|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 247 الى صـــ 266 الحلقة (129) فسميت العبرانية بذلك، ودخل مصر وبها جبار من الجبابرة، قيل: اسمه سنان بن علوان، أخو الضحاك. وقيل: اسمه عمرو بن امرئ القيس بن بابلون بن سبأ بن يشجب بن يعرب، وكان عَلَى مصر، وكان مع إبراهيم زوجته سارة فأرادها الجبار، وقصتها معه مشهورة، (فأهدتها) (١) هاجر. وبلغ عُمرُ إبراهيم مائتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالأرض المقدسة، وقبره معروف بالبلدة المعروفة بالخليل، وكان الوزغ ينفخ النار عَلَى إبراهيم لما ألقي في النار، فلذلك أمر بقتله (٢)، كما أخرج في «الصحيح» من حديث أم شريك، كما سيأتي في الحج وغيره (٣). ووجده النبي - ﷺ - في السماء مسندًا ظهره إلى البيت المعمور. السابع بعد العشرين: قوله: (قَالَ ابن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابن حَزْمٍ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ») قَالَ خلف في «أطرافه»: حديث أبي حبَّة الأنصاري في المعراج أخرجه البخاري عن ابن بكير، عن الليث (٤)، وعن عبدان، عن ابن المبارك (٥)، ------------------ (١) في (ج): فأخذتها. (٢) انظر: «قصص الأنبياء» ١/ ٢٢٣ - ٣٠٢. (٣) سيأتي برقم (١٨٣١) كتاب: جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، و(٣٣٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، و(٣٣٥٩) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. (٤) وهو رواية الباب. (٥) سيأتي برقم (١٦٣٦)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في زمزم. وعن أحمد بن صالح، عن عنبسة (١)؛ كلهم عن يونس، وأخرجه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس (٢). وروى الطبراني هذِه القطعة، عن هارون بن كامل، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن الزهري، وعن ابن السرح، عن محمد بن عزيز، عن سلامة بن روح، عن عقيل، عن الزهري (٣). قَالَ الدمياطى (٤): ورواية أبي بكر عن أبي حبَّة منقطعة؛ لأنه قتل يوم أحد كما سيأتي. وابن حزم: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، بخاري، قاضي المدينة زمن سليمان بن عبد الملك، وابن عمه عمر مات سنة عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة، وقتل أبوه يوم الحرة (٥). الثامن بعد العشرين: أبو حبَّة بالباء، وقيل: بالمثناة تحت، وليس بشيء كما قاله القاضي عياض (٦)، وأما صاحب «المطالع» فقال: الأكثر عَلَى الثاني (٧). وذكره الواقدي وغيره بالنون، وسموه مالك بن (عمرو) (٨)، وقيل: عامر. -------------------- (١) سيأتي برقم (٣٣٤٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس - عليه السلام -. (٢) سلف تخريجه. (٣) «المعجم الكبير» ٢٢/ (٨٢٢). (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: ومثل ما قال الدمياطي قال الرشيد العطار سليمان بن عبد الملك، في الأحاديث المقطوعة التي في مسلم. (٥) انظر ترجمته في: «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ١٩٦ - ١٩٧ (٢٢٩)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٣١٣ - ٣١٤ (١٥٠)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥. (٦) «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٢٣. (٧) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد الخمسين كتبه مؤلفه. (٨) في (ج): عمر. وقيل: عمرو، وقيل: ثابت بن النعمان، وهو بدري بالاتفاق. كما قاله النووي (١)، واستشهد بأحد (٢). واختلف أصحاب المغازي في أبي حبَّة الأنصاري وأبي حبَّة البدري، هل هما واحد أو اثنان، وهل هما بالباء أو النون؟ التاسع بعد العشرين: معنى «ظهرت»: علوت وارتفعتُ، ومنه قوله: «والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» (٣). وقال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: يعليه عَلَى الأديان كلها. الثلاثون: المستوى -بفتح الواو- المصعد، وهو المكان العالي، يقال: استوى إلى الشيء وعليه إذا علا عليه، وقيل: هو عبارة عن فضاء فيه استواء. الحادي بعد الثلاثين: «صَرِيفَ الأقلَامِ» -بالصاد المهملة- صوت حركتها وجريانها عَلَى المخطوط فيه مما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى، نسخًا من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله تعالى من أمره وتدبيره، ومنه صريف الباب. ---------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٢١. (٢) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٤/ ١٦٤ (٢٩٣٧)، «أسد الغابة» ٦/ ٦٥ (٥٧٨٨)، «الإصابة» ٤/ ٤١ (٢٤٨). (٣) جاءت هذِه الرواية في «صحيح مسلم» (٦١١) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس. قَالَ القاضي عياض: قد يكون مستوي حيث يظهر عدل الله و(حكمه) (١) لعباده هنالك، يقال للعدل: سواء مفتوح ممدود، وسوى مقصور مكسور، وقيل ذَلِكَ في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢). وقال بعضهم: صرير -بالراء- هو الأشهر في اللغة، حكاه عبد الغافر الفارسي في («مفهمه») (٣)، ولا نسلم له. الثاني بعد الثلاثين: فيه دليل عَلَى أن الأشياء كالمقادير والوحي وغير ذَلِكَ مما شاء الله تكتب بالأقلام لا بقلم واحد. الثالث بعد الثلاثين: في هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتاب الله تعالى من اللوح المحفوظ، وما شاء بالأقلام الذي هو تعالى يعلم كيفيتها عَلَى ما جاءت به الآيات من كتاب الله والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذَلِكَ عَلَى ظاهره، لكن كيفية ذَلِكَ وجنسه وصورته مما لا يعلمه إلا الله ومن أطلعه الله عَلَى غيبه من ذَلِكَ من ملك أو رسول. الرابع بعد الثلاثين: قوله: (قَالَ ابن حَزْم وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً») هو معطوف عَلَى الإسناد قبله فيما ذكره ----------------- (١) في (ج): حكمته. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٥١٠. (٣) ليست في (ج). أبو نعيم (١) والإسماعيلي وخلف. الخامس بعد الثلاثين: قوله: («ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ») إلى قوله: («فَرَاجَعْتُهُ») المراد: أن مكان سؤاله غير مكان سؤال موسى - عليه السلام -، فهو رجوع من مكان إلى مكان؛ لاستحالة المكان على من تفرد بالإمكان. السادس بعد الثلاثين: قوله: («فَوَضَعَ شَطْرَهَا») كذا هنا، وفي رواية مالك بن صعصعة: فوضع في كل مرة عشرا، وفي الخامسة فأمر بخمس (٢). وفي حديث آخر: كلما عاد وضع خمسًا (٣). والشطر هنا: الجزء، كما قاله عياض وغيره لا النصف (٤)، فحط في مرات بمراجعات. وهذا الحديث مختصر لم تذكر فيه كرات المراجعة. السابع بعد الثلاثين: اختلف في هذا النقص من الفريضة، هل هو نسخ أم لا؟ عَلَى قولين: أحدهما: أنه نسخ للعبادة قبل العمل بها، وأنكره النحاس؛ لأن مذهبه: أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها؛ لأن ذَلِكَ عنده من البداء، وهو محال عَلَى الله؛ ولأنه نسخ قبل الوصول إلى المكلفين. قَالَ: وإنما ادعى النسخ في ذَلِكَ القاشاني ليصحح بذلك مذهبه؛ أن البيان لا يتأخر، وإنما هي شفاعة شفعها لأمته. ----------------------- (١) «المستخرج على صحيح مسلم» (١/ ٢٣٢ - ٢٣٤) (٤٢٠). (٢) ستأتي برقم (٣٢٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. (٣) رواه الطبراني في «الكبير» ١٩ (٢٧٠). (٤) «إكمال المعلم» ١/ ٥٠٤. ووهى قوله السهيلي قَالَ: بل هو نسخ للتبليغ، وليس ببداء، والشفاعة لا تنافي النسخ، فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم، فشفاعته كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، والمنسوخ حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ. وأما أمته فلا نسخ في حقهم؛ لعدم وصوله إليهم، ثم هذا خبر فلا يدخله نسخ، فأخبر الرب تعالى أن عَلَى أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها في اللوح المحفوظ خمسون، فأولها - ﷺ - عَلَى أنها خمسون بالفعل، فتبين أنها في الثواب لا في العمل (١). فإن قلتَ: فما معنى نقصها عشرًا بعد عشر؟ فالجواب: أنه ليس كل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء أنه يكتب له ما حضر قلبه منها، وأنه يصلي فيكتب له نصفها، ربعها، حَتُّى انتهى إلى عشرها ووقف، فهي خمس في حق من يكتب له عشرها، وعشر في حق من كتب له أكثر من ذَلِكَ، وخمسون في حق من كملت صلاته مما يلزمه من تمام خشوعها، وكمال سجودها وركوعها. نبه عليه السهيلي (٢). وفي كتاب الحكيم الترمذي: قَالَ الله تعالى: «قد فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة يوم خلقت السموات والأرض، فقم بها أنت وهم. فلم أزل أراجعه حَتَّى قيل: خمس بخمسين، فعلمت أنها عزيمة من ربي -عز وجل-» (٣). وللنسائي معناه من حديث أنس (٤). الثامن بعد الثلاثين: إنما اعتنى موسى - عليه السلام - بهذِه الأمة، وألح عَلَى نبيها أن يشفع لها، ------------------- (١) انظر كلام النحاس والسهيلي في «الروض الأنف» ٢/ ١٥٩. (٢) «الروض الأنف» ٢/ ١٦٠. (٣) «الصلاة ومقاصدها» للحكيم الترمذي ص ٤٨. (٤) «سنن النسائي» ١/ ٢٢١. وسأل التخفيف عنها؛ لأنه - عليه السلاموالله أعلم- حين قضي إليه بالجانب الغربي، ورأى صفات أمة محمد في الألواح جعل يقول: إني أجد في الألواح أمة صفتهم كذا، اللَّهُمَّ اجعلهم أمتي، فيقال له: تلك أمة أحمد، حَتَّى قَالَ اجعلني من أمة أحمد. وهو حديث مشهور في التفسير (١). وكان إشفاقه عليهم، واعتناؤه بأمرهم كما يعتني بالقوم من هو منهم. وكانت أمة موسى كلفت من الصلاة ما لم يكلف غيرها، فثقلت عليهم، فخاف عَلَى أمة محمد مثل ذَلِكَ. التاسع بعد الثلاثين: السدر: شجر النبق، واحدتها سِدرة، وجمعها: سِدَر وسدور، الأخيرة نادرة. ويجمع في القليل عَلَى سِدَرات وسدْرات كما ذكر أبو حنيفة، ويجوز سِدِرات بكسر الدال أيضًا، ذكره النووي قَالَ: وكذلك تجمع كِسرة وما أشبهها (٢). قَالَ أبو حنيفة: وأجود نبق يعلم بأرض (٣) العرب بهجر. فإن قلت: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعام لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولًا وعملًا ونية، فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لطهوره. ----------------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٦٦ (١٥١٤٢). (٢) «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٤٦. (٣) ليست في (ج). الأربعون: سدرة المنتهى فوق السماء السابعة. وقال الخليل: في السابعة، قد أظلت السموات والجنة (١). وجاء في رواية أنها في السماء السادسة، والأول عليه الأكثرون، وهو الذي يقتضيه المعنى. ويحتمل أن يجمع بينها، فيكون أصلها في السادسة (٢)، ومعظمها في السابعة يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان وهما: السلسبيل والكوثر، ونهران ظاهران وهما: النيل والفرات. وذكر عياض أن أصل سدرة المنتهي في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها (٣). واعترض عليه: بأنه لا يلزم ذَلِكَ، بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حَتَّى تخرج من الأرض وتسير فيها، وهو ظاهر الحديث. وعن ابن عباس أنها عن يمين العرش (٤). وقال صاحب «المطالع»: إنها أسفل العرش لا يجاوزها ملك ولا نبي. وفي الأثر: إليها ينتهي ما يعرج من الأرض وما ينزل من السماء فيقبض منها (٥). وقيل لها: سدرة المنتهى؛ لانتهاء ما يخرج من تحتها وما أهبط من فوقها. وقال كعب: لأنه ينتهي إليها علم كل ملك مقرب، ونبي مرسل. -------------- (١) «معجم العين» (٧/ ٢٢٤) مادة: سدر. (٢) هذِه الرواية عند مسلم (١٧٣) كتاب: الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى. (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٥٠٣. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٥١٧ (٣٢٥١٠). (٥) السابق ١١/ ٥١٤، ٥١٥ (٣٢٤٩٢) عن عبد الله. قَالَ: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله (١). وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء. وقيل: لأن روح المؤمن تنتهي به إليها، فيصلي عليه هنالك الملائكة المقربون، قاله ابن سلام في تفسير: (عليين). وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة»: «لو غطيت بورقة من ورقها هذِه الأمة لغطتهم» (٢). وجاء أن ورقها كآذان الفيلة، ونبقها كقلال هجر (٣). الحادي بعد الأربعين: قوله: («وغشيها ألوان لا أدري ما هي») هي أصناف من النور، ومن الملائكة. وقوله: («ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ») فيه: ما قد يدل عَلَى أن السدرة ليست في الجنة. وقال ابن دحية: «ثم» في هذا الحديث في مواضع ليست للترتيب كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] إنما هي مثل الواو للجمع والاشتراك، فهي بذلك خارجة عن أصلها. الثاني بعد الأربعين: قوله: («فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ»)، هكذا الرواية هنا بحاء مهملة، ثم باءموحدة، ثم ألف، ثم ياء مثناة تحت ثم لام. --------------------- (١) السابق ١١/ ٥١٤ (٣٢٤٩٠). (٢) «بغية الباحث» (٢٢). قلت في سنده: أبو حمزة ميمون الأعور، قال الذهبي في «الميزان» (٥/ ٣٥٩) قال أحمد: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال النسائي: ليس بثقة. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٥١٧ (٣٢٥٠٩) عن قتادة. وذكره البخاري في كتاب الأنبياء «جنابذ» بجيم، ثم نون، ثم ألف، ثم باء موحدة، ثم ذال معجمة (١)، كما وقع في مسلم (٢) عَلَى الصواب، جمع جنبذة، وهو ما ارتفع من البناء، كما سيأتي. قَالَ ابن التين: قيل: إن الغلط في حبائل إنما جاء من قبل الليث عن يونس، وهو تصحيف. والجنابذ: شبه القباب. وقال يعقوب: هو ما ارتفع من البناء، وقد وقع هذا المعنى مفسرًا بالقباب من رواية محمد بن جرير الطبري: «فإذا هو بنهر بجنبتيه قباب اللؤلؤ» (٣). وقال ابن الأثير: إن صحت رواية حبائل، فيكون أراد به مواضع مرتفعة كحبال الرمل، كأنه جمع حبالة وحبالة: جمع حبل على غير قياس (٤). وفي رواية الأصيلي عن الزهري: «دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذ من اللؤلؤ، وترابها المسك، فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ قَالَ: للمؤذنين والأئمة من أمتك». وقال صاحب «المطالع»: كذا لجميعهم في البخاري حبائل، ومن ذهب إلى صحة الرواية قَالَ: إن الحبائل: القلائد والعقود، أو يكون من حبال الرمل، أي: فيها اللؤلؤ كحبال الرمل أو من الحبلة، وهو ضرب من الحلي معروف. قَالَ: وهذا كله بحبل ضعيف، بل هو بلا شك تصحيف من الكاتب، والحبائل إنما تكون جمع حبالة أو حبيلة. ----------------- (١) سيأتي برقم (٣٣٤٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس - عليه السلام -. (٢) مسلم (١٦٣) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات. (٣) «تاريخ الطبري» ١/ ٥٣٦. (٤) «النهاية» (١/ ٣٣٣) مادة: حبل. وقال ابن الجوزي في «كشف المشكل»: جنابذ اللؤلؤ: قبابه، واحدها جنبذة: وهي القبة. قَالَ: وقد وقع في بعض النسخ حبائل بالحاء المهملة، وفي نسخة: بالمعجمة، وكله تصحيف، والصحيح: جنابذ (اللؤلؤ) (١). قَالَ ابن دحية في «الابتهاج»: فهي كلمة فارسية معربة. واعلم أن الأئمة - رضي الله عنهم - اعتنوا بالإسراء، وأفردوه بالتأليف، منهم: أبو شامة، وابن المنير في مجلد ضخم، وابن دحية، فلنلخص من كلامهم فوائد: الأولى: لا بد لك عند مرورك بهذا الحديث بطرقه عندما يتصور فيه وهمك من استحضار قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وتنفي الجهة والجسمية والتكلم بحرف أو صوت تعالى الله عن ذَلِكَ، وفوض علم ذَلِكَ إلى الرب ﷻ، أو أوله عَلَى ما يليق به مع التنزيه، فالحجب للمخلوق لا للخالق، وحي ربك قدسه هناك، واجعل العرش قبلتك في المناجاة بعيدًا (٢). -------------------- (١) من (ج). (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣: أما من اعتقد الجهة، فإن كان يعتقد أن الله في داخل المخلوقات تحويه المصنوعات، وتحصره السموات، ويكون بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، فهذا مبتدع ضال. وكذلك إن كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله -إلى العرش، أو غيره- فهو أيضًا مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين، فيقول: استواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال، فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلت على أن الله غني عن كل شيء، ودلت على أن الله مباين للمخلوقات عال عليها. = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش وحملة العرش، بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبث لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنهن مماثلة المخلوقات، ويعلم أن الله ليس كمثله شيء: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا أفعاله. فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة وأئمتها. فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. وأنه كلم موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا. ويعلمون أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما وصف به نفسه، وينزهون الله عن صفات النقص والعيب، ويثبتون له صفات الكمال، ويعلمون أنه ليس له كفوًا أحد في شيء من صفات الكمال، قال نعيم بن حماد الخزاعي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. والله أعلم. اهـ. وقد أجاب شيخ الإسلام على قول من قال: هل كلام الله هو حرف وصوت أم لا؟ في «مجموع الفتاوى» ١٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤. فقال: إطلاق الجواب في هذِه المسألة نفيًا وإثباتًا خطأ. وهي من البدع المولدة، الحادثة بعد المائة الثالثة، لما قال قوم من متكلمة الصفاتية: إن كلام الله الذي أنزل على أنبيائه -كالتوراة، والإنجيل، والقرآن، والذي لم ينزله، والكلمات التي كون بها الكائنات، والكلمات المشتملة على أمره ونهيه وخبره، ليست إلا مجرد معنى واحد. هو صفة واحدة قامت بالله، إن عبر عنها بالعبرانية كانت التوراة، وإن عبر عنها بالعربية كانت القرآن، وأن الأمر والنهي والخبر صفات لها. لا أقسام لها، وأن حروف القرآن مخلوقة، خلقها الله ولم يتكلم بها، وليست من كلامه، إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت. = وما أحسن قوله كليم: «لا تفضلوني عَلَى أخي يونس» (١) فإنه نهى عن تفضيل مقيد بالمكان لا مطلقه. وقال مالك: خص به للتنبيه عَلَى التنزيه؛ لأن نبينا رفع إلى العرش، ويونس هبط إلى قاموس البحر، ونسبتهما من جنب الجهة إلى الحق واحدة، وإلا فنبينا أقرب منه. الثانية: الباء في قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾؟ [الإسراء: ١] تفيد المصاحبة ----------------- = عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا: بل القرآن هو الحروف والأصوات، وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد، وبالأصوات أصوات العباد، وهذا لم يقله عالم. والصواب الذي عليه سلف الأمة -كالأمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح، في «كتاب خلق أفعال العباد» وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم- أتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى يتكلم بصوت، كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره، وأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه، ولا حروفه يشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد، فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (١) سيأتي برقم (٣٣٩٥) بلفظ: «لاينبغي بعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ من حديث ابن عباس، رواه مسلم (٢٣٧٧) كتاب: الفضائل، باب: في ذكر يونس - عليه السلام -. بالإلطاف والعناية والإسعاف، وقد قَالَ - ﷺ -: «أنت الصاحب في السفر» (١). ولذلك يظهر الفرق بين قوله: لله على أن أحج بفلان أو أحج فلانًا. وانظر إلى هذا مع قوله تعالى: ﴿يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، يظهر لك خصوصية للحق دون عموم الخلق. الثالثة: كان الإسراء ليلًا لوجوه: أحدها: أنه وقت الخلوة والاختصاص ومجالسة الملوك، وهو أشرف من مجالستهم نهارًا، فهو وقت تناجي الأحبة، ووقت مجيء الطيف: وهو الخيال، فخص بوصف الكمال. ثانيها: أن الله أكرم قومًا من أنبيائه بأنواع الكرامات ليلًا، قَالَ تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٦]، فوجودها دال عَلَى وجوب وجود صانعها ومدبرها. وقال تعالى في قصة لوط: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]، وقال: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، وقال في يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] أخَّر دعاءه إلى وقت السحر من ليلة الجمعة. وقرب موسى نجيًا ليلًا. وذلك قوله: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] وواعده أربعين ليلة. وقال لما أمره بالخروج من مصر ببني إسرائيل: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ [الدخان: ٢٣]. ثالثها: أن الله تعالى أكرمه ليلًا بأمور منها انشقاق القمر (٢)، وإيمان الجن به (٣). ورأى الصحابة آثار نيرانهم عَلَى ما ثبت في "صحيح ------------------- (١) رواه مسلم (١٣٤٢) كتابك الحج، باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره. (٢) سيأتي برقم (٤٨٦٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. (٣) سيأتي برقم (٤٩٢١) من كتاب: أحاديث الأنبياء. مسلم» (١). وخرج إلى الغار ليلًا عَلَى مائة من قريش عَلَى بابه ينتظرونه ليقتلوه بزعمهم، قَالَ تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٣]. رابعها: أن الله تعالى قدم ذكره عَلَى النهار في غير ما آية، فقال: ﴿وجَعَلْنَا اْلَّيْلَ وَاَلنَهَارَءَايَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس:٤٠] أي: بل له حد محدود إذا ذهب سلطانه جاء سلطان النهار. وليلة النحر تغني عن الوقوف نهارًا عَلَى الصحيح؛ لحديث عروة بن مضرس (٢) [الصحيح] (٣). خامسها: أن الليل كالأصل، ولهذا كان أول الشهور، ومن آياته أن سواده يجمع منتشر ضوء البصر، ويحد كليل النظر، ويستلذ فيه بالسمر، واجتلاء وجه القمر، وفيه تخلو الأحباب بالأحباب، ويتصل الوصل بينهم ما انقطع من الأسباب. سادسها: أنه لا ليل إلا ومعه نهار، وقد يكون نهار بلا ليل، وهو يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة. سابعها: أنه الليل محل استجابة الدعاء والغفران والعطاء، وإن ورد ----------------- (١) «صحيح مسلم» (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح. (٢) عن عروة بن مضرس قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالموقف، يعني: لجمع، قلت: جئت يا رسول الله من جبل طي، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جَبْل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من أدرك معنا هذِه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه»، رواه أبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وفي «الكبرى» ٢/ ٤٣١ (٤٠٤٦)، وابن ماجه (٣٠١٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٠٤): إسناده صحيح. (٣) ساقطة من (ج). الحديث: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة أو يوم الجمعة» (١) فذاك بالنسبة إلى الأيام، فليلة القدر خير من ألف شهر، وقد دخل في هذِه الليلة أربعة آلاف جمعة بالحساب الجملي، فتأمل هذا الفضل الخفي. ثامنها: أن أكثر أسفاره - ﷺ - كان ليلًا، ومن ذَلِكَ حديث الوادي، وأمر أمته بسيره، فقَالَ: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل» (٢). تاسعها: لينفي عنه ما ادعته النصارى في عيسى بن مريم لما رفع إلى (السماء) (٣) نهارًا، وادعوا فيه البنوة تعالى الله عن ذَلِكَ. عاشرها: لأنه وقت الاجتهاد للعبادة منه - ﷺ -، فقد قام حَتَّى تورمت قدماه (٤). وكان قيام الليل في حقه واجبًا، وقال في حقه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١، ٢]، فلما كانت عبادته ليلًا أكثر أُكْرِمَ بالإسراء فيه، وأمره بقوله: ﴿وَمِنَ اَلَّيلِ فَتَهَجَّدْ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩]. الحادي عشر: ليكون أجر (المصدق) (٥) به أكثر ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهارًا، وفيه إبطال للتنويه أن الظلمة شأنها الإهانة والشر، والنور من شأنه الإكرام والخير. ------------------- (١) رواه مسلم (٨٥٤) كتاب: الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة، من حديث أبي هريرة. (٢) رواه أبوداود (٢٥٧١)، وابن خزيمة (٢٥٥٥)، والحاكم (١/ ٤٤٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٨١)، وفي «صحيح سنن أبي داود» (٢٣١٧). (٣) من (ج). (٤) سيأتي برقم (٤٨٣٦) من حديث المغيرة، كتاب: التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. (٥) في الأصول: المتصدق، والمثبت من عمدة القاري، ولعله الصواب. الرابعة: إن قلت: قد قررت سر الإسراء ليلًا، وضد ذَلِكَ إغراق فرعون نهارًا، وإبراز جثته، ولا شك أن ظهور الآيات نهارًا أظهر. قلت: ذا في حقه إهانة، وذاك في حق نبينا كرامة، وشتان ما بينهما. الخامسة: كان الإسراء في حق نبينا عَلَى وجه المفأجاة، والتكليم في حق موسى عن ميعاد وموافاة، دل عَلَى الأول: «بينا أنا … إذ فرج سقف بيتي» فحمل عنه ألم الانتظار كما حمل عنه ألم الاعتذار، فشتان ما بين المقامين، وكم بين مُريد ومُراد، وبين من كُلم عَلَى الطور، وبين من دعي إلى أعلى أعالي البيت المعمور، وبين من سخرت له الريح (مسيرة شهر) (١) بمسألته، وبين من ارتقى من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية، وأقل مسافته آلاف لمكالمته، وأعار من المستوى إلى الرفوف فذاك لا يحصى أمده ولا يستقصى. السادسة: ثبت بالتواتر أنه - ﷺ - عرج به عَلَى دابة يقال له البراق (٢)، ووصف خلقها؛ وسمي براقًا لسرعة سيره، تشبيهًا ببرق السحاب، وعرج به عليه إظهارًا لكرامته؛ لكرامة الراكب عَلَى غيره، ولذلك لم ينزل عنه لما جاء في حديث حذيفة: ما زايل ظهر البراق حَتَّى --------------- (١) في (ج): مرةً شهرًا. (٢) سيأتي برقم (٣٨٨٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: حديث الإسراء. ورواه مسلم (١٦٢) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات. رجع (١)، وإنما لم يذكر في الرجوع للعلم به؛ لقرينة الصعود ويتعلق بالبراق مسائل: إحداها: جاء أن البراق استصعب له وما ذاك إلا تيهًا وزهوًا بركوبه، وقول جبريل «أبمحمد تستصعب؟!» تحقيق الحال، وقد أرفض عرقًا من تيه الجمال، وقد قيل: إنه ركبه الأنبياء قبله، أيضًا، وقيل: إن جبريل ركب معه. ثانيها: رفعه عَلَى البراق للتأنيس بالمعتاد، وإلا فالرب تعالى قادر عَلَى رفعه في أقل من طرفة عين، فإنه مطلوب مراد. ثالثها: كان البراق كشكل البغل؛ لأن الركوب في سِلْمِ وأمن لا في حرب وخوف، ولإسراعها عادة، وركب - ﷺ - بغلته في الحرب في قصة حنين؛ لتحقيق ثبوته في مواطن الحرب، وإلا فركوبها موضع الأمن والطمأنينة، فالحرب عنده كالسلم، وركوب الملائكة الخيل في الحرب؛ لأنها المعهودة فيها، وما لطف من البغال واستدار أحمد وأحسن بخلاف الخيل، وكانت بغلته بيضاء -أي: شهباء، وكذا كان البراق. السابعة: قد سلف في الوجه الحادي والعشرين اختلاف الروايات في ترتيب الأنبياء في السماوات، فمنهم من توقف عن الخوض في سر ذَلِكَ، ومنهم من باح به، ثم اختلفوا، فمنهم من قَالَ: إنما اختص من ------------- (١) رواه الترمذي (٣١٤٧)، وأحمد ٥/ ٣٩٢، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» «تحفة» ٥/ ٥٧٨ - ٤٧٩ (٣٦٩٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في «الإسراء» (٦)، وفي «الصحيحة» (٨٧٤). اختص منهم بلقاء الرسول - ﷺ - عَلَى عرف الناس إذا تلقوا الغائب مبتدرين له، فلابد غالبًا أن يسبق بعضهم بعضًا، ويصادف بعضهم اللقاء ولا يصادفه بعضهم، وهذِه طريقة ابن بطال (١). وذهب غيره من شيوخ الأندلس إلى أن ذَلِكَ تنبيه عَلَى الحالة الخاصة بهؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وتمثيل لما سيتفق للرسول - ﷺ - مما اتفق لهم مما قصه الله عليهم في كتابه، وهذا يرجع إلى فن التعبير، فمن رأى في منامه نبيًا من الأنبياء كان ذَلِكَ دليلًا عَلَى حالة عرفت بذلك الشيء ينال الرائي أو أهل زمانه منها طرقًا. قَالَ: فآدم عليه السلام تنبيه عَلَى الهجرة؛ لأن آدم خرج من الجنة بعداوة إبليس له وتحيليه عَلَى ذَلِكَ، فنظيره خروج الرسول - ﷺ - من مكة بأذى قومه له وللمسلمين، وعيسى ويحيى دليل عَلَى ما سيلقاه الرسول - ﷺ - من أذى اليهود؛ لأنهم قتلوا يحيى، وراموا قتل عيسى فرفعه الله إليه. وكذلك فعلت اليهود برسول - ﷺ -، داروا حول قتله حَتَّى سموا له الشاة، وأكل منها، فأخبرته الكتف بما صنعوا، وأقرت المرأة بذلك، وعفا عنها - ﷺ -، وقال في مرض موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري» (٢) ويوسف - عليه السلام - دليل عَلَى ظفره - ﷺ - بقومه، وإحسانه إليهم. وقد ظفر بطائفة من أهله في غزوة بدر كالعباس عمه، وعقيل ابن عمه، وذلك قبل أن يسلما، فعفا عنهما، وفداهما، وقال يوم فتح مكة لما عفا عن قريش: «أقول كما قَالَ أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ----------------- (١)»شرح ابن بطال" ٢/ ١٢. (٢) سيأتي برقم (٤٤٢٨) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته. يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] (١). ونظير ذَلِكَ حال يوسف مع إخوته، وهارون - عليه السلام - دليل عَلَى أن قومه سيحبونه، وينقلب بغضاؤهم ودادا. وكذلك صنع الله لنبيه. وقد كان هارون - عليه السلام - محببًا (إلى) (٢) قومه بني إسرائيل، وكانوا يؤثرونه عَلَى موسى. قَالَ: وإدريس دليل ما اتفق من كتاب الرسول إلى الآفاق؛ فإن إدريس كان يخط، وهو أول من كتب بالقلم. ونظير حال موسى - عليه السلام - فيما آل إليه أمره من لقاء الجبابرة، وإخراجهم من الأرض المقدسة حال رسول الله - ﷺ - (في) (٣) فتح مكة وقهره للمستهزئين المتكبرين من قريش. ونظير حال إبراهيم - عليه السلام - في إسناده ظهره إلى البيت المعمور، حال الرسول - ﷺ - في حجه البيت، واختتام عمره بذلك، نظير لقاء إبراهيم آخر السموات، ولا بأس بذلك، ولكن يحتاج إلى تنبيهات: منها: إجراؤه لذكر التعبير، فإن ذَلِكَ يوهم أن قصة الإسراء كانت منامًا، وقد صححنا أنها يقظة. والذي يرفع الإشكال أن الفأل في اليقظة نظير الأحلام. وقد كان - ﷺ - يحب الفأل الحسن (٤). وهذا القدر كافٍ لئلا نخرج إلى حد السآمة. ------------------ (١) رواه أبو الشيخ في «أخلاق النبي» ١/ ٢٦٠ (٨٠) من حديث عمر بن الخطاب، وفي سنده ضعف لجهالة حال بعض آل عمر. (٢) في (ج): في قومه. (٣) في (ج): على. (٤) روى الحاكم بسنده إلى أبي بردة بن أبي موسى قال: أتيت عائشة فقلت: يا أماه، حدثيني بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - "الطير تجري = ![]()
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 01-05-2026 الساعة 03:44 PM. |
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 267 الى صـــ 286 الحلقة (130) وحينئذ نرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ حيِنَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ». وهذا الحديث أخرجه مسلم (د. س) أيضًا هنا (١). وفي البيهقي من حديث داود ابن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قَالَت: إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم النبي - ﷺ - المدينة واطمأن، زاد ركعتين غير المغرب؛ لأنها وتر غير صلاة الغداة. قالت: وكان إذا سافر صلى صلاته الأولى (٢). وما ذكره عبد الملك بن حبيب في «شرح الموطأ» ثنا أسد بن موسى، ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن: من صلاته - عليه السلام - صبيحة الإسراء: الظهر والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا فلا يقاوم هذا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] فلا يعارض ما نحن فيه؛ لجواز أن يكون (ذكر) (٣) ذَلِكَ بعد زيادة -------------------- = بقدر«وكان يعجبه الفأل الحسن. ثمَّ قال: قد احتج الشيخان برواة هذا الحديث على آخرهم غير يوسف بن أبي بردة، والذي عندي أنهما لم يهملاه بجرح ولا بضعف، بل لقلة حديثه فإنه عزيز الحديث جدًّا. اهـ.»المستدرك«١/ ٣٢ كتاب: الإيمان، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(٤٩٨٥). (١) مسلم (٦٨٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها. (٢)»السنن الكبرى" ١/ ٣٦٣ كتاب: الصلاة، باب: عدد ركعات الصلوات الخمس. (٣) سقط من (ج). ركعتين في الحضر. وزعم ابن عباس، ونافع بن جبير بن مطعم، والحسن، وابن جريج أن الصلاة فرضت أولًا أربعًا، وفي السفر ركعتين ركعتين: فقولها: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين. يجوز أن يكون قبل الإسراء إن عني بذلك قيام الليل، أو صلاة الغداة والعشي، فإنها كانت ركعتين ركعتين، وإليه الإشارة بقوله: (من صلى البردين دخل الجنة) (١)، كما سلف، والزيادة عند الإكمال، لكن الظاهر أن المراد حين فرضها ليلة الإسراء، ففي حديث معمر، عن، الزهري، عن عروة، عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ -، ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى، وذكر ابن عبد البر، عن الحسن والشعبي في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه (٢). وأدعى بعضهم فيما حكاه المنذري أنه يحتمل أن يكون المراد، ففرضها ركعتين إن اختار المسافر ذلك فعل وجهها في المقدار لا في الإيجاب، والذي عليه الجمهور [ما] (٣)، على حكاه ابن بطال في حديث عائشة في الكتاب، كما أنها أفتت بخلاف ذلك، وأنها كانت تتم في السفر، لكنها قضت أن القصر ليس على الإيجاب، فلذلك أتمت (٤). فائدة: زيادة ركعتين على ركعتين نسخ للأول لا زيادة صلاة خلافًا، كما نبه عليه السهيلي (٥). --------------- (١) سيأتي برقم (٥٧٤) كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة الفجر. ورواه مسلم برقم (٦٣٥) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر. (٢) «التمهيد» ٨/ ٤٣. (٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٨، ١٠. (٥) «الروض الأنف» ١/ ٢٨٣. ٢ - باب وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذى، وَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. [فتح: ١/ ٤٦٥] ٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ. قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا». وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطَيَّةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بهذا. [٣٢٤ - مسلم ٨٩٠ - فتح: ١/ ٤٦٦] ما ترجم عليه هو مذهب الثلاثة: الشافعي (١) وأحمد (٢) وأبي حنيفة (٣)، وعامة الفقهاء وأهل الحديث أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة، فرضها ونفلها، وظاهر مذهب مالك كما قال ابن رشد في «قواعده» بعد أن قال: اتفق العلماء على أنها فرض بإطلاق: إنها من سنن الصلاة (٤). ----------------- (١) «الأم» ١/ ٧٧، «الحاوي» ٢/ ١٦٥، «أسنى المطالب» ١/ ١٧٠، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨٤، «مغني المحتاج» ١/ ١٨٤. (٢) «الإفصاح» ١/ ٢٥٤، «المغني» ٢/ ٢٨٣، «الممتع» ١/ ٣٥٣، «المبدع» ١/ ٣٥٩. (٣) «تحفة الفقهاء» ٢/ ٩٥، «بدائع الصنائع» ١/ ١٠٦، «فتح القدير» ١/ ٢٥٦. (٤) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٢. وعن بعضهم أنه شرط عند الذكر دون النسيان، فإن قلت: هل يستدل للقول الثاني بحديث عمرو بن سلمة لما تقلصت بردته، فقالت امرأة: غطوا عنا إست قارئكم (١). قلت: لا. لأنه كان فاقدًا لها، وأيضًا كان ذلك في أول الإسلام، وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة» (٢). ومن حديث المسور أنه - ﷺ - قال له: «ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة» (٣). وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث عائشة مرفوعًا: «لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار» (٤). وهو المراد برواية أبي داود: صلاة حائض. والترمذي: صلاة الحائض (٥). وسيأتي في «صحيح البخاري» من حديث أبي سعيد الخدري النهي عن الاحتباء في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء (٦). ثم قال البخاري: وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وكأنه رحمه الله فهم أن المراد بها الثياب، ولذلك ساقه بعد أن بوب --------------- (١) سيأتي برقم (٤٣٠٢) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح. (٢) مسلم (٣٣٨) كتاب: الحيض، باب: تحريم النظر إلى العورات. (٣) (٣٤١) كتاب: الحيض، باب: تحريم الاعتضاد بحفظ العورة. (٤) ابن خزيمة ١/ ٣٨٠ (٧٧٥). (٥) أبو داود (١٩٦)، والترمذي (٣٧٧) وقال: حسن، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٩٦). (٦) سيأتي برقم (٣٦٧) كتاب: الصلاة، باب: ما يستر من العورة. بذلك، وهو ما رواه البيهقى عن طاوس، وقال مجاهد: فيها وارِ عوزتك ولو بعباءة (١). وقال أبو محمد بن حزم: اتفقوا على أنه ستر العورة (٢). وقال ابن بطال: أجمع أهل التأويل على أنها نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة؛ ولذلك أمر أن لا يطوف بالبيت عريان (٣). وقال ابن رشد: من حمل ﴿خُذُوا﴾ على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلًّا لذلك بما في الحديث أنه كان رجال يصلون مع النبي - ﷺ - عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان (٤). ومن يحمله على الوجوب استدل بحديث مسلم عن ابن عباس: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول: من يعيرني تطوافا. وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله فنزلت الآية السالفة (٥)، وفي رواية وهب بن جرير: كانت المرأة إذا طافت بالبيت تخرج صدرها وما هناك، فأنزل الله الآية (٦). وعند الواحدي كان أناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتعلق على أسفلها سيورًا مثل هذِه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو. وفي لفظ: وعلى فرجها خرقة (٧). -------------- (١) «السنن الكبرى» ٢/ ٢٢٣. (٢) «المحلى» ٣/ ٢٠٩. (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٥. (٤) «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٣. (٥) مسلم (٣٠٢٨) كتاب: التفسير، باب: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. (٦) رواه الطبري في «التفسير» ٥/ ٤٦٩ (١٤٥١٢)، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٢٢٣. (٧) «أسباب نزول القرآن» ص ٢٢٨ - ٢٢٩. وقال ابن عباس: المراد بالمسجد المسجد الحرام خاصة؛ تعظيمًا له، فإن النساء يطفن حول البيت عراة في الجاهلية ليلًا، فإذا أرادته نهارًا استعارت ثيابًا من ثياب أهل الحرم، فتطوف بها، فأقبلت امرأة ذات جمال، فأبوا أن يعيروها ثوبًا وقالوا: حتى ننظر إلى خلقها. فطافت عريانة وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله … .................... وجاء أنها ضباعة بنت عامر لما أرادت فراق ابن جدعان تخيل أنها تتزوج بالوليد بن المغيرة، فقال: إن تزوجت به تطوفين بالبيت نهارًا عريانة، ففعلته أسبوعًا. وفي «تفسير الثعالبي» (١) أن بني عامر كانوا يطوفون في الجاهلية عراة، الرجال نهارًا، والنساء ليلًا. وفي الآية أقوال أُخر غريبة: أحدها: أن الزينة: المشط، قاله عطية وأبو روق (٢). ثانيها: رفع اليدين في الصلاة، قاله القاضي التنوخي. ثالثها: الصلاة بالنعلين، ورد في حديث مرفوع من طريق أبي جريرة، لكن وهاه العقيلي (٣)، والواجب من اللباس في الصلاة ما تستر به العورة وما زاد فحسن. ----------------- (١) ٢/ ١١٦. (٢) انظر: «زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ١٨٧، «تفسير الماوردي» ٢/ ٢١٨. (٣) حديث أبي هريرة المشار إليه رواه العقيلي في «الضعفاء الكبير» ٤/ ٢١٢ من طريق مسلمة بن علي، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خذوا زينتكم في الصلاة»، قلنا: يا رسول الله وما هو؟ قال: «البسوا نعالكم». = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وقال العقيلي ولا يتابع عليه وذكر بأسانيده إلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري تضعيفهم لمحمد بن سلمة هذا. ورواه أيضًا ابن عدي في «الكامل» ٦/ ٢١٣ من طريق بقية عن علي القرشي، عن ابن عجلان عن صالح، عن أبي هريرة به. وقال: وهذِه الأحاديث التي أمليتها يرويها علي بن أبي علي وهو مجهول يحدث عُن بقية بغير ما ذكرت. ثم رواه من طريق محمد بن الفضل، عن كرز بن وبرة، عن عطاء، عن أبي هريرة به ٧/ ٣٥٤، ومن طريقه الجرجاني في «تاريخ جرجان» ١/ ٣٩٩، وأخرجه أبو نعيم أيضًا من طريق محمد بن الفضل به ٥/ ٨٣، وأخرجه أيضًا الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٣٨٤ (٩٦١) وقال: قال أحمد بن حنبل: محمد بن الفضل ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ١٤٩: سألت أبي عن حديث رواه محمد بن المصفي، عن بقية، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة به. قال أبي: هذا حديث منكر. وقال أيضًا ١/ ١٥٥: سألت أبي عن حديث رواه بقية، عن علي القرشي، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة بمثله، قال أبي: هذا حديث منكر وعلي القرشي مجهول. وقال الدارقطني في «العلل» ٩/ ٢٥، ٢٦: يرويه بقية واختلف عنه فرواه ابن المصفي، عن بقية، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة وغيره يرويه عن بقية، عن علي القرشي، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة وهو أشبه. وقال الشوكاني في «الفوائد المجموعة» ١/ ٢٣ - ٢٤: رواه ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا. وفي إسناده: محمد بن الفضل كذاب، وقد رواه أبو الشيخ من طريق أخرى. ورواه العقيلي من طريق عباد، عن جويرية، وهو كذاب، ورواه الخطيب وابن مردويه من غير طريق هذين الكذابين، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن أكثر من ثلاثين صحابيًا في الصلاة في النعال ما لا يحتاج معه إلى أحاديث الكذابين. ثم قال البخاري: وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». قال البخاري: وفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ (١). هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله، إني رجل أصيد فأصلي في القميص الواحد؟ قال: «نعم، وأزره ولو بشوكة» (٢)، وفي رواية: إني أكون في الصيد وأصلي ليس علي(١) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦: (ويذكر عن سلمة) قد بين السبب في ترك جزمه به بقوله: (وفي إسناده نظر). وقد وصله المصنف في «تاريخه» وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان واللفظ له من طريق الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله - ﷺ - إني رجل أتصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: «». ورواه البخاري أيضًا عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة زاد في الإسناد رجلا، ورواه أيضًا عن مالك بن إسماعيل، عن عطاف بن خالد قال: حدثنا موسى بن إبراهيم. قال حدثنا سلمة، فصرح بالتحديث بين موسى وسلمة، فاحتمل أن يكون رواية أبي أويس من المزيد في متصل الأسانيد، أو يتكون التصريح في رواية عطاف وهمًا. فهذا وجه النظر في إسناده، وأما من صححه فاعتمد رواية الدراوردي وجعل رواية عطاف شاهدة لاتصالها، وطريق عطاف أخرجها أيضًا أحمد والنسائي، وأما قول ابن القطان: إن موسى هو ابن محمد بن إبراهيم التيمي المضعف عند البخاري وأبي حاتم وأبي داود وأنه نسب هنا إلى جده فليس بمستقيم؛ لأنه نسب في رواية البخاري وغيره مخزوميًا وهو غير التيمي بلا تردد. نعم وقع عند الطحاوي موسى بن محمد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا فيحتمل على بعد أن كان يكونا جميعًا رويا الحديث وحمله عنهما الدراوردي، وإلا فذكر محمد فيه شاذ، والله أعلم. (٢) أبو داود (٦٣٢)، والنسائي ٢/ ٧٠، وصححه ابن خزيمة ١/ ٣٨١ (٧٧٨)، ابن حبان ٦/ ٧١ (٢٢٩٤)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٥٠. وقال صحيح ووافقه الذهبي. وقال النووي في «خلاصة الأحكام» (٩٦٧) ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨: إسناده حسن، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٦٤٣). إلا قميص واحد، قال: «فزره، وإن لم تجد إلا شوكة» (١). وموسى هذا، قال ابن القطان: إنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وهو منكر الحديث (٢). ولعل هذا هو الذي أشار إليه البخاري بالنظر السالف، وقد قال في حقه في كتاب «الضعفاء»: موسى بن إبراهيم (٣) في حديثه مناكير (٤)، لكن أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» عن نصر بن علي، عن عبد العزيز، عن موسى بن إبراهيم، قال: سمعت سلمة. وفي رواية: وليس علي إلا قميص واحد أو جبة واحد فأزره؟ قال: «نعم، ولو بشوكة» (٥) ورواه ابن حبان أيضًا في «صحيحه» عن إسحاق بن إبراهيم ثنا ابن أبي عمر، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: «فأزره ولو بشوكة» (٦) -------------------- (١) هذا الرواية بهذِه اللفظة عند الطبرانى في «الكبير» ٧/ ٢٩ (٦٢٧٩) ونحوها عند أحمد ٤/ ٤٩. (٢) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٥٣٧. (٣) لم أجد هذا القول في موسى بن إبراهيم، لكن قوله: في حديثه مناكير قبل في موسى بن محمد بن إبراهيم. (٤) «الضعفاء الصغير» ص ١٠٧ (٣٤٧) ووقع فيه موسى بن محمد بن إبراهيم وليس موسى بن إبراهيم. (٥) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٨١ (٧٧٧، ٧٧٨). (٦) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٧١ (٢٢٩٤). ورواه الحاكم أيضًا في «مستدركه» وقال: هذا حديث مدني صحيح (١). قلت: وظهر بهذِه الرواية أن موسى (٢) هذا غير السالف الذي ظنه ابن القطان، وفيه ضعف أيضًا ولكنه دون ذاك، وقد قيل: عن موسى بن محمد (٣) بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة ذكره ابن بطال في «شرحه» (٤)، فهذا اختلاف آخر. وقوله: (يأزره ولو بشوكة) أي: يجمع بين طرفيه بشوكة، فيقوم ذلك مقام الأزرار إذا شدها، يقال: زررت له القميص أزره -بالضم- زرًا إذا شددت أزراره، وأزررت القميص إذا جعلت له أزرارًا. وقال ابن سيده: الزر: الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار وزرور وأزر القميص جعل له زرًا، وأزره: شد عليه أزراره، وقال ابن الأعرابي: زر القميص إذا كان محلولًا، فشده وأزره لم يكن له زر فجعل له، وزر الرجل: شد زره، عن اللحياني (٥). ----------------- (١) المستدرك «١/ ٢٥٠. (٢) هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، ذكره ابن حبان في»الثقات«. قال ابن المديني: موسى بن إبراهيم وسط. قال أبو حاتم: موسى بن إبراهيم هذا غير موسى بن محمد بن إبراهيم، ذاك ضعيف. وقد فرق البخاري بينهما أيضًا. انظر ترجمته في:»التاريخ الكبير«٧/ ٢٧٩ (١١٨٤)،»الجرح والتعديل«٨/ ١٣٣ (٦٠٣)،»الثقات«لابن حبان ٥/ ٤٠٢،»تهذيب الكمال«٢٩/ ١٨ (٦٢٣٣). (٣) في الأصل: محمد بن محمد بن إبراهيم، جاءت هكذا مكررة، والصواب ما أثبتناه. (٤)»شرح صحيح البخاري«لابن بطال ٢/ ١٧. (٥)»المحكم" ٩/ ٧، مادة: (زرر). وفي «الفصيح»: أزرر عليك قميصك وزره مثلث الراء (١). وأورد البخاري هذا الحديث؛ ليدل على وجوب ستر العورة، إذ لو كان سنة لما قال له ذلك، ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار ليس عليه سراويل ولا رداء (٢)، وهو قول الشافعي والكوفيين وأبي ثور، إلا أنه إن رأى من عيب عورته أعاد الصلاة عندهم (٣). ثم قال البخاري رحمه الله: وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذى. وهذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه، لا القطع، وقد روى أبو داود بإسناد جيد من حديث أم حبيبة وقد سألها أخوها معاوية: هل كان رسول الله - ﷺ - يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى (٤). ثم قال البخاري رحمه الله: وَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (٥). يريد بذلك نداء علي - رضي الله عنه - في الحج لما أرسله لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكأن البخاري أخذ اشتراط ستر العورة في الصلاة منه؛ لأنه لما كان في الطواف صلاة وقد أمر بالستر فالصلاة أولى؛ لذا خطر لي في استنباطه كما خطر لي في استنباط ما قبله، ثم رأيت ابن المنير لما ذكر قوله: ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إلى آخره. ---------------- (١) «فصيح ثعلب» ص ١١. (٢) «المدونة» ١/ ٩٥. (٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٧٧ - ٣٨٠، «المجموع» ٣/ ١٧٩ - ١٨٠، «المغني» ٢/ ٢٩٥. (٤) «سنن أبي داود» (٣٦٦)، ورواه ابن خزيمة (٧٧٦)، وابن حبان ٦/ ١٠١ (٢٣٣١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» الألباني (٣٩٢). (٥) سيأتي برقم (٣٦٩) باب: ما يستر من العورة. قال: ذكر فيه حديث أم عطية: أمرنا أن نخرج الحيض. وليس فيه ما يدل على الصلاة الذي يجامع منه، لكن في أبي داود، ثم ذكر حديث أم حبيبة السالف، وقد علمت أن وجه الاستنباط منه، وحديث أم عطية ذكره لفائدة أخرى سأبديها. ثم ساق البخاري رحمه الله حديث أم عطية. وفيه: قَالَتِ أمْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا». وهذِه المرأة هي أم عطية، وكنت بها عن نفسها في رواية، قلت: يا رسول الله، إحدانا … الحديث. وذكر البخاري بعضه معلقًا في كتاب الحيض (١)، وسيأتي بطوله في العيدين (٢) إن شاء الله. ثم قال البخاري: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ. وعبد الله هذا هو الغُداني نسبة إلى غدان بن يربوع بن حنظلة (٣) ---------------- (١) سبق في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. قبل حديث رقم (٣٠٥) وقد ساقه البخاري أيضًا مسندًا في نفس الكتاب -الحيض- برقم (٣٢٤) باب: شهود الحائض العيدين … (٢) سيأتي فيه مترجمًا عليه في أكثر من موضع بأرقام (٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١). (٣) هو عبد الله بن رجاء الغداني البصري، روى عن إسحاق بن يزيد الكوفي، وعمران بن دوار القطان، وجرير بن أيوب البجلي، روى عنه البخاري، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وروى الدارمي، عن يحيى بن معين: كان شيخًا صدوقًا لا بأس به، وسُئل أبو زرعة عنه فجعل يثني عليه وقال: حسن الحديث عن إسرائيل، وقال عمرو بن علي: صدوق كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة، وقال النسائي: عبد الله بن رجاء المكي والبصري كلاهما ليس بهما بأس، وذكره ابن حبان = ووهم من جعل أنه المكي (١)، وعمران هو ابن داور (٢)، الراء في آخره، وفيه ضعف. استشهد به البخاري هنا وفي غزوة ذات الرقاع (٣)، فروي له في كتاب «الأدب» (٤) والأربعة (٥). ------------- = في «الثقات»، وقال عنه يعقوب بن سفيان: ثقة، وروى الدوري عن يحيى بن معين أنه ليس من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتم: كان ثقة، وقال عنه الذهبي: من ثقات البصريين ومسنديهم، وقال عنه ابن حجر: صدوق يهم قليلًا. انظر: «تاريخ الدارمي» ص ١٨١ (٦٥٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٥٥ (٢٥٥)، «الثقات» لابن حبان ٨/ ٣٥٢، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٩٥ (٣٢٦٢)، «ميزان الاعتدال» ٣/ ١٣٥ (٤٣٠٩)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٣٢، «تقريب التهذيب» (٣٣١٢). (١) هو عبد الله بن رجاء المكي أبو عمران، روى عن سفيان الثوري، وروى عنه أحمد بن حنبل وحسنه ووثقه ابن معين وقال: أبو حاتم صدوق، وقال أبو زرعة: شيخ صالح، ووثقه ابن حبان، ومحمد بن سعد، وقال الذهبي: كان صدوقًا محدثًا، وقال ابن حجر: ثقة تغير حفظه قليلًا. انظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٥/ ٥٠٠. «الثقات» لابن حبان ٨/ ٣٣٩، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٠٠، «ميزان الاعتدال» ٣/ ١٣٥ (٤٣٠٨)، «تقريب التهذيب» ص ٣٠٢ (٣٣١٣). (٢) هو عمران بن داور القطان، روى عن بكر بن عبد الله المزني، والحسن البصري، روى عنه عبد الله بن رجاء الغدائي وأبو علي الحنفي، قال أحمد بن حنبل: أرجو أن يكون صالح الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف. ووثقه ابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق يهم. وذكره العقيلي في «الضعفاء». وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه انظر: «الضعفاء الكبير» ٣/ ٣٠٠ (١٣٠٩)، «تهذيب التهذيب» ص ٤٢٩ (٥١٥٤)، «الكامل» ٦/ ١٦٢ (١٢٦٥)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٣٢٨. (٣) سيأتي برقم (٤١٢٥). (٤) «الأدب المفرد» (٨٢٥). (٥) «سنن أبي داود» (١١٣٦)، «سنن الترمذي» (٥٣٩)، «سنن النسائي» ١/ ١٩٣، ١٩٤، «سنن ابن ماجه» (١٣٠٧). وهذا الأثر وصله الطبراني في «معجمه الكبير» فقال: حدثنا على بن عبد العزيز، عن عبد الله بن رجاء فذكره (١)، وساق البخاري هذا التصريح بسماع ابن سيرين من أم عطية وروي ذلك عن أختها حفصة، وصحح الدارقطني رواية ابن سيرين عن أم عطية (٢). والجلباب كالملاءة، وكأن البخاري ساق حديث أم عطية في الباب لأن الشارع - ﷺ - أمر بإلباس الجلباب، وما ذاك إلا أنه يوم زينة، وإذا كان كذلك فالمصلي أحق بالبر؛ لأنه يناجي ربه، كذا خطر لي فيه. --------------- (١) «المعجم الكبير» ٢٥/ ٥٠. (٢) «علل الدارقطني» ١٥/ ٣٧٣ (٤٠٧٩). ٣ - باب عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ: صَلَّوْا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - عاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ. ٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِى وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِى إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّى فِى إِزَارٍ وَاحِدٍ؟! فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِى أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠ - مسلم ٣٠٠٨ - فتح: ١/ ٤٦٧] ٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِى ثَوْبٍ. [انظر: ٣٥٢ - مسلم: ٥١٨ - فتح: ١/ ٤٦٨] هذا التعليق خرجه مسندًا في باب: إذا كان الثوب ضيقًا (١) كما ستعلمه قريبًا بزيادة، والإزار يذكر ويؤنث، سمِّي إزارًا؛ لأنه يشد به الظهر، قال تعالى: ﴿فَأَزَرَهُ﴾ نبه عليه الداودي، وفي «المحكم» (٢) أنه الملحفة، ويقال: فيه مئزر. عن اللحياني. ثم ساق حديث واقد بن محمد عن محمد بن المنكدر قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِى إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِى إِزَارٍ وَاحِدٍ؟! فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وهذا الطريق انفرد به البخاري، وفي مسلم أن القائل فيه عبادة بن ----------------- (١) سيأتي برقم (٣٦١). (٢) «المحكم» ٩/ ٦٤. الوليد بن عبادة بن الصامت (١). ثم ساق من حديث محمد أيضًا قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ واحد. والمشجب -بكسر الميم- أعواد متداخلة يجعل عليها الثياب، ويؤخذ من فعل جابر أن العالم يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه، توسعة على العامة، وليقتدي به، ألا ترى أنه صلى في ثوب واحد وثيابه على الشجب، ففي ذلك جواز الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه، وهو قول عامة الفقهاء، إلا أنه قد روي عن ابن عمر خلاف ذلك، وروي عن ابن مسعود مثل قول ابن عمر، روى ابن أبي شيبة عنه: لا يصلين في ثوب وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض (٢). وروي عن مجاهد: لا يُصلى في ثوب واحد إلا أن لا يجد غيره (٣). وقول ابن بطال: إن ابن عمر لم يتابع على قوله (٤). فيه نظر إذن، نعم عامة الفقهاء على خلافه، وفيه الأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة: جابر، وأبي هريرة، وعمر بن أبي سلمة، وسلمة بن الأكوع (٥). ------------------ (١) مسلم (٣٠٠٨) كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر. (٢) «المصنف» ١/ ٢٧٩ (٣٢٠٥). (٣) السابق. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٩. (٥) هذِه الأحاديث بجملتها في الصحيح وسيتعرض المصنف لها بالشرح والتعليق في هذا الباب وفي الباب بعده. وعقد الإزار على القفا في الصلاة إذا لم يكن مع الإزار سراويل ولا مئزر، ومعنى الحديث السالف في الباب قبله: «يزره ولو بشوكة». وهو باليد في ستر العورة في الصلاة؛ لأنه إذا عقد إزاره في قفاه وركع لم تبد عورته؛ فلذلك كانت الصحابة تعقد من أزرهم في الصلاة إذا لم يكن تحتها ثوب آخر. نعم، في «صحيح ابن حبان» من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم فليتزر وليرتدِ» (١)، ولابن القطان صحيحًا: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبه فالله أحق أن يزين له، فمن لم يكن له ثوبان فليتزر ولا يشتمل» (٢). والمراد بالأحمق في حديث جابر: الجاهل كما سيأتي في باب الصلاة بغير رداء، لا بأس للعالم أن يصف بالحمق من جهل دينه، وأنكر على العلماء ما غاب عنه علمه من السنة. ---------------- (١) ابن حبان ٤/ ٦١٣ (١٧١٣). (٢) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٢٨٣. ٤ - باب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: المُلْتَحِفُ: المُتَوَشِّحُ، وَهْوَ المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهْوَ الاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. قَالَ: قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: التَحَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِثَوْبٍ، وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. ٣٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. [٣٥٥، ٣٥٦ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٨] ٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. [انظر: ٣٥٤ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٩] ٣٥٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. [انظر: ٣٥٤ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٩] ٣٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ- أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى. [انظر: ٢٨٠ - مسلم ٣٣٦ - فتح: ١/ ٤٦٩] ٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوَلكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟». [٣٦٥ - مسلم: ٥١٥ - فتح: ١/ ٤٧٠] وهذا ذكره بعد مسندًا (١)، والعاتق: يذكر ويؤنث. ثم ساق من حديث عمر بن أبي سلمة أنه - ﷺ - صَلّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. ثم ساق من حديثه أيضًا أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. ثم ساق حديثه أيضا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. ثم ساق حديث أبي مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَابٍ- عن أُمِّ هَانِئٍ أنها ذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابنتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هذِه؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالبٍ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا يا أمَّ هَانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ ابن أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ - ﷺ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». ثم قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلكَ ضُحًى. ثم ساق من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوَلكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟». --------------- (١) سيأتي برقم (٣٥٧). أما حديث عمر بن أبي سلمة فخرجه مسلم أيضًا في الصلاة (١) والأربعة (٢) وأما حديث أم هانئ: فسلف في الغسل مختصرًا (٣). وأما حديث أبو هريرة: فأخرجه مسلم أيضًا (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧)، وبقية الباب سلف في الباب قبله وهو صريح وهو قوله - عليه السلام -: «أوَلكلكم ثوبان». والتوشح أن يأخذ طرف الثوب، الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الطرف الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره، صرح به ابن سيده (٨) وغيره. قال الجوهري: والتحفت بالثوب تغطيت به وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به والتوشح هو نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به؛ لأن فيه مخالفة طرفي الثوب على عاتقه كما فعله الشارع وأمر به واشتمال الصماء المنهي عنه خلاف هذا، ومعنى مخالفته بين طرفيه لئلا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، وقد يقال: المعنى: عدم السقوط إذا ركع وإذا سجد. ثم في حديث أم هانئ فوائد فلنوردها مختصرة: فيه: سلام المرأة والتلبية والملاطفة بقوله: مرحبًا أي صادفت رحبًا وسعة. ----------------- (١) مسلم (٥١٧) باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لُبسه. (٢) أبو داود (٦٢٨)، والترمذي (٣٣٩)، والنسائي ٢/ ٧٠، وابن ماجه (١٠٤٩). (٣) سلف برقم (٢٨٠) باب: التستر في الغسل عند الناس. (٤) مسلم (٥١٥) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لُبسه. (٥) أبو داود (٦٢٥). (٦) النسائي ٢/ ٦٩ - ٧٠. (٧) ابن ماجه (١٠٤٧). (٨) «المحكم» ٣/ ٣٦١. ![]()
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 01-05-2026 الساعة 03:52 PM. |
|
#3
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 287 الى صـــ 306 الحلقة (131) والكلام على الاغتسال وهذِه الصلاة: صلاة الضحى كما جاء في بعض طرقه، وفي بعضها أنها صلاة الإشراق، وهذا يرد قول من ادعى أنها صلاة الصبح. ومعنى زعم هنا: ذكر أمرًا لا أعتقد موافقته فيه. وقولها: (ابن أمي) تعني: عليًّا، فإنه أخوها شقيقها، وإنما قالت: ابن أمي؛ لتؤكد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن وكثرة ملازمة الأم، وهو موافق؛ لقوله تعالى: حكاية عن هارون لموسى قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه: ٩٤]. وقولها: (فلان بن هبيرة) هو والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، كذا هو في كتاب الزبير بن بكار وفي الطبراني، فقلت: يا رسول الله، إني أجرت حمويَّ، وفي رواية حموي ابن هبيرة وفي وراية حمويّ ابني هبيرة (١). وفي كتاب الأزرقي أنها أجارت عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي والحارث بن هشام (٢). وقال ابن عبد البر: استتر عندها رجلان من بني مخزوم وأجارتهما، قيل: إنهما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية. وقيل: أحدهما جعدة بن هبيرة. قال: والأول أصح. قال: وهبيرة بن أبي وهب زوجها، وولدت له جعدة وغيره (٣). قال ابن الجوزي: قولها: (فلان بن هبيرة) إن كان من أولاده منها، فالظاهر أنه جعدة. قلت: لكن رواية حموي بعيدة، ولم تكن تحتاج إلى إجارة ابنها. ------------------- (١) الطبراني ٢٤/ ٤١٤ - ٤١٧. (٢) «أخبار مكة» ٢/ ١٦٢. (٣) «التمهيد» لابن عبد البر ٢١/ ١٨٩. أمان المرأة: قال ابن عبد البر: أجازه العلماء كلهم -أجاز ذلك الإمام أو لم يجزه- وهو ظواهر الأخبار. وشذ ابن الماجشون فمنع أمانها (١). قلت: وكأنه يقول: إنما تمت إجارتها بإجازة الشارع، ولو كانت إجارتها لازمة لم يقل: «أجرنا». وقوله في حديث أبي هريرة «أوَلكلكم ثوبان»: لفظة استخبار، ومعناه: إخبار عن ضيق حالهم وتقريرها عندهم، وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوي ثم استقصر علمهم واستبطأ فهمهم، فكأنه قال: إذا كان ستر العورة واجبًا والصلاة لازمة، وليس لكل واحد ثوبان، فكيف لم يعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد ليست جائزة؟ قال الطحاوي: وصلاته - ﷺ - في الثوب الواحد في حال وجود غيره، من الأخبار المتواترة (٢)، قلت: وقد سلف جملة منها في الباب قبله وسيأتي أيضًا (٣). ------------------ (١) السابق. (٢) «شرح معاني الأثار» ١/ ٣٨١. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في السادس بعد الخمسي، كتبه مؤلفه، غفر الله له. ٥ - باب إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ ٣٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَئءٌ». [انظر: ٣٦٠ - مسلم: ٥١٦ - فتح: ١/ ٤٧١] ٣٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ -أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ». [انظر: ٣٥٩ - فتح: ١/ ٤٧١] حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ». حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ -أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ». أما حديث أبي هريرة الأول: فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وأما الثاني: فهو من أفراده، قال الإسماعيلي: كذا رواه البخاري ورويناه عن الحسين، عن أبي نعيم كذلك بالشك في السماع أو الكتاب، لا أعلم أحدًا ذكر فيه سماع يحيى، عن عكرمة. ---------------- (١) مسلم (٥١٦) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفه لبسه. ورواه هشام وحسين المعلم ومعمر ويزيد بن سنان كل قال عن عكرمة لم يذكر خبرًا ولا سماعًا، وما عندنا عن أبي نعيم والحسين على الشك. وأخرجه أبو داود من حديث يحيى، عن عكرمة، عن أبي هريرة (١) بغير شك. وأما فقه الباب فالذي فيه محمول عند الأئمة على التنزيه خلا أحمد، فإنه في رواية، قال: لا تصح صلاته إذا صلى في ثوب واحد، وقدر على وضع شيء على عاتقيه فلم يضعه، عملًا بظاهر الحديث، وعنه رواية أنها تصح مع الإثم بالترك. ونقل ابن المنذر عن أبي جعفر: لا صلاة لمن لم يكن مخمر العاتقين (٢). قال الخطابي: ويدل على صحة مقالة الأولين ما ثبت عنه - ﷺ - أنه صلى في ثوب واحد وكان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي نائمة، والثوب الواحد لا يتسع طرف منه ليئتزر به ويجعل على عاتقه منه (٣). ----------------- (١) أبو داود (٦٢٧). (٢) «الأوسط» ٥/ ٥٦. (٣) «أعلام الحديث» ١/ ٣٥٠. ٦ - باب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا ٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الَحارِثِ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنِ الصُّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَا السُّرى يَا جَابِرُ؟». فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: «مَا هذا الاشْتِمَالُ الذِي رَأَيْتُ؟». قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ. يَعْنِي: ضَاقَ. قَالَ: «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ». [انظر: ٣٥٢ - مسلم: ٥١٨، ٣٠١٠ - فتح: ١/ ٤٧٢] ٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ لِلنِّسَاءِ: «لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا». [٨١٤، ١٢١٥ - مسلم: ٤٤١ - فتح: ١/ ٤٧٣] ذكر فيه حديث جابر وفيه: «مَا السُّرى يَا جَابِرُ؟». فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: «مَا هذا الاشْتِمَالُ الذِي رَأَيْتُ؟». قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ. يَعْنِي: ضَاقَ. قَالَ: «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ». وهو من أفراد البخاري، من طريق سعيد بن الحارث عنه. ورواه مسلم من حديث عبادة عنه (١)، في الحديث الطويل، «يا جابر: إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإن كلان ضيقًا فاشدده على حقويك». والسُّرى: سير الليل، فالمعنى: لأي شيء سُراك الليلة. والاشتمال: الالتفاف بالثوب ولا يخرج يده منه، فلذا أنكره. وفيه: طلب الحوائج ليلًا من السلطان بخلاء موضعه وسره. ------------------ (١) مسلم (٣٠٠٨) كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل. ثم ذكر فيه أيضًا حديث سَهْلٍ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ لِلنِّسَاءِ: «لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا». وهذا قد علق البخاري بعضه (١)، فيما مضى قريبًا وأسنده هنا عن مسدد ثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي حازم، عن سهل وسيأتي أيضًا قريبًا (٢)، ويثبت هذا الحديث أن ثياب أولئك الرجال قصيرة وكساويهم قليلة لمكان العقد، فأمر النساء ألا يرفعن رءوسهن حتى يستوي الرجال جلوسًا، لئلا يشاهدن عورة الرجال. ولا خلاف أنه لو كشفت الريح مئزره أو ثوبه وظهرت عورته، ثم رجع الثوب من حينه أن صلاته لا تبطل، وكذلك المأموم إذا رأى من العورة ذلك. وقال ابن القاسم: إن فرط في رد إزاره فصلاته وصلاة من تأمل عورته باطلة. وعن سُحنون: إن رفع الريح ثوب الإمام، فانكشف عن دبره، فأخذه مكانه أجزأه ويعيد كل من نظر إلى عورته، ممن خلفه ولا شيء على من لم ينظر. وروي عنه أيضًا: أن صلاته وصلاة من خلفه فاسدة. وإن أخذه مكانه (٣)، وعند أحمد يعفي: عن القليل من العورة (٤)، وإلا لم يحده. واغتفر بعض الأئمة دون الربع (٥). ---------------- (١) سلف معلقًا في باب: عقد الإزار على القفا في الصلاة قبل حديث (٣٥٢). (٢) سيأتي برقم (٨١٤) كتاب: الأذان، باب: عقد الثياب وشدها. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٠٩. (٤) انظر: «المغني»: ٢/ ٢٨٧، ٣٣١. (٥) منهم الحنفية، انظر «بدائع الصنائع» ١/ ١١٧. واختلف عندهم في الدبر والإليتين، فقيل: الكل عورة واحدة، فيعتبر ربعه، وقيل: كل إلية عورة، والدبر ثالثهما (١)، وعند الشافعي القليل والكثير سواء، حتى الشعرة من رأس الحرة وظفرها (٢). وعند الحنفية أن انكشاف القليل لا يمنع، وكذا الكثير في زمن قليل، وهو أن لا يؤخر عنه ركنًا من أركان الصلاة، ولا يصح شروعه مع الانكشاف (٣). وعندهم قول: إن من نظر من زيقه ورأي فرجه تبطل صلاته، وكذا إذا كان قميصه محلول الجيب وانفتح حتى رأى عورة نفسه وإن لم ينظر (٤). فعلى هذا: الستر شرط من نفسه، وعامة أصحابهم جعلوه شرطًا من غيره فقط؛ لأنها ليست عورة في حق نفسه (٥). وحكى الأول شيخنا قطب الدين في «شرحه» عن «شرح الهداية» عن الشافعي وأحمد وتابعه عن شرحه، ولا أعرفه عن الشافعي. قيل: مذهبه الصحة. -------------------- (١) انظر: «شرح فتح القدير» ١/ ٢٦٢. (٢) انظر: «البيان» ٢/ ١١٦. (٣) انظر: «شرح فتح القدير» ١/ ٢٦١. (٤) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٩٥. (٥) انظر: «شرح فتح القدير» ١/ ٢٦١. ٧ - باب الصَّلَاةِ فِىِ الجُبَّةِ الشَّأْمِيَّةِ وَقَالَ الحَسَنُ فِي الثِّيَابِ يَنْسُجُهَا المَجُوسِيُّ لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا. وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ اليَمَنِ مَا صُبغَ بِالْبَوْلِ. وَصَلَّى عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ. ٣٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرِ، فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ». فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى تَوَارى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ، ثُمَّ صَلَّى. [انظر: ١٨٢ - مسلم: ٢٧٤ - فتح: ١/ ٤٧٣] (وَقَالَ الحَسَنُ فِي الثِّيَابِ يَنْسُجُهَا المَجُوسِيُّ لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا.) وهذا قد أسنده ابن أبي شيبة بنحوه فقال: حدثنا أبو داود عن الحكم بن عطية: سمعت الحسن وسئل عن الثوب يخرج من النساج تصلي فيه؟ قال: نعم، قال: وسمعت ابن سيرين يكرهه (١)، وقال أبو نعيم في «كتاب الصلاة»: حدثنا ربيع عن الحسن، قال: لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني (٢). قوله: (يَنْسِجُها) قال ابن التين: قرأناه بكسر السين وهو في هذِه اللغة بالكسر والضم، والجمهور ومنهم الكوفيون والثوري والشافعي على جواز الصلاة فيما ينسجه المجوسيّ والمشركون، وإن لم يغسل حتى يتبين بها نجاسة، وكره مالك أن يصلى فيما لبسوه وإن فعل يعيد ----------------- (١) «المصنف» ٢/ ٤٨ (٦٣١٠). (٢) لم أجده في المطبوع من «كتاب الصلاة» لأبي نعيم -الفضل بن دكين- وإنما وجدته عند ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤٨ (٦٣١١). في الوقت (١)، وعن أبي حنيفة أنه قال: أكره للمسلم أن يلبس السراويل والأزرار إلا بعد الغسيل (٢) وقال إسحاق: تطهَّر جميع ثيابهم (٣). قال البخاري: وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ اليَمَنِ مَا صُبغَ بِالْبَوْلِ. وهذا ذكره معمر في «جامعه» (٤) والظاهر أنه لم يصل فيها إلا بعد غسلها، وكذا قال مالك وأصحابه: إن ثياب اليمن تُطَهَّر بعد الصبغ. قال البخاري: وَصَلَّى عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ. وهذا أسنده ابن أبي شيبة فقال: حدثنا وكيع ثنا علي بن صالح، عن عطاء أبي محمد، قال: رأيت على علي قميصًا من هذِه الكرابيس غير غسيل (٥). قال ابن التين: قوله: (غير مقصور) أي: خام غير مدقوق، يقال: قصرت الثوب إذا دققته ومنه القصار، وقال الداودي في «شرحه» ومنه نقلت غير مقصور أي: لم يلبس بعد، قال: وهو قول مالك إلا أنه يستحب أن لا يصلي على الثياب إلا من حرًّ أو بردٍ أو نجاسة بالموضع؛ لأجل الترفه؛ لأن الصلاة موضع الخشوع. ----------------- (١) «المدونة» ١/ ١٤٠. (٢) «الأصل» ١/ ٨٧. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٥٥، «البيان» ١/ ٨٧، «المغني» ١/ ١١٢. (٤) لم أجده في «الجامع» لمعمر بن راشد، ولكن وجدته عند عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٣٨٣ (١٤٩٦) عن معمر. وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٧٤، والعيني في «عمدة القاري» ٣/ ٣٠٨: قول الزهري وصله عبد الرزاق، عن معمر عنه في المصنف. قلت: فلعل المصنف وهم في عزوه «لجامع معمر». (٥) «المصنف» ٢/ ٤٨ (٦٣١٢)، ورواه أيضًا ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ٢٨. ثم ساق البخاري حديث المغيرة فقال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ». فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى تَوَارى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى. وهذا الحديث تقدم في باب: المسح على الخفين (١) (٢)، وقبله في باب: الرجل يوصي صاحبه (٣)، ويأتي في الجهاد (٤) واللباس (٥) مختصرًا، وأخرجه مسلم في الطهارة (٦). ومسلم هو: ابن صبيح، قال الدارقطني: وخالف عمرو بن صبيح، فرواه عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن المغيرة، وحديث مسلم بن صبيح أصح (٧)، ويحيى هذا مذكور أيضًا في الجنائز (٨)، وتفسير سورة الرحمن (٩). ------------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: معنى كلام الشيخ قال في الطهارة وبين فيها وفي الحيضة. (٢) سلف برقم (٢٠٣) كتاب: الوضوء. (٣) سلف برقم (١٨٢) كتاب: الوضوء. (٤) سيأتي برقم (٢٩١٨) باب: الجبة في السفر والحرب. (٥) سيأتي برقم (٥٧٩٨، ٥٧٩٩) باب: من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر، وباب: لبس جبة الصوف في الغزو. (٦) مسلم (٢٧٤) باب: المسح على الخفين. (٧) «العلل» ٧/ ١١٢ - ١١٣ (١٢٤١). (٨) سيأتي برقم (١٣٦١) باب: الجريد على القبر. (٩) في هامش الأصل وبخط ناسخها: الدخان، كذا رأيته في «التقييد» للجياني. ونسب ابن السكن كما قال الجياني الذي في الجنائز ابن موسى - يعني: ختَّا- وأهمل الموضعين الآخرين (١)، وذكر الكلاباذي: أن يحيى بن موسى ختا روى عن أبي معاوية وأنَّ يحيى بن جعفر بن عون روى عن أبي معاوية أيضًا ورواه الطبراني في «معجمه» من طريق يحيى الحمَّاني عن أبي معاوية (٢)، ويحيى هذا ليس من شيوخ البخاري (٣). وهذِه السفرة هي غزوة تبوك كما جاء مصرحًا به في «الصحيح» وقوله: «يا مغيرة» جاء في بعض الروايات: «يا مغيرة» على الترخيم، والإداوة -بكسر الهمزة- إناء من جلد، والركوة: قال الجوهري: الإداوة المطهرة وهذِه الجبة قال الداودي: كانت الجبة من صوف وذكر البخاري هذا الحديث لئلا يتوهم أن ثياب المشركين نجسة؛ لأن هذا كان في غزوة تبوك والشام إذ ذاك دار كفر لم تفتح، ففيه: إباحة لُبس ثياب المشركين، وكانت ثيابهم ضيقة الأكمام والظاهر أنه لم يغسلها إذ لو فعل لنقل. وفيه: إخراج اليدين أسفل الثوب عند الاحتياج إليه ولباس الثياب الضيقة الأكمام كالقباء ونحوه وإباحة خدمة العالم في السفر والصب على المتوضئ. ----------------- (١) انظر: «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٦٠. (٢) «الطبراني» ٢٠/ ٣٩٨. (٣) سيأتي برقم (٤٤٢١) كتاب: المغازي. ٨ - باب كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّى فِى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا ٣٦٤ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحِجارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابن أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الِحجَارَةِ. قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانَا - ﷺ -. [١٥٨٢، ٣٨٢٩ - مسلم: ٣٤٠ - فتح: ١/ ٤٧٤] ساق بإسناده حديث عمرو بن دينار: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابن أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الحِجَارَةِ. قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا - ﷺ -. هذا الحديث أخرجه هنا والحج (١) وبنيان الكعبة (٢) وأخرجه مسلم في الطهارة. (٣) وهو من مراسيل الصحابة، فإن جابرًا لم يحضر هذِه القصة، ومرسله حجة إلا من شذ كما سلف وكان النبي - ﷺ - لما بنت قريش الكعبة لم يبلغ الحُلُم كما قال الزهري. وقال ابن بطال وابن التين كان عمره خمس عشرة سنة (٤). قلت: وفي سيرة ابن إسحاق: أنه - عليه السلام - كان يحدث عما كان الله --------------- (١) سيأتي برقم (١٥٨٢) باب: فضل مكة وبنيانها. (٢) سيأتي برقم (٣٨٢٩) كتاب: مناقب الأنصار. (٣) مسلم (٣٤٠) باب: الاعتناء بحفظ العورة. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٦. يحفظه به في (صغره) (١) أنه قال: لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما تلعب به الغلمان كلنا قد تعرى وأخذ إزارًا وجعل على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة رجيفة. ثم قال: شد عليك إزارك، فأخذته فشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي (٢). قال السهيلي: وهذِه القصة إنما وردت في الحديث في حين بنيان الكعبة ثم ساق ذلك كما قال سالفًا وحديث ابن إسحاق إن صح محمول على أن هذا الأمر كان مرتين، في حال صغره، وعند بنيان الكعبة (٣). ثم ذكر ابن إسحاق أنه لما بلغ من العمر خمسًا وثلاثين أجمعت قريش لبناء الكعبة (٤)، وساق القصة. وكان قد جبله الله تعالى على جميل الأخلاق، وشريف الطباع والحياء الكامل حتى كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، فلذلك غشي عليه وما رؤي بعد ذلك عُريانًا، وقد صانه الله وحماه من صغره عما يدنسه، وجاء في رواية في غير الصحيحين (إن الملك نزل فشد عليه إزاره) وفي رواية: أخبر العباس أنه نودي من السماء أن اشدد عليك إزارك يا محمد. قال: وإنه لأول ما نودي، ذكرها السهيلي (٥). ----------------- (١) كذا في ابن إسحاق وفي الأصل: سفره. (٢) «سيرة ابن إسحاق» ١/ ٥٧ - ٥٨. (٣) «الروض الأنف» ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩. (٤) «سيرة ابن إسحاق» ١/ ٨٤. (٥) «الروض الأنف» ١/ ٢٠٩. ولعل جزعه لانكشاف جسده وليمس في الحديث أنه انكشف شيء من عورته، وروي من طريق عكرمة عن ابن عباس عن أبيه: أنه لما سقط مغشيًا عليه، نظر إلى السماء وأخذ إزاره، وقال: «نهيت أن أمشي عريانًا»، فقال العباس: أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون (١). وفي رواية: (فما رؤي بعد ذلك عريانًا) إنه لا ينبغي التعري للمرء بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشي عريانًا بحيث لا يأمن أعين الآدميين، إلا ما رخص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عراة، وقد دل حديث العباس المذكور أنه لا يجوز التعري في الخلوة، ولا لأعين الناس، وقيل: إنما مخرج القول فيه للحال التي كان عليها، فحيث كانت قريش رجالها ونساؤها تنقل معه الحجارة، فقال: «نهيت أن أمشي عريانًا» في مثل هذِه الحالة. ولو كان ذلك نهيًا عن التعري في كل مكان؛ لكان قد نهاه عنه في غسل الجنابة في الموضع الذي قد أمن من أن يراه فيه أحد إلا الله، إذ كان المغتسل لا يجد بدًّا من التعري ولكنه نهاه عن التعري بحيث يراه أحد، والقعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته في معنى المشي عريانًا. ولذلك نهى الشارع عن دخول الحمام بغير إزار، وأما حديث القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا «لو أستطيع أن أواري عورتي من شعاري لواريتها» (٢)، فإن صح فمحمول على الاستحباب لاستعمال الستر --------------- (١) «سيرة ابن إسحاق» ١/ ٥٨. (٢) رواه ابن عدي في «الكامل في ضعفاء الرجال» ٢/ ٣٦٣ من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، وقال: ولجعفر بن الزبير هذا أحاديث غير ما ذكرت عن القاسم، وعامتها لا يتابع عليه. وأورده صاحب «الفردوس» ٣/ ٣٦٣ = والندب لأمته إلى ذلك، وكذا قول علي: إذا كشف الرجل عورته أعرض عنه الملك، وقول أبي موسى الأشعري: إني لأغتسل في البيت المظلم، فما أقيم صلبي حياء من ربي (١). محمول على ذلك لا على الحرمة، والله لا يخفي عليه شيء. فرع: إذا أوجبنا الستر في الخلوة، فهل يجوز أن ينزل في ماء النهر والعين بغير مئزر؟ وجهان في «الحاوي» أحدهما: لا للنهي عنه، والثاني: نعم لأن الماء يقوم مقام الثوب في ستر العورة (٢). --------------- = (٥٠٩٨)، وقال الذهبي في «الميزان» ١/ ٤٠٦ (١٥٠٢): ومن مناكير جعفر، عن القاسم، عن أبي أمامة: لو استطعت أن أواري عورتي من شعاري لفعلت، وقال ابن حبان في «المجروحين» ١/ ٢١٢: روى جعفر عن القاسم، عن أبي أمامة نسخة موضوعة. اهـ. وقال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ١/ ٣٠٥ معقبًا على قول ابن حبان: قلت منها: لو استطعت أن أواري عورتي من شعاري لفعلت. (١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ١١٣ - ١١٤ من طرق عن أبي موسى، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ٢/ ٨٢٩ (٨٢٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٦٠. (٢) «الحاوي» ٢/ ١٧٤. ٩ - باب الصَّلَاةِ فِي القَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاءِ ٣٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْن زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَألَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: «أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟!». ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَة، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارِ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ. [انظر: ٣٥٨ - مسلم: ٥١٥ - فتح: ١/ ٤٧٥] ٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الُمحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا وَرْسٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ وَليَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ». وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. مِثْلَة. [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ١/ ٤٧٦] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: «أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟!». ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الطهارة (١). ------------------ (١) مسلم (٥١٥) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه. والسراويل: فارسي معرب يذكر ويؤنث (١)، وبالنون بدل اللام وبالشين المعجمة بدل المهملة. والتُّبان: -بالضم- قصير شبه السراويل، مذكر. والقباء: ممدود لانضمام لابسه بأطرافه، فارسي معرب وقيل: عربي، قال كعب فيما نقله الفارسي (٢) في «مجمع الغرائب»: أول من لبسه سليمان بن داود - عليه السلام -، فكان إذا دخل رأسه في الثياب لنصت (٣) الشياطين يعني: قلصت أنوفها. وفيه: الاكتفاء بالثوب الواحد إذ هو الواجب الكافي للعورة. وقول عمر - رضي الله عنه - دال على ذلك، فإن جمع الثياب في الصلاة استحباب بقول عمر في تبان ورداء دلالة على أن الرداء ليشتمل به؛ لأنه لا يكون الرداء مع التبان أو السراويل إلا ليشتمل به. وقوله: (جمع عليه، صلى) يريد: ليجمع وليصل؛ إذ هو أطلق الماضي فيه وأراد المستقبل لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [الصف: ٦] أي يقول، كذا قال ابن بطال (٤). واعترض عليه بأنه في معنى الشرط، فالماضي فيه والمستقبل سواء، ------------------ (١) انظر: «لسان العرب» ٤/ ١٩٩٩ مادة: (سرل). (٢) هو عبد الغافر بن إسماعيل بن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد الحافظ اللغوي الإمام أبو الحسن الفارسي ثم النيسابوري مصنف «تاريخ نيسابور» وكتاب «مجمع الغرائب»، «المفهم لشرح مسلم» كان من أعيان المحدثين بصير باللغات فصيحًا بليغًا عذب العبارة، ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ومات سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وانظر: «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٢٧٥، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ١٦، «طبقات الشافعية» ٧/ ١٧١ - ١٧٢. (٣) في هامش الأصل: من خط الشيخ: ذكره أبو موسى بالسين. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠. كأنه قال: إن جمع رجل عليه ثيابه فحسن ثم فصل الجمع بصوره على معنى البدلية، وذكر صورًا تسعة: إزار ورداء إلى آخرها، ثلاثة سابغة الرداء ثم القميص، ثم القباء، وثلاثة ناقصة الإزار، ثم السراويل، ثم التبان، فأفضلها الإزار ثم السراويل، ومنهم من عكس، واختلف أصحاب مالك في من صلى في سراويل وهو قادر على الثياب، ففي «المدونة»: لا يعيد في الوقت ولا في غيره (١) وعن ابن القاسم مثله، وعن أشهب عليه الإعادة في الوقت وعنه أيضًا صلاته تامة إن كان صفيقًا (٢). وذكر فيه أيضًا حديث سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: «لَا يَلْبَسُ- يعني: المحرم- القَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ ..» إلى آخره. وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. مِثْلَهُ. وقد سلف آخر كتاب العلم (٣) وتكلمنا عليه هناك، ووجه إيراده هنا فيما ظهر لي أن الشارع نهى المحرم عن لبس المذكورات فغيره مأذون له في ذلك ومن جملته حالة الصلاة. ------------------ (١) «المدونة» ١/ ٩٥. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٠١. (٣) سلف برقم (١٣٤) باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله. ١٠ - باب مَا يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ ٣٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. [١٩٩١، ٢١٤٤، ٢١٤٧، ٥٨٢٠، ٥٨٢٢، ٦٢٨٤ - مسلم: ١٥١٢ - فتح: ١/ ٤٧٦] ٣٦٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنِ اللِّمَاسِ وَالنِّبَاذِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. [٥٨٤، ٥٨٨، ١٩٩٣، ٢١٤٥، ٢١٤٦، ٥٨١٩، ٥٨٢١ - مسلم: ١٥١١ - فتح: ١/ ٤٧٧] ٣٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَخِي ابن شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الَحجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمِنًى، أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلِيًّا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِـ ﴿بَرَاءَةٌ﴾. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. [١٦٢٢، ٣١٧٧، ٤٣٦٣، ٤٦٥٥، ٤٦٥٦، ٤٦٥٧ - مسلم: ١٣٤٧ - فتح: ١/ ٤٧٧] ذكر فيه ثلانة أحاديث: أحدها: حديث أبي سعيد الخدري: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. وهذا الحديث ذكره في البيوع (١) أيضًا، واللباس (٢)، وسيأتي فيها ----------------- (١) سيأتي برقم (٢١٤٤) باب: بيع الملامسة. (٢) سيأتي برقم (٥٨٢٠) باب: اشتمال الصماء. من غير هذا الوجه (١). وقد اشتمل على حكمين: [الحكم] (٢) الأول: اشتمال الصَّماء وهو كما قال في «الصحاح» أن يجلل جسده كله بالأزار أو الكساء (٣) ويرده من قبل يمينه على يساره على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده. ثانيًا: من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعًا، وذكر ابن الأثير: أنها التجلل بالثوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه (٤)، وإنما قيل لها الصماء؛ لأنه يسد على يده ورجليه المنافذ كلها، إذ الصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع. والفقهاء يقولون: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره من أحد جانبيه، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتنكشف عورته. قال القزاز: وقيل إنما روي ذلك؛ لأن الرجل يجب أن يحترس في صلاته من أن يصيبه شيء، فإذا فعل ذلك لم يقدر على الدفع، والبخاري -في كتاب اللباس- فسرها بأن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب (٥) وهو نحو ما حكاه أبو عبيد من عن نفسه والفقهاء، ونقل أبو عبيد عن العرب أنهم فسروها مما ذكره ابن الأثير (٦) أولًا، وفسرها صاحب «المهذب» بأن يلتحف بثوب لم يخرج ------------------- (١) في هامش الأصل وبخط ناسخها، من خط الشيخ، أخرجه النسائي في الزينة، قال عساكر: وروي عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد. (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) «الصحاح» ٥/ ١٧٤١ مادة: (شمل). (٤) «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٥٠١ مادة: (شمل). (٥) سيأتي برقم (٥٨٢٠) باب: اشتمال الصماء. (٦) «غريب الحديث» ١/ ٢٧١. ![]()
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-05-2026 الساعة 10:12 PM. |
|
#4
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 307 الى صـــ 326 الحلقة (132) يده من قبل صدره (١) وهو غريب (٢). واختلف قول مالك في اشتمال الصماء، إذا كان تحتها ثوب، فمرة أجازها ومرة كرهها (٣). فرع: في أبي داود من حديث ابن عمر: النهي عن اشتمال اليهود (٤) وإسناده صحيح، وهو كما قال الخطابي: أن يجلل بدنه بالثوب ويسبله من غير أن يرفع طرفه (٥). قال البغوي: وإلى هذا ذهب الفقهاء، قال: وفسر الأصمعي الصماء بهذا، وقد روي أنه نهى عن الصماء اشتمال اليهود (٦)، فجعلها شيئًا واحدًا (٧). الحكم الثاني: الاحتباء: وهو أن يقعد على إليتيه وينصب ساقيه ويحتزم بالثوب على حقويه وركبتيه، وفرجه بادْ، كانت العرب تفعله؛ لأنه أرفق لها في جلوسها. وقال البخاري في اللباس: هو أن يحتبي بثوب وهو جالس ليس على فرجه منه شيء (٨). قال الخطابي: هو أن يجمع ظهره ورجليه بثوب، يقال: العمائم ------------------ (١) «المهذب» ١/ ٢٢٢. (٢) قال النووي في «المجموع» ٣/ ١٨١: وأما ما ذكره المصنف من تفسيرها فغريب. قال صاحب «المطالع»: اشتمال الصماء إدارة الثوب على جسده لا يخرج منه يده، نهى عن ذلك لأنه إذا أتاه يتوقاه لم يمكن إخراج يده بسرعة ولأنه إذا أخرج يده انكشفت عورته. وهذا تفسير الأصمعي وسائر أهل اللغة والذي ساقه الخطابي تفسير الفقهاء. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٠٣، «البيان والتحصيل»١/ ٢٧٧. (٤) أبو داود (٦٣٥). (٥) «معالم السنن» ١/ ١٥٤. (٦) عند البغوي: نهى عن الصماء، الصماء: اشتمال اليهود. (٧) «شرح السنة» ٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥. (٨) سيأتي برقم (٥٨٢٠). تيجان العرب، والحباء حيطانها وحِبْوة بالكسر أعلى من الضم (١)، وقد يكون الاحتباء باليدين عرض الثوب، والاحتباء على ثوب جائز؛ لأنه - عليه السلام - إنما نهى عنه خشية أن ينكشف فرجه عند التحرك أو زوال الثوب وكره الصلاة محتبيًا ابن سيرين، وأجازها الحسن والنخعي وعروة وسعيد بن المسيب وعبيد بن عمير وكان سعيد بن جبير يصلي محتبيًا، فإذا أراد أن يركع حل حبوته، ثم قام وركع. وصلى التطوع محتبيًا عطاء وعمر بن عبد العزيز (٢). الحديث الثاني: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنِ اللِّمَاسِ وَالنِّبَاذِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْب وَاحِدٍ. هذا الحديث سيأتي في النهي عن الصلاة بعد الفجر (٣) وغيره أيضًا، وأخرجه مسلم أيضًا في البيوع (٤) وسفيان المذكور في إسناده هو الثوري، وفيه أربعة أحكام، سلف منها اشتمال الصماء والاحتباء. واللَّماس: هو بيع الملامسة؛ بأن يلمس ثوبًا مطويًا ثم يشتريه على أن لا خيارله إذا رآه، هذا تأويل الشافعي (٥) أو يجعل نفس اللمس بيعًا، فيقول: إذا لمسته فهو مبيع لك أو أنه يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه انقطع الخيار ولزم البيع وكله باطل؛ لأنه غرر أو تعليق أو عدوله عن الصيغة الشرعية. ------------------ (١) «غريب الحديث» للخطابي ٣/ ٣٧ - ٣٨. (٢) انظر هذه الآثار في: «مصنف عبد الرزاق» ٢/ ٤٦٦ - ٤٧٠ (٤١٠١، ٤١٠٢، ٤١١١، ٤١١٣، ٤١١٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٠٤ (٤٦٤٠، ٤٦٤٢، ٤٦٤٥، ٤٦٤٧، ٤٦٤٨، ٤٦٤٩)، «التمهيد» ١/ ١٣٨. (٣) سيأتي برقم (٥٨٤) كتاب: مواقيت الصلاة. (٤) مسلم (١٥١١) باب: إبطال بيع الملامسة والمنابذة. (٥) انظر: «مختصر المزني» ١٢٨، «البيان» ٥/ ١١٥. والنيباذ: هو بيع المنابذة ويفسر الشافعي أن يجعلا نفس النبذ بيعًا أو يقول بعتك على أني إذا نبذت إليك وجب البيع (١)، والمراد: نبذ الحصاة وكله باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في بابه. الحديث الثالث: حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ فِي مُؤَذِّيينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمِنًى، أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ .. الحديث بطوله. وسيأتي في الحج (٢) بزيادة، وفي المغازي، في حج أبي بكر بالناس (٣)، وفي التفسير في سورة براءة بأسانيد (٤)، والجزية (٥)، وأخرجه مسلم (٦) أيضًا. ثم الكلام عليه من وجوه: أحدها: إسحاق شيخ البخاري في هذا الحديث هو: الكوسج إسحاق بن منصور، كما صرح به أبو نعيم في «مستخرجه» بعد أن رواه من طريق عقيل، عن الزهري، وأبو مسعود وخلف في أطرافهما. وقال الجياني: إن بعضهم قال: إنه هذا، وإن بعضهم قال: إنه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وقال أبو نصر: إنهما يرويان جميعًا عن ------------------ (١) انظر: «مختصر المزني» ١٢٨، «البيان» ٥/ ١١٥. (٢) سيأتي برقم (١٦٢٢) باب: لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك. (٣) سيأتي برقم (٤٣٦٣). (٤) سيأتي بأرقام (٤٦٥٥: ٤٦٥٧). (٥) سيأتي برقم (٣١٧٧) باب: كيف ينبذ إلى أهل العهد. (٦) مسلم (١٣٤٧) كتاب: الحج، باب: لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. يعقوب بن إبراهيم الزهري (١)، وذكر المزي أن الذي هنا ابن إبراهيم، وإن الذي في براءة ابن منصور. ثانيها: هذا الحديث ذكره أبو مسعود وابن عساكر والحميدي في مسند أبي بكر، وذكره خلف (٢) وابن أبي أحد عشر (٣) في «جمعه» في مسند أبي هريرة، وأشار إليه في مسند أبي بكر. وقول حميد: (ثم أردف رسول الله - ﷺ - عليًّا) إلى آخره، يحتمل أن يكون تلقاه من أبي هريرة، ويكون الزهري رواه عنه موصولا عند ----------------- (١) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٣ - ٩٦٤. (٢) هو خلف بن محمد بن علي بن حمدون، الواسطي أبو علي الإمام الحافظ الناقد، سمع أبا بكر القطيعي وطبقته ببغداد، وعبد الله بن محمد السقا بواسط، وأبا بكر الإسماعيلي وأمثالهم بالشام ومصر وخراسان والعجم والعراق، صنف كتاب «أطراف الصحيحين»، وكتابه- قالوا: أقل أوهامًا من «أطراف» أبي مسعود، وقال أبو نعيم: صحبنا بنيسابور وأصبهان. وقال الخطيب مات خلف الواسطي بعد أربعمائة، وقال الذهبي: لم أظفر لخلف بتاريخ وفاة، وقد بقى إلى بُعيد الأربعمائة بيسير. وانظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٨/ ٣٣٤ - ٤٣٥، «أخبار أصبهان» ١/ ٣١٠، «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١٠٦٧ - ١٠٦٨، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٢٦٠. (٣) هو محمد بن حسين بن أحمد بن محمد، أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي المربي، روى عن: أبي علي النسائي، وأبي محمد بن أبي قحافة، ويزيد بن أبي المعتصم، وعبد الباقي بن محمد. وصحب الشيخ أبا عمر بن التمتاش الزاهد. وكان متحققًا بالحديث ونقله، منسوبًا إلى «معرفة الرجال». قال الذهبي: له كتاب مليحٌ في الجمع بين الصحيحين أخذه عنه الناس. وقال ابن بشكوال: وكان دينًا فاضلًا عفيفًا متواضعًا متبعًا للآثار والسنن، ظاهري المذهب. كتب إلينا بإجازة ما رواه. وتوفي رحمه الله في محرم سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بالمرية. انظر ترجمته في: «الصلة» ٢/ ٥٨١ - ٥٨٢، «تاريخ الإسلام» ٣٦/ ٢٩٢. البخاري، وكان هذا هو مستند أبي نعيم حين قال في آخره عند استخراجه له: رواه -يعني: البخاري- عن إسحاق بن منصور. ثالثها: هذِه الحجة هي في السنة التاسعة كما ذكره (في) (١) المغازي حج أبو بكر بالناس (٢). رابعها: قوله: (لا يحج بعد العام مشرك) هو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد بالمسجد الحرام هنا: الحرم بمكة، فلا يُمَكَّن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكن من الدخول بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم. خامسها: قوله: (ولا يطوف بالبيتِ عريان) هو إبطال لما كانت الجاهلية عليه من الطواف عُراة، واستدل به أصحابنا على اشتراط ستر العورة في الطواف، قال ابن عبد البر: أمر رسول الله - ﷺ - أبا بكر بالخروج إلى الحج وإمامته للناس فخرج أبو بكر، ونزل صدر براءة بعده، فقيل: يا رسول الله، لو بعثت بها إلى أبي بكر يقرؤها على الناس في الموسم، فقال: «إنه لا يؤديها عني إلا رجل من أهل بيتي»، ثم دعا عليًّا، فقال: "اخرج بهذِه القصة من صدر براءة، وأذن بها في الناس ------------------- (١) مطموسة في الأصل ولعلها كما ذكرنا. (٢) سيأتي برقم (٤٣٦٣). يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى»، فخرج على ناقة رسول الله - ﷺ - العضباء حتى أدرك أبا بكر بالطريق وقيل: بذي الحليفة، وقيل: بالعرج، فوصل في السَّحَر، فسمع أبو بكر رغاء ناقة رسول الله - ﷺ -، فإذا علي، فقال أبو بكر: أستعملكَ رسول الله - ﷺ - على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أن أقرأ براءة على الناس، فقال له أبو بكر: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور (١). وفي «فضائل علي» لأحمد بن حنبل: لما بلغ أبو بكر ذا الحليفة، وفي لفظ: بالجحفة، بعث النبي - ﷺ - إلى أبي بكر فرده، وقال: «لا يذهب بها إلارجل من أهل بيتي» (٢) وفي لفظ: فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله، نزل في شيء؟ قال: «لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك» (٣). قيل: الحكمة في إعطاء براءة لعلي: أن براءة تضمنت نقض العهد، وكانت سيرة العرب أن لا يحل العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته، فأراد - ﷺ - أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، ويرسل ابن عمه الهاشمي؛ حتى لا يبقى لهم متكلم. قيل: إن في سورة براءة ذكر فضل الصديق -يعني: قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]- وأراد - ﷺ - أن غيره يقرؤها. -------------------- (١) «الدرر في اختصار المغازي والسير» ١/ ٢٦٦، وروى هذِه القصة الطبري في «التفسير» ٦/ ٣٠٧ ورويت مختصرة أيضًا. (٢) «فضائل الصحابة» ٢/ ٦٩٤ (٦٤٩). (٣) «فضائل الصحابة» ٢/ ٨٧٥ - ٨٧٦ (١٢٠٣). ١١ - باب الصَّلَاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ ٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي الَموَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الُمنْكدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ؟! قَالَ: نَعَمْ، أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الجُهَّالُ مِثْلُكُمْ، رَأَيْتُ النُّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي هَكَذَا. [انظر: ٣٥٢ - مسلم: ٣٠٠٨ - فتح: ١/ ٤٧٨] ذكر فيه حديث جابر السالف في باب عقد الإزار على القفا في الصلاة من طريقيه (١)، ولا كراهة في الصلاة بقميص من غير رداء عند أحد من العلماء (٢)، إلا أن مالكا ذكر عنه ابن عبد الحكم: أن الإمام لا يصلي إلا برداء إلا من ضرورة (٣)، وهذا على الاستحسان في كمال حال الإمام، ولو كان من جهة الوجوب لاشترك المأموم معه فيه. ------------------- (١) سلف برقم (٣٥٢، ٣٥٣). (٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٨٠، «المنتقى» ١/ ٢٤٨، «البيان» ٢/ ١٢٢، «المغني» ٢/ ٢٩٢. (٣) «المدونة» ١/ ٨٥. ١٢ - باب مَا يُذكَرُ فِي الفَخِذِ وُيرْوى عَنِ ابن عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ». [٢٨٣٢] وَقَالَ أَنَسٌ: حَسَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ فَخِذِهِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غَطَّى النَبِيُّ - ﷺ - رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ. وَقَالَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي. [فتح: ١/ ٤٧٨] ٣٧١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّهَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرى نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قَالَ: «اللهُ أَكبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ». قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: وَخَرَجَ القَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا: مُحَمُّدٌ- قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا- وَالخمِيسُ. يَعْنِي: الَجيْشَ، قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ، فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ. قَالَ: «اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً». فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّهَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ! لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ. قَالَ: «ادْعُوهُ بِهَا». فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي غَيْرَهَا». قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ لَة ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللُّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَرُوسًا، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ». وَبَسَطَ نِطَعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ- قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّوِيق- قَالَ: فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَليمَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [٢٩٤٤، ٢٩٤٥، ٢٩٩١، ٣٣٦٧، ٣٦٤٧، ٤٠٨٣، ٤٠٨٤، ٤١٩٧، ٤١٩٨، ٤١٩٩، ٤٢٠٠، ٤٢٠١، ٤٢١١، ٤٢١٢، ٤٢١٣، ٥٠٨٥، ٥٠٨٦، ٥١٥٩، ٥١٦٩، ٥٣٨٧، ٥٤٢٥، ٥٥٢٨، ٦٣٦٣، ٧٣٣٣، ٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٥٩٦٨، ٦١٨٥ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ١/ ٤٧٩] ساق البخاري رحمه الله فيه أحاديث معلقة ومسندة فقال: وُيرْوى عَنِ ابن عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ». وَقَالَ أَنَسٌ: حَسَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ فَخِذِهِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ - ﷺ - رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ. وَقَالَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي. ثم أسند حديث أنس السالف (١). الكلام على هذِه الأحاديث من وجوه: أحدها: التعليق الذي علقه البخاري عن ابن عباس وجَرْهَد (ع) ومحمد بن جحش قال البيهقي في «خلافياته» و«سننه» فيها: هذِه أسانيد صحيحة يحتج بها (٢)، وخالفه ابن حزم في ذلك وقال: إنها ساقطة واهية (٣)، وليس كما ذكر كما أوضحته في تخريجي لأحاديث الرافعي (٤). أما حديث ابن عباس: فأخرجه الترمذي (٥). وقال: حسن غريب. --------------------- (١) يقصد السالف في نفس الباب معلقًا. (٢) «السن الكبرى» ٢/ ٢٢٨، «مختصر الخلافيات» لابن فرح اللخمي ٢/ ١٥٤ - ١٥٥. (٣) «المحلى» ٣/ ٢١٣. (٤) «البدر المنير» ٤/ ١٤٦. (٥) «الترمذي» (٢٧٩٨). وأما حديث محمد بن جحش: فرواه أحمد (١) والحاكم في «مستدركه» (٢)، وذكره الترمذي (٣)، وأما حديث جرهد (٤) فرواه مالك في «موطئه» (٥) والترمذي من طرق (٦) وحسنه مرة وزاد مرة أنه غريب، وقال مرة: ما أرى إسناده بمتصل (٧)، وصححه ابن حبان (٨)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٩)، وقال الطبري في «تهذيبه»: الأخبار التي رويت عن النبي - ﷺ - أنه دخل عليه أبو بكر وعمر، وهو كاشف عن فخذيه، واهية الأسانيد، لا يثبت بمثلها حجة في الدين. والأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ، والنهي عن كشفها أخبار صحاح. الثاني: جرهد (١٠) بفتح الجيم، وهو: ابن عبد الله بن رزاح بن عدي بن سهم بن الحارث بن سلامان بن أسلم، شهد الحديبية من أهل الصُّفْة، وقيل: جرهد بن خويلد. ومحمد بن عبد الله بن جحش (١١) قتل أبوه بأُحد وأوصى به إلى رسول الله - ﷺ -. ---------------- (١) أحمد ٥/ ٢٩٠. (٢) «المستدرك» ٣/ ٦٣٧. (٣) ذكره في كتاب: الأدب، باب: ما جاء في أن الفخذ عورة بعد حديث (٢٧٩٨). (٤) في هامش الأصل وبخط ناسخها حاشية: أخرج حديث جرهد أبو داود في كتاب: الحمام من «السنن». (٥) «الموطأ» ٢/ ١٨٣ (٢١٢٢) برواية أبي مصعب. (٦) «سنن الترمذي» (٢٧٩٥، ٢٧٩٦، ٢٧٩٧). (٧) «علل الترمذي» ٥/ ١١٠ - ١١١. (٨) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٦٠٩ (١٧١٠). (٩) «المستدرك» ٤/ ١٨٠. (١٠) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٤/ ٢٩٨، «التاريخ الكبير» ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩، «الاستيعاب» ١/ ٣٣٥، «أسد الغابة» (٧٢٥)، «الإصابة» (١١٣١). (١١) انظر: ترجمته في «الاستيعاب» ٣/ ٤٣٠، «أسد الغابة» (٤٧٤١)، «الإصابة» (٧٧٨٥). الثالث: حكى الخطيب في «مبهماته» في الرجل الذي قال له النبي - ﷺ -: «غط فخذك، فإن الفخذ عورة» ثلاثة أقوال: أحدها: جرهد هذا، ثانيها: قبيصة بن مخارق الهلالي، ثالثها: معمر بن عبد الله بن نضلة العدوي (١). الرابع: قوله: (وقال أبو موسى غطى رسول الله - ﷺ - ركبتيه حين دخل عثمان) هذا أسنده في مناقب عثمان، فقال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد يعني: ابن زيد، عن أيوب عن أبي عثمان، عن أبي موسى قال: دخل النبي - ﷺ - حائطًا، وأمرني بحفظ بابه، فذكر مجيء أبي بكر وعمر وعثمان، الحديث (٢). ثم قال: (قال حماد: ثنا عاصم) وساق إسناده قال: (وزاد فيه عاصم أنه - ﷺ - كان قاعدًا في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبتيه أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاهما) (٣). فحماد الأول هو ابن زيد كما تراه مصرحا به، والثاني: جاء في بعض نسخه أنه ابن سلمة، وكذا ذكره خلف في «أطرافه»، وأما الطبراني فساقه من حديث حماد بن زيد، ولفظه: كان مكشوف الساقين (٤). وعند مسلم من حديث عائشة كان - ﷺ - مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فذكرت الحديث، فلما استأذن عثمان، فجلس وسوى ----------------------- (١) «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» ١/ ٣٧٨ - ٣٨٠ (١٨٥). (٢) سيأتي برقم (٣٦٩٥) كتاب: فضائل الصحابة. (٣) سيأتي بعد حديث رقم (٣٦٩٥). (٤) لم أقف عليه عند الطبراني في المطبوع منه ولعله في المفقود. ثيابه (١)، وعند أحمد كاشفًا عن فخذه (٢) من غير تردد. قال الشافعي فيما نقله عنه في «المعرفة»: والذي روي في قصة عثمان وكشف عن فخذه أو ساقيه حتى دخل مشكوك فيه (٣). قلت: ووهَّم الداودي رواية البخاري، وقال: إنها ليست من هذا الحديث وقد أدخل بعض الرواة حديثًا في حديث إنما أبو بكر أتى رسول الله - ﷺ - وهو في بيته منكشف فخذه، فلما استاذن عثمان غطى فخذه، فقيل له في ذلك، فقال: «إن عثمان رجل حيي، فإن وجدني في تلك الحالة لم يبلغ حاجته» (٤) وقد أخرجه مسلم من حديث عائشة، وفيه: فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» (٥)، وفي «مسند أحمد» من حديثها أيضًا: «ألا أستحي منه، والله إن الملائكة لتستحي منه» (٦). قلت: فلما كان الغالب عليه الحياء، جوزي عليه من جنس فعله. الخامس: قوله: (وقال زيد بن ثابت) إلى آخره. هذا قطعة من حديث طويل خرجه البخاري في تفسير سورة النساء (٧)، وفي الجهاد (٨)، وسيأتي إن شاء الله. --------------------- (١) مسلم (٢٤٠١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. (٢) أحمد ٦/ ٦٢. (٣) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٣/ ١٥٤. (٤) رواه مسلم (٢٤٠٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفان. (٥) مسلم (٢٤٠١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. (٦) أحمد ٦/ ٦٢. (٧) سيأتي برقم (٤٥٩٢) باب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. (٨) سيأتي برقم (٢٨٣٢) باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. السادس: حديث أنس هذا أخرج بعضه في الأذان (١) كما ستعلمه، وأخرجه مسلم في النكاح (٢)، والمغازي (٣). والكلام عليه من وجوه. أحدها: قوله: (غزا خيبر) كانت في جمادى الأولى، سنة سبع من الهجرة قاله ابن سعد (٤)، وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله - ﷺ - بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، وخرج في نفسه عازمًا إلى خيبر (٥)، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام، وروى مكي بن إبراهيم البلخي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان إلى خيبر، فصام طوائف من الناس، وأفطر آخرون، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (٦). وأخرج الترمذي والنسائي منه قوله: فلم يعب إلى آخره (٧). -------------------- (١) سيأتي برقم (٦١٠) باب: ما يحقق بالأذان من الدماء. (٢) مسلم (١٣٦٥/ ٨٤) كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها. (٣) مسلم (١٣٦٥/ ١٢١) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة خيبر. (٤) «الطبقات» ٢/ ١٠٦. (٥) انظر: «سيرة ابن هشام» ٣/ ٣٧٨. (٦) لم أقف على طريق إبراهيم بن مكي عن سعيد بن أبي عروبة ولكن وجدته من طرق، عن سعيد بن أبي عروبة منها ما رواه أحمد في «المسند» ٣/ ٤٥ من طريق محمد بن جعفر، عن سعيد به، ومسلم (١١١٦) من طريق محمد بن بشر، عن سعيد به، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٦٨ من طريق روح عن سعيد به. (٧) رواه الترمذي (٧١٢) من حديث أبي سعيد «سنن النسائي» ٤/ ١٨٨. وقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. ثانيها: صلاة الغداة، فيه جواز تسميتها بذلك، وكرهه بعض أصحابنا (١). ثالثها: قوله: (وأنا رديف أبي طلحة) فيه: الإرداف إذا كانت مطيقة، وفيه غير ما حديث، وفيه جزء لابن منده الحافظ، كما تقدم. رابعها: قوله: (فأجرى نبي الله - ﷺ - في زقاق خيبر) فيه: جواز مثل ذلك، ولا تنخرم به المروءة، لا سيَّما عند الحاجة أو الرياضة أو للتدريب على القتال. خامسها: قوله: (ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه) فيه دلالة على أن الفخذ ليس بعورة، وقد يجاب عنه: بأنه كان للزحمة أو للإجراء من غير قصد لذلك، ورفع نظر أنس عليه فجأة لا قصدًا، وكذا يجاب بهذا عن حديث عبد الله بن عمر، وفي ابن ماجه: وجاء النبي - ﷺ - مسرعًا قد حفزه النفس، وقد حسر عن ركبتيه، فقال: «أبشروا ..» الحديث (٢). وحاصل ما في عورة الرجل عندنا خمسة أوجه (٣): ----------------- (١) في هامش الأصل بخط ناسخها: قال النووي في «الروضة» [١/ ١٨٢]: من بابه: الاختيار أن يقال للصبح: الفجر، أو الصبح وهما أولى من الغداة، ولا تقول: الغداة مكروه. اهـ. (٢) ابن ماجه (٨٠١) وقال البوصيري في «الزوائد» ١/ ١٣٦ هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٦١). (٣) انظر: «البيان» ٢/ ١١٧، «المجموع» ٣/ ١٧٣ - ١٧٦. أصحها: وهو المنصوص أنها ما بين السرة والركبة، وليسا عورة، وهو صحيح مذهب أحمد بن حنبل (١)، وقال به زُفَر ومالك (٢)، قال المهلب: قولهم: الفخذ عورة على معنى القرب والمجاوزة سدًّا للذريعة. وثانيها: أنهما عورة، كالرواية عن أبي حنيفة (٣). وثالثها: السرة دون الركبة. رابعها: عكسه، وعلل صاحب «المفيد» من الحنفية بأن الركبة مركبة من عظم الفخذ والساق، فغلب الحظر احتياطًا. خامسها: للاصطخري: القبل والدبر فقط، وهو شاذ، ورواية عن أحمد حكاها عنه في «المغني» قال: وهو قول ابن أبي ذئب، وداود (٤)، ومحمد بن جرير، وابن حزم (٥)، واستدل بهذا الحديث. وقال: لو كانت عورة لما كشفها الله من رسوله المطهر المعصوم من الناس، ولا أراها أنسًا ولا غيره وهو تعالى عصمه في حال صباه حين نقله الحجارة إلى الكعبة، أي: كما تقدم. ثم ذكر حديث أبي العالية في مسلم قال: ضرب عبد الله بن الصامت فخذي وقال: إني سألت أبا ذر فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول الله كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت ------------------------ (١) انظر: «المحرر» ١/ ٤١. (٢) انظر: «التفريع ١/ ٢٤٠،»الإشراف«١/ ٩٠. (٣) انظر:»الهداية«١/ ٤٧،»شرح فتح القدير«١/ ٢٢٤. (٤) انظر:»المغني«٢/ ٢٨٤. (٥)»المحلى" ٣/ ٢١٠. فخذك وقال: «صل الصلاة لوقتها» (١) الحديث، فلو كانت الفخذ عورة لما مسها الشارع من أبي ذر ولا الباقي إذ لا يحل لمسلم أن يضرب بيده على ذكر إنسان على الثياب ولا حلقة دبره على الثياب، وعلى بدن امرأة أجنبية على الثياب البتة، وقد منع الشارع القود من الكسعة، وهو ضرب بين الإليتين على الثياب بباطن القدم، وقال: «دعوها فإنها منتنة» (٢) ثم وهَّم الأخبار الواردة بأنها عورة، وقد سلفت مناقشته في ذلك. وفي «صحيح مسلم» أن حمزة صعَّد النظر إلى ركبتي النبي - ﷺ -، ثم صعَّد النظر إلى سرته (٣). وفي أبي داود: أنه - ﷺ - احتجم على وركه من وثء (٤) كان به (٥)، فلو كان الورك عورة لما كشفها للحجام. قلت: ذلك للضرورة وهو جائز. قال ابن حزم: وقولنا هو قول الجمهور كما روينا عن جبير بن الحويرث قال: رأيت الصديق واقفًا على قُزح يكلَّم الناس، وإني لأنظر إلى فخذه قد انكشف (٦). ---------------------- (١) مسلم (٦٤٨/ ٢٤٢) كتاب: المساجد، باب: كراهية تأخير الصلاة عن وقتها. (٢) سيأتي برقم (٤٩٠٥) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. (٣) مسلم (١٩٧٩) كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر … وهو في البخاري أيضًا كما سيأتي برقم (٣٠٩١) كتاب: فرض الخمس، باب: فرض الخمس. بهذا الشاهد بعينه. (٤) وهو أن يصيب العظم وصم لا يبلغ الكسر. «الصحاح» ١/ ٨٠. (٥) أبو داود (٣٨٦٣)، وصححه ابن خزيمة (٢٦٦٠). (٦) رواه الشافعي في «مسنده» ترتيب سنجر ٢/ ٢٧٨ (١٠٠٩)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ٢٣٧ (١٣٨٨)، والبيهقي ٥/ ١٢٥. وفي البخاري (١): أتى أنس إلن ثابت بن قيمس بن شماس، وقد حسر عن فخذيه (٢). وفيه أيضًا من حديث أبي الدرداء: كنت جالسًا عند رسول الله إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه فقال - ﷺ -: «أما صاحبكم فقد غامر» (٣) وفي «مسند أحمد» من حديث أبي هريرة أنه قال للحسين، وفي رواية: الحسن: ارفع قميصك عن بطنك حتى أُقَبَّل حيث رأيت رسول الله - ﷺ - يقبل فرفع قميصه، فقبل سرته (٤). قلت: وأما حديث إنما تحت السرة إلى الركبة من العورة (٥)، وحديث: ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل من السرة من العورة (٦)، ----------------------- (١) سيأتي برقم (٢٨٤٥) كتاب: الجهاد والسير، باب: التحفظ عند القتال. (٢) «المحلى» ٣/ ٢١٥ - ٢١٦. (٣) سيأتي برقم (٣٦٦١) كتاب: فضائل الصحابة. (٤) أحمد ٢/ ٤٢٧. (٥) رواه أبو داود بن سوار أو سوار بن داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيهن عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا زوج أحدكم خادمه خيره أو أجبره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة». وقال أبو داود: وصوابه سوار بن داود المزني الصيرفي، وهم فيه وكيع. ورواه أحمد مطولًا بنحوه ٢/ ١٨٧، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ٢/ ١٦٨، والدارقطني في «سننه» ١/ ٢٢٩، وأبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٢٦، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٢٢٩ وقال: وقد قيل عن سوار، عن محمد بن جحادة، عن عمرو، وليس بشيء. والخطيب في «تاريخ بغداد» ٢/ ٢٧٨. وقال النووي في «خلاصة الأحكام» ١/ ٢٥٢ (٦٨٧) رواه أبو داود بإسناد حسن. وحسنه العلامة الألباني كما في «الإرواء» (٢٤٧، ٢٧١)، «تمام المنة» ١/ ١٦٠ فانظرهما. (٦) رواه الدارقطني في «سننه» ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠، والبيهقي في «سننه» ١/ ٢٢٩ من حديث أبي، وقال: سعيد بن أبي راشد البصري ضعيف. وقال الحافظ في «الدارية» أيوب: ١/ ١٢٣: إسناده ضعيف، وقال في «التلخيص» ١/ ٢٧٩: = وحديث: عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته (١)، وحديث ما بين السرة والركبة عورة (٢)، وحديث السرة عورة (٣)، فلا يقاوم ما في الصحيح؛ لاشتمال بعضها على ضعف وبعضها على إعضال، ومن الغريب قول الأوزاعي الفخذ عورة إلا في الحمام (٤). وقول ابن بطال: أجمعوا أن من صلى مكشوف الفخذ لا إعادة عليه (٥). مراده: أهل مذهبه، وقال القرطبي: يرجح حديث جرهد تلك الأحاديث -يعني: المعارضة- له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة يتطرق إليها من الاحتمال ما لا يتطرق بحديث جرهد، فإنه -------------------- = وإسناده ضعيف، فيه عباد بن كثير، وهو متروك. وقال الألباني في «الإرواء» ١/ ٣٠٢: ضعيف جدًّا. (١) رواه الحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» ص ٥٦ (١٣٨): وفيه شيخ الحارث: داود بن المحبر، عن عباد بن كثير، عن أبي عبد الله الشامي عن عطاء، عن أبي سعيد، وهو سلسلة ضعفاء إلى عطاء. وأورده صاحب «كنز العمال» (١٩١٠)، والسيوطي في «الجامع الصغير» (٨٢٦٣) وعزياه إلى سمويه. وضعفه الألباني كما في «ضعيف الجامع الصغير» (٣٨٢٦). (٢) رواه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٥٦٨ من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والطبراني في «المعجم الصغير» ٢/ ٢٠٥ (١٠٣٣) وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي في «التلخيص» ٣/ ٥٦٨: أظنه موضوعًا فإسحاق متروك وأصرم متهم بالكذب. وقال المصنف في «البدر المنير» ٤/ ١٥٩: حديث منكر. (٣) لم أقف عليه مسندًا وإنما ذكره الزيلعي وإنما ذكره الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ٢٩٧، والحافظ في «الدراية» ١/ ١٢٣: وعزياه للبيهقي في «خلافياته». وقالا: معضل مرسل: وقال ابن فرج الإشبيلي في «مختصر خلافيات البيهقي» ٢/ ١٥٢: وهذا لا تقوم به حجة لانقطاعه عما دون التابعين. (٤) في هامش الأصل بخط ناسخها كلام: … هما عن الأوزاعي نقله … «شرح المنهاج» كما أفاده المؤلف. (٥) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال ٢/ ٣٢. أعطى حكمًا كليا فكان أولى ببيان ذلك أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية الشارع بذلك، أو البقاء على البراءة الأصلية، أو كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه أنه عورة. سادسها: قوله: («الله أكبر») فيه استحباب الذكر والتكبير عند الحرب، وهو موافق لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥]. سابعها: قوله: («خربت خيبر») أي: صارت خرابا، وقيل: ذلك على سبيل الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب، أو على جهة الدعاء عليهم على جهة التفاؤل، لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وذلك من آلات الخراب والحرب، والأول أولى كما قال القرطبي (١) لقوله: «إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين». ويجوز أن يكون أخذه من اسمها، وقيل (٢): إن الله أعلمه بذلك. والساحة الناحية والجهة والفناء، وأصلها الفضاء بين المنازل، وفيه: جواز الاستشهاد في مثل هذا السياق بالقرآن، ولذلك نظائر منها: فجعل يطعن في الأصنام ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل» ويكره من ذلك ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات والمزح ولغو الحديث، وساء: من السوء. والمنذر: من أبلغ الإنذار وهو التخويف بالإخبار عن المكروه. ------------------ (١) «الجامع لأحكام القرطبي» ١٥/ ١٤٠. (٢) في هامش الأصل بخط ناسخها: هو القول الأول. ثامنها: قوله: قالها ثلاثا يؤخذ فيه أن الثلاث كثير من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. تاسعها: قوله: قال عبد العزيز (١): هو ابن صهيب (٢) السالف في إسناده، والخميس يعني: الجيش، يجوز رفع الخميس عطفًا على قولهم: محمد، ونصبه على أنه مفعول معه، وسمي الجيش خميسًا؛ لأنه يقسم خمسة أخماس: القلب، والميمنة، والميسرة، والجناحان، وقيل: المقدمة، والساقة، وقيل: لأنه يخمس ما وجده، قاله ابن سيده (٣). وعبارة الهروي: لأنه يخمس الغنائم، وضعفه الأزهري بأن هذا الاسم كان معروفًا في الجاهلية، ولم يكن لهم تخميس. عاشرها: قوله: (فأصبناها عنوة): هو بفتح العين، أي: قهرًا لا صلحًا، يعني: أول حصونهم، وبعض حصونها أصيب صلحًا، وقال ابن ------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: لفظ الحديث: قال عبد العزيز: قال بعض أصحابنا: والخميس: الجيش، فاعله. (٢) هو عبد العزيز بن صهيب البناني مولاهم البصري الأعمى. قال محمد بن سعد: كأن يقال له: العبد، روى عن أنس بن مالك، شهر بن حوشب، وعبد الواحد البناني وآخرون، وروى عنه: إبراهيم بن طهمان، وإسماعيل بن علية، وأبو عوانة وآخرون. قال شعبة: عبد العزيز أحب إلي في أنس من قتادة. وقال أحمد: ثقة ثقة. وقال: عبد العزيز أوثق من يحيى، عبد العزيز من الثقات، وقال يحيى بن معين: ثقة ومات سنة ثلاثين ومائة. وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٤٥، «علل أحمد» ١/ ١٢٩ - ١٣٠، «الثقات» ٥/ ١٢٣، «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٤٧. (٣) «المحكم» ٥/ ٥٧. ![]()
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-05-2026 الساعة 10:15 PM. |
|
#5
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 327 الى صـــ 346 الحلقة (133) التين: ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال، ونقله عن القزاز في «جامعه». قلت: هو إذن من الأضداد، قال ثعلب: أخذت الشيء عنوة أي: قهرًا في عنف، وأخذته عنوة أي: صلحًا في رفق. قال أبو عمر: والصحيح في أرض خيبر كلها عنوة مغلوب عليها بخلاف فدك (١). وقال المنذري: اختلف في فتح خيبر هل كان عنوة أو صلحًا أو جلا أهلها عنها بغير قتال أو بعضها صلحًا وبعضها جلا عنه أهله. قال: وهذا هو الصحيح وعليه تدل السنن الواردة، ويندفع التضاد عن الأحاديث. وسنذكر ذلك إن شاء الله بشواهده في ذكر خيبر وفي كتاب النكاح. الحادي عشر: دحية بفتح الدال وكسرها. وصفية قيل: كان اسمها قبل السبي زينب، فسمت بعد السبي والاصطفاء صفية، والصحيح أن هذا اسمها قبله، ووالدها: حيي بضم الحاء المهملة وكسرها. الثاني عشر: ظن بعضهم أن استرجاع الشارع صفية من دحية بعد أن أعطاها له كان هبة منه لها، فاستشكل عليه استرجاعه لها فأخذ يعتذر عنه بأعذار ولا يحتاج إليه، وقد أزال إشكال هذِه الرواية الروايات الثابتة أن صفية إنما صارت لدحية في مقسمه، وأنه - ﷺ - اشتراها منه بسبعة أرؤس (٢)، وقوله: («خذ جارية من السبي») يتبع قوله: إنها صارت -------------------- (١) «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص ٢٠٤. (٢) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٤١١، «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ٢٣١ والحديث بهذِه الرواية عند مسلم (١٣٦٥/ ٨٧) كتاب: النكاح، بابك فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها. إليه في مقسمه، تقديره: أنه إنما أراد: خذ بطريق القسمة، وفهم دحية ذلك بقرائن، أو التصريح لم ينقله الرواي، فلم يأخذها إلا بالقسمة، ثم إن الشارع حصل عنده ما حصل أنها لا تصلح له من حيث أنها من بيت النبوة، وأنها من ولد هارون، ومن بيت الرياسة، فإنها من بيت سيد قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال المراد لكمال اللذة الباعثة على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد لا الشهوة النفسانية، فإنه معصوم. وقال النووي عن المازري وغيره: يحتمل ما جرى مع دحية وجهين: أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه، وأذن له في غيرها. والثاني: أنه أذن له في جارية من حشو السبي لا أفضلهن، فلما رأى الشارع أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسبًا وشرفًا وجمالًا آثر ضمها؛ لئلا يتميز دحية بها وينتهك مرتبتها، فقطع الشارع هذِه المفاسد، وعوضه، كما جاء في رواية أخرى: أنها وقعت في سهمه، فاشتراها الشارع بسبعة أرؤس، والمراد: حصلت بالإذن في أخذ جارية ليوافق باقي الروايات، فأعطاه بدلها سبعة أرؤس تطبيبًا لقلبه لا أنه جرى عقد بيع، ثم هذا الإعطاء لدحية محمول على التنفيل. فإن قلت: إنه من أصل الغنيمة. فظاهر، وإن قلت: إنه من تخميس الخمس يكون هذا منه بعد أن ميز أو قبله، ويحسب منه. قال: وهذا الذي ذكرناه هو الصحيح المختار، وحكى القاضي معنى بعضه، ثم قال: والأولى عندي أن صفية كانت فيئا؛ لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو وأهله من بني أبي الحُقَيْق كانوا صالحوا رسول الله - ﷺ -، وشرط عليهم أن لا يكتموا كنزًا، فإن كتموه فلا ذمة لهم، وسألهم عن كنز حيي بن أخطب فكتموه وقالوا: أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم فانتقض عهدهم فسباهم. ذكر ذلك أبو عبيد وغيره، فصفية من سبيهم، فهى فيء لا يخمس بل يفعل فيه الإمام ما رأى. وهذا تفريع منه على مذهبه أن الفيء لا يخمس، ومذهبنا أنه يخمس كالغنيمة (١). الثالث عشر: قوله: (فأعتقها النبي - ﷺ - وتزوجها. فقال له ثابت: يا أبا حمزة! ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها). فيه: استحباب عتق السيد أمته ويتزوجها، وقد صح أن له أجرين، كما أخرجاه (٢) من حديث أبي موسى كما سيأتي (٣) إن شاء الله. قال ابن حزم: اتفق ثابت وقتادة وعبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه - عليه السلام - أعتقها، وجعل عتقها صداقها، قال قتادة في رواية: ثم جعل (٤)، فأخذ بظاهره أحمد والحسن وابن المسيب، ولا يجب لها مهر غيره، وتبعهم ابن حزم فقال: هو سنة فاضلة، ونكاح صحيح، وصداق صحيح، فإن طلقها قبل الدخول فهي حرة ولا يرجع عليها بشيء، ولو أبت أن تزوجه بطل عتقها، وفي هذا خلاف متأخر، قال ------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ٢٢٠ - ٢٢٢، وانظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٤/ ٥٩٢. (٢) سيأتي برقم (٢٥٤٤) كتاب: العتق، باب: فضل من أدب جاريته وعلمها. وقد سلف برقم (٩٧) كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله. ومسلم (١٥٤) كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس …«. (٣) وقع في الأصل فوق كلمة: أخرجاه رمز (د، س) إشارة إلى أبي داود والنسائي وقد وقع عندهما حديث أبي موسى بالفعل بلفظ:»من أعتق جاريته وتزوجها كان له أجران«، أبو داود (٢٠٥٣)، والنسائي ٦/ ١١٥. (٤)»المحلى" ٩/ ٥٠٢. أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر ومالك وابن شبرمة والليث: لا يجوز أن يكون عتق الأمة صداقها. قال أبو حنيفة وزفر ومحمد ومالك: إن فعل فلها عليه مهر مثلها وهي حرة. ثم اختلفوا إن أبت أن تتزوجه، فقال أبو حنيفة ومحمد: تسعى له في قيمتها. وقال مالك وزفر: لا شيء له عليها (١). استدل بهذا الحديث من قال بالأول، وروى ابن حزم في ذلك عن علي وابن مسعود وأنس وغيرهم. ونقل النووي عن الجمهور أنه إذا أعتقها على أن يتزوج بها ويكون عتقها صداقها لا يلزمها أن تتزوج به، ولا يصح هذا الشرط، وممن قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر. قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت، ولا يلزمها أن تتزوج به، بل له عليها قيمتها؛ لأنه لم يرض بعتقها مجانا، فإن رضيت وتزوجها على مهر يتفقان عليه فله عليها القيمة ولها عليه المهر المسمى من قليل أوكثير، وإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت القيمة معلومة له ولها صح الصداق، ولا تبقى له عليها قيمة ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: يصح الصداق كما لو كانت معلومة؛ لأن هذا العقد فيه ضرب من المسامحة والتخفيف. وأصحهما عند جمهورهم: لا يصح الصداق، بل يصح النكاح ويجب لها مهر المثل. ثم نقل عن أحمد وخلق جواز العتق على أن يكون عتقها صداقها، ويلزمها ذلك، ويصح الصداق عملًا بظاهر ------------------ (١) السابق ٩/ ٥٠١. الحديث، وتأوله الآخرون بأن الصحيح الذي آختاره المحققون أنه أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها بلا صداق وهذا من خصائصه - ﷺ - أنه يجوز نكاحه بلا مهر لا في الحال ولا في المآل، وقال بعض أصحابنا: معناه أنه شرط عليها أن يعتقها ويتزوجها فقبلت فلزمها الوفاء به، وقال بعضهم: أعتقها وتزوجها على قيمتها وكانت مجهولة، ولا يجوز هذا ولا الذي قبله لغيره بل هما من الخصائص (١). وقال بعضهم فيما حكاه المنذري: قوله: جعل عتقها صداقها. هو من قول أنس لم يسنده فلعله تأويل منه إذ لم يسم لها صداق، وقال بعضهم: لا يخلو أن يكون تزوجها وهي مملوكة، وهذا لا يجوز بلا خلاف، أو يكون تزوجها بعد أن أعتقها فهذا نكاح بلا صداق. وأجيب عن ذلك: بأنه لم يتزوجها إلا وهي حرة بعد صحة العتق لها، وذلك العتق الذي صح لها شرطَ أن يتزوجها به هو صداقها، وقد استوفته، كما لو كان له عليها شيء فتزوجها عليه. فإن قلت: ثواب العتق معلوم فكيف فوّته حيث جعله في مقابلة النكاح الذي يمكن أن يكون في مقابلة دينار؟ فالجواب: كما قال ابن الجوزي: إن صفية بنت ملك، ومثلها لا يصح في المهر إلا بالكثير، ولم يكن بيده - ﷺ - ما يرضيها، ولم أن يقصر بها فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرف من الأموال الكثيرة. فائدة: روى الطحاوي من حديث عبد الله بن عون قال: كتب إلي نافع أن النبي - ﷺ - أخذ جويرية في غزوة بني المصطلق فأعتقها وتزوجها، --------------------- (١) «شرح مسلم» ٩/ ٢٢١ - ٢٢٢. وجعل عتقها صداقها. أخبرني بذلك عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش (١)، قالوا: وابن عمر لا يرى بذلك فمحال أن يترك ما يرى إلا لفضل علم عنده بذلك، وقد روى سعيد بن منصور عن ابن عمر: أنه كان يقول في الرجل يعتق الجارية ثم يتزوجها: كالراكب بدنته (٢). ثم روي عن ابن سيرين أنه كان يحب أن يجعل مع عتقها شيئًا (٣). الرابع عشر: قوله: (حتى إذا كان- بالطريق): جاء في «الصحيح»: فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء فحلت فبنى بها (٤). والسد بفتح السين وضمها: وهو جبل الروحاء، والروحاء بفتح الراء والحاء المهملة ممدود: قرية جامعة من عمل الفرع لمزينة، على نحو أربعين ميلا من المدينة أو نحوها، وفي رواية: أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حتى أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب. وفي رواية: أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبني بصفية (٥). الخامس عشر: قوله: (جهزتها له أم سليم) وفي رواية: ثم أرسلها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها، قال: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها (٦)، أي: تستبرئ، فإنها كانت مسبية يجب استبراؤها. وتجهيزها: تزيينها -------------------- (١) «شرح معاني الآثار» ٣/ ٢٠. (٢) «سنن سعيد بن منصور» ١/ ٢٤٦ (٩١٦). (٣) السابق ١/ ٢٤٧ (٩١٧). (٤) سيأتي برقم (٢٢٣٥) كتاب: البيوع، باب: هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها. (٥) سيأتي برقم (٤٢١٢، ٤٢١٣) كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر. (٦) مسلم (١٣٦٥/ ٨٧) كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها. وتجميلها على جاري عادة العروس. السادس عشر: قوله: (فأهدتها له من الليل): فيه الزفاف في الليل، وقد جاء أنه - ﷺ - دخل عليها نهارًا؛ ففيه جواز الأمرين. السابع عشر: قوله: («من كان عنده شيء فليجئ به») كذا هو في البخاري بغير نون. قال النووي: وهو روايتنا، وفي بعضها: «فليجئني به»، وفيه دلالة على مطلوبية الوليمة للعرس وأنها بعد الدخول. قال النووي: وتجوز قبله وبعده (١). والمشهور عندنا أنها سنة، وقيل: واجبة (٢). الثامن عشر: فيه إدلال الكبير على أصحابه وطلب طعامهم في نحو هذا، وفيه أنه يستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم. التاسع عشر: قوله: (وبسط نطعا): هو بكسر النون وفتح الطاء على أفصح اللغات، وفتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، وجمعه نطوع وأنطاع وأنطع. العشرون: قوله: (فحاسوا حيسا): الحيس: فصيح بالحاء المهملة، طعام يتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأَقِط الدبس، والقتيت. قال ابن سيده: الحيس: الأقط، يخلط بالتمر والسمن،(١) «مسلم بشرح النووي» ٩/ ٢٢٢. (٢) انظر: «البيان» ٩/ ٤٨١. وحاسه حيسا وحيَّسه: خلطه. قال: وإِذا تكونُ كريهةٌ أُدعى له … وإذا يحاسُ الحَيْسُ يُدعى جُندُبُ (١) وقال الجوهري: الحيس: الخلط، ومنه سمي الحيس، قال الراجز: السمن والتمر (٢) معًا ثم الأَقِط … الحيس إلا أنه لم يختلط (٣) كذا السنة، وقد خالفه ابن سيده فقال في «مخصصه»: التمر والسمن جميعًا والأَقِط (٤) وفي «الغريبين»: هو ثريد من أخلاط. وتوقف فيه الفارسي في «مجمعه». وفيه: أن الوليمة تجعل بذلك عملا بقوله: (فكانت وليمة رسول الله - ﷺ -)، ولا يتوقف على شاة. خاتمة: من تراجم البخاري على هذا الحديث: باب ما يحقن بالأذان من الدماء، ولفظه فيه: كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح، وينظر فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا (دعا عليهم) (٥). الحديث (٦). ---------------------- (١) «المحكم» ٣/ ٣٢٥ مادة: الحاء والسين والياء. (٢) في «الصحاح»: التمر والسمن. (٣) «الصحاح» ٣/ ٩٢٠ - ٩٢١. (٤) «المخصص» ١/ ٤٢٩. (٥) في البخاري: أغار عليهم. (٦) سيأتي برقم (٦١٠) كتاب: الأذان. وزعم المهلب أن الدم إنما يحقن بالأذان لأن فيه الشهادة بالتوحيد، والإقرار بالرسول. قال ابن بطال: وهذا عند العلماء لمن بلغته الدعوة، وعلم ما الذي يدعو إليه داعي الإسلام، فكان يمسك عن هؤلاء؛ ليعلم إن كانوا (مجيبين) (١) للدعوة أم لا؛ وليس يلزم اليوم الأئمة أن يكفوا عمن بلغته الدعوة لكي يسمعوا أذانا؛ لأنه قد علم عناد أهل الحرب للمسلمين، وينبغي أن تنتهز الفرصة فيهم (٢). -------------------- (١) في الأصل: مجابين، والمثبت من «شرح ابن بطال». (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٣٩. ١٣ - باب فِى كَمْ تُصَلِّى الْمَرْأَةُ فِى الثِّيَابِ؟ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا فِي ثَوْبٍ لأَجَزْتُهُ. ٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنَ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الُمؤمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِن مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ. [٥٧٨، ٨٦٧، ٨٧٢ - مسلم: ٦٤٥ - فتح: ١/ ٤٨٢] وهذا التعليق أسنده بنحوه ابن أبي شيبة: عن أبي أسامة، عن الجريري، عن عكرمة: أنه كان لا يرى بأسًا بالصلاة في القميص الواحد خصيفًا (١). وبهذا الإسناد عنه: تصلي المرأة في درع وخمار خصيف (٢). قال: وحدثنا أبان بن صمعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا بأس بالصلاة في القميص الواحد إذا كان صفيقًا (٣). ثم أسند عن ميمونة: أنها صلت في درع وخمار. وفي أخرى: أنها صلت في درع واحد فضلا، وقد وضعت بعض كمها على رأسها (٤). وعن عائشة وعلي وابن عباس: تصلي في درع سابغ وخمار. وعن إبراهيم: في الدرع والجلباب. وعن عروة وغيره: في درع وخمار خصيف. وعن الحكم في درع وخمار. وعن حماد: في درع وملحفة تغطي رأسها. وعن مجاهد: لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب. وعن مجاهد وعطاء وابن سيرين: إذا حضرتها الصلاة وليس لها إلا ثوب واحد، قالوا: تتزر به (٥). ----------------- (١) «المصنف» ٢/ ٣٨ (٦١٩٨). (٢) السابق ٢/ ٣٧ (٦١٨٠). (٣) السابق ٢/ ٣٨ (٦١٩٠). (٤) السابق ٢/ ٣٦ (٦١٧٠، ٦١٦٩). (٥) انظر السابق ٢/ ٣٦ - ٣٧ (٦١٦٨: ٦١٨٧). واختلف العلماء في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت طائفة: تصلي في درع وخمار. روي ذلك عن ميمونة وعائشة وأم سلمة أمهات المؤمنين، وهو مروي عن ابن عباس كما سلف، وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي (١). وقالت طائفة: تصلي في ثلاثة أثواب، درع وخمار وحقو، وهو الإزار في لغة الأنصار. روي ذلك عن ابن عمر وعبيدة وعطاء (٢). وقالت طائفة: تصلي في أربعة أثواب، وهو الخمار والدرع والإزار والملحفة. روي ذلك عن مجاهد (٣) وابن سيرين (٤). وقال ابن المنذر: على المرأة أن تستر في الصلاة جميع بدنها سوى وجهها وكفيها سواء سترته بثوب واحد أو أكثر، ولا أجيب ما روي عن المتقدمين في ذلك من الأمر بثلاثة أثواب أو أربعة إلا من طريق الاستحباب (٥)، وعند الشافعي: أن عورة الحرة ما سوى الوجه والكفين (٦)، وروي عن أحمد: أنها كلها عورة حتى ظفرها (٧)، وعند -------------------- (١) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧، «الأوسط» ٥/ ٧٣، «البيان» ٢/ ١٢١، وهو قول الإمام أحمد. «المغني» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١. (٢) ورواه عنهما ابن أبي شيبة أيضًا في «المصنف» ٢/ ٣٧ (٦١٧٤، ٦١٧٥). ورواية عطاء (٦١٨٢) قال عطاء: في درع وخمار. ورواه أيضًا عن ابن سيرين (٦١٧٦، ٦١٧٧) أنها تصلي في ثلاثة أتواب، وانظر: «الأوسط» ٥/ ٧٣. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧ (٦١٨٤). (٤) انظر: «الأوسط» ٥/ ٧٣ - ٧٤. (٥) السابق ٥/ ٧٥. (٦) انظر: «البيان» ٢/ ١١٨. (٧) «مسائل أبي داود» (٢٨٠)، «المغني» ٢/ ٣٢٨، ونسب القول لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث- وكان من فقهاء التابعين بالمدينة، وأحمد الفقهاء السبعة، وكان يقال له: راهب قريش. مالك: أنها إذا صلت وبدنها مكشوف أعادت في الوقت (١)، وقال أبو حنيفة والثوري: لا تعيد أبدًا، وقدمها عورة (٢). فائدة: قوله: (وارت) أي: أخفت وسترت ومنه ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ و﴿يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. ثم ساق حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ من الغلس. والكلام عليه من أوجه، ويأتي في الصلاة أيضًا (٣): أحدها: هذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم (٤)، والأربعة (٥). ووجه إيراده هنا ما فهمه من التلفع، وسيأتي حقيقته. ثانيها: (كان) هذِه تعطي المداومة والاستمرار على الشيء، ومن عادته - ﷺ - أن يصلي الصبح في هذا الوقت. نعم أسفر بها مرة كما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود: أنه - ﷺ - صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد بالغلس حتى مات - ﷺ - لم يعد إلى أن ------------------ (١) «المدونة» ١/ ٩٤، «بداية المجتهد»١/ ٢٢٧. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ٢٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٠٧. وفيه أن قدمها ليست بعورة. (٣) سيأتي برقم (٥٧٨) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت الفجر. (٤) مسلم (٦٤٥) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالصبح … (٥) «سنن أبي داود» (٤٢٣)، «سنن الترمذي» (١٥٣)، «سنن النسائي» ١/ ٢٧١، «سنن ابن ماجه» (٦٦٩). يسفر (١). صححه ابن حبان (٢)، وقال الخطابي: صحيح الإسناد (٣). ثالثها: معنى (يشهد) هنا: يحضر ومنه قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: حضر. رابعها: (النساء). من الجمع الذي لا واحد له من لفظه، إذ الواحد امرأة، وله نظائر كثيرة. خامسها: (متلفعات). بالعين المهملة بعد الفاء أي: متلفحات، وروي بالفاء المكررة بدل العين، والأكثر على خلافه كما قاله ابن التين قبيل الجمعة، ومعناهما متقارب، إلا أن التلفع، مستعمل مع تغطية الرأس، بل قال ابن حبيب: لا يكون إلا بالتغطية (٤)، وعن الأصمعي: أن التلفع أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع جانبا منه، فيكون فيه فرجة، وهو عند الفقهاء مثل ما وصفنا من الاضطباع، إلا أنه في ثوب واحد (٥). ----------------- (١) أبو داود (٣٩٤). (٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٩٨ (١٤٤٩). (٣) «معالم السنن» ١/ ١١٥، وقال المنذري في «مختصره» ١/ ٢٣٣: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه. ولم يذكروا رؤيته لصلاة رسول الله - ﷺ - وهذِه الزيادة في قصة الأسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة مقبولة من الثقة. وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٥٥: رواه أبو داود بإسناد حسن. وقواه الحافظ في «الفتح» ٢/ ٥ فقال: رواه أبو داود وغيره وصححه ابن خزيمة وغيره. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٤١٨): إسناده حسن. (٤) ذكره الباجي في «المنتقى» ١/ ٩. (٥) انظر: «تنوير الحوالك» ص ٢١. سادسها: (المروط). جمع مرط بكسر الميم، أكسية معلمة تكون من خز، وتكون من صوف، وتكون من كتان، وقيل: الإزار. وقيل: لا يكون إلا درعًا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا الأخضر، ولا يلبسه إلا النساء. سابعها: (الغلس): اختلاط ضياء الفجر بظلمة الليل، والغبش قريب منه، لكن الغلس آخر الليل، والغبش قد يكون في أوله وفي آخره. ثامنها: قولها: (ما يعرفهن أحد من الغلس). أي: أنساء هن أم رجال، إنما يظهر للرائي الأشباح خاصة، وأبعد من قال: ما تعرف أعيانهن. تاسعها: فيه دلالة لمذهب الجمهور أن التغليس بالصبح أفضل. وبه قال مالك والشافعي وأحمد (١)، وقال أبو حنيفة (٢): الإسفار بها أفضل لحديث: دا أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجردا (٣)، وعنه أجوبة وإن -------------------- (١) انظر: «التفريع» ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، «عيون المجالس» ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠، «حلية العلماء» ١/ ٢٠، «المغني» ٢/ ٤٤. (٢) «الهداية» ١/ ٤٢. (٣) رواه أبو داود (٤٢٤) من حديث رافع بن خديج، والترمذي (١٥٤)، وابن ماجه والطيالسي في «مسنده» ٢/ ٢٦٤ (١٠٠١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٧٨، والبغوي في «شرح السنة» (٣٥٤) وآخرون ورواه النسائي في «سننه» ١/ ٢٧٢ من طريق محمود بن لبيد عن رجال من قومه. وقال الترمذي: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وقال الخطابي في «المعالم» حديث حسن ٢/ ١٩٧، وصححه الألباني في «الإرواء» (٢٥٨). صححه الترمذي ذكرتها في «شرحي للعمدة» (١). منها: أنه محمول على تحقق الفجر أو على الليالي المقمرة (٢)، ووهم الطحاوي حيث ادعى أنه ناسخ لحديث التغليس (٣)، وعن أحمد فيما حكاه ابن قدامة: أنه إذا اجتمع الجيران فالتغليس أفضل، وإن تأخروا فالتأخير أفضل (٤). قال الطحاوي: إن كان من عزمه التطويل شرع بالتغليس، ويخرج منها بالإسفار، ولا يشرع بالإسفار، وزعم أنه قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد (٥). عاشرها: فيه دلالة على خروج النساء، وهو جائز بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، وكرهه بعضهم للشواب. وشرح الحديث مبسوط جدًّا في «شرحي للعمدة» فراجعه منه (٦). ----------------------- (١) «الإعلام شرح العمدة» ٢/ ٢٣٦ - ٢٤٢.«٤/ ٣٣٧ - ٣٤٣. (٢)»الإعلام بفوائد عمدة الأحكام«٢/ ٢٣٦. (٣)»شرح معاني الآثار«١/ ١٨٤. (٤)»المغني«٢/ ٤٤. (٥)»شرح معاني الآثار«١/ ١٨٤. (٦)»الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٢/ ٢٣٦. ١٤ - باب إِذَا صَلَّى فِى ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا ٣٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي خَمِيصَةِ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هذِه إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْني آنِفًا عَنْ صَلَاتِي». وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَني». [٧٥٢، ٥٨١٧ - مسلم: ٥٥٦ - فتح: ١/ ٤٨٢] ساق بإسناده من حديث ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّه - ﷺ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هذِه إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي». ثم قال: وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي». والكلام على ذلك من أوجه: أحدها: هذا الحديث أعني: الأول ذكره قريبًا في الالتفات (١)، واللباس أيضًا (٢)، وأخرجه مسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي في الصلاة (٥)، ---------------- (١) سيأتي برقم (٧٥٢) كتاب: الأذان. (٢) سيأتي برقم (٥٨١٧) باب: الأكيسة والخمائص. (٣) مسلم (٥٥٦) كتاب: المساجد، باب: كراهية الصلاة في ثوب له أعلام. (٤) أبو داود (٩١٤). (٥) النسائي ٢/ ٧٢ كتاب: القبلة، باب: الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام. وابن ماجه في اللباس أيضًا (١). والتعليق الثاني أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، عن هشام (٢)، وأبو داود عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عنه (٣)، ورواه أبو معمر فقال عمرة عن عائشة. قال الإسماعيلي: ولعله غلط منه، والصحيح عروة، ولم يذكر أبو مسعود هذا التعليق، وذكره خلف. ثانيها: الخميصة: بفتح الخاء المعجمة، كساء رقيق مربع له علمان أو أعلام، ويكون من خز، أو صوف، وقيل: لا يسمى بذلك إلا أن تكون سوداء معلمة سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذ من الخمص، وهو ضمور البطن (٤). ثالثها: أبو جهم: اسمه: عامر، وقيل: عبيد بن حذيفة القرشي العَدوي، أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش، وعالمًا بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين، وبسببه كان حرب زُجاجة، مات في آخر خلافة معاوية، وهو غير أبي جهيم المصغر المذكور في المرور (٥). ------------------- (١) ابن ماجه (٣٥٥٥). (٢) مسلم (٥٥٦/ ٦٣). (٣) أبو داود (٩١٥). (٤) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٢٦٦ مادة: خمص. (٥) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٤/ ١٨٩ (٢٩٢٩)، «أسد الغابة» ٦/ ٥٧ (٥٧٧٣)، «سير أعلام النبلاء» ٢/ ٥٥٦ (١١٧)، «الإصابة» ٤/ ٣٥ (٢٠٧). رابعها: الأنبجانية: بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء الموحدة وكسرها، وبتشديد الياء المثناة تحت، وتخفيفها. قيل: إنه نسبة إلى موضع يقال له: أنبجان، وقيل غير ذلك، وهو كساء غليظ لا علم له، فإن كان فهو الخميصة (١). وقوله: «وائتوني بأنبجانية أبي جهم» روي بتشديد الياء المثناة تحت، والتأنيث على الإضافة (٢)، وعلى التذكير (٣) (٤) أيضًا كما جاء في الرواية الأخرى: كساء له أنبجانيًّا (٥). خامسها: معنى: «ألهتني» شغلتني عن جمال الحضور والتدبر، وفي «الموطأ»: «فإنها كادت تفتني» (٦). وفيه: أن الخميصة أهداها له أبو جهم، وقيل: بل هو الذي أهداها أولًا له، حكاه ابن الأثير (٧). وقوله: («تفتنني»). قال ابن التين: رويناه بفتح التاء على أنه ثلاثي، وبالإدغام مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥] ويصح أن يكون بضم التاء يقال: فتنته وأفتنه، وأنكر الأصمعي ------------------ (١) انظر: «لسان العرب» ١/ ١٤٥ مادة: انبج، ٧/ ٤٣٢٠ مادة: نبج. (٢) في الأصل أعلى هذِه الكلمة تعليق ونصه: أي: للظاهر. (٣) في هامش الأصل: قال ابن التين: وعلى الحرف في بعض الكتب بالخاء المعجمة، سماعي بالجيم. قلت: وهذا غريب وعلق عليه (لا … إلى) إشارة إلى حذفه. (٤) في الأصل أعلى هذِه الكلمة تعليق ونصه: أي: بإضافته للضمير. (٥) مسلم (٥٥٦/ ٦٣) كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة في ثوب له أعلام. (٦) «الموطأ» ص ٨١ (٧٢) برواية يحيى بن يحيى. (٧) «أسد الغابة» ٦/ ٥٨ في ترجمة أبي جهم. الثاني، ومعنى آنفًا: الساعة، وفي أبي داود: «شغلتني أعلام هذِه»، وأخذ كرديًّا كان لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله! الخميصة كانت خيرًا من الكردي (١). وعند أبي موسى المديني: «ردوها عليه، وخذوا أنبجانيته» لئلا يؤثر رد الهدية في قلبه، وهذا أولى من تأويل بعضهم أن فعل هذا إذلالا؛ لعلمه بأنه يؤثر هذا ويفرح به، ولا يلزم من ذلك أن أبا جهم كان يصلي فيها كما في حُلة عطارد (٢)، ولا يقال: إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا تلهي أبا جهم، على أنه قد نقل أن أبا جهم كان أعمى فالإلهاء مفقود عنده، ولعله علم أنه لا يصلي بها أيضًا، ويحتمل أن يكون هذا خاصًّا، فالشارع كما قال: «كل، فإني أناجي من لا تناجي» (٣). حكاه ابن التين. سادسها: في فوائده: الأولى: جواز لبس الثوب ذي العلم، وجواز الصلاة فيه. الثانية: اشتغال الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها، وهو إجماع، وإن حكي عن بعض السلف والزهاد ما لا يصح عمن يعتمد به في الإجماع. الثالثة: طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ونفي كل ما يشغل القلب ويلهي عنه؛ ولهذا قال أصحابنا: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده، ولا يتجاوزه. -------------------- (١) «سنن أبي داود» (٩١٤). (٢) سيأتي برقم (٨٨٦) كتاب: الجمعة، باب: يلبس أحسن ما يجد من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. (٣) سيأتي برقم (٨٥٥) كتاب: الأذان، باب: ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث. الرابعة: المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعة والإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها. الخامسة: منع النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد كان السلف لا يخطيء أحدهم موضع قدميه إذا مشى. السادسة: تكنية الإمام والعالم لمن هو دونه (١). وفيه غير ذلك مما أوضحته في «شرح العمدة» فليراجع منه (٢). وذكر ابن الجوزي في الحديث سؤالين: أحدهما: كيف يخاف الافتتان بعلم من لم يلتفت إلى الأكوان دليله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]. وأجاب بأنه كان في تلك الليلة خارجًا عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، فأما إذا رد إلى طبعه البشري فإنه يؤثر فيه ما يؤثر في البشر. الثاني: المراقبة في الصلاة شغلت خلقُا من أتباعه، حتى إنه وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار ولم يعلم؟! وأجاب: بأن أولئك كانوا يؤخذون عن طباعهم فيغيبون عن وجودهم، وكان الشارع يسلك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص غير الكل فقال: «لست كأحدكم» (٣) وإذا سلك طريق غيرهم قال: «إنما أنا بشر» (٤) فرد إلى حالة الطبع فنزع الخميصة ليستن به في ترك كل شاغل. ------------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٧. (٢) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٢ - ٧٠. (٣) سيأتي برقم (١٩٦١) كتاب: الصوم، باب: الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام. (٤) قطعة من حديث سيأتي برقم (٢٤٥٨) كتاب: المظالم، باب: ثم من خاصم في باطل وهو يعلمه. ![]()
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-05-2026 الساعة 10:17 PM. |
|
#6
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 347 الى صـــ 366 الحلقة (134) وذكر ابن بطال وغيره عن سفيان بن عيينة أنه - ﷺ - إنما رد الخميصة؛ لأنها كانت سبب شغله، كما قال: «اخرجوا عن هذا الوادي الذي أصابكم فيه الغفلة، فإنه واد به شيطان» (١) قال: ولم يكن الشارع ليبعث إلى غيره بشيء يكرهه لنفسه، ألا ترى قوله لعائشة في الضب: «إنا لا نتصدق بما لا نأكل» (٢)، وكان أقوى خلق الله على دفع الوسوسة، ولكن كرهها لدفع الوسوسة كما قال لعائشة: «أميطي عنا قرامك، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي» (٣) قال: وفي رده الخميصة تنبيه منه وإعلام أنه يجب على أبي جهم من اجتنابه في الصلاة مثلما عليه؛ لأن أبا جهم أحرى أن يعرض له من الشغل بها أكثر مما خشي الشارع، ولم يرد بردها عليه منعه من ملكها ولباسه في غيرها، وإنما معناها كمعنى الخلة التي أهداها لعمر وحرم عليه لباسها، وأباح له الانتفاع بها وبيعها. قال: وفيه دليل أن الواهب والمهدي إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها؛ إذ لا عار عليه في قبولها. وذكر غيره أنه إنما كرهها لما فيها من الحرير. ---------------- (١) ذكر هذِه القصة البيهقي في «سننه» ٢/ ٤٤٩، وأصل الحديث في البخاري برقم (٥٩٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الأذان بعد ذهاب الوقت، ومسلم (٦٨١) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها. (٢) لم أقف عليه. (٣) سيأتي في الباب التالي برقم (٣٧٤). ١٥ - باب إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ تَصَاوِيرَ، هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؟ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ ٣٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هذا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي». [٥٩٥٩ - فتح: ١/ ٤٨٤] ثم ساق حديث أَنَسٍ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هذا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي». الكلام عليه من أوجه. أحدها: هذا الحديث أخرجه في اللباس أيضًا (١)، وأخرجه النسائي بألفاظ منها: «يا عائشة، أخري هذا، فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا» (٢) ومنها: فهتكه بيده، وقال: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله» (٣). ثانيها: ذكر البخاري المصلب مع التصاوير لأن كلا منهما تعبد فكان بينهما مناسبة، وذكر هذا الحديث هنا لأنه لما تعرضت التصاوير له في صلاته نزعها عنه لأنها له، فإذا صلى فيها كان بطريق أولى. ------------------- (١) سيأتي برقم (٥٩٥٩). (٢) النسائي ٨/ ٢١٣. ولفظه: «يا عائشة حوّليه فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت ..» (٣) السابق ٨/ ٢١٤. ثالثها: القِرام -بكسر القاف- ستر فيه رقم ونقوش، قاله الجوهري (١). وقال الخليل: ثوب صوف ملون. وقيل: ستر رقيق. وقيل: من صوف غليظ جدًّا يفرش في الهودج، أو يغشى به (٢). ومعنى «أميطي»: نحي. قال الكسائي: مطت عنه وأمطت: نحيت، وكذلك مطت غيري وأمطته، وأنكر ذلك الأصمعي وقال: مطت أنا وأمطت غيري (٣). رابعها: الحديث دال على عدم بطلان الصلاة بذلك؛ لأنه ذكر أنها عرضت له، ولم ينقل أنه قطعها ولا أعادها، وهو يشبه الحديث الذي في الباب قبله؛ لأنه لما نهي عن القرام الذي فيه التصاوير علم أن النهي عن لباسه أشد وآكد، وهذا كله على وجه الكراهة، ومن صلى بذلك أو نظر إليه فصلاته مجزئة عند العلماء، لما سلف من أنه - ﷺ - لم يعدها. قال المهلب: وإنما أمر باجتناب مثل هذا لإحضار الخشوع في الصلاة وقطع دواعي الشغل (٤). ------------------- (١) «الصحاح» ٥/ ٢٠٠٩ مادة: (قرم). (٢) «العين» ٥/ ١٥٩ مادة: (قرم). (٣) انظر: «معجم تهذيب اللغة» ٤/ ٣٣٢٧ مادة: ماط، «لسان العرب» ٧/ ٤٣٠٨ مادة: (ميط). (٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٨. خامسها: فيه النهي عن الصور، وقيل: إنه منسوخ بحديث سهيل إلا ما كان رقمًا في ثوب (١)، وقيل: إنه مخصوص بخبر سهل، وذلك أنه كرهها في خاصة نفسه، وأباحها للباس للضرورة، حكاهما ابن التين. قال الخطابي: ويشبه أنها سترت عورة من بيتها لعلمها بنهيه - ﷺ - عن ستر الجدر (٢)، ويحتمل أن يكون النهي مع هذا أو بعده. --------------- (١) رواه الترمذي (١٧٥٠)، والنسائي ٨/ ٢١٢، وفي «الكبرى» (٩٧٦٦)، ومالك ٢/ ١٤٣ - ١٤٤ (٢٠٣٤) برواية أبي مصعب، وأحمد ٣/ ٤٨٦، والطحاوي ٤/ ٢٨٥ في «شرح معاني الآثار»، وابن حبان في «صحيحه» ١٣/ ١٦٢ (٥٨٥١)، وصححه الألباني في «غاية المرام» ١/ ١٠٢. (٢) انظر: «أعلام الحديث» ١/ ٣٥٨. ١٦ - باب مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ ٣٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الَخيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا -كَالْكَارِهِ لَهُ- وَقَالَ: «لَا يَنْبَغِي هذا لِلْمُتَّقِينَ». [٥٨٠١ - مسلم: ٢٠٧٥ - فتح: ١/ ٤٨٤] ثم ساق بإسناده من حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا- كَالْكَارِهِ لَهُ- وَقَالَ: «لَا يَنْبَغِي هذا لِلْمُتَقِينَ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم في اللباس (١)، والنسائي منه (٢)، والبخاري أيضًا هناك (٣). ثانيها: (فروج) بفتح الفاء ثم راء مضمومة مشددة: قال ابن الجوزي: كذا ضبطناه عن شيوخنا في كتاب أبي عبيد وغيره، ويقال: بضم الفاء من غير تشديد على وزن خروج على غير المعدى. وقال القرطبي: قيد بفتح الفاء وضمها، والضم المعروف، وأما الراء فمضمومة، على كل حال مشددة، وقد تخفف (٤). ------------------- (١) مسلم (٢٠٧٥) باب: تحريم استعمال إناء الذهب … (٢) النسائي ٢/ ٧٢ كتاب: القبلة، باب: الصلاة في الحرير، وليس كما يوهم عزو المصنف. (٣) سيأتي برقم (٥٨٠١) باب: القباء وفروج حرير … (٤) «المفهم» ٥/ ٣٩٨. وقال ابن قرقول: هو بفتح الفاء والتشديد في الراء، ويقال تخفيفها أيضًا. وهو كما قال البخاري في كتاب اللباس: القباء الذي شق من خلفه. وقال القرطبي: القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين والوسط مشقوق من خلف، يتشمر فيه للحرب والأسفار (١). قلت: وهو لبس الأعاجم. ثالثها: قيل: إن لبسه كان قبل تحريم الحرير على الرجال. قال النووي: ولعل أول النهي والتحريم كان حين نزعه، ولهذا قال في حديث جابر عند مسلم: صلى في قباء ديباج ثم نزعه. وقال: «نهاني عنه جبريل» فيكون أول التحريم هذا (٢). قال ابن حزم: وروينا عن أبي الخير أنه سأل عقبة بن عامر الجهني عن لبنة حرير في جبة فقال: ليس بها بأس (٣). رابعها: قوله: («لا ينبغي هذا للمتقين») وفي رواية: «إن هذا ليس من لباس المتقين» (٤) أي: المؤمنين، فإنهم هم الذين خافوا الله تعالى واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له. خامسها: اختلف العلماء في الصلاة في الثوب الحرير: فقال الشافعي وأبو ثور: يحرم وتصح. وقال ابن القاسم عن مالك: من صلى في ثوب حرير يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره. وعليه جل أصحابه. وقال أشهب: لا إعادة عليه في الوقت ولا غيره. وهو قول ------------------- (١) السابق ٥/ ٣٩٧. (٢) «مسلم بشرح النووي» ١٤/ ٥٢. (٣) «المحلى» ٤/ ٤٠. (٤) رواه الطبراني ١٧/ ٢٧٥ (٧٥٨). أصبغ، وخفف ابن الماجشون لباسه في الحرب والصلاة فيه للترهيب على العدو والمباهاة. وقال آخرون: إن صلى فيه وهو يعلم أن ذلك يجوز يعيد. ومن أجاز الصلاة فيه احتج بأنه لم يرد عن الشارع الإعادة، وهو عجيب؛ لأنه إذ ذاك مباحًا، ومن لم يجزها أحد لعموم تحريمه - ﷺ - لباس الحرير للرجال (١). --------------- (١) «طرح التثريب» ٣/ ٢١٩، وانظر: «شرح فتح القدير» ١/ ٢٦٢، «المنتقى» ١/ ١٤٩، «أحكام القرآن» لابن العربي ٤/ ١٦٨٤ - ١٦٨٧، «المجموع» ٣/ ١٨٤ - ١٨٥، «المغني» ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥. ١٧ - باب الصَّلَاةِ فيِ الثَّوْبِ الأَحْمَرِ ٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبتَدِرُونَ ذَاكَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمُّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ العَنَزَةِ. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ - فتح: ١/ ٤٨٥] ساق فيه حديث عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ العَنَزَةِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث ذكره في باب: سترة الإمام سترة من خلفه (١) وبعده بقليل في باب الصلاة إلى العنزة (٢)، وأخرجه في اللباس أيضا في باب القبة الحمراء من أدم (٣). -------------- (١) سيأتي برقم (٤٩٥). (٢) سيأتي برقم (٤٩٩). (٣) سيأتي برقم (٥٨٥٩). وأخرجه مسلم (١) والأربعة (٢) (٣)، وسلف أيضًا بعضه في باب استعمال فضل وضوء الناس (٤)، ويأتي بعضه في باب السترة بمكة وغيرها (٥). ثانيها: قوله: (في قبة حمراء): هذا قد جاء مصرحًا به أنه كان بالأبطح بمكة (٦)، وهو الموضع المعروف، ويقال له: البطحاء. ويقال: إنه إلى منى أقرب، وهو المحصب. وهو خيف بني كنانة، وزعم بعضهم أنه ذو طوى، وليس كذلك كما نبه عليه ابن قرقول. ثالثها: (الأدم): بالفتح جمع أديم، وهو الجلد ما كان، وقيل: الأحمر. وقيل: المدبوغ. ذكره في «المحكم» (٧)، وقيل: باطن الجلد، قاله في «الجامع» (٨). رابعها: (الحلة): بضم الحاء، إزار ورداء، سميا بذلك لأن كل واحد يحل على الآخر، ولا يقال: حلة لثوب واحد إلا أن يكون له بطانة، ووقع في ----------------- (١) مسلم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي. (٢) أبو داود (٥٢٠) والترمذي (١٩٧)، والنسائي ٢/ ٧٣، وابن ماجه (٧١١). (٣) في هامش الأصل بخط ناسخها: من خط الشيخ: الكل في الصلاة خلا النسائي ففي الطهارة والحج والزينة. (٤) سلف برقم (١٨٧) كتاب: الوضوء. (٥) سيأتي برقم (٥٠١). (٦) سيأتي برقم (٦٣٣) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة … (٧) «المحكم» ١٠/ ٩٧ مادة: (أدم). (٨) انظر: «مختار الصحاح» ٥/ ١٨٥٨ - ١٨٥٩ مادة: (أدم)، «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٣٣ باب: الهمزة مع الدال. «سنن البيهقي» في الجنائز: تقييدها بالحمرة غالبًا (١). خامسها: (الوَضوء) هنا بفتح الواو، و(العنزة): سلف بيانها في الطهارة، ومعنى ركزها: أثبتها، وقد أوضحت كل ذلك في «شرح العمدة» (٢). سادسها: فيه أنه لا بأس بلباس الأحمر، وأنه غير قادح في الزاهد، وهو راد على من زعم كره لباسه، وزعم بعضهم أن لبسها كان لأجل الغزو، وفيه نظر؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يبق له عدو إذ ذاك، وحديث النهي عنه مؤول بما صبغ بالعصفر. سابعها: قوله: (يبتدرون): أي: يستبقوا (٣) إليه تبركًا بآثاره الشريفة، وفيه التبرك بآثار الصالحين، واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم (٤). ثامنها: قوله: (مشمرًا): أي: رافعًا إلى أنصاف ساقيه، ونحو ذلك كما جاء في الرواية الأخرى: كأني أنظر إلى بياض ساقيه (٥). ففيه: رفع الثوب عن الكعبين. ----------------- (١) «سنن البيهقي الكبرى» ١/ ٤٠٠ من حديث ابن عباس. قال: قال عثمان: في ثلاثة أثواب حلة حمراء وقميصه الذي مات فيه - ﷺ -. (٢) «الإعلام بفوائد الأحكام» ١/ ٢٢١، ٤٧٨. (٣) كذا بالأصل، والأولى: يستبقون. (٤) سلف تعليقنا على هذا الكلام وبينا فساده، فراجعه. (٥) رواه مسلم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي. وفي البخاري (٣٥٦٦) = تاسعها: صلاته هذِه هي الظهر، وجاء أنه صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، ففيه: أن المطلوب قصر الرباعية في السفر، وإن كان قرب بلد. عاشرها: قوله: (ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة): يريد أمامها كما جاء في رواية أخرى، وقد جاء في رواية: يمر من ورائها المرأة والحمار، وفي رواية أخرى: يمر بين يديه المرأة والحمار. وأمام ووراء من الأضداد، قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] يريد: أمامهم. واختلف: هل سترة الإمام سترة لمن خلفه، أو هي سترة له خاصة والإمام سترتهم؟ وسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله. ---------------- = بلفظ: «وبيض ساقيه». ١٨ - باب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبِر وَالْخَشَبِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَمْدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا، إِذَا كَانَ بَيْنَهمَا سُتْرَةٌ. وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقْفِ المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ. وَصَلَّى ابن عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ. ٣٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الِمنْبَرُ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَامَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، كَبَّر وَقَامَ النَّاسُ خَلْفِهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الِمنْبَرِ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى حَتَّى سَجَدَ بِالأرْضِ، فهذا شَأْنُهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: سَأَلنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رحمه الله عَنْ هذا الَحدِيثِ، قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ اَلنَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بهذا الَحدِيثِ. قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هذا كَثِيرًا، فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا. [٤٤٨، ٩١٧، ٢٠٩٤، ٢٥٦٩ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ١/ ٤٨٦] ٣٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَجُحِشَتْ سَاقُهُ أَوْ كَتِفُهُ، وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا». وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». [٦٨٩، ٧٣٢، ٧٣٣، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤ - مسلم: ٤١١ - فتح: ١/ ٤٨٧] أصل المنبر من النبر وهو الارتفاع، وسطح كل شيء أعلاه، صرح به الجوهري (١) وغيره. قَالَ: وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَمْدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا، إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ. الجمْد: بفتح الجيم وضمها كما قال ابن التين، مثل عَشْر، وعُشْر، مكان صلب مرتفع، وقال ابن قرقول: إنه بسكون الميم، وفي كتاب الأصيلي: والصواب: السكون، وهو الماء الجامد من شدة البرد بدليل الترجمة. وقال صاحب «المحكم»: الجمد: الثلج (٢)، زاد ابن عديس الفتح، وقال ابن جعفر هو بالفتح. وقال غيره: هو بالفتح والضم، وبضمهما: ما ارتفع من الأرض. وقال الفارابي: الجمد ما جمد من الماء نقيض الذوب، وهو مصدر. وقال الجوهري: هو بالتحريك جمع جامد والجمْد والجمُد مكان صلب مرتفع، والجمع أجماد وجماد (٣). و(القناطر): جمع قنطرة، وهو كما قال ابن سيده: ما ارتفع من البنيان (٤). وقال الجوهري: هو الجسر (٥) أي: الذي يجعل على النهر يعبر عليه. وقوله: (إذا كان بينهما سترة). لأنه إذًا كالبعيد قربت النجاسة منه أو بعدت، وفي «المدونة»: من صلى وأمامه جدار أو مرحاض أجزأه (٦)، وقال ابن حبيب: إن تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه أعاد، إلا أن تكون بعيدة جدًّا (٧). ------------------- (١) «الصحاح» ٢/ ٨٢١، مادة: (نبر). (٢) «المحكم» ٧/ ٢٤٥ مادة: (جرم). (٣) «الصحاح» ٢/ ٤٥٩ مادة: (جمد). (٤) «المحكم» ٦/ ٣٨٥ ما دة: القاف والطاء. (٥) «الصحاح» ٢/ ٧٩٦. (٦) «المدونة» ١/ ٨٩. (٧) انظر: «مواهب الجليل» ٢/ ٦٥. قال البخاري: وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقْفِ المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ. لذا ذكره بصيغة الجزم، وابن أبي شيبة رواه في «مصنفه» عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، وفيه مقال. قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل (١)، وقد صح عن غير واحد. رواه ابن أبي شيبة عن أنس، وسالم بن عبد الله، وغيرهما (٢)، ولا بأس أن يصلي المأموم على السطح والإمام أسفل المسجد عند الكوفيين (٣)، وهو قول مالك في غير الجمعة (٤)، وقال [الليث] (٥): لا بأس أن يصلي الجمعة ركعتين على ظهر المسجد، وفي الدور على الدكاكين، وفي الطرق إذا اتصلت الصفوف ورأى الناس بعضهم بعضًا حتى يصلوا بصلاة الإمام (٦)، وعن الشافعي مثله (٧). قال البخاري: وَصَلَّى ابن عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ. ثم ذكر البخاري حديثين: أحدهما: حديث سهل بن سعد في شأن المنبر. والثاني: حديث أنس في المشربة، وهي الغرفة، وصلى على ألواحها وخشبها (٨). وهو موضع الترجمة، وذكر ابن أبي شيبة عن حذيفة أنه كان مريضًا فكان يصلي قاعدًا، فجعل له وسادة، وجعل له لوح عليها فسجد عليه (٩). ------------------- (١) «المصنف» ٢/ ٣٥ (٦١٥٨). (٢) السابق ٢/ ٣٥ (٦١٦٠). (٣) انظر: «المغني» ٣/ ٤٤ - ٤٥. (٤) «المدونة» ١/ ٨٢، ١٤١. (٥) في الأصل (مالك)، والمثبت من شرح ابن بطال، وهو الصحيح. (٦) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٢. (٧) انظر: «مختصر المزني» ص ٤٠، «البيان» ٢/ ٤٣٩ - ٤٤١، «المجموع» ٢/ ٤٣٩ - ٤٤١. (٨) ورد بهامش الأصل ما نصه: وكذا صلاته على المنبر. (٩) «المصنف» ١/ ٢٤٦ (٢٨٣٣). وكره قوم السجود على العود: روي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود أخرجهما ابن أبي شيبة: قال علقمة: دخل عبد الله على أخيه عبدة يعوده فوجده يصلي على عود فطرحه، وقال: إن هذا شيء عرض به الشيطان، ضع وجهك على الأرض، وإن لم تستطع فأومئ إيماء. وكرهه الحسن وابن سيرين (١). وروى ابن أبي شيبة عن مسروق أنه كان يحمل معه لبنة في السفينة (٢). يعني: يسجد عليها، وابن أبي شيبة وأئمة الفتوى على جواز الصلاة عليه، وحجتهم الإتباع في المنبر والمشربة. فأما حديث سهل فالكلام عليه من أوجه: أحدها: أن البخاري ذكره قريبًا (٣)، وفي الجمعة (٤)، والهبة أيضًا (٥)، وأخرجه مسلم (٦)، وأبو داود (٧)، والنسائي (٨)، وابن ماجه (٩). ثانيها: قوله: (من أي شيء المنبر؟) أي: منبر رسول الله - ﷺ -، (والأثل) الطرفاء؛ ولهذا جاء هنا (من أثل الغابة) وفي أخرى: من طرفاء الغابة، وقيل: إنه يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه، والغابة: من عوالي المدينة من جهة الشام، والغابة: المكان الملتف بالشجر، والغابة: ------------------------ (١) السابق ١/ ٢٤٦ (٢٨٢٩، ٢٨٣٠ - ٢٨٣٢). (٢) السابق ٢/ ٧٢ (٦٦٠٤). (٣) سيأتي برقم (٤٤٨) باب: الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد. (٤) سيأتي برقم (٩١٧) باب: الخطبة على المنبر. (٥) سيأتي برقم (٢٥٦٩) باب: من استوهب في أصحابه شيئًا. (٦) مسلم (٥٤٤) كتاب: المساجد، باب: جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة. (٧) أبو داود (١٠٨٠). (٨) النسائي ٢/ ٥٧ - ٥٨. (٩) ابن ماجه (١٤١٦). اسم لقرية أيضًا بالبحرين، وقال ابن بَشكوال: في بعض الروايات: من أثلة كانت قريبة من المسجد. ثالثها: صانع المنبر: هل هو ميمون النجار، أو قبيصة المخزومي، أو صُباح غلام العباس، أو إبراهيم، أو باقوم -بالميم وباللام- غلام سعيد بن العاصي، أقوال ذكرها ابن الأثير (١)، وقال ابن التين: عمله غلام لسعد بن عبادة، وقيل: للعباس، وقيل: لامرأة من الأنصار. قال ابن سعد: في السنة السابعة: ويقال: في الثامنة، وهو أول منبر عمل في الإسلام، وقيل: صنعه مينا ذكره المنذري، وفي أبي داود: أنه تميم الداري (٢). رابعها: قوله: (ما بقي من الناس أعلم به مني). فيه: أن العالم إذا انفرد بعلم شيء يقول ذلك ليوجه إلى حفظه. خامسها: في «الصحيح» كما سيأتي في إيتاء الصلاة: أنه - ﷺ - أرسل إلى امرأة: ------------ (١) لم أقف على ما نسبه المصنف لابن الأثير أنه ذكر الاختلاف في اسم صانع المنبر ولكن رأيته في «أسد الغابة» في ترجمة «باقوم الروم» ١/ ١٩٥ ترجمة (٣٥٨) فقال بعد أن ترجم له: يروى عنه صالح مولى التوأمة: أنه صنع لرسول الله - ﷺ - منبره من طرفاء، ثلاث درجات القعدة ودرجتيه. أخرجه الثلاثة. وقال أبو عمر: إسناده ليس بالقائم. ثم رأيت ابن حجر قد ذكر هذا الاختلاف في «الفتح» ٢/ ٣٩٩، وذكر سبعة أسماء ورجح أن يكون ميمون. (٢) رواه أبو داود (١٠٨١) عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - لما بدَّن قال له تميم الداري ألا اتخذ لك منبرًا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك قال: «بلى». فاتخذ له منبرًا مرقاتين. وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٣٩٨: إسناده جيد. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٩٣). «انظري كلامك النجار يعمل لي أعوادا» (١) وفيه: أن امرأة، قالت له ذلك فلعلها ابتدأت بذلك ثم أرسل وكان ثلاث درجات، ومن قال كان درجتين أسقط موضع المقام. سادسها: فيه دلالة على ما ترجم له وهو الصلاة على المنبر، وقد علل صلاته عليه وارتفاعه على المأمومين بالإتباع له والتعليم فإذا ارتفع الإمام على المأموم فهو مكروه إلا لحاجة كمثل هذا فيستحب، وبه قال الشافعي وأحمد (٢) كما حكاه البخاري والليث، وعن مالك المنع والأوزاعي أيضًا (٣)، وحكي أيضًا عن أبي حنيفة كما ذكره ابن حزم لكن المعروف عنه الكراهة، وإجازته في مقدار قامة فأقل، وأجاز مالك في الارتفاع اليسير، وعلل المنع بأنه يفعل على وجه الكبر، والشارع معصوم منه (٤). سابعها: القهقرى: المشي إلى خلف، وأصلها مصدر قهقر، وفي نصبها مذاهب، وقد أوضحتها مع فوائد هذا الحديث في «شرح العمدة» فراجعه منه (٥)، ورجوعه القهقرى خوف الاستدبار، وهو عمل يسير؛ لأنه مشي خطوتين. ------------------- (١) مسلم (٥٤٤) كتاب: المساجد، باب: جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة. (٢) «الأم» ١/ ١٥٢، «المحرر» ١/ ١٢٣، «النكت والفوائد السنية» ١/ ١٢٣. (٣) انظر: «المدونة» ١/ ٨٢، «المغني» ٣/ ٤٧. (٤) «المحلى» ٤/ ٨٤ - ٨٦، وانظر: «المبسوط» ١/ ٣٩ - ٤٠، «بدائع الصنائع» ١/ ١٤٦، «التاج والإكليل» ٢/ ٤٥٤. (٥) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ١١٩. وأما حديث أنس: فأخرجه البخاري أيضًا في الصيام (١) والنذور (٢) والمظالم (٣)، ومسلم أيضًا (٤) في الصلاة والصوم (٥). والكلام عليه من أوجه: أحدها: معنى (جحشت ساقه): خدشت، أي: أصابه وجع منعه القيام، وكان ذلك في ذي الحجة، سنة خمس من الهجرة، وقوله: (آلى). أي: حلف، وليس الإيلاء المعروف، (والمشربة): بشين معجمة، ثم راء مضمومة أعلى البيت شبه الغرفة، وقيل: الغرفة، وقيل: الخزانة هي بمنزلة السطح لما تحتها. والجذع: بالذال المعجمة. وقوله: («إنما جعل الإمام») لا بد فيه من تقدير محذوف، وهو المفعول الثاني لجعل؛ لأنها هنا بمعنى صير، والتقدير: إنما جعل الإمام إمامًا. والأول: ارتفع لقيامه مقام الفاعل، ومعنى: «ليؤتم به» ليقتدى به. ثانيها: قوله: («فإذا كبر فكبروا») هذِه فاء التعقيب فتقتضي أن تكون أفعال المأموم القولية والفعلية عقب أفعال الإمام (… ...) (٦)، فنبه بالتكبير على القولية وأفعال الإمام القولية والفعلية فيه، وبالركوع على الفعلية، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يكبر مع الإمام لا قبله، وصاحباه وافقا الشافعي في --------------- (١) سيأتي برقم (١٩١١)، باب: قول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا». (٢) سيأتي برقم (٦٦٨٤)، باب: من حلف أن لا يدخل على أهله شهرًا. (٣) سيأتي برقم (٢٤٦٩)، باب: الغرفة والعلية المشرفة في السطوح وغيرها. (٤) مسلم (٤١١)، باب: ائتمام المأموم بالإمام. (٥) لم أقف عليه. (٦) قدر ثلاث كلمات غير واضحة بالأصل. كونه بعده (١). ثالثها: إنما تقتضي الحصر للإمام والمتابعة في كل شيء، حتى النية والهيئة من الموقف وغيره، وقد اختلف في ذلك العلماء، فقال الشافعي وطائفة: لا يضر اختلاف النية، وجعل الحديث مخصوصا بالأفعال الظاهرة (٢)، وقال مالك وأبو حنيفة: يضر اختلافها، وجعلا اختلاف النيات داخلا تحت الحصر في الحديث (٣)، وقال مالك وغيره: لا يضر الاختلاف في الهيئة بالتقدم في الموقف، وجعل الحديث عاما فيما عدا ذلك (٤)، وقد أوضحت الكلام على ذلك في «شرحي للعمدة» (٥). رابعها: قوله: «وإن صلى قائما فصلوا قياما») وهذا الحديث ذكره بعد أن صلى جالسًا (وهم) (٦) قيام عند الشافعية، [وغيرهم] (٧) ومنهم البخاري والحنفية والجمهور منسوخ بحديث عائشة الآتي: أنه - ﷺ - صلى قاعدًا، وأبو بكر والناس قيام، وكان هذا في مرض موته (٨). ونقله البخاري في «صحيحه» في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به. عن الحميدي (٩)، وأبى -------------------- (١) انظر: «المجموع» ٤/ ١٦٨. (٢) السا بق ٤/ ١٦٨. (٣) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي ٤/ ١٨٨، «عقد الجواهر الثمنية» ١/ ١٤٣. (٤) انظر: «الاستذكار» ٥/ ٣٨١ - ٣٨٧. (٥) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٥٤ - ٥٧٦. (٦) كلمة غير مقروءة بالمخطوطة وما أثبتناه يقتضيه السياق. انظر: «الإعلام» ٢/ ٥٦٤. (٧) زيادة يقتضيها السياق. (٨) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٦٤. (٩) سيأتي برقم (٦٨٩) كتاب: الأذان. ذلك ابن حبان (١) كما أوضحته في الشرح المذكور، فسارع إليه (٢)، وقد أوجب أحمد وابن المنذر وابن حزم والأوزاعي قعود المأموم عند قعود الإمام (٣)، وقال مالك في المشهور عنه وعن أصحابه: لا يجوز أن يؤم أحد جالسًا (٤) لحديث: «لا يؤم أحد بعدي جالسا» (٥) لكنه مرسل واه، ومن زعم اختصاص ذلك به فقد أبعد، وسيأتي الكلام على حلفه وقوله: («إن الشهر تسع وعشرون») في موضعه إن شاء الله. وهذِه الصلاة الظاهر أنها مكتوبة؛ لقوله في بعض طرق الحديث: «فحضرت الصلاة»، وأشار ابن القاسم إلى أن ذلك كان في النافلة كما حكاه القرطبي (٦). ------------------------- (١) «صحيح ابن حبَّان» ٥/ ٤٧١ - ٤٧٥. (٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٥٤ - ٥٧٦. (٣) انظر: «الأوسط» ٤/ ١٨٨، «المغني» ٣/ ٦١، «المحلى» ٣/ ٥٩ - ٦٣. (٤) انظر: «المنتقى» ١/ ٢٣٩، «الكافي» ص ٤٦. (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٦٣ (٤٠٨٨)، ومالك (١٥٩) برواية محمد بن الحسن الشيباني، والدارقطني ١/ ٣٩٨، والبيهقي ٣/ ٨٠. قال الدارقطني: لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي وهو متروك، والحديث مرسل لا يقوم به حجة. قال الشافعي في «الرسالة» ص ٢٥٥ - ٢٥٦ وقد أوهم بعض الناس، فقال: لا يؤمنَّ أحد بعد النبي جالسًا، واحتج بحديث رواه منقطع عن رجل مرغوب الرواية عنه، لا يثبت بمثله حجة على أحد. وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «الرسالة» هذا الحديث غاية في الضعف. (٦) «المفهم» ٢/ ٤٦. ![]()
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-05-2026 الساعة 10:19 PM. |
|
#7
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 367 الى صـــ 386 الحلقة (135) ١٩ - باب إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ المُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ ٣٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ. قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الُخمْرَةِ. [انظر: ٣٣٣ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٤٤٨] ثم ساق حديث ميمونة قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ. قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الخُمْرَةِ. وهذا الحديث سلف آخر الحيض (١)، وسيأتي قريبا في موضعين (٢)، وخالد المذكور في إسناده هو ابن عبد الله الطحان. ---------------- (١) سلف برقم (٣٣٣). (٢) سيأتي برقم (٣٨١) باب: الصلاة على الخمرة، (٥١٧) باب: إذا صلى إلى فراش فيه حائض. ٢٠ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الحَصِيرِ وَصَلَّى جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا. وَقَالَ الحَسَنُ: تُصَلِّي قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ، تَدُورُ مَعَهَا وَإِلَّا فَقَاعِدًا. ٣٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامِ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ». قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرِ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوز مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُول اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرَفَ. [٧٢٧، ٨٦٠، ٨٧١، ٨٧٤، ١١٦٤ - مسلم: ٦٥٨ - فتح: ١/ ٤٨٨] (وَصَلَّى جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا) وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن أبي عتبة مولى أنس قال: سافرت مع أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله- قال حميد وأناس: وأناس. قد سماهم- فكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائمًا ونصلي خلفه قيامًا (١)، وحكي ذلك أيضًا عن غيرهم (٢) ورواه أبو نعيم في «كتاب الصلاة»: عن حميد، عن أنس بن سيرين قال: أمنا أنس في السفينة على بساط (٣). قال البخاري: وَقَالَ الحَسَنُ: تُصَلِّي قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ، تَدُورُ مَعَهَا وإِلَّا فَقَاعِدًا. ------------------ (١) «المصنف» ٢/ ٦٩ (٦٥٦٣). (٢) منهم: مسلم بن يسار، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، والحكم. انظر: «المصنف» ٢/ ٦٩ (٦٥٦٤ - ٦٥٧١). (٣) لم أعثر عليه فيما هو مطبوع ولعله في المفقود. وهذا رواه ابن أبي شيبة، عن حفص، عن عاصم، عن الشعبي والحسن وابن سيرين: أنهم قالوا: صل في السفينة قائما، وقال الحسن: لا تشق على أصحابك (١). وفي رواية الربيع بن صبيح: أن الحسن ومحمدا، قالا: يصلون فيها قيامًا جماعة، وتدورون مع القبلة حيث دارت (٢). وروي أيضا عن مجاهد أن جنادة بن أبي أمية قال: كنا نغزو معه فكنا نصلي في السفينة قعودًا (٣)، وحكي فعله أيضًا عن أنس بن مالك قال: وكان أبو قلابة لا يرى به بأسًا (٤)، وقال طاوس: صلِّ قاعدًا (٥). فإن قلت: ما وجه دخول هذا في الصلاة على الحصير؟ قلت: لأنهما اشتركا في الصلاة على غير الأرض لئلا يتخيل أن مباشرة المصلي الأرض شرط من قوله - ﷺ - لمعاذ: «عفر وجهك في التراب» (٦) نبه عليه ابن المنير (٧). واختلف العلماء في الصلاة في السفينة، فقال أبو حنيفة: ومن صلى في السفينة قاعدًا من غير عذر أجزأه، والقيام أفضل (٨)، وكذا قال الثوري: لإنه أبعد عن شبهة الخلاف وجوَّز؛ لأن الغالب في السفينة دوران الرأس. وقال صاحباه ومالك والشافعي: لا يجوز أن يصلي ----------------- (١) «المصنف» ٢/ ٦٩ (٦٥٦٥). (٢) المصدر السابق ٢/ ٧٠ (٦٥٧٧). (٣) المصدر السابق ٢/ ٦٩ (٦٥٥٩). (٤) المصدر السابق ٢/ ٩٦ (٦٥٦١). (٥) المصدر السابق ٢/ ٩٦ (٦٥٦٢). (٦) لم أعثر عليه. (٧) «المتواري» ص ٨٤. (٨) انظر: «فتح القدير» ٢/ ٨، «المبسوط» ٢/ ٢ - ٣. فيها قاعدًا من يقدر على القيام (١)، وهذا الخلاف إنما هو في غير المربوطة، وأما المربوطة فكالشاطئ. فائدة: سمي الحصير لأنه يلي وجه الأرض، ووجه الأرض تسمى حصيرا. قاله ابن سيده (٢)، والسفينة: الفلك لأنها تَسْفِنُ وجه الماء أي: تقشره، فعيلة بمعنى فاعلة (٣). ثم قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ». قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم (٤)، وأبو داود (٥)، والترمذي (٦)، والنسائي (٧). ----------------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ٢٧٠، «حاشيتا قليوبي وعميرة» ١/ ١٥٤، «الفروع» ١/ ٣٨٠. (٢) «المحكم» ١/ ١٠٤. مادة: (حصر). (٣) انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١٧٠٩، «لسان العرب» ٢/ ٢٠٣١، مادة: (سفن). (٤) مسلم (٦٥٨) كتاب: المساجد، باب: جواز الجماعة في النافلة والصلاة … (٥) أبو داود (٦١٢). (٦) الترمذي (٢٣٤). (٧) النسائي ٢/ ٨٥ - ٨٦. ثانيها: الضمير في (جدته) يعود إلى إسحاق، وجاء في رواية: أنه عائد إلى أنس، رواه مقدم بن يحيى بن محمد عن عمه الهاشم بن يحيى، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق، عن أنس قال: أرسلت جدتي إلى رسول الله - ﷺ -، واسمها مليكة. ثالثها: مليكة: بضم الميم وزعم الأصيلي أنه بفتحها وكسر اللام، وهي أم سليم. رابعها: اللام في قوله: «فلأصلَّ» مكسورة لام كي والفاء زائدة والياء مفتوحة، وروي بحذف الياء على أنه أمر نفسه، وروي بفتح اللام. خامسها: قوله: (من طول ما لبس) يؤخذ منه أن (١) الافتراش يطلق عليه لباس، ولا شك أن لبس كل شيء بحسبه شرعًا ولغة، فافتراش الحصير لا يسمى لباسًا عرفًا. سادسها: النضح: الرش هنا، وقد يطلق على الغسل، وضعت ذلك لتليينه وتهيئته للجلوس عليه، فإنه كان من جريد كما جاء في رواية لمسلم (٢)، ولنظافته، ويجوز أن يكون لزوال ما يعرض من الشك في نجاسته، وهو طهور وفاقًا لمالك، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة (٣). ----------------- (١) في هامش الأصل: أي الأول. (٢) مسلم (٦٥٩) كتاب: المساجد، باب: جواز الجماعة في النافلة، والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات. (٣) انظر: «الأشباه والنظائر» لابن نجيم ص ٥٧، «المنثور من القواعد» ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠، «الأشباه والنظائر» للسيوطي ص ٥٣. قال ابن التين: لإنهم كانوا يلبسون الحصير ومعهم صبي فطيم هو أبو عمير كذا ذكره قبل الجمعة. سابعها (١): قوله: (وصففت واليتيم) هو منصوب أي: مع اليتيم، وجاء في رواية أخرى: وصففت أنا (٢) واليتيم. قال ابن التين: والأول أحسن في لغة العرب (٣)؛ لأن الضمير المعطوف لا يعطف عليه إلا بعد أن يؤكد لقوله تعالى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. ثامنها: اليتيم جمعه أيتام، واسمه ضمرة الحميري، وقيل: روح، والعجوز هي أم سليم. تاسعها: المراد بالانصراف عن الصلاة. وقيل: عن الذنب. عاشرها: في فوائده: تواضع الشارع بإجابة داعيه، وإجابة الداعي لغير وليمة العرس، وجواز النافلة جماعة؛ لكن في رواية أبي الشيخ الحافظ: فحضرت الصلاة. قال ابن حبيب في تفسيره عن مالك: لا بأس أن يفعله الناس اليوم في الخاصة، وليس من الأمر الذي يواظب عليه العامة أن يصلي الرجل بالنفر في سبحة الضحى وغيرها ليلًا ونهارًا في غير نافلة رمضان إلا إذا ------------------ (١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثامن بعد الخمسين، كتبه مؤلفه، غفر الله له. (٢) غير واضحة في الأصل ولعلها كما أثبتناها. (٣) يقصد الرواية الثانية لا الأولى، وهي: (وصففت أنا واليتيم). قل النفر مثل الاثنين والثلاثة من غير أن يكون مشهرا، ومعناه مخافة أن يظنها الجهال من الفرائض والصلاة للتعلم ولحصول البركة، وتسمية الافتراش أي (…) (١) لباسًا وصلاة الصبي المميز، وأن للصبي موقفًا في الصف (٢)، وعن أحمد كراهته في الفرائض والمساجد، وأن الاثنين يكونان صفًا، وراء الإمام وهو مذهب العلماء كافة (٣) إلا ابن مسعود وصاحبيه وأبا حنيفة والكوفيين فإنهم قالوا: يكون بينهما، والصحيح أنه موقوف على فعل ابن مسعود ولعله كان لضيق بالمكان، وفي «البدائع» للحنفية: لو فعل ذلك لا يكره (٤)، وفي «المحيط» قيل: لا يكره، وقيل: يكره لمخالفة السنة (٥). وأن موقف المرأة وراء الصبي، والصلاة على الحصير، وسائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع إلا من شذ (٦)، وحديث أنه لم يصل عليه لا يصح (٧)، وأن المرأة المتجالة الصالحة إذا دعت إلى طعام أجيبت، وأن الأصل في الحصير ونحوها الطهارة، وأن الأفضل في نوافل النهار كونها ركعتين، وفيه غير ذلك مما أوضحته في «شرح العمدة» فراجعه منه (٨). ----------------- (١) كلمة غير واضحة بالأصل. (٢) انظر: «المدونة» ١/ ٩٧. (٣) انظر: «المغني» ٣/ ٥٧ - ٥٨. (٤) «بدائع الصنائع» ١/ ١٥٨. (٥) «المحيط البرهاني» ٢/ ٢٠١. (٦) انظر: «المغني» ٣/ ٤٠ - ٤١. (٧) رواه أبو يعلى ٧/ ٤٢٦ (٤٤٤٨). قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٥٧ رجاله موثقون. قال الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٤٤٣: ففي ثبوته نظر. (٨) «الإعلام» ٢/ ٥٢٣ - ٥٣٨. ٢١ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الخُمْرَةِ ٣٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ. [انظر: ٣٣٣ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٤٩١] ساق بإسناده حديث مَيْمُونَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى الخُمْرَةِ. وقد سلف قريبا (١)، ويأتي أيضا في باب: إذا صلي إلى فراش وفيه حائض (٢)، والخمرة: حصير ينسج من السعف، أصغر من المصلى قاله في»المحكم«قال: وقيل: الخمرة الحصير الصغير الذي يسجد عليه (٣)، وقال الجوهري: الخمرة بالضم سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط (٤). قال في»المغرب دا: سميت بذلك لأنها تستر الأرض، ومنه الخمار (٥). وقال الرماني في «اشتقاقه»: لأنها تستر الوجه عن مباشرة الأرض، وقال في «المشارق»: هي السجادة سميت بذلك؛ لأن خيوطها مستورة بسعفها (٦). ------------------- (١) سلف برقم (٣٧٩) باب: إذا أصاب ثوب المصلي امرأته، وسلف أيضًا برقم (٥١٧) كتاب: الصلاة. (٢) سيأتي برقم (٥١٧) كتاب: الصلاة. (٣) «المحكم» ٥/ ١١٦ مادة: (خمر). (٤) «الصحاح» ٢/ ٦٤٩ مادة: (خمر). (٥) «المغرب في ترتيب المعرب» ١/ ٢٧٠ مادة: (خمر). (٦) «مشارق الأنوار» ١/ ٢٤٠ مادة: (خمر). ولا يكون خمرة إلا هذا المقدار، وقد يطلق على الكثير من نوعها، وفي الحديث دلالة على جواز الصلاة على الحصير، وقد سلف في الباب قبله، وقد فعله جابر وأبو ذر وزيد بن ثابت وابن عمر، وقال سعيد بن المسيب: الصلاة على الخمرة سنة (١). ----------------- (١) انظر: «المصنف» ١/ ٣٥٠ - ٣٥١. ٢٢ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الفِرَاشِ وَصَلَّى أَنَسٌ عَلَى فِرَاشِهِ. وَقَالَ أَنَسٌ: كُنا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَسْجُدُ أَحَدُنَا عَلَى ثَوْبِهِ. [انظر: ٣٨٥] ٣٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [٣٨٣، ٣٨٤، ٥٠٨، ٥١١، ٥١٢، ٥١٣، ٥١٤، ٥١٥، ٥١٩، ٩٩٧، ١٢٠٩، ٦٢٧٦ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٤٩١] ٣٨٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي وَهْيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الجَنَازَةِ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٤٩٢] ٣٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى الفِرَاشِ الذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٤٩٢] ثم ساق حديث عائشة من ثلاث طرق: أولها: عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عنها أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطتُهُمَا. قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. ثانيها: من حديث عروة عنها أَنَّه - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي وَهْيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الجَنَازَةِ. ثالثها: من حديث عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّه - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى الفِرَاشِ الذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ. والكلام على ذلك من أوجه: أحدها: أثر أنس رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: عن ابن المبارك عن حميد قال: كان أنس يصلي على فراشه، وحكاه عن طاوس أيضًا (١). وأما تعليق أنس فذكره مسندًا في الباب الذي بعده بمعناه (٢). وأما حديثها الأول: فسيأتي في موضعين من البخاري في الصلاة في باب: التطوع خلف المرأة (٣)، وما يجوز من العمل في الصلاة أواخر كتاب الصلاة (٤). وأخرجه مسلم أيضًا (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧) والترمذي (٨) وابن ماجه (٩). وأما حديثها الثاني: فأخرجه ابن ماجه (١٠). ---------------------- (١) انظر: «المصنف» ١/ ٢٤٤ (٢٨١٠، ٢٨١١). (٢) سيأتي برقم (٣٨٥) باب: السجود على الثوب في شدة الحر. (٣) سيأتي برقم (٥١٣). (٤) سيرد في آخر كتاب الصلاة في باب: من قال لا يقطع الصلاة شيء برقمي (٥١٤، ٥١٥)، وباب: هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد (٥١٩). (٥) مسلم (٥١٢). (٦) أبو داود (٧١٤). (٧) النسائي ١/ ١٠١ - ١٠٣. (٨) لم أقف عليه. (٩) لم أقف عليه. (١٠) ابن ماجه (٩٥٦). وأما الثالث: فهو مرسل كما شهد له، وأخرجه صاحبا «المستخرجين» الإسماعيلي وأبو نعيم (١)، وكذا قال الحميدي: كذا وقع مرسلا (٢). وقد سلف أن عروة روى نحوه عن عائشة (٣). وعراك بن مالك ثقة مات في زمن يزيد بن عبد الملك بالمدينة (٤). ثانيها: الجنازة بكسر الجيم وفتحها من جنز إذا ستر، وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش، وقيل عكسه. ثالثها: في فقهه: وفيه مسائل: الأولى: جواز الصلاة على كل طاهر، فراشًا كان أو غيره، فالرواية الأولى ليس فيها ذكر الفراش بخلاف الثانية والثالثة، والحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد اختلف العلماء في إخبارهم بعض ما يصلى عليه دون غيره، فروي عن عمر أنه صلى على عبقري (٥)، ----------------- (١) «المستخرج» ٢/ ١١٩ (١١٣٤). (٢) «مسند الحميدي» ١/ ٢٤٥ (١٧١). (٣) سلف برقم (٣٨٣). (٤) عراك بن مالك الغفاري الكناني المدني. روى عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير وغيرهم. وروى عنه: بكير بن الأشج، وأبو الغصن ثابت بن قيس المدني، وجعفر بن ربيعة المصري، والحكم بن عيينة الكوفي، وغيرهم. وثقه العجلي وأبو زرعة، وأبو حاتم. روى له الجماعة. مات خلافة يزيد بن عبد الملك. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٥٣، «طبقات خليفة» ص ٢٤٨، ٢٥٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ٨٨ (٣٩٥)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٥٤٥ - ٥٤٩ (٣٨٩٣). (٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٥٢ (٤٠٤٧). وهي الطنفسة (١)، وعن علي وابن عباس وابن مسعود وأنس: أنهم صلوا على المسوح. وصلى ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو الدرداء والنخعي والحسن على طنفسة (٢). وصلى قيس بن عباد على لبد دابة (٣). وقال الثوري: يصلى على البساط والطنفسة واللبد، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة (٤)، وروي عن ابن مسعود: أنه لا يسجد إلا على الأرض. وعن عروة مثله (٥). وكرهت طائفة الصلاة إلا على الأرض أو نباتها. روي ذلك عن جابر بن زيد، وقال: أكره الصلاة على كل شيء من الحيوان، وأستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض، وهو قول مجاهد، وقال قتادة: قال سعيد بن المسيب وابن سيرين: الصلاة على الطنفسة محدث (٦)، ونهى الصديق عن الصلاة على البراذع (٧) (٨). وقال مالك ------------------ (١) الطُّنفُسة: بضم الهاء وكسرها، النمرقة فوق الرجل وجمعها طنافس، وقيل هي البساط الذي له خملٌ رقيق، قال ابن الأعرابي: طنفس إذا ساء خلقه بعد حسن، ويقال للسماء مطرفسة، ومطنفسة إذا استغمدت في السحاب الكثير، وكذلك الإنسان إذا لبس الثياب الكثيرة مطرفس ومطنفس. انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٢٢٤، «اللسان» ٥/ ٢٧١٠ مادة: طنفس. (٢) انظر: «المصنف» ١/ ٣٥١ - ٣٥٢ (٤٠٤٤، ٤٠٤٥، ٤٠٤٦، ٤٠٤٩). تنبيه: ولم أجده عن جابر بن عبد الله. (٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٥٢ (٤٠٥٢). (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٣٣، «المبسوط» ١/ ٢٠٦، «القوانين الفقهية» ١/ ٣٩، «الإقناع» ١/ ٣٧، «المغني» ٢/ ٤٧٩. (٥) انظر: «المصنف» ١/ ٣٥٣ (٤٠٥٩، ٤٠٦٢). (٦) انظر: «المصنف» ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣ (٤٠٥٦، ٤٠٥٧، ٤٠٥٨، ٤٠٦٠). (٧) لم أجده فيما هو مطبوع ولعله في المفقود. (٨) ورد بهامش الأصل ما نصه: في «الكبير» للطبراني مسندًا مرفوعًا النهي عن الصلاة على البرذعة ونهى أبي بكر عن الصلاة عليها رأيته في «جامع سفيان الثوري»، قال = في بساط الصوف والشعر إذا وضع المصلي جبهته ويديه على الأرض، فلا أرى بالقيام عليها بأسًا (١)، وعن عطاء مثله (٢). وقال مغيرة: قلت لإبراهيم حين ذكر كراهته الصلاة على الطنفسة: إن أبا وائل يصلي عليها قال: أما إنه خير مني (٣)، وفي «كتاب الصلاة» لأبي نعيم: حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن هرام، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه - ﷺ - صلى على بساط (٤). وحدثنا زمعة، عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: قد صلى رسول الله - ﷺ - على بساط (٥). الثانية: أن المرأة لا تُبْطل صلاة من صلى إليها، ولا من مرت بين يديه، وهو قول جمهور الفقهاء سلفًا وخلفًا، منهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة (٦)، ومعلوم أن اعتراضها بين يديه أشد من مرورها، وذهب بعضهم إلى قطع مرور المرأة والحمار والكلب. وقال أحمد: يقطعها الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء (٧). وقال ابن حزم: يقطع الصلاة كون الكلب بين يديه مارًّا أو غير مار، -------------------- = سفيان عن حصين، عن أبي خالد، عن مولاة له يقال لها عزة: قالت: كنا نصلي على البراخ فنهانا أبو بكر - رضي الله عنه - أن نصلي على البراذع. (١) انظر: «مواهب الجليل» ٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٥٢ (٤٠٤٨). (٣) المصدر السابق ١/ ٣٥٢ (٤٠٤٦). (٤) لم أجده في المطبوع ولعله في المفقود. (٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٥١ (٤٠٤٣). (٦) انظر: «المحيط البرهاني» ٢/ ٢١٢ - ٢١٣، «الذخيرة» ٢/ ١٥٩، «البيان» ٢/ ١٥٨. (٧) انظر: «المغني» ٣/ ٩٧ وما بعدها. أو كبيرًا كان أو صغيرًا، حيًّا أو ميَّتًا، وكون الحمار بين يديه كذلك أيضا، وكون المرأة بين يدي الرجل مارة أو غير مارة صغيرة أو كبيرة إلا أن تكون مضطجعة معترضة فقط، فلا تقطع الصلاة حينئذ ولا يقطع النساء بعضهن صلاة بعض (١). والجواب عن حديث قطع الصلاة بهؤلاء من وجهين: أحدهما: أن المراد بالقطع النقص لشغل القلب بهذِه الأشياء، وليس المراد إبطالها؛ لأن المرأة تفتن بالمتفكر فيها، والحمار ينهق، والكلب يهوش، فلما كانت هذِه الأمور أيلة إلى القطع جعلها قاطعة. والثاني: أنها منسوخة بحديث: «لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم» (٢) (٣) وصلى الشارع وبينه وبين القبلة عائشة، وكانت الأتان ترتع بين يديه بمنى (٤)، ولم ينكره أحد لكن النسخ لا يصار إليه إلا بأمور منها التاريخ وأنى به، وذهب ابن عباس وعطاء إلى أن المرأة التي تقطع الصلاة إنما هي الحائض، يرده أنه جاء في بعض ----------------- (١) «المحلى» ٤/ ٨. (٢) رواه أبو داود (٧١٩)، «والدارقطني» ١/ ٣٦٨، والبيهقي ٢/ ٢٧٨. قال النووي في «المجموع» ٣/ ٢٢٥: رواه أبو داود بإسناد ضعيف من رواية أبي سعيد الخدري. قال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ١/ ٣٥٠ في إسناده: مجالد هو ابن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم حديثًا مقرونًا بجماعة من أصحاب الشعبي. وقال الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (١١٥): هذا إسناد ضعيف. (٣) في هامش الأصل حاشية بخط ناسخها: حديث: «لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم فإنما هو شيطان» رواه أبو داود بإسناد ضعيف من حديث أبي سعيد الخدري، قاله النووي في «شرح المهذب». (٤) سلف برقم (٧٦) كتاب: العلم، باب: متى يصح سماع الصغير. الروايات هذا الحديث. قال شعبة: وأحسبها قالت: وأنا حائض. وورود بإسناد ضعيف: «يقطع الصلاة اليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير» (١). ------------------ (١) رواه أبو داود (٧٠٤) من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أحسبه عن رسول الله - ﷺ -، وعبد بن حميد في «مسنده» ١/ ٥٠٤ (٥٧٤)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٥٨، وابن عدي في «الكامل في ضعفاء الرجال» ٨/ ١٨٥ في ترجمة معاذ بن هشام الدستوائي والبيهقي في «سننه» ٢/ ٢٧٥، وقال أبو داود في «سننه» ١/ ٤٥٣ - ٤٥٤: في نفسي من هذا الحديث شيء: كنت أذاكر به إبراهيم وغيره فلم أر أحدًا جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحدًا يحدث به عن هشام وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة -يعني: محمد بن إسماعيل البصري مولى بن هاشم- والمنكر فيه ذكر المجوسي وفيه على قذفه بحجر وذكر الخنزير يرو فيه نكارة. ثم قال: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه. وقال ابن عدي في «الكامل» ٨/ ١٨٥، وهذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن، وقال عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٣٤٥: إنما يصح من هذا ذكر المرأة والكلب والحمار. اهـ. وقال ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» ٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦: وعلى هذا الحديث بادية وهي الشك في رفعه فلا يجوز أن يقال أنه مرفوع، وراويه قد قال: أحسبه عن رسول الله - ﷺ -، وإلا فليس في إسناده متكلم فيه إلا عكرمة وهو عندي من لا يوضع فيه نظر، ثم ذكر كلام أبي داود، ثم قال: وهذا كله لا يحتاج إليه، فإنه رأى، لا خبر، ولم يجزم ابن عباس برفعه وابن أبي سمينة أحد الثقات، وقد جاء لهذا الخبر بذكر أربعة فقط عن ابن عباس بسند جيد كذلك، ثم ساق حديث البزار من طريق قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس موقوفًا عليه. وضعفه الألباني كما في «ضعيف سنن أبي داود» (١١٠)، «المشكاة» (٧٨٩). وقال: وقد جاء موقوف على ابن عباس بسند صحيح عنه مختصرًا، ثم أن فيه عنعنة يحيى بن أبي كثير ولذلك أوردته في ضعيف السنن. وضعفه أيضًا في «ضعيف الجامع الصغير» (٥٦٥). = المسألة الثالثة: أن العمل اليسير في الصلاة غير قادح. الرابعة: فيه جواز الصلاة إلى النائم، وكرهه بعضهم لغير الشارع لخوف الفتنة بها، وبذكرها واشتغال القلب. والشارع كان بالليل ولا مصباح فلا مشاهدة مع عصمته الثابتة. وأما حديث ابن عباس أنه - ﷺ - قال: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث» (١) فقال أبو داود: روي من غير وجه عن محمد بن -------------------- = وقد رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ٢٧ (٢٣٥٣) عن ابن عِنة، عن عبد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس موقوفًا عليه، ورواه أيضًا موقوفًا على عكرمة ٢/ ٢٧ (٢٣٥٢) وكذا ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٥٢ (٢٩٠٤) من طرق عنه. (١) رواه أبو داود (٦٩٤)، وابن ماجه (٩٥٩)، ورواه بن حميد مطولًا (٦٧٤)، وكذا الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٢٧٠، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٢٧٩. وقال أبو داود في «سننه» ٢/ ١٦٤: روى هذا الحديث من غير وجه، عن محمد بن كعب كلها واهية. وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضًا. وقال الخطابي في «معالم السنن» ٣٤١/ ١ - ٣٤٢: هذا حديث لا يصح عن النبي - ﷺ - لضعف سنده وعبد الله بن يعقوب لم يسم من حدثه عن محمد بن كعب وإنما رواه عن محمد بن كعب رجلان كلاهما ضعيف، ورواه أيضًا عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعبد الكريم متروك الحديث، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أن صلى وعائشة نائمة معترضة بينه وبين القبلة. وقال ابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ١٨: باب ذكر البيان على توهين خبر محمد بن كعب: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدثين» ولم يرو ذلك الخبر أحد يجوز الاحتجاج بخبره. وقال البيهقي في «المعرفة» ٣/ ١٩٨: وهذا أمثل ما ورد فيه، وهو مرسل من قبل محمد بن كعب، ويذكر من أوجه كلها ضعيفة. وتعقبه ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٢/ ٢٧٩، فقال: وفيه نظر، فإن محمدًا صرح بأن ابن عباس حدثه، وصرح صاحب «الكمال» بأنه سمع منه فكيف يكون حديثه عنه مرسلًا، وقال المنذري في = كعب كلها واهية، وهذا أمثلها وهو ضعيف أيضًا (١). وصرح به الخطابي (٢) وغيره (٣)، وكان ابن عمر لا يصلي خلف رجل يتكلم إلا يوم الجمعة (٤). رواه أبو داود بسند منقطع، وفي «مراسيله» بسند ضعيف: نهى رسول الله - ﷺ - أن يتحدث الرجلان بينهما أحد يصلي (٥). وعن ابن الحنفية أن رسول الله - ﷺ -[رأى رجلًا يصلي إلى رجل] (٦) فأمره أن يعيد، قال: لِمَ يا رسول الله - ﷺ -؟ قال: «لإنك صليت وأنت -------------------- =»مختصره«١/ ٣٤١ - ٣٤٢: وأخرجه ابن ماجه، في إسناده رجل مجهول. اهـ. وقال النووي في»خلاصة الأحكام«١/ ٥٢٧: رواه أبو داود، اتفقوا على ضعفه، وفي إسناده مجهول. وقال في مقدمة»شرح صحيح مسلم«١/ ٩٥ - ٩٦: وسمعت الحسن الحلواني يقول: رأيت في كتاب عفان حديث هشام أبي المقدام حديث عمر بن عبد العزيز، قال: هشام حدثني رجل يقال له يحيى بن فلان، عن محمد بن كعب، قال: قلت لعفان: إنهم يقولون هشام سمعه من محمد بن كعب، فقال: إنما ابتلى من قبل هذا الحديث كان يقول حدثني يحيى، عن محمد ثم ادَّعى بعد أنه سمعه من محمد. اهـ. قال الحافظ في»الفتح«١/ ٤٩٢: وفيه أن الصلاة إلى النائم لا تكره وقد وردت أحاديث ضعيفه في النهي عن ذلك، وقال في ١/ ٥٨٧: وفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن عدي، وعن أبي هريرة أخرجه الطبراني في»الأوسط«وهما واهيان أيضًا. (١)»سنن أبي داود«٢/ ١٦٤. (٢)»معالم السنن«١/ ٣٤١. (٣) يشير إلى ما قاله النووي في»الخلاصة«١/ ٥٢٧، والمنذري في»مختصره«والحافظ في»الفتح«١/ ٤٩٢،»الدراية«١/ ١٨٥. (٤) لم أقف عليه في»سنن أبي داود«ولكن وجدته عند ابن أبي شيبة في»مصنفه«٢/ ٦١ (٦٤٧٠). (٥)»مراسيل أبي داود«ص ٨٨ (٣١). (٦) ليست في الأصول، ولعله سقط، والمثبت من»مراسيل أبي داود". تنظر إليه مستقبله» (١)، وفي «كامل ابن عدي» بسند واه عن ابن عمر: نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلي الإنسان إلى نائم أو متحدث (٢)، وفي «الأوسط» للطبراني من حديث أبي هريرة بإسناده ضعيف مرفوعًا: «نهيت أن أصلي خلف النائم والمتحدثين» (٣). وفي كتاب «الصلاة» لأبي نعيم حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن معدي كرب عن عبد الله قال: لا تصلي بين يدي قوم يمترون (٤). وعن سعيد بن جبير إذا كانوا يذكرون الله فلا بأس (٥). وفي رواية: كره سعيد أن يصلي وبين يديه متحدث (٦). وضرب عمر بن الخطاب رجلين أحدهما مستقبل الآخر، وهو يصلي (٧). الخامسة: هذا الغمز يحتمل أن يكون بحائل وبغيره وإن استبعد ابن بطال الأول حيث قال: وزعم الشافعي أن غمْزه لها كان على ثوب، وهو بعيد؛ لأنه يقول: إن الملامسة تنقض الوضوء، وإن لم يكن معها لذة ----------------- (١) «مراسيل أبي داود» ص ٨٧ (٣٠). (٢) لم أقف عليه في «الكامل» وقال الألباني في «الإرواء» ٢/ ٩٥: حديث ابن عمر لم أقف على إسناده. (٣) «الأوسط» ٥/ ٢٥٦، وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٦٢: فيه محمد بن عمرو بن علقمة واختلف في الاحتجاج به، وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٨٧: وفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن عدي وعن أبي هريرة أخرجه الطبراني في «الأوسط» وهما داهيان أيضًا. (٤) لم أقف عليه في المطبوع من كتاب «الصلاة» لأبي نعيم ولعله في المفقود منه، ثم هو عند ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٦١ (٦٤٦٩). (٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٦١ (٦٤٧١). (٦) لم أقف عليه في المطبوع من كتاب «الصلاة» لأبي نعيم ولعله في المفقود. (٧) لم أقف عليه في المطبوع من كتاب «الصلاة» لأبي نعيم ولعله في المفقود. إذا أفضى بيده إلى جسم امرأة. قال: فدل على أن الملامسة باليد لا تنقض الطهارة؛ لأن الأصل في الرِجْل أن تكون بلا حائل، وكذلك اليد حتى يثبت الحائل (١). قلت: هذِه واقعة حال وهي محتملة، فلا دلالة فيها إذن مع أن الظاهر من حال النائم الستر، فهو دليل لما قاله الشافعي. السادسة: قولها: (والبيوت يومئذ ليس لها مصابيح) قالته إقامة لعذرها حيث أحوجته إلى غمزها، وهذا دال على أنها إذ حدثت بهذا الحديث كانت المصابيح موجودة؛ إذ فتح عليهم الدنيا بعده فوسعوا إذ وسع الله عليهم. ----------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٦. ![]()
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-05-2026 الساعة 10:21 PM. |
|
#8
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 387 الى صـــ 406 الحلقة (136) ٢٣ - باب السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ وَقَالَ الحَسَنُ: كَانَ القَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى العِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ. ٣٨٥ - حَدُّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الَملِكُ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الُمفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ القَطَّانُ، عَنْ بَكرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الَحرِّ في مَكَانِ السُّجُودِ. [٥٤٢، ١٢٠٨ - مسلم: ٦٢٠ - فتح: ١/ ٤٩٢] هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة عن هشام عنه قال: إن أصحاب رسول الله - ﷺ - كان يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على قلنسوته وعمامته (١). وحدثنا هشيم عن يونس عنه أنه كان يسجد في طيلسانه (٢). وحدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد: رأيت الحسن يلبس أنبجانيا في الشتاء، ويصلي فيه ولا يخرج يديه منه (٣)، وكان عبد الرحمن بن زيد يسجد على كور عمامته (٤)، وكذلك الحسن، وسعيد بن المسيب، وبكر بن عبد الله، ومكحول (٥)، وقول الحسن: كانوا يسجدون على العمامة أي: على ---------------------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٢٨ (٢٧٣٩) بدون لفظة: «قلنسوته»، ورواه عبد الرزاق في «المصنف» أيضًا ١/ ٤٠٠ (١٥٦٦)، ورواه البيهقي في «سننه» ١/ ١٠٦ وقال: هذا أصح ما روى في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب رسول الله - ﷺ -: وعلق ابن التركماني في «الجوهر النقي» قائلًا: هذِه زيادة من غير دليل إذا ذكر للجبهة. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٢٣٨ (٢٧٣٣). (٣) المصدر السابق برقم (٢٧٣٥). (٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٢٣٩ (٢٧٤٧). (٥) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٣٩. كورها، وحديث أبي هريرة أنه - ﷺ - سجد على كورها (١) ضعيف. ثم ساق البخاري حديث أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدُّةِ الحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ. وهو حديث خرجه مسلم (٢) أيضا، والأربعة (٣)، وقد اختلف العلماء في السجود على الثوب من شدة الحر والبرد، فرخص في ذلك عمر بن الخطاب، وعطاء وطاوس والنخعي والشعبي والحسن (٤) وهو قول مالك والأوزاعي والكوفيين وأحمد وإسحاق. واحتجوا بهذا الحديث (٥). وقال الشافعي: لا يجوز (٦) -ويحمل الحديث على بسط ثوب غير الذي هو لابسه- قال: ولا يجزئه السجود على الجبهة ودونها ثوب إلا أن يكون جريحًا، ورخص في وضع اليدين على الثوب من شدة الحر والبرد (٧). واختلفوا في السجود على كور العمامة، فرخص فيه ابن أبي أوفى ------------------ (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٤٠٠ (١٥٦٤)، ومحمد بن أسلم الطوسي في «تعظيم قدر الصلاة» كما في «عمدة القاري» ٣/ ٣٦٤، وقال ابن سليم: هذا سند ضعيف، وقال ابن أبي حاتم في «العلل»: قال أبي: هذا حديث باطل وابن محرر ضعيف الحديث. وقال البيهقي في «سننه» ١/ ١٠٦: وأما ما روي عن النبي - ﷺ - من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك. وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ١٤٥: فيه عبد الله بن محرر وهو واه. (٢) مسلم (٦٢٠) كتاب: المساجد، باب: استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر. (٣) أبو داود (٦٦٠)، الترمذي (٥٨٤)، النسائي ٢/ ٢١٦، ابن ماجه (١٠٣٣). (٤) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٢٤١، وعبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩. (٥) «الأم» ١/ ٩٩. (٦) «الأم» ١/ ٩٩. (٧) انظر: «الفواكه الدواني» ١/ ١٨١، «المغني» ٢/ ١٩٧. والحسن ومكحول وسعيد بن المسيب والزهري وهو قول أبي حنيفة (١) والأوزاعي وقال مالك: أكرهه، ويجوز (٢). وقال ابن حبيب: هذا مما خف من طاقاتها، وأما ما كثر فهو كمن لم يسجد، وكره عمر وابنه (٣) وقتادة السجود عليها، وعن النخعي وابن سيرين وعَبِيْدة مثله، وحكاه في «المصنف» عن علي وأبي عبيدة وميمون بن مهران، وعروة وعمر بن عبد العزيز، وجعد بن عمرة (٤). وقال الشافعي: لا يجزئ السجود عليها (٥)، وقاد أحمد: لا يعجبني إلا في الحر والبرد (٦). وأجمعوا عنى أنه يجوز السجود على الركبتين والقدمان مستورة بالثياب، وأجمعوا أيضا كما نقله ابن بطال على جواز السجود على اليدين في الثياب (٧)، وإنما كره ذلك ابن عمرو وسالم وبعض الموافقين (٨)، لكن في عدم الجواز عندنا قول مشهور، وسيأتي هذا المعنى في باب: لا يكفت شعرًا ولا ثوبًا في الصلاة إن شاء الله، وفي «سنن سعيد بن منصور»، عن إبراهيم قال: كانوا يغطون المساتق والبرانس والطيالسة، ولا يخرجون أيديهم. فائدة: القلنسوة -بفتح القاف- قباء مبطن يلبس على الرأس. ---------------- (١) «المدونة الكبرى» ١/ ٧٦. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٤٠١ (١٥٧٠)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٤٠ (٢٧٥٧)، ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ١٧٩. (٣) «المصنف» ١/ ٢٤١. (٤) «الأم» ١/ ٩٩. (٥) «المغني» ٢/ ١٩٩. (٦) «الأوسط» ٣١/ ١٨١. (٧) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٨. (٨) انفر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢١٠. ٢٤ - باب الصَّلَاةِ فيِ النِّعَالِ ٣٨٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ ابْنُ يَزِيدَ الأَزْدِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. [٥٨٥٠ - مسلم ٥٥٥ - فتح: ١/ ٤٩٤] حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، ثَنَا شُعْبَة، أَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الأَزْدِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِك: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. هذا (١) الحديث أخرجه مسلم أيضا (٢). وأبو مسلمة هذا أزدي بصري تابعي صغير ثقة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة، وهو سابق ما قبله (٣) في تخمير الرجل، وكذا ما بعده، والنعل معروف (٤)، والصلاة فيه جائزة إذا كان طاهرًا، ولكن لا يوصف بالاستحباب، لكن في «سنن أبي داود» (٥) من حديث شداد بن أوس ------------------- (١) في هامش الأصل ثلاث حواش لم يتبين لنا قراءتها. (٢) مسلم (٥٥٥) كتاب: المساجد، باب: جواز الصلاة في النعلين. (٣) سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزدي، ويقال: الضاحين أبو مسلمة الأزدي البصري، القصير. روى عن: أنس بن مالك، والحسن البصري، وشقيق بن ثور، وغيرهم كثير. روى عنه: إبراهيم بن طهمان، وإسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل، وحمَّاد بن زيد وغيرهم. وثقه يحيى بن معين والنسائي، وروى له الجماعة. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٥٦، «طبقات خليفة» ص ٢١٧، «التاريخ الكبير» ٣/ ٥٢٠ (١٧٣٩)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٧٣ (٣٠٨)، «الثقات» ٦/ ٣٥٣، «تهذيب الكمال» ١١/ ١١٤ - ١١٦ (٣٣٨١). (٤) تعليق في الأصل نصه: النعل معروفة قاله النووي (......). والباقي غير واضح. (٥) تعليق في الأصل. غير واضح. مرفوعًا: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» (١) وظاهره أن ذلك لأجل المخالفة، وحكى الغزالي عن بعضهم في «الإحياء» أن الصلاة فيه أفضل (٢). وفيه: جواز المشي في المسجد بالنعل. فرع: لو تنجس أسفل النعل وكانت النجاسة قليلة لم يتعمدها، فدلكه بالأرض وصلى، ففي الإجزاء قولان للشافعي: أحدهما: المنع (٣). وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي سعيد الخدري الأمر بمسحه والصلاة فيه (٤). وفيه: من حديث أبي هريرة مرفوعا: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور (٥)، وحديث عائشة في النعل:»يطهره ما بعده«(٦) - لكنهما ضعيفان. وقال الأوزاعي: إذا وطئ القذر الرطب يجزئه أن يمسحه بالتراب ويصلي فيه. وقال أحمد في السيف يصيبه الدم يمسحه وهو حار ليصلي فيه إذا لم يبق فيه أثر (٧). وكان عروة والنخعي يمسحان الروث من نعالهما ويصليان فيها (٨). -------------------- (١) أبو داود (٦٥٢). (٢)»إحياء علوم الدين«١/ ١٧١. (٣) أبو داود (٦٥٠). (٤) السابق (٣٨٥)، وصححه الألباني في»صحيح سنن أبي داود«(٤١١). (٥) السابق (٣٨٧) بمعناه. صححه الألباني في»صحيح سنن أبي داود«(٤١٣). (٦) انظر:»المصنف«١/ ١٧٥ (٢١٠٤، ٢١٠٥). (٧) انظر:»المجموع«٣/ ١٦٣. (٨)»مسائل أبو داود" (١٣٩). وقال الأعمش: رأيت يحيى بن وثاب وعبد الله بن عباس وغيرهما يخوضون الماء قد خالطه السرقين والبول، فإذا انتهوا إلى باب المسجد لم يزيدوا على أن ينفضوا أقدامهم، ثم يدخلون في الصلاة (١). وقال مالك وأبو حنيفة: يكفي الحك في الجامد. وخالفه محمد (٢). ------------------ (١) المصنف ١/ ٥٨ (٦٠٨) بنحوه. (٢) انظر:: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣١، «المدونة» ١/ ٢٠. ٢٥ - باب الصَّلَاةِ فيِ الخِفَافِ ٣٨٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الَحارِثِ قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - صَنَعَ مِثْلَ هذا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ؛ لأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ. [مسلم: ٢٧٢ - فتح: ١/ ٤٩٤] ٣٨٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ الُمغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى. [انظر: ١٨٢ - مسلم: ٢٧٤ - فتح: ١/ ٤٩٥] ذكر فيه حديث جرير والمغيرة في المسح على الخفين. أما حديث جرير فساقه من حديث إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَبِيَّ - ﷺ - صَنَعَ مِثْلَ هذا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ؛ لأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضا (١)، ورواه الترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤). ورواه أيضا أبو داود من جهة بكر بن عاصم عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير بلفظ أن جريرًا بال ثم توضأ فمسح على الخفين، وقال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح؟ قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة. قال: ما أسلمت إلا بعد نزول ----------------- (١) مسلم (٢٧٢) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين. (٢) الترمذي (٩٣). (٣) النسائي ١/ ٨١. (٤) ابن ماجه (٥٤٣). المائدة (١). ورواه الطبراني في «معجمه الأوسط» من حديث ربعي بن حراش، عنه قال: وضأت رسول الله - ﷺ -، فمسح على خفيه بعد ما نزلت سورة المائدة (٢). ثم قال: لم يروه عن حماد بن أبي سليمان عن ربعي إلا ياسين الزيات، تفرد به عبد الرزاق، وياسين متكلم فيه. وفي رواية له من حديث محمد بن سيرين عنه أنه كان مع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع، فذهب النبي - ﷺ - يتبرز، فرجع فتوضأ ومسح على خفيه. ثم قال: لم يروه عن محمد بن سيرين إلا خالد الحذاء، ولا عن خالد إلا حرب بن سريج، تفرد به شيبان بن فروخ (٣). وقوله: (فقال إبرا هيم) إلى آخره، وفي رواية أخرى: فكان أصحاب عبد الله يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (٤). وفي رواية: قال الأعمش: قال إبراهيم (٥). وفي «سنن البيهقي»: عن إبراهيم بن أدهم قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير بن عبد الله (٦)، وكان إعجابهم لذلك؛ لأن الله تعالى قال في سورة المائدة ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فلو كان إسلام جرير متقدمًا على نزول المائدة لاحتمل كون حديث جرير في مسح الخف منسوخًا بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخرًا علم أن حديثه يعمل به، وهو يبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة للآية. ----------------- (١) أبو داود (١٥٤). (٢) «المعجم الأوسط» ٣/ ٢٣٠ (٣٠٠٤). (٣) «المعجم الأوسط» ٧/ ١٥٥ - ١٥٦ (٧١٤٣). (٤) «صحيح مسلم» (٢٧٢) كتاب: الطهارة، باب: في المسح على الخفين. (٥) «صحيح مسلم» (٢٧٢/ ٧٢) كتاب: الطهارة، باب: في المسح على الخفين. (٦) «سنن البيهقي» ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤. وأما حديث المغيرة فأخرجه من طريق مسروق عنه: وَضَّأُتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَمَسَحَ عَلَى خُفيْهِ وَصَلَّى. وهذا الحديث سيأتي في الصلاة (١) والجهاد (٢) واللباس (٣) أيضا، وأخرجه مسلم أيضًا (٤)، وقد سلف فقه الباب في بابه. وهذا الباب كالباب الذي قبله فيه تخمير الرجلين ومشروعية الصلاة في الخفاف، ولا شك في ذلك إذا كانت طاهرة، فإن كان فيهما (…) (٥) النعل، وقد أوضحناه في الباب قبله. ------------------- (١) بل سلف بأرقام (١٨٢، ٢٠٣، ٢٠٦، ٣٦٣). (٢) سيأتي برقم (٢٩١٨) باب: الجبة في السفر والحرب. (٣) سيأتي برقم (٥٧٩٨) باب: من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر، (٥٧٩٩) باب: لبس جبة الصوف في الغزو. (٤) مسلم (٢٧٤) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، وباب: المسح على الناصية والعمامة. (٥) طمس في الأصل بمقدار ثلاث كلمات، ولعلها: قذر قليل دلك. ٢٦ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ ٣٨٩ - أَخْبَرَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، رَأى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيفَةُ: مَا صَلَّيتَ -قَالَ: وَأَحْسِبهُ قَالَ- لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ محَمَّد - ﷺ -. [٧٩١، ٨٠٨ - فتح: ١/ ٤٩٥] ساق فيه من حديث حذيفة أنه رَأى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ -قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ- لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّد - ﷺ -. ٢٧ - باب يُبْدِى ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِى فِى السُّجُودِ ٣٩٠ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابن هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابن بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ. [٨٠٧، ٣٥٦٤ - مسلم: ٤٩٥ - فتح: ١/ ٤٩٦] ساق فيه من حديث جَعْفَرٍ، عَنِ ابن هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابن بُحَيْنَةَ أَنَّ النَبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ. هذان البابان يأتيان في سماعنا من طريق أبي الوقت هنا، ويأتي أيضا كما هنا بعد في أحوال السجود كما ستعلمه (١)، وفي بعض نسخ البخاري حذفهما هنا. وعليه مشى ابن بطال في «شرحه» فلم يذكر الثاني هنا فذكر الأول، وحديث حذيفة من أفراد البخاري، ورواه هناك بلفظ: ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله -عز وجل- عليها محمدًا. وفيه: إيجاب الطمأنينة، وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- هناك، والفطرة هنا السنة، وحديث ابن بحينة أخرجه مسلم (٢) والنسائي أيضًا (٣)، وتعليق الليث أخرجه مسلم: ثنا عمرو بن سواد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث والليث بن سعد كلاهما، عن جعفر به. وفي رواية عمرو: إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه. ---------------------- (١) سيأتي في كتاب الأذان برقم (٧٩١) باب: إذا لم يتم الركوع، (٨٠٨) باب: إذا لم يتم السجود. (٢) مسلم (٤٩٥) كتاب: الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة .. (٣) النسائي ٢/ ٢١٢. وفي رواية الليث: كان إذا سجد فرج عن يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه (١). وفرج الله النعم مخفف ومشدد، يفرج بالكسر، وهو لفظ مشترك، فالفرج: العورة والثغر موضع المخافة، والضبع في ترجمة البخاري بسكون الباء: وسط العضد، وقيل: هو ما تحت الإبط. وقيل: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه، يذكر ويؤنث. وفيه التفريج بين اليدين، وهو سنة للرجال، والمرأة والخنثى يضمان لأن المطلوب في حقهما الستر، وذهب بعض السلف فيما حكاه القرطبي إلى أن سنة النساء التربع، وأن بعضهم خيرها بين الانفراج والانضمام (٢). قال ابن بطال: وشرعت المجافاة في المرفق ليخف على الأرض ولا يثقل. كما روى أبو عبيد عن عطاء أنه قال: خفوا على الأرض (٣). وزعم أبو نعيم في «دلائله» أن بياض إبطيه - ﷺ - من علامات نبوته (٤). قال المتولى: ولو طول السجود فلحقته مشقة الاعتماد على كفيه وضع ساعديه على ركبتيه. وفيه حديث في أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة (٥)، قال البخاري: وإرساله أصح (٦). -------------------- (١) مسلم (٤٩٥/ ٢٣٦). (٢) «المفهم» ٢/ ٩٧ - ٩٨. (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨. (٤) لم أجده في المطبوع من «منتخب دلائل النبوة». (٥) أبو داود (٩٠٢)، والترمذي (٢٨٦). (٦) انظر: «المجموع» ٣/ ٤٠٨. ٢٨ - باب فَضْلِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ. قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٨٢٨] ٣٩١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن الَمهْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى صَلَاَتنا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ المُسْلِمُ الذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللهَ فِي ذِمَّتِهِ». [٣٩٢، ٣٩٣ - فتح: ١/ ٤٩٦] ٣٩٢ - حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن الُمبَارَكِ، عَنْ حُمَيدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إله إِلا اللهُ. فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاَتنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ». [انظر: ٣٩١ - فتح: ١/ ٤٩٧] ٣٩٣ - قَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الَحارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحَرِّمُ دَمَ العَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَاسْتَقبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ الُمسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الُمسْلِمِ. [انظر: ٣٩١ - فتح: ١/ ٤٩٧] هذا التعليق ثابت في بعض النسخ، وقد أسنده البخاري بعد (١). ثم ذكر البخاري في الباب حديث أنس من طريق مسندًا ومن آخر معلقًا. أسنده من حديث عَمْرو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن المَهْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ صَلَّى صَلَاَتنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، ------------------ (١) سيأتي برقم (٨٢٨) كتاب: الأذان، باب: سنة الجلوس في التشهد. فَذَلِكَ المُسْلِمُ الذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللهَ فِي ذِمَّتِهِ». ثم أخرجه معلقا فقال: وقال ابن المُبَارَكِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلة إِلَّا اللهُ. فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ». كذا ذكره معلقًا عن ابن المبارك، وفي بعض النسخ: حدثنا نعيم (١): قال ابن المبارك (٢)، وذكره خلف في «أطرافه» كما ذكراه أولًا. ثم قال: وقال حماد (٣) بن شاكر راوي «صحيح البخاري» عنه قال نعيم بن حماد: قال ابن المبارك. واستخرجه أبو نعيم من حديث أحمد بن الحجاج وأحمد بن حنبل (٤) كلاهما عن ابن المبارك. ثم قال: رواه البخاري، فقال: وقال ابن المبارك. ولم يذكر من دونه، وأراد نعيم بن حماد عنه. وأخرجه أبو داود في الجهاد (٥)، والترمذي في الإيمان: عن سعيد بن يعقوب عن ابن المبارك (٦). والنسائي في المحاربة: عن محمد بن حاتم عن حبان عن ابن المبارك (٧). ثم أخرجه البخاري ثالثًا معلقًا موقوفًا فقال: ----------------- (١) في هامش الأصل: من خط الشيخ أبو وهو غلط. (٢) النسخة التي تكلم عنها المصنف هي: نسخة أبي ذر الهروي وأبي الوقت، كما أشير إليه في هامش اليونينية. انظر: «صحيح البخاري» ١/ ٨٧ (ط طوق النجاة). (٣) في الأصل: خلف، وفي هامش الأصل وبخط ناسخها: صوابه: حماد. (٤) «المسند» ٣/ ١٩٩ (١٣٠٧٨). (٥) أبو داود (٢٦٤١). (٦) التر مذي (٢٦٠٨). (٧) النسائي ٧/ ٧٥ - ٧٦ كتاب: تحريم الدم. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، ثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحَرِّمُ دَمَ العَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ المُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ. ثم قال: قَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وأما ما علقه عن علي بن المديني فأسنده النسائي عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن حميد الطويل قال: سأل ميمون بن سياه أنسا. فذكره موقوفا (١) كما ذكره البخاري. قال الإسماعيلي: والحديث حديث ميمون وإنما سمعه حميد منه، ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله: عن حميد ثنا أنس. قال: ويدل على ذلك ما أخبرنا يحيى بن محمد البختري، ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا حميد، عن ميمون: سالت أنسا: ما يحرم دم المسلم وماله؟ الحديث. قال: وما ذكره البخاري عن علي عن خالد فهو يثبت ما جاء به معاذ بن معاذ؛ لأن ميمون بن سياه هو الذي سأل وحميد سمع منه. وأما ما علقه عن ابن أبي مريم ففيه فائدة، وهي تصريح حميد بسماعه إياه من أنس، لكن قد علمت طعن الأسماعيلي فيه. وقد وصله أبو نعيم من حديث يحيى بن أيوب: أخبرني حميد سمع أنسا فذكره، والطريقة الأولى المسندة التي أخرجها البخاري عن عمرو بن عباس أخرجها النسائي عن حفص بن عمر، قال الكسار، ------------------ (١) النسائي ٧/ ٧٦. راوي النسائي: سمعت عبد الصمد البخاري يقول: حفص بن عمر لا أعرفه إلا أن يكون سقط (…) (١) عمرو فيكون حفص بن عمرو الزبالي. قلت: لكن حفص هذا لم يرو عنه النسائي، وروى عنه ابن ماجه فقط. قال (٢): هذا هو حفص بن عمر أبو عمرو المهرقاني الرازي معروف. إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: ميمون بن سياه ورع صدوق، ضعفه ابن معين. ومنصور بن سعد هو البصري صاحب اللؤلؤ ثقة. وعمرو بن عباس بالباء الموحدة انفرد به، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين، ولا أعرف (٣) حاله، وباقي رجال إسناده معروفون. ثانيها: قوله: «وأكل ذبيحتنا»: جاء في الإسماعيلي: «وذبحوا ذبيحتنا»، وذلك أن طوائف من الكتابيين والوثنيين يتحرجون من أكل ذبائح المسلمين. وقوله: («ذمة الله وذمة رسوله») أي: ضمان الله وضمان رسوله. قال صاحب «المحكم»: الذمام: الحق، والذمة: العهد والكفالة (٤). وقال ابن عرفة: الذمة: الضمان، وبه سمي أهل الذمة لدخلوهم في ----------------- (١) كلمة غير واضحة في الأصل. (٢) كشط بالأصل بعده شطب، ولعله: إن حفص. (٣) في هامش الأصل: ذكره ابن حبان في «ثقاته» [فقال] فيه: ربما خالف، [وكذا ابن أبي] حاتم ولم يذكر فيه جرحا [ولا تعديلا]. قلت: ما بين الحاصرتين أتت عليه الرطوبة، وما كتبناه محاولة لإتمام السياق. انظر: «ثقات ابن حبان» ٨/ ٤٨٦، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥٢ (١٣٩٦). (٤) «المحكم» ١١/ ٥٦، مادة: (ذمم). ضمان المسلمين. وقال الأزهري في قوله تعالى ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ أي: أمانا. وقوله: («ولا تخفروا الله»): أي: لا تخونوا، وهو رباعي؛ يقال: أخفرته إذا غدرت به، وخفرته إذا كنت له خفيرًا وضمنته، وفي «الفصيح»: يقال: خفرت الرجل إذا أجرته، وأخفرته إذا نقضت عهده (١). وقال كراع وابن القطاع: أخفرته بعثت معه خفيرًا. وذكر ابن الأثير أن المراد هنا أن لا تزيلوا خفارته (٢)، وقوله له: (ما للمسلم وعليه ما على المسلم) أي: يسلم عليه، ويعاد إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات … إلى غير ذلك مما يلزم المسلم للمسلم. ثالثها: حديث: «أمرت أن أقاتل الناس» سلف الكلام عليه في باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، من كتاب الإيمان، فراجعه منه، وهناك ذكر الزيادة الثابتة لكن من حديث ابن عمر (٣). قال الطبري: ووجه هذا الحديث أنه - ﷺ - قاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بالتوحيد، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات: ٣٥] فدعا لهم إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان، فمن أقر بذلك منهم كان في الظاهر داخلًا في الإسلام. والرواية الأخرى التي فيها الزيادة الثابتة جاءت لمن قال بالتوحيد، وإنكار نبوة نبينا محمد - ﷺ - لأن كفرهم كان جحدًا للتوحيد، ثم يراجع الكلمة الأخرى، فإن أنكروا شيئا من الفرائض عادوا حربيين، وفي هذا الجمع نظر؛ لأن .... (٤) ----------------- (١) «فصيح ثعلب» ص ٢٢. (٢) «النهاية» ٢/ ١٢٧. (٣) سلف برقم (٢٥). (٤) في الأصلين الكلام موصول بما بعده وواضح أن هناك سقط من النسخة المنقول منها فقد سقط باب ٢٩، ٣٠ ووضعنا الأحاديث فقط من متن البخاري. ٢٩ - باب قِبْلَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّاْمِ وَالْمَشْرِقِ. لَيْسَ فِي المَشْرِقِ وَلَا فِي المَغْرِب قِبْلَةٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ولَكن شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» ٣٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن عَبْدِ الله قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، ولكن شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ الله تَعَالَى. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، مِثْلَهُ. [انظر: ١٤٤ - مسلم: ٢٦٤ - فتح: ١/ ٤٩٨] ٣٠ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ٣٩٥ - حَدَّثَنَا الُحمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابن عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ العُمْرَةَ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالَمْرْوَة، أَيأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَطَافَ بِالْبَيتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الَمقَامِ رَكْعَتَينِ، وَطَافَ بَينَ الصَّفَا وَالَمْرْوَة، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. [١٦٢٣، ١٦٢٧، ١٦٤٥، ١٦٤٧، ١٧٩٣ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ١/ ٤٩٩] ٣٩٦ - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالَمْرْوَة. [١٦٢٤، ١٦٤٦، ١٧٩٤ - فتح: ١/ ٤٩٩] ٣٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُجاهِدًا قَالَ: أُتِيَ ابن عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ: هذا رَسُولُ الله - ﷺ - دَخَلَ الكَعْبَةَ. فَقَالَ ابن عُمَرَ: فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ البَابَينِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا فَقُلْتُ: أَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ. [٤٦٨، ٥٠٤، ٥٠٥، ٥٠٦، ١١٦٧، ١٥٩٨، ١٥٩٩، ٢٩٨٨، ٤٢٨٩، ٤٤٠٠ - مسلم: ١٣٢٩ - فتح: ١/ ٥٠٠] ٣٩٨ - حَدَّثَنَا إسحق بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَما دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - البَيتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ وَقَالَ: «هذه القِبْلَةُ». [١٦٠١، ٣٣٥١، ٣٣٥٢، ٤٢٨٨ - مسلم: ١٣٣١ - فتح: ١/ ٥٠١] ٣١ - باب التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اسْتَقْبلِ القِبْلَةَ وَكَبِّرْ». [٧٥٧] ٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إسحق، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - صَلَّى، نَحْو بَيتِ الَمقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ -أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا- وَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إلى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَتَوَجَّه نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ -وَهُمُ اليَهُودُ-: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمِ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ. فَتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ. [انظر: ٤٠ - مسلم: ٥٢٥ - فتح: ١/ ٥٠٢] ٤٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإِذَا أَرَادَ الفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [١٠٩٤، ١٠٩٩، ١٢١٧، ٤١٤٠ - مسلم: ٥٤٠، فتح: ١/ ٥٠٣] ٤٠١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ-فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟». قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا. فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَينِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيءٌ لَنَبَّأْتكُمْ بِهِ، ولكن إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَك أَحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَتَحَرى الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيهِ ثُمَّ ليُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». [٤٠٤، ١٢٢٦، ٦٦٧١، ٧٢٤٩ - مسلم: ٥٧٢ - فتح: ١/ ٥٠٣] ٣٢ - باب مَا جَاءَ فِي القِبْلَةِ، وَمَنْ لَا يَرى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ. وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ، وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، ثُمَ أَتَمَّ مَا بَقِيَ. [انظر: ٤٨٢] ٤٠٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وَآيَةُ الِحجَابِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالْفَاجِرُ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الِحجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبيِّ - ﷺ - فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. فَنَزَلَتْ هذه الآيَةُ. [٤٤٨٣، ٤٧٩٠، ٤٩١٦ - مسلم: ٢٣٩٩ - فتح: ١/ ٥٠٤] حَدَّثَنَا ابن أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا بهذا. ٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ دِينَارِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ. [٤٤٨٨، ٤٤٩٠، ٤٤٩١، ٤٤٩٣، ٤٤٩٤، ٧٢٥١ - مسلم: ٥٢٦ - فتح: ٦/ ٥٠١] ![]()
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-05-2026 الساعة 10:24 PM. |
|
#9
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 407 الى صـــ 426 الحلقة (137) ٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟». قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. [انظر: ٤٠١ - مسلم: ٥٧٢ - فتح: ١/ ٥٠٧] [في (١) «المعرفة» للبيهقي مثله من حديث جابر بإسناد ضعيف، ومذهب ابن عمر كما قال الواحدي: إن الآية نازلة في التطوع بالنافلة، وعن قتادة: إنها منسوخة بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. وهو رواية عن ابن عباس، ويروى أنها نزلت فيمن صلى إلى بيت المقدس. تنبيه: وقع في كلام ابن بطال وابن التين أن البخاري أشار في الترجمة إلى الاستدلال بحديث ابن مسعود أنه - ﷺ - سلم في ركعتي الظهر وأقبل على الناس بوجهه وهذِه القصة إنما وقعت من حديث أبي هريرة فاعلمه. ثم ذكر البخاري بعده ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى -------------------- (١) كذا في الأصل -وكما في التعليق السابق- الكلام متصل بنهاية صفحة ٤٠٤ هكذا: (وفي هذا الجمع نظر لأن في المعرفة للبيهقي). فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وَآيَةُ الحِجَابِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالْفَاجِرُ. فَنَزَلَتْ آيةُ الحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ. حَدَّثَنَا ابن أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا بهذا. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير في سورة البقرة (١)، والأحزاب (٢) والتحريم (٣). وأخرجه مسلم في الفضائل (٤). وأخرجه الترمذي مختصرًا في التفسير (٥). والنسائي فيه (٦)، وابن ماجه في الصلاة (٧)، قال البزار: لا نعلمه يروى إلا عن عمر (٨)، ولما أورد الترمذي حديث المقام فقط في تفسير سورة البقرة من حديث أنس، عن عمر قال: وفي الباب عن ابن عمر (٩). رواه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر عن عمر، وفي ------------------- (١) سيأتي برقم (٤٤٨٣) باب: قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. (٢) سيأتي برقم (٤٧٩٠) باب: قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. (٣) سيأتي برقم (٤٩١٦) باب: قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا﴾. (٤) مسلم (٢٣٩٩) باب: من فضائل عمر - رضي الله عنه -. (٥) الترمذي (٢٩٥٩، ٢٩٦٠). (٦) «السنن الكبرى» ٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠ (١٠٩٩٨). (٧) ابن ماجه (١٠٠٩). (٨) «البحر الزخار» ١/ ٣٣٨ بعد ح (٢١٩). (٩) الترمذي ٥/ ٢٠٦. روايته: بدل التخيير: أسارى بدر (١). ثانيها: فائدة: إيراد البخاري طريق يحيى بن أيوب التصريح بسماع حميد من أنس، وفي بعض النسخ: «حدثنا ابن أبي مريم» كما ذكرته، وفي بعضها: «وقال ابن أبي مريم تعليقًا»، وكذا ذكره في التفسير تعليقا، وكذا ذكره خلف في «أطرافه» والإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما وهو الظاهر؛ لأن يحيى لم يحتج به البخاري، ونسبه أحمد إلى سوء الحفظ، وإنما ذكره استشهادًا ومتابعة، وإن وقع في كلام ابن طاهر أنه خرج له مع مسلم فقد ذكره في أفراد مسلم، وأغرب صاحب «الكمال» حيث قال: روى له الجماعة، إلا مسلما (…) (٢). ثالثها: قد عرفت أن في البخاري الموافقة في مقام إبراهيم والحجاب والتخيير بين أزواجه. وقد عرفت أن في مسلم بدله: أسارى بدر (٣)، وهذِه رابعة. وفيه أيضا موافقته في منع الصلاة على المنافقين، وهذِه خامسة. وفي «مسند أبي داود الطيالسي» من حديث حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع، وذكر ما في البخاري قال: ونزلت ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ----------------- (١) مسلم (٢٢٩٩). (٢) ثلاث كلمات لم يتبين لنا قراءتها. (٣) في هامش الأصل: حاشية: وفي البخاري أيضا. فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين فنزلت كذلك. وهي سادسة. وجاءت موافقته أيضا في تحريم الخمر، وهذِه سابعة وليس في كل منهما منا ينفي زيادة الموافقة، وذكر الثامنة أبو بكر بن العربي (١) في هذا الحديث في مقام إبراهيم، وقال: وهي إحدى التسع التي وافق ربه فيها، وذكر أن عاشرها في «شرح النيرين» وقال مرة: قدمنا أنه وافق ربه تلاوة ومعنى في نحو أحد عشر موضعا. قلت: ويشهد له ما رواه الترمذي مصححا من حديث ابن عمر ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر (وقد سلف) (٢). رابعها: قوله: (في ثلاث). قد أسلفنا أنها أكثر من ثلاث، وقد أسلفنا أنه لا تنافي بينها، إذ يجوز أن يكون أخبر بذلك قبل وقوع غيرها، وإن كان يجوز أن يكون قالها بعد موته أو أن الراوي روى ثلاثة دون باقيها، وليس ذكر العدد من لفظ عمر، فلما روى ثلاثة خاصة زاد تلك اللفظة على المعنى، أي: أنه له حديث في ذلك فأنزل القرآن بموافقته، أو أن الراوي اقتصر على الثلاث دون الباقي لغرض له، فمعنى الموافقة أنه وقع له حديث في ذلك الأمر فنزل القرآن على نحو ما وقع أو وافق كله. خامسها: وقع لعمر ما وقع في المقام؛ لأنه محل شرف بقيام إبراهيم للدعاء والصلاة، وجحل فيه آيات بينات وأجاب فيه الدعوات. فإن قلت: ما السر في أن عمر لم يقنع بما في شريعتنا حتى طلب ----------------- (١) «تحفة الأحوذي» ٨/ ٢٣٧. (٢) ضرب الناسخ على هذِه الجملة ثم رمز فوقها برمز التصحيح (صح). الاستكان بملة إبراهيم، وقد نهاه الشارع عن مثل هذا حين أتى بأشياء من التوراة، فقال له: «أمثلها منك يا عمر» فالجواب كما قاله ابن الجوزي: أن عمر لما سمع قوله تعالى في إبراهيم ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] ثم سمع قوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] علم أن الائتمام به مشروع في شرعنا دون غيره من الأنبياء، ثم رأى أن البيت مضاف إليه، فإن أثر قدمه في المقام كرقم اسم الباني في البناء ليذكر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه، فوقعت موافقته في رأيه وأما غير إبراهيم من الأنبياء فلا يجري مجراه على أن هذا القدر من شرع إبراهيم معلوم قطعًا، وما في أيدي الكتابيين من التوراة والإنجيل أمر مغير مبدل. سادسها: آية الحجاب، كان النبي - ﷺ - جاريًا على عادة العرب في ترك الحجاب حتى أمر به، ووقع أمر لشرف أزواجه - ﷺ - وعلو مناصبهن، وعظم حرمتهن، وأن الذي ناسب حالهن أن يحجبن عن الأجانب، ولم يكن يخفي على رسول الله - ﷺ - كما نبه عليه ابن الجوزي وغيره، ولكن كان ينتظر الوحي في الأشياء، وكان الحجاب في السنة الخامسة في قول قتادة أو في الثالثة في قول أبي عبيدة وبعد أم سلمة كما قال ابن إسحاق، أو في ذي القعدة سنة أربع كما هو عند ابن سعد (١). وجزم شيخنا عبد الكريم في «شرحه» بالأول، وكان السبب فيه أنه - ﷺ - تزوج زينب بنت جحش وأولم عليها، فأكل جماعة وهي مولية وجهها الحائط، ولم يخرجوا فانتظر - ﷺ - خروجهم وجلسوا ------------------ (١) «الطبقات الكبرى» ٨/ ١٧٦، وعنده: في السنة الخامسة. يتحدثون، فخرج - ﷺ - فلم يخرجوا وعاد فلم يخرجوا، فنزلت آية الحجاب. قال عياض: والحجاب الذي خصوا به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين وفلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخصهن إذا خرجن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها، ستر شخصها حين خرجت، وزينب عمل لها قبة لما توفيت، قال الله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (١). سابعها: الآية التي ذكرها هي أحد ما قيل في سبب التخيير، وقد أوضحت الكلام على ذلك في كتابي «غاية السول في خصائص الرسول» (٢) فراجع ذلك منه تجد ما يشفي الغليل، فإن قدر الله الوصول إلى موضعه نزده أيضًا، وبعض ما في الباب سلف. الحديث الثاني: حديث ابن عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث سيأتي -إن شاء الله- في الصلاة في موضعين (٣)، وفي --------------------- (١) «إكمال المعلم» ٧/ ٥٧. (٢) «غاية السول في خصائص الرسول» ص ١٠٩. (٣) لم أقف عليهما فلم يُذكر في الصلاة سوى في هذا الموضع. التفسير في أربعة مواضع (١)، وفي خبر الواحد (٢)، وقد سلف في الإيمان من حديث البراء (٣). ثانيها: وجه احتجاج البخاري بهذا الحديث انحرافهم إلى القبلة التي فرضت وهم في انحرافهم يصلون إلى غير القبلة، ولم يؤمروا بالإعادة بل بنوا على ما صلوا في حال الانحراف، وقبله فكذلك المجتهد في القبلة لا تلزمه الإعادة. ثالثها: (بينما) معناه: بين أوقات كذا، ويجوز أيضا بينا بلا ميم (٤)، و(قباء) بالمد والقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف فهذِه ست لغات أفصحها أولها. قوله: (إذ جاءهم آت). هو عباد بن نهيك أو ابن بسر أو ابن وهب أقوال. وقوله: (فاستقبلوها) كسر الباء فيه أشهر من فتحها على الأمر والفتح على الخبر، ونقل ابن عبد البر أن أكثر الرواة عليه (٥). وقد --------------------- (١) ستأتي بأرقام (٤٤٨٨) باب: قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾، (٤٤٩٠). باب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾، (٤٤٩١) باب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾، (٤٤٩٣) باب: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ﴾، (٤٤٩٤)، باب: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾. وهي خمسة مواضع كما ترى. (٢) سيأتي برقم (٧٢٥١) باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق. (٣) سلف برقم (٤٠) باب: الصلاة من الإيمان. (٤) وقع في «اليونينية» ١/ ٨٩: بينا. بغير الميم، ولم يثبت بالهامش اختلافات. (٥) وقع في هامش «اليونينية» ١/ ٨٩: بفتح الباء لجميع رواة البخاري إلا الأصيلي بكسرها. يونينية. وفي «الفتح» ١/ ٥٠٦. قال ابن حجر: بفتح الموحدة للأكثر. أوضحت الكلام عليه في «شرح العمدة» بفوائده (١)، وسلف جمل منها في الإيمان. الحديث الثالث: حديث عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟». قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. وهذا الحديث سلف قريبا (٢)، ويأتي في السهو (٣) وخبر الواحد (٤)، وأخرجه مسلم (٥) وباقي الجماعة (٦)، وأخرجه مسلم من حديث الأسود عنه (٧)، ووجه احتجاج البخاري بهذا الحديث إقباله على الناس بوجهه بعد انصرافه بعد السلام، كان في غير صلاة، فلما بنى على صلاته بان أنه كان في وقت استدبار القبلة في حكم المصلي؛ لأنه لو خرج من الصلاة لم يجز له أن يبني على ما مضى منها فوجب بهذا أن من أخطأ القبلة لا يعيد. -------------------- (١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٤٨٧. (٢) سلف برقم (٤٠١). (٣) سيأتي برقم (١٢٢٦) باب ة إذا صلى خمسًا. (٤) سيأتي برقم (٧٢٤٩) باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق. (٥) مسلم (٥٧٢) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له. (٦) أبو داود (١٠١٩)، والترمذي (٣٩٢)، والنسائي ٣/ ٣١ - ٣٢، وابن ماجه (١٢٠٣). (٧) «صحيح مسلم» (٥٧٢/ ٩٣). ٣٣ - باب حَكِّ البُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ المَسْجِدِ ٤٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَة قَالَ: حَدُّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْن جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأى نُخَامَةَ فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّة بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاِتهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ -أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ- فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، ولكن عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ». ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا». [انظر: ٢٤١ - مسلم: ٥٥١ - فتح: ١/ ٥٠٧] ٤٠٦ - حَدُّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى بُصَاقًا فِي جِدَارِ القِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى». [٧٥٣، ١٢١٣، ٦١١١ - مسلم: ٥٤٧ - فتح: ١/ ٥٠٩] ٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -أُمِّ المُؤْمِنِينَ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى فِي جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطًا أَوْ بُصَاقًا أَوْ نُخَامَةً فَحَكَّهُ. [مسلم: ٥٤٩ - فتح: ١/ ٥٠٩] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاِتهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ -أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ- فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، ولكن عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ». ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا». ثانيها: حديث ابن عُمَرَ أَنَّه - ﷺ - رَأى بُصَاقًا فِي جِدَارِ القِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى». ثالثها: حديث عَائِشَةَ أَنَّه - ﷺ - رَأى فِي جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطًا أَوْ بُصَاقًا أَوْ نُخَامَةً فَحَكَّهُ. الكلام على هذِه الأحاديث من أوجه: أحدها: حديث أنس أخرجه في مواضع أخر قريبا في بابين: عقب باب بعد هذا (١)، وفي باب: كفارة البزاق في المسجد بلفظ: «البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها» (٢) وفي باب: ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة (٣)، وفي باب: المصلي يناجي ربه (٤). وأخرجه مسلم أيضًا (٥). وحديث ابن عمر أخرجه البخاري أيضا قريبا (٦)، وفي الأدب وغيره (٧). وأخرجه مسلم أيضا (٨). ------------------- (١) سيأتي برقم (٤١٢) باب: لا يبصق عن يمينه في الصلاة، (٤١٣) باب: ليبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى. (٢) سيأتي برقم (٤١٥). (٣) سيأتي برقم (١٢١٤) كتاب: العمل في الصلاة. (٤) سيأتي برقم (٥٣١) كتاب: مواقيت الصلاة. (٥) مسلم (٥٥١) في المساجد، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها. (٦) سيأتي برقم (٧٥٣) كتاب: الأذان، باب: هل يلتفت لأمر ينزل به، أو يرى شيئًا أو بصاقًا في القبلة. (٧) سيأتي برقم (١٢١٣) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز في البصاق والنفخ في الصلاة، وبرقم (٦١١١) باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله. (٨) مسلم (٥٤٧) كتاب: المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة .. وحديث عائشة أخرجه أيضا في الصلاة وسيأتي (١). وأخرجه مسلم (٢) والترمذي أيضا (٣). وسيأتي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد (٤) وأخرجهما مسلم أيضا (٥). ثانيها: النخامة بالضم: النخاعة، وقد ذكره البخاري بهذا اللفظ، في باب: الالتفات، يقال: تنخَّم الرجل إذا تنخع، وفي «المطالع»: النخامة من الصدر: وهو البلغم اللزج، وفي «النهاية» (٦): النخامة: البزقة التي تخرج من أصل الحلق من مخرج الخاء المعجمة، وقيل: النخاعة بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس. ثالثها: إنما شق ذلك عليه احتراما لجهة القبلة. وقوله: (فحكه) أي: أزاله وهو موضع الترجمة. ففيه إزالة البزاق وغيره من الأقذار ونحوها من المسجد. وقوله: «فإنه يناجي ربه»، إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله وتمجيده وتلاوة كتابه وتدبره. ومن كان ----------------- (١) ليس له إلا هذا الموضع في «صحيح البخاري»، وذكر المزي في «التحفة» ١٢/ ١٩٤ أن البخاري رواه في موضعين آخرين عن إسماعيل. (٢) مسلم (٥٤٩) كتاب: المساجد، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها. (٣) لم أقف عليه في الترمذي، ولكنه عند ابن ماجه (٧٦٤). (٤) الحديث الآتي (٤٠٨، ٤٠٩) باب: حك المخاط بالحصى في المسجد. (٥) مسلم (٥٤٨) كتاب: المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة .. (٦) «النهاية» لابن الأثير ٥/ ٣٤ مادة: نخم. يناجي ربه وهو بينه وبين قبلته فلا يقابلها بذلك. والبزاق بالزاي والصاد والسين: ما يخرج من الفم. وقوله: («ولكن عن يساره») هذا في غير المسجد، أما فيه فلا يبزقن إلا في ثوبه، كذا قاله النووي (١)، وسياق الأحاديث دال على أنه فيه. وقوله: («أو تحت قدمه اليسرى») كما بينه في الرواية الآتية من حديث أبي سعيد. وقوله: (ثم أخذ رداءه) إلى آخره. فيه: جواز هذا الفعل، وفيه: طهارة البزاق، وهو إجماع إلا من شذ كما حكاه الخطابي عن إبراهيم النخعي (٢)، وسليمان (كما حكاه عنه ابن حزم) (٣)، وقال القاضي عياض: البزاق ليس خطيئة إلا في حق من لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة إذا دفنها في تراب المسجد أو رمله وحصاه إن كان فيه وإلا فليخرجها (٤). وقال القرطبي: الحديث دال على تحريم البصاق في القبلة، وأن الدفن لا يكفيه (٥)، وهو كما قال. وقال الروياني: المراد بذلك إخراجها مطلقا، فإن لم تكن المساجد تربة، وكانت ذات حصر فلا؛ احتراما للمالية (٦). وفيه: فضل الميامن على المياسر (٧). --------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ٤١. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٣٨٧. (٣) ورد بهامش الأصل تعليق هذا نصه: حكاه ابن حزم عنهما بالسند متفردين. (٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٨٧. (٥) «المفهم» ٢/ ١٥٨. (٦) انظر: «المجموع» ٤/ ٣٢. (٧) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الستين، كتبه مؤلفه. ٣٤ - باب حَكِّ المُخَاطِ بِالْحَصَى مِنَ المَسْجِدِ وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: إِنْ وَطِئْتَ عَلَى قَذَرٍ رَطْبٍ فَاغْسِلْهُ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَلَا. ٤٠٨، ٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخبَرَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنُّ أَبا هُرَيْرَةَ وَأَبا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الَمسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا، فَقَالَ:»إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرى«. [٤١٠، ٤١٢، ٤١٤، ٤١٦ - مسلم: ٥٤٨ - فتح: ١/ ٥٠٩] وهو كما قال فالجاف لا يتعلق به حكم. ثم ساق حديث أبي هريرة وأبي سعيد أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى نُخَامَةً فِي جِدَارِ المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا، فَقَالَ: إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ ..» الحديث. والحت بالمثناة، قال صاحب «العباب»: حنت الثوب عن الشيء: فرقته، والحتات: ما تحات منه، أي: تساقط. ثم قال: ٣٥ - باب لَا يَبْصُقْ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلَاةِ ٤١٠، ٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ أَخبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى نُخَامَةً فِي حَائِطِ الَمسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَصَاةً فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا تَتَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرى». [انظر: ٤٠٨، ٤٠٩ - مسلم: ٥٤٨ - فتح: ١/ ٥١٠] ٤١٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لَا يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، ولكن عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ». [انظر: ٢٤١ - مسلم: ٤٩٣، ٥٥١ - فتح: ١/ ٥١٠] ثم ساق حديث أبي هريرة وأبي سعيد المذكور. ثم ساق حديث أنس السالف. وفيه: («فلا يتفلن») وهو بضم الفاء وكسرها. ثم قال: ٣٦ - باب لِيَبْزُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرى ٤١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، ولكن عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ». [انظر: ٢٤١ - مسلم: ٥٥١ - فتح: ١/ ٥١١] ٤١٤ - حَدَّثَنَا عَليٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ أَنًّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَبْصَرَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الَمسْجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، ولكن عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرى. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ حُمَيْدًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ. [٤٠٩ - مسلم: ٥٤٨ - فتح: ١/ ٥١١] ثم ساق حديث أنس المذكور وحديث أبي سعيد في ذلك. ثم قال: ٣٧ - باب كَفَّارَةِ البُزَاقِ فِي المَسْجِدِ ٤١٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الْبُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». [مسلم: ٥٥٢ - فتح: ١/ ٥١١] ثم ساق حديث أنس السالف: «وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». ثم قال: ٣٨ - باب دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي المَسْجِدِ ٤١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنُهَا». [انظر: ٤٠٨ - فتع: ١/ ٥١٢] ثم ساق فيه حديث أبي هريرة فيه. ٣٩ - باب إِذَا بَدَرَهُ البُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ ٤١٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ -أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ- وَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذا قَامَ فِي صَلَاِتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ -أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ- فَلَا يَبْزُقنَّ فِي قِبْلَتِهِ، ولكن عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحتَ قَدَمِهِ». ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ، وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ قَالَ: «أَوْ يَفْعَل هَكَذَا». [انظر: ٢٤١ - مسلم: ٥٥١ - فتح: ١/ ٥١٣] ثم ساق حديث أنس في ذلك. وقد عرفت فقه ذلك كله في باب: الحك قبله بها، فيهما: تنزيه المسجد، وإكرام القبلة، وقوله في حديث أبي هريرة: («ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا») بين فيه علة ذلك، وهو إكرام الملك، وتنزيهه لا يقال: إن عمومه أنه ليس على يساره ملك. وقال الطبري: الأمر بالدفن إنما هو في الحال التي يخشى فيها أن يصيب جلده أو ثوبه. وقال ابن بطال: إنما كان في المسجد خطيئة لنهي الشارع عنه، ثم إنه - ﷺ - عرف أن أمته لا تكاد تسلم من ذلك فعرفهم كفارتها، وهذا إذا كان عن قصد، وإن غلبته فقد ندب إلى دفنها وحتها وإزالتها، ومن فعل ما ندب إليه فمأجور (١). ---------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٦٩ - ٧٠. ٤٠ - باب عِظَةِ الإِمَامِ النَّاسَ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ القِبْلَةِ ٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلتِي هَا هُنَا؟ فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ، إِنِّي لأَرَاكمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». [٧٤١ - مسلم: ٤٢٤ - فتح: ١/ ٥١٤] ٤١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنا فلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - صّلَاةً، ثُمَّ رَقِيَ الِمنْبَرَ، فَقَالَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكُوعِ: «إِنَي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كمَا أَرَاكُمْ». [٧٤٢، ٦٦٤٤ - مسلم: ٤٢٥ - فتح: ١/ ٥١٥] ذكر فيه حديث هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا؟ فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ، إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». وحديث أنس: صَلَّي بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةً، ثُمَّ رَقِيَ المِنْبَرَ، فَقَالَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكُوعِ: «إِنَّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ». الكلام عليهما من أوجه: أحدها: هذان الحديثان أخرجهما مسلم أيضا (١)، وذكر البخاري الأول في الخشوع في الصلاة (٢)، والثاني في رفع البصر إلى السماء فيها (٣)، --------------------- (١) مسلم (٤٢٤، ٤٢٥) كتاب: الصلاة، باب: الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها. (٢) سيأتي برقم (٧٤١) كتاب: الأذان. (٣) يقصد ما سيأتي برقم (٧٥٠) كتاب: الأذان. والرقاق كما ستعلمه (١). ثانيها: فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالإمام إذا رأى أحدًا مقصرًا في شيء من أمور دينه أو ناقصا للكمال منه نهاه عن فعله وحضه على ما فيه جزيل الحظ، ألا تراه وبخ من نقص كمال الركوع والخشوع، وفي رواية لمسلم: والسجود. ووعظه في ذلك بأنه يراهم، وقد أخذ الله تعالى على المؤمنين ذلك إذا مكنهم في الأرض بقوله ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٤١]. ثالثها: قوله: («إني لأراكم من وراء ظهري») الظاهر أن هذا من خصائصه، وأنه زيد في قوة بصره حتى يرى من ورائه، وفي «صحيح مسلم»: «إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يديَّ» (٢) ويبعد أن يراد بها العلم، وإن كان قد يعبر بها عنه، إذ لا فائدة إذن في التخصيص بوراء الظهر، وقد قيل: إنه كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، فكان يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب، كما ذكرته في «الخصائص» (٣)، ونقلت فيها عن صاحب «الشامل»: أن معنى الحديث الحس والتحفظ. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٩] قال: كان يرى من خلفه في الصلاة كما يرى بين يديه. ------------------- (١) لعله يقصد ما سيأتي برقم (٦٤٦٨) باب: القصد والمداومة على العمل. (٢) مسلم برقم (٤٢٣) كتاب: الصلاة، باب: الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها. (٣) «خصائص النبي - ﷺ -» ص ١٩٠. رابعها: جاء في رواية: «وإني لأراكم من بعدي» ذكرها في الخشوع في الصلاة (١)، قال الداودي: يحتمل أن يكون بعد وفاته يريد أن أعمال أمته تعرض عليه. ------------------- (١) سيأتي برقم (٧٤١). ٤١ - باب هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ؟ ٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَابَقَ بَيْنَ الَخيْلِ التِي أُضْمِرَتْ مِنَ الَحفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الَخيْلِ التِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا. [٢٨٦٨، ٢٨٦٩، ٢٨٧٠، ٧٣٣٦ - مسلم: ١٨٧٠ - فتح: ١/ ٥١٥] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ التِي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الوَدَاع، وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ التِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّييَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي الجهاد (١) والاعتصام (٢)، وأخرجه مسلم في المغازي (٣)، وباقي الستة (٤). ثانيها: مطابقة هذا الحديث لما ترجم له قوله: (مسجد بني زريق) وهي إضافة تمييز لا ملك، ففيه جواز إضافتها إلى بانيها والمصلي فيها، ----------------------- (١) سيأتي بأرقام (٢٨٦٨، ٢٨٦٩، ٨٦٧٠) أبواب: السبق بين الخيل، إضمار الخيل للسبق، غاية السبق للخيل المضمرة. (٢) سيأتي برقم (٧٣٣٦) باب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم. (٣) مسلم (١٨٧٠) كتاب: الإمارة، باب: المسابقة بين الخيل وتضميرها. (٤) أبو داود (٢٥٧٥)، والترمذي (١٦٩٩)، والنسائي ٦/ ٢٢٥ - ٢٢٧، وابن ماجه (٢٨٧٧). وإضافة أعمال البر إلى أربابها ونسبتها إليهم، وليس في ذلك تزكية، وعن النخعي أنه كان يكره أن يقال: مسجد بني فلان، ولا يرى بأسا أن يقال: مصلى بني فلان (١)، وهذا الحديث رادٌّ عليه، ولا فرق بين قوله مصلى، ومسجد، كما نبه عليه ابن بطال (٢) لكن المساجد لله فلا تضاف إلى غيره إلا على جهة التعريف. ثالثها: التضمير: عبارة عن تقليل العلف مدة، وتدخل بيتا كنًّا، وتجلَّل فيه لتعرق، ويجف عرقه فيخف لحمها ويقوى على الجري، والحفياء بالمد على الأشهر، وبفتح الحاء، وضمها بعضهم فأخطأ، وقدم بعضهم الياء على الفاء، بينها وبين ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة أو سبعة، ومن ثنية الوادع إلى مسجد بني زريق ميل، وهو متقدم الزاي على الراء: بطن من الخزرج. رابعها: في فوائده: فمنها: جواز المسابقة بين الخيل، وهو إجماع (٣)، وهو سنة عندنا (٤)، وقيل: مباح، ومنها: تضميرها، وهو إجماع أيضا، وكانت الجاهلية تفعله فأقرها الإسلام، ومنها: تجويع البهائم على وجه الصلاح، وليس من باب التعذيب، ومنها بيان الغاية التي يسابق إليها ومقدار أمدها، ومنها: إطلاق الفعل على الآمر به، والمسوغ له، وليس في الحديث دلالة على العوض فيها، ولا على جوازها على ------------------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ١٩٨ (٨٠٧٠). (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٧٢. (٣) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم ص ٢٥٤. (٤) انظر: «روضة الطالبين» ١٠/ ٣٥٠. ![]()
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-05-2026 الساعة 10:26 PM. |
|
#10
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 427 الى صـــ 446 الحلقة (138) غير الخيل، ولا على غير ذلك من الشروط التي اشترطها الفقهاء في عقد المسابقة، ومحل الخوض فيها كتب الفروع، وقد بسطناها فيها، ولله الحمد، وأبعد من خص الجواز بالخيل خاصة عملا بعادة العرب، ومن جوز السبق في كل شيء كما حكي عن عطاء، وقد حمل على ما إذا كان بغير رهان. فائدة: ذكر ابن (التين) (١) أنه - ﷺ - سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن فأعطى السابق ثلاث حلل، وأعطى الثاني حلتين، والثالث حلة، والرابع دينارا، والخامس درهما، والسادس فضة، وقال بارك الله فيك. وفي السابق والفسكل (٢). -------------------- (١) رسمت في الأصل: تبين، وفي «عمدة القاري»: ابن التين. (٢) قال العيني: الفِسْكِل، هو الذي يجيئ في آخر الجلبة آخر الخيل. ٤٢ - باب الْقِسْمَةِ وَتَعْلِيقِ الْقِنْوِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: القِنْوُ العِذْقُ، وَالاِثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا قِنْوَانٌ، مِثْلَ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ. ٤٢١ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ عَبدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَقَالَ: «انْثُرُوهُ فِي المَسْجِدِ». وَكَانَ أَكثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصُّلَاةَ، جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطنِي فَإنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خُذْ». فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُ إِلَى. قَالَ: «لَا». قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ. قَالَ: «لَا». فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ. قَالَ: «لَا». قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ. قَالَ: «لَا». فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا، عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ. [٣٠٤٩، ٣١٦٥ - فتح: ١/ ٥١٦] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ -يعني ابن طهمان- عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِمَالِ مِنَ البَحْرَيْنِ، الكلام عليه من وجوه: أحدها: القنو بكسر القاف، ثم نون ساكنة: عَذِق النخلة، وهو العرجون بما فيه من الرطب، والجمع أقناء وقنوان يصرف مثل صنو صنوان، وفي بعض نسخ البخاري: قال أبو عبد الله: القنو: العذق والاثنان قنوان مثل صنو وصنوان (١). ------------------- (١) انظر: هامش اليونينية ١/ ٩١. قال ابن سيده: القنو والقنا: الكباسة، والقنا بالفتح لغة فيه عن أبي حنيفة، والجمع من كل ذلك أقناء وقنوان وقنيان (١)، وفي «الجامع»: في القنوان لغتان بكسر الفاف وضمها، وكل العرب تقول: قنو وقُنو في الواحد. ثانيها: هذا الحديث ذكره البخاري هنا تعليقًا، وكذا في الجزية (٢)، والجهاد (٣)، وقال الإسماعيلي: ذكره أبو عبد الله بلا إسناد، فقال: وقال إبراهيم؛ وهو ابن طهمان فيما أحسب، وكذا قاله خلف أنه ابن طهمان، وأبو نعيم الحافظ، ثم ساقه أبو نعيم مصرحًا به أيضا، وروى البخاري في كتاب: الحج (٤)، والنكاح (٥) عن أحمد بن حفص بن راشد، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان. وقال المزي في «أطرافه»: عبد العزيز في هذا الحديث عند البخاري غير منسوب، وذكره أبو مسعود وخلف الواسطي في ترجمة عبد العزيز بن صهيب عن أنس، وكذلك رواه عمر بن محمد البجيري (٦) في «صحيحه» من رواية إبراهيم بن طهمان عن ابن صهيب عن أنس قال: وقيل: إنه عبد العزيز بن رفيع. --------------- (١) «المخصص» ٣/ ٢١٢ - ٢١٣ باب: عذوق النخل ونعوتها. (٢) سيأتي برقم (٣١٦٥) باب: ما أقطع النبي - ﷺ - من البحرين. (٣) سيأتي برقم (٣٠٤٩) باب: فداء المشركين. (٤) حديث (١٥٩٣) باب: قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. (٥) حديث (٥١٣٠) باب: من قال: لا نكاح إلا بولي. (٦) حاشية: البجيري بضم الباء الموجودة، وفتح الجيم وسكون المثناة تحت، ثم راء، ثم ياء النسبة بعده إلى الجد وهو بجير. قاله ابن الأثير في كتابه وكذا حفظه غيره. وقد روى أبو عوانة في «صحيحه» حديثًا من رواية ابن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن أنس: «تسحروا فإن في السحور بركة» (١)، وروى أبو داود، والنسائي حديثًا من رواية ابن طهمان عن ابن رفيع، عن ابن عمير، عن عائشة: «لا يحل دم امرئ مسلم» (٢) فيحتمل أن يكون هذا هو (٣)، وقد أسلفنا أولا التصريح به، وهو ثابت في عدة نسخ. ثالثها: لم ذكر البخاري في الحديث القنو والذي بوب له، قال ابن التين: أنسيه، وقال ابن بطال (٤): أغفله ثم قال: وتعليق القنو في المسجد أمر مشهور، وقد يقال: إنه أخذه من وضع المال في المسجد بجامع أن كلًّا منهما وضع للأخذ، وقد ذكر ابن منده في «غريبه» أنه - ﷺ - خرج فرأى أقناء معلقة في المسجد، ومن عادة البخاري الإحالة على أصل الحديث. وذكر ثابت (٥) في «غريبه» أنه - ﷺ - أمر من كل حائط بقنو يعلق في المسجد ليأكل منه من لا شيء له، قال: وكان عليها على عهد رسول الله - ﷺ - معاذ بن جبل، قال ابن القاسم: سئل مالك عن الأقناء في المسجد وشبه ذلك فقال: لا بأس به، وسئل عن الماء الذي يسقى ----------------- (١) «مسند أبي عوانة» ٢/ ١٧٩ (٢٧٥٠). (٢) أبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي ٧/ ١٠١ - ١٠٢. (٣) «تحفة الأشراف» رقم (٩٨٩). (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٧٣ - ٧٤. (٥) هو ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف أبو القاسم السرقسطي الأندلسي اللغوي. صاحب: «الدلائل في غريب الحديث». قال ابن الفرضي: كان عالمًا، مفتيًا، بصيرًا بالحديث والنحو واللغة والغريب والشعر، وقد ولي قضاء سرقسطة، توفي في رمضان سنة ثلاث عثرة وثلاثمائة. انظر ترجمته في: «تذكرة الحفاظ» ٣/ ٨٦٩ - ٨٧٠، «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ٥٦٢ - ٥٦٣، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٦٦. في المسجد أترى أن يشرب منه؟ قال: نعم، إنما جعل للعطش، ولم يرد به أهل المسكنة، فلا أرى أن يترك شربه، ولم يزل هذا من أمر الناس، قال: وقد سقى سعد بن جنادة فقيل له: في المسجد؟ فقال: لا، ولكن في منزله الذي كان فيه. قال ابن بطال: ولا تنافي بين ما ذكره ثابت ومالك؛ لسعة حال الناس في زمن مالك، فيستوي فيه الغني والفقير، ألا ترى أنه شبه ذلك بالماء الذي يجعل للعطشان دون المساكين (١). رابعها: قوله: (أتي بمال من البحرين) هو تثنية بحر، وهو بلدة مشهورة بين البصرة وعمان وهي هجر، وأهلها عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، ولهم وفادة (٢)، وقال عياض: قيل: بينها وبين البصرة أربعة وثمانون فرسخا. قال البكري: ولما صالح أهله رسول الله - ﷺ - أمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة فأتى بجزيتها فقدم بمال من البحرين (٣)، وزعم أبو الفرج الأشهلي في «تاريخه» أنها وبيئة وأن ساكنيها معظمهم مطحولون وأنشد: ومن يسكن البحرين يعظم طحاله … ويغبط بما في جوفه وهو ساغب وزعم ابن سعد أنه - ﷺ - لما انصرف من الجعرانة، يعني بعد قسمة غنائم حنين أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي -وهو بالبحرين- يدعوه إلى الإسلام فكتب إلى رسول الله - ﷺ - بإسلامه وتصديقه (٤). ----------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٧٣ - ٧٤. (٢) انظر: «معجم البلدان» ١/ ٣٤٧. (٣) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٢٨. (٤) «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٦٣. خامسها: قوله: (قال: انثروه في المسجد) أي: اطرحوه. ففيه وضع ما الناس مشتركون فيه في المسجد من صدقة أو غيرها؛ لأن المسجد لا يحجب أحد من ذوي الحاجة من دخوله والناس فيه سواء، وكذلك أمور جماعة المسلمين يجب أن تعمل في المسجد. نقله ابن بطال عن المهلب (١). سادسها: قوله: (فخرج رسول الله - ﷺ - إلى الصلاة ولم يلتفت إليه) وجه عدم التفاته إليه استقلالا للدنيا فأبقى على الباقي وترك الفاني. سابعها: قوله: (فما كان يرى أحدا إلا أعطاه). فيه: دلالة على كثرة إعطائه، وعلو كرمه، وزهده، والولي إذا علم من أتباعه حاجة سارع إليها، ولا يدخر شيئًا ملكه لله ولرسوله. ثامنها: قوله: (وفاديت عقيلا) يعني: ابن أبي طالب يوم بدر. تاسعها: قوله: (ثم ذهب يقله، فلم يستطع). (يقله) بضم أوله، قال ابن التين: كذا رواه، أي: يحمله، إنما لم يأمر أحدًا بإعانة العباس، ولم يعنه هو بنفسه زجرًا له عن الاستكثار من المال، وأن لا يأخذ إلا قدر حاجته، أو لينبهه على أن أحدًا لا يحمل عن أحد شيئا، وقد كان العباس قويا جدًا كان يقل البعير إذا جلس، والكاهل ما بين الكتفين. --------------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٧٤. عاشرها: فيه: أن القسم إلى الإمام على قدر اجتهاده، والعطاء لأحد الأصناف الذين ذكرهم الله في كتابه دون غيرهم؛ لأنه أعطى العباس لما شكى إليه من الغرم الذي نزحه ولم يسوه في القسمة مع الثمانية الأصناف، ولو قسم ذلك على التساوي لما أعطى العباس من غير مكيال ولا ميزان، وإنما أعطاه بقدر استقلاله من الأرض، ولم يعط لأحد غيره مثل ذلك، وفيه: أن السلطان يرتفع عن الأشياء الممتهنة حيث لم يحمل على العباس، بأن لا يكلف غيره إلى ذلك، وإن كان فيه نفعا للخاصة، إذ فيه ضرر على العامة. ٤٣ - باب مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ أَجَابَ فِيهِ ٤٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدْ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، سَمِعَ أَنَسًا قالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي الَمسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: «آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. فقَالَ: «لِطَعَامٍ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ لَمِنْ مَعَهُ: «قُوموا». فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. [٣٥٧٨، ٥٣٧٨، ٥٤٥٠، ٦٦٨٨ - مسلم ٢٠٤٠ - فتح: ١/ ٥١٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، سَمِعَ أَنَسَ بنَ مالكٍ قَالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - في المَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: «آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: «لِطَعَامٍ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: «قُومُوا». فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة مطولا (١)، وفي الأطعمة (٢)، والأيمان والنذور (٣)، وأخرجه مسلم في الأطعمة (٤)، والترمذي في المناقب، وقال: حسن صحيح (٥)، والنسائي في الوليمة (٦)، وقوله: (آرسلك؟) هو بالمد، وهو علم من أعلام نبوته؛ لأن أبا طلحة أرسله. وقوله: (لطعام) هو باللام، وفي: علامات النبوة بالباء (٧)، وفيه: -------------------- (١) سيأتي برقم (٣٥٧٨) كتاب: المناقب. (٢) سيأتي برقم (٥٣٨١) باب: من أكل حتى شبع. (٣) سيأتي برقم (٦٦٨٨) باب: إذا حلف أن لا يأتدم. (٤) مسلم (٢٠٤٠) كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه … (٥) الترمذي (٣٦٣٠). (٦) «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٢ (٦٦١٧). (٧) سيأتي برقم (٣٥٧٨). كان معه أقراصا من شعير مكفوفة في الخمار، وفيه: الدعاء إلى طعام الواحد، وإجابة الداعي، والدعاء من المسجد كغيره، وليس ثواب الجلوس فيه بأقل من ثواب الإجابة بإطعام من معه، وفيه: (قبول) (١) الهدية وإن كانت قليلة، وفيه: أن من دعي إلى طعام يأتي معه بغيره إذا علم أن صاحب الوليمة لا يكره ذلك وكان يكفيهم، وقد كفاهم ذلك ببركته، ولم ينقص من طعامهم شيئًا، ولله المنة ولرسوله. وقد جاء في الحديث أنه إنما دعاه إليه، لأنه سمع صوتا ضعيفا فعرف فيه الجوع، وفيه دعاء الإمام إلى الطعام القليل. ----------------- (١) ليست في الأصل والمعنى يقتضيها. ٤٤ - باب الْقَضَاءِ وَاللِّعَانِ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ٤٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي الَمسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ. [٤٧٤٥، ٤٧٤٦، ٥٢٥٩، ٥٣٠٨، ٥٣٠٩، ٦٥٤، ٧١٦٥، ٧١٦٦، ٧٣٠٤ - مسلم ١٤٩٢ - فتح: ١/ ٥١٨] حَدَّثنَا يَحْيَى، أنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا ابن جُرَيْج، أَخْبَرَنِي ابن شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ هذا الحديث ذكره البخاري هنا، وفي الطلاق (١) والاعتصام (٢)، والتفسير في سورة النور مطولا ومختصرا (٣)، ويحيى هذا قال الجياني: نسبه ابن السكن فقال: يحيى بن موسى خت، وقيل: هو يحيى بن جعفر بن أعين البيكندي (٤)، وقد روى عنهما البخاري في «صحيحه» عن عبد الرزاق (٥)، والقضاء جائز في المسجد عند عامة --------------------- (١) سيأتي برقم (٥٢٥٩) باب: من أجاز طلاق الثلاث. (٢) سيأتي برقم (٧٣٠٤) باب: ما يكره في الثمن والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع. (٣) سيأتي برقمي (٤٧٤٥، ٤٧٤٦) باب: قوله -عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، وباب: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾. (٤) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٥٧. (٥) وجدت رواية يحيى بن جعفر، عن عبد الرزاق في مواضع كثيرة من «الصحيح» منها: رقم (٢٠٦٦) في آخر البيوع، ورقم (٦٢٢٧) في أول كتاب: الاستئذان، أما رواية: يحيى بن موسى عن عبد الرزاق لم أجدها في «الصحيح» مصرحًا بها هكذا. وما وجدته هو يحيى، عن عبد الرزاق فلعله هو، انظر: الأرقام التالية (٣٩٥٠، ٤٩٥٨، ٥٣٦٠، ٥٩٤٤، ٧١٦٦). العلماء، وقال مالك: جلوس القاضي في المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول به (١)، وقال ابن حبيب: وكان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد خارجا وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في بيته أو حيث أحب (٢)، واستحب بعضهم الرحاب وفي «المعونة»: الأولى أن يقضي في المسجد (٣)، وكان شريح وابن أبي ليلى يقضيان فيه (٤)، وروي عن سعيد بن المسيب كراهية ذلك، قال: لو كان لي من الأمر شيء ما تركت اثنين يختصمان في المسجد، وعن الشافعي كراهته في المسجد (٥)، إذا أعده لذلك دون ما إذا أنفقت له حكومة فيه، أو في حديث: «جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم» ولا يعترض على هذا باللعان؛ لأنها أيمان، ويراد بها الترهيب؛ ليرجع المبطل، وقد ترجم كتاب: الأحكام باب: من قضى ولاعن في المسجد (٦)، وفيه زيادة على ما في هذا الحديث كما ستعلمه هناك، إن شاء الله، وفيه أن اللعان يكون في المساجد، ويحضره العلماء أو من استخلفه الحاكم، فإن أيمان اللعان تكون في الجوامع؛ لأنها مقاطع الحقوق. ------------------- (١) «المدونة» ٤/ ٧٦. (٢) «المنتقى» ٥/ ١٨٥. (٣) «المعونة» ٢/ ٤١٠. (٤) «المغني» ١٤/ ٢٠. (٥) انظر: «أسنى المطالب» ٤/ ٢٩٨. (٦) سيأتي برقم (٥٣٠٩) كتاب: الطلاق. ٤٥ - باب إِذَا دَخَلَ بَيْتًا يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ، أَوْ حَيْثُ أُمِرَ، وَلَا يَتَجَسَّسُ. ٤٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟». قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [٤٢٥، ٦٦٧، ٦٨٦، ٨٣٨، ٨٤٠، ١١٨٦، ٤٠٠٩، ٤٠١٠، ٦٤٢٣، ٦٩٣٨ - مسلم: ٣٣ - فتح: ١/ ٥١٨] ساق فيه من حديث عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رسول الله - ﷺ - أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟». قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثم قال: ٤٦ - باب المَسَاجِدِ فِي البُيُوتِ وَصَلَّى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي مَسْجِدِهِ فِيْ دَارِهِ جَمَاعَةً. ٤٢٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بن الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ -وَهوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ-، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الوَادِي الذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَددْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ». قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُول اللهِ - ﷺ - فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟». قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيتِ، فَقَامَ رَسُول اللهِ - ﷺ - فَكَبر، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سَلَّمَ. قَالَ: وَحَبَسْنَاة عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَة. قَالَ: فَثَابَ فِي البَيتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابن الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَقُلْ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ». قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإنَّا نَرى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَة إِلَى الُمنَافِقِينَ. قَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ؛ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ». قَالَ ابن شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ -وَهْوَ أَحَدٌ بَنِي سَالِمٍ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ- عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ. [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٣٣ - فتح: ١/ ٥١٩] ثم ساق بإسناده حديث عتبان بن مالك المذكور مطولا من حديث ابن شهاب، عن محمود بن الربيع عنه. وهذا الحديث أخرجه البخاري مطولا ومختصرا في عدة مواضع فوق العشر: هنا، وفي الصلاة في باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله (١)، وفي باب إذا زار الإمام قوما فأمهم (٢)، وفي باب يسلم حين يسلم الإمام (٣)، وفي الباب بعده، من لم يرد السلام على الإمام، واكتفى بتسليم الصلاة (٤). وقال في باب صلاة الضحى في الحضر: قاله عتبان بن مالك عن النبي - ﷺ - (٥). وأتى به مطولا في باب صلاة: النوافل في جماعة (٦). وفي المغازي في غير موضع، منها في باب غزوة بدر؛ لشهوده بدرًا، وهو أنصاري (٧) كما ساقه أيضًا (٨). وفي الأطعمة (٩) والصُّلح (١٠) والرقاق (١١) واستتابة المرتدين (١٢). ----------------------- (١) سيأتي برقم (٦٦٧) كتاب: الأذان. (٢) سيأتي برقم (٦٨٦) كتاب: الأذان. (٣) سيأتي برقم (٨٣٨) كتاب: الأذان. (٤) سيأتي برقم (٨٤٠). (٥) سيأتي قبل حديث (١١٧٨) كتاب: التهجد. (٦) سيأتي برقم (١١٨٦) كتاب: التهجد. (٧) سيأتي برقم (٤٠٠٩) باب: شهود الملائكة بدرًا. وليس باب: غزوة بدر. (٨) سيأتي برقم (٤٠١٠). (٩) سيأتي برقم (٥٤٠١) باب: الخَزيرة. (١٠) لم أجده في كتاب الصلح. وانظر: «تحفة الأشراف» (٩٧٥٠). (١١) سيأتي برقم (٦٤٢٣) باب: العمل الذي يُبتغي به وجه الله. (١٢) سيأتي برقم (٦٩٣٨) باب: ما جاء في المتأوِّلين. وأخرجه مسلم في الصلاة (١)، وبعضه في الإيمان من طريق أنس بن مالك عن عتبان (٢)، ومن طريق ثابت، عن أنس، عن محمود بن الربيع، عن عتبان، فلقيت عتبان فحدثني به (٣). إذا عرفت ذلك؛ فالكلام عليه من وجوه. أحدها: (عتبان) -بكسر العين، ويجوز ضمها- ابن مالك بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج السالمي، شهد بدرا، وقيل: ابن مالك بن ثعلبة بن العجلان بن عمرو بن العجلان بن زيد بن سالم، مات بالمدينة، في وسط خلافة معاوية (٤). الثاني: تبويب البخاري: (إذا دخل بيتا يصلي)، كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: أيصلي بالهمز، وكأنه أحسن؛ لأنه ليس في الحديث أنه يصلي حيث شاء، وإنما فيه أنه صلى حيث أراد عتبان، ويؤيده كما قال ابن بطال وابن التين قوله بعد: (ولا يتجسس)، فكأنه قال: إذا دخل بيتا هل يصلي حيث شاء، أو حيث أمر؛ لأنه - ﷺ - استأذنه في موضع الصلاة، ولم يصل حيث شاء (٥). ------------------------ (١) مسلم (٢٦٣/ ٣٣ - ٢٦٥) كتاب: المساجد، باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر. (٢) مسلم (٣٣/ ٥٥) باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا. (٣) مسلم (٣٣/ ٥٤). (٤) انظر: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٥٥٠، «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٧١ (٧٩٤)، «أسد الغابة» ٣/ ٥٥٨ (٣٥٣٥)، «الإصابة» ٢/ ٤٥٢ (٥٣٩٦). (٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٧٦ - ٧٧. ويحتمل أن يكون أراد به ما في الحديث في الباب بعده من ذكرهم لمالك بن الدخشن وأنه منافق، ورد الشارع عليهم ذلك بقوله: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله». والتجسس: التفتيش عن بواطن الأمور، والبحث عن العورات. الثالث: قوله أنه - ﷺ - أتاه في منزله: منزله في بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، كما قاله ابن سعد (١). الرابع: قوله: («أين تحب أن أصلي لك من بيتك؟» قال: فأشرت له إلى مكان). فيه: إباحة المساجد في البيوت، فإنه لا يخرجه عن ملك صاحبه، والتبرك بمصلى الصالحين، ومساجد الفاضلين، وأن من دعي من الصالحين إلى شيء يتبرك به منه فله أن يجيب إذا أمن الفتنة من العجب (٢). فيه: الائتمام في النافلة، وأن صلاة النهار مثنى؛ لقوله: فصلى ركعتين. قال ابن حبيب: لا بأس أن يقيم النفر النافلة في صلاة الضحى وغيرها، كالرجلين والثلاثة، وإما أن يكون مشتهرا جدًّا، --------------------- (١) «الطبقات الكبرى» ٣/ ٥٥٠. (٢) ذكر الحافظ هذا القول أيضًا في «الفتح» ١/ ٥٢٢، وعلق عليه العلامة ابن باز قائلًا: هذا فيه نظر، والصواب أن مثل هذا خاص بالنبي - ﷺ - لما جعل الله فيه من البركة، وغيره لا يقاس عليه؛ لما بينهما من الفرق العظيم، ولأن فتح هذا الباب قد يفضي إلى الغلو والشرك كما قد وقع من بعض الناس، نسأل الله العافية. أهـ. [وتقدم باستفاضة التعليق على هذِه المسألة عند حديث (١٩٤)]. ويجتمع له الناس فلا، إلا أن يكون في قيام رمضان؛ لما في ذلك من سنة الصحابة. وقال ابن قدامة (١): يجوز التطوع في جماعة؛ لأنه - ﷺ - صلى بحذيفة مرة (٢)، وبابن عباس مرة (٣)، وبأنس وأمه واليتيم (٤)، وأم في بيت عتبان مرة (٥)، وفي ليالي رمضان ثلاثا (٦). السادس: قوله: (أنه أتى رسول الله). وجاء في بعض طرقه: أنه لقيه (٧)، وفي أخرى: أنه بعث إليه (٨) فيجوز أنه بعث إليه أولًا ثم توجه إليه فلقيه. وقوله: (أنكرت بصري)، وفي رواية: أنه عمي (٩)، وفي أخرى: ضرير البصر (١٠)، وفي أخرى: أصابني في بصري بعض الشيء (١١)، فيجوز أن يكون أراد بالإنكار والإصابة العمى، وهو ذهاب البصر ---------------------- (١) «المغني» ٢/ ٥٦٧. (٢) رواه مسلم (٧٧٢) كتاب: صلاة المسافرين. (٣) سيأتي برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم، ورواه مسلم (٧٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه. (٤) سبق برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الحصير، ورواه مسلم (٦٥٨) كتاب: المساجد، باب: جواز الجماعة في النافلة، والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات. (٥) حديث الباب. (٦) سيأتي من حديث عائشة رقم (٧٢٩) كتاب: الأذان، باب: إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة، ورواه مسلم (٧٦١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح. (٧) لم أقف على هذِه الرواية «صحيح مسلم» (٣٣/ ٥٤) أن محمود بن الربيع لقي عتبان بن مالك فحدثه به. (٨) مسلم (٤/ ٥٣٣ - ٥٥). (٩) مسلم (٣٣/ ٥٥). (١٠) سيأتي برقم (٦٦٧). (١١) مسلم (٣٣/ ٥٤). كله، ويجوز أن يكون ذهب معظمه، وسماه عمى لقربه منه، ومشاركته إياه في فوات بعض كان حاصلا حال السلامة. السابع: قوله: (فقمنا فصففنا) في الحديث أن الصديق جاء مع النبي - ﷺ -. والظاهر أنه صلى خلفه هو وعتبان، وفي الطبراني أن عمر جاء أيضا معه (١)، وفي أخرى: فأتاني رسول الله - ﷺ -، ومن شاء من أصحابه (٢). وظاهر قوله: (فصففنا) تقدم الإمام عليهما، وهو مذهب الجمهور (٣)، وخالف ابن مسعود فقال: يقف بينهما (٤). الثامن: قوله: (لم أستطع أن آتي مسجدهم) كذا جاء في «الصحيح»، وفي الطبراني من طريق أبي بكر بن أنس بن مالك: إني لا أستطيع أن أصلي معك في مسجدك (٥). ولا تنافي بينهما، وصلاته في نفله؛ للتبرك كما سلف، وليتحقق عذره، وإن مثله لا يقدر على الوصول لعماه والسيول؛ فأبيح له التخلف عن الجماعة. ------------------ (١) «المعجم الكبير» ١٨/ ٣١ (٥٢، ٥٣). (٢) مسلم (٣٣/ ٥٤). (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٤٥، «بلغة السالك» ١/ ٤٤١، «المجموع» ٤/ ١٩٠ - ١٩١، «طرح التثريب» ٢/ ٣٢٨، «المغني» ٣/ ٥٢ - ٥٣. (٤) رواه مسلم (٥٣٤) كتاب: المساجد، باب: الندب إلى وضع الأيدي على الرُّكب في الركوع ونسخ التطبيق. ولفظه: (عن الأسود وعلقمة، قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. قال: فقوموا فصلوا. فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله ..) الحديث. (٥) «المعجم الكبير» ٢٧/ ١٨ (٤٦). قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: ترك السنن للمشقة رخصة، ومن شاء أن يأخذ بالشدة أخذ كما خرج الشارع مهادى بين رجلين للصلاة (١). التاسع: قوله: (وودِدت). هو بكسر الدال، وحكى القزاز عن الكسائي فتحها، وانفرد بها، ومعناه: تمنيت (٢). وقوله: «سأفعل إن شاء الله». فيه: التبرك بذلك للآية. وفيه: إجابة الفاضل دعوة المفضول. وفيه: الوفاء بالوعد، وإكرامه بالطعام وشبهه، واستصحاب الإمام والعالم، ونحوهما بعض أصحابه لمن يعلم أنه لا يكره ذلك. العاشر: قوله: (فاستأذن رسول الله - ﷺ - فأذنت له) فيه: الاستئذان على الرجل في منزله، وإن كان صاحبه قد تقدم منه استدعاء. الحادي عشر: قوله: (فلم يجلس حتى دخل البيت) كذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها: (حين) (٣)؛ وكلاهما صحيح، كما قال القاضي: وصوب -------------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٧٧. (٢) قال الجوهري: تقول: وَدِدْت لو تفعل ذاك، وَوَدِدْت لو أنك تفعل ذاك، أودُّ وَدًّا ووُدًّا ووَدَادَة ووَدادًا. أى: تمنَّيت. قال الزجاج: قد علمنا أن الكسائي لم يحكِ وَدَدْت إلا وقد سمعه، ولكنه سمعه ممن لا يكون حُجَّة. انظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٨٥٧، «الصحاح» ٢/ ٥٤٩، «لسان العرب» ٨/ ٤٧٩٣ - ٤٧٩٤، مادة: (ودد). (٣) وهي رواية الأصيلي وأبي ذرّ الهروي وابن عساكر وأبي الوقت، انظر: «اليونينية» ١/ ٩٣. بعضهم الثاني، قال عياض: بل الصواب الأول كما ثبت في الروايات، ومعناه: لم يجلس في الدار ولا غيرها حتى دخل البيت، مبادرًا إلى قضاء حاجتي التي طلبتها، وجاء بسببها وهي الصلاة في بيتي (١). وهذا خلاف ما فعل في حديث أم سليم (٢)؛ حيث صلى بعد الأكل؛ لأنه دعي إلى الطعام هناك فبادر به، وهنا إلى الصلاة فبدأ في كل منهما بما دعي إليه. الثاني عشر: الخزيرة -بخاء معجمة، ثم زاي ثم مثناة تحت، ثم راء ثم هاء- وفي موضع آخر خزير بحذفها، قال ابن سيده: هي اللحم الغابَّ (٣) يؤخذ فيقطع صغارا ثم يطبخ بالماء والملح، فإذا أميت طبخا ذر عليه الدقيق، يعصد به، ثم أدم بأي إدام شِيء، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم، وقيل: الخزير: مرقة تصفي بلالة النخالة ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة، والخزير: الحساء من الدسم والدقيق (٤). وقال في «المخصص»: يكون ماء اللحم كثيرًا، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة (٥). وعن الفارسي: أكثر هذا الباب على فعيلة؛ لأنه في معنى مفعول، وفي «التهذيب»: عن أبي الهيثم: إذا كانت من دقيق فهي حريرة، وإن ----------------------- (١) «إكمال المعلم» ٢/ ٦٣١. (٢) سبق برقم (٣٨٠) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الحصير، ورواه مسلم (٦٥٨) كتاب: المساجد، باب: جواز الجماعة في النافلة .. من حديث أنس. (٣) في هامش (س) ما نصه: يقال: أغبَّ اللحم وغب، أي: أنتن. (٤) «المحكم» ٥/ ٥٩، مادة (خزر). (٥) «المخصص» ١/ ٤٢٨. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |