الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال - الصفحة 17 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 245 - عددالزوار : 5456 )           »          عبارات السلف الأربع في تأويل الاستواء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          شعبان.. مضمار تنافس أهل الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          املأ قلبك بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم تكن رفيقه في الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          بشائر لأهل الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          حب الخير للغير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          من منبر المسجد الحرام: المجموعة الأولى والثانية (pdf) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          شعبان والتهيئة لرمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          قطوف من سيرة أبي الحسنين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          الصبر وفضله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى الحوارات والنقاشات العامة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-05-2025, 04:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (164) دعوة غيَّرت وجه الأرض (11)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41).
الفائدة الثالثة عشرة:
من أدلة خلق الله لأفعال العباد التي دَلَّ عليه قوله -تعالى- في هذه الآيات: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)، قوله -تعالى- عن إسحاق ويعقوب -عليهما الصلاة والسلام-: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً ‌يَهْدُونَ ‌بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 73)، فالله الذي وفَّقهم للعلم والعمل والدعوة، فجعلهم أئمة في هداية الناس، وهم في أنفسهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، عابدين لله -سبحانه-، فهم يعبدون الله ويهدون بأمره الشرعي، ويعلمون الناس ما يلزمهم، ولا يكون العبد إمام هدى إلا بأن يعلم الحق ثم يعمل به ثم يدعو الناس إليه ويصبر على ذلك، وكل ذلك بجعل الله له حتى يوفقه فيفعل ذلك.
وقال -تعالى-: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ‌نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ) (الأنبياء: 72) -ونافلة أي: ابن الابن-، فالصلاح فعل العبد والله -عز وجل- جعله صالحًا.
وقال -تعالى-: (‌وَجَعَلْنَا ‌بَعْضَكُمْ ‌لِبَعْضٍ ‌فِتْنَةً ‌أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) (الفرقان: 20)؛ فالذي قدَّر وجود الفتنة والامتحان، وجعل للرسل وأتباعهم المؤمنين أعداءً لهم يتسلطون على أذيتهم، ويحاولون صرفهم عن دينهم وفتنتهم، وجعل لأهل السنة أعداء من أهل البدع والضلال والزندقة؛ يمكرون بالليل والنهار لصرف الناس إلى باطلهم، ويحاولون نشر بدعهم وزندقتهم، وينفقون الأموال ليصدوا عن سبيل الله، ويضلوا الناس، وربما جعل لهم قوةً في الدنيا وسلطانًا على الناس؛ يمتحن بذلك عباده المؤمنين في الصبر والثبات على الحق ليضاعف لهم الأجر والثواب: (إِنَّمَا ‌يُوَفَّى ‌الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10)، فما جعل الله فترة الإحراق إلا ليضاعف للصابرين فيها أضعاف أضعاف الأجر في فترة الإشراق.
وقال -سبحانه وتعالى- عن موسى -عليه السلام-: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا ‌اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (يونس: 88).
فلا تبتئسوا أيها المؤمنون بما يفعله أعداء الدين من غطرسة وطغيان، وسفك للدماء وانتهاك للحرمات، ونشر للضلالات، ومنها ما يسمونه: "الدين الإبراهيمي الجديد"، والذي ما أنزل الله به من سلطان.
ومن ذلك: القول بمساواة الأديان.
ومن ذلك: الطعن في الكتاب؛ بادِّعاء أنه حمَّال أوجه فلا يصح أن يُحتج به؛ لأنه يفهم على أمزجتهم!
ولا السنة؛ لأنها عندهم أخبار آحاد فلا تقوم بها حجة!
ولا الإجماع؛ لأنه عندهم آراء رجال كانوا قد عاشوا في وقت يختلف عن زماننا، أو بالطعن فيهم كما طعنوا في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ كل ذلك لهدم الدين!
فالله -سبحانه وتعالى- هو الذي قدَّر ذلك، هو العزيز العليم؛ قدَّر ذلك لينظر: كيف نصبر، كيف نقاوم، كيف ننصر دينه بالحجة والبيان، والقوة والسنان حتى يأتي أمر الله، وهو -سبحانه- ناصر دينه، وجاعل أنصاره فوق الذين كفروا يوم القيامة.
وقال تعالى عن فرعون وملئه: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ ‌مِنَ ‌الْمَقْبُوحِينَ) (القصص: 42)، فهو -سبحانه- كما جعل الأنبياء والمؤمنين أئمة يهدون بأمره، فهو كذلك جعل فرعون وملئه أئمة ضلال يدعون إلى النار بطريقتهم وسلوكهم، كما أضلوا في الدنيا مَن كتب الله عليهم الضلالة من أقوامهم حتى أغرقهم الله وراءهم في اليم، فهم من بعد موتهم أيضًا يدعون إلى النار؛ بدعوتهم بسلوكهم وعملهم إلى الكفر، فقد جعلهم الله أسوة لأهل الطغيان والجبروت، يفعلون ما فعلوا، ويظلمون كما ظلموا، وأتبعهم -عز وجل- في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين.
وليس كما يقول الزنادقة الكفار: إن فرعون مات طاهرًا مطهَّرًا! كما لم يستحي ابن عربي أن يكتبه في فصوصه، ويوافقه زنادقة زماننا، فيقولون: إن هذا رأي لبعض العلماء! وما هو إلا بقول الزنادقة؛ يزعمون أن فرعون قد تاب قبل موته وقبل الغرغرة، ومن أين لهم ذلك؟ وقد قال -عز وجل- في ردِّ ما يزعم من إيمانه: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ ‌لَمَّا ‌رَأَوْا ‌بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر: 85)، وقال -سبحانه وتعالى-: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ‌وَكُنْتَ ‌مِنَ ‌الْمُفْسِدِينَ) (يونس: 91)، ففرعون إمام يدعو إلى الضلالة؛ فكيف يكون طاهرًا مطهَّرًا؟!
وقال -سبحانه وتعالى-: (يَقْدُمُ ‌قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ . وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) (هود: 98، 99)، وقال -تعالى-: (‌وَحَاقَ ‌بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: 45، 46)؛ فكيف يكون مات طاهرًا مطهرًا؟! اللهم إنا نبرأ إليك من الكفر والضلال.
وكل ذلك بحكمة الله -عز وجل- وتقديره؛ ينظر كيف يقاوم أهلُ الحق أهلَ الزندقة والبدع والضلال، أهل النفاق والكفر، نعوذ بالله من شرِّهم.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06-05-2025, 04:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (165) دعوة غيَّرت وجه الأرض (12)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41).
الفائدة الثالثة عشرة:
مسألة الجعل لأفعال العباد متواترة في القرآن، تواترًا يجزم كل مؤمن بالقرآن بثبوتها، فيلزمه أن يقر ويؤمن بهذه المنزلة من منازل الإيمان بالقَدَر، وهي خلق الله لأفعال العباد، فالله جعلهم يفعلون أفعالهم بإرادتهم وقدرتهم التي خلقها الله لهم، وعلى هذه الإرادة والقدرة منهم، ثم فعلهم لأفعالهم بها يحاسبهم الله عليها خيرها وشرها، فسبق مشيئة الله وقدرته على أفعالهم وخلقه لها لا يعني سلب إرادتهم وإلغاءها، ولا إلغاء قدرتهم؛ فهي موجودة ومؤثرة في الأفعال وإن لم تكن مطلقة، ولا أنها مستقلة بالتأثير، وليست خالقة موجودة، وليس تأثير إرادتهم وقدرتهم على سبيل الشركة مع إرادة الله وقدرته، ولا بدلًا منها، بل لا موجب إلا إرادة الله، ولكن لإرادتهم أثر لجعل الله لها مؤثرة، فمسألة أثر بين مؤثرين التي قال المتكلمون عنها: إنها مستحيلة إلا على سبيل الشركة والبدل، فكلامهم باطل.
والذي عليه أهل الإيمان: أنه يوجد أثر بين مؤثرين أحدهما أثر للآخر؛ فإرادة الله مؤثرة، والله جعل إرادة العباد لها أثر في أفعالهم، فالله الذي جعل هذا المؤثر مؤثرًا فيما أثَّر فيه، فهذه المسألة من أخطر المسائل التي تؤدي إلى الانحراف في قضية القضاء والقدر.
ومن هذه الأدلة المتواترة في القرآن على جعل العباد فاعلين، وخلقه لأفعالهم: قوله -تعالى-: (‌وَإِذْ ‌قَالَ ‌رَبُّكَ ‌لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 30)، فهذه الآية دليل صريح على أن هذا الجعل المتعلق بفساد مَن يفسد، وسفك الدماء ممن يسفكها، هو بقَدَر الله -سبحانه- وجعله، وهو -سبحانه- يعلم من الحِكَم والمصالح في وجود هذا الفساد وسفك الدماء ما لا يعلمه الملائكة، وذلك وجود النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، والعلماء العاملين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والدُّعَاة إلى الخير، والمجاهدين في سبيل الله، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، والزُّهَّاد والعُبَّاد، وغيرهم ممَّن أحب الله وجودهم، ولا يمكن أن توجد هذه الصفات إلا بوجود أضدادها من الشرك والكفر والمعاصي.
ومن هذه الأدلة قوله -تعالى-: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا) (البقرة:125)، فما يجده العباد المؤمنون في قلوبهم من الشوق إلى بيت الله الحرام، والرغبة في الرجوع إليه كلما بعدوا عنه، هو مِن جعل الله لذلك في قلوبهم برحمته لهم؛ حتى يقدموا على بيته حجاجًا ومعتمرين، ويكونون فيه طائفين قائمين، راكعين ساجدين، عاكفين.
ومن ذلك قوله -تعالى-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ ‌أَنْ ‌يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 125)، فشرحه -سبحانه وتعالى- صدر المؤمن بفضله ورحمته، نص في قدرته على خلق الهداية والانشراح للإسلام في صدر المؤمن، فالعبد انشرح صدره للإسلام والله شرحه، وأما الكافر فضاق صدره للإسلام حتى كان كالشجرة الحرجة التي بين الأشجار لا يوصل لها، فهو قد ضاق صدره وحرج أن يدخل قلبه الإسلام، والله هو الذي جعله ضيقًا كذلك، كأنه يكلَّف الصعود في السماء ولا يقدر.
ومن ذلك قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ ‌لَكُمْ ‌فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الأنفال: 29)، فالفرقان هو الذي يفرِّقون به بين الحق والباطل، والسنة والبدعة، والإيمان والكفر، والهداية والضلال، والخير والشر؛ فهذا الفرقان قد جَعَله الله في قلوبهم، وهم قد فرَّقوه، وهو -عز وجل- هداهم لما اختلف الناس فيه من الحق بإذنه، وقد جعل الله خلقه لهذا الفرقان في قلوبهم جزاءً لهم على تقواهم، وهي علم وعمل؛ فمَن اتقى الله جعل الله له فرقانًا، ومن اهتدى زاده الله هدى، ومن عمل بطاعة الله وفَّقه الله للمزيد من الطاعة.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 18-05-2025, 11:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (167) دعوة غيَّرت وجه الأرض (14)



كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41).

الفائدة الخامسة عشرة:

قوله -تعالى- عن إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) فيه خوف المؤمن ألا يتقبل الله دعاءه وعمله، فهو يدعو الله -عز وجل- أن يتقبَّل منه، وقد كَثُر ذلك في الأنبياء والصالحين؛ قال الله -عز وجل-: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127).

قال بعض السلف: "يبنيان بيتًا لله -عز وجل- ويخافان ألا يتقبل الله منهما"، ومثله قوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون: 57-61)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها-: (هُوَ ‌الرَّجُلُ يَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُ، وَيُصَلِّي، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه واللفظ له، وحسنه الألباني).

فالخوف من عدم القبول صفة الصالحين، فهم يجمعون بين الإحسان والإصلاح وبين خوف عدم القبول، مع أن رجاءهم في قبول بضاعتهم المزجاة وأعمالهم الناقصة التي يستغفرون الله -عز وجل- بعدها، فهم بين الخوف والإشفاق وبين الإحسان والرجاء، وهذا أمثل الأحوال، وأما الفاجر فهو يجمع إساءة وأمنًا ومنًّا على الله -عز وجل- بعمله، كما قال -سبحانه وتعالى-: (‌قَالَتِ ‌الْأَعْرَابُ ‌آمَنَّا ‌قُلْ ‌لَمْ ‌تُؤْمِنُوا ‌وَلَكِنْ ‌قُولُوا ‌أَسْلَمْنَا ‌وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات: 14-17).

فمع أن إيمان الأعراب مجهول وإٍسلامهم ناقص، ومع ذلك فهم يمنون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أسلموا، وقالوا: قاتلتك قبائل كذا وكذا... ولم نقاتلك! ولم يشعروا بمنة الله -عز وجل- عليهم بالهداية للإسلام؛ فلا شك أنهم جمعوا إساءة ونقصًا، وليس هذا حال المؤمنين الكُمَّل، وكلما عَظَّم الإنسان عملَه نقص، وكلما تنقصه ورأى ما فيه من عيوب تستحق الرد، فبادر إلى الاستغفار كان أقرب إلى القبول، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سلَّم من صلاته استغفر الله ثلاثًا! وكيف كانت صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الخشوع، وحضور القلب وتأثره بتلاوة القرآن؟! ومع ذلك يستغفر الله عقب هذه العبادة؛ فكيف بما نفعله نحن؟!

وقال الله -عز وجل-: (‌فَإِذَا ‌أَفَضْتُمْ ‌مِنْ ‌عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ . ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (البقرة: 198-200).

فهم بعد أشرف المواقف، بعد الوقوف بعرفة؛ الموقف الذي يباهي الله -عز وجل- بهم ملائكته ويدنوا -سبحانه وتعالى- عشية عرفة، ولم يرد دليل فيما نعلم على نزول الرب -عز وجل-، ودنوه من أهل الأرض نهارًا إلا في يوم عرفة، وإنما ثَبَت النزول الإلهي في أحاديث متواترة ومستفيضة في ثلث الليل الآخر، وفي بعضها في نصفه، يقول: (يَنْزِلُ رَبُّنَا -تبارك وتعالى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ‌ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي ‌فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) (متفق عليه)، حتى يطلع الفجر، أو كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فالحُجَّاج بعد أن وقفوا بأشرف المواقف، وهو الوقوف بعرفة، حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لحَجُّ ‌عَرَفَةُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، أُمِروا بالاستغفار، وهذا يدلنا على حال المؤمن على الدوام في عمله يرى أنه فيه نقص، ولو فتَّش لوجد النقص قطعًا؛ فلذلك يستغفر الله -سبحانه وتعالى-: (‌وَاسْتَغْفِرُوا ‌اللَّهَ ‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌غَفُورٌ ‌رَحِيمٌ) (البقرة: 199)، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دعائه: (كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ‌خَطِيئَتِي، ‌وَجَهْلِي، ‌وَإِسْرَافِي ‌فِي ‌أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (متفق عليه).

فهذا دأب المؤمن، وأي كمال بشري بعد كمال الخليلين: محمد -صلى الله عليه وسلم- وإبراهيم -عليه السلام- وهما يدعوان الله بالقبول؟! فنحن أولى بأن نستغفر، وندعو الله أن يقبل أعمالنا الضعيفة التي لو حوسبنا عليها لاستحقت الرد، ولكن رجاؤنا في رحمته وفضله وعفوه، ورجاؤنا -سبحانه وتعالى- ألا يردنا خائبين، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يمن علينا بالقبول.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 19-05-2025, 12:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (168) دعوة غيَّرت وجه الأرض (15)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41).
الفائدة السادسة عشرة:
قوله -تعالى-: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) فيه استغفار الإنسان لنفسه ولوالديه وللمؤمنين، وهذا قيامًا بحقِّ الوالدين، وهذا من أعظم البر، وقد علَّمنا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- أن ندعو لوالدينا وللمؤمنين؛ رغم أن أبا إبراهيم لم يكن مسلمًا، ولكن الظاهر أن إبراهيم دعا له قبل أن يموت على الكفر؛ للموعدة التي وعدها إياه، كما قال الله -عز وجل-: (‌قَالَ ‌سَلَامٌ ‌عَلَيْكَ ‌سَأَسْتَغْفِرُ ‌لَكَ ‌رَبِّي ‌إِنَّهُ ‌كَانَ ‌بِي ‌حَفِيًّا) (مريم: 47)، وقال -سبحانه وتعالى-: (‌مَا ‌كَانَ ‌لِلنَّبِيِّ ‌وَالَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌أَنْ ‌يَسْتَغْفِرُوا ‌لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 113، 114).
وإبراهيم يتبرأ أيضًا من أبيه في القيامة، ويمسخ ضبعًا متلطخًا بعذرته فيلقى في النار؛ لأنه مات كافرًا -والعياذ بالله-، وأما أم إبراهيم فلم يرد لها ذكر في نصوص الكتاب والسنة؛ فلا ندري: هل كانت على ملة زوجها أو ماتت قبل ذلك، أو وافقت إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وإن لم تهاجر؟ فنحن لا ندري، والوقف واجب في ذلك، والله أعلى وأعلم؛ لأن ما لم يَرِد فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع وجب فيه الوقف، والله أعلم.
وأما الدعاء للمؤمنين فهو بوجود هذه الرابطة العظيمة؛ رابطة الحب في الله، والنصح للمؤمنين، والشفقة عليهم، والرأفة بهم، وثواب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عظيم جدًّا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌مَنِ ‌اسْتَغْفَرَ ‌لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ الله لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني)، وفهم السلف -رضوان الله عليهم- لهذه الأدعية العظيمة أنها تشمل الأحياء منهم والأموات، ومن سيأتون بعد ذلك، فعن عَاصِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا، أَوْ قَالَ: ثَرِيدًا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَسْتَغْفَرَ لَكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ: نَعَمْ، ‌وَلَكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (محمد: 19)" (رواه مسلم).
مع أن الرجل لم يدرك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمن نوى حين يستغفر للمؤمنين والمؤمنات مَن مضى منهم، ومَن هم أحياء اليوم، ومَن يأتي مِن ذريات الموجودين أو من غيرهم، كان بذلك شفيقًا رحيمًا ناصحًا لعباد الله المؤمنين، وهذا يحبه الله -سبحانه وتعالى-، وهو يؤتي الحنان من شاء كما قال -سبحانه- عن يحيى -عليه وعلى نبينا السلام-: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا . وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا) (مريم: 12، 13)، فالشفقة على المؤمنين ثمرة الحب في الله التي هي أوثق عرى الإيمان، ورحمتهم والسعي في نجاتهم في الدنيا والآخرة مِن أعظم أسباب توثيق وزيادة هذه العروة من عرى الإيمان.
وأما القسوة على المؤمنين فليست صفة أهل الإيمان، بل صفة هي صفة الكفرة وإن وجدت في بعض المسلمين، وإن لم يكفروا بذلك، لكنها صفة قبيحة؛ قد قال الله عن الكفار: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) (التوبة: 10)، فأما من يجعل همه الطعن في أهل الإيمان بأدنى ذلة أو حتى بمخالفة في مسألة اجتهادية، بل أحيانًا يكون المهاجم الجارح الغالي في التجريح، هو المخطئ بلا شك، بل هو المبتدع، ومع ذلك تجده يطعن ويضلل، ويفسق ويبدع، وأحيانًا يكفر بلا علم، كما تجد بعض هؤلاء في زماننا؛ همه في الحياة أن يضلل أبا حنيفة -رضي الله عنه- أو يكفِّره! ولا يعرف له فضله ومنزلته، وأن الناس تعلموا منه الفقه، ومن تلامذته؛ حتى الأئمة الكبار كالشافعي -رحمه الله-.
ويجعل أحدهم همه تكفير النووي، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهما، ممَّن أخطأ في مسألة كان يظن فيها أن لأهل السنة قولان؛ لانتشار القول المخالف للحق في زمنه على أنه قول مقبول، ولم يشفع عنده الحسنات العظيمة في نصرة الدين ونصرة السنة، وشرح أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الزهد والعبادة؛ لم يشفع ذلك عندهم حتى تغمر الحسنات هذه السيئة، والله -عز وجل- أعلم: هل كان مجتهدًا فيها مخطئًا أم لم يكن؟ ولكن على أي حال لا نثبت العصمة، ولكننا في نفس الوقت نرحم الخلق، ونعلم قدر مَن سبقت له حسنات عظيمة، ولا نجعله كمن ترأسوا في البدع وأظهروها، وعاشوا عمرهم من أجلها، فمن عاش من أجل نصرة الدين ثم وقعت منه مخالفة كان ذلك عندنا لا نقبل هذه المخالفة، ولكن ما سبق له من الخير كان ذلك غامرًا لهذه السيئة، وحسابه على الله.
وفي دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بالمغفرة يوم يقوم الحساب، تأكيد على كمال الشفقة، وعلى الإيمان باليوم الآخر، ونسأل الله -عز وجل- أن يلحقنا بإبراهيم -عليه السلام-، وأن يجعلنا في الرفيق الأعلى.
انتهت مقالات دعوة غيَّرت وجه الأرض.
نسأل الله التمام والقبول.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 19-05-2025, 12:02 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (169) قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم بإسحاق من سورة الحجر (1)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -عز وجل-: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ . قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ . قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ . قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ . قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ . قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ . إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) (الحجر: 51-??).
إن من وجوه إعجاز القرآن تكرر القصص في مواطن مختلفة، ومع وحدة الموضوع تجد أنواعًا من الفوائد الغالية، تختلف عن الفوائد التي في المواضع الأخرى، وبجمعها يكتمل المشهد الذي ينتفع به المؤمن، كل في موضعه ثم بشهود مجموع الآيات التي تتناول الموضوع الواحد، ومن هذا الأمر قصة أضياف إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- من الملائكة الكرام الذين مروا عليه في طريقهم إلى قوم لوط لإهلاكهم، وبشارتهم له ولسارة -زوجته الحبيبة- التي وقفت معه من أول دعوته حين لم يسلم من قومها إلا هي وابن أخيه لوط -عليه الصلاة والسلام-، وصبرت الصبر العظيم، وضحَّت مع إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في سفره وإقامته.
فكانت المكافأة لها بعد العمر الطويل، واستبعاد الأسباب بوجود الولد منها؛ بسبب كبر سنها وعقمها، وهذا الولد المبارك الذي يكون من نسله أكثر الأنبياء.
تأتي البشارة لإبراهيم بما يسره أعظم السرور؛ لأن الولد نعمة، ولكنه نعمة أعظم إذا كان من الزوجة التي يحبها؛ التي وفَّت وضحَّت، وأحسنت عشرته، وتأتي رحمة من الله لهما على كبرهما، ونعمة يظل بها إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- شاكرًا داعيًا، شاهدًا لفضل الله ورحمته، بعيدًا عن سبيل الضالين الذين لا يفهمون سنة الله في خلقه، وحكمته في إكرامه لأنبيائه وأوليائه بعد طول البلاء، فله الحمد كما يقول، وخيرًا مما يقول عباده، لا نحصي ولا يحصي أحدٌ ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآيات: "يقول -تعالى-: وخبرهم يا محمد عن قصة ضيف إبراهيم، والضيف يطلق على الواحد والجمع: كالزور والسفر، وكيف دخلوا عليه (فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ)، أي: خائفون. وقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قرَّبه لهم الضيافة، وهو: العجل السمين الحنيذ. (قَالُوا لَا تَوْجَلْ) أي: لا تخف، وبشروه بغلامٍ عليمٍ أي: إسحاق -عليه السلام، كما تقدَّم في سورة هود-.
ثم قال متعجبًا من كبره وكبر زوجته ومتحققًا للوعد: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون) فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقًا وبشارةً بعد بشارةٍ: (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ)، وقرأ بعضهم: "القنطين"، فأجابهم بأنه ليس بقنط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته، فإنه يعلم مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ.
(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) يقول تعالى إخبارًا عن إبراهيم -عليه السلام- لما ذهب عنه الرَّوْعُ وجاءته البشرى، إنه شرع يسألهم عما جاؤوا له، فقالوا له: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)، يعنون قوم لوط، وأخبروه أنهم سَيُنَجُّونَ آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المهلكين؛ ولهذا قالوا: (إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) أي: الباقين المهلكين" (تفسير ابن كثير).
في الآيات فوائد:
الفائدة الأولى:
بعد أن أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- في الآيات السابقة، أن ينبئ العباد أن الله هو الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم، وعطف عليه بأمره أن ينبئهم عن ضيف إبراهيم، وقصة ضيف إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- أولها رحمة الله بإبراهيم، وبشارته له بالغلام العليم، وخاتمتها بذكر عذاب الله لقوم لوط عذابًا أليمًا؛ فهذا التناسب الجميل كأنه بيان في واقع الحياة لمغفرة الله ورحمته بعباده الصالحين، وشدة عقابه للكفار والعصاة المجرمين؛ فليعتبر أولو الألباب بذلك، وليشهدوا آثار أسماء الله وصفاته في الكون، وذلك من أعظم ما يزيد إيمانهم، ويحققه لهم كلما شاهدوا آثار الأسماء والصفات بالكون، بل هذا هو الفرق بين أهل الإيمان والذِّكْر وبين أهل الغفلة والبُعد، فإن المؤمنين يشاهدون في كل حدث يقع أمامهم من آثار أسماء الله وصفاته ما يزدادون به يقينًا وإيمانًا وعلمًا في كمال الله -عز وجل- في أسمائه وصفاته وأفعاله.
الفائدة الثانية:
في هذه الآيات التصريح بأن إبراهيم قال لأضيافه: (قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ)، وفي المواضع الأخرى ذكر أنه أوجس منهم خيفة دون أن يقول لهم: (قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ)، وفي بعضها قال: (‌سَلَامٌ ‌قَوْمٌ ‌مُنْكَرُونَ) (الذاريات: 25)، وأما في هذا الموضع؛ فهو الموضع الذي ذكر فيه إبراهيم له وجلهم، وهذا دليل لوقوع الخوف الجبلي الطبيعي من الأنبياء، والأولياء من باب أولى، وجواز التصريح بوجود هذا الخوف والوجل.
والوجل: خوفٌ فيه اضطراب القلب لما يتوقع أو يُعلَم ضرره، وقد نَهَى الملائكة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- عن استمرار هذا الخوف، بعد أن أعلموه أن الضرر لا يُتوقع به، بل هم قد أتوا لبشارته بالغلام العليم إسحاق -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-.
الفائدة الثالثة:
في الآية فضيلة عظيمة لإسحاق -عليه السلام- لوصفه بالعلم، وفيه فضيلة العلم بالله وأسمائه وصفاته، وآياته، وأمره ونهيه؛ إذ ما يُمدح به الأنبياء يكون فضله عظيمًا لكلِّ مَن اتصف به، ولو لم يكن من الأنبياء.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 19-05-2025, 12:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (170) قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم بإسحاق من سورة الحجر (2)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -عز وجل-: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ . قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ . قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون . قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ . قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ . قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ . إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) (الحجر: 51-??).
الفائدة الرابعة:
في قول إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون) دليل على جواز التحقق من قول الصادق بتأكيد السؤال عليه، فقد كرَّر إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- السؤال: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ) تعجبًا، ثم سأل مكررًا: (فَبِمَ تُبَشِّرُون).
ومن هذا الباب: قول الله -عز وجل- عن زكريا -عليه الصلاة والسلام-: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي ‌عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (آل عمران: 40).
وفي مثل هذا التثبت والتحقق نوع من الشعور بالامتنان لله -عز وجل-، واستحضار أن الأمر عظيم، وأن النعمة جسيمة، فيجد الإنسان لذة العطاء من الكريم المنان، فهو يريد تكرار البشارة واستمرارها؛ لما يجد فيها من الفرح والسرور والروح، بإجابة الدعاء وحصول الاجتباء والفضل والعطاء، وهذا من أعظم أسباب سعادة المؤمن.
الفائدة الخامسة:
في قول الملائكة -عليهم السلام-: (بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ) فيه تقرير البشارة وتكريرها، ووصفها بأنها الحق؛ فهي متحققة الوقوع؛ لأنها من عند الله، وعلى لسان ملائكته الكرام -عليهم الصلاة والسلام-، وفي الآية النهي عن القنوت من إجابة الدعاء ولو تأخرت الإجابة؛ فلا يصح للعبد أن يقول: دعوتُ فلم يستجب لي! فقد تتأخر الإجابة إلى زمن يطول عليك في الدنيا، وقد تتأخر إلى يوم القيامة، وقد يكون قد صُرِف عن العبد من السوء مثلها.
فلا يقنط المؤمن أبدًا من إجابة دعائه، ولم يكن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- قانطًا من رحمة الله أبدًا، ولكن ربما ظن أن دعوته بهبة الصالحين التي دعاها حين فارق قومه وهاجر من بين أظهرهم، كما قال -تعالى-: (وَقَالَ ‌إِنِّي ‌ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات: 99، 100)، قد تحققت وأجيبت بولادة إسماعيل -صلى الله عليه وسلم-، ولكن كانت هناك إجابة أكمل ونعمة أتم ورحمة أعظم، بولدٍ آخر من امرأته السابقة إلى الخيرات سارة، فـلله الحمد والمنة، والقنوط من رحمة الله في أصلها وكمالها من الضلال؛ لا يجوز لمؤمن أن يقنط من رحمة ربِّه في أصلها، ولا يجوز أن يقنط من الكمال أيضًا، بل لو وصل الأمر إلى زوال الرجاء بالكلية فلم يبقَ في القلب منه ذرة، زال الإيمان بالكلية؛ لأن الرجاء من أركان الإيمان القلبية، واليأس يناقضه، والإيمان ينقص بنقصانه، ويكمل بكماله الواجب والمستحب؛ ولذا قال إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ)؛ قال -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ ‌أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) (الزمر: 53، 54).
وفي الحديث عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌الْكَبَائِرُ: ‌الشِّرْكُ ‌بِالله، ‌وَالإِيَاسُ ‌مِنْ ‌رَوْحِ ‌الله، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) (رواه البزار، وحسنه الألباني)، وروى الطبراني وغيره عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله".
والظاهر في الفرق بين اليأس والقنوط: أن اليأس من روح الله وهو ترويحه، وإزالة الكرب والبلاء، يكون عند حلول الشدائد والمصائب، والقنوط من رحمة الله أعم منه؛ لكونه يكون عند حلول الشدائد والمصائب، وقد يقع استبعاد حصول الخير ولو لم يوجد بلاءٌ.
وكان المناسب في قصة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- هنا أن ينهوه عن القنوط؛ لأنه لم يكن في بلاء، ونفى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وجوده، ووصف مَن فعله بأنه ضالٌ؛ إذ لم يكن هو في شر، بل في نِعَم عظيمة، ولكن لم يكن يتوقع حصول مزيدِ الخير بوجود ولدٍ آخر بعد إسماعيل -صلى الله عليه وسلم- مع وصفه بالعلم، ويكون من سارة، وقد قال الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته: "والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام"، وهو صحيح إذ هو محمول على زوال الخوف بالكلية من القلب، وزوال الرجاء بالكلية، وكلاهما من أركان الإيمان، فإذا زال الخوف بالكلية حصل الأمن من مكر الله، وإذا زال الرجاء بالكلية حصل القنوط من رحمة الله، وقد قال الله -تعالى- في بيان ركنية الخوف في الإيمان: (‌وَخَافُونِ ‌إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 175)، وقال -تعالى- في ركنية الرجاء: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ ‌يَرْجُونَ ‌رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: 218).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29-05-2025, 01:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (171) قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم بإسحاق من سورة الحجر (3)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -عز وجل-: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ . قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ . قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون . قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ . قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ . قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ . إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) (الحجر: 51-??).
الفائدة السادسة:
قوله -تعالى-: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ . قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ . إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ)، الترتيب في سورة الحِجْر بين البشارة بالولد أولًا ثم الإخبار بالإرسال إلى قوم لوط لإهلاكهم، وفي سورة هود ذكر الإشارة بإهلاك لوط أولًا، ولما ضحكت سارة بعد أن عرفت حقيقة الرسل، واطمأنت وأَمِنَت من أن يكون منهم شر بُشِّرت بالولد: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود: 71).
والجمع بين الآيات ممكن واضح؛ إذ إن الترتيب في سورة الحجر ترتيبُ ذِكرٍ، وليس بترتيب زمن، والآيات فيها الجمع بالواو في بعض الأحداث، وفي بعضها ذكر الخبر دون أداة ترتيب، أما في سورة هود ففيها أداة الترتيب الفاء، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ . ‌وَامْرَأَتُهُ ‌قَائِمَةٌ ‌فَضَحِكَتْ ‌فَبَشَّرْنَاهَا ‌بِإِسْحَاقَ ‌وَمِنْ ‌وَرَاءِ ‌إِسْحَاقَ ‌يَعْقُوبَ) (هود: 70، 71).
وكذلك ما وقع من الملائكة ولوط، ففي سورة هود بيَّن -عز وجل- أن لوطًا لم يعرف الرسل إلا في آخر الأمر بعد قدوم قومه مريدين للفاحشة من ضيوفه حتى قال لهم: (قَالَ ‌لَوْ ‌أَنَّ ‌لِي ‌بِكُمْ ‌قُوَّةً ‌أَوْ ‌آوِي ‌إِلَى ‌رُكْنٍ ‌شَدِيدٍ . قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) (هود: 80، 81).
وأما في سورة الحجر، فذكر أنهم قالوا له: (‌بَلْ ‌جِئْنَاكَ ‌بِمَا ‌كَانُوا ‌فِيهِ ‌يَمْتَرُونَ) (الحجر: 63)، مع ذكر مجيئهم له أولًا، وهي في الحقيقة في آخر القصة بعد مجيء قومه كما ذكرت في سورة هود، والجمع كما ذكرنا أن الترتيب في سورة الحجر هو في ذكر مجموع الأحداث لا بترتيبها الزمني. والله أعلم.
مثل قوله في سورة الأنعام: (‌وَأَنَّ ‌هَذَا ‌صِرَاطِي ‌مُسْتَقِيمًا ‌فَاتَّبِعُوهُ ‌وَلَا ‌تَتَّبِعُوا ‌السُّبُلَ ‌فَتَفَرَّقَ ‌بِكُمْ ‌عَنْ ‌سَبِيلِهِ ‌ذَلِكُمْ ‌وَصَّاكُمْ ‌بِهِ ‌لَعَلَّكُمْ ‌تَتَّقُونَ . ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 153، 154).
فقد قال أهل العلم: إنه عطف جملة على جملة من باب ذِكْر الأحداث مجتمعة، وليس بترتيبها الزمني، نحو قول الشاعر:
قُل لِمَن سادَ ثُمَّ سادَ أَبوهُ قَبلَهُ ثُمَّ قَبلَ ذَلِكَ جَدُّه
فإذا احتمل هذا في لغة العرب مع وجود أداة الترتيب ثُمَّ؛ فبالأولى يجوز إذا لم تُذكَر، أو ذُكِر الجمع بالواو.
الفائدة السابعة:
في هذه الآية إثبات الإرسال الكوني، وهو بخلاف الإرسال الشرعي الذي أرسل الله به الرسل بالرسالة الشرعية، وأرسل الرسول الملكي إلى الرسول البشري وأرسل الرسول البشري بأوامر الله -عز وجل- ونواهيه إلى الناس الذين أرسل إليهم، وبما يجب من أخبارٍ يلزم تصديقها، وهذا الشرع الذي شرعه لهم؛ أما الإرسال الكوني فهو هنا للإهلاك، ومِن هذا الإرسال الكوني: قوله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (الأعراف: 57)، وقوله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) (مريم: 83)، أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا.
وهذا الإرسال الكوني لا يتضمن أمرًا شرعيًّا إلى المكلفين، وإن كانت الملائكة في قصة إبراهيم يمتثلون أمر الله بإهلاك قوم لوط، لكنهم لم يحملوا رسالة إليهم؛ إلا ما كان من أمر لوط وأهله بأن يسري بأهله بقطع من الليل، قال الله -تعالى- عنهم: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) (الحجر: 65)، لكن خبرهم لإبراهيم بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط، وقول إبراهيم لهم: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) المقصود به الإرسال لإهلاكهم؛ فهو الإرسال الكوني بلا شك.
الفائدة الثامنة:
قول الملائكة: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) دليل على أن الشذوذ الجنسي فعل قوم لوط، وكذا السحاق جريمة مستوجب للعقوبة الإلهية العظيمة في الدنيا، وكذلك في الآخرة، وليس كما يقول زنادقة الغرب ومَن وافقهم الذين لا يلتزمون بشريعة -لا يهودية ولا نصرانية ولا إسلام-: إنها حرية شخصية! وأن هذه الممارسات من حقوق الإنسان؛ سواء كانت لواطًا أو سحاقًا، أو غير ذلك من الأنواع العديدة التي يسمونها: النوع المجتمعي، وكذا الرغبة في التحول من الجنس إلى الجنس الآخر دون مقتضى طبي؛ هذا القول تكذيب للقرآن والتوراة والإنجيل، وإباء واستكبار عن شريعة الله.
وكل مَن نفى الجريمة عن فاعل الشذوذ فهو كافر، وإن كان مسلمًا قبل ذلك فهو مرتد، وإن كان كتابيًّا زال عنه وصف الكتابي، وصار وثنيًّا لا تحل ذبيحته، ولا يجوز الزواج من نسائهم، ولو وُجِدت امرأة في أوروبا أو أمريكا أو غيرها، ترى جواز فعل اللواط أو السحاق، وأنه حرية شخصية؛ فهي وثنية لا يجوز الزواج منها؛ لأنها فقدت وصف الكتابية بالإباء والرد للشريعة المتواترة في كلِّ شرائع الأنبياء، بوصف فعل قوم لوط بالإجرام، واستحقاقهم للهلاك.
والمحاولات المستميتة لنشر حرية الشذوذ في العالم، وتصحيح زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، بعد تصحيح المعاشرة؛ هذا كفر زائد لأنهم يسمونه: زواجًا، وتسميته زواجًا استحلال، وهو في الحقيقة إباء ورد.
وكذلك تجويز تكوين أسرة بين رجلين، أو امرأتين؛ أحد الرجلين يقوم بدور الزوج ثم الأب بعد ذلك، والآخر يقوم بدور المرأة الموطوءة ويقوم بدور الأم بعد ذلك، وهذا ينشرونه في العالم ويحاولون بكل طريق قبول العالم له، كما نصوا على ذلك في اتفاقية "سيداو" وما لحقها من اتفاقيات، ويسمون هذا: بالنوع المجتمعي، ويسعون لنشره في العالم ضمن ما سموه بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة حتى عام 2030؛ فهذا كله الكفر والردة عن الإسلام، والنفاق الأكبر إن كان صاحبه يتسمى بالإسلام، كما في إعلان ما سُمِّي بوثيقة الإسلام في فرنسا الذين تعهدوا بقبول الشذوذ وعدم احتقار أصحابه أو ذمهم؛ فكل ذلك يخالف كل شرائع الأنبياء؛ لا يجوز قبوله، ولا المعاونة عليه بحالٍ من الأحوال؛ وإلا فقد خرج المقرُّ والمعاوِن والراضي، عن دين الإسلام بتكذيب القرآن.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13-06-2025, 08:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (176) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (5)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
الفائدة الخامسة:
قوله -تعالى-: (‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ) أي: لم يكن منهم قط، وهذا فيه دليل على أن إبراهيم فيما ذكره الله عن الكوكب والقمر والشمس، كان مناظرًا لقومه ليقيم عليهم الحجة، ولم يكن ناظرًا باحثًا عن الله -كما قال بعضهم-؛ وإلا لم يصح هذا النفي العام: أنه لم يكن قط من المشركين، وأكَّدها الله بعدها بآيات في قوله -تعالى-: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، ودل على ذلك أيضًا: قوله -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ ‌رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) (الأنبياء: 51)؛ فهو من أول نشأته على الرشد؛ لا على الغي والضلال والشرك، وقد برأه الله من ذلك؛ فلو كان عابدًا للكوكب ثم للقمر ثم للشمس، لكان من المشركين والله قد أخبرنا أنه لم يكن منهم.
ويؤكد هذا القول -وهو: أن إبراهيم كان مناظرًا ولم يكن ناظرًا- قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث الشفاعة الطويل عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في تأخره عن مقام الشفاعة للخلق للإراحة من هول الموقف: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ ‌فِي ‌ذَاتِ ‌اللهِ) (متفق عليه)، وفي رواية لمسلم: "وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي ‌الْكَوْكَبِ: (‌هَذَا ‌رَبِّي)"؛ فدلَّ ذلك أنه كان يُعَرِّض أي: يقصد السؤال: أهذا ربي؟! ونحو ذلك من المعاني التي يحتملها التعريض، ولم يكن يعتقد ذلك، وذلك لإقامة الحجة عليهم؛ لأن هذه الكواكب كلها والنجوم لا تصلح للعبادة.
الفائدة السادسة:
في هذه الآية وجوب البراءة من أهل الملل المخالفة للتوحيد، وهم الآن كلُّ مَن لم يؤمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ويتبعه، ويتبع القرآن؛ ولو ادعوا التوحيد؛ كما قد يزعم البعض في الفراعنة أنهم كانوا أهل التوحيد، كما قالوا: إن إخناتون كان أول مَن وحَّد، وهو يعبد الشمس، ولو كان يعبدها وحدها فلا يكون موحِّدًا، بل هذا هو الشرك بعينه؛ لأن من عبد غير الله فقد أشرك، وإنما الموحد من أفرد الله سبحانه بالربوبية والألوهية والعبادة.
وكذا يزعم البعض: أن اليهود والنصارى -المعاصرين والماضين- هم مؤمنون؛ لأنهم أهل كتاب! وهذا قول مخالف لصريح القرآن؛ قال الله -تعالى-: (‌وَقَالَتِ ‌الْيَهُودُ ‌عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: 30-33).
فهذه الآيات نصوص قطعية الثبوت والدلالة على أن اليهود والنصارى من الكافرين المشركين، وتدل على كراهتهم للإسلام ورغبتهم في محوه، وإهلاك أهله.
وما يفعله اليهود اليوم في غزة من إبادة جماعية، وقتل النساء والأطفال والرجال العزل، وتدمير كل شيء، وتصريحهم بإرادتهم ونيتهم في هدم المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل المزعوم مكانه؛ كل هذا يدل كل عاقل على شدة عداوتهم وكفرهم بالإسلام، وهذا يهدم فكرة الدِّين الإبراهيمي الجديد مِن أصلها؛ فلو كانوا يعتقدون أن المسلمين مؤمنون مثلهم بدين واحد؛ فكيف يقتلونهم هذا القتل الفظيع؟! وكيف يتعاملون بهذه العصبية الإجرامية ضد الإسلام وأهله؟! وكيف يؤيدهم في ذلك -تأييدًا تامًّا- الغرب؛ سواء كانوا نصارى أو ملاحدة؟!
فكما هَدَمت فكرةَ الدين الإبراهيمي الجديد نصوصُ القرآن والسُّنة القاطعة؛ فكذلك يهدمها واقع اليهود ومَن والاهم من النصارى والملاحدة والمشركين، وإنما يريدون بنشر فكرة الدين الإبراهيمي -المزعوم!- خداع المسلمين وحدهم، وصرفهم عن دينهم، ويأبى الله ذلك والمؤمنون، (‌وَسَيَعْلَمُ ‌الَّذِينَ ‌ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء: 227).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29-05-2025, 01:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (172) قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم بإسحاق من سورة الحجر (4)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -عز وجل-: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ . قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ . قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون . قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ . قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ . قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ . إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) (الحجر: 51-??).
الفائدة التاسعة:
قوله -تعالى-: (إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) دليل على إنجاء الله -سبحانه- لعبادة المؤمنين الذين قاموا بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العذاب العام الذي ينزل بالقوم الكافرين، وكذا الفاسقين المخالفين للرسل، كما قال -تعالى- في قصة أصحاب السبت: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (الأعراف: 163-166).
فبيَّن مصير الفاسقين، وبيَّن مصير الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وسَكَت عن الساكتين؛ ولذا اختلف فيهم: هل نجوا أم هلكوا؟
وقال الله -عز وجل-: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) (هود: 116)؛ فالدعوة إلى الله والإعذار إليه لإقامة الحجة سبب للنجاة، وليس سببًا للضرر -كما يتصور البعض!-.
وقال -تعالى-: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ . إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ . نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ) (القمرة: 33-35).
فهذه الآية عامة وقاعدة كلية في نجاة الشاكرين؛ الذين يشكرون نعمة الله -سبحانه وتعالى- بالدِّين والطاعة، والإسلام والالتزام؛ فذلك كله من أعظم النعم التي يجب شكرها بالالتزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فينجي الله -عز وجل- مَن شكر هذه النعم مِن العقوبة التي ينزلها بالقوم المجرمين؛ فلا بد أن يحافظ الدعاة إلى الله على هذا الدور؛ شكرًا لنعمة الله عليهم، ومَن ترك الدعوة لم يكن شاكرًا لنعمة الله بالدين، وإنما تنزل الفتن التي تعم ولا تصيب الذين ظلموا خاصة إذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ‌لِمَا ‌يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال: 24، 25).
الفائدة العاشرة:
في قوله -تعالى-: (إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) أي: الباقين، دليل على مصير امرأة لوط؛ أنها بقت مع الباقين من قومها الذين نزل بهم العذاب، ولم تخرج أصلًا من القرية، وليس كما ذكر بعض المفسرين أنها خرجت مع لوط وبناته فلما سمعت الوجبة -أي: صوت وقوع العذاب بقومها- التفتت إلى قومها، فقالت: واقوماه! فأصابها حجر فقتلها، بل الصحيح أنها لم تخرج أصلًا؛ لقوله -تعالى-: (فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) (الذاريات: 35، 36)، فلم يُخرِج -سبحانه- إلا المؤمنين، وهي لم تكن مؤمنة، بل كافرة خائنة لزوجها؛ خيانة عقيدة بموالاة قومها، ورضاها بما هم عليه، كما قال -تعالى-: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (التحريم: 10).
فهي إذًا لم تخرج، والاستثناء في قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ) (هود: 81)، هو من الإسراء بأهله، فلم تخرج ضمنهم، وليس من الالتفات، وظاهر القرآن أنها أصابها كل ما أصابهم مِن جعل عالي القرية سافلها، والمطر من سجيل منضود، والصيحة كما قال -تعالى-: (‌فَأَخَذَتْهُمُ ‌الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) (الحجر: 73).
وخروجها مع لوط يجعلها خارج هذه الأمور إلا الحجارة، ومصير امرأة لوط مما يُتعجب منه ومن حالها؛ فإنها والت قومها، وهي لم تنتفع بشيء من فاحشتهم وانحرافهم؛ فهي امرأة ضمن النساء المتروكات، قال الله -عز وجل- عن لوط -عليه السلام-: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ . وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) (الشعراء: 165، 166).
وهي عجوز لا تشتهي ولا تُشتَهى، وكانت قبل ذلك على الطبيعة والفطرة الإنسانية إذ قد أنجبت بنات لوط من لوط، ثم انحرفت بالتقليد الأعمى والطاعة الجاهلية لقومها، والاتباع على الباطل لهم، وهذا هو الركون إلى الظالمين بالرضا والمتابعة، وإن لم يكن بالفعل، فمَن رضيَ بالكفر كَفَر، ومَن رضي بالفواحش والشذوذ أخذ عقوبتها عند الله وإن لم يفعلها، ومن أحب قومًا حُشِر معهم، والمرء مع من أحب يوم القيامة.
فالواجب على المسلم أن يبغض الكفار والفسقة على كفرهم وفسقهم، كما قال لوط -عليه السلام-: (‌إِنِّي ‌لِعَمَلِكُمْ ‌مِنَ ‌الْقَالِينَ) (الشعراء: 168)، أي: من المبغضين؛ حذرًا من أن يصيبهم ما أصابهم، فالموالاة مستوجبة لنفس المصير، فمَن والى اللهَ ورسوله والمؤمنين كان معهم، ومن والى أعداء الدِّين كان معهم.
ونسأل الله أن ينجينا والمسلمين من كلِّ سوء.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 29-05-2025, 01:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (172) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (1)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
إن الإمامة في الدين قضية عظيمة الأهمية في حياة البشر؛ لأن الاقتداء والاتباع لدى البشر بالقدوة التي تكون منهم، أعظم أسباب هدايتهم؛ فإن التطبيق العملي لحقائق الإيمان والإسلام والإحسان أعظم أثرًا من مجرد التقرير النظري للقضايا؛ ولذا أرسل الله الرسل من البشر: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ‌نُوحِي ‌إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) (يوسف: 109)، وجعلهم الله الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21).
وقال الله -عز وجل-: (‌قَدْ ‌كَانَتْ ‌لَكُمْ ‌أُسْوَةٌ ‌حَسَنَةٌ ‌فِي ‌إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: 4)، وقال -عز وجل- بعد ذكر الأنبياء: (أُولَئِكَ الَّذِينَ ‌هَدَى ‌اللَّهُ ‌فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: 90).
وأصحاب الأنبياء ينتفعون بصحبتهم، ويقتدون بهم، ويصبحون أئمة في الخير والهدى، ويصبحون بعد ذلك هم القدوة لمن بعدهم، وهكذا حتى يتم توريث الدِّين الحق للأجيال المتتابعة، والالتزام به، ولقد جعل الله عز وجل إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- إمامًا للناس عبر الزمان والمكان، ثم كان إمام البشرية كلها محمد -صلى الله عليه وسلم- من ذرية إبراهيم، وقد جعله الله -عز وجل- رسولًا إلى الناس كافة؛ إلى الأحمر والأبيض والأسود، إلى العرب والعجم، إلى الإنس والجن، وأوجب على جميع المكلفين اتباعه، فقال: (‌فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ‌بِسِتٍّ...) ومنها: (وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، ‌وَبُعِثْتُ ‌إِلَى ‌النَّاسِ ‌كَافَّةً) (متفق عليه).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ‌لَا ‌يَسْمَعُ ‌بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ‌يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (رواه مسلم).
وأورث الله النبي -صلى الله عليه وسلم- اتباع ملة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، والتخلق بأخلاقه، والاتصاف بصفاته التي بها صار إمامًا؛ مِن: الحنيفية والقنوت لله -عز وجل-، والبراءة من الشرك والمشركين، وشكر نعم الله الدينية والدنيوية، والهداية إلى الصراط المستقيم، وأعظم الله عليه فضله، وكان فضل الله عليه عظيمًا، وأتم عليه نعمته، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وصار أعظم قدوة للبشرية على الإطلاق باتباعه ملة أبيه إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، واتخذه الله خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، ‌كَمَا ‌اتَّخَذَ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌خَلِيلًا) (رواه مسلم)، بل يقول إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة في موقف الشفاعة: (‌إِنَّمَا ‌كُنْتُ ‌خَلِيلًا ‌مِنْ ‌وَرَاءَ ‌وَرَاءَ) (رواه مسلم)، وإذا كان الأمر كذلك؛ لزمنا أن نعرف ما ذكر الله في كتابه من الصفات التي وُفِّق لها إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- حتى صار إمامًا للبشرية؛ لنقتدي به فيها، ونتأسى به الأسوة العظيمة الحسنة؛ عسى أن يجعلنا الله مع أنبيائه ورسله؛ خاصة محمد وإبراهيم -صلى الله عليهما وسلم-، وهذه الآية من سورة النحل تتناول هذه المسألة العظيمة فلنتدارسها، ولندرس تفسيرها وفوائدها؛ قال الله -عز وجل-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ).
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "يمدح الله عبده ورسوله وخليله إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-؛ إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، ويبرئُه من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية، فقال: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا)؛ فأما الأمة فهو: الإمام الذي يُقتدَى به. والقانت: هو الخاشع المطيع. والحنيف: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد؛ ولهذا قال: (‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ)؛ قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت؛ فقال: الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله.
وعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة الذي يعلم الناس دينهم.
وقال الأعمش، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين أنه جاء إلى عبد الله فقال: مَن نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رقَّ له، فقال: أخبرني عن الأمة؟ فقال: الذي يعلم الناس الخير.
وقال الشعبي: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، وقال: إنما قال الله: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً) فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأمة الذي يعلم الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك كان معاذ.
وقد روي من غير وجه، عن ابن مسعود أخرجه ابن جرير. وقال مجاهد: أمة أي: أمة وحده، والقانت: المطيع. وقال مجاهد أيضًا: كان إبراهيم أمة، أي: مؤمنًا وحده، والناس كلهم إذ ذاك كفار. وقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت: المطيع لله.
وقوله: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) أي: قائمًا بشكر نعم الله عليه، كما قال: (‌وَإِبْرَاهِيمَ ‌الَّذِي ‌وَفَّى) (النجم: 37)؛ أي: قام بجميع ما أمره الله -تعالى- به.
وقوله: (اجْتَبَاهُ) أي: اختاره واصطفاه، كقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ‌مِنْ ‌قَبْلُ ‌وَكُنَّا ‌بِهِ ‌عَالِمِينَ) (الأنبياء: 51)، ثم قال: (وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي.
وقوله: (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) أي: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة. (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)، وقال مجاهد في قوله: (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) أي: لسان صدق.
وقوله: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي: ومن كماله وعظمته، وصحة توحيده، وطريقه: أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل، وسيد الأنبياء -صلى الله عليه وسلم-: أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) كقوله في "الأنعام": (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‌دِينًا ‌قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: 161)" (انتهى من تفسير ابن كثير).
وتليه فوائد الآيات -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 187.06 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 181.18 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (3.14%)]