|
|||||||
| ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (155) دعوة غيَّرت وجه الأرض (2) كتبه/ ياسر برهامي قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41). قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ): "وهذا يدل على أن هذا دعاءٌ ثانٍ بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولَّى عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه؛ تأكيدًا ورغبة إلى الله -عز وجل-؛ ولهذا قال: (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)". (قلتُ: المقصود بالدعاء الثاني: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، والدعاء الأول: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) (البقرة: 126)؛ لأن الدعاء الأول قبل أن تتكون البلدة، والدعاء الثاني بعد أن تكونت بلدة، والترتيب الزمني بين هذه الدعوات ليس مرادًا، فالدعوة الأولى قوله: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)، والظاهر أن معها قوله -تعالى-: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا)، وبعد أن تكوَّنت البلدة، قال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا). وقوله -تعالى- عن إبراهيم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) (إبراهيم: 39)، هو بعد ميلاد إسحاق بسنوات عديدة؛ قيل: ثلاثة عشر عامًا، فالترتيب في الآيات لا يلزم منه الترتيب الزمني). قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: (الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) قال ابن جرير: هو متعلق بقوله: (الْمُحَرَّمِ) أي: إنما جعلته محرمًا ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبيره، وغيره، لو قال: أفئدة الناس؛ لازدحم عليه فارس والروم، واليهود والنصارى، والناس كلهم، ولكن قال: (مِنَ النَّاسِ) فاختص به المسلمون. وقوله: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ) أي: ليكون ذلك عونًا لهم على طاعتك، وكما أنه وادٍ غير ذي زرع؛ فاجعل لهم ثمارًا يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك، كما قال: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا) (القصص: 57)، وهذا من لطفه -تعالى- وكرمه ورحمته وبركته؛ أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها، استجابة لخليله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-. وقوله -تعالى-: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) قال ابن جرير: يقول -تعالى- مخبرًا عن إبراهيم خليله أنه قال: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) أي: أنت تعلم قصدي في دعائي وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، لا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء. ثم حمد ربه -عز وجل- على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: إنه يستجيب لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد، ثم قال: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) أي: محافظًا عليها مقيمًا لحدودها، (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) أي: واجعلهم كذلك مقيمين الصلاة، (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) أي: فيما سألتك فيه كله. (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) وقرأ بعضهم: "ولوالدي" بالإفراد، وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبيَّن له عداوته لله -عز وجل-، (وَلِلْمُؤْمِنِينَ) أي: كلهم، (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) أي: يوم تحاسب عبادك فتجزيهم بأعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر". (انتهى من تفسير ابن كثير رحمه الله). (قلتُ: ما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عن ابن جرير من أن قوله -تعالى-: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) متعلق بقوله: (الْمُحَرَّمِ) أي: إنما جعلته محرمًا ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده، فيه نظر؛ فإن ابن جرير -رحمه الله- قال: إنما فعلتُ ذلك ليقيموا الصلاة، فالظاهر أن كلامه مثل كلام القرطبي الذي ذكره في تفسيره، من أن المعنى: إني أسكنت من ذريتي عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة. والله أعلم). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (157) دعوة غيَّرت وجه الأرض (4) كتبه/ ياسر برهامي قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41). الفائدة الثانية: هذه الدعوة المباركة: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) (البقرة: 126)، كانت قبل أن تكون البلدة، ثم كانت الدعوة المباركة الأخرى: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) (إبراهيم: 35)، بعد تكونها. كان الدعاء الذي غيَّر وجه الحياة على سطح الأرض؛ الذي نَشَر الله -عز وجل به- التوحيد في مشارق الأرض ومغاربها؛ إذ من ذرية إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- إسماعيل ومحمد -صلى الله عليهم وسلم- الذي أراد الله بحكمته وعلمه أن يكون هو الذي يرفع لواء دعوة التوحيد؛ دعوة الأنبياء جميعًا في أرجاء الأرض كلها -بفضل الله-، وتكون أمته من بعده حاملة هذا اللواء؛ تنشر توحيد الله، وتعلن الكلمة الخالدة: "لا إله إلا الله"؛ شعارًا للحياة، وشعارًا للأمة الإسلامية. ولا توجد أمة من الأمم؛ سواء ممَّن ينتسب إلى الأنبياء أو مَن لا ينتسب لهم يرفع هذا الشعار أو يطبِّقه في الحياة، أو يسعى إلى إعلاء هذه الكلمة في الأرض "سوى أهل الإسلام"، وإنما تجد الأمم حتى مَن ينتسب إلى الأنبياء، جعلوا شعائر خاصة بهم خلاف ما أوصى بهم الأنبياء، وإن كانت الوصية مسجَّلة عندهم أنها أول الوصايا جميعًا: "أن نعبد الله وحده لا شريك له"؛ هكذا في وصايا موسى العشر في التوراة، كما هي وصية المسيح في الإنجيل. وبفضل الله -عز وجل- إنما يرفع هذه الكلمة ويطبِّقها في الحياة "أهل الإسلام"؛ الذين يتجهون من كل مكان لهذه البقاع الطاهرة، ويخرجون قاصدين مِنى ثم عرفات، ثم يردون بعد ذلك إلى المشعر الحرام، ثم إلى منى، ثم إلى البيت العتيق مرة ثانية؛ قاصدين بذلك مرضاة ربهم، يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا. وهكذا قَدَّر الله -عز وجل- أن يأتي إسماعيل -عليه السلام- مع أمه، ويتركهما إبراهيم -عليه السلام-، وتقول له هاجر: إلى مَن تتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء! وكأن السؤال ما كان ينبغي أن يكون، مع علمها برحمة إبراهيم وشفقته على جميع الناس؛ فكيف بولده؟! ولذا لم يجبها إبراهيم -عليه السلام-، ولم يلتفت إليها؛ إذ كيف تظن به -وهو الرفيق الرحيم الشفيق بالخلق- أن يكون قاسيًا على ولده وفلذة كبده، وعلى أَمَتِه أمِّ ولده التي عاشرها وعاش معها، ووحدت الله -عز وجل- على يديه؟! كيف يمكن أن يُظن به ذلك وهو يدعو لمَن عصاه بالمغفرة والرحمة: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)؟! والأصنام أضلت من دعا إليها، وعبادتها تضل كثير من الناس؛ فهو يعتبر بحال الأكثر، ويخشى على نفسه وبنيه أن يقعوا فيما وقع فيه الناس، فمَن قال: "إنه يأمن الشرك على نفسه!"؛ فهو جاهل، كما قال إبراهيم التيمي: "مَن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!" (رواه ابن جرير وابن أبي حاتم). ومن يأمن أن يقع فيما حذر الله منه من الشرك بعد أن يدعو إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالنجاة منه ولبنيه، ولقد استجاب الله دعوته، فلم يكن أحدٌ من بنيه أو ذريته المباشرة مشركًا، وإنما وقع الشرك في الأجيال التالية بعد ذلك، كما ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن ما بعد إسماعيل عشرة أجيال كلهم على التوحيد حتى سَنَّ الشرك ونشره في العرب عمرو بن لحي الذي رأه النبي -صلى الله عليه وسلم- يجر قصبه في النار. ولننظر.. كيف تكون الدعوة مستمرة الأثر أجيالًا متتابعة؟! دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- أثَّرت في حياة البشر في هذه البقعة إلى يومنا هذا، ومنها خرجت إلى جميع أرجاء الأرض، حتى يُنَادى بـ"لا إله إلا الله" في دائرة القطب الشمالي يؤذن فيها بالصلاة، وفي كل قارات العالم. دعوة التوحيد التي جددها النبي -صلى الله عليه وسلم- وقام بها في الأرض كلها، بعد أن كان الأنبياء يقومون بها في أقوامهم قام بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأرض كلها، وبُعِث إلى الأحمر والأسود، وأرسل أصحابه إلى المشارق والمغارب، يدعون إلى دين الله -عز وجل-، وتوحيده واتباع نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وأمر أمته بالجهاد لإعلاء كلمة الله في كل مكان. الفائدة الثالثة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي)؛ هذا هو النَّسب الحقيقي اتباع إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- كما قال الله -عز وجل- لأمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) (الحج: 78)، فإبراهيم أبو المؤمنين وإن لم يكونوا من نسبه فهو أبوهم بالروح والقلب؛ ذلك أن ولادة قلوبهم وهي أعظم من ولادة البدن كانت بدعوته التي جددها النبي -صلى الله عليه وسلم-، والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أبو المؤمنين كما قال -تعالى-: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب: 6)، وفي قراءة أُبَي وابن عباس: "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وذلك بأنه هو -عليه الصلاة والسلام- الذي وُلِدت به هذه القلوب من ظلمات الجهل والظلم، إلى فضاء العلم والإيمان والتوحيد، والعدل، برحمة الله -سبحانه وتعالى-. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (158) دعوة غيَّرت وجه الأرض (5) كتبه/ ياسر برهامي قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41). الفائدة الرابعة: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوة أبيه إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ دعا ربَّه أن يبعث في ذريته رسولًا منهم؛ يتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة: 129). وتوسل إلى الله -عز وجل- بعزته وحكمته في قوله: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فكان محمد -صلى الله عليه وسلم- دعوة أبيه إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمه التي رأت أن نورًا خرج منها فأضاء قصور الشام كما ورد في الحديث عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: يَا نَبِيَّ اللهِ مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ؟ قَالَ: (دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). إن الدعاء من أعظم وأمضى الأسلحة في القرب من الله -عز وجل-، وبحسب قرب الداعي من ربه واستعانته بحول الله وقوته، يؤثِّر الدعاء تأثيرًا عجيبًا يمتد آلاف السنين بقدرة الله؛ يقول إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فإبراهيم -عليه السلام- يدعو لمَن عصاه بأن يغفر الله له، وإنما يغفر الله الشرك بأن يتوب العبد منه، فإن مات على الشرك وقد بلغته الحجة لا يغفر الله له الشرك؛ قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: 48). وقوله: (وَمَنْ عَصَانِي) تشمل مَن عصى الله -عز وجل- بما دون الشرك، فإبراهيم يستغفر له، فالمغفرة لهذا النوع ممكنة، والاستغفار مؤثر -بإذن الله-، وأما مَن أشرك فإبراهيم يدعو له بأن يتوب الله عليه؛ هذا لمَن لم يمت على الشرك، أما مَن مات على الشرك؛ فإن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- يتبرأ منه كما تبرأ من أبيه آزر، كما قال -تعالى-: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 114). فإبراهيم الأواه الحليم المنيب، الذي يطلب تأخير العذاب عن قوم لوط؛ القوم المجرمين الذين فعلوا الفاحشة ما سبقهم بها من أحدٍ من العالمين، واستهزأوا بنبيهم لوط -عليه السلام- وأرادوا إيذاءه، ومع ذلك فإبراهيم -عليه الصلاة والسلام- يدعو لهم بشفقته ورحمته للخلق، والله يحب منه ذلك حتى وإن دعا في بعض الأحيان لمن لا يستحق أن يُغفر له، ولمن لا يستحق أن يؤخَّر عنه العذاب ممن أمر الله فيه نافذ، لكن الله يحب الحلم والإنابة، ويحب الأواه كثير الدعاء، وإبراهيم -عليه السلام- كان كذلك، فهو -عز وجل- يحب هذه الصفات التي ترتَّب عليها هذا الدعاء، حتى وإن وقع في غير موضعه؛ فكيف يمكن أن يظن به أن لا يكون شفيقًا رحيمًا بولده وأم ولده؟! ذلك مما لا يتصور؛ فكيف تسأل هاجر وتقول: "إلى مَن تتركنا؟!"، كيف يمكنها أن تتصور ذلك؟! فذلك مما لا يتصور! كيف يمكنها أن تظن أنه يتركهم إلى غير أحدٍ؟! فتُكرر السؤال، فيعلمها إبراهيم بالسكوت الذي هو أنفع أحيانًا من الكلام؛ يعلمها بأن لا يلتفت إليها، وفي الثالثة تُكرر السؤال ولا يجيب إبراهيم، ولا يلتفت، فتنتبه عند ذلك، فتقول: "آلله أمرك بهذا؟"، فهنا يجب إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- فيقول: "نعم"؛ يلتفت إليها ويجيب، وذلك أنه كان ينبغي أن تدرك هذا الأمر من البداية. الفائدة الخامسة: في هذه القصة أنه ينبغي أن نؤكد في النفوس أن نمتثل أمر الله -عز وجل-، فإبراهيم -عليه السلام- لبَّى أمر ربِّه، والمؤمنون حين يلبون: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"، إنما يتبعون أنبياء الله -عز وجل-، ويجيبون الدعوة التي بلغَّها إبراهيم بأمر الله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج: 27). ينادي إبراهيم: "إن لله بيتًا فحجوه"؛ نادى بغير مكبر صوت وبغير إذاعة تملأ إرسالاتها الكرة الأرضية، ومع ذلك كانت هذه الكلمة مؤثرة تأثيرًا عجيبًا في البشر عبر العصور والأزمنة والأمكنة ما لا تؤثر كل الوسائل الأخرى؛ الناس اليوم عندهم وسائل إيصال الكلمة إلى بقاع الأرض المختلفة، ووسائل الإرسال والاستقبال، ومع ذلك كم مِن الملايين مِن الكلمات تذهب هدرًا، ولم تذهب كلمة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- هدرًا؛ وذلك للصدق، وللوعد الذي جعله الله -عز وجل- وعد صدق؛ أنه هو الذي يوصِّل هذه الدعوة، فأجابه مَن في أصلاب الرجال وأرحام النساء: "لبيك اللهم لبيك". فكل مَن لبَّى في تلك اللحظة فسوف يذهب إلى هذه البقعة ملبيًا مجيبًا دعوة إبراهيم، نحن نمتثل أمر الله مهما كان في الظاهر شاقًّا، ومهما كان في الظاهر صعبًا، لكنه اليسر في الحقيقة، وهو الراحة والطمأنينة والسكينة. تأمل هذه البقعة المجردة من أسباب الحياة بأسرها في ذلك الوقت، يترك إبراهيم ولده وأم ولده فيها ويأخذ بأسباب لا تغني في حقيقة الأمر، مثل: أن يترك معهم قربة ماء وجراب تمر، يتركهم ويذهب إلى الشام، إلى بيت المقدس، مسافة في ذلك التاريخ تُقضى في أكثر من شهر ونصف، يرحل إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ويتركهم لله -عز وجل-، وهنا ترضى هاجر وتقول حين تعلم أن هذا أمر الله: "إذًا لا يضيعنا"؛ ثقة بالله وتوكلًا عليه. قارن بين هذه اللحظات وبين ما نراه اليوم حيث لا يوجد موضع قَدَم في تلك البقعة المباركة إلا ما شاء الله. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (159) دعوة غيَّرت وجه الأرض (6) كتبه/ ياسر برهامي قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41). الفائدة السادسة: رحل إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- إلى الشام، وحين سار خلف الأكمة حيث لا يرونه توجَّه إلى الله بهذا الدعاء: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ)، فإنما كانت هذه الرحلة وهذه الهجرة لأجل إقامة الصلاة في هذه البقعة، ويتوسل إلى الله بإظهار الفقر والحاجة: (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)، ويدعو الله بدعوة عجيبة الأثر عجيبة الشأن: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)، فهذه قلوب الملايين من المسلمين تهوي إلى هذه البقعة، وإلى مَن بقي بها من ذرية إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-. دعوة غيرت وجه الحياة... ! لذا نقول: كيف تكوَّنت هذه البلدة؟! وكيف صارت بلدًا آمنًا حرامًا؟! صارت كذلك بدعوة! فتأمل هذه المسألة جيدًا؛ لتعرف أثر الدعاء. ودعوة نوح -عليه الصلاة والسلام-: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) (نوح: 26)، غيَّرت وجه الحياة على ظهر الأرض؛ فكم من الدعوات تغير وجه الحياة، وكم من الدعوات تذهب بلا أثر، وربما كان أثرها في صاحبها فقط؛ على حسب قوة الإيمان، والقرب من الله القوي العزيز الحكيم القدير الذي يملك كل شيء، له ملك السماوات والأرض ومَن فيهن، مالك الملك. وهنا يبرز سؤال: لماذا ندعو كثيرًا ولا نرى أثرًا، وربما نجد الأثر بعد حين، قد يطول أحيانًا وقد يجد البعض أثرًا وقد لا يجد؛ كل هذا حسب قوة الدعاء، هناك دعوات تتزلزل لها الأرض والسماوات، وهناك دعوات تُجَاب من ساعتها، وهناك دعوات يؤجل الله إجابتها، والبعض قد يؤجل إلى يوم القيامة بما شاء -سبحانه-، والله أمر المؤمنين بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وهو لا يخلف الميعاد: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60). فإذا أردنا أن تتغير الحياة في عالمنا؛ فلا بد أن يعود الناس إلى التوحيد، وإذا كنا نريد أن يقوي الله أهل الإسلام على أعدائهم، وأن ينصر الله المسلمين في المشارق والمغارب، وأن يكف أيدي الظالمين عنهم، وأن يرفع تسلط العدو عن أرضهم وبلادهم وأبدانهم وأولادهم، وحرماتهم ومقدساتهم؛ فلا بد أن نعمر القلوب أولًا بالقرب من الله، وكثرة ذكره، فالأذكار التي تذكر المؤمن في مواطن الذكر لها أثرها العجيب إذا استحضر الإنسان معانيها، واقترب من الله بها؛ فهذه بالتأكيد تغير من الإنسان، وتغير من المجتمع، وتغير من وجه العالم بأسره! دعا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، فصارت أفئدة الخلق تهوي في كل زمان؛ ليس فقط إلى ذريته المباشرة؛ إسماعيل -عليه السلام-، بل إلى كل مَن كان مِن نسله؛ هوت القلوب وأحبت هذه البقعة مستعدة أن تنفق الغالي والثمين حتى تصل إلى هذه البقعة لتقضي فيها لحظات تظل حية في القلوب لتشتاق إلى العودة مرة أخرى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) (البقرة: 125)، لا يرى أحد أنه قد قضى من البيت وطرًا؛ لأنه بيت مبارك أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران: 96)، نعم والله! إن وجود هذه البقعة الصخرية في مكة التي لا يمكن أن ينبت فيها نبات؛ تراها جبالًا، صخورًا صماء من كلِّ جانب، ومع ذلك تعج بالحياة بهذه الطريقة العجيبة، وتأتي القلوب إليها والأبدان من كل مكان بقدرة الله، (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) (آل عمران: 97)، ومن الآيات البينات زمزم التي نبعت على يد إسماعيل عليه الصلاة والسلام رضيت هاجر بالله -عز وجل- مدبِّرًا معينًا، حافظًا وكيلًا، وقالت: "إذًا لا يضيعنا"، وجعلت تأكل من جراب التمر وتشرب من الماء حتى نفد الماء ونفد التمر، وجاع ابنها، والله يقدِّر البلاء ثم يأتي بالفرج؛ لا يأتي الفرج إلا بعد المحنة، وفي كل محنة منحة. هكذا نبعت زمزم بعد المحنة التي تعرضت لها هاجر وابنها، يجوع إسماعيل وهو معد لأن يكون نبيًّا رسولًا، صادق الوعد، بانيًا مع أبيه بيت الله الحرام، ناشرًا للتوحيد في قومه وفي ذريته من بعده، أجيالاً متتابعة؛ يقدر الله عليه أن يجوع ويعطش طفلًا صغيرًا حتى يكاد يهلك، والأم تتألم وهي ترى ابنها يكاد يموت من العطش، ولا تدري سبيلاً لإنقاذه، وتنظر إلى أقرب جبل فتجد جبل الصفا، فتأخذ بالأسباب وتصعد عليه، تبحث لعلها أن تجد مَن يغيث، وتتجه يمينًا وشمالًا لا ترى أحدًا، فتنظر إلى أقرب جبل إلى جبل الصفا فتجد جبل المروة، فتتجه نحوه باحثة عمَّن يغيث، وفي بطن الوادي في مسافة هي الآن ممهدة ميسرة بين العلمين الأخضرين تسعى سعي الإنسان المجهود، وهي المسافة التي استطاعت أن تسعى فيها وإلا فالأرض الصخرية الجبلية تمنعها من السعي، حتى إذا صعدت مشت فلم تكن تستطيع أكثر من ذلك حتى أتت المروة فصعدت عليها. وفي هذه الشمس التي لا يحتملها أكثر الناس الآن، مع كثرة الشرب وكثرة المهيآت من أطعمة وأشربة، وتكييف؛ تحملت هاجر -عليها السلام- محنة لتكون منحة لنا جميعًا؛ في الوقوف في هذه الأماكن متبعين هذه السنة في السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، كما سعت بينهما هاجر تبحث عن مخرج، لا تريد أن ترى ابنها وهو يموت، إلى أن كانت المرة السابعة بعد الإجهاد التام وبعد الجهد الكامل، وبعد أخذ الأسباب المتاحة أمامها التي ليس منها النجاة، وإنما النجدة من فضل الله، وإنما المنحة من عند الله، فتسمع صوتًا فتقول لنفسها: صه! تسكِّت نفسها، ثم قالت تخاطب مَن لا تدري أين هو؟ لكن تسمع صوته: قد أسمعت إن كان عندك غواث! فإذا هي بالمَلَك جبريل -عليه السلام- عند ابنها الذي يتلمظ جوعًا وعطشًا، ويكاد يهلك، فيضرب الأرض بعقبه أو بجناحه فتنبع زمزم، فتفرح بالماء فرحًا شديدًا، وحرصها؛ حرص الإنسان يدركها، فتقول لها: زمي زمي! كانت لا تجد قطرة ماء ثم وجدت عين نابعة! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا) (رواه البخاري). لو لم تجمع الماء، لو لم تجعل له حوضًا؛ لكانت زمزم عينًا ظاهرة تجري نهرًا جاريًا، لا يحتاج إلى آلة رفع، ولكن حرص الإنسان دائمًا يُنقص عطاءه، ومع تعلقه بالأسباب ينقص رجاؤه، وبقدر نقص الرجاء ينقص العطاء، وكلما انقطعت الأسباب وعظم الرجاء عظم العطاء، فكانت زمزم المباركة التي قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَاءُ زَمْزَمَ، لِمَا شُرِبَ لَهُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال: (إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ)، يمكن أن يستغني بها الإنسان عن الطعام فقد لبث أبو ذر -رضي الله عنه- أربعين يومًا وليلة لا طعام له ولا شراب في مكة إلا زمزم، ولما سأله النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟) قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ: (إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ) (رواه مسلم). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (160) دعوة غيَّرت وجه الأرض (7) كتبه/ ياسر برهامي قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41). الفائدة السابعة: شربت أم إسماعيل -عليهما السلام- من الماء وأرضعت ابنها، ثم أتت قبيلة جرهم وسكنت بجوارهم لأجل الماء الذي ما تعودوا على وجوده في هذا المكان، وكانت أم إسماعيل تحب الأنس فألفت بهم واستجاب الله دعوة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ثم شب إسماعيل وتزوج منهم امرأة لم تكن تشكر نعمة الله ولا تعرف قدرها؛ فأمره أبوه أن يطلقها، وأن يستبدل بها غيرها خيرًا منها، ورزقه الله -عز وجل- بامرأة راضية، فدعا لهما إبراهيم -عليه السلام- بالبركة في اللحم والماء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ولم يكن لهم يومئذ إذ حب ولو كان لهم لدعى لهم فيه)، ثم أتى إبراهيم -عليه السلام- ابنه إسماعيل وقال له: "إن الله أمرني بأمر، قال: فافعل ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: نعم. قال: إن الله أمرني أن ابني هاهنا بيتًا"، فبنيا بيت الله الحرام وجعل إسماعيل يحمل الحجارة وإبراهيم يرفع البناء: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127). يبنيان لله بيتًا لعبادته وتوحيده ويخافان ألا يتقبل الله منهما؛ ولذلك دعوا بالقبول، وردا علم نياتهما إلى الله، ودعاؤهما: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، فمن الذي يجزم بالإخلاص لنفسه بعد ذلك، فينبغي للعبد أن يعمل الصالحات ويرجو القبول على البضاعة والأعمال المزجاة التي يراها لا تصلح لله؛ إلا أن يتقبلها الغفور الشكور بفضله وعطائه ومنته، نسأل الله أن يتقبلنا وأن يجعلنا من المقبولين. وبنيا بيت الله الحرام ونادى إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- بالحج في الناس وكانت هذه هي السنة الماضية كل عام من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا، وحج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حين مر بوادي الأزرق، فقال: (أَيُّ وَادٍ هَذَا؟) فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ. قَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عليه السلام هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ) ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: (أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟) قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عليه السلام عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي) خلبة أي: من الليف. حج موسى وحج يونس -عليهم السلام-، وحج الأنبياء والمرسلون، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَقَدْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا) (رواه الطبراني في المعجم الأوسط، وقال الألباني: حسن لغيره) (المسجد الذي يصلى فيه الحجاج الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر في منى يوم الثامن من ذي الحجة، فهذا المسجد صلى فيه سبعون نبيًّا). ويحج عيسى -صلى الله عليه وسلم- كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (رواه مسلم)؛ فإما أن يهل بالعمرة فيكون متمتعًا، أو يهل بالحج فيكون مفردًا، أو ليهلن بهما جميعًا فيكون قارنًا، فالله أعلم أي ذلك يفعله عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم. وعيسى لم يحج في حياته، وبقي عليه الحج، فسوف يحج حين ينزل إمامًا مقسطًا، وحكمًا عدلًا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) (متفق عليه). يحكم عيسى -صلى الله عليه وسلم- الأرض سبع سنين بشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وخلالها يهلك الله على يديه الدجال، ويهلك الله على يديه اليهود وسائر الملل حتى تبقى السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها، وفي هذه الأثناء يحج بيت الله الحرام. هذه سنة الأنبياء جميعًا، وفريضة من فرائض الله على كل مسلم أن ينوي الحج ما يسر الله له ذلك، ولا يحرم نفسه هذا الفضل العظيم، وخلال هذه المشاعر التي يؤديها الحجاج، وخلال تلك الأيام المباركة أيام الحج يتذكر المسلمون بعض هذه المعاني فيلجؤون إلى الله داعين أن يقبلهم الله في المقبولين، وأن يشفع فيهم حجاج بيته الداعين لهم، وأن يقبل دعاءهم، وأن يتقبل منهم، وأن ينصر المسلمين في كل مكان. آمين. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
ليس الايمان بالتمني ....
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (166) دعوة غيَّرت وجه الأرض (13) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41). الفائدة الرابعة عشرة: من أدلة جعل الله وخلقه لأفعال العباد: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ . لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال: 36-37). فبيَّن الله في هذه الآية الكريمة: أن كل ما نراه من إنفاق الكفار الأموال والجهود للصد عن سبيل الله، وهذا يشمل أنواع السلاح التي يعدونها، والمركبات والطائرات والدبابات، والإعلام المضلل الذي يفتن الناس حتى يروا الحق باطلًا والباطل حقًّا، وحتى يؤثروا شهوات الدنيا المحرمة الفانية على القرب من الله ونعيم الجنة؛ أن كل هذا من الصد، وعاقبته إلى الخسران والبوار، ومحق المكر السيئ الذي عنده يتحسرون على ما أنفقوا وما بذلوا من جهود، والذي ينتهي ويضمحل، ويُغلَب الكفار؛ كل هذا بجعل الله وخلقه؛ (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) مشاهدًا للناس مرئيًّا بعد أن كان في عِلْم الله أذلًا، وليميز الخبيث من الطيب واقعًا بعد أن صار الخبيث في علمه خبيثًا في الواقع قد فعله الناس، وصار الطيب في علمه طيبًا في الواقع قد فعله الناس، ثم يجعل الله هذا الابتلاء بقوة الكفار وإنفاقهم سببًا لجعل الخبيث يجتمع مع الخبيث حتى يكثر ويتراكم، وكلما ازدادت الفتنة زاد اجتماع الخبيث بعضه على بعض، حتى إذا جاء وقت بطلانه ومحقة بقدر الله؛ جعل الله هذا الركام الخبيث المجتمع كله في جهنم. وهنا يظهر مَن الذي كسب ومن الذي خسر، ومن الذي انتصر ومن الذي انهزم، وهذا من أعظم ما يعين الله به المؤمنين على الثبات والصبر على البلايا العظيمة التي تفوق تحمُّل غيرهم من البشر، فما نراه في غزة يفوق طاقة البشر في حياتهم العادية، ولكن صبر المؤمنين والمؤمنات تراه في وجوههم، ونبرات ألسنتهم، وصفة حياتهم وتصرفاتهم؛ لأن هذا الإيمان بأن الله جعل ذلك الأمر، ثم ينتهي الباطل ويظهر الحق (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81). ومن هذه الأدلة على جعل الله -عز وجل- وخلقه لأفعال العباد: قوله -تعالى-: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 40). وهذه الآية من أعظم المبشِّرات للمؤمنين؛ لأن (كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى) التي تتضمن الكفر والفسوق والعصيان تعلو فيما يبدو للناس في أزمنة كثيرة، وأمكنة كثيرة، وتنتشر في العالم وينتشر تشويه الإسلام بها ويضلون عن سبيل الله، لكنه -عز وجل- بعزته وحكمته كما نصر رسوله -صلى الله عليه وسلم- في الغار ومعه صاحبه رغم كل الأسباب التي تؤدي أن يمسك الكفار بهما ويفعلون بهما ما يريدون لإيقاف دعوة الحق، فإنه -عز وجل- ينصر الإسلام وأهله في كل زمان ومكان رغم وجود المحاولات الكثيرة المستمرة التي لا تتوقف بين الترغيب والترهيب، الترغيب في الباطل والترهيب من الحق، والتشوية والتلبيس، واستعمال البطش والتنكيل والقتل لإزهاق الحق وأهله. ومع ذلك فالله يجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، فمن يتصور أن الكفار مسيطرون على العالم بأسلحتهم الفتاكة وجنودهم، ومَن والاهم، وبأجهزة مخابراتهم التي يحصون بها على الناس كلماتهم، هو مخطئ في تصوره، بل خاطئ؛ فالأمر يدبره الله؛ لأن كلمتهم لا بد أن تصير إلى السفل والمحق، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ لأن من صفات الله العزة والحكمة، والله عزيز حكيم، فيستحيل أن يسلط ويزيل الباطل إزالة كاملة على الحق، يزول معها الحق بالكلية، بل هو -سبحانه- يمتحن عباده المؤمنين، ويجعل ما يفعله الكفار سببًا ليقظة أمة الإسلام مما يؤول في النهاية إلى علو كلمة الله الشرعية، كما أن كلماته الكونية يستحيل أن تُعَارض، ولا أن تُمَانع: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنعام: 115). وهذا كله من أعظم ما يثبت الله به قلوب المؤمنين على الحق؛ لأنهم يعلمون أن هذا الذي يرونه في العالم من علو الباطل هو أمر في الظاهر، وهو مؤقت يوشك أن يزول، وأن تعلو كلمة الله -سبحانه وتعالى-، وأن تضمحل هذه الأباطيل، وهذا الكفر وهذا الصد عن سبيل الله، وهذا الظلم والعدوان؛ كل ذلك إلى اضمحلال -بإذن الله-.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (161) دعوة غيَّرت وجه الأرض (8) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41). الفائدة الثامنة: قوله -تعالى-: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ): قال القرطبي -ونقل مثله البغوي عن ابن عباس ومقاتل-: "تعلم جميع ما أخفيه وما أعلنه، من الوجد بإسماعيل وأمه حيث أُسْكِنَا بوادٍ غير زرع"؛ نجد في هذا الأثر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- المشاعر الفياضة من الحنان والرحمة من الأب بولده وأم ولده، والإشفاق البالغ عليهم، مع اليقين بوعد الله وحفظ الله، وعلم الله المحيط بما نخفي وما نعلن، فهو يعلن الدعاء ويعلن الامتثال، ويبطن الإخلاص في ذلك، مع اليقين بأن الله لا يضيعهم، مع كمال التوكل على الله -عز وجل-. وأيضًا مع هذه المشاعر الإنسانية الرقيقة من الحنان والوجد عليهم، لكن لا يغير ذلك كمال الامتثال، وبهذا كله -وغيره- وصل إبراهيم إلى منزلة الخلة "فهو خليل الرحمن"؛ فقد أَخْلَص لله وأُخْلِص لله، وأسلم لله، وأحب الله فوق كل حب، وضحَّى بنفسه وولده لله -عز وجل-، ومع ذلك لم يكن عنده القسوة ولا الغلظة على خلق الله؛ خاصة أحبهم إليه من ولده وأهله، مع شدة ضعف الولد، وشدة عجز أمه كذلك في هذه البيئة الجغرافية الصعبة من الجبال والصحراء وحولها، وانعدام الزرع، وانعدام الماء ساعتها، وانعدام الأنيس والبشر بالكلية، والمعين. كل ذلك كان يجول في نفس إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، ولا يقول إلا ما يرضي ربه ويتوكل عليه، ويكل ولده وأمه إلى الله الذي أيقن أعظم اليقين أنه لن يضيعهم، وأنه لن يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا شك أنه أمر بهذا الأمر من إسكان أهله وذريته بوادٍ غير ذي زرع عند بيته المحرم؛ يعلم أن من وراء ذلك من المصالح والحِكَم والخيرات ما أُثِيب عليه إبراهيم، وما أثيبت عليه هاجر، وما أثيب عليه إسماعيل حين هوت قلوب المؤمنين عبر الزمان إلى هذه البقعة المشرَّفة طالبين الأجر والثواب والرضوان من ربِّ العباد الذي شرع أن تعمَّر مكة المكرمة. وبغير هذا لم تكن مكة لتعمر، بل ولا لتنشئ أصلًا، لكنه فضل الله ورحمته بالبشرية كلها وبإبراهيم وإسماعيل وهاجر -عليهم السلام-، وعلينا من بعدهم لتعمير مكة موضع النسك والشعائر، ومضاعفة الأجور، والولادة الجديدة للقلوب بالحج والعمرة، اللهم لك الحمد، ولك أسلمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، أنت ربنا وإليك المصير. الفائدة التاسعة: وفي قوله -تعالى-: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)، تقرير كمال صفة العلم له -سبحانه وتعالى-، بالكليات والجزئيات؛ خلافًا للفلاسفة الكفرة الذين زعموا أن الله لا يعلم الجزئيات؛ ولأنهم ينفون الذات والأسماء والصفات، فواجب الوجود أو الوجود المطلق ليس له ذات ولا اسم ولا صفة، ولا علم ولا إرادة! هذه العقيدة الخربة التي تدل نصوص القرآن على إبطالها بالكلية، فكلها تثبت علم الله بالكليات والجزئيات؛ منها هذه الآية: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)، ومنها قوله -تعالى-: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: 59)، وقال -سبحانه وتعالى-: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد: 4)، وقال -عز وجل-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة: 7)، وقال -تعالى-: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (يونس: 61). وما جنت الفلسفة على البشرية إلا الجهل والضلال، والظلمات والحيرة، والشك والشرك -نعوذ بالله من ذلك-، وهذا يرشدنا: أن علم الكلام الذي استعمل أساليب الفلاسفة وطرق المنطق في الاستدلال لا خير فيه، وقد أدَّى بأهله إلى أنواع البدع والانحرافات والضلالات، فقالت المعتزلة عن الله -تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا-: عليم بلا علم، وقالت الجهمية بأنه ليس بعليم ولا له صفة العلم، فـ(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) (الكهف: 1)، وأغنانا به عن الخوض بالباطل في مجاهل الفلسفة، وعلم الكلام.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (162) دعوة غيَّرت وجه الأرض (9) كتبه/ ياسر برهامي قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41). الفائدة العاشرة: قوله -تعالى-: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ): فيه شكر الله على نعمة الولد الصالح؛ خاصة على الكبر بعد طول انتظار، وفي هذا الجزء من القصة: عدم استعجال الإجابة، فإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- طلب الولد عند خروجه عن قومه، كما قال -تعالى-: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات: 99، 100)، وقد كان فتى حين ألقي في النار، قال -تعالى-: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) (الأنبياء: 60)، ولم يمكث كثيرًا بعد إلقائه في النار ونجاته منها، بل اعتزلهم وما يعبدون من دون الله بعد أن ردوا دعوته رغم رؤيتهم الآيات، ومنها ومن أعظمها: النار التي ألقوه فيها، فلم تحرقه، بل كانت عليه بردًا وسلامًا. ومع أن أباه قال له: نعم الرب ربك يا إبراهيم؛ إلا أنه لم يستجب لدعوته، ولم يقبل دعوة التوحيد، فدعا بهذه الدعوة العظيمة حين خرج عنهم وذهب إلى ربِّه: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)، وتأخرت الإجابة إلى أن بلغ الكبر والمؤمن ينبغي عليه الدعاء وعدم استعجال الإجابة؛ لأن الاستعجال من أسباب عدم الإجابة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: (يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) (متفق عليه). فالاستجابة قد تتأخر لحِكَم بالغة، منها: أن يتحقق العبد بكمال التفويض لله -عز وجل-، وحسن الظن به، وشدة التعلق به -سبحانه-، والرضا بما قسم، والإلحاح في الدعاء، وهو يحبه الله؛ لأنه عبادة، فيُثَاب على كل دعوة دعا بها، والإجابة لها صور، فالإجابة بنفس الدعاء صورة، أو أن يُصرَف عنه من السوء مثلها، أو يدخر له يوم القيامة ثوابها، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عنهُ من السُّوءِ مثلَها) قَالُوا: إِذنْ نُكثرُ، قَالَ: (الله أَكثر) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني). وفي رواية ذكرها في الترغيب والترهيب: "حتى يقول العبد يوم القيامة يا ليته لم يستجب شيئًا"؛ لما يرى من الثواب العظيم الذي أعدَّه الله له بدلاً من دعواته التي دعا بها ولم يرَ لها إجابة. وتأخر الإجابة لا يلزم منه بُعد العبد عن ربه، بل إبراهيم خليل الله وأُخِّرت إجابة دعائه بالولد إلى الكبر، وخاصة من سارة التي لم يكن معه غيرها حين الخروج من أرض كنعان إلى الشام، وصحبته عمره حتى في رحلته إلى مصر التي أعقبها أن وهب لها الملك الجبار هاجر ووهبتها هي لإبراهيم حبًّا لزوجها وتحصيلًا لوجود الولد الصالح منه، وهذا فيه أعظم التضحية من هذه المرأة الصالحة التي اختارها الله -عز وجل- زوجة لخليلة -عليه الصلاة والسلام-، ورضي عنها. فلا تيأس أيها المسلم ولا تبتأس إذا تأخرت الإجابة، وأيقِن كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني). الفائدة الحادية عشرة: وقوله: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ): فيه استحضار هذا الاسم من أسماء الله الحسنى سميع الدعاء، والثناء على الله -عز وجل- به، وحمده -سبحانه وتعالى- على نعمته للاستجابة للدعاء، كما وعد -سبحانه- فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186)، وقال صالح -عليه السلام-: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) (هود: 61)، وقال شعيب -عليه الصلاة والسلام-: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود: 90). ومعنى السمع في هذا الموطن -(إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)-: الإجابة، كما في قول المصلي: "سمع الله لمن حمده" أي: استجاب الله له وقَبِل منه دعاءه وصلاته. وتقديم الحمد في الدعاء، وختمه بأسماء الله الحسنى -خاصة سميع الدعاء- مِن أسباب إجابة الدعاء، فلا ينبغي للعبد أن يهمل ذلك في دعائه، فإنه عظيم الأثر في حصول مطلوبه، والله أعلى وأعلم.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (163) دعوة غيَّرت وجه الأرض (10) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41). الفائدة الثانية عشرة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعائه: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ): في هذه الآية بيان الإيمان بالقدر، وهذه الدرجة المذكورة في هذه الآية هي درجة الخلق والجعل، وهي التي ينكرها القدرية، ومنهم: الخوارج والمعتزلة -ومن سار على طريقتهم-، مع أن إثبات العلم والكتابة مع إثبات خلق الله للذوات يلزم منه أنه هو الذي خلق أفعال العباد وصفاتهم؛ لأنه طالما كان يعلم أنهم سوف يفعلون؛ فلو أراد ألا يُعصَى لما خلقهم. فتناقض هؤلاء المعتزلة؛ فأثبتوا خلق الله للذوات، وأنكروا خلق الله لأفعال العباد؛ بزعمهم أن العدل يقتضي ذلك! وأوجبوا على الله بعقولهم من حيث لا يعلمون ما أوجبوه على أنفسهم، والله -سبحانه- قد خلق للعباد قدرة ومشيئة بها تقع أفعالهم؛ فهذا هو العدل الذي وصف الله نفسه به، ولم يظلم الناس شيئًا، ولا يظلم مثقال ذرة، ولكنه -سبحانه وتعالى- هو الخالق لكل شيء، كما قال -عز وجل-: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (الزمر: 62)، وقال: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) (الأنعام: 101)، وقال -عز وجل-: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: 96). وهذه المرتبة قد بيَّنها الله -عز وجل- في مواضع كثيرة في كتابه يشق حصرها، منها: قوله -تعالى- عن إبراهيم وإسماعيل -صلى الله عليهما وسلم-: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ? إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 128). فالإسلام أصلاً من خلق الله في قلوب المؤمنين، ومن جعله لهم كذلك، فقال -سبحانه وتعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة: 143)، فوسطية الأمة بعملها وعقيدتها هي من جعل الله وخلقه لهم كذلك، وقال -سبحانه وتعالى- عن اليهود: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة: 13). فقسوة قلوبهم، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، عقوبة جعلها الله وخلقها فيهم على نقضهم الميثاق؛ فهذه القسوة خَلْق خلقه الله، وجعله صفة لقلوبهم. وقال -سبحانه وتعالى-: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) (الأنعام: 25)، وهذه الآية من أوضح ما يدل على أن الله يضل من يشاء بأن يجعل على قلوبهم أغطية؛ حتى لا تفقه الحق ولا تراه، رغم وضوحه وبيانه كالشمس! وقال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ . وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) (الأنعام: 112-113)، فقضى الله -عز وجل- بحكمته وجعل -سبحانه وتعالى- لكل نبي عدوًّا من شياطين الإنس والجن، وهو الذي خلقهم كذلك، وجعلهم كذلك، وهو الذي قدَّر أن يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف الذي يُغَر به من شاء الله -عز وجل- من أهل الضلال، ولتميل إلى هذا القول المزخرف قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليرضوا ذلك الباطل وليقترفوا ما هم مقترفون من المعاصي والذنوب، وكل ذلك بجعله بعلمه وحكمته؛ وضع الأشياء في مواضعها، ولا يجعل الشياطين كالنبيين، ولا المسلمين كالمجرمين، ولا الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ولا المتقين كالفجار. وقال -سبحانه-: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 122)، فالله الذي جعل النور في قلوب المؤمنين وهو الذي أحيا هذه القلوب بعد موتها، وعلَّمها بعد جهلها، وجعلهم يمشون بهذا النور في الناس يعلمونه وينشرونه، وهو -سبحانه وتعالى- الذي زَيَّن لكل أمة عملهم، فخلق هذا التزيين للباطل في قلوب الكفار، حتى ارتضوا الكفر -والعياذ بالله-. وقال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (الأنعام: 123)، فهو -سبحانه- الذي جعل في القرى المجرمين وأكابرهم ليمكروا بأهل الحق، ويحاولوا ردَّه، وهو -سبحانه وتعالى- الذي قدَّر ذلك كله بعلمه وحكمته. وقال -سبحانه وتعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 27)، فالله الذي جعل الشياطين أولياء لمن لا يؤمن بالله واليوم الآخر حتى زيَّنوا لهم التعري وكشف العورات، مع أن الله فطر العباد على سترها، وأن يسوء الإنسان ظهورها؛ فهذه خطة الشيطان التي يضل بها الناس والتي يجذبهم بها إلى ولايته، والله الذي يجعل ذلك عدلاً منه وحكمة. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |