الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - الصفحة 15 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         رمضان فرصة وانطلاقة للتغيير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          شهر الجود وبعض أحكامه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          العبادات القلبية في العشر الأواخر من رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          الصوم مظهر من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          سحور 23 رمضان.. طريقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          منيو فطار 22 رمضان.. طريقة عمل سمك الفرن والسلطة الخضراء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          6 وصفات طبيعية للتخلص من الرؤوس السوداء.. لبشرة مشرقة ونضرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          تجهيزات العيد.. طريقة عمل بسكويت البرتقال بخطوات سهلة ولذيذة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          سألت النبي ﷺ | الدكتورعبدالرحمن الصاوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 21 - عددالزوار : 245 )           »          أئمة الهدي | الدكتور رامي عيسي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 20 - عددالزوار : 879 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #141  
قديم 16-01-2026, 03:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 1الى صــ15
الحلقة (141)






الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء السادس
كتابُ الحدود والجنايات والقصاص والديات والضمان والقسامة والتعزير
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
المكتبة الإسلامية
دار ابن حزم


بسم الله الرحمن الرحيم

الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م
المكتبة الإسلامية
ص ب: (١١٣) الجبهية؛ هاتف ٥٣٤٢٨٨٧
عمَّان - الأردن
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤


-[مقدّمة المؤلف]-
إِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ.
وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أمَّا بعد:
فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار،

----------------------
(١) آل عمران: ١٠٢.
(٢) النساء: ١.
(٣) الأحزاب: ٧٠ - ٧١.



فهذا هو الجزء السادس من كتابي «الموسوعة الفقهيّة الميسّرة في ضوء الكتاب والسّنة المطهرة» قد تضمّن كتاب الحدود والردّة والزندقة والحِرابة والجنايات والقِصاص والدِّيات والضمان والقسامة والتعزير.
وأنا ماضٍ على منهجي نفسه؛ في الانتفاع مِن كتب الفقه؛ مفيدًا من علماء الأمّة، مع تحرّي الدليل من الكتاب والسّنة وآثار السلف الصالح.
ومازلت أستفيد من ترتيب السيد سابق -رحمه الله تعالى- من عناوينه وأدلّته -كما سبقَت الإِشارة من قبل- وكما هو الحال في إِفادتي من كتب شيخنا -رحمه الله- وتحقيقاته وتخريجاته.
وأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يتقبّل منّي عملي، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحدٍ فيه شيئًا.
وأسأله -سبحانه- أن ينفع بي وأن يجعلني مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشرّ، وأن يحشرني مع الذين أنعم الله عليهم؛ من النبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا.
وكتب:
حسين بن عودة العوايشة
عمّان- ٤ جمادى الآخرة ١٤٢٦ هـ


الحدود

الحدود
تعريفها:
جمع حدّ وأصْله في اللغة ما يُحجَز به بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وسميت هذه العقوبات حدودًا لكونها تمنع عن المعاودة، ويطلق الحد على التقدير.
وهذه الحدود مقدرة من الشارع، ويُطلقَ الحد على نفس المعاصي، نحو قوله -تعالى-: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ (١).
وعلى فِعْلٍ فيه شيء مُقدّر (٢)، نحو قوله: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾. (٣).
واصطلاحًا: هي عقوبة مقدّرة؛ وجبَت حقًّا لله -سبحانه- لتمنع من الوقوع في محارم الله -تعالى- وتزجره بعد الوقوع كذلك.

جرائم الحدود:
«قرّر الكتابُ والسّنّة عقوبات محدّدة لجرائم معينة تسمّى»جرائم الحدود«وهذه الجرائم هي: الزنا، والقذف والسرقة والسُّكر والمحاربة والردة والبغي، فعلى من ارتكب جريمة من هذه الجرائم عقوبة محدّدة قرّرها الشارع» (٤). وسيأتي التفصيل في موضعه -إِن شاء الله تعالى-.

--------------------------
(١) البقرة: ١٨٧.
(٢) «سبل السلام» (٤/ ٣).
(٣) الطلاق: ١.
(٤) عن «فقه السنة» (٣/ ١٢٣).



وجوب إِقامة الحدود:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حدٌّ يُعْمل به في الأرض؛ خير لأهل الأرض من أن يُمْطَرُوا أربعين صباحًا» (١).
*وكلّ عملٍ من شأنه أن يُعطِّل إِقامة الحدود؛ فهو تعطيل لأحكام الله ومحاربة له؛ لأنّ ذلك من شأنه إِقرار المنكَر وإِشاعة الشر* (٢).
وقد نهى الله -تعالى- عباده المؤمنين أن تأخذهم الرأفة في دينه قال -سبحانه -: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ ولا تأخُذكم بهما رأفة في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (٣).

تحريم الشفاعة في الحدود إِذا بلغت السلطان:
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فقد ضادّ الله في أمره» (٤).
وعن عائشة -رضي الله عنها- أنّ قريشًا أهمّتهم (٥) المرأة المخزومية التي

---------------------
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٠٥٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٥٤)، وانظر «الصحيحة» (٢٣١).
(٢) ما بين نجمتين عن «فقه السنة» (٣/ ١٢٧).
(٣) النور: ٢.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٦٦)، وانظر «الصحيحة» (٤٣٧)، و«الإِرواء» (٢٣١٨).
(٥) أهمتهم المرأة: أي أجلبت إليهم همًّا أو صيّرتهم ذوي همّ؛ بسبب ما وقع منها، يقال: أهمّني الأمر أي: أقلقني. «فتح».



سرَقَت فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله - ﷺ - ومن يجترئ (١) عليه إِلا أُسامة حبُّ (٢) رسول الله - ﷺ -؟ فكلّم رسولَ الله - ﷺ - فقال: أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله؟
ثمّ قام فخطب فقال: يا أيها النّاس إِنما ضلَّ من كان قبلكم أنهم كانوا إِذا سرق الشريف تركوه، وإِذا سرق الضعيف، [وفي رواية (٣): الوضيع (٤)] فيهم أقاموا عليه الحدَّ، وأيم (٥) الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعَ محمّد يدها» (٦).
وقد وجّهنا النبي - ﷺ - إِلى العفو وعدم رفْع الحدود إِلى الأئمّة.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «تعافوا (٧)

-----------------------
(١) من يجترئ: مِن الجُرأة، وهي الإقدام بإدلال.»الفتح«أيضًا.
(٢) الحِبّ: المحبوب.
(٣) انظر»صحيح البخاري«(٦٧٨٧).
(٤) مِن الوضع، وهو النقص.»فتح«.
(٥) أيم الله من ألفاظ القسم، كقولك لعمر الله وعهد الله، وفيها لغات كثيرة، وتُفتَح همزتها وتُكسر، وهمزتها وصْل، وقد تُقْطع، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها جمع يَمين، وغيرهم يقول: هي اسمٌ موضوعٌ للقسم.»النهاية«.
(٦) أخرجه البخاري؛ ٦٧٨٨، ومسلم: ١٦٨٨.
(٧) جاء في»عون المعبود«(١٢/ ٢٦):»تعافوا: أمر من التعافي، والخطاب لغير الأئمّة. الحدود: أي تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إليّ فإنيّ متى علمتها أقمتها«. قاله السيوطي.»فما بلغني مِن حدٍّ فقد وجب«أي: فقد وجب عليّ إقامته. وفيه أن الإِمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رُفِع الأمر إِليه».



الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدّ فقد وجَبَ» (١).
وعن صفوان بن أميّة قال: «كنت نائمًا في المسجد عليّ خميصةٌ لي ثمنُ ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسَها مني، فأُخِذَ الرجل، فأُتي به رسول الله - ﷺ -، فأَمَر به ليُقطَع.
قال: فأتيته، فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال: فهلاّ كان هذا قبل أن تأتيني به» (٢).

درء الحدود بالشُّبهات:
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «ادرؤوا الحدود والقتْل عن المسلمين ما استطعتم» (٣).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لما أتى ماعزُ بن مالكٍ النّبيّ - ﷺ - قال له: لعلّك قبَّلت أو غمزْتَ أو نَظَرْت؟
قال: لا يا رسول الله: قال: أنِكْتَها؟ -لا يُكنّي- قال: فعنْد ذلك أمَر برجْمه» (٤).

---------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٨٠)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٣٩)، و«المشكاة» (٣٥٦٨).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٠٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٣٢)، وصححه شيخنا -رحمه الله - في «الإِرواء» (٢٣١٧).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٨/ ٢٦): «حسن الإِسناد».
(٤) أخرجه البخاري (٦٨٢٤).



وبوّب الإِمام البخاري -رحمه الله- لهذا الحديث بقوله: (باب هل يقول الإِمام للمُقرّ: لعلّك لمسْتَ أو غمزْت): جاء في «الفتح ...»هذه الترجمة معقودةٌ لجواز تلقين الإِمام المقرَّ بالحدّ ما يدفعه عنه ... «(١).
عن بريدة -رضي الله عنه- قال:»جاء ماعز بن مالك إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! طهِّرني. فقال: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إِليه.
قال: فرجع غير بعيد، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله طهِّرني. فقال رسول الله - ﷺ -: ويحك ارجْع فاستغفر الله وتب إِليه.
قال: فرجع غير بعيد، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله طهِّرني، فقال النّبيّ - ﷺ - مثل ذلك حتى إِذا كانت الرابعة قال له رسول الله - ﷺ -: فِيمَ أطهرك؟ فقال: من الزنى.
فسأل رسول الله - ﷺ -: أبه جنون؟ فأخْبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشَرِب خمرًا، فقام رجل فاسْتَنْكَهَه (٢) فلم يجد منه ريح خمر. فقال رسول الله - ﷺ -: أزنيت؟ فقال نعم، فأمر به فرُجم.
فكان النّاس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطتْ به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعزٍ: أنّه جاء إِلى النّبيّ - ﷺ - فوضع يده في يده ثمّ قال: اقتلني بالحجارة.
قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة. ثمّ جاء رسول الله - ﷺ - وهم جلوس

-------------------------
(١) وتتمة القول: «وخصّه بعضهم بمن يظن به أنه أخطأ أو جهل». ولا دليل على هذا.
(٢) أي شم رائحة فمه «النووي».



فسلَّم ثمّ جلس، فقال: استغفروا لماعز بن مالك.
قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله - ﷺ -: لقد تاب توبةً لو قُسمت بين أمّةٍ لوسعتهم.
قال: ثمّ جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهِّرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه. فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدَني كما ردّدْت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إِنّها حُبلى من الزنى، فقال: آنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك.
قال: فكَفَلهَا رجل من الأنصار حتّى وضعت، قال: فأتي النّبيّ - ﷺ - فقال: قد وضعت الغامدّية. فقال: إِذًا لا نرجمها وندَعُ ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله قال: فرجَمها» (١).

من يُقيم الحدود؟
لا يُقيم الحدّ إِلا الإِمام أو من يُنيبه، ومن استقرأ الأحاديث وجد ذلك.
قال الشيخ إِبراهيم بن ضويّان -رحمه الله-: «في منار السبيل» (٢/ ٣٢٢): «ولا يقيمه إِلا الإِمام أو نائبه سواءٌ كان الحدّ لله -تعالى- كحدّ الزنى، أو لآدمي، كحدّ القذف، لأنه يفتقر إِلى الاجتهاد، ولا يُؤمَن فيه الحيف، فوجب تفويضه إِليه، ولأنه - ﷺ - كان يقيم الحدود في حياته، وكذا خلفاؤه من بعده.
ونائبه كهو، لقوله - ﷺ -:».. واغْدُ يا أنيس إِلى امرأة هذا، فإِن اعترفت

----------------------
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥).


فارجمها، فاعترفت فَرجَمها» (١).
«وأمَر برجم ماعز ولم يحضره» (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إن سرَقَ فاقطعوا يده، ثمّ إِنْ سرَقَ فاقطعوا رجله» (٣).

التستُّر في الحدود:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبىّ - ﷺ - قال: «من سترَ مسلمًا سترَه الله في الدنيا والآخرة» (٤).
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ قال: «من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم؛ كشف الله عورته؛ حتى يفضحه بها في بيته» (٥).
وفي هذا الستر تفصيل لا بُدّ مِن بيانه، فإِنْ كان الذنب يضيّع حقوق الآخرين؛ كجريمة القتل أو الاغتصاب ونحوهما؛ فإِنه لا يجوز أن يُستر عليه،

------------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٨)، ومسلم (١٦٩٧).
(٢) تقدم حديث ماعز، وسيأتي موطن الشاهد منه -إِن شاء الله تعالى- وهو قوله - ﷺ -: «هلا- تركْتُموه؛ لعلّه أن يتوب فيتوب الله عليه».
(٣) أخرجه الدارقطني وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٤٣٤).
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).
(٥) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٠٦٣)، وانظر «الصحيحة» (٢٣٤١).



بل الواجب كشف ذلك؛ إِحقاقًا للحقّ وإِبطالًا للباطل وإِن كان الأمر لا يضرّ بالآخرين؛ فهنا محلّ الستر، ومثل ذلك أن يرى أحدهم رجلًا وامرأة على حالٍ شنيع ثمّ يلمس النّدم منهما، وأنهما يعزمان على التوبة، والإِقبال على الله -تعالى- وانظر ما جاء من فوائد في «الصحيحة» تحت الحديث (٣٤٦٠).

ستر المسلم على نفسه:
عن أبي هريرة يقول سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «كل أمتي مُعافى إِلا المجاهرين، وإِنَّ من المجاهرة أن يعمل الرجلُ بالليل عملًا ثمّ يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد باتَ يسترُه ربه ويصبح يكشف سترَ الله عنه» (١).

الحدود كفّارة للآثام:
عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: كنّا عند النّبيّ - ﷺ - فقال: «أتُبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تسرقوا؟ وقرأ آية النساء فمن وفى منكم (٢) فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب [في الدنيا] فهو كفّارة له، ومن أصاب منها شيئًا من ذلك فستره الله فهو إِلى الله؛ إِن شاء عذّبه وإِن شاء غفر له» (٣).

-----------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠).
(٢) أي: ثبتَ على العهد.
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٩٤)، ومسلم (١٧٠٩) والزيادة عند البخاري (١٨).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #142  
قديم 17-01-2026, 04:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 16الى صــ30
الحلقة (142)




النهي عن إِقامة الحدود في المساجد:
عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- أنّه قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُسْتَقاد (١) في المسجد، وأن تنْشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود» (٢).

اتقاء ضرْب الوجه في الحدود:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «إِذا ضرب أحدكم أخاه فليجْتَنِب الوجه» (٣).

الخمر:
أجمع المسلمون على تحريم الخمر والنصوص في ذلك معلومة (٤).

ما هي الخمر؟
سُمّيت خمرًا؛ لأنها تُركت فاختَمَرت، واختمارها تغيُّر ريحها، وقيل:

------------------------
(١) يستقاد: أي يطلب القَوَد أي القِصاص. «عون المعبود».
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٦٩)، وانظر «الإِرواء» (٢٣٢٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢) بلفظ «إِذا قاتل ...».
(٤) ومن الأحاديث الشريفة قوله - ﷺ -: «الخمر أمّ الفواحش وأكبر الكبائر، مَنْ شَربها وقع على أمّه وخالته وعمّته». أخرجه الطبراني في «الأوسط» و«الكبير» وحسّنه شيخنا -رحمه الله- بمجموع الطّرق في «الصحيحة» (١٨٣٥) وفي رواية: «الخمر أم الخبائث، ومَن شربها لم يقبل الله منه صلاةً أربعين يومًا، فإِن مات وهي في بطنه؛ مات ميتةً جاهلية». أخرجه الطبراني في «الأوسط» وغيره، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٨٥٤).



سُميّت بذلك لمخامرتها العقل أي: مخالطتها وتغطيته (١).
ويتضمّن الخمر كلّ ما كان مسكرًا (٢).
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (٣).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرْقُ، فملء الكف منه حرام» (٤).
وتؤخذ الخمر مما ذُكر في النصوص الآتية:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «قام عمر على المنبر فقال: أمّا بعد: نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل» (٥).
وعن جابر «أنّ رجلًا قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) فسأل النّبيّ - ﷺ - عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يُقال له المِزْر؟ فقال النّبيّ - ﷺ -: أوَ مُسكِرٌ هو؟ قال: نعم.

------------------
(١) جاء في»طلبة الطلبة«(ص ٣١٧): عشرة أقاويل في معناها فانظرها -إِن شئت-.
(٢) انظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- تعليق شيخنا -رحمه الله- على»الضعيفة«على الحديث (١٢٢٠).
(٣) أخرجه مسلم (٢٠٠٣).
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣١٣٤)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٥٢١)، وانظر»الإرواء" (٢٣٧٦).
(٥) أخرجه البخاري (٥٥٨١) ومسلم (٣٠٣٢).



قال رسول الله - ﷺ -: كُلّ مسكر حرامٌ، إِنّ على الله -عز وجل- عهدًا لِمن يشرب المُسكر أن يَسِقيَه من طينة الخَبال، قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عرقُ أهل النّار، أو عصارة أهل النّار» (١).
عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ من العنب خمرًا وإِنّ من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وأنّ من البُرِّ خمرًا، وإِنّ من الشعير خمرًا» (٢).
عن علي -رضي الله عنه- قال: «نهانا رسول الله - ﷺ - عن الدُبّاء والخنتم، والنقير، والجَعَةِ (٣)» (٤).
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سئل رسول الله - ﷺ - عن البِتع -وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه- فقال رسول الله - ﷺ -: «كل شراب أسكَر فهو حرام» (٥).

--------------------
(١) أخرجه مسلم (٢٠٠٢).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣١٢٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٥٢٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٧٢٤)، وانظر «الصحيحة» (١٥٩٣).
(٣) جاء في «النهاية»: «في تفسير»الجَعَة«: هي النبيذ المتّخذ من الشعير»، وهي التي تسمّى الآن «البيرة» نعوذ بالله مِن الخذلان.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣١٤٤)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٢٥١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٧٧٠).
(٥) أخرجه البخاري (٥٥٨٦)، ومسلم (٢٠٠١).



ما أسكر كثيره فقليله حرام:
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (١).

شرب العصير والنبيذ قبل التخمير:
عن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأَدَم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مُسْكِرًا» (٢).
وعن أبي بُردة عن أبيه قال: بعثني رسول الله - ﷺ - ومعاذًا إِلى اليمن، فقال: ادعوا النّاس وبشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويسِّرا ولا تُعَسِّرا، قال: فقلت: يا رسول الله! أفتنا في شرابَين كُنّا نصنعهما باليمن: البِتْعُ، وهو من العسل يُنبَذ حتى يشتدَّ والمِزْرُ، وهو من الذرة والشّعير يُنبذ حتّى يشتدَّ.
قال: وكان رسول الله - ﷺ - قد أُعطِيَ جوامعَ الكَلِم بخواتمه فقال: «أنهى عن كلِّ مُسكر أسكر عن الصّلاة» (٣).
فالعلّة هي النّبذ حتى يشتدّ، فإِذا نُبذ من غير اشتداد، بحيث لا يسكر قليله، فلا حرج.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- «كان رسول الله - ﷺ - يُنْتَبذُ له أوّل الليل،

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣١٢٨)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٥٢٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٧٣٧)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٥١٨٠)، وانظر»الإِرواء" (٥٣٧٥).
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٧).
(٣) أخرجه البخاري (٥٥٨٦)، ومسلم (١٧٣٣)، واللفظ له.



فيشربُه إِذا أصبح، يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد والليلة الأخرى، والغد إِلى العصر فإِن بقي شيء، سقاه الخادم أو أمَر به فصُبَّ» (١).
وفي رواية: «كان رسول الله - ﷺ - يُنْتَبذُ له في سِقاء قال شعبة: من ليلة الاثنين فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إِلى العصر فإِن فَضَل منه شيء؛ سقاه الخادم أو صبّه» (١).
قال النووي -رحمه الله-: «معناه تارة يسقيه الخادم، وتارة يصبه، وذلك الاختلاف لاختلاف حال النبيذ، فإِنْ كان لم يظهر فيه تغيُّر ونحوه من مبادئ الإِسكار؛ سقاه الخادم ولا يريقه؛ لأنه مالٌ تحرم إِضاعته ويترك شربه تنزهًا.
وإِن كان قد ظهر فيه شيء من مبادئ الإِسكار والتغير أراقه، لأنه إِذا أسكر صار حرامًا ونجسًا (٢)، فيراق ولا يسقيه الخادم، لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم، كما لا يجوز شربه، وأمّا شربه - ﷺ - قبل الثلاث فكان حيث لا تغير ولا مبادئ تغير ولا شك أصلًا. والله أعلم».
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «علمْتُ أنّ رسول الله - ﷺ - كان يصوم، فتحينت فطره بنبيذٍ صنعته في دباء، ثمّ أتيته به فإِذا هو يَنِشُّ (٣)، فقال: اضرب بهذا الحائط، فإِنّ هذا شرابُ مَن لا يؤمن بالله واليوم الآخر» (٤).

------------------------
(١) أخرجه مسلم (٢٠٠٤).
(٢) وقد تقدّم الكلام حول عدم نجاسة الخمر في الجزء الأوّل.
(٣) أي: يغلي.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣١٦٠)، وابن ماجه، «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٧٥٢) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٥١٨٣)، وانظر «الإرواء» (٢٣٨٩).



وعن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كَتَب إِلينا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «أمّا بعد: فاطبخوا شرابكم، حتى يذهب منه نصيب الشيطان، فإِنّ له اثنين ولكم واحد» (١).
والحاصل أن الشراب الذي لم يتخمّر بالمُكث أو الطبخ أو أي وسيلة أخرى جاز، وإِلا فلا.

الخمر إِذا تخلّلت:
عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النّبيّ - ﷺ - عن أيتامٍ ورثوا خمرًا، قال: «أهرقها» قال: أفلا أجعلها خلًا؟ قال: «لا» (٢).
وهذا دليلٌ على عدم جواز تخليل الخمر؛ لأنه لا يجوز حمْلها أصلًا، ولا يجوز التعاوُن فيها في أيِّ صورة من الصور.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لعن الله الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إِليه» (٣).

أمّا إِذا تخلّلت من ذاتها فلا بأس.
وقال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٨/ ٢٨١): «وإذا بطلت

-------------------------
(١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٥٢٧٥)، وانظر»الإِرواء«(٢٣٨٧).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣١٢٢)، وغيره، وهو في مسلم (١٩٨٣) مختصرًا.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣١٢١)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن
ماجه«(٢٧٢٥)، وانظر»الإِرواء" (٥/ ٣٦٥) تحت الحديث: (١٥٢٩).



هذه الصِّفة [أي: الإِسكار] من الشراب بعد أن كانت فيه موجودة؛ فصار لا يَسْكَرُ أحدٌ من الناس من الإكثار منه فهو حلال؛ خلٌّ لا خمر«.
وقال في»المغني«(١٠/ ٣٤٣):»والخمرة إِذا أفسدت فصيرت خلًاّ، لم تَزُل عن تحريمها، وإِنْ قلَب الله عينها فصارت خلًاّ فهي حلال«.

المخدرات:
وما تقدّم من نصوصٍ في الخمر؛ يمضي في المخدارت وكل ما يزيل العقل ويُسكر.
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله-:»وأمّا «الحشيشة» الملعونة المسكرة: فهي بمنزلة غيرها من المسكرات، والمسكر منها حرام باتفاق العلماء؛ بل كل ما يزيل العقل فإِنه يُحرم أكلْه ولو لم يكن مسكرًا كالبنج، فإِن المسكر يجب فيه الحدّ، وغير المسكر يجب فيه التعزير.
وأمّا قليل «الحشيشة المسكرة» فحرام عند جماهير العلماء، كسائر القليل من المسكرات، وقول النّبي - ﷺ -: «كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام» (١) يتناول ما يُسكر، ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولًا، أو مشروبًا؛ أو جامدًا، أو مائعًا. فلو اصطبغ كالخمر كان حرامًا، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حرامًا.
ونبيّنا - ﷺ - بُعِث بجوامع الكَلِم، فإِذا قال كلمة جامعة كانت عامّة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها، سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه، أو لم تكن، فلمّا قال: «كل مسكر حرام» تناوَل ذلك ما كان بالمدينة من خمر

-----------------------
(١) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) وتقدّم.


التمر وغيرها، وكان يتناول ما كان بأرض اليمن من خمر الحنطة والشعير والعسل وغير ذلك، ودخل في ذلك ما حدث بعده من خمر لبن الخيل الذي يتخذه الترك ونحوهم.
فلم يُفرّق أحد من العلماء بين المسكر من لبن الخيل والمسكر من الحنطة والشعير، وإِن كان أحدهما موجودًا في زمنه كان يعرفه، والآخر لم يكن يعرفه، إِذ لم يكن بأرض العرب من يتخذ خمرًا من لبن الخيل.
وهذه «الحشيشة» فإِنّ أول ما بلَغَنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة، حيث ظهرت دولة التتر؛ وكان ظهورها مع ظهور سيف «جنكسخان»، لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلّط الله عليهم العدو.
وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات، وهي شرٌّ من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر، فإِنها مع أنها تُسكر آكلها؛ حتى يبقى مصطولًا تورث التخنيث والديوثة، وتفسد المزاج، فتجعل الكبير كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل، وتورث الجنون، وكثير من الناس صار مجنونًا بسبب أكْلِها.
ومن الناس من يقول إِنها تغيّر العقل فلا تسكر كالبنج؛ وليس كذلك بل تورث نشوةً ولذةً وطربًا كالخمر، وهذا هو الداعي إِلى تناولها، وقليلها يدعو إِلى كثيرها كالشراب المسكر، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر؛ فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر؛ ولهذا قال الفقهاء: أنه يجب فيها الحد، كما يجب في الخمر«(١).

-----------------------
(١) انظر»الفتاوى«(٣٤/ ٢٠٤) ونقله السيد سابق -رحمه الله- ملخصًا في»فقه السنة" (٣/ ١٥٨).


*وإِذ قد تبيّن أن النصوص من الكتاب والسنة تتناول الحشيشة، فهي تتناول أيضًا الأفيون الذي يبين العلماء أنه أكثر ضررًا ... ويترتب عليه من المفاسد ما يزيد على الحشيش* (١).

الاتجار بالخمر والمواد المخدّرة:
قال الله -تعالى-: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان﴾ (٢).
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو بمكة عام الفتح: «إِنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» (٣).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنّ الله إذا حرم على قوم أكْل شيء؛ حَرّم عليهم ثمنه» (٤).

حدّ شارب الخمر:
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - أُتِي برجل قد شرب الخمر فجُلد بجرِيدتين (٥) نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلمّا كان عمر استشار

------------------------
(١) ما بين نجمتين من «فقه السّنة» (٣/ ١٥٩).
(٢) المائدة: ٢.
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٩٧٨).
(٥) جريد النخل الذي يجرد ويُزال عنه الخوص [أي: الورق] ولا يُسمى جريدًا ما دام عليه الخوص، وإنما يسمّى سعَفًا. وانظر «مختار الصحاح». وفي «اللسان»: «الجريدة للنخلة؛ كالقضيب للشجرة».



الناس فقال عبد الرحمن: أخفَّ الحدود ثمانين فأَمَر به عمر«(١).
وفي رواية:»أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يضرب في الخمر بالنّعال والجريد أربعين«(٢).
وعن عقبة بن الحارث أنّ النّبيّ - ﷺ - أتى بنعيمان -أو بابن نعيمان- وهو سكران، فشق عليه، وأمَر مَن في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال وكُنت فيمن ضربه» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أُتي النّبيّ - ﷺ - برجل قد شرب قال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنّا الضارب بيده والضارب بنعله، والضارب بثوبه» (٤).
ولم يُذكر العدد في هذين الحديثين، فيحمل على الأربعين، كما هو مبيَّنٌ في بعض النّصوص الأُخرى.
وعن حُضين بن المنذر قال: "شهدتُ عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثمّ قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حُمران؛ أنه شرب الخمر، وشهد آخر؛ أنّه رآه يتقيّأ، فقال عثمان: إِنه لم يتقيّأ حتّى شربها. فقال: يا عليّ! قُم فاجلده، فقال عليّ: قم، يا حسن! فاجلده، فقال

-------------------------
(١) أخرجه مسلم (١٧٠٦).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٠٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٧٥).
(٤) أخرجه البخاري (٦٧٧٧).



الحسن: ولِّ حارَّها من تولّى قارَّها (١). فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر! قم فاجلده، فجلده وعليّ يَعُدُّ حتّى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثمّ قال: جلد النّبيّ - ﷺ - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة وهذا أحبُّ إِليّ» (٢).
قال الحافظ في «التلخيص»: «... فلو كان هُو المشير بالثمانين؛ ما أضافها إِلى عمر ولم يعمل بها؛ لكن يمكن أن يُقال: إِنه قال لعمر باجتهاده، ثمّ تغيّر اجتهاده»، وذكره شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٨/ ٤٧).
والذي بدا من خلال أقوال العلماء أن الزيادة من جملة أنواع التعزير، وورد تعليل الزّيادة على الأربعين بالعُتوّ والطغيان والفساد.
فعن السائب بن يزيد قال: «كُنّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله - ﷺ -، وإِمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر؛ فنقوم إِليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا؛ حتّى كان آخر إِمرة عمر؛ فجلد أربعين، حتّى إِذا عتَوا وفسقوا؛ جلد ثمانين» (٣).

-----------------------
(١) قال الإمام النووي -رحمه الله- (١٢/ ٢١٩): «ولّ حارّها مَنْ تولى قارّها: الحار الشديد المكروه والقارّ البارد الهنيء الطيب، وهذا مَثلٌ مِن أمثال العرب. قال الأصمعي وغيره: معناه ولّ شدتها وأوساخها من تولى هنيئها ولذّاتها والضمير عائد إِلى الخلافة والولاية أي: كما أن عثمان وأقاربه يتولون هنيء الخلافة ويختصون به يتولون نكدها وقاذوراتها، ومعناها ليتولّ هذا الجَلْد عثمان بنفسه أو بعض خاصة أقاربه الأدنين. والله أعلم».
(٢) أخرجه مسلم (١٧٠٧).
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٧٩).



قال الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«:»حتّى إِذا عَتوا: من العتوّ وهو التجبُّر، والمراد هنا: انهماكهم في الطغيان والمبالغة في الفساد في شُرب الخمر؛ لأنه ينشأ عن الفساد.
وفسقوا: أي خرجوا عن الطاعة، ووقع في روايةٍ للنسائي: «فلم ينكلوا» أي: يَدَعوا [و] وقَع في مُرسل عُبيد بن عمير -أحد كبار التابعين- فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه ... «أنّ عمر جعله أربعين سوطًا، فلمّا رآهم لا يتناهَون، جعله ستين سوطًا، فلمّا رآهم لا يتناهون؛ جَعَله ثمانين سوطًا وقال: هذا أدنى الحدود».
وفيه: «... وتمسّك من قال بجواز الزيادة على الثمانين تعزيرًا ... أنّ عمر حدَّ الشارب في رمضان، ثمّ نفاه إِلى الشام، وبما أخرجه ابن أبي شيبة أنّ عليًا جلد النجاشي الشاعر ثمانين، ثم أصبح فجلده عشرين بجراءته بالشرب في رمضان». انتهى.
وعن عبد الرحمن بن أزهر قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - غداة الفتح وأنا غلام شاب يتخلّل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأُتي بشارب، فأمرهم فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعله، وحثى رسول الله - ﷺ - التراب.
فلمّا كان أبو بكر أُتي بشارب فسألهم عن ضرب النّبيّ - ﷺ - الذي ضربه، فحزروه أربعين، فضرب أبو بكر أربعين.
فلمّا كان عمر كَتَب إِليه خالد بن الوليد: إِنّ النّاس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا الحد والعقوبة، قال: هم عندك فسلهم، وعنده المهاجرون الأولون،


فسألهم فأجمعوا على أن يضرب ثمانين.
قال: وقال عليّ: إِنّ الرجل إِذا شرب افترى فأرى أن يجعله كحد الفرية» (١).
أقول:
خلاصة الأمر أنّ فِعل الرسول - ﷺ - هو الحُجّة وإِليه المرجع، وما جرى مِن زيادة، فإِنّها ليست زيادة في حدّ الخمر، ولكنها تعزير بالطغيانِ المصاحبِ لحدِّ الخمر؛ كالشُّرب في رمضان والجرأة في الرجوع إِليه.
وربما جرّ هذا التكرار إِلى قتْله.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا سَكِرَ فاجلدوه، فإِنْ عاد فاجلدوه، فإِنْ عاد فاجلدوه، ثمّ قال في الرابعة: فإِنْ عاد فاضربوا عُنُقه» (٢).
فإِذا أفضت أسباب معيّنة إِلى القتل بالنص، فلقائلٍ مِن أهل العلم أن

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٦٨).
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٦٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٠٨٥) واللفظ له وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (١٣٦٠) وقال شيخنا -رحمه الله- معلّقًا: «وقد قيل إِنه حديث منسوخ، ولا دليل على ذلك، بل هو محكم غير منسوخ كما حققه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على»المسند«(٩/ ٤٩ - ٩٢)، واستقصى هناك الكلام على طرقه بما لا مزيد عليه، ولكنا نرى أنه من باب التعزيز، إِذا رأى الإِمام قتل، وإن لم يره لم يقتل بخلاف الجلد، فإنه لا بد منه في كل مرّة، وهو الذي اختاره الإِمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-».



يقول: بين الأربعين جلدة والقتل قدْرٌ معيّنٌ من التعزير؛ حسبما يقتضيه الحال والله أعلم.

بمَ يثبُت حدّ الشرب؟
ويثبُت على شارب الخمر بالإِقرار والاعتراف، أو شهادة شاهدين عدلين، لما تقدّم مِن حديث حُضين بن المنذر قال: شهدْتُ عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلّى الصبح ركعتين، ثمّ قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حُمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيّأ فقال عثمان: إِنه لم يتقيّأ حتى شربها فقال: يا عليّ قم فاجلده ...» (١).

شروط إِقامة الحدّ (٢):
١ - العقل؛ فلا يُحدّ المجنون إِذا سَكِر.
٢ - البلوغ وقد رُفع التكليف عن الصبي حتّى يحتلم ويبلغ؛ كما تقدّم.
٣ - الاختيار: إِذ مَن وقع منه الكُفر بالإِكراه لا يكفر، فكيف بما دونه، وقد قال -تعالى-: ﴿إِلا مَن أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان﴾ (٣).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبي - ﷺ - قال: «إِنّ الله وضع عن أمّتي الخطأ والنسيان، وما استُكرهوا عليه» (٤).

---------------------
(١) أخرجه مسلم (١٧٠٧)، وتقدّم.
(٢) «فقه السّنّة» (٣/ ١٦٧) بتصرف وزيادة.
(٣) النحل: ١٠٦.
(٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦٤)، وانظر «الإرواء» (٨٢)، و«المشكاة» (٦٢٨٤)، وتقدّم.



ويدخُل في ذلك الاضطرار، فمن لم يجدِ ماءً وعطش عطشًا شديدًا، يخشى عليه منه الموت، ووجدَ خمرًا؛ فله أن يشرب القدر الذي يُنجيه من الهلاك، والضرورة تقدّر بقدرها؛ فلا يتوسع في ذلك.
٤ - العِلم بأن ما يتناوله مسكر، وإذا لفَتَ نظَره أحد من النّاس، فتمادى في شُربه؛ فإِنه يستوجب إِقامة الحد.

عدم اشتراط الحرّية والإِسلام في إِقامة الحدّ:
ولا يُشترط الإِسلام والحرية في إِقامة الحد.
أمّا عدم اشتراط الإِسلام؛ فلأمور عديدة منها؛ أنّ إِقامة أهل الكتاب في ديار المسلمين؛ لا تكون إِلا بشروط، ولا يُؤذن لهم بالمجاهرة والمعاصي، أفرأيت لو قتَل أحدهم؛ فهل يُرفع عنه الحدّ؟!
وفي الإِذن لهؤلاء في شرب المسكرات، والمجاهرة بالذنوب والمعاصى؛ خطرٌ كبير على أبناء الإِسلام -كما لا يخفى-.
وإِذا شرب المملوك فإِنه يقام عليه الحدّ؛ لأنّ تحريم الخمر عامٌّ ليس فيه استثناء؛ وقد ورد استثناءُ تكليفه من صلاة الجمعة مثلًا، كما تقدّم في «كتاب الجُمعة».

تحريم التداوي بالخمر:
عن طارق بن سُوَيْد الجُعْفِيّ «أنه سأل النّبيّ - ﷺ - عن الخمر؟ فنهاه، أو كره أن يَصْنَعها، فقال: إِنّما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء» (١).

---------------------
(١) أخرجه مسلم (١٩٨٤).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #143  
قديم 17-01-2026, 04:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 31الى صــ45
الحلقة (143)






عن ديلم الحميري قال: «سألت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، إِنا بأرض باردة نعالج فيها عملًا شديدًا، وإِنا نتخذ شرابًا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا؟ قال: هل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فاجتنبوه قال: قلت: فإِن النّاس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتِلوهم» (١).
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «إِنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم» (٢).

إِذا أقام الإِمام الحدّ على السكران فمات أعطاه الدِّية:
عن علي -رضي الله عنه- قال: «ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إِلا صاحبَ الخمر فإِنه لو مات وَدَيْته (٣) وذلك أنّ رسول الله - ﷺ - لم يسُنَّه» (٤).
وفي رواية: «من شرب الخمر فجلدناه، فمات وديناه؛ لأنه شيء صنعناه» (٥).

حدّ الزنى
الزنى الموجب للحدّ:

---------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣١٣١).
(٢) تقدّم تخريجه في «كتاب الطهارة» (١/ ٥٢).
(٣) أي: أعطيتُ دِيته لمستحقّها.
(٤) أخرجه البخاري (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧).
(٥) أخرجه الطحاوي وابن ماجه، وصحح إِسناده شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٨/ ٤٩).



يتحقّق الزنى المترتب عليه الحدّ؛ بتغييب الحشفة -وهي رأس الذكر- أو المدوّرة في فرجٍ محرّم، ولو لم يكن معه إِنزال، أمّا إِذا استمتع فيما دون الفرج؛ فلا حدَّ عليه، وإِن استوجب التعزير.
فعن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «جاء رجلٌ إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّي عالجتُ امرأةً (١) في أقصى المدينة، وإِنّي أصبت منها ما دون أن أمَسَّها (٢) فَأنَا هذا. فاقض فيَّ ما شئت، فقال له عمر: لقد سترَكَ الله، لو ستْرتَ نفسك، قال: فلم يَرُدَّ النّبيّ - ﷺ - شيئًا.
فقام الرّجل فانطلق، فأتبعه النّبيّ - ﷺ - رجُلًا دعاه، وتلا عليه هذه الآية: ﴿أقمِ الصلاة طرفَي النهار وزُلَفًا من الليل إِنَّ الحسنات يُذهِبن السيئات ذلكَ ذكرى للذاكرين﴾ (٣) فقال رجلٌ من القوم: يا نبيّ الله! هذا له خاصّة؟ قال: بل للنّاس كافّة» (٤).
وجاء في «سبل السلام» (١/ ١٥١): «قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنّ كلَّ من خوطب بأنّ فلانًا أجنب عن فلانة؛ عقل أنّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل.
ولم يُخْتَلَف أنّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال».

---------------------
(١) معنى عالَجَها: أي تناوَلها، واستمتع بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إِلا الجماع، وانظر «شرح النووي».
(٢) أي: دون الزنا في الفرج.
(٣) هود: ١١٤.
(٤) أخرجه مسلم (٢٧٦٣).



حدّ الزاني البكر (١):
حدّ الزاني البكر مائة جلدة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ ولا تأخُذْكم بهما رأفةٌ في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: «هذه الآيةُ الكريمة فيها حُكْم الزاني في الحدّ، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع؛ فإِنّ الزاني لا يخلو:
إِمّا أن يكون بِكْرًا: وهو الذي لم يتزوج.
أو مُحصَنًا: وهو الذي قد وطئ في نكاحٍ صحيح، وهو حُرٌّ بالغ عاقل.
فأمّا إِذا كان بِكْرًا لم يتزوج؛ فإِنّ جَلْده مائة جَلدة كما في الآية، ويزاد على ذلكَ أن يُغرَّب عامًا عن بلده عند جمهور العلماء؛ خلافًا لأبي حنيفة -رحمه الله- فإِن عنده التغريب إِلى رأي الإِمام، إِنْ شاء لم يُغّرب».
وإِليك -رحمني الله وإِياك- التفصيل في العنوان الآتي:

ما وَرد في التغريب:
التغريب: النفي عن البلد الذي وقعَت فيه الجناية، يُقال: أغربتَه وغرَّبتَه إِذا نحّيْتَهُ وأبعدتَه. والغَرْبُ: البُعد (٣).
عن أبي هريرة وزيد بن خالد -رضي الله عنهما- قالا: «كنّا عند النّبيّ - ﷺ - فقام رجلٌ فقال: أنشدك الله إِلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان

--------------------
(١) تُطلق كلمة البكر على الرجل والمرأة، والبكر من الرجال الذي لم يقرب المرأة.
(٢) النور: ٢.
(٣)»النهاية".



أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي.
قال: قل، قال: إِنّ ابني هذا كان عسيفًا (١) على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثمّ سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم.
فقال النّبيّ - ﷺ -: والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله -جلّ ذِكْرُه- المائة شاة والخادم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإِن اعترفَت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها» (٢).
وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول - ﷺ -: «خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهُنّ سبيلًا، البكر بالبكر جلْد مِائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرّجم» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قضى فيمن زنى ولم يُحصَنْ بنفي عامٍ وبإِقامة الحدِّ عليه«(٤).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - ضَرَب وغرَّب، وأنّ أبا بكر ضَرَب وغرّب، وأنّ عمر ضَرَب وغرّب» (٥).

--------------------
(١) أي: أجيرًا.
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٧)، (٦٨٢٨)، ومسلم (١٦٩٧)، (١٦٩٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٩٠).
(٤) أخرجه البخاري (٦٨٣٣).
(٥) أخرجه الترمذي والنسائي، وصححه ابن خزيمة والحاكم، قاله الحافظ في «الفتح» تحت الحديث (٦٨٣٣).



جاء في «الفتح» تحت الحديث (٦٨٣٣): «وقال ابن المنذر: أقسم النّبيّ - ﷺ - في قصة العسيف أنه يقضي فيه بكتاب الله ثمّ قال: إِن عليه جلد مائة وتغريب عام، وهو المبين لكتاب الله، وخطب عمر بذلك على رؤوس الناس، وعمل به الخلفاء الراشدون فلم ينكره أحد فكان إِجماعًا.
واختلف في المسافة التي يُنفى إِليها: فقيل: هو إِلى رأي الإِمام، وقيل: يشترط مسافة القصر، وقيل: إِلى ثلاثة أيام، وقيل: يومين، وقيل: يوم وليلة، وقيل: من عمل إِلى عمل، وقيل: إِلى ميل، وقيل: إِلى ما ينطلق عليه اسم نفي».
والذي يترجّح لديّ رجوعُ ذلك إِلى رأي الإِمام فيما يراه يُحقّق المقصود، وقد يكون لبعض النّاس أحوالٌ خاصّة، فيعمل الإِمام بما يحقّق المقصود الشرعي من التغريب؛ مراعيًا هذه الأحوال، والمصلحة العامّة. والله -تعالى- أعلم.

حدّ الزاني المحصن:
ويُحدّ الزاني المحصَن بالرجم حتى الموت، رجُلًا كان أم امرأة.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "أتى رسولَ الله - ﷺ - رجلٌ من النّاس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله! إِني زنيتُ -يريدُ نفسه- فأعرض عنه النّبيّ - ﷺ -، فتنحى لشقِّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه؟
فقال: يا رسول الله! إِني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشقِّ وجه النّبيّ - ﷺ - الذي أعرض عنه.
فلمّا شهد على نفسه أربع شهاداتٍ؛ دعاه النّبيّ - ﷺ - فقال: أبكَ جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنتَ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا


فارجموه«(١).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال عمر لقد خشيتُ أن يطول بالنّاس زمان حتّى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإِن الرجم حقٌّ على من زنى وقد أحصن إِذا قامت البيّنة أو كان الحمل أو الاعتراف.
قال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده» (٢).
ويشترط في إِقامة هذا الحد بالإِضافة إِلى ما تقدّم مِن كونه عاقلًا بالغًا الحريّة، إِذ لا رجم على العبد أو الأمة؛ لقوله الله -تبارك وتعالى-: ﴿فإِن أتيْن بفاحشة فعليهنّ نصفُ ما على المحصناتِ من العذاب﴾ (٣) والرجم لا يتجزّأ.
عن أبي عبد الرحمن قال: «خطب عليٌّ فقال: يا أيها النّاس! أقيموا على أرقائكم الحدّ؛ من أحصن منهم ومن لم يُحْصِن، فإِنّ أمَةً لرسول الله - ﷺ - زنت فأمرني أنْ أجْلدها فإِذا هي حديث عهدٍ بنفاس، فخشيت إِنْ أنا جلدتها أنْ أقتلها، فذكرت ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: أحسنت» (٤).
وفي رواية: «اتركها حتّى تَماثَل (٥)» (٦).

---------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٥)، ومسلم (١٦٩١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١).
(٣) النساء: ٢٥.
(٤) أخرجه مسلم (١٧٠٥).
(٥) تماثل: أي: تُقارب البُرء.
(٦) أخرجه مسلم (١٧٠٥).



قال الإِمام النووي -رحمه الله- في «شرحه» (١١/ ٢١٣): «... [وفي الحديث] بيان أن الأَمَة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، وهو معنى ما قاله عليّ -رضي الله تعالى عنه- وخطَب الناس به.
فإِنْ قيل: فما الحكمة في التقييد في قوله -تعالى-: ﴿فإِذا أُحصنّ﴾ مع أن عليها نصف جلد الحرة؛ سواء كانت الأمة محصنة أم لا.
فالجواب أن الآية نبهت على أن الأَمَة وإِنْ كانت مزوجة لا يجب عليها إِلا نصف جلد الحرّة؛ لأنه الذي ينتصف، وأمّا الرجم فلا ينتصف فليس مرادًا في الآية بلا شك، فليس للأمَة المزوجة الموطوءة في النكاح حُكم الحُرّة الموطوءة في النكاح، فبيّنت الآية هذا لئلا يتوهم أنّ الأمَة المزوجة تُرجَم، وقد أجمعوا على أنها لا ترجم، وأمّا غير المزوجة فقد علمنا أن عليها نصف جلد المزوجة بالأحاديث الصحيحة ...».
ويشترط برجم المحصَن كذلك أن يكون قد سبق له أن تزوج زواجًا صحيحًا، ووطئ فيه ولو مرّة واحدة أنزَل أم لم يُنزل.
وكذا المرأة إِذا تزوّجت ووُطئت ولو مرّة واحدة، ثمّ طُلقت فزنت فإِنها تُرجم.

وجوب الحد على الكافر والذّمي:
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: "إِنّ اليهود جاءوا إِلى رسول الله - ﷺ - فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأةً زنَيا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟ فقالوا: نفضحهم ويُجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إِن فيها الرّجم.
فأَتَوا بالتّوراة فنَشروها، فوضَع أحدهم يده على آية الرّجم فقرأ ما قبلها وما


بعدها.
قال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإِذا فيها آية الرّجم، قالوا: صدق يا محمّد، فيها آية الرّجم، فأمَر بهما رسول الله - ﷺ - فرُجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة» (١).
قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: (بابُ أحكام أهل الذّمة (٢) وإحصانهم إِذا زَنَوا (٣) ورُفعوا إِلى الإِمام) وذكر هذا الحديث.
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «وفي هذا الحديث من الفوائد؛ وجوب الحدّ على الكافر الذمّي إِذا زنى؛ وهو قول الجمهور ...».
وعن جابر بن عبد الله قال: «رَجَم النّبيّ - ﷺ - رجلًا مِنْ أسلم، ورجلًا من اليهود، وامرأته» (٤).
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: «مُرَّ على النّبيّ - ﷺ - بيهوديٍّ مُحَمَّمًا (٥) مجلودًا فدعاهم - ﷺ - فقال: هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟ قالوا: نعم.
فدعا رجُلًا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم

--------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩).
(٢) أي اليهود والنصارى وسائر من تؤخذ منه الجزية.
(٣) يعني: خلافًا لمن قال:»إِنّ من شروط الإِحصان الإسلام«.
(٤) أخرجه مسلم (١٧٠١).
(٥) أي مُسوَدّ الوجه، من الحُممة: الفحمة»النهاية".



أخبرك، نجده الرَّجم، ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنَّا إِذا أخذنا الشّريف تركناه، وإِذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ.
قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشّريف والوضيع، فجعلنا التّحميم والجلد مكان الرّجم، فقال رسول الله - ﷺ -: اللهمّ إِني أوّل من أحيا أمرك إِذ أماتوه، فأَمَر به فرُجم فأنزل الله -عز وجل-: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ إِلى قوله: ﴿إِن أُوتيتم هذا فخذوه﴾ (١).
يقول: ائتوا محمّدًا - ﷺ - فإنْ أمرَكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإِنْ أفتاكم بالرّجم فاحذروا، فأنزل الله -تعالى-: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٤) في الكفّار كُلّها» (٥).

بمَ يثبت حدّ الزنى؟
يثبت الحدّ بما يأتي:
١ - بالاعتراف:
فعن أبي هريرة وزيد بن خالد -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال:

---------------------
(١) المائدة: ٤١.
(٢) المائدة: ٤٤.
(٣) المائدة: ٤٥.
(٤) المائدة: ٤٧.
(٥) أخرجه مسلم (١٧٠٠).



«واغْدُ يا أُنيس على امرأة هذا؛ فإِن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرَجمها» (١).
٢ - بأربعة شهود:
قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ (٢).
ويشترط في الشهود: البلوغ والعقل والإِسلام، كما تقدّم في مثله، وكذا العدالة لقول الله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾ (٣)، وقوله -سبحانه-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ (٤).
وكذا المعاينة أي: أن يكون قد عاين فرجَها في فرجه؛ كما سيأتي -إِن شاء الله- في (باب حدّ من رمى المحصنة ولم يأت بأربعة شهود) قول عمر -رضي الله عنه- لزياد هل رأيت المرود دخَل المكحلة؟ (٥).
٣ - بالحبَل، إِذا لم يُعلم لها زوج أو سيد:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قال عمر: لقد خشيت أن يطول

---------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٧)، ومسلم (١٦٩٧)، وتقدّم بطوله في حدّ الزاني البكر.
(٢) النور: ٤.
(٣) الطلاق: ٢.
(٤) الحجرات: ٦.
(٥) انظر»الإِرواء" (٨/ ٢٩).



بالنّاس زمانٌ؛ حتّى يقول قائل لا نجدُ الرجم في كتاب الله؛ فيضلّوا بترك فريضة أنَزَلها الله، ألا وإِنّ الرجم حقٌّ على مَن زنى، وقد أحصَن إِذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف» (١).

ماذا يفعل الإِمام إِذا جاءه من أقرّ على نفسه بالزنى؟
إِذا جاءَ منْ يُقرّ على نفْسه بالزِّنى عند الإِمام؛ فعلى هذا الإمام أن يعمل بمقتضى قوله - ﷺ -: «تَعَافَوُا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب» (٢).
قال ابن الأثير في «النهاية»: «تَعَافَوُا الحدود فيما بينكم» أي: تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إِليَّ؛ فإِنِّي متى علمتها أقمتها.
وعن نُعيم بن هَزّال قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حِجْر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله - ﷺ - فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، وإِنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجًا.
فأتاه فقال: يا رسول الله إِني زنيت، فأقم عليّ كتاب الله! فأعرض عنه، فعاد فقال: يا رسول الله، إِني زنيت فأقم عليّ كتاب الله! حتى قالها أربع مرار.
قال - ﷺ -: «إِنّك قد قُلتها أربع مرّات، فبمن؟ قال: بفلانة، قال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم؟ قال: هل باشرتها؟ قال: نعم قال: هل جامعتها؟ قال:

----------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١) وتقدّم.
(٢) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٨٠) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٩٥١) والنسائي»صحيح سنن النسائي" (٤٥٣٨).



نعم؛ قال: فأَمَر به أن يُرجَم، فأُخرج به إِلى الحرّة.
فلمّا رُجِم فوجد مَسَّ الحجارة جزع فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير (١)، فرماه به فقتله، ثمّ أتى النّبيّ - ﷺ - فذكر ذلك له فقال: هلا تركتموه«(٢).
وعن محمّد بن إِسحاق قال:»ذكرت لعاصم بن عمرو بن قتادة قصة ماعز بن مالك، فقال لي: حدَّثني حسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: حدَّثني ذلك مِن قول رسول الله - ﷺ -: «فهلاّ تركتموه» من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولم أعرف الحديث، قال: فجئت جابر بن عبد الله فقلت: إِنّ رجالًا مِن أسلم يحدثون: أن رسول الله - ﷺ - قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: «ألا تركتموه» وما أعرف الحديث. قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجَم الرجل، إِنّا لما خرجنا به فرجمناه، فوجد مسّ الحجارة صرخ بنا:
يا قوم ردّوني إِلى رسول الله - ﷺ -، فإِنّ قومي قتلوني وغرُّوني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله - ﷺ - غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتّى قتلناه، فلمّا رجعنا إِلى رسول الله - ﷺ - وأخبرناه قال:
فهلا تركتموه وجئتموني به ليستثبت رسول الله - ﷺ - منه، فأما لترك حد فلا! «(٣).

------------------
(١) وظيف البعير: خفّه، وهو له كالحافر للفرس.»النهاية«.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧١٦)، وانظر»الإِرواء«(٢٣٢٢).
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧١٧)، وانظر»الإِرواء" (٧/ ٣٥٤).



وعن ابن عباس قال: «جاء ماعز بن مالك إِلى النّبيّ - ﷺ - فاعترف بالزنا مرتين فطرده، ثمّ جاء فاعترف بالزنا مرتين، فقال: شهدت علي نفسك أربع مرّات، اذهبوا به فارجموه» (١).
فتأمّل حديث نعيم بن هزال وقوله: «فأعرَض عنه» أي أعرض عنه رسول الله - ﷺ - حين قال: إِني زنيت وأيضًا: «حتّى قالها أربع مرار، ثمّ قول رسول الله - ﷺ -:»إِنّك قد قلتها أربع مرّات فبمن؟«.
فماذا لو قالها مرةً، وحين رأى إِعراض رسول الله - ﷺ -، مضى ولم يعُد؟!
وتأمّل قوله - ﷺ -:»هل ضاجَعَتها؟ ... هل باشرتها؟ ... هل جامعتها؟
وفي بعض الروايات: «لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت» حتى قال: «أنِكتَها، لا يُكنّي» (٢).
وتأمّل بعد ذلك قوله - ﷺ - لأصحابه: «هلا تركتموه» حينما بلغه جزعُه وفرارُه من الرجم.
فهذا فيه ما فيه من الدعوة إِلى ستْر النفس والإِقلاع عن المعصية والندم وإِحسان التوبة إِلى الله -عز وجل- وهذا مطلبٌ سامٍ ومقصد عظيم، -والله أعلم-.
وأما ما جاء في رواية محمد بن إِسحاق ... في قول رسول الله - ﷺ -: «فهلا تركتموه وجئتموني به، ليستثبت رسول الله - ﷺ - منه، فأمّا لترْكِ حد فلا» فهذه ليست من قول النّبيّ - ﷺ - وإِنما هي تفسير مِن الراوي، والسؤال ماذا بعد

---------------------
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٣) وأبو داود واللفظ له «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٢٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٤).



أن يستثبت منه رسول الله - ﷺ - أيعيده للرجم أم ماذا؟!
فإِن قالوا: يعيده للرجم فلا فائدة من الاستثبات، لأن الاستثبات ليس بثبوت زناه، وإِنّما لأن قومه غرّوه من نفسه أنه لن يُقتل! وأي فائدة في ذلك؟!
فالحكمة واضحة بيّنة، وقد جاء هذا صريحًا من حديث بريدة بن الحصيب قال: «ثمّ جاءت امرأه من غامد الأَزْد فقالت: يا رسول الله! طهّرني فقال: ويحك؛ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه» (١).
ولكن لما كان الإِصرار والإِلحاح والمتابعة من ماعز والغامديّة؛ والنّاس ينظرون؛ فإِنه لا بدّ من إِقامة الحد؛ لأن هناك مفسدةً في عدم إِقامته، والحاصل أنه إِذا بلغَ الإِمام أمْرٌ كهذا أعرَض وذكّر بالاستغفار والتوبة، فإِنْ أصرّ مُقارِفُ الفاحشة على إِقامة الحد؛ أقيم عليه. والله أعلم.
ويؤيِّد هذا ما ثبت عن الأجلح عن الشعبي قال: "جيء بشُرَاحة الهمدانية إِلى علي -رضي الله عنه- فقال لها: ويلك لعل رجلًا وقع عليكِ وأنت نائمة، قالت: لا، قال لعلك استكرهت، قالت: لا، قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك؛ فأنت تكرهين أن تدلي عليه، يُلقِّنها لعلَّها تقول: نعم.
قال: فأمَر بها فحُبست، فلمَّا وضعت ما في بطنها، أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة، وأحاط الناس بها، وأخذوا الحجارة، فقال: ليس هكذا الرجم، إِذًا يُصيب بعضكم بعضًا، صفّوا كصفّ الصلاة صفًا خلف صفّ.

---------------------
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥).


ثمّ قال: أيها الناس أيَّما امرأة جيء بها وبها حبل يعني أو اعترفت، فالإِمام أوَّل من يرجم ثم الناس، وأيَّما امرأة أو رجُل زان فشهد عليه أربعة بالزنا فالشُّهود أوَّل من يرجُم، ثمَّ الإِمام، ثمّ الناس، ثمَّ رجمَها، ثمَّ أمَرهم فرَجَم صفّ ثمّ صفّ، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم» (١).
فتأمَّل قول عليٍّ -رضي الله عنه- لعلَّ رجُلًا وقَع عليك وأنتِ نائمة، ... لعلَّكِ استُكْرِهتِ، ... لعلَّ زوجك من عدوّنا هذا؛ أتاك فأنت تكرهين أن تدلِّي عليه. وتأمَّل كلمة: «يلقِّنها لعلَّها تقول: نعم».
ولذلك إِذا أنْكرت المرأة أنَّه زُنِيَ بها؛ لم يُقَم عليها الحدّ ولو أقرَّ الرجُل الزَّاني، وأُقيم عليه الحدّ. وانْظر العنوان الآتي:

من أقرّ بزنى امرأة فأنكرت:
عن سهل بن سعد عن النبيّ - ﷺ - «أنّ رجلًا أتاه، فأقرّ عنده أنه زنى بامرأة سمّاها، فبعَث رسول الله - ﷺ - إِلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكَرت أن تكون زنَت، فجلده الحدّ وترَكَها» (٢).

سقوط الحدّ بظهور ما يقطع بالبراءة:
*إِذا ظهَر بالمرأة أو بالرجل ما يقطع أنه لم يقع مِن أحدٍ منهما زنى؛ كأن تكون المرأة عذراء لم تفضّ بكارتها، أو رتقاء مسدودة الفرج، أو يكون الرجل

-------------------
(١) جاء في «الإِرواء» (٨/ ٧): أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٨٤/‏١) مختصرًا، والبيهقي والسياق له، قال شيخنا -رحمه الله-: وإسناده جيد رجاله ثقات رجال الصحيح غير الأجلح وهو ابن عبد الله الكوفي وهو صدوق«، وانظر»الإِرواء«(٨/ ٧).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٣٧٤٩).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #144  
قديم 17-01-2026, 04:29 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 46الى صــ60
الحلقة (144)






مجبوبًا أو عنّينًا، سقط الحد* (١)
عن أنس -رضي الله عنه- حين أرسل رسول الله - ﷺ - عليًّا إِلى رجل كان يُتّهم بإِحدى النساء، فقال رسول الله - ﷺ - لعليّ: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه عليٌّ فإِذا هو في رَكِيٍّ (٢) يتبردُ فيها، فقال له عليٌّ: اخرج، فناوله يده فأخرجه فإِذا هو مجبوب ليس له ذكَر، فكفَّ عليٌّ عنه، ثمّ أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّه لمجبوب ما له ذكَر» (٣).

سقوط الحدّ إِذا أبدى المتهم العذر واقتنع الإِمام:
وكذلك يسقط للحد إِذا أُبدى المتهم العذر واقتنع به الإِمام.
عن أبي موسى قال: «أُتي عمر بن الخطاب بامرأة من أهل اليمن، قالوا: بغت! قالت: إِني كنت نائمة، فلم أستيقظ إِلا برجل رمى فيّ مثل الشهاب، فقال عمر -رضي الله عنه-: يمانية نؤومة شابّة، فخلى عنها ومتعها» (٤).
قال شيخنا -رحمه الله-: «وله طريق أخرى يرويه النزال بن سبرة قال:»إِنا لبمكة إِذ نحن بامرأة اجتمع عليها النّاس؛ حتى كاد أن يقتلوها وهم يقولون: زنَت زنَت، فأتي بها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهي حبلى، وجاء معها

-----------------------
(١) ما بين نجمتين من «فقه السّنَة» (٣/ ١٩٣).
(٢) رَكِيٍّ: هو البئر «نووي».
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٧١)، وللحديث مناسبة في روايات أُخرى كما في «الصحيحة» تحت الحديث (١٩٠٤).
(٤) أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣٦٢).



قومها، فأثنوا عليها بخير، فقال عمر: أخبريني عن أمرك.
قالت: يا أمير المؤمنين كنت امرأة أصيب من هذا الليل، فصليت ذات ليلة، ثمّ نمت وقمت ورجُلٌ بين رجِليّ، فقذَف فيّ مثل الشهاب، ثم ذهب، فقال عمر -رضي الله عنه-: لو قتل هذه من بين الجبلين أو قال: الأخشبين -شك أبو خالد- لعذبهم الله، فخلى سبيلها، وكتب إِلى الآفاق أن لا تقتلوا أحدًا إِلا بإِذني» (١).

سقوط الحدّ بالتوبة الصحيحة:
يسقط الحد عمن تاب توبة صحيحة.
عن وائل الكندي -رضي الله عنه- قال: «خرجت امرأة إِلى الصلاة، فلقيها رجل فتجلّلها بثيابه، فقضى حاجته منها وذهب، وانتهى إِليها رجل، فقالت له: إِن الرجل فعل بي كذا وكذا، فذهب الرجل في طلبه، فانتهى إِليها قوم من الأنصار، فوقفوا عليها، فقالت لهم إِن رجلًا فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاؤوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إِلى النبي - ﷺ - فقالت: هو هذا.
فلمّا أمر النبي - ﷺ - برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله أنا هو، فقال للمرأة: اذهبي فقد غفر الله لك، وقال للرجل قولًا حسنًا.
فقيل: يا نبي الله ألا ترجمه؟ فقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة

------------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، وقال شيخنا -رحمه الله -:»وهذا إِسناد صحيح على شرط البخاري«، وانظر»الإرواء" (٨/ ٣٠).


لقُبل منهم» (١).
قال شيخنا -رحمه الله-: «وفي هذا الحديث فائدة هامة، وهي: أنّ الحد يسقط عمّن تاب توبة صحيحة، وإِليه ذهب ابن القيم في بحت له في»الإِعلام«فراجِعْه (٣/ ١٧ - ٢٠) مطبعة السعادة».

عفو الحاكم عن الحدود لأسباب مخصوصة:
للحديث السابق.

الوطء بالإِكراه:
لا حدّ على المرأة التي تُكره على الزنى، وإِذا أُكره المرء على الكُفر وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان فلا يكفر، فكيف بما هو دونه!
وفي الحديث: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٢).
وتقدم حديث وائل الكندي قبل الباب السابق.
وعن طارق بن شهاب: «أنّ امرأة زنت، فقال عمر: أراها كانت تصلي من الليل فخشعت فركعت، فسجدت، فأتاها عادٍ من العواد فتجثمها، فأرسل عمر إِليها، فقالت كما قال عمر، فخلّى سبيلها» (٣).

-------------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٨١) والترمذي وغيرهم وانظر «الصحيحة» (٩٠٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦٤)، وصححه شيخنا -رحمه الله- «الإِرواء» (٨٢) وتقدّم.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣١٢).



وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: «أُتي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بامرأة جهدها العطش، فمرت على راع فاستقت، فأبى أن يسقيها إِلا أن تُمكنّه من نفسها، ففعَلت، فشاور النّاس في رجمها، فقال عليّ -رضي الله عنه-: هذه مضطرة، أرى أن تخلّيَ سبيلها، ففعل» (١).

الخطأ في الوطء (٢):
إِذا زُفّت إِلى رجلٍ امرأةٌ غير زوجته، وقيل له: هذه زوجتك، فوطئها يعتقدها زوجته، فلا حدّ عليه، باتفَاق.
وكذلك الحُكم، إِذا لم يُقَل له: هذه زوجتك، أو وَجَد على فراشه امرأة ظنها امرأته فوطئَها، أو دعا زوجته فجاء غيرها، فظنها المدعوة فوطئها، لا حدّ في كل ذلك.
وهكذا الحُكم في كل خطأ في وطء مباح.
أمّا الخطأ في الوطء المحرم، فإِنه يوجب الحدّ، فمن دعا امرأة محرمة عليه، فأجابته غيرها، فوطئها يظنها المدعُوة فعليه الحدّ، فإِنْ دعا امرأة مُحرّمة عليه، فأجابته زوجته فوطِئَها، يظنها الأجنبية التي دعاها؛ فلا حدّ عليه، وإِنْ أثم باعتبار ظنه [والله -تعالى- أعلم].
قلت: وللحاكم أن يُعزّره إِذا علم ذلك.

------------------------
(١) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣١٣).
(٢) عن «فقه السنّة» (٣/ ٢١٠ - ٢١١).



الوطء في نكاحٍ باطل (١):
كلّ زواجٍ مُجمَع على بطلانه، كنكاح خامسة زيادة على الأربع، أو متزوجة، أو معتدة الغير، أو نكاح المطلقة ثلاثًا قبل أن تتزوج زوجًا آخر إِذا وطئ فيه، فهو زنى موجب للحدّ، ولا عبرة بوجود العقد، ولا أَثَر له.

لا تُرجم الحُبلى حتّى تضع وتُرضع ولدها، ولا المريضة حتى تبرأ:
تقدّم في حديث بريدة -رضي الله عنه- في قِصّة الغامديّة: «قال: ثمّ جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهِّرني، فقال: ويحك! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه.
فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدني كما ردّدت ماعز بن مالك، قال: وما ذاك؟ قالت: إِنها حبلى من الزنى، فقال: آنْتِ؟ قالت: نعم. فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك.
قال: فكَفَلَها رجل من الأنصار حتّى وضعت. قال: فأتى النّبيّ - ﷺ - فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إِذًا لا نرجمها وندَعُ ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله، فرجمها» (٢).
وفي رواية: «قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! إِنّي قد زنيت فطهِّرني، وإِنّه ردّها فلمّا كان الغد قالت: يا رسول الله! لم تردُّني؟ لعلك أن

-------------------------
(١) عن»فقه السنّة" (٣/ ٢١٠ - ٢١١).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥).



تردّني كما رددت ماعزًا، فوالله إِنّي لحُبلى قال: إِمّا لا (١) فاذهبي حتّى تلدي، فلمّا ولدت أتته بالصّبيّ في خِرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه ْحتّى تفطميه، فلمّا فطمته أتته بالصبيّ في يده كِسرةُ خُبز، فقالت: هذا يا نبيَ الله قد فطمْتُه، وقد أكل الطّعام.
فدفع الصبيَّ إِلى رجل من المسلمين، ثمّ أمَر بها فحُفر لها إِلى صدرها وأمَر النّاس فرجموها» (٢).
قال الإِمام النووي -رحمه الله-: «[فيه] أن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إِلى البُرء. والله أعلم».
وعن أبي عبد الرحمن قال: «خطب عليٌّ فقال: يا أيها النّاس أقيموا على أرقّائكم الحدّ، فإِنّ أمةً لرسول الله - ﷺ - زنت، فأمَرني أنْ أجلدها، فإِذا هي حديث عهدٍ بنفاس، فخشيت إِنْ أنا جلدتها أنْ أقتلها، فذكَرْت ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: أحسنت، اتركها حتى تماثل (٣)» (٤).

شهود طائفة من المؤمنين الحدّ:
قال الله -تعالى-: ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كُلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ

-----------------------
(١) الأصل: إن ما فأُدغمت النون في الميم، وحُذف فِعل الشرط، فصار إمّا لا، ومعناه: إذا أبيت أن تستري على نفسك وتتوبي وترجعي عن قولك؛ فاذهبي حتى تلدي، فترجمين بعد ذلك.
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥ - ٢٣).
(٣) يقال: تماثَل: إذا قارب البُرء.
(٤) أخرجه مسلم (١٧٠٥) وتقدّم.



ولا تأخُذْكُم بهما رأفةٌ في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ (١).
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «وقوله -تعالى-: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾: هذا فيه تنكيل للزانيَيْن إِذا جُلدا بحضرة الناس، فإِنّ ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردْعهما، فإِن في ذلك تقريعًا وتوبيخًا وفضيحة إِذا كان الناس حضورًا.
قال الحسن البصري في قوله -تعالى-: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ يعني: علانية، وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي: نفر من المسلمين؛ ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالًا».

الشهود أول من يرجُم ثم الإِمام ثمّ الناس:
عن أبي حصين عن الشعبي قال: «أتي علي -رضي الله عنه- بشراحة الهمدانية قد فجرت، فردّها حتى ولَدت، فلمّا ولدت قال: ائتوني بأقرب النساء منها، فأعطاها ولدها ثم جلَدَها ورجمَها.
ثم قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بالسُّنّة، ثمّ قال: أيما امرأة نعى عليها ولدها، أو كان اعتراف؛ فالإِمام أوّل من يرجم ثم الناس، فإِنْ نعاها الشهود؛ فالشهود أول من يرجُم، ثم الإِمام ثمّ الناس» (٢).

---------------------
(١) النور: ٢.
(٢) أخرجه الدارقطني والبيهقي (٨/ ٢٢٠) وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٨/ ٧): «إِسناده صحيح على شرط مسلم».



ما جاء في جلد المريض:
يُراعى المريض والسقيم في حدّ الجلد؛ ولا يُعامل كما يعامل الصحيح المعافى.
عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أُضني (١)، فعاد جلدة على عظم، فدخَلَت عليه جارية لبعضهم، فهشّ لها، فوقع عليها فلمّا دخَل عليه رجال قومِه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله - ﷺ -، فإِنّي قد وقعْت على جاريةٍ دخلت عليّ.
فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضُّرِّ مثل الذي هو به، لو حملناه إِليك لتفسَّخت عظامه، ما هو إِلا جلد على عظم، فأمَر رسول الله - ﷺ -، أن يأخذوا له مائة شمراخ (٢) فيضربوه بها ضربة واحدة» (٣).

اللواط:
اللواط: إِتيان الرجل الرجل، وهو من أبشع الأفعال وأقذرها، قال الله -تعالى-: ﴿ولوطًا إِذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحدٍ من العالمين * إِنّكم لتأتون الرجال شهوةً من دون النساء بل أنتم قومٌ مسرفون *وما كان

-----------------------
(١) أي: حتى اشتدّ مرضه، حتى نَحَل جسمه.
(٢) كل غصن من أغصان العِذق -وهو العود الأصفر- شمراخ، وهو الذي عليه البُسر.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٥٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٠٨٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٥٠٠٢) وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (٢٩٨٦).



جواب قومه إِلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إِنّهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إِلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرًا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾ (١).
وفاعله ملعون كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «ملعون من عَمِل عَمَل قوم لوط، ملعون مَن عمِل عَمَل قوم لوط، ملعون مَن عمِل عمَل قوم لوط» (٢).

ما هو حدّ اللواط:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (٣).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (١١/ ٥٤٣): «وفي السنن عن النّبيّ - ﷺ -:»مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به«.
ولهذا اتفق الصحابة على قَتْلهما جميعًا؛ لكن تنوعوا في صفة القتل: فبعضهم قال: يُرجَم، وبعضهم قال: يرمى من أعلى جدارٍ في القرية ويتبع

------------------------
(١) الأعراف: ٨٠ - ٨٤.
(٢) أخرجه الطبراني في»الأوسط«، والحاكم، وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(٢٤٢٠).
(٣) أخرجه أحمد، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧٤٥)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٧٧)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٠٧٥) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٣٤٥٠).



بالحجارة، وبعضهم قال: يحرق بالنّار (١).
ولهذا كان مذهب جمهور السلف والفقهاء أنهما يرجمان بِكْرين كانا أو ثيّبين، حُرّين كانا أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكًا للآخر، وقد اتفق المسلمون على أن من استحلها بمملوك أو غير مملوك فهو كافر مرتد». انتهى.
قلت: أمّا الحرق بالنّار فإِنه لا يشرع، وإِن وقَع شيء؛ فهو محمولٌ قبل بلوغ النهي، ولا سيّما أنّ النبي - ﷺ -، كان قد أمَر بالحرق، ثمّ يلبَث أن نهى عن ذلك، والله أعلم.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: «بَعثَنا رسول الله - ﷺ - في بعثٍ فقال: إِن وجَدتم فلانًا وفلانًا فأحرِقوهما بالنَّار.
ثمَّ قال رسول الله - ﷺ - حين أردْنا الخروجَ: إِني أمرتُكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإِنَّ النارَ لا يُعذِّب بها إِلا الله، فإِنْ وجَدْتموهما فاقتُلوهما» (٢).

------------------------
(١) عن محمد بن المنكدر: أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- أنه وجد رجلًا في بعض ضواحي العرب يُنكَح كما تُنكحَ المرأة، فجمع لذلك أبو بكر أصحاب رسول الله - ﷺ - وفيهم عليُّ بن أبي طالب فقال عليّ: إِن هذا ذنب لم تعمل به أمة إِلا أمة واحدة، ففعل الله بهم ما قد علمتم، أرى أن تحرقه النار، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله - ﷺ - أن يُحرَق بالنار، فأمر به أبو بكر أن يحرق بالنار.
قال: وقد حرقه ابن الزبير وهشام بن عبد الملك. أخرجه ابن أبي الدنيا ومن طريقه البيهقي في «شعب الإِيمان» بإِسناد جيد، وأخرجه أيضًا في «سننه» من غير طريق ابن أبي الدنيا، وأعله بالإِرسال. وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢/ ٦٢٤). انتهى، ويُعلم ضَعْفه من إِعلاله بالإِرسال.
(٢) أخرجه البخاري (٣٠١٦).



وعن عكرمة أنَّ عليًّا -رضي الله عنه- «حَرَّقَ قومًا فبَلَغَ ابن عباس فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرِّقْهم؛ لأنَّ النبي - ﷺ - قال لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولَقتَلْتُهم كما قال النبي - ﷺ -: من بدَّل دِينَهُ فاقتلوه» (١).
وقال -رحمه الله- (٣٤/ ١٨٢): «أمّا الفاعل والمفعول به فيجب قتْلهما رجمًا بالحجارة، سواءٌ كانا مُحصَنَين أو غير محصنين؛ لما في السنن عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال:»من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به«، ولأن أصحاب النّبيّ - ﷺ - اتفقوا على قتلهما».
وقال في «الفتاوى» أيضًا (٢٨/ ٣٣٤): «وأمّا اللواط، فمن العلماء من يقول: حده كحد الزنا، وقد قيل: دون ذلك.
والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يقتل الاثنان الأعلى والأسفل، سواء كانا مُحصَنَين أو غير محصَنَين؛ فإِنّ أهل السنن رووا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال:»من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به«.
وروى أبو داود عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في البكر يوجد على اللوطية. قال: يُرجَم (٢). ويروى عن عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- نحو ذلك.
ولم تختلف الصحابة في قْتله؛ ولكن تنوعوا فيه. فرُوي عن الصديق

-------------
(١) أخرجه البخاري (٣٠١٧).
(٢)»صحيح سنن أبي داود" (٣٧٤٦) وهو صحيح الإِسناد موقوف.



-رضي الله عنه- أنه أمر بتحريقه (١) وعن غيره قتْله، وعن بعضهم: أنه يلقى
عليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل: يُحبسان في أنتن موضع حتى يموتا، وعن بعضهم: أنه يرفع على أعلى جدار في القرية ويرمى منه، ويُتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط.
وهذه رواية عن ابن عباس والرواية الأخرى قال:»يرجم«. وعلى هذا أكثر السلف.
قالوا لأن الله رجم قوم لوط، وشرَع رَجم الزاني تشبيهًا برجْم قوم لوط، فيرجم الاثنان سواء كانا حُرّين أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكًا والآخر حُرًّا، إِذا كانا بالغين، فإِن كان أحدهما غير بالغ؛ عوقب بما دون القتل، ولا يُرجَم إِلا البالغ».

السّحاق:
إِن السّحاق -وهو إِتيان المرأة المرأة- من أقبح الأفعال وأخبثها وأشنعها، وهذا الفعل يمضي فيه قوله -تعالى-: ﴿فأولئك هم العادون﴾ وهذا الخطاب للذكر والأنثى، والأمر بحفظ الفرج يعمّهما كذلك.
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا ينظر الرجل إِلى عورة الرجل، ولا المرأة إِلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إِلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إِلى المرأة في الثوب الواحد» (٢).

------------------------
(١) تقدم الكلام حول هذا الأمر.
(٢) أخرجه مسلم (٣٣٨).



جاء في «إِكمال إِكمال المعلم»: «(ولا يفضي الرجل إِلى الرجل ..): لأنّ تجرّدهما مظنّة مسّ أحدهما عورة الآخر، ومسّ العورة حرام؛ كالنظر -وإِنْ كانا مستورَيْن- فليتنزّها عن ذلك، لعموم النهي، وعلى أنّ جسد المرأة على المرأة عورة يحرم ذلك».
وإِذا كان اقتراف الحرام بالنظر والتجرّد؛ فكيف بما هو أعظم من ذلك.
*والسّحاق مباشرة دون إِيلاج، ففيه التعزير دون الحدّ؛ كما لو باشر الرجلُ المرأة؛ دون إِيلاجٍ في الفرج* (١).

الاستمناء:
قال الله -تعالى-: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إِلا على أزواجهم أو ما ملكَتْ أيمانُهم فإِنهم غيرُ ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٢).
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «وقوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إِلا على أزواجهم أو ما ملكَت أيمانُهم فإِنّهم غيرُ ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلَّها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: ﴿فإِنّهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك﴾ أي: غير الأزواج والإِماء، ﴿فأولئك هم العادون﴾ أي:

-----------------------
(١) ما بين نجمتين من»فقه السّنّة" (٣/ ٢٠٧).
(٢) المؤمنون: ٥ - ٧.



المعتدون».
وقال -رحمه الله-: «وقد استدل الإِمام الشافعي -رحمه الله- ومن وافَقَه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إِلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانُهم﴾.
قال: فهذا الصنيع خارجٌ عن هذين القِسْمين، وقد قال -تعالى-: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾».
وقال الإِمام القرطبي -رحمه الله-: «... وقال بعض العلماء، إِنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، وياليتها لم تُقَل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها.
فإِنْ قيل: إِنها خير من نكاح الأمَة؛ قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا -وإِنْ كان قد قال به قائل أيضًا- ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل، عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الكبير» انتهى.
وقال بعضهم: «إِنه حرام؛ إِلا إِذا استمنى خوفًا على نفسه من الزنا، أو خوفًا على صحّته ولم تكن له زوجة أو أمَة ولم يقدر على الزواج؛ فإِنه لا حرج عليه!!!».
قال شيخنا -رحمه الله- في «تمام المنّة»: «ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنى؛ إِلا إِذا استعمل الطبّ النبوي وهو قوله - ﷺ - للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج:»فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء".


ولذلك فإِننا ننكر أشدّ الإِنكار، على الذين يُفتون الشباب بجوازه، خشية الزنا؛ دون أن يأمرهم بهذا الطبّ النبوي الكريم». انتهى.
وإِني لأخشى أن تُستغَل فتوى الترخّص في الاستمناء خوفًا من الزنى -مع ما تقدّم من التحفّظ- استغلالًا بشِعًا، وأن تُفهم على غير وجهها.
فلا بدّ من التأكيد على تحريم الفِعل، وما يتضمّنه من الدناءة وسوء الأدب، ومنافاته مكارم الأخلاق.
وقد تقدّم القول في «كتاب الصيام» (٣/ ٣١٦).

إِتيان البهيمة:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال - ﷺ -: «من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها معه.
قال: قلت له: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه إِلا قال ذلك أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها ذلك العمل» (١).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «ليس على الذي يأتي البهيمة حدّ» (٢).
جاء في «عون المعبود» (١٢/ ١٠٢): «وأكثر الفقهاء -كما حكاه الخطابي-

---------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧٤٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٧٦)، وابن ماجه الجزء الأول منه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٠٧٨)، وانظر»الإِرواء«(٢٣٤٨).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧٤٨)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«تحت رقم (١١٧٦)، وانظر»الإِرواء" (٨/ ١٣).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #145  
قديم 17-01-2026, 04:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 61الى صــ75
الحلقة (145)






على عدم العمل بهذا الحديث، فلا يقتل البهيمة، ومَن وقَع عليها، وإنّما عليه التعزير ترجيحًا لما رواه الترمذي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «من أتى بهيمة فلا حدّ عليه» قال الترمذي: هذا أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم«.
قلت: إِذا ثبت الحديث وجبَ العمل به، مع رجائنا الأجر الواحد لمن لم يعمل به من العلماء اجتهادًا لرؤيةٍ شرعيّة.
وجاء في»مجموع الفتاوى«(٣٤/ ١٨٢):»وسئل -رحمه الله- عن قوله في «التهذيب» من أتى بهيمة فاقتلوا المفعول، واقتلوا الفاعل بها، فهل يجب ذلك أم لا؟
فأجاب: الحمد لله هذا فيه حديث رواه أبو داود في «السنن» وهو قوله: «من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها» وهو أحد قولي العلماء؛ كأحد القولين في مذهب أحمد، ومذهب الشافعي".

حدّ القذف
حرمته:
القذف: هو الرمي بالزنا، وهو محرَّم بإِجماع الأمّة، والأصل في تحريمه الكتاب والسُّنّة.
قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء


فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ (١).
وقال -سبحانه-: ﴿إِنّ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إِلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتّولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٣).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لما نزل عُذري، قام النّبيّ - ﷺ - على المنبر فذكر ذاك وتلا -يعني القرآن- فلما نزل من المنبر أَمَر بالرجلين والمرأة، فضُربوا حدهم» (٤).

هل يُقام حدّ القذف على من عرَّض (٥)؟
ويُقام الحدّ على القاذف إِذا صرّح بالزنى أو عرّض، قولًا أو كتابة.

-----------------------
(١) النور: ٤.
(٢) النور: ٢٣.
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٥٧)، ومسلم (٨٩).
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٥٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٥٤٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٠٨١).
(٥) استفدت من عنوان (ما يجب توافره في المقذوف) من «فقه السّنّة» (٣/ ٢١٦) بتصرّف.



ومثال التصريح أن يقول موجّهًا الخطاب إِلى غيره: يا زاني أو يقول عبارة؛ تجري مجرى هذا التصريح؛ كنفي نسَبِه عنه، ومثال التعريض؛ أن يقول في مقام التنازُع: لستُ بزانٍ، ولا أمّي بزانية.
عن عمرة بنت عبد الرحمن: «أنّ رجلين استبّا في زمان عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان، ولا أمّي بزانية، فاستشار في ذلك عمر ابن الخطاب.
فقال قائل: مدَح أباه وأمّه، وقال آخَرون: قد كان لأبيه وأمّه مدْحٌ غير هذا، نرى أن تجلده الحدّ، فجلَده عمر الحدّ ثمانين» (١).
وذَهب بعض العلماء إِلى أنه لا حدّ في التعريض، لأنّ التعريض يتضمّن الاحتمال، والاحتمال شُبهة؛ فلا حدّ عليه.
وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٦٠٨) بعد ذكر أقوال العلماء: «أقول: التحقيق أنّ المراد مِنْ رمي المحصنات المذكور في كتاب الله -عز وجل-: هو أن يأتي القاذف بلفظٍ يدل -لغة، أو شرعًا، أو عرفًا- على الرمي بالزنا، ويظهر من قرائن الأحوال أن المتكلم لم يُرِدْ إِلا ذلك، ولم يأت بتأويلٍ مقبول يصح حمْل الكلام عليه، فهذا يوجب حدَّ القذف بلا شك ولا شُبهة.
وكذلك لو جاء بلفظٍ لا يحتمل الزنا، أو يحتمله احتمالًا مرجوحًا، وأقرّ أنه أراد الرمي بالزنا، فإِنه يجب عليه الحد.
وأمّا إِذا عرّض بلفظٍ مُحتَمل، ولم تدل قرينة حال ولا مقال على أنه قصد الرمي بالزنا؛ فلا شيء عليه؛ لأنه لا يسوغ إِيلامه بمجرد الاحتمال».

------------------------
(١) أخرجه مالك، والدارقطني، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣٧١).


بمَ يثبت حدّ القذف؟ (١):
يثبت حدّ القذف بأمرين:
١ - إِقرار القاذف، ويثبت ذلك بإِقراره مرّة؛ لكون إِقرار المرء لازمًا له.
٢ - شهادة عدلين؛ كسائر ما تمضي فيه الشهادة؛ كما أطلقه الكتاب العزيز.

عقوبة القاذف الدنيوية:
*أوجب الشرع على القاذف؛ إِذا لم يُقم بيّنة على صحّة ما قاله؛ ثلاثة أحكام:
أحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة.
الثاني: أنه تُردّ شهادته دائمًا.
الثالث: أن يكون فاسقًا؛ ليس بعدل؛ لا عند الله ولا عند النّاس* (٢).
قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمِّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون * إِلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإِنّ الله غفور رحيم﴾ (٣).

هل تُقبل شهادة القاذف إِذا تاب:
قال ابن كثير -رحمه الله- بعد بيان ما أوجب الشرع على القاذف: «ثمّ

-------------------------
(١) عن»الروضة الندية«(٢/ ٦٠٨) بتصرف.
(٢) انظر»تفسير ابن كثير" -رحمه الله-.
(٣) النور: ٤ - ٥.



قال -تعالى-: ﴿إِلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإِنّ الله غفور رحيم﴾.
اختلف العلماء في هذا الاستثناء: هل يعود إِلى الجملة الأخيرة فقط؛ فترفع التوبة الفسقَ فقط، ويبقى مردودَ الشهادة دائمًا وإِنْ تاب، أو يعود إِلى الجملتين الثانية والثالثة؟
أمّا الجلد فقد ذهب وانقضى، سواء تاب أو أصرّ، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإِمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إِلى أنه إِذا تاب قُبِلت شهادته، وارتفع عنه حُكْم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب -سيد التابعين- وجماعة من السلف أيضًا.
وقال الإِمام أبو حنيفة: إِنما يعود الاستثناء إِلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدًا.
وممن ذهب إِليه من السلف: القاضي شريح، وإِبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال الشعبي والضحاك: لا تُقبل شهادته وإِنْ تاب، إِلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته، والله أعلم».
قال في «الروضة الندية» (٢/ ٦٠٩): "وإِذا لم يتُب لم تُقبل شهادته؛ لقوله -تعالى-: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ ثمّ ذَكر بعد ذلك التوبة.
والذي يترجّح لديّ قبول شهادته إِذا تاب توبة نصوحًا وأكذب نفسه، ويقرّ أنه قال البُهتان، وذلك لما يأتي:


١ - للنصوص العامّة في قَبول التوبة بشروطها، ومن ذلك توبة القاتل (١) وهو أعظم جرمًا من القاذف -بل تُقبل توبة المشرك إِذا تاب.
وحين سألت شيخنا -رحمه الله- هل تقبل توبة الكاذب على رسول الله - ﷺ - وقد اختلف فيها العلماء -وكنتُ مستحضرًا في نفسي أَن الله تعالى يقبل التوبة من الشرك- فقال: إِذا كانت تُقبل توبة المشرك مِن شركه، فكيف بالكاذب على رسول الله - ﷺ -!.
٢ - لترجيحي قول العلماء الذين يرون رجوع الاستثناء إِلى الجملتين لا إِلى الجملة الأخيرة فقط.
وقد فصَّل القولَ في ذلك الأُستاذ عبد القادر عبد الرحمن السعدي في كتابه النافع «أثر الدلالة النحوية واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية» (ص ٢١١ - ٢١٥) مُبّينًا أقوال النحاة والراجح في ذلك. فارجع إِليه -إِن شئت- فإِنه مهمّ.
وأمّا أن يكذب نفسه، ويقرّ أنه قال البهتان، فهذا من شروط التوبة المتعلّقة بحقوق العباد، ورد الظالم، وتبرئتهم مما يجب فيه ذلك.

-------------------------
(١) وفي المسألة تفصيل، والراجح قَبول توبة القاتل، ومن الأدلة على ذلك؛ أثر ابن عباس -رضي الله عنهما- «أنه أتاه رجل فقال: إِنّي خطبتُ امرأة فأبت أن تنْكحني وخطبَها غيري فأحبّت أن تنكحه، فغِرت عليها فقتلتُها، فهل لي من توبة؟ قال: أمّك حيّة؟ قال: لا، قال: تبْ إِلى الله -عز وجل- وتقرَّبْ إِليه ما استطعت، قال عطاء بن يسار: فذهبتُ فسألت ابن عباس -رضي الله عنهما- لم سألته عن حياة أمّه؟ فقال: إِني لا أعلم عملًا أقرب إِلى الله -عز وجل- من بر الوالدة» أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» «صحيح الأدب المفرد» برقم (٤).


قال الله -سبحانه-: ﴿إِنّ الذين يكْتُمُون ما أنزلْنَا من البيّناتِ والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب أولئك يلعَنُهُمُ الله ويلعَنُهُم اللاعنُون * إِلا الذين تَابُوا وأصلَحُوا وبيّنوا فأولئك أتُوبُ عليهم وأنَا التّواب الرّحيم﴾ (١).
قال ابن كثير -رحمه الله-: «وفى هذا دلالة على أنّ الداعية إِلى كُفر أو بدعة إِذا تاب إِلى الله؛ تاب الله عليه».

من رمى المحصنة ولم يأتِ بأربعة شهداء:
عن أبي عثمان النهدي قال: «جاء رجل إِلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فشهد على المغيرة بن شعبة فتغيّر لون عمر، ثمّ جاء آخر فشهد؛ فتغيّر لون عمر، ثمّ جاء آخر فشهد؛ فتغيّر لون عمر، حتى عرفنا ذلك، وأنكر لذلك، وجاء آخر يحرك بيديه، فقال: ما عندك يا سلخ العقاب، وصاح أبو عثمان صيحة تشبهها صيحة عمر، حتى كربت (٢) أن يغشى عليّ، قال: رأيت أمرًا قبيحًا.
قال: الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأمّة محمد - ﷺ -، فأمر بأولئك النفر فجلدوا» (٣).

-------------------------
(١) البقرة: ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) كربت: بمعنى دنوت وقربت، انظر «النهاية».
(٣) أخرجه الطحاوي، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣٦١): «وإسناده صحيح». ورجاله ثقات غير ابن رشيد وهو صدوق وقد توبع، فقال ابن أبي شيبة (١١/ ٨٥/‏١): نا ابن علية عن التيمي عن أبي عثمان قال: "لما شهد أبو بكرة وصاحباه على المغيرة جاء زياد، فقال له عمر: رجلٌ لن يشهد إِن شاء الله إلاَّ بحقّ، قال: رأيت =



وله طريق أُخرى عن قسامة بن زهير قال: لمّا كان من شأن أبي بكرة والمغيرة الذي كان -وذكر الحديث- قال: فدعا الشهود، فشهد أبو بكرة، وشبل بن معبد، وأبو عبد الله نافع، فقال عمر حين شهد هؤلاء الثلاثة: شق على عمر شأنه، فلما قدم زياد قال: إِن تشهد إِن شاء الله إِلا بحق، قال زياد: أما الزنا فلا أشهد به، ولكن قد رأيت أمرًا قبيحًا، قال عمر: الله أكبر، حدوهم، فجلدوهم، قال: فقال أبو بكرة بعدما ضربه: أشهد أنه زان، فهمّ عمر -رضي الله عنه- أن يعيد عليه الجلد، فنهاه عليّ -رضي الله عنه- وقال: إِن جلدته فارجم صاحبك، فتركه ولم يجلده» (١).

إِذا كرّر القذف للشخص نفسه:
إِذا قذف المرء شخصًا وحُدّ، ثمّ قذفه مرّه أُخرى؛ حُدّ مرّة أخرى، وهكذا لو عاد؛ فإِنّه يُحدّ لكل قذف.
ومن الأدلّة على ذلك؛ ما تقدّم في أثر قسامة بن زهير، وفيه قول عمر -رضي الله عنه-: «الله أكبر؛ حدُّوهم، فجلَدوهم، فقال أبو بكرة بعد ما ضَربه: أشهد أنه زان، فهمّ عمرُ -رضي الله عنه- أن يعيد عليه الجلد؛ فنهاه عليّ -رضي الله عنه- وقال: إِنْ جلدْتَه؛ فارجم صاحبك، فتركه ولم يجلده» (٢).

-------------------------
= انبهارًا، ومجلسًا سيئًا، فقال عمر: هل رأيت المرود دخل المكحلة؟ قال لا، قال: فأَمَر بهم فجُلدوا«قال شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٨/ ٢٩):»وهذا إِسناد صحيح على شرط الشيخين«.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٣٦١) وتقدّم.
(٢) المصدر السابق.



والشاهد فيه أن عُمَر همّ بإِعادة الحدّ مرّةً أُخرى، ومنعَه ذلك وضْع خاصّ، وهو أنّه إِذا حدّه، فكأنها أصبحت أربع شهادات، فيجب رجْم المقذوف فلم يفعل -والله تعالى أعلم-.

سُقوط حد القذف (١):
ويسقط حد القذف بمجيء القاذف بأربعة شهداء؛ لأن الشهداء ينفون عنه صفة القذف الموجبة للحد، ويثبتون صدور الزنى بشهادتهم، فيقام حد الزنى على المقذوف؛ لأنه زان، وكذلك إِذا أقرّ المقذوف بالزنى، واعترف بما رماه به القاذف.
وإِذا قذفَت المرأة زوجها، فإِنه يقام عليها الحدّ إِذا توفرت شروطه، بخلاف ما إِذا قذَفَها هو، ولم يُقِم عليها البيّنة؛ فإِنه لا يقام عليه الحدّ، وإِنما يتلاعنان (٢).

إِقامة الحد يوم القيامة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: «من قذَف مملوكه وهو بريء مما قال؛ جُلِد يوم القيامة، إِلا أن يكون كما قال» (٣).

-------------------------
(١) عن «فقه السنّة» (٣/ ٢٢٢).
(٢) وانظر (باب اللعان) في المجلد الرابع.
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠).



حدّ السّرقة
تعريف السّرقة:
السرقة لغةً: أخْذ الشيء المحرَز من الغير؛ من مالكه أو نائبه على وجه الاختفاء (١).
أجمع العلماء على قطع اليد في السرقة لقوله -تعالى-: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ...﴾ (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال النبي - ﷺ -: «تقطع اليد في رُبع دينار فصاعدًا» (٣).

أنواع السرقة (٤)
والسرقة أنواع:
١ - ما يوجب التعزير: وهي السرقة التي لم تتوفر فيها شروط إِقامة الحد، وقد قضى رسول الله - ﷺ - بمضاعفة الغُرم والعقوبة على مَن سَرَق ما لا قطْع فيه؛ كما في سارق الثمار المعلّقة، وكذا سارق الشّاة من المرتع.

-----------------------
(١) «منار السبيل» (٢/ ٣٤٠) -بتصرّف وزيادة يسيرين-.
(٢) المائدة: ٣٨.
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤).
(٤) عن «فقة السُّنة» (٣/ ٢٥٩) -بتصرف-.



فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن رسول الله - ﷺ -: أنه سُئل عن الثمر المعلق، فقال: «من أصاب بفيه (١) من ذي حاجة غير مُتّخذٍ خُبْنَةً (٢)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مِثلَيْه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجَرين (٣) فبلغ ثمن المجنّ (٤) فعليه القطع» (٥).
وفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رجلًا من مُزَيْنة أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف ترى في حريسة (٦) الجبل، فقال: «هي وَمثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشيَة قَطعٌ، إِلا فيما آوَاه المُراحُ (٧). فَبَلغَ ثمن المِجَنّ، فَفيِه قَطْع اليد، وما لم يَبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيِه

---------------------
(١) فيه دليل على أنّه إِذا أخَذَ المحتاج بُغيته لسدّ فاقته؛ فإِنه مباح»عون المعبود«(٥/ ٩١).
(٢) الخُبنة: مِعطف الإِزار وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه في ثوبه.
(٣) الجَرين: موضع تجفيف التمر، وهو له كالبيدر للحِنطة»النهاية«.
(٤) المجنّ: هو التُرس؛ لأنه يواري حامله: أي يستره والميم زائدة»النهاية«أيضًا.
(٥) أخرجه أبو داود،»صحيح سنن أبي داود«(١٥٠٤)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٥٩٣) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٠٤) وانظر»الإِرواء«(٢٤١٣).
(٦) الحريسة: فعيلة بمعنى مفعولة: أي أنّ لها مِن يحرسها ويحفظها ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها ...»النهاية«والمراد: ليس فيما يُسرق من الجبل قطع، لأنه ليس بحرز.
(٧) المُراح: الموضع الذي يريح الراعي إليه الماشية إِذا أمسى وانظر»غريب الحديث" للهروي.



غرامةُ مِثْليِه، وجَلَدَات نَكَال» (١). قال يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟
قال: «هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففيِه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفِيه غَرَامةُ مِثليْه وجَلداتُ نَكَال» (٢).
وعن رافع بن خديج -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ -: «لا قطع في ثمر ولا كَثَر (٣)». (٤)
٢ - ما يوجب الحدّ وهي التي يجب فيها قطع اليد.

ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع:
عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «ليس على خائن (٥) ولا مُنْتهب (٦)

----------------------
(١) النكال: العقوبة التي تنكُلُ الناسَ عن فِعْل ما جُعلت له جزاءً»النهاية«.
(٢) أخرجه النسائي،»صحيح سنن النسائي«(٤٥٩٤)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٢٤١٣).
(٣) الكَثَر: -بفتحتين- جُمّار النخل، وهو شحمه الذي وسَط النخلة»النهاية«.
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ومالك والدرامي وغيرهم وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٢٤١٤).
(٥) الخائن: أي في نحو وديعة.
(٦) المنتهب: هو الذي يعتمد القوّة والغَلَبة ويأخذ عيانًا.



ولا مختلس (١) قطع (٢)». (٣)
قال ابن القيم -رحمه الله-: «وأمّا قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترْك قطْع المختلس، والمنتهب، والغاصب، فمِن تمام حكمة الشارع أيضًا؛ فإِنّ السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإِنه ينقُب الدور، ويهتك الحِرز، ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطْعه، لسَرَق الناس بعضهم بعضًا، وعظُم الضرر، واشتدت المحنة بالسُّراق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإِن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويُخلّصوا حقّ المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم.

-----------------------
(١) المختلس: هو من يأخذ معاينةً ويهرب، لأنّ من شرط القطع الإِخراج من الحرز.
(٢) قال في»فيض القدير«(٥/ ٣٦٩):»... وليس عليهم قطع لأنهم غير سُرّاق والله -سبحانه- أناط القطع بالسرقة، قال ابن العربي: أمّا المنتهب فلأنه قد جاهر، والسرقة معناها الخفاء والتستر عن الأبصار والأسماع.
وأمّا المختلس فإِنه وإنْ كان سارقًا لغةً؛ فليس بسارق عرفًا، فإِنه مجاهر لا يقصد الخلوات ولا يترصد الغفلات إِلا عن صاحب المال فقط، وإنما يراعى فعل السرقة على العموم.
وأمّا الخائن فلأنه ائتمن على المال ومكن منه فلم يكن محترزًا عنه كالمودع والمأذون في دخول الدار«.
(٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٧٢)، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٩٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٠٩٩)، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (٤٦٠٦).



وأمّا المختلس فإِنّه إِنّما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يُمكّن به المختلس من اختلاسه، وإِلا فمع كمال التحفُّظ والتيقُّظ، لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه، وأيضًا فالمختلس إِنما يأخذ المال من غير حِرز مثله غالبًا، فإِنه الذي يغافلك، ويختلس متاعك في حال تخلّيك عنه، وغفلتك عن حِفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالمنتهب.
وأمّا الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كفّ عدوان هؤلاء بالضرب والنَّكال، والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال». (١)

هل في جحد العارية حدّ؟
*اختلف العلماء في حُكم جاحد العارية، فقال الجمهور لا تُقطع يده؛ لأن القرآن والسنّة أوجبا القطع على من سرق، والجاحد للعارية ليس بسارق! * (٢).
وذهب الإِمام أحمد (٣) وإِسحاق وجمْع من العلماء إِلى قطع يده لحديث عائشة -رضي الله عنها- «أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي

------------------------
(١) قاله ابن القيم في»إِعلام الموقعين«(٢/ ٦١) وذكره السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة«(٣/ ٢٦٢).
(٢) ما بين نجمتين من»فقه السنة«(٣/ ٢٦٢) -بتصرف-.
(٣) في»منار السبيل«(٢/ ٣٤٠) قال الإمام أحمد:»لا أعرف شيئًا يدفعه، وعنه: لا قطع عليه".



سرقت فقالوا: من يكلّمُ فيها رسول الله - ﷺ - ومن يجترئ عليه إِلا أسامة حِبّ (١) رسول الله - ﷺ -؟ فكلم رسول الله - ﷺ - فقال: أتشفع في حدّ من حدود الله؟
ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إِنما ضلّ من كان قبلكم أنهم كانوا إِذا سرق الشريف تركوه، وإِذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم (٢) الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقَت لقطع محمد يدها» (٣).
وفي رواية عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمرَ النبي - ﷺ - أن تُقطَع يدها ...» (٤).
قال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- بعد تفصيل ومناقشة للآراء المخالفة في «المحلى» (٣/ ٤١٤): «فتُقطع يد المستعير الجاحد؛ كما تقطع من السارق -سواءٌ بسواء- ....».
ولا شك أن الحديث هو الفيصل فقد نزّل الجحد منزلة السرقة، وقد كان القطع لأجل الجحد، ورواية «سرقت» تفسير للفظ «تستعير المتاع وتجحده».
قال الإِمام الشوكاني -رحمه الله- في «نيل الأوطار» (٧/ ٣٠٨):

---------------------
(١) أي محبوبه.
(٢) أيم اللهِ: من ألفاظ القَسم، وفيها لغاتٌ كثيرة، وتُفتَح همزتها وتُكسَر، وهمزتها وصْلٌ، وقد تُقطع. «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٨٨) ومسلم (١٦٨٨).
(٤) أخرجه مسلم (١٦٨٨).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #146  
قديم 17-01-2026, 04:40 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 76الى صــ90
الحلقة (146)






«.. فالحق قطع جاحد الوديعة؛ ويكون ذلك مُخصِّصًا للأدلة الدالة على اعتبار الحرز، ووجهه أن الحاجة ماسّة بين الناس إِلى العارية، فلو علم المعير أن المستعير إِذا جحَد؛ لا شيء عليه؛ لجَرّ ذلك إِلى سد باب العارية وهو خلاف المشروع».

الصفات التي يجب اعتبارها في السارق (١):
*١ - أن يكون السارق بالغًا عاقلًا؛ فلا حدّ على مجنون ولا صغير إِذا سرق؛ لأنهما غير مُكَلَّفين ولكن يُؤدّب الصغير إِذا سرَق.
ولا يُشترط في السارق الإسلام؛ فإِذا سَرق الذّمي أو المرتدّ فإِنه يُقطع، كما أنّ المسلم يُقطَع إِذا سرَق من الذمّي.
[أقول: هذا لعموم النصوص الواردة في عقوبة السارق والسارقة من غير استثناء؛ فتُؤخذ على عمومها].
٢ - الاختيار؛ بأن يكون السارق مختارًا في سرقته، فلو أُكره على السرقة؛ فلا يُعدّ سارقًا؛ لأن الإِكراه يسلبه الاختيار، وسلْب الاختيار يُسقِط التكليف.
٣ - ألا يكون للسارق في الشيء المسروق شبهة، فإِن كانت له فيه شُبهة؛ فإِنه لا يقطَع، ولهذا لا يقطع الأب ولا الأمّ بسرقة مالِ ابنيهما.* (٢).
فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- «أنّ رجلًا قال: يا رسول الله إِنّ لي

-------------------------
(١) لا يجب القطع إِلا بسبعة شروط ذكرها صاحب»المغني«-رحمه الله- في كتابه تحت (باب القطع في السرقة) فانظرها -إِن شئت- المزيد من الفائدة.
(٢) ما بين نجمتين من»فقه السُّنة" (٣/ ٢٦٤).



مالًا وولدًا. وإِنّ أبي يريد أن يجتاحَ مالي. فقال: أنت ومَالُك لأبيكَ» (١).
وجاء في «السيل الجرّار»: (٤/ ٣٦٧) قوله: «ولا يقطع والد لولده وإنْ سفُل».
أقول: لا شك أنّ حديث: «أنت وَمالُكَ لأَبيكَ» يكون شبهة أقلّ أحْوَاله، وهو حديث تقوم به الحجّة، وقد عضده حديث: «كُلُوا مِنْ كَسبِ أولادكم» وأمّا الولد إِذا سرق مال والده فلا شبهة له، وهو مشمول بالأدلة الموجبة للحد على السارق.
قلت: ويرى شيخنا -رحمه الله- أنه لا بدّ من تقييد هذا بالحاجة، والله أعلم بالصواب.
فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ أولادكم هِبَةُ الله لكم ﴿يَهَبُ لمن يشاء إناثًا ويَهَبُ لمن يشاء الذّكور﴾ فهم وأموالهم لكم إِذا احتجتُم إِليها» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله-: «وفي الحديث فائدة فقهية هامة قد لا تجدها في غيره، وهي أنه يبين أنّ الحديث المشهور:»أنت ومالك لأبيك«(٣) ليس على إِطلاقه، بحيث أنّ الأب يأخذ من مال ابنه ما يشاء، كلا وإِنما يأخذ ما هو بحاجة إِليه». انتهى.

------------------
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٨٥٥) وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٨٣٨).
(٢) أخرجه الحاكم وعنه البيهقي وانظر «الصحيحة» (٢٥٦٤).
(٣) انظر«الإرواء» (٨٣٨).



قلت: لذلك كان يرى ابن حزم -رحمه الله- قطع الأب والأم لغير حاجة فقد قال في «المحلى» (١٣/ ٣٨٥): «... فصحّ أن القطع واجب على الأب والأمّ، إِذا سرقا من مال ابنهما؛ ما لا حاجة بهما إِليه».
والذي يترجح لديّ عدم إِقامة الحدّ على الأب للشبهة المعلومة، فإِن الوالد لا يُقتل بولده، -كما سيأتي إِن شاء الله تعالى في حدّ القتل (١) -.
وسيأتي الآن بعد سطرٍ -بإِذن الله سبحانه- عدم قطع الخادم؛ فالأب من باب أولى. والله -تعالى- أعلم.
ولا يقطع الخادم الذي يخدم سيده.
فعن السائب بن يزيد؛ أنّ عبد الله بن عمرو الحَضرمي جاء بغلام له إِلى عمر بن الخطاب فقال له: «اقطع يد غلامي هذا فإِنه سرق، فقال له عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهمًا. فقال له عمر: أرسِله فليس عليه قطع، خادمكم سرق متاعكم» (٢).
وعن عمرو بن شرحبيل قال: «جاء معقل المزنيّ إِلى عبد الله فقال: غلامي سرق قبائي، فاقطعه، قال عبد الله: لا؛ مالك بعضُه في بعض».

----------------------
(١) وفي ذلك قوله - ﷺ -: «لا يُقتَل والدٌ بولده» أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله - في «الإرواء» (٢٢١٤).
(٢) أخرجه مالك والشافعي والبيهقي وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٤١٩).



وفي لفظ «مالك سرق بعضه بعضًا؛ لا قطع عليه» (١).

الصفات التي يجب اعتبارها في المال المسروق:
*١ - أن يكون ممّا يُتَموَّل ويُملَك ويَحل بيعه، وأخذ العِوض عنه، فلا قطع على من سَرق الخمر والخنزير؛ حتى لو كان المالك لهما ذمّيّا؛ لأن الله -تعالى- حرّم ملكيتهما والانتفاع بهما؛ بالنسبة للمسلم والذّمي على السواء.
وكذلك لا قطع على سارق أدوات اللهو؛ مثل العود والكمنج والمزمار (٢)؛ لأنها آلات لا يجوز استعمالها، وأمّا الذين يُبيحون استعمالها؛ فهم يتفقون مع مَن يُحرّمها في عدم قطع يد سارقها، لوجود شبهة، والشبهات مُسقِطةٌ للحدود* (٣).
٢ - أن يكون في حرز (٤)، فشَرْط القطع؛ الإِخراج من الحرز -كما تقدم- قال النووي -رحمه الله- في «شرح مسلم» (١١/ ١٨٥): «والحرز مشروطٌ؛ فلا قطع إِلا فيما سرق من حرزٍ، والمعتبر فيه العُرف؛ ممّا عدّه أهل العُرف حرزًا لذلك الشيء؛ فهو حِرزٌ له، ومالا؛ فلا ..» (٥).

------------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، وقال شيخنا -رحمه الله-: «وإِسناده صحيح»، وقال البيهقي: «وهو قول ابن عباس» وانظر «الإِرواء» (٢٤٢١).
(٢) انظر للمزيد -إن شئت- ما جاء في «المغني» (١٠/ ٢٨٢).
(٣) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٢٦٧).
(٤) الحرز في اللغة: الموضع الحصين.
(٥) انظر للمزيد -إِن شئت- ما جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٥٩٥).



قلت: وهذا مأخوذٌ باستقراء الأحاديث والآثار؛ كما هو بيّن.
٣ - أَلاّ يقل الشيء المسروق عن ربع دينار من ذهب أو ما يعادلها كما في الحديث «تُقطع اليد في ربع دينار» (١).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لم تُقطع يَد السارق في عهد رسول الله - ﷺ - في أقلّ مِن ثمن المجنّ (٢) جَحَفة (٣) أو ترس، وكلاهما ذو ثمن» (٤).
وفي رواية عنها أيضًا؛ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُقطَع يد السارق فيما دون المِجَنّ، قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار» (٥).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - ﷺ - «قطع سارقًا في مِجَنّ قيمته ثلاثة دراهم» (٦).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «لعَن الله السارق

-------------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤) وتقدّم في حدّ السرقة.
(٢) المِجَنّ: بكسر الميم وفتح الجيم: وهو اسم لكل ما يُستجنّ به -أي يُستَتَر-.
(٣) الحَجَفة: هي الدَّرقة واحدة الحجف: وهي التروس من جلود بلا خشب ولا عَقَب ولا رباط من عصب.
(٤) أخرجه البخاري (٦٧٩٤)، ومسلم (١٦٨٥).
(٥) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي" (٤٥٨٣).
(٦) أخرجه البخاري (٦٩٩٧)، ومسلم (١٦٨٦).



يسرق البيضة (١) فتُقَطَع يده، ويَسرِق الحبل فتُقطع يده».
قال الأعمش: كانوا يرَون أَنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرَون أنه منها ما يساوي دراهم (٢).
وجاء في «الفتح»: «... وحاصلُه أَنّ المراد بالخبر؛ أنّ السارق يسرق الجليل فتُقطع يده، ويسرق الحقير فتُقطع يده، فكأنّه تعجيزٌ له وتضعيفٌ لاختياره؛ لكونه باع يده بقليل الثمن وكثيره».
وقد ثبت في السُّنة المطهرة عدم القطع في الثمر والكثر (٣).
عن رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا قطع في ثَمر ولا كَثَر» (٤).
وذكر بعض الفقهاء أن فيه شبهة الشركة العامّة، لقول رسول الله - ﷺ -: «المسلمون شركاء في ثلاثة: في الكلأ، والماء، والنار» (٥).

----------------------
(١) فسّرها بعضهم بالخُوذة، وآخرون ببيضة الدجاجة، والراجح الأول وما في معناه؛ كيلا يكون القطع في أقل من ربع دينار. والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧).
(٣) الكَثَر: تقدّم أنه شحم النخل الذي يكون وسط النخلة.
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٨٨) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٧٣)، وابن ماجه، «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٠١)، والنسائي، «صحيح سنن النسائي» (٤٥٩٥) وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٤١٤) وتقدّم.
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٩٦٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٠٠٤) وانظر الإِرواء (١٥٥٢).



ما يُعتبر في الموضع المسروق منه (١):
وأمّا الموضع المسروق منه، فإِنه يُعتبر فيه الحرز.
والحِرز؛ هو الموضع المعدّ لحفظ الشيء؛ مثل الدار، والدّكان، والاصطبل، والمراح، والجرين (٢)، ونحو ذلك.
واعتبار الشرع للحرز؛ لأنه دليل على عناية صاحب المال به، وصيانته له، والمحافظة عليه من التعرض للضياع.
ودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: أن رجلًا من مُزَيْنة أتى رسول الله - ﷺ - فقال: «يا رسول الله! كيف ترى حريسة الجبل، فقال: هي وَمِثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشِيَة قَطعٌ، إِلا فِيما آوَاه المُراحُ. فَبَلغ ثمن المِجَنّ، فَفيِه قَطْع اليد، وما لم يبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيِه غرامةُ مِثلْيِه، وجَلَدَات نَكَال.
قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلّق؟ قال: هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففِيه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفِيه غَرَامة

--------------------------
(١) عن»فقه السنة" (٣/ ٢٧٤) -بحذف-.
(٢) الجَرين: موضع تجفيف التمّر.



مِثليْه وجَلَداتُ نَكَال» (١).
قال ابن القيّم -رحمه الله-: «فإِنه - ﷺ - أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة، وأوجبه على سارقه من الجرين.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- أنّ هذا لنقصان ماليته؛ لإسراع الفساد إِليه وجعَل هذا أصلًا في كل ما نقصت ماليته بإِسراع الفساد إِليه.
وقول الجمهور أصح؛ فإنه - ﷺ - جعل هذا له ثلاثة أحوال: حالة لا شيء فيها، وهي ما إِذا أكل منه بفيه، وحالة يُغرم مثليه ويُضرب من غير قطْع، وهي ما إِذا أخرجه من شَجَره وأخذه، وحالة يقطع فيها وهو ما إِذا سرقه من بيدره؛ سواء أكان قد انتهى جفافه، أم لم ينته.
فالعبرة بالمكان والحرز، لا بيبسه ورطوبته، ويدل عليه أنه - ﷺ - أسقط القطع عن سارق شاة من مرعاها، وأوجبه على سارقها من عَطَنها، (٢) فإِنه حرز». انتهى.

الإِنسان حِرْز نفسه:
والإِنسان حِرْزٌ لثيابه ولفراشه الذي هو نائم عليه، سواء كان في المسجد أم في خارجه، فمن جلس الطريق ومعه متاعه فإِنه يكون مُحرَزًا به.

------------------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٩٤)، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٤١٣) وتقدّم.
(٢) العطن: مبرك الإِبل.



عن صفوان بن أميّة -رضي الله عنه- قال:»كنت نائمًا في المسجد عليّ خميصةٌ لي ثمن ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأُخِذَ الرجل، فأُتي به رسول الله - ﷺ - فأمر به ليقطع.
قال: فأتيته، فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال «فَهَلاَّ كان هذا قبل أن تأتيني به» (١).

المطالبة بالمسروق شرطٌ في القطع:
للحديث السابق وفيه شكوى صفوان -رضي الله عنه- على الرجل، وحين طلب العفو عن السارق قال له رسول الله - ﷺ -: «فَهَلاَّ كان هذا قبل أن تأتيني به».
ففيه جواز العفو وعدم رفْعه إِلى وليّ الأمر.

المسجد حرزٌ:
قد تقدم حديث صفوان بن أميّة -رضي الله عنه- قال: «كنت نائمًا في المسجد عليّ خميصةٌ لي ثمن ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخِذَ الرجل، فأُتي به رسول الله - ﷺ - فأمر به ليقطع، قال: فأتيته ...».
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أن النبي - ﷺ - قطع يد رجل سرق تُرْسًا من صُفَّةِ النساء؛ ثمنه ثلاثة دراهم» (٢).

-------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٣٢) وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣١٧).
(٢) أخرجه أبو داود«صحيح سنن أبي داود» (٣٦٨٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٥٥٩)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٤١١).



جاء في عون المعبود (١٢/ ٣٥):»صُفّة النساء بضم الصاد وتشديد الفاء: أي الموضع المختصّ بهن في المسجد وصُفّة المسجد: موضع مُظلّل منه. قاله الشوكاني«.

السرقة من الدار:
وعلى ما مضى من التفصيل فإِنّ الدار لا تكون حرزًا إلاَّ إِذا كان بابُها مغلقًا والله أعلم-.

بمَ يثبثُ حدّ السرقة؟
يثبتُ حدّ السرقة بشهادة عدلين أو بالإِقرار.

إِذا تراجع الشاهدان في الشهادة بعد إِقامة الحدّ:
عن مطرِّفٍ عن الشعبي في رجلين شهدا على رجلٍ أنه سرق، فقطعه عليّ، ثمّ جاءا بآخر، وقالا: أخطَأنا، فأبطل شهادتهما، وأخذَ بديَة الأول وقال: لو علمتُ أنكما تعمّدتما لقطعتكما» (١).
وفي لفظ: «وأغرمهما دية الأول» (٢).

إِذا عُلم كذب الشاهِدَين أقيم عليهما الحدّ:
أفاد الأثر السابق أنه إِذا عُلم كذب الشاهدين؛ أقيم عليهما الحد، وفيه قول علي -رضي الله عنه-: «لو علمتُ أنّكما تعمّدتما لقطعتكما».

---------------------
(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب - ٢١) ووصله الشافعي عن سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف بن الشعبي .. كذا قال الحافظ -رحمه الله- في الفتح تحت الباب السابق.
(٢) انظر ما جاء في «الفتح» أيضًا تحت الباب السابق.



هل يتوقف الحدّ على طلب المسروق منه؟
نعم؛ يتوقّف الحد على مطالبة المسروق منه، وقد تقدم قول صفوان -رضي الله عنه- حين سُرقت منه الخميصة- أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال رسول الله - ﷺ -: «فَهَلاَّ كان هذا قبل أنْ تأتيني به».
ومما يدّل على أن الحد يتوقف على طلب المسروق منه؛ ما ثبت عن عبد الله ابن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - ﷺ - قال: «تعافوا (١) الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب» (٢).

هل يُلقّن القاضي السارق ما يُسقط الحدّ؟
للقاضي أن يُلقّن السارق ما يُسقط الحدّ، فليس المراد الحدّ في نفسه، ولكن المراد التوبة والإِقلاع عن التعدّي على النّاس، فمن لم يعِ هذه المعاني فإِن الحدود تزجره وتكفّه عن اقتراف هذه العاصي.
عن القاسم بن عبد الرحمن أن عليًّا -رضي الله عنه- أتاه رجل فقال: «إِني سرقت، فطرَده ثمّ عاد مرة أخرى فقال: إِني سرقت فأمَرَ به أن يُقطَع».
وفي لفظ: «لا يقطع السارق حتى يشهد على نفسه مرتين» حكاه أحمد في رواية مهنا (٣).
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- «أنه أُتي بجارية سوداء سرقت، فقال

---------------------
(١) أي: تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إِليّ، فإني متى علمتها أقمتها.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٨٠) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٥٣٨) وانظر المشكاة (٣٥٦٨).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وقال شيخنا -رحمه الله-:»وهذا إِسناد صحيح على شرط الشيخين«وانظر»الإِرواء" (٢٤٢٥).



لها: سرقتِ؟ قولي لا، فقالت: لا، فخلّى سبيلها«(١).
وعن عطاء قال:»كان من مضى يؤتى بالسارق، فيقول: أسرقت؟ ولا أعلمه إِلا سمّى أبا بكر وعمر«(٢).
وفي سؤال أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-: أسرقْت؟ مجال لقول: لا، فهذا ضرْب من ضروب التلقين. والله -تعالى- أعلم.

عقوبة السرقة:
إِذا ثبتت السرقة وجَب إِقامة الحد على السارق؛ لقوله -تعالى-: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ...﴾ (٣).
فتقطع يده اليمنى من مفصِل الكفّ.
قال الإِمام القرطبي -رحمه الله- في تفسير الآية السابقة:»فإِذا قطعت اليد أو الرجل؛ «فإِلى أين تقطع؟ فقال الكافة: تقطع من الرسغ والرجل من المفصِل ...».
وذكر الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» تحت المسألة (٢٢٨٨) (١٣/ ٤٠٤) صِفة القطع وأنها من المفصِل وذكر بعض الآثار عن عمر -رضي الله عنه- وغيره من السلف.
وقال -رحمه الله-: «وهكذا وجدنا الله -تعالى- إِذا أمَرَنا في التيمم بما

-------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" تحت رقم (٢٤٢٧).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في الإِرواء (٨/ ٧٩) تحت (٢٤٢٧).
(٣) المائدة: ٣٨.



أمَرَ، إِذ يقول -تعالى-: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيدًا طيّبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (١).
ففسّر رسول الله - ﷺ - مراد الله -تعالى- بذكر الأيدي هاهنا، وأنه الكفان فقط، على ما قد أوردناه».
ثم قال (ص ٤٠٥): «وإِنْ سرق الحُر؛ قُطعت يده من الكوع وهو المفصل» (٢).
وجاء في رسالة «منزلة السُّنة في الإِسلام وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن» (ص ٧) لشيخنا -رحمه الله-: «وقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ...﴾. مثالٌ صالح لذلك (٣) فإِنّ السارق فيه مطلق كاليد، فبيَّنت السُّنّة القولية الأول منهما، وقيَّدتْه بالسارق الذي يَسرق ربع دينار بقوله - ﷺ -:»لا قطع إِلا في ربع دينار فصاعدًا«. أخرجه الشيخان.
كما بيّنت الآخر بفِعله - ﷺ - أو فِعْل أصحابه وإِقراره، فإِنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل -كما هو معروف في كتب الحديث- بينما بيّنَت السنة القولية اليد المذكوره في آية التيمم: ﴿فَامسَحُوا بوجوهكمْ وأيْدِيكمْ﴾ (٤) بأنها الكف أيضًا بقوله - ﷺ -:»التيمم ضربة للوجه والكفين«أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمّار بن ياسر -رضي الله عنهما-».

--------------------
(١) المائدة: ٦.
(٢) وانظر للمزيد -إِن شئت- «المغني» (١٠/ ٢٦٤) و«السيل الجرار» (٤/ ٣٦٢).
(٣) أي: ضرورة السُّنة لفهم القرآن.
(٤) المائدة: ٦.



حسْم (١) يد السارق إِذا قُطعت:
إِذا قُطعت يد السارق وجَب حسْمها، لأنّ حدّه قطع اليد، وعدم الحسم قد يُفضي إِلى الموت والهلاك.
وفي (باب الحرابة) تحت عنوان: (عدم حسم المحاربين من أهل الردّة) سيأتي -إن شاء الله تعالى- حديث أنس -رضي الله عنه- وفيه: «فقَطَع أيديهم وأرجلهم وسَمل أعينهم ثم لم يحسِمهم».
فدلّ هذا على أن الأصل في قطع اليد هو الحسم، لكن هؤلاء المحاربين لم يُحسموا لشناعة جريمتهم.
فائدة: *والمرأة كالرجل في الحدود كُلّها، كما في النصوص والآثار؛ وأمّا حديث النهي عن قتل النساء؛ فذلك إِنّما هو في حال الحرب؛ لأجل ضعفهنّ وعدم مشاركتهنّ في القتال* (٢).
فعن رباح بن ربيع قال: «كنّا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، فرأى النّاس مجتمعين على شيء، فبعَث رجلًا فقال: انظر عَلامَ اجتمع هؤلاء، فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: ما كانت هذه لتُقاتل.
قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلًا فقال: قلْ لخالد لا يَقْتُلَنّ امرأةً، ولا عَسيفًا (٣)» (٤).

------------------
(١) الحسم: أن توضع اليد بعد القطع في زيت حارّ، وذلك لمنْع استمرار نزْف الدّم، ويتحقّق بأي صورة طيّية؛ يمكن أن تمنع نزْف الدم، وتقدّم.
(٢) ما بين نجمتين عن «فقه السنة» (٣/ ٢٣٠) بتصرّف يسير.
(٣) العسيف: الأجير انظر «النهاية».
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٢٤) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٩٤) وانظر «الصحيحة» (٧٠١).



الردَّة والزّندقة


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #147  
قديم 17-01-2026, 04:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 91الى صــ105
الحلقة (147)






الردّة:
الردّة من قولك: ردَدَت الشيء: أرُدُّه؛ كأنّه ردَّه إِلى كُفره فارتدّ، أي: فرجع وردّ نفسه (١).
وقال في «المغني» (١٠/ ٧٤): «الردّة: هي الرجوع عن دين الإِسلام إِلى الكُفر، قال الله -تعالى-: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون﴾ (٢).
وقال النّبيّ - ﷺ -:»من بدل دينه فاقتلوه«(٣).
وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم ينكر ذلك فكان إِجماعًا».
وفيه أيضًا (١٠/ ٧٤): «فمن أشرك بالله -تعالى- أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو قال اتخذ صاحبة أو ولدًا، أو جحد نبيًا أو كتابًا من كتب الله أو شيئًا منه، أو سبَّ الله -سبحانه وتعالى- ورسوله كَفَر».
*ولا يجوز إِيقاع حُكم التكفير على أيّ مسلم؛ إِلا مَن دلّ الكتابُ والسّنة على كُفره دلالةً واضحة صريحة بيّنة؛ فلا يكفي في ذلك مجرّدُ

------------------------
(١) «حلية الفقهاء» (١٩٨).
(٢) البقرة: ٢١٧.
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧).



الشبهة والظنّ.
وقد يَرِد في الكتاب والسّنة؛ ما يُفهم منه أن قولًا ما أو عملًا أو اعتقادًا كُفرٌ؛ مخرجٌ من الإِسلام، لكن ليس لنا أن نكفِّر به أحدًا بعينه؛ إِلا إِذا أقيمت عليه الحُجّة؛ بتحقيق الشروط: علمًا وقصدًا واختيارًا وانتفاء للموانع، وهي عكس هذه وأضدادها، وهي الجهل والذهول والإِكراه* (١).
فمن سجد عند صنم وهو لا يعلم أنه صنَم، أو نطق كلمةً مِن كلمات الكُفر وهو في ذهول؛ كأن يقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربّك، أو أُكره على ذلك وقلبه مطمئنٌ بالإِيمان فإنه لا يكفُر.
قال الله -تعالى-: ﴿مَن كفَر بالله من بعد إِيمانه إِلا مَن أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان ولكن من شرح بالكُفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ أليم﴾ (٢).
وقد نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- (٣).
وقد يكون المرء حديث عهدٍ بالإِسلام؛ فما وقع منه من بعض الكفر؛ فإِنه يُعذَر؛ حتى يبلغه ذلك.

---------------------------
(١) ما بين نجمتين من «مُجمَل مسائل الإِيمان العلمية في أُصول العقيدة السلفية» (ص ١٧) بتصرّف يسير.
(٢) النّحل: ١٠٦.
(٣) قال -شيخنا -رحمه الله- في تخريج «فقه السّيرة» (ص ١٢٢): «... نعم إِنما يصحّ منه نزول الآية في عمّار؛ لمجيء ذلك مِن طُرُق؛ ساقها ابن جرير، والله أعلم».



ومن الأمثلة الدالّة على الكفر (١):
١ - إِنكار ما عُلم من الدين بالضرورة، مثل: إِنكار وحدانية الله، وخلقه للعالم، وإِنكار وجود الملائكة، وإِنكار نبوة محمد - ﷺ -، وأن القرآن وحي من الله، وإِنكار البعث والجزاء، وإِنكار فرضية الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
٢ - استباحة محرّم أجمعَ المسلمون على تحريمه، كاستباحة الخمر، والزنى، والربا، وأكل الخنزير ...
٣ - تحريم ما أجمع المسلمون على حله، كتحريم الطيبات.
٤ - سبِّ النّبيّ - ﷺ - أو الاستهزاء به، وكذا سبّ أي نبيّ من أنبياء الله.
٥ - سبِّ الدين، والطعن في الكتاب والسّنة، وتفضيل القوانين الوضعية عليهما.
٦ - ادعاء فرد من الأفراد، أن الوحي ينزل عليه.
٧ - إِلقاء المصحف في القاذورات، وكذا كتب الحديث؛ استهانة بها، واستخفافًا بما جاء فيها.
قلت: وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٦٢٩) تحت عنوان «والساب لله أو لرسوله أو للإِسلام أو للكتاب أو للسُّنة، والطاعن في الدين، وكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح، ففاعلها مرتدّ حده حده ...
ثم ذكر حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ أعمى كانت له أمّ ولد،

-------------------------
(١) عن»فقه السنة" (٣/ ٢٢٧) بتصرف.


تشتم النبيّ - ﷺ -، وتقَع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر.
قال: فلمّا كانت ذات ليلة جَعَلت تقع في النبي - ﷺ - وتشتمه، فأخذ المِغْوَل (١) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتَلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هَناك بالدم، فلما أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلًا فَعَل ما فَعَل لي عليه حقّ؛ إِلا قام.
فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل، حتى قَعد بين يدي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة جَعَلت تشتمك وتقع فيك، فأخذتُ المِغْوَل فوضعْتُه في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلْتُها.
فقال النبي - ﷺ -: ألا اشهدوا أنّ دمها هدر» (٢).
ثمّ ذكَر حديث أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر فتغيّظ على رجل، فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله - ﷺ - أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه.
فقام فدخل فأرسل إِليّ فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذَنْ لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلًا لو أمرتُك؟ قلت: نعم، قال: لا والله ما كانت لبشر

------------------------
(١) المِغْوَل: شبه سيف قصير، يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطّيه، وقيل: هو حديدة دقيقة لها حَدٌّ ماضٍ وقَفَا «النهاية» وتقدّم.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٦٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٧٩٤) وتقدّم.



بعد محمد - ﷺ -. (١)
وقد نقل ابن المنذر الإِجماع على أن من سبّ النبي - ﷺ - وجَبَ قتْله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمّة الشافعية في كتاب الإِجماع؛ أنّ مَن سبّ النبي - ﷺ - بما هو قذْفٌ صريحٌ كَفَر باتفاق العلماء ....
قال الخطابي: لا أعلم خلافًا في وجوب قتْله إِذا كان مسلمًا.
وإِذا ثبت ما ذكَرنا في سبّ النبي - ﷺ - فبالأولى مَن سبّ الله -تبارك وتعالى- أو سب كتابه، أو الإِسلام، أو طعن في دينه وكفَر، من فعل هذا لا يحتاج إِلى برهان.
قال صاحب «الروضة»: «وقريب من هذا مَنْ جَعلَ سبّ الصحابَة شعاره ودثاره، فإِنه لا مقتضى لسبّهم قطّ، ولا حاملَ عليه أصلًا؛ إِلا غشّ الدين في قلب فاعلِهِ وكراهة الإِسلام وأهله، فإِنّ هؤلاء هم أهله على الحقيقة؛ أقاموه بسيوفهم، وحفظوا هذه الشريعة المطهرة، ونقلوها إِلينا كما هي، فرضي الله عنهم وأَرضاهم وأقمأ (٢) المشتغلين بثلبهم، وتمزيق أعراضهم المصونة».

التحذير من التكفير:
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما» (٣).

---------------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٦٦)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٧٩٥).
(٢) من القماءة: وهي الذلة والصغار.
(٣) أخرجه البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠).



تجاوز الله -تعالى- عن العبد ما حدّث به نفسه ما لم يعمل به أو يتكلم:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «إِن الله تجاوز عن أمّتي ما حدّثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم» (١).
وعنه -رضي الله عنه- قال: «جاء ناس من أصحاب النّبيّ - ﷺ - فسألوه: إِنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإِيمان» (٢).
وعنه -رضي الله عنه- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يزال النّاس يتساءلون حتى يقال: هذا، خَلَقَ الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجَد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله» (٣).

أحكام المرتدّ والمرتدّة واستتابتهم:
قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: حُكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (٤).
قال الله -تعالى-: ﴿إِن الذين كفروا بعد إِيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تُقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾ (٥).

-----------------------
(١) أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٢).
(٣) أخرجه مسلم (١٣٤).
(٤) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم) (باب-٢).
(٥) آل عمران: ٩٠.



وقال ابن عمر والزهري وإِبراهيم: «تُقْتل المرتدة» (١).
وقال -تعالى-: ﴿ومن يرتدِدْ منكم عن دينه فيمُت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون﴾ (٢).
أمّا العقوبة العاجلة في الدنيا، فهي القَتل.
فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «مَن بدَّل دينه فاقتلوه» (٣).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحِلّ دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله؛ إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٤).
وعن عثمان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يحلّ دم امرئ مسلم إِلا بإِحدى ثلاث؛ رجل زنى بعد إِحصان فعليه الرجم، أو قتل عمدًا فعليه القَوَد، أو ارتد بعد إِسلامه فعليه القتل» (٥).

------------------------
(١) رواه البخاري معلقًا في «كتاب استتابة المرتدين» (باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم)، وانظر ما قاله الحافظ -رحمه الله- في وصْله في «الفتح».
(٢) البقرة: ٢١٧.
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧)، وتقدّم.
(٤) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٨٦)، وتقدّم.
(٥) أخرجه أبو داود والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٧٨١) واللفظ له، وغيرهما وانظر «الإِرواء» (٧/ ٢٥٤).



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-» قال: لما توفي النّبيّ - ﷺ - واستُخلف أبو بكر، وكفَر من كَفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تُقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله؛ فمن قال: لا إِله إِلا الله عصَم مني ماله ونفسه إِلا بحقه وحسابه على الله».
قال أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإِنّ الزكاة حقّ المال، والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدّونها إِلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إِلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفْتُ أنه الحقّ» (١).
عن أبي موسى قال: "أقبلتُ إلى رسول الله - ﷺ - ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول الله - ﷺ - يستاك، فكلاهما سأل، فقال: يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس- قال: قلت: والذي بعثكّ بالحقّ؛ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إِلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: لن -أو لا- نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس- إِلى اليمن.
ثمّ اتّبَعَه معاذ بن جبل، فلمّا قدم عليه ألقى له وسادةً قال: انزل، فإِذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم ثمّ تهوّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتَل، قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات).

-------------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٩٢٤، ٦٩٢٥)، ومسلم (٢٠)، وتقدّم.


فأمر به فقُتلَ، ثمّ تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي» (١).
*وإذا ارتد المسلم ورجع عن الإِسلام؛ تغيرت الحالة التي كان عليها وتغيرت تبعًا لذلك المعاملة التي كان يُعامل بها وهو مسلم، وثبتت بالنسبة له أحكام، نجملها فيما يأتي:

١ - العلاقة الزوجيّة:
إِذا ارتد الزوج أو الزوجة، انقطعت علاقةُ كلٍّ منهما بالآخر؛ لأن ردّة أي واحد منهما موجبة للفرقة بينهما، وهذه الفرقة تُعَدُّ فسخًا، فإِذا تاب المرتد منهما، وعاد إِلى الإِسلام، كان لا بدّ من عقدٍ ومهر جديدَين، إِذا أرادا استئناف الحياة الزوجيّة.

٢ - ميراثه:
عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (٢).
وجاء في «السيل الجرار» (٤/ ٥٨٠): "وأمّا كونه يَرثه ورثته المسلمون؛ فلا أعرف لهذا وجهًا، ولا أجد عليه دليلًا، والأدلّة مُصرِّحة بأنه لا توارث بين مسلم وكافر على العموم، ولا يصلح للتخصيص إِلا دليلٌ تقوم به الحُجّة.
ولا حُجّة فيما يروى عن بعض الصحابة، فإِنّ ذلك محمولٌ على الاجتهاد،

--------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٩٢٣)، ومسلم (١٧٣٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٦٤) ومسلم (١٦١٤).



واجتهاد الصحابي لا يُخصِّص ما ثبَت عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بإِجماع المسلمين».

٣ - فَقْد أهليته للولاية على غيره:
وليس للمرتد ولاية على غيره، فلا يجوز له أن يتولى عقد تزويج بناته، ولا أبنائه الصغار، وتعدّ عقوده بالنسبة لهم باطلة؛ لسلب ولايته لهم بالرِّدّة* (١).
وقد قال الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (٢).

قتل الخوارج والملحدين بعد إِقامة الحُجّة عليهم (٣):
وقول الله -تعالى-: ﴿وما كان اللهُ ليضل قومًا بعد إِذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون﴾ (٤).
قال البخاري -رحمه الله-: «وكان ابن عمر يراهم (٥) شرار خلْق الله،

--------------------
(١) ما بين نجمتين عن»فقه السنة«(٣/ ٢٣٣) بتصرف.
(٢) النساء: ١٤١.
(٣) هذا التبويب من»صحيح البخاري" (كتاب استتابة المرتدين) (باب - ٦).
(٤) التوبة: ١١٥.
(٥) يعني الخوارج.



وقال: إِنهم انطلقوا إِلى آياتٍ نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين» (١).
وعن علي -رضي الله عنه- إِذا حدثْتكم عن رسول الله - ﷺ - حديثًا، فوالله لأنْ أخرّ من السماء أحبّ إِليّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإِنّ الحرب خُدعةٌ، وإِني سمعت رسول - ﷺ - يقول: «سيخرج قومٌ في آخر الزمان، حُدَّاث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريّة، لا يجاوز إِيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين؛ كما يمرق السهم من الرَّميَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإِنّ في قتلهم أجرًا لمن قتَلهم يوم القيامة» (٢).
وانظر ما جاء في «صحيح البخاري» (٣) إِن -شئت- (باب من ترك قتال الخوارج للتألّف، وأن لا ينفر الناس عنه) وما قاله الحافظ ابن حجر -رحمه الله-.

الزنديق
تعريفه: الزنديق هو الذي يُظهر الإِسلام ويُبطن الكفر، ويعتقد بطلان الشرائع، فهذا كافر بالله وبدينه، مُرتدّ عن الإِسلام أقبح رِدّة؛ إِذا ظهر منه ذلك بقولٍ أو فِعل (٤).
وإِذا اعترف بأنّ القرآن حق وما فيه من ذكر الجنة والنّار حق لكن المراد بالجنة الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة، والمراد بالنّار هي الندامة

---------------------
(١) رواه البخاري معلقًا ووصله الطبري في «مسند علي» من «تهذيب الآثار» بسند صحيح عنه وانظر «الفتح» (١٢/ ٢٨٦) ومختصر البخاري (٤/ ٢٣٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٣٠)، ومسلم (١٠٦٦).
(٣) كتاب استتابة المرتدين (باب - ٧).
(٤) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٦٣١).



التي تحصل بسبب الملكات المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار فهو الزنديق (١)، فكلّ من أنكَر الشفاعة، أو أنكر رؤية الله يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب ... سواءٌ قال: لا أثق بهؤلاء الرواة أو قال: أثق بهم، لكن الحديث مؤول. ثمّ ذكر تأويلًا فاسدًا لم يُسمَع ممن قبله؛ فهو الزنديق.
وكذلك من قال في الشيخين أبي بكر وعمر مثلًا: ليسا من أهل الجنّة مع تواتر الحديث في بشارتهما، أو قال: إِن النّبيّ - ﷺ - خاتم النبوة ولكن معنى هذا الكلام أنه لا يجوز أن يسمى بعده أحد بالنّبيّ، وأما معنى النبوة وهو كون الإِنسان مبعوثًا من الله -تعالى- إِلى الخلق مفترض الطاعة، معصومًا من الذنوب ومن البقاء على الخطأ فيما يرى فهو موجود في الأئمة بعده فذلك هو الزنديق.
وقد اتفق جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتْل من يجري هذا المجرى والله -تعالى- أعلم (٢).
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٧/ ٤٧١): «ولما كثُرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ»الزنديق«وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلَّم الناس في الزنديق: هل تُقبَل توبته في الظاهر إِذا عُرف بالزندقة، ودُفِع إِلى ولي الأمر قبل توبته؟

----------------------
(١)»الروضة الندية«(٢/ ٦٣٢).
(٢)»الروضة الندية" (٢/ ٦٣٣).



فمذهب مالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة: أنّ توبته لا تُقبَل والمشهور من مذ هب الشافعي: قَبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصل.
والمقصود هنا: أن الزنديق في عُرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النّبيّ - ﷺ -، وهو أن يُظهر الإِسلام ويُبطن غيره، سواء أبطَن دينًا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان مُعطلًا جاحدًا للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة.
ومن النّاس من يقول: "الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يُسمّى الزنديق في اصطلاح كثيرٍ من أهل الكلام والعامّة، ونقَلَة مقالات الناس.
ولكنّ الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حُكمه: هو الأول؛ لأنّ مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومَن أظهَر ذلك أو أسرَّه.
وهذا الحُكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإنْ تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة فإِن الله أخبَر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإِيمان بقوله: ﴿إِنْما النسيء زيادةٌ في الكفر﴾ (١)، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب﴾ (٢).

--------------------
(١) التوبة: ٣٧.
(٢) النحل: ٨٨.



فهذا «أصلٌ» ينبغي معرفته فإِنه مهمّ في هذا الباب؛ فإِنّ كثيرًا ممن تكلم في «مسائل الإِيمان والكفر» -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أنّ الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإِجماع المعلوم؛ بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإِسلام.
ومن تدبر هذا، علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًاّ عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، وقد يكون منافقًا زنديقًا يُظهِر خلاف ما يبطن.
وقال -رحمه الله- (١١/ ٤٠٥): «وَمن جحَد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، أو جحَد تحريمَ بعض المحرمات الظاهرة المتواترة: كالفواحش، والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حِلّ بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح. فهو كافر مرتد، يُستتاب فإِنْ تاب وإلا قُتل، وإِنْ أضمَر ذلك كان زنديقًا منافقًا، لا يستتاب عند أكثر العلماء؛ بل يُقتل بلا استتابة، إِذا ظهر ذلك منه». انتهى.

هل يُقتل الساحر؟
لا شكَّ أنَّ السحر من الموبقات والمهلكات.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هنَّ؟ قال: الشِّرك بالله، والسِّحر، وقتل النَّفس التي حرَّم الله إِلا بالحقّ وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتَولِّي يوم الزَّحف،



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #148  
قديم 17-01-2026, 04:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 106الى صــ120
الحلقة (148)






وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (١).
وقد اختلف العلماء في حدِّ الساحر؛ وقد جاء في «المرقاة» (٧/ ١١٦): «في شرح السنَّة: اختلفوا في قتْله، فذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إِلى أنَّه يُقْتل.
ورُويَ عن حفْصة: أنَّ جارية لها سَحَرَتْها فَأَمَرَت بها فقتلتْها، ورُوي أنَّ عمر -رضي الله عنه- كتَب:»اقتلوا كلّ ساحر وساحرة«. قال الرَّاوي: فقتلنا ثلاث سواحر (٢).
وعند الشافعي: يُقتل إِنْ كان ما يَسحر به كُفرًا إِن لم يتب، فإِن لم يبلغ عمله الكفر فلا يُقتل، وتعليم السحر ليس كفرًا عنده إِلا أن يَعتقد قلْب الأعيان.
قال القاضي: الساحر إِذا لم يتمّ سحرُه إِلا بدعوة كوكبٍ أو شيء يوجب كفرًا؛ يجب قتْله، لأنَّه استعان في تحصيله بالتَّقرُّب إِلى الشيطان مما لا يستقِلّ به الإِنسان، وذلك لا يتسبَّب إِلا لمن يُناسبُه في الشرارة وخُبث النَّفس».
وعن عمرو بن دينار، سمع بجالة يحدِّث عمرو بن أوس وأبا الشعثاء، قال: "كنت كاتبًا لِجَزْء بن معاوية، عمّ الأحنف بن قيس، إِذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسَنَة: اقتُلُوا كلَّ ساحر، وفَرِّقوا بين كل ذي مَحْرَم من المجوس،

-----------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٥٧)، ومسلم (٨٩)، وتقدّم.
(٢) وسيأتي تخريجه -إن شاء الله تعالى-.



وانهوهم عن الزَّمْزَمَةِ (١).
فقَتَلْنا في يوم ثلاثة سواحر، وفرَّقنا بين كل رجُل من المجوس وحريمه في كتاب الله، وصنَعَ طعامًا كثيرًا، فدعاهم فعرض السَّيف على فَخذه، فأكلوا ولم يُزمزموا ... «(٢).
أمَّا حديث:»حدُّ السَّاحر ضرْبةٌ بالسَّيف«فضعيف (٣). والصحيح وقفه على جندب -رضي الله عنه- كما قال الترمذي وغيره.
قال شيخنا -رحمه الله-:»... وقد أخرجه الحاكم (٤/ ٣٦١) من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن: «أنَّ أميرًا من أمراء الكوفة دعا ساحرًا يلعب بين يدي الناس فبلغ جندب، فأقبل بسيفه، واشتمل عليه، فلمَّا رآه ضربه بسيفه، فتفرَّق الناس عنه، فقال: أيها الناس لن تراعوا، إِنَّما أردت الساحر فأخَذَه الأمير فحبَسه.
فبلغ ذلك سلمان، فقال: بئس ما صَنَعا! لم يكن ينبغي لهذا وهو إِمام يؤتمّ به يدعو ساحرًا يلعب بين يديه، ولا ينبغي لهذا أن يعاتب أميره بالسيف».
قلت: وهذا إِسناد موقوف صحيح إِلى الحسن وقد توبع، فقال هشيم:

------------------------
(١) الزَّمْزَمَة: هي كلامٌ يقولونه عند أكْلهم بصوت خفي. «النِّهاية».
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٢٤).
(٣) أخرجه الترمذي والدارقطني والحاكم وغيرهم، قال الترمذي: لا نعرفه معروفًا إِلا من هذا الوجه، وإِسماعيل بن مسلم المكِّي يُضعّف في الحديث، ... وانظر «الضعيفة» (١٤٤٦).



أنبأنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي: «أنَّ ساحرًا كان يلعب عند الوليد ابن عقبة، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه، ولا يضره، فقام جندب إِلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثم قرأ: ﴿أَفتأْتُونَ السِّحْرَ وأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾» (١).
وهذا إِسناد صحيح موقوف، صرح فيه هشيم بالتحديث.
وله طريق أخرى عند البيهقي عن ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود: «أنَّ الوليد بن عقبة كان بالعراق يلعب بين يديه ساحر، وكان يضرب رأس الرجُل، ثمّ يصيح به، فيقوم خارجًا، فيرتدّ إِليه رأسه.
فقال الناس: سبحان الله، يحيي الموتى! ورآه رجُل من صالح المهاجرين، فنظر إِليه.
فلمَّا كان من الغد، اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجُل سيفه فضرب عنقه، فقال: إِن كان صادقًا فليحيي نفسه!
وأمر به الوليد دينارًا صاحب السجن -وكان رجلًا صالحًا- فسجنه، فأعجبه نحو الرجُل، فقال: أتستطيع أن تهرب؟ قال: نعم، قال: فاخرج لا يسألني الله عنك أبدًا».
قلت (٢): وهذا إِسناد صحيح إِن كان أبو الأسود أدرك القصَّة فإِنَّه تابعي صغير، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة.

---------------------
(١) أخرجه الدارقطني وعنه البيهقي وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤/ ١٩/ ١ و٢) والسياق له من طرق عن هشيم به.
(٢) الكلام لشيخنا -رحمه الله-.



قلت (١): ومثل هذا الساحر المقتول، هؤلاء الطرقيَّة الذين يتظاهرون بأنَّهم من أولياء الله، فيضربون أنفسهم بالسيف والشيش، وبعضه سحر وتخييل ولا حقيقة له، وبعضه تجارب وتمارين، يستطيعه كل إِنسان من مؤمن أو كافر إِذا تمرّس عليه وكان قويّ القلب، ومن ذلك مسُّهم النار بأفواههم وأيديهم، ودخولهم التنّور.
ولِي مع أحدهم في حلب موقف تظاهر فيه أنَّه من هؤلاء، وأنَّه يطعن نفسه بالشيش، ويقبض على الجمر فنصحْته، وكشفْت له عن الحقيقة، وهددته بالحرق إِن لم يرجع عن هذه الدّعوى الفارغة! فلم يتراجع.
فقمت إِليه وقرَّبت النار من عمامته مهدِّدًا، فلمَّا أصرَّ أحرقْتُها عليه، وهو ينظر! ثمَّ أطفأتها خشية أن يحترق هو من تحتها معاندًا.
وظنِّي أنَّ جندبًا -رضي الله عنه- لو رأى هؤلاء لقتلهم بسيفه كما فعل بذلك الساحر ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾». انتهى.
وقال الإِمام الترمذي -رحمه الله- عقب أثر جندب -رضي الله عنه- السابق: «والعمل على هذا [أي: الضَّرب بالسيف] عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس وقال الشافعي -رحمه الله-: إِنَّما يُقتل الساحر إِذا كان يعمل في سحره ما يبلُغ به الكفر، فإِذا عمل عملًا دون الكفر؛ لم نَرَ عليه قتلا».

---------------------------
(١) الكلام لشيخنا -رحمه الله-.


الكاهن والعرَّاف والمنجِّم:
جاء في»النهاية«: الكاهن: هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزَّمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنَة، كَشِقّ وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعُم أنَّ له تابعًا من الجنّ ورَئيَّا؛ يُلقي إِليه الأخبار.
ومنهم من كان يزعُم أنَّه يعرف الأمور بمقدِّمات أسبابٍ؛ يستدلّ بها على مواقعها من كلامِ مَن يسأله أو فِعْله أو حاله، وهذا يخصُّونه باسم العرَّاف؛ كالذي يدَّعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضَّالَّة ونحوهما، والحديث الذي فيه:»من أتى كاهنًا ... «قد يشتمل على إِتيان الكاهن والعرَّاف والمنجِّم». انتهى.
والحديث الذي أشار إليه هو قوله - ﷺ -: «من أتى كاهنا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزِل على محمد - ﷺ -» (١).
وعن صفيَّة عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - قال: «منْ أتى عرَّافًا فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاةُ أربعين ليلة» (٢).
قال في «النهاية»: «أراد بالعرَّاف المنجِّم الذي يدَّعي عِلْم الغيب، وقد

--------------------------
(١) أخرجه البزَّار في مسنده وهو في»الصحيحة«(٣٣٨٧) وانظر شواهده. -إِن شئت- في»غاية المرام«(١٧٢ - ٢٨٤) و»آداب الزِّفاف" (١٠٥ - ١٠٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٣٠).



استأثر الله -تعالى- به».
وقال النووي -رحمه الله- في العرَّاف: «[هو] من جملة أنواع الكُهَّان، قال الخطابي وغيره: العرَّاف: هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق ومكان الضَّالَّة ونحوهما».
والمنجِّم: الذي يدَّعي معرفة الأنباء بمطالع النجوم.
وما قيل في الساحر من حيث القتل يُقال في الكاهن والعرَّاف والمنجِّم؛ إِذا استخدموا في أمورهم هذه ما يبلغون به الكفر؛ أو جرُّوا الناس إِلى الشّرك بالله -تعالى- والخروج من ملَّة الإِسلام والله -تعالى- أعلم. (١)

----------------------
(١) انظر -إِن شئت- المزيد من الفائدة «الفتاوى» (٣٥/ ١٦٦ - ١٩٧).


الحرابة

الحرابة (١)

تعريفها:
الحرابة -وتسمَّى أيضًا قطع الطَّريق-: هي خروج طائفة مسلَّحة في دار الإِسلام؛ لإِحداث الفوضى، وسفْك الدِّماء، وسلْب الأموال، وهتْك الأعراض، وإِتلاف الممتلكات.
وكما تتحقَّق الحرابة بخروج جماعة من الجماعات؛ فإِنَّها تتحقَّق كذلك بخروج فردٍ من الأفراد، فلو كان لفردٍ من الأفراد فضلُ جبروت وبطْش، ومزيدُ قوَّة وقدرة، يغلب بها الجماعة على النفس والمال والعرض؛ فهو محاربٌ وقاطعُ طريق.
ويدخل في مفهوم الحرابة العصابات المختلفة، كعصابة القتل، وعصابة خطف الأطفال، وعصابة اللصوص للسطو على البيوت والمصارف، وعصابة خطف البنات والعذارَى للفجور بهنّ، وعصابة اغْتيال الحُكَّام؛ ابتغاء الفتنة، واضطراب الأمن، وعصابة إِتلاف الزروع، وقتل المواشي والدواب.
وكلمة الحرابة مأخوذة من الحرب؛ لأن هذه الطائفة الخارجة على النظام، تعَدّ مُحاربةً للجماعة مِن جانب، ومحاربة للتعاليم الإِسلاميَّة التي جاءت لتُحقِّق أمْن الجماعة، وسلامتها بالحفاظ على حقوقها، من جانب آخر.
فخروج هذه الجماعة على هذا النحو يُعدُّ محاربة، ومِنْ ذلك أُخذت كلمة الحرابة، وكما يسمَّى هذا الخروج على الجماعة وعلى دينها حرابة، فإِنَّه يُسمَّى

------------------------
(١) عن «فقه السنة» (٣/ ٢٣٨) -بتصرّف-.


أيضًا قطع طريق؛ لأنَّ الناس ينقطعون بخروج هذه الجماعة عن الطريق، فلا يمرُّون فيه؛ خشية أن تُسفَك دماؤهم، أو تُسلَب أموالهم، أو تُهتك أعراضهم، أو يتعرَّضون لما لا قدرة لهم على مواجهته.

الحرابَة جريمةٌ كُبرى:
والحرابة -أو قطع الطَّريق- تُعدّ من كُبْريات الجرائم، ومن ثمَّ أطلق القرآن الكريم على المتورِّطين في ارتكابها أقصى عبارة، فَجَعَلَهم محاربين لله ورسوله - ﷺ -، وساعين في الأرض بالفساد، وغلَّظ عقوبتهم تغليظًا لم يجعله لجريمةٍ أخرى.
قال الله -سبحانه-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
وعن عبد الله بن عمررضي الله عنهما- عن النبى - ﷺ - قال: «من حَمَلَ علينا السِّلاح فليس منَّا» (٢).
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: فليس منَّا: أي: ليس على طريقتنا.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ -: «من خرج من الطَّاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتةً جاهليَّة» (٣).

-----------------------
(١) المائدة: ٣٣.
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٤) ومسلم (٩٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٨٤٨).



شروط الحرابة:
ولا بُدَّ من توافُرِ شروط معينة في المحاربين، حتى يستحقُّوا العقوبة المقررة لهذه الجريمة.

شرط التَّكليف:
يُشترط في المحاربين العقل والبلوغ؛ لأنَّهما شرطا التَّكليف الذي هو شرطٌ في إِقامة الحدود، فالصَّبي والمجنون لا يُعدّ الواحد منهما محاربًا، مهما اشترك في أعمال المحاربة؛ لعدم تكليف واحد منهما شرعًا، ولم يختلف في ذلك الفقهاء.
ولا تُشترط الذكورة ولا الحرية، لأنه ليس للأنوثة ولا للرّق تأثيرٌ على جريمة الحرابة، فقد يكون للمرأة والعبد من القوة؛ مثل ما لغيرهما -أو أكثر- من التديبر، وحمْل السلاح، والمشاركة في التمرد والعصيان؛ فيجري عليهما ما يجري على غيرهما من أحكام الحرابة.

هل يُشترط حمل السِّلاح؟
ويُشترط في المحاربين عند بعض الفقهاء أن يكون معهم سلاح؛ لأنَّ قوَّتهم التي يعتمدون عليها في الحرابة إِنَّما هي قوَّة السِّلاح، فإِن لم يكن معهم سلاح، فليسوا بمحاربين؛ لأنَّهم لا يمنعون من يقصدهم!
ويترجَّح لديَّ عدم اشتراط حمل السِّلاح إِذا تحقَّق معنى الحرابة وقطع الطَّريق. إِذ قد يكون القتل والإِيذاء بالسّموم والحرق ونحوهما، ومن المعلوم أنَّ الحرق يعمل عمله أكثر من عددٍ من أنواع الأسلحة؛ التي يستخدمها قُطَّاع


الطُّرق والمفسدون والعصابات.
ثمَّ قرأْتُ قول ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (١٣/ ٣٢٠) تحت المسألة (٢٢٥٦) بعد أن ساق بإِسناده من طريق الإِمام مسلم -رحمه الله- حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «... ومَنْ خَرَجَ منْ أُمَّتي على أُمَّتي يضْرب بَرّها وفاجرها، لا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي بذي عهدها، فليس منِّي».
فقد عَمَّ رسول الله - ﷺ - كما تسمع «الضَّرب» ولم يقل بسلاح، ولا غيره فصحَّ أنَّ كل حرابة بسلاح، أو بلا سلاح فسواء؟
قال: فوجب بما ذكَرنا أنَّ المحارب: هو المكابر المخيف لأهل الطريق، المفسد في سبيل الأرض سواء بسلاح، أو بلا سلاح أصلًا سواء ليلًا، أو نهارًا، في مصر أو في فلاة، أو في قصر الخليفة، أو الجامع سواء قدموا على أنْفسهم إِمامًا، أو لم يقدِّموا سوى الخليفة نفسه، فَعَل ذلك بجنده أو غيره، منقطعين في الصَّحراء، أو أهل قرية سكانًا في دورهم، أو أهل حصن كذلك، أو أهل مدينة عظيمة، أو غير عظيمة -واحدًا كان أو أكثر-.
كل من حارب المار، وأخاف السبيل بقتْل نفس، أو أخْذ مال، أو لجراحة، أو لانتهاك فرج؛ فهو محارب، عليه وعليهم -كثروا أو قلُّوا- حُكم المحاربين المنصوص في الآية، لأنَّ الله -تعالى- لم يخصّ شيئًا من هذه الوجوه، إِذ عهد إِلينا بحُكم المحاربين ﴿ومَا كانَ رَبُّكَ نَسِيّا﴾ (١)«.
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٣١٦):

------------------------
(١) مريم: ٦٤.


«ولو حاربوا بالعصِيِّ والحجارة المقذوفة بالأيدي أو المقاليع ونحوها: فهم محاربون أيضًا. وقد حُكي عن بعض الفقهاء لا محاربة إِلا بالمحدد. وحكى بعضُهم الإِجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقَّل.
وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن، فالصَّواب الذي عليه جماهير المسلمين؛ أنَّ من قاتل على أخْذ المال بأيّ نوع كان من أنواع القتال؛ فهو محارب قاطع، كما أنَّ من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف، أو رمح، أو سهم، أو حجارة، أو عصى، فهو مجاهد في سبيل الله.
وأمَّا إِذا كان يقتل النفوس سرًّا، لأخذ المال؛ مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإِذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم. أو يدعو إِلى منزله من يستأجره لخياطة، أو طبّ أو نحو ذلك فيقتله، ويأخذ ماله، وهذا يسمَّى القتل غيلة ...».

هل تُشترط الصَّحراء والبعد عن العمران؟
واشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك في الصَّحراء، فإِنْ فعلوا ذلك في البُنيان، لم يكونوا محاربين، ولأنَّ الواجب يسمَّى حدّ قُطَّاع الطَّريق، وقطْع الطَّريق إِنَّما هو في الصحراء، ولأن في المصر يلحق الغوث غالبًا، فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين، والمختلس ليس بقاطع، ولا حدَّ عليه.
وذهب فريقٌ آخر إِلى أنَّ حُكْمهم في المصر والصَّحراء واحد؛ لأنَّ الآية بعمومها تتناول كل محارب، ولأنَّه في المصر أعظمُ ضررًا، فكان أولى.
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٥): "بل


هم في البنيان أحقّ بالعقوبة منهم في الصَّحراء؛ لأنَّ البنيان محلّ الأمن والطمأنينة، ولأنَّه محل تناصر الناس وتعاونهم، فإِقْدامهم عليه يقتضي شدَّة المحاربة والمغالبة؛ ولأنَّهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه غالبًا إِلا بعض ماله، وهذا هو الصَّواب».
والذي يترجَّح لديَّ عدم التَّفريق بين الصحراء والبنيان؛ لعموم الآية المتناولة كل محارب في أيّ مكان، فقطع الطَّريق وسفْك الدِّماء وسلْب الأموال وهتْك الأعراض واقعٌ في الصَّحراء والبُنْيان، والأودية والجبال.

هل تشترط المجاهرة؟
ومِن شروط الحرابة عند بعض الفقهاء المجاهرة، بأن يأخذوا المال جهرًا، فإِنْ أخذوه مختفين، فهم سُرَّاق، وإِنْ اختطفوه وهربوا، فهم منتهبون لا قطْع عليهم، وكذلك إنْ خَرَجَ الواحد والاثنان على آخر قافلة، فسلبوا منها شيئًا؛ لأنَّهم لا يرجعون إِلى منعة وقوَّة، وإِنْ خرجوا على عدد يسير فقهروهم، فهم قُطّاع طريق. وهذا مذهب الأحناف، والشافعيَّة، والحنابلة. وخالف في ذلك المالكيَّة، والظَّاهريَّة.
قال ابن العربي المالكي: والذي نختاره، أنَّ الحرابة عامّة في المصر والقفر، وإِن كان بعضها أفحش من بعض، ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى الحرابة موجود فيها، ولو خَرج بعصًا في المصر يُقْتَلُ بالسَّيف، ويُؤخَذُ فيه بأشدّ من ذلك، لا بأيسره؛ فإِنَّه سلبَ غيلةً، وفِعْل الغيلة أقبح من فِعل المجاهرة.
ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة، فكان قِصاصًا، ولم يدخل في قتل الغيلة، فكان حرابة، فتحرر أنَّ قطع السبيل موجب للقتل.


وقال: لقد كنتُ، أيام تولية القضاء، قد رُفِعَ إِليَّ أمرُ قومٍ خَرَجوا محاربين في رفقة، فأخذوا منهم امرأة مغالبةً على نفسها من زوجها، ومِن جملة المسلمين معه فاختلوا بها، ثم جد فيهم الطلب، فأُخِذوا وجيء بهم.
فسألتُ من كان ابتلاني الله به من المفتين، فقالوا: ليسوا محاربين، لأنَّ الحرابة إِنَّما تكون في الأموال، لا في الفروج. فقلتُ لهم: إِنَّا لله وإِنَّا إِليه راجعون! ألم تعلموا أنَّ الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، وأنَّ الناس ليرضون أن تذهب أموالهم، وتحرب بين أيديهم، ولا يرضون أن يحرب المرء في زوجته وبنته؟ ولو كان فوق ما قال الله عقوبة، لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم من بلاءٍ صحبة الجُهَّال، وخصوصًا في الفتيا والقضاء.
وقال القرطبي: والمغتال كالمحارب، وهو أن يحتال في قتلِ إِنسان على أخذ ماله، وإِن لم يُشهِر السِّلاح، ولكن دخل عليه بيته، أو صَحِبَه في سفر، فأطعمه سُمًّا فقتله، فيقتل حدًّا، لا قوَدًا.
وقريب من هذا القول، رأي ابن حزم، حيث يقول: إِنَّ المحارب هو المكابر، المخيف لأهل الطريق، المفسد في سبل الأرض؛ سواء بسلاح، أم بلا سلاح أصلًا، سواء ليلًا، أم نهارًا، في مصر أم فلاة، في قصر الخليفة، أم في الجامع سواء، وسواء فعل ذلك بجندٍ، أم بغير جند، منقطعين في الصحراء، أم أهل قرية؛ سكانًا في دورهم، أم أهل حصن كذلك، أم أهل مدينة عظيمة، أم غير عظيمة، كذلك واحد، أم أكثر، كل من حارب المارة، وأخاف السبيل بقتل نفس، أو أخْذ مال، أو لجراحة، أو لانتهاك عرض، فهو محارب عليه وعليهم،



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #149  
قديم 17-01-2026, 04:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 121الى صــ135
الحلقة (149)






كثُروا أو قلُّوا (١).
ومن ثمّ يتبيَّن أنَّ مذهب ابن حزم أوسع المذاهب بالنسبة للحرابة، ومثله في ذلك المالكيَّة؛ لأنَّ كل من أخاف السبيل على أي نحوٍ من الأنحاء، وبأيّ صورة من الصور، يُعدُّ محاربًا، مستحقًا لعقوبة الحرابة.

عقوبة الحرابة:
أنزل الله -سبحانه- في جريمة الحرابة قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
فهذه الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد؛ لقوله -سبحانه-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدرُوا عَلَيْهِم﴾.
وقد أجمع العلماء على أنَّ أهل الشرك إِذا وقعوا في أيدي المسلمين، فأسلموا، فإِنَّ الإِسلام يعصم دماءهم وأموالهم، وإِنْ كانوا قد ارتكبوا من المعاصي، قبل الإِسلام، ما يستوجب العقوبة: ﴿قُلْ للذينَ كَفَروا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣).

------------------
(١) وتقدم غير بعيد.
(٢) المائدة: ٣٣ - ٣٤.
(٣) الأنفال: ٣٨.



قال ابن كثير -رحمه الله-:»يقول -تعالى- لنبيّه محمد - ﷺ -: ﴿قُلْ للذينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي: عمَّا هُم فيه من الكُفر والمشاقَّة والعِناد، ويدخلوا في الإِسلام والطَّاعة والإِنابة، ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: من كُفرهم، وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء في «الصحيح» من حديث أبي وائل عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَن أحسَن في الإِسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليَّة، ومَن أساء في الإِسلام، أُخِذَ بالأوَّل والآخر» (١).
وفي «الصحيح» -أيضًا- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أما علمْتَ أنَّ الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدم ما كان قبله» (٢).

سببُ نزول هذه الآية:
عن أبي قلابة عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنَّ رَهطًا من عُكل -أو قال من عُرَينة، ولا أعلمه إِلا قال من عُكل- قدموا المدينة، فأمَرَ لهُم النبيّ - ﷺ - بِلقاح، وأمَرَ أنْ يخرجوا فيشربوا من أبوالها وألبانها، فشرِبوا، حتَّى إِذا بَرِئوا قَتَلوا الرَّاعي واسْتاقوا النَّعم.
فبلغ النبيَّ - ﷺ - غُدْوةً، فَبَعَثَ الطَّلبَ في إِثْرهم، فما ارتَفَعَ النَّهارُ حتَّى جيء بهم، فأمَرَ بهم فَقَطَعَ أيديهم وأرجُلَهُم وسَمَرَ أعيُنَهم، فأُلْقوا بالحرَّة يُستسقَون فلا يُسقَون» (٣).

--------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٢١).
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٥)، ومسلم (١٦٧١) وتقدّم في باب الطهارة.



قال أبو قِلابة: «هؤلاء قومٌ سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إِيمانهم وحاربوا الله ورسوله» (١).
وفي رواية: «فأنزل الله -تبارك وتعالى- في ذلك: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَادًا﴾» (٢).
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله - ﷺ -: «... ونزلت فيهم آية المحاربة» (٣).
وفي رواية: «... فلمَّا صحّوا كفروا بعد إِسلامهم، وقتَلوا راعيَ رسول الله - ﷺ - مؤمنًا، واستاقوا ذود (٤) رسول الله - ﷺ - وانطلقوا محاربين» (٥).

العقوبات التي قررتها الآية الكريمة:
والعقوبة التي قررتها هذه الآية للذين يحاربون الله ورسوله، ويَسعَونَ في الأرضِ فسادًا، هي إِحدى عقوبات أربع:

----------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٧٠).
(٣) أخرجه النسائي (٣٧٧٢) وقال شيخنا -رحمه الله- في «صحيح سنن النسائي»: حسن صحيح.
(٤) الذَّود من الإِبل: ما بين الثنتين إِلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إِلى العشر «النهاية».
(٥) «صحيح سنن النسائي» (٣٧٦٢) وأَصل أكثر هذه الألفاظ في «الصحيحين» كما تقدّم.



١ - القتل.
٢ - أو الصَّلْب.
٣ - أو تقطيع الأيدي والأرجُل من خِلاف.
٤ - أو النَّفْي من الأرض.
وهذه العقوبات جاءت في الآية معطوفة بحرف «أو» وقد اختلف العلماء في «أو» في هذه الآية الكريمة، أهي للتَّخيير أم للتَّفصيل؟ (١).

-----------------------
(١) جاء في كتاب «أثر الدلالة النحويَّة واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية» للأستاذ السعدي (ص ١٣٨) -بحذف-: ... ذهب فريق [من الفقهاء] إِلى أنَّ السلطة مخيَّرة بين العقوبات المذكورة، وأيُّها رآها السلطان أنفع للمصلحة أنْزلها بهم، ومن هؤلاء سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن البصري، وعطاء، ومالك (أ).
ويرى أكثرهم أن هذه العقوبات تنزل بهم على حسب جنايتهم، فَمَن قَتَلَ قُتِلَ، ومَن قَتَلَ وأخَذَ المال قُتلَ وصُلِبَ، ومَن أَخَذَ المال بلا قَتْل قُطِعَت يده ورجلُه من خلاف، ومن أخاف أهل السبيل فقط فلم يَقْتُل ولم يأخُذ مالًا: نُفِيَ.
ومن القائلين بهذا ابن عبَّاس، والأوزاعي، وأبو يوسف ومحمد من الأحناف والشافعي (ب).
_________
(أ) انظر «بداية المجتهد» (٢/ ٤٤٥)، و«البحر المحيط» (٣/ ٤٧٠).
(ب) انظر «بدائع الصنائع» (٧/ ٩٣ - ٩٤)، و«المغني» لابن قدامة (٩/ ١٤٥)، و«تفسير آيات الأحكام» (٢/ ١٨٤).
وقد ضعَّف شيخنا -رحمه الله- هذا الأثر كما في «الإرواء» برقم (٢٤٤١ و٢٤٤٤). الدليل النحوي للفريق الأوَّل:
إِنَّ «أو» في الآية للتخيير، فالسلطانُ مُخيَّر في إنزال أى عقوبة يراها مما ذُكر؛ مِن غير =



والذي يترجَّح لديّ أنَّ التَّخيير ليس بإِطلاق؛ ولا هو بالانتقائي، وإِنَّما هو نابعٌ مِنْ مرآة الفقه والعِلم وتحقيق العدل والإِنصاف، وعدم التسوية في
--------------------
= ملاحظة تناسبهم مع جناياتهم؛ لأنَّ ذلك مقتضٍ التَّخيير.
وحجَّة الفريق الثاني:
أن «أو» للتَّفصيل، والعرب تستعملها كثيرًا بهذا المعنى، فيقولون: «اجتمع القوم فقالوا حارِبوا أو صالحوا، أي قال: بعضهم كذا وبعضهم كذا».
ويقوِّيه قول الله -تعالى-: ﴿وقَالُوا كُونُوا هُودًا أو نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ وليس المقصود التخيير، لأنَّه ليس هناك فرقة تخير بين اليهودية، والنَّصرانيَّة، بل كلٌّ يدعو إلى دينه، فكان المعنى: أنَّ بعضهم -وهم اليهود- قالوا كونوا هودًا، وبعضهم -وهم النَّصارى- قالوا كونوا نصارى.
وكثيرًا ما تعتمد العرب على لفّ الكلامَين المختَلِفَين وتسمح بتفسيرها جملة، ثقةً منها بأنَّ السَّامع يردّ كلَّ مخبر عنه بما يليق به، كقول امرئ القيس:
كأنَّ قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكْرِها العناب والحشف البالي
فالعناب هو الرَّطب، والحشف هو اليابس، وقد لفهما بعبارة واحدة. ... فلمَّا كانت «أو» للتفصيل، فإِنَّها قد فصَّلت أحكام قطاع الطريق وجَعَلت لكل منهم حُكمه؛ لأنَّ جناياتهم لا بد من أن تكون مختلفة، وحينئذ يجب تقدير شرط محذوف ينسجم مع معنى التفصيل.
فيكون التقدير: أن يقَتَّلوا إِنْ قَتَلُوا، أو يُصَلَّبُوا إن قَتَلُوا وأخذوا المال، أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم إِن أخذوا المال ولم يَقْتُلوا، أو يُنْفَوا من الأرض إن أخَافُوا السائرين في السبيل فقط.
ولدى موازنة الرَّأيين يتَّضِح لنا رُجْحان رأي الفريق الثاني لما يأتي:
١ - جعل «أو» في هذه الآية للتفصيل أولى من جَعْلها للتَّخيير، لأنَّنا إِذا تتبَّعنا كلام =



اقتراف الجريمة والإِفساد، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلها﴾ (١).
--------------------
= النُّحاة نجدهم يجعلون «أو» للتَّخيير بعد الطلب غالبًا، وذلك واضح مِن أمثلتهم. وقد صرَّح ابن هشام بذلك فقال: «وهي الواقعة بعد الطلب» (١).
وحيث لم تقع بعد طلب في هذه الآية، فإِنَّ حَمْلها على التَّفصيل أولى من الناحية النَّحويَّة، وكذلك من الناحية الشَّرعيَّة؛ لأن القاعدة العامَّة في التَّشريع الإسلامي أنَّ العقوبة تكون بمقدار الجناية، لقوله -تعالى- في جزاء جناية صيد المحرم في الحج: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النًعَمِ﴾ (ب).
٢ - لو سلَّمنا أنَّها للتخيير على رأي الفريق الأوَّل، فإنَّه لدى التَّحقيق يتبيَّن لنا أنَّ مِثل هذا التَّخيير يتَّفق مع معنى التَّفصيل من حيثُ المعنى، وذلك لأنَّ الحكم المخير فيه إِذا كان سببه مختلفًا فإِنَّه يكون لبيان كل واحد من المخير بنفسه.
يوضح ذلك قوله -تعالى-: ﴿إِمَّا أنْ تُعَذِّبَ وإِمّا أن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (ج). فإنَّه ليس المراد هنا التَّخيير بين التَّعذيب أو الإِحسان مُطلقًا من غير ملاحظة عَمَل من يعذبهم أو يحسن إليهم، وإنما المراد بيان حُكمِ كلِّ صنف، أي إِمّا أن تعذب من ظلم أو تَتَّخذ الحسن فيمن آمن ولم يظلم.
فكذلك التخيير في إنزال العقوبة بقطاع الطريق إِنَّما يكون لبيان كل صنف منهم على حِدَة؛ لأنَّ سبب تلك العقوبة مُختلف. وبهذا يتَّضِح لنا أنَّ إِنزال العقوبة بهم يكون على وفق جنايتهم ...«.

---------------------

_________
(أ)»مغني اللبيب" (١/ ٥٩).
(ب) المائدة: ٩٥.
(ج) الكهف: ٨٦.
(١) الشورى: ٤٠.



وهكذا فلا بدَّ مِن حَمل التَّخيير على التَّفصيل، فلا إِشكال، وقد أشار الأستاذ السَّعدي إِلى هذا جزاه الله خيرًا.
وجاء في «الروضة النديَّة» (٢/ ٦١٨) -بحذف-: «يفعل الإِمامُ مِنْها ما رأى فيه صلاحًا؛ لكلِّ منْ قَطَعَ طَريقًا وَلَو في المِصْر إِذا كان قد يسَعَى في الأرض فَسادًا».
هذا ظاهر ما دلَّ عليه الكتاب العزيز مِنْ غير نظرٍ إِلى ما حدث من المذاهب، فإِنَّ الله -سبحانه- قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَادًا﴾ (١)، فضمَّ إلى محاربة الله ورسوله ... السَّعي في الأرض فسادًا، فكان ذلك دليلًا على أنَّ مَن عصى الله ورسوله بالسَّعي في الأرض فسادًا؛ كان حدُّه ما ذكره الله في الآية.
ولمّا كانت الآية الكريمة نازلة في قُطَّاع الطريق وهم العرنيُّون، كان دخولُ مَن قَطَعَ طريقًا تحت عموم الآية دخولًا أوَّليًّا ثم حصر الجزاء في قوله: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيْدِيهمْ وأرْجُلُهُم منْ خِلاف أو يُنْفَوا مِنَ الأرضِ﴾ فخيَّر بين هذه الأنواع فكان للإِمام أن يختار ما رأى فيه صلاحًا منها.
فإِنْ لم يكن إِمامٌ فمن يقوم مقامه في ذلك من أهل الولايات، فهذا ما يقتضيه نَظْم القرآن الكريم، ولم يأت من الأدلَّة النبويَّة ما يصرف ما يدلّ عليه القرآن الكريم عن معناه الذي تقتضيه لغة العرب.

---------------------
(١) المائدة: ٣٣.


أمَّا ما روي عن ابن عباس كما أخرجه الشافعي في «مسنده» أنَّه قال في قُطَّاع الطَّريق: «إِذا قَتَلوا وأخذوا الأموال صُلِّبوا، وإِذا قتلُوا ولم يأخذوا المالَ قُتِلُوا ولم يُصَلَّبُوا، وإِذا أخذوا المال ولم يقتُلُوا قُطِعَت أيْديهم وأرْجلهم من خِلاف، وإِذا أخافُوا السَّبيل ولم يأخذوا مالًا نُفُوا من الأرض».
فليس هذا الاجتهاد ممَّا تقوم به الحُجَّة على أحد، ولو فرضنا أنَّه في حكم التَّفسير للآية. وإِنْ كان مخالفًا لها غاية المخالفة، ففي إِسناده إِبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف جدًّا لا تقوم بمثله الحُجَّة (١).
وقد ذهب إِلى مِثل ما ذهبنا إِليه جماعة من السَّلف كالحسن البصري وابن المسيِّب ومجاهد.
وأسعد الناس بالحق من كان معه كتاب الله. وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - في العرنيين أنَّه فعل بهم أحد الأنواع المذكورة في الآية -وهو القَطْع كما في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس- والمراد بالصلب المذكور في الآية هو الصلب على الجذوع، أو نحوها حتَّى يموت إِذا رأى الإِمام ذلك، أو يصلبه صلبًا لا يموت فيه. فإِنَّ اسم الصَّلب يصدُق على الصَّلب المفضي إِلى الموت، والصَّلب الذي لا يُفضي إِلى الموت.
ولو فرضنا أنَّه يختصّ بالصَّلب المفضي إِلى الموت. لم يكن في ذلك تكرار بعد ذِكر القتل، لأنَّ الصَّلب هو قتْلٌ خاص. وأمَّا النَّفي من الأرض فهو طرْده من الأرض التي أفسد فيها ... «انتهى.
قلت: وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث:»... فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -

----------------------
(١) انظر «الإِرواء» (٢٤٤٣).


فبعث في آثارهم، فلمَّا ارتفع النَّهار جيء بهم فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسُمِّرت أعينهم (١) ...» (٢).
وفي رواية: «ثمَّ أمر بمسامير فأُحميت فَكَحَلهم بها ...» (٣).
فإِنَّ السَّمر لم يَرِد في الآية الكريمة، وهو من فِعل النبيّ - ﷺ - وهذا يبيِّن أنَّ الأمر يرجع إِلى الحاكم بما تقدَّم من قيود.
فالحاصل أن الأمر راجع إِلى السُّلطان (٤) فهو مخيَّر في إِيقاع العقوبة اللازمة وفي تقدير العقوبة على التفصيل؛ بما يتناسب مع إِفساده وجريمته؛ وبما يكون الأقرب في العمل بمقتضى الآية الكريمة والحديث الشريف والآثار. والله -تعالى - أعلم.
وقد جاء في بعض الروايات:- قال أنس -رضي الله عنه-: «إِنَّما سمل النبي - ﷺ - أعين أولئك، لأنَّهم سملوا أعين الرعاء» (٥).

عدم حسْم المحاربين من أهل الرِّدَّة حتى يهلكوا وكذا عدم سقايتهم الماء ونبذهم في الشمس:
عن أنس -رضي الله عنه- قال: «قدمَ على النبي - ﷺ - نفر من عُكل

----------------------
(١) سُمِّرت أعينهم: أي فُقئت.
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٨).
(٤) انظر -إِن شئت- ما جاء في»مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٣١٠).
(٥) أخرجه مسلم (١٦٧١).



فأسلموا، فاجْتووا (١) المدينة، فأَمَرهم أن يأتوا إِبلَ الصَّدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحُّوا، فارتدُّوا، فقتلوا رعاتها واسْتاقُوا الإِبلَ.
فبعث في آثارهم فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمل أعينهم، ثم لم يحسمهم (٢) حتى ماتوا» (٣).
وفي رواية: «فرأيت الرجُل منهم يَكْدُِمُ (٤) الأرض بلسانه حتى يموت» (٥).
أمَّا نبذهم في الشمس حتى يموتوا، فهو في بعض ألفاظ حديث أنس -رضي الله عنه- وفيه: «وسمَّر أعينهم ثم نبَذهم في الشمس حتى ماتوا» (٦).

فائدة «١»:
سُئل شيخ الإِسلام -رحمه الله- عن ثلاثةٍ من اللصوص، أخذ اثنان منهم جَمَّالا، والثالث قتل الجمَّال: هل تُقتَل الثلاثة؟

--------------------
(١) فاجتووا: قال النووي: «... أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم، قالوا: وهو مثشقٌّ من الجوى؛ وهو داء في الجوف».
(٢) لم يحسمهم: الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حار وذلك لمنع استمرار نزف الدم، ويتحقَّق بأيِّ صورة طبيَّة يمكن أن تمنع نزْف الدم، وتقدّم.
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٢)، ومسلم (١٦٧١).
(٤) يكدُِمُ: أي يقبض عليها ويعضّ. «النهاية»
(٥) أخرجه البخاري (٥٦٨٥).
(٦) أخرجه البخاري (٦٨٩٩)، ومسلم (١٦٧١).



فأجاب: إِذا كان الثلاثة حرامية؛ اجتمعوا ليأخذوا المال بالمحاربة؛ قُتِل الثلاثة؛ وإِنْ كان الذي باشر القتل واحد منهم. والله أعلم.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٠) -بحذف-: «وإِذا كان المحاربون الحراميَّة جماعة، فالواحد منهم باشَر القتل بنفسه، والباقون له أعوان وردْء له. فقد قيل؛ إِنَّه يقتل المباشر فقط.
والجمهور على أنَّ الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، وأنَّ الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإِنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قتل ربيئة المحاربين -والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال، ينظر منه لهم من يجيء- ولأنَّ المباشر إِنَّما تمكَّن مِن قتْله بقوَّة الردء ومعونته.
والطائفة إِذا انتصر بعضها ببعض؛ حتى صاروا ممتنعين؛ فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين ...
وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه؛ مثل المقتتلين على عصبيَّة، ودعوى جاهليَّة؛ كقيس ويمن ونحوهما؛ هما ظالمتان. كما قال النبي - ﷺ -:»إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إِنّه كان حريصًا على قتل صاحبه". أخرجاه في الصحيحين. (١).
وتضمن كلّ طائفة ما أتْلفتْه للأخرى من نفس ومال. وإِن لم يعرف عين

---------------------
(١) أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨).


القاتل؛ لأنَّ الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد، وفي ذلك قوله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاص في القَتْلَى﴾ (١).

فائدة «٢»:
جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢٤٣): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن تاجر نصَب عليه جماعة؛ وأخذوا مبلغًا، فحَمَلَهم لوليّ الأمر؛ وعاقبهم حتى أقرُّوا بالمال، وهم محبوسون على المال، ولم يعطوه شيئًا، وهُم مصرُّون على أنَّهم لا يعطونه شيئًا؟
فأجاب: الحمد لله هؤلاء مَن كان المال بيده وامتنع من إِعطائه؛ فإِنَّه يُضرَب حتى يؤديَ المال الذي بيده لغيره. ومَن كان قد غيَّب المال وجحد موضعه فإِنَّه يضرب حتَّى يدلّ على موضعه. ومَن كان مُتَّهما لا يُعرف هل معه من المال شيء أم لا؛ فإِنَّه يجوز ضربه معاقبةً له على ما فعَل من الكذب والظلم. ويُقر مع ذلك على المال أين هو. ويطلب منه إِحضاره. والله أعلم».

ردُّ اعتراض، ودفْعُ إِشكالٍ (٢):
قال في «المنار»: رَوى عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أنَّ الفساد هنا الزنى، والسرقة، وقتْل النساء، وإِهلاك الحرث والنَّسل، وكلّ هذه الأعمال من الفساد في الأرض.
واستشكل بعض الفقهاء قول مجاهد، بأنَّ هذه الذنوب والمفاسد لها

---------------------
(١) البقرة: ١٧٨.
(٢) عن «فقه السنة» (٣/ ٢٥٢).



عقوبات في الشرع غير ما في الآية، فللزِّنى، والسرقة، والقتْل حدود، وإِهلاك الحرث والنَّسل يقدَّر بقدْره، ويضمنه الفاعل، ويعزّره الحاكم بما يؤدِّيه إِليه اجتهاده.
وفات هؤلاء المعترضين، أنَّ العقاب المنصوص في الآية خاصٌّ بالمحاربين مِن المفسدين الذين يكاثرون أولي الأمر، ولا يُذْعنون لحُكْم الشَّرع.
وتلك الحدود إِنَّما هي للسارقين والزُّناة أفرادًا، الخاضعين لحُكْم الشرْع فِعْلًا، وقد ذُكِرَ حُكمهم في الكتاب العزيز، بصيغة اسم الفاعل المفرد، كقوله -سبحانه-: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) وقال: ﴿الزَّانِيَة والزَّانِي فَاجْلِدُوا كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَةٍ﴾ (٢).
وهم يستَخْفُون بأفعالهم، ولا يَجهرون بالفساد، حتى ينْتشر بصوء القدوة بهم، ولا يُؤلِّفون له العصائب ليمنعوا أنفسهم من الشرع بالقوَّة.
فلهذا لا يصدُق عليهم أنَّهم محاربو الله ورسوله ومفسدون، والحكم هنا منوط بالوصفَين معًا، وإِذا أطْلق الفقهاء لفظ المحاربين، فإِنَّما يعنون به المحاربين المفسدين؛ لأنَّ الوصفين متلازمان».

واجب الحاكم والأمَّة حِيال الحرابة (٣):
والحاكم والأمَّة معًا مسؤولون عن حماية النظام، وإقرار الأمن، وصيانة

------------------------
(١) المائدة: ٢٨.
(٢) النور: ٢.
(٣) عن «فقه السُّنة» (٣/ ٢٥٢).



حقوق الأفراد في المحافظة على دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم؛ فإِذا شذَّت طائفة، فأخافوا السبيل، وقطعوا الطريق، وعرَّضوا حياة الناس للفوضى والاضطراب، وجب على الحاكم قتال هؤلاء.
كما فعَل رسول الله - ﷺ - مع العُرنيين (١)، وكما فَعَلَ خُلفاؤه من بعده، ووجب على المسلمين كذلك أنْ يتعاونوا مع الحاكم ... على استئصال شأفتهم، وقطْعِ دابرهم، حتى ينعم الناس بالأمن والطمأنينة، ويُحِسُّوا بلذَّة السلام والاستقرار، وينصرف كلٌّ إِلى عمله.

إِذا طَلب السلطان المحاربين فامتنعوا:
إِذا طَلب السلطان المحاربين لإقامة الحد فامتنعوا؛ فإِنه يجب على المسلمين قتالهم، من باب ما لا يتمّ الواجب إِلا به فهو واجب.
جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٧): «... فأمّا إِذا طلبهم السلطان أو نوّابه لإقامة الحدّ بلا عدوان فامتنعوا عليه؛ فإِنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء، حتى يقدر عليهم كلِّهم؛ ومتى لم ينقادوا إِلا بقتال يفضي إِلى قتْلهم كلهم قوتلوا، وإن أَفضى إِلى ذلك؛ سواءٌ كانوا قد قَتلوا أو لم يقتلوا.
ويقتلون في القتال كيفما أمكن؛ في العنق وغيره، ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويُعينهم، فهذا قتال وذاك إِقامة حدّ، وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف الممتنعة عن شرائع الإِسلام».

----------------------
(١) تقدَّم غير بعيد.


توبةُ المحاربين قبْل القُدرة عليهم:
*إِذا تاب المحاربون المفسدون في الأرض، قبل القدرة عليهم، وتمكَّن الحاكم من القبض عليهم، فإنَّ الله يغفر لهم ما سلَفَ، ويرفع عنهم العقوبة الخاصّة بالحرابة؛ لقوله -تعالى-: ﴿ذلكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدّنْيا وَلَهُم في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدروا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفورٌ رَحِيم﴾ (١).
وإِنَّما كان ذلك كذلك؛ لأنَّ التوبة قبل القدرة عليهم والتَّمكُّن منهم دليل على يَقَظَة القلوب، والعزم على استئناف حياةٍ نظيفة، بعيدة عن الإِفساد، والمحاربة لله ورسوله، ولهذا شملهم عفو الله، وأسقط عنهم كلَّ حقّ من حقوقه، إِن كانوا قد ارتكبوا ما يستوجب العقوبة.
أمَّا حقوق العباد، فإِنَّها لا تسقط عنهم، وتكون العقوبة حينئذ ليست من قبيل الحرابة، وإِنما تكون من باب القِصاص.
[أقول: وفي ذلك أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-: «نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يُقْدر عليه؛ لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدّ الذي أصابه»] (٢).
والأمر في ذلك يرجع إِلى المجني عليهم، لا إِلى الحاكم، فإِنْ كانوا قد قَتَلوا، سقط عنهم تحتم القتل، ولوليِّ الدَّم العفو أو القِصاص وإنْ كانوا قد قَتَلوا

----------------------
(١) المائدة: ٣٣ - ٣٤.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٧٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٧٧٦)، وانظر «الإرواء» (٨/ ٩٣).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #150  
قديم 17-01-2026, 05:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,306
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 136الى صــ150
الحلقة (150)




وأخَذوا المال، سقط الصَّلب، وتحتم القتل، وبقي القِصاص، وضمان المال.
وإِنْ كانوا قد أخذوا المال، سقط القطع، وأُخذِت الأموال منهم إِن كانت بأيديهم، وضمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأنَّ ذلك غَصْبٌ، فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إِلى أربابه، أو يجعله الحاكم عنده، حتى يعلم صاحبه؛ لأنَّ توبتهم لا تصح إِلا إِذا أعادوا الأموال المسلوبة إِلى أربابها.
فإِذا رأى أولو الأمر إِسقاط حقٍّ ماليٍّ عن المفسدين؛ مِن أجل المصلحة العامَّة، وجب أن يضمنوه من بيت المال* (١).
جاء في «المغني» (١٠/ ٣١٤): «فإِنْ تابوا من قبل أن يُقدَر عليهم؛ سقطت عنهم حدود الله -تعالى- وأخذوا بحقوق الآدميِّين من الأنفس والجراح والأموال؛ إِلا أن يُعفى لهم عنها.
لا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرَّأي وأبو ثور، والأصل في هذا قول الله -تعالى-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ويبقى عليهم القِصاص في النفس والجراح وغرامة المال والدِّيَة لما لا قِصاص فيه.
فأمّا إِنْ تاب بعد القدرة عليه؛ لم يسقط عنه شيء من الحدود؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ فأوجب عليهم الحدّ ثم استثنى التائبين قبل القدرة، فمن عداهم يبقى على قضِيّة العموم، ولأنّه إِذا

---------------------
(١) ما بين نجمتين من»فقه السنة" (٣/ ٢٥٣) -بتصرف-.


تاب قبل القدرة؛ فالظاهر أنها توبة إِخلاص، وبعدها الظاهر أنها تقية من إِقامة الحدّ عليه، ولأنّ في قبول قوبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة؛ ترغيبًا في توبته والرجوع عن محاربته وإِفساده فناسَب ذلك الإِسقاط عنه وأما بعدها فلا حاجة إِلى ترغيبه لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة».
وجاء في «تفسير ابن كثير»: «وأمَّا المحاربون المسلمون فإِذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإِنَّه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرِجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء: ظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عَمَل الصحابة ...».
وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٦٢٠): «أقول: الآية ليس فيها إِلا الإِشارة إِلى عفو الله ورحمته لمن تاب قبل القدرة. وليس فيها القطع بحصول المغفرة والرحمة لمن تاب!! ولو سُلِّم القطع فذلك في الذنوب التي أمْرها إِلى الله فيسقط بالتَّوبة الخطاب الأخروي والحد الذي شرعه الله.
وأمَّا الحقوق التي للآدميِّين من دم أو مال أو عرض؛ فليس في الآية ما يدل على سقوطها. ومن زعم أنَّ ثم دليلًا يدل على السقوط فما الدليل على هذا الزَّعم؟!». انتهى.
أقول: إذا كان الشهيد يُغفر له كل شيء إِلا الدَّين، فكيف يُغفرَ للمحارب ما سَلَبَ من أموال وانْتهك مِن حُرُمات، فحقوق الآدميِّين معتبرة، وليس في الآية ما يدلّ على سقوطها.
ولكن توبة المحارب؛ تعني أنَّه اختار الدار الآخرة، ورضي أن يمضي فيه حُكْم الله -تعالى- ورأى أنَّ هذا خيرٌ له من المُضِيّ في الإفساد وعدم التوبة،


متحمِّلًا الصِّعاب راغبًا في المغفرة والثواب، وربما يحظى بعفو أصحاب الحقوق. والله -تعالى- أعلم.

سُقوطُ الحدود بالتَّوبة قبْل رَفْعِ الجناة إِلى الحاكم:
*تقدَّم أنَّ حدَّ الحرابة يَسْقُط عن المحاربين إِذا تابوا، قبل القدرة عليهم؛ لقول الله -سبحانه-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدرُوا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
وليس هذا الحُكم مقصورًا على حدّ الحرابة، بل هو حُكْمٌ عام ينتظم جميع الحدود، فمن ارتكب جريمة تستوجب الحدّ، ثمَّ تاب منها، قبل أنْ يُرفع إِلى الإِمام، سَقَط عنه الحد؛ لأنَّه إِذا سقط الحدّ عن هؤلاء، فأولى أن يسقط عن غيرهم، وهُم أخفُّ جرمًا منهم.
وقد رجَّح ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقال: ومن تاب من الزِّنى، والسرقة، وشُرب الخمر، قبل أن يُرفع إِلى الإمام، فالصحيح، أنَّ الحدَّ يسقط عنه، كما يسقط عن المحاربين، إِجماعًا، إِذا تابوا قبل القُدرة عليهم.
وقال القرطبي: فأمَّا الشُّراب، والزُّناة، والسُّرّاق، إِذا تابوا وأصلحوا، وعُرِف ذلك منهم، ثُمَّ رُفعوا إِلى الإِمام، فلا ينبغي أنْ يُحَدُّوا، وإن رُفِعوا إِليه، فقالوا: تُبْنا. لم يُتركوا، وهم في هذا الحال كالمحاربين إذا غُلبوا* (٢).
قلت: ويؤيِّد ما قاله القرطبي -رحمه الله تعالى- ما تقدَّم من إِعراض النبي

----------------------
(١) المائدة: ٣٤.
(٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٢٥٥).



- ﷺ - عن ماعز بن مالك حينما جاءه يخبره أنَّه قد أصاب جارية، فأعرض عنه رسول الله - ﷺ - حتى إِنَّ ماعزًا قد قالها أربع مرَّات ...
وكذا قول النبي - ﷺ - للغامديَّة: «وَيْحَكِ؛ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه».
وفيه أيضًا ما رواه الأجلح عن الشعبي حين قال عليٌّ -رضي الله عنه- لشُراحة الهمدانيَّة: ويلك لعلَّ رجُلًا وقع عليك وأنْتِ نائمة ... لعلَّك استُكْرِهتِ ... يُلقِّنها (١).

دفاع الإِنسان عن نفسه (٢):
*إِذا اعتدى على الإِنسان معتدٍ يريد قتْله، أو أخْذ ماله، أو هتْك عرْض حريمه؛ فمِن حقَّه أنْ يُقاتل هذا المعتدي دفاعًا عن نفسه، وماله، وعرضْه، ويدفع بالأسهل فالأسهل، فيبدأ بالكلام، أو الصِّياح، أو الاستعانة بالناس، إِن أمْكن دفع الظَّالم بذلك، فإِن لم يندفع إِلا بالضَّرب، فليَضْربه، فإنْ لم يَنْدفع إِلا بقتْله، فليَقْتله، ولا قِصاص على القاتل، ولا كفَّارة عليه، ولا دية للمقتول؛ لأنَّه ظالم معتد، والظالم المعتدي حلال الدَّم لا يجب ضمانه.
فإنْ قُتِل المُعتدى عليه، وهو في حالة دفاعه عن نفْسه، وماله، وعرضه، فهو شهيد. قال الله -تعالى-: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيْلٍ﴾ (٣) *.

------------------------
(١) تقدَّم تحت «باب: ماذا يفعل الإِمام إِذا جاءه من أقرَّ على نفسه بالزِّنى».
(٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٢٥٧).
(٣) الشورى: ٤١.



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجُلٌ إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيتَ إِنْ جاء رجُلٌ يُريدُ أخذ مالي؟ قال: فلا تُعْطِه مالك (١). قال: أرأيتَ إِن قاتَلني؟ قال: قاتِلْه. قال: أرأيتَ إِنْ قَتَلَني؟ قال: فَأنْتَ شهيدٌ. قال: أرأيتَ إِنْ قَتَلْتُه؟ قال: هو في النَّار» (٢).
وفي لفظٍ لأحمد: «أنَّه قال له أوَّلًا: انشده الله. قال: فإِن أبى؟ قال: قاتِلْه» (٣).
وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ قُتِل دونَ ماله فهو شهيد» (٤).
وعن قابوس بن مخارق عن أبيه قال: «جاء رجل إِلى النبي - ﷺ - فقال: الرجُل يأتيني فيريد مالي؟ قال: ذكِّره بالله، قال: فإِنْ لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه من حولك من المسلمين.
قال: فإِنْ لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإِن نأى السلطان عني؟ قال: قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء

---------------------
(١) قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى«(٣٤/ ٢٤٢):»لكن الدفع عن المال لا يجب، بل يجوز له أن يعطيهم المال ولا يقاتلهم. وأمًا الدفع عن النَّفس ففي وجوبه قولان، هما روايتان عن أحمد«.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٠).
(٣) صححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٤٤٦).
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١).



الآخرة، أو تمنع مالك» (١).

دفاع الإِنسان عن غيره:
عن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النبي - ﷺ - أحسَنَ النَّاس، وأشْجَع النَّاس. ولقد فزِع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصَّوتِ فاسْتَقبلهم النَّبي - ﷺ - وقد استبْرأ الخبَرَ وهو على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ وفي عُنُقه السَّيفُ وهو يقول: لم تُراعوا، لم تُراعوا. ثمَّ قال: وجَدْناه بحْرًا. أو قال: إِنَّه لبحْر» (٢).
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال النبي - ﷺ -: «انْصرْ أخاك ظالًا أو مظلومًا» (٣).
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «اقتتل غُلامان. غُلامٌ من المُهاجرين وغُلامٌ من الأنصاِر. فَنَادَى المُهاجِرُ أو المُهاجرون يَا لَلمُهاجِرين! ونادى الأنصاريُّ يا لَلأنصار!
فَخَرَجَ رسول الله - ﷺ - فقال: ما هذا دَعْوى أهلِ الجاهليَّة؟ قالوا: لا يا رسول الله! إِلا أنَّ غُلامينِ اقْتتلا فَكَسَعَ (٤) أحدهما الآخر قال: فلا بأس. ولْينصُر الرجُلُ أخاهُ ظالمًا أوْ مظلومًا. إِنْ كانَ ظالمًا فَلْيَنْهَهُ فإِنَّه لهُ نصرٌ، وإِنْ كانَ مَظلومًا

--------------------
(١) أخرجه النسائي بسند حسن وانظر»الإرواء«(٨/ ٩٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٠٨)، ومسلم (٢٣٠٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٣).
(٤) كسع: أي ضرَب دُبُره وعجيزته؛ بيدٍ أو رِجلٍ أو سيفٍ وغيره،»نووي".



فَلْيَنْصُرْهُ» (١).
ولا يجوز للمسلم أن يخذل أخاه أو يُسلمه.
فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلِمه» (٢).
وفي رواية: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، التقوى هاهنا التقوى هاهنا، يقول: أي: في القلب» (٣).

---------------------
(١) أخرجه مسلم (٢٥٨٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠).
(٣) أخرجه أحمد بإِسناد حسن وانظر «الإِرواء» (٨/ ١٠٠).



الجنايات

الجنايات

تعريفها:
الجنايات: هي جمع جناية، مصدر من جَنَى الذنب يجنيه جناية، أي: جَرّه إِليه، وجُمعت وإِنْ كانت مصدرًا لاختلاف أنواعها، فإِنها تكون في النفس، وفي الأطراف، وتكون عمدًا وخطأً (١).
وجاء في «المغني» (٩/ ٣١٨): هي كلّ فِعل عدوانٍ على نفس أو مال، لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان، وسمّوا الجنايات على الأموال غصبًا ونهبًا وسرقة وخيانة وإِتلافًا.
*وقد اصطلحَ الفقهاء على تقسيم هذه الجرائم إِلى قسمين:
القسم الأول: ويسمّى جرائم الحدود.
والقسم الثاني: ويسمّى جرائم القِصاص.
وهي الجنايات التي تقع على النفس، أو على ما دونها من جرحٍ، أو قطع عضو، وهذه هي أصول المصالح الضرورية التي يجب المحافظة عليها؛ صيانة للناس، وحِفاظًا على حياتهم الاجتماعية. وقد تقدم الكلام على جرائم الحدود وعقوباتها، وبقي أن نتكلم على جرائم القصاص* (٢).

حُرمة المسلم عند الله تعالى:
قال الله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إِلا بالحقّ﴾ (٣).

-------------------
(١) «سبل السلام» (٣/ ٤٣٧).
(٢) ما بين النجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٢٨٢).
(٣) الإِسراء: ٣٣.



عن أبي بكرة -رضي الله عنه- ذكَر النبي - ﷺ - قعَد على بعيره وأمسكَ إِنسانٌ بخِطامه -أو زمامه- قال: أيّ يوم هذا؟ فسَكتنا حتى ظَننّا أنه سيُسمّيه سِوى اسمه.
قال: ألَيس يوم النَحر؟ قلنا: بلى. قال فأيّ شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننّا أنه سيُسمِّيه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا بلى.
قال: فإنّ دِماءَكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حَرام؛ كَحُرمِة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، لِيبلغ الشاهد الغائبَ، فإن الشاهد عَسى أن يبلّغَ مَن هو أوعى له منه» (١).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيِّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٢).
وعن عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قَتْل رجل مسلم» (٣).
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن؛ لأكبّهم الله في

------------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٧) ومسلم (١٦٧٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٨) ومسلم (١٦٧٦) وتقدّم.
(٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٢٦) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٢١) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٧٢٢) وصححه شيخنا -رحمه الله- في»غاية المرام" (٤٣٩).



النار» (١).
ونظر عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يومًا إِلى الكعبة فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمةً منك» (٢).
وعن عبد الله -رضي الله عنه- قال النبي الله - ﷺ -: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء» (٣).

جزاء من سَنّ القتل:
قال الله تعالى ﴿مَن قَتَل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ (٤).
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «أي: ومَن قَتَل نفسًا بغير سبب؛ من قِصاص، أو فسادٍ في الأرض، واستحلّ قتْلها بلا سبب ولا جناية؛ فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه لا فرْقَ عنده بين نفسٍ ونفس».
وعن عبد الله قال: قال النبي - ﷺ -: «ليس مِن نفس تُقتَل ظلمًا؛ إِلا كان

---------------------
(١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٢٨) وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(٢٤٤٢).
(٢) أخرجه الترمذي وابن حبان وغيرهما وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»غاية المرام" (٤٣٥).
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٣٣) ومسلم (١٦٧٨).
(٤) المائدة: ٣٢.



على ابن آدم الأوّل كِفلٌ منها (١) لأنه سَنّ القتل أوّلًا» (٢).
وعن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: رسول الله - ﷺ - «مَن سنَّ في الإِسلام سُنّة حسنة؛ فله أجرها وأجر مَن عمِل بها من بعده؛ مِن غير أن يَنقُص من أجورهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإِسلام سنّة سيئة؛ كان عليه وزرها ووزْر من عمِل بها من بعده؛ مِن غير أن يَنقُص مِن أوزارهم شيء» (٣).

تحريم الانتحار وقتل المرء نفسه:
قال الله -تعالى-: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إِنّ الله كان بكم رحيمًا﴾ (٤).
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «مَن تَرَدّى من جبل فقتلَ نفسَه فهو في نار جهنم يتردّى فيه خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا.
ومن تحسّى سمًا فقَتلَ نفسه فسمُّهُ في يده، يَتحساه في نار جهنم خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا.
ومن قتل نفسه بحديدة فحديدتهُ في يده يَجأُ بِها (٥) في بطنه في نار جهنم خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا» (٦).

----------------------
(١) الكفل: الحظّ والنّصيب.
(٢) أخرجه البخاري (٧٣٢١) ومسلم (١٦٧٧).
(٣) أخرجه مسلم (١٠١٧).
(٤) النساء: ٢٩.
(٥) يجأ بها: أي يضرب بها.
(٦) أخرجه البخاري (٥٧٧٨) ومسلم (١٠٩).



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي - ﷺ -»الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار«(١).
وعن جندب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جُرْحٌ، فجزِع فأخذ سكينًا فحزّ بها يده، فما رقأ (٢) الدم حتى مات، قال الله -تعالى-: «بادرني عبدي بنفسه، (٣) حَرّمتُ عليه الجنة» (٤).
وعن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «من قَتَل نفسه بشيء في الدنيا؛ عُذّب به يوم القيامة» (٥).

أنواع القتل
القتلُ أنواعٌ ثلاثةٌ:
١ - عمد.
٢ - شبه عمد.
٣ - خطأ.

--------------------------
(١) أخرجه البخاري (١٣٦٥).
(٢) أي لم ينقطع.
(٣) بادرني عبدي بنفسه: أي: استعجل الموت قال العينيّ -رحمه الله- في «عمدة القاري»: «معنى المبادرة: عدم صبْرِه حتى يقبض الله روحه حتف أنفه، يُقال: بدرني أي سبقني: مِن بَدرت إِلي الشيء أبدُر وبدورًا إذا أسرعت، وكذلك بادرت إِليه».
(٤) أخرجه البخاري (١٣٦٤، ٣٤٦٣) ومسلم (١١٣).
(٥) أخرجه البخاري (٦٠٤٧) ومسلم (١١٠).



القتلُ العَمْدُ (١)

فالقتل العمد؛ هو أن يقصد المكلَّف قتْل إِنسان معصوم الدم (٢)، بما يغلِب على الظنّ، أنه يُقتل به، ولا تتحقّق جريمة العمد؛ إِلا إِذا توفّرت الأُمور الآتية:
١ - أن يكون القاتل عاقلًا، بالغًا، قاصدًا القتل.
أمّا اعتبار العقل والبلوغ فلقوله - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر» (٣).
وأمّا اعتبار العمد؛ فلحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قُتلَ رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إِلى النبي - ﷺ -، فدفَعه إِلى وليِّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله! والله ما أردْتُ قتْله. قال: فقال رسول الله - ﷺ - للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقًا ثُمَّ قَتَلْتَه دَخَلْتَ النار قال: فخلّى سبيله» (٤).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «... ومن قتل

------------------------
(١) عن»فقه السنة«(٣/ ٢٩٢) بتصرف وزيادة من»المغني«(٩/ ٣٢١).
(٢) أي لا يستّحق القتل شَرعًا.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٩٨)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٠) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٥٠)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢٩٧).
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧٧٥)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٤٠٣) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٣٥) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (٢١٧٨).



عمدًا فهو قَوَد (١) ومن حال دونه؛ فعليه لعنة الله وغضبه، لا يُقبَل منه صَرْف (٢) ولا عَدْل» (٣).
٢ - أن يكون المقتول آدميًا، ومعصومَ الدم أي؛ أنّ دمه غير مباح.
٣ - أن تكون الأداة التي استُعملت في القتل، ممّا يُقْتَلُ بها غالبًا.
فإذا لم تتوفر هذه الأركان، فإِنّ القتل لا يعد قتلًا عمدًا.

أداةُ القتلِ ووسائله:
ولا يشترط في الأداة التي يَقتلُ بها، سوى أنها ممّا تَقْتُلُ غالبًا، سواءٌ أكانت محدَّدة؛ أم متلَفة؛ لتماثلهما في إِزهاق الروح.
قال في «المغني» (٩/ ٣٢١): «فالعمد ما ضرَبَه بحديدة أو خشبة كبيرة فوق عمود الفسطاط، أو حجر كبير؛ الغالب أن يقتل مثله، أو أعاد الضرب بخشبة صغيرة أو فعل به فِعلًا الغالب من ذلك الفعل أنه يُتلِف.
وجملة ذلك أن العمد نوعان: أحدهما أن يضربه بمحدَّد وهو ما يقطع ويدخل في البدن؛ كالسيف والسكين والسنان، وما في معناه مما يحدد؛ فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والحجر والقصب والخشب.
فهذا كله إِذا جرح به جرحًا كبيرًا فمات فهو قتْلُ عمدٍ لا خلاف فيه بين

-----------------------
(١) القَوَد: القِصاص وَقَتل القاتل بدل القتيل.»النهاية«.
(٢) قال في»النهاية«:»قد تكررت هاتان اللفظتان في الحديث، فالصّرف: التوبة وقيل: النافلة، والعَدْل: الفِدْية وقيل: الفريضة«.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨٠٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٣١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (٤٤٥٦).



العلماء -فيما علمناه-.
فأمّا إِنْ جَرحه جرحًا صغيرًا كشَرْطة الحجّام أو غَرَزهُ بإِبرة أو شوكة نظرت؛ فإِن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأُذُن فمات؛ فهو عمد أيضًا؛ لأن الإِصابة بذلك في المقتل كالجرح بالسكين في غير المقتل».
وجاء في «الشرح الكبير» (٩/ ٣٢٠):
١ - «... أن يجرحه بسكين، أو يغرزه بمسلّة، أو ما في معناه؛ ممّا يحدّد ويجرح من الحديد والنحاس والزجاج والحجر ... فهذا كله إِذا جرَح به جُرحًا كبيرًا فمات؛ فهو قتلُ عمدٍ لا اختلاف فيه بين العلماء -فيما علمناه-.
٢ - أن يضربه بمثقل فوق عمود ... أو حجر كبير، أو يُلقي عليه حائطًا أو سقفًا، أو يُلقيه من شاهق، أو يكرّر الضرب بصغير، أو يضربه في مقتل أو في حال ضعف قُوةٍ من مرض أو صِغر أو كِبَر.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-»أن يهوديًا رضّ رأسَ جاريةٍ بين حجرين، فقيل لها: من فَعَل بك هذا؟ أفلان أفلان، حتى سُمّي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمَرَ به النبيّ - ﷺ - فَرُضّ رأسُه بالحجارة" (١).
٣ - إِذا جمع بينه وبين أسد أو نحوه في مكان ضيِّق، أو أنهشه كلبًا أو سبعًا أو حية.
٤ - إِذا ألقاه في ماءٍ يُغرقه، أو نار لا يمكنه التخلص منها؛ إِمّا لكثرة الماء

----------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٨٤)، ومسلم (١٦٧٢).


والنار، وإِمّا لعجزه عن التخلص.
٥ - إِذا خنقَه بحبل أو غيره، أو سدّ فمه وأنفه، أو عصر خصيته حتى مات.
[جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٤٤): «عن رجلين تضاربا وتخانقا، فوقع أحدهما فمات: فما يجب عليه؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إِذا خَنقه الخنق الذي يموت به المرء غالبًا وجب القَوَد عليه عند جمهور العلماء؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وصاحبي أبي حنيفة، ولو ادعى أن هذا لا يَقْتُل غالبًا لم يُقبَل منه بغير حُجّة.
فأمّا إِن كان أحدهما قد غشي عليه بعد الخنق، ورفَسَه الآخر برِجله حتى خرج من فمه شيء فمات؛ فهذا يجب عليه القَوَد بلا ريب، فإِن هذا قاتلٌ نفسًا عمدًا؛ فيجب عليه القَوَد؛ إذا كان المقتول يكافؤه بأن يكون حُرًّا مسلمًا، فيُسَلّم إِلى ورثة المقتول؛ إِنْ شاءوا أن يقتلوه، وإنْ شاءوا عفوا عنه، وإنْ شاءوا أخذوا الدّية».
وفي «مجموع الفتاوى» (ص ١٤٤) أيضًا: "وَسئل -رحمه الله- عن رجلين تخاصما وتقابضا فقام واحد ونطح الآخر في أنفه، فجرى دمه، فقام الذي جرى دمه خنقه ورفسه برجله في مخاصيه فوقع ميّتًا؟
فأجاب: يجب القَوَد على الخانق الذي رفس الآخر في أنثييه؛ فإِنّ مثل هذا الفعل قد يَقْتُل غالبًا؛ فإِنّ موته بهذا الفِعل دليل على أنه فَعل به ما يَقْتُل غالبًا؛ والفِعْل الذي يَقْتُل غالبًا يجب به القَوَد في مذهب مالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفه: مثل ما لو ضرَبه في أنثييه حتى مات فيجب القَوَد، ولو خنقه حتى مات وجب القَوَد، فكيف إذا اجتمعا؟!


ووليّ المقتول مُخيَّر إِنْ شاء قتَل، وإِنْ شاء أخذ الدِّية، وإِنْ شاء عفا عنه؛ وليس لولي الأمر أن يأخذ من القاتل شيئًا لنفسه ولا لبيت المال؛ وإِنما الحقّ في ذلك لأولياء المقتول»].
٦ - إِذا حبَسه ومنعه الطعام أو الشراب؛ حتى مات جوعًا وعطشًا؛ في مُدّةٍ يموت في مِثْلها غالبًا.
٧ - إِذا سقاه سمًّا، أو خَلطه بطعامه فأكل فمات.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ يهودية أَتت النبي - ﷺ - بشاةٍ مسمومة فأكل منها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لَهواتِ (١) رسول الله - ﷺ -» (٢).
وفي رواية من حديث أبي سلمة -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ -، أهدَتْ له يهودية، بخيبر شاةً مصليّة ... قال: فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إِلى اليهودية: ما حَمَلك على الذي صَنعْت؟ فقالت: إِنْ كنتَ نبيًا لم يضرَّك وإِن لم تكن استرحنا منك. فأمَرَ بها رسول الله فقُتلت» (٣).
٨ - إِذا قتَلَه بسحر يقتُلُ غالبًا.
٩ - إِذا شهد رجلان على رجل بقتل عمدٍ ... أو رِدّة، فيُقتَل بذلك، ثمّ يرجعان ويقولان: عَمَدنا قتْله.

---------------------
(١) لَهَوات: جَمْع لهاة، وهي الَّلحَماتُ في سقف أقصى الفم. «النهاية».
(٢) أخرجه البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٨٣).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 306.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 300.67 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.91%)]