التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 15 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         خطر الظلم والتحذير منه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          حسن الظن بالله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          دور وسائل الاتصال في نشر خير الخصال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          ذم الدنيا في التعلق بها، لا بالتمتع بطيباتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          (حجوا وضحوا) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          عاقبة الظلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الأمانة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          {فلينظر الإنسان مم خلق} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          لماذا يُحرقون المصحف؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #141  
قديم 26-01-2026, 06:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 487 الى صـــ 506
الحلقة (141)






وقد روى حديث صلاة الكسوف تسعة عشر نفسًا، جماعة بالكاف، وجماعة بالخاء، وجماعة بهما، وقيل: بالكاف والخاء لهما.
وقد بوب البخاري على ذلك في بابه، والأحاديث دالة عليه، وقيل: بالكاف تغيرهما، وبالخاء تغيبها في السواد، وحكم صلاة الكسوف يأتي في بابها إن شاء الله.
ثالثها:
فيه: أن النار مخلوقة الآن، وقد أبعد من أنكر ذلك من المعتزلة، ورآها رأي عين، كشف الله الحجب عنها فرآها معاينة، وكذا الجنة، كما كشف الله له عن المسجد الأقصى، ويحتمل أن تكون رؤية علم ووحي باطلاعه، وتعريفه من أمورها تفصيلا ما لم يعرفه قبل ذلك.
رابعها:
قوله: (أفظع) أي: فظيعًا، والفظيع: الشديد الشنيع (…) (١) وقيل: أراد منظرًا أفظع منه فحذف منه، وهو كثير في كلامهم.
فائدة:
روي من حديث الحسن قال: حدثني سبعة رهط من الصحابة، أحدهم: أبو هريرة أنه - ﷺ - نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش (٢)

------------------
(١) كلمة غير واضحة في (س).
(٢) الحشّ بفتح الحاء وضمها: البستان أو المَخْرَج، جمعه حشوش وحُشّان، وإنما سمي موضع الخلاء حشا بهذا لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين.
انظر: «غريب الحديث» لأبي عبد القاسم ٢/ ١٦٥، «الصحاح» ٣/ ١٠٠١، «لسان العرب» ٢/ ٨٨٧، مادة: حشش.



أو حَمَّام أو مقبرة، أخرجه ابن عدي وضعفه (١)،، وفيه آثار عن ابن عباس (٢) وغيره (٣).
------------------
(١) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٥/ ٥٣٩.
(٢) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٠٥ (١٥٨٤ - ١٥٨٥)، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٣.
(٣) فمنهما أثر إبراهيم النخعي رواه عبد الرزاق ١/ ٤٠٥ (١٥٨٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ١٥٦ (٧٥٨١)، ومنها أثر علي رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٦ (٧٥٨٨)، ومنها أثر عبد الله بن عمرو (٧٥٧٦)، ومنها أثر الحسن العرني (٧٥٧٧).



٥٢ - باب كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ
٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاِتكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». [١١٨٧ - مسلم: ٧٧٧ - فتح: ١/ ٥٢٨]
حَدَّثنَا مُسَدَدٌ، ثنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاِتكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في باب التطوع في البيت من أواخر الصلاة، عن عبد الأعلى بن حماد، ثنا وهيب، عن أيوب وعبد الله، عن نافع به، ثم قال: تابعه عبد الوهاب عن أيوب (١). وهذِه المتابعة ذكرها مسلم (٢)، عن ابن مثنى، عن عبد الوهاب به (٣).
ثانيها:
معنى الحديث: صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة، واعترض الإسماعيلي فقال: الحديث دال على النهي عن الصلاة في القبر لا في المقابر؛ ولا طائل فيما قاله. واعترض ابن التين أيضا فقال: تأول البخاري هذا على المنع منها في المقابر وأُخِذَ عليه في هذا التأويل، وذلك أن جماعة تأولوا الحديث على أنه

-----------------
(١) سيأتي برقم (١١٨٧) كتاب: التهجد.
(٢) في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: أبو داود وابن ماجه من طريق يحيى القطان عن عبيد الله.
(٣) مسلم (٧٧٧/ ٢٠٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.



- ﷺ - ندب إلى الصلاة في البيوت؛ إذ الموتى لا يصلون في قبورهم، فقال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم، وهي القبور، فأما جواز الصلاة في المقابر والمنع منه، فليس في الحديث ما يوجد منه ذلك وبنحوه، ذكره ابن المنير فقال: دل الحديث على الفرق بين البيت والقبر، فأمر بالصلاة في البيت وأن لا تجعل كالمقبرة، فأفهم أن المقبرة ليست بمحل صلاة، وفيه نظر من حيث أن المراد بقوله «لا تتخذوها قبورًا» لا تكونوا فيها كالأموات في القبور انقطعت عليهم الأعمال وارتفعت التكاليف، وهو غير متعرض لصلاة الأحياء في ظواهر المقابر؛ ولهذا قال: «ولا تتخذوها قبورًا» ولم يقل مقابر؛ لأن القبر هو الحفرة التي يستر بها الميت، والمقابر اسم للمكان المشتمل على الحفرة وما ضمت (١).
وقال ابن المنذر: احتج من كره الصلاة في المقابر بهذا الحديث، فإنه دال على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وللعلماء في معنى الحديث قولان:
أحدهما: أنه ورد في صلاة النافلة دون الفريضة؛ لأنه - ﷺ - قد سن الصلوات في جماعة كما هو مقرر، وتكون (من) هنا زائدة، كأنه قال: اجعلوا صلاتكم النافلة في بيوتكم، كقوله: ما جاءني من أحد، وأنت تريد ما جاءني أحد، وإلى هذا الوجه ذهب البخاري.
وقد روي ما يدل عليه، روى الطبري من حديث عبد الرحمن بن سابط عن أبيه، يرفعه: «نوروا بيوتكم بذكر الله، وكثروا فيها تلاوة القرآن، ولا تتخذوها قبورًا كما اتخذها اليهود والنصارى، فإن البيت

----------------
(١)»المتواري" ص ٨٤ - ٨٥.


الذي يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة، وتدحض عنه الشياطين، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يضيق على أهله، ويقل خيره، وتنفر منه الملائكة، ويحضر فيه الشيطان» (١).
وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا يتطوعون في المسجد، منهم: حذيفة (٢)، والسائب بن يزيد (٣)، والنخعي (٤)، والربيع بن خثيم (٥)، وسويد بن غفلة (٦).
والثاني: أنه ورد في صلاة الفريضة، ليقتدي به من لا يستطيع الخروج إلى المسجد ممن يلزمه تعليمهم، وتكون (من) هنا للتبعيض، ومن صلى في بيته جماعة فقد أصاب سنة الجماعة وفضلها. روى حماد عن إبراهيم قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة لهما التضعيف خمسًا وعشرين درجة (٧).
وروي أن أحمد بن حنبل وإسحاق وعلي بن المديني أجمعوا في دار أحمد فسمعوا النداء، فقال أحدهم: اخرج بنا إلى المسجد، فقال أحمد: خروجنا إنما هو للجماعة، ونحن في جماعة، فأقاموا الصلاة، وصلوا في البيت.

---------------------
(١) لم أقف عليه، وإنما وجدته من حديث أبي هريرة وأنس معًا برواية الديلمي عن أبي نعيم معلقًا كما في «الفردوس بمأثور الخطاب» ٤/ ٢٤٥ (٦٧٢٥)، وذكره الهندي في «كنز العمال» ١٥/ ٣٩٤ (٤١٥٢٦)، وعزاه لأبي نعيم من حديث أنس وأبي هريرة معًا. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٦٩٥).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٢ (٦٣٦٣).
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٦٣٦٢).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٦٣٦٤).
(٥) رواه عبد الرزاق ٣/ ٧١ (٤٨٤٠)، وابن أبي شيبة ٢/ ٥٢ (٦٣٦٥).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٣ (٦٣٦٨).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٦٥ (٨٨١٢).



وقد اختلف العلماء في الصلاة في المقبرة، فروي عن عمر (١) وعلي (٢) وابن عباس (٣) وابن عمر (٤) أنهم كرهوا الصلاة فيها، وروي عن عطاء (٥) والنخعي (٦)، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والشافعي (٧)، واختلف فيها عن مالك، فقال مرة: لا أحبها، وقال مرة: لا بأس بها (٨).
وكل من كره الصلاة من هؤلاء لا يرى على من صلى فيها إعادة، وقال أحمد وأهل الظاهر: لا يجوز الصلاة فيها (٩)، وقد روي حديث: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (١٠)، ولا عبرة بما طعن فيه

--------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٥ (٧٥٧٤ - ٧٥٧٥)، والبيهقي ٢/ ٤٣٥، وقد سبق تخريجه.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٦ (٧٥٨٨)، وقد سبق.
(٣) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٠٥ (١٥٨٤ - ١٥٨٥)، وقد سبق.
(٤) ما وقفت عليه لعبد الله بن عمرو وليس ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٥ (٧٥٧٦).
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٠٤ (١٥٧٩ - ١٥٨٠).
(٦) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٠٥ (١٥٨٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ١٥٦ (٧٥٨١) بلفظ: عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون ثلاث أبيات للقبلة: الحش، والمقبرة، والحمام.
(٧) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١١٥، «الأم» ١/ ٩٢، «روضة الطالبين» ١/ ٢٧٩.
(٨) «المدونة» ١/ ٩٠، «التفريع» ١/ ٢٦٧.
(٩) «المغني» ٢/ ٤٦٨، «المحلى» ٤/ ٢٨.
(١٠) رواه من حديث أبي سعيد الخدري أبو داود (٤٩٢)، والترمذي (٣١٧).
وابن ماجه (٧٤٥)، وأحمد ٣/ ١٣، الدارمي ٢/ ٨٧٤ (١٤٣٠)، وصححه ابن خزيمة ٢/ ٧ (٧٩١ - ٧٩٢)، وابن حبان ٤/ ٥٩٨ (١٦٩٩)، والحاكم ١/ ٢٥١.
وقال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب، روى سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -: مرسلًا. ورواه حماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -. ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -. ولم يذكر فيه عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ -. وكان رواية الثوري عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - أثبت وأصح مرسلًا. انتهى كلام الترمذي. =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= ورواه ابن حزم ٤/ ٢٧، والبيهقي ٢/ ٤٣٤. وقال: حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولًا وليس بشيء، وحديث حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على وصله عبد الواحد بن زياد والدراوردي. اهـ. وساق هذِه الطرق.
وعلق ابن التركماني على قول البيهقي: (وقد روي موصولًا وليس بشيء). قال: إذا وصله ابن سلمة وتوبع على وصله من هذِه الأوجه فهو زيادة ثقة، فلا أدري ما وجه قول البيهقي: (وليس بشيء).
وقال ابن حجر في «النكت الظراف» (٤٤٠٦): التحقيق أن رواية الثوري ليس فيها (عن أبي سعيد). قلت: يؤيد ذلك رواية يزيد، عن سفيان عند أحمد ٣/ ٨٣.
وفصل القول في هذا الحديث العلامة أحمد شاكر في تعليقه على قول الترمذي عقب روايته للحديث حيث قال: وخلاصة القول في هذا الحديث: أن الترمذي يحكم عليه بالاضطراب من جهة إسناده، ويعلله من جهة متنه بالحديث الآخر الصحيح: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». أما هذا التعليل فإنه غير جيد؛ لأن الخاص -وهو حديث أبي سعيد- مقدم على العام ولا ينافيه، بل يدل على إرادة استثناء المقبرة والحمام.
وأما الإسناد فإنه قد اختلف فيه، فرواه بعضهم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، مرسلًا، ورواه بعضهم عن عمرو، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - موصولًا. فأراد الترمذي أن يشير إلى بعض هذِه الأسانيد، وحكم بأنه مضطرب لهذا.
وتجد أسانيده في «السنن الكبرى» للبيهقي. ورواه ابن حزم في «المحلى». من طريق حماد بن سلمة ومن طريق عبد الواحد بن زياد؛ كلاهما عن عمرو بن يحيى، موصولًا. ورواه الدارمي، والحاكم، والشافعي في «الأم»، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، مرسلًا. ورواه أيضًا البيهقي من طريق يزيد بن هارون، عن الثوري، موصولًا.
ثم قال: (حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولًا، وليس بشيء، وحديث حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على وصله عبد الواحد بن زياد والدراوردي).
يعني: عبد العزيز بن محمد. ولا أدري كيف يزعم الترمذي ثم البيهقي أن الثوري رواه مرسلًا في حين أن روايته موصولة أيضًا؟! ثم الذي وصله عن الثوري، هو =



بالإرسال، وانتصر ابن حزم لذلك (١).
وحديث النهي عن الصلاة في سبع مواطن منها (هما) (٢) ضعفه الترمذي وغيره (٣).

-----------------
= يزيد بن هارون، وهو حجة حافظ. وأنا لم أجده مرسلًا من رواية الثوري، إنما رأيته كذلك من رواية سفيان بن عيينة، فلعله اشتبه عليهم سفيان بسفيان!! ثم ماذا يضر في إسناد الحديث أن يرسله الثوري -أو ابن عيينة- إذا كان مرويًّا بأسانيد أخرى صحاح موصولة، المفهوم في مثل هذا أن يكون المرسل شاهدًا للمسند ومؤيدًا له.
وقد ورد من طريق أخرى ترفع الشك، وتؤيد من رواه موصولًا، وهي في «المستدرك» للحاكم من طريق بشر بن المفضل: (ثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن عمارة الأنصاري -وهو والد عمرو بن يحيى- عن أبي سعيد الخدري) مرفوعًا، ولذلك قال الحاكم بعد أن رواه بهذِه الطريق ومن طريق عبد الواحد بن زياد والدراوردي؛ كلهم عن عمرو، عن أبيه: (هذِه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم). ووافقه الذهبي، وقد صدقا.
ثم أن رواية سفيان بن عيينة المرسلة، ليس قولًا واحدًا بالإرسال، بل هي تدل على أنهم كانوا يروونه تارة بالإرسال وتارة بالوصل؛ لأن الشافعي بعد أن رواه عنه مرسلًا قال: وجدت هذا الحديث في كتابي في موضعين: أحدهما: منقطع، والآخر: عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -. وهذا عندي قوة للحديث، لا علة له. ثم قال الشافعي في معنى الحديث: وبهذا نقول، ومعقول أنه كما جاء في الحديث، ولو لم يبينه؛ لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة؛ لأن المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم، وذلك ميتة. وأن الحمام ما كان مدخولًا-: يجري عليه البول والدم والأنجاس.
(١) انظر: «المحلى» ٤/ ٢٨ - ٢٩.
(٢) أي: المقبرة والحمام.
(٣) رواه من حديث ابن عمر الترمذي (٣٤٦، ٣٤٧)، وابن ماجه (٧٤٦)، وعبد بن حميد (٧٦٣). وقال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي. ورواه من حديث عمر بن الخطاب ابن ماجه (٧٤٧).



وحجة من أجاز عموم الحديث الصحيح: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركتك الصلاة فصلِّ» (١).
قال مالك: وبلغني أن بعض الصحابة كان يصلي في المقابر (٢).
وحكى ابن المنذر أن واثلة بن الأسقع كان يصلي فيها غير أنه لا يستتر بقبر (٣)، وصلى الحسن البصري في المقابر (٤).

------------------
= قال ابن حجر في «التلخيص» ١/ ٢١٥ (٣٢٠): في سند الترمذي زيد بن جبيرة، وهو ضعيف جدًّا، وفي سند ابن ماجه عبد الله بن صالح، وعبد الله بن عمر العمري المذكور في سنده ضعيف أيضًا، ووقع في بعض النسخ بسقوط عبد الله بن عمر بين الليث ونافع، فصار ظاهر الصحة، وقال ابن أبي حاتم في «العلل» عن أبيه: هما جميعًا واهيان، وصححه ابن السكن وإمام الحرمين. اهـ. وضعفه الألباني في «الإرواء» (٢٨٧).
(١) سبق تخريجه.
(٢) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٥.
(٣) «المدونة» ١/ ٩٠.
(٤) «الأوسط» ٢/ ١٨٥، ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٦ (٧٥٨٤) عن يونس عنه في الرجل تدركه الصلاة في المقابر. قال الحسن: يصلي.



٥٣ - باب الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيَّا - رضي الله عنه - كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ.

٤٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هؤلاء المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ». [٣٣٨٠، ٣٣٨١، ٤٤١٩، ٤٤٢٠، ٤٧٠٢ - مسلم: ٢٩٨٠ - فتح: ١/ ٥٣٠]
هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا سفيان، ثنا عبد الله بن شريك، عن عبد الله بن أبي المحل العامري قال: كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل، فلم يصل حتى أجازه (١)، وعن حجر بن عنبس الحضرمي، عن علي قال: ما كنت لأصلي في أرض خسف الله تعالى بها ثلاث مرار (٢).

-------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٥٤ (٧٥٥٧) ووقع في المطبوع منه: إسقاط وكيع في الموضع الأول، ولفظه: حدثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن شريك، عن ابن أبي المحل أن عليًّا مرَّ بجانب من بابل فلم يصلِّ بها.
وفي الموضع الآخر بإسقاط عبد الله بن شريك برقم (٧٥٥٦)، ولفظه: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي المحل، عن عليّ أنه كره الصلاة في الخسوف. ورواه عبد الرزاق ١/ ٤١٥ (١٦٢٣) بلفظ أقرب إلى لفظ المصنف، ولفظه: مررنا مع عليٍّ بالخسف الذي ببابل، فكره أن يصلِّي فيه حتى جاوزه.
(٢) لم أقف عليه مسندًا متصلًا، وما حكاه البيهقي بلفظ المصنف ٢/ ٤٥١، ورواه ابن عبد البر معلقًا وحسنه في «التمهيد» ٥/ ٢٢٤، قال: رواه أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي، قال: حدثني أبو العنبس حجر بن عنبس، قال: خرجنا مع عليّ إلى الحرورية فلما جاوزنا سورًا وقع بأرض بابل، قلنا: يا أمير المؤمنين، أمسيت، الصلاة، الصلاة، فأبى أن يكلم أحدًا، قالوا: يا أمير المؤمنين، أليس قد أمسيت؟ قال: بلى، ولكني لا أصلي في أرض خسف الله بها. وحسنه أيضًا ابن حجر في «تغليق التعليق» ٢/ ٢٣١.



قال البيهقي: وهذا النهي إن ثبت مرفوعًا، فليس لمعنى يرجع إلى الصلاة؛ إذ لو صلى فيها لم يعد، وإنما هو كما جاء في قصة الحجر (١).
ورواه أبو داود من حديث أبي صالح الغفاري -واسمه سعيد بن عبد الرحمن- أن عليًّا مر ببابل، وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر فلما برز منها أمر المؤذن فأقام، فلما فرغ من الصلاة قال: إن حبيبي - ﷺ - نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة (٢)، وهو حديث واهٍ، قال ابن يونس: ما أظن أن أبا صالح سمع من علي، وقال عبد الحق: حديث واه (٣).
وقال ابن القطان: في سنده رجال لا يعرفون (٤). وقال البيهقي في «المعرفة»: إسناده غير قوي (٥).
وقال الخطابي: في سنده مقال، ولا أعلم أحدًا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح، وهو قوله - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدًا» (٦).
ويشبه -إن ثبت الحديث- أن يكون نهاه أن يتخذها وطنًا ومقامًا، كانه إذا أقام بها كانت صلاته فيها، وهذا من باب التعليق في علم البيان، ولعل النهي له خاصة، ألا تراه قال: نهاني، ولعل ذلك إنذار منه مما لقي من المحنة بالكوفة، وهي من أرض بابل (٧).

-----------------
(١) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٥١.
(٢) «سنن أبي داود» (٤٩٠ - ٤٩١). قال ابن حجر في «الفتح» ١/ ٥٣٠: في إسناده ضعف. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٧٦ - ٧٧).
(٣) «الأحكام الوسطى» ١/ ٢٨٩.
(٤) «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ١٤٥ - ١٤٨ (٨٥٥).
(٥) «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٤٠٢.
(٦) سبق تخريجه في شرح حديث (٤٢٦).
(٧) «معالم السنن» ١/ ١٢٧.



فائدة:
بابل بالعراق مدينة السحر والخمر معروفة، قاله البكري، ونقل عن أصحاب الأخبار أنه بناها النمروذ الخاطئ النذل ببابل طوله في السماء خمسة آلاف ذراع، وهو البنيان الذي ذكره الله في كتابه العزيز بقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ الآية، وبات الناس ولسانهم سرياني، فأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لسانًا كل يتبلبل بلسانه، فسميت بابل. وذكر الهمذاني أن سنان بن عمران العمليقي أول الفراعنة تملك في الإقليم الأوسط في حصنه المشترى، وولايته وسلطانه بأرض السواد، واشتق اسم موضعه من اسم المشتري، وبابل باللسان الأول ترجمة المشتري بالمعجمة قال: وربما سموا العراق بابلًا (١).
وقال الأخفش فيما نقله الصاغاني: وبابل لا ينصرف لتأنيثه؛ وذلك أن كل اسم مؤنث إذا كان أكثر من ثلاثة أحرف فإنه لا ينصرف في اللغة وقال الحازمي: قيل لأبي يعقوب الإسرائيلي: -وكان قد قرأ الكتب- ما بال بغداد لا نرى فيها إلا مستعجلًا قال: إنها قطعة من أرض بابل فهي تبلبل أهلها.
ثم قال البخاري:
حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هؤلاء المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ».

------------------
(١) «معجم ما استعجم» ١/ ٢١٩. وانظر: «معجم البلدان» ١/ ٣٠٩ - ٣١١.


الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في المغازي في باب نزول النبي - ﷺ - الحجر (١)، وقد أخذ على البخاري في قوله: (نزوله - ﷺ - في الحجر)، وفي «الصحيح»: مر به مسرعًا، كما ستعلمه هناك (٢)، وأخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء (٣)، والتفسير (٤)، وأخرجه مسلم في أواخر كتابه (٥) (٦).
ثانيها:
هذا القول قاله لما مر بالحجر كما جاء في بعض الروايات في البخاري في المغازي (٧)، وكان ذلك في طريقه إلى تبوك في رجب سنة تسع من الهجرة، وقال هنا: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين» وفي أخرى: «على هؤلاء القوم» (٨). وفي أخرى: «هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم» (٩).
وإنما قال هنا: «لا تدخلوا» من جهة ذلك التشاؤم بتلك البقعة التي
نزل بها السخط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ

------------------
(١) سيأتي برقم (٤٤١٩ - ٤٤٢٠).
(٢) سيأتي برقم (٤٤١٩).
(٣) سيأتي برقم (٣٣٨٠ - ٣٣٨١، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾.
(٤) سيأتي برقم (٤٧٠٢) باب: قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾.
(٥) في هامش (س): من خط الشيخ: ذكره النسائي في التفسير وأهمله ابن عساكر.
(٦) مسلم (٢٩٨٠) كتاب: الزهد والرقائق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين.
(٧) سيأتي برقم (٤٤١٩).
(٨) ستأتي برقم (٤٧٠٢)، ورواها مسلم (٢٩٨٠).
(٩) ستأتي برقم (٣٣٨٠، ٣٣٨١، ٤٤١٩، ورواها مسلم (٢٩٨٠/ ٣٩).



الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية؛ فوبخهم الله تعالى على ذلك، وكذلك تشاءم - ﷺ - بالبقعة، التي نام فيها عن الصلاة ورحل عنها، ثم صلى، فكراهته الصلاة في موضع الخسف أولى، إلا أن إباحته - ﷺ - الدخول بها على وجه البكاء والاعتبار يدل على أن من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأن الصلاة موضع بكاء وتضرع وخشوع واعتبار، فإن صلى هناك غير باك لم تبطل صلاته.
وزعم بعض أهل الظاهر أن من صلى في الحجر -بلاد ثمود- وهو غير باك فعليه سجود السهو إن كان ساهيا، وإن تعمد ذلك بطلت صلاته، وكذا من صلى في موضع مسجد الضرار، وهذا خلف من القول الأول لاحقا بسقوطه إن كان لا يجوز عنده فيه صلاة من تعمد ترك البكاء، فكيف أجاز صلاة الساهي بعد سجود السهو؟ وإسقاطُ الواجبات لا يجبر بسجود السهو عند العلماء، وهو تخليط منه، فقد بين الشارع في الحديث معنى نهيه عن دخول مواضع الخسف لغير الباكي، وهو: «لا يصيبكم مثل ما أصابهم» وليس في هذا ما يدل على فساد صلاة من لم يبك، وإنما فيه خوف نزول العذاب، وتسويته بين الصلاة في موضع مسجد الضرار بالصلاة في موضع الخسف ليس في الحديث، وهو قياس فاسد منه، وهو لا يقول بالقياس فقد تناقض.
ثالثها:
قوله: «إلا أن تكونوا باكين» أمرهم به؛ لأنه ينشأ عن التفكر، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء، والتفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل ذلك المقام ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: تفكر يتعلق بالله -عز وجل- إذ قضى على أولئك بالكفر.


ثانيها: يتعلق بأولئك القوم إذ بارزوا ربهم بالكفر والعناد.
ثالثها: يتعلق بالمار عليهم إذ لأنه وفق للإيمان قبل الوجود.
ومن الأول: خوف تقليبه القلوب فربما جعل مآل المؤمن إلى الكفر، ومنه: إمهال الكفار على كفرهم مدة، ومنه: شدة نقمته، وقوة عذابه، ومن الثاني: إهمالهم إعمال العقول في طاعة الخالق ومبارزتهم بالعناد والمخالفة -كما مرَّ- وفوات أمرهم حتى لا وجه للاستدراك حتى إن لعنتهم وعقوبتهم أثرت في المكان والماء فقال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم»، وأن يهريقوا ما استقوا من ماء ثمود، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.
ومن الثالث: توفيقه للإيمان -كما مرَّ- واعتباره بالجنس وتمكنه من الاستدراك، ومسامحته في الزلل إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب البكاء؛ نبه على ذلك ابن الجوزي، فمن مر على مثل أولئك، ولم يتفكر فيما يوجب البكاء شابههم في إهمالهم التفكر فلم يؤمن عليه نزول العقاب.
رابعها:
قوله: «لا يصيبكم ما أصابهم» وفي رواية أخرى: «أن يصيبكم» (١) بفتح الهمزة.
وفيه: إضمار تقديره حذرًا أن يصيبكم أو خشية أن يصيبكم.
وفيه: الحث على المراقبة عند المرور بديار الظالمين، ومواضعها،
والإسراع فيها كما فعل - ﷺ - في وادي محسر؛ لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك.

-------------------
(١) ستأتي في بقية روايات «الصحيح».


٥٤ - باب الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ
وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ التِي فِيهَا الصُّوَرَ. وَكَانَ ابن عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي البِيعَةِ إِلَّا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثيلُ.

٤٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَة، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الَحبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ -أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ- بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ». [انظر: ٤٢٧ - مسلم: ٥٢٨ - فتح: ١/ ٥٣١]
أما أثر عمر فلا يحضرني من أسنده (١)، وإنما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه»عن سهل بن سعد (٢)، عن حميد، عن بكر قال: كتب إليَّ عمر من نجران أنهم لم يجدوا مكانًا أنظف ولا أجود من بيعة، فكتب: انضحوها بماء وسدر وصلوا (٣).
وأما أثر ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة من طريق خُصَيْف -وهو متكلم فيه- عن مقسم، عن ابن عباس أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تصاوير والبيعة للنصارى كالكنائس، وقيل: اليهود (٤).

------------------
(١) رواه عبد الرزاق ١/ ٤١١ - ٤١٢ (١٦١٠ - ١٦١١) من طريق أسلم مولى عمر، قال: لما قدم عمر الشام صنع له رجل من عُظماء النصارى طعامًا ودعاه، فقال عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من الصور التي فيها. يعني التماثيل. ورواه أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٩٣.
(٢) في المطبوع من «مصنف ابن أبي شيبة»: سهل بن يوسف.
(٣) ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٣ (٤٨٦١).
(٤) ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٣ (٤٨٦٧)، ورواه عبد الرزاق ١/ ٤١١ (١٦٠٨). وأثر ابن عباس: أنه كان يصلي في البيعة … وصله البغوي في «مسند ابن الجعد» (٢٣٥٣). =



وعبارة «المحكم»: البيعة -بكسر الباء: صومعة الراهب كنيسة النصارى (١).
ثم ساق البخاري حديث عائشة، وفي آخره: «أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ».
وقد سلف في باب نبش قبور مشركي الجاهلية بما فيه (٢)، وشيخ البخاري فيه: محمد بن سلام كما صرح به أبو نعيم وغيره.
واختلف العلماء في الصلاة في البيع والكنائس، فكره عمر وابن عباس الصلاة فيها من أجل الصور (٣).
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: انضحوها بماء وسدر وصلوا (٤). كما سلف، وهو قول مالك، ذكره إسماعيل بن إسحاق عن مالك قال: أكره الصلاة في الكنائس، لما يصيب فيها أهلها من لحم الخنازير والخمور وقلة احتفاظهم من النجس إلا أن يضطر إلى ذلك من شدة طين أو مطر إلا أن يتيقن أنه لم يصبها نجس (٥)، وكره الصلاة فيها الحسن (٦).
وأجاز الصلاة فيها النخعي (٧) والشعبي (٨) وعطاء (٩) وابن سيرين (١٠)،

-----------------
= وزاد فيه: «فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى في المطر».
(١) «المحكم» ٢/ ١٨٩.
(٢) سلف قريبًا برقم (٤٢٧).
(٣) انظر: «المغني» ٢/ ٤٧٨.
(٤) انظر التخريجين قبل السابق.
(٥) «المدونة» ١/ ٩٠.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٣ (٤٨٦٦).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٣ (٤٨٦٤).
(٨) السابق (٤٨٦٢).
(٩) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٣ (٤٨٦٣).
(١٠) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٣ (٤٨٦٥، ٤٨٦٦).



ورواية عن الحسن (١)، وهو قول الأوزاعي، وصلى أبو موسى الأشعري في كنيسة (يُحنَّا) (٢) بالشام (٣).
قال المهلب: وهذا الباب غير معارض للباب السالف: من صلى وقدامه نار أو تنور، وهو قول عمر وابن عباس: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور، وإنما ذلك على الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعو إليه، والاختيار أن لا يبتدى فيها الصلاة، ولا إلى شيء من معبودات الكفار، ألا ترى أنه - عليه السلام - عينت له النار في صلاة الخسوف، ولم يبتد الصلاة إليها وتمت صلاته (٤).

---------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٣ (٤٨٦٢).
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٢٤ (٤٨٧١)، و«الأوسط» لابن المنذر ٢/ ١٩٤: نحيا.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٤ (٤٨٧١)، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٩٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٨٩.



٥٥ - باب
٤٣٥، ٤٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسوُلِ اللهِ - ﷺ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهْوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصارى اتَخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. [١٣٣٠، ١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٣٤٥٤، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٤٤٤٤، ٥٨١٥، ٥٨١٦ - مسلم: ٥٣١، ٥٢٩ - فتح: ١/ ٥٣٢]

٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». [مسلم: ٥٣٠ - فتح: ١/ ٥٣٢]
لم يذكر له ترجمة، وهو نحو الباب قبله.
ساق فيه حديث عائشة وابن عباس: لَمَّا نُزِل بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةَ لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهْوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله في ذكر بني إسرائيل (١)، واللباس (٢) والمغازي (٣)، وأخرجه مسلم هنا (٤).

------------
(١) سيأتي برقم (٣٤٥٣، ٣٤٥٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٢) سيأتي برقم (٥٨١٥، ٥٨١٦)، باب: الأكيسة والخمائص.
(٣) سيأتي برقم (٤٤٤١) عن عائشة فقط، وبرقم (٤٤٤٣، ٤٤٤٤) عن عائشة وابن
عباس، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته.
(٤) مسلم (٥٢٩) عن عائشة فقط، وبرقم (٥٣١) عن عائشة وابن عباس، كتاب: =



وقوله: (لما نزل) هو بضم النون وكسر الزاي قبل ملك الموت والملائكة الكرام.
و(طفق) بكسر الفاء أفصح من فتحها، أي: جعل و(الخميصة) (١) سلف بيانها فيما مضى.
ثم ساق البخاري حديث أبي هريرة مرفوعًا: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ اتَخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
وقد أخرجه مسلم أيضا (٢)، وفي بعض الطرق عن مالك: «لعن الله اليهود والنصارى» (٣).

----------------
= المساجد، باب: النهي عن بناء المسجد على القبور واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد.
(١) الخميصة: كساء أسود مُربَّع له عَلَمَان، فإن لم يكن مُعلمًا فليس بخميصة. انظر: «الصحاح» ٣/ ١٠٣٨، «لسان العرب» ٣/ ١٢٦٦، مادة: خمص.
(٢) مسلم (٥٣٠) كتاب: المساجد، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور …
(٣) رواه أحمد ٢/ ٥١٨.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #142  
قديم 26-01-2026, 06:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 507 الى صـــ 526
الحلقة (142)






٥٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»
٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ -هُوَ أَبُو الَحكَمِ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الفَقِيرُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». [انظر: ٣٣٥ - مسلم: ٥٢١ - فتح: ١/ ٥٣٣]
ثم ساق حديث (جابر) (١): «أعطيت خمسًا».
وقد سلف في التيمم واضحًا (٢).
وهو دال على أن الأبواب السالفة الكراهة فيها ليس على المنع؛ لأن الأرض كلها مباحة الصلاة فيها بكونها له مسجدًا، قد دخل في عمومها الكنائس وغيرها مما سلف إذا كانت طاهرة، فالاختيار أن لا يبدأ بهذِه المواضع المكروهة إلا عن ضرورة فهو أخلص للصلاة، وأنزه لها من الخواطر.

-----------------
(١) في (س): أبي هريرة، وهو وهم، والصواب ما أثبتناه.
(٢) سلف أول كتاب التيمم برقم (٣٣٥).



٥٧ - باب نَوْمِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٣٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ وَليدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لَحِيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ -أَوْ وَقَعَ مِنْهَا- فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لْحَمًا فَخَطَفَتهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: والله إنِي لَقَائِمَة مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الُحدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قَالَتْ: فَقُلْتُ: هذا الذِي اَتَّهَمْتُمُونِي بِهِ -زَعَمْتُمْ- وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هوَ. قَالَتْ: فَجَاءَت إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَة: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الَمسْجِدِ -أَوْ حِفْشٌ- قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي -قَالَتْ- فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا إِلَّا قَالَتْ: وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هذا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بهذا الحَدِيثِ [٣٨٣٥ - فتح: ١/ ٥٣٣]
ذكر فيه حديث عائشة أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا .. الحديث.
وفي آخره:
وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ تعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ نَجَّانِي
وقد أخرجه في أيام الجاهلية أيضا (١).

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٨٣٥) كتاب: مناقب الأنصار.


والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
الوليدة: الطفلة، وقد يطلق على الجارية والأمة، وإن كانت كبيرة، قال في «المخصص»: إذا ولد المولود فهو وليد ساعة ولده، والأنثى وليدة (١). وفي «المحكم»: والجمع ولدان (٢). هذِه كانت امرأة كبيرة مسلمة كما ذكره في الحديث.
ثانيها:
(فخرجت صَبِيَّة) وفي رواية: (جويرية عليها وشاح أحمر من سيور) (٣) هو بكسر الواو يقال بالهمز على البدل؛ ينسج من أديم (عريض) (٤)، ويرصع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقها، وكشحها قاله الجوهري (٥)، وعبارة «المحكم»: هو كرسان من لؤلؤ وجوهر منظومان مخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر (٦).
وقال في «المخصص» عن الفارسي: الوشاح من وسط إلى أسفل، قال: ولا يكون وشاحًا حتى يكون منظومًا بلؤلؤ، وودع (٧).

-------------------
(١) «المخصص» ١/ ٥٦. قاله نقلًا عن صاحب «العين».
(٢) «المحكم» ١٠/ ١٣١، مادة: ولد.
(٣) سيأتي برقم (٣٨٣٥) ولفظه: خرجت جويرية لبعض أهلي وعليها وشاح من أدَم.
ورواه ابن خزيمة ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (١٣٣٢) ولفظه: فخرجت صبية لهم يومًا عليها وشاح من سُيور حمر. وابن حبان ٤/ ٥٣٥ - ٥٣٧ (١٦٥٥) ولفظه: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور. فلم أقف على رواية أوردت نفس لفظ المصنف.
(٤) كذا في الأصل، بالجر على أنها نعت لأديم وفي «الصحاح»: عريضًا، بالنصب على أنها حال، ولعل الأخير هو المناسب للسياق.
(٥) «الصحاح» ١/ ٤١٥ مادة: وشح.
(٦) «المحكم» ٣/ ٣٦٠، مادة: وشح.
(٧) «المخصص» ١/ ٤٠١.



وفي موضع من «المنتهى»: وقالت امرأة من العرب:
ويوم السخاب من تعاجيب ربنا … إلا إنه من بلدة السوء نجاني
قال: وهي امرأة دخلت العراق فاتهمها قوم بعقد ذهب وأنكرت (١) هي، فبينا هم كذلك إذ مر طائر فألقاه.
وقولها: (من سيور) هو جمع سير وهو الشراك يعد من الجلد.
ثالثها:
قولها: (فمرت حُدَيَّاة) هو تصغير حدَأَة كعنبة، والجماعة حِدَأ كعنب، وهو هذا الطائر المعروف، وجمعها: حِدائى، بالقصر (٢)، وقال الداودي: الحديا: الحدأة، قال ابن التين: والصحيح أنه تصغير حدأة، ولعل الكاتب صور الهمزة ألفا، وإن كان من حقها أن لا تصور ألفا؛ لأنها همزة مفتوحة، قبلها ساكن، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وإن كان سهل الهمز فحقه أن تكون حدية بغير ألف، قال: ورويناه بتشديد الياء، وإثبات الألف.
رابعها:
قوله: (فخطفته) هو بكسر الطاء، وفي أخرى فتحها.
و(الخباء) بكسر الخاء والمد: من بيوت العرب يكون من وبر وصوف، قال أبو عبيد: ولا يكون من شعر فيما حكاه في «المخصص» عنه (٣).

-----------------
(١) في الأصل (وأقرت)، والمثبت هو الصواب.
(٢) انظر: «الصحاح» ١/ ٤٣، «لسان العرب» ٢/ ٧٩٤، مادة: حدأ.
(٣) «المخصص» ٢/ ٥.



و(الحِفْشُ) بالحاء المهملة؛ قال أبو عبيد: هو البيت الصغير الرديء، وقيل: الخرب، وعن الشافعي: القريب السَّمْك يسمى به؛ لضيقه، والحفش الانضمام والاجتماع، وهو بفتح الحاء وكسرها، وإسكان الفاء وفتحها (١).
قال في «المخصص»: وهو من الشعر لا من الآجر (٢).
و(التعاجيب) لا واحد لها، وهي الشيء العجيب.
خامسها: في فوائده:
فيه: أن من ليس له مسكن ولا مكان مبيت مباح؛ له المبيت في المسجد، واصطناع الخيمة وشبهها للمسكن، امرأة كانت أو رجلا.
وفيه: أن السنة الخروج عن بلد جرت على الخارج منه فتنة أو ذلة إلى ما اتسع من أرض الله، فإن له في ذلك خيرة كما جرى لهذِه السوداء، أخرجتها فتنة الوشاح إلى بلاد الإسلام، ورؤية محمد سيد الأنام، قال تعالى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وقد تمثلت بهذا المعنى في البيت الشعر الذي أنشدته، فجعلت المحنة والذلة في يوم الوشاح هما اللذين أنجياها من الكفر، إذ كانا سبب ذلك (٣).

------------------
(١) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٤٠٧، «الصحاح» ٣/ ١٠٠٢، «لسان العرب» ٢/ ٩٢٧ - ٩٢٨، مادة: (حفش).
(٢) «المخصص» ٢/ ٥.
(٣) ورد بهامش (س) تعليق نصه: بلغ في الثاني بعد الستين كتبه مؤلفه.



٥٨ - باب نَوْمِ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ
وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فكَانُوا فِي الصُّفَّةِ. [انظر: ٢٣٣] وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ الفُقَرَاءَ.

٤٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، أَنَّة كَانَ يَنَامُ وَهْوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَة فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [١٢١١، ١١٥٦، ٣٧٣٨، ٣٧٤٠، ٧٠١٥، ٧٠٢٨، ٧٠٣٠ - مسلم: ٢٤٧٩ - فتح ١/ ٥٣٥]

٤٤١ - حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بن أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي البَيْتِ، فَقَالَ: «أَيْنَ ابن عَمَّكِ؟». قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لإِنْسَانِ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟». فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ فِي الَمسْجِدِ رَاقِدٌ. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهْوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ». [٣٧٠٣، ٦٢٠٤، ٦٢٨٠ - مسلم: ٢٤٠٩ - فتح: ١/ ٥٣٥]

٤٤٢ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَينِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرى عَوْرَتُهُ. [فتح: ١/ ٥٣٦]
ذكر فيه حديثين معلقين، وثلاثة أحاديث مسندة فقال:
وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ.


وهذا التعليق قد أسلفه مسندا في كتاب الطهارة (١)، وذكره في المحاربين أيضًا (٢).
و(أبو قلابة) هو: عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي (٣).
ثم قال: وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ الفُقَرَاءَ.
وهذا مختصر من حديث يأتي -إن شاء الله- في الصلاة في باب السمر مع الأهل والضيف (٤).
و(عبد الرحمن) هذا هو ابن الصديق رضي الله عنهما.
ثم ساق بإسناده عن ابن عمر: كَانَ يَنَامُ وَهْوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
ويأتي -إن شاء الله- في صلاة الليل وغيره (٥).

------------------
(١) سلف برقم (٢٣٣) كتاب: الوضوء، باب: أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها.
(٢) سيأتي برقم (٦٨٠٢) كتاب: الحدود، باب: المحاربين من أهل الكفر والردة، وبرقم (٦٨٠٣) باب: لم يحسم النبي - ﷺ - المحاربين من أهل الردة حتى هلكوا، وبرقم (٦٨٠٤) باب: لم يُسْقَ المرتدون المحاربون حتى ماتوا، وبرقم (٦٨٠٥) باب: سَمْر النبي - ﷺ - أعين المحاربين.
(٣) سبقت ترجمته في حديث (١٦).
(٤) سيأتي برقم (٦٠٢) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٥) سيأتي برقم (١١٢١) كتاب: التهجد، باب: فضل قيام الليل، وبرقم (١١٥٦) باب: فضل من تعارَّ من الليل فصلَّى، وبرقم (٣٧٣٨، ٣٧٤٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وبرقم (٧٠٣٥) كتاب: التعبير، باب: الإستبرق ودخول الجنة في المنام، برقم (٧٠٢٨) باب: الأمن وذهاب الروع في المنام.



وقوله: (أعزب) هكذا في روايتنا، وفي أخرى: (عزب) (١)، ولعله أصوب، فقد أنكر الأولى القزاز في «جامعه» فقال: ولا يقال: أعزب، وهو من لا أهل له، ولا زوج لها، وخطأ الزجاج ثعلبًا في قوله: امرأة عزبة، وإنما هو عزب، ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ لأنه مصدر، وأجاب غيره: بأن من قاله بالهاء فعلى التشبيه بأسماء الصفات، وأصل هذِه المادة البعد (٢).
وترجم البخاري أيضًا على هذا الحديث في أواخر الصلاة: باب فضل قيام الليل، وذكره مطولا، وفيه: وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - ﷺ -، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فقصصتها

------------------
(١) ستأتي برقم (٣٧٣٨).
(٢) وعَزَب عنيِّ فلان يعزُب وَيعْزب: أي بَعُدَ وغاب، وعَزَب عن فلان حلمُه، وأعزب الله. وأعزبت الإبلَ، أي: بعُدت في المرعى لا تَرُوح. العُزَّاب: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء. قال الكسائي: العزب: الذي لا أهل له، والعزبة التي لا زوج لها، والاسم: العُزْبَة والعُزُوبة. يقال: تُعزَّب فلان زمانًا ثم تأهل، المعزابة: الذي طالت عزوبته حتى ما له في الأهل حاجة.
قال أبو عبيد عن الفراء: امرأة عَزَبَة: لا زوج لها. وقال الأزهري: قال ابن بُزُرْج فيما قرأت له بخطّ أبي الهيثم: رجل عَزَب، ورجلان عَزَبان، وقوم أعزاب، وامرأة عَزَبَة، ونسوة عَزَبات، ونساء عُزَّاب: لا أزواج لهنَّ، وإن كان معهنَّ أولادهنّ. وقال النضر: قال المنتجع، يقال: امرأة عَزَبٌ. بغير هاء. قال: ولا تقل: امرأة عَزَبَة.
وأنشد في صفة امرأة جعلها عَزَبًا، بغير هاء:
إذا العَزَب الهَوْجاءُ بالعِطْرِ نافَحَتْ … بَدَتْ شَمْسُ دجية طَلَّةً لم تعطَّر
قال: ولا يقال: رجل أعزب. وأجاز غيره: رجل أعزب. ويقال: إنه لعَزَب لَزَب، وإنها لعَزَبَة لَزَبة. انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٤١٨، «الصحاح» ١/ ١٨٠ - ١٨١، «لسان العرب» ٥/ ٢٩٢٣، مادة: عزب.



على حفصة (١)، فقصتها حفصة على رسول الله - ﷺ - الحديث (٢).
وجعله خلف من مسند ابن عمر، وجعل بعضه من مسند حفصة، وأورده الحميدي في مسند حفصة، وخالفه ابن عساكر فجعله من أجمع مسند ابن عمر (٣)، وإنما لم يعين من عرفهم من أهل النار لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين.
وقوله فيه: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» سببه أن الشارع نظر في حاله فلم يره يغفل شيئًا من الفرائض، وعلم مبيته في المسجد فذكره بذلك، فلو كان يقوم من الليل لم يعرض عليها، ولم يرها، ثم إنه من تلك الرؤيا لم ينم من الليل إلا قليلا.
وقوله فيه: «لم ترع» أي: لا روع عليك، ولا ضرر، وفي «الفضائل» لابن زنجويه -بإسناد جيد- أنه لما ذهب به إلى النار لقيه رجل فقال: دعه، إنه نعم الرجل لو كان يصلي من الليل؛ فقصتها حفصة على رسول الله - ﷺ -، فقال لها: «إن أخاك رجل صالح».
ثم ساق البخاري حديث سهل بن سعد في نوم المسجد.
وحديث أبي هريرة: لقد رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ .. الحديث.
وسيأتي حديث سهل في الاستئذان (٤)، وفضائل علي (٥)، وقد أخرجه مسلم أيضا في الفضائل (٦).

-------------
(١) «الجمع بين الصحيحين» ٤/ ٢٤٢.
(٢) سيأتي برقم (١١٢١ - ١١٢٢) كتاب: التهجد.
(٣) «تاريخ دمشق» ٣١/ ٩٨ - ١٠٠، ١٠٢ - ١٠٣.
(٤) سيأتي برقم (٦٢٨٠) باب: القائلة في المسجد.
(٥) سيأتي برقم (٣٧٠٣) كتاب: فضائل الصحابة.
(٦) مسلم (٢٤٠٩) باب: من فضائل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.



وحاصل الباب جواز سكنى الفقراء في المسجد، وجواز النوم فيه لغير الغرباء، وقد اختلف العلماء في ذلك، فممن رخص في النوم فيه ابن عمر، وقال: كنا نبيت فيه ونقيل على عهد رسول الله - ﷺ - (١).
وعن ابن المسيب (٢) والحسن (٣) وعطاء (٤) وابن سيرين (٥) مثله، وهو قول الشافعي.
واختلف عن ابن عباس، فروي عنه أنه قال: لا تتخذوا المسجد مرقدًا (٦)، وروي عنه أنه قال: إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس (٧).
وقال مالك: لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد، وسهل فيه للضعيف، ولمن لا منزل له، وهو قول أحمد وإسحاق (٨)، قال مالك: وقد كان أضياف النبي - ﷺ - يبيتون في المسجد.
وكره النوم فيه ابن مسعود (٩) وطاوس (١٠) ومجاهد (١١)، وهو قول الأوزاعي، وقول من أجاز النوم فيه للغرباء، وغيرهم أولى لأحاديث

-----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٧ (٤٩١٤).
(٢) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٢١ (١٦٤٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٢٨ (٤٩٢٢).
(٣) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٢٠ (١٦٤٧)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٢٧ (٤٩١٣).
(٤) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٢١ (١٦٥٠ - ١٦٥١)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٢٧.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٧ (٤٩١٢).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٧ (٤٩١٥) بلفظ: قال رجل لابن عباس: إني نمت في المسجد الحرام فاحتلمت، فقال: أما أن تتخذه مبيتًا أو مقيلًا فلا، وأما أن تنام تستريح أو تنتظر حاجة فلا بأس.
(٧) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٢٢ (١٦٥٣).
(٨) انظر: «المنتقى» ١/ ٣١٢، «الآداب الشرعية» لابن مفلح ٣/ ٣٨٤.
(٩) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٢٢ (١٦٥٤)، وابن أبى شيبة ١/ ٤٢٨ (٤٩٢٠).
(١٠) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٤٧ (٤٩١٦).
(١١) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٢١ (١٦٥٢)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٢٧ (٤٩١٦، ٤٩١٨).



الباب، وقد سئل سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم فيه، قالا: كيف تسألون عنها، وقد كان أهل الصفة ينامون فيه (١) وهم قوم كان مسكنهم المسجد.
وذكر الطبري عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان نائمًا فيه ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين (٢).
قال: وقد نام في المسجد جماعة من السلف، فغير محذور الانتفاع به فيما يحل كالأكل والشرب، والجلوس، وشبه النوم من الأعمال، وقال الحربي: الصفة في مسجده موضع مظلل يأوي إليه المساكين.
وفي حديث سهل بن سعد فوائد:
الأولى: جواز التكنية بغير الولد، وأنه - ﷺ - كناه أبا تراب، وفي البخاري في كتاب الاستئذان: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها (٣).
الثانية: مداراة الصهر وتسلية أمره (من عناء به) (٤).
الثالثة: الممازحة للغاضب بالتكنية بغير كنيته إذا كان ذلك لا يغضبه، ولا يكرهه، بل يؤنسه من حرجه.

--------------------
(١) أثر سعيد بن المسيب رواه عبد الرزاق ١/ ٤٢١ (١٦٤٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٢٨ (٤٩٢٢).
وأثر سليمان بن يسار رواه ابن أبى شيبة ١/ ٤٢٧ (٤٩١١).
(٢) ورواه أحمد في «الزهد» ص ١٥٨، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٦٠، وابن عساكر في «تاريخه» ٣٩/ ٢٢٦.
(٣) سيأتي برقم (٦٢٨٠) باب: القائلة في المسجد.
(٤) كذا في الأصل.



الرابعة: أن الملابس كلها يحاول بها ستر العورة، وأنه لا ملبس لمن بدت عورته.
الخامسة: القيلولة في المسجد وأنه لم يَقِلْ عند فاطمة، ونام في المسجد فمعنى (لم يقل عندي): لم ينم وقت القائلة، وهي نوم نصف النهار. وفيه فضيلة ظاهرة لعلي - رضي الله عنه -.


٥٩ - باب الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ. [انظر: ٢٧٥٧]

٤٤٣ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ فِي الَمسْجِدِ -قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ قَالَ ضُحًى- فَقَالَ: «صَل رَكْعَتَيْنِ». وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْن فَقَضَانِي وَزَادَنِي. [١٨٠١، ٢٠٩٧، ٢٣٠٩، ٢٣٨٥، ٢٣٩٤، ٢٤٠٦، ٢٤٧٠، ٢٦٠٣، ٢٦٠٤، ٢٧١٨، ٢٨٦١، ٢٩٦٧، ٣٠٨٧، ٣٠٨٩، ٣٠٩٠، ٤٠٥٢، ٥٠٧٩، ٥٠٨٠، ٥٢٤٣، ٥٢٤٤، ٥٢٤٥، ٥٢٤٦، ٥٢٤٧، ٥٠٦٧، ٦٣٨٧ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ١/ ٥٣٧]
وهذا التعليق ذكره مسندًا في غزوة تبوك مطولا (١).
ثم ساق البخاري حديث جابر: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وهُوَ فِي المَسْجِدِ -قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ قَالَ ضُحًى- فَقَالَ: «صَلِّ رَكعَتَيْنِ». وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي.
وهذا الحديث هو حديث الجمل الذي اشتراه رسول الله - ﷺ - من جابر، وقد ذكره البخاري في سبعة عشر موضعا: هنا، والحج (٢)، والوكالة (٣)، والاستقراض في موضعين (٤)، والشفاعة في وضع الدين (٥)، والهبة (٦)،

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٤٤١٨) كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن مالك.
(٢) سيأتي برقم (١٨٠١) العمرة، باب: لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة.
(٣) سيأتي برقم (٢٣٠٩) باب: إذا وكَّل رجلًا أن يعطي شيئًا ولم يُبِّين كم يعطي، فأعطى على ما يتعارفه الناس.
(٤) سيأتي برقم (٢٣٨٥) باب: من اشترى بالدَّيْن وليس عنده ثمنه أو ليس بحضرته، وبرقم (٢٣٩٤) باب: حسن القضاء.
(٥) سيأتي برقم (٢٤٠٦) كتاب: الاستقراض.
(٦) سيأتي برقم (٢٦٠٣، ٢٦٠٤) باب: الهبة المقبوضة وغير المقبوضة، والمقسومة وغير المقسومة.



والشروط (١)، والجهاد في أربعة مواضع منه (٢) والنكاح في ثلاثة مواضع منه (٣)، والنفقات (٤)، والدعوات (٥).
وقد أوضحتها والكلام عليه في «شرح العمدة» فسارع إليه تجد ما يشفي الغليل مع فائدة بديعة أبداها السهيلي فيه (٦).
وأخرجه مسلم في الصلاة (٧)، والبيوع (٨)، والجهاد (٩)، وأبو داود (١٠)، والنسائي في البيوع (١١).
واختلف الرواة عن جابر في ألفاظه: فمنهم من ساقه بطوله، ومنهم من ساق ذكر التزويج فقط، ومنهم من ساق ذكر الجمل دون ذكر

-------------------
(١) سيأتي برقم (٢٧١٨) باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٦١) باب: من ضرب دابة غيره في الغزو، و(٢٩٦٧) باب: استئذان الرجل الإمام لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢]، و(٣٠٨٧) باب: الصلاة إذا قدم من سفر، وبرقم (٣٠٨٩، ٣٠٩١) باب: الطعام عند القدوم، هي خمسة مواضع كما ترى.
(٣) سيأتي برقم (٥٠٧٩، ٥٠٨٠) باب: تزويج الثيبات، و(٥٢٤٣، ٥٢٤٤) باب: لا يطرق أهله ليلًا إذا طال الغيبة، و(٥٢٤٥، ٥٢٤٦) باب: طلب الولد، وبرقم (٥٢٤٧) باب: تَستحدُّ المغيبة وتمتشط الشَّعِثَة. هي سبعة مواضع كما ترى.
(٤) سيأتي برقم (٥٣٦٧) باب: عون المرأة زوجها في ولده.
(٥) سيأتي برقم (٦٣٨٧) باب: الدعاء للمتزوج.
(٦) «الإعلام» ٧/ ٢٩١ - ٢٩٢.
(٧) مسلم (٧١٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تحية المسجد بركعتين وباب: استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه.
(٨) مسلم (٧١٥) بعد حديث (١٥٩٩) في المساقاة، باب بيع البعير واستثناء ركوبه.
(٩) مسلم (٧١٥) بعد حديث (١٩٢٨) الإمارة، باب: كراهية الطروق وهو الدخول ليلًا، لمن ورد من سفر.
(١٠) أبو داود (٢٠٤٨، ٣٥٠٥).
(١١) النسائي ٧/ ٢٩٧ - ٣٠٠.



التزويج، ولم يسق هنا ما بوب عليه، وقد ذكره كذلك في البيوع (١)، ومن عادته الإحالة على أصل الحديث.
وحظنا منه هنا استحباب الصلاة في المسجد عند القدوم من السفر، ووقت الدين والزيادة فيه، وهو داخل في قوله: «خياركم أحسنكم قضاء» (٢)، وعن مالك منع لزيادة العدد دون الصفة إذا كانت بغير شرط، وأجازها عيسى بن دينار، والقاضي أبو محمد (٣)، وسنتكلم -إن شاء الله- في كل موضع بما يليق به، إن شاء الله الوصول إليه، وحذف ابن بطال هذا الباب فلم يشرحه هنا.

-----------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٩٧) باب: شراء الدواب والحمير.
(٢) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٢٣٠٥) كتاب: الوكالة، باب: وكالة الشاهد والغائب جائزة، ورواه مسلم (١٦٠١) كتاب: المساقاة، باب: من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه و«خيركم أحسنكم قضاء».
(٣) انظر: «المعونة» ٢/ ٣٥، «المنتقى» ٤/ ١٥٩ - ١٦٠.



٦٠ - باب إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ قبل أن يجلس
٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ». [١١٦٣ - مسلم: ٧١٤ - فتح: ١/ ٥٣٧]
ساق بإسناده من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي السلمي - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أيضا في صلاة الليل (١) وغيره (٢).
وأخرجه مسلم أيضًا (٣).
وطرقه الدارقطني في «علله» (٤)، وروي من حديث جابر (٥)، وهو

------------------
(١) سيأتي برقم (١١٦٣) كتاب: التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى.
(٢) لم أقف عليه في موضع آخر في «الصحيح»، وتبين ذلك جليًّا بعد مراجعة «تحفة الأشراف» (١٢١٢٣).
(٣) مسلم (٧١٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تحية المسجد بركعتين …
(٤) «علل الدارقطني» ٦/ ١٤١ - ١٤٥.
(٥) رواه أبو يعلى ٤/ ٨٩ (٢١١٧)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار»، «تحفة» ١/ ٤٠٩ (٣٨٨)، والخطيب في «تاريخه» ٣/ ٤٧؛ كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن جابر. قال الخطيب: هكذا روى هذا الحديث خارجة بن مصعب، عن سهل وهو وَهَمٌ؛ خالف سهيل الناس في روايته، وقد رواه مالك بن أنس وزياد بن سعد وربيعة بن عثمان وعثمان بن أبي =



غير محفوظ كما قاله الترمذي (١)، وزاد ابن حبان في «صحيحه» في حديث أبي قتادة: قبل أن يجلس أو يستخبر (٢).
ثانيها:
فيه: استحباب تحية المسجد بركعتين، وهي سنة بالإجماع (٣)، وعن داود الوجوب تمسكًا بظاهر الأمر.
وحملة الجمهور على الندب، بدليل أن المحدث لا يحرم عليه دخوله.
وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمرون في المسجد ولا يركعون، روى ابن أبي شيبة، عن عبد العزيز بن الدراوردي، عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون.
قال زيد: وقد رأيت ابن عمر يفعله (٤).
وذكره مالك عن زيد بن ثابت، وسالم بن عبد الله (٥)، وكان القاسم يفعله، وكذا الشعبي (٦)، وقال جابر بن زيد: إذا دخلت مسجدًا فصل فيه، فإن لم تصل فاذكر الله فإنك قد صليت.

-------------------
= سليمان، وعمر بن عبد الله بن عروة، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن أبي قتادة، عن النبي - ﷺ -، وهو الصواب. اهـ.
(١) «سنن الترمذي» عقب حديث (٣١٦)، قال على بن المديني: وحديث سهيل بن أبي صالح خطأ. قلت لجابر حديث آخر في «الصحيح» بنحو هذا، ورواه مسلم (٨٧٥/ ٥٩) بلفظ، باب: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما».
(٢) ابن حبان ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦ (٢٤٩٩).
(٣) «التمهيد» ٢٠/ ١٠٠، «المجموع» ٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤.
(٤) ابن أبي شيبة ١/ ٢٩٩ (٣٤٢٨).
(٥) أثر سالم رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٠٠ (٣٤٣٢).
(٦) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩ (١٦٧٥).



ثالثها:
كراهة الجلوس من غير صلاة وهي كراهة تنزيه.
رابعها:
استحبابها (١) كل وقت، وكرهها أبو حنيفة ومالك في وقت النهي، والأصح عند الشافعية عدمها إن دخل لا يقصدها (٢).
خامسها:
أنها لا تحصل بركعة وهو الأصح (٣)، وبقيت فروع متعلقة بها ذكرتها مفصلة في «شرح المنهاج» فراجعها منه.

-----------------
(١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: في المسألة ثلاثة أوجه: يستحب؛ ويجب.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٩٦، «المنثور من القواعد» ٢/ ١٧١.
(٣) انظر: «طرح التثريب» ٣/ ١٨٧.



٦١ - باب الحَدَثِ فِي المَسْجِدِ
٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ». [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ١/ ٥٣٨]
ساق بإسناده من حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في باب من يجلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد بزيادة كما ستعلمه (١).
ورواه مسلم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة (٢).
وأخرجه البخاري من هذا الوجه أيضًا (٣)، ومسلم من حديث أبي رافع الصائغ (٤)، ومحمد بن سيرين أيضا عن أبي هريرة (٥)، ويأتي في البخاري

----------------
(١) سيأتي برقم (٦٥٩) كتاب: الأذان.
(٢) مسلم (١٤٩/ ٢٧٢) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، ومسلم أيضًا من طريق أبي صالح بغير سياق حديث الباب (٣٦٢) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن من تيقَّن الطهارة ثم شكَّ في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٧) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في مسجد السوق، و(٦٤٧) كتاب: الأذان، باب: فضل صلاة الجماعة، و(٢١١٩) كتاب: البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق.
(٤) مسلم (٦٤٩/ ٢٧٤).
(٥) مسلم (٦٤٩/ ٢٧٣).



أيضًا من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة (١)، وسلف في الطهارة من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة (٢).
ثانيها:
قوله: «ما لم يحدث» هو بالتخفيف كما قال الداودي، وهو دالٌّ على جواز الحدث في المسجد، وقد روي: «ما لم يحدث ما لم يؤذ أحدًا» (٣)، وتأول العلماء الأذى بالغيبة وشبهها، وسببه أن أذى ذلك أكثر من أذى الحدث، ومن رواه بالتشديد أراد بغير ذكر الله تعالى، قال ابن التين: ولم يذكر التشديد أحد، وذكر ابن حبيب عن إبراهيم النخعي أنه سمع عبد الله بن أبي أوفي يقول: هو حديث الإثم.
ثالثها:
معنى الباب كما قال المهلب: أن الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة، ودعاءهم المرجو بركته، وسببه ما آذاهم من الروائح الخبيثة، فمن أراد حط ذنوبه لازم مصلى محبوبه بعد الصلاة ليستكثر من استغفار الملائكة له، وقد شبه - ﷺ - ذلك بالرباط، وأكد بتكراره، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] قد أخبر الشارع أنه من وافق تامينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٤)، وتأمينهم إنما هو مرة عند تأمين الإمام، فكيف بمرات!!

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٢٢٩) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(٢) سلف برقم (١٧٦) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: من القُبُل والدُّبُر.
(٣) سيأتي برقم (٢١١٩)، ورواه مسلم (٦٤٩/ ٢٧٢).
(٤) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٧٨١) كتاب: الأذان، باب: جهر الإمام بالتامين، ورواه مسلم (٤١٠) كتاب: الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #143  
قديم 27-01-2026, 10:46 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 527 الى صـــ 546
الحلقة (143)






وقد اختلف السلف في جلوس المحدث في المسجد، فروي عن أبي الدرداء أنه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه، ولم يمس ماء (١)، وعن علي مثله (٢)، وروي ذلك عن عطاء (٣)، والنخعي وابن جبير (٤)، وكره أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء ابن المسيب، والحسن وقالا: يمر مارًا ولا يجلس فيه (٥).
رابعها: (ما) من قوله: («ما دام في مصلاه») مصدرية ظرفية، أي: مدة دوام كونه في مصلاه، وهؤلاء الملائكة يجوز أن يكونوا الحفظة أو غيرهم.

-----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٣٩).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤٠).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤٦).
(٤) أثر ابن جبير رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤١).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤٥).



٦٢ - باب بُنْيَانِ المَسْجِدِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ. وَأَمَرَ عُمَرُ بِبنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى. [فتح: ١/ ٥٣٩]

٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الَمسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحجَارَةِ الَمنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ. [فتح: ١/ ٥٤٠]
(وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) هذا التعليق يأتي مسندًا في باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب في المطر يوم الجمعة؟ (١)
قال البخاري: وَأَمَرَ عُمَر بِبِنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ.
في ابن ماجه بإسناد ضعيف نحو هذا عنه مرفوعا: «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم» (٢).

---------------
(١) سيأتي برقم (٦٦٩) كتاب: الأذان.
(٢) ابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب (٧٤١)، قال البوصيري في «الزوائد» =



وقوله: (أكنَّ) قال ابن التين: رواه بضم الهمزة، وكسر الكاف على أنه رباعي، وهو قول أبي زيد، وأما الكسائي فقال: هو ثلاثي، تقول: كننت الشيء سترته، وصنته من الشمس، واكننته في نفسي. أسررته، وقال أبو زيد: كننته واكننته بمعنى في الكن، وفي النفس جميعًا.
وقوله: (وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس)، قال: رويناه بضم التاء على أنه رباعي من أفتن، وأنكر ذلك الأصمعي وأجازه أبو عبيد، ويمكن أن يكون فهم هذا من رد الشارع الخميصة إلى أبي جهم، حيث نظر إلى أعلامها في الصلاة (١).
قال البخاري: وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا.
وهذا أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث أبي قلابة عن أنس مرفوعا: «يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا، (أو) (٢) قال: يعمرونها قليلا» (٣).

-----------------
= (٢٤٩): إسناده ضعيف، فيه أبو إسحاق، كان يدلس، وهو كذاب.
وقال ابن حجر في «الفتح» ١/ ٥٣٩: رجاله ثقات إلا شيخه جبارة بن المغلس، ففيه مقال. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٥٨)، قال: ضعيف جدًّا.
(١) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث عائشة الذي سلف برقم (٣٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلُّى في ثوبٍ له أعلام، ونظر إلى عَلَمها، ورواه مسلم (٥٥٦) كتاب: المساجد، باب: كراهةَ الصلاة في ثوب له أعلام، ولفظه عند البخاري: عن عائشة أن النبي - ﷺ - صلَّى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرةً، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذِه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي».
(٢) كذا في «صحيح ابن خزيمة»، وفي (س) بدون الهمزة.
(٣) ابن خزيمة ٢/ ٢٨١ (١٣٢١). ضعف إسناده الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (١٣٢١)، لكنه روي بلفظ آخر عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعًا، ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»، رواه أبو داود (٤٤٩)، والنسائي ٢/ =



وقال البخاري: وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى.
وهذا أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عنه بعد أن روى عنه مرفوعًا: «ما أمرت بتشييد المساجد» (١).
و(الزخرفة): الزينة أي: لتزيننها ولتموهنها وأصل الزخرف: الذهب والنهي خوف شغل المصلي، أو لإخراج المال في غير وجهه أو لهما.
ثم ساق البخاري حديث نافع أنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَن المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ

-------------------
= ٣٢، وابن ماجه (٧٣٩)، وأحمد ٣/ ١٣٤، والدارمي ٢/ ٨٨٣ - ٨٨٤ (١٤٤٨)، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٩٢، ٤٩٣ (١٦١٣، ١٦١٤). صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٧٦).
(١) «سنن أبي داود» (٤٤٨). وصححه ابن حبان ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤ (١٦١٥). وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٤٠: وإنما لم يذكر البخاري المرفوع منه للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله.
قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٧٥) تعليقًا على قول ابن حجر: وقد وصله أبو فزارة، وهو ثقة، فيجب قبول زيادته. وقال أيضًا -أعني الألباني-: قال الشيخ القاري في «المرقاة»: وهو موقوف، لكنه في حكم المرفوع. اهـ.
وهذِه الزيادة الموقوفة قد روى معناها مرفوعًا عن ابن عباس، ورواه ابن ماجه (٧٤٠)، ولفظه: «أراكم ستُشرِّفون مساجدكم بعدي كما شَرَّفَت اليهود كنائسها، وكما شَرَّقَت النصارى بِيَعَها». وقد ضعفه البوصيري في «الزوائد» (٢٤٨)، قال: هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس، وهو كذاب. وضعفه أيضًا الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٤٦٠.



مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ.
قوله: (باللبن) رويناه بفتح اللام وكسر الباء، كما قال ابن التين، وقال ابن السكيت: من العرب من يقول: لبنة ولبن مثل لبدة ولبد.
قال السهيلي: نخرت عمده في خلافة عمر فجددها، فلما كان عثمان بناه بالحجارة كما سلف، وجعل قبلته من الحجارة (١).
و(القصة): بالقاف والصاد المهملة: الحصن، وقال الخطابي: شيء يشبهه، وليس منه (٢).
و(الساج): نوع من الخشب يجاء به من الهند (٣)، ثم بناه عبد الله بن الزبير، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي ووسعه، وزاد فيه سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه المامون سنة اثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه.
قال السهيلي: ولم يبلغنا أن أحدًا غيَّر منه شيئًا.
قال ابن بطال: جاءت الآثار عن النبي - ﷺ - بكراهة تشييد المساجد، وتزيينها، فروى حبيب ابن الشهيد، عن الحسن قال: لما بني المسجد قالوا: يا رسول الله، كيف نبنيه؟ قال: «ليس لي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى» (٤) (٥).

------------------
(١) «الروض الأنف» ٢/ ٢٤٨.
(٢) «معالم السنن» ١/ ١٢١. والقصَّة والقصَّة والقَمق: الجَصّ، لغة حجازية، وقيل: الحجارة من الجَصِّ، وقد قصَّصَ داره أَيْ جصَّصَها. انظر: «الصحاح» ٣/ ١٠٥٢، «لسان العرب» ٦/ ٣٦٥٢، مادة: قصص.
(٣) الساج: جمع ساجة، الساجة: الخشبة الواحدة المشَرُجَعَة المرَبَّعَة، كما جلبت من الهند، ويقال للساجة التي يُشَقّ منها الباب: السَّليجة. انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١٥٨٦، «لسان العرب» ٤/ ٢١٤١، مادة: سوج، «الروض الأنف» ٢/ ٢٤٨.
(٤) تقدم تخريجه في حديث (٤٢٨).
(٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٩٦ - ٩٧.



وقال أُبي: إذا زوَّقتم مساجدكم، وحلَّيتم مصاحفكم فالدمار عليكم (١)، وقد سلف حديث: «ما أمرت بتشييد المساجد».
وقال ابن عباس: أمرنا أن نبني المساجد جمًا والمدائن شرفًا (٢)، وقال مجاهد: نهينا أن نصلي في مسجد مشرف (٣).

----------------
(١) لم أجده في رواية أبي، وإنما رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٤ (٣١٤٨)، ٦/ ١٤٨ (٣٠٢٢٣) عن سعيد بن أبي سعيد، قال: قال أبي: … فذكره. وعزاه الألباني في «الصحيحة» (١٣٥١) إلى «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٠٠/ ٢ - مخطوط الظاهرية) وذكره عن سعيد بن أبي سعيد مرفوعًا، وقال: وهذا إسناد مرسل حسن. اهـ. ورواه عن أبي الدرداء موقوفًا ابن المبارك في «الزهد» (٧٩٧) عن بكر بن سوادة، عن أبي الدرداء به مع تقديم وتأخير في لفظه. وضعفه السيوطي في «الجامع الصغير» (٥٨٦)، وضعفه أيضًا المناوي في «فيض القدير» ١/ ٤٧٠. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٨٥).
وقال الألباني في «الصحيحة»: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم، ولكني لا أدري إذا كان بكر بن سوادة سمع من أبي الدرداء أم لا؟ ولكنه شاهد لا بأس به للمرسل، وهو وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، لاسيما وقد روي عنه مرفوعًا. ذكره كذلك الحكيم الترمذي في «كتاب الأكياس والمغترين» ص ٧٨ - مخطوط الظاهرية، وكذلك عزاه السيوطي في «الجامع» إلى الحكيم عنه، يعني في «نوادر الأصول» وذكر المناوي أن إسناده ضعيف. والله أعلم. اهـ.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٤ (٣١٥١)، والبيهقي ٢/ ٤٣٩، وذكر السيوطي من رواية ابن أبي شيبة مرفوعًا وأشار إلى حسنه في «الجامع الصغير» (١٠٦٧)، لكني لم أقف عليه في «مصنف ابن أبي شيبة» عن ابن عباس مرفوعًا، وإنما وجدته موقوفًا كما سلف. وضعف الألباني رفعه في «ضعيف الجامع» (٥٤)، وضعف الموقوف أيضًا في «الضعيفة» (١٧٣١).
(٣) لم أقف عليه من قول مجاهد، وإنما وقفت عليه من رواية ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٥ (٣١٥٤)، والطبراني ١٢/ ٤٠٧ (١٣٤٩٩)، والبيهقي ٢/ ٤٣٩. وذكره الهيثمي ٢/ ١٦، وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، =



وهذِه الآثار مع ما ذكره البخاري في الباب تدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد، وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنيانها، ألا ترى أن عمر قال للذي أمره ببناء المسجد: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وكان عمر قد فتح الله الدنيا في أيامه، ومكنه في المال، فلم يغير المسجد عن بنيانه، ثم كثر المال زمن عثمان فلم يزد أن جعل مكان اللبن حجارة وقصة، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصرا عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الشارع لكراهة ذلك، وليقتدي بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية والزهد في معالي أمورها، وإيثار البلغة بها.
روى برد أبو العلاء، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: جمعت الأنصار مالًا، فقالوا: يا رسول الله، ابن بهذا المسجد، فقال: «إذا يعجب ذلك المنافقين» (١)، فدل على أن المؤمنين لا يعجبهم ذلك.

----------------
= ورجاله رجال الصحيح، غير ليث بن أبي سليم، وهو ثقة مدلس، وقد عنعنه.
وضعفه الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٤٦٣، قال: وهو ضعيف لما علمت من حال ليث.
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ.



٦٣ - باب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ
وَقَولِ اللهِ -عز وجل-: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية
٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الَحذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ وَلابِنهِ عَليٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الَمسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ. [٢٨١٢ - فتح: ١/ ٥٤١]
سبب نزولها: أنه لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون، فعيروه بالكفر وأغلظ له علي، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا دون محاسننا، فقال له علي: ألكم محاسن؟ قال: نعم. إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله هذِه الآية.
وقوله: (﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾) قيل: سجودهم للأصنام واتخاذها آلهة.
ثم ساق البخاري حديث عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ.


وهذا الحديث ذكره البخاري في الجهاد (١).
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
ابن ابن عباس هو السجاد؛ لكثرة عبادته، الثقة ولد ليلة قتل علي في شهر رمضان سنة أربعين فسمي باسمه، وكني بكنيته، فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله لا احتمل لك الاسم والكنية جميعًا، فغير كنيته فصيرها أبا محمد، ولي الخلافة (٢)، وكان له خمسمائة شجرة، فصلى عند أصل كل شجرة ركعتين، فكان يصلي في اليوم ألف ركعة، مات بعد العشر ومائة، إما سنة أربع عشرة، أو سبع عشرة، أو ثمان عشرة، أو تسع عشرة، عن ثمانٍ أو تسع وسبعين سنة، روى له الجماعة خلا البخاري ففي الأدب (٣).
الثانية:
قوله: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ) فيه: أن العالم يبعث ولده إلى عالم آخر ليتعلم منه؛ لأن العلم لا يحويه أحد.
وقوله: (في حائطه) أي: بستانه.
وقوله: (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا) فيه: أن العالم يتهيأ للحديث ويجلس له جلسة تأهبًا لذلك، ومعنى (أنشا يحدثنا): أخذ في الحديث.

----------------
(١) سيأتي برقم (٢٨١٢) باب: مَسْح الغبار عن الرأس في سبيل الله.
(٢) في هامش (س): قوله: (ولي الخلافة) ينبغي أن تكون بعد قوله: (…) لا في هذا المكان، فإنه يوهم أنه تولى الخلافة، وليس كذلك، والله أعلم.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٣١٢ - ٣١٤، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٩٢ (١٠٥٦)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٣٥ - ٤٥ (٤٠٩٧)، «تهذيب التهذيب» ٣/ ١٨٠.



وقوله: (لبنة ..) إلى آخره، فيه: ارتكاب المشقة في عمل البر.
قال ابن إسحاق: وعمار أول من بنى لله مسجدًا (١). قال السهيلي: فكيف أضاف إليه بنيانه، وقد بناه معه الناس (٢)؟!
فنقول: إنما عنى بهذا مسجد قباء؛ لأن عمارًا هو الذي أشار على رسول الله - ﷺ - ببنيانه، وهو الذي جمع الحجارة له، فلما أسسه رسول الله - ﷺ - استتم بنيانه عمار، كذا ذكره ابن إسحاق (٣).
الثالثة:
التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال؛ لأن ذلك مما يجزى الإنسان أجره بعد مماته، ومثل ذلك حفر الآبار، وتحبيس الأموال التي يعم العامة نفعها، والولد الصالح يدعو له بعد موته، قال المهلب: وفيه: بيان ما اختلف فيه من قصة عمار (٤).
وقوله: «يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار» إنما يصح ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم علي بن أبي طالب عمارًا يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة؛ لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل؛ لأنهم الصحابة الذين

------------------
(١) حكى هذا القول عن ابن إسحاق السهيلي في «الروض الأنف» ٢/ ٢٤٨ باعتباره أثرًا، وهذا الأثر رواه عن القاسم بن عبد الرحمن ابن سعد في «طبقاته» ٣/ ٢٥٠، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٨٩ (٣٢٢٤٣)، ٧/ ٢٥١ (٣٥٧٧٢)، ٧/ ٣٤١ (٣٦٥٩٢)، وابن أبي عاصم في «الأوائل» ١/ ٩١ - ٩٢ (١١٥)، والطبراني ٩/ ١٩٥ - ١٩٦ (٨٩٦١)، وفي «الأوائل» ١/ ١٠٩ (٨٠)، والحاكم ٣/ ٣٨٥. ذكره الهيثمي ٢/ ١٠، ٥/ ٢٧١، وقال: رواه الطبراني، وإسناده منقطع.
(٢) «الروض الأنف» ٢/ ٢٤٨.
(٣) نقل قوله السهيلي، انظر التخريج السابق.
(٤) كما في «شرح ابن بطال» ٢/ ٩٨.



أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال المفسرون: وهم أصحاب محمد - ﷺ -، وقد صح أن عمارًا بعثه علي إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التي فيها العصمة بشهادة النبي - ﷺ - أن أمته لا تجتمع على ضلال (١).
-----------------
(١) يشير إلى حديث: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة»، وقد ورد بألفاظ مختلفة ومن طرق مختلفة، منها: ما رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا (٢١٦٧)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. والحاكم ١/ ١١٦.
وما رواه أبو داود (٤٢٥٣) من حديث أبي مالك الأشعري بلفظ: «إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة».
قال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ١٤١: هذا حديث مشهور له طرق كثيرة، لا يخلو واحد منها من مقال، منها لأبي داود عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا -وذكره- وفي إسناده انقطاع، وللترمذي والحاكم عن ابن عمر مرفوعًا -وذكره- وفيه سليمان بن سفيان المدني، وهو ضعيف.
وما رواه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا (٢١٦٦) بلفظ: «يد الله مع الجماعة»، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه. والحاكم ١/ ١١٦ بلفظ: «لا يجمع الله أمتي -أو قال: هذِه الأمة- على الضلالة أبدًا ويد الله على الجماعة».
قال الألباني في «المشكاة» (١٧٣) تعليقًا على حديث ابن عمر: علته سليمان المدني، وهو ابن سفيان، وهو ضعيف، لكن الجملة الأولى من الحديث صحيحة - يقصد: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة»- لها شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما بسند صحيح. اهـ. وقد صححه الألباني أيضًا من حديث ابن عمر في «صحيح الجامع» (١٨٤٨).
وروى ابن أبي شيبة ٧/ ٤٥٦ (٣٧١٨١) عن بشير بن عمرو قال: شيعنا ابن مسعود حين خرج، فنزل في طريق القادسية فدخل بستانًا، فقضى الحاجة ثم توضأ ومسح على جوربيه، ثم خرج وإن لحيته ليقطر منها الماء، فقلنا له: اعهد إلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتن لا ندري هل نلقاك أم لا، قال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح =



وفيه: أن عمارًا فهم عن النبي - ﷺ - أن هذِه الفتنة في الذين يستعاذ بالله منها، وفي الاستعاذة منها دليل أنه لا يدري أحد في الفتنة أهو مأجور أم مأثوم إلا بغلبة الظن، فلو كان مأجورًا لما استعاذ بالله من الأجر، وهذا يرد الحديث المروي: «لا تستعيذوا بالله من الفتنة فإنها حصاد المنافقين» (١).
الرابعة:
فيه: فضيلة ظاهرة لعمار وهو علم من أعلام النبوة؛ لأن الشارع أخبر بما يكون فكان كما قال.

----------------
= بر أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة ..
صحح إسناده الحافظ في «التلخيص» ٣/ ١٤١ قال تعليقًا عليه: ومثله- يعني قول ابن مسعود: وعليكم بالجماعة .. - لا يقال من قبل الرأي.
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدته بلفظ: «لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان، فإنها تبين المنافقين» عن على مرفوعًا، رواه أبو الشيخ الأنصاري في «طبقات المحدثين بأصبهان» ٣/ ٥٤١ (٦٩٧)، والديلمي كما في دا الفردوس بماثور الخطاب«٥/ ٣٨ (٧٣٩٠)، وعزاه الحافظ في»الفتح«١٣/ ٤٤ لأبي نعيم لكن بلفظ»تبير المنافقين«بدلًا من»تبين المنافقين«، وقال: في سنده ضعيف ومجهول.
وذكره السيوطي في»الدر المنثور«(٤٤٥) وعزاه للديلمي بلفظ:»تبين المنافقين«، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة أخرى من المخطوط بلفظ:»تنثر المنافقين«.
وذكره محمد طاهر بن علي الهندي في»تذكرة الموضوعات«ص ٢٢٢ وعزاه لـ»الذيل، بلفظ: «لا تكرهوا الفتن، فإن فيها حصاد المنافقين». وقال ابن تيمية: موضوع.
وقد أورده الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٤٣ بلفظ المصنف: «لا تستعيذوا بالله …» وقال: قد سئل ابن وهب قديمًا عنه، فقال: إنه باطل.



٦٤ - باب الاِسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ
٤٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى امْرَأَةٍ أَنْ: «مُرِي غُلَامَكِ النَجَّارَ يَعْمَلْ لِى أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ». [انظر: ٣٣٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ١/ ٥٤٣]

٤٤٩ - حَدَّثَنَا خَلَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْن أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ امْرَأَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتِ». فَعَمِلَتِ الِمنْبَرَ. [٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥ - فتح: ١/ ٥٤٣]
ذكر فيه حديث سهل: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى امْرَأَةٍ: «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ».
وحديث جابر أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتِ». فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ.
أما حديث سهل تقدم في باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب (١)، وسيأتي في البيوع أيضًا (٢)، وحديث جابر يأتي في البيوع (٣)، وعلامات النبوة (٤).
وهو دال لما ترجم له، وهو الاستعانة بأهل الصناعات والقدرة في كل شيء يشمل المسلمين نفعه، والنادر إلى ذلك مشكور له فعله.
فإن قلت: حديث سهل يخالف معنى حديث جابر، وذلك أن حديث

----------------
(١) سلف برقم (٣٧٧) كتاب: الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (٢٠٩٤) باب: النجَّار.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٩٥) باب: النجَّار.
(٤) سيأتي برقم (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) كتاب: المناقب.



سهل: أنه - ﷺ - سأل المرأة أن تأمر غلامها بعمل المنبر، وحديث جابر أن المرأة سألت ذلك.
وأجيب: بأنه يحتمل أن تكون المرأة بدأت رسول الله بالمسألة وتبرعت له بعمل المنبر، فلما أباح لها ذلك وقبل رغبتها أمكن أن تنظر الغلام بعمله، فتعلقت نفسه - ﷺ - به فاستنجزها إتمامه، وإكمال عدتها إذ علم - ﷺ - طيب نفسها بما بذلته من صنعة غلامها، وقد أسلفنا ذلك في باب الصلاة في السطوح، وقد يمكن أن يكون إرساله لها ليعرفها بصفة ما يصنع الغلام في الأعواد، وأن يكون ذلك منبرًا.
وفيه: أن من وعد غيره لعدة أنه يجوز استنجازه فيها، وتحريكه في إتمامها.


٦٥ - باب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا
٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ الَخوْلَانِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ - ﷺ -: إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وِإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ- بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ». [مسلم: ٥٣٣ - فتع: ١/ ٥٤٤]
ذكر فيه عن عثمان أنه قال عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ - ﷺ -: إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإنِّي سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ- بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضا في آخر كتابه (٢) وهي سنة مشهورة رواها جماعات عن عثمان - رضي الله عنه -:
منهم: عمر؛ أخرجه ابن حبان في «صحيحه» بلفظ: «من بنى (لله) (٣) مسجدًا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة» (٤)، ولأبي نعيم: «لا يريد به رياءً ولا سمعة» (٥)

--------------
(١) في هامش (س): أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا، وفي آخر كتابه فاعلمه.
(٢) مسلم (٥٣٣) كتاب: المساجد، باب: فضل بناء المساجد والحث عليها، وبعد حديث (٢٩٨٣) (٥٣٣/ ٤٣ - ٤٤) كتاب: الزهد والرقائق، باب: فضل بناء المساجد.
(٣) ليست في المطبوع من «صحيح ابن حبان».
(٤) ابن حبان ٤/ ٤٨٦ (١٦٠٨)، ١٠/ ٤٨٦ (٤٦٢٨).
(٥) ورواه بهذا اللفظ من حديث عائشة الطبراني في «الأوسط» ٧/ ١١١ (٧٠٠٥).
ذكره الهيثمي ٢/ ٨، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه المثنى بن الصباح، ضعفه يحيى القطان وجماعة، ووثقه ابن معين في رواية، وضعفه في أخرى. =



ومنهم علي أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف بلفظ: «من بنى لله مسجدًا من ماله» (١).
ومنهم جابر أخرجه ابن خزيمة بلفظ: «من حفر ماء لم يشرب منه كبد حر (٢) من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى (لله) (٣) مسجدًا كمفحص قطاة أو أصفر بنى الله (له) (٤) بيتا في الجنة». (٥)
ومنهم أبو ذر أخرجه أبو نعيم بلفظ: «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص (٦) قطاة» (٧) وقال أبو حاتم الرازي: نفس الحديث موقوف، وهو أصح (٨).
ومنهم: أبو بكر: «من بنى مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة» (٩)؛ قال أبو حاتم الرازي: منكر (١٠).

---------------
= وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٣٩٩)، قال: حسن أو صحيح بشواهده.
(١) «سنن ابن ماجه» (٧٣٧). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ١/ ٩٣: هذا إسناد ضعيف؛ الوليد مدلس، وابن لهيعة ضعيف.
(٢) في «صحيح ابن خزيمة»: حري.
(٣) لفظ الجلالة ليس في المطبوع من «صحيح ابن خزيمة».
(٤) من «صحيح ابن خزيمة» وليست في (س).
(٥) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ٢٦٩ (١٢٩٢).
(٦) في «حلية الأولياء» بروايتين عن أبي ذر، إحداها بلفظ: «مثل مفحص». والأخرى بلفظ: «مفحص».
(٧) «حلية الأولياء» ٤/ ٢١٧.
(٨) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٩٧ (٢٦١).
(٩) رواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ١٤٦ (٧١١٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢٤.
وذكره الهيثمي ٢/ ٨، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: وهب بن حفص، وهو ضعيف.
(١٠) «علل أبن أبي حاتم» ١/ ١٤٠ (٣٩٠).



ومنهم أنس أخرجه أبو عيسى بلفظ: «من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا» (١)؛ وأخرجه أبو نعيم بلفظ: «من بنى لله مسجدًا في الدنيا يريد به وجه الله» قالوا: إذن نكثر يا رسول الله، قال: «الله أكثر» (٢)، وفي لفظ: «كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مسجدًا، فإن له به قصرًا في الجنة من لؤلؤة» (٣).
ومنهم: أبو هريرة أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» بلفظ: «من بنى بيتًا يعبد الله فيه حلالًا بنى الله له بيتًا في الجنة من الدر والياقوت» (٤). قال أبو زرعة: هو وهم، وقال ابن أبي حاتم: الصحيح أنه موقوف (٥).

---------------
(١) «سنن الترمذي» (٣١٩). وقد ضعفه العلامة أحمد شاكر في تعليقه عليه، وضعفه أيضًا العلامة الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٥٠٩).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ووجدته من حديث أنس مرفوعًا لابن عدي في «الكامل» ٦/ ٤٧ بلفظ: «من بنى لله مسجدًا ولو مفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة». قالوا: يا رسول الله، إذن يكثر. قال: «فالله أكثر». وفي سنده عمر بن رديح، وقد ضعفه ابن عدي.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدته بلفظ مقارب دون لفظ: «فإن له به قصرًا في الجنة من لؤلؤة»، رواه من حديث أنس مطولًا مرفوعًا أبو داود (٥٢٣٧) بلفظ: «.. أما إن كلَّ بناء وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا»- يعني: ما لابد منه. وأحمد ٣/ ٢٢٠ بلفظ: «أما إن كل بناء هدٌّ على صاحبه يوم القيامة، إلَّا ما كان في مسجد- أو في بناء مسجد ..»، وابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (٢٨٤) بلفظ: «كل بناء وبال على أهله يوم القيامة إلا مسجد ..»، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ٣٩٠ - ٣٩١ (١٠٧٠٥، ١٠٧٠٧) بلفظ ابن أبي الدنيا. وجود إسناد أبي داود الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤٠٥٤). وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٤٢٢).
(٤) «شعب الإيمان» ٣/ ٨٠ (٢٩٣٧) بلفظ: «من بنى لله بيتًا يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتًا في الجنة من در وياقوت». فيه سنده سليمان بن داود اليمامي، وهو منكر الحديث. انظر: «لسان الميزان» ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٩ (٣٩٠٣).
(٥) «علل الحديث» ١/ ١٧٨.



وروي أيضا من حديث معاذ (١)، وواثلة (٢)، وعمرو بن عبسة (٣) وأبي أمامة (٤)، وعائشة (٥)، وأبي قرصافة (٦)، وابن عمر (٧)
--------------
(١) رواه الإسماعيلي في «المعجم» ٢/ ٧٠١ - ٧٠٢، والسهمي في «تاريخ جرجان» ص ١١٢، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٤٠٦ (٦٨٢) وقال: هذا حديث لا يصح، قال الفلاس: كان عاصم بن سليمان يضع الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال الدارقطني: كذاب.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٤٩٠، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٢/ ٧١، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ١٧٧ - ١٧٨ (٩٢٠)، والطبراني ٢٢/ (٢١٣)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ١٦٨. وذكره الهيثمي ٢/ ٧ وقال: رواه أحمد والطبراني في «الكبير»، وفيه الحسن بن يحيى الخُشني، ضعفه الدارقطني وابن معين في رواية، ووثقه في رواية، ووثقه دحيم وأبو حاتم.
(٣) رواه النسائي ٢/ ٣١، وفي «الكبرى» ٣/ ٢٥٥ (٧٦٧)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ٣٩ - ٤٠ (١٣٢٨)، والطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ١٨٨ (١١٦٢)، والبغوي في «شرح السنة» ٩/ ٣٥٥ (٢٤٢٠). صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦١٣٠).
(٤) رواه الطبراني ٨/ ٢٢٥ (٧٨٨٩). ذكر الهيثمي ٢/ ٨ وقال: وفيه علي بن زيد، وهو ضعيف.
(٥) رواه أبو عبيد في «غريب الحديث» ١/ ٤٣٦، والبزار كما في «كشف الأستار» (٤٠٤)، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٤٧ (٦٥٨٦)، ٧/ ١١١ (٧٠٠٥)، ذكره الهيثمي ٢/ ٨ من طريقين، قال في أحدهما: رواه البزار والطبراني في «الأوسط» باختصار، وفيه: كثير بن عبد الرحمن، ضعفه العقيلي وذكره ابن حبان في «الثقات». اهـ. وقال في الطريق الآخر: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه المثنى بن الصباح، ضعفه يحيى القطان وجماعة، ووثقه ابن معين في رواية، وضعفه في أخرى. اهـ.
وجوَّد إسناد أبي عبيد في «غريبه» الشوكانيُّ في «نيل الأوطار» ٢/ ١٤٨.
(٦) رواه الطبراني ٣/ ١٩ (٢٥٢١). ذكره الهيثمي ٢/ ٩ وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، وفي إسناده مجاهيل. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٦٧٥).
(٧) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٤٠٣)، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ١٩٤ =



وابن عمرو (١)، وأبي سعيد (٢)، وأم حبيبة (٣)، وغيرهم (٤).
والمساجد بيوت الله وقد أضافها إلى نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وحسبك بهذا شرفًا لها، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية، فهي أفضل بيوت الدنيا وخير بقاع الأرض، وقد تفضل الله تعالى على بانيها بأن بنى له

-----------------
= (٦١٦٧)، قال البزار: لا نعلمه إلا عن ابن عمر بهذا الإسناد، والحكم ليِّن الحديث، وقد روى عنه جماعة كثيرة.
وذكره الهيثمي ٢/ ٧ وقال: رواه البزار والطبراني في «الأوسط» إلا أنه قال- يقصد الطبراني-: «ولو كمفحص قطاةٍ»، وفيه الحكم بن ظهير وهو متروك.
(١) رواه أحمد ٢/ ٢٢١. وذكره الهيثمي ٢/ ٧ وقال: رواه أحمد، وفيه الحجاج بن أرطاة، وهو متكلم فيه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) رواه الطبراني ٢٣/ ٢٣١ (٤٣٧)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٣٥٠، ٨/ ٤٢٦.
(٤) رواه أيضًا من حديث ابن عباس أحمد ١/ ٢٤١، والبزار كما في «كشف الأستار» (٤٠٢). وقال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، وجابر تكلم فيه جماعة، ولا نعلم أحدًا قدوة ترك حديثه. اهـ.، وذكره الهيثمي ٢/ ٧ وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف.
ورواه أيضًا من حديث أسماء بنت يزيد أحمد ٦/ ٤٦١، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» «تحفة» ١/ ٤٥٧ (٤٤٨)، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ١٢٦، والطبراني ٢٤/ (٤٦٨)، وفي «الأوسط» ٨/ ٢٢١ - ٢٢٢ (٨٤٥٩). ذكره الهيثمي ٢/ ٨. وقال: ورجاله موثقون. والحديث: فيه محمود بن عمرو الأنصاري، قال الحافظ في «التقريب» (٦٥١٤): مقبول.
وروي أيضًا عن غير هؤلاء، ذكر الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ١٤٨ نقلًا عنه لابن منده في كتابه «المستخرج من كتب الناس» أنه رواه عن النبي - ﷺ - رافع بن خديج، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وفضالة بن عبيد، وقدامة بن عبد الله العامري ومعاوية بن حيدة، والمغيرة بن شعبة، والمقداد بن معد يكرب، وأبو سعيد الخدري.



قصرًا في الجنة، وأجر المسجد جارٍ لمن بناه في حياته وبعد مماته، ما دام يذكر الله فيه، ويصلى فيه، وهذا مما جاءت المجازاة فيه من جنس الفعل.
وقوله: (حين بنى مسجد الرسول) […] (١) حين بناه بالحجارة وزاد فيه كما تقدم.
وقوله: (يبتغي به وجه الله) أي: مخلصا في بنائه له، ومن كتب اسمه عليه. فهو بعيد من الإخلاص كما نبه عليه ابن الجوزي؛ لأن المخلص يكتفي برؤية العمل المعمول معه، وقد كان حسان بن أبي حسان يشتري أهل البيت فيعتقهم ولا يخبرهم من هو.
وقوله: «بنى الله له مثله في الجنة» يحتمل أن يكون مثله في المسمى، وأما السعة فمعلوم فضلها أو فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا؛ بسبب إضافته إلى الرب تعالى، وقد بشر الشارع خديجة رضي الله عنها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (٢)، والآخر يضاعف بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص، ولما فهم عثمان هذا المعنى سابق في بناء المسجد، وحسنه وأخلص فيه وتابعوه.

---------------
(١) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٢) يشير إلى حديث عبد الله بن أبي أوفي، الآتي برقم (١٧٩٢) كتاب: العمرة، باب: متى يُحِلُّ المعتمر، وبرقم (٣٨١٩) كتاب: مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي - ﷺ - خديجة، وفضلها رضي الله عنها. ورواه مسلم (٢٤٣٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #144  
قديم 27-01-2026, 10:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 547 الى صـــ 566
الحلقة (144)




٦٦ - باب يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ
٤٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي الَمسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا».؟ [٧٠٧٣، ٧٠٧٤ - مسلم: ٢٦١٤ - فتح: ١/ ٥٤٦]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا».


٦٧ - باب المُرُورِ فِي المَسْجِدِ
٤٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لَا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا». [٧٠٧٥ - مسلم ٢٦١٥ - فتح: ١/ ٥٤٧]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: «مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لَا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا».
هذان الحديثان أخرجهما البخاري أيضا في الفتن (١)، ومسلم في الأدب (٢).
والكلام عليهما من أوجه:
أحدها:
لم يذكر في حديث جابر في آخره هنا فقال: نعم، وقد ذكره البخاري كذلك في موضع آخر (٣).
وقد اختلف أهل الحديث فيما إذا قال التلميذ لشيخه: أخبرك فلان بكذا وكذا هل يشترط نطقه أم لا؟
وفي رواية ثابت عنه: «إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل

---------------
(١) حديث جابر سيأتي برقم (٧٠٧٣، ٧٠٧٤) باب: قول النبي - ﷺ -:»من حمل علينا السلاح فليس منَّا". وحديث أبي موسى سيأتي برقم (٧٠٧٥).
(٢) حديث جابر رواه مسلم (٢٦١٤) كتاب: البر والصلة، باب: أمر من مَرَّ بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما من المواضع الجامعة للناس أن يمسك بنصالها.
وحديث أبي موسى رواه مسلم أيضًا (٢٦١٥).
(٣) سيأتي برقم (٧٠٧٣).



فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها» (١).
ثانيها:
في الحديث تأكيد حرمة المسلم لئلا يروع بها أو يؤذي؛ لأن المسجد مورد الخلق ولا سيما أوقات الصلوات، وهذا من كريم خلقه ورأفته بالمؤمنين، والمراد به التعظيم لقليل الدم وكثيره بين المسلمين.
ثالثها:
فيه جواز إدخال السلاح المسجد، وعند أبي القاسم في «الأوسط» من حديث أبي البلاد عن محمد بن (عبد الله) (٢) قال: كنا عند أبي سعيد الخدري فقلب رجل نبلا، فقال أبو سعيد: ما كان هذا يعلم أن رسول الله - ﷺ - نهى عن تقليب السلاح ونبله (٣) -يعني: في المسجد-.
وقد جاء النهي عن شهر السلاح في المسجد ونشر النبل فيه من حديث ابن عمر (٤) وواثلة (٥) ..

----------------
(١) مسلم (٢٦١٥/ ١٢٣).
(٢) كذا في (س)، وفي «الأوسط»: عبيد الله.
(٣) «المعجم الأوسط» ٤/ ٢١٨ - ٢١٩ (٤٥٢٤). ذكره الهيثمي ٢/ ٢٦ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه أبو البلاد، ضعفه أبو حاتم.
(٤) رواه ابن ماجه (٧٤٨) بلفظ: «خصال لا تنبغي في المسجد لا يُتخذ طريقًا ولا يشهر فيه سلاح ..» الحديث. وابن عدي في «الكامل» ٤/ ١٥٤، وقال: حديث غير محفوظ، وزيد بن جبيرة عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد. اهـ. وابن الجوزي في «العلل» ١/ ٤٠٣ (٦٧٦) وقال: لا يصح عن رسول الله - ﷺ -. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ١/ ٩٥: هذا إسناد فيه زيد بن جبيرة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف. وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٦٣): ضعيف، وصحت منه الخصلة الأولى.
(٥) رواه ابن ماجه (٧٥٠) بلفظ: «جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم … وسل سيوفكم ..» الحديث. =



وابن عباس (١)، وغيرهم (٢) بأسانيد ضعيفة.
-----------------
= قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ١/ ٩٥: إسناده ضعيف، أبو سعيد، هو محمد بن سعيد الصواب، قال أحمد: عمدًا كان يضع الحديث. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: كذاب. قلت -أي البوصيري-: والحرث بن نبهان ضعيف. اهـ. ضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٦٤). ورواه من حديث واثلة وأبي الدرداء وأبي أمامة جميعًا العقيلي في «الضعفاء» ٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨. وقال: الرواية فيها لين. والطبراني ٨/ ١٣٢ (٧٦٠١)، وفي «مسند الشاميين» ٤/ ٣٢١ (٣٤٣٦)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٣٧٥، والبيهقي ١٠/ ١٠٣ وقال: فيه العلاء بن كثير هذا شامي منكر الحديث. وابن الجوزي في «العلل» ١/ ٤٠٤ (٦٧٧) وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، قال أحمد بن حنبل: العلاء ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وذكره الهيثمي ٢/ ٢٥ - ٢٦، وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه العلاء بن كثير الليثي الشامي، وهو ضعيف. وقال الألباني في «ضعيف الترغيب» (١٨٧): ضعيف جدًّا.
(١) لم أقف عليه، لكن العيني في «عمدة القاري» ٤/ ٣٢ ذكر حديثًا لابن عباس وعزاه لابن ماجه، لفظه: «نزهوا المساجد ولا تتخذوها طرقًا، ولا تمّر فيه حائض ولا يقعد فيه جنب إلا عابري سبيل، ولا ينثر فيه نبل، ولا يسلُّ فيه سيف، ولا يضرب فيه حدَ، ولا ينشد فيه شعر، فإن أنشد قيل: فضّ الله فاك».
ذكره الألباني في «الثمر المستطاب» ٢/ ٧٢٥ وقال: وهذا لم أجده عند ابن ماجه، ولم يورده النابلسي في «الذخائر» ولا وجدته في شيء من كتب السنة التي عندي، وما أراه يصح. والله أعلم.
(٢) روي أيضًا من حديث معاذ بن جبل، رواه بلفظ واثلة مع تقديم وتأخير، رواه عبد الرزاق ١/ ٤٤١ - ٤٤٢ (١٧٢٦)، والطبراني في «مسند الشاميين» ٤/ ٣٧٤ (٣٥٩١). وضعفه البيهقي ١٠/ ١٠٣. وروي أيضًا من حديث جبير بن مُطعِم، رواه الطبراني ٢/ ١٣٩ (١٥٨٩) بلفظ: «لا تُسَلُّ السيوت ولا تُنْثَر النبل في المساجد ..» الحديث. ذكره الهيثمي ٢/ ٢٥ وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه بشر بن جبلة، وهو ضعيف.



٦٨ - باب الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ
٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الَحكَمُ بْنُ نَافِع قَالَ: أَخْبَرَنَا شعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّة سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتِ الأنصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ؟» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. [٣٢١٢، ٦١٥٢ - مسلم: ٢٤٨٥ - فتح: ١/ ٥٤٨]
حَدَّثَنَا (أَبُو اليَمَانِ) (١) الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ»؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هدا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب بدء الخلق (٢)، والأدب (٣)، وأخرجه مسلم في الفضائل (٤).

-------------------
(١) عليها في الأصل علاقة أنها نسخة.
(٢) سيأتي برقم (٣٢١٢) باب: ذكر الملائكة.
(٣) سيأتي برقم (٦١٥٢) باب: هجاء المشركين.
(٤) مسلم (٢٤٨٥) باب: فضائل حسان بن ثابت، وأبو داود (٥٠١٣، ٥٠١٤)، والنسائي ٢/ ٤٨، وفي «السنن الكبرى» ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٧٩٥)، ٦/ ٥١ (٩٩٩٩، ١٠٠٠٠).
في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: أبو داود في الأدب والنسائي في الصلاة، والسمر في الليل.



ثانيها:
لم يذكر أبو مسعود والحميدي وغيرهما أن لحسان بن ثابت رواية في هذا الحديث ولا ذكروا له حديثًا مسندًا، وإنما أوردوا هذا الحديث في مسند أبي هريرة (١)، وخالف خلف فذكره في مسند حسان، وأنه روى عن النبي - ﷺ - هذا الحديث، وذكر في مسند أبي هريرة أن البخاري أخرجه في الصلاة عن أبي اليمان به، وذكر ابن عساكر لحسان حديثين مسندين أحدهما هذا (٢)، وذكر أنه في أبي داود من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (٣)، قال: وليس في حديثه استشهاد حسان به وأنه في النسائي مرة بالاستشهاد (٤)، ومرة من حديث سعيد عن عمر بعدمه (٥).
ثم أورده في مسند أبي هريرة من طريق أبي سلمة عنه (٦).
وفي كتاب «من عاش مائة وعشرين سنة من الصحابة» (٧) من حديث عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة أن عمر مر بحسان .. الحديث.
قال المنذري: وسعيد لم يصح سماعه من عمر، فإن كان سمع ذلك من حسان فيتصل (٨).

------------------
(١) «الجمع بين الصحيحين» ٣/ ٣٢.
(٢) «تاريخ دمشق» ١٢/ ٣٨٤.
(٣) أبو داود (٥٠١٤).
(٤) النسائي ٢/ ٤٨، وفي «السنن الكبرى» ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٧٩٥)، ٥١/ ٦ (٩٩٩٩).
(٥) في «الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» ٣/ ٦١، وكذا رواه أحمد ٥/ ٢٢٢.
(٦) في «الكبرى» ٦/ ٥١ (١٠٠٠٠).
(٧) ألفه: يحيى بن عبد الوهاب بن منده (ت ٥١١ هـ) ورواه عنه أبو طاهر السِّلَفي.
(٨) «مختصر أبي داود» ٧/ ٢٩٣.



قلت: والبخاري أخرجه في بدء الخلق (١) من طريق سعيد، قال: مر عمر في المسجد .. الحديث، وفيه: ثم التفت إلى أبي هريرة، وقال: أنشدك بالله .. فذكره، وصرح مسلم بسماع سعيد له من أبي هريرة، وقيل: إن أبا سلمة سمع من حسان.
الثالث:
حسان هذا هو ابن ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي النجاري الشاعر، المدني أبو الحسام، أو أبو الضرب أو أبو عبد الرحمن شاعر رسول الله - ﷺ -، وأمه الفُرَيْعة بنت خالد الصحابية، وكان قديم الإسلام ينصر النبي - ﷺ - بلسانه، ولم يشهد معه مشهدًا؛ لأنه كان يُجَبَّن، وقيل: إنه كان شجاعًا، فأصابته علة، فحدث ذلك به؛ واستُبعد ذلك فإن العرب لم تعيره به، وكان يهاجهم ولسانه فيهم أشد من النبل.
وقد يجاب بأنه لما كان ينافح عن الشارع عصمه الله عن ذلك ببركته، عاش مائة وعشرين سنة، وكذا آباؤه الثلاثة، ولا يعرف لغيرهم من العرب مثله كما قاله أبو نعيم (٢).
وقد قيل: مات حسان سنة خمسين. ولحسان ولد اسمه عبد الرحمن، فكان إذا ذكر ما عاشه سلفه استلقى على فراشه وضحك وتمدد، وتوهم أنه يعيش كذلك، فمات وهو ابن ثمان وأربعين سنة.
ولا يعرف خمسة من الشعراء على نسق واحد، شاعر ابن شاعر ابن شاعر إلا هؤلاء.

-------------------
(١) في هامش (س) ما نصه: في باب ذكر الملائكة.
(٢) «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢/ ٨٤٥.



أما من عاش مائة وعشرين، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، فذكر ابن الصلاح مع حسان على إشكال فيه حكيم بن حزام، ولم يذكر غيرهما (١)، وتبعه النووي في «تقريبه»، وزاد في «تهذيبه» فقال: لا يعرف لهما مشارك في ذلك (٢).
وليس كما ذكر فقد ذكرت في كتابي «المقنع في علوم الحديث» ثمانية أنفس أخر (٣).
أما من عاش مائة وعشرين مطلقًا (٤) فجماعة أُخر أفردهم ابن منده في جزء (٥)، وكان لحسان لسان طويل يضرب به أذنه، مات في خلافة معاوية، بعد أن عمي سنة خمس أو أربع وخمسين، وقيل: خمسين، وقيل: توفي قبل الأربعين في خلافة علي (٦).
الر ابع:
ليس في الباب ما ترجم له البخاري أنه أنشد في المسجد، نعم فيه في باب بدء الخلق من حديث سعيد: مر عمر بن الخطاب في المسجد وحسان ينشد فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة .. الحديث، ولأبي داود: فخشي أن يرميه برسول

------------------
(١) «علوم الحديث» ص ٣٨٣.
(٢) «التقريب مع التدريب» ٢/ ٥١٢ - ٥١٣.
(٣) ٢/ ٦٤٨ - ٦٤٩، وجدتهم في «المقنع» سبعة فقط، وأضاف المصنف لما ذكرهم أن ابن منده ذكر أن اللجلاج عاش مائة وعشرين سنة، وأنه أسلم وهو ابن خمسين سنة.
(٤) في هامش (س) ما نصه: يعني: من الصحابة، وقوله: (مطلقا): أي: من غير أن يكون نصفها في الإسلام ونصفها في الجاهلية.
(٥) اسمه: من «عاش مائة وعشرين سنة من الصحابة» وتقدم فيما سبق.
(٦) انظر ترجمته في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» ١/ ٤٠٠ (٥٢٥)، «أسد الغابة» ٢/ ٥ (١١٥٣)، «تهذيب الكمال» ٦/ ١٦ (١١٨٨)، «الإصابة» ١/ ٣٢٦ (١٧٠٤).



الله - ﷺ - فأجازه، وعدل البخاري عن هذا الحديث هنا ليقدح الطالب
فكره، ويشحذ ذهنه؛ ولأن فيه الأمر بالإجابة عن الشارع، والدعاء بالتأييد، وهو لأجل إجابته عنه.
الخامس: الحديث ظاهر في جواز إنشاد الشعر فيه، وقد اختلف العلماء في ذلك: فأجازته طائفة إذا كان الشعر فيما لا بأس بروايته، قال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون ومحمد بن سلام ينشدان الشعر، ويذكران أيام العرب، وقد كان اليربوع والضحاك بن عثمان ينشدان مالكًا ويحدثانه بأخبار العرب، فيصغي إليهما.
وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا إنشاده فيه، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: نهى رسول الله - ﷺ - عن تناشد الأشعار في المساجد. أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، وحسنه الترمذي (١).
وحديث حكيم بن حزام مرفوعا: نهى أن يستقاد في المسجد، وأن ينشد فيه الأشعار. أخرجه أبو داود (٢).

----------------
(١) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ٢٧٤، ٢٧٥، (١٣٠٤، ١٣٠٦)، ٣/ ١٥٨ (١٨١٦)، «سنن الترمذي» (٣٢٢). ورواه أيضًا أبو داود (١٠٧٩)، والنسائي ٢/ ٤٨، وابن ماجه (٧٤٩)، وأحمد ٢/ ١٧٩. صححه أبو بكر بن العربي كما ذكر الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٩١).
(٢) «سنن أبي داود» (٤٤٩٠)، ورواه أيضًا الطبراني ٣/ ٢٠٤ (٣١٣٠)، والدارقطني ٣/ ٨٥، والحاكم ٤/ ٣٧٨، والبيهقي ٨/ ٣٢٨، ورواه أحمد ٣/ ٤٣٤ عن حكيم بن حزام موقوفًا، وقال أحمد: لم يرفعه، يعني: حجاجًا.
ضعفه عبد الحق في «الأحكام الوسطى» ١/ ٢٩٦، وابن القطان في «بيان الوهم» ٣/ ٣٤٤ (١٠٩٠)، قال الحافظ في «التلخيص» ٤/ ٧٨: لا بأس بإسناده. وحسنه الألباني في «إرواء الغليل» (٢٣٢٧).



وحديث جبير (١) وابن عمر وابن عباس (٢) مثله.
وحديث أسيد بن عبد الرحمن أن شاعرًا جاء إلى النبي - ﷺ - وهو في المسجد، فقال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: «لا» قال: بلى. فقال له النبي - ﷺ -: «فاخرج من المسجد» فخرج فأنشد فأعطاه النبي - ﷺ - ثوبًا، وقال: «هذا بدل ما مدحت به ربك» (٣).
وأجاب الأولون بالطعن في هذِه الأحاديث:

----------------------
(١) رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٢/ ٤٤ (١٠٠٨)، والروياني ٢/ ٤٣٤ (١٤٥٦). ضعفه البوصيري في «الإتحاف» بتدليس ابن إسحاق. وقال الحافظ في «المطالب العالية» ٣/ ٥٢٢ (٣٥٩): إسناده حسن إن كان إسحاق بن يسار سمعه من جبير - رضي الله عنه -.
ورواه مرسلًا عبد الرزاق ١/ ٤٣٧ (١٧٠٩) عن نافع بن جبير بن مطعم قال: نهى … الحديث. ورواه بلفظ (لا تقام الحدود في المساجد) دون لفظ إنشاد الشعر؛ البزارُ كما في «كشف الأستار» (١٥٦٥) وقال: هذا أحسن إسناد يروى في ذلك، ولا نعلمه بإسناد متصل من وجه صحيح، وقد تكلم بعض أهل العلم في محمد بن عمر وضعفوا حديثه. والطبراني ٢/ ١٣٩ (١٥٩٠)، والحارث في «مسنده» كما في «الزوائد» (١٣٠)، وذكر الهيثمي ٢/ ٢٥ وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه الواقدي، وهو ضعيف. وفي ٦/ ٢٨٢ وقال: رواه البزار، وفيه الواقدي، وهو ضعيف لتدليسه، وقد صرح بالسماع، وقد صرح بالتحديث.
وضعفه الحافظ في «التلخيص» ٤/ ٧٨، قال: رواه البزار من حديث جبير بن مطعم، وفيه الواقدي.
(٢) رواه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ١٣٤ من حديث ابن عباس وابن عمر معًا في ترجمة فرات بن السائب، وأشار إلى أنه منكر بفرات هذا، وكذا ضعفه عبد الحق في «الأحكام الوسطى» ١/ ٢٩٧، وذكره الحافظ في «التلخيص» ٤/ ١٧٨ وعزاه لابن عدي وقال: وفيه غرابة- كذا في المطبوع من «التلخيص»- بن السائب، وهو منكر الحديث.
(٣) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٣٩ (١٧١٧). قال عبد الحق في «الأحكام الوسطى» ١/ ٢٩٥: فيه إبراهيم بن محمد، هو ابن أبي يحيى، وهو متروك الحديث.



أما حديث عمرو؛ فقال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه صحيفة (١). وإن كنا لا نوافقه.
وأما حديث حكيم؛ فضعفه عبد الحق (٢)، وبينه ابن القطان بما فيه نظر (٣)، وحديث جبير طعن فيه، وكذا حديث ابن عمر رده ابن عدي بالفرات بن السائب، وحديث ابن عباس ضعيف منقطع.
وحديث أسيد ذكره عبد الرزاق في إسناده ابن أبي يحيى، وحالته معروفة، وحديث الباب هنا، وفي بدء الخلق دال لهم إذ كان ذلك بحضرة الصحابة، ولم ينكره أحد منهم، ولا أنكره عمر أيضا، فدل على أن الشعر الكائن بهذِه المثابة لا يمنع منه، وقد روى الترمذي مصححًا من حديث عائشة: كان رسول الله - ﷺ - ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار (٤).
ويحمل النهي على تسليم الصحة على ما كان فيه السخف والباطل،
وهذا أولى من تأويل أبي عبد الملك: أن ذلك كان في أول الإسلام، وكذا لعب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله (٥)، وكذا قول ابن بطال: يجوز أن يكون الشعر

---------------------
(١) «المحلى» ٤/ ٢٤٣.
(٢) «الأحكام الوسطى» ١/ ٢٩٦.
(٣) «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥، قال تعليقًا على تضعيف عبد الحق له: لم يبين من أمره شيئًا، وعلته الجهل بحال زفر بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان؛ فإنه لا يعرف بأكثر من رواية الشعيثي عنه، وروايته هو عن حكيم.
(٤) «سنن الترمذي» (٢٨٤٦)، قال: حسن صحيح غريب، ورواه أيضًا أبو داود (٥٠١٥)، وأحمد ٦/ ٧٢، والحاكم ٣/ ٤٨٧، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٦٥٧).
(٥) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٥٨، «المنتقى» ١/ ٣١٢، «أحكام القرآن» لابن =



الذي يغلب على المسجد حتى يكون كل من فيه متشاغلًا به، كما تأول أبو عبيد في قوله - ﷺ -: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا» (١) أنه الذي يغلب على صاحبه (٢).
السادس:
«روح القدس»: جبريل، و(القدس) فيه أقوال:
أحدها: أنه الله تعالى، قاله كعب (٣)، أي: أنه روح الله.
والثاني: البركة (٤).
والثالث: الطهارة (٥)، فكأنه روح الطهارة وخالصها، وسمي روحًا؛ لأنه يأتي بالبيان عن الله فتحيا به الأرواح.

-----------------
= العربي ٣/ ١٤٣٩ - ١٤٤٧، ٤/ ١٨٧٠، «المجموع» ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥، الآداب الشرعية«٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(١) سيأتي من حديث ابن عمر برقم (٦١٥٤) كتاب: الأدب، باب: ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر .. ومن حديث أبي هريرة برقم (٦١٥٥)، ورواه مسلم من حديث أبي هريرة (٢٢٥٧) كتاب: الشعر، ومن حديث سعد بن أبي وقاص (٢٢٥٨)، ومن حديث أبي سعيد الخدري (٢٢٥٩).
(٢)»شرح ابن بطال«٢/ ١٠٣.
(٣) رواه الطبري في»تفسيره«١/ ٤٥٠ (١٤٩٨).
(٤) رواه عن السدي الطبريُّ في»تفسيره«١/ ٤٤٩ (١٤٩٥)، وابن أبي حاتم في»تفسيره«١/ ١٦٩ (٨٨٨).
(٥) رواه عن ابن عباس ابن أبي حاتم في»تفسيره" ١/ ١٦٩ (٨٨٩).



٦٩ - باب أَصْحَابِ الْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدُّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْن الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالَحْبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الَمسْجِدِ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ. [٤٥٥، ٩٥٠، ٩٨٨، ٢٩٠٧، ٣٥٣٠، ٥١٩٠، ٥٢٣٦ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ١/ ٥٤٩]

٤٥٥ - زَادَ إِبْرَاهِيمُ بْن المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَالحبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ. [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ١/ ٥٤٩]
ذى فيه حديث عائشة: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ.
وفي أخرى: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ.
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي العيدين (١)، ومناقب قريش (٢)، وأخرجه مسلم في العيدين أيضًا (٣).
وتعليق البخاري هنا عن إبراهيم بن المنذر بن حبيب، قال: وزاد ابن المنذر عن ابن وهب أسنده مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب (٤). وهذا اليوم كان يوم عيد.
وفي الحديث: الرخصة في المثاقفة بالسلاح لأجل رياضة الحرب،

-----------------
(١) سيأتي برقم (٩٥٠) باب: الحراب والدرق يوم العيد، وبرقم (٩٨٨).
(٢) هو في كتاب: المناقب، برقم (٣٥٣٠) باب: قصة الحبش.
(٣) مسلم (٨٩٢/ ١٧ - ٢١).
(٤) مسلم (٨٩٢/ ١٨).



وجواز مثل ذلك في المسجد، وقد تقدم قول أبي عبد الملك: أن هذا كان في أول الإسلام، فلما كمل الإسلام أزيل ذلك، ولا يسلم له؛ لأن المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال مما يجمع منفعة الدين وأهله فهو جائز في المسجد.
واللعب بالحراب من تدريب الجوارح على معاني الحروب، وهو من الاشتداد للعدو، والقوة على الحرب فهو جائز في المسجد وغيره كما نبه عليه المهلب (١).
وفيه: جواز النظر إلى اللهو المباح، ويمكن أن يكون ترك الشارع عائشة لتنظر ذلك لتضبط السنة في ذلك، وتنقل تلك الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من أبناء المسلمين، وتعرفهم بذلك.
وفيه أيضا: من حسن خلقه وكريم معاشرته لأهله ما ينبغي للمسلم امتثاله والاقتداء به فيه، ألا ترى وقوفه وستره عائشة وهي تنظر إليهم.

-------------------
(١) كما في «شرح ابن بطال» ٢/ ١٠٤.


٧٠ - باب ذِكْرِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى المِنْبَرِ فِي المَسْجِدِ
٤٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَة تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلَاءُ لِي. وَقَالَ أَهْلُهَا: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ- وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّة: إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا ويكُونُ الوَلَاءُ لَنَا- فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى الِمنْبَرِ -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى الِمنْبَرِ -فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَن اشْتَرَطَ شَرْطًا ليْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ». قَالَ عَلِيَّ: قَالَ يَحْيَى. وَعَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: عَنْ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ. رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ بَرِيرَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ صَعِدَ الِمنْبَرَ. [١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١/ ٥٥٠]
ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، في قصة بريرة وأنه - عليه السلام - قام على المنبر فقال: «ما بال أقوام ..» الحديث.
قَالَ عَلِيٌّ -يعني: ابن المديني- قَالَ يَحْيَى وَعَبْدُ الوَهُّابِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: عَنْ يَحْيَى: سَمِعْتُ عَمْرَةَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ.
ورَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ بَرِيرَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ صَعِدَ المِنْبَرَ.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في باب: البيع والشراء مع


النساء من طريق عروة عن عائشة (١)، وفي باب: إذا اشترط في البيع شروطا لا تحل من حديث هشام عن أبيه عنها (٢).
وهو حديث أخرجه مسلم (٣) أيضًا (٤) والأربعة (٥) مطولًا، ومختصرًا (٦).
وأخرجه البخاري في مواضع أخر:
في الزكاة في باب الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ - (٧)، وفي العتق (٨)، والمكاتب (٩)، والهبة (١٠)، والبيوع (١١)، والطلاق (١٢)، والفرائض (١٣)،

------------------
(١) سيأتي برقم (٢١٥٥) كتاب: البيوع.
(٢) سيأتي برقم (٢١٦٨) كتاب: البيوع.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ، ثم في البيوع والزكاة والعتق، وأبو داود والنسائي والترمذي في الفرائض والعتق، وابن ماجه في الأحكام.
(٤) مسلم (١٥٠٤) كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.
(٥) رواه أبو داود (٢٢٣٣)، والترمذي (١١٥٤)، والنسائي ٦/ ١٦٤ - ١٦٥، وابن ماجه (٢٥٢١).
(٦) في هامش (س): من خط الشيخ: مسلم في البيوع، والزكاة والعتق، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في الفرائض والعتق، وابن ماجه في الأحكام.
(٧) سيأتي برقم (١٤٩٣).
(٨) سيأتي برقم (٢٥٣٦) باب: بيع الولاء وهبته.
(٩) سيأتي برقم (٢٥٦٠) باب: المكاتب ونجومه في كل سنة نجم، وبرقم (٢٥٦١)، وبر قم (٢٥٦٣) باب: استعانة المكاتب وسؤاله الناس، وبرقم (٢٥٦٤) باب: بيع المكاتب إذا رضي، وبرقم (٢٧٢٦) باب: ما يجوز من شروط المكاتب ..، وبرقم (٢٥٦٥) باب: إذا قال المكاتب: استرني وأعتِقْني، فاشتراه لذلك.
(١٠) سيأتي برقم (٢٥٧٨) باب: قبول الهدية.
(١١) سبق تخريجه.
(١٢) سيأتي برقم (٥٢٧٩) باب: لا يكون بيع الأمة طلاقًا، وبرقم (٥٢٨٤) باب: ١٧.
(١٣) سيأتي برقم (٦٧٥١) باب: الولاء لمن أعتق، وميراث اللقيط، وبرقم (٦٧٥٤) باب: ميراث السائبة، وبرقم (٦٧٥٨) باب: إذا أسلم على يديه، وبرقم (٦٧٦٠) باب: ما يرث النساء من الولاء.



والشروط (١)، وكفارة الأيمان (٢).
وأخرجه البخاري في الطلاق من حديث ابن عباس (٣)، وفي الفرائض من حديث ابن عمر (٤) وأخرج مسلم طرفًا منه من حديث أبي هريرة (٥).
وقول البخاري: (قال يحيى وعبد الوهاب عن يحيى عن عمرة) يريد: أن الحديث من طريق يحيى -يعني: القطان- وعبد الوهاب مرسل، يؤيده ما قاله الإسماعيلي: ليس فيما عندنا من حديث يحيى بن سعيد وعبد الوهاب عن يحيى ذكر المنبر وصعوده، وحديثهما مرسل.
وقوله: (وقال جعفر ..) إلى آخره أفاد به تصريح سماع يحيى من عمرة، وسماع عمرة من عائشة، وقد أخرجه النسائي في الفرائض كذلك مسندًا (٦).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٢٧١٧) باب: الشروط في البيوع، وبرقم (٢٧٢٩) باب: الشروط في الولاء، وبرقم (٢٧٣٥) باب: المكاتب، وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله.
(٢) سيأتي برقم (٦٧١٧) باب: إذا أعتق في الكفارة، لمن يكون ولاؤه.
(٣) سيأتي برقم (٥٢٨٠ - ٥٢٨٢) باب: خيار الأمة تحت العبد، وبرقم (٥٢٨٣) باب: شفاعة النبي - ﷺ - في زوج بريرة. ولم يرد فيه ذكر الإعتاق ولا الاشتراط، وإنما يحكي قصة حب مغيث لزوجه بريرة وشفاعة النبي - ﷺ - له عندها.
(٤) سيأتي برقم (٦٧٥٢) باب: الولاء لمن أعتق، وميراث اللقيط، وبرقم (٦٧٥٧) باب: إذا أسلم على يديه، وبرقم (٦٧٥٩) باب: ما يرث النساء من الولاء.
(٥) مسلم (١٥٠٥) كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.
(٦) في «السنن الكبرى» ٤/ ٨٧ (٦٤٠٧).



وقوله: (ورواه مالك عن يحيى) إلى آخره، رواه النسائي في الفرائض: عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك (١)، قال ابن عساكر: مرسل.
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من وجوه -مع أن الأئمة أفردوه بالتأليف: ابن جرير وابن خزيمة، وغيرهما، وليس بصريح فيما ترجم له البخاري من ذكر البيع والشراء على المنبر وفي المسجد-:
أحدها:
بريرة -بفتح الباء- فعيلة من الموالي قيل: إنها قبطية، وإنها ابنة صفوان، لأمها صحبة أيضا، روى عبد الملك عنها، وهو يدل على تأخرها إلى بعد الأربعي؛ لأن معاوية ولي سنة أربعين أو إحدى وأربعين، وهو ولاه ديوان المدينة وعمره ستة عشرة سنة، وكان لها ولد من زوجها مغيث -بالغين- أو مقسم، وهي أول مكاتبة في الإسلام، كما أن سلمان الفارسي أول مكاتب على الأصح (٢).
ثانيها:
كانت هذِه الواقعة قبل قصة الإفك؛ لأن في حديث الإفك قال علي: واسأل الجارية فدعا رسول الله - ﷺ - بريرة فسألها، فذكرت ما هو مذكور في قصة الإفك (٣)، وكانت قصة الأول في غزوة المريسيع؛ وهي

----------------
(١) في «الكبرى» ٤/ ٨٧ (٦٤٠٨)، وقال: مرسل.
(٢) انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٣٥٧ (٣٢٩٠)، و«أسد الغابة» ٧/ ٣٩ (٦٧٧٠)، و«الإصابة» ٤/ ٢٥١ (١٧٧).
(٣) هذِه قطعة من حديث طويل لعائشة في حديث الإفك سيأتي برقم (٢٦٦١) كتاب: الشهادات، باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا، ورواه مسلم (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف.



غزوة بني المصطلق، قال البخاري: قال ابن إسحاق: سنة ست، وقال ابن عقبة: سنة أربع (١).
وقال ابن سعد: خرج إليها يوم الإثنين، لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس من مهاجره (٢)؛ فقصتها ما بين دخوله - ﷺ - على عائشة، وما بين قصة الإفك.
ثالثها:
مكاتبة مفاعلة؛ لأنها بين السيد وعبده، إما من الكتابة أو الإلزام.
رابعها:
قولها: (أتتها بريرة تسألها في كتابتها) أي: أتتها لتستعين بها في كتابتها، كما جاء مبينا في رواية أخرى في «الصحيح» (٣).
وذكر شيخنا قطب الدين في «شرحه» هنا اختلاف العلماء فيما إذا طلب العبد الكتابة من السيد، ونقل عن الجمهور أن إجابته، مندوبة بشروط، لا واجبة (٤)، وكأنه فهم أن المراد بسؤالها كتابتها: أن عائشة تكاتبها، وليس كذلك لما علمته.
خامسها:
فيه: حل السؤال للمكاتب من غير كراهة، ولا ينتظر العجز خلافًا

-----------------------
(١) ذكر هذين القولين قبل حديث سيأتي برقم (٤١٣٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة بني المصطلق من خزاعة.
أما قول ابن إسحاق فنقله ابن هشام عنه في «السيرة» ٣/ ٣٣٣. وأما قول موسى بن عقبة فوصله ابن حجر في «تغليق التعليق» ٤/ ١٢٣ هكذا: قول موسى بن عقبة أخبرناه واحد من شيوخنا مشافهة .. عن ابن شهاب به، لكن قال: سنة خمس.
(٢) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٦٣.
(٣) ستأتي برقم (٢١٦٨، ٢٥٦١).
(٤) انظر: «المغني» ١٠/ ٣٣٤.



لمن أبعد؛ وقال: إنه ليس له السؤال حتى يعجز ويظهر أثر حاجته.
سادسها:
فيه أيضًا: جوازها لغير القوت وستر العورة، وكره بعضهم المسألة لغير ذلك.
سابعها:
فيه: قبول خبر العبد والأمة؛ لأن بريرة أخبرت أنها مكاتبة، فأجابتها عائشة بما أجابت.
ثامنها:
كان على بريرة تسع أواق كاتبت عليها، كما ثبت في «الصحيح» (١)، وفي رواية معلقة للبخاري: أنها دخلت عليها تستعينها وعليها خمس أواق (٢)؛ والأولى أثبت.
ويحتمل أن هذِه الخمس هي التي حلت من نجومها.
واستدل به من منع الكتابة الحالية، وهو قول جماعة، وخالف أبو حنيفة، فصححها، ونقل عن مالك أيضا، وعند الشافعي: أنه لا يجوز على نجم واحد بل لا بد من نجمين فصاعدًا (٣).
تاسعها:
فيه دلالة على جواز منع المكاتب.
وهو قول أحمد ومالك في رواية، والشافعي في أحد قوليه (٤)، فإنها

---------------
(١) ستأتي برقم (٢١٦٨).
(٢) ستأتي برقم (٢٥٦٠).
(٣) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣، «المدونة» ٣/ ٥، «الأم» ٧/ ٣٧٣.
(٤) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٣ - ٢٤، «الأم» ٧/ ٣٩٠، «المغني» ١٤، ٥٣٥.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #145  
قديم 27-01-2026, 11:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 567 الى صـــ 586
الحلقة (145)



كانت مكاتبة وباعها الموالي واشترتها عائشة، وأمر - ﷺ - ببيعها، وعليه بوب البخاري: بيع المكاتب إذا رضي المكاتب، وفيه قول ثالث: أنه يجوز للعتق دون الاستخدام.
ومن منع حمل الحديث على أن بريرة عجزت نفسها، وفسخوا الكتابة بعجزها وضعفها عن الأداء والكسب، ولا يحتاج في التعجيز إلى حكم حاكم، وإن خالف فيه سُحنون معللًا بخوف التواطؤ على حق الله تعالى.
عاشرها:
قوله: («ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ») وفي أخرى: «واشترطي لهم الولاء» (١)؛ نسبت هذِه اللفظة إلى التفرد بها، وأولت بأن (اللام) بمعنى (على)، وأحسن منه أن هذا الشرط خاص بهذِه القضية.
الحادي عشر:
فيه: ثبوت الولاء للمعتق، وألحق به ما في معنى العتق كما إذا باعه نفسه ونحوه.
الثاني عشر:
قوله: (ثُمَّ قَامَ عَلَى المِنْبَرِ) فيه: صعوده عند الحاجة إليه.
وقوله: («ما بال أقوم») فيه استعمال الأدب وحسن المعاشرة، وجميل الموعظة؛ لأنه - عليه السلام - لم يواجه صاحب الشرط بعينه؛ لأن المقصود يحصل له ولغيره من غير شهرة.

----------------
(١) ستأتي برقم (٢١٦٨).


الثالث عشر:
قوله: («مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ») أي: ليس مشروعًا في حكم الله، قال - عليه السلام -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١).
وقوله: («وإن اشترط مائة مرة») المراد به: التكثير، وحديث عائشة هذا أوضحت الكلام عليه في «شرح العمدة»، وذكرت في آخره خمسين فائدة ملخصة، فراجعها منه (٢).
وموضع الحاجة من الترجمة ومطابقة الحديث: أن المساجد إنما اتخذت للذكر والتلاوة والصلاة وما كان فيها من البيع والشراء وسائر أمور الدنيا، إنما هو للتعليم، والتنبيه على الاحتراز من مواقعة الحرام، ومخالفة السنن، والموعظة في ذلك.
وقد روي النهي عن البيع والشراء في المسجد (٣)، وهو قول مالك وجماعة من العلماء (٤)، وقد روي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم الرجل ينشد فيه الضالة فقولوا: لا رد الله عليك» (٥).

-----------------
(١) سيأتي من حديث عائشة برقم (٢٦٩٧) كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جَوْرٍ فالصلح مردود، ورواه مسلم (١٧١٨) كتاب: الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة، وردّ محدثات الأمور.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٧/ ٢٢٥ - ٢٦٦.
(٣) روي من حديث ابن عمر وواثلة ومعاذ، وقد سبق تخريجها في شرح حديث (٤٥٢).
(٤) انظر: «المنتقى» ١/ ٣١٠، «المجموع» ٢/ ٢٠٣، «الآداب الشرعية» ٣/ ٣٧٥.
(٥) رواه الترمذي (١٣٢١)، والدارمي ٢/ ٨٨٠ (١٤٤١)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (١٥٤)، والنسائي في «السنن الكبرى» ٦/ ٥٢ (١٠٠٥٤)، وابن الجارود في «المنتقى» ٢/ ١٥٦ (٥٦٢)، وابن خزيمة ٢/ ٢٧٤ (١٣٠٥)، وابن حبان =



وذكر مالك عن عطاء بن يسار: أنه كان يقول لمن أراد أن يبيع في المسجد: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا سوق الآخرة (١).
قال الطحاوي: ومعنى البيع الذي نهي عنه في المسجد الذي يغلب عليه ويعمه حتى يكون كالسوق، وأما ما سوى ذلك فلا بأس به، وكذا التحلق الذي نهي عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه، وغير ذلك لا بأس به (٢).
وقد أجمع العلماء أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، إلا أن المسجد ينبغي أن يجنب جميع أمور الدنيا، ولذلك بنى عمر بن الخطاب البطحاء خارج المسجد، وقال: من أراد أن يلغط فليخرج إليها (٣). فوجب تنزيه المسجد عما لم يكن من أمور الله تعالى.

------------
= ٤/ ٥٢٨ (١٦٥٠)، والحاكم ٢/ ٥٦، والبيهقي ٢/ ٤٤٧.
قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وصححه عبد الحق في «الأحكام الوسطى» ١/ ٢٩٥. وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢٩٥).
(١) رواه مالك ١/ ٢٢٦ (٥٨٠).
(٢) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٥٩.
(٣) رواه مالك ١/ ٢٢٦ (٥٨١)، والبيهقي ١٠/ ١٠٣ عن سالم بن عبد الله، عن عمر مرسلًا.



٧١ - باب التَّقَاضِي وَالْمُلَازَمَةِ فِي المَسْجِدِ
٤٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الَمسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُول اللهِ - ﷺ - وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادى: «يَا كَعْبُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هذا». وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيِ: الشَّطرَ قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ». [٤٧١، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧٠٦، ٢٧١٠ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح: ١/ ٥٥١]
ساق فيه حديث الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادى: «يَا كَعْبُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هذا». وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيِ: الشَّطْرَ قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ».
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في أربعة أبواب (١):
أولها: قريبًا في باب: رفع الصوت في المساجد، فقال: حدثنا أحمد، حدثنا ابن وهب، ثم ساقه (٢)، وأحمد هذا فيه أقوال:

---------------------
(١) سيأتي برقم (٤٧١) كتاب: الصلاة، باب: رفع الصوت في المساجد، وبرقم (٢٤١٨) كتاب: الخصومات، باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض، وبرقم (٢٤٢٤) باب: الملازمة، وبرقم (٢٧٠٦) كتاب: الصلح، باب: هل يشير الإمام بالصلح، وبرقم (٢٧١٠) باب: الصلح بالدَّيْن والعَيْن.
(٢) انظر التخريج السابق.



أحدها: هو ابن صالح المصري (١)، قاله ابن السكن، وقال كم: قيل: هو المصري. وقيل: هو أحمد بن عيسى التستري (٢)،
---------------
(١) هو أحمد بن صالح المصري، أبو جعفر الحافظ المعروف بابن الطبري. قال البخاري: أحمد بن صالح ثقة صدوق، ما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة؛ كان أحمد بن حنبل وعلي وابن عُميْر وغيرهم يُثبتون أحمد بن صالح، كان يحيى يقول: سلُوا أحمد فإنه أثبت. قال علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير: سمعت أبا نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن يقول: ما قدم علينا أحد أعلم بحديث أهل الحجاز من هذا الفتى- يريد: أحمد بن صالح. وقال أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي: أحمد بن صالح مصري ثقة صاحب سنة.
قال معاوية بن صالح: سألت يحيى بن معين، عن أحمد بن صالح، فقال: رأيته كذّابًا يخطر في جامع مصر. وقال أبو حاتم: ثقة، كتبت عنه بمصر وبدمشق وبأنطاكية.
وقال أبو سعيد بن يونس: أحمد بن صالح، كان صالح جنديًّا من أهل طبرستان من العجم. ولد أحمد بمصر، وكان حافظًا للحديث. ذكره ابن حبان في «الثقات».
وقال النسائي: مصري ليس بثقة ولا مأمون، تركه محمد بن يحيى، ورماه ابن معين بالكذب.
وقال الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ من العاشرة، تكلم فيه النسائي بسبب أوهام له قليلة، ونقل عن ابن معين تكذيبه، وجزم ابن حبان بأنه إنما تكلم في أحمد بن صالح الشومي، فظن النسائي أنه عَنَى ابن الطبري، مات سنة ثمان وأربعين، وله ثمان وسبعون سنة. اهـ. روى له البخاري وأبو داود والترمذي في «الشمائل».
انظر ترجمته في: «معرفة الثقات» ١/ ١٩٢ (٥)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٦ (٧٣)، «الثقات» ٨/ ٢٥، «تهذيب الكمال» ١/ ٣٤٠ (٤٩)، «تقريب التهذيب» (٤٨).
(٢) هو أحمد بن عيسى بن حسان المصري، أبو عبد الله بن أبي موسى العسكري المعروف بالتستري. كان يتجر إلى تُسْتَر فعرف بذلك، وقيل: إن أصله من الأهواز.
قال أبو عبيد الآجُرِّيّ: سألت أبا داود عنه، فقال: سمعت يحيى بن معين يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه كذاب. وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه. قال أبو زرعة: ما رأيت أهل مصر يشكُّون في أن أحمد بن عيسى -وأشار أبو زرعة إلى لسانه- كأنه يقول: الكذب. قال الحافظ أبو بكر: ما رأيت لمن تكلم في أحمد بن عيسى حجة توجب ترك الاحتجاج بحديثه. قال أبو القاسم البغوي وأبو الحسين بن قانع =



ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما، فقد روى عنهما في «الجامع» ونسبهما في مواضع.
وقال الكلاباذي: قال لي أبو أحمد الحافظ: أحمد عن ابن وهب في كتاب البخاري هو ابن أخي ابن وهب، قال الحاكم: من قال هذا غلط ووهم، وقال ابن منده: كلما قال البخاري: أحمد عن ابن وهب، هو ابن صالح، وإذا حدث عن ابن عيسى نسبه، ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب في «الصحيح» شيئًا ويؤيد من قال أنه أحمد بن صالح روايةُ أبي داود: هذا الحديث عن أحمد بن صالح عن ابن وهب (١)، ورواه أبو نعيم من حديث أحمد بن صالح عنه، ثم قال: رواه البخاري عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب.
ثانيها: في الإشارة بالصلح، ولفظه: عن كعب: أنه كان له دين على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما فمر بهما النبي - ﷺ - .. الحديث.
ثالثها: في الملازمة عن يحيى بن بكير عن الليث قال غيره: حدثني الليث حدثني جعفر؛ وعنى بالغير: عبد الله بن صالح كاتب الليث.
رابعها: في الإشخاص، في باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض، وكأنه أخذ ذلك من قوله: (فارتفعت أصواتهما) فإن ظاهره أن ذلك منه.

----------------
= وأبو سعيد بن يونس: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين بسرَّ من رأى.
قال الحافظ ابن حجر: صدوق تكلم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين. روى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
وانظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ٦٤ (١٠٩)، «تهذيب الكمال» ١/ ٤١٧ (٨٧)، «تقريب التهذيب» (٨٦).
(١) «سنن أبي داود» (٣٥٩٥).



نعم، ذلك ظاهر في حديث الأشعث مع خصمه أنه لا يتورع، وقد أدخله في الباب معه (١)، وهو ظاهر فيه.
وأخرجه مسلم في البيوع معطوفًا بعد أن وصله، فقال: روى الليث قال: حدثني جعفر، فذكره (٢)، وفي النسائي: رواه معمر عن الزهري أن كعبًا .. فأرسله (٣).
وفي الطبراني من حديث (زمعة) (٤) بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - مر به وهو ملازم رجلًا في أوقيتين، فقال له - ﷺ -: «هكذا؟! تضع الشطر» (٥)؛ فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أد إليه ما بقي من حقه» (٦)، وفيه أيضا، من حديث ابن لهيعة، عن الأعرج، عن ابن كعب، عن أبيه (٧) (٨).

-----------------
(١) سيأتي من حديث عبد الله بن مسعود برقم (٢٤١٧).
(٢) مسلم (١٥٥٨).
(٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٧٦ (٥٩٦٦)، ورواه متصلًا في «المجتبى» ٨/ ٢٣٩، ٢٤٤.
(٤) كذا في (س)، وقد تحرف في «المعجم الكبير» لـ: معاوية. قال الطبراني: حدثنا أبو حصين القاضي، ثنا يحيى الحماني، قالا: ثنا وكيع، عن معاوية بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب، عن أبيه. فذكره. وقد روى زمعة، عن الزهري وروى عنه وكيع كما في ترجمته في «تهذيب الكمال» ٩/ ٣٨٦ (٢٠٠٣)، وهو من الطبقة السادسة كما قال الحافظ في «التقريب» (٢٠٣٥).
أما من اسمه معاوية بن صالح فهما اثنان، معاوية بن صالح بن حُدَيْر، وهو من الطبقة السابعة كما في «التقريب» (٦٧٦٢)، والثاني معاوية بن صالح بن أبي عبيد الله الأشعري، وهو من الطبقة الحادية عشرة كما في «التقريب» (٦٧٦٣)، وكلاهما لم يرويا عن الزهري، ولا روى عنهما وكيع.
(٥) كذا في (س)، وفي المطبوع من «المعجم الكبير»: هكذا تضع عن الشطر.
(٦) «المعجم الكبير» ١٩/ ٦٦ - ٦٧ (١٢٦).
(٧) «المعجم الكبير» ١٩/ ٩٢ (١٧٧).
(٨) ورد في هامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الثالث بعد الستين كتبه مؤلفه.



إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: أبو حدرد اسمه سلا مة، وقيل: عبد، وقيل: أسيد. ذكره ابن الجوزي.
وولده عبد الله مدني صحابي على الأصح، شهد الحديبية فما بعدها، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة (١)، وقي الصحابة حدرد بن أبي حدرد، وقيل: في نسبه كنسب هذا -فيكون أخاه- بصري له حديث في أبي داود (٢).
وكعب: سلمي شاعر أحد السبعين الذين شهدوا العقبة، والثلاثة الذين تيب عليهم، ووهم من قال: شهد بدرًا، مات بالمدينة بعد الأربعين، أو إحدى وخمسين عن سبع وسبعين (٣)، وابنه عبد الله قائد

-------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٤/ ٣٠٩، «الاستيعاب» ٤/ ١٩٦ (٢٩٤٢)، «أسد الغابة» ٦/ ٦٩ (٥٧٩٧)، «الإصابة» ٤/ ٤٢ (٢٥٩).
(٢) هو حَدْرَد بن أبي حَدْرَد أبو خراش السُّلمي، ويقال: الأَسْلَمى، له صحبة، يعدّ في المدنيين.
روى له البخاري في «الأدب المفرد» (٤٠٤)، وأبو داود في «سننه» (٤٩١٥) حديثًا واحدًا، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه». صححه الألباني في تعليقه على «الأدب المفرد».
انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ١/ ٤٦٤ (١١٠٤)، «تهذيب الكمال» ٥/ ٤٨٧ (١١٤٢)، «الإصابة» ١/ ٣١٦ (١٦٤٠).
(٣) في هامش (س) وبخط ناسخها: (جزم الذهبي في «الكاشف» أن كعبًا توفي سنة ٤٥ هـ وكذلك في الروايات، وفي «تهذيب النووي» قيل: توفي سنة ٤٠ هـ.) أهـ.
هو كعب بن مالك بن أبي كعب، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد الرحمن، خزرجي أنصاري سلمي، أمه ليلى بنت زيد بن ثعلبة من بني سلمة أيضًا، لما قدم على رسول الله - ﷺ - آخى بين كعب وبين طلحة بن عبيد الله حين آخى بين المهاجرين والأنصار، كان أحد شعراء رسول الله - ﷺ - الذين كانوا يردّون الأذى عنه، أحد الثلاثة الأنصار الذين قال الله فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا =



أبيه لما عمي، ثقة تابعي مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (١).
ثانيها:
معنى (يقاضي): طلبه بالدين، وأراد قضاءه.
و(سجف) بكسر السين المهملة وفتحها، ثم جيم، ثم فاء، وهو الستر كما قال ابن سيده (٢)، وقيل: هو الستران المقرونان، بينهما فرجة، وكل باب ستر بسترين هرويين فكل شق منه سجف (٣)، وقال الطبري: الرقيق منه يكون في مقدم البيت، ولا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين (٤). وقال الداودي: هو الباب.
ثالثها:
قوله: قال: «»ضع من دينك«) كذا هو في»الصحيح«وفي»معجم الطبراني«من طريق زمعة بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن

-----------------
= ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾. حيث تخلفوا عن غزوة تبوك، فتاب الله عليهم.
انظر ترجمته في:»الاستيعاب«٣/ ٦٨١ (٢٢٣١)،»أسد الغابة«٤/ ٤٨٧ (٤٤٧٨)،»الإصابة«٣/ ٣٠٢ (٧٤٣٣)،»تهذيب الكمال«٢٤/ ١٩٣ (٤٩٨١).
(١) عبد الله بن كعب بن مالك: قال أبو زرعة: ثقة. ذكره ابن حبان في»الثقات«. وقال ابن سعد: كان كعب بن مالك قد عمي، وكان ابنه عبد الله قائده، وقد سمع عبد الله بن كعب من عثمان وكان ثقة، وله أحاديث.
قال ابن حبان: مات في ولاية سليمان بن عبد الملك سنة سبع أو ثمان وتسعين.
روى له الجماعة سوى الترمذي.
انظر ترجمته في:»الطبقات الكبرى«٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣،»الجرح والتعديل«٥/ ١٤٢ (٦٦٤)،»الثقات«لابن حبان ٥/ ٦،»تهذيب الكمال«١٥/ ٤٧٣ (٣٥٠١).
(٢)»المحكم«٧/ ١٩٨، مادة: (سجف).
(٣) السابق.
(٤) انظر:»تهذيب اللغة«٢/ ١٦٣٣،»النهاية في غريب الحديث والأثر«٢/ ٣٤٣،»لسان العرب" ٤/ ١٩٤٤ - ١٩٤٥، مادة: (سجف).



مالك، عن أبيه أنه - ﷺ - مر به وهو ملازم رجلًا في أوقيتين، فقال - ﷺ -: «هكذا يضع عنك الشطر» فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أد إليه ما بقي من حقه» (١).
وظاهر هذِه الرواية أنه قال ذلك للغريم، وفيها تعيين مقدار الدين.
رابعها:
فيه: دلالة على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش؛ لعدم الإنكار منه - ﷺ -؛ فإن تفاحش كان ممنوعا؛ لأنه - ﷺ - نهى عن رفع الأصوات في المسجد؛ روي من طريق جبير بن مطعم، وابن عمر وغيرهما (٢)، وإن ضعفت، وعن مالك: لا بأس أن يقضي الرجل الرجل في المسجد رهنًا فأمَّا بمعنى التجارة والصرف، فلا أحبه (٣).
خامسها:
فيه الاعتماد على الإشارة لقوله: (وأومأ إليه) أي: الشطر، وإنها بمنزلة الكلام إذا فهمت لدلالتها عليه، فصح على هذا يمين الأخرس، ولعانه وعقوده إذا فهم عنه ذلك، وهذا الأمر منه - ﷺ - على جهة الإرشاد إلى الصلح، وهو صلح على الإقرار المتفق عليه؛ لأن نزاعهما لم يكن في الدين إنما كان في التقاضي، وأما الصلح على الإنكار، فأجازه أبو حنيفة ومالك، وهو قول الحسن، وأبطله الشافعي وابن أبي ليلى (٤).

----------------
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) تقدم تخريجهما في شرح حديث (٤٥٢) بنحوه.
(٣) «المنتقى» ١/ ٣١١.
(٤) انظر: «المبسوط» ٢٠/ ١٣٣ - ١٣٤، «أنواء البروق» ٤/ ٦ - ٧، «الأم» ٧/ ١٠٢، «المغني» ٧/ ٦.



سادسها:
فيه: الشفاعة إلى صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم، وحسن التوسط بينهم، وقبول الشفاعة في غير معصية.
سابعها:
قوله: («قُمْ فَاقْضِهِ») أمر إيجاب؛ لأن رب الدين لما أطاع بوضع ما أمر به تعين على المديون أن يقوم بما بقي عليه لئلا يجتمع على رب الدين وضيعة ومطل، وهكذا ينبغي أن يبت الأمر بين المتصالحين، فلا يترك دينهما علقة ما أمكن.
ثامنها:
فيه أيضا: أن الحاكم إذا سمع قول الخصمين أن يشير عليهما بالصلح، ويأمرهما به وأنه إذا ثبت عنده عسر المديون يأمر بالوضيعة؛ لقطع الخصوم، وإصلاح ذات البين.
تاسعها:
قوله: (حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ) كذا هنا، وفي أخرى: (مر بهما) (١)، فيحتمل أنه مر بهما أولًا، ثم إن كعبًا أشخصه للمحاكمة في المسجد، فهناك نظر إليهما من سجف الحجرة.

-----------------
(١) ستأتي برقم (٢٤٢٤).


٧٢ - باب كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ
٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ -أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ- كَانَ يَقُمُّ الَمسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْة، فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ، دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ». أَوْ قَالَ: «قَبْرِهَا». فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيهِ. [٤٦٠، ١٣٣٧ - مسلم: ٩٥٦ - فتع: ١/ ٥٥٢]
ساق فيه حديث حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ -أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ- كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: «أَفلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ، دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ». أَوْ قَالَ: «قَبْرِهَا». فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع، أخرجه قريبًا في باب الخدم في المسجد، وفيه: أن امرأة أو رجلا (١) كما وقع هنا، ثم قال: ولا أراه إلا امرأة (٢)، ويأتي في الجنائز أيضا (٣)، وجاء في بعض الروايات: أنها امرأة سوداء بغير شك (٤).

----------------
(١) سيأتي برقم (٤٦٠) كتاب: الصلاة.
(٢) في هامش (س) وبخط ناسخها: هذِه المرأة هي أم محجن، كذا قاله ابن بريدة عن أبيه، كما ساقه عبد الله إليه، وفيه: قالوا: يا رسول الله، هذِه أم محجن كانت مولعة بأن تلقط القذى من المسجد. وكذا قاله ابن بشكوال والذهبي في «تجريده» وعزاه إلى ابن بريدة عن أبيه.
(٣) سيأتي برقم (١٣٣٧) باب: الصلاة على القبر بعد ما يدفن.
(٤) رواها ابن ماجه (١٥٢٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٧٢ (١٢٩٩، ١٣٠٠)، =



وأخرجه مسلم بلفظ: أن امرأة أو شابًا وفيه: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال:»دلوني على قبره«فصلى عليه، ثم قال: إن هذِه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم» (١).
قال البيهقي: الذي يغلب على القلب أن هذِه الزيادة في غير رواية أبي رافع، عن أبي هريرة، فإما أن تكون عن ثابت عن أنس عن النبي - ﷺ - مرسلًا كما رواه أحمد بن عبدة ومن تابعه، أو عن ثابت عن أنس عن النبي - ﷺ - كما رواه خالد بن خداش [عن حماد بن زيد، عن ثابت] (٢)، عن أبي رافع، عن أبي هريرة فلم يذكرها، قال: وروى حماد بن واقد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - صلَّى على قبر بعد ثلاثة أيام، وحماد ضعيف، قال: وهذا التأقيت لا يصح البتة (٣).
وفي «صحيح ابن حبان» من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ -، فلما ورد البقيع إذا بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل: فلانة. فعرفها وقال: «ألا آذنتموني بها؟ قالوا: كنت قائلًا صائمًا فكرهنا أن نؤذيك. قال: أفلا تفعلوا، (ألا) (٤) أعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه رحمة له». ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعًا (٥).

---------------
= والبيهقي ٤/ ٤٧.
(١) مسلم (٩٥٦) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر.
(٢) في «سنن البيهقي»: وقد رواه غير حماد عن ثابت.
(٣) «سنن البيهقي» ٤/ ٤٧ - ٤٨.
(٤) كذا بالأصل، وفي ابن حبان: (لا)؛ وهو الصواب.
(٥) «صحيح ابن حبان» ٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧ (٣٠٨٧).



وفي سماع خارجة من يزيد وقفة؛ لأن يزيد قتل باليمامة سنة ثنتي عشرة (١)، وخارجة مات سنة مائة أو أقل عن سبعين سنة (٢)، وفي الدارقطني عن أنس أن رجلًا كان ينظف المسجد فمات، فدفن ليلا فأتي النبي - ﷺ - وأخبر فقال: «اطلبوا لي قبره» فذكره بالتنوير (٣)، كما سلف.
الثاني:
الحديث دال على الكنس -كما ترجم له- والتقاط ما ذكر في معناه ولا زمه.
و(يقم المسجد) يكنسه، و(القمامة) بضم القاف: الكناسة.
الثالث:
فيه ما كان عليه من تفقد أحوال ضعفاء المسلمين وما جبل عليه من التواضع والرأفة والرحمة، والتنبيه على أنه لا ينبغي احتقار مسلم ولا تصغير أمره.
الرابع:
فيه جواز الصلاة على القبر، وهي مسألة خلافية، جوزه طائفة، منهم: علي (٤)، وأبو موسى (٥)، وابن عمر (٦)، وعائشة (٧)،

---------------
(١) انظر: «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٩٩.
(٢) انظر: «تهذيب الكمال» ٨/ ١٢.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ٧٧ بلفظ: «انطلقوا إلى قبره».
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٤٤ (١١٩٣٦).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٤٤ (١١٩٤١)، «الأوسط» لابن المنذر ٥/ ٤١٣.
(٦) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٥١٩ (٦٥٤٦)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٤٤ (١١٩٣٩)، «الأوسط» ٥/ ٤١٢.
(٧) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٥١٨ (٦٥٣٩)، «مصنف ابن أبى شيبة» ٣/ ٤٤ (١١٩٣٨)، «الأوسط» ٥/ ٤١٢.



وابن مسعود، والشافعي (١)، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (٢).
ومنعه آخرون منهم: أبو حنيفة، والنخعي (٣)، والحسن (٤)، ومالك، والثوري، والليث (٥).
وتوسط بعضهم فقيد الجواز بما إذا لم يصلَّ الولي أو الوالي، وتمسكوا بظاهر الحديث فإنه - ﷺ - لم يصلَّ عليه وخصوا ذلك بالشارع؛ لأجل تنويره وغيره ليس كهو.
ثم اختلف من قال بالجواز إلى كم يجوز؟ فقيل: إلى شهر. وقيل: ما لم يبل جسده (٦). وقيل: أبدًا، والمسألة مبسوطة في الفروع، وسيكون لنا عودة إليها في الجنائز إن شاء الله وقدره (٧).
الخامس:
فيه الحض على كنس المسجد وتنظيفه، وأنه ذكر في معرض الصلاة عليه بعد الدفن، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه كنس المسجد، ذكر ابن أبي شيبة عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يعقوب بن زيد أنه - ﷺ - كان يتبع غبار المسجد بجريدة (٨)، وعن وكيع، حدثنا كثير بن زيد، عن

------------------
(١) «الأم» ١/ ٢٤٠.
(٢) انظر: «المغني» ٢/ ٤٦٨.
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٥١٩ (٦٥٤٤)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٤٥ (١١٩٤٥).
(٤) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٥١٩ (٦٥٤٧)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٤٥ (١١٩٤٧).
(٥) انظر: «المبسوط» ١/ ٢٠٦، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٠٢، «النوادر
والزيادات» ١/ ٢١٩ - ٢٢٠.
(٦) انظر: «البناية» ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧، «شرح منح الجليل» ١/ ٣١٦، «الأم» ١/ ٢٤٠، «الأوسط» لابن المنذر ٥/ ٤١٢ - ٤١٤، «المغني» ٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥.
(٧) سيأتي في شرح حديث (١٣٣٧) باب: الصلاة على القبر بعد ما يدفن.
(٨) ابن أبي شيبة ١/ ٣٤٩ (٤٠١٩). وموسى بن عبيدة هو الزبدي، منكر الحديث.
انظر: «تهذيب الكمال» ٢٩/ ١٠٤ - ١١٣ (٦٢٨٠).



المطلب بن عبد الله بن حنطب أن عمر أتى مسجد قباء على فرس له، فصلى فيه، ثم قال: يا يرفأ، ائتني بجريدة. فأتاه بجريدة فاحتجز عمر بثوبه ثم كنسه (١).
السادس:
فيه خدمة الصالحين والتبرك بذلك (٢)، والسؤال عن الخادم والصديق إذا غاب وافتقاده، والرغبة في شهادة جنائز الصالحين، وجواز الصلاة في المقبرة.

------------------
(١) ابن أبي شيبة ١/ ٣٤٩ (٤٠١٦).
(٢) تقدم أن ذلك خاص بشخص رسول الله - ﷺ - حال حياته، ولا يحمل على العموم لتضافر الأدلة الصحيحة على عدم وقوع ذلك بين الصحابة، وانظر تمام التعليق عند حديث رقم (١٩٤).



٧٣ - باب تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المَسْجِدِ
٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا، خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الَمسْجِدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الَخمْرِ. [٢٠٨٤، ٢٢٢٦، ٤٥٤٠، ٤٥٤١، ٤٥٤٢، ٤٥٤٣ - مسلم: ١٥٨٠ - فتح: ١/ ٥٥٣]
ساق من حديث أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا، خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى المَسْجِدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ.
هذا الحديث ذكره البخاري في باب: آكل الربا وشاهده وكاتبه (١)، وفي باب: تحريم تجارة الخمر (٢) وتفسير قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، ثم ذكره معلقًا عن الفريابي، عن سفيان يعني الثوري، عن منصور والأعمش به (٥).
ووصله الإسماعيلي عن القاسم بن حسين بن محسر الأبيوردي، عن حسين بن حفص، قال: وحدثنا ابن زنجويه عن الفريابي به، وكأن وجه دخوله هنا أن الآيات هنا متعلقة بالربا، فكأن الإشارة إلى الجمع.
وزعم عياض أن تحريم الخمر في سورة المائدة ونزولها كان قبل

---------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٨٤) كتاب: البيوع.
(٢) سيأتي برقم (٢٢٢٦) كتاب: البيوع.
(٣) سيأتي برقم (٤٥٤١) كتاب: التفسير.
(٤) سيأتي برقم (٤٥٤٢) كتاب: التفسير.
(٥) سيأتي برقم (٤٥٤٣) كتاب: التفسير.



نزول آية الربا بمدة طويلة، وأن آية الربا آخر -أو من آخر- ما نزل (١)،
فيحتمل أن يكون هذا النهي متأخرا عن تحريمها، ويحتمل أنه أخبر بتحريمها حين حرمت، ثم أخبر به مرة أخرى بعد نزول آية الربا تأكيدًا ومبالغة في إشاعته، ولعله حضر المسجد من لم يكن بلغه تحريم التجارة فيها قبل، وحكم التجارة في الخمر والربا يأتي في موضعه إن شاء الله.
وغرض البخاري هنا في هذا الباب -والله اعلم- أن المسجد لما كان للصلاة ولذكر الله منزها عن ذكر الفواحش، والخمر والربا من أكبر الفواحش، فلما ذكر الشارع تحريمهما في المسجد ذكر أنه لا بأس بذكر المحرمات والأقذار في المسجد على وجه النهي عنها والمنع منها.

----------------
(١) «إكمال المعلم» ٥/ ٢٥٣.


٧٤ - باب الخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهُا.

٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ اَمْرَأةً -أَوْ رَجُلًا- كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ -وَلَا أُرَاهُ إِلَّا امْرَأَةً- فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ. [انظر: ٤٥٨ - مسلم: ٩٥٦ - فتح: ١/ ٥٥٤]
ثم ساق حديث أبي هريرة السالف.
وهذا الأثر ذكره الضحاك، عن ابن عباس في «تفسيره»، وفيه: وقف الإنسان على مصالح المسلمين ونفعهم.


٧٥ - باب الأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي الْمَسْجِدِ
٤٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةَ نَحْوَهَا- لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ؛ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. [ص: ٣٥] قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا. [١٢١٠، ٣٢٨٤، ٣٤٢٣، ٣٤٢٣، ٤٨٠٨ - مسلم ٥٤١ - فتح: ١/ ٥٥٤]
ساق حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:»إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ؛ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. [ص: ٣٥] قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري هنا، وفي أواخر الصلاة (١)، وأحاديث الأنبياء (٢)، وصفة إبليس (٣)، وسورة ص من التفسير (٤)، وأخرجه مسلم في الصلاة (٥).

----------------
(١) سيأتي برقم (١٢١٠) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوزمن العمل في الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (٣٤٢٣) باب: قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٨٤) كتاب: بدء الخلق.
(٤) سيأتي برقم (٤٨٠٨) باب: قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.
(٥) مسلم (٥٤١) كتاب: المساجد، باب: جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة ..




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #146  
قديم 27-01-2026, 11:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 587 الى صـــ 606
الحلقة (146)



ثانيها:
(سليمان) هو ابن داود صلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر الأنبياء، ذكره الله تعالى في القرآن العظيم في مواضع.
وسيأتي في حديث أبي هريرة في قصة المرأتين في عدو الذئب على أحد ولديهما (١)، وكان والده يشاوره في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله، وفيه قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في نبوته وملكه وحكمه دون سائر أولاد داود.
وذكر الثعالبي في «عرائسه»، قال: وكان لداود اثنا عشر ابنا، وكان سليمان ملك الشام، وقيل: ملك الأرض كلها. وروي عن ابن عباس قال: ملك الأرض مؤمنان: سليمان وذو القرنين، وكافران: نمروذ وبختنصر (٢).
قال كعب ووهب: كان سليمان أبيض جسيما وسيما وضيئا جميلا خاشعا متواضعا، يلبس الثياب البيض، ويجالس المساكين، ويقول: مسكين جالس مساكين. وكان حين ملك كبير الغزو لا يكاد يتركه يحمله الرمح هو وعسكره وداوبهم حيث أرادوا، وتمر به وبعسكره الريح على المزر لا يحركها.
وعن محمد بن كعب القرظي: بلغنا أن عسكر سليمان كان مائة
فرسخ: خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة

-------------------
(١) سيأتي برقم (٣٤٢٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، ورواه مسلم (١٧٢٠) كتاب: اللقطة، باب: بيان اختلاف المجتهدين.
(٢) رواه الطبري ٣/ ٢٧ (٥٨٧٥) من قول مجاهد، وكذلك ذكره ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٤٥١، والسيوطي في «الدر» ١/ ٥٨٦ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.



وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين، وملك وهو ابن (ثلاث عشرة) (١) سنة، وابتدأ ببيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأربع سنين.
ثالثها:
العفريت: وزنه فِعْلِيت، العاتي المتمرد من الجن الخبيث المنكر النافذ في الأمر المبالغ فيه، وقرئ: (عفرية من الجن) (٢) قال الجوهري: إذا سكنت الياء صيرت الهاء تاء، وإذا حركتها فالتاء هاء في الوقف (٣).
ومعنى: («تفلت علي»): تعرض علي فلتة أي: فجأة، وفي مسلم: (يفتك) بدل (تفلت)، وهو الأخذ في غفلة وخديعة وسرعة، وهو المراد بقوله في البخاري: أو كلمة نحوها، قال ابن قرقول: يفتك بضم التاء وكسرها، والفتك هنا تصحيف من تفلت كما في البخاري أي: توثب وأسرع لإضراري والجمع: فلتات.
رابعها:
(البارحة) أقرب ليلة مضت، قال في «المحكم»: هي الليلة الخالية ولا تحقر. قال ثعلب: يحكى عن أبي زيد أنه قال: تقول: مُذْ غدوة إلى أن تزول الشمس قد سرينا الليلة، وفيما بعد الزوال إلى آخر النهار رأيت البارحة (٤).

------------------
(١) في (س): ثلاثة عشر. وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
(٢) قرأ أبو رجاء وأبو السمال: (عِفْريةٌ)، وقرأ أبو حيوة: (عَفْرِيةٌ). انظر: «مختصر في شواذ القرآن» لابن خالويه ص ١١١.
(٣) «الصحاح» ٢/ ٧٥٢.
(٤) «المحكم» ٣/ ٢٢٤ مادة: برح.



وفي «المنتهى» لأبي (المعالي) (١): كل زائل بارح، ومنه سميت
البارحة أدني ليلة زالت عنك، تقول: لقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثلاث ليال. وقال قاسم في «دلائله»: يقال بارحة الأولى يضاف الاسم إلى الصفة كما يقال: مسجد الجامع، ومنه الحديث: كانت لي شاة فعدا عليها الذئب بارحة الأولى (٢).
خامسها:
فيه دلالة على وجود الجن، وأنه قد يراهم بعض الآدميين، وإن قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ محمول على الغالب، فرؤيتهم غير مستحيلة؛ لأنهم أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف فدركه غير مستحيل.
قال الخطابي: وقد رأينا غير واحد من الثقات وأهل الزهد والورع، وبلغنا عن غير واحد من أهل الرياضة وأهل الصفاء والإخلاص من أهل المعرفة أنهم يخبرون أنهم يدركون أشخاصهم.
قلت: ورأيت أنا بعضهم في اليقظة (وسلمت) (٣) عليه، وسلم عليَّ بعضهم نهارًا من غير رؤية شخصه، قال: وروينا عن عمر بن الخطاب وأبي أيوب الأنصاري وغير واحد من الصحابة رؤية الجن، ومعالجتهم إياهم في غير طريق من حديث الأثبات والثقات من النقلة (٤).

------------------
(١) في الأصل: (المعاني)، والمثبت هو الصواب.
(٢) رواه الطبراني في «الأوسط» ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣ (٢٩٢٦)؛ وفيه: ما بقيت لنا إلا شارة واحدة بعتها الذئب البارحة. وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٣٠٦: نيه جماعة لم أعرفهم.
(٣) كلمة غير واضحة بالأصل، لعلها ما وصفنا، ورسمها في الأصل يقاربه (ملتت).
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠.



وقد قيل: إن رؤيته كانت للعفريت وبجسمه حتى يربطه من خصوصياته كما خص برؤية الملائكة، وقد رآه يوم انصرافهم عن الخندق، ورأى في هذِه الليلة الشيطان وأقدر عليه لتجسمه؛ لأن الأجسام ممكن القدرة عليها، وأما غيره من الناس فلا يتمكن من هذا، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره - ﷺ - للآية السالفة، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل للأنصاري في بيته صورة حية فقتله، فمات الأنصاري، ومن ذلك - ﷺ - في قوله: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (١).
وسموا جنًّا لاستتارهم، وهم نوع من العالم، والإجماع قائم على وجودهم، وإنما أنكرت المعتزلة تسلطهم على البشر فقط.
سادسها:
معنى قوله: «فذكرت قول أخي سليمان أنه أعطي مملكة الجن، فلم أرد أن أزحمه فيما أعطي» فإذا لم يربطه، ويبعد أنه قال ذلك مع عدم القدرة عليه، وهذا الربط يحتمل أن يكون بعد تمامها، ويحتمل أن يكون فيها؛ لأنه شغل بشر.
سابعها:
فيه إباحة ربط ما ذكر في المسجد، وعليه ترجم البخاري: والأسير مثله. قال المهلب: وفيه ربط من خشي هروبه لحق عليه أو دين، والتوثق منه في المسجد، وغيره حكاه ابن بطال عنه، ثم قال: ورؤيته للعفريت هو مما خص به كما خص برؤية الملائكة، فقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح، وأخبرنا الله تعالى بذلك بقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾.

-----------------
(١) رواه مسلم برقم (٢٢٣٦) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها.


وبقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ وقد رآهم (١)، وهذا قد أسلفناه.
ثامنها:
قوله: «فرده الله خاسئا» أي: ذليلا صاغرا مطرودا، يقال: خسأ الكلب خسوءًا: تباعد، وخسأته: قلت: اخسأ، واعلم أن في بعض نسخ البخاري بعد هذا الباب الاغتسال إذا أسلم، وعليه مشى ابن بطال في «شرحه» (٢) ونحن أيضا، وفي بعضها ذكر الحديث الذي فيه من غير تبويب، وهو مطابق لما بوب له من ربط الأسير مطابقة ظاهرة؛ لأن ثمامة كان أسيرًا وغريما للصحابة لما جاءوا به.
قال ابن المنير: ويجوز أن يكون البخاري سلك عادته في الاستدلال بالخفي والإعراض عن الجلي (اكتفاء) (٣) بسبق الأفهام إليه، ويجوز أن يكون ترك الاستدلال بحديث ثمامة؛ لأنه - ﷺ - لم يربطه، ولم يأمر بربطه، وحيث رآه مربوطًا قال: «أطلقوا ثمامة» فهو بأن يكون إنكارًا لفعلهم أولى منه بأن يكون تقريرًا بخلاف قصة العفريت، فإنه - ﷺ - هم بربطه.
قلت: في وفد بني حنيفة غدا عليه ثلاثة أيام، وهو كذلك، فإن تقرير
أكثر من ذلك على أن ابن إسحاق ذكر أنه - عليه السلام - أمر بربطه (٤)؛ فزال ما ذكره.
وفي بعض النسخ: وكان شريح يأمر بالغريم أن يحبس إلى سارية المسجد (٥).

-------------------
(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال ٢/ ١٠٩.
(٢) المصدر السابق.
(٣) في الأصل: اكتفى. والمثبت كما في «المتواري».
(٤) «المتواري» ص ٨٨.
(٥) سيأتي قريبًا قبل الحديث الآتي.



وهذا رواه معمر عن أيوب، عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه، وإن أعطى حقه، وإلا أمر به إلى السجن (١).
--------------------
(١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ٣٠٦ (١٥٣١٠).


٧٦ - باب الاِغْتِسَالِ إِذَا أَسْلَمَ، [وَرَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ
وَكَانَ شُرَيْحٌ يَأْمُرُ الغَرِيمَ أَنْ يُحْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ المَسْجِدِ] (١).

٤٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ». فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الَمسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَا رَسُولُ اللهِ. [٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٤٣٧٢ - مسلم: ١٧٦٤ - فتح: ١/ ٥٥٥]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ». فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه قريبًا أيضًا (٢)، وفي الإشخاص (٣) ومطولًا في وفد بني حنيفة من المغازي (٤).

-------------------
(١) لم تقع في الأصل، وهي من «اليونينية».
(٢) سيأتي برقم (٤٦٩) باب: دخول المشرك المسجد.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٢٢) كتاب: الخصومات، باب: التوثيق ممن تخشى معرته، وبرقم (٢٤٢٣) باب: الربط والحبس في الحرم.
(٤) سيأتي برقم (٤٣٧٢) باب: وفد بني حنيفة.



وأخرجه مسلم في المغازي (١)، وطرقه الدارقطني في «علله»، وقال: طريقة البخاري هي الصواب (٢).
ووقع في كتاب ابن المنير أن البخاري أخرجه في البيع والشراء في المسجد، ومعه شيخنا في «شرحه»، وهو عجيب فليس فيه إلا حديث بريرة كما سلف، ثم قال: ووجه المطابقة أن الذي تخيل المنع إنما أخذه من ظاهر: «إن هذِه المساجد إنما بنيت للصلاة وذكر الله». فبين البخاري تخصيص هذا العموم بإجازة فعل غير الصلاة في المسجد، وهو ربط ثمامة؛ لأنه لمقصود صحيح، والبيع كذلك (٣).
وهذا أعجب من الأول، وليته على تقدير وجدانه فيه، وأنى له ذلك، استنبط ذلك من قوله في وفد بني حنيفة: (إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل) قيده مساومة وبيع في النفس والمال.
ثانيها:
هذا الحديث روي أيضا من حديث ابن عباس أخرجه ابن منده في «معرفة الصحابة» من حديث علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن ثمامة بن أثال الحنفي أتى النبي - ﷺ - أسيرًا فخلى سبيله، فلحق بمكة فحال بين أهل مكة والميرة من اليمامة، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله - ﷺ - فقال: ألست تزعم أنك بعثت بالرحمة؟ قال: «بلى». قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦] الآية (٤).

-------------------
(١) مسلم (١٧٦٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: ربط الأسير وحبسه.
(٢) «علل الدارقطني» ٨/ ١٦١ - ١٦٢.
(٣) «المتواري» ص ٨٨.
(٤) رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ١/ ٥٠٧ (١٤٢٢) من طريق عبد المؤمن بن =



ثالثها:
(ثمامة): -بالثاء المثلثة المضمومة- ابن أثال -بضم الهمزة، ثم ثاء مثلثة مفتوحة وبعد الألف لام؛ مصروف- ينتهي نسبه إلى عدنان، وهو سيد أهل اليمامة، وكناه ابن الطلاع أبا أمامة وسماه أثاثة، قال: ويقال: ثمامة، وإسلامه قبل الفتح.
رابعها:
أخذ ابن المنذر من هذا الحديث جواز مكث الجنب المسلم في المسجد، وأنه أولى من المشرك؛ لأنه ليس بنجس، بخلاف المشرك، وروى ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان أن مشركي قريش حين أتوا رسول الله - ﷺ - في نداء من أسلم منهم ببدر كانوا يبيتون في مسجد الرسول منهم جبير بن مطعم (…) (١)، وسيأتي حديثه عند البخاري (٢).
خامسها:
في ربطه بالسارية جواز ربط الأسير وحبسه وإدخال الكافر المسجد، ومذهبنا جوازه بإذن المسلم سواء كان الكافر كتابيًّا أو غيره. واستثنى الشافعي من ذلك مسجد مكة وحرمه (٣)، وذكر ابن التين عن مجاهد وابن محيريز جواز دخول أهل الكتاب فيه (٤).

------------------
= خالد، عن علباء بن أحمر، به. ولعله فيما خرم من «معرفة الصحابة» لابن منده؛ إذ هناك خرم في المطبوعة من حرف الثاء والجيم وصدرا من الحاء.
(١) كلام غير واضح بالأصل.
(٢) سيأتي برقم (٣٠٥٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: فداء المشركين.
(٣) «الأم» ١/ ٤٦، واستدل بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾.
(٤) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٦١ (٨٧٧٦)، (٨٧٧٧).



وقال عمر بن عبد العزيز (١) وقتادة ومالك (٢): لا يجوز. ونقله القرطبي عن المزني أيضًا (٣).
وقال أبو حنيفة: يجوز للكتابي دون غيره (٤). وكان حجته ما رواه أحمد في «مسنده» من حديث جابر مرفوعًا: «لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم» (٥).
وحجة الشافعي حديث ثمامة، وبأن ذات المشرك ليست نجسة، ومالك أخذ بظاهر الآية، وأنه خاص بالحرم، ومقتضاه تنزه المساجد عنهم كما تنزه عن سائر الأنجاس، عنده أنه نجس لما يخالطه منها إذ كان لا ينفك عنها ولا يتحرز عنها، وبقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، ودخول الكافر فيها مناف لذلك، وبقوله - ﷺ -: «إن هذِه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر» (٦). والكافر لا يخلو عن ذلك، وبالحديث السائر: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (٧). والكافر جنب.

-----------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٦١ (٨٧٧٨).
(٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٥٣٥، «البيان والتحصيل» ١/ ٤٠٩.
(٣) «المفهم» ٣/ ٥٨٣.
(٤) «بدائع الصنائع» ٥/ ١٢٨، «تبيين الحقائق» ٦/ ٣٠.
(٥) «المسند» ٣/ ٣٣٩، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٠: فيه أشعث بن سوار، وفيه ضعف، وقد وثق.
(٦) رواه مسلم (٢٨٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول وغيره من النجاسات، من حديث أنس بن مالك، ورواه البخاري مختصرًا دون موضع الشاهد برقم (٢١٩) كتاب: الوضوء، باب: ترك النبي - ﷺ - والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد.
(٧) رواه أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٨٤ (١٣٢٧)، والبيهقي ٢/ ٤٤٢، وضعفه ابن حزم في «المحلى» ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، وقال ابن حجر في =



واعتذروا عن حديث ثمامة بأوجه:
منها: أن ذلك كان متقدمًا على الآية -وفيه نظر- فإنه في سنة ست، والآية كانت سنة تسع.
ومنها: أنه - ﷺ - كان قد علم بإسلامه.
ومنها: أنها قصة في حين قال القرطبي: ويمكن أن يقال: إنه - ﷺ - إنما ربط ثمامة في المسجد؛ لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد فيأنس بذلك، وكذلك كان (١).
ويوضحه حديث عثمان بن أبي العاصي في «صحيح ابن خزيمة» أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله - ﷺ - أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم (٢).
وقال جبير فيما ذكره أحمد: دخلت المسجد والنبي - ﷺ - يصلي المغرب فقرأ بالطور، فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن (٣). قال: ويمكن أن يقال أيضًا: إنهم لم يكن لهم موضع ربط يربط فيه إلا المسجد.
سادسها: قوله (فقال: «أطلقوا ثمامة») سبب إطلاقه أنه قال له ثلاثة أيام: «ما عندك يا ثمامة؟» -كما يأتي في المغازي (٤) - قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن

------------------
= «التلخيص» ١/ ١٤٠: وضعف جماعة هذا الحديث، بأن راويه أفلت بن خليفة، مجهول الحال. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٢).
(١) «المفهم» ٣/ ٥٨٤.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ٢٨٥ (١٣٢٨)، ورواه أيضًا أبو داود (٣٠٢٦)، وأحمد ٤/ ٢١٨. وقال الألباني: إسناده ضعيف فيه عنعنة الحسن، وهو البصري.
(٣) أحمد ٤/ ٨٣، وتقدم تخريجه من البخاري (٣٠٥٠) دون قوله: فكأنما صُدع عن قلبي ..
(٤) سيأتي برقم (٤٣٧٢) باب: وفد بني حنيفة.



كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فعند ذلك أمر بإطلاقه، ففيه: جواز اللين على الأسير، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور (١).
وادعى ابن الجوزي أنه لم يسلم تحت الأسر لعزة نفسه، وكأن - ﷺ - أحس منه بذلك فقال: «أطلقوه» فلما أطلق أسلم، ورواية ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحهما» بزيادة: إذ فيهما فمر - ﷺ - يومًا فأسلم فحله وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال - ﷺ -: «لقد حسن إسلام أخيكم» (٢). ورواه ابن الجوزي أيضا كذلك.
سابعها:
قوله: (فانطلق إلى نجل) كذا الرواية هنا، وفي مسلم وغيرهما بالنون والخاء المعجمة، أي: انطلق إلى نخيل فيه ماء، وزعم ابن دريد أنه بالجيم، وهو الماء القليل المنبعث، وقيل: الجاري.
وعن عائشة رضي الله عنها أن بطحان وهو -واد بالمدينة يجري نجلًا (٣). أي: نزًّا فيمكن أن يكون مضى لذلك المكان، وفي رواية: أنه ذهب إلى المصانع فغسل ثيابه، واغتسل (٤).
ولا شك أن الكافر إذا أراد الإسلام بادر به، ولا يؤخره للاغتسال، ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره، بل يبادر به ثم يغتسل. ورواية

------------------
(١) انظر: «شرح السير الكبير» ٣/ ١٠٢٩، «أحكام القرآن» لابن العربي ٤/ ١٨٩٨، «أحكام القرآن» للشافعي ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٢) ابن خزيمة ١/ ١٢٥ (٢٥٣)، وابن حبان ٤/ ٤١ - ٤٢ (١٢٣٨).
(٣) «صحيح البخاري» برقم (١٨٨٩)، أبواب: فضائل المدينة، باب: كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة.
(٤) ذكرها ابن عبد البر في «الاستيعاب» ١/ ٢٨٨.



البخاري أنه تشهد بعد الغسل محمولة على أنه أظهر ذلك، وقد أسلفنا أنه أسلم قبله.
ومذهبنا أن اغتساله واجب إن كان عليه جنابة في شركه سواء اغتسل منها أم لا، وأبعد بعض أصحابنا، فقال: إن كان اغتسل أجزأه، وإلا وجب.
وأبعد منه قول بعض أصحابنا وبعض المالكية: لا غسل عليه، ويسقط حكم الجنابة بالإسلام كما تسقط الذنوب، وهو منقوض بالوضوء، وأنه لازم إجماعًا هذا كله إذا كان أجنب في كفره، وإلا فهو مستحب، وقاله مالك (١).
قال القرطبي: وهذا الحديث دال على أن الغسل في حق الكافر كان مشروعًا عندهم معروفًا، ألا ترى أنه لم يحتج في ذلك إلى من يأمره به، ولا لمن نبهه عليه.
قلت: قد سلف صريحًا أنه أمره به قال: والمشهور من قول مالك أنه إنما يغتسل لكونه جنبًا، قال: ومن أصحابنا من قال: يغتسل للنظافة واستحبه ابن القاسم ولمالك قول: إنه لا يعرف الغسل (٢).
وقال أحمد وأبو ثور: يلزمه الغسل لهذا الحديث ولحديث قيس بن [أبي] (٣) عاصم في الترمذي محسنًا (٤)، وصححه ابن خريمة (٥)، وعند

--------------------
(١) «إكمال المعلم» ٦/ ٩٨ - ٩٩.
(٢) «المفهم» ٣/ ٥٨٦.
(٣) هكذا في الأصل، والصواب قيس بن عاصم، وهو ابن سنان بن خالد بن منقر، التميمي المنقري، وفد على النبي - ﷺ - في وفد بني تميم، وأسلم سنة تسع، وكان عاقلًا حليمًا سمحًا جوادًا. انظر: «الاستيعاب» ٣/ ٤٥٣ - ٣٥٥ (٢١٦٤)، «أسد الغابة» ٤/ ٤٣٢ - ٤٣٤ (٤٣٦٤)، «الإصابة» ٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣ (٧١٩٤).
(٤) «سنن الترمذي» (٦٠٥).
(٥) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ١٢٦ (٢٥٤، ٢٥٥).



أبي حنيفة أن الغسل للإسلام مستحب. قال محمد في «السير الكبير»: ينبغي للرجل إذا أسلم أن يغتسل للجنابة، وعلل بأن الكفار لا يغتسلون للجنابة، ولا يدرون كيفيته (١)، قيل: أراد أن من المشركين من لا يدين الاغتسال من الجنابة، ومنهم من يدينه كقريش، وبني هاشم، فإنهم توارثوه عن إسماعيل - عليه السلام - إلا إنهم كانوا لا يدرون كيفيته، وهذا في حق من لم يجنب، وقد اختلف خطابهم بالفروع أيضًا.
-----------------
(١) «السير الكبير» ١/ ١٢٩.


٧٧ - باب الخَيْمَهَ فِي المَسْجِدِ لِلْمَرْضَى وَغَيِرْهِمْ
٤٦٣ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ -وَفِي الَمسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ- إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الخَيْمَةِ، مَا هذا الذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذو جُرْحُهُ دَمًا، فَمَاتَ فِيهَا. [٢٨١٣، ٣٩٠١، ٤١١٧، ٤١٢٢ - مسلم: ١٧٦٩ - فتح: ١/ ٥٥٦]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ .. الحديث.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في الأحزاب مطولًا (١)، وأخرجه مسلم في المغازي (٢).
ثانيها:
(سعد) هذا هو: ابن معاذ، أبو عمرو، وسيد الأوس، بدري، كبير القدر، واهتز عرش الرحمن لموته، أي: استبشارًا لقدوم روحه، أو المراد: حملة العرش، ومن عنده من الملائكة، وأبعد من قال: المراد بالعرش الذي وضع عليه، وتوقف مالك في رواية هذا الحديث، ولعله لا يصح عنه. قال أبو نعيم: مات في شوال (٣)، ونزل

------------------
(١) سيأتي برقم (٤١٢٢) كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب.
(٢) مسلم (١٧٦٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قتال من نقض العهد.
(٣) في هامش (س): الخندق كانت في شوال سنة خمس، وقيل: في ذي القعدة، فلا أراه يصح ما قاله إلا أن يقال: إنه لبث بعد الخندق دون شهر يعني: القول بوفاته بعد شهر والمعروف أنه توفي بعد شهر من الخندق بعد الفراغ من بني قريظة.



في جنازته سبعون ألف مَلِكٍ ما وطئوا الأرض (١).
ثالثها:
هذِه الخيمة كانت لرفيدة الأنصارية، وقيل: الأسلمية، وكانت تداوي الجرحى، وتحتسب بخدمتها من كانت فيه ضيعة من المسلمين.
رابعها:
الأكحل: عرق في اليد يفصد، ولا يقال: عرق الأكحل، كما قال في «الصحاح» (٢)، ويقال له كما قال في «المحكم»: النسا في الفخذ، وفي الظهر الأبهر، وقيل الأكحل: عرق الحياة، ويدعى نهر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم (٣)، وفي «الجامع»: هو عرق الحياة.
خامسها:
قوله: (فلم يرعهم) أي: يفزعهم، وقال الخطابي: هو من الروع، وهو إعظامك الشيء وإكباره فترتاع، قال: وقد يكون من خوف، والمعنى فهم في سكون حتى أفزعهم الدم فارتاعوا له (٤).

-----------------
(١) هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، أسلم على يد مصعب بن عمير، شهد بدرًا وأحدًا والخندق، ورمي يومي الخندق بسهم فعاش شهرًا ثم انتقض جرحه فمات منه. انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٣/ ١٢٤١ - ١٢٤٤ (١٠٩٦)، «الاستيعاب» ٢/ ١٦٧ - ١٧٠ (٩٦٣)، «أسد الغابة» ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٧ (٢٠٤٥)، «الإصابة» ٢/ ٣٧ - ٣٨ (٣٢٠٤).
(٢) «الصحاح» ٥/ ١٨٠٩ مادة: كحل.
(٣) «المحكم» ٣/ ٣١ مادة: كحل.
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.



سادسها:
قوله: (يغذو) أي: سال.
والحديث دال لما ترجم له، وهو سكنى المساجد للعذر، وأن الإمام إذا شق عليه النهوض إلى عيادة مريض يأمر أن ينقل به إلى موضع يقرب ويخف عليه زيارته، واستدل به مالك وأحمد (١) على أن إزالة النجاسة ليست فرضًا؛ لأنه لم يحل بينها وبين الذريعة إليها، ولم يمنعه من السكنى، وعزاه بعضهم إلى القديم، ولك أن تقول: إن ما سكن إلا بعد الاندمال، ولا يخشى منه محذور غالبا.

-----------------
(١) انظر: «المنتقى» ١/ ٤١.


٧٨ - باب إِدْخَالِ البَعِيِر فِي المَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بَعِيرٍ. [١٦٠٧]

٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. [١٦١٩، ١٦٢٦، ١٦٣٣، ٤٨٥٣ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ١/ ٥٥٧]
ثم ساق حديث أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ ..» الحديث.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
التعليق الأول يأتي -إن شاء الله تعالى- في الحج من حديث عكرمة (١)، وحديث أم سلمة أخرجه مع مسلم في الحج (٢)، وفي تفسير سورة الطور (٣)، وفي لفظ له: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون» (٤).
ثانيها:
معنى (شكوت) أي: أشتكي تعني: أنها مريضة، وإنما أمرها

------------------
(١) سيأتي برقم (١٦١٢) باب: من أشار إلى الركن إذا أتى عليه.
(٢) سيأتي برقم (١٦١٩) باب: طواف النساء مع الرجال، ومسلم (١٢٧٦) باب: جواز الطواف على بعير وغيره.
(٣) سيأتي برقم (٤٨٥٣) كتاب: التفسير.
(٤) سيأتي برقم (١٦٢٦) كتاب: الحج، باب: من صلى ركعتين الطوات خارجًا من المسجد.



بالطواف وراء الناس؛ لأنه صلاة وسنة النساء التباعد عن الرجال في الصلاة.
ثالثها:
فيه جواز الطواف راكبًا للمعذور، ولا كراهة فيه، فإن كان غير معذور ففيه خلاف ستعلمه في الحج، وطوافه - ﷺ - على بعير يوضح جوازه، وبه أخذ ابن المنذر وقوم والجمهور كما حكاه القرطبي (١) على كراهة ذلك ومنعه، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يعيد ما دام قريبًا من مكة، فإن بَعُد إلى مثل الكوفة فعليه دم (٢)، ولم ير الشافعي فيه شيئًا (٣)، وبه قال أحمد كما حكاه ابن الجوزي (٤).
وأجابوا عن طوافه راكبًا بأوجه:
منها: أنه للاستعلاء كما أخرجه مسلم (٥).
ثانيها: أنه كان شاكيا. رواه أبو داود (٦) من حديث ابن عباس (٧)، وهذا فهمه البخاري هناك، وترجم عليه، باب: المريض يطوف راكبًا (٨).

--------------------
(١) «المفهم» ٣/ ٣٨١.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٩٥، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٨٢، «المبسوط» ٤/ ٤٤ - ٤٥.
(٣) «الأم» ٢/ ١٤٨.
(٤) «المغني» ٥/ ٥٥.
(٥) مسلم (١٢٧٣) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره. من حديث جابر.
(٦) في هامش (س) حاشية نصها: من خط الشيخ: أبو داود والنسائي.
(٧) أبو داود (١٨٨١)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٢٧).
(٨) سيأتي برقم (١٦٣٣) كتاب: الحج.



ثالثها: قول عائشة لو كان ماشيًا لطرق بين يديه ولصرفوا عنه، وكان يكره ذلك (١).
رابعها: فيه جواز دخول الدواب المسجد كما ترجم له، ولا يلزم من دخولها التلوث، وناقته - ﷺ - كانت ناقة منوقة، والعادة أن الدابة إذا كانت سائرة لا تبول (٢)، وخصه مالك بالدواب المأكولة.
وفيه أيضًا أن راكب الدابة ينبغي له أن يتجنب ممر الناس ما استطاع ولا يخالط الرجالة، وكذلك ينبغي أن يخرج النساء إلى حواشي الطرق.
قال أبو عمر: وصلاته - ﷺ - إلى جنب البيت من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر من ذلك المكان، والوجه أن البيت كله قبله، فحيث صلى المصلي منه إذا جعله أمامه كان حسنًا (٣).

-----------------
(١) رواه مسلم (١٢٧٤) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره، بلفظ: طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن، كراهية أن يضرب عنه الناس.
(٢) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وذكر لي بعض أصحابي أن من خصائصه - عليه السلام - أن مركوبه ما دام النبي - ﷺ - راكبه لا يبول ولا يروث وغالب ظني أنه نقله عن ابن إسحاق، والله اعلم.
(٣) «التمهيد» ١٣/ ١٠٠ - ١٠١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #147  
قديم 27-01-2026, 11:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 607 الى صـــ 626
الحلقة (147)






٧٩ - باب
٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. [٣٦٣٩، ٣٨٠٥ - فتح: ١/ ٥٥٧]
ذكر فيه أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في علامات النبوة متنًا وإسنادًا (١)، وفي منقبة أسيد بن حضير، وعباد بن بشر في مناقب الأنصار، وقال فيه: وقال معمر، عن ثابت، عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلًا من الأنصار، وقال حماد: أنا ثابت، عن أنس كان أسيد وعباد بن بشر عند النبي - ﷺ - (٢)، وتعليق معمر أخرجه البيهقي في «دلائله» من حديث عبد الرزاق عنه (٣)، وتعليق حماد هذا وصله النسائي في «سننه» فقال: حدثنا أبو بكر بن نافع، عن بهز بن أسد، عن حماد بن سلمة أنا ثابت فذكره (٤)، وأخرجه البيهقي في «دلائله» من حديث يزيد بن هارون، عن حماد به، وفيه: أضاءت لهما عصى أحدهما (٥).

--------------
(١) سيأتي برقم (٣٦٣٩) كتاب: المناقب.
(٢) سيأتي برقم (٣٨٠٥) كتاب: مناقب الأنصار.
(٣) «دلائل النبوة» ٦/ ٧٧ - ٧٨.
(٤) «السنن الكبرى» ٥/ ٦٨ (٨٢٤٥).
(٥) «دلائل النبوة» ٦/ ٧٨.



ثانيها:
الرجلان قد عرفتهما، وقال ابن التين: هما عباد وعويم بن ساعدة أو أسيد، وجزم ابن بطال بأنهما عباد وأسيد (١)، وبه جزم ابن التين في باب: علامات النبوة، وهو الموافق لباقي الباب، وهو شبيه بما ذكره ابن عساكر وغيره، عن قتادة بن النعمان أنه خرج من عند رسول الله - ﷺ - وبيده عرجون فأضاء العرجون (٢).
وفي «دلائل البيهقي» من حديث ميمون بن زيد بن أبي عبس، حدثني أبي أن أبا عبس كان يصلي مع رسول الله - ﷺ - الصلوات، ثم يرجع إلى بني حارثة، فخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنورت له عصاه حتى دخل دار بني حارثة (٣)، ومن حديث كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - فنفرنا في ليلة مظلمة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير، وفي لفظ: نفرت دوابنا ونحن في سفر .. الحديث (٤).
ثالثها:
قال ابن بطال: إنما ذكر البخاري هذا الحديث في أحكام المساجد؛ لأن الرجلين كانا مع رسول الله - ﷺ - في موضع جلوسه مع الصحابة، فلما كان معه هذان في علم ينشره، أو في صلاة فأكرمهما الله بالنور في الدنيا ببركة الشارع، وفضل مسجده، وملازمته، وذلك آية للشارع وكرامة له،

------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٣.
(٢) «تاريخ دمشق» ٤٩/ ٢٨٤.
(٣) «دلائل النبوة» ٦/ ٨٧ - ٧٩.
(٤) «دلائل النبوة» ٦/ ٧٩.



وأنه خص في الآيات بما لم يخص به من كان معه (١) أن أعطى أن يكرم أصحابه بمثل هذا النور عند حاجتهم إليه، وذلك من خرق العادات (٢).
وذكر بعضهم فيما نقله شيخنا قطب الدين في «شرحه» ويحتج به غيره: أنه يحتمل أن يكون البخاري أراد بذكر هذا الحديث هنا قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم قال في آخرها: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وختمها بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] إلى أن قال: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٣٨] فكان هذا من أولئك فهداهما الله بالنور في قلوبهم باطنًا ورزقهم إياه ظاهرًا في الظلمة، كما إن كانا من جملة من كان في البيوت التي أذن الله في رفعها، جعل الله لتمام النور بين أيديهما يستضيئان به في ممشاهما مع قوله: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٣) فجعل الله لهم منه في الدنيا ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم.
رابعها:
فيه دلالة ظاهرة لكرامات الأولياء ولا شك فيه.
خامسها:
قال ابن بطال: كان يصلح أن يترجم لهذا الحديث باب قول الله

------------------
(١) في هامش الأصل: لعله (قبله).
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٣.
(٣) رواه أبو داود (٥٦١)، والترمذي (٢٢٣) من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه مرفوع، هو صحيح مسند وموقوف على أصحاب النبي - ﷺ -، ولم يسند على النبي - ﷺ -.
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٧٠).
ورواه ابن ماجه (٧٨١) من حديث أنس.



تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] يشير إلى أن الآية عامة فيهما فيحتمل أن يستثبت منها المعنى لا سيما وقد ذكر الله النور في المشكاة والزجاجة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، الآية.
فاستدل أن الله يجعل لمن يسبح في تلك المساجد نورًا في قلوبهم، ونورًا في جميع أعضائهم، ونورًا بين أيديهم، ومن خلفهم في الدنيا والآخرة، فلما خرجا من عند الشارع في الليلة المظلمة أراهم بركة نبيه وكرامته بما جعل الله لهما من النور بين أيديهما يستضيئان به في ممشاهما مع الحديث السالف: «بشر المشائين» إلى آخر ما سلف، ويوقِنَا أن كذلك يكون ما وعدهم الله به من النور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة برهانًا لمحمد عليه الصلاة والسلام على صدق ما وُعِد به أهل الإيمان الملازمين للبيوت التي أذن الله أن ترفع (١).
وهذا هو عين الاحتمال السالف الذي أباده شيخنا احتمالا، وذكره آخر (…) (٢) فذكره (٣).

--------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٣ - ١١٤.
(٢) مقدار ثلاث كلمات في الأصل لم نتبين قراءتها.
(٣) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الرابع بعد الستين كتبه مؤلفه.



٨٠ - باب الخَوْخَةِ وَالمَمَرِّ فِي المَسْجِدِ
٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُشرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ». فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هذا الشَّيْخَ؟ إِنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هُوَ العَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا. قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، ولكن أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجدِ بَابٌ إِلا سُدَّ إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ». [٣٦٥٤، ٣٩٠٤ - مسلم: ٢٣٨٢ - فتح: ١/ ٥٥٨]

٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأثنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، ولكن خُلَّةُ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هذا المَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ». [٣٦٥٦، ٣٦٥٧، ٦٧٣٨ - فتح: ١/ ٥٥٨]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: قال فيه: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، ثَنَا فُلَيْحٌ، ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ تعالى» .. الحديث.


الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل أبي بكر (١)، وأخرجه مسلم في الفضائل (٢) (٣).
ثانيها:
هكذا ثبت في روايتنا عبيد، عن بسر، عن أبي سعيد، وكذا رواه محمد بن زكريا النيسابوري، فقال: حدثنا معاذ بن سليمان الحراني، ثنا فليح.
وذكر أبو علي الجياني أن رواية محمد بن سنان معافى بن سليمان ليست محفوظة عن أبي النضر (٤)، وقال ابن السكن عن الفربري: قال محمد بن إسماعيل: هكذا رواه محمد بن سنان، عن فليح، وهو خطا، وإنما هو -عن عبيد وعن بسر- يعني: بواو العطف.
وكذا خرجه مسلم، عن سعيدٍ بن منصور عن فليح به، قال: جميعًا: عن أبي سعيد (٥)، ورواه عن فليح كرواية سعيدٍ يونسُ بن محمد عند ابن أبي شيبة (٦)، ورواية أبي زيد المروزي في «صحيح البخاري» حدثنا محمد بن سنان، ثنا فليح ثنا أبو النضر، عن عبيد، عن أبي سعيد، ورواه البخاري في فضل أبي بكر عن عبد الله بن محمد أبي عامر

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٦٥٤) كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي - ﷺ -: «سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر».
(٢) مسلم (٢٣٨٢) في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(٣) في هامش (س): بخط الشيخ: والترمذي في المناقب، والنسائي بعضه.
(٤) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٨٦.
(٥) مسلم (٢٣٨٢).
(٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ٣٥١ (٣١٩١٧).



- يعني: العقدي، ثنا فليح، ثنا سالم، عن بسر، عن أبي سعيد (١)، وفي الهجرة عن إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن أبي النضر، عن عبيد، عن أبي سعيد بلفظ: «أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا ما شاء» وفيه: فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا (٢).
وكذا رواه عن مالك عبد الله بن مسلمة (٣) وابن وهب ومعن، ومن طريقه أخرجه مسلم (٤)، ومطرف وإبراهيم بن طهمان -وسماه عبد الله بن حنين- ومحمد بن الحسن، وعبد العزيز بن يحيى؛ قال الدارقطني: لم أره في «الموطأ» إلا في «كتاب الجامع» للقعنبي ولم يذكره في «الموطأ» غيره، ومن تابعه فإنما رواه في غير «الموطأ».
قلت: ففليح لم ينفرد به بل توبع، وإن كان بعضهم لين روايته، فيجوز أن يكون حدث به مرة، عن عبيد، ومرة عن بسر، ومرة جمعهما، وأخرجه الترمذي من طريق أبي المعلى مرفوعًا، وقال: غريب (٥)، وأخرجه أيضًا من حديث عائشة أنه - ﷺ - أمر بسد الأبواب إلا باب أبي بكر (٦).
ثالثها:
أبو النضر. اسمه: سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر (٧).

---------------
(١) سيأتي برقم (٣٦٥٤).
(٢) سيأتي برقم (٣٩٠٤) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي - ﷺ -.
(٣) أخرج روايته الترمذي (٣٦٦٠).
(٤) مسلم (٢٣٨٢/ ٢).
(٥) الترمذي (٣٦٥٩).
(٦) الترمذي (٣٦٧٨) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني.
(٧) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٢٨٠).



وعبيد بن حنين مدني أخو عبد الله ومحمد تابعي ثقة، مات بالمدينة سنة خمس ومائة، عن خمس وسبعين سنة (١).
وبسر بن سعيد -بالباء الموحدة والسين المهملة- مات بالمدينة سنة مائة -وقيل: إحدى- عن ثمان وسبعين سنة.
رابعها:
قوله: (فبكى أبو بكر) زاد مسلم: فسمى هذا وبكى. وإنما أبهم الشارع ذكر العبد؛ ليظهر فهم أهل المعرفة، ونباهة أهل الحذق، وكان ذلك كله في الصديق، وفي مسلم أنه قال لرسول الله: فديناك بآبائنا وأمهاتنا؛ لأن الصديق فهم أن العبد هو رسول الله، وكان ذلك في مرض موته، كما ستعلمه، في حديث ابن عباس بعده، فبكى حزنًا على فراقه، وانقطاع الوحي، وغير ذلك من أنواع الخيرات.
وفي قول أبي سعيد: (وكان أبو بكر أعلمنا) هو لائح في كونه أعلم الصحابة إذ لم ينكره أحد ممن حضر، ولا شك فيه، ولما علم الشارع ذلك منه اختصه بالخصوصية العظمى، وقال: «إن أمن الناس علي ..» إلى آخره فظهر أن للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق.
خامسها:
قوله - ﷺ -: («إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر»)، قال العلماء ومنهم الخطابي: أي: أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله،

-----------------
(١) قال عنه ابن سعد: كان ثقة وليس بكثير الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٨٥ - ٢٨٦، «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٠٤ - ٤٠٥ (١٨٧٢)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ١٣٣، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٩٧ - ٢٥٠ (٣٧١٢).


وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنه مبطل للثواب، لأن المنة لله ولرسوله في قبول ذلك وغيره، قال الخطابي: والمن في كلام العرب الإحسان إلى من لا تستثيبه قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩]. وقال: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦]، أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت (١).
وقال القرطبي: وزن «أمن» أفعل من المنة بمعنى: الامتنان، أي: أكثر منَّة، ومعناه: أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان بغيره لامتن بها وذلك؛ لأنه بادر بالتصديق، وبنفقة الأموال وبالملازمة والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأن الله ورسوله لهما المنة في ذلك والفضل لكن رسول الله بجميل أخلاقه وكرم أعراقه اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم ليسن كما قال للأنصار، وفي «جامع الترمذي» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما لأحد عندنا يد إلا وكافَأْنَاه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله -عز وجل- بها يوم القيامة» (٢).
سادسها:
قوله - ﷺ -: («لو كنت متخذًا من أمتي خليلا ..») إلى آخره، وفي رواية: «لكن أخي وصاحبي» (٣).
اعلم أن أصل الخلة الافتقار والانقطاع فخليل الله، أي: المنقطع إليه، لقصره حاجته عليه، وقيل: إنها للاختصاص أو الاصطفاء، وسمى إبراهيم بذلك؛ لأنه والى فيه، وعادى فيه، وقيل: لأنه تخلل

------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٤٠٣.
(٢) «المفهم» ٦/ ٢٤١، والحديث رواه الترمذي (٣٦٦١) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(٣) رواها مسلم (٣/ ٢٣٨٣) من حديث عبد الله بن مسعود.



بخلال حسنة، وأخلاق كريمة، وخلة الله له: نصره وجعله إمامًا لمن بعده، وقال ابن فورك: الخلة صفاء المودة بتخلل الأبرار، وقيل: اصطفاء المحبة، وقيل: الخليل من لا يتسع قلبه لغير خليله، وقيل: من التخلل أي: أن الحب تخلل قلبه وغلب على نفسه، والخل الصديق. حكاه ابن قرقول.
وقوله: «من أمتي» قيل: اتخذ خليلًا من الملائكة. حكاه ابن التين، ويرده «ولكن صاحبكم خليل الرحمن»، وفي رواية: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي» (١)، و(اتخذ) تتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: اختار واصطفى، وهنا سكت عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنه قال: لو كنت متخذًا من الناس خليلا لاتخذت منهم أبا بكر، وقد تتعدى (اتخذ) لأحد المفعولين بحرف الجر، وقد تتعدى لمفعول واحد، وكل ذلك في القرآن.
ومعنى الحديث: أن أبا بكر متأهل لأَنْ يتخذ الشارع خليلًا لولا المانع المذكور، وهو أنه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الرب تعالى وصحبته ومراقبته حتى كأنه مزجت (٢) أجزاء قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا ومن لم ينته إلى ذلك، ممن تعلق القلب به فهو حبيب، وذلك أثبت للصديق ولعائشة أنهما أحب الناس إليه، ونفي عنهما الخلة، وعلى هذا فالخلة فوق المحبة.
وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك، فذهب الجمهور منهم إلى أن

---------------
(١) ستأتي برقم (٣٦٥٤).
(٢) لعلها: كأَنْ.



الخلة أعلى تمسكًا بهذا الحديث، وذهب أبو بكر بن فورك إلى أن المحبة أعلى؛ لأنها صفة نبينا - ﷺ -، وهو أفضل من الخليل - عليه السلام -، وقيل: هما سواء، فلا يكون الخليل لا حبيبًا، ولا الحبيب إلا خليلًا.
وزعم القزاز فيما حكاه ابن التين أن معنى الحديث: لو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس لخصصت به أبا بكر؛ لأن الخليل من تفرد بِخَلَّة من الفضل لا يشركه فيها أحد كما اتخذ الله إبراهيم خليلا جعلها عليه بردًا وسلامًا.
سابعها:
قوله: («ولكن أخوة الإسلام») قال ابن التين: رويناه بغير همز، ولا أصل لهذا، وكان الهمزة سقطت هنا، وهي ثابتة في باب المواضع، وكذا قال ابن بطال: وقع في الحديث (ولكن خوة الإسلام)، ولا أعرف معناه، قال: وقد وجدت الحديث بعده (خلة) بدل (خوة)، وهو الصواب؛ لأنه - ﷺ - صرف الكلام على ما تقدمه من ذكر الخلالة، وأتى بلفظ مشتق منها، وهو الخلة، قال: ولم أجد خوة بمعنى خلة في كلام العرب (١).
قوله: (ما يبكي الشيخ، إن يكن الله) قال ابن التين: رويناه بكسر همزة (إن) على أنه شرط ويصح فتحها، ويكون منصوبًا بأن فيكون المعنى ما يبكيه لأجل أن يكون الله تعالى خير عبدًا.
ثامنها:
فيه التعريض بالعلم للناس، وإن قل فهماؤه خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حزنًا.

------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٥ - ١١٦.


وفيه: أنه لا يستحق أحد حقيقة العلم إلا من فهم، وأن الحافظ لا تبلغ درجته إنما يقال للحافظ عالم بالنص لا عالم بالمعنى، ألا ترى أن أبا سعيد جعل لأبي بكر مزية تفهمه أوجب له بها العلم حقيقة، وإن كان قد أوجب العلم للجماعة.
وفيه: الحض على اختيار ما عند الله والزهد في الدنيا، والإعلام لمن أحبك ذلك من المسلمين.
وفيه: أن على الإمام شكر من أحسن صحبته ونصرته، بتعزيز الدين والاعتراف بذلك واختصاصه بالفضيلة التي لم يشارك فيها كما اختص هو - عليه السلام - أبا بكر بما لم يخص فيه غيره وذلك؛ أنه جعل بابه في المسجد ليخلفه بالإمامة.
وفيه: أن المرشح بالإمامة يخص بكرامة تدل عليه.
وفيه: أن الخلة فوق الصداقة، والصحبة.
وفيه: ائتلاف النفوس بقوله: «ولكن أخوة الإسلام أفضل» فتألفهم بأن حرمة الخلة بمعنى: شامل عنده وإن كان قد فضل الصديق بما يدل على ترشيحه للأمر بعده.
تاسعها:
قوله: («لا يبقين باب في المسجد إلا سد إلا باب أبي بكر») وجاء: «لا يبقين في المسجد خوخة»، كما ستعلمه من حديث ابن عباس.
والخوخة بفتح الخاء باب صغير، قال ابن قرقول: وقد يكون عليها مصاريع، وقد لا يكون إنما أصلها فتح في الحائط، وكانت الصحابة فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد خوخات؛ اغتنامًا لملازمة المسجد


وللكون فيه مع رسول الله - ﷺ - إذا كان فيه غالبًا إلا إنه لما كان يؤدي ذلك إلى اتخاذ المسجد طريقًا، وكانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول فيه، كما أخرجه أبو داود بإسناده الصحيح (١)، أمر - ﷺ - بسد كل خوخة كانت هنالك واستثنى خوخة الصديق إكرامًا له، وخصوصية به؛ لأنهما كانا لا يفترقان غالبًا.
عاشرها:
استدل بهذا الحديث على إمامة الصديق، واستخلافه بعده؛ لأنه - ﷺ - كان يخرج من باب بيته، وهو في المسجد للصلاة، فلما أن غلَّق الأبواب إلا باب أبي بكر دل على أنه يخرج إليه منه للصلاة، فكأنه - ﷺ - نبه على أنه من بعده يفعل هكذا، وحديث ابن عباس أنه - ﷺ - أمر بسد الأبواب إلا باب علي، استغربه الترمذي (٢)
وقال البخاري: حديث «إلا باب أبي بكر» أصح (٣)، وقال الحاكم: تفرد به مسكين بن بكير الحراني، عن شعبة، قال ابن عساكر: وهو وَهَمٌ.
قلت: قد تابعه إبراهيم بن المختار.
وعند ابن عدي مضعفًا عن أنس قال بعض الناس: سد الأبواب إلا باب أبي بكر، فقال: «إني رأيت على أبوابهم ظلمة، وعلى باب أبي بكر نورًا». قال: فكانت الأخيرة أعظم عليهم من الأولى (٤).

--------------------
(١) علقه البخاري (١٧٤) كتاب: الوضوء، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، ورواه أبو داود (٣٨٢)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٠٨).
(٢) الترمذي (٣٧٣٢) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه عن شعبة بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه.
(٣) «التاريخ الكبير» ٢/ ٦٨.
(٤) «الكامل» لابن عدي ٥/ ٣٤٣.



الحديث الثاني:
حديث ابن عباس: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ .. الحديث.
ويأتي في الفرائض بزيادة فإنه أنزله أبا أو قال قضاه أبا (١).
وقوله: (عاصبًا رأسه) قال ابن التين: المعروف عصب رأسه تعصيبًا.

-------------------
(١) سيأتي برقم (٦٧٣٨) باب: ميراث الجد مع الأب والإخوة. وفي الأصل: (قضاه إياه) بدل (قضاه أبا).


٨١ - باب الأَبْوَابِ وَالغَلَقِ لِلْكَعْبَةِ وَالمَسَاجِدِ
قَالَ البخاري: قَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: يَا عَبْدَ المَلِكِ، لَوْ رَأَيْتَ مَسَاجِدَ ابن عَبَّاسٍ وَأَبْوَابَهَا.

٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ وَقُتَيْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَفَتَحَ البَابَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَبِلَالٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، ثُمَّ أَغْلَقَ البَابُ، فَلَبِثَ فِيهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجُوا. قَالَ ابن عُمَرَ: فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بِلَالًا فَقَالَ: صَلَّى فِيهِ. فَقُلْتُ: فِي أى؟ قَالَ: بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ. قَالَ ابن عُمَرَ: فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى. [انظر ٣٩٧ - مسلم ١٣٢٩ - فتح: ١/ ٥٥٩]
ذكره شاهدًا للأبواب، واسم (ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، مات مع نافع (١)، والغلق بفتح الغين المغلاق، وهو ما يغلق به الباب.
ثم ساق حديث حماد عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّه - ﷺ - قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ .. الحديث.
وقد سلف من حديث مجاهد عن ابن عمر في باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] (٢). فطريق نافع طرقه

-----------------
(١) عبد الله بن أبي مليكة المكي الأحول، ولاه ابن الزبير القضاء، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات».
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٧٢ - ٤٧٣، «التاريخ الكبير» ٥/ ١٣٧ (٤١٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٩٩ - ١٠٠ (٤٦١)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٢، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٥٦ - ٢٥٨ (٣٤٠٥).
(٢) سبق برقم (٣٩٧) كتاب: الصلاة.



الدارقطني فذكره مرة بزيادة بلال بعد ابن عمر.
وفيه: اتخاذ الأبواب للمساجد، وادعى ابن بطال وجوبه صونًا لها (١)، وهو ظاهر إذا غلب على الظن وقوعه فإدخال هؤلاء الثلاثة معه؛ لأن عثمان أحد السدنة ففي عدم دخوله قد يتوهم عزله، وبلال مؤذنه وقائم أمر صلاته، وأسامة حبه ومتولي خدمته وما يحتاج إليه، وأما غلق الباب فلئلا يظن الناس أن الصلاة فيه سنة مؤكدة فيلتزموا ذلك.

----------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٦.


٨٢ - باب دُخُولِ المُشْرِكِ المَسْجِدَ

٤٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أنَهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَال لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ. [انظر ٤٦٢ - مسلم ١٧٦٤ - فتح: ١/ ٥٦٠]
ذكر من حديث أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ.
وقد سلف قريبا في باب الاغتسال إذا أسلم (١).

---------------------
(١) سبق برقم (٤٦٢) كتاب: الصلاة.


٨٣ - باب رَفعِ الصَّوْتِ فِي المَسَاجِدِ
٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي الَمسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا. قَالِ: مَنْ أَنْتُمَا أَوْ مِنْ أَينَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لأوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [فتح: ١/ ٥٦٠]

٤٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَذرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادى: «يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، يَا كَعْبُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قُمْ فَاقْضِهِ». [انظر: ٤٥٧ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح: ١/ ٥٦١]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث السائب بن يزيد؛ رواه عن علي بن عبد الله، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا الجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي المَسْجدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَظَابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَتِنِي بِهَذَيْنِ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا. قَالَ: مَنْ أَنْتُمَا أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
هذا الحديث، وهو في الحقيقة أثر رواه عن علي بن عبد الله


أبو خليفة، وأورده الإسماعيلي عن يعلى عن محمد بن عباد، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعيد، عن السائب قال: كنت مضطجعًا فحصبني إنسان، فرفعت رأسي، فإذا عمر بن الخطاب فذكره، ثم قال: لم يذكر يزيد، وأورده أيضًا عن أبي القاسم البغوي عن عبيد الله بن عمر الجشمي، عن يحيى بن سعيد؛ فقال: عن الجعد بن أوس، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد.
قلت: والجعد معروف بالرواية عن يزيد وعن السائب.
إذا عرفت ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
(يزيد) هذا هو: ابن عبد الله بن خصيفة مدني ثقة (١).
و(الجعد) مدني ويقال: الجعيد، ثقة، روى له مسلم حديثًا واحدًا عن السائب (٢).

----------------
(١) هو يزيد بن عبد الله بن خُصيفة بن عبد الله بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي المدني، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي، وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا كثير الحديث ثبتًا، وذكره ابن حبان في «الثقات».
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» [القسم المتمم] ص ٢٧٣ (١٥٥)، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٤٥ (٣٢٦١)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٧٤ (١١٥٣)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٦١٦، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٧٢ - ١٧٤ (٧٠١٢).
(٢) هو ابن عبد الرحمن بن أوس الكندي، ويقال: التيمي المدني، وثقه يحيى بن معين، والنسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات».
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٤٢٠ (٢٣١٨)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٢٧، ٥٢٩ (٢١٨٩)، (٢١٩٦)، «الثقات» لابن حبان ٤/ ١١٦، «تهذيب الكمال» ٤/ ٥٦١ - ٥٦٢ (٩٢٧).
وحديثه عند مسلم برقم (٢٣٤٥) كتاب: الفضائل، باب: إثبات خاتم النبوة وصفته.



ثانيها:
قوله: (كنت قائمًا) كذا في روايتنا بالقاف، ولعله بالنون بدلها، توضحه رواية الإسماعيلي كنت مضطجعًا.
ثالثها:
أنما أنكر عمر عليهما لرفعهما أصواتهما فيما لا حاجة فيه، ولذلك بنى عمر البطحاء خارج المسجد لينزهه عن الخنا والرفث.
وسؤاله عنهما؛ لأنه كان قد قدم النهي عن ذلك فلما أخبراه أنهما ليسا من أهل البلد سكت عنهما، وأخبرهما بالنهي الذي كان قدمه لأهل البلد، وقد قال مالك (١) وغيره: لا يرفع الصوت في المسجد في علم ولا غيره، قال مالك: ولقد أدركت الناس قديمًا يعيبون ذلك على بعض من يكون ذلك محله، وفي العلم ترفع فيه الأصوات، وكرهه، رواه ابن عبد الحكم عنه.
وقال ابن مسلمة في «المبسوط»: لا بأس برفع الصوت في المسجد في الخير يخبرونه والخصومة تكون بينهم، ولا بأس بالأحداث التي تكون بين الناس فيه من الشيء يعطونه، وما يحتاجون إليه؛ لأن المسجد مجمع الناس، ولابد لهم فيما يحتاجون إليه من ذلك.
وأجاز أبو حنيفة وأصحابه رفع الصوت في المسجد، وذكر ابن أبي خيثمة، عن إبراهيم بن بشار، عن ابن عيينة قال: مررت بأبي حنيفة مع أصحابه في المسجد وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة هذا في المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه! فقال: دعهم فإنهم لا يفقهون إلا بهذا (٢)، وفي خبر أنه - ﷺ - نهى عن رفع الصوت في المساجد

--------------------
(١) «المنتقى» ١/ ٣١٢.
(٢) انظر: «الآداب الشرعية» لابن مفلح ٣/ ٣٨٢.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #148  
قديم 27-01-2026, 11:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 8 الى صـــ 20
الحلقة (148)






وإنشاد الشعر وطلب الضوال والصفق في البيوع؛ ولا يقوى (١).
الحديث الثاني:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ .. الحديث.
وقد سلف في باب التقاضي والملازمة في المسجد (٢).
وساق البخاري هذا الحديث ليبين أن ارتفاع صوت كعب وابن أبي حدرد فيه كان على طلب حق واجب، ولهذا لم يعبه الشارع عليهم فبين بالحديث الأول محل المنع وبهذا محل الجواز.

------------------
(١) رواه أبو داود (١٠٧٩)، والترمذي (٣٢٢)، والنسائي ٢/ ٤٧ - ٤٨، وابن ماجه (٧٤٩)، وأحمد ٢/ ١٧٩، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٧٤ (١٣٠٤).
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر.
وحسنه الترمذي وقال: ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب إنما ضعفه؛ لأنه يُحدِّث عن صحيفة جدِّه، كأنهما رأوا أنه لم يسمع هذِه الأحاديث من جده.
والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٩١).
(٢) سبق برقم (٤٥٧) كتاب: الصلاة.



٨٤ - باب الحِلَقِ وَالْجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ
٤٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَا تَرى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى». وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِهِ. [٤٧٣، ٩٩٠، ٩٩٣، ٩٩٥، ٩٩٨، ١١٣٧ - مسلم: ٧٤٩، ٧٥١ - فتح: ١/ ٥٦١]

٤٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيفَ صَلَاةُ اللَّيلِ؟ فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ». قَالَ الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ ابن عُمَرَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَجُلًا نَادى النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ. [انظر: ٤٧٢ - مسلم ٧٤٩ - فتح: ١/ ٥٦٢]

٤٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أَخبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فَجَلَسَ، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ». [انظر: ٦٦ - مسلم: ٢١٧٦ - فتح: ١/ ٥٦٢]
ساق فيه حديث ابن عمر (١): قَالَ: سَأَلَ رَجُل رسول الله - ﷺ - وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَا تَرى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى ..» الحديث.

---------------------
(١) فوقها في الأصل: (د، س، ق) انظر: أبو داود: (١٣٢٦)، النسائي: (١٦٦٩)، ابن ماجه: (١٣٢٠).


وحديث ابن عمر (١) أيضا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى ..» الحديث
ثم قال: وقَالَ الوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ ابن عُمَرَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَجُلًا نَادى رسول - ﷺ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ.
ثم ساق حديث أبي واقد في النفر الثلاثة.
وهذا الحديث سلف في باب: من قعد حيث ينتهى به المجلس من كتاب العلم (٢).
وأما الحديث الأول والثاني فأخرجهما مسلم أيضًا (٣).
وأما الثالث المعلق فأسنده مسلم عن [أبي كريب] (٤) وهارون بن عبد الله، عن أبي أسامة، عن الوليد به (٥)، وفي رواية لأصحاب السنن الأربعة زيادة والنهار (٦). قال الترمذي: والصحيح صلاة الليل، وقال النسائي: إنه خطأ، وقال الشافعي: إنه لا يثبت أهل الحديث مثله، أعني: ذكر النهار؛ وأما البخاري فصححه (٧)، وطرقه الدارقطني فأبلغ (٨).
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:

---------------------
(١) فوقها في الأصل: (د) انظر: أبو داود: (١٤٢١).
(٢) سبق برقم (٦٦).
(٣) مسلم (٧٤٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى.
(٤) في (س): كريب، والصواب ما أثبتناه.
(٥) مسلم (٧٤٩/ ١٥٦) بعد حديث (٧٥٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى.
(٦) أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي ٣/ ٢٢٧، وابن ماجه (١٣٢٢).
(٧) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي ٢/ ٤٨٧.
(٨) وقال: لا يثبت. انظر: «العلل» ١٣/ ٣٥.



أحدها:
ليس فيما ذكره البخاري دلالة على التحلق والجلوس في المسجد بحال كما نبه عليه الإسماعيلي.
وقال المهلب: شبه البخاري في حديث جلوس الرجال في المسجد حول الشارع وهو يخطب بالتحلق والجلوس في المسجد للعلم.
والظاهر أن الشارع لا يكون في المسجد وهو على المنبر إلا وعنده جمع جلوس محدقين به كالمتحلقين.
وأما حديث أبي واقد فليس في إيراده هنا دلالة لما ترجم له، نعم فيه في كتاب العلم بينما رسول الله - ﷺ - جالس والناس معه إذ أقبل .. الحديث، فاكتفى بأصل الحديث كعادته في الاستدلال بالأشياء الخفية والإجماع قائم على جواز التحلق والجلوس في المسجد لذكر الله والعلم.
ثانيها:
فيه: أن الخطيب إذا سئل عن أمر في الدين لا بأس بالجواب، ولا خطبته.
ثالثها:
اختلف العلماء في النوافل، فقال مالك والشافعي وأحمد: السنة أن يكون مثنى مثنى ليلًا ونهارًا (١)، ويؤيده صلاته - ﷺ - النوافل ركعتين، ركعتين (٢)، وقال أبو حنيفة: إن شاء ركعتين وإن شاء أربعًا، قال: وصلاة الليل كذلك، وإن شاء ستًّا أو ثمانيًا من غير زيادة، بتسليمة

-------------------
(١) انظر: «المنتقى» ١/ ٢١٣ - ٢١٤، «الأم» ١/ ١٢٣.
(٢) انظر ما سيأتي في كتاب: التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى.



واحدة، ولا شك أن صلاته كانت بالليل مختلفة (١)، وصح في الجمعة «من كلان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا» (٢).
رابعها:
قوله: («فإذا خشي الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى») فيه: أن الوتر واحدة وخالف مالك، فقال: أوله ثلاث بتسليمتين (٣)، وأبو حنيفة، فقال: بتسليمة (٤)؛ وستكون لنا عودة إليه إن شاء الله في موضعه.
خامسها:
قوله: («اجعلوا آخر صلاتكم في بالليل وترًا») هذا أمر كما فهمه ابن عمر حيث قال: إنه - ﷺ - أمر به، وهذا في حق من لا يغلبه النوم، فإن كان يغلبه قدمه، وستكون لنا عودة إلى ذلك إن شاء الله.
سادسها:
قوله: («مثنى مثنى») هو بغير تنوين لا يجوز غيره للعدلية والوصف.
فائدة:
الحلق بفتح الحاء واللام، وحكي كسر الحاء، جمع حلقة كتمرة وتمر، بإسكان اللام وحكى سيبويه فتحها، وهي منكرة، والفرجة: سلف بيانها في العلم.

-------------------
(١) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٣.
(٢) رواه مسلم (٨٨١/ ٦٩) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة، من حديث أبي هريرة.
(٣) «المنتقى» ١/ ٢٢٣.
(٤) «الهداية» ١/ ٧١.



٨٥ - باب الاسْتِلْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَدِّ الرِّجْلِ
٤٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُسْتَلْقِيًا فِي الَمسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأخرى. وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. [٥٩٦٩، ٦٢٨٧ - مسلم: ٢١٠٠ - فتح: ١/ ٥٦٣]
ساق من حديث عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُسْتَلْقِيًا فِي المَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرى. وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ.
وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي الاستئذان واللباس (١)، ومسلم في اللباس (٢).
وقوله: (عن ابن شهاب ..) إلى آخره، ساقه البخاري بالسند الأول، وقد صرح به أبو داود (٣)، وزاد أبو مسعود فيما حكاه الحميدي في «جمعه» الصديق، فقال: وإن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفعلون ذلك، وقد أخرج البرقاني هذا الفصل من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري متصلًا بالحديث، ولم يذكر سعيد بن المسيب (٤). وسعيد لم يصح سماعه من عمر (٥)، وأدرك عثمان ولا يحفظ له عنه رواية عن رسول الله - ﷺ -.

------------------------
(١) سيأتي برقم (٥٩٦٩) كتاب: اللباس، باب: الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى، وبرقم (٦٢٨٧) كتاب: الاستئذان، باب: الاستلقاء.
(٢) مسلم (٢١٠٠) كتاب: اللباس والزينة، باب: في إباحة الاستلقاء. وورد بهامش (س): من خط الشيخ. أبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان والنسائي هنا.
(٣) أبو داود (٤٨٦٧).
(٤) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٥٩ (٧٧٥).
(٥) ورد بهامش (س) تعليق نصه: فيه خلاف، وقال أحمد: سمع.



إذا عرفت ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
فيه جواز الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، ومَن مَنَع استدل بحديث جابر بن عبد الله أنه - ﷺ - نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلقٍ (١). لكن الجواب عنه إنما بادٍ في النسخ كما تقدم وفعل الخلفاء بعده يعلم أنه الناسخ؛ ولذلك أردف البخاري الحديث به أو بتأويله على أنه محمول على خوف بدو العورة عند تثني الإزار وسبل إحدى رجليه على الأخرى.
ثانيها:
فيه: جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد، ويحتمل أن يكون الشارع فعل ذلك إلا لضرورة، أو كان بغير محضر جماعة فجلوسه - ﷺ - في المجامع كان على خلاف ذلك من التربع والاحتباء، وجلسات الوقار، والتواضع، والانبطاح على الوجه منهي عنه (٢)، وهي ضجعة يبغضها الله.

----------------------
(١) رواه مسلم (٢٠٩٩/ ٧٢) كتاب: اللباس والزينة، باب: في منع الاستلقاء على الظهر، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى.
(٢) النهي عن الابنطاح على الوجه، رواه أبو داود (٥٠٤)، وابن ماجه (٣٧٢٣)، وأحمد ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٥ والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٨٧)، وصححه الألباني في تعليقاته على «الأدب المفرد» (١١٨٧).

انتهى المجلد الخامس


٨٦ - باب المَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَير ضَرَرٍ بِالنَّاسِ
وَبِهِ قَالَ الحَسَنُ وَأَيُّوبُ وَمَالِكٌ.

٤٧٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ، وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. [٢١٣٨، ٢٢٦٣، ٢٢٦٤، ٢٢٩٧، ٣٩٠٥، ٤٠٩٣، ٥٨٠٧، ٦٠٧٩ - فتح: ١/ ٥٦٣]
ثم ساق حديث عائشة (١) رضي الله عنها: قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ .. الحديث.
وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا، وساقه بكماله في الهجرة (٢)، وساق بعضه في غزوة الرجيع من حديث هشام، عن عروة، عن عائشة (٣).
والمراد بأبويها: الصديق وأم رومان.

--------------------
(١) ورد بهامش (س): وساق حديث عائشة بسنده هنا في الكفالة مطولًا، وشرحه المصنف هناك أيضًا.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٠٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي - ﷺ -.
(٣) سيأتي برقم (٤٠٩٣) كتاب: المغازي.



ومعنى (يدينان) الدين: أي: دين الإسلام.
وقوله: (ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا) لا شك أن الصديق كما ستعلمه في الهجرة لما أوذي خرج من مكة حتى بلغَ بْرك الغِمَاد فرده ابن الدغنة، ورجع معه إلى مكة، وأجاره بشرط أن يصلي في بيته، ولا يعلن بالقراءة، ثم بعد ذلك بدا للصديق فابتنى هذا المسجد بفناء داره فسير المشركون إلى ابن الدغنة فجاء الصديق فقال له: إما أن تصلي في بيتك وإلا فرد جواري؛ فقال الصديق: فإني أرضى بجوار الله، وأرد إليك جوارك، وهذا من ندى الصديق وفضله، فإنه قصد بذلك إظهار الدين.
وأجاز مالك بناء المسجد بفناء الدار إذا كان لا يضر بالسالكين؛ لأن نفعه كالاستغراق، وإليه ذهب البخاري في ترجمته قال ابن شعبان في «الزاهي»: وينبغي تجنب الصلاة في المساجد المبنية حيث لا يجوز بناؤها من الطرقات ونحوها؛ لأنها وضعت في غير حقها فمن صلى فيها متأولًا أنه يصلي في الطريق أجزأ قال: ولو كان مسجد في متسع وأراد الإمام الزيادة فيه ما لا يضر بالسالكين لم يمنع عند مالك ومنعه ربيعة، وصححه ابن بطال؛ لأنه غير عائد إلى جميعهم، وقد ترتفق به الحائض والنفساء، ومن لا يجب عليه من الأطفال ومن يملكه من أهل الذمة (١).
فائدة:
ساق البخاري قطعة من حديث الزهري عن عروة مرسلة، وهي مسندة في بعض نسخ «المغازي» لابن عقبة -فيما رويناه في كتاب البيهقي- (عن أبيه).

---------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٣.


وفي البخاري: رجع عامة من كان بأرض الحبشة، كذا وقع فيه
والصواب ما رواه الحاكم في «إكليله»: من حديث ابن شهاب، عن عروة: رجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين؛ ويؤيده أنه هو ذكر قدوم جعفر وأصحابه كان بعد خيبر.
فائدة ثانية:
في ألفاظ وقعت في هذا الحديث في الهجرة تعجلناها هنا منها:
(برك الغماد) بكسر الباء وفتحها وإسكان الراء في أقاصي هجر، والغماد بضم الغين وكسرها، قال ابن دريد: وهو بقعة في جهنم (١).
والدغنة بضم أوله وكسر ثانيه، وتخفيف النون وبضمها، وتشديد النون، روي بهما في «الصحيح»، ورويناه بالضم مع تخفيف النون في المغازي وأصله من الغيم الممطر، وقيل: لأنه كان في لسانه استرخاء لا يملكه، واسمه مالك فيما ذكره السهيلي قال: والدغنة اسم امرأة عرف بها، ويقال له أيضا: ابن الدثنة وهي الكبيرة اللحم المسترخية، وهو سيد الغارة كما ذكر في الحديث.
ومنها: قول ابن الدغنة في الصديق (إنك تكسب المعدوم) أي: تكسب غيرك ما هو معدوم عنده قال ابن دحية في «مولده» وفتح التاء أصح.
ومنها: قوله: (أريت دار هجرتهم بسبخة كأن تحل بين لابتين) وهما الحرتان، قد فسر اللابة، وهي أرض يركبها حجارة سود، ومنه قيل للأسود: لوبي ونوبي، وفي «الإكليل»: من حديث جرير مرفوعًا: «إن

--------------------
(١) ورد بهامش (س): الذي في»الجمهرة«وبرك الغِماد موقع، وقيل: الغُماد أيضًا.
[انظر:»الجمهرة" ٢/ ٦٧٠ مادة (دغم)].



الله تعالى أوحى إلي أي هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك المدينة، أو البحرين، أو قنسرين» (١)، فاختار المدينة، وورد في حديث موضوع كما قاله ابن عبد البر: «إنها أحب البلاد إلى الله» (٢).
ومنها: قوله: (وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر) كذا وقع هنا السمر وهو الخبط وفيه نظر، فقد فرق بينهما أبو حنيفة في «نباته»، وأبو زياد وقال: السمر أم غيلان، وغيرها.
ومنها: قولها: (في نحر الظهيرة) أي: أول الزوال.
ومنها: قولها: (فقال أبو بكر: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي) أي: أفديه بهما، بالمد والقصر (٣)، وفتح الفاء وكسرها.
ومنها: (جَبَل ثَوْرٍ)، وهو بالمدينة (٤) وأنكره من أنكره (٥).
ومنها: (الجهاز) وهو بفتح الجيم وكسرها ومنهم من أنكر الكسر، والسفرة سميت باسم ما يحمل فيها وبينها (…) (٦).

-------------------
(١) رواه الترمذي (٣٩٢٣) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى، تفرد به أبو عمار، والطبراني ٢/ ٣٣٩ (٢٤١٧)، والحاكم ٣/ ٢ - ٣ وصحح إسناده. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (١٧٥٣): موضوع.
(٢) انظر: «الاستذكار» ٢٦/ ١٦ - ١٧، والحديث رواه الحاكم ٣/ ٢٧٨ من حديث الحارث بن هشام أن رسول الله - ﷺ - قال: «إني سألت ربي -عز وجل- فقلت: اللهم إنك أخرجتني من أحب أرضك إلي، فأنزلني أحب الأرض إليك، فأنزلني المدينة»، وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٤٥): موضوع.
(٣) ورد بهامش (س): كسر الفاء مع المد وفتحها مع القصر.
(٤) في هامش (س): صوابه بمكة، والذي أنكر إنما هو الذي بالمدينة.
(٥) ذكر البكري في «معجم ما استعجم» ١/ ٣٤٨، وابن الأثير في «النهاية» ١/ ٢٢٩، وياقوت الحموي في «معجم البلدان» ٢/ ٨٦ أن ثورًا جبل بمكة فيه غار النبي - ﷺ -.
(٦) كلمات غير واضحات بالأصل.



و(الجراب) بكسر الجيم أفصح من فتحها بل لحن من فتح.
ومنها: قولها في حق عبد الله بن أبي بكر: (ثقف لقن) أي: فهم حافظ، وهو بكسر القاف فيهما وسكونها.
و(النطاق) بكسر النون ما يشد به الوسط؛ وسميت أسماء ذات النطاقين لأنه كان لها نطاقان واحد على واحد، وقيل: تلبس أحدهما، وتحتمل في الآخر الزاد لرسول الله - ﷺ - وهو في الغار.
ومنها: قولها: (وهو لبن منحتهما ورضيفهما) الرضيف: اللبن المرضوف أي: طرحت فيه الرضفة وهي الحجارة المحماة بالشمس، أو النار ليتعقد وتذهب وخامته.
ومنها: قوله: (رجلًا من بني الديل) هو بكسر الدال، من كنانة، وزعم أبو اليقظان أنه الدُّول بضم الدال وسكون الواو، ووَهِمَ مَن قال: إن الدول امرأة من كنانة بل ذاك بالهمز.
و(أبو الأسود الدئلي) بكسر الهمزة، والقياس فتحها، وابن حبيب وغيره يقول: في كنانة بن خزيمة الديلي بإسكان الياء. ابن بكر، وقد قيل: في ابن أريقط الليثي، وليث هو: بكر بن عبد مناة أيضًا، فيحتمل نسبته إلى ليث؛ لأنها أشهر نسبة من الدول وهو مشتق من اسم دويبة.
ومنها: قول سراقة عن فرسه (فرفعتها تقرب بي) هو ضرب من سيرها، وفيه غير ذلك مما يطول وتعلمه في موضعه إن شاء الله ذلك وقدره.


٨٧ - باب الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ
وَصَلَّى ابن عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ.

٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى المَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي -يَعْنِى: عَلَيْهِ- المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِى يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٦٤٩ - فتح: ١/ ٥٦٤]
كذا في نسخة سماعنا: (ابن عون) ووقع في كلام ابن المنير (ابن عمر) (١)، ولعله تصحيف.
ووجه مطابقة الترجمة لحديث ابن عمر الذي ساقه (٢)، فإنه لم يصل في سوق.
إن البخاري أراد إثبات جواز بناء المسجد داخل السوق لئلا يتخيل المسجد في المكان المحجور لا يشرع كما أن مسجد الجمعة لا يجوز أن يكون محجورًا، فنبه بصلاة ابن عمر على أن المسجد الذي صلى فيه كان محجورًا، ومع ذلك فله حكم المساجد.
ثم خص السوق في الترجمة لئلا يتخيل أنها لما كانت شر البقاع (٣)،

----------------------
(١) «المتواري» ص ٨٨.
(٢) سيأتي برقم (٤٨٣) كتاب: الصلاة. وفي هامش الأصل: في المساجد التي على طرق المدينة.
(٣) روى مسلم (٦٧١) كتاب: المساجد، باب: فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح .. من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض =



وبها يركز الشيطان رايته كما ورد في الحديث (١) يمنع بذلك من اتخاذ المساجد فيها، وينافي العبادة كما (نافتها) (٢) الطرقات ومواضع العذاب والحمام شبهها فبين بهذا الحديث أنها محل للصلاة كالبيوت، فإذا كانت محلا لها جاز أن يبنى فيها المسجد وكذا قال ابن بطال في «شرحه»: فيه: أن الأسواق مواضع للصلاة وإن كان قد جاء فيها مرفوعًا: «إنها شر البقاع» حكاية عن جبريل: «وخيرها المساجد» أخرجه الآجري (٣).
فخشي البخاري أن يتوهم من رأى ذلك الحديث أنه لا تجوز الصلاة في الأسواق استدلالًا به إذا كانت الأسواق شر البقاع والمساجد خيرها، فلا يجوز أن تعمل الصلاة في شرها فجاء في الحديث إجازة الصلاة في السوق وأن الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة كصلاة المنفرد في بيته، قال: واستدل البخاري أنه إذا جازت الصلاة في السوق فرادى كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعات لفضل الجماعة كما يتخذ المساجد في البيوت عند الأعذار لفضل الجماعة (٤).
ثم ساق البخاري حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ

---------------
= البلاد إلى الله أسواقها».
(١) رواه مسلم (٢٤٥١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أم سلمة، عن سلمان قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته.
(٢) كذا قراءتها التقريبية، ولعل لها وجها لم يتبين لنا.
(٣) رواه ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٧٦ (١٥٩٩)، والحاكم ١/ ٩٠، والبيهقي ٣/ ٦٥، من حديث ابن عمر، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٢٠١).
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٤.



الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ خمسا وعشرين درجة .. «الحديث.
وسبق بعضه في باب: الحدث في المسجد (١)، وسيأتي في فضل صلاة الجماعة (٢)، وسنتكلم عليه هناك إن شاء الله، وفي البيوع في باب: ما ذكر في الأسواق (٣)، وأخرجه مسلم هنا أيضا (٤).
وقوله: (»لم يخط خُطوة«) هو بفتح الخاء وضمها، قال القرطبي: الرواية بالضم وهي واحدة الخطا وهي ما بين القدمين (٥)، وقال ابن التين: رويناه بفتحها، وهي المرة الواحدة.
وقوله: (»لا يريد إلا الصلاة«) أي: لا يقصد غير ذلك، وفي رواية: لا يهزه، أي: لا يدفعه ويهزه بضم أوله أو بفتحه (٦).

--------------------
(١) سلف برقم (٤٤٥).
(٢) سلف برقم (٦٤٧) كتاب: الأذان.
(٣) سيأتي برقم (٢١١٩) كتاب: البيوع.
(٤) مسلم (٦٤٩) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة.
(٥)»المفهم" ٢/ ٢٩٠.
(٦) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الخامس بعد الستين كتبه مؤلفه.



٨٨ - باب تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وَغَيِرْهِ
٤٧٨ و٤٧٩ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، حَدَّثَنَا وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو: شَبَّكَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصَابِعَهُ. [٤٨٠ - فتح: ٤/ ٥٦٥]

٤٨٠ - وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي، فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ بِهَذَا». [انظر: ٤٧٩ - فتح: ١/ ٥٦٥]

٤٨١ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. [٢٤٤٦، ٦٠٢٦ - مسلم: ٢٥٨٥ - فتح: ١/ ٥٦٥]

٤٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ -قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ. وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاة؟ قَالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ». فَقَالَ: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ». فَقَالُوا نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ، فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. [٧١٤، ٧١٥، ١٢٢٧، ١٢٢٨، ١٢٢٩، ٦٠٥١، ٧٢٥٠ - مسلم: ٥٧٣ - فتح: ١/ ٥٦٥]


ساق فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
عن حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرٍ، ثَنَا عَاصِمٌ، ثَنَا وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو: شَبَّكَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصَابِعَهُ.
قال أبو عبد الله: وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: ثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ هذا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي، فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ بهذا».
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث ليس موجودًا في أكثر نسخ الصحيح، ولا استخرجه الحافظان الإسماعيلي وأبو نعيم، ولا ذكره ابن بطال، وفي بعض النسخ، ملحقًا على الحاشية.
وحكى أبو مسعود أنه رأى في كتاب أبي رميح عن الترمذي وحماد بن شاكر عن البخاري، نعم، ذكره خلف في «أطرافه» في مسند ابن عمر، وكذا الحميدي في «جمعه» في أفراد البخاري من حديث واقد بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر أو ابن عمرو -وعلى ابن عمرو تمريض- قال: شبك النبي - ﷺ - أصابعه وقال: كيف أنت يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا، قال: فكيف أفعل يا رسول الله، قال: «تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك وتدعهم وعوامهم».


قال الحميدي: هكذا في حديث بشر بن المفضل عن واقد، وفي حديث عاصم بن محمد بن زيد قال: سمعت هذا من أبي فلم أحفظه، فقومه لي واقد عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله - ﷺ -: «يا عبد الله بن عمرو كيف أنت إذا بقيت» وذكره (١).
الوجه الثاني:
(حامد) هذا هو: البكراوي من ذرية أبي بكرة الثقفي، نزيل نيسابور، وقاضي كرمان، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، بنيسابور (٢).
و(بشر) هو: ابن المفضل الرقاشي، الحجة، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويصلي كل يوم أربعمائة ركعة، مات سنة سبع وثمانين ومائة (٣).
و(عاصم) هو: ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وثق (٤).
و(عاصم بن علي) هو الواسطي، شيخ البخاري وهو ثقة، وإن ضعفه ابن معين، وذكر له ابن عدي أحاديث مناكير، مات سنة إحدى وعشرين

------------------
(١) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٢٧٨ (١٤٣٥).
(٢) هو حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البكراوي، روى عنه البخاري ومسلم، ووثقه ابن حبان. انظر: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٢٥ (٤١٧)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٠٠ (١٣٣٧)، «الثقات» لابن حبان ٨/ ٢١٨، «تهذيب الكمال» ٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (١٠٦٢).
(٣) بشر بن المفضل، تقدمت ترجمته في حديث رقم (٦٧).
(٤) عاصم بن محمد بن زيد، روى له الجماعة، ووثقه أحمد ويحيى بن معين وأبو داود وأبو حاتم، وزاد أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: صدوق الحديث، وقال البزار: صالح الحديث، ووثقه ابن حجر.
انظر ترجمته في: «تاريخ يحيى بن معين برواية الدارمي» ص ١٤٩ (٥١١)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٥٤٠ (١٩٣١)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٥٤٢ - ٥٤٣ (٣٠٢٧)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٦٠.



ومائتين (١).
و(واقد) هو: ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، ثقة، ووالده زيد (٢).
الثالث:
الحثالة: ثفله ورديه، ومرجت: بكسر الراء أي: اختلطت عهودهم ولم يفوا وشبك الشارع ليمثل له اختلاطهم.
الحديث الثاني:
حديث أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأدب (٣)، ومسلم (٤) كذلك (٥)، وسفيان المذكور في إسناده هو الثوري، وخلاد بن يحيى، شيخ البخاري ثقة، يغلط قليلًا، مات سنة سبع عشرة ومائتين (٦).
وظاهر الحديث الإخبار ومعناه الأمر وفيه التحريض على التعاون.
الحديث الثالث:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِحْدى صَلَاتَيِ العَشِيِّ- قَالَ ابن سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، ولكن نَسِيتُ أَنَا .. الحديث، وفيه: وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.

------------------
(١) عاصم بن علي، تقدمت ترجمته في المقدمة.
(٢) واقد بن محمد بن زيد، تقدصت ترجمته في حديث رقم (٢٥).
(٣) سيأتي برقم (٦٠٢٦) باب: تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا.
(٤) مسلم (٢٥٨٥) كتاب: البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.
(٥) ورد بهامش (س) تعليق نصه: من خط الشيخ الترمذي في البر وصححه والنسائي في الزكاة.
(٦) خلاد بن يحيى، تقدصت ترجمته في حديث رقم (٢٧٧).



وسيأتي في سجود السهو إن شاء الله وقدره.
وطرقه الدارقطني (١)، وغيره وأخرجه مسلم (٢) والباقون (٣).
واختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة فرويت آثار مرسلة أنه - ﷺ - نهى عن ذلك في المسجد من مراسيل سعيد بن المسيب.
ومنها: مسند من طرق غير ثابتة (٤)، كما قال ابن بطال، وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن مولى أبي سعيد، وهو مع رسول الله - ﷺ - فدخل رسول الله - ﷺ - المسجد، فرأى رجلا جالسا وسط الناس قد شبك بين أصابعه يحدث نفسه فأومأ إليه رسول الله - ﷺ - فلم يفطن له فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: «إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه» (٥)، وهذِه الآثار معارضة لأحاديث الباب وهي غير مقاومة لها في الصحة ولا مساوية (٦).
قلت: وأما ابن حبان فأخرج النهي عن التشبيك من حديث كعب،
وكذا أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٧)، وأخرجه ابن حبان أيضًا

------------------
(١) «العلل» ٩/ ٣٧٥ - ٣٧٩.
(٢) مسلم (٥٧٣) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له.
(٣) أبو داود (١٠٠٨)، والترمذي (٣٩٩)، والنسائي ٣/ ٢٠ - ٢٣، وابن ماجه (١٢١٤).
(٤) انظر: «مصنف عبد الرزاق» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٣ (٣٣٣١) - (٣٣٣٧)، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤١٩ - ٤٢٠ (٤٨٢٤ - ٤٨٢٨).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤١٩ - ٤٢٠ (٤٨٢٤).
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٥.
(٧) ابن خزيمة ١/ ٢٧٧ (٤٤١)، ابن حبان ٥/ ٥٢٤ (٢١٥٠)، ورواه أيضًا: أبو داود =



والحاكم في «المستدرك» من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم (١).
وكره إبراهيم تشبيك الأصابع في الصلاة (٢)، وهو قول مالك (٣)، ورخص في ذلك ابن عمر وابنه سالم وكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة؛ ذكرهما ابن أبي شيبة (٤)، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد (٥)، وقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة.

---------------------
= (٥٦٢)، والترمذي (٣٨٦)، وأحمد ٤/ ٢٤٠، والدارمى ٢/ ٨٨٢ (١٤٤٤).
وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٤٢).
(١) ابن حبان ٥/ ٥٢٣ (٢١٤٩)، والحاكم ١/ ٢٠٦، ورواه أيضًا: الدارمي ٢/ ٨٨٢ (١٤٤٦)، ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٢٢٩ (٤٤٦، ٤٤٧)، الطبراني في «الأوسط» ١/ ٢٥٦ (٨٣٨). وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٩٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٠ (٤٨٢٨).
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٥.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٢٠ (٤٨٢٩، ٤٨٣١).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٠ (٤٨٣٠).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #149  
قديم 27-01-2026, 11:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 28 الى صـــ 40
الحلقة (149)






٨٩ - باب المَسَاجِدِ التِي عَلَى طُرُقِ المَدِينَةِ
وَالمَوَاضِع التِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ - ﷺ -.

٤٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا، وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا، وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ.
وَحَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ.
وَسَأَلْتُ سَالِمًا، فَلَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ وَافَقَ نَافِعًا فِي الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا، إِلاَّ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحَاء. [١٥٣٥، ٢٣٣٦، ٧٣٤٥ - مسلم: ١٣٤٦ - فتح: ١/ ٥٦٧]

٤٨٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَنْزِلُ بِذِى الحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ، وَفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ، تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ المَسْجِدِ الَّذِي بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ كَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ، فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شَفِيرِ الوَادِي الشَّرْقِيَّةِ، فَعَرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ، لَيْسَ عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ، وَلَا عَلَى الأَكَمَةِ الَّتِي عَلَيْهَا المَسْجِدُ، كَانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللهِ عِنْدَهُ، فِي بَطْنِهِ كُثُبٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَمَّ يُصَلِّي، فَدَحَا السَّيْلُ فِيهِ بِالبَطْحَاءِ حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ المَكَانَ الذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي فِيهِ. [١٥٣٢، ١٥٣٣، ١٧٦٧، ١٥٧٥، ١٥٧٦، ١٧٩٩ - مسلم: ١٢٥٧ - فتح: ١/ ٥٦٧]

٤٨٥ - وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغِيرُ الَّذِي دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللهِ يَعْلَمُ المَكَانَ الَّذِي كَانَ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، يَقُولُ: ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّي، وَذَلِكَ المَسْجِدُ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ اليُمْنَى، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَسْجِدِ الأَكْبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. [فتح: ١/ ٥٦٨]


٤٨٦ - وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى العِرْقِ الَّذِي عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ، وَذَلِكَ العِرْقُ انْتِهَاءُ طَرَفِهِ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ، دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُنْصَرَفِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ. وَقَدِ ابْتُنِيَ ثَمَّ مَسْجِدٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ، كَانَ يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ، وَيُصَلِّي أَمَامَهُ إِلَى العِرْقِ نَفْسِهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحَاءِ، فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ المَكَانَ فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ. [فتح: ١/ ٥٦٨]

٤٨٧ - وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْثَةِ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، وَوِجَاهَ الطَّرِيقِ فِي مَكَانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ، حَتَّى يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنِ، وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلَاهَا، فَانْثَنَى فِي جَوْفِهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ، وَفِي سَاقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٌ. [فتح: ١/ ٥٦٨]

٤٨٨ - وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ مِنْ وَرَاءِ العَرْجِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ المَسْجِدِ قَبْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، عَلَى القُبُورِ رَضْمٌ مِنْ حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ سَلِمَاتِ الطَّرِيقِ، بَيْنَ أُولَئِكَ السَّلِمَاتِ كَانَ عَبْدُ اللهِ يَرُوحُ مِنَ العَرْجِ بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالهَاجِرَةِ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ. [فتح: ١/ ٥٦٨]

٤٨٩ - وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذَلِكَ المَسِيلُ لَاصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشَى، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةٍ، هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحَاتِ إِلَى الطَّرِيقِ، وَهْيَ أَطْوَلُهُنَّ. [فتح: ١/ ٥٦٨]

٤٩٠ - وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْزِلُ فِي المَسِيلِ الَّذِي فِي أَدْنَى مَرِّ الظَّهْرَانِ قِبَلَ المَدِينَةِ، حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ المَسِيلِ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلاَّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ. [فتح: ١/ ٥٦٨]


٤٩١ - وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوى وَيَبِيتُ حَتَّى يُصْبِحَ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي المَسْجِدِ الَّذِى بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ. [١٥٥٣، ١٥٥٤، ١٥٧٣، ١٥٧٤، ١٧٦٧، ١٧٦٩ - مسلم: ١٢٥٩ - فتح: ١/ ٥٦٨]

٤٩٢ - وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَجَعَلَ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ المَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى النَّبِيِّ - ﷺ - أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكَمَةِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الفُرْضَتَيْنِ مِنَ الجَبَلِ الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الكَعْبَةِ. [مسلم: ١٢٦٠ - فتح: ١/ ٥٦٩]
ساق من طريق فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عن مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَتَحَرى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا، وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا، وَأنَّهُ رَأى النَّبِيِّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ (١).
وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ. وَسَاُّلْتُ سَالِمًا، فَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا وَافَقَ نَافِعًا فِي الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا، إِلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ.
ثم ساق حديثًا مطولًا من حديث ابن عمر أنه صلى فيها رسول الله - ﷺ -، وإنما كان يصلي فيها تبركًا بتلك الأمكنة، ورغبة في الفضل والاتباع فإنه كان شديد الاتباع، ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين وأهل الفضل (٢)، ألا ترى أن عتبان بن مالك سأل الشارع

---------------------
(١) في هامش الأصل: أخرجه أبو نعيم والإسماعيلي، من طريق عبدالعزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة.
(٢) تقدم معك بسط هذِه المسألة في ثنايا تعليقنا على ما جاء في شرح حديث (١٩٤) أن التبرك بالأشخاص والأماكن لا يجوز، إنما يجوز بشخص الرسول - ﷺ - حال حياته دون غيره، والله أعلم.



أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى (١).
وقد جاء عن والده -أعني: عمر بن الخطاب- خلاف فعل ابنه عبد الله، فروى شعبة، عن سليمان التيمي، عن المعرور بن سويد قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه ويقولون صلى فيه النبي - ﷺ -، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا اثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا، فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض (٢).
وإنما خشي عمر أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع حتى يشكل ذلك على من يأتي بعدهم ويرى ذلك واجبًا، وروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلي فيها الشارع، فقال: ما يعجبني ذلك إلا في مسجد قباء أي: لأنه - ﷺ - كان يأتيه راكبًا وماشيًا (٣)، ولم يكن يفعل في تلك الأمكنة ذلك.
وفي الحديث ألفاظ كثيرة من الغريب والأمكنة:
فـ (شرف الروحاء): ما ارتفع من مكانها، والروحاء: بالراء والحاء المهلمتين (٤) ممدود، قرية جامعة لمزينة على ليليتين من المدينة بينهما أحد وأربعون ميلًا منها (٥)، وفي مسلم في باب: الأذان على ستة

------------------
(١) تقدم برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: المساجد في البيوت.
(٢) رواه عبد الرزاق ٢/ ١١٨ - ١١٩ (٣٧٣٤) عن معمر، وابن أبي شيبة ٢/ ١٥٣ (٧٥٤٩) عن أبي معاوية كلاهما عن سليمان الأعمش، به.
(٣) سيأتي برقم (١١٩١) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: مسجد قباء، ورواه مسلم (١٣٩٩) كتاب: الحج، باب: فضل مسجد قباء. من حديث ابن عمر.
(٤) لا حاجة إلى تقييد الراء بالإهمال؛ لأنه لا نظير لها، وسيمر بك تعقبات سبط ابن العجمي في ثنايا حواشي الكتاب منبها على ذلك.
(٥) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٦٨١، «معجم البلدان» ٣/ ٧٦.



وثلاثين (١)، وفي «المطالع»: أن الروحاء من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلًا من المدينة، وفي كتاب ابن أبي شيبة على ثلاثين (٢).
وقوله: (الروحاء) قال: وروى البخاري أن ابن عمر كان لا يصلي في المسجد الصغير المذكور كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه -يريد عرق الظبية (٣)
قال: وروى أصحاب الزهري، عن الزهري، عن حنظلة بن علي، عن أبي هريرة مرفوعًا: «والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنيهما» (٤)
قال: وروى أصحاب الأعرج، عن الأعرج، عن أبي هريرة مثله، قال: وروى غير واحد أنه - ﷺ - قال -وقد وصل المسجد الذي ببطن الروحاء عرق الظبية-: «هذا واد من أودية الجنة، وصلى في هذا الوادي قبلي سبعون نبيًّا»، وقد مر به موسى بن عمران حاجًّا أو معتمرًا في سبعين ألفًا من بنى إسرائيل على ناقة له ورقاء (عليه) (٥) عباءتان قطويتان (٦) يلبي (٧).

-------------------
(١) مسلم (٣٨٨) كتاب: الصلاة، باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، وفيه عن سليمان الأعمش أنه سأل أبا سفيان طلحة بن نافع عن الروحاء. فقال: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلًا.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٠٧ (٢٣٧٣).
(٣) ورد بهامش (س) تعليق نصه: الظبية بفتح الظاء المعجمة قال ابن هشام (…) ابن إسحق عرق الظبية بضم أوله معنى ما قاله البكري.
(٤) رواه مسلم (١٢٥٢) كتاب: الحج، باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه.
(٥) في الأصل، «معجم ما استعجم»: عليها، وما أثبتناه من «تاريخ مكة» للأزرقي.
(٦) ورد بهامش الأصل: قطوان موضع بالكوفة قاله الجوهري.
(٧) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٦٨٢، والأثر عن موسى - عليه السلام - رواه بنحوه الأزرقي في «تاريخ مكة» ١/ ٦٨ عن مجاهد من قوله.



و(السمرة) بفتح السين وضم الميم، شجرة الطلح، شجر عظام من شجر العضاه، والعضاه شجر أم غيلان، كان ينزل - ﷺ - بهذا المكان إذا خرج من المدينة -كما قال- في حج أو عمرة، وإذا رجع إلى المدينة.
و(البطحاء) المكان المتسع، وقيل: مسيل واسع فيه دقاق الحصى وقال الداودي: كل أرض منحدرة.
و(شفير الوادي) حرفه؛ قاله في «الجامع»، وقال ابن سيده: ناحيته من أعلاه (١).
و(التعريس) نزول المسافر مطلقًا في أي وقت كان، وهو قول الخليل، وغيرُهُ كالأصمعي يقصره على آخر الليل، وقال ابن الأثير: العرس موضع التعريس، وبه سمي معرس ذي الحليفة عرس فيه - ﷺ - وصلى فيه الصبح ثم رحل (٢)، وفي «المحكم» المعرس: الذي يسير نهاره، ويعرس أي: ينزل أول الليل (٣).
و(الأكمة) التل أو الرابية.
و(الخليج) بعض النهر كأنه مختلج منه، قيل: واد عميق ينشق من آخر أعظم منه.
و(الكثيب) قطعة من الرمل مستطيلة محدود به.
وقوله: (فدحا) أي: بسط، والعرق سبخة تنبت الطرفاء، قاله ابن فارس (٤)؛ وقال الخليل فيما حكاه ابن قرقول: العرق الحبل الدقيق من الرمل المستطيل مع الأرض، وقال الداودي: المكان المرتفع،

------------------
(١) «المحكم» ٨/ ٣٥ مادة: شفر.
(٢) «النهاية في غريب الحديث» ٣/ ٢٠٦.
(٣) «المحكم» ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨ مادة: عرس.
(٤) «مجمل اللغة» ٣/ ٦٦٢ مادة: عرق.



وقال الأزهري: هو الحبل الصغير (١).
(والسرحة) شجرة عظيمة، وهي السخمة وهو نوع من الشجر له ثمر، وقيل: هي شجرة طويلة يقال: إنها الدفلى، وقال أبو علي: هو نبت، وقيل: لها هدب وليس لها ورق، وهو يشبه الصوف.
و(الرويثة) بضم الراء وفتح الواو ثم مثناة تحت، ثم مثلثة؛ على لفظ التصغير- قرية جامعة في رسم العقيق عند ذكر الطريق من المدينة إلى مكة وبين الرويثة والمدينة سبعة عشر فرسخًا، قاله البكري (٢)، وفي غير البخاري: فكان ابن عمر: ينيخ هناك، ويصب في أصل تلك الشجرة إداوة ماء، ولو لم يكن معه إلا تلك الإداوة.
وقوله: (ووِجَاهُ الطريق) أي: مقابله.
وقوله: (في مكان بطح) هو ساكن الطاء ويجوز كسرها أي: واسع.
قوله: (قائمة على ساق) أي: كالبنيان ليست متسعة من أسفل وضيقة من فوق؛ قاله ابن التين.
و(التلعة) بفتح المثناة فوق، مسيل الماء من علو إلى سفل، وقيل: هو من الأضداد يقع على ما انحدر من الأرض المرتفعة يتردد فيها السيل.
و(العرج) -بإسكان الراء- قرية جامعة على طريق مكة من المدينة، بينها وبين الرويثة أربعة عشر ميلًا، سمي بذلك لتعريجه، وهو عدة أماكن ذكرها ياقوت والحازمي (٣).

----------------
(١) «معجم تهذيب اللغة» ٣/ ٤٢١١ مادة: عرق.
(٢) «معجم ما استعجم» ٢/ ٦٨٦.
(٣) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٣٠، «معجم البلدان» ٤/ ٩٨ - ٩٩.



و(الهَضْبَة) فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل؛ قاله في «المطالع»، وقال ابن فارس: هي الأكمة الملساء القليلة النبات (١)، وفي «الصحاح»: الجبل المنبسط على وجه الأرض (٢)، وعن صاحب «العين»: كل جبل خلق من صخرة واحدة (٣).
و(الرضم) الحجارة البيض الكبار.
و(السَّلِمات) بفتح أوله وكسر ثانيه، واحدها سلمة، وهي سمرة ورقها القرظ الذي يدبغ به الأدم، وفي كتاب ابن بطال: السلمة بفتح اللام الشجرة، وبكسرها الصخرة (٤).
و(هرشى) بفتح الهاء وإسكان الراء ثم شين معجمة؛ جبل في بلاد تهامة وهو على ملتقى بطريق الشام والمدينة، وهي من الجحفة يرى منها البحر (٥).
و(كراع هرشى) طرفها، قيل: سميت هرشى لمهارشة كانت بينهم، والتهريش الإفساد بين الناس، حكاه في «المغيث» (٦).
و(الغلوة) بفتح الغين المعجمة، قدر رمية، يقال: غلا الرجل بسهمه غلوًا إذا رمى به أقصى الغاية.
و(مَر الظهران) بفتح أوله وتشديد الراء، مضاف إلى الظهران بينه وبين البيت ستة عشر ميلًا، سميت بذلك لمرارة مائها، وقيل غير

-------------------
(١) «مجمل اللغة» ٤/ ٩٠٦ مادة: هضب.
(٢) «الصحاح» ١/ ٢٣٨ مادة: هضب.
(٣) «العين» ٣/ ٤٠٨ مادة: هضب.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٧.
(٥) انظر: «معجم ما استعجم» ٤/ ١٣٥٠.
(٦) «المجموع المغيث» ٣/ ٤٩٣.



ذلك (١)، ومر الظهران آخر؛ ذكره الهجري في «أماليه»، وأهمله ياقوت قريب من الفرع.
(ذو طوى) بفتح الطاء مقصور منون، واد بمكة؛ قاله عياض (٢)، وذكره النووي بالضم (٣)، وقيده الإسماعيلي بالكسر، والذي بالشام بالضم والكسر مع القصر واد، وقيل: جبل، وطواء بالمد: واد بين مكة والطائف.
و(فرضة الجبل) مدخل الطريق إليه، قال ابن سيده: وفرضة النهر: مشرب الماء منه (٤).
وروى أبو داود في «مراسيله» من حديث ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله الأشج قال: كان بالمدنية تسعة مساجد مع مسجده - ﷺ - يسمع أهلها تأذين بلال فيصلون في مساجدهم فعددها (٥)، وذكر أبو زيد عمر بن شبة النحوي في كتابه «أخبار المدينة» عدة مساجد فيها أيضًا (٦)، وكذا الأزرقي في كتابه فلا يستقل به خشية الطول.

---------------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ٤/ ١٢١٢، «معجم البلدان» ٥/ ١٠٤.
(٢) «مشارق الأنوار» ١/ ٢٧٦.
(٣) قال النووي في «شرح مسلم» ٩/ ٦: هو موضع معروف بقرب مكة، يقال: بفتح الطاء وضمها وكسرها، والفتح أفصح وأشهر.
(٤) «المحكم» ٨/ ١٢٦ مادة: فرض.
(٥) «المراسيل» ص ٧٨ - ٧٩ (١٠).
(٦) «تاريخ المدينة» ١/ ٥٧ - ٧٩.



٩٠ - باب سُتْرَةُ الإِمَامِ، سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ
٤٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. [انظر: ٧٦ - مسلم: ٥٠٤ - فتح: ١/ ٥٧١]

٤٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ أَمَرَ بِالحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ. [٤٩٨، ٩٧٢، ٩٧٣ - مسلم: ٥٠١ - فتح: ١/ ٥٧٣]

٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ بِالبَطْحَاءِ -وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ- الظُّهْرَ رَكْعَتَيْن، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ المَرْأَةُ وَالحِمَار. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح: ١/ ٥٧٣]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث ابن عباس: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ .. الحديث.
وقد سلف في كتاب العلم، في باب سماع الصغير (١) وأخرجه مسلم أيضًا (٢).

--------------
(١) سلف برقم (٧٦).
(٢) مسلم (٥٠٤) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.



و(ناهزت الأحتلام) قربت منه، ونهزت الشيء تناولته، ونهزت إليه نهضت.
الثاني:
حديث ابن عُمَرَ أَنَّه - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ أَمَرَ بِالحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلَّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ. فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ.
وأخرجه مسلم أيضًا (١).
وشيخ البخاري فيه (إسحاق) هو ابن منصور، كما صرح به خلف في «أطرافه»، وقال أبو نعيم الأصبهاني في «مستخرجه»: هو الكوسج، ورواه عن ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عنه.
وتابعه الأوزاعي، وليس للأوزاعي عن نافع عنه في «الصحيح» غيره.
الحديث الثالث:
حديث أَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّه - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ بِالبَطْحَاءِ .. الحديث.
وقد سلف في باب الصلاة في الثوب الأحمر (٢)، ويأتي قريبًا أيضًا (٣).
وهذِه الأحاديث دالة على أن سترة الإمام بنفسها سترة لمن خلفه، وادعى بعضهم فيه الإجماع فيما نقله ابن بطال قال عقبه: والسترة عند العلماء سنة مندوب إليها ملوم تاركها (٤).

-----------------
(١) مسلم (٥٠١) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.
(٢) سلف برقم (٣٧٦).
(٣) سيأتي برقم (٤٩٩) باب: الصلاة إلى العترة.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٨.



وقال القاضي: اختلفوا هل هي سترة لمن خلفه؟ أو هي سترة له خاصة؟ وهو سترة لمن خلفه مع الاتفاق أنهم يصلون إلى سترة (١).
وقال الأبهري: سترة الإمام سترة إمامه، فلا يضر المرور بين يديه؛ لأن المأموم تعلقت صلاته بصلاة إمامه. قال: ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن من المرور بين يديه، وفي الأمن قولان عند مالك، وعند الشافعي مشروعة مطلقًا؛ لعموم الأحاديث؛ ولأنها تصون البصر، فإن كان في الفضاء فهل يصلي إلى غير سترة؟ أجازه ابن القاسم؛ لحديث ابن عباس هذا، وقال مطرف وابن الماجشون: لا بد من سترة (٢)؛ وذكر عن عروة وعطاء وسالم والقاسم والشعبي والحسن أنهم كانوا يصلون في الفضاء إلى غير سترة (٣).
وقال ابن القصار (٤): من قال إن الحمار يقطع الصلاة قال: إن مرور حمار عبد الله كان خلف الإمام بين يدي بعض الصف، والإمام سترة لمن خلفه، وهو مردود، فقد روى البزار أن المرور كان بين يديه - ﷺ - (٥)، وحديث أبي داود: أن الحمار والغلام يقطعانها (٦)؛ واهٍ، وعلى

---------------
(١) «إكمال المعلم» ٢/ ٤١٨.
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ١٠٨، «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٤ - ١٩٥.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٤٩ (٢٨٦٧) عن عطاء، وبرقم (٢٨٦٩) عن سالم والقاسم، وبرقم (٢٨٧٢) عن الحسن.
(٤) كما في «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٥) «مسند البزار» ١١/ ١٦١ (٤٨٩٦).
(٦) رواه أبو داود (٧٠٥، ٧٠٦) من حديث يزيد بن نمران، ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٣٧٦ - ٣٧٧، والبيهقي ٢/ ٢٧٥، وضعفه المنذري في «مختصره»، والألباني في «ضعيف أبي داود» (١١١، ١١٢). =



تسليم الصحة فهو منسوخ بحديث ابن عباس؛ لأن ذلك روي بتبوك وحديثنا في حجة الوداع بعدها، والذي ذهب إليه أكثر أهل الحجاز أن الصلاة لا يقطعها شيء وهو مذهب الأربعة، وفي أبي داود ما يدل له في الحمار والكلب (١)، وإن كان ليس إسناده بذاك.
وقد تحصل لنا من هذِه الأحاديث فوائد:
الأولى: صحة سماع من ناهز الاحتلام، وهو إجماع.
ثانيها: صحة أداء الكبير ما سمعه في صغره، وهو إجماع أيضًا؛ ولا عبرة بمن شذ.
ثالثها: جواز الصلاة إلى الحربة.
رابعها: عدم قطع الصلاة بالحمار.
خامسها: أن سترة الإمام سترة لمن خلفه.

-------------------
= ورواه من طريق سعيد بن غزوان، عن أبيه: أبو داود (٧٠٧)، والطبراني في «مسند الشاميين» ٣/ ١٩٥ (٢٠٦٧)، والبيهقي ٢/ ٢٧٥.
وضعفه عبد الحق في «الأحكام الوسطى» ١/ ٣٤٥، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٣٥٦، والألباني في «ضعيف أبي داود» (١١٣).
(١) أبو داود (٧١٨) عن الفضل بن عباس أن رسول الله - ﷺ - صلى في صحراء ليس بين يديه سترة وحماره وكلبه يعبثان بين يديه فما بالى ذلك.
ورواه أيضًا النسائي ٢/ ٦٥، وأحمد ١/ ٢١١، وأعله ابن حزم في «المحلى» ٤/ ١٣ بالانقطاع. وقال: هذا باطل، ووافقه ابن حجر في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٩١، وضعفه الألباني«في»ضعيف أبي داود" (١١٤).



٩١ - باب قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَين المُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ؟
٤٩٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَبَيْنَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ. [٧٣٣٤ - مسلم: ٥٠٨ - فتح: ١/ ٥٧٤]

٤٩٧ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا. [مسلم: ٥٠٩ - فتح: ١/ ٥٧٤]
ذكر فيه عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ الله - ﷺ - وَبَيْنَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ.
وعَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ مَا كادَتِ الشاةُ تَجُوزُهَا.
والحديثان في «صحيح مسلم» أيضا (١).
وهما دالان على أن القرب من السترة مطلوب.
قال ابن القاسم عن مالك: ليس من الصواب أن يصلي وبينه وبين
السترة صفان. وروى ابن المنذر عن مالك أنه يباعد عن سترة وإن شخصًا قال له: أيها المصلي ألا تدنو من سترة، فمشى الإمام إليها وهو يقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] (٢).

------------------
(١) مسلم (٥٠٨) عن سهل، وبرقم (٥٠٩) عن سلمة. كتاب: الصلاة، باب: دنو المصلي في السترة.
(٢) «الأوسط» ٥/ ٨٧.



قلت: ويؤيده ما رواه أبو داود، وإن كان قال: اختلف في إسناده من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته» (١)، ومثله عن أبي سعيد وعبد الله وابن عمر في ابن أبي شيبة (٢).
قال ابن بطال بعد ذكر حديثي الباب: هذا أقل ما يكون بين المصلي وسترته، وأكثر ذلك عند قوم من الفقهاء، وقال آخرون: أقل ذلك ثلاثة أذرع لحديث بلال أن رسول الله - ﷺ - صلى في الكعبة جعل بينه وبين القبلة قريبًا من ثلاثة أذرع، هذا قول عطاء وبه قال الشافعي وأحمد (٣).
وقال الداودي: أقله ممر الشاة، وأكثره ثلاثة أذرع، وقال السبيعي: رأيت عبد الله بن معقل يصلي بينه وبين القبلة ثلاثة أذرع، وفي كتاب ابن التين: ستة؛ ورأيت في «مصنف ابن أبي شيبة» نحوه بإسناد صحيح، وفي حديث آخر نحوه وهي الفرجة (٤).
قال ابن بطال: وهذا شذوذ عند الفقهاء لمخالفة الآثار الثابتة عن النبي - ﷺ - له، منها: أحاديث هذا الباب، ومنها: حديث سهل (٥) يعني: السالف، وجمع ابن التين بين حديث الباب وحديث بلال

--------------------
(١) أبو داود (٦٩٥) ورواه أيضًا النسائي ٢/ ٦٢، وأحمد ٤/ ٢، وابن حبان في «صحيحه» ٦/ ١٣٦ (٢٣٧٣)، والحاكم ١/ ٢٥١ - ٢٥٢ وصححه على شرط الشيخين، وصححه أيضًا النووي في «خلاصة الأحكام» ١/ ٥١٨ (١٧٣٢)، والألباني في «صحيح أبي داود» (٦٩٢).
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٢٥٠ (٢٨٧٥، ٢٨٧٦، ٢٨٧٧).
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٣٠، وانظر: «المجموع» ٣/ ٢٢٤، «المغني» ٣/ ٨٤.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٤٩ (٢٨٦٨٧) عن أبي إسحاق السبيعي قال: رأيت ابن معقل يصلي وبينه وبين القبلة فجوة.
(٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٣٠.



فقال: كان إذا قام كان بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة، وإذا سجد أو ركع كان بينهما ثلاثة أذرع من موضع رجليه. ولم يحد مالك في ذلك حدًّا؛ إلا إن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من مر بين يديه، وقيده بعض الناس بشبر، وآخرون بثلاثة أذرع كما سلف، وآخرون بستة وكل ذلك تحكمات.

٩٢ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الحَرْبَةِ
٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّى إِلَيْهَا. [انظر: ٤٩٤ - مسلم: ٥٠١ - فتح: ١/ ٥٧٥].
ذكر فيه حديث ابن عمر أنه - عليه السلام - كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. وقد سلف (١).

---------------------
(١) سلف برقم (٤٩٤) باب: سترة الإمام سترة من خلفه.


٩٣ - باب الصَّلَاةِ إِلَى العَنَزَةِ
٤٩٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح:١/ ٥٧٥]

٥٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَاذَانُ، عَنْ شُعْبَة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ أَوْ عَصًا أَوْ عَنَزَةٌ وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ. [انظر: ١٥٠ - مسلم: ٢٧١ - فتح: ١/ ٥٧٥]
ذكر فيه حديث أبي جحيفة أن النبي - ﷺ - صلى وبين يديه عنزة .. الحديث.
وقد سلف قريبا (١).
وحديث أنس أن النبي - ﷺ - كان إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ أَوْ عَصًا أَوْ عَنَزَةٌ وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ.
وقد سلف في الاستنجاء (٢).
وليس صريحًا في مقابلة ما ذكره من التبويب؛ نعم الحربة والعنزة علم للناس على موضع صلاته ألا يخرقوه بالشيء بين يديه في صلاته.
ومعنى حمل العنزة والماء: أنه - ﷺ - كان يديم الطهارة في أكثر أحواله، فكان إذا توضأ صلى ما أمكنه بذلك الوضوء منذ أخبره بلال

--------------------
(١) سلف قريبًا برقم (٤٩٥) باب: سترة الإمام سترة من خلفه.
(٢) سلف برقم (١٥٠) كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالماء.



بما أوجب الله له الجنة من أنه لم يتوضأ قط إلا صلى (١)، فلذلك كان يحمل الماء والعنزة إلى موضع الخلاء والتبرز ومناولتهم الإداوة كان على استنجائه بالماء؛ لأن العبادة في الوضوء الصب على اليد.
وفيه: خدمة السلطان والعالم.
ومذاهب الفقهاء متقاربة في أقل ما يجزئ المصلي من السترة، فقال مالك: يجزيه غلظ الرمح والعصا وارتفاع ذلك قدر عظم الذراع ولا تفسد صلاة من صلى إلى غير سترة، وإن كان مكروهًا، وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة، والثوري: إنها قدر مؤخرة الرحل يكون ارتفاعها ذراعًا؛ وهو قول عطاء.
وقال الأوزاعي مثله، إلا أنِه لم يحد ذراعًا ولا غيره.
وكل هؤلاء لا يجيزون الخط، ولا أن يعرض العصا في الأرض، فيصلي إليها؛ غير الأوزاعي والشافعي في أصح قوليه فإنهما قالا: إذا لم يجد شيئًا يقيمه بين يديه عرضه وصلى، وإن لم يجد خط خطًّا، وروي مثله عن سعيد بن جبير (٢)، وبه قال أحمد وأبو ثور، وفيه حديث أبي هريرة في أبي داود وهو من رواية أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا (٣).

--------------------
(١) سلف برقم (١١٤٩) كتاب: التهجد، باب: فضل الطهور بالليل والنهار، ورواه مسلم (٢٤٥٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل بلال بن رباح.
(٢) رواه عبد الرزاق ٢/ ١٤ (٢٢٩٧).
(٣) أبو داود (٦٨٩)، ورواه أيضًا ابن ماجه (٩٤٣)، وأحمد ٢/ ٢٤٩، وابن خزيمة ٢/ ١٣ - ١٤ (٨١١، ٨١٢)، وابن حبان ٦/ ١٢٥ (٢٣٦١).
قال النووي في «خلاصة الأحكام» ١/ ٥٢٠: قال الحفاظ: هو ضعيف لاضطرابه.
وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» ١/ ٢٨٦: صححه أحمد وابن المديني فيما
نقله ابن عبد البر في «الاستذكار» وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي =



قال الطحاوي: أبو عمرو وجده مجهولان، وقال مالك والليث: الخط باطل، وليس بشيء، (١)، وأصح ما في سترة المصلي حديث ابن عمر وأبي جحيفة وأنس.
وقوله في حديث أبي جحيفة: (والمرأة والحمار يمرون من ورائها) قال ابن التين: صوابه (يمران) على التثنية، أو يمرون إذا تخلى عن التثنية بالجمع.

--------------------
= والبغوي وغيرهم. اهـ وضعفه كذلك الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٠٧).
(١) «بدائع الصنائع» ١/ ١٢٧، «المدونة» ١/ ١٠٨، «المجموع» ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥، «المغني» ٣/ ٨٤ - ٨٥.



٩٤ - باب السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيِرْهَا
٥٠١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً، وَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح: ١/ ٥٧٦]
ذكر فيه حديث أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْهَاجِرَةِ .. الحديث. تقدم في الطهارة (١).
ومعنى السترة للمصلي: رد المار بين يديه، فكل من صلى في مكان واسع فالمستحب له أن يصلي إلى سترة بمكة كان أو غيرها إلا من صلى في مسجد مكة بقرب القبلة حيث لا يمكن أحد المرور بينه وبينها، فلا يحتاج إلى سترة إذ قبلة مكة سترة له فإن صلى في مؤخر المسجد بحيث يمكن المرور بين يديه أو في سائر بقاع مكة إلى غير جدار أو صخرة أو ما أشبههما فينبغي أن يجعل أمامه ما يستره من المرور بين يديه كما فعل الشارع حين صلى بالبطحاء إلى عنزة، والبطحاء خارج مكة، وكذلك حكم أهل مكة إذا كان (فضاء، وفي النسائي) (٢).
قلت: لم يفصل أصحابنا في تحريم المرور بين المصلي إلى الكعبة وبين الطائف واغتفر غير ما ذلك للحاجة إليه بل ألحق بعض الحنابلة الحرم بمكة في عدم كراهة المرور.

----------------------
(١) ملف برقم (١٨٧) كتاب: الوضوء، باب: استعمال فضل وضوء الناس.
(٢) كذا بالأصل، ولم تتبين لنا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #150  
قديم 27-01-2026, 11:30 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 48 الى صـــ 60
الحلقة (150)






٩٥ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ
وَقَالَ عُمَرُ: المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المُتَحَدِّثِينَ إِلَيْهَا.
وَرَأى عُمَرُ رَجُلًا يُصَلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ فَأَدْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ فَقَالَ: صَلِّ إِلَيْهَا.

٥٠٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ آتِى مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ. قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. [مسلم: ٥٠٩ - فتح: ١/ ٥٧٧]

٥٠٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ. وَزَادَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ: حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - ﷺ -. [٦٢٥ - مسلم: ٨٣٧ - فتح: ١/ ٥٧٧]
ذكر فيه عن عُمَرَ أنه قال: المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المُتَحَدِّثينَ إِلَيْهَا.
والسواري جمع سارية، وهي الأسطوانة.
وَرَأى عُمَرُ رَجُلًا يُصَلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانتَيْنِ فَأَدْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ فَقَالَ: صَلِّ إِلَيْهَا.
هذا الرجل هو: قرة أبو معاويةَ ابن قرة، روي ذلك عنه أنه قال: رآني عمر وأنا أصلي بين أسطوانتين، فأخذ بقفاي فأدناني من السترة وقال: صل إليها (١). وادعى ابن التين أن عمر إنما كره ذلك لانقطاع الصفوف، ويأتي في الباب بعده.

------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٨ (٧٥٠١).


وذكر فيه البخاري أيضا حديثين:
الأول عن شيخه مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ التِي عِنْدَ المُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرى الصَّلَاةَ عِنْدَ هذِه الأُسْطُوَانَةِ. قَالَ: فَإِني رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَحَرى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا.
وهو أحد ثلاثيات البخاري وأخرجه مسلم أيضًا بلفظ يصلي وراء الصندوق (١)، وفي أخرى: كان يتحرى مكان المصحف يسبح فيه (٢).
ثم الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
الأسطوانة معروفة والنون أصلية، وهي أُفْعُوَالَةٌ، مثل أقحوانة؛ لأنه يقال: أساطين مُسَطَّنَة، وكان الأخفش يقول: فُعْلُوانة؛ وهذا يوجب زيادة الواو وإلى جنبها زائدتان الألف والنون ولا يكاد يكون، وقال قوم: هو أُفْعُلَانَة، ولو كان كذلك لما جمع على أساطين؛ لأنه لا يكون في الكلام أفاعين ذكره في «الصحاح» (٣).
وقوله: (التي عند المصحف) كأنه كان هناك مصحف.
و(يتحرى) يقصد ويعتمد قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] أي: قصدوا إنما كان يتحرى الصلاة في ذلك الموضع؛ لأنهم زادوا في المسجد، فكأنه كان يطلب موضع الحائط الأول.

-------------------
(١) لم أقف عليها في مسلم بهذا اللفظ.
(٢) مسلم (٥٠٩) كتاب: الصلاة، باب: دنو المصلي من السترة.
(٣) «الصحاح» ٥/ ٢١٣٥ مادة: سطن.



وفيه: أن الأسطوانة سترة وهي أولى من العنزة، وأن الأسطوانة ينبغي أن تكون أمامه، ولا تكون إلى جنبه لئلا يتخلل الصفوف شيء، فلا يكون له سترة.
وادعى شيخنا علاء الدين في «شرحه» أن هذا الحديث ليس فيه التصريح بالصلاة عند السواري وهو عجيب منه، وشيخنا قطب الدين إنما ذكر في حديث أنس أنه ليس فيه صريح الركعتين قبل المغرب فنقله إلى هذا وحَرَّف.
الحديث الثاني: حديث سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ: لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ. وَزَادَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ: حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - ﷺ -.
وهذا الحديث يأتي في الأذان أيضًا (١).
ورواه مسلم من حديث عبد العزيز بن صهيب، والمختار بن فلفل عن أنس كما يأتي (٢).
وفي بعض النسخ بدل سفيان شعبة، وكلاهما رويا، عن عمرو؛ نبه عليه ابن عساكر في «أطرافه» وعمرو هذا أنصاري كوفي (٣)، وليس والد أسد كما وقع فيه أبو داود ونبه عليه المزي (٤)؛ ذاك يروي عن الحسن

---------------------
(١) سيأتي برقم (٦٢٥) باب: كم بين الأذان والإقامة ..
(٢) مسلم (٨٣٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة.
(٣) عمرو بن عامر، الأنصاري الكوفي، يروي عن أنس، ويروي عنه الثوري، وشعبة، وأبو الزناد، وغيرهم. وثقه النسائي وابن حبان، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٥٦ (٢٦٢٤)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠ (١٣٧٦)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ١٨٢، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٩٢ - ٩٣ (٤٣٩٢).
(٤) «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٩٣ (٤٣٩٣).



البصري، ولم يخرجوا له.
أما (عمرو) بن عامر السلمي البصري قاضيها، فلم يخرج له البخاري، وخرج له مسلم مات بعد الثلاثين ومائة (١) (٢).
وهذِه الزيادة أسندها البخاري في باب كم بين الأذان والإقامة بلفظ حتى يخرج النبي - ﷺ - وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء. قال البخاري: قال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة: لم يكن بينهما إلا قليل (٣).
وحديث عثمان؛ خرجه الإسماعيلي في «صحيحه»، وأبو داود هذا هو الحَفَرِي واسمه عمر بن سعد، وعند الإسماعيلي: قام كبار الصحابة فابتدروا السواري، وعند مسلم إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها (٤)، وفي لفظ نصلي على عهد رسول الله - ﷺ - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة

--------------------
(١) بهامش (س): في «الكاشف» (…) [«الكاشف» ص ١٢٩ (٤٠٧٦)].
(٢) عمر بن عامر السُّلَمي، أبو حفص، روى له مسلم والنسائي، كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وأنكر له أحاديث، وسئل عنه أحمد فقال: كان شعبة لا يستمر به، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وزاد في رواية عنه: ثقة، وقال في رواية أخرى: بَجليٌّ كوفي ضعيف، تركه حفص بن غياث. وقال عمرو بن علي: ليس بمتروك الحديث، وضعفه أبو داود، والنسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات».
وقال ابن حجر: صدوق له أوهام. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٨١ (٢١٠٤)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٢٦ - ١٢٧ (٦٨٩)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ١٨٠، «الكامل» لابن عدي ٦/ ٥١ - ٥٤ (١١٩٨)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٤٠٣ - ٤٠٧ (٤٢٦٣)، «تقريب التهذيب» (٤٩٢٥).
(٣) سيأتي برقم (٦٢٥) كتاب: الأذان.
(٤) مسلم (٨٣٧) في صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب.



المغرب، قال المختار بن فلفل: قلت لأنس: أكان النبي - ﷺ - صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا (١).
وهذِه المسألة -وهي: استحباب ركعتين قبل المغرب- فيها خلاف فلنبسط الكلام فيها وإن كانت دخيلة في الباب.
وقد استحبها جماعة من الصحابة، وغيرهم منهم: أحمد وإسحاق وأهل الظاهر، ولأصحابنا وهو الأصح عند المحققين عن أصحابنا، وإن كان الأشهر عندهم عدمه، وبه قال الخلفاء الأربعة (٢)، وجماعة من الصحابة ومالك وأبو حنيفة وقال النخعي: هي بدعة (٣).
حجة المانع أمور:
أحدها: حديث بريدة رفعه: «بين كل أذانين صلاة إلا المغرب» (٤) وهذا فيه حيان بن عبيد الله؛ قال ابن حزم: انفرد بها وهو مجهول (٥)؛ والصحيح حديث عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل مرفوعًا: «بين كل أذانين صلاة لمن شاء» (٦).

---------------------
(١) مسلم (٨٣٦).
(٢) روى عبد الرزاق ٢/ ٤٣٥ (٣٩٨٥) عن إبراهيم قال: لم يصلِّ أبو بكر ولا عمر ولا عثمان الركعتين قبل المغرب.
(٣) انظر: «المغني» ٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧.
(٤) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٦٩٣) وقال: لا نعلم أحد يرويه إلا بريدة، ولا رواه إلا حيَّان وهو بصري مشهور ليس به بأس. ورواه بنحوه الدارقطني ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٣٧٨ (٩٥٤) وقال: لا يصح، قال الفلاس: كان حيَّان كذابًا. وضعفه ابن حجر في «التلخيص» ٢/ ١٣، وقال الألباني في «الضعيفة» (٢١٣٩): منكر.
(٥) «المحلى» ٢/ ٢٥٣. وفي هامش (ص) من خط الشيخ: ذكره ابن حبان في «ثقاته».
(٦) سيأتي برقم (٦٢٤) كتاب: الأذان، باب: كم بين الأذان والإقامة، ومسلم (٨٣٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة.



وادعى ابن بزيزة بعد أن جهل راويها أن بعض الحفاظ صححها.
ثانيها: ما ذكر عن إبراهيم النخعي أن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا يصلونها (١) وهو منقطع كما قال ابن حزم (٢)؛ لأن إبراهيم لم يدرك أحدًا من هؤلاء، ولم يولد إلا بعد قتل عثمان بسنتين.
ثالثها: ما رواه عن أبي شعيب عن طاوس قال: سئل ابن عمر عن
الركعتين قبل المغرب فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله يصليهما (٣)؛ وهذا لا يصح كما قال ابن حزم (٤)؛ لأنه عن أبي شعيب أو شعيب، ولا يدرى من هو أيضًا؛ لكن قال أبو زرعة: لا بأس به.
رابعها: أن استحبابها يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها قليلًا.
قال ابن أبي صفرة: وصلاتها كانت في أول الإسلام ليتبين خروج الوقت المنهي عنه بمغيب الشفق، ثم ألزم الناس بالمبادرة إلى المغرب لئلا يتباطأ الناس عن وقت الفضيلة للمغرب، وقد يقال: لأن وقتها واحد عند أكثر العلماء، ولا خلاف أن المبادرة بها أفضل والاشتغال بغيرها ذريعة إلى خلافه لكنه زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها، ومن ادعى نسخها فهو مجازف.
وقال ابن العربي: اختلف الصحابة فيها، ولم يفعله بعدهم أحد.
حجة من استحبها: ما تقدم من حديث أنس وعبد الله بن مغفل «بين كل أذانين صلاة» والمراد بين الأذان والإقامة، وفي رواية: «صلوا قبل

--------------------
(١) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٣٥ (٣٩٨٥).
(٢)»المحلى«٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٣) رواه أبو داود (١٢٨٤)، ومن طريقه البيهقي ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧، وضعفه الألباني في»ضعيف أبي داود«(٢٣٧/ ٢).
(٤)»المحلى" ٢/ ٢٥٤.



صلاة المغرب ركعتين»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس سنة (١)، وسيأتي في «الصحيح» من حديث مرثد بن عبد الله اليزني، قال: أتيت عقبة بن عامر، فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب؟ فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -، قلت: ما يمنعك الآن، قال: الشغل (٢).
قال ابن حزم: وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق؛ كلاهما عن الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش: أنه رأى عبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب يصليان الركعتين قبل صلاة المغرب (٣)، ورواه حماد، عن عاصم بزيادة: لا يدعانها؛ وعن معمر، عن الزهري، عن أنس أنه كان يصلي الركعتين قبل صلاة المغرب (٤).
وعن زُغْبَان مولى حبيب بن مسلمة: رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - يهبون إلى الركعتين قبل صلاة المغرب كما يهبون إلى الفريضة (٥).
وروينا عن وكيع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: ما رأيت فقيهًا يصلي الركعتين قبل المغرب إلا سعد بن مالك؛ يعني: سعد بن أبي وقاص (٦).

-------------------
(١) سيأتي برقم (١١٨٣) كتاب: التهجد، باب: الصلاة قبل المغرب.
(٢) سيأتي برقم (١١٨٤).
(٣) رواه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٣ (٣٩٨١)، وقد رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ (٧٣٧٧) بنحوه من طريق شريك، عن عاصم به، ورواه البيهقي ٢/ ٤٧٦ من طريق الحسين ابن حفص، عن سفيان، به.
(٤) رواه ابن نصر في «قيام الليل» كما في «المختصر» ص ٧٣.
(٥) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٣٥ (٣٩٨٤).
(٦) رواه ابن نصر في «قيام الليل» كما في «المختصر» ص ٧٣، والبيهقي ٢/ ٤٧٦.



وعن جابر: أنه كان يصليهما (١).
وعن راشد بن يسار قال: أشهد على خمسة من أصحاب رسول الله - ﷺ - من أصحاب الشجرة أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب (٢).
وعن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي ليلى أنه كان يصليهما (٣).
وعن يزيد بن إبراهيم سمعت الحسن البصري فسئل عن الركعتين قبل المغرب، فقال: حسنتين جميلتين لمن أراد بهما وجه الله (٤) (٥).
ومن الفوائد: أن ابن حبان روى في «صحيحه» أنه - ﷺ - صلى قبل المغرب ركعتين؛ وقال عند الثالثة: «لمن شاء» خاف أن يحسبها الناس سنة (٦).

-------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٩ (٧٣٨٥)، وابن نصر في «قيام الليل» كما في «المختصر» ص ٧٤.
(٢) رواه ابن نصر في «قيام الليل» كما في «المختصر» ص ٧٣، والبيهقي ٢/ ٤٧٦.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ (٧٣٨٤)، وابن نصر في «قيام الليل» كما في «المختصر» ص ٧٥.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٨ (٧٣٨٤)، وابن نصر في «قيام الليل» كما في «المختصر» ص ٧٥.
(٥) «المحلى» ٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٦) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٤٥٧ (١٥٨٨).



٩٦ - باب الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ
٥٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْبَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَبِلَالٌ، فَأَطَالَ ثُمَّ خَرَجَ، وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ فَسَأَلْتُ بِلَالًا: أَيْنَ صَلَّى؟ قَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ. [انظر: ٣٩٧ - مسلم: ١٣٢٩ - فتح: ١/ ٥٧٨]

٥٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِىُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ النَّبِيُّ - ﷺ -؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ -وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ- ثُمَّ صَلَّى. وَقَالَ لَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ وَقَالَ: عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ. [انظر: ٣٩٧ - مسلم: ١٣٢٩ - فتح: ١/ ٥٧٨]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - البَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَبِلَالٌ، فَأطَالَ ثُمَّ خَرَجَ، وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا: أَيْنَ صَلَّى؟ قَالَ: بَيْنَ العَمُودَيْنِ المُقَدَّمَيْنِ.
ثم ساق حديثه هذا قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةِ وَرَاءَهُ -وَكَانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ -ثُمَّ صَلَّى.
وفي رواية: وَقَالَ: عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ.
ثم قال:


٩٧ - باب
٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ، وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ، فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِى قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، صَلَّى يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِى أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِيهِ. قَالَ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِى أَيِّ نَوَاحِى الْبَيْتِ شَاءَ. [انظر: ٣٩٧ - مسلم: ١٣٢٩ - فتح: ١/ ٥٧٩]
ولم يترجمه.
ثم ساق حديث ابن عمر أيضًا؛ وفيه: فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، صَلَّى.
والكلام على ذلك من أوجه:
أحدها:
الطريق الأولى انفرد بها البخاري، والثانية وافقه مسلم عليها (١)، ثم منهم من جعله من مسند بلال، ومنهم من جعله من مسند ابن عمر.
ثانيها:
قد قدمنا الروايتين الأولى: أنه جعل عمودًا عن يساره وعمودًا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، والثانية: عمودين عن يمينه. والبخاري ذكرها من طريق إسماعيل، عن مالك، فقال إسماعيل: حدثني مالك وقال: عمودين عن يمينه.
وقال خلف: لم أجده من حديث إسماعيل، وقد اختلف عن مالك

-----------------
(١) مسلم (١٣٢٩/ ٣٨٨) كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره ..


في لفظه، فرواه مسلم: عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه (١)، وفي البخاري: عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه قال البيهقي: وهو الصحيح (٢)، وفي رواية: جعل عمودًا عن يمينه، وعمودين عن يساره (٣) عكس ما سلف.
ويحتاج إلى جمع إن لم تتعدد الواقعه فإنه - ﷺ - مكث في الكعبة طويلًا بخلاف ما سلف من كونه على يمينه أو يساره، فإنه قصد أنه صلى بين عمودين، وسواء كانا عن يمينه أو عن يساره؛ لأنه لم يقصد ذكرهما، وقد أسلفنا الكلام على هذا الحديث في الكلام على مقام إبراهيم والأبواب والغلق للكعبة.
ثالثها:
وهو مقصود الترجمة لا شك، في جواز الصلاة بين السواري، وقول البخاري في غير جماعة إشارة إلى قطعها الصفوف.
قال ابن بطال: وإنما يكره أن يكون الصف يقطعه أسطوانة إذا صلوا جماعة خشية أن يمر أحد بين يديه، وإن يكون الإمام سترة لمن خلفه، ويستحب أن تكون الأسطوانة خلف الصف، أو أمامه ليستتر بها المصلي في الجماعة (٤).
قال القرطبي: وسبب الكراهة بين الأساطين أنه روي أنه مصلى الجن المؤمنين (٥).

---------------------
(١) مسلم (١٣٢٩) كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره.
(٢) البيهقي ٢/ ٣٢٧.
(٣) مسلم (١٣٢٩).
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٥) «المفهم» ٢/ ١٠٨.



واختلف السلف في الصلاة بين السواري فكرهه أنس بن مالك،
وقال: كنا نتقيه على عهد رسول الله - ﷺ - (١)، وفي لفظ: كنا نُنْهَى عن الصلاة بين السواري ونُطْرَد عنها (٢)؛ صححهما الحاكم (٣).
وقال أبو مسعود: لا تصفوا بين الأساطين (٤).
وكرهه حذيفة (٥)، وإبراهيم وقال: لا تصفوا بين الأساطين، وأتموا الصفوف (٦)، وسلف أثر عمر في ذلك (٧).
وأجازه الحسن (٨) وابن سيرين (٩).
وكان سعيد بن جبير (١٠)، وإبراهيم التيمي (١١)، وسويد بن غفلة (١٢)، يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين، وقال

-----------------
(١) رواه أبو داود (٦٧٣)، والترمذي (٢٢٩) وقال: حسن صحيح، والنسائي ٢/ ٩٤، وأحمد ٣/ ١٣١ وعبد الرزاق ٢/ ٦٠ (٢٤٨٩)، وابن أبي شيبة ٢/ ١٤٨ (٧٤٩٤)، وابن خزيمة ٣/ ٣٠ (١٥٦٨)، وابن حبان ٥/ ٥٩٦ - ٥٩٧ (٢٢١٨)، والحاكم ١/ ٢١٠، ٢١٨، والبيهقي ٣/ ١٠٤.
(٢) رواه من حديث قرة بن إياس: ابن ماجه (١٠٠٢)؛ والطيالسي ٢/ ٤٠٠ (١١٦٩)، وابن خزيمة ٣/ ٢٩ (١٥٦٧)، ابن حبان ٥/ ٥٩٧ - ٥٩٨ (٢٢١٩)، والحاكم ١/ ٢١٨، والبيهقي ٣/ ١٠٤.
(٣) الحاكم ١/ ٢١٨، وانظر: «صحيح أبي داود» ٣/ ٢٥١ - ٢٥٢ (٦٧٧).
(٤) رواه عبد الرزاق ٢/ ٦٠ (٢٤٨٧ - ٢٤٨٨)، والبيهقي ٣/ ١٠٤.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٨ (٧٥٠٠).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٨ - ١٤٩ (٧٥٠٢ - ٧٥٠٣).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٨ (٧٥٠١).
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٩ (٧٥٠٤)، وروى عبد الزراق ٢/ ٦٠ - ٦١ (٢٤٩٠) أن الحسن كرهه.
(٩) رواه عبد الرزاق ٢/ ٦١ (٢٤٩٠)، وابن أبي شيبة ٢/ ١٤٩ (٧٥٠٥).
(١٠) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٩ (٧٥٠٦).
(١١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٩ (٧٥٠٧).
(١٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٩ (٧٥٠٩).



مالك في «المدونة»: لا بأس بالصلاة بينها لضيق المسجد (١).
وقال ابن حبيب: ليس النهي عن تقطيع الصفوف إذا ضاق المسجد، وإنما نهي عنه إذا كان المسجد واسعًا (٢).
رابعها:
أن السترة ما بين المصلي والقبلة ثلاثة أذرع، وادعى ابن بطال أن الذي واظب عليه الشارع في مقدار ذلك ممر الشاة كما جاء في الآثار.
خامسها:
صحة الصلاة في الكعبة، وقد سلف ما في ذلك في باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وسلم ابن بطال أن صلاته - ﷺ - في البيت كانت مرة (٣).
سادسها:
فيه الدنو من السترة، وقد أمر الشارع بالدنو منها؛ لئلا يتخلل الشيطان ذلك.

-----------------
(١) «المد ونة» ١/ ١٠٢.
(٢) «النوادر» ١/ ١٩٤.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٣٤.



٩٨ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالبَعِيِر وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ
٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ هَذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّى إِلَى آخِرَتِهِ -أَوْ قَالَ مُؤَخَّرِهِ- وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنه - يَفْعَلُهُ. [انظر: ٤٣٠ - فتح: ١/ ٥٨٠]
ساق فيه حديث ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ هذا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إلى آخِرَتِهِ -أَوْ قَالَ: مُؤَخرِهِ- وَكَانَ ابن عُمَرَ - رضي الله عنه - يَفْعَلُهُ.
هذا الحديث أسلفنا الكلام عليه في باب: الصلاة في مواضع الإبل (١).
وتكلمنا على هذِه الترجمة أيضًا، وجعل خلف في «أطرافه» هذا الحديث غير ذلك.
و(آخرة الرحل) أخرجها مسلم أيضًا من حديث أبي ذر (٢) وأبي هريرة (٣)، وفي النسائي من حديث عائشة سئل رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: «مثل مؤخرة الرحل» (٤).

---------------------
(١) تقدم برقم (٤٣٠).
(٢) مسلم (٥١٠) كتاب: الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلي.
(٣) مسلم (٥١١).
(٤) النسائي ٢/ ٦٢، ورواه أيضًا مسلم (٥٠٠) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.



وقوله: (هبت) أي: ثارت من مُنَاخها فمرة، قاله صاحب «المطالع»، وتأتي بمعنى: أسرعت وقيل: نشطت، وقيده الأصيلي بضم الهاء على لفظ ما لم يسم فاعله، والأول أصوب والركاب الإبل.
وقال الداودي: إذا ذهبت الرعي، والرحل الذي يركب عليه، وهو الكور كالسرج للفرس، ويعدله يقيمه بلف وجهه وآخرته ومؤخره.
قال الجوهري: مؤخرة الرحل لغة قليلة في آخرته (١).
وقال ابن التين: رويناه بفتح الهمزة، وتشديد الخاء وفتحها.
وقال القرطبي: مؤخرة الرحل هو العود الذي يكون في آخرة الرحل بضم الميم (وكسر) (٢) الخاء؛ قاله أبو عبيد، وحكى ثابت فيه كسر الخاء وأنكره ابن قتيبة، وأنكر ابن مكي أن يقال: مُقَدِّم ومُؤَخِّر بالكسر إلا في العين خاصة، وغيره بالفتح.
وحكمة السترة كف البصر، والخاطر عما وراءها (٣).
والراحلة تقع على الذكر والأنثى كما سلف في ذلك الباب وقصره (القعنبي) (٤) على الأنثى، ولأجل ذلك أردفه البخاري بالبعير فإنه يقع عليهما، وكونه - ﷺ - يعرض راحلته، ويصلي إليها دليل على جواز السترة بما ثبت من الحيوان ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأن المعاطن موضع إقامتها عند الماء واستيطانها.

-------------------
(١) «الصحاح» ٢/ ٥٧٧ مادة: آخر.
(٢) في «المفهم»: وفتح.
(٣) «المفهم» ٢/ ١٠٠ - ١٠١.
(٤) كذا بالأصل.



٩٩ - باب الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ
٥٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ؟! لَقَدْ رَأَيْتُنِى مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِئُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَىِ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٣٤٤ - فتح: ١/ ٥٨١]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْب وَالْحِمَارِ؟! لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَيَتَوَسِّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وسلف الكلام عليه في باب: الصلاة على الفراش (٢)، ونتكلم هنا على مواضع:
الأول:
قال الإسماعيلي لما أورد هذا الحديث: هذا صلاة على السرير لا إليه، فإن أراد ما ذكر فهو في حديث الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة يصلي والسرير بينه وبين القبلة، وقد أورده البخاري في الاستئذان كما سيأتي (٣).
الثاني:
فيه جواز الصلاة على السرير.

-------------------
(١) مسلم (٥١٢) كتاب: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي.
(٢) سبق برقم (٣٨٢).
(٣) سيأتي برقم (٦٢٧٦) باب: السرير.



الثالث:
قولها: (فأسنحه) (١) قال ابن التين: هو بكسر النون فيما رويناه، (وزاده) (٢) غير أبي الحسن بفتحها، وهو في اللغة بالفتح، قيل: معناه أي: أنسلُّ من بين يديه، فأجاوزه من يمين إلى يسار، وقد جاء: فأكره أن أستقبله، وفي رواية: أن اجلس فأوذيه، وقد يكون معنى أسنح له: أي: أتعرض له في صلاته، وقولهم: سنح لي أمر، أي: عرض، قال ابن الجوزي وغيره: السانح عند العرب ما يمر بين يديك عن يمينك، وكانوا يتيمنون به.
قلت: ومنهم من قال: عن يسارك إلى يمينك؛ لأنه أمكن للرمي
والصيد، والبارح عكسه، والعرب تتطير به قاله ابن الأثير (٣).
الرابع:
قولها: (فأنسل) أي: أمر برفق.
وفيه: دلالة على أن المرأة لا تقطع الصلاة؛ لأن انسلالها من لحافها كالمرور بين يدي المصلي وقد سلف ما فيه.

----------------
(١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وقال «صاحب العين»: أسنحه: أظهر له، وكلما عرض لي فقد سنح.
(٢) كذا ما صورته في الأصل، وقد كتبت بين السطور، وعلم الناسخ عليها بعلامة اللحق، قلت: ولعلها (ورآه) أو (وزاد).
(٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ١١٤.



١٠٠ - باب يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَين يَدَيهِ
وَرَدَّ ابن عُمَرَ فِي التَشَهُّدِ وَفِي الكَعْبَةِ وَقَالَ: إِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ، فَقَاتِلْهُ.

٥٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -. وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِى سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». [٣٢٧٤ - مسلم: ٥٠٥ - فتح:١/ ٥٨١]
كذا وقع: (وفي الكعبة)، وفي بعضها: والركعة، وعليها مشى ابن بطال في «شرحه» (١)، وهو أشبه كما قال القابسي، والآخر صحيح أيضًا، فإن أبا نعيم وغيره روي عنه أنه كان يرد في الكعبة أيضًا.
وهذا سياقه في كتاب الصلاة: حدثنا عبد العزيز بن الماجشون، عن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه يبادره قال: يرده، حدثنا فطر بن خليفة ثنا عمرو بن دينار، قال: مررت بابن عمر بعد ما جلس في آخر صلاته؛ حتى أنظر ما يصنع،

-------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٣٥.


فارتفع من مكانه، فدفع في صدري.
وقال ابن أبي شيبة: أنا ابن فضيل، عن مطر، عن عمرو بن دينار، قال مررت بين يدي ابن عمر وهو في الصلاة فارتفع من قعوده ثم دفع في صدري (١).
وفي كتاب «الصلاة» لأبي نعيم: فأبهرني بتسبيحه؛ وفي حديث يزيد الفقير: صليت إلى جنب ابن عمر بمكة، فلم أر رجلًا أكره أن يُمرَّ بين يديه منه.
وهو حديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وذكر المسند منه في صفة إبليس (٣) قَالَ الإسماعيلي: جمع أبو عبد الله -يعني: البخاري- بين الحديثين، وذكر لفظ سليمان بن المغيرة، وليس في حديث يونس ذكر السترة، وفيه الإطلاق للدفع إذا مر في غير سترة. وفي حديث سليمان: ودفعه إذا كان إلى سترة. وفي هذا تجوز.
قَالَ: وقد تابع يونس سليمان بن حيان عن حميد في المسند منه.
وأرسله خالد الواسطي، عن يونس، عن حميد، عن أبي سعيد، ولم يذكر أبا صالح.
وقوله في الحديث: (فإذا شاب من بني أبي معيط). جاء في النسائي: فأراد ابن لمروانَ أن يمر بين يديه (٤). وهذا الأبن هو داود كما نبه عليه ابن الجوزي في «تلقيحه».
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:

---------------------
(١) ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٤ (٢٩٢١).
(٢) «صحيح مسلم» (٥٠٥) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلي.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٧٤) كتاب: بدء الخلق.
(٤) رواه النسائي في «الكبرى» ٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨ (٧٠٦٧) كتاب: القسامة.



أحدها:
الحديث عام في كل ما يستره من جماد وحيوان، إلا ما ثبت المنع من استقباله من آدمى أو ما أشبه الصنم المصمود إليه وما في معنى ذَلِكَ.
وقد ذكره بعض الفقهاء، وكرهه مالك في المرأة (١).
وقال المتولي: لو يستر بآدمي أو حيوان لم يستحب له ذَلِكَ؛ لأنه يشبه عبادة من يعبد الأصنام. وقال الشافعي في البويطي: لا يستر بامرأة ولا دابة (٢).
وأما قوله: في المرأة. فظاهر لشغل الخاطر (٣). وأما الدابة فقد سلف ما يرد عليه في بابه. ولعل الشافعي لم يبلغه، وهو صحيح، ولا معارض له. وإذا صلى إلى سترة، فالسنة أن يجعلها مقابل يمينه أو شماله، ولا يصمد له، أي: يجعلها تلقاء وجهه.
ثانيها:
قضية الأمر بالدفع الوجوب، لكنه أمر ندب. وجاء في رواية لمسلم: «فليدفعه في نحره» (٤).

-------------------
(١) هذا هو مذهب الحنفية والمالكية والظاهر عند الشافعية، والحنابلة، انظر: «المبسوط» ١/ ٢١٠، «الهداية» ١/ ٩٦، «شرح فتح القدير» ١/ ٤١٥، واستثنوا في ذلك ما كان مقطوعًا أو لغير ذوي روح، «البيان والتحصيل» ١/ ٢٣١، «النوادر والزيادات» ١/ ٢٢٥، «المجموع» ٣/ ١٨٥، استنبط ذلك من كتبهم حيث قال النووي: أما الثوب الذي فيه صور أو صليب أو ما يلهي فتكره الصلاة فيه وإليه وعليه. وانظر: «مسائل أحمد برواية عبد الله» ص ٦٣، «المغني» ٣/ ٨٨، «الشرح الكبير» ٣/ ٦٤٤، «كشاف القناع» ٢/ ٤٠٥، «مطالب أولي النهى» ٢/ ٤٧٧.
(٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٢٢٧.
(٣) انظر: «التفريع» ١/ ٢٣٠، «المنتقى» ١/ ٢١١.
(٤) «صحيح مسلم» (٥٠٥/ ٢٥٩) وفيه: «فليدفعْ في نحره» بدون هاء الضمير.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 11 ( الأعضاء 0 والزوار 11)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 453.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 447.95 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.29%)]