التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 16 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حساسية الحليب عند الرضع: أعراضها وأنواعها وعلاجها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          الآثار الجانبية لاستئصال الرحم والمضاعفات المحتملة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          أعراض حساسية الحليب عند الرضع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          أسباب رائحة البول الكريهة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          طرق الوقاية من الزهايمر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          من يعطينا خلطة السالسيك اسيد وكينا كومب لعلاج الصدفيه (اخر مشاركة : حااجب - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          من سنن الله: وأملي لهم إن كيدي متين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          من بركات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          مما لا يصلح في مجالس طلبة العلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          (وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ ما ٱلۡقَارِعَةُ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #151  
قديم 27-01-2026, 11:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 68 الى صـــ 80
الحلقة (151)






ثالثها:
هذا لمن لم يفرط في ترك السترة، فإن فرط أو تباعد عنها عَلَى قدر المشروع فلا كرا هة، ولا دفع لتقصيره، ولا يجوز للمصلي المشي إليه للدفع.
رابعها:
المراد بالمقاتلة: قوة المنع له عَلَى المرور بحيث لا تنتهي إلى الأعمال المنافية للصلاة، ودفعه بالأخف فالأخف كالصائل؛ لاحتمال سهوه، فلو اتفق هلاكه فلا قود عليه باتفاق، وفي الدية خلاف. وأبعدَ من قَالَ: المراد فليؤنبه بعد الصلاة.
خامسها:
قوله - ﷺ -: («فإنما هو شيطان») أي: إن امتناعه من الرجوع عن المرور من أفعال الشيطان.
وقيل: المراد به: القرين كما في الحديث: «فإن معه القرين».
وفيه: دلالة عَلَى أن من فتن في الدين يطلق عليه ذَلِكَ، ولا حجر فيه، وأن العمل القليل في الصلاة لمصلحتها غير ضار.
وفيه: دلالة أيضًا عَلَى أن الحكم للمعاني لا للأسماء بخلاف ما ذهب إليه أهل الظاهر في نفيهم القياس، إذ يستحيل أن يصير المار بين يدي المصلي شيطانًا بمروره.
وقد أوضحت الكلام عَلَى هذا الحديث فيِ «شرح العمدة» (١)، فراجعه منه.
وأوجب السترة أحمد (٢).

-------------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ٣٠٥ (١٠٩).
(٢) انظر: «المستوعب» ٢/ ٢٣٨.



وفي «صحيح الحاكم» من حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك» (١).
وفي الخط حديثٌ من طريق أبي هريرة (٢) سلف، اختلف فيه، أشار الشافعي إلى ضعفه، وصححه ابن حبان وغيره، وفي إسناده اضطراب، واستحبها الثلاثة. وأغرب من نقل عن القديم بطلان الصلاة بالدفع.
وقوله: (فلم يجد مساغًا) يعني: طريقًا يمكنه المرور منها. يقال: ساغ الشراب في الحلق: سلس. وساغ الشيء: طاب.
فرع: لو جاز بين يديه وأدركه ففي رده قولان لأهل العلم: وبالرد قَالَ ابن مسعود، وسالم، والحسن. وبالمنع قَالَ الشعبي؛ لأن ردوده مرور ثان، ولا وجه له، وهو قول مالك، والثوري، وإسحاق (٣) (٤).

--------------------
(١) «المستدرك» ١/ ٢٥١ كتاب: الصلاة. وقال: حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(٢) هذا الحديث روي من طريق أبي عمرو بن محمد بن حريث أنه سمع جده سمعت أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم - ﷺ -: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد شيئًا فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليخط خطًّا، ولا يضره ما مرَّ بين يديه». رواه أبو داود (٦٩٠). وقال: قال سفيان: لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث. وابن ماجه (٩٤٣). وأحمد ٢/ ٢٤٩. وابن حبان (٢٣٦١). ونقل ابن عبد البر في «الاستذكار» ٦/ ١٧٥ (٨٤٩٠): أن الإمامين أحمد بن حنبل وابن المديني يصححان هذا الحديث. اهـ. وقال النووي: قال الحفاظ: هو ضعيف لاضطرابه، وممن ضعفه سفيان بن عيينة فيما حكاه أبو داود، وأشار إلى تضعيفه أيضًا الشافعي والبيهقي، وصرح به آخرون: «الخلاصة» ١/ ٥٢٠ (١٧٤١).
والحديث ذكره الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٠٧).
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٦ - ١٩٧.
(٤) ورد بهامش (س): ثم بلغ في السادس بعد الستين كتبه مؤلفه.



١٠١ - باب: إِثْمِ المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي
٥١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ ابْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِى أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً؟ [مسلم: ٥٠٧ - فتح: ١/ ٥٨٤]
ذكر فيه حديث أبي جهيم مرفوعًا: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي أقَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أوْ شَهْرًا، أوْ سَنَةً؟
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١) أيضًا هنا.
ثانيها:
«خيرًا» بالنصب، كذا في روايتنا عَلَى أنه الخبر. وروي بالضم على أنه اسم كان (٢).
ثالثها:
(أبو جهيم) اسمه: عبد الله بن جهيم. وفرق أبو عمر بينه وبين أبي

-------------------
(١) رواه مسلم (٥٠٧) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلي، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي ٢/ ٦٦، وابن ماجه (٩٤٥).
(٢) انظر: «صحيح البخاري» ١/ ١٠٨ (ط. طوق النجاة) حيث أشير في هامشها أن رواية الرفع من نسخة: (عط) ولم يعلم صاحبها.



جهيم بن الحارث بن الصمة.
وقال غيره: إنهما واحد (١).
و(أبو النضر) اسمه: سالم بن أبي أمية تابعي ثقة، مات بعد المائة سنة تسع وعشرين (٢).
رابعها:
هذا شك من أبي النضر. وروى البزار: «أربعين خريفًا» (٣).
وذكر ابن أبي شيبة فيه وابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة: «لكان أن يقف مائة عام خيرًا له» (٤).
قَالَ الطحاوي: هذا متأخر عن حديث أبي جهيم. وأولى الأشياء أن نظن بالله تعالى الزيادة في الوعيد للعاصي المار إلا (٥) التخفيف (٦).

-----------------
(١) قال ابن عبد البر: أبو جهيم: عبد الله بن - ﷺ - الأنصاري. روى عنه بسر بن سعيد، مولى الحضرميين عن النبي - ﷺ - في المار بين يدي المصلي وذكر الحديث. وذكر قبله أبو الجهيم وقال: ويقال: أبو الجهم بن الحارث، ففرق بينهما «الاستيعاب» ٤/ ١٩٠ - ١٩١ (٢٩٣٠، ٢٩٣١)، وانظر: «أسد الغابة» ٦/ ٦٠ - ١٦١ (٥٧٧٦)، وذكره ابن حجر في «الإصابة» ٢/ ٢٩٠ (٤٥٩٣) ولم يفرق بينهما كما فعل ابن عبد البر بل جعلهما واحدًا حيث قال: عبد الله بن جهم الأنصاري أبو جهم، قيل هو ابن الحارث بن الصمة وقيل: غيره وهو اختيار ابن أبي حاتم.
(٢) تقدمت ترجمته في شرح الحديث رقم (٢٨٠).
(٣) رواه البزار ٩/ ٢٣٩ (٣٧٨٢)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٦١: رواه البزار، رجاله رجال الصحيح، وقد رواه ابن ماجه غير قوله: «خريفًا».
(٤) رواه ابن حبان ٦/ ١٢٩ - ١٣٠ (٢٣٦٥).
(٥) ورد بهامش (س): لعله لا.
(٦) «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٢/ ٣٠٤ كتاب: الصلاة، باب: المرور بين يدي المصلي.



وقال كعب الأحبار: كان أن يخسف به خير من أن يمر بين يديه (١)، وكل هذا تغليظ وتشديد.
خامسها:
الحديث دال عَلَى أن الإثم إنما يكون عَلَى من علم النهي وارتكبه مستخفًا به، ومتى لم يعلم النهي فلا إثم عليه.
وقوله: («ماذا عليه من الإثم؟») هو هكذا ثابت في بعض روايات أبي ذر عن أبي الهيثم (٢).
وعليه مشى شيخنا علاء الدين في «شرحه».
وأما شيخنا قطب الدين فقال في «شرحه» قوله: «ماذا عليه» يعني: من الإثم.

----------------
(١) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٢.
(٢) عن زيادة: «من الإثم» انظر: هامش اليونينيه ١/ ١٠٨ حيث أشير إلى أنها: ليست في نسخة أخرى. وقال ابن حجر: زاد الكشميهني «من الإثم» وليست هذِه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في «الموطأ» بدونها، وقال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الراوايات مطلقًا. لكن في «مصنف ابن أبي شيبة» يعني: «من الإثم» فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنه الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ، بل كان رواية، وقد عزاها المحب الطبري في «الأحكام» للبخاري وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب العمدة في إيهامه أيضًا في الصحيحين وأنكر ابن الصلاح في «مشكل الوسيط» على من أثبتها في الخبر فقال: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا، ولما ذكره النووي في «شرح المهذب» دونها قال: وفي رواية رويناها في الأربعين لعبد القادر الهروي «ماذا عليه من الإثم». اهـ «فتح الباري» ١/ ٥٨٥.



وفي الحديث: أيضًا طلب العلم؛ لقوله: (أرسل إلى أبي جهيم)، وجواز الاستنابة فيه، وأخذ العلماء بعضهم عن بعض، والاقتصار على النزول مع القدرة عَلَى العلو؛ لإرسال زيد بن خالد بسرَ بن سعيد إلى أبي جهيم، ولو طلب العلو لسعى إلى أبي جهيم.
وفيه: قبول خبر الواحد.


١٠٢ - باب: اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ (١) صَاحِبَهُ أَوْ غَيَرْهُ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي
وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي، وَإِنَّمَا هذا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا بَالَيْتُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ. [فتح: ١/ ٥٨٦]

٥١١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ -يَعْنِي: ابْنَ صُبَيْحٍ- عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ. قَالَتْ قَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا؟ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِىَّ - عليه السلام - يُصَلِّي، وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ فَأَنْسَلُّ انْسِلَالًا. وَعَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٨٧]
قوله: (وإنما هذا) إلى آخره هو من كلام البخاري، وكأنه رأى جواز الاستقبال إذا لم يشغله.
وقول زيد: (ما باليت) أي: لم أبال بذلك، ولا حرج.
وفي كتاب «الصلاة» لأبي نعيم بإسناده أن عمر ضرب رجلين أحدهما يستقبل، والآخر يصلي (٢). وأن سعيد بن المسيب كره أن يصلي وبين يديه مخنس (٣).

-------------------
(١) ورد بهامش (س) ما يشير إلى أنه في نسخة: الرجل وهو يصلي.
(٢) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٩٩ قائلًا: روينا عن عمر. وفيه أن الضرب للمستقبل دون المصلي، فليعلم.
(٣) روى نحوه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥١ (٢٨٨٨)، عنه قال: لا يقطع الصلاة إلا الحديث.



وعن سعيد بن جبير قَالَ: إذا كانوا يذكرون الله فلا بأس (١) أي: أن يأتم بهم.
ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرجل يستر الرجل إذا صلى.
قَالَ النخعي وقتادة: يستره إذا كان جالسًا (٢). وعن الحسن أنه يستره (٣)، ولم يشترط الجلوس، ولا تولية الظهر.
وأكثر العلماء عَلَى كراهة استقباله بوجهه. قَالَ نافع: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية المسجد، فقال لي: وَلِّ ظهرك (٤).
وهو قول مالك. وروى أشهب عنه أنه لا بأس أن يصلي إلى ظهر رجل، فأما إلى جنبه فلا. وخففه مالك في رواية ابن نافع (٥).
وأجاز الكوفيون والثوري والأوزاعي الصلاة خلف المتحدثين (٦).
وكرهه ابن مسعود (٧).
وعن ابن عمر كان لا يستقبل من يتكلم إلا يوم الجمعة (٨). وقال ابن سيرين: لا يكون الرجل سترة للمصلي (٩).

----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٦١ (٦٤٧١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠ (٢٨٧٩، ٢٨٨٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠ (٢٨٨٠).
(٤) المصدر السابق (٢٨٧٨) وفيه: ولني ظهرك.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٥، «مواهب الجليل» ٢/ ٢٣٥.
(٦) انظر: «الهداية» ١/ ٦٩.
(٧) روى عبد الرزاق ٢/ ٦٠ (٢٤٨٨)، وابن أبي شيبة ٢/ ٦١ (٦٤٦٩)، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٩٨: أن ابن مسعود قال: ولا تصل وبين يديك قوم يمترون أو يلغون.
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٦١ (٦٤٧٠).
(٩) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠ (٢٨٨٠).



والحديث الآتي في الباب، وهو نوم عائشة بين القبلة وبينه حجة لمن أجاز ذَلِكَ؛ لأنها إذا كانت في قبلته فالرجل أولى.
ومن كره الاستقبال فلما يخشى عليه من اشتغاله بالنظر إليه في صلاته، ولهذا كره الصلاة إلى الحلق لما فيها من الكلام واللغط المشِغلين للمصلي.
وعن مالك: لا يصلي إلى المتحلقين؛ لأن بعضهم يستقبله. وأرجو أن يكون واسعًا (١).
ثم ذكر البخاري حديث الأعمش، عن مسلم، عن مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ. فقَالَتْ: قَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا! لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - عليه السلام - يُصَلَّي، وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ .. الحديث.
وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ.
وهذا الحديث تقدم مختصرًا في باب: الصلاة عَلَى الفراش والصلاة إلى السرير (٢). وقد أخرجه مسلم (٣) والأربعة
وقوله: (وعن الأعمش) إلى آخره. أخرجه مسندًا قريبًا في باب: من قَالَ: لا يقطع الصلاة شيء (٤). وفي الاستئذان أيضًا كما ستعلمه (٥).
واعترض ابن المنير فقال: الترجمة لا تطابق الحديث، لكن ذاك عَلَى المقصود من باب أولى، وإن لم يكن فيه تصريح بأنها كانت

-------------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٥، «التفريع» ١/ ٢٣٠.
(٢) سلف برقم (٣٨٢) كتاب: الصلاة.
(٣) برقم (٥١٢) كتاب: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي.
(٤) سيأتي برقم (٥١٤) كتاب: الصلاة.
(٥) سيأتي برقم (٦٢٧٦) باب: السرير.



(مستقبلة) (١) فلعلها كانت منحرفة أو مستدبرة (٢).
وفيه نظر، فإنه جاء في بعض طرقه: كاعتراض الجنازة كما سبق في الصلاة عَلَى الفراش. وفي لفظ الإسماعيلي: وأنا معترضة أمامه في القبلة.
واعتراض الجنازة لا يكون منحرفًا. والجنازة إذا كانت معترضة تكون عَلَى قفاها ووجهها إلى العلو.
وقد ورد النظر إلى موضع السجود في الصلاة، فالناظر إذًا ناظر إلى وجهها حقيقة، وهو مستقبل حقيقة في بعض الصلاة، فيكفي في ذَلِكَ بعض الصور، ولا سيما وكلاهما عَلَى السرير.

-----------------------
(١) في «المتواري» ص ٩١ مستقبلته.
(٢) «المتواري» ص ٩١.



١٠٣ - باب الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّائِمِ
٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٨٧]
ذكر فيه حديث عائشة: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَة عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ.
هذا الحديث دال على إجازة الصلاة خلف النائم وكرهها طائفة خوف ما يحدث من النائم، فيشغل المصلى أو يضحك فتفسد صلاته.
قال مالك: لا يصلي إلى نائم إلا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاوس.
وقال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحب إلي من أن أصلي وراء نائم.
والقول قول من أجاز ذلك للسنة الثابتة فيه، وقد سلف بسط ذلك في باب الصلاة على الفراش.


١٠٤ - باب التَّطَوُّعِ خَلْفَ المَرْأَةِ
٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ-، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٨٨].
ذكر فيه حديث عائشة: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ورِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي .. الحديث.
وقد سلف في الباب المشار إليه (١).
وكره كثير من أهل العلم أن تكون المرأة سترة للمصلي (٢).
قال مالك: لا يستتر بالمرأة، وأرجو أن تكون السترة بالصبي واسعًا. وقال مرة: لا يصلي وبين يديه امرأة وإن كانت أمه أو أخته إلا أن يكون دونها سترة (٣).
وقال الشافعي: لا يستتر بامرأة ولا دابة (٤).
ووجه كراهتهم لذلك -والله أعلم- لأن الصلاة موضوعة للإخلاص والخشوع، والمصلي خلف المرأة الناظر إليها يخشى عليه الفتنة بها

---------------------
(١) برقم (٣٨٢) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الفراش.
(٢) قلت: هو قولٌ للمالكية، وقولُ الشافعية.
انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٦، «المنتقى» ١/ ٢١١، «البيان» ٢/ ١٥٧، «المجموع» ٣/ ٢٣٠، «الإعلام» ٣/ ٣٠٦.
(٣) «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٦.
(٤) «البيان» ٢/ ١٥٧.



والاشتغال عن الصلاة بنظره إليها؛ لأن النفوس مجبولة على ذلك، وأينا يملك إربه كما كان - ﷺ - يملكه؛ فلذلك صلى هو خلفها لأمن الشغل؛ بخلافنا.

١٠٥ - باب مَن قَالَ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌّ
٥١٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلَابِ؟ وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ-بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ- مُضْطَجِعَةً فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ. [انظر: ٣٨٣ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٨٨]

٥١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، فَقَالَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٩٠]
ذكر فيه حديث عائشة: ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فذكر: الكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ .. الحديث.
وقد سلف قريبًا في باب استقبال الرجل صاحبه (١).
ثم قال البخاري: حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.
ثم ساق حديث عائشة: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ.
وإسحاق هذا: هو الكوسج، كما قاله أبو نعيم (٢)، وفي بعض النسخ:

------------------
(١) سلف برقم (٥١١) كتاب: الطهارة.
(٢) قال الجياني في «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٣: نسبة ابن السكن في بعض هذِه المواضع إسحاق بن إبراهيم يعني: ابن راهويه.
قلت: جزم به الحافظ أنه ابن راهويه، وقال: وبذلك جزم ابن السكن وفي غير =



إسحاق بن إبراهيم (١).
وقد سلف فقه الباب في باب: الصلاة على الفراش واضحًا.
وقول البخاري: (من قال: لا يقطع الصلاة شيء) لعله إشارة إلى الحديث الذي أوردناه هناك: «لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم» (٢).
وأشار به إلى التوقف في صحته، ويحتمل أنه أراد به قول الزهري: لا يقطعها شيء كما ساقه في الحديث الثانى؛ فلهذا قال: من قال -أي: من الأمة- لا أنه في نفس الحديث.

-------------------
= رواية أبي ذر حدثنا إسحاق غير منسوب، وزعم أبو نعيم أنه ابن منصور الكوسج، والأول أولى. اهـ. انظر: «الفتح» ١/ ٥٩٠.
(١) هذِه الزيادة في نسخة أبي ذر الهروي، وهي صحيحة عنده أو عند الحافظ اليونيني كما نبه عليه مصححوا الطبعة اليونينية. انظر: ١/ ١٠٩.
(٢) من حديث أبي سعيد: رواه أبو داود برقم (٧١٩)، وابن أبي شية ١/ ٢٥٠ (٢٨٨٣) بهذا اللفظ. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٥١١) دون قوله: «وادرءوا ما استطعتم»: فهي صحيحة.



١٠٦ - باب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيَرةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ
٥١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. [٥٩٩٦ - مسلم: ٥٤٣ - فتح: ١/ ٥٩٠]
ذكر فيه حديث أبي قتادة: أَنَّه - ﷺ - كَانَ يُصَلَّي وَهْوَ حَامِلٌ أمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ ابنة رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلأَبِي العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
ثانيها:
أبو قتادة هو الحارث بن ربعي كما سلف.
وأمامة هذِه تزوجها عليّ بعد وفاة فاطمة بوصايتها. وزينب أكبر بناته - ﷺ - ورضي عنهن.
وأبو العاصي اسمه جهشم على أحد الأقوال الستة، أمه هالة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة.
وقوله: (ربيعة) كذا رواه البخاري وأكثر رواة «الموطأ» عن مالك (٢).

--------------------
(١) مسلم (٥٤٣) كتاب: المساجد، باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة.
(٢) قلت: كذا هو بالتاء المربوطة المؤنثة في رواية القعنبي (٣٢٤)، ورواية يحيى ص ١٢٣. قال العيني ٤/ ١٣٦: وفي أحاديث «الموطأ» للدارقطني: قال ابن نافع =



وقيل إنه نسبه إلى الجد، والمعروف أنه ابن الربيع، ونسب أمامة إلى أمها دونه لأجل الشرف، ثم بين بعبارة لطيفة أنها لأبي العاصي ابن
--------------------
= وعبد الله بن يوسف والقعنبي في رواية إسحاق عنه وابن وهب، وابن بكير وابن القاسم وأيوب بن صالح، عن مالك: ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، وقال محمد بن الحسن، ولأبي العاص بن الربيع مثل قول معن وأبي مصعب. اهـ
ورواه أبو مصعب في «موطائه» ١/ ٢٢١ (٥٦٦)، وكذا مسلم (٥٤٣/ ٤١): ابن الربيع. قال القاضي عياض في «إكمال المعلم» ٢/ ٤٧٦: ذكر مسلم في هذا الحديث من رواية مالك أمامة بنت زينب، ولأبي العاص بن ربيعة كذا للسمرقندي ولغيره: ابن ربيع. اهـ.
قلت: وقع في أحدى النسخ «الإكمال» بعد السابق: أكثر رواة الموطأ يقولون: ربيعة ورواه بعضهم: ربيع اهـ ثم قال: وهو قول غير مالك، وقول أهل النسب.
وقال الأصيلي: وهو ابن الربيع بن ربيعة، نسبه إلى جده، وهذا الذي قاله غير معلوم، ونسبه عند أهل النسب والخبر بلا خلاف: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف. اهـ
وذكر النووي في «شرح مسلم» ٥/ ٣٣ أن ابن الربيع هو الصحيح وأنها رواية أكثر من روى «الموطأ». ونقل ابن رجب الحنبلي في «الفتح» له ٢/ ٧١٩ أن عامة رواة «الموطأ» عن مالك رووها: «ربيعة» بتاء في آخرها، ثم نبه أن الصواب: ابن الربيع، وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٩١: قوله ابن ربيعة بن عبد شمس. كذا رواه الجمهور عن مالك، ورواه يحيى بن بكير ومعن بن عيسى وأبو مصعب وغيرهم عن مالك فقالوا: ابن الربيع وهو الصواب. اهـ
أما عن نسبة البخاري: ربيعة بن عبد شمس.
فقد قال الكرماني في «شرحه» ١/ ١٦٩: واعلم أن البخاري نسبه مخالفًا للقوم من جهتين. قال ربيعة بحرف التأنيث، وعندهم الربيع بدونه، وقال ابن الأثير: جاء في «صحيح البخاري» أبو العاص بن عبد شمس، وهم قالوا: ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وذلك خلاف الجماعة. اهـ
ورده الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٩١ بقوله بعد أن بين أن الكرماني غفل في هذا الموضع: فالواقع أن من أخرجه من القوم من طريق مالك كالبخاري فالمخالفة فيه إنما هي من مالك.



الربيع تحريا للأدب في نسبتها.
ثالثها: في فوائده، وهي عشرة:
الأولى: صحة صلاة من حمل آدميًّا أو حيوانًا طاهرًا من طير أو شاة، أو غيرهما -وإن كان غير مستجمر- لأنه الغالب على الصغار (١).
وصحح أصحابنا البطلان فيما إذا حمل مستجمرًا؛ لعدم الحاجة إليه (٢).
الثانية: طهارة ثياب الصبيان وأجسادهم إلى أن تتحقق النجاسة.
وشذ الحسن، فكره الصلاة في ثيابهم (٣).

------------------
(١) هذا قول الشافعية والحنابلة. انظر للشافعية: «الحاوي الكبير» ٢/ ٢٦٥، «المهذب» ١/ ٢١٢، «البيان» ٢/ ١٠٣. وللحنابلة: «المغني» ٢/ ٤٦٧، «الشرح الكبير» ٣/ ٢٨٢، «كشاف القناع» ٢/ ١٩٣.
وحكى الإجماع على صحة الصلاة النووي في «المجموع» ٣/ ١٥٧، والمرداوي في «الإنصاف» ٣/ ٢٩٣.
(٢) اختلف الفقهاء في صحة صلاة مَنْ حمل مستجمرًا على قولين:
القول الأول: بأن صلاة صحيحة، وهو قولٌ للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.
انظر للشافعية: «البيان» ٢/ ١٠٣، «العزيز» ٢/ ٢٠، «مغني المحتاج» ١/ ٤٠٧. وللحنابلة: «الإنصاف» ٣/ ٢٩٣، «المبدع» ١/ ٣٨٨، «شرح منتهى الإرادات» ١/ ١٥٣.
القول الثاني بأن صلاته تبطل بذلك، وهو الأصح عند الشافعية، وقولٌ عند الحنابلة.
انظر للشافعية: «المجموع» ٣/ ١٥٧، «نهاية المحتاج» ٢/ ٢٦، «حاشية الجمل» ٢/ ٤٢٠. وللحنابلة: «الإنصاف» ٣/ ٢٩٣.
(٣) «المغني» ١/ ١١٢.



الثالثة: عدم بطلان الصلاة، بالعمل القليل (١)، وكذا الكثير المتفرق.
الرابعة: التواضع مع الصبيان وملاطفتهم ورحمتهم، وكأن السر فيه دفع ما كانت العرب تأنفه من حمل البنات كِبرًا.
الخامسة: جواز حمل الصبي والصبية في الصلاة. وسواء الفرض في ذلك والنفل، والإمام والمأموم والمنفرد (٢).
وجملة أصحاب مالك على أن ذلك كان في النافلة (٣).
ويرده رواية أبي داود أن ذلك كان في الظهر أوالعصر (٤)، ورواية

--------------------
(١) نقل الإجماع على ذلك ابن بطال في «شرحه» ٢/ ١٤٥. ونبه على عدم بطلان الصلاة بالعمل القليل المجمع أو المفترق النووي في «شرح مسلم» ٥/ ٣٢.
(٢) قال ابن المنذر: الأشياء على الطهارة، ما لم يوقن المرء بنجاسة تحل فيه يدل عليه هذا الحديث؛ لأن الصلاة لو كانت لا تجزئ في ثياب الصبيان ما صلى رسول الله - ﷺ - وهو حامل أمامة بنت بنت رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، ولا فرق بين أن يصلي المرء في ثوب نجس، وبين أن يحمل ثوبًا نجسًا. انظر: «الأوسط» ٥/ ٦٤. قال الشوكاني: والحديث -يعني: حديث أمامة- يدل على أن مثل هذا الفعل معفو عنه، من غير فرق بين الفريضة والنافلة والمنفرد والمؤتم. انظر: «نيل الأوطار» ١/ ٦٥٣.
(٣) «المنتقى» ١/ ٣٠٤.
(٤) «سنن أبي داود» (٩٢٠).
قال المنذري في «مختصره» ١/ ٤٣٢: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار، وقد أثنى عليه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد.
وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٦٣): إسناده ضعيف، محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعنه، والحديث في الصحيحين باختصار.
ثم قال: والحديث رواه الليث بن سعد عن المقبري … نحوه، لكن ليس فيه تعيين الصلاة أنها لظهر أو العصر، ولا ذكر بلال. وكذلك رواه آخرون عن عمرو بن سليم الزرقي، فالحديث صحيح بدون هذِه الزيادات.



الطبراني أن ذلك كان في الصبح (١).
وادعى بعضهم نسخه بتحريم العمل في الصلاة، وبعضهم خصوصية ذلك بالشارع، وبعضهم: أن ذلك كان لضرورة، أو أن ذلك منها لا منه، ولا دلالة على ذلك (٢).
السادسة: ترجيح الأصل، وهو الطهارة على الغالب.
السابعة: إدخال الصبيان المساجد. فإن عورض بالنهي عنه (٣) فالجواب ضعفه.
الثامنة: العفو عن شغل القلب في الصلاة بمثل هذا (٤).

-------------------
(١) «المعجم الكبير» ٢٢/ ٤٤٢ (١٠٧٩).
(٢) صرح بأنهم بعض المالكية النوويُّ في «شرحه» ٥/ ٣٢ وقال: وكل هذِه الدعاوي باطلة ومردودة، فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها بل الحديث صحيح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه.
(٣) روي هذا النهي في حديث عن واثلة بن الأسقع أن النبي - ﷺ - قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم …» الحديث. رواه ابن ماجه (٧٥٠)، وضعف إسناده البوصيري في «زوائده» ص ١٢٨ (٢٥٢)، ورواه البيهقي باللفظ المتقدم عن أبي أمامة وواثلة ١٠/ ١٠٣، وقال: فيه العلاء بن كثير هذا شامي منكر الحديث.
وقيل: عن مكحول، عن يحيى بن العلاء، عن معاذ مرفوعًا، وليس بصحيح.
وضعفه عبد الحق في «الأحكام الوسطى» ١/ ٢٩٧، وابن القطان في «الوهم والإيهام» ٣/ ١٩٠، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٤٠٤. والمصنف في «البدر المنير» ٩/ ٥٦٦.
(٤) قال الخطابي في «أعلام الحديث» ١/ ٤٢١: ويشبه أن يكون النبي - ﷺ - لا يتعمد حمل الصبية ووضعها في كل خفض ورفع من ركعات الصلاة؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته وعن لزوم الخشوع فيها، وإنما هو أنَّ الصبية قد كانت ألفته وأنست بقربة، وأنها كانت إذا سجد جاءت فتعلقت بأطرافه والتزمته، فينهض من سجوده فيخليها وشأنها، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع، فيرسلها إلى الأرض، حتى إذا =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #152  
قديم 27-01-2026, 11:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 81 الى صـــ 100
الحلقة (152)






التاسعة: إكرام أولاد المحارم بالحمل جَبْرًا لهم ولأصولهم.
العاشرة: عدم النقض بالمحارم، لكن من في السن المذكور لا اعتبار له بلمْسه.
ويجوز أن يكون من وراء حائل.
قال ابن عبد البر: وحمله أمامة محمول عند أهل العلم أن ثيابها كانت طاهرة، وأنه أمن منها مما يحدث للصبيان من البول وغيره.
وجائز أن يعلم مالا يعلمه غيره (١).
قال ابن بطال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا؛ ليدل أن حمل
المصلي الجارية على العنق لا يضر صلاته؛ لأن حملها أشد من مرورها بين يديه، فلما لم يضر حملها؛ كذلك لا يضر مرورها (٢).

-----------
= سجد وأراد النهوض عاد إلى مثله. اهـ. بتصرف.
قال النووي في «شرح مسلم» ٥/ ٣٢: وهو باطل ودعوى مجردة، ومما يرده قوله في «صحيح مسلم»: فإذا قام حملها.
وقال ابن رجب في «الفتح» له ٢/ ٧٢٤ رادًّا كلام الخطابي: هذا تبطله الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن خرج على الناس وهو حاملها، ثم صلى لهم وهو حاملها.
(١) «التمهيد» ٢٠/ ٩٨.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٤٤.



١٠٧ - باب الصلاة على فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ
٥١٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّي النَّبِيِّ - ﷺ - فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي. [انظر: ٣٣٣ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٥٩٣]

٥١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ، فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي ثَوْبُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ. وَزَادَ مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ: وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٣٣٣ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٥٩٣]
ذكر فيه حديث ميمونة: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي وأنا حائض .. الحديث.
هذا الحديث سلف في أواخر الحيض (١)، وفي باب: إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد (٢).
و(حيال): بمعنى حذاء كما هو مصرح به هناك، وأصله محول، فقلبت الواو ياءً لأجل الكسرة. وحيال، وحذاء، وتجاه، ووجاه كله بمعنى المقابلة والموازاة عند العرب.
قال الجوهري: قعد حياله، وحياله بالكسر أي: بإزائه، وأصله الواو (٣).
وهذا الحديث حجة في أن الحائض لا تقطع الصلاة، وهو أيضًا وشبهه من الأحاديث التي فيها اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته (٤).

-----------------
(١) سلف برقم (٣٣٣) كتاب: الحيض، باب: الصلاة على النفساء وسنتها.
(٢) سلف برقم (٣٧٩) كتاب: الصلاة.
(٣) «الصحاح» ٤/ ١٦٧٩.
(٤) انظر منها السالف برقم (٥١٤) قريبًا.



وفيها دليل على أن النهي إنما هو عن المرور خاصة، لا عن القعود بين يدي المصلي.
واستدل العلماء بأن المرور لا يضر بدليل جواز القعود (١).
وقول البخاري وزاد مسدد إلى … آخره، قد سلف ذلك مسندًا في الباب الثاني المشار إليه (٢).

------------------
(١) نقل هذا الاستدلال ابن بطال في «شرحه» ٢/ ١٤٥.
(٢) سلف برقم (٣٧٩) كتاب: الصلاة، باب: إذا أصاب ثوب المصلى امرأته إذا سجد.



١٠٨ - باب هَل يَغمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عِنْدَ السُّجُودِ لِكَيْ يَسْجُدَ؟
٥١٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ؟! لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٩٣]
ذكر فيه حديث عائشة: بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ؟! .. إلى آخره.
وقد سلف بفقهه أيضًا (١).

----------------
(١) انظره في شرح الحديث السالف برقم (٣٨٢) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الفراش. فقد بسط المصنف -رحمه الله- القول عليه هناك، وقد وردت فوائد منثورة في مكررات الحديث في «الصحيح» فانظرها ففيها زيادة بيان.


١٠٩ - باب المَرْأَةِ تَطْرَحُ عَنِ المُصَلِّي شَيْئًا مِنَ الأَذى
٥٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يُصَلِّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِى مَجَالِسِهِمْ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِى، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا فَيَجِئُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ عليها السلام وَهْىَ جُوَيْرِيَةٌ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ قَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثُمَّ سَمَّى «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَة، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ». قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً». [انظر: ٢٤٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح: ١/ ٥٩٤]
ذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود.
وقد سلف بطوله في الطهارة، والكلام عليه مستوفي (١).
وهذِه الترجمة قريبة من معنى الأبواب المتقدمة قبلها، وذلك أن
المرأة إذا تناولت طرح ما على ظهر المصلي من الأذى فجنها لا تقصد

-------------------
(١) سلف برقم (٢٤٠) باب: إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه
صلاته.



إلى أخذ ذلك من ورائه إلا كما تقصد إلى أخذه من أمامه، بل تتناول ذلك من أي جهات المصلي أمكنها تناوله وسهل عليها طرحه. فإن لم يكن هذا المعنى أشد من مرورها بين يديه فليس بدونه.
ومن هذا الحديث استنبط العلماء حكم المصلي إذا صلى بثوب نجس وأمكنه طرحه في الصلاة فطرحه.
فذهب الكوفيون إلى أنه يتمادى في صلاته ولا يقطعها، وروي مثله عن ابن عمر، والقاسم والنخعي والحسن البصري والحكم وحماد.
وبه قال مالك في رواية ابن وهب، وقال مرة: يقطع وينزع ويستأنف.
قال إسماعيل: وعلى مذهب عبد الملك يتم صلاته ولا يقطعها ويعيد، وهو قول الكوفيين.
قال ابن بطال: ورواية ابن وهب عن مالك أشبه، والرواية الأخرى استحسان منه واحتياط للصلاة، والأصل في ذلك ما فعله الشارع من أنه لم يقطع صلاته والحالة هذِه بل تمادى فيها حتى أكملها.
والحجة في السنة لا فيما خالفها، ولا وجه لمن قال بالإعادة؛
لأنه إن جاز التمادي فلا معنى للإعادة وإلا فالتمادي فيما لا يجزئ لا معنى له.
وهؤلاء الذين دعا عليهم الشارع كانوا ممن لم يرج إجابتهم ورجوعهم إلى الإسلام؛ فلذلك دعا عليهم بالهلاك، فأجاب الله تعالى دعاءه فيهم، وهم الذين أخبر الله -عز وجل- أنه كفاه إياهم بقوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥].


فأما كل من رجا منه الرجوع والتوبة عما هو عليه فلم يعجل بالدعاء عليه، بل دعا له بالهدى والتوبة، فأجاب الله تعالى دعاءه فيهم. وفيه: الدعاء على أهل الكفر إذا جنوا جنايات وآذوا المؤمنين (١).
----------------
(١) من قوله: ومن هذا الحديث استنبط العلماء .. إلى هنا بسياق مقارب جدًّا من «شرح ابن بطال» ٢/ ١٤٦ - ١٤٧.


٩

كِتابُ مَوَاقيْتِ الصَّلَاةِ وفضلها


[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]

٩ - كِتابُ مَوَاقيْتِ الصَّلَاةِ
وفضلها

وقوله ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ.
٥٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهْوَ بِالْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ «بِهَذَا أمِرْتُ؟». فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: أعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ، أَوَإِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقْتَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. [٣٢٢١، ٤٠٠٧ - مسلم: ٦١٠ - فتح:٢/ ٣]

٥٢٢ - قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. [٥٤٤، ٥٤٥، ٥٤٦، ٣١٠٣ - مسلم: ٦١١ - فتح: ٢/ ٦]


روى إسماعيل القاضي في «أحكامه» في هذِه الآية من طريق حمران عن عثمان مرفوعًا: «من علم أن الصلاة عليه حقًّا يقينًا واجبًا مكتوبًا دخل الجنة» (١).
وعن عكرمة عن ابن عباس: ﴿كِتَابا مَوْقُوتًا﴾: موجبًا (٢)، وكذا رواه من طرق.
وقوله: (وقته عليهم) قال ابن التين: رويناه عن البخاري بالتشديد، وهو في اللغة بالتخفيف، ويدل على صحته موقوتًا؛ إذ لو كان مشددًا لكان موقتًا. تقول: وقته فهو موقوت إذا بين للفعل وقتًا يفعل فيه.
والمواقيت جمع ميقات، وهو الوقت المضروب للفعل والموضع (٣).
ثم ذكر البخاري بإسناده إلى ابن شهاب: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا .. الحديث بطوله.

-------------------
(١) رواه عبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ١٠٥ (٤٩)، وعبد الله بن أحمد في «زوائده على مسند أبيه» ١/ ٦٠، والبزار في «مسنده» ٢/ ٨٧ (٤٤٠) وقال: هذا حديث مرفوع لا نعلم روي إلا عن عثمان، والحاكم ١/ ٧٢، والبيهقي ١/ ٣٥٨، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٣٩ - ٤٠ (٢٨٠٨) وقد زاد محققها في الإسناد: حدثنا أبي- بعد عبد الله بن أحمد موهمًا أن الحديث من «مسند أحمد» وليس هو كذلك كما ورد في «مجمع الزوائد» ١/ ٢٨٨. فليستدرك من هنا. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٨٢): حسن لغيره، وقال: رواه أبو يعلى وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على «المسند»، والحاكم وصححه وليس عند ولا عن عبد الله لفظه «مكتوب».
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٤/ ٢٦٢ (١٠٤٠٠).
(٣) قال ابن منظور في «لسان العرب» ٨/ ٤٨٨٧. مادة: وقت: وَقَّت الشيء يوقَّته، وَوَقَتهُ يقتُهُ إذا بيَّن حده، ثم اتُّسِعَ فيه فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات، وهو مفعال منه، وأصله مِوْقات، فقلبت الواو ياءً لكسرة الميم.



وأخرجه في بدء الخلق (١)، وغزوة بدر (٢).
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٣)، وهو أول حديث في «الموطأ» (٤) وطرقه البخاري.
وحديث صلاته في الوقتين أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وله طرق (٥). وفي «الصحيح» ما يشهد له.

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٢٢١) باب: ذكر الملائكة.
(٢) سيأتي برقم (٤٠٠٧) كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا.
(٣) رواه مسلم (٦١٠) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس، وأبو داود برقم (٣٩٤)، والنسائي ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، وابن ماجه (٦٦٨).
(٤) «الموطأ» ١/ ٣ (١ - ٢).
(٥) ورد هذا الحديث عن جمع من الصحابة منهم: جابر وابن عباس وأبي هريرة وأبي مسعود الأنصاري وغيرهم:
فأما حديث جابر:
فرواه الترمذي (١٥٠)، والنسائي ١/ ٢٦٣، وأحمد ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١، وابن راهويه كما في «نصب الراية» ١/ ٢٢٢، وابن حبان ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦ (١٤٧٢)، والدارقطني ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧، والحاكم ١/ ١٩٥ - ١٩٦، والبيهقي ١/ ٣٦٨. قال البخاري في حكاة عن الترمذي ١/ ٢٨٢ أصح شيء في المواقيت حديث جابر.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: صحيح مشهور لحسين بن علي الأصغر. وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» ٢/ ٤٦٧: يجب أن يكون مرسلًا. وصححه الألبانى في «الإرواء» (٢٥٠).
وأما حديث ابن عباس:
فرواه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩)، وأحمد ١/ ٣٣٣، والشافعي ١/ ٥٠ - ٥١ (١٤٦)، وعبد الرزاق ١/ ٥٣١ (٢٠٢٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٨٠ (٣٢٢٠)، وأبو يعلى ٥/ ١٣٤ - ١٣٥ (٢٧٥٠)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٤٩)، وابن خزيمة ١/ ١٦٨ (٣٢٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤٦، والطبراني ١٠/ ٣٠٩ (١٠٧٥٢)، والدارقطني ١/ ٢٥٨، والحاكم ١/ ١٩٣، والبيهقي ١/ ٣٦٤.
قال الترمذي ١/ ٢٨٢: وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح. =



إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
قوله: (أخر الصلاة يومًا) أي: يومًا ما، لا أن ذلك كان سجيته كما كانت ملوك بني أمية تفعل لاسيما العصر (١).

----------------
= وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٧٣: وفي إسناده عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة مختلف فيه لكن توبع عند عبد الرزاق. قال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة. وصححه أبو بكر بن العربي وابن عبد البر. اهـ بتصرف.
وصححه الألباني في «الإرواء» ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩.
وأما حديث أبي مسعود الأنصاري:
فرواه أبو داود (٣٩٤)، وابن راهويه كما في «نصب الراية» ١/ ٢٢٣، والدارقطني ١/ ٢٦١، والحاكم ١/ ١٩٢ - ١٩٣، وقال: قد اتفقا على حديث بشير بن أبي مسعود في آخر حديث الزهري، عن عروة بغير هذا اللفظ، وقال الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ٢٢٤: واعلم أن حديث أبي مسعود في الصحيحين إلا أنه غير مفسر. اهـ. قلت: يعني: بدون ذكر المواقيت وأسماء الصلوات كلما سيُنَبَّهُ عليه قريبًا. وحسنه الألباني في «الإرواء» ١/ ٢٧٠.
وأما حديث أبي هريرة:
فرواه البزار في «مسنده» كما في «نصب الراية» ١/ ٢٢٤، والنسائي ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠، والطحاوي ١/ ١٤٧ مختصرًا، والسراج كما في «الإرواء» ١/ ٢٦٩، والدارقطني ١/ ٢٦١، والحاكم ١/ ١٩٤ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «الإرواء» ١/ ٢٦٩: إنما هو حسن وليس على شرط مسلم. وهناك أحاديث أخر بسط تخريجها والكلام عليها الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ٢٢٢ ومنها حدث عمرو بن حزم، وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك، وابن عمر.
قال ابن رجب في «الفتح» له ٣/ ١٣: وقد روي حديث صلاة جبريل بالنبي - ﷺ - في مواقيتها في يومين مع بيان مواقيتها من رواية: ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عمر وأنس ولم يخرج منها في «الصحيح». قلت: يعني البخاري.
(١) روى عبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ٣٧٩ بعد أن عقد بابًا سماه: الأمراء يؤخرون =



وقد كان الوليد بن عقبة يؤخرها في زمن عثمان، وكان ابن مسعود ينكرعليه (١).
وقال عطاء: أخر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى (٢)، وكذا كان الحجاج يفعل (٣).
ثم إنه أخرها عن الوقت المستحب المرغب فيه لا عن الوقت ولا يعتقد ذلك فيه؛ لجلالته وإنكار عروة عليه؛ إنما وقع؛ لتركه الوقت الفاصل الذي صلى فيه جبريل وهو وقت الناس ففيه المبادرة] (٤) بالصلاة في وقتها الفاضل (٥).
ثانيها:
هذِه الصلاة المؤخرة كانت العصر كما ذكره في المغازي (٦).

-----------------
= الصلاة أثارًا تدل على ذلك فمن هؤلاء الأمراء:
١ - عبيد الله بن زياد (٣٧٨١).
٢ - المختار الكذاب (٣٧٩٨).
٣ - مروان (٣٨٠١).
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٥ (٥٤٨٩).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧ (٧٥٩٩).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧ (٧٥٩٧).
(٤) يوجد في (ج) سقط بمقدار ثلاث صفحات.
(٥) قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٦٧: ولعل جاهلًا بأخبار يقول: إن عمر بن عبد العزيز كان من الفضل والدين والتقدم في العلم والخير، بحيث لا يظن به أحد أن يؤخر الصلاة عن أفضل وقتها، كما يصنع بنو عمه، فإن قيل ذلك، فإن عمر -رحمه الله- كان كما ذكرنا وفوق ما ذكرنا إذ ولي الخلافة، وأما وهو أمير على المدينة أيام عبد الملك والوليد، فلم يكن كذلك، وهذا أشهر عند العلماء من أن يحتاج فيه إلى إكثار. اهـ
(٦) سيأتي برقم (٤٠٠٧) باب: شهود الملائكة بدرًا. =



وهذِه الواقعة كانت بالمدينة، وتأخير المغيرة كان بالعراق كما صرح به هنا. وفي رواية: بالكوفة (١).
ثالثها:
قام الإجماع عَلَى عدم تقديم الصلاة عَلَى وقتها إلا شيئًا شاذًّا، روي عن أبي موسى وبعض التابعين، بل صح عن أبي موسى خلافه (٢).
رابعها:
قوله: (أليس قد علمت). كذا الرواية، وهي جائزة، إلا أن المشهور في الاستعمال الصحيح: ألست، نبه عليه بعض فضلاء الأدب.
خامسها:
قوله: (فصلى، فصلى). ذهب بعضهم إلى أن الفاء هنا بمعنى الواو؛ لأنه - ﷺ - إذا ائتم بجبريل يجب أن يكون مصليًا بعده. وإذا حملت الفاء عَلَى حقيقتها وجب أن يكون مصليًا معه، وهذا ضعيف. والفاء للتعقيب. والمعنى أن جبريل كلما فعل فعلًا تابعه النبي - ﷺ -.

-------------------
= قلت: ورد عند البخاري التصريح بأنها صلاة العصر في (٣٢٢١) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة.
(١) رواها مالك في «موطئه» ١/ ٣ (١) برواية أبي مصعب، والقعنبي (٤)، ويحيى الليثي ص ٢٨.
(٢) نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر في «الاستذكار» ١/ ١٨٨، «التمهيد» ٨/ ٧٠، وابن هبيرة في «الإفصاح» ١/ ٢٦٢.
قال ابن عبد البر: وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيء روي عن أبى موسى الأشعري وعن بعض التابعين، وقد انعقد الإجماع على خلافه، فلم نر لذكره وجهًا؛ لأنه لا يصح عندي عنهم، وقد صح عن أبي موسى خلافه، بما يوافق الجماعة فصار اتفاقًّا صحيحًا.



وهو أولى من الواو؛ ولأن العطف بالواو يحتمل معه أن يكون الشارع صلى قبل جبريل، والفاء لا تحتمل ذَلِكَ فهي أبعد من الاحتمال، وأبلغ في البيان.
سادسها:
لم يذكر هنا أوقات الصلاة، وإنما ذكر عددها؛ لأنه كان معلومًا عند المخاطب فأبهمه (١).
سابعها:
قوله: (»بهذا أُمِرْتُ؟ «) روي بفتح التاء عَلَى الخطاب للشارع (٢)، وبالضم عَلَى أنه إخبار من جبريل عن نفسه أن الذي أمرني الله أن أفعله هو الذي فعلته.
قَالَ ابن العربي: نزل جبريل إلى الشارع مأمورًا مكلفًا بتعليمه لا بأصل الصلاة؛ لأن الملائكة وإن كانوا مكلفين فبغير شرائعنا، ولكنَّ الله كلف جبريل الإبلاع والبيان كيف ما احتيج إليه قولًا وفعلًا.
وأقوى الروايتين: فتح التاء، أي: الذي أمرت به من الصلاة البارحة مجملًا هذا تفسيره اليوم مفصلًا. وبهذا يتبين بطلان من يقول: إن في صلاة جبريل به جواز صلاة المعلم بالمتعلم، والمفترض خلف المتنفل (٣).
ثامنها:
قوله: (فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ به) ظاهره الإنكار كما قَالَ

--------------------
(١) تقدم قريبًا تخريج الأحاديث المفسرة لأوقات وأسماء الصلوات فانظرها.
(٢) رواه بتاء الخطاب أبو ذر الهروي كما ورد في هامش اليونينية ١/ ١١١.
(٣)»عارضة الأحوذي" ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩.



القرطبي (١)؛ لأنه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل: إما لأنه لم يبلغه أو بلغه فنسيه، وكل ذَلِكَ جائز عليه.
قَالَ: والأولى عندي أن حجة عروة عليه إنما هي فيما رواه عن عائشة من أنه - ﷺ - كان يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تظهر، وذكر له حديث جبريل موطئًا له ومعلمًا بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف خبر النبي - ﷺ - عليها (٢).
تاسعها:
قوله: (أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ) قَالَ اَبن التين: هي ألف الاستفهام دخلت عَلَى الواو، فكان ذلِكَ تقريرًا.
قَالَ النووي: والواو مفتوحة (٣). و(أن) بفتح الهمزة وكسرها، والكسر أظهر. كما قاله صاحب «الاقتضاب» (٤)؛ لأنه استفهام مستأنف، إلا أنه ورد بالواو، والفتح عَلَى تقدير: أوعلمت، أوحدثت أن جبريل نزل؟.
عاشرها:
قوله: (كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) فيه: دلالة عَلَى أن الحجة في الحديث المسند دون المقطوع (٥)؛ لقوله: (كذلك كان

------------------
(١) «المفهم» ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) ورد في هامش الأصل: من خط الشيخ: فيه نظر؛ لأن عروة استدلاله بإمامة جبريل مسندًا.
(٣) عبارة النووي في «شرح مسلم» ٥/ ١٠٨: قوله: أو إن جبريل. هو بفتح الواو وكسر الهمزة.
(٤) ورد بهامش (س): وهو في «المطالع».
(٥) يقصد المصنف -رحمه الله- بالمقطوع هنا المرسل عند علماء مصطلح الحديث.
وكلامه هنا فيه رد على أهل النظر القائلين بأنه أبين حجة وأظهر قوة من المتصل. =



بشير)؛ لأن عروة كان قد أخبر أن جبريل أقام للنبي - ﷺ - وقت الصلاة، فلم يقنع بذلك من قوله؛ إذ لم يسند له ذَلِكَ، فلما قَالَ: اعلم ما تحدث به. جاء بالحجة القاطعة فقال: كذلك كان بشير، وفي رواية: سمعت (١)، وفي أخرى: حَدَّثَني بشير (٢).
وبشير: بفتح أوله، واسم أبي مسعود: عقبة بن عمرو البدري الأنصاري، وبشير: والد عبد الرحمن، قيل: إن له صحبة، وأدرك النبي - ﷺ - صغيرًا.
وذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين، وقال: ولد في حياة الشارع، روى له الجماعة إلا الترمذي، وشهد صفين مع علي (٣).

-----------------------
= قال الخطيب في «الكفاية» ص ٥٦٢: عنها بأنها دعوى باطلة؛ لأن أهل العلم لم يختلفوا في صحة الاحتجاج بالمسانيد، واختلفوا في المراسيل، أو لو كان القول الذي قاله المخالف صحيحًا؛ لوجب أن تكون القصة بالعكس في ذلك -يعني: قصة عمر بن العزيز السالفة قريبًا- وقد اختلف أئمة أهل الأثر في أصح الأسانيد وأرضاها، وإليهم المرجع في ذلك، وقولهم هو الحجة على من سواهم، فكلٌّ قال على قدر اجتهاده وذكر ما هو الأولى عنده، ونص على المسند دون المرسل فدل ذلك على تنافيهما واختلاف الأمر فيهما.
(١) ستأتي برقم (٣٢٢١) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة.
(٢) ستأتي برقم (٤٠٠٧) كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا.
(٣) بشير هذا يروي عن أبيه، ويروي عنه ابنه عبد الرحمن وعروة بن الزبير وغيرهما.
جزم ابن عبد البر وأبو نعيم أن له صحبة، وجزم الأول أنه ولد على عهد النبي - ﷺ - وقال ابن خلفون: إنه ولد بعد وفاة النبي - ﷺ -، اهـ. أما البخاري والعجلي ومسلم وأبو حاتم وغيرهم فجزموا بأنه تابعى.
وينظر في ترجمته: «التاريخ الكبير» ٢/ ١٠٤ (١٨٤٥)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٧٦ (١٤٦٢)، «الثقات» ٤/ ٧٠، «معرفة الصحابة» لأبى نعيم ١/ ٤٠٩ (٣٠٨)، «الاستيعاب» ١/ ٢٥٦ (٢٠٩)، «تهذيب الكمال» ٤/ ١٧٢ (٧٢٤)، «إكمال مغلطاي» ٢/ ٤٢١ (٧٧١)، «الإصابة» ١/ ١٦٨ (٧٥٥).



الحادي عشر:
قوله: (قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلَّي العَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (١) والأربعة.
والحجرة: الدار، وكل ما أحاط به حائط فهو حجرة، من حجرت أي: منحت، سميت بذلك؛ لأنها تمنع من دخلها أن يُوصل إليه، ومن أن يُرى، ويقال لحائط الحجرة: الحجار (٢).
وقولها: (قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) أي: تعلو وتصير عَلَى ظهر الحجرة، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي: ما قدروا أن يعلوا عليه؛ لارتفاعه وإملاسه، وقال النابغة:
وإنا لنرجوا فوق ذَلِكَ مظهرًا
أي: علوًّا ومرتقى، يقال: ظهر الرجل إلى فوق السطح: علا فوقه، قيل: وإنما قيل له ذَلِكَ؛ لأنه إذا علا فوقه ظهر شخصه لمن تأمله. وقيل: معناه أن يخرج الظل من قاعة حجرتها فيذهب، وكل شيء خرج فقد ظهر، قَالَ أبو ذؤيب:
وعيرني الواشون أني أحبها … وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
أي: ذاهب. والتفسير الأول أقرب وأليق بظاهر الحديث؛ لأن الضمير في قوله: (تظهر). إنما هو راجع إلى الشمس ولم يتقدم للظل ذكر في الحديث، ويأتي لذلك زيادة (بيان) (٣) إن شاء الله في باب: وقت العصر (٤).

------------------
(١) برقم (٦١١) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس.
(٢) «لسان العرب» ٢/ ٧٨٢ مادة: حجر.
(٣) من (ج).
(٤) سيأتي برقم (٥٤٤ - ٥٤٦) كتاب: مواقيت الصلاة.



الثاني عشر: في فوائد الحديث ملخصة:
منها: المبادرة بالصلاة في الوقت الفاضل.
ومنها: دخول العلماء عَلَى الأمراء، إذا كانوا أئمة عدل.
ومنها: إنكار العلماء عَلَى الأمراء ما يخالف السنة.
ومنها: جواز مراجعة العالم لطلب البيان.
ومنها: الرجوع عند التنازع إلى السنة، فإنها الحجة والمقنع.
ومنها: أن الحجة في المسند دون المقطوع (١) كما سلف.
ومنها: قصر البنيان والاقتصاد فيه، من حيث إن جدار الحجرة كان قصيرًا، قَالَ الحسن: كنت أدخل بيوت النبي - ﷺ -[وأنا] (٢) محتلم وأنا أسقفها بيدي، وذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه (٣).

-------------------
(١) تقدم أن المراد بالمقطوع هنا: المرسل، وسبق الكلام عليه قريبًا.
(٢) كذا في «المخطوط» وفي مصادر التخريج «فأتناولها».
(٣) رواه ابن سعد ٧/ ١٦١، والبخاري في «الأدب المفرد» (٤٥٠)، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ٣٩٧ (١٠٧٣٤)، وصحح الألباني إسناده في «الأدب».




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #153  
قديم 28-01-2026, 04:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 101 الى صـــ 120
الحلقة (153)






٢ - باب قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ [الروم: ٣١]
٥٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ -هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ- عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالُوا إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. فَقَالَ «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللهِ - ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ- وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُقَيَّرِ، وَالنَّقِيرِ» [انظر: ٥٣ - مسلم: ١٧ - فتح: ٢/ ٧]
المنيب: التائب، وقرن الله -عز وجل- التقى ونفي الإشراك به بإقامة الصلاة، فهي أعظم دعائم الإسلام بعد التوحيد، وأقرب الوسائل إلى الله تعالى، ومفهوم الآية كمفهوم قوله - ﷺ -: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» أخرجه مسلم من حديث جابر (١)، ولفظ النسائي: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة» (٢) ونحوه من الأحاديث (٣).

------------------
(١) مسلم (٨٢) كتاب: الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة.
(٢) النسائي ١/ ٢٣٢، ورواها الدارمي في «سننه» ٢/ ٧٨٥ (١٢٦٩٩)، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٣٠٤ (١٤٥٣)، والبيهقي ٣/ ٣٦٦، وصححها الألباني في «صحيح الترغيب» (٥٦٣).
(٣) منها حديث بريد بن الحصيب مرفوعًا بلفظ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». رواه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي ١/ ٢٣١ - ٢٣٢، وابن ماجه (١٠٧٩)، وأحمد ٥/ ٣٤٦ - ٣٥٥، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، =



وقال عمر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة (١) وكان الصديق إذا حضرت الصلاة قَالَ: قوموا إلى ناركم التي أوقدتموها فأطفئوها (٢).
وقال يحيى بن سعيد في «الموطأ»: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن قبلت منه نظر في عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله (٣).
ثم أورد البخاري في الباب حديث وفد عبد القيس.

---------------
= وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٥٦٤).
ومنها: حديث ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - مرفوعًا بلفظ: «بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد كفر». وفي رواية: «فقد أشرك». رواه اللالكائي (١٥٢١)، وعزاه المنذري في «الترغيب والترهيب» ١/ ٢١٤ لهبة الله الطبري، وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم. وكذا صححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٥٦٦).
ومنها حديث أنس مرفوعًا بلفظ: «بين العبد وبين الكفر أو الشرك، ترك الصلاة فإذا تركها فقد كفر».
رواه محمد بن نصر المروزي «تعظيم قدر الصلاة» (٨٩٩)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٥٦٨).
(١) رواه عبد الرزاق ٣/ ١٢٥ (٥٠١٠)، وابن أبي شيبة ٧/ ٤٣٧، والدارتطني ١/ ٥١ (١٧٢٦)، والبيهقي ٣/ ٣٦٦، وذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٤/ ٢٢٥، ٢٣٨.
(٢) لم أعثر فيما بين يدي من المصادر على من عزا هذا الأثر إلى مصدر، وهو في «إحياء علوم الدين» ١/ ١٩٨ بلا سند ولا عزو.
وقد ورد هذا الأثر مرفوعًا عن أنس بلفظ: «إن لله ملكًا ينادي عند كل صلاة يا بنى آدم، قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم، فأطفئوها بالصلاة».
رواه الطبراني في «الأوسط» ٩/ ١٧٣ (٩٤٥٢)، واللفظ له، وفي «الصغير» ٢/ ٢٦٢ (١١٣٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٤٢ - ٤٣، وحسنه لغيره الألباني في «صحيح الترغيب» (٣٥٨).
(٣) «الموطأ» ص ١٢٥، رواية يحيى بن يحيى.



وقد سلف في باب: آداء الخمس من الإيمان في كتاب الإيمان (١)، وكان من شأنه عليه أفضل الصلاة والسلام أن يعلم كل قوم بما تمس الحاجة إليه، وما الخوف عليهم من قبله أشد، وكان وفد عبد القيس يخاف عليهم الغلول في الفيء، وكانوا يكثرون الانتباذ في هذِه الأوعية، فعرفهم ما بهم الحاجة إليه، وما يخشى منهم موافقته، وترك غير ذَلِكَ مما قد شهر وفشى عندهم.
----------------
(١) سلف برقم (٥٣).


٣ - باب البَيْعَهَ عَلَى إِقَام الصَّلَاةِ
٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [انظر: ٥٧ - مسلم: ٥٦ - فتح: ٢/ ٧]
ذكر فيه حديث جرير بن عبد الله قَالَ: بَايَعْتُ النبي - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
هذا الحديث تقدم آخر الإيمان في قول النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة» (١)، ويأتي في الزكاة أيضًا (٢).
ومبايعة الشارع جريرًا عَلَى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأنهما دعامتا الإسلام، وأول الفرائض بعد التوحيد، والإقرار بالرسالة، وذكر النصح لكل مسلم بعدهما يدل أن قوم جرير كانوا أهل غدر، فعلمهم ما بهم إليه أشد حاجة، كما أمر وفد عبد القيس بالنهي عن الطروق، ولم يذكر النصح، إذ علم أنهم في الأغلب لا يخاف منهم من ترك النصح ما يخاف عَلَى قوم جرير، وكان جرير وفد من اليمن من عند قومه، وفيه قَالَ - ﷺ -: «إذا آتاكم كريم قوم فأكرموه» (٣) فبايعه بهذا ورجع إلى قومه معلمًا.

-------------
(١) سلف برقم (٥٧).
(٢) سيأتي برقم (١٤٠١) باب: البيعة إيتاء الزكاة.
(٣) من حديث جرير رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٢٣٥ (٢٥٥٧٥)، والطبراني في «الكبير» ٢/ ٣٢٥ (٢٣٥٨)، «الأوسط» ٦/ ٢٤٠ (٦٢٩٠)، «الصغير» ٢/ ٦٧ (٧٩٣)، والبيهقي ٨/ ١٦٨، وفي «شعب الإيمان» ٧/ ٤٦١ (١٠٩٩٧)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٠٥) بمجموع طرقه.



٤ - باب الصَّلَاةُ كفَّارَةٌ
٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ - رضي الله عنه -، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الْفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا، كَمَا قَالَهُ. قَالَ إِنَّكَ عَلَيْهِ -أَوْ عَلَيْهَا- لَجَرِئٌ. قُلْتُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْى». قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْنَا أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: الْبَابُ عُمَرُ. [١٤٣٥، ١٨٩٥، ٣٥٨٦، ٧٠٩٦ - مسلم: ١٤٤، فتح: ٢/ ٨]

٥٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِى هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ». [٤٦٨٧ - مسلم: ٢٧٦٣ - فتح: ٢/ ٨]
ذكر فيه حديثين:
الأول: حديث حذيفة:
كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ. فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا، كَمَا قَالَهُ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ -أَوْ عَلَيْهَا- لَجَرئٌ. قُلْتُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْي». قَالَ: لَيْسَ هذا أُرِيدُ، ولكن الفِتْنَةُ التِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنينَ،


إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أيفتح أَمْ يكسر؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَاليطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: البَابُ عُمَرُ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في الصوم وفيه: فقال عمر: ذَلِكَ أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة (١)، والزكاة وفيه: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفيه: لما قَالَ عمر: لم يغلق الباب أبدًا. قلت: أجل (٢).
وأخرجه أيضًا في علامات النبوة (٣)، وأخرجه مسلم أيضًا (٤).
ثانيها:
الفتنة أصلها الابتلاء والامتحان ثم صارت عرفًا لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، وتكون في الخير والشر، قَالَ تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] يقال: فتن. وَأَبَى الأصمعي أفتن (٥).
وقال سيبويه: فتنه جعل فيه فتنة (٦). وأفتنه (٧): أوصل الفتنة إليه.

----------------
(١) سيأتي برقم (١٨٩٥) كتاب: الصوم، باب: الصوم كفارة.
(٢) سيأتي برقم (١٤٣٥) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة تكفر الخطيئة.
(٣) سيأتي برقم (٣٥٨٦) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.
(٤) مسلم رقم (١٤٤) في الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا.
(٥) «لسان العرب» ٦/ ٣٣٤٥ وفيه قصة فانظرها هناك.
(٦) «الكتاب» ٤/ ٥٦ (ط. هارون).
(٧) في (س)، (ج): وأوفتنه. وإضافة الواو هنا للتمييز بين أفتن مفتوح الهمزة، وأفتن مضمومها. كما في قولهم: أوخي تصغير أخي. نبه عليه ابن قتيبة في «أدب الكاتب» =



والفتنة أيضًا: الضلال والإثم والإزالة عما كان عليه، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] والفتنة أيضًا: الكفر، قَالَ تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. والفتنة أيضًا: الفضيحة والعذاب، وما يقع بين الناس من القتال والبلية، والغلو في التأويل المظلم.
قَالَ الفراء: أهل الحجاز يقولون: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ وأهل نجد: (بمفتنين) (١).
ولما رأى عمر أن الأمر كاد أن يتغير، سأل عن الفتنة التي تأتي بعده خوفًا أن يدركها، مع علمه بأنه الباب الذي تكون الفتنة بعد كسره، لكنه من شدة الخوف خشي أن يكون نسي، فسأل من يُذكِّره.
ثالثها:
فتنة الرجل في أهله وماله يصدقه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، والمعنى في ذَلِكَ أن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول والعمل ما لم يبلغ كبيرة كالقُبلة التي أصابها الرجل من المرأة في الحديث الآتي وشبهها (٢)، فذلك الذي يَكفرها

-----------------
= ص ٢٠١. وأثبتناها هنا بما يوافق الكتابة والرسم الحديث. وبعد مراجعة مطبوع «اللسان» ٦/ ٣٣٤٥: وجدت نص سيبويه هذا وفيه: وأفْتَتَنَه هكذا بفتح الألف. والله أعلم.
قلت: يشهد لما ذكرنا ما حكاه أبو زيد في «اللسان» أيضًا: أفتن الرجل بصيغة ما لم يسم فاعله.
(١) انظر: «مشارق الأنوار» ٢/ ١٤٥ - ١٤٦، «الفائق» ٣/ ٨٧، «الصحاح» ٦/ ٢١٧٥ - ٢١٧٦، «لسان العرب» ٦/ ٣٣٤٤ - ٣٣٤٦.
(٢) حديث إصابة الرجل القبلة من المرأة يأتي بعد هذا تمام شرح حديث الباب هندا. أما عن شبههة ففي «الصحيح»منه جملة: =



الصلاة والصوم، ومثله قوله - ﷺ -: «الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» (١) (٢).
والمراد بفتنة الرجل بجاره أيضًا وأهله ما يعرض له معهم من شر أو حزن أو ترك حق وشبه ذلك.
رابعها:
إنما علم عمر أنه الباب؛ لأنه كان مع النبي - ﷺ - عَلَى حراء، ومعه أبو بكر وعثمان، فرجف بهم، فقال النبي - ﷺ -: «اثبت حراء فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» (٣)، وفهم ذَلِكَ من قول حذيفة حين قَالَ: بل

------------------
= منها حديث وقوع سلمة بن صخر على أهله وهو صائم، يأتي برقم (١٩٣٦) كتاب: الصوم، باب: إذا جامع في رمضان.
وحديث هبة أبي النعمان بشير لابنه النعمان وعدم مساواته بإخوته ويأتي برقم (٢٥٨٦) كتاب: الهبة، باب: الهبة للولد.
فهذان الحديثان يبينان ما يقترف الرجل من الذنوب بسبب فتنة الأهل والولد.
(١) رواه مسلم (٢٣٣) كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، والترمذي (٢١٤)، وابن ماجه (١٠٨٦)، وأحمد ٢/ ٢٢٩، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(٢) سبق ابن بطال المؤلف إلى القول بهذا المعنى. فانظر الكلام على فتنة الرجل في أهله وماله من «شرحه» ٢/ ١٥٤ فستجده بألفاظ وسياق مقارب لما هنا مقاربة شديدة.
(٣) رواه مسلم (٢٤١٧) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما، والترمذي (٣٦٩٦)، ولفظه عندهما: «فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد». والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٥٩ (٨٢٠٧) وفيه: «اهده» بهاء السكت، وأحمد ٢/ ٤١٩، وابن أبي عاصم في «السنة» ٢/ ٦٠٧ (١٤٤١ - ١٤٤٢)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، ورواه ابن أبي عاصم في «السنة» ٢/ ٦٠٧ (١٤٣٨) بلفظ المصنف عن أنس - رضي الله عنه -.
قلت: سيأتي برقم (٣٦٧٥) كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي - ﷺ -«لو كنت متخذًا خليلًا» عن أنس بلفظ: «اثبت أحد …» الحديث. =



يكسر الباب. ويدل عليه أيضًا قوله: (إِذًا لَا يُغْلَقَ). لأن الغلق إنما يكون في الصحيح. وأما الكسر: فهو هتك لا يجبر، وفتق لا يرقع (١). وقيل: معنى يكسر، أي: يُقتل فلا يموت بغير قتل. وكذلك انخرق عليهم بقتل عثمان بعده من الفتن ما لا يُغلق إلى يوم القيامة. وهي الدعوة التي لم يجب فيها - ﷺ - في أمته (٢). ولذلك قَالَ: فلن يزال الهَرْجُ إلى يوم القيامة (٣).
والقاف في (لَا يُغْلَقَ) مفتوحة؛ لأنه فعل منصوب بـ (إذًا)، و(إذًا) تفعل النصب في الفعل المستقبل لعدم ثلاثة أشياء، وهي: أن يعتمد ما قبلها عَلَى ما بعدها، وأن يكون الفعل فعل حال، وأن لا يكون

------------
= وقال ابن حجر: وقع في رواية لمسلم ولأبي يعلى من وجه آخر عن سعيد «حراء» والأول أصح، ولولا اتحاد المخرج لجوزت تعدد القصة، ثم ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيد، فإني وجدته في «مسند الحارث بن أبي أسامة»: عن روح ابن عبادة عن سعيد فقال فيه: «أحد أو حراء» بالشك، وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة بلفظ «حراء» وإسناده صحيح، وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ: «أحد» وإسناده صحيح، فقوي احتمال تعدد القصة، وتقدم في أواخر الوقف من حديث عثمان أيضًا نحوه وفيه «حراء»، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ما يؤيد تعدد القصة فذكر أنه كان على حراء ومعه المذكورون هنا وزاد معهم غيرهم، والله أعلم. «فتح الباري» ٧/ ٣٨.
(١) في (ج): يرفع. بفاء. وهو تصحيف.
(٢) وهذِه الدعوة هي: إهلاك بعضهم لبعض كما رواه مسلم (٢٨٨٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: هلاك هذِه الأمة بعضهم ببعض. من حديث ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -.
(٣) ورد هذا القول موقوفًا على ابن عمر، ولم أجد من رفعه.
رواه مالك ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧ (٦٢٤)، وأحمد ٥/ ٤٤٥ من رواية جابر بن عتيك عن ابن عمر بنحو حديث ثوبان المتقدم في الهامش السابق، أما قوله: فلن يزال إلى آخره. فكما أسلفنا أنه موقوف، وبالله التوفيق.



معها واو العطف. وهذِه الثلاثة معدومة هنا (١).
ومعنى: (إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا): أن تلك الفتن لا يخرج منها شيء في حياتك.
وقوله: (مُغْلَقًا) هو الأفصح؛ لأنه رباعي من أغلقت، وإن حكي غلقت لكنه مرذول.
وأوضح سيدي أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة الفتنة في الأهل فقال: هي عَلَى وجوه منها، هل يوفي لهم الحق الذي يجب لهم عليه أم لا؟ لأنه راع عليهم، ومسئول عن رعايتهم، فإن لم يأتِ بالواجب منها فليس مما يكفره فعل الطاعات، بدليل قوله - ﷺ - للذي سأله إذا قتل في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر: يكفر ذَلِكَ عني خطاياي؟ قَالَ: «نعم إلا الدَّين» (٢).
وهكذا من جميع الذنوب.

---------------
(١) قال ابن مالك:
ونصبوا بإذن المستقبلا … إنْ صدرت والفعل بَعْدَ مُوْصلا
أو قبلة اليمينُ، وانصب وارفعا … إذا إذن من عطف وقعا
وقال ابن عقيل: ولا ينصب -أي: المضارع- بها بشروط:
أحدها: أن يكون الفعل مستقبلًا. الثاني: أن تكون مصدرة. الثالث: أن لا يفصل بينها وبين منصوبها.
انظر: «شرح ابن عقيل» ٤/ ٥ - ٦، «الآجرومية وشرحها» لابن عثيمين ص ١٣٢ - ١٣٣ ففيهما أمثلة تحرر هذا الموضوع ومنهما فراجع.
(٢) رواه النسائي ٦/ ٣٣ - ٣٤، وأحمد ٢/ ٣٠٨، ٢/ ٣٣٠، وأبو يعلى ١١/ ٤٨٠ (٦٦٠٢). من حديث أبي هريرة، وصححه الألباني في تعليقه على «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز ص ٤٥٤، وله شاهد عند مسلم (١٨٨٥) عن أبي قتادة - رضي الله عنه -.



وقال: «من كان عليه حق فليعطه أو ليتحلله» (١)، وإجماع أن الحقوق إذا وجدت لا يسقطها إلا الأداء، فإن كان ما تركه من حقوقهم من طريق المندوبات، فليس من ترك مندوبًا يكون عليه إثم، فيحتاج إلى تكفير.
فيبقى وجه آخر، وهو تعلق القلب بهم، وهو عَلَى قسمين:
إما تعلقًا مفرطًا حَتَّى يشغله عن حقٍّ من الحقوق، فهذا ليس مما يدخل تحت ما يكفر الطاعات، بل يدخل تحت وعيد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]، وإن كان ما لا يشغله عن توفية حق من حقوق الله، فهذا النوع -والله أعلم- هو الذي يكفره أفعال الطاعات.
وذكر في قوله: «فتنة الرجل في أهله» هل هذا خاص بالرجال دون النساء، فقال - ﷺ -: «هن شقائق الرجال» (٢) معناه في لزوم الأحكام.

-------------
(١) هذا الحديث ذكره البخاري كتاب: الهبة، باب: إذا وهب دينًا على رجل في الترجمة للحديث رقم (٢٦٠١) معلقًا، وقال ابن حجر: وصله مسدد في «مسنده» من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا «من كان لأحد عليه حق فليعطه إياه أو ليتحلله منه» الحديث. وقد تقدم موصولًا بمعناه في كتاب المظالم، «فتح الباري» ٥/ ٢٢٤.
قلت: وسيأتي حديث أبي هريرة موصولًا برقم (٢٤٤٩) كتاب: المظالم، باب: من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له، هل يبين مظلمته؟ من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ..».
(٢) رواه أبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، وأحمد ٦/ ٢٥٧.
وقال الشيخ شاكر في تعليقه على الترمذي ١/ ١٩٠: هذا إسناد صحيح. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٨٦٣).



وإنما هذا من باب الأعلى، يؤيد ذَلِكَ قوله - ﷺ -: «ما تركت بعدي فتنة أضر عَلَى الرجال من النساء» (١) ولم يقل ذَلِكَ في المرأة، فالرجال في هذا المعنى أشد.
وأما فتنته في ولده، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية [التغابن: ١٥]. وذلك من فرط محبته لهم وشغله بهم عن كثير من الخير أو التفريط بما يلزمه من القيام بحقوقهم وتأديبهم، فهذِه فتن تقتضي المحاسبة، وقد تكون المرأة في ذَلِكَ أشد من الرجال، لكن لما ليس لها الحكم عليه مثل الأب، فذكر الأعلى.
وأما المال، فالرجال والنساء في ذَلِكَ سواء، إلا أنه في الرجال أغلب؛ لأنهم يحكمون ولا يحكم عليهم، والنساء في الغالب محكوم عليهن، فلذلك -والله أعلم- ذكر الرجال دون النساء.
وهل هذا الحكم خاص بالأربعة هذِه أم هي من باب التنبيه بالأعلى؟ لأن العلة (إذا أنيط) (٢) بها الحكم إذا وجدت لزم الحكم، وهو إجماع أهل السنة (٣). فكل ما يشغل عن حق من حقوق الله فهو وبال عَلَى صاحبه (٤)، وكل ما كان للنفس به تعلق، ولم يشغل عن حق من حقوق الله فتوفية الحقوق (المأمور بها كفارة له. وهل الواحد من

-----
(١) سيأتي برقم (٥٠٩٦) كتاب: النكاح، باب: ما يتقى من شؤم المرأة من حديث أسامه بن زيد - رضي الله عنه -.
(٢) في «بهجة الأنفس» ١/ ٢٠٠: وهو أن العلة التي نيط بها الحكم، إذا وجدت لزم الحكم. اهـ.
(٣) ينظر في أن العلة مناط الحكم: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي ٣/ ٣٧٩، «إرشاد الفحول» ٢/ ٨٧٠، ٨٧٣.
(٤) بهجة النفوس" ١/ ٢٠٠ - ٢٠١ ملخصًا.



ذَلِكَ يكفر) (١) أو المجموع؟ فذكر من أفعال الأبدان أعلاها، وهو الصلاة والصوم. قَالَ (الله ﷻ في حقها) (٢): ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وذكر من حقوق الأموال أعلاها، وهي الصدقة، ومن الأقوال أعلاها، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن فعل هذِه لم يكن له أن يترك الباقي، قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا. ومن ترك شيئًا من الواجبات فقد أتى فاحشًا ومنكرًا، ومن أتاهما فقد بعد من الله، ومن بعد كيف يكفر عنه شيء؟
وأما فتنة الولد، فهي فرط محبتهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التفريط بما يلزمه من القيام بحقوقهم، فهذِه الفتنة تقتضي المحاسبة، وكذا فتنة المال.
وأما فتنة الجار، فهى أن تتمنى أن تكون مثل حاله إن كان متسعًا، قَالَ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠]. فهذِه الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فدونها يكفرها أعمال البر للآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، قَالَ بعض أهل التفسير: الحسنات هنا: الصلاة، والسيئات: الصغائر (٣). وقال ابن العربي: الفتنة التي تدخل عَلَى الرجل من هذِه الجهات إن كانت من الصغائر صح ذَلِكَ فيها، وإن كانت من الكبائر فلا تقوم الحسنات بها (٤).

----------------
(١) ما بين القوسين طمس في (س).
(٢) ما بين القوسين طمس في (س).
(٣) «زاد المسير» ٤/ ١٦٨ - ١٦٩.
(٤) «عارضة الأحوذي» ٩/ ١١٥.



خامسها:
معنى «تموج»: تضطرب ويدفع بعضها بعضًا، وشبهها بموج البحر لشدة عظمها.
وقوله: (فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ). القائل (فهبنا) هو أبو وائل. وجاء في رواية: قَالَ أبو وائل: فقلت لمسروق: سلْ حذيفة عن الباب، فقال: عمر (١). ويأتي لهذا الحديث زيادة في أبوابه إن شاء الله.
الحديث الثاني: حديث ابن مسعود:
أَنَّ رَجُلَا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ، فَأنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ الله، أَلِي هذا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التفسير، وقال: زلفًا: ساعات بعد ساعات. ومنه سميت المزدلفة، الزلف: منزلة بعد منزلة، وأما زلفي فمصدر مثل القربى، ازدلفوا: اجتمعوا، زلفًا: جميعًا. وقال في آخر الحديث إلى هذِه الآية: قَالَ: «لمن عمل بها من أمتى» (٢).
وأخرجه مسلم في التوبة (٣)، والترمذي في التفسير (٤)، والنسائي في

----------------
(١) جاء ذلك في رواية الترمذي (٢٢٥٨).
(٢) سيأتي برقم (٤٦٧٨) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
(٣) برقم (٢٧٦٣) كتاب: التوبة، باب: قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
(٤) برقم (٣١١٤) باب: من سورة هود.



الرجم (١)، وابن ماجه في الصلاة، وأبو داود (٢).
وعند ابن ماجه: أصاب من امرأة ما دون الفاحشة، فلا أدري ما بلغ غير أنه دون الزنا.
وفيه: يا رسول الله، ألي هذِه؟ قَالَ: «لمن أخذ بها» (٣).
ثانيها:
هذا الرجل اسمه: كعب بن عمرو، أبو اليسر عَلَى أصح الأقوال (٤) كما أخرجه النسائي في التفسير (٥).
وأخرجه الترمذي أيضًا من حديث ابن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليَسَر -يعني: كعب بن عمرو- قَالَ: أتتني امرأة تبتاع تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه، فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبلتها. فأتيت أبا بكر فذكرت ذَلِكَ له، فقال: استر عَلَى نفسك، ولا تخبر أحدًا، وتب. فأتيت عمر فذكرت ذَلِكَ له،

---------------
(١) رواه النسائي في «الكبرى» ٤/ ٣١٨ (٧٣٢٦)، ٦/ ٣٦٦ (١١٢٤٧).
(٢) رواه أبو داود (٤٤٦٨).
(٣) رواه ابن ماجه (١٣٩٨).
(٤) اسمه: كعب بن عمرو بن عباد بن سواد - رضي الله عنه -. وكنيته: أبو اليسر بفتحتين. شهد العقبة وبدرًا، وهو ابن عشرين وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب، وشهد أحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -.
توفي بالمدينة سنة خمس وخمسين وذلك في خلافة معاوية - رضي الله عنه -. وهو أخر من مات من أهل بدر.
وجزم بأنه كنيته أبو اليسر: ابن سعد وابن الأثير وغيرهما.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٥٨١. «الجرح والتعديل» ٧/ ١٦٠ (٩٠١)، «الثقات» ٣/ ٣٥٢، «الاستيعاب» ٣/ ٣٨٠ (٢٢٢٦)، «أسد الغابة» ٤/ ٤٨٤ (٤٤٦٩)، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ١٨٥ - ١٨٦ (٤٩٧٨).
(٥) رواه النسائي في «الكبرى» ٦/ ٣٦٦ (١١٢٤٨).



فقال: استر عَلَى نفسك، وتب، ولا تخبر أحدًا. فلم أصبر، فأتيت رسول الله - ﷺ -، فذكرت ذَلِكَ له، فقال: «أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟» حَتَّى تمنى أن لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حَتَّى ظن أنه من أهل النار.
قَالَ: وأطرق رسول الله - ﷺ - حَتَّى أوحي إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ لنَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
قَالَ أبو اليسر: فأتيته، فقرأها عليَّ رسول الله - ﷺ -، فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ قَالَ: «بل للناس عامة» (١).
قَالَ البزار: لا نعلم رواه عن أبي اليسر إلا موسى، ولا عن موسى إلا ابن (موهب) (٢).
وفي كتاب الواحدي: وكان زوجها بعثه رسول الله - ﷺ - في بعث.
وفيه: فغمزتها وقبلتها، وكانت أعجبتني (٣).
وفي لفظ عن ابن عباس أن رجلًا أتى عمر فقال: إن امرأة جاءتني تبايعني، فأدخلتها الدولج (٤)، فقال: ويحك لعلها مغيب في سبيل الله.

---------------
(١) الترمذي (٣١١٥) كتاب: تفسير القرآن، باب: سورة هود، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) (ج): وهب. وهو خطأ، وما أثبتناه من (س) وهو الموافق لما في: «مسند البزار» ٦/ ٢٧١ (٢٣٠٠).
(٣) «أسباب النزول» ص ٢٧٢ - ٢٧٣ (٥٤٠)، وفيه: فأعجبتني، فقلت: إن في البيت تمرًا هو أطيب من هذا فألحقيني، فغمزتها وقبَّلتُها. اهـ.
قلت: وفي سياق الواحدي لهذا الحديث ما يدل بمعناه أن زوجها كان غازيًا في سبيل الله فكان المصنف رحمه الله ساقه هنا بمعناه.
(٤) ورد في الهامش الأصل: الدولج هو: السَّرب. فوعل، عن كراع، والدولج: المخْدَعَ، وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير. «تهذيب اللغة» ٢/ ٢١٥ مادة: =



قلت: أجل. قَالَ: ائت أبا بكر فأتاه وقال له مثل ما قَالَ عمر. وقال: ائت رسول الله، فأتاه .. الحديث.
وفيه: يا رسول الله، ألي خاصة؟ فضرب عمر صدره وقال: ولا نعمة عين ولكن للناس عامة. قَالَ: فضحك رسول الله - ﷺ - وقال: «صدق عمر» (١).
وفي «تفسير ابن مردويه» من حديث معاذ: فأمره أن يتوضأ ويصلي (٢) وفيه من حديث بريدة: أن المرأة ناشدته وقالت له: إنما أنا أمك (٣) قَالَ: وذلك أنه - ﷺ - كان يقول: «نساء المجاهدين عَلَى القاعدين في الحرمة كأمهاتهم» (٤).
وفي «تفسير الضحاك»: راود امرأة وقعد منها مقعد الرجل من امرأته ثم ندم، فأتى رسول الله - ﷺ -، فلما صلى ركعتين من العصر نزلت هذِه

-----------------
= دلج، «المحكم» ٧/ ٢٣٥ مادة: دلج. «لسان العرب» ٣/ ١٤٠٧ مادة: دلج.
(١) رواه أحمد ١/ ٢٤٥ (٢٦٩ - ٢٧٠)، والطبراني ١٢/ ٢١٥ (١٢٩٣١)، وفي «الأوسط» ٦/ ١٧ (٥٦٦٣)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٣٤٢ (١٣٥١)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣٨: وفي إسناد أحمد «الكبير»: علي بن زيد، وهو سيء الحفظ، وبقية رجاله ثقات، وفي إسناد «الأوسط» ضعيف. اهـ.
(٢) أصل هذا الحديث رواه الترمذي (٣١١٣) وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل. اهـ.
قلت: أما الزيادة التي أوردها المصنف هنا فرواها أحمد ٥/ ٢٤٤ بإسناد الترمذي المنقطع. ولم نقف على كتاب ابن مردويه؛ لأنه مفقود.
(٣) لم أقف على «تفسير ابن مردويه»، وهو في «الدر المنثور» ٣/ ٦٣٩ عن ابن مردويه بلفظ: وجعلت تناشده، فأصاب منها …
(٤) رواه مسلم (١٨٩٧) كتاب: الإمارة، باب: حرمة نساء المجاهدين، وإثم من فاتهم، وأبو داود (٢٤٩٦)، والنسائي ٦/ ٥٠، وأحمد ٥/ ٣٥٢ من حديث، ابن بريدة عن أبيه.



الآية، فلما فرغ من صلاته دعاه فقال: «أشهدت معنا هذِه الصلاة؟ ..» الحديث.
قَالَ ابن عباس: وهود كلها مكية إلا هذِه الآية. وروى حماد عن عمرو، عن يحيى بن جعدة أن رجلًا أتى امرأة فأعجبته، فبعثه النبي - ﷺ - ليلة في حاجة، فأصاب الناس مطر، وتلقته المرأة، (تضرب) (١) صدرها بيدها فاستلقت، فجعل يريدها فلم يقدر عليها فأتى رسول الله - ﷺ -، فقال له: «قم فاأركع أربع ركعات» (٢).
القول الثاني: أنه عمرو بن غزية بن عمرو الأنصاري، أبو حبَّة -بالباء الموحدة- التمار (٣).
رواه أبو صالح عن ابن عياش (٤).
القول الثالث: أنه ابن معتب رجل من الأنصار، ذكره ابن أبي خيثمة في «تاريخه» من حديث إبراهيم النخعي (٥).

-----------------
(١) في (ج): فضرب.
(٢) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٧/ ٤٤٧ (١٣٨٣١)، وفي «تفسيره» ١/ ٢٧٤ (١٢٦٠)، ومن طريقه ابن جرير في «تفسيره» ٧/ ١٣٣ (١٨٦٩٦) من طريق محمد بن مسلم. عن عمرو وهو ابن دينار.
(٣) قال المزي في ترجمة حفيده: ضمرة بن سعيد بن أبي حنة بالنون وقيل: بالباء بواحدة. واسمه: عمرو بن غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري المدني المازني. شهد العقبة وبدرًا.
وانظر عنه في: «الطبقات الكبرى» (القسم المتمم) ص ٢٩٤، «الاستيعاب» ٣/ ٢٧٥ (١٩٦٦)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٢١.
(٤) أخرجه الكلبي في «تفسيره» كما في «الإصابة» ٣/ ١٠ (٥٩٢٧)، وعنه ابن مندة كما في «الفتح» ٨/ ٣٥٦. وقد تقدمت ترجمة الكلبي في شرح الحديث رقم (٣) وهو ضعيف متهم بالكذب.
(٥) لم أعثر على هذا الأثر في مطبوع «تاريخ ابن أبي خيثمة»، فقد يكون فيما فيه طمس =



الرابع: أنه أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري، حكاه مقاتل (١).
الخامس: نبهان التَّمار، حكاه أيضًا (٢).
وقال الثعلبي: نبهان لم ينزل فيه إلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥].
وقال السهيلي: في حكايته: أبو (مقبل) (٣) نبهان التمار.
سادسها: عباد، حكاه القرطبي (٤).
ثالثها (٥):
الرجل الذي قَالَ: (ألي هذِه؟) هو أبو اليسر كما سلف.
وجاء في رواية: فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ ذكرها ابن

-------------
= منه. وقد روى هذا الأثر الطبري في «تفسيره» ٧/ ١٣٢ (١٨٦٨٨) من طريق الأعمش، عن النخعي، قال: فلان بن معتب رجل من الأنصار …
(١) كما في «زاد المسير» ٤/ ١٧٧، «تفسير ابن كثير» ٧/ ٤٨٢، وفيه: نفيل بدل مقبل، «فتح الباري» ٨/ ٣٥٧.
(٢) قال الحافظ في «الفتح» ٨/ ٣٥٦: وقصة نبهان التمار ذكرها عبد الغني بن سعيد الثقفي أحد الضعفاء في «تفسيره» عن ابن عباس. وأخرجه الثعلبي وغيره من طريق مقاتل بن الضحاك عن ابن عباس: أن نبهانًا التمار أتته امرأة حسناء …
ثم قال: وهذا إن ثبت حمل على واقعة أخرى لما بين السياقين من المغايرة. اهـ.
قلت: وذكر أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٧٠٩ (٢٩٣٨) أن كنيته أبو مقبل.
وكذا نقله الخزاعي التلمساني في «تخريج الدلالات السمعية» ص ٧١٣ عن ابن فتحون في «الصحابة».
(٣) في (س)، (ج): معقل. وهو تحريف، وما أثبتناه الموافق لما في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٥/ ١٧٠٩ (٢٩٣٨)، ومنه نقل ابن نقطة في «تكملته» ١/ ٤٧٦ (٨٢٢).
وانظر: «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦. و«الجامع لأحكام القرآن» ٤/ ٢٠٩. أما البغوي في «تفسيره» ٢/ ١٠٦ فكناه بأبي معبد!!.
(٤) «الجامع لأحكام القرآن» ٩/ ١١٠.
(٥) أي: ثالث الأوجه.



الجوزي وحكى في تعيينه ثلاثة أقوال، وعزاها إلى الخطيب: عمر بن الخطاب، أبو اليسر، معاذ بن جبل (١).
وقد روى هذا (الأخير) (٢) أبو علي الطوسي صاحب «الأحكام»، شيخ أبي حاتم الرازي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ، ولم يسمع منه (٣).
رابعها:
طرفا النهار: الغداة والعشي، والأشهر كما قَالَ ابن الخطيب أنها الصبح والعصر، ولا يكون الطرف الثاني صلاة المغرب لدخولها في الزلف.
ثم استنبط من ذلك الوتر بالفجر وتأخير العصر لما لا يسلم له، وقد قيل: إن الثاني المغرب أو العشاء.
وقال الزجاج في «معانيه»: صلاة طرفي النهار: الغداة والظهر والعصر بما لم يسلم له. وقال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف.
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، يعني: صلاة العتمة.
وقال الحسن: هما المغرب والعشاء (٤).

-------------
(١) «زاد المسير» ٤/ ١٦٧.
(٢) في (ج): الآخِر.
(٣) عن قضية إرسال ابن أبي ليلى عن معاذ قال الترمذي وابن خزيمة: لم يسمع من معاذ. اهـ. قال المنذري: وهو ظاهر جدًّا. اهـ. وقال الدارقطني عن صحة السماع: فيه نظر لأن معاذًا قديم الوفاة، انظر: «سنن الترمذي» ٥/ ٢٩١، «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٣٥. وانظر: «جامع التحصيل» ص ٢٢٦ (٤٥٢)، «تحفة التحصيل» ص ٢٠٥.
(٤) «تفسير الطبري» ٧/ ١٢٧ - ١٢٨، «تفسير ابن أبي حاتم» ٦/ ٢٠٩١ (١١٢٦٧).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #154  
قديم 28-01-2026, 04:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 121 الى صـــ 140
الحلقة (154)






وقال الأخفش: يعني: صلاة الليل.
خامسها:
سلف معنى الزلف، قَالَ الزجاج: معناه الصلاة القريبة من أول الليل، زلف: جمع زُلفة، يعني بالزلف من الليل: المغرب والعشاء (١).
وقراءة الجمهور ضم الزاي وفتح اللام، وقرأ أبو جعفر بضمهما (٢).
وقرأ ابن محيصن بضم الزاي وجزم اللام، وقرأ مجاهد: زُلفَى، مثل قربى (٣).
وفي «المحكم»: زلف الليل: ساعات من أوله، وقيل: هي ساعات الليل الأخيرة من النهار، وساعات النهار الأخيرة من الليل (٤).
وفي «جامع القزاز»: الزلفة تكون القربة من الخير والشر.
سادسها:
المراد بالحسنات: الصلوات الخمس إذا اجتنبت الكبائر.
وقال مجاهد: هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (٥).
سابعها:
اختلف أهل السنة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. فقال الجمهور: هو شرط بمعنى الوعيد كله. أي: إن

---------------
(١) انظر: «زاد المسير» ٤/ ١٦٨.
(٢) زاد ابن الجوزي في «زاد المسير» ٤/ ١٦٧ وشيبة.
(٣) «معاني القرآن» لأبي جعفر ٣/ ٣٨٧.
(٤) «المحكم» ٩/ ٤١.
(٥) انظر: «تفسير الطبري» ٧/ ١٣١، و«زاد المسير» ٤/ ١٦٨.



اجتنبت الكبائر كانت العبادات المذكورات (كفارة) (١) للذنوب، وإن لم تجتنب لم تكفر شيء من الصغائر.
وقالت فرقة: إن لم تجتنب لم تحطها العبادات وحطت الصغائر، وذلك كله بشرط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها.
وقال ابن عبد البر: قَالَ بعض المنتسبين إلى العلم من أهل عصرنا: إن الكبائر والصغائر تكفرها الصلاة والطهارة، واستدل بظاهر هذا الحديث، وبحديث الصنابحي: «خرجت الخطايا من فيه» (٢) وغيره، وهذا جهل وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز أن تحمل هذِه الآثار عَلَى عمومها وهو يسمع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، في آي كثير فلو كانت الصلاة والطهارة وأعمال البر مكفرة للكبائر لما احتاج إلى التوبة (٣).
ثامنها:
عدم وجوب الحد في القبلة وشبهها من اللمس ونحوه من الصغائر، وهي من اللمم المعفو عنه باجتناب الكبائر بنص القرآن، وقد يستدل به عَلَى أنه لا حد ولا أدب عَلَى الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر.

---------------
(١) في (ج): كفارات.
(٢) رواه النسائي ١/ ٧٤ - ٧٥، وفي «الكبرى» ١/ ٨٦ - ٨٧ (١٠٦)، وأحمد ٤/ ٣٤٩، وفي «الموطأ» ١/ ٣٣ - ٣٤ (٧٤)، وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين» ٢/ ٥٧ - ٥٨ (١٢٠)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ١٢٩ - ١٣٠، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه، وليس له علة، وقال الذهبي: على شرطهما ولا علة له، والصنابجي صحابي مشهور، وقال الألباني: في «التغريب» (١٨٥): صحيح لغيره.
(٣) «التمهيد» ٤/ ٤٤.



قَالَ شيخنا قطب الدين: وقوله: ﴿وَزُلَفًا مِّنَ اَلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]
مقتضاه الأمر بإقامة الصلاة في زلفٍ منها؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، والمغرب والعشاء وقتان، فيجب الحكم بوجوب الوتر. كذا قَالَ، وتبعه شيخنا علاء الدين في «شرحه»، وهي نزعة، ولا يُسَلَّم لهما.


٥ - باب فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا
٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ- قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَىُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قَالَ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. [٢٧٨٢، ٥٩٧٠، ٧٥٣٤ - مسلم: ٨٥ - فتح: ٢/ ٩]
ذكر فيه حديث أبي عمرو الشيباني: قال: حدثني صَاحِبُ هذِه الدَّارِ -وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ ابن مسعود- قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيُّ العَمَلِ (أَحَبُّ) (١) إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثم بِرُّ الوَالِدَيْنِ». قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قَالَ: حَدَّثَني بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَني.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأدب (٢) وأول الجهاد (٣) والتوحيد (٤).
وأخرجه مسلم في الإيمان (٥)، والترمذي هنا والبر والصلة،

---------------
(١) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: في الخامس في شرح شيخنا قطب الدين: أفضل.
(٢) سيأتي برقم (٥٩٧٠) باب: البر والصلة بسنده ومتنه.
(٣) سيأتي برقم (٢٧٨٢) باب: فضل الجهاد والسير.
(٤) سيأتي برقم (٧٥٣٤) باب: وسمَّى النبي - ﷺ - الصلاة عملًا.
(٥) رقم (٨٥) باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.



وصححه (١)، والنسائي هنا (٢).
وطرقه الدارقطني في «علله» (٣).
ولابن خزيمة وابن حبان والحاكم: أي العمل أفضل؟ قَالَ: «الصلاة في أول وقتها» (٤)، قَالَ الحاكم: عَلَى شرط الشيخين، وله شواهد، فذكرها.
وهو في الترمذي من حديث أم فروة (٥)، وضعفه (٦). وحديث «أول

------------------
(١) برقم (١٧٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الوقت الأول من الفضل، وبرقم (١٨٩٨) كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في بر الوالدين.
(٢) ١/ ٢٩٢.
(٣) ٥/ ١٧ (٦٨٤). قلت: الذي طرق الدارقطني في»العلل«عن عون بن عبد الله بن عتبة. والاختلاف عنه. وليس في»الصحيح«هنا من هذِه الطرق شيء، ولا عند من أشار المصنف بتخريجهم لهذا الحديث، إنما هو عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو سعد بن إياس الشيباني. كما في مصادر التخريج. أما ما طرق الدارقطني فأخرج أحد طرقها الطبراني ١٠/ ٢٣ - ٢٤ (٩٨١٩) من طريق أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، ضعفوه لكثرة تدليسه كما في»التقريب«(٧٥٣٧). وأخرج الهيثم بن كليب في»مسنده«٢/ ٣١٦ (٨٩٧) طريق إسماعيل بن عياش، عن عون. وعون هذا روايته عن ابن مسعود مرسلة كما في»سنن الترمذي«٢/ ٤٧، وانظر:»جامع التحصيل«ص ٢٤٩ (٥٩٨)،»تحفة التحصيل«ص ٢٥١.
قلت: فلم يذكر الدارقطني طريق البخاري.
(٤) رواه ابن خزيمة ١/ ١٦٩ (٣٢٧)، وابن حبان ٤/ ٣٤٠ - ٣٤١ (١٤٧٧)، والحاكم ١/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٥) برقم (١٧٠) ولفظه:»الصلاة لأول وقتها«.
(٦)»سنن الترمذي" ١/ ٣٢٣ وقوله فيه: حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله ابن العُمري، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث واضطربوا عنه: وهو صدوق، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه. اهـ.
قلت: أما جزم الترمذى بأن حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث العمري ففيه نظر. =



الوقت رضوان الله وآخره عفو الله» له طرق ضعيفة (١).
------------
= قال أحمد شاكر في «شرحه على الترمذي» ١/ ٣٢٤ بعد أن وهَّم الترمذي: والحديث رواه عن القاسم بن غنام (الراوي عن أم فروة) ثلاثة: عبد الله بن عمر العمري، وأخوه عبيد الله بن عمر العمري، والضحاك بن عثمان الأسدي الجزامي.
وضعفه لجهل الواسطة بين القاسم بن غنام وأم فروة، بعد أن ذكر اضطراب الرواة عنه لا عن عبد الله العمري. قال الألباني في «صحيح أبي داود» ٢/ ٤٠٣: وهذا اضطراب شديد مما يزيد في ضعف الإسناد … لكن الحديث صحيح، فإن له شواهد ذكر منها حديث الباب هنا. وبالله التوفيق.
(١) وطرقه خمسة، أربعة مرفوعة، وواحدة موقوفة:
الطريق الأولى: حديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله».
رواه الترمذي (١٧٢)، وقال: غريب. وابن عدي ٨/ ٤٧٣ ترجمة رقم (٢٠٥٧)، والدارقطني ١/ ٢٤٩، وأما الحاكم ١/ ١٨٩ فبلفظ: «خير الأعمال الصلاة في أول وقتها». وقال: يعقوب بن الوليد هذا شيخ من أهل المدينة، سكن بغداد، وليس من شرط هذا الكتاب إلا أنه شاهد. اهـ. وتعقبه الذهبي بأن يعقوب كذاب. اهـ. والبيهقي ١/ ٤٣٥ كلهم من طريق شيخ الترمذي أحمد بن منيع من يعقوب هذا.
قلت: ومدار الحديث على يعقوب بن الوليد هذا، وهو كذاب. وقد بيَّن ابن صاعد وابن أسباط (الراويان عن ابن منيع) فما حكاه ابن عدي ٨/ ٤٧٣ عنهم أن هذا الحديث بهذا الإسناد باطل. أهـ. قال البيهقي ١/ ٤٣٥: ويعقوب منكر الحديث. ضعفه يحيى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ، ونسبوه إلى الوضع -نعوذ بالله في الخذلان- وقد روي بأسانيد كلها ضعيفة. اهـ. قال الألباني في «ضعيف الترغيب» (٢١٧): موضوع.
الطريق الثانية: حديث جرير بن عبد الله، وهو كما ساقه المصنف ها هنا.
ورواه الدارقطني ١/ ٢٤٩، وعنه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (٣٣١)، وقال: وأما حديث جرير ففيه: الحسين بن حميد. قال مطين: كذاب.
الطريق الثالثة: حديث أبي محذورة مرفوعًا ولفظه: «أول الوقت رضوان الله، ووسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت عفو الله». =



ثانيها:
أبو عمرو هذا تابعي مخضرم ثقة، واسمه: سعد بن إياس، عاش مائة وعشرين سنة، وهو شيخ عاصم في القراءة. والشيباني -بالشين المعجمة- نسبة إلى شيبان بن ثعلبة بن عكابة (١)، ونسبته هذِه النسبة بخمسة أشياء ذكرتها في «مشتبه النسبة» فراجعها منه (٢)، منها: أبو عمرو السيباني -بسين مهملة مفتوحة ومكسورة- وهو والد يحيى بن أبي زرعة (٣).

----------------
= رواه الدارقطني ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠، والبيهقي ١٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦، وقال الأخير في أحد رجال الإسناد وهو إبراهيم بن زكريا هذا هو البجلي … حدث عن الثقات بالبواطيل. اهـ. وقال ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٢٨٧: وسئل أحمد عن هذا الحديث: «أول الوقت رضوان الله». قال من روى هذا؟! ليس هذا بثبت. اهـ. قال الألباني في «الترغيب» (٢١٨): موضوع.
الطريق الرابع: حديث أنس مرفوعًا: «أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله». رواه ابن عدي ٢/ ٢٧٠، وعنه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٣٩٠، وجزم بأنه لا يصح. وذكر البيهقي أنَّ للحديث طريقًا عن ابن عباس ولم أهتد إليه.
الطريق الخامسة: أثر محمد بن جعفر، عن أبيه موقوفًا بنفس سياق المصنف هنا.
رواه البيهقي ١/ ٤٣٦. وحكى رفعه. وانظر: «نصب الراية» ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣، «تلخيص الحبير» ١/ ١٨٠. ففيهما زيادة بيان.
(١) شهد القادسية، وهو ابن أربعين سنة، وقد أدرك زمان النبي - ﷺ - ولم يره، رمى له الجماعة، وهو مجمع على ثقته. انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ١٠٤، «التاريخ الكبير» ٤/ ٤٧ - ٤٨ (١٩٢٠)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٧٨ - ٧٩ (٣٤٠)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٢٥٨ - ٢٥٩ (٢٢٠٥).
(٢) ذكر منها ابن ناصر الدين في «توضيح المشتبه» ٥/ ٢٤٣ - ٢٤٥ أربعة وهي: السِّيناني، والسَّيناني، والشيباني، والسِّيباني.
(٣) يحيى هذا هو ابن أبي عمرو زرعة الشامي الحمصي، ابن عم عبد الرحمن الأوزاعي شهد غزاة القسطنطنية مع مسلمة بن عبد الملك.
وهو ثقة ثقة، من أحد الثقات المجمع على حديثهم، عُمِّر خمسًا وثمانين سنة. =



فائدة:
في الرواة أبو عمرو الشيباني اثنان: هذا والنحوي الكبير (١).
ثالثها:
عبد الله بن مسعود، هو أحد السابقين الأولين، حليف الزهريين، أسلم قبل عمر، وهو صاحب الستر والوساد والسواك، مات بعد الثلاثين (٢)، ودفن بالبقيع (٣).
وفي الرواة أيضًا عبد الله بن مسعود الغفاري: روى عن نافع، عن بردة في فضل رمضان، وقيل: أبو مسعود.
رابعها: في فوائده:
الأولى: الاكتفاء بالإشارة عن التصريح، عملًا بقوله: وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود.
الثانية: هذا السؤال عن طلب الأحب ليشتد المحافظة عليه، فإن العبد مأمور بتنزيل الأشياء منازلها، فيقدم الأفضل عَلَى الفاضل طلبًا للدرجة العليا.

----------------
= انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٥٨، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٤٨٠ (٦٨٩٣).
قلت: وقع في مطبوع «الطبقات»: الشيباني. بشين معجمة، وهو تصحيف بيِّن.
(١) واسم النحوي: إسحاق بن مرار بميم بعدها راء مخففة، صاحب العربية، كوفي نزل بغداد، كان الإمام أحمد يكتب أماليه، وكان خيِّرًا فاضلًا صدوقًا، عُمِّر ما يقارب مائة وعشرين سنة، مات سنة ٢١٠ هـ أو ٢١٠ هـ أو ٢١٦ هـ.
انظر: «تاريخ بغداد» ٦/ ٣٢٩، «تهذيب الكمال» ٣٤/ ١٣٤ (٧٥٣٧)، «الكاشف» ٢/ ٤٤٦ (٦٧٥٧)، «تقريب التهذيب» (٨٢٧٥).
(٢) ورد بهامش الأصل: سنة اثنتين، قاله في «الكاشف».
(٣) تقدمت له ترجمة في شرح الحديث رقم (٣٢) فراجعه منه.



الثالثة: المراد هنا بالعمل عمل البدن والجوارح، فإنه وقع الجواب بالصلاة عَلَى وقتها، والنية مطلوبة فيه باللازم.
الرابعة: فيه فضيلة أول الوقت؛ لأن صيغة أحب تقتضي المشاركة في الاستحباب، فيحترز به عن آخر الوقت، ورواية الصلاة في أول وقتها أصرح. ويستثنى من تفضيل الصلاة أول الوقت فروع بسطناها في كتب الفروع ومنها «شرح المنهاج».
وخالف أصحاب الرأي فقالوا: إن التأخير إلى آخر الوقت أفضل إلا للحاجِّ فإنه يغلس بالفجر يوم النحر بمزدلفة.
الخامسة: سلف في باب (من قَالَ: إن الإيمان هو العمل) الجمع بين هذا الحديث وما قد يعارضه، فراجعه من ثم.
السادسة: تعظيم بر الوالدين حيث قدمه عَلَى الجهاد، فأذاهما محرم. والبر خلاف العقوق، فبرهما: الإحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما. ومنه الإحسان إلى صديقهما، وقد أفرد بالتأليف. وما أحسن قول سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، أن من صلى الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقيبها فقد شكرهما (١).
السابعة: قوم: (ثم أي؟): هو غير منون؛ لأنه موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة ثم يأتي بما بعده، كذا نبه عليه الفاكهي في «شرح العمدة».

----------------
(١) ذكره القرطبي في «تفسيره» ١٤/ ٦٥.


وأما ابن الجوزي فقال في «مشكله» في حديث ابن مسعود: أيُّ الذنب أعظم؟ أي: مشدد منون، كذلك سمعته من أبي محمد بن الخشاب، وقال: لا يجوز إلا تنوينه؛ لأنه معرب غير مضاف. قَالَ: ومعنى غير مضاف أن يقال: أي الرجلين.
الثامنة: قولى: (حَدَّثَني بِهِنَّ): كأنه تقرير وتأكيد لما تقدم إذ لا ريب في أن اللفظ صريح ذَلِكَ وهو أرفع درجات العمل.
التاسعة: قوله: (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي) يحتمل أن يريد من هذا النوع المذكور -أعني مراتب الأعمال- وتفضيل بعضها عَلَى بعض. ويحتمل أن يريد لزادني عما أسأله من حيث الإطلاق؛ تنبيه عَلَى سعة علمه وكيف لا، وترك ذَلِكَ خشية التطويل.
العاشرة: السؤال عن العلم ومراتبه في الأفضلية.
الحادية عشرة: جواز تكرير السؤال والاستفتاء عن مسائل شتى في وقت واحد.
الثانية عشرة: رفق العالم وصبره عَلَى السائل.
الثالثة عشرة: أن الصلاة أفضل العمل، فالصلاة لوقتها أحب الأعمال إلى الله، فتركها أبغضها إليه بعد الشرك.
وفيه: فضل الجهاد، وتقديم الأهم فالأهم من الأعمال، وتنبيه الطالب عَلَى تحقيق العلم وكيفية أخذه، والتنبيه عَلَى مرتبته عند الشيوخ وأهل الفضل؛ ليؤخذ علمه بقبول وانشراح وضبط.
خاتمة:
هذِه الثلاث المذكورات أفضل الأعمال بعد الإيمان؛ لأن من ضيع الصلاة حتى خرج وقتها مع خفة مؤنتها وعظم فضلها فهو لا شك لغيرها


من أمر الدين أشد تضييعًا وأشد تهاونًا واستخفافًا، وكذا من ترك بر والديه فهو لغير ذَلِكَ من حقوق الله تعالى أشد تضييعًا، وكذا الجهاد.
فهذِه الثلاثة دالة عَلَى أن من حافظ عليها حافظ عَلَى ما سواها، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع، ولذلك خصت بأنها أفضل الأعمال.


٦ - باب الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ (١)
٥٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِى مِنْ دَرَنِهِ؟». قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا. قَالَ «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهَا الْخَطَايَا». [مسلم ٦٦٧ - فتح ٢/ ١١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: أنه سَمِعَ النبي - ﷺ - يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟». قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا. قَالَ: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بهن الخَطَايَا».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وصححه الترمذي (٣). قال: وفي الباب عن جابر (٤).

------------------
(١) ذكر في هامش الأصل: في نسخة: كفارات للخطايا إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها.
(٢) برقم (٦٦٧) كتاب: المساجد، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات.
(٣) برقم (٢٨٦٨).
(٤) رواه مسلم (٦٦٨) السابق، ولفظه: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار تمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات».



ثانيها:
الدرن -بفتح الدال والراء-: كناية عن الآثام (١)، وشبه ذَلِكَ بصغار الذنوب؛ لأن الدرن صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه كالجراحات وشبهها.
ثالثها:
هذا الحديث رواه سعد بن أبي وقاص، خرجه مالك بلاغًا موقوفًا عليه (٢)، وهو ثابت مسند بذكر الأخوين الذين مات أحدهما بعد الآخر (٣)، وذكر فضيلة الأول إلى أن ضرب المثل بالنهر، وزاد فيه: «العذب الغمر»، يريد الحلو الطيب الكثير. ووجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة والأدران المشاهدة في بدنه وثيابه؛ فيطهره الماء الكثير العذب إذا والى استعماله، وواظب عَلَى الاغتسال منه، فكذلك تطهر الصلاة العبد عن أقذار الذنوب حَتَّى لا تبقى له ذنبًا إلا أسقطته وكفرته، ويكون ذَلِكَ بالوضوء كالصلاة، وإنما يكفر الوضوء الذنوب؛ لأنه يراد به الصلاة، كما طلب بالمراد،

----------------
(١) «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ١١٥، «لسان العرب» ٣/ ١٣٦٨ - ١٣٦٩، أما الدرن بمعنى الإثم فورد فبه حديث أنس مرفوعًا: «ودرنه إثمه» رواه أبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٤٤ وقال: حديث غريب … تفرد به داود عن مطر.
(٢) «موطأ مالك» ص ١٢٥. برواية يحيى، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: بإسقاط عن أبيه. وهو خطأ، ويؤيد ما ذكرتُ رواية القعنبي (٣٣٢) فجاء فيها: عن أبيه. وكذا هو في «التمهيد» ٢٤/ ٢١٩.
قلت: أما قول المصنف: موقوفًا، ففيه نظر إنما هو مرفوع.
(٣) وفيه أن أحدهما فاستشهد. ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي.
رواه من حديث طلحة بن عبيد الله ابن ماجه (٣٩٢٥)، وأحمد ١/ ١٦٤، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣١٧١). وانظر: «التمهيد» ٢٤/ ٢١٩ وما بعدها.



وهو الصلاة، وذلك أقوى في التكفير، وأولى بالإسقاط، وكما يطهر الماء الوسخ، فكذلك يذهب الهموم والغموم الداخلة عَلَى العبد أيضًا، فإن الهموم أصلها الذنوب.

٧ - باب تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا
٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -. قِيلَ: الصَّلَاةُ. قَالَ: أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا؟ [فتح ٢/ ١٣]

٥٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ أَخِي عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ. وَقَالَ بَكْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ نَحْوَهُ. [فتح ٢/ ١٣]
ذكر فيه عن أنس قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ على عَهْدِ النَّبيِّ - ﷺ -. قِيلَ: الصَّلَاةُ. قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صنعتم مَا صنعتم فِيهَا؟
وعن الزُّهْرِيِّ قال: دَخَلْتُ على أَنَسٍ بِدِمَشْقَ، وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هذِه الصَّلَاةَ، وهذِه الصَّلَاةُ قَدْ ضُيعِّتْ. وَقَالَ بَكْر بن خلف: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ .. إلى آخره.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث من أفراد البخاري، وهذا التعليق وصله الإسماعيلي، فقَالَ: أخبرنا محمود بن محمد الواسطي، ثنا أبو بشر بكر بن خلف، وأبو نعيم، عن أبي بكر بن خلاد، ثنا أحمد بن علي الجزار، ثنا بكر بن خلف ختن المقرئ فذكره.
ثانيها:
قوله: (أَلَيْسَ قد صنعتم). قَالَ صاحب «المطالع»: رواية العذري


بالصاد المهملة، ورواية النسفي بالمعجمة ثم مثناة تحت. قَالَ: والأول أشبه، يريد ما أحدثوا من تأخيرها. إلا أنه جاء في نفس الحديث ما يبين أنه بالضاد المعجمة، وهو قوله: ضيعت. قَالَ المهلب: هو تأخيرها عن الوقت المستحب لا أنهم أخرجوها عن وقتها كله، قَالَ تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، قيل: ما ضيعوها بأن تركوها، فإنهم لو تركوها كانوا كفارًا.
وقال ابن الجوزي: الظاهر من أنس أنه كان يشير إلى ما كان يصنع الحجاج، فإنه كان يؤخر صلاة الجمعة جدًّا متشاغلًا بمدح مستنيبه وما يتعلق به.
وقد جاء في «صحيح البخاري» أيضًا من أنس أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا مذ يوم عهدت رسول الله - ﷺ - قَالَ: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف.
ذكره في باب: إثم من لم يتم الصفوف كما سيأتي (١). وكأن أنسًا أنكر عَلَى كل أهل بلد بما رآه، فأهل الشام بالتأخير، وأهل الحجاز بعدم إقامة الصفوف.
ثالثها:
دِمشق -بكسر الدال وفتح الميم وكسرها أيضًا (٢) -: مدينة معروفة، ذكر ابن عساكر تاريخها فأطنب (٣).

-------------------
(١) برقم (٧٢٤) كتاب: الأذان، باب: إثم من لم يتم الصفوف.
(٢) «معجم ما استعجم» ٢/ ٥٥٦، «معجم البلدان» ٢/ ٤٦٣.
(٣) وتاريخها مطبوع، وللشيخ عبد القادر بدران (ت ١٣٤٦ هـ) تهذيب قشيب لهذا التاريخ، مطبوع.



٨ - باب المُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ -عز وجل-
٥٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى». وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَقَالَ شُعْبَةُ: لَا يَبْزُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. وَقَالَ حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يَبْزُقْ فِي الْقِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ». [انظر: ٢٤١ - مسلم: ٥٥١ - فتح: ٢/ ١٤].

٥٣٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالْكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِى رَبَّهُ». [انظر: ٢٤١، ٨٢٢ - مسلم: ٤٩٣، ٥٥١ - فتح: ٢/ ١٥]
ذكر فيه حديث أنس في المصلي يناجي ربه وفي البزاق تحت القدم اليسرى.
وقد سلف مرات في باب: حك البزاق باليد من المسجد وغيره (١).
ثم قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ولَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ .. الحديث.
وهذا في بعض النسخ كما قاله بعض من ألف في الأطراف.
ثم قَالَ: وَقَالَ شُعْبَة: لَا يَبْزُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ .. الحديث. وهذا قد وصله مرة أخرى.

----------------
(١) سلف برقم (٢٤١) كتاب: الوضوء، باب: البزاق والمخاط ونحوه في الثوب، وبرقم (٤٠٥) كتاب: الصلاة، باب، حك البزاق باليد من المسجد، وبرقم (٤١٢) كتاب: الصلاة، باب: لا يبصق عن يمينه في الصلاة، وبرقم (٤١٣) كتاب: الصلاة، باب: ليبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، وبرقم (٤١٧) كتاب: الصلاة، باب: إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه.


ثم قَالَ: وَقَالَ حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ رسول الله. وهذا سلف متصلًا فيما أشرنا إليه (١).
والمناجي: المخاطب. والمناجاة: المحادثة، أصله من النجوة: وهو ما ارتفع من الأرض. وكأن المناجي يرتفع هو والمناجَى متفردين عن غيرهما.
ولا شك أن وقوف العبد في العبادة عَلَى نحو وقوف الخادم بين يدي مالكه؛ فينبغي له مراعاة الأدب.
ثم الحديث في دال عَلَى تفضيل الصلاة عَلَى سائر الأعمال؛ لأن المناجاة لا تحصل إلا فيها خاصة، فينبغي استحضار النية، ولزوم الخشوع، وترك العارض.
وما أحسن قول بعض الصالحين: إذا قمت إلى الصلاة فاعلم أن الله مقبل عليك، فأقبل عَلَى من هو مقبل عليك، وقريب منك، وناظر إليك.
فإذا ركعت فلا تأمل أن ترفع، وإذا رفعت فلا تأمل أنك تضع، ومثل الجنة عن يمينك، والنار عن شمالك، والصراط تحت قدميك؛ فحينئذٍ تكون مصليًا.
وقوله: («وَلَا يَتْفِلَنَّ») قَالَ ابن التين: رويناه بضم الفاء وكسرها.
قَالَ: والتَّفلُ أقل من البَزْقِ.
وقال ابن الجوزي: المراد بقوله: لا يتفلن: لا يبصقن.
وقال ابن الأثير: التفل نفخ معه أدنى بزاق (٢).
وقال الجوهري: التفل شبه بالبزق، وهو أقل منه أوله البزاق ثم

---------------
(١) سلف برقم (٤١٣) كتاب: الصلاة، باب: ليبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى.
(٢) «النهاية» ١/ ١٩٢.



التفل، ثم النفث، ثم النفخ (١).
وقال صاحب «المطالع»: ثم يتفل -بكسر الفاء- والتفل بسكونها وفتح الفاء: هو البصاق القليل. والتَفَل بفتح التاء والفاء: البزاق نفسه، وكذلك الرائحة الكريهة، ومنه قوله: «وليخرجن تفلات» أي: غير متطيبات.
وقوله - ﷺ -: («اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ ..») إلى آخره. يأتي الكلام في باب: لا يفترش ذراعيه في السجود (٢).

----------------
(١) «الصحاح» ٤/ ١٦٤٤.
(٢) سيأتى برقم (٨٢٢) كتاب: الأذان.



٩ - باب الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فيِ شِدَّةِ الحَرِّ (١)
٥٣٣، ٥٣٤ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَافِعٌ -مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». [٥٣٦ - مسلم: ٦١٥، ٦١٧ - فتح: ٢/ ١٥]

٥٣٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ - ﷺ - الظُّهْرَ، فَقَالَ: «أَبْرِدْ أَبْرِدْ» أَوْ قَالَ: «انْتَظِرِ انْتَظِرْ». وَقَالَ: «شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ». حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ. [٥٣٩، ٦٢٩، ٣٢٥٨ - مسلم: ٦١٦ - فتح: ٢/ ١٨]

٥٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». [انظر: ٥٣٣ - مسلم: ٦١٥، ٦١٧ - فتح: ٢/ ١٨]

٥٣٧ - «وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ». [٣٢٦٠ - مسلم: ٦١٧ - فتح: ٢/ ١٨]

٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».
تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. [٣٢٥٩ - فتح: ٢/ ١٨]

---------------
(١) في هامش (س) ثم بلغ في السابع بعد الستين له بمؤلفه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #155  
قديم 28-01-2026, 04:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 141 الى صـــ 160
الحلقة (155)






ذكر فيه حديث صالح بن كيسان، ثنا الأعرج وغيره عن أبي هريرة: وَنَافِعٌ -مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ- قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».
وفي حديث أبي هريرة: «وَاشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّهَا …» الحديث.
وحديث أبي ذر: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رسول الله - ﷺ -، فَقَالَ: «أَبْرِدْ أَبْرِدْ» أَوْ قَالَ: «انْتَظِرِ انْتَظِرْ». وَقَالَ: «شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ». حَتَى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ.
وحديث أبي سعيد: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ …» الحديث. تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ، والأَعْمَشِ.
الكلام على ذَلِكَ من وجوه:
أحدها:
حديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (١). والقائل: ونافع. هو صالح، كما بينه أصحاب الأطراف (٢).
وحديث ابن عمر من أفراده. وأخرجه ابن ماجه أيضًا، ولفظه: «أبردوا بالظهر» (٣).

---------------
(١) برقم (٦١٥) كتاب: المساجد، باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر. قال ابن رجب في «الفتح» له ٣/ ٦١ وهذا من جملة نسخة يرويها أيوب عن أبي بكر، عن سليمان، والبخاري يخرج منهاكثيرًا، وقد توقف فيها أبو حاتم الرازي؛ لأنها مناولة … ولكن المناولة جائزة عند الأكثرين.
(٢) انظر: «تحفة الأشراف» ١٠/ ١٦١ (١٣٦٤٩)، عن أبي هريرة، و٦/ ١٠١ (٧٦٨٦) عن ابن عمر.
(٣) برقم (٦٨١).



وحديث أبي ذر أخرجه مسلم أيضًا وأبو داود والترمذي (١).
وحديث أبي سعيد من أفراده.
ومتابعة سفيان خرجها البخاري في صفة (النار) (٢) عن الفريابي، عن سفيان بن سعيد (٣). ومتابعة يحيى بن سعيد خرجها الإسماعيلي عن ابن خلاد، ثنا بندار، عنه. ورواه الخلال عن الميموني، عن أحمد، عن يحيى، ولفظه: «فوح جهنم». قَالَ أحمد: ما أعرف أحدًا قاله بالواو غير الأعمش (٤).
ومتابعة أبي عوانة (…) (٥).
وتابعه أيضًا أبو خالد أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم.
وأبو معاوية محمد بن خازم وأخرجه ابن ماجه: عن كريب عنه (٦).
ولما أخرجه الترمذي من طريق أبي هريرة (٧) قَالَ: وفي الباب عن

------------------
(١) رواه مسلم (٦١٦) كتاب: المساجد، باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر، وأبو داود (٤٠١)، والترمذي (١٥٨).
(٢) في الأصل: «الصلاة» وهو خطأ، والمثبت كما في تخريج الحديث عند البخاري برقم (٣٢٥٩) وما قاله المزي في «تحفة الأشراف» ٣/ ١٤٥، وابن رجب في «الفتح» له ٣/ ٦٤، والحافظ في «الفتح» ٢/ ١٩.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٥٩) كتاب: بدء الخلق.
(٤) في «مسنده» ٣/ ٥٢، وقال: هكذا قال الأعمش: من فوح جهنم.
(٥) بياض في الأصول مقدار كلمتين، وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٩: قوله (وأبو عوانة) لم أقف على من وصله عنه. اهـ.
قلت: فلعل المصنف بيض له في أصله، وتبعه سبط ابن العجمي ناسخ (س) والله أعلم.
(٦) ابن ماجه رقم (٦٧٩).
(٧) برقم (١٥٧).



أبي سعيد، وأبي ذر، وابن عمر، والمغيرة (١)، والقاسم بن صفوان عن أبيه، وأبي موسى، وابن عباس، وأنس، وروي عن عمر (٢) ولا يصح (٣).
قلت: وابن مسعود، وعائشة، وعمرو بن عبسة، وعبد الرحمن بن علقمة الثقفي، ورجل من الصحابة. ذكره الميموني عن أحمد، وقال: أحسبه غلطًا من غندر. وصرح الدارقطني بغلطه وقال: الرجل نراه ابن مسعود، وصفوان بن عسال. ذكره صاحب «مسند الفردوس».
الوجه الثاني:
«اشتد»: افتعل من الشدة والقوة، أي: إذا قوي الحر. وأصل اشتد: اشتدد، فسكنت الدال الأولى، وأدغمت في الثانية.
و«أَبْرِدُوا» أي: افعلوها في وقت البرد، وهو الزمان الذي يتبين فيه شدة انكسار الحر؛ لأن شدة الحر تذهب الخشوع. قَالَ ابن التين: «أَبْرِدُوا» أي: ادخلوا في وقت الإبراد، مثل: أظلم دخل في الظلام، وأمسى دخل في المساء، وهذا بخلاف «الحمى من فيح جهنم،

---------------
(١) جاء في هامش (س): من خط المصنف في الهامش: لفظ المغيرة كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا:»أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم«. قال البخاري: هو محفوظ، وخرجه أحمد، ثم قال خباب: يقول: لم يشكنا والمغيرة كما ترى يروي القصتين، وقال ابن حبان: تفرد به إسحاق الأزرق.
قلت: رواه ابن ماجه (٦٨٠)، وأحمد ٤/ ٢٥٠، وابن حبان ٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣ (١٥٠٥)، والطبراني ٢٠/ ٤٠٠ (٩٤٩)، والبيهقي ١/ ٤٣٩ (٢٠٦٨)، وقال البوصيري في»مصباح الزجاجة«: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات، وصححه الألباني كما في»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٥٤).
(٢) رواه البزار في»كشف الأستار«(٣٦٩)، وأبي يعلى كما في»المطالب العالية«(٢٢٥)، وقال الهيثمي في»مجمع الزوائد«٢/ ٤٦: وفيه محمد بن الحسن بن زبالة نسب إلى وضع الحديث.
(٣)»سنن الترمذي" ١/ ٢٩٦.



فأبردوها عنكم» (١)، تقرأ بوصل الألف؛ لأنه ثلاثي من برد.
وقوله: («عَنِ الصَّلَاةِ») قيل: (عن) بمعنى (في) هنا، وقد جاءت في بعض طرقه: «أبردوا بالصلاة» (٢). و(عن) تأتي بمعنى الباء، يقال: رميت عن القوس، أي: به كما تأتي الباء بمعنى: (عن) في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه، ومنع بعض أئمة اللغة: رميت بالقوس، ونقل جماعة جوازه. وقيل: زائدة، أي: أبردوا الصلاة. يقال: أبرد الرجل كذا إذا فعله في وقت النهار، وهو اختيار ابن العربي في «قبسه».
ثالثها:
«فَيْح» بفتح الفاء وإسكان الياء، ثم حاء مهملة، وروي بالواو كما سلف، ومعناه أن شدة الحر -غليانه- تشبه نار جهنم فاحذروه واجتنبوا ضرره.
قَالَ ابن سيده: فاح الحر يفيح فيحًا: سطع وهاج (٣)، وكذا فوحه.
وقال الجوهري: يقال: فاح الطيب إذا تضوع ولا يقال: فاحت ريح خبيثة (٤)، كذا قَالَ. وليتأمل هذا الحديث مع كلامه.
رابعها:
الحر والحرور: الوهج ليلًا كان أو نهارًا، بخلاف السموم فإنه

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٢٦٢) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة بلفظ: «من فور جهنم» بدل: «فيح»، وبرقم (٥٧٢٦) كتاب: الطب، باب: الحمى من فيح جهنم، وفيه: «من فوح جهنم» بالواو.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٥٩) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة.
(٣) «المحكم» ٣/ ٣٤٦.
(٤) «الصحاح» ١/ ٣٩٣.



لا يكون إلا نهارًا، ويحتمل كما قَالَ القاضي: أن يكون الحرور أشد من الحر، كما أن الزمهرير أشد من البرد (١).
خامسها:
«جَهَنَّم» مؤنثة أعجمي. وقيل: عربي مأخوذ من قول العرب بئر جِهِنَّام، إذا كانت بعيدة القعر، وهذا الاسم أصله الطبقة العليا ويستعمل في غيرها (٢).
سادسها:
الذي يقتضيه مذهب أهل السنة، وظاهر الحديث: أن شدة الحر من فيح جهنم حقيقة لا استعارة وتشبيها وتقريبًا، فإنها مخلوقة موجودة، وقد اشتكت النار إلى ربها، كما سلف وسيأتي الكلام عليه (٣).
سابعها:
الإبراد، إنما يشرع في الظهر بشروط محلها كتب الفروع، وقد بسطناها فيها وفيها الحمد (٤).

-----------------
(١) «مشارق الأنوار» ١/ ١٨٧.
(٢) «تهذيب اللغة» ١/ ٦٨١، «لسان العرب» ٢/ ٧١٥، مادة: جهنم، وفيه: وقيل: هو تعريب كهنَّام بالعبرانية.
(٣) سلف برقم (٥٣٧) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر، وسيأتي برقم (٣٢٦٠) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة.
(٤) يرى فقهاء الحنفية أن الإبراد بصلاة الظهر مشروط بثلاثة شروط:
١ - أن تكون الصلاة في مساجد الجماعات.
٢ - أن يكون ذلك في شدة الحر.
٣ - أن يكون ذلك في بلاد حارة.
واشترط الشافعية نفس الشروط السابقة، وزادوا عليها شرطًا رابعًا وهو: أن ينتاب الناس الصلاة من البعد. =



وظاهر الحديث منها اشتراط شدة الحر فقط، وانفرد أشهب فقال: يبرد بالعصر أيضًا (١).
وقال أحمد: تؤخر العشاء في الصيف دون الشتاء (٢). وعكس ابن حبيب لقصر الليل في الصيف وطوله في الشتاء (٣)، وظاهر الحديث عدم الإبراد في الشتاء والأيام غير الشديدة البرد مطلقًا، وخالف في ذَلِكَ مالك كما ستعلمه (٤).

---------------
= أما الحنابلة فاقتصروا على الشرطين الأول والثالث.
انظر: «حاشية رد المحتار» ١/ ٣٦٩، «طرح التثريب» ١/ ١٥١، «البيان» ٢/ ٣٨، «شرح الزركشي» ١/ ٢٦١، «الإنصاف» للمرداوي ٣/ ١٣٥.
(١) «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٥، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٥: وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد، وبه قال أبو هريرة، وابن مسعود في رواية، وابن عمر، وعلي، وروي عن الثوري والنخعي وطاوس وغيرهم خلق.
انظر: «الأصل» ١/ ١٥٤، «الموطأ برواية الشيباني» ص ٣٣، «بدائع الصنائع» ١/ ١٢٥، «التمام» ١/ ١٣٩، «شرح العمدة» ٢/ ٢٠٦، «الأوسط» ٢/ ٣٦٤، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٨٩، «فتح الباري» لابن رجب ٤/ ٢٩٢.
(٢) قد وجدت هذا التقييد لتأخير العشاء في الصيف دون الشتاء في رواية الكوسج حيث أن رواية الكوسج (١٢٥) نصت على الإبراد في صلاة الظهر في الحر والعشاء في الآخرة وقيد الإبراد في الصيف، ونص رواية الكوسج هكذا: قال الإمام: الإبراد في الصيف يستحب تأخير صلاتين: الظهر في الحر والعشاء الآخرة، وهذِه الرواية يفهم منها تقييد الإمام تأخير العشاء في الصيف.
لكن بتتبعي لرواية صالح ابنه (١٠٣٩) وجدته أطلق ذلك فقال: «صلاة العشاء الآخرة تؤخر». اهـ. وكذا في رواية الأثرم كما في «التمهيد» ٥/ ٧ - ٨، بل قد نص الأمام أحمد على التأخير في الفصلين كما في مسائله برواية أبي داود (١٨٢)، فقال: يعجبني تعجيل الصبح وتأخير الظهر في الصيف، وتأخير العشاء في الصيف والشتاء. اهـ.
ومن ثم كان ينبغي على المصنف أن يذكر روايات الإطلاق لاسيما رواية الإطلاق في الفصلين، ومن ثم فتقييد المصنف تأخير العشاء في الصيف فحسب فيه نظر!
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٢٨.
(٤) انظر: «المدونة» ١/ ٦٠.



ثامنها:
اختلف في مقدار وقته فقيل: أن تؤخر الصلاة عن أول الوقت مقدار ما يظهر للحيطان ظل، ولا يحتاج إلى المشي في الشمس، وظاهر النص أن المعتبر أن ينصرف منها قبل آخر الوقت، ويؤيده حديث أبي ذر: (حَتَّى رأينا فيء التلول). وقال مالك: إنه تأخير الظهر إلى أن يصير الفيء ذراعًا. وسوى في ذَلِكَ بين الصيف والشتاء (١) وقال أشهب في «مدونته» لا يؤخر الظهر إلى آخر وقتها.
وقال ابن بزيزة: ذكر أهل النقل عن مالك أنه يكره أن يصلي الظهر في أول الوقت، وكان يقول: هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء. وأجاز ابن عبد الحكم التأخير إلى آخر الوقت. وحكى أبو الفرج عن مالك: أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا الظهر في شدة الحر.
وعن أبي حنيفة (٢) والكوفيين وأحمد وإسحاق: يؤخرها حَتَّى يبرد بها.
وحكى الزناتي (٣) المالكي أنه هل ينتهي إلى نصف القامة، أو إلى ثلثها، أو إلى ثلاثة أرباعها، أو إلى مقدار أربع ركعات، فيه أربعة أقوال.
ونزلها المازري عَلَى أحوال (٤).
وقال ابن العربي في «قبسه»: ليس للإبراد تحديد في الشريعة (٥)،

-------------
(١) «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٥.
(٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٣، «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤٨، ١٨٤.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: بفنح الزاي ونون ثم ألف ثم تاء بعدها ياء النسبة إلى زناته قبيلة من الفرس.
(٤) «إكمال المعلم» ١/ ١٩٦.
(٥) «القبس» ١/ ١٠٧.



إلا ما ورد في حديث ابن مسعود أي: في النسائي بإسناد صحيح.
ولا مبالاة بتضعيف عبد الحق له (١): كان يصلي الظهر في الصيف في ثلاثة (٢) أقدام إلى (خمسة أقدام) (٣)، وفي الشتاء في خمسة أقدام إلى (سبعة) (٤) أقدام (٥). وذلك بعد طرح ظل الزوال.
أما أنه وردت فيه إشارة واحدة، وهي: كنا نصلي الجمعة، وليس للحيطان ظلٌ. فلعل الإبراد كان ريثما يكون للجدار ظل يأوي إليه المجتاز (٦).
تاسعها:
اختلف الفقهاء في الإبراد بالصلاة (٧): فمنهم من لم يره، وتأول

----------------
(١) «الأحكام الوسطى» ١/ ٢٥٤ حيث قال: في إسناده عبيدة بن حميد يعرف بالحذاء ولا يحتج به.
(٢) في (س)، (ج) الثلاثة، وأثبت كما في المصادر التي بين أيدينا.
(٣) في (س)، (ج) الأربعة الأقدام، وهو تحريف. والمثبت كما في مصادر التخريج.
(٤) في (س)، (ج): وهو تحريف والمثبت كما في المصادر ستة.
(٥) رواه أبو داود (٤٠٠)، النسائي ١/ ٢٥٠ - ٢٥١، والبيهقي ١/ ٣٦٥، وأما تضعيف عبد الحق لهذا الحديث إنما بسبب عبيدة بن حميد، والرجل مختلف فيه، كذا قال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٤/ ٢١٦ - ٢١٧ (١٧٠٩)، والحديث صححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
فائدة: عبيدة بن حميد، وثقه أحمد. «تهذيب الكمال».
(٦) انظر: «القبس» ١/ ١٠٧.
(٧) على أربعة أقوال:
القول الأول: المستحب لصلاة الظهر الإبراد بها في أيام الصيف والتعجيل بها بعد الزوال في أيام الشتاء. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن ابن راهوية.
القول الثاني: المستحب تأخير الظهر مطلقًا صيفًا وشتاء للفرد والجماعة حتى يكون الفيء ذراعًا.
وهو قول مالك فما رواه ابن القاسم عنه، ومعظم فقهاء المالكية، وقيد بعضهم =



الحديث عَلَى إيقاعها في برد الوقت، وهو أوله، والجمهور من الصحابة والعلماء عَلَى القول به.
ثم اختلفوا فقيل: إنه عزيمة، واختلف عليه. فقيل: سنة، وهو الأصح. وقيل: واجب تعويلًا عَلَى صيغة الأمر، حكاه القاضي (١).
وقيل: رخصة، ونص عليه في البويطي (٢)، وصححه الشيخ أبو علي من الشافعية.
وأغرب النووي فوصفه في «الروضة» بالشذوذ، لكنه لم يحكه قولًا (٣).
وبنوا عَلَى ذَلِكَ أن من صلى في بيته أو مشى في كن إلى المسجد هل يسن له الإبراد؟
إن قلنا: رخصة لم يسن له؛ إذ لا مشقة عليه في التعجيل.

-------------
= أفضلية بكون التأخير في مساجد الجماعات دون الفرد حيث قالوا بأفضلية التقديم للفذ.
القول الثالث: أن الأفضل في صلاة الظهر أن تعجل في أول الوقت إلا في حالات معينة فتؤخر، وبهذا قال صاحب «السراج» من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وبعض المالكية.
القول الرابع: الأفضل في صلاة الظهر وغيرها التعجيل بها أول الوقت مطلقًا. وهو قول الليث بن سعد.
انظر: «المبسوط» ١/ ١٣٦، «بدائع الصنائع» ١/ ١٢٥، «المنتقى» ١/ ١٣١، «حاشية الدسوقي» ١/ ١٨٠، «التمهيد» ٥/ ٣، «الشرح الكبير» ١/ ٣٧٩، «المجموع» ٣/ ٦٣، «المغني» ٢/ ٣٥، «الفروع» ١/ ٢٩٩.
(١) «إكمال المعلم» ٢/ ٥٨١.
(٢) ونقله العمراني -من الشافعية- في «البيان» ٢/ ٤٠ ونصه: أمر رسول الله - ﷺ - بتأخيرها في الحر توسعة، ورفقًا بالذين يتناوبونه. اهـ
(٣) بل حكاه وجهًا شاذًّ وصوَّب سنية الإبراد، «روضة الطالبين» ١/ ١٨٤.



وإن قلنا: سنة أبرد -وهو الأقرب- لورود الأمر به مع ما اقترن به من العلة من أن شدة الحر من فيح جهنم، وذلك مناسب للتأخير، والأحاديث الدالة عَلَى التعجيل، وفضيلته عامة أو مطلقة وهذا خاص، فلا منافاة مع صيغة الأمر ومناسبة العلة، يقول من قَالَ: التعجيل أفضل؛ لأنه أكثر مشقة، فإن مراتب الثواب، إنما يرجع فيها إلى النصوص.
وقد ترجح بعض العبادات الحقيقة عَلَى ما هو أشق منها بحسب المصالح المتعلقة بها.
عاشرها:
اختلف في الإبراد بالجمعة (١) على وجهين لأصحابنا:
أصحهما عند جمهورهم: لا يشرع، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، فإن التبكير سنة فيها.
وقال بعضهم: يشرع؛ لأن لفظ الصلاة في الحديث يطلق عَلَى الظهر والجمعة، والتعليل مستمر فيها، وصححه العجلي.

--------------------
(١) اختلف الفقهاء في أفضل وقت الجمعة: هل تُصلى في أول وقتها أم يبرد بها على قولين:
القول الأول: أن أفضل وقت الجمعة صلاتها في أول وقتها مطلقًا صيفًا وشتاءً.
وهو مذهب الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية كما هنا.
القول الثاني: أنه يستحب الأبراد بالجمعة صيفًا لا شتاءً. وهو وجه عند الشافعية.
انظر: «عمدة القاري» ٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩، «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٦، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٠٥، «المهذب» ١/ ١٨٩، «المجموع» ٣/ ٦٢، «إحكام الأحكام» ١/ ٣٠٤.



وهو رأي البخاري كما ستعلمه في بابه حيث ترجم: إذا اشتد الحر يوم الجمعة.
ثم ساق حديث أنس بن مالك: كان رسول الله - ﷺ - إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحرُّ أبرد بالصلاة. يعني: الجمعة (١).
والجواب عن تعليل الجمهور: بأنه قد يحصل التأذي بحر المسجد عند انتظار الإمام، لكن قد ثبت في «الصحيح» أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظل يستظلون به (٢) من شدة التبكير لها أول الوقت، فدَّل على عدم الإبراد. والمراد بالصلاة هنا: الظهر، كما ساقه البخاري من حديث أبي سعيد.
الحادي عشر:
عورض هذا الحديث بحديث خباب في «صحيح مسلم»: شكونا إلى النبي - ﷺ - حر الرمضاء فلم يشكنا (٣).
وأجيب بوجوه:
أحدها: بالنسخ، فإنه كان بمكة وحديث الإبراد بالمدينة، فإنه من رواية أبي هريرة.
قَالَ الخلال في «علله» عن أحمد: آخر الأمرين من النبي - ﷺ - الإبراد، وإليه مال أبو بكر الأثرم في «ناسخه» والطحاوي (٤).

---------------
(١) سيأتي برقم (٩٠٦) كتاب: الجمعة.
(٢) من حديث سلمة بن الأكوع. وسيأتي (٤١٦٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية.
(٣) برقم (٦١٩) كتاب: المساجد، باب: استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر.
(٤) الطحاوي في «المشكل» كما في «تحفة الأخيار» ١/ ٥٤٤.



ثانيها: حمله عَلَى الأفضل، وحمل حديث الإبراد عَلَى الرخصة والتخفيف في التأخير.
ثالثها: أن الإبراد سنة للأمر به والتعليل، وحديث خباب عَلَى أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا عَلَى قدر الإبراد، وهو المختار، عَلَى أنه قد قيل: إن معنى: (لم يشكنا): لم يحوجنا إلى الشكوى، كما حكاه ابن عبد البر (١)
الثاني عشر:
قوله في حديث أبي ذر: أذَّن مؤذِّن النبي - ﷺ -. جاء في بعض طرقه: أذَّن بلال. أخرجه أبو عوانة. وفي أخرى له: فأراد أن يؤذِّن، فقال: «مه يا بلال» (٢). وذكر البخاري في الباب بعده: فأراد المؤذِّن أن يؤذِّن للظهر، فقال: «أبرد» ثم أراد أن يؤذِّن، فقال له: «أبرد» الحديث (٣).
قَالَ البيهقي: في هذا كالدلالة عَلَى أن الأمر بالإبراد كان بعد التأذين (٤).
الثالث عشر:
التلول: جمع تل (٥)، وهو كل بارز عَلَى وجه الأرض من تراب أو رمل (٦). ولا يصير لها فيء عادة إلا بعد الزوال بكثير، وأما الظل فيطلق عَلَى ما قبله أيضًا، وقد أوضحت ذَلِكَ في «لغات المنهاج».

---------------
(١) «التمهيد» ٥/ ٥.
(٢) أبو عوانة ١/ ٢٩٠ (١٠١٩).
(٣) سيأتي برقم (٥٣٩) باب: الإبراد بالظهر في السفر.
(٤) البيهقي ١/ ٤٣٨.
(٥) من هنا سقط في (س).
(٦) انظر: «لسان العرب» ١/ ٤٤١.



وظل التلول لا يظهر إلا بعد تمكن الفيء واستطالته جدًّا، بخلاف الأشياء المنتصبة التي يظهرظلها سريعًا.
الرابع عشر:
شكوى النار إلى ربها يحتمل أن تكون بلسان الحال، وأن تكون بلسان المقال، عندما يخلق الرب فيها ذَلِكَ، وهو من قسم الجائزات، والقدرة صالحة، واذا خلق لهدهد سليمان ما خلق من العلم والإدراك كما أخبر الجليل ﷻ في كتابه كان ذَلِكَ جائزًا في غيرها.
قَالَ الله تعالى عنها: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ﴿أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ويقال: إنها والجنة أشجع المخلوقات، وورد أن الجنَّة إذا سألها عبد أمنت عَلَى دعائه (١)، وكذا النَّار، ولا منافاة في الجمع بين الحرِّ والبرد في النار؛ لأن النار عبارة عن جحيم، وفي بعض زواياها نار، وفي أخرى الزمهرير، وقد ورد أن جهنم تقاد بسبعين ألف زمام (٢).
وأنها تخاطب المؤمن بقولها: «جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» (٣).

-------------------
(١) روي ذلك عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة ..» الحديث. رواه الترمذي (٢٥٧٢)، والنسائي ٨/ ٢٧٩، وابن ماجه (٤٣٤٠)، وأحمد ٣/ ٢٠٨، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٥٣٤ - ٥٣٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٠٧٩): صحيح.
(٢) قد ورد من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول - ﷺ -: «يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» الحديث. رواه مسلم (٢٨٤٢) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، والترمذي (٢٥٧٣).
(٣) رواه الطبراني في «الكبير» ٢٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩ (٦٦٨)، وابن عدي في «الكامل» ٨/ =



وقولها: «أكل بعضي بعضًا» (١). هو من شدتها كادت تحرق نفسها.
قَالَ ابن عباس: خلق الله النَّار عَلَى أربعة: فنار تأكل وتشرب، ونار لا تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل، ونار عكسه.
فالأولى: التي خلقت منها الملائكة.
والثانية: التي في الحجارة، وقيل: التي رفعت لموسى - ﷺ - ليلة المناجاة.
والثالثة: التي في البحر، وقيل: التي خلقت منها الشمس.
والرابعة: نار الدنيا ونار جهنم تأكل لحومهم وعظامهم، ولا تشرب دموعهم ولا دماءهم بل يسيل ذَلِكَ إلى عين الخبال، فيشرب ذَلِكَ أهل النار ويزدادون بذلك عذابًا (٢).
وأخبر الشارع أن عصارة أهل النار شراب من مات مصرًّا عَلَى شرب الخمر (٣). نقل ذَلِكَ ابن بزيزة، وقال: الله أعلم بصحة ذلك، والذي في «الصحيح»: أن نار الدنيا خلقت من نار جهنم (٤).

----------------
= ١٣١ ترجمة (١٨٨١) وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٣٢٩ من حديث يعلى بن منية. قال ابن رجب: غريب وفيه نكارة، «التخويف من النار» ٢٥١، والحديث ضعفه الألباني: «الضعيفة» (٣٤١٣).
(١) هو في أحاديث هذا الباب برقم (٥٣٧).
(٢) رواه أبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» ص ٢٧٢ (٦٢٧). من طريق أبي صالح، عن معاوية أنه قال: بلغنا أن النيران أربع …
(٣) روى مسلم عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كل مسكر حرام إن على الله -عز وجل- عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال» قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار- أو عصارة أهل النار» (٢٠٠٢) كتاب: الأشربة، باب: بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام.
(٤) سيأتي برقم (٣٢٦٥) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة من حديث أبي هريرة.



وقال: قَالَ، ابن عباس: ضربت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلائق، وإنما خلقها الله؛ لأنها من تمام الدنيوية، وفيها تذكرة لنار الآخرة وتخويف من عذابها، نسأل الله العافية منها ومن سائر البلايا.
فائدة: الزمهرير: قيل: هو شدة البرد، ويطلق علي القمر أيضًا، قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]، أنه القمر؛ لأنهما عُبدا من دون الله، وورد أنهما يكوران في النار يوم القيامة (١)، وهو ضعيف. لا كما قد وقع في بعض نسخ الأطراف.
وقوله: («بِنَفَسَيْن»): النَفَس بفتح النون والفاء: واحد الأنفاس.

--------------
(١) رواه مسدد في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة» للبوصيري ٢/ ٢١١ (١٣٥٧)، والطحاوي «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٩/ ٤٢٣ (٦٧٨٠) وكذا أخرجه البخاري، وهو هنا برقم (٣٢٠٠) عن مسدد به بدون زيادة «في النار».


١٠ - باب الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ
٥٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ -مَوْلًى لِبَنِي تَيْمِ اللهِ- قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ «أَبْرِدْ». حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ». [انظر: ٥٣٥ - مسلم: ٦١٦ - فتح: ٢/ ٢٠]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (تَتَفَيَّأُ): تتميل.
ذكر فيه حديث أبي ذر، وقد سلف في الباب قبله بالكلام عليه.
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: (تَتَفَيَّأُ) [النحل: ٤٨]: تَتَمَيَّلُ، وقد سلف الكلام عَلَى الفيء أيضًا.


١١ - باب وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ
وَقَالَ جَابِر: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي بِالْهَاجِرَةِ. [انظر: ٥٦٠]

٥٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا». فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي». فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ «أَبُوكَ حُذَافَةُ». ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي». فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ». [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ٢/ ٢١]

٥٤١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِى الْمَغْرِبِ- وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. ثُمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. [٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩، ٧٧١ - مسلم: ٤٦١، ٦٤٧ - فتح: ٢/ ٢٢]

٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي: ابْنَ مُقَاتِلٍ -قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّان، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ. [انظر: ٣٨٥ - مسلم: ٦٢٠ - فتح: ٢/ ٢٢]


ذكر فيه أحاديث:
أحدها: حديث جابر علقه فقال: وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي بِالْهَاجِرَةِ.
وهذا التعليق قد أسنده في باب وقت المغرب كما ستراه (١).
ثانيها: حديث أنس: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ .. الحديث.
هذا الحديث تقدم الكلام عَلَى بعض متنه في باب: من برك عَلَى ركبتيه عند الإمام أو المحدث (٢)، وهو: من أبي؟ قَالَ: «أبوك حذافة» فبرك عمر. إلى قوله: وبمحمد نبيًّا فسكت. زاد هنا: ثم قَالَ: «عرضت علي الجنة والنار آنفًا في عُرْضِ هذا الحائط فلم أر كالخير والشر»، وذكره البخاري فيما سيأتي من حديث بكر المزني عن أنس قَالَ: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ - الظهائر سجدنا عَلَى ثيابنا اتقاء الحر (٣).
ومعنى (زاغت): مالت، وكل شيء مال وانحرف عن الاعتدال فقد زاغ، قَالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وفي الترمذي من هذا الوجه: صلى الظهر حين زالت الشمس. وصححه (٤).

--------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٠).
(٢) سبق برقم (٩٣) كتاب: العلم.
(٣) سيأتي برقم (٥٤٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت الظهر عند الزوال.
(٤) الترمذي (١٥٦) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التعجيل بالظهر، وقال: حديث صحيح، وهو أحسن حديث في هذا الباب. اهـ قلت: متن هذِه الطريق في البخاري، بعد تمام شرح حديث الباب هنا من حديث أبي برزة - رضي الله عنه -.



قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء على أن وقت الظهر زوال الشمس (١).
وما حكاه القاضي عبد الوهاب في «فاخره» عن بعض الناس أنه
يجوز افتتاح الظهر قبل الزوال غلط فاحش من قائله غير معتد به، وكذا ما نقل عن بعضهم أنه يدخل إذا صار الفيء قدر الشراك.
وحكى ابن بطال عن الكرخي عن أبي حنيفة أن الصلاة في أول الوقت تقع نفلًا، وثانيه أنه واجب موقوف، واستغرب الأول (٢).
قَالَ المهلب: وإنما خطب الشارع بعد الصلاة وذكر الساعة وقال: «سلوني» لأنه بلغه أن قومًا من المنافقين ينالون منه، ويعجزونه عن بعض ما يسألونه عنه، فتغيظ عليهم وقال: «لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به» وبكاء الناس خوف نزول العذاب المعهود في الأمم الخالية عند تكذيب الرسل، كانوا إذا جاءتهم آية فلم يؤمنوا لم يمطلهم العذاب، قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] و﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، فبكوا إشفاقًا من ذَلِكَ الأمر، ألا ترى فهم عمر حين برك عَلَى ركبتيه وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا حين قَالَ - ﷺ - للسائل له عن أبيه: «أبوك حذافة» وكان هذا الرجل لا يعرف أبوه حَتَّى أخبر به الشارع.
وقال ابن الجوزي: إنهم بكوا لغضبه - ﷺ -.
وقوله: («في عُرْضِ هذا الحائط») عُرض الشيء: جانبه، يقال: نظرت إليه عن عرض، وعُرض النهر والبحر: وسطهما، قاله الخليل.

-----------------
(١) «الإجماع» ص ٣٦ (٣٤).
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٦٣ - ١٦٤.



الحديث الثالث:
ذكر فيه حديث أبي المنهال عن أبي برزة: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إلى أَقْصَى المَدِينَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأخِيرِ العِشَاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ. قَالَ: أو إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذ: قَالَ شُعْبَةُ: ثُّمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث سيأتي قريبًا في باب وقت العصر (١)، وفي باب ما يكره من النوم قبل العشاء (٢)، وفي السمر بعد العشاء (٣)، والقراءة في الفجر (٤). وأخرجه مسلم والأربعة (٥).
ثانيها:
أبو المنهال اسمه: سيار بن سلامة، تابعي ثقة، مات بعد المائة (٦)،
(١) سيأتي برقم (٥٤٧).
(٢) سيأتي برقم (٥٦٨).
(٣) سيأتي برقم (٥٩٩).
(٤) سيأتي برقم (٧٧١).
(٥) رواه مسلم (٤٦١) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح. وأبو داود (٣٩٨)، والترمذي (١٦٨)، والنسائي ١/ ٢٦٢، وابن ماجه (٦٧٤).
(٦) وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي. روى له الجماعة. انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٣٦، «التاريخ الكبير» ٤/ ١٦٠ ترجمة (٢٣٢٧)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٥٤ ترجمة (١١٠١)، «الثقات» ٤/ ٣٣٥، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٣٠٨ ترجمة (٢٦٦٧)، «إكماله» لمغلطاي ٦/ ١٨٤ ترجمة (٢٣١٩).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #156  
قديم 28-01-2026, 04:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 161 الى صـــ 180
الحلقة (156)






ووالده ذكره العسكري (١).
وأبو برزة اسمه: نضلة بن عبيد عَلَى الأصح الأشهر فيه، شهد
الفتح، ومات بعد الستين (٢)، وهاء برزة ملفوظ بها، وهي تاء في الوصل، وقد يشتبه بأبي بردة لكن لفظًا لا خطًّا، ولهم في الأسماء بُرزة بضم الباء، شيخ ابن ماكولا، ونضلة يشتبه بنَضَلة بفتح الضاد في العرب، وبنصلة بالمهملة، لقب محمد بن محمد الجرجاني المقرئ.
ثالثها:
(كان) هذِه تشعر بالدوام، وذكره الخمس دون الوتر دال عَلَى عدم وجوب الوتر خلافًا لأبي حنيفة (٣).

---------------
(١) «إكمال تهذيب الكمال» مغلطاي ٦/ ١٨٤ ترجمة (٢٣١٩) وقال: قال العسكري: لأبيه صحبة.
(٢) نضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمي من بني سلامان بن أسلم، أسلم قديمًا، وشهد فتح مكة، وهو الذي قتل عبد العزى بن خطل تحت أستار الكعبة يوم الفتح لما أمر النبي - ﷺ - بقتله، وغزا مع رسول الله - ﷺ - غزوات منه خيبر. سكن البصرة، وله بها دار وعقب، توفي بعد أبي بكرة.
روى عنه: أبو العالية الرياحي، وأبو عثمان النهدي، والحسن، وكنانة بن نعيم وغيرهم.
انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٨٢ (٢٨٩١)، «الاستيعاب» ٤/ ٥٨ - ٥٩ (٢٦٣٨)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٢١ (٥٢١٩)، «الإصابة» ٣/ ٥٥٦ (٨٧١٦).
(٣) قلت: وجوب الوتر هي الرواية عن أبي حنيفة بناءً على التفرقة بين الفرض والواجب. أما عن مسألة حكم الوتر ففيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الوتر سنة مؤكدة، وهو مذهب جمهور الفقهاء حيث ذهب إليه أبو حنيفة في رواية، ومحمد وأبو يوسف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على الصحيح وكذا الظاهرية.
القول الثاني: أن الوتر واجب، وهو الرواية المشهورة عن أبي حنيفة، كما أسلفت، وهو رواية عن أحمد. =



رابعها:
معرفة الجليس النظر إلى وجهه، تؤيده رواية مسلم: حين يعرف بعضنا وجه بعض (١). وليجس في هذا مخالفة لقول عائشة في النساء: ما يعرفهن أحد من الغلس (٢) لأن هذا إخبار [عن] رؤية جليسه، وذاك إخبار عن رؤية النساء من بُعد، وهذا يقوي من يقول بتغليس الفجر، ويأتي -إن شاء الله- في باب: وقت الفجر، وأما باقي الحديث فذكر البخاري لكل منها بابًا مستقلًّا، وستقف عليه إن شاء الله.
وقوله: (وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ) قد أخرجه مسلم عن عُبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة (٣). ومعنى: (والشمس حية): لم تصفر ولم تتغير.
الحديث الرابع:
حديث أنس: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالظَّهَائِرِ سجدنا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الحَرِّ.

----------------
= القول الثالث: أن الوتر فرض إما مطلقًا، وإما على أصناف بعينهم، ذهب أبو حنيفة في رواية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه واجب على من تهجد بالليل.
انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٧٠، «الهداية» ١/ ١٧٠، «التفريع» ١/ ٢٦٧، «النوادر والزيادات» ١/ ٤٨٩، «الأم» ١/ ١٢٥، «البيان» ٢/ ٢٦٥، «المجموع» ٣/ ٥٠٥، «الانتصار» ٢/ ٤٨٩، «المغني» ٢/ ٥٩١، «الأخبار العلمية» ص ٩٦.
(١) مسلم (٦٤٧) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها، وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها.
(٢) سيأتي برقم (٨٦٧).
(٣) برقم (٦٤٧/ ٢٣٧).



هذا الحديث تقدم في السجود عَلَى الثوب في شدة الحر (١)، وسبب ذَلِكَ كثرة حر الحجاز، وليس هذا في حين شدة الحر هذا الذي أمر فيه بالإبراد؛ لأنه - ﷺ - كان جل أمره المبادرة، ويجوز أن يبادر في الحر بالظهر، وقد أمرنا بالإبراد وأخذ بالشدة عَلَى نفسه، ولئلا يظن أحدٌ أن الصلاة لا تجوز في الوقت الذي أمر فيه بالإبراد، فأراد تعليم أمته والتوسعة عليهم.
والظهائر: جمع ظهيرة، والظهيرة: شدة الحر.
وشيخ البخاري فيه محمد بن مقاتل، كما نص عليه خلف، وشيخه عبد الله هو ابن المبارك.

-----------------
(١) سلف برقم (٣٨٥) كتاب: الصلاة.


١٢ - باب تَأْخِيِر الظُّهْرِ إِلَى العَصْرِ
٥٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ: ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا، الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. فَقَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ فِى لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ؟ قَالَ: عَسَى. [٥٦٢، ١١٧٤ - مسلم: ٧٠٥ - فتح ٢/ ٢٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس أَن النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا، الظُهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. فَقَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ. قَالَ: عَسَى.
هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في باب: وقت المغرب (١)، وفي باب: الجمع في السفر بين المغرب والعشاء (٢)، وفي باب: من لم يطوع (بعد) (٣) المكتوبه (٤).
وأخرجه مسلم (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧).
ومعنى: (سبعًا). يريد: المغرب والعشاء. و(ثمانيا). يريد: الظهر والعصر.
وقد تأوله مالك كما تأوله أيوب، وبه أخذ الشافعي فجوزه تقديمًا لا تأخيرًا بشروطه المقررة في «الفروع».

----------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٢) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (١١٠٧) أبواب تقصير الصلاة.
(٣) في الأصول: بين والمثبت من «الصحيح».
(٤) سيأتي برقم (١١٧٤) أبواب التهجد.
(٥) برقم (٧٠٥).
(٦) سيأتي (١٢١٠، ١٢٨١).
(٧) «السنن الكبرى» ١/ ١٥٧ (٣٨٢).



وبه قال أبو ثور ووافقنا مالك في المغرب مع العشاء، وخالف في الظهر والعصر، وحكي عن ابن عمر وعروة وسعيد بن المسيب والقاسم وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبى سلمة وعمر بن عبد العزيز (١)، وبه قَالَ أحمد وإسحاق (٢).
وقال مالك: يجمع بين المغرب والعشاء في الطين والظلمة وإن لم يكن مطر (٣).
وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع في الريح والظلمة (٤).
والجمع عند مالك أن تؤخر المغرب، ثم يؤذن لها وتقام ويصلي، ثم يؤذن في المسجد للعشاء، ثم يصلي وينصرف قبل مغيب الشفق؛ لينصرف وعليه إسفار.
وقال محمد بن عبد الحكم: الجمع في ليلة المطر في وقت المغرب، ولا يؤخر المغرب؛ لأنه إذا أخرها لم يصل واحدة منهما في وقتها، ولأن يصلي في وقت إحداهما أولى. وحكي عن ابن وهب وأشهب أيضًا (٥).
وخالف أبو حنيفة وأصحابه هذا الحديث وقالوا: لا يجمع أحد بين الصلاتين في مطر ولا غيره (٦). قالوا: وحديث ابن عباس ليس فيه صفة الجمع، ويمكن أن يكون أخَّر الظهر إلى آخر وقتها وصلاها، ثم صلى

----------------
(١) انظر: «الأوسط» ٢/ ٤٣٠ - ٤٣٢.
(٢) انظر: «المغني» ٣/ ١٣٢، «الأوسط» ٢/ ٤٣٠.
(٣) «المدونة» ١/ ١١٠.
(٤) المصدر السابق.
(٥) انظر: «عقد الجواهر» ١/ ١٥٧.
(٦) انظر: «شرح فتح القدير» ٢/ ٤٨.



العصر في أول وقتها، وصنع بالمغرب والعشاء كذلك. قالوا: وهذا يسمى جمعًا، ولا يجوز أن تحال أوقات الحضر إلا بيقين. وروي عن الليث مثله.
وقد تأول عمرو بن دينار وأبو الشعثاء في هذا الحديث مثل تأويل أبي حنيفة، وإليه أشار البخاري في ترجمته، وقال به ابن الماجشون، وهو ضعيف؛ لأنه - ﷺ - لما لم يجمع بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح علمنا أنه - ﷺ - جمع بين صلاتين في وقت إحداهما، وهو وقت الأخرى، ولو كان هذا الجمع جائزًا لجاز في العصر مع المغرب، والعشاء مع الصبح، والإجماع خلافه، عَلَى أنه روي حديث ابن عباس هذا عَلَى خلاف ما تأوله أيوب ومالك، ففي «صحيح مسلم»: من غير خوف ولا مطر (١). وظاهرها جواز الجمع في الحضر بمجرد الحاجة، وبه قالت طائفة من العلماء، وجوَّزه جماعة بالمرض، ونقله البخاري في باب: وقت المغرب عن عطاء (٢)، وهو ظاهر.
وهذا الحديث حجة في اشتراك أوقات الصلوات كما ذكرنا، ولا عبرة بقول من قَالَ: إن بين آخر وقت الظهر وأول وقت العصر فاصلة لا تصلح لهما. وعلى من قَالَ: لا يدخل وقت العصر حَتَّى يصير ظل كل شيء مثليه.

---------------
(١) برقم (٧٠٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر.
(٢) ذكر البخاري قول عطاء قبل الراوية الآتية برقم (٥٥٩).



١٣ - باب وَقْتِ العَصْرِ
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا.

٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا. [انظر: ٥٢٢ - مسلم: ٦١١ - فتح: ٢/ ٢٥]

٥٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا. [انظر: ٥٢٢ - مسلم: ٦١١ - فتح: ٢/ ٢٥]

٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِى حُجْرَتِي، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ: وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. [مسلم: ٦١١ - فتح: ٢/ ٢٥]

٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ -وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ- وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٤٦١ - فتح: ٢/ ٢٦]

٥٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ. [٥٥٠، ٥٥١، ٧٣٢٩ - مسلم: ٦٢١ - فتح: ٢/ ٢٦]


٥٤٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ. [مسلم:٦٢٣ - فتح: ٢/ ٢٦]
ذكر فيه سبعة أحاديث:
أحدها: معلقًا فقال: وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا.
وهذا قد أسنده الإسماعيلي عن ابن ناجية وغيره، عن أبي عبد الرحمن، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي العصر والشمس في قعر حجرتها وقد سلف طرف منه في المواقيت (١).
الحديث الثاني: حديث عائشة قالت: كَانَ النبي - ﷺ - يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا.
هذا الحديث هو الذي أشرنا إليه آنفًا أنه أخرجه في المواقيت (٢)، وقد سلف الكلام عليه هناك.
الحديث الثالث: حديثها أيضًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ مِنْ حُجْرَتِهَا.
الحديث الرابع: عنها أيضًا: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي صَلَاةَ العَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَة فِي حُجْرَتي، لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ بَعْدُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ: وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.

-------------
(١) سلف برقم (٥٢٢)، باب: مواقيت الصلاة وفضلها.
(٢) سلف برقم (٥٢٢).



وهذا التعليق ذكره البخاري عقب حديث ابن عيينة هذا. وذكره خلف في «أطرافه» عقب حديث الليث، وهو الحديث الثالث. وحديث مالك عن ابن شهاب سلف في باب المواقيت (١).
الحديث الخامس: حديث سيار بن سلامة.
وقد سلف بطوله في باب: وقت الظهر عند الزوال (٢)، وهو الحديث الثالث منه، وزاد فيه: كان يصلي عَلَى الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، وكان يستحب أن يؤخرَّ العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه.
وسيأتي كل ذَلِكَ.
وسميت الأولى؛ لأنها أول صلاة صلاها جبريل بسيدنا رسول الله - ﷺ -.
فظاهره يقتضي وقوعها عند الدحض، وهو الزوال كما سلف هناك.
والمراد: عقبه.
وتدحض: تزول، وأصله الزلق. والهجير والهاجرة: وقت شدة الحر، سميت هاجرة لهرب كل شيء منها (٣).
الحديث السادس: حديث أنس:
كُنا نُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَخرُجُ الإِنْسَانُ إلى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ العَصْرَ.

----------------
(١) سلف برقم (٥٢١)، باب: مواقيت الصلاة وفضلها.
(٢) سلف قريبًا برقم (٥٤١).
(٣) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٧١٨ - ٣٧١٩ مادة: هجر.



ذكره من حديث مالك عن إسحاق، عنه.
وأخرجه مسلم أيضًا (١)، قَالَ أبو عمر: هذا يدخل في المسند.
وقد روي عنه: كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - (٢).
وروي عن مالك: ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (٣). ووهم فيه.
قلت: قد أخرجها هنا من جهته كما ستعلمه.
وقال النسائي: لم يتابعه أحد عليه. والمعروف العوالي. كما في البخاري ومسلم أيضًا (٤).
وقد تابع مالكًا ابن أبي ذئب من رواية الشافعي كما ذكره الباجي في «شرح الموطأ» (٥).
الحديث السابع: حديث أبي أمامة قال: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هذِه الصَّلَاةُ التِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: العَصْرُ، وهذِه صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - التِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.
هذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي أيضًا (٦)، وهذِه الواقعة كانت
بالمدينة حين ولي عمر بن عبد العزيز نيابة لا خلافة؛ لأن أنسًا توفي قبل

--------------
(١) برقم (٦٢١) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالعصر.
(٢) «التمهيد» ١/ ٢٥٩.
(٣) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٢١٦ (٥٥١) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت العصر، ومسلم (٦٢١) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالعصر.
(٤) سيأتي قريبًا جدًّا (٥٥٠)، ورواه مسلم برقم (٦٢١) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالعصر.
(٥) «المنتقى» ١/ ١٨.
(٦) مسلم (٦٢٣) كتاب: المساجد، والنسائي ١/ ٢٥٣.



خلافة عمر (١)، وكان فعل عمر هذا عَلَى جاري عادة الأمراء قبله، قبل أن يبلغه التقديم، فلما بلغه صار إليه، ويجوز أن يكون لعذر عرض له.
وفي مسلم وأبي داود والترمذي وصححه من حديث العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل عَلَى أنس في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قَالَ: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قَالَ: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا، فلما انصرف قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس، حَتَّى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا» (٢) وليس للعلاء عن أنس في «صحيح مسلم» غيره.
ثم ذكر البخاري أيضًا:

---------------
(١) خلافة عمر بن عبد العزيز كانت سنة تسع وتسعين كما في «البداية والنهاية» ٩/ ٢١٧ وتوفي أنس - رضي الله عنه - سنه إحدى وتسعين، كذا قال الواقدي. وقيل: سنة اثنتين وتسعين. وقيل: سنة ثلاث وتسعين قاله خليفة بن خياط وغيره وكان عمره إذ مات فوق المائة وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة قاله أبو عمر، «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ١٤ - ١٥، «معجم الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٢٣١ - ٢٣٨، «الاستيعاب» ١/ ١٩٨ - ٢٠٠، «أسد الغابة» ١/ ١٥١ - ١٥٢، و«الإصابة» ١/ ٧١ - ٧٢.
(٢) مسلم (٦٢٢) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالعصر، وأبو داود (٤١٣)، والترمذي (١٦٠).



١٣ - باب (١) وَقْتِ العَصْرِ
٥٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. [انظر: ٥٤٨ - مسلم: ٦٢١ - فتح: ٢/ ٢٨]

٥٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. [انظر: ٥٤٨ - مسلم: ٦٢١ - فتح: ٢/ ٢٨]
وذكر فيه حديث أنس بلفظين:
أحدهما: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذاهِبُ إِلَى العَوَالِي فَيَأتيهِمْ وَالشَمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالِ أَوْ نَحْوِهِ.
الثاني: كنَّا نُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءِ، فَيَأْتيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَة.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والنسائي (٢)، وهذا الباب مع ما قبله دالٌ عَلَى تعجيل العصر، وأنه السُّنَّة.
وقد اختلف العلماء في أول وقت العصر وآخره والأفضل من ذَلِكَ، فقال مالك والثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور: أوَّل

---------------
(١) ورد في هامش الأصل: هذا الباب ليس موجودًا في نسخة الدمياطي، وهو في نسخ كثيرة، وقد وجدته في نسخة عندي قديمة من طريق الكشميهني (....) والمستملي (....).
(٢) مسلم (٦٢١) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالعصر، والنسائي ١/ ٢٥٢.



وقته إذا صار ظل كل شيء مثله (١).
زاد الشافعي: وزاد أدنى زيادة (٢).
وقال أبو حنيفة: أول وقته مصير الظل مثليه بعد الزوال، ومن صلاها قبل ذَلِكَ لم يجز (٣).
فخالف الآثار، وخالفه أصحابه، وعنه رواية كالجماعة، واختارها الطحاوي (٤).
وعنه ثالثة: إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حَتَّى يصير ظل كل شيء مثليه سوى في الزوال، وهي في «البدائع» (٥).
ورابعة: إذا صار الظل أقل من قامتين يخرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حَتَّى يصير قامتين، وصححه الكرخي. وخامسة: بين القامة والقامتين وقت مهمل.
وعن مالك: إذا صار قامة دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر بل يبقى بعد ذَلِكَ قدر أربع ركعات تصلح للظهر والعصر أداء (٦).
وبه قَالَ ابن راهويه والمزني وابن جرير وابن المبارك، وحكي عن

------------
(١) انظر: «التمهيد» ١/ ١٧٦، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٩٤، وفيما ذكره عن الإمام أحمد نظر، فإن وقت العصر عنده يدخل حين يكون ظل كل شيء مثليه، انظر: «مختصر الخرقي» ص ١٧، «المغني» ٢/ ١٤.
(٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٣٠.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٩٤.
(٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤٩ - ١٥٠.
(٥) «بدائع الصنائع» ١/ ١٢٣.
(٦) انظر: «المنتقى» ١/ ١٤، «التاج والإكليل» ٢/ ١٩، «الذخيرة» ٢/ ١٤.



أبي ثور أيضًا (١).
وحكى ابن قدامة في «المغني» عن ربيعة أن وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس. وعن عطاء وطاوس: إذا صار كل شيء مثله دخل وقت العصر، وما بعده وقت لهما عَلَى سبيل الاشتراك حَتَّى الغروب (٢).
وأما آخر وقت العصر فقال أكثر العلماء: غروب الشمس.
وقال الحسن بن زياد: تغيرها إلى الصفرة. حكاه عنه السرخسي، ثم قَالَ: والعبرة بتغير القرص عندنا. وهو قول الشعبي.
وقال النخعي: لتغير الضوء (٣).
وقال الإصطخري من أصحابنا: إذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقته، ويأثم بالتأخير بعده، ويكون قضاء (٤)، ولا يدخل وقت المغرب إلا بالغروب، وما بينهما وقت مهمل. وذكر أصحابنا للعصر خمسة أوقات أوضحناها في «الفروع» وزدنا عليها.
ونقل ابن رشد عن الظاهرية أن آخر وقتها قبل الغروب بركعة (٥).
وأما الأفضل في وقت العصر: فذكر الترمذي أن عمر وابن مسعود وعائشة وأنسًا وغير واحد من التابعين اختاروا تعجيلها، وكرهوا تأخيرها.
قَالَ: وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق (٦).

-------------
(١) انظر: «الأوسط» ٢/ ٣٣١، «المجموع» ٣/ ٣٠، «المغني» ٢/ ١٤ - ١٥.
(٢) «المغني» ٢/ ١٤.
(٣) «المبسوط» ١/ ١٤٤.
(٤) انظر: «المجموع» ٣/ ٣١.
(٥) «بداية المجتهد» ١/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٦) «جامع الترمذي» ١/ ٣٠٠.



قلت: وبه قَالَ الأوزاعي والليث (١).
وعند الحنفية الأفضل تأخيرها ما لم تتغير الشمس (٢).
وحكي عن جماعة منهم أبو هريرة وأبو قلابة والنخعي (٣) والثوري وابن شبرمة، ورواية عن أحمد (٤).
واختلفوا في تغير الشمس، فقيل: بتغير الشعاع عن الحيطان، وقيل: يوضع طست في أرض مستوية، فإن ارتفعت الشمس من جوانبه فقد تغيرت. وإن وقعت في جوفه لم تتغير.
وفي «المحيط» لهم: إذا كان قدر رمح لم تتغير، ودونه قد تغيرت، وقيل: إن كان يمكن النظر إلى القرص من غير كلفة ومشقة فقد تغيرت (٥). والصحيح تغير القرص.
قَالَ المرغيناني: والتأخير إلى هذا الوقت هو المكروه دون الفعل (٦).
وفي «المبسوط»: أنه يصلي العصر والشمس بيضاء نقية (٧).
وهذا كمذهب باقي الجماعة، ولهم الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك.

----------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٩٥، «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ٦٤٩، «البيان» ٢/ ٤١.
(٢) انظر: «الأصل» ١/ ١٤٥ - ١٤٦، «موطأ مالك برواية الشيباني» ص ٣٣، «مختصر الطحاوي» ص ٢٤.
(٣) انظر: «المصنف» ١/ ٢٨٩ (٣٣٠٩، ٣٣١٢، ٣٣١٨).
(٤) انظر: «المغني» ٢/ ١٥.
(٥) «المحيط البرهاني» ٢/ ٨ - ٩.
(٦) «الهداية» ١/ ٤٣.
(٧) ١/ ١٤٤.



وقال الأثرم: بعد ذكر أحاديث التعجيل والتأخير: إنما وجهها إن كانت محفوظة أن يكون ذَلِكَ عَلَى غير تعمد لكن لعذر أو لأمر يكون (١).
استدل من قَالَ بالتأخير بأوجه:
أحدها: حديث يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، عن جده قَالَ: قدمنا عَلَى رسول الله - ﷺ - المدينة فكان يؤخر العصر مادامت الشمس بيضاء نقية. أخرجه أبو داود (٢). وفي إسناده من يجهَّل.
ثانيها: حديث رافع بن خديج أنه - ﷺ - كان يأمر بتأخير هذِه الصلاة يعني: العصر.
قَالَ الدارقطني: يرويه عبد الواحد بن نافع. وليس بالقوي. ولا يصح هذا الحديث عن رافع ولا عن غيره من الصحابة. والصحيح عن رافع وغيره من الصحابة، عن النبي - ﷺ - التعجيل بصلاة العصر (٣).
وقال الترمذي: يروى عن رافع مرفوعًا، ولا يصح (٤).
وروي تأخيرها من فعل علي وأنه السنة، وصححه الحاكم (٥).
وفي الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - أشد تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه (٦).

--------------
(١) انظر: «المغني» ٢/ ١٥ - ١٦.
(٢) رواه أبو داود (٤٠٨)، وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٥٨: حديث باطل لا يعرف، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٦٣).
(٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٥١ - ٢٥٢.
(٤) «سنن الترمذي» ١/ ٣٠٠.
(٥) «المستدرك» ١/ ١٩٢.
(٦) برقم (١٦١)، وصححه أحمد شاكر ١/ ٣٠٤، والألباني في «صحيح الترمذي» (١٣٨).



واستدلوا أيضًا بحديث:»يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر (١)، ولا دلالة فيه.
ونقله الطحاوي عن إجماع الصحابة (٢)، ولا نسلم له، والأحاديث السالفة دالة للجمهور.
ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة. وكذا إلى العوالي. وبعض العوالي على أربعة أميال ونحوه.
وفي «صحيح مسلم»: صلى بنا النبي - ﷺ - العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سَلِمَةَ، فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا، ونحب أن تحضرها، فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم ينحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منهما، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس (٣).
وفي «مستدرك الحاكم»: كان أبعد رجلين من الأنصار من النبي - ﷺ - أبو لبابة وأبو عبس ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصليان مع النبي - ﷺ -، ثم يأتيان قومهما وما صلوا لتعجيله - ﷺ - (٤).
وصح في صلاة المنافق أنه ينتظر حَتَّى إذا اصفرت الشمس قام فنقرها أربعًا (٥) وغير ذَلِكَ من الأحاديث.

---------------
(١) سيأتي قريبًا برقم (٥٥٥).
(٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ١٩٤.
(٣) مسلم (٦٢٤) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالعصر.
(٤) ١/ ١٩٥، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٥) تقدم قريبًا جدًّا تخريج هذا الحديث وهو عند مسلم.



١٤ - باب إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ العَصْرُ
٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ». [مسلم: ٦٢٦ - فتح: ٢/ ٣٠]
ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ».
الكلام عليه من أوجه:
وهو حديث ليس في الإسلام حديث يقوم مقامه؛ لأن الله تعالى قَالَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غيره، نبه عليه ابن بطال (١).
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من طريق مالك، عن نافع (٢) وابن شهاب، عن سالم (٣). وأخرجه الكشي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن نافع، وزاد في آخره: وهو قاعد. وأخرجه النسائي من حديث نوفل بن معاوية (٤).
وزعم أبو القاسم في «الأوسط» أن نوفلًا رواه عن أبيه معاوية بلفظ: «لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن تفوته صلاة العصر» (٥).

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٧٥.
(٢) برقم (٦٢٦/ ٢٠٠) كتاب: المساجد، باب: التغليظ في تفويت صلاة العصر.
(٣) برقم (٦٢٦/ ٢٠٠، ٢٠١).
(٤) النسائي ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩٠٤).
(٥) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢٢٢٠) ١٤/ ٣٦٥، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٦٣٨٧) ١٤/ ٣٦٥، وذكره أبو نُعيم في «معرفة الصحابة» ١٧/ ٣٥٩ (٥٤٩٨).



ثانيها:
(وتر) بضم الواو أي: نقص، يقال: وترته: إذا نقصته، فكأنه جعله وترًا بعد أن كان كثيرًا.
وفي بعض نسخ البخاري هنا: قَالَ أبو عبد الله: ﴿يَتِرَكُمْ﴾ أي: ينقصكم. وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلًا وأخذت ماله (١).
قَالَ الخطابي وغيره: نقص هو أهله وماله، وسلبهم فبقي بلا أهل ولا مال، فليحذر من يفوتها كحذره من ذهاب أهله وماله (٢).
وقال ابن عبد البر: معناه عند أهل اللغة أنه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترا، والوتر: الجناية التي يطلب ثأرها، فيجتمع عليه غمان: غم المصيبة، وغم مقاساة طلب الثأر.
وقال الداودي من المالكية: معناه يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه عَلَى من فقد أهله وماله، فيتوجه عليه الندم والأسف؛ لتفويته الصلاة. وقيل: معناه: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف كما يلحق من ذهب أهله وماله (٣).
وهذا كله عَلَى رواية من روى أهله وماله بالنصب، وهو الصحيح

------------
(١) انظر: عبد الرزاق ١/ ٥٨٢ - ٥٨٣ (٢٢٢٠)، والطبراني في «الكبير» ١٩/ ٤٢٩ - ٤٣٠ (١٠٤٢)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٠٨، والمتقي الهندي في «كنز العمال» ٧/ ٣٨٣ (١٩٤٠٣).
أما ابن حجر فعزا الحديث إلى عبد الرزاق من حديث نوفل ولم يذكر: عن أبيه. «الفتح» ٢/ ٣٠ - ٣١. وقال في «الإصابة» ٣/ ٤٣٨: وفي إسناده ابن أبي سبرة، وهو ضعيف: وحديثه ليس بمحفوظ. اهـ.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٤٢٩.
(٣) «التمهيد» ١٤/ ١٢٣ بتصرف، وهو عند القاضي عياض في «إكماله» ٢/ ٥٩٠. بنصه.



المشهور عَلَى أنه مفعول ثان لوتر، وأضمر فيه مفعول ما لم يسمَ فاعله عائدًا إلى الذي فاتته الصلاة. وقيل: معناه وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب. ومن رواها بالرفع فعلى ما لم يسمَ فاعله.
وقال بعضهم عَلَى أنه بدل اشتمال أو بدل بعض، ومعناه: انتزع منه أهله وماله وذهب بهم، وهو تفسير الإمام مالك (١).
ثالثها:
اختلف في المراد بفوات العصر في الحديث، فقال ابن وهب وغيره: فيمن لم يصلها في وقتها المختار.
وقال الأصيلي وسحنون: هو أن تفوته بالغروب، وقيل: إلى الاصفرار. وقد ورد مفسرًا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث، قَالَ فيه: وفواتها أن تدخل الشمس صفرة.
وروي عن سالم، عن أبيه أنه قَالَ: هذا فيمن فاتته ناسيًا.
وقال الداودي: هو في العامد (٢). وهو الأظهر للحديث الآتي في الباب بعده: «من ترك صلاة العصر حبط عمله». وهذا إنما يكون في العامد.
وقال المهلب: هو فواتها في الجماعة لما يفوته صلاة من شهود الملائكة الليلية والنهارية، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطل الاختصاص؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة.
وفي «موطأ» ابن وهب قَالَ مالك: تفسيرها ذهاب الوقت. وعند ابن

--------------
(١) انظر قول مالك هذا في: «التمهيد» ١٤/ ١٢٢ - ١٢٤.
(٢) نقل الاختلاف في المراد بفوات العصر في الحديث القاضي عياض في «إكماله» ٢/ ٥٩٠ - ٥٩١، وصنيع المصنف في السياق مقارب جدًّا لما في «الإكمال».




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #157  
قديم 28-01-2026, 04:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 181 الى صـــ 200
الحلقة (157)






منده: الموتور أهله وماله من وتر صلاة الوسطى في جماعة وهي صلاة العصر.
وفي «تفسير الطبري» عن سالم أن أباه كان يرى لصلاة العصر فضيلة للذي قاله - ﷺ - فيها، ويرى أنها الصلاة الوسطى (١).
وفي «علل ابن أبي حاتم»: «من فاتته صلاة العصر» وفواتها أن تدخل الشمس صفرة الحديث. قَالَ أبو حاتم: التفسير من قبل نافع (٢).
رابعها:
تخصيصه - ﷺ - بالعصر يحتمل أن يكون عَلَى حسب السؤال، وعدا هذا فالصبح والعشاء ملحق بها، وخصت العصر لفضلها؛ ولكونها مشهودة الملائكة عند تعاقبهم، وعلى هذا يشاركها الصبح، أو خصت بذلك تأكيدًا وحضًّا عَلَى المباشرة عليها؛ لأنها تأتي في وقت أشغال الناس، وعلى هذا فالصبح أولى بذلك؛ لأنها تأتي في وقت النوم، والأظهر أنها خصت بالذكر؛ لأنها الوسطى عَلَى الصحيح (٣)، وبها تختم صلوات النهار كما أسلفناه عن «تفسير الطبري».

------------------
(١) ٢/ ٥٧٠ (٥٣٩٢).
(٢) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٤٩ - ١٥٠ (٤١٩).
(٣) اختلف العلماء في تعيين الصلاة الوسطى على أقوال:
القول الأول: أنها العصر، وهو قول الأحناف، وقول بعض المالكية، والشافعية، والحنابلة وداود وابن حزم، وهو قول بعض الصحابة والتابعين. وصححه المصنف.
القول الثاني: أنها الصبح، وهذا قول مالك وأهل المدينة، وقول الشافعى وجمهور أصحابه.
القول الثالث: أنها الظهر: وهو مروي عمن زيد بن ثابت وعلي وأبي هريرة وغيرهم.=



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وجعلها بعض المصنفين رواية عن أبي حنيفة.
القول الرابع: أنها الصبح والعصر، وهو قول الأبهري من المالكية، واختاره ابن أبي جمرة.
القول الخامس: أنها العشاء، وهو قول بعض الشافعية ذهب إليه منهم علي بن أحمد النيسابوري.
القول السادس: أنها مبهمة، واختاره القرطبي وقال: وهو الصحيح إن شاء الله لتعارض الأدلة وعدم الترجيح، وصححه ابن العربي.
القول السابع: أنها الصلوات الخمس وهو قول معاذ بن جبل وروى عن ابن عمر وهو اختيار ابن عبد البر.
القول الثامن: أنها الجمعة، صححه القاضي حسين بن محمد المروزي من الشافعية وضعفه القاضي عياض والنووي، ورجحه أبو شامة.
القول التاسع: أنها الوتر، وذهب إليه السخاوي.
القول العاشر: أنها العشاء والصبح معًا، وحكي عن أبي الدرداء.
القول الحادي عشر: أنها المغرب وهو قول قبيصة بن ذؤيب وابن قتيبة.
القول الثاني عشر: أنها صلاة الضحى، وقد روى هذا القول الدمياطي عن بعض شيوخه.
القول الثالث عشر: أنها صلاة الخوف، ذكره الدمياطي ولم يذكر من قاله.
القول الرابع عشر: أنها صلاة الجماعة، وهو محكي عن الماوردي.
القول الخامس عشر: أنها صلاة عيد الفطر،، حكاه الدمياطي أيضًا.
القول السادس عشر: أنها صلاة عيد الأضحى، وهو قول ذكره ابن سيد الناس في «شرح الترمذي» وحكاه الدمياطي.
القول السابع عشر: أنها صلاتا العصر والعشاء، وهو قول الشيخ زروق من المالكية.
القول الثامن عشر: أنها الصلاة على النبي - ﷺ -، وهو قولٌ آخر للشيخ زررق من المالكية.
القول التاسع عشر: أنها صلاة الليل، حكاه العيني في «عمدة القاري».
القول العشرون: أنها في الأيام المعتادة الظهر، وفي يوم الجمعة هي الجماعة، =



١٥ - باب مَنْ تَرَكَ العَصْرَ
٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ». [٥٩٤ - فتح:٢/ ٣١]
ذكر فيه حديث هشامِ عن يحيى، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي المَلِيحِ قَالَ: كُنَا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ فَإِن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا فيما سيأتي (١).
وبُريدة: هو ابن الحُصيب الأسلمي (٢)، وأبو المليح: اسمه عامر بن

-----------------
= ذكره العيني.
القول الحادي والعشرون: أنها صلاة الصبح أو العصر على الترديد، حكاه العيني.
القول الثاني والعشرون: التوقف حكاه العيني أيضًا.
وقد صح من الأدلة بما يدل على أنها العصر كما صححه المصنف.
انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ١٧٥ - ١٧٦، «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ١٥٥، «عمدة القاري» ١٥/ ٤٠، «التمهيد» ٤/ ٣١٥، «مواهب الجليل» ٢/ ٣٥، «الجامع لأحكام القرآن» ٣/ ٢١٠، «طرح التثريب» ٢/ ١٧٣، «روضة الطالبين» ١/ ١٨٢، «فتح الباري» ٨/ ١٩٦، «الإفصاح» ١/ ٢٢٣، «المغني» ٢/ ١٨، «الشرح الكبير» ٣/ ١٤١.
(١) سيأتي برقم (٥٩٤) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: التبكير بالصلاة في يوم غيم.
(٢) هو بريدة بن الحُصيب -بضم الحاء المهملة- بن عبد الله بن الحارث. أسلم قبل بدر ولم يشهدها وشهد الحديبية وبايع بيعة الرضوان ومات في خروجه غازيًا في سبيل الله بمروٍ في إمرة يزيد بن معاوية «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٧٥ (٧٢)، =



أسامة الهذلي، تابعي ثقة (١)، وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي (٢).
وأخرجه ابن ماجه وابن حبان من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عنه. قَالَ ابن حبان: وهم الأوزاعي في تصحيفه عن يحيى فقال: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة، واسمه عمرو. ثم ساقه من حديث الأوزاعي، عن يحيى عن أبي قلابة، عن عمه، عنه عَلَى الصواب (٣).
واعترض عليه الضياء المقدسى فقال: الصواب أبو المليح عن بريدة.
ثانيها:
اختلف في معنى تركها، فقال المهلب: معناه: من فاتته فوات مضيع متهاون بفضل وقتها مع قدرته عَلَى آدائها فحبط عمله في الصلاة خاصة. أي: لا يحصل له أجر المصلي في وقتها، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة.
وقال غيره: تركها جاحدًا، فإذا فعل ذَلِكَ فقد كفر وحبط عمله. ورد بأن ذَلِكَ مقول في سائر الصلوات، فلا مزية إذًا.
قد ورد من حديث عمر مرفوعًا: «من ترك صلاة متعمدًا أحبط الله

---------------
=»الاستيعاب«١/ ٢٦٣ (٢١٩)،»أسد الغابة«١/ ٢٠٩ (٣٩٨)،»الإصابة«١/ ١٤٦ (٦٣٢).
(١)»معرفة الثقات«للعجلي ٢/ ٤٢٩ (٢٢٦١)،»الجرح والتعديل«٦/ ٣١٩ (١٣٨١)،»الثقات«لابن حبان ٥/ ١٩٠،»تهذيب الكمال" ٣٤/ ٣١٨ (٧٦٤٩).
(٢) تقدمت ترجمته في شرح الحديث (١٦).
(٣) رواه ابن ماجه (٦٩٤) كتاب: الصلاة، باب: ميقات الصلاة في النعيم، وابن
حبان ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣ (١٤٧٠) كتاب: الصلاة، باب: الوعيد على ترك الصلاة.



عمله، وبرئت منه ذمة الله تعالى حَتَّى يراجع لله توبة» (١) وإسناده لا يقوى.
وقال ابن بزيزة: هذا عَلَى وجه التغليظ -إذ لا يحبط الأعمال إلا الشرك- أو حبط جزاء عمله أي: نقص بالنسبة إلى جزاء المحافظة عليها. وقال ابن التين: كاد أن يحبط.
وقال ابن العربي في «قبسه»: توقف عنه عمله مدة يكون فيها بمنزلة المحبط حَتَّى يأتيه من فضله ما يدرك به فوات علمه، أو يحبط عمله عند موازنة الأعمال، فإذا جاء الفضل أدرك الثواب.
ثالثها:
فيه البكور بها عَلَى التحري والأغلب لا عَلَى نفس الإحاطة، وقد اختار جماعة من العلماء في يوم الغيم تأخير الظهر وتعجيل العصر، وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في باب التبكير بالصلاة في يوم غيم (٢).

--------------------
(١) أخرجه الأصفهاني في «الترغيب» كما في «الضعيفة» ١١/ ٢٥٠ (٥١٥٠)، وقال الألباني: إنما أخرجت الحديث هنا من أجل الزيادة الشي في آخره: «حتى يراجع لله توبة» وإلا فهو بدونها صحيح، له شواهد كثيرة.
(٢) في شرح حديث رقم (٥٩٤).



١٦ - باب فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ
٥٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي الْبَدْرَ- فَقَالَ «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا، لَا تَفُوتَنَّكُمْ. [٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦ - مسلم: ٦٣٣ - فتح: ٢/ ٣٣]

٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». [٣٢٣٣، ٧٤٢٩، ٧٤٨٦ - مسلم: ٦٣٢ - فتح: ٢/ ٣٣]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث جرير بن عبد الله: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَة البَدْرِ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قَالَ إِسْمَاعِيلُ -يعني: ابن أبي خالد الراوي عن قيس، عن جرير- افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ.


الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، (وكرره) (٢) البخاري قريبًا في باب: فضل صلاة الفجر (٣)، ويأتي في التفسير (٤) والتوحيد (٥) أيضًا.
وأخرجه والأربعة أيضًا (٦)، وطرقه الدارقطني في «علله».
ولفظ البخاري في التوحيد: «إنكم سترون ربكم عيانًا» (٧)، وفي التفسير: فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة (٨) وفي آخر قريبًا: «لا تضامون» أو قَالَ: «لا تضاهون في رؤيته» (٩).
وعند اللالكائي عن البخاري: «إنكم ستعرضون عَلَى ربكم وترونه كما ترون هذا القمر» (١٠).
وعند مسلم: ثم قرأ جرير: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (١١) الآية. وله:

---------------
(١) برقم (٦٣٣) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما.
(٢) في (ج): وذكره.
(٣) سيأتي برقم (٥٧٣).
(٤) سيأتي برقم (٤٨٥١) باب: قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾.
(٥) سيأتي برقم (٧٤٣٤) باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾.
(٦) رواه أبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٥٥١)، وابن ماجه (١٧٧)، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٤١٩ (٧٧٦٢).
(٧) سيأتي برقم (٧٤٣٥).
(٨) سيأتي برقم (٤٨٥١).
(٩) سيأتي برقم (٥٧٣).
(١٠) «شرح أصول الاعتقاد» ٣/ ٥٢٧ (٨٢٨).
(١١) الذي وجدته في مطبوع «صحيح مسلم» ١/ ٤٣٩ (٦٣٣/ ٢١١) (ط. عبد الباقي) ﴿وَسَبِحْ﴾ بالواو، وكذا في «متن مسلم مع شرحه» للنووي ٥/ ١٣٤، أما في =



«فيتجلى لهم الرب تعالى» (١).
وعن صهيب عند مسلم: «فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه» (٢).
ثانيها:
تظاهرت الأخبار والقرآن وإجماع الصحابة فمن بعدهم عَلَى إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، رواها عن النبي - ﷺ - نحو من عشرين صحابيًّا كما ذكره النووي (٣).

-----------------
= مطبوع «المفهم» ٢/ ٢٦٢ فقال القرطبي: وقراءة جرير في هذا الموضع ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يشعر بأن قوله: فسبح (هكذا!!) بمعنى: فصل في هذين الوقتين. اهـ وعند أبي عوانة في مطبوعه ١/ ٣١٤ بالواو في صلب الكتاب، وأشار المحقق في هامشه إلى أن في الأصل: فسبح. اهـ. يعني: بالفاء بل إن في بعض نسخ البخاري لهذا الحديث ومنها نسخة أبي ذر الهروي والأصيلي والمستملي وأبي الوقت وأخرى لم يعلم صاحبها رمز لها بـ (عط).
أشير إلى ذلك في حاشية «اليونينية» ١/ ١١٥. وعلق عليها محققوها بقولهم: لكن التلاوة بالواو.
قلت: فلعل ما وقع في مطبوع مسلم ومن تبعه من إثبات ما عليه التلاوة نسخة من النسخ، أو على مذهب من قال بأن الآيات تكتب على رسم المصحف.
أن يكون فيه نظر؛ لأن الطبري روى في «تفسيره» ٨/ ٤٧٧ (٢٤٤٤٥ - ٢٤٤٤٨) قراءة ابن عباس، وجرير أيضًا وقتادة: بالفاء.
وأيضًا يؤيد إيراد المصنف القراءة بالفاء وتصحيح عزوها إلى مسلم ما أسلفت من إيضاح القرطبي صاحبه «المفهم» ٢/ ٢٦٢ لهذِه القراءة. ولعل في هذِه المسألة زيادة بيان لم تتحرر لي. والله أعلم.
(١) برقم (١٩١) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٢) برقم (١٨١) كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم -سبحانه وتعالى-.
(٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٥.



وأنت إذا تأملت ما ذكره اللالكائي (١)، والآجري في «الشريعة» (٢)، وأبو الشيخ في «السنة الواضحة»، وأبو نعيم زاد عَلَى العشرين.
وقد صرح بذلك ابن التين في شرحه، وهي مختصة بالمؤمنين ممنوعة من الكفار.
وفي «سنن اللالكائي» من حديث أنس وأبي بن كعب وكعب بن عجرة: سئل رسول - ﷺ - عن الزيادة في كتاب الله تعالى، قَالَ: «النظر إلى وجهه» (٣) وعن ابن عمر: «من أهل الجنة من ينظر إلى وجهه تعالى كدوة وعشية» (٤).
ومن حديث أبي عبيدة عن أبيه وذكر الموقف فيتجلى لهم ربهم.
وأبعد من قَالَ: يراه المنافقون أيضًا (٥).

--------------
(١) روى اللالكائي روايات كثيرة في هذا الباب عن الصحابة والتابعين والفقهاء ثم قال: فتحصل في الباب ممن روى عن رسول الله - ﷺ - من الصحابة حديث الرؤية ثلاث وعشرون نفسًا منهم: علي وأبو هريرة إلخ «شرح أصول الاعتقاد» ٣/ ٥٤٨.
(٢) انظر: ٢/ ٩٧٨ - ١٠٣٥ كتاب: التصديق بالنظر إلى الله -عز وجل-.
(٣) روى ذلك في «شرح أصول الاعتقاد» ٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦.
(٤) روي هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا عن ابن عمر رواه الترمذي (٢٥٥٣)، (٣٣٣٠)، وأحمد ٢/ ٦٤، وأبو يعلى ١٠/ ٧٦ - ٧٧ (٥٧١٢)، والحاكم ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠، واللالكائي ٣/ ٥٣٦ (٨٤٠) وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٨٧، مرفوعًا من طريق ثوير عن ابن عمر وهو واهي الحديث، وقال أبو عيسى: حديث غريب، وقال الحاكم: وثوير، وإن لم يخرجاه فلم ينقم عليه غير التشيع. وتعقبه الذهبي فقال: بل واهي الحديث، وقال ابن حجر: في سنده ضعف «فتح الباري» ٢/ ٣٤، وقال الألباني في «ضعيف الترمذي»: ضعيف، ورواه اللالكائي (٨٤١)، والترمذي عقب الرواية رقم (٢٥٥٣، ٣٣٣٠) موقوفًا، وفيه ثوير أيضًا.
(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد تنازع الناس في الكفار هل يرون ربهم
مرة ثم يحتجب عنهم أم لا يرونه بحال تمسكا بظاهر قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ ولأن الرؤية أعظم الكرامة والنعيم، والكفار لاحظ لهم في ذلك، =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= قالت طوائف من أهل الحديث والتصوف: بل يرونه ثم يحتجب، كما دل على ذلك الأحاديث الصحيحة التي في الصحيح وغيره، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مع موافقة ظاهر القرآن، قالوا وقوله: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ يشعر بأنهم عاينوا ثم حجبوا، ودليل ذلك قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؛ فعلم أن الحجب كان يومئذ. فيشعر بأنه يختص بذلك اليوم، وذلك إنما هو في الحجب بعد الرؤية، فأما المنع الدائم من الرؤية فلا يزال في الدنيا والآخرة. قالوا: ورؤية الكفار ليست كرامة ولا نعيمًا إذ «اللقاء» ينقسم إلى لقاء على وجه الإكرام ولقاء على وجه العذاب، فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء. ومما احتجوا به الحديث الصحيح حديث سفيان بن عيينة، حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟!!» وقد روى مسلم وأبو داود وأحمد في «المسند» وابن خزيمة في «التوحيد» وغيره قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس ليست في سحابة؟» قالوا: لا. قال: «والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما». قال: «فيلقى العبد فيقول: أي فل ألم أكرمك وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والابل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب قال:»فيقول: فظننت أنك ملاقي؟. فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني«. ثم قال:»يلقى الثاني فيقول له مثل ذلك. فيقول: أي رب، آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ها هنا إذا قال، ثم يقال: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، فذلك المنافق ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط الله عليه«. وقال: وهذا الحديث معناه في الصحيحين وغيرهما من وجوه متعددة، يصدق بعضها بعضًا؛ وفيه أنه سئل عن الرؤية فأجاب بثبوتها، ثم اتبع ذلك بتفسيره وذكر أنه يلقاه العبد، والمنافق، وأنه يخاطبهم، وفي حديث أبي سعيد وأبي هريرة أنه يتجلى لهم في القيامة مرة للمؤمنين والمنافقين، بعد ما تجلى لهم أول مرة، ويسجد المؤمنون دون المنافقين، وقد بسط الكلام على هذِه المسألة في غير هذا الموضع،»مجموع الفتاوى" ٦/ ٤٦٦ - ٤٦٨.


ومنع من ذَلِكَ المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة بناءً عَلَى أن الرؤية تلزمها شروط عقلية اعتقدوها، وأهل السنة لا يشترطون شيئًا من ذَلِكَ ومحل الخوض في ذَلِكَ أصول الديانات.
ثالثها:
قوله: «لا تُضامون» هو بضم التاء المثناة فوق مع تخفيف الميم، وعليها أكثر الرواة كما قَالَ ابن الجوزي.
والمعنى: لا ينالكم ضيم. والضيم أصله الظلم. وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين:
أحدهما: من مزاحمة الناظرين له، أي: لا تزدحمون في رؤيته، فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضا.
والثاني: من تأخره عن مقام الناظر المحقق، وكأن المتقدمين ضاموه. ورؤية الرب ﷻ يستوي فيها الكل بلا ضيم ولا ضرر ولا مشقة.
ورواية البخاري التي أسلفناها: «لا تضامون» أو «لا تضاهون» عَلَى الشك، أي: لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيتي.
وقيل: لا يشبهونه بغيره من المرئيات تقدس وتعالى. وروي «تضامُّون» بضم وتشديد الميم، وروي بفتح التاء وتشديد الميم، حكاهما الزجاج فيما حكاه ابن الجوزي.
وقال: المعنى فيهما لا تضاممون. أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض في وقت النظر؛ لإشكاله وخفائه، كما يفعلون عند النظر إلى الهلال.
وروي «تُضارُّون» بالراء المشددة والتاء مضمومة ومفتوحة ذكرهما الزجاج أيضًا. والمعنى: لا تضارون أي: لا يضار بعضكم بعضًا


بالمخالفة. قال ابن الأنبارى: هو يتفاعلون. من الضرار أي: لا ليتنازعون ويختلفون.
وروي «تُضارون» بضم التاء وتخفيف الراء أي: لا يقع بكم في رؤيته ضير ما بالمخالفة والمنازعة أو الخفاء المرئي. وروي «تمارون» مخفف الراء، أي: تجادلون، أي: لا يدخلكم شك.
رابعها:
قوله: («فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا») أي: لا يغلبكم عليها أحد.
وقول إسماعيل: افعلوا لا تفوتنكم (١). زاد أبو نعيم في قول إسماعيل هذا: قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب.
وقال المهلب: «إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ» يعني: شهودها في الجماعة، وخصَّ هذين الموقتين؛ لاجتماع الملائكة فيهما؛ ورفع أعمالهم فيها لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم، والصلاتان: الفجر والعصر.
وقوله: (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾) [ق: ٣٩] وقد أسلفت، لك أن جريرًا قرأه من عند مسلم. وقال شيخنا قطب الدين: لم يبين أحد في روايته من قرأ.
ثم ساق من طريق أبي نعيم في «مستخرجه» أن جريرًا قرأه. وقد: علمت أنه في مسلم فلا حاجة إلى عزوه إلى «مستخرجه». قالوا: وجه مناسبة ذكر الرؤية والصلاتين أن الصلاتين من أفضل القرب، فإنه قَالَ تعالى في صلاة الفجر: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾

----------------
(١) في إحدى نسخ البخاري: لا تفوتنكم بمثناتين فوقتين. انظر: هامش «اليونينية» ١/ ١١٥.


[الإسراء: ٧٨] وصلاة العصر هي الوسطى عَلَى الصحيح، وكأنه يقول: دوموا عَلَى أفضل القرب تنالوا أفضل العطايا وهو الرؤية، فإن بالمحافظة يتحقق الإيمان. والتسبيح في الآية: الصلاة.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ ..» الحديث.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد (١).
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا. وفي رواية لأبي القاسم الجُوذي في آخره: فحسبت أنهم يقولون: فاغفر لهم يوم الدين.
ثانيها:
قوله: «يتعاقبون» فيه دلالة لمن قَالَ من النحاة بجواز إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم، وهو لغة فاشية، وحمل عليه الأخفش ومن وافقه قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] وسيأتي في ذكر الملائكة «يتعاقبون».
وقال سيبويه والأكثرون: لا يجوز إظهار الضمير مع تقدم الفعل، يتأولون ما خالفهم ويجعلون الاسم بعده بدلًا من الضمير، ولا يرفعونه بالفعل، وكأنه لما قيل: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣] قيل: من هم؟ قيل: هم الذين ظلموا، وكذا: «يتعاقبون» ونظائره (٣).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٧٤٢٩) باب: قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾.
(٢) برقم (٦٣٢) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما.
(٣) وفيه مثل هو: أكلوني البراغيث. وضع علمًا على لغة طيء، وقيل: لغة أزد شنوءة =



ومعنى «يتعاقبون»: تأتي طائفة بعد طائفة، ومنه تعقيب الجيوش، وهو: أن يذهب قوم ويجيء آخرون.
ثالثها:
اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله بعباده المؤمنين ومكرمته لهم أن جعل اجتماع الملائكة عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم عَلَى طاعة ربهم، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير.
وقال ابن حبان في «صحيحه»: فيه بيان أن ملائكة الليل إنما تنزل والناس في العصر، وحينئذ تصعد ملائكة النهار ضد قول من زعم أن ملائكة الليل تنزل بعد الغروب (١).
رابعها:
هؤلاء الملائكة هم الحفظة عند الأكثرين، وحينئذٍ فسؤال الله لهم بقوله: «كيف تركتم عبادي؟» إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبه إياها عليهم، ويحتمل أن يكونوا غيرهم، فسؤاله لهم إنما هو عَلَى جهة التوبيخ لمن قَالَ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وإظهار لما سبق من علمه إذ قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهذِه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين، أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادته لهم، ولذلك قالوا: «أتيناهم وهم يصلون» إلى آخره، وهذا من خفي لطفه وجميل ستره، إذ لم يطلعهم

-----------------
= أو بلحارث، وقيل: بعض هذيل.
انظر: «الكتاب» ٢/ ٤٠ - ٤١، «سر صناعة الإعراب» ص ٦٢٩، «البحر المحيط» ٣/ ٢٤، «همع الهوامع» ١/ ١٦٠، «معجم الشواذ النحوية» ص ١٠٨.
(١) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٣٠ (١٧٣٧).



إلا عَلَى حال عبادتهم ولم يطلعهم عَلَى حال شهواتهم ولا خلواتهم ولذاتهم وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم، فسبحانه من كريم إذ ستر القبيح وأظهر الجميل.

١٧ - باب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَهً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوبِ
٥٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ». [٥٧٩، ٥٨٠ - مسلم: ٦٠٧، ٦٠٨ - فتح: ٢/ ٣٧]

٥٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا -قَالَ:- قَالَ اللهُ -عز وجل-: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». [٢٢٦٨، ٢٢٦٩، ٣٤٥٩، ٥٠٢١، ٧٤٦٧، ٧٥٣٣،- فتح: ٢/ ٣٨]

٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ. فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمُ الَّذِى شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا. فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ». [٢٢٧١ - فتح: ٢/ ٣٨]
ذكر فيه حديثين، الثاني من طريقين.


الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاَتهُ وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاَتهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا فيما سيأتي كما ستعلمه (١). وفي رواية لمسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة» وفي أخرى: «فقد أدركها كلها» (٢)، وهما من أفراده. ولهما من هذا الوجه: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٣).
وفي رواية للسراج في «مسنده»: «من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع فقد أدرك» (٤)، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث عائشة: «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها» (٥)، والسجدة إنما هي الركعة، وهو من أفراده أيضًا.
وللنسائي وابن حبان في «صحيحه»: «إذا أدرك أحدكم أول السجدة

----------------
(١) سيأتي برقم (٥٧٩) باب: من أدرك من الفجر ركعة، وبرقم (٥٨٠) باب: من أدرك من الصلاة ركعة.
(٢) مسلم (٦٠٧/ ١٦٢) كتاب: المساجد، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة.
(٣) سيأتي برقم (٥٨٠) باب: من أدرك من الصلاة ركعة، وفي مسلم (٦٠٧/ ١٦١) كتاب: المساجد.
(٤) كما في»حديث السراج" ٢/ ٢٩٢ (١١٩٨).
(٥) مسلم (٦٠٩) كتاب: المساجد.



من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته» وللنسائي (١): «من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس أو ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك» (٢).
ولأحمد: «من أدرك أول ركعة من صلاة العصر» (٣) بدل «سجدة».
وللنسائي أيضًا: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته» (٤) وفي رواية عن مالك: «فقد أدرك الفضل» (٥).
وفي رواية أخرى له: «فقد أدرك الصلاة كلها»، وللدارقطني: «قبل أن يقيم الإمام صلبه»، ولا بن عدي: «فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة» (٦).
ثانيها:
الإدراك: البلوغ إلى الشيء والوصول إليه واللحوق به. والمراد بالسجدة الركعة كما أسلفناه. وعليه تنطبق ترجمة البخاري حيث عبر بالركعة، وأورده بلفظ السجدة، وبوب عَلَى موضع الاتفاق؛ ليقيس عليه موضع الاختلاف، وهو الصحيح كما ستعلمه.

-------------------
(١) ورد في هامش الأصل: من خط المصنف في الهامش: هي مرسلة وعزاها ابن الأثير إليه من حديث ابن عمر، فلينظر.
(٢) النسائي ١/ ٢٥٧.
(٣) «المسند» ٢/ ٢٦٠.
(٤) النسائي ١/ ٢٧٥ من حديث سالم.
(٥) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٧/ ٦٤ وقال: لم يقله غير الحنفي عن مالك، والله أعلم، ولم يتابع عليه. وهو: أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي.
(٦) رواه ابن عدي ٧/ ٢٠٨ - ٢٠٩ قال: حدثنا حاجب بن مالك، ثنا عباد بن الوليد الغُبْري، ثنا صالح بن [زُرَيْق] المعلم، ثنا محمد بن جابر، عن أبان بن طارق، عن كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر. الحديث.



ونقل القرطبي عن الشافعي في أحد قوليه وأبي حنيفة أن السجدة ها هنا حقيقة عَلَى بابها. قَالَ: وأصحاب ذَلِكَ عَلَى قولهما أنه يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام (١).
ثالثها:
هذا الحديث ليس عَلَى ظاهره، فإنه لا يكون بالركعة مدركًا كل الصلاة؛ بدليل قوله - ﷺ -: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٢) وبفعل النبي - ﷺ - حيث فاتته ركعة من صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف، فلما سلم عبد الرحمن صلى الركعة التي فاتته (٣).
وقد أسلفنا روايته: «فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته»، والإجماع قائم عَلَى ذَلِكَ، فتعين تأويله وإضمار شيء فيه، وهو إما فضلها -وهو الأصح عند الشافعية- في إدراك فضل الجماعة بجزء (٤) خلافًا للغزالي (٥) -وقد أسلفنا ذَلِكَ في رواية- وإما وجوبها في حق أرباب الأعذار كالحائض تطهر، والكافر يسلم، والمجنون يفيق، والصبي يبلغ.
وأظهر قولي الشافعي الوجوب عليهم بإدراك جزء منها، وإن كان لا يسع ركعة بشرط امتداد السلامة من الموانع زمنًا يسع مقدار تلك

---------------
(١) «المفهم» ٢/ ٢٢٧.
(٢) سيأتى برقم (٦٣٦) من حديث أبي هريرة، كتاب: الأذان، باب: لا يسعى إلى الصلاة، وليأتِ بالسكينة والوقار، ورواه مسلم (٦٠٢) كتاب: المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهى عن إتيانها سعيًا.
(٣) روى ذلك مسلم برقم (٢٧٤/ ٨١) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الناصية والعمامة.
(٤) انظر: «التهذيب» ٢/ ٢٥٧، «الشرح الكبير» ٢/ ١٤٤، «المجموع» ٤/ ١١٦ - ١١٧.
(٥) «الوسيط» ١/ ٢٨٤.



الصلاة. وإليه ذهب أبو حنيفة (١)، وخالف فيه مالك (٢) والجمهور عملًا بمفهوم الحديث.
وأجاب المخالف بأن التقييد بركعة خرج مخرج الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه بركعة أو نحوها. والأظهر عند الشافعي أيضًا الإدراك بالوقت المذكور الصلاة التي قبلها إن كانت تجمع معها؛ لاشتراكهما في الوقت.
ونقل ابن بطال (٣) عن أبي حنيفة: أنه إذا أفاق لأقل من ركعة قبل الغروب أنه يلزمه قضاء خمس صلوات فدون ولا يلزمه أكثر من ذَلِكَ، ثم رده. وأما حكمًا، وهو الأصح عند الشافعية من الأوجه الخمسة أنه إن أدرك ركعة من الوقت فالكل أداء، وإلا فقضاء. وكل ذَلِكَ بسطناه في «الفروع».
وقيل: عَلَى تأويل فقد أدرك حكمها: أن المراد أن يلزمه من أحكام الصلاة ما لزم الإمام من الفساد والسهو وغير ذَلِكَ، ويتأيد بالرواية السالفة «مع الإمام». وحكاه ابن بطال عن مالك وجماعة (٤)، وهو مبطل قول داود وغيره: أن الحديث مردود إلى إدراك الوقت، إذ هما حديثان مختلفان كل منهما يفيد فائدة مستقلة.
وكان أبو ثور يقول: إنما ذَلِكَ لمن نام أو سها، ولو تعمد أحد ذَلِكَ كان مخطئًا مذمومًا بتفريطه (٥) وقد روي ذَلِكَ عن الشافعي (٦) ثم إذا

--------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٧٧، «تبين الحقائق» ١/ ٨٤.
(٢) انظر: «التمهيد» ٣/ ٢٧٦.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٨٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٨٢.
(٥) انظر: «الأوسط» ٢/ ٣٤٨.
(٦) «الأم» ١/ ٧٣.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #158  
قديم 28-01-2026, 04:27 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 201 الى صـــ 220
الحلقة (158)




قلنا: إن المراد: فقد أدرك فضلها، فهل يكون مضاعفًا كما في حق من أدركها من أولها؟ عَلَى قولين حكاهما القرطبي (١)، وإلى التضعيف ذهب أبو هريرة وغيره من السلف. وكذلك إن وجدهم قد سلموا عند هؤلاء كما هو ظاهر حديث أبي هريرة في «سنن أبي داود» (٢).
واختلف العلماء في الجمعة، فذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وزفر ومحمد والشافعي وأحمد إلى أن من أدرك منها ركعة أضاف إليها أخرى. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين. وهو قول النخعي والحكم وحماد (٣)، وأغرب عطاء ومكحول وطاوس ومجاهد فقالوا: إن من فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلي أربعًا؛ لأن الجمعة إنما قصرت من أجل الخطبة (٤).
وأما إدراك الركعة بالركوع خلف الإمام، فالأصح عند الشافعية أن يكون مدركًا لها به بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع، وهو مذهب الجمهور، منهم مالك وغيره. وروي عن أبي هريرة أنه لا يكون مدركًا لها به (٥).
وروي معناه عن أشهب. ونقل ابن بزيزة عن ابن أبي ليلى والثوري وزفر إدراكها بما إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه، وليركع قبل رفع

----------------
(١) «المفهم» ٢١/ ٢٢٤.
(٢) «سنن أبي داود» (٥٦٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أعطاه الله -عز وجل- من الأجر مثل أجر من حضرها وصلاها». والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٧٣).
(٣) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٣ (٥٣٥٥، ٥٣٥٧).
(٤) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٠ (٥٣٢٦، ٥٣٢٨).
(٥) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٩٧.



الإمام رأسه. وعن قتادة وحميد إدراكها بوضع اليدين عَلَى الركبة قبل رفع الإمام رأسه، فإن رفع قبل الوضع فلا (١).
وعن ابن سيرين إدراكها بإدراك تكبيرة الإحرام والركوع (٢). ونقل القرطبي عن جماعة من السلف أنه متى أحرم والإمام راكع أدركها وإن لم يدرك الركوع وركع مع الإمام. وقيل: يجزئه وإن رفع الناس ما لم يرفع الإمام (٣). ونقله ابن بزيزة عن الشعبي، وقال: إذا انتهى إلى الصف الآخر ولم يرفعوا رءوسهم أو بقي واحد منهم لم يرفع رأسه وقد رفع الإمام رأسه فإنه يركع وقد أدرك الصلاة (٤)؛ لأن الصف الذي هو فيه إمامه، وبعضهم أئمة بعض. وقيل: يجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام. حكاه القرطبي (٥). وقال أبو العالية فيما حكاه ابن بزيزة: إذا جاء وهم سجود سجد معهم، فإذا سلم الإمام قام فركع ركعة ولا يسجد، ويعتد له بتلك الركعة (٦).
قَالَ: وروى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا جاء والقوم سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رءوسهم سجد أخرى ولا يعتد بها. وقال ابن مسعود: إذا ركع ثم مشى فدخل في الصف قبل أن يرفعوا رءوسهم اعتدَّ بها، وإن رفعوا رءوسهم قبل أن يصل إلى الصف فلا (٧).

---------------
(١) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ٤/ ١٩٦.
(٢) انظر: «المحلى» ٣/ ٢٤٥.
(٣) «المفهم» ٢/ ٢٢٧
(٤) انظر: «الأوسط» ٤/ ١٩٧.
(٥) «المفهم» ٢/ ٢٢٧.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٨ (٢٦٠٧).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٩ (٢٦٢٢)، والطبراني في «الكبير» ٩/ ٢٧١ (٩٣٥٤، ٩٣٥٥).



والجمهور عَلَى ما أسلفناه. وكذا قَالَ ابن بطال: أئمة الفتوى متفقون عَلَى أن من لم يدرك الركعة لم يدرك السجدة (١).
رابعها:
جمهور العلماء عَلَى أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس يتمها. وانفرد أبو حنيفة (٢) فقال: تبطل بطلوعها، ويستقبلها بعد ارتفاعها، ووافقنا في العصر أنه يتمها بعد الغروب؛ لأن العصر يقع آخرها في وقت صالح للابتداء بالصلاة بخلاف الطلوع. وهذا فرق صوري، والشارع سوى بينهما، فلا معنى لهذا الفرق.
وقولهم: إنه أخَّر القضاء في حديث الوادي لأجل هذا عجيب، بل إنما أخَّره لقوله: «اخرجوا بنا منه فإن فيه شيطانًا» (٣).
والاستيقاظ كان بعد أن أحرقتهم الشمس. قالوا: والحديث محمول عَلَى أرباب الأعذار، وأيضًا كان قبل النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لأن النهي أبدًا يطرأ عَلَى الأصل الثابت. والجواب أن راوي حديثنا هذا أبو هريرة، وهو متأخر عن أخبار النهي، فإن راويها عمر وإسلامه قديم، نبه عليه ابن حزم. وعند أبي حنيفة أنه إذا قعد مقدار التشهد وطلعت تبطل أيضًا، وخالفه صاحباه.
خامسها:
خصت هاتان الصلاتان بالذكر دون غيرهما لشرفهما، والحكم لا يختص؛ بدليل الرواية السالفة: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد

----------------
(١) رواه عبد الرزاق ٢/ ٢٨٢ (٣٣٧٤).
(٢) انظر:»البحر الرائق" ١/ ٣٩٨.
(٣) رواه مسلم (٦٨٠/ ٣١٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها.



أدرك الصلاة»، ويحتمل أنهما طرفا الصلاة أولًا وآخرًا، والمصلي إذا صلى بعض الصلاة وطلعت الشمس أو غربت عرف خروج الوقت، فلو لم يبين الشارع هذا الحكم وعرف المصلي أن صلاته تجزئه لظن فوات الصلاة وبطلانها بخروج الوقت، وليس كذلك آخر أوقات الصلوات فإنها لا تعرف حقيقة إلا بعد الاعتبار والتدقيق؛ ولأن الشارع نهى عن الصلاة عند الطلوع وعند الغروب، فلو لم يبين لهم صحة صلاة من أدرك منهما لظن أن الصلاة تفسد بدخول هذين الوقتين وهو يصلي، فعرفهم ذَلِكَ ليزول هذا الوهم.
سادسها:
قدم ذكر السجدة في رواية البخاري هنا؛ لأنها هي السبب الذي به الإدراك، وأُخِّرت في رواية أخرى فقال: «من أدرك من الصبح سجدة» تقديمًا للاسم الذي يدل عَلَى الصلاة دلالة تتناول كل أوصافها، بخلاف السجدة فإنها دالة عَلَى البعض، فقدم الأعم.
الحديث الثاني:
ذكر حديث سالم، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا ..» الحديث.
ثم ذكر فيه حديث بريدة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عَنْ النبي - ﷺ -: «مَثَلُ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ». وذكر باقية الحديث، «وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ».


الكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث -أعني حديث ابن عمر- أخرجه البخاري أيضًا في فضائل القرآن (١)، والإجارة (٢)، وذكر بني إسرائيل (٣)، والتوحيد، وفيه: سمعت النبي - ﷺ - وهو قائم عَلَى المنبر (٤).
ثانيها:
إنما أدخل البخاري هذين الحديثين في هذا الباب لقوله فيه: «ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين»؛ ليدل عَلَى أنه قد استحق بعمل البعض أجر الكل مثل الذي أعطي من العصر إلى الليل أجر النهار كله المستأجر أولًا، فمثل هذا كالذي أعطي عَلَى ركعة أدرك فيها أجر الصلاة كلها في آخر الوقت.
وقال ابن المنير: إن قلت: ما وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة؟ وإنما هو مثال لمنازل الأمم عند الله، وأن هذِه الأمة أقصرها عمرًا، وأقلها عملًا، وأعظمها ثوابًا، ويستنبط منه البخاري بتكلف من قوله: «فعملنا إلى غروب الشمس» فدل عَلَى أن وقت العمل ممتد إلى الغروب وأنه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت: صلاة العصر، وهو من قبيل الأخذ من الإشارة لا من صريح العبارة،

-----------------
(١) سيأتي برقم (٥٠٢١)، باب: فضل القرآن على سائر الكلام.
(٢) سيأتي برقم (٢٢٦٨)، باب: الإجارة إلى نصف النهار، (٢٢٦٩)، باب: الإجارة إلى صلاة العصر.
(٣) سيأتي برقم (٣٤٥٩) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٦٧)، باب: في المشيئة والإرادة.



فإن الحديث مثال، وليس المراد عملًا خاصًّا بهذا الوقت هو صلاة، بل المراد سائر أعمال الأمة من سائر الصلوات وغيره من العبادات في سائر مدة بقاء الأمة إلى قيام الساعة، وتحتمل المطابقة ما سلف عن المهلب من أنه نبه عَلَى أن إعطاء البعض حكم الكل في الإدراك غير بعيد، كما أعطيت هذِه الأمة ببعض العمل في بعض النهار حكم جملة العمل في جملة النهار، فاستحقت جميع الأجر، وفيه بعد، فإنه لو قَالَ: إن هذِه الأمة أعطيت ثلاثة قراريط لكان أشبه، ولكنها ما أعطيت إلا بعض أجرة جميع النهار؛ لأن الأمتين قبلها ما استوعبا النهار فأخذتا قيراطين، وهذِه الأمة إنما أخذت أيضًا قيراطين، نعم عملت هذِه قليلًا فأخذت كثيرًا، ثم هو أيضًا منفك عن محل الاستدلال؛ لأن عمل هذِه الأمة آخر النهار كان أفضل من عمل المتقدمين قبلها، ولا خلاف أن صلاة العصر متقدمة أفضل من صلاتها متأخرة، ومراده عند الجمهور كما علمته في موضعه، ثم هذا من الخصائص المستثناة عن القياس، فكيف يقاس عليه؟ ألا ترى أن صيام آخر النهار لا يقوم مقام جملته، وكذلك سائر العبادات فالأول أولى (١).
ثالثها:
قوله: («إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم») في رواية الترمذي: «إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم» (٢) وهذا مثل ضربه - عليه السلام - لعمل هذِه الفرق الثلاثة، وهو إشارة إلى قرب الساعة وقلة ما بقي من الدنيا. وفي حديث أبي موسى أن اليهود طال زمن عملهم وزاد عَلَى مدة النصارى؛ لأنه كان بين موسى وعيسى في رواية

----------------
(١) انظر: «المتواري» ص ٩٢ - ٩٤.
(٢) الترمذي (٢٨٧١) كتاب: الأمثال، باب: ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله.



أبي صالح عن ابن عباس: ألف سنة وستمائة واثنان وثلاثون سنة (١)، وفي قول ابن إسحاق: ألف سنة وتسعمائة وتسع عشرة، ولا يختلف الناس -كما ذكره ابن الجوزي- أنه كان بين عيسى ونبينا - ﷺ - ستمائة سنة؛ فلهذا جعل عمل اليهود من أول النهار إلى وقت الظهر، وعمل النصارى من الظهر إلى العصر، ثم قد اتفق أيضًا تقديم اليهود عَلَى النصارى في الزمان، مع طول عمل أولئك وقصر عمل هؤلاء، فأما عمل المسلمين فإنه جعل ما بين العصر إلى المغرب، وذلك أقل الكل في مدة الزمان، فربما قَالَ قائل: إن هذِه قد كانت ستمائة سنة من المبعث، فكيف يكون زمانها أقل؟ ثم أجاب في نفي الخلاف في زمن الفترة عن ستمائة: عجيب، فقد ذكر الحاكم في «إكليله» أنها مائة وخمسة وعشرون سنة، وذكر غيره أنها أربعمائة.
رابعها:
تعلق بعضهم بمضمون هذا الحديث، وهو أن مدة المسلمين من حين مولد سيدنا رسول الله - ﷺ - إلى قيام الساعة ألف سنة وزيادة؛ وذلك لأنه - ﷺ - جعل النهار نصفين، الأول لليهود، فكانت مدتهم ما سلف، فتكون لهذِه الأمة والنصارى كذلك، فجاءت مدة النصارى كما سلف ستمائة سنة، الباقي وهو ألف سنة وزيادة للمسلمين، ويؤيد ذَلِكَ ما ذكره السهيلي أن جعفر بن عبد الواحد (٢) العباسي

---------------
(١) «تاريخ الطبري» ١/ ٤٩٥.
(٢) ورد في هامش الأصل (س): جعفر بن عبد الواحد قال الذهبي في «المغني» في ترجمته: متروك هالك.



القاضي حدث بحديث رفعه إلى النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم» (١) وقد انقضت الخمسمائة والأمة باقية. وذكر حديث زِمل الخزاعي (٢)، وأنه قصَّ عَلَى رسول الله - ﷺ - رؤياه، وقال: رأيتك يا رسول الله عَلَى منبر له سبع درجات وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنك تبعثها. ففسَّر له - ﷺ - الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها، ودرجات المنبر: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، بعثت في آخرها ألفًا (٣).
----------------
(١) «الروض الأنف» ٢/ ٢٩٥.
قال ابن حجر في «الفتح» ١١/ ٣٥٢:
وأما زيادة جعفر فهي موضوعة لأنها لا تعرف إلا من جهته، وهو مشهور بوضع الحديث، وقد كذبه الأئمة مع أنه لم يسق سنده بذلك، فالعجب من السهيلي كيف سكت عنه مع معرفته بحاله؟. اهـ.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: قال الذهبي في «التجريد» في ترجمة زمل الخزاعي: قص على النبي - ﷺ - رؤيا، ولا يصح ذلك، وذكره السهيلي. انتهى
وقد ذكر المؤلف في باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، وقال ابن زمل صوابه ما هنا والله أعلم.
(٣) هذا جزء من حديث طويل رواه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» ١/ ٢٠٠ (١٤٢) مختصرًا، والطبراني في «الكبير» ٨/ ٣٠٢ - ٣٠٤ (٨١٤٦)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٧/ ٣٦ - ٣٨، والديلمي في «مسند الفردوس» ٢/ ٢٣٢ من طريق سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن ابن زمل - رضي الله عنه - .. الحديث.
وفيه: سليمان بن عطاء، قال عنه أبو حاتم في «المجروحين»: شيخ يروي عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات، فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله. اهـ ١/ ٣٢٥، وقال الحافظ في «النتائج»: هذا حديث غريب، قال ابن السكن: هو حديث طويل في تعبير الرؤيا، وهو منكلر. قال البخاري: سليمان بن عطاء منكر الحديث. اهـ. وقال الحافظ أيضًا: وأبو مشجعة لا يعرف اسمه ولا حاله، انظر: =



قَالَ السهيلي: والحديث وإن كان ضعيف الإسناد، فقد روي موقوفًا عَلَى ابن عباس من طرق صحاح أنه قَالَ: الدنيا سبعة أيام، كل يوم ألف سنة وبعث رسول الله - ﷺ - في آخر يوم منها (١)، وصحح الطبري هذا الأصل وعضده بآثار، وذكر قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وإنما سبقتها بما سبقت هذِه هذِه» (٢) وأورده من طرقٍ كثيرةٍ صححها، فشبه - ﷺ - ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما انقضى بقدر ما بين السبابة والوسطى من التفاوت حيث قَالَ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (٣)= ٣/ ١٣٢، وقال في «الفتح»: سنده ضعيف جدًّا. انظر: ١١/ ٣٥١، وابن زمل: اختلف في اسمه فقيل: الضحاك، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن. واختلف في صحبته أيضًا فقيل: إنه صحابي، وقيل: إنه تابعي ولعل هذا هو الأقرب إلى الصواب، انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٤٧ (٢٥٥٢)، ٣/ ٢٤٦ (٢٩٥٠)، «الإصابة» ٢/ ٣١١.
(١) انظر: «الروض الأنف» ٢/ ٢٩٥. وفي تصحيح حديث ابن عباس الموقوف نظر.
ورواه الطبري موقوفًا في مقدمة «تاريخه» ١/ ١٥ عن ابن عباس قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة، فقد مضى ستة آلاف سنة ومائتا سنة، وليأتين عليها مئون من سنين [ما] عليها موحد.
ذكر الألباني في «السلسلة الضعيفة» ٨/ ١٠١ - ١٠٢ (٣٦١١): قال ابن كثير كما نقل السخاوي في «الفتاوى الحديثية» (ق ١٩٣/ ١): كل حديث ورد فيه تحديد وقت يوم القيامة على التعيين؛ لا يثبت إسناده.
(٢) رواه من حديث المستورد بن شداد الفهري الترمذي (٢٢١٣) بلفظ: عن النبي - ﷺ - قال: «بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذِه هذِه» لإصبعيه السبابة والوسطى. قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث المستورد بن شداد، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قال الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٣٣٩): ضعيف.
(٣) بهذا اللفظ سيأتي برقم (٦٥٠٤، ٦٥٠٥) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «بعثت أنا والساعة كهاتين» من حديث أنس وأبي هريرة.



وأشار بالسبابة والوسطى (١) وبينهما نصف سبع كما قَالَ السهيلي؛ لأن الوسطى ثلاثة أسباع، كل مفصل منها سبع، وزيادتها عَلَى السبابة (٢) نصف سبع. والدنيا عَلَى ما قدمناه عن ابن عباس سبعة آلاف سنة، فلكل سبع ألفا سنة، وفضلت الوسطى عَلَى السبابة بنصف الأنملة، وهو ألف سنة. فيما ذكره الطبري وغيره (٣).
وزعم السهيلي أن بحساب الحروف المقطعة في أوائل السور تكون تسعمائة سنة وثلاث سنين. وهل هي من مبعثه أو هجرته أو وفاته؟ (٤) فالله أعلم. قلت: وهذا من الغيب الذي استأثر الله به. وقد قَالَ - ﷺ - «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» (٥).
خامسها:
قولى: («كما بين صلاة العصر إلى الغروب») يحتمل كما قَالَ ابن العربي أن يريد: من أول وقتها ومن آخره، وهو الظاهر؛ لأنه لو كان من الأول لكان زمن المسلمين أكثر في العمل من زمان النصارى.
وظاهر الحديث يقتضي أن عمل النصارى أكثر لقولهم فيه: «نحن أكثر عملًا». وكثرته غالبًا تستدعي كثرة الزمان (٦).

----------------
(١) قال ابن حجر: وأخرجه الطبري عن هناد بلفظ: (وأشار بالسبابة والوسطى) بدل قوله: (يعني إصبعيه) ثم قال: وهذا يدل على أن في رواية الطبري إدراجًا. انظر: «فتح الباري» ١١/ ٣٤٩.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: سبابته - ﷺ - أطول من الوسطى جاء ذلك في حديث رواه.
(٣) انظر: الطبري في «تاريخه» ١/ ١٨ وما بعدها.
(٤) ذكر ذلك كله السهيلي في «الروض الأنف» ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٥) سبق برقم (٥٠) من حديث أبي هريرة، كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة.
(٦) «عارضة الأحوذي» ١٠/ ٣٢١.



سادسها:
قوله: («أوتي أهل التوارة التوارة فعملوا حَتَّى إذا. انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا») هذا مخالف لرواية أبي موسى السالفة: «لا حاجة لنا إلى أجرك» وفيه: «فعملوا حَتَّى إذا كان العصر قالوا: لك ما عملنا» ورواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر (١). ففيه: قطع الأجرة لكل فريق، واستوفي العمل، وأبقى الأجرة.
وفيه: قطع الخصومة، وزوال العتب عنهم، وإبراؤهم من الذنب.
واكتفي الراوي منه بذكر مآل الأمر إليه من الأجرة ومبلغها دون غيرها من ذكر عجزهم عن العمل، ذكره الخطابى (٢).
وقولهم: «لا حاجة لنا إلى أجرك». إشارة إلى تحريفهم الكتب، وتبديلهم الحال، وانقطاعهم عن بلوغ الغاية، فحرموا إتمام الأجرة؛ لامتناعهم من تمام العمل الذي ضمنوه. قَالَ: وكأن الصحيح رواية سالم وأبي بردة (٣).
فائدة:
القيراط من الوزن معروف، قَالَ في «الصحاح»: وهو نصف دانق (٤). قَالَ القزاز: وأصله من قولهم: قرط فلان عَلَى العطاء إذا أعطاه قليلًا قليلًا.
سابعها:
قوله: («عجزوا») قَالَ الداودي: قوله: «عجزوا» قاله أيضًا في

---------------
(١) سيأتي برقم (٢٢٦٨) كتاب: الإجارة، باب: الإجارة إلى نصف النهار.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٤٤٣.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٤٤٤.
(٤) «الصحاح» ٣/ ١١٥١، مادة: (قرط).



النصارى، وفي حديث أبي موسى: «لاحاجة لنا إلى أجرك». حكاه عن اليهود: «لك ما عملنا». قَالَ: فإن كان وصف من مات مسلمًا من قوم موسى فلا يقال: عجزوا، وكذا من مات مسلمًا من قوم عيسى، وإن كان قاله فيمن آمن ثم كفر، فكيف يعطى القيراط من حبط عمله فكفر؟ وقال ابن التين: يحمل حديث ابن عمر: «نحن أكثر عملًا وأقل عطاء». عَلَى من مات مسلمًا من أهل الكتابين. وحديث أبي موسى: «لك ما عملنا» باطل. عَلَى من بدَّل دينه بعد نبيه.
قلت: ورواية أبي موسى هذِه أخرجها الإسماعيلي وأبو نعيم، وفيه قالوا: «لا حاجة لنا في أجرتك التي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، اعملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركو اذَلِكَ عليه، فأستاجر قومًا آخرين، فقال لهم: اعملو ابقية يومكم ولكم الذي شرطت لهؤلاء من الأجر. فعملوا حَتَّى كان العصر، فقالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا، لا حاجة لنا فيه. فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير وخذوا أجركم. فأبوا عليه، فاستأجر قومًا آخرين، فعملوا بقية يومهم، حَتَّى إذا غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين والأجر كله». ذلك مثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله، ومثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله - ﷺ -.
ثامنها:
قوله: («ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين»)
فيه: تفضيل هذِه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها، وإنما فضلت


لقوة يقينها ومراعاة أصل دينها، فإن زلت فأكثر زللها في الفروع جريًا بمقتضى الطباع لا قصدًا، ثم تتداركه بالاعتراف الماحي للاقتراف، وعموم ذَلِكَ ممن قبلهم كان في الأصول والمعاندة للشرائع كقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] وكامتناعهم من أخذ الكتاب حَتَّى نتق الجبل فوقهم، و: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] وقد علم ما كانت الصحابة تؤثره وتزدحم عليه من الشهادة في سبيله، وهذا مَنٌّ منه لا وجوب عليه تعالى، ولما قالت اليهود والنصارى: «ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟» فقال الرب ﷻ: «هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ -يعني: الذي شرطت لكم- قالوا: لا. قَالَ: فذلك فضلي أوتيه من أشاء». ولعل قولهم: «نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً» (١) أي: لا نرضى بهذا، ثم تركوا ذَلِكَ وقالوا: «لك ما عملنا باطلا» كما سلف، واتفقا الحديثان، وجاء في بعض الروايات: «فغضبت اليهود والنصارى»- يعني: الكفار؛ لأن غيرهم لا يغضب من حكم الرب تعالى. وقال الإسماعيلي: إنما قالت النصارى: نحن أكثر عملًا؛ لأنهم امنوا بموسى وعيسى، فكان لهم عمل اليهود وزيادة ما عملوا من الإيمان بعيسى إلى أن بُعث نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام.
وما ذكره من إيمان النصارى بموسى فيه نظر. ويحتمل أن يكون قولهم: «نحن أكثر عملًا» يعني: اليهود؛ لأنهم عملوا ست ساعات.
وقولهم: «وأقل عطاء». يعني: النصارى، وإن كانوا متقاربين مع المسلمين في العمل، فيكون الحديث عَلَى العموم في اليهود، وعلى الخصوص في النصارى، وقد يأتي في الكلام إخبار عن جملة،

----------------
(١) سيأتي برقم (٢٢٦٩) كتاب: الإجارة، باب: الإجارة إلى صلاة العصر.


والمراد بعضها كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] إنما يخرج من الملح لا العذب. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي كان يوشع بدليل قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقيل: يحتمل أن كل طائفة منهما أكثر عملًا وأقل أجرًا؛ لأن النصارى عملت إلى صلاة العصر لا إلى وقت العصر، فيحمل عَلَى أنها عملت إلى آخر وقت العصر، ذكره ابن القصار.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن تكون الزيادة التي يتبين بها وقت العصر، وهو أن يصير ظل الشيء مثله، وزاد أدني زيادة التي كانت عند الزوال، فزادت مدة الظهر أكثر من مدة العصر، فهي زيادة في العمل.
تاسعها:
استنبط أصحاب أبي حنيفة، منهم الدَّبوسي في «أسراره» وغيره من هذا الحديث أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ لأنه إذا كان كذلك كان قريبًا من أول العاشرة، فيكون للغروب ثلاث ساعات غير شيء يسير، ويكون النصارى أيضًا عملوا ثلاث ساعات وشيئًا يسيرًا، وهو من أول الزوال إلى أول الساعة العاشرة، وهو إذا صار ظل الشيء مثله، فاستوى في الزمن النصارى مع المسلمين إلا في شيء يسير لا اعتبار به، واعترض عَلَى ذَلِكَ بأمور
منها: أن النصارى لم تقله، إنما قاله الفريقان، ووقتهما أكثر من وقتنا، فيستقيم قولهم: «أكثر عملًا». وأجيب بأنهما لم يتفقا عَلَى قول واحد، بل قالت النصارى: «كنا أكثر عملًا وأقل عطاءً». وكذا اليهود، باعتبار كثرة العمل وطوله، كقوله تعالى حاكيًا عنهم: "وَقَالَتِ اَليَهُودُ


وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وإنما قَالَ ذَلِكَ اليهود وحدها، والنصارى وحدها؛ لأن اليهود لا يقولون أن النصارى أبناء الله وأحباؤه، وكذا النصارى.
ومنها: ما قاله الجويني من أن الأحكام لا تتعلق بالأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال، فإنه موضع تجوز وتوسع. قَالَ ابن العربي: وليس كما قَالَ؛ لأن الشارع لا يقول إلا حقًّا تمثل أو توسع، وقوله: («من صلاة العصر») يحتمل أول الوقت وآخره، فلا يقضى بأحد الاحتمالين عَلَى الآخر (١).
ومنها: أن هذا الحديث قصد به ذكر الأعمال لا بيان الأوقات كما سلف في رواية أبي نعيم والإسماعيلي، فهو مثل ضرب للناس الذين شرع لهم دين موسى عليه أفضل الصلاة والسلام؛ ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم وينهاهم إلى أن بعث الله عيسى عليه أفضل الصلاة والسلام، فأمرهم باتباعه فأبوا وتبرءوا مما جاء به وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا باقي الدهر بما يؤمرون به، فعملوا حتى بعث سيدنا رسول الله - ﷺ - فدعاهم إلى العمل بما جاء به فأبوا وعصوا، فجاء الله بالمسلمين، فعملوا بما جاء به، ويعملون إلى قيام الساعة، فلهم أجر من عمل الدهر كله بعبادة الله، كإتمام النهار الذي استؤجر عليه كله، فقدر لهم مدة أعمال اليهود ولهم أجرهم إلى أن نسخ الله شريعتهم بعيسى. وقال عند مبعث عيسى: من يعمل مدة هذا الشرع وله أجر قيراط؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله ذَلِكَ بنبينا محمد - ﷺ -، ثم قَالَ متفضلًا عَلَى المسلمين: من يعمل بقية النهار إلى

-----------------
(١) «عارضة الأحوذي» ١٠/ ٣٢٢.


الليل وله قيراطان؟ فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدهر. فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى وعمل بشريعته له أجره مرتين، وكذلك النصارى إذا آمنوا بنبينا كما جاء في الحديث: «ورجل آمن بنبيه وآمن بي» (١) يعني: يؤتى أجره مرتين.
وحديث الأوقات: قصد به الأوقات، وما قصد به بيان الحكم مقدم عَلَى غيره.

-------------------
(١) سلف من حديث أبي موسى برقم (٩٧) كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله.


١٨ - باب وَقْتِ المَغْرِبِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِب وَالْعِشَاءِ.

٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ -مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ- قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. [مسلم: ٦٣٧ - فتح: ٢/ ٤٠]

٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَدِمَ الْحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا -أَوْ كَانَ النَّبِيُّﷺ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ. [٥٦٥ - مسلم: ٦٤٦ - فتح: ٢/ ٤١]

٥٦١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. [مسلم: ٦٣٦ - فتح: ٢/ ٤١]

٥٦٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا. [انظر: ٥٤٣ - مسلم:٧٠٥ - فتح ٢/ ٤١]
ذكر فيه أثرًا عن عطاء وأربعة أحاديث.
أما الأثر فقال: وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِب وَالْعِشَاءِ (١).
وهذا قد سلف الكلام عليه في باب: تأخير الظهر إلى العصر (٢).
وأما الأحاديث:

---------------
(١) في شرح حديث (٥٤٣).
(٢) عزاه الحافظ في «الفتح» ٢/ ٤١ لعبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء.



فأحدها: عن أبي النجاشي مولى رافع سمع: رَافِعَ بْنَ خَدِيج يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
أبو النجاشي هذا اسمه: عطاء بن صهيب، تابعي ثقة (١). والحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢).
ثانيها:
النبل: السهام الصغار العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. وقيل: واحده: نبلة، والجمع: نبال وأنبال (٣).
ثالثها:
الحديث دال عَلَى المبادرة بالمغرب في أول وقتها بمجرد الغروب، وهو إجماع (٤)، ولا عبرة بمن شذ فيه ممن لا يعتد به، والأحاديث التي قد تشعر بالتأخير وردت لبيانه، فإنها كانت جواب سائل عن الوقت، والتقديم هو المعهود من عادته. وحديث أبي بصرة: «لا صلاة بعد

-----------------
(١) هو عطاء بن صهيب الأنصاري، أبو النجاشي مولى رافع بن خديج، حديثه عند أهل اليمامة، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب:»الثقات«وقال: وكان قد صحب رافع بن خديج ست سنين، روى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه،»التاريخ الكبير«٦/ ٤٦٦ (٣٠٠٥)،»ثقات العجلي«٢/ ١٣٩ (١٢٥٢)، و»الجرح والتعديل«٦/ ٣٣٤ (١٨٤٩)،»الثقات«٥/ ٢٠٣،»تهذيب الكمال«٢٠/ ٩٤ (٣٩٣٥).
(٢) مسلم (٦٣٧) كتاب: المساجد، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس.
(٣) انظر:»الصحاح«٥/ ١٨٢٣،»لسان العرب«٧/ ٤٤٣٠ مادة: (نبل).
(٤) انظر:»الإجماع" ص ٤١.



العصر حَتَّى يطلع الشاهد» والشاهد: النجم. أخرجه مسلم (١)، لا ينافيه.
وحديث عبد العزيز بن رفيع، قَالَ رسول الله - ﷺ -: «عجلوا بصلاة النهار في يوم غيم، وأخروا المغرب» أخرجه أبو داود في «مراسيله» (٢)، والمراد -والله أعلم- تحقق الغروب. ووقتها عند الشافعي: بمضى قدر وضوء، وستر عورة وأذانين، وخمس ركعات من وقت الغروب، وبه قَالَ مالك والأوزاعي، وله أن يستديمها إلى مغيب الشفق. والقوي من جهة الدليل بقاؤه إلى مغيب الشفق، وبه قَالَ أبو حنيفة (٣) والثوري وأحمد وإسحاق (٤). وعن طاوس: لا يفوت المغرب والعشاء حَتَّى الفجر (٥). وعن عطاء: لا يفوتا حَتَّى النهار (٦).
وفي «مصنف عبد الرزاق» عن ابن جريج، أخبرني عبد الرحمن بن سابط أن أبا أمامة سأل النبي - ﷺ -: متى غروب الشمس؟ قَالَ: «من أول ما تصفر إلى أن تغرب» (٧).

-----------------
(١) رواه مسلم (٨٣٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٢) ص ٧٨ (١٣). ذكره الحافظ في «الفتح» ٢/ ٦٦ وعزاه لسعيد بن منصور في «سننه» وقال: إسناده قوي مع إرساله.
وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٦٨٨)، وفي «الضعيفة» (٣٨٥٦) وقال: هذا إسناد ضعيف، ورجاله ثقات، وهو مرسل.
(٣) انظر: «تبين الحقائق» ١/ ٨٤، «البناية» ٢/ ٤٨.
(٤) انظر: «الكافي» ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٨٤ (٢٢٢٢).
(٦) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٨٢ (٢٢١٩).
(٧) عبد الرزاق ٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥ (٣٩٤٨).



الحديث الثاني:
حديث محمد بن عمرو بن الحسن بن علي: قَالَ: قَدِمَ الحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإِذا رَآهُمْ أَبْطَئوْا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا -أو كان النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث يأتي قريبًا في وقت العشاء (١)، وقد أخرجه مسلم أيضًا (٢)، ثم قوله: (قَدِمَ الحجاج) كذا هنا، وفي رواية معاذ بن معاذ عن شعبة: كان الحجاج يؤخر الصلوات، فسألنا جابر بن عبد الله (٣).
وفي رواية أحمد بن حنبل وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، عن غندر: قدم الحجاج المدينة فسألنا جابر بن عبد الله (٤) الحديث.
ثانيها: في ألفاظه:
الهاجرة: شدة الحر، والمراد هنا: نصف النهار بعد الزوال.
والنقي: الخالص. والوجوب: السقوط للغروب، والمراد: سقوط فرضها، وفاعل وجب مستتر وهو الشمس. والأحيان: جمع حين يقع عَلَى الكثير من الزمان والقليل.

--------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٥) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٢) مسلم (٦٤٦) كتاب: المساجد، باب: استحباب التكبير بالصبح في أول وقتها …
(٣) مسلم (٦٤٦/ ٢٣٤).
(٤) رواه أحمد ٣/ ٣٦٩، وابن أبي شيبة ١/ ٢٨١ (٣٢٢٤).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #159  
قديم 28-01-2026, 04:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 221 الى صـــ 240
الحلقة (159)






وقوله: (والصبح كانوا -أو كان النبي - ﷺ - يصليها بغلس). المعنى: كانوا معه مجتمعين أو لم يكونوا معه مجتمعين، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصليها بغلس، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وإنما كان شأنه التعجيل فيها أبدًا، وهذا من أفصح الكلام، وفيه حذفان كما نبه عليه ابن بطال: حذف خبر كان، وهو جائز كحذف خبر المبتدأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، أي: فعدتهن مثل ذَلِكَ: ثلاثة أشهر. وحذف الجملة التي هي الخبر لدلالة ما سلف عليه (١).
وقوله: (أو) يعني: لم يكونوا مجتمعين، حذف الجملة التي بعد (أوْ) مع كونها مقتضية لها. التقدير: أو لم يكونوا مجتمعين، كما قلناه، ويصح -كما قَالَ ابن التين- أن تكون كان هنا تامة، فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف ما بعد (أوْ) خاصة.
ثالثها: في أحكامه:
فمنها: فضيلة أول الوقت، ومنها أن سقوط الفرض يدخل به وقت المغرب، ومنها أن تقديم العشاء أفضل عند الاجتماع، وتأخيرها عند عدمه، وهو قولٌ عند المالكية (٢)، والصحيح عند أصحابنا والمالكية التقديم أفضل مطلقا (٣). وأكثر أهل العلم عَلَى أن التأخير أفضل، حكاه الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة والتابعين (٤)، وبه يقول

--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) انظر: «التمهيد» ١/ ١٢٥، «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٦.
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٨١، «التمهيد» ١/ ١٣١، «الأوسط» ٢/ ٦٥٩ - ٦٦٠.
(٤) «سنن الترمذي» عقب حديث (١٦٧).



أحمد (١) وإسحاق وأبو حنيفة (٢). واستثنى بعضهم عن أبي حنيفة ليالي الصيف، فإن التقديم أفضل، ويكره عنده تأخيرها بعد الثلث، وفي الغيمة يحرم تأخيرها بعد النصف، ومنها: التغليس بالصبح، وقد سلف.
الحديث الثالث:
حَدَثَنَا مكي بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ إِذَا المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ.
وهذا الحديث أحد ثلاثيات البخاري، وأخرجه مسلم أيضًا بلفظ: كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب (٣). ومعنى توارت: استترت بما يحجبها عن الأبصار. وفي أبي داود: إذا غاب حاجبها (٤). وهو دال عَلَى المبادرة بها أيضًا.
الحديث الرابع:
حديث ابن عباس: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - سَبْعًا جَمِيعًا، وَثَمَانِيًا جَمِيعًا.
وهذا الحديث تقدم في تأخير الظهر إلى العصر (٥)، ويأتي أيضًا في صلاة الليل وغيره (٦).

---------------
(١) انظر: «الإفصاح» ١/ ٢٢٢، «المغني» ٢/ ٤٢.
(٢) «سنن الترمذي» عقب حديث (١٦٧).
(٣) مسلم (٦٣٦) كتاب: المساجد، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس.
(٤) «سنن أبي داود» (٤١٧).
(٥) سبق برقم (٥٤٣).
(٦) سيأتي برقم (١١٧٤) كتاب: أبواب التهجد، باب: من لم يتطوع بعد المكتوبة.



١٩ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ: العِشَاءُ
٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ -هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ الْمُزَنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ». قَالَ: وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: هِيَ الْعِشَاءُ. [فتح: ٢/ ٤٣]
ذكر فيه حديث الحسين -يعني: المعلم- عِن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله المزني: أَنَّ رسول الله - ﷺ - قالَ: «لَا تَغْلِبَنَكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاِتكُمُ المَغْرِب». قَالَ: وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: هي العِشَاءُ.
هذا الحديث من أفراد البخاري، ورواه الإسماعيلي مرة هكذا، ومرة بلفظ «لا تغلبنكم الأعراب عَلَى اسم صلاتكم، فإن الأعراب تسميها عتمة». ثم قَالَ: الحديث الأول يدل عَلَى أنه في صلاة العشاء الآخرة، وكذلك روي عن ابن عمر في العشاء الآخرة التحذير من أن تغلبهم الأعراب عَلَى اسم صلاتهم، يعني: حديث مسلم، وهو من أفراد: «لا تغلبنكم الأعراب عَلَى اسم صلاتكم، ألا أنها العشاء وهم يعتمون بالإبل» (١). وفي لفظ: «عَلَى اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل» (٢) أي: تؤخر الحلب إلى أن يعتم الليل، وهو ظلمة أوله، ويسمون الحلبة الأخيرة: العتمة، فلا تسمو القربة باسم ما ليس بقربة، وتسميتها في كتاب الله: العشاء.
وقد عقد البخاري بعد ذَلِكَ بابًا في تسمية العشاء: عتمة، ومن رآه واسعًا فذلك لبيان الجوار؛ أو لأنه متقدم عَلَى نزول الآية، وهي: ﴿وَمِن

------------------
(١) مسلم (٦٤٤) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٢) مسلم (٦٤٤/ ٢٢٩).



بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] أو أنه خوطب به من يشتبه عليه العشاء بالمغرب.
ومعنى: «لا تغلبنكم» كما قَالَ الأزهري: لا يغرنكم فعلهم هذا عن صلاتكم فتؤخروها، ولكن صلوها إذا كان وقتها.
قوله: «وتقول الأعراب: هي العشاء» العشاء: أول ظلام الليل، وذلك حين يكون من غيبوية الشفق، فلو قيل في المغرب عشاءً لأدى إلى اللبس بالعشاء الآخرة.
وقال المنذري: يجوز أن يكون منسوخًا، وناسخه: «لا تغلبنكم الأعراب»، ويحتمل عكسه؛ فإن التاريخ في التقدم لأحدهما متعذر.
ونقل ابن بطال عن بعضهم أنه لا ينبغي أن يقال للمغرب العشاء الأولى كما تقول العامة، وتفرد كل صلاة باسمها؛ ليكون أبعد من الإشكال (١).
وفي «المصنف»: حَدَّثَنَا وكيع، ثَنَا شريك، عن أبي فزارة، عن ميمون بن مهران قَالَ: قلت لابن عمر: من أول من سماها العتمة؟ قَالَ: الشيطان (٢).

------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٩٩ (٨٠٨٠)، و٧/ ٢٥٦ (٣٥٨٢٢).



٢٠ - باب ذِكْرِ العِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: «أثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالْفَجْرُ». [انظر: ٦٤٤] وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالْفَجْرِ». [انظر: ٦١٥] قَالَ أبُو عَبْدِ الله: وَالاِخْتِيَارُ أنْ يَقُولَ: العِشَاءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. وُيذْكَرُ عَنْ أبِي مُوسَى قَالَ: كُنا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ - ﷺ - عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ فَأعْتَمَ بِهَا [انظر ٥٦٧]. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ: أَعْتَمَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالْعِشَاءِ. [انظر: ٥٦٦]. وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْعَتَمَةِ [انظر: ٥٦٦]. وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُصَلَّي العِشَاءَ [انظر: ٥٦٠]. وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُؤَخِّرُ العِشَاءَ [انظر:- ٥٤١]. وَقَالَ أَنَسٌ: أَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - العِشَاءَ الآخِرَةَ [انظر: ٥٧٢]. وَقَالَ ابن عُمَرَ، وَأبُو أيُّوبَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. [انظر: ٥٤٣، ١٠٩١، ١٦٧٤ - فتح: ٢/ ٤٤]

٥٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُس، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَالِمٌ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ -وَهْيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ- ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». [انظر: ١١٦ - مسلم: ٢٥٢٧ - فتح: ٢/ ٤٥]
قد تقدم فقه ذَلِكَ قريبًا في الباب قبله، وقد أباح تسميتها بالعتمة أيضًا أبو بكر وابن عباس فيما ذكره ابن أبي شيبة (١).

----------------
(١) «المصنف» ٢/ ٢٠٠ (٨٠٨٤، ٨٠٨٥).


ثم ذكر في الباب أحاديث فيها التسمية بالعشاء والعتمة، فقال: وقَالَ أبُو هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالْفَجْرُ».
وهذا قد أسنده في فضل العشاء في جماعة، كما سيمر بك (١)، وقال: «لو تعلمون ما في العتمة والفجر» وهذا قد أسنده في الأذان (٢) والشهادات من حديث أبي هريرة أيضًا، وأوله: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» (٣).
ثم قَالَ البخاري: والاختيار أن يقول: العشاء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] هو كلما قَالَ موافقة للفظ القرآن، وإن كانت السنة ثبتت به وبالعتمة أيضًا. وقد سلف الكلام عَلَى حديث النهي، وقال به سالم وابن سيرين (٤)، وأجازه أبو بكر وابن عباس كما سلف.
قَالَ البخاري: ويذكر عن أبي موسى: كنا نتناوب النبي - ﷺ - عند صلاة العشاء فأعتم بها.
وهذا قد أسنده في باب: فضل العشاء (٥)، وأخرجه مسلم أيضًا (٦)،

-----------------
(١) سيأتي برقم (٦٥٧) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (٦١٥) باب: الاستهام في الأذان.
(٣) سيأتي برقم (٢٦٨٩) باب: القرعة في المشكلات.
(٤) روى ذلك ابن أبي شيبة ٢/ ١٩٩ (٨٠٧٩، ٨٠٨٢).
(٥) سيأتي برقم (٥٦٧) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٦) مسلم (٦٤١) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.



وهو راد عَلَى من قَالَ: إن التعليق الممرض نازل عند البخاري عن رتبة المجزوم به.
ثم قال البخاري: وقال ابن عباس وعائشة: أعتم النبي - ﷺ - بالعشاء.
وهذان قد أسندهما بعد، الأول: في النوم قبل العشاء (١)، والثاني: في باب فضل العشاء (٢).
ثم قَالَ: وقال بعضهم عن عائشة: أعتم النبي - ﷺ - بالعتمة. وهذا قد أسنده النسائي من حديث شعيب، عن الزهري، عن عروة، عنها قالت: أعتم رسول الله - ﷺ - ليلة بالعتمة (٣). وأسنده مسلم من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عنها قالت: أعتم رسول الله - ﷺ - ليلة من الليالي بصلاة العشاء (٤).
ثم قَالَ: وقال جابر: كان النبي - ﷺ - يصلي العشاء. وهذا قد أسنده في الباب بعد هذا، وسلف أيضًا في الباب قبله (٥).
ثم قَالَ البخاري: وقال أبو برزة: كان النبي - ﷺ - يؤخر العشاء. وهذا قد أسنده في باب: وقت العصر، وقد سلف، ولفظه: وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة (٦).
ثم قَالَ: وقال أنس: أخر النبي - ﷺ - العشاء الآخرة. وهذا قد أسنده في باب: وقت العشاء إلى نصف الليل (٧).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٥٧١).
(٢) سيأتي برقم (٥٦٦).
(٣) أخرجه النسائي ١/ ٢٦٧.
(٤) مسلم (٦٣٨) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٥) سيأتي برقم (٥٦٥) باب: وقت العشاء، إذا اجتمع الناس أو تأخروا. وسلف برقم (٥٦٠) باب: وقت المغرب.
(٦) سلف برقم (٥٤٧).
(٧) سيأتي برقم (٥٧٢).



ثم قَالَ: وقال ابن عمر وأبو أيوب وابن عباس: صلى النبي - ﷺ - المغرب والعشاء. وهذا مسند في أبي داود وابن ماجه (١).
ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا عَبْدَانُ -هو عبد الله بن عثمان- ثنا عَبْدُ اللهِ -هو ابن المبارك- أنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٌ، عن أبيه: صَلَّى لنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ -وَهْيَ التِي يَدْعُو النَّاسُ العَتَمَةَ- ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أريتكم لَيْلَتَكُمْ هذِه؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».
وهذا الحديث قد سلف الكلام عليه مبسوطًا في كتاب: العلم، في باب: السمر فيه (٢)، وذكرنا أن بعض الناس يعلق به عَلَى عدم حياة الخضر - عليه السلام -، وأجبنا عنه فراجعه، وذكرنا حال الخضر في باب: ما ذكر من ذهاب موسى في البحر إلى الخضر (٣)، فراجعه منه تجد ما يشفي الغليل.

------------------
(١) أما حديث ابن عمر فسيأتي مسندًا برقم (١٠٩١) كتاب: تقصير الصلاة، باب: يصلي المغرب ثلاثًا في السفر، ورواه مسلم (٧٠٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وأبو داود (١٢٠٧) كتاب: صلاة السفر، باب: الجمع بين الصلاتين، وأما حديث أبي أيوب فسيأتي مسندًا برقم (١٦٧٤) كتاب: الحج، باب: من جمع بينهما ولم يتطوع (المغرب والعشاء)، ورواه مسلم (١٢٨٧) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جمعًا بالمزدلفة في هذِه الليلة، وابن ماجه (٣٠٢٠). وأما حديث ابن عباس فسلف مسندًا برقم (٥٤٣) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: تأخير الظهر إلى العصر، ورواه مسلم (٧٠٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأبو داود (١٢١٤)، وابن ماجه (١٠٦٩).
(٢) سلف برقم (١١٦).
(٣) سلف في حديث (٧٤) كتاب: العلم.



٢١ - باب وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا
٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو -هُوَ: ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ- قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ. [انظر: ٥٦٠ - مسلم: ٦٤٦ - فتح: ٢/ ٤٧]
ذكر فيه حديث جابر السالف في باب: وقت المغرب والعشاء (١): إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ.
وسلف الكلام عليه هناك، وتعجيلها إنما كان بعد منيب الشفق؛ إذ لا يدخل وقتها إلا به بالإجماع، ومذهبنا أنه الحمرة، وبه قَالَ مالك وأحمد (٢). وقَالَ أبو حنيفة: هو البياض (٣). ومن هذا الحديث أخذ مالك أن صلاة الجماعة في وسط الوقت أفضل من صلاتها أوله فرادى، واستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا الصلاة حَتًّى يجتمع الناس؛ طلبًا للفضل؛ لأن المنتظر للصلاة في صلاة (٤).

--------------------
(١) سلف برقم (٥٦٠).
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ٨٠، «عودة المجالس» ١/ ١٧٧، «الأم» ١/ ٦٤، «المغني» ٢/ ٢٥، «شرح الزركشي» ١/ ٢٥٤.
(٣) انظر: «الأصل» ١/ ١٤٥،: «المبسوط» ١/ ١٤٤.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٣، «المعونة» ١/ ٨١.



٢٢ - باب فَضْلِ العِشَاءِ
٥٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ». [٥٦٩، ٨٦٢، ٨٦٤ - مسلم: ٦٣٨ - فتح: ٢/ ٤٧]

٥٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ - ﷺ - عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ - عليه السلام - أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: «عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ». أَوْ قَالَ: «مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ». لَا يَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا، فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [مسلم ٦٤١ - فتح: ٢/ ٤٧]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث عائشة رضي الله عنها: أَعْتَمَ رَسُولُ الله - ﷺ - لَيْلَةَ بِالْعِشَاءُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ لَاهْلِ المَسْجِدِ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ».


والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث يأتي قريبًا بعد باب بعد هذا، وفيه: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول (١). وفي باب: وضوء الصبيان أيضًا (٢)، وأخرجه مسلم والنسائي من طريقين.
وفي أحدهما: «إنه لوقتها لولا أن أشق عَلَى أمتي» (٣).
ثانيها:
قوله: (أعتم ليلة). يدل عَلَى أن غالب أحواله التقديم رفقًا بأمته، ورفعًا للمشقة عنهم، فإنه كان يكره ما يشق عليهم من طول الانتظار، وكان بهم رحيمًا، وأخرها في بعض الأحيان؛ لبيان الجواز أو لشغل أو لعذر. وفي بعض الأحاديث إشارة إلى ذَلِكَ كما ستعلمه.
ثالثها:
العتمة: ظلمة أول الليل. وقال الخليل: هي الثلث الأول بعد مغيب الشفق (٤)، وقيل: التأخير والإبطاء (٥)، فقيل: صلاة العتمة؛ لتأخرها.



---------------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٩) باب: النوم قبل العشاء لمن غُلِبَ.
(٢) سيأتي برقم (٨٦٢) كتاب: الأذان.
(٣) رواه مسلم والنسائي من طريقين: أحدهما: من طريق ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة … الحديث، رواه مسلم (٦٣٨/ ٢١٨) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها، والنسائي ١/ ٢٦٧ كتاب: الصلاة باب: آخر وقت العشاء. وثانيها: من طريق ابن جريج قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته عن عائشة … الحديث. وفيه: «إنه لوقتها ..»، رواه مسلم (٣٦٨/ ٢١٩)، والنسائي ١/ ٢٦٧.
(٤) «العين» ٢/ ٨٢، مادة: (عتم).
(٥) انظر: «الصحاح» ٥/ ١٩٧٩، «لسان العرب» ٥/ ٢٨٠٢، مادة: (عتم).



الحديث الثاني:
حديث أبي موسى: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ، فكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ - ﷺ - عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتى ابْهَارَّ اللَّيْلُ … الحديث.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). والبقيع، بالموحدة (٢). وبطحان، بضم الباء وسكون الطاء وفتحها مع كسر الطاء. قَالَ صاحب «المطالع»: هو بضم الباء يرويه المحدثون أجمعون. وحكى أهل اللغة: فتح الباء وكسر الطاء، وكذا قيده أبو علي في «بارعه»، والبكري في «معجمه»، وقال: لا يجوز غيره (٣)، وهو موضع واد بالمدينة.
وقوله: (بعض الشغل). قد جاء بيانه، وأنه كان لتجهيز جيش.
ثانيها:
(ابهارَّ الليل). أي: انتصف، قاله الأصمعي وغيره، والبهرة: الوسط من الإنسان والدابة وغيرهما. وعن سيبويه: كثرت ظلمته، وابهارَّ القمر: كثر ضوؤُه (٤). وفي «الصحاح»: ذهب معظمه وأكثره (٥).

-------------------
(١) مسلم (٦٤١) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢٦٥، «الصحاح» ٣/ ١١٨٧، «معجم البلدان» ١/ ٤٧٣، مادة: (بقع).
(٣) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٥٨، وانظر: «معجم البلدان» ١/ ٤٤٦.
(٤) «الكتاب» ٤/ ٧٦، وانظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ١٦٥، «لسان العرب» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٢، مادة: (بهر).
(٥) «الصحاح» ٢/ ٥٩٩، مادة: (بهر).



وفي بعض الروايات: حَتَّى إذا كان قريبًا من نصف الليل (١).
وقوله: «عَلَى رسلكم» كسر الراء فيه أفصح من فتحها. أي: تأنوا.
وقوله: «إن من نعمة الله» هو بفتح «إنَّ» وكذا «أنه ليس من أحد».
ثالثها: في أحكامه:
فيه: إباحة تأخير العشاء إذا علم أن بالقوم قوة عَلَى انتظارها ليحصلوا عَلَى فضل الانتظار ثم الصلاة؛ لأن المنتظر للصلاة في صلاة، وقد سلف الخلاف فيه.
قَالَ ابن بطال: وهذا لا يصلح اليوم لأئمتنا؛ لأنه - ﷺ - لما أمر الأئمة بالتخفيف وقال: «إن فيهم الضعيف، والسقيم، وذا الحاجة» (٢) كان ترك التطويل عليهم في انتظارها أولى. قَالَ: وتأخيره إنما كان لأجل الشغل الذي منعه منها، ولم يكن ذَلِكَ من فعله عادة، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث معنى شغله عنها ما كان روى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قَالَ: جهَّز رسول الله - ﷺ - ذات ليلة جيشًا حَتَّى قرب نصف الليل -أو بلغه- خرج إلينا الحديث (٣).

-----------------
(١) روى ذلك مسلم من حديث أنس (٦٤٠/ ٢٢٣) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٢) سلف من حديث أبي مسعود الأنصاري برقم (٩٠) كتاب: العلم، باب: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، ولفظه: «فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة».
(٣) رواه أحمد ٣/ ٣٦٧، وابن أبي شيبة ١/ ٣٥٦ (٤٠٦٩)، وأبو يعلى ٣/ ٤٤٢ (١٩٣٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٥٧. صححه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٦٨).



وروى زر بن حبيش عن ابن مسعود قَالَ: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن ننتظر العشاء، فقال لنا: «ما عَلَى الأرض أحد من أهل هذِه الأديان ينتظر هذِه الصلاة غيركم في هذا الوقت» فنزلت: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١١٣]، الآية (١). وليسوا كالمشركين الذين يجحدون ذَلِكَ كله، ذكره الطبري (٢). ومنها إباحة الكلام بعد العشاء، والنهي عنه في غير الخير.
-----------------
(١) رواه أحمد ١/ ٣٩٦، والبزار كما في «كشف الأستار» (٣٧٥)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٣١٣ (١١٠٧٣)، وأبو يعلى ٩/ ٢٠٦ (٥٣٠٦)، والطبري في «تفسيره» ٣/ ٤٠١ (٧٦٦٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٣٧٨ (٤٠٠٨)، والشاشي ٢/ ١٠٨ (٦٣١)، وابن حبان ٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨ (١٥٣٠)، والطبراني ١٠/ ١٣١ - ١٣٢ (١٠٢٠٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ١٨٧، والواحدي في «أسباب النزول» ص ١٢٢ - ١٢٣ (٢٣٨).
ذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣١٢. وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في «الكبير»، ورجال أحمد ثقات ليس فيهم غير عاصم بن أبي النّجود وهو مختلف في الاحتجاج به، وفي إسناد الطبراني عبيد الله بن زحر، وهو ضعيف.
حسنه الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٧٣، وهو في «الصحيح المسند من أسباب النزول» ص ٥١ - ٥٢.
(٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٤٠٢.



٢٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ (١)
٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٦٤٧ - فتح: ٢/ ٤٩]
ذكر فيه حديث أبي برزة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا (٢).
هذا الحديث سلف في باب وقت العصر (٣)، ويأتي قريبًا (٤)، والبخاري رواه عن محمد، وهو ابن سلام كما ذكره أبو نعيم الأصبهاني. وذكر الجياني عن ابن السكن أنه نسبه كذلك في بعض مواضع في البخاري. قَالَ: وذكر أبو نصر أن البخاري روى في الجامع عن محمد بن سلام، وبندار: محمد بن بشار، وأبي موسى: محمد بن المثنى، ومحمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي عن عبد الوهاب الثقفي (٥). ورواه الإسماعيلي، عن ابن ناجية، عن بندار، عن عبد الوهاب، فيحتمل أن يكون هو.
قَالَ الترمذي: وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص بعضهم في ذَلِكَ، ورخص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء

------------------
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد الستين. كتبه مؤلفه
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ في الهامش: قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وأي موسى وأنس … وابن عباس. ذكره الزهري وابن مسعود … قال أبو حاتم: وحديث أبي برزرة أصح منه.
(٣) سلف برقم (٥٤٧).
(٤) سيأتي برقم (٥٩٩) باب: ما يكره من السمر بعد العشاء.
(٥) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٢٠ - ١٠٢١.



في رمضان (١). ثم قيل في كراهية ذَلِكَ قبل العشاء: لئلا يستغرق في النوم فيفوت وقتها المستحب، وربما فاته الوقت كله، فنهى عن ذَلِكَ قطعًا للذريعة، وإن قام من نومه ولم يكن أخذ حظه منه فيقوم بدنه كسلان.
واختلف السلف في ذَلِكَ، فكان ابن عمر يسب الذي ينام قبلها فيما حكاه ابن بطال (٢). لكن سيأتي في الباب بعده عنه أنه كان يرقد قبلها، وذكر عنه أنه كان ينام ويوكل به من يوقظه. روى معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه أنه كان ربما رقد عن العشاء الآخرة ويأمر أن يوقظوه (٣).
وعن أنس: كنا نجتنب الفرش قبل العشاء (٤). وكتب عمر: لا ينام قبل أن يصليها، فمن نام فلا نامت عينه (٥).
وكره ذَلِكَ أبو هريرة وابن عباس وعطاء وإبراهيم ومجاهد وطاوس (٦) ومالك والكوفيون، وروي عن علي أنه ربما أغفي قبل العشاء (٧)، وكان ابن عمر ينام ويوكل به من يوقظه كما سلف عنه، وعن أبي موسى وعبيدة مثله. وعن عروة وابن سيرين والحكم أنهم كانوا ينامون نومة قبل الصلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذَلِكَ (٨)،

---------------
(١) ذكره الترمذي ١/ ٣١٤ عقب روايته حديثنا هذا، وهو عنده برقم (١٦٨).
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٩٤، والأثر رواه ابن أبي شيية ٢/ ١٢١ (٧١٧٦).
(٣) لم أقف عليه من رواية معمر، وإنما رواه عبد الرزاق ١/ ٥٦٤ (٢١٤٦) عن ابن جريج، عن نافع عنه بهذا اللفظ، وابن أبي شيبة ٢/ ١٢٢ (٧١٩٤) عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع عنه.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢١ (٧١٧٧).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢١ (٧١٨٧).
(٦) رواه ابن أبى شيبة ٢/ ١٢١ - ١٢٢ (٧١٨٠، ٧١٨٣، ٧١٨٤، ٧١٨٦).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢٢ (٧١٩٠).
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢٢ - ١٢٣ (٧١٩٢، ٧١٩٥، ٧١٩٧، ٧١٩٩).



وبه قَالَ بعض الكوفيين، واحتج لهم بأنه إنما كره ذَلِكَ لمن خشي الفوات في الوقت والجماعة، أما من وكل به من يوقظه لوقتها فيباح كما سلف.
فدل عَلَى أن النهي ليس للتحريم لفعل الصحابة، لكن الأخذ بظاهر الحديث أنجى وأحوط. وحمل الليث قول عمر السالف: فلا نامت عينه، عَلَى من نام بعد ثلث الليل الأول. وحمل الطحاوي الكراهة عَلَى ما بعد دخول الوقت، والإباحة عَلَى ما قبله (١).
وأما كراهة الحديث بعدها فلاستحباب ختم العمل بالطاعة، ونسخ عادة الجاهلية في السمر فيما لا ينبغي، ولأنه يؤدي إلى سهر يفضي إلى إخراج وقت الصبح، إما الجائز أو الفاضل، وهذا في الحديث المباح.
أما حديث الخير كالعلم ومحادثة الضيف ونحو ذَلِكَ فلا بأس به، وقد ترجم له قريبًا بابًا وسلف أيضًا في كتاب العلم في باب السمر فيه.

------------------
(١) القائلون بكراهة النوم قبل صلاة العشاء هم جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
انظر للأحناف: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣١٧، «شرح فتح القدير» ١/ ٢٢٩، وللمالكية: «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٧، «المنتقى» ١/ ٧٥، وللشافعية: «شرح السنة» ٢/ ١٩٢، «المجموع» ٣/ ٤٤، وللحنابلة: «المغني» ٢/ ٣٣، «الفروع» ١/ ٣٠٣.



٢٤ - باب النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ
٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلَاةَ، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ». قَالَ: وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. [انظر: ٥٦٦ - مسلم: ٦٣٨ - فتح:٢/ ٤٩]

٥٧٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُبَالِى أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا، إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا. [مسلم: ٦٣٩ - فتح: ٢/ ٥٠]

٥٧١ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: الصَّلَاةَ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا». فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ ثُمَّ ضَمَّهَا، يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِى الْوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطُشُ إِلاَّ كَذَلِكَ، وَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا». [٧٢٣٩ - مسلم: ٦٤٢ - فتح: ٢/ ٥٠]


ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: أَعْتَمَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ … الحديث.
وقد سلف في باب: فضل العشاء (١). وأبو بكر المذكور في إسناده هو: ابن أبي أويس، عن سليمان وهو: ابن بلال.
وذكر أيضًا فيه حديث ابن عمر: أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ .. الحديث. وفي آخره أن ابن عمر كان يرقد قبلها.
وأخرج مسلم بعضة (٢). ثم عقب البخاري ذَلِكَ محيلًا عَلَى ما قبله بأن قَالَ:
قَالَ ابن جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ -يعني: ابن أبي رباح- وَقَالَ: سَمِعْتُ ابن عباس يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ … إلى آخره.
وأخرجه أيضًا في التمني من حديث سفيان، عن عمرو، وقَالَ أبو عبد الله هناك: قَالَ عمرو: وحديث عطاء ليس فيه ابن عباس (٣).
وقال الإسماعيلي: حديث عمرو عن عطاء مرسل. وذكر المهلب بن أبي صفرة، وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما أن البخاري روى حديث عطاء هذا بسند حديث ابن عمر، وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء مفردًا موصولًا من حديمث نافع بلفظه عن ابن جريج: قلت لعطاء: أي حينٍ أحب إليك أن أصلي العشاء؟ قَالَ: سمعت ابن عباس (٤).

---------------
(١) سلف برقم (٥٦٦).
(٢) مسلم (٦٣٩/ ٢٢١) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٣) سيأتي برقم (٧٢٣٩) باب: ما يجوز من اللَّوْ.
(٤) مسلم رقم (٦٤٢) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.



وأخرجه النسائي منقطعًا من حديث ابن عمر. وأخرج حديث ابن عمر من حديث حجاج، عن ابن جريج (١). ثم أورد بعده من حديث سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس. وعن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قَالَ: أخر النبي - ﷺ - العشاء ذات ليلة … الحديث، وفيه: فخرج النبي - ﷺ - والماء يقطر من رأسه، وهو يقول: «إنه الوقت، لولا أشق عَلَى أمتي» (٢) ولمسلم في حديث ابن عمر: فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا أدري أشيء شغله في أهله أو غير ذَلِكَ (٣). ونوم ابن عمر في حديثه قبل العشاء يدل -والله أعلم- أنه كان منه نادرًا إذا غلبه النوم، وكان يوكل من يوقظه عَلَى ما ذهب إليه بعض الكوفيين، وقد أسلفنا في الباب الماضي عنه أنه ربما رقد عن العشاء، ويأمر أن يوقظوه. فقوله: ربما، دال عَلَى أنه كان منه في النادر فيحتمل أن يفعله إذا أراد أن يجمع بأهله، أو لعذر يمنعه من حضور الجماعة، ثم يجمع بأهله.
والنوم المذكور في الحديث، إنما هو نوم القاعد الذي تخفق رأسه
لا نوم المضطجع؛ والدليل عَلَى ذَلِكَ أنه لم يذكر أحد من الرواة أنهم توضئوا من ذَلِكَ النوم، ولا يدل قوله: ثم استيقظوا عَلَى النوم المستغرق؛ لأن العرب تقول: استيقظ من سنته وغفلته، وإلى هذا ذهب الشافعي في نوم الجالس الممكن (٤)، ويشبه أيضًا مذهب مالك في مراعاته النوم الخفيف في كل الأحوال؛ لأنه ليس بحدث، وهو

-----------------
(١) الذي في «سنن النسائي» حديث ابن عباس وليس ابن عمر.
(٢) النسائي ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٣) مسلم (٦٣٩) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٤) انظر: «البيان» ١/ ١٧٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #160  
قديم 28-01-2026, 04:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 241 الى صـــ 260
الحلقة (160)






رد عَلَى المزني أنه حدث، لأنه محال أن يذهب عَلَى الصحابة ذَلِكَ فيصلوا بالنوم ولا يسألوا عن ذلك. وقد رُوِي عن ابن عمر (١) وابن عباس (٢)، وأبي أمامة (٣)، وأبي هريرة (٤) أنهم كانوا ينامون قعودًا ولا يتوضئون، فدل عَلَى خفة ذلك.
وأما ما جاء عن أنس أنهم حين كانوا ينتظرون رسول الله - ﷺ - ناموا مضطجعين، ثم صلوا ولم يتوضئوا (٥). ذكره الطبري، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قَالَ: كان أصحاب النبي - ﷺ - ينتظرون الصلاة مع الرسول، فيضعون جنوبهم، ثم يقومون فيصلون ولايتوضئون. فظاهره أنه لا نقض بذلك، وهو قول أبي موسى الأشعري (٦)، وأبي مجلز، وعمرو بن دينار (٧).

----------------
(١) رواه عبد الرزاق ١/ ١٣٠ (٤٨٤، ٤٨٥)، وابن أبي شيبة ١/ ١٢٣ (١٤٠٢) بنحوه، والبيهقي ١/ ١٢٠.
(٢) رواه عبد الرزاق ١/ ١٢٩ (٤٧٩)، وابن أبي شيبة ١/ ١٢٤ (١٤١٢)، كلاهما بلفظ أن ابن عباس قال: وجب الوضوء على كل نائم إلا من أخفق خفقة برأسه.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٢٣ (١٤٠٣).
(٤) رواه عبد الرزاق ١/ ١٢٩ (٤٨١) بلفظ: عن أبي هريرة، قال: من استحق النوم فعليه الوضوء. وابن أبي شيبة ١/ ١٢٤ (١٤١٦) بلفظ: عن أبي هريرة، قال: من استحق نومًا فقد وجب عليه الوضوء. زاد ابن علية: قال الجريري: فسألنا عن استحقاق النوم، فقال: إذا وضع جنبه.
ورواه البيهقي ١/ ١٢٢ - ١٢٣ بلفظ: عن أبي هريرة، قال: ليس على المحتبي النائم ولا على القائم النائم ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ.
(٥) رواه مسلم (٣٧٦/ ١٢٥) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، وأبو داود (٢٠٠)، والترمذي (٧٨)، وأحمد ٣/ ٢٧٧.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٢٤ (١٤١٥).
(٧) انظر: «الحاوي» ١/ ١٧٨.



فقد جاء في حديث قتادة، عن أنس ما هو دال لما قلنا، وهو قوله: ثم يقومون فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ. ذكره الطبري، فبان بذلك أن النوم المستغرق ناقض وأن الخفيف لا ينقض، ويحمل ذَلِكَ عَلَى الحالتين، وقد سلف الكلام عَلَى حكم النوم في الطهارة مستوفي.

٢٥ - باب وَقْت العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ
وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا. [انظر: ٥٤١]

٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا». وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ. [٦٠٠، ٦٦١، ٨٤٧، ٥٨٦٩ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ٥١]
هذا الحديث سلف في باب وقت العصر (١). ثم ساق بإسناده حديث أنس: قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ العِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: «رقد صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا». وَزَادَ ابن أبِي مَرْيَمَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ.
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع أخر، في باب من جلس في (المسجد) (٢) ينتظر العشاء، وفيه: إلى شطر الليل (٣)، وفي باب: السمر في الفقه والخير بعد العشاء (٤). وفي باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم (٥)، واللباس (٦).

-------------------
(١) سلف برقم (٥٤٧).
(٢) كذا في (ج)، (س): المجلس. وما في «صحيح البخاري»: المسجد.
(٣) سيأتى برقم (٦٦١) كتاب: الأذان.
(٤) سيأتى برقم (٦٠٠).
(٥) سيأتى برقم (٨٤٧) كتاب: الأذان.
(٦) سيأتى برقم (٥٨٦٩) باب: فَصّ الخاتم.



وهذا التعليق ذكره في اللباس أيضًا بلفظ: وقال يحيى بن أيوب، عن حميد فذكره (١) وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
واختلف الناس في آخر وقت العشاء عَلَى أقوال:
أحدها: أن آخره ثلث الليل، روي عن عمر بن الخطاب (٣)، وأبي هريرة (٤)، وعمر بن عبد العزيز (٥)، ومكحول (٦)، وإليه ذهب مالك لغير أصحاب الضرورات (٧). وفيه حديث من طريق علي أخرجه الطبري في «تهذيبه». واقتداء بحديث جبريل من طريق جابر صححه ابن خزيمة وغيره (٨).

-----------------
(١) ذكره عقب حديث رقم (٥٨٧٠) باب: فَصّ الخاتم.
(٢) مسلم (٦٤٠) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٣) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٥٦ (٢١٠٨ - ٢١٠٩)، ١/ ٥٦٠ (٢١٢٨) كتاب: الصلاة، باب: وقت العشاء الآخرة، ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩١ (٣٣٣٩) كتاب: الصلوات، في العشاء الآخرة تعجل أو تؤخر.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩١ (٣٣٣٨) كتاب: الصلوات، في العشاء الآخرة تعجل أو تؤخر.
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٥٦ (٢١١٠) كتاب: الصلاة، باب: وقت العشاء الآخرة.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩١ (٣٣٤٣) كتاب: الصلوات، في العشاء الآخرة تعجل أو تؤخر.
(٧) انظر: «المعونة» ١/ ٨٠.
(٨) يشير إلى حديث جابر، وفيه أن جبريل جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، فقال: قم فصلِّ. فصلَّى العشاء.
رواه الترمذي (١٥٠)، والنسائي ١/ ٢٦٣، وأحمد ٣/ ٣٣٠، وابن خزيمة ١/ ١٨٢ (٣٥٣)، وابن حبان ٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٤٧٢)، والدارقطني ١/ ٢٥٦، والحاكم ١/ ١٩٥ - ١٩٦، والبيهقي ١/ ٣٦٨.
قال الترمذي: حسن صحيح غريب … وحديث جابر في المواقيت قد رواه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار وأبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر عن النبي - ﷺ -. =



ثانيها: إلى ربعه، قَالَه النخعي (١)، ولا متمسك له واضح، وهذا ما حكاه عنه ابن بطال (٢)، وحكى عنه ابن المنذر في «إشرافه» موافقة الثالث.
ثالثها: إلى نصفه، قاله ابن حبيب والثوري أيضًا، وحكاه ابن بطال عن أبي حنيفة أيضًا (٣).
رابعها: إلى طلوع الفجر الثاني، وهو قول الجمهور، والأصح عند الشافعية أن وقتها المختار إلى الثلث، وأغرب الاصطخري فقال بخروج الوقت المختار يخرج الوقت.

-----------------
= قال العلامة أحمد شاكر معلقًا على قول الترمذي: (غريب):
هو حديث صحيح كما صححه الحاكم والذهبي، وفي وصف الترمذي له بأنه غريب نظر؛ لأنه سيذكر من رواه عن جابر غير وهب، وبذلك لا يكون غريبًا.
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم. وصححه الألباني في «الإرواء» (٢٥٠).
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩١ (٣٣٤١) كتاب: الصلوات، في العشاء الآخرة تعجل أو تؤخر.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٩٨.
(٣) المصدر السابق.



٢٦ - باب فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ
٥٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ: قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ -أَوْ لَا تُضَاهُون- فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَالَ: «﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾» [طه: ١٣٠] [انظر: ٥٥٤ - مسلم:٦٣٣ - فتح: ٢/ ٥٢]

٥٧٤ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ». وَقَالَ ابْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ حَبَّانَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ. [مسلم: ٦٣٥ - فتح:٢/ ٥٢]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث جرير السالف في فضل صلاة العصر (١) فراجعه: وهو دال عَلَى فضل المبادرة والمحافظة عَلَى صلاة الصبح والعصر، وأن بذلك ينال رؤية الله تعالى يوم القيامة؛ وخصَّا بالذكر لفضلهما باجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وليلة البدر ليلة أربع عشرة، كما جاء في رواية أخرى (٢)، سمي بدرًا لتمامه. وقيل: لمبادرته الشمس بالطلوع.

--------------
(١) سلف برقم (٥٥٤).
(٢) سيأتي برقم (٤٨٥١) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.



الثاني: حديث أبي موسى: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ». وَقَالَ ابن رَجَاءٍ: ثنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عن أبي بَكْرِ، عن أبيه بهذا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، والتعليق أسنده الطبراني عن عثمان بن عمر الضبي، ثَنَا عبد الله بن رجاء (٢). وفائدته عند البخاري نسبة أبي بكر إلى أبيه أبي موسى الأشعري؛ لأن الناس اختلفوا في أبي بكر هذا، ابن من هو؟ فقال الدارقطني نقلًا عن بعض أهل العلم: هو أبو بكر ابن عمارة بن رؤيبة الثقفي، وهذا الحديث محفوظ عنه. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي موسى إلا من هذا الوجه، وإنما يعرف عن أبي بكر بن عمارة، عن أبيه، ولكن هكذا قَالَ همام (٣). يعنيان بذلك حديث أبي بكر بن عمارة المخرَّج عند مسلم: «لن يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» يعني: الفجر و[العصر] (٤) (٥)، وهما البردان، سميا بذلك؛ لأنهما يفعلان وقت البرد ولطيب الهواء فيه، وأبعد من ضم إليهما المغرب فيما حكاه ابن بطال عن أبي عبيدة، وخصَّا بالذكر لشهود الملائكة فيهما (٦). وقال القزاز: بشر بذلك كل من صلاهما معه في أول فرضه إلى أن نسخ ليلة الإسراء.

-----------------
(١) مسلم برقم (٦٣٥) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما.
(٢) ووصله أيضًا ابن حجر في «التغليق» ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢.
(٣) «مسند البزار» ٨/ ٩٥ - ٩٧ بعد حديث رقم (٣٠٩٥).
(٤) في (س): الصبح، والصواب: ما أثبتناه من «صحيح مسلم».
(٥) مسلم برقم (٦٣٤) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر. عليهما.
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٩٩.



وقوله: «دخل الجنة» إما أن يكون خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن من صلاهما ورعى حقوقهما انتهى عما ينافيهما من فحشاء ومنكر؛ لأن الصلاة تنهى عنهما، أو يكون آخر أمره دخولها.

٢٧ - باب وَقْتِ الفَجْرِ
٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ، يَعْنِي: آيَةً. ح. [١٩٢١ - مسلم: ١٠٩٧ - فتح: ٢/ ٥٣]

٥٧٦ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، سَمِعَ رَوْحًا، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. [١١٣٤ - فتح: ٢/ ٥٤]

٥٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [١٩٢٠ - فتح: ٢/ ٥٤]

٥٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ. [انظر: ٣٧٢ - مسلم: ٦٤٥ - فتح: ٢/ ٥٤]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: خديث أنس بن مالك: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصلاة. قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ آيَةً.
وفي رواية. عنه أَن نَبِيَّ الله - ﷺ - وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ


فَرَاغِهِمَا (مِنْ) (١) سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقرَأ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً.
ثانيها: حديث سهل بن سعد: كُنْتُ أَتَسَحرُ فِي أهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
ثالثها: حديث عائشة: كُنَّ نِسَاءُ المُؤمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنًّ، ثُمًّ يَنْقَلِبنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقضِينَ الصَّلَاةَ، لَا يَعْرِفُهُن أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ.
حديث عائشة هدا تقدم أوائل الصلاة (٢)، وتقدم الكلام عليه واضحًا. والطريق الأول من حديث أنس أخرجه مسلم (٣).
والثاني: أخرجه النسائي الصوم (٤)، وتارة يجعل من مسند أنس عن زيد، وتارة من مسند أنس (٥)، ويأتي أيضًا في صلاة الليل والصوم (٦).
وقد رواه الطحاوي عنهما (٧). وللنسائى وأبن حبان: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «يا أنس، إني أريد الصيام أطعمني شيئًا» فجئته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعدما أذن بلال، قال: «يا أنس: انظر رجلًا يأكل معي» فدعرت زيد بن ثابت، فجاء، فقال: إني قد شربت شربة سويق، وأنا

-------------------
(١) في (س): (و) والمثبت هو الصحيح من «الصحيح».
(٢) سلف برقم (٣٧٢) باب: في كم تصلي المرأة في الثياب.
(٣) مسلم (١٠٩٧) كتاب: الصيام، باب: فضل السحرر وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر.
(٤) النسائي ٤/ ١٤٣.
(٥) المصدر السابق.
(٦) سيأتي برقم (١١٣٤) أبواب التهجد، باب: من تسحر فلم ينم حتى صلى الصبح، وبرقم (١٩٢١) باب: قدركم بين السحور وصلاة الفجر.
(٧) «شرح معاني الآثار» ١/ ١٧٧.



أريد الصيام. فقال رسول الله - ﷺ -: «وأنا أريد الصيام» فتسحر معه ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة (١). قَالَ الإسماعيلي: قَالَ خالد بن الحارث، عن سعيد في هذا الحديث: أنس عن زيد. وأصحاب سعيد يقولون: عن أنس. وقال خالد بن الحارث: أنس القائل: كم كان بينهما؟ وفي حديث همام: قلت لزيد: كم كان بينهما؟ ويزيد بن زريع يقول لأنس: كم كان بينهما؟ وهما جميعًا سائغان أن يكون أنس سأل زيدًا فأخبره، وأن يكون قتادة أو غيره سأل أنسًا فأرسل له قدر ما كان بينهما كما أرسل أصل الخبر، فلم يقل: عن زيد. ومن تراجم البخاري عَلَى هذا الحديث في الصيام باب: قدر كم بين السحور وصلاة الصبح؟ فذكر خمسين آية (٢)، ومراده بالصلاة: دخول وقتها.
وحديث سهل ذكره في الصوم أيضًا، أخرجه هنا عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه، عن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل.
وأخرجه في الصوم عن محمد بن عبيد الله، عن (عبد العزيز) (٣) بن أبي حازم، عن أبيه (٤). وادعى خلف أن البخاري أخرجه في الصوم عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم. ولم يُر ذَلِكَ فيه، ولا ذكره أبو مسعود ولا الطرقي (٥).

--------------------
(١) رواه النسائي ٤/ ١٤٧، وابن حبان ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (١٤٩٧).
(٢) سيأتي برقم (١٩٢١).
(٣) في (ج)، و(س) إسحاق: وهو خطأ، بل هو عبد العزيز بن أبي حازم، وسيذكره المؤلف هناك على الصواب، وهذا هو في «اليونينية» ٣/ ٢٩، دون أي اختلاف.
(٤) سيأتي برقم (١٩٢٠) باب: تأخير السحور.
(٥) هو الحافظ أبو العباس: أحمد بن ثابت بن محمد بن محمد الطرقي -بفتح الطاء المهملة وسكون الراء وبعدها قاف- وطرق: قرية من أصبهان. كان عارفًا بالفقه والأصول والأدب حسن التصنيف، قال الصفدي: قال السمعاني: سمعت جماعة =



أما فقه الباب: فالإجماع قائم عَلَى أن وقت صلاة الصبح انصداع الفجر، وهو البياض المعترض في أفق السماء من جهة المشرق، وهو الفجر الثاني الصادق، أي: لأنه صدق في الصبح وبيَّنه لا الفجر الأول الكاذب الذي يبدو ضوؤه مستطيلًا ذاهبًا في السماء كذنب السرحان وهو الذئب، وقيل: الأسد، ثم ينمحي أثره ويصير الجو أظلم ما كان، سمي كاذبًا؛ لأنه يضيء ثم يسود، ويذهب النور فكأنه كاذب، وشبه بذنب السرحان لطوله؛ ولأن ضوءه يكون في الأعلى دون الأسفل، كما أن الذنب يكثر شعر ذنبه في أعلاه دون أسفله.
والأحكام متعلقة بالفجر الثاني دون الأول، ولا يتعلق بالأول شيء من الأحكام. وفيه في الدارقطني حديث من طريق عبد الرحمن بن ثوبان، وغيره (١).

-------------------
= يقولون: إنه كان يقول: إن الروح قديمة.
قال الصفدي: قال ابن النجار: له مصنفات حسنة منها كتاب: «اللوامع في أطراف الصحيحين» توفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. انظر ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٣٦/ ٦٣، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٢٨٢ (٢٧٧٨).
(١) الدارقطني ٢/ ١٦٥، ورواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٧٩ (٣٠٠٣)، والبيهقي ٤/ ٢١٥، وابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٢٠٣ كلهم عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرفوعًا. قال الدارقطني: مرسل. وقال البيهقي: مرسل، وقد روي موصولًا بذكر جابر بن عبد الله فيه. وقال ابن كثير: مرسل جيد.
وروي موصولًا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، رواه الحاكم ١/ ١٩١، والبيهقي ١/ ٣٧٧.
قال الحاكم: إسناده صحيح. وقال البيهقي: روي موصولًا، وروي مرسلًا وهو أصح. وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعًا رواه ابن خزيمة ١/ ١٨٤ - ١٨٥ (٣٥٦)، والحاكم ١/ ٤٢٥، والبيهقي ١/ ٣٧٧. صححه الحاكم، وقال البيهقي: رواه أبو أحمد مسندًا، ورواه غيره موقوفًا، والموقوف أصح. فالحديث صحيح مرفوعًا بشواهده، صححه الألباني في «الصحيحة» (٦٩٣، ٢٠٠٢).



واختلف في آخر وقته: فذهب الجمهور إلى أن آخره طلوع أول جرم الشمس، وهو مشهور مذهب مالك (١)، وروى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم أن آخر وقتها الإسفار الأعلى (٢)، وعلى هذأ فما بعد الإسفار وقت لأصحاب الأعذار، ويؤثم من أخر الصلاة إلى ذَلِكَ الوقت، بخلاف الأول. وعن الإصطخري: من صلاها بعد الأسفار الشديد يكون قاضيًا، واستدل بحديث أبي موسى أنه - عليه السلام - صلى بالسائل الفجر في اليوم الثاني حين انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت. وقال: «الوقت ما بين هذين» (٣) وظاهره أن آخر وقتها يخرج قبل طلوع الشمس بيسير، وهو الذي يقدر بإدراك ركعة كما في الحديث، والجمهور استدلوا بالأحاديث التي فيها: «إذا صليتم الفجر، فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس» (٤).
-------------------
(١) انظر: «المعونة» ١/ ٨١.
(٢) «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٣.
(٣) رواه مسلم برقم (٦١٤) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس.
(٤) رواه مسلم (٦١٢) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس. من حديث عبد الله بن عمرو.



٢٨ - باب مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً
٥٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَنِ الأَعْرَجِ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ». [انظر: ٥٥٦ - مسلم: ٦٠٧، ٦٠٨ - فتح: ٢/ ٥٦]
ذكر فيه حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ».


٢٩ - باب مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً
٥٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». [انظر: ٥٥٦ - مسلم: ٦٠٧، ٦٠٨ - فتح: ٢/ ٥٧]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
والحديثان في «صحيح مسلم» أيضًا (١)، وقد سلف في باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب. إخراجه له من حديث أبي هريرة أيضًا بلفظ: سجدة. بدل: ركعة (٢). وهي هي كما سلف. وذكر أبو العباس الطرقي في هذين الحديثين في ترجمة واحدة، وأن أبا هريرة رواه عن النبي - ﷺ -، وقال: في الباب عن عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري. وفي رواية لابن عبد البر من حديث أبي صالح عن أبي هريرة «فلم تفته» (٣) فيهما. وأخرجه مسلم من حديث عائشة مرفوعًا (٤) كما سلف هناك بالكلام عليه مبسوطًا.

------------------
(١) رواه مسلم (٦٠٧ - ٦٠٨) كتاب: المساجد، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة.
(٢) سلف برقم (٥٥٦).
(٣) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٤) مسلم (٦٠٩) كتاب: المساجد، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة.



٣٠ - باب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ
٥٨١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. [مسلم: ٨٢٦ - فتح: ٢/ ٥٨]
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بهذا.

٥٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا». [٥٨٥، ٥٨٩، ١١٩٢، ١٦٢٩، ٣٢٧٣ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٢/ ٥٨]

٥٨٣ - وَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ». تَابَعَهُ عَبْدَةُ. [٣٢٧٢ - مسلم: ٨٢٩ - فتح: ٢/ ٥٨]

٥٨٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ صَلَاتَيْنِ: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنْ الاِحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ. [انظر: ٣٦٨ - مسلم: ٨٢٥، ١٥١١ - فتح: ٢/ ٥٨]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ شَهِدَ عِنْدِى رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.


ثم قَالَ: حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ ثنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَبَا العَاليَةِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بهذا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١) وقال الترمذي: حسن صحيح، ثم قَالَ: وفي الباب عن جماعة (٢) عدَّدهم، وأهمل جماعات أيضًا ذكرتهم في شرحي «للعمدة» (٣)، فليراجع منه.
وبدأ البخاري بالسند الأول لعلوه إلى قتادة، وثنى بالثاني؛ لتصريح قتادة فيه بالسماع، ولمتابعة شعبة هشامًا. وأبو العالية اسمه: رفيع، وهو أحد الأحاديث الأربعة أو الثلاثة التي لم يسمع من ابن عباس غيرها، ولهم ثان: أبو العالية البراء البصري زياد، وقيل: كلثوم. يروي عن ابن عباس أيضًا، أخرج له الشيخان في تقصير الصلاة عن ابن عباس. وذكر الكلاباذي أنهْ أبو العالية رفيع، وقد انتقد عليه في ذَلِكَ، فإن الراوي عنه فيه أيوب، وأيوب لم يذكر له رواية عن أبي العالية رفيع.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
معنى شهد: بين وأعلم وأخبر، لا بمعنى الشهادة عند الحكام، كيف وعمر كان قاضيًا للصديق، وخليفة بعده إلى أن مات، ولم يكن ابن عباس قاضيًا له ولا نائبًا في الإمارة، فدل عَلَى ما ذكرناه، ومثله قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] أي: بيَّن، كما قاله الزجاج.

-------------------
(١) مسلم برقم (٨٢٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٢) «سنن الترمذي» (١٨٣).
(٣) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.



وقوله: (مرضيون). أي لا شك في صدقهم ودينهم. وفي الترمذي وغيره: سمعت غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - منهم عمر، وكان من أحبهم إليَّ (١). وفي هذا رد عَلَى الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل الكتاب وأكابر الصحابة.
ثانيها:
قولى: (نهى عن الصلاة بعد الصبح). أي: بعد صلاة الصبح. وبعد العصر: أي: بعد صلاة العصر (٢)، كما ستعلمه. وادَّعى ابن بطال تواتر النهي فيهما (٣).
ثالثها:
تشرق بضم أوله وكسر ثالثه، وبفتح أوله وضم ثالثه، وهو الأكثر عند رواه المشارقة. أشار القاضي عياض إلى ترجيح الأول (٤)، وهو بمعنى تطلع؛ لأن أكثر الروايات على تطلع. فوجب حمل تشرق في المعنى عَلَى موافقتها، يقال: شرقت الشمس تَشرُق أي: طلعت، ويقال: أشرقت تُشرِق أي: ارتفعت وأضاءت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشرَقَتِ اَلأَرْضُ بِنُور رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] أي: أضاءت. فمن فتح التاء هنا احتج بأن في باقي الروايات: حَتَّى تطلع الشمس. فوجب حمل هذِه عَلَى موافقتها، ومن ضم احتج بأحاديث النهي عن الصلاة عند

-------------------
(١) رواه الترمذي (١٨٣)، ومسلم (٨٢٦)، والنسائي ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، وأبو يعلى ١/ ١٣٧ (١٣٧)، وابن خزيمة ٢/ ٢٥٤ (١٢٧٢).
(٢) كما سيأتي من حديث أبي سعيد الخدري (١١٩٧) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: مسجد بيت المقدس.
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٠٧.
(٤) «إكمال المعلم» ٣/ ٢٠٣.



الطلوع، وعن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حَتَّى تبرز، وحديث ثلاث ساعات حين تطلع الشمس بازغة حَتَّى ترتفع، وكل هذا يبين أن المراد بالطلوع في الروايات الأخر: ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد قرصها (١). وحكى الزجاج فيما حكاه ابن الجوزي: أشرقت: أضاءت وصفت. وشرقت: طلعت، وعلى هذا أكثر أهل اللغة. وقال بعضهم: هما بمعنى واحد.
رابعها:
قام الإجماع عَلَى كراهة صلاة لا سبب لها في أوقات النهي، وعلى جواز الفرائض المؤداَّة فيها، واختلفوا فيما إذا كان له سبب، فأباحه الشافعي وطائفة إذا كان السبب سابقًا أو مقارنًا (٢)، وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى بقاء النهي لعموم الأحاديث، وتباح الفوائت عنده بعد الصبح والعصر ولا تباح في الأوقات الثلاث إلا عصر يومه، فيباح عند الاصفرار (٣)، ومشهور مذهب داود: منع الصلاة في هذِه الأوقات مطلقًا سواء ذات السبب وغيرها، وهو رواية عن أحمد (٤) ونقل القاضى عن داود أنه أباحها بسبب ودونه. واحتج الشافعي ومن وافقه بأنه ثبت أن النبي - ﷺ - قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا تصريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى، وكذا الجنازة، وهو إجماع فيها، وإن حُكي عن الكرخي المنع، وقال - ﷺ -

-----------------
(١) انظر: «الصحاح» ٤/ ١٥٠١، «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٤٦٤، مادة: (شرق).
(٢) «الأم» ١/ ١٣٢.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٩٦.
(٤) انظر: «المغني» ٢/ ٥٣٣.



في التحية: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حَتَّى يصلي ركعتين» (١) وهذا خاص، وحديث النهي عن الصلاة في هذِه الأوقات عام، وقد دخله التخصيص بصلاة الصبح والعصر وصلاة الجنازة كما سلف، وبحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (٢).
وأما حديث التحية: فهو عَلَى عمومه لم يدخله تخصيص، ولهذا أمر بهما الداخل والإمام يخطب.
خامسها:
الكراهة في هذين الوقتين تتعلق بالفعل كما أسلفته، حَتَّى إذا تأخر الفعل فإنه لا يكره الصلاة قبلها، فإن تقدم كرهت.
وأما الكراهة المتعلقة بالوقت: فهو طلوع الشمس إلى ارتفاعه والاصفرار حَتَّى تغرب. ونقل بعض المالكية أن النهي عندهم متعلق بالوقت في الصبح وفي العصر بالفعل. وذهب مالك وأصحابه إلى إجازة الصلاة عند الزوال (٣).
سادسها:
استثنى الشافعي وأصحابه من أوقات النهي وقت الاستواء يوم الجمعة (٤)، وحرم مكة؛ لدليل آخر ذكرته في الفروع في «شرح المنهاج» وغيره مع بيان الخلاف في الكراهية في هذِه الأوقات هل

-------------------
(١) سيأتي من حديث أبي قتادة السلمي (١١٦٣) أبواب التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى.
(٢) سيأتي من حديث أنس برقم (٥٩٧) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة.
(٣) «المدونة» ١/ ١٠٣.
(٤) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ١٩٤.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 438.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 432.27 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.33%)]