التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 17 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحديث جديد لنظام التشغيل Windows 11 يضيف مجموعة من ميزات الذكاء الاصطناعى.. اعرفها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          تطبيق Cloaked يُطلق ميزة ذكية لحماية الخصوصية من مكالمات الاحتيال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          إنستجرام يضيف حماية جديدة للحسابات المملوكة للأطفال تحت إشراف ذويهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          كيفية إنشاء اسم مستخدم آمن.. خطوة أساسية لحماية هويتك الرقمية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          ثريدز توسع إمكانيات التحليلات لتمكين صناع المحتوى من تتبع النمو والتفاعل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          واتساب يختبر ميزة "التلخيص السريع" لمتابعة الرسائل غير المقروءة باستخدام الـ ai (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          كل ما تريد معرفته عن التحديث الرابع لنظام iOS 26 Beta4 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          تحديث كروم على iOS يسهّل التبديل بين الحسابات الشخصية والعملية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          مايكروسوفت تسعى لإصلاح الأداء البطىء فى ويندوز 11 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          5 خطوات فعالة لتأمين حسابك على فيسبوك من الاختراق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #161  
قديم 28-01-2026, 04:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 261 الى صـــ 280
الحلقة (161)






هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ وظاهر الحديث يدل للتحريم؛ لأنه الأصل في النهي.
سابعها:
روى الشافعي: «أن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها» (١)، وهو مرسل، وهو أحد ما قيل في سبب الكراهة في هذِه الأوقات، وهو باب توقيف.
تتمتان:
الأولى: روي عن جماعة من السلف فيما حكاه ابن بطال عنهم أن النهي عند الطلوع وعند الغروب دون ما لم يبد حاجبها ولم تتدلى للغروب، رُوِي عن علي وابن مسعود وبلال وأبي أيوب وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس، وتأولوا أن المراد بالنهي عن الصلاة هذين الوقتين خاصة واستدلوا بقوله: «لا يتحرى أحدكم» (٢) الحديث (٣).

-------------------
(١) «مسند الشافعي» من حديث عبد الله بن الصنابحي ١/ ٥٥ (١٦٣)، ورواه النسائي ١/ ٢٧٥، وابن ماجه (١٢٥٣)، ومالك ١/ ١٥ (٣١)، وأحمد ٤/ ٣٤٨، ٣٤٩، وعبد الرزاق ٢/ ٤٢٥ (٣٩٥٠). ورواه ابن ماجه واحمد في أحد موضعيه وعبد الرزاق، عن أبي عبد الله الصنابحي وليس عبد الله الصنابحي، وهو الصواب كما قال ابن عبد البر، قال في «التميهد» ٤/ ٣: أبو عبد الله هو عبد الرحمن بن عسيلة تابعي ثقة ليست له صحبة … وقد صحف فجعل كنيته اسمه، وكذلك فعل كل من قال فيه عبد الله؛ لأنه أبو عبد الله.
وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٤٧٢). وله شاهد صحيح من حديث عمرو بن عبسة، رواه مسلم (٨٣٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: إسلام عمرو بن عبسة.
(٢) سيأتي قريبًا من حديث ابن عمر برقم (٥٨٢، ٥٨٥)، ولفظة: «لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها».
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٠٧.



ثانيهما: لا يقدح في الإجماع السالف عَلَى كراهة صلاة لا سبب لها في هذِه الأوقات بما رُوِي عن داود السالف؛ لأن خلافه لا يقدح في الإجماع، وكذا لا يقدح في جواز الفرائض المؤدَّاة فيها ما حكاه ابن العربي من المنع، وما نقله ابن حزم عن أبي بكرة وكعب بن عجرة أنهما نهيا عن الفرائض أيضًا (١) وحكي عن قوم أنهم لم يروا الصلاة أصلًا في هذِه الأوقات كلها. وأبدى الشيخ شهاب الدين السهروردي حكمة الكراهة بعد الصبح والعصر أنها لأجل راحة العمال من الأعمال، وهو معنى صوفي.
الحديث الثاني:
حديث ابن عمر: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاِتكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا».
وفي رواية: «إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَى تغرب». تَابَعَهُ عَبْدَةُ.
وهذا الحديث ذكره أيضًا قريبًا (٢)، وفي الحج أيضا (٣)، ومتابعة عبدة ليحيى بن سعيد ذكرها البخاري في صفة إبليس (٤)، زاد مسلم: «فإنها تطلع بقرني شيطان» (٥) ورواه مالك مرسلًا (٦)، وقد روي عنه

-----------------
(١) «المحلى» ٣/ ١٣ - ١٤، والأثران رواهما عبد الرزاق ٢/ ٣ - ٤ (٢٢٤٩، ٢٢٥٠).
(٢) سيأتي برقم (٥٨٥) باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس.
(٣) سيأتي برقم (١٦٢٩) باب: الطواف بعد الصبح والعصر.
(٤) سيأتي برقم (٣٢٧٢) كتاب: بدء الخلق.
(٥) مسلم (٨٢٨/ ٢٩٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٦) «الموطأ» ١/ ١٥ (٣٢).



رفعه (١)، ولم يتابع من رفعه عنه. والتحري: القصد والتعمد بفعل الشيء، ولا الناهية دخلت بعد الواو؛ لتفيد النهي عن كل منهما، وحاجب الشمس أول ما يبدو منها، وقد سلف فقه الحديث في الذي قبله.
الحديث الثالث:
حديث أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ صَلَاتَيْنِ، نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنْ الاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَنِ المُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ.
وهذا الحديث أخرجه في اللباس أيضًا (٢)، ومسلم في البيوع (٣)، وسلف خلا القطعة الأولى في باب: ما يستر من العورة (٤)، مع الكلام عليه فراجعه.

------------------
(١) رواه عنه من حديث عائشة مرفوعًا ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ٣٢٧ من طريق أيوب بن صالح عن مالك به ولم يتابع عليه عن مالك، وأيوب هذا ليس بالمشهور بحمل العلم ولا ممن يحتج به، كذا قاله ابن عبد البر.
(٢) سيأتي برقم (٥٨١٩)، باب: اشتمال الصماء، (٥٨٢١) باب: الاحتباء في ثوب واحد.
(٣) مسلم (١٥١١) كتاب: البيوع، باب: إبطال بيع الملامسة والمنابذة.
(٤) سلف برقم (٣٦٨) كتاب: الصلاة.



٣١ - باب لَا يَتَحَرى الصَّلَاةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا». [انظر: ٥٨٢ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٢/ ٦٠]

٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ». [١١٨٨، ١١٩٧، ١٨٦٤، ١٩٩٢، ١٩٩٥ - مسلم: ٨٢٧ - فتح: ٢/ ٦١]

٥٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا، يَعْنِى: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. [٣٧٦٦ - فتح: ٢/ ٦١]

٥٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. [انظر: ٣٦٨ - مسلم: ٨٢٥ - فتح:٢/ ٦١]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَحَرى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا».
وحديث أبي سعيد الخدري: عن رَسُولَ الله - ﷺ -: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَمْسُ».
وحديث معاوية: إِنكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا- يَعْني الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ.


وحديث أبي هريرة: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
أما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وسلف في الباب قبله من طريق آخر عنه (٢). وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه مسلم أيضًا (٣)، وأخرجه النسائي بلفظ: «حتى تبزغ» (٤) بدل: «حتى ترتفع».
وأما حديث معاوية فأخرجه أيضًا في باب ذكر معاوية، رواه عنه حمران بن أبان (٥)، ورواه أبو داود الطيالسي، عن معبد الجهني بدل حمران (٦)، وشيخ البخاري فيه محمد بن أبان، وهو ابن وزير معاوية البلخي كما ذكره الدارقطني وغيره. وقال ابن عدي: هو الواسطي. وغلط الأول؛ لأن البلخي يروي عن الكوفيين، والواسطي يروي عن البصريين. وقال المزي: الأشبه الأول، وما ذكره ابن عدي محتمل، فإن البخاري ذكر الواسطي في «تاريخه الكبير» ولم يذكر فيه البلخي، وجزم بأنه البلخي ابن أحد عشر في «جمعه» (٧)، وفي طبقتهما آخر يقال له: محمد بن أبان بن علي البلخي، يروي عن عبد الرحمن بن جابر.

-----------------
(١) مسلم (٨٢٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٢) سلف برقم (٥٨٢).
(٣) مسلم (٨٢٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها.
(٤) النسائي ١/ ٢٧٨.
(٥) سيأتي برقم (٣٧٦٦) كتاب: فضائل الصحابة.
(٦) «مسند الطيالسي» ٢/ ٣٠٨ (١٠٥٠).
(٧) لقد تعددت الأقوال والآراء حول تعيين شيخ البخاري هل هو البلخي أم الواسطي، فمال كثير من العلماء إلى أنه البلخي، وقيل: هو الواسطي ولكل من القولين مرجح، وكلاهما ثقة كما قال ابن حجر في «فتح الباري» ٢/ ٦٢.



وأما حديث أبي هريرة فسلف (١)، وفقه الباب سلف في الباب قبله، ومعنى: «لا صلاة» أي: شرعية، لأن الحسية لم تنتف.
--------------------
(١) برقم (٥٨٤).


٣٢ - باب مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعْدَ العَصْرِ وَالْفَجْرِ
رَوَاهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ.

٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا. [انظر: ٥٨٢ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٢/ ٦٢]
هذِه كلها سلفت مسندة عنده بألفاظها.
ثم ساق من حديث ابن عمر: قَالَ: أصَلَّي كَمَا رَأيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لَا أَنْهَى أحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا.
وغرض البخاري بهذا الباب رد قول من منع الصلاة عند الاستواء، وهو ظاهر قوله: لا أمنع أحدًا يصلي بليل أو نهارٍ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي، قَالَ مالك: ما أدركت أهل الفضل والعبادة إلا وهم يتحرون ويصلون نصف النهار. وعن الحسن وطاوس مثله (١)، والذين منعوا الصلاة عند الاستواء عمر وابن مسعود والحكم. وقال الكوفيون: لا يصلَى فيه فرض ولا نفل (٢).
واستثنى الشافعي وأبو يوسف يوم الجمعة خاصة؛ لأن جهنم لا تسجر فيه (٣)، وفيه حديث في أبي داود أن جهنم تسجر فيه إلا يوم

------------------
(١) «المدونة» ١/ ١٠٣، «التمهيد» ١/ ٢٨٨.
(٢) انظر: «الهداية» ١/ ٤٣.
(٣) انظر: «البيان» ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩، «الهداية» ١/ ٤٣.



الجمعة (١)، وفيه انقطاع، واستثنى منه مكحول المسافر، وكانت الصحابة يتنفلون يوم الجمعة في المسجد حَتَّى يخرج عمر، وكان لا يخرج حَتَّى تزول بدليل طنفسة عقيل.
وذكر ابن أبي شيبة عن مسروق أنه كان يصلي نصف النهار، فقيل له: إن الصلاة في هذِه الساعة تكره. فقال: ولم؟ قَالَ: قالوا: إن أبواب جهنم تفتح نصف النهار. فقال: الصلاة أحق ما استعيذ منه من جهنم حين تفتح أبوابها.

------------------
(١) رواه أبو داود (١٠٨٣)، من طريق ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي - ﷺ - الحديث، قال أبو داود: هو مرسل؛ مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.
وقال شيخنا الألباني: هو مع إرساله ضعيف؛ ليث -هو بن أبي سُلَيم- وكان اختلط، وإسناده فيه علتان: الأولى: الانقطاع بين أبي الخليل وأبي قتادة كما ذكره المؤلف، وأقره المنذري في «مختصره» ٢/ ١٥. والأخرى: ليث -هو ابن أبي سليم- هو ضعيف لسوء حفظه واختلاطه. وقال الألباني: وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة: أن رسول الله نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس؛ إلا يوم الجمعة، وهذا صحيح المعنى؛ كما بينه العلامة ابن القيم في «زاد المعاد»، انظر: «ضعيف أبي داود» ١٠/ ٣ - ٤ (٢٠٠).



٣٣ - باب مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ مِنَ الفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا
وَقَالَ كُرَيْبٌ، عَنْ أُمَ سَلَمَةَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: «شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ عَنِ الرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ».

٥٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَالَّذِى ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِىَ اللهَ، وَمَا لَقِىَ اللهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا -تَعْنِى: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ- وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ. [٥٩١، ٥٩٢، ٥٩٣، ١٦٣١ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤]

٥٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَتْ عَائِشَةُ: ابْنَ أُخْتِي، مَا تَرَكَ النَّبِيُّ - ﷺ - السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤]

٥٩٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤]

٥٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ وَمَسْرُوقًا شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤]
وهذا التعليق أخرجه مسندًا في السهو (١) وفي وفد عبد القيس من كتاب المغازي عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن عمرو بن

-------------------
(١) سيأتي برقم (١٢٣٣)، باب: إذا كُلِّم وهو يصلي فأشار بيده واستمع.


الحارث، عن بكير عن غريب مطولًا (١). وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
وفي البخاري: قَالَ ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنهما. وهو بالضاد المعجمة، وروي بالفاء والصاد المهملة.
وفي مسلم: «ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم». وفي البيهقي أنه قدم عَلَى وفد بني تميم أو صدقة «فشغلوني عنهما» (٣).
ولأحمد: «قدم عليَّ مال فشغلني عنهما» (٤) وفي ابن ماجه من حديث يزيد بن أبي زياد أنه شغله عنهما قسمة ما جاء به الساعي (٥). وللترمذي محسنًا من حديث ابن عباس: شغله عنهما مال فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما (٦).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٤٣٧٠)، باب: وفد عبد القيس.
(٢) مسلم (٨٣٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي - ﷺ - بعد العصر.
(٣) «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٤٢٦.
(٤) رواه الإمام أحمد في «مسنده» ٦/ ٣١٥ بلفظ «فشغلني عن الركعتين».
(٥) «سنن ابن ماجه» (١١٥٩). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ١/ ١٤٠: إسناده حسن، يزيد بن أبى زياد مختلف فيه. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٤٢)، قال: منكر.
(٦) «سنن الترمذي» (١٨٤)، وقال: وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وميمونة وأبي موسى، وحديث ابن عباس حديث حسن … وحديث ابن عباس أصح حيث قال: «لم يَعُدْ لَهُمَا». اهـ.
قال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٨٧ (٢٧١) تعقيبًا على قول الترمذي: حديث عائشة أثبت إسنادًا، ولفظه عند مسلم: «ثم أثبتها، وكان إذا صلى صلاة أثبتها» يعني: داوم عليها. اهـ.
وقال الألباني في «ضعيف الترمذي»: ضعيف الإسناد، وقوله: «ثم لم يَعُدْ لهما» منكر. اهـ.



وذكر بعده حديث عائشة في صلاته - عليه السلام - الركعتين بعد العصر من طرق:
منها: عن أيمن عنها، وهو من أفراده.
ومنها: عن عروة عنها: وقالت: ما تركهما عندي قطُّ.
وأخرجه مسلم أيضًا (١).
ومنها: عن الأسود عنها: وأنه لم يدعها سرًا ولا علانية.
وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
ومنها: عن الأسود ومسروق: أنهما شَهِدا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
وأخرجه مسلم أيضًا (٣)، وهو في مسلم من حديث أبي سلمة (٤) وطاوس عنها (٥). ومنها: عبد الله بن الزبير عنها، وسيأتي في البخاري (٦).
وذكر الدارقطني الاختلاف في حديث عائشة مبسوطًا، ثم قَالَ: والصحيح عنها: ما رواه عبد الله وهشام ابنا عروة، عن أبيهما، عنها. وقال في مسند أم سلمة: حديث بكير بن الأشج أثبتها وأصحها.

-------------------
(١) مسلم (٨٣٥/ ٢٩٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي بعد العصر، بلفظ: ما ترك رسول الله - ﷺ - ركعتين بعد العصر عندي قط.
(٢) مسلم (٨٣٥/ ٣٠٠) بلفظ: صلاتان ما تركهما رسول الله - ﷺ - …
(٣) مسلم (٨٣٥/ ٣٠١).
(٤) مسلم (٢٩٨/ ٨٣٥).
(٥) مسلم (٨٣٣/ ٢٩٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها.
(٦) برقم (١٦٣١) كتاب: الحج، باب: الطواف بعد الصبح والعصر.



وفقه الباب ظاهر كما ترجم له، وهو قضاء سنة الظهر بعد العصر، ووقع في رواية عائشة ما يوهم أنها سنة العصر، فإنها قالت: كان يصليهما قبل العصر. ويحمل عَلَى أنها سنة الظهر؛ لأنها قبل العصر، ويقاس عليه كل صلاة لها سبب، وهو مراد البخاري بقوله: (ونحوها).
والاستدلال بفعله - ﷺ - لذلك أول مرة ومداومته عَلَى فعلها خاص به عَلَى الأصح.
وقال الطبري: فعل ذَلِكَ تبيينًا لأمته أن نهيه كان عَلَى وجه الكراهة لا التحريم.
وقال البيهقي: الأخبار مشيرة إلى اختصاصه بإثباتها لا إلى أصل القضاء (١).
وحديث أم سلمة فيه صريح أنه بعد النهي، فلم تكن من ادَّعى تصحيح الآثار عَلَى مذهبه دعوى للنسخ فيه برواية ضعيفة عنها في هذِه القصة: فقلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتانا؟ قَالَ: «لا» (٢)، واعتمد عليها.

-----------------
(١) انظر: «السنن الكبرى» ٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٣١٥، وأبو يعلى ١٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨ (٧٠٢٨) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٠٦، وابن حبان ٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨ (٢٦٥٣)، وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٦٤ - ٦٥: قال البيهقي عن هذِه الرواية: هذِه رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة، وقال -أعني: الحافظ-: أخرجها الطحاوي واحتج بهما على أن ذلك كان من خصائصه - ﷺ - وفيه ما فيه.
وقال الألباني في «الضعيفة» ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣ (٩٤٦): منكر، وسنده ظاهر الصحة، ولكنه معلول. ونقل من كلام البيهقي في «المعرفة»: ومعلوم عند أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث يرويه حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة دون هذِه الزيادة. اهـ.



٣٤ - باب التَّبْكِيِر بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ
٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى -هُوَ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ أَبَا الْمَلِيحِ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ». [انظر: ٥٥٣ - فتح: ٢/ ٦٦]
ذكر فيه حديث أبي قلابة: أَنَّ أَبَا المَلِيح حَدَّثَهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْم ذِي غَيْم فَقَالَ: بَكرُوا بالصَّلَاةِ فَإنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ ترَكَ صَلَاةَ العَصرِ حَبِطً عَمَلُهُ».
هذا الحديث سلف في باب من ترك العصر (١).
قَالَ ابن المنذر: روي عن عمر بن الخطاب أنه قَالَ: إذا كان يوم غيم فأخروا الظهر وعجلوا العصر (٢). وهو قول مالك (٣). وقال الحسن البصري: أخروا الظهر والمغرب، وعجلوا العصر والعشاء الآخرة (٤).
وهو قول الأوزاعي. وقال الكوفيون: يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء (٥).
وروى مطرف عن مالك أنه استحب تعجيل العشاء في الغيم. وقال أشهب: لا بأس بتأخيرها إلى ثلث الليل (٦). وفيها قول آخر، قَالَ ابن

-----------------
(١) برقم (٥٥٣)، باب: إثم من ترك العصر.
(٢) رواه في «الأوسط» ٢/ ٣٨٢.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٦.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦ (٦٢٩٢) بلفظ: عن هشام، عن الحسن، قال: كان يعجبه في يوم الغيم أن يؤخّر الظهر ويعجل العصر، وبرقم (٦٢٩٥) بلفظ: عن الحسن وابن سيرين قالا: يعجّل العصر ويؤخّر المغرب.
(٥) انظر: «الأصل» ١/ ١٤٧، «مختصر الطحاوي» ٢٤.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١٥٦ - ١٥٧.



مسعود: عجلوا الظهر والعصر، وأخروا المغرب (١). وقال المهلب: لا يصح التبكير في الغيم إلا بصلاة العصر والعشاء؛ لأنهما وقتان مشتركان مع ما قبلهما، ألا ترى أنهم يجمعونهما في المطر في وقت الأولى منهما، وهو سنة من النبي - ﷺ -.
-----------------
(١) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٣٨٢.


٣٥ - باب الأذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ
٥٩٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةً، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ». قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ. فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَالَ: «يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟». قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ. قَالَ: «إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ». فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى. [٧٤٧١ - مسلم: ٦٨١ - فتح: ٢/ ٦٦]
ذكر فيه حديث أبي قتادة في نومه - عليه السلام - حتى فاتت صلاة الصبح، ثم قضاها لما طلعت الشمس وابياضت.
وفيه: «قم فآذن الناس بالصلاة».
وقد سلف في التيمم في باب: الصعيد الطيب يكفيه من الماء. من حديث عمران بن حصين (١)، وتكلمنا عليه هناك واضحًا فراجعه.
والتعريس: النزول آخر الليل، ونذكر هنا اختلاف العلماء في الأذان للفائتة، فذهب الإمام أحمد إلى جوازه (٢)، وهو قول أبي أيوب، واحتجا بهذا الحديث. وقال الكوفيون: إذا نسي صلاة واحدة وأراد أن يقضيها من الغد يؤذن لها ويقيم، فإن لم يفعل فصلاته تامة (٣).
وقال الثوري: ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة. وقال محمد بن الحسن: إن أذن فيه فحسن، وإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل

---------------
(١) سلف برقم (٣٤٤).
(٢) انظر: «المغني» ٢/ ٧٦.
(٣) انظر: «البنابة» ٢/ ١١٧.



الشارع يوم الخندق فحسن. وقال مالك والأوزاعي: يقيم للفائتة، ولم يذكروا أذانًا (١). وقال الشافعي: يقيم لها ولايؤذن في قوله الجديد، وفي القديم: يؤذن. والحديث يشهد له (٢).
واحتج من منع بأن الشارع يوم الخندق قضى الفوائت كلها بغير أذان، وإنما أذن للعشاء الآخرة فقط؛ لأنها صاحبةُ الوقت.
وفيه من الفقه مسائل أخر:
الأولى: أنه - ﷺ - كان ينام أحيانًا كنوم الآدميين، وقد أسلفت الجمع بينه وبين حديث: «إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي» هناك فراجعه.
الثانية: ادَّعى المهلب أن الحديث دال أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح، وإنما أكدت المحافظة عليها؛ لأجل هذِه المعارضة التي عرضت بالنوم عليه وعلى العسكر حَتَّى فاته وقتها، ويدل عَلَى ذلك تأكيده بلالًا في السفر والحضر بمراقبة وقتها، ولم يأمره بمراقبة غيرها، ألا ترى أنه لم تفته صلاة كيرها بغير عذر شغله عنها. قلت: قد وردت أنه فاتته صلوات كما سيأتي.
الثالثة: قوله في الحديث: (فاستيقظ رسول الله - ﷺ - وقد طلع حاجب الشمس)، وتركه للصلاة حَتَّى ابيضت الشمس، فيجوز أن يكون التأخير -كما قَالَ أهل الكوفة- لأجل النهي عن الصلاة عند الطلوع. ويجوز أن يكون التأخير لأجل التأهب للصلاة بالوضوء وغيره، لا لأجل ذَلِكَ، وقد جاء هذا المعنى في بعض طرق الحديث، ذكره في كتاب الاعتصام في باب المشيئة والإرادة، وفيه: (فقضوا حوائجهم

----------------
(١) انظر: «الدخيرة» ٢/ ٦٨.
(٢) انظر: «البيان» ٢/ ٥٩ - ٦٠.



وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت فقام فصلى) (١). ويجوز معنى ثالث قاله عطاء، وهو أنه إنما أمرهم بالخروج من الوادي عَلَى طريق التشاؤم به، ووقعت الغفلة فيه كما نهى عن الصلاة بأرض بابل، وحجر ثمود، وعن الوضوء بمائها، وهو مثل قوله - ﷺ - في حديث مالك عن زيد بن أسلم «إن هذا به شيطان» (٢)، فكره الصلاة في البقعة التي فيها الشيطان إذ كان السبب لتأخير الصلاة عن وقتها، وادَّعى ابن وهب وعيسى بن دينار أن خروجهم من الوادي منسوخ بقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وهو خطأ؛ لأن طه مكية، وقصة نومه كانت بالمدينة، ومما يدل عليه قول ابن مسعود: بنو إسرائيل والكهف ومريم والأنبياء هن من العتاق الأول، وهن من تلادي (٣)، يعني: إنهن من أول ما حفظه من القرآن واستفاده. التِلاد: القديم ما يفيده الإنسان من المال وغيره.
الرابعة: فيه حجة لقول مالك في عدم قضاء سنة الفجر (٤)، قَالَ أشهب: سئل مالك: هل ركع - ﷺ - ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الصبح حَتَّى طلعت الشمس؟ قَال: ما بلغني (٥) وقال أشهب: بلغني أنه - ﷺ - ركع. وقال علي بن زياد وقاله غير مالك، وهو أحب إليَّ أن

---------------
(١) سيأتي برقم (٧٤٧١) كتاب: التوحيد، باب: المشيئة والإرادة.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ٣٥. رواية يحيى، وقال أبو عمر في «التمهيد» ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥: هذا الحديث في «الموطآت» لم يسنده عن زيد أحد من رواة الموطأ، وقد جاء معناه متصلًا مسندًا من وجوه صحاح ثابتة. وحديث زيد بن أسلم هذا مرسل.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٠٨) كتاب: التفسير، باب: سورة بني إسرائيل الإسراء.
(٤) «المدونة» ١/ ١٢٠.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.



يركع، وهو قول الكوفيين والثوري والشافعي (١)، وقد قَالَ مالك: إن أحب أن يركعهما من فائتة بعد طلوع الشمس فعل (٢).
---------------
(١) انظر «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٧، «المجموع» ٣/ ٥٣٣.
(٢) «المدونة» ١/ ١١٨.



٣٦ - باب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ
٥٩٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا». فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ. [٥٩٨، ٦٤١، ٩٤٥، ٤١١٢ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢/ ٦٨]
ذكر فيه حديث جابر بن عبد الله: أَن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشِ وقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أصَلَّي العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَمْسُ تَغْرُبُ. فقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «والله مَا صَلَّيْتُهَا». فَقُمْنَا إلى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُم صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا قريبًا في مواضع، منها صلاة الخوف كما ستمر بك (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
ثانيها:
بُطْحان، تقدم ضبطه قريبًا في باب: فضل العشاء.

---------------
(١) سيأتي برقم (٩٤٥) باب: الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو.
(٢) مسلم برقم (٦٣١) كتاب: المساجد، باب: الدليل لمن قال الصلاة هي صلاة العصر.



ثالثها:
جاء في هذا الحديث أنه أخر صلاة العصر فقط، وجاء في «الموطأ» (١) و«صحيح بن حبان»: أنها الظهر والعصر (٢)، وفي الترمذي بإسناد منقطع: والمغرب أيضًا (٣)، وكذا هو في «مسند أحمد» من حديث أبي سعيد.
وفيه: وذلك قبل أن يُنزل الله -عز وجل- في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٤) [البقرة: ٢٣٩] والجمع ممكن، فإن الخندق كان أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها، وفي رواية للنسائي: انحبس عن صلاة العشاء أيضًا (٥). ولعله عن أول وقتها المعتاد.
ولأحمد من حديث أبي جمعة حبيب بن سباع، وفي إسناده ابن لهيعة: أنه - ﷺ - عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قَالَ: «هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟» قالوا: لا يا رسول الله ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب (٦).

--------------
(١) «الموطأ» ص ١٣١ رواية يحيى، من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٧/ ١٤٧ - ١٤٨ (٢٨٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود (١٧٩) بأيتهن يبدأ، وقال: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله. وقال الألباني في «الإرواء» (٢٣٩): ضعيف.
(٤) أحمد ٣/ ٢٥.
(٥) النسائي من حديث عبد الله بن مسعود ٢/ ١٨ كتاب: المواقيت، باب: الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة، وقال الألباني: في «الإرواء» (٢٣٩) ضعيف.
(٦) رواه أحمد ٤/ ١٠٦ من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن يزيد أن عبد الله بن عوف حدثه أن أبا جمعة حبيب بن سباع. الحديث، قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٤٠٩: هذا حديث منكر، يرويه ابن لهيعة عن مجهولين، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٢٤: فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف. وقال الحافظ =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #162  
قديم 28-01-2026, 04:49 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 281 الى صـــ 300
الحلقة (162)






وحمله ابن شاهين عَلَى أنه ذكرها وهو في الصلاة؛ لأنه لا يعيدها بعد تمامها، وفيه نظر.
رابعها:
فيه دلالة عَلَى جواز سب المشركين؛ للتقرير عليه، والمراد ما ليس بفاحش، إذ هو اللائق بمنصب عمر رضي الله عنه.
خامسها:
مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل عَلَى (كَادَ) اقتضى وقوع الفعل في الأكثر، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] والمشهور في كاد أنها إذا كانت في سياق النفي أوجبت، فإن كانت في سياق الإيجاب نفت، وقيل: النفي نفي، والإيجاب إيجاب، وكلاهما وقع في كلام عمر، فالأول قوله: ما كدت أصلي العصر. والثاني: حتى كادت الشمس تغرب، وفي رواية البخاري في باب: قضاء الفوائت الأولى فالأولى أن عمر قَالَ: ما كدت أصلي العصر حَتَّى غربت الشمس (١) وليحمل عَلَى أنها قاربت الغروب، ومثل هذِه روايته في باب: قول الرجل ما صلينا، ما كدت أن أصلي حَتَّى كادت الشمس تغرب، وذلك بعدما أفطر الصائم (٢).

-------------------
= ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٦٩: في صحة هذا الحديث نظر؛ لأنه مخالف لما في «الصحيحين» من قوله - ﷺ - لعمر: «والله ما صليتهما ويمكن الجمع بينهما بتكلف، وقال الألباني في»الإرواء" ١/ ٢٩٠ (٢٦١): ضعيف.
(١) سيأتي برقم (٥٩٨).
(٢) سيأتي برقم (٦٤١) كتاب: الأذان.



سادسها:
ورد في رواية أخرى في مسلم: حَتَّى كادت الشمس أن تغرب (١)، بإثبات أن، فاستدل به عَلَى إثبات أن في خبر كاد، والكثير حذفها كما في رواية الكتاب.
سابعها:
فيه: جواز الحلف من غير استحلاف، إذا بنيت عَلَى ذَلِكَ مصلحة دينية، وهو كثير في القرآن، وقد قيل: إنما حلف تطيبًا لقلب الفاروق، وقيل: للإشفاق منه عَلَى تركها، وقيل: يحتمل أنه تركها نسيانًا لاشتغاله بالقتال، فلما قَالَ عمر ذَلِكَ تذكر، وقال: والله ما صليتها، وفي مسلم: والله إن صليتها (٢)، وإن بمعنى ما.
ثامنها:
ظاهره أنه صلاهما جماعة، فيكون فيه دلالة عَلَى مشروعية الجماعة في الفائتة، وهو إجماع، وشذ الليث فمنع من ذَلِكَ، ويرد عليه هذا الحديث وحديث الوادي.
تاسعها:
فيه: دلالة عَلَى أن من فاتته صلاة وذكرها في وقت آخر ينبغي له أن يبدأ بالفائتة ثم بالحاضرة، وهذا إجماع. لكنه عند الشافعي وطائفة وابن القاسم وسحنون عَلَى سبيل الاستحباب (٣)، وعند مالك وأبي حنيفة

-----------------
(١) مسلم (٦٣١) كتاب: المساجد، باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
(٢) السابق.
(٣) «الأم» ١/ ٦٧، «النوادر والزيادات» ١/ ٣٣٨.



وآخرين عَلَى الإيجاب، حَتَّى قدمها مالك إذا خشي فوات الحاضرة (١)، واتفق مالك وأصحابه عَلَى أن حكم الأربع فما دونها حكم صلاة واحدة يبدأ بهن وإن خرج الوقت. واختلفوا في خمس، وعند أبي حنيفة الكثير ست، وفي قول محمد خمس (٢). وقال زفر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة (٣). وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا تجوز صلاة سنة بعدها.
ثم اعلم أنه إذا ضم إلى هذا الحديث الدليل عَلَى اتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق، لم يكن فيه دلالة عَلَى وجوب الترتيب في القضاء؛ لأن الفعل بمجرده لا يدل عَلَى الوجوب عَلَى المختار عند الأصوليين، وإن ضم إليه الدليل عَلَى تضيق وقت المغرب كان فيه دلالة على وجوب البداءة بها عند ضيق الوقت، وحديث: «لا صلاة لمن عليه صلاة» (٤) لا يعرف، وحديث: «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا مع الإمام فليصل مع الامام، فإذا فرغ من صلاته فليصل التي نسي، ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام» (٥) الصحيح وقفه عَلَى ابن عمر،

--------------
(١) «المدونة» ١/ ١٢٤ - ١٢٦، «الأصل» ١/ ١٥١.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٩٠.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٣٥.
(٤) قال ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٤٤٣ (٧٥٠): هذا حديث نسمعه عن ألسنة الناس، وما عرفنا له أصلًا. ثم ساق بسنده لأحمد سئل عن معنى هذا الحديث فقال: لا أعرف هذا البتة. فقال سائله -إبراهيم الحربي-: ولا سمعت أنا بهذا عن النبي - ﷺ - قط. وذكره ابن حجر في «تلخيص الحبير» ١/ ٢٧٢ وقال: قال ابن العربي في «العارضة»: هو باطل.
(٥) روي هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا، والصحيح أنه موقوف من قول ابن عمر كما قال أبو زرعة والدارقطني والبيهقي، رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٢١٩ (٥٦٠)، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، والدارقطني ١/ ٤٢١، من طريق يحيى بن أيوب، ثنا =



وأظهر الروايتين عن أبي حنيفة أنه إذا صلى الحاضرة وتذكر في أثنائها فائتة أنه إن مضى فيها تقع تطوعًا فيقطعها ويصلى الفائتة، وعنه رواية أخرى: لا تقع تطوعًا. وقيل: يصلى ركعتين ويسلم (١)
عاشرها:
قد يحتج به من يرى امتداد المغرب إلى مغيب الشفق؛ لأنه قدم العصر عليها، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب؛ لئلا يفوت وقتها أيضًا، وفيه منزع مالك السالف.
الحادي عشر:
فيه دلالة عَلَى عدم كراهية قول القائل: ما صليت، وسيأتي أن البخاري روى عن ابن سيرين أنه كره أن يقال: فاتتنا، وليقل: لم ندرك، قَالَ البخاري: وقول النبي - ﷺ - أصح (٢).
الثاني عشر:
هذا الحديث كان قبل نزول صلاة الخوف كما سلف، فلا حجة فيه لمن قَالَ بتأخيرها في حالة الخوف إلى الأمن.

------------
= سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، ورواه البيهقي ٢/ ٢٢١ من طريق الدارقطني.
وأما الحديث المرفوع رواه الطبرانى في «الأوسط» ٥/ ٢١٨ (٥١٣٢)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٤٥٥، والدارقطني ١/ ٤٢١، والبيهقي ٢/ ٢٢١، وابن الجوزي في «العلل» ١٨/ ٤٤٣ (٧٥١).
وقد اضطرب كلام العلماء فيمن رفعه؛ فمنهم من ينسب الوهم في رفعه لسعيد، ومنهم من ينسبه للترجماني الراوي عن سعيد، قاله الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ١٦٣.
(١) انظر: «البناية» ٢/ ٧١٨ - ٧١٩.
(٢) كما سيأتي (٦٣٥) كتاب: الأذان، باب: قول الرجل: فاتتنا الصلاة.



٣٧ - باب مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَليُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، وَلَا يُعِيدُ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الوَاحِدة.

٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ نَسِىَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ». ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾ [طه: ١٤] قَالَ مُوسَى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾ [طه: ١٤].
وَقَالَ حَبَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. نَحْوَهُ. [مسلم: ٦٨٤ - فتح ٢/ ٧٠]
ذكر فيه أثرًا وحديثًا من طريقين عن أنس رضي الله عنه. أما الأثر فقال:
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الوَاحِدَةَ.
ذكر الداودي فيما حكاه عنه ابن التين عن الحسن أنه قال: يعيد ما بعدها، وهذا إذا تركها ناسيًا فيعيدها وما أدرك وقته عند مالك وإن كان ذاكرًا لها وصلى صلوات كثيرة، ففي «المدونة»: يعيدها وحدها. وشذ بعض الناس فقال: لا تقضى. كما ستعلمه.
وأما الحديث: فأخرجه من طريق همام عن قتادة في أنس عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ، لَا كَفارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ». ﴿وَأَقِمِ اَلصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾.
ثم قَالَ: وَقَالَ حَبَّانُ: ثنَا هَمَّامٌ، ثنَا قَتَادَةُ، ثنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَهُ.


وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١). وساق الثانية تعليقًا للتصريح بالسماع. وفي النسائي عن ابن شهاب أنه كان يقرأ: (للذكرى) (٢).
ثم الحديث دال عَلَى وجوب القضاء عَلَى النائم والناسي، كثرت الصلاة أو قلت، وهذا مذهب العلماء كافة. وشذَّ بعضهم فيمن زاد عَلَى خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء، حكاه القرطبي (٣) ولا يعبأ به، فإن تركها عامدًا فالجمهور عَلَى وجوب القضاء أيضًا إلا ما حكي عن داود وجمع يسير، عدَّدهم ابن حزم، منهم خمسة من الصحابة، وأطال ابن حزم في المسألة وأفحش كعادته (٤).
احتج الجمهور بالقياس عَلَى الناسي، وهو من باب التنبيه بالأدنى عَلَى الأعلى، ومن نفي القياس فغير معتد بخلافه، وقد قَالَ - ﷺ -: «فليصلها إذا ذكرها» والعامد ذاكر لها، ثم المراد بالنسيان: الترك، سواء كان مع ذهول أو لم يكن، قَالَ تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركوا معرفته وأمره فتركهم في العذاب، ثم الكفارة إنما تكون عن ذنب غالبًا، والنائم والناسي ليس بآثم، فتعين العامد.

----------------
(١) رواه مسلم (٦٨٤) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، وأبو داود (٤٤٢)، والترمذي (١٧٨)، والنسائي ١/ ٢٩٣، وا بن ماجه (٦٩٦).
(٢) رواه النسائي ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧، رواه مسلم (٦٨٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها كلاهما من حديث أبي هريرة.
(٣) «المفهم» ٢/ ٣٠٩.
(٤) «المحلى» ٢/ ٢٣٥ - ٢٤٤.



وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لتذكرني فيها عَلَى أحد التأويلات، وأيضًا القضاء يجب بالخطاب الأول، وخروج وقت العبادة لا يسقط وجوبها؛ لأنها لازمة في الذمة كالدين، وإنما تسقط بفعلها ولم يوجد، وبالقياس عَلَى قضاء رمضان، وهذا يئول إلى إسقاط فرض الصلاة عن العباد، وقد ترك - ﷺ - العصر وغيرها يوم الخندق لشغل القتال ثم أعادها.
وقوله: «لا كفارة لها إلا ذلك» أي فعلها لا غير، ولا تخالف بينه وبين الحديث الآخر: «ليس في النوم تفريط» (١) وحديث: «وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان» (٢) فإن الكفارة قد تكون مع الخطأ كما في قتل الخطأ.
وقوله: («إذا ذكر») يحتج به من يقضي الفوائت في الوقت المنهي عن الصلاة فيه. وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] هو عام في كل الأوقات وبينة عَلَى تبويب هذا الحكم وأخذه من الآية التيم تضمنت الأمر لموسى - عليه السلام - بذلك، وأن هذا يلزمه اتباعه فيه.
والمراد بالذكرى: تذكرها، هذا هو الظاهر؛ لأنه احتج بها عَلَى من نام عن صلاة أو نسيها. وقال مجاهد: لتذكرني فيها (٣)، وقد سلف.
وقيل: إذا ذكرتني، وقد سلف أنه قرئ: (للذكرى)، ووجه إضافة

---------
(١) رواه من حديث أبي قتادة مسلم (٦٨١) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها.
(٢) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس، وسيأتي تخريجه بشيء من التفصيل عن غير واحد باختلاف، وإلى أن يأتي انظر «تلخيص الحبير» ١/ ٢٨١ - ٢٨٣ (٤٥٠) و«الإرواء» (٨٢).
(٣) انظر: «تفسير البغوى» ٥/ ٢٦٧، «زاد المسير» ٥/ ٢٧٥.



الذكرى إلى الله تعالى أن الصلاة عبادة له، فمتى ذكرها ذكر المعبود، وهذِه القراءة أشبه بالتأويل الأول، وكأنه أراد: لذكرها، فناب عن الضمير.

٣٨ - باب قَضَاءِ (الفَوَائتِ) (١) الأُولَى فَالأُولَى
٥٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُو: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ. قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ. [انظر: ٥٩٦ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢/ ٧٢]
ذكر فيه حديث جابر السالف في باب من صلى بالناس جماعة قريبًا (٢): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ-، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ. قَالَ فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ.

----------------
(١) في الأصول: (الفوائت)، وفي «الصحيح»: (الصلوات).
(٢) سلف برقم (٥٩٦).



٣٩ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ
٥٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: حَدِّثْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّى الْهَجِيرَ وَهْيَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ. قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٤٦١، ٦٤٧ - فتح: ٢/ ٧٢]
ذكر فيه حديث أبي برزة السالف في وقت الظهر (١) وغيره:
وفيه: كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها.
وكره الشارع السمر بعد العشاء خوف الاستغراق فيشتغل عن قيام الليل وصلاة الصبح، أو غيره من مصالح الآخرة والدنيا. وكان عمر رضي الله عنه يضرب الناس عَلَى الحديث بعد العشاء ويقول: أسمرًا أول الليل ونومًا آخره؟ وقال سلمان الفارسي: إياكم والسمر أول الليل فإنه مهدمة لآخره، فمن فعل ذَلِكَ فليصل ركعتين قبل أن يأوي إلى فراشه (٢). وأما السمر في العلم والخير فجائز كما فعله الشارع وأصحابه كما ستعلمه.

-------------------
(١) سلف برقم (٥٤١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٧٩ (٦٦٨٠ - ٦٦٨١).



٤٠ - باب السَّمَرِ فِي الفِقْهِ وَالْخَيِرْ بَعْدَ العِشَاءِ
٦٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِى صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ».
قَالَ الْحَسَنُ: وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ. قَالَ قُرَّةُ: هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ٧٣]

٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ - عليه السلام - إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ» يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ. [انظر: ١١٦ - مسلم: ٢٥٣٧ - فتح: ٢/ ٧٣]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث قرة بن خالد: قَالَ: انْتَظَرْنَا الحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قريبًا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هؤلاء. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: «ألَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ».
ثانيهما: حديث ابن عمر: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ العِشَاءَ فِي آخِرِ


حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ (قَامَ) (١) النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِه؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وفي آخره: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ (٢) القَرْنَ.
أما الحديث الأول: فأخرجه مسلم من حديث قرة، عن قتادة، عن أنس (٣)، والبخاري أبدل قتادة بالحسن، وسلف في العشاء من حديث حميد عن أنس (٤).
ومعنى (راث): أبطأ وتأخر، وهو بغير همز. قَالَ ابن التين: ورويناه بالهمز، ولا أعلمه به في كلام العرب (٥). ومعنى (نظرنا): انتظرنا.
وقوله: (كان شطر الليل يبلغه). قيل: إن (كان) هنا زائدة. قَالَ ابن بطال: التقدير: حَتَّى كان شطر الليل، أو كاد يبلغه، والعرب قد تحذف كاد كثيرًا من كلامها لدلالة الكلام عليه، كقولهم في أظلمت الشمس: كادت تظلم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أي كادت من شدة الخوف تبلغ الحلوق (٦).
وأما الحديث الثاني: فسلف في باب: ذكر العشاء (٧)، والعلم أيضًا (٨). وفي سياقته في هذا الباب متابعة شعيب بن عبد الرحمن وتصريح سماع الزهري من سالم.

-------------------
(١) في الأصل: قال. والمثبت من «الصحيح».
(٢) ورد بهامش الأصل: وفي حاشيته الدمياطي أيضًا: تخرم ذلك القرن. يقال للماضي: قضى وانقضى، وهذا العمر تقضى. أي: تخرم.
(٣) مسلم (٦٤٠/ ٢٢٣) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٤) سلف برقم (٥٧٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت العشاء إلى نصف الليل.
(٥) انظر: «الصحاح» ١/ ٢٨٤، «لسان العرب» ٣/ ١٧٨٩، مادة: (ريث).
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٢٤.
(٧) سلف برقم (٥٦٤).
(٨) سلف برقم (١١٦) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم.



و(هل) -بفتح الهاء ويجوز كسرها- أي: ذهبت أوهامهم إلى
ذَلِكَ (١). ومعنى (ينخرم ذَلِكَ القرن): ينقطع وينقضى (٢).
وهذان الحديثان عَلَى أن السمر المنهي عنه بعد العشاء إنما هو فيما لا ينبغي، ألا ترى استدلال الحسن البصري حين سمر عند جيرانه لمذاكرة العلم بسمر الشارع إلى قريب من شطر الليل في شغله بتجهيز الجيش أو غيره مما سلف، ثم خرج فصلى بهم وخطبهم مؤنسًا لهم ومرغبًا ومعْلِمًا ومعَلِّمًا. ولعل البخاري أراد بقوله: (بعد العشاء). أي: بعد فعلها؛ لأن الموافقة كانت كذلك في الحديثين.
وروى ابن أبي شيبة والترمذي محسنًا من حديث عمر قَالَ: كان رسول الله - ﷺ - يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه، وصلى عَلَى العتمة. فاستفتي حتى أذن بصلاة الصبح فقال: «قوموا فأوتروا، فإنا لم نوتر» (٣)
وكان ابن سيرين والقاسم وأصحابه يتحدثون بعد العشاء (٤).
وقال مجاهد: يكره السمر بعد العشاء إلا لمصلٍ أو مسافر أو دارس علمٍ (٥).

---------------
(١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٢٣٣.
(٢) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٢/ ٢٧.
(٣) رواه الترمذي (١٦٩)، وقال: حديث حسن، وابن أبي شيبة ٢/ ٧٩ - ٨٠ (٦٦٨٨)، لكن دون لفظ: «فاستفتي حتى أذن …».
(٤) «المصنف» ٢/ ٨٠ (٦٦٩٧، ٦٧٠٠).
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٦٤ (٢١٤٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٨٠ (٦٦٩٨)، كلاهما بلفظ: لا بأس بالسمر في الفقه. لكن لفظ المصنف هذا رواه ابن مسعود مرفوعًا، رواه أحمد ١/ ٣٧٩، وأبو يعلى ٩/ ٢٥٧ (٥٣٧٨)، والطبراني ١٠/ ٢١٧ (١٠٥١٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ١٩٨. وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣١٤ =



٤١ - باب السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالأَهْلِ
٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ». وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهْوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي -فَلَا أَدْرِى قَالَ: وَامْرَأَتِى- وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ. وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ -أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ- قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِئَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا. فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا. قَالَ: يَعْنِي: حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِىَ كَمَا هِىَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِى فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِىَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ. فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ -يَعْنِي: يَمِينَهُ- ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ [٣٥٨١، ٦١٤٠، ٦١٤١ - مسلم: ٢٠٥٧ - فتح: ٢/ ٧٥]

-----------------
= وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» فأما أحمد وأبو يعلى فقالا: عن خيثمة، عن رجل، عن ابن مسعود. وقال الطبراني: عن خيثمة، عن زياد بن حدير. ورجال الجميع ثقات، وعند أحمد في رواية: عن خيثمة، عن عبد الله، بإسقاط الرجل. اهـ. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٤٩٩).


ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا ناسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «منْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أربعة فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ» الحديث بطوله.
والبخاري أورده مطولًا ومختصرًا في مواضع، منها هنا، وعلامات النبوة (١)، والأدب (٢)، وأخرجه مسلم في الأطعمة (٣)، وهو ظاهر لما ترجم له هنا، وهو السمر مع الضيف والأهل، وهو من السمر المباح، وتلك كانت أخلاقهم وأحوالهم، فإنه قَالَ لزوجته: أوما عشيتهم، ويا أخت بني فراس. وقال لولده: يا غنثر. وقال لأضيافه: كلوا.
ثم الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
الصفة: موضع مظلل من المسجد كان للمساكين والمهاجرين والغرباء يأوون إليه، ويقال لهم أيضًا: الأوفاض. وذكرهم صاحب «الحلية» وعدَّ منهم مائة ونيفًا (٤).
ثانيها:
قوله: («من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث») هذا هو الصواب، وهو أصح من رواية مسلم: «فليذهب بثلاثة» لأن ظاهرها صيرورتهم خمسة، وحينئذ لا يمسك رمق أحد، بخلاف الواحد مع

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٨١) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٢) سيأتي برقم (٦١٤٠)، باب: ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف، و(٦١٤١)، باب: قول الضعيف لصاحبه لا آكل حتى تأكل.
(٣) مسلم (٢٠٥٧) كتاب: الأشربة، باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره.
(٤) انظر: «حلية الأولياء» ١/ ٣٣٧ وما بعدها.



الاثنين، فتأول عَلَى أن المراد: فليذهب بتمام ثلاثة كما قَالَ تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي: في تمامها، فطعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الثلاثة كما صح في الخبر (١)، والكفاية غير الشبع، فتأمله.
ثالثها:
قوله: («وإن أربع فخامس أو سادس») (أو) هنا للتنويع، وقيل: للإباحة. وفي مسلم: «من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس» (٢) ووجه ذَلِكَ أن تشريك الزائد عَلَى الأربعة لا يضر بالباقين، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة؛ لشدة الحال، وزاد - ﷺ - واحدًا واحدًا؛ رفقًا بصاحب العيال، وضيق معيشة الواحد والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات.
رابعها:
فيه: فضيلة الإيثار والمواساة، وأنه عند كثرة الأضياف يوزعهم الإمام عَلَى أهل المحلة، ويعطي لكل منهم ما يعلم أنه يحتمله، وياخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عمر رضي الله عنه فعله في عام الرمادة إذ كان يلقي عَلَى أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، ويقول: لن يهلك امرؤ عن نصف قوته (٣). وكانت الضرورة ذَلِكَ العام أشد، وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اْللَّهَ

----------------
(١) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٥٣٩٢) كتاب: الأطعمة، باب: طعام الواحد يكفي الأثنين، ورواه مسلم (٢٠٥٨) كتاب: الأشربة، باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل …
(٢) مسلم (٢٠٥٧).
(٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ٢٥.



﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ومعناه: أن المؤمنين يلزمهم الفربة قي أموالهم لله تعالى عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قَالَ كثير من العلماء: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، وورد أيضًا في الترمذي مرفوعًا (١).
خامسها:
قوله: (وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي - ﷺ - بعشرة) هذا مبين لما كان عليه الشارع من الأخذ بأفضل الأمور والسبق إلى السخاء والجود، فإن عياله - عليه السلام - كانوا قريبًا من عدد ضيفانه هذِه الليلة، فآسى بنصف طعامه أو نحوه، وآسى أبو بكر بثلث طعامه أو أكثر. قَالَ -يعني: عبد الرحمن بن الصديق-: فهو أنا وأبي وأمي. ولا أدري هل قَالَ: وامرأتي وخادم.
سادسها:
أمه أم رومان، بضم الراء وفتحها. قَالَ السهيلي: اسمها: دعد. وقال غيره: زينب، وهي من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة (٢).

--------------------
(١) رواه الترمذي (٦٥٩، ٦٦٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء أن في المال حقًا سوى الزكاة، ولفظه: عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، عن النبي - ﷺ - قال: «إن في المال حقًّا سوى الزكاة»، وقال الترمذي: هذا حديث إسناده ليس بذلك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعَّف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي هذا الحديث قوله وهذا أصح. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٣٨٣)، وقال: الصحيح أنه من قول الشعبي، والله أعلم.
(٢) انظر: «الثقات» ٣/ ٤٥٩، «الاستيعاب» ٤/ ٤٨٩ (٣٥٨٦)، «تقريب التهذيب» (٨٧٣٠).



سابعها:
قوله: (وخادم بيننا وبين أبي بكر) كذا في الرواية، وفي أخرى: بين بيتنا وبيت أبي بكو (١).
ثامنها:
قوله: (وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله - ﷺ -) فيه فوائد:
الأولى: أكل الصديق عند صديقه.
الثانية: جواز من عنده ضيفان أن يقبل على مصالحه وأشغاله إذا كان له من يقوم أمورهم كما كان الصديق.
الثالثة: ما كان عليه الصديق من الحب لرسول الله - ﷺ -، والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره عَلَى الأهل والولد والضيف وغيرهم.
تاسعها:
قوله: (ثم لبث حيث صليت العشاء ثم رجع) كذا في رواية. وفي أخرى: حَتَّى صلى العشاء ورجع (٢). بالجيم. وفي «صحيح الإسماعيلي»: ركع بالكاف.
وقوله: (فلبث حَتَّى تعشى النبي - ﷺ -). في مسلم: حَتَّى نعس (٣) بدل: تعشى، وهو ظاهر.
عاشرها:
قوله: (قالت له امرأته -يعني: أم رومان-: ما حبسك عن أضيافك؟) فيه أن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فإنها رضي الله عنها لما رأت أن الضيفان تأخروا عن الأكل قالت كذلك، فبادرت

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٨١).
(٢) السابق.
(٣) مسلم (٢٠٥٧/ ١٧٦).



حين قدم تسأله عن سبب تأخره عن مثل ذَلِكَ، وامتناع ضيفانه من الأكل أدبًا ورفقًا به؛ لظنهم أنه لا يجد عشاء، فصبروا حَتَّى يأكل معهم.
وفيه: إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل، وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أذن في ذَلِكَ؛ لإنكار الصديق في ذلك.
الحادي عشر:
قولها: (قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا فأبوا). قَالَ ابن التين: أي: عرضوا أهل الدار فأبى الضيفان. وفي رواية: فعرضنا عليهم (١).
ويروى: عُرضوا، بضم العين، وهو ما ضبطه به عياض أي أطعموا.
والعُراضة -بضم العين- الهدية (٢). قَالَ ابن التين: ويروى بصاد مهملة، ولا أعلم له وجهًا. قَالَ بعض شيوخنا: يحتمل أن يكون من عرض بمعنى نشط، قاله ابن التياني، فكأنه يريد أن أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم. قلت: وفي «الصحاح»: العَرَص -بالتحريك- النشاط. وعرِص الرجل -بالكسر- تنشط عن الفراء (٣).
وفيه: أن الولد والأهل يلزمهم الاحتفال بالأضياف مثلما يلزم صاحب المنزل، فإنهم عرضوا عَلَى الأضياف الطعام فامتنعوا.
الثاني عشر:
(قَالَ -يعني: عبد الرحمن-: فذهبت أنا فاختبأت) اختباؤه للخوف من خصام أبيه له؛ لأن المنزل لم يكن فيه رجل غيره يباشر الأضياف؛ ولأنه كان أوصاه بهم.

------------------
(١) سيأتي برقم (٦١٤١) كتاب: الأدب، باب: قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل.
(٢) «مشارق الأنوار» ٢/ ٧٥.
(٣) «الصحاح» ٣/ ١٠٤٥، مادة: (عرص).



الثالث عشر:
قوله: (يا غنثر). هو بغين معجمة مضمومة، ثم نون ثم مثلثة، ثم راء. والمثلثة مفتوحة ومضمومة لغتان، هذا هو المشهور في ضبط هذِه اللفظة. وقيل: بالعين المهملة المفتوحة، وبالمثناة فوق مفتوحة، والصحيح الأول -كما قاله صاحب «المطالع»- ومعناه: يا لئيم، يا دني، والغنثر: الذباب. وقيل: يا أحمق. وقيل: الوخم. وقيل: الجاهل. من الغثارة، وهي الجهل، والنون زائدة. وقيل: مأخوذ من الغثر وهو السقوط. وقيل: السفيه، وحاصله: كله ذم وتنقيص يقوله الغضبان عند ضيق صدره (١). وأما الثاني فقيل: الذباب. وقيل: الأزرق منه، شبهه به تحقيرًا له وشدة أذاه (٢).
الرابع عشر:
قوله: (فجدَّع) وهو بالجيم، والدال المهملة المشددة، ومعناه: دعا عليه بقطع الأنف أو الأذن أو الشفة، وهو بالأنف أخص، وإذا أطلق غلب عليه. وقيل: معناه السب، وهو الشتم، وهو بعيد لقوله: (جدَّع وسبَّ)، فيؤدي إلى التكرار.
وقيل المجادعة: المخاصمة (٣). وعند المروزي بالزاي بدل الجيم، وهو وهم كما قاله صاحب «المطالع»، وكل ذَلِكَ من الصديق عَلَى عبد الرحمن عَلَى ظن أنه فرط في الأضياف، فلما بأن له خلافه وأن المنع منهم أدَّبهم بقوله: كلوا لا هنيئًا. وحلف لا يطعمه. وقال

-----------------
(١) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٣٠٧.
(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٣٨٩.
(٣) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٢٤٦، ٢٤٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #163  
قديم 29-01-2026, 05:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 301 الى صـــ 320
الحلقة (163)






النووي: إنما قاله لما حصل له من الحرج بتركهم العشاء بسببه. وقيل: إنه ليس بدعاء إنما هو خبر، أي: لم يتهنوا به في وقته (١) وذكره ابن بطال وغيره أنه إنما خاطب بذلك أهله لا أضيافه (٢)، ويحتمل أن يكون سبب حلفه تحكمهم عَلَى رب المنزل بالحضور كما جاء في رواية: لا نأكل إلا بمحضر من أبي بكر (٣) وحملهم عَلَى ذَلِكَ صدق رغبتهم في التبرك بمؤاكلته وحضوره معهم.
الخامس عشر:
قوله: (وايم الله). ألف ايم ألف وصل، وقيل: قطع، وخففت وطرحت في الوصل لكثرة الاستعمال، وهي حلف وضع للقسم، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، ويقال بفتح الهمزة وكسرها، وبحذف الياء، يقال: ام الله. والهمزة، فيقال: مُ الله، ثم تكسر؛ لأنها صارت حرفًا واحدًا، فقالوا: م الله، ويقال: ايمن الله بضم الميم وزيادة نون مضمومة. وربما قالوا: من الله بضم الميم والنون، وبفتحهما، وبكسرهما.
قَالَ أبو عبيدة: والأصل فيه: يمين الله، ثم جمع يمين عَلَى أيمن وحلفوا به فقالوا: أيمن، ثم كثر في كلامهم، وحلف عَلَى ألسنتهم، ولخَّص في التسهيل فيها تسع لغات: ايمن الله، بتثليث النون وكذا: من الله، ومُ مثلها. قَالَ: وليست الميم بدلًا من (أو) ولا أصلها (من) خلافًا لمن زعم ذَلِكَ، ولا ايمن جمع يمين، خلافًا للكوفيين.

---------------
(١) «شرح النووي» ١٤/ ١٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٢٨.
(٣) سيأتي برقم (٦١٤٠) بلفظ: ما نحن آكلين حتى يجيء رب منزلنا.



السادس عشر:
قوله: (ربا من أسفلها أكثر). أي ارتفع وزاد الطعام، وأكثر-بالمثلثة وبالموحدة- فأزال الله تعالى النَّكت الذي كان حصل، وأبدله بهذِه الكرامة، فعاد سرورًا وانقلب الشيطان خاسئًا مدحورًا، وعاد الصديق إلى مكارم أخلاقه، وحنث نفسه لما رأى من رجحانه وأكل معهم، فطابت النفوس. ففيه إذن كرامة ظاهرة للصديق، وإثبات كرامات الأولياء.
السابع عشر:
قوله: (حَتَّى شبعوا وصارت أكثر مما كانت). أكثر بالمثلثة وبالموحدة أيضًا كما سلف.
وقوله: (يا أخت بني فراس). قاله الصديق لامرأته أم رومان، ومعناه: يا من هي من بني فراس، وفراس: هو ابن غنم بن مالك بن كنانة كما سلف. قَالَ عياض: واختلف في انتسابها إلى غنم اختلافًا كثيرًا، وهل هي من بني فراس بن غنم، أو من بني الحارث بن غنم؟ وهذا الحديث يصحح كونها من بني فراس بن غنم (١).
الثامن عشر:
قولها: (لا وقرة عيني) قرة العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان ويوافقه؛ لأن عينه تقر لبلوغه أمنيته، فيكون مأخوذًا من القرار، وقيل: مأخوذ من القُرِّ -بالضم- وهو البرد. أي أن عينه باردة لسرورها وعدم مقلقها. قَالَ الأصمعي وغيره: أقر الله عينه. أي: أبرد دمعته؛ لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة. واعترض أبو العباس عَلَى

-------------------
(١) «إكمال المعلم» ٦/ ٥٥٣.


الأصمعي فيما نقله القزاز، وقال: بل كل دمع حار. ومعنى القرة: رضا النفس. قَالَ الداودي: أرادت بقرة عينها النبي - ﷺ -، فأقسمت به. وقال القرطبي: أقسمت لما رأت من قرة عينها بكرامة الله تعالى لزوجها، و(لا) في قولها: (لا وقرة عيني). زائدة (١). ويحتمل أن تكون نافية، وفيه محذوف أي: لا شيء غير ما أقول، وهو قرة عيني.
التاسع عشر:
قوله: (إنما كان ذَلِكَ من الشيطان). (يريد: يمينه) (٢) وفي رواية: بسم الله الأولى من الشيطان (٣) -يعني: يمينه- فأخزاه الصديق بالحنث الذي هو خير.
وقوله: (ثم حملها إلى رسول الله - ﷺ -) فيه: أن الصديق إذا وقع له شيء من البركات أن يهدي إلى صديقه من ذَلِكَ، وجاء في بعض طرق الحديث أنه - ﷺ - أكل منها (٤).
العشرون:
قوله: ففرقنا (اثنا عشر رجلًا). كذا هو في البخاري -بفاء مكررة وقاف- من التفريق. أي: جعل كل رجل مع اثني عشر فرقة، وهو كذلك في كثير من نسخ مسلم، وفي معظمها: فعرَّفنا -بالعين وتشديد الراء وروي بفتح الفاء، وروي: فتعرفنا. أي: جعلنا عرفاء نقباء عَلَى قومهم، وسموا عرفاء؛ لأنهم يعرفون الإمام أحوال جماعتهم.

---------------
(١) «المفهم» ٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩.
(٢) من (ج).
(٣) ستأتي برقم (٦١٤٠).
(٤) سيأتي برقم (٦١٤١).



وقوله: (اثنا عشر). كذا هو في البخاري وبعض نسخ مسلم، وفي بعضها: اثني عشر (١). وكلاهما صحيح، والأول: جارٍ على لغة من جعل المثنى بالألف في الأحوال الثلاثة، وهي لغة قبائل من العرب، قَالَ تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] وقال ابن التين عن بعضهم: لعل ضبطه: ففُرقنا بضم الفاء -يعني: الثانية- ويكون اثنا عشر ارتفع عَلَى أنه مبتدأ، وخبره مع كل رجل منهم أناس.
خاتمة في فوائد الحديث غير ما سبق منها:
أن للرجل أن يسب ولده وأهله عَلَى تقصيرهم ببر أضيافه، وأن يغضب لذلك.
ومنها: أن الأضياف ينبغي لهم أن يتأدبوا وينتظروا صاحب الدار، ولا يتهافتوا عَلَى الطعام دونه.
ومنها: أن إتيان الذي هو خير مع التكفير، فإن الطعام الذي ظهرت بركته الأكل منه خير، وقد نهى الشارع عن الإيمان في ترك البر والتقوى وفعل الخير، ومن هنا حنث الشارع والصالحون أنفسهم، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤]. وحنث الشارع نفسه في الشراب الذي شربه في بيت زوجته، وحنث الصديق نفسه أيضًا في قصة مسطح.
ومنها: إثبات كرامات الأولياء.
ومنها: أن الصديق الملاطف يجمل به أن يهدي إلى الجليل من إخوانه يسير الهدية وغير ذلك.

---------------
(١) انظر: «اليونينية» ١/ ١٢٤.


١٠

كتاب الأذان


١٠ - كِتَابُ الأَذَان
١ - باب بَدْءُ الأَذانِ
وَقَوْلُهُ - عز وجل -: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].

٦٠٣ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. [٦٠٥، ٦٠٧، ٣٤٥٧، ٦٠٦ - مسلم ٣٧٨ - فتح ٢/ ٧٧]

٦٠٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ». [مسلم ٣٧٧ - فتح ٢/ ٧٧]


الأذان: الإعلام (١). وفي الشرع: الإعلام بدخول وقت الصلاة المكتوبة (٢)، واستفتحه البخاري بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٥٨] وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] إما للتبرك أو لذكر الأذان فيهما، أو لأن ذَلِكَ كان بدء الأذان، وأن ذَلِكَ كان بالمدينة، فإنهما مدنيتان، والحديثان اللذان أوردهما عقب ذَلِكَ كانا بالمدينة؛ لقوله: (كان المسلمون حين قدموا المدينة).
وقد قَالَ ابن عباس: الأذان نزل مع الصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٣) [الجمعة: ٩] مع أنه قد روي أن الأذان كان ليلة الإسراء كما ذكره أحمد بن فارس وغيره مطولًا (٤). وأصل مشروعية

---------------
(١) للاستزادة ينظر: «الصحاح» ٥/ ٢٠٦٨ - ٢٠٦٩، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣٣ - ٣٤، «لسان العرب» ١/ ٥١ - ٥٤ مادة: أذن.
(٢) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٨٩، «الذخيرة» ٢/ ٤٣، «المجموع» ٣/ ٨٠ - ٨١، «المغني» ٢/ ٥٣ - ٥٤.
(٣) رواه الحافظ الذهبي بسنده في «تذكرة الحفاظ» ٣/ ٧٩٩ - ٨٠٠ عن عكرمة، عن ابن عباس به.
وعزاه الحافظ في «الفتح» ٢/ ٧٨، والسيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٣٢٦ لأبي الشيخ وزاد السيوطي أنه في كتاب «الأذان». قال الذهبي: إسناده ضعيف، ومتنه منكر.
(٤) رواه البزار في «البحر الزخار» ٢/ ١٤٦ - ١٤٧ (٥٠٨) عن علي قال: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل صلى الله عليهما بدابة يقال لها البراق، فذهب يركبها … الحديث مطولًا.
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن علي إلا بهذا الإسناد، وزياد بن المنذر فيه شيعية، وقد روى عنه مروان بن معاوية وغيره.
والحديث عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣ للبزار، وقال الهيثمي =



الأذان رؤية عبد الله بن زيد في السنن أبو داود والترمذى والنسائى (١)
-------------------
= في «المجمع» ١/ ٣٢٩: رواه البزار، وفيه زياد بن المنذر. وهو مجمع على ضعفه.
وأورد الهيثمي له حديث آخر في ٥/ ٢٣٨، وقال: زياد بن المنذر كذاب متروك.
وزياد هذا قال عنه الحافظ في «التقريب» (٢١٠١): رافضي كذبه ابن معين. وقال الألباني في «الإسراء والمعراج» ص ١٠٤ - ١٠٥: حديث ضعيف جدًّا، وعلامات الوضع عليه ظاهرة.
وروى الطبراني في «الأوسط» ٩/ ١٠٠ (٩٢٤٧) عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - لما أسري به إلى السماء أوحي إليه بالأذان فنزل به فعلمه جبريل. هكذا جاء في «الأوسط»: فعلمه جبريل! وهو ما جاء في «مجمع البحرين» ٢/ ١٢ - ١٣ (٦٢٩)، «مجمع الزوائد» ١/ ٣٢٩، ومعناه مشكل، إلا أن تكون لفظة جبريل هذِه تحرفت.
والحديث هذا ذكره الحافظ في «الفتح» ٢/ ٧٨ بلفظ: فنزل به فعلمه بلالًا، وهذِه أولى من لفظة جبريل.
وقال الهيثمي ١/ ٣٢٩: فيه طلحة بن زيد، ونسب إلى الوضع، وقال الحافظ: في إسناده طلحة بن زيد وهو متروك، وقال في «التقريب» (٣٠٢٠): متروك، قال أحمد وعلي وأبو داود: كان يضع.
وقال الحافظ ٢/ ٧٨: للدارقطني في «الأطراف» من حديث أنس أن جبريل أمر النبي - ﷺ - بالأذان حين فرضت الصلاة. وإسناده ضعيف أيضًا.
وأورد السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٢٨٣ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لما أسري بي إلى السماء أوحي إليه بالأذان، فنزل به فعلمه جبريل أذن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدمني فصليت بالملائكة». وعزاه لابن مردويه. قال الحافظ ٢/ ٧٨: فيه من لا يعرف وأورد أيضًا ٤/ ٢٨٤ عن علي رضي الله عنه أن النبي - ﷺ - علم الأذان ليلة أسري به وفرضت عليه الصلاة.
(١) أبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦).
ومن طريقهم رواه أيضًا أحمد ٤/ ٤٣، والدارمي ٢/ ٧٥٨ - ٧٦٠ (١٢٢٤ - ١٢٢٥)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (١٣٧)، وابن الجارود ١/ ١٥٦ - ١٥٧ (١٥٨)، وابن خريمة (٣٦٣، ٣٧٠، ٣٧١)، وأبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» ٤/ ٥٩ (١٥٩٩)، وابن حبان ٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣ (١٦٧٩)، والدارقطني ١/ ٢٤١، والبيهقي ١/ ٣٩٠ - ٣٩١، ٤١٥، وفي «دلائل النبوة» ٧/ ١٧ - ١٨، =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٢٣ - ٢٤، وابن الاثير في «أسد الغابة» ٣/ ٢٤٨، والضياء في «المختارة» ٩/ ٣٧٣ - ٣٧٧ (٣٤٤ - ٣٤٦) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدثني أبي عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله - ﷺ - بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول: الله أكبر .. فلما أصبحت أتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته بما رأيت، فقال: «إنها لرؤية حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك» فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله - ﷺ -: «فلله الحمد». هكذا الحديث مطولًا، ورواه بعضهم مختصرًا دون القصة الأولى، كما عند الترمذي.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وعبد الله بن زيد لا نعرف له عن النبي - ﷺ - شيئًا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان.
وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٨٢: إسناده صحيح، وقال ابن خزيمة ١/ ١٩٣: سمعت محمد بن يحيى يقول: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه، وعبد الرحمن بن أبى ليلى لم يسمعه من عبد الله بن زيد.
وقال الخطابي في «معالم السنن» ١/ ١٥٢: قد روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة، وهذا الإسناد أصحها.
وقال البيهقي ١/ ٣١٩: وفي كتاب «العلل» للترمذي قال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، يعني حديث محمد بن إبراهيم التيمي، فقال: هو عندي حديث صحيح.
ونقل تصحيح البخاري للحديث عن الترمذي، أيضًا الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ٢٥٩، والحافظ في «الدراية» ١/ ١١١، وفي «تلخيص الحبير» ١/ ١٩٧.
قلت: لم أعثر على هذا الحديث في «علل الترمذي الكبير» وليس هو فيه، ويدل =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= لذلك أن الحافظ ابن رجب الحنبلي في تخريجه لهذا الحديث في «فتح الباري» ٥/ ١٨٩ قال: وحكى البيهقي أن الترمذي حكى … وساق الكلام. فنقل الحافظ ابن رجب هنا هذا الكلام بواسطة البيهقي يدل أنه لم يجده في «العلل». والله أعلم.
ثم قال الحافظ عن الحديث: وبه استدل الإمام أحمد وعليه اعتمد.
وفعل مثل ذلك المصنف -رحمه الله- فنقل في «البدر المنير» ٣/ ٣٤١ هذا الكلام عن البيهقي أيضًا.
والحديث قال عنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥١٢): إسناده حسن صحيح، وقال في «الثمر المستطاب» ١/ ١١٤: إسناد جيد، وخرجه في «الإرواء» (٢٤٦) وقال: إسناده حسن، فقد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث فزالت شبهة تدليسه.
والحديث رواه أحمد ٤/ ٤٢ - ٤٣، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ٤٧٥ - ٤٧٦ (١٩٧٣)، وابن خزيمة (٣٧٣)، وأبو القاسم البغوي ٤/ ٥٧ - ٥٨ (١٥٩٧)، والبيهقي ١/ ٤١٥، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٢٢ - ٢٣، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠ (٣٥٨) من طرق عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه .. الحديث بنحوه. لكن ليس فيه قصة عمر.
ورواه بنحوه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦ (١٧٧٤)، وابن سعد في «الطبقات» ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧ عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، مرسلًا.
قال الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ١١٥ عن الحديث المرفوع: هذا سند جيد.
قال الحاكم: لم يخرج هذا الحديث في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده، وأمثل الروايات فيه رواية سعيد بن المسيب، وقد توهم بعض أئمتنا أن سعيدًا لم يلحق عبد الله بن زيد، وليس كذلك، فإن سعيد كان فيمن يدخل بين علي وبين عثمان في التوسط، وإنما توفي عبد الله بن زيد في أواخر خلافة عثمان، وحديث الزهري، عن سعيد بن المسيب مشهور ورواه يونس بن يزيد ومعمر وشعيب بن أبي حمزة ومحمد بن إسحاق وغيرهم. اهـ. «المستدرك» ٣/ ٣٣٦.
ورواه أبو داود (٤٩٨)، والبيهقي ١/ ٣٩٠، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٢٠ - ٢١ من طريق هشيم، عن أبي بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من =



و«مستدرك الحاكم» (١) وغيره، فوافق ما رآه - ﷺ - تلك الليلة (٢)، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان عَلَى لسان غيره من المؤمنين؛ لما فيه من التنويه من الله بعبده، والرفع لذكره، والتفخيم بشأنه، قَالَ تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤].
الحديث الأول: حديث أنس: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، وَذَكَرُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارى، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وُيوتِرَ الإِقَامَةَ.
وقد أخرجه مسلم أيضًا، وباقي الستة (٣)، وذكره البخاري أيضًا في

---------------
= الأنصار، قال: اهتم النبي - ﷺ - للصلاة كيف يجمع الناس لها .... الحديث مطولًا.
قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٨١: إسناده صحيح إلى أبي عمير بن أنس، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥١١).
ورواه أبو داود (٥٠٧)، وابن إسحاق في «السيرة» (٤٦٩)، والبيهقي ١/ ٣٩١، ١/ ٤٢٠ - ٤٢١ من طريق المسعودي عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال …
الحديث مطولًا. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٢٤)، وللحديث طرق وروايات وألفاظ أخر، انظرها في: «نصب الراية» ١/ ٢٥٨ - ٢٦٠، «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ١٧٧ - ١٩٦، «البدر المنير» ٣/ ٣٣٤ - ٣٤٤، «تلخيص الحبير» ١/ ١٩٧ - ١٩٩، «الثمر المستطاب» ١/ ١١١ - ١٩٩.
(١) «المستدرك» ٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦، ٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٢) مسلم (٣٧٨) كتاب: الصلاة، باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، أبو داود (٥٠٨)، الترمذي (١٩٣)، النسائي ٢/ ٣، ابن ماجه (٧٣٠).
(٣) قال القرطبي في «المفهم» ٢/ ٦: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعًا في حقه.
قال الحافظ ٢/ ٧٩ معقبًا: قول القرطبي فيه نظر، لقول في أوله: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان، وكذا قول المحب الطبري: يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي، وهو الإعلام، ففيه نظر أيضًا، لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه، والحق أنه لا يصح شيء من هذِه الأحاديث. اهـ



ذكر بني إسرائيل كما ستعلمه إن شاء الله (١). وفي لفظ له ذكره قريبًا: قَالَ إسماعيل بن إبراهيم: فذكرته لأيوب فقال: إلا الإقامه (٢).
وفي «صحيح ابن منده» هذِه اللفظة من قول أيوب، هكذا رواه ابن المديني عن ابن علية، فأدرجها سليمان عن حماد. أي: كما سيأتي في الباب بعده (٣).
ورواه غير واحد عن حماد، ولم يذكروا هذِه اللفظة (٤). وفي النسائي أن الآمر بذلك هو رسول الله - ﷺ - (٥)، وهو يرجح أن هذِه الصيغة وهي: (أُمِرَ) مقتضية للرفع، وهو الأصح (٦). وصححها ابن حبان

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٤٥٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذُكر عن بني إسرائيل.
(٢) سيأتي برقم (٦٠٧)، باب: الإقامة واحدة إلى قوله: قد قامت الصلاة.
(٣) سيأتي برقم (٦٠٥)، باب: الأذان مثنى مثنى.
(٤) رواه مسلم (٣٧٨/ ٢) عن خلف بن هشام، عن حماد، دون هذِه اللفظة. وكذا رواه أبو عوانة ١/ ٢٧٣ (٩٥٠) عن إبراهيم بن ديزيل، عن عفان، عن حماد. وكذا البيهقي ١/ ٤١٢ من طريق خلف بن هشام، عن حماد. وكذا الخطيب ١٠/ ١٢٣ من طريق علي بن عبد الله بن جعفر المديني، عن حماد.
(٥) النسائي ٢/ ٣.
(٦) قلت: هذا من أقسام المرفوع، أو هو قسم بين المرفوع والموقوف، وقد يسمى مرفوعًا حكمًا موقوفًا لفظًا، وهو أيضًا أقسام منها، هذا القسم، وهو قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، أو من السنة كذا. فمنها هذا الحديث.
ومنها: قول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا، سيأتي برقم (١٢٧٨).
ومنها: قول أنس: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعًا … سيأتي برقم (٥٢١٤).
والقسم الثاني: تفسير الصحابي إن تعلق بسبب نزول آية، أو نحوه، مرفوع، وإلا فموقوف.
وانظر تمام هذا البحث في «علوم الحديث» ص ٤٧ - ٥١، «المقنع» ١/ ١١٦ - ١٢٨، «التقييد والإيضاح» ص ٦٨ - ٧٠.



والحاكم (١).
والمراد معظم الأذان شفع، وإلا فالتكبير في أوله أربع ولا إله إلا الله في آخره مرة، وكذلك المراد بالوتر معظم الإقامة وإلا فلفظ الإقامة والتكبير في أوله مثنى، ولهذا استثنى لفظ الإقامة من قوله: (ويوتر الإقامة إلا الإقامة)، كما تقدم. وإنما لم يستثن التكبير؛ لأنه عَلَى نصف لفظه في الأذان، فكأنه وتر. وحاصل مذهبنا أن الأذان تسع عشرة كلمة بإثبات الترجيع والإقامة أحد عشرة (٢)، وأسقط مالك تربيع التكبير في أوله وجعله مثنى، وجعل الإقامة عشرة بإفراد كلمة الإقامة (٣).
وقال أبو حنيفة: هو خمس عشرة بإسقاط الترجيع، وزاد في الإقامة كلمة الإقامة (٤). وحكي عن أحمد أنه لا يرجع (٥)، ثم المشهور عندنا سنية الأذان والإقامة (٦)، وبه قَالَ مالك وأبو حنيفة (٧). وعن مالك: تجب في الجماعة (٨). وقال عطاء ومجاهد وداود: هو فرض وقال أحمد: إنه فرض كفاية (٩). وقال ابن المنذر: هو فرض في حق الجماعة في السفر والحضر (١٠).

------------------
(١) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٥٦٨، «المستدرك» ١/ ١٩٨، «معرفة علوم الحديث» ص ١٣٤.
(٢) انظر: «المهذب» ١/ ١٩٨ - ١٩٩.
(٣) «المدونة» ١/ ٦١ - ٦٢.
(٤) انظر: «البناية» ٢/ ٨٦ - ٩١.
(٥) انظر: «المغني» ٢/ ٥٦.
(٦) انظر: «المجموع» ٣/ ٨٨ - ٩٠.
(٧) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٥٨، «البناية» ٢/ ٨٤.
(٨) «المدونة» ١/ ٦٤.
(٩) وعن أحمد رواية ثانية أنه سنة، انظر: «الممتع» ١/ ٣١٧.
(١٠) «الأوسط» ٣/ ٢٤.



الحديث الثاني: حديث ابن عمر: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ، لَيْسَ يُنَادى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ».
والكلام عليه من أوجه:
أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وللإسماعيلي وأبي نعيم: «فأذن بالصلاة».
ثانيها: معنى يتحينون: يقدرون ويطلبون أحيانها، ويأتون إليها فيها.
والحين: الوقت والزمان. والناقوس توقف الجواليقي (٢) هل هو عربي أو معرب. والنقس: ضرب الناقوس، قَالَ في «الصحاح»: وفي الحديث: كادوا ينقسون حَتَّى رأى عبد الله بن زيد الأذان (٣). وصحفه ابن التين بالنون، فقال: كانوا. ثم شرع يستشكله، ولا إشكال. وفي أبي داود: حَتَّى نقسوا أو كادوا أن ينقسوا (٤).
ثالثها: قول عمر - رضي الله عنه -: (أولا تبعثون رجلًا منكم ينادي بالصلاة؟) الظاهر أنه إعلام ليس عَلَى صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها، جمعًا بينه وبين رؤيا عبد الله بن زيد فإنه بدء الأذان، فالواقع

---------------
(١) مسلم (٣٧٧) كتاب: الصلاة، بدء الأذان.
(٢) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٧).
(٣) «الصحاح» ٣/ ٩٨٥.
(٤) أبو داود (٥٠٦)، وكذا رواه أحمد ٥/ ٢٤٦، وعبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ (١٧٨٨)، والطبراني ٢٠/ (٢٧٠)، والبيهقي ١/ ٣٩١، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٢٦ - ٢٧. قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٢٣): إسناده صحيح على شرط الشيخين.



أولًا الإعلام، ثم لما رآه عبد الله بن زيد شرعه - ﷺ -: إما يوحي كما ذكره ابن إسحاق في «السيرة» (١)، ويجوز أن يكون باجتهاد منه لا بمجرد المنام، ويحتمل أن يكون عمر لما رأى الرؤيا وصحتها قَالَ: ألا تنادون بالصلاة؟ فأقره الشارع وأمر به.
رابعُها: قوله: «قم فناد بالصلاة» ليس فيه التعرض للقيام في حال الأذان، والمشهور أنه سُنَّة.
فوائد:
الأولى: في ابن ماجه من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قصة رؤيا عبد الله بن زيد. وفي آخره: قَالَ الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم. فأقرها النبي - ﷺ - (٢). ولما خرجه ابن خزيمة في «صحيحه» أتبعه بأن قَالَ: حَدَّثنَا بندار بخبر غريب (٣)، ثنا أبو بكر الحنفي، ثَنَا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قَالَ: إن بلالًا كان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، حي عَلَى الصلاة. فقال له عمر بن الخطاب: قل في إثرها: أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال - ﷺ -: «قل كما أمرك عمر» (٤)، وعن أبي حنيفة أنه يقوله -أي: التثويب- بعد الأذان، لا فيه (٥)، وصححه قاضي خان.

-----------------
(١) «سير ابن إسحاق» (٤٦٩).
(٢) ابن ماجه (٧٠٧)، قال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٤٨): ضعيف، وبعضه صحيح.
(٣) كذا مكررة في الأصل، وليست هي في المطبوع من «صحيح ابن خزيمة» (٣٦٢).
(٤) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ١٨٨ - ١٨٩ (٣٦٢)، قال الألباني (٣٦٢): إسناده ضعيف جدًّا، والحديث باطل؛ لأن قوله: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثابت في حديث عبد الله بن زيد الآتي (٣٧٠ - ٣٧١).
(٥) انظر: «المبسوط» ١/ ١٣٠.



ثانيها: في «المصنف» عن محمد بن فضيل عن (يزيد) (١) بن أبي صادق أنه كان يجعل آخر أذانه: لا إله إلا الله والله أكبر، وقال: هكذا كان آخر أذان بلال (٢). قال البيهقي بعد أن أخرجه من فعل مؤذن علي: وكذا فعله أبو يوسف صاحب أبي حنيفة.
ثالثها: روى البيهقي من حديث نافع، عن ابن عمر أنه قال: الأذان ثلاث ثلاث. وفسره غيره بتثليث الشهادتين والحيعلتين أيضًا.
وعن الحسن أنه كان يقول: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح. ثم يرجع فيقول: الله أكبر مرتين، وكل شهادة مرة، ويكرر الحيعلة (٣).
وفي «القواعد» لابن زيد: أذان البصريين تربيع التكبير الأول، وتثليث الشهادتين وحي على الصلاة حي على الفلاح، يبدأ بأشهد أن لا إله إلا الله، حتى يصل حي على الصلاة، ثم يعيد كذلك مرة ثانية، يعني: الأربع كلمات تبعًا، ثم يعيد ثالثة، وبه قال الحسن البصري ومحمد بن سيرين (٤)

----------------
(١) هكذا في الأصل، وفي المصنف: زيد.
(٢) «المصنف» ١/ ١٨٨ (٢١٥٢).
(٣) رواه أبن أبي شيبة ١/ ١٨٦ (٢١٢٢) وفيه بتثنيته التكبير الأول.
(٤) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٦٥ (١٧٩٨).



٢ - باب الأذَانُ مَثْنَى مَثْنَى
٦٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ الإِقَامَةَ. [انظر: ٦٠٣ - مسلم: ٣٧٨ - فتح: ٢/ ٨٢]

٦٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ -قَالَ:- ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَىْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. [انظر: ٦٠٣ - مسلم: ٣٧٨ - فتح ٢/ ٨٢]
ذَكَرِ فيه حديث أنس: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ إِلَّا الإِقَامَةَ.
وقد سلف أول الباب (١)، وكذا حديثه الآخر (٢).
والبخاري روى الثاني، عن محمد، عن عبد الوهاب قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ -قَالَ:- ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أنْ يُورُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ.
ومحمد هذا: هو ابن سلام كما ذكره أبو نعيم.
وقال أبو علي الجياني: وقال -يعني: البخاري- في الصلاة (٣)،

-------------------
(١) برقم (٦٠٣).
(٢) الحديث الآتي (٦٠٦).
(٣) سلف برقم (٥٦٨) وفيه صرح البخاري باسمه، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا عبد الوهاب. فيبدوا أن النسخة التي اعتمد عليها الجياني هي نسخة أبي الوقت، أو ابن عساكر، فقد جاء في اليونينية ١/ ١١٨ أن قوله: ابن سلام سقطت من نسخة أبي الوقت وابن عساكر. والله أعلم.



والجنائز (١)، والمناقب (٢)، والطلاق (٣)، والتوحيد (٤) وغير ذلك: حدثنا محمد، عن عبد الوهاب (٥). نسبه ابن السكن في بعضها ابن سلام.
قال: وقد صرح البخاري باسمه في الأضاحى (٦)، وفي غير موضع، فقال: حدثنا محمد بن سلام، ثنا عبد الوهاب (٧).
قال: وذكر أبو نصر-يعني: الكلاباذي- أن البخاري يروي في الجامع عن محمد بن سلام. وبندار: محمد بن بشار، وأبي موسى: محمد بن المثنى، ومحمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي، عن عبد الوهاب الثقفي (٨).

-------------------
(١) سيأتي برقم (١٢٥٤) باب: ما يستحب أن يغسل وترًا.
(٢) سيأتي برقم (٣٥١٤) باب: ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع.
(٣) سيأتي برقم (٥٢٨٣) باب: شفاعة النبي - ﷺ - في زوج بريرة.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٧٠) باب: في المشيئة والإرادة.
(٥) منها ما سيأتي برقم (١٠٢٨) كتاب: الاستسقاء، باب: استقبال القبلة في الاستسقاء. ومنها ما سيأتي برقم (٥٣٣٠) كتاب: الطلاق، باب: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾.
(٦) سيأتي برقم (٥٥٥٠) باب: من قال: الأضحى يوم النحر.
(٧) منها ما سلف برقم (٣٢٤) كتاب: الحيض، باب: شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى منها ما سيأتي برقم (٢٣١٦) كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الحدود، وجاء في هذا الحديث: حدثنا ابن سلام، أخبرنا عبد الوهاب الثققي. ومنها ما سيأتي برقم (٢٦٦٢) وجاء فيه أيضًا كالحديث السابق. ومنها ما سيأتي برقم (٥٥٢٨) كتاب: الذبائح والصيد، باب: لحوم الحمر الإنسية. ومنها ما سيأتي برقم (٦٠٣٠) كتاب: الأدب، باب: لم يكن النبي - ﷺ - فاحشًا ولا متفحشًا. ومنها ما سيأتي برقم (٦٠٨٠) كتاب: الأدب، باب: الزيارة.
(٨) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٢٠ - ١٠٢١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #164  
قديم 29-01-2026, 05:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 321 الى صـــ 340
الحلقة (164)






٣ - باب الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ، إِلَّا قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ
٦٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُ لأَيُّوبَ فَقَالَ: إِلاَّ الإِقَامَةَ. [انظر: ٦٠٣ - مسلم: ٣٧٨ - فتح: ٢/ ٨٣]
ذكر فيه أيضًا حديث أنس: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ.
قال إسماعيل بن إبراهيم: فذكرت لأيوب فقال: إلا الإقامة.
قال الإسماعيلي: جعل ترجمة الباب: إلا قوله: قد قامت الصلاة، وجعل الحديث فيه في هذا المعنى قول أيوب، وترك حديث سماك بن عطية يعني: السالف في الباب قبله، وهو متصل بقوله: ويوتر الإقامة إلا الإقامة، وفد أسلفنا كلام ابن منده فيه (١).

----------------
(١) راجع شرح حديث (٦٠٣).


٤ - باب فَضْلِ التَّأْذِينِ
٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، أذْكُرْ كَذَا. لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِى كَمْ صَلَّى». [١٢٢٢، ١٢٣١، ١٢٣٢، ٣٢٨٥ - مسلم: ٣٨٩ - فتح: ٢/ ٨٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنُّ النبيّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةَ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضَى النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا. لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى».
هذا الحديث أخرجه البخاري في الصلاة كما ستعلمه وفي لفظ له: «إن يدري» (١). ومسلم أيضًا، ولفظه: «ما يدري وله حصاص» (٢). وهو الضراط في قول كما ستعلمه.
وأخرجه من حديث جابر أيضًا: «إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء» (٣).
ثم الكلام عليه من أوجه:

-------------
(١) سيأتي برقم (١٢٣١) كتاب: السهو، باب: إذا لم يدركم صلى: ثلاثًا أو أربعًا، سجد سجدتين وهو جالس.
(٢) مسلم (٣٨٩) كتاب: الصلاة، باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه.
(٣) مسلم (٣٨٨) كتاب: الصلاة، باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه.



أحدها: «الحصاص» في رواية مسلم: بحاء وصادين مهملات، فقيل: إنه الواقع في رواية البخاري، وقال أبو عبيدة: هو شدة العدو.
وقال عاصم بن أبي النجود (١): إذا ضرب بأذنيه ومضغ بذنبه أي: حركه يمينًا وشمالًا وعدا، فذاك الحصاص.
ولا مانع من حمله على ظاهره؛ إذ هو جسم يصح منه خروج الريح.
وقيل: إنه عبارة عن شدة الغيظ والنفار وإدباره؛ لئلا يسمعه فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة (٢)، للحديث الآتي: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (٣)

----------------
(١) هو عاصم بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود الأسدي، مولاهم، الكوفي، أبو بكر المقرى، قال أحمد بن حنبل وغير واحد: بهدلة هو أبو النجود، وقال عمرو بن علي: عاصم بن بهدلة هو عاصم بن أبي النجود، واسم أمه بهدلة، وقال أبو بكر ابن أبي داود: زعم بعض من لا يعلم أن بهدلة أمه. وليس كذلك، بهدلة أبوه.
ويكنى أبا النجود.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه، فقال: كان رجلًا صالحًا قارئًا للقرآن، وأهل الكوفة يختارون قراءته وأنا اختار قراءته، وكان خيرًا ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث. قال النسائي: ليس به بأس. روى له البخاري ومسلم مقرونًا بغيره، واحتج به الباقون.
وروى له البخاري حديثين سيأتيا (٤٩٦٧ - ٤٩٧٧) ولم يترجم له المصنف في شرحهما، لذا ترجمت له هنا.
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٨٧ (٣٠٦٢)، «علل أحمد» ١/ ١٣٧، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٤٠ (١٨٨٧)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٤٧٣ (٣٠٠٢)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٥٦ (١١٩).
(٢) انظر: «الصحاح» ٣/ ١٠٣٢ - ١٠٣٤، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣٩٦، «لسان العرب» ١/ ٨٩٨ - ٩٠٠ مادة: (حصص).
(٣) الحديث الآتي (٦٠٩).



وأبعد من قال: إنما يشهد له المؤمنون من الجن والإنس دون الكافر، حكاه القاضي عياض، قال: ولا يُقْبَلٌ من قائله لما جاء في الآثار من خلافه، قال:
وقيل: إن هذا فيمن يصح منه الشهادة ممن يسمع.
وقيل: بل هو عام في الحيوان والجماد كما في الحديث الذي ذكرناه، وأن الله يخلق لها ولما لا يعقل من الحيوان إدراكًا للأذان وعقلًا ومعرفةً.
وقيل: إدباره لعظم شأن الأذان بما يشتمل عليه من قواعد التوحيد وإظهار الشرائع والإعلام.
وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد (١).
فإن قلت: كيف يهرب من الأذان ويدنو. في الصلاة وفيها القرآن والمناجاة؟
قلتُ: أجاب ابن الجوزي عنه بأن إبعاده عن الأذان لغيظه من ظهور الدين وغلبة الحق، وعلى الأذان هيبة يشتد انزعاجه لها ولا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به؛ لأنه لا يحضر النفس.
فأما الصلاة فإن النفس تحضر فيها فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة.
ثانيها: المراد بالتثويب هنا: الإقامة. ويخطر: -بكسر الطاء وضمها، والأكثر على الضم، والوجه: الكسر -أي: يوسوس، والضم من الشكوك والمرور أي: يدنو منه بينه وبين قلبه فيشغله عما هو فيه، وبهذا فسره الشراح، وبالأول فسره الخليل.

-------------------
(١) «إكمال المعلم» ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨.


وقال الباجي: فيحول بين المرء وما يريد من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه (١).
وقال الهجريُّ في «نوادره»: يخطر بالكسر في كل شيء وبالضم ضعيف.
ثالثها: قوله: «حتى يظل» كذا الرواية بظاء معجمة مفتوحة، والرجل مرفوع أي: يصير، كما قال تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [الزخرف: ١٧] وقيل معناه: يبقى ويدوم.
وحكى الداودي: يضل بالضاد المعجمة المكسورة بمعنى: ينسى ويذهب فهمه، ويسهو قال تعالى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وحكى بن قرقول، عن الداودي أنه روي: يضل بفتح الضاد أيضًا من الضلال وهو الحيرة.
قال: والكسر في المستقبل أشهر.
قال الشيخ تقي الدين: ولو رُوِي بضم الياء لكان صحيحًا، يريد حتى يضل الشيطان الرجل عن دراية كم صلى.
رابعها: الحديث ظاهر فيما ترجم له وهو فضل التأذين، وقد وردت أحاديث كثيرة بفضله (٢)، ذكرت منها جملة مستكثرة في شرحي «التنبيه»

------------------
(١) «المنتقى» ١/ ١٣٤.
(٢) منها حديث أبي سعيد الخدري الآتي (٩٠٦).
وحديث أبي هريرة الآتي (٦١٥)، ورواه مسلم (٤٣٧).
وحديث أبي هريرة مرفوعًا: «الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، فأرشد الله الأئمة واغفر للمؤذنين».
رواه الشافعي في «الأم» ١/ ٨٧، وفي «المسند» ص ٥٦، والبيهقي ١/ ٤٣٠ من طريق إبراهيم بن محمد، عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. =



واختلف فيه وفي الإمامة أيهما أفضل؟ ومحل الخوض في ذلك كتب الفروع، وقد بسطناه في الشرح المذكور و«شرح المنهاج» وغيرهما، فيراجع منه (١).
----------------
= ورواه أحمد ١/ ٣٩٩ عن عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
ورواه أبو داود (٥١٧) من طريق الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح عن أبي هريرة.
ورواه الترمذي (٢٠٧) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح به.
والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٣٠) وانظر تخريج هذا الحديث في «البدر المنير» ٣/ ٣٩٤ - ٤٠٢.
وحديث: «يغفر للمؤذن مدى صوته».
روي عن أبي هريرة والبراء بن عازب وأبن عمر وأنس وأبي سعيد الخدري وجابر ابن عبد الله.
وانظر في تخريج هذا الحديث «البدر المنير» ٣/ ٣٨٠ - ٣٨٨ فقد استوفي طرقه وأسانيده.
وحديث ابن عباس مرفوعًا: «من أذن سبع سنين محتسبًا كتبت له براءة من النار».
رواه الترمذي (٢٠٦)، وابن ماجه (٧٢٧) قال البغوي في «شرح السنة» ٢/ ٢٨٠: إسناده ضعيف. وقال الألباني في «الضعيفة» (٨٥٠): ضعيف جدًّا.
وانظر تخريجه في «البدر المنير» ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٥.
(١) قال المصنف -رحمه الله-: (والإمامة أفضل منه)، أي من الأذان والإقامة، (في الأصح)؛ لأنها أشق، ولمواظبة الشارع والخلفاء الراشدين عليها؛ ولأن القيام بالشيء أولى من الدعاء إليه وهو قائم بفرض الكفاية على ما صححه المصنف بابه.
قلت: يقصد بالمصنف، النووي- فيكون راجحًا على الأذان إذ هو سنة على الصحيح.
قلت: الأصح أنه أفضل منها. والله أعلم، لدعائه له - ﷺ - بالمغفرة وللإمام بالإرشاد.
وهو قول أكثر الأصحاب، واستنبط ابن حبان في «صحيحه» من قوله - ﷺ -: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». أن المؤذن يكون له مثل أجر من =



٥ - باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا، وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا.

٦٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [٣٢٩٦، ٧٥٤٨ - فتح: ٢/ ٨٧]
ثم ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أَبِيهِ أَنَّهُ أَخبَرَة، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
أما قول عمر بن عبد العزيز فأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن سعيد بن أبي حسن أن مؤذنًا أذن فطرّب في أذانه، فقال له عمر بن عبد العزيز ذلك (١). ولعله خاف عليه الخروج عن الخشوع إذا طرب.
قال الداودي: لعل هذا المؤذن لم يكن يحسن يمد الصوت إذا رفع

-----------------
= صلى بأذانه.
قلت: ونص الشافعي في «الأم» على أنه إذا قام بحقوق الإمام كانت أفضل. اهـ.
«عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج» ١/ ١٨١.
وحديث ابن حبان الذي ذكره الشارح، هو في «صحيحه» برقم (١٦٦٦).
(١) «المصنف» ١/ ٢٠٧ (٢٣٧٥).



بالأذان، فَعْلَّمه، ليس أنه نهاه عن رفع الصوت، ولو نهاه لكان لم يبلغه الحديث يعني: حديث أبي سعيد هذا.
وفي الدارقطني -بإسناد فيه لين- من حديث ابن عباس أنه - عليه السلام - كان له مؤذن مطرب فقال له - عليه السلام -: «الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سهلًا سمحًا وإلا فلا تؤذن» (١).
وأما الحديث فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في ذكر الجن (٢) والتوحيد (٣)، وذكر خلف وتبعه الطرقي أن البخاري أخرجه، عن أبي نعيم، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، قال ابن عساكر: لم أجده ولا ذكره أبو مسعود.
وفي ابن ماجه: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه وزيادة: «ولا شجر ولا حجر» (٤).
قال ابن عساكر: كذا فيه، يعني: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي

------------------
(١) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٣٩ و٢/ ٨٦. ورواه أيضًا ابن حبان في «المجروحين» ١/ ١٣٧، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠ (٩٤٥) من طريق إسحاق ابن أبي يحيى الكعبي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا به. قال ابن حبان: ليس لهذا الحديث أصل من حديث رسول الله - ﷺ -. وترجم الحافظ الذهبي في «الميزان» ١/ ٢٠٥ (٨٠٤) لإسحاق بن أبي يحيى، وذكر هذا الحديث وقال: هو من أوابده، والحديث ذكره الشوكاني في «الفوائد» ص ١٦، وقال الألباني في «الضعيفة» (٢١٨٤): ضعيف جدًا.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٩٦) كتاب: بدء الخلق.
(٣) وبرقم (٧٥٤٨) باب: قول النبي - ﷺ -: «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة».
(٤) ابن ماجه برقم (٧٢٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه.



صعصعة، عن أبيه، وكذا رواه الشافعي عن ابن عيينة. وقال عقبها: يشبه أن يكون مالك أصاب اسم الرجل (١).
قال البيهقي: وهو كما قال، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، سمع أباه وعطاء بن يسار، وعنه: مالك وابنه عبد الله (٢).
ثانيها: البادية: الصحراء التي لا عمارة فيها، والمدى: الغاية.
واختُلف في قوله: «ولا شيء إلا شهد له»، فقالت طائفة: الحديث على عمومه في كل شيء وجعلوا الحيوان والجمادات وغيرها سامعة وداخلة في معنى الحديث، وذلك جائز، كما تنطق الجلود يومئذ وتشهد على العصاة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، أي: يخلق الله فيها إدراكًا، والله قادر أن يُسمع الجمادات. وقالت طائفة: لا يراد إلا الجن والإنس خاصة.
وقوله: «ولا شيء». يريد من صنف الحيوان السامع كالملائكة والحشرات والدواب ويرده رواية ابن ماجه: «ولا شجر ولا حجر».
ثالثها: في فوائده:
الأولى: أن الشغل بالبادية واتخاذ الغنم من فعل السلف الصالح الذي ينبغي لنا الاقتداء بهم، وإن كان في ذلك ترك الجماعات.
الثانية: العزلة من الناس، والبعد عن فتن الدنيا وزخرفها.
الثالثة: فضل الإعلان بالسنن وإظهار أمور الدين.

----------------
(١) «السنن» ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨ (١٣٧ - ١٣٨).
(٢) «معرفة السنن والآثار» ٢/ ٢٣٢.



الرابعة: رفع الصوت بالنداء ما لم يجهد نفسه، وينادى به ليسمعه مَنْ بعد عنه، فيكثر الشهداء له.
الخامسة: أذان المنفرد، وللشافعي في أذانه ثلاثة أقوال:
أصحها: نعم، لحديث أبي سعيد هذا.
وثانيها: وحكي في القديم أنه لا يندب له؛ لأن المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد.
ثالثها: إن رُجي حضور جماعة أذن لإعلامهم وإلا فلا (١)، وحمل حديث أبي سعيد على أنه كان يرجو حضور غلمانه.
السادسة: أن الجن يسمعون أصوات بني آدم.

------------------
(١) «روضة الطالبين» ١/ ١٩٦.


٦ - باب مَا يُحْقَنُ بِالأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ
٦١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ». [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٢/ ٨٩]
ذكر فيه حديث أنس أنه - عليه السلام - كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا (١) حتى يصبح .. الحديث.
سلف في باب: ما يذكر في الفخذ (٢)، ويأتي في الجهاد (٣) والمغازي أيضًا (٤)، وروي مطولًا ومختصرًا، وأخرجه مسلم أيضًا (٥).

-----------------
(١) في هامش الأصل: في نسخة: يغير.
(٢) سلف برقم (٣٧١) كتاب: الصلاة.
(٣) سيأتي برقم (٢٨٨٩، ٢٨٩٣، ٢٩٤٣ - ٢٩٤٥، ٢٩٩١، ٣٠٨٥ - ٣٠٨٦).
(٤) سيأتي برقم (٤٠٨٣ - ٤٠٨٤، ٤١٩٧ - ٤٢٠١، ٤٢١١ - ٤٢١٣).
(٥) مسلم برقم (١٣٦٥) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة خيبر.



٧ - باب مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ المُنَادِي
٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ». [مسلم: ٣٨٣ - فتح: ٢/ ٩٠]

٦١٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى نَحْوَهُ. [٦١٣، ٩١٤ - فتح: ٢/ ٩٠]

٦١٣ - قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ. وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ - ﷺ - يَقُول. [انظر: ٦١٢ - فتح: ٢/ ٩١]
ذكر فيه حديثين.
أحدهما: حديث أبي سعيد الخدري: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذِّنُ». وهو حديث صحيح أخرجه مسلم والأربعة أيضًا (١).
الثاني: حديث عيسى بن طلحة: سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ إلى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَ مُحَمَّدَا رَسُولُ اللهِ.

-----------------
(١) مسلم برقم (٣٨٣) كتاب: الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي - ﷺ - ثم يسأل الله له الوسيلة، وأبو داود برقم (٥٢٢) كتاب: الصلاة، باب: ما يقول إذا سمع المؤذن، والترمذي (٢٠٨) كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن، والنسائي ٢/ ٢٣ كتاب: الأذان، القول مثل ما يقول المؤذن، وابن ماجه برقم (٧٢٠) كتاب: الأذان والسنة فيها، باب: ما يقال إذا أذن المؤذن.


وفي رواية: إنه لما قال: حي على الصلاة. قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (١).
وهذا الحديث ذكره البخاري قريبًا في باب: يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء (٢)، أطول من هذا، ورواه عن معاوية جماعة غير عيسى، وهذِه الرواية الثانية صيغة البخاري في إيرادها:
قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا، انَّهُ قال لَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوُّةَ إِلا باللهِ. وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ - ﷺ - يَقُولُ.
وفيها جهالة كما ترى، والظاهر أن هذِه الرواية متصلة من البخاري إلى يحيى فتأمله (٣).
وفي رواية لابن خزيمة أنه قال في الشهادتين: وأنا (٤) في «صحيح الحاكم»، -وقال: صحيح الإسناد- من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «من نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي، فإذا كبر كبر، وإذا تشهد تشهد، واذا قال: حي على الصلاة قال: حي على الصلاة، واذا قال: حي على الفلاح قال: حي على الفلاح، ثم ليقل: اللهم رب هذِه الدعوة الصادقة والحق المستجاب، له دعوة الحق، وكلمة التقوى، أحيينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها محيًا

------------------
(١) الحديث الآتي (٦١٣).
(٢) يأتي برقم (٩١٤).
(٣) قال الحافظ: قوله: قال يحيى، ليس تعليقًا من البخاري كما زعمه بعضهم، بل هو عنده بإسناد إسحاق، وأبدى الحافظ قطب الدين احتمالًا أنه عنده بإسنادين ثم إن إسحاق هذا لم ينسب وهو ابن راهويه …»فتح الباري«٢/ ٩٣.
(٤) صحيح ابن خزيمة» ١/ ٢١٦ (٤١٤)، وفيه أنه قال: وأنا أشهد.
وسيأتي برقم (٩١٤) من رواية أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه قال: وأنا.



ومماتًا، ثم يسأل الله حاجته» (١).
وقد رُوي أيضًا من حديث أبي رافع وأبي هريرة، وأم حبيبة، وابن عمرو، وعبد الله بن ربيعة، وعائشة، ومعاذ بن أنس، كما أفاده الترمذي، وأهمل خلقا آخر (٢).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: المراد بالنداء: الأذان. وعن ابن وضاح: ليس «المؤذن» من كلام النبي - ﷺ -، وإنما عبر ثانيًا بالمؤذن دون المنادي، لئلا يتكرر لفظ النداء أولًا وأخرًا (٣). والثاني يتمحض به الأذان للصلاة بخلاف الأول، فإنه مشترك بين النداء لها وغيره.
ثانيها: ظاهر الأمر الوجوب، وبه قال بعضهم فيما حكاه الطحاوي (٤)، والجمهور على الندبية، وقال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافًا، وقد سمع - عليه السلام - في سفر مناديًا يقول: الله أكبر الله أكبر فقال: «على الفطرة»، فلما تشهد قال: «خرج من النار» … الحديث (٥)، فقد

-----------------
(١) «المستدرك» ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧. والحديث في إسناده عفير بن معدان، قال الذهبي في «التلخيص»: واهٍ جدًّا. وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (١٧٧، ١١٥١).
(٢) «سنن الترمذي» ١/ ٤٠٨، بعد حديث (٢٠٨).
وخرج الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ١٧٢ - ١٧٥ و١٨٥ - ١٨٦ حديث معاوية ومعاذ بن أنس وعبد الله بن عمرو وأم حبيبة وأبي هريرة.
(٣) قال الحافظ: تعقب ابن وضاح بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، وقد اتفقت الروايات في الصحيحين و«الموطأ» على إثباتها. ولم يصب صاحب «العمدة» في حذفها. اهـ «فتح الباري» ٢/ ٩١.
(٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤٤.
(٥) رواه مسلم (٣٨٢) كتاب: الصلاة، باب: الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان.



أجاب بغير ما قال، وأبعد بعض الحنفية فقال: الإجابة بالقدم وهو المشي إلى المسجد لا باللسان، حتى لو كان حاضرًا في المسجد يسمع الأذان فليس عليه إجابة، فإن قال مثل ما يقول نال الثواب وإلا فلا إثم عليه.
ثالثها: حديث معاوية مبين لإطلاق حديث أبي سعيد أنه لا يقول في الحيعلة مثله، بل يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وحديث عمر في «صحيح مسلم» يوافقه (١)، وهو مناسب للإجابة ويقولها أربعة لكل واحدة حوقلة، وقيل: يقولها مرتين، وفي «الذخيرة» من كتب الحنفية بزيادة: ما شاء الله كان، وفي «المحيط» لهم يقول مكان حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومكان الفلاح: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (٢).
وقال الخرقي (٣): يقول: مثل المؤذن كله (٤). وقيل: يجمع بينهما للحديثين يعني: يقول: حي على الصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله.

----------------
(١) مسلم (٣٨٥) كتاب: الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي - ﷺ - ثم يسأل الله له الوسيلة.
(٢) انظر «البناية» ٢/ ١٠٨.
(٣) هو العلامة شيخ الحنابلة، أبو القاسم، عمر بن الحسين بن عبد الله البغدادي الخرقي الحنبلي، صاحب المختصر المشهور، في مذهب الإمام أحمد، كان من كبار العلماء تفقه بوالده الحسين، صاحب المروذي وصنف التصانيف، قال القاضي أبو يعلى: كانت لأبي القاسم مصنفات كثيرة لم تظهر؛ لأنه خرج من بغداد لما ظهر بها سب الصحابة، فأودع كتبه في دار فاحترقت الدار، وتوفي في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١١/ ٢٣٤، «وفيات الأعيان» ٣/ ٤٤١، «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٣٦٣ (١٨٦)، «شذرات الذهب» ٢/ ٣٣٦.
(٤) «مختصر الخرقي» ص ١٨.



وعن مالك أن الإجابة تنتهي إلى آخر الشهادتين فقط؛ لأنه ذكر، وما بعده بعضه ليس بذكر، وبعضه تكرار لما سبق (١) ويقول في كلمة التثويب: صدقت وبررت؛ لأنه مناسب وإن لم يرد فيه نص. وقال ابن حزم يقول مثله سواء، ولو في صلاة إلا الحيعلة فبعد الفراغ منها (٢).
وعند المالكية ثلاثة أقوال: الإجابة لعموم الحديث، وبه قال أحمد والطحاوي (٣). والمنع؛ لأن في الصلاة شغلًا (٤). يقول التكبير والتشهد في النفل فقط (٥)، وعندنا: لا يوافقه، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، فإن فعل كره على الأظهر إلا في الحيعلة أو التثويب، فإنها تبطل إن كان عالمًا؛ لأنه كلام آدمي (٦)، وكذا قال ابن قدامة الحنبلي: إن قال الحيعلة بطلت صلاته (٧). وعن المالكية رواية قول: فيه؛ لأنه يقصد الحكاية لا الدعاء (٨).
رابعها: يتابع في كل كلمة عقبها، واختلف قول مالك: هل يتابع المؤذن، أو يقوله مسرعًا قبل فراغه من التأذين (٩)؟
خامسها: هل يجيب كل مؤذن؟ فيه خلاف حكاه الطحاوي وابن التين المالكي، ولا نص لأصحابنا فيه، ولا يبعد أن يقال: يختص بالأول؛ لأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار.

--------------------
(١) «المدونة» ١/ ٦٣، «الذخيرة» ٢/ ٥٤.
(٢) «المحلى» ٣/ ١٤٨ - ١٤٩.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٦٦، «المغني» ٢/ ٨٨.
(٤) انظر: «المنتقى» ١/ ١٣١، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٩٢.
(٥) انظر: «المنتقى» ١/ ١٣١، «الذخيرة» ٢/ ٥٥.
(٦) انظر: «البيان» ٢/ ٨٣ - ٨٤.
(٧) «المغنى» ٢/ ٨٨.
(٨) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٩٣، «الذخيرة» ٢/ ٥٧.
(٩) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٥٤.



سادسها: لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كل وجه، فإنه لا يراد بذلك مماثلة في كل أوصافه حتى رفع الصوت، وفي: لا حول ولا قوة إلا بالله خمسة أوجه مشهورة: فتحهما بغير تنوين، وفتحهما به، وفتح الأول ونصب الثاني منونًا، وفتح الأول ورفع الثاني منونًا، وعكسه (١)، أي: لا حركة، ولا استطاعة إلا بمشيئة الله.
----------------
(١) الوجه الاول نحو: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله. والوجه الثاني نحو: لا حولًا ولا قوةً إلا بالله! وهذا الوجه فيه نظر، ولم أر من ذكره هكذا غيره، وإنما هو برفعهما بتنوين نحو: لا حولٌ ولا قوةٌ إلا بالله، كذا حكاه النووي في «شرح مسلم» ٤/ ٨٧، وابن هشام في «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك» ص ٦٩، «شرح ابن عقيل» ٢/ ١١ - ١٣. والوجه الثالث نحو: لا حولَ ولا قوةً إلا بالله. والوجه الرابع نحو: لا حولَ ولا قوةٌ إلا بالله. والوجه الخامس نحو: لا حولٌ ولا قوةَ إلا بالله. والله أعلم.


٨ - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ
٦١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [٤٧١٩ - فتح: ٢/ ٩٤].
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَيَّاشٍ قَالَ: ثَنَا شُعَيبُ بْنُ أَبِي حَمزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الُمنكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِه الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ» … الحديث.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها: هذا الحديث أورده هنا وفي سورة سبحان من التفسير (١)، وأخرجه الأربعة (٢)، ولم يخرجه مسلم، وقال الترمذي: حديث حسن غريب من حديث محمد بن المنكدر، لا نعلم أحدًا رواه غير شعيب بن أبي حمزة (٣).
ثانيها: النداء: الأذان، والمراد بالدعوة التامة: دعوة الأذان؛ سميت بذلك؛ لكمالها وعظم موقعها، فلا نقص فيها ولا عيب؛ لانتفاء الشركة فيه. والصلاة القائمة أي: التي تقوم أي: تقام وتفعل بصفاتها، وقيل: إنها الدعاء بالنداء؛ لأن الدعاء يُسمى صلاة،

------------------
(١) سيأتي برقم (٤٧١٩) باب: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.
(٢) رواه أبوداود (٥٢٩)، والترمذي (٢١١)، والنسائي ٢/ ٢٧، وابن ماجه (٧٢٢).
(٣) «سنن الترمذي» عقب حديث (٢١١) كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء.



والوسيلة: القربة. وفي «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن عمرو «إنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» (١). وقيل: إنها الشفاعة، وقيل: القرب من الله تعالى، والمقام المراد به مقام الشفاعة العظمي الذي يحمده فيه الأولون والآخرون.
وقوله: مقامًا محمودًا: كذا هو بالتنكير فيهما، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. ووقع في «صحيح أبي حاتم بن حبان» بسند ابن خزيمة بالتعريف فيهما (٢)، وكذا أخرجها البيهقي أيضًا في «سننه» وعزاها إلى البخاري (٣)، ومراده: أصل الحديث كما هو معروف من عادته، وسؤال هذا المقام مع أنه موعود به؛ لشرفه وكمال منزلته، وعظم حقه، ورفيع ذكره، وقوله: «الذي وعدته»، ويجوز أن يكون بدلًا ومنصوبًا بأعني ومرفوعًا خبر مبتدأ محذوف أي: هو الذي وعدته، ومعنى «حلت له»: غشيته ونالته، وله بمعنى: عليه، كما في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذقاَنِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]
ويؤيده رواية مسلم السالفة «حلت عليه» (٤)، وقيل: وجبت له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] من قرأه بالضم أراد: ينزل، ومن قرأه بالكسر قال: وجب (٥).
ثالثها: فيه: استحباب الدعاء المذكور لكل سامع وللمؤذن أيضًا.

---------------
(١) مسلم (٣٨٤) وفيه: حلت له.
(٢) ابن حبان ٤/ ٥٨٦ (١٦٨٩) وهو في «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٢٢٠ (٤٢٠).
(٣) «سنن البيهقي الكبرى» ١/ ٤١٠ كتاب: الصلاة، باب: ما يقول إذا فرغ من ذلك.
(٤) تقدم أن في مسلم: حلت له.
(٥) انظر: «الكواكب الدراري» ص ٤٩٠ - ٤٩١.



٩ - باب الاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ.
وَيُذْكَرُ أَن أقوَامًا اختَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأقْرَعَ بَينَهُمْ سَعْدٌ.

٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» [٦٥٤، ٧٢١، ٣٦٨٩ - مسلم: ٤٣٧ - فتح: ٢/ ٩٦].
ذكر فيه أثرا وحديثا.
أما الأثر فقال: وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ.
وهذا أخرجه البيهقي من حديث أبي عبيد، ثنا هشيم، أنا ابن شبرمة قال: تشاح الناس في الأذان بالقادسية فاختصموا إلى سعد، فأقرع بينهم (١)، وذكر الطبري أن ذلك كان في صلاة الظهر (٢).
وأما الحديث فهو حديث أبي هريرة: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ» إلى آخره.
وذكره في التهجير إلى الصلاة أيضًا كما سيأتي (٣)، وفي الشهادات (٤).
وخرجه مسلم أيضًا (٥)، والمراد بالنداء: الأذان، والاستهام: الاقتراع، وفي «مجمع الغرائب» للفارسي معنى قوله: لاقترعتم عليه:

-----------------
(١) «سنن البيهقي الكبرى» ١/ ٤٢٩.
(٢) «تاريخ الطبرى» ٢/ ٤٢٥.
(٣) سيأتي برقم (٦٥٣) كتاب: الأذان، باب: فضل التهجير إلى الظهر.
(٤) يأتي برقم (٢٦٨٩) باب: القرعة في المشكلات.
(٥) مسلم (٤٣٧).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #165  
قديم 29-01-2026, 05:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 341 الى صـــ 360
الحلقة (165)




لتنافستم في الابتكار إليه حتى يؤدي إلى الاقتراع، فلا يمكن أحد من الوقوف فيه إلا من خرجت القرعة باسمه، وقوله: «إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» أي: لو علموا قدر فضله وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان كما في المغرب، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد، وقد نحا الداودي إلى هذا الاستهام في أذان الجمعة.
وقوله: «والصف الأول» أي: لو يعلمون ما في الفضيلة فيه لجاءوا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه.
والصف الأول ما يلي الإمام، ولو وقع فيه حائل خلافًا لمالك، وأبعد من قال أنه المبكر، حكاه القرطبي (١)، وفضل الصف الأول باستماع القراءة والتكبير عقب تكبيرة الإمام، والتأمين معه. ورُوي من حديث ابن عباس رفعه: «من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلمًا أضعف الله له الأجر» (٢)، واختُلف في الضمير الذي في قوله: «إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، فقال ابن عبد البر: يعود على الصف الأول لقربه (٣)، وقيل: يعود على معنى الكلام المتقدم؛ لأنه مذكور، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: ومن يفعل المذكور، ورجح لئلا يبقى النداء لا ذكر له.

------------
(١) «المفهم» ٢/ ٦٤.
(٢) رواه ابن حبان في «المجروحين» ٣/ ٤٨ - ٤٩، والطبراني في «الأوسط» ١/ ١٧١ (٥٣٧)، والرافعي في «التدوين» ٢/ ٢٠ من طريق نوح بن أبي مريم، عن زيد العمى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا به. والحديث أورده الألباني في «السلسلة الضعيفة» برقم (٣٢٦٨) وقال: موضوع.
(٣) «التمهيد» ٢٢/ ١٤.



وقوله: «ولو يعلمون ما في التهجير» أي: التبكير إلى أي صلاة كانت، وخصه الخليل بالجمعة والظهر؛ لأنها التي تقع وقت الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار.
وقوله: «ولو حبوا»: هو بإسكان الباء وفيه: الحث العظيم على حضور جماعة هاتين الصلاتين؛ لما فيهما من المشقة، وهما أثقل الصلاة على المنافقين (١).
وسلف الكلام على العتمة في بابها (٢)، وفيه: دلالة لمشروعية القرعة (٣).

-----------------
(١) هذا حديث سيأتي برقم (٦٥٧) باب: فضل العشاء في الجماعة، ورواه مسلم (٦٥١/ ٢٥٢) من حديث أبي هريرة.
(٢) راجع حديث (٥٦٤).
(٣) في هامش الأصل تعليق نصه: آخر ٧ من ٣ من تجزئة المصنف.



١٠ - باب الكَلَامِ فِي الأَذَانِ.
وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهْوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يقيمُ.

٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَعَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ وَعَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ: حَى عَلَى الصَّلَاةِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ. فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ [٦٦٨، ٩٠١ - مسلم: ٦٩٩ - فتح: ٢/ ٩٧].
وَتَكَلَّمَ سُلَيمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أذَانِهِ.
هذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث موسى بن عبد الله بن يزيد، أن سليمان بن صرد -وكانت له صحبة (١) - كان يؤذن في العسكر فكان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه. قال: وحدثنا ابن علية قال: سألت يونس عن الكلام في الأذان والإقامة فقال: حدثني عبيد الله بن غلاب (٢)، عن الحسن: لم يكن يرى بذلك بأسًا (٣). وعن عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: لا بأس به وعن غندر عن أشعث، عن الحسن: لا بأس أن يتكلم الرجل في إقامته (٤).

-----------------
(١) تقدمت ترجمته في حديث (٢٥٤).
(٢) وقع في «المصنف» علان، ولعله تصحيف في الأصل، أو خطأ في المطبوع، قال ابن حبان في «الثقات» ٧/ ١٤٦: عبيد الله بن غلاب، يروي عن الحسن، روى عنه يونس بن عبيد، وعبد الله التوأم بن يحيى.
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٩٢ (٢١٩٨ - ٢١٩٩).
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٩٣ (٢٢١٠ - ٢٢١١).



وعن حجاج وقتادة، وعطاء، وعروة مثل ذلك (١)، وكرهه محمد بن سيرين والشعبي، وإبراهيم (٢)، وعن الزهري: إذا تكلم في إقامته يعيد، وكرهه إبراهيم أيضًا في رواية (٣).
ثم قال البخاري: وقال الحسن: لا بأس أن يضحك وهو يؤذن أو يقيم. وهذا قد علمته آنفًا عنه في الكلام لا في الضحك.
ثم ساق البخاري من حديث عبد الله بن الحارث: قَالَ: خَطَبَنَا ابن عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ: حَى عَلَى الصَّلَاةِ. فَأمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ. فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَل هذا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها: هذا الحديث، ذكره البخاري في مواضع أخر في باب: هل يصلي الإمام بمن حضر (٤)؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر في الجمعة والرخصة إذا لم يحضر الجمعة في المطر (٥)، وأخرجه مسلم أيضًا (٦) ولفظ البخاري في الباب الأخير، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلتُ: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: فعله من هو خير مني. الحديث.

--------------------
(١) السابق ١/ ١٩٢ - ١٩٣ (٢٢٠٠ - ٢٢٠٣).
(٢) السابق ١/ ١٩٣ (٢٢٠٤ - ٢٢٠٧).
(٣) السابق ١/ ١٩٣ (٢٢٠٨ - ٢٢٠٩).
(٤) سيأتي برقم (٦٦٨).
(٥) سيأتي برقم (٩٠١) كتاب الجمعة.
(٦) مسلم (٦٩٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الصلاة في الرحال في المطر.



وعند الطبراني -بإسناد صحيح- عن نعيم بن النحام (١) قال: أذن مؤذن رسول الله - ﷺ - ليلة فيها برد، وأنا تحت لحافي، فتمنيت أن يلقي الله على لسانه ولا حرج (٢)، فلما فرغ قال: ولا حرج، وعند البيهقي. فلما قال:
--------------------
(١) هو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي. وإنما سمي النحام؛ لأن النبي قال: دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم فيها. والنحمة: السعلة، وقيل: النحنحة الممدود آخرها، فبقي عليه، أسلم قديمًا، قيل أسلم بعد عشرة أنفس.
انظر تمام ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٥٢ - ١٥٣ (١١٢٥)، «المستدرك» ٣/ ٢٥٩، «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٦٦ (٢٨٦٩)، «الاستيعاب» ٤/ ٦٩ (٢٦٥٧)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٤٦ (٥٢٦٩)، «الإصابة» ٣/ ٥٦٧ (٨٧٧٦).
(٢) لم أجده في المعاجم الثلاثة للطبراني، ويبدو أنه في «الكبير» وأحاديث نعيم بن النحام من المفقود من «المعجم الكبير» والحديث أورده الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٤٧ من طريقين.
والحديث رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٥٠١ (١٩٢٦)، وعنه أحمد ٤/ ٢٢٠ عن معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن شيخ سماه، عن نعيم بن النحام به.
قال الحافظ ابن رجب في «فتح الباري» ٥/ ٣٠٥: في إسناده مجهول، وقال الهيثمي ٢/ ٤٧: رواه أحمد، وفيه: رجل لم يسم، وقال الألباني في «الإرواء» ٢/ ٣٤٢: رجاله ثقات غير الشيخ الذي لم يسمه، وقال في «الثمر» ١/ ١٣٥: سند رجاله رجال الستة غير الشيخ الذي لم يسم. ورواه عبد الرزاق (١٩٢٧) ومن طريقه الحاكم ٣/ ٢٥٩ من طريق ابن جريج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نعيم به.
ورواه ابن قانع ٣/ ١٥٣ من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمر بن نافع وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن نعيم به.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٩٨ - ٩٩: أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح.
ورواه أحمد ٤/ ٢٢٠، والطبراني في «الكبير» كما في «المجمع» ٢/ ٤٧ من طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن نعيم به قال الهيثمي رواه إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، =



الصلاة خير من النوم، قال: ومن قعد فلا حرج (١).
ثانيها: الردغ: براء ثم دال مهملتين، ثم غين معجمة، كذا روايتنا، وحكى أبو موسى وابن الأثير سكون الدال وفتحها طين ووحل (٢).
ورُوي بالزاي بدل الدال. مفتوحة وساكنة (٣)، والصواب: الفتح؛ لأنه الاسم. قال ابن التين: وروايتنا بفتح الزاي وهو في اللغة بالسكون، والرزغ: المطر الذي يبل وجه الأرض، وفي كتاب: رزغة؛ الرزغة بالزاي: أشد من الردغة، وقيل: بالعكس، وقال أبو عبيد: الرزغ: الطين والرطوبة (٤).

-------------------
= وروايته عن أهل الحجاز مردودة. ورواه الطبراني من طريق آخر رجالها رجال الصحيح. وقال الحافظ في «الإصابة» ٣/ ٥٦٨: رواية إسماعيل عن المدنيين ضعيفة، وقال الألباني في «الإرواء» ٢/ ٣٤٢: هذا إسناد رجاله ثقات، لولا أن إسماعيل بن عياش قد ضعفه في روايته عن الحجازي.
ورواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ١٦٤ (٧٥٩)، وابن قانع ٣/ ١٥٢ - ١٥٣، والبيهقي ١/ ٣٩٨ و١/ ٤٢٢ من طريق الأوزاعي، وابن أبي عاصم (٧٦٠)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٦٦ - ٢٦٦٧ (٦٣٨٩) من طريق سليمان بن بلال كلاهما، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن نعيم به.
قال الحافظ ابن رجب ٥/ ٣٠٦: رواية سليمان بن بلال، عن يحيى أصح من رواية إسماعيل بن عياش.
(١) «السنن الكبرى» ١/ ٣٩٨.
(٢) «النهاية» ٢/ ٢١٥.
(٣) قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٩٨: قوله (في يوم رزغ) بفتح الراء وسكون الزاي، بعدها غين معجمة، كذا للأكثر هنا، ولابن السكن والكشميهني وأبي الوقت، بالدال المهملة بدل الزاي. اهـ.
وانظر: «اليونينية» ١/ ١٢٦. وقال النووي في «شرح مسلم» ٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨: رواه بعض رواة مسلم رزغ بالزاي بدل الدال بفتحها وإسكانها. وهو الصحيح.
(٤) «غريب الحديث» ٢/ ٢٧٠.



وفي «الجمهرة»: الرزغة مثل الردغة، وهو الطين القليل من مطر أو غيره (١)، وقاله ابن الأعرابي، وقال الداودي: الرزغ: الغيم البارد. وفي «الصحاح»: الرزغة بالتحريك: الوحل، وكذلك الردغة بالتحريك (٢).
وكذا ذكره في «المنتهى»، وهو وارد على قول ابن التين السالف أنه في اللغة بالسكون. قال أبو موسى: وقد يقال: ارتدع بالعين المهملة: تلطخ، والصحيح الأول.
ثالثها: وجه ذى البخاري هذا الحديث هنا أن فيه الصلاة في الرحال، وهو كلام غير الأذان، نعم يستحب ذلك في ليلة مطر أو ريح أو ظلمة أن يقول ذلك عقب الأذان، ولو قاله بعد حيعلته جاز.
ونص الشافعي عليه في «الأم»، لكن قوله بعده أحسن؛ ليبقى الأذان على نظمه (٣).
ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ (٤)، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس، ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر (٥)؛ لأن هذا جرى في وقت وذلك في وقت، وكلاهما صحيح، بل ظاهر حديث ابن عباس أنه يقولهما بدل الحيعلتين، وبه قال بعض المتأخرين.
وأغرب إمام الحرمين حيث استبعد الإتيان بهذِه اللفظة في أثناء الأذان، وقال: تغييره من غير ثبت مستبعد، وقد علمت أنت الثبت، وأن ظاهره: حذف الحيعلتين، ويقولهما بدلهما.

---------------
(١) «الجمهرة» لابن دريد ٢/ ٧٠٥.
(٢) «الصحاح» ٤/ ١٣١٨ - ١٣١٩.
(٣) «الأم» ١/ ٧٦.
(٤) «المجموع» ٣/ ١٢٥.
(٥) سيأتي برقم (٦٣٢)



وقال القرطبي: استدل بالحديث من أجاز الكلام في الأذان وهم: أحمد والحسن وعروة، وعطاء، وقتادة، وعبد العزيز ابن أبى سلمة، وابن أبي حازم من المالكية، ولا حجة فيه لما في حديث ابن عمر الآتي بعد من عند البخاري فقال في آخر الأذان: ألا صلوا في الرحال (١).
وحديث ابن عمر إن لم يكن ظاهرًا في ذكره له بعد الأذان؛ إذ يحتمل أن يكون في آخره قبل الفراغ، فلا أقل من أن يكون محتملًا.
وقد روى ابن عدي في «كامله» من حديث أبي هريرة ما هو صريح في ذكره له بعد فراغ الأذان (٢).
ثم إن حديث ابن عباس لم يسلك فيه مسلك الأذان. ألا تراه قال: فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم؛ للعذر كما فعل في التثويب للأمراء، وقد كره الكلام في الأذان مالك وأبو حنيفة، والشافعي، وعامة الفقهاء (٣)، وعن أحمد: إباحته في الأذان دون الإقامة، وأبطل الزهري الإقامة به، وعن الكوفيين أنه إذا تكلم في أذانه يجزئه ويبني، وهذا الحديث دال عليه، حجة على من خالف.
رابعها: الرحال: المنازل والدور والمساكن، وهي جمع رحل، وسواء كانت من حجر ومدر وخشب، أو شعر وصوف ووبر وغيرها.

-----------------
(١) سيأتي برقم (٦٣٢).
(٢) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٧/ ٣٣٩. وأورده الحافظ العراقي في «طرح التثريب» ١/ ٣١٩ ولم يتكلم على إسناده بشيء.
(٣) «المفهم» ٢/ ٣٨٨ - ٣٣٩ بتصرف.



خامسها: قوله: (قد فعل هذا من هو خيرمنه) قد جاء في بعض طرقه يعني: النبي - ﷺ - (١) (٢)، والعزمة بإسكان الزاي أي: حق وواجب وأبعد بعض المالكية حيث قال: أن الجمعة ليست بفرض، وإنما الفرض الظهر أو ما ينوب مقامه، والجماعة على خلافه، نبه عليه ابن التين في باب الجمعة.
قال: وحكى ابن أبي صفرة عن «موطأ ابن وهب» عن مالك أن الجمعة سنة (٣) قال: ولعله يريد في السفر، ولا يُعتدُّ به. والضمير في قوله: وإنها عزمة: جاء في بعض طرقه مقتصرًا أن الجمعة عزمة.
وقوله: (خطبنا) دال عليه.
ومن فوائد الحديث: تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وإنها متأكدة إذا لم يكن عذر، وإنكار الجماعة يقتضي أن يكون قال ذلك في صلب الأذان، فلو قاله بعده لم يكن فيه ذلك الإنكار، وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة عند العود إلى هذا الحديث في موضعه إن شاء الله تعالى.

------------------
(١) يأتي برقم (٦٦٨).
(٢) «الأصل» ١/ ١٣٢، «النوادر والزيادات» ١/ ١٦٨، «الأم» ١/ ٧٤، «روضة الطالبين» ١/ ٢٠٠٣.
(٣) انظر «الاستذكار» ١/ ٥٦ - ٥٧.



١١ - باب أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبُرهُ.
٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِىَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ [٦٢٠، ٦٢٣، ١٩١٨، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٢/ ٩٩]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنُّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَى يُنَادِيَ ابن أُمَّ مَكْتُومٍ». ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع منها: الشهادات في باب: شهادة الأعمى (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، قال ابن منده: رواه القعنبي عن مالك (٣)، والصحيح عنه إرساله يعني: بإسقاط ابن عمر، وصوب الدارقطني اتصاله (٤).
قال الترمذي: وفي الباب عن ابن مسعود، وعائشة، وأنيسة، وأنس، وأبي ذر، وسمرة (٥).

-----------------
(١) سيأتي برقم (٢٦٥٦).
(٢) مسلم برقم (١٠٩٢) كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.
(٣) هكذا رواه أبو مصعب عن مالك في «الموطأ» ١/ ٧٩ (٢٠٢)، و١/ ٢٩٩ (٧٦٩)، ويحيى بن يحيى، عن مالك في «الموطأ» ص ٦٩.
(٤) الأحاديث التي «خولف فيها مالك» للدارقطني (١٢)، وانظر: «التمهيد» ١٠/ ٥٥ - ٥٧.
(٥) «سنن الترمذي» ١/ ٣٩٣ بعد حديث (٢٠٣). =



ثانيها: قوله: قال: (وكان رجلًا أعمى …) إلى آخره، هذا القائل ذكر البيهقي أنه من قول ابن شهاب (١).
وقال الخطيب في كتاب «الفصل للوصل» جعلها بعضهم من قول ابن شهاب وآخر من قول سالم (٢).
وفي «الجمع» للحميدي: رواه عبد العزيز بن أبي سلمة عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه وكان ابن أم مكتوم إلى آخره. قال: ومن حديث مالك عن الزهري نحوه (٣)، وصرح صاحب «المغني» بأنه من قول ابن عمر، وقال في آخره: رواه البخاري (٤).

--------------------
= وانظر: في تخريج بعض هذِه الأحاديث، «البدر المنير» ٣/ ٢٠٠ - ٢٠٣، «إرواء الغليل» (٢١٩) وسيورد المصنف بعضها قريبًا.
(١) «السنن الكبرى» ١/ ٣٨٠، «معرفة السنن والآثار» ٢/ ٢٠٩.
(٢) «الفصل للوصل» ١/ ٣١٩ - ٣٢٠.
(٣) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ١٣٩.
(٤) المغني ٦٩/ ٢. (ط. هجر)، و١/ ٤١٤. (ط. مكتبة الرياض الحديثة). وصورة الكلام فيهما هكذا: قال ابن عمرو: كان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت، رواه البخاري! وهو عجيب وأعجب من ذلك تعليق محقق الطبعة الأولى في الهامش قائلًا: أبي عبد الله بن عمرو بن العاص!! فمن أين أتى بعبد الله بن عمرو بن العاص، والحديث حديث ابن عمر، هذا مع العلم أن مخطوط أو أصول كتاب «المغني» ليس فيها خطأ، وإنما الخطأ من فهم الكلام والذي ترتب عليه الخطأ في وضع علامة الترقيم، فالكلام ينبغي أن يكون هكذا: قال ابن عمر: وكان رجلًا أعمى .. فقاموا بتقديم الواو على النقطتين، ظنًّا منهم أنه ابن عمرو، والحديث في البخاري وغيره بإضافة حرف الواو إلى كان، هكذا: وكان رجلًا أعمى … هذا والله أعلم.
هذا وقد صرح الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» ١٠/ ٦٣ بأنه من قول ابن شهاب الزهري. قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٥٠: ظاهره أن فاعل قال، هو ابن عمر … إلخ كلامه. وانظر: «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩.



ثالثها: معنى أصبحت أي: دخلت في حكم الصباح، وإن كان يحتمل قاربت الصباح، وستعلم ذلك في آخر الباب.
رابعها: فيه من الفقه ما ترجم له، وهو جواز أذان الأعمى، إذا كان له من يخبره، وإن كان الطحاوي روى من حديث أنس مرفوعًا: «لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا» (١). قال: فأخبر أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى أنه الفجر وليس في الحقيقة بفجر قال: ولما ثبت بينهما من القرب بمقدار ما يصعد هذا وينزل هذا ثبت أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال لما يبصره، ويصيبه ابن أم مكتوم؛ لأنه لم يكن يؤذن حتى تقول له الجماعة: أصبحت أصبحت وأذانه صحيح عندنا. وعند مالك وأحمد وأبي حنيفة (٢)، ونقل النووي عن أبي حنيفة وداود عدم الصحة، وهو غريب عن أبي حنيفة، نعم في «المحيط» (٣) يكره، قال أصحابنا: ولا كراهة في أذانه إذا كان معه بصير كابن أم مكتوم مع بلال، فإن لم يكن معه بصير كره خوف غلطه، وممن كره أذانه ابن مسعود وابن الزبير. وابن عباس كره إقامته، ورُوي أن مؤذن النخعي كان أعمى (٤).

--------------------
(١) «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤٠. ورواه أيضًا أحمد ٣/ ١٤٠، والبزار كما في «كشف الأستار» (٩٨٢)، وأبو يعلى ٥/ ٢٩٧ (٢٩١٧).
قال الهيثمي ٣/ ١٥٣: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وقال الألباني في «الإرواء» ١/ ٢٣٨: إسناده صحيح إن كان قتادة سمعه من أنس، فإنه موصوم بالتدليس وقد عنعنعه.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٦٧.
(٣) انظر: «البناية» ٢/ ١٠٨.
(٤) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ١٩٧ (٢٢٥٢ - ٢٢٥٤، ٢٢٥٦) ورواه البيهقي أيضًا ١/ ٤٢٧ عن ابن الزبير.



وحمل البيهقي ما رُوي عن ابن مسعود على كراهة الانفراد (١)، واستنبط منه البخاري والمهلب جواز شهادة الأعمى على الصوت (٢)؛ لأنه يميز صوت من علم الوقت ممن يثق به مقام أذانه على قبوله مقام شهادة المخبر له، ومنعه أبو حنيفة فيما حكاه ابن التين.
وفيه أيضًا أحكام أخر:
الأول: جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة يستدل بذلك لما يحتاج إليه.
الثاني: نسبة الرجل إلى أنه إذا كان معروفًا بذلك، واسمه: عمرو أو عبد الله (٣).
الثالث: تكنية المرأة؛ لقوله - عليه السلام -: ابن أم مكتوم واسمها: عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم.
الرابع: جواز تكرير اللفظ؛ للتأكيد؛ لقوله: أصبحت أصبحت.
الخامس: جواز الأذان قبل الفجر، وعندنا فيه أوجه، أصحها: آخر الليل كما أوضحناه في كتب الفروع، ونقل في «المحلى» عن جماعة كراهة الأذان قبل الفجر، منهم: الحسن وإبراهيم، ونافع، والأسود، والشعبي، وسمع علقمة مؤذنًا بليل فقال: لقد خالف هذا سنة رسول الله - ﷺ - لو نام على فراشه لكان خيرًا له.

--------------------
(١) «السنن الكبرى» ١/ ٤٢٧.
(٢) يشير المصنف -رحمه الله- إلى أن البخارى بوب في كتاب: الشهادات، قال: باب: شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره، وما يعرف بالأصوات.
(٣) انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٤/ ٢٠٥ (٤٠٠٥)، «الاستيعاب» ٣/ ١٠٣ (١٦٥٦) «أسد الغابة» ٤/ ٢٦٣ (٤٠٠٥) «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٢٦ (٤٣٦٧)، «سير أعلام النبلاء» ١/ ٣٦٠ (٧٧)، «الإصابة» ٢/ ٥٢٣ (٥٧٦٤).



قال ابن حزم: والأذان الذي كان في زمنه - عليه السلام - كان أذان سحور لا أذان صلاة، وعنده أنه لا يجوز أن يؤذن لها، قبل المقدار الذي ورد: ينزل هذا (١) ويرقى هذا.
وأغرب القرطبي فنقل عن الجمهور أن أذان بلال هو أذان الفجر، وأن أبا حنيفة والثوري قالا: إن فائدته التأهب، ولابد من أذان عند الفجر (٢).
فرع: لو أراد الاقتصار على أذان واحد للصبح فالأفضل ما بعده كما هو المعهود في سائر الصلوات، ولو لم يوجد إلا واحد أذن مرتين، فإن اقتصر على واحد فقال الإمام: يقتصر على ما بعده، وقال ابن الصباغ: على ما قبله.
فائدة: حديث أنيسة السالف أخرجه الإمام أحمد وابن خزيمة (٣)، وابن حبان على عكس حديث ابن عمر السالف، وهو أنه - عليه السلام - قال: «إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال» (٤).
وروى ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث عائشة مثلما قالت: كان بلال لا يؤذن حتى يطلع الفجر (٥).

-------------------
(١) «المحلى» ٣/ ١١٧ - ١٢٠ بتصرف.
(٢) «المفهم» ٣/ ١٥٠.
(٣) ورد في هامش الأصل: من خط الشيخ في الهامش في روايته: وإن كانت المرأة منا ليبقى عليها من سحورها لتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري.
(٤) أحمد ٦/ ٤٣٣، ابن خزيمة ١/ ٢١٠ - ٢١١ (٤٠٥)، ابن حبان ٨/ ٢٥٢ (٣٤٧٤)، ورواه أيضًا النسائي ٢/ ١٠ - ١١، وابن سعد ٨/ ٣٦٤، والطحاوي ١/ ١٣٨، والطبراني ٢٤ (٤٨٠ - ٤٨٢)، والبيهقي ١/ ٣٨٢، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٥/ ١٣٤ - ١٣٥ من طرق عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسه بنت خبيب.
وانظر: «الإرواء» ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨، «الثمر المستطاب» ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٥) ابن خزيمة ١/ ٢١١ (٤٠٦). من طريق هشام بن عروة، عن أبيه عنها.



ويجمع بينهما بأنه يجوز أن يكون بينهما نوب، وهذا أولى من قول ابن الجوزي: كأنه مقلوب (١).
خاتمة: أذان ابن أم مكتوم اختلف العلماء في تأويله كما ذكره ابن بطال، فقال ابن حبيب: ليس قوله: أصبحت أصبحت إفصاحًا بالصبح بمعنى أن الصبح انفجر وظهر، ولكن بمعنى: التحذير من طلوعه؛ خيفة انفجاره، ومثله قاله الأصيلي والداودي، وسائر المالكيين، وقالوا: معنى: أصبحت: قاربت الصباح، كما قال تعالى: ﴿فَإذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: قاربن؛ لأن العدة إذا تصت فلا رجعة، ولو كان أذان ابن أم مكتوم بعد الفجر لم يجز أن يؤمر بالأكل إلى وقت أذانه؛ للإجماع أن الصيام واجب من أول الفجر.
وأما مذهب البخاري في هذا الحديث على ما ترجم به الباب، فأراد به: كان بعد طلوع الفجر. والحجة له قول: «إن بلالًا يؤذن بليل»، لو كان أذان ابن أم مكتوم قبل الفجر لم يكن لقوله: إن بلالًا ينادي بليل

---------------
(١) قاله ابن الجوزي في «جامع المسانيد» كذا عزاه المصنف في «البدر المنير» ٣/ ٢٠٢.
وقال ابن خزيمة: خبر هشام بن عروة صحيح من جهة النقل، وليس هذا الخبر يضاد خبر سالم عن ابن عمر وخبر القاسم عن عائشة إذ جائز أن يكون النبي - ﷺ - قد كان جعل الأذان بالليل نوائب بين بلال وبين ابن أم مكتوم. فأمر في بعض الليالي بلالًا أن يؤذن أولًا بالليل، فإذا نزل بلال صعد ابن أم مكتوم، فأذن بعده بالنهار، فإذا جاءت نوبة ابن أم مكتوم، بدأ ابن أم مكتوم فأذن بليل، فإذا نزل صعد بلال فأذن بعده بالنهار، وكانت مقالته - ﷺ - أن ابن أم مكتوم يؤذن بليل في الوقت الذي كانت النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم … «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٢١٢.
قال المصنف -رحمه الله- معقبًا على هذا الكلام: وهذا جائز صحيح. وإن لم يصح، فقد صح خبر ابن عمرو وابن مسعود وسمرة وعائشة أن بلالًا كان يؤذن بليل. اهـ. «البدر المنير» ٣/ ٢٠٢.
وجمع ابن حبان ٨/ ٢٥٢ - ٢٥٣ بينهما بهذا الجمع فانظره.



معنى؛ لأن أذان ابن أم مكتوم كذلك هو في الليل، وإنما يصح الكلام أن يكون نداءه في غير الليل في وقت يحرم فيه الطعام والشراب اللذان كانا مباحين في وقت أذان بلال. وقد روي هذا المعنى نصًا في رواية البخاري في كتاب الصيام «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن عمرو فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (١)، وأذان عمرو (٢) كان علامة لتحريم الأكل لا للتمادي فيه (٣).
أخرى: شرط الأذان الوقت ولا يجوز قبله، وهو إجماع في غير الصبح (٤)، ومذهب أبي حنيفة في الصبح أيضًا (٥). وفي «سنن أبي داود» من حديث ابن عمر: أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي - ﷺ - أن يرجع فينادي: إن العبد قد نام. أعله أبو داود بتفرد حماد (٦). قال ابن المديني: أخطأ فيه وهو غير محفوظ. وقال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه، ولا تقوم بمثله حجة على الانفراد (٧).

--------------------
(١) سيأتي برقم (١٩١٨) باب: قول النبي - ﷺ -: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال».
(٢) هو ابن أم مكتوم.
(٣) من «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩ بتصرف.
(٤) انظر «الإجماع» ص ٤٢، «الأوسط» ٣/ ٢٩.
(٥) انظر «البناية» ٢/ ١٢٥.
(٦) «سنن أبي داود» (٥٣٢) ورواه أيضًا عبد بن حميد في «المنتخب» (٧٨٠)، والطحاوي ١/ ١٣٩، والدارقطني ١/ ٢٤٤، وابن حزم في «المحلى» ٣/ ١٢٠، والبيهقي ١/ ٣٨٣، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٣٠٧ (٣٧٥)، وفي «العلل المتناهية» (٦٦١) من طريق حماد، عن أيوب، عن نافع عنه.
(٧) الحديث فيه اختلاف، قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٠٣: حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موصولًا مرفوعًا ورجاله ثقات حفاظ، لكن اتفق أئمة الحديث: على ابن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدارقطني، =



قلت: وحديث الباب هو العمدة.
------------------
= علي أن حمادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه وأن حمادًا انفرد برفعه، ومع ذلك فقد وجد له متابع .. ولاستزداه ينظر: «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١١٤ (٣٠٨)، «سنن الترمذي» ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥، «سنن البيهقي» ١/ ٣٨٣، «التحقيق» ١/ ٣٠٨، «العلل» ١/ ٣٩٦، «نصب الراية» ١/ ٢٨٥ - ٢٨٧، «الدراية» ١/ ١١٩ - ١٢٠، «تلخيص الحبير» ١/ ١٧٩، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٤٢).


١٢ - باب الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ.
٦١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ. [١١٧٣، ١١٨١ - مسلم: ٧٢٣ - فتح: ٢/ ١٠١]

٦١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ [٦٢٦، ٩٩٤، ١١٢٣، ١١٥٩، ١١٦٠، ١١٦١، ١١٦٨، ١١٦٩، ١١٧٠، ١١٧١، ٦٣١٠ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ٢/ ١٠١].

٦٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِىَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». [انظر: ٦١٧ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٢/ ١٠١]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها: حديث حفصة أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ.
كذا في النسخ الصحيحة اعتكف أي: اأنتصب قائمًا للأذان كأنه من ملازمة مراقبة الفجر (١). وفي رواية: أذن بدل اعتكف (٢). وهي ظاهرة، وفي أخرى: (كان إذا اعتكف أذن المؤذن للصبح) (٣). وهي إخبار عن

------------------
(١) قال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٥/ ٣١٢: كذا في هذِه الرواية، ولعل المراد باعتكافه للصبح جلوسه للصبح ينظر طلوع الفجر وحبه نفسه لذلك.
وقال العيني في «عمدة القاري» ٤/ ٢٩٧: قال القابسي: معنى اعتكف هنا انتصب قائمًا للأذان، كأنه من ملازمة مراقبة الفجر.
(٢) ستأتي برقم (١١٨١) كتاب: التهجد، باب: الركعتين قبل الظهر.
(٣) انظر: «اليونينية» ١/ ١٢٧.



حاله في اعتكافه فيه، فتؤول على تقدير صحتها بالانتظار، وليؤذن في أوله، والعكوف: الإقامة، فإذا طلع الفجر أذن، فحينئذٍ كان - ﷺ - يركع الفجر، ويشهد لهذا رواية الجماعة عن مالك الآتية قريبًا، كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين خفيفتين (١)؛ فدل أن ركوعه كان متصلًا بأذانه، ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر؛ فلذلك كان الأذان بعد الفجر.
وعلى هذا المعنى حمله البخاري وترجم عليه، وأردفه بحديث عائشة، كان يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح؛ ليدل أن هذا النداء كان بعد الفجر، فمن أنكر هذا لزمه أن يقول أن صلاة الصبح لم يكن يؤذن لها بعد الفجر، وهذا غير سائغ من القول (٢).

--------------------
(١) هذا الحديث لم يخرجه البخاري هكذا، وأما ما سيأتى بهذا اللفظ فهو من حديث عائشة (٦٢٦) وليس في إسناده مالك، وحديث مالك سيأتي (١١٧٠) من حديث عائشة أيضًا، بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي، إذا سمع النداء بالصبح، ركعتين خفيفتين.
أما حديث الباب الذي رواه مالك بهذا اللفظ، فرواه عنه يحيى بن يحيى في «الموطأ» ص ٩٨، وعن يحيى عنه، رواه مسلم (٧٢٣/ ٨٧)، والنسائي ٣/ ٢٥٥ عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك به، وأحمد ٦/ ٢٨٤ عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك به.
(٢) قال الحافظ: قال الزين بن المنير: قَدَّم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر فخالف الترتيب الوجودي؛ لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، فَقَدَّم ترجمة الأصل على ما ندر عنه، وأشار ابن بطال ٢/ ٢٤٨ إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر، والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله قبل الفجر غير المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفي به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لم يكن يقع قبل الفجر. والله أعلم. اهـ. «الفتح» ٢/ ١٠١.



الحديث الثاني: حديث عائشة: كَانَ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
هذا الحديث ظاهر فيما ترجم له.
وكذا الحديث الثالث: «إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ» وقد سلف (١).

----------------
(١) سلف برقم (٦١٧) الباب السابق.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #166  
قديم 29-01-2026, 05:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 361 الى صـــ 380
الحلقة (166)






١٣ - باب الأَذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ.
٦٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ -أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ- أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ -أَوْ يُنَادِي- بِلَيْلٍ؛ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ». وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ «حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا». وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. [٥٢٩٨، ٧٢٤٧ - مسلم: ١٠٩٣ - فتح: ٢/ ١٠٣]
٦٢٢، ٦٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: عُبَيْدُ اللهِ حَدَّثَنَا، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ.
وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ».

٦٢٢ - [١٩١٩ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح ٢/ ١٠٤]

٦٢٣ - [انظر ٦١٧ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٢/ ١٠٤]
ذكر فيه حديث ابن مسعود، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ -أَوْ أحَدًا مِنْكُمْ- أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ -أَوْ يُنَادِي- بِلَيْلٍ؛ ليَرْجعَ قَائِمَكُمْ وَليُنبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ».
- وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إلى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إلى أَسْفَلُ «حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا». وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في باب: الإشارة في الطلاق والأمور أيضًا، وأظهر يزيد بن زريع يديه ثم مد إحداهما من


الأخرى (١)، وفي باب إجازة خبر الواحد: «وليس الفجر أن يقول هكذا»، وجمع يحيى أحد رواته كفيه حتى يقول هكذا: ومد يحيى إصبعيه السبابتين (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣) قال ابن منده: وإسناده مجمع على صحته، وفي مسلم من حديث سمرة مرفوعًا «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا»، وحكاه حماد بن زيد بيده، قال: يعني معترضًا (٤).
وقوله: «لا يمنعن أحدكم أو أحد منكم» هذا الشك من زهير أحد رواته، فإن جماعة رووه عن سليمان التيمي فقال: «لا يمنعن أحدكم أذان بلال»، وصرح به الإسماعيلي.
وقوله: «قائمكم»: هو منصوب مفعول يرجع، أي: يعلمكم أن الفجر ليس ببعيد، فيرد المجتهد إلى راحته لينام فينشط أو يوتر إن لم يكن أوتر، أو يتأهب إلى الصبح، وإن احتاج إلى الطهارة أو نحو ذلك من مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح.
وقوله: «لينبه نائمكم»، أي: ليتأهب للصبح أيضًا.
وقوله: «ليس الفجر»، وقال بأصابعه على اختلاف الألفاظ التي سقناها يريد أن الفجر فجران، كاذب: لا يتعلق به حكم، وهو الذي بينه وأشار إليه أنه يطلع في السماء، ثم يرتفع طرفه الأعلى وينخفض

-------------------
(١) سيأتي برقم (٥٢٩٨) كتاب: الطلاق.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٤٧) كتاب: أخبار الآحاد.
(٣) مسلم برقم (١٠٩٣) كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.
(٤) مسلم برقم (١٠٩٤) كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.



طرفه الأسفل، وهو المستطيل، وصادق: وهو الذي يتعلق به الأحكام، وهو الذي أشار بسبابتيه واضعًا إحداهما على الأخرى، ثم مدهما عن يمينه ويساره، وهذا إشارة إلى أنه يطلع معترضًا، ثم يعم الأفق ذاهبًا فيه عرضًا في ذيل السماء، ويستطير، أي: ينتشر بريقه. وأحكام الحديث سلفت فيما مضى، وفيه أن الإشارة نحو من اللفظ. وقال المهلب: فيه أن الإشارة تكون أقوى من الكلام.
ثم ساق البخاري عن إسحاق، أنا أبو أسامة، فذكر حديث عائشة وابن عمر، ولم يسق لفظهما، ثم ذكر حديث عائشة: «إن بلالًا يؤذن بليل» الحديث. وسيأتي في الصوم (١)، والشهادات (٢) أيضًا، وأخرجه مسلم (٣).
قال الجياني: وإسحاق هذا يحتمل أن يكون الحنظلي أو ابن منصور، أو ابن نصر السعدي (٤)، فإن البخاري يروي عنهم أيضًا في مواضع متفرقة، وجزم المزي في «أطرافه» بالأول (٥)، وبخط الدمياطي في «صحيح البخاري»: ثنا إسحاق الواسطي. وفي حاشيةٍ: إذا كان الواسطي فهو ابن شاهين (٦).

----------------
(١) سيأتي برقمي (١٩١٨ - ١٩١٩) باب: قول النبي - ﷺ -: «لا يمنعنكم في سحوركم أذان بلال». من حديثهما.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٥٦) باب: شهادة الأعمى. ولكن من حديث ابن عمر وحده.
(٣) مسلم (١٠٩٢).
(٤) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٧٣ - ٩٧٤.
(٥) «تحفة الأشراف» ١٢/ ٢٨١.
(٦) قال الحافظ في «هدي الساري» ص ٢٢٦: جزم المزي في «الأطراف» أنه إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي، وفيه نظر! =



١٤ - باب كَمْ بَين الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَن يَنتَظِرُ الإِقامَةَ؟
٦٢٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِد، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ - ثَلَاثًا - لِمَنْ شَاءَ». [٦٢٧ - مسلم: ٨٣٨ - فتح: ٢/ ١٠٦]

٦٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ

----------------
= وقال في «الفتح» ٢/ ١٠٥: قوله: (حدثني إسحاق) لم أره منسوبًا، وتردد فيه الجياني، وهو عندى ابن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية كما جزم به المزى ويدل عليه تعبيره بقوله: أخبرنا، فإنه لا يقول قط حدثنا، بخلاف إسحاق بن منصور وإسحاق بن نصر، وأما ما وقع بخط الدمياطي أنه الواسطي، ثم فسره بأنه ابن شاهين فليس بصواب؛ لأنه لا يعرف له عن أبي أسامة شيء؛ لأن أبا أسامة كوفي وليس في شيوخ ابن شاهين أحد من أهل الكوفة. اهـ. هكذا جزم هنا بما جزم به المزي أنه ابن راهويه!
وقال العيني في «عمدة القاري» ٤/ ٣٠١: زعم الجياني أن إسحاق عن أبي أسامة يحتمل أن يكون إسحاق بن إبراهيم، أو إسحاق بن منصور، أو إسحاق بن نصر، وزعم الحافظ المزي أنه إسحاق بن إبراهيم، ويوجد بخط الحافظ الدمياطي على حاشيته الصحيح أن إسحاق هذا هو ابن شاهين الواسطي. اهـ.
قلت: هكذا أورد أقوالهم ولم يرجح أحدها.
ثم قال متعقبًا الحافظ: وقال بعضهم: أما ما وقع بخط الدمياطي بأنه ابن شاهين فليس بصواب؛ لأنه لا يعرف له عن أبي أسامة شيء. قلت [أي: العيني]: عدم معرفته بعدم رواية ابن شاهين عن أبي أسامة لا يستلزم العدم مطلقًا، وجهل الشخص شيء لا يستلزم جهل غيره به. فإن قلت: هذا الالتباس قدح في الإسناد.
قلت: لا، لأن أيًّا كان منهم، فهو عدل ضابط بشرط البخاري. اهـ.
قلت: ثم راجعت «انتقاض الاعتراض» للحافظ وهو كتاب صنفه للرد على ما تعقبه العيني عليه في «شرح البخاري»، فلم أجد فيه ردًا على العيني! والله أعلم.



الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ قَلِيلٌ. [انظر: ٥٠٣ - مسلم: ٨٣٧ - فتح: ٢/ ١٠٦]
ذُكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث بحمد الله بن مغفل المزني أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ -ثَلَاثًا- لِمَنْ شَاءَ».
وهذا الحديث ذكره البخاري في موضعين آخرين من الصلاة كما ستعلمه وفي الاعتصام (١).
وأخرجه مسلم وباقي الجماعة (٢)، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة، وهي أيضًا إعلام أو هو من باب التغليب كالأبوين والعمرين والقمرين.
الحديث الثاني: حديث غندر، عن شُعْبَةُ، عن عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -،

------------------
(١) سيأتي برقم (٦٢٧) باب: بين كل أذانين صلاة لمن شاء.
قلت: وهذا هو الموضع الثاني الوحيد الذي أورده البخاري فيه! وكذلك ولم يعزه العيني في «العمدة» ٤/ ٣٠٤ إلا إلى هذا الموضع الثاني، وقصته معروفة في كتابه هذا مع المصنف.
ومن المحتمل أن يكون المصنف يقصد الحديث الآتي برقم (١١٨٣) من طريق عبد الوارث عن الحسين، عن عبد الله بن بريدة. قال: حدثني عبد الله المزني، عن النبي - ﷺ - قال: صلوا قبل صلاة المغرب. قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة. أبواب التهجد، باب: الصلاة قبل المغرب.
وسيأتي أيضًا في كتاب: الاعتصام، باب: نهي النبي - ﷺ - على التحريم إلا ما تعرف إباحته (٧٣٦٨).
(٢) مسلم (٨٣٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة، أبو داود (١٢٨٣)، الترمذي (١٨٥)، النسائي ٢/ ٢٨، ابن ماجه (١١٦٢).



يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِىَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ. ثم قال البخارى تابعه عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ قَلِيلٌ.
وأبو داود: هو الحفري عمر بن سعد، وأخرجه النسائي من حديث أبي عامر عن سفيان، عن عمرو (١).
قال ابن عساكر: قد رويا عنه، أعني: شعبة وسفيان، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة، وفي روايته: قام كبار أصحاب رسول الله - ﷺ - فابتدروا السواري. وفيه: وكان بين الأذان والإقامة قريب.
وفي مسلم نحوه من حديث عبد الوارث (٢). والمختار بن فلفل (٣)، وقد سلف في باب: الصلاة إلى الأسطوانة من حديث قبيصة، عن سفيان، عن عمرو بن عامر، عن أنس قال: لقد رأيت كبار أصحاب رسول الله - ﷺ - يبتدرون السواري عند المغرب (٤).
قال الداودي: حديث أنس مفسر بحديث ابن مغفل، ولولا ذلك لاحتمل أن يقال: بين أذان الظهر وأذان العصر أو غيرهما من الصلوات.
قلتُ: ولا منع من حمله على ذلك، ومعنى الابتدار: الإسراع، وفيه: الصلاة إلى السوارى استتارًا بها من المار، وقد سلف في موضعه.
وقوله: ولم يكن بينهما شيء: يعني: شيئًا كثيرًا بدليل الرواية

------------------
(١) النسائي في «الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» (١١١٢). وهو في «المجتبى» ٢/ ٢٨ - ٢٩، وفي «الكبرى» ١/ ٥١١ (١٦٤٦) من طريق البخاري.
(٢) مسلم (٨٣٧) في صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب.
(٣) مسلم (٨٣٦).
(٤) سيأتي برقم (٥٠٣) كتاب: الصلاة.



السالفة والأخرى، وكان بينهما قريب، وترجمة البخاري: كم بين الأذان والإقامة، لا حد فيه أكثر من اجتماع الناس، ولكن دخول الوقت، وفي «صحيح الحاكم» -وقال: على شرط الشيخين- من حديث علي: كان رسول الله - ﷺ - يكون في المسجد حتى تقام الصلاة فإذا رآهم قليلًا جلس وإذا رآهم جماعة صلى (١) (٢).
وفيه من حديث جابر أنه - ﷺ - قال لبلال: إذا أذنت فترسل، أذا أقمت فاحدر واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه، والمحتصر إذا دخل لقضاء الحاجة، ثم قال: هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فايد والباقون شيوخ البصرة، وهذِه سنة غريبة ولا أعرف لها إسنادًا غير هذا (٣) (٤).
قلت: في إسناده معه عبد المنعم، لا جرم ضعفه الترمذي، فقال: هذا إسناد مجهول ولا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبد المنعم، وقد أجاز الصلاة قبل المغرب أحمد وإسحاق، واحتجا بهذا الحديث، وأباه سائر الفقهاء، وسنبسط الكلام في ذلك في موضعه في باب: التطوع -إن شاء الله تعالى.

----------------
(١) «المستدرك» ١/ ٢٠٢.
(٢) «المستدرك» ١/ ٢٠٢ من طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة، عن نافع ابن جبير، عن مسعود الزرقي، عن علي به.
ورواه من هذا الطريق أيضًا أبو داود (٥٤٦) إلا أنه وقع فيه: عن أبي مسعود الزرقي. بزيادة أبي.
وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٨٨) وقال: الصواب: مسعود وفي الباب عن سالم أبي النضر، مرسلًا، رواه داود (٥٤٥)، وضعفه الألباني أيضًا (٨٧).
(٣) «المستدرك» ١/ ٢٠٤ وقال الذهبي: قلت: قال الدارقطني: عمرو بن فائد متروك.
(٤) «المستدرك» ١/ ٢٠٤ من طريق علي بن حماد بن أبي طالب، عن عبد المنعم بن =



١٥ - باب مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ.
٦٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ. [انظر: ٦١٩ - مسلم: ٧٢٤، ٧٣٦ - فتح: ٢/ ١٠٩]
ذكر فيه حديث عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا سَكَتَ المُؤَذنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأتيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ.
هذا الحديث طرف من حديث قيام الليل، وستأتي بقيته في أماكنها التي ذكرها البخاري (١)، وفي مسلم: يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح (٢)، ثم الكلام عليه من أوجه:

------------------
= نعيم الرياحي، عن عمرو بن فائد الأسواري، عن يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر به. قال الذهبي: قال الدارقطني: عمرو بن فائد متروك.
والحديث رواه أيضًا الترمذي (١٩٥ - ١٩٦)، وعبد بن حميد (١٠٠٦)، والطبراني في «الأوسط» ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠ (١٩٥٢)، ابن عدي في «الكامل» ٩/ ١٣، والبيهقي ١/ ٤٢٨، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٣١٢ - ٣١٣ (٣٨٦) من طرق عن عبد المنعم بن نعيم الرياحي، عن يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر به.
هكذا بإسقاط عمرو بن فائد الأسواري. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبد المنعم وهو إسناد مجهول. وقال البيهقي: قال البخاري: عبد المنعم منكر الحديث، ويحيى بن سلم ضعفه ابن معين. وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ١١٦: إسناده ضعيف، وقال الألباني في «الإرواء» (٢٢٨): حديث ضعيف جدًّا. وانظر: «البدر المنير» ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٦.
(١) سيأتي برقم (١١٢٣، ١١٥٩ - ١١٦١، ١١٦٨ - ١١٧١).
(٢) مسلم (٧٢٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر.



أحدها: معنى سكت: صمت من الأذان بعد إكماله، ورواه الخطابي بالباء الموحدة. أي: أذن، والسكب: الصب، استعاره للكلام (١).
قال الجياني عن أبي مروان: سكت وسكب بمعنى، ولم يذكر ابن الأثير غير الباء الموحدة، وقال: أرادت إذا أذن فاستعير السكب للإفاضة في الكلام، كما يقال: أفرغ في أذني حديثًا، أي: ألقى وصب (٢).
وذكر ابن بطال وابن التين أن لها وجهًا من الصواب، ولا يرفع ذلك الرواية الأخرى، فإن الموحدة تأتي بمعنى من وعن في كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه، وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦]، أي: منها، قالا: ويمكن أن يكون إنما حمل الراوي لهذا الحديث على أن يرويه بالموحدة؛ لأن المشهور في سكت أن تكون متعلقة بعن أو من كقولهم: سكت عن كذا أو سكت من كذا، فلما وجد في الحديث مكان من وعن الباء ظن سكب من أجل مجيء الباء بعدها، وقد سلف أن الباء تأتي بمعنى من وعن (٣).
الثاني: قولها: بالأولى من صلاة الفجر: يريد الأذان للفجر، وهو أول بالنسبة إلى الإقامة توضحه رواية مسلم السالفة: بين النداء والإقامة (٤).
الثالث: هاتان الركعتان هما راتبة صلاة الفجر، وقد كره جماعة من العلماء التنفل بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي

------------------
(١) «غريب الحديث» ١/ ١٦٧.
(٢) «النهاية» ٢/ ٣٨٢.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٥٤.
(٤) مسلم (٧٢٤).



الفجر (١)؛ لأنه - عليه السلام - لم يزد على ذلك كما أخرجه مسلم من حديث حفصة (٢).
ونهى أيضًا عنه كما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن عمر (٣) ونقل الترمذي إجماع العلماء عليه (٤) وهو أحد الأوجه عندنا، وبه قال الأئمة الثلاثة، ونقله القاضي عياض عن مالك والجمهور، ومقابله: لا يدخل حتى يصلي سنة الصبح، والأصح: الجواز، وأن الكراهة لا تدخل إلا بفعل الفرض؛ لقوله - ﷺ -: «صل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تصلي الصبح ثم أقصر» أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن عبسة (٥).
الرابع: فيه استحباب تخفيف هاتين الركعتين، وهو مذهبنا ومذهب

-----------------
(١) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣، «البناية» ٢/ ٧٧. «روضة الطالبين» ١/ ١٩٢، «المغني» ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (٧٢٣/ ٨٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما، والمحافظة عليهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما.
(٣) أبو داود (١٢٧٨)، الترمذي (٤١٩). عن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر
وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار إن رسول الله - ﷺ - خرج علينا ونحن
نصلي هذِه الصلاة، فقال: ليبلغ شاهدكم غائبكم. لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين. ورواه أيضًا أحمد ٢/ ١٠٤، وأبو يعلى ٩/ ٤٦٠ - ٤٦١ (٥٦٠٨)، والدارقطني ١/ ٤١٩، والبيهقي ٢/ ٤٦٥، والمزي ٢٥/ ٨٣. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٥٩). وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمرو، انظر تخريجهما في «البدر المنير» ٣/ ٢٨٦ - ٢٩٦، «تلخيص الحبير» ١/ ١٠٩ - ١٩١، «الإرواء» (٤٧٨).
(٤) «سنن الترمذي» ٢/ ٢٨٠ عقب حديث (٤١٩).
(٥) أبو داود (١٢٧٧) وأصله في مسلم (٨٣٢) مطولًا. وانظر: «صحيح أبي داود» (١١٥٨).



مالك والجمهور، وقال النخعي: لا بأس بإطالتهما (١)، واختاره الطحاوي (٢).
وفي «المصنف» عن سعيد بن جبير: كان - عليه السلام - ربما أطال ركعتي الفجر، وعن الحسن: لا بأس بإطالتهما يقرأ فيهما بحزبه إذا فاته.
وعن مجاهد: لا بأس أن يطيلهما (٣). فقالوا: لا قراءة فيهما، حكاه الطحاوي (٤) والقاضي عياض، والأحاديث الصحيحة ترده؛ فإنه - عليه السلام - كان يقرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] بعد الفاتحة (٥).
وفي رواية ابن عباس: كان يقرأ فيهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وبقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٦).
وفي: «فضائل القرآن» للغافقى: أمر رجلًا شكى إليه شيئًا أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بـ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١]، وفي الثانية بعدها بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [الفيل: ١].
وفي «وسائل الحاجات» للغزالي استحسان ذلك، وقال: إنه يرد شر ذلك اليوم، واستحب مالك الاقتصار على الفاتحة على ظاهر قولها،

----------------
(١) رواه عنه الطحاوي في «شرح المعاني» ١/ ٣٠٠.
(٢) فقال في «شرح المعاني» ١/ ٣٠٠: وقد رويت آثار عمن بعد رسول الله - ﷺ - في القراءة فيهما أردت بذكرها الحجة على من قال: لا قراءة فيهما.
(٣) «المصنف» ٢/ ٥١ - ٥٢ (٦٣٥٥ - ٦٣٥٧).
(٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٩٦.
(٥) رواه مسلم برقم (٧٢٦) في صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما والمحافظة عليهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما.
(٦) رواها مسلم برقم (٧٢٧/ ١٠٠) السابق.



كان يخففهما حتى إني أقول: هل قرأ فيهما بأم الكتاب، ويأتي في باب: ما يقرأ في ركعتي الفجر وغيره -إن شاء الله تعالى.
الخامس: فيه مشروعية هذا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وهو سنة عند بعضهم، وأحبه الحسن البصري (١).
وذكر القاضي عياض أن مذهب مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة أنه بدعة، وسيأتي ما فيه في باب: الضجعة على الشق الأيمن وغيره إن شاء الله (٢).
وفي «سنن أبي داود» و«الترمذي» -بإسناد صحيح على شرط الشيخين- من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - ﷺ -: «إذاصلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه» قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣).

--------------------
(١) روى ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٥٥ (٦٣٩٣) عن الحسن أنه كان لا يعجبه أن يضطجع بعد ركعتي الفجر.
فما ذكره المصنف هنا عن الحسن على عكس ما روى عنه! فيبدو -والله أعلم- أن المصنف قد ذهل عن ذلك هنا؛ ويدل لذلك أنه في شرح الحديث الآتي (١١٦٠) عرض هذِه المسألة مرة أخرى، وقال: وعن الحسن كراهتها. وكذلك نقل الحافظ عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع، وعزاه لابن أبي شيبة. «الفتح» ٣/ ٤٣.
وأغرب العيني فقال في «العمدة» ٤/ ٣٠٨: أنه واجب عند الحسن البصري!! فمضى فيها كعادته وقلد المصنف. بل استبدل عبارة المصنف من الاستحباب إلى الوجوب. وأغرب من ذلك وأعجب أنه تبع المصنف في الموضع الثاني ٦/ ٢٣٦ فنقل عن الحسن أنه كان لا يعجبه ذلك!! ونعتذر عن العيني بأنه من الجائز أن يكون عني في الموضع الأول ٤/ ٣٠٨ عموم الاضطجاع عند النوم، لا بعد ركعتي الفجر فكلامه في هذا الموضع يحتمل ذلك. والله أعلم.
(٢) الحديث الآتي برقم (١١٦٠).
(٣) رواه أبو داود (١٢٦١)، ورواه الترمذي (٤٢٠) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به. =



واعلم أنه ثبت في الصحيح أنه - عليه السلام - كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين (١) فهذا الاضطجاع كان بعد صلاة
--------------------
= ورواه من هذا الطريق أيضًا أحمد ٢/ ٤١٥، وابن خريمة ٢/ ١٦٧ - ١٦٨ (١١٢٠)، وابن حبان ٦/ ٢٢٠ (٢٤٦٨)، وابن حزم في «المحلى» ٣/ ١٩٦، والبيهقي ٣/ ٤٥، والبغوي في «شرح السنة» ٣/ ٤٦٠ - ٤٦١ (٨٨٧) قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وأهل العلم لهم في هذا الحديث قولان، فمنهم من صححه كابن حزم محتجًا به، إذ زعم أن هذِه الضجعة واجبة وشرط في صحة صلاة الفجر ومن صححه أيضًا عبد الحق في «احكامه» ٢/ ٦٧، وكذا النووي فقال في «شرح مسلم» ٦/ ١٩، وفي «المجموع» ٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وقال في «خلاصة الأحكام» (١٨٠٦)، وفي «رياض الصالحين» (١١١٢/ ٣): رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة، وكذا الشوكاني فقال في «النيل» ٢/ ١٩٢: رجاله رجال الصحيح.
ومنهم من تكلم فيه، فأعله البيهقي بقوله: وهذا يحتمل أن يكون المراد به الإباحة، فقد رواه محمد بن إبراهيم اليتمي عن أبي صالح، عن أبي هريرة … حكاية عن فعل النبي - ﷺ - لا خبرًا عن قوله، ثم ساقه من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم، عن أبي صالح السمان، قال: سمعت أبا هريرة يحدث مروان بن الحكم وهو على المدينة: أن رسول الله - ﷺ - كان يفصل بين ركعتين من الفجر وبين الصبح بضجعة على شقه الأيمن. وهذا أولى أن يكون محفوظًا؛ لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس.
وكذا المنذري فقال في «المختصر» ٢/ ٧٦: قد قيل: أن أبا صالح لم يسمع هذا الحديث من أبي هريرة، فيكون منقطعًا.
وكذا شيخ الإسلام فقال فيما نقله عنه ابن القيم في «الزاد» ١/ ٣١٩: هذا باطل، وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد ابن زياد غلط فيه.
والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٤٦) وناقش فيه، بل ورد إعلال البيهقي للحديث وكذا شيخ الإسلام.
(١) سيأتي برقم (٩٩٤) كتاب: الوتر، باب: ما جاء في الوتر. وبرقم (١١٢٣) كتاب: =



الليل، وقبل: صلاة ركعتي الفجر، وكذا حديث ابن عباس أن الاضطجاع كان بعد صلاة الليل قبل ركعتي الفجر (١)، وأشار القاضي إلى أن رواية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مرجوحة قال: فتقدم رواية الاضطجاع قبلها ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلهما سنة وكذا بعدهما، وقد رُوي عن عائشة قالت: فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع (٢)، فهذا يدل على أنه ليس بسنة، وإنه تارة كان يضطجع قبل وتارة بعد، وتارة لا يضطجع.
السادس: استحباب الاضطجاع والنوم على الشق الأيمن، وحكمته أن لا تستغرق في النوم؛ لأن القلب إلى جهة اليسار، فيتعلق حينئذٍ فلا يستغرق، أذا نام على اليسار كان في دعة واستراحة (٣).
السابع: فيه أن الحث على التهجير والترغيب إلى الاستباق إلى المساجد إنما هو لكل من كان على مسافة من المسجد لا يسمع فيها الإقامة من بيته، ويخشى إن لم يمكن أن يفوته فضل انتظار الصلاة. وأما من كان مجاورًا للمسجد حيث يسمع الإقامة ولا تخفي عليه، فانتظاره الصلاة في البيت كانتظاره في المسجد له أجر منتظر الصلاة، إذ لم يكن كذلك لخرج - عليه السلام - إلى المسجد ليأخذ لنفسه بحظها من فضيلة الانتظار.
الثامن: أن صلاة النافلة الأفضل كونها في البيوت.

-------------------
= التهجد، باب: طول السجود في قيام الليل، ورواه ومسلم برقم (٧٣٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل، وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة.
(١) سبق برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه.
(٢) يأتي برقم (١١٦١).
(٣) هذا الكلام لعله هو الذي عناه العيني في الموضع الأول ٤/ ٣٠٨. والله أعلم.



١٦ - باب بَين كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةًّ لِمَنْ شَاءَ.
٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»- ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ:- «لِمَنْ شَاءَ» [انظر: ٦٢٤ - مسلم: ٨٣٨ - فتح: ٢/ ١١٠].
ذكر فيه حديث عبد الله بن مغفل أن رسول الله - ﷺ - قال: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاة، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» -ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ-: «لِمَنْ شَاءَ».
وهذا الحديث سلف قريبًا مع الكلام عليه فراجعه (١).

------------------
(١) سلف برقم (٦٢٤) باب: كم بين الأذان والإقامة.


١٧ - باب مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ.
٦٢٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِى، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقً، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ: «ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» [٦٣٠، ٦٣١، ٦٥٨، ٦٨٥، ٨١٥، ٨١٩، ٢٨٤٨، ٦٠٠٨، ٧٢٤٦ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ١١٠].
ذكر فيه حديث وهيب، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي نَفَرِ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةَ، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأى شَوْقَنَا إلى أَهَلِينَا قَالَ: «ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكبَرُكُمْ».
والكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم وأبو عوانة (١)، وقصر وهيب عن أيوب في قوله: «وصلوا» وأتمه عبد الوهاب عن أيوب بزيادة: «كما رأيتموني أصلى»، ذكره البخاري في الباب بعده (٢)، والبخاري أخرجه في مواضع من الصلاة هنا وعقبه الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة، وفيه: أتى رجلان النبي - ﷺ - يريدان السفر فقال: «إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما» (٣). وفي باب: الاثنان فما فوقهما جماعة، وفيه: «إذا حضرت الصلاة فأذنا» (٤).

---------------------
(١) «مسلم» برقم (٦٧٤) كتاب: المساجد، باب: من أحق بالإمامة، أبو عوانة ١/ ٢٧٦ (٩٦٦).
(٢) يأتي برقم (٦٣١).
(٣) يأتي برقم (٦٣٠).
(٤) يأتي برقم (٦٥٨).



وفي باب: إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم، وفيه: قدمنا على رسول الله - ﷺ - ونحن شببة متقاربون، وفيه: «لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا» (١). وفي إجازة خبر الواحد (٢)، وفي باب: رحمة الناس والبهائم (٣) وقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢] (٤).
وذكر الطرقي أن البخاري رواه عن أبي النعمان، عن حماد، ولم يذكره أبو مسعود ولا خلف ولأبي داود: وكنا يومئذٍ متقاربين في العلم. وفي رواية: قيل لأبي قلابة: فأين الفقه، قال: كنا متقاربين (٥).
ثانيها: إن قلت: ما وجه، هذِه الترجمة؟ وظاهر الحديث أنه - عليه السلام - إنما بيَّن لهم حالهم إذا وصلوا إلى أهلهم لا في السفر؛ حيث قال: «فإذا حضرت الصلاة -يعني: فيهم- فليؤذن لكم أحدكم» فالجواب أنه ليس الكلام قاصرًا على ذلك، بل عامًّا في أحوالهم منذ خروجهم من عنده (٦).

--------------
(١) سيأتي برقم (٦٨٥).
(٢) سيأتي برقم (٧٢٤٦) كتاب: أخبار الآحاد.
(٣) سيأتي برقم (٦٠٠٨) كتاب: الأدب.
(٤) يأتي برقم (٧٢٤٦) وتقدم إشارة المصنف له.
(٥) أبو داود (٥٨٩) وفيه: فأين القرآن؟ قال: إنهما كانا متقاربين.
قال الحافظ: وأظن في هذِه الرواية إدراجًا، فإن ابن خزيمة رواه من طريق إسماعيل بن علية، عن خالد، قال: قلت لأبي قلابة: فأين القراءة؟ قال: إنهما كانا متقاربين، وأخرجه مسلم من طريق حفص بن غياث عن خالد الحذاء، وقال فيه: قال الحذاء: وكانا متقاربين في القراءة، ويحتمل أن يكون مستند أبي قلابة في ذلك، هو إخبار مالك ابن الحويرث. كما أن مستند الحذاء هو إخبار أبي قلابة له به، فينتفي الإدراج عن الإسناد. اهـ. «الفتح» ٢/ ١٧٠ - ١٧١ ولمزيد من التفصيل انظر: «صحيح أبي داود» (٦٠٤).
(٦) هذا قريب من جواب ابن المنير على هذا الموضع في «المتواري على تراجم أبواب البخاري» ص ٩٤. وكذا الفائدة الآتية، -وهي قوله: وفائدة الترجمة- هي =



وفائدة الترجمة أن أذان الواحد يكفي عن الجماعة لئلا يتخيل أنه لا يكفي إلا من جميعهم، وقد قال في الحديث الآخر للرفيقين «أذنا وأقيما» (١)، فبيّن هنا أن التعدد ليس شرطًا.
ثالثها: مالك بن الحويرث: هو أبو سليمان مالك بن الحويرث، وقيل: حويرثة بن حشيش -بالحاء المهملة وقيل: بالمعجمة، وقيل: بالجيم الليثي، له وفادة (٢).
ونزل البصرة، وبها مات سنة أربع وسبعين (٣).
رابعها: قوله: في نفر من قومي، وفي أخري: شببة متقاربون (٤)، وفي أخرى: أنا وصاحب لي (٥)، وفي أخرى: أنا وابن عم لي (٦)، يُحتمل كما قال القرطبي أن يكون ذلك في وفادتين، وأن يكون في واحدة، غير أن ذلك الفعل تكرر منه ومن الشارع (٧). وفي أخرى: أتى رجلان يريدان السفر (٨)، فيُحتمل أنه أراد نفسه وآخر معه.

----------------
= من كلام ابن المنير.
وانظر: «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ٣٥٨ - ٣٥٩، «الفتح» لابن حجر ٢/ ١١٠ - ١١١.
(١) يأتي برقم (٢٨٤٨).
(٢) قال الجوهري: وفد فلان على الأمير، أي: ورد رسولًا. فهو وافد والجمع وفد، والجمع وفد، مثل صاحب وصحب، وجمع الوفد أو فاد ووفود، والاسم الوفادة. وأوفدته أنا إلى الأمير، أي أرسلته. «الصحاح» ٢/ ٥٥٣، وانظر: «النهاية» ٥/ ٢٠٩ - ٢١٠، «لسان العرب» ٨/ ٤٨٨١. مادة: وفد.
(٣) «معجم الصحابة» ٥/ ٢٠٩، «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٦٠ (٢٥٩٨)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٠٥ (٢٢٨٩)، «أسد الغابة» ٥/ ٢٠ (٤٥٨٠)، «الإصابة» ٣/ ٣٤٢ (٧٦١٧).
(٤) يأتي برقم (٦٣١، ٦٠٠٨، ٧٢٤٦).
(٥) يأتي برقم (٢٨٤٨).
(٦) رواه الترمذي (٢٠٥)، والنسائي ٢/ ٨ - ٩، ٢/ ٧٧.
(٧) «المفهم» ٢/ ٣٠٠.
(٨) يأتي (٦٣٠).



وقوله: شببة أو نفر: يُحتمل أن ذلك وقت قدومهم على رسول الله - ﷺ - وأنه لما أرد السفر جاء هو وصاحب له وهو ابن العم، كما جاء في أخرى.
خامسها: النفر: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، ولا واحد له من لفظه، كما قاله الخطابي؛ سموا بذلك من النفر؛ لأنه إذا حزبهم أمر اجتمعوا ثم نفروا إلى عدوهم. قال في «الواعي»: ولا يقولون: عشرون نفرًا ولا ثلاثون نفرًا. وقد أسلفنا هذا في أثناء التيمم أيضًا.
سادسها: قوله: فأقمنا عنده عشرين ليلة: المراد بأيامها بدليل الرواية الآتية في الباب بعده: عشرين يومًا وليلة (١).
سابعها: قوله: وكان رحيمًا رفيقًا: هو بقافين وبفاء وقاف في البخاري، وفي مسلم بالقاف خاصة (٢)، ومعناهما ظاهر وهو من رقة القلب ومن رفقه بأمته وشفقته، كما قال الله تعالى في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ثامنها: قوله: فلما رأى شوقنا، وفي رواية أخرى: فلما ظن (٣) علم - ﷺ - ذلك منهم لما تلمح العود منهم، إلى أوطانهم. وفي رواية للبخاري: «لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم» (٤) أي: لأنه المتهم، وهو من باب التأنيس لتخفيف كلفة الغيبة عنهم لئلا ينفروا لو طال مقامهم.
تاسعها: قوله: «فليؤذن لكم أحدكم» فيه: الأمر بالأذان للجماعة، وهو عام للمسافر وغيره، وكافة العلماء على استحباب الأذان للمسافر

----------------
(١) سيأتى برقم (٦٣١)، باب: الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع.
(٢) مسلم (٦٧٤/ ٢٩٢).
(٣) يأتي (٦٣١، ٧٢٤٦).
(٤) سيأتي (٦٨٥).



إلا عطاءً، فإنه قال: إذا لم يؤذن ولم يقم أعاد الصلاة، وإلا مجاهدًا فإنه قال: إذا نسي الإقامة أعاد (١). وأخذا بظاهر الأمر وهو«أذنا وأقيما».
وحكى الطبري عن مالك أنه يعيد إذا ترك الأذان ومشهور مذهبه: الاستحباب، وفي «المختصر» عن مالك: ولا أذان على مسافر، وإنما الأذان على من يجتمع إليه لتأذينه (٢)، وبوجوبه على المسافر (٣).
قال داود: وقالت طائفة: هو مخير، إن شاء أذن، وإن شاء أقام.
رُوي ذلك عن علي، وهو قول عروة والثوري، والنخعي (٤). وقالت طائفة: تجزئه الإقامة. رُوي ذلك عن مكحول والحسن والقاسم (٥).
وكان ابن عمر يقيم في السفر لكل صلاة إلا الصبح؛ فإنه كان يؤذن لها ويقيم (٦). وقد جاءت آثار في ترغيب الأذان والإقامة في أرض فلاةٍ، وأنه من فعل ذلك يصلي ورآه أمثال الجبال. وفي «الجامع الصغير» للحنفية: رجل صلى في سفره أو بيته بغير أذان وإقامة يكره، وكرهها بعضهم للمسافر فقط.
عاشرها: قوله: «وليؤمكم أكبركم» أي: عند التساوي في شروط الإمامة ورجحان أحدهما بالسن؛ بدليل رواية أبي داود السالفة: وكنا يومئذ متقاربين في العلم. والأخرى: قيل لأبي قلابة: فأين الفقه؟ قال: كانا متقاربين. ولمسلم: وكنا متقاربين في القراءة (٧). وقال ابن

----------------
(١) رواه عنهما ابن أبي شيبة ١/ ١٩٨ (٢٢٧٢ - ٢٢٧٥).
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٨.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٨ - ١٥٩.
(٤) ابن أبي شيبة ١/ ١٩٧ - ١٩٨ (٢٢٦٢، ٢٢٦٤، ٢٢٦٩، ٢٢٧١، ٢٢٧٦).
(٥) السابق ١/ ١٩٧ - ١٩٨ (٢٢٦٣، ٢٢٦٦ - ٢٢٧٠).
(٦) السابق ١/ ١٩٧ (٢٢٥٨).
(٧) مسلم (٦٧٤/ ٢٩٣) كتاب: المساجد، باب: من أحق بالإمامة؟




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #167  
قديم 29-01-2026, 05:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 381 الى صـــ 400
الحلقة (167)




بزيزة: أشار إلى كبر السن، ويجوز أن يكون أشار إلى كبر الفضل والعلم، وإنما علق الأذان بأحدهم، والإمامة بأكبرهم لعظم أمر الإمامة وهو مُشعرٌ بتفضيل الإمامة عليه.

١٨ - باب الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَالإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ
وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ: الصَّلَاةُ في الرِّحَالِ. في اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ المَطِيرَةِ.

٦٢٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ». حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». [انظر: ٥٣٥: مسلم: ٦١٦ - فتح: ٢/ ١١١]

٦٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَى رَجُلَانِ النَّبِيَّ - ﷺ - يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا». [انظر: ٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ١١١]

٦٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا، سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ -وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا- وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». [انظر: ٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ١١١]

٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ. فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ. [٦٦٦ - مسلم: ٦٩٧ - فتح: ٢/ ١١٢]


٦٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخبَرَنَا جَغفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِالأَبْطَحِ فَجَاءَهُ بِلَالٌ، فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَ خَرَجَ بِلَالٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالأبطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح: ٢/ ١١٢]
جمع يعني: المزدلفة، ولم يذكر فيه حديثًا ولا في عرفة أيضًا.
وذكر في الباب خمسة أحاديث:
أحدها: حديث أبي ذر: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرِ، فَأرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ». حَتَّى سَاوى الظِّلُّ التُّلُولَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».
وهذا الحديث دال لما ترجم له، وهو الأذان في السفر، وقد علمت ما فيه، وسلف الكلام على الحديث في الإبراد، فراجعه منه (١). قال البيهقي: كذا قال جماعة عن شعبة: فأراد المؤذن أن يؤذن. وفي أخرى عنه: كان - عليه السلام - في سفر فأذن المؤذن، فقال له - ﷺ -: «أبرد»، وذكره (٢)، وفي أخرى عنه: أذن مؤذن رسول الله - ﷺ - الظهر فقال له عليه السلام: «أبرد أبرد» -أوقال:- «انتظر انتظر» -وقال- إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة" (٣).
قال: وفي هذا الدلالة على أن الأمر بالإبراد كان بعد التأذين، فإن الأذان كان في أول الوقت.
ثم روى من حديث جابر بن سَمُرة، وأبي برزة قال أحدهما: كان

--------------
(١) سلف برقم (٥٣٥) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٢) رواه البيهقي ١/ ٤٣٨.
(٣) سلف برقم (٥٣٥)، ورواه مسلم (٦١٦).



بلال يؤذن إذا دلكت الشمس، وقال الآخر: إذا دحضت (١).
وفي رواية عن جابر قال: كان بلال لا يحذم الأذان وكان ربما أخر الإقامة شيئًا (٢)، وترجم عليه أبو عوانة في «صحيحه» بإيجاب الإبراد بالظهر في شدة الحر، وبيان العلة في إبرادها. ثم ساقه، وفيه: فأراد بلال أن يؤذن بالظهر. وفيه بعد قوله: فيء التلول، ثم أمره فأذن وأقام، فلما صلى قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا أشتد الحر فأبردوا عن الصلاة» (٣). وفي رواية له: فأذن بلال، فقال: «مهْ يا بلال» ثم أراد أن يؤذن فقال: «مهْ يا بلال» حتى رأينا فيء التلول، ثم قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم» إلى آخره (٤).
الحديث الثاني:
حديث مالك بن الحويرث: أَتَى رَجُلَانِ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ - عليه السلام -: «إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذنا ثُمَّ أَقِيمَا»
وقد سلف في الباب قبله. والبخاري رواه عن محمد بن يوسف، وهو الفريابي عن سفيان وهو الثوري فاعلمه، وإذا أراد البخاري محمد بن يوسف البيكندي عن سفيان، عَيَّن ابن عيينة.
وقوله: أتى رجلان. المراد: هو وصاحب له أو ابن عم له كما سلف.
وقوله: «فأذنا ثم أقيما»: يجوز أن يكون المراد من أراده منهما، ويجوز أن يكون خاطب مالك بن الحويرث بلفظ التثنية، ويؤيده رواية

--------------------
(١) «السنن الكبرى» ١/ ٤٣٨.
(٢) «السنن الكبرى» ١/ ٤٣٨.
(٣) «مسند أبي عوانة» ١/ ٢٨٩ (١٠١٧).
(٤) «مسند أبي عوانة» ١/ ٢٩٠ (١٠١٩).



الطبراني عن مالك بن الحويرث أنه - عليه السلام - قال: «إذا كنت مع صاحب فأذن وأقم، وليؤمكما أكبركما» (١) ويجوز أن يكون المراد: يؤذن أحدهما ويجيب الآخر قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، وإنما دعا موسى وأمن هارون.
وقال ابن القصار: أراد به الفضل بدليل قوله: «أذنا»، إذ الواحد يجزئ.
وفيه: ما بوب له وهو مشروعية الأذان والإقامة للمسافر.
وفيه: الحث على الجماعة في السفر، وأنها تحصل بإمام ومأموم، واستدل به بعضهم على وجوب الجماعة، ولا دلالة فيه.
الحديث الثالث: حديث مالك بن الحويرث أيضًا.
وقد سلف آنفًا وسالفًا.
الحديث الرابع: حديث نافع: أَذَّنَ ابن عُمَرَ فِي لَيْلَةِ بَارِدَةٍ بضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ. فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، ويأتي في باب: الرخصة في المطر (٣) والعلة أن يصلي في رحله، وقد سلف حكمه في باب الكلام في الأذان (٤).

-----------------
(١) «المعجم الكبير» ١٩/ ٢٨٨ (٦٣٨).
(٢) مسلم (٦٩٧).
(٣) سيأتي برقم (٦٦٦) كتاب: الأذان.
(٤) راجع شرح حديث (٦١٦).



وضجنان: بفتح الضاد المعجمة وجيم ساكنة ونونين جبيل على بريد من مكه (١). وقال الزمخشري: على خمسة وعشرين ميلًا، وبينه وبين مر تسعة أميال (٢).
وفيه ما بوب له، وهو مشروعية الأذان في السفر.
وفي أبي داود من حديث ابن إسحاق عن نافع، عن ابن عمر قال: كان ينادي منادي رسول الله - ﷺ - بذلك في المدينة في الليلة المطيرة والغداة (المطيرة) (٣)، ثم قال: رواه يحيى بن سعيد عن القاسم، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ - قال فيه: في السفر (٤). وفي مسلم وأبي داود والترمذي من طريق جابر: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فمطرنا، فقال - عليه السلام -: «ليصل من شاء منكم في رحله» (٥).
الحديث الخامس:
ساقه البخاري عن إسحاق، ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ إلى أَبِي جُحَيْفَةَ، رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - بِالأَبْطَحِ فَجَاءَهُ بِلَالٌ، فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلَال بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالأَبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ.
وهذا الحديث ذكره البخاري في عدة مواضع في الطهارة كما سلف (٦) والصلاة (٧).

-------------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٨٥٦، «معجم البلدان» ٣/ ٤٥٣.
(٢) «الفائق في غريب الحديث» ٣/ ٣٣٠.
(٣) كذا بالأصل، وفي أبي داود: القرة.
(٤) أبو داود (١٠٦٤) وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٩٩).
(٥) مسلم (٦٩٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الصلاة في الرحال في المطر، أبو داود (١٠٦٥)، الترمذي (٤٠٩).
(٦) سلف برقم (١٨٧) باب: استعمال فضل وضوء الناس.
(٧) سلف برقم (٤٩٥) باب: سترة الإمام سترة من خلفه، وبرقم (٤٩٩) باب: الصلاة إلى العنزة، وبرقم (٥٠١) باب: السترة بمكة وغيرها.



وسيأتي في الباب على الإثر أيضًا (١). وشيخه إسحاق هو ابن منصور كما نص عليه خلف في «أطرافه». وذكر الكلاباذي أن البخاري حدث عن إسحاق بن راهويه وإسحاق بن منصور، عن جعفر بن عون فلا يخلو عن أحدهما (٢)، وخرج مسلم عن إسحاق بن منصور، عن جعفر بن عون (٣).
-----------------
(١) سيأتي برقم (٦٣٤) كتاب: الأذان، باب: هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا وهل يلتفت في الأذان.
(٢) انظر: «الجمع بين رجال الصحيحين» لابن القيسراني ١/ ٣٠.
(٣) مسلم (٥٠٣/ ٢٥١) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلى.



١٩ - باب هَلْ يَتَتَبَّعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ؟
وَيُذْكَرُ عَنْ بِلَالٍ أَنهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. وَكَانَ ابن عُمَرَ
لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.

٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا شفْيَانُ، عن عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأى بِلَالًا يُؤَذِّنُ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاة هَا هُنَا وَهَا هُنَا بِالأذَانِ. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح: ٢/ ١١٤]
حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأى بِلَالًا يُؤَذِّنُ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا بِالأَذَانِ.
الشرح:
ذكر البخاري في هذا الباب صفات وهيئات تتعلق بالأذان، ومقصود الترجمة اتباع المؤذن فاه يمنة وشرة وهل يلتفت؟ وقد جاء مفسرًا في طريق مسلم: فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة، حي على الفلاح (١)، وفي أبي داود: فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح. لوى عنقه يمينًا وشمالًا ولم يستدر (٢)، وذلك دال على أن الالتفات في الحيعلتين خاصة.
وقوله: -أعني: البخاري- وهل يلتفت في الأذان؟ قد ذكرنا ما يدل لعدمه. وللنسائي: فخرج بلال فجعل يقول في أذانه هكذا ينحرف يمينًا

-------------------
(١) مسلم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.
(٢) «سنن أبي داود» برقم (٥٢٠).



وشمالًا (١).
وللطبراني: فجعل إصبعيه في أذنيه، وجعل يقول برأسه هكذا وهكذا يمينًا وشمالًا حتى فرغ من أذانه (٢).
وفي «الأفراد» للدارقطني من حديث سويد بن غفلة عن بلال: أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا أذنا أو أقمنا لا نزيل أقدامنا من مواضعها (٣). نعم، في الترمذي من حديث عبد الرزاق، ثنا سفيان عن عون، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، يتبع فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، ثم قال: حديث حسن صحيح (٤).
وأما البيهقي فقال: الاستدارة في هذا الحديث ليست من الطرق الصحيحة، وسفيان الثوري إنما رواه عن رجل عن عون، ونحن نتوهمه سمع من الحجاج ابن أرطأة عن عون، والحجاج غير محتج به، وعبد الرزاق وهم فيه فأدرجه، وقد رواه عبد الله بن محمد بن الوليد عن سفيان بدونها. وقال سفيان مرة: حدثني من سمعه من عون أنه كان يدور ويضع يديه في أذنيه. قال العدني: يعني: بلالًا، وهذِه رواية الحجاج عن عون، ثم ذكرها قال: وروينا من حديث قيس بن الربيع عن عون ولم يستدر، قال: ويحتمل أن يكون الحجاج أراد

-----------------------
(١) النسائي ٢/ ١٢.
(٢) «المعجم الكبير» ٢٢/ ١١٤ (٢٨٩). قال المصنف: قال الشيخ تقي الدين في «الإمام»: في إسناده مقال. قلت: لعله بسبب الطعن في قيس بن الربيع، فإن النسائي تركه، وقال السعدي: ساقط .... اهـ. «البدر المنير» ٣/ ٣٧٦.
(٣) الدارقطني في «الغرائب والأفراد» كما في «أطرافه» لابن القيسراني ٢/ ٢٧٧ (١٣٦٢) وقال: غريب من حديث طلحة بن مصرف، عن سويد عنه. تفرد به عبد الله بن بزيع عن الحسن بن عمارة عنه. وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ٢٠٤: إسناده ضعيف.
(٤) الترمذي (١٩٧).



بالاستدارة: التفاته في الحيعلتين فيكون موافقًا لسائر الروايات.
والحجاج ليس بحجاج، والله يغفر لنا وله. قال: وروى حماد بن سلمة عن عون مرسلًا لم يقل عن أبيه (١).
هذا كلام البيهقي ونوقش فيه، فلم يتفرد عبد الرزاق، بل تابعه ابن مهدي عن سفيان، كما أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه» ومؤمل أيضًا، كما أخرجه أبو عوانة (٢). ورواه الطبراني من حديث إدريس الأودي عن عون (٣)، فهذا متابع لسفيان، وكذا حماد بن سلمة وهشيم، كما أخرجه أبو الشيخ.
وفي الدارقطني من حديث كامل أبي العلاء عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أُمر أبو محذورة أن يستدير في أذانه (٤).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه في موضعين:
الأول: الالتفات في الحيعلتين؛ وهو سنة؛ ليعم الناس بإسماعه، وخص بذلك؛ لأنه دعاء والباقي ذكر.
وأصح الأوجه عندنا أن يجعل الأولى يمينًا والثانية شمالًا، وثانيهما: يقسمان للجهتين، وثالثهما: يلتفت يمينًا فيحيعل، ثم يستقبل، ثم يلتفت فيحيعل وكذلك الشمال.

-------------------
(١) البيهقي ١/ ٣٩٦.
(٢) «مسند أبي عوانة» ١/ ٢٧٥ (٩٦٢).
(٣) «المعجم الكبير» ٢٢/ ١٠١ (٢٤٧).
(٤) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٣٩. وفيه: ويستدير في إقامته. ولمزيد من التفصيل حول كلام البيهقي وردود أهل العلم عليه انظر: «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ٣٧٥ - ٣٧٨، «البدر المنير» ٣/ ٣٧٣ - ٣٨٠، «فتح الباري» ٢/ ١١٥ - ١١٦، «الجوهر النقي» ١/ ٣٩٦، «صحيح أبي داود» (٥٣٣)، «الثمر المستطاب» ١/ ١٦٧ - ١٦٩.



فرع:
يلتفت أيضًا في الإقامة على أصح الأوجه. ثالثها: إن كبر المسجد.
الثاني: المراد بالالتفات: أن يلوي عنقه ولا يحول صدره عن القبلة، ولا يزيل قدمه عن مكانها، وسواء المناره وغيرها. وقيل: يستدير في الحيعلة في البلد الكبير، وكره ابن سيرين الاستدارة فيه (١)، وفي «المدونة» أنكرها مالك إنكارًا شديدًا. قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: إن كان يريد أن يسمع فلا بأس به (٢). وقال مالك في «المختصر»: لا بأس أن يستدير عن يمينه وشماله وخلفه وليس عليه استقبال القبلة في أذانه (٣).
وفي «المدونة» لابن نافع: أرى أن يدور ويلتفت حتى يبلغ حي على الصلاة. وكذلك قال ابن الماجشون ورآه من حد الأذان. قال ابن بطال: وحديث أبي جحيفة حجة على من أنكر الاستدارة؛ لأن قوله: (فجعلت أتتبع فاه ها هنا) وها هنا يدل على استدارته (٤). قلت: ذلك غير لازم؛ إذ المراد الالتفات بالعنق كما سلف مصرحًا به، ثم ذكر حديث الحجاج السالف بذكر الاستدارة، ثم قال: ولا يخلو فعل بلال أن يكون عن إعلام رسول الله - ﷺ - له بذلك، أو رآه يفعله فلم ينكره، فصار حجة وسنة (٥). وهو عجيب منه، فكأنه لم يعلم حال حجاج بن أرطأة. وما أحسن قول البيهقي السالف فيه الحجاج ليس بحجاج، والله يغفر لنا وله.

------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٩٠ (٢١٧٧).
(٢) «المدونة» ١/ ٦٢.
(٣) انظر «النوادر والزيادات» ١/ ١٦١ - ١٦٢.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٥٨.
(٥) المصدر السابق.



وأما ما ذكره البخاري عن بلال حيث قال: ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه، وهذا الأثر رواه ابن خزيمة في «صحيحه» عن يعقوب بن إبراهيم، ثنا (هشيم) (١)، عن حجاج، عن عون، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا يؤذن وقد جعل إصبعيه في أذنيه، ثم قال: باب إدخال الإصبعين في الأذنين عند الأذان، إن صح الخبر فإني لست أحفظ هذِه اللفظة إلا عن حجاج بن أرطاة، ولست أفهم أسمع الحجاج هذا الخبر من عون أم لا؟ فأنا أشك في صحة هذا الخبر؛ لهذِه العلة (٢). ورواه أبو عوانة والبزار من حديث الحجاج أيضًا (٣).
وروى أبو الشيخ بن حيان من حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه (٤). ومن حديث عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن محمد و(عُمير) (٥) وعمار ابني حفص، عن آبائهم، عن

-----------------
(١) كذا بالأصل، وفي ابن خزيمة هشام، ولعله تصحيف، ففي ترجمة يعقوب بن إبراهيم الدورقي من «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣١١ - ٣١٤ (٧٠٨٣): روى عن هشيم ابن بشير، وليس له رواية عن راوٍ يسمى هشام، وأيضًا في ترجمة حجاج بن أرطأة من «تهذيب الكمال» ٥/ ٤٢٠ - ٤٢٨ (١١١٢) روى عنه هشيم بن بشير، وليس لراوٍ يسمى هشام رواية عنه.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٢٠٣ (٣٨٨). وبوب ابن خزيمة أولًا وقال ما ذكره المصنف، ثم أورد الحديث، وكلام المصنف يوهم أن ابن خزيمة أورد الحديث أولًا. وقال الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (٣٨٨): إسناده ضعيف لعنعنة حجاج بن أرطأة، فإنه مدلس .. اهـ.
(٣) «مسند أبي عوانة» ١/ ٢٧٤ (٩٦٠).
(٤) رواه البيهقي ١/ ٣٩٦. من طريق أبي محمد بن حيان ورواه ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٥٠٧ - ٥٠٨، من طريق آخر بنحوه.
(٥) كذا بالأصل، وفي مصادر تخريج الحديث الآتي ذكرها: عمر.



أجدادهم، عن بلال أن النبي - ﷺ - قال له: «إذا أذنت فاجعل إصبعك في أذنيك؛ فإنه أرفع لصوتك» (١).
ومن حديث يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد فذكر حديث الأذان، وفيه: (جعل إصبعيه في أذنيه ونادى). يعني: الذي رآه عبد الله في نومه (٢)، وأخرج حديث سعد القرظ ابنُ ماجه: أنه - عليه السلام - أمر بلالًا أن يجعل يديه في أذنيه إذا أذن، وقال: «إنه أرفع لصوتك» (٣).
وذكر ابن المنذر في «إشرافه»، عن أبي محذورة أنه جعل إصبعيه في أذنيه فقال: روينا عن بلال وأبي محذورة أنهما كانا يجعلان أصابعهما في آذانهما.
قال البيهقي: وروينا عن ابن سيرين أن بلالًا جعل إصبعيه في أذنيه في بعض أذانه أو في الإقامة (٤). وروى ابن أبي شيبة، عن ابن سيرين أنه

-------------------
(١) رواه البيهقي ١/ ٣٩٦، من طريق أبي محمد بن حيان وبنحوه رواه الطبراني ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣ (١٠٧٢). قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٣٤: فيه عبد الرحمن بن سعد بن عمار، وهو ضعيف. وقال الألباني في «الإرواء» ١/ ٢٥٠: سند ضعيف؛ لأن مداره على عبد الرحمن بن سعد، وقد عرفت ضعفه.
(٢) رواه أبو الشيخ في كتاب «الأذان» كما في «تلخيص الحبير» ١/ ٢٠٣ و«نصب الراية» ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
وقال الزيلعي: يريد بن أبي زياد متكلم فيه، وعبد الرحمن عن عبد الله بن زيد تقدم قول من قال: فيه انقطاع أ. هـ.
(٣) ابن ماجه (٧١٠)، ورواه أيضًا الطبراني ٦/ ٣٩ (٥٤٤٨) مطولًا، وفي «الصغير» ٢/ ٢٨١ (١١٧٠) مختصرًا. قال البوصيري في «الزوائد» (٢٣٦): إسناده ضعيف؛ لضعف أولاد سعد القرظ، عمار وابنه سعد وابن عبد الرحمن. وضعفه الألباني في «الإرواء» (٢٣١).
(٤) «سنن البيهقي» ١/ ٣٩٦.



كان إذا أذن استقبل القبلة وأرسل يديه، فإذا بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح أدخل إصبعيه في أذنيه (١) وفي رواية عنه قال: إذا أذن المؤذن استقبل القبلة ووضع إصبعيه في أذنيه (٢) وفي «الصلاة» لأبي نعيم عن سهل أبي أسد قال: من السنة أن تدخل إصبعيك في أذنيك، وكان سويد بن غفلة يفعله، وكذا سعيد بن جبير، وأمر به الشعبي وشريك (٣).
قال ابن المنذر: وبه قال الحسن وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (٤) وقال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم في الأذان، وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة أيضًا، وهو قول الأوزاعي (٥). وقال مالك: ذلك واسع (٦)، وقال ابن بطال: إنه مباح عند العلماء (٧) وفي جعل الإصبعين في الأذنين فائدتان:
إحداهما: أنه أرفع للصوت كما سلف.
الثانية: أنه ربما لا يسمع صوت الأذان من به صمم أو بعد فيستدل بوضع إصبعيه على أذنيه على ذلك. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: إن جعل إحدى يديه على أذنيه فحسن (٨)، وهي رواية عن أحمد اختارها الخرقي.

-------------------
(١) «المصنف» ١/ ١٩١ (٢١٨٧).
(٢) المصدر السابق رقم (٢١٨٤).
(٣) «الصلاة» لأبي نعيم الفضل بن دكين (٢١٣ - ٢١٧) ط. مكتبة الغرباء الأثرية.
(٤) «الأوسط» ٣/ ٢٧.
(٥) «سنن الترمذي» ١/ ٣٧٧ عقب الرواية (١٩٧).
(٦) «المدونة» ١/ ٦٣.
(٧) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٥٨.
(٨) انظر «البناية» ٢/ ١٠٣.



فرع: لم يبين في الحديث ما هي الإصبع، ونص النووي في «نكته» على أنها المسبحة.
فرع: لو كان في إحدج يديه علة تمنع من ذلك جعل الإصبع الأخرى في صماخه.
فرع: صرح الروياني أن ذلك لا يستحب في الإقامة؛ لفقد المعنى الذي
علل به، وقد أسلفنا عن بعضهم قريبا أنه يستحب فيها أيضًا. وأما قول البخاري: وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في أذنيه، فهذا رواه ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن بشير قال: رأيت ابن عمر يؤذن على بعير قال سفيان: فقلت له: رأيته يجعل أصابعه في أذنيه؟ قال: لا (١).
وأما قول البخاري: (وقال إيراهيم: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء)، فهذا رواه ابن أبي شيبة عن جرير، عن منصور، عنه أنه قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء، ثم ينزل فيتوضأ. وحدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور عنه: لا بأس أن يؤذن على غير وضوءٍ، ثم روى عن قتادة أنه كان لا يرى بأسًا بذلك، فإذا أراد أن يقيم توضأ. وعن عبد الرحمن بن الأسود أنه كان يؤذن على غير وضوء. وعن الحسن: لا بأس أن يؤذن غير طاهر، ويقيم وهو طاهر.
وعن حماد: لا بأس أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء (٢)، وقال إبراهيم النخعي فيما حكاه البيهقي: كانوا لا يرون بأسًا به. قال: وبه قال الحسن وقتادة، والكلام فيه يرجع إلى استحباب الطهارة في الأذكار (٣).

--------------
(١) «المصنف» ١/ ١٩١ (٢١٨٥).
(٢) «المصنف» ١/ ١٩١ - ١٩٢ (١٨٨ - ٢١٩٢، ٢١٩٤).
(٣) «السنن الكبرى» ١/ ٣٩٧.



وأما قول البخاري: (وقال عطاء: الوضوء حق وسنة)، وهذا رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن عبد الله الأسدي، عن معقل بن عبيد الله، عن عطاء أنه كره أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء (١)، ثم روى عن الأوزاعي عن الزهري، قال أبو هريرة: لا يؤذن المؤذن إلا متوضئ (٢)، ورواه يونس عن الزهري، وهذا مرسل.
وقال الترمذي: حديث يونس أصح من حديث معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «لا يؤذن المؤذن إلا متوضئ»، وضعفها بمعاوية بن يحيى الصدفي، والصحيح رواية يونس وغيره عن الزهري (٣).
ورواه البيهقي من حديث عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قال: حق وسنة مسنونة، يؤذن وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم (٤).
ورواه أبو الشيخ في كتاب «الأذان» من حديث ابن عباس مرفوعًا:
نا ابن عباس: إن الأذان متصل بالصلاة، فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر. وأمر به مجاهد مؤذنه، كما أخرجه ابن أبي شيبة (٥). واختلف أهل العلم في الأذان على غير وضوء: فالذي ذهب إليه أبو حنيفة: أنه جائز ويكره الإقامة على غير وضوء، أو يؤذن وهو جنب (٦).
وبالكراهة أعني: كراهة الأذان على غير وضوء يقول الشافعى (٧)

-------------------
(١) «المصنف» ١/ ١٩٢ (٢١٩٦).
(٢) «المصنف» ١/ ١٩٢ (٢١٩٥).
(٣) انظر: «سنن الترمذي» ١/ ٣٩٠ عقب الرواية (٢٠١).
(٤) «سنن البيهقي» ١/ ٣٩٧.
(٥) «المصنف» ١/ ١٩٢ (٢١٩٦).
(٦) انظر: «الهداية» ١/ ٤٦.
(٧) انظر: «البيان» ٢/ ٧١.



إسحاق والأوزاعي وأبو ثور، ورواية عن عطاء: ورخص فيه بعضهم.
وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد (١) وممن أجازه الحسن وحماد ورواية عن عطاء (٢)، وهو قول مالك (٣) والثوري. وقول عائشة: كان - عليه السلام - يذكر الله على كل أحيانه (٤) حجة لمن لم يوجبه.
وقال أبو الفرج من المالكية: لا بأس بأذان الجنب، وأجازه سحنون في غير المسجد. وقال ابن القاسم: لا يؤذن الجنب، وكرهه ابن وهب (٥).
وأما قول البخاري: قالت عائشة - رضي الله عنها - كان رسول الله - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه، فهذا التعليق أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله البهي عنها (٦) وقال الترمذي حسن غريب (٧).
وعبد الله البهي خَرَّج له البخاري في كتاب «الأدب» خارج الصحيح، ووجه مناسبة هذا الحديث، بالترجمة أنه أراد أن يحتج على جواز الاستدارة وعدم اشتراط القبلة في الأذان، فإن المشترط لذلك ألحقه بالصلاة فأبطل هذا الإلحاق؛ لمخالفته لحكم الصلاة في الطهارة، فإذا خالفها في الطهارة وهي إحدى شرائطها آذن ذلك

---------------
(١) انظر: «المغنى» ٢/ ٦٨.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٩٢ (٢١٩٢ - ٢١٩٤).
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٦٤.
(٤) رواه مسلم (٣٧٣) كتاب: الحيض، باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها.
وهو عند البخاري في عدة مواضع معلقًا.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٦٧ - ١٦٨.
(٦) «صحيح مسلم» (٣٧٣)، وأبو داود (١٨)، وابن ماجه (٣٠٢)، عن عروة عنها.
(٧) «سنن الترمذى» ٥/ ٤٦٣ عقب الرواية (٣٣٨٤).



بمخالفته لها في الاستقبال، وبطريق الأولى فإن الطهارة أدخل في الاشتراط من الاستقبال، ويؤيده أن بعضهم قال: يستدير عند حي على الصلاة، فإن هذِه ليست ذكر، إنما هي خطاب للناس فبعدت عن سنة الصلاة فسقط اعتبار الصلاة فيها، نبه عليه ابن المنير (١).
فرع:
يقوم التيمم مقام الطهارة إذا كان يبيح الصلاة.

------------------
(١) «المتواري» ص ٩٦.


٢٠ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ.
وَكَرِهَ ابن سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ. ولكن لِيَقُلْ: لَمْ نُدْرِكْ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَصَحُّ.

٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟». قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ «فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». [مسلم: ٦٠٣ - فتح: ٢/ ١١٦]
وَكَرِهَ ابن سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ. ولكن لِيَقُلْ: لَمْ نُدْرِكْ.
وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن أزهر عن ابن عون قال: كان محمد يكره أن يقول: فاتتنا الصلاة ويقول: لم ندرك مع بني فلان (١).
قال البخاري: (وقول النبي - ﷺ - أصح) يعني به الحديث الذي يذكره بعد، وفيه: «وما فاتكم فأتمو» بغير كرا هة، لذلك فهو أصح. وهو حديث يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟». قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أتيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَأتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
وهو حديث أخرجه مسلم أيضًا من حديث يحيى بن أبي كثير أيضًا، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره (٢) فذكره مزيلًا شائبة الانقطاع

----------------
(١) «المصنف» ٢/ ٢٦٦ (٨٨٢٦).
(٢) مسلم (٦٠٣) كتاب: المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًّا. ووقع في النسخة (ج) فوق كلمة مسلم، د ت س، إشارة إلى أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، فلا أعلم أهي من قول =



من المدلس (١). ولأبي نعيم والإسماعيلي: «وما فاتكم فاقضوا»، وستعرف زيادة في ذلك في الباب الذي بعده. والجلبة: الأصوات، أي: أصوات رجال وحركة أفعالهم، وفيه إباحة سماع المصلى لمثل هذا؛ لأنه شيء يفجأه، وفيه سؤله - ﷺ - عما سمعه.
وقوله: (استعجلنا) أي: أنفسنا إلى الصلاة.
وقوله: «لا تفعلوا» أي: لا تستعجلوا ولا تسرعوا؛ ونهى عن ذلك؛ لأنه في صلاة، كما جاء في الحديث: «إذا كان يعمد إلى الصلاة، فهو في صلاة» (٢)، ولأنه ينافي الوقار والسكينة.

-----------------
= المصنف أم زيادة من الناسخ؛ وذلك لأن هناك حديثين يرويهما يحيى بن أبي كثير عن ابن أبي قتادة، عن أبيه.
الأول: حديثنا هذا وقد أخرجه البخاري ومسلم وليس هو في «السنن».
الثاني: ولفظه: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني».
وسيأتي برقم (٦٣٧) باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟
وأخرجه مسلم (٦٠٤) كتاب: المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة، وأبو داود (٥٣٩)، والترمذي (٥٩٢)، والنسائي ٢/ ٣١.
اعتبرهما وأظن المصنف حديثًا واحدًا كما سيأتي كلامه في حديث (٦٣٧) ناقلًا أن أبا مسعود والحميدي اعتبرهما حديثين. قلت: وكذا المزي في «التحفة» ٩/ ٢٥٢ (١٢١٠٦) فذكر الحديث الآتي (٦٣٧) ولفظه: «إذا أقيمت الصلاة ..» وذكر مواضعه عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي كما خرجناه آنفًا ثم ذكر في موضع آخر ٩/ ٢٥٧ (١٢١١١) حديثنا هذا، ثم ذكر مواضعه في البخاري ومسلم فقط وفعله هذا أولى بالصواب، ولعل المصنف اعتبرهما حديثًا واحدًا؛ لأن البخاري أخرجهما بسند واحد. والله أعلم.
(١) يشير المصنف -رحمه الله- إلى أن يحيى بن أبي كثير مشهور بالتدليس. قال الحافظ في «التقريب» (٧٦٣٢): ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل.
(٢) رواه مسلم برقم (٦٠٢/ ١٥٢) كتاب: المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًا. من حديث أبي هريرة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #168  
قديم 29-01-2026, 05:30 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 401 الى صـــ 420
الحلقة (168)




الثاني: في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك، وسيأتي الكلام على بقية الحديث في الباب الآتي على الإثر إن شاء الله تعالى.

٢١ - باب لَا يَسْعَى إِلَى الصَّلَاةِ، وَلْيَأْتِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ
وَقَالَ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». قَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٦٣٥]

٦٣٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». [٩٠٨ - مسلم: ٦٠٢ - فتح: ٢/ ١١٧]
قَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -.
قد عرفته آنفًا.
ثم ساق حديث أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
وهذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، ويأتي في المشي إلى الجمعة أيضًا (٢) قال الترمذي: وفي الباب أيضًا عن أبي بن كعب وأبي سعيد، وزيد بن ثابت، وجابر، وأنس (٣) قال ابن الجوزي: وأكثر الرواة على: «فأتموا»، منهم: ابن مسعود وأبو قتادة، وأنس، وأكثر طريق أبي هريرة: «فأتموا» (١).

-----------------
(١) مسلم برقم (٦٠٢) كتاب: المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًا، أبو داود (٥٧٢) كتاب: الصلاة، باب: السعي إلى الصلاة، الترمذي (٣٢٧) النسائي: ٢/ ١١٤ - ١١٥، ابن ماجه (٧٧٥).
(٢) سيأتي برقم (٩٠٨) كتاب: الجمعة.
(٣) الترمذي عقب الحديث (٣٢٧).



قلت: ورواية: «وما فاتكم فاقضوا»، رواها أحمد من حديث ابن عيينة عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا (١).
قال مسلم في «التمييز»: لا أعلم هذِه اللفظة رواها عن الزهري عن سفيان بن عيينة، وأخطأ في هذِه اللفظة. قال البيهقي: والذين قالوا: فأتموا. أكثر وأحفظ وألزم لأبي هريرة، فهو أولى (٢).
قلت: وقد تابع سفيان ابن أبي ذئب كما رواه أبو نعيم في «مستخرجه».
والقضاء لغة: الفعل، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ وما أدركه المسبوق أول صلاته عند الشافعى (٣) خلافًا للثلاثة (٤)، فيعيد في الباقي القنوت لكن يقرأ السورة فيما تأتي فيه، وقيل: أول صلاته بالنسبة

--------------
(١) «مسند أحمد» ٢/ ٢٣٨.
(٢) «سنن البيهقي» ٢/ ٢٩٨.
قال أبو داود بعد روايته للحديث: وكذا قال الزبيدي وابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد، ومعمر، وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري: «وما فاتكم فأتموا». وقال ابن عيينة، عن الزهري وحده: «فاقضوا».
قال الألباني: وقد علق المصنف رحمه اللهيعني: أبا داود-: أحاديث هؤلاء كلهم -غير حديث ابن الهاد وعقيل- وقد علقه من حديث الزبيدي أيضًا، ولم أجد الآن من وصله!
ومقصوده من هذِه التعليقات واضح، وهو بيان أن قول ابن عيينة في هذا الحديث عن الزهري: فاقضوا، شاذ أو خطأ؛ لمخالفتها لرواية جمهور أصحاب الزهري الذين قالوا فيه عنه: فأتموا؛ وأن هذِه اللفظة هي الصواب … اهـ. انظر: «صحيح أبي داود» ٣/ ١١١.
(٣) انظر «المجموع» ٤/ ١١٧.
(٤) انظر «المبسوط» ١/ ٣٥، وعن مالك روايتان حكاهما القاضي عبد الوهاب. انظر: «عيون المجالس» ٣٢٤/ ١ - ٣٢٥، ولأحمد روايتان ذكرهما ابن قدامة «المغنى» ٣/ ٣٠٦.



إلى الأفعال فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها. والمسألة خلافية للسلف أيضًا من الصحابة والتابعين، ووافق الخصم على أنه إذا أدرك ركعة من المغرب يتشهد في الثانية، وهو دال على أن ما أدركه أول صلاته، وابن رشد بناه على الخلاف.
وجمع بين السكينة والوقار إما من باب التأكيد أو أن السكينة: التأني في الحركات كما سلف، والوقار: في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت، والإقبال على طريقه بغير التفات ونحوه.


٢٢ - باب مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الإِمَامَ عِنْدَ الإِقَامَةِ؟
٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي». [٦٣٨، ٩٠٩ - مسلم: ٦٠٤ - فتح: ٢/ ١١٩]
ذكر فيه حديث أبي قتادة: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي».


٢٣ - باب لَا يَسْعَى إِلَى الصَّلَاةِ مُسْتَعْجِلًا، وَليَقُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ
٦٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ». [تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ]. [انظر: ٦٣٧ - مسلم: ٦٠٤ - فتح: ٢/ ١٢٠]
ذكر فيه حديث أبي قتادة من حديث شيبان، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أبِيهِ بمثله وزيادة «وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ». تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ.
الضمير في تابعه علي أنه يعود على شيبان وهو ابن عبد الرحمن.
وذكر الطرقي في «أطرافه» أنهما تفردا بقوله: «وعليكم بالسكينة». وليس كذلك، فقد تابعهما معاوية بن سلام في أبي داود (١)، وتفرد معمر بقوله: «حتى تروني قد خرجت». وقد أخرجها مسلم (٢).
ثم اعلم أن أبا مسعود جعل هذا الحديث وحديث أبي قتادة السالف حديثين، وكذلك الحميدي (٣)، ثم ظاهر قوله: «فلا تقوموا حتى تروني» أنه لا يقوم المأموم حتى يرى إمامه.
ومذهب الشافعي أنه يقوم عند فراغ المؤذن من الإقامة، ولو كان بطيء النهضة.

---------------------
(١) أبو داود (٥٣٩).
(٢) مسلم (٦٠٤) كتاب: المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة.
(٣) تقدم الكلام على ذلك في الحديث (٦٣٥).



وقيل: إن هذا يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة (١)، وذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه ليس لقيامهم حد (٢)، ولكن استحب عامتهم القيام إذا أخذ المؤذن في الإقامة (٣)، وكان أنس يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة. وعن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز إذا قال المؤذن: الله أكبر، وجب القيام، وإذا قال: حي على الصلاة اعتدلت الصفوف، وإذا قال: لا إله إلا الله، كبر الإمام.
وفي «المصنف»: كره هشام -يعني ابن عروة- أن تقوم حتى يقول المؤذن: قد قامت الصلاة (٤). وقد سلف مذاهب العلماء في ذلك في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب (٥)، مع الجمع بينه وبين ما عارضه، فراجعه منه.

----------------
(١) انظر «الحاوي الكبير» ٢/ ٥٩.
(٢) «المدونة»١/ ١٦٥.
(٣) انظر «الأصل» ١/ ١٨، «المغنى» ٢/ ١٢٣.
(٤) «المصنف» ١/ ٣٥٦ (٤٠٩٩) كتاب: الصلوات، باب: من قال: إذا فال المؤذن: قد قامت الصلاة. فليقم.
(٥) سلف في كتاب: الغسل شرح حديث رقم (٢٧٥).



٢٤ - باب هَل يَخرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ؟
٦٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ». فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً وَقَدِ اغْتَسَلَ. [انظر: ٢٧٥ - مسلم: ٦٠٥ - فتح: ٢/ ١٢١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، الحديث.
وقد سلف في التيمم (١) في الباب المشار إليه قريبًا (٢).
وقوله: (فمكثنا على هيئتنا)، قال ابن التين: رويناه بفتح الهمزة والنون، وفي أخرى: بكسر الهاء، وكذا هو في «الصحاح» (٣) قال: يقال: امش على هينتك أي: على رسلك، قال: وفي رواية بفتح الهاء والهمز وهو أبين، أي: على حالنا. وقال ابن قرقول: على هينتنا، وعند الأكثر: هيئتنا، وكلاهما صحيح.
وقوله: ينطف: هو بكسر الطاء وضمها أي: يقطركما جاء في الرواية الآتية في الباب بعده، وفيه أنه قد تكون بين الإقامة والصلاة مهلة بمقدار اغتساله - عليه السلام - وانصرافه، وجواز انتظار الإمام قيامًا.

---------------
(١) في هامش الأصل تعليق نصه: في الغسل في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب خرج كما هو ولا يتيمم.
(٢) سلف برقم (٢٧٥) كتاب: الغسل، باب: إذا ذكر في المسجد أنه جنبٍ.
(٣) «الصحاح» ١/ ٨٥.



٢٥ - باب إِذَا قَالَ الإِمَامُ: مَكَانَكُمْ حَتَّى أرْجَعَ (١)؛ انْتَظَرُوهُ
٦٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَتَقَدَّمَ وَهْوَ جُنُبٌ ثُمَّ قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ». فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ. [انظر: ٢٧٥ - مسلم: ٦٠٥ - فتح: ٢/ ١٢٢]
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ إلى أن ذكر حديث أبي هريرة المذكور محمد بن يوسف هو الفريابي، وإسحاق هذا لعله ابن منصور، كما قال الجيانى (٢) وابن طاهر، وهو كذلك في مسلم (٣).

-----------------
(١) كتب فوقها في الأصل: يرجع. وفوقها رموز ح م د.
(٢) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٨٤.
(٣) مسلم (٢٦٦٢/ ٣١) قال: وحدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا محمد بن يوسف … عن عائشة، قالت دعي رسول الله - ﷺ - إلى جنازة صبي من الأنصار ..



٢٦ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا صَلَّيْنَا
٦٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا». فَنَزَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى بُطْحَانَ وَأَنَا مَعَهُ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى -يَعْنِي: الْعَصْرَ- بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ. [انظر: ٥٩٦ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢/ ١٢٣]
ذكر فيه حديث جابر السالف في الجماعة في الفوائت وغيره (١): «والله ما صليتها»، وفيه رد قول من يقول إذا سئل هل صليت؟ وهو منتظر الصلاة، فيكره أن يقول: لم أصل، وهو قول إبراهيم النخعي، رواه عنه ابن أبي شيبة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عنه: أنه كره أن يقول الرجل: لم نصل، ويقول: يصلي (٢). والسنة ترد عليه.

--------------
(١) سلف برقم (٥٩٦) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، وبرقم (٥٩٨) باب: قضاء الصلوات الأولى فالأولى، وسيأتي برقم (٩٤٥) صلاة الخوف، باب: الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو.
وبرقم (٤١١٢) كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق، وهي الأحزاب.
(٢) «المصنف» (٨٣٥٢) كتاب: الصلوات، باب: من كره أن يقول الرجل لم يصلِّ.



٢٧ - باب الإِمَامِ تَعْرِضُ لَهُ الحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ
٦٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ. [٦٤٣، ٦٢٩٢ - مسلم: ٣٧٦ - فتح: ٢/ ١٢٤]
ذكر فيه حديث عبد العزيز بن صهيب، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِب المَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ (١).

--------------
(١) في هامش الأصل: من خط الشيخ في الهامش أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.


٢٨ - باب الكَلَامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ
٦٤٣ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: سَأَلْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلَاةُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ. وَقَالَ الَحسَنُ: إِنْ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ في جَمَاعَةٍ شَفَقَةً عَلَيهِ لْم يُطِعْهَا. [انظر: ٦٤٢ - مسلم: ٣٧٦ - فتح ٢/ ١٢٤]
ذكر فيه حديث حميد قَالَ: سَأَلْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلَاةُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ.
الحديث دال على ما ترجم له، وهو جواز الكلام بعد الإقامة، وقد اختلف العلماء فيه، فأجازه الحسن البصري وفعله عمر - رضي الله عنه -، وكرهه النخعي والزهري، والحديث حجة عليهما. ونقل ابن التين عن الكوفيين منع الكلام بعدها، وهو مردود أيضا، وفيه أيضًا رد لقول الكوفيين: إن المؤذن إذا أخذ في الإقامة، وقال: قد قامت الصلاة، وجب على الإمام التكبير (١)، وعمل الخلفاء الراشدين على التكبير بعد الأمر بتسوية الصفوف، وبه قال مالك وأهل الحجاز (٢)، ومحمد ابن الحسن (٣).
وفيه أيضًا: أن اتصال الإقامة بالصلاة ليس شرطًا في إقامتها. نعم قال مالك: إذا بعدت الإقامة من الإحرام رأيت أن تعاد الإقامة استحبابًا؛ لأن فعل الشارع في هذا الحديث يدل أنه ليس بلازم،

---------------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٩٧.
(٢) «المدونة» ١/ ٦٥.
(٣) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٩٧.



وإنما ذلك عند الحاجة التي يخاف فوتها من أمر المسلم.
قلت: وأبعد من قال: لعله دخل في الصلاة بقرب الإقامة، فالحديث يرده، وكذا من قال: لعله أعاد الإقامة، والظاهر أن هذِه الحاجة عرضت بعد الإقامة فتداركها خوف فوتها.
وفيه: تناجي الاثنين دون الجماعة، وإنما الممنوع تناجي اثنين دون واحد.
وفي الترمذي من حديث أنس: كان - عليه السلام - ينزل عن المنبر، فيعرض له الرجل فيكلمه ويقوم معه حتى تقضى حاجته، ثم يتقدم إلى مصلاه، فيصلي. ثم استغربه وقال عن البخاري: وهم جرير فيه.
وقال أبو داود: الحديث ليس بمعروف. وخالف الحاكم فقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (١).
فائدة:
عرض له كذا يعرض أي: ظهر، وعرض العود على الإناء، والسيف على فخذه يعرضه ويعرُضه.

----------------
(١) «سنن الترمذي» ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥ (٥١٧)، «علل الترمذي الكبير» ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، «سنن أبي داود» ١/ ٦٦٨ - ٦٦٩ (١١٢٠)، «مستدرك الحاكم» ١/ ٢٩٠. والحديث رواه أيضًا النسائي ١/ ٢٠٩، وابن ماجه (١١١٧)، والبيهقي ٣/ ٢٢٤، وأحمد ٣/ ٢١٣، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٠٨).


٢٩ - باب وُجُوبِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ.
وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ مَنَعَتْهُ أمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ شَفَقَةَ لَمْ يُطِعْهَا.

٦٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ». [٦٥٧، ٢٤٢٠، ٧٢٢٤ - مسلم:٦٥١ - فتح: ٢/ ١٢٥]
ثم ذكر فيه حديث أبى هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمرَ بحَطَبِ فَيُحْطَبَ، ثمَّ آمرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ خَالِفً إلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَد لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ».
والكلام على ذلك من وجوه:
أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وكرره البخاري في الباب قريبًا (٢)، وفي الإشخاص في باب: إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة (٣).

------------------
(١) مسلم برقم (٦٥١) كتاب المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها.
(٢) سيأتي برقم (٦٥٧) كتاب: الأذان، باب: فضل العشاء في الجماعة.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٢٠) كتاب: الخصومات.



ثانيها:
استدل به من قال: الجماعة فرض عين في غير الجمعة، وهو مذهب أحمد وابن المنذر (١)، وداود (٢)، وابن خزيمة، وجماعة، والأظهر عن أحمد أنها ليست شرطًا للصحة (٣)، والأكثرون على أنها سنة كما نقله القاضي عياض وابن بطال (٤) وغيرهما.
وأجاب الجمهور بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين، والسياق يقتضيه؛ فإنه لا يظن بالمؤمنين من الصحابة أنهم يؤثرون ترك الصلاة خلفه، وفي مسجده؛ لأجل العظم السمين؛ ولأنه لم يحرق بل همّ به وتركه، والهم بالشيء غير فعله، ولو كانت فرض عين لما تركهم.
نعم في «سنن أبي داود»: «لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست لهم علة فأحرقها عليهم» (٥)، وظاهرها أنهم كانوا مؤمنين.
ثالثها:
إن جعلت الألف واللام في قوله: «ثم آمر بالصلاة»، للجنس فهو عام، وإن جعلت للعهد، ففي رواية: أنها العشاء (٦)، وفي أخرى:

-----------------
(١) انظر: «الأوسط» ٤/ ١٣٤، «المغنى» ٣/ ٥.
(٢) انظر «المحلى» ٤/ ١٨٨.
(٣) انظر: «المغني» ٣/ ٦.
(٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٦٢٣، «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٦٩.
(٥) «سنن أبي داود» (٥٤٩) وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٥٨): صحيح، دون قوله: ليست بهم علة، وإن كانت صحيحة المعنى، والصحيح: يسمعون النداء.
(٦) هو حديث الباب، وسيأتي أيضًا برقم (٧٢٢٤) كتاب: الأحكام، باب: إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة، ورواه مسلم (٦٥١/ ٢٥١).



والفجر (١)، وفي أخرى: الجمعة (٢)، وفي أخرى: يتخلفون عن الصلاة مطلقًا (٣)، ولا تضاد بينها لجواز تعدد الواقعة.
نعم إذا كانت هي الجمعة، فالجماعة شرط فيها. ومحل الخلاف إنما هو في غيرها. قال البيهقي: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبر بالجمعة عن الجماعة (٤)، ونوزع في ذلك (٥).
رابعها:
فيه العقوبة بالمال وعزي إلى مالك (٦)، وكان في أول الإسلام ثم نسخ عند الجمهور (٧).
خامسها:
فيه استخلاف الإمام عند عروض شغل له، وإنما هم به بعد الإقامة؛ لأن ذلك الوقت تتحقق مخالفتهم وتخلفهم، فيتوجه اللوم عليهم.

----------------
(١) رواه مسلم (٦٥١/ ٢٥٢) وفيه: صلاة العشاء وصلاة الفجر، وسيأتي برقم (٦٥٧) وفيه: الفجر والعشاء.
(٢) رواه مسلم (٦٥٢/ ٢٥٤).
(٣) سيأتي برقم (٢٤٢٠) كتاب: الخصومات، باب: إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة وقد أورد الحافظ ابن حجر وحوى هذِه الروايات وجمع بينها في «الفتح» ٦/ ١٢٨ - ١٢٩. فليراجع لزامًا.
(٤) «سنن البيهقي» ٣/ ٥٦.
(٥) انظر: «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ٤٥٤ - ٤٥٥.
(٦) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٧١، «المعلم» للمازري ١/ ٢٠٢، «إكمال المعلم» ٢/ ٦٢٣.
(٧) قال الحافظ ابن رجب: دعوى نسخ العقوبات المالية بإتلاف الأموال لا تصح، والشريعة طافحة بجواز ذلك، كأمره - ﷺ - بتحريق الثوب المعصفر بالنار، وأمره بتحريق متابع الغال، وأمره بكسر القدور التي طبخ فيها لحوم الحمر الأهلية، وحرق عمر بيت خمار … «فتح الباري» ٥/ ٤٦٠.



سادسها:
فيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر.
سابعها:
تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وهو من باب الدفع بالأخف.
ثامنها:
قوله «فأحرق عليهم بيوتهم»: ظاهره أنه أراد حرقهم وقتلهم بالنار، إذ لو لم يرد ذلك لقال: فأحرق بيوتهم، ولم يقل: عليهم، وهذا يقوي ما سلف أنه في المنافقين؛ لأن المؤمن لا يقتل بترك الجمعة إجماعًا، وإن حكي فيه خلاف عندنا (١).
وحديث النهي عن التعذيب بالنار (٢) يحتاج إلى الجمع بينه وبين ما نحن فيه، فإن ادعى أنه ناسخ، فيحتاج إلى ثبت، وأن النسخ خلاف الأصل (٣).
تاسعها:
فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وهذا قسم كان يجري على لسانه - ﷺ - فنفوس العباد بيده تعالى أي: أمرها مردود إليه، فيتصرف

---------------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ١٤٨.
(٢) سيأتي برقم (٣٠١٦).
(٣) قال الحافظ ابن رجب: وأما نهيه - ﷺ - عن التحريق بالنار، فإنما أراد به تحريق النفوس وذوات الأرواح. فإن قيل: فتحريق بيت العاصي يؤدي إلى تحريق نفسه، وهو ممنوع. قيل: إنما يقصد بالتحريق داره ومتاعه، فإن أتى على نفسه لم يكن بالقصد، بل تبعًا كما يجوز تبييت المشركين وقتلهم ليلًا وقد أتى القتل على ذراريهم ونسائهم … «فتح الباري» ٥/ ٤٦٠ - ٤٦١. وسيأتي مزيد تفصيل عند حديثي (٢٩٥٤، ٣٠١٦).



فيه على ما أراد، واللام في لقد جواب القسم، وهممت بالشيء أهم به: إذا عزمت عليه.
عاشرها:
أخذ أهل الجرائم على غرة.
الحادي عشر:
قتل تارك الصلاة متهاونًا أي: إذا قلنا: إن الخطاب للمؤمنين، كذا استدل به القاضي (١). ورواية أبي داود ترده (٢).
الثاني عشر:
معنى «أخالف إلى رجال»: أذهب إليهم، وقوله: فيؤذن لها: كذا هو باللام أي: أعلمت الناس لأجلها، وروي بالباء (٣)، أي: أعلمت بها، والهاء مفعول ثان.
وقوله: «فأحرق» يقال: أحرقت الثوب وحرقته، والتشديد للتكثير، وهي أكثر في رواية هذا الحديث من التخفيف.
الثالث عشر:
العَرْق بفتح العين وإسكان الراء: العظم بما عليه من بقية اللحم يقال: عرقته واعترقته إذا أكلت ما عليه بأسنانك (٤).
وقال أبو عبيد: العَرق الفدرة من اللحم أي بالفاء لا بالقاف، وهي القطعة الكبيرة منه. وقال الخليل: العراق: العظم بلا لحم، فإن كان عليه

-------------------
(١) «إكمال المعلم» ٢/ ٦٢٣.
(٢) أبو داود (٥٤٨ - ٥٤٩).
(٣) رواه النسائي في «الكبرى» ١/ ٢٩٧ (٩٢١)، وأبو يعلى ١١/ ٢٢٢ (٦٣٣٨).
(٤) انظر: «الصحاح» ٤/ ١٥٢٣.



لحم فهو عرق (١).
قال القزاز في «جامعه»: وهو أكثر قولهم، وقال بعضهم: التعرق مأخوذ من العرق كأن المتعرق أكل ما عليه من اللحم وعرق. وعن ابن قتيبة: تُسَمَّى عراقًا إذا كانت جرداء لا لحم عليها، وتُسمَّى عُراقًا وعليها اللحم (٢). وفي «المحكم» عن ابن الأعرابي في جمعه: عراق بالكسر وهو أقيس (٣).
الرابع عشر:
المرماتان: بكسر الميم وفتحها، حكاهما في «المطالع»، واحدهما مرماة ما بين ظلفي الشاة من اللحم، فالميم أصلية. وقال الداودي: هما مضغتا لحم، وقال: هما سهمان من سهام الرمي وهو الأشبه؛ لأنه كما قال: عرقًا سمينًا أراد به ما يؤكل، فأتبعه بالسهمين؛ لأنهما مما يلهو، وقيل: هما سهمان يلعب بهما في كوم من تراب، فمن أثبته فقد غلب وأحرز سبقه، وعلى هذا لا يجوز إلا الكسر فيه. وقال الأخفش: المرماة: لعبة كانوا يلعبونها بنصال متعددة، يرمونها في كوم من تراب فأيهم أثبتها في الكوم غلب.

----------------
(١) «العين» ١/ ١٥٤.
(٢) «غريب الحديث» ١/ ٢٦٢.
(٣) «المحكم» ١/ ١١٠.



٣٠ - باب فَضْلِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ
وَكَانَ الأَسْوَدُ إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ ذَهَبَ إلى مَسْجِدٍ آخَرَ.
وَجَاءَ أَنَسٌ إلى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذنَ وَأقَامَ وَصَلَّى جَمَاعَةً.

٦٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». [٦٤٩ - مسلم: ٦٥٠ - فتح: ٢/ ١٣١]

٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». [فتح: ٢/ ١٣١]

٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ-: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ». [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٢/ ١٣١]
وَكَانَ الأَسْوَدُ إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ ذَهَبَ إلى مَسْجِدٍ آخَرَ.
قلت: قد روي ذلك عن حذيفة وسعيد بن جبير (١)، وذكر الطحاوي

-----------------
(١) روى ذلك عنهما ابن أي شيبة ٢/ ٢١ (٥٩٨٩، ٥٩٩١).
كتاب: الصلوات، باب: الرجل تفوته الصلاة في مسجد قومه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #169  
قديم 29-01-2026, 05:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 421 الى صـــ 440
الحلقة (169)






عن الكوفيين ومالك: إن شاء صلى في مسجده وحده، وإن شاء أتى مسجدًا آخر يطلب فيه الجماعة، إلا أن مالكًا قال: إلا أن يكون في المسجد الحرام أو مسجد رسول الله - ﷺ - فلا يخرجوا منه ويصلوا فيه وحدانًا؛ لأن هذين المسجدين الفذ أعظم أجرًا ممن صلى في جماعة (١). وقال الحسن البصري: ما رأينا المهاجرين يبتغون المساجد (٢).
قال الطحاوي: والحجة لمالك أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، والصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينة أفضل من الصلاة في غيرها، فلذلك لا يتركهما ابتغاء الصلاة في غيرهما (٣).
وفي «مختصر ابن شعبان» عن مالك: من صلى في جماعة فلا يعيد في جماعة إلا في مسجد مكة والمدينة. ثم قال البخاري: (وجاء أنس إلى مسجد قد صلي فيه فأذن وأقام وصلى جماعة). وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية، عن الجعد أبي عثمان، عنه (٤). وعن هشيم، أنا يونس بن عبيد، حدثني أبو عثمان السكري فذكره (٥).
واختلف العلماء في الجماعة بعد الجماعة في المسجد، فرُوي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في مسجد قد جمع فيه (٦). وهو قول عطاء والحسن في رواية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأشهب (٧)؛ عملًا

--------------
(١) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٥٧.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢١ (٥٩٩٥).
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٤) «المصنف» ١/ ٢٠٠ (٢٢٩٨).
(٥) «المصنف» ٢/ ١١٣ (٧٠٩٣).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١١٤ (٧١٠٦).
(٧) انظر «المغنى» ٣/ ١٠، «النوادر والزيادات» ١/ ٣٣٠.



بظاهر الحديث: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ» الحديث (١).
وقد وقع ذلك في مسجده - ﷺ - وقال: «أيكم يتصدق على هذا فيصلي معه» الحديث، كما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وقال: إنه قول غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين (٢).
وقالت طائفة: لا يجمع في مسجد جمع فيه مرتين، رُوي ذلك عن سالم والقاسم، وأبي قلابة، وهو قول مالك والليث، وابن المبارك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة (٣)، والشافعي قال بعضهم: إنما كره ذلك خشية افتراق الكلمة فإن أهل البدع يتطرقون إلى مخالفة الجماعة وقال مالك والشافعي إذا كان المسجد على طريق لا إمام له، ولا بأس أن يجمع فيه قوم بعد قوم (٤). وحاصل مذهب الشافعي أنه لا يكره في المسجد المطروق، وكذا غيره إن بعُد مكان الإمام ولم يخف فيه.
ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث.
أحدها: حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
ثانيها: حديث أبي سعيد مثله.
ثالثها: حديث أبي هريرة: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَغَفُ عَلَى صَلَاِتهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ

-----------------
(١) الحديثان الآتيان في الباب (٦٤٥ - ٦٤٦).
(٢) أبو داود (٥٧٤)، الترمذي (٢٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٦٤، ٨٥، وابن حبان (٢٣٩٧ - ٢٣٩٨)، والحاكم ١/ ٢٠٩، والبيهقي ٣/ ٦٨ - ٦٩. والحديث صححه الألباني في»صحيح أبي داود«(٥٨٩).
(٣)»البناية«٢/ ٦٩٧،»المدونة«١/ ٨٩.
(٤)»الأم" ١/ ١٣٦ - ١٣٧.



فأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: الَلَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ».
والكلام عليها من أوجه:
أحدها:
أما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وعدد الترمذي رواته وقال: عامة من روى عن النبي - ﷺ - إنما قالوا: بخمس وعشرين إلا ابن عمر، فإنه قال: بسبع وعشرين (٢). وأما حديث أبي سعيد فهو ساقط في بعض النسخ، وهو ثابت في «الأطراف» لأبي مسعود وخلف دون الطرقي وهو من أفراد البخاري، وذكره أبو نعيم هنا بعد حديث ابن عمر، وذكره الإسماعيلي أول الباب قبله.
وأما حديث أبي هريرة فسلف في باب الصلاة في مساجد السوق (٣)، ويأتي في البيوع أيضًا (٤).
ثانيها:
الجماعة: اسم لعدد من الناس مجتمعون، ويقع على الذكور والإناث.

-------------------
(١) مسلم (٦٥٠) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها.
(٢) «سنن الترمذي» حديث (٢١٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في فضل الصلوات الخمس.
(٣) سبق برقم (٤٧٧).
(٤) سيأتي برقم (٢١١٩) باب: ما ذكره في الأسواق.



وقوله: تفضل صلاة الفذ: كذا هو في عدة نسخ من البخاري، وعزاه ابن الأثير إليه في «شرح المسند» بلفظ: «على صلاة الفذ»، ثم أولها بأن تفضل لما كانت بمعنى: زاد، وهو يتعدى بعلى، أعطاها معناها فعداها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها.
قال: وأما الذي في مسلم: «أفضل من صلاة الفذ». فجاء بها بلفظة أفعل التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك فيه، وهى أبلغ من تفضل؛ لأنها تدل على التفضيل دلالة هي أفصح من دلالة تفضل عليه.
والفضل: الزيادة، والفذ: المنفرد بالذال المعجمة، ومعناه: المصلي وحده، ولغة عبد القيس: الفنذ بالنون وهي غنة لا نون حقيقية. قال: وكذلك يقول أهل الشام.
والدرجة: المرتبة والمنزلة يريد أن صلاة الجمعة تزيد على ثواب صلاة الفذ بسبعة وعشرين ضعفًا.
والظاهر أن كل درجة بمقدار صلاة الفذ، ولفظ التضعيف يشعر بذلك؛ لأن التضعيف إنما يكون بمثل الشيء المضاعف، وخص الدرجة في هذِه الرواية دون الجزء والنصيب والحظ؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وأنها فوق تلك بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجة إلى جهة فوق.
ثالثها:
اختلف في الجمع بين رواية «سبع وعشرين درجة»، و«خمسة وعشرين ضعفًا»، وفي أخرى: في الصحيح: «جزءًا» (١) بدل ضعفًا

---------------
(١) سيأتي برقم (٦٤٨).


على أوجه وصلتها في «شرح العمدة» إلى ثلاثة عشر وجهًا (١)، ونذكر هنا منها ثلاثة:
أحدها: أنه لا منافاة بينهما فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد مختلف فيه. قال ابن برهان (٢): والشافعي والجمهور يقولون به.
ثانيها: أن يكون أولًا أخبر بالقليل ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بها، ولابد من معرفة التاريخ على هذا.
ثالثها: أنه يختلف باختلاف المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمسًا وعشرين، ولبعضهم سبعًا وعشرين، بحسب كمال الصلاة من المحافظة على هيئتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم، وشرف البقعة، ونحو ذلك. وغلط من قالج: إن الدرجة أصغر من الجزء؛ فإن في الصحيح خمسًا وعشرين درجة وسبعًا وعشرين درجة، وأنه إذا جزئ درجات كان سبعًا وعشرين، وقد تكلف جماعة تعليل هذِه الدرجات كابن بطال (٣)، وابن التين وغيرهما، وما جاءوا بطائل. ولابن حبان فيه مصنف.

------------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٤.
(٢) هو العلامة الفقيه، أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان بن الحماني، البغدادي الشافعي. كان أحد الأذكياء، بارعًا في المذهب وأصوله، من أصحاب ابن عقيل ثم تحول شافعيًا، ودرس بالنظامية، تفقه بالشاشي والغزالي مات كهلًا سنة ثماني عشرة وخمس مائة. وانظر تمام ترجمته في: «المنتظم» ٩/ ٢٥٠، «وفيات الأعيان» ١/ ٩٩، «سير أعلام النبلاء» ١٩/ ٤٥٦ (٢٦٤)، «الوافي بالوفيات» ٧/ ٢٠٧، «شذرات الذهب» ٤/ ٦١.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.



رابعها:
فيه دلالة على سنية الجماعة، وهو قول الأكثرين؛ لأن تفضيل فعل على آخر يشعر بتفضيلهما، وهي هنا مقتضية لذلك، وزيادة فضل الجماعة، وفيه رد على داود حيث قال: إنها شرط للصحة وهي رواية عن أحمد (١).
وبقية فوائده ومتعلقاته أوضحته في «شرح العمدة» (٢).
وأما حديث أبي سعيد فانفرد بإخراجه البخاري، وأما حديث أبي هريرة فسلف في باب الصلاة في مساجد السوق (٣)، وباب الحدث في المسجد (٤)، ويأتي أيضًا في البيوع (٥).

-----------------
(١) «المحلى» ٤/ ١٨٨، «المبدع» ٢/ ٤١.
(٢) «الإعلام» ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٤.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٧).
(٤) سبق برقم (٤٤٥) كتاب: الصلاة.
(٥) سيأتي برقم (٢١١٩).



٣١ - باب فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ
٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٢/ ١٣٧]

٦٤٩ - قَالَ شُعَيْبٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً. [انظر: ٦٤٥ - مسلم: ٦٥٠ - فتح: ٢/ ١٣٧]

٦٥٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - شَيْئًا إِلاَّ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا. [فتح:٢/ ١٣٧]

٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِى يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ». [مسلم: ٦٦٢ - فتح: ٢/ ١٣٧]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: «تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شَئْتُمْ ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وفي حديث ابن عمر: تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً.


هذا الحديث سلف، قريبًا تراه، لكن من طريق آخر إلى أبي هريرة (١).
ويأتي في التفسير أيضًا في سورة سبحان (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣)، والمراد بقرآن الفجر: صلاة الفجر. كما جاء مفسرًا، ويأتي - إن شاء الله تعالى- ذلك في التفسير.
ثم ساق البخاري عن سالم، عن أم الدرداء رضي الله عنها أنها قالت: دَخَلَ عَلَى أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: والله مَا أَعْرِفُ مِنْ أمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - شَيْئًا إِلا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا.
وهذا من أفراد البخاري (٤).
وسالم هذا هو ابن أبي الجعد (٥)، واسم أم الدرداء: هجيمة، وقيل: بتقديم الجيم الوصابية، وقيل: الأوصابية -ووصاب: بطن من حمير مشهور باليمن إلى الآن- وأم الدرداء هذِه هي الصغرى (٦). وفي

---------------
(١) برقم (٦٤٧).
(٢) سيأتي برقم (٤٧١٧).
(٣) مسلم برقم (٦٤٩) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها.
(٤) في هامش الأصل: كتبت من خط المصنف: عزاه بن الأثير إلى الترمذي ولم يذكره بن عساكر ولا النسائي.
(٥) تقدمت ترجمته في حديث (١٤١).
(٦) هي السيدة العالمة الفقيهة، هجيمة، وقيل جهيمة الحميرية الدمشقية، روت علمًا جمًّا عن زوجها أبي الدرداء، وسلمان الفارسي وعائشة وأبي هريرة، وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء. وطال عمرها واشتهرت بالعلم والعمل والزهد.
انظر تمام ترجمتها في: «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٣٥٢ (٧٩٧٤)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢٧٧ (١٠٠)، «تذكرة الحفاظ» ١/ ٥٠. ووسمت أو وصفت هذِه بالصغرى، تمييزًا لها عن الكبرى وهي خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي، أم الدرداء الكبرى. =



الحديث: دلالة على جواز الغضب عند تغيير الدين وأحوال الناس في معاشرتهم؛ لأن أبا الدرداء كان يعرف أحوالًا في زمن رسول الله - ﷺ - فوجدها قد تغيرت؛ لأنه عاش إلى أواخر ولاية عثمان، مات سنة اثنتين وثلاثين (١)، وفيه أيضًا إنكار المنكر بالغضب إذا لم يستطع أكثر من ذلك.
وقوله: (ما أعرف) إلى آخره فيه حذف المضاف إليه؛ لدلالة الكلام، ومعناه: لا اعلم من شريعة أمة محمد شيئًا لم يتغير عما كان إلا الصلاة.
ثم ذكر البخاري بعده حديث أبي موسى مرفوعًا: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الذِي يُصَلَّي ثُمَّ يَنَامُ».
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، واقتصر المجد في «أحكامه» على عزوه إليه، وأغفله الحميدي في «جمعه»، وعزاه البيهقي والضياء إلى «الصحيحين» (٣)، وذكره الإسماعيلي وأبو نعيم في «مستخرجيهما» على البخاري، وإنما كان أعظم أجرًا أبعدهم ممشى؛ لكثرة الخطى.

----------------
= انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٤٨٨ (٣٥٨٤)، «أسد الغابة» ٧/ ٣٢٧ (٧٤٣٠)، «الإصابة» ٤/ ٢٩٥ (٣٨٦).
(١) هو عويمر بن عامر بن مالك بن زيد بن قيس، وقيل: اسم أبي الدرداء عامر بن مالك، وعويمر لقب، روى عن النبي - ﷺ -، وعن زيد بن ثابت وعائشة، انظر تمام ترجمته في: «الاستيعاب» ٤/ ٢١١، «أسد الغابة» ٦/ ٩٧ (٥٨٥٨)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٤٦٩ (٤٥٥٨)، «الإصابة» ٣/ ٤٥ (٦١١٧).
(٢) مسلم برقم (٦٦٢). كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.
(٣) «السنن الكبرى» ١٠/ ٧٧ - ٧٨ (٢٠١٠٦) كتاب: النذور، باب: من نذر تبررًا أن يمشى بيت الله الحرام.



واعلم أنه قد بين في الحديث الأول المعنى الذي أوجب الفضل لشهود الفجر في الجماعة هو اجتماع ملائكة الليل والنهار فيها، وكذا في صلاة العصر أيضًا؛ ولذلك حث الشارع على المحافظة عليها؛ ليكون من حضرهما ترفع الملائكة عمله وتشفع له.
قال ابن بطال: ويمكن أن يكون اجتماع الملائكة فيهما هما الدرجتان الزائدتان على الخمسة وعشرين جزءًا في سائر الصلوات التي لا تجتمع الملائكة فيها (١).
وأما الحديث الأخير فوجه اختصاصه بصلاة الفجر كما بوّب عليه البخاري أنه جعل بُعد المشي سببًا في زيادة الأجر؛ لأجل المشقة، والأجر على قدر النصب، ولا شك أن المشي إلى صلاة الفجر أشق منه إلى بقية الصلوات؛ لمصادفة ذلك الظلمة ووقت النومة المشتهاة طبعًا، ذكر ذلك ابن المنير (٢)، والمعنى الذي ذكره يصلح أيضًا في صلاة العشاء، مع أن الانتظار في الحديث عام. والحديث دال على فضل المسجد البعيد؛ لأجل كثرة الخطى، فلو كان بجواره مسجد ففي مجاوزته إلى الأبعد ما ستعلمه في باب احتساب الآثار قريبًا (٣).
وقول شيخنا قطب الدين في «شرحه»: إن كان المراد في الحديث بهذِه الصلاة: الفجر، فيؤخذ منه أيضًا استحباب تأخيرها؛ ولذلك يحتمل إن كانت صلاة العشاء، لا نوافق عليه.

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٧٩.
(٢) «المتواري» ٩٦ - ٩٧.
(٣) انظر شرح حديثي (٦٥٥ - ٦٥٦).



٣٢ - باب فَضْلِ التَّهْجِيِر إِلَى الظُّهْرِ
٦٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». [٢٤٧٢ - مسلم: ١٩١٤ - فتح: ٢/ ١٣٩]

٦٥٣ - ثُمَّ قَالَ: «الشُهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْه». [٧٢٠، ٢٨٢٩، ٥٧٣٣ انظر: ٦١٥ - مسلم: ٤٣٧، ٩١٤ - فتح: ٢/ ١٣٩]

٦٥٤ - «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا». [انظر: ٦١٥ - مسلم: ٤٣٧ - فتح: ٢/ ١٣١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقِ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».
ثُمَّ قَالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّف الأوَّلِ»
كذا ذكره هنا مطولًا وهو مشتمل على عدة أحاديث جمعها أبو هريرة في مساق واحد، ويحتمل أن كون سمعها جملة واحدة، فأخبر بها كما سمعها، وقد سلف من قوله: وقال: «لو يعلم الناس» … إلى آخره في باب الاستهام في الأذان (١)، وذكره في باب الصف الأول كما سيأتي (٢)، ولم يذكر فيه الخامس وهو الشهيد في سبيل الله، وكأنه من

--------------
(١) سلف برقم (٦١٥) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٠ - ٧٢١) كتاب: الأذان.



المعلوم عندهم، ولم يذكر فيه غصن الشوك، وأخرجه في المظالم (١)، وأخرج في باب الشهادة سبع في كتاب الجهاد حديث الشهداء (٢)، وقطّعه مسلم أيضًا (٣) وأخرج قصة الغصن في الجهاد (٤).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
فيه فضل إماطة الأذى عن الطريق، وقد جعل - ﷺ - في الحديث كما مر إماطة الأذى عن الطريق من أدنى شعب الإيمان (٥)، وإذا كان كذلك وقد غفر لفاعله، فكيف بمن أزال ما هو أشد من ذلك؟
ثانيها:
شكر الله تعالى أي: رضي فعله ذلك، وأثابه عليه بالأجر والثناء الجميل، وأصل الشكر الظهور فيكسبه الله قلبًا لينًا أو تترجح إحدى كفتيه بالإماطة، وذلك علامة على الغفران.
ثالثها:
قوله: «الشهداء خمسة»: كذا جاء في الصحيح، وفي رواية مالك في «الموطأ» من حديث جابر بن عتيك «الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله»، فذكر الخمسة المذكورة في هذا الحديث، وزاد: وصاحب ذات الجنب والحريق، والمرأة تموت بجمع (٦)، وتركه الشيخان؛

---------------
(١) سيأتي برقم (٢٤٧٢) باب: من أخذ الغصن.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٢٩).
(٣) مسلم برقم (١٩١٤) كتاب: الإمارة، باب: بيان الشهداء.
(٤) سيأتي برقم (٢٤٧٢) كتاب: المظالم، باب: من أخذ الغصن.
(٥) راجع شرح حديث (٩).
(٦) «الموطأ» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧ (٩٣٥) كتاب: الجهاد، باب: ما يكون فيها الشهادة.



لاختلاف في إسناده، ذكره الدارقطني وابن الحذاء، ولابن عساكر من حديث ابن عباس: تعداد الشهداء، وذكر فيهم الشريق وأكيلة السبع، ولا تناقض بين ذلك ففي وقت أوحى أنهم خمسة، وفي آخر: سبعة، وفي آخر: غير ذلك.
رابعها:
المطعون: من مات به، وهو شهادة لكل مسلم كما صح (١)، ولم يرد المطعون بالسنان؛ لأنه الشهيد في سبيل الله والطاعون: مرض عام يفسد له الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان.
والمبطون: من مات بعلة البطن كالاستسقاء وانطلاق البطن وانتفاخه، وقيل: الذي يشتكي بطنه، وقيل: هو من مات بداء بطنه مطلقًا.
والغريق: من مات غريقًا بالماء.
وصاحب الهدم: قال ابن الجوزي: بفتح الدال -يعني: المهملة- وهو اسم ما يقع، قاله ابن الخشاب (٢)، وإما بتسكينها فهو الفعل، والذي يقع هو الذي يقتل، ويجوز أن ينسب القتل إلى الفعل (٣).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٢٨٣٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: الشهادة سبع سوى القتل.
(٢) هو الشيخ الإمام العلامة المحدث. إمام النحو، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، البغدادي، ممن يضرب به المثل في العربية، حتى قيل: إنه بلغ رتبة أبي علي الفارسي توفي سنة سبع وستين وخمسمائة. انظر تمام ترجمته في: «المنتظم» ١٠/ ٢٣٨، «وفيات الأعيان» ٣/ ١٠٢، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٥٢٣ (٣٣٧)، «شذارت الذهب» ٤/ ٢٢٠.
(٣) وقع في هامش الأصل تعليق: ثم بلغ في الثاني بعد السبعين. كتبه مؤلفه.



٣٣ - باب احْتِسَابِ الآثَارِ
٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، ألَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!». وَقَالَ مُجَاهِدً فِي قَولهِ: ﴿وَنكَتُبُ مَا قَدَّمُوًا وءَاثَرَهُم﴾ [يس:١٢] قَالَ: خُطَاهُمْ. [٦٥٦، ١٨٨٧ - فتح: ٢/ ١٣٩]

٦٥٦ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُعْرُوا [الْمَدِينَةَ] فَقَالَ «أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ». قَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُمْ: آثَارُهُمْ أَنْ يُمْشَى فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ. [انظر: ٦٥٥ - فتح: ٢/ ١٣٩]
ذكر فيه حديث أنس قال قال رسول الله - ﷺ -: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، ألَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!».
قال وَقَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: فَكَرِهَ رسول اللهِ - ﷺ - أَنْ يُعْرُوا فَقَالَ: «أَلا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!».
زاد في أواخر الحج: «فأقاموا» (١)، وهذا الحديث المعلق، في بعض نسخ البخاري مسندًا، وقال فيه حدثنا ابن أبي مريم (٢)، وعبارة المزي: زاد ابن أبي مريم فذكره. وأخرجه مسلم من حديث جابر. وفي آخره «يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم» مرتين (٣)، وفي رواية له

--------------
(١) سيأتي برقم (١٨٨٧) باب: كراهية النبي - ﷺأن تعرى المدينة.
(٢) منها نسخة أبي ذر الهروي، انظر: «اليونينية» ١/ ١٣٢، وجزم الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٠ أنها لأبي ذر وحده.
(٣) مسلم برقم (٦٦٥) كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.



فنهانا، وقال: «إن لكم بكل خطوة درجة» (١). وفي ابن ماجه من حديث ابن عباس: فنزلت: ﴿وَنَكَتُبُ مَا قَدَّمُوْا وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يّس: ١٢] فثبتوا (٢)، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد كذلك (٣)، ونقل البخاري عن مجاهد: خطاهم: آثارهم، أن يمشوا في الأرض بأرجلهم.
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
معنى يعروا: أي: المدينة يتركوها عراء أي: فضاء خالية، قال تعالى: ﴿فَنبًذْنَهُ بِالْعَرَآءِ﴾ [الصافات: ١٤٥]، أي: موضع خال. قال ابن سيده: هو المكان الذي لا يستتر فيه بشيء، وقيل: الأرض الواسعة، وجمعه: أعراء (٤)، وفي «الغريبين»: الممدود والمتسع من الأرض، قيل له ذلك؛ لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه، والعرى مقصورًا: الناحية، فكره - عليه السلام - أن تعرى وأحب أن تعمر؛ ليعظم المسلمون في أعين الكفار والمنافقين إرهابًا وغلظًا عليهم (٥).
وبنو سلمة بكسر اللام: بطن من الأنصار. قال القزاز والجوهري:

-----------------
(١) مسلم برقم (٦٦٤) كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.
(٢) ابن ماجه (٧٨٥) قال البوصيري: هذا إسناد موقوف ضعيف، فيه سماك وهو ابن حرب وإن وثقه ابن معين وأبو حاتم فقد قال أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث وقال فيه: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة وروايته عن غيره صالحة. اهـ. «زوائد ابن ماجه» (٢٦٧) باب: الأبعد فالأبعد عن المسجد أعظم أجرًا. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٦٣٧): صحيح.
(٣) «سنن الترمذي» (٣٢٢٦) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة يس. قال أبو عيسى: حسن غريب من حديث الثوري.
(٤) «المحكم» ٢/ ١٦٧.
(٥) «غريب الحديث» ٢/ ٥٥٤، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٢٢٤.



ليس في العرب سلمة غيرهم (١). وليس كما ذكرا ففيهم جماعات غيرهم، ذكر بعضهم ابن ماكولا (٢) والرُشاطي وابن حبيب و«النوادر» لأبي على الهجري، وقال: لا يزيدون على أربعة وعشرين رجلًا.
ثانيها:
معنى «ألا يحتسبون»: يطلبون وجه الله وثوابه، والآثار: الخطوات، وقد فسره في الحديث كما سلف، وذُكِر أيضًا عن الحسن (٣)، كما ذكره البخاري عن مجاهد، ومعناه: الزموا دياركم فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثاركم وخطاكم إلى المسجد. فحثهم على لزوم الديار واحتساب الآثار، واستشعار النية، وخلوص الأمنية في سعيهم، ودخل في معنى ذلك كل ما يصنع الله تعالى من قليل وكثير أن يراد به وجهه ويخلص له فيه، فهو الذي يزكو وينتفع به.
ثالثها:
يستنبط منه فضل المقاربة بين الخطى في المشيم إلى الصلاة على الإسراع، وفضل البعد من المسجد، فلو كان بجواره مسجد ففي المجاوزة إلى الأبعد قولان، وكرهه الحسن وهو مذهب مالك.
وفي تخطي مسجده إلى مسجده الأعظم قولان عندهم، وسئل أبو عبد الله بن أبي لبابة فيما حكاه ابن بطال عن الذي يدع مسجده ويصلي في المسجد الجامع للفضل وكثرة الناس، فقال: لا يدع مسجده، وإنما فضل الجامع؛ في صلاة الجمعة فقط (٤).

---------------
(١) «الصحاح» ٥/ ١٩٥٠.
(٢) «الإكمال» ٤/ ٣٣٤ - ٣٣٦.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١٠/ ٤٠٣ (٢٩٠٧٨).
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٨٢.



وذُكر عن ابن وهب أنه يمضي إلى الجامع وإن تعطل موضعه. ورُوي عن أنس أنه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة، وفعله مجاهد وأبو وائل (١).
ورُوي عن بعضهم خلاف ذلك، سئل الحسن: أيدع الرجل مسجد قومه ويأتي غيره؟ فقال: كانوا يحبون أن يكثر الرجل قومه بنفسه (٢).

-------------
(١) روى الآثار الثلاثة ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤٢ (٦٢٤٣ - ٦٢٤٥).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤٢ (٦٢٤٧).



٣٤ - باب فَضلِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ
٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ». [انظر: ٦٤٤ - مسلم: ٦٥١ - فتح: ٢/ ١٤١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَيْسَ صَلَاةٌ أقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالْعِشَاءِ ..».
هذا الحديث قد سلف مفرقًا (١)، وبه احتج من قال: إن الوعيد بالإحراق لمن تخلف عن صلاة الجماعة، أريد به المنافقون، لذكرهم في أول الحديث، وإن يحتمل أنه - عليه السلام - أخبر المؤمنين أن من شأن المنافقين ثقل هاتين الصلاتين عليهم (٢) في الجماعة، فحذر المؤمنين من التشبه بهم في ذلك وامتثال طريقتهم، ووجه ثقل هاتين الصلاتين عليهم فعلهما في وقت الراحة.
وقوله: «شعلا»: هو بضم الشين المعجمة وبفتح العين المهملة جمع شعلة، مثل: قربة وقرب.

-----------
(١) سلف برقم (٦٤٤).
(٢) في الأصل: عليهما.



٣٥ - باب اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ
٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» [انظر: ٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ١٤٢]
ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث.
وقد سلف في باب الأذان للمسافر (١)، ولفظ التبويب رواه أنس (٢)، وأبو موسى الأشعري مرفوعًا، وإسنادهما ضعيف.
وهو في ابن ماجه من حديث أبي موسى (٣). وفي الدارقطني من

------------------
(١) سلف برقم (٦٣٠) كتاب: الأذان.
(٢) رواه عنه ابن عدي ٤/ ٤٠٨، وكذا البيهقي ٣/ ٦٩ وضعفه، والحديث في إسناده سعيد بن زربي، قال عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٣٤٢: سعيد بن زربي عنده غرائب لا يتابع عليها، وهو ضعيف الحديث. وقال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٣٩: إسناده ضعيف، وكذا ضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢. وأعله الألباني في «الإرواء» ٢/ ٢٤٩ بسعيد بن زربي.
(٣) «سنن ابن ماجه» (٩٧٢)، ورواه أيضًا عبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٤٩٦ (٥٦٥)، وأبو يعلى ١٣/ ١٨٩ - ١٩٠ (٧٢٢٣)، والروياني في «مسنده» ١/ ٣٨٢ (٥٨٦)، والطحاوي ١/ ٣٠٨، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٥٣، وابن عدي ٤/ ٣٠ - ٣١، والدارقطني ١/ ٢٨٠، والحاكم ٤/ ٣٣٤ - وسكت عليه- وابن حزم في «الأحكام» ٢٤١/ ٤، والبيهقي ٣/ ٦٩، الخطيب ٨/ ٤١٥ و١١/ ٤٥ - ٤٦.
قال البيهقي: كذلك رواه جماعة عن عليه وهو الربيع بن بدر، وهو ضعيف، والله أعلم. اهـ. وقال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٣٨: إسناده ضعيف. وقال البوصيري في «الزوائد» (٣٢٣): هذا إسناد ضعيف لضعف رواته الربيع ووالده بدر. وقال المصنف في «البدر» ٧/ ٢٠٤: إسناده ضعيف- وإن ذكره ابن السكن في «صحاحه»- الربيع بن بدر واهٍ، وأبوه وجده مجهولان، قاله الذهبي، وعجيب من =



حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (١). وفي «الكامل» من حديث الحكم بن عمير مرفوعًا (٢)، ولا يصحان.
----------------
= الحاكم في إخراجه له في «مستدركه» لكنه سكت عنه فلم يصححه ولم يضعفه. اهـ.
وضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢، وقال في «التلخيص» ٣/ ٨١: فيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف، وأبوه مجهول، وقال في «إتحاف المهرة» ١/ ٤٧ (١٢٢٤٧): هو ضعيف لضعف الربيع، وضعفه الألباني في «الإرواء» (٤٨٩).
(١) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٨١. قال المصنف في «البدر» ٧/ ٢٥٠: إسناده ضعيف؛ فيه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي الواهي، قال البخاري تركوه. اهـ. وضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢، وقال في «التلخيص» ٣/ ٨٢: فيه عثمان بن عبد الرحمن وهو متروك. وقال الألباني في «الإرواء» ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩: إسناده واه جدًّا.
(٢) و«الكامل» ٦/ ٤٤٠ وحديث الحكم بن عمير رواه ابن سعد في «الطبقات» ٧/ ٤١٥، والبغوي في «معجم الصحابة» ٢/ ١٠٧ (٤٨٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ١٣٨.
قال عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٣٤٢: رواه عيسى بن إبراهيم بن طهمان وهو منكر الحديث، ضعيف عندهم، والحديث في إسناده أيضًا بقية بن الوليد، لذا تعقبه ابن القطان في «البيان» ٣/ ٩٨ فقال: وموسى هذا ضعيف، وبقية من قد علمت حاله في رواية المنكرات، فما ينبغي أن يحمل فيه على عيسى، وقد اكتنفه ضعيفان من فوق ومن أسفل. وقال المصنف في «البدر» ٧/ ٢٠٥: إسناده ضعيف، وكذا ضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢، وقال في «التلخيص» ٣/ ٨٢: إسناده واهٍ، وكذا ضعفه الألباني في «الإرواء» ٢/ ٢٤٩.
والحديث رواه أيضًا أحمد ٥/ ٢٥٤، ٥/ ٢٦٩، والطبراني ٨/ ٢١٢ (٧٨٥٧) من حديث أبي أمامة أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي، فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا يصلي معه، فقام رجل فصلى معه، فقال رسول الله - ﷺ -:»هذان جماعة«.
قال الحافظ ابن رجب في»الفتح«٦/ ٣٨: في إسناده ضعف، وقال المصنف في»البدر«٧/ ٢٠٦: سنده واهٍ جدًّا، وقال في»التلخيص«٣/ ٨٢: هذا عندي أمثل طرق هذا الحديث؛ لشهرة رجاله، وإن كان ضعيفًا، وقال الألباني في»الإرواء«٢/ ٢٤٩: سنده واهٍ.
ورواه الطبراني في»مسند الشاميين" ٢/ ٣٩ (٨٧٧)، وابن عدي ٨/ ١٤، وابن =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #170  
قديم 29-01-2026, 05:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,797
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 441 الى صـــ 460
الحلقة (170)




قال ابن حزم: حديث لا يصح (١)، وقال في «الإحكام»: خبر ساقط (٢). لا جرم اكتفي عنه البخاري بحديث مالك ونبه في الترجمة عليه (٣).
---------------
= حزم في «الإحكام» ٤/ ٤٢١ بإسناد آخر عن أبي أمامة، باللفظ الأول. قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٤٥: رواه أحمد والطبراني، وله طرق كلها ضعيفة. وضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢.
(١) «الإحكام» ٤/ ٤٢١.
(٢) «الإحكام» ٤/ ٤٢٢.
(٣) انظر: «هدي الساري» ص ١٤.



٣٦ - باب مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَفَضْلِ المَسَاجِدِ
٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ الصَّلَاةُ». [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٢/ ١٤٢]

٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». [١٤٢٣، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦ - مسلم: ١٠٣١ - فتح: ٢/ ١٤٣]

٦٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَقَالَ: «صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا». قَالَ: فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ. [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ١٤٨]
ذكر فيه ثلائة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ» … الحديث.


هذا الحديث سلف في باب: الحدث في المسجد. بعضه (١)، وزاد هنا: «ولا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة»، والحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، يريد المصلين والمنتظرين الصلاة، ويدخل في ذلك من أشبههم في المعنى ممن حبس نفسه على أفعال البر كلها.
الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، ثنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ -عز وجل-، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ -عز وجل-. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمً شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَاليًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
يحيى هو ابن سعيد القطان، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص العمري، وخبيب بضم الخاء المعجمة، وهذا الحديث أخرجه أيضًا في أوائل الزكاة، عن يحيى بن خبيب، عن مالك، عن خبيب (٢)

---------------
(١) سلف برقم (٤٤٥) كتاب: الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (١٤٢٣) باب: الصدقة باليمين. وإسناده: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص.



والمحاربين، عن محمد بن سلام، أنا عبد الله بن المبارك، عن عبيد الله بن عمر عن خبيب به (١) وأخرجه في الرقاق أيضًا (٢).
وأخرجه مسلم وأخرجه الترمذي من حديث معن عن مالك به، إلا أنه قال: عن أبي هريرة أو أبي سعيد، ثم قال: كذا روى غير واحد عن مالك وشك فيه، وعبيد الله لم يشك وقال: نحو حديث مالك بمعناه إلا أنه قال: بالمساجد (٣).
وقال ابن عبد البر: كل من رواه عن مالك قال فيه: أو أبي سعيد إلا أبا قرة ومصعبًا، فإنهما قالا عن أبي هريرة وأبي سعيد، وكذا رواه أبو معاذ البلخي عن مالك، ورواه الوقار زكريا بن يحيى عن ثلاثة من أصحاب مالك، عن أبي سعيد وجده، ولم يتابع (٤).
قلت: وفي «غرائب مالك» للدارقطني: رواية أبي معاذ عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، أو عنهما جميعًا أنهما قالا: فذكره.
ومعنى «يظلهم»: يسترهم في ستره ورحمته، تقول العرب: أنا في ظل فلان. أي: في ستره وكنفه، وتسمي العرب الليل: ظلًا؛ لبرده وروحه، وإضافة الظل إلى الرب تعالى إضافة ملك، وكل ظل نهو لله تعالى، وملكه وخلقه وسلطانه، والمراد هنا: ظل العرش، كما جاء في حديث آخر مبينًا (٥).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٦٨٠٦) كتاب: الحدود، باب: فضل من ترك الفواحش.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٧٩) باب: البكاء من خشية الله.
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٣١) كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة، «سنن الترمذي» (٢٣٩١) كتاب الزهد، باب: ما جاء في الحب في الله.
(٤) «التمهيد» ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٥) رواه الطبراني في «الأوسط» ٩/ ٦٣ (٩١٣١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٢٢٧ (٧٩٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ٢٥٣ - ٢٥٤ من حديث أبي هريرة.



والمراد: يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين، ودنت منهم الشمس، واشتد عليهم حرها، وأخذهم العرق، ولا ظل هناك لشيء إلا للعرش.
قال القاضي: وقد يراد به هنا ظل الجنة وهو نعيمها، والكون فيها، قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]. وقال ابن دينار: المراد بالظل هنا الكرامة والكنف والكف عن المكاره في ذلك الوقت، وليس المراد: ظل الشمس. قال القاضي: وما قاله معلوم في اللسان يقال: فلان في ظل فلان أي: في كنفه وحمايته قال: وهذا أولى الأقوال، وتكون إضافته إلى العرش؛ لأنه مكان التقريب والكرامة، وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفي ظله (١).
وكذا قال ابن أبي جمرة -رحمه الله-: معنى يظلهم بظله: أنه ﷻ يعافيهم من هول ذلك اليوم العظيم وحره بظله المديد ورحمته الواسعة، والكيفية لا مجال للعقل في ذلك؛ لأن الآخرة نصدق بهما ولا نتعرض إلى كيفيتها (٢).
الثاني:
بدأ بالإمام العادل؛ لكثرة مصالحه وعموم نفعه، والمراد به كما قال القاضي: كل من إليه نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام (٣)، وكل من حكم بين اثنين فما فوقهما؛ لقوله - عليه السلام -: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (٤).

-------------------
(١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٢.
(٢) «بهجة النفوس» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٣) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٢.
(٤) سيأتي برقم (٨٩٣) كتاب: الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن.



وروى عبد الله بن عمر مرفوعًا: «المقسطون يوم القيامة على منابر النور عن يمين الرحمن -عز وجل- الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا» (١). وروي: «الإمام العدل» (٢) وهو صحيح أيضًا. قال ابن عبد البر: أكثر رواة «الموطأ»: عادل. وقد رواه بعضهم: عدل، وهو المختار عند أهل اللغة يقال: رجل عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ويجوز إمام عادل على اسم الفاعل، يقال: عدل فهو عادل، كما يقال: ضرب فهو ضارب (٣).
وقال ابن الأثير: العدل: هو الذي لا يميل به الهوى، فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سُمي به فوضع موضعه، وهو أبلغ منه؛ لأنه جعل المسمى نفسه عدلًا (٤).
قال ابن عباس: ما أخفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم العذاب، وما نقص قوم المكيال إلا منعوا القطر، ولا كثر الربا في قوم إلا سلط الله عليهم الوباء، وما حكم قوم بغير حق إلا سلط عليهم إمام جائر (٥)، والإمام العادل يصلح الله به هذا كله وتدفع به العقوبة، ليس أحد أقرب منزلة من الله تعالى بعد الأنبياء من إمام عادل.

----------------
(١) رواه مسلم برقم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل. والنسائي ٨/ ٢٢١ - ٢٢٢ كتاب: آداب القضاة. والآجري في «الشريعة» (٧٤٧) باب: الإيمان بأن لله -عز وجل- يدين وكلتا يديه يمين. والبيهقى في «الأسماء والصفات» ٢/ ١٤٠ (٧٠٧) باب: ما ذكر في اليمين والكف.
(٢) رواه البيهقي ٤/ ١٩٠ (٧٨٣٦) كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة الصحيح الشحيح.
(٣) «التمهيد» ٢/ ٢٧٩.
(٤) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ١٩٠.
(٥) في الأصل: إمام جائز.



الثالث:
قوله: وشاب نشأ في عبادة ربه -عز وجل-، وفي بعض نسخ مسلم: بعبادة ربه، والمعنى: نشأ متلبسًا للعبادة أو مصاحبًا لها أو ملتصقًا بها.
ونشأ: نبت وابتدأ أي: لم يكن له صبوة، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: «يعجب ربك من شاب ليست له صبوة» (١).
وإنما كان ذلك، لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة، فالشباب شعبة الجنون، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الجاثية: ٢١] وفيه فضل من سلم من الذنوب وشغل بطاعة ربه طول عمره، وقد يحتج به من قال إن الملك أفضل من البشر؛ لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
وقيل لابن عباس: رجل كثير الصلاة كثير القيام يقارف بعض الأشياء، ورجل يصلي المكتوبة ويصوم مع السلامة، قال: لا أعدل بالسلامة شيئًا. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢) [النجم: ٣٢].
الرابع:
قوله: «ورجل قلبه معلق في المساجد»، وفي مسلم: بالمساجد (٣)،

------------------
(١) رواه أحمد ٤/ ١٥١. وابن أبي عاصم في «السنة» ١/ ٢٥٠ (٥٧١). وأبو يعلى ٣/ ٢٨١ (١٧٤٩). والطبراني ١٧/ ٣٠٩. والشهاب في «مسنده» ١/ ٣٣٦ (٥٧٦).
وذكره الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٦٩. وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وإسناده حسن. وذكره الألباني في «الصحيحة» برقم (٢٨٤٣) مصححًا.
(٢) رواه ابن المبارك في «الزهد» ١/ ٢٢ (٦٦)، وهناد في «الزهد» ٢/ ٤٥٤ (٩٠٢)، وابن أبي شيبة ٧/ ١٤٩ (٣٤٧٧٦)، والبيهقي في «الشعب» ٥/ ٤٦٧ (٧٣٠٩).
(٣) برقم (١٠٣١) كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة.



وكلاهما صحيح أي: شديد المحبة لها وملازمة الجماعة فيها، ومعناه: دوام القعود فيها للصلاة والذكر والقراءة، وهذا إنما يكون من استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغفه بها، وحصل له هذِه المرتبة؛ لأن المسجد بيت الله وبيت كل تقي، وحقيق على المزور إكرام الزائر فكيف بأكرم الكرماء؟!
الخامس:
قوله: «ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه» أي: اجتمعا على حب الله وتفرقا على حبه، وكان سبب اجتماعهما حب الله واستمرارهما على ذلك حتى تفرقا من مجلسهما وهما صادقان في حب كل واحد منهما صاحبه في الله حال اجتماعهما وافتراقهما.
وفيه: الحث على مثل ذلك وبيان عظيم فضله، وهو من المهمات، فإن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وعده مالك من الفرائض، وروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعًا «أن ذلك من أوثق عرى الإيمان» (١)، وروى ثابت عن أنس رفعه: ما تحابا رجلان

---------------
(١) حديث البراء رواه أحمد ٤/ ٢٨٦، والطيالسي في «مسنده» ٢/ ١١٠ (٧٨٣)، والروياني في «مسنده» ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ (٣٩٩). وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٨٩ ثم قال: رواه أحمد وفيه ليث بن أبي سليم وضعفه الأكثر، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٠٣٠).
أما حديث ابن مسعود فرواه الطيالسي ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦ (٣٧٦)، والطبراني ١٠/ ٢٢٠ - ٢٢١ (١٠٥٣١)، وفي «الأوسط» ٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧ (٤٤٧٩)، وفي «الصغير» ١/ ٣٧٢ - ٣٧٤ (٦٢٤)، والحاكم ٢/ ٤٨٠، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي معقبًا: ليس بصحيح؛ فإن الصعق وإن كان موثقًا فإن شيخه منكر الحديث، قاله البخاري، والبيهقي ١٠/ ٢٣٣، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٩٠ (٣٠٩)، فيه عُقيل بن الجعد قال البخاري: منكر الحديث.



في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه (١).
وروى أبو رزين قال لي النبي - ﷺ -: «يا أبا رزين، إذا خلوت حرك لسانك بذكر الله وحب في الله وأبغض في الله، فإن المسلم إذا زار أخاه في الله شيعه سبعون ألف ملك يقولون: اللهم وصله فيك فصله» (٢).
ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمّن الملك على دعائه، رواه أبو الدرداء مرفوعًا (٣).

--------------------
(١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» ص ١٨٧ (٥٤٤)، باب: إذا أحب الرجل أخاه فليعلمه، وأبو داود الطيالسي ٣/ ٥٣٤ (٢١٦٦). والبزار كما في «كشف الأستار» ٤/ ٢٣١ (٣٦٠٠)، وصححه ابن حبان ٢/ ٣٢٥ (٥٦٦) والطبراني في «الأوسط» ٣/ ١٩٢ (٢٨٩٩) ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا عبد الله بن الزبير.
وابن عدي في «الكامل» ٨/ ٢٥ وأبو يعلى في «مسنده» ٦/ ١٤٣ (٣٤١٩) والحاكم ٤/ ١٧١، والبيهقي في «الآداب» ص ٧١ (٢١٣)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» ١/ ٢٩٧. والخطيب في «تاريخه» ١١/ ١٣٤، والبغوي في «شرح السنة» ١٣/ ٥٢ (٣٤٦٦). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٧٦: رواه الطبراني في «الأوسط». وأبو يعلى والبزار بنحوه ورجال أبي يعلى والبزار رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة وقد وثقه غير واحد على ضعف فيه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٤٥٠).
(٢) رواه الطبراني في «الأوسط» ٨/ ١٧٦ - ١٧٧ (٨٣٢٠) من طريق عمرو بن الحصين، عن محمد بن عبد الله بن ثلاثة، عن عثمان بن عطاء الخرساني، عن أبيه، عن مالك ابن يخامر، عن لقيط بن عامر أبي رزين العقيلي قال: … فذكره مرفوعًا.
قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١٧٣: فيه عمرو بن الحصين، وهو متروك. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٣٨٦): ضعيف جدًّا.
ورواه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣ (٩٠٢٤) من طريق عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن الحسن، عن أبي رزين … بنحوه. قال الألباني في «الضعيفة» (٣٦٦٤): ضعيف.
(٣) رواه عنه مسلم برقم (٢٧٣٣)، وأبو داود (١٥٣٤)، وابن ماجه (٢٨٩٥)، وأحمد ٥/ ١٩٥، وابن حبان ٣/ ٢٦٨ (٩٨٩).



السادس: قوله: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله». فهو رجل عصمه الله ومنَّ عليه بفضله حتى خافه بالغيب فترك ما يهوى كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات:٤٠] وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] فتفضل الله على عباده بالتوفيق والعصمة، وأثابهم على ذلك.
روى أبو معمر، عن سلمة بن نبيط عن عبيد بن أبي الجعد عن كعب الأحبار: إن في الجنة لدار درة فوق درة ولؤلؤة فوق لؤلؤة فيها سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت لا ينزلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو محكم في نفسه أو إمام عادل. قال سلمة: فسألت عبيدًا عن المحكم في نفسه، قال: هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيعرض له فإذا ظفر به تركه مخافة الله تعالى، فذلك المحكم في نفسه (١).
وقوله: «إني أخاف الله»: يحتمل كما قال القاضي: أن يقول ذلك بلسانه، ويحتمل أن يقوله بقلبه؛ ليزجر نفسه، وخص المنصب والجمال؛ لكثرة الرغبة فيهما وعسر حصولهما لا سيما وهي داعية إلى نفسها طالبة لذلك قد أغنت عن مشاق التوصل، فالصبر عليها لخوف الله تعالى من أكمل المروءات وأعظم الطاعات، وذات المنصب هي ذات الحسب والنسب الشريف.
ومعنى «دعته»: أي: إلى الزنا بها، ويحتمل كما قال القاضي: أنها دعته إلى نكاحها فخاف العجز عن القيام بحقها، أو أن الخوف من الله شغله عن لذات الدنيا وشهواتها، والصواب الأول (٢).

--------------------
(١) رواه هناد في «الزهد» ١/ ١٠٤ (١٢٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٨٠.
(٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٣.



السابع:
قوله: «ورجل تصدق بصدفة أخفي حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». كذا هو في البخاري و«الموطأ» (١)، وهو وجه الكلام؛ لأن المعروف في اللغة: فعلها باليمين، وجاء في مسلم في جميع نسخه ورواياته على العكس: «لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» (٢).
قال القاضي: ويشبه أن يكون الوهم في ذلك ممن أخذ عن مسلم لا من مسلم (٣).
قال العلماء: وهذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأما الواجبة فإعلانها أفضل؛ ليُقتدى به

------------------
(١) «الموطأ» ٢/ ١٣١ - ١٣٢ (٢٠٠٥).
(٢) مسلم (١٠٣١).
(٣) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٣. وهذا نوع من أنواع علوم الحديث يسمى: المقلوب وهو أن يقع تقديم وتأخير في سند الحديث أو متنه، فهو نوعان؛ مقلوب السند: ومقلوب المتن.
أما مقلوب السند فله صورتان، الأولى: أن يكون هناك مثلًا حديث مشهور عن سالم فيجعله راوٍ عن نافع ليرغب فيه، وهذا الذي يطلق على من يفعله أنه يسرق الحديث أو يوصله، وممن كان يفعل ذلك حماد بن عمرو النصيبي، وبهلول بن عبيد الكندي.
الصورة الثانية: أن يقدم الراوي ويؤخر في اسم راوٍ واسم أبيه، كحديث يرويه سعد بن معاذ فيقلبه بعضهم إلى معاذ بن سعد.
وأما مقلوب المتن فمن صوره حديث مسلم هذا وهو أن يقوم بعض الراوة بتقديم وتأخير في متن الحديث.
انظر: «علوم الحديث» ص ١٠١ - ١٠٢، «المقنع» ١/ ٢٤١ - ٢٤٣، «نزهة النظر» ص ٦٧ - ٦٨ ط. دار عمار، «تدريب الراوي» ١/ ٣٦٨ - ٣٧٣، وانظر: «الفتح» ٢/ ١٤٦.



في ذلك وتظهر دعائم للإسلام، وهكذا حكم الصوم وإعلان فرائضها أفضل وإسرار نوافلها أفضل. واختلف في السنن كالوتر وركعتي الفجر هل إعلانهما أفضل أم كتمانهما حكاه ابن التين.
وفي قوله: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»: مبالغة في إخفائها، ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقيل: ذلك في الفريضة أيضًا، حكاه ابن التين.
قال القرطبي: وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك الإخفاء أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه فيدفع له مثلًا درهمًا في شيء يساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة، والحقيقة صدقة، وهو اعتبار حسن (١).
وقيل: ذكر اليمين والشمال مبالغة في الإخفاء والاستتار بالصدقة، وضرب المثل بهما؛ لقرب اليمين من الشمال وملازمتها لها، ومعناه: لو قدرت الشمال رجلًا متيقظًا لما علم بالصدقة؛ لمبالغة الإخفاء، ونقل القاضي عن بعضهم أن المراد من عين يمينه وشماله من الناس (٢).
ونقل ابن الجوزي عن قوم: لا يرائي بنفقته فلا يكتبها صاحب الشمال، ومنه: قصد الصدقة باليمين؛ لأن الصدقة يراد بها وجه الله استحب لها أن تناول بأشرف الأعضاء وأفضل الجوارح.
الثامن:
قوله: («ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»). فيه: فضيلة البكاء

----------------
(١) «المفهم» ٣/ ٧٧.
(٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٤.



من خشية الله تعالى وفضل طاعة السر؛ لكمال الإخلاص، وهو على حسب حال الذاكر وبحسب ما يتكشف له من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه وسخطه فبكاؤه من خوف، وإن انكشف جلاله وجماله فبكاؤه من محبة وشوق، وهكذا يتلون الذاكر بتلون ما يذكر من الأسماء والصفات، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ومن ذكره لم يعذبه؛ لأنه يعلم من يموت على الهدى وضده، ولا يذكر إلا من يموت على الهدى، قاله الداودي.
وفي اشتراط الخلوة بذلك حض وندب على أن يجعل المرء وقتًا من خلوته للندم على ذنوبه، ويفزع إلى الله تعالى بإخلاص من قلبه، ويتضرع إليه في غفرانها، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، وأن لا يجعل خلوته كلها في لذاته كفعل البهائم التي قد أمنت الحساب في المساءلة عن الفتيل والقطمير على رءوس الخلائق، فينبغي لمن لم يأمن ذلك، وأيقن أن يطول في الخلوة بكاؤه ويتبرم بجنانه، وتصير الدنيا سجنه لما سلف من ذنوبه. وروى أبو هريرة مرفوعًا: «لا يلج النار أحد بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع» (١).
وروى أبو عمران عن أبي الجلد قال: قرأت في مسالة داود - عليه السلام - ربه تعالى: يا إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه، قال: أسلم وجهه من لفح النار وأؤمنه يوم الفزع (٢).

--------------
(١) رواه الترمذي (١٦٣٣) كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله، وأحمد ٢/ ٥٠٥ والحاكم ٤/ ٢٦٠، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٩٠ (٨٠٠)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (١٣٣٣).
(٢) رواه ابن المبارك في «الزهد» ١/ ١٦٤ (٤٧٧)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٥٦ - ٥٧.



وقوله: («ففاضت عيناه») هو من قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الآية [المائدة: ٨٣].
وقوله: («ذكر الله خاليًا»): كذا في الأصول، وذكره ابن بطال وابن التين في كتاب المحاربين بلفظ: «في خلاء» (١) قال ابن التين: وهو ممدود.
قال أبو عمر: هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال وأصحها -إن شاء الله- لأن العلم محيط بأن كل من كان في ظل الله تعالى يوم القيامة لم ينل هول الموقف، والظل في الحديث يراد به الرحمة، والله اعلم. ومن رحمته الجنة، قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ الآية: [الرعد: ٣٥]، وقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ الآية [الواقعة: ٣٠]، وقال: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾ الآية [المرسلات: ٤١] (٢).

-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٨/ ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٢) «التمهيد» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣. وتأويل الحافظ ابن عبد البر هنا بالرحمة، وإقرار المصنف -رحمه الله- له بسكوته، فيه نظر؛ وذلك لأن هذا من باب صرف الألفاظ عن معناها الحقيقي وتحميل النصوص ما لا تحتمله، والمعنى هنا -كما ذكره المصنف آنفًا- هو ظل العرش. كما ورد في بعض روايات هذا الحديث. وكما ورد في أحاديث أخر، وهو أحد الوجوه. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين -قدس الله روحه- في «شرح رياض الصالحين» ١/ ٧٣٥: قوله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ضل فيها كثير من الجهال؛ حيث توهموا -جهلًا منهم- أن هذا ظل الله نفسه، وأن الله تعالى يظلهم من الشمس بذاته جلا وعلا وهذا فهم خاطئ منكر، فإن هذا يقتضى أن تكون الشمس فوق الله -عز وجل-، وهذا شيء منكر لا أحد يقول به من أهل السنة، والواجب على الإنسان أن يعرف قدر نفسه وألا يتكلم -لاسيما في باب الصفات- إلا بما يعلم من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، فالظل هنا يعني أن الله يخلق ظلًا يظلل به من شاء من عباده، يوم لا ظل إلا ظله، هذا هو معنى الحديث، ولا يجوز أن يكون له معنى سوى هذا. اهـ بتصرف.
وقال نحو من هذا الكلام أيضًا في المصدر نفسه ١/ ٧٨٢ - ٧٨٣، ١/ ٩٥٠. ط. دار السلام. فليراجع.



٣٧ - باب فَضْلِ مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ
٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ». [مسلم ٦٦٩ - فتح: ٢/ ١٤٨]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ أو رَاحَ أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، «وغدا»: خرج مبكرًا، «وراح»: رجع بعشي، وقد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقًا توسعًا، وهذا الحديث يصلح أن يحمل على الأصل وعلى التوسع به.
قال ابن سيده: الرواح: العشي (٢)، وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل.
وقال الجوهري: الرواح نقيض الصباح، وهو اسم للوقت (٣).
وقال ابن سيده: الغدوة: البكرة (٤). وقال الجوهري: الغدوة: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والغدو: نقيض الرواح (٥).
وقال ابن قرقول بعد أن قرر أن الغدو من أول النهار إلى الزوال: كما أن الروحة بعدها.
وقيل: الغدوة بالضم: من الصبح إلى طلوع الشمس، وقد استعمل الغدوة والرواح في جميع النهار.

-------------------
(١) مسلم (٦٦٩) كتاب: المساجد، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا.
(٢) «المحكم» ٣/ ٣٩٣.
(٣) «الصحاح» ١/ ٣٦٨.
(٤) «المحكم» ٦/ ٢٩.
(٥) «الصحاح» ٦/ ٢٤٤٤.



ومعنى الحديث: سار بالغدو، والغاديات: الرائحات.
وقوله: «كلما غدا أو راح» أي: تكمل غدوة أو روحة، ومعنى أعدّ هيّأ، والنزل بضم النون والزاي: ما يهيأ للضيف من الكرامة، وفيه الحض على شهود الجماعات ومواظبة المساجد للصلوات؛ لأنه إذا أعد الله له نزله في الجنة بالغدو والرواح، فما ظنك بما يُعد له ويتفضل عليه بالصلاة في الجماعة واحتساب أجرها والإخلاص فيها لله تعالى؟


٣٨ - باب إِذَا أُقِيمَت الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةَ
٦٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَاثَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آلصُّبْحَ أَرْبَعًا؟! آلصُّبْحَ أَرْبَعًا». تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَمُعَاذٌ عَنْ شُعْبَةَ فِي مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ. [مسلم: ٧١١ - فتح: ٢/ ١٤٨]
ذكر فيه من حديث إِبرَاهِيمَ بْنِ سَعدِ، عن أَبِيهِ، عن حَفْصِ بنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ بن بُحَينَةَ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلِ.
وبإسناده إلى شُعْبَةَ: أَخبَرَنِي سَعدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، عن حَفْصَ بن عَاصِمٍ: سَمِعتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابن بُحَينَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَاثَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
«آلصُّبْحَ أَرْبَعًا؟! آلصُّبْحَ أَرْبَعًا؟!». تَابَعَهُ غُنْدَرُ وَمُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ عن مَالِكٍ.
وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابن بُحَينَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ.
الشرح:
هذا التبويب الذي بوب له هو لفظ حديث صحيح أخرجه مسلم في «صحيحه» وأصحاب السنن الأربعة من حديث عمرو بن دينار، عن عطاء


ابن يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا به سواء (١).
وفي رواية لابن حبان في «صحيحه»: «إذا أخذ المؤذن في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٢)، قال الترمذي: كذا روى أيوب وورقاء وزياد وإسماعيل بن مسلم وابن جحادة عن عمرو، ورواه حماد بن زيد وابن عيينة عن عمرو فلم يرفعاه، والمرفوع أصح (٣).
قال البيهقي: وممن رفعه عن عمرو أيضًا محمد بن مسلم الطائفي وأبان ابن يزيد، ورواه مسلم بن خالد عن عمرو مسندًا بزيادة: فقيل: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال: «ولا ركعتي الفجر» (٤). وقال ابن عدي: لا أعلم ذكر هذِه الزيادة غير يحيى بن نصر بن حاجب عن مسلم (٥).

------------------
(١) رواه مسلم برقم (٧١٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن، وأبو داود (١٢٦٦) كتاب: الصلاة، باب إذا أدرك الإمام ولم يصل ركعتي الفجر، والترمذي (٤٢١) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، والنسائي ٢/ ١١٦ كتاب: الإمامة، باب: ما يكره من الصلاة عند الاقامة. وابن ماجه (١١٥١) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في: «إذا أقيمت الصلاة …».
فائدة: قال الحافظ: وكثيرًا ما يترجم البخاري بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي. اهـ. «هدي الساري» ص ١٤.
قلت: وهذا ما وضعه البخاري هنا، فأورد لفظ الحديث في الباب، وروى حديثًا آخر، وذلك كي يعطي الفائدة.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٦٤ - ٥٦٥ (٢١٩٠) كتاب الصلاة، باب فرض متابعة الإمام.
(٣) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٤٢١).
(٤) رواه ابن عدي في «الكامل» ٩/ ١١٢، ومن طريقه البيهقي ٢/ ٤٨٣، قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٩: إسناده حسن.
(٥) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٩/ ١١٢ ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب (٢١٤٦)، ونقل كلامه هذا البيهقي ٢/ ٤٨٣.



قال البيهقي: وقد قيل عن أحمد بن سيار عن نصر بن حاجب وهو وهم، ونصر ليس بالقوي، ويحيى ابنه كذلك (١).
ثم الحديث الذي ذكره البخاري من طريق عبد الله ابن بحينة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وأغرب الحاكم فاستدركه (٣)، ولمسلم مثله من حديث عبد الله بن سرجس (٤)، وللبيهقي من حديث ابن عباس (٥).
وقوله: عن مالك: ما هو وهم فيه شعبة وغيره على سعد بن إبراهيم، والصواب فيه رواية ابن إسحاق وأبي عوانة وإبراهيم بن سعد، عن سعد، عن حفص، عن عبد الله أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة عن أبي عوانة (٦)، وابن ماجه عن محمد بن عثمان، عن إبراهيم (٧). ورواه القعنبي عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حفص، عن عبد الله بن مالك، عن أبيه (٨).

---------------------
(١) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٨٣ كتاب: الصلاة، باب: كراهية الاشتغال لهما بعد ما أقيمت الصلاة.
وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٢٨٤: وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو تكلم فيه، وقد وثقه ابن حبان واحتج به في «صحيحه»، قال الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٢٢٥: قلت: ولكن هذِه الزيادة صحيحة المعنى وإن كانت ضعيفة المبنى، فقد جاءت كثيرة صريحة في النهي عن ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة.
(٢) «صحيح مسلم» (٧١١).
(٣) «المستدرك» ٣/ ٤٣٠.
(٤) مسلم (٧١٢).
(٥) «سنن البيهقي الكبرى» ٢/ ٤٨٢.
(٦) مسلم (٧١١/ ٦٦)، «سنن النسائي» ٢/ ١١٧.
(٧) ابن ماجه (١١٥٣) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في: إذا أقيمت.
(٨) رواه مسلم عنه (٧١١) كتاب: الصلاة، باب: كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن.



قال مسلم: وهو خطأ (١)، قلتُ: وروى له النسائي أيضًا حديثًا آخر أنه صلى مع النبي - ﷺ - فقال في الشفع من حديث شعبة، عن عبد ربه، عن محمد بن يحيى، عن مالك، ثم قال: وهو خطأ، والصواب: عبد الله ابن مالك (٢).
وقال ابن عساكر في ترجمة مالك ابن بحينة عن النبي - ﷺ -: إنها وهم.
قلتُ: وزعم ابن الأثير أن مالكًا له صحبة أيضًا (٣)، (قلت: أنكرها الدمياطي بخطه في البخاري، فقال على حاشيته: ليس لمالك هذا رؤية، ولا صحبة، ولا إسلام، وإنما ذلك لولده عبد الله) (٤)، والرجل المذكور في الحديث: هو عبد الله بن مالك بن القشب، وهو جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الأزدي راوي الحديث (٥)، وبحينة: أمه صحابية، واسمها كما قال ابن سعد: عبدة بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف لها صحبة (٦).
وقال أبو نعيم الأصبهاني: أنها أم أبيه (٧)، وقال النسائي: من قال: مالك ابن بحينة فقد أخطأ، والصواب: عبد الله بن مالك ابن بحينة، بيّن

-----------------
(١) مسلم (٧١١).
(٢) «السنن الكبرى» ١/ ٢٠٨١ (٥٩٦) كتاب: السهو، باب: ما يفعل من قام من اثنتين من الصلاة ولم يتشهد.
(٣) انظر: «أسد الغابة» ٥/ ١٣ - ١٤ ترجمة (٤٥٦٤).
(٤) ذكر فوق العبارة علامة السقط: لا … إلى.
(٥) انظر تمام ترجمته في: «الاستيعاب» ٣/ ١٠٦ (١٦٦٤)، «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٧٦ (١٧٥٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٧٥ (٣١٥٨)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٥٠٨ (٣٥١٧)، «الإصابة» ٢/ ٣٦٤ (٤٩٢٨).
(٦) «طبقات ابن سعد» ٨/ ٢٢٨.
(٧) «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٧٦ (١٧٥٠). =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 447.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 441.97 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]