|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#151
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 51الى صــ175 الحلقة (151) وتقدم قول عليّ -رضي الله عنه-: «لو علمْتُ أنّكما تعمّدتما لقطعتُكما» (١). ١٠ - إِذا أمسك الرجل وقتلَه الآخر؛ يقتل الذي قَتَل ويُحبس الذي أمسَك. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «إِذا أمسَك الرجل الآخر؛ يُقتل الذي قَتَل ويُحبس الذي أمسَك» (٢). قلت: ويُحمل حبْس الذي أمسَك، إِنْ كان لا يعلم إِرادة تعمُّد القتل عند صاحبه، أمّا إِن كان يعلم ذلك فإِنه شريكه. وقد تقدم أثر عمر -رضي الله عنه- «لو تمالأ عليه أهل صنعاء (٣) لقتَلْتُهم جميعًا» (٤). والله أعلم. فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله- عن جماعةٍ دخلوا على بيتٍ لقتْلِ رجل، فقتَلَ منهم دفاعًا عن نفسه. فأجاب -رحمه الله-: «لا يقال بأنه قاتل، وإِذا جاء جماعةٌ أرادوا أخْذه لاستجوابه وهو يعلم ذلك، فلا يجوز أَن يقْتُل». ------------- (١) انظر كتاب «السرقة» (إِذا تراجع الشاهدان في الشهادة بعد إقامة الحدّ). (٢) أخرجه الدارقطني بإِسناد صحيح، وانظر «هداية الرواة» (٣٤١٥) بتحقيق شيخنا -رحمه الله-. (٣) تمالأ عليه أهل صنعاء: أي تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا. وتقدّم. (٤) تقدم تخريجه. ماذا يترتّب على قتْل العمد؟ يترتب على قتل العمد القصاص عند وجود المكافئ. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي - ﷺ - قال: «العمد قَوَد والخطأ ديَة (١)» (٢). *ولا يرث القاتل من ميراث المقتول شيئًا، لا من ماله، ولا من دِيته؛ إِذا كان من ورثته، وقاعدة الفقهاء في ذلك: «مَن استعجل الشيء قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه»* (٣). عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس للقاتل من الميراث شيء» (٤). وفي رواية: «ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إِليه، ولا يرث القاتل شيئًا» (٥). وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٣) «وسئل -رحمه الله- عن القاتل -------------------- (١) أخرجه أحمد والنسائي وانظر»الصحيحة«(١٩٨٦). (٢) انظر -إن شئت-»الروضة النديّة«(٢/ ٦٣٩). (٣) ما بين نجمتين من»فقه السنة«(٣/ ٢٩٨). (٤) أخرجه البيهقي والدارقطني وغيرهم وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١٦٧١). (٥) أخرجه البيهقي وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨١٨)، وانظر»الإِرواء" (٦/ ١١٧ - ١١٨) تحت الحديث (١٦٧١). ولدَه عمدًا؛ لمن ديته؟ فأجاب: وأمّا الوارث كالأب وغيره إذا قتَل مورثه عمدًا؛ فإِنه لا يرث شيئًا من ماله ولا ديته باتفاق الأئمّة، بل تكون ديته كسائر ماله يحرمها القاتل؛ أبًا كان أو غيره، ويرثها سائر الورثة غير القاتل». من حقّ الورثة التنازُل عن القِصاص وطلب الدية أو العفو: إِذا تنازل الورثة عن القِصاص، فلهم طلب الدِّية. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ - «مَن قُتِل له قتيل؛ فهو بخير النظرين: إِمّا إِن يودَى (١) وإِما إن يُقاد» (٢). ولهم الصُّلح على زيادةٍ في الدِّية، ولهم كذلك العفو مجّانًا -وهو الأفضل- لقول الله -تعالى-: ﴿وأَن تعفوا أقرب للتقوى ولا تَنْسَوا الفضل بينكم﴾ (٣). وقد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذِينَ آمنوا كُتِبَ عليكمُ القِصاص في القتلى الحُر بالحُرّ والعبدُ بالعَبْدِ والأنثَى بالأنثَى فَمَن عُفَي لهُ مِن أخيه شيء فاتباعٌ بالمعرُوف وأداءٌ إِليهِ بإِحسان ذَلك تخفيفٌ مّن ربكم ورَحمةٌ فمنِ اعتدَى بعدَ ذلكَ فَلَهُ عذابٌ أليمٌ﴾ (٤). ------------------------ (١) أي: يُعطى الدِّية. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥). (٣) البقرة: ٢٣٧. (٤) البقرة: ١٧٨. ماذا إِذا عفا أحد الورثة؟ وإِذا عفا أحد الورثة، سقط القِصاص. فعن زيد بن وهب أن عمر -رضي الله عنه- «أُتي برجل قَتَل قتيلًا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول -وهي أخت القاتل-: قد عفوت عن حقي، فقال عمر: الله أكبر، عُتق القتيل، فأَمَر عمر لسائرهم بالدّية» (١). وعن زيد بن وهب أيضًا: «أنّ رجلًا دخل على امرأته. فوجد عندها رجلًا فقتلها، فاستعدى عليه إِخوتها عمر -رضي الله عنه- فقال بعض إِخوتها: قد تصدقت فقضى لسائرهم بالدية» (٢). وفي رواية: «أنّ رجلًا قتَل امرأته، استعدى ثلاثة إِخوة لها عليه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فعفا أحدهم، فقال عمرُ للباقين: خذا ثلثي الدِّية؛ فإِنه لا سبيل إِلى قتله» (٣). القَتْل شبه العمْد: شبه العمد أحد أقسام القتل، وهو: أن يقصَد ضرْبه بما لا يَقْتُلُ غالبًا، إِمّا لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه؛ كالضربِ بالسوط والعصا والحجر الصغير والوكْز واليد. --------------------- (١) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» وانظر «الإرواء» (٢٢٢٢). (٢) أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٢٢٥): «وإسناده صحيح على شرط الشيخين». (٣) أخرجه ابن أبي شيبة وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٢٢٥): «وإسناده صحيح». وسائر ما لا يَقْتُل غالبًا إِذا قتل؛ فهو شبه عمد؛ لأنه قصَد الضرب دون القتل، ويُسمّى عمدَ الخطأ وخطأ العمد؛ لاجتماع العمد والخطأ فيه فإِنه عَمَد الفعل وأخطأ في القتل (١). *ولما لم يكن عمدًا محضًا، سقط القَوَد؛ لأن الأصل صيانة الدماء، فلا تُستباح إِلا بأمر بيّن، ولما لم يكن خطأ محضًا -لأن الضرب مقصود بالفعل دون القتل- وَجَبَت فيه دِيَة مُغلظة* (٢). عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: أنّ النبي - ﷺ - قال: «عَقلُ (٣) شبهِ العمد مُغَلّظ؛ مثل عقْلِ العمد، ولا يُقتَل صاحبه، وذلك أن ينزو (٤) الشيطَان بين الناس فتكون دماء في عِمّيّا (٥) في غير ضغينة (٦) ولا حمْلِ سلاح» (٧). --------------------- (١) «المغني» (٩/ ٣٣٧). (٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٢٩٥). (٣) العقل: أي: الدّية وأصلُه: أنّ القاتل إِذا قَتَل قتيلًا جمَع الدِّية من الإِبل فعَقَلها بفِناء أولياء المقتول: أي: شَدّها في عُقُلها ليُسَلمها إِليهم ويَقبضُوها منه، فسُميت الدِّية عَقلًا بالمصدر. يقال عَقَل البعير يَعْقله عقلًا، وجمعُها عقُول. وكان أصل الدِّية الإِبل، ثم قُوّمت بعد ذلك بالذهب والفضة والبقر والغنم وغيرها. «النهاية». (٤) النزو: الوثوب والتسرّع إِلى الشّر؛ انظر «النهاية» و«عون المعبود» (١٢/ ٢٠٠) وسيأتي كلام الحافظ -رحمه الله- قريبًا بإِذن الله. (٥) عِمّيّا: -بكسر العين والميم المشددة وتشديد الياء-: أي: في حالٍ يعمى أمْرُه، فلا يتبين قاتله ولا حالُ قتْله، فحُكمه حُكم قتيل الخطأ؛ تجب فيه الدِّية «النهاية» -بتصرف يسير-. (٦) الضغينة: الحقد والعداوة والبغضاء. (٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨١٩)، وانظر المشكاة (٣٥٠١). جاء في «عون المعبود» (١٢/ ٢٠١): «والحاصل أن قتل شبه العمد يحصل بسبب وثوب الشيطان بين الناس، فيكون القتال بينهم من غير حقد وعداوة ولا حمْل سلاح، بل في حالٍ يعمى أمره، ولا يتبين قاتله ولا حال قتله، ففي مثل هذه الصورة؛ لا يُقتَل القاتل بل عليه دِيَة مغلظة مثل دية قتل العمد». وفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أيضًا أنّ رسول الله - ﷺ - خطب يوم الفتح بمكة، ثم قال: «ألا إِنّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا» (١). ماذا يترتب على قتل شِبْه العمد؟ لا يجب في قتل شبه العمد القِصاص، ويجب فيه الدية المغلّظة على العاقلة (٢). قال في «المغني» (٩/ ٣٣٧): «فهذا لا قَوَد فيه، والدّية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم ..». مسألة: جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٤٤) «وَسئلَ -رحمه الله- عمن ضرب رجلًا ضربة فمكث زمانًا ثمّ مات، والمدة التي مكث فيها كان ضعيفًا من الضربة: ما الذي يجب عليه؟ -------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨٠٧)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٢٧)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٤٥٨)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢١٩٧). (٢) انظر»الروضة" (٢/ ٦٣٩). فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إِذا ضربه عدوانًا فهذا شبه عمد فيه دية مغلظة، ولا قَوَد فيه، وهذا إِن لم يكن موته من الضربة. والله أعلم». القتل الخطأ (١): هو أن لا يقصد ضربه، وإِنما قصَد غيره فأصابه، أو أن يفعل ما يجوز له ويُباح؛ كأن يحفر بئرًا؛ فيتردّى فيه إِنسان، أو أن يرمي الصيد، أو يفعل ما يجوز له قتْله فيؤول إِلى قتْل آدمي، فلا قَوَد عليه ولا قِصاص، وإِنما تجب الدية مخفّفة؛ كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-. قال ابن المنذر: «أجمع كلُّ من نحفظ عنه مِن أهل العلم؛ أن القتل الخطأ؛ أنْ يرمي الرامي شيئًا؛ فيصيب غيره، لا أعلمهم يختلفون فيه. هذا قول عمر بن عبد العزيز وقتادة والنخعي والزهري وابن شبرمة والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. فهذا الضرب من الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفّارة في مال القاتل بغير خلاف نعلمه. ماذا يترتب على قتل الخطأ؟ تجب الدّية مخفّفة على العاقلة (٢) والكفّارة في مال القاتل، وهي عتق ----------------------- (١) ملتقط من»المغني«(٩/ ٣٣٨) و»الروضة الندية«(٢/ ٦٣٩). (٢) قال في»النهاية«:»والعاقلة: هي العَصَبة والأقارب مِن قِبل الأب الذين يُعْطُون ديَةَ قتيل الخطأ ... وأصلها اسم فاعلة من العقل، وهي مِن الصّفات الغالبة«. وقال الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«(١٢/ ٢٤٦):»العاقلة: بكسر القاف جمع = رقبة مؤمنة فإِن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. والأصل في وجوب الدِّية والكفّارة قول الله -تعالى-: ﴿ومن قَتَل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وديِةٌ مُسلَّمة إِلى أهله إِلا أن يصّدقوا﴾ وسواء كان المقتول مسلمًا أو كافرًا له عهد لقول الله -تعالى-: المتقدّم ﴿وإِن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدِيَةٌ مسلَّمة إِلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾. ولا قِصاص في شيء من هذا لأن الله -تعالى- أوجب به الدية ولم يذكر قصاصًا. وقال النبي - ﷺ -: «إِنّ الله وضَع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا ----------------------- = عاقل وهو دافع الدية، وسُمّيت الدية عقلًا تسميةً بالمصدر؛ لأن الإِبل كانت تُعْقَل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إِبلًا. وعاقلة الرجل قرابته من قبل الأب، وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإِبل على باب ولي المقتول، وتَحمُّل العاقلة الدية ثابت بالسنة، وأجمع أهل العلم على ذلك، وهو مخالف لظاهر قوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ لكنه خُصّ من عمومها، ذلك لما فيه من المصلحة؛ لأن القاتل لو أُخِذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله، لأن تتابع الخطأ منه لا يؤمَن، ولو تُرك بغير تغريم لأهدر دم المقتول. قلت: [أي: الحافظ -رحمه الله تعالى-] ويحتمل أن يكون السر فيه أنه لو أفرد بالتغريم حتى يفتقر لآل الأمر إِلى الإِهدار بعد الافتقار، فجعل على عاقلته؛ لأن احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة، ولأنه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إِلى مثل ذلك من جماعة أدعى إِلى القَبول؛ من تحذيره نفسه والعلم عند الله -تعالى-. وعاقلة الرجل عشيرته، فيبدأ بفخذه الأدنى فإِن عجزوا ضم إِليهم الأقرب إِليهم وهي على الرجال الأحرار البالغين أُولي اليسار منهم». عليه» (١). ولأنه لم يوجب القِصاص في عمد الخطأ ففي الخطأ أولى (٢). فائدة: جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٧٠): «وإِذا ماتَ منْ عليه الكفّارة ولم يُكفّر، فليُطعم عنه وليّه ستّين مِسكينًا فإِنّه بدلُ الصيام الذي عَجزت عنه قوتُه، فإِذا أَطعَم عنه في صيام رمضان فهذا أولى. والمرأة إِنْ صامت شهرين متتابعين؛ لم يَقْطَع الحيضُ تتابُعَها، بل تَبني بعد الطهر باتفاق الأئمِّة، والله أعلم». عمْد الصبيّ والمجنون خطأ تحمله العاقلة: جاء في «الغني» (٩/ ٥٠٤): «عمْد الصبيّ والمجنون خطأ تحمله العاقلة، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تحمله؛ لأنه عمد يجوز تأديبهما عليه، فأشبه القتل مِن البالغ. ولنا أنه لا يتحقق منهما كمال القصد فتحمله العاقلة كشبه العمد، ولأنه قتْلٌ لا يوجب القِصاص لأجل العذر، فأشبه الخطأ وشبه العمد، وبهذا فارَقَ ما ذكروه ويبطُل ما ذكروه بشبه العمد». قلت: والذي جاء في «المغني» هو الأرجح، وتعليله أقرب للنُّصوص المتصلة بالموضوع. والله -تعالى- أعلم. وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٨): «وسُئل -رحمه الله- تعالى ----------------------- (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٤)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٨٢). (٢) انظر»المغني«(٩/ ٣٣٨) -بتصرف- وانظر»الروضة الندية" (٢/ ٦٥٢). عن صبيّ دون البلوغ جنى جناية يجب عليه فيها دِية؛ مثل أن يَكسر سنَّا، أو يَفقأ عينًا، ونحو ذلك خطأ؛ فهل لأولياء ذلك أن يأخذوا دِيَة الجناية من أبي الصبيّ وحده إِنْ كان موسرًا؟ أم يطلبوها من عمّ الصبي أو ابن عمّه؟ فأجاب: الحمد لله. أمّا إِذا فَعل ذلك خطأ؛ فديته على عاقلته بلا ريب؛ كالبالغ وأولى. وإِنْ فَعَل عمدًا فعمدُه خطأ عند الجمهور: كأبي حنيفة، ومالك وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه، وفي القول الآخر عنه وعن أحمد أنّ عمده إِذا كان غير بالغ في ماله». وفيه (ص ١٥٩): «والذي تحمله العاقلة بالاتفاق ما كان فوق ثُلث الدية، مِثْل قلْع العين، فإِنّه يجب فيه نصف الدِّية. وأمّا دون الثلث، كدِيَة السن؛ وهو نصف عشر الديَة، ودِيَة الأصبع، هي عشر الديَة» (١). ------------------ (١) انظر تتمّة كلامه للمزيد من الفائدة ومعرفة رأي الأئمة الأربعة -رحمهم الله أجمعين-. القِصاص القِصاص القصاص من قولِكَ: قَصَصْتُ الأثَرَ، وأقْصَصتُه: إِذا اتَّبعْتَه، قال الله -تعالى-: ﴿وقَاَلَتْ لأختِه قُصِّيهِ﴾ (١) أي: اتْبَعِي أثَره. وقال في قصة موسى -عليه السلام- وفتاهُ: ﴿فَارتدا عَلَى آثارِهما قَصَصًا﴾ (٢) كذلك القِصاص إِنِّما هو سُلوكُ مِثْل الطَّريقةِ التي فَعَلها الجارِحُ، لأنه يُؤتَى إِليه مثلَ ما أتَاَه هو (٣). وجاء في كتاب «التعريفات»: «هو أن يُفعل بالفاعل مثل ما فَعَل». وفي «طِلبة الطَّلَبَة»: «القتل بإِزَاءِ القتلِ، وإِتْلاف الطَّرف بإِزَاءِ إِتْلاف الطَّرف. وقد اقتصَّ وليُّ المقتولِ من القاتلِ: أي: اسْتَوفَى قِصاصَهُ. وأقصَّه السّلطانُ منَ القَاتِل؛ أي: أوفَاه قصاصهُ، وهو من قولِكَ قصَّ الأَثرَ، واقْتَصَّه: أي: اتَّبَعَهُ، وقصَّ الحديث واقتصَّه؛ أي: رَوَاه على جهتِه، وهو كذلكَ أيضًا، أي: من الاتَّباع ...». شروط القِصاص (٤): ١ - أن يكون الجاني مُكلَّفًا، فأمّا الصبيّ والمجنون فلا قِصاص عليهما، لا --------------------- (١) القصص: ١١. (٢) الكهف: ٦٤. (٣) انظر «حلية الفقهاء». (٤) ملتقط من «الشرح الكبير» (٩/ ٣٥٠) و«فقه السنة» (٣/ ٣٠١) بزيادة وتصرف. خلاف بين أهل العِلم؛ في أنه لا قِصاص على الصبيّ والمجنون، وكذلك كلُّ زائل العقل بسببٍ يُعذر فيه كالنائم؛ لقول - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (١). ولأنّ القِصاص عقوبة مغلّظة؛ فلم تجب على الصبيّ وزائل العقل كالحدود ولأنهم ليس لهم قصدٌ صحيح، فهم كالقاتل خطأً. وإِذا كان المجنون يزول عنه جنونه أحيانًا، فقَتل اقتصّ منه، وإِذا شرب رجلٌ شيئًا ظنّه غير مسكر، فزال عقله فقَتل في هذه الحال، فلا قِصاص عليه. ٢ - أن يكون المقتول معصومًا؛ فلا يجب القِصاص بقتلِ حربيّ؛ ولا يجب بقتله؛ ديَة ولا كفارة، وكذا الزاني المحصَن أو المرتد. عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّب الزانى، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ أعمى كانت له أمّ ولد، تشتم النبيَّ - ﷺ -، وتقَع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلمّا كانت ذات ليلة جَعَلت تقع في النبي - ﷺ - وتشتمه، فأخذ ---------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦١) وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٢٩٧). وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، مسلم (١٦٧٦) وتقدّم. المِغْوَل (١) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتَلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم. فلمّا أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجمَع الناس فقال: أنشد الله رجلًا فَعل ما فَعل لي عليه حقّ، إِلا قام. فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قَعد بين يدي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة جَعَلت تشتمك وتقع فيك، فأخذتُ المِغْوَل فوضعْتُه في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلْتُها، فقال النبي - ﷺ -: ألا اشهدوا أنّ دمها هدر» (٢). ٣ - أن يكون المجنيَّ عليه مسلمًا، فلا يُقتل مؤمن بكافر. عن أبي جُحَيفةَ قال: «سألت عليًا -رضي الله عنه-: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن -وقال مُرة: ما ليس عند الناس- فقال: والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرأ النَّسمةَ (٣)، ما عندَنا إِلا ما في القرآن -إِلا فَهْمًا يُعطَى رجلٌ في كتابه- وما في الصحيفة. قلتُ: وما في الصحيفة؟ قال: العقلُ، وفكاكُ الأسير، وأن لا يُقتل مسلمٌ ---------------------- (١) المِغْوَل: شبه سيف قصير، يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطّيه، وقيل هو حديدة دقيقة لها حَدٌّ ماضٍ، وقيل هو سوط في جوفه سيف دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس.»النهاية«. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٦٥)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٧٩٤)، وتقدّم. (٣) النسمة: أي خَلَقَ ذات الرُّوح.»النهاية". بكافر» (١). وعن علي -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر» (٢). وقد اختلف العلماء هل يُقتل الحُرّ بالعبد؛ والراجح أنه يُقتل لقوله -تعالى-: ﴿وكَتَبْنا عليهم فيها أنّ النفسَ بالنفس﴾ (٣). ولقوله - ﷺ -: «المسلمون تتكافأ (٤) دماؤُهم ويسعى بذمّتهم أدناهم» (٥). قال الإِمام الطبري -رحمه الله- فإِن قال قائل: فإِنه -تعالى-: ذكْره قال: ﴿كُتِبَ عليكم القِصاص في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبَدِ والأنثى بالأنثى﴾ فما لنا أن نقتصّ للحرّ إِلا من الحرّ، ولا للأنثى إِلا من الأنثى؟ قيل: بل لنا أن نقتصّ للحرّ من العبد وللأنثى من الذَّكر، بقول الله -تعالى- ذكْره: ﴿وَمَن قُتلَ مَظْلُومًا فَقَد جَعَلنا لوليّه سُلطَانًا﴾ (٦). وبالنقل المستفيَض عن رسول اللهَ - ﷺ - أنّه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤُهم». --------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٩٠٣). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٩٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٥٣) والنسائي، «صحيح سنن النسائي» (٤٤١٢)، وصححه شيخنا - رحمه الله - في «الإرواء» (٢٢٠٨). (٣) المائدة: ٥. (٤) تتكافأ: تتساوى في القصاص والدِّيات. «النهاية». (٥) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٠٨). (٦) الإِسراء: ٣٣. وقال: فإِنْ قال ذلك، فما وجه تأويل هذه الآية؟ قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: نَزَلت هذه الآية في قوم كانوا إِذا قَتَل الرجُل منهم عبدَ قومٍ آخرين؛ لم يرضوا مِنْ قتيلهم بدم قاتله؛ من أجل أنه عبد حتى يَقتُلوا به سيده. وإذا قَتَلَت المرأة من غيرهم رجلًا لم يرضوا من دم صاحبها بالمرأة القاتلة، حتى يقتلوا رجلًا من رهط المرأة وعشيرتها، فأنزل الله هذه الآية، فأعلمهم أن الذي فَرَض لهم من القِصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره، وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال، وبالعبد العبد القاتلَ دون غيره من الأحرار، فنهاهم أن يتعدُّوا القاتلَ إِلى غيره في القِصاص». ثم ذكر -رحمه الله تعالى- عددًا من الآثار في ذلك، وذكَر وجوهًا أُخرى ومناسبات عديدة ساقها بإسناده ثم قال -رحمه الله-: «.. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بالنقل العام؛ أنّ نفس الرجل قَوَدٌ قِصاصًا بنفس المرأة الحرة». ثم قال -رحمه الله-: «وإِذا كان كذلك؛ كان بيِّنًا بذلك؛ أنه لم يُرَدْ بقوله -تعالى-: ذِكْره: ﴿الحرّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى﴾ أن لا يقادَ العبد بالحرّ، وأن لا تُقتَل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى ...» انتهى. قلت: أمّا حديث: «لا يُقاد مملوك من مالكه» فإِنه لا يثبُت، وانظر تفصيل ذلك في «الإِرواء» (٧/ ٢٧٠). وكذا أثرُ علي -رضي الله عنه-: «من السُّنة أن لا يُقتل حُرٌّ بعبد» فهو ضعيف جدًا، وانظر «الإِرواء» أيضًا (٢٢١١). وفي «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٨٨) عن الحسن قال: «لا يُقاد الحر بالعبد» وهو صحيح مقطوع، ولا حُجّة فيه، كما لا يخفى على أهل العلم. والله -تعالى- أعلم. أقول: أمّا أن يقاد الرجل بالمرأة والعكس؛ ففيه عدد من الأدلة؛ إِضافة إِلى النصوص العامة المتقدمة. قال البخاري -رحمه الله- «باب القصاص بَيْن الرِّجالِ والنِّساءِ في الجرَاحَاتِ» وقال أهل العلمِ: يُقْتَل الرجل بالمرأة. ثم قال: ويذكَر عن عمر: «تُقادُ المرأة مِنَ الرَّجُلِ في كل عمدٍ يَبْلُغُ نفسه فما دونها مِنَ الجراحِ» (١). وبهِ قال عُمر بن عبدِ العَزيز وإِبْرَاهيمُ وأبو الزِّنادِ عَن أصحَابه (٢). وَجَرَحتْ أخْتُ الرُّبيع إِنسانًا فقالَ النبيُّ - ﷺ -: «القِصاصُ» (٣). -------------------------- (١) وصله سعيد بن منصور من طريق النخعي، قال: كان فيما جاء به عروة البارقي إِلى شريح من عند عمر قال: جرح الرجال والنساء والأثر به سواء. وسنده صحيح، وانظر «مختصر البخاري» (٤/ ٢٢٤). (٢) أما أثر عمر؛ فوصَله ابن أبي شيبه بسند صحيح عنه نحوه، وأما أثر إِبراهيم؛ وهو النخعي؛ فتقدم في أثر عمر الذي قبله، وأما أثر أبي الزناد؛ فوصله البيهقي بسند جيد عنه، «المصدر نفسه». (٣) وصله مسلم في «صحيحه» قال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر البخاري» (٤/ ٢٢٤) والراجح: «أن هذه القصة هي غير قصة الربيع نفسها المتقدمة في»الصلح«(ج٢/برقم ١٢١٣) [أي في»صحيح البخاري«] لتغايرهما من وجوه» انتهى. ولعلها القصة نفسها انظر «صحيح النسائي» برقم (٤٤٢٨) من حديث أنس أن أُخت الرّبيع أم حارثة جرحت إِنسانًا؛ فاختصموا إلى النبي - ﷺ -، وساق الحديث نفسه. ٤ - أن لا يكون أبًا للمقتول ولا أُمًّا؛ فلا يُقتَل الوالد بولده ولا الأمّ بولدها. عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يقاد الوالد بالولد» (١). وعن عمرو بن شعيب أنّ أبا قتادة، رجل من بني مُدْلِج، قَتَل ابنه، فأخذ منه عمر مائة من الإبل، ثلاثين حِقّة (٢)، وثلاثين جَذَعَة (٣)، وأربعين خَلِفَةً (٤). فقال: أين أخو المقتول؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس لقاتلٍ ميراث» (٥). وأما الأمّ فلأنها أولى بالبِرّ كما قال بعض العلماء؛ فلا قِصاص عليها في قَتْل ولدها. وفي هذه الحالة يدفع الأب الدية للورثة، ويُستثنى هو منها، وكذا الأمّ تدفع الديَة إِنْ قتلت، وتُستثنى منها؛ فلا تأخُذ شيئًا. ----------------------------- (١) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٢٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٥٧) وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٢١٤). (٢) حِقّة: هو من الإِبل ما دخل في السّنة الرابعة إلى آخرها، وسُميَ بذلك؛ لأنه استحق الركوب والتحميل. «النهاية». (٣) جَذَعَة: أصل الجذع من أسنان الدوابّ، وهو ما كان منها شابًا فتيًّا. وهو في الإبل ما دخل السنة الخامسة. «النهاية». (٤) خَلِفَةً: الحامل من النُّوق، وقد خَلِفت: إذا حَملت. «النهاية». (٥) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٤١)، وانظر «الإِرواء» (١٦٧٠، ١٦٧١). عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «نُحِلت لرجل من بني مدلج جارية، فأصاب منها ابنًا، فكان يستخدمها، فلما شبّ الغلام دعاها يومًا، فقال: اصنعي كذا وكذا، فقال: لا تأتيك، حتى متى تستأمي أمي (١)؟! قال: فغضب، فحذفَه بسيفه، فأصاب رجله، فنزف الغلام فمات. فانطلق في رهطٍ من قومه إِلى عمر -رضي الله عنه- فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك؟! لولا أنيّ سمْعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:»لا يقاد الأب من ابنه«لقتلتك، هلم دِيَته. قال فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير، قال: فخيّر منها مائة، فدفَعهَا إِلى ورثته، وتَرَك أباه» (٢). ٥ - أن يكون القاتل مختارًا فإِنّ الإِكراه يسلبه الإِرادة، ولا مسؤولية على من فقَد إِرادته. وقد تقدَّم هذا في أكثر من مسألة، وإِذا أَمَر مكلّفٌ غيرَ مكلفٍ بأن يقتل غيره، مثل الصغير والمجنون، فالقِصاص على الآخر، لأن المباشِر للقتل آلة في يده، فلا يجب القِصاص عليه، وإِنّما يجب على المتسبب. ----------------------- (١) تستأمي أمي: أي: تسترقّها. (٢) أخرجه ابن الجارود والبيهقي بهذا التمام، والدارقطني من طُرُق، وقال شيخنا -رحمه الله-: «وهذا إِسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي عمرو بن أبي قيس كلام يسير لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن. وقد ذكر الحافظ الزيلعي عن البيهقي أنّه قال:»وهذا إِسنادٌ صحيح«ولعلّ هذا في كتابه»المعرفة«فإِنّي لم أره في»السنن«. وقال الحافظ في»التلخيص«: وصحح البيهقي سنده؛ لأنّ رواته ثقات. وانظر»الإِرواء" (٧/ ٢٦٩). ![]()
__________________
|
|
#152
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 176الى صــ190 الحلقة (152) الجماعة تُقتَل بالواحد: عن سعيد بن المسيب:»أنّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قتَل نفرًا: خمسة أو سبعة؛ برجلٍ واحدٍ قتلوه قتل غيلة (١)، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء (٢) لَقَتْلتهم جميعًا» (٣). جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٩٠): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن جماعة اشتركوا في قَتْل رجل، وله وَرَثة صغار وكبار؛ فهل لأولاده الكبار أن يقتلوهم؛ أم لا؟ وإِذا وافَق وليّ الصغار -الحاكم أو غيره- على القتل مع الكبار: فهل يُقتَلون، أم لا؟ فأجاب: إِذا اشتركوا في قتْله؛ وجب القَوَد على جميعهم باتفاق الأئمة الأربعة، وللوَرَثة أن يقتلوا، ولهم أن يعفوا. فإِذا اتفق الكبار من الورَثة على قتْلهم فلهم ذلك عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إِحدى الروايتين. وكذا إِذا وافق وليّ الصغار الحاكم أو غيره على القتل مع الكبار؛ فيُقتلون. ثبوت القِصاص: ويثبت القِصاص بالآتي: ١ - الإِقرار: عن وائل بن حجر -رضي الله عنه- قال:»إِني لقاعِدٌ مع النبي --------------------------- (١) غيلة: أي في خُفيةٍ واغتيال، وهو أن يُخدع ويُقتل في موضع لا يراه فيه أحد. «النهاية». (٢) تمالأ عليه أهل صنعاء: أي تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا. «النهاية»، وتقدّم. (٣) أخرجه مالك في «الموطأ» والشافعي والبيهقي وغيرهم، وصححه شيخنا - رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٠١)، وتقدّم. - ﷺ - إِذا جاء رَجُلٌ يَقُودُ آخرَ بِنِسْعَةٍ (١). فقال: يا رسول الله هذا قَتَل أخي. فقال رسول الله - ﷺ - أقَتَلْتَهُ؟ فقال: إِنَّه لَوْ لَمْ يعترِف أقمْتُ عَلَيْه البَيّنةَ قال: نعم قَتَلْتُهُ. قال: كيف قَتَلْتَهُ؟ قال: كنت أنا وهو نَختَبط (٢) من شجَرَةٍ. فسَبَّني فأغَضَبني. فضرَبتُهُ بالفأس على قرْنِهِ (٣) فقتلته. فقال له النبي - ﷺ - هل لك مِنْ شَيءٍ تُؤدِّيه عَنْ نفسِك؟ قال: ما لي مَالٌ إلاَّ كِسائي وفأسي. قال: فَتَرى قومَك يشْتَرُونَكَ؟ قال: أنا أهْونُ على قومي من ذاك. فرمى إِليه بِنِسعَته. وقال: دُونَكَ صَاحبَكَ. فانطلَقَ به الرَّجل، فلما ولّى قال رسول الله - ﷺ -: إِنْ قَتَلَهُ فَهو مِثْلُهُ، فَرَجَع فقال: يا رسول الله إِنَّه بَلَغني أنّكَ قُلتَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُو مِثْلُهُ، وأَخَذتُه بِأمرِكَ. فقال رسول الله - ﷺ - أمَا تُريد أن يَبُوء بإِثمِك وإِثمِ صَاحبِك؟ قال: يا نبي الله! بَلَى، قال: فإِنَّ ذَاك كَذاكَ قالَ: فَرَمى بِنِسْعَتهِ وخَلّى سَبيله» (٤). ولعله لم يُرد قتْله، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قُتِل رجل ------------------------ (١) النِّسعة: حبل من جلود مضفورة. (٢) نختبط: أي نجمع الخبط -وهو ورق الثمر- بأن يضرب الشجر بالعصا فيسقط ورقه فيجمعه علفًا»شرح النووي". (٣) قرنه: جانب رأسه. (٤) أخرجه مسلم (١٦٨٠). على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إلى النبي - ﷺ -، فدفعَه إِلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله. قال: فقال رسول الله للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقًا ثمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّار قال: فخلَّى سبيله» (١). ويُسأَل القاتل حتى يُقرّ: قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «باب سؤال القاتل حتى يُقرّ، والإِقرار في الحدود». ثم ذكر حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أن يهوديًا رَضّ رأس جارية بين حَجَرين، فقيلَ لها مَن فعَل بك هذا؟ أفلان أو فلان؟ حتى سُمِّيَ اليهودي، فأَتى به النبي - ﷺ -، فلم يَزَل به حتى أقرّ، فرُضّ رأسه بالحجارة» (٢). وإِذا أقرّ بالقتل مرّة واحدة قتل به (٣). للحديث السابق (٤) وفيه: «فجيء باليهودي فاعترف». فإِنّه لم يذكُر فيه عددًا والأصل عدمه (٥). ------------------------ (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٧٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٣٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٧٨) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٤٠٣) وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٦)، ومسلم (١٦٧٢) وتقدّم. (٣) هذا العنوان من «صحيح البخاري» «كتاب الديات» (باب - ١٢). (٤) وقد ذكر الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- هذا الحديث تحت الباب السابق. (٥) انظر «الفتح» (١٢/ ٢١٣). ٢ - يثبت (١) بشهادة رجلين عدلين. عن رافع بن خديج قال: «أصبح رجل من الأنصار مقتولًا بخيبر، فانطلق أولياؤه إِلى النبي - ﷺ -، فذكروا ذلك له، فقال: لَكمْ شاهِدان يَشهدَان على قَتْل صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله، لم يكن ثَمّ أحدٌ من المسلمين، وإِنما هم يهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا. قال: فَاخْتارُوا مِنْهم خَمسِين فاستحلفوهم فأبوا، فوداه (٢) النبي - ﷺ - من عنده» (٣). استيفاء القِصاص (٤): ويُشترط لاستيفاء القِصاص ثلاثة شروط: ١ - أن يكون من يستحقّه مُكَلّفًا، فإِنْ كان صبيًّا أو مجنونًا لم يَجُز استيفاؤه، ويُحبَس القاتل حتى يبلغ الصبيّ، ويعقل المجنون -إِذا أمكن ذلك-. ٢ - أن يتفق أولياء الدم جميعًا على استيفائه، وليس لبعضهم الاستيفاء دون بعض، وإِنْ عفا بعضهم سقط القِصاص؛ كما تقدَّم. ------------------------ (١) أي القِصاص. (٢) وداه: أي أعطى ديِتَه. «النهاية». (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٩٣) وأصْل القصّة في «الصحيحين». (٤) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٨٣) -بتصرف وزيادة-. ٣ - أن يُؤمَن في استيفاء القِصاص التَّعدّي إِلى غير القاتل، فلو وجب القِصاص على حامل، أو حَمَلت بعد وجوبه، لم تُقتَل حتى تضع الولد وتسقِيه اللبأ -وهو أوّل اللّبن عند الولادة (١). وقد قال الله -تعالى-: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ (٢) وقتل ما في بطن الحامل منَ الإِسراف في القتل. عن بريدة -رضي الله عنه- قال: «جاءت امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه. فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدَني كما ردّدْت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إِنها حُبلى من الزنى، فقال: آنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك. قال: فكَفَلهَا رجل من الأنصار حتّى وضعت، قال: فأتى النّبيّ - ﷺ - فقال: قد وضعت الغامدّية. فقال: إِذًا لا نرجمها وندَع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله قال: فرجَمها» (٣). بمَ يكون القِصاص (٤)؟ الأصل في القصاص، أن يُقتَل القاتل بالطريقة التي قتَل بها؛ لأنّ ذلك ----------------------- (١) انظر «لسان العرب». (٢) الإسراء: ٣٣. (٣) أخرجه مسلم (١٦٩٥) وتقدّم. (٤) عن «فقه السنة» (٣/ ٣١٣) -بتصرف وزيادة-. مُقْتَضى المماثلة والمساواة. إِلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح، ولأنّ الله -تعالى- يقول: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمِثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (١). ويقول -تعالى-: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٢) وقد رجّح الجمهور أن القاتل يُقتَل بما قتَل به، وتمسّكوا بالآيتين السابقتين (٣). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «يأمر -تعالى- بالعدل والاقتصاد والمماثلة في استيفاء الحق ..». وقال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٤) وقد رضّ رسول الله - ﷺ - اليهودي بحجر لمّا رضّ هو رأس المرأة بحجر. فعن أنس من مالك -رضي الله عنه- أن يهوديًا رضّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: مَن فعل بكِ هذا؛ أفلان أفلان حتى سُمي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمَر النبي به - ﷺ - فَرُضّ رأسُه بالحجارة«(٥). ولا تجوز المثلة في القِصاص؛ لأنه من الإِسراف في القتل. ------------------------- (١) سورة البقرة: ١٩٤. (٢) النحل: ١٢٦. (٣) انظر»الفتح" (١٢/ ٢٠٠). (٤) الشورى: ٤٠. (٥) أخرجه البخاري (٦٨٨٤)، ومسلم (١٦٧٢) وتقدّم. قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ «قالوا: معناه، فلا يسرف الوليّ في قتْل القاتل، بأن يمثّل به أو يقتَصّ من غير القاتل». وعن عمران بن حصين قال: «كان رسول الله ينهانا عن المُثْلة» (١). بل يجب الإحسان في القِصاص. فعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة» (٢). استحباب العفو في القِصاص: عن وائل بن حجر -رضي الله عنه- قال: «إِني لقاعِد مع النبي - ﷺ - إِذا جاء رَجُلٌ يَقُودُ آخرَ بِنِسعَةً (٣). فقال: يا رسول الله هذا قَتَل أخي. فقال رسول الله - ﷺ - أقَتَلْتَهُ؟ فقال: إِنَّه لَوْ لَمْ يعترِف أقمْتُ عَلَيْه البَيّنةَ قال: نعم قَتَلْتُهُ. قال: كيف قَتَلْتَهُ؟ قال: كنت أنا وهو نَختَبط (٤) من شجَرَةٍ. فسَبَّني ------------------------- (١) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وأبر داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٢٢)، وانظر»الإِرواء«(٢٢٣٠). (٢) أخرجه مسلم (١٩٥٥). (٣) النِّسعة: حبل من جلود مضفورة. (٤) نختبط: أي نجمع الخبط -وهو ورق الثمر- بأن يضرب الشجر بالعصا فيسقط ورقه فيجمعه علفًا»شرح النووي". فأغَضبني. فضرَبتُهُ بالفأس على قرْنِهِ (١) فقتلته، فقال له النبي - ﷺ -: هل لك مِنْ شَيءٍ تُؤدِّيه عَنْ نفسِك؟ قال: ما لي مَالٌ إِلا كِسائي وفأسي. قال: فَتَرى قومَك يشْتَرُونَكَ؟ قال: أنا أهْونُ على قومي من ذاك. فرمى إِليه بِنسعَته. وقال: دُونَكَ صَاحبَكَ فانطلَقَ به الرَجُلُ فلمّا ولّى، قال رسول الله - ﷺ - إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثله. فَرَجَع، فقال: يا رسول الله إِنَّه بَلَغني أنّكَ قُلتَ: إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثْلُهُ وأَخَذتُهُ بِأمرِكَ. فقال رسول الله - ﷺ -: أمَا تُريد أن يَبُوء بإِثمِك وإِثمِ صَاحبِك؟ قال: يا نبي الله! (لعَلَّه قال) بَلَى قال: فإِنَّ ذَاك كَذاكَ قالَ: فَرَمى بنِسْعِته وخَلّى سَبيلهُ» (٢). ولعله لم يُرد قتْله -كما تقدّم- لما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قُتِل رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إِلى النبي - ﷺ -، فدفعَه إِلى وليّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله قال: فقال رسول الله للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقًا ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّار قال: فخلَّى سبيله» (٣). وعن عطاء بن أبي ميمون قال: لا أعلمه إلاَّ عن أنس بن مالك قال: «ما رُفع -------------------- (١) قرنه: جانب رأسه. (٢) أخرجه مسلم (١٦٨٠)، وتقدّم. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧٧٥)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٣٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٧٨)، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (٤٤٠٣) وتقدّم. إِلى رسول الله - ﷺ - شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو» (١). وفي لفظ: قال: أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «ما أُتي النبي - ﷺ - في شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو» (٢). إِذا اعتدى على الجاني بعد العفو: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: «كان في بنى إِسرائيلَ القِصاصُ، ولم تكن فيهمُ الديَة، فقال الله تعالى لهذه الأمّة ﴿كُتِبَ عليكم القصاص في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى فمن عُفي لَه من أخيه شيء﴾ فالعَفوُ أن يقبل الدِّية في العمدِ ﴿فاتِّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إِليه بإِحسان﴾ يتبعُ بالمعروف ويؤدِّي بإحسان ﴿ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة﴾ مما كُتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ أي: قَتَلَ بعد قَبول الدِّيَة» (٣). سقوط القِصاص (٤): ويسقُط القِصاص بعد وجوبه بأحد الأسباب الآتية: ١ - عفو جميع الأولياء أو أحدهم، لكن يشترط أن يكون العافي عاقلًا مميزًا؛ لأنه من التصرفات المحضة، التي لا يمكلها الصبي ولا المجنون. ------------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٨٠). (٢) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٤٥٢). (٣) أخرجه البخاري (٤٤٩٨). (٤) عن «فقه السنة» (٣/ ٣١٤) -بتصرّف وحذْف-. ٢ - موت الجاني أو فوات الطرف الذي جنى به، فإِذا مات مَنْ عليه القِصاص، أو فقَد العضو الذي جنى به، سقط الِقصاص؛ لتعذر استيفائه. ٣ - إِذا تمّ الصلح بين الجاني والمجني عليه، أو أوليائه وانظر العنوان الآتي: التراضي على الدِّية بالزيادة فِرارًا من القِصاص: عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي - ﷺ - بعث أبا جهم بن حذيفة مصدّقًا، فلاَجّه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجّه، فأتوا النبي - ﷺ - فقالوا: القَوَد يا رسول الله، فقال النبي - ﷺ -: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال النبي - ﷺ -: لكم كذا وكذا فرضوا. فقال النبي - ﷺ -: «إِني خاطبٌ العَشيَّة على النَّاس ومُخبرهُم بِرِضاكم فقالوا: نعم، فخطَب رسول الله - ﷺ - فقال: إِنّ هؤلاء الليْثيِّين أتوني يريدون القَوَد، فعرضتُ عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ قالوا: لا! فَهَمَّ المهاجرون بهم، فأمَرَهم رسول الله - ﷺ -: أن يكفّوا عنهم، فكفّوا، ثمّ دعاهم فزادهم، فقال: أرضيتم؟ قالوا نعم! قال: إِنِّي خاطبٌ النَّاس ومُخبرهُم بِرِضاكم فقالوا: نعم، فخطب النبي - ﷺ - فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم» (١). استيفاء القِصاص بحضرة السلطان (٢): ينبغي أن يكون استيفاء القصاص بحضرة السُّلطان؛ إذ واجب الحاكم ------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣٣) وصححه شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الحسان» (٤٤٧٠). (٢) «المغني» (٩/ ٣٩٣) -بزيادة وتصرُّفٍ يسير-. تمَكِين أولياء المقتول مِن استيفاء حقّهم من القاتل؛ ويفعل فيه الحاكم ما يختاره الوالي من القتل أو العفو أو الدِّيَة. ثم إِنّ للسلطان أثرًا في التذكير بالعفو -من غير إِلزام- وقد تقدّم أكثر مِن مرّة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قُتِل رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إِلى النبي - ﷺ -، فدفعَه إِلى وليّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله قال: فقال رسول الله - ﷺ - للولي: أمَا إِنّه إِنْ كان صادقًا ثمَّ قَتَلْتَهُ دَخلت النَّار، قال: فخلَّى سبيله» (١). ولأَنّه أمْرٌ يفتقر إِلى الاجتهاد، ويحرُمُ الحيف فيه، فلا يُؤمَن الحيف مع قصد التشفّي، فإِنِ استوفاه من غير حضرة السلطان؛ فإِنه يُعزّر بفعل ما مُنع. وعلى السلطان تفقُّد الآلة؛ فإِن كانت كالّة - منعه الاستيفاء بها لئلا يُعذَّب المقتول (٢). عن شداد بن أوس -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ الله كَتب الإِحسان على كل شيء، فإِذا قتلتم فأحسنوُا القِتْلَة وإذا ذَبَحتُم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكُم شَفْرتَه فلْيُرح ذبيحَتَه» (٣). وإنْ كان الوليّ لا يُحسن استيفاء حقّه؛ أمَرَه السلطان بالتوكيل فيه لأنه ------------------------ (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٧٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٣٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٧٨)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٤٠٣) وتقدّم. (٢) «المغني» (٩/ ٣٩٤). (٣) أخرجه مسلم (١٩٥٥)، وتقدم مختصرًا في (باب بمَ يكون القِصاص). حقُّه، فكان له التوكيل في استيفائه كسائر حقوقه، فإِن لم يجد من يوكّله إِلا بعِوض، أُخِذ العِوَض من بيت المال. أقول: ولا يخفى أن القِصاص من غير إِشراف الحاكم قد يؤدِّي إِلى الإِسراف في القتل والذي أشير إِليه آنفًا - ومِن أبشع صُوره اتساع دائرة القتل إِلى أبناء عشيرتين أو قبيلتين؛ انتقامًا وأخذًا بالثأر! وجاء في «فتح الباري» (١٢/ ٢١٦): «قال ابن بطال: اتفق أئمّة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد إِن يَقتَصّ مِن حقّه دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده ...». وهناك نُصوص تدلّ على أخذ الحق أو القِصاص في أشياء محدّدة دون السلطان. قال الإِمام البخاري -رحمه الله- (باب مَن أخَذَ حقّه أو اقتصّ دون السلطان) ثمّ ذكر تتمّة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «لو اطلع في بيتك أحَدٌ ولم تأذن له، حذفته بحصاة ففقأت عينه (١)؛ ما كان عليك من جُناح (٢)» (٣). وعن حميد أنّ رجلًا اطّلع في بيت النبي - ﷺ - فسدّد (٤) إِليه ------------------------ (١) ففقأت عينه: أي أطفأت ضوءَها. (٢) جُناح: أي إِثم أو مؤاخذة. (٣) أخرجه البخاري (٦٨٨٨)، ومسلم (٢١٥٨). (٤) فسدّد: أي صوّب، وزْنُه ومعناه. والتصويب: توجيه السهم إلى مرماه «الفتح». مِشقصًا (١) «(٢). وذكر النسائي -رحمه الله- تحت (باب مَن اقتصّ وأَخذ حقّه دون السلطان) أثر (٣) أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال:»رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلّي إِلى شيء يَستُرهُ منَ الناسِ، فأَرادَ شابٌّ من بني أبي مُعَيط أن يجتازَ بينَ يدَيِه، فدفَعَ أبو سعيد في صدرهِ، فنظرَ الشابُّ فلم يَجِد مَساغًا إِلا بين يدَيه، فعادَ ليَجْتازَ؛ فدفعه أبو سعيد أشدَّ منَ الأولى، فنالَ مِن أبي سعيدٍ. ثمَّ دخلَ على مَروَانَ فشكا إِليهِ ما لَقيَ من أبي سعيدٍ، ودخل أبو سعيد خَلفهُ على مَروانَ، فقال: ما لَكَ ولابنِ أخيكَ يا أبا سعيد؟ قال: سَمعتُ النبي - ﷺ - يقول: «إِذا صلى أحدُكم إِلى شيء يَستُرهُ منَ الناسِ، فأَرادَ أحدٌ أن يجتازَ بينَ يدَيه فليَدْفعْه. فإِنْ أبى فليُقاتلْهُ فإِنمَّا هو شيطانٌ» (٤). القِصاص في الأطراف والجروح: ويثبت القِصاص في الأطراف ونحوها والجروح مع الإمكان؛ لقوله -تعالى-: ﴿وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعينَ بالعينِ والأنف بالأنف ----------------------- (١) المشقص: قال جمعٌ من الشُّراح: «هو سَهْم ذو نصلٍ عريض» والنّصل: حديدة السهم. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٨٩)، ومسلم (٢١٥٧) من حديث أنس -رضي الله عنه-. (٣) انظر «صحيح سنن النسائي» (٤٥١٨). (٤) أخرجه البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥). والسنّ بالسنّ والجروح قِصاص فمنْ تصدّق به فهو كفّارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إِلى أنّ شرعَ مَنْ قبلنا شرع لنا؛ إِذا حُكِى مُقرّرًا ولم يُنسَخ؛ كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إِسحاق الإِسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة». وقال -رحمه الله- أيضًا في «تفسيره»: «قال علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، قال: تقتل النفس بالنفس، وتُفقَأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتُنزَع السنّ بالسنّ وتُقتَصّ الجراح بالجراح». وفي حديث أنس -رضي الله عنه- أنّ الرّبيِّع -وهي ابنةُ النّضر- كسرَت ثَنيَّة جاريةٍ، فطلبوا الأرشَ (٢) وطلبوا العفو، فأبَوا. فأبَوا النبي - ﷺ - فأمَرهم بالقِصاص. فقال أنس بن النّضر: أتُكسر ثَنيَّة (٣) الرّبيِّع يا رسول الله؟ لا والذي بعَثَكَ بالحقّ لا تُكسر ثنيّتها. فقال: يا أنس كتابُ الله القِصاص. فرضي القوم وعَفوا. فقال النبي - ﷺ -: إِن مِن عباد الله مَن لو أقسم على الله لأَبرّه". زاد الفزاري ------------------------ (١) المائدة: ٤٥. (٢) الأرش: الدِّية. (٣) الثنية: إحدى الأسنان الأربع التي في مُقدّم الفم: ثنتان من فوق وثنتان من تحت. عن حميد عن أنس «فرضيَ القوم وقَبِلوا الأرش» (١). وعن أنس بن مالك قال: إِنما سَمَل (٢) النبي - ﷺ - أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء (٣). وهو معنى قوله: ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ وقد روي عن محمد بن سيرين قال: «إِنما فَعل بهم النبي - ﷺ - هذا قبل أن تُنزل الحدود» (٤). ويُقيّد القِصاص في الأطراف والجروح بالإِمكان. جاء في «المغني» (٩/ ٤٠٩): «وإِذا جرحه جرحًا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف؛ اقتُصّ منه. وجملة ذلك أنّ القِصاص يجري فيما دون النفس من الجروح إذا أمكنَ؛ للنصّ والإِجماع». ثمّ استدل -رحمه الله- بقوله -تعالى-: ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ ثمّ بحديث الرُّبَيِّع -رضي الله عنها-. ثم قال -رحمه الله-: «وأجمع المسلمون على جريان القِصاص فيما دون النفس إِذا أمكن، ولأنّ ما دون النفس كالنفس في الحاجة إِلى حفظه بالقِصاص؛ فكان كالنفس في وجوبه» ثم قال -رحمه الله- «ويشترط لوجوب -------------------- (١) أخرجه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥). (٢) سَمَل: فقَأها وأذهب ما فيها. (٣) أخرجه مسلم (١٦٧١)، وتقدّم. (٤) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٦٣). ![]()
__________________
|
|
#153
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 191الى صــ205 الحلقة (153) القِصاص في الجروح ثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون عمدًا محضًا، فأمّا الخطأ فلا قِصاص فيه إِجماعًا، ولأن الخطأ لا يوجب القِصاص في النفس -وهي الأصل- ففيما دونها أولى. ولا يجب بعمد الخطأ، وهو أن يقصد ضَرْبه بما لا يفضي إِلى ذلك غالبًا، مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القِصاص؛ لأنه شبه العمد، ولا يجب القِصاص إِلا بالعمد المحض، وقال أبو بكر: يجب به القِصاص ولا يراعى فيه ذلك لعموم الآية. الثاني: التكافؤ بين الجارح والمجروح وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتَلَه ... فأما من لا يُقتَل بقتله فلا يُقتَص منه فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر ... والأب مع ابنه؛ لأنه لا تُؤخَذُ نفسه بنفسه فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه. الثالث: إِمكات الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وقال: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمثْل مَا اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ ولأنّ دم الجاني معصوم إِلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية؛ كتحريمه قبلها ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع مع القِصاص؛ لأنها مِن لوازمه، فلا يمكن المنع منها إِلا بالمنع منه، وهذا لا خلاف فيه نعلمه. وممن منَع القِصاص فيما دون الموضحة (١)؛ الحسن والشافعي وأبو عبيد وأصحابُ الرأي. ------------------------ (١) وهي التي تُبدي وَضح العظم، أي بياضَه. «النهاية». ومنَعه في العظام عمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والزهري والحكم وابن شبرمة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وإِذا ثبت هذا؛ فإِن الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة؛ هو كل جرح ينتهي إِلى عظم؛ كالموضحة في الرأس والوجه. ولا نعلم في جواز القِصاص في الموضحة -وهي كل جرح ينتهي إِلى العظم في الرأس والوجه- وذلك لأن الله -تعالى- نصَّ على القصاص في الجروح فلو لم يجب هاهنا لسقط حُكم الآية. وفي معنى الموضحة؛ كل جرح ينتهي إِلى عظم فيما سوى الرأس والوجه؛ كالساعد والعضد والساق والفخذ في قول أكثر أهل العلم، وهو منصوص الشافعي. وقال بعض أصحابه: لا قِصاص فيها ....». قلت: يجب العمل بمقتضى عموم الآية ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ في أي مكان من الجسم، إِذا أَمكن عدم الحيف أو الزيادة. وجاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٦٤٧): «وأمّا تقييد ذلك بالإِمكان، فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها؛ كعدم إمكان الاقتصار على مِثل ما في المجنيّ عليه. وخطاب الشرع محمول على الإِمكان، مِن دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجنيّ عليه، فإِذا كان لا يمكن إِلا بمجاوزةٍ للمقدار، أو بمخاطرة وإضرار؛ فالأدلة الدّالة على تحريم دم المسلم، وتحريم الإِضرار به -بما هو خارج عن القِصاص- مُخصِّصة لدليل الاقتصاص. قلت: [-أي: صاحب»الروضة النديّة"-] إن كلّ طَرَف له مَفْصِل معلوم، فَقَطَعه ظالم من مَفْصِله من إِنسان اقتُص منه؛ كالإِصبع يقطعها من أصلها، أو اليد يقطعها من الكوع، أو من المرفق، أو الرِّجل يقطعها من المفصل؛ يُقتصّ منه. وكذلك لو قلَع سِنّه، أو قطَع أنفه، أو أذنه، أو فَقأ عينه، أوجَبّ ذكَرَه، أو قطع أُنثيَيه؛ يُقتَصّ منه، وكذلك لو شَجَّه موضِحةً في رأسه أو وجهه؛ يُقتصّ منه. ولو جرح رأسه دون المُوضِحة، أو جرح موضعًا آخر من بدنه، أو هشم العظم؛ فلا قَوَد فيه؛ لأنه لا يمكن مراعاة المماثلة فيه. وكذلك لو قَطَع يَده من نِصف الساعد؛ فليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع، وله أنْ يقتصّ من الكوع، ويأخذ حكومةً (١) لنصف الساعد، وعلى هذا أكثر أهل العِلم في الجملة، وفي التفاصيل لهم اختلاف». وجاء في كتاب «الإِجماع» لابن المنذر (ص ١٧٢): «وأجمعوا على أن الموضحة فيها القِصاص إِذا كانت عمدًا». وعن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا قَودَ في المأمومةِ ولا الجائِفة ولا المنقّلة» (٢). المأمومة: الشَّجَّة التي بلغت أمّ الرأس؛ وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. -------------------------- (١) ما يحكُم فيه الحاكم من الجراحات التي ليس فيها دِيَةٌ مقدّرة، وسيأتي التفصيل إن شاء الله -تعالى-. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣٢) وأبو يعلى، وانظر «الصحيحة» (٥/ ٢٢٢). الجائفة: الطعنة التي تَصل إِلى الجوف، والمراد بالجوف هنا كل ما له قوة محيلة كالبطن والدماغ. المنقِّلة: هي التي تخرُج منها صغار العظام وتنتقل عن أماكنها. وقيل: التي تُنقِّل العظم، أي: تَكْسِره. كذا في «النهاية». قال أبو الحسن السندي: «وإنما انتفى القِصاص لعسر ضبطه» (١). أقول: في قوله -تعالى-: ﴿فمن تصدَّق به فهو كفّارة له﴾ بيان أجر من يتنازل عن القِصاص. وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال سمعتُ النبي - ﷺ - يقول: «ما من رجلٍ يُجرح في جسده جراحة، فيتصدق بها؛ إِلا كَفّر الله عنه مِثل ما تصدّق به» (٢). قال في «فيض القدير»: «يعني إِذا جنى إِنسان على آخر فقلع سِنّه أو قطع يده مثلًا، فعفا المستحقّ عن الجاني لوجه الله؛ نال هذا الثواب». القِصاص في اللطمة والضربة واللكز والسبِّ: مذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه؛ وشرطُ ذلك أن يكون اللطمُ والضرب أو السبّ المراد إِيقاعه بالجاني؛ مساويًا لِلَطْم وضرب وسبِّ المقتصّ، أو قريبًا من ذلك، دون تعمُّد الزيادة. ------------------------- (١) انظر «شرح سنن ابن ماجه» (٢/ ١٤١) للسندي -رحمه الله تعالى- و«الصحيحة» (٥/ ٢٢٣) لمعرفة غريب الحديث -إِن شئت-. (٢) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح، وانظر «الصحيحة» (٢٢٧٣). وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٦٢): "وسئل -رحمه الله- عن الرجل يلطِم الرجل أو يكلمه، أو يسبّه؛ هل يجوز أن يُفعَل به كما فعَل؟ فأجاب: وأمّا القِصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك؛ فمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين؛ أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إِسماعيل بن سعيد الشالنجي، وذهب كثير من الفقهاء؛ إِلى أنه لا يشرع في ذلك قِصاص؛ لأنّ المساواة فيه متعذرة في الغالب. وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ والأول أصحّ؛ فإِن سُنّة النبي - ﷺ - مضَت بالقِصاص في ذلك وكذلك سُنّة الخلفاء الراشدين، وقد قال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئة مِثلها﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيه بمثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (٢) ونحو ذلك. وأمّا قول القائل: إِنّ المماثلة في هذه الجناية متعذرة. فيقال: لا بدّ لهذه الجناية من عقوبة: إِمّا قِصاص، وإِمّا تعزير، فإِذا جوّز أن يُعزر تعزيرًا غير مضبوط الجنس والقدر؛ فلأن يعاقب إِلى ما هو أقرب إِلى الضبط من ذلك أولى وأحرى. والعدل في القِصاص مُعتَبر بحسب الإِمكان. ومن المعلوم أن الضارب إِذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريبًا منها كان هذا أقرب إِلى العدل من أن يُعزَّر بالضرب بالسوط؛ فالذي يمنَع القِصاص في ذلك ------------------------ (١) الشورى: ٤٠. (٢) البقرة: ١٩٤. خوفًا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلمًا مما فرّ منه. فعُلم أنما جاءت به السُّنة أعدل وأمثل. وكذلك له أن يسبّه كما يسبّه: مثل أن يلعنه كما يلعنه. أو يقول: قبّحك الله. فيقول: قبّحك الله. أو أخزاك الله فيقول: أخزاك الله. أو يقول: يا كلب! يا خنزير! فيقول: يا كلب! يا خنزير! فأمّا إِذا كان مُحرّم الجنس مثل تكفيره أو الكذب عليه، لم يكن له أن يُكفّره ولا يكذب عليه. وإِذا لعَن أباه لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأنّ أباه لم يظلمه». انتهى. قال الإمام البخاري -رحمه الله-: «وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد ابن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربةٍ بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش» (١). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (١٢/ ٢٢٧): قوله -أي الإِمام البخاري «وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد بن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربة بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش». أمّا أثر أبي بكر -وهو الصِّدّيق-: فوصَله ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن الحصين سمعت طارق بن شهاب يقول «لطم أبو بكر يومًا رجلًا لطمة، فقيل -------------------------- (١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب ٢١ - إذا أصاب قومٌ من رجل ...). وانظر -إن شئت-»مختصر البخاري" (٤/ ٢٢٦) لوصل التعليق، والحكم على إسناده. ما رأينا كاليوم قط هنعة (١) ولطمة، فقال أبو بكر: إِن هذا أتاني ليستحملَني فحملتهُ فإِذا هو يتبعهم، فحلفت أن لا أحمله ثلاث مرات، ثمّ قال له: اقتصّ، فعفا الرجل». وأمّا أثر ابن الزبير فوَصلَه ابن أبي شيبة ومسدد جميعًا عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار «أن ابن الزبير أقاد من لطمة». وأمّا أثر علي الأول؛ فأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ناجية أبي الحسن عن أبيه «أن عليًا أتى في رجلٍ لطَم رجلًا، فقال للملطوم: اقتصّ». وأما أثر سويد بن مُقرِّن فوصَلَه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه. وأمّا أثر عمر فأخرجه في «الموطأ» عن عاصم بن عبيد الله عن عمر منقطعًا (٢)، ووصله عبد الرزاق عن مالك عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «كنت مع عمر بطريق مكة فبال تحت شجرة، فناداه رجل فضربه بالدِّرَّة فقال:»عجلت عليّ، فأعطاه المِخْفقة (٣) وقال: اقتصّ، فأبى، فقال: لتفعلن، قال: فإِني أغفرها«. وأمّا أثر علي الثاني فأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق فضيل بن عمرو عن عبد الله بن مَعْقِل -بكسر القاف- قال:»كنت عند عليّ ----------------------------- (١) جاء في «تاج العروس»: الهنَع انحناء في القامَة، وفي «الصحاح» تطامُنٌ في عُنق البعير؛ فلعلّها تعني الذّل. والله أعلم. (٢) وقال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر البخاري» (٤/ ٢٢٦): وصله مالك وعبد الرزاق بسند ضعيف عنه. (٣) ما يضرَبُ به من سوطٍ ونحوه. فجاءه رجل فسارَّه فقال: يا قنبر اخرج فاجلد هذا، فجاء المجلود فقال: إنه زاد عليّ ثلاثة أسواط، فقال: صدَق. قال: خذ السوط فاجلده ثلاثة أسواط ثم قال: يا قنبر إِذا جلدت فلا تتعد الحدود». وأمّا أثر شُريح فوصَله ابن سعد وسعيد بن منصور من طريق إِبراهيم النخعي قال: «جاء رجل إِلى شريح فقال: اقدني من جلْوازك (١)، فسأله فقال: ازدحموا عليك فضربته سوطًا. فأقاده منه». ومن طريق ابن سيرين قال: اختصم إِليه -يعني: شريحًا- عبدٌ جَرَح حرًّا فقال: إِنْ شاء اقتص منه. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة، ومن وجه آخر عن أبي إِسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة وخُموش (٢). وقال الليث وابن القاسِم: «يقاد من الضرب بالسوط وغيره؛ إِلا اللطمة في العين؛ ففيها العقوبة خشيةً على العين». انتهى. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «المُسْتَبّان ما قالا؛ فعلى البادئ، ما لم يعتَدِ المظلوم» (٣). (المُسْتَبان ما قالا): جاء في «العون» (١٣/ ٢٣٨): «المُسْتَبان تثنية -------------------------- (١) أي: شرطيِّك. (٢) الخُموش -بضم المعجمة- الخدوش وزنه ومعناه، والخماشة: ما ليس له أَرْش معلوم من الجراحة.»الفتح". (٣) أخرجه مسلم (٢٥٨٧). مستبّ وهما المتشاتمان اللذان يشتم كلّ منهما الآخر. (ما قالا) أي: إِثم قولهما من السبّ والشتم. (فعلى البادئ): أي: على الذي بدأ في السبّ، لأنه السبب لتلك المخاصمة. قال في»اللمعات«: أما إِثم ما قاله البادئ فظاهر، وأمّا إِثم الآخر فلكونه الذي حمَله على السبّ وظلمه». (ما لم يعتدِ المظلوم): أي: يتجاوز الحدّ؛ بأن سبّه أكثر وأفحش منه، أمّا إِذا اعتدى كان إِثم ما اعتدى عليه، والباقي على البادي؛ كذا في «اللمعات». والحاصل إِذا سبَّ كلّ واحد الآخر؛ فإِثم ما قالا على الذي بدأ السبّ، وهذا إِذا لم يتعدّ ويتجاوز الحدّ، والله أعلم. قال النووي (١٦/ ١٤١) -بحذف وتصرف يسيرين-: "معناه أنّ إِثم السباب الواقع من اثنين مختصٌ بالبادئ منهما كلّه، إلاَّ أن يتجاوز الثاني قدْر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مِمّا قال له، وفي هذا جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه. وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، قال الله -تعالى-: ﴿ولَمَنِ انتَصَر بعْدَ ظُلْمه فَأولئكَ مَا عليْهم مِن سَبيلٍ﴾ (١) وقال -تعالى-: ﴿والَّذين إذا أصَابهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصرون﴾ (٢). --------------------- (١) الشورى: ٤١. (٢) الشورى: ٣٩. ومع هذا فالصبر والعفو أفضل، قال الله تعالى ﴿ولمَن صَبَرَ وغَفَر إِنّ ذلك لمِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ (١) ولقوله - ﷺ -: «ما زاد الله عبدًا بعفو إِلا عزًّا» (٢). واعلم أن سِباب المسلم بغير حقّ حرام كما قال رسول الله - ﷺ -: «سِباب المسلم فسوق». ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلاَّ بمِثل ما سبّه، ما لم يكن كَذبًا أو قذفًا أو سبًا لأسلافه، فمِن صور المباح أن ينتصر بيا (٣) ظالم، أو جافي، أو نحوه، ذلك لأنّه لا يكاد أحد ينفكّ من هذه الأوصاف. قالوا: وإِذا انتصَر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقّه، وبقي عليه إِثم الابتداء أو الإِثم المستحقّ لله تعالى ...«. جاء في»إِكمال الإِكمال«(٨/ ٥٤٤):»ما لم يتعدّ: أي يتجاوز، فلأنّه إِنّما أُبيح له أن يَرُدّ مِثل ما قيل له؛ لقوله تعالى: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبِوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٥). والعداء في الردّ بالتكرار مِثل أن يقول البادئ: يا كلب فيردّ عليه مرّتين، ----------------------- (١) الشورى: ٤٣. (٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٨). (٣) أي أن يقول: يا ظالم ... (٤) النحل: ١٢٦. (٥) الشورى: ٤٠. وبأن يردّ بأفحش كما لو قيل له: يا كلب فقال له: أنت خنزيز. وكما لو سبّه البادئ فسبّ الراد آباء البادئ وكان ذلك عداء؛ لأنّه سبّ من لم يجْن عليه، وكانت هذه المذكورات عداءً؛ لأنَّ الانتصار إِنّما هو من باب القِصاص، والقِصاص إِنما يكون بالمِثل للآيتين السابقتين». والخلاصة: إِنّ إِثم السبّ والشتم الصادر من المسْتبّين المشاتمين على من بَدأَ لأنّه السبب في ذلك، ما لم يعْتد المظلوم ويتجاوز الحدّ؛ بأن يسبّه أكثر وأفحش ففيه جواز السب والشتم بالشرط المذكور، والعفو أفضل. ويُحمَل قوله - ﷺ -: «المستبّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان» (١) على الاعتداء في القِصاص. وتجاوز الحدّ، ومقابلة المعصية بمثلها أو أكثر؛ فقد تقدم أن المعصية لا تقابَل بالمعصية، وهنا قال - ﷺ -: «يتهاتران» أي: يتقاولان ويتقابحان في القول من الهِتر -وهو الباطل والسَّقط من الكلام، وقال - ﷺ - أيضًا: «يتكاذبان» وتقدّم القول بتحريمه. والله -تعالى- أعلم. وفي الحديث: «لَيُّ الواجد يُحِلّ عرضه وعقوبته (٢)» (٣). ------------------------ (١) انظر «صحيح الأدب المفرد» (٣٣٠). (٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٨٦)، وابن ماجه، «صحيح سنن ابن ماجه» (١٩٧٠)، وغيرهما. وانظر «الإرواء» (١٤٣٤) ورواه البخاري معلّقًا «كتاب الاستقراض» (باب لصاحب الحقّ مقال). (٣) قال ابن المبارك: «يُحِلّ عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له». ليّ الواجد: أي مطلق الغنى، والليّ بالفتح المطل، وأصله لوى فأُدغمت الواو في الياء. = اشتراك الجماعة في القِصاص: عن مطرّفٌ عن الشعبي في رجلين شهدا على رجلٍ أنّه سرق فقطعه علي -رضي الله عنه- ثم جاءا بآخر وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأُخذا بدية الأول. وقال: «لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما» (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لَدَدْنَا (٢) رسول الله - ﷺ - في مرضه، وجعلَ يشيرُ إِلينا لا تَلُدُّوني. قال: فقلنا كراهية المريض بالدواء فلمّا أفاق قال: ألم أنهكنّ أن تَلُدُّوني، قال: قُلنا كراهيةً للدواء؛ فقال رسول الله - ﷺ -: لا يبقى منكم أحدٌ إِلا لُدَّ وأنا ------------------ = والواجد الغني من الوُجد بالضم بمعنى السعة والقدرة، ويقال وجَد في المال وجدا أي: استغنى. (يحل): بضم الياء من الإِحلال. (عرضه): بأن يقول له المدين: أنت ظالم، أنت مماطل، ونحوه مما ليس بقذف ولا فحش. (وعقوبته): بأن يُعزّره القاضي على الأداء؛ بنحو ضربٍ أو حبس حتى يؤدي. (١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب - إِذا أصاب قومٌ من رجل ...) ووصله الشافعي عن سفيان بن عيينة وانظر»الفتح«(١٢/ ٣٣٦) وتقدّم. (٢) اللَّدود: بفتح اللام وبمهملتين: هو الدواء الذي يُصبُّ في أحد جانبي فم المريض. واللُّدود -بالضم- الفعل ولدَدْت المريض: فَعَلْت ذلك به.»الفتح". أنظر؛ إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم» (١). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٨/ ١٤٧): «قوله: لا يبقى أحدٌ في البيت إِلا لُدَّ وأنا أنظر إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم» قيل: فيه مشروعية القِصاص في جميع ما يُصاب به الإِنسان عمدًا، وفيه نظَر، لأنّ الجميع لم يتعاطَوا ذلك، وإنما فَعَل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك. أمّا مَن باشره فظاهر، وأمّا من لم يباشِره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه. ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يُعْذَرُ به صاحبه، وفيه نظَر أيضًا لأن الذي وقع في معارضة النهي. قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة، وعليهم حقّه فيقعوا في خَطبٍ عظيم، وتُعقِّب بأنه كان يمكن العفو؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه. والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا، فكان تأديبًا لا قِصاصًا ولا انتقامًا. قيل: وإِنما كَره اللَّد مع أنه كان يتداوى؛ لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومَن حقق ذلك كُره له التداوي. قلت: وفيه نظَر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق، وإِنما أنكَر التداوي؛ لأنه كان غيرَ ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أنّ به ذات الجنب فداووه بما يلائمها؛ ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى، والله أعلم". ---------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٨٩٧) مسلم (٢٢١٣). قلت: والمترجّح لديّ أنّه مِن باب القِصاص، وقد رواه الإِمام البخاري -رحمه الله- في مواطن عديدة؛ منها باب الدِّيات، فدلّ هذا على أنه يراه من باب القِصاص ولا يمتنع عليه هذا الفعل؛ لأنه - ﷺ - كما وصَفَه الله -سبحانه-: ﴿وما ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلاّ وحْيٌ يوحى﴾. وتركُه - ﷺ - العفو في هذا الموطن -وهو قادرٌ عليه بلا ريب- يؤيّد الأصل العامّ -ألا وهو القِصاص- وهذا كما لا يخفى من باب التشريع للأمّة. وأما قول مَن قال إِنه تأديب وليس قِصاصًا، فلعل الأَوْلى أن يقول القائل: تأديبٌ بالقِصاص. والله -تعالى- أعلم. هل يشرع القِصاص في إِتلاف الأموال؟ إِذا أتلف المرء مال غيره؛ كأن يخرق ثوبه أو يهدم داره، أو يقطع ثمره، فهل له أن يقتصّ منه؛ بمثِل ما أصابه فيه قولان للعلماء: أحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة. والثاني: أن ذلك مشروع؛ كما سيأتي البيان والتعليل بإِذن الله. جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٣٢): "وسئل -رحمه الله- هل يجوز له أن يَخرق ثَوبه كما يخرِق ثوبه؟ فأجاب: وأمّا القِصاص في إِتلاف الأموال؛ مِثل أن يخرق ثوبه فيخرق ثوبه المماثل له، أو يهدم داره فيهدم داره ونحو ذلك؛ فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة. والثاني: أن ذلك مشروع؛ لأنّ الأنفس والأطراف أعظمُ قدْرًا من الأموال، وإِذا جاز إِتلافها على سبيلْ القِصاص؛ لأجل استيفاء المظلوم، فالأموال أولى. ولهذا يجوز لنا أن نُفسد أموال أهل الحرب إِذا أفسدوا أموالنا، كقطع الشجر المثمِر. وإِن قيل بالمنعِ من ذلك لغير حاجة، فهذا فيه نزاع؛ فإِنه إِذا أتلف لى ثيابًا أو حيوانًا أو عقارًا ونحو ذلك، فهل يضمنه بالقيمة؟ أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء. وهما قولان في مذهب الشافعي، وأحمد فإِن الشافعي قد نَصّ على أنه إِذا هَدَم داره بناها كما كانت، فضَمِنَه بالمثل. وقد رُوي عنه في الحيوان نحو ذلك ... وقصة داود وسليمان هي من هذا الباب، فإِنّ داود -عليه السلام- قد ضَمِن أهل الحرث الذي نفشت (١) فيه غَنَم القوم بالقيمة، وأعطاهم الماشية مكان القيمة. وسليمان -عليه السلام- أمَرَهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان، وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم من منفعة الحرث. وبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز لما كان قد اعتدى بعض بني أميّة على بستان له فقلعوه، وسألوه ما يجب في ذلك؟ فقال: يغرسه كما كان. فقيل له: إِن ربيعة وأبا الزناد قالا: تجب القيمة، فتكلَّم الزهري فيهما بكلام مضمونه: أنهما خالفا السنة. --------------------- (١) النَّفش: الرعي، قال شريح والزهري وقتادة: النفش لا يكون إلاَّ بالليل. قاله ابن كثير -رحمه الله-. ![]()
__________________
|
|
#154
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 206الى صــ225 الحلقة (154) ولا ريب أنّ ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إِلى العدل من ضمانه بغير جنسه، وهو الدراهم والدنانير مع اعتبار القيمة؛ فإِنّ القيمة مُعتبرةٌ في الموضعين، والجنس مختصٌّ بأحدهما، ولا ريب أن الأغراض متعلقة بالجنس، وإِلا فمن له غرضٌ في كتابٍ أو فرس أو بستان؛ ما يصنع بالدراهم؟ فإِنْ قيل: يشتري بها مثله، قيل: الظالم الذي فوّته ماله هو أحقّ بأن يَضْمَن له مِثل ما فوّته إِياه؛ أو نظير ما أفسدَه من ماله. وقال ابن القيم -رحمه الله- (١) - في معرض الكلام عن القِصاص في إِتلاف الأموال-: «إِتلاف المال؛ فإِنْ كان مما له حُرمة، كالحيوان والعبيد، فليس له أن يُتلِف ماله، كما أتلف مالَه، وإِنْ لم تكن له حرمة، كالثوب يشقّه، والإِناء يكسره، فالمشهور، أنه ليس له أن يُتلِف عليه نظيرَ ما أتلفه، بل له القيمة أو المِثل. والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه؛ كما فعله الجاني به، فيشقُّ ثوبه، كما شقَّ ثوبه، ويكسر عصاه كما كَسَر عصاه، إِذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع منْ منَعَه نصّ، ولا قياس، ولا إِجماع، فإِنّ هذا ليس بحرام لحقّ الله، وليست حُرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف. وإِذا مكّنه الشارع أن يُتلف طرَفَه بطرَفِه؛ فتمكينه من إِتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى، وإنّ حكمة القِصاص من التشفي، ودرك الغيظ، لا تحصل إِلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه، وإتلاف ثيابه، ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك ------------------- (١) ذكره في»إعلام الموقعين«(١/ ٣٢٧) ونقله السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة" (٣/ ٣٢٤). عليه؛ لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجني عليه بغبْنِه وغيظه، فكيف يقع إِعطاؤه القيمة من شفاء غيظه، ودرك ثأره، وبرد قلبه، وإِذاقة الجاني من الأذى ما ذاقه هو؟! فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسُها معًا؛ يأبى ذلك، وقوله -تعالى-: ﴿فاعْتَدُوا عَلَيه بمثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (١) وقوله -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٢)، وقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبِوا بمثل ما عوقبتم به﴾ (٣) يقتضي جواز ذلك. وقد صرَّح الفقهاء بجواز إِحراق زروع الكفار، وقطْع أشجارهم، إِذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة. وقد أقرّ الله -سبحانه- الصحابة على قطع نخل اليهود؛ لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه -سبحانه- يحب خزي الجاني الظالم ويشرعه». قلت: يُشير -رحمه الله- إِلى قوله -سبحانه-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ (٤) أو ----------------------- (١) سورة البقرة: ١٩٤. (٢) الشورى: ٤٠. (٣) النحل: ١٢٦. (٤) قال الحافظ في «الفتح» (٨/ ٦٢٩): «قال أبو عبيدة في قوله -تعالى-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ﴾: أي: من نخلة، وهي من الألوان ما لم تكن عجوة أو برنية إلاَّ أن الواو ذهبت بكسر اللام، وعند الترمذي من حديث ابن عباس:»اللينة النخلة«في أثناء حديث، وروى سعيد بن منصور من طريق عكرمة قال: اللينة ما دون العجوة، وقال سفيان: هي شديدة الصفرة تنشق عن النوى». تركتموها قائمةً على أُصولها فبإذن الله وليُخزِيَ الفاسقين﴾ (١). عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ -: «حرَّق نخْل بني النّضير وقطَع، وهي البويرة (٢)، فأنزَل الله -تعالى-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ أو تركتموها قائمةً على أُصولها فبإذن الله وليُخزِيَ الفاسقين﴾» (٣). قال أبو عيسى: وقد ذهب قوم من أهل العلم، إِلى هذا، ولم يروا بأسًا بقطع الأشجار وتخريب الحصون. وكَرِه بعضُهم ذلك، وهو قول الأوزاعي. قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديق، أن يقطع شجرًا مُثمرًا، أو يُخرّب عامرًا، وعَمِل بذلك المسلمون بعده. وقال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو، وقطع الأشجار والثمار. وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بُدًّا، فأمّا بالعَبَث فلا تُحرَق، وقال إِسحاق: التحريقُ سُنّة إِذا كان أنكى فيهم. قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٥/ ٩) قوله (٤): (باب قطْع الشجر والنخل) أي: للحاجة والمصلحة إِذا تعيّنت طريقًا في نكاية العدو ونحو ذلك. وخالف في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلًا ------------------------ (١) الحشر: ٥. (٢) البُوَيْرة: موضع نخل بني النضير «شرح النووي». (٣) أخرجه البخاري (٤٨٨٤) وفي مواضع عديدة، ومسلم (١٧٤٦). (٤) أي: الإمام البخاري -رحمه الله-. وحمَلوا ما ورَد من ذلك إِمّا على غير المثمر وإِمّا على أن الشجر الذي قُطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور. وقال أيضًا (٦/ ١٥٥): «وقد ذهب الجمهور إِلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئًا من ذلك. وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك؛ بخلاف ما إِذا أصابوا ذلك في خلال القتال؛ كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتل بالتغريق. وقال غيره: إِنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستُفتح فأراد إِبقاءها على المسلمين. والله أعلم». انتهى. والذي يترجّح لديَّ أن الحرق والقطع ونحوهما جائز بنصّ الكتاب والسُّنة، والأمر يرجع إِلى الحاكم في الفِعل أو الترك، فإِنْ رأى مصلحةً في مرحلةٍ ما في حرق الزروع والثمار - ومثل ذلك هدم مؤسسات ومبانٍ فعل ذلك، وإِنْ رجّح الاستفادة منها لنصرٍ يرجوه، ولم يرَ فائدة منْ قطْعها وحرْقها لم يفعل. أمّا أبو بكر -رضي الله عنه- فإِنه لم يفُته دليل الكتاب والسُّنة، ولكن لا يخفى أنّ الدليل يدل على المشروعية، والمشروعية قد تكون ركنًا أو واجبًا، أو مندوبًا أو مستحبًا. وقد كان موقف أبي بكر -رضي الله عنه- لمصلحةٍ رآها جمْعًا بين النصوص؛ لا تأصيلًا لإِلغاء مقتضى الكتاب والسُّنة. والله -تعالى- أعلم. ثم قال ابن القيّم -رحمه الله- (١): «وإِذا جاز تحريق متاع الغالِّ، لكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم في شيء من الغنيمة، فلأَنْ يحرق ماله، إِذا حَرَق مال المسلم المعصوم أولى وأحرى. وإِذا شرعت العقوبة المالية في حق الله الذي مسامحته به أكثر من استيفائه، فلأَنْ تُشرع في حقّ العبد الشحيح أولى وأحرى، ولأن الله -سبحانه- شرع القِصاص؛ زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكًا لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل، وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجني عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف، وإِلا فمن كان في نفسه من الآخر؛ من قتله أو قطع طرفه، قتَله أو قطعَ طرفه، وأعطى ديته، والحكمة، والرحمة، والمصحلة تأبى ذلك، وهذا بعينه موجود في العدوان على المال. فإِن قيل: فهذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه. قيل: إِذا رضي المجني عليه بذلك، فهو كما لو رضي بدية طرفه، فهذا هو محض القياس، وبه قال الأحمدان؛ أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية. قال في رواية موسى بن سعيد: وصاحب الشيء يخيّر؛ إِن شاء شقّ الثوب، وإِنْ شاء أَخَذ مثله». ضمان المِثل: عن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النبي - ﷺ - عند بعض نسائِه، فأرسَلتْ إِحدى أُمّهاتِ المؤْمنين بصَحْفَةٍ فيها طعام، فضرَبتِ التي النبيّ - ﷺ - ----------------------- (١) انظر»إِعلام الموقعين" (١/ ٣٢٨). في بيتها يدَ الخام، فسقَطَتِ الصحْفَةْ فانْفلقت، فجمع النبي - ﷺ - فِلَقَ الصَّحْفَة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارَت أمّكم. ثم حبس الخادمَ حتى أُتي بصَحْفَةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفَع الصحفةَ الصحيحة إِلى التي كُسِرتْ صحفَتها، وأمسكَ المكسورة في بيت التي كُسِرت فيه» (١). وفي رواية: «أنّ النبي - ﷺ - كان عند بعض نسائِه، فأرسَلتْ إِحدى أُمهاتِ المؤْمنين مع خادم بقَصْعةٍ فيها طعامٌ، فضربَتْ بيدِها فكسَرَت القَصعة (٢)، فضمَّها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا. وحَبسَ الرسولَ والقصعةَ حتى فرَغوا، فدفع القصعةَ الصحيحةَ وحَبسَ المكسورة» (٣). لا يُستقاد من الجُرح حتى يبرأ صاحبُه: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجنيّ عليه، فإِن اقتصّ منه قبل الاندمال ثمّ زاد جرحه؛ فلا شيء له. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلًا طعنَ رجلًا بقرن في ركبته فجاء إِلى النبي - ﷺ - فقال: أقِدْني. قال: حتى تبرأ ثم جاء إِليه فقال: ------------------------ (١) أخرجه البخاري (٥٢٢٥). (٢) قال الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«:»بقَصعة: إِناء من الخشب وفي رواية ابن عليّة في النكاح عند المصنّف «بصحفة وهي قصعة مبسوطة وتكون من غير الخشب» قلت: يشير -رحمه الله- إلى الرواية السابقة برقم (٥٢٢٥). (٣) أخرجه البخاري (٢٤٨١). أقدني فأقاده. ثم جاء إِليه فقال: يا رسول الله عرجت فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك (١). ثم نهى رسول الله - ﷺ - أن يقتص مِن جرح؛ حتى يَبْرأ صاحبُه» (٢). وفي رواية: «لا يُستقاد من الجُرح حتى يبرأ» (٣). موت المقتصّ منه (٤): إِذا مات المقتصّ منه بسبب الجرح الذي أصابه من أجل القِصاص، فقد اختلفت فيه أنظار العلماء؛ فذهب الجمهور منهم إلى أنه لا شيء على المقتص؛ لعدم التعدي، ولأن السارق إِذا مات من قطع يده، فإِنه لا شيء على الذي قطع يده بالإِجماع. وهذا مِثل ذلك. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: إِذا مات، وجب على عائلة المقتص الدية؛ لأنه قتل خطأ. قلت: والأول أصح وأقوى لما علّله الجمهور، ولأن المتعدّي هو الذي جرّ إِلى نفسه ذلك؛ والله أعلم. ------------------------ (١) بَطَل عَرَجُك: أي: ذهَب ضياعًا وخُسرًا وهدرًا. (٢) أخرجه أحمد والدارقطني والبيهقي وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٣٧). (٣) أخرجه الطحاوي وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧/ ٢٩٩). (٤) عن «فقه السنة» (٣/ ٣٣٠). الدِّيات والضمان الدِّيات تعريفها: الدِّيات -بتخفيف التحتانية-: جمع دِيَة مِثْل عِدات وعِدَة، وأصلها وَدْية -بفتح الواو وسكون الدال- تقول: ودى القتيل يدِيِه إِذا أعطى وليه دِيَتَه، وهي ما جُعِل في مقابلة النفس، وسُمّي دِيَة تسميةً بالمصدر، وفاؤها محذوفة والهاء عِوَض (١). قال في «حلية الفقهاء» (ص ١٩٦): «وأمّا الدِّيةَ، فهي دِيَةٌ وعَقلٌ، وسُمّيت عقلًا؛ لأنّها تعقِل الدماء عن أن تُسْفَك. وقال قوم: كان أصل الدِّية الإِبل؛ فكانت تُجمع وتُعْقل بفِناء وليّ المقتول، فسميّت الدِّية عقلًا، وإنْ كانت دراهم أو دنانير». مشروعيتها: قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢). --------------------- (١) انظر «الفتح» (١٢/ ١٨٧). (٢) النساء: ٩٢. وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «كانت قيمةُ الدِّية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمر -رحمه الله- فقام خطيبًا فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت (١). قال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلل مائتي حلة. قال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدِّيَة» (٢). حِكمتها: الأصل في الدِّيَة أنها تجب أن تكون مالًا عظيمًا يغلبهم وينقص من مالهم، ويجدون له ألمًا عندهم، ويكون بحيث يؤدّونه بعد مقاساة الضيق ليحصل الزجر، وهذا القدْر يختلف باختلاف الأشخاص (٣). --------------------- (١) قلت: فيه تصرف الوالي في الدية مراعاةً للغلاء والانخفاض، ليحقّق معنى الدِّية، وليذوق القاتل وبال أمره، وكذا يراعى في الدَّين هذا الأمر ليُنصف الدائن؛ مع انخفاض العملة الورقية. والله -تعالى- أعلم. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٦) وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٤٧). (٣) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٦٥٥). مقدار دِية الرجل المسلم: ديَة الرجل المسلم مائة مِن الإِبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف دينار ذهب، اثنا عشرَ ألف درهم أو مائتا حُلّة (١). لحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي - ﷺ - قال: «... ألا إِنّ ديَة الخطأ- شبه العمد؛ ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها» (٢). وفي كتاب عمرو بن حزم «وفي النفس مائة من الإِبل» (٣). وللحديث المتقدّم عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «كانت قيمةُ الدِّية على عهد الرسول الله - ﷺ - ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمرُ -رحمه الله- فقام خطيبًا فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت. قال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى ---------------------- (١) الحُلَل: جمع حُلّة، قال ابن الملك:»وهي إزار ورداء مِن أيّ نوعٍ من أنواع الثياب، وقيل: الحُلَل: برود اليمن، ولا يسمّى حُلّة؛ حتى يكون ثوبين. «المرقاة» (٧/ ٦٢). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٢٦) والنسائي وابن ماجه وغيرهم وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢١٩٧). (٣) صححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٤٣). أهل الحلل مائتي حلة. قال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدية» (١). وفي رواية عنه أيضًا -رضي الله عنه-: «كان رسول الله - ﷺ -: يُقوِّم دِيَة الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق يُقوِّمها على أثمان الإِبل، فإِذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخَصًا نقص من قيمتها، وبَلَغت على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربعمائة دينار إِلى ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم. وقضى رسول الله - ﷺ - على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان دِيَة عقْله في الشاء؛ فألفي شاة. قال: وقال - ﷺ -: إِن العقل ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم، فما فضل فللعصبة. قال: وقضى رسول الله في الأنف إِذا جُدِعَ الدية كاملة، وإِنْ جُدعت ثَنْدُوته فنصف العقل؛ خمسون من الإِبل، أو عدلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة أو ألف شاة. وفي اليد إِذا قطعت نصف العقل، وفي الرِّجل نصف العقل، وفي المأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإِبل وثُلثُ أو قيمتها من الذهب، أو الورق، أو البقر أو الشاة، والجائفةُ مثل ذلك. وفي الأصابع في كل أصبع عَشْرٌ من الإِبل وفي الأسنان في كل سِنَّ خمس من الإِبل» (٢). --------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٦) وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٢٤٧) وتقدّم. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨١٨) وتقدّم. وقد تقدم أن الدينار = ٤.٢٥ غرامًا. والدية من الذهب = ٨٠٠ دينار = ٣٤٠٠ غرامًا. وحين فرضها عمر -رضي الله عنه- ألف دينار = ٤٢٥٠ غرامًا. والدرهم (١) = ٢.٩٧٥ غرامًا. والدية من الفضة = ٨٠٠٠ درهم = ٢٣٨٠٠ غرامًا. وحين غَلَت: ١٢ ألفًا = ٣٥٧٠٠ غرامًا. القتل الذي تجب فيه (٢): تجب الدية في القتل الخطأ، وشِبه العمد، وفي العمد الذي وقَع ممّن فَقد شرطًا من شروط التكليف؛ مثل الصغير والمجنون. وكذا في العمد الذي تكون فيه حُرمة المقتول ناقصةً عن حُرمة القاتل؛ مِثل الحُر إِذا قتَل العبد ... وسيأتي التفصيل بإِذن الله. تغليظ الدِّية (٣): اختلفت الأحاديث الشريفة في الدِّيات تغليظًا وتخفيفًا لكل قسم، فالدِّية المغلّظة في الخطأ الذي هو شبه العمد، والدّيَة المخفّفة في الخطأ المحض والأحاديث مُصرّحةٌ بذلك. ------------------------ (١) انظر المكاييل والأوزان الإسلامية ترجمة الدكتور كامل العسلي (ص ٩) وفيه أن الدرهم = ٢.٩٧ غرامًا. (٢) عن «فقه السنة» (٣/ ٣٣٣) -بحذف وتصرف يسير-. (٣) عن «الروضة الندية» (٦٥٢) -بتصرف-. وتغلّظ الدية بأن تكون المائة من الإِبل؛ في بطون أربعين منها أولادها. عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- «أن رسول الله - ﷺ - خطَب يوم الفتح فقال: ألا إِنّ ديَة الخطأ -شبه العمد- ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها» (١). وفي رواية عن عقبة بن أوس عن رجُلٍ مِن أصحاب النبي - ﷺ - قال: «خطَب النبي - ﷺ - يوم فتح مكة فقال: ألا وإِنّ قتيل الخطأ -شِبه العمد-؛ بالسوط والعصا والحجر مائة من الإِبل، فيها أربعون ثنية إِلى بازل عامها (٢) كلهنّ خَلِفةٌ (٣)» (٤). وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أنّ النبي - ﷺ - قال: «عَقلُ شِبهِ العمد مُغَلّظ، مثل عقْلِ العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في عِمّيَّا في غير ضغينة ولا حمْل سلاح» (٥). وعنه أيضًا: «أن رسول الله - ﷺ - قضى: أنّ مَن قتَل خطأ؛ فديته مائة من ----------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨٠٧) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٢٧)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٤٥٨)، وصححه شيخنا - رحمه الله- في»الإِرواء«(٢١٩٧) وتقدّم. (٢) بازل عامها: هي البازل من الإبل الذي أتمّ ثماني سنين، ودخل في التاسعة وحينئذ يطلع نابه وتكمل قوته، ثم يقال له بعد ذلك: بازلُ عامٍ وبازلُ عامين.»النهاية«. (٣) الخَلِفةٌ: الحامل من النوق، وقد خلفته إِذا حَمَلت.»النهاية«. (٤) أخرجه أبو داود والنسائي واللفظ له،»صحيح سنن النسائي«(٤٤٦١). (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٣٨١٩) وتقدّم. الإِبل: ثلاثون بنت مخاض (١)، وثلاثون بنت لَبون (٢)، وثلاثون حِقّة (٣)، وعشرة بني لبون ذكر«(٤). وعن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: في المغلظة: أربعون جَذَعة (٥) خَلِفَة، وثلاثون حِقّة، وثلاثون بنات لبون. وفي الخطأ ثلاثون حِقّة، وثلاثون بنات لَبون، وعشرون بنو لبون ذكور، وعشرون بنات مخاض» (٦). وقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم إِلى أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد، خطأ، وشبه عمد. ففي العمد القِصاص، وفي الخطأ الدية، وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله لا يَقْتُل في العادة، كالعصا والسوط والإِبرة مع كونه قاصدًا للقتل ديَة مغلظة، وهي مائة من الإِبل أربعون منها في بطونها أولاد. ------------------------ (١) مخاض: اسم للنوق الحوامل، واحدتها خَلِفة، وبنت المخاض وابن المخاض: ما دخَل في السنة الثانية؛ لأنّ أمّه قد لحقت بالمخاض: أي الحوامل وإن لم تكن حاملًا. «النهاية». (٢) لبون: بنت الّلبون وابن اللبون: هما من الإِبل ما أتي عليه سنتان، ودخل في الثالثة، وصارت أمّه لَبونًا؛ أي ذاتَ لبن، لأنّها تكون قد حملت حمْلًا آخر ووضعته. «النهاية». (٣) حقّة: هو منْ الإِبل ما دخل في السّنة الرابعة إِلى آخرها، وسميّ بذلك؛ لأنه استحقّ الركَوب والتحميل. «النهاية». (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٥). (٥) جَذَعَة: أصل الجذع من أسنان الدوابّ، وهو ما كان منها شابًا فتيًا. فهو من الإِبل ما دخل في السنة الخامسة. «النهاية». (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٨). وممن ذهب إِلى هذا زيد بن علي والشافعية والحنفية وأحمد وإِسحاق. وقال مالك والليث: إِن القتل ضربان: عمد وخطأ، فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب، أو غير مكلف، أو غير قاصد للمقتول ونحوه، أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة. والعمد ما عداه. والأول لا قَوَد فيه (١). والقول إِنّه على ثلاثة أضرب؛ ثبت من خلال نصوصٍ صريحة الدلالة. ١ - فقوله -تعالى-: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأً﴾ في قتل الخطأ. ٢ - وقوله - ﷺ -:»مَن قتَل عمدًا فهو قَوَد (٢) (٣) في قتل العمد. ٣ - وقوله - ﷺ -: «عَقلُ شِبهِ العمد مُغَلّظ، مثل عقْلِ العمدَ» (٤) في قتل شبه العمد (٥). تغليظ الدِّية في الحَرَم والشهر الحرام: عن أبي نُجيح: «أن امرأةً وُطئت في الطواف، فقضى عثمان -رضي الله عنه- فيها بستة آلاف، وألفين تغليظًا للحرم» (٦). وفي لفظ: «أن عثمان -رضي الله عنه- قضى في امرأة قُتلت في الحرام بدية ----------------------- (١) عن»الروضة الندية«(٢/ ٦٥٩). (٢) القود: القِصاص وقتل القاتل بدل القتيل وتقدّم. (٣) تقدّم تخريجه في»أنواع القتل«. (٤) تقدّم تخريجه في»أنواع القتل«. (٥) وهو كذلك في إِثبات نوع قتل العمد. (٦) صححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٢٢٥٨). وثلث دِيَة» (١). وفي لفظ: «أن رجلًا وطئ امرأةً بمكة في ذي القَعدة فقَتَلها، فقضى فيها عثمان -رضي الله عنه- بدية وثلث» (٢). على مَن تَجب الدِّية؟ الدية الواجبة على القاتل نوعان: ١ - نوعٌ يجِب على الجاني في ماله، وهو القتل العمد إِذا سقط القِصاص، ولا تحمل العاقلة العمد، ولا الإقرار بالقتل أو الصُلح في عمد. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا ما جنى المملوك (٣)، ولا صُلحًا، ولا اعترافًا» (٤). وعن عامر الشعبي -رحمه الله- قال: «العمد والعبد والصُلح والاعتراف لا تعقله العاقلة» (٥). وجاء في كتاب «الإِجماع» (ص ١٢٠) لابن المنذر: «وأجمعوا على أنّ العاقلة لا تحمل دية العمد، وأنها تحمل دية الخطأ». *٢ - ونوعٌ يجب على القاتل، وتتحمله عنه العاقلة، إِذا كانت له عاقلة -------------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، وانظر المصدر السابق. (٢) أخرجه البيهقي وقال شيخنا -رحمه الله- وإسناده صحيح وانظر المصدر السابق. (٣) أي: ما جنى من قتل. (٤) أخرجه البيهقي، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣٠٤). (٥) أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وانظر «الإرواء» (٧/ ٣٣٧). بطريق التعاون، وهو قتل شبه العمد وقتل الخطأ (١)، والقاتل كأحد أفراد العاقلة؛ لأنه هو القاتل، فلا معنى لإِخراجه. تعريف العاقلة: العاقلة مأخوذة من العقل؛ لأنها تَعقل الدماء؛ أي؛ تُمسكها من أن تسفك، يقال: عقَل البعير عقلًا. أي: شدَّه بالعقال، ومنه العقل؛ لأنه يمنع من التورط في القبائح. والعاقلة: هي الجماعة الذين يعقلون العقل، وهي الدية، يقال: عقلْت القتيل، أي: أعطيت دِيته، وعقلْت عن القاتل، أدّيت ما لزمه من الدِّية. والعاقلة هم عَصَبةَ الرجل، أي: قرابته الذكور، البالغون من قِبل الأب الموسرون، العقلاء ويدخل فيهم الأعمى والزَّمِن (٢)، والهرم إِن كانوا أغنياء، ولا يدخل في العاقلة أنثى، ولا فقير ولا صغير ولا مجنون، ولا مخالف لدين الجاني؛ لأنّ مبنى هذا الأمر على النصرة، وهؤلاء ليسوا من أهلها* (٣). قال ابن الأثير -رحمه الله- في «النهاية»:- «والعَصَبة: الأقارب من جهة الأب؛ لأنّهم يُعصّبونه ويعتصب بهم يحيطون ويشتدّ بهم». قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٨): «وأمّا العاقلة التي تحمِل: فَهُم عَصَبته: كالعمّ وبنيه، والإِخوة وبنيهم باتفاق العلماء وأمّا أبو الرجل وابنه فهو من عاقلته أيضًا عند الجمهور؛ كأبي حنيفة، ------------------------- (١) وكذا عمد الصغير والمجنون؛ كما سيأتي؛ إِن شاء الله. (٢) من الزمانة: أي مرض يدوم. (٣) ما بين نجمتين من»فقه السنة" (٣/ ٣٣٦). ![]()
__________________
|
|
#155
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 226الى صــ241 الحلقة (155) ومالك، وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى، وهو قول الشافعي: أبوه وابنه ليسا من العاقلة». وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (١٩٨٣): «العصبة: هم بنو الرجل وقرابته لأبيه، وفي»الفرائض«: مَن ليست له فريضة مُسمّاة في الميراث وإِنّما يأخُذُ ما أبقى ذوو الفرائض». وقال ابن المنذر -رحمه الله-: «وأجمعوا أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ؛ لا يعقلان مع العاقلة شيئًا» (١). ودليل وجوب الدِّيَة على العاقلة؛ ما ورَدَ في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أن امرأتين من هذيل رمت إِحداهما الأخرى فطرحت جنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - فيها بغُرّةٍ: عبدٍ أو أَمة» (٢). وفي الحديث: «العقل (٣) على العَصَبة، وفي السّقط غُرَّة عبدٍ أو أَمة» (٤). قال ابن المنذر -رحمه الله-: «أجمع أهل العلم على أن دِيَة الخطأ تحمِله العاقلة» (٥). *ويرى مالك وأحمد -رحمهما الله تعالى- أنه لا يجب على واحدٍ من --------------------------- (١) انظر «الإِجماع» (١٢٠). (٢) أخرجه البخاري (٦٩٠٤)، ومسلم (١٦٨١). (٣) أي: الدِّية؛ كما تقدّم. (٤) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» وإسناده صحيح كما في «الصحيحة» (١٩٨٣). (٥) انظر «الإِجماع» (١٢٠). العَصبَة قدْرٌ مُعيَّنٌ مِن الدِّية، ويجتهد الحاكم في تحميل كلّ واحدٍ منهم ما يسهُل عليهِ، ويبدأ بالأقرب فالأقرب. وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله-:»وتُؤخذ الدّيَة من الجاني خطأً عند تعذُّر العاقلة؛ في أصحّ قولي العلماء. وإذا قتل المسلمون رجلًا في المعركة ظنًا أنه كافر؛ ثمّ تبيّن أنه مُسلم؛ فديَته في بيت المال؛ وكذلك مَن مات من الزِّحام (١)، تجب ديته في بيت المال* (٢). عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لما كان يوم أُحد هُزِم المشركون، فصاح إِبليسُ: أي عباد الله أخراكم. فرجَعَت أولاهم فاجتَلَدَت هي وأخراهم فنظر حذيفة فإِذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله، أبي أبي. قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، قال حذيفة: غفرَ الله لكم. قال عروة: فما زالت في حذيفة منه بقية خير حتى لحقَ بالله» (٣). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «قال ابن بطّال: اختلف عليٌّ وعمرُ هل تجب دِيَته في بيت المال أو لا؟ وبه قال إِسحاق -أي: بالوجوب- وتوجيهه أنه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين، فوجبت ديته في بيت مال المسلمين» (٤). ----------------------- (١) انظر حديث عائشة -رضي الله عنها- الآتي في «صحيح البخاري» (كتاب الدِّيات باب إِذا مات في الزِّحام أو قُتِل). (٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٣٣٩) -بتصرف-. (٣) أخرجه البخاري (٦٨٩٠). (٤) انظر للمزيد -إن شئت- ما قاله الحافظ -رحمه الله- (١٢/ ٢١٨). عن بُشير بن عُبيد عن سهل بن أبي حَثْمة: «أخبرهُ أن نَفَرًا مِن قومه انطلقوا إِلى خَيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلًا وقالوا: للذي وُجد فيهم: قَتَلْتُم صاحِبنا، قالوا ما قَتلنا ولا عَلِمنا قاتلًا. فانطلقوا إِلى النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إِلى خَيبر، فوجدنا أحدنا قتيلًا فقال الكُبْرَ الكُبْرَ، فقال لهم: تأتونَ بالبَيِنّة على من قَتَله؟ قالوا: ما لنا بيّنة، قالوا: فيحلفون؟ قالوا: لا نرضى بأيْمانِ اليهود، فكَرِه رسول الله أن يُبطل دمَهُ فوداه (١) مائة من إِبل الصدقة» (٢). وجاء في «سنن ابن ماجه»: «الدية على العاقلة، فإِن لم يكن عاقلة؛ ففي بيت المال» (٣). ثم ذكر حديث المقدام الشامي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا وارثُ مَن لا وارث له، أعقِل عنه وأرثُه، والخال وارثُ من لا وارث له؛ يَعقِلُ عنه ويَرثُه» (٤). ونخلُص بهذا إِلى أنّ الدِّية إِن تعذّر الحصول عليها؛ فإِنها تُؤْخَذ من بيت مال المسلمين. ------------------------ (١) أي: دفع دِيته. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٩٨) ومسلم (١٦٦٩). (٣) انظر الكتاب المذكور (كتاب الديات باب - ٧). (٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣٠) وغيره، وانظر «الإِرواء» (٦/ ١٣٨). فائدة: قال ابن المنذر -رحمه الله- في كتاب «الإِجماع» (ص ١٢٠):- «وأجمعوا على أنّ الفقير لا يلزمه من ذلك شيء» (١). مقدار دية الأعضاء والشّجاج: لقد ورَدَ في دية الأعضاء والشّجاج عددٌ من النصوص؛ ومن ذلك: ١ - عن عمر -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «في الأنف الدية إِذا استُوعِب جَذعُه مائة من الإِبل، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي الآمة ثلث النفْس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المنَقّلة خمس عشرة، وفي الموضِحِة خمسٌ، وفي السِّنِّ خمسٌ، وفي كل إِصبع مما هنالك عشر» (٢). ٢ - عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: «كان رسول الله - ﷺ -: يُقوِّم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق يُقوِّمها على أثمان الإِبل، فإِذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخَصًا نقص من قيمتها. وبَلَغت على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم. وقضى رسول الله - ﷺ -: على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان دية عقله الشاء فألفي شاة، قال: وقال رسول الله - ﷺ -:»إِن العقل ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم، فما فضل فللعصبة. قال: وقضى رسول الله - ﷺ - في الأنف إِذا جُدعَ الدية كاملة وإن جدعت -------------------------- (١) أي لا يعقل مع العاقلة شيئًا. (٢) أخرجه البزار وغيره وانظر «الصحيحة» (١٩٩٧). ثَنْدُوته فنصف العقل؛ خمسون من الإِبل، أو عدلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة أو ألف شاة. وفي اليد إِذا قطعت نصف العقل، وفي الرِّجل نصف العقل، وفي المأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإبل وثُلثُ، أو قيمتها من الذهب، أو الورق، أو البقر أو الشاء، والجائفةُ مثل ذلك. وفي الأصابع في كل أصبع عَشْرٌ من الإبل، وفي الأسنان في كل سِنٍّ خمس من الإِبل. وقضى رسول الله - ﷺ -: أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئًا إِلا ما فضل عن ورثتها. وإِن قتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلهم. وقال رسول الله - ﷺ - ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إِليه، ولا يرث القاتلُ شيئًا» (١). وفي لفظٍ من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أيضًا قال: «كانت قيمةُ الدِّية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين، قال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمر -رحمه الله- فقام خطيبًا فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت. قال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. ------------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٣٨١٨). قال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدية» (١). ٣ - عن أبي موسى -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «الأصابع سواء: عشْرٌ عشْرٌ من الإِبل» (٢). ٤ - وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دِيَة أصابع اليدَين والرِّجلين سَواء، عشْرُ من الإِبل لكل إِصبع» (٣). ٥ - وعنه أيضًا -رضي الله عنه- أن النبي - ﷺ - قال: «هذه وهذه سواء» يعني الخِنصر والإِبهام (٤). ٦ - وعنه -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «الأصابع سَواء، والأسنان سَواء؛ الثّنِيَّة (٥) والضِّرسُ سواء، وهذه وهذه سواء» (٦). --------------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٦) ومن طريقه البيهقي، وانظر «الإِرواء» (٢٢٤٧) وتقدّم. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨١٠) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٤٧) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٠٣)، وانظر «الإِرواء» (٢٢٧٢). (٣) أخرجه أحمد والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٢٣)، وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٢٢٧١). (٤) أخرجه البخاري (٦٨٩٥). (٥) الثنيّة: إِحدى الأسنان الأربع التي في مقدّم الفم: ثنتان من فوق وثنتان من تحت. (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨١٣) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٤٨) وغيرهم، وانظر «الإِرواء» (٢٢٧٧). وورد في حديث عمرو بن حزم عدد من ديات الأعضاء والشجاج الأخرى، والراجح فيه الإِرسال وإِسناد المرسل صحيح (١) ولبعض أفراده شواهدُ ثابتة مرفوعة، ولذلك ضربت صفحًا عن التفصيل فيه وما يترتّب على ذلك من الأحكام (٢). ونخلُص من النصوص المتقدّمة -والآتية- بما يأتي: ١ - دية الأنف إِذا استوعب جدْعه وقُطع جميعه؛ الدية كاملة، وهي مائة ----------------------------- (١) انظر «الإرواء» (٢٢١٢)، وورد في عدة مواطن فيه. وانظر كذلك ضعيف النسائي (٣٣٩) و«هداية الرواة» (٣٤٢١). (٢) وهذا لفظه: «عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - كتب إِلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئت على أهل اليمن، هذه نسختها: من محمد النبي - ﷺ - إِلى شرحبيل بن عبد كُلال، ونعيم بن عبد كُلال، والحارث ابن عبد كُلال، قَيْلِ ذي رُعَيْنٍ، ومُعَافِرَ وهَمدان. أمّا بعد، وكان في كتابه: أن من اعتَبطَ (أ) مؤمنًا قتلًا عن بينةٍ فإِنّه قَودٌ، إِلا أن يرضى أولياء المقتول، وأنّ في النفس الدّيَة مائة من الإبل، وفي الأنف إِذا أُوعِب جَدعُهُ الدِّية، وفي اللسان الدّيَة، وفي الشَّفتين الدّيَة، وفي البَيضَتَينِ الدّيَة، وفي الذَّكر الدّيَة، وفي الصُلبِ الدّيَة، وفي العينين الدّيَة، وفي الرجل الواحدة نِصف الدّيَة، وفي المأمومةِ ثلث الدية، وفي الجَائفة ثلث الدية، وفي المُنقِّلَة خمس عشرةَ من الإِبل، وفي كل أُصبع من أصابع اليد والرجل عشرٌ من الإِبل، وفي السنّ خمسٌ مِن الإبل، وفي الموضحَة خمس مِن الإبل، وأنّ الرّجُل يُقْتَل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار». ----------------------- _________ (أ) أي: قتله بلا جناية. «النهاية». من الإِبل. وإِذا جدُعت أرنبة أنفه؛ فله نصف الدية؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: «أن رسول الله قضى في الأنف إِذا جُدع كلّه بالعقل كاملًا؛ وإِذا جدُعت أرنبته؛ فنصف العقل» (١). ٢ - في اليد نصف الدية؛ خمسون من الإِبل. ٣ - في اليد الشلاّء ثلث ديتها، ودية اليد كاملة نصف الديَة، فتكون ديتها -أي اليد الشلاّء- سدس الدية وهي ستة عشر من الإِبل وثُلُثان. عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: في العين القائمة، والسنّ السوداء واليد الشلاّء ثلث ديتها«(٢). ٤ - في الرِّجل نصف الدية؛ خمسون من الإِبل. ٥ - في أصابع اليدين والرِّجلين سَواء، عشْرٌ من الإبل. ٦ - دية الظفر إِذا لم يُعدْ أو عاد أسود، أو اعورّ خُمس دية الإِصبع (٣). عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال:»في الظّفر إِذا اعْوَرّ خُمس دية ------------------------ (١) أخرجه أحمد في «المسند» وغيره وقال شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضية» (٣/ ٣٨٠): «سنده حسن». (٢) أخرجه البيهقي بإِسناد صحيح، وانظر «الإِرواء» (٢٢٩٤). وهذا ورد مرفوعًا عن النبي - ﷺ - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أخرجه النسائي وغيره، وهو حسن احتمالًا، انظر «الإرواء» (٢٢٩٣). (٣) يذكّر ويؤنّث، وفيه خمس لغات؛ انظرها في المعاجم -إِنْ شئت-. الإِصبع» (١). وتقدم أن دية الإِصبع عَشْرٌ من الإِبل -وهي عُشر الدية- فتكون دية الظفر خُمس العشر وهي: اثنان من الإِبل. ٧ - في العين نصف الدية؛ خمسون من الإِبل لقوله - ﷺ -: «وفي العين خمسون من الإِبل» (٢). وفي العين إِذا طُمست: ثلث ديتها، ستة عشر من الإبل وثُلُثان (٣). وفي عين الأعور؛ دِيةٌ كاملة. ثبت ذلك عن عمر وعلي وابن عمر -رضي الله عنهم أجمعين-. فعن أبي مجلز: «أن رجلًا سأل ابن عمر: وفي رواية عنه: سألت عبد الله ابن عمر عن الأعور تفقأ عينه، فقال عبد الله بن صفوان: قضى فيها عمر الدية» (٤). وعن قتادة عن علي -رضي الله عنه-: «في الرجل الأعور إِذا أصيبت عينه الصحيحة قال: إِن شاء أنَ يفقأ عينًا مكان عينٍ ويأخذ النصف، وإِن شاء أخذ الدية كاملة» (٥). ------------------------ (١) أخرجه ابن أبي شيبة وسنده صحيح على شرط مسلم كما في «الإرواء» (٢٢٧٤). (٢) حسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٦٩). (٣) تقدّم تخريجها في اليد الشلاّء، وانظر «هداية الرواة» (٣٤٣٢). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي بإِسناد صحيح، وانظر «الإِرواء» (٧/ ٣١٥). (٥) أخرجه ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح وانظر «الإِرواء» (٧/ ٣١٦). عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: إِذا فُقئت عين الأعور ففيها الدية كاملة» (١). ٨ - وفي الأذن خمسون. فعن ابن شهاب قال: قرأت كتاب رسول الله - ﷺ - الذي كتَبه لعمرو بن حزم -رضي الله عنه- ... فكتب: «وفي الأذن خمسون من الإِبل» (٢). فائدة: عن عمران بن حصين -رضي الله عنه-: «أنّ غلامًا لأُناس فقراء؛ قطَع أُذن غلامٍ لأُناسٍ أغنياء، فأتى أهلُهُ النبيّ - ﷺ - فقالوا: إِنّا أُناسٌ فقراء، فلم يجعل عليه شيئًا» (٣). ٩ - في كل سنن خمسٌ من الإِبل. رجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٧١): «وسُئِل -قدس الله روحُه- عن رَجُلٍ ضَرَب رجُلًا فتحوّل حنكُه، ووَقَعت أنيابه، وخيّطوا حنَكَه بالإِبر؛ فما يجب؟ فأجاب: يجب في الأسنان؛ في كل سنٍّ نصف عشر الدية (٤)؛ خمسون -------------------------- (١) انظر المصدر السابق. (٢) أخرجه البيهقي بسند صحيح ويقويه قول عمر وعلي بما فيه، كما في البيهقي بسندين صحيحين؛ قاله شيخنا -رحمه الله- في»التعليقات الرضية«(٣/ ٣٨٢). (٣) أخرجه أبو داود والنسائي، وقال شيخنا -رحمه الله- في»هداية الرواة" (٣٤٣٥): إِسنادهُ صحيح على شرط مسلم. (٤) لأن الخَمس من الإِبل = ٥/ ١٠٠ = ١/ ٢٠ وهو ما ذكره الفقهاء أنه نصف العُشر. دينارًا أو خمس من الإِبل أو ستمائة درهم. ويجب في تحويل حنك الأرش؛ يقوم المجني عليه كأنه عبد سليم، ثم يقوم وهو عبد معيب، ثم ينظر تفاوُت ما بين القيمتين، فيجب بنسبته من الدية. وإِذا كانت الضربة مما تقلع الأسنان في العادة؛ فللمجني عليه القِصاص، وهو أن يقلع له مِثْل تلك الأسنانِ من الضارب». ١٠ - الثَّندُوَة (١) نصف الدية، خمسون من الإِبل (٢). ١١، ١٢ - الضلع والتَرقوة. عن أسلم مولى عمر -رضي الله عنه- «أن عمر قضى في الترقوة وفي الضلع بجمل» (٣). ١٣ - إِذا ذهب سمعه ولسانه وعقْله وذَكَره، فيه أربع ديات، عن أبي المهلّب قال: «رُمي رجل بحجر في رأسه، فذهب سمْعه ولسانه وعقْله وذَكَره، فلم يقرب النساء، فقضى فيه عمر بأربع ديات» (٤). وجاء في كتاب «الإِجماع عند أئمّة أهل السُّنة الأربعة» (ص ١٧٤): ------------------------ (١) الثَّندُوَة للرجل: كالثدي للمرأة، وانظر «النهاية». (٢) أو عدلها من الذهب أو الورِق، أو مائة بقرة، أو ألف شاة كما ورَد في الحديث الذي أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨١٨). وهذا عامّ في الدية كاملة؛ كانت أو مجزّأة، وسيأتي عما قريب -إِن شاء الله تعالى- التنبيه على ذلك. (٣) أخرجه مالك، وعنه البيهقي بإسناد صحيح، وانظر «الإرواء» (٢٢٩١). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة، وعنه البيهقي، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٧٩). وأجمعوا على أن: في اللسان الدية. وأجمعوا على أن: في الذكر الدية. وأجمعوا على أن: في ذهاب العقل الدية. وأجمعوا على أن: في ذهاب السمع الدية. ومن تأمّل ما ثَبت من نصوصٍ وآثارٍ في الديَة؛ فإِنه يرى أنّ في العضوين الدِّيَة كاملة، وفي العضو الواحد نصف الدية. ففي الأُذُن نصف الدية. وفي الرِّجل نصف الدية. وفي العين نصف الدية. وفي اليد نصف الدية. وفي الثندوة نصف الدية. وفي الأنف إِذا استوعب الدية كاملة. وفي أصابع اليدين الدية كاملة. وفي أصابع الرجلين الدية كاملة. وفي عين الأعور الدية كاملة. وعلى هذا يحمل قضاء عمر -رضي الله عنه- فيمن فقد سمْعه ولسانه وعقْله وذَكَره، أنّ لكل واحدٍ منها الدية كاملة. وبهذا تجدني أميل إِلى تصحيح معنى حديث عمرو بن حزم -رضي الله عنه- (١) واعتماد ما تبقّى من الأعضاء التي لم أرَ لها -فيما أعلم- شواهد من السّنة النبوية. وقد تقدم في قضاء عمر -رضي الله عنه- وأجمع عليه الأئمّة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رحم الله الجميع- (٢). ففي اللسان الدّية. وفي الشفتين الدّية. وفي البيضتين الدّية. وفي الذَّكَر الدّية. وفي الصُّلب الدية. فكل ما تقدّم في حديث عمرو بن حزم -رضي الله عنه- إِما عضوٌ واحد في الجسد أو عضوان استُئصلا؛ كالشفتين والبيضتين. والله أعلم. تنبيه: كلّ ما يذكر من الديات في الأعضاء والشجاج من الإِبل؛ يمكن أن يخرجَ عدله من الذهب أو الورق أو البقر أو الشياه. وقد تقدّم أن دية الرجل المسلم مائة مِن الإِبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ------------------------- (١) ولا سيّما أن هناك من صحّح هذا الحديث؛ مثل ابن حبّان والحاكم والبيهقي، ونُقل عن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا، وصحّحه أيضًا من حيث الشهرة؛ لا مِن حيث الإسناد جماعة من الأئمة؛ منهم الشافعي ... وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السِّير معروف ما فيه عند أهل العلم؛ يُستغنى بشهرته عن الإِسناد؛ لأنه أشبه بالتواتُر في مجيئه؛ لتلقّي الناس له بالقَبول والمعرفة. وانظر «النيل» (٧/ ١٦٣). (٢) انظر «الإِجماع عند أئمة أهل السُّنة الأربعة» للوزير يحيى بن هبيرة (ص ١٧٤). ألف دينار ذهب، أو اثنا عشرَ ألف درهم من فضة أو مائتا حُلّة. وبعض الديَة تقسّم بحسبها: فنصف الدية مثلًا خمسون من الإِبل؛ أو مائة بقرة، أو ألف شاة، أو ألف دينار ذهب، أو ستة آلاف درهم فضة، مائة حُلّة. وثلث الدّية هكذا ... وتقدّم قوله - ﷺ -: «وإِنْ خدعت ثَنْدُوته فنصف العقل؛ خمسون من الإِبل، أو عدْلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة أو ألف شاة». الجراح وأقسامها ودِياتها جاء في «المحلى» (١٢/ ٢١١) -في تقسيم الجراح-: أولها الحارضة (١) ثمّ الدامية، ثمّ الدامعة، ثمّ الباضعة، ثمّ المتلاحمة، ثمّ السمحاق، ثمّ الموضحة، ثمّ الهاشمة، ثمّ المنقلة، ثمّ المأمومة، -وهي الآمة أيضًا-. وفي الجوف وحده: الجائفة، وهي التي نفذت إِلى الجوف. والحارِضة (١) -التي تشق الجلد شقًا خفيفًا- يقال حرض القصار الثوب إِذا شقه شقًا لطيفًا. والدامية: هي التي ظهر فيها شيء من دم ولم يَسِل. والدامعة: هي التي سال منها شيءٌ من دمٍ كالدمع. والباضعة: هي التي شقّت الجلد، ووصلت إِلى اللحم. -------------------- (١) وهكذا جاءت -بالضّاد- ومن خلال مراجعاتي في كتب الغريب والمعاجم؛ رأيتها (الحارصة) بمهملتين؛ -بالحاء والصاد-. والمتلاحمة: هي التي شقّت الجلد، وشرعت في اللحم. والسمحاق: -هي الملطا- وهي التي قطَعت الجلد واللحم كله، ووصلت إِلى القشرة الرقيقة التي على العظم. والموضحة: التي شقّت الجلد واللحم، وتلك القشرة، وأوضحت عن العظم. والهاشمة: هي التي قطعت الجلد واللحم والقشرة، وأثّرت في العظم فهشمت فيه. المنقلة: -وهي المنقولة أيضًا- التي فعلت ذلك كلّه، وكسرت العظم؛ فصار يخرج منها العظام. والمأمومة: التي نفذت ذلك كله، وشقّت العظم كلّه، فبلغت أمّ الدماغ. هذا الكلام كله هكذا، حدَّثناه أحمد بن محمد بن الجسور قال: نا محمد بن عيسى بن رفاعة قال: نا علي بن عبد العزيز نا أبو عبيد عن الأصمعي وغيره فذكر كما ذكَرْنا». دية الشجاج: ويتلخص مما تقدّم من النّصوص -وما يأتي- ما يلي: ١ - في الآمة أو المأمومة (١) ثلث الدية (٢) ثلاث وثلاثون من الإِبل وثُلث. ---------------------- (١) الآمة أو المأمومة: هما الشجّة التي بلغَت أمْ الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدّماغ. وانظر «النهاية». (٢) انظر «الإِرواء» (٢٢٨٩). ![]()
__________________
|
|
#156
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 241الى صــ255 الحلقة (156) ٢ - في الجائفة (١): ثلث الدية (٢)، وهي ثلاث وثلاثون من الإِبل وثُلث، فإِذا خَرَجت من الجانب الآخر، ففيها ثلثا الدية. عن سعيد بن المسيب: «أن قومًا يرمون، فرمى رجل منهم بسهم خطأ، فأصاب بطن رجل، فأنفذه إِلى ظهره، فدووي فبرأ، فرفع إِلى أبي بكر، فقضى فيه بجائفتين» (٣). ٣ - في المنقّلة (٤) خمس عشرة من الإِبل (٥). ٤ - في المواضح (٦) خمس خمس. عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «لما افتتحَ رسول الله - ﷺ - مكة قال في خطبته: وفي المواضح: خمس خمسٌ» (٧). -------------------- (١) الجائفة: هي الطعنة التي تبلغ الجوف «طلبة الطَلَبة» (٣٢٨). (٢) انظر «الإِرواء» (٢٢٩٦). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة وانظره والشواهد الأخرى في «الإرواء» تحت الأثر (٢٢٩٨). (٤) المنقلة: هي التي تخرج منها صِغار العظام، وتنتقل عن أماكنها، وقيل: التي تنقُل العظم: أي تكسره «النهاية». (٥) انظر «الإرواء» (٢٢٨٦، ٢٢٨٧). (٦) جمع موضحة: هي التي تُبدي وَضَحَ العظم: أي بياضه، وانظر «النهاية». (٧) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥١٢) وأبو داود «صحيح سنن أُبي داود» (٣٨٢٠) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٢٢) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٥٠). وجاء في «المغني» (٩/ ٦٤٣): «وإنْ أوضَحه في رأسه موضحتين بينهما حاجز؛ فعليه أرش موضحتين؛ لأنهما موضحتان، فإِنْ أزال الحاجز الذي بينهما؛ وجب أرش موضحة واحدة؛ لأنّه صار الجميع بفعله موضحة ...». وهذا الذي ثبت فيه الحديث والأثر من الشجاج -فيما أعلم- وقد ورد في حديث عمرو بن حزم -رضي الله عنه- عددٌ من الشّجاج، والأعضاء ولا يثبت الحديث مرفوعًا -كما تقدّم-. وتقدم ذكر دِية الآمة والجائفة والمنقّلة والموضحة؛ مع الأدلة، وبقي من ذلك: الحارصة، والدامية والدّامعة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق والهاشمة. فبحثتُ عن نصوصٍ وآثار ثابتة، فلم أعثر على ذلك، وتأمّلت تقسيم ابن حزم -رحمه الله- الذي أفاده من الأصمعي وغيره، وتدرّجَه (التصاعدي) في الجراح؛ فرأيت أربعة أنواع من الجراح ذُكرت قبل الموضّحة، ولمّا كان في الموضّحة خمس من الإبل، ترجّح أن تكون دية ما دون هذه الجراح دون الخمس. ووجدت ابن قدامة -رحمه الله- يقول في «المغني» (٩/ ٦٥٧): عن الموضّحة: وهي أول الشجاج المؤقته، وما قبلها من الشجاج الخمس؛ فلا توقيت فيها في الصحيح من مذهب أحمد، وهو قول أكثر الفقهاء. يروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد رواية أُخرى أن في الدامية بعيرًا، وفي الباضعة بعيرين وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة؛ لأن هذا يروى عن زيد بن ثابت ... وبقيت الهاشمة وهي تقع بين الموضحة والمأمومة، وتقدّم أنّ في الموضحة خمسًا، وفي المنقلة خمس عشرة، وهذا يلتقي ما ذكَره الفقهاء أن فيها عشرًا من الإِبل. وقيل: إِنه روي موقوفًا على زيد ين ثابت؛ كما في «سنن الدارقطني» «والسنن الكبرى» للبيهقي و«مصنف عبد الرزاق» وانظر «الروضة الندية» (٢/ ٦٦٦). وعلى أيّ حالٍ فإِنّ هذا العدد -وهو العشر من الإِبل- راجحٌ في الهاشمة؛ لأنه -كما ذكرت- يقع بين الموضحة والمأمومة، أي بين إِيجاب الخمس والخمس عشرة. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد فيها عشْر من الإِبل (١). وجاء في كتاب «الإجماع عند أئمّة أهل السُّنة الأربعة»: لابن هبيرة -رحمه الله- (ص ١٧٢): «واتفقوا على أنّ: الجروح قصاص في كل ما يتأتى منه القِصاص، ومن الجراح التي لا يتأتّى فيه القِصاص: الحارصة، هي: التي تشقّ الجلد قليلًا، وقيل: بل تكشطه ومنه قولهم حرص القصارُ الثوبَ، أي: شقّه، وتسمّى: (القاشرة) وتسمى: (المليطاء). ثم الباضعة: وهي التي تشق اللحم بعد الجلد. ثم البازلة: وهي تنزل الدم وتُسمّى الدامية والدامعة. ----------------------- (١) انظر»الإِجماع عند أئمّة أهل السُّنة الأربعة" (ص ١٧٣). والمتلاحمة وهي: التي تغوص في اللحم. والسمحاق وهي: التي يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة. فهذه الجراح الخمسة ليس فيها تقدير شرعي بإِجماع الأئمّة المذكورة -رضي الله عنهم- إِلا ما روي عن أحمد أنه ذهب إِلى حُكم زيد في ذلك، وهو أنّ زيدًا -رضي الله عنه- حَكَم في الدامية ببعير، وفي الباضعة ببعيرين، وفي المتلاحمة بثلاثة أبعرة، وفي السمحاق بأربعة أبعرة. وقال أحمد: فأنا ذاهب إليه، وهذه رواية أبي طالب المسكاني عن أحمد، والظاهر مِن مذهبه؛ أنه لا مقدر فيها كالجماعة وهي الرواية المنصورة عند أصحابه. وأجمعوا على أنّ في كل واحدة منها حكومةً بعد الاندمال، والحكومة: أن يُقوّم المجني عليه قبل الجناية -كأنه كان عبدًا- أو يقال: كم كانت قيمته قبل الجناية، وكم قيمته بعدها، فيكون له بقدر التفاوت من ديته. والخلاصة أن في الآتي من الشّجاج؛ ما يلي من الدِّيات: الحارصة فيها دون البعير وقدّرها بعضهم بخمس الدامية (١). والدامية والدامعة (٢) فيها بعير واحد. والباضعة فيها بعيران. ----------------------- (١) جاء في «السيل الجرار» (٤/ ٤٤٩): «وقُدّر في حارصة رأس الرِّجل خمسة مثاقيل [أي خمسة دنانير من ذهب] وفي الدامية اثنا عشَر ونصف» ووافق الإمام الشوكاني صاحب «الأزهار» في هذا القول. (٢) قال في «المغني» (٩/ ٦٥٧) بعد أن ذكَر الحارصة: قال «ثم البازلة وهي التي يبزُل منها الدم؛ أي يسيل، وتُسمى الدامية أيضًا والدامعة». والمتلاحمة فيها ٣ من الإِبل. والسّمحاق فيها ٤ من الإِبل. والموضحة فيها ٥ من الإِبل. والهاشمة فيها ١٠ من الإِبل. والمنقّلة فيها ١٥ من الإِبل. والمأمومة فيها ١/ ٣٣.٣ من الإِبل. والله -تعالى- أعلم. ويحسب عدل ذلك بالذهب؛ بالنظر إِلى أجزاء الدية؛ كالربع والنصف والعُشر ... لخ والدية كاملة من الذهب؛ تعدل ألف دينار؛ كما تقدّم أكثر من مرّة. ما جاء في أرش الجروح غير المسمّاة والحكومة: جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٦٦٦): "وما عدا هذه الجروح المسمّاة، فيكون أرشهُ بمقدار نِسبته إِلى أحدهما تقريبًا؛ لأنّ الجناية قد لَزِم أرْشها بلا شك، إِذ لا يُهدَر دم المجني عليه بدون سبب، ومع عدم ورود الشرع بتقدير الأرش؛ لم يبق إِلا التقدير بالقياس على تقدير الشارع. وبيان ذلك: أنّ المُوضحة إِذا كان أرْشها نصف عشر الدية -كما ثبتَ عن الشارع- نظَرْنا إِلى ما هو دون الموضحة من الجنايات، فإِنْ أخذت الجناية نصف اللحم، وبقي نصفه إِلى العظم؛ كان أَرش هذه الجناية نصف أرش الموضحة، وإِنْ أخذت ثلثه؛ كان الأرش ثلث أرش الموضحة، ثم هكذا. وكذلك إِذا كان المأخوذ بعض الأصبع؛ كان أرشه بنسبة ما أُخذ من الأصبع؛ إِلى جميعها، فأرشها نصف الأصبع؛ عشر الدية، ثم كذلك. وهكذا الأسنان؛ إِذا ذهب نصف السن؛ كان أرشه نصف أرش السن. ويُسلك هذا في الأمور التي تلزم فيها الدية كاملة كالأنف؛ فإذا كان الذاهب نصفَه؛ ففيه نصف الدية، ...، ونحو ذلك، فهذا أقرب المسالك إِلى الحق، ومطابقة العدل، وموافقة الشرع. أقول ... [الكلام لصاحب الروضة]: اعلمْ أنّ كل جناية فيها أرش مُقدَّر من الشارع -كالجنايات التي في حديث عمرو بن حزم الطويل (١) وفي غيره؛ مما ورد في -معناه- فالواجب الاقتصار في المقدار، على الوارد في النصّ. وكل جناية ليس فيها أرش من الشارع، بل ورَد تقرير أرشها عن صحابي أو تابعي، أو من بعدهما- فليس في ذلك حُجّة على أحد، بل المرجع في ذلك نظر المجتهد، وعليه أن ينظر في مِقدار نِسبتها؛ من نسبة الجناية التي ورد في أرش مُقدَّر من الشارع، فإِذا غلب في ظنه مقدار النسبة؛ جعل لها من الأرش مقدارَ نِسْبتها. مثلًا الموضِحة ورد في الشرع تقدير أرشها، فإِذا كانت الجناية دون الموضحة كالسِّمْحَاق والمتلاحمة والباضعة والدامية؛ فعليه أن ينظر -مثلًا- مقدار ما بقي من اللحم إِلى العظم، فإِن وجده مقدار الخمس، والجناية قد قطعت من اللحم أربعة أخماس؛ جعل في الجناية أربعًا من الإِبل أو أربعين (٢) مثقالًا؛ لأن مجموع أرش الموضحة خمس من الإِبل، وإِنْ وجد الباقي من اللحم ثلثًا؛ جعل ------------------- (١) تقدّم تخريجه. (٢) وذلك لأنها على أهل الذهب ألف دينار؛ كما تقدم في أثر ابن عمر -رضي الله عنهما-. أرش الجناية بمقدار الثلثين من أرش الموضحة، ثم كذلك إِذا بقي النصف أو الربع أو الخمس أو العشر وهكذا في سائر الجنايات التي لم يَرِدْ تقدير أرْشها، فإِنه ينبغي النسبة بينها وبين ما وَرَد تقدير أرشه من جنسها ...». وجاء في «السيل الجرّار» (٤/ ٤٥٠): "أقول: قد تقرر عصمة الدّماء، وأنه لا يَحلّ إِراقة شيء منها بغير حقِّه، ولا الجناية على مَعْصوم الدم؛ من غير فرق بين أن تكون صغيرة أو كبيرة وَرَد في الشرع تقديرها أو لم يَرِد. فمن جنى على غيره جنايةً ظاهرة الأثر، ولم يَرِد في الشرع لها تقدير، كما في دون الموضحة وسائر ما أشار إِليه المصنّف؛ فلا يكون عدم ورود الشرع بتقديرها مقتَضيًا لإِهدارها، وعدم لزوم أرْشها بلا خلاف، وإِلا لزم إِهدار ما هو معصوم بعصمة الشرع، واللازم باطل بالإِجماع فالملزوم مثله. فالجناية التي لم يَرِد الشرع بتقديرها؛ لابدّ من الرجوع في التقدير إِلى شيء يكون على طريقة العدل لا حَيْف فيها على الجاني، ولا على المجني عليه، فيُنظر مثلًا في قدر اللحم الذي ذَهَب بالجناية، وقَدْر ما بقي إِلى ما ورد فيه التّقدير من الشرع، فيلزم فيه بنسبته إِلى ذلك الذي ورد فيه التقدير. فإِذا كان المأخوذ نِصفَ اللحم والباقي فوق العظم نصفه كان أرشها نصف أرش الموضِحة. وإذا كان المأخوذ ثلثًا كان أرشها ثلث أرش الموضِحة، ثمّ كذلك، ويكون المرجع في هذا التقدير إِلى أهل الاختبار بالجنايات. فإِذا أخبروا الحاكم بأن المأخوذ كذا؛ قَرّبه الحاكم إِلى أرش ما وَرَد به الشَّرع بحسب نِسبته إِليه، وهكذا في العضو الزائد، وسِنّ الصبي، وذهاب الشّعر والجمال، وما لا نَفْع فيه. وقد قدَّمنا ما يدل على أنه لم يَثْبت في الشرع، تقدير ما دون الموضِحة، فما ذكَره المصنف هنا من تَقدير أرش الدامية والباضعة والسِّمحَاق؛ هو مِن هذا القبيل الذي ذكَرناه، فإِنْ وافق نظَر الحاكم الخبير بما ورد قرّره، وإِلا فعل ما يَتَرجّح له، فليس في ذلك حَجر، ولا يكون تقْدير المتقدم حُجّةً على المتأخر؛ إِذا كان الصواب عنده في مخالفته. وهكذا الكلام في أرش الدامية (١) والمتلاحمة والحارصة (٢) والوارمة». دية المرأة: دية المرأة إِذا قُتلَت خطأً؛ على النصف من دِيَة الرجل. عن شريح قال: «أتاني عروة البارقي من عند عمر: أنّ جراحات الرجال والنساء؛ تستوي في السنِّ والموضّحة، وما فوق ذلك؛ فدية المرأة على النّصف من دية الرجل» (٣). جاء في «المغني» (٩/ ٥٣١): قال ابن المنذر وابن عبد البرّ: «أجمع أهل --------------------- (١) وكان تقدير المصنف الذي أشار إِليه الإِمام الشوكاني -رحمه الله- في الدامية اثنا عشر ونصف من المثقال، وفي الباضعة عشرون، وفي السمحاق أربعون مثقالًا؛ على اعتبار المثقال هنا هو الدينار من الذهب. (٢) وقدّر صاحب»الأزهار«الحارصة بثلث دية الدامية. انظر»السيل«(٤/ ٤٤٩). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح، وانظر»الإِرواء" (٢٢٥٠). العلم أنّ دية المرأة نصف دية الرجل» (١). وأمّا حديث عمرو بن حزم: «دِية المرأة على النّصف من دية الرجل» فلم يثبت مرفوعًا (٢). وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: «قلت لسعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال عشرٌ من الإِبل. قلت: فكم في أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع، قال ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قال: فقلت: لمّا عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقَص عقلها؟! قال سعيد: أعراقي أنت؟ قلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، قال: هي السُّنة يا ابن أخي» (٣). وقول سعيد بن المسيب: «هي السُّنة يا ابن أخي» ليس في حُكم المرفوع؛ لأنه تابعيّ، فلا يترتّب على ذلك الحكم المنصوص به؛ والله -تعالى- أعلم. -------------------- (١) وقال في تتمّة الكلام: «وحكى غيرهما عن ابن عليّة والأصمّ؛ أنهما قالا: ديتها كدِية الرجل؛ لقوله - ﷺ -:»في النفس المؤمنة مائة من الإِبل«وهذا قول شاذٌ يخالف إِجماع الصحابة وسُنة النبي - ﷺ - ...». (٢) قال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٧/ ٣٠٨): «لم أره في شيء من طُرُق حديث عمرو بن حزم، وتقدّم عن الحافظ ابن حجر جزْمه بنفي وجود الشطر الأوّل من هذا في حديث ابن حزم ...». (٣) أخرجه مالك في «الموطأ» وغيره وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده إِلى سعيد في «الإِرواء» (٢٢٥٥) وقال: «وقوله»السُّنّة«ليس في حُكم المرفوع؛ كما هو مقرّرٌ في»المصطلح". دية أهل الكتاب: ودية أهل الكتاب في قتل الخطأ على النّصف مِن دية المسلمين. عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: «دية المعاهد (١) نصف دية الحر» (٢). وفي لفظ: «أنّ النبيّ - ﷺ - قضى بأنّ عقْل أهل الكتاب نصف عقْل المسلمين» (٣). وفي لفظ: «عقْل الكافر نصف عقْل المؤمن» (٤). وفي لفظ: «أنّ رسول الله - ﷺ -: قضى أنّ عقْل أهل الكتابين؛ نصف عقْل المسلمين، وهم اليهود والنصارى» (٥). وهناك من يقول إِنّ دِيَته مثل دية المسلم، واحتجّوا بقوله -تعالى-: ﴿وإِن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدِيةٌ مُسلَّمة إِلى أهله وتحرير رقبة ----------------------- (١) دية المعاهد: أي الذمّي. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٣١) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣٩) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٤٦٩) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤٢)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٥١). (٣) انظر «الإِرواء» (٢٢٥١) والمصادر السابقة. (٤) انظر «صحيح النسائي» (٤٤٧٠). (٥) انظر «صحيح النسائي» (٤٤٦٩) و«صحيح ابن ماجه» (٢١٣٩). مؤمنة﴾ (١). ويجاب بأن هذا إِجمالٌ مُبيَّنٌ في السُنّة النبويّة المطهرة، وأنها على النصف مِن دية المسلم. ثمّ إِن لفظ (ديَة) قد جاء نكرة غير معلومة القيمة، وحديث النبي - ﷺ - عرّف قدْرها وقيمتها. وهناك عددٌ من الآثار؛ ذَكرها جمْعٌ من العلماء (٢)؛ بعضها ينصُّ أن دية أهل الكتاب كدية المسلمين، وبعضها ينصّ على أنّ ديتهم على النصف من دية المسلمين، وبعضها ينصّ على أن ديتهم على الثلث من دية المسلمين. والفصل في ذلك حديث النبيّ - ﷺ -، وخير الهدي هدي محمّد - ﷺ -؛ وبالله التوفيق. فائدة: إِذا قَتَل مسلمٌ كافرًا عمْدًا؛ أُضعفت ديته لإِزالة القَوَد؛ وقد قضى بذلك عثمان -رضي الله عنه-. عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّ رجُلًا مسلمًا قَتلَ رجُلًا مِن أهل الذّمة عمدًا، ورُفع إِلى عثمان -رضي الله عنه- فلم يقتُله، وغلّظ عليه الديَة مثل دم المسلم» (٣). ----------------------- (١) النساء: ٩٢. (٢) انظر لذلك -إِن شئت- تفسير الإمام الطبري -رحمه الله-. (٣) أخرجه أحمد، والدارقطني، وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٦٢). وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٤٦): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل يهودي قَتلَه مسلم: فهل يُقتَل به؟ أو ماذا يجب عليه؟ فأجاب: الحمد لله، لا قِصاص عليه عند أئمّة المسلمين، ولا يجوز قتْل الذمّي بغير حقّ؛ فإنه قد ثبَت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال:»لا يقتَل مسلم بكافر«(١). ولكن تجب عليه الدية، فقيل: الدِّية الواجبة نصف دِيَة المسلم. وقيل: ثُلُث دِيتَه، وقيل: يفرّق بين العمد والخطأ، فيجب في العمد مثل دية المسلم ويُروى ذلك عن عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- أنّ مسلمًا قتَل ذمّيًا فغلظ عليه، وأوجب عليه كمال الدية، وفي الخطأ نصف الدية، ففي السنن عن النبي - ﷺ -:»أنه جعل دية الذمّي نصف دية المسلم«. وعلى كل حال تجب كفّارة القتل أيضًا، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإِن لم يَجِدْ فصيام شهرين متتابعين». دية الجنين: «إِذا مات الجنين بسبب الجناية على أمّه عمدًا أو خطأ، ولم تمُت أمّه وجَب فيه غُرَّة (٢)، سواء انفصل عن أمه وخرج ميتًا، أم مات في بَطنها، وسواء أكان ذكرًا أم أنثى» (٣). --------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٩٠٣)، وتقدّم. (٢) سيأتي معنى الغُرَّة -إن شاء الله تعالى- في العنوان الآتي بعده. (٣) عن «فقه السنة» (٣/ ٣٤٦). هُذيل اقتَتَلتا، فرمت إِحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنَها وهي حامل، فقَتلت ولدها الذي في بَطنها. فاختصَموا إِلى النبي - ﷺ -، فقضى أن دية ما في بطنها غُرَّة عبدٌ أو أمة. فقال وليُّ المرأة التي غَرِمت: كيف أغرَمُ يا رسول الله من لا شَرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ (١)، فمثل ذلك يُطلّ (٢)؟ فقال النبي - ﷺ -: إِنما هذا من إِخوان الكهان (٣)» (٤). ما هي الغُرة؟ قال الإِمام النووي -رحمه الله-: «قال أهل اللغة: الغُرّة عند العرب أنفس شيء». وقال ابن الأثير -رحمه الله- في «النهاية»: «الغُرّة: العبد نفْسُه أو الأمة، وأصل الغُرّة: البياض الذي يكون في وجه الفَرس، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: الغرّة عبدٌ أبيض أو أمة بيضاء، وسمي غرّةً لِبياضِه، فلا يُقبَل في الدية عبدٌ أسود ولا جارية سوداء، وليس ذلك شرطًا عند الفقهاء ...». قال الإِمام النووي -رحمه الله- (١١/ ١٧٦): «واعلم أنّ المراد بهذا كلِّه؛ إِذا انفصل الجنين ميتًا أمّا إذا انفصل حيًّا ثم مات؛ فيجب فيه كمال الدّية؛ ---------------------- (١) استهلال الصبيّ: تصويته عند ولادته.»النهاية«. (٢) أي يُهدَر، يقال: دم فلان هُدر إِذا تُرك الطَّلب بثأره»الفتح«. (٣) أي لمشابهة كلامه كلامهم.»الفتح". (٤) أخرجه البخاري (٥٧٥٨)، مسلم (١٦٨١). فإِنْ كان ذكرًا وجب مائة بعير، وإِن كان أُنثى؛ فخمسون، وهذا مُجمع عليه، وسواء في هذا كلّه العمدُ والخطأ». قال الحافظ في «الفتح» (١٢/ ٢٥٠): «وعلى قول الجمهور فأقل ما يجزئ من العبد والأمة؛ ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرد في البيع؛ لأن المعيب ليس من الخيار. واستنبط الشافعي من ذلك أن يكون منتفعًا به، فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين؛ لأن من لم يبلغها لا يستقل غالبًا بنفسه؛ فيحتاج إِلى التعهد بالتربية، فلا يجبر المستحق على أخذه» انتهى. وعن بريدة «أن امرأة حذفت امرأة (١) فأسقطت، فجعل رسول الله - ﷺ - في ولدها خمسين شاة، ونهى يومئذ عن الخذف (٢)» (٣). لمن تجب وعلى من؟ تجب للورثة؛ وهي على عاقلة الجاني. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- «أن رسول الله - ﷺ - قضى في جنين امرأة من بني لحْيان؛ بغُرّة عبد أو أمَة، ثمّ إِن المرأة التي قضى عليها بالغرة تُوفّيت فقضى رسول الله - ﷺ - أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل (٤) على عَصبَتها» (٥). --------------------- (١) أي: رَمَتها. (٢) الخذف: أي رمي الحصاة. (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائى» (٤٤٧٦). (٤) قال الكرماني (٢٤/ ٣٤): «أي دية الجنين على عَصَبَة المقضي عليها». (٥) أخرجه البخاري (٦٩٠٩). وقد ورد في بعض الروايات أنّ المرأة التي قَتلت، ضربت ضَرَّتها بعمود فسطاط وفيه:- «فقضى في الجنين بغرّة». وفي لفظ: «فقضى فيه بغُرّة، وجعلَه على أولياء المرأة» (١). قال الإِمام النووي -رحمه الله- (١١/ ١٧٦): «ومتى وَجبت الغُرّة فهي على العاقلة؛ لا على الجاني، هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين -رضي الله عنهم- وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، وقال الشافعي وآخرون: يلزم الجاني الكفّارة. وقال بعضهم: لا كفّارة عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة -رضي الله عنهما- والله أعلم». انتهى. ورجّح شيخ الإِسلام -رحمه الله- الكفّارة؛ كما في العنوان الآتي: مسألة: إِذا قال الرجل لزوجته أسقطي ما في بطنك والإثم عليّ: جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٩): «وسئل -رحمه الله- عن رجل قال لزوجته: أسقطي ما في بطنك والإِثم عليّ، فإِذا فعَلت هذا، وسَمعت منه؛ فما يجب عليهما من الكفّارة؟ فأجاب: إِنْ فعَلت ذلك فعليهما كفّارة رقبة مؤمنة، فإن لم يجدا فصيام شهرين متتابعين، وعليهما غُرّة عبد أو أَمَة لوارثه الذي لم يقتله؛ لا للأب، فإِنّ الأب هو الآمر بقتله، فلا يستحق شيئًا». -------------------- (١) أخرجه مسلم (١٦٨٢). ![]()
__________________
|
|
#157
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 256الى صــ270 الحلقة (157) وجاء فيه (ص ١٦١): «وسئل -رحمه الله- عن امرأة حامل تعمّدت إِسقاط الجنين إِمّا بضربٍ، وإِما بشرب دواء؛ فما يجب عليها؟ فأجاب: يجب عليها بسُنّة رسول الله - ﷺ - واتفاق الأئمّة؛ غرّة عبد أو أَمَة، تكون هذه الغرة لورثة الجنين؛ غير أمّه، فإنْ كان له أب كانت الغرة لأبيه، فإنْ أحب أن يسقط عن المرأة فله ذلك، وتكون قيمة الغرة عشر ديَة، أو خمسين دينارًا وعليها أيضًا عند أكثر العلماء عتْق رقبة، فإِن لم تجِدْ؛ صامت شهرين متتابعين، فإِن لم تستطِع؛ أطعمت ستين مسكينًا» (١). وجاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٦٦٨): «وأمّا إِذا خرج الجنين حيًّا، ثم مات مِن الجناية؛ ففيه الدِّيَة أو القَوَد». قلت: وهذا القَوَد إِذا كان عمدًا. وقد اختلف العلماء في وجوب القِصاص في القتل بالمثقل. قال الحافظ في «الفتح»: «عقب الحديث المتقدّم:»واستدل به على عدم وجوب القِصاص في القتل بالمثقل؛ لأنه - ﷺ - لم يأمر فيه بالقَوَد وإِنما أمر بالدية. وأجاب من قال به بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر؛ بحيث يقتل بعضه غالبًا ولا يقتل بعضه غالبًا، وطرد المماثلة في القصاص إِنما يشرع فيما إِذا وقعت الجناية بما يقتل غالبًا. ------------------------ (١) وبناء على قوله -رحمه الله- (عشر دية) أقول: إِذا كانت الخمسون دينارًا عشر دية؛ فالدية كاملة خمسمائة دينار من ذهب. وقد سبق أن الدية ألف دينار من ذهب، وفي حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- بلغت على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربعمائة دينار إِلى ثمانمائة دينار، وذكر بعض الفقهاء أنها نصف عشر الدية والأول أرجح. والله -تعالى- أعلم. وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يوجب فيه القَوَد؛ لأنها لم يقصد مثلها، وشرط القَوَد العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حُجّة فيه لقتلٍ بالمثقل ولا عكسه» (١). وجاء في «السيل الجرار» (٤/ ٤١٤): «... وأمّا إذا كانت الآلة مثلها يقتل في العادة، وإن لم يكن من المحدّد؛ فإن القصاص فيها واجب، كما تقدم في رضّ رأس اليهودي الذي رضّ رأس الجارية، وكما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حمل بن مالك قال:»كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فَقَتلتها وجنينها، فقضى النبي - ﷺ - في جنينها بغُرّة، وأن تُقتل بها«(٢). وقد ذهب إلى وجوب القصاص في مثل هذا الجمهور -وهو الحقّ- وأدلة الكتاب والسنة المثبتة للقصاص تشمله، وليس بيد من قال إنه لا قصاص في القتل بغير المحدّد مطلقًا دليل تقوم به الحجة، ولا حجة فيما ورد من طريق الكذّابين والوضّاعين. وقد بيّن لنا رسول الله - ﷺ - الخطأ الذي هو شبه العمد بيانًا شافيًا، فلنقتصر عليه، ونردّ ما عداه إلى ما شرعه الله لعباده من القصاص في العمد العدوان». ----------------------- (١) «الفتح» (١٢/ ٢٥٠). (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣٦) من حديث عمر بن الخطاب، أنه نشد الناس قضاء النبي - ﷺ - في ذلك -يعني في الجنين- فقام حمل بن مالك بن النابعة فقال: «كنت بين امرأتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وقتلت جنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغرة عبد، وأن تقتل بها». أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٢٥). فائدة: إِذا خَرج الجنين حيًّا ثمّ مات؛ ففيه الكفّارة مع الدّيَة لأنه يتبع الأصل العام في حُكم الدِّيات، وتقدّم ما قاله الإِمام النووي -رحمه الله- غير بعيد. لا ديَة إِلا بعد البُرء: تقدّم في باب القِصاص أنه لا يجوز أن يقتصّ من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، مع الدليل على ذلك، وكذلك الحال في الدية، فإِنه لا يُعقل حتى يبرأ المجروح ويصحّ. وجود قتيل بين قومٍ متشاجرين: إِذا عميَ أمرُ قتيل في قوم؛ كان بينهم رمْيٌ بالحجارة أو السياط، أو ضرْبٌ بالعصيّ، أو نحو ذلك؛ فهو خطأ، وديته دية الخطأ، أمّا مَن قَتَل عمدًا؛ فإِنه يقتصّ منه. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ في عمِّيًّا في رمي يكون بينهم بحجارة، أو بالسياط، أو ضربٍ بعصا؛ فهو خطأ وعقْله عقْل الخطأ، ومن قُتِل عمدًا فهو قَوَد، ومن حال دونه (١)، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف (٢) ولا عدل (٣)» (٤). ---------------------- (١) ومن حال دونه: أي دون القاتل بأن منَع الوليَّ عن القِصاص منه، أو مَنْ حال دون القِصاص: أي منَع المستحقّ عن استيفاء القِصاص. انظر «المرقاة» (٧/ ٣٨). (٢) الصرف: التوبة، وقيل النافلة «النهاية». (٣) العدل: الفدية وقيل الفريضة. «النهاية». (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٤) وابن ماجه "صحيح سنن = هل يضمن راكب الدابّة؟ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «العَجْماء (١) جرحُها جُبار (٢)، والمعدِنُ جُبار، وفي الركاز الخمس» (٣). بيّن النبي - ﷺ - أن العجماء جرحها جُبار، أي: ما أتلفته بجرح أو غيره هدر، لا يضمنه صاحبها ما لم يفرط، لأنّ الضمان لا يكون إِلا بمباشرة أو سبب، وهو لم يَجْن ولم يتسبب، وفِعْلها غير منسوب إِليه، نعم إِنْ كان معها ضمن ما أتلفته ليلًا ونهارًا عند الشافعي«(٤). قال الإِمام النووي -رحمه الله- (١١/ ٢٢٥) -بحذف-:»فأمّا قوله - ﷺ -: العجماء جرْحها جُبار؛ فمحمول على ما إِذا أتلفَت شيئًا بالنهار، أو أتلفت بالليل بغير تفريطٍ من مالكها، أو أتلفت شيئًا وليس معها أحد، فهذا غير مضمون وهو مراد الحديث. فأمّا إِذا كان معها سائق أو قائد أو راكب فأتلفَت بيدها أو برجلها أو فمها ونحوه؛ وجَب ضمانه في مال الذي هو معها، سواءٌ كان مالكًا أو مستأجرًا أو ----------------------- = ابن ماجه«(٢١٣١) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٤٥٦)، وانظر»المشكاة«(٣٤٧٨) وتقدّم. (١) العجماء: -بالمدّ- هي كل الحيوان سوى الآدميّ، وسمّيت البهيمة عجماء؛ لأنّها لا تتكلّم. (٢) جُبار: أي هدْر. (٣) أخرجه البخاري (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠). (٤) انظر»فيض القدير" (٤/ ٣٧٦). مستعيرًا أو غاصبًا أو مودِعًا أو وكيلًا أو غيره، إِلا أن تتلف آدميًا فتجب ديته على عاقلة الذي معها والكفّارة في ماله، والمراد بجرح العجماء إِتلافها سواء كان بجرح أو غيره. قال القاضي: أجمع العلماء على أنْ جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إِذا لم يكن معها أحد، فإِن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته ... وجمهورهم على أن الضارية من الدواب كغيرها على ما ذكَرناه، وقال مالك وأصحابه: يضمن مالكها ما أتلفت، وكذا قال أصحاب الشافعي: يضمن إِذا كانت معروفةً بالإِفساد، لأن عليه ربطها والحالة هذه ...». وقال الإِمام البخاري -رحمه الله- في كتاب «الديات: باب - ٢٩»: «قال ابن سِيرين: كانوا لا يُضمِّنونَ مِن النَّفْحَةِ (١) ويضمّنون مِن ردِّ العِنان (٢). وقال حمّادٌ: لا تُضمَنُ النَّفْحة إِلا أن يَنْخُسَ إِنسان الدَّابة (٣). وقال شريح: لا يُضمنُ ما عاقَبَت أن يَضْرِبها فَتَضرِبَ بِرِجْلها (٤). ------------------- (١) أي: الضربة بالرِّجل. يقال: نفحَت الدابة إِذا ضَرَبَت بِرجلها.»الفتح«. (٢) العِنان: هو ما يوضع في فم الدابة ليصرّفها الراكب كما يختار، والمعنى: إِنّ الدابة إِذا كانت مركوبه فَفَلتَ الراكب عِنانها، فأصابت بِرجلها شيئًا؛ ضَمنه الراكب، وإذا ضَرَبت برجلها من غير أن يكون له في ذلك تسبُّب لم يضمن.»الفتح". (٣) وصل بعضه ابن أبي شيبة من طريق شعبة: سألْتُ الحكم عن رجل واقف على دابته فضَربَت برجلها؟ فقال: يضمن، وقال حمّاد: لا يضمن. (٤) وصله ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور. وقال الحكم وحمّاد: إِذا ساق المُكَاري حِمارًا عليه امرأة فتَخِرُّ، لا شيء عليه. وقال الشعبي: إِذا ساق دابَّة فأتعبَها، فهو ضامِنُ لِمَا أصابَتْ، وإِنْ كان خلفها مُترسِّلا؛ لم يَضمَن (١)». وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٤٩): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل راكب فرس، مرّ به دباب ومعه دبّ، فجفَل الفرس ورمى راكبه، ثمّ هرب ورمى رجلًا فمات؟ فأجاب: لا ضمان على صاحب الفرس والحالة هذه؛ لكنّ الدباب عليه العقوبة. والله أعلم». وممّا تقدّم يظهر لنا أن جرح الدابة هدر ولا ضمان على صاحبها، إلاَّ إِنْ كان هناك تفريط أو تسبُّبٌ مِن صاحبها، وفيما مضى من التفصيل كفاية. والله -تعالى- أعلم. وما تقدّم مِن قول؛ فغالبه يمضي على المراكب المعاصرة؛ كالسيارات ونحوها، فإِنْ كان السائق أو صاحب السيّارة مُفرِّطًا أو متسبّبًا؛ لزِمه الضمان، كأن يسير في إِطارات مهترئة، أو أن يقف في مكان مُرتفع ويستهتر فيجعلها عُرضة للسقوط أو الانتقال، لعدم رفعه الكابح اليدوي ... ---------------- (١) وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة. وانظر «الفتح» و«مختصر البخاري» (٤/ ٢٣٢) للتخريجات السابقة. ماذا إِذا صدم راكب السيارة أو الدابة سيارةً أو دابةً واقفة؟ جاء في»المغني«(١٠/ ٣٦٠):»وإنْ كان أحدهما (١) يسير والآخر واقِفًا؛ فعلى السائر قيمة دابّة الواقف«. نصّ أحمد على هذا لأنّ السائر هو الصادم المتلف، فكان الضمان عليه، وإِنْ مات هو أو دابته فهو هدْر، لأنه أتلف نفسَه ودابّته، وإن انحرفَ الواقف فصادفت الصدمة انحرافه، فهما كالسّائرين لأنّ التلف حصل مِنْ فِعْلهما». ماذا إِذا كان الواقف متعدّيًا؟ وجاء في «المغني» (١٠/ ٣٦٠) أيضًا: «وإِنْ كان الواقف متعديًا بوقوفه مثل أن يقف في طريق ضَيق فالضمان عليه دونَ السائر؛ لأنّ التلف حَصَل بتعدِّيه، فكان الضمان عليه؛ كما لو وضع حجرًا في الطريق، أو جلس في طريقٍ ضيق؛ فعثُر به إِنسان». حُكم قتْل الدابَّة والجناية عليها: وأمّا الدابة إِذا قَتلَها قاتل ففيها قيمتها، وإِذا جنى عليها كان الأرشُ مقدارَ نقْصِ قيمتها بالجناية. وهذا وإنْ لم يقم عليه دليل بخصوصه؛ فهو معلوم من الأدلة الكلية، لأنّ العبد وسائر الدواب مِن جملة ما يملكه الناس، فمَن أتلفه كان الواجب عليه قيمته، ومَن جنى عليه جناية تنقصه؛ كان الواجب عليه أرش النقص. كما لو جُني على عينٍ مملوكة من غير الحيوانات؛ وكان الأولى أن يكون المملوك كسائر --------------------- (١) أي أحد الفارِسَين. الدواب؛ يجب في الجناية عليه نقْص القيمة» (١). ما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها وما أفسدت من ذلك نهارًا لم يضمنوه: يعني إِذا لم تكن يدُ أحدٍ عليها؛ فإِن كان صاحبها معها أو غيره؛ فعلى مَنْ يده عليها ضمان ما أتلفته مِن نفس أو مال ... وإِنْ لم تكن يدُ أحدٍ عليها، فعلى مالكها ضمانُ ما أفسدته من الزرع ليلًا دون النّهار، وهذا قولُ مالك والشافعي وأكثر فقهاء الحجاز (٢). ودليل ذلك: «أن ناقةً للبراء بن عازب -رضي الله عنه- دخَلت حائط رجل، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - ﷺ - أنّ على أهل الحوائطِ حفظَها في النّهار، وأنّ ما أفسدت المواشي بالليل ضامنٌ على أهلها (٣)». قال في «المغني» (١٠/ ٣٥٧): «قال بعض أصحابنا: إِنما يضمَن مالكُها ما أتلفته ليلًا، إِذا كان التفريط منه بإِرسالها ليلًا، أو إِرسالها نهارًا ولم يضمّها ليلًا، أو ضَمّها بحيث يمكنها الخروج، أما إِذا ضَمَّها فأخرَجها غيره بغير إِذنه، أو فتَح عليها بابها؛ فالضمان على مُخرِجها أو فاتحِ بابها لأنه المتِلف». ---------------------- (١) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٦٦٢). (٢) انظر «الغني» (١٠/ ٣٥٦). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٤٨) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٨٨٨)، وانظر «الصحيحة» (٢٣٨). ضمان صاحب الكلب العقور ونحوِه: ومن اقتنى كلبًا عقورًا؛ فأطلقه، فعقَر إِنسانًا أو دابَّة، ليلًا أو نهارًا، أو خرق ثوب إِنسان؛ فعلى صاحبه ضمانُ ما أتلفه لأنه مُفرط باقتنائه؛ إِلا أن يدخل إِنسانٌ داره بغير إِذنه، فلا ضمان فيه؛ لأنه مُتعدٍ بالدخول متسبِّبٌ بعدوانه إِلى عَقْر الكلب له، وإنْ دخَل بإِذن المالك فعليه ضمانهُ، لأنه تسبب إِلى إِتلافه. وإِنْ أتلفَ الكلبُ بغير العقر؛ مِثْل أن ولَغ في إِناء إِنسان أو بال؛ لم يضمنهُ مقتنيه، لأنّ هذا لا يختص به الكلب العَقور. قال القاضي: وإِن اقتنى سنورًا يأكل أفراخ الناس ضَمِن ما أتلفه كما يضمن ما أتلفه الكلب العقور، ولا فرق بين الليل والنهار (١). ضمان صاحب الطيور: وإِن اقتنى حمامًا أو غيره من الطير؛ فأرسله نهارًا فلقط حبًا؛ لم يضمنه؛ لأنه كالبهيمة، والعادة إِرساله (٢). وإِن كان له طيرٌ جارح -كالصقر والبازي- فأفسد طيور الناس وحيواناتهم؛ ضمن (٣). لا ضمان في قتْل الحيوان الضارّ: ويشرع قتل الحيوان الذي ورد النَصُّ بقتْله. ---------------------- (١) انظر «المغني» (١٠/ ٣٥٨). (٢) انظر المصدر السابق. (٣) انظر «فقه السنة» (٣/ ٣٥٥). عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله - ﷺ - قال: «خمسٌ من الدواب كلهنّ فاسقٌ؛ يُقتلن في الحرم: الغراب (١) والحِدَأة (٢)، والعقرب والفأرة والكلب العَقور» (٣). وفي لفظ: «خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العَقور والحُدَيّا» (٤). وفي رواية: «العقرب» بدل الحيّة (٥). وقد ورد النهي عن قتل أربع من الدواب، كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أن النبي - ﷺ - نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد (٦)» (٧). ----------------------- (١) وفي رواية عند مسلم (١١٩٨) والغراب الأبقع. قال ابن قُدامة -رحمه الله- «يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل»، وانظر للمزيد من الفائدة في مسألة الغراب الأبقع. ما جاء في «الفتح» تحت الحديث (١٨٣١). (٢) الحِدَأة: طائر من الجوارح؛ ينقضّ على الجُرذان والدواجن والأطعمة ونحوها. (٣) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨). (٤) أخرجه مسلم (١١٩٨). (٥) أخرجه البخاري (١٨٢٩) ومسلم (١١٩٩). (٦) الصُّرد: طائرٌ ضخْم الرأس والمنقار، له ريش عظيم، نصفه أبيض، ونصفه أسود. «النهاية». (٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٣٨٧) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٦٠٩)، وانظر «الإِرواء» (٢٤٩٠). قال النووي:»فالمنصوص عليه الستّ«أي: الحية والغراب والفأرة والكلب العَقور والحِدَأة والعقرب. وعن أم شريك أن النبي - ﷺ -»أمَرَها بقتل الأوزاغ«(١). ولا ضمان في قَتْلها، ولا في غيرها من السباع والحشرات الضارّة. قال النووي -رحمه الله-:»واتفق جماهير العلماء على جواز قتْلهنّ في الحِلّ والإِحرام، واتفقوا على أنه يجوز للمحرم أن يقتُل ما في معناهنّ، ثمّ اختلفوا في المعنى فيهنّ وما يكون في معناهنّ، فقال الشافعي -رحمه الله-: «المعنى جواز قتلهنّ؛ كونهنّ ممّا لا يُؤكل، وكل ما لا يُؤكَل ولا هو متولد من مأكول وغيره؛ فقتْله جائز للمحرم، ولا فدية عليه». وقال مالك: «المعنى فيهن: كونهنّ مؤذيات، فكلّ مؤذٍ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا». قلت: وقول الإِمام مالك -رحمه الله- أصحّ لاشتراط علّة الإِيذاء. والله -تعالى- أعلم. وفي الكلب العقور قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ٣٩): "واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم أو لا؟ فررى سعيد بن منصور بإِسناد حسن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: الكلب العقور الأسد. وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأيّ ------------------- (١) أخرجه البخاري (٣٣٠٧)، ومسلم (٢٢٣٧). كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصة. وقال مالك في «الموطأ»: كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: «المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب» ...... واحتج بقوله -تعالى-: ﴿وما عَلَّمتم من الجوارح مُكَلِّبين﴾، فاشتقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح: عَقور. واحتج الطحاوي للحنفية، بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي والصقر -وهما من سباع الطير- فدلّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب والحِدَأة«. إِذا كانت الجناية من الظالم المعتدي فلا ضمان فيها: إِذا كانت الجناية مِن ظالمٍ معتدٍ، فجنايته هدْرٌ، وليس له المطالبة بالقِصاص أو الدية، ومن صُور ذلك: ١ - سقوط أسنان العاضّ: عن عمران بن حصين»أن رجلًا عضّ يد رجل فنزع يده من فمه، فوقعت ثنيّتاه، فاختصموا إِلى النبي - ﷺ - فقال: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعَضُّ الفحل، لا ديَة لك» (١). -------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٨٩٢)، ومسلم (١٦٧٣) وتقدّم. وبوّب لذلك الإِمام النووي -رحمه الله- في «صحيح مسلم» فقال: «الصائل على نفس الإِنسان أو عضوه إِذا دفعه المصول عليه، فأتلف نفسه أو عضوه؛ لا ضمان عليه» (١). ٢ - النظر في بيت غيره من غير إِذنه، فإِذا اطّلع رجُلٌ في بيت إِنسانٍ مِنْ ثُقب أو شقّ بابٍ أو نحوه؛ فرماه صاحب البيت بحصاة، أو طعَنَه بعود أو نحوه فقلَع عينه؛ لم يضمنها (٢). عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «لو أنّ امرءًا اطلع عليك بغير إِذن، فحَذفته بحصاةٍ، ففقأت عينه؛ لم يكن عليك جُناح» (٣). وفي رواية: «من اطّلع في بيت قوم بغير إِذنهم؛ ففقأُوا عينه، فلا دية له، ولا قِصاص» (٤). وعن سهل بن سعد أن رجلًا اطّلع في جُحرٍ في باب رسول الله - ﷺ -، ومع رسول الله - ﷺ - مِدرَى (٥) يحكُّ به رأسه -فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: «لو ------------------- (١) انظر»صحيح مسلم«»كتاب القسامة«(باب - ١٤). (٢) انظر -إِن شئت- المزيد ما جاء في»المغني«(١٠/ ٣٥٥). (٣) أخرجه البخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨). (٤) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٥١٦) وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»الإِرواء«(٢٢٢٧). (٥) المِدرى: شيءٌ يُعمل من حديد أو خشب، على شكل سنّ من أسنان المُشط وأطول منه، يسرّح به الشَّعر المتلبّد، ويستعمله مَن لا مُشط له.»النهاية". أعلم أنك تنظرني لطعنْتُ به في عينيك، وقال رسول الله - ﷺ -: إِنما جُعل الإِذن من قِبَل البصر» (١). فمن مجموع هذه النّصوص؛ يتضح لنا أنه لا جُناح على المرء في طعْن العين وفقْئها؛ عند الاطلاع غير المشروع، وكذلك لا دِيَة له ولا قِصاص. *فأمّا إِنْ تَرك الإِطلاع ومضى؛ لم يَجُز رمْيه، لأنّ النبيّ - ﷺ - لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف (٢)، ولأنه ترَك الجناية، فأشبه من عضّ ثمّ ترَك العَضّ، فلم يجز قلْع أسنانه. وليس لصاحب الدار رمْي الناظر بما يقتله ابتداءً، فإِنْ رماه بحجر فقتَلَه، أو حديدة ثقيلة؛ ضَمنه بالقِصاص، لأنه إِنما له ما يَقْلع به العين المبصرة التي حصَل الأذى منها دون ما يتعدّى إِلى غيرها* (٣). ٣ - القتْل دفاعًا عن النّفس أو المال أو العرض: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاءَ رجُلٌ إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيتَ إِنْ جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال فلا تعطِه مالك قال: أرأيت إِنْ قاتلني؟ قال: قاتِلْه قال: أرأيتَ إِنْ قتَلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إِنْ قتلتُه؟ قال: هو في النار» (٤). ------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٩٠١)، ومسلم (٢١٥٦). (٢) في رواية: «فانقمع الأعرابي فذَهَب» «صحيح الأدب المفرد» برقم (٨١٥) وفي رواية أُخرى «فسدّده [أي: السهم] نحو عينيه حتى انصرف»، انظر «الصحيحة» (٦١٢). (٣) ما بين نجمتين من كتاب «المغني» (١٠/ ٣٥٦). (٤) أخرجه مسلم (١٤٠). ولا يبدأ المرء بالقتل؛ فإِنه لا يجوز، وعليه أن يبذُل الأسباب في منْعَه وطرْده، فإِنْ أبى ضربه بأسهل ما يُخرجه به، فإِنْ رجّح أنه يخرج بضَرْب عصا؛ لم يجُز أن يضربه بحديد؛ لأنّ الحديد آلةٌ للقتل بخلاف العصا، وإِنْ ذَهب مُولِّيًا؛ لم يكن له قَتْله ولا اتباعه، وإِنْ ضربَه ضربةً عطَّلته؛ لم يكن له أن يُثنّي عليه؛ لأنه كُفي شرّه (١). ادعاء القتل دفاعًا: إِذا قتلَ رجلٌ رجلًا، وقال: إِنه قد هجَم منزلي؛ فلم يمكنني دفعه إِلا بالقتل، لم يُقبَل قوله إِلا ببيّنة، وعليه القَوَد، سواء كان المقتول يُعرفُ بسرقة أو عيارة، أو لا يعرف بذلك. فإِنْ شهدت البينة أنهم رأوا هذا مُقبِلًا إِلى هذا بالسلاح المشهور، فضَرَبه هذا، فقد هُدر دمه، وإِن شهدوا أنهم رأوه داخلًا داره، ولم يذكروا سِلاحًا، لم يسقط القوَدَ بذلك، لأنه قد يدخل لحاجة، ومجرد الدخول المشهود به لا يوجب إِهدار دمه (٢). هل يضمن ما أتلفته النار؟ *مَن أوقدَ نارًا في داره كالمعتاد، فهبّت الريح، فأطارت شرارةً؛ أحرقَتْ نفسًا أو مالًا؛ فلا ضمان عليه. ---------------------- (١) انظر «المغني» (١٠/ ٣٥١). (٢) المصدر السابق (١٠/ ٣٥٤) -بحذف وتصرف يسيرين-. ![]()
__________________
|
|
#158
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 271الى صــ285 الحلقة (158) في إِفساد زرْعِ الغير: ولو سقَى أرضه سقيًا زائدًا على المعتاد، فأفسَد زَرْع غيره ضَمِن، فإِذا انصبَّ الماء مِنْ موضعٍ لا عِلْم له به؛ لم يضمن؛ حيث لم يَحدُث منه تعدٍّ. في غرق السفينة: مَنْ كان له سفينةٌ يعبر بها الناس ودوابّهم، فغَرِقت دون سبب مباشر منه؛ فلا ضمان عليه فيما تلف بها، فإِنْ كان غرقُها بسببٍ منه ضمن* (١). ضمان الطبيب: إِذا لم تكن درايةٌ بالطب للمرء، وتكلّف ذلك فعالجَ مريضًا، فآذاه أو أتلف شيئًا من بدنه؛ فإِنه ضامِنٌ مسؤول عما جنت يداه، والدِّيَة في ماله. عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-: «أن رسول الله - ﷺ - قال: من تطبّبَ (٢) ولا يُعلَمُ منه طبّ فهو ضامن» (٣). وعن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: «حدّثني بعض الوفد الذين قدِموا على أبي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: أيما طبيب تطبّب على قومٍ لا -------------------- (١) ما بين نجمتين من»فقه السنة«(٣/ ٢٦١، ٢٦٢) بتصرف يسير. (٢) مَن تطبّب: أي تعاطى عِلم الطبِّ، وعالج مريضًا. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨٣٤) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٨٣٤) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٤٩١)، وانظر»الصحيحة" (٦٣٥). يُعرف له تطبُّبٌ قبل ذلك، فأعنَتَ (١)؛ فهو ضامن». قال عبد العزيز: «أما إِنه ليس بالعَنَت، إِنما هو قطع العروق والبطّ (٢) والكي (٣)» (٤). جاء في «سُبُل السلام» (٣/ ٤٧٢): «الحديث دليل على تضمين المتطبّب ما أتلفَه مِن نفسٍ فما دونها، سواء أصابَ بالسراية أو بالمباشرة، وسواء كان عمدًا أو خطأ، وقد ادُّعي على هذا الإِجماع. وفي»نهاية المجتهد«إِذا أعنَت -أي المتطبب- كان عليه الضرب والسجن، والدية في ماله، وقيل على العاقلة. واعلم أن المتطبب هو من ليس له خِبرةٌ بالعلاج، وليس له شيخٌ معروف، والطبيب الحاذِق هو مَن له شيخ معروف؛ وَثِقَ مِنْ نفسه بجودة الصنعة وإحكام -------------------- (١) فأعنَتَ: أي أضرَّ بالمريض وأفسده. (٢) أي الشَّقّ. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨٣٥)، وابن أبي شيبة في»المصنف«، وانظر»الصحيحة «تحت (٦٣٥)، (٢/ ٢٢٧). (٤) جاء في»عون المعبود«: (١٢/ ٢١٥):»ومراد عبد العزيز -والله أعلم بمراده- أنّ لفْظ الطبيب الواقع في الحديث؛ ليس المقصود منه معناه الوصفي العامّ الشامل لكل من يُعالج؛ بل المقصود منه قاطع العروق والباطّ والكاوي، ولكن أنت تعلم أنّ لفْظ الطبيب في اللغة عامّ لكلّ من يعالج الجسم؛ فلا بدّ للتخصيص ببعض الأنواع من دليل". قلت: لعلّ قول عبد العزيز -رحمه الله تعالى- تفسير للحديث، فهو على سبيل المثال لا الحصر، والأخْذ بعموم النصّ هو الأولى، إذا الجاهل بالطبّ يلزمه الضمان في عموم ما يقع منه من إِضرارٍ أو إِفساد. والله -تعالى- أعلم. المعرفة (١). قال ابن القيم في»الهدي النبوي«: إِنّ الطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرًا وسَرَدها هنالك. قال: والطبيب الجاهل إِذا تعاطى عِلْم الطّبّ أو عَلمَه ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إِتلاف الأنفس، وأقدمَ بالتهور على ما لا يعلمه، فيكون قد غرّر بالعليل فيلزمه الضمان. وهذا إِجماعٌ من أهل العلم. قال الخطّابي: لا أعلم خلافًا في أنّ المعالج إِذا تعدّى فتلفَ المريض كان ضامنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدٍّ، فإِذا تولّد مِنْ فِعْله التلف، ضَمِن الديَة وسقط عنه القَوَد؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إِذن المريض وجناية الطبيب؛ على قول عامّة أهل العِلم على عاقلته. انتهى. وأمّا إِعنات الطبيب الحاذق؛ فإِنْ كان بالسراية لم يضمن اتفاقًا، لأنها سراية فِعْل مأذونٍ فيه مِن جهة الشرع، ومِن جهة المعالج، وهكذا سراية كلّ مأذونٍ فيه؛ لم يتعد الفاعل في سببه، كسراية الحد وسراية القِصاص عند الجمهور». الحائط يقع على شخصٍ فيقتله: إِذا بنى الرجُل في ملْكِه حائطًا مائلًا إِلى الطريق، أو إِلى ملك غيره، فتلف به شيء، وسقط على شيء فأتلَفَه؛ ضَمِنه؛ لأنه متعدٍّ بذلك، فإِنه ليس له الانتفاع بالبناء في هواء ملْك غيره، أو هواءٍ مشترك، ولأنه يُعرّضه للوقوع على غيره في غير ملكه. قال في «المغني» (٩/ ٥٧١): "وهذا مذهب الشافعي -رحمه الله- ولا ---------------------- (١) والميزان الآن بيِّنٌ مِن خلال الدراسة الجامعية، ونظام معادلة الشهادات، وشهادة أهل الاختصاص. أعلم فيه خلافًا». ثمّ قال (ص ٥٧٢): «وإِنْ بناه في ملكه مستويًا ... فسقط مِن غير استهدام ولا ميل؛ فلا ضمانَ على صاحبه فيما تلِف به؛ لأنه لم يتعدَّ ببنائه، ولا حصَل منه تفريطٌ بإِبقائه». ضمان حافر البئر: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «العجماء جرحها جُبار، والبئر جُبار، والمعدن جُبار، وفي الرِّكاز الخمس» (١). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (١٢/ ٢٥٥): «قال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا العادية القديمة، التي لا يُعلم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إِنسان أو دابة، فلا شيء في ذلك على أحد. وكذلك لو حفَر بئر في ملكه أو في موات، فوقع فيها إِنسان أو غيره فتلف، فلا ضمان إِذا لم يكن منه تسبب إِلى ذلك ولا تغرير، وكذا لو استأجر إِنسانًا ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان. وأمّا مَن حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إِذن، فتلف بها إِنسان فإِنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفّارة في ماله. وإِنْ تلف بها غير آدمي؛ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور، والمراد بجرحها -وهي بفتح الجيم لا غير كما نقله في»النهاية" عن الأزهري- ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الإِتلافات ملحقة بها. قال عياض وجماعة: إِنما عبر بالجرح؛ لأنه الأغلب، أو هو مثالٌ نبّه به على ----------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠) وتقدّم. ما عداه، والحكم في جميع الإِتلاف بها سواء، سواءٌ كان على نفسٍ أو مال». ضمان المعدن: في الحديث المتقدّم: «والمعدن جُبار» والحُكم فيه ما تقدّم في البئر، فلو حَفَر معدنًا في ملْكِه أو في موات؛ فوقع فيه شخص فمات، فدمه هدْر، وكذا لو استأجر أجيرًا يعمل له، فانهار عليه فمات (١). من استؤجر على صعود شجرة فسقط منها: ويُلحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل؛ كمن استُؤجر على صعود نخلةٍ، فسقط منها فمات (٢). هل في أخْذ الطعام مِن غير إِذن ضمان؟ عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يَحلُبنَّ أحد ماشية أمرئ بغير إِذنِه، أيحب أحدُكم أن تُؤتى مَشْرُبَتُه (٣) فتُكْسَرَ خِزانته فينتقل طعامه؟ فإِنما تَخزُن لهم ضُروعُ (٤) ماشِيتِهم أطعُماتِهم، فلا يحلُبنَّ أحدٌ ماشية أحدٍ إِلا إِذنِه» (٥). واختلف العلماء في هذا النهي وذكروا استثناءات مِن ذلك (٦): ------------------ (١) انظر «شرح النووي» (١١/ ٢٢٦) و«فتح الباري» (١٢/ ٢٥٥). (٢) انظر «فتح الباري» (١٢/ ٢٥٥). (٣) مشرُبَتُه: قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» «-بضم الراء وقد تفتح- أي: غُرفته: والمشربة: مكان الشرب بفتح الراء خاصة، والمشربة بالكسر إِناء الشرب». (٤) الضرع للبهائم؛ كالثدي للمرأة. (٥) أخرجه البخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦). (٦) وأفاض الحافظ -رحمه الله- في تفصيل ذلك في «الفتح» (٥/ ٨٩). منها: حديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه-: أن نبي الله - ﷺ - قال: «إِذا أتى أحدكم على ماشية: فإِنْ كان فيها صاحبها فليستأذنْه، فإِن أَذِن له فليحْلِب وليشرب، فإِن لم يكن فيها فليُصَوِّت ثلاثًا، فإِن أجابه فليستأذنه، وإِلا فلَيحْتلِب وليشرب ولا يحمل» (١). وكذلك حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «إِذا أتَيْت على راعٍ، فناده ثلاث مرارٍ. فإِنْ أجابك، وإِلا فاشرب في غير أن تُفسد، وإِذا أتَيْت على حائط بُستان، فنادِ صاحب البُستان ثلاث مراتٍ، فإِنْ أجابك، وإِلا فكل في أن لا تُفسد» (٢). وأيضًا؛ حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا مرّ أحدكم بحائط، فليأكل ولا يتخّذ خُبْنَةً (٣)» (٤). والذي يترجّح لديّ: ١ - أنه يُراعَى فيما إِذا كان البستان عليه حائطٌ أو لا، وسمعْت من شيخنا -رحمه الله- يقولُ به. ------------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٨٠)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٠٤٢)، وانظر «الإرواء» (٢٥٢١). (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٨٦٢) وابن حبّان وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٢٥٢١). (٣) الخُبْنَة: معطف الإِزار وطرف الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه، يقال: أخْبنَ الرجل: إِذا خبّأ شيئًا في خُبْنة ثوبه أو سراويله. «النهاية». (٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٨٦٣) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٠٣٤)، وصححه الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٥/ ٩٠) تحت الحديث (٢٤٣٥). ٢ - وأنّ الأخْذ مِن غير إِذْنٍ يجوز؛ إِذا عَلِم أو رجّح طِيب نفسِ صاحب الطعام. ويفيدنا في ذلك قول الإمام البخاري -رحمه الله- في كتاب «الأدبَ المفرد» (باب دالّة أهل الإِسلام بعضهم على بعض) ثم ذِكْر لأثر محمد بن زياد قال: «أدركت السَّلف، وإِنَّهم ليكونون في المنزل الواحد بأهاليهم، فربما نزل على بعضهم الضيف، وقِدْرُ أحدهم على النَّار، فيأخذها صاحب الضيف لضيفه، فيفقد القِدرَ صاحَبُها، فيقول: من أخذ القِدر؟ فيقول صاحب الضيف: فحن أخذناها لضيفنا، فيقول صاحب القِدر. بارك الله لكم فيها أو كلمةً نحرها. قال بقية: قال محمّد: والخبز إِذا خَبَزوا مثل ذلك، وليس بينهم إلاَّ جُدُرُ القَصبِ» (١). ٣ - وأنه يجوز للحاجة والضرورة: ويعود تقدير الحاجة والضرورة للمرء نفسه. عن عباد بن شرحبيل -رضي الله عنه- قال: «أصابتني سَنَة (٢)، فدخَلْتُ حائطًا من حيطان المدينة، ففركْتُ سنبلًا، فأكلْتُ وحملتُ في ثوبي، فجاء صاحبه، فضربني وأخَذ ثوبي. فأتيتُ رسول الله - ﷺ - فقال له: ما علّمته إِذْ كان جاهلًا، ولا أطعمته إِذ كان ساغبًا (٣) أو جائعًا، وأمَره، فردَّ عليّ ثوبي، وأعطاني وسْقًا (٤) أو نصف -------------------------- (١) انظر»صحيح الأدب المفرد«(٥٧٦). (٢) السَّنَة: الجدب، في»سنن ابن ماجه«:»أصابنا عام مخمصة«. (٣) ساغبًا: جائعًا، وقيل: لا يكون السَّغَب إِلا مع التعب.»النهاية«. (٤) الوَسْق: ستون صاعًا ... والأصل في الوَسْق الحمل، وكل شيء وسَقْته فقد حَملته.»النهاية". وسْقٍ من طعام» (١). فعباد بن شرحبيل -رضي الله عنه- قال: أصابتني سَنَة -أي: جدب- فدخل حائطًا من حيطان المدينة ... وقد لام النبيّ - ﷺ - صاحب الحائط، فقال له: «... ولا أطعمته إِذْ كان ساغبًا». فهذا واجب متعيّن على القادر؛ أن يطعم الجائع، سواء أكان من الزكاة الواجبة أو الصدقة، أو فيما دخل في قاعدة «في المال حقٌّ سوى الزكاة». وجاء في تمام النصِّ «وأعطاني وسْقًا أو نصف وسْقٍ من طعام» طردًا لجوعه وجبرًا لخاطره، وتفريجًا لكربه. وهذا كله شريطة عدم الإفساد والحمل واتخاذ الخبيئة، ففي هذه الحالة وبهذه الضوابط؛ لا يضمن ما أخَذه من طعام أو شراب. ومن الأدلّة على عدم الضمان؛ أنّ النبي - ﷺ - لم يأمر المارّ على الماشية بعد أن يُصوّت؛ بضمان ما شَرِبه؛ لكن نهاه عن الحمل والإِفساد فحسب. والله -تعالى- أعلم. وقد ورَد الضّمانُ في أَخْذ الطعام كما في النصّ الآتي: عن عمير مولى آبي اللحم قال: «أقبلتُ مع سادتي نُريد الهجرة، حتى دَنَوْنا من المدينة، قال: فدخلوا المدينة وخَلَّفوني في ظهرهم، قال: فأصابني مجاعة شديدة، قال: فمرَّ بي بعض من يخرُجُ من المدينة فقالوا لي: لو دخَلْتَ المدينة فأصبْتَ من ثمرِ حوائطها، فدخلتُ حائطًا فقطعتُ منه قِنْوينِ (٢) -------------------- (١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وأحمد وانظر»الصحيحة" (٤٥٣). (٢) القِنو: هو العِذق: وهو الغضن له شعب بما يحمله من الرُّطب. فأتاني صاحبُ الحائط، فأتى بي إِلى رسول الله - ﷺ - وأخبَره خبري، وعليّ ثوبان، فقال لي: «أيُّها أفضل؟ فأشَرْتُ له إِلى أحدهما، فقالك خُذْهُ، وأعطى صاحب الحائط الآخر، وخلّى سبيلي» (١). قال شيخنا -رحمه الله-: «فيه دليلٌ على جواز الأكل من مال الغير بغير إِذنه عند الضرورة، مع وجوب البَدل. أفاده البيهقي. قال الشوكاني: (٨/ ١٢٨):»فيه دليلٌ على تغريم السارق قيمة ما أخذه مما لا يجب فيه الحدّ، وعلى أنّ الحاجة لا تبيح الإِقدام على مال الغير مع وجود ما يمكن الانتفاع به، أو بقيمته، ولو كان مما تدعو حاجة الإِنسان إِليه، فإِنّه هنا أخذ أحدَ ثوبيه ودَفعَه إِلي صاحب النخل«. انتهى. قلت: وقطْع عمير قِنوين -وهما غصنان ذو شُعبٍ من الرُّطب- لا يدخل في المأذون فيه، مما سبق تَفصيله، فلزم من ذلك التغريم والله -تعالى- أعلم. -------------------------- (١) أخرجه أحمد وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة" (٢٥٨٠). القَسامة القَسامة (١) القَسامة: هي مصدر أقسم قَسَمًا وقَسَامة، وهي الأيمان تُقسَم على أولياء القتيل إِذا ادعوا الدم أو على المُدَّعَى عليهم الدم، وخُصّ القَسَم على الدم بلفظ القَسامة. وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «القَسامة: هي في عرف الشرع حلف معيّن عن التّهمة بالقتل على الإِثبات أو النفي، وقيل: هي مأخوذة من قسمة الأيمان على الحالفين». القَسامة في الجاهلية (٢): عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إِنّ أول قَسامةٍ كانت في الجاهلية لَفِينا بني هاشم. كان رجل من بني هاشم؛ استأجرهُ رجل من قريش من فَخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إِبله، فمرّ به رجل من بني هاشم قد انقطعتْ عُروة جُوالقِهِ (٣) فقال: أغِثني بعقال أشد به عروة جُوالقي لا تنفر الإِبل، فأعطاه عقالًا فشدَّ به عروة جُوالَقه، فلما نزلوا عُقِلَتِ الإِبل إِلا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما ----------------------- (١) انظر -إِن شئت-»طلبة الطلبة«(٣٣٢) و»حلية الفقهاء«(١٩٨). (٢) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(باب - ٢٧). (٣) جُوالَقه: -بضم الجيم وفتح اللام- الوعاء مِن جلود وثياب وغيرها، فارسي معَرب وأصلها كُوالَة»الفتح". شأن هذا البعير لم يُعقَلْ من بين الإِبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عِقالهُ؟ قال: فحذَفَهُ (١) بعصًا كان فيها أجله. فمرَّ به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربَّما شهدته، قال: هل أنت مُبْلِغٌ عني رسالة مرةً من الدهر؟ قال: نعم، قال فكتب: إِذا أنت شهدتَ الموسم فنادِ يا آل قريش، فإِذا أجابوك فنادِ يا آل بني هاشم، فإِنْ أجابوك فاسأل عن أبي طالب فأخبِره أن فلانًا قَتَلَني في عقال. ومات المستأجر فلمّا قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعَل صاحِبُنا؟ قال: مرض فأحسنتُ القِيام عليه، فوليتُ دَفنَه، قال: قد كان أهل ذلك منك. فمكَث حِينًا ثمّ إِن الرجل الذي أوصى إِليه أن يُبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلِغك رسالة أنّ فلانًا قتَلهُ في عقال. فأتاهُ أبو طالب فقال له: اختر منّا إِحدى ثلاث: إِن شئت أن تؤدي مائةً من الإبل؛ فإِنك قتَلْت صاحبنا، وإنْ شئت حلَف خمسون من قومك؛ إِنك لم تقتله، وإِن أبيتَ قتلناك به، فأتى قومه فقالوا نحلِف. فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم، قد ولدت له، فقالت: يا --------------------- (١) فحذَفَه: أي رماه. أبا طالب أحبُّ أن تجِيزَ ابني هذا برجل من الخمسين ولا تُصبِر (١) يمينَه حيث تُصبَر الأيمان (٢)، ففعل. فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردتَ خمسين رجلًا أن يَحلِفوا مكان مائةٍ من الإِبل، يصيبُ كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما منّى ولا يصبر يميني؛ حيث تُصْبر الأيمان، فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا. قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول (٣) ومن الثمانية وأربعين عينٌ تَطرِفُ (٤)» (٥). وعن سليمان بن يَسار مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - عن رجل من أصحاب رسول الله من الأنصار: «أنّ رسول الله - ﷺ - أقَرّ القَسامة على ما كانت عليه في الجاهلية» (٦). بيان صورة القَسامَة: *صورة القَسامة أن يوجدَ قتيلٌ وادعى وليّه على رجلٍ، أو على جماعةٍ -------------------- (١) تُصبر يمينَه: أصل الصبر: الحبس والمنع، ومعناه في الأيمان الإلزام، تقول: صبرتُه: أي ألزمتُه أن يحلف بأعظم الإِيمان حتى لا يسعه أن لا يحلف. «الفتح». (٢) أي: بين الرّكن والمقام. (٣) أي: من يوم حلفوا. (٤) أي: تتحرّك. (٥) أخرجه البخاري (٣٨٤٥). (٦) أخرجه مسلم (١٦٧٠). وعليهم لوثٌ ظاهر. واللوث: ما يَغلب على القلب صدق المدّعي، بأن وجد فيما بين قوم أعداء لا يخالطهم غيرُهم، كقتيل خيبر وُجد بينهم، والعداوة بين الأنصار وبين أهل خيبر ظاهرة، أو اجتمع جماعةٌ في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل، أو وُجد في ناحية قتيلٌ وثمّ رجل مختضب بدمه، أو يشهد عدل واحد على أن فلانًا قتَله* (١). فيحلف أولياء المقتول خمسين يمينًا، أن ذلك الخاصم هو الذي قتلَه ويستحقون دمه. فإِن أبَوا القَسم؛ ردّ ذلك إِلى أولياء المدَّعَى عليه بالقتل، فيحلفون خمسين يمينًا على نفي القتل، فإِن حلفوا؛ لم يُطالبوا بالدِّية، وإن أبَوا؛ وجبت الدية عليهم. وإذا لم يتمكن الوالي مِن تمحيص الأمر -لالتباس أو غموض- كأن يأبى أولياء المدعي أيمان أولياء المدعي عليه- كانت الدية مِن بيت مال المسلمين. ودليل ذلك ما رواه رافع بن خَديج وسهل بن أبي حَثْمة: «أن عبد الله بن سهل ومحيِّصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النّخل، فقُتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحوَيِّصة ومحيِّصة ابنا مسعود إِلى النبي - ﷺ - فتكلموا في أمرِ صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن -وكان أصغر القوم- فقال النبي - ﷺ -: كبِّر الكُبْرَ. قال يحيى: لِيليَ الكلام الأكبر، فتكلموا في أمرَ صاحبهم، فقال النبي - ﷺ -: أتستَحِقون قتيلَكم -أو قال:- صاحبَكم- بأيمان خمسين منكم. ------------------ (١) ما بين نجمتين من»الروضة الندية" (٢/ ٦٦٩). ![]()
__________________
|
|
#159
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 286الى صــ300 الحلقة (159) [وفي رواية لمسلم: يُقسم خمسون منكم على رجل منهم فيُدفع برُمّته (١)]. قالوا يا رسول الله، أمرٌ لم نرَه قال: فتُبرِؤكم يهود في أيمان خمسين منهم: قالوا: يا رسول الله، قومٌ كفّارٌ: فوَداهم (٢) رسول الله - ﷺ - مِن قِبَله. قال سهل فأدركت ناقة من تلك، فدخلت مِربدًا (٣) لهم، فركضتني (٤) برجلها» (٥). الردّ على من يقول بعدم مشروعيّة القَسامة: عن أبي قلابة "أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريرَه يومًا للناس، ثمّ أذِنَ لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القَسامة؟ قالوا: نقول القسامة القَوَد بها حقّ وقد أقادَت بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونَصبني للناس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، عندَك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيتَ لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل مُحصَن بدمشق أنه قد زنى ولم يرَوْه أكنت ترجمه؟ قال: لا، ----------------------- (١) يدفع بُرمّته: الرُّمّة: بضم الراء: الحبل، والراد هنا: الحبل الذي يُربط في رقبة القاتل؛ ويُسلم فيه إِلى وليّ القتيل، وفي هذا دليل لمن قال: إِنّ القَسامة يثبت فيها القِصاص ... قاله النووي -رحمه الله-. (٢) فوداهم: أعطاهم ديته. (٣) المِربد: الموضع الذي تجتمع فيه الإِبل وتحبس. (٤) أي: رَفَستني. (٥) أخرجه البخاري (٦١٤٢، ٦١٤٣)، ومسلم (١٦٦٩). قلتُ: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سَرق أكنت تَقطعُه ولم يَرَوه؟ قال: لا» (١). فقد ورَد في هذا الأثر؛ أنّ القَسامة القَوَد بها حقٌّ، وقد أقادَت بها الخلفاء. وأمّا قول أبي قلابة -رحمه الله-: «أرأيتَ لو أن خمسين منهم، شهدوا على رجل مُحصَن بدمشق أنه قد زنى ولم يرَوْه؛ أكنت ترجمه؟». فالجواب عنه؛ أنّ أحكام القَسامة تختلف عن أحكام حدّ الزنى والسرقة، والقياس هنا باطل، إِذ لكل شيءٍ حُكمه وبيانه. وأيضًا؛ هؤلاء شهدوا على رجل أنه قد زنى ولم يَرَوه، وعلم الأمير أنهم لم يَروه، فلا يأخذ بقولهم فتنَبَّهْ -رحمني الله وإياك- إِلى قوله: (ولم يَروه) فعدم الرؤية متحقّقة متيقّنة، بخلاف القَسامة التي يمكن تحقُّق ذلك من قِبَل بَعضهم، ومن كذَب منهم فعليه كذبه. لكن لو سأله عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- فقال: لو جاءك خمسون شهدوا على رجل أنه سَرق أكنت تَقطعُه؟ فماذا يجيبه؟ وحسْبُنا أنه قد تقدّم حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة وفيه قول النبي - ﷺ -: أتستَحِقون قتيلَكم -أو قال: صاحبَكم بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: يا رسول الله؛ أمرٌ لم نرَه قال: فتُبرِؤكم يهود في أيمان خمسين منهم ...«. قال الحافظ -رحمه الله- عقب هذا الحديث:»وفي حديث الباب من ------------------------ (١) أخرجه البخاري (٦٨٩٩). الفوائد مشروعية القَسامة، قال القاضي عياض: هذا الحديث أصْلٌ من أصول الشرع وقاعدةٌ من قواعد الأحكام، ورُكن من أركان مصالح العباد، وبه أخَذ كافَّة الأئمّة والسلف؛ من الصَحابة والتابعين وعلماء الأمّة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإِن اختلفوا في صورة الأخذ به. ورُوِيَ التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القَسامة، ولا أثبتوا بها في الشرع حُكمًا، وهذا مَذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإِبراهيم بن علية، وإِليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، قلت: هذا ينافي ما صدَّر به كلامه أن كافّة الأئمّة أخَذوا بها» انتهى كلام الحافظ -رحمه الله تعالى-. قلت: وتوقّف بعضهم لا ينافي ثبوت هذا الحُكم، فحسبُنا قضاء النبي - ﷺ - بذلك، وعمل السلف من الخلفاء والصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار. وبالله التوفيق. وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٤٨٠): بعد الحديث المشار إِليه-: «اعلم أنّ هذا الحديث أصْلٌ كبير في ثبوت القَسامة عند القائلين بها، وهم الجماهير؛ فإِنهم أثبتوها وبيّنوا أحكامها». وجاء أيضًا في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٥): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن أهل قريتين بينهما عداوة في الاعتقاد، وخاصَم رجل آخر في غنم ضاعت له، وقال: ما يكون عِوَض هذا إِلا رقبتك، ثم وجد هذا مقتولًا، وأثر الدم أقرب إِلى القرية التي منها المتهم، وذكر رجل له قتْله؟ فأجاب: إِذا حلَف أولياء المقتول خمسين يمينًا، أنّ ذلك المخاصِم هو الذي قَتلَه حُكِم لهم بدمه؛ وبراءة من سواه، فإِنما بينهما من العداوة والخصومة والوعيد بالقتل وأثَر الدم، وغير ذلك لوْث وقرينة وأمارة على أن هذا المتهم هو الذي قتَله، فإِذا حلفوا مع ذلك أيمان القَسامة الشرعية استحقوا دم المتهم، وسلم إليهم برُمّتة (١)، كما قضى بذلك رسول الله - ﷺ - في قصية الذي قُتل بخيبر». هل في قتل الخطأ قَسامة؟ اختلف العلماء فيما إِذا كان القتل خطأ؛ هل تشرع فيه القسامة! والراجح أنّ القَسامة في قَتْل العمد دون الخطأ، لأنّ النصّ قد وَرَد في قتل العمد؛ لا في الخطأ. جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٤): "وسئل -رحمه الله- عن رجل تخاصَم مع شخص، فراح إِلى بيته، فحصَل له ضعف، فلمّا قارب الوفاة أشهد على نفسه أنّ قاتله فلان، فقيل له كيف قتَلَك؟ فلم يذكر شيئًا، فهل يلزمه شيء، أم لا؟ وليس بهذا المريض أثرُ قتْلٍ ولا ضربٍ أصْلًا، وقد شهِد خلق من العدول أنه لم يضربه، ولا فعَل به شيئًا؟ فأجاب: أمّا بمجرد هذا القول فلا يلزمه شيء بإِجماع المسلمين؛ بل إِنما يجب على المدَّعى عليه اليمين بنفي ما ادعى عليه، إِمّا يمين واحد عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة وأحمد، وإِمّا خمسون يمينًا: كقول الشافعي. ------------------ (١) وتقدّم المراد من ذلك، وهو أن القاتل يُربط بحبلٍ في رقبته، ويُسلّم إِلى وليّ القتيل. والعلماء قد تنازعوا في الرجل إِذا كان به أثر القتل -كجرح أو أثر ضرْب- فقال: فلان ضرَبني عمدًا: هل يكون ذلك لوثًا؟ فقال أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد: ليس بلوث؛ وقال مالك: هو لوث. فإِذا حلَف أولياء الدم خمسين يمينًا حُكم به، ولو كان القتل خطأ فلا قَسامة فيه في أصح الروايتين عن مالك، وهذه الصورة قيل: لم تكن خطأ، فكيف وليس به أثرُ قتْل، وقد شهِد الناس بما شَهدوا به، فهذه الصورة ليس فيه قَسامة بلا ريب على مذهب الأئمّة». وجاء في «المغني» (١٠/ ٩): «... أن يزدحم الناسُ في مضيق؛ فيوجد فيهم قتيل، فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث؛ فإِنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة؛ فدِيَتُه في بيت المال وهذا قول إسحاق ... قال أحمد: فيمن وُجد مقتولًا في المسجد الحرام؛ يُنظر مَن كان بينه وبينه شيء في حياته -يعني: عداوة- يؤخذون فلم يجعل الحضور لوثًا، وإنما جعلَ اللوث العداوة ...». هل يُضرب المتهم ليُقرّ؟ جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٤): «وسئل عمن اتُّهم بقتيل: فهل يُضرَب ليقرّ؟ أم لا؟ فأجاب: إِنْ كان هناك لوث -وهو ما يغلِب على الظن أنه قتَله- جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينًا ويستحقّون دمه. وأمّا ضرْبُه ليقرّ فلا يجوز إِلا مع القرائن التي تدُلّ على أنه قتَله، فإِنّ بعض العلماء جوّز تقريره بالضرب في هذه الحال، وبعضهم منَع مِن ذلك مطلقًا». قلت: قد ورَد في هذا أثرٌ عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-: «أنه رُفع إِليه نفر من الكلاعيين، أن حاكةً سرقوا متاعًا فحبَسهم أيامًا، ثم خلّى سبيلَهم فأتوه فقالوا: خلّيتَ سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرْب؟ فقال النعمان: ما شئتم إِنْ شئْتم أضربهم، فإِنْ أخرَج الله متاعكم فذاك، وإِلا أخذْتُ مِن ظهوركم مثلَه؟ قالوا: هذا حُكمك، قال: هذا حُكْم الله عز وجل ورسوله - ﷺ -» (١). -------------------- (١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٢٩). التعزير التعزير تعريفه: التعزير لغةً: مصدر عزر من العَزْر -بفتح العين وسكون الزاي المعجمة- هو الردّ والمنع. وهو في الشرع: تأديبٌ على ذنبٍ لا حدّ فيه ولا كفّارة (١). *أي: أنه عقوبة تأديبية يَفْرِضها الحاكم على جنايةٍ أو معصية، لم يُعيِّن الشرع لها عقوبة، أو حدّد لها عقوبة ولكن لم تتوفر فيها شروط التنفيذ، مثل المباشرة في غير الفرج، وسرقة ما لا قطْع فيه، وجنايةٍ لا قِصاص فيها، وإِتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنى. ذلك أنّ المعاصي ثلاثة أقسام: ١ - نوع فيه حدّ، ولا كفّارة فيه، وهي الحدود التي تقدم ذِكْرها. ٢ - ونوع فيه كفّارة، ولا حدَّ فيه، مِثْل الجماع في نهار رمضان، والجماع في الإِحرام. ٣ - ونوع لا كفّارة فيه، ولا حدَّ فيه، كالمعاصي التي تقدم ذِكْرها فيجب فيها التعزير* (٢). قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٠٧): «الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لا يتمُّ إِلا بالعقوبات الشرعية؛ فإِن الله يزَعُ ------------------- (١)»سبل السلام«(٤/ ٦٦) بزيادة كلمة»كفّارة«. (٢) ما بين نجمتين من»فقه السنة" (٣/ ٣٦٩). بالسلطان مال لا يزَعُ بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور؛ وذلك يحصُل بالعقوبة على ترْك الواجبات وفِعْل المحرمات. فمنها عقوبات مُقدّرة؛ مثل جلْد المفتري ثمانين، وقطعْ السارق ومنها عقوبات غير مُقدَّرة قد تُسمى «التعزير»، وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كِبَر الذنوب وصِغَرها؛ وبحسب حال المذنب؛ وبحسب حال الذنب في قلّته وكثرته. وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٤٣): "وأمّا المعاصي التي ليس فيها حدٌّ مقدَّر ولا كفّارة؛ كالذي يُقبِّل الصبيّ والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جِماع أو يأكل ما لا يحلّ، كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حِرز، -ولو شيئًا يسيرًا- أو يخون أمانته، كولاة أموال بيت المال أو الوقوف، ومال اليتيم ونحو ذلك، إِذا خانوا فيها، وكالوكلاء والشركاء إِذا خانوا، أو يغش في معاملته، كالذين يغشّون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقِّن شهادة زور، أو يرتشي في حُكْمه، أو يحكُم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزّى بعزاء الجاهلية، أو يلبّي داعي الجاهلية، إِلى غير ذلك من أنواع المحرمات. فهؤلاء يعاقبون تعزيرًا وتنكيلًا وتأديبًا، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلّته، فإِذا كان كثيرًا زاد في العقوبة؛ بخلاف ما إِذا كان قليلًا، وعلى حسب حال المذنب؛ فإِذا كان مِن المدمنين على الفجور؛ زِيدَ في عقوبته؛ بخلاف المقلّ من ذلك، وعلى حسْب كِبَر الذنب وصِغَره؛ فيُعاقبُ من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، بما لا يعاقب من لم يتعرض إِلا لمرأة واحدة، أو صبيٍّ واحد. وليس لأقل التعزير حدّ؛ بل هو بكل ما فيه إِيلام الإِنسان من قول وفِعل، وترْك قول، وترك فِعل. فقد يُعزَّر الرجل بوعْظِه وتوبيخه والإِغلاظ له، وقد يُعزّر بهَجْره وترْك السلام عليه حتى يتوب؛ إِذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجَر النبي - ﷺ - وأصحابَه»الثلاثة الذين خُلّفوا«. وقد يُعزّر بترك استخدامه في جُند المسلمين؛ كالجندي المقاتل إِذا فر من الزحف؛ فإِنّ الفرار من الزحف من الكبائر، وقطْع أجرِه نوعُ تعزيرٍ له، وكذلك الأمير إِذا فعل ما يُستعظَم؛ فعزْله عن إِمارته تعزير له، وكذلك قد يُعزّر بالحبس وقد يُعزر بالضرب ...». مشروعيّته: عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده -رضي الله عنه-: «أنّ النبي - ﷺ - حَبَس رجلًا في تُهمة» (١). وعن أبي بُردة -رضي الله عنه- قال: كان النبى - ﷺ - يقول: «لا يُجلَد فوق عشر جلدات؛ إِلا في حدٍّ من حدود الله» (٢). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٨٧)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤٥) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٣٠)، وانظر «الإرواء» (٢٣٩٧). (٢) أخرجه البخاري (٦٨٤٨)، ومسلم (١٧٠٨). ففي هذا الحديث مشروعية الجلد في غير الحدود -أي: التعزير-. هل يشرع الجلد في التعزير فوق عشر جلدات؟ في الحديث المتقدّم بيان الاقتصار على عشر جلدات في غير الحدود. قال الإِمام النووي -رحمه الله-:»اختلف العلماء في التعزير؛ هل يقتصر فيه على عشرة أسواط فما دونها، ولا تجوز الزيادة؛ أَم تجوز الزيادة؟ فقال أحمد بن حنبل، وأشهب المالكي، وبعض أصحابنا: لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط. وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ إِلى جواز الزيادة ... «(١). قال الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«(١٢/ ١٧٨):»وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخَذ بظاهره الليث وأحمد -في المشهور- عنه وإسحاق وبعض الشافعية. وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشر، ثم اختلفوا، فقال الشافعي: لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحدّ الحر أو العبد؟ قولان، وفي قولٍ أو وجه يستنبط كل تعزير من جنس حدّه، ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعي: «لا يبلغ به الحدّ» ولم يفصل. وقال الباقون: هو إِلى رأي الإِمام بالغًا ما بلغ، وهو اختيار أبي ثور. وعن عمر أنه كتب إِلى أبي موسى: «لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين» ---------------------- (١) انظر «شرح النووي» (١١/ ٢٢١). وعن عثمان ثلاثين، وعن عمر أنه بلغ بالسوط مائة، وكذا عن ابن مسعود وعن مالك وأبي ثور وعطاء: لا يعزر إِلا من تكرر منه ومَن وقع منه مرة واحدة معصية لا حدّ فيها فلا يُعزَّر، وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين، وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف لا يزاد على خمس وتسعين جلدة. وفي رواية عن مالك وأبي يوسف لا يبلغ ثمانين، وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها ما تقدم، ومنها قصره على الجلد وأمّا الضرب بالعصا مثلًا وباليد فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الأصطخري من الشافعية وكأنه لم يقِف على الرواية الواردة بلفظ الضرب، ومنها أنه منسوخ دلّ على نسخه إِجماع الصحابة. ورُدّ بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار، ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه وهو الإِجماع على أن التعزير يخالف الحدود وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها؛ فيصير مثل الحد، وبالإِجماع على أن التعزير موكول إِلى رأي الإِمام فيما يرجع إِلى التشديد والتخفيف، لا من حيث العدد، لأن التعزير شرع للردع ففي الناس من يردعه الكلام ومنهم من لا يردعه الضرب الشديد، فلذلك كان تعزير كلّ أحد بحسبه. وتُعُقِّب بأنّ الحدّ لا يزاد فيه، ولا ينقص فاختلفا، وبأن التخفيف والتشديد مُسلّم، لكن مع مراعاة العدد المذكور، وبأن الردع لا يراعى في الأفراد بدليل أن من الناس من لا يردعه الحدّ ...». وجاء في «فيض القدير» (٦/ ٤٤٦): "يعني لا يُزاد على عشْرة أسواط بل بالأيدي والنعال أو الأولى ذلك، فتجوز الزيادة إِلى ما دون الحد بقدْر الجرم عند الشافعي وأبي حنيفة. أخذ أحمد بظاهر الخبر؛ فمنع بلوغ التعزير فوقها، واختاره كثير من الشافعية، وقالوا: لو بلغ الشافعي لقال به، لكن يردّه نقْل إِمامهم الرافعي إِنه منسوخ محتجًّا بما منه عمل الصحابة، بخلافه مع إِقرار الباقين. ونُوزع بما لا يُجدي، ونقَل المؤلف عن المالكية؛ أنّ الحديث مختص بزمن المصطفى - ﷺ - «لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر. قال القرطبي في»شرح مسلم«: ومشهور مذهب مالك أنّ ذلك موكول إِلى رأي الإِمام بحسب ما يراه أليق بالجاني؛ وإن زاد على أقصى الحدود، قال: والحديث خرج على أغلب ما يحتاج إِليه في ذلك الزمان» انتهى. وقد وردَ بعض الآثار عن السلف في الزيادة على عشرة أسواط: فعن داود عن سعيد بن المسيب: «في جارية كانت بين رجُلين؛ فوقَع عليها أحدهما (١)؟ قال: يضرب تسعةً وتسعين سوطًا» (٢). وعن عمير بن نمير قال: «سُئل ابن عمر -رضي الله عنهما- عن جاريةٍ؛ -------------------- (١) أي سُئل ما حكمه؟ (٢) أخرجه ابن أبي شيبة وصحح إسناده شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٣٩٨). كانت بين رجلين؛ فوقَع عليها أحدهما؟ قال: ليس عليه حدّ هو خائن، يُقوّم عليه قيمة، ويأخذها» (١). وعن عطاء بن مروان عن أبيه قال: «أُتيَ عليٌّ -رضي الله عنه- بالنّجاشي قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثمّ أمَر به إِلى السّجن، ثمّ أخرجه من الغد فضربه عشرين، ثمّ قال: إِنّما جَلْدتك هذه العشرين؛ لإِفطارك في رمضان، وجَرأتك على الله» (٢). والمترجّح لديّ هو التمسُّك بالنصّ، ولكن قد ثبَت عن النبي - ﷺ - التعزير بالقتل؛ لمن شرب الخمر في المرّة الرابعة (٣). وورَد عن عدد من الصحابة -رضي الله عنهم- الزيادة على عشرة جلدات، فهذا يقوّي أن الإِمام موكولٌ بحسب ما يراه أليق بالجاني. ولا نحمل ما فعَلَه بعض الصحابة -رضي الله عنهم- في الزيادة؛ إلاَّ أَنهم استفادوه من صحبة رسول الله - ﷺ -، والجمع بين أَحاديثه - ﷺ -؛ لدرء المفاسد، وردع الجاني، وتحقيق المصالح. والله -تعالى- أعلم. -------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٨/ ٥٧) ورجاله ثقات رجال الشيخين غير عمير بن نمير، أورده ابن حبان في «الثقات» (١/ ١٧٢) وقال: «... أبو وَبَرة الهمداني، مِن أهل الكوفة، يروي عن ابن عمر، روى عنه إِسماعيل بن خالد وموسى الصغير». (٢) أخرجه الطحاوي، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣٩٩): «وإسناده حسن أو قريب من ذلك ...». (٣) وسيأتي - إن شاء الله تعالى- (باب التعزير في حالات مخصوصة). ![]()
__________________
|
|
#160
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 301الى صــ315 الحلقة (160) الفرق بينه وبين الحدود: التعزير مخالف للحدود مِن ثلاثة أوجُه: الأول: أنه يختلف باختلاف الناس، فتعزير ذوي الهيئات أخفّ، ويستوون في الحدود مع الناس. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أقيلوا (١) ذوي الهيئات (٢) عثراتهم (٣) إِلا الحدود (٤)» (٥). الثاني: أنها تجوز فيه الشفاعة دون الحدود؛ كما تقدّم في الحديث السابق: «إِلا الحدود». الثالث: التالف به مضمون؛ خلافًا لأبي حنيفة ومالك. وقد فَرَّق قومٌ بين التعزير والتأديب، ولا يتمّ لهم الفَرق، ويُسمّى تعزيرًا؛ ----------------------- (١) أقيلوا: من الإِقالة، وهي الترك. (٢) ذوي الهيئات: جمع هيئة، والمراد هنا: أهل المروءة والخصال الحميدة التي تأبى عليهم الطِّباع، وتجمع بهم الإِنسانية والألفة؛ أن يرضَوا لأنفسهم بنسبة الفساد والشرّ إِليهم. «فيض القدير». (٣) عثراتهم: زلاتهم: أى ذنوبهم. (٤) إِلا الحدود: أي إِلا فيما ما يوجب الحدود؛ إِذا بلغت الإِمام، وإلا الحقوق البشرية؛ فإِن كُلًاّ منهما يُقام، فالمأمور بالعفو عنه هفوة أو زلّة لا حدّ فيها، وهي مِن حقوق الحقّ؛ فلا يعزّر عليها وإِنْ رُفعت إِليه. «فيض القدير» أيضًا. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٧٩)، وأحمد والطحاوي في «مشكل الآثار» وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (٦٣٨). لدفعه وردّه عن فِعْل القبائح، ويكون بالقول والفعل على حسب ما يقتضيه الحال (١). صفة التعزير (٢): التعزير أجناس، فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب فإِنْ كان لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة: مثْل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه؛ أو على ترْك ردّ المغصوب؛ أو أداء الأمانة إِلى أهلها: فإِنه يُضرَب مرّة بعد مرّة حتى يؤدي الواجب، ويُفرّق الضرب عليه يومًا بعد يوم، وإِنْ كان الضرب على ذنب ماضٍ؛ جزاءً بما كسب ونكالًا من الله له ولغيره؛ فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حدّ. وإليكَ التفصيل في هذه الأصناف وغيرها: التعزير بالتوبيخ والزجر والكلام: قال في «الروضة الندية» (٢/ ٦١٦): «... ومن ذلك قول يوسف -عليه السلام- لإِخوته: ﴿أَنْتُم شرٌّ مَكاَنًا﴾ (٣) لمّا نسبوه إِلى السرقة. وقال - ﷺ - لأبي ذر:»إِنك امرؤ فيك جاهلية«(٤). لمّا سمعه يُعيّر رجلًا ------------------- (١) انظر»سبل السلام«(٤/ ٦٦). (٢) انظر»مجموع الفتاوى" (٢٧/ ١٠٧). (٣) يوسف: ٧٧. (٤) أخرجه البخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١). بأُمّه. وعن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-: «أن رجلًا أكل عند رسول الله - ﷺ - بشماله فقال: كُلْ بيمنك، فقال: لا أستطيع، فقال: لا استطعتَ؛ ما منَعَه إِلا الكِبْرُ، قال: فما رفَعَها إِلى فيه» (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن سَمِعَ رجلًا يَنْشُدُ ضالّةً في المسجدِ، فليقل: لا رَدَّها الله عليك؛ فإِنّ المساجد لم تُبْن لهذا» (٢). وعن بريدة -رضي الله عنه- أن النبي - ﷺ - قال له: «لا وجَدْتَ» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا رأيتُم من يبيعُ أو يبتاعُ في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتَكَ» (٤). وعن عديّ بن حاتم -رضي الله عنه-: «أن رجلًا خطَب عند النبي - ﷺ - فقال: مَن يطِع الله ورسولَه فقد رشَد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله - ﷺ -: بئس الخطيب أنت، قُل: ومن يعصِ الله ورسولَه» (٥). ----------------------- (١) أخرجه مسلم (٢٠٢١). (٢) أخرجه مسلم (٥٦٨). (٣) أخرجه مسلم (٥٦٩). (٤) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٠٦٦) والدارمي وابن خزيمة في «صحيحه» وغيرهم وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٢٩٥). (٥) أخرجه مسلم (٨٧٠). التعزير بالمقاطعة والامتناع عن الكلام: ومن ذلك ما كان من شأن الثلاثة الذين خُلِّفوا: عن كعب بن مالك -رضي الله عنه- يحدّث حين تخلّف عن غزوة تبوك: قال: «لم أتخلَّف عن رسول الله - ﷺ - في غزوةً غزاها، إلاَّ في غزوة تبوك ... كان من خبري أنِّي لم أكنْ قطُّ أقوى ولا أيسر؛ حين تخلَّفْتُ عنه في تلك الغَزاة، والله ما اجتَمَعَتْ عندي قبله راحلتان قطُّ؛ حتى جمعتُها في تلك الغزوة. ولم يكن رسول الله - ﷺ - يريد غزوة، إِلا ورَّى بغيرها (١)، حتى كانت تلك الغزوة؛ غزاها رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا (٢) وعدوًّا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهَّبوا أُهبة (٣) غزوِهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير (٤)، ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد: الديوان). قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيَّب؛ إلاَّ ظنَّ أنْ سيخفى له؛ ما لم يَنْزِلْ فيه وحْي الله. -------------------- (١) قال في»الفتح«:»أي: أوهم غيرها، والتورية: أن يذكر لفظًا يحتمل معنيين، أحدهما أقرب من الآخر، فيوهم إرادة القريب، وهو يريد البعيد«. (٢) المفاز والمفازة: البريَّة القفْر. (٣) تأهَّب: استعدَّ، والأهبة: الحرب عدَّتها وجمعها.»المختار«. (٤) في رواية لمسلم (٢٧٦٩):»وغزا رسول الله - ﷺ - بناس كثير، يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ". وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثِّمار والظِّلال، وتجهَّز رسول الله والمسلمون معه، فطفِقْتُ أغدو لكي أتجهَّز معهم، فأرجع ولم أقضِ شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي؛ حتى اشتدَّ بالنَّاس الجِدُّ، فأصبح رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه، ولم أقْضِ مِن جَهازي شيئًا، فقلتُ: أتجهَز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقُهُم، فغدوْتُ بعد أن فَضَلوا لأتجهَّزَ، فرجعْتُ ولم أقْضِ شيئًا، ثم غَدَوْتُ، ثم رجَعْتُ ولم أقْضِ شيئًا. فلم يَزَلْ بي حتى أسرعوا، وتفارطَ الغزو (١)، وهَمَمْتُ أنْ أرتَحِل فأدرِكهم -وليتني فعَلْت فلم يُقدَّر لي ذلك- فكنتُ إِذا خرجتُ في الناس بعد خروج رسول الله - ﷺ - فطُفْتُ فيهم؛ أحزَنَني أنِّي لا أرى إِلا رجلًا مغموصًا (٢) عليه النِّفاق، أو رجلًا ممَّن عذَرَ الله من الضُّعفاء. قال كعب بن مالك: «فلمَّا بَلَغَني أنَّه توجَّه قافلًا (٣)؛ حَضَرني همِّي، وطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكذب، وأقول: بماذا أخرُجُ من سَخَطه غدًا؟ واستَعَنْتُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ من أهلي، فلمَّا قيل: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قد أظلَّ قادمًا؛ زاح عنِّي الباطل، وعرفْتُ أنِّي لن أخرجَ منه أبدًا بشيء فيه كذب، فأجْمَعْتُ صِدقَه. ------------------- (١) أي: فات وسبق. (٢) أي: مطعونًا عليه في دينه، متَّهمًا بالنَِّفاق، وقيل: معناه: مُستحقرًا، تقول: غَمَصْتُ فلانًا: إِذا استحقرْته.»النهاية". (٣) القفول: الرُّجوع من السَّفر. وأصبح رسول الله - ﷺ - قادمًا، وكان إِذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ؛ بدأ بالمسجد، فيركعُ فيه ركعتين، ثم جلس للنَّاس، فلمَّا فعَل ذلك؛ جاءهُ المُخَلَّفون، فطفقوا يعتَذرون إِليه، ويحلفون له -وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا- فقَبِلَ منهُم رسول الله - ﷺ - علانِيَتَهُم، وبايعَهُم، واستغفرَ لهم، ووكَلَ سرائرَهم إِلى الله. فجئتهُ، فلمَّا سلَّمتُ عليه؛ تبسَّمَ تبسُّمَ المُغْضَب، ثمّ قال: تعالَ. فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديِه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ؟ ألمْ تكن قد ابتَعْتَ ظهركَ (١)؟». فقلتُ: بلى؛ إِنِّي والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدُّنيا؛ لرأيتُ أن سأخرُجُ مِن سخطه بعُذرٍ، ولقد أُعطيتُ جَدلًا، ولكنِّي والله، لقد عَلمْت؛ لئن حدَّثْتُك اليوم حديث كَذِبٍ ترضى به عنِّي؛ ليوشِكنَّ الله أن يُسْخِطكَ عليَّ، ولئن حدَّثْتُك حديث صدقٍ تجِد عليَّ فيه (٢)؛ إِنِّي لأرجو فيه عفو الله (٣)، لا والله؛ ما كان لي مِن عُذرٍ؛ واللهِ ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسر منِّي؛ حين تخلَّفْتُ عنك. فقال رسول الله - ﷺ -: أمَّا هذا؛ فقد صَدَقَ، فقُمْ حتى يقضي الله فيك، فقُمت ... ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا -أيُّها الثلاثة- من بين مَن تخلَّف عنه، فاجتَنبَنا النَّاس، وتغيَّروا لنا، حتى تَنكَّرتْ في نفسي الأرض، فما هي ----------------------- (١) اشتريت راحلتك. (٢) أي: تغضب. (٣) في «صحيح مسلم»: «عقبى». التي أعرف، فلبِثنا على ذلك خمسينَ ليلة. فأمَّا صاحباي؛ فاسْتَكانا وقعدا في بيوتِهما يبكيان، وأمّا أنا؛ فكنتُ أشبَّ القوم وأجلَدَهُم، فكنتُ أخرجَ فأشهد الصَّلاة مع المسلمين، وأطوفُ في الأسواق، ولا يكلِّمني أحدٌ، وآتي رسول الله - ﷺ -، فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعدَ الصَّلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيهِ بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثمَّ أصلِّي قريبًا منه، فأسارقهُ النَّظر، فإِذا أقبَلْتُ على صلاتي؛ أقبَل إِليَّ، وإذا التَفَتُّ نحوَه؛ أعرَضَ عنِّي. حتى إِذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس (١) مشيتُ حتى تسوَّرتُ (٢) جِدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمِّي وأحبُّ النَّاس إِلىَّ، فسلَّمتُ عليه، فوالله؛ ما ردَّ عليَّ السَّلام. فقلتُ: يا أبا قَتادة! أنشُدك بالله هل تعلمني أحبُّ الله ورسولَه؟ فسَكَت، فعُدْت له فنَشَدْتُه؟ فسكَتَ، فعُدْت له فنَشَدْتُه؟ فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضتْ عيناي، وتولَّيت حتى تسوَّرت الجدار ... حتى إِذا مضتْ أربعون ليلة من الخمسين؛ إِذا رسولُ رسولِ الله - ﷺ - يأتيني، فقال: إِنّ رسول الله - ﷺ - يأمُرُك أنْ تعتَزِل امرأتَكَ. فقلتُ: أطلِّقُها؟ أم ماذا أفعل؟ قال: لا؛ بل اعتَزلها ولا تقرَبْها، وأرسل إِلى صاحبيَّ مثلَ ذلك. فقلتُ لامرأتي: الحَقي بأهلِك، فتكوني عندهم حتى يقضيَ الله في هذا --------------------- (١) أي: إِعراضهم. (٢) أي: علوْت سور الدَّار. الأمر. قال كعبٌ: فجاءت امرأة هلال بن أميَّة رسولَ الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إِنّ هلال بن أميَّة شيخٌ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدُمَه؟ قال: لا؛ ولكن لا يَقربْكِ، قالت: إِنّه والله ما به حَرَكة إِلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إِلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذَنْتَ رسول الله - ﷺ - في امرأتِكَ كما أذِنَ لامرأة هلال بن أميَّة أن تخْدمَه. فقلتُ: والله لا أستأذن فيها رسول الله - ﷺ -، وما يدريني ما يقول رسول الله - ﷺ -: إذا استأذنْتُهُ فيها، وأنا رجل شابّ؟! فلَبِثْتُ بعد ذلك عشر ليالٍ، حتى كَمَلَتْ لنا خمسونَ ليلةً من حين نهى رسول الله - ﷺ - عن كلامِنا، فلمَّا صلَّيت صلاة الفجر صُبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيتٍ مِن بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذَكَر الله، قد ضاقتْ عليَّ نفسي، وضاقتْ عليَّ الأرض بما رَحُبت؛ سمِعتُ صوت صارخٍ أوفى على جبل سَلْع (١) بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبْشِرْ. قال: فخَرَرتُ ساجدًا، وعرفْتُ أنْ قد جاء فَرَجٌ، وآذَنَ رسول الله - ﷺ - بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب النَّاسُ يبشِّروننا» (٢). التعزير بالنفي: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أن النبي - ﷺ - أُتي بمُخنّث، قد خضب ----------------------- (١) أي: صعده وارتفع عليه، وسَلْع: جبل بالمدينة معروف. (٢) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩). يديه ورجليه بالحنّاء! فقال النبي - ﷺ -: ما بال هذا؟ قيل: يا رسول الله، يتشبّه بالنساء، فأمر فنُفي إِلى البقيع، فقالوا: يارسول الله ألا نقتله؟ فقال: إِنّي نهيت عن قتْل المصلّين» (١). التعزير بالحبس: عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده -رضي الله عنه-: «أنّ النبي - ﷺ - حَبَس رجلًا في تُهمة» (٢). وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-: «أنه رُفع إِليه نفر من الكلاعيين، أن حاكةً سرقوا متاعًا؛ فحبَسهم أيامًا، ثم خلّى سبيلَهم فأتوه فقالوا: خلّيتَ سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرْب، فقال النعمان: ما شئتم، إِنْ شئْتم أضربهم، فإِنْ أخرَج الله متاعكم فذاك، وإِلا أخذْتُ مِن ظهوركم مثلَه؟ قالوا: هذا حُكمك، قال: هذا حُكْم الله عز وجل ورسوله - ﷺ -» (٣). التعزير بالضرب: عن ابن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبْعِ سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع» (٤). ---------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤١١٩)، وانظر «المشكاة» (٤٤٨١). (٢) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وانظر «الإِرواء» (٢٣٩٧) وتقدّم. (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٢٩) وتقدّم. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٤٧). وعن المسيب بن دارم قال: «رأيت عمر بن الخطّاب ضرب جمّالًا، وقال: لِمَ تَحْمِلُ على بعيرك ما لا يُطيق؟» (١). وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: «أن رجلًا حدَّ شفرةً، وأخذ شاةً ليذْبحَها، فضربهُ عمر بالدِّرّةِ، وقال: أتُعذِّبُ الرُّوح! ألا فعَلْتَ هذا قبل أن تأخذها؟!» (٢). عن محمد بن سيرين: «أنّ عمر -رضي الله عنه- رأى رجلًا يجرُّ شاةً ليذْبحَها، فضربهُ بالدِّرَّةِ، وقال: سُقْها -لا أُمَّ لك- إِلى الموتِ سَوْقًا جميلًا» (٣). التعزير بالإِتلاف والتحريق والتكسير: قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١١٣): فيما يجوز إِتلافه: «... مثل الأصنام المعبودة من دون الله؛ لما كانت صورها منكرة جاز إِتلاف مادتها؛ فإِذا كانت حجرًا أو خشبًا ونحو ذلك؛ جاز تكسيرها وتحريقها. وكذلك آلات الملاهي مثل: الطنبور يجوز إِتلافها عند أكثر الفقهاء، وهو مذهب مالك وأشهر الروايتين عن أحمد». -------------------------- (١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» قال شيخنا -رحمه الله-: «وسنده صحيح إِلى المسيب بن [دارم]»، وانظر «الصحيحة» (٣٠). (٢) أخرجه البيهقي (٩/ ٢٨٠ - ٢٨١)، وانظر «الصحيحة» (٣٠). (٣) أخرجه البيهقي أيضًا، وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (٣٠). قلت: ويُحمل التكسير والتحريق والإِتلاف؛ على الأشياء التي لا يستفاد من إِبقائها. التعزير بأخْذ المال: ومن صور ذلك أن يمتنع المرء عن أداء الزكاة غيرَ مُنكرٍ وجوبَها، فإِنّ للحاكم -وهذه الحال- أن يأخذ الزكاة منه قهرًا، وشطْر ماله عقوبةً. فعن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده (١) -رضي الله عنه-: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يفرق إِبل عن حسابها (٢) من أعطاها مؤتجِرًا (٣) فله أجرها، ومن أبى فإِنّا آخذوها وشطر ماله، عَزْمةً (٤) من عَزَمات ربّنا، لا يحلّ لآل محمد - ﷺ - منها شيء» (٥). ومن ذلك إِباحة النبي - ﷺ - سلب الذي يصطاد في حرم المدينة -لمن وجده- ----------------------- (١) هو معاوية بن حيدة؛ من أصحاب رسول الله - ﷺ -. (٢) معناه: أن المالك لا يفرّق مُلكَه عن ملك غيره؛ حيث كانا خليطين، أو المعنى: يحاسب الكلّ في الأربعين، ولا يُترك هزال ولا سمين، ولا صغير ولا كبير، نَعَم العامل لا يأخذ إِلا الوسط «عون» (٤/ ٣١٧). (٣) قاصدًا للأجر بإِعطائها. (٤) العَزْمة في اللغة: الجدّ والحق في الأمر، يعني: أُخذ ذلك بجدّ لأنّه واجب مفروض، قاله بعض العلماء. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٢٩٢) وغيرهم، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٧٩١) وتقدم في كتاب «الزكاة». فعن عامر بن سعد: «أن سعدًا ركب إِلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه؛ فسَلَبَه (١)، فلمّا رجَع سعد جاءه أهل العبد؛ فكلّموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخَذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرُدَّ شيئًا نفَّلنيه رسول الله - ﷺ -! وأبى أنّ يَرُدّ عليهم» (٢). وفي رواية: من حديث سليمان بن أبي عبد الله قال: «رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة -الذي حرّم رسول الله- فسلبَه ثيابه، فجاء مواليه فكلّموه فيه، فقال: إِنّ رسول الله - ﷺ - حرّم هذا الحرم وقال:»من وجَد أحدًا يصيد فيه؛ فليسلُبْه، فلا أردّ عليكم طُعْمَةً أطعَمنيها رسول الله - ﷺ -، ولكن إِن شئتم دفعت إِليكم ثمنَه (٣) «(٤). وفي رواية:»سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى أن يُقطع من شجر المدينة شيء، وقال: من قطع منه شيئًا؛ فلمن أخذه سَلَبُه«(٥). ----------------------- (١) أي: أخذ ما عليه من الثياب وغيره.»المرقاة«(٥/ ٦٢٨). (٢) أخرجه مسلم (١٣٦٤). (٣) أي: تبرعًا، قاله الطيبي -رحمه الله- أو احتياطًا للاختلاف فيه»المرقاة«(٥/ ٦٢٧). (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧٩١)، وانظر»المشكاة«(٢٧٤٧). (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧٩٢)، وانظر»المشكاة" (٢٧٤٨). التعزير بالتغريم: لقد تقدم قضاء رسول الله - ﷺ - بمضاعفة الغُرم والعقوبة على مَن سَرَق ما لا قطْع فيه؛ كما في سارق الثمار المعلّقة، وكذا سارق الشّاة من المرتع. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن رسول الله - ﷺ -:»أنه سُئل عن الثمر المعلق، فقال: «من أصاب بفيه (١) من ذي حاجة غير مُتّخذٍ خُبْنَةً (٢)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مِثلَيْه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجَرين (٣)، فبلغ ثمن المجنّ (٤)؛ فعليه القطع» (٥). وفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رجلًا من مُزَيْنة أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف ترى حريسة (٦) الجبل، ------------------------- (١) فيه دليل على أنّه إِذا أخَذَ المحتاج بُغيته لسدّ فاقته؛ فإِنه مباح «عون» (٥/ ٩١). (٢) الخُبنة: مِعطف الإِزار وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه في ثوبه، وتقدّم. (٣) الجَرين: موضع تجفيف التّمر، وهو له كالبيدر للحِنطة «النهاية». (٤) المجنّ: هو التُرس؛ لأنه يواري حامله: أي يستره والميم زائدة «النهاية» أيضًا. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٥٠٤)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٩٣) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٠٤)، وانظر «الإِرواء» (٢٤١٣) وتقدّم. (٦) الحريسة: فعيلة بمعنى مفعولة: أي أنّ لها مِن يحرسها ويحفظها، ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها ... «النهاية»، والمراد: ليس فيما يُسرق من الجبل قطع لأنه ليس بحرز. فقال: هي وَمِثْلُها والنَّكَالُ. ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشِيَة قَطعٌ، إِلا فِيما آوَاه المُراحُ (١). فَبَلغ ثمن المِجَنّ، فَفيه قَطْع اليد، وما لم يبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيه غرامةُ مِثْليه، وجَلَدَات نَكَال (٢). قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلّق؟ قال: هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففيه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفيه غَرَامةُ مِثليْه وجَلداتُ نَكَال» (٣). التعزير بتغليظ الدِّية: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّ رجلًا مسلمًا قَتلَ رجلًا مِن أهل الذّمة عمدًا، ورُفع إِلى عثمان -رضي الله عنه- فلم يقتُله، وغلّظ عليه الدية مثل دَيِة المسلم» (٤). وعُلّل ذلك لإِزالة القَوَد. ------------------------ (١) المُراح: الموضع الذي يريح الراعي إليه الماشية إِذا أمسى، وانظر «غريب الحديث» للهروي. (٢) النكال: العقوبة التي تُنكلُ الناسَ عن فِعْل ما جعلت له جزاءً «النهاية». (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٩٤)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٤١٣) وتقدّم. (٤) أخرجه أحمد والدارقطني وعنه البيهقي وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٦٢) وتقدّم. التعزير بالقتل في حالات مخصوصة: وقد يبلغ حدّ التعزير القتل (١) في حالات مخصوصة؛ كمن لم يرتدع من إِقامة حدّ الخمر، فإِنه يُقتَل في الرابعة. فعن معاوية بن سفيان -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثمّ إِنْ شربوا فاجلدوهم، ثمّ إنْ شربوا فاجلدوهم، ثمّ إِن شربوا [الرابعة] فاقتلوهم» (٢). قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة»: «وقد قيل إِنه حديث منسوخ، ولا دليل على ذلك، بل هو محكم غير منسوخ كما حقّقه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على»المسند«(٩/ ٤٩ - ٩٢) واستقصى هناك الكلام على طرقه بما لا مزيد عليه، ولكنّا نرى أنه من باب التعزير؛ إِذا رأى الإمام القتل، وإِن لم يره لم يقتل بخلاف الجلد، فإِنه لا بد منه في كل مرة، وهو الذي اختاره الإِمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-». التعزير على قول: يا كافر! يا فاسق! يا خبيث! يا حمار!: عن علي -رضي الله عنه-: «في الرجل يقول للرجل: يا خبيث! يا فاسق! قال: ليس عليه حدّ معلوم، يُعزِّر الوالي بما رأى» (٣). ------------------------ (١) وهذا لا يعارض الحديث المتقدم: «لا يجلَد فوق عشر جلدات إِلا في حد من حدود الله» لأن هذا قد وردَ فيه نَصّ بيِّن فأزال الإِشكال. (٢) أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وأحمد، وانظر «الصحيحة» (١٣٦٠). (٣) أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٣٩٣). ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |