في ظلال آية . . . متجدد - الصفحة 13 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         عيسى عليه الصلاة والسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 3 )           »          طريقتان في التعامل مع القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          الخوارج تاريخ وعقيدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 22 - عددالزوار : 599 )           »          سنن التغيير الحضاري (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          الإعراض عن هدي البشير النذير تعطيل للقرآن وهدم للدين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          سَيْفُ البَغْي و إِخْوَتِهِ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          السفاهة والسفهاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الإنسان بين الهلع والمنع والجزع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          تصورات الآباء عن البر والعقوق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          زيارة ليلية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #121  
قديم 05-09-2008, 02:26 AM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

الحساب والجزاء


قال الله تعالى: {وماذا عليهِمْ لو آمنوا بالله واليومِ الآخرِ وأنفقوا ممَّا رزقَهُم الله وكان الله بهم عليماً(39) إنَّ الله لا يظْلمُ مثقالَ ذرَّة وإن تَكُ حسنةً يُضاعِفْها ويُؤتِ من لدُنْهُ أجراً عظِيماً(40) فكيف إذا جئنا من كلِّ أمَّةٍ بشهِيدٍ وجئنا بكَ على هؤلاء شهيداً(41) يومئذٍ يَودُّ الَّذينَ كَفَروا وعَصَوا الرَّسولَ لو تُسوَّى بهمُ الأرضُ ولا يَكْتُمونَ الله حَدِيثاً(42)} سورة النساء(4)



ومضات:

ـ لو آمن النَّاس بالله إيماناً صحيحاً، وأعدُّوا العُدَّة ليوم الحساب، وقدَّمُوا الغالي والنفيس في سبيله تعالى، لما فاتتهم منفعة الدُّنيا ولفازوا بسعادة الآخرة.

ـ حَسْبُ المؤمن شرفاً أن الله يطَّلع على إنفاقه في سبيله، ثمَّ يجزيه عليه أفضل الجزاء، علم النَّاس بذلك أم لم يعلموا.

ـ الجزاء من جنس العمل، ولا يُنقص الله تعالى أجرَ أحدٍ، ولو كان مثقال ذرَّة، ويزيد ويضاعف من فضله لمن يشاء بغير حساب.

ـ يقوم الأنبياء والمرسلون والصالحون يوم القيامة بالشهادة على أقوامهم، فمن تَبِعَهم في الحياة الدُّنيا، كان معهم في الدار الآخرة، ومن عصاهم فله الخزي والندامة. يومها تتكشَّف الأمور وتتَّضح الحقائق ويتبيَّن للجميع أن الله حقٌّ، وأن ما وعد به صدق، ويتمنَّى الكافر لو كان ترابا، هرباً من مواجهة أعماله وتلقِّي نتائجها.


في رحاب الآيات:

الإسلام دين المنطق السليم، لأن تعاليمه تتوافق مع العقل الناضج والَّذي يجد فيها إجابة عن كلِّ سؤال. والآية هنا تتوجَّه إلى الإنسان الواعي وتطرح عليه سؤالاً يحمل معنى الإنكار؛ فتسأله: ماذا يضيره؟ أو ما الضرر الَّذي سيلحق به لو أنه آمن بالله حقَّ الإيمان، وأنفق ممَّا رُزق في وجوه الإحسان؟! ولا شكَّ بأن الإجابة الضمنية سيُقرُّها بنفسه، وتكون نفياً قاطعاً لإصابته بأدنى ضرر إذا ما آمن واتَّقى، بل إنه سيكون الرابح السعيد، والمسعد للقريب والبعيد.

فمن عرف هذه الحقيقة وأدركها بقلبه فعليه أن يعيد حساباته، ويستقيم في حياته ليستدرك ما فات، وينجو من مناقشة الحساب فيما هو آت؛ لأن من نُوقش الحساب عُذِّب.

وكم من عصاة أسرفوا على أنفسهم فأحاط بهم سيـِّئات ما عملوا، فندموا أشدَّ الندم على ما فرَّطوا، ولات ساعة مندم. فلأمثال هؤلاء يُوجَّه الخطاب من الله تعالى: وماذا عليكم لو اتَّقيتم وأصلحتم أحوالكم قبل الندم؟ وهل من خزي أشدُّ وأنكى من الإقرار بالحقِّ لدى معاينة لحظات النزع الأخير؟. ولعلَّ أهم سبب في تقاعس المرء، عن سلوك طريق الإيمان، هو فقدانه للشعور بأن الله تعالى عليم به، ومطَّلع على أعماله، ولا يغيب عنه مثقال ذرَّة ممَّا ينفقه ويقدِّمه. ولو أن مثل هذا الشعور تحقَّق بشكل راسخ، لراقب تصرَّفاته وسلوكه، ولأدرك أهمية كلِّ عمل يقوم به لتغليب كفَّة الحسنات على كفَّة السيئات، وكفَّة البناء على كفَّة الهدم. شوهدت السيِّدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ تتصدَّق مرَّة بحبَّة عنب، فاستقلَّها القوم وتساءلوا: حبَّة عنب؟ فأجابتهم: أو تدرون كم ذرَّة في حبَّة العنب هذه؟.

ومع أن الله تعالى لا يُنقص أجر أحد من عباده، ولو مثقال ذرَّة، فإنه يضاعف للمحسن حسناته، قال تعالى: {من ذا الَّذي يُقرِضُ الله قرضاً حسناً فيضاعِفَهُ له أضعافاً كثيرة..} (2 البقرة آية 245).

والحساب والجزاء شيئان متلازمان يوم القيامة، ويجريان على مشهد من الرسل الَّذين جعلهم الله حجَّة على الخلق. فالرسول يشهد على أمَّته بأنه قد بلَّغها أوامر الله، ثمَّ تُعرض أعمال الأمم على أنبيائها وعلمائها وحكمائها، وتقارن مع تعاليمهم وتوجيهاتهم لكي تتضح المخالفات، وتُقرَّر العقوبات، ويكون رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس الأنبياء والرسل والمصلحين شاهداً أميناً لهذه المحاكمة الإلهية العادلة. وفي مثل هذه اللحظات الحرجة، حيث يشعر الإنسان المقصِّر بالخزي أمام الله عزَّ وجل، ويدرك أنه قد أساء حقاً إلى نفسه بإساءته إلى مخلوقات الله، يتمنَّى لو أن الأرض تميد به فيختفي من على ظهرها، أو أن ينحلَّ في تربتها ولا يبقى له أثر ولا ذكر، ولكن هيهات! فلا مفرَّ حينئذ من عذاب الله، ولابُدَّ من العقاب أو الثواب، وهذا قضاء ربِّ العالمين.


نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يردنا جميعاً إلى دينه مرداً حسناً وأن يلهمنا رشدنا ويفقهنا في ديننا ويرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن يمكن لأمة الإسلام ويعيد لها عزتها ومكانتها وأن ينصرها على أعدائها إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
  #122  
قديم 06-09-2008, 11:54 AM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

وفاء الأجور على الأعمال



قال الله تعالى: {ألا إنَّ أولياءَ الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون(62) الَّذين آمنوا وكانوا يتَّقون(63) لهم البُشرى في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ لا تبْديلَ لكلماتِ الله ذلك هو الفوزُ العظيم(64)}
سورة يونس(10)




ومضات:


ـ كلَّما ازداد المؤمن رُقيّاً في سلوكه وقُرْبِهِ من حضرة الله، زاده الله شمولاً بعنايته ورعايته وحسن توفيقه.

ـ البشائر الإلهية والمِنح الربانيَّة تتنزَّل على أولياء الله، في الدُّنيا قبل الآخرة، وفي الحياة قبل الممات، فإن شعر المؤمن بنقص عطاء الله، فليفتِّش في دخائل نفسه وليحاسب ذاته، فإن المستقيم على طريق الله يكون في زيادة من فضل الله من غير نقصان، وهذا قانون الله ولا مبدِّل لقوانينه.


في رحاب الآيات:


أولياء الله هم الَّذين تولَّوا تنفيذ تعاليمه بدقَّة وأمانة واندفاع في أنفسهم، وفيمن تولَّوا رعايتهم، يتقرَّبون إليه تعالى بالطاعة والتفكُّر، وهم يرون عياناً دلائل قدرته تملأ الكون، فلا يسمعون إلا كلامه، ولا يتحرَّكون إلا في خدمته، ولا يَجهَدون إلا في طاعته. روى سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: «مَنْ أولياء الله؟ فقال: الَّذين يُذكر الله برؤيتهم» (أخرجه أحمد ابن حنبل وأبو نعيم في الحلية)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابُّون بجلالي، اليوم أظلُّهم في ظلِّي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي» (أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)،

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن من عباد الله ناساً يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم يارسول الله؟ قال: قوم تحابُّوا في الله من غير أموال ولا أنساب، لا يفزعون إذا فزع النَّاس، ولا يحزنون إذا حزنوا، ثمَّ تلا صلى الله عليه وسلم : {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}» (أخرجه أبو داود وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب عن عمر رضي الله عنه ).

وهؤلاء لا يخافون من غوائل الدهر، لأن عناية الرحمن تحفُّ بهم، وأنظاره الخفية تحرسهم ليل نهار، فقد آمنوا الإيمان الصادق واتَّقَوا كلَّ مفسدة، فترى البشائر السماوية تتنزَّل عليهم في الدُّنيا، ويتجلَّى ذلك في وجوههم المشرقة المستبشرة الَّتي تطفح بالرضا والسعادة، كما يتجلَّى في الثناء الحسن، والذكر الجميل، ومحبَّة النَّاس لهم، قال صلى الله عليه وسلم : «قال الله تعالى: حقَّت محبَّتي للمتحابِّين فيَّ، وحقَّت للمتزاورين فيَّ، وحقَّت للمتجالسين فيَّ، الَّذين يعمرون مساجدي بذكري ويعلِّمون النَّاس الخير ويدعونهم إلى طاعتي، أولئك أوليائي الَّذين أُظلُّهم في ظلِّ عرشي، وأسكنهم في جواري، وآمَنُهُم من عذابي، وأُدخلهم الجنَّة قبل النَّاس بخمسمائة عام، يتنعَّمون فيها وهم خالدون» (أخرجه أحمد وابن حبان وأبو نعيم في الحلية عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأخرجه البيهقي في السنن عن عبادة بن الصامت).

وإن لهم البشرى في الآخرة، حيث تتلقَّاهم الملائكة مبشِّرين لهم بالفوز والكرامة والجنَّة كما ورد في الآية الكريمة: {إنَّ الَّذين قالوا ربُّنا الله ثمَّ اســتقاموا تتنَزَّلُ عليهِمُ الملائكةُ ألاَّ تخافوا ولا تحزَنوا وأَبْشـروا بالجنَّة الَّتي كنتم تُوعَدون * نحن أولياؤكُم في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ ولكم فيها ما تشتَهي أنفسُكُم ولكم فيها ما تدَّعون * نُزُلاً من غفورٍ رحيم} (41 فصلت آية 30ـ32) وهذا عهد من الله لعباده المؤمنين، ولن يُخلف الله وعده، فمن يفعل الخير لا يعدم ثوابه وذلك هو الفوز العظيم
.
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
  #123  
قديم 06-09-2008, 11:02 PM
الصورة الرمزية شبكة المعرفة
شبكة المعرفة شبكة المعرفة غير متصل
عضو مشارك
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
مكان الإقامة: السعودية
الجنس :
المشاركات: 89
الدولة : Saudi Arabia
افتراضي

رد مع اقتباس
  #124  
قديم 07-09-2008, 01:39 AM
الصورة الرمزية muhaned
muhaned muhaned غير متصل
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
مكان الإقامة: ottawa
الجنس :
المشاركات: 12
الدولة : Algeria
افتراضي

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اخواني في الله انا عندي طلب بسيط
من فيكم يستطيع تفسير هذه الاية و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض )اية 251 سورة البقرة
بارك الله فيكم
رد مع اقتباس
  #125  
قديم 08-09-2008, 02:35 AM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شبكة المعرفة مشاهدة المشاركة

جزانا وإياكم أختي الكريمة
نفعنا الله وإياكم بالقرآن وأهله
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
  #126  
قديم 08-09-2008, 02:40 AM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة muhaned مشاهدة المشاركة
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اخواني في الله انا عندي طلب بسيط
من فيكم يستطيع تفسير هذه الاية و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض )اية 251 سورة البقرة
بارك الله فيكم

هذا تفسير للآيه أخي الكريم



قال الله تعالى : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: من الآية251 )
وقال تعالى : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:40-41)


يبين الله تبارك وتعالى في هذه الآيات المحكمات أن الفساد المترتب على المدافعة والضرر المتوقع من الجهاد ؛ لا شيء – وإن عظمه الناس وكرهوا الجهاد من أجله – في مقابل ما ينتج عن ترك الجهاد من فساد ؛ ولذا أهمل سبحانه ولم يذكر ما يترتب على المدافعة والجهاد من مفاسد قد يضخمها كثير من السذج السطحيين؛ وذلك لأنها لا تذكر بالمقارنة مع تلك المفاسد العظيمة المترتبة على ترك الجهاد ..
فالله ذو فضل على العالمين بما شرعه للمسلمين من فريضة جهاد الكفار ودفع فسادهم وإفسادهم وشركهم ، وبما قدّره من علو توحيده وغلبة المؤمنين الذين تصلح بهم الأرض، ولو بعد حين ..
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من آثار ترك مدافعة الكفار وإهمال جهادهم ومن عقوبات الله على ذلك ؛ أن يسلط الله على الأمة ذلا لا ينزعه عنها حتى ترجع إلى دينها ..
" فالباطل - كما يقول سيد قطب رحمه الله - متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول ، ولا يكفي الحق أنه الحق ليوقف عدوان الباطل عليه ؛ بل لا بد من قوة تحميه وتدفع عنه ؛ وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان " .

وقد عدد الله في الآيات أعظم المفاسد المترتبة على ترك الجهاد فذكر فيها؛ فساد المعمورة ومن عليها ؛ ولا شك أن أعظم فساد في الأرض ؛ الإشراك بالله بصوره المتنوعة ؛ سواء بإعلان التنديد له بدعوى أنه ثالث ثلاثة أو بنسبة الصاحبة والولد إليه كما يفعل اليهود والنصارى، أوبما نشاهده اليوم من تنحية شرع الله وتسلط طواغيت الأرض بشرائعهم الشركية على رقاب العباد ومنحهم لسلطة التشريع المطلقه لأنفسهم ولشركائهم المتفرقين .. فما هذا وذاك إلا شيء من الفساد العظيم والمتشعب الذي ترتب على ترك الجهاد ومدافعة الكفار ..
ومن ذلك أيضا هدم المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا ..
ولا شك أن عمران بنيانها اليوم في ديار الكفر بل والمبالغة في البذخ فيه وفي زخرفته في الوقت الذي تمسخ فيه رسالتها بطمس معالم العقيدة والتوحيد عن منابرها ورفع أسماء أئمة الكفر والأنداد المتفرقين عليها ؛وكل ذلك من آثار ترك المسلمين للجهاد ؛ لا شك أن ذلك أعظم من هدم المساجد حقيقة وقتل الأنفس وسفك الدماء إذ " الفتنة أكبر من القتل " أي فتنة المسلم عن دينه وتوحيده وإيمانه ورده إلى الإشراك بالله ؛ أعظم من القتل وسفك الدماء مهما عظم وكثر وضخمه الناس..
فلو اقتتلت المعمورة جميعها حتى تفني بعضها بعضا؛ لكان هذا أهون عند الله من الإشراك به ، وأهون من رد المسلم عن دينه وفتنته عن عقيدته وتوحيده بتسلط أهل الكفر عليه وفرضهم لشرائعهم وأنظمتهم ومللهم الكافرة على الخلق ؛ والذي هو ثمرة من ثمرات إهمال المسلمين لفريضةجهادهم ودفعهم وذبحهم ..
هذه مبادئنا وأصولنا أهل الإسلام .. وهي أصول محكمة معلومة في ديننا لا يجهلها أويغفلها مسلم شم رائحة العلم ..
وهي أصول من أهملها ولم يعتبرها ويبني بنيانه عليها ؛ خرج بفتاوى ونتائج ومبان عوجاء شوهاء قائمة على شفا جرف هار ..
وأكبر شاهد على هذا وعلى جهل كثير من المنتسبين للإسلام بل والعلم وبعدهم عن حقيقة دين الله ؛ ما نراه ونسمعه اليوم من شجب واستنكار وتبرٍ من الجهاد والمجاهدين وتسميتهم بالمجرمين والإرهابيين ؛ وما درى هؤلاء السفهاء الذين ينعتونهم بذلك أن إرهاب أعداء الله من أعظم الفرائض في دين الله وأن تشريدهم والقعود لهم في كل مرصد من أوجب واجبات الإسلام ، وأن إرعابهم من أهم سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم ..
قال تعالى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ )(لأنفال: من الآية60)
وقال سبحانه: ( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (لأنفال:57)
وقال عز من قائل: ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ )(التوبة: من الآية5)
وفي الحديث الصحيح : ( نصرت بالرعب مسيرة شهر.. ) ( وجعل رزقي تحت ظل رمحي )
والحقيقة أن وضوح هذه الأصول في ديننا لأوضح من الشمس في رابعة النهار ؛ وهي والله لا تخفى حتى على أعداء هذا الدين ؛ ولذلك يكشرون عند الحقائق عن ناب العداوة لدين الإسلام نفسه إذ هم يعرفون حقيقته ؛ وقد قرأت مرارا وتكرارا لكثير من النصارى والمستشرقين كلاما يبيّنون فيه بوضوح حقيقة الجهاد في دين الإسلام ، ويردون شبه المنهزمين من علماء الفتنة الذين يسعون في مسخ هذه الحقائق تلطفا للغرب الكافر وإرضاءا لهم .. ولسان حالهم بل ومقالهم في كثير من الأحيان يقول : ( َنخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ) ( فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ )(المائدة: من الآية52)
ولا شك أن من يسعون جاهدين في طمس هذه الحقائق وتمييعها؛ هم في الحقيقة من أهل الإرجاف والنفاق الذين لا يثقون بموعود الله ولا يفقهون سننه ( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) (التوبة:87)
ولذا تراهم عندما يرون تألب الأحزاب على أهل الحق يغترون بعددهم وعتادهم ويخشونهم أشد من خشية الله ؛ وتعلم عند التقاء الصفوف أنهم في الحقيقة أهل مقالة : ( مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً )(الأحزاب: من الآية12)
أما أهل الإيمان الراسخ الذين ينظرون بنور الله ويعرفون حقيقة الجهاد وبركات المدافعة فيقولون : ( هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً )(الأحزاب: من الآية22)
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
  #127  
قديم 08-09-2008, 02:41 AM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

وفاء الأجور على الأعمال


قال الله تعالى: {والَّذين كفروا أعمالُهُم كسرابٍ بِقِيعَةٍ يحسَبُهُ الظَّمآنُ ماءً حتَّى إذا جاءَهُ لم يجدْهُ شيئاً ووجدَ الله عندَهُ فوفَّاهُ حسابَهُ والله سريعُ الحساب(39) أو كظلُماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ يغشاهُ موجٌ من فوقِهِ موجٌ من فوقِهِ سحابٌ ظلماتٌ بعضُها فوق بعضٍ إذا أخرجَ يدَهُ لم يكدْ يراها ومن لم يجعلِ الله له نوراً فما له من نور(40)}
سورة النور(24)



ومضات

إن الله تعالى عادل لا يُضيع أجر من أحسن عملاً، فالمؤمن بالله المتمسِّك بتعاليمه، المواسي للفقراء بماله وجهده، امتثالاً لأمر الله، سينال الأجر العظيم أضعافاً مضاعفة في الدار الآخرة. أمَّا غير المؤمن والَّذي لا يرجو ثواب الآخرة لأنه ليس مؤمناً بها، فإن حدث أن أسدى إلى أحد معروفاً أو قدَّم لفقير مساعدة، فإن الله عزَّ وجل لا يضيع له ذلك الخير، بل يكافئه عليه في دار الدُّنيا، وليس له في الآخرة من نصيب.

ـ الغاية من التعاليم السماوية هي جمع النَّاس على عبادة الله الواحد الأحد، في سبيل تكوين مجتمع موَّحِد متراحم مترابط، لا انحراف فيه ولا خلل. ولما كان عمل الكافر خالياً عن هذه الضوابط، ويأتي بتصرُّف عشوائي، إذ لا تعاليم شرعية تلزمه، ولا عواطف روحية نورانية تحرِّكه، فيكون كالموجة الَّتي تسير دون هدف، لذلك وجب تهذيبه وضبط دوافعه ضمن دائرة الإيمان بالله، حتَّى لا يتخبَّط في ظلام الهوى والرغبات فتضيع ثمرات عمله.


في رحاب الآيات:

ما أصعب أن يقطع المسافر أشواطاً طويلة من رحلته، ليكتشف فجأة أنه قد أخطأ الطريق، وأنَّ عليه أن يعود إلى نقطة البداية ويعاود السير في الاتجاه الصحيح. ومع ذلك فإن وضعه أيسر وأسهل ممن يخطئ الطريق في رحلة الحياة، إذ أن هذه الرحلة إذا بلغت نهايتها، فلا رجوع فيها ولا عودة للوراء، وحين يكتشف المرء أنه قد ضلَّ الطريق، يكون قد دخل في دائرة الحساب الإلهي، وانحبس في إسارها. وهنا تبرز أهميَّة دور الأنبياء والرسل والمصلحين والهُداة، فهم رحمة إلهية مهداة للناس الَّذين يقفون على مفارق طرق الحياة، فيرشدونهم إلى الاتجاه الصحيح. فمن وعى كلامهم وعمل بإرشاداتهم فقد سعد وأسعد، ومن أعرض ونأى بجانبه، يجد أن ما جرى وراءه طوال حياته، ما هو إلا سراب لا يروي ظمأً، ولا يشفي غليلاً!.

والمؤمن يتمتَّع بوضوح الرؤية في مسيرة الحياة، ويعرف الهدف الَّذي يصبو إليه، بل هو قادر على تعريف الآخرين وتبصيرهم بحقائق العلوم الإلهية، الَّتي جاء بها رسل الله عليهم السَّلام، وإرشادهم إلى دائرة المعارف الربَّانية. بينما الجاحد لطريق الإيمان العقلاني يتخبَّط في متاهات الحياة، وكأنَّ به مسّاً من الجنون، أو كأنَّه غريق تتقاذفه أمواج الضلال وظلماته، لا منارة تهديه سواء السبيل، ولا بصيص أمل ينقذه من الضياع والإحباط الَّذي هو واقع فيه.

إن التعبير القرآني في هذه الآيات المباركة يمثِّل حال الكافرين في هذه الدُّنيا، ومآلهم في الدار الآخرة، بمشهدين حافلين بالحركة والحياة. ففي المشهد الأول يصوِّر أعمالهم في الدعوة إلى كفرهم كسراب في فلاة يلمع لمعاناً كاذباً، يراه الظمآن فيحسبه مورد ماء، فيُسرع الخُطى نحوه، وكلُّه ثقة أنه عثر على ضالَّته المنشودة، الماء الَّذي يروي ظمأه الشديد، وما أن يبلغ ذلك المكان، حتَّى تنكشف له الحقيقة،

ويعلم أنه كان واقعاً في خداع النظر، فهو أمام سراب كاذب وليس أمام مورد ماء نمير يطفئ عطشه، وما أيسرها من نتيجة، نتيجة ذلك المخدوع بالسراب، إذا ما قيست بنتيجة المخدوع بزخارف هذه الحياة الدُّنيا وزينتها، فأعماه ذلك عن حقائق الدار الآخرة، وعندما يأتيه الموت يجد نفسه وجهاً لوجه أمام حساب الله وعذابه، وهو مستحقٌّ ذلك، لأنه كفر بالله تعالى وجحد وجوده وخاصمه، وتنكَّر لرسله الَّذين حملوا له رسالة الهداية والإنقاذ، لكنَّه أعرض عنهم ووقف في طريقهم، وآثر الفانية الخدَّاعة على الباقية الَّتي يستحقُّها بالإيمان والعمل الصالح.

إن هذا المخدوع سيؤول إلى موقف يدعو إلى الشفقة، لو أنه فوجئ بعد الموت، بعدوٍّ بشريٍّ لم يستعدَّ لملاقاته، فكيف يكون حاله والواقع أنه سيفاجأ بلقاء الله، المنتقم الجبَّار، وهو في أشدِّ الغضب عليه، إنه الهلاك الحقيقي والخسارة الكبرى الَّتي لا تُعوَّض. فما أحوج الإنسان إلى أن يُعرِض عن هذا السراب الكاذب، ويتتبَّع الحقائق، ويتلمَّس سبل النجاة الحقيقية، باتِّباع الهداة المهديين، والإعراض عن كلِّ ما يشغله عن ذلك أو يصرفه عن الصراط المستقيم، قبل أن يفوت الوقت، ويصل المخطئ إلى مرحلة اللاعودة، فيندم حين لا ينفع الندم قال تعالى: {وقدِمْنا إلى ما عمِلوا من عملٍ فجعلناهُ هَباءً منثوراً} (25 الفرقان آية 23).

إن هذا المثال مثالٌ لذوي الجهل المُرَّكب من الكفرة، أمَّا أصحاب الجهل البسيط، وهم الحمقى المقلِّدون لأئمَّة الكفر، فمثلهم كما قال تعالى: {أو كظُلُماتٍ في بحرٍ لُجِّيّ يغشاهُ موجٌ من فوقِهِ موجٌ من فوقِهِ سحابٌ ظُلماتٌ بعضُها فوق بعضٍ إذا أخرَجَ يدهُ لم يكد يراها ومن لم يجعلِ الله له نوراً فما له من نور}.

فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلِّد، الَّذي لا يعرف حال من يقوده، ولا يدري أين يذهب، إنه يعيش في ظلمات الكفر والجهل والتبعية العمياء، وحاله كحال من كان في بحر محيط متلاطم الأمواج، موج في الظاهر وموج في باطن الماء، وفوق كلِّ ذلك سحاب قاتم أسود يحجب ضوء الشمس أو القمر والنجوم، فأنَّى لهذا أن يبصر؟ وكذلك أنَّى لذلك الجاهل أن يهتدي؟.

والهداية الحقيقية من الله تعالى، فمن سلك سبيل الهُداة هداه الله، ومن سلك سبيل الغُواة أغواه الله، ومردُّ الأمر كلِّه إلى الله العلي العزيز، فمن كان أهلاً لأن ينير الله طريقه أناره أمامه، ومن لم يكن أهلاً لذلك، فلا يزال غارقاً في الظلام، حتَّى يوافيه الأجل، ليكون من الخاسرين الخسران المبين.

إن قلب الكافر الغارق في الظلام، بعيد عن نور الله المنتشر في هذا الكون الفسيح، وإن سلوكه ضلال واضح لا يرى فيه القلب أدنى علامات الهدى، وإن البعيد عن الله يعيش في ظلمات ثلاث، ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل، وقال ابن عباس رضي الله عنه : (هي ظلمة قلبه وبصره وسمعه).
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
  #128  
قديم 08-09-2008, 01:49 PM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

دار الأبرار ودار الفُجَّار


قال الله تعالى: {ونُفِخَ في الصُّورِ فصَعِقَ من في السَّمواتِ ومن في الأرضِ إلاَّ من شاءَ الله ثمَّ نُفِخَ فيه أُخرى فإذا هم قيامٌ يَنظُرون(68) وأشرقتِ الأرضُ بنورِ ربِّها ووُضِعَ الكتابُ وجيءَ بالنَّبيِّينَ والشُّهداءِ وقُضيَ بينهم بالحقِّ وهم لا يُظْلَمون(69) ووفِّـيَّتْ كلُّ نفْس ما عملتْ وهو أعلمُ بما يفعلون(70) وسيقَ الَّذين كفروا إلى جهنَّم زُمَراً حتَّى إذا جاؤوها فُتِحتْ أبوابُها وقال لهم خزنتُها ألم يأتِكم رسلٌ منكم يتلونَ عليكم آياتِ ربِّكم ويُنذِرونَكم لقاءَ يومِكم هذا قالوا بلى ولكن حقَّتْ كلمةُ العذابِ على الكافرين(71) قيل ادخلوا أبوابَ جهنَّم خالدين فيها فبئسَ مثوى المتكبِّرين(72) وسيقَ الَّذين اتَّقوا ربَّهم إلى الجنَّة زُمَراً حتَّى إذا جاؤوها وفُتِحتْ أبوابُها وقال لهم خزنَتُها سلامٌ عليكم طِبْتم فادخلوها خالدين(73) وقالوا الحمدُ لله الَّذي صَدَقَنا وعْدَهُ وأورثنا الأرضَ نَتَبَوَّأُ من الجنَّة حيث نشاءُ فَنِعْمَ أجرُ العاملين(74) وترى الملائِكةَ حافِّينَ من حولِ العرشِ يسبِّحونَ بحمدِ ربِّهم وقُضِيَ بينهم بالحقِّ وقيل الحمدُ لله ربِّ العالمين(75)}سورة الزمر(39)



ومضات:

ـ يعرض الله تعالى مشاهد من يوم القيامة بصورة تنبض بالحياة، حتَّى لكأنها تجري أمام ناظرَي القارئ أو السامع للقرآن الكريم، لعلَّه يدرسها ويأخذ العبر منها.

ـ يبدأ العرض الإلهي بتصوير مشهد من مشاهد فناء الأكوان كلِّها، بحيث لا يبقى بعد النفخة الأولى غير الله الواحد القهَّار، ومن شاء له تعالى أن يبقى. ومن ثمَّ يأذن الله تعالى فيُنْفَخُ في الصور النفخة الثانية، فتعود الحياة من جديد إلى جميع الخلائق، ولكنَّها لا ترى سوى نورٍ وحيدٍ شاملٍ وغامرٍ مصدره ربُّ العالمين.

ـ تقام المحاكمة الإلهية للنَّاس بحضور الأنبياء والشهداء، حيث لا يُظلم أحد شيئاً، ويُوفَّى كلٌّ منهم نتائج عمله.

ـ تُصوِّر الآيات مشاهد الرحيل الجماعي، حيث تساق جماعات الفجَّار إلى جهنَّم مذمومة مدحورة، وتُشرَّف جماعات الأبرار بدخول الجنَّة معزَّزة مكرَّمة.

ـ يجري في أحد مشاهد يوم القيامة حوار بين ملائكة العذاب وبين الكفرة، حيث تُؤنِّبُ الملائكةُ الكفرةَ فيسألونهم سؤالاً استنكارياً: {ألم يَأْتِكم رسلٌ منكم} ويجيبون مع كلِّ الخزي والخُسران: بلى.. ولكن ما الفائدة؟ لقد جاء الإقرار بعد فوات الأوان.

ـ عند أبواب الجنان تستقبل الملائكة وفود المؤمنين، وترحِّب بهم وتشرف على محافل تكريمهم: {سلامٌ عليكم طِبْتُم فادخلوها خالدين}.

ـ لا يملك المؤمنون عند رؤية ما أعدَّ الله لهم من حسن الثواب، إلا المبادرة إلى حمده تعالى وشكره على تحقيق وعده، وإنزالهم حيث يشاؤون، متنعِّمين في جنان ورياحين.

ـ تُكْشَفُ الحجب بالنسبة لأهل الجنَّة بعد دخولها، فيرون عرش ربِّهم تعالت قدرته وعَظُمت هيبته، والملائكة تطوف من حوله مسبِّحة ممجِّدة مُقِرَّةً بوصول كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه، ويردِّدُ الجميع هتاف الشكر والثناء ويقولون: الحمد لله ربِّ العالمين.


في رحاب الآيات :

مشهد حيٌّ حافل بالصور الحيوية والأفعال والظلال، يطوي في تضاعيفه قصَّة البعث والنشور، تتسارع الأحداث فيه وتتعاقب، ولكن حين تتملاَّها العين، ويعيَها القلب، تنبعث القشعريرة في أعماقه، وكلَّما كان وعي الإنسان أكبر، وتفتُّحه أعظم، كلَّما كانت الهزة الَّتي تعتريه أقوى وأعمق. ولو أن الإنسان آمن بمضمون هذه الآيات ساعة من نهار لانقلبت موازين حياته، ولحرَّم على نفسه الظلم والاعتداء، والشرور والآثام، ولآثر الباقي على الفاني، ولغدا نظيفاً طاهراً مؤهَّلاً لدخول مملكة الله: {يومَ لا ينفَعُ مالٌ ولا بنون * إلاَّ من أتى الله بقلبٍ سليم} (26 الشعراء آية 88ـ89).

والآيات تبدأ بفعلين متتاليين: (نُفِخَ، صَعِقَ) أمَّا النافخ فهو إسرافيل عليه السَّلام بأمر ربِّه، وأمَّا المصعوق فهو كلُّ من خلقه الله في السموات والأرض حيث يخرُّ ميتاً إلا من شاء الله بقاءه. ثمَّ ينفخ في الصور نفخة أخرى، وهي نفخة الإحياء، فإذا جميع الخلائق يقومون من القبور ينظرون ماذا يُؤمرون في هذا اليوم، يوم الحساب، حيث لا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا كواكب، فكلها اندثرت وزالت، ولكنَّ نور الله باق وهو الَّذي يضيء أرض المحشر، حين يتجلَّى الباري جلَّ وعلا لفصل القضاء بين العباد.

ووُضع الكتاب الحافظ لأعمال العباد، وجيء بالنبيِّين ليشهدوا على أممهم، وأُحضر الشهداء وهم الحفظة من الملائكة، الَّذين يسجِّلون أعمال العباد خيرها وشرِّها. في هذا اليوم يُجازى كلُّ إنسان بما عمل من خير أو شرٍّ، والله تعالى عالم بعمل الجميع ولا حاجة به إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك تشهد الكتب إلزاماً للحُجَّة على عباده.

ويُطوى مشهد الحساب ليُنشر مشهد آخر، هو فرز النَّاس إلى فريقين: أهل النَّار وأهل الجنَّة. أمَّا أهل النَّار فيُساقون أفواجاً أفواجاً إلى جهنَّم، سوق المجرمين إلى القصاص، لا يملكون سبيلاً للاعتراض ولا يستطيعون التلكُّؤ أو الفرار، وهم يساقون كما يُساق الأشقياء إلى السجون مع الإهانة والتحقير على ضروبٍ شتَّى.

وما إن يصل هؤلاء إلى أبواب جهنَّم حتَّى تُفتح لهم سريعاً ليدخلوها، فإذا دخلوها أُغلقت عليهم، ودار حوار بين خزنتها من الملائكة، وبين المجرمين الَّذين كفروا بالله وأشركوا به، وطغَوا واستعلَوا في الأرض، إنه حوار ينطوي على التأنيب والتقريع: أَلَمْ يأتكم رسل من البشر يتلون عليكم الكتب المنزَّلة من السماء..؟ ويخوِّفونكم من شرِّ هذا اليوم العصيب؟ فيقولون: بلى، قد جاؤونا وأنذرونا، وأقاموا علينا الحجج وقدَّموا البراهين، ولكنَّنا كذَّبناهم وخالفناهم، فحقَّ علينا عذاب ربِّنا، فتقول لهم الملائكة: ادخلوا جهنَّم لتَصْلَوْا سعيرها ماكثيـن فيها أبـداً، بلا زوال ولا انتقال، فبئس المقام والمأوى للمتكبِّرين عن الإيمان بالله وتصديق رسله.

وأمَّا الَّذين اتَّقَوا ربَّهم فيساقون إلى الجنَّة جماعات جماعات، وهم الشهداء والعلماء والأتقياء وغيرهم ممن عمل بطاعة الله تعالى. والآية الكريمة عبَّرت عن دخول الفريقين إلى الجنَّة أو النَّار بلفظ واحد مشترك وهو قوله تعالى: {وَسِيْقَ}، إلا أن كيفية السَّوْق لكلِّ فريق تختلف عن الأخرى، وتتناسب مع حالهم وأعمالهم الَّتي قَدِموا بها على ربِّهم، فسوق أهل النَّار هو طردهم وَدَعُّهم إليها بالخزي والهوان دعّاً، وسَوْقُ أهل الجنَّة هو سَوْقُ مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان، لأنهم يَذهبون إليها راكبين كما يُفعل بمن يُشرَّف ويُكرَّم من الوافدين، فالفرق بين السَّوقين كالفرق بين المصيرين.

فإذا وصل المؤمنون الجنَّة وجدوا أبوابها مفتَّحةً لهم مستعدَّة لاستقبالهم، وهذا لعظيم كرامتهم عند الله تعالى، وهم يساقون إلى الجنَّة بحسب مراتبهم، المقرَّبون فالأبرار ثمَّ الَّذين يلونهم، كلُّ طائفة منهم مع من يشاكلهم، الأنبياء مع الأنبياء، والصدِّيقون مع الصدِّيقين، والشهداء مع أمثالهم، والعلماء مع أقرانهم وهكذا.

وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: {يومَ نحشُرُ المتقينَ إلى الرحـمنِ وَفْـداً} (19 مريم آية 85) وقوله تعـالى: {ونَسـوقُ المجْرِمين إلى جهنَّم وِرْداً} (19 مريم آية 86).

ومما يجدر ذكره أن للجنَّة أبواباً ثمانية، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيُسبِغ الوضوء، ثمَّ يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنَّة الثمانية يدخل من أيِّها شاء» (رواه مسلم وغيره)، وأخرج الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنَّة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريَّان لا يدخله إلا الصائمون».

فإذا وصل أهل الجنَّة إلى جنانهم استقبلتهم الملائكة استقبالاً طيِّباً بالسَّلام والتحيَّة، والثناء المستحبِّ، مع بيان السبب، لقد طبتم وتطهرتم بطاعة الله والعمل الصالح، وجئتم طيِّبين، فما يكون في الجنَّة إلا الطيِّب، وما يدخلها إلا الطيِّبون، ولكم الخلود في هذا النعيم.

هنا تتعالى أصوات أصحاب الجنَّة بالتسبيح والتحميد، لأن الله صَدَقَهم وعده الَّذي وعدهم به على ألسنة رسله الكرام فيقولون: الحمد لله الَّذي أَنْزَلَنا هذه الدار، نتصرَّف في أرض الجنَّة تصرُّف الوارث فيما يرث، فنتَّخذ منها مسكناً حيث شئنا، فنِعْمَ الأجر أجرنا على عملنا، ونِعْمَ الثواب الَّذي أعطيتنا!! وترى الملائكة محيطين بجوانب العرش، قائمين بجميع ما يُطلب منهم، يسبِّحون الله ويمجِّدونه تلذُّذاً وتعبُّداً، ثمَّ يُختم المشهد وألسنة الخلق تلهج بالشكر والحمد لله ربِّ العالمين، الَّذي قضى بين عباده بالحقِّ والعدل، وهو أحكم الحاكمين
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
  #129  
قديم 09-09-2008, 11:54 PM
الصورة الرمزية لنا الله
لنا الله لنا الله غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: Cairo
الجنس :
المشاركات: 398
الدولة : Egypt
افتراضي

الاعتدال في التعلُّقات الدنيوية





قال الله تعالى: {زُيِّنَ للنَّاسِ حُبُّ الشَّهواتِ من النِّساءِ والبَنينَ والقناطيرِ المُقَنطَرَةِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ والخيلِ المُسَوَّمةِ والأنعامِ والحرثِ ذلك مَتاعُ الحياةِ الدُّنيا والله عندهُ حُسنُ المآبِ(14) قُل أؤنَبِّئُكُم بخيرٍ من ذلكُم للَّذين اتَّقَوا عند ربِّهم جنَّاتٌ تجري من تحتها الأنهارُ خالِدينَ فيها وأزواجٌ مُطَهَّرةٌ ورضوانٌ من الله والله بَصيرُ بالعباد(15)}سورة آل عمران(3)


ومضات:

ـ إن المَيل إلى الملذَّات والرغبات هو من مقوِّمات الطبيعة البشرية، وما خلق الله تعالى النِّعَم والمُتَع، إلا لنُسرَّ بها ونشكر واهبها، لا لنتعلَّق بها وننسى خالقها.

ـ الإسلام لا يتعارض مع الطبائع البشرية، فهو يسعى إلى تلبية دوافعها وغرائزها، بتنظيمها وتعديل ميولها ونوازعها، ولا يسعى أبداً إلى كبحها ووأدها.

ـ يجدر بالمؤمن أن يحدَّ من جماح متعه وشهواته، لقاء ما ينتظره من نعيم الجنان ورضوان الله، وخشية أن يقع في الغفلة والمعصية دون أن يدري.

ـ الله تعالى بصيرٌ بالعباد، عالمٌ بالفطرة الَّتي طبعهم عليها، ومشرِّعٌ لما يصلح لها من التوجيهات والتعاليم والآداب.

في رحاب الآيات:

أوجد الله تعالى في نفس كلٍّ من الرجال والنساء، حباً وميلاً نحو الطرف الآخر، وكذلك حَبَّب إليهم النسل والمال والملك، وزيَّن ذلك لهم لكي تقوم حياتهم الدنيوية عليها، وأوجب عليهم أن يحسنوا التعامل معها، بالحدود الَّتي تكفل صلاح أمرهم، وتحقيق أهداف الشرع، كي يتميَّز من يُحسن العمل ممن يُسيئه.

وقد بدأت الآية الكريمة بذكر النساء، لأن الفتنة بهن من أعظم الفتن إذا ما استقرَّ حبُّهن في القلب، وتملَّكَ الجوارح، حتَّى يخرج بصاحبه عن حدود الاعتدال والاتزان، فيصرفه عما خلقه الله من أجله، وهو الإيمان والعبادة وإعمار الكون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما تركتُ بعدي فتنة أضرُّ على الرجال من النساء» (متفق عليه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ).

فالنساء هُنَّ موضع الرغبة بالنسبة للرجال، وإليهن تسكن النفوس كما قال الله تعالى: {ومن آياتِهِ أن خلَقَ لكم من أنفُسِكم أزواجاً لتسْكُنوا إليها وجعلَ بينَكُم مودَّةً ورحمةً إنَّ في ذلك لآيات لقومٍ يتفكَّرون} (30 الروم آية 21). وإذا انفردت الآية الأولى بذكر مشاعر الرجال تجاه النساء، فهذا لا يعني أبداً أن القرآن يهمل مشاعر النساء تجاه الرجال، ففي هذه الآية دليل على أن المشاعر بين الرجل والمرأة مشتركة، وأمر أن تكون هذه المشاعر بين الزوجين قائمة على المودَّة والتراحم بينهما، لا على مبدأ المشاركة فحسب.

ثم ذكرت الآية البنين لأن النفس الإنسانية توَّاقة إليهم شديدة الشغف بهم، فهم ريحانة القلوب، وفلذات الأكباد وقرَّة العيون، بهم يرتفع الذِّكر وينتشر الصيت، وهم أصحاب الإرث عن الآباء بكلِّ أنواعه، سواء كان إرثاً مادِّياً أم فكرياً أم تربوياً. وقد قَرَن معهما حبَّ كثرة المال، لأنه مطيَّة لجلب الرغائب، وسبيل لنيل الملذَّات والشهوات. ولا يخفى أن رغبات الإنسان لا حدود لها، وملذَّاته لا حصر لها، وكلَّما حصل على لذَّة طلب المزيد، وكلَّما وصل إلى غاية تاقت نفسه إلى بلوغ ما بعدها، قال صلى الله عليه وسلم : «إن الدُّنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتَّقوا الدينار واتَّقوا النساء» (رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ).

وحبُّ الممتلكات يدخل ضمن حبِّ المال، كالحرص على اقتناء الخيول الأصيلة الكثيرة العدد، فهي ما تزال حتَّى في عصر الآلة المادِّي، زينة محبَّبة مشتهاة، فيها جمال وقوَّة ورياضة، وانطلاق وأُلْفة ومودَّة، والمزادات العالمية تشهد تنافسات حادَّة بين كبار الأثرياء لاقتنائها بأسعار تكاد تكون خيالية.

وكذلك زُيِّن للناس امتلاك الأنعام والحرث؛ أمَّا الأنعام أي المواشي فهي الثروة الَّتي كانوا يتفاخرون بتكاثرها، وتقوم عليها حياة أهل البادية بشكل خاص وسائر النَّاس بشكل عام. أمَّا الحرث أي الزرع والنبات فهو قوام حياة الإنسان والحاجة إليه ماسَّة، وهذا كلُّه يشكِّل زهرة الحياة الدُّنيا وزينتها الفانية.

إن استمتاع الإنسان بهذه الأُعطيات الإلهية شيء طبيعي ومباح، ولكن أن يبالغ في حبِّها ويتعلَّق قلبه بها فهنا مكمن الخطر، وهذا هو الشرك الخفي الَّذي إن وقع به الإنسان أبعده عن دوره الإنساني، ونزل به إلى الدرك البهيمي. فالاستغراق في شهوات الدُّنيا ورغائب النفوس، ودوافع الميول الفطرية دون قيد، هو الَّذي يشغل القلب عن التبصُّر والاعتبار، ولمَّا كانت هذه الرغبات والدوافع أساسية في حفظ الحياة وامتدادها، فإن الإسلام لا يقضي بكبتها أو إنكارها، ولكن يدعو إلى ضبطها وتنظيمها، وتخفيف حدَّتها المفرطة واندفاعها الشديد، فيكون الإنسان مالكاً لها متحكِّماً فيها، لا أن تكون مالكة له، متحكِّمة فيه.

لقد تضمَّن التركيب الفطري للإنسان ميلاً نحو هذه الشهوات، وهذا جزء أصيل في تكوينه، لا يجوز إهماله ولا تجاهله، لأنه ضروري للحياة البشرية كي تنمو وتتأصَّل، ولكن الواقع يشهد بأن في الفطرة جانباً آخر يوازي ذلك الميل، ويحمي الإنسان من الاستغراق في ذلك الجانب وحده، وهو الاستعداد لضبط النفس والوقوف بها عند الحدِّ السليم من مزاولة هذه الشهوات؛ الحدِّ الباني للفضائل والحافظ للنفس والحياة.

وهذا الاستعداد يُهذِّب ذلك الميل وينقِّيه من الشوائب، ويجعله في الحدود المأمونة، الَّتي لا يطغى فيها جانب اللذَّة الحسيَّة ونزعاتها على الروح الإنسانية. وبذلك ضَمِنَ الإسلام سلامة الكائن البشري من الصراع بين شطري النفس البشرية، وهما نوازع الشهوة واللذَّة وأشواق الارتفاع والتسامي، وحقَّق لهذه وتلك نشاطها المستمرَّ في حدود التوسُّط والاعتدال. فعلى المؤمن أن يكون كيِّساً حكيماً، يمنع نفسه من السقوط في مهاوي الشهوات، كي لا تشغله عن تهذيب روحه وإنارة عقله، وأن يوازن بين دنياه وآخرته كما قال تعالى: {ومنهم من يقولُ ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسَنَةً وفي الآخرةِ حسَنَةً وقِنا عذابَ النَّار} (2 البقرة آية 201).

والعاقل من استبدل الَّذي هو أدنى بالَّذي هو أعلى، وأحلَّ رضا الله وتقواه محلَّ القيادة لهذه الشهوات والملذَّات الآنيَّة، الَّتي قد يراها الإنسان من أجَلِّ النِّعم الدنيوية، ولكنَّ المؤمن الحقَّ الَّذي ارتبط قلبه بالذَّات الإلهية، يرى عالم الروح خيراً وأبقى، وهذه الرؤيا لا ينالها إلا الَّذين اتَّقوا ربَّهم وخافوه وذكروه. والشعور بالتَّقوى مهذِّبٌ للروح، مُرهِف للحسِّ، ضابط للنفس يكبح جماحها كيلا تنساق وراء الوهم والسراب، وفيه ربطٌ لمتاع الدُّنيا بمتاع الآخرة حيث الجنَّات ونعيمها، والخيرات واستمرارها، والأزواج المبرَّأة من كلِّ عيب، وكمال ذلك هو الحصول على رضوان الله وهو أعظمُ اللذَّات عند المتَّقين.

فإذا تمكَّن الإيمان من القلب، وتعمَّقت جذوره، أثمر حالة من الحالات المفجِّرة لطاقات الخير الكامنة الَّتي وهبها الله للإنسان. وهذه المنزلة لا ينالها إلا من ارتضى لنفسه ترك الشهوات، وجاهدها في ذات الله حتَّى تَذَوَّقَ حلاوة الإيمان وَبرْدَ اليقين، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتَّى يدع ما لابأس به حذراً لما به بأس» (رواه الترمذي عن عطية ابن عروة السعدي).

وهكذا نرى أن القرآن الكريم يبدأ بالنفس البشرية من موضعها على الأرض، وشيئاً فشيئاً يرتقي بها آفاقاً مضيئة، حتَّى يصل بها إلى الملأ الأعلى في رفق ورحمة، وفي مراعاة كاملة لفطرتها ونوازعها وضعفها، دون كبت أو قسر أو إكراه.
__________________

قـَدْ كـَانَ آخِرَ مَا لـَمَحْتُ عـَلـَي الـْمَـدَي
وَالنبْضُ يخْبوُ .. صُورَة ُالجـَلادِ
قـَدْ كـَانَ يضْحَـكُ وَالعِصَابَة ُحَوْلـَــــــهُ
وَعَلي امْتِدَادِ النَّهْر يبْكِي الوَادِي
وَصَرَخْتُ ..وَالـْكـَلِمَاتُ تهْرَبُ مِنْ فـَمِي:
هَذِي بـِلادٌ .. لمْ تـَعُـــدْ كـَبـِلادِي
رد مع اقتباس
  #130  
قديم 10-09-2008, 01:06 PM
الصورة الرمزية خديجة
خديجة خديجة غير متصل
مشرفة ملتقى الفلاشات والفيديو كليب
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
مكان الإقامة: الحضن الدافئ
الجنس :
المشاركات: 2,650
الدولة : Morocco
افتراضي

بارك الله فيك على الافادة الدائمة وجزاك الله خيرا ونفع بك وجعلها في موازين حسناتك
__________________


حياكم لله معنا
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 122.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 116.56 كيلو بايت... تم توفير 5.94 كيلو بايت...بمعدل (4.85%)]