|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#131
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 271الى صــ295 الحلقة (131) مرات، قال -سبحانه-: ﴿الطلاق مرتان فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١). قال ابن كَثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته، وإنْ طلّقها مائة مرّة ما دامت في العدّة، فلمّا كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصَرهم الله -عز وجل- إِلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرّة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: ﴿الطَّلاق مَرَّتان فإِمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإِحسان﴾ قال أبو داود -رحمه الله- في»سننه«:»باب في نسْخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث«. ثمّ ساق بإِسناده إِلى ابن عباس -رضي الله- قال: ﴿والمطلقات يتربَصنّ بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ولا يحلُّ أن يكتُمن ما خَلَق الله في أوحامهنّ﴾ (٢).» الآية، وذلك أنّ الرجل كان إِذا طلّق امرأته فهو أحق برجعتها، وإنْ طلقها ثلاثًا، فَنُسِخ ذلك وقال: ﴿الطلاق مرّتان﴾ (٣) «(٤). قال العلاّمة أبو بكر الجصَّاص -رحمه الله-:»تضمّنت [الآَية] الأمر بإيقاع ----------------------- (١) البقرة: ٢٢٩. (٢) البقرة: ٢٢٨. (٣) البقرة: ٢٢٩. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٢١) والبيهقي والنسائي وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٨٠). الاثنتين في مرتين، فمن أوقع الاثنتين في مرّة؛ فهو مخالف لحُكمها» (١)، هل يقع طلاق الثلاث جملةً أم يُحسب طلقة؟ قال الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إِن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم» (٢). وجاء في «الفتاوى» (٣٣/ ٧): «وإن طلَّقها ثلاَثًا في طُهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات؛ مِثل أن يقول. أنتِ طالق فلانًا، أو أنتِ طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق، ثمّ طالق، ثم طالق. أو يقول: أنت طالق، ثمّ يقول: أنت طالق، ثمّ يقول: أنت طالق، أو يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو عشر طلقات أو مائة طلقة، أو ألف طلقة ونحو ذلك من العبارات: فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء كانت مدخولًا بها أو غير مدخول بها، وكما السلف من فرّق ببن المدخول بها وغير المدخول بها، وفيه قول رابع محدث مبتدع. أحدها: أنه طلاقٌ مباح لازم، وهو قول الشافعي، وأحمد في الرواية القديمة عنه: اختارها الخرقي. -------------------- (١) انظر»أحكام القرآن«وذكَره العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- في»نظام الطلاق في الإِسلام" (ص ١٢). (٢) أخرجه مسلم: ١٤٧٢. الثاني: أنه طلاقٌ مُحرَّم لازم وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين، والذي قبله منقول عن بعضهم. الثالث: أنه مُحرَّم، ولا يلزم منه إِلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله - ﷺ - مِثل الزبير بن العوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان؛ وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم: مِثل طاوس وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إِسحاق وهو قول داود وأكثر أصحابه؛ ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد، ولهذا ذهب إِلى ذلك من ذهب من الشيعة، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل. وأمّا القول الرابع الذي قاله بعض المعتزلة والشيعة فلا يعرف عن أحد من السلف، وهو أنه لا يلزمه شيء. والقول الثالث هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة؛ فإِنَّ كلَّ طلاق شرَعَه الله في القرآن في المدخول بها إِنما هو الطلاق الرجعي؛ لم يشرع الله لأحد أن يُطلِّق الثلاث جميعًا، ولم يشرع له أن يطلق المدخول بها طلاقًا بائنًا، ولكن إِذا طلقها قبل الدخول بها بانت منه، فإِذا انقضت عدتها بانت منه». وفيه (٣٣/ ٩٢): "وليس في الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإِجماع والقياس ما يوجب لزوم الثلاث له، ونكاحه ثابت بيقين، وامرأته مُحرَّمة على الغير بيقين، وفي إِلزامه بالثلاث إِباحتها للغير مع تحريمها عليه وذريعة إِلى نكاح التحليل الذي حرَّمه الله ورسوله. و«نكاح التحليل» لم يكن ظاهرًا على عهد النّبيّ - ﷺ - وخلفائه. ولم يُنقل قط أنّ امرأة أُعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إِلى زوجها بنكاح تحليل؛ بل «لعَن رسول الله - ﷺ - المحلل والمحلل له» (١). وفيه (٣٢/ ٣١٠): «... وكما قال طائفة من السلف فيمن طلّق ثلاثًا بكلمة: هو جاهلٌ بالسُّنة؛ فيُردّ إِلى السُّنة». وفيه (٣٢/ ٣١٢): «وذِكر كلام الناس على»الإِلزام بالثلاث«: هل فعَله مَن فَعَلَه من الصحابة لأنه شرع لازم من النّبيّ - ﷺ -؟ أو فعله عقوبة ظهور المنكر وكثرته؟ وإِذا قيل: هو عقوبة: فهل موجبها دائم لا يرتفع؟ أو يختلف باختلاف الأحوال؟ وبين أن هذا لا يجوز أن يكون شرعًا لازمًا، ولا عقوبة اجتهادية لازمة؛ بل غايته أنه اجتهاد سايغ مرجوح، أو عقوبة عارضة شرعية، والعقوبة إِنما تكون لمن أقدم عليها عالمًا بالتحريم. فأمّا من لم يعلم بالتحريم، ولمَّا علمَه تاب منه؛ فلا يستحق العقوبة، فلا يجوز إِلزام هذا بالثلاث المجموعة؛ بل إِنما يلزم واحدة، وهذا إِذا كان الطلاق بغير عِوَض فأمّا إذا كان بعوض فهو فدية». وقال ابن القيّم -رحمه الله- في «إِعلام الموقعين» (٣/ ٤٧): «والمقصود أنّ هذا القول (٢) قد دلّ عليه الكتاب والسّنة والقياس والإِجماع القديم، ولم يأت ---------------- (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٧٠)، والترمذي وغيرهما، وانظر»الإِرواء" (١٨٩٧)، وتقدّم. (٢) يعني أنّ الثلاث تقع واحدة. بعده إِجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثُر منهم إِيقاعه جملة واحدة؛ فرأى من المصلحة عقوبتهم بإِمضائه عليهم؛ ليعلموا أنّ أحَدَهم إِذا أوقعه جملةً؛ بانت منه المرأة، وحرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاح رغبة؛ يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإِنه كان من أشد الناس فيه، فإِذا علموا ذلك كَفُّوا عن الطلاق المحرّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النّبيّ - ﷺ - وعهد الصِّدِّيق وصدرًا من خلافته كان الأليق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتَّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجًا، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبةَ لهم؛ فإِنّ الله -تعالى- إِنّما شرع الطلاق مرة بعد مرة، ولم يشرعه كله مرة واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدّى حدود الله، وظلم نفسه، ولعب بكتاب الله، فهو حقيق أن يُعاقب، ويُلْزَمَ بما التزمه، ولا يُقرّ على رخصهّ الله وسعَتِه، وقد صعَّبها على نفسه، ولم يتق الله ولم يُطلِّق كما أمَره الله وشرع له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانًا، ولبّس على نفسه، واختار الأغلظ والأشد؛ فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان، وعلم الصحابة -رضي الله عنهم- حُسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك ... «(١). وأما فتاوى بعض الصَّحابة -رضي الله عنهم- التي نصّت على إِيقاع من طلّق ثلاثًا في مجلسٍ واحد ووقوعه ثلاثًا؛ ففيها آثار ثابتة. ------------------ (١) وانظر ما قاله العلامة ابن القيّم -رحمه الله- كذلك في»زاد المعاد" (٥/ ٢٤١). فعن مجاهد قال: «جلست عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إِنه طلق امرأته ثلاثًا فسكت حتى ظننت أنه رادّها إليه ثمّ قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثمّ يقول: يا ابن عباس، وإنَّ الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾ (١) وإِنك لم تتق الله، فلم أجد لك مخرجًا؛ عصيت ربك فبانت منك امرأتك». وفي زيادة: «وإِنّ الله قال: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلقوهنّ﴾ في قبل عدتهن» (٢). وعن مجاهد أيضًا: «أنّ ابن عباس سُئِلَ عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: عصيت ربك وفارقْتَ امرأتك». وفي زيادة: «لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا» (٣). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أنّ رجلًا طلَّق امرأته ألفًا قال: يكفيك من ذلك ثلاث». وفي زيادة: «وتدَع تسعمائة وسبعًا وتسعين» (٤). ------------------- (١) الطلاق: ٢. (٢) أخرجه أبو داود ومن طريقه البيهقي والزيادة له، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٠٥٥). (٣) أخرجه الدارقطني والطحاوي والبيهقى والزيادة له، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٥٦). (٤) أخرجه الدارقطني والبيهقي والزيادة له، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٥٧). وعن سعيد بن جبير قال: «جاء رجل إِلى ابن عباس فقال: إِني طلقت امرأتي ألفًا؟ قال: أمّا ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر. اتَّخذْتَ آيات الله هزوًا» (١). انتهى. قلت: وهذه الآثار في إِيقاع بعض الصحابة -رضي الله عنهم- الطَّلاق جملة واحدة؛ إِنما كانت اجتهادًا في إِمضاء العقوبة، كيلا تفشو وتشيع في النّاس، فإِيقاعها على عدد قليل تأديبًا وتربية يعيد واقع الناس إِلى ما كان عليه النّبيّ - ﷺ - وأبو بكر وأوَّل خلافة: عمر -رضي الله عنهما-. وحديث النّبيّ - ﷺ - هو المقدَّم. فلا تقع هذه الألفاظ، ومع ذلك فقد ثبتَ عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أن الرجل إِذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا بفم واحد فهي واحدة». جاء في «الإِرواء» (٧/ ١٢١): «قال أبو داود: وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس:»إِذا قال: أنت طالق ثلاثًا بفم واحد، فهي واحدة«. ورواه إِسماعيل بن إِبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة». ثمّ قال أبو داود: «وقول ابن عباس هو أن الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولًا بها وغير مدخول بها، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، هذا مثل خبر الصرف قال فيه، ----------------------- (١) أخرجه الطحاوي والدارقطني وابن أبي شيبة، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٧/ ١٢٣). ثمّ إِنه رجع عنه. يعني ابن عباس». ثمّ ساق أبو داود بإِسناده الصحيح عن طاوس: «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النّبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وثلاثًا من إِمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم». وأخرجه مسلم في «صحيحه» والنسائي وأحمد وغيرهم. قال شيخنا -رحمه الله-: «وخلاصة كلام أبي داود أنّ ابن عباس -رضي الله عنه- كان له في هذه المسألة وهي الطلاق بلفظ ثلاث قولان: أحدهما: وقوع الطلاق بلفظ ثلاث، وعليه أكثر الروايات عنه. والآخر: عدم وقوعه كما في رواية عكرمة عنه، وهي صحيحة. وهي وإنْ كان أكثر الطرق عنه بخلافها، فإِنَّ حديث طاوس عنه المرفوع يشهد لها. فالأخذ بها هو الواجب عندنا، لهذا الحديث الصحيح الثابت عنه من غير طريق، وإنْ خالفه الجماهير، فقد انتصر له شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم وغيرهما، فمن شاء تفصيل القول في ذلك، فليرجع إِلى كتبهما، ففيها الشفاء والكفاية -إِن شاء الله تعالى-». انتهى. قال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- عقب حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- بحذف وتصرّف يسير-: "وهذا الحديث أصل جليل من أصول التشريع في الطلاق والبحث فيه من مزالق الأقدام، فإِنه يصادم كثيرًا مما يذهب إِليه جمهور العلماء وعامة الدّهماء في الطلاق. وقديمًا كان موضع نزاع وخلاف واضطراب، ولشيخ الإِسلام ابن تيمية ثمّ تلميذه الإِمام ابن القيّم الباعُ الطويل في شرحه والكلام عليه، ونصرة القول بوقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة فقط، كما هو معروف مشهور. وأول ما نبحث فيه أن نحدد موضع الخلاف بين القائلين بوقوع الطلقات الثلاث مجموعة وبين القائلين وقوعها طلقة واحدة. فالذي يظنه كل الناس، والذي يفهم من أقوال جمهور من تعرضوا لهذا البحث من العلماء: أنهم يريدون بالطلاق الثلاث لفظ (طالق ثلاثًا) وما في معناه، أي: لفظ الطلاق موصوفًا بعدد لفظًا أو إِشارة أو نحو ذلك. ويعتبرون أنَّ الخلاف بين المتقدمين في وقوع الطلاق الثلاث أو عدم وقوعه؛ إِنما هو في هذه الكلمة وما في معناها، بل ويحملون كل ما ورد في الأحاديث والأخبار من التعبير عن إِيقاع طلقات ثلاث على أنه قول المطلِّق: (طالق ثلاثًا). وكل هذا خطأ صرف، وانتقال نظر غريب، وقلبٌ للأوضاع العربية في الكلام، وعدول عن استعمالٍ صحيحٍ مفهومٍ إِلى استعمال باطل غير مفهوم. ثمّ تغالوا في ذلك حتى قال قائلهم: إِذا خاطب أمرأته بلفظ من ألفاظ الطلاق، كقوله: أنت طالق أو بائن أو بَتّةٌ أو ما أشبهها ونوى طلقتين أو ثلاثًا وقع، فجعلوا النية تقوم مقام العدد اللفظي. ووجه الخطأ في ذلك: أن العقود كالبيع والنكاح، والفسوخ كالإِقالة والطلاق: حقائق معنوية، لا وجود لها في الخارج إِلا بإِيجادها بالدلالة عليها بالألفاظ التي وُضِعت لها، في العرف اللغوي في الجاهلية، ثمّ العرف الشرعي في الإِسلام، كقوله: بعت ونكحت وأقَلْت وطلّقْت. فهذه الحقائق توجد عند النطق بالألفاظ الموضوعة لها بشروطها، فقول القائل. أنت طالق يوجد به حين القول حقيقة معنوية (واقعيَّة: هي الطَّلاق، أو هي فسخٌ وإنْهاءٌ لعقد الزَّواج الذي بينهما) بصفة خاصة لها أحكام معينة، ووصفُهُ بعد ذلك هذا الفعل بالعدد (مرتين) أو (ثلاثًا) وصْفٌ باطل غير صحيح، وهو لغو من القول، إِذ إنَّ قوله: (ثلاثًا) -مثلًا- صفة لمفعول مطلق محذوف، هو مصدر الفعل، وهو (طلاقًا) وهذا المصدر هو الذي تحققت به الحقيقة المعنوية عند النطق بقوله: (أنت طالق)، وتحقُّقُها بهذا المصدر إِنما يكون مرة واحدة ضرورة، ولا تتحقق مرة أخرى إِلا بِنُطق آخر مثل سابقه، أي يقصد به الإِنشاء والإِيجاد (١). وأمَّا وصف المصدر بأنه مرتان أو ثلاث لا تتحقق به حقيقة جديدة، لأن الإِنشاء إِنما يكون في الحال -أعني حال النُّطق- ولا يكون ماضيًا ولا مستقبلًا، والتكرار يستدعي زمنًا آخر للثاني ثمّ الثالث، فلا يكون زمنها كلها حالًا، إِذ أنه محال عقلًا. وهكدا الشأن في نظائره، فلا يسوغ لك أن تقول: (بعت ثلاثًا) على معنى القصد إِلى إِيجاد عقد البيع وإنشائه، وكذلك في الجمل الإِنشائية الصرفة، لا يسوغ أن تقول: (سبحان الله ثلاثًا) -أعني هذه الجملة كما هي --------------------- (١) وقال -رحمه الله- في التعليق: ولذلك قالوا: لو قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإِن نوى إِنشاء الطلاق بكل واحدة كان ثلاث طلقات -عندهم- وإن نوى التأكيد بالجملتين الأخريين وقع واحدة فقط. لأنك تقصد بها إِلى تسبيح الله -تعالى- فاللفظ بها تنزيه وتسبيح مرة واحدة، فصار قولك: (ثلاثًا) لغوًا لا يتسق مع صواب القول في الوجه العربي. وأمّا قول القائل: (اضرب ثلاثًا) فإِنه نوع آخر، وذلك أنه إِنشاء للأمر -بالضرب- مرة واحدة أيضًا، وهو المعنى الوضعي لفعل الأمر، وكلمة (ثلاثًا) وصف أيضًا للمصدر المضمر في الفعل، أعني (ضربًا)، وهو الذي قد يحصل في المستقبل طاعة لمدلول صيغة الإِنشاء، وقد لا يحصل عند العصيان، وليس هو -أي المصدر- مدلول الصيغة؛ لأنه قد لا يحصل إِذا خالف المأمور الأمر فلم يفعل ما أمَره به، مع أن مدلول الصيغة قد تم وتحقق، وهو حصول الأمر من الأمر بخلاف أنواع الإِنشاء -اللفظي أو المعنوي- التي يكون مدلولها حقيقة لا تتحقق ولا توجد إِلا بنفس النطق بها وحده، فلا يمكن تكرار المدلول إِلا بتكرار اللفظ الدال عليه. ونظائر ذلك في الشريعة كثير. فإِنّ الملاعِن أُمِر بأن يقول أربع مرات: (أشهد بالله إِني لمن الصادقين) فلا بد لطاعة الأمر من أن يقول هذه الجملة مرارًا أربعة مكررة في اللفظ. أمّا إِذا قال: (أشهد بالله أربع مرات إِني لمن الصادقين) لكان قوله معدودًا مرة واحدة، وبقي عليه ثلاث. لا أقول: إِن هذا إِجماع -وهو إِجماع فعلًا-؛ ولكن أقول: إِنه بالبداهة التي لا يقبل في العقل غيرها، ولا يتصور أحد سواها. قال ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في «إِعلام الموقعين» (٣/ ٢٧) -بعد أنْ ذكَر أن الله -تعالى- جعل الطلاق مرة بعد مرة-: وما كان مرة بعد مرّة لم يملك المكلف إِيقاع مرَّاته جملة واحدة، كاللعان [وذكر الكلام السابق] ولو حَلَف في القسامة وقال: أقسم بالله خمسين يمينًا أنّ هذا قاتِلُه؛ كان ذلك يمينًا واحدة. ولو قال المقِرُّ بالزنى: أنا أقر أربع مرات أني زنيت؛ كان مرة واحدة، فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إِلا إِقرارًا واحدًا (١). وقال النّبيّ - ﷺ -: «من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطّت عنه خطاياه وإن كانت مِثل زبد البحر (٢)». فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة ... وكذلك قوله: «من قال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير في يوم مائة مرة ... وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي (٣)». لا يحصل هذا إِلا مرة بعد مرة. وهكذا قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحُلُمَ منكم ثلاث مرات﴾ (٤) وهكذا قوله في الحديث: «الاستئذان ثلاث مرّات فإِن أُذن لك وإلا فارجع» لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا؛ كانت مرة واحدة، حتى يستأذن مرة بعد مرة (٥). ... [إِنَّ] قول القائل: «أنت طالق ثلاثًا» ونحوه -أعني إِيقاع الطلاق ----------------------- (١) وتقدّم هذا في الطلاق السنّي والبدعي. (٢) أخرجه البخاري: ٦٤٠٥، ومسلم: ٢٦٩١. (٣) أخرجه البخاري: ٣٢٩٣، ومسلم: ٢٦٩١. (٤) النور: ٥٨. (٥) وانظر ما قاله العلامة ابن القيّم -رحمه الله- في «الزاد» (٥/ ٢٤٤) وذكرته في «الطلاق السني والبدعي». وإنشاءه بلفظ واحد موصوف بعدد- لا يكون في دلالة الألفاظ على المعاني لغة وفي بديهة العقل إلاَّ طلقة واحدة، وأن قوله: (ثلاثًا) في الإِنشاء والإِيقاع، قول محال عقلًا، باطل لغة، فصار لغوًا من الكلام، لا دلالة له على شيء في تركيب الجملة التي وضع فيها، وإنْ دلّ في نفسه على معناه الوضعي دلالة الألفاظ المفردة على معانيها. كما إِذا ألحق المتكلم بأية جملة صحيحة كلمة لا تعلُّق لها بالكلام، فلا تزيد على أن تكون لغوًا باطلًا. [وكذلك] الخلاف بين التابعين فمن بعدهم في الطلاق الثلاث ونحوه، إِنما هو في تكرار الطلاق. أعني: أن يطلق الرجل امرأته مرّة ثمّ يطلقها مرة أخرى ثمّ ثالثة؛ وأعني أيضًا: أن موضوع الخلاف هو: هل المعتدة يلحقها الطلاق؟ أي: إِذا طلقها المرة الأولى فصارت معتدة، ثمّ طلقها طلقةً ثانية في العدة؛ هل تكون طلقة واقعة ويكون قد طلقها طلقتين؛ فإِذا ألحق بهما الثالثة وهي معتدة من الأولى؛ هل تكون طلقة واقعة أيضًا ويكون قد أوقع جميع الطلقات التي له عليها وأبانها وبتّ طلاقها؟ أو أنّ المعتدة لا يلحقها الطلاق؟ فإِذا طلَّقها الطلقة الأولى كانت مطلقة منه، وهي في عدته، لا يملك عليها إلاَّ ما أَذِنه به الله: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١) إِن ندم على الفراق راجعها فأمسكها، وإِنْ أصرّ على الطلاق فليدعْها حتى تنقضي عدتها، ثمّ يسرِّحها بإِحسان من غير مُضارّة، ثمّ هو بالنسبة إليها بعد ذلك إِنْ رغب في عودتها كغيره من الرجال: خاطِبٌ من الخٌطَّاب؟ هذا هو موضع الخلاف على التحقيق، وأمّا كلمة (أنت طالق ثلاثًا) ------------------ (١) البقرة: ٢٢٩. ونحوها فإِنما هي مُحال، وإِنما هي تلاعب بالألفاظ، بل هي تلاعُب بالعقول والأفهام!! ولا يعقل أن تكون موضع خلاف بين الأئمة من التابعين فمن بعدهم. وقال -رحمه الله- (ص ٣٧) في التعليق: «وأما الأحاديث التي تجد فيها أن فلانًا أو رجلًا طلّق زوجته ثلاثًا: فإنما هي إخبار، أي أن الراوى يحكي عن المطلق ويخبر عنه أنه طلق ثلاثًا، فهذا إِخبار صادق، لأنه يحكي عن غيره أو عن نفسه أنه أوقع ثلاث تطليقات إِنشاءً لكل واحدة منها، كما تحكي عن نفسك أو عن غيرك، فتقول: صلى أربع ركعات، وسبح مائة تسبيحة، وهكذا ... (١) انتهى. وبعد: فإِذ قد تحققنا أن التطليق بلفظ: (أنت طالق ثلاثًا) ونحوه إِنما هو تطليق واحد قطعًا، وأنه ليس مما اختلف في وقوعه ثلاثًا أو واحدة: فلنرجع إِلى الخلاف في وقوع الطلاق الثلاث، أو بتعبير أدق: هل يقع طلاق آخر على المعتدة؟ ثمّ ذكَر حديث ابن عباس -رضي الله عنه- في تطليق ركانة بن عبد يزيد -أخي بني مطلب- امرأته ثلاثًا في مجلس واحد. وقد اختلف فى إِسناده ولفظه، وللعلماء فيه أقوال (٢). ---------------------- (١) يريد العلامة أحمد شاكر -رحمه الله - أنه طلّق زوجته ثلاثًا بالشروط المعروفة؛ لا أنه طلّق الثلاث مجموعة مرّة واحدة. (٢) انظر»الفتاوى«(٣٢/ ٣١١) وتفصيل العلاَّمة أحمد شاكر -رحمه الله - في كتابه المشار إِليه (ص ٢٧ - ٣٨) وتخريج شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٠٦٣). [وبعد إِفاضة وتفصيل من شيخنا -رحمه الله- ونقولات كثيرة للعلماء في»الإِرواء«تحت الحديث (٢٠٦٣) ذكَر حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وقال:»... هذا الإِسناد صححه الإِمام أحمد والحاكم والذهبي وحسنه الترمذي في متن آخر تقدّم برقم (١٩٢١)، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في داود بن الحصين وأنه حجة في غير عكرمة، ولولا ذلك لكان إسناد الحديث لذاته قويًا، ولكن ذلك لا يمنع من الاعتبار بحديثه والاستشهاد بمتابعته لبعض بني رافع، فلا أقل من أن يكون الحديث حسنًا بمجموع الطريقين عن عكرمة، ومالَ ابن القيّم إِلى تصحيحه وذكر أن الحاكم رواه في «مستدركه» وقال: إِسناده صحيح، ولم أره في «المستدرك» لا في «الطلاق» منه، ولا في «الفضائل» والله أعلم، وقال ابن تيمية في «الفتاوى» (٣/ ١٨): «وهذا إِسناد جيد». وكلام الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٣١٦) يشعر بإِنه يرجح صحته أيضًا ... «]. وفي»صحيح سنن أبي داود«(١٩٢٢): عن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال:»طلّق عبد يزيد -أبو ركانة وإِخوته- أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النّبيّ - ﷺ - فقالت: ما يُغني عني، إِلا كما تغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرّق بيني وبينه، فأخذت النّبي - ﷺ - حَمِيَّةٌ، فدعا بِركانة وإِخوته، ثمّ قال لجلسائه: أترون فلانًا يشبه منه كذا وكذا -من عبد يزيد-، وفلانًا يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم! قال النّبي - ﷺ - لعبد يزيد: طلقها ففعل، ثمّ قال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته، قال: إِني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها وتلا: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلقوهنّ لعدتهنّ﴾ ". قال أبو داود: وحديث نافع بن عجير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده: أن ركانة طلق امرأته البتة فردها إِليه النّبيّ - ﷺ -: أصح؛ لأن ولد الرجل وأهله أعلم به: إِنّ ركانة إِنما طلق امرأته البتة فجعلها النّبيّ - ﷺ - واحدة». انتهى. واستأنف العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- كلامه قائلًا: «وقال ابن عباس أيضًا: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إِنّ النّاس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم» (١). وفي رواية في «صحيح مسلم» (١٤٧٢) عن طاوس: «أنّ أبا الصّهباء قال لابن عباس: هات من هَناتِك (٢)، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلمّا كان في عهد عمر تتايع (٣) النّاس في الطلاق فأجازه عليهم». وفي رواية «لمسلم» (١٤٧٢) أيضًا عن طاوس: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: «أتعلم أنما كانت الثلاث تُجعل واحدة على عهد النّبيّ - ﷺ - وأبي بكر وثلاثًا من إِمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم». ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٧٢. وتقدَّم. (٢) هَناتِك أي: أخبارك وأمورك المستغربة. «نووي». (٣) بالياء المثناة التحتية قبل العين، كما نص عليه النووي في «شرح مسلم»، وهو بمعنى «تتابع» بالباء الموحدة، ولكنه بالمثناة إنما يستعمل في الشر فقط، قال النووي: (وهو بالمثناة أجود). وفي رواية في «المستدرك» للحاكم (٢/ ١٩٦) عن ابن أبي مليكة أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن ثلاثًا كن يُرْدَدْنَ على عهد رسول الله - ﷺ - إِلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد. وفي إِسناده عبد الله بن المؤمل، تَكلَّم فيه بعضهم، والحق أنه ثقة. وفي رواية عند الطحاوي في «معاني الآثار» (٢/ ٣٢) بإِسناد صحيح من طريق طاوس، قال ابن عباس: «فلما كان زمان عمر -رضي الله عنه- قال: أيها الناس، قد كانت لكم في الطلاق أناة، وإنه من تعجّل أناة الله في الطلاق ألزمناه إِياه». فهذه الأحاديث تدل على أن إِيقاع طلقات ثلاث في مجلس واحد أو مجالس متعددة كان يُرَدُّ في عهد رسول الله - ﷺ - إِلى طلقة واحدة ... وهي موافقة لنظم القرآن ورسْمه في الطلاق. لأن الله -سبحانه وتعالى- شرع في طلاق غير المدخول بها أنها تبين بنفس الطلاق وليس للمطلق عليها عدة تعتدها، فبمجرد أن نطق بالطلاق وأنشأه بانت منه، فلا يمكنه أن يكرر طلاقها مرة أخرى إِلا أن يتزوجها بعقد جديد. وشرع في طلاق المدخول بها أنها تطلق مرتين، وفي كل مرة إما إِمساك بمعروف وإِمّا تسريح بإِحسان، ثمّ تبين منه في الثالثة، وعليها العدة، ولا يجوز له أن يراجعها فيتزوجها إِلا بعد زوج آخر. وقد قال حُجّة الإِسلام الجصاص في «أحكام القرآن» (١/ ٣٨٠): "إِن الله -تعالى- لم يُبحِ الطلاق ابتداءً لمن تجب عليها العدة إِلا مقرونًا بِذكر الرجعة. منها قوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان فإِمساك بمعروف﴾ (١) وقوله -تعالى-: ------------------- (١) البقرة: ٢٢٩. ﴿والمُطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو سرّحوهنّ بمعروف﴾ (٢) أي: فارقوهن بمعروف. فلم يبح الطلاق المبتدأ لذوات العدد إِلا مقرونًا بذكر الرجعة. وليس المقصود من الطلاق اللعب واللهو، حتى يزعم الرجل لنفسه أنه يملك الطلاق كما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، وأنه إِن شاء أبان المرأة بتة، وإنْ شاء جعلها معتدة يملك عليها الرجعة. كلا ثمّ كلا، بل هو تشريع منظم دقيق من لدنْ حكيم عليم شرَعَه الله لعباده ترفيهًا لهم ورحمة بهم، وعلاجًا شافيًا لما يكون في الأسرة بين الزوجين من شقاق وضِرار، ورسَم قواعده وحدَّ حدوده بميزان العدالة الصحيحة التامّة ونهى عن تجاوُزِها، وتَوعّد على ذلك. ولهذا تجد في آيات الطلاق تكرار ذِكر حدود الله، والنهي عن تعدِّيها وعن المضارة: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣) ﴿وتلك حدود الله يبيّنها لقوم يعلمون﴾ (٤) ﴿ولا تمسكوهنّ ضرارًا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ------------------- (١) البقرة: ٢٢٨. (٢) البقرة: ٢٣١. (٣) البقرة: ٢٢٩. (٤) البقرة: ٢٣٠. هُزُوًا﴾ (١) ﴿واعلموا أنّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾ (٢) ...». انتهى (٣). وسألت شيخنا -رحمه الله- عمَّن طلَّق أكثر من طلقة في عدَّة واحدة فأجاب: إِذا جمع الثَّلاث في عدَّة واحدة فإِنَّها تحسب طلقة واحدة، ثمَّ قال -رحمه الله-: لا يجوز جمع الثَّلاث في عدَّة واحدة. وقال شيخنا -رحمه الله- في «السلسلة الضعيفة» (٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣) تحت الحديث (١١٣٤) بعد أن ساق حديث مسلم: «كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ابن الخطاب: إِنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم». وهو نص لا يقبل الجدل على أن هذا الطلاق حُكْم مُحكَمٌ ثابت غير منسوخ لجريان العمل عليه بعد وفاته - ﷺ - في خلافة أبي بكر، وأول خلافة عمر، ولأن عمر -رضي الله عنه- لم يخالفه بنص آخر عنده بل باجتهاد منه ولذلك تردَّد قليلًا أوّل الأمر في مخالفته كما يشعر بذلك قوله: «إِن الناس قد استعجلوا ... فلو أمضيناه عليهم ..»، فهل يجوز للحاكم مثل هذا التساؤل --------------------- (١) البقرة: ٢٣١. (٢) البقرة: ٢٣٥. (٣) وانظر للمزيد -إِن شئت- «الروضة الندية» (أقوال العلماء في وقوع الطلاق الثلاث في مجلس واحد) ففيه كلام قويّ وكتاب «الاستئناس» (ص ٣٩) للعلامة القاسمي -رحمه الله- بعنوان (من ذهب إِلى أنّ جمْع الثلاث جملةً يحسب طلقة). والتردد لو كان عنده نص بذلك؟! وأيضًا، فإِن قوله: «قد استعجلوا» يدل على أن الاستعجال حدث بعد أن لم يكن، فرأى الخليفة الراشد أن يمضيه عليهم ثلاثًا من باب التعزير لهم والتأديب، فهل يجوز مع هذا كله أن يترك الحكم المحكم الذي أجمع عليه المسلمون في خلافة أبي بكر وأول خلافة عمر، من أجل رأيٍ بدا لعمر واجتهد فيه، فيؤخذ باجتهاده، ويترك حكمه الذي حكم هو به أول خلافته تبعًا لرسول الله - ﷺ - وأبي بكر؟! اللهم إِن هذا لمن عجائب ما وقع في الفقه الإِسلامي، فرجوعًا إِلى السنة المحكمة أيها العلماء، لا سيما وقد كثرت حوادث الطلاق في هذا الزمن كثرة مدهشة تنذر بِشرٍّ مستطير تصاب به مئات العائلات. وأنَا حين أكتب هذا أعلم أن بعض البلاد الإِسلامية كمصر وسوريا قد أدخَلت هذا الحكم في محاكمها الشرعية، ولكن من المؤسف أن أقول: إِن الذين أدخلوا ذلك من الفقهاء القانونيين لم يكن ذلك منهم بدافع إِحياء السنة، وإِنما تقليدًا منهم لرأي ابن تيميَّة -رحمه الله- الموافق لهذا الحديث، أي إِنهم أخذوا برأيه لا لأنه مدعم بالحديث، بل لأن المصلحة اقتضت الأخذ به زعموا، ولذلك فإِنَّ جلّ هؤلاء الفقهاء لا يُدَعِّمون أقوالهم واختياراتهم التي يختارونها اليوم بالسنة، لأنهم لا عِلم لهم بها، بل قد استغنوا عن ذلك بالاعتماد على آرائهم، التي بها يحكمون، وإليها يرجعون في تقدير المصلحة التي بها يستجيزون لأنفسهم أن يغيروا الحكم الذي كانوا بالأمس القريب به يدينون الله -تعالى- كمسألة الطلاق هذه. فالذي أودُّه أنهم إِن غيَّروا حُكمًا أو تركوا مذهبًا إِلى مذهب آخر، أن يكون ذلك اتباعًا منهم للسنة، وأن لا يكون ذلك قاصرًا على الأحكام القانونية والأحوال الشخصية، بل يجب أن يتعدوا ذلك إِلى عباداتهم ومعاملاتهم الخاصة بهم، فلعلهم يفعلون» انتهى. والخلاصة أنّ الثلاث تقع واحدة إِذْ خَيرُ الهدي هدي محمد - ﷺ - وهو عَمَلٌ بمقتضى قوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ والنية لا تقوم مقام العدد اللفظي. وكما أنه لا يجزئ قول المرء: «سبحان الله وبحمده مائة مرة» -هكذا- للحصول على ثواب من يقول: «سبحان الله وبحمده» مرّة بعد مرّة؛ مِن حطِّ الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر؛ فإِنه لا يجزئ قول المرء: طالق ثلاثًا جملة واحدة، ولا يكون إِلا مرّة بعد مرَّة، على النحو الذي بيّن الله -تعالى- في كتابه ورسوله - ﷺ - في سُنّته، وأنّ إِيقاع الثلاث وإمضاءَه؛ إِنّما هو تسوية بين المدخول بها وغير المدخول، وتجاوز للأحكام التي وضعها الحكيم العليم الرحمن الرحيم. وما ورَد عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- إِنما هو اجتهادٌ؛ كيلا تفشو هذه الألفاظ في النّاس وتشيع فيهم، والله -تعالى- أعلم. الإِشهاد على الطَّلاق: قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنّ وأحصوا العِدَّة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ولا يخرجن إِلا أن يأتين بفاحشة مُبيِّنة وتلك حدود الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرًا * فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروفٍ أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتَّق الله يجعل له مخرجًا﴾ (١). وقد اختلف العلماء في معنى الإِشهاد في قوله -سبحانه-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدْلٍ منكم﴾ أهو على الطلاق أم الرجعة أم عليهما معًا، وهذا له أثره الخلافي في المسألة. جاء في «صحيح البخاري» (٢) باب قول الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنّ وأحصوا العدة﴾ أحصيناه: حفظناه وعددناه، وطلاق السّنّة أن يُطلقها طاهرًا من غير جماع، ويشهد شاهدين. قال الحافظ -رحمه الله-: «قوله: ويُشهد شاهدين: مأخوذ من قوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وهو واضح، وكأنه لمح بما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال:»كان نفر من المهاجرين يطلقون لغير عدة ويراجعون بغير شهود فنزلت«. جاء في كتاب»الجامع في أحكام الطلاق«(٣):»... [أخرج] ابن جرير الطبري في «تفسيره» (٢٨/ ٨٨) من طريق أبي صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس (٤) قال: إِن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين ------------------------ (١) الطلاق: ١ - ٢. (٢) انظر «كتاب الطلاق» (باب - ١). (٣) لعمرو عبد المنعم سليم -حفظه الله تعالى- (ص ١٥٢). (٤) قلت: وقد تُكُلِّم كثيرًا في رواية (علي بن أبي طلحهّ) عن (ابن عباس)، وأنه = كما قال الله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ عند الطلاق وعند المراجعة. --------------------- = لم يسمع منه، بيْد أن في الأمر تفصيلًا، فقد قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في كتاب «العجاب في بيان الأسباب» (١/ ٢٠٣): «والذين اشتهر عنهم القول في ذلك [أي: تفسير القرآن العظيم] من التابعين: أصحاب ابن عبّاس -رضي الله عنهما- ثقات وضعفاء فمن الثقات: ١ - مجاهد بن جبر. ٢ - ومنهم عكرمة. ٣ - ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- وعليّ صدوق لم يلْقَ ابن عبّاس، لكنّه حَمَل عن ثقاتِ أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النُّسخة. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: قال أبو جعفر النحاس في كتاب»معاني القرآن«له بعد أن ساق رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تأويل الآية -: هذا من أحسن ما قيل في تأويل الآية وأعلاه وأجلّه، ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إِلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا. انتهى. وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في»صحيحه«هذا كثيرًا على ما بيناه في أماكنه. وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح. انتهى». والحاصل أنّ هذه وجادةٌ اعتمدها الإِمام البخاري وأمثاله من الفحول المذكورين في رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- على نسخة معاوية بن صالح. وهنالك من يفرّق بين ما رواه في الحديث وما رواه في التفسير [انظر ما قاله محقق كتاب «العُجَاب» (١/ ٢٠٦)]. ويزيدنا اطمئنانًا أن تكون رواية عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- = وجاء في «تفسير ابن كثير» -رحمه الله-: «وقوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ أي: على الرجعة إِذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود، وابن ماجه عن عمران بن حصين، أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثمّ يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلقت لغير سُنَّة وراجعت لغير سُنَّة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تَعُد (١). وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا إرجاع إلاَّ شاهدا عدل، كما قال الله -عز وجل- إِلا أن يكون من عذر». وجاء في «تفسير القرطبي» -رحمه الله-: «قوله -تعالى-: ﴿وأشهِدوا﴾ أمرٌ بالإِشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة. والظاهر رجوعه إِلى الرجعة لا إِلى الطلاق، فإِن راجع من غير إِشهاد؛ ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء، وقيل: المعنى: وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعًا. وهذا الإِشهاد مندوب إِليه عند أبي حنيفة؛ كقوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا إِذا تبايعتم﴾. وعند الشافعي واجب في الرجعة، مندوب إِليه في الفرقة». ----------------------- = من اختيار ابن جرير أو ابن كثير وأمثالهما -رحم الله الجميع-. وانظر -إِن شئت المزيد- ما قاله الحافظ -رحمه الله- في كتاب «العُجاب في بيان الأسباب» وما أفاده محقّقه: الأستاذ عبد الحكيم محمد الأنيس -حفظه الله تعالى- وقد مضى في بداية القول توثيق الحافظ ابن حجر -رحمه الله- لذلك. والله -تعالى- أعلم. (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩١٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٤٥)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٧٨). وجاء في «تفسير الإِمام البغوي» -رحمه الله تعالى-: «﴿وأشهدوا﴾ على الرجعة أو الفراق، أمر بالإِشهاد على الرجعة وعلى الطلاق ...». وقال العلامة السعدي -رحمه الله في «تفسيره»: «﴿وأشهدوا﴾ على طلاقها ورجعتها ﴿ذوي عدل منكم﴾ أي: رجلين مسلمين عدلين لأن في الإِشهاد المذكور سدًا لباب المخاصمة وكتمان كل منهما ما يلزم بيانه». قال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- في كتاب «نظام الطلاق في الإِسلام» (ص ٨٠) -بحذف-: "والظاهر من سياق الآيتين أنَّ قوله: ﴿وأشهدوا﴾ راجع إِلى الطلاق وإلى الرجعة معًا والأمر للوجوب، لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إِلى غير الوجوب -كالندب- إِلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا تؤيد حمْله على الوجوب: لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل -وهو أحد طرفي العقد- وحده. سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مرارًا، وتترتب عليه حقوق للرجل قِبَلَ المرأة، وحقوق للمرأة قِبَلَ الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإِنكار من أحدهما، فإِشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قِبَلَ الآخر. فمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له، فوقع عمله باطلًا، لا يترتب عليه أي أثر من آثاره. وهذا الذي اخترنا هو قول ابن عباس. فقد روى عنه الطبري في التفسير (٢٨ - ٨٨) قال: إِنْ أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال الله: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾ عند الطلاق وعند المراجعة. ![]()
__________________
|
|
#132
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 296الى صــ310 الحلقة (132) وهو قول عطاء أيضًا. فقد روى عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد قال: «النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود» نقله السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣٢) والجصاص في أحكام القرآن بمعناه (٣/ ٤٥٦) وكذلك هو قول السدي. فقد روى عنه الطبري قال في قوله: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾. على الطلاق والرجعة. وأمّا ابن حزم فإِنَّ ظاهر قوله في «المحلى» (١) (١٠/ ٢٥١) يفهم منه أنه يرى اشتراط الإِشهاد في الطلاق وفي الرجعة، وإن لم يذكر هذا الشرط في مسائل الطلاق؛ بل ذكره في الكلام على الرجعة فقط، قال: «فإنْ راجع ولم يُشهِد فليس مراجعًا، لقول الله -تعالى-: ﴿فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهنّ بمعروفٍ أو فاوقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ لم يفرق -عز وجل- (٢) بين المراجعة والطلاق والإِشهاد، فلا يجوز إِفراد ذلك عن بعض، وكل من طلّق ولم يشهد ذوَي عدل، أو رجع ولم يشهد ذوي عدل: متعديًا لحدود الله -تعالى- وقال رسول الله - ﷺ -:»من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد«(٣). قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»الفتاوى«(٣٣/ ٣٣):»وقد ظن بعض ------------------------ (١) وفي نسختي: (١١/ ٦١٣) دار الاتحاد العربي. (٢) جاء في التعليق: في النسخة المطبوعة من «المحلّى» «فرق -عز وجل-» وهو خطأ مطبعي واضح من سياق الكلام. والصواب (فقرن) كما في النسخة المخطوطة من «المحلّى» بدار الكتب المصرية. (٣) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨، واللفظ له. الناس: أن الإِشهاد هو الطلاق، وظن أن الطلاق الذي لا يشهد عليه لا يقع. وهذا خلاف الإِجماع (١)، وخلاف الكتاب والسّنة، ولم يقل أحد من العلماء المشهورين به؛ فإِن الطلاق أذن فيه أولًا، ولم يأمر فيه بالإِشهاد، وإِنما أمر بالإِشهاد حين قال: ﴿فإِذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ والمراد هنا بالمفارقة تخلية سبيلها إِذا قضت العدة، وهذا ليس بطلاق ولا برجعة ولا نكاح. والإِشهاد في هذا باتفاق المسلمين، فعلم أن الإِشهاد إِنما هو على الرجعة، ومن حكمة ذلك: أنه قد يطلقها ويرتجعها، فيزين له الشيطان كتمان ذلك حتى يطلقها بعد ذلك طلاقًا محرمًا ولا يدري أحد، فتكون معه حرامًا، فأمر الله أن يشهد على الرجعة ليظهر أنه قد وقعت به طلقة». وإِذا عَرف المرء رأي شيخ الإِسلام -رحمه الله- في الإِشهاد في النكاح؛ وأنه يرى حصولَه مع الإِعلان ولو لم يَشْهَد شاهدان، إِذا كان كذلك؛ انقدح في ذهنه أنّ هذا له أثره في فتواه -رحمه الله- في مسألة عدم إِيجاب الإِشهاد في الطلاق، علمًا أنّ الإِشهاد في النكاح أقوى نصًّا وفقهًا من الإِشهاد في الطلاق كما هو ظاهر النُّصوص. جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٢٧): «واشتراط الإِشهاد وحده ضعيف؛ ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، فإِنه لم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - فيه حديث (٢). ----------------------- (١) قال الموزعي في»تيسير البيان«: وقد اتفق الناس على أن الطلاق من غير إشهاد جائز. قاله في»سبل السلام«(٣/ ٣٤٨). وفي»السيل الجرار«(٢/ ٤١٠):»وقد وقع الإِجماع على عدم وجوب الإِشهاد في الطلاق واتفقوا على الاستحباب". (٢) وقد خالفه من العلماء مَن خالفه في هذا؛ فهذا رأيه، رحم الله الجميع. ومن الممتنع أن يكون الذي يفعله المسلمون دائمًا له شروط لم يُبِنْها رسول الله - ﷺ - وهذا مما تعمُّ به البلوى، فجميع المسلمين يحتاجون إِلى معرفة هذا. وإذا كان هذا شرطًا كان ذِكره أولى من ذِكر المهر وغيره، مما لم يكن له ذِكر في كتاب الله ولا حديث ثابت عن رسول الله - ﷺ -[فتبين] أنه ليس مما أوجبه الله على المسلمين في مناكحهم. قال أحمد بن حنبل وغيره من أئمَّة الحديث: لم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - في الإِشهاد على النكاح شيء، ولو أوجبه لكان الإِيجاب إِنما يعرف من جهة النّبيّ - ﷺ -، وكان هذا من الأحكام التي يجب إِظهارها وإعلانها، فاشتراط المهر أولى؛ فإِن المهر لا يجب تقديره في العقد بالكتاب والسّنة والإِجماع، ولو كان قد أظهر ذلك لنقل ذلك عن الصحابة: ولم يضيعوا حِفْظ ما لا بُدّ للمسلمين عامة من معرفته، فإِنَّ الهمم والدواعي تتوافر على نقل ذلك، والذي يأمر بحفظ ذلك. وهم قد حفظوا نهيه عن نكاح الشغار، ونكاح المحرم، ونحو ذلك من الأمور التي تقع قليلًا؛ فكيف النكاح بلا إِشهاد إِذا كان الله ورسوله قد حرَّمه وأبطله؛ كيف لا يحفظ في ذلك نص عن رسول الله - ﷺ -؟! بل لو نقل في ذلك شيء من أخبار الآحاد لكان مردودًا عند من يرى مثل ذلك، فإِن هذا من أعظم ما تعمّ به البلوى أعظم من البلوى بكثير من الأحكام، فيمتنع أن يكون كل نكاح للمسلمين لا يصح إِلا بإِشهاد، وقد عقد المسلمون من عقود الأنكحة ما لا يحصيه إِلا رب السماوات؛ فعُلم أنَّ اشتراط الإِشهاد دون غيره باطل قطعًا. ولهذا كان المشترطون للإِشهاد مضطربين اضطرابًا يدل على فساد الأصل، فليس لهم قول يثبت على معيار الشرع، إِذا كان فيهم من يجوزه بشهادة فاسقين، والشهادة التي لا تجب عندهم قد أمر الله فيها بإِشهاد ذوي العدل، فكيف بالإِشهاد الواجب؟!». وقال -رحمه الله- (ص ١٢٩): «وأمَّا النكاح فلم يرد الشرع فيه بإِشهاد واجب ولا مستحب، وذلك أن النكاح أُمِر فيه بالإِعلان، فأغنى إِعلانه مع دوامه عن الإِشهاد، فإِن المرأة تكون عند الرجل والناس يعلمون أنها امرأته، فكان هذا الإِظهار الدائم مُغنيًا عن الإِشهاد كالنسب؛ فإِن النسب لا يحتاج إِلى أن يُشهِد فيه أحدًا على ولادة امرأته؛ بل هذا يظهر ويعرف أن امرأته ولدت هذا فأغنى هذا عن الإِشهاد؛ بخلاف البيع؛ فإِنّه قد يجحد ويتعذر إِقامة البينة عليه. ولهذا إِذا كان النكاح في موضع لا يظهر فيه كان إِعلانه بالإِشهاد، فالإِشهاد قد يجب في النكاح؛ لأنَّه بِهِ يُعلَن ويُظهَر؛ لا لأنَّ كل نكاح لا ينعقد إِلا بشاهدين؛ بل إِذا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ ثمّ خرجا فتحدثا بذلك وسمع الناس، أو جاء الشهود والناس بعد العقد فأخبروهم بأنه تزوجها؛ كان هذا كافيًا، وهكذا كانت عادة السلف، لم يكونوا يكلَّفون إِحضار شاهدين، ولا كتابة صَداق». وقال -رحمه الله- (ص ١٣٠): "فالذي لا ريب فيه أن النكاح مع الإِعلان يصح، وإِن لم يشهد شاهدان. وأمّا مع الكتمان والإِشهاد فهذا مما ينظر فيه. وإذا اجتمع الإِشهاد والإِعلان، فهذا الذي لا نزاع في صحته. وإِن خلا عن الإِشهاد والإِعلان: فهو باطل عند العامَّة فإِن قُدِّرَ فيه خلاف فهو قليل. وقد يظن أن في ذلك خلافًا في مذهب أحمد، ثم يقال: ما يميز هذا عن المتخذات أخدانًا؟ وفي المشترطين للشهادة من أصحاب أبي حنيفة من لا يعلل ذلك بإِثبات الفراش؛ لكن كان المقصود حضور اثنين تعظيمًا للنكاح. وهذا يعود إِلى مقصود الإِعلان، وإذا كان الناس ممن يجهل بعضهم حال بعض، ولا يعرف من عنده هل هي امرأته أو خدينة، مثل الأماكن التي يكثر فيها الناس المجاهيل: فهذا قد يقال: يجب الإِشهاد هنا». وجاء في «تبين المسالك بتدريب السالك» (٣/ ١٥٩). «قال الموَّاق: من المدونة: من طلق زوجته فليشهد على طلاقه وعلى رجعته، وقال مالك فيمن منعت نفسها وقد ارتجع حتى يشهد: قد أصابت. ابن عرفة: وهذا دليل على وجوب الإِشهاد. وعلى ندبه درج خليل قال: وندب الإِشهاد وأصابت من منعت له. والأصل في مشروعية الإِشهاد قوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾. وذكر كلام القرطبي -رحمه الله- المتقدّم، ثمّ ذكر كذلك أثر عمران بن الحصين -رضي الله عنه- ثمَّ قال: ومذهب الثلاثة: عدم وجوب الإِشهاد. وجاء في»الاستئناس لتصحيح أنكحة النّاس«(ص ٥١) للعلامة القاسمي -رحمه الله- (١):»ممّن ذهب إِلى وجوب الإِشهاد واشتراطه لصحته من الصحابة: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين -رضي الله --------------------- (١) وقد نقلْتُ أقوال أهل السّنة، وحذفتُ أقوال الآخرين؛ فهي مبثوثة في كُتبهم. عنهما- ومن التابعين الإِمام محمد الباقر (١)، والإِمام جعفر الصادق (١)، وبنوهما أئمة آل البيت -رضوان الله عليهم- وكذلك عطاء، وابن جريج، وابن سيرين -رحمهم الله-. وروى أبو داود في «سننه» عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- أنه سئل عن الرجل يُطلّق امرأته ثمّ يقع بها ولم يُشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنّة وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها --------------------- (١) قال الإِمام الذهبي في «سِير أعلام النبلاء» (٤/ ٤٠١) في ترجمة محمد الباقر -رحمهما الله تعالى-: «وشُهِر أبو جعفر بالباقر من بقر العلم أي: شقّه فعرف أصله وخفيّه، ولقد كان أبو جعفر إِمامًا مجتهدًا تاليًا لكتاب الله، كبير الشّأن، ولكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ونحوه، ولا في الفقه درجة أبي الزناد، وربيعة، ولا في الحفظ ومعرفة السّنن درجة قتادة وابن شهاب، فلا نُحابيه، ولا نحيف عليه، ونُحبّه في الله لما تجمّع فيه من صفات الكمال. قال ابن فُضيل، عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر وابنه جعفرًا عن أبي بكر وعمر، فقالا لي: يا سالم، تولّهما وابرأ من عدوّهما، فإِنهما كانا إِمامي هُدَى». وقال كذلك (٦/ ٢٥٥) في ترجمة جعفر الصادق -رحمهما الله تعالى-: «... الإِمام الصادق شيخ بني هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي النبوي ... وكان يغضب من الرافضة ويمقتهم إِذا علم أنهم يتعرضون لجدّه أبي بكر ظاهرًا وباطنًا -هذا لا ريب فيه-. ولكن الرافضة قوم جَهَلة، قد هوى بهم الهوى في الهاوية فبُعدًا لهم» انتهى. قلت: ومع القول بإِمامتهما، فإِننا لا نخصُّهما وأشخاصًا محدّدين بذلك -كما تفعل الشيعة- كما لا نعني بذلك مدلولهم في هذه الإِمامة وهذا كقولهم: «الإِمام علي» -رضي الله عنه- فمدلول إِمامة علي -رضي الله عنه- عند أهل السّنة غير مدلول الشيعة، نسأل الله -تعالى- الوفاة على الكتاب والسّنة على منهج سلف الأمّة. ولا تعد (١). وقد تقرر في الأصول أن قول الصحابي: من السّنة كذا في حُكم المرفوع إِلى النّبيّ - ﷺ - على الصحيح، لأن مُطلق ذلك إِنما ينصرف بظاهره إِلى من يجب اتباع سنته وهو رسول الله - ﷺ -، ولأن مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة والعادة كما بُسط في موضعه. ... [وفي] «الدر المنثور» آية: ﴿فإِذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ الآية. عن عبد الرزاق عن ابن سيرين أن رجلًا سأل عمران بن حصين عن رجل طلّق ولم يشهد وراجع ولم يُشهد قال: بئسما صنع، طلّق لبدعة وراجع لغير سنّة، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته وليستغفر الله. فإِنكار ذلك من عمران -رضي الله عنه- والتهويل فيه وأمره بالاستغفار لعده إِياه معصية ما هو إِلا لوجوب الإِشهاد عنده -رضي الله عنه- كما هو ظاهر. ... [وفي] «الدر المنثور» عن عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء قال: النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والمراجعة بالشهود. ثمّ ذَكر قول ابن كثير -رحمه الله- المتقدّم عن عطاء (٢) ثمَّ قال العلامة القاسمي -رحمه الله-: فقوله: لا يجوز، صريح في وجوب الإِشهاد على الطلاق عنده -رضي الله عنه- لمساواته له بالنكاح، ومعلوم ما اشتُرط فيه من ------------------ (١) تقدّم تخريجه. (٢) انظر (ص ٢٩٣). البينة. إِذا تبين لك أن وجوب الإِشهاد على الطلاق هو مذهب هؤلاء الصحابة والتابعين المذكورين، تعلم أن دعوى الإِجماع على ندبه المأثورة في بعض كتب الفقه مراد لها الإِجماع المذهبي لا الإِجماع الأصولي الذي حدُّه -كما في «المستصفى»- اتفاق أمَّة محمد - ﷺ - خاصَّة على أمرٍ من الأمور الدينية، لانتقاضه بخلاف كما ذكر كما الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين«. وجاء في كتاب»الجامع في أحكام الطلاق«(ص ١٥٦):»وأما من قال بوجوب الإشهاد على الطلاق والرجعة من السلف فجماعة منهم: عطاء بن أبي رباح -رحمه الله تعالى- فقال: الفرقة والرجعة بالشّهود (١). وصح عنه أنه لم يجز طلاق من أشهد شهيدين متفرقين. فعند عبد الرزاق (٦/ ٣٧٤) عن ابن جريج، قال: سئل عطاء عن رجل طلّق عند رجل واحدة، وعند رجل واحدة، قال. ليستا بشىء، إِنما شهد رجل على واحدة. وسنده صحيح أيضًا. وأورده ابن كثير في «التفسير» (٤/ ٣٧٩) عن ابن جريج، قال: كان عطاء يقول: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾. قال: لا يجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا رجاع إلاَّ شاهدان كما قال الله -عز وجل- إِلا أن يكون من عذر [وتقدّم]. ------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٦٠) من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء به، وسنده صحيح. وأخرج عبد الرزاق (٦/ ٣٢٧): عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: رجل طلّق امرأته تطليقة ولم يشهد، ولم يُعلمها، لم نرد على هذا. وسنده صحيح. عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج رحمه الله تعالى- قال: لا يجوز نكاح، ولا طلاق، ولا ارتجاع إِلا بشاهدَيْن، فإن ارتجع وجهل أن يشهد وهو يدخل ويصيبها، فإِذا علم فليعد إِلى السنة إِلى أن يشهد شاهدين عدل (١)». انتهى. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ١٩٣) برقم (١٩١٨٤) عن الشعبي -رحمه الله- «أنّه سُئل عن رجل طلّق امرأته عند رجلين وامرأة فشهد أحد الرجلين والمرأة وغاب الآخر قال: تعزل عنه حتى يجيء الغائب». ورأي شيخنا -رحمه الله- أن الطّلاق لا يقع إِلا بشاهدين، فقد قال لي مجيبًا عن بعض أسئلتي: «أيّ طلاق لا يقع إِلا بشاهدَين». وسألت شيخنا -رحمه الله- عن شخصٍ طلّق بلا إشهاد، ثمّ أخبرَ إخوانه، أنَّه قد طلّق؟ فأجاب -رحمه الله-: إِذا رأى أنه طلّق؛ فقد وقع الطلاق وإِذا أفتاه بعض العلماء بوقوع الطلاق؛ فإِنَّه يقع أيضًا. والحاصل أن شيخنا -رحمه الله- يرى أن من استفتى في الطَّلاق، فقول من أفتاه من العلماء في الطَّلاق ماضٍ، وكذلك إِذا طلّق بلا إِشهاد؛ معتمدًا على فتاوى أهل العِلم. -------------------- (١) أخرجه عبد الرزاق (٦/ ١٣٥) عن ابن جريج به، وسنده صحيح. وسألته -رحمه الله-: ماذا إِذا طلّق ولم يُشهد؟ فأجاب: يكون معلّقًا؛ فإِن شاء أمضاه، وإلا ترك». قلت: وأمّا قول عمران بن حصين -رضي الله عنه-: طلّقت لغير سُنّة، وراجعْت لغير سُنّة، أشهد على طلاقها وعلى رجْعتها ولا تعُد. فقد أفاد أنّ من السّنّة النبوية الإِشهاد على الطلاق فقول الصحابي: من السّنّة له حُكم الرفع كما تقدّم، وهذا يبيّن أن الإِشهاد في الآية الكريمة: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ يتضمّن الطلاق والرجعة والله -تعالى- أعلم. وانقدح في نفسي أنه لو لم يقع طلاق ذاك الرجل بلا إِشهاد؛ لما قال له عمران -رضي الله عنه-: أشهد على طلاقها، ولا سيّما أنه راجع امرأته بل ينبغي أن يقول له: طلاقُك لم يقع لأنه بلا إِشهاد، ثمّ بدا لي أن قول عمران -رضي الله عنه- من باب التعليم وبيان القاعدة. وهذه الصورة تختلف عن صورة عدم الإِشهاد على النكاح. فلو أنّ رجلًا حصل نكاحُه بلا شهود ثمّ طلّقها، فهذا يُقال له: ما بُني على فاسد فهو فاسد؛ وأصل النكاح لم يقع أصْلًا؛ لأن شروطه المطلوبة لم تتحقّق أو تكتمل. وهل صورة الطلاق بلا إِشهاد؛ كرجل أعطى رجُلًا دينًا ولم يُشهد عليه، فهو عاصٍ دعاؤه لا يستجاب كما ثبت عن النّبيّ - ﷺ - (١)، لكن لا يعني عدم الإِشهاد إِسقاط حقّه من مالٍ على الآخرين؟؟ -------------------- (١) إِشارة إِلى قوله - ﷺ -: «ثلاثة يدعون الله فلا يُستجاب لهم ... ورجلٌ كان له على رجلٍ مالٌ فلم يُشهد عليه». أخرجه الحاكم والطحاوى في «مُشكل الآثار» وغيرهما وهو في «الصّحيحة» (١٨٠٥). أم أنّ الطلاق لا يتمّ إِلا بالإِشهاد؛ كما هو في حدّ القذف الذي لا يثبت إِلا بأربعة شهود؛ فإِن شهد شاهدان أو ثلاثة، فإِنّه يمضي فيهم قوله -تعالى-: ﴿فإِذْ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ (١) فأولئك عند الله هم الكاذبون ولو كانوا في أنفسهم صادقين فيما رأوا. وجاء في كتاب «الجامع لأحكام الطلاق» (ص ١٦١): "وعلى تقدير أن الأمر في الآية يقتضي الوجوب، فمخالفته لا تبطل أثر الطلاق ولا المراجعة، والدليل على ذلك: أن الله -سبحانه وتعالى- قد أمرنا في الطلاق باستقبال النساء في عدتهن في طهر لم يجامعها فيها زوجها، فلمّا خالف ابن عمر -رضي الله عنهما- هذا الأمر، وطلّق امرأته وهي حائض، أجازه النّبيّ - ﷺ - عليه، فهو قد خالف الأمر الوارد في آية الطلاق، ولم يمنع هذا من أن تُحسب عليه طلقة، فكذلك هو الحال بالنسبة لمن خالف الأمر في الإِشهاد، والله أعلم. قلت: ويؤيد هذا ما تقدّم من قول الإِمام البخاري -رحمه الله- في كتاب الطلاق: (باب قول الله -تعالى-: ﴿يا أيّها النّبي إِذا طلَّقتم النّساء ...﴾ ... وطلاق السّنّة أن يطلِّقها طاهرًا من غير جماع، ويشهد شاهدَين). ثمّ ذَكَر حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في قصة تطليقه امرأته وهي حائض. فإِيقاع طلاق الحائض على بدعيته، إِيقاع للطلاق بلا إِشهاد على مخالفته للسّنّة، وإيرادهما تحت بابٍ واحد يُفهم هذا، لكن سيأتي عمّا قريب -إن شاء ------------------- (١) النور: ١٣. الله تعالى- الإِجابة عن هذه المسألة. وبعد أنْ أخذَت المسألة من تفكيري مأخَذَها، وبعد انهماك شديد في غالب وقتي، رأيتُ ما يأتي: ١ - أنَّ استحلال الفُروج وتحريمها لا بدّ أنْ يخضع إِلى نُصوصٍ ثابتة، وكيفيَّةٍ شرعيَّة، وبِذا؛ فإِنّنا نُطالب بالدَّليل على إِيقاع الطَّلاق لِمَنْ لم يُشهِد. وتحرير هذا؛ أنَّ أساس الخلاف هو: هل للإِنسان أنْ يُطلِّق كيفما اتَّفق أمْ أنَّ للطَّلاق أُصولًا وقواعد؟ وهل الأصل إِيقاع الطَّلاق بلا إِشهاد والمراد من الإِشهاد التوثيق ودفع التهمة والالتباس فحسب؟ أم الأصل إِيقاع الطَّلاق بالإِشهاد ولا يتمّ إِلا بذلك؟ وما الدَّليل على هذا وذاك؟ وما هو الأقرب للصواب؟ والذي بدا لي؛ أنَّ إِيقاع الطَّلاق يحتاج إِلى نصٍّ؛ فلا يكون إِلا بالإِشهاد، فالأصل عدم إِيقاع الطلاق إِلا على وجهٍ شرعيٍّ منصوصٍ عليه، وهذا إِنَّما يكون بنصٍّ من كتابٍ أو سنّة وما كان إِلى هذا أقرب؛ فهو أمثل. ٢ - وأنَّ أقرب شيءٍ إِلى الدّليل والنَّصّ الذي سَبق ذِكْرُه بما يتَّصِل بمسألتنا السَّابقة هو: أوَّلًا: قوله -تعالى-: ﴿فإِذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فأمْسِكوهُنَّ بِمعروف أو فارِقوهُنَّ بِمعروفٍ وأشْهِدوا ذَوَيْ عَدْلِ منكُم﴾، وقد سبق قول ابن عباس -رضي الله عنهما- في تأويلها: «عند الطَّلاق وعند والمراجعة» وكذا قول عطاء في تأويلها: «لا يجوز في نكاحٍ ولا طلاق ولا إِرجاعٍ إِلا شاهدا عدلٍ، كما قال الله -عز وجل-؛ إلاَّ أنْ يكون من عُذرٍ». وقوله: «النِّكاح بالشُّهود، والطَّلاق بالشُّهود، والمراجعة بالشُّهود». وغير ذلك من الآثار المتقدِّمة. وتقدّم قول العلاَّمة أحمد شاكر -رحمه الله-: «والظَّاهر من سياق الآيتين أنَّ قوله: ﴿وأشهِدوا﴾ راجِعٌ إِلى الطلاق وإلى الرّجعة معًا، والأمر للوجوب». ثانيًا: وأقرب شيء إِلى الدَّليل والنّص كذلك حديث عمران بن الحصين -رضي الله عنه-: «طلَّقتَ لغير سنّة، وراجعتَ لغير سنّة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعُد» فقوله. طلَّقتَ لغير سنّة؛ دل على أنّ السنّة هو الإِشهاد، والبدعة عدم الإِشهاد، وقولُه: من السنّة في حُكْم المرفوع كما تقدّم، ولنا أنْ نقول بقول النّبي - ﷺ -: «من عمِل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ» (١)، بمعنى: رُدَّ هذا الطلاق (٢). لكنّ إِمضاء طلاق ورجعة هذا الذي سُئل عنه عمران بن الحصين -رضي الله عنه- فهو من باب قول المفتي: «قُضِيَ الأمر» فحين يأتي شخصٌ يستفتي في الطَّلقة الثّالثة مثلًا، فيُفتي له عالمٌ بإِيقاعها وبينونة زوجته بينونْةً كُبرى، ثُمّ بعد مُدَّة تزوّجت من آخر، فليس للزَّوج المُطلِّق أن يطلُب إِلغاء النِّكاح الآخر؛ لتعود إِليه زوجته، لسببٍ يتعلَّق في الفتوى السَّابقة؛ ولِقَناعةٍ شرعيّةٍ ما تستند على نُصوص أخَذ بها عُلماء؛ لأنّ هذا يُفضي إِلى التّلاعب في النِّكاح والطلاق، بل في كثيرٍ من مسائل الدّين. وهذا ما كان يقوله شيخنا -رحمه الله- كما تقدّم. ومن هذا الباب ما رواه ابن أبي شيبة في «المصنّف» (٤/ ١٩٦) برقم (١٩٢٠٨): "وساق إِسناده إِلى الشعبي -رحمه الله- أنه سئل عن رجلٍ شهد ------------------ (١) تقدّم تخريجه. (٢) وسيأتي -إِن شاء الله تعالى- ما يتعلَّق بإِيقاع طلاق الحائض مع بِدْعيَّته. عليه رجلان بطلاق امرأته، ففرّق القاضي بينهما فرجع أحد الشاهدين وتزوجها الآخر قال: فقال الشعبي: مضى القضاء ولا يلتفت إِلى رجوع الذي رجع». وبذا فمن رأى أنّه قد طلَّق، أو أُفْتيَ بالطلاق فقد وقع طلاقه لأنّ له قولًا من أهل العلم. فأصل القاعدة التي يُستفاد منها من حديث عمران بن الحصين أنّ السنّة هو الإِشهاد وهذا من باب التّأصيل وبيان القاعدة؛ ولا بُدّ لنا أن نتأمّل قول عمران ابن الحصين -رضي الله عنه- فإِنه لم يقل: «طلقتَ لغير سُنّة وراجعت لغير سُنّة» وسكت، ولكنه قال: «أشهِد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعُد». فدلّ على عدم الجواز -والله أعلم-. ٣ - لقد عَهِدنا في الأبحاث الفقهية ذكر المشروعيّة مع الدليل على ذلك، فيقولون مثلًا: مشروعيّة الوضوء، مشروعيَّة الأذان، مشروعيّة الصيام ... إِلخ. فهل لقائلٍ أن يقول: مشروعيّة عدم الإِشهاد على الطلاق؟! علمًا بأن المشروعيّة تمضي على الرّكن والواجب والمستحبّ. ٤ - أنّ الطلاق لا يقع إِلا بنيَّة وعَزْمٍ، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ عَزَمُوا الطَّلاق﴾ فما من شخصٍ طلب الإِشهاد على الطّلاق، إِلا ظهر إِنْ كان له عزمٌ في ذلك أم لا، إِذ هو بلا إِشهادٍ يُمضيه فيندم، ويقول: لا، والله ما أردته! ولا أدري كيف كان ذلك! أمَّا حين ينتظر وصول شاهدي عدلٍ، فتسكن نفسُه ويهدأُ فؤاده، وتذهب عنه الوساوس، وقد يُسهم الشَّاهدان في الإِصلاح، فلا يُطلِّق إِلا من أراد الطَّلاق حقًَّا وقل: لا يُطلِّق إِلا من عزم ذلك. والعزم هو القوَّة والصَّبر على الأمر، والجدّ والقطعُ فيه؛ وقال القرطبي -رحمه الله- في قوله تعالى: ﴿ولم نجد له عزمًا﴾ (١): قال ابن عباس وقتادة: لم نجد له صبرًا عن أكل الشّجرة، ومواظبة على التزام الأمر، قال النّحاس: وكذلك هو في اللغة، يقال: لفلان عزمٌ أي: صبرٌ وثباتٌ على التّحفُّظ من المعاصي ... وقال ابن كيسان: ﴿ولم نجد له عزمًا﴾: إِصرارًا. وقال -رحمه الله- في قوله تعالى-: ﴿وإِنْ عزموا الطَّلاق﴾ (٢) العزيمة: تتميم العقد على شيء ... وعزمتُ عليكَ لتفعلنَّ: أي أقسمت عليك. قال شَمِر: العزيمة والعزم: ما عقدت عليه نفسك من أمرٍ أنّك فاعله. والطَّلاق: حلُّ عُقدة النِّكاح. فتأمَّل -رحمني الله وإياك- معنى العزم وهل يتحقَّقُ في كثيرٍ ممن يُطلِقون كلمة «الطَّلاق» ولعلَّ هذا الإِشكالَ يزول بِشاهِدَيْ عدل. ٥ - وأمّا من قاس إِيقاع طلاق من لم يُشهد على إِيقاع طلاق الحائض -مع الخلاف المعروف فيه- فالجواب عليه؛ أنّ قياس الإِشهاد على الطلاق على إِشهاد النِّكاح أولى؛ لأنَّ موضوع الإِشهاد في النِّكاح والطلاق ألصق بالموضوع من بدعيَّة عدم الإِشهاد وطلاق الحائض، وجامع الإِشهاد في الموضوعَين أولى من جامع البدعيَّة فيهما، فتأمّل. والأقرب إِلى الصَّواب في هذا الحال أن يُقال: كما أنّ النِّكاح لا يقع إِلا بشاهدي عدل، فالطَّلاق لا يقع إِلا كذلك، ولا سيَّما مع ورود نصوص في الإِشهاد -مع اختلاف الفهم فيها-. ------------------- (١) طه: ١٠٥. (٢) البقرة: ٢٢٧. ![]()
__________________
|
|
#133
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 311الى صــ316 الحلقة (133) ومهما كان من خلاف في مسألة الإِشهاد على الطلاق، وسواءٌ قيل بِإِيقاعه أو عدمه، فإِنّ أقلَّ ما يُقال فيه الإِيجاب، وتأثيم من لم يُشهد؛ لقول عمران بن حُصَيْن -رضي الله عنه-: «طلَّقتَ لغير سُنَّة ... أَشهد على طلاقها ...» وكذلك أقوال السَّلف المتقدِّمة في تأويل الآية: ﴿وأَشهِدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم﴾. وعليه: فلا يجوز لمن أراد الطلاق أنْ يُسارع به، اِلا بعد إِحضار شاهِدَي عدل (١)؛ وإلا فإِنّه يَحمِلُ يوم القيامة وِزْرًا. وختامًا: فمع ترجيحي عدم وقوع الطلاق إِلا بشاهدي عدل؛ فإِنّني أُحيلُ كُلَّ حالةٍ من هذه الحالات إِلى حكم القاضي العادل الذي لا تأخُذه في الله لومة لائم؛ ليحكم بما يلهمه الله في هذا الأمر. وهذا ما بدا لي في هذه المسألة، فإِن أصبتُ فمن الله -تعالى-، وإن أخطأتُ فمنِّي ومن الشّيطان، والله -تعالى- أعلم بالصّواب. ----------------------- (١) بِالإضافة إِلى الشُّروط المتقدمة في الطَّلاق السُّنِّي. الطلاق الرجعي وأحكامه الطلاق الرجعي: هو الذي يكون فيه الزوج مخيّرًا ما دامت زوجته في العدّة بين تركها لا يراجعها حتى تنقضي عدتها، فتملك أمرها، فلا يراجعها إِلا بولي ورضاها، وصَداق، وبين أن يُشهد على ارتجاعها فقط؛ فتكون زوجته -أحبّت أم كرهت- بلا ولي ولا صَداق، لكن بإِشهاد فقط؛ ولو مات أحدهما قبل تمام العدة وقبل الراجعة ورثه الباقي منهما- وهذا لا خلاف فيه من أحد من الأئمة (١). وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٣٤٧): «وقد أجمع العلماء على أنّ الزوج يملك رجعة زوجته في الطلاق الرجعي؛ ما دامت في العدة من غير اعتبار رضاها ورضا وليّها إِذا كان الطلاق بعد المسيس». [والرجعة] ثابتة بالكتاب والسّنة والإِجماع، أمّا الكتاب فقول الله -سبحانه-: ﴿والمطلقات يتربصنَ بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ إِلى قوله: ﴿وبعولَتُهُنَّ أحقُّ بردِّهنّ في ذلك إِن أرادوا إِصلاحًا﴾ (٢) والمراد به الرجعة عند جماعة العلماء وأهل التفسير، وقال -تعالى-: ﴿وإِذا طلَّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهن بمعروف﴾ (٣). أي بالرَّجعة ومعناه إِذا قاربن بلوغ أجلهن أي: انقضاء عدتهنّ«(٤). ----------------------- (١) انظر»المحلَّى«(١١/ ٥٥٠)، و»الفتاوى«(٣٣/ ٩). (٢) البقرة: ٢٢٨. (٣) البقرة: ٢٣١. (٤) انظر»المغني" (٨/ ٤٧٠). وقال -تعالى-: ﴿الطلاق مرَّتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١). *أي: أنَّ الطلاق الذي شرَعَه الله يكون مرة بعد مرة، وأنه يجوز للزوج أن يمسك زوجته، بعد الطلقة الأولى بالمعروف، كما يجوز له ذلك بعد الطلقة الثانية، والإِمساك بالمعروف معناه مراجعتها وردّها إِلى النكاح، ومعاشرتها بالحسنى، ولا يكون له هذا الحق، إِلا إِذا كان الطلاق رجعيًا* (٢). وأمّا السّنة فما روى ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله - ﷺ - فسأل عمر بن الخطاب رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال رسول الله - ﷺ -: «مُرْه فليراجعها» متفق عليه (٣). وروى أبو داود عن عمر: «أنّ رسول الله - ﷺ - طلَّق حفصة ثمّ راجعَها» (٤). وعن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يُشهِد على طلاقها، ولا على رجعتها، فقال: «طلّقت لغير سنة، وراجعت لغير سُنة، أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُد» (٥). ----------------------- (١) البقرة: ٢٢٩. (٢) ما بين نجمتين عن «فقه السّنة» (٣/ ٩٣). (٣) أخرجه البخاري: ٥٢٥١، ومسلم: ١٤٧١، وتقدّم. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٩٨)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٣٣٢)، وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٧٧). (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩١٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٤٥) وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٠٧٨) وتقدّم. وتستثنى بعض الحالات من الطلاق الرجعي: كأن يكون الطلاق مكمّلًا للثلاث؛ فهو *يُبينُ المرأة، ويُحرِّمها على الزوج، ولا يحل له مراجعتها، حتى تنكح زوجًا آخر، نكاحًا لا يقصد به التحليل؛ قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلَّقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (١) أي: فإِن طلقها الطلقة الثالثة، بعد طلقتين، فلا تحل له من بعد الطلاق المكمل للثلاث، حتى تتزوج غيره زواجًا صحيحًا. والطلاق قبل الدخول يُبِينُهَا كذلك؛ لأن المطلقة في هذه الحالة لا عدة عليها، والمراجعة إِنما تكون في العدة، وحيث انتفت العدة، انتفت المراجعة؛ قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها فمتعوهنّ وسرّحوهنّ سراحًا جميلًا﴾ (٢) * (٣). والطلاق الرجعي لا يمنع الاستمتاع بالزوجة (٤) لأنه لا يرفع عقد الزواج، ولا يزيل الملك، ولا يؤثر في الحل، فهو وإن انعقد سببًا للفرقة، إِلا أنه لا يترتب عليه أثره، ما دامت المطلقة في العدة، وإنما يظهر أثره بعد انقضاء العدة دون مراجعة، فإِذا انقضت العدة ولم يراجعها، بانت منه، وإذا كان ذلك كذلك، ---------------------- (١) البقرة: ٢٣٠. (٢) الأحزاب: ٤٩. (٣) ما بين نجمتين من «فقه السّنة» (٣/ ٣٩). (٤) مع التَّنبيه إِلى أنَّ بعض العلماء يرى أنَّ جِماع الزوجة إِعادة لها، وانظر -إِن شئت- بعد صفحتين. فإِنَّ الطلاق الرجعي لا يمنع من الاستمتاع بالزوجة، وإِذا مات أحدهما ورثه الآخر، ما دامت العدة لم تَنْقَضِ، ونفقتها واجبة عليه (١). ومن قال لامرأته: أنت طالق طلقة لا رجعة لي فيها عليك، بل تملكين بها نفسك، فإِن الناس اختلفوا في ذلك. قال ابن حزم -رحمه الله- في»المحلَّى«(١١/ ٥٥٠):»قال أبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، وابن وهب -صاحب مالك-: هي طلقة يملك فيها زوجها رجعتها، وقوله بخلاف ذلك لغو. وقالت طائفة: هي ثلاث، وهو قول ابن الماجشون -صاحب مالك-. وقالت طائفة: هي كما قال، وهو قول ابن القاسم صاحب مالك. والذي نقول به: أنه كلام فاسد لا يقع به طلاق أصلًا، لأنه لم يطلق كما أمَره الله -عز وجل- ولا طلاق إِلا كما أمَر الله -تعالى-. قال رسول الله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢). ولا بُدّ من الإِشهاد على الرجعة لقوله -تعالى-: ﴿أشهدوا ذَوَي عدْلٍ منكم﴾ (٣). ولحديث عمران بن الحصين -رضي الله عنه- المتقدّم. «أشهد على طلاقها وعلى رجعتها». وقال العلامة الشوكاني -رحمه الله- في «نيل الأوطار» (٧/ ٤٢) -بحذف-: ---------------------- (١) انظر «فقه السنَّة» (٣/ ٤٠). (٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨ واللفظ له، وتقدّم. (٣) الطلاق: ٢. «واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعًا فقال الأوزاعي: إِذا جامعَها فقد راجعَها، ومثله أيضًا روى عن بعض التابعين. وبه قال مالك وإسحاق بشرط أن ينوي به الرجعة. وقال الكوفيون كالأوزاعى وزادوا: ولو لمسها شهوة أو نظر إِلى فرجها لشهوة، وقال الشافعي: لا تكون الرجعة إِلا بالكلام. وحُجَّة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح. وإِلى ذلك ذهب الإِمام يحيى والظاهر ما ذهب إِليه الأولون؛ لأن العدة مدة خيار والاختيار يصح بالقول والفعل. وأيضًا ظاهر قوله -تعالى-: ﴿وبعولتهن أحق بردهنّ﴾ (١)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:»مره فليراجعها«: أنها تجوز المراجعة بالفعل؛ لأنه لم يخصَّ قولًا مِنْ فِعْلٍ، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل، وقد حكى في»البحر«عن العترة ومالك أن الرجعة بالوطء ومقدماته محظورة وإن صحت، ثم قال: قلت: إِن لم يَنوِ بِهِ الرجعة فنعم لعزمه على قبيح وإلا فلا لما مرَّ، وقال أحمد بن حنبل: بل مباح لقوله -تعالى-: ﴿إلاَّ على أزواجهم﴾ (٢) والرجعية زوجة بدليل صحة الإِيلاء». انتهى. وجاء في «الفتاوى» (٢٠/ ٣٨١): «... ومسألة الرجعة بالفِعْل، كما إِذا طلّقها: فهل يكون الوطء رجعة؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يكون رجعة كقول أبي حنيفة. والثاني: لا يكون كقول الشافعي. والثالث. يكون رجعة مع النية وهو المشهور عند مالك، وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد». ---------------------- (١) البقرة: ٢٢٨. (٢) المؤمنون: ٦. وقال لنا شيخنا -رحمه الله- في بعض مجالسه: «إِذا جامعها؛ فهذا يعني إِرجاعها». الطلاق البائن وأحكامه هو الطلاق المكمّل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال وهو ما يسمّى بالخلع كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-، ويبقى به الزوج خاطبًا من الخُطّاب لا تباحُ له إِلا بعقد جديد، إِلا إِذا طلَّقها ثلاثًا؛ فلا تحلّ له حتَّى تنكح زوجًا غيره. أقسامه: ينقسم الطلاق البائن إِلى قسمين: بائن بينونة صُغرى، وهو ما كان دون الثلاث، وبائن بينونة كُبرى، وهو المكمّل للثلاث. حُكم البائن بينونة صُغرى: *الطلاق البائن بينونةً صغرى يزيل قيد الزوجية، بمجرد صُدوره، وإذا كان مزيلًا للرابطة الزوجية، فإِنّ المطلقة تصير أجنبية عن زوجها، فلا يحل له الاستمتاع بها، ويحل بالطلاق البائن موعد مؤخر الصداق -المؤجل- إِلى أبعد الأجلين؛ الموت أو الطلاق. وللزوج أن يعيد المطلقة طلاقًا بائنًا بينونة صغرى إِلى عصمته [برضاها]، بعقد ومهر جديدين، [ولا يشترط] أن تتزوج زوجًا آخر، وإذا أعادها عادت إِليه بما بقي له من الطلقات، فإِذا كان طلقها واحدة من قبل، فإِنه يملك عليها طلقتين بعد العودة إِلى عصمته، وإِذا كان طلقها طلقتين، لا يملك عليها إِلا طلقة واحدة* (١). حُكم الطَّلاق البائن بينونة كُبرى: *الطلاق البائن بينونة كبرى يزيل قيد الزوجية، مثل البائن بينونة صغرى، ويأخذ جميع أحكامه، إِلا أنه لا يحل للرجل أن يعيد من أبانها بينونة كبرى إِلى عصمته، إِلا بعد أن تنكح زوجًا آخر نكاحًا صحيحًا، ويدخل بها دون إِرادة التحليل؛ يقول الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلَّقها فلا تحلُّ له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (٢) أي: فإِن طلقها الطلقة الثالثة، فلا تحل لزوجها الأول، إِلا بعد أن تتزوج آخر؛ لقول رسول الله - ﷺ - لامرأة رفاعة: «لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» (٣) * (٤). جاء في «المحلّى» (١١/ ٥٥١): «والبائن هو الذي لا رجعة له عليها إِلا أن تشاء هي في غير الثلاث بولي وصداق، ورضاها، ونفقتها عليه في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة، ويلحقها طلاقه». وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٣١٣): «وجماع الأمر أن البينونة نوعان: البينونة الكبرى وهي إِيقاع البينونة الحاصلة بإِيقاع الطلاق الثلاث الذي تحرم به ---------------------- (١) ما بين نجمتين من»فقه السنة«(٣/ ٤٣) بتصرف. (٢) البقرة: ٢٣٠. (٣) أخرجه البخاري: ٥٢٦٠، ومسلم: ١٤٣٣ وتقدّم. (٤) ما بين نجمتين من»فقه السنة" (٣/ ٤٣). المرأة حتى تنكح زوجًا غيره. والبينونة الصغرى وهي: التي تبين بها المرأة ...». مسألة الهدم: إِذا طلّق الرجل زوجته وبانت منه بينونة كُبرى وانقضت عدّتها، ونَكَحت زوجًا غيره، ودخَل بها، ثمّ طلّقها أو مات، ثمّ انقضت عدّتها، ثمّ نكَحها الأول؛ فإِنه يملك عليها ثلاث تطليقات. قال ابن المنذر في كتاب «الإِجماع» (ص ٨١): «وأجمعوا على أنّ الحُرَّ إِذا طلّق الحُرَّةَ ثلاثًا، ثمّ انقضت عدّتها، ونَكَحت زوجًا غيره، ودخَل بها، ثمّ فارقها وانقضت عدتها، ثمّ نكَحها الأول، أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات» انتهى. أمّا التي تبين من زوجها بينونة صغرى، فإِنها إِذا انقضت عدّتها، ونكَحت زوجًا غيره، ثمّ طلّقها أو مات، ثمّ انقضت عدّتها، فالراجح أنها تعود على ما بقي من الثلاث. جاء في «السيل الجرَّار» (٢/ ٣٧٤): "قوله: ولا ينهدم الا ثلاثة. أقول: وجه تخصيص الانهدام بالثلاث لا بما دونها؛ أنها مورد النص فإِنَّ الله -سبحانه- قال: ﴿فإِنْ طلَّقها من بعد فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (١) أي: فإِن طَلَّقَ مرةً ثانيةً مَنْ طلقها مرتين؛ فلا تحل له بعد هذا التثليث؛ حتى تنكح زوجًا غيره، فإِنْ نكحت زوجًا غيره حَلَّتْ له. والظاهر أنها تحل له حِلًا مُطلَقًا فيملك عليها من الطلاق ما يملكه لو نكحها ابتداءً. وإذا عرفت أن التثليث هو مورد النص؛ فاعلم أنه لم يرد في شيء من -------------------- (١) البقرة: ٢٣٠. الكتاب والسّنة ما يدل على أنها إِذا نكحت زوجًا غيره بعد طلقة أو تطليقتين أن الطلقة أو الطلقتين يكون لها حُكم الثلاث في الانهدام. لكن ها هنا قياس قويٌّ هو القياس الذي يسمُّونه قياس الأولى -وتارة يسمونه فحوى الخطاب- فإِنه يدل على أن انهدام ما دون الثلاث مأخوذ من الآية بطريق الأولى، ويعضد هذا أن الاحتساب بما وقع من طلاق الزوج عليها بعد أن نكحت زوجًا غيره؛ خلاف ما يوجبه الحل المفهوم من قوله: ﴿فلا تحل له﴾ فإن ظاهره أنها تحل له الحلّ الذي يكون للزوج على زوجته لو تزوجها ابتداءً». جاء في «المغني» (٨/ ٤٤١): "وإذا طلّق زوجته أقلّ من ثلاث فقضت العدة؛ ثمّ تزوجت غيره ثمّ أصابها، ثمّ طلقها أو مات عنها وقضت العدة، ثمّ تزوجها الأول فهي عنده على ما بقي من الثلاث. وجملة ذلك أن المطلق إِذا بانت زوجته منه ثمّ تزوجها لم يخلُ من ثلاثة أحوال: أحدها: أن تنكح غيره ويصيبها ثمّ يتزوجها الأوَّل فهذه ترجع إِليه على طلاق ثلاث بإِجماع أهل العلم. قاله ابن المنذر. الثاني: أن يطلقها دون الثلاث، ثمّ تعود إِليه برجعة أو نكاح جديد؛ قبل زوج ثانٍ، فهذه ترجع إِليه على ما بقي من طلاقها بغير خلاف نعلمه. والثالث: طلقها دون الثلاث فقضت عدتها ثمّ نكحت غيره ثمّ تزوجها الأول فعن أحمد فيها روايتان: إِحداهما: ترجع إِليه على ما بقي من طلاقها وهذا قول الأكابر من أصحاب رسول الله - ﷺ - عمر وعلي وأُبي ومعاذ وعمران ابن حصين وأبي هريرة وروي ذلك عن زيد وعبد الله بن عمرو بن العاص وبه قال سعيد بن المسيب وعبيدة والحسن ومالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وإِسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر. والرواية الثانية: عن أحمد أنها ترجع إِليه على طلاق ثلاث، وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعطاء والنخعي وشريح وأبي حنيفة وأبي يوسف لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلًا يتّسعُ لثلاث تطليقات؛ كما بعد الثلاث لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث، فأولى أن يهدم ما دونها. ولنا أنَّ وطء الثاني لا يُحتاج إِليه في الإِحلال للزوج الأول فلا يغير حكم الطلاق ...». وجملة القول: أن ما جاء في «المغني» هو الأرجح والأقوى. وقول العلامة الشوكاني -رحمه الله- «وجه تخصيص الانهدام بالثلاث؛ لا بما دونها أنها مورد النّص ...» يرجّح هذا، فترجع على ما بقي، ولا سيّما أنه قول الأكابر من الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله -رضي الله عنهم-. فقد جاء في «الفتاوى» (٢٠/ ٣٨٠): «... وكذلك مسألة إِصابة الزوج الثاني: هل تهدم ما دون الثلاث؟ وهو الذي يطلِّق امرأته طلقة أو طلقتين ثمّ تتزوج من يصيبها، ثمّ تعود إِلى الأول؛ فإِنها تعود على ما بقي عند مالك، وهو قول الأكابر من الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله، وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وإِنما قال: لا تعود على ما بقي ابن عمر وابن عباس، وهو قول أبي حنيفة». هل يقع طلاق المريض مرض الموت؟ جاء في «المحلّى» (١١/ ٥٥٣) تحت المسألة (١٩٨٠): "وطلاق المريض كطلاق الصحيح ولا فرق -مات في ذلك المرض أو لم يَمُت منه- فإِنْ كان طلاق المريض ثلاثًا أو آخر ثلاث، أو قبل أن يطأها فمات، أو ماتت -قبل تمام العدة أو بعدها- أو كان طلاقًا رجعيًا فلم يرتجعها حتى مات أو ماتت بعد تمام العدة؛ فلا ترثه في شيء من ذلك كلّه، ولا يرثها أصلًا. وكذلك طلاق الصحيح للمريضة، وطلاق المريض للمريضة، ولا فرق، وكذلك طلاق الموقوف للقتل والحامل الثقلة، وهذا مكان اختلف الناس فيه ..». ثمّ أفاض في ذِكر الآثار وناقش المسألة فارجع إِليه للمزيد -إِن شئت-. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: «أنّ عبد الرحمن بن عوف طلّق امرأته البتة وهو مريض، فورّتها عثمان -رضي الله عنه- بعد انقضاء عدتها» (١). وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦/ ١٦٠): «قال الشافعي (١٣٩٤): أخبرنا ابن أبي رواد ومسلم بن خالد عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنه سأل ابن الزبير عن الرجل يطلق المرأة فيبتِّها ثمّ يموت وهي في عدتها، فقال عبد الله بن الزبير: طلَّق عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ الكلبية، فبتَّها، ثمّ مات، وهي في عدتها، فورّثها عثمان -رضي الله عنه- قال ابن الزبير: وأمّا أنا فلا أرى أن تَرِثَ مبتوتة» (٢). وارتباط المسألة في الميراث اختلفت الآراء في ذلك؛ والذي يترجَّح -والله أعلم- وقوع الطلاق لتطليق عبد الرحمن بن عوف امرأته في مرض موته وكان --------------------- (١) أخرجه الشافعي ومن طريقه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦/ ١٥٩). (٢) وقال شيخنا -رحمه الله-: وهذا إِسناد صحيح. قد بتّها كما تقدّم. أمّا الاختلاف في أمر الميراث، فهذه مسألة أخرى سأذكرها -إن شاء الله تعالى- في حينها. ويشترط في إيقاع الطلاق ألا يكون عقله قد زال. وجاء في «الفتاوى» (٣١/ ٣٦٨): «وسئل الشيخ -رحمه الله- عن امرأة مزوجة، ولزوجها ثلاث شهور وهو في مرض مزمن، فطلب منها شرابًا فأبطأت عليه، فنفر منها، وقال لها: أنت طالق ثلاثة، وهي مقيمة عنده تخدمه، وبعد عشرين يومًا توفي الزوج: فهل يقع الطلاق؛ وهل إِذا حلف على حُكم هذه الصورة يحنث؟ وهل للوارث أن يمنعها الإِرث؟ فأجاب: أمّا الطلاق فإِنه يقع إِن كان عاقلًا مختارًا؛ لكن ترثه عند جمهور أئمة الإِسلام، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في القول القديم، كما قضى به عثمان بن عفان في امرأة عبد الرحمن بن عوف، فإِنه طلقها في مرض موته، فورَّثها منه عثمان، وعليها أن تعتد أبعد الأجلين: من عدة الطلاق، أو عدة الوفاة، وأمّا إِن كان عقله قد زال فلا طلاق عليه». وفيه (ص ٣٦٩): "وسُئل -رحمه الله- عن رجل زوَّج ابنته، وكتَب الصداق عليه، ثمّ إِن الزوج مرض بعد ذلك، فحين قَوِيَ عليه المرض فقبْل موته بثلاتة أيام طلق الزوجة؛ ليمنعها من الميراث: فهل يقع هذا الطلاق؟ وما الذي يجب لها في تركته؟ فأجاب: هذه المطلقة إِنْ كانت مطلقة طلاقًا رجعيًا، ومات زوجها، وهي في العدة وَرِثتْهُ باتفاق المسلمين، وإن كان الطلاق بائنًا كالمطلقة ثلاثًا؛ ورثته أيضًا عند جماهير أئمة الإِسلام، وبه قضى أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- لما طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته بنت الأصبغ الكلبية طلقها ثلاثًا في مرض موته، فشاور عثمان الصحابة فأشاروا على أنها ترِث منه، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلاف. وإِنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير، فإِنه قال: لو كنت أنا لم أورثها، وابن الزبير قد انعقد الإِجماع قبل أن يصير من أهل الاجتهاد، وإِلى ذلك ذهب أئمة التابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب أهل العراق: كالثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، ومذهب أهل المدينة، كمالك، وأصحابه، ومذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل، وأمثاله، وهو القول القديم للشافعي. وفي الجديد وافق ابن الزبير؛ لأن الطلاق واقع بحيث لو ماتت هي لم يرثها هو بالاتفاق، فكذلك لا ترثه هي، ولأنها حرمت عليه بالطلاق، فلا يحل له وطؤها، ولا الاستمتاع بها، فتكون أجنبية، فلا ترث ...». وجاء في «الاختيارات الفقهية» (ص ١٩٨): «ونكاح المريض في مرض الموت صحيح، وترث زوجته منه في قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ولا تستحق إِلا مَهر المِثل، لا الزيادة عليه بالاتفاق». انتهى. وكما يقع النكاح في مِثل هذا الحال يقع الطلاق، كلاهما بشرطه، والله -تعالى- أعلم. متى يطلّق القاضي؟ ١ - عدم الإِنفاق: جاء في «المحلّى» (١١/ ٣٢٦) تحت المسألة (١٩٣١): "وَمن منع النفقة والكسوة وهو قادر عليها؛ فسواء كان غائبًا أو حاضرًا: هو دَيْن في ذمته يؤخذ منه أبدًا، ويُقضى لها به في حياته وبعد موته ...». وفيه: (ص ٣٢٧) تحت المسألة (١٩٣٢): «فمن قدر على بعض النفقة والكسوة، فسواء قلَّ ما يقدر عليه أو كثُر: الواجب أن يقضي عليه بما قدر، ويسقط عنه ما لا يقدر، فإِن لم يقدر على شيء من ذلك سقط عنه، ولم يجب أن يقضى عليه بشيء، فإِن أيسر بعد ذلك قضى عليه من حين يوسر، ولا يقضى عليه بشيء مما أنفقته على نفسها من نفقة أو كسوة مدة عسره، لقول الله -عز وجل-: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلا وُسْعَها﴾ (١)، وقوله -تعالى-: ﴿لا يكلّف الله نفسًا إِلا ما آتاها﴾ (٢). فصحَّ يقينًا أن ما ليس في وسعه، ولا آتاه الله -تعالى- إِياه، فلم يكلِّفه الله -عز وجل- إِياه، وما لم يكلفه الله -تعالى- فهو غير واجب عليه، وما لم يجب عليه؛ فلا يجوز أن يقضى عليه به أبدًا أيسر أو لم يوسر. وهذا بخلاف ما وجب لها من نفقة أو كسوة؛ فمنعها إِياها وهو قادر عليها، فهذا يؤخذ به أبدًا أعسر بعد ذلك أو لم يُعسر، لأنه قد كلَّفه الله -تعالى- إِياه، فهو واجب عليه، فلا يسقطه عنه إِعساره، لكن يوجب الإِعسار أن ينظر به إِلى الميسرة فقط، لقوله -عز وجل-: ﴿وإِن كان ذو عسرة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرة﴾ (٣)». ------------------- (١) البقرة: ٢٨٦. (٢) الطلاق: ٧. (٣) البقرة: ٢٨٠. ![]()
__________________
|
|
#134
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 326الى صــ340 الحلقة (134) وجاء في «السيل الجرار» (٢/ ٤٥٢) -بحذف-: «قد ذهب الجمهور كما حكاه ابن حجر في»فتح الباري" إِلى ثبوت الفسخ إِذا لم يجد الرَّجل ما ينفق على امرأته، وهو الحق لقوله -عز وجل-: ﴿ولا تُمسكوهنّ ضرارًا﴾ (١) والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول. وأي ضرار أعظمِ من أن يبقيها في حَبْسِهِ وتحت نكاحه بغير نفقة؟! فإِنَّ هذا ممسك لها ضراراَ بلا شك ولا شبهة، بل ممسك لها مع أشد أنواع الضرار، فإِنَّ قوام الأنفس لا يكون إِلا بالطعام والشراب. ولقول الله -عز وجل-: ﴿فإِمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٢) فخيّر الأزواج بين الأمرين، فليس لهم فسحة في المعاملة للزوجات بأحدهما. فمن لم يُمسك بمعروف كان عليه التسريح بإِحسان، فإِنْ لم يفعل كان على حُكَّام الشريعة أن يوصلوا المُمْسَكَةَ ضرارًا بحكم الله -عز وجل- فيفسخوا نكاحها. وأين الإِمساك بمعروف من رجل ترك زوجته في مضايق الجوع، ومتالف المخمصة، وعرَّضها للهلاك، وحبَسها عن طلب رزق الله -عز وجل- وأراد أن تكون له فراشًا، وهي بهذه الحالة المنكرة والصفة المستشنعة، وكل من يعرف الشريعة يعلم أن هذا منكر من منكراتها ومُحرَّم من مُحرَّماتها ولقوله -عز وجل-: ﴿ولا تضاروهنّ﴾ (٣) وهذا من أعظم أنواع الضرار وأشدها كما سلف. ------------------- (١) البقرة: ٢٣١. (٢) البقرة: ٢٢٩. (٣) الطلاق: ٦. وأيضًا قد شرع الله -سبحانه- بعْث الحَكَمين بين الزَّوجين عند مجرَّد الشِّقاق وفوَّض إِليهما ما فوَّضه إِلى الأزواج، فإِذا كان لهما التفرقة بمجرد وجود الشقاق؛ فكيف لا يكون لحاكم الشريعة الفسخ بعد وصول المرأة إليه؛ تشكو إِليه ما مسَّها من الجوع، ونزَل بها من الفاقة الشديدة. والحاصل أن بعض ما ذكَرناه يصلح مستندًا لفسخ النكاح في هذه الحالة ... وأمّا استدلال المانعين من الفسخ بقوله -سبحانه-: ﴿لينفق ذو سَعَةٍ مِن سَعَته ومن قُدِرَ عليه رزقُهُ فلينفق مما آتاه الله﴾ (١) فيجاب عنه بأنا لا نكلفه بأن ينفق زيادة على ما آتاه، بل دفعنا الضرار عن المرأة وخلَّصناها من حباله لتذهب تطلب لنفسها رزق الله -عز وجل- بالتكسب، أو تتزوّج آخر يقوم بمطعمها ومشربها». جاء في «الروضة الندية» (٢/ ١١٢): "وأمّا التفريق بين المعسِر وبين امرأته، فأقول: إِذا كانت المرأة جائعة، أو عارية في الحالة الراهنة فهي في ضرار، والله -تعالى- يقول: ﴿ولا تضاروهنّ﴾ (٢) وهي أيضًا غير معاشَرة بالمعروف، والله يقول: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف﴾ (٣) وهي أيضًا غير ممسَكة بمعروف، والله يقول: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٤) بل هي ممسَكة ----------------------- (١) الطلاق: ٧. (٢) الطلاق: ٦. (٣) النساء: ١٩. (٤) البقرة: ٢٢٩. ضرارًا، والله يقول: ﴿ولا تمسكوهنّ ضرارًا﴾ (١) والنّبيّ صلّى الله -تعالى- عليه وآله وسلّم- يقول: «لا ضرر ولا ضرار» (٢). ثمّ من أعظم ما يدل على جواز الفسخ بعدم النفقة؛ أن الله -سبحانه- قد شرع الحَكَمين بين الزوجين عند الشقاق، وجعل إِليهما الحُكْم بينهما، ومن أعظم الشقاق أن يكون الخصام بينهما في النفقة. وإذا لم يمكنهما دفْع الضرر عنها إِلا بالتفريق، كان ذلك إِليهما. وإذا جاز ذلك منهما، فجوازه من القاضي أولى«. انتهى. و»كتب عمر إِلى أُمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن يُنفقوا أو يُطلّقوا، فإِنْ طلَّقوا بعَثوا بنفقة ما مضى، قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن عمر«(٣). ٢ - غَيبة الزوج: *مِن حق الزوجة أن تطلب التفريق إِذا غاب عنها زوجها، ولو كان له مالٌ تنفق منه؛ إِذا كان غياب الزوج لغير عُذر مقبول، مع حصول التضرّر بغيابه* (٤). ------------------- (١) البقرة: ٢٣١. (٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٨٩٥) وأحمد وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٨٩٦) وتقدّم. (٣) أخرجه الشافعي وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله - في»الإِرواء«(٢١٥٩)، وتقدّم. والصَّواب أنَّه برقم (٢١٥٨) كما في التخريج الثاني وذلك لسقوط رقم (٢١٥٧) سهوًا. (٤) ما بين نجمتين من»فقه السّنة" (٣/ ٥٨) -بحذف وتصرّف-. وثبت أنه فُقد رجل في عهد عمر -رضي الله عنه- فجاءت امرأته إِلى عمر فَذكَرت ذلك له فقال: انطلقي فتربصي أربع سنين، فَفَعَلت، ثمّ أتته فقال: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرًا فَفَعَلت، ثمّ أتته فقال: أين وليُّ هذا الرجل؟ فجاء وليُّه فقال: طلِّقها ففعَل. فقال عمر: انطلقي فتزوجي من شئت. فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «قضى عمر -رضي الله عنه- في المفقود تَرَبَّصُ امرأته أربع سنين، ثمّ يطلقها وليّ زوجها، ثمّ تربص بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا، ثمّ تزوج» (١). عن عبد الرحمن بن أبي ليلى «أنّ رجلًا من قومه من الأنصار خرج يصلّي مع قومه العشاء، فسَبَتْهُ الجنّ، فَفُقد، فانطلقت امرأته إِلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقصَّت عليه القصَّة، فسأل عنه عمر قومه، فقالوا: نعم؛ خرج يصلّي العشاء فَفُقد، فأمرها أن تربص أربع سنين، فلما مضت الأربع سنين؛ أتته فأخبرته، فسأل قومها؟ فقالوا: نعم؛ فأمرها أن تتزوج، فتزوجت. فجاء زوجها يخاصم في ذلك إِلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يغيب أحدكم الزمان الطويل، لا يعلم أهله حياته، فقال له: إِنّ لي عذرًا يا أمير المؤمنين، فقال: وما عذرك؟ قال: خرجتُ أصلِّي العشاء، فسَبَتْنِي الجنّ، فلبثتُ فيهم زمانًا طويلًا، فغزاهم جنٌّ مؤمنون -أو قال: مسلمون، شك سعيد- فقاتلوهم، فظهَروا عليهم، فسبَوا منه سبايا، فسَبَوني فيما سبَوا منهم، فقالوا: نراك رجلًا مسلمًا ولا يحلُّ لنا سبيُك، فخيروني بين المُقَامِ وبين القُفُول إِلى أهلي، فاخترت القفول إِلى أهلي، ------------------ (١) أخرجه البيهقي، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (١٧٠٨). فأقبلوا معي، أمَّا بالليل فليس يحدثوني، وأمَّا بالنّهار فعصًا أتبعها. فقال له عمر -رضي الله عنه-: فما كان طعامك فيهم؟ قال: الغول، وما لم يذكر اسم الله عليه، فال: فما كان شرابك فيهم؟ قال: الجدف، قال قتادة: والجدف ما لا يخمر من الشراب قال: فخيَّره عمر بين الصَّداق وبين امرأته» (١). والخلاصة: أنّ عمر -رضي الله عنه- أمَرها أن تنتظر أربع سنين، وبعد ذلك تربص أربعة أشهر وعشرًا ثمّ الزَّواج. ٣ - التطليق للضَّرر: *ذهب بعض العلماء أن للزوجة أن تطلب من القاضي التفريق، إِذا ادّعت إِضرار الزوج بها إِضرارًا؛ لا يُستطاع معه دوام العِشرة بين أمثالهما، مثل ضَرْبها، أو سبِّها، أو إِيذائها بأي نوع من أنواع الإِيذاء الذي لا يُطاق، أو إكراهها على مُنكَر؛ من القول أو الفعل، فإِذا ثبتت دعواها لدى القاضي، ببيِّنة أو اعتراف الزوج، وكان الإِيذاء مما لا يُطاق معه دوام العِشرة بين أمثالهما، وعجز القاضي عن الإِصلاح بينهما* (٢) تولى القاضي تطليقها بعد التثبت من ذلك. وقد قال -سبحانه-: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾. فوجبَ على من لم يُمسِك بالمعروف أن يُسرّح بإِحسان، فإِذا لم يفعل؛ شكت المرأة أمرها إِلى القاضي وحَكم بذلك. وفي الحديث: «لا ضرر ولا ضرار» (٣). ------------------- (١) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله - في «الإِرواء» (١٧٠٩). (٢) ما بين نجمتين عن «فقه السّنة» (٣/ ٥٦). (٣) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٨٩٥) وأحمد وغيرهما، = متعة الطّلاق قال الله -تعالى-: ﴿لا جُناح عليكم إِنْ طلّقتم النساء ما لم تمسّوهنّ أو تفرِضوا لهنّ فريضة ومتّعوهنّ على الموسع قَدَرُه وعلى المقتر قَدَرُه متاعًا بالمعروف حقًّا على المحسنين﴾ (١). عن سهل الساعدي، وأبي أُسيد -رضي الله عنهما- قالا: «تَزوَّج النّبي - ﷺ - أمَيمة بنتَ شراحيل، فلمّا أُدخلت عليه بسَط يدَه إِليها (٢)، فكأنّها كرِهت ذلك، فأمَرَ أَبا أُسيدٍ أن يُجهِّزها ويكسوها ثوبين رازقيَّيْن (٣)» (٤). وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: لما طلّق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة، أتت النبي - ﷺ - فقال لزوجها: مَتِّعها، قال: لا أَجد ما أمتّعها، قال: فإِنّه لا بدّ من المتاع، قال: متِّعْها ولو نصف صاعٍ من تمر (٥). الخُلع * الحياة الزوجية لا تقوم إِلا على السكن، والمودة والرحمة، وحُسن المعاشرة، وأداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق، وقد يحدُث أن يَكرَه --------------------- = وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٨٩٦)، وتقدّم. (١) البقرة: ٢٣٦. (٢) انظر صحيح البخاري: ٥٢٥٥، فإِنها رواية مفسِّرة لها لا بدَّ منها. (٣) ثياب كَتَّان بيض، والرازقيّ: الضعيف من كل شيء «النهاية». (٤) أخرجه البخاري: ٥٢٥٦، ٥٢٥٧. (٥) أخرجه البيهقي وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٢٢٨١). الرجل زوجته، أو تكره هي زوجها، والإِسلام في هذه الحال يوصي بالصبر والاحتمال، وينصح بعلاج ما عسى أن يكون من أسباب الكراهية؛ قال الله -تعالى-: ﴿وعاشروهنّ بالعروف فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويَجْعَلَ الله فيه خيرًا كثيرًا﴾ (١). وفي الحديث الصحيح: «لا يَفْرَكْ (٢) مؤمن مؤمنة؛ إِنْ كره منها خُلُقًا، رضي منها آخر» (٣). إِلا أن البغض قد يتضاعف، ويشتد الشقاق، ويصعب العلاج، وينفد الصبر، ويذهب ما أُسِّس عليه البيت؛ من السكن، والمودة، والرحمة، وأداء الحقوق، وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للإِصلاح، وحينئذ يرخّص الإِسلام بالعلاج الوحيد الذي لا بد منه. فإِنْ كانت الكراهية من جهة الرجل، فبَيدِه الطلاق، وهو حقٌّ من حقوقه، وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله، وإِنْ كانت الكراهية من جهة المرأة، فقد أباح لها الإِسلام أن تتخلص من الزوجية بطريق الخُلع، بأن تعطي الزوج ما كانت أخذتْ منه، باسم الزوجية؛ ليُنهي علاقته بها. وفي ذلك يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جُناح عليهما فيما افتدت به﴾ (٤). ----------------------- (١) النساء: ١٩. (٢) الفَرك: البُغضُ. (٣) أخرجه مسلم: ١٤٦٩. (٤) البقرة: ٢٢٩. وفي أخْذ الزوج الفدية عدلٌ وإنصاف؛ إِذ إِنَّه هو الذي أعطاها المهر، وبذَل تكاليف الزواج، والزفاف، وأنفقَ عليها، وهي التي قابلت هذا كلّه بالجحود، وطلبَت الفراق، فكان من النَّصَفَة أن تَرُدَّ عليه ما أخذَت. وإنْ كانت الكراهية منهما معًا؛ فإِنْ طلَب الزوج التفريق، فبيده الطلاق، وعليه تَبِعاتُه، وإنْ طلبَت الزوجة الفُرقة، فبيدها الخُلع، وعليها تَبِعاتُهُ كذلك»* (١). تعريفه: الخُلع: أصْله من خَلْع الثوب؛ لأنّ المرأة لباسُ الرجل معنىً، وضُمّ مصدره تفرقةً بين الحِسّي والمعنوي وهو طلب المرأة الفراق من زوجها؛ على عِوَضٍ تبذلُه له (٢). وقال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٥٨٤): «الخلع: وهو الافتداء إِذا كرهت المرأة زوجها، فخافت أن لا توفيه حقَّه، أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقَّها، فلها أنْ تفتدي منه ويطلِّقها، إنْ رضي هو؟ وإلا لم يجبر هو؟ ولا أجبرت هي؟ إِنما يجوز بتراضيهما». وجاء في «زاد المعاد» (٥/ ١٩٦): «وفي تسميته -سبحانه- الخُلع فديةً؛ دليلٌ على أنّ فيه معنى المعاوضة ولهذا اعتُبر فيه رضا الزوجين». وسُئل شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: ما هو الخُلع الذي جاء به الكتاب والسّنة؟ فأجاب: الخُلع الذي جاء به الكتاب والسّنة: أن تكون المرأة كارهة للزوج --------------------- (١) ما بين نجمتين عن «فقه السّنة» (٣/ ٦٠). (٢) ملتقط من «النهاية» و«الفتح» (٩/ ٣٩٥). تريد فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها؛ كما يفتدي الأسير (١). مشروعيته: قال الله -تعالى-: ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «أنّ امرأة ثابت بن قيس أتت النّبيّ - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتِبُ عليه في خُلقٍ ولا دين، ولكنّي أكره الكُفر في الإِسلام (٣). فقال رسول الله - ﷺ -: أترُدّين عليه حديقته؟ قالت: نعم؛ قال رسول الله - ﷺ -: اقبَل الحديقة وطلّقها تطليقة» (٤). اشتراط النشوز (٥) فيه وعدم إِقامة حدود الله -تعالى-: جاء في «السيل الجرار» (٢/ ٣٦٤): «وأمّا اشتراط النشوز منها فلقوله --------------------- (١) انظر»الفتاوى«(٣٢/ ٢٨٢). (٢) البقرة: ٢٢٩. (٣) قال الحافظ في»الفتح" (٩/ ٤٠٠): يحتمل أن تريد بالكفر كفران العشير إِذ هو تقصير المرأة في حق الزوج. وقال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإِسلام ما ينافي حكمه من نشوز وفَرك وغيره؛ مما يتوقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر. ويحتمل أن يكون في كلامها إِضمار، أي: أكره لوازم الكفر من المعاداة والشقاق والخصومة. (٤) أخرجه البخاري: ٥٢٧٣. (٥) النُّشوز: هو الارتفاع والمرأة النَّاشِزة: هي المرتفعة على زوجها، التَّاركة = -عز وجل-: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيمتوهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (١) فقيَّد -سبحانه- حلّ الافتداء بمخافتهما ألا يقيما حدود الله. وظاهر الآية أن الخُلع لا يجوز إِلا بحصول المخالفة منهما جميعًا، بأن يخاف الزوج أن لا يمسكها بالمعروف، وتخاف الزوجة أن لا تطيعه كما يجب عليها. ولكنّه لمّا ثبتَ حديث ابن عباس عند البخاري وغيره (٢) ... دلّ ذلك على أنّ المخافة لعدم إِقامة حدود الله من طريقها كافية في جواز الاختلاع». وقال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: "ثمّ قد قال طائفة كثيرة من السلف، وأئمة الخلف: إِنه لا يجوز الخُلع إِلا أنْ يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قَبول الفدية، واحتجوا بقوله -تعالى-: ﴿ولا يحِلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يُقيما حُدود الله ...﴾ الآية، قالوا: فلم يشرع الخُلع إِلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إِلا بدليل، والأصل عدمه. وممن ذهب إِلى هذا ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، وعطاء، والحسن، والجمهور؛ حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو مضارّ لها وجب ردّه إِليها، وكان الطلاق رجعيًا؛ قال مالك: وهو الأمر الذي أدركتُ الناس عليه. وذهب الشافعي -رحمه الله- إِلى أنه يجوز الخُلع في حالة الشقاق، وعند ------------------------ = لأمره المعرضة عنه المبغضة له -وسيأتي إِنْ شاء الله تعالى-. (١) البقرة: ٢٢٩. (٢) ثمّ ساق الحديث بتمامه. الاتفاق بطريق الأولى والأحرى (١). انتهى. لا يجوز التضييق على الزوجة لأجل الافتداء: قال الله -تعالى-: (أسكنوهنّ مِنْ حيثُ سكنتم مِن وُجدكم (٢) ولا تضارُّوهن لتُضيّقوا عليهنّ﴾ (٣). قال مقاتِل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه (٤). وجاء في «تفسير ابن كثير»: «وقوله: ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾. أي: لا يحل لكم أن تضاجروهنّ وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهنّ من الأصدقة أو ببعضه؛ كما قال -تعالى-: ﴿ولا تعضُلُوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إِلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنَة﴾ (٥) فأما إِنْ وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها، فقد قال -تعالى-: ﴿فإِن طبن لكم عن شيء منه فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ (٦). -------------------------- (١) قلت: بالشّرط المبيّن سابقًا؛ وهو عدم اصطناع الشقاق؛ ليؤول الأمر إِلى الافتداء. (٢) أي: سعتكم. (٣) الطلاق: ٦. (٤)»تفسير ابن كثير". (٥) النساء: ١٩. (٦) النساء: ٤. وأمّا إِذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل، وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذْلها، ولا عليه في قَبُول ذلك منها؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ الآية. فأمّا إِذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير: [وساق بإِسناده إِلى ثوبان -رضي الله عنه-] قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس فحرامٌ عليها رائحة الجنّة» (١). وقال - ﷺ -: «المختلعات (٢) والمنتزعات هنّ المنافقات» (٣). الخُلع بتراضي الزوجين (٤): والخُلع يكون بتراضي الزوج والزوجة، فإِذا لم يتم التراضي منهما، فللقاضي إِلزام الزوج بالخلع؛ لأن ثابتًا وزوجته رفَعا أمرهما للنّبيّ - ﷺ -، وألزمه الرسول - ﷺ - بأن يقبل الحديقة، ويطلِّق، كما تقدّم في الحديث. ------------------------ (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٤٧)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٤٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٧٢)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٣٥)، وتقدّم. (٢) يعني: اللاتي يطلُبن الخُلع بغير عُذرٍ. (٣) أخرجه أحمد والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٤٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢٣٨) وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (٦٣٢)، وتقدّم. (٤) عن «فقه السّنة» (٣/ ٦٥ - ٦٦). جواز الخُلع في الطُّهر والحيض: *يجوز الخلع في الطهر والحيض، ولا يتقيد وقوعه بوقت؛ لأن الله -سبحانه- أطلقه، ولم يقيده بزمن دون زمن؛ قال الله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (١)، ولأن الرسولعليه الصلاة والسلام- أطلق الحُكم في الخُلع؛ بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس من غير بحث، ولا استفصال عن حال الزوجة، وليس الحيض بأمر نادر الوجود، بالنسبة للنساء. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: ترْك الاستفصال في قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، والنّبيّ - ﷺ - لم يستفصل؛ هل هي حائض أم لا؟ * (٢). وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله بعد أن بيّن أنّ الخلع كافتداء الأسير-: «ولهذا يُباح في الحيض بخلاف الطلاق» (٣). هل يجوز للزّوج أخْذ الزيادة على المهر؟ ذهب بعض العلماء إِلى جواز أخْذ الزيادة لعموم قوله -تعالى-: ﴿فلا جُناح عليهما فيما افتدت به﴾ وقالوا: دلّ على جوازه قلّ أو كَثُر. وهذا سائغٌ لولا التقييد الذي جاء به الكتاب والسّنة. جاء في «السيل الجرار» (٢/ ٣٦٥) تعليقًا على عبارة: «ولا يحلّ منها ---------------------- (١) البقرة: ٢٢٩. (٢) ما بين نجمتين من»فقه السنّة«(٣/ ٦٦). (٣) انظر»الفتاوى" (٣٢/ ٩١) وستأتي هذه العبارة في آخر مبحث الخلع -إِن شاء الله تعالى-. أكثر ممّا لزم بالعقد»: ظاهر القرآن يدلّ على هذا فإِنه -سبحانه- قال: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا﴾ (١) إِلى آخر الآية فإِنها واردة في أخذ الزوج لشىء مما أتاها فإِذا أخذ منها زيادة على ما آتاها فقد خالف ما في الكتاب العزيز. ثمّ قال: ويدلّ على هذا أيضًا؛ ما أخرجه ابن ماجه ولفظ الحديث: «عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبيّ - ﷺ - فقالت: والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلُق، ولكني أكره الكُفر في الإِسلام، لا أطيقه بغضًا، فقال لها النّبيّ - ﷺ -:»أترُّدِّينَ عليه حديقته؟ «قالت: نعم، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد» (٢). المختلعة تعتدّ بحيضة واحدة: عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء؛ أنَّها اختلعت على عهد رسول الله - ﷺ -؛ فأمَرَها النّبي - ﷺ - أو أُمِرت أنْ تعتدَّ بِحَيضَة (٣). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أنّ امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النّبىّ - ﷺ - عدتها حيضة» (٤). وعن ثابت بن قيس بن شمّاس: «أنه ضرب امرأته فكَسَر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبي، فأتى أخوها يشتكيه إِلى رسول الله - ﷺ -، فأرسل ---------------------- (١) البقرة: ٢٢٩. (٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٧٣)، والبيهقي، وانظر»الإِرواء«(٢٠٣٦). (٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٥) وغيره. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٩٥٠). رسول الله - ﷺ - إِلى ثابت، فقال له: خُذ الذي لها عليك، وخلّ سبيلها، قال: نعم. فأمَرها رسول الله - ﷺ - أن تتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها» (١). هل الخُلع فسْخٌ أم طلاق (٢): جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٨٩). «وسئل -رحمه الله تعالى-: عن الخُلع هل هو طلاق محسوب من الثلاث؟ وهل يشترط كونه بغير لفظ الطلاق ونيته؟ فأجاب -رحمه الله تعالى-: هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين السلف والخلف، فظاهر مذهب الإِمام أحمد وأصحابه؛ أنه فرقة بائنة وفسخٌ للنِّكاح، وليس من الطلاق الثلاث. فلو خلَعها عشر مرات كان له أن يتزوجها بعقد جديد قبل أن تنكح زوجًا غيره، وهو أحد قولي الشافعي، واختاره طائفة من أصحابه ونصروه، وطائفة نصروه ولم يختاروه؛ وهذا قول جمهور فقهاء الحديث: كإِسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وابن خزيمة؛ وهو ثابت عن ابن عباس وأصحابه: كطاوس، وعكرمة. والقول الثاني: أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث، وهو قول كثير من السلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والشافعي في قوله الآخر؛ ويقال: إِنه الجديد، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، ويُنقل ذلك عن عمر، وعثمان، ----------------------- (١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٢٧٢) وأبو داود نحوه»صحيح سنن أبي داود«(١٩٤٩). (٢) انظر للمزيد -إِن شْئت- ما قاله ابن حزم -رحمه الله- في»المحلى" تحت المسألة (١٩٨٢). ![]()
__________________
|
|
#135
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 341الى صــ355 الحلقة (135) وعلي، وابن مسعود؛ لكن ضعف أحمد وغيره من أئمة العلم بالحديث كابن المنذر، وابن خزيمة، والبيهقي وغيرهم النقل عن هؤلاء؛ ولم يصححوا إِلا قول ابن عباس: إِنه فسْخ وليس بطلاق. وأمّا الشافعي وغيره فقال: لا نعرف حال من روى هذا عن عثمان: هل هو ثقة أم ليس بثقة؟ فما صححوا ما نقل عن الصحابة؛ بل اعترفوا أنهم لا يعلمون صحته، وما علمت أحدًا من أهل العلم بالنقل صَحَّحَ ما نُقل عن الصحابة من أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث؛ بل أثبت ما في هذا عندهم ما نُقل عن عثمان، وقد نُقل عن عثمان بالإِسناد الصحيح أنه أمر المختلعة أن تستبرئ بحيضة، وقال: لا عليك عدة. وهذا يوجب أنه عنده فرقة بائنة؛ وليس بطلاق؛ إذ الطلاق بعد الدخول يوجب الاعتداد بثلاثة قروء بنص القرآن واتفاق المسلمين؛ بخلاف الخلع؛ فإِنه قد ثبت بالسّنة وآثار الصحابة أن العدة فيها استبراء بحيضة، وهو مذهب إِسحاق، وابن المنذر، وغيرهما، وإحدى الروايتين عن أحمد. وقد رد ابن عباس امرأة على زوجها بعد طلقتين وخُلْع مرة قبل أن تنكح زوجًا غيره، وسأله إِبراهيم بن سعد بن أبي وقاص لما ولاَّه الزبير على اليمن عن هذه المسألة وقال له: إِنّ عامّة طلاق أهل اليمن هو الفداء؟ فأجابه ابن عباس بأن الفداء ليس بطلاق؛ ولكن الناس غلطوا في اسمه. واستدل ابن عباس بأن الله -تعالى- قال: ﴿الطلاق مرتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإِحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئًا إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِن خفتم ألا يُقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظلمون * فإِنّ طلّقها فلا تحل له من بعد حتّى تنكح زوجًا غيره﴾ (١). قال ابن عباس: فقد ذكر الله -تعالى- الفدية بعد الطلاق مرتين، ثمّ قال: ﴿فإِنّ طلّقها فلا تحل له من بعد حتّى تنكح زوجًا غيره﴾ وهذا يدخل في الفدية خُصوصًا، وغيرها عمومًا، فلو كانت الفدية طلاقًا لكان الطلاق أربعًا. وأحمد في المشهور عنه هو ومن تقدّم اتبعوا ابن عباس». وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٣٢/ ٩١): «... ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إِلى أن الخلع فسْخ للنكاح؛ وليس هو من الطلقات الثلاث، كقول ابن عباس، والشافعي وأحمد في أحد قوليهما لأن المرأة افتدت نفسها من الزوج كافتداء الأسير؛ وليس هو من الطلاق المكروه في الأصل، ولهذا يباح في الحيض؛ بخلاف الطلاق. وأمّا إِذا عدل هو عن الخلع وطلقها إِحدى الثلاث بعِوَض فالتفريط منه». وقال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٥/ ١٩٦): "وفي أمره - ﷺ - المختلعة أن تعتدَّ بحيضة واحدة دليل على حُكمين: أحدهما (٢): أنه لا يجب عليها ثلاث حيض، بل تكفيها حيضةٌ واحدة. وهذا كما أنه صريحُ السنة، فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والرُّبَيِّع بِنْت مُعوّذ، وعمها وهو من كبار ----------------------- (١) البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠. (٢) لم أجِد كلمة ثانيهما أو ما في معناها فلعلّ فِعلَه مضمنٌ في السياق. الصحابة، لا يُعرف لهم مخالف منهم، كما رواه الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر، أنه سمع الرُّبَيِّعْ بِنْت مُعوّذ بن عفراء وهي تُخبر عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان، فجاء عمّها إِلى عثمان بت عفان، فقال له: إِن ابنة مُعَوّذ اختلعت من زوجها اليوم، أفتنتقل؟ فقال عثمان: لتنتقل ولا ميراث بينهما، ولا عدة عليها إِلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حَبَلٌ، فقال عبد الله بن عمر: فعثمان خيرنا وأعلمنا. وذهب إِلى هذا المذهب إِسحاق بن راهويه، والإِمام أحمد في رواية عنه، اختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية. قال من نصر هذا القول: هو مقتضى قواعِدِ الشريعة، فإِن العدة إِنما جُعلت ثلاثَ حيض لِيَطُول زمن الرّجعة، فيتروّى الزوج، ويتمكّن من الرجعة في مدة العِدة، فإِذا لم تكن عليها رجعة، فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة، كالاستبراء، قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثًا، فإِن باب الطلاق جُعِلَ حكمُ العدة فيه واحدًا بائنة ورجعية. قالوا: وهذا دليل على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق، وهو مذهب ابن عباس، وعثمان، وابن عمر، والرُّبَيِّع، وعمّها، ولا يصحّ عن صحابى أنه طلاق البتة، فروى الإِمام أحمد، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس -رضي الله عنهم- أنه قال: الخُلع تفريق، وليس بطلاق. وذكر عبد الرزاق، عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، أن إِبراهيم بن سعد ابن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثمّ اختلعت منه: أينكحِها؟ قال ابن عباس: نعم، ذكَر الله الطلاق في أوّل الآية وآخرها، والخلع بين ذلك. وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق، دلّ على أنها من غير جنسه، فهذا مقتضى النصّ، والقياس، وأقوال الصحابة، ثمّ مَن نَظر إِلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها؛ يَعُدُّ الخُلع فسخًا بأي لفظ كان حتى بلفظ الطلاق، وهذا أحدُ الوجهين لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا، قال: وهذا ظاهر كلام أحمد، وكلام ابن عباس وأصحابه. قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: ما أجازه المال، فليس بطلاق. قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي كان يذهب إِلى قول ابن عباس، وقال عمرو عن طاوس عن ابن عباس: الخلعُ تفريقٌ وليس بطلاق. وقال ابن جريج عن ابن طاوس: كان أبي لا يرى الفداء طلاقًا ويُخَيّرُهُ. ومن اعتبر الألفاظ ووقف معها، واعتبرها في أحكام العُقود، جعله بلفظ الطلاق طلاقًا، وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعيّ في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها، وبالله التوفيق. ومما يدلُّ على هذا، أنّ النبيّ - ﷺ - أمَر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة، ومع هذا أمرها أن تعتدّ بحيضة، وهذا صريح في أنه فسْخ، ولو وقع بلفظ الطلاق. وأيضًا فإِنه -سبحانه- علّق عليه أحكام الفِدية بكونه فدية، ومعلوم أنّ الفدية لا تختص بلفظ، ولم يُعيِّن الله -سبحانه- لها لفظًا معيّنًا، وطلاق الفداء طلاقٌ مقيّد، ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطْلَق، كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة، وبالله التوفيق. مسألة: جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٨٥): «وسئل شيخ الإِسلامرحمه الله- عن ثيِّب بالغ لم يكن وليها إِلا الحاكم، فزوَّجها الحاكم لعدم الأولياء، ثمّ خالعها الزوج وبرَّأته من الصداق بغير إِذن الحاكم: فهل تصح المخالعة والإِبراء؟ فأجاب: إِذا كانت أهلًا للتبرع جاز خلْعها وإبراؤها بدون إِذْن الحاكم». علاج نشوز الرجل: قال الله -تعالى-: ﴿وإِنِ امرأةٌ خافت مِن بعلها نشوزًا أو إِعراضًا فلا جُناح عليهما أن يُصلحا بينهما صُلحًا والصُّلح خير وأُحضرت الأنفسُ الشحَّ وإِن تُحسنوا وتتّقوا فإِنّ الله كان بما تعملون خبيرًا﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: "يقول -تعالى- مخبرًا ومشرعًا عن حال الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها. فالحالة الأولى: ما إِذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يُعِرض عنها، فلها أن تُسقِط حقَّها أو بعضَه، من نفقةٍ أو كسوةٍ أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا جُناح عليها في بذْلها ذلك له، ولا عليه في قَبوله منها، ولهذا قال -تعالى-: ﴿فلا جُناح عليهما أن يُصلحا بينهما صُلحًا﴾ ثم قال: ﴿والصلح خير﴾ أي: من الفراق. وقوله:(١) النساء: ١٢٨. ﴿وأُحضرت الأنفس الشح﴾ أي: الصُّلح عند المُشاحَّة خير من الفراق؛ ولهذا لما كَبِرَتْ سودة بنت زمعة عزم رسول الله - ﷺ - فراقها، فصالحته على أن يُمسكها، وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك«. ثم ذَكر -رحمه الله- النصوص المتعلقة بذلك (١)، منها: حديث عائشة - رضي الله عنها- أنّ سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النّبيّ - ﷺ - يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة» (٢). وعنها أيضًا: «﴿وإِن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إِعراضًا﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حِلٍّ، فنزلت هذه الآية في ذلك» (٣). وفي رواية أخرى عنها -رضي الله عنها-: «﴿وإِن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إِعراضًا﴾ قالت: هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كِبَرًا أو غيرَه فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت. قالت: ولا بأس إِذا تراضيا» (٤). وفي رواية عنها -رضي الله عنها- كذلك: "﴿وإِن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إِعراضًا ...﴾ قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلّقني، ثمّ تَزَوَّجْ غيري، ------------------------ (١) وسأذكرها أو ما هو في معناها بإِذن الله -تعالى-. (٢) أخرجه البخاري: ٥٢١٢، ومسلم: ١٤٦٣. (٣) أخرجه البخاري: ٤٦٠١. (٤) أخرجه البخاري: ٢٦٩٤، ومسلم: ٣٠٢١. فأنت في حِلٍّ من النفقة عليّ والقسمة لي، فذلك قوله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليهما أن يُصْلحا بينهما صلحًا والصُّلح خير﴾» (١). ثمّ قال -رحمه الله-: «وقوله ﴿والصُّلح خير﴾: الظاهر من الآية: أنّ صُلحهما على ترْك بعض حقّها للزوج، وقَبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسَك النّبيّ - ﷺ - سودة بنت زمعة على أن تركَت يومها لعائشة -رضي الله عنها- ولم يفارقها بل ترَكَها من جملة نسائه، وفِعله ذلك لتتأسى به أمّته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقّه -عليه الصلاة والسلام- ولما كان الوفاق أحبَّ إِلى الله -عز وجل- من الفراق قال: ﴿والصلح خير﴾». ثمّ قال -رحمه الله-: «وقوله: ﴿وإِن تُحسنوا وتتّقوا فإِنّ الله كان بما تعملون خبيرًا﴾ أي: وإن تتجشَّموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن، وتَقسموا لهن أسوة أمثالهنّ، فإِنَّ الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء». علاج نشوز المرأة: قال الله -تعالى-: ﴿واللاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهن واهجروهنّ في المضاجع واضربوهن فإِنْ أطعْنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا إِنّ الله كان عليًّا كبيرًا﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله - في «تفسيره»: "وقوله: ﴿واللاتي تخافون نشوزهنّ﴾ أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهنّ -والنشوز: ---------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٢٠٦، ومسلم: ٣٠٢١. (٢) النساء: ٣٤. هو الارتفاع- فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له؛ [وتقدَّم] فمتى ظَهَر له منها أمارات النشوز؛ فليَعظها وليُخوِّفها عقاب الله في عصيانه، فإِنّ الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحَرَّم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإِفضال. وقوله: ﴿واهجروهنّ في المضاجع﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجران: ألاَّ يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره. وكذا قال غير واحد، وزاد آخرون منهم، السدي، والضحاك، وعكرمة، وابن عباس -في رواية:-: «ولا يُكَلِّمها مع ذلك ولا يُحدِّثها». قال علي بن أبي طلحة -أيضًا- عن ابن عباس: يَعِظها، فإِنْ هي قَبِلت وإلا هجَرها في المضجع، ولا يكلّمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد. وقال مجاهد، والشعبي، وإبراهيم، ومحمد بن كعب، ومقسم، وقتادة: الهجر: هو ألا يضاجعها. ثمّ ساق الحديث: «فإِن خفتم نشوزهنّ فاهجروهنّ في المضاجع، قال حماد: يعني النكاح» (١). ثم ذكَر حديث معاوية بن حيدة القشيري قال: «قلت: يا رسول الله! ما حقُّ زوجة أحدِنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجه ولا تقبِّح ولا تهجر إِلا في البيت» (٢). -------------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٢٧) وانظر «الإرواء» (٢٠٢٧) (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٧٥)، وابن ماجه «سنن ابن ماجه» (١٥٠٠)، وصححه شيخنا -رحمه الله - في «الإرواء» (٢٠٣٣)، وتقدّم. ثم قال -رحمه الله-:»وقوله: ﴿واضربوهنّ﴾ أي: إِذا لم يرتدِعْن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهنّ ضربًا غير مبرِّح كما ثبت في «صحيح مسلم» (١) عن جابر عن النّبيّ - ﷺ -: «أنه قال في حَجّة الوداع: فاتقوا الله في النّساء، فإِنكم أخذتموهُنّ بأمان الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكُم أحدًا تكرهونه، فإِنْ فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف». وكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضربًا غير مبرِّح؛ قال الحسن البصري: يعني: غير مؤثِّر. وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوًا، ولا يؤثر فيها شيئًا. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإِنْ أقبلت وإلا فقد أذِن الله لك أن تضرب ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا، فإِنْ أقبلت وإِلا فقد حل لك منها الفدية. ثمّ ذكر الحديث: «لا تضربوا إِماء الله، فجاء عمر -رضي الله عنه- إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: ذَئِرْن (٢) النساء على أزواجهنّ، فرخصّ في ضربهنّ، فأطاف بآل رسول الله - ﷺ - نساء كثير يشكون أزواجهنّ، فقال النّبيّ - ﷺ -: لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهنّ، ليس أولئك بخياركم» (٣). ثمّ قال -رحمه الله-: «وقوله: ﴿فإِنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا﴾ ----------------------------- (١) برقم: ١٢١٨. (٢) ذَئرْن: أي: اجترأن ونشزن وغلبن.»عون«. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٧٩)، وابن ماجه»صحيح سنن = أي: فإِذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، ممّا أباحه الله له منها، فلا سبيلَ له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها». وقوله: ﴿إِنّ الله كان عليًَّا كبيرًا﴾ تهديد للرجال إِذا بغوا على النساء من غير سبب؛ فإِن الله العلي الكبير وليُّهنَّ، وهو ينتقم ممن ظلمهنّ وبغى عليهنّ. هل للزَّوجة النَّاشِز نفقة أو كِسْوَة؟ جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٧٨): «وسئل -رحمه الله-: عن رجل له زوجة، وهي ناشِز تمنعه نفسها: فهل تسقط نفقتها وكسوتها وما يجب عليها؟ فأجاب: الحمد لله. تسقط نفقتها وكسوتها إِذا لم تُمكِّنه من نفسها، وله أنْ يضربها إِذا أصرَّت على النُّشوز. ولا يحِلُّ لها أن تمنع من ذلك إِذا طالبَها به؛ بل هي عاصِية لله ورسوله». وفيه (ص ٢٧٩): «وسئل شيخ الإِسلام -رحمه الله-: عن رجلٍ له امرأة، وقد نشزت عنه في بيت أبيها من مُدَّة ثمانية شهور، ولم ينتفع بها؟ فأجاب: إِذا نشزت عنه فلا نفقة لها، وله أن يضربها إِذا نشزت؛ أوآذته، أو اعتدت عليه». ماذا إِذا وقع الشِّقاق بين الزوجين: قال الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكَمًا من أهله وحكَمًا من أهلها إِنْ يريدا إِصلاحًا يوفِّق الله بينهما إِنَّ الله كان عليمًا= ابن ماجه«(١٦١٥)، وانظر»المشكاة«(٣٢٦١)، و»غاية المرام" (٢٥١). خبيرًا﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره» (٢): «ذكر -تعالى- الحال الأول، وهو إِذا كان النفور والنشوز من الزوجة؛ ثمّ ذكَر الحال الثاني وهو: إِذا كان النفور من الزوجين فقال -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكَمًا من أهله وحكَمًا من أهلها﴾. قال الفقهاء: إِذا وقَع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إِلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإِنْ تفاقم أمرُهما وطالت خصومتهما، بعَث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق. وتشوّف الشارع إِلى التوفيق؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿إِنْ يريدا إِصلاحًا يوفق الله بينهما﴾ (٣). قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»أمَر الله -عز وجل- أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل، ورجلًا مِثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإِن كان الرجل هو المسيء، حجبوا عنه امرأته وقَصَروه على النفقة، وإنْ كانت المرأة هي المسيئة، قَصَروها على زوجها ومنعوها النفقة. فإِن اجتمع رأيهما على أن يُفَرِّقا أو يَجمَعا؛ فأمرهما جائز ...«. ثم ساق بإِسناد عبد الرزاق إِلى ابن عباس -رضي الله عنه- قال:»بُعِثتُ أنا(١) النساء: ٣٥. (٢) بتصرّف. (٣) قال البغوي -رحمه الله- في «تفسيره»: «﴿يوفق الله بينهما﴾: يشتمل على الفراق وغيره؛ لأنَّ التَّوفيق أنْ يخرج كلُّ واحدٍ منهما من الوِزر، وذلك تارة يكون بالفراق، وتارةً بِصلاح حالِهما». ومعاوية حَكَمَين، قال معمر: بلغني أنَّ عثمان بعَثَهما وقال لهما: إِنْ رأيتما أنْ تجمعا جمعتما، وإِنْ رأيتما أن تُفرِّقا فرقتما». وساق كذلك بإِسناد عبد الرزاق إِلى عَبِيدَةَ قال: «شهدت عليًا وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكَمًا وهؤلاء حكَمًا، فقال علي للحَكَمين: أتدريان ما عليكما؟ إِنَّ عليكما إِن رأيتما أن تجمعا، جمعتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وَعَلَيَّ. وقال الزوج: أمّا الفرقة فلا. فقال علي: كذبْتَ، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله -عز وجل- لك وعليك». ثمّ قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "وقال الحسن البصري: الحَكَمان يَحْكُمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق؛ وكذا قال قتادة، وزيد بن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود، ومأخذهم قوله -تعالى-: ﴿إِنْ يريدا إِصلاحًا يوفِّق الله بينهما﴾ ولم يذكر التفريق. وأمّا إِذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإِنه ينفَّذ حُكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف. وقد اختلف الأئمة في الحَكَمين: هل هما منصوبان من عند الحاكم، فيحكمان وإِن لم يرض الزوجان، أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين: فالجمهور على الأول، لقوله -تعالى-: ﴿فابعثوا حكَمًا من أهله وحكَمًا من أهلها﴾ فسمَّاهما حَكَمين، ومن شأن الحَكَم أن يَحْكُم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والثاني منهما: قول علي -رضي الله عنه- للزوج حين قال: أمّا الفرقة فلا. قال: كذبت، حتى تُقرَّ بما أقرَّت به. قالوا: فلو كانا حاكمين لا افتقر إِلى إِقرار الزوج، والله أعلم. قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحَكَمين، إِذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا: هل ينفذ قولهما في التفرقة؛ ثمّ حكى عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضًا. انتهى قلت: والذي يترجَّح لديّ أنَّ للحَكَمين أنْ يجمَعا وأنْ يُفرِّقا، وذلك إِذا كان فعْل أحدهما هو الأرضى لله -تعالى-، ويكون الأكثر مصلحة أو الأخفّ مفسَدَة للزوجين، وهذا قد يكون في جمْعهِما، وقد يكون في تفريْقهِما -والله أعلم-. الظِّهار أصْل الظهار مشتقٌّ من الظَّهْر، وذلك أنّ الجاهلية كانوا إِذا ظاهر أحدهم من امرأته قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمّي، [وإنما خُصّ الظهر بذلك دون سائر الأعضاء؛ لأنه محلّ الركوب غالبًا، ولذلك سُمّيَ المركوبُ ظهرًا، فشُبّهت الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل]. ... وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمّة وجعَل فيه كفّارة، ولم يجعله طلاقًا؛ كما كانوا يعتمدونه في الجاهليّة (١). ------------------------------ (١) قاله ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره، وما بين معقوفين من»الفتح" (٩/ ٤٣٢). قال الله -تعالى-: ﴿الذين يُظاهرون منكم من نسائهم ما هنَّ أُمَّهاتِهِم إِنْ أُمَّهاتُهُم إِلا اللائي ولَدْنهم وإِنهم ليقولون مُنكَرًا من القول وزورًا وإِنّ الله لعفوّ غفور﴾ (١). وهذه الآية صريحةٌ في حُرمته. وعن عروة بن الزبير قال: «قالت عائشة: تبارك الذي وسِع سمْعُه كل شيء، إِني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إِلى رسول الله - ﷺ - وهي تقول: يا رسول الله! أكلَ شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إِذا كَبِرت سِنِّي، وانقطع ولدي، ظاهَر منّي، اللهم إِني أشكو إِليك. فما برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها وتشتكي إِلى الله﴾» (٢). وعن سلمة بن صخر البياضي قال: كنت امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان، خِفْتُ أن أصيب من امرأتي شيئًا يُتابَعُ بي حتى أُصبح، فظاهرتُ منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تَخْدُمني ذات ليلة إِذ تكشّف لي منها شيء، فلم ألبَث أن نزوْت عليها (٣)، فلما --------------------------- (١) المجادلة: ٢. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٧٨)، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وانظر «الإرواء» (٧/ ١٧٥). وذكَره البخاري معلّقًا ولفظه: «عن عروة عن عائشة قالت: الحمد لله الذى وسع سمْعُهُ الأصواتَ، فأنزل الله -تعالى- على النّبي - ﷺ -: ﴿قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها﴾». وقد وصَله أحمد وغيره بسند صحيح عنها، وانظر «مختصر البخاري» (٤/ ٣٣٤). (٣) أي: وَثَبْتُ عليها ووَاقعتُها. أصبحت، خرجتُ إِلى قومي فأخبرتُهم الخبر، وقلت: امشوا معي إِلى رسول الله - ﷺ -، قالوا: لا والله! فانطلقتُ إلى النّبيّ - ﷺ - فأخبرتُه، فقال: أنت بذاك يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله -مرتين- وأنا صابر لأمر الله فاحكم فيَّ ما أراك الله، قال: حرِّرْ رقبة قلت: والذي بَعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحةَ رقبتي، قال: فصم شهرين متتابِعَيْن قال: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إِلا من الصيام؟ قال: فأطعِم وَسْقًا من تمر بين ستّين مسكينًا قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشَيْن ------------------------ (١) ما لنا طعام. قال: فانطلقْ إِلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إِليك، فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكُلْ أنت وعيالك بقيتها، فرجعتُ إِلى قومي، فقلت: وجدتْ عندكم الضيق، وسوء الرأي، ووجدت عند النبيّ - ﷺ - السعة، وحُسن الرأي. وقد أمرني -أو أمَر لي- بصدقتكم» (٢). هل الظهار مختصٌّ بالأم؟ * ... ذهب الجمهور إِلى أنَّ الظِّهار يختص بالأم كما ورد في القرآن، وفي حديث خولة (٣) التي ظاهَر منها أوس. فلو قال: كظهر أختي مثلًا لم يكن ------------------ (١) أي: جائِعَين لا طعام لنا، وقد أوحش إِذا جاع. وانظر «النِّهاية». (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٣٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٥٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٧٨)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢٣٧) وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٩١). (٣) خولة وقيل: خويلة، والأول أكثر كما فى «أسد الغابة».
__________________
|
|
#136
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 356الى صــ370 الحلقة (136) ظهارًا، وكذا لو قال: كظهر أبي. وفي رواية عن أحمد: أنه ظهار وطرَّده (١) في كل من يحرُم عليه وطؤه حتى في البهيمة* (٢). وخولة التي أشار إِليها في الحديث هي: خولة بنت مالك بن ثعلبة، قالت: ظاهَر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله - ﷺ - أشكو إِليه، ورسول الله - ﷺ - يجادلني فيه، ويقول: اتّقي الله فإِنه ابن عمّك، فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها﴾ إِلى الفرض فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إِنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينًا قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأُتي ساعتئذ بعرَقَ (٣) من تمر، قلت: يا رسول الله! فإِني أعينه بعرَق آخر، قال: قد أحسنتِ، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إِلى ابن عمّك» (٤). ثمّ ذكر أقوال بعض العلماء -كأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري والشافعي في أحد قوليه- الذين قالوا بقياس المحارم على الأمَّ ولو من رضاع. ----------------------- (١) أمضاه وأجراه. (٢) انظر «نيل الأوطار» (٧/ ٥١). (٣) العَرَق: ضفيرة تُنسج من خوص. وفي «صحيح سنن أبي داود» (١٩٣٦) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:- يعني بالعَرَق: زنبيلًا يأخذ خمسة عشر صاعًا وفي «سنن أبي داود» (١٩٣٨) عن أوس أخي عبادة بن الصّامت: أن النبي - ﷺ - أعطاه خمسة عشر صاعًا من الشَّعير؛ إِطعام ستِّين مسكينًا. وانظر إِن شئت المزيد ما جاء في «عون المعبود» (٦/ ٢١٧) أحوال اختلاف العَرَق في السّعة والضّيق وأنه قد وكون بعضها أكبر من بعض. (٤) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٣٤)، غيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٨٧). *فالظهار عندهم، هو تشبيه الرجل زوجته في التحريم بإِحدى المحرمات عليه، على وجه التأبيد بالنسب، أو المصاهرة، أو الرضاع* (١). إِذ العلة التحريم المؤبد (٢). وإنْ قال: أنتِ كأمّي أو مِثل أمِّي ونوى به الكرامة والتوقير ونحو ذلك؛ فليس بظهار (٣). وذكَر ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٢٥٥) قوله -تعالى-: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمهاتهم إِنْ أمّهاتهم إِلا اللائي ولَدْنهم﴾، ثمّ قال -رحمه الله-: «فهذه الآية تنتظم كلّ ما قلناه، لأن الله -عز وجل- لم يذكر إِلا الظهر من الأم، ولم يوجب -تعالى- الكفَّارة في ذلك إِلا بالعود لما قال». وقال (ص ٢٦٢): «وقالت طائفة -منهم سفيان الثوري، والشافعي-: إنْ ظاهر برأس أُمّه، أو يدها فهو ظهار. وقال أبو حنيفة: إِنْ ظاهر بشيء لا يحل له أن ينظر إِليه من أمه؛ فهو ظهار، وإِنْ ظاهر بشيء يحل له أن ينظر إِليه من أمه؟ فليس ظهارًا. قال أبو محمد: وكل هذه مقاييس فاسدة، ليس بعضها أولى من بعض؛ وكذلك قياس قول مالك ذكَره ابن القاسم: أن ما ظاهر به من أعضاء أمه فهو ظهار! والحق من ذلك ما ذكرنا: من أن لا نتعدّى النّص الذي حدّه الله ---------------------- (١) ما بين نجمتين من»فقه السّنة«(٣/ ٧٨). (٢) انظر»نيل الأوطار«بحذف (٧/ ٥١). (٣) انظر»المغني" (٨/ ٥٥٩) بتصرّف. -تعالى-. قال الله -تعالى-: ﴿ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (١)». وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٣٥٥): «وقد اتفق العلماء على أنه يقع بتشبيه الزوجة بظهر الأُمِّ، ثمّ اختلفوا فيه في مسائل: الأولى: إِذا شبَّهها بعضو منها غيره، فذهب الأكثر إِلى أنه يكون ظهارًا أيضًا، وقيل: يكون ظهارًا إِذا شبّهها بعضو يحرم النظر إِليه. وقد عرفت أن النص لم يَرِد إِلا في الظهر. الثانية: أنهم اختلفوا أيضًا فيما إِذا شبَّهها بغير الأم من المحارم فقالت الهادوية: لا يكون ظهارًا لأن النص ورَد في الأمِّ. وذهب آخرون منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إِلى أنه يكون ظهارًا ولو شبَّهها بمحرم من الرضاع. ودليلهم القياس فإِنَّ العلة التحريم المؤبد، وهو ثابت في المحارم كثبوته في الأمِّ، وقال مالك وأحمد: إِنه ينعقد وإن لم يكن المشبه به مؤبد التحريم كالأجنبية، بل قال أحمد: حتى في البهيمة». ثمّ قال -رحمه الله-: «ولا يخفى أنّ النص لم يرد إِلا في الأم. وما ذكر من إِلحاق غيرها بالقياس وملاحظة المعنى، ولا ينتهض دليلًا على الحُكم». وجاء في «المغني» (٨/ ٥٥٦): «وإذا قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمّي أو كظهر امرأة أجنبية أو أنتِ عليَّ حرام، أو حرَّمَ عُضوًا من أعضائها فلا يطؤها حتى يأتي بالكفَّارة». ثمّ فصّل في ذلك. أمّا شيخنا -رحمه الله- فهو يرى تقييد الظهار بالأمّ؛ تقيُّدًا بالنصّ. وأقول: إِنَّ لفظ: ﴿يُظاهِرون﴾ له دلالته ولفظ: ﴿إِنْ أمّهاتهم إِلا اللائي ----------------------- (١) الطلاق: ١. ولدنهم﴾ له دلالته أيضًا، فالكفَّارة المختصة بهذا النَّوع جاءت لهذا النَّوع من اللفظ. فالذي يترجَّح لدىَّ أنَّ الظِّهار يختصُّ بالأُمّ؛ لأن الله -تعالى- لم يذكر إِلا الظَّهر من الأُمّ، أمَّا غير الأمِّ فهو أشبه ما يكون بالتَّحريم: كقوله (أنتِ علىَّ حرام) وكفَّارتُه كفَّارة اليمين. وإذا أردنا أنْ نتوسَّع في النَّص فهذا يجرُّنا إِلى: ١ - التَّوسّع بغير لفظ الظَّهر؛ كقوله: أنتِ عليَّ كرِجل كذا، أو كيد كذا، وهكذا يذكر سائر الأعضاء. ٢ - ويَجُرُّنا إِلى التَوَسّع بكلِّ مُحَرَّم؛ من قرابة أو غيرها، أو ذكر أو أُنثى. ولا دليل على هذا. والله -تعالى- أعلم، ماذا يفعل من يُظاهر امرأته؟ يجب على من يُظاهر امرأته ألا يجامعها، فإِنَّها تحرُم عليه بظهارِه؛ حتى يكفّر عن ذلك؛ لقوله -تعالى-: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لمِا قالوا فتحرير رقبةٍ من قبل أن يتماسَّا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسَّا فمن لم يستطع فإِطعام ستين مسكينًا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم﴾ (١). ماذا إِذا مسّ قبل التَّكفير؟ إذا مسّ الرجل قبل التكفير فقد خالَف أمْره -سبحانه- فى قوله: ﴿من قبل أن يتماسّا﴾. ولا دليل على أنّ الكفّارة تتضاعف. --------------------- (١) المجادلة: ٣ - ٤. فعن سلمة بن صخر البياضي عن النّبيّ - ﷺ - في المظاهر يواقع قبل أن يكفِّر، قال: «كفّارة واحدة» (١). كفّارة الظهار: والكفارة -كما ورد في الآيتين السابقتين، ولحديث سلمة بن صخر البياضي المتقدّم- عَتْق رَقَبَة، فمن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فمن لم يستطع؛ فعليه أن يُطعم ستين مسكينًا. وجاء في «الفتاوى» (٣٤/ ٨): «وسئل -رحمه الله- عن رجل قال في غيظه لزوجته: أنتِ عليّ حرام مِثل أمّي؟ فأجاب: هذا مُظاهر من امرأته، داخل في قوله: ﴿الذين يُظاهرون منكم من نسائهم ما هُنّ أمَّهاتهم إِنْ أُمَّهاتهم إِلا اللائي ولدنهم ...﴾ فهذا إِذا أراد إِمساك زوجته ووطْأَها فإِنه لا يقربها حتى يكفِّر هذه الكفارة التي ذكَرها الله». وفيه في (ص ٩): «وسئل -رحمه الله- عن رجل قالت له زوجته. أنتَ عليّ حرام مِثل أبي وأمي. وقال لها: أنْتِ عليَّ مِثلَ أُمِّي وأُختي: فهل يجب عليه طلاق؟ فأجاب: لا طلاق بذلك؛ ولكن إِنِ استمرَّ على النكاح فعلى كلٍّ منهما كفَّارة ظِهار قبل أنْ يجتمعا، وهي عتق رقبة، فإِن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ فإِنْ لم يستطع فإِطعام ستِّين مسكينًا». ---------------------- (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٥٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٧٩)، وهو في «المشكاة» (٣٣٠١). الإِيلاء تعريفه: الإِيلاء لغةً: الامتناع باليمين، والإِيلاء: الحَلِف، يقال: آلى يُؤلي إِيلاءً، فهو مُؤلٍ [ملتقط من «زاد العاد» (٥/ ٣٤٤) و«طَلِبة الطَّلَبَة» (ص ١٥٦)]. وهو في الشرع: اسمٌ لِيَمين؛ يمنع بها المرء نفسه مِن وطْء منكوحته. [«طَلِبة الطَّلَبَة» (ص ١٥٦)]. قال الله -تعالى-: ﴿للذين يُؤلون من نسائهم تربُّص (١) أربعة أشهر فإِن فاؤوا (٢) فإِنّ الله غفور رحيم وإِنْ عزموا الطلاق فإِنّ الله سميع عليم﴾ (٣). فإِذا حَلَف الرجل ألا يجامع زوجته؛ مُدّةً تقِلُّ عن أربعة أشهر؛ فالأولى أن يكفّر عن يمينه ويجامعها، لقوله - ﷺ -: «من حلَف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليكفّر عن يمينه، وليفعل» (٤). فإِن لم يفعل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثمّ يُجامعها. عن أنس -رضي الله عنه- قال: «آلى (٥) رسولُ الله - ﷺ - من نسائه، وكانت ------------------------ (١) أي: يُنْتَظَرُ الزوج أربعة أشهر من حين الحَلِف، ثمّ يوقَف ويُطالب بالفيئة أو الطلاق.»تفسير ابن كثير". (٢) أي: رجعوا إِلى ما كانوا عليه وهو كناية عن الجماع. المصدر نفسه. (٣) البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧. (٤) أخرجه مسلم: ١٦٥٠. (٥) مشتقة من الإيلاء اللغوي؛ لا من الإِيلاء الفقهي؛ كما قال الكرماني. انفكّت رِجْله، فأقام في مَشرُبةٍ (١) له تسعًا وعشرين ثمّ نزَل، فقالوا: يا رسول الله آليتَ شهرًا، فقال: الشهر تسعٌ وعشرون» (٢). أمّا إِذا زادت المدّة على أربعة أشهر؛ فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء المدّة بالجماع أو الطلاق، وعلى الحاكم أن يُجبره على ذلك، كيلا يضرَّ بها. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول في الإِيلاء الذي سمّى الله: «لا يحلّ لأحدٍ بعد الأجل إِلا أن يُمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق؛ كما أمر الله -عز وجل-» (٣). وفي رواية: «إِذا مضت أربعة أشهر؛ يوقف حتى يُطلِّق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلّق» (٤). ويُذكر ذلك عن عثمان وعليّ وأبي الدرداء وعائشة واثني عشَر رجُلًا من أصحاب النّبيّ - ﷺ -«(٥). قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله-: الإِيلاء أنْ يحلف الرَّجل أنْ لا يَقْرب امرأته أربعة أشهرٍ فأكثر. واختلف أهل العلم فيه: إِذا مضت أربعة أشهر. فقال بعض أهل العلم، من أصحاب النّبي - ﷺ - وغيرهم: إِذا مضت أربعة أشهرٍ يوقف. ------------------- (١) أي: غُرفَة. (٢) أخرجه البخاري: ٥٢٨٩. (٣) أخرجه البخاري: ٥٢٩٠. (٤) أخرجه البخاري ٥٢٩١، وانظر كلام الحافظ -رحمه الله- للمزيد من الفوائد الحديثية. (٥) رواه البخاري معلّقًا، وانظر»الفتح«و»مختصر البخاري«(٣/ ٤٠٦) لوصل المعلّقات، وكذا»الإِرواء" (٧/ ١٧٤) ولا سيما لأثر عثمان -رضي الله عنه-. فإِمَّا أنْ يفيء، وإمَّا أنْ يُطلِّق. وهو قول مالك بن أنس، والشّافعي، وأحمد، وإِسحاق، وقال بعض أهل العلم، من أصحاب النّبي - ﷺ - وغيرهم: إِذا مضت أربعة أشهرٍ فهي تطليقة بائنة. وهو قول سفيان الثّوري، وأهل الكوفة (١). والراجح: قول عمر وعثمان ومن قال بقولهما -رضي الله عنهم-، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله- في «تفسيره» فانظره -إِن شئت- فإِنَّه مهمّ. الفسخ (٢) تعريفه: فسْخ العقد: نقْضُه، وحَلّ الرابطة التي تربِط بين الزوجين، وقد يكون الفسخ بسببِ خللٍ وقَع في العقد، أو بسبب طارئ عليه يمنع بقاءه. مثال الفسْخ بسبب الخلل الواقع في العقد: ١ - إِذا تمّ العقد، وتبيّن أن الزوجة التي عقَد عليها أخته من الرضاع، فُسخ العقد. ٢ - إِذا عَقد غير الأب والجد للصغير أو الصغيرة، ثمّ بلغ الصغير أو الصغيرة، فمِن حقّ كلٍّ منهما، أن يختار البقاءَ على الزوجية، أو إِنهاءَها، ويُسمّى هذا خيار البلوغ، فإِذا اختار إِنهاء الحياة الزوجية، كان ذلك فسخًا للعقد [وتقدّمت الأدلّة في كتاب النكاح]. مثال الفسْخ الطارئ على العقد: ١ - إِذا ارتد أحد الزوجين عن الإِسلام، ولم يعُد إِليه، فُسخ العقد بسبب ----------------------- (١) انظر «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٣٥٣). (٢) عن «فقه السّنة» (٣/ ٨١). الردّة الطارئة. ٢ - إِذا أسلَم الزوج، وأبَتْ زوجتُهُ أن تُسلِم، وكانت مشركة، فإِنَّ العقد حينئذ يُفسخ، بخلاف ما إِذا كانت كتابية، فإِن العقد يبقى صحيحًا كما هو؛ إِذ إِنَّه يصح العقد على الكتابية ابتداءً. والفُرقة الحاصلة بالفسخ، غير الفُرقة الحاصلة بالطلاق؛ إِذ إِن الطلاق ينقسم إِلى طلاق رجعي وطلاق بائن، والرجعي لا يُنهي الحياة الزوجية في الحال، والبائن ينهيها في الحال. أمّا الفسخ؛ سواء أكان بسبب طارئ على العقد، أم بسبب خلل فيه، فإِنه يُنهي العلاقة الزَّوجية في الحال. ومن جهة أخرى، فإِنّ الفُرقة بالطلاق تَنْقُص عددَ الطلقات، فإِذا طلَّق الرجل زوجته طلقة رجعية، ثمّ راجعها، وهي في عدتها، أو عقد عليها بعد انقضاء العدة عقدًا جديدًا، فإِنه تحسب عليه تلك الطلقة، ولا يملك عليهما بعد ذلك إِلا طلقتين. وأمّا الفُرقة بسبب الفسْخ؛ فلا ينقص بها عدد الطلقات، فلو فُسخ العقد بسبب خيار البلوغ، ثمّ عاد الزوجان وتزوجا، ملك عليها ثلاث طلقات. انتهى. وتقدّم في كتاب «النكاح» الفسخ إِذا ثَبَتَ العيب بشرطه. اللِّعان قيل: هو مشتق من اللَّعن؛ لأنَّ كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة؛ إِنْ كان كاذبًا. وقال القاضي: سُمّي بذلك لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبًا؛ فتحصل اللعنة عليه وهي الطرد والإِبعاد، والأصل فيه قول الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم﴾ الآيات (١). وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٣٦٢): «وهو مأخوذ من اللعن؛ لأنه يقول الزوج في الخامسة: لعنة الله عليه إِنْ كان من الكاذبين. ويقال فيه: اللعان والالتعان والملاعنة». مشروعيته: قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلاَّ أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنّه لمن الصادقين * والخامسةُ أنّ لعنةَ الله عليه إِنْ كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لمن الكاذبين * والخامسةَ أنّ غضب الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾ (٢). ويكون هذا حين يقذف الرجل امرأته بالزنى، وتُنكر ذلك. عن ابن عباس «أنّ هلال بن أمية قذَف امرأته عند النّبيّ - ﷺ - بشريك بن سحماء، فقال النّبيّ - ﷺ -: البيّنة أو حدٌّ في ظهرك فقال: يا رسول الله! إِذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيّنة؟ فجعل النّبيّ - ﷺ - يقول: البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثَك بالحق إنِّي لصادق، فلَيُنزلنّ الله -------------------- (١) انظر»المغني" (٩/ ٢). (٢) النور: ٦ - ٩. ما يُبرّئ ظهري من الحدِّ، فنزَل جبريل وأنزَل عليه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كان من الصادقين﴾، فانصرف النّبيّ - ﷺ - فأرسل إِليها، فجاء هلال فَشَهِدَ، والنّبيّ - ﷺ - يقول: إِن الله يعلم أنَّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثمّ قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إِنها مُوجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننّا أنها ترجع، ثمّ قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النّبيّ - ﷺ -: أبصِروها، فإِنْ جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين (١)، خدلّج (٢) الساقين؛ فهو لشريك بن سحماء؛ فجاءت به كذلك، فقال النّبيّ - ﷺ -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» (٣). متى يكون اللّعان؟ *يكون اللعان في صورتين: الصورة الأولى: أن يرميَ الرجل امرأته بالزنى، ولم يكن له أربعة شهود؛ يشهدون عليها بما رماها به. الصورة الثانية: أن ينفيَ حَمْلها منه. وإنما يجوز في الصورة الأولى إِذا تحقق من زناها؛ كان رآها تزني، أو أقرَّت ------------------- (١) سابغ الأليتين: أي تأمَّهما وعظِيمهما «النهاية». (٢) الخَدْل والخدلَّج: الغليظ المُمتلئ السّاق، وانظر «النهاية». (٣) أخرجه البخاري: ٤٧٤٧، ومسلم: ١٤٩٦. هي، ووقع في نفسه صِدْقها، والأولَى في هذه الحال، أن يُطلّقها ولا يلاعنها، فإِذا تحقَّق مِنْ زناها، فإِنه لا يجوز له أن يرميَها به، ويكون نفي الحمل في حالة ما إِذا ادعى أنه لم يطأها أصلًا، من حين العقْد عليها* (١) [أو ادّعى أنّ هذا الوطء لم يجرّ حملًا ببينةٍ يُدليها]. صفة اللعان (٢): صفة اللعان: هو أن من قَذَف امرأته بالزِّنى هكذا مُطلقًا، أو بِإِنسانٍ سمَّاه فواجب على الحاكم أنْ يجمعهما في مجلسه، ثمَّ يسأله البيّنة على ما رماها به. فإِنْ أتى ببينة عدول أقيم عليها الحد. فإِنْ لم يأت بالبيّنة قيل له: التَعِن. فيقول: بالله إِني لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، هكذا يكرر، بالله إِني لمن الصادقين، أربع مرات. ثم يأمر الحاكم مَن يضَع يَده على فيه، ويقول له: إِنها موجبة؟ فإِنْ أبى، فإِنه يقول: وعليَّ لعنة الله إِن كنت من الكاذبين. فإذا أتمَّ هذا الكلام سقط عنه الحد لها، والذي رماها به. فإن لم يلتعن حُدَّ حَدّ القذف [لقوله - ﷺ - في حديث اللعان المتقدِّم: «البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك»]. فإذا التَعن قيل لها: إِن التعنت وإلا حُدِدتِ حَدّ الزنى، فتقول: بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، ------------------- (١) ما بين نجمتين من «فقه السّنة» (٣/ ٨٥). (٢) عن «المحلى» (١١/ ٤١٧) بحذف وتصرف يسير. تُكرر بالله إِنه لمن الكاذبين، أربع مرات. ثمّ تقول: وعليّ غضب الله إِنْ كان لمن الصادقين، ويأمر الحاكم من يوقفها عند الخامسة، ويخبرها بأنها موجبة لغضب الله -تعالى- عليها، فإِذا قالت ذلك برئت من الحد، وانفسخ نكاحها منه، وحرُمت عليه أبد الآبد، لا تحل له أصلًا -لا بعد زوج ولا قبله- ولا وإِن أكذب نفسه، لكن إِن أكذب نفسه حُدّ فقط. الحاكم هو الذي يقضي باللعان: ويتبيّن مما سبق أنّ الحاكم هو الذي يقضي باللعان، وقد تقدّم حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في قذْف هلال بن أميّة امرأته عند رسول الله - ﷺ - بشريك بن سحماء وفيه ما يدل على ذلك؛ إِذ كان اللعان بقضاء النبي - ﷺ -. اشتراط العقل والبلوغ: يُشترط في اللعان: العقل والبلوغ في كُلٍّ من المتلاعِنَين: عن عائشة -رضي الله عنها- إِن رسول الله - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر» (١). وعن علي -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (٢). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦٠)، وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٩٧)، وتقدّم. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦١)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٥٠)، وغيرهم وانظر «الإِرواء» (٢/ ٦)، وتقدّم. وجاء في كتاب «الإِجماع» لابن المنذر (ص ٨٥): «وأجمعوا أنّ الصبي إِذا قذف امرأته، أنه لا يُضرب، ولا يُلاعَن». لعان الأخرسَيْن (١): يشرع لِعان الأخرَسَيْن لقوله -تعالى-: ﴿لا يُكلِّف الله نفسًا إِلا وُسْعها﴾، وليس في وسعه الكلام، فلا يجوز أن يُكلّف إِياه، وقال رسول الله - ﷺ -: «وإِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢). فصح أنه يلزم كل أحد مما أمر الله -تعالى- به ما استطاع، والأخرس يستطيع الإِفهام بالإِشارة، فعليه أن يأتي بها. وكذلك من لا يحسن العربية؛ يلتعن بِلُغته بألفاظ يُعبِّر بها عما نص الله -تعالى- عليه«. مسائل في الامتناع عن اللعان أو عدم إِتمامه: إِذا قذَف الرجل امرأته بالزنى ثمّ امتنع عن اللعان أو لم يتمّه أو أكذب نفسه (٣)؛ فعليه حدّ القَذف لقوله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنه لمن الصادقين﴾ (٤). فإِذا لم يُقم الشهادة التي أمر الله -تعالى- بها قُذِف للحديث المتقدّم: --------------------- (١) انظر»المحلّى«(١١/ ٤٢٤). (٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧. (٣) انظر»المحلّى" (١١/ ٤١٨). (٤) النور: ٦. «البيّنة أو حدٌّ في ظهرك». وإِذا كان الامتناع من الزوجة؛ أُقيمَ عليها حدّ الزنى. ماذا يترتب على اللعان: ١ - بتمام الالتعان من الزوجين؛ يقع التَّفريق الأبدي، فعن سهل بن سعد قال: «مضت السّنة بَعْدُ في المتلاعِنَيْن: أن يُفَرَّق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبدًا» (١). وعن عمر -رضي الله عنه-: «المتلاعنان يُفرَّق بينهما ولا يجتمعان أبدًا» (٢). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٤٢٣): «وقوله -عليه الصلاة والسلام- لا سبيل لك عليها، مَنْعٌ مِن أن يجتمعا أبدا بكل وجه، ولم يقل -عليه الصلاة والسلام- ذلك بنص الخبر إِلا بعد تمام التعانهما جميعًا، فلا يقع التفريق إِلا حينئذ. ٢ - يأمر القاضي أن تُمسك المرأة عند ثقةٍ حتَّى تَلِد؛ عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-»أنَّ النبي - ﷺ - قال لعاصم بن عدي: أمسك المرأة (٣) عندك؛ حتَّى تَلِد«(٤). ------------------ (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٦٩)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢١٠٤). (٢) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢١٠٥). (٣) وهي امرأة عويمر بن أشقر العجلانيّ. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٩٦٥). ![]()
__________________
|
|
#137
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 371الى صــ385 الحلقة (137) ٣ - أمّا ما يتعلق بإِلحاق الولد؛ فإِنه حين ينفيه الرجل، يُلحق بأمِّه فيدعى لها فتَرِثه ويَرِث منها ما فرض الله -تعالى- له، وينتفي نسَبُه من أبيه فلا يدعى له، ولا تجب نفقته عليه، ولا توارث بينهما؛ وذلك لحديث سهل بن سعد ... وفيه: «قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السُّنة بعدهما أن يُفرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، وكان ابنها يدعى لأمّه. قال: ثم جرت السُّنة في ميراثها أنها ترِثه ويرث منها ما فرض الله له» (١). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٤١٨): «فإِنْ كانت المرأة الملاعنة حاملًا؛ فبتمام الالتعان منهما جميعًا ينتفي عنه الحمل -ذكَره أم لم يذكره- إِلا أن يُقرَّ به فيلحقه». انتهى. وكذا إِذا أكذب نفسه؛ فإِنه يلحقه ويُدعى له. مسألة: إِذا لم يُتمَّ الرجل اللعان أو تُتمّه هي، فهما على نكاحهما، فلو مات أحدهما قبل تمام اللعان لتوارثا، ولا معنى لتفريق الحاكم بينهما، أو لتركه، لكن بتمام اللعان تقع الفرقة (٢). آداب التطليق المستنبطة من الكتاب الكريم والسّنة الصحيحة (٣) الأدب الأول: هو رعاية المصلحة في إِيقاعه؛ بعد التروي والتحاكُم إِلى ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٣٠٩، ومسلم: ١٤٩٢. (٢) انظر «المحلّى» (١١/ ٤١٨) بتصرف يسير. (٣) عن كتاب «الاستئناس في تصحيح أنكحة الناس» للعلاّمة جمال الدين القاسمي -رحمه الله- بحذف. حَكَمَين، فقد دلّ الكتاب الكريم على مشروعية ذلك عند شقاق الزوجين بإِرسال حَكَمَين من أهل الزوجين؛ يُؤْثِران الإِصلاح بالوفاق، على الفراق والطلاق، فينصحان الزوجين ويعظانهما ويؤذنانهما بمفاسد الطلاق ومَضرّاته وخراب ما بُني من المعيشة البيتية، وما يَعْقُبه من الندم ونفرة الحبّ القلبي، وغير ذلك من تَشتُّتِ شمْل البنين والبنات، وتجرّعهم غُصص الحسرات، حتى إِذا لم يُفد نصحهما وأخفَقَ سعيهما، ورأيا الخيرة لهما في الفراق، أَذِنا للزوج بالطلاق. وهذا كله مستفاد من قوله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شِقاق بينهما فابعثوا حَكَمًا من أهله وحَكَمًا من أهلها إِنْ يريدا إِصلاحًا يوفق الله بينهما﴾ (١) فلم يشرع -سبحانه وتعالى- للزوج أن يعجَل بالطلاق، وأن يبادر به سائق الهوى والهوَس بدون عمل بما أمر -تعالى- به وحَضَّ عليه. ودلّ الأمر في قوله -تعالى-: ﴿فابعثوا حَكَمًا من أهله وحَكَمًا من أهلها﴾ على أنّ إِرسال الحَكَم فرْض، لأنَّ الأمر للوجوب عند الأكثرين، والأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي -أعني التلبُّس بخلاف الأمر- يقضي الفساد وعدم الاعتداد كما تقرر في الأصول. فإِذَنْ؛ من عَجَّل في الشِّقاق، وتلفَّظ بالطَّلاق بدون الرجوع إِلى التحاكم المأمور به؛ فقد تلبس بالمنهي عنه وعصى بمخالفة الأمر، وأمّا من عمل بالأمر ففوّض للحَكَمين الخيرة؛ فلم يجدا سبيلًا لائتلاف الزوجين، ولا طريقًا لجمع شملهما؛ فما جعل الله في ذلك من حرج؛ لقوله: ﴿وإِن يتفرقا يُغنِ اللهُ كلًاّ من سَعته﴾ (٢). -------------------- (١) النساء: ٣٥. (٢) النساء: ١٣٠. الأدب الثاني: إِيقاعه في حال الخوف من عدم إِقامة حدود الله، وذلك بأنْ تتضرّر المرأة من الرجل فترى منه ما يسوؤها؛ من قول أو فِعل أو أمر يستحيل معه صبرها عليه. ومنه أن يترك معاشرتها بالمعروف ويتجافى الإِحسان إِليها، أو تُشاهد منه انكبابًا على الفحشاء وعملًا بالمنكرات، أو إِغراءً لها بترك الواجبات، أو إِفسادًا لصالح تربيتها بمشاهدة ما يأتيه من الموبقات، أو سعيًا في إِيذائها بأنواع المضَرّات؛ فتخشى من بقائها على عصمته أن تبوء بإِثم الناشزة والهاجرة، وهي لا تطيق حالتئذٍ ملامسته بوجهٍ ما، وتأبى القُرب منه أشدّ الإِباء، ففي هذه الحالة شُرع مخالعتها؛ بأن تفتدي منه بما يتراضيان به، وإليه الإِشارة بقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ (١). وتدلّ الآية بمفهومها على أنهما إِذا كانا يقيمان حدود الله في الزوجية؛ فليس له أن يطلب مخالعتها بأخذ ما لا تطيب نفسها به، وليس لها أيضًا أن تفتكر في الاختلاع منه، لأن في ذلك إِفسادًا لهما، وإصرارًا بهما وبأولادهما -إِن كانوا- وإِنّ ذلك حينئذ من تعدّي حدود الله، أي: مجاوزتها. ثمّ إِذا خلَعها من عصمته فهل يكون خلْعُه طلاقًا أو فَسْخًا؟ فذهب الجمهور إِلى الأول، وجعلوا عدّتها ثلاثة قروء، وذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر والرُّبيِّع بنت معوِّذ وعمُّها -رضي الله عنهم- إِلى أنَّه فسْخ. قال الإِمام ابن القيم: ولا يصح أنَّه طلاق البتَّة، وقد أمَر النّبيّ - ﷺ - امرأة -------------------- (١) البقرة: ٢٢٩. ثابت بن شمَّاس لما اختلعت من زوجها أن تعتدّ بحيضة واحدة (١)، وبه قضى عثمان -رضي الله عنه- (٢) وإليه ذهب الإِمام إِسحاق بن راهويه والإِمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية. قال: من نظر هذا القول وجَده مقتضى قواعد الشريعة، فإِنَّ العدة إِنما جُعلت ثلاث حيضٍ ليطول زمن الرّجعة ويتروّى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدّة. فإِذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمْل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء، قال: ولا ينتقض هذا بالمطلقة ثلاثًا، فإِنَّ باب الطلاق جعل حُكْم العدّة فيه واحدة بائنة ورجعية (٣). الأدب الثالث: أن لا يكون القصْدُ بإِيقاع الطلاق مضارَّة الزوجة، فإِنّ الضِّرار ممنوع شرعًا لحديث: «لا ضرر ولا ضرار» (٤)، ولعموم آية: ﴿ولا ------------------------ (١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢٧٢) ولفظه: عن ثابت بن قيس بن شمَّاس: «أنه ضرب امرأته فكَسَر يدها -وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبي- فأتى أخوها يشتكيه إِلى رسول الله - ﷺ -، فأرسل رسول الله - ﷺ - إِلى ثابت، فقال له: خُذ الذي لها عليك، وخلّ سبيلها، قال: نعم. فأمَرها رسول الله - ﷺ - أن تتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها». (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٧٤)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢٧٣) ولفظه: «عن رُبيِّع بنت معوِّذ قالت: اختلَعْتُ من زوجي، ثمّ جئت عثمان، فسألتُهُ ماذا عليّ من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إِلا أن تكوني حديثة عهد به فتمكثي حتى تحيضي حيضة، قال: وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله - ﷺ - في مريم المغاليّة؛ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه». (٣) انظر «زاد المعاد» (٥/ ١٩٧) ونقله جمال الدين القاسي -رحمه الله- بتصرّف. (٤) أخرجه أحمد وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٨٩٥) وغيرهما وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٨٩٦)، و«الصحيحة» (٢٥٠). تضاروهنّ﴾ (١) ولقوله -تعالى-: ﴿فإِن أطعْنكُم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا﴾ (٢). وأعظم البغي على النساء تطليقهنّ للمُضارّة والتشفّي والإِيذاء وتخريب بنيان المعيشة. وقد تنبه لهذا الأدب من رأى أنَّ تطليق المرأة في مرض الموت لا يمنعها من الإِرث، لأنه لما قصَد بطلاقها حرمانها من حقّها المشروع؛ عومل بنقيض قصْده عدلًا ورحمة من الشارع، فقد قال مالك: من حُجَّتنا في الذي يتزوج وهو مريض (٣) أنه ليس له ميراث؛ لأنه يُمْنع أنْ يُطلِّق وهو مريض، فكَما يُمْنع من الطَّلاق وهو مريض لحقّ امرأته في الثُّمن؛ فإِنَّه لا ينبغي أن يدخل عليها من يَنقصُها من ثُمنها. قال ابن رشد: هذا بيِّن لأن المعنى الذي من أجله لم يجز أن يطلق في المرض موجود في النكاح، فلا يجوز له أن يُدخل وارثًا على ورثته؛ كما لا يجوز أن يخرج عنهم وارثًا. الأدب الرابع: أن يُطلّق لداعٍ لا يتأتّى معه اتخاذها زوجة، كأن يراها لا تردّ يد لامس (٤)، أو لا تؤمَّن على مالٍ ولا سرّ، أو لا تحفظ نظام بيته ورعاية حرمته، -------------------- (١) الطلاق: ٦. (٢) النساء: ٣٤. (٣) أقول: ليس للرجل أنْ يُطلِّق أو يَنكَح، في مرض الموت لِيَنقص أو ليمنع الميراث؛ ولكنْ له أنْ يَنكح أو يُطلِّق في مرضه إِذا كان له مصلحة في أيٍّ منهما -والله تعالى أعلم-. (٤) قيل: إِنها تُعطي من ماله من يطلب منها، وقيل غير ذلك. أو لا تستجيب لطاعته، إِلى غير ذلك من الأخلاق الفاسدة التي تحقق أنها صارت مَلَكَةً راسخة فيها مُرِّنت عليها وانطبعت فيها، فلا جَرَمَ أنها حينئذ جرثومة النكد، ومادة النقص، ومباءة الفساد والإِفساد للمروءة والدين والدنيا، فمثل هذه المشؤومة مما يُشرع طلاقها ويُندب إِنْ لم يجب، وقد ورد في هذا ما أخرجه البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس -رضي الله- أنه قال: «الطلاق عن وطر» (١). قال الحافظ ابن حجر: أي: أنه لا ينبغي للرجل أن يُطلِّق امرأته إِلا عند الحاجة كالنشوز. وقال الإِمام ابن القيّم في «إِعلام الموقعين»: «معنى قول ابن عباس: إِنما الطلاق عن وطَر؛ أي: عن غرض من المطلِّق في وقوعه». الأدب الخامس: أنْ لا يُطلِّق ثلاثًا دفعة واحدة ....... (٢). قال ابن القيّم:". ... [فإِن الله -تعالى- أراد من المرء] أن يُطلّق طلاقًا يملك فيه ردّ المرأة إِذا شاء، فطلّق طلاقًا يريد به أن لا يملك فيه ردّها، وأيضًا فإِن إِيقاعه الثلاثَ دفعةً مخالفٌ لقوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ (٣)، والمرتان والمرّات في لغة القرآن والسّنة -بل ولغة العرب بل ولغة سائر الأمم- لِما كان مرة بعد مرة، فإِذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة؛ فقد تعدى حدود الله -تعالى- وما دلّ عليه كتابه، فكيف إِذا أراد باللفظ الذي رتَّب عليه الشارع حُكمًا ضد ------------------- (١) تقدَّم. (٢) حذفْتُ الحديث الذي ذكَره لعدم ثبوته. (٣) البقرة: ٢٢٩. ما قصَده الشارع. الأدب السادس: أن يُشهد على الطَّلاق، لقوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إذا طلّقتم النّساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ وأحصوا العدّة﴾ إِلى قوله: ﴿فإِذا بلغْن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم وأقيموا الشهادة لله﴾ (١)، فأمَر بالإِشهاد على الرجعة -وهو الإِمساك بمعروف- وعلى الطلاق -وهو المفارقة بمعروف-. الأدب السابع: أن لا يكون في حالة الغضب لحديث: «لا طلاق في إِغلاق» (٢). الأدب الثامن: أن ينوي الطلاق لحديث: «إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» فإِنّ الحديث هو الكلِّيُّ الأعظم في أبواب من الشريعة، قال الحافظ ابن حجر: إِنّ الحكم إِنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر. انتهى. وأصله من قوله -تعالى-: ﴿وإنْ عزموا الطَّلاق فإِنّ الله سميع عليم﴾ (٣) فمن لم يعزم الطلاق بأنْ علّقه أو عبث به؛ لم يُطلّق الطَّلاق المشروع. الأدب التاسع: أن يكون التطليق مأذونًا فيه من جهة الشارع، فلا يكون محرّمًا مبتدعًا، بل مأمورًا به، وذلك بمعرفة زمان التطليق لقوله -تعالى-: ------------------ (١) الطلاق: ١ - ٢. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩١٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦٥) والحاكم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٤٧). (٣) البقرة: ٢٢٧. ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ أي: لاستقبال عدتهن، يعني: أن يُطلَّقن في وقت يتعقبه شروعهنّ في العدة، وذلك أن تطلّق في طُهر لم تُجامَع فيه. وأمّا طلاقها في حال الحيض فهو محرّم بالكتاب والسنّة والإِجماع (١)، وليس في تحريمه نزاع، ولهذا أمَر النّبيّ -صلوات الله عليه- عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- لما طلّق امرأته في الحيض أن يراجعها (٢)، وتلا عليه هذه الآية تفسيرًا للمراد بها؛ إِيذانًا بأن الطلاق لم يُشرع في حيض ولا في طهر وُطِئت فيه، وإنما شرع للعدَّة، وهو أن يطلِّقها في طُهرٍ من غير جماع. وفي «المدونة» عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «من أراد أن يُطلِّق للسُّنّة فليطلق امرأته طاهرًا في غير جماع تطليقة، ثم ليدَعْها، فإِذا أراد أن يراجعها راجعَها، وإن حاضت ثلاث حيض كان بائنًا، وكان خاطبًا من الخطَّاب». قال الإِمام ابن القيّم -رحمه الله تعالى-: وأصْل هذا أنّ الله -سبحانه وتعالى- لمّا كان يبغض الطلاق (٣)، لما فيه من كسْر الزوجة، وموافقة رضا عدوه إِبليس، ومفارقة طاعته -تعالى- بالنكاح الذي هو واجب أو مستحبٌّ، وتعريض كلٍّ -------------------- (١) وتقدَّم تفصيله. (٢) أخرجه البخاري: ٥٢٥١، ومسلم: ١٤٧١. (٣) لا يقصد ابن القيّم -رحمه الله- هذا بإِطلاق، لأن الطلاق واجب في بعض الحالات كما لا يخفى، أمّا حديث: «أبغض الحلال إِلى الله الطلاق» فإِنّه ضعيف، وانظر «الإِرواء» (٢٠٤٠). من الزوجين للفجور والمعصية وغير ذلك من مفاسد الطلاق، وكان مع ذلك قد يحتاج إِليه الزوج أو الزوجة وتكون المصلحة فيه؛ شَرَعَهُ على وجهٍ تحصل به المصلحة وتندفع به المفسدة، وحرَّمه على غير ذلك الوجه، فشرعه على أحسن الوجوه، وأقْربِها لمصلحة الزوج والزوجة، فشرع له أن يطلّقها طاهرًا من غير جماع طلقة واحدة؛ ثمّ يدعها حتى تنقضي عدتها، فإِنْ زال الشّرّ بينهما وحصلت الموافقة؛ كان له سبيل إِلى لمِّ الشعث وإعادة الفراش كما كان، وإلا تركها حتى تنقضي عدَّتها، فإِنْ تبعَتها نفسه؛ كان له سبيل إِلى خِطبتها وتجديد العقد عليها برضاها، وإنْ لم تتبعها نفسه؛ تركَها فنكحت من شاءت، وجعل العدّة ثلاثة قروء؛ ليطول زمن المهلة والاختيار. فهذا هو الذي شرَعه وأذن فيه، ولم يأذن في إبانتها بعد الدخول إِلا بالتراضي بالفسخ والافتداء، فإِذا طلَّقها مرةً بعد مرةٍ بقي له طلقةٌ واحدة، فإِذا طلقها الثالثة حرَّمها عليه عقوبة له، ولم يحلَّ له أن ينكحها حتى تنكح زوجًا غيره، ويدخل بها ثمّ يفارقها بموت أو طلاق، فإِذا عدمِ أن حبيبه يصير إِلى غيره فيحظى به دونه؛ أمسك عن الطلاق. انتهى ملخصًا. الأدب العاشر: التطليق بإِحسان، لا بإِساءة ولا فحش من الكلام ولا بغي ولا عدوان، فإِن الله -تعالى- أمَر بالإِحسان في كل شيء، قال -تعالى-: ﴿الطلاق مرَّتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ وقد روى ابن جرير «أنّ ابن عباس سئل عن معنى الآية فقال: ليتق الله في التطليقة الثالثة، فإمَّا يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرِّحها فلا يظلمها من حقها شيئًا». وقال الضحاك: التسريح بإِحسان أن يعطيها مهرًا إِنْ كان لها عليه إِذا طلّقها، والمتعة قدر الميسرة. ونظير هذه الآية آية: ﴿فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ (١). وآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). فتأمّل هذا الوعيد الشديد لمن اتخذ آيات الله هُزوًا أي: اتخذ ما بيّنه من حلاله وحرامه، وأمْره ونهْيه؛ في أمر الإِمساك والتسريح مهزوءًا به؛ بأنْ خالفَه وعصاه ولم يَحْفِلْ به، فضيّعه وتعدّى حدوده، وكيف سجَّل عليه بأنه ظلم نفسه؛ فأكسبها إِثمًا وأوجب لها من الله عقوبةً! وتدبر كيف أمَرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم بما أمرهم به ونهاهم عنه؛ مما فيه سعادتهم وفلاحهم! وفي معنى هذه الآيات قوله -تعالى-: ﴿وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقًّا على المُتقين﴾ (٣) قال ابن جرير: يعني -تعالى- بذلك أنّ لمن طُلِّق من النساء على مُطلِّقها من الأزواج متاعًا -وهو ما يستمتع به من ثياب وكسوة ونفقة أو خادم أو غير ذلك مما يُستمتع به- وأكَّد ذلك بقوله: ﴿حقًّا على المتقين﴾ ------------------------ (١) الطلاق: ٢. (٢) البقرة: ٢٣١. (٣) البقرة: ٢٤١. وهم الذي اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده، فقاموا بها على ما كلّفهم القيام بها؛ خشيةً منهم له ووجلًا منهم من عقابه. انتهى وكذلك قوله -تعالى-: ﴿ومتّعوهنّ على الموسع قدَرُه وعلى المُقْتِرِ قدَرُه﴾ (١) فأمر -تعالى- المطلِّقين إِذا طلَّقوا الطَّلاق المأذون فيه -وهو المستوفي شروطه- أن يُسرِّحوا نساءهم راضيات عنهم، داعيات لهم، ذاكرات لجميلهم ومعروفهم وإِحسانهم، وذلك بأن يحسن إِليهن بما يتمتعن به على قدر اليُسر والعُسر. وأكّد ذلك أيضًا بقوله: ﴿متاعًا بالمعروف حقًّا على المحسنين﴾ (٢) فجعل ذلك حقًا لازمًا على الذين يحسنون إِلى أنفسهم في المسارعة إِلى طاعة الله؛ فيما ألزمهم به وأدائهم ما كلفهم من فرائضه، ويحسنون إِلى المطلقات بالتمتيع على الوجه الذي يحسُن في الشرع والمروءة. فأين المسلمون من هذه الآداب؟ وما عراهم (٣) حتى هجروا أحكام الكتاب! تالله إِنّ القلب يكاد يتفطر ألمًا، والعين تدمع دمًا على ما أصبحوا فيه من الجهل، ولا من سائق لهم إِلى الفقه والعلم، حتى أصبحت محاكم القضاة تيارًا لأمواج شكايات المظلومات، وميدانًا لجولان دعاوى الزوجات، حتى صار المسلمون ببغيهم في الطلاق وهضعم حقوق الأزواج عارًا على الإِسلام، وفتنة لسواهم من الأقوام!! ﴿ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا واغفر لنا ربنا إِنك أنت العزيز الحكيم﴾ (٤). --------------------------- (١) البقرة: ٢٣٦. (٢) البقرة: ٢٣٦. (٣) أي: أصابهم. (٤) الممتحنة: ٥. العدّة (١) تعريفها: العدة في اللغة من قولك: عَدَدْت الشيء إِذا أحصيتَه؛ فسُمّيت العدّة عدّة؛ مِن أنَها مُحصاة؛ لأنها ثلاثة قروء، وثلاثة أشهر، وأربعة أشهر وعشرًا (٢). وفي الشرع: «اسم لمدة تتربّص المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو طلاقها؛ بالولادة أو الأقراء أو الأشهر» (٣). وكانت العدة معروفة في الجاهلية، وكانوا لا يكادون يتركونها، فلمَّا جاء الإِسلام، أقرّها؛ لما فيها من مصالح. وأجمَع العلماء على وجوبها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿والمطلقات يتربصنَ بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (٤) ولحديث فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- قالت: «طلَّقني زوجي ثلاثًا، فأردت النُّقلة، فأقبل النّبيّ - ﷺ - فقال:»انتقلي إِلى بيت ابن عمك عمرو بن أمِّ مكتوم؛ فاعتدِّي عنده«(٥). حِكمة مشروعيتها: ١ - معرفة براءة الرحم، حتى لا تختلط الأنساب بعضها ببعض. ---------------------- (١) عن»فقه السّنة«(٣/ ٩٢) بتصرُّف وزيادة لأوَّل (أين تعتدّ المرأة المتوفّى زوجها). (٢) انظر»حلية الفقهاء«(ص ١٨٣). (٣) انظر»سبل السلام" (٣/ ٣٧٣) بتصرُّف يسير. (٤) البقرة: ٢٢٨. (٥) أخرجه مسلم: ١٤٨٠. ٢ - تهيئة فرصة للزوجين لإِعادة الحياة الزوجية، إِنْ رأيا أن الخير في ذلك. ٣ - أنَّ مصالح النّكاح لا تتمّ، حتى يُوطِّنا أنفسهما على إِدامة هذا العقد ظاهرًا، فإِنْ حدث حادِثٌ يوجب فكّ النظام، لم يكن بدٌّ من تحقيق صورة الإِدامة في الجملة، بأن تتربص مدةً تجد لتربصها بالًا، وتقاسي لها عناءً (١). أنواع العِدّة: ١ - عدة المرأة التي تحيض، وهي ثلاث حِيَض. ٢ - عدة المرأة التي يئست من الحيض، وكذا التي لم تَحِضْ، وهي ثلاثة أشهر. ٣ - عدة المرأة التي مات عنها زوجها، وهي أربعة أشهر وعشرًا؛ ما لم تكن حاملًا. ٤ - عدة الحامل، حتى تضع حملها. وهذا إِجمال، نفصله فيما يلي: فإِن الزوجة؛ إِمّا أن تكون مدخولًا بها، أو غير مدخول بها. عِدَّة غير المدخول بها: والزوجة غير المدخول بها، إِنْ طُلقتْ، فلا عِدَّة عليها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ (٢) فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها﴾ (٣). -------------------- (١) من «حجة الله البالغة». (٢) المس: الدخول. (٣) الأحزاب: ٤٩. فإِنْ كانت غيرَ مدخول بها، وقد مات عنها زوجها، فعليها العِدّة، كما لو كان قد دخَل بها. قال الله -تعالى-: ﴿والذين يُتوفون منكم ويذَرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا﴾ (١). عدّة المدخول بها: وأمّا المدخول بها؛ فإِمّا أن تكون من ذوات الحيض، وإمّا أن تكون من غير ذوات الحيض. عدّة الحائض: فإِنْ كانت من ذوات الحيض، فعدّتها ثلاثة قروء؛ لقول الله -تعالى-: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (٢). والقروء جمع قُرء، والقرء: الحيض. ورجَّح ذلك ابن القيّم -رحمه الله تعالى- فقال في «زاد المعاد» (٥/ ٦٠٩ - ٦١١): «إِن لفظ (القرء) لم يُستعمل في كلام الشارع إِلا للحيض، ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحمْله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإِنه - ﷺ - قال للمستحاضة:»دعي الصّلاة أيّام أقْرائِك«(٣) وهو - ﷺ - المعبّر عن الله -تعالى- وبِلُغَةِ قومه نزَل القرآن، فإِذا ورد ----------------- (١) البقرة: ٢٣٤. (٢) البقرة: ٢٢٨. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٥٢)، والترمذي»صحيح سنن = المشترك في كلامه على أحد معنييه، وجب حمْلُه في سائر كلامه عليه؛ إِذا لم تثبت إِرادة الآخر في شيء من كلامه ألبتة، ويصيرُ هو لغة القرآن التي خوطبنا بها، وإنْ كان له معنى آخر في كلام غيره». ثمّ قال -رحمه الله-: «فإِذا ثبت استعمال الشارع لفظ القروء في الحيض؛ عُلم أن هذا لغته، فيتعين حمْله على ما في كلامه، ويوضح ذلك ما في سياق الآية من قوله: ﴿ولا يحلّ لهنّ أنْ يكتمن ما خلَق الله في أرحامهنّ﴾ (١). وهذا هو الحيض والحمل عند عامَّة المفسرين، والمخلوق في الرحم إِنما هو الحيض الوجودي، ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضهم: الحمل، وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد قطُّ: إِنه الطهر، ولهذا لم ينقله من عُني بجمع أقوال أهل التفسير، كابن الجوزي وغيره، وأيضًا فقد قال -سبحانه-: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يَحِضْن﴾ (٢) فجعل كلّ شهر بإِزاء حيضة، وعلّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض». ثمّ قال -رحمه الله- (ص ٦٣١) منه: «فقوله -تعالى-: ﴿فطلّقوهنّ ----------------------- = الترمذي» (١٠٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٥٠٨)، وانظر «الإرواء» (٢٠٧ و٢١١٨). (١) البقرة: ٢٢٨. (٢) الطلاق: ٤. ![]()
__________________
|
|
#138
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 386الى صــ400 الحلقة (138) لعدتهنّ﴾ (١)، معناه: لاستقبال عدتهنّ لا فيها، وإذا كانت العدة التي يُطلق لها النساء مستقبلةً بعد الطلاق، فالمستقبَل بعدها إِنما هو الحيض، فإِنَّ الطاهر لا تستقبِلُ الطهر -إِذ هي فيه- وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها». انتهى. قلت: جاء في «حلية الفقهاء» (ص ١٨٣) -بحذف-: «وأمّا القُرء فهو اسمٌ يقع على الحيض والطُّهر ... قال أبو عمرو بن العلاء: وإنّما جاز ذلك؛ لأنّ القُرء الوقت، وهو يصلح للحيض، ويصلُح للطُّهر. فهذا ما تقوله العرب، وليس الاختلاف الواقع بين الفقهاء على اطّراح أحد القولين، وكلّهم مجمعون على أنّ القُرء اسمٌ يقع على الحيض، كما يقع على الطهر، ولكن كُلًاّ اختار قولًا، واحتج له من جهة المعنى. ومثل ذلك أنّ الجون اسمٌ يقع على الأبيض، كما يقع على الأسود، ثمّ اختلف الناس في الشمس، ولِمَ سُمّيت جَوْنًا؟ فيقول قوم: لبياضها، ونورها، ويقول آخرون: لا، بل لسوادها، لأنّها إِذا غابت اسودت. ثمّ يحتجُّ كلٌّ لمِقالته؛ بعد إِجماعهم على أن الجَوْن الأبيض والأسود. وكذا الفقهاء مجمعون على أن القُرء: الطُّهر والحيض ...». انتهى قلت: الذي ترجَّح لديّ أنْ يكون القرء هنا الحيض، وذلك أننا إِذا جَعَلنا القرء الطُّهر؛ أفضى ذلك إِلى تقليل مُدّة العدّة، فلو أنّ الرجل طلّق زوجته قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنَّ أوَّل قرءٍ ينتهي بعد قرابة خمسة أيام مثلًا. -------------------- (١) الطلاق: ١. أمّا إِذا كان القرء هو الحيض؛ فلو طلقها قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنّ أول قرء ينتهي بانتهاء الحيضة الثانية، فتكون مُدة القرء شهرًا تقريبًا، وهذا يلتقي حُكم مدّة اللائي يئسنَ من المحيض، وكذا اللائي لم يحضن وهي ثلاثة أشهر، والله -تعالى- أعلم. ثمَّ رأيت أثر عائشة -رضي الله عنها- قالت: «أُمِرت بَريرة أنْ تعتدّ بثلاث حِيَض» (١). عِدّة غير الحائض: وإنْ كانت من غير ذوات الحيض، فعدّتها ثلاثة أشهر، ويصدق ذلك على الصغيرة التي لم تبلغ، والكبيرة التي لا تحيض؛ سواء أكان الحيض لم يسبق لها، أم انقطع حيضها بعد وجوده؛ لقول الله -تعالى-: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إِن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يحضنَ وأُولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ﴾ (٢). وعن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم﴾ يعني: الآيسة العجوز التي لا تحيض، أو المرأة التى قعدت من الحيضة، فليست هذه من القروء في شيء. وفي قوله: ﴿إِن ارتبتم﴾ في الآية، يعني: إِنْ شككتم، ﴿فعدتهنّ ثلاثة أشهر﴾، وعن مجاهد: ﴿إِن ارتبتم﴾ ولم تعلموا عدة التي قعَدت عن الحيض، أو التي لم تحض ﴿فعدتهنّ ثلاثة ------------------------------ (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٩٠) وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢١٢٠). (٢) الطلاق: ٤. أشهر﴾، فلقوله -تعالى-: ﴿إِن ارتبتم﴾ يعني: إِن سألتم عن حُكمهن، ولم تعلموا حكمَهُنَّ وشككتم فيه، فقد بيّنه الله لكم. حُكم المرأة الحائض إِذا لم تر الحيض: إِذا طُلِّقت المرأة وهي من ذوات الأقراء؛ ثمّ إِنها لم تر الحيض في عادتها، ولم تَدْرِ ما سَببه؛ فإِنها تعتد سَنَةً تتربص مدة تسعة أشهر؛ لتعلم براءة رحمها؛ لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، فإِذا لم يَبِن الحمل فيها، عُلِم براءة الرحم ظاهرًا، ثمّ تعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر. وجاء في كتاب «الاختيارات الفقهيَّة» (ص ٢٨٢): «ومن ارتفَعَ حَيضُها ولا تدري ما رَفَعَه إِنْ علِمَت عدَمَ عودِه؛ فتعتدّ. وإلا اعتدَّت بِسَنة». هذا؛ وقد ذَكَر ابن حزم -رحمه الله- عددًا من الآثار في أقوالٍ ثلاثة؛ تتعلّق بالمرأة المختلفة الأقراء، وحين تصير في حد اليائسات من المحيض، وترجَّح لديّ القول الثاني من ذلك، وقد ساق في بعض الآثار بإِسناده إِلى سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- «أيّما امرأةٍ طُلِّقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثمّ رفعت حيضتها، فإِنها تنتظر تسعة أشهر، فإِنْ بان بها حمْل فذلك، وإلا اعتدّت بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر ثمّ حلّت». وقال -رحمه الله-: وصحَّ مِثل هذا عن الحسن البصري وسعيد بن المسيب (١). سِنّ اليأس: اختلف العلماء في سِنّ اليأس؛ فقال بعضهم: إِنها خمسون. وقال آخرون: ------------------- (١) انظر«المحلّى» (١١/ ٦٤٧). إِنها ستون، والحق أنَّ ذلك يختلف باختلاف النساء. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «اليأس يختلِف باختلاف النساء، وليس له حدٌّ يتفق فيه النساء، والمراد بالآية، أنّ يأس كل امرأة من نفسها؛ لأنّ اليأس ضد الرجاء، فإِذا كانت المرأة قد يئست من الحيض، ولم تَرْجُه، فهي آيسة، وإنْ كان لها أربعون أو نحوها، وغيرها لا تيأس منه، وإن كان لها خمسون» (١). عِدّة الحامل: وعِدّة الحامل تنتهي بوضع الحمل؛ سواء أكانت مُطلَّقة، أم متوفّى عنها زوجها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأولات الأحمال أجلُهنَّ أن يضعن حمْلهنّ﴾ (٢). قال في «زاد المعاد»: «ودلّ قوله -سبحانه-: ﴿أجلُهُنّ أن يضعن حملهنّ﴾ (٣) على أنها إِذا كانت حاملًا بتوأمين، لم تنقض العدة، حتى تضعهما جميعًا، ودلت على أن مَن علَيها الاستبراء، فعدتها وضْع الحمل أيضًا، ودلت على أن العدة تنقضي بوضعه على أي صفةٍ كان؛ حيًَّا أو ميّتًا، تام الخِلقة أو ناقصها، نُفخ فيه الروح أو لم ينفخ. عن سبيعة»أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو في بني عامر بن لؤيٍّ -وكان ممّن شهد بدرًا- فتوفّي عنها في حجّة الوَداع وهي حاملٌ، فلم --------------------------- (١) انظر «زاد المعاد» (٥/ ٦٥٧ - ٦٥٨). (٢) الطلاق: ٤. (٣) الطلاق: ٤. تنشب (١) أن وضعت حملْها بعد وفاته، فلمّا تعلّت (٢) من نفاسها تجمّلت للخُطّاب فدخَل عليها أبو السّنابل بن بعكك (رجل من بني عبد الدّار) فقال لها: ما لي أراكِ مُتجمّلة؟ لعلّك ترجين النّكاح، إِنّك والله ما أنتِ بناكح حتّى تَمُرَّ عليك أربعةُ أشهر وعشرٌ، قالت سبيعة: فلمّا قال لي ذلك جمعْتُ عليّ ثيابي حين أمسيت فأتيتُ رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأنّي قد حللتُ حِين وضعْتُ، وأمَرني بالتزوّج إِنْ بدا لي«. قال ابن شهاب: فلا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت وإِنْ كانت في دمها؛ غير أن لا يقربها زوجها حتى تطهر» (٣). والعلماء يجعلون قول الله -تعالى-: ﴿والذين يُتَوَفَّون منكم ويذَرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ (٤) خاصةً بِعِدَد الحوائل (٥)، ويجعلون قول الله -تعالى-: ﴿وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حمْلهن﴾ (٦) في عِدَدِ الحوامل، فليست الآية الثانية معارضة للأولى. عدة المتوفّى عنها زوجها: والمتوفَّى عنها زوجها عدّتُها أربعة أشهر وعشر، ما لم تكن حاملًا، لقول الله --------------------- (١) أي: لم تلبث. (٢) تعلَّت: أى خرجت من نفاسها، وانظر «النِّهاية». (٣) أخرجه البخاري: ٥٣١٩، ومسلم: ١٤٨٤، واللفظ له. (٤) البقرة: ٢٣٤. (٥) أي: غير الحوامل. (٦) الطلاق: ٤. -تعالى-: ﴿والذين يُتوفون منكم ويذَرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (١). وإنْ طلّق امرأته طلاقًا رجعيًا، ثمّ مات عنها وهي في العِدَّة؛ اعتدّت بِعِدَّةِ الوفاة؛ لأنه توفي عنها، وهي زوجته. عِدّة المستحاضة: المستحاضة تعتدّ بالحيض، ثمّ إِنْ كانت لها عادة، فعليها أن تراعي عادتها في الحيض والطهر، فإِذا مضت ثلاث حيض، انتهت العدة. عدة المطلّقة ثلاثًا: جاء في «الاختيارات الفقهية» (ص ٢٨٢): «والمطلقة ثلاث تطليقات؛ عدّتها حيضة واحدة». انتهى. وبالحيضة يتحقّق استبراء الأرحام؛ ولها بعد ذلك أن تنكح زوجًا غيره. عدّة المختلعة: والمختلعة تعتدّ بحيضة واحدة، وتقدّم التفصيل في (باب الخلع). وجوب العدّة في غير الزواج الصحيح: مَن وطئ امرأةً بشبهة وجَبت عليها العدَّة؛ لأنّ وطْء الشبهة كالوطء في النكاح في النَّسَب، فكان كالوطء في النكَاح، في إِيجاب العِدَّة، وكذلك تجَِب العِدَّة في زواجٍ فاسد، إذا تحقَّق الدخول. تحول العدة من الحيض إِلى العِدَّة بالأشهر: إِذا طلَّق الرجل زوجته، وهي من ذوات الحيض، ثمّ مات وهي في العِدَّة، ---------------------- (١) البقرة: ٢٣٤. فإِنْ كان الطلاق رجعيًا، فإِن عليها أن تعتد عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشرًا؛ لأنها لا تزال زوجةً له، ولأنّ الطلاق الرجعي لا يُزيل الزوجية؛ ولذلك يثبت التوارث بينهما، إِذا توفي أحدهما وهي في العِدَّة. وإِنْ كان الطلاق بائنًا فإِنها تُكمِل عدة الطلاق بالحيض، ولا تتحول العدة إِلى عدة الوفاة، وذلك لانقطاع الزوجية بين الزوجين من وقت الطلاق؛ لأن الطلاق البائن يزيل الزوجية، فتكون الوفاة قد حدثت وهو غير زوج. تحول العدة من الأشهر إِلى الحيض: إِذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لِصِغَرِها، أو لبلوغها سِنَّ اليأس، ثمّ حاضت؛ لزمها الانتقال إِلى الحيض؛ لأنّ الشهور بدل عن الحيض، فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها. وإن انقضت عِدَّتها بالشهور، ثمّ حاضت، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالأقراء، لأنّ هذا حدَثَ بعد انقضاء العدة [ولأنه لو كانت لها عِدَّةٌ من قبل بالأقراء؛ لم تكن في الغالب أكثر من عدّتها بالشهور]. وإنْ شرعت في العدة بالأقراء أو الأشهر، ثمّ ظهر لها حمْلٌ من الزوج، فإِنّ العدة تتحول إِلى وضع الحمل، والحمل دليل على براءة الرحم، من جهة القطع. انقضاء العدة: إِذا كانت المرأة حاملًا، فإِنَّ عدتها تنقضي بوضع الحمل، وإذا كانت العدة بالأشهر، فإِنها تحتسب من وقت الفرقة أو الوفاة، حتى تستكمل ثلاث أشهر أو أربعة أشهر وعشرًا، وإذا كانت بالحيض، فإِنها تنقضي بثلاث حيضات، وذلك يُعرَف من جهة المرأة نفسها. لزوم المطلقة المعتدة بيت الزوجية: *يجب على المعتدة أن تلزم بيت الزوجية، حتى تنقضي عِدَّتها، ولا يحلُّ لها أن تخرج منه، ولا يحل لزوجها أن يُخرِجها منه. ولو وقع الطلاق، أو حصلت الفرقة وهي غير موجودة في بيت الزوجية، وجَب عليها أن تعود إِليه بمجرد عِلْمها* (١). يقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنَّ وأحصوا العِدَّة واتقوا الله ربَّكم لا تُخرِجوهنّ من بيوتهنَّ ولا يَخرُجن إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبيِّنة وتلك حدود الله ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله-: «وقوله -تعالى-: ﴿إِلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنَة﴾ أي: لا يخرجن من بيوتهن إِلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل: الزنى كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والسدي، وسعيد بن أبي هلال وغيرهم، وتشمل ما إِذا نشزت المرأة، أو بَذَتْ على أهل الرجل، وآذتهم في الكلام والفِعال، كما قاله أُبيّ بن كعب، وابن عباس، وعكرمة وغيرهم. وقد رخَّص النّبيّ - ﷺ - لخالة جابر بن عبد الله أن تخرج لتجدَّ نخلها. ---------------------- (١) ما بين نجمتين من»فقه السّنة" (٣/ ١٠١). (٢) الطلاق: ١. فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «طُلِّقت خالتي، فأرادت أن تجُدّ نخلها (١)، فزَجَرها رجل أن تخرج، فأتت النّبيّ - ﷺ - فقال: بلى فجُدِّي نخلك؛ فإِنك عسى أن تصدَّقي أو تفعلي معروفًا» (٢). فيبدو أنّ الأمر عند الحاجة أوسع منه من معتدّة الوفاة. وسألت شيخنا -رحمه الله- عنْ ذلك، فأجابني به. أين تعتد المرأة المتوفَّى زوجها؟ عن زينب بنت كعب بن عجرة "أنّ الفُريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري، أخبَرتها أنها جاءت إِلى رسول الله - ﷺ - تسأله أن ترجع إِلى أهلها في بني خُدرة، فإِنَّ زوجها خرج في طلب أعبُد له أبَقوا حتى إِذا كانوا بطرف القَدُوم لحقَهم فقتلوه، فسألتُ رسول الله - ﷺ - أن أرجع إِلى أهلي، فإِني لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: نعم. قالت: فخرجتُ حتى إِذا كانت في الحجرة، أو في المسجد، دعاني أو أمَر بي فدُعيت له فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذَكَرْت من شأن زوجي. قالت: فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان: أرسل إِليّ فسألني ----------------------- (١) أن تقطع ثمَرَه. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٣. عن ذلك، فأخبرته فاتَّبعه وقضى به» (١). قال التِّرمذي -رحمه الله- عقب هذا الحديث: ... والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: لم يروا للمعتدَّة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدَّتها. وهو قول سفيان الثّوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: للمرأة أنْ تعتدّ حيث شاءت، وإنْ لم تعتدّ في بيت زوجها. والقول الأوَّل أصحّ (٢). وعن سعيد بن المسيب: «أنّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يَرُدُّ المتوفى عنهنّ أزواجهنّ من البيداء يمنعهنّ الحج» (٣). وقد ضعّف هذا الأثر ابن حزم، وانظر الردّ عليه في «زاد المعاد» و«التلخيص الحبير» (٤/ ١٢٩١) برقم (١٦٤٨)، و«نيل الأوطار» (٧/ ١٠١)، والتحقيق الثاني «للإِرواء» (٢١٣١) لشيخنا (٤). ------------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٥١٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٥١)، والنسائي «صحيح سنن النسائى» (٣٣٠٢، ٣٣٠٣، ٣٣٠٤)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢١٣١). (٢) انظر «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٣٥٥). (٣) أخرجه مالك والبيهقي وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٢١٣٢). (٤) وكان من قبل -رحمه الله- يضعّف هذا الأثر، ثمّ تراجع عن ذلك. وفي التحقيق الثاني فوائد قيّمة تُثبت صحّته. وذكر شيخنا -رحمه الله- رواية عبد الرّزّاق في «المصنف» (٧/ ٣٣/١٢٠٧٢) من طريق آخر صحيح عن سعيد به. وقال عطاء: قال ابن عباس: «نسخَت هذه الآية عدتها عند أهلها؛ فتعتدّ حيث شاءت، وهو قول الله -تعالى-: ﴿غيرَ إِخراج﴾ قال عطاء: إِن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن﴾ (١) قال عطاء: ثمّ جاء الميراث فنسخ السّكنى، فتعتدُّ حيث شاءت ولا سكنى لها» (٢). ومع هذا الأثر بل وآثار عديدة سيأتي ذِكرها إِن شاء الله -تعالى- بات الخلاف معتبرًا. قال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٥/ ٦٨١ - ٦٨٢) - بعد أن ذَكَر حديث زينب بنت كعب في شأن الفريعة بنت مالك رضي الله عنها-: «وقد اختلف الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم في حُكم هذه المسألة، فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تُفتي المتوفّى عنها بالخروج في عدَّتها، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قُتل عنها طلحة بن عبيد الله إِلى مكة في عمرة. ومن طريق عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج: أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال:»إِنما قال الله -عز وجل-: تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ولم يقل: تعتد في بيتها، فتعتد حيث شاءت. وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس، فإِنَّ علي ابن المديني قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريج عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: قال الله -تعالى-: ﴿والذين يُتوفّون منكم ويَذَرون --------------------- (١) البقرة: ٢٤٠. (٢) أخرجه البخاري: ٤٥٣١. أزواجًا يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشْرًا﴾ ولم يقل: يعتَدِدْن في بيوتهن، تعتدُّ حيث شاءت، قال سفيان: قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا. وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتدُّ المتوفّى عنها حيث شاءت. وقال عبد الرزاق عن الثوري عن إِسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان يُرحِّل المتوفَّى عنهن في عدتهن. وذكر عبد الرزاق أيضًا، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس وعطاء، قالا جميعًا: المبتوتة والمتوفَّى عنها تَحُجّان وتعتمران، وتنتقلان وتبييتان». إِلى غير ذلك من الآثار الثابتة بالأسانيد الصحيحة، ثمّ قال (ص ٦٨٦) منه: "وقال سعيد بن منصور: حدثنا هُشيم: أنبأنا إِسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه سُئل عن المتوفّى عنها: أتخرج في عدتها؟ فقال: كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشدّ شيء في ذلك، يقولون: لا تخرج، وكان الشيخ -يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه- يُرحلها. وقال حماد بن سلمة: أخبرنا هشام بن عروة، أن أباه قال: المتوفّى عنها زوجها تعتدُّ في بيتها إِلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم. وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم:، أخبرنا يحيى بن مسعود هو الأنصاري، أن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفّى عنها: لا تبرح حتى تنقضي عِدَّتها. وذكر أيضًا عن ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وجابر كلاهما قال في المتوفّى عنها: لا تخرج». وقال -رحمه الله- (ص ٦٨٦): «وذكر حماد بن زيد، عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين أن امرأة توفي زوجها وهي مريضة، فنقَلها أهلها، ثمّ سألوا فكُلُّهم يأمرهم أن تُردَّ إِلى بيت زوجها، قال ابن سيرين: فرددناها في نمَط. وهذا قول الإِمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة -رحمهم الله- وأصحابهم والأوزاعي وأبي عبيد وإسحاق. قال أبو عمر بن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر». ثمَّ قال (ص ٦٨٧): "قالوا: ونحن لا نُنكر النزاع بين السلف في المسألة، ولكن السّنة تفصل بين المتنازعين، قال أبو عمر بن عبد البر: أمّا السّنة، فثابتة بحمد الله. وأمّا الإِجماع، فمستغنى عنه مع السّنة، لأن الاختلاف إِذا نزل في مسألة، كانت الحجة في قول من وافَقَتْهُ السّنة (١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أخذ المترخّصون في المتوفّى عنها بقول عائشة -رضي الله عنها-، وأخَذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر. فإِن قيل: فهل ملازمة المنزل حقٌّ عليها، أو حقٌّ لها؟ قيل: بل هو حقٌّ عليها إِذا ترَكه لها الورثة، ولم يكن عليها فيه ضررٌ، أو كان المسكن لها، فلو حوّلها الوارث، أو طلبوا منها الأجرة، لم يلزمها السكن، وجاز لها التحول. ------------------- (١) وهذا قول عزيز نفيس؛ يجب أن يعضّ طالب العلم عليه بالنّواجذ، وأنْ يسأل الله -سبحانه- أن يهبه العزيمة القوية في طلب الحق ومعرفة الصواب. ثمّ اختلف أصحاب هذا القول: هل لها أن تتحول حيث شاءت، أو يلزمها التحول إِلى أقرب المساكن إِلى مسكن الوفاة؟ على قولين. فإِن خافت هدمًا أو غرقًا، أو عدوًا أو نحو ذلك، أو حوَّلها صاحب المنزل لكونه عاريّة رجع فيها، أو بإِجارة انقضت مدتها، أو منَعَها السكنى تعديًا، أو امتنع من إِجارته، أو طلب به أكثر من أجر المِثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو لم تجد إِلا من مالها؛ فلها أن تنتقل، لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فِعْل السُّكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذَّرت السّكنى، سقطت. وهذا قول أحمد والشافعي». وقال -رحمه الله- (ص ٦٩١ - ٦٩٢): "قال الآخرون: ليس في هذا ما يوجب رد هذه السّنة الصحيحة الصريحة التي تلقّاها أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأكابر الصحابة بالقَبول، ونفَّذها عثمان، وحَكَم بها، ولو كنّا لا نقبل رواية النساء عن النّبيّ - ﷺ -، لذهبت سنن كثيرة من سنن الإِسلام لا يُعرف أنه رواها عنه إِلا النساء، وهذا كتاب الله ليس فيه ما ينبغي وجوب الاعتداد في المنزل حتى تكون السّنة مخالفة له، بل غايتها أن تكون بيانًا لحُكمٍ سكَت عنه الكتاب. ومثل هذا لا تُردُّ به السنن، وهذا الذي حذّر منه رسول الله - ﷺ - بعينه أن تترك السنّة إِذا لم يكن نظير حُكمها في الكتاب. وأمَّا ترك أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- لحديث الفُريعة، فلعله لم يبلغها. ولو بَلَغَها فلعلها تأولته، ولو لم تتأوله، فلعله قام عندها معارض له. وبكل حال، فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث؛ أعذر من التاركين له لترك أمّ المؤمنين له، فبين التركين فرقٌ عظيم. وأمّا من قُتل مع النّبيّ - ﷺ -، ومن مات في حياته، فلم يأت قط أن نساءهم كن يعتددن حيث شئن، ولم يأت عنهن ما يُخالف حُكم حديث فُريعة ألبتة، فلا يجوز ترك السنة الثابتة لأمرٍ لا يعلم كيف كان، ولو عُلم أنهن كن يعتددن حيث شئن، ولم يأت عنهن ما يخالف حُكْم حديث الفريعة، فلعل ذلك قبل استقرار هذا الحكم وثبوته حيث كان الأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب». وجاء في «سُبل السلام» (٣/ ٣٨٥) -بعد حديث فُريعة بنت مالك رضي الله عنها-: «والحديث دليل على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها الذي نوت فيه العدة، ولا تخرج منه إِلى غيره، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف والخلف، وفي ذلك عدة روايات وآثار عن الصحابة ومن بعدهم. وقال بهذا أحمد والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم. وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام ومصر والعراق، وقضى به عمر بمحضر من المهاجرين والأنصار». وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ١٥٠): «وقد ذهَب إِلى العمل بحديث فريعة جماعة من الصحابة فمن بعدهم، وقد روي جواز الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم، ولم يأت من أجاز ذلك بحجة تصلح لمعارضة حديث فريعة، وغاية ما هناك روايات عن بعض الصحابة وليست بحجة، لا سيما إِذا عارضَت المرفوع». وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧/ ٢٠٧) في (التحقيق الثاني): "ثمّ رأيت ابن القيّم قد انتصر لصحة الحديث ... كما انتصر لقول من قال بوجوب العمل به -وهم الجمهور-، ويؤيّده تصحيح من صحّحه من الأئمة دون ![]()
__________________
|
|
#139
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 401الى صــ415 الحلقة (139) مُعارض، وهم الترمذي وابن حبّان وابن الجارود والحاكم والذهبي ... (١)». وجاء في «الفتاوى» (٣٤/ ٢٨): «وسُئل -رحمه الله تعالى- عن امرأة معتدة عدة الوفاة؛ ولم تعتدّ في بيتها بل تخرج في ضرورتها الشرعية: فهل يجب عليها إعادة العدّة؟ وهل تأثم بذلك؟ فأجاب: العدّة انقضت بمضي أربعة أشهر وعشر من حين الموت، ولا تقضي العدّة. فإِنْ كانت خرجت لأمر يحتاج إِليه ولم تبِتْ إِلا في منزلها فلا شيء عليها، وإِن كانت قد خرجت لغير حاجة وباتت في غير منزلها لغير حاجة، أو باتت في غير ضرورة، أو تركت الإِحداد: فلتستغفر الله وتتوب إِليه من ذلك، ولا إِعادة عليها». وجاء فيه (ص ٢٩): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل توفي وقعدت زوجته في عدته أربعين يومًا؛ فما قدرت تخالف مرسوم السلطان؛ ثمّ سافرت وحضرت إِلى القاهرة، ولم تتزين لا بطيب ولا غيره، فهل تجوز خطبتها؛ أم لا؟ فأجاب: العدة تنقضي بعد أربعة أشهر وعشرة أيام؛ فإِنْ كان قد بقي من هذه شيء فلتتمه في بيتها، ولا تخرج ليلًا ولا نهارًا إِلا لأمر ضروري؛ وتجتنب الزينة والطيب في بيتها وثيابها، ولتأكل ما شاءت من حلال، وتشم الفاكهة، وتجتمع بمن يجوز لها الاجتماع به في غير العدة؛ لكن إِنْ خطَبها إِنسان لا تجيبه صريحًا، والله أعلم». وفيه (ص ٢٩) أيضًا: "وسئل -رحمه الله تعالى- عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها، فمات زوجها في شعبان: فهل يجوز لها أن تحج؟ --------------------- (١) انظر المصدر المذكور لبقية الأسماء -إِن شئت-. فأجاب: ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إِلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة». انتهى. وفي بعض مجالس شيخنا -رحمه الله- سُئل عن ذهاب امرأة لدرس ديني، وهي في عدَّة الوفاة؟ فأجاب: لا يجوز للمرأة أن تغادر بيت زوجها خلال عدَّتها إِلا للضرورة، وليس هذا من الضَّرورة. وسُئل -رحمه الله- عن ذهابها لصلاة الجماعة؟ فأجاب: لا تخرج للمسجد؛ للجماعة ولا للجمعة. وسُئل -رحمه الله- عن الخروج للمعالجة؟ فأجاب: إِذا اشتدَّ المرض ولم تتمكَّن من إِحضار الطَّبيبة، فلها ذلك. وسئل -رحمه الله-: أين تعتدَّ الزَّوجة؟ فأجاب: في البيت الذي يأتيها خبر وفاة زوجها، وإذا لم يكن هناك محارم؛ تنتقل لبيت زوجها. والخُلاصة: أن المتوفّى عنها زوجها تلزم بيت الزوجية وتعتدّ فيه إِلا لضرورة، والله -تعالى- أعلم. لا يجوز للمعتدَّة الرَّجعية الخروج إِلا بإِذن زوجها: جاء في «السَّيل الجرَّار» (٢/ ٣٨٨): "... وجهُهُ أنَّها لم تنقطع الزَّوجيَّة بينهما، فقد بقي له طرف منها وبقي لها طرف منه، وذلك إِذا تراجعا. ومعلوم أنَّها إِذا كانت باقية لديه غير مطلقة؛ أنَّها لا تخرج إِلا بإِذنه؛ لأنَّها قد تدعو حاجته إِليها وهي خارجة عن البيت، وقد يكون عليه في خروجها ما يلحق به غضاضة أو تعتريه بسببه غيرة. ولهذا صحَّ عن النّبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصّحيحين وغيرهما أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يحلُّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إِلا بإِذنه» فإِذا كان هذا في الصَّوم الذي هو من أعظم القُرَبِ، فكيف بالخروج؟ وإِذا عرَفت هذا؛ عرفتَ أنَّه ينبغي لها في أيَّام عدَّة الرَّجعة أنْ لا تخرج إِلا بِإِذن زوجها؛ لأنَّه إذا كان عازمًا على رجعتها لحقه من الغَضَاضَة والغيرة ما يلحقه عليها قبل طلاقها؛ إِلا أنْ يكون الخروج للحاجة ... «(١). حِداد المُعْتدَّة: *يجوز للمرأة أن تحدّ على قريبها ثلاثة أيام، ويحرم عليها الإِحداد فوق ذلك. أمّا الزوج؛ فيحلّ لها أن تحدّ عليه أربعة أشهر وعشرًا (٢). فعن أمِّ عطية -رضي الله عنها- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: لا تُحدّ امرأة على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا؛ إِلا ثوب عَصْب (٣)، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا؛ إِلا إذا طهرت ------------------ (١) واستدلَّ بالخروج للحاجة بقوله - ﷺ -:»اخرجي فجدِّي نخلك ... «ولا شك أن الخروج للحاجة يرجع تقديره للمرأة؛ بتجرُّد وتقوى. (٢) منها ثلاثة أيامٍ تلزم السَّواد، لقوله - ﷺ - لأسماء بنت عميس:»تسلّبي ثلاثًا ... «انظره وفقهه في»الصّحيحة" (٣٢٢٦). (٣) العَصْب -بعين مفتوحة ثمّ صاد ساكنة مهملتين-: هو برود اليمن، يُعْصَبُ غزْلها ثمّ يُصبَغ معصوبًا، ثمّ تنسج. ومعنى الحديث: النهي عن جميع الثياب المصبوغة للزينة؛ = نُبذة (١) من قُسْط (٢) أو أظفار (٣) «(٤). وعن زينب ابنة أبي سلمة قالت:»لَمّا جاء نعي أبي سفيان من الشام؛ دعت أمّ حبيبة -رضي الله عنها- بصُفرة (٥) في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها (٦) وذراعيها، وقالت: إِني كنتُ عن هذا لغنيَّة؛ لولا أنّي سمعت النّبي - ﷺ - يقول: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ فإِنّها تُحدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا» (٧) * (٨). -------------- = إِلا ثوب العصب. «شرح النووي». (١) النُّبذة: القطعة والشيء اليسير. «شرح النووي» أيضًا. (٢) القُسط: ضرْبٌ من الطّيب، وفيل: هو العود، والقُسط: عقار معروف في الأدوية طيّب الريح؛ تبخّر به النّفساء والأطفال، وهو أشبه بالحديث؛ لإضافته إلى الأظفار. «النهاية». (٣) الأظفار: جنس من الطيب، والقطعة منه شبيهة بالظُّفر. «النهاية» بحذف. قال النووي -رحمه الله-: «القُسط والأظفار: نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب، رُخّص فيه للمغتسلة من الحيض؛ لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم لا للتطيُّب. والله -تعالى- أعلم». (٤) أخرجه البخاري: ٥٣٤٢، ومسلم: ٩٣٨. (٥) الصُّفرة -في الأصل-: لونٌ أصفر. والمراد هاهنا: نوع من الطّيب فيه صُفرة. قاله العيني في «عمدة القاري». (٦) العارض: جانب الوجه وصفحة الخدّ. (٧) أخرجه البخاري: ١٢٨٠، وتقدّم نحوه. (٨) ما بين نجمتين تقدّم في كتابي «الموسوعة» في (الجنائز) (٤/ ٦٠). فائدة: جاء في «الفتاوى» (٣٤/ ٢٧): «المعتدَّة عدَّة الوفاة تتربَّص أربعة أشهرٍ وعشرًا، وتجتنب الزِّينة والطِّيب في بدنها وثيابها، ولا تتزيَّن، ولا تتطيَّب، ولا تلبس لباس الزِّينة، وتلزم منزلها فلا تخرج بالنَّهار إِلا لحاجة، ولا بالليل إِلا لضرورة، ويجوز لها أنْ تأكل كلّ ما أباحه الله: كالفاكهة واللحم: لحم الذَّكر والأنثى، ولها أكْل ذلك باتِّفاق علماء المسلمين، وكذلك شُرْب ما يُباح من الأشربة ويجوز لها أنْ تلبس ثياب القطن والكتَّان، وغير ذلك مما أباحه الله، وليس عليها أنْ تصنع ثيابًا بيضاء أو غير بيض للعدَّة، بل يجوز لها لبس المقفص (١)؛ لكن لا تلبس ما تتزيَّن به المرأة: مثل الأحمر، والأصفر، والأخضر الصّافي، والأزرق الصَّافي، ونحو ذلك ولا تلبس الحُلِي مِثل الأسورة، والخلاخل، والقلائد، ولا تختضب بحنَّاء ولا غيره؛ ولا يحرم عليها عمل شُغلٍ من الأشغال المباحة: مثل التَّطريز، والخياطة، والغَزْل، وغير ذلك مما تفعله النِّساء. ويجوز لها سائر ما يُباح لها في غير العِدَّة: مثل كلام من تحتاج إِلى كلامه من الرِّجال إِذا كانت مُستترة، وغير ذلك. وهذا الذي ذكرته هو سُنَّة رسول الله - ﷺ - الذي كان يفعله نساء الصَّحابة إِذا مات أزواجهنّ (ونساؤه - ﷺ -) ...». والله أعلم. ماذا إِذا نكحت المرأة في عدَّتها إِذا نكحت المرأة في عدَّتها؛ فإِنَّه يُفَرَّق بينهما، ولها الصَّداق بما استحلّ من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدَّة الأوَّل وتعتدّ من الآخر، وذلك لأثر ---------------- (١) أي المخطَّط. سليمان بن يسار: أنَّ طليحة الأسديَّة كانت تحت رشيد الثَّقفي، فطلَّقها، فنَكَحت في عدَّتها، فضربها عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه-، وضرب زوجها بالمِخفقة (١) ضربات، وفرَّق بينهما، ثمَّ قال عمر بن الخطَّاب: «أيّما امرأة نكحَت في عدّتها، فإِن كان زوجها الذي تزوَّجها لم يدخل بها، فرِّق بينهما، ثمّ اعتدَّت بقيَّة عدَّتها من زوجها الأوَّل، ثمَّ كان الآخر خاطبًا من الخطَّاب، وإن كان دخل بها، فرَّق بينهما، ثمَّ اعتدَّت بقيَّة عدَّتها من الأوَّل ثمَّ اعتدَّت من الآخر، ثمَّ لا يجتمعان أبدًا؟ قال سعيد: ولها مهرها بما استحلَّ منها» (٢). نَفَقَة المُعْتَدَّة إِذا كانت عدّة المرأة رجعية فإِنها تجب لها السكنى والنفقة لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس -رضي الله عنها-: «إِنّما النفقة والسُّكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها الرجعة» (٣). وإذا كانت مبتوتة فلا نفقة لها ولا سُكْنى (٤)، كما في حديث فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- المتقدم، وفي رواية عنها: «أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب. فأرسل إِليها وكيله بشعير. فسخطته، فقال: والله! ما لكِ ------------------- (١) المِخفقة: الدِّرّة، وهي التي يُضرب بها. (٢) أخرجه مالك في»الموطَّأ«وصحَّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٢١٢٤). (٣) أخرجه أحمد والنسائي»صحيح سنن النسائى«(٣١٨٦) وغيرهما، وانظر»الصحيحة«(١٧١١). (٤) وانظر -إِن شئت المزيد- ما جاء في»تهذيب السنن«لابن القيّم -رحمه الله- مع»عون المعبود" (٦/ ٢٧٧). علينا من شيء. فجاءت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له. فقال: «ليس لكِ عليه نفقة» (١). وفي رواية: «لا نفقة لك ولا سُكنى» (٢). أمَّا قوله -تعالى-: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم مِن وُجْدِكم﴾ (٣) فهذا سياقه في الرجعيَّة، كما ذكَر ابن القيّم -رحمه الله- في «تهذيب السنن» (٤). ولا نفقة للمبتوتة إِلا أن تكون حامِلًا؛ لقوله - ﷺ -: «لا نفقة لك؛ إِلا أن تكوني حاملًا» (٥). ولا نفقة للمعتدة من وفاة إِلا أنْ تكون حاملًا كذلك. جاء في «الروضة» (٢/ ١٦٥): «... ولا في عدّة الوفاة؛ فلا نفقة ولا سُكنى إِلا أن تكونا حاملتين؛ لعدم وجود دليلٍ يدلّ على ذلك في غير الحامل، ولا سيّما بعد قوله -صلى الله عديه وآله وسلم-:»إِنما النفقة والسُّكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها الرجعة، فإِذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى«(٦). -------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٨٠. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٠. (٣) الطلاق: ٦. (٤) انظر التفصيل في»العون«(٦/ ٢٧٨). (٥) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، ورواه مسلم بمعناه، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء": (٢١٦٠). (٦) تقدم تخريجه قبل سطور. وفيه (ص ١٦٦):»ويؤيده أيضًا تعليل الآية المتقدمة بقوله -تعالى-: ﴿لا تدري لعلّ الله يُحدِثُ بعد ذلك أمرًا﴾ (١) وهو الرجعة، ولم يبق في عدة الوفاة ذلك الأمر. ويفيده أيضًا مفهوم الشرط في قوله -تعالى-: ﴿وإنْ كنّ أولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتّى يضعن حملهنّ﴾ (٢) وهي أيضًا تدل على وجوب النفقة للحامل سواء كانت في عدة الرجعي، أو البائن، أو الوفاة، وكذلك يدل على ذلك قوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس: «لا نفقة لكِ إلاَّ أن تكوني حاملًا» (٣). وقال في الصفحة نفسها: «وينبغي أن يُقيَّد عدم وجوب السكنى لمن في عدة الوفاة؛ بما تقدّم في وجوب اعتدادها في البيت الذي بلَغها موت زوجها وهي فيه، فإِنَّ ذلك يفيد أنها إِذا كانت في بيت الزوج؛ بقيت فيه حتى تنقضي العدة؛ ويكون ذلك جمعًا بين الأدلة؛ من باب تقييد المطلق، أو تخصيص العام فلا إِشكال». وفيه (ص ١٦٧): «الحقُّ أنّ المتوفى عنها زوجها لا تستحق في عدة الوفاة لا نفقة، ولا سكنى، سواء كانت حاملًا أو حائلًا؛ لزوال سبب النفقة بالموت، واختصاص آية السكنى بالمطلَّقة رجعيًا، واختصاص آية إِنفاق الحامل بالمطلَّقة ... فإِذا مات وهي في بيته اعتدت فيه لا لأنَّ لها السُّكنى؛ بل لوجوب الاعتداد عليها في البيت الذي مات وهي فيه». -------------------- (١) الطلاق: ١. (٢) الطلاق: ٦. (٣) تقدَّم قبل سطور. وقال -رحمه الله- (ص ١٦٧) أيضًا: «فتقرر بمجموع ما ذُكِر أن المتوفّى عنها مطلقًا؛ كالمطلقة بائنًا، إِذا لم تكن المطلقة بائنًا حاملًا في عدم وجوب النفقة والسكنى، فإِنْ كانت المطلقة بائنًا حاملًا؛ فلها النفقة ولا سُكنى لها. وأمّا المطلقة الرجعية فلها النفقة والسكنى سواء كانت حاملًا أو حائلًا. وأمّا المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها؛ فالنفقة ساقطة بلا ريب، وكذلك السكنى، والمتعة المذكورة لها في القرآن هي عِوَض عن المهر. والملاعِنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها إِنْ كانت المطلقة بائنًا كانت مثلها في ذلك، وإن كانت المتوفى عنها زوجها فكذلك ...». الحضانة الحِضانة تعريفها: الحِضانة: -بكسْر الحاء المهملة- مصدر من حضن الصبي حضنًا وحضانة: جَعَلَه في حضنه، أو ربّاه فاحتضنه، والحِضْن -بكسر الحاء- هو ما دون الإِبط إِلى الكشح (١) والصدر: أو العضدان وما بينهما، وجانب الشيء أو ناحيته؛ كما في «القاموس». وفي الشرع: حِفظ من لا يستقل بأمره وتربيته ووقايته عمَّا يهلكه أو يضره (٢). الحِضانة حقٌّ مشترك (٣): الحِضانة حقٌّ للصغير، لاحتياجه إِلى مَن يرعاه، ويحفظه، ويقوم على شؤونه، ويتولى تربيته، ولأمِّه الحقّ في احتضانه كذلك، لقول الرسول - ﷺ -: «أنت أحقُّ به» (٤). وإذا كانت الحِضانة حقًَّا للصغير، فإِن الأمّ تُجبر عليها إذا تعيَّنَت، بأن يحتاج الطفل إِليها، ولم يوجد غيرها، كيلا يضيع حقّه في التربية والتأديب، فإِن لم تتعين الحضانة، بأن كان للطفل جدّة، ورضيت بإِمساكه، وامتنعت الأمّ، فإِنَّ حقّها في الحضانة يسقط بإِسقاطها إِياه، لأن الحضانة حقٌّ لها. ---------------------- (١) وهو ما بين الخاصرة والضُّلوع. (٢) انظر «سبل السلام» (٣/ ٤٢٩). (٣) عن «فقه السنّة» (٣/ ١٠٦). (٤) جزء من الحديث الآتي تخريجه إِن شاء الله -تعالى-. الأولى بحضانة الطفل أُمّه ما لم تنكح: الأولى بالطفل أمُّه ما لم تنكح؛ فعن عبد الله بن عمرو «أنّ امرأة قالت: يا رسول الله إِنّ ابني هذا كان بطني له وعاءً وثديي له سقاءً، وحِجري (١) له حواءً (٢)، وإنّ أباه طلَّقني، وأراد أن ينتزعه منّي. فقال لها رسول الله - ﷺ -: أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي» (٣). وجاء في «الرّوضة» (٢/ ١٨٣): «وقد وقع الإِجماع على أنّ الأمّ أولى بالطّفل من الأب. وحكى ابن المنذر الإِجماع:»على أن حقّها يبطل بالنّكاح، وقد رُوي عن عثمان أنّه لا يبطل بالنّكاح؛ وإليه ذَهَب الحسن البصري، وابن حزم، واحتجّوا ببقاء ابن أمّ سلمة في كفالتها بعد أن تزوّجت بالنّبي - ﷺ -. ويجاب عن ذلك؛ بأنّ مجرَّد البقاء مع عدم المنازع لا يُحتجُّ به؛ لاحتمال أنّه لم يبق له قريب غيرها ...«. وانظر للمزيد من الفائدة -إن شئت- ما جاء في»الصّحيحة«تحت الحديث (٣٦٨). حضانة الأب: وفي الحديث المتقدّم:»... وإنّ أباه طلّقني، وأراد أن ينتزعه منّي، فقال --------------------- (١) أي حضني. (٢) أي يضمّه ويجمعه. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٩١) وحسَّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢١٨٧). لها رسول الله - ﷺ -: أنت أحقُّ به ما لم تنكحي» دليل على حضانة الأب بعد الأم. إِذا بلغ الصّبي سنَّ التمييز خُيِّر بين أبويه: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ امرأة جاءت رسول الله - ﷺ -، فقالت: فداك أبي وأمّي، إِنّ زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نَفَعَني وسقاني من بئر أبي عِنبة (١) فجاء زوجها وقال: من يخاصمني في ابني؟ فقال: يا غلام! هذا أبوك، وهذه أمّك، فخذ بيد أيّهما شِئتَ. فأخَذ بيد أمّه، فانطلقَت به» (٢). قال الخطّابي في «المعالم»: هذا في الغلام الذي قد عقل واستغنى عن الحضانة، وإذا كان كذلك؛ خُيِّرَ بين والديه (٣). وقال شيخنا -رحمه الله- في التعليق على «الرّوضة» (٢/ ٣٣٨) في التخيير: «وينبغي أن لا يكون هذا على إِطلاقه، بل يقيّد بما إِذا حصلت به مصلحة الولد؛ وإلا فلا يلتفت إِلى اختيار الصّبي، لأنه ضعيف العقل، وتفصيل هذا في الزاد» انتهى. وإِليك -يرحمني الله وإيّاك- كلام ابن القيّم الذي أشار إِليه شيخنا ------------------- (١) أي: أظهرت حاجتها إلى الولد، ولعلَّ محمل الحديث بعد مدّة الحضانة مع ظهور حاجة الأمِّ إلى الولد، واستغناء الأب عنه، مع عدم إِرادته إِصلاح الولد، قاله السندي كما في «عون المعبود» (٦/ ٢٦٦). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٩٢)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٠٩٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٩٠٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢٧١)، واللفظ له. وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٩٩٢). (٣) انظر «عون المعبود» (٦/ ٢٦٦). -رحمهما الله تعالى- في «زاد المعاد/ (٤/ ٤٧٥):»فمن قدّمناه بتخيير أو قرعة أو بنفسه، فإِنما نقدِّمه إِذا حصَلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأمُّ أصون من الأب وأغير منه قُدّمت عليه، ولا التفات إِلى قُرعة ولا اختيار الصّبي في هذه الحالة، فإِنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإِذا اختار من يساعده على ذلك، لم يُلتَفت إِلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له وأخير، ولا تحتمل الشريعة غير هذا، والنبي - ﷺ - قد قال: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (١) والله -تعالى- يقول: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا قُوا أَنْفسَكُمْ وأهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ﴾ (٢). وقال الحسن: علِّموهم وأدِّبوهم وفقِّهوهم، فإِذا كانت الأمُّ تتركه في المكتب، وتُعلِّمه القرآن، والصّبيّ يُؤْثِر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، فإِنها أحقّ به بلا تخيير، ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى أخلّ أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصّبيّ وعطّله، والآخر مُراعٍ له، فهو أحقّ وأولى به. وسمعت شيخنا -رحمه الله- يقول: تنازع أبوان صبيًّا عند بعض الحكّام، فخيّره بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمّه: سله لأي شيء يختار أباه، فسألَه، فقال: أمّي تبعثني كلّ يوم للكتاب، والفقيه يضربني، وأبي يتركني للّعب مع الصبيان، فقضى به للأمّ. قال: أنت أحقُّ به. قال شيخنا: «وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي، وأمْره الذي أوجبه الله ----------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٦٦)، وغيرهم وانظر»الإِرواء" (٢٤٧). (٢) التحريم: ٦. ![]()
__________________
|
|
#140
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 416الى صــ420 الحلقة (140) عليه، فهو عاصٍ ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته، فلا ولاية له، بل إِمّا أن تُرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإمَّا أن يُضمّ إِليه من يقوم معه بالواجب، إِذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإِمكان». الاقتراع على الولد: عن هلال بن أسامة: أنَّ أبا ميمونة سليم (١) مولى مِن أهل المدينة -رجلُ صِدْقٍ- قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة، جاءته امرأة فارسية، معها ابن لها، فادعياه، وقد طلَّقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة -رضي الله عنه- ورطنت له بالفارسية - زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: استهِما (٢) عليه -ورطن لها بذلك- فجاء زوجها فقال: من يُحاقّني (٣) في ولدي؟ فقال أبو هريرة: اللهمّ! إِني لا أقول هذا، إِلا أنّي سمعتُ امرأةً جاءت إِلى رسول الله - ﷺ -، وأنا قاعد عنده، فقالت: يا رسول الله، إِنّ زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنبة، وقد نفَعَني، فقال رسول الله - ﷺ -: «استهِما عليه» فقال زوجها: من يحاقّني في ولدي؟ فقال النبي - ﷺ -: هذا أبوك، وهذه أمّك، فخذ بيد أيّهما شئت فأخذ بيد أمّه، فانطلَقَت به«(٤). قال ابن القيم -رحمه الله- في»زاد المعاد«(٥/ ٤٦٨) -ناقلًا أقوال العلماء-: --------------------- (١) أي: اقترعا عليه. (٢) أي: ينازعني. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٩٢)، والنسائي، والدارمي، وغيرهم، وانظر»الإِرواء«(٢١٩٢)، وتقدم مختصرًا غير بعيد. (٤) قال في»تهذيب التهذيب«:»قيل اسمه: سليم؛ وقيل: سلمان؛ وقيل: أسامه". «قد ثبَت التخيير عن النبي - ﷺ - في الغلام من حديث أبي هريرة، وثبت عن الخلفاء الراشدين، وأبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ألبتة، ولا أنكَره مُنكِر. قالوا: وهذا غاية في العدل الممكن، فإِنّ الأمّ إِنما قُدِّمت في حال الصغر لحاجة الولد إِلى التربية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لغير النساء، وإِلا فالأمّ أحد الأبوين، فكيف تُقدّم عليه؟ فاذا بلغ الغلام حدًّا يُعرِب فيه عن نفسه، ويستغني عن الحمل والوضع وما تعانيه النساء، تساوى الأبوان، وزال السبب الموجب لتقديم الأمّ، الأبوان متساويان فيه، فلا يُقدَّم أحدهما إِلا بمرجِّح، والمرجِّح إِمّا من خارج، وهو القرعة، وإمّا من جهة الولد، وهو اختياره. وقد جاءت السُّنة بهذا وهذا، وقد جمَعَهما حديث أبي هريرة، فاعتبرناهما جميعًا، ولم ندفع أحدهما بالآخر، وقدَّمنا ما قدَّمه النبي - ﷺ -، وأخَّرنا ما أخَّره، فقدّم التخيير، لأنَّ القرعة إِنما يصار إِليها إِذا تساوت الحقوق من كل وجه، ولم يبق مُرجِّح سواها، وهكذا فَعَلْنا ها هنا؛ قدَّمنا أحدهما بالاختيار، فإِن لم يختر، أو اختارهما جميعًا، عَدَلْنا إِلى القرعة، فهذا لو لم يكن فيه موافقة السنة، لكان مِن أحسن الأحكام، وأعدلها، وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين. وفيه وجه آخر في مذهب أحمد والشافعي: أنه إِذا لم يختر واحدًا منهما كان عند الأمِّ بلا قرعة، لأن الحضانة كانت لها، وإنما ننقله عنها باختياره، فإِذا لم يختر، بقي عندها على ما كان. انتهى. وعن رافع بن سنان:»أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي - ﷺ -، فقالت: ابنتي وهي فطيم -أو شبهه- وقال رافع: ابنتي، فقال له النبي - ﷺ -: اقعدْ ناحية، وقال لها: اقعدي ناحية، قال: وأقعَد الصبيَّة بينهما، ثم قال: ادعُواها، فمالت الصبية إِلى أمِّها، فقال النبي - ﷺ -: اللهم اهدها، فمالت الصبيَّة إِلى أبيها فأخَذَها» (١). وعن عبد الرحمن بن غَنْم قال: «شهدت عمر خيّر صبيَّا بين أبيه وأمِّه» (٢). ضابط باب الحضانة: وفي ضابط باب الحضانة أقوال عديدة (٣)، وفيه بَسْط وتفصيل، وجاء في «زاد المعاد» (٥/ ٤٥٠): «وقد ضبط هذا البابَ شيخُنا -شيخ الإِسلام ابن تيمية- بضابط آخر فقال: أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة؛ كان أحقّ الناس بها أقومَهم بهذه الصفات، وهم أقاربه يقدّم منهم أقربهم إليه وأقومُهم بصفات الحضانة، فإِنِ اجتمع منهم اثنان فصاعدًا، فإِن استوت درجتهم قُدِّم الأنثى على الذكر. فتُقدَّم الأمّ على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمَّة على العم، والأُخت على الأخ، فإِن كانا ذكَرين أو أُنثيين؛ قُدِّم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما. وإِنِ اختلفت درجتهما من الطِّفل فإِنْ كانوا مِن جِهةٍ واحدة، قُدِّم الأقرب إِليه، فتُقدَّم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجد والجدة، والجد أبو الأم على الأخ للأمّ. -------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٦٣)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٩٠٤)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٢٧٠). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في»المصنف«وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٢١٩٤). (٣) راجع -إِن شئت المزيد-»زاد المعاد" (٥/ ٤٣٢). هذا هو الصحيح؛ لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها. وقيل: يقدم الأخ للأم؛ لأنه أقوم من أب الأم في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد». وجاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٤٣٨): «والحاصل أنّ الحقّ في الحضانة للأمّ ثم للخالة، فإِنْ عُدما فالأب أولى بولده يضعه حيث يشاء من قرائبه أو غيرهن. وإذا وقع النزاع بينه وبين الأمّ أو الخالة؛ كان الحَكَم ما تقدم في الأحاديث كما بيَّنَّا. وإذا كان الأب لا يُحسِن حضانة ولده، أَو ليس ممن يقوم برعاية مصالحه؛ كان للحاكم أَن يُعيِّن من يحضنه من قرائبه أَو غيرهن. وهكذا إِذا كان الأب غير موجود» انتهى. والحاصل أنَّ الأمر يدور حول مصلحة الولد وإحسان حضانته وتنشئته، وللحاكم أن يقدّر ذلك، وله فصْل النزاع بما يراه، فهو يختار من هو مَظِنَّةُ الحُنوِّ والرِّعاية، وهو الذي يُرجّح الأفضل في ضوء الكلام المتقدّم. والله -تعالى- أعلم (١). تمَّ بحمد الله -تعالى- وتوفيقه. انتهيتُ مِن مقابلته وتصحيحه والنَّظر فيه يوم الأحد في /١٠/ربيع ثانٍ/ ١٤٢٥ هـ --------------------------(١) انظر للمزيد من الفائدة في هذا المبحث -إِن شئت- «المحلى» (١١/ ٧٤٢ - ٧٦٢)، و«المغني» (٩/ ٢٩٧ - ٣١٣)، و«الفتاوى» (٣٤/ ١٠٧ - ١٣٥)، و«السيل الجرّار» (٢/ ٤٣٦ - ٤٤٤)، و«سبل السلام» (٣/ ٤٢٩). ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |