨٣، «زاد المحتاج» ١/ ٢٧١.
(٩) هو سليم بن أيوب بن سليم، الإمام شيخ الإسلام، أبو الفتح، الرازي الشافعي، =



فرع: لو اجتمع عبد فقيه وحر غير فقيه، فثلاثة أوجه: أصحها أنهما سواء، ويترجح من قال: العبد الفقيه أولى بما سيأتي: أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء، فيهم عمر وغيره؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا (١). وأما إمامة المولى فقد عرفته آنفًا.
وأما إمامة ولد البغي، وهو ولد الزنا، فأجاز إمامته النخعي -وقال: رُب عبد خير من مولاه- والشعبي، وعطاء، والحسن. وقالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيء، ذكره ابن أبي شيبة عنه (٢).
وإليه ذهب الثوري والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وعيسى بن دينار، ومحمد بن الحكم (٣)، وكرهها عمر بن عبد العزيز، ومجاهد (٤)، ومالك إذا كان راتبا (٥). وذكر في «المبسوط» الجواز، وقال: غيره أحب إليَّ؛ لأنه ليس له من يفقهه، فيغلب عليه الجهل (٦). وقيل: لئلا يؤذى بالألسنة ويأثم الناس (٧). ولا تكره إمامته عندنا، خلافًا للشيخ أبي حامد والعبدري (٨).

-------------------
= سكن الشام مرابطًا، ناشرًا للعلم احتسابًا، قال النسيب: هو ثقة فقيه مقرئ محدث، من مصنفاته: كتاب «البسملة» وكتاب «غسل الرجلين» وله تفسير كبير شهير.
انظر تمام ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٢/ ٣٩٧،: «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٦٤٥ (٤٣٦)، «الوافي بالوفيات» ١٥/ ٣٣٤، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٧٥.
(١) الحديث الآتي (٦٩٢).
(٢) «المصنف» ٢/ ٢٩ - ٣٠ (٦٠٨٧، ٦٠٩٣، ٦٠٩٥).
وليس فيه عن إبراهيم قوله: رب عبد …
(٣) انظر: «الاستذكار» ٢/ ١٦٨.
(٤) رواه عنهما ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠ (٦٠٩٦ - ٦٠٩٧).
(٥) انظر: «الاستذكار» ٢/ ١٦٧، «المجموع» ٤/ ١٨٣.
(٦) «المبسوط» ١/ ٤١.
(٧) انظر: «الاستذكار» ٢/ ١٦٧، «المنتقى» ١/ ٢٣٥.
(٨) انظر: «المجموع» ٤/ ١٨١.



قال الشافعي: وأكره أن ينصب من لا يعرف أبوه إمامًا (١). وتابعه البندنيجي (٢)، وغيره صرح بعدمها.
وقال ابن حزم: الأعمى والخصي والعبد وولد الزنا وأضدادهم والقرشي سواء، لا تفاضل بينهم إلا بالقراءة وشبهه (٣).
وأما الأعرابي، بفتح الهمزة -الذي ينسب إلى الأعراب سكان البوادي. فمن كره إمامته عللها بجهله بحدود الصلاة. وأجازها الثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق (٤) - وصلى ابن مسعود خلف أعرابي، ولم ير بها بأسًا إبراهيم والحسن وسالم (٥).
وفي الدارقطني من حديث مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا: «لا يتقدم الصف الأول أعرابي ولا أعجمي ولا غلام لم يحتلم» (٦).
وأما الغلام الذي لم يحتلم فمنع الائتمام به في الفرض مالك،

------------------
(١) «الأم» ١/ ١٤٧.
(٢) انظر: «المجموع» ٤/ ١٨١.
والبندنيجي هو: العلامة المفتي أبو نصر محمد بن هبة الله بن ثابت الشافعي الضرير، تلميذ إسحاق الشيرازي، سمع وحدث، وكان متعبدًا كثير التلاوة، كان يقرأ في كل أسبوع ستة آلاف مرة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾، ويعتمر في رمضان ثلاثين عمرة، عاش ثمانية وثمانين سنة، توفي بمكة سنة خمس وتسعين وأربع مائة. انظر تمام ترجمته في: «المنتظم» ٩/ ١٣٣، «سير أعلام النبلاء» ١٩/ ١٩٦ (١١٧)، «تاريخ الإسلام» ٣٤/ ٢٢٤ (٢٢٩)، «الوافي بالوفيات» ٥/ ١٥٦ (٢١٨٤).
(٣) «المحلى» ٤/ ٢١١.
(٤) انظر: «المبسوط» ١/ ٤١، «الأوسط» ٤/ ١٥٨، «المغني» ٣/ ٧١ - ٧٢.
(٥) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩ (٦٠٨٠، ٦٠٨٢، ٦٠٨٤، ٦٠٨٥).
(٦) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٨١ كتاب: الصلاة، باب: من يصلح أن يقوم خلف الإمام، وأعله ابن الجوزي في «العلل» ١/ ٤٢٨ (٧٢٣).



وأبو حنيفة، وأحمد، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق (١)، وجوزها مالك في النفل.
ولأبي حنيفة وأحمد فيه روايتان (٢).
ومنع داود فيهما (٣)، وحكاه ابن أبي شيبة عن الشعبي، ومجاهد (٤)، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء (٥). وأجازه الشافعي فيهما (٦).
وفي الجمعة خلاف، وما نقله ابن المنذر عن أبي حنيفة وصاحبيه من الكراهة فقط غريب عنهما (٧). حجة الشافعي حديث عمرو بن سلمة الآتي في البخاري: أنه كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين أو ثمان سنين. وعند ابن أبي شيبة عن إبراهيم: لا بأس أن يؤم الغلام قبل أن يحتلم في رمضان، وعن الحسن بمثله، ولم يقيده. وفعله الأشعث بن قيس، قدم غلامًا فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدمته ولكن قدمت القرآن العظيم (٨). أجاب المانع بأن هذا كان في أول الأمر، ولم يبلغ الشارع - ﷺ -.
قال ابن حزم: لو علمنا أنه - عليه السلام - عرف هذا أو أقره لقلنا به، ووجدنا

------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٦١، «التفريع» ١/ ٢٢٣، «الأوسط» ٤/ ١٥١، «المستوعب» ٢/ ٣٥٤.
(٢) انظر: «البناية» ٢/ ٤٠٦، «مجمع الأنهر» ١/ ١١١، «التفريع» ١/ ٢٢٣، «المنتقى» ١/ ٢٣٦، «الانتصار» ٢/ ٤٥٧، «المغني» ٣/ ٧١، «الفروع» ٢/ ١٨.
(٣) انظر: «المجموع» ٤/ ١٤٦.
(٤) «المصنف» ١/ ٣٠٦ (٣٥٠٥ - ٣٥٠٦)، كتاب الصلوات، باب: في إمامة الغلام قبل أن يحتلم. عن الشعبي وعطاء. وانظر: «الأوسط» ٤/ ١٥١.
(٥) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٥١.
(٦) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٣٥٣، «البيان» ٢/ ٣٩١.
(٧) «الأوسط» ٤/ ١٥١.
(٨) «المصنف» ١/ ٣٠٦ (٣٥٠٢ - ٣٥٠٤).



السنة قوله - عليه السلام -: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أقرؤكم» (١) ووجدناه قال: «إن القلم» رفع عن الصغير حتى يبلغ«(٢) فليس مأمورًا بها، ولا تصح خلفه (٣). وقال الخطابي: كان الإمام أحمد يضعف حديث عمرو بن سلمة. وقال مرة: دعه ليس بشيء بين (٤)، قال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو؟ قال: لا أدري ما هذا (٥). ولعله لم يتحقق بلوغ أمر النبي - ﷺ -، وقد خالفه أفعال الصحابة، قال: وفيه قال عمرو: كنت إذا سجدت خرجت استي (٦)، قال: وهذا غير سائغ، وأجاب ابن الجوزي بأنه يحتمل أن يكون في النافلة.
وابن رشد قال: سبب الخلاف؛ كونها صلاة مفترض خلف متنفل (٧).
وووى الأثرم بسنده عن ابن مسعود أنه قال: لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود (٨)، وعن ابن عباس: لا يؤم الغلام حتى

-----------------
(١) سيأتي برقم (٤٠٣٢) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح.
(٢) حديث صحيح تقدم تخريجه في حديث رقم (١)، وهو مروي عن عائشة وعلي وابن عباس، وأبي قتادة وغيرهم. وانظر:»البدر المنير«٣/ ٢٢٥ - ٢٣٨،»الإرواء«(٢٩٧).
(٣) انظر:»المحلى«٤/ ٢٢١.
(٤)»معالم السنن«١/ ١٤٦.
(٥)»مسائل الإمام أحمد«برواية أبي داود السجستاني ص ٦٢ (٢٩٤)، وفيه أيضًا: قال أبو داود: وسمعت مرة أخرى وذكر هذا الحديث، فقال: لعله كان في بدء الإسلام.
(٦) سيأتي برقم (٤٣٠٢). وبهذا اللفظ رواه أبو داود (٥٨٦).
(٧)»بداية المجتهد«١/ ٢٧٩.
(٨) انظر:»الانتصار" ٢/ ٤٥٨.



يحتلم (١)، وقد سلف مرفوعًا (٢).
وأما جواز الإمامة من المصحف: فقال به ابن سيرين والحكم وعطاء والحسن، وكان أنس يصلي وغلامه خلفه يمسك له المصحف، فإذا تعايا في آية فتح عليه (٣)، وأجازه مالك في قيام رمضان، وكرهه النخعي وسعيد ابن المسيب والشعبي ورواية عن الحسن، وقال: هكذا يفعل النصارى، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» وسليمان بن حنظلة ومجاهد وابن جبير وحماد وقتادة (٤)، وقال ابن حزم: لا يجوز القراءة في المصحف ولا غيره لمصلٍ إمامًا كان أو غير إمام، فإن تعمد ذلك بطلت صلاته، وبه قال ابن المسيب والحسن والشعبي وأبو عبد الرحمن السلمي، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي (٥). كذا نقله عن الشافعي، وهو غريب لم أره عنه (٦). وقد نقل ابن بطال عن الحسن رواية أخرى جواز ذلك فقال: أجاز الإمامة من المصحف ابن سيرين والحكم ابن عتيبة وعطاء والحسن (٧)، وأما قوله: لا يمنع العبد من الجماعة بغير علة، أي أن السيد لا يمنعه من

-------------
(١) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٨٧ (١٨٧٢)، ٢/ ٣٩٨ (٣٨٤٧)، والبيهقي ٣/ ٢٢٥. قال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ١٧٣: إسناده فيه مقال.
(٢) عزاه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٨٥ لعبد الرزاق أيضا، وقال: إسناده ضعيف.
(٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ١٢٤ - ١٢٥ (٧٢١٤، ٧٢١٨، ٧٢٢٢).
(٤) «المصنف» ٢/ ١٢٥ (٧٢٢٣ - ٧٢٣١).
(٥) «المحلى» ٤/ ٤٦.
(٦) قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المحلى» ٤/ ٤٦: هنا بحاشية النسخة رقم (١٦) ما نصه: نقله عن الشافعي غلط لا شك فيه، ولا يعرف هذا في مذهبه، بل مذهبه يلزمه أن يقرأ في الصلاة من المصحف لو عجز من الاستظهار. وهذا نقد صحيح. اهـ.
(٧) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٢١.



حضورها لغير علة. قال القاضي حسين -من أصحابنا-: ليس للسيد منع عبده من حضور الجماعات إلا أن يكون له معه شغل، ويقصد تفويت الفضيلة عليه، فحينئذ ليس له منعه.

٦٩٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ -مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ- قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ -مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ-، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا. [٧١٧٥ - فتح ٢/ ١٨٤]

٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ». [٦٩٦، ٧١٤٢ - فتح ٢/ ١٨٤]
ثم ذكر البخاري حديث ابن عمر قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ -مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ- قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ -مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ- وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا.
وهو دال لما ترجم به من جواز إمامة المولى، وفيه ترجيح على جواز تقديمه على الحر كما أسلفناه، وفي البيهقي أنه كان فيمن يؤمهم الصديق، والفاروق، وأبو سلمة، وزيد بن حارثة، وعامر بن ربيعة ثم قال: كذا قال في هذا، ولعله في وقت آخر، وإنما قدم الصديق مع رسول الله - ﷺ -، ويحتمل أن تكون إمامتهم إياهم قبل قدومه وبعده (١). وقال الداودي: أراد بعد قدوم الصديق. والعصبة- بفتح العين وإسكان الصاد المهملة بعدها باء موحدة، كذا ضبطه شيخنا علاء الدين في «شرحه»، وبخط الحافظ شرف الدين الدمياطي في البخاري: بضم العين وسكون الصاد، وكذا هو بخط شيخنا قطب

-----------------
(١) «السنن الكبرى» ٣/ ٨٩.


الدين في «شرحه»، قال: وضبطه بعضهم بفتح العين والصاد- موضع بقباء، كما سلف في الحديث (١)، وكذا قاله البكري (٢)، لكنه ساقه (٣) من طريق بلفظ: المعصب، ثم قال كذا ثبت في متن الكتاب، وكتب الأصيلي عليه: العصبة مهملًا غير مضبوط.
ثم ذكر البخاري أيضًا حديث أبي التياح -بفتح المثناة فوق ثم مثناة تحت- يزيد بن حميد الضبعي عن أنس، عَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ».
ويأتي إن شاء الله قريبًا (٤)، وفي الأحكام أيضًا (٥)، وهو دال لما ترجم له البخاري أيضًا.
وقال ابن الجوزي: إنما هو في العمال والأمراء دون الأئمة والخلفاء، فإن الخلافة لقريش لا مدخل فيها للحبشة؛ لقوله - عليه السلام -: «لا يزال هدا الأمر في قريش» (٦) وإنما للأئمة تولية من يرون فيجب طاعة ولاتهم. وصغر الرأس معروف في الحبشة، فلذلك قال: «كأن رأسه زبيبة» قلت: ويحتمل أنه يريد سواد رأسه أو قصر شعرها، واجتماع بعضه وتفرقته حتى يصير كالزبيب. قال ابن التين: وفي الحديث النهي عن القيام على السلاطين وإن جاروا؛ لأن قيام القائم

-----------------
(١) هو في حديث الباب.
(٢) «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٤٦، وانظر أيضًا: «معجم البلدان» لياقوت ٤/ ١٢٨.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ذكر فتح العين والصاد من طريق البخاري ومسلم، ابن الأثير في «النهاية».
(٤) برقم (٦٩٦).
(٥) يأتي برقم (٧١٤٢) باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية.
(٦) سيأتي برقم (٣٥٠١) كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش.



يهيج فتنة تذهب فيها الأنفس والحرم والأموال، وقد مثله بعضهم بالذي يبني قصرًا ويهدم مصرًا.
وفيه دلالة على وجوب طاعة الخارجي، لأنه لما قال: «حبشي» والخلافة في قريش دال على أن الحبشي إنما يكون متغلبًا، والفقهاء على أنه يطاع ما أقام الجمع والجماعات والعيد والجهاد، فضرب - عليه السلام - المثل بالحبشي إذ هو غاية في الذم، وإذا أمر بطاعته لم يمتنع من الصلاة خلفه، فكذلك المذموم ببدعة أو فسق.
وقوله: «اسمعوا وأطيعوا» يريد في المعروف، لا المنكر فإذا أمر بمنكر فلا سمع ولا طاعة.
«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (١) ويلزمهم الإنكار جهدهم، فإن عجزوا لزموا بيوتهم أو خرجوا إلى موضع العدل (٢) (٣).

----------------
(١) سيأتي معناه برقم (٧٢٥٧) كتاب: أخبار الآحاد، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق.
(٢) ورد بهامش الأصل: آخر ٩ من ٢ من تجزئة المصنف.
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الستين كتبه مؤلفه.



٥٥ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ الإِمَامُ وَأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ
٦٩٤ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الأَشْيَبُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». [فتح: ٢/ ١٨٧]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ».
وهو حديث انفرد به البخاري.
وفيه: جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف منه، وأن الإمام إذا نقص ركوعه وسجوده لا تفسد صلاة من خلفه إلا أن ينتقص فرضًا من فروضها، فلا يجوز اتّباعه، إلا أن يخاف منه فيصلي معه بعد أن يصلي في بيته.
وقيل: «إن أصابوا» يعني: الوقت، أو أخطئوه فإن بني أمية كانوا يؤخرون الصلاة تأخيرًا شديدًا (١)، ويؤيد ذلك حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا «ستدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم الوقت الذى تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة». رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (٢).

------------------
(١) قال ابن حزم في «المحلى» ٢/ ٢٤١: ومن طريق سحنون عن ابن القاسم، أخبرني مالك أن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق حين كانت بنو أمية يؤخرون الصلاة أنه كان يصلي في بيته، ثم يأتي المسجد يصلي معهم. فكلم في ذلك، فقال: أصلي مرتين أحب إلي من ألا أصلي شيئًا.
(٢) ابن ماجه (١٢٥٥) وأوله: «لعلكم ..» والحديث رواه بنحوه مسلم (٥٣٤) كتاب: المساجد، باب: الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق مطولًا.



وفي «سنن أبي داود» بإسناد حسن من حديث قبيصة بن وقاص مرفوعًا: «يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلة» (١).
ورواه أبو ذر وثوبان مرفوعًا أيضًا (٢) فهذا دال على أن المراد بقوله:
«فإن أخطأوا فلكم» يعني: صلاتكم في بيوتكم في الوقت، وكذلك كان جماعة من السلف يفعلون:
روي عن ابن عمر أن الحجاج لما أخر الصلاة بعرفة صلى ابن عمر في رحله، وثم ناس (وُقَّفٌّ) (٣)، قال: فأمر به الحجاج فحبس.
وكان الحجاج يؤخر الصلاة يوم الجمعة، وكان أبو وائل يأمرنا أن نصلي في بيوتنا، ثم نأتي المسجد، وكان إبراهيم يصلي في بيته، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه.
وفعله مسروق مع زياد، وكان عطاء وسعيد بن جبير في زمن الوليد إذا أخرا الصلاة أومآ في مجالسهما ثم صليا معه (٤).
وفعله مكحول مع الوليد أيضًا، وهو مذهب مالك في أئمة الجور إذا

-----------------
(١) أبو داود (٤٣٤) ورواه أيضًا أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» ٥/ ٦١ (١٩٨٣)، وابن قانع في «معجم الصحابة» ٢/ ٣٤٣، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٣٣٤ (٥٧٣٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٦٥ - ٦٦، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٦١).
(٢) حديث أبي ذر رواه مسلم (٦٤٨) كتاب: المساجد، باب: كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام.
ولم أهتد إليه عن ثوبان، وانظر «الثمر المستطاب» ١/ ٨٦ - ٩١.
(٣) بالأصل: (ووقف)، والمثبت من «المصنف».
(٤) انظر هذِه الآثار في «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٥٧ (٧٥٩٢ - ٧٥٩٣، ٧٥٩٥، ٧٥٩٧، ٧٥٩٩).



أخروا الصلاة عن وقتها.
وقد روي عن بعض السلف أنهم كانوا لا يعتدون الصلاة معهم.
وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا [بسطام] (١): سألت أبا جعفر محمد بن علي عن الصلاة خلف الأمراء فقال: صل معهم، قد كان الحسن والحسين [يبتدران] (٢) الصلاة خلف مروان، قلت: إن الناس كانوا يزعمون أن ذلك تقية. فقال: وكيف إن كان الحسن بن علي ليسب مروان في وجهه وهو على المنبر حتى بولي (٣).
وقيل لجعفر بن محمد: كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت. فقال: لا والله ما كان يزيد على صلاة الأئمة.
وقال إبراهيم: كان عبد الله يصلي معهم إذا أخروا عن الوقت قليلًا ويرى أن مأثم ذلك عليهم (٤).
وقال أبو عبد الملك: يريد بقوله: فلكم ثواب الطاعة والسمع، وعليهم إثم ما ضيعوا وأخطئوا.
وقيل: إن صليتم أفرادًا في الوقت فصلاتكم تامة، إن أخطئوا في صلاتهم وائتممتم أنتم بهم. وقيل: المراد بالخبر: الأوقات وما يكون في الصلاة مما لا يعلمه المأموم.

----------------
(١) في الأصل (بسام)، وكذا في «شرح ابن بطال»، والمثبت من «المصنف».
(٢) في الأصل (يبدآن)، والمثبت من «المصنف».
(٣) في مطبوع «المصنف»: تولى.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٥٤ - ١٥٥ (٧٥٥٩، ٧٥٦٥، ٧٥٦٧).



٥٦ - باب إِمَامَةِ المَفتُونِ وَالْمُبتَدِعِ
قال البخاري: وَقَالَ الحَسَنُ: صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ.

٦٩٥ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رضي الله عنه- وَهْوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ. فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُخَنَّثِ إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا. [فتح: ٢/ ١٨٨]

٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَبِي ذَرٍّ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ». [انظر: ٦٩٣ - فتح: ٢/ ١٨٨]
هذا مروي عنه (١) بلفظ: لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق ولا تنفع المنافق صلاته خلف المؤمن (٢)، كذا ذكره ابن بطال (٣) عنه.
قال الشافعي: وصلى ابن عمر خلف الحجاج (٤)، وكفي به فاسقًا.

-----------------
(١) أي: قول الحسن.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٤ (٧٥٦١).
وما علقه البخاوي عن الحسن، رواه بلفظه مسندًا سعيد بن منصور كما في «فتح الباري» لابن رجب ٦/ ١٨٦ - ١٨٧، و«فتح الباري» لابن حجر ٢/ ١٨٨، ورواه كلذلك الحافظ بإسناده في «التغليق» ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٢٧.
(٤) سيأتي برقم (١٦٦٠) كتاب: الحج، باب: التهجير بالرواح يوم عرفة من حديث الزهري، عن سالم قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج، أن لا يخالف ابن عمر في الحج .. الحديث.
ومفهوم الحديث يدل على أن ابن عمر صلى وراءه، لكن ليس فيه ثمة تصريح بذلك، فالدلالة فيه دلالة مفهوم لا منطوق. =



قلت: وصلى خلفه ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وخرج عليه (١).
وقال البخاري: وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهْوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنتَحَرَّجُ. فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَاِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ.

-------------------
= ولما خرج المصنف -رحمه الله- هذا الأثر في «البدر المنير» ٤/ ٥٢٠ قال: أثر صحيح رواه البخاري في «صحيحه»، وكذلك عزاه أيضا في «خلاصة البدر» ١/ ١٩٨ (٦٩١). وكذا الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٤٣ عزاه للبخاري. وما أخرجه البخاري (١٦٦٠) ليس صريح الدلالة- كما قلنا.
ولما خرج الألباني -رحمه الله- هذا الأثر والحديث في «الإرواء» ٢/ ٣٠٣ (٥٢٥) نقل عزو الحافظ للحديث في «التلخيص» للبخاري، ثم قال: ولم أجده عنده حتى الآن!
وكذلك ذهل عنه الأستاذ حمدي عبد المجيد السلفي؛ وذلك لأنه لما عزاه المصنف في «خلاصة البدر» للبخاري، عزاه هو في الهامش للبيهقي ٣/ ١٢١ - ١٢٢ فكأنه لم يتوصل إليه عند البخاري.
والأثر رواه صريحًا ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٤ (٧٥٥٨) عن عمير بن هانئ، قال: شهدت ابن عمر والحجاج محاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء وربما حضر الصلاة مع هؤلاء.
قال الألباني في «الإرواء» ٢/ ٣٠٣: سند صحيح على شرط الستة.
وبنحوه رواه البيهقي ٣/ ١٢١ - ١٢٢ عن عمير بن هانئ، بأطول من حديث ابن أبي شيبة، وفيه تصريح أوضح بالصلاة وراءه.
ورواه الشافعي في «مسنده» ١/ ١٠٩، ومن طريقه البيهقي ٣/ ١٢١ عن نافع أن ابن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير والحجاج، فصلى مع الحجاج.
(١) رواه عنهما ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٤ - ١٥٥ (٧٥٦٦، ٧٥٧١).



هذا من أفراد البخاري، ومحمد بن يوسف هو الفريابي وكأنه أخذه عنه مذاكرة (١)، وقد وصله الإسماعيلي عن عبد الله بن يحيى السرخسي: ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد، فذكره، ومن طرق أخرى، ورواه هو وأبو نعيم من طريق الحسن بن سفيان، عن حبان، عن ابن المبارك، أنا الأوزاعي، فذكره.
وقوله: «إمامُ العامَّة»: يعني العموم. وقوله: «يُصلِّي لنا إمام فتنةٍ» أي: يؤمنا، فيه قولان:
أحدهما: في وقت فتنة، قاله الداودي.
وثانيهما وهو قول ابن وضاح: إمام الفتنة: هو عبد الرحمن بن عديس البلوي وهو الذي جلب على عثمان أهل مصر (٢).
وذكروا أن القول الأول أصح، بل الأول راجع إليه؛ لأن عبد الرحمن

----------------
(١) قال الحافظ: قيل: عبر بهذِه الصيغة؛ لأنه مما أخذه من شيخه في المذاكرة فلم يقل فيه حدثنا، وقيل: إن ذلك مما تحمله بالإجازة أو المناولة أو العرض، وقيل: هو متصل من حيث اللفظ منقطع من حيث المعنى، والذي ظهر لي بالاستقراء خلاف ذلك، وهو أنه متصل لكنه لا يعبر بهذِه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفًا، أو كان فيه راو ليس على شرطه، والذي هنا من قبيل الأول. اهـ. «الفتح» ٢/ ١٨٨.
(٢) قال الذهبي: عبد الرحمن بن عُديس، أبو محمد البلوي، له صحبة، وبايع تحت الشجرة، وله رواية، سكن مصر، وكان ممن خرج على عثمان وسار إلى قتاله -نسأل الله العافية- ثم ظفر به معاوية فسجنه بفلسطين في جماعة، ثم هرب من السجن، فأدركوه بجبل لبنان فقتل، ولما أدركوه قال لمن قتله: ويحك اتق الله في دمي فإني من أصحاب الشجرة، فقال الشجر بالجبل كثير، وقتله. قال ابن يونس: كان رئيس الخيل التي سارت من مصر إلى عثمان. وعن محمد بن يحيى الذهلي قال: لا يحل أن يحدث عنه بشيء، هو رأس الفتنة. اهـ. «تاريخ الإسلام» ٣/ ٥٣١ - ٥٣٢.
وقال في: قال الواقدي: حدثني ابن جريج وغيره عن عمرو، عن جابر أن المصريين =



كان إمام هذِه الفتنة، فهو وقتها، وكان هؤلاء لما هجموا على عثمان المدينة كان عثمان يخرج فيصلي بالناس وهم يصلون خلفه شهرًا، ثم خرج في آخر جمعة خرج فيها فحصبوه حتى وقع من المنبر، ولم يقدر أن يصلي بهم، فصلى بهم يومئذٍ أبو أمامة بن سهل بن حنيف فمنعوه، فكان يصلي بهم ابن عديس تارة وكنانة بن بشر (١) أحد رؤساء الخوارج يومئذٍ تارة، فبقوا على ذلك عشرة أيام (٢).
وروي أنه حصر أربعين يومًا وكان طلحة يصلي بهم، وصلى بهم أكثر الأيام علي، وفيه نظر؛ لأنهما إماما هدى.
وقد قال ابن عدي (٣): يصلي لنا إمام فتنة.

------------------
= لما أقبلوا يريدون ثمان دعا عثمان محمد بن مسلمة، فقال: أخرج إليهم فارددهم وأعطهم الرضا وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عديس، وسودان بن حمران، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وابن النباع «تاريخ الإسلام» ٣/ ٤٤١.
وانظر تمام ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٩/ ٥٥٧، «الاستيعاب» ٢/ ٣٨٣ (١٤٤٥)، «أسد الغابة» ٣/ ٤٤٧ (٣٣٥٢)، «الإصابة» ٢/ ٤١١ (٥١٦٣).
(١) قال الحافظ: كنانة بن بشر بن عتاب بن عوف بن حارثة بن قتبرة بن حارثة التجيبي، قال ابن يونس: شهد فتح مصر، وقتل بفلسطين سنة ستة وثلاثين، وكان ممن قتل عثمان، وإنما ذكرته؛ لأن الذهبي ذكر عبد الرحمن بن ملجم؛ لأن له إدراكًا، وينبغي أن ينزه عنهما كتاب الصحابة. اهـ. «الإصابة» ٣/ ٣١٨ (٧٥٠٢).
(٢) روى هذِه الأحداث مفصلة عمر بن شبة في «تاربخ المدينة المنورة» ٤/ ١٢١٧ - ١٢١٩ بعدة أسانيد.
وقال الحافظ: وقد صلى بالناس يوم حصر عثمان أبو أمامة بن سهل بن حنيف، رواه عمر بن شبة بسند صحيح. اهـ. «الفتح» ٢/ ١٨٩.
(٣) هو عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني، ولد في زمن النبي - ﷺ - وكان من فقهاء قريش، وكان أبوه من الطلقاء، ما ذكره في الصحابة أحد سوى ابن سعد، وهو ثقة قليل الحديث، ومات في خلافة الوليد بن عبد الملك. =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #175  
قديم 29-01-2026, 04:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 541 الى صـــ 560
الحلقة (175)






وروى سيف بن عمر (١) في كتاب «الردة» عن مبشر بن الفضل، عن سالم قال: قلت له: كيف صنع الناس بالصلاة خلف المصريين؟ قال: كرهها كلهم إلا الأعلام فإنهم خافوا على أنفسهم، وكانوا يشهدونها ويلوذون عنها بضياعهم إذا تركوا.
وروى أيضًا عن سهل بن يوسف، عن أبيه، قال: كره الناس الصلاة خلف المصريين ما خلا عثمان، فإنه قال: من دعا إلى الصلاة فأجيبوه.
وصلى بالناس في حصاره جماعة منهم: أبو أيوب الأنصاري وسهل ابن حنيف وابنه أبو أمامة، وصلى علي يوم النحر (٢)، قال ابن المبارك: ما صلى علي في ذلك الحصر إلا العيد وحدها (٣).
قال يحيى بن آدم: ولعله صلى بهم واحدًا بعد واحد (٤).

------------------
= انظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٩، «الاستيعاب» ٣/ ١٣٢ (١٧٣٦)، «أسد الغابة» ٣/ ٥٢٦ (٣٤٦٦)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١١٢ (٣٦٦٤)، «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٥١٤ (١٢٢)، «الإصابة» ٣/ ٧٤ (٦٢٣٨).
(١) هو سيف بن عمر التميمي البرجمي، ويقال: السعدي. ويقال: الضبي، ويقال: الأسيدي، الكوفي، صاحب كتاب «الردة» و«الفتوح» عن يحيى بن معين: ضعيف الحديث، وفي رواية: فِلْس خير منه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي. وقال أبو داود: ليس بشيء، وضعفه النسائي والدارقطني. وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة، وعامتها منكرة لم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق.
انظر ترجمته في: «ضعفاء النسائي» (٢٥٦)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٧٨ (١١٩٨)، «الكامل» لابن عدي ٤/ ٥٠٧ (٨٥١)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٣٢٤ (٢٦٧٦)، «تاريخ الإسلام» ١١/ ١٦١ (١٢٩).
(٢) رواه ابن شبة ٤/ ١٢١٦ بإسناده عن أبي عبيد سعد بن عبيد مولى ابن أزهر قال: صليت العيد مع علي - رضي الله عنه - وعثمان - رضي الله عنه - محصور، فصلى ثم خطب بعد الصلاة.
(٣) المصدر السابق.
(٤) السابق ٤/ ١٢١٧.



قال (الدراوردي) (١): لم يكن في القائمين على عثمان أحد من الصحابة، إنما كانت فرقتان، فرفة مصرية، وفرقة كوفية، ولم يعيبوا عليه شيئًا إلا خرج منه بريئا، فطالبوه بعزل من استعمل من بني أمية فلم يستطع في تلك الحال، ولم يخل بينهم وبينه لئلا يتجاوزوا فيهم القصد، وإنما صبر واحتسب؛ لأنه رأى النبي - ﷺ - تلك الليلة في المنام فقال له: «قد قمصك الله قميصًا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه» (٢) يعنى: الخلافة، وقد كان أخبره - عليه السلام - أنه يموت شهيدًا على بلوى تصيبه (٣)، فلذلك لم ينخلع من الخلافة وأخذ بالشدة على نفسه طلبًا لذلك، وإنما صلى علي صلاة العيد؛ لئلا تضاع سنة سنها الرسول - عليه السلام -.
وفيه من الفقه: المحافظة على إقامة الصلوات والحض على شهود الجماعات في زمن الفتنة خشية انحراف الأمر، وافتراق الكلمة، وتأكيد الشتات، والتعصب.
وقال بعض الكوفيين: إن الجمعة بغير والٍ لا تجزئ.

------------------
(١) أثبتوه في مطبوع «شرح ابن بطال» الداودي.
(٢) رواه الترمذي (٣٧٠٥)، وابن ماجه (١١٢)، وأحمد ٦/ ٧٥، ٨٦ - ٨٧، ١٤٩، وفي «فضائل الصحابة» ١/ ٦١٢ - ٦١٣ (٨١٥ - ٨١٦)، وابن شبة في «تاريخ المدينة» ٣/ ١٠٦٦ - ١٠٧٠، وابن أبي عاصم في «السنة» (١١٧٢ - ١١٧٣)، وابن حبان ١٥/ ٣٤٦ (٦٩١٥)، والطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ٢٢٦ (١٢٣٤) و٣/ ١٢٩ - ١٣٠ (١٩٣٤)، والحاكم ٣/ ٩٩ - ١٠٠ من طرق عن النعمان بن بشير وعورة كلاهما عن عائشة به. وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٩٠).
(٣) قطعة من حديث سيأتي مطولًا برقم (٣٦٧٤) كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي - ﷺ - «لو كنت متخذًا خليلًا».
ورواه مسلم برقم (٢٤٠٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.



وقال محمد بن الحسن: لو أن أهل مصرٍ مات واليهم جاز لهم أن يقدموا رجلًا منهم يصلي بهم حتى يقدم عليهم والٍ (١).
وقال مالك والأوزاعي والشافعي: تجوز الجمعة بغير سلطان كسائر الصلوات.
وقال مالك: إن لله فرائض لا ينقصها إن وليها والٍ أو لم يلها، منها الجمعة (٢).
وقال الطحاوي -في صلاة علي العيد- بالناس وعثمان محصور: هذا أصل في كل سبب يُخلِّف الإمام عن الحضور، على المسلمين إقامة رجل منهم يقوم به، وهذا كما فعل المسلمون يوم مؤتة لما قتل الأمراء اجتمعوا على خالد بن الوليد (٣)، وأيضًا فإن المتغلب والخارج على الإمام تجوز (الجماعة) (٤) خلفه، فمن كان في طاعة الإمام أحرى بجوازها خلفه (٥)، ذكره ابن بطال (٦).
وقال المهلب: فيه إن الصلاة وراء من تكره الصلاة خلفه أولى من تفرق الجماعة؛ لقول عثمان: فإذا أحسنوا فأحسن معهم، فغلب

------------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٤٤.
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ١٤٢، «عيون المجالس» ١/ ٤٠١، «المجموع» ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
وفي نسبة هذا القول للأوزاعي نظر، لأنه يشترط إذن السلطان. انظر: «المجموع» ٤/ ٤٥٠، «المغني» ٣/ ٢٠٦.
(٣) انظر عن غزوة مؤتة: «طبقات ابن سعد» ٢/ ١٢٨ - ١٣٠، «والكامل في التاريخ» ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٨، و«البداية والنهاية» ٤/ ٦٣٢ - ٦٥٤، و«تاريخ الإسلام» ٢/ ٤٧٩ - ٤٩٩.
(٤) في «شرح ابن بطال»: الجمعة.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٢٦.



الإحسان في جماعتهم على الإحسان في التورع عن الصلاة في زمن الفتنة منفردًا، وأما الإساءة التي أمرنا باجتنابها، فهي المعاصي التي لا يلزم أحدًا فيها طاعة مخلوق.
وأما الصلاة خلف الخوارج فاختلف العلماء في الصلاة خلف الخوارج، وأهل البدع، فأجازت طائفة الصلاة خلفهم.
وعن ابن عمر أنه صلى خلف الحجاج -كما سيأتي في الكتاب (١) -، وكذا أنس، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير وخرج عليه. وقد أسلفنا قول الحسن (٢).
وقال النخعي: كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا، وكان أبو وائل يجمع مع المختار (٣).
وقال ميمون بن مهران في الصلاة خلف الخارجي: أنت لا تصلي له، إنما تصلي لله، وقد كنا نصلي خلف الحجاج وكان حروريًا أزرقيًا (٤).
وأجاز الشافعي الصلاة خلف من أقام الصلاة وإن كان غير محمود في دينه (٥).
وكرهت طائفة الصلاة خلفهم (٦).
وروى أشهب عن مالك: لا أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية ولا السكنى معهم بلد.

--------------------
(١) سيأتي برقم (١٦٦٠) وتقدم الكلام عليه قريبًا.
(٢) تقدم تخريج هذِه الآثار.
(٣) رواهما ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٤ - ١٥٥ (٧٥٦٠، ٧٥٧٠).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٥٤ (٧٥٦٤).
(٥) «الأم» ١/ ١٤٠.
(٦) وهو رأى المالكية والحنابلة انظر «المدونة» ١/ ٨٤، «عيون المجالس» ١/ ٣٦٩، «المستوعب» ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩، «المغنى» ٣/ ١٧ - ٢٣.



وقال عنه ابن نافع: وإن كان (١) المسجد إمامه قدريًا فلا بأس أن يتقدمه إلى غيره (٢).
وقال ابن القاسم: أرى الإعادة في الوقت على من صلى خلف أهل البدع (٣).
وقال أصبغ: يعيد أبدًا.
وقال سحنون: وإنما لم تجب عليه الإعادة؛ لأن صلاته لنفسه جائزة، وليس بمنزلة النصراني؛ لأن ذلك لا يجوز لنفسه.
وقال الثوري في القدري: لا تقدِّموه (٤).
وقال أحمد: لا يصلي خلف أحدٍ من أهل الأهواء إذا كان داعيًا إلى هواه، ومن صلى خلف الجهمي والرافضي والقدري يعيد (٥).
وفي المرغيناني الحنفي: تكره الصلاة خلف صاحب هوى وبدعة، ولا تجوز خلف الرافضي والقدري والجهمي والمشبهة ومن يقول بخلق القرآن (٦).
وفي «المحيط»: كان أبو حنيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع. ومثله عن أبي يوسف (٧).
وأما الفاسق بالزنا وشرب الخمر، فزعم ابن حبيب أن من صلى خلف من يشرب الخمر يعيد أبدًا إلا أن يكون واليًا.

-------------------
(١) في الأصل بعدها (في) والأنس حذفها.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٨٩، «البيان والتحصيل» ١/ ٤٤٣.
(٣) «المدونة الكبرى» ١/ ٨٤.
(٤) انظر: «الأوسط» ٤/ ٣٣٢.
(٥) انظر: «المغنى» ٣/ ١٧.
(٦) «الهداية» ١/ ٦٠، «فتح القدير» ١/ ٣٥٠.
(٧) «المحيط» ٢/ ١٧٧ - ١٧٨، «فتح القدير» ١/ ٣٥٠.



وقيل: تستحب الإعادة (١).
وعند الشافعي: تصح (٢)، وكذا أحمد في رواية (٣)؛ لحديث مكحول عن أبي هريرة مرفوعًا: «صلوا خلف كل بر وفاجر» رواه الدارقطني وقال: مكحول لم يلحق أبا هريرة (٤).
وفي لفظ: «الصلاة واجبة عليكم مع كل برٍ أو فاجر وإن عمل بالكبائر» (٥).

----------------
(١) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٢٤٠.
(٢) انظر: «المجموع» ٤/ ١٥٠.
(٣) المغني«٣/ ١٩ - ٢٠.
(٤)»سنن الدارقطني«٢/ ٥٧.
وبهذا اللفظ رواه أيضًا البيهقي ٤/ ١٩، وابن الجوزي في»العلل المتناهية«١/ ٤٢٥ (٧١٩)، وفي»التحقيق«١/ ٤٧٥ (٧٢٦) من طريق ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي هريرة، مرفوعًا به.
وسيأتي الكلام على هذا الإسناد.
(٥) روي بهذا اللفظ من طريقين:
الأول: طريق ابن وهب السالف، رواه أبو داود (٥٩٤، ٢٥٣٣)، والبيهقي ٣/ ١٢١، ٨/ ١٨٥، وفي»معرفة السنن والآثار«٤/ ٢١٤ (٥٩١٩)، وفي»شعب الإيمان«٧/ ٣ (٩٢٤٢). قال الدارقطني: مكحول لم يسمع من أبي هريرة، ومن دونه ثقات. وقال البيهقي في»المعرفة«٤/ ٢١٤: إسناد صحيح، إلا أن فيه إرسالًا بين مكحول وأبي هريرة. وقال المنذري في»المختصر«٣/ ٣٨٠: هذا منقطع؛ مكحول لم يسمع من أبي هريرة، وقال ابن الجوزي في»العلل«١/ ٤٢٧: روى محمد بن سعد أن جماعة من العلماء ضعفوا رواية مكحول، وفيه معاوية، قال الرازي: لا يحتج به.
والحديث أورده الألباني في»ضعيف أبي داود«(٩٤) وقال: إسناده ضعيف.
أما الطريق الثاني عن بقية، عن الأشعث، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن أبي هريرة به. رواه الدارقطني ٢/ ٥٦، وابن الجوزي في»العلل«(٧١٨)، وفي»التحقيق" (٧٢٥). =



قال البخاري: وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: قَالَ الزهْرِيُّ: لَا نَرى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ المُخَنَّثِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا.
أراد به الذى يؤتى دون من يتكسر في كلامه، ومشيه، فإنه لا بأس بالصلاة خلفه،. قاله أبو عبد الملك.
وقال الداودي: أرادهما؛ لأنها بدعة وجرحة، وذلك أن الإمامة موضع كمال واختيار. والمذكور ناقص؛ لتشبهه بالنساء، وكما أن إمام الفتنة والمبتدع كل منهما مفتون في طريقته فلما شملهم معنى الفتنة كرهت إمامتهم إلا من ضرورة.
وفي «نوادر سحنون»: إن كان الخنثي ممن يحكم له بالنساء أعاد من ائتم به أبدًا، وإن كان ممن يحكم له بحكم الرجال فلا (١). وإنما ذكر البخاري هذِه المسألة هنا؛ لأنه مفتتن بتشبهه بالنساء.

------------------
= وفي الباب عن ابن عمر وأبي الدرداء وعلي وواثلة بن الأسقع وابن مسعود ومعاذ. وهي ضعيفة كلها.
قال العقيلي في «الضعفاء» ٣/ ٩٠ بعد ما أخرج حديث أبي الدرداء: وليس في هذا المتن إسناد يثبت. وقال البيهقي ٤/ ١٩: قد روى في الصلاة على كل بر وفاجر، والصلاة على من قال: لا إله إلا الله، أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف. وأصح ما روي في هذا الباب حديث مكحول عن أبي هريرة. وقال ابن الجوزي في «العلل» ١/ ٤٢٦ بعد رواية هذِه الأحاديث: أحاديث كلها لا تصح. وقال المصنف في «البدر المنير» ٤/ ٤٥٦: هذا الحديث له طرق ضعيفة أمثلُها: رواية مكحول عن أبي هريرة. وضعفها الألباني في «الإرواء» (٥٢٧).
وانظر في تخريج هذِه الأحاديث والكلام عليها: «سنن الدارقطني» ٢/ ٥٥ - ٥٧، «العلل المتناهية» ٤/ ٤٢١ - ٤٢٨، «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٤٧٤ - ٤٧٩، «نصب الراية» ٢/ ٢٦ - ٢٩، «البدر المنير» ٤/ ٤٥٥ - ٤٦٣، «تلخيص الحبير» ٢/ ٣٥، «الدراية» ١/ ١٦٨ - ١٦٩، «الإرواء» (٥٢٧).
(١) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٨٥.



كما أن إمام الفتنة والمبتدع كل واحد منهما مفتون في طريقته، فلما شملهم معناها شملهم الحكم.
ثم ساق البخاري حديث أنس قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَبِي ذَرٍّ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ».
وقد سلف هذا الحديث قريبًا (١) مع الكلام عليه ووجه مطابقته للترجمة مع ما سلف هناك؛ فإنه لم يصف الإمام إلا بكونه حبشيًا فأين هذا من كونه مفتونًا أو مبتدًعا؟ لأن السياق يرشد إلى وجوب طاعته وإن كان أبعد الناس من أن يطاع؛ لأن هذِه الصفة إنما توجد في أعجمي حديث العهد بالإسلام، ومثل هذا غالبًا لا يخلو عن نقص في دينه لو لم يكن إلا الجهل اللازم لأمثاله، وما يخلو الجاهل إلى هذا الحد من ارتكاب بدعة أو اقتحام فتنة، ولو لم يكن إلا في افتتانه بنفسه حين قدم للإمامة وليس من أهلها؛ لأن لها أهلًا من الحسب والنسب والعلم، نبه عليه ابن المنير (٢).

---------------------
(١) سلف برقم (٦٩٣) باب: إمامة العبد والمولى.
(٢) «المتواري» ص ٩٨.



٥٧ - باب من يَقُومُ عن يَمِيِن الإِمَامِ بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَيِنْ
٦٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ -أَوْ قَالَ: خَطِيطَهُ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. [انظر: ١١٧ - فتح: ٢/ ١٩٠]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: بِتُّ عند خَالَتِي مَيْمُونَةَ .. الحديث وسلف في باب السمر في العلم (١).

------------------
(١) سلف برقم (١١٧) كتاب: العلم.


٥٨ - باب إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، فَحَوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى يَمِينِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمَا
٦٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما - قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ -وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ- ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا، فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٢/ ١٩١]
حَدَّثنَا أَحْمَدُ، ثَنَا ابن وَهْبٍ، ثنَا عَمْرٌو -يعني ابن الحارث-، إلى ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، وَ(النَّبِيُّ) (١) - ﷺ - عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ .. الحديث.

----------------
(١) كأنها بالأصل: قال. ولا وجه له.


٥٩ - باب إِذَا لَمْ يَنْوِ الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ
٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٢/ ١٩٢]
ساق فيه حديث ابن عباس أيضًا: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي .. الحديث.
وأحمد في السند الثاني (١) هو ابن صالح، كذا نسبه ابن السكن في نسخته وابن منده وأبو نعيم في «مستخرجه».
وقال بعضهم: هو ابن عيسى. وقيل: ابن أخي ابن وهب.
قال ابن منده: لم يخرج البخاري عن أحمد هذا في «صحيحه» شيئًا وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه.
وقال الحاكم أبو أحمد (٢): أحمد عن ابن وهب في «الجامع» هو ابن أخي ابن وهب، وغلطه الحاكم وقال: عادته فيمن ترك الرواية عنهم في «جامعه» أن يروي عنهم في سائر مصنفاته (كابن) (٣) صالح وغيره، وليس له عن ابن أخي ابن وهب، رواية في موضع، فهذا دال

----------------
(١) يقصد شيخ البخاري في حديث (٦٩٨).
(٢) هو الإمام الحافظ العلامة الثبت، محدث خراسان محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي، الحاكم الكبير، مؤلف كتاب «الكنى» في عدة مجلدات، وكان من بحور العلم، ذكره الحاكم ابن البيع فقال: هو إمام عصره في هذِه الصنعة، كثير التصنيف، مقدم في معرفة شروط الصحيح والأسامي والكنى. توفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، وله ثلاث وتسعون سنة. انظر تمام ترجمته في: «المنتظم» ٧/ ١٤٦، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٣٧٠ (٢٦٧)، «الوافي بالوفيات» ١/ ١١٥، «شذرات الذهب» ٣/ ٩٣.
(٣) في الأصل: كأبي، وبهامشها كتب: صوابه: كابن. فأثبتناها.



عليأنه لم يكتب عنه أو كتب عنه ثم ترك عنه الرواية أصلًا (١).
وأطلق البخاري على الواحد فصاعدًا لفظ القوم؛ لأن الواقعة كانت مع واحد ولا فرق بينه وبين الجماعة.
ثم الحديث دال على أن موقف المأموم إذا كان بحذاء الإمام على يمينه مساويًا له، وهو قول عمر وابنه وأنس وابن عباس والثوري وإبراهيم ومكحول والشعبي وعروة فيما ذكره ابن أبي شيبة في «المصنف» عنهم (٢).
وروي عن جابر أيضًا (٣)، وهو قول مالك وأبي حنيفة، والأوزاعي وإسحاق (٤)، وعن محمد بن الحسن أنه يضع أصابع رجليه عند عقب الإمام (٥).
وعن سعيد بن المسيب أن موقفه عن يساره، أسنده ابن أبي شيبة عنه (٦).
وعن أحمد أنه إن وقف عن يساره بطلت صلاته (٧).
وقال الشافعي: يستحب أن يتأخر (٨) عن يساره قليلًا.
وعن النخعي: يقف خلفه إلى أن يركع، فإن جاء أحد وإلا قام عن

-------------------
(١) «المدخل إلى الصحيح» لأبي عبد الله الحاكم ٤/ ٢٤١. ط مكتبة الفرقان. تحقيق الدكتور/ ربيع المدخلي.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩ (٤٩٢٧ - ٤٩٣٤). وليس فيهم الثوري.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٨ (٤٩٢٦) عن جابر مرفوعًا. وهو في مسلم (٧٦٦).
(٤) انظر «بدائع الصنائع» ١/ ١٥٨ - ١٥٩، «المدونة» ١/ ٨٦.
(٥) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٥٩.
(٦) «المصنف» ١/ ٤٢٩ (٤٩٣٥).
(٧) انظر: «المستوعب» ٢/ ٣٦٤.
(٨) علق بهامش الأصل بقوله: الضمير يرجع إلى المأموم لا الإمام.



يمينه، ذكره ابن المنذر (١)، وهو دال على أنه لا تجوز صلاة المنفرد خلف الصف، وسيأتي له باب مستقل وحده. وقد صح إحرامه أولًا.
ولم يأمر ابن عباس بالإعادة، حيث أحرم عن يساره فأقامه عن يمينه.
والأحاديث دالة على وقوفه عن يمينه منها: حديث ابن عباس هذا، ومنها: حديث جابر في مسلم وأبي داود: وأخذ بيديَّ فأدارني حتى أقامني عن يمينه (٢).
وفي رواية أحمد: أنها كانت المغرب (٣) (٤).
وعند النسائي وأحمد عن ابن عباس: صليت إلى جنب النبي - ﷺ - وعائشة خلفنا تصلي معنا (٥).
ومنها حديث أنس في الصحيح ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه: فأقامني عن يمينه (٦).

---------------
(١) الأوسط، لابن المنذر ٤/ ١٧٢، ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤١٠ (٣٨٩٠). وابن أبى شيبة ١/ ٣٥٩ (٤١٢٦) مسندًا.
(٢) مسلم (٧٦٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، «سنن أبي داود» (٦٣٤) كتاب: الصلاة، باب: إذا كان الثوب ضيقًا يتزر به، ووجع عند مسلم: فأخذ بأذني.
(٣) «مسند أحمد» ٣/ ٣٢٦.
(٤) ورد في هامش الأصل: وفي كما جرى لابن عباس ولغيره جرى لجبار بن صخر بطريق مكة مع النبي - ﷺ - وذلك في «مسند الإمام أحمد» من حديثه.
(٥) النسائي ٢/ ٨٦، ١٠٤، «مسند أحمد» ١/ ٣٠٢.
(٦) رواه مسلم (٦٦٠) كتاب: المساجد، باب: جواز الجماعة في النافلة، وأبو داود (٦٠٨ - ٦٠٩)، والنسائي ٢/ ٨٦، وابن ماجه (٩٧٥) كلهم بموضع. الشاهد ورواه الترمذي (٢٣٤) بدونه أشار إليه في كلامه بعد الرواية.



وللبيهقي مثله عن أبي ذر (١) ولسمويه (٢) في «فوائده» عن عبد الله بن أنيس (٣).
وفعله عمر وابنه، كما رواه مالك عنهما (٤) فإن خالف وصلى خلفه كره؛ لمخالفة السنة.
وقيل: لا، وكذا إن وقف عن يساره، خلافًا لأحمد كما سلف؛ فإنه - عليه السلام - لم يأمر ابن عباس بإعادة ما صلى قبل جره.
وفي الحديث أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن الإمام إذ لم ينو الإمامة أولًا لا بأس أن يؤم به كما وقع في الحديث، فإن ابن عباس جاء بعد ما صلى رسول الله - ﷺ - ولم ينو أولًا أن يؤم بابن عباس.

------------------
(١) «سنن البيهقي» ٣/ ٩٩، ورواه أيضًا أحمد ٥/ ١٧٠، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ٤٤٩ - ٤٥٠ (٤٠٦١ - ٤٠٦٢). قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٢٧٣: رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات.
(٢) هو الإمام الحافظ الثبت الرحال الفقيه، أبو بشر، إسماعيل بن عبد الله بن مسعود ابن جبير، العبدي الأصبهاني، سمويه، صاحب تلك الأجزاء الفوائد، التي تُنبئ بحفظه وسعة علمه، قال ابن أبي حاتم: سمعنا منه وهو ثقة صدوق، وقال أبو الشيخ: كان حافظًا متقنًا، وقال أبو نعيم: كان من الحفاظ والفقهاء. توفي سنة سبع وستين ومائتين. انظر تمام ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ١٨٢، «الأنساب» ٧/ ١٥١، «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ١٠ (٦)، «تاريخ الإسلام» ٢٠/ ٦٥ (٤٠).
(٣) رواه الطبراني في «الكبير» كما في «مجمع الزوائد» ٢/ ٥١، ٩٥. وقال في الموضع الأول: رجاله موثقون. وفي الموضع الثاني: فيه: أبو الحسن، روى عن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب، وروى عنه سليمان بن كثير، ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله ثقات.
(٤) «الموطأ» ١/ ١٥٨ (٤٠٧) والذي فيه أن عمر - رضي الله عنه - قرب عبد الله بن عتبة - رضي الله عنه -. ولم أقف على رواية ابن عمر فيه. ورواهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٨ (٤٩٢٧، ٤٩٢٩) وتقدم تخريجهما.



وعند الشافعي ومالك وزفر: أن نية الإمامة ليست شرطًا فتجزئ صلاة المأموم وإن لم ينو الإمام الإمامة (١).
وفيه قول ثان: أنها شرط وأن على المأموم الإعادة، قاله الثوري، ورواية عن أحمد وإسحاق (٢).
وقول ثالث: أنه إذا نواها جاز للرجال الصلاة خلفهم، وكذا إن لم ينوها. ولا يجوز للنساء الاقتداء به إلا أن ينويهن. وعن ابن القاسم نحوه في النساء. وحديث ابن عباس حجة للشافعي ومن وافقه ومن ادعى أنه - ﷺ - نوى الاقتداء به فعليه البيان، ولو قلب قالب قول أبي حنيفة فقال: إن نوى أن يكون إمامًا جاز للنساء أن يصلين خلفه ولم يجز للرجال، لم يكن له فرق ولم تكن الحجة لهم إلا كالحجة عليهم.
وأيضًا فإن النساء كن يصلين خلفه - عليه السلام -، ولم ينقل عنه أحد أنه عينهن بالنية ولا حصل منه تعليم ذلك.
فائدة: استدل البيهقي بما رواه مسلم في هذا الحديث بقوله: فقمت عن يساره فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه.
وفي رواية: فتناولني من خلف ظهره فجعلني عن يمينه (٣). فقال: فيه كالدلالة على منع المأموم من التقدم على الإمام حيث أداره من خلفه ولم يدره من بين يديه (٤).

------------------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٤٠، «المدونة» ١/ ٨٦، «الأم» ١/ ١٤١.
(٢) انظر: «المغني» ٣/ ٧٣ - ٧٤.
(٣) رواه مسلم (٧٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(٤) «سنن البيهقي الكبرى» ٣/ ٩٩ كتاب: الصلاة، باب: ما يستدل به على منع المأموم من الوقوف بين يدي الإمام. وقال ابن التركماني: ليس في الحديث الذي ذكره دليل على منع التقدم إذ لا يدل فعله - عليه السلام - على الوجوب.



٦٠ - باب إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ فَصَلَّى
٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ. [٧٠١، ٧٠٥، ٧١١، ٦١٠٦ - مسلم: ٤٦٥ - فتح: ٢/ ١٩٢]

٧٠١ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ» ثَلَاثَ مِرَارٍ، أَوْ قَالَ: «فَاتِنًا فَاتِنًا فَاتِنٌ» وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ. قَالَ عَمْرٌو لَا أَحْفَظُهُمَا. [انظر: ٧٠٠ - مسلم: ٤٦٥ - فتح: ٢/ ١٩٢]
ذكر فيه حديث جابر: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمّ قَوْمَهُ. وفي لفظ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَرْجعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ رجُل … الحديث.
وأخرجه مسلم أيضًا (١)، وطرّقه الدارقطني، وأخرجه أحمد من حديث بريدة بإسناد صحيح -أن معاذًا (٢) صلى بأصحابه العشاء فقرأ فيها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى وذهب (٣).

------------------
(١) رواه مسلم (٤٦٥) كتاب الصلاة، باب: القراءة في العشاء.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ في الهامش: وقع في «شرح مسلم» للنووي في باب: القراءة في العشاء أن البزار روى قصة معاذ، أنه كان يصلي مع رسول الله - ﷺ -، ثم بقومه، ولم أره فيه. ولا في غيره.
(٣) رواه أحمد ٥/ ٣٥٥.



وفي رواية للشافعي: فقرأ سورة البقرة والنساء (١).
ومن حديث أنس قال: كان معاذ يؤم قومه فدخل حرام. الحديث، وفيه: فلما طوَّل تجوزت في صلاتي، وكانت صلاة المغرب، كما ساقه أبو داود (٢) فيجوز تعدد الواقعة واتحادها.
إذ عرفت ذلك فالكلام على الرواية الثانية من أوجه:
أحدها:
قد عرفت بيان الرجل المبهم فيه. وقيل: اسمه حازم، وقيل: حزم بن أبي كعب. وقيل: سليم بن الحارث (٣).
ثانيها:
قوله: (فانصرف رجل)، ظاهره أنه كملها وحده، لكن جاء في رواية لمسلم: فانحرف الرجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف (٤).
وقال البيهقي: لا أدري هل حفظت هذِه اللفظة أم لا؟ لكثرة من رواه عن سفيان بدونها، وانفرد بها محمد بن عباد، عن سفيان (٥).

---------------
(١) الذي في «مسند الشافعي» (١٤٥، ١٤٦، ٢٨١، ٢٨٢): أنه قرأ البقرة وليس فيه ذكر النساء، وهو من رواية جابر. غير أن الحافظ قال «الفتح»: وللسراج من رواية مسعر عن محارب فقرأ بالبقرة والنساء. انظر: «فتح الباري» ٢/ ١٩٣.
(٢) رواه أبو داود (٧٩١)، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٤٢): إسناده ضعيف، وقوله (المغرب) منكر.
(٣) انظر: «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» للخطيب البغدادي ص ٥٠ (٢٨)، و«غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ٣١٤ - ٣١٩، و«الفتح» ٢/ ١٩٣ - ١٩٤ فإنه شفي فيه.
(٤) مسلم (٤٦٥/ ١٧٨) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء.
(٥) «سنن البيهقي» ٣/ ٨٥، ١١٢ وليس فيه هذا النص، فيبدو أنه في «الخلافيات». والله اعلم.



قلت: فعلى هذا تكون هذِه الرواية شاذة، ويؤيد ذلك أن في «مسند أحمد» من حديث أنس أن هذا الرجل لما رأى معاذًا طول تجوز في صلاته (١)، وهو يقتضي أنه أتمها منفردًا.
وقوله: (فسلم) لا أعلم من قال به من القدماء، لكن حكى المازري خلافًا أنه هل يخرج بسلام أم لا؟
ثالثها:
قوله: فقال: «فتان». ثلاثًا أو قال: «فاتنا» ثلاثًا، الفاتن: الذي يوقع الفتنة بين الناس. والفتان: الذي يكثر ذلك منه تقول: فتنت وأفتتنت، وأنكر الأصمعي الثاني، ففتان أبلغ من فاتن، ويجوز أن يكون المراد بها هنا العذاب، أي: تعذب الناس بالتطويل. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] عذبوهم.
وفي رواية: «أفتان» بالهمزة (٢)، وهي همزة استفهام تتضمن الإنكار، والتكرار مبالغة في الإنكار.
وقوله هنا: («فتان») ثلاثًا. خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت فتان.
وجاء في رواية: «فتان أنت».
رابعها:
قوله: وأمره بسورتين من المفصل. قال عمرو: لا أحفظهما.
جاء في الصحيح: قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿وَالضُّحَى﴾ و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا

-----------------
(١) «المسند» ٣/ ١٢٤.
(٢) ستأتي برقم (٧٠٥) قريبًا في باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، ورواها مسلم (٤٦٥/ ١٧٨) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء.



يَغْشَى (١)﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ فقال عمرو نحو هذا (١). وفي رواية: و﴿إِذَا السَّمَآءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ (٢) وفي رواية: و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٣).
خامسها:
ظاهر الحديث أن للمأموم قطع القدوة ويتم منفردًا، وهو أصح الأقوال عندنا بعذر وبغيره (٤).
ثانيها: التفرقة، ومنعه أبو حنيفة، وهو مشهور مذهب مالك (٥). وعن أحمد حكاية روايتين فيه (٦)، وعدُّوا طول القراءة عذرًا.
قال النووي: والاستدلال به ضعيف؛ لأنه ليس في الحديث أنه فارقه، وبنى على صلاته، بل في تلك الرواية أنه سلم وقطع الصلاة من أصلها ثم استأنفها، ففيه دلالة لجواز إبطالها بعذر، وقد علمت ما في هذِه الرواية (٧).
وأما الرواية الأولى فقدمها البخاري لعلوها، وإن كانت غير ما بوب له وستعرف فقهها موضع ذكر البخاري لها قريبًا.

------------------
(١) رواه مسلم (٤٦٥/ ١٧٨) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء.
(٢) رواه النسائي ٢/ ١٧٢ كتاب: الافتتاح، باب: القراءة في العشاء الآخرة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾.
(٣) مسلم (٤٦٥/ ١٧٩) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء.
(٤) انظر: «الأم» ١/ ١٥٤.
(٥) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٢٣، «الذخيرة» ٢/ ٢٧٢.
(٦) انظر: «الكافي» ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
(٧) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٤/ ١٨٢.



٦١ - باب تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي القِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا. فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ». [انظر: ٩٠ - مسلم: ٤٦٦ - فتح: ٢/ ١٩٧]
ذكر فيه حديث أبي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: والله يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لأَتَاَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا. فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ».
هذا الحديث سلف في باب: الغضب في الموعظة، من كتاب العلم (١) ويأتي قريبًا في باب من شكى إمامه إذا طول (٢).
و(ما) هنا شرطية لا نافية. وبوَّب البخاري على التخفيف في القيام، وذكر الحديث في التخفيف في الكل؛ لأن الوارد التخفيف في القيام فقط، وهو محل التطويل، وما عداه سهل لا يشق إتمامه على أحد (٣)، ويأتي فقهه في الباب بعده.

----------------
(١) برقم (٩٠).
(٢) برقم (٧٠٤).
(٣) هذا الاعتراض أو الاستغراب من تبويب البخاري والإجابة عنه، هو نص كلام ابن المنير في «المتواري» ص ٩٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #176  
قديم 30-01-2026, 05:46 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 561 الى صـــ 580
الحلقة (176)






قال ابن بطال: لما أمر الشارع بالتخفيف كان المطول عاصيًا ومخالفة العاصي جائزة؛ لأنه لا طاعة إلا في المعروف (١).
-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٣٢.


٦٢ - باب إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ (١)
٧٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ». [مسلم: ٤٦٧ - فتح: ٢/ ١٩٩]

٧٠٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ -أَوِ

------------
(١) تنبيه: حدث اضطراب في ترتيب التراجم الثلاث التالية وترتيب الأحاديث فيها.
ففي «اليونينية» ١/ ١٤٢ - ١٤٣، ويوافقها مطبوع البخاري.
ترجم باب: إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، وذكر فيها حديثًا واحدًا (٧٠٣) ثم ترجم باب من شكا إمامه إذا طول، وذكر فيها حديثين (٧٠٤، ٧٠٥) ثم ترجم باب: الإيجاز في الصلاة وإكمالها وذكر فيها حديثًا واحدًا وهذِه الترجمة الأخيرة لم تثبت في أصل «اليونينية» وإنما أثبتت في الهامش منسوبة لأبي ذر وألحق الحديث بالترجمة السابقة- في أصلها.
أما المصنف فترجم بالأولى باب: إذا صلي لنفسه فليطول ما شاء، ثم ذكر تحتها ثلاثة أحاديث.
الأولى: الحديث المذكور فيها أصلًا (٧٠٣).
والثاني: الحديث الثاني في الترجمة التي بعدها (٧٠٥).
والثالث: حديث الترجمة الثالثة -المنسوبة لرواية أبي ذر- (٧٠٦).
وهذِه الأخيرة أسقطها المصنف، ولم يشر إليها.
ثم ترجم بالترجمة الثانية باب: من شكا إمامه إذا طول وذكر تحتها حديثًا واحدًا (٧٠٤).
فأثبتنا الأحاديث حسب ترتيب المصنف ووضعنا الترجمة الساقطة قبل حديث بين معقوفتين؛ لئلا تشكل مع الشرح.



النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ - أَوْ أفَاتِنٌ؟! ثَلَاثَ مِرَارٍ - فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ». أَحْسِبُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، وَمِسْعَرٌ وَالشَّيْبَانِيُّ. قَالَ عَمْرٌو، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: قَرَأَ مُعَاذٌ فِي الْعِشَاءِ بِالْبَقَرَةِ. وَتَابَعَهُ الأَعْمَشُ عَنْ مُحَارِبٍ. [انظر: ٧٠٠ - مسلم: ٤٦٥ - فتح: ٢/ ٢٠٠]


٦٣ - [باب الإِيجَازِ فِي الصَّلَاةِ وَإِكْمَالِهَا]
٧٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُوجِزُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا. [٧٠٨ - مسلم: ٤٦٩ - فتح: ٢/ ٢٠١]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفَفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ».
والكلام عليه من وجهين:
أحدهما: هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (١) أيضًا. وادعى الطَرْقي أن قوله: «وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء»، أن الأعرج زادها دون همام وغيره، لكن أخرجها مسلم من رواية همام فاعلمه (٢). وفي بعض الروايات: الصغير (٣). وفي بعضها: المريض (٤). وفي أبي داود: والشيخ الكبير (٥).
ثانيهما: فيه دليل على أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف لأمر الشارع لهم بذلك وبيَّن في الحديث العلة الموجبة له وهي غير مأمونة على أحدٍ من أئمة الجماعة؛ لأنه وإن علم قوة من خلفه فلا يدري

-------------------
(١) رواه مسلم (٤٦٧) كتاب: الصلاة، باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، وأبو داود (٧٩٤، ٧٩٥)، والترمذي (٢٣٦)، والنسائي ٢/ ٩٤.
(٢) مسلم (٤٦٧/ ١٨٤).
(٣) مسلم (٤٦٧/ ١٨٣).
(٤) مسلم (٤٦٧/ ١٨٣).
(٥) «سنن أبي داود» (٧٩٥) كتاب: الصلاة، باب: في تخفيف الصلاة.



ما يحدث بعد من الآفات، ولذلك قال: «وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء»؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره. وقد ذكر الرب ﷻ الأعذار التي من أجلها أسقط فرض قيام الليل عن عباده فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠].
فينبغي للإمام التخفيف مع إكمال الأركان. ألا ترى أنه - عليه السلام - قال للذي لم يتم ركوعه ولا سجوده.: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (١).
وقال - ﷺ -: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل ظهره في الركوع والسجود» (٢).
وممن كان يخفف الصلاة من السلف أنس بن مالك. قال ثابت: صليت معه العتمة فتجوز ما شاء الله. وكان سعد إذا صلى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجوز، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلت له، فقلت له: إنا أئمة يقتدى بنا.

--------------
(١) سيأتي برقم (٧٥٧) كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم، ورواه مسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه أبو داود (٨٥٥) كتاب: الصلاة، باب: صلاة من لم يقيم صلبه في الركوع والسجود، والترمذي (٢٦٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، والنسائي ٢/ ١٨٣ كتاب: الافتتاح، باب: إقامة الصلب في الركوع، ٢/ ٢١٤ كتاب: التطبيق، باب: إقامة الصلب في السجود. وأحمد ٤/ ١١٩، وابن الجارود في «المنتقى» ١/ ١٨٣ (١٩٥)، وابن حبان في ٥/ ٢١٧ - ٢١٩ (١٨٩٢ - ١٨٩٣) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة، والدارقطني ١/ ٣٤٨ كتاب: الصلاة، باب: لزوم إقامة الصلاة، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ١١٦، والبيهقي ٢/ ٨٨ كتاب: الصلاة، باب: الطمأنينة في الركوع. قال الدارقطني: إسناد صحيح ثابت. وقال البيهقي: إسناد صحيح. وقال أبو نعيم: صحيح ثابت من حديث الأعمش. وأورده الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠١) وقال: إسناده صحيح على شرط البخاري.



وصلى الزبير بن العوام صلاة خفيفة، فقيل له: أنتم أصحاب رسول الله - ﷺ - أخف الناس صلاةً؟!. فقال: إنا نبادر هذا الوسواس.
وقال عمار: احذِفوا هذِه الصلاة قبل وسوسة الشيطان.
وكان أبو هريرة يتم الركوع والسجود ويتجوز، فقيل له: هكذا كانت صلاة رسول الله - ﷺ -؟ فقال: نعم وأجوز.
وقال عمرو بن ميمون: لما طعن عمر تقدم عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأخصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١]. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ [النصر: ١]. وكان إبراهيم يخفف الصلاة ويتم الركوع والسجود.
وقال أبو مجلز: كانوا يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة. ذكر هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١).
الحديث الثاني:
حديث شُعْبَةَ قَالَ: ثنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذَا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إلَى مُعَاذِ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ -أَوِ النِّسَاءِ- فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فذكر الحديث. وفي آخره: «وَذُو الحَاجَةِ». أَحْسِبُ هذا فِي الحَدِيثِ.
ثم قَالَ: تًابَعَهُ -يعني شعبة- سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقِ، وَمِسْعَرٌ، وَالشَّيْبَانِيُّ.
قَالَ عَمْرٌو، وَعُبَيْدُ الله بْنُ مِقْسَمِ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: قَرَأَ مُعَاذٌ فِي العِشَاءِ بِالْبَقَرَةِ. وَتَابَعَهُ الأَعْمَشُ، عَنْ مُحَارِب.

------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٠٦ (٤٦٦٤ - ٤٦٦٧، ٤٦٦٩ - ٤٦٧٣).


هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ومتابعة مسعر أخرجها السراج في «مسنده» عن أبي نعيم عنه.
ومتابعة عبيد الله بن مقسم أخرجها أبو داود وصححه ابن خزيمة (٢)، ومتابعة أبي الزبير أخرجها مسلم والنسائي وابن ماجه أيضًا وفيه: فقرأ بالبقرة من غير شك (٣). ومتابعة الأعمش أخرجها النسائي من حديثه عن محارب وأبي صالح ذكوان عن جابر (٤).
وقال الدارقطني في حديث أبي صالح: هذا المرسل أصح. أي: عن معاذ بإسقاط جابر. وجنوح الليل: إقباله. و(الناضح): البعير الذي يستقي عليه الماء، والأنثى: ناضحة.
وقوله: (فلولا صليت). أي: فهلا. وفقهه سلف.
الحديث الثالث: حديث أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُوجِزُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي أيضًا (٥) وفقهه أجمع سلف.

---------------
(١) مسلم (٤٦٥) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء.
(٢) أبو داود (٧٩٣) كتاب: الصلاة، باب: في تخفيف الصلاة، وابن خزيمة ٣/ ٦٤ - ٦٥ (١٦٣٣ - ١٦٣٤) كتاب: الصلاة، باب: إباحة ائتمام المصلي فريضة بالمصلي نافلة، وأورده الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٥٨) وقال: إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير أنه إنما أخرج لابن عجلان متابعة.
(٣) مسلم (٤٦٥/ ١٧٩)، النسائي ٢/ ١٧٢، ابن ماجه (٨٣٦، ٩٨٦)
(٤) «سنن النسائي» ٢/ ٩٧ - ٩٨ كتاب: الإمامة، باب: خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد.
(٥) «صحيح مسلم» (٤٦٩) كتاب: الصلاة، باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة، والنسائي ٢/ ٩٥.



٦٤ - باب مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ
وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَيَّ.

٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى لأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا. فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ». [انظر: ٩٠ - مسلم: ٤٦٦ - فتح: ٢/ ٢٠٠]
هذا التعليق أسنده ابن أبي شيبة عن وكيع، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، حدثني المنذر بن أبي أسيد الأنصاري، قال: كان أبي يصلي خلفي فربما قال لي: يا بني طولت بنا اليوم.
ثم أفاد: عن وكيع، ثنا إبراهيم بن يزيد المكي، عن عطاء قال: لا يؤم الرجل أباه (١).
وأُسيد: بضم الهمزة، كذا بخط الدمياطي.
وقال الجياني: في نسخة أبي ذر من رواية المستملي وحده: أبو أسيد بفتح الهمزة، وغيره: بضمها، وهو الصواب (٢).
وفي «إكمال ابن ماكولا»: أبو أُسيد بضم الهمزة، مالك بن ربيعة شهد بدرًا، قال أبو عبد الله: وقال عبد الرزاق ووكيع: أبو أسيد، وهو الصواب (٣).

-----------------
(١) «المصنف» ٢/ ٣٢ (٦١١٦ - ٦١١٧) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يؤم أباه.
(٢) «تقييد المهمل» ١/ ٧٤. وفيه: ولأبي محمد وأبي الهيثم بضم الهمزة، وهو الصواب. وانظر: «اليونينية» ١/ ١٤٢.
(٣) «الإكمال» ١/ ٧٠، وانظر: «مشارق الأنوار» ١/ ٦٠.



ثم ذكر البخاري حديث أَبِي مَسْعُودٍ -واسمه: عقبة بن عمرو- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا. فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ غَضَبًا يَوْمَئِذٍ .. الحديث. وقد سلف قريبًا (١).
وشيخ البخاري محمد بن يوسف هو: الفريابي، وشيخه سفيان هو: الثوري، نصَّ عليه أبو نعيم.

-------------
(١) رقم (٧٠٢).


٦٥ - باب مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ
٧٠٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ». تَابَعَهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَبَقِيَّةُ، عَنِ الأَوْزَاعِّيِ. [٨٦٨ - فتح: ٢/ ٢٠١]

٧٠٨ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ. [انظر: ٧٠٦ - مسلم: ٤٦٩ - فتح: ٢/ ٢٠١]

٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ». [٧١٠ - مسلم: ٤٧٠ - فتح: ٢/ ٢٠٢]

٧١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ فَأُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ».
وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ.
[انظر: ٧٠٩ - مسلم: ٤٧٠ - فتح: ٢/ ٢٠٢]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما:
حديث أَبِي قَتَادَةَ، من طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال رسول الله - ﷺ -:


«إِنِّي لأَقومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ».
هذا الحديث يأتي أيضًا قريبًا (١) وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، ثم قال البخاري: تَابَعَهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، وَبَقِيَّةُ، وَابْنُ المُبَارَكِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ.
قلت: طريق بشر أخرجها البخاري بعد مسندة (٣) وطريق بقية لا يحضرني من خرجها (٤). وطريق ابن المبارك أخرجها النسائي عن سويد بن نصر عنه (٥).
قلت: وتابعه أيضًا عمر بن عبد الواحد أخرجه أبو داود (٦)، وإسماعيل بن عبد الله بن سماعة، أخرجه الإسماعيلي.
الحديث الثاني:
حديث أنس من طريق شريك بن عبد الله: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ مِنَ رسول الله - ﷺ -، وإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمّهُ.

--------
(١) سيأتى برقم (٨٦٨) كتاب: الأذان، باب: انتظار الناس قيام الإمام العالم.
(٢) هو من أفراد البخاري، وإنما الذي رواه مسلم من حديث إنس التالي.
(٣) سيأتي برقم (٨٦٨).
(٤) مسلم (٤٧٠/ ١٩١).
(٥) النسائي ٢/ ٩٥ كتاب: الإمامة، باب: ما على الإمام من التخفيف.
وكذا أخرجه أحمد ٥/ ٣٠٥ عن أحمد بن الحجاج عنه، وابن أبي شيبة ١/ ٤٠٧ (٤٦٧٨) عن علي بن إسحاق عنه، والبيهقي ٣/ ١١٨ بإسناده عن الحسن بن عيسى عنه، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ١٠، والحافظ في «التغليق» ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨ كلاهما من طريق النسائي عن سويد بن نصر عنه.
(٦) أبو داود (٧٨٩) كتاب: الصلاة، باب: تخفيف الصلاة للأمر يحدث. وكذا أخرجه ابن ماجه (٩٩١)، والبيهقي ٣/ ١١٨.



ثم ساقه من حديث قتادة أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ».
ثم ذكره من حديث قتادة عن أنس أيضًا. والحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
ثم قال البخاري: وقال موسى: ثنا أبان، ثنا قتادة، ثنا أنس مثله.
وطريق موسى هو ابن إسماعيل أخرجها السراج في «مسنده» عن عبيد الله بن جرير بن جبلة عنه، ورواه الترمذي من حديث حميد عن أنس، وقال: حسن صحيح (٢).
إذا تقرر ذلك فالمراد بالتجوز: تقليل القراءة. ففي «صحيح مسلم» كان يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة (٣).
وفي ابن أبي شيبة من حديث ابن سابط أنه - عليه السلام - قرأ في الركعة الأولى بسورة نحوًا من ستين آية، فسمع بكاء صبي فقرأ في الثانية بثلاث آيات (٤).
و(الوجد) بفتح الواو: الحزن. قال صاحب «المطالع»: من موجدة أمه، أي: من حبها إياه وحزنها لبكائه. وروي «من وجد أمه»: بفتح الجيم. وقال صاحب «المحكم» (٥): وجد الرجل وجدًا ووجدًا كلاهما

---------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٧٠) كتاب: الصلاة، باب: أمر الإئمة بتخفيف الصلاة.
(٢) «سنن الترمذي» (٣٧٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أن النبي - ﷺ - قال: إني لأسمع بكاء الصبي في الصلاة فأخفف.
(٣) مسلم (٤٧٠/ ١٩١).
(٤) «المصنف» ١/ ٤٠٧ (٤٦٨٠) كتاب: الصلوات، باب: التخفيف في الصلاة.
(٥) «المحكم» ٧/ ٣٦٩.



عن اللحياني: حزن. قلت: ومضارعه يجد -كما قال ثعلب- وحكى القزاز عن الفراء: يجُد.
وأما أحكام الباب فهو ظاهر لما ترجم له.
وفيه مع ذلك جواز إدخال الصبيان المساجد، وصلاة النساء مع الرجال في المساجد، والرفق بالمأموم وسائر الأتباع ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يُدخل عليهم ما يشق عليهم.
واستدل به بعضهم على انتظار الإمام إذا أحس بداخل وهو راكع. ووجه ذلك أنه إذا جاز له حذف طولها للحاجة في بعض أمور الدنيا فالأخرى أولى بحيازة فضيلة الركعة، وقد نفرق -كما قال القرطبي- بأن هذا زيادة عمل في الصلاة بخلاف الحذف (١). وفي هذِه المسألة خلاف منتشر للسلف، أجازه الشعبي والحسن وابن أبي ليلى، وقيده أحمد وإسحاق وأبو ثور بما إذا لم يشق على أصحابه (٢). ومنعه الأوزاعي وأبو حنيفة؛ لأنه يضر بمن خلفه (٣).
وقال سحنون: صلاتهم باطلة (٤).
ونقل ابن بطال (٥) وابن التين عن الشافعي عدم الانتظار. واعترض عليهما شيخنا في «شرحه»، وقال: المنقول عن الشافعي الجواز، قلت: عنه خلاف كما بسطته في شروح الفروع بشروط لذلك، ليس هذا محله.

----------------
(١) «المفهم» ٢/ ٧٩.
(٢) انظر: «المغني» ٢/ ٧٨.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٤) هذا القول فيه نظر، لأنه يقول: إن الإمام ينتظر وإن طال.
انظر «الذخيرة» ٢/ ٢٧٤، «التاج والإكليل» ١/ ٤٠٥، «مواهب الجليل» ١/ ٤٠٤.
(٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٣٦.



٦٦ - باب إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا
٧١١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ. [انظر: ٧٠٠ - مسلم: ٤٦٥ - فتح: ٢/ ٢٠٣]
ذكر فيه حديث جابر: كَانَ مُعَاذ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ.
وهو ظاهر لما ترجم له. والفرض هو الأولى على الصحيح عند الشافعي، ولا يظن بمعاذ أنه يصلي الأولى نافلة للنهي عنها عند الإقامة، وكيف يترك الفرض مع سيد الأئمة في مسجده المضاعف (١) ويصليها بقومه.
وقد روى الشافعي والدارقطني في الحديث: هي له تطوع ولهم مكتوبة (٢).

------------------
(١) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث أبي هريرة الآتي (١١٩٠) مرفوعًا: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام». ورواه مسلم (١٣٩٤).
(٢) «الأم» ١/ ١٥٣، و«مسند الشافعي» ١/ ٥٧، «سنن الدارقطني» ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥ كتاب: الصلاة، باب: ذكر صلاة المفترض خلف المتنفل.
ورواه أيضًا الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٠٩، والبيهقي في «السنن» ٣/ ٨٦، وفي «المعرفة» ٤/ ١٥٣ (٥٧٢٩) من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله أن معاذًا .. الحديث.
قال البيهقي: قال الشافعي -في رواية حرملة-: هذا حديث ثابت لا أعلم حديثًا يروى من طريق واحد أثبت من هذا ولا أوثق رجالًا. ثم قال: وكذلك رواه أبو عاصم النبيل وعبد الرزاق، عن ابن جريج، وذكر فيه هذِه الزيادة من وجه آخر عن جابر. ثم ساق بإسناده من طريق الشافعي، عن إبراهيم بن محمد، عن ابن =



وأبعد منه تأويل بعضهم أن ذلك كان أول الإسلام، وقت عدم القراء. أو أن ذلك كان حين كانت الفريضة تصلي مرتين ثم نهي عنه -كما ادعاه الطحاوي- وأنه - عليه السلام - لم يطَّلع على ذلك وقد شكي تطويله، وقد ظهر بذلك صحة الفرض خلف النفل (١).
وخالف فيه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية (٢) والزهري وابن المسيب والنخعي وأبو قلابة وربيعة ويحيى بن سعيد والحسن في رواية (٣)، ومجاهد فيما ذكره الطحاوي (٤)، واستدل بقوله - ﷺ -:

---------------
= عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، به. اهـ. «المعرفة» ٤/ ١٥٣ - ١٥٤، وهو في «الأم» ١/ ١٥٣، وفي «المسند» ١/ ١٠٤ (٣٠٦).
وقال ابن شاهين: لا خلاف بين أهل النقل للحديث أنه حديث صحيح الإسناد. اهـ.
«الناسخ والمنسوخ» ص ٢٥٦ - ٢٥٧.
وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٩٦: حديث صحيح رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فانتفت تهمة تدليسه. وقال الألباني في «الإرواء» ١/ ٣٢٩: زيادة إسنادها صحيح.
قال الطحاوي ١/ ٤٠٩: قوله: هي له تطوع ولهم فريضة. يجوز أن يكون من قول ابن جريج أو من قول عمرو بن دينار أو من قول جابر، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان القول، فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ أنه كذلك أم لا، لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ، إنما قالوا قولًا، على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك. اهـ. بتصرف يسير.
وقال البيهقي في «المعرفة» ٤/ ١٥٤: الظاهر أنه من قول جابر، وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - اعلم بالله وأخشى لله من أن يقولوا مثل هذا إلا بعلم. وقال الحافظ ابن رجب ٦/ ٢٤٥: لعله مدرج من قول ابن جريج.
(١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤١٠.
(٢) انظر «شرح فتح القدير» ١/ ٣٧١، «المعونة» ١/ ١٢١، «عيون المجالس» ١/ ٣٦٢، «المغني» ٣/ ٦٧.
(٣) انظر: «الأوسط» ٤/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤١٢.



«إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» (١).
قال ابن بطال: ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات (٢).
قلت: لا، فإنه لا يظهر به مخالفة بخلاف الأفعال. قال: ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة المتنفل لما شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها وارتكاب الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف؛ لأنه كان يمكنه أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته وتكون الثانية له نافلة وللطائفة الثانية فريضة. قلت: فعل ذلك أيضًا في الظهر صلى بطائفة ركعتين وسلم، ثم بأخرى ركعتين وسلم.
أخرجه الشافعي (٣) وصححه ابن حبان وابن الأثير (٤). وفعل أيضًا ذلك

------------
(١) سيأتي برقم (٧٣٤) كتاب: الأذان، باب: إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٣٧.
(٣) «مسند الشافعي» ١/ ١٧٦ (٥٠٦) من طريق يونس، عن الحسن، عن جابر به.
ورواه أحمد ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥، ٣٩٠، وعبد بن حميد ٣/ ٤٨ - ٤٩ (١٠٩٤)، وأبو يعلى ٣/ ٣١٢ - ٣١٣ (١٧٧٨)، والطحاوي في «شرح المعاني» ١/ ٣١٥، وابن حبان ٧/ ١٣٨ - ١٣٩ (٢٨٨٣)، والحاكم ٣/ ٢٩ - ٣٠، والبيهقي في «الدلائل» ٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦ من طريق أبي عوانة عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر بن عبد الله قال: قاتل رسول الله - ﷺ - محارب خصفة بنخل .. الحديث.
وفيه: فلما كان الظهر والعصر -شك أبو عوانة- صلى بهم صلاة الخوف، .. الحديث بنحوه مطولًا.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٧/ ١٣٨ - ١٣٩ (٢٨٨٣) كتاب: الصلاة باب: صلاة الخوف، وصححه ابن الأثير في «الشافي في شرح مسند الشافعي» ٢/ ٢٤١ ط. مكتبة الرشد.
والحديث الذي صححه ابن الأثير، هو حديث الشافعي، المخرج من طريق الحسن عن جابر. أما الحديث الذي صححه ابن حبان فهو بإسناد آخر، من طريق سليمان بن قيس، عن جابر. وإسناده منقطع، قال الترمذي في «السنن» ٣/ ٥٩٥: سمعت البخاري يقول: سليمان بن قيس اليشكري، يقال: إنه مات في حياة جابر ابن عبد الله قال: ولم يسمع من قتادة ولا أبو بشر. وقال الحاكم ٣/ ٣٠: حديث =



في المغرب كما صححه الحاكم على شرط الشيخين (١)، ووافقنا عطاء وطاوس (٢)، وابن المنذر (٣)، وسليمان بن حرب وأبو ثور وداود وأحمد -في رواية- (٤)، قال ابن قدامة: وأكثر أصحابنا (٥).
وقياس قول مالك أن من صلى بقوم وقد صلى يعيدون أبدًا.
وقال سحنون: يعيدون بعد اليومين والثلاثة، وإن طال فلا؛ لاختلاف الصحابة في ذلك (٦). ومن أجاز الصلاة خلف الصبي صحح الفرض خلف المتنفل. ومنع بعضهم؛ لأن الصبي نوى الفريضة بخلاف غيره.

--------------
= صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وانظر: «البدر المنير» ٥/ ٧ - ١٠.
والحديث أصله في الصحيحين، سيأتي برقم (٤١٣٦)، ورواه مسلم (٨٤٣).
(١) «المستدرك» ١/ ٣٣٧. ورواه أيضًا ابن خزيمة ٢/ ٣٠٧ (١٣٦٨)، والدارقطني ٢/ ٦١، والبيهقي ٣/ ٢٦٠ من طريق عمر بن خليفة البكراوي، عن أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن الحسن، عن أبي بكرة أن النبي - ﷺ - صلى بالقوم في الخوف صلاة المغرب .. الحديث. قال الذهبي في «التلخيص» ١/ ٣٣٧: على شرطهما وهو غريب. وقال الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (١٣٦٨) فيه عنعنة الحسن، والبكراوي قال الذهبي: ربما كان في روايته بعض المناكير. وقال في «صحيح أبي داود» ٤/ ٤١٦: منكر بهذا اللفظ؛ لأنه تفرد به عمرو بن خليفة البكراوي عن الأشعث دون سائر أصحاب الأشعث، فإنهم رووه بلفظ: الظهر، والبكراوي كان في روايته بعض المناكير كما في «الميزان» فلا يقبل منه ما خالف فيه الثقات. اهـ بتصرف. وانظر: «البدر المنير» ٥/ ٧ - ٢١.
(٢) رواه عنهما عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٨ - ٩ (٢٢٦٨ - ٢٢٦٩).
(٣) «الأوسط» ٤/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٤) انظر: «حلية العلماء» ٢/ ١٧٥، «المغني» ٣/ ٦٧.
(٥) «المغني» ٣/ ٦٧.
(٦) «النوادر الزيادات» ١/ ٣٠٩.



٦٧ - باب مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكبِيَر الإِمَامِ
٧١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها - قَالَتْ لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ [بِلَالٌ] يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ». قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ. قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ». فَقُلْتُ مِثْلَهُ، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ». فَصَلَّى، وَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ الأَرْضَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - وَقَعَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ. تَابَعَهُ مُحَاضِرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ٢٠٣]
ذكر فيه حديث عائشه: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَرَضهُ الذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ بلال يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ ..». الحديث، وفيه: وَأبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ.
وقال في آخره: تَابَعَهُ مُحَاضِرٌ، عَنِ الأعْمَشِ.
وقد سلف الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة (١) وهو دليل لما بوب له وأنه يجوز رفع الصوت بالتكبير ليسمع الناس، لكن عندنا لا يقصد الإسماع وحده.

----------------
(١) برقم (٦٦٤) كتاب: الأذان.


٦٨ - باب الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ، وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأمُومِ
وُيذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «ائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ».

٧١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ». فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ «إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ». فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِى أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه-. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ٢٠٤]
وهذا أخرجه مسلم (١) من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري
أن رسول الله - ﷺ - رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: «تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» (٢).
وإنما لم يجزم البخاري بهذا التعليق؛ لأجل أبي نضرة (م. الأربعة)

-----------
(١) يقصد المؤلف التعليق الذي بعد عنوان الباب.
(٢) «صحيح مسلم» (٤٣٨) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول ..



فليس على شرطه (١)، وإنما استشهد به عن جابر في كتاب الشروط -كما ستعلمه (٢).
واعترض الداودي فقال: ليس هذا مما بوب له. وذلك في الأمر كله، وليس كما ذكر؛ بل هو مما بوب له بزيادة.
ثم ذكر البخاري حديث عائشة: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ الله - ﷺ - جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، .. الحديث. وقد سلف في باب: حد المريض أن يشهد الجماعة (٣).
قال ابن بطال وابن التين: هذا الباب موافق لقول الشعبي ومسروق؛ لأنهما قالا: إن الإمام يؤم الصفوف والصفوف يؤم بعضها بعضًا.

-------------
(١) هو المنذر بن مالك بن قطعة، أبو نضرة العبدي ثم العوقي البصري، مشهور بكنيته، أدرك طلحة بن عبيد الله. قال أحمد: ما علمت إلا خيرًا، ووثقه ابن معين وأجوز به والنسائي، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وليس كل أحد يحتج به. أورده العقيلي وابن عدي في كتابيهما فما ذكر له شيئًا يدل على لين فيه، بل قال ابن عدي: كان عريفًا لقومه. قال الحافظ في «التقريب»: ثقة.
انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٠٨، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٥٥ (١٥٣٥)، «ضعفاء العقيلي» ٤/ ١٩٩ (١٧٧٩)، «الكامل في الضعفاء» ٨/ ٩٣ (١٨٤٨)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٠٨ (٦١٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٢٩ (٢١٤)، «التقريب» (٦٨٩٠).
وقال الحافظ: قيل: إنما ذكره البخاري بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه لضعف فيه، وهذا عندي ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به، وليس هو على شرط «صحيحه» الذي هو أعلى شروط الصحة، والحق أن هذِه الصيغة لا تختص بالضعيف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح. اهـ. «الفتح» ٢/ ٢٠٥.
(٢) سيأتي في حديث (٢٧١٨) باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة.
(٣) برقم (٦٦٤ - ٦٦٥) كتاب: الأذان.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #177  
قديم 30-01-2026, 05:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 581 الى صـــ 600
الحلقة (177)






قال الشعبي: فإذا أحرم رجل بالصلاة قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة فقد أدركها فإن بعضهم أئمة لبعض فيجوز له الاستدلال بهذا الخبر.
وسائر الفقهاء يراعون رفع الإمام وحده وهو أحوط (١).

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٤٢.


٦٩ - باب هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ؟
٧١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟». فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. [انظر: ٤٨٢ - مسلم: ٥٧٣ - فتح: ٢/ ٢٠٥]

٧١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، فَقِيلَ: صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. [انظر: ٤٨٢ - مسلم: ٥٧٣ - فتح: ٢/ ٢٠٥]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟». فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ.
هذا الحديث مهم مشتمل على نفائس من أصول الدين والفقه وفروعه. وقد أفرده بعض شيوخنا بالتأليف (١)، وقد سلف بعضه في باب: التشبيك في الصلاة -حيث ذكره البخاري (٢) - ونذكر في كل موضع مما أورده البخاري ما يليق به.

--------------
(١) ورد بهامش الأصل: العلائي صلاح الدين، كذا قاله لنا المصنف.
(٢) سلف برقم (٤٨٢) كتاب: الصلاة.



وقد أخرجه مسلم وأصحاب السنن (١). قال الدارقطني: اختلف عن أيوب السختياني في إسناده ومتنه فذكر الاختلاف في الإسناد، وأما المتن فقال: انفرد حماد بن زيد من بين سائر الرواة بقوله: فأومئوا أي: نعم (٢). والكل رووا قالوا: نعم. وسبقه إلى ذلك أبو داود في «سننه» (٣). وهو في مسلم لكنه لم يسق لفظه بل قال بمعناه، واختلف العلماء في الإمام إذا شك في صلاته فأخبره من خلفه من المأمومين أنه ترك شيئًا هل يرجع إلى قولهم ويترك يقينه أم لا؟ فاختلف عن مالك في ذلك فقال مرة: يرجع إلى قولهم، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنهم يقولون: إنه يبني على غالب ظنه (٤). وقال مرة أخرى: يعمل على يقينه ولا يرجع إلى قولهم، وهو قول الشافعي والصحيح عند أصحابه (٥).
وقد جاء في أبي داود: فلم يرجع حتى يقنه الله تعالى (٦). ومعنى الانصراف من اثنتين: السلام.
وقوله: (أقصرت؟) أي: صارت قصيرة، ويجوز ضم أوله أي أنَّ الله قصرها.

----------------
(١) مسلم (٥٧٣) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له. «سنن أبي داود» برقم (١٠٠٨) كتاب: الصلاة، باب: السهو في السجدتين. «سنن الترمذي» برقم (٣٩٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين من الظهر والعصر. «سنن النسائي» ٣/ ٢٢ كتاب: السهو، باب: ما يفعل من سلم من ركعتين ناسيًا وتكلم. و«سنن ابن ماجه» برقم (١٢١٤) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: فيمن سلم من ثنتين أو ثلاث ساهيًا.
(٢) «علل الدارقطني»١/ ٩٠٨.
(٣) «سنن أبي داود» بعد حديث (١٠٠٩).
(٤) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٠٤.
(٥) انظر: «المدونة» ١/ ١٢٦، «روضة الطالبين» ١/ ٣٠٨.
(٦) «سنن أبى داود» (١٠١٢) كتاب: الصلاة، باب: السهو في السجدتين.



وقوله: «أصدق ذو اليدين» أراد به الاستثبات، قال ابن التين: يحتمل أن يكون قاله معتقدًا كمال الصلاة، بدليل قوله في الرواية الأخرى: «كل ذلك لم يكن» (١)، وأنه لو كان شاكًا لأتم ولصمت، فلما أخبروه طرأ عليه الشك. ويحتمل أنه شك بإخبار ذي اليدين فسألهم إرادة تيقن أحد الأمرين، فلما صدقوا ذا اليدين تيقن أنها لم تتم، وهذا الذي أراد البخاري بدليل تبويبه.
ثم قال البخاري بعد ذلك: حَدَّثنَا أَبُو الوَلِيدِ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، فَقِيلَ: صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.
وفقهه كما في الأول.
قال النسائي: لا أعلم أحدًا ذكر عن أبي سلمة في هذا الحديث: ثم سجد سجدتين. غير سعد (٢). ثم اعلم أنه لم يبيِّن هل رجع - عليه السلام - للصلاة بتكبيرة أم لا، وهل رجع إلى حال الجلوس أم لا؟
والمشهور في مذهب مالك الرجوع بالتكبير (٣). ثم اختلفوا هل هو للإحرام أي للإشعار برجوعه أم تكبير القيام إلى الثالثة بعد الجلوس؟ على قولين، فإن قلنا بالأول فهل يكبر قائمًا كالإحرام أو جالسًا لأنها الحالة التي فارق الصلاة عليها؟ قولان، فإن قلنا يحرم قائمًا فهل يجلس بعد ذلك القيام؛ ليأتى بالنهضة في الصلاة، قاله ابن القاسم،

-----------
(١) رواه مسلم (٥٧٣/ ٩٩).
(٢) «سنن النسائي الكبرى» ١/ ٢٠٠. ووقع في الأصل: سعيد بدل سعد، وهو خطأ، وفي هامشها: صوابه: سعد.
(٣) انظر: «المعونة» ١/ ١٠٧.



أو لا يجلس؛ لأن النهضة غير مقصودة لنفسها وقد فات محلها فلا يعود إليها، رواه ابن نافع وقال به.

٧٠ - باب إِذَا بَكَى الإِمَامُ فيِ صلاته
وَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ شَدَّادٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: ٨٦].

٧١٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ فِي مَرَضِهِ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ. فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ». قَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ٢٠٦]
وهذا الأثر أسنده البيهقي من حديث علقمة بن وقاص قال: كان عمر بن الخطاب يقرأ في العتمة بسورة يوسف وأنا في مؤخر الصف، حتى إذا جاء ذكر يوسف سمعت نشيجه من مؤخر الصف (١).

-----(١) «سنن البيهقي» ٢/ ٢٥١ كتاب: الصلاة، باب: من بكى في صلاته فلم يظهر في صوته ما يكون كلامًا له هجاء. وكذا رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣١٢ (٣٥٦٦)، ٧/ ٢٢٥ (٣٥٥١٩)، والبيهقي في «الشعب» ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (٢٠٥٨).
وأسنده عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ١١٤ (٢٧١٦)، وسعيد بن منصور ٥/ ٤٠٥ (١١٣٨) وابن سعد في «الطبقات» ٧/ ١٢٦، وابن أبي شيبة ١/ ٣١٢ (٣٥٦٥)، ٧/ ٢٢٥ (٣٥٥١٦)، وابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٥٦ (١٦٠٦)، والبيهقي في «الشعب» ٢/ ٣٦٤ (٢٠٥٧) من طريق سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن محمد بن سعد أنه سمع عبد الله بن شداد يقول: سمعت نشيج عمر بن الخطاب .. الحديث. بلفظه سواء. وذكره الحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ٣٠٠ موصولًا من طريق سعيد بن منصور، وقال: إسناد صحيح.



وعند ابن المنذر فيما حكاه عنه ابن التين عن عبيد بن عمير قال: صلى عمر الفجر فافتتح يوسف فقرأ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]، فبكى حتى انقطع ثم رجع (١).
قال ابن قرقول في «مطالعه»: نشيج عمر: صوت معه ترديد -كما يردد الصبي بكاء في صدره- وهو بكاء فيه تحزن.
وقال الجوهري: نشج الباكي إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب (٢). وعبارة ابن الأثير: النشيج صوت معه توجع وبكاء، وأقوالهم بنحو ذلك (٣).
ثم ذكر البخاري حديث عائشة أنه - عليه السلام - قَالَ فِي مَرَضِهِ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فليصل بِالنَّاسِ» .. الحديث. وقد سلف في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به (٤). وهذا الحديث مع الأثر يدلان على جواز البكاء من خوف الله تعالى وخشيته، وقد أجازه العلماء فيما ذكره ابن بطال (٥) وابن التين.
ويدل له حديث عبد الله بن الشخير: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي بنا وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. أخرجه أبو داود والنسائي وقال: لجوفه أزيز (٦).

------------
(١) «الأوسط» ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧ (١٦٠٧).
(٢) «الصحاح» ١/ ٣٤٤.
(٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٥٢ - ٥٣.
(٤) سلف برقم (٦٨٤) كتاب: الأذان.
(٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٦) رواه أبو داود (٩٠٤) كتاب: الصلاة، باب: البكاء في الصلاة، والنسائي ٣/ ١١ كتاب السهو، البكاء في الصلاة، و«الكبرى» ١/ ١٩٥ (٥٤٤) و١/ ٣٦٠ (١١٣٥)، ورواه أيضا أحمد ٤/ ٢٥، ٢٦، والترمذي في «الشمائل» (٣٢٣)، وابن خزيمة ٢/ ٥٣ (٩٠٠)، وابن حبان ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠ (٦٦٥)، ٣/ ٣٠ - ٣١ =



وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله قال أبي: لم يقل أحدٌ من البكاء إلا يزيد، يعني: ابن أبي زياد (١).
وفي «علل الخلال» قال يحيى بن معين: قد روى حمزة الزيات، عن حمران بن أعين، عن النبي - ﷺ - أنه قرأ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ [المزمل: ١٢]، فصعق (٢). قال يحيى: وحمران وأخوه عبد الملك: ليسا

-----

= (٧٥٣)، والحاكم ١/ ٢٦٤، والبيهقي ٢/ ٢٥١ من طرق، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرف بن عبد الله الشخير، عن أبيه به. ووقع عند النسائي ٣/ ١٣: عن حماد بن سلمة، عن سلمة، عن ثابت، فلعله خطأ أو تصحيف.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٢٦٢: إسناده على شرط مسلم، وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٢٠٦: إسناده قوي، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٣٩): إسناده صحيح.
تنبيه: أورد المنذري هذا الحديث في «مختصر سنن أبي داود» ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧ وقال: وأخرجه الترمذي والنسائي.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٤/ ٥٩: عزاه المنذري للترمذي أيضًا وما أراه عنده. اهـ. فلعل المنذري يعني الترمذي في «شمائله» كما تقدم تخريجه. أما في السنن فلا. والله اعلم.
(١) «المسند» ٤/ ٢٥ عقب حديث رقم (١٦٣١٢) ط. مؤسسة الرسالة، وجاء فيه: قال عبد الله بن أحمد: لم يقل من البكاء إلا يريد بن هارون. فلا أعلم من أين أتى المصنف -رحمه الله- بيزيد بن أبي زياد هذا؟ وشيخ أحمد في هذا الحديث هو يزيد بن هارون.
(٢) رواه أحمد في «الزهد» ص ٣٦، وهناد في «الزهد» ١/ ١٨٠ (٢٦٧)، والطبري في «التفسير» ١٢/ ٢٨٩ (٣٥٢٦٨) من طريق وكيع، عن حمزة الزيات وعبد بن حميد ومحمد بن نصر.
قال يحيى بن معين: حمران بن أعين وعبد الملك بن أعين ليسا بشيء، ثم ذكر هذا الحديث أهـ «تاريخ ابن معين برواية الدوري» ٣/ ٣٣٧ (١٦٢٨). وقال الحافظ ابن رجب في «التخويف من النار» ص ٢٨: إسناده ضعيف مرسل، وحمران ضعيف. =



بشيء (١).
واختلفوا في الأنين والتأوه. قال ابن المبارك: إذا كان غالبًا فلا بأس به. وعند أبي حنيفة: إذا ارتفع تأوهه أو بكاؤه، فإن كان من ذكر الجنة والنار لم يقطعها، وإن كان من وجع أو مصيبة قطعها (٢).
وعن الشافعي وأبي ثور: لا بأس به إلا أن يكون كلامًا مفهومًا (٣).
وعن الشعبي والنخعي: يعيد صلاته.
وقال أشهب عن مالك: قرأ عمر بت عبد العزيز في الصلاة فلما بلغ: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ [الليل: ١٤] خنقته العبرة فسَّلم، ثم قرأ فنابه ذلك، ثم قرأ فنابه ذلك فتركها وقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ (٤) [الطارق: ١].

----------------
= ورواه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٣٦٧، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٥٢٢ (٩١٧) من طريق أبي يوسف، عن حمزة الزيات، عن حمران بت أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسود به. وأورده السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٤٤٦ وزاد نسبته لأبي عبيد في «فضائله»، وابن أبي الدنيا في «نعت الخائفين»، وابن أبي داود في «الشريعة».
قال البيهقي: مرسل، وكذا قال الحافظ ابن رجب في «التخويف من النار» ص ٢٨ وزاد: وقيل: إنه روي عن حمران، عن ابن عمر ولا يصح.
قلت: وأورده الهندي في «كنز العمال» ٧/ ٢٠٦ (١٨٦٤٤) وعزاه لابن النجار.
(١) انظر: «تاريخ ابن معين برواية الدوري» ٣/ ٣٣٧ (١٦٢٨)، وانظر في ترجمة حمران وعبد الملك ابني أعين، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٠٦ (١٤٩٧)، و١٨/ ٢٨٢ (٣٥١٤).
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٣٥، «الهداية» ١/ ٦٦.
(٣) انظر: «الأوسط» ٣/ ٢٥٧.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٣٠.



٧١ - باب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا
٧١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». [مسلم: ٤٣٦ - فتح: ٢/ ٢٠٦].

٧١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِى». [٧١٩، ٧٢٥ - مسلم: ٤٣٤ - فتح: ٢/ ٢٠٧]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما:
حديث النعمان: من طريقِ سالم عنه، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».
وأخرجه مسلم أيضًا وطوله من طريق سماك بن حرب عنه (١).
وأخرجه أبو داود من هذا الوجه (٢). ومن حديث أبي القاسم الحسين بن الحارث الجدلي عنه مطولًا (٣).
فهؤلاء ثلاثة رووه عن النعمان وهو صحابي ابن صحابي (٤).

-------------------
(١) مسلم (٤٣٦/ ١٢٨) ني الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول ..
(٢) «سنن أبي داود» (٦٦٣) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف.
(٣) «سنن أبي داود» (٦٦٢).
(٤) النعمان بن بشير سلفت ترجمته في حديث (٥٢).
وأما أبوه فهو: بشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب ابن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، شهد العقبة الثانية وبدرًا وأحدًا والمشاهد بعدها، يقال: إنه أول من بايع أبا بكر الصديق يوم السقيفة من الأنصار، وقتل يوم عين التمر، مع خالد بن الوليد، بعد انصرافه من اليمامة سنة اثنتي عشرة. =



وفي رواية له من طريق سماك عنه قال: كان النبي - ﷺ - يسوي صفوفنا إذا قمنا إلى الصلاة فإذا استوينا كبرَّ (١)، وهذِه فائدة جليلة لبيان وقت تكبير الإمام لا كما يقوله من خالف.
الحديث الثاني:
حديث أنس: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي».
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا ولفظه: «أتموا صفوفكم» (٢) وأخرجه البخاري في موضعين آخرين -كما ستعلمه- في باب: إقبال الإمام على الناس عند التسوية إثر هذا الباب (٣)، وفي باب: إلزاق المنكب بالمنكب، كما ستعلمه (٤)، وأخرجه النسائي من حديث ثابت عن أنس أن النبي - ﷺ - كان يقول: «استووا استووا فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم بين يدي» (٥).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليهما من أوجه:
أحدها:
فيهما: الحث على تسوية الصفوف وإقامتها، وهو من سنة الصلاة عند الأئمة.

--------------
= انظر تمام ترجمته في: «معرفة الصحابة» ١/ ٣٩٧ (٢٩٤)، «الاسيتعاب»١/ ٢٥٢ (١٩٤)، «أسد الغابة» ١/ ٢٣١ (٤٥٩)، «الإصابة» ١/ ١٥٨ (٦٩٥).
(١) «سنن أبي داود» (٦٦٥).
(٢) «صحيح مسلم» (٤٣٤) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول ..
(٣) سيأتي برقم (٧١٩).
(٤) سيأتي برقم (٧٢٥).
(٥) النسائي ٢/ ٨٧ كتاب: الإمامة، باب: كم مرة يقول استووا.



وقال أبو محمد بن حزم في قوله: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم» هذا وعيد شديد، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر.
وقال في الحديث الآتي -إن شاء الله-: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» (١).
وفي رواية: «إقامة الصلاة تسوية الصف»: إذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض؛ لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض (٢).
ولا يُسلم له ذلك؛ فإن لفظ التمام يشعر بالنقصان فقط، فينبغي للإمام تعاهد تسوية الصفوف من الناس، وللناس تعاهد ذلك من أنفسهم.
وكان لعمر وعثمان رجال يوكلون رجلًا بتسويتها (٣).
الثاني: وعد من لم يقم الصف بعذاب من جنس ذنبه وهو المخالفة بين الوجوه لاختلافهم في مقامهم، كما توعد من قتل نفسه بحديدة أنه يعذب بها.
ثم قيل: معناه: يمسخها ويحولها عن صورتها -كما سلف- في حق من يرفع رأسه قبل الإِمام (٤). وقيل: يغير صفاتها. وقيل: المراد بالوجوه: القلوب، وتؤيده رواية أبي داود وابن حبان: «بين قلوبكم» (٥).
والأظهر عند النووي أن معناه: يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء،

---------------
(١) سيأتي برقم (٧٢٣) باب: إقامة الصف من تمام الصلاة.
(٢) «المحلى» ٤/ ٥٥.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٠٩ (٣٥٣٢، ٣٥٣٧) كتاب: الصلوات، باب: ما قالوا في إقامة الصف.
(٤) سلف برقم (٦٩١) كتاب: الأذان، باب: إثم من رفع رأسه قبل الإِمام.
(٥) «سنن أبي داود» (٦٦٢) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف، «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٣٠ - ٥٣١ (٢١٥٧ كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإمام.



واختلاف القلوب كما يقال: تغير وجه فلان عليَّ، أي: ظهر لي من وجهه كراهة فيَّ، وتغير قلبه عليَّ؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن (١).
الثالث: مذهب أهل السنة أن قوله - عليه السلام -: «فإني أراكم من وراء ظهري» يجوز أن يكون إدراكًا خاصًا بالنبي - ﷺ - محققًا انخرقت له فيه العادة، وخلق له عينًا وراءه أو يكون الإدراك العيني انخرقت له العادة فكان يرى به من غير مقابلة.
قال مجاهد: كان - عليه السلام - يرى من خلفه كما يرى من بين يديه (٢).
وفي حديث -ليس بالقوى-: كان - عليه السلام - يرى في الظلام كما يرى في الضوء (٣).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك راجع إلى العلم وأن معناه: إني لأعلم.
وهذا تأويل لا حاجة إليه -كما قاله القرطبي- بل حمل ذلك على

--------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٤/ ١٥٧.
(٢) رواه عنه الحميدي ٢/ ١٩٢ - ١٩٣ (٩٩٢)، والطبري في «تفسيره» ٩/ ٤٨٦ (٢٦٨١٨ - ٢٦٨٢٠)، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٩ (١٦٠٣٠ - ١٦٠٣١)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٧٤، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٨/ ٣٤٧.
(٣) رواه ابن عدي ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٥، وتمام في «الفوائد» ٢/ ١٣٣ - ١٣٤ (١٣٤٥)، والبيهقي في «الدلائل» ٦/ ٧٤ - ٧٥، والخطيب البغدادي ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ١٦٨ (٢٦٦) من حديث عائشة.
قال البيهقي: هذا إسناد فيه ضعف، وروي ذلك من وجه آخر ليس بالقوي، وساقه بإسناده إلى ابن عباس به.
وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح، وقال الألباني في «الضعيفة» (٣٤١): موضوع. وقال عن حديث ابن عباس: إسناده مظلم.



ظاهره أولى، ويكون ذلك زيادة في كرامات الشارع (١).
وقد ذكر الزاهدي مختار بن محمود (٢) في «رسالة الناصرية» (٣) أنه كان - عليه السلام - بين كتفيه عينان مثلي سم الخياط فكان يبصر بهما ولا يحجبهما الثياب، وذكرناه في باب: عظة الإِمام الناس أيضًا (٤).
وأورد ابن الجوزي سؤالًا، فقال: إذا كان يرى وراء ظهره، فما الفائدة أنه أجلس الشاب من وفد عبد القيس وراء ظهره (٥)؟ ثم أجاب بوجهين:

---------------
(١) «المفهم» ٢/ ٥٨.
(٢) هو مختار بن محمود بن محمَّد، الزاهدي، الغزميني، الشيخ العلامة نجم الدين، أبو الرجاء، له التصانيف المشهورة المقبولة، منها: «شرح القدوري»، و«الجامع في الحيض»، و«الفرائض»، و«زاد الأئمة»، و«المجتني في الأصول»، و«الصفوة في الأصول» تفقه عليه وسمع منه خلق كثير توفي سنة ٦٥٨ هـ. انظر: «تاريخ الإِسلام» ٤٨/ ٣٧٠ (٤٧٢).
(٣) قال حاجي خليفة: «الرسالة الناصرية» للزاهدي، المتوفي سنة ثمان وخمسين وستمائة، أولها: الحمد لله باعث الرسل والأنبياء بالمعجزات الباهرة، إلخ، ألفها لبركة خان الجنكيزي، ورتبها على ثلاث أبواب، الأول في الدلالة على حقية رسالة الرسول - ﷺ -، الثاني في ذكر المخالفين لنبوته والجواب عن شبههم، الثالث في المناظرة بين المسلمين والنصارى. اهـ. «كشف الظنون»١/ ٨٩٥.
(٤) راجع الحديث السالف (٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: عظة الإِمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة.
(٥) روى ابن الجوزي في «ذم الهوى» (٣٤٥) بإسناده عن الشعبي، قال: قدم وقد عبد القيس على رسول الله - ﷺ - وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي - ﷺ - وراء ظهره، وقال: كانت خطيئة دواد النظر.
والحديث ضعفه ابن الصلاح وابن القطان وغير واحد، انظر: «البدر المنير» ٧/ ٥١٠ - ٥١١، «تلخيص الحبير» ٣/ ١٤٨، وخرجه الألباني في «الضعيفة» (٣١٣) من طرق، وقال في «الإرواء» (١٨٠٩): موضوع.



أحدهما: أنه سنَّ للناس والسنة إنما هي فعل ظاهر.
والثاني: أن رؤيته من بين يديه أمر طبيعي يزاحم فيه.


٧٢ - باب إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ
٧١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». [انظر: ٧١٨ - مسلم: ٤٣٤ - فتح: ٢/ ٢٠٨]
ذكر فيه حديث أنس: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي».
وقد سلف في الباب قبله. وفيه: دليل على جواز الكلام بين الإقامة والإحرام بالصلاة ولا بأس به عند الفقهاء الحجازيين، وهو رد على الكوفيين، وقد سلف ذلك في أبواب الأذان.
وقوله: «وتراصُّوا» أي: انضموا.
قال صاحب «العين»: رصصت البنيان رصًا: ضممته. وتراصوا في الصفوف منه (١). وقد ذكر الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: الآية ٤].
ومدحهم بذلك وقضى بالمحبة للمصطفين في طاعة. فدل أن الصف في الصلاة كالصف في سبيل الله.
وفي «صحيح مسلم» من حديث جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها». فقلنا: يا رسول الله وكيف تصُّفُ الملائكة عند ربها؟.

---------------
(١) «العين» ٧/ ٨٣.


قال: «يتمون الصفوت الأُوَل ويتراصُّون في الصف» (١).
وفي «سنن أبي داود» و«صحيح ابن حبان» من حديث أنس (٢) أن رسول الله - ﷺ - قال: «رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحازوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إن الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحَذَف» (٣).
الحذف: بحاء مهملة مفتوحة وذال معجمة مفتوحة أيضًا ثم فاء، وهي غنم صغار سود تكون باليمن (٤)، وفسرها مسلم (٥) بالنقد

-----------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٣٠) كتاب: الصلاة، باب: الأمر بالسكوت في الصلاة والنهي عن الإشارة.
(٢) في هامش (س): من خط الشيخ: أخرجه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس.
(٣) «سنن أبي داود» (٦٦٧) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف، «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٣٩ - ٥٤٠ (٢١٦٦) كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإِمام. و١٥/ ٢٥١ (٦٣٣٩) كتاب: التاريخ، باب: صفته - ﷺ - وأخباره.
ورواه أيضًا ابن خزيمة ٢٢/ ٣ (١٥٤٥)، والبيهقي ٣/ ١٠٠، والبغوي في «شرح السنة» ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩ (٨١٣)، والضياء في «المختارة» ٧/ ٤٠ - ٤١، ٤٢، (٢٤٣٢، ٢٤٣٦) من طريق مسلم بن إبراهيم، وهو شيخ أبي داود في الحديث عن أبان، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا به. وتابع شعبة أبان عن قتادة، عند ابن حبان في الموضع الأول (٢١٦٦) ورواه النسائي من طريق أبي هشام، وأحمد ٣/ ٢٦٠ و٢٨٣ عن أسود بن عامر وعفان ثلاثتهم عن أبان به. ومن طريق أحمد رواه الضياء (٢٤٣٣ - ٢٤٣٤).
قال النووي في «المجموع» ٤/ ١٢٤ وفي «خلاصة الأحكام» (٢٤٦) وفي «رياض الصالحين» ص ٤٤٦: حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٦٧٣): إسناده صحيح على شرط الشيخين، ووسم قول النووي أنه على شرط مسلم، بأنه قصور.
(٤) قاله النووي في الكتب الثلاث التي تكلم فيها على الحديث -كما مر- وقال الجوهري في «الصحاح» ٤/ ١٣٤٢: والحذف بالتحريك: غنم سود صغار من غنم الحجاز. وقال ابن الأثير في «النهاية» ١/ ٣٥٦: هي الغنم الصغار الحجازية، وقيل: هي صغار جرد ليس لها أذان ولا أذناب، يجاء بها من جرشي اليمن.
(٥) مسلم القائل هنا هو: ابن إبراهيم الأزدي الفراهيدي مولاهم أبو عمرو البصري، =



-بالتحريك- وهي جنس من الغنم قصار الأرجل قباح الوجوه تكون في البحرين، الواحدة: نقدة.
قال الأصمعي: أجود الصوف صوفها (١).
وفي رواية للبيهقي: قيل: يا رسول الله وما أولاد الحذف؟ قال: «ضأن جرد سود تكون بأرض اليمن» (٢).
قال الخطابي: ويقال أكثر ما تكون بأرض الحجاز (٣). وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي مسعود أن رسول الله - ﷺ - كان يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» الحديث (٤).

----------------
= شيخ أبي داود في الحديث -وهو ما نقله عنه ابن خزيمة فقال ٣/ ٢٢: قال مسلم: يعني النقد الصغار. النقد الصغار: أولاد الغنم. اهـ. ونقله عنه أيضًا ابن حبان ١٤/ ٢٥١ تبعًا لابن خريمة.
(١) انظر: «الصحاح» ٢/ ٥٤٤، «النهاية» ٥/ ١٠٣ - ١٠٤ مادة: (نقد).
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ١٠١ كتاب: الصلاة، باب: إقامة الصفوف وتسويتها.
(٣) «معالم السنن» ١/ ١٥٩ وقال: أكثر ما تكون باليمن.
(٤) «صحيح مسلم» (٤٣٢/ ١٢٢) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف.



٧٣ - باب الصَّفِّ الأَوَّلِ
٧٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الشُّهَدَاءُ: الْغَرِقُ، وَالْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْهَدْمُ». [انظر: ٦٥٣ - مسلم: ١٩١٤ - فتح: ٢/ ٢٠٨]

٧٢١ - وَقَالَ: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا [إِلَيْهِ] وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَاسْتَهَمُوا». [انظر: ٦١٥ - مسلم: ٤٣٧ - فتح: ٢/ ٢٠٨]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «الشُّهَدَاءُ: الغَرِقُ، وَالْمَطْعُونُ ..» الحديث إلى قوله: «لو يعلمون ما في الصف المقدم لاستهموا عليه» هذا الحديث تقدم في باب: التهجير إلى الصلاة (١). وتقدم الصف الأول في باب: الاستهام في الأذان (٢). فراجعه منه.

-----------------
(١) برقم (٦٥٢ - ٦٥٣) كتاب: الأذان.
(٢) برقم (٦١٥).



٧٤ - باب إِقَامَةِ الصَّفوج مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ
٧٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ». [٧٣٤ - مسلم: ٤١٤، ٤١٧، ٤٣٥ - فتح: ٢/ ٢٠٨]

٧٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺقَالَ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ». [مسلم: ٤٣٣ - فتح: ٢/ ٢٠٩]
ذكر فيه حديثين.
أحدهما:
حديث أبي هريرة عن النَّبي - ﷺ - قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصفوف في الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاة».
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١) وسلف الكلام على أحكامه في باب: إنما جعل الإِمام ليؤتم به. وغيره.
وفيه: دلالة على أن إقامة الصفوف سنة غير واجب؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب.

----------------
(١) «صحيح مسلم» (٤١٤) كتاب: الصلاة، باب: ائتمام المأموم بالإمام.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #178  
قديم 30-01-2026, 05:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 601 الى صـــ 620
الحلقة (178)






الحديث الثاني:
حديث قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَوُّوا صُفوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ».
وأخرجه مسلم أيضًا (١). وفي لفظ آخر: «من تمام الصلاة» (٢) وهو قال أيضًا على الاستحباب، والتمام والحسن واحد. وقد سلف ما فيه.
والبخاري كأنه فهم أن المراد بالإقامة الإتمام فلذلك ترجم به.
قال أبو محمَّد بن حزم: وأيما رجل صلى خلف الصف فصلاته باطلة، ولا يضر ذلك المرأة شيئًا. قال: وفرض على المأمومين تعديل الصفوف الأول فالأول، والتراص فيها والمحاذاة بالمناكب والأرجل. فإن كان نقص كان في آخرها.
فمن صلى وأمامه فرجة يمكنه سدها بنفسه فلم يفعل بطلت صلاته، فإن لم يجد في الصف مدخلًا فليجذب إلى نفسه رجلًا يصلي معه، فإن لم يقدر فليرجع ولا يصلي وحده خلف الصف إلا أن يكون ممنوعًا فيصلي وتجزيه (٣).
قال: ببطلان صلاة من صلى خلف الصف منفردًا، يقول الأوزاعي والحسن بن حي وأحد قولي الثوري وهو قول أحمد إسحاق (٤)، قلت: والنخعي (٥).

-------------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٣٣) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول ..
(٢) انظر التخريج السابق.
(٣) «المحلى» ٤/ ٥٢.
(٤) «المحلى» ٤/ ٦٠.
(٥) رواه عنه عبد الرزاق ٢/ ٥٩ (٢٤٨٣)، وبنحوه ابن أبي شيبة ٢/ ١١ (٥٨٨٨).



ثم استدل بحديث وابصة بن معبد أنه - عليه السلام - رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره بإعادة الصلاة. أخرجه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وتوقف فيه الشافعي (١).
--------------
(١) «سنن أبي داود» (٦٨٢) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يصلى وحده خلف الصف، «سنن الترمذي» (٢٣٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده، «سنن ابن ماجه» (١٠٠٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: صلاة الرجل خلف الصف وحده، «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٧٥ (٢١٩٨) كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإِمام، وابن حزم في «المحلى» ٤/ ٥٢، والبيهقي ٣/ ١٠٤ من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمر بن راشد، عن وابصة به.
وتابع شعبةَ زيدُ بن أبي أنيسة عن عمرو عند ابن حبان ٥/ ٥٧٥ (٢١٩٨).
قال الألباني في «الإرواء» ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤: رجاله ثقات غير عمرو بن راشد، وهو مجهول العدالة، أورده ابن أبي حاتم ٦/ ٣٢٣، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأما ابن حبان فذكره في «الثقات» ٥/ ١٧٥ على قاعدته المعروفة! ومع ذلك فإنه يستشهد به كما أشار الحافظ ابن حجر بقوله فيه في «التقريب» (٥٠٢٧) مقبول، يعني: عند المتابعة، وقد توبع، فالحديث صحيح. وقد خولف في إسناده عمرو بن مرة. اهـ بتصرف.
قلت: فرواه الترمذي (٢٣٠)، وابن ماجه (١٠٠٤)، والشافعي في «المسند» ١/ ١٠٧ (٣١٦) و١/ ٣٠٠ - ٣٠١ (٢٨٩) سنجر، وأحمد ٤/ ٢٢٨، والدارمي ٢/ ٨١٥ - ٨١٦ (١٣٢٢)، وابن حبان ٥/ ٥٧٧ (٢٢٠٠)، والبيهقي ٣/ ١٠٤ - ١٠٥ من طرق عن حصن، عن هلال بن يساف قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي -ونحن بالرقة- فقام بي على شيخ يقال له وابصة بن معبد -من بني أسد- فقال زياد: حدثني هذا الشيخ أن رجلًا صلى خلف الصف وحده .. الحديث. وقد تابعه منصور عن هلال به.
ورواه ابن الجارود (٣١٩)، وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٨٤ (١٩٩٥)، ورواه أحمد ٤/ ٢٢٨، والدارمي (١٣٢٣)، وابن المنذر (١٩٩٦) وابن حبان (٢٢٠١)، والدارقطني ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣، والبيهقي ٣/ ١٠٥ من طريق يزيد بن زياد بن أبي =



وبحديث علي بن شيبان مرفوعًا: «لا صلاةَ للذي صلَّى خَلْفَ الصَّفِّ» أخرجه ابن ماجه (١).
----------------
= الجعد، عن عمه عبيد بن أبي الجعد عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة به.
ورجح أبو حاتم رواية عمرو بن مرة كما في «العلل» ١/ ١٠٠ فقال: عمرو بن مرة أحفظ من حصين.
وقال الترمذي: اختلف أصحاب الحديث في حديث حصين وعمرو بن مرة عن هلال، فرأى بعض أهل الحديث أن رواية عمرو، عن هلال، عن وابصة أصح من حديث حصين، ومنهم من قال: حديث حصين، عن هلال، عن زياد أبي الجعد، عن وابصة أصح، وحديث حصين أصح عندي من حديث عمرو وأشبه؛ لأنه روي من غير طريقهما عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة. اهـ «علل الترمذي» ١/ ٢١٢ - ٢١٣ بتصرف. وقال نحوًا من هذا الكلام في «السنن» عقب حديث (٢٣٠) فانظره.
وقال الدارمي: كان أحمد بن حنبل يثبت حديث عمرو بن مرة، وأنا أذهب إلى حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد.
وقال ابن المنذر: ثبَّت هذا الحديث أحمد وإسحاق. وقال ابن حبان ٥/ ٥٧٨: سمع الخبر هلال عن عمرو بن راشد، عن وابصة، وسمعه من زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، والطريقان جميعًا محفوظان. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ٢٦٩: حديث وابصة مضطرب الإسناد، لا يثبته جماعة من أهل الحديث. قال ابن الأثير: قال الشافعي: قد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين يدخل بين هلال بن يساف ووابصة رجلًا، ومنهم من يرويه عن هلال، عن وابصة سمعه منه، وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه موهنه بما وصفت. اهـ. «الشافي شرح مسند الشافعي» ٥١/ ٢. فلا أعلم ماذا يعني المصنف -رحمه الله- بقوله: توقف فيه الشافعي. ورجح أيضًا الألباني رواية حصين في «الإرواء» ٢/ ٣٢٤ وصححه بجملته (٥٤١) وكذا في «صحيح أبي داود» (٦٨٣) فانظره، وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على هذا الحديث في «سنن الترمذي» ١/ ٤٤٨ - ٤٥١ فهو تعليق نفيس جدًّا.
(١) «سنن ابن ماجه» (١٠٠٣) كتاب: إقامة الصلاة، باب: صلاة الرجل خلف الصف وحده، ورواه أيضًا أحمد ٤/ ٢٣ مطولًا. قال البوصيري في «الزوائد» (٣٣٣): إسناده صحيح رجاله ثقات. وقال المصنف في «البدر المنير» ٤/ ٤٧٤ والحافظ في =



وحديث صلاتهعليه السلام - بأنسٍ واليتيم خلفه والمرأة (١). لا حجة فيه؛ لأن هذا حكم النساء خلف الرجال. وكذا حديث ابن عباس وجابر لما أحرما عن يساره - عليه السلام - فأدارهما وصارا خلفه في تلك الإدارة (٢)؛ لأن هذِه الإدارة حق لا يبطل (٣).
قال: وحديث أبي بكرة -الآتي (٤) - كان قبل النهي (٥).
قلت: لا نسلم له ذلك، وحديث أنس الآتي في الباب بعد (٦)، يدل على عدم الإعادة. قال الأئمة الثلاثة: صلاته جائزة (٧) وحملوا الإعادة على الاستحباب.
وعن بعض أصحاب أحمد: أنه إن افتتح صلاته منفردًا خلف الإِمام فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع رأسه من الركوع فإنه لا صلاة له (٨) ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم فاسدة وإن كانوا مائة أو أكثر.

----------------
= «التلخيص» ٢/ ٣٧: قال الأثرم: قال أحمد: إنه حديث حسن. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٣/ ٢٦٥: سنده صحيح، وكذا قال في «الإرواء» ٢/ ٣٢٩ وزاد: ورجاله ثقات. وانظر استدلال ابن حزم الذي نقله المصنف في: «المحلى» ٤/ ٥٢ - ٥٣ وفيه روى الحديث بإسناده، ووثق رجاله.
(١) سلف برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الحصير، ويأتي قريبًا برقم (٧٢٧) باب: المرأة وحدها تكون صفًا، ورواه مسلم (٦٥٨).
(٢) حديث ابن عباس سلف برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم، ورواه مسلم (٧٦٣) كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وحديث جابر رواه مسلم (٣٠١٠) كتاب: الزهد والرقائق.
(٣) «المحلى» ٤/ ٥٦ - ٥٧.
(٤) سيأتي برقم (٧٨٣).
(٥) «المحلى» ٤/ ٥٨.
(٦) الحديث الآتي (٧٢٤).
(٧) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٣٤، «المبسوط» ١/ ١٩٢، «المدونة» ١/ ١٠٢، «عيون المجالس» ١/ ٣٧١، «الحاوي» ٢/ ٣٤، «حلية العلماء» ٢/ ١٨١، «المجموع» ٤/ ١٨٨.
(٨) انظر: «الكافي» ١/ ٤٣٢، «الممتع» ١/ ٥٨٠، «شرح الزركشي» ١/ ٤١٩.



٧٥ - باب إِثمِ مَن لَم يُتِمَّ الصُّفُوفَ
٧٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ قَال: مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْمَدِينَةَ بِهَذَا. [فتح: ٢/ ٢٠٩]
ذكر فيه حديث أنس من طريق الفَضْلِ بْن مُوسَى عن سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ قَال: مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْمَدِينَةَ بِهَذَا.
هذا الحديث انفرد به البخاري، وليس لبشير بن يسار عن أنس في الكتب الستة غير هذا الحديث، وتابع الفضل أبو معاوية وإسحاق الأزرق، عن سعيد. كما أخرجه الإسماعيلي عنهما، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي معاوية عن سعيد. والتعليق المذكور أخرجه أبو نعيم من طريق أحمد، ثنا أبو معاوية ويحيى بن سعيد قالا: ثنا عقبة.
و(بشير) بضم أوله تابعي ثقة (١). و(سعيد بن عبيد) أخو عقبة بن عبيد، ولما كان تسوية الصف من السنة المندوب إليها التي يستحق فاعلها المدح عليها دل ذلك أن تاركها يستحق العتب -كما قال أنس- غير أن من لم يقم الصفوف لا إعادة عليه، ألا ترى أن أنسًا لم يأمرهم بالإعادة؟!.

----------------
(١) تقدمت ترجمته في حديث (٢٠٩).


٧٦ - باب إِلْزَاقِ المَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ، وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ فِي الصَّفِّ
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ.

٧٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ. [انظر: ٧١٨ - مسلم: ٤٣٤ - فتح: ٢/ ٢١١]
هذا التعليق أسنده أبو داود بإسناد صحيح (١).
ثم ساق حديث أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ.
وقد سلف هذا الحديث في باب: إقبال الإِمام على الناس عند تسوية الصفوف (٢). وهذا الحديث يبين هيئة التراص المأمور به، وأن الكعب هو العظم الناتئ عند مفصل الساق والقدم، لا كما قال أهل الكوفة: إنه مؤخر القدم. لأن ذلك لا يمكن هنا.
والمنكب: هو ما بين الكتف والعنق.

-------------
(١) «سنن أبي داود» (٦٦٢) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف، ووصله الحافظ بإسناده في «تغليق التعليق» ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٤ وقال: إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (٦٦٨): إسناده صحيح.
(٢) برقم (٧١٩).



٧٧ - باب إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، وَحَوَّلَهُ الإِمَامُ خَلْفَهُ إِلَى يَمِينِهِ، تَمَّتْ صَلَاتُهُ
٧٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى وَرَقَدَ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٢/ ٢١١]
ذكر فيه حديث كُرَيْبٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النبِيِّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، .. الحديث.
وقد سلف في باب: التخفيف في الوضوء (١)، وداود الذي في إسناده هو ابن عبد الرحمن العطار (٢)، والحديث مطابق لما ترجم له أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإِمام- وقد سلف الخلاف فيه هناك.

----------------
(١) برقم (١٣٨) كتاب: الوضوء.
(٢) وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به صالح، وقال إبراهيم الشافعي: ما رأيت أحدًا أورع من داود بن عبد الرحمن العطار، وقال الحافظ: ثقة لم يثبت أن ابن معين تكلم فيه.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٤١ (٨٢٤)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٤١٧ (١٩٠٧)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٤١٣ (١٧٧١)، «تاريخ الإِسلام» ١١/ ١١٢ (٨٧)، «التقريب» (١٧٩٨).



٧٨ - باب المَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا
٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. [انظر: ٣٨٠ - مسلم: ٦٥٨ - فتح، ٢/ ٢١٢]
ذكر فيه حديث أنس: صَلَّيْتُ أَنَا وَيتِيمٌ في بَيْتِنَا خَلْفَ النبِيَّ - ﷺ -، وَأمَّي خَلْفَنَا أمُّ سُلَيْمٍ.
هذا الحديث سلف في باب: الصلاة على الحصير (١) ويأتي إن شاء الله في باب صلاة النساء خلف الرجال (٢).
واعترض الإسماعيلي فقال: الواحد والواحدة لا يسمى صفًا إذا انفرد وإن جازت صلاته منفردًا خلف الصف. وأقل ما يسمى إذا جمع بين اثنين على طريقة واحدة. وفيما ذكره نظر، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨].
إن الروح وحده صف، والملائكة صف.
وأما أحكامه فأمور:
أحدها: أن سنة النساء خلف الرجال ولا يقمن معهم في صف، فإن خالفت وصلت إلى جنب الرجل صحت عند الشافعي ومالك والأوزاعي (٣).
وعند الكوفيين: تصح صلاتها دونه (٤). فإن علل بطلان صلاته

-----------------
(١) برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة.
(٢) برقم (٨٧١) كتاب: الأذان.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٦٦، «عيون المجالس» ١/ ٣٢٠، «الذخيرة» ٢/ ٢٦٢، «حلية العلماء» ٢/ ١٨٠، «المجموع» ٣/ ٢٣١.
(٤) انظر: «المبسوط» ١/ ١٨٣، «تبيين الحقائق» ١/ ١٣٧، «منية المصلي» ص ٣١٧.



بالمخالفة في الوقف لمن صلى قدام الإمام فهي أيضًا قد خالفت ولا مخالفة منه.
ثانيها: صحة صلاة المنفرد، وقد سلف قريبًا ذكر ما فيه؛ لأن أم سليم صحت صلاتها وحدها وكانت صفًا، فالرجل أولى ولهذا المعنى أشار البخاري في ترجمته.
ثالثها: أن الاثنين يكونان صفًا وراء الإمام وقد خالف فيه الكوفيون كما سلف هناك.
رابعها: أن للصبي موقفًا في الصف. وعن أحمد كراهته في الفرائض.
خامسها: أن الصف من الرجال يكون من اثنين فصاعدًا.
وأن الصف من النساء إذا صلين مع الرجال يكون من امرأة واحدة.


٧٩ - باب مَيْمَنَهَ المَسْجِدِ وَالإِمَامِ
٧٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَخَذَ بِيَدِي -أَوْ بِعَضُدِي- حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٢/ ٢١٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس: قُمْتُ لَيْلَةَ أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأخَذَ بِيَدِي -أَوْ بِعَضُدِي- حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي.
هذا الحديث سلف (١) وهو دال لما ترجم له؛ لأن المأموم إذا كان على يمين إمامه كان في ميمنة المسجد.
وفي «سنن أبي داود» عن البراء قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ - أحببت أن أكون عن يمينه (٢).
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف» (٣).

-------------
(١) سلف برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم.
(٢) «سنن أبي داود» (٦١٥) كتاب: الصلاة، باب: الإمام ينحرف بعد التسليم، والحديث رواه مسلم برقم (٧٠٩) بزيادة.
(٣) «سنن أبي داود» (٦٧٦) كتاب: الصلاة، باب: ما يستحب أن يلي الإمام في الصف وكراهية التأخر من طريق معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أمامة بن زيد، عن عثمان بن عروة، عن عائشة.
ومن هذا الطريق رواه ابن ماجه (١٠٠٥)، وابن حبان ٥/ ٥٣٣ - ٥٣٤ (٢١٦٠)، والبيهقي ٣/ ١٠٣ بهذا اللفظ.
ورواه أحمد ٦/ ١٦٠ عن أبي أحمد. وعبد بن حميد ٣/ ٢٣٤ (١٥١١) عن قبيصة. وابن خزيمة ٣/ ٢٣ (١٥٥٠)، وابن حبان ٥/ ٥٣٦ (٢١٦٣)، والحاكم ١/ ٢١٤، والبيهقي ٣/ ١٠١ من طريق ابن وهب، ثلاثتهم عن سفيان، عن أسامة، عن عثمان بن عروة، به، بلفظ: «علي الذين يصلون الصفوف». =



وعند ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعًا: وشكي إليه أن ميسرة المسجد تعطلت فقال: «من عمَّر ميسرة المسجد كتب الله له كفلين من الأجر» (١).
----------------
= ورواه أحمد ٦/ ٦٧ عن عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن أسامة، عن عبد الله بن عروة، عن عروة، به، باللفظ السالف أيضًا.
وروه ابن ماجه (٩٩٥)، وأحمد ٦/ ٨٩ من طريق إسماعيل بن عياش، عن هشام ابن عروة، عن أبيه به، باللفظ السالف أيضًا.
قال البيهقي: المحفوظ: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف».
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» ١/ ١٨٩: رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن. والحديث ذكره النووي في «الخلاصة» ٢/ ٧٠٩ - ٧١٠، وفي «الرياض» ص ٤٤٧، وقال: رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم، وفيه رجل مختلف في توثيقه، وزاد في «الخلاصة»: وصححه الطبراني، وأشار البيهقي إلى تضعيفه، والمختار «صحيحه» فلم يذكر ما يقتضي ضعفًا.
وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٢١٣: إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦: إسناده حسن، إلا أن معاوية بن هشام قد أخطأ؛ وذلك لأن جماعة من الثقات رووه عن سفيان بلفظ: «يصلون الصفوف». اهـ بتصرف.
لذا ذكره الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٠٤) وقال: ضعيف بهذا اللفظ.
(١) «سنن ابن ماجه» برقم (١٠٠٧) كتاب: إقامة الصلاة، باب: فضل ميمنة الصف.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي أسلم. «زوائد ابن ماجه» ص ١٥٩ (٣٣٤).
قال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢١٠): ضعيف.



٨٠ - باب إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ حَائِطٌ أَوْ سُتْرةٌ
وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ نَهْرٌ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ.

٧٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ، فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ». [٧٣٠، ٩٢٤، ١١٢٩، ٢٠١١، ٢٠١٢، ٥٨٦١ مسلم: ٧٦١ - فتح: ٢/ ٢١٣]

٧٣٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ، فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ. [انظر: ٧٢٩ - مسلم: ٧٦١، ٧٨٢ - فتح: ٢/ ٢١٤]

٧٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْر، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اتَّخَذَ حُجْرَةً - قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ». قال عَفَّان: حَدَّثَنَا وهَيْبّ، حَدَّثَنَا مُوسَى، سَمِعْتُ أَبَا النَّضْر، عَنْ بُسْرٍ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -. [٦١١٣، ٧٢٩٠ - مسلم: ٧٨١ - فتح: ٢/ ٢١٤]


تعليق أبي مجلز لاحق بن حميد رواه ابن أبي شيبة، عن معتمر، عن ليث، عن أبي مجلز في المرأة تصلي وبينها وبين الإِمام حائط، قال: إذا كانت تسمع التكبير أجزأها ذلك (١).
ثم أورد البخاري بعد ذلك حديثين كل منهما بسندين، أحدهما عن عائشة، وأورده مطولًا ومختصرًا. وحديث زيد بن ثابت أورده مسندًا ومعلقًا.
أما حديث عائشة فلفظها: (كان يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ ..) الحديث بطوله، ويأتي في الجمعة أيضًا في باب: من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد (٢).
ومحمد شيخ البخاري فيه: هو ابن سلام كما نص عليه أبو نعيم، والمختصر لفظه: أنه كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل، فثاب إليه رجال فصفوا وراءه. قال: ويأتي أيضًا في موضع آخر، وأخرجه مسلم أيضًا (٣).
وأما حديث زيد المسند فلفظه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اتَّخَذَ حُجْرَةً- قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، .. الحديث.
وأما المعلق فلم يذكر فيه متنًا، وإنما قال: قَالَ عَفَّانُ: ثنَا وُهَيْبٌ، ثنَا مُوسَى، سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، عَنْ بُسْرٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -. وهذا

-----------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣٥ (٦١٥٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يرخص في ذلك.
(٢) سيأتي برقم (٩٢٤).
(٣) مسلم (٧٦١) كتاب: المسافرين، باب: التركيب في قيام رمضان وهو التراويح.



التعليق أسنده في الاعتصام عن إسحاق، عن عفان (١). وأخرجه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان (٢).
وزعم أبو مسعود وخلف أن في كتاب حماد بن شاكر -يعني- عن البخاري، قال: ثنا عفان. إلى آخره.
وحديث زيد هذا أخرجه البخاري هنا، وفي الأدب والاعتصام (٣)، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (٤)، وحسنه الترمذي (٥) وعدد جماعات رووه، ثم ذكر اختلافًا في رفعه ووقفه، وقال: وقفه أصح (٦). وكذا قال الدارقطني.
وذكر النسائي الاختلاف فيه على موسى (٧) ثم اعلم أن في بعض نسخ البخاري بعد حديث عمرة عن عائشة الأول:

--------------
(١) سيأتي برقم (٧٢٩٠) باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه.
(٢) «المجتبى» ٣/ ١٩٧ - ١٩٨ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: الحث على الصلاة في البيوت والفضل في ذلك.
(٣) سيأتي برقم (٦١١٣) باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله، وبرقم (٧٢٩٠).
(٤) مسلم (٧٨١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، و«سنن أبي داود» برقم (١٤٤٧) كتاب: الوتر، باب: فضل التطوع في البيت، والنسائي ٣/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٥) في هامش (س): من خط الشيخ في هامشه: أغفله ابنة الأثير في «جامعه».
(٦) «سنن الترمذي» (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في مقبل صلاة التطوع في البيت.
(٧) «السنن الكبرى» ١/ ٤٠٨ كتاب: قيام الليل وتطوع النهار، باب: الفضل في الصلاة في البيوت ..



٨١ - باب صَلَاةِ اللَّيْلِ
وذكر فيه حديثها الثاني، وحديث زيد، وكان الحذف أجود؛ لأن صلاة الليل له باب يأتي، ولما ساقه البخاري في باب: أما بعد، من الجمعة من حديث عقيل عن الزهري، عن عروة عنها. قال: تابعه يونس (١). وساقه في الصوم بدون هذِه المتابعة (٢) وكلام المزي تبعًا لخلف يوهم ذكرها في الصوم وليس كذلك فتنبه له (٣)، ومتابعة يونس أخرجها مسلم والنسائي مطولًا (٤).
وقد اختلف العلماء في الإِمام يكون بينه وبين القوم طريق أو حائط فأجازته طائفة، روي ذلك عن أنس وأبي هريرة وابن سيرين وسالم. وكان عروة يصلي بصلاة الإمام وهو في دار بينها وبين المسجد طريق (٥).
وقال مالك: لا بأس أن يصلي وبينه وبينه طريق أو نهر صغير، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في إحداها أو نهر صغير تجزئهم

--------------
(١) يأتي رقم (٩٢٤).
(٢) يأتي برقم (٢٠١٢) باب: فضل من قام رمضان.
(٣) انظر: «تحفة الأشراف»، قال المزي ١٢/ ٦٦: وبه في الجمعة، وفي الصوم أن النبي - ﷺ - خرج ذات ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته .. الحديث، وقال عقيبه: تابعه يونس- يعني: في قوله: «أما بعد».
ووافقنا على ذلك الحافظ فقال في «النكت الظراف» ١٢/ ٦٦: ذكر المتابعة وقع في الجمعة خاصة، فلهذا خص المصنف بقوله: «أما بعد». وإلا فالواقع أن رواية يونس، عن الزهري لهذا الحديث موجودة بتمامها عند مسلم.
(٤) «صحيح مسلم» (٧٦١/ ١٧٨) باب: الترغيب في فضل رمضان وهو التراويح، والنسائي ٤/ ١٥٥.
(٥) رواها عنهم ابن أبي شيبة: ٢/ ٣٥ - ٣٦ (٦١٥٧ - ٦١٥٨، ٦١٦٠، ٦١٦٢ - ٦١٦٣).



الصلاة معه (١).
وقال عطاء: لا بأس أن يصلي بصلاة الإِمام من علمها.
وكرهت ذلك طائفة.
روي عن عمر بن الخطاب: إذا كان بينه وبين الإِمام طريق أو نهر أو حائط فليس هو معه.
وكره الشعبي وإبراهيم أن يكون بينهما طريق. زاد إبراهيم: أو نساء (٢).
وقال الكوفيون: لا يجزئه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق، وهو قول الليث والأوزاعي وأشهب (٣).
وكذلك اختلفوا فيمن صلى في دار محجر عليها بصلاة الإِمام فأجازه عطاء وأبو حنيفة في الجمعة وغيرها (٤)، وبه قال ابن نافع صاحب مالك، وجوزَّه مالك إذا كان يسمع التكبير إلا في الجمعة خاصة (٥) فلا تصح صلاتها عنده في موضع يمنع منه في سائر الأوقات، ولا تجوز إلا في الجامع ورحابه.
وقال الشافعي: لا يجوز أن يصلي في موضع محجر عليه في الجمعة وغيرها إلا أن تتصل الصفوف (٦). حجة المجيز وهو موضع ترجمة البخاري حديث عائشة وزيد بن ثابت أنه - عليه السلام - صلى في حجرته

-------------
(١) «المدونة» ١/ ٨٣، «الذخيرة» ٢/ ٢٥٩.
(٢) ابن أبي شيبة ١/ ٣٥ (٦١٤٥ - ٦١٥٦).
(٣) «الأصل» ١/ ١٩٧، «النوادر والزيادات» ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٤) «الأصل» ١/ ١٩٧، «الحاوي» ٢/ ٣٤٥.
(٥) «المدونة» ١/ ٨٣.
(٦) انظر: «الحاوي» ٢/ ٣٤٧، «المهذب» ١/ ٣٣١.



وصلى الناس بصلاته فلو لم تجزئهم لأخبرهم بذلك؛ لأنه بعث معلمًا، وقد كان أزواجه - عليه السلام - يصلين في حجرهن بصلاته، وبعده بصلاة أصحابه، إذا لم يمنع الحائل بين الإِمام والمأموم من تكبيرة الإحرام ولا استماع التكبير لم يقدح في الصلاة، دليله: الأعمى، ومن بينه وبين الإِمام صفوف، أو سارية فلا معنى للمنع من ذلك.
قلت: والرواية السالفة أنه اتخذ حجرة من حصير دالة على أن هذا لا يمنع من الاقتداء.
وفي رواية أخرى: فأمرني فضربت له حصيرًا يصلي عليه (١).
وفي أخرى: خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته (٢).
وفي أخرى: احتجر بخصفة أو حصير في المسجد (٣).
وفي رواية يحيى بن سعيد عن عمرة عنها: صلى في حجرتي والناس يأتمون به من وراء الحجرة، يصلون بصلاته (٤). فلعلها كانت أحوالًا.
والحجرة: البيت وكل موضع حجر عليه فهو حجرة.
وفيه من الفقه -أيضًا- ما قاله المهلب: جواز الائتمام بمن لم ينو أن يكون إمامًا في تلك الصلاة؛ لأن الناس ائتموا به - عليه السلام - وراء الحائط ولم يعقد النية معهم على الإمامة، وهو قول مالك والشافعي. وقد سلف.

-----------------
(١) رواها أبو داود (١٣٧٤) كتاب: الصلاة، باب: في قيام شهر رمضان.
(٢) ستأتي برقم (٩٢٤) كتاب: الجمعة، باب: من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد.
(٣) رواها مسلم (٧٨١/ ٢١٣).
(٤) رواها أحمد ٦/ ٣٠.



وفيه أيضًا: أن فعل النوافل في البيت أفضل. وروى ابن القاسم عن مالك: إن التنفل في البيوت أحب إلى منه في مسجد النبي - ﷺ - إلا للغرباء.
وفيه: جواز النافلة في جماعة.
وفيه أيضًا: شفقته على أمته خشية أن تكتب عليهم صلاة الليل فيعجزوا عنها فترك الخروج؛ لئلا يدخل ذلك الفعل منه في حد الواجب عليهم من جهة الاقتداء فقط.
وقوله: (فثاب إليه ناس فصفوا وراءه)، أي: اجتمعوا.
قال ابن التين: كذا رويناه. وقال الخطابي: آبوا، أي: جاءوا من كل أوب أي: رجعوا بعد انصرافهم (١).
وفيه: أن يقدم الأهم عند تعارض المصلحة وخوف المفسدة.

-----------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٤٨٤.


٨٢ - باب إِيجَابِ التَّكْبِيِر وَافْتِتَاحِ الصَّلاةِ
٧٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَكِبَ فَرَسًا، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ. قَالَ أَنَسٌ - رضي الله عنه -: فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ لَمَّا سَلَّمَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٢/ ٢١٦]

٧٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ خَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ، فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «إِنَّمَا الإِمَامُ -أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٢/ ٢١٦]

٧٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ». [انظر: ٧٢٢ - مسلم: ٤١٤، ٤١٧ - فتح: ٢/ ٢١٦]
اختلف العلماء في تكبيرة الإحرام. فقال مالك والشافعي وأحمد: هي ركن (١).

-------------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ٦٥، «المعونة» ١/ ٩٢، «حلية الطالبين» ٢/ ٧٦، «روضة الطالبين» ١/ ٢٢٣، «المجموع» ٣/ ٢٥٠، «الإفصاح» ١/ ٢٦٤.


وقال أبو حنيفة (١): شرط، وهو وجه عندنا كما حكاه الروياني في «بحره». وتظهر فائدة الخلاف فيما لو كبَّر وفي يده نجاسة فألقاها في أثنائه وأحرم قبل الزوال ثم زالت في أثنائه، أو أحرم مكشوف العورة ثم ستر في أثنائه (٢)، وفي المسألة قول ثالث أنها تنعقد بالنية بلا تكبير، حكاه ابن المنذر عن الزهري، وقال: لم يقل به غير (٣)، وكذا قال ابن العربي في «قبسه» لم يقل: إنها ليست بفرض غيره، وحكاه ابن التين عن الحسن بن صالح.
وذهب الجمهور فيما حكاه ابن بطال إلى وجوبها (٤).
وذهبت طائفة إلى أنها سنة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن (٥) والحكم والزهري والأوزاعي وقالوا: إن تكبيرة الركوع تجزئه من تكبيرة الإحرام.
وروي عن مالك في المأموم ما يدل على أنه سنة. ولم يختلف قوله في المنفرد والإمام أنها واجبة على كل واحد منهما، وأن من نسيها يستأنف الصلاة (٦).
وقال ابن العربي: وقع في «المدونة» وهم بنسبة هذا القول لابن المسيب وليس له، والصحيح أنها فرض (٧).
وقال ابن قدامة في «المغني»: لا تنعقد الصلاة إلا بالتكبير سواء

-----------
(١) «الأصل» ١/ ٢١١، «الهداية» ١/ ٤٩.
(٢) «الأوسط» ٣/ ٧٧.
(٣) «الأوسط» ٣/ ٧٧.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٥٢.
(٥) في هامش (س): من خط الشيخ: (وقتادة) زاده في «المغني».
(٦) «الموطأ» ٧٠ - ٧١ رواية يحيى.
(٧) «القبس» ١/ ٢١٦.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #179  
قديم 30-01-2026, 06:04 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 621 الى صـــ 642
الحلقة (179)






تركه سهوًا أو عمدًا، وهو قول ربيعة والثوري ومالك والشافعي إسحاق وأبي ثور (١).
قلت: وبه قال أحمد وداود، وحكى أبو الحسن الكرخي الحنفي عن ابن علية والأصم كقول الزهري السالف.
وقال ابن بزيزة: قالت طائفة بوجوب تكبير الصلاة كله. وعكس آخرون فقالوا: كل تكبيرة في الصلاة ليست بواجبة مطلقًا منهم ابن شهاب وابن المسيب وغيرهما. روى هؤلاء أنها -يعني: تكبيرة الإحرام- ليست بواجبة فأجازوا الإحرام بالنية لعموم: «الأعمال بالنيات».
والجمهور أوجبوها خاصة دون ما عداها.
واختلف مذهب مالك، هل يحملها الإِمام عن المأموم أم لا؟ قولان
حجة الجمهور: قوله - ﷺ -: «فإذا كبر فكبروا» فذكر تكبيرة الإحرام دون غيرها من سائر التكبير، وكذا حديث المسيء في صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» (٢) ثم ذكر الباقي من غير ذكر تكبير آخر.
والإجماع قائم على أن من ترك سائر التكبير غير تكبيرة الإحرام أن صلاته جائزة (٣). فدَّل على أن ما عداها غير لازم.
لكن عن أحمد أنها واجبة تبطل بالترك عمدًا، وتجبر بالسجود سهوًا (٤)، وصح أيضًا: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (٥).

----------------
(١) «المغني» ١/ ٢٧٦.
(٢) يأتي برقم (٧٥٧).
(٣) «الإقناع» ١/ ٣٧٦.
(٤) انظر: «المستوعب» ١/ ١٨٦، ٢٢٦.
(٥) قطعة من حديث رواه أبو داود (٦١) كتاب: الطهارة، باب: فرض الوضوء، و(٦١٨) كتاب: الصلاة، باب: الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر الركعة، =



وحجة من سنها أن المراد بها الإعلام، فصارت كغيرها، ثم اختلف العلماء هل يجزئ الافتتاح بالتسبيح والتهليل مكان التكبير؟ فقال مالك وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجزئ إلا الله أكبر. وأجاز الشافعي: الله الأكبر.
وقال الكوفيون: يجزئ من التكبير ما قام مقامه من تعظيم الله وذكره (١).
حجة الجمهور أنه - عليه السلامكان يقول: «الله أكبر» وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢).
ثم استدل البخاري رحمه الله لما ذكره بحديثين:
أحدهما: حديث أنس من طريقين عنه، أنه - عليه السلام - رَكِبَ فَرَسًا، فَجُحِشَ شِقُّهُ .. الحديث. وقد سبق في باب: الصلاة في السطوح (٣) وفي باب: إنما جعل الإِمام ليؤتم به (٤).

----------------
= والترمذي (٣) كتاب الصلاة، باب: الطهارة، باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، وابن ماجه (٢٧٥) كتاب: الطهارة وسننها، باب: مفتاح الصلاة الطهور، وأحمد ١/ ١٢٣، ١٢٩ من حديث علي. قال النووي في «المجموع» ٣/ ٢٨٩، وفي «الخلاصة» ١/ ٣٤٨: إسناده حسن، وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٣٢٢: رواه أصحاب السنن بسند صحيح. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٥): إسناده حسن صحيح، وقال في «الإرواء» (٣٠١): صحيح.
وفي الباب عن ابن عباس وعبد الله بن زيد انظرها وزيادة في «البدر المنير» ٣/ ٤٤٧ - ٤٥٤ ففيه غنية وكفاية عما سواه.
(١) انظر: «المبسوط» ١/ ٣٥ - ٣٦، «شرح فتح القدير» ١/ ١٩٨، «المدونة» ١/ ٦٢، «المجموع» ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥، «المستوعب» ١/ ١٣٢.
(٢) سلف برقم (٦٣١) باب: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة ..
(٣) سلف برقم (٣٧٨).
(٤) برقم (٣٧٨) و(٦٨٨).



وفي الطريق الثاني ما بوب له وهو: قال: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا». وهو دون الطريق الأول، فهو أمس بالتقديم عليه، نعم قدم الأول بتصريح سماع الزهري من أنس فأمن التدليس، ثم ساق الثاني لمطابقة ما ترجم له. واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في الطريق الأول ذكر التكبير ولا ذكر الافتتاح، ومع هذا فالثاني ليس فيه إيجاب التكبير وإنما فيه إيجاب الذين يكبرون بما يسبقون إمامهم بها ولو كان ذلك إيجابًا لكان قوله: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا لك الحمد» إيجابًا له على المأموم، وفيما ذكره نظر، وقد أسلفنا بيان الوجوب منه فإنه أمر، والأمر للوجوب.
وأهل الظاهر أوجبوا قول: سمع الله لمن حمده عند القيام من الركوع.
قال ابن حزم: فإن كان مأمومًا ففرض عليه أن يقول بعد ذلك: ربنا لك الحمد أو: ولك الحمد (١).
وأما قول البخاري: وافتتاح الصلاة. فلعل مراده: وافتتاح الصلاة به فإنه لم يذكر في الباب ما يدل للافتتاح، أو أنه لما ذكر التكبير الذي هو افتتاح الصلاة أحال على ما يأتي بعد من الأبواب التي فيها الرفع وشبهه.
الحديث الثاني: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، .. الحديث.
وقد سلف أيضًا (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣) (٤).

------------------
(١)»المحلى" ٣/ ٢٦٢.
(٢) برقم (٧٢٢).
(٣) رواه مسلم (٤١٤) باب: ائتمام المأموم بالإمام.
(٤) في هامش الأصل: ثم بلغ في الخامس بعد السبعين، كتبه مؤلفه.



٨٣ - باب رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي التَّكْبِيَرةِ الأُولَى مَعَ الافْتِتَاحِ سَوَاءً
٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ [٧٣٦، ٧٣٨، ٧٣٩، مسلم:٣٩٠ - فتح ٢/ ٢١٨]
ذكر فيه حديث الزهري، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ في السُّجُودِ.
ساقه عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن الزهري به. وهذا الحديث فيه الرفع عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وهو عند الإحرام مشروع بالإجماع (١) لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الثابتة، ولا عبرة بخلاف الزيدية فيه وفيما سواه، قال به الشافعي وأحمد وجمهور الصحابة فمن بعدهم، وهو رواية عن مالك (٢).
وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة: لا يستحب إلا في تكبيرة الإحرام وهو مشهور الروايات عن مالك.
قال ابن القاسم: ولم أر مالكًا يرفع اليد عند الإحرام، وأحب إلى

--------------
(١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٤٢.
(٢) انظر: ما سبق من مصادر.



ترك الرفع عنده (١). ويستدل له بأحاديث معلولة، وقد ذكرتها بعللها موضحة في تخريجي لأحاديث الرافعي، فسارع إليه فلا نطول بها فإنها تزيد على كراسة (٢).
قال البخاري في كتابه «رفع اليدين في الصلاة» بعد أن أخرجه من طريق على وكذلك روي عن [سبعة] (٣) عشر نفرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، وعدد أكثرهم (٤).
وزاد البيهقي: جماعات (٥). وذكر ابن الأثير في «شرحه» أن ذلك روي عن أكثر من عشرين نفرًا، وزاد فيهم: الخدري (٦).
قال الحاكم: ومن جملتهم العشرة المشهود لهم بالجنة (٧).
وقال القاضي أبو الطيب: قال أبو علي: روى الرفع عن رسول الله - ﷺ - نيف وثلاثون من الصحابة.
قلت: وأما حديث «مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ، اسكنوا في الصلاة» (٨) فالمراد بالرفع هنا: رفعهم أيديهم عند

-------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٩٩، «البناية» ٢/ ١٩٠، «المدونة» ١/ ٧١، «التمهيد» ٣/ ٧١ - ٧٣، «الأوسط» ٣/ ٧٢، «المهذب» ١/ ٢٣٨، «المستوعب» ٢/ ١٥٣.
(٢) «البدر المنير» ٣/ ٤٨٠ - ٥٠٥. وانظره فندر أن يوجد مثل هذا البحث.
(٣) في الأصل: تسعة، والمثبت من كتاب «رفع اليدين في الصلاة»، وهو الصحيح.
(٤) «رفع اليدين في الصلاة» ص ٢٢ - ٢٣.
(٥) «السنن الكبرى» ٢/ ٧٥.
(٦) «الشافي في شرح مسند الشافعي» ١/ ٥١٤. قال: منهم: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس، وابن عمر وأبو قتادة وأبو أسيد ومحمد ابن مسلمة وأبو حميد وأبو موسى ومالك بن الحويرث وابن عمرو وابن الزبير ووائل بن حجر وأبو هريرة وأنس بن مالك وجابر وأبو سعيد الخدري وغيرهم.
(٧) قاله الحاكم كما في «نصب الراية» ١/ ٤١٧ - ٤١٨.
(٨) مسلم (٤٣٠).



السلام، مشيرين إلى السلام من الجانبين كما صرح به في الرواية الأخرى (١)، ثم المشهور أنه لا يجب شيء من الرفع.
وحكي الإجماع عليه (٢) وحكي عن داود إيجابه في تكبيرة الإحرام (٣)، وبه قال ابن سيار من أصحابنا (٤).
وحكي عن بعض المالكية (٥). وحكي عن أبي حنيفة ما يقتضي الإثم بتركه (٦)، وقال الحميدي: يجب عند الركوع وعند الرفع منه أيضًا، وهو رواية عن الأوزاعي. وقال ابن خزيمة: من ترك الرفع في الصلاة فقد ترك ركنًا من أركانها (٧).
وفي «قواعد ابن رشدد»: عن بعضهم وجوبه عند السجود أيضًا (٨).
ثم اختلفت الروايات في صفة الرفع ففي رواية الباب إلى حذو المنكبين. والمنكب: مجمع عظم العضد والكتف.
وفي رواية لمسلم أنه رفعهما حتى حاذى بهما أذنيه (٩). وفي أخرى: فروع أذنيه (١٠). وجمع الإِمام الشافعي بينهما بأنه - عليه السلام - جعل كفيه محاذيًا

-------------
(١) رواه مسلم (٤٣١).
(٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٢٦٢.
(٣) انظر: «المحلى» ٣/ ٢٣٦.
(٤) انظر: «المجموع» ٣/ ٢٦٢.
(٥) اَ نظر: «المعونة» ١/ ٩٢، «المنتقى» ١/ ١٤٢.
(٦) انظر: «البحر الرائق» ١/ ٥٢٧.
(٧) ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٣٢٢: حكاه الحاكم في «تاريخ نيسابور» عن خاله أبي علي المؤذن -وأثنى عليه- أنه سمع ابن خزيمة يقوله.
(٨) «بداية المجتهد» ١/ ٢٥٧.
(٩) «صحيح مسلم» (٣٩١/ ٢٥) باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام ..
(١٠) «صحيح مسلم» (٣٩١/ ٢٦).



منكبيه وأطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهاميه شحمتي أذنيه (١)، فاستحسن الناس ذلك منه، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق (٢).
وروي عن مالك: إلى صدره. وعن أبي حنيفة أنه يرفع حذو الأذنين.
وعن طاوس أنه يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه.
وفيه حديث ذكره ابن عبد البر فقال: روي عنه - عليه السلام - الرفع مدًا فوق الأذنين مع الرأس، ثم ذكر غير ذلك وقال: كلها آثار محفوظة مشهورة (٣).
وعن الطحاوي أن الرفع إلى الصدر والمنكبين في زمن البرد وإلى الأذنين وفوق الرأس في زمن الحر؛ لأن أيديهم في زمن البرد تكون ملفوفة في ثيابهم، وفي غيره تكون بادية. واعتمد رواية نافع: الرفع إلى الأذنين. وحمل رواية المنكبين أنهم فعلوا ذلك في البرد (٤). ويمنع من ذلك رواية سفيان بن عيينة الواقع فيها: رأيت رسول الله - ﷺ -: إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه. قال وائل ثم أتيتهم في الشتاء فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس. كذا رواه الشافعي والحميدي عن سفيان (٥). وهي مصرحة أن الرفع إلى المنكبين كان في (٦) الشتاء. وقال ابن سريج: هذا من الاختلاف في المباح.

-------------
(١) انظر: «حلية العلماء» ٢/ ٨١، «روضة الطالبين» ١/ ٢٣١، «المجموع» ٣/ ٢٦٣.
(٢) انظر: «المعونة» ١/ ٩٢، «بداية المجتهد» ١/ ٢٥٩، «المستوعب» ٢/ ١٣٤، «الشرح الكبير» ٣/ ٤١٨.
(٣) «التمهيد» ٩/ ٢٢٩.
(٤) «شرح معاني الآثار»١/ ١٩٧.
(٥) «الأم» ٧/ ٢٠٠، «مسند الشافعي» ١/ ٧٣ (٢١٤)، «مسند الحميدي» ٢/ ١٣٦ (٩٠٩). ورواه أيضًا البيهقي ٢/ ٢٤.
(٦) لعله سقط (غير) فالسياق يقتضيها.



واختلف في وقت الرفع، فظاهر رواية البخاري أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولم يتعرض فيها لوقت وضعهما.
وفي رواية لمسلم أنه رفعهما (١) ثم كبر (٢). وفي رواية له: ثم رفع يديه (٣) فهذِه حالات فُعلت؛ لبيان جواز كل منها، وهي أوجه لأصحابنا، أصحها الابتداء مع الابتداء، أعني: ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وبه قال أحمد (٤).
وهو مشهور مذهب مالك (٥) والاستحباب في الانتهاء.
وعن الجويني -ونسبه الغزالي إلى المحققين-: أن هذِه الكيفيات كلها سواء ولا أولوية، فقد صحت الروايات بها كلها (٦).
فائدة في حكمة الرفع:
قال الشافعي: فعلته إعظامًا لجلال الله واتباعًا لسنة رسول الله - ﷺ - ورجاء ثواب الله. وذكر غيره فيه معاني ذكرتها في «شرح العمدة» ولتراجع منه، وذكرت فيه فروعًا متعلقة بالرفع أيضًا (٧).
وقوله: «وقال سمع الله لمن حمده» قد سلف الكلام عليه.
وقوله: (ولا يفعل ذلك في السجود) أي: لأنه لا يرفع يديه في ابتداء السجود والرفع منه كما صرح به بعد في باب، إلى أين يرفع

------------------
(١) في هامش الأصل: من خط الشيخ: قال في «المبسوط»: وعليه أكثر مشايخنا، يعني الحنفية.
(٢) مسلم (٣٩٠/ ٢٣) باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين.
(٣) مسلم (٣٩١/ ٢٤).
(٤) «المغنى» ٢/ ٢١٥.
(٥) انظر: «التمهيد» ٣/ ٢٢٩.
(٦) «المجموع» ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.
(٧) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ٦٤ - ٨٠.



رأسه (١)، وبه قال أكثر الفقهاء. وخالف فيه بعضهم.
وصح في النسائي من حديث أبي قلابة، وصححه بعضهم، ووهم فغلط من قوله: كان يكبر في كل خفض ورفع إلى الرفع.
ولبندار: ولا (٢) يفعل ذلك بين السجدتين (٣).
قال الدارقطني: وهم فيه، وقول ابن سنان: ولا يفعل ذلك في السجود أصح (٤).

---------------
(١) يأتي هذا في حديث (٧٣٨) باب: إلى أين يرفع يديه؟
(٢) في هامش (س) تعليق: حذف: لا. هو الصواب، وانظر ما بعده تعلم ذلك.
(٣) في «سنن النسائي» ٢/ ٢٠٦ من حديث مالك بن الحويرث، وليس في إسناده أبو قلابة، ولكنه من طريق قتادة، عن مضر، عنه. وليس فيه (ولا) كما أشار إليه في هامش الأصل في التعليق السابق، ومما يؤكد أنه الذي يعنيه المصنف أن شيخ النسائي فيه هو بندار محمد بن المثنى.
(٤) لم أقف على كلامه، وفي «سننه» روى حديث مالك بن الحويرث المشار إليه في التعليق السابق ثم أتبعه بحديث أبي موسى الأشعري، وقع في آخره: «ولا يرفع بين السجدتين». اهـ. والله اعلم.



٨٤ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ
٧٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَيَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ .. [انظر: ٧٣٥ - مسلم: ٣٩٠ - فتح: ٢/ ٢١٩]

٧٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَنَعَ هَكَذَا. [مسلم: ٣٩١ - فتح: ٢/ ٢١٩]
ذكر فيه من حديث الزهري أيضًا. عن سَالِم، عَنْ أبيه الحديث نحوه.
حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أبنا عَبْدُ اللهِ أبنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ورواه عن ابن عمر نافعٌ أيضًا، وزاد في روايته، كما ستعلمه في باب: رفع اليدين إذا قام من الركعتين: وإذا قام من الركعتين رفع يديه (١)، ورواه عن الزهري وسليمان الشيباني، واشتهر عن الزهري فرواه عنه عشرة: مالك، ويونس، وشعيب بن أبي حمزة، وابن عيينة، وابن جريج، وعقيل، والزبيدي، ومعمر، (٢) وعبيد الله بن عمر، ومحمد بن أبي حفصة (٣).
واشتهر عن مالك فرواه عنه جماعة منهم: القعنبي، ويحيى بن يحيى

----------------
(١) تأتي هذِه الرواية برقم (٧٣٩).
(٢) في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: أخرجه وما بعده الأربعة.
(٣) عدَّ هؤلاء الرواة ابن عبد البر في «التمهيد» ٩/ ٢١٠ - ٢١١ وزاد قوله: كما رواه ابن وهب ومن ذكرنا معه من أصحابه مالك ا. هـ.



الأندلسي، ولم يذكر فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع، وتابعه على ذلك جماعات، ورواه عشرون نفسًا بإثباته كما ذكرهم الدارقطني في «جمعه لغرائب مالك» (١) التي ليست في «الموطأ».
وقال جماعة: إن الإسقاط إنما أتى من مالك، وهو الذي كان أوهم فيه، نقله ابن عبد البر قال: وهذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم عن ابن عمر، ووقفها نافع عن ابن عمر، منها ما جعله من قول ابن عمر وفعله، ومنها ما جعله عن ابن عمر عن عمر، والقول منها قول سالم، ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع، فهذا أحدها (٢).
وذكر بعده حديث أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أَنَّهُ رَأى مَالِكَ ابْنَ الحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - صَنَعَ هَكَذَا.
وأخرجه مسلم من هذا الوجه، وفيه: أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ثم رفع، بلفظ: ثم، وأخرجه أيضًا من طريق آخر عن أبي قلابة (٣) وقد سلف فقهه في الباب قبله.

---------------
(١) انظر: «أطراف الغرائب والأفراد» ٣/ ٣٦٢.
(٢) «التمهيد» ٩/ ٢١٢.
(٣) «صحيح مسلم» (٣٩١).



٨٥ - باب إِلَى أَيْنَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؟
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ في أصْحَابِهِ: رَفَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ.

٧٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَال: أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَإِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ. [انظر: ٧٣٥ - مسلم: ٣٩٠ - فتح: ٢/ ٢٢١]
هذا الحديث يأتي قريبًا في باب سنة الجلوس في التشهد (١).
ثم ذكر بإسناده حديث سالم عن أبيه كما سلف، وقد أسلفنا الخلاف إلى أين يرفع.

--------------
(١) يأتي برقم (٨٢٨).


٨٦ - باب رَفْعِ اليَدَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْن
٧٣٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مُخْتَصَرًا. . [انظر: ٧٣٥ - مسلم: ٣٩٠ - فتح: ٢/ ٢٢٢]
ذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر، كما سلف، وفي آخره: وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَيرَفَعَ ذَلِكَ ابن عُمَرَ إلَى رسول اللهِ - ﷺ -. ثم قال: ورَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ ابن طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مُخْتَصَرًا.
حديث نافع عن ابن عمر، قال أبو داود: الصحيح قول ابن عمر ليس بمرفوع (١).
وقال الدارقطني: الأشبه الرفع (٢)، وحديث حماد أسنده البيهقي من طريق عفان عنه (٣). وقيل: عن حماد بن زيد فإنما أراد ابن سلمة.
والصحيح: عن حماد بن زيد وقفه.
وحديث إبراهيم (٤) أسنده البيهقي.
وكذا حديث موسى بن عقبة (٥) واعترض الأسماعيلي وقال: هذا

-----------------
(١) «سنن أبي داود» ١/ ٢٥٦. عقب حديث (٧٤١). وانظر: «صحيح أبي داود» (٧٢٦).
(٢) «علل الدارقطني» ١٣/ ١٥، وفيه: رجح الموقوف على ابن عمر، وعده الصحيح.
(٣) «السنن الكبرى» ٢/ ٢٤ باب: من قال: يرفع يديه حذو منكبيه.
(٤) في هامش الأصل: يعني ابن طهمان.
(٥) «السنن الكبرى» ٢/ ٧٠ - ٧١ باب: رفع اليدين عند الركوع.



الباب هو في رفع اليدين إذا قام من الركعتين، وليس هذا في حديث حماد ولا ابن طهمان وإنما في حديثهما حذو منكبيه، ولعل المحدث عن أبي عبد الله دخل له هذا الحرف في هذِه الترجمة.
أما فقه الباب وهو الرفع إذا قام من التشهد الأول فقال به جماعات: ابن المنذر (١)، وأبو علي الطبري (٢)، والبيهقي (٣)، والبغوي عنه وفي «شرح السنة» (٤) وغيرهم، وهو مذهب البخاري وغيره من المحدثين، ودليله ما أورده البخاري.
وحديث أبي حميد في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ -: أبو قتادة، أنه وصف صلاة رسول الله - ﷺ - وقال فيها: وإذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه.
رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح (٥)، وحديث علي مثله

----------------
(١) «الأوسط» ٣/ ٢٠١.
(٢) نقله عنه أبو الحسين العمراني في «البيان» ٢/ ٢٢٨ فقال: وقال أبو علي في «الإفصاح»: يستحب ذلك -أي: رفع اليدين- كلما قام إلى الصلاة من سجود أو تشهد. وأبو علي الطبري هو: الحسن بن القاسم، الإِمام شيخ الشافعية، الفقيه، صنف «المحرر في النظر» وهو أول كتاج صنف في الخلاف المجرد، والطبري هو أول من جرد الخلاف وصنفه، وصنف كتاب «الإفصاح» وألف في الجدل، وأخذ عنه الفقهاء، وهو صاحب وجه في المذهب، وله مصنفات في «الأصول» انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٨/ ٨٧، «المنتظم» ٧/ ٥، «وفيات الأعيان» ٢/ ٧٦، «تاريخ الإِسلام» ٢٥/ ٤٤٠ (٧٣١)، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٦٢ (٤٣)، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٤٠٢.
(٣) انظر: «السنن الكبرى» ٢/ ١٣٦ - ١٣٧، «معرفة السنن والآثار» ٢/ ٤١١ - ٤١٧.
(٤) «شرح السنة» ٣/ ٢٠ - ٢٥ وما بعدها.
(٥) أبو داود (٧٣٠)، الترمذي (٣٠٤). وأصله دون هذِه الجملة سيأتي برقم (٨٢٨).
وانظر: «البدر المنير» ٣/ ٤٦٧ - ٤٦٨، «صحيح أبي داود» (٧٢٠).



أخرجه البخاري في كتابه «رفع اليدين» وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح (١).
قال البخاري في كتاب «رفع اليدين»: ما زاد عليّ وأبو حميد في عشرة من الصحابة يعني: وابن عمر أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه إذا قام من الركعتين كله صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فتختلف رواياتهم فيها بعينها مع أنه لا اختلاف في ذلك، وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم (٢).
وقال البيهقي في «المعرفة»: قال الشافعي في حديث أبي حميد: وبهذا نقول. ومذهبه متابعة السنة (٣) وقول أبي حامد في التعليق: انعقد الإجماع على أنه لا يرفع فيه، قال: واستدللنا بالإجماع على نسخ الحديث. لا يقبل منه فظهر القول باستحبابه.

--------------
(١) «رفع اليدين في الصلاة» (٨)، أبو داود (٧٤٤)، الترمذي (٢٦٦) ونحوه مطولًا (٣٤٢٣)، ابن ماجه (٨٦٤). قال المصنف في «البدر» ٣/ ٤٦٦: قال ابن دقيق العيد في «الإمام»: ورأيت في «علل الخلال» أن أحمد سئل عن حديث علي بن أبي طالب في الرفع فقال: صحيح. وانظر: «صحيح أبي داود» (٧٢٩).
(٢) «رفع اليدين في الصلاة» ص ١٥٠ (١٧٠).
(٣) «معرفة السنن والآثار» ٢/ ٤١٣ - ٤١٤.



٨٧ - باب وَضْعِ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرى في الصلاة
٧٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ يَنْمِى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يُنْمَى ذَلِكَ. وَلَمْ يَقُلْ: يَنْمِى [فتح: ٢/ ٢٢٤]
ذكر فيه حديث سهل بن سعد قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ يَنْمِى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يُنْمَى ذَلِكَ. وَلَمْ يَقُلْ: يَنْمِي.
هذا الحديث من أفراد البخاري، وإسماعيل هذا يشبه أن يكون إسماعيل بن إسحاق (١) الراوي عن القعنبي، كما أخرجه البيهقي من طريقه، وقال: ينمي ذلك أو كلمة تشبهها (٢)، زاد الدارقطني في

--------------
(١) في هامش (س) تعليق نصه: في كونه إسماعيل بن إسحاق القاضي نظر، وما قاله شيخنا رأيته عن مغلطاي في «شرحه» كذلك، ولم يذكر أحد فيما علمت إسماعيل القاضي المالكي فيمن أخرج له البخاري، ولا علق عنه، والقاضي توفي منة ٢٨١، ولو قالا: إنه إسماعيل بن أبي أويس لكان أوجه؛ لأنه مكثر عن خاله مالك، ويكون على ما قلته قد اختلف في هذا اللفظ على مالك، والله تعالى أعلم. ثم إني رأيت عن بعض محدثي القاهرة ممن نشأ بعد خروجنا، ورحيلنا عن القاهرة أنه قرأ على شيخنا العراقي، قيل: انه قرأ على ولده صاحبنا الحافظ أبي زرعة أنه تعقبه بهذا التعقيب فوافقني.
(٢) «سنن البيهقي الكبرى» ٢/ ٢٨.
وقال الحافظ: إسماعيل هذا هو إسماعيل بن أبي أويس المدني، ابن أخت مالك، وأحد المكثرين عنه، وقرأت بخط الشيخ: ابن أخت مالك، وأحد المكثرين عنه، وقرأت بخط الشيخ مغلطاي: يشبه أن يكون إسماعيل هذا هو إسماعيل بن إسحاق الراوي عن القعنبي، وكأن الذي أوقعه في ذلك ما رواه =



«موطآته»: وقال يوسف عن مالك يرفع ذلك. وقال ابن وهب: ينمي يعني: يرفع. وقال أبو العباس أحمد بن طاهر الداني في «أطراف الموطأ»: هذا حديث معلول؛ لأنه ظن وحسبان (١).
وقال ابن الحصار (٢) في «تقريب المدارك»: هذا يدخل في المسند وإن بقي في النفس منه شيء، ويعضده أحاديث كثيرة في الباب منها حديث قبيصة بن هُلب عن أبيه أخرجه ابن ماجه، والترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان (٣).

-------------
= الجوزقي في «المتفق»: أنا أبو القاسم بن بالويه، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا عبد الله بن مسلمة، فذكر مثل ما روي البخاري عن عبد الله بن مسلمة القعنبي سواء، وزاد في آخره: قال القعنبي: يرفعه، وهذا دليل على أن إسماعيل عند البخاري ليس هو القاضي؛ لأنه لم يخالف البخاري في سياقه، وقد راجعت كتاب: «الموطآت واختلاف ألفاظها» للدارقطني فلم أجد طريق إسماعيل بن أبي أويس فيه فينظر، ورواه معن عن مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي - ﷺ - رواهما الدارقطني في «غرائب مالك» وإسناده صحيح، وهو«الموطأ» موقوف صورة، ولكن حكمه حكم الرفع. اهـ. «تغليق التعليق» ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
وقال نحوًا من هذا الكلام في «الفتح» ٢/ ٣٢٥ وجزم أيضًا بأنه ابن أبي أويس، وزاد قائلًا: ولم يذكر أحد أن البخاري روى عن إسماعيل بن إسحاق، وهو أصغر سنًا من البخاري وأحدث سماعًا، وقد شاركه في كثير من مشايخه البصريين القدماء، لعل الحافظُ في جزمه بأنه ابن أبي أويس تبع، الحميديَّ فقد قال في: «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٥٥٨ (٩٣٠): وفي رواية إسماعيل بن أبي أويس عن مالك: ينمي ذلك، ولم يقل ينمى. وممن جزم أيضًا بذلك الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٣٥٩، وكذلك الحافظ السيوطي في «التوشيح» ٢/ ٧٤٣ ويبدو أنه تبع فيه الحافظ وتقدمت إشارة سبط في حاشية على الأصل.
(١) «أطراف الموطأ» ٣/ ١٠٨.
(٢) تقدمت ترجمته في حديث (١٧٥).
(٣) الترمذي (٢٥٢)، وابن ماجه (٨٠٩)، ورواه ابن حبان كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ١٣/ ٦٣٦ (١٧٢٣٧) وليس هو في المطبوع من «صحيح ابن حبان».



وقال ابن عبد البر (١): فيه آثار ثابتة عن النبي - ﷺ - منها هذا الحديث، ومنها: حديث وائل في مسلم (٢)، ومنها: حديث ابن مسعود في ابن ماجه (٣)، وهو حديث صحيح كما قال ابن القطان وغيره (٤).
ومنها حديث جابر (٥) صححه ابن القطان (٦)، وغير ذلك من الأحاديث (٧).
وعن عليّ في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢] قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت الصدر: أخرجه الدارقطني (٨).
وإنما لم يذكر في حديث المسيء صلاته (٩)؛ لأنه علمه الواجبات.

---------------
(١) «التمهيد» ٢٠/ ٧١ - ٨٠.
(٢) مسلم (٤٠١).
(٣) ابن ماجه (٨١١) والحديث رواه أبو داود (٧٥٥)، والنسائي ٢/ ١٢٦.
(٤) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٣٣٩ - ٣٤٢ وقد صححه ابن القطان، وردَّ ما ذكره عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطى» ١/ ٣٦٩ من تضعيف لهذا الحديث.
وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٢٦٩: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٣٢٤: إسناده حسن. وكذا قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٣٦).
(٥) رواه أحمد ٣/ ٣٨١، وابن عدي في «الكامل» ٢/ ٥٠.
(٦) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٣٤١ - ٣٤٢ وفيه رد أيضًا على عبد الحق الأشبيلي، حيث أشار إلى ضعف الحديث في «الأحكام» ١/ ٣٦٩. وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١٠٤: رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٣/ ٣٤٣: رجاله ثقات رجال مسلم، غير محمد بن الحسن، فمن رجال البخاري. وانظر: «علل الدارقطني» ٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩.
(٧) انظر: شيئًا منها في «فتح الباري» لابن رجب ٦/ ٣٦٠ - ٣٦٣ وقال: لا تخلو أسانيدها من مقال.
(٨) «سنن الداوقطنى» ١/ ٢٨٥.
(٩) سيأتي قريبًا برقم (٧٥٧).



أما حكم الباب: فهو سنة عندنا، وبه قال الصديق وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة وعائشة وآخرون من الصحابة وسعيد بن جبير والنخعي وأبو مجلز (١) وآخرون من التابعين وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأبو عبيد وابن جرير وجمهور العلماء (٢).
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (٣).
وحكى ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه يرسلهما (٤)، وحكاه القاضي أبو الطيب أيضًا عن ابن سيرين.
وحكى ابن حزم عن ابن سيرين عدمه (٥).
وقال الليث: يرسلهما فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة.
وقال الأوزاعي: هو مخير بين الوضع والإرسال والأشهر عن مالك: الإرسال؛ لأن الأخذ عمل في الصلاة، وربما يغفل صاحبه وربما دخله ضرب من الرياء، والخشوع هو الإقبال على الله والإخلاص ولا نسلم أن وضعهما منه (٦).
وفي «المدونة»: يكره فعله في الفرض دون النفل إذا طال القيام (٧).

----------------
(١) رواه عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٣٤٣ (٣٩٤٠، ٣٩٤٢، ٣٩٤٤، ٣٩٤٥، ٣٩٤٦).
(٢) انظر: «الهداية» ١/ ٥١، «بداية المجتهد» ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥، «حلية العلماء» ٢/ ٨١ - ٨٢، «المجموع» ٣/ ٢٦٧ - ٢٦٩، «الشرح الكبير» ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣.
(٣) «سنن الترمذي» ٢/ ٣٣.
(٤) «الأوسط» ٣/ ٩٢.
(٥) «المحلى» ٤/ ١١٤.
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٥٨، وانظر: «المصنف» ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٧) «المدونة» ١/ ٧٦.



وروى ابن بطال عن سعيد بن جبير أنه رأى رجلًا يصلي واضعًا يمينه على شماله فذهب ففرق بينهما (١)، وإذا قلنا بأخذ اليمين باليسار فيكون ذلك تحت الصدر وفوق السرة؛ لحديث وائل بن حجر قال: صليت مع النبي - ﷺ - فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره، رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (٢)، وللبزار: عند صدره (٣).
وقال أبو إسحاق المروزي: يجعل يديه تحت سرته وفيه حديث في الدارقطني ضعيف (٤) وبه قال أبو حنيفة (٥).

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٥٨، والأثر رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٤٤ (٣٩٥٣).
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٤٣٢ (٤٧٩) وقال الألباني في (٤٧٩): إسناده ضعيف؛ لأن مؤملًا، وهو ابن إسماعيل سيء الحفظ. والحديث أصله في مسلم بغير هذا الإسناد برقم (٤٠١).
(٣) «كشف الأستار» (٢٦٨).
(٤) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٨٦ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد السوائي عن أبي جحيفة، وعن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد كلاهما عن علي. ورواه أيضًا أبو داود (٧٥٦)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» ١/ ١١٠ (٨٧٥)، والبيهقي ٢/ ٣١ من الطريق الأول. ورواه البيهقي ٢/ ٣١ من الطريق الثاني. قال الدارقطني ٢/ ٣١ - ٣٢: عبد الرحمن بن إسحاق هذا هو الواسطي القرشي، جرحه أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم، وهو متروك. وقال في «المعرفة» ٢/ ٣٤١: لم يثبت إسناده، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق وهو متروك. وضعف الحديث أيضًا ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٢٦ - ٢٧ (٢٢٦٣): وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٢٧٠، وفي «شرح مسلم» ٤/ ١١٥، وفي «خلاصة الأحكام» ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩ (١٠٩٧): حديث متفق على تضعيفه؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق، منكر الحديث، مجمع على تضعيفه. وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ١٢٨: إسناده ضعيف. وقال في «التلخيص» ١/ ٢٧٢: فيه عبد الرحمن بن إسحاق وهو متروك وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٢٩): إسناده ضعيف.
(٥) «الأصل» ١/ ٧٠، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٢.



وحكي عن أحمد أيضًا (١) وقال ابن المنذر: في غير «الإشراف» وأظنه في «الأوسط»: لم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله - ﷺ - فهو مخير بينهما (٢).
وقال الترمذي: كل ذلك واسع عندهم (٣).
فعلى الأول: يضع كف يمينه على يساره قابضًا كوعها وبعض رسغها: وهو المفصل وساعدها.
قال القفال: ويتخير بين بسط أصابع يمينه في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد. وقيل: يضع كفه اليمنى على زراعه الأيسر (٤)، قاله بعض الحنفية، والأصح عندنا أنه يحط يديه بعد التكبير تحت صدره. وقيل: يرسلهما ثم يستأنف فعلهما إلى تحت صدره.
وعند محمَّد بن الحسن: يضعهما بعد الثناء (٥). وقال الصفار: يرسلهما إلى أن يفرغ من الثناء والتسبيح.
قال الشافعي في «الأم»: والقصد من وضع اليمين على اليسار: تسكين يديه فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس (٦).
وادعى المتولي أن ظاهر المذهب أن إرسالهما مكروه.

------
(١) انظر: «الممتع» ١/ ٤١٥، «المغنى» ٢/ ١٤٠.
(٢) «الأوسط» ٣/ ٩٤.
(٣) «سنن الترمذي» ٢/ ٣٣.
(٤) انظر: «المجموع» ٣/ ٢٣٢.
(٥) انظر: «البناية» ٢/ ٢٠٩.
(٦) «الأم» ١/ ٢١١ بنحوه ومعناه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #180  
قديم 30-01-2026, 06:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,721
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 7 الى صـــ 26
الحلقة (180)




المجلد السابع
٨٨ - باب الخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ
٧٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا؟ وَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ، وَإِنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي». [انظر: ٤١٨ - مسلم: ٤٢٤ - فتح: ٢/ ٢٢٥]

٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي -وَرُبَّمَا قَالَ: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي - إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ». [انظر:٤١٩ - مسلم: ٤٢٥ - فتح: ٢/ ٢٢٥]
ذكر فيه قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١) وحديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا؟ والله مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ، وَإِنِّي لأَرَاكُمْ من وَرَاءَ ظَهْرِي».
هذا الحديث تقدم في باب: عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة (٢).
ثم ساق بعده حديث أنس نحوه. وقد سلف هناك أيضًا من وجه آخر عن أنس (٣).
والخشوع في الصلاة مأمور به، قال تعالي: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنُونَ:١ - ٢].

-------------
(١) كذا بالأصل وليست في نسخ البخاري المطبوعة، ولا إشارة لها في «اليونينية».
(٢) برقم (٤١٨) كتاب: الصلاة.
(٣) برقم (٤١٩) كتاب: الصلاة، باب: عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، وذكر القبلة.



قال ابن عباس: يعني: خائفين ساكنين (١).
وعن عليّ: الخشوع في القلب وأن لا تلتفت في صلاتك (٢). وفي الحديث -في شخص عبث في صلاته-: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (٣).

-----------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ١٩٨ (٢٥٤٢٨).
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ١٩٧ (٢٥٤٢١).
(٣) رواه ابن المبارك في «الزهد» (١١٨٨)، وعبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧ (٣٣٠٨ - ٣٣٠٩)، وابن أبي شيبة ٢/ ٨٧ (٦٧٨٦)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ١٩٤ (١٥١) من طرق عن سعيد بن المسيب، من قوله.
وكذا ذكره البيهقي ٢/ ٢٨٥ دون إسناد.
ورواه المروزي (١٥٠) عن حذيفة، قوله: أي: موقوفًا.
ورواه الحكيم الترمذي في «النوادر» كما في «فيض القدير» ٥/ ٤٠٦ عن أبي هريرة، مرفوعًا.
وكذا عزاه العراقي في «تخريج الإحياء» ١/ ١٠٥ (٤٠١)، والسيوطي في «الجامع الصغير» (٧٤٤٧)، ورمز لضعفه، والمتقي الهندي في «كتر العمال» ٣/ ١٤٤ (٥٨٩١).
قال العراقي: سنده ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد بن المسيب رواه ابن أبي شيبة، وفيه رجل لم يسم. وقال المناوي في «الفيض» ٥/ ٤٠٦: قال الزين العراقي في «شرح الترمذي»: في إسناده سليمان بن عمر، وهو أبو داود النخعي متفق على ضعفه، وإنما يعرف هذا عن ابن المسيب. اهـ. بتصرف.
وأورده الهندي في «الكنز» ٨/ ١٩٧ (٢٢٥٣٠) عن علي مرفوعًا، وعزاه للعسكري في «المواعظ» وقال: فيه: زياد بن المنذر متروك. والحديث خرجه الألباني في «الإرواء» (٣٧٣)، و«السلسلة الضعيفة» (١١٠) وصدَّر التخريج بقوله: موضوع.
ثم قال في «الإرواء» ٢/ ٩٣: لا يصح لا مرفوعًا ولا موقوفًا، والمرفوع أشد ضعفًا بل هو موضوع. وقال في «الضعيفة» ١٠/ ٢٢٨: فالحديث موضوع مرفوعًا ضعيف موقوفًا، بل مقطوعًا، ثم وجدت لحديث سعيد طريقًا آخر، فقال: حدثنا سعيد بن خيثم، قال: حدثنا محمَّد بن خالد، عن سعيد بن جبير، قال: انظر سعيد إلى رجل وهو قائم يصلي … إلخ، قلت: وهذا إسناد جيد، يشهد لما تقدم عن العراقي أن الحديث معروف عن ابن المسيب. اهـ بتصرف.



وفي «صحيح مسلم» من حديث جابر بن سمرة: «اسكنوا في الصلاة» (١).
وفيه أيضًا: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة» (٢).
وفيه أيضًا في آخر حديث: «إن قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده الذي هو أهله وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه» (٣).
وذهب بعض العلماء إلى اشتراط الخشوع وذلك في جزء من صلاته، وحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيته ويريد بذلك وجه الله تعالى، ولا طاقة له فيما أعرض من الخاطر.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني لأجهز جيشي في الصلاة (٤).
وعنه إني لأحسب جزية البحرين وأنا في صلاتي (٥).
ثم الحديث دال على النهي عن نقصان الركوع والسجود لتوعد الشارع على ذلك، وقد يحتج به من يرى أن الطمأنينة في الركوع والسجود ليست فرضًا حيث لم يأمرهم بالإعادة- وسيأتي الكلام فيه في بابه.
وفيه: جواز الحلف من غير استحلاف.

-----------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٣٠) كتاب: الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة ..
(٢) «صحيح مسلم» (٢٣٤) كتاب: الطهارة، باب: الذكر المستحب عقب الوضوء.
(٣) «صحيح مسلم» (٨٣٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: إسلام عمرو بن عبسة.
(٤) روى ذلك ابن أبي شيبة ٢/ ١٨٨ (٧٩٥١) كتاب: الصلوات، باب: في حديث النفس في الصلاة.
(٥) المصدر السابق برقم (٧٩٥٠).



٨٩ - باب مَا يَقرأ بَعْدَ التَّكْبِيِر
٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضي الله عنهما - كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. [مسلم: ٣٩٩ - فتح: ٢/ ٢٢٦]

٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً -قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: هُنَيَّةً- فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» .. [مسلم: ٥٩٨ - فتح: ٢/ ٢٢٧]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما:
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَن أَنَس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
وهو حديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة (١) رواه عن أنس جماعة منهم قتادة وإسحاق بن عبد الله ومنصور بن زاذان وأيوب على اختلاف فيه، وأبو نعامة قيس بن عباية الحنفي وعائذ بن شريح بخلاف عنه، والحسن وثابت البناني.

------------------
(١) مسلم (٣٩٩) كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال لا يجهر بالبسملة، وأبو داود (٧٨٢) كتاب: الصلاة، باب: من لم ير الجهر ببسم الله، والترمذي (٢٤٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في افتتاح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، والنسائي ٢/ ١٣٥ كتاب: الافتتاح، باب: ترك الجهر ببسم الله ..


وأما حديث قتادة فرواه شعبة وهشام وأبو عوانة وأيوب وسعيد بن أبي عروبة والأوزاعي وشيبان، رواه عن شعبة خلق: حفص بن عمر كما سلف عن البخاري.
وفي رواية عنه: القراءة بدل الصلاة (١).
وعن شعبة أيضًا غندر في مسلم، ولفظه: صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم (٢)، ورواه أبو يعلي بلفظ: فلم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم (٣).
قال الدارقطني في «سننه»: وكذا رواه معاذ بن معاذ، وعدّد جماعةً عن شعبة مثل قول غندر وعلي بن الجعد، عن شعبة سواء.
ورواه وكيع وأبو قيس عامر، عن شعبة بلفظ: فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: وتابعه عبيد الله بن موسى، عن شعبة، وهمام، عن قتادة. ورواه من طريق زيد بن الحباب، عن شعبة. وفيه: فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.
قال: ورواه يزيد بن هارون، وعدّد جماعةً، ثم قال: وغيرهم عن شعبة كانوا يفتتحون القراءة، وكذا رواه الأعمش، عن قتادة وثابت، عن أنس (٤) قلت: وأخرجه أبو نعيم من حديث أبي داود عنه قال شعبة: قلت لقتادة أنت سمعته منه؛ قال: نعم، نحن سألناه. وحديث هشام، عن قتادة أخرجه أبو داود بلفظ: القراءة (٥).

--------------
(١) رواها مسلم برقم (٣٩٩/ ٥٢).
(٢) «صحيح مسلم» (٣٩٩/ ٥٠).
(٣) «مسند أبي يعلى» ٥/ ٣٦٠ (٣٠٠٥) و٦/ ١٨ (٣٢٤٥).
(٤) انظر: «سنن الدارقطني» ١/ ٣١٥ - ٣١٦ بنحوه.
(٥) «سنن أبي داود» برقم (٧٨٢) كتاب: الصلاة، باب: من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.



وحديث أبي عوانة أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه بلفظ: القراءة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (١).
وحديث أيوب أخرجه الشافعي والنسائي وابن ماجه بلفظ: القراءة. عدا النسائي، فلفظه: فافتتحوا بالحمد (٢)، قال الدارقطني: اختلف فيه علي (أيوب) (٣)، فقيل: عن قتادة، عن أنس، وقيل: عن أبي قلابة، عن أنس، وقيل: عن أيوب، عن أنس، قال: وعسى أن يكون القولان محفوظان (٤).
وحديث ابن أبي عروبة أخرجه النسائي بلفظ: يجهر (٥).
وحديث الأوزاعي أخرجه مسلم حدثنا محمد بن مهران، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن عبدة أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك (٦).
وعن قتادة (٧) أنه كتب إليه يخبره عن أنس أنه حدثه، فقال: صليت
خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ

----------------
(١) «سنن الترمذي» (٢٤٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين، «سنن النسائي» ٢/ ١٣٣ كتاب: الافتتاح، باب: البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة، «سنن ابن ماجه» (٨١٣) كتاب: إقامه الصلاة، باب: افتتاح القراءة.
(٢) «مسند الشافعي» ١/ ٧٨ (٢١٩)، النسائي ٢/ ١٣٣، ابن ماجه (٨١٣).
(٣) «علل الدارقطني» ١٢/ ١٦١ - ١٦٢.
(٤) وقع في الأصل: أبي أيوب. خطأ.
(٥) «سنن النسائي» ٢/ ١٣٥.
(٦) مسلم (٣٣٩/ ٥٢).
(٧) في هامش الأصل: من خط الشيخ: هو قول الأوزاعي كما صرح به الحميدي في «جمعه».



رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها (١).
وعن الأوزاعي، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك يذكر ذلك، وليس للأوزاعي، عن قتادة، عن أنس في الصحيح غير هذا (٢)، وحديث شيبان أخرجه النسائي بلفظ: يجهر (٣).
قال البيهقي عقب حديث: كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ﴾ هذا اللفظ أولى أن يكون محفوظًا، فقد رواه أصحاب قتادة عن قتادة بهذا اللفظ، منهم: حميد الطويل وأيوب السختياني وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد العطار وحماد بن سلمة وغيرهم، وقال: قال الدارقطني وهو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس (٤).
وأما حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس فأخرجه مسلم كما سلف (٥). وحديث منصور، عن أنس أخرجه النسائي وقال: فلم يسمعنا قراءتها (٦).
وحديث أيوب ذكره الدارقطني كما سلف، وحديث أبي نعامة أخرجه البيهقي بلفظ: لا يقرءون. بمعنى: لا يجهرون بها. وفي لفظ: لا يقرءون. فقط (٧).

------------
(١) «صحيح مسلم» (٣٩٩/ ٥٢).
(٢) السابق.
(٣) النسائي ٢/ ١٣٥ من طريق شعبة وابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.
(٤) «سنن البيهقي الكبرى» ٢/ ٥١.
(٥) مسلم (٣٩٩/ ٥٢).
(٦) «سنن النسائي» ٢/ ١٣٥.
(٧) «السنن الكبرى» ٢/ ٥٢ كتاب: الصلاة، باب: من قال لا يجهر بها.
وقال البيهقي: أبو نعامة قيس بن عباية لم يحتج به الشيخان والله اعلم.



وحديث عائذ بن شريح قال الدارقطني: اختلف عنه فقيل عنه عن أنس، وقيل: عنه عن ثمامة، عن أنس (١).
وحديث الحسن، عن أنس رواه الطبراني بلفظ: كان يسر بها (٢).
وحديث ثابت ذكره البيهقي (٣).
إذا تقرر ذلك:
فالمراد بافتتاح الصلاة: القراءة، والقراءة تسمى صلاة. قال تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].
وقال - ﷺ -: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» (٤) فذكر فاتحة الكتاب ولو كان ما ترجم به الباب لكان حديثه الثاني فيما يقول بين التكبير والقراءة مرفوعًا بهذا وهذا بذاك؛ لأن هذا قول شيء بعد التكبير سوى الفاتحة.
وقد تمسك بالحديث أصحاب مالك وغيرهم على ترك التسمية في ابتداء الفاتحة، وأنها ليست منها (٥) وتأوله الشافعي.
والأكثرون القائلون بأنها من الفاتحة (٦) على أن المراد: يستفتح القراءة بسورة الحمد لا بسورة أخرى.
وقد قامت أدلة على أن البسملة منها في عدة أحاديث، وقد صنف

------------
(١) «علل الدارقطني» ١٢/ ١٦٢.
(٢) «المعجم الكبير» ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦ (٧٣٩). وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١٠٨ رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ورجاله موثقون.
(٣) «سنن البيهقي» ٢/ ٥١.
(٤) رواه مسلم برقم (٣٩٥) كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.
(٥) «المدونة» ١/ ٦٨، «عيون المجالس» ١/ ٢٩٢، «المنتقى» ١/ ١٥٠.
(٦) «الأم» ١/ ٩٣، «الأوسط» ٣/ ١١٩ - ١٢٥، «المجموع» ٣/ ٢٨٩.



في ذلك وفي الجهر بها: سليم الرازي (١) والخطيب (٢) حتى ابن عبد البر من المالكية (٣). وشفي فيها أبو شامة في مجلد (٤).
-------------
(١) سليم الرازي هو ابن أيوب، تقدمت ترجمته في باب: إمامة العبد والمولى. ومصنفه المشار إليه هو كتاب «البسملة». قال الذهبي في ترجمته من «السير» ١٧/ ٦٤٧: وله كتاب: «البسملة» سمعناه. اهـ. وقيل اسمه «المقنعة في البسملة» أشار إليه أبو شامة في كتابه الآتي التعريف به، وقد أشار المصنف إليه أيضًا في «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ٣٥.
(٢) تقدمت ترجمة الخطيب في المقدمة، وتقدم ذكره مرارًا وتكرارًا. ومصنفه المشار إليه هو كتاب «البسملة وأنها من الفاتحة» هكذا ذكره الذهبي في «السير» ١٨/ ٢٩١، وفي «تاريخ الإسلام» ٣١/ ٩٨، وكذا الصفدي في «الوافي بالوفيات» ٧/ ١٩٨. وذكره ابن الجوزي في «المنتظم» ٨/ ٢٦٦ باسم: «لهج الصواب في أن التسمية من فاتحة الكتاب» وذكره ياقوت في «معجم الأدباء» ١/ ٥٠٠ باسم: «منهج الصواب في أن التسمية من فاتحة الكتاب» وفي «المستفاد من تاريخ بغداد» ص ٥٩ باسم: «منهج -أو نهج- سبيل الصواب في أن التسمية آية في فاتحة الكتاب».
وللخطيب كتاب آخر اسمه «الجهر بالبسملة» ذكره الذهبي في «السير» ١٨/ ٢٩١ وفي «تاريخ الإسلام» ٣١/ ٩٨، والصفدي ٧/ ١٩٨، وابن الجوزي ٨/ ٢٢٦، وياقوت ١/ ٥٠٠. ووجه ابن الجوزي انتقادًا لهذا الكتاب فقال: ثم تجرد الخطيب لجمع أحاديث الجهر، فأزرى على علمه بتغطية ما ظن أنه لا ينكشف، وقد حصرنا ما ذكره وبينا وهنه ووهيه على قدر ما يحتمله التعليق. اهـ. «التحقيق» ١/ ٣٥٧.
ولمحمد بن عبد الهادي الحنبلي كتاب في الرد على كتاب الخطيب هذا، ذكر ذلك في «التنقيح» ٢/ ٨٣١.
وللحافظ الذهبي كتاب «مختصر الجهر بالبسملة» للخطيب مطبوع. وممن ذكر أن للخطيب تصنيف في هذا الباب الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٤٠٧، والمصنف في «الإعلام» ٣/ ٣٥.
(٣) تقدمت ترجمة ابن عبد البر في المقدمة، وتقدم ذكره أيضًا كثيرًا جدًّا، ومصنفه المشار إليه هو كتاب: «الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب من الاختلاف»، وهو مطبوع.
(٤) أبو شامة هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان، الإِمام العلامة =



وعندنا وعند أحمد أنها آية منها (١).
وقال أبو حنيفة ومالك: ليست آية منها ولا من غيرها (٢).
وعندنا يستحب الجهر بها في ما يجهر فيه (٣). وبه قال أكثر العلماء.
وخالف أحمد (٤) (٥) وأبو حنيفة (٦). ثم الأحاديث الواردة في الجهر كثيرة

-----------
= ذو الفنون، شهاب الدين، أبو القاسم، المقدسي الأصل الدمشقي، الشافعي، الفقيه- المقرئ، النحوي.
كتب الكثير من العلوم وأتقن الفقه ودرس وأفتى، وبرع في فن العربية، وصنف في القراءات شرحًا نفسيًا للشاطبية، واختصر «»تاريخ دمشق«مرتين، وله كتاب»ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري«وكتاب»البسملة«وكتاب»السواك«وكتاب»الأصول من الأصول«، وكان فوق حاجبه الأيسر شامة كبيرة توفي أبو شامة سنة خمس وستين وستمائة.
انظر تمام ترجمته في:»تاريخ الإسلام«٤٩/ ١٩٤ (١٦٤)،»الوافي بالوفيات«١٨/ ١١٣ (١٢٨)،»فوات الوفيات«٢٣/ ٢٦٩ (٢٥١)،»كشف الظنون«٢/ ١٤٠٢.
وقد ذكر أصحاب الكتب الأربعة المذكورة كتاب»البسملة«ضمن مؤلفات أبي شامة.
تتمة: وممن صنف أيضًا في هذا الباب: محمَّد بن نصر المروزي، كما في»المجموع«٣/ ٢٩٩، وابن خزيمة واسم كتابه»المسألة في البسملة«أشار إليه في»صحيحه«١/ ٤٢٨، وابن حبان كما في»المجموع«٣/ ٢٩٩، والدارقطني واسم كتابه»الجهر بالبسملة في الصلاة«أشار إليه في»سننه«١/ ٣١١، والحاكم له كتاب»البسملة«، أشار إليه في»المستدرك«١/ ٢٣٤، والبيهقي كما في»المجموع«٣/ ٢٩٩ وغير ذلك.
(١) انظر:»الأم«١/ ٩٣، وعن أحمد روايتان انظر»المغني«٢/ ١٥١ - ١٥٢.
(٢) انظر:»المبسوط«١/ ١٥،»عيون المجالس«١/ ٢٩٢.
(٣) انظر:»المجموع«٣/ ٢٨٩.
(٤) في هامش الأصل تعليق نصه: من خط الشيخ: استثنى شهر رمضان في الفواصل بين السورة والفاتحة.
(٥) انظر:»المغني«٢/ ١٥٠.
(٦)»الأصل" ١/ ٣١.



متعددة عن جماعة من الصحابة يرتقي عددهم إلى أحد وعشرين صحابيًا رووا ذلك عن النبي - ﷺ - منهم من صرح بذلك ومنهم من فهم من عبارته ولم يرد تصريح بالإسرار عنها عن النبي - ﷺ - إلا روايتان أحدهما: عن ابن مغفل وهي ضعيفة (١). والثانية: عن أنس وهي معللة بما أوجب سقوط
-------------
(١) رواه الترمذي (٢٤٤)، وابن ماجه (٨١٥)، وأحمد ٤/ ٨٥، ٥/ ٥٥، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٠٢، وابن عبد البر في «الإنصاف» ص ١٦٧ - ١٦٨، وابن الجوزي في «التحقيق ١/ ٣٥٠ - ٣٥١ (٤٥٧) من طريق سعيد بن إياس الجريري.
ورواه النسائي ٢/ ١٣٥، وأحمد ٥/ ٥٤، والبيهقي ٢/ ٥٢، وابن عبد البر في»الإنصاف«ص ١٧١ - ١٧٢ من طريق عثمان بن غياث، كلاهما عن قيس بن عباية -أي: نعامة الحنفي- عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال لي: أي بني! محدث، إياك والحدث. قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه، قال: وقد صليت مع النبي - ﷺ - ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها فلا تقلها، إذا أنت صليت، فقل: الحمد لله رب العالمين. لفظ الترمذي.
والحديث أشار المصنف إلى ضعفه. وقال ابن عبد البر في»الإنصاف«ص ١٦٦ - ١٦٧: وقد زعم قوم أن الجريري انفرد به، وليس هو عندي كذلك؛ لأنه قد رواه غيره عن قيس. وهو ثقة عند جميعهم -يعني: عثمان بن غياث- وكذلك الجريري، ثقة، إلا أنه اختلط في آخر عمره، وأما ابن عبد الله بن مغفل فلم يرو عنه أحد إلا أبو نعامة، فيما علمت، ومن لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو مجهول، والمجهول لا تقوم به حجة. وقال النووي في»الخلاصة«١/ ٣٦٩: قال الحفاظ: هو حديث ضعيف؛ لأن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول، وممن صرح بهذا ابن خريمة وابن عبد البر والخطيب وآخرون.
وقال نحوًا من هذا الكلام مع زيادة بيان في»المجموع«٣/ ٣١٠ - ٣١١.
وضعف الحديث أيضًا الألباني في»ضعيف ابن ماجه«(١٧٤).
ونص الزيلعي في»نصب الراية" ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣ على أن الحديث قد رواه عن =



الاحتجاج بها (١). ومنهم من احتج بحديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» (٢) ولا دليل فيه للإسرار.
وأما حديث الجهر فالحجة قائمة بما شهد له بالصحة منها، وهو ما روي عن ستة من الصحابة: أبي هريرة وأم سلمة وابن عباس وأنس وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب، نبه على ذلك كله أبو شامة في «مصنفه» ولا مزيد عليه (٣)، ثم مذهبنا ومذهب الجمهور تعيين الفاتحة كل ركعة، وبه قال مالك وأحمد (٤).

-------------
= ابن عبد الله بن مغفل غير أبي نعامة، هما عبد الله بن بريدة وأبو سفيان السعدي، فيكون بذلك قد روى هذا الحديث ثلاثة عنه، وهذا كاف في رفع الجهالة عنه، فالحديث وإن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن، والحديث الحسن يحتج به. وكذا أشار إلى ارتفاع جهالته برواية أكثر من واحد عنه، ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٤١٦. وقال الحافظ في «النكت على ابن الصلاح» ٢/ ٧٦٨: هو حديث حسن؛ لأن رواته ثقات، ولم يصب من ضعفه.
(١) رواه ابن خزيمة ١/ ٢٥٠ (٤٩٨)، والطبراني في «الكبير» ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦ (٧٣٩)، وفي «الأوسط» ٨/ ١٦٢ (٨٢٧٧)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٤٩٥، وأبو أحمد الحاكم في «شعار أصحاب الحديث» (٣٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ١٧٩، والضياء في «المختارة» ٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠ (١٨٧٧ - ١٨٧٨)، والحافظ في «موافقة الخبر الخبر» ١/ ٢٩٧. من طرق عن الحسن، عن أنس أن رسول الله - ﷺ - كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة وأبو بكر وعمر.
قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١٠٨: رجاله موثقون.
(٢) رواه مسلم (٣٩٥).
(٣) انظر بسط هذِه المسألة وتخريج هذِه الأحاديث في «الإنصاف» و«المجموع» ٣/ ٢٨٨ - ٣١٣، «نصب الراية» ١/ ٣٢٣ - ٣٦٣، «فتح الباري» لابن رجب ٦/ ٣٨٨ - ٤٣٢، «فتح الباري» لابن حجر ٢/ ٢٢٧ - ٢٣١، «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٣٤٣ - ٣٥٧.
(٤) انظر: «المجموع» ٣/ ٣١٨، «المدونة» ١/ ٦٩ - ٧٠، «المغني» ٢/ ١٥٦.



وقال أبو حنيفة: لا تتعين بل تستحب. وفي رواية عنه: تجب ولا تشرط. قال: ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه (١) وفي قدر الواجب روايات عنده.
قال الرازي: وأصحها ما تناوله الاسم ولا يجب في غير الركعتين الأوليين عنده، وليس هذا محل الخوض في ذلك وبسطه، فإنه يطول، ومحله كتب الخلافيات.
الحديث الثاني:
حديث أبي هريرة قال: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً -قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: هُنَيَّةً- فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ ..» الحديث.
وهو حديث أخرجه مسلم أيضًا (٢) وهو دال على الاستفتاح.
وخالف فيه مالك فقال: لا شيء بعد التكبير إلا قراءة الفاتحة، وكره السكوت؛ لأنهعليه السلام - لما علم الأعرابي قال: «كبر، ثم اقرأ» (٣).
أما ابن العربي فذكر عنه أنه كان يقول كلمات عمر بعد التكبير: سبحانك اللهم وبحمدك .. إلى آخره (٤).

--------------
(١) «بدائع الصنائع» ١/ ١١١.
(٢) مسلم (٥٩٨) كتاب: المساجد، باب: ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، ورمز فوقها بالأصل (د س ق) إشارة إلى أن الحديث عند أبي داود والنسائي وابن ماجه، وهو كذلك انظر: «سنن أبي داود» (٧٨١)، والنسائي ١/ ٥٠، وابن ماجه (٨٠٥).
(٣) سيأتي برقم (٧٥٧) باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم.
(٤) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٤١ - ٤٢.



وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد: يستحب (١). وأخذ الشافعي بحديث عليّ الثابت في «صحيح مسلم»: «وجهت وجهي ..» إلى آخره (٢).
وزاد عليه أبو يوسف التسبيح في أوله (٣)، واقتصر عليه أبو حنيفة ومحمد، فقالا: يسبح (٤)، وكذا قال أحمد، فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك (٥). والأصح وقفه على عمر كما قاله الدارقطني والحاكم وابن خزيمة والبيهقي (٦). وهو في مسلم من حديث عبدة عنه، ولم يسمع منه. كما قاله أبو علي الجياني (٧) وغيره وبعض أصحابنا. هذا الأول أيضًا.
وفي «المحيط» من كتب الحنفية: يستحب قوله: وجهت وجهي (٨)، قبل التكبير، وقيل: لا يستحب؛ لتطويل القيام مستقبل القبلة من غير

------------
(١) انظر: «المجموع» ٣/ ٢٧٥ - ٢٧٩، «المستوعب» ٢/ ١٣٧، «الشرح الكبير» ٣/ ٤٢٥ - ٤٢٩.
(٢) مسلم برقم (٧٧١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٠٠.
(٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٦.
(٥) انظر: «المستوعب» ٢/ ١٣٧، «المغني» ٢/ ١٤٢.
(٦) «سنن الدارقطني» ١/ ٦٩٩ كتاب: الصلاة، باب: دعاء الاستفتاح بعد التكبير، ورواه من عدة وجوه مرفوعًا وموقوفًا، «المستدرك» ١/ ٢٣٥ كتاب: الصلاة، باب: دعاء افتتاح الصلاة. ورواه موقوفًا وقال: وقد أسند هذا الحديث عن عمر ولا يصح، «صحيح ابن خريمة» ١/ ٢٤٠ (٤٧١) كتاب: الصلاة، باب: إباحة الدعاء بعد التكبير وقبل القراءة، «السنن الكبرى» ٢/ ٣٤ - ٣٥ كتاب: الصلاة، باب: الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك.
(٧) «تقييد المهمل» ٣/ ٨٠٩. ووافقه القاضي عياض وأثنى على كلامه هذا في «إكمال المعلم» ٢/ ٢٨٩. وللنووي إجابة على هذا الإشكال. انظره في «شرح مسلم» ٤/ ١١١ - ١١٢.
(٨) «المحيط البرهاني» ٢/ ١١٠.



صلاة، وإنما قدم الشافعي الاستفتاح بـ «وجهت وجهي ..»؛ لموافقة ألفاظ القرآن، وإلا فحديث أبي هريرة في الباب أقوى منه.
وأجاب عنه ابن الجوزي بأنه كان في أول الأمر أو في النافلة. قلت: في النسائي من حديث محمد بن مسلمة أنه - عليه السلام - كان إذا قام يصلي تطوعًا (١) قاله. لكن في «صحيح أبي حاتم بن حبان»: كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله (٢).
وقال ابن قدامة: العمل به متروك، فإنا لا نعلم أحدًا استفتح بالحديث كله، وإنما يستفتحون بأوله (٣) وهو عجيب منه!
قال الشافعي في «الأم» باستحباب جميعه (٤). وممن نقله عنه: ابن الأثير في «شرح المسند»، وأما المزني فروى عنه إلى قوله: والمسلمين (٥). وهو في حق الإِمام فقط. ووقع في ابن بطال أن الشافعي قال: أحب للإمام أن تكون له سكتة بين التكبير والقراءة؛ ليقرأ المأموم فيها. ثم قال: وحديث أبي هريرة يرد على العلة التي علل بها الشافعي هذِه السكتة؛ لأن أبا هريرة سأل الشارع عنها فقال: «أقول: اللهم باعد ..» إلى آخره، ولو كانت ليقرأ من وراء الإمام فيها لذكر ذلك، فبين أن السكتة لغير ما قاله الشافعي (٦).

----------------
(١) النسائي ٢/ ١٣١ كتاب: الافتتاح.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٦٨ - ٧١ (١٧٧١ - ١٧٧٢) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة. من حديث علي بن أبي طالب، وهو في «صحيح مسلم» (٧٧١).
(٣) «المغني» ٢/ ١٤٥.
(٤) «الأم» ١/ ٩٢.
(٥) «الشافي شرح مسند الشافعي» ١/ ٥٣٧.
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢.



وهذا الذي قاله عن الشافعي غلط من أصله فإن الذي استحبه الشافعي السكتة فيها؛ لأجل قراءة المأموم الفاتحة إنما هو السكتة الثالثة بعد قوله: آمين، فتنبه لذلك، ثم قال ابن بطال: ولو كانت هذِه السكتة فيما واظب عليها الشارع لم يخف ذلك، ولنقلها أهل المدينة عيانًا وعملًا، فيحتمل أنه - عليه السلام - فعلها في وقت ثم تركها، فتركها واسع (١).
قلت: الحديث ورد بلفظ: كان إذا قام إلى الصلاة، وبلفظ: كان إذا قام يصلي تطوعًا. وبلفظ: كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله. وكان هنا تشعر بكثرة الفعل أو المداومة عليه.
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
قوله: (إسكاتة): هو بكسر الهمزة: إفعالة من السكوت.
قال ابن التين: معناه: سكوتًا يقتضي كلامًا بعده أو قراءة مع قصر المدة. والمراد بالسكوت هنا سكوت عن الجهر لا سكوت مطلق عن القول لا عن الذكر والدعاء بدليل قوله بعده: ما تقول؟ فإنه مشعر بأنه فهم في سكوته قولًا.
ثانيها:
(هنية) القليل من الزمان، وأصله: هنة، ثم صغر هنية -كما في رواية الكتاب- ثم أبدلت الياء المشددة هاء في رواية أخرى (٢). وضبطها

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٦٢.
(٢) أخرج هذِه الرواية النسائي ٢/ ١٢٨ - ١٢٩ كتاب: الافتتاح، باب: الدعاء بين التكبير والقراءة، وابن حبان في ٥/ ٧٦ - ٧٧ (١٧٧٦ - ١٧٧٧). كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة، وابن خزيمة ٣/ ٦٣ (١٦٣٠) كتاب: الصلاة، باب: الرخصة في خصوصية الإمام نفسه بالدعاء دون المأمومين.



القرطبي بالهمز عن رواية الجمهور (١). وخالف النووي في «شرحه لمسلم» فقال: من همزها فقد أخطأ (٢).
ثالثها:
فيه تفدية الشارع بالأباء والأمهات، وهو إجماع، وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين؟ فيه مذاهب أصحها: نعم بلا كراهة، وثانيها: المنع وذلك خاص به، وثالثها: يجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار دون غيرهم؛ لأنهم هم الوراث المنتفع بهم بخلاف غيرهم (٣). رابعها: المراد بالمباعدة ترك المؤاخذة، وكذا الغسل. والدنس: الوسخ، ولا شك أنه في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان، ولذا وقع التشبيه به.
وقوله: «بالماء والثلج والبرد»: فيه استعارة للمبالغة في التنظيف من الذنوب، والمراد: أذاقه لذة غفران ذنوبه. وقد أوضحت الكلام على هذا الحديث في «شرح العمدة» فليراجع منه (٤).
وفي «مسند البزار» الأمر بذلك أخرجه من حديث خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه، عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا صلى أحدكم فليقل: اللهم باعد بيني وبين خطيئتي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم إني أعوذ بك أن تصد عني بوجهك يوم القيامة، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيضج من الدنس، اللهم

---------------
(١)»المفهم«٢/ ٢١٦.
(٢)»صحيح مسلم بشرح النووي«٥/ ٩٦.
(٣) انظر:»الإعلام«٣/ ١٦ - ١٧.
(٤)»الإعلام" ٣/ ٥.



أحيني مسلمًا وأمتني مسلمًا» (١)، خبيب ووالده، وثقهما ابن حبان (٢) فردُّ ابن القطان حديثه لجهالتهما غير جيد (٣).
قال الشافعي: قال بعض من خالفنا: استفتح بسبحانك اللهم وبحمدك. وأن أول ما يبدأ بقوله وفعله ما كان في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، قال: قد رويت هذا القول عن النبي - ﷺ - من حديث بعض أهل مدينتكم، قلنا له ولبعض من حضره: أحافظٌ من رويت عنه هذا القول وتحتج بحديثه؟ قال عامة من حضره: لا ليس بحافظ. قال: قلت: فكيف يجوز أن يعارض برواية من لا يحفظ ولا يقبل حديث مثله على الانفراد رواية من يحفظ ويثبت حديثه؟ (٤)
قال البيهقي في «المعرفة»: وإنما أراد أبو عبد الله حديث حارثة عن عائشة (٥). أي: في أبي داود والترمذي والدارقطني.
قال الترمذي: لا نعرفه من حديث عائشة إلا من هذا الوجه.
وأعله أبو داود، وقال الدارقطني: ليس بقوي. وقال البيهقي: غير محفوظ. وأما الحاكم فصححه من طريق أبي داود على شرط الشيخين ثم قال: وله شاهد صحيح الإسناد، فذكر حديث حارثة، قال: وإن لم يكن مالك يرضاه فقد رضيه أقرانه من الأئمة، قال: ولا أحفظ في

----------------
(١) «البحر الزخار» ١٠/ ٤٥٦ (٤٦٢٨)، باب: ما يستفتح به الصلاة. قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١٠٦: إسناده ضعيف. وقال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٣٧٦: حديث غريب، إسناده فيه ضعف.
(٢) «الثقات» ٤/ ٣١٤، ترجمة سليمان بن سمرة، ٦/ ٢٧٤ ترجمة خبيب بن سليمان.
(٣) «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٣٦٧ (١١١٠)، ٥/ ١٣٨ (٢٣٧٩). قال ابن القطان في الموضع الأول: علة حديث سمرة، هي الجهل بحال خبيب وأبيه. اهـ. بتصرف.
(٤) نقل كلام الشافعي هذا البيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
(٥) «المعرفة» ٢/ ٣٤٦.



قوله: «سبحانك اللهم وبحمدك» أصح من هذين الحديثين.
قلت: الأول من رواية أبي الجوزاء عن عائشة، وبينهما انقطاع كما نبه عليه أبو عمر في «تمهيده» (١).

-----------------
(١) خلاصة ما ذكره المصنف -رحمه الله- أن حديث عائشة هذا روي من طريقين:
الأول: عن طلق بن غنام، عن عبد السلام بن حرب الملائي، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة. رواه من هذا الطريق أبو داود (٧٧٦)، والدارقطني ١/ ٢٢٩، والحاكم ١/ ٢٣٥، والبيهقي في «السنن» ٢/ ٣٤ - ٣٥، وفي «المعرفة» ٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨ (٣٠٠٢).
قال أبو داود: وهذا الحديث ليس بالمشهور، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكروا فيه شيئًا من هذا. وقال الدارقطني: ليس هذا الحديث بالقوي. وقال البيهقي في «المعرفة»: ليس بمحفوظ. ومال المصنف إلى تقويته في «البدر المنير» ٣/ ٥٣٣ وقال: لكنه مرسل، فإنه من رواية أبي الجوزاء عن عائشة. وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ٢٢٦: رجال إسناده ثقات، لكن فيه انقطاع. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٤٩).
الطريق الثاني: عن أبي معاوية، عن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة.
ورواه من هذا الطريق الترمذي (٢٤٣)، وابن ماجه (٨٠٦)، وابن خزيمة ١/ ٢٣٩ (٤٧٠)، والدارقطني ١/ ٣٠١، والحاكم كما في «إتحاف المهرة» ١٧/ ٧٣٠ - ٧٣١ (٢٣١٣٦)، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٣٤، وفي «المعرفة»٢/ ٣٤٦.
تنبيه هام: الحديث بهذا الإسناد سقط من مطبوع «المستدرك»، لذا عزوناه «للإتحاف» وقد علق محقق «الإتحاف» -وقد وضع إسناد الحاكم للحديث وقوله: صحيح الإسناد بين هلالين أو قوسين- قال: ما بين الهلالين ساقط من المطبوع، وهو موجود في أجل مخطوطة رواق المغاربة «للمستدرك» ١/ ١١٥/ أ. اهـ.
قال ابن خزيمة: حارثة ليس من يحتج أهل الحديث بحديثه. وقال البيهقي في «السنن»: وهذا لم نكتبه إلا من حديث حارثة بن أبي الرجال، وهو ضعيف. وزاد في «المعرفة»: لا يحتج به، ضعفه ابن معين وأحمد والبخاري وغيرهم. وضعفه الحافظ أيضًا في «التلخيص» ١/ ٢٢٩ بحارثة. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٣/ ٣٦٥: بهذين الطريقين يأخذ الحديث قوة، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحيح. وانظر: «التمهيد» ٢٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦، «نتائج الأفكار» ١/ ٣٩٦ - ٤٠٠.



وفي الدارقطني من حديث جابر: كان - ﷺ - يستفتح الصلاة بسبحانك اللهم وبحمدك.
قال ابن الجوزي وابن قدامة: رجال إسناده كلهم ثقات.
وضعفه البيهقي. وقال أبو زرعة. كذب لا أصل له (١).

--------------
(١) حديث جابر بهذا اللفظ رواه البيهقي ٢/ ٣٥ من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أن رسول الله كان إذا استفتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له». أما الدارقطني فرواه ١/ ٢٩٨ من طريق شريح بن يزيد، عن شعيب بن أبي حمزة به بلفظ: كان إذا استتفتح الصلاة قال: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ..» الحديث.
وليس فيه القطعة التي ذكرها المصنف. ورواه من هذا الطريق وبهذا اللفظ أيضًا، النسائي ٢/ ١٢٩، الطبراني في «مسند الشاميين» ٤/ ١٤٩ - ١٥٠ (٢٩٧٤)، وفي «الدعاء» ٢/ ١٠٣٠ - ١٠٣١ (٤٤٩)، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٣٤٢.
وقال الحافظ في «نتائج الأفكار» ١/ ٤٠٥: سنده جيد، وقال في ١/ ٤٠٩: سنده قوي.
تتمة هامة: الحديث الذي رواه الدارقطني باللفظ الذي ذكره المصنف -رحمه الله- رواه ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩ عن أبي سعيد الخدري.
ورواه أيضًا أبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي ٢/ ١٣٢، وابن ماجه (٨٠٤)، وأحمد ٣/ ٥٠، ٦٩، والبيهقي ٢/ ٣٤، وفي «المعرفة» ٢/ ٣٤٨ (٣٠٠٥)، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٣٤١ (٤٤١)، والحافظ في «نتائج الأفكار» ١/ ٤٠٢.
فيقول -والله أعلم- أن المصنف -رحمه الله- قد جانب الصواب لما ذكر هذا الحديث فذكره عن جابر، أو أنه خطأ من الناسخ، والله اعلم.
ونقل المصنف عن ابن قدامة كلامه على هذا الحديث ففيه نظر؛ لأن ابن قدامة لم يقل هذا الكلام على حديث جابر ولا حديث أبي سعيد، بل قاله على حديث أنس =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 469.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 463.20 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.25%)]