|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#121
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 121الى صــ135 الحلقة (121) تهوى؛ فهذا هو العجَب. وأنا أعجب من هؤلاء النّسوة اللاتي يُطِلن ألسنتهنّ خوضًا وطعنًا في النّاس، وكأنّ الله -تعالى- قد أحلّ لهنّ هذا الخوض، أو كأنّ الإِجماع في تحريم الغيبة قد صار إِلى سراب؛ فأصبحت غِيبةُ المعدّدين من أفضل القُربات إِلى الله -تعالى-. وأنا أستحلف هؤلاء النسوة بالله ربّ العالمين: هل استغفرن من هذه الذنوب؟! وهل طلبن التحلُّل ممّن طَعَنَّ فيهم أو فيهنّ؟! هل دعون لهم أو لهنّ في ظهر الغيب؟! هل تُبْن توبةً نصوحًا؟! هل استحضَرن قول النّبيّ - ﷺ -: «إِني لأرى لحمه بين أنيابكما»؟! هل استشعرن في أنفسهنّ عذاب النّار، والمُثُولَ بين يدي العزيز الجبّار؟! هل تدبّرْن قوله -تعالى-: ﴿يومئذٍ تُعرضون لا تَخفى منكم خافية﴾ (١). وهل خَشِينَ على أنفسهنّ أن تُعرض فضائحهن أمام الخلق؟! وهل تدبّرن قوله -تعالى-: ﴿يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ مُحضرًا وما عملت من سوء تودُّ لو أنّ بينها وبينه أمدًا بعيدًا﴾ (٢)؟! وهل خِفْن على أنفسهنّ أن يجدن ما عملن من سوء وطعنٍ في النّاس مُحضَرًا؟! كم أُشْفق على هؤلاء النسوة، وعلى ما فيهنّ من حالٍ؛ في محاربة الله ورسوله - ﷺشعرْنَ أو لم يشعرن-! -------------------- (١) الحاقة: ١٨. (٢) آل عمران: ٣٠. كم أرثي لحالهنّ وهنّ يَعِثن في الأرض فسادًا! كم يتفطّر القلب عليهنّ؛ وهن يُمسِكْن معاول الهدم للإِسهام في هدم المجتمع -وإن زَعمنَ غير ذلك-! كم يتلوَّع الفؤاد عليهنّ في الجزم بالعِلم والمعرفة والخبرة والمصلحة؛ وهنّ أبعد النّاس من هذا كلّه! كم أرقُّ لهؤلاء المفلسات اللائي يضيّعن الثواب يوم القيامة؛ وقد اغْتَبْنَ هذا، وطَعَنَّ في هذا، وشَتَمْنَ هذا ... والثمن كله من الحسنات: يوم لا درهم ولا دينار! فهلمّ إِلى التوبة والإِنابة والاستغفار والندم ﴿من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله﴾ (١). فائدة: إِنّ ما جرى عند أُمّهات المؤمنين -رضي الله عنهن- من غَيرةٍ -والنصوص في ذلك كثيرة-: إِنّما هو توجيه وإرشاد للنّساء -ولا سيّما في زماننا- أن هذا حال البشر، وأنّ أمْر التعدّد لا يخلو ممّا تكرهه المرأة، ولا يعنى أنها إِذا لقيت أدنى ما تكره قذِرت التعدّد وجَحدته -عياذًا بالله تعالى-. وكأنّ ما جرى بين أزواج النبيّ - ﷺ - يقول: هذا هو التعدّد، وهذه هي بشريّة الإِنسان غير المعصوم، فَلَكُنّ في أزواج النّبيّ - ﷺ - ونساء السلف أسوة وقدوة في قَبوله وتحمُّله، مع ورود ما ذكَرْت. وهناك أمْرٌ هامّ؛ وهو أنّ ما جاء في مِثل هذه الأمور لا يعدو أن يكون بين ---------------------- (١) الشورى: ٤٧. أزواج النّبي - ﷺ -، لا كحال أكثر النساء اليوم -مع الأسف- مِن تعدّي هذا؛ إِلى المجتمع: غيبةً ونميمةً وقدحًا وطعنًا، وركوبًا للهوى، بل إِنّك قد ترى من الكلام حول التعدُّد ما قد تحكمُ بِكفر بعضهنّ؛ عياذًا بالله -سبحانه-! ٧ - وندائي إِلى كلّ من يسعى إِلى مرضاة الله -تعالى-، ومن يرغب في التعدّد ويسعى إِليه؛ أن يتقي الله -تعالى-؛ ليمحو كثيرًا من الصور المظلمة عن المعدّدين، فالقدوة العملية لها أثرها الكبير. مسائل في التعدّد: ١ - مَن أَوْلَمَ على بعض نسائه أكثر من بعض (١): عن ثابت قال: «ذُكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس، فقال: ما رأيت النّبيّ - ﷺ - أَوْلَمَ على أحد من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة» (٢). قال الحافظ -رحمه الله-: «... وأشار ابن بطال إِلى أن ذلك لم يقع قصدًا لتفضيل بعض النساء على بعض، بل باعتبار ما اتفق، وأنه لو وجد الشاة في كل منهن لأولم بها، لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلّق بأمور الدنيا في التأنق. وجوَّز غيره أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز». ٢ - إِذا تزوّج البكر على الثيّب، والثيب على البكر: عن أنس -رضي الله عنه- قال: «من السّنّةَ إِذا تزوّج الرجلُ البكرَ على --------------- (١) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٦٩". (٢) أخرجه البخاري: ٥١٧١، ومسلم: ١٤٢٨. الثيب، أقام عندها سبعًا وقَسَم، وإذا تزوّج الثيّب على البكر؛ أقام عندها ثلاثًا ثمّ قَسَم. قال أبو قِلابة: ولو شئت لقلت. إِن أَنَسًَا رفعه إِلى النّبيّ - ﷺ -» (١). ٣ - القُرْعة بين النّساء إِذا أراد سفرًا (٢): عن عائشة -رضي الله عنها- «أنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه» (٣). ٤ - النهي عن افتخار الضَّرَّة (٤): عن أسماء: «أن امرأة قالت: يا رسول الله! إِن لي ضَرَّة، فهل عليَّ جُناحٌ إِن تَشبّعتُ من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله - ﷺ -: المتشبّع (٥) بما لم يُعطَ كلابس ثَوبيْ زور» (٦). ٥ - استئذانُ الرجلِ نساءَهُ في أن يُمرَّض في بيت بعضهنّ: عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ رسول الله - ﷺ - كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة، فأذِنَ له أزواجه يكون --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٢١٤، ومسلم: ١٤٦١. (٢) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(باب - ٩٧). (٣) أخرجه البخاري: ٥٢١١، ومسلم: ٢٤٤٥. (٤) من تبويب الإمام البخاري -رحمه الله - في»كتاب النكاح«(باب - ١٠٦). (٥) المتشبّع؛ أي: المتزين بما ليس عنده، يتكثر بذلك، ويتزين بالباطل، كالمرأة تكون عند الرجل ولها ضرّة، فتدّعي من الحظوة عند زوجها أكثر مما عنده، تريد غيظ ضَرّتها.»الفتح". (٦) أخرجه البخاري: ٥٢١٩، ومسلم: ٢١٣٠. حيث شاء، فكان في بيت عائشة، حتى مات عندها، قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي، فقبضه الله؛ وإنّ رأسه لبَين نحري (١) وسَحري (٢)، وخالط ريقه ريقي» (٣). فائدة: جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٦٩) -بحذف-: «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل متزوّج بامرأتين، وإحداهما يحبُّها، ويكسوها، ويعطيها، ويجتمع بها أكثر من صاحبتها؟ فأجاب: الحمد لله، يجب عليه العدل بين الزوجتين باتفاق المسلمين»، وأشار إِلى الحديث: «من كانت له امرأتان ...»، ثمّ قال: «فعليه أن يعدل في القَسم، فإِذا بات عندها ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا بات عند الأخرى بقدر ذلك، ولا يُفضّل إِحداهما في القَسم. لكن إِنْ كان يحبها أكثر، ويطأها أكثر فهذا لا حرج عليه فيه؛ وفيه أنزل الله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ (٤)، أي: في الحب والجماع ... وأمّا العدل في النفقة والكسوة، فهو السنة أيضًا، اقتداءً بالنّبيّ - ﷺ -، فإِنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة؛ كما كان يعدل في القسمة». ------------------- (١) النحر: هو أعلى الصدر. (٢) السَّحر: الرئة؛ أي: أنه مات وهو مُستند إِلى صدرها وما يحاذي سَحرها منه. وقيل: السَّحْر: ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن ... أي: أنه مات وقد ضمته بيديها إِلى نحرها وصدرها. «النهاية». (٣) أخرجه البخاري: ٥٢١٧، ومسلم: ٢٤٤٣. (٤) النساء: ١٢٩. الولاية على الزّواج معنى الولاية (١): الولاية: حقٌّ شرعي، يُنفّذ بمقتضاه الأمر على الغير، جبرًا عنه. وهي ولاية عامّة، وولاية خاصّة. والولاية الخاصّة؛ ولاية على النفس، وولاية على المال. والولاية على النفس هي المقصودة هنا، أي: ولاية على النفس في الزواج. من هو الوليّ؟ الوليّ: هو قرابة المرأة؛ الأدنى فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إِذا تزوّجت بغير كفء؛ وكان المزوّج لها غيرهم ... (٢). وأدلّة اشتراط الولي كثيرة؛ منها (٣): قوله -تعالى-: ﴿فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ﴾ (٤). قالى الإِمام الشافعي -رحمه الله-: «هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى» (٥). ----------------- (١) عن «فقه السنة» (٢/ ٤٤٧). (٢) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٢٨) بتصرّف يسير. (٣) وقد تقدّم بعضها في (أركان عقد النكاح). (٤) البقرة: ٢٣٢. (٥) انظر «سبل السلام» (٣/ ٢٣٣)، وسيأتي الكلام قريبًا -إن شاء الله- حول هذه الآية الكريمة. وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٢٣٣): «ويدلّ لاشتراط الولي ما أخرجه البخاري، وأبو داود، من حديث عروة، عن عائشة: أنها أخبرته أنّ النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاحٌ منها نكاح النّاس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فَيُصْدِقها، ثمّ ينكحها ... ثمّ قالت في آخره: فلمّا بُعث محمد - ﷺ - بالحق هدَم نكَاح الجاهلية كله إِلا نكاح النّاس اليوم (١). فهذا دالٌّ أنه - ﷺ - قرَّر ذلك النكاح المعتبر فيه الولي، وزاده تأكيدًا بما قد سمعت من الأحاديث، ويدلّ له نكاحه - ﷺ - لأم سلمة، وقولها: إِنه ليس أحد من أوليائها حاضرًا، ولم يقل - ﷺ -: أنكحي أنت نفسك، مع أنه مقام البيان. ويدل له قوله -تعالى-: ﴿ولا تُنْكِحُوا المشركين﴾ (٢) فإِنه خطاب للأولياء بأن لا يَنْكحوا المسلماتِ المشركين ...». وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٢٩): «... ولا شكّ أن بعض القرابة أَدْخَلُ في هذا الأمر من بعض، فالآباء والأبناء أولى من غيرهم، ثمّ الإِخوة لأبوين، ثمّ الإِخوة لأب أو لأمّ، ثمّ أولاد البنين وأولاد البنات، ثمّ أولاد الإِخوة وأولاد الأخوات، ثمّ الأعمام والأخوال، ثمّ هكذا من بعد هؤلاء. ومن زعَم الاختصاص بالبعض دون البعض؛ فليأتنا بحُجّة، وإن لم يكن بيده إِلا مجرد أقوال من تقدمه؛ فلسنا ممن يُعَوِّل على ذلك، وبالله التوفيق». وقال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» (١١/ ٣٥): "وأمّا قولنا: إنه لا يجوز إِنكاح الأبعد من الأولياء مع وجود الأقرب، فلأن الناس كلّهم يلتقون --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٢٧. (٢) البقرة: ٢٢١. في أب بعد أب إِلى آدم -عليه السلام- بلا شكّ، فلو جاز إِنكاح الأبعد مع وجود الأقرب؛ لجاز إِنكاح كلّ من على وجه الأرض؛ لأنه يلقاها بلا شك في بعض آبائها! فإِنْ حَدُّوا في ذلك حدًّا كُلّفوا البرهان عليه -ولا سبيل إِليه-. فصحّ يقينًا أنه لا حقّ مع الأقرب للأبعد. ثمّ إِنْ عُدِمَ فَمَنْ فَوْقَهُ بِأَبٍ .. هكذا أبدًا؛ ما دام يُعْلَمُ لها وليّ عاصب؛ كالميراث ولا فرق». وسألت شيخنا -رحمه الله-: «هل ينعقد نكاح المرأة بوليّ؛ مع وجود من هو أولى منه؟». فأجاب: «إِذا كان بإِذنه جاز؛ وإلا فلا». *شروط الوليّ: ويشترط في الولي: الحرية، والعقل، والبلوغ؛ سواء كان المُولَّى عليه مسلمًا أو غير مسلم، فلا ولاية لعبد، ولا مجنون، ولا صبي؛ لأنه لا ولاية لواحد من هؤلاء على نفسه، فأولى ألا تكون له ولاية على غيره. ويزاد على هذه الشروط شرط رابع، وهو الإِسلام، إِذا كان المُولَّى عليه مسلمًا؛ فإِنه لا يجوز أن يكون لغير المسلم ولاية على السلم؛ لقول الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (١). عدم اشتراط العدالة: ولا تشترط العدالة في الولي؛ إِذ الفسق لا يسلب أهلية التزويج، إِلا إِذا خرج به الفسق إِلى حد التهتُّك؛ فإِنّ الولي في هذه الحالة لا يؤتمن على ما تحت -------------------- (١) النساء: ١٤١. يده، فَيُسْلَبُ حقّه في الولاية؛ [وللسلطان في ذلك شأن وتدبير] * (١). جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٠١): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوّج بامرأة، وليها فاسق يأكل الحرام ويشرب الخمر؛ والشهود أيضًا كذلك، وقد وقع به الطلاق الثلاث: فهل له بذلك الرخصة في رجعتها؟ فأجاب: إِذا طلقها ثلاثًا وقع به الطلاق. ومن أخذ ينظر بعد الطلاق في صفة العقد، ولم ينظر في صفته قبل ذلك: فهو من المتعدين لحدود الله، فإِنه يريد أن يستحل محارم الله قبل الطلاق، وبعده. والطلاق في النكاح الفاسد المختلف فيه عند مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، والنكاح بولاية الفاسق: يصح عند جماهير الأئمة، والله أعلم». المرأة لا تزوّج نفسها: ليس للمرأة أن تزوّج نفسها؛ لأنّ الولاية شرط في صحّة العقد. ومن الأدلّة على ذلك: قوله -سبحانه-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَى منكم والصَّالحين مِن عبَادكُم وإِمَائِكم﴾ (٢). فكان الخطاب هنا للأولياء. وكذلك قوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طلَّقتم النّساء فَبَلَغْنَ أجلهُنَّ فلا تَعضُلوهنّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهنَّ إِذا تَراضَوا بينهم بالمعروف ذلك يُوعَظُ به -------------------- (١) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٤٤٧). (٢) النور: ٣٢. من كان مِنْكُم يُؤمن بالله واليوم الآخر ذلكُم أزكى لكُم وأطْهَر والله يَعْلم وأنتم لا تعلمون﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- بحذف:»... عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثمّ يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي عنه. وكذا قال مسروق، وإِبراهيم النخعي، والزهري والضحاك أنها نزلت في ذلك. وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية. وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنه لا بدّ في تزويجها مِن وليّ؛ كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها ...» (٢). ثمّ أشار إِلى ما ورد عن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: «زوجتُ أختًا لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشْتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئتَ تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾؛ فقلتُ: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزَوجها إِيّاه» (٣). ----------------------- (١) البقرة: ٢٣٢. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٧) وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٤١). (٣) أخرجه البخاري: ٥١٣٠. وعن أبى موسى أنّ النبيّ - ﷺ - قال: «لا نكاح إِلا بوليّ» (١). وفي رواية: «لا نكاح إلاَّ بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عدل» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-. فإِنْ دخَل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطان وليُّ من لا وليّ له» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كُنّا نعدُّ التي تنكح نفسها هي الزانية» (٤). وأمّا استدلال بعض الفقهاء بقول الله -تعالى-: ﴿فإنْ طَلّقَهَا فلا تَحِلُّ له من بَعْد حتَّى تًنْكِح زوجًا غَيْرَه﴾ (٥). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٧٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٦)، وانظر «الإرواء» (١٨٥٨)، و«المشكاة» (٣١٣٠). (٢) أخرجه أحمد، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (١٨٥٨، ١٨٦٠)، وتقدّم. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٨٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٤)، وانظر «الإروإء» (١٨٤٠)، وتقدّم. (٤) أخرجه الدارقطني، والبيهقي، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦/ ٢٤٩): إسناده صحيح على شرط الشيخين. (٥) البقرة: ٢٣٠. وقوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طَلَّقتُم النِّساء فبلَغْن أجَلَهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهُنّ﴾ (١). وقولهم: في هاتين الآيتين إِسناد الزواج إِلى المرأة؛ فهو دليل على أنها تلي أمر نفسها في الزواج!! فالردّ عليه من وجوه كثيرة، أبرزها ما تقدّم من أدلّة، ثمّ إِن المعنى: حتى تنكح زوجًا غيره في ضوء الشروط المنصوص عليها؛ لا بمعزلٍ عنها، فلا ينبغي أن نضرب بعض النصوص ببعض. وفي الآية الأخرى في قوله: فـ ﴿لا تَعْضُلُوُهنَّ﴾ ما يدلّ على أن الخطاب للأولياء كما تقدّم. وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٣١ - ٣٢): «وسئل -رحمه الله- عن امرأة خلاها أخوها في مكان لتوفي عدة زوجها، فلمّا انقضت العدة هربت إِلى بلد مَسيرةَ يوم، وتزوّجت بغير إِذن أخيها، ولم يكن لها ولي غيره: فهل يصح العقد أم لا؟ فأجاب: إِذال يكن أخوها عاضلًا لها، وكان أهلًا للولاية: لم يصح نكاحها بدون إِذنه، والحال هذه، والله أعلم». إِذا كان الوليّ هو الخاطب (٢): قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أوْلى --------------------- (١) البقرة: ٢٣٢. (٢) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٣٧". النّاس بها، فأمَر رجلًا فزوّجه (١). وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إِليّ؟ قالت: نعم، فقال: قد تزوجتك (٢). وقال عطاء: ليُشهد أني قد نكحتكِ، أو ليأمر رجلًا من عشيرتها (٣)». قال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر البخاري» (٣/ ٣٦٦): «المفهوم من كلام الشارح أنّ عطاء بن أبي رباح قاله في امرأة خطبها ابن عمّ لها؛ لا رجل لها غيره، قال حين سألوه عنها:»فلتشهد أنّ فلانًا خطبها، وإني أشهدكم أني قد نكحته«، أو تفوض الأمر إِلى الوليّ الأبعد، وهو معنى قوله بعد هذا:»أو ليأمر رجلًا من عشيرتها«، والكلام جرى على التذكير في ضبط الشارح، ونحن أتينا البيوت من أبوابها». قال الحافظ في «الفتح» بعد تبويب الإِمام البخاري -رحمهما الله تعالى-: «الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز، فإِنّ الآثار التي فيها أمر الولي غيره أن يزوجه ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه نفسه، وقد أورد في الترجمة أثر عطاء الدالّ على الجواز، وإنْ كان الأولى عنده أن لا يتولى أحد طرفَي العقد. وقد اختلف السلف في ذلك، فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه والليث: يزوج الولي نفسه، ووافقهم أبو ثور: وعن --------------------- (١) رواه البخاري معلّقًا، ووصله وكيع في»مصنفه«، وعنه البيهقي وسعيد بن منصور، وانظر»الفتح«، و»مختصر البخاري«(٣/ ٣٦٦). (٢) رواه البخاري معلقًا، ووصله ابن سعد. (٣) رواه البخاري معلقًا، ووصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وانظر»مختصر البخاري" (٣/ ٣٦٦). مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوِّجني بمن رأيت، فزوَّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لَزِمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعي: يزوجهما السلطان، أو ولي آخر مثله، أو أقعد منه. ووافقه زفر وداود. وحُجّتهم أنّ الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح مُنكحًا كما لا يبيع من نفسه». انتهى. وقال ابن حزم -رحمه الله-: «وأمّا قولهم: إِنه لا يجوز أن يكون الناكح هو المُنْكِح! ففي هذا نازعناهم، بل جائز أن يكون الناكح هو المُنْكِح، فدعوى كدعوى. وأمّا قولهم: كما لا يجوز أن يبيع من نفسه! فهي جملة لا تصحّ كما ذكروا، بل جائز إِن وُكِّل ببيع شيء أن يبتاعه لنفسه، إن لم يُحابها بشيء». ثمّ ساق البرهان على صحة ما رجّحه (١)، من أن البخاري روى عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، وأولم عليها بِحيس (٢). قال: «فهذا رسول الله - ﷺ - زوَّج مولاته من نفسه، وهو الحُجّة على من سواه». ثمّ قال: «قال الله -تعالى-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَىَ منكم والصَّالحين من عِبَادِكُم وإِمَائِكُم إِن يَكُونوا فُقَرَاء يُغْنهم الله من فضله والله واسعٌ عليم﴾ (٣). فمن أنكح أيّمة من نفسه برضاها، فقد فعل ما أمره الله -تعالى- به، ولم يمنع --------------------- (١) هذا كلام السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة«(٢/ ٤٥٧). (٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٩، ومسلم: ١٣٦٥. و(الحَيْسُ):»هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسّمْن. وقد يجعل عوض الأقط: الدقيق أو الفتيت«.»النهاية". (٣) النور: ٣٢. الله -عز وجل- من أن يكون المنكح لأيمة هو الناكح لها، فصح أنه الواجب» (١). غَيْبَةُ الوليّ: لا ولاية للبعيد مع وجود الوليّ الأقرب؛ فبحضور الأب لا ولاية للأخ أو العمّ؛ فضلًا عن غيرهما، وعقد هؤلاء موقوف على صاحب الولاية: الأب. وفي حالة غياب الأقرب يأتي من يليه؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢). ولقوله - ﷺ -: «إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٣). فلا يمكن تعطيل الزواج لغيابه وصعوبة الاتصال به وأخْذِ رأيه، وذلك حين لا يترجّح أوان عودته، ولا يخفى ما يترتّب على ذلك من تفويت مصالح النكاح العامّة والخاصّة، وليس لهذا الوليّ الغائب أن يعترض على ما كان. ولاية غير الآباء على الصغار: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنه حين هلَك عثمان بن مظعون ترك ابنة له. قال ابن عمر: فزوّجنيها خالي قُدامة -وهو عمها- ولم يشاورها، وذلك بعدما هلك أبوها، فكرهت نكاحه، وأحبت الجارية أن يزوجها المغيرة بن شعبة، فزوجها إِياه» (٤). --------------------- (١) انظر «المحلّى» (١١/ ٦٣)، وذكره الشيخ السيد سابق -رحمه الله- في «فقه السنة» (٢/ ٤٥٧). (٢) التغابن: ١٦. (٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧. (٤) أخرجه أحمد، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٣) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٣٥). ![]()
__________________
|
|
#122
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 136الى صــ150 الحلقة (122) وجاء في تبويب «سنن ابن ماجه»: (باب نكاح الصغار يزوّجهن غير الآباء). وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩): «وسئل -رحمه الله- عن وجل له بنت، وهي دون البلوغ، فزوَّجوها في غَيبة أبيها، ولم يكن لها ولي؛ وجعلوا أن أباها توفي -وهو حي- وشهدوا أن خالها أخوها؛ فهل يصح العقد أم لا؟ فأجاب: إِذا شهد وا أن خالها أخوها؛ فهذه شهادة زور، ولا يصير الخال وليًا بذلك؛ بل هذه قد تزوّجت بغير ولي، فيكون نكاحها باطلًا عند أكثر العلماء والفقهاء، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وللأب أن يجدده، ومن شهد أن خالها أخوها وأن أباها مات؛ فهو شاهد زور، يجب تعزيره، ويعزر الخال، وإِن كان دخل بها فلها المهر، ويجوز أن يزوجها الأب في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه، والله أعلم». السلطانُ وليُّ من لا ولي له: إذا لم يكن للمرأة وليّ؛ فوليّها السلطان. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-، فإِنْ دخَل بها، فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليّ له» (١). وقال الإِمام البخاري -رحمه الله-: (باب السلطان وليّ؛ لقول النّبيّ - ﷺ - «زوّجناكها بما معك من القرآن») (٢). -------------------- (١) تقدّم تخريجه. (٢) انظر كتاب النّكاح (باب - ٤٠). قال القرطبي -رحمه الله-: «وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه، ولا وليّ لها، فإِنها تُصيِّرُ أمرها إِلى من يوثَق به من جيرانها، فيزوجها ويكون هو وليّها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بد لهم من التزويج، وإِنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن. وعلى هذا، قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إِنه يزوجها مَن تُسند أمرها إِليه؛ لأنها ممن تضعُف عن السلطان، فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت في الجملة إِلى أن المسلمين أولياؤها» (١). وجاء في «المحلّى» (١١/ ٣٠): «وصح عن ابن سيرين في امرأة لا ولي لها، فولت رجلًا أمرها، فزوّجها، قال ابن سيرين: لا بأس بذلك، المؤمنون بعضهم أولياء بعض». عضْل الوليّ: عضْل المرأة: هو منْعها من التزوّج ظُلمًا. وليس للولي أن يعضل من يلي أمرها دون مسوّغ، أو سبب شرعي، فتقدُّم من يُرضى عن دينه وخُلُقه -حين يدفع مهر المِثل- لا يجوز ردّه، ومن حقّها أن تشكو وليّها إِلى القاضي. قال الله -تعالى-: ﴿وإِذا طلَّقْتُم النَّسَاء فَبَلَغْن أجلهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزواجَهنّ إِذا تراضَوا بينهم بالمعروف﴾ (٢). ---------------- (١) «الجامع لأحكام القرآن» (٣/ ٧٦)، وذَكَرْهُ الشيخ السيد سابق -رحمه الله- في «فقه السنة» (٢/ ٤٥٩). (٢) البقرة: ٢٣٢. وقد نزلت هذه الآية في معقل بن يسار -كما تقدّم-. فعن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزَلَت فيه قال: «زوجْتُ أختًا لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدّتها جاء يخطُبُها، فقلت له: زوجْتُك وأفرشتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئت تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبدًا! وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزوجها إِيّاه» (١). جاء في «المحلّى» (١١/ ٦١) تحت المسألة (١٨٤١): «ولا يكون الكافر وليًّا للمسلمة، ولا المسلم وليًّا للكافرة، الأب وغيره سواء، والكافر ولي للكافرة التي هي وليّته، يُنكحها من المسلم والكافر. برهان ذلك قول الله -عز وجل- ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ (٣)، وهو قول من حفِظْنا قوله، إِلا ابن وهب صاحب مالك قال: إِن المسلم يكون وليًا لابنته الكافرة في إِنكاحها من المسلم أو من الكافر! وهذا خطأ لما ذكرنا. وبالله -تعالى- التوفيق». وجاء فيه أيضًا (٤٣ - ٤٤) تحت المسألة (١٨٢٨): "وإذا أسلمت البكر ولم يسلم أبوها، أو كان مجنونًا؛ فهي في حُكم التي لا أب لها؛ لأن الله ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٣٠، وتقدّم. (٢) التوبة: ٧١. (٣) الأنفال: ٧٣. -تعالي- قطع الولاية بين الكفار والمؤمنين، قال -تعالى-: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تَتَولَّوا قومًا غَضِبَ الله عليهم﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢). وصح في المجنون قول رسول الله - ﷺ -:»رفع القلم عن ثلاثة«؛ فذكر منهم:»المجنون حتى يفيق«(٣). وقد صحّ أنه غير مخاطب باستئمارها ولا بإِنكاحها، وإنما خاطب -عز وجل- أولي الألباب، فلها أن تنكح من شاءت بإِذن غيره من أوليائها، أو السلطان». جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٣٥): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل أسلم: هل يبقى له ولاية على أولاده الكتابيِّين؟ فأجاب: لا ولاية له عليهم في النكاح، كما لا ولاية له عليهم في الميراث، فلا يزوج المسلم الكافرة، سواء كانت بنته أو غيرها، ولا يرث كافر مسلمًا ولا مسلم كافرًا، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف ... (٤)». --------------------- (١) الممتحنة:١٣. (٢) التوبة: ٧١. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦٠) واللفظ له وغيرهما، وانظر «الإرواء» (٢٩٧)، وتقدّم. (٤) انظر تتمّة الإِجابة للمزيد من الفائدة -إن شئت-. اليتيمة تُستأمر في نفسها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تُسْتأمر (١) اليتيمة في نفسها، فإِنْ سكتت فهو إِذنها، وإن أبت فلا جواز عليها (٢)» (٣). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إِلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إِلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوَّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني: إِلى أمّها، فأرغبها في المال، فحطَّتْ إِليه (٤)، وحطَّتْ الجارية إِلى هوى أمّها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إِلى رسول الله - ﷺ -، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله! ابنة أخي أوصى بها إِليّ، فزوجتها ابنَ عمتها عبدَ الله بن عمر، فلم أقصِّرْ بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإِنما حطَّتْ إِلى هوى أمها! قال: فقال رسول الله - ﷺ -: هي يتيمة، ولا تنكح إِلا بإِذنها. قال: فانتُزعت -والله- مني، بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة» (٥). جاء في «زاد المعاد» (٥/ ١٠٠): «وقضى رسول الله - ﷺ - أن اليتيمة --------------------- (١) أي: تُسْتأذن. (٢) أي: لا تعدّي عليها ولا إِجبار.»المرقاة«(٦/ ٢٩٨). (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٤٣)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٨٦)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠٦٧)، وانظر»الإرواء«(١٨٣٤)، وانظر -إِن شئت المزيد من الفائدة- ما جاء في»الفتاوى«(٣٢/ ٤٣ - ٥٣). (٤)»أي: مالت إليه، ونزلت بقلبها نحوه«.»النهاية«. (٥) أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (١٨٣٥). تُستأمر في نفسها، و»لا يُتْمَ بعد احتلام (١) «، فدلّ ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب عائشةرضي الله عنها-، وعليه يدلُّ القرآن والسّنّة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما. قال -تعالى-: ﴿ويَستفتُونك في النّساء قُل الله يُفِتيكُم فيهنَّ وما يُتْلَى عليكم في الكتاب في يَتَامَى النِّساء اللاتي لا تُؤتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنّ وتَرغَبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢). قالت عائشة -رضي الله عنها-: هي اليتيمة تكون في حَجر وليها، فيرغب في نكاحها، ولا يُقْسِط لها سُنة صَداقها، فنهوا عن نكاحهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ سُنّة صَداقهنّ (٣)». استئذان المرأة قبل النكاح: عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الأيّم (٤) أحقّ بنفسها مِن وليّها، والبِكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتها» (٥). ---------------------- (١) أخرجه عدد من الأئمة، وصححّه شيخنا -رحمه الله - في «الإِرواء» (١٢٤٤) بعددٍ من الطُّرق والشواهد. (٢) النساء: ١٢٧. (٣) انظر «صحيح مسلم» (٣٠١٨). (٤) الأيّم في الأصل: التي لا زوج لها؛ بكرًا كانت أو ثيبًا، مطلَّقة كانت أو متوفّى عنها، ويريد بالأيّم في هذا الحديث الثيّب خاصة، يُقال: تأيمت المرأة وآمت: إِذا أقامت لا تتزوّج. «النهاية». (٥) أخرجه مسلم: ١٤٢١. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تُنكَح الأيّم حتى تُستأمَر، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذَن، قالوا: يا رسول الله! وكيف إِذنها؟ قال: أن تسكت» (١). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «أصل الاستئمار: طلبُ الأمر؛ فالمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها. ويؤخذ من قوله: لا تستأمر؛ أنّه لا يعقد إِلا بعد أن تأمر بذلك». وعن خنساءَ بنت خذامٍ الأنصارية: «أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب، فكرهَت ذلك، فأتت رسول الله - ﷺ -، فردّ نكاحها» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ جارية بكرًا أتت النّبيّ - ﷺ -، فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة، فخيرها النّبيّ - ﷺ -» (٣). وثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنه: «كان إِذا أراد أن يُزوّج بنتًا من بناته جلس إِلى خدرها، فقال: إِنّ فلانًا يذكرُ فلانة -يسمّيها، ويسمّي الرجل الذي يذكُرها-! فإِنْ هي سكتت؛ زوَّجها، أو إِن كرهت نقرت الستر، فإِذا نقرته لم يزوجها» (٤). وقال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «باب إِذا زَوّج الرجل ابنته وهي كارهة، ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٣٦، ومسلم: ١٤١٩. (٢) أخرجه البخاري: ٥١٣٨. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٤٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٢٠)، وانظر»المشكاة«(٣١٣٦). (٤) انظر»الصحيحة«(٢٩٧٣)، وانظر للمزيد ما جاء في»الفتاوى" (٣٢/ ٣٠). فنكاحه مردود» (١). ثمّ ذكر حديث خنساء بنت خدام. جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٧٢) بعد أن ذكَر عددًا من الأدلّة المتقدّمة وقال: «والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهي تفيد أنه لا يصح نكاح من لم ترْضَ؛ بِكْرًا كانت أو ثيّبًا». وقد فصل العلامة ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٥/ ٩٥) فأجاد وأفاد. الوكالة في الزواج: *الوكالة من العقود الجائزة في الجملة؛ لحاجة الناس إِليها في كثير من معاملاتهم. وقد اتفق الفقهاء على أنّ كلّ عقد جاز أن يعقده الإِنسان بنفسه، جاز أن يُوكِّل به غيره، كالبيع، والشراء، والإِجارة، واقتضاء الحقوق، والخصومة في المطالبة بها، والتزويج، والطلاق، وغير ذلك من العقود التي تقبل النيابة. وقد كان النّبيّ -صلوات الله وسلامه عليه- يقوم بدور الوكيل في عقد الزواج، بالنسبة لبعض أصحابه؛ روى أبو داود عن عقبة بن عامر: أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت: نعم! فزوَّج أحدهما صاحبه، فدخَل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يعطها شيئًا. وكان ممّن شهد الحديبية وكان مَن شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلمّا -------------------- (١) انظر»صحيح البخاري" (كتاب النكاح) (باب - ٤٢). حضرته الوفاة، قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقًا، ولم أُعطها شيئًا، وإنّي أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهمًا، فباعته بمائة ألف» (١). وفي هذا الحديث دليل على أنه يصحّ أن يكون الرّجل وكيلًا عم الطرفين. عن أمّ حبيبة: «أنها كانت عند ابن جحش، فهلَك عنها، وكان فيمن هاجر إِلى أرض الحبشة، فزوّجها النجاشيُّ رسولَ الله - ﷺ - وهي عندهم» (٢). ويصح التوكيل من الرجل العاقل البالغ الحر؛ لأنه كامل الأهلية، وكلّ من كان كامل الأهلية، فإِنه يملك تزويج نفسه بنفسه، وكل من كان كذلك، فإِنه يصح أن يُوكِّل عنه غيره. أمّا إِذا كان الشخص فاقد الأهلية أو ناقصها، فإِنه ليس له الحق في توكيل غيره؛ كالمجنون، والصبي، والمعتوه، فإِنه ليس لواحد منهم الاستقلال في تزويج نفسه بنفسه. والتوكيل يجوز مطلقًا ومقيدًا: فالمطلق: أن يُوكِّل شخص آخر في تزويجه، دون أن يقيده بامرأة معينة، أو بمهر، أو بمقدارٍ مُعين من المهر. والمقيّد: أن يوكّله في التزويج، ويقيده بامرأة معيّنة، أو امرأة من أسرة معينة، أو بقدر معين من المهر* (٣). ---------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٩)، وانظر «الإِرواء» (١٩٢٤). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٤٢). (٣) ما بين نجمتين عن «فقه السُّنّة» (٣/ ٤٦٣). جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٣٢): «ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكّل لعقد النكاح، ولو واحدًا؛ لحديث عقبة بن عامر عند أبي داود أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه ... الحديث. وقد ذهب إِلى ذلك جماعة من أهل العلم: الأوزاعي، وربيعة، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث، وأبو ثور. وحكى في»البحر«عن الشافعي، وزُفَر: أنه لا يجوز. وقال في»الفتح«: وعن مالك: لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لزمها ذلك؛ ولو لم تعلم عين الزوج ...». وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون صحّة عقد الزواج للغائب إِذا وُثّق؟ فقال: نعم؛ بالشرط المذكور. هل الكفاءة (١) في الزواج معتبرة؟ هذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال باعتبارها، ومنهم من لم يقُل بذلك. ومن الأحاديث التي ذكَرها القسم الأوّل في ذلك: ١ - ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: «ثلاث لا يؤخَّرن: الصلاة إِذا أتت، والجنازة إِذا حضرت، والأيّم إِذا وجدت لها كفُؤًا» (٢)، وهو ضعيف. ٢ - ما رُوي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: العرب ------------------------ (١) الكفء: المِثل والنظير. (٢) أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب حسن، قال شيخنا -رحمه الله-:»وفيه سعيد ابن عبد الله الجهني؛ قال أبو حاتم: مجهول ...«. وانظر»المشكاة«(٦٠٥)، و»ضعيف الترمذي" (٢٥). أكفاءٌ بعضهم لبعض، قبيلة لقبيلة، وحيٌّ لحي، ورجلٌ لرجل؛ إِلا حائك أو حجّام» (١). وهو موضوع. وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: «جاءت فتاة إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: إِنّ أبي زوَّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته! قال: فجعل الأمر إِليها، فقالت: قد أجزْتُ ما صنَع أبي، ولكن أردتُ أن تعلم النساء أَنْ ليس إِلى الآباء من الأمر شيء»، وهو ضعيف (٢). وعلى افتراض ثبوته أقول بما جاء في «الروضة» (٢/ ١٧): «ومحلّ الحُجّة منه قولها: ليرفع بي خسيسته، فإِنّ ذلك مُشعِر بأنه غير كفؤ لها، ولا يخفى أن هذا إِنما هو من كلامها، وإنما جعل النّبيّ - ﷺ - الأمر إِليها؛ لكون رضاها مُعتَبرًا. فإِذا لم ترض، لم يصح النكاح، سواء كان المعقود له كفؤًا، أو غير كفؤ. وأيضًا هو زوَّجها بابن أخيه؛ وابن عمّ المرأة كفؤ لها»، ثُمَّ ذكَّرني أحد الإِخوة بتراجع شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٣٣٣٧) عن إِعلاله بالانقطاع فثبت وصْلُه. ٣ - وذكروا أثر عمر -رضي الله عنه-: «لأمنعنّ تزوُّج ذوات الأحساب إِلا من الأكفاء». وقد أخرجه الدارقطني، وفيه انقطاع؛ فإِن إِبراهيم بن محمد بن طلحة لم يد رك عمر -رضي الله عنه-. وانظر «الإِرواء» (١٨٦٧). وهناك من استدلّ بأحاديث ثابتة، لكنها لا تدلّ على المطلوب. ومِن ذلك ------------------- (١) أخرجه الحاكم، وجاء في «الروضة الندية»: «وفي إِسناده رجل مجهول، وقال أبو حاتم: إِنه كذب لا أصل له، وذكر الحُفّاظ أنه موضوع». وانظر «الإرواء» (١٨٦٩). (٢) انظر «نقد نصوص حديثية» (ص ٤٤) و«التعليقات الرضية» (٢/ ١٤١). حديث:»خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إِذا فقهوا«(١). فهو كما جاء في»الروضة الندية«(٢/ ١٤٣) -بتصرّف-:»ليس فيه دلالة على المطلوب؛ لأن إِثبات كون البعض خيرًا من بعض؛ لا يستلزم أنّ الأدنى غير كفؤ للأعلى. وهكذا حديث: «إِنّ الله اصطفى كنانة من ولد إِسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢). وكذلك حديث سمرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «الحسب: المال، والكرم: التقوى» (٣). وأيضًا حديث بريدة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنّ أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إِليه: المال» (٤). فهذا ليس فيه إِقرار على ما ذهب إِليه أهل الدنيا، وإنما هو إِيضاحٌ للمعاني، وحكاية عن صنيعهم، قال صاحب «الروضة» (٢/ ١٨): «... فيكون في حُكم التوبيخ لهم والتقريع». والخلاصة؛ أنّ أحاديث هذا الباب -كما قال بعض العلماء في غير هذا ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٤٩٣، ومسلم: ٢٦٣٨. (٢) أخرجه مسلم: ٢٢٧٦. (٣) أخرحه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٦٠٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٣٩٩)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٧٠). (٤) أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦/ ٢٧٢). الموضوع- صحيحها غير صريح، وصريحها غير صحيح، وسيأتي ما أستطيعه -إِن شاء الله- من البيان. قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (١٩/ ٢٩): «وليس عن النّبيّ - ﷺ - نصٌّ صحيح صريح في هذه الأمور [عدم اعتبار الكفاءة]». وجاء في «الفتح» (٩/ ١٣٣): «ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث». ومنهم من قال بعدم اعتبار الكفاءة في النكاح؛ وأنها لا تكون إِلا في الدين والخُلُق. قال الله -تعالى-: ﴿إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ الله أتْقَاكُم﴾ (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «النّاسُ وَلدُ آدم، وآدم من تراب» (٢). قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «وقوله: ﴿وهو الذي خلَق من الماء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكان ربّك قديرًا﴾ (٣)». وهذا يُشعِر من الإِمام البخاري -رحمه الله- أنه يرى اعتبار الكفاءة في الدين فحسب؛ إِذ البشر من الماء، فلا بغي ولا تفاخر، ولا ترفُّع في النكاح. ومما ذكَره الإِمام البخاري -رحمه الله-: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- -------------------- (١) الحجرات: ١٣. (٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٠٠٩). (٣) الفرقان: ٥٤. عن النّبيّ - ﷺ - قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (١). فالذي ينبغي أن يصار إِليه؛ الظَّفَرُ بذات الدين. ثمّ ذكر -رحمه الله- حديث سهل -رضي الله عنه- قال: «مرّ رجل على رسول الله - ﷺ -، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِنْ خطب أن يُنْكَحَ، وإِن شَفِعَ أن يُشفّع، وإن قال أن يُستمَع! قال: ثمّ سكت. فمرّ رجلٌ من فُقراء المسلمين؛ فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِن خطب أن لا يُنْكَح، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يُستمع! فقال رسول الله - ﷺ -: هذا خيرٌ من ملء الأرض مِثل هذا» (٢). والحديث في غاية التصريح إِلى ما يذهب إِليه من يقول باعتبار الكفاءة في الدين والخُلُق. وفي رواية: «مرّ رجل على رسول الله - ﷺ -، فقال لرجلٍ عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس ...» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ أبا هند حَجَمَ النَّبيَّ - ﷺ - في اليافوخ (٤)، فقال النَّبيّ - ﷺ -: يا بني بياضة! أنكحوا أبا هند، وانكحوا إِليه» (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٠٩٠، ومسلم: ١٤٦٦. (٢) أخرجه البخاري: ٥٠٩١. (٣) أخرجه البخاري: ٦٤٤٧. (٤) أي: وسط رأسه. (٥) أخرجه البخاري في «التاريخ»، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٠)، = وجاء في «سُبل السلام» (٣/ ٢٥٠) عقب هذا الحديث: «... فنبه على الوجه المقتضي لمساواتهم [أي: المسلمين]، وهو الاتفاق في وصف الإِسلام. وللناس في هذه المسألة عجائب، لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع، ولا إِله إِلا الله! كم حُرِمت المؤمناتُ النكاحَ لكبرياء الأولياء واستعظامهم أنفسهم، اللهم إِنّا نبرأ إِليك من شَرْطٍ ولّده الهوى، وربّاه الكبرياء ...». وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممن شهد بدرًا مع النّبيّ - ﷺ - تبنّى سالمًا وأنكحه بنت أخيه هندًا بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار» (١). وعن فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لها: «انكحي أُسامة» (٢). جاء في «سُبل السلام» (٣/ ٢٥٠): «وفاطمة قرشية فِهْرِيَّة، أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأُوَل، كانت ذات جمال وفضل وكمال، جاءت إِلى رسول الله - ﷺ - بعد أن طلّقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه، فأخبرته أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطَباها، فقال رسول الله - ﷺ -:»أما أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه. وأمّا معاوية؛ فصعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد ... «الحديث، فأمرَها بنكاح أسامة مولاه ابن مولاه، وهي قرشية، وقدّمه على أكفائها ممن ذَكَر، ولا أعلم أنه طلب ---------------------- = وابن حبّان وغيرهم، وانظر»الصحيحة" (٢٤٤٦). (١) أخرجه البخاري: ٥٠٨٨. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٠، وتقدّم. ![]()
__________________
|
|
#123
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 151الى صــ165 الحلقة (123) من أحد من أوليائها إِسقاط حَقّه». وعن أبي حاتم المُزَنِيِّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا جاءكم من ترضون دينه. وخُلُقه فأنكحوه، إِلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا: يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: إِذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. ثلاث مرات» (١). وجاء في «الروضهَ الندية» (٢/ ٢٠ - ٢١): «وأعلى الصنائع المعتبرة في الكفاءة في النّكاح على الإِطلاق: العلمُ؛ لحديث:»العلماء ورثة الأنبياء«(٢). والقرآن الكريم شاهد صدق على ما ذكرناه، فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿قُل هل يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لا يعلمون﴾، وقوله -تعالى-: ﴿يرفعِ الله الذيق آمنو امِنْكُم والذين أُوتُوا العلم درجات﴾، وقوله -تعالى-: ﴿شهد الله أنّه لا إِله إلاَّ هُوَ والملائِكَة وأولو العلم﴾، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة، منها حديث:»خياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إِذا فقهوا«، وقد تقدّم. وبالجملة؛ إِذا تقرر لك هذا، عرفتَ أن المعتبر هو الكفاءة فى الدين والخلُق، لا في النسب (٣)». انتهى. -------------------- (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦٥، ٨٦٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٠١)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٦٨)، و«الصحيحة» (١٠٢٢). (٢) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» برقم (٧٠). (٣) وانظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- ما قاله ابن القيم -رحمه الله- من كَلامٍ قَيِّمٍ = وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «تخيّروا لنُطفِكم، وانكحوا الأكفاء، وانكحوا إِليهم» (١). وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٣/ ٥٧) عقب الحديث: «ولكن يجب أن يُعلم أنّ الكفاءَة إِنّما هي في الدين والخُلُق فقط». المهر حُكمه: جعل ديننا الحنيف للمرأة مهرًا يُدفع من قِبَل الزوج وأوجبه عليه. جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧١): «ودليل وجوبه: أنّه -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يسوّغ نكاحًا بدون مهر أصلًا. وفي الكتاب العزيز: ﴿وآتوا النساء صَدُقاتهنَّ نِحْلَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٣)، وقال: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضى بعْضُكُم إَلى بعض﴾ (٤) الآية، وقال -تعالى-: ﴿ولا جُنَاح عَليْكُم أنْ تنْكِحُوهُنَّ إِذا ------------------- = في»زاد المعاد«(٥/ ١٥٨). (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٠٢)، والحاكم وغيرهما، وانظر»الصحيحة" (١٠٦٧). (٢) النساء: ٤. (٣) النساء:٢٠. (٤) النساء:٢١. آتَيتُمُوهُنَّ أُجورَهنَّ﴾ (١)». انتهى. وهذا بما استحلّ من فرجها، كما في الآية المتقدّمة. وقال -سبحانه-: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضَى بعْضُكم إِلى بعض﴾. قال العلامة السعدي -رحمه الله-: «وبيان ذلك: أنّ الزوجة -قبل عقد النكاح- مُحرّمة على الزوج، ولم ترض بحلّها له إِلا بذلك المهر، الذي يدفعه لها. فإِذا دخَل بها وأفضى إِليها، وباشَرها المباشرة التي كانت حرامًا قبل ذلك [وهي الجماع]، والتي لم ترض ببذلها إِلا بذلك العِوض، فإِنه قد استوفى المُعوَّض، فثبت عليه العِوض، فكيف يستوفي المُعوَّض، ثمّ بعد ذلك يرجع في العِوض؟ هذا من أعظم الظلم والجور، وكذلك أخذ الله على الأزواج ميثاقًا غليظًا بالعقد، والقيام بحقوقها». وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنّ رسول الله - ﷺ - قال للمتلاعِنَين: «حسابكما على الله، أحدُكما كاذبٌ، لا سبيل لك عليها، قال: مالي؟! قال: لا مال لك، إِنْ كنت صدقتَ عليها؛ فهو بما استحللت من فرجها. وإنْ كنتَ كذبتَ عليها؛ فذاك أبعدُ لك» (٢). *وهذا المهر المفروض للمرأة، كما أنه يحقق هذا المعنى، فهو يطيّب نفس المرأة ويرضيها بقوامة الرجل عليها؟ قال -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامُون على النّساء بما فضَّل الله بَعْضَهُم على بَعْضٍ وبما أنْفَقوا من أمْوَالِهم﴾ (٣)، مع ما ---------------- (١) الممتحنة: ١٠. (٢) أخرجه البخاري: ٥٣١٢، ومسلم: ١٤٩٣. (٣) النساء: ٣٤. يضاف إِلى ذلك من توثيق الصِّلات، وإِيجاد أسباب المودة والرحمة* (١). وقال الله -تعالى-: ﴿وآتوا النِّساء صَدُقاتِهِنَّ نحْلَة فإِنْ طبْنَ لكم عن شيء مِنْهُ نَفْسًا فكُلوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢). أي: آتوا النساء مهورهن فريضةً مُسمّاة. قال ابن كثير -رحمه الله- بعد ذِكْر عدد من أقوال السلف: «ومضمون كلامهم: أنّ الرجل يجب عليه دفْع الصَّداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طَيِّبَ النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النِّحلة طَيِّبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صَداقها طيِّبًا بذلك، فإِن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه؛ فليأكله حلالًا طيبًّا، ولهذا قال: ﴿فإِن طِبْنَ لكم عن شيء منه نَفْسًا فكلوه هَنِيئًا مَرِيئًا﴾». قدْر المهر: *لم تجعل الشريعة حدًّا لقلّته ولا لكثرته، إِذ الناس يختلفون في الغنى والفقر، ويتفاوتون في السعة والضيق، ولكل جهة عاداتها وتقاليدها، فترَكت التحديد؛ ليعطي كل واحد على قدر طاقته، وحسب حالته ... وكل النصوص جاءت تشير إِلى أنّ المهر لا يشترط فيه إِلا أن يكون شيئًا له قيمة [وثمن]؛ بقطع النظر عن القلة والكثرة؛ فيجوز أن يكون خاتمًا من حديد [مبالغة في تقليله]، أو قدحًا من تمر، أو تعليمًا لكتاب الله، وما شابَه ذلك، -------------------- (١) ما بين نجمتين عن كتاب «فقه السنّة» (٢/ ٤٧٨). (٢) النساء: ٤. إِذا تراضى عليه المتعاقدان* (١). وقال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٩٧) تحت المسألة (١٨٥١) فيما يجوز من الصَّداق.«... ولو أنه حبَّة بُرٍّ أو حبَّة شعير أو غير ذلك، وكذلك كل عمل حلال موصوف؛ كتعليم شيء من القرآن أو من العلم أو البناء أو الخياطة أو غير ذلك إِذا تراضيا بذلك. وورد في هذا اختلاف». وقوله -تعالى-: ﴿... وآتَيتُم إِحْداهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢) يدل على جواز الكثرة، وعدم تحريم ذلك. قال العلامة السعدى -رحمه الله-: «مع أنّ الأفضل واللائق؛ الاقتداء بالنّبيِّ - ﷺ - في تخفيف المهر ... لكن قد يُنهى عن كثرة الصَّداق؛ إِذا تضمّن مفسدةَ دينية، وعدم مصلحة تُقاوَم». وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٢): «السُّنّة تخفيف الصّداق وأن لا يزيد على نساء النّبيّ - ﷺ - وبناته ...». وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٣): «قال: في»الحجة«: ولم يضبط النّبيّ - ﷺ - المهر بحدٍّ لا يزيد ولا ينقص؛ إِذ العادات في إِظهار الاهتمام مختلفة، والرغبات لها مراتب شتى، ولهم في المشاحَّة طبقات؛ فلا يمكن تحديده عليهم؛ كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحدٍّ مخصوص». عن سهل بن سعد الساعدي يقول: «إِني لفي القوم عند رسول الله - ﷺ -؛ إِذْ --------------------- (١) ما بين نجمتين عن»فقه السُّنَّة" (٢/ ٤٧٨) بحذفٍ يسير. (٢) النساء: ٢٠. قامت امرأة فقالت: يا رسول الله! إِنها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ (١) فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت فقالت: يا رسول الله! إِتها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ فيها رأيك، فلم يُجبها شيئًا، ثمّ قامت الثالثة فقالت: إِنها قد وَهَبت لك، فرَ فيها رأيك، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله! أنكِحْنيها، قال: هل عندك من شيء؟ قال: لا، قال: اذهب فاطلب ولو خاتمًا من حديد، فذهب وطلب، ثمّ جاء فقال: ما وجدتُ شيئًا، ولا خاتمًا في حديد، قال: هل معك من القرآن شيء؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا، قال: اذهب فقد أنكحتُكها بما معك من القرآن» (٢). وعن أنس قال: «خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مِثلك يا أبا طلحة! يُردّ، ولكنك رجل كافر، وأنا مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوجك، فإِنْ تُسلِم فذاك مهري، وما أسألك غيره. فأسلَم؛ فكان ذلك مهرها» (٣). وقد يكون المهر على العمل يُعمل؛ وجاء في تبويب «سنن أبي داود»: (باب، في التزويج على العمل يُعمَل). ثم ذكر حديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه-؛ وفيه: «هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا -لسُورٍ سمّاها-، فقال له رسول الله - ﷺ -: قد زوجتُكَها بما معك من القرآن» (٤). ----------------------- (١) فعل أمرٍ من (رأى)؛ أي: انظر. (٢) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم: ١٤٢٥. (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٣٣)، وانظر تخريجه في «أحكام الجنائز» (ص ٣٨). (٤) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم، ١٤٢٥، وهذا لفظ أبي داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٦)، وتقدّم. و(العمل يُعمل) هنا: إِفادة زوجِهِ من السور التي يحفظها، وذلك أنّ المهر المادّي إِنما هو بما يستحلّه الرجل من فرج المرأة، فينبغي إِذًا أن نحمل المهر هنا؛ على إِفادتها من خلال تعليمه لها ما استطاع من هذه السُّور، وانتفاعها بعمله بمقتضاها -ما استطاع إِلى ذلك سبيلًا-. فليس المراد من حفظه القرآن الا ما تستفيد منه هي ليكون مهرها. وبذا، فيفيدنا ما جاء من تبويب في «سنن أبي داود» قوله: «التزويج على العمل يُعمل» أن يقدّم أعمالًا أو خدماتٍ معيّنة للزوجة؛ فقد يعلّمها القراءة أو الكتابة، وقد يتعهّد بعلاجها إِنْ كان مختصًا بذلك ... إِلخ. والله -تعالى- أعلم. مسألة: إِذا اختلف ما اتفق عليه العاقدان في السرّ والعلانية. جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٩): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوج امرأة وأعطاها المهر، وكُتب عليه صَداقًا ألف دينار، وشرطوا عليه أننا ما نأخذ منك شيئًا إِلا عندنا عادة وسمعة، والآن توفي الزوج، وطلبت المرأة كتابها من الورثة على التمام والكمال؟ فأجاب: إِذا كانت الصورة ما ذُكِر؛ لم يجُز لها أن تطالب إِلا ما اتفقا عليه، وأمّا ما ذُكر على الوجه المذكور؛ فلا يحلّ لها المطالبة به، بل يجب لها ما اتفقا عليه». وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا اتفق العاقدان في السرّ على المهر، ثمّ تعاقدا في العلانية بأكثر منه واختلفا؛ فبِمَ يكون الحُكم؟ فأجابني شيخنا -رحمه الله-: الحُكم بالمعلَن. وقال الإِمام البخاري -رحمه الله-: (باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإِسلام (١». قال الله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضْلِه﴾ (٢). وذكر حديث سهل بن سعد. قال الحافظ: «قوله [أي: الإِمام البخاري]: لقوله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضلِه﴾: هو تعليل لحُكم الترجمة، ومحصّله أن الفقر في الحال لا يمنع التزويج؛ لاحتمال حصول المال في المآل، والله أعلم». وقال الإِمام البخاري (٣) -رحمه الله-: (باب المهر بالعُروض وخاتمٍ من حديد). والعُروض ما يقابل النقد، كما قال الحافظ -رحمه الله-. فائدة: جاء في «السلسلة الضعيفة» (٤): «قد اعتاد كثير من الآباء مثل هذا الشرط [أي: أن يشترط لنفسه سوى المهر]، وأنا وإنْ كنتُ لا أستحضر الآن ما يدلّ على تحريمه، ولكني أرى -والعلم عند الله تعالى- أنه لا يخلو من شيء، فقد ---------------------- (١) انظر»صحيح البخاري«(كتاب النكاح) (باب - ٦)، وذكر الإِمام البخاري -رحمه الله- الآية في (باب - ١٤). (٢) النّور: ٣٢. (٣) انظر»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٥١«. (٤) تحت الحديث الضعيف برقم (١٠٠٧):»أيّما امرأة نُكحت على صداق أو حباء أو عدّة قبل عِصمة النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح، فهو لمن أُعْطِيَهُ. وأحقُّ ما أُكْرِمَ عليه الرجل ابنتُهُ أو أختُهُ". صحّ أن النبيّ - ﷺ - قال:»إِنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق (١) «، ولا أظن مسلمًا سليم الفطرة، لا يرى أن مثل هذا الشرط ينافي مكارم الأخلاق، كيف لا؟! وكثيرًا ما يكون سببًا للمتاجرة بالمرأة إِلى أن يحظى الأب أو الولي بالشرط الأوفر، والحظ الأكبر، وإلا أعضلها! وهذا لا يجوز؛ لنهي القرآن عنه» (٢). انتهى. النهي عن المغالاة في المهور: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ مِن يمُن (٣) المرأة تيسير خِطبتها، وتيسير صَداقها، وتيسير رحمها». قال عروة: يعني: «تيسير رحمها للولادة». قال عروة: «وأنا أقول مِن عندي: مِن أوّل شُؤمها: أن يكثر صَداقها» (٤). وعن أنس: «أنّ رسول الله - ﷺ - رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه وَضَرٌ (٥) من --------------------- (١) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«، وأحمد، والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«(٤٥). (٢) وانظر -إِن شئت- ما قاله الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(١١/ ١٢٧) تحت المسألة (١٨٥٥) (٣) اليُمْنُ؛ أي: البركة، وضدّه الشُّؤم.»النهاية«. (٤) أخرجه أحمد وغيره، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«تحت (١٩٢٨)، وكان شيخنا -رحمه الله- قد تردد في أسامة بن زيد؛ أهو الليثي أم العدوى؟! وفي التحقيق الثاني»للإرواء«(٦/ ٣٥٠) قال -رحمه الله-:»ثم رأيت ما يرجّح أنه الليثي، وهو قول السخاوي في «المقاصد» (ص ٤٠٤)، وسنده جيّد«. (٥) الوضر: لطخ من خلوق، أو طيب له لون، وذلك من فعل العروس إِذا دخل على زوجته، والوضر: الأثر من غير الطيب.»النهاية". صُفرةٍ، فقال النّبيّ - ﷺ -: مَهْيَمْ (١)؟! فقال: يا رسول الله! تزوجت امرأة من الأنصار، قال: ما سُقت إِليها؟ قال: وزن نواة (٢) من ذهب، قال: أوْلِمْ ولو بشاة» (٣). وعن أبي سلمة قال: «سألت عائشة: كم كان صَداق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أُوقية ونشًّا. قالت: أتدري ما النشُّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية (٤)» (٥). وعن أبي العجفاء السلمي، قال: «خطَبنا عمر فقال: ألا لا تغالوا بصُدُق النساء، فإِنها لو كانت مَكرُمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النّبيّ - ﷺ -، ما أصدق رسول الله - ﷺ - امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية» (٦). وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير النكاح أيسره» (٧). --------------------- (١) أي: ما أمْرُك وشأنك؟ «النهاية». (٢) جاء في «النهاية»: «النواة: اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين: أوقية وللعشرين: نشٌّ ... والنواة في الأصل: عجمة التمرة». (٣) أخرجه البخاري: ٢٠٤٩، ومسلم: ١٤٢٧. (٤) النَّشّ: نصف الأوقية، وهو عشرون درهمًا، والأوقية: أربعون، فيكون الجميع خمسمائة درهم. «النهاية». (٥) أخرجه مسلم: ١٤٢٦. (٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٢)، والنسائي، والترمذي وصححه، وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٩٢٧). (٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٩)، وابن حبان، والحاكم = وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِنّي تزوّجتُ امرأةً من الأنصار، فقال له النّبيّ - ﷺ -: هل نظرت إِليها؟ فإِنّ في عيون الأنصار شيئًا، قال: قد نظرت إِليها، قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ - ﷺ -: على أربع أواقٍ؟ كأنّما تنحِتون الفضّة من عُرْض هذا الجبل» (١). جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٢ - ١٩٤): «ويُكره للرجل أن يصدق المرأة صدقًا فيضرّ به إِنْ نَقَده، ويعجز عن وفائه إِنْ كان دينًا. قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال - ﷺ -: على كم تزوّجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ - ﷺ -: على أربع أوَاقٍ؟ فكأنما تنحتون الفضة من عُرْض هذا الجبل! ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك في بعْث تصيب منه! قال: فبعث بعثًا إِلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم. رواه مسلم في»صحيحه«(٢). والأوقية عندهم: أربعون درهمًا، وهي مجموع الصَّداق، ليس فيه مقدم ومؤخر. وعن أبي عمرو الأسلمي: أنه أتى النّبيّ - ﷺ - يستعينه في مهر امرأة، فقال: كم أمهرتها؟ فقال: مائتي درهم. فقال: لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم (٣). ---------------------- = وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٩٢٤). (١) أخرجه مسلم: ١٤٢٤. (٢) برقم: ١٤٢٤. (٣) أخرجه الحاكم، وأحمد وقال الحاكم:»صحيح الإِسناد«، ووافقه الذهبي، وانظر»الصحيحة" (٢١٧٣). رواه الإِمام أحمد في «مسنده». وإذا أصدقها دينًا كثيرًا في ذمته وهو ينوي أن لا يعطيها إِياه؛ كان ذلك حرامًا عليه (١). وما يفعله بعض أهل الجفاء والخيلاء والرياء، من تكثير الهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخْذه من الزوج، وهو ينوي أن لا يعطيهم إِياه؛ فهذا منكر قبيح، مخالف للسنة، خارج عن الشريعة. وإِنْ قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه؛ فقد حمَّل نفسه، وشغل ذمّته، وتعرّض لنقص حسناته، وارتهانه بالدَّين؛ وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضرّوه. والمستحب في الصَّداق -مع القدرة واليسار- أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النّبيّ - ﷺ - ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إِلى خمسمائة بالدراهم الخالصة، نحوًا من تسعة عشر دينارًا. فهذه سُنّة رسول الله - ﷺ -. مَنْ فَعَلَ ذلك فقد استن بسنة رسول الله - ﷺ - في الصَّداق، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان صَداقنا إِذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم. رواه الإِمام أحمد في «مسنده»، وهذا لفظ أبي داود في «سننه» (٢). وقال أبو سلمة: سألْت عائشة: كم كان صَداق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان ---------------------- (١) وفي الحديث: «مَنْ تزوَّج امرأة على صَدَاق؛ وهو ينوي أنْ لا يُؤدِّيه إِليها، فهو زانٍ» أخرجه البزّار وغيره وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٨٠٦ - ١٨٠٧). (٢) وهو في سنن النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٤٠) ولفظه: «كان الصَّداق إِذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق». صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًا. قالت: أتدري ما النشّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية: فتلك خمسمائة درهم. رواه مسلم (١) في «صحيحه». وقد تقدّم عن عمر أن صَداق بنات رسول الله - ﷺ - كان نحوًا من ذلك. فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صَداق ابنته على صَداق بنات رسول الله - ﷺ - اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهنّ أفضل نساء العالمين في كل صفة: فهو جاهل أحمق. وكذلك صَداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليَسار. فأمّا الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إِلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة. والأولى فعجيل الصَّداق كله للمرأة قبل الدخول إِذا أمكن، فإِنْ قدّم البعض وأخّر البعض: فهو جائز، وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصَّداق. فتزوّج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله - ﷺ - على وزن نواة من ذهب. قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث. وزوّج سعيد بن المسيب بنته على درهمين، وهي من أفضل أَيِّمِ من قريش، بعد أن خطبها الخليفة لابنه، فأبى أن يزوجها به، والذي نُقل عن بعض السلف من تكثير صَداق النّساء؛ فإِنما كان ذلك لأن المال اتسع عليهم، وكانوا يعجلون الصَّداق كلّه قبل الدخول؛ لم يكونوا يؤخرون منه شيئًا. ومن كان له يَسار ووجد، فأحب أن يعطي امرأته صَداقًا كثيرًا؛ فلا بأس بذلك، كما قال -تعالى-: ﴿وآتيتم إِحداهنّ قِنْطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٢). أمّا من يشغل ذمّته بصَداق لا يريد أن يؤديه، أو يعجز عن وفائه، فهذا مكروه، كما تقدّم. وكذلك من جعل في ذمّته صَداقًا كثيرًا ---------------------- (١) برقم: ١٤٢٦. (٢) النساء: ٢٠. من غير وفاء له: فهذا ليس بمسنون. والله أعلم». وليُعلم أنّ ابتعاد الناس عن هذه النصوص والعمل بمقتضاها؛ قد أدّى إِلى العزوف عن الزواج، أو أنه جرّ أزمات اقتصادية للأُسر بعد الزواج، وأضحى الفُحش أقرب من النكاح الحلال عند عددٍ من الشباب والشابّات. فلنحذر من مظهريات النكاح، والمغالاة في المهور التي تقتُل العفّة والطُّهر، وتعسّر الحلال، وتيسّر الحرام، وتستجلب الهموم والكُربات. إِثقال الصَّداق يجعل العداوة في نفس الزوج: عن أبي العجفاء السُلمي قال: قال عمر بن الخطاب: «لا تغالوا صَداق النساء، فإِنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم وأحقّكم بها محمد - ﷺ -، ما أَصدق امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإنّ الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، ويقول: قد كَلِفتُ إليك علَقَ القِربة -أو عَرَق القربة (١) -. وكنت رجلًا عربيًا مولَّدًا (٢)، ما أدري ما عَلَق القِرية -أو عَرَق القِربة-؟» (٣). ------------------------ (١) عَلَق القربة أو عَرَق القربة؛ أي: تحملت لأجلك كل شيء حتى عَلق القربة، وهو حبلها الذى تُعلّق به. وعَرَق القربة؛ أي: تكلفت إِليك وتعِبت، حتى عرقِتُ كَعَرق القِربة، وعرقها: سيلان مائها. «النهاية». (٢) هو الذي ولد بين العرب، ونشأ مع أولادهم وتأدّب بآدابهم. وقال الجوهري: رجلٌ مُولَّدٌ: إِذا كان عربيًا غير محض، وانظر «النهاية». (٣) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٣٢)، وأبو داود "صحيح سنن = هل يدخل على زوجه إِذا لم يُمْهِرْهَا (١)؟ عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لمّا تزوج عليّ فاطمة، قال له رسول الله - ﷺ -: أعطها شيئًا، قال: ما عندي شيء، قال: أين درعك الحُطميّة؟» (٢). وجاء في تبويب «سنن أبي داود» قبل هذا الحديث: (باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها). وجاء في تبويب «سنن النسائي» تحت (باب نِحْلة الخلوة) بلفظ: «... أنّ عليًا قال: تزوّجْتُ فاطمة -رضي الله عنها- فقلتُ: يا رسول الله! ابْنِ بي. قال: أعطها شيئًا ...» (٣). قال ابن حزم -رحمه الله-: «*ومن تزوج، فسمّى صَداقًا أو لم يُسمّ، فله الدخول بها؛ أحبَّت أم كرهت، ويقضى لها بما سمّى لها؛ أحبّ أم كره، ولا يُمْنَعُ من أجل ذلك من الدخول بها، لكن يُقضى له عاجلًا بالدخول، ويقضى لها عليه، حسب ما يوجد عنده من الصَّداق، فإِن كان لم يُسم لها شيئًا، قضي عليه بمهر مِثلها، إِلا أن يتراضيا؛ بأكثر أو بأقل». قال ابن المنذر -رحمه الله-: «أجمع كل من يُحْفَظُ عنه من أهل العلم، أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها، حتى يعطيها مهرها». ----------------------- = أبي داود«(١٨٥٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٨٩)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣١٤١) وغيرهم، وانظر»الإِرواء«(١٩٢٧). (١) هذا العنوان وكذا الثلاثة الآتية بعده بينها تداخُل؛ رأيتُ إِبقاءَها للمزيد من الفائدة والتفصيل. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح أبي داود«(١٨٦٥)، والنسائي»صحيح النسائي«(٣١٦١). (٣)»صحيح سنن النسائي" (٣١٦٠). ![]()
__________________
|
|
#124
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 166الى صــ180 الحلقة (124) وقد ناقش صاحب»المحلّى«هذا الرأي، فقال:»لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه من حين يعقد الزواج؛ فإِنها زوجة له، فهو حلال لها، وهي حلال له، فمن منَعَها منه، حتى يعطيها الصَّداق أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نصٍّ من الله -تعالى- ولا من رسوله - ﷺ -، لكن الحق ما قلنا: ألا يمنع حقّه منها، ولا تمنع هي حقّها من صَداقها، لكن يطلق الدخول عليها؛ أحبَّت أم كَرِهت، ويُؤخَذ مما يوجد له صَداقها؛ أحب أم كره، وصح عن النّبيّ - ﷺ - تصويب قول القائل: «أعط كلّ ذي حقٍّ حقّه» (١) * (٢). وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: هل يتحقّق النكاح بالوليّ والشاهدين؛ وبه تستحلّ الفروج، أم أنّ للمهر علاقة؟ فأجاب -رحمه الله-: «ليس له علاقة، فيمكن أن يبني بزوجته؛ بالشرطين المذكورين في الحديث، وأن يؤخّر المهر لها؛ دون الاتفاق على كميّة المهر، وإِذا اختلفوا، فهو مُكلّف شرعًا بأن يدفع لها مهر المِثل -أي: مثيلاتها من نساء قبيلتها-: سنّها، ثيّب، بِكر، قبيحة، جميلة، ويمكن في صورة نادرةٍ جدًّا؛ أن يجعل مهرها تعليمها القرآن، بل ثبتَ أن أمّ سليم قد جعلَت مهر أبي طلحة -رضي الله عنهما- إِسلامه، فأسلم، وكان مهرَ زوجه». ثمّ قرأْتُ ما جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٧٦) وهو قوله: «... أقول: لم يَرِدْ ما يدلّ على أنّ المهر شرطٌ مِن شروط العقد أو رُكن من أركانه. وأمّا قوله ----------------- (١) أخرجه البخاري: ١٩٦٨. (٢) انظر»المحلى«(١١/ ٨٧ - ٩١) وذكره السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة" (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤). -سبحانه-: ﴿ولا جُناح عليكم أن تنكحُوهنّ إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ﴾ (١)، فالمراد أنّ المهر واجب للمنكوحة لا يجوز مَطْلُهَا منه، ولو كان العقد لا يصحّ إِلا بالمهر؛ لم يقل الله -عز وجل-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضة﴾ (٢)؛ فإِنّ هذه الآَية تفيد أنّ العقد قد يقع قبل فرض المهر». ثمّ ذكَر بعض الأدلّة على ذلك. وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٠٧): «إِذا خلا الرجل بالمرأة، فمنعته نفسها من الوطء ولم يطأها؛ لم يستقر مهرها في مذهب الإِمام أحمد -الذي ذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى، وأبي البركات، وغيرهما-، وغيره من الأئمة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإذا اعترفت بأنها لم تمكّنه من وطئها؛ لم يستقر مهرها باتفاقهم. ولا يجب لها عليه نفقة ما دامت كذلك باتفاقهم، وإِذا كانت مبغضة له مختارة سواه؛ فإِنها تفتدي نفسها منه». ماذا إِذا دخَل بها ولم يفرض لها صَداقًا؟ عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: "أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت نعم! فزوّج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يعطها شيئًا -وكان ممن شهد الحديبية، وكان مَنْ شهد الحديبية له سهم بخيبر- فلمّا ------------------- (١) الممتحنة: ١٠ (٢) البقرة: ٢٣٦. حضرته الوفاة قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقًا، ولم أُعطها شيئًا، وإني أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهمًا، فباعته بمائة ألف» (١). وكنت قد سألت شيخنا -رحمه الله- في موطن آخر. هل يمكن الدخول بدون مهر ثمّ يدفع؟ فقال -رحمه الله-: نعم؛ يدفع لها مهر مَثِيلاتها. الزواج بغير ذِكر المهر: يجب الاتفاق على المهر للأحاديث المتقدّمة -قلّ أو كثُر-، ولكن إذا وقَع الزواج بغير ذكر المهر صحّ، قال الله -تعالى-: ﴿لا جُناح إنْ طَلَّقْتُم النّساءَ ما لم تَمَسّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لهُنَّ فريضة﴾ (٢). وإِذا دخَل بها الزوج، أو تُوفّي قبل ذلك؛ فإِن للزوجة مهرَ المِثل والميراث. عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: «أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يدخل بها حتى مات؟ فقال ابن مسعود: لها صَداق نسائها؛ لا وكس (٣) ولا شطط (٤)، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله - ﷺ - في بروَع (٥) بنت واشق -أمرأة لنا- --------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٥٩)، وانظر»الإِرواء«(١٩٢٤)، وتقدّم. (٢) البقرة: ٢٣٦. (٣) الوكس: النقص. (٤) الشطط: الجور. (٥) انظر ضبطها في»أسد الغابة" (٧/ ٣٥٦) برقم (٦٧٧٢). مثل ما قضيت» (١). وفي رواية: «أنه أتاه (٢) قوم فقالوا: إِنّ رجلًا منّا تزوج امرأة، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يجمعها إِليه، حتى مات؟ فقال عبد الله: ما سئلت -منذ فارقت رسول الله - ﷺ -- أشد علي من هذه! فأْتوا غيري، فاختلفوا إِليه فيها شهرًا، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إِن لم نسألك؟! وأنت من جلة أصحاب محمد - ﷺ - بهذا البلد، ولا نجد غيرك؟ قال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإِنْ كان صوابًا، فمن الله وحده لا شريك له، وإِن كان خطأً، فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، أرى أن أجعل لها صَداق نسائها، لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشرًا، قال: وذلك بسمْع أُناسٍ من أشجع، فقاموا فقالوا: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله - ﷺ - في امرأة منّا -يقال لها: بروع بنت واشق-. قال: فما رُئي عبد الله فرح فرحته يومئذ إِلا بإِسلامه». وفي رواية: «وذلك بحضرة ناس من أشجع، فقام رجل -يقال له: معقل بن سنان الأشجعي- فقال: أشهد أنك قضيت بمِثل الذي قضى به رسول الله - ﷺ -، في امرأة منا -يقال لها: بْروَع بنت واشق-، فما رُئي عبد الله فرح بشيء بعد الإِسلام كفرحه بهذه القصة» (٣). جاء في «سُبُل السلام» (٣/ ٢٨٩): «والحديث دليل على أنّ المرأة ------------------- (١) أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه شيخنا -رحمه الله في»الإِرواء«(١٩٣٩). (٢) أي: عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-. (٣) أخرجه النسائي والسياق له، وابن حبان والرواية الأخرى له، والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٦/ ٣٥٨). تستحق كمال المهر بالموت، وإن لم يُسَمِّ لها الزّوج ولا دخل بها، وتستحق مهر مِثلها». فيمن تزوّج ولم يُسمِّ صداقًا حتى مات (١): فيه الحديث المتقدّم عن عبد الله، في رجل تزوّج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصَّداق، فقال: لها الصَّداق كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث. فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله - ﷺ - قضى به في بَرْوَعَ بنت واشق (٢). وجاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٨٠): «فيه دليل على ثبوت المهر بالموت بطريق الأولى؛ لأنّه إِذا ثبت مع عدم التسمية؛ يثبت معها بفحوى الخطاب، فهذا الحديث يكفي في الاستدلال به على أن الموت يجب به المهر والميراث». مهر المِثل: *مهر المِثل؛ هو المهر الذي تستحقه المرأة، مِثل مهر من يماثلها وقت العقد في السنّ، والجمال، والمال، والعقل، والدين، والبكارة، والثيوبة، والبلد، وكل ما يختلف لأجله الصَّداق؛ كوجود الولد، أو عدم وجوده؛ إِذ إِن قيمة المهر للمرأة تختلف عادة باختلاف هذه الصفات، والمعتبر في المماثلة من جهة عصبتها، كأختها، وعمّتها، وبنات أعمامها. وقال أحمد -رحمه الله-: «هو معتبر بقراباتها من العصبات، وغيرهم من ---------------------- (١) هذا العنوان من سنن أبي داود»صحيح سنن أبي داود«(٢/ ٣٩٧). (٢) انظر تخريج الحديث الذي قبله، وانظر»صحيح سنن أبي داود" (١٨٥٧). ذوي أرحامها، وإِذا لم توجد امرأة من أقربائها من جهة الأب متصفة بأوصاف الزوجة، التي نريد تقدير مهر المِثل لها، كان المعتبر مهر امرأة أجنبية، من أسرة تماثل أسرة أبيها»* (١). عن عروة بن الزبير: «أنه سأل عائشة -رضي الله عنها- عن قول الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفْتُمْ﴾ إِلى ﴿وَرُبَاعَ﴾؟ فقالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حَجْر وليَّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوَّجَها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثلَ ما يُعطيها غيره، فَنُهُوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا (٢) لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق (٣)، وأُمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. قال عروة: قالت عائشة: ثمّ إِنَّ النّاس استفتوا رسول الله - ﷺ - بعد هذه الآية؟ فأنزل الله: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساء﴾ إِلى قوله: ﴿وتَرْغَبُون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، والذي ذكر الله أنه يُتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها: ﴿وإِنْ خِفتم أن لا تُقْسِطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء﴾، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَترغبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ يعني: هي رغبة أحدكم ليتيمته التي تكون في حَجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها من يتامى النساء إِلا بالقسط؛ من أجل رغبتهم عنهنّ» (٤). ---------------------- (١) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٤٧٨). (٢) أي: يعدلوا. (٣) أي: أعلى عادتهنّ في مهورهن ومهور أمثالهنّ. «شرح النووي». (٤) أخرجه البخاري: ٢٤٩٤، ومسلم: ٣٠١٨. ففي قول عائشة -رضي الله عنها-: «فنُهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتهنّ من الصَّداق»؛ مراعاة مَهْر المِثل في النساء كما لا يخفى. العدْل في المهور: لحديث عروة بن الزبير السابق وفيه: «... فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهن أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق». وكيف يقسط في صَداقها؟ قد بيّنته عائشة -رضي الله عنها- بقولها: «.. فيعطيها مِثل ما يُعطيها غيره». العَدْل في صداق اليتيمة: للنصّ السابق، وفيه قول عائشة -رضي الله عنها-: «هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ». الرجل هو الذي يحدّد المهر: والرجل هو الذي يُحدّد المهر؛ لكن في ضوء ما تقدّم من توجيهات وقواعد، ويراعي مهر المِثل، ولا يُغالي في ذلك. وفي بعض مجالس شيخنا -رحمه الله-: أفادنا أنّ الرجل هو الذي يحدّد ذلك، وذكر عددًا من الأدلّة؛ منها: حديث أنس -رضي الله عنه- قال: «سأل رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن بن عوف -وتزوّج امرأة من الأنصار-: كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب» (١). وذكَر ما يتعلّق بخاتمة الأمر، وعدم رفض ولي الزوجة. متى يجب عليه نصف المهر؟ إِذا طلّق الرجل زوجه قبل الدخول بها، وكان قد فرَض لها قدْرًا مُعينًا؛ فإِنّه يجب عليه نصف المهر. قال -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم إِلا أنْ يَعْفُون (٢) أو يَعْفُوَ الذي بِيَدِه عُقْدَةُ النكاح وأنْ تَعْفوا أقْرَبُ للتَّقْوَى ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بَيْنَكُم إِنّ اللهَ بما تَعْمَلون بصير﴾ (٣). ماذا يجب مِن المهر إِذا أغلق الباب وأرخى الستر ولم يدخل بزوجه؟ عن زرارة بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: «قضى الخلفاءُ الراشدون ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٦٧، ومسلم: ١٤٢٧، وتقدّم. (٢) قال ابن كثير -رحمه الله-:»وقوله: ﴿إِلا أن يعفون﴾ أي: النساء عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء. قال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلا أن يعفون﴾ قال: إِلا أن تعفو الثًيّب فتدَعَ حقّها". (٣) البقرة: ٢٣٧. المهديّون؛ أنّ مَن أغلق بابًا، أو أرخى سترًا؛ فقد وجب المهر، ووجبت العدّة» (١). وعن عمر -رضي الله عنه- قال: «إِذا أُجيف الباب، وأُرخيت الستور؛ فقد وجب المهر» (٢). هذا؛ وقد فصّل الإمام ابن حزم -رحمه الله- في ذلك تفصيلًا قويًّا تحت المسألة (١٨٤٦)؛ فارجع إِليه -إِن شئت-. وقال في آخر المسألة: «فإِن تعلّقوا بمن جاء ذلك عنه من الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فلا حُجّة في أحد دون رسول الله - ﷺ -. وقد اختلفوا كما ذَكَرْنا (٣)؛ فوجَب الردّ عند التنازُع إِلى القرآن والسُّنّة». جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٨١): «... وأمّا الخلوة فلم يكن في المقام ما ينتهض للاحتجاج به، ولم يصحّ من المرفوع ما تقوم به الحُجّة ... وقد قال -عز وجل-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم﴾، فإِن كان المراد بالمس الجماع؛ فظاهره أنَّ الخلوة ليست بجماع، وإِن كان المس أعمّ من الجماع، وهو وضع عضو منه على عضو منها؛ فليست الخلوة المجردة مَسًّا؛ وإن أرخى عليها مائة ستر، ونظر إِليها ------------------------ (١) أخرجه الإِمام أحمد وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٩٣٧). (٢) أخرجه الدارقطني بإِسناد صحيح، وانظر»الإِرواء" (٦/ ٣٥٧). (٣) وكان قد ذَكر -رحمه الله- آثارًا عديدة، بعضها في إِيجاب المهر كاملًا، وبعضها في نصفه. ألف نظرة! وإِذا عرفت هذا؛ فلا حاجة بنا إِلى التكلم على الخلوة الصحيحة والفاسدة». وقال شيخنا -رحمه الله - في «السلسلة الضعيفة» بعد الحديث (١٠١٩) -بحذف-: «من كشف خمار امرأة، ونظر إِليها، فقد وجَب الصَّداق؛ دخل بها أم لم يدخل» (١): «وجُملة القول؛ أن الحديث ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا. ولا يقال: فالموقوف شاهد للمرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي؛ لأمرين: الأوّل: أنه مخالف لقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُمُوهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتم ..﴾ (٢)؛ فهي بإِطلاقها تشمل التي خلا بها. وما أحسن ما قال شريح:»لم أسمع الله -تعالى- ذكر في كتابه بابًا ولا سترًا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصَّداق«(٣). الثاني: أنه قد صح خلافه موقوفًا، فروى الشافعي (٢/ ٣٢٥): ... عن ابن عباس -رضي الله عنهما-:»أنه قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثمّ يطلّقها: ليس لها إِلا نصف الصَّداق؛ لأن الله يقول: ﴿وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ وَقَدْ فرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضَة﴾. ومن طريق ----------------------- (١) أخرجه الدارقطني؛ وفيه علّة الإِرسال، وضَعْف ابن لهيعة، وانظر «الضعيفة» (١٠١٩). (٢) البقرة: ٢٣٧. (٣) «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٠٥)، وهو عند البيهقي بسند صحيح عنه نحوه. قاله شيخنا -رحمه الله-. الشافعي رواه البيهقي (٧/ ٢٥٤). قلت: وهذا سند ضعيف، لكن قد جاء من طريق أخرى عن طاوس، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور: ثنا هُشيم: أنبأ الليث عن طاوس عن ابن عباس:»أنه كان يقول في الرجل أُدخلت عليه امرأته، ثمّ طلقها، فزعم أنه لم يمسها، قال. عليه نصف الصَّداق«. قلت: وهذا سند صحيح، فبه يتقوّى السند الذي قبله، والآتي بعده عن علي بن أبي طلحة. ثمّ أخرج البيهقي عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿وإِن طَلَّقْتُمُوهُنّ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ ..﴾ الآية:»فهو الرجل يتزوّج المرأة، وقد سمى لها صَداقًا، ثمّ يطلقها من قبل أن يمسها، والمس الجماع، فلها نصف الصَّداق، وليس لها أكثر من ذلك. قلت: وهذا ضعيف منقطع، ثم روى عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: «لها نصف الصَّداق، وإِنْ جلس بين رجليها». وقال: «وفيه انقطاع بين الشعبي وابن مسعود». فإِذا كانت المسألة مما اختلف فيه الصحابة، فالواجب حينئذ الوجوع إِلى النص، والآية مؤيدة لما ذهب اليه ابن عباس؛ على خلاف هذا الحديث، وهو مذهب الشافعي في «الأمّ» (٥/ ٢١٥). وهو الحق- إِن شاء الله تعالى-". انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. قلت: ومِثل ذلك يُقال في أثر زرارة -رضي الله عنه-؛ لأن إِيجاب العدّة إِنما هو على مَنْ دخَل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نَكَحْتُم المؤمنات ثمّ طَلَّقْتمُوهُنّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهَنّ فَمَا لَكُم عَلَيْهنّ من عدّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١). والراجح: أنه إِذا أَغلق الباب وأرخى الستر، ولم يدخل بزوجه؛ فلها نصف الصَّداق، ولا عدّة عليها -والله تعالى أعلم-. قال ابن كثير -رحمه الله-: «... وتشطير الصداق -والحالة هذه- أمْر مُجمعٌ عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإِنه متى كان قد سَمَّى لها صَداقًا ثمّ فارقَها قبل دخوله بها، فإِنه يجب لها نصف ما سمّى من الصَّداق، إِلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصَّداق إِذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها ...» (٢). فوائد متفرِّقة: *جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٧): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل اعتقلته زوجته عند الحاكم على الصَّداق مدة شهرين، ولم يوجد له موجود: فهل يجوز للحاكم أن يبقيه أو يُطْلِقه؟ فأجاب: إِذا لم يُعرَف له مال؛ حلّفه الحاكم على إِعساره وأطلقه، ولم يجز حبسه وتكليفه البينة والحالة هذه في المذاهب الأربعة». *وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: هل يسقط المهر إِذا فُسخ العقد لإِعسار الرجل أو لعيبٍ فيه؟! فأجاب -رحمه الله-: إِذا بنى أو دخَل؛ فهو حقٌّ لها. -------------------- (١) الأحزاب: ٤٩. (٢) انظر -إِن شئت- تتمّة الكلام عن الإِمام الشافعي -رحمه الله-. * وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا ارتدّت المرأة عن الإِسلام، فهل يسقط المهر عن الرجل قبل الدخول؟ فأجاب -رحمه الله-: لا يسقط حقّها؛ لأنّ حقّها تحقّق بمجرّد العقد، وكان العقد مشروعًا، والحقّ يبقى في ذمّته. قلت: وبعد الدخول؛ هل هو من باب أولى؟ فأجاب -رحمه الله-: نعم. * وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا اكتشف الرجل عيبًا بالمرأة؛ يمنَعه من الاستمتاع؛ فهل له أخْذ ما أعطاها من الصّداق؟ فأجاب -رحمه الله-: إِذا جامعها لا، وإذا لم يجامعها، فله ذلك. الإِمهار عن غيره: عن أمّ حبيبة: «أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النّبيّ - ﷺ -، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله - ﷺ - مع شرحبيل ابن حسنة». قال أبو داود: «حسنةُ هي أمّه» (١). الرجل هو الذي يُعدّ البيت ويؤثثه ويجهّزه: لا شكّ أنّ *المسؤول عن إِعداد البيت إِعدادًا شرعيًا، وتجهيز كل ما يحتاج له من الأثاث، والفرش، والأدوات: هو الزوج. والزوجة لا تسأل عن شيء من ذلك، مهما كان مهرها ... لأنّ المهر إِنما تستحقه الزوجة في مقابل الاستمتاع -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٣). بها، لا من أجل إِعداد الجهاز لبيت الزوجية، فالمهر حقٌّ خالصٌ لها. ليس لأبيها، ولا لزوجها، ولا لأحد حقّ فيه* (١). وقد قال الله -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامون على النِّساء بمَا فَضَّل الله بَعضهم على بعض وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوَالِهم﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «﴿وبمَا أنفقوا من أمْوَالِهِم﴾؛ أي: من المهور والنفقات والكُلَف التي أوجبها الله عليهم لهنّ في كتابه وسنة نبيه - ﷺ -». النفقة المراد بالنفقة: الشيء الذي يبذله الإِنسان؛ فيما يحتاجه هو أو غيره؛ من الطعام والشراب وغيرهما (٣). حُكمها: النفقة واجبة بالكتاب والسّنّة والإِجماع. قال الله -تعالى-: ﴿وعلى المولود له رِزقُهنّ وكِسْوَتُهُنّ بالمعروف لا تُكلَّف نفسّ إِلا وُسْعَها﴾ (٤). قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية: «أي: وعلى والد ------------------- (١) ما بين نجمتين عن»فقه السنة«(٢/ ٤٩٠) -بحذف-. (٢) النساء: ٣٤. (٣)»سبل السلام" (٣/ ٤١٤). (٤) البقرة: ٢٣٣. الطفل نفقة الوالدات، وكسوتهنّ بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهنّ في بلدهنّ؛ من غير إِسراف ولا إِقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال -تعالى-: ﴿لينفق ذُو سَعَة من سَعَته ومن قُدرَ عليه رِزْقُهُ فَلْيُنْفِق ممَّا آتاه الله لا يُكَلّفُ الله نفسًا إِلا ما آتاها سَيَجْعَل الله بعد عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١). قال الضحاك: إِذا طلّق الرجل زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف. وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿أسكنوهنّ من حيث سَكَنْتُم من وُجْدِكم ولا تُضارُّوهنّ لتضيِّقوا عليهنّ وإِن كُنَّ أُولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ فإِن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهن وأْتَمِرُوا بينكم بمعروف وإِن تعاسرتم فَسَتُرْضِعُ له أخرى﴾ (٢). *وقوله -سبحانه-: ﴿أسكنوهنّ من حيثُ سكنتم﴾، أَي: عندكم. وقوله -تعالى-: ﴿مِن وُجْدِكُم﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني سعتكم. حتى قال قتادة. إِن لم تَجِد إِلا جنب بيتك فأسكِنها فيه* (٣). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ - في حَجَّة الوداع: «اتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنِّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإِن فَعَلْن ذلك؛ فاضربوهنّ --------------------- (١) الطلاق: ٧. (٢) الطلاق: ٦. (٣) ما بين نجمتين من»تفسير ابن كثير". ![]()
__________________
|
|
#125
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 181الى صــ195 الحلقة (125) ضربًا غير مبرِّح (١). ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ هندًا قالت للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أبا سفيان رجل شحيح؛ فأحتاج أن آخذ من ماله؟ قال - ﷺ -: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف» (٣). وعن معاوية القُشَيْرِي قال: «قلت: يا رسول الله! ما حقُّ زوجة أحدِنا عليه؟ قال: أن تُطعِمَها إِذا طَعِمْت، وتَكْسُوَها إِذا اكتسيت، ولا تضربَ الوجه، ولا تُقَبِّحَ، ولا تهجرَ إِلا في البيت» (٤). وعن جابر -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإِن فَضَل شيء فلأهلك، فإِن فَضَل عن أهلك شيء فلذي قرابتك» (٥). وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٩): «والواجب الأصلي هو المعاشرة بالمعروف، وبيّنها النّبيّ - ﷺ - بالرزق والكسوة وحُسن المعاملة، ولا يمكن في الشرائع المستندة إِلى الوحي أن يُعيّن جنس القوت وقدره مثلًا، فإِنه لا يكاد يتفق أهل الأرض على شيء واحد، ولذلك إِنما أمر أمرًا مطلقًا». وجاء في «السيل الجرّار»: «ثبت الإِجماع على وجوب نفقة الزوجات على -------------------- (١) أي: غير شاق.»النهاية«. (٢) أخرجه مسلم: ١٢١٨. (٣) أخرجه البخاري: ٧١٨٠، ومسلم: ١٧١٤. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٧٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٠٠)، وانظر»الإِرواء" (٢٠٣٣). (٥) أخرجه مسلم: ٩٩٧. الأزواج، ولم يَرِد في ذلك خلاف». ماذا إِذا كان الزوج بخيلًا؟ للزوجة أن تطلب فرض نفقةٍ لها ولأبنائها؛ مما تحتاجه من طعام أو كِسوة أو مسكن أو نحو ذلك. ولها حين يقصّر الزوج أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف -من غير إِسراف ولا مخيلة-، وإن لم يعلم بذلك. عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ هندًا قالت للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أبا سفيان رجل شحيح؛ فأحتاج أن آخذ من ماله؟ قال النّبيّ - ﷺ -: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف» (١). قال النووي -رحمه الله- في «شرحه» (١٢/ ٧، ٨): «في هذا الحديث فوائد: منها: وجوب نفقة الزوجة. ومنها: وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار. ومنها: أن النفقة مقدرة بالكفاية ... قال أصحابنا: إِذا امتنع الأب من الإِنفاق على الولد الصغير، أو كان غائبًا؛ أذِن القاضي لأمّه في الأخذ من آل الأب، أو الاستقراض عليه والإِنفاق على الصغير؛ بشرط أهليتها. وهل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إِذْن القاضي؟ فيه وجهان مبنيان على وجهين لأصحابنا؛ في أنّ إِذْن النّبيّ - ﷺ - لهند امرأة أبي سفيان كان إِفتاءً أم قضاءً؟ والأصح أنه كان إِفتاءً، وأن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها، فيجوز. والثاني: كان قضاءً، فلا يجوز لغيرها إِلا بإِذن القاضي. والله أعلم». ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧١٨٠، ومسلم: ١٧١٤، وتقدّم غير بعيد. قلت: والقول: إنه إِفتاء أصحّ. وعلى افتراض أنه كان قضاءً؛ فلا ينفي أن يكون ذلك إِفتاءً لمن احتاج إِلى الإِفتاء، وقضاءً لمن احتاج إِلى القضاء، فمقتضى الفقه أن يستفاد منه في الإِفتاء والقضاء. وليست كل امرأةٍ بمستطيعة أن تشكو إِلى القاضي، إذ ربما يؤدي ذلك إِلى مفاسد أخرى، والله -تعالى- أعلم. ويُشترط الرُشد في المرأة؛ لأخْذ النفقة من الزوج بغير علمه، قال الله -تعالى-: ﴿ولا تُؤتوا السفهاء أموالكم﴾ (١). نفقة زوجة الغائب: وإذا غاب الرجال عن النّساء؛ لم تسقط عنهم النفقة. فعن ابن عمر أنّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-: «كتب إِلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن ينفقوا أو يُطلّقوا، فإِنْ طلّقوا بعثوا بنفقة ما مضى». قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن عمر (٢). جاء قي «السيل الجرّار» (٢/ ٢٥٦): «أقول: قد أمَر الله -سبحانه- بإِحسان عِشرة - ﷺ - زوجات فقال: ﴿وعاشِرُوهُنّ بِالمَعْرُوف﴾ (٣)، ونهى عن إِمساكهن ضرارًا فقال: ﴿ولا تمسكوهنّ ضرارًا﴾ (٤)، وأمَر بالإِمساك بالمعروف أو ------------------------- (١) النساء: ٥. (٢) أخرجه الشافعي، وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٢١٥٩). (٣) النساء: ١٩. (٤) البقرة: ٢٣١. التسريح بإِحسان فقال: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١)، ونهى عن مضارتهن فقال: ﴿ولا تُضَاروُّهنّ﴾ (٢). فالغائب إِن حصل مع زوجته التضرّر بغيبته جاز لها أن ترفع أمرها إِلى حُكّام الشريعة، وعليهم أن يخلِّصوها من هذا الضرار البالغ. هذا على تقدير أنّ الغائب تَرَك لها ما يقوم بنفقتها، وأنها لم تتضرر من هذه الحيثية، بل من حيثية كونها لا مزوجة ولا أيمّة. أمّا إِذا كانت متضررة بعدم وجود ما تستنفقه مما تركه الغائب؛ فالفسخ بذلك على انفراده جائز ولو كان حاضرًا؛ فضلًا عن أن يكون غائبًا، وهذه الآيات التي ذكَرناها وغيرها تدل على ذلك. فإِن قلت: هل تعتبر مدة مقدرة في غيبة الغائب؟ قلت: لا؛ بل مجرد حصول التضرر من المرأة مُسوِّغ للفسخ بعد الإِعذار إِلى الزوج؛ إِن كان في محلٍّ معروف، لا إِذا كان لا يعرف مستقره، فإِنه يجوز للحاكم أن يفسخ النكاح بمجرد حصول التضرر من المرأة، ولكن إِذا كان قد ترك الغائب ما يقوم بما تحتاج إِليه، ولم يكن التضرر منها إِلا لأمر غير النفقة ونحوها؛ فينبغي توقيفها مدة، يخبر مَنْ له عدالة من النساء؛ بأن المرأة تتضرر بالزيادة على تلك المدة. وأمّا إِذا لم يترك لها ما تحتاج إِليه؛ فالمسارعة إِلى تخليصها، وفكِّ أسْرها ودفْع الضرار عنها واجب. ثمّ إِذا تزوجت بآخر؛ فقد صارت زوجته، وإِنْ عاد الأول فلا يعود نكاحه؛ بل قد بطل بالفسخ». ------------------ (١) البقرة: ٢٢٩. (٢) الطلاق: ٦. نفقة المعتدة (١): للمعتدّة الرجعيَّة النفقة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿أسْكِنُوهُنّ من حَيثُ سَكَنْتم مِن وُجدكم﴾ (٢) -والسياق في الطلاق الرجعي-. وكذلك للمعتدّة الحامل النفقة لقول الله -تعالى- فيهنّ: ﴿وإِن كُنّ أولات حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ﴾ (٣). *وهذه الآية تدلّ على أنّ وجوب النفقة للحامل؛ سواءٌ أكانت في عدّة الطلاق الرجعي أم البائن، أم كانت عدتها عدّة وفاة* (٤). وقد اختلف العلماء في شأن النفقة والسُّكنى إِذا لم تكن حاملًا. والراجح أنه لا نفقة لها ولا سكنى. فعن الشعبي قال: «دخلتُ على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله - ﷺ - عليها؟ فقالت: طلَّقها زوجها البتة، فقالت: فخاصمتُه إِلى رسول الله - ﷺ - في السكنى والنّفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتدّ في بيت ابن أم مكتوم» (٥). وفي رواية: «إِنما النفقة والسكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها رجعة» (٦). ------------------------ (١) وسيأتي التفصيل -إن شاء الله- في «كتاب الطلاق». (٢) الطلاق: ٦. (٣) الطلاق: ٦. (٤) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٥٠٥). (٥) أخرجه مسلم: ١٤٨٠، وأصله في البخاري: ٥٣٢٣، ٥٣٢٤. (٦) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٨٦)، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٤/ ٢٨٨): «المطلقة ثلاثًا لا سكن لها ولا نفقة ...». وذكَر الحديث. وعنها كذلك: أن النّبيّ - ﷺ - قال لها: «لا نفقة لك إِلا أن تكوني حاملًا» (١). لا تنتهك المرأة شيئًا من مالها الا بإِذن زوجها: لقوله - ﷺ -: «لا يجوز لامرأة عطيّةٌ في مالها إِلا بإذن زوجها» (٢). ولقوله - ﷺ -: «ليس للمرأة أن تنتهك شيئًا من مالها إِلا بإِذن زوجها» (٣). قال شيخنا -رحمه الله- عقب هذا الحديث: «وهذا الحديث -وما أشرنا إِليه ممّا في معناه- يدل على أنّ المرأة لا يجوز لها أن تتصرف بمالها الخاص بها إِلا بإِذن زوجها، وذلك من تمام القوامة التي جعلها ربنا -تبارك وتعالى- له عليها، ولكن لا ينبغي للزوج -إِذا كان مسلمًا صادقًا- أن يستغل هذا الحكم؛ فيتجبر على زوجته، ويمنعها من التصرف في مالها فيما لا ضير عليهما منه. وما أشبهَ هذا الحقَّ بحق وليّ البنت التي لا يجوز لها أن تُزوّج نفسها بدون إِذن وليها، فإِذا أعضلها رفعت الأمر إِلى القاضي الشرعي لينصفها، وكذلك الحكم في مال المرأة إِذا جار عليها زوجها؛ فمنعها من التصرف المشروع في مالها؛ فالقاضي ينصفها أيضًا. فلا إِشكال على الحكم نفسه، وإِنما الإِشكال في سوء التصرّف به. فتأمّل». متى يستحبّ البناء بالنساء (٤)؟ عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «تزوجني رسول الله - ﷺ - في ---------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٠٥) وغيره، وانظر»الإِرواء«(٢١٦٠). (٢) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وانظر»الصحيحة«(٨٢٥). (٣) أخرجه الطبراني، وابن عساكر وغيرهما، وانظر»الصحيحة«(٧٧٥). (٤) هذا العنوان من»سنن ابن ماجه". شوال، وبنى بي في شوال. فأيُّ نساء رسول الله - ﷺ - كان أحظى عنده منّي؟ قال: وكانت عائشة تستحب أن تُدخل نساءها في شوال«(١). موعظةُ الرّجلِ ابْنَتَهُ لِحَالِ زَوَاجها (٢): فيه حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- الطويل وفيه:»... فنزلتُ فدخلت [أي: عمر -رضي الله عنه-] على حفصة، فقلت لها. أي حفصةُ! أتغاضِب إِحداكنّ النّبي - ﷺ - اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خبتِ وخسرتِ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله - ﷺ - «؛ فَتَهْلَكِي؟ لا تستكثري النَّبيّ - ﷺ -، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ، ولا يغرنّك أن كانت جارتك أَوْضَأَ منك، وأحبَّ إِلى النّبيّ - ﷺيريد عائشهّ-» (٣). ذهاب النّساء والصبيان إِلى العُرس (٤): عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «أبصر النّبي - ﷺ - نساءً وصبيانًا مُقبلين من عُرس، فقام مُمْتنًّا (٥)، فقال: اللهمّ أنتم من أحبّ النّاس إِليّ» (٦). ------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٢٣. (٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب النكاح) «باب - ٨٣». (٣) أخرجه البخاري: ٥١٩١، ومسلم: ١٤٧٩. (٤) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب النكاح) «باب - ٧٥». (٥) أي: قام قيامًا قويًّا، مأخوذ من المُنّة -بضمّ الميم- وهي القوّة؛ أي: قام إِليهم مسرعًا مشتدًا في ذلك، فرحًا بهم. «فتح». (٦) أخرجه البخاري: ٥١٨٠، ومسلم: ٢٥٠٨. استعارة الثياب للعروس (١): عن عائشة -رضي الله عنها-، «أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله - ﷺ - ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلَّوا بغير وضوء، فلما أتوا النّبيّ - ﷺ -؛ شّكَوا ذلك إِليه، فنزلت آية التيمم. فقال أُسيد بن حُضَير: جزاكِ الله خيرًا، فوالله ما نزل بكِ أمرٌ قطُّ إِلا جعل الله لكِ منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة» (٢). الهديّة للعروس (٣): عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النبي - ﷺ - عروسًا بزينب، فقالت لي أمُّ سُليم: لو أهدَينا لرسول الله - ﷺ - هدية، فقلت لها: افعلي. فعَمَدَتْ إِلى تمر وسمن وأَقِطٍ، فاتخذت حَيْسة في بُرْمة (٤)، فأرسلت بها معي إِليه، فانطلقت بها إِليه، فقال لي: ضعها، ثمّ أمرني فقال: ادعُ لي رجالًا -سمّاهم- وادعُ من لَقِيتَ، قال: ففعلت الذي أمرني ...» (٥). ---------------------- (١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب النكاح) «باب - ٦٥». (٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٤، ومسلم: ٣٦٧. (٣) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب النكاح) (باب-٦٤). (٤) البُرمة: قِدر من الحجارة. «المحيط». (٥) أخرجه البخاري: ٥١٦٣، ومسلم: ١٤٢٨. آداب الزِّفاف (١) ١ - ملاطفة الزوجة عند البناء بها: يُستحبّ له إِذا دخَل على زوجته أن يلاطفها، كأنْ يقدّم إليها شيئًا من الشراب ونحوه؛ لحديث أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: «إِنّي قَيَّنت (٢) عائشة لرسول الله - ﷺ -، ثمّ جئته، فدعوته لجلوتها (٣)، فجاء فجلَس إِلى جنبها، فأُتي بعُسّ (٤) لبن، فشرب، ثمّ ناوَلها النّبيّ - ﷺ -، فخفضَت رأسها واستحيت. قالت أسماء: فانتهرتها، وقلت لها: خذي من يد النّبيّ - ﷺ -، قالت: فأخذَت، فشربَتْ شيئًا، ثمّ قال لها النبيّ - ﷺ -: أعطي تِرْبَكِ (٥)» (٦). ٢ - وضْعُ اليدِ على رأس الزوجة والدعاءُ لها: وينبغي أن يضع يده على مقدّمة رأسها عند البناء بها -أو قبل ذلك-، وأن يسميَ الله -تبارك وتعالى-، ويدعو بالبركة، ويقول ما جاء في قوله - ﷺ -: «إِذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادمًا، [فليأخُذ بناصيتها] (٧)، [وليُسَمِّ الله -عزّ ----------------------- (١) عن»آداب الزفاف«-بتصرُّف- لشيخنا الألباني -رحمه الله-. (٢) أي: زيّنْتُها لزفافها. (٣) أي: حتى يراها -عليه الصلاة والسلام- مجلوّة؛ أي: مكشوفة. (٤) العُسّ: القَدح الكبير. (٥) التِّرب: المماثل في السنّ، وأكثر ما يُستعمَل في المؤنث.»الوسيط«. (٦) أخرجه أحمد وغيره، وانظر»آداب الزفاف" (ص ٩٢). (٧) أي: مقدّم رأسها. وجلّ-]، [وليدْعُ بالبركة]، وليقل: اللهم إِني أسألك من خيرها وخير ما جَبَلتها (١) عليه، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما جَبلْتَها عليه» (٢). ٣ - صلاة الزوجين معًا: ويُستحبّ لهما أن يُصلّيا ركعتين معًا، لأنّه منقولٌ عن السلف، وفيه أثران: الأول: عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: «تزوجتُ وأنا مملوك، فدعوتُ نفرًا من أصحاب النّبيّ - ﷺفيهم ابن مسعود وأبو ذرّ وحذيفة-، قال: وأقيمت الصلاة، قال: فذهب أبو ذرّ ليتقدّم، فقالوا: إِليك! قال: أوَكَذَلك؟! قالوا: نعم (٣)، قال: فتقدمت بهم وأنا عبد مملوك، وعلَّموني فقالوا: إِذا دخَل عليك أهلك؛ فصلّ ركعتين، ثمّ سل الله من خير ما دخل عليك، وتعوَّذ به من شرِّه، ثمّ شأنَك وشأنَ أهلك» (٤). الثاني: عن شقيق قال: «جاء رجل يقال له: أبو حريز، فقال: إِني تزوجتُ جارية شابّة [بكرًا]، وإني أخاف أن تَفْرَكَنِي (٥)! فقال عبد الله (يعني: ابن ------------------------- (١) أي: خَلْقتها وطبَعْتها عليه من الأخلاق.»عون المعبود«(٦/ ١٣٩). (٢) أخرجه البخاري في»أفعال العباد«، وأبو داود، وابن ماجه وغيرهم، وانظر»آداب الزفاف«(ص ٩٣). (٣) قال شيخنا -رحمه الله-:»يُشيرون بذلك إِلى أنّ الزائر لا يؤمّ المزور في بيته إِلا أن يأذَن له، لقوله - ﷺ -: «ولا يُؤَمُّ الرجل في بيته ولا في سلطانه». أخرجه مسلم وأبو عوانة في «صحيحيهما»، وهو في «صحيح أبي داود» (٥٩٤)«. (٤) أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في»المصنف«، وعبد الرزاق، وانظر»آداب الزفاف" (ص ٩٤). (٥) أي: تبغضني. مسعود): إِنّ الإِلْفَ من الله، والفِرْكَ من الشيطان، يريد أن يكرّه إِليكم ما أحل الله لكم؛ فإِذا أتتك فَأْمُرها أن تصلي وراءك ركعتين -زاد في رواية أخرى عن ابن مسعود-، وقل: اللهم بارِك لي في أهلي، وبارِك لهم فيَّ، اللهم اجمع بيننا ما جمعت بخير؛ وفرِّق بيننا إِذا فرَّقتَ إلى خير» (١). ٤ - ما يقول حين يجامعها: وينبغي أن يقول حين يأتي أهله: «بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنَا». عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لو أنّ أحدكم إِذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنَا، فقُضي بينهما ولد لم يَضُرَّه» (٢). ٥ - كيف يأتيها؟ ويجوز له أن يأتيها في قُبُلها من أيِّ جهةٍ شاء، مِن خَلْفها أو من أمامها، لقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿نِسَاؤُكم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، أي: كيف شئتم؛ مُقبلة ومدبرة. عن جابر -رضي الله عنه- قال: «كانت اليهود تقول: إِذا أتى الرجل امرأته من دُبُرها في قُبُلها؛ كان الولد أحول! فنزلت ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، [فقال رسول الله - ﷺ -: مقبلة ومدبرة؛ إِذا كان ذلك في --------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في»المصنف«، وانظر»آداب الزفاف" (ص ٩٦). (٢) أخرجه البخاري: ١٤١، ومسلم: ١٤٣٤. الفرج]» (١). جاء في «سبل السلام» (٣/ ٢٦٥): «فأباح موضع الحرث، والمطلوب من الحرث نبات الزرع، فكذلك النساء؛ الغرض من إِتيانهن هو طلب النسل؛ لا قضاء الشهوة [فحسب]، وهو لا يكون إِلا في القبل، فيحرم ما عدا موضع الحرث، ولا يقاس عليه غيره؛ لعدم المشابهة في كونه محلًا للزرع، وأمّا حل الاستمتاع فيما عدا الفرج؛ فمأخوذ من دليل آخر، وهو جواز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج ...». ٦ - تحريم الدُّبُر: ويحرم عليه أن يأتيها في دُبُرها؛ لمفهوم الآية السابقة: ﴿نسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، ولما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «جاء عمر بن الخطاب إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! هلَكتُ! قال: وما الذي أهلكَك؟ قال: حولتُ رحْلي الليلة (٢)، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأُوحِي إِلى رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئتُم﴾، يقول: أقْبِلْ وأدْبر، واتق الدُّبُر والحيضة» (٣). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٥٢٨، ومسلم: ١٤٣٥، واللفظ له، والزيادة لابن أبي حاتم، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٩٩). (٢) جاء في «النهاية:»كنّى برَحله عن زوجته، أراد به غِشْيانها في قُبُلها من جهة ظهرها ...«. (٣) أخرجه النسائي في»العِشْرة«، والترمذي -وحسّنه- وغيرهما، وانظر»آداب الزفاف" (ص ١٠٣). لا كراهة في الكلام حال الجماع: جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٨٣): «وأمّا الكلام حال الجماع؛ فقد استدل بعض أهل العلم على كراهة الكلام حال الجماع، بالقياس على كراهته حال قضاء الحاجة، فإِنْ كان ذلك بجامع الاستخباث؛ فباطل؛ فإِنّ حالة الجماع حالة مُستلذَّة، لا حالة مُستخبثة، وفي المكالمة -حَالَتَهُ- نوع من إِحسان العشرة؛ بل فيه لذة ظاهرة؛ كما قال بعض الشعراء: وَيُعْجِبُنِي مِنْكِ حَالَ الجِمَاعِ ... لِينُ الكَلامِ وَضَعْفُ النَّظَرْ وإِنْ كان الجامع شيئًا آخر؛ فما هو؛ فإِنّ النّبيّ - ﷺ - قد شرع الملاعبة والمداعبة، ووقتُ الجماع أولى بذلك من غيره». ٧ - الوضوء بين الجماعين: وإِذا أرادَ أن يعود إِليها توضّأ؛ لقوله - ﷺ -: «إِذا أتى أحدُكم أهلَه، ثمّ أراد أن يعود، فليتوضأ» (١). وفي رواية: «فإِنه أنشط في العَوْدِ» (٢). ٨ - الغُسل أفضل: لكن الغسل أفضل من الوضوء؛ لحديث أبي رافع -رضي الله عنه-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذاتَ يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلًا واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر» (٣). ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٠٨. (٢) انظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٧). (٣) أخرجه أبو داود، والنسائي في «عشرة النساء» وغيرهما، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٨). ٩ - اغتسال الزوجين معًا: ويجوز لهما أن يغتسلا معًا في مكان واحد، ولو رأى منها ورأت منه. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي، قالت: وهما جُنُبان» (١). وعن معاوية بن حيدة -رضي الله عنه- قال: «قلتُ: يا رسول الله! عوراتنا؛ ما نأتي منها وما نذَر؟ قال: احفظ عورتك؛ إِلا من زوجتك أو ما ملكَت يمينك» (٢). وجاء في «السلسلة الضعيفة» (٣) -بعد حديث موضوع يمنع النظر إِلى فرج الزوجة-: «والنظر الصحيح يدل على بطلان هذا الحديث، فإِن تحريم النظر بالنسبة للجماع: من باب تحريم الوسائل، فإِذا أباح الله -تعالى- للزوج أن يجامع زوجه، فهل يُعقل أن يمنعه من النظر إِلى فرجها؟! اللهم لا. ويؤيد هذا من النقل حديث عائشة قالت:»كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناءٍ بيني وبينه واحد، فيُبادرني؛ حتى أقول: دَع لي، دَع لي«. أخرجه الشيخان وغيرهما. فإِن الظاهر من هذا الحديث جواز النظر، ويؤيده رواية ابن حبان من طريق --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٥٠، ومسلم: ٣٢١ واللفظ له. (٢) أخرجه أصحاب السنن إِلا النسائي، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١١٢). (٣) برقم (١٩٥) بلفظ:»إِذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته؛ فلا ينظر إِلى فرجها، فإنّ ذلك يورث العمى". سليمان بن موسى: أنه سُئِل عن الرجل ينظر إِلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاءً؟ فقال: سألت عائشة؟ ... فذكرت هذا الحديث بمعناه. وهو نص في جواز نظر الرجل إِلى عورة امرأته -وعَكْسِهِ- وإذا تبيّن هذا؛ فلا فرق حينئذ بين النظر عند الاغتسال أو الجماع، فثبت بطلان الحديث». ١٠ - توضُّؤ الجُنُب قبل النوم: ولا ينامان جُنُبين إِلا إِذا توضآ؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا أراد أن ينام وهو جُنُب؛ غَسَل فرجه، وتوضأ [وضوءه] للصلاة» (١). ١١ - حُكم هذا الوضوء: وليس ذلك على الوجوب، وإنما للاستحباب المؤكّد، لحديث عمر: «أنه سأل رسول الله - ﷺ -: أينام أحدنا وهو جُنُب؟ فقال: نعم، ويتوضأ إِنْ شاء» (٢). ويؤيده حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - ينام وهو جُنُب من غير أن يمس ماءً؛ [حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل]» (٣). ١٢ - تيمُّم الجُنُب بدل الوضوء: ويجوز لهما التيمم بدل الوضوء أحيانًا؛ لحديث عائشة قالت: «كان رسول ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٨٨، ومسلم: ٣٠٥ والزيادة له. (٢) أخرجه ابن حبّان في»صحيحه«عن شيخه ابن خزيمة -رحمهما الله تعالى-، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١١٥). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة، وأَصحاب»السنن«إلاَّ النسائي، وانظر»آداب الزفاف" (١١٦). ![]()
__________________
|
|
#126
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 196الى صــ210 الحلقة (126) الله - ﷺ - إذا أجنب فأراد أن ينام، توضأ أو تيمّم» (١). ١٣ - اغتساله قبل النوم أفضل: واغتسالهما أفضل؛ لحديث عبد الله بن قيس قال: «سألتُ عائشة قلت: كيف كان - ﷺ - يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كلَّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعة» (٢). ١٤ - تحريم إِتيان الحائض: ويحرُم عليه أن يأتيها في حيضها؛ لقوله -تبارك وتعالى-. ﴿ويسألونك عن المحيض قُل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنّ حتى يطهرن فإِذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله إِنّ الله يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين﴾ (٣). ومن الأحاديث الدالّة على ذلك قوله - ﷺ -: «من أتى حائضًا، أو امرأة في دُبُرها، أو كاهنًا؛ فصدَّقه بما يقول، فقد كفَر بما أُنزل على محمد» (٤). ١٥ - ما يحِلّ له من الحائض: ويجوز له أن يتمتّع بما دون الفرج من الحائض، ومن الأدلة على ذلك: ---------------------- (١) أخرجه البيهقي، وحسنه الحافظ في «الفتح»، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١١٨). (٢) أخرجه مسلم: ٣٠٧. (٣) البقرة: ٢٢٢. (٤) أخرجه أصحاب «السنن» وغيرهم، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٢١). قوله - ﷺ -: «... اصنعوا كلّ شيء إِلا النكاح (١)» (٢). وعن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: «إِنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد من الحائض شيئًا؛ ألقى على فرجها ثوبًا؛ [ثمّ صنع ما أراد]» (٣). ١٦ - ولا يأتيها بعد الطُّهر إِلا أن تغتسل: قال الله -تعالى-: ﴿فإِذا تطهّرن فأتوهنّ من حيثُ أمَركم الله﴾ (٤). وقد فصّلتُ القول في هذه المسألة من كتابي هذا: «الموسوعة» (١/ ٢٧٦). ١٧ - جواز العزل: ويجوز له أن يعزل عنها ماءَه. عن جابر -رضي الله عنه- قال: «كنّا نعزل والقرآن ينزل» (٥). وفي رواية: «كنّا نعزِل على عهد رسول الله - ﷺ -، فبلَغ ذلك نبيّ الله - ﷺ -، فلم يَنْهَنا» (٦). ١٨ - الأوْلى ترْك العزل: ولكن ترْكه أولى لأمور: ----------------------- (١) أي: الجماع. (٢) أخرجه مسلم: ٣٠٢. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٤٢)، وانظر «آداب الزفاف» (١٢٥). (٤) البقرة: ٢٢٢. (٥) أخرجه البخاري: ٥٢٠٩، ومسلم: ١٤٤٠. (٦) أخرجه مسلم: ١٤٤٠. الأول: أنّ فيه إِدخالَ ضررٍ على المرأة لما فيه من تفويت لذتها (١). فإِنْ وافقَت عليه (٢)؛ ففيه ما يأتي، وهو: الثاني: أنه يُفوِّت بعض مقاصد النكاح، وهو تكثير نَسْل أمّة نبيِّنا - ﷺ -، وذلك قوله - ﷺ -: «تزوَّجوا الودود الولود، فإِني مُكاثِرٌ بكم الأم (٣)» (٤). ولذلك وصَفَه النّبيّ - ﷺ - بالوأد الخفي حين سألوه عن العزل. عن جُذَامة بنت وهب قالت: «حضرتُ رسول الله - ﷺ - في أناس سألوه عن العزل؟ فقال - ﷺ -: ذلك الوأد الخفي» (٥). ولهذا أشار - ﷺ - إِلى أن الأوْلى تركه في حديث أبي سعيد الخدري أيضًا، قال: «ذُكر العزل عند رسول الله - ﷺ -، فقال: ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟! -ولَمْ يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم-؛ فإِنه ليست نفس مخلوقة إِلا الله خالقها». ------------------------ (١) قال شيخنا -رحمه الله-: «ذكَره الحافظ في»الفتح«...». (٢) وقد رأيت هذا موافقًا لكلام شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٣٢/ ١٠٨): «وأمّا العزل فقد حرمه طائفة من العلماء؛ لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز بإِذن المرأة، والله أعلم». (٣) مُكاثِر بكم الأم؛ أي: مُفاخِر بسببكم سائر الأمم؛ لكثرة أتباعي. «عون المعبود» (٦/ ٣٤). (٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٣٢). (٥) أخرجه مسلم: ١٤٤٢. وفي رواية: «فقال لنا: وإِنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون؟ ما مِن نسمة كائنةٍ إِلى يوم القيامة، إِلا وهي كائنة» (١). انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. وانظر للمزيد -إِن شئت- ما قاله العلامة ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٥/ ١٤). وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٤/ ٣٨٥): «كراهة تحديد النسل أو تنظيمه والنهي عن الرهبانية»؛ ثم ذكر الحديث (١٨٧٢): «تزوّجوا فإِني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى». جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٨٥): «قال في»المُسَوَّى«: اختلف أهل العلم في العزل، فرخّص فيه غير واحد من الصحابة والتابعين، وكرهه جمع منهم، ولا شكّ أنّ تركه أولى». ١٩ - ما ينويان بالنكاح: وينبغي لهما أن ينويا بنكاحهما إعفاف نفسَيْهما، وإحصانهما من الوقوع فيما حرّم الله عليهما، فإِنه تكتب مباضعتهما صدقة لهما، لحديث أبي ذر -رضي الله عنه-: «أنّ ناسًا من أصحاب النّبيّ - ﷺ - قالوا للنّبيّ - ﷺ -: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور (٢) بالأُجور، يصلّون كما نُصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفُضول أموالهم! قال: أوَلَيْسَ قد جعل الله لكم ما تصّدّقون؟ إِنّ بكلّ تسبيحةٍ صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وكُلّ تحميدةٍ صدقة، ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٢١٠، ومسلم: ١٤٣٨ واللفظ له. (٢) جمع دَثْر، وهو المال الكثير.»النهاية". وكلّ تهليلةٍ صدقة، وأمْرٌ بالمعروف صدقة، ونهْيٌ عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم (١) صدقة. قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه فيها وِزر؟ فكذلك إِذا وضَعَها في الحلال؛ كان له أجرًا» (٢). ٢٠ - ما يفعل صبيحةَ بنائه: ويُستحب له صبيحةَ بنائه بأهله؛ أن يأتي أقاربه الذي أتوه في داره، ويُسلّم عليهم، ويدعو لهم، وأن يُقابِلوه بالمِثل؛ لحديث أنس -رضي الله عنه- قال: «أَوْلَم رسول الله - ﷺ - إِذ بنى بزينب، فأشبع المسلمين خُبزًا ولحمًا، ثمّ خرَج إِلى أُمّهات المؤمنين فسلّم عليهنّ، ودعا لهنّ، وسلّمن عليه ودعَون له، فكان يفعل ذلك صبيحة بنائه» (٣). ٢١ - تحريم نشْر أسرار الاستمتاع: ويحرُم على كلٍّ منهما أن ينشر الأسرار المتعلقة بالوقاع، فعن أسماء بنت يزيد -رضي الله عنها-: «أنها كانت عند رسول الله - ﷺ -، والرجال والنساء قعود، فقال: لعلّ رجلًا يقول ما يفعل بأهله، ولعلّ امرأة تُخبِر بما فعَلَت مع زوجها؟! فأرَمّ القوم (٤)، فقلت: إِي والله يا رسول الله! إِنهن ليفعلن، وإنهم --------------------- (١) بُضع أَحدكم: البُضع: يُطلق على الجماع، ويُطلق على الفرج نفسه، وكلاهما تصحّ إِرادته هنا. قاله النّووي -رحمه الله-. (٢) أخرجه مسلم: ١٠٠٦. (٣) أخرجه ابن سعد، والنسائي في»الوليمة«، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١٣٩). (٤) أرمّ القوم، أي: سكتوا ولم يجيبوا.»النهاية". ليفعلون، قال: فلا تفعلوا، فإِنّما ذلك مَثَلُ الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغَشِيَها والناس ينظرون» (١). قلت: أمّا إِذا كانت هناك حاجة أو ضرورة للتحدُّث بشيء من ذلك؛ فلا حرج. عن عكرمة: «أنّ رِفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القُرَظي، قالت عائشة: وعليها خمارٌ أخضر، فشكت إِليها، وأرتها خُضرةً بجِلدها، فلما جاء رسول الله - ﷺوالنساء ينصر بعضهنّ بعضًا- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لَجِلْدُها أشدُّ خُضْرَةً من ثوبها! قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله - ﷺ -، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إِليه من ذنب، إِلا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه -وأخذت هُدبة (٢) من ثوبها-! فقال: كذبت والله يا رسول الله! إِني لأنفضُها نفض الأديم (٣)، ولكنها ناشزٌ تريد رِفاعة، فقال رسول الله - ﷺ -: فإِن كان ذلك؛ لم تحلّي له -أو لم تصلحي له- حتى يذوق عُسَيلتك! قال: وأبصر معه ابنَين له فقال: بنوك هؤلاء؟ قال: نعم. قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب» (٤). -------------------- (١) أخرجه أحمد، وهو حسن أو صحيح بشواهده؛ وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٤٤). (٢) أرادت متاعَه، وأنّه رِخْو مثلُ طَرَف الثوب؛ لا يُغني عنها شيئًا. «النهاية». (٣) أي: الجلد، قال الحافظ في «الفتح»: «كناية بليغة من ذلك؛ لأنها أوقع في النفس من التّصريح، لأنّ الذي ينفض الأديم يحتاج إِلى قوة ساعد وملازمة طويلة». (٤) أخرجه البخاري: ٥٨٢٥، ومسلم: ١٤٣٣ نحوه. ٢٢ - وجوب الوليمة: ولا بد له مِن وليمةٍ بعد الدخول؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - عبدَ الرحمن بن عوف بها كما تقدّم، ولحديث بُرَيْدة بن الحُصَيْب، قال: «لمّا خطَب عليٌّ فاطمة -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنه لا بد للعُرْس (وفي رواية: للعروس) من وليمة» (١). انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. قال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٢١) تحت المسألة (١٨٢٣): «وفَرْضٌ على كلّ من تزوّج أن يولم بما قلّ أو كثُر ...» ثمّ ذكر الأدلّة على ذلك. ٢٣ - السُّنة في الوليمة: وينبغي أن يلاحظ فيها أمورًا: الأول: أن تكون ثلاثة أيام عَقِب الدخول، لأنه هو المنقول عن النّبيّ - ﷺ -، فعن أنس -رضي الله عنه- قال: «بنى النّبيّ - ﷺ - بامرأة، فأرسَلَني، فدعوت رجالًا على الطعام» (٢). وعنه قال: «تزوج النّبيّ - ﷺ - صفية، وجعل عتْقها صداقها، وجعَل الوليمة ثلاثة أيام» (٣). الثاني: أن يدعو الصالحين إِليها، فقراءَ كانوا أو أغنياءَ، لقوله - ﷺ -: «لا ------------------------ (١) أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما، وانظر»آداب الزفاف«(١٤٤). (٢) أخرجه البخاري: ٥١٧٠. (٣) أخرجه أبو يعلى بسند حسن، كما قال الحافظ في»الفتح«(٩/ ٢٤٣)، وانظر»آداب الزفاف" (ص ١٤٦). وستأتي رواية البخاري -رحمه الله-، تحت (جواز الوليمة بغير لحم). تُصاحِبْ إِلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إِلا تقيّ» (١). الثالث: أن يولم بشاة أو أكثر -إِن وجد سَعة-. عن أنس أيضًا قال: «ما رأيتُ رسول الله - ﷺ - أولَم على امرأةٍ من نسائه ما أولَم على زينب؛ فإِنه ذبَح شاة، [قال: أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه]» (٢). ٢٤ - جواز الوليمة بغير لحم: ويجوز أن تُؤدّى الوليمة بأي طعامٍ تيسّر، ولو لم يكن فيه لحم، لحديث أنس -رضي الله عنه- قال: «أقام النّبيّ - ﷺ - بين خيبر والمدينة ثلاثَ ليالٍ؛ يُبنى عليه بصفيّة، فدعوت المسلمين إِلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إِلا أنْ أمَر بلالًا بالأنطاع (٣) فبُسطت (وفي رواية: فُحِصَت الأرض أفاحِيصَ (٤)، وجيء بالأنطاع فوُضعت فيها)، فأُلقي عليها التمر والأقط والسمن [فشبع الناس]» (٥). --------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٠٤٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٩٥٢) وغيرهما. (٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٨، ومسلم: ١٤٢٨ واللفظ له مع الزيادة. (٣) الأنطاع: جمع نِطع؛ وهو بساط من الجلد المدبوغ. (٤) فُحِصَت الأرض أفاحيص؛ أي: كُشف التراب من أعلاها، وحُفرت شيئًا يسيرًا ليُجعل الأنطاع في المحفور، ويُصبّ فيها السمن، فيثبتَ ولا يخرج من جوانبها«.»النووي" (٩/ ٢٢٤). (٥) أخرجه البخاري: ٤٢١٣ وهذا لفظه، ومسلم: ١٣٦٥ والرواية الأخرى والزيادة له. ٢٥ - مشاركة الأغنياء بمالهم في الوليمة: يُستحبّ أن يشارك ذوو الفضل والسَّعة في إعدادها؛ لحديث أنس في قصة زواجه - ﷺ - بصفية قال: «حتى إِذا كان بالطريق؛ جهَّزَتْها له أُمّ سليم، فأهدَتْها له من الليل، فأصبح النّبيّ - ﷺ - عروسًا (١)، فقال: من كان عنده شيء فَلْيَجِئْ به (وفي رواية: من كان عنده فضل زاد فليأتنا به)، قال: وبسط نِطعًا، فجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حَيْسًا، فكانت وليمةَ رسول الله - ﷺ -» (٢). ٢٦ - تحريم تخصيص الأغنياء بالدعوة: ولا يجوز أن يخصّ بالدعوة الأغنياء دون الفقراء؛ لقوله - ﷺ -: «شرّ الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء، ويُمْنَعُهَا المساكين، ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٣). ٢٧ - وجوب إِجابة الدعوة: ويجب على من دُعي إِليها أن يحضرها. عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا دعي أحدكم إِلى الوليمة؛ فليأتها» (٤). --------------------- (١) جاء في «النهاية»: «وفيه: فأصبح عروسًا؛ يُقال للرجل؛ عَروس؛ كما يقال للمرأة، وهو اسم لهما عند دخول أحدهما بالآخر». (٢) أخرجه البخاري: ٣٧١، ومسلم: ١٣٦٥ والرواية له. (٣) أخرجه البخاري: ٥١٧٧، ومسلم: ١٤٣٢. (٤) أخرجه البخاري: ٥١٧٣، ومسلم: ١٤٢٩. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه كان يقول: «من ترك الدعوة؛ فقد عصى الله ورسوله» (١). ٢٨ - ترْك حضور الدعوة التي فيها معصية: ولا يجوز حضور الدعوة إِذا اشتملت على معصية، إِلا أن يقصد إِنكارها ومحاولة إِزالتها، فإِن أُزيلت؛ وإلا وجب الرجوع. عن علي قال: «صنعتُ طعامًا، فدعوتُ رسول الله - ﷺ -، فجاء فرأى في البيت تصاوير، فرجع، [قال: فقلت: يا رسول الله! ما أرجعَك بأبي أنت وأمّي؟! قال: إِنّ في البيت سترًا فيه تصاوير، وإنّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير]» (٢). وفي الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يقعُدنّ على مائدة يُدار عليها الخمر» (٣). وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو: «أنّ رجلًا صنَع له طعامًا، فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسَر الصورة، ثمّ دخَل» (٤). ----------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٧٧، ومسلم: ١٤٣٢. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٧٠٨)، وأبو يعلى في «مسنده» والزيادة له، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٦١). (٣) أخرجه أحمد، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٢٤٦)، وانظر «الإِرواء» (١٩٤٩). (٤) أخرجه البيهقي، وسنده صحيح، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٦٥). قال الإِمام الأوزاعي: «لا ندخل وليمة فيها طبل ولا مِعْزَافٌ» (١). انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. قال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٢١) تحت المسألة (١٨٢٤): «... فإِن كان هنالك حرير مبسوط، أو كانت الدار مغصوبة، أو كان الطعام مغصوبًا،. أو كان هنالك خمر ظاهر: فليرجع ولا يجلس ..»، ثمّ ذكر الأدلّة على ذلك. ٢٩ - الدعاء للعروسين بالخير والبركة: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «هلك أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات-، فتزوّجت امرأة ثيّبًا، فقال لي رسول الله - ﷺ -: تزوجتَ يا جابر؟! فقلت: نعم، فقال: بكرًا أم ثيّبًا، قلت: بل ثيبًا، قال: فهلا جاريةً تُلاعبها وتلاعبُك، وتُضاحكها وتُضاحكك؟! قال فقلت له: إِنّ عبد الله هلك وترك بنات، وإِني كرهتُ أن أجِيئهنّ بمِثلهن، فتزوجتُ امرأة تقوم عليهنّ وتُصلحهن، فقال: بارَك الله لك -أو خيرًا-» (٢). وفي حديث بريدة -رضي الله عنه-: «... يا علي! إِنه لا بدّ للعروس من وليمة. فقال سعد؛ عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار أَصْوُعًا من ذُرَةٍ، فلمّا كانت ليلةُ البناءِ، قال: لا تُحْدِثْ شيئًا حتى تلقاني، فدعا رسول الله - ﷺ - --------------------- (١) أخرجه أبو الحسن الحربي في»الفوائد المنتقاة«بسند صحيح، وانظر»آداب الزفاف" (ص ١٦٦). (٢) أخرجه البخاري: ٥٣٦٧، ومسلم: ٧١٥، وتقدّم. بماء فتوضأ فيه، ثمّ أفرغَه على عليّ، فقال: اللهم بارِك فيهما، وبارِك لهما في بنائهما» (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «تزوّجني النبيّ - ﷺ -، فأتتني أُمّي، فأدخَلتني الدار، فإِذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر» (٢). وعن أبي هريرة: «أنّ النبي - ﷺ - كان إِذا رفّأ (٣) الإنسان إِذا تزوج، قال: بارك الله لك، وبارك الله عليك، وجمَع بينكما في (وفي رواية: على) خير» (٤). ٣٠ - بالرِّفاء (٥) والبنين تهنئة الجاهلية: ولا يقول: «بالرِّفاء والبنين»، فإِنه مِنْ عمل الجاهلية، فعن عَقِيلِ بن أبي طالب: «أنه تزوج امرأة من بني جُشَمٍ، فقالوا: بالرِّفاء والبنين، فقال: لا تقولوا ------------------------ (١) أخرجه ابن سعد والطبراني في»الكبير«بسند حسن، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١٧٤). (٢) أخرجه البخاري: ٥١٥٦، ومسلم: ١٤٢٢. (٣) رفّأ: بتشديد الفاء وهمزة، وقد لا يُهمز؛ أي: هنّاه ودعا له.»عون المعبود«(٦/ ١١٧). (٤) أخرجه سعيد بن منصور في»سننه«، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٦٦)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٧١) وغيرهم، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١٧٥). (٥) جاء في»سبل السلام«(٣/ ٢١٦):»الرفاء؛ الموافقة وحسن المعاشرة، وهو من رفأ الثوب. وقيل: من رفوت الرجل: إِذا سكَّنت ما به من روع. فالمراد: إِذا دعا - ﷺ - للمتزوج بالموافقة بينه وبين أهله وحسن العشرة بينهما، قال ذلك". هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله - ﷺ -: اللهم بارِك لهم وبارِك عليهم» (١). ٣١ - الغناء والضرب بالدُّفِّ: ويجوز له أن يسمح للنساء (٢) في العرس يإِعلان النكاح بالضرب على الدفّ فقط، وبالغناء المباح الذي ليس فيه وصْف الجمال وذِكْر الفجور؛ فعن الرُّبيّع بنت مُعوِّذ قالت: «جاء النّبي - ﷺ - يدخل حين بُني عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك منّيّ (٣)، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر، إِذ قالت إِحداهنّ: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين» (٤). وعن عائشة: «أنها زَفَّتِ امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله - ﷺ -: يا عائشة! ما كان معكم لهو؟! فإنّ الأنصار يُعجبهم اللهو؟» (٥). -------------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٤٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٥٦)، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٧٥). (٢) قلت: قيده شيخنا -رحمه الله- في «غاية المرام» و«تحريم آلات الطرب» بأن يكون ذلك للبنات الصَّغِيرات دون البلوغ -وهن الجواري- لا البالغات من النساء. (٣) الخطاب للراوي عنها، وقال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٩/ ٢٠٣): «والذي وضح لنا بالأدلة القوية: أنّ منْ خصائص النبي - ﷺ - جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إِليها، وهو الجواب الصحيح عن قصة أمّ حرام بنت مِلْحان في دخوله عديها، ونومه عندها، وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية» (٤) أخرجه البخاري: ٥١٤٧. (٥) أخرجه البخاري: ٥١٦٢. وفي رواية بلفظ: «فقال: فهل بعَثتم معها جارية تضرب بالدفّ وتُغنّي؟ قلت: تقول ماذا؟ قال: تقول: أتيناكم أتيناكمْ ... فحيّونا نحيّيكمْ ولولا الذهب الأحمـ ... ـر ما حلّت بواديكمْ ولولا الحنطة السمرا ... ء ما سَمِنَتْ عذاريكمْ» (١). وعن أبي بَلْجٍ يحيى بن سُلَيْمٍ قال: «قلت لمحمد بن حاطب: تزوجتُ امرأتين، ما كان في واحدة منهما صوت -يعني دفًّا-؟ فقال محمّد -رضي الله عنه-: قال رسول الله - ﷺ -: فصْل ما بين الحلال والحرام: الصوت بالدف» (٢). وقال - ﷺ -: «أعلنوا النكاح» (٣). ٣٢ - الامتناع من مخالفة الشرع: ويجب عليه أن يمتنع من كل ما فيه مخالفة للشرع، وخاصة ما اعتاده الناس في مِثل هذه المناسبة، حتى ظنّ كثير منهم -بسبب سكوت العلماء- أنْ لا بأس فيها. قال شيخنا -رحمه الله-: وأنا أنبّه هنا على أمور هامّة منها: ----------------- (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وحسّنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٩٩٥). (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٣٨)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١١٤) وغيرهم، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٨٣). (٣) أخرجه ابن حبّان والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «آداب الزفاف» (ص ١٨٤). ١ - تعليق الصُّوَر: تعليق الصُّوَرِ على الجدران، سواء أكانت مُجسّمة، أو غير مجسّمة، لها ظِلّ، أو لا ظلّ لها، يدويّة أو فوتوغرافية، فإِن ذلك كله لا يجوز، ويجب على المستطيع نَزْعُها إِن لم يستطع تمزيقها، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «دخَل عليّ رسول الله - ﷺ -؛ وقد سترتُ سهوةً (١) لي بِقرامٍ (٢) فيه تماثيل (وفي رواية: فيه الخيل ذوات الأجنحة)، فلمّا رآه هتَكَه، وتلوّن وجهه، وقال: يا عائشة! أشدّ الناس عذابًا عند الله يوم القيامة: الذين يضاهون بخلق الله (وفي رواية: إِنّ أصحاب هذه الصور يُعذّبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقْتُم، ثمّ قال: إِنّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)! قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين» (٣). وعنها -رضي الله عنها- قالت: «حشوت للنّبيّ - ﷺ - وسادة فيها تماثيل، كأنها نُمْرُقة (٤)، فجاء فقام بين البابَيْنِ، وجعل يتغيَّرُ وجهه، فقالت: ما لنا يا رسول الله؟! قال: ما بالُ هذه؟ قلت: وسادة جعلتُها لك لتضطجع عليها، قال: أما علمتِ أنّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة؟ وأنّ من صنع الصورة -------------------- (١) السهوة: قال النووي -رحمه الله-:»قال الأصمعي: هي شبيهة بالرّف أو بالطاق يوضع عليه الشيء. قال أبو عبيد: وسمعت غير واحد من أهل اليمن يقولون: السهوة عندنا بيت صغير مُتحدّر في الأرض، وسُمْكه مرتفع من الأرض، يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع«. (٢) جاء في»النهاية«:»القِرام: السِّتر الرقيق. وقيل: الصفيق ذي ألوان. وقيل: الستر الرقيق وراء الستر الغليظ«. وانظر -للمزيد إن شئت- ما قاله الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«. (٣) أخرجه البخاري: ٥٩٥٤، ومسلم: ٢١٠٧ واللفظ له مع الروايتين. (٤) النمرقة: الوسادة.»النهاية". ![]()
__________________
|
|
#127
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 211الى صــ225 الحلقة (127) يُعذّب يوم القيامة، فيقول: أحيوا ما خلقتم» (١). وعن سعيد بن أبي الحسن قال: «كنت عند ابن عباس -رضي الله عنهما- إِذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس! إِني إِنسان إِنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التّصاوير، فقال ابن عباس: لا أُحدِّثك إِلا ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، سمعته يقول: من صوّر صورة؛ فإِنّ الله معذِّبه حتّى ينفخ فيها الرُّوح، وليس بنافخ فيها أبدًا. فرَبا الرجل ربوة شديدة، واصفَرَّ وجهه، فقال: ويحك! إِن أبيْت إلاَّ أن تصنع؛ فعليك بهذا الشجر؛ كلِّ شيء ليس فيه روح» (٢). ٢ - نتف الحواجب وغيرها! ما تفعله بعض النسوة من نتفهن حواجبهن حتى تكون كالقوس أو الهلال، يفعلق ذلك تجمُّلًا بزعمهن! وهذا مما حرّمه رسول الله - ﷺ -، ولعَن فاعله بقوله: «لعَن الله الواشمات (٣)، والمستوشمات (٤)، والنامصات (٥)، والمتنمصات (٦)، -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٢٢٤، ومسلم: ٢١٠٧. (٢) أخرجه البخاري: ٢٢٢٥، ومسلم: ٢١١٠. (٣) الواشمة: هي التي تَشِم. والوشم: أن يُغرَز الجلد بإِبرة؛ ثمّ يحشى بكُحل أو نيل، فيزرقّ أثره أو يخضرّ.»النهاية«. (٤) المستوشمة: هي التي تطلب الوشم. (٥) النامصة: هي التي تفعل النماص، والنماص: إِزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش منماصًا لذلك.»فتح«. قلت: ولا يختص النماص بالوجه؛ بل هو عام في جميع شعر الجسد، كما ذكره شيخنا -رحمه الله- في»آداب الزفاف«(٢٠٢ - ٢٠٤)، و»غاية المرام" (ص ٩٧). (٦) المتنمّصات: جمع متنمصة؛ وهي التي تطلب النّماص. والمتفلجات (١) للحسن المغيرات خلق الله» (٢). ٣ - تدميم الأظفار وإِطالتها: وهذه العادة القبيحة الأخرى التي تسرّبت من فاجرات أوروبا إِلى كثيرٍ من المسلمات، وهي تدميمهن لأظفارهن بالصمغ الأحمر المعروف اليوم بـ (مينيكور)، وإِطالتهن لبعضها -وقد يفعلها بعض الشباب أيضًا-! فإِن هذا مع ما فيه من تغييرٍ لخلق الله، المستلزم لعْن فاعله، ومن التشبُّه بالكافرات المنهيّ عنه في أحاديث كثيرة التي منها قوله - ﷺ -: «... ومن تشبه بقوم فهو منهم» (٣)؛ فإِنه أيضًا مخالف للفطرة ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، وقد قال - ﷺ -: «الفطرة (٤) خمس: الختان، والاستحداد (٥)، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط» (٦). وقال أنس -رضي الله عنه-: «وُقِّت لنا (وفي رواية: وقَّت لنا رسول الله) في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، وحلق العانة: أن لا نَتْرُك أكثر من ------------------------- (١) هن النساء اللاتي يجعلن فُرَجًا بين بعض أسنانهنّ رغبة في التحسين. (٢) أخرجه البخاري: ٤٨٨٦، ومسلم: ٢١٢٥، واللفظ له. (٣) أخرجه أحمد وأبو داود، وانظر»آداب الزفاف«(ص ٢٠٥). (٤) أي: السُّنّة؛ يعني: سنن الأنبياء -عليهم السلام- التي أُمِرْنَا أن نقتدي بهم.»النهاية«. (٥) الاستحداد: حلْق العانة؛ سمّي استحدادًا؛ لاستعمال الحديدة، وهي الموسى.»شرح النووي". (٦) أخرجه البخاري: ٥٨٩١، ومسلم: ٢٥٧. أربعين ليلة» (١). ٤ - حلْق اللحى: ومثلها في القُبح -إِن لم تكن أقبح منها عند ذوي الفطر السليمة- ما ابتلي به أكثر الرجال من التزيُّن بحلق اللحية، بحكم تقليدهم للأوروبيين الكفار، حتى صار من العار عندهم أن يدخل الرجل على عروسه وهو غير حليق! وفي ذلك عدّة مخالفات: ١ - تغيير خَلْق الله -تعالى-؛ وقد قال -تعالى- حكاية عن الشيطان: ﴿ولآمُرنّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام ولآمُرنّهم فليغيّرُنَّ خَلْق الله﴾ (٢). فهذا نصّ صريح في أنّ تغيير خلْق الله دون إِذْن منه -تعالى- إِطاعة لأمر الشيطان، وعِصيان للرحمن -ﷻ- ... وإنما قلتُ (٣): دون إِذْنٍ من الله -تعالى-؛ لكي لا يتوهم أنه يدخُل في التغيير المذكور مِثل حلْق العانة ونحوها ممّا أذِن فيه الشارع، بل استحبّه؛ بل أوجبَه. ٢ - مخالفة أمره - ﷺ - وهو قوله: «أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى» (٤). ٣ - التشبّه بالكُفار؛ وقد قال - ﷺ -: «جزّوا الشوارب وأرخوا اللحى؛ خالفوا المجوس» (٥). -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٢٥٨. (٢) النساء: ١١٩. (٣) الكلام لشيخنا -رحمه الله-. (٤) أخرجه البخاري: ٥٨٩٣، ومسلم: ٢٥٩. (٥) أخرجه مسلم: ٢٦٠. ٤ - التشبه بالنساء؛ وقد: «لعَن رسول الله - ﷺ - المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» (١). وانظر التفصيل القويّ في «آداب الزفاف» -إِن شئت المزيد-. ٥ - خاتم الخطبة: لُبْسُ بعض الرجال خاتم الذهب الذي يُسمّون بـ «خاتم الخِطبة»، فهذا فيه من تقليد الكُفار ما فيه؛ لأن هذه العادة سرَتْ إِليهم من النصارى. ويرجع ذلك إلى عادة قديمة لهم، عندما كان العروس يضع الخاتم على رأس إِبهام العروس اليسرى، ويقول: باسم الآب. ثمّ ينقله واضعًا له على رأس السبّابة، ويقول: وباسم الابن. ثمّ يضعه على رأس الوسطى، ويقول: وباسم الروح القدس، وعندما يقول: آمين، يضعه أخيرًا في البنْصِر حيث يستقر. وهذا جاء جوابًا من قِبَل محرّرة قسم أسئلة مجلة «المرأة» الصادرة في لندن عدد ١٩ آذار ١٩٦٠ (ص ٨). وانظر «آداب الزفاف» للمزيد من التفصيل والأدلّة في الوضوع. إِذا رأى المرء من امرأةٍ ما يعجبه؛ فليأت أهله: عن جابر -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - رأى امرأةً، فأتى امرأته زينب، وهي تمعسُ (٢) منيئةً (٣) لها، فقضى حاجته، ثمّ خرج إِلى أصحابه، ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٨٨٥. (٢) قال النووي:»قال أهل اللغة: المعس -بالعين المهملة-: الدلك«. (٣) قال النووي:»قال أهل اللغة: هي الجلد أول ما يوضع في الدباغ". فقال: إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدْبر في صورة شيطان، فإِذا أبصر أحدكم امرأة فلْيأت أهله، فإِنّ ذلك يردّ ما في نفسه» (١). وصايا الإِمام الألباني -رحمه الله- إِلى العروسين (٢): أولًا: أن يتطاوعا ويتناصحا بطاعة الله -تبارك وتعالى- واتّباع أحكامه الثابتة في الكتاب والسّنّة، ولا يُقدِّما عليها تقليدًا أو عادة غلبَت على النّاس، أو مَذْهبًا، فقد قال -عز وجل-: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إِذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالًا مبينًا﴾ (٣). ثانيًا: أن يلتزم كل واحد منهما القيام بما فرض الله عليه من الواجبات والحقوق تجاه الآخر، فلا تطلب الزوجة -مثلًا- أن تساوي الرجل في جميع حقوقه، ولا يستغلّ الرجل ما فضّله الله -تعالى- به عليها من السيادة والرياسة؛ فيظلمها، ويضربها بدون حقّ، فقد قال الله -عز وجل-: ﴿وَلَهُنَّ مثْل الذي عَلَيْهِنَّ بِالمعْرُوف ولِلرّجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة واللهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ (٤). وقال: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ على النِّساء بِمَا فَضَّل اللهُ بعضهم على بعض وبمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِم فَالصَّالحاتُ قانتاتٌ حافظاتٌ للغيبِ بِما حَفِظَ الله واللاتي ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٠٣. (٢) عن «آداب الزفاف» (٢٧٨) بتصرّف. (٣) الأحزاب: ٣٦. (٤) البقرة: ٢٢٨. تخافون نُشوزهنّ (١) فَعِظُوهُنَّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهن فإِنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا إِنّ الله كان عليًّا كبيرًا﴾ (٢). وقد قال معاوية بن حيدة -رضي الله عنه-: يا رسول الله! ما حقّ زوجةِ أحدِنا عليه؟ قال: «أن تُطعمها إِذا طَعِمْت، وتكسوها إِذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه (٣)، ولا تضرب، [ولا تهجر إِلا في البيت، كيف وقد أفضى بعضكم إِلى بعض (٤)؛ إِلا بما حلّ عليهنّ (٥)» (٦). وقد قال - ﷺ -: «إِنّ المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن -عز وجل- وكلتا يديه يمين-؛ الذين يعدلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا» (٧). فإِذا هما عَرفا ذلك وعمِلا به، أحياهما الله -تبارك وتعالى- حياةً طيّبة، وعاشا -ما عاشا معًا- في هناء وسعادة، فقد قال -عز وجل-: ﴿مَن عَمِل ---------------------- (١) أي: خروجهنّ عن الطاعة، قال ابن كثير: «والنشوز: هو الارتفاع، فالمرأة الناشز: هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه». (٢) النساء: ٣٤. (٣) أي: لا تقُلْ: قبَّح الله وجهك. (٤) يعني: الجماع. (٥) يعني: من الضرب والهجر بسبب نشوزهنّ. (٦) أخرجه أحمد والزيادة له، وأبو داود، والحاكم وقال: «صحيح»، ووافقه الذهبي، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٢٨٠)، وتقدّم. (٧) أخرجه مسلم: ١٨٢٧. صالحًا مِن ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فَلَنُحْيينّه حياةً طيبة ولَنَجْزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (١). ثالثًا: وعلى المرأة بصورة خاصّة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به، في حدود استطاعتها، فإِنّ هذا مما فضّل الله به الرجال على النساء؛ كما في الآيتين السابقتين: ﴿الرجال قوّامون على النساء﴾، ﴿وللرجال عليهنّ درجة﴾، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة مؤكِّدة لهذا المعنى، ومُبيِّنة بوضوح ما للمرأة، وما عليها إِذا هي أطاعت زوجها أو عصَتْه، فلا بد من إِيراد بعضها، لعلّ فيها تذكيرًا لنساء زماننا، فقد قال -تعالى-: ﴿وذكّر فإِنّ الذكرى تنفع المؤمنين﴾. الحديث الأول: «لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد (٢) إِلا بإِذنه [غير رمضان]، ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه» (٣). الثاني: «إذا دعا الرجل امرأته إِلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعَنَتها الملائكة حتى تصبح (وفي رواية: أو حتى ترجع. وفي أخرى: حتى يرضى عنها)» (٤). الثالث: «والذي نفس محمد بيده، لا تؤدّي المرأة حقَّ ربّها حتى تؤدّي حقّ -------------------- (١) النحل: ٩٧. (٢) شاهد؛ أي: حاضر. (٣) أخرجه البخاري: ٥١٩٥، ومسلم: ١٠٢٦، وانظر للزيادة»آداب الزفاف" (ص ٢٨٢). (٤) أخرجه البخاري: ٣٢٣٧، ومسلم: ١٤٣٦. زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قَتَب (١)؛ لم تمنعه نفسها» (٢). الرابع: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا؛ إِلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإِنما هو عندك دخيل (٣)، يوشك أن يفارقك إِلينا» (٤). الخامس: عن حصين بن مُحصن قال: حدثتني عمّتي قالت: «أتيت رسول الله - ﷺ - في بعض الحاجة، فقال: أَيْ هذه! أَذاتُ بَعْلٍ؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه (٥)؛ إِلا ما عَجَزت عنه، قال: [فانظري] أين أنت منه؟ فإِنما هو جنّتك ونارك» (٦). السادس: «إِذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها؟ قيل لها: ادخلي الجنة من أيِّ أبواب الجنة شئت» (٧). ----------------------- (١) قال في «النهاية»: «القَتَب للجمل: كالإِكاف لغيره [والإِكاف: ما يوضع على الحمار أو البغل ليُركب عليه، كالسرج للفرس]. ومعناه: الحثّ لهنّ على مطاوعة أزواجهنّ، وأنه لا يسعهنّ الامتناع في هذا الحال، فكيف في غيرها؟!». (٢) أخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبّان في «صحيحه»، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «آداب الزفاف» (ص ٢٨٤). (٣) الدَّخيل: الضيف والنزيل. «النهاية». (٤) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٣٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٣٧) وغيرهما، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٢٨٤). (٥) أي: لا أقصّر ولا أُبْطِئُ عن طاعته وخدمته. (٦) أخرجه أحمد، والنسائي بإِسنادين جيدين وغيرهما، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩٣٣)، و«آداب الزفاف» (ص ٢٨٥). (٧) أخرجه أحمد والطبراني، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩٣٢). جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٦١): «وسئل -رحمه الله- عن امرأة تزوّجت، وخرجت عن حكم والديها؛ فأيهما أفضل: بِرُّها لوالديها، أو مطاوعة زوجها؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. المرأة إِذا تزوّجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، قال الله -تعالى-: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ ...». ثمّ ذكَر -رحمه الله- عددًا من الأحاديث في وجوب طاعة المرأة زوجها. ثمّ قال -رحمه الله-: «والأحاديث في ذلك كثيرة عن النَبيَ - ﷺ -، وقال زيد ابن ثابت: الزوج سيِّد في كتاب الله، وقرأ قوله -تعالى-: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾. وقال عمر بن الخطاب: النكاح رقّ فلينظر أحدكم عند من يُرِقُّ كريمته (١). وفي»الترمذي«وغيره عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال:»استوصوا بالنساء خيرًا، فإِنّما هنّ عندكم عوانٍ«(٢). فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إِلا بإِذنه؛ سواءٌ أمَرها أبوها أو أمها، أو غير أبويها باتفاق الأئمة. وإِذا أراد الرجل أن ينتقل بها إِلى مكان آخر -مع قيامه بما يجب عليه وحِفْظِ حدود الله فيها- ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك؛ فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإِن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لهما أنْ يَنْهَيَاهَا عن طاعة مثل هذا -------------------- (١) قال العلامة العراقي -رحمه الله- في تخريج»الإحياء«(٢/ ٤٧):»رواه أبو عمر التوقاني في «معاشرة الأهلين» موقوفًا على عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر -رضي الله عنهم- قال البيهقي: ورُوي ذلك مرفوعًا؛ والموقوف أصحّ«. (٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٠١)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٢٩) وغيرهما، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٠٣٠). ومعنى (عوانٍ)؛ أي: أسيرات، جمع (عَانِيَة). الزّوج، وليس لها أن تطيع أمّها فيما تأمرها به من الاختلاع منه، أو مضاجرته حتى يطلقها؛ مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصَّداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدًا من أبويها في طلاقه إِذا كان متقيًا لله. ففي «السنن الأربعة» و«صحيح أبي حاتم» عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة» (١). وفي حديث آخر: «المختلعات والمنتزعات هنّ المنافقات» (٢). وأمّا إِذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه طاعة الله: مثل المحافظة على الصلوات؛ وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ونهوها عن تبذير مالها وإضاعته، ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه: فعليها أن تطيعهما في ذلك، ولو كان الأمر من غير أبويها، فكيف إِذا كان من أبويها؟! وإذا نهاها الزوج عما أمر الله، أو أمرها بما نهى الله عنه، لم يكن لها أن تطيعه في ذلك، فإِن النبيّ - ﷺ - قال: «إِنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٣). بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله؛ لم يجز له أن يطيعه في معصية، فكيف يجوز أن تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية؟! فإن الخير كلّه في طاعة الله ورسوله، والشر كلّه في معصية الله ورسوله«. -------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٤٧)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٧٢) واللفظ له، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٨) وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢٠٣٥). (٢) أخرجه أحمد والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٢٣٨)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٧) وغيرهم، وانظر»الصحيحة«(٦٣٢). (٣) أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما، وانظر»الصحيحة" (١٨٠). وجوب خدمة المرأة لزوجها (١): قلت: وبعض الأحاديث المذكورة آنفًا (٢) ظاهرة الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها، وخِدمتها إِياه في حدود استطاعتها، ومما لا شكّ فيه أنّ من أول ما يدخل في ذلك: الخدمةَ في منزله، وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك. وقد اختلف العلماء في هذا، فقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥): «وتنازع العلماء، هل عليها أن تخدمه في مِثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخَبْزِ والطَّحْنِ والطعام لمماليكه وبهائمه؛ مِثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تحب الخِدمة. وهذا القول ضعيف، كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء! فإِنّ هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإِنسان، وصاحبه في المسكن؛ إِن لم يعاونه على مصملحته؛ لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل -وهو الصواب-: وجوب الخدمة، فإِنّ الزوج سيّدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسُنّة رسول الله - ﷺ -، وعلى العاني والعبد الخدمة، ولأن ذلك هو المعروف. ثمّ مِنْ هؤلاء مَنْ قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخِدمة ---------------------- (١) عن كتاب»آداب الزفاف«(ص ٢٨٦) -بتصرّف يسير-. (٢) كقوله - ﷺ -:»فانظُري أين أنت منه؟ فإِنّما هو جنّتك ونارك«، وكقوله - ﷺ -:»إِذا صلّت المرأة خمسها، وحصّنت فرجها، وأطاعت بعلها؛ دخلَت من أيّ أبواب الجنّة شاءت". بالمعروف. وهذا هو الصواب، فعليها أن تَخْدُمَهُ الخدمة المعروفة من مثلها لِمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخِدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة«. قال شيخنا -رحمه الله-:»وهذا هو الحقّ -إِن شاء الله تعالى- أنه يجب على المرأة خدمة البيت، وهو قول مالك وأصبغ، كما في «الفتح» (٩/ ٤١٨)، وأبي بكر بن أبي شيبة، وكذا الجُوزَجَانِيِّ من الحنابلة، كما في «الاختيارات» (ص ١٤٥)، وطائفة من السلف والخلف، كما في «الزاد» (٤/ ٤٦)، ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلًا صالحًا. وقول بعضهم: «إِنّ عقد النكاح إِنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام»! مردود بأنّ الاستمتاع حاصل للمرأة أيضًا بزوجها، فهما متساويان في هذه الناحية، ومن المعلوم أنّ الله -تبارك وتعالى- قد أوجب على الزوج شيئًا آخر لزوجته، ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها، فالعدل يقتضي أن يجب عليها مقابل ذلك شيء آخر أيضًا لزوجها، وما هو إِلا خِدمتها إِيّاه، ولا سيما أنه القوّام عليها بنص القرآن الكريم، وإذا لم تقم هي بالخدمة فسيُضْطَرُّ هو إِلى خدمتها في بيتها، وهذا يجعلها هي القوّامة عليه، وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى، فثَبتَ أنه لا بدّ لها من خِدمته، وهذا هو المراد! وأيضًا؛ فإِنّ قيام الرجل بالخدمة يؤدّي إِلى أمرين متباينين تمام التباين؛ أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق وغير ذلك من المصالح، وتبقى المرأة في بيتها عُطَلًا عن أي عمل يجب عليها القيام به! ولا يخفى فساد هذا في الشريعة التي سوَّت بين الزوجين في الحقوق، بل وفضّلت الرجل عليها درجة، ولهذا لم يُزِل الرسول - ﷺ - شكوى ابنته فاطمة [رضي الله عنها] حينما: «أتت النّبيّ - ﷺ - تشكو إِليه ما تلقى في يدها من الرَّحَى، وبَلَغَها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكَرت ذلك لعائشة، فلما جاء، أخبرته عائشة، قال علي -رضي الله عنه-: فجاءنا وقد أخذْنا مضاجعنا، فذهبْنا نقوم، فقال: على مكانكما! فجاء، فقعد بيني وبينها، حتى وجدت بَرْدَ قدميه على بطني، فقال: ألا أدلكما على خير ممّا سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما -أو أويتما إِلى فراشكما- فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبّرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم. قال علي: فما تركْتها منذ سمعته من النّبيّ - ﷺ -. قيل له: ولا ليلة صِفّين؟ قال: ولا ليلة صفّين» (١). فأنت ترى أنّ النّبيّ - ﷺ - لم يقل لعليّ: لا خِدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو - ﷺ - لا يحابي في الحُكم أحدًا كما قال ابن القيّم -رضي الله عنه-. ومن شاء زيادة البحث في هذه المسألة فليرجع إِلى كتابه القيم «زاد المعاد» (٤/ ٤٥ - ٤٦). هذا وليس فيما سَبق من وجوب خِدمة المرأة لزوجها ما ينافي استحباب مشاركة الرجل لها في ذلك، إِذا وجد الفراغ والوقت، بل هذا من حُسْنِ المعاشرة بين الزوجين، ولذلك قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: «كان - ﷺ - يكون في مهنة أهله -تعني خِدمة أهله-، فإِذا حضرت الصلاة خرج إِلى الصلاة» (٢). انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. وذكر بعض العلماء في وجوب خدمة المرأة زوجها لقوله -سبحانه-: ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٣٦١، ومسلم: ٢٧٢٧ واللفظ له. (٢) أخرجه البخاري: ٦٧٦. ﴿ولهنّ مِثلُ الذي عليهنّ بالمعروف﴾ (١)؛ أي: ولهنّ على الرجال من الحقّ مِثل ما للرجال عليهنّ، فليؤدّ كل واحدٍ منهما إِلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. قاله ابن كثير -رحمه الله-. فإِن لم تكن الخدمة من ذلك؛ فماذا يكون عليها؟! وذكروا كذلك حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «تزوّجني الزُّبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء؛ غير ناضح (٢)، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقي الماء، وأخرِز (٣)، غَرَبهُ (٤)، وأعجن، ولم أكن أُحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار -وكُنَّ نِسْوةَ صِدْقٍ- وكنت أنقل النّوى من أرض الزبير -التي أقطعه رسول الله - ﷺ -- على رأسي، وهي مِنّي على ثُلُثَيْ فرسخٍ (٥)» (٦). وفي بعض مجالس شيخنا -رحمه الله- سُئل: هل للمرأة أن تَخْدُمَ إِخوان الزوج؟ فأجاب -رحمه الله-: الزوج هو الذي يُخْدَمُ فقط لا غيره؛ إِلا إِذا كان قد اشترط بخدمة أخ أو والد أو والدة؛ فيجب. --------------------- (١) البقرة: ٢٢٨. (٢) الناضح: هو الجمل الذي يُسقى عليه الماء. (٣) أي: تخيط الجلد وتجعل منه دلوًا. (٤) هو الدلو. (٥) الفرسخ: ثلاث أميال، وهي حوالي ٦ كم، انظر كتاب: «المكاييل والأوزان الإِسلامية وما يعادلها في النظام المتري» (ص ٩٤) لفالترهنتس وترجمه عن الألمانية د. كامل العسلي. (٦) أخرجه البخاري: ٥٢٢٤، ومسلم: ٢١٨٢. حقّ الزوجة على زوجها (١) ١ - حُسن المعاشرة: قال الله -تعالى-: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرًا﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله- بتصرُّف:»أي: طيّبوا أقوالكم لهنّ، وحسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحبّ ذلك منها، فافعل أنت بها مِثله، كما قال -تعالى-: ﴿ولهنّ مِثل الذي عليهنّ بالمعروف﴾ (٣) وقال رسول الله - ﷺ -: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (٤). وكان من أخلاقه - ﷺ - أنه جميل العشرة دائم البِشر، يُداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إِنه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين يتودّد إِليها بذلك: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كُنْتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فسابقْتُه فسبَقْته على رِجْلَيَّ، فلمّا حَملتُ اللحم؛ سابقْتُه فسبقَني، فقال: هذه بتلك السّبْقة» (٥). ------------------ (١) وقد تكرّر عدد من أحاديث هذا الباب في (وصايا الإِمام الألباني -رحمه الله-). (٢) النساء: ١٩. (٣) البقرة: ٢٢٨. (٤) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٣٠٥٧)، والدارمي، وابن حبان، وانظر «الصحيحة» (٢٨٥). (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٤٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦١٠)، وانظر «الإِرواء» (١٥٠٢)، و«الصحيحة» (١٣١)، و«المشكاة» (٣٢٥١). ![]()
__________________
|
|
#128
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 226الى صــ240 الحلقة (128) وقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويَجْعَلَ الله فيه خيرًا كثيرًا﴾، أي: فعسى أن يكون صبركم -مع إِمساككم لهنّ وكراهتهن- فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية: هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولد خير كثير. وفي الحديث الصحيح: «لا يَفْرَك (١) مؤمن مؤمنة، إِن كره منها خلقًا رضي منها آخر» (٢). انتهى. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أشرب وأنا حائض، ثمّ أناوله النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرّقُ العَرْق (٣) وأنا حائض، ثمّ أناوله النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيّ» (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استوصوا بالنساء، فإِنّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلَع أعلاه، فإِنْ ذهبتَ تقيمه كسرته، وإنْ تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء» (٦). ------------------ (١) يَفْرَك: لا يُبغِض. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٦٩. (٣) العَرق: واحد العراق، وهي العظام التي يُؤخذ منها هبر اللحم، وتقدّم مفصّلًا في كتابي هذا «الموسوعة» (١/ ٣٧). (٤) أخرجه مسلم: ٣٠٠. (٦) أخرجه البخاري: ٣٣٣١، ومسلم: ١٤٦٨. وعن عمرو بن الأحوص: «أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله - ﷺ -، فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ، ثمّ قال: استوصوا بالنّساء خيرًا، فإِنّهنّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنّ شيئًا غير ذلك، إِلا أنْ يأتين بفاحشة مبينة، فإِنْ فعلن فاهجروهنّ في المضاجع، وإضربوهنّ ضربًا غير مُبرّح، فإِد أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا، إِنّ لكم من نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا. فأمّا حقُّكم على نسائكم: فلا يوطئن فُرشكم من تكرهون، ولا يَأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهُنَّ عليكم: أن تُحسنوا إِليهن في كسوتهنّ وطعامهنّ» (١). فينبغي في ضوء ما تقدّم ألا يتعامل الرجل مع زوجه على أنها كاملة معصومة، بل خطّاءة خُلقت من ضِلَع أعوج، فإِذا جاء التصرّف الأعوج تذكّر أصْل خلقتها، فصبَر عليها، وتذكّر ما لها من محاسن السلوك والأخلاق، والأقوال والأفعال، فازداد صبرًا، ولم يبْدُ منه ما يعكّر صفو حياته الزوجيّة. ٢ - صيانتها (٢): ويجب على الزوج أن يصون زوجتَه، ويحفظها من كل ما يخدش شرفَها، ويثلم عرضها، ويمتهن كرامتها، ويُعرّض سمعتها لقالة السوء، وهذا من الغيرة التي يحبها الله؛ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ الله يغار، وإِنّ المؤمن يغار، وغيرةُ الله أن يأتي المؤمن ما حَرّم عليه» (٣). -------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠١)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٢٩) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٣٠). (٢) من «فقه السُّنّة» (٢/ ٥٠٩) بتصرّف. (٣) أخرجه البخاري: ٥٢٢٣، ومسلم: ٢٧٦١. وعن المغيرة قال: «قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربتُه بالسيف غيرَ مُصْفَح (١). فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: تعجبون من غيرة سعد، واللهِ لأنا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ منّي، ومِن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبُّ إِليه العُذْرُ من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذِرين، ولا أحدَ أحبُّ إِليه المِدحةُ من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» (٢). وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا ينظر الله -عز وجل- إِليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأة المترجّلة (٣)، والديّوث (٤)» (٥). وعن عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنّة أبدًا: الديّوث، والرَّجُلة من النساء، ومدمن الخمر. قالوا: يا رسول الله! أما مُدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديُّوث؟ قال: الذي لا يبالي مَن دخل على أهله. قلنا: فما الرَّجُلَة من النساء؟ قال: التي تَشَبَّهُ بالرجال» (٦). وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته، فإِنه يُطلَبُ منه أن يعتدل في -------------------- (١) قال في «النهاية»: «يقال: أصْفَحه بالسيف: إِذا ضربه بعُرْضه دون حدّه، فهو مُصْفِح، والسيف مُصفَح». (٢) أخرجه البخاري: ٧٤١٦، ومسلم: ٢٧٦٠. (٣) التي تتشبّه بالرّجال في زيّهم وهيأتهم، وانظر «النهاية». (٤) الدَّيوث: هو الذى لا يغار على أهله. «النهاية». (٥) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٤٠٢)، وأحمد وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٦٧٤). (٦) أخرجه الطبراني، وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- كما في "صحيح الترغيب = هذه الغَيرة، فلا يبالغ في إِساءة الظن بها، ولا يسرف في تَقَصِّي كل حركاتها وسكناتها، ولا يحصي جميع عيوبها؛ فإِن ذلك يفسد العلاقة الزوجية، ويقطع ما أمر الله به أن يوصَل. عن جابر بن عَتِيكِ أن نبيَّ الله - ﷺ - كان يقول: «من الغَيرة ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبْغِض الله؛ فأمَّا التي يُحبّها الله فالغيرة في الريبة، وأمّا التي يبغضها الله فالغَيرة في غير ريبة. وإنّ من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحبُّ الله، وأمّا الخُيلاء التي يحبُّ الله؛ فاختيال الرجل نفسه عند القتال، واختياله عند الصدقة، وأمّا التي يبغض الله؛ فاختياله في البغي والفخر» (١). ٣ - إِتيانها ووطْؤُها: قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٢٣٦): «وفرْض على الرجل أن يُجامع امرأته التي هي زوجته، وأدنى ذلك مرة في كلّ طُهر -إِنْ قَدَرَ على ذلك-؛ وإِلا فهو عاص لله -تعالى-. بُرهان ذلك: قول الله -عز وجل-: ﴿فإذا تطهرن فَأْتُوهُنّ من حَيْثُ أَمَرَكُم الله﴾». ثمّ روى بإِسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «إِنّا لنسير مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بالرف من جُمْدان؛ إِذ عرضت له امرأة -من خزاعة- شَابة، فقالت: يا أمير المؤمنين! إِني امرأة أحبّ ما تحب النساء من الولد وغيره، ولي زوج شيخ، ووالله ما برِحْنا حتى نظرنا إِليه يهوي -شيخ كبير-، فقال ------------------------ = والترهيب «٢٠٧١). (١) أخرجه أحمد، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣١٦)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٣٩٨) وغيرهما، وانظر»الإرواء" (١٩٩٩). لعمر: يا أمير المؤمنين! إِني لمحسن إِليها وما آلوها؟ فقال له عمر: أتقيم لها طُهرها؟ فقال: نعم، فقال لها عمر: انطلقي مع زوجك، والله إِنّ فيه لما يجزي -أو قال: يغني- المرأة المسلمة». قال أبو محمد -رحمه الله-: «ويُجبَر على ذلك من أبى بالأدب، لأنه أتى منكرًا من العمل». ثمّ ذكَر قول سلمان لأبي الدرداء -رضي الله عنهما-: «... ولأهلك عليك حقًّا»، ولفظه كما في حديث أبي جُحَيْفَة -رضي الله عنه- قال: «آخى النّبيّ - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أمّ الدّرداء متبذّلة (١)، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا فقال له: كُل، قال: فإِني صائم، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل، قال: فأكل. فلمّا كان الليل؛ ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثمّ ذهب يقوم، فقال: نم، فلمّا كان من آخر الليل؛ قال سلمان: قُم الآن، فصلَّيا. فقال له سلمان: إِنّ لربّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلّ ذي حقٍّ حَقَّهُ، فأتى النّبيَّ - ﷺ -، فذكَر ذلك له؟ فقال له النّبيّ - ﷺ -: صدَق سلمان» (٢). وفي رواية: «... وائت أهلك» (٣). ----------------------- (١) «متبذلة؛ أي: لابسة ثياب البِذْلة -بكسر الموحدة وسكون الذال-، وهي المهنة؛ وزنًا ومعنى، والمراد: أنها تاركة للبس ثياب الزينة». «فتح». (٢) أخرجه البخاري: ١٩٦٨. (٣) أخرجه الدارقطني، وذكره الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٦٠). قال الحافظ -رحمه الله-:»وقد يُؤخذ منه ثبوت حقّها في الوطءِ لقوله: «ولأهلك عليك حقًّا» ثمّ قال: «وائت أهلك»؛ وقرّرهُ النّبيّ - ﷺ - على ذلك«. انتهى. قلت: وقول ابن حزم -رحمه الله-:»﴿فإذا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنّ من حَيْثُ أَمَرَكُم الله﴾ «؛ جاء بعد حظر، فمن العلماء من يقول: إِنه للإِباحة *والتحقيق أن يقال: صيغة: (افْعَلْ) بعد الحَظر لرفع ذلك الحظر، وإعادة حال الفعل إِلى ما كان قبل الحَظر؛ فإِنْ كان مباحًا كان مباحًا، وإنْ كان واجبًا أو مستحبًا كان كذلك، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿فإِذا انْسَلَخَ الأشهر الحُرُم فاقْتلوا المشركين﴾ (١)؛ فإِنّ الصيغة رفَعت الحظر، وأعادته إِلى ما كان أوّلًا، وقد كان واجبًا* (٢). وبذا عُدْنا إِلى الحوار في أصْل الحُكم. والذي يبدو أنّ هذا يَتْبَعُ حال الرجل والمرأة، فإِذا احتاجا إِليه؛ وجب؛ لتحقيق الإِحصان وغضّ البصر والإِعفاف، فقد جاء الحثّ على الزّواج من أجل ذلك، كما في قوله - ﷺ -:»يا معشر الشباب! من استطاع الباءة فليتزوج، فإِنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء«(٣). والأثر الذي ذكَره الإِمام ابن حزم -رحمه الله- فيه أنّ المرأة اشتكَت، وكذا في توجيه سلمان أبا الدرداء -رضي الله عنهما-، فقد أجابت أمّ الدرداء سلمان -رضي الله عنهما- حين سألها: ما شأنك؟ فقالت: أخوك أبو الدرداء ليس له ----------------------- (١) التوبة: ٥. (٢) ما بين نجمتين من كتاب»المسوّدة" (ص ١٨). (٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٦، ومسلم: ١٤٠٠، وتقدّم. حاجةٌ في الدنيا. فالوجوب الذي أشار إِليه ابن حزم -رحمه الله- كان مبعثُهُ الحاجةَ أو الشكوى، فماذا إِذا لم تكن ثمّة حاجة أو شكوى؟! ثمّ رأيت ابن كثير -رحمه الله- يقول في تفسير قوله -تعالى-: ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ الله﴾: «فيه ندْب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إِلى وجوب الجماع بعد كل حيض، لقوله: ﴿إذا تَطَهَّرْنَ فَاْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾! وليس له في ذلك مستند؛ لأنّ هذا أمر بعد الحظر، وفيه أقوال لعلماء الأصول، منهم من يقول: إِنه للوجوب كالمطلق، وهؤلاء يحتاجون إِلى جواب ابن حزم. ومنهم من يقول: إِنه للإِباحة، ويجعلون تقدّم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر! والذي ينهض عليه الدليل أنه يُردّ الحكم إِلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإِن كان واجبًا فواجب؛ كقوله -تعالى-: ﴿فإِذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ (١)، أو مباحًا فمباح؛ كقوله -تعالى-: ﴿وإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (٢)، ﴿فإِذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ (٣). وعلى هذا القول تجتمع الأدلّة ...». وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٧١): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن الرجل إِذا صبر على زوجته الشهر والشهرين لا يطؤها؛ فهل عليه إِثم أم لا؟ وهل يطالب الزوج بذلك؟ ---------------------- (١) التوبة: ٥. (٢) المائدة: ٢. (٣) الجمعة: ١٠. فأجاب: يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف؛ وهو من أوكد حقها عليه: أعظم من إِطعامها. والوطء الواجب قيل: إِنه واجب في كل أربعة أشهر مرة. وقيل: بقدر حاجتها وقدرته؛ كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته، وهذا أصح القولين. والله أعلم». حقّ الزوج على زوجته: من حقّ الرجل على زوجته أن تطيعه في غير معصية الله -سبحانه-، فللرجل القوامة، وعليها الاستجابة والطاعة. قال الله -تعالى-: ﴿الرِّجال قوّامون على النساء بما فضّل اللهُ بعضَهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم (١) فالصَّالحات قانتاتٌ (٢) حافظات للغيب (٣) بما حفظ الله﴾ (٤). وعن قيس بن سعد أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرتُ النساء أن يسجدن لأزواجهنّ؛ لِما جعل الله لهم عليهنّ من الحقّ» (٥). -------------------- (١) قال ابن كثير -رحمه الله-: «قال الشعبي في هذه الآية: الصَّداق الذي أعطاها. ألا ترى أنه لو قذَفها لاعَنَها، ولو قذفتْهُ جُلِدَت». (٢) أي: مطيعات لأزواجهنّ. (٣) قال السدي وغيره: «أي: تحفظ زوجها في غيبته؛ في نفسها وماله». (٤) النساء: ٣٤. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٧٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٢٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠٣)، وانظر «الإِرواء» (١٩٩٨). وتقدّم أنّ خير النساء: التي تسر زوجها إِذا نظرَ إِليها، وتطيعه إِذا أمرها، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قيل لرسول الله - ﷺ -: أي النساء خير؟ قال: التي تسرّه إِذا نظر، وتطيعه إِذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره» (١). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «أتى رجل بابنته إِلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إِنّ ابنتي هذه أبت أن تتزوّج؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: أطيعي أباك. فقالت: والذي بعثك بالحق؛ لا أتزوّج حتى تخبرني ما حقّ الزوج على زوجته؟ قال: حق الزوج على زوجته؛ لو كانت به قُرْحة، فلحستها، أو انتثر منخراه صديدًا أو دمًا، ثمّ ابتلعته؛ ما أدّت حقّه. قالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوّج أبدًا! فقال النّبيّ - ﷺ -: لا تنْكِحُوهنَّ إِلا بِإِذْنِهِنَّ» (٢). وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٧١ - ٢٧٧) -بحذف-: «وسئل -رحمه الله تعالى- عمن له زوجة لا تصلّي: هل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة؟ وإذا لم تفعل: هل يجب عليه أن يفارقها، أم لا؟ فأجاب: نعم، عليه أن يأمرها بالصلاة، ويجب عليه ذلك؛ بل يجب عليه ------------------- (١) أخرجه أحمد، والحاكم، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠٣٠)، وانظر»الصحيحة«(١٨٣٨)، وتقدّم. (٢) أخرجه البزار بإِسناد جيد، رواته ثقات مشهورون، وابن حبان في»صحيحه«، وقال شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١٩٣٤):»حسن صحيح". أن يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إِذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال -تعالى-: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاة وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفُسَكم وأهلِيكُم نارًا وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ (٢). وينبغي مع ذلك الأمر أن يَحُضَّها على ذلك بالرغبة، كما يَحُضُّها على ما يحتاج إِليها، فإِن أصرّت على ترْك الصلاة؛ فعليه أن يطلّقها، وذلك واجب في الصحيح. وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلّي -باتفاق المسلمين-؛ بل إِذا لم يصلِّ قُتِل، وهل يُقْتَل كافرًا مرتدًا؟ على قولين مشهورين. والله أعلم». ويجب عليها أن تلبّي دعوته إِلى الفراش حين يطلبها. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا دعا الرجل امرأته إِلى فراشه، فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح» (٣). ولقوله - ﷺ -: «إِذا دعا الرجل زوجته لحاجته؛ فلتأته وإن كانت على التنّور» (٤). ولقوله - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده؛ لا تؤدّي المرأة حقّ ربّها حتى تؤدّي حقّ زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه» (٥). ------------------------ (١) طه: ١٣٢. (٢) التحريم: ٦. (٣) أخرجه البخاري: ٥١٩٣، ومسلم: ١٤٣٦. (٤) أخرجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». (٥) أخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٢٨٣). جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوّج امرأة، وكتب كتابها، ودفع لها المال بكماله؛ وبقي المقسّط من ذلك، ولم تستحق عليه شيئًا؛ وطلبها للدخول فامتنعت؛ ولها خالة تمنعها: فهل تجبر على الدخول؟ ويلزم خالتها المذكورة تسليمها إِليه؟ فأجاب: ليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها -والحالُ هذه- باتفاق الأئمة، ولا لخالتها ولا غير خالتها أن يمنعها؛ بل تعزَّر الخالة على منعها من فعل ما أوجب الله عليها، وتُجْبر المرأة على تسليم نفسها للزّوج». ومن حقّه ألا تصوم بحضوره إِلا بإِذنه. «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إِلا بإِذنه [غير رمضان]، ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه» (١). ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه؛ للحديث السابق، ولقوله - ﷺ -: «ألا إِنّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا. فأمّا حقّكم على نسائكم؛ فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهُنّ عليكم أن تُحسنوا إِليهنَّ في كسوتهنّ وطعامهنّ» (٢). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٩٥، ومسلم: ١٠٢٦، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٢٨٢) لأجل الزيادة. (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٢٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠١)، وانظر «الإرواء» (٢٠٣٠). الطَّلاق الطلاق معناه: الطلاق في اللغة. حلّ الوثاق مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك، [ويقال]: فلان طلْق اليد بالخير أي؛ كثير البذل وأطلقْتُ الرجل من حبسه. وفي الشرع: حلُّ عقدة التزويج وإزالة ملك النكاح، وهو موافق لبعض أفراد مدلوله اللغوي (١). مشروعيته (٢): والأصل في مشروعيته الكتاب والسُّنة والإِجماع. أمّا الكتاب. فلقول الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان فإِمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٣). ولقوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النساء فطّلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ (٤). وأمّا السّنّة: فلحديث سالم: «أنّ عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أخبره ------------------ (١)»الفتح«(٩/ ٣٤٦) بزيادة من»حلية الفقهاء«(١٧٢) و»التعريفات«(١٠١). (٢)»المغني" (٨/ ٢٣٣) بتصرّف يسير. (٣) البقرة: ٢٢٩. (٤) الطلاق: ١. ![]()
__________________
|
|
#129
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 241الى صــ255 الحلقة (129) أنه طلّق امرأته وهي حائض، فَذَكَرَ ذلك عمر لرسول الله - ﷺ -، فتغيّظ فيه رسول الله - ﷺ - ثمّ قال: لِيراجعها، ثمّ يمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض فتطهر، فإِنْ بدا له أن يُطلّقها فليطلِّقها طاهرًا قبل أن يمسَّها، فتلك العدّة كما أمَره الله» (١). وأجمع المسلمون على جواز الطلاق والعِبرة دالّةٌ على جوازه، فإِنه ربّما فسدت الحال بين الزوجين؛ فيصير بقاء النّكاح مفسدة محضة وضررًا مجرّدًا؛ بإِلزام الزَّوج النفقة والسُّكنى وحبس المرأة؛ مع سوء العِشرة والخصومة الدائمة مِن غير فائدة؛ فاقتضى ذلك شرْع ما يزيل النكاح؛ لتزول المفسدة الحاصلة منه. حُكمه: الطّلاق على أضرُب (٢): واجب: وهو طلاق المولي (٣) بعد التربُّص إِذا أبى الفيئة، وطلاق الحَكَمين في الشقاق إِذا رأيا ذلك. وكذلك إِذا كانت المرأة سيئة الخُلُق لقوله - ﷺ -: «ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلّقها، ورجلٌ كان له على رجل مال فلم يُشهد عليه، ورجل آتى سفيهًا ماله وقد قال الله -عز وجل-: ﴿ولا تُؤتُوا السُّفهاء أموالكم﴾ (٤) (٥). ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٩٠٨، ومسلم: ١٤٧١. (٢) استفدته من»المغني«(٨/ ٢٣٤) بتصرّف. (٣) سيأتي الكلام -إِن شاء الله تعالى- عن الإِيلاء. (٤) النساء: ٥. (٥) أخرجه الحاكم وغيره، وانظر»الصحيحة" (١٨٠٥). قال الإِمام أحمد -رحمه الله-: «لا ينبغي له إِمساكها، وذلك لأن فيه نقصًا لدينه، ولا يأمن إِفسادها لفراشه وإِلحاقها به ولدًا ليس هو منه، ولا بأس بعضلها في هذه الحال والتضييق عليها لتفتدي منه. قال الله -تعالى-: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لتذهبوا بِبَعض ما آتيتموهنّ إِلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ (١)». ومكروه: وهو الطلاق من غير حاجة إِليه، وقال بعضهم: إِنه محرّم لأنّه ضررٌ بنفسه وزوجته، وإعدام المصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إِليه؛ فكان حرامًا كإِتلاف المال، ولقول النّبيّ - ﷺ -: «لا ضرر ولا ضِرار» (٢). ومحظور: وهو أن يكون الطلاق في الحيض أو في طُهرٍ جامَعها فيه، ويُسمّى طلاق البدعة؛ لأنّ المطلِّق خالف السُّنّة وترَك أمْر الله -تعالى- ورسوله - ﷺ - ولأنه إِذا طلَّق في الحيض طَوَّل العدة عليها، فإِن الحيضة التي طلَّق فيها لا تحسب من عدتها، ولا الطهر الذي بعدها عند من يجعل الأقراء الحيض، وإِذا طلّق في طهرٍ أصابها فيه؛ لم يأمن أن تكون حاملًا؛ فيندم وتكون مرتابة لا تدري أتعتد بالحمل أو الأقراء (٣). وهناك أضرُبٌ أُخرى؛ تَرَكْتُها لاختلاف القول فيها. الطلاق من حق الرجل وحده: عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «أتى النّبيّ - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله! إِن سَيّدي زوَّجني أَمَتهُ، وهو يريد أن يفرِّق بيني وبينها، قال: ------------------- (١) النساء: ١٩. (٢) أخرجه أحمد وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٨٩٥) وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٨٩٦). (٣) انظر»المغني" (٨/ ٢٣٥). فصعد رسول الله - ﷺ - المنبر فقال: يا أيها النّاس! ما بال أحدكم يزوّج عبده أَمَتهُ؛ ثمّ يريد أن يفرّق بينهما؟ إِنّما الطلاق لِمن أخذ بالساق» (١). جاء في «فيض القدير» (٤/ ٢٩٣) في تفسير «لمن أخذ بالساق»: «يعني الزَّوج وإِنْ كان عبدًا فإِذا أذِن السيد لعبده في النّكاح؛ كان الطلاق بيد العبد الآخذ بالساق؛ لا بِيَدِ سيده، فليس له إِجباره على الطلاق؛ لأنّ الإِذن في النّكاح إِذن في جميع أحكامه وتعلّقاته». تحريم سؤال الزَّوجة الطَّلاق من غير سبب موجبٍ له: عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيُّما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة» (٢). من يقع منه الطلاق: يقع الطلاق من الزوج العاقل البالغ المختار، ولا يقع من المجنون أو الصبيّ أو المُكرَه. عن علي -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (٣). وجاء في سنن النسائي «باب متى يقع طلاق الصّبي» تمَّ ذكر تحته حديث كثير بن السائب قال: حدَّثني أبناء قُريظة: أنَّهم عُرِضُوا على رسول الله - ﷺ - --------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٩٢) وغيره، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٤١). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٤٧)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٤٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٧٢)، وانظر «المشكاة» (٣٢٧٩). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠٣)، والترمذي "صحيح سنن = يوم قريظة، فمن كان محتلمًا، أو نبتت عانته: قتل، ومن لم يكن محتلمًا أو لم تنبت عانته: ترك (١). ثمَّ ذكر حديث عطيَّة القُرظي قال: كنت يوم حُكْمِ سعد في بني قُريظة، غلامًا، فشكُّوا فيَّ، فلم يجدوني أنبتُّ، فاستُبقيت، فها أنا ذا بين أظهركم (٢). ثمّ ذكر كذلك حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله - ﷺ - عرضه يوم أُحُد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْه، وعرَضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه (٣). قال نافع: فقدِمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة؛ فحدَّثته هذا الحديث فقال: إِنَّ هذا لحدٌّ بين الصَّغير والكبير، وكَتَب إلى عمَّاله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة (٤). قال ابن القيّم -رحمه الله- في «تحفة المودود» (ص ٤٧٧): «وليس لوقت الاحتلام سنّ معتاد، بل من الصِّبيان من يحتلم لثنتي عشرة سنة، ومنهم من يأتي عليه خمس عشرة وستَّة عشرة سنة وأكثر من ذلك ولا يحتلم». قلت: الاحتلام أمْر يُعْرَف بِحُصوله، وقد ثبتَ اختلاف السِنِّ فيه، وتقدَّم القول في «كتاب الحيض» أنَّه ليس في السُّنَّة تحديدٌ لِسِنِّ البنت التي تحيض، وهذا يمضي في الاحتلام. والله -تعالى- أعلم. ----------------------- = الترمذي«(١١٥٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦١)، وتقدّم. (١) انظر»صحيح سنن النسائي«(٣٢٠٧). (٢) انظر»صحيح سنن النسائي«(٣٢٠٨). (٣) انظر»صحيح سنن النسائي«(٣٢٠٩). (٤) وهو في»صحيح البخاري«: ٢٦٦٤، و»صحيح مسلم": ١٨٦٨. طلاق المكره والمجنون والسكران والغضبان والمدهوش ونحو ذلك: هذه الأمور صاحبها مجرّد من الإِرادة والاختيار والنيّة، والنصوص في ذلك كثيرة: فعن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِن الله تجاوز عن أُمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١). بل إِنّ مَن أُكره على الكُفر -إِنْ كان قلبه مطمئنًا بالإِيمان- لا يكفر لقوله -سبحانه-: ﴿إِلا من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان﴾ (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا طلاق ولا عتاق في إِغلاق» (٣). قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «الطلاق (٤) في الإِغلاق والكُرْه، والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره: لقول النّبيّ - ﷺ -:»الأعمال بالنّية، ولكل امرئٍ ما نوى«، وتلا الشعبيُّ: ﴿لا تؤاخِذْنا إِن نَسِينا أو أخطأنا﴾ (٥) وما لا يجوز من إِقرار المُوَسْوِسِ، وقال -------------------- (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٢)، وانظر»الإِرواء«(٨٢). (٢) النحل: ١٠٦. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩١٩)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٥)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٢٠٤٧). (٤) انظر ما ذكره الحافظ في»الفتح«(٩/ ٣٨٩)، وانظر كذلك لوصْل المعلَّقات والمزيد من الفوائد الحديثية فيه أيضًا (٩/ ٣٨٩) و»مختصر البخاري" (٣/ ٣٨٩ - ٤٠٠). (٥) البقرة: ٢٨٦. النّبيّ - ﷺ - للذي أقرّ على نفسه: أَبِك جُنون؟ وقال علي: بقرَ حمزة خواصر شارفَيَّ (١)، فطفق النبي - ﷺ - يلوم حمزة، فإِذا حمزة ثَمِلٌ محمرّة عيناه، ثمّ قال حمزة: وهل أنتم إِلا عبيد لأبي؟ فعرف النّبيّ - ﷺ - أنه قد ثَمِلَ، فخرج وخرجنا معه. وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق. وقال ابن عباس: طلاقُ السكران والمستَكرَه ليس بجائز، وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس، وقال عطاء: إِذا بدا بالطلاق فله شرطه، وقال نافع: طلق رجلٌ امرأته البتة إِن خرجت، فقال ابن عمر: إِن خرجت فقد بُتَّت منه، وإِن لم تخرج فليس بشيء، وقال الزُّهري فيمن قال: إِن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثًا: يُسأل عمَّا قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإِن سمَّى أجلًا أراده وعقد عليه قلبه حين حَلَف؛ جُعلَ ذلك في دينه وأمانته، وقال إِبراهيم: إِن قال لا حاجة لي فيك نيته ... وقال الحسن: إِذا قال: الحَقي بأهلك نيته. وقال ابن عباس: الطلاق عن وطَر (٢)، والعتاق ما أُريد به وجه الله. وقال الزهري: إِن قال: ما أنت بامرأتي نيته، وإن نوى طلاقًا فهو ما نوى. وقال عليٌّ: ألم تعلم أن القلم رُفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ، وقال عليّ: وكلُّ الطلاق جائز إِلا طلاق المعتوه». ثمّ ذكر الإِمام البخاري -رحمه الله- حديث جابر -رضي الله عنه- «أنّ رجلًا مِن أسلم أتى النّبيّ - ﷺ - وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، --------------------- (١) الشارف: الناقة المسنّة.»نووي«. (٢)»أي: أنه لا ينبغي للرجل أن يطلّق امرأته إِلا عند الحاجة كالنّشوز بخلاف العتق؛ فإِنه مطلوب دائمًا«.»الفتح". فتنحَّى لشقه الذي أعرض فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: هل بك جُنون؟ هل أُحصنت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلّى، فلمّا أذْلَقَتْهُ الحجارة؛ جمز (١) حتى أُدرك بالحرّة فقتل» (٢). قلت: مراد الإِمام البخاري -رحمه الله- من إِيراد هذا الحديث تحت هذا الباب؛ أن من به جنون وشهد على نفسه بالزنى فلا يقام عليه الحدّ، فمن باب أولى ألا يقع منه الطلاق، والله أعلم. قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٩/ ٣٨٩): «اشتملت هذه الترجمة [أي: ترجمة الباب] على أحكام يجمعها أن الحكم إِنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث؛ لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالط والناسي والذي يُكره على الشيء». وفيه (ص٣٩٠): «واحتج عطاء بآية النحل: ﴿إِلا من أُكره وقلبُه مُطمئن بالإِيمان﴾ قال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق، أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح وقرره الشافعي بأن الله لما وضع الكفر عمن تلفظ به حال الإِكراه، وأسقط عنه أحكام الكفر؛ فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إِذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى، وإلى هذه النكتة أشار البخاري بعطف الشرك على الطلاق في الترجمة». وفي طلاق السكران خلاف بين العلماء، والسُّكر -عياذًا بالله- متفاوِتٌ في تأثيره. --------------------- (١) أي: أسرع هاربًا من القتل. «النّهاية». (٢) أخرجه البخاري: ٥٢٧٠، ومسلم: ١٦٩١. قال الحافظ (٩/ ٣٩٠): «وقد يأتي السكران في كلامه وفِعله بما لا يأتي به وهو صاح لقوله -تعالى-: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ (١) فإِن فيها دلالة على أن من علم ما يقول لا يكون سكرانًا». وهذا كلام قويّ يجعلنا نحكم على وقوع طلاق السكران الذي يعلم ما قال، وعدم وقوع طلاق السكران الذي لا يعلم ما قال. وربما أقَرَّ هذا السكران بعد يقظته أنه طلّق وأنه متيقّظ لما قال، وربّما أنكر ذلك، فإِنكاره قد يدلُّ على ذَهاب عقْله. والله -تعالى- أعلم. طلاق الهازل: يقع طلاق الهازل؛ كالجادّ. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاث جِدّهن جِدّ وهزلهن جِدّ: النكاح والطلاق والرجعة» (٢). جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٩٩ - ١٠٠) في معنى الهازل والجاد: «وهو الذي يتكلّم من غير قصد لموجبه وحقيقته؛ بل على وجه اللعب، ونقيضه الجاد من الجِد بكسر الجيم وهو نقيض الهزل». قال ابن القيّم -رحمه الله- في «إِعلام الموقعين» (٣/ ١٣٦): «فأمَّا طلاق الهازل فيقع عند الجمهور، وكذلك نكاحه صحيح كما صرح به النص، وهذا -------------------- (١) النساء: ٤٣. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٢٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٥٨)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (١٨٢٦). هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، وحكاه أبو حفص أيضًا عن أحمد، وهو قول أصحابه، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، وذكر بعضهم أن الشافعي نصَّ على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه، ومذهب مالك الذي رواه ابن القاسم عنه، وعليه العمل عند أصحابه أن هزل النكاح والطلاق لازم، بخلاف البيع». الطلاق قبل الزواج: لا يقع الطلاق قبل النكاح؛ كان يقول الرجل: إِنْ تزوجت فلانة فهي طالق. عن عبد الله بن عمرو أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا طلاق إِلا فيما تملك» (١). وقال الإِمام البخاري (٢) -رحمه الله-: «باب لا طلاق قبل نكاح، وقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدُّونها فمتعوهنّ وسرّحوهنّ سراحًا جميلًا﴾ (٣). وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويروى في ذلك عن عليّ وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبان بن عثمان وعليّ بن حسين وشريح وسعيد بن جبير --------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩١٦)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٦)، وصحَّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٧٥١). (٢) انظر»صحيح البخاري«(كتاب الطلاق)»باب - ٩". (٣) الأحزاب: ٤٩. والقاسم وسالم وطاوُس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبيّ أنها لا تطلق (١)». وعنه -رضي الله عنهما- قال: «لا طلاق إلاَّ بعد نكاح، ولا عتق إِلا بعد ملك» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا قال: «ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلَّة من عالم، في الرجل يقول؛ إِن تزوجت فلانة فهي طالق، قال الله -عز وجل-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ﴾، ولم يقل: إِذا طلقتم المؤمنات ثمّ نكحتموهنّ» (٣). جاء في «المحلّى» (١١/ ٥٢٩): «ومن قال: إِنْ تزوجتُ فلانة فهي طالق، أو قال: فهي طالقٌ ثلاثًا فكلُّ ذلك باطل، وله أن يتزوّجها ولا تكون طالقًا؛ وكذلك لو قال: كلُّ امرأة أتزوجها فهي طالق -وسواءٌ عيَّن مدّة قريبة أو بعيدة أو قبيلة أو بلدة- كل ذلك باطل لا يلزم، وقد اختلف الناس في هذا ...». ---------------------- (١) وقال الحافظ -رحمه الله- في أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-: «هذا التعليق طرف من أثرٍ أخرجه أحمد فيما رواه عنه حرب في»مسائله«من طريق قتادة عن عكرمة عنه؛ وقال: سنده جيّد». (٢) أخرجه الحاكم وابن أبي شيبة والبيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧/ ١٥١). (٣) أخرجه الطحاوي في «المُشكل» وعنه البيهقي والحاكم، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧/ ١٦١). ثمّ قال -رحمه الله- (ص ٥٣٠). «ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: سمعتُ عطاءً يقول: قال ابن عباس: لا طلاق إِلا من بعد نكاح، قال عطاء: فإِن حلف بطلاق ما لم ينكح فلا شيء قال ابن جريج. بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إِن طلق ما لم ينكح فهو جائز؟ فقال ابن عباس: أخطأ في هذا؛ إِن الله -عز وجل- يقول: ﴿إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ﴾، ولم يقل: إِذا طلقتم المؤمنات ثمّ نكحتموهنّ». ثمّ ذكر بعض الآثار المتعلِّقة بذلك. بماذا يقع الطلاق: يقع الطلاق بكل ما يدل على إِنهاء العلاقة الزوجية، سواءٌ أكان ذلك باللفظ، أم بالكتابة إِلى الزوجة، أم بالإِشارة من الأخرس، أو بإِرسال رسول. وجاء في تبويب سنن النسائي (١): (باب الطَّلاق بالإِشارة المفهومة)؛ ثمَّ ذكر حديت أنس -رضي الله عنه- قال: «كان لرسول الله - ﷺ - جار فارسيّ؛ طيِّب المرقة، فأتى رسولَ الله - ﷺ - ذات يومٍ وعنده عائشة، فأومأ إِليه بيده: أن تعال، وأومأ رسول الله - ﷺ - إِلى عائشة؛ أي: وهذه؟ فأومأ إِليه الآخر هكذا بيده: أن لا؛ مرَّتين أو ثلاثًا ...» (٢). --------------------- (١) انظر «صحيح سنن النسائي» (٢/ ٧٢٤). (٢) أخرجه مسلم: ٢٠٣٧، واللفظ للنسائي، وانظر إلى فقه الإِمام النِّسائي -رحمه الله تعالى- كيف بوَّب له بهذا الباب؛ مع عدم وجود ما يمتُّ بِصِلةٍ نصًّا بالطَّلاق! فجزاه الله -وسائر المحدِّثين والفقهاء- خير الجزاء عن أهل الإسلام. الطلاق باللفظ: واللفظ قد يكون صريحًا، وقد يكون كناية، فالصريح هو الذي يُفهم من معنى الكلام عند التلفظ به، مثل: أنت طالق، ومطلقة، وكل ما اشتق من لفظ الطلاق. ولو قال من طلَّق بلفظٍ صريح: لم أُرِد الطلاق ولم أقصده؛ وإِنما أردت معنى آخر؛ لا يُصدّق قضاءً، ويقع طلاقه (١). الطلاق بالكناية: يقع الطلاق بالكناية مع النية. عن عائشة -رضي الله عنها- «أنّ أبنة الجَوْنِ لما أُدخلت على رسول الله - ﷺ - ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: لقد عُذتِ بعظيم، الحقي بأهلك» (٢). وعن كعب بن مالك -رضي الله عنه- في قصة تخلُّفه قال: «.. إِذا رسول رسول الله - ﷺ - يأتيني فقال: إِن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أُطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها ... فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك» (٣). فكلمة «الحقي بأهلك» أفادت في الحديث الأول الطلاق مع القصد، ولم ------------------- (١) انظر «فقه السُّنّة» (٣/ ١٩). (٢) أخرجه البخاري: ٥٢٥٤. (٣) أخرجه البخاري: ٤٤١٨، ومسلم: ٢٧٦٩. تُفِد الطلاق في الحديث الثاني لعدم القصد. *والحاصل أن»ما يحتمل الطلاق وغيره، مثل: أنتِ بائن، فهو يحتمل البينونة عن الزواج، كما يحتمل البينونة عن الشر، ومثل: أمرك بيدك، فإِنها تحتمل تمليكها عصمتها ... كما تحتمل تمليكها حرية التصرّف. عن أبي الحلال أنّه وفد إِلى عثمان فقال قلت: «رجلٌ جعَل أمْرَ امرأته بيدها؟ قال: فأمْرها بيدها» (١). وقال الزهري: إِن قال: ما أنتِ بامرأتي نيّته، وإن نوى طلاقًا فهو ما نوى (٢). ومثل: أنتِ عليّ حرام، فهي تحتمل حرمة المتعة بها، وتحتمل حرمة إِيذائها ... والصريح: يقع به الطلاق من غير احتياج إِلى نية تبين المراد منه، لظهور دلالته ووضوح معناه. ولو قال الناطق بالكناية: لم أنوِ الطلاق بل نويت معنى آخر؛ يُصدّق قضاءً، ولا يقع طلاقه لاحتمال اللفظ معنى الطلاق وغيره. والذي يُعيِّن المراد هو النيّة والقصد* (٣). والحديثان المتقدمان دليل ذلك. -------------------- (١) أخرجه البخاري في «التاريخ» وابن أبي شيبة في «المصنف» وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- فى «الإِرواء» (٢٠٤٩). (٢) رواه البخاري معلَّقًا مجزومًا به وذكر الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٩/ ٣٩٣) وصْله عند ابن أبي شيبة. (٣) ما بين نجمتين من «فقه السّنّة» (٣/ ١٩) بتصرُّفٍ وزيادة، وانظر «المحلى» (١١/ ٤٩٣) تحت المسألة (١٩٦٠). حُكم الطلاق بلفظ التحريم: لا يقع الطّلاق بالتحريم إِذا لم يُرِد الطّلاق. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنه-:»أنه كان يقول في الحرام: يمينٌ يكفّرها. وقال ابن عباسٍ: «﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة﴾ (١)» (٢). وفي لفظ: «إِذا حرَّم الرَّجل عليه امرأته؛ فهي يمينٌ يكفِّرها» (٣). وجاء في تبويب «صحيح مسلم» (باب وجوب الكفّارة على من حرّم امرأته ولم ينوِ الطلاق)، ثمَّ ذكر أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-. جاء في «الروضة» (٢/ ١٢٠): "وفي هذه المسألة مذاهب قد ذكر الحافظ ابن القيّم منها ثلاثة عشر مذهبًا، وقال: إِنها تزيد على عشرين مذهبًا، والذي أرجِّحُه منها: هو أن التحريم ليس من صرائح الطلاق، ولا من كناياته، بل هو يمين من الإِيمان كما سمَّاه الله -عز وجل- في كتابه، فقال: ﴿يا أيها النّبيّ لِمَ تُحرّم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تَحِلّة أيمانكم﴾ (٤) فهذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين، والسبب وإن كان ----------------------- (١) الأحزاب: ٢١. (٢) إِشارة إِلى سبب نزول أول سورة التحريم: ﴿يا أيها النّبيّ لمَ تحرّم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١]. وسيأتي الحديث -إِن شاء الله- المتعلق بشُربه - ﷺ - العسل عند زينب -رضي الله عنها- وانظر ما قاله الحافظ -رحمه الله- تحت الحديثين: (٤٩١٢ و٥٢٦٧). (٣) أخرجه مسلم: ١٤٧٣. (٤) التحريم: ١ - ٢. خاصًّا وهو العسل (١)، الذي حرَّمه على نفسه، أو الأَمَة التي كان يطؤها؛ فلا اعتبار بخصوص السبب، فإِنَّ لفظ: ﴿ما أحل الله لك﴾ عامّ، وعلى فرض عدم العموم فلا فرق بين الأعيان التي هي حلال». وفيه (ص ١٢١): «وفي الباب عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكرناه، وبالجملة: الحق ما ذكَرناه، وقد ذهب إِليه جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهذا إِذا أراد تحريم العين، وأمَّا إِذا أراد الطلاق بلفظ التحريم؛ غير قاصد لمعنى اللفظ؛ بل قصد التسريح فلا مانع من وقوع الطلاق بهذه الكناية كسائر الكنايات». الطلاق بالكتابة: الكتابة من الوسائل التي تُعبّر عمّا في القلب كما يعبّر اللسان، وكثير من الخير والشرّ انتشر عن طريق الكتابة، وتشهد البشريَّة الآن كيف ينتشر الخير ------------------- (١) يشير -رحمه الله - إِلى حديث عائشة -رضي الله عنها- «أن النبي - ﷺ - كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلًا، قالت: فتواطيت أنا وحفصة: أنّ أيّتنا ما دخل عليها النّبي - ﷺ - فَلْتَقُلْ: إِني أجد منك ريح مغافير، أكلتَ مغافير؟ [جمع مغفور وهو صمغ حلو ... وله رائحة كريهة ينضحه شجر يقال له: العُرفُط .. يكون بالحجاز.»النووي«.] فدخل على إِحداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزل: ﴿لمَ تُحرّم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله: ﴿إن تتوبا﴾ (لعائشة وحفصة)، ﴿وإذ أسرَّ النّبيَّ﴾ - ﷺ - ﴿إِلى بعض أزواجه حديثًا﴾ (لقوله: بل شربتُ عسلًا)». أخرجه مسلم: ١٤٧٤. وفي رواية: «لا ولكنّي كنتُ أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش؛ فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا». أخرجه البخاري: ٤٩١٢. ![]()
__________________
|
|
#130
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 256الى صــ270 الحلقة (130) والشر؛ عقيدةً ومنهجًا وسلوكًا من خلال الكتابة المجرّدة عن النطق؛ بالإِفادة من التقنيات الحديثة وتطوّر الأجهزة وتقدّم العلوم. والطّلاق فرْع من ذلك وجزء منه، فمن كتَب إِلى زوجه: أنتِ طالق مثلًا؛ مضى هذا الطلاق. وهذا كما لو كتَب شخص عبارةً أخبرَ فيها أنه يبغض الله ورسوله - ﷺ -، فهذا يُحكم عليه بالخروج عن الإِسلام، ولا يُقال: لا يُحكَم عليه بالكفر إِلا أن ينطِق بذلك!! جاء في «المحلَّى» (١١/ ٥١٤): "وقد اختلف الناس في هذا: فروينا عن النخعي والشعبي والزهري إِذا كتب الطلاق بيده فهو طلاق لازم، وبه يقول الأوزاعي، والحسن بن حي، وأحمد بن حنبل. وروينا عن سعيد بن منصور نا هشيم أنا يونس، ومنصور عن الحسن، في رجل كتب بطلاق امرأته ثمّ محاه؟ فقال: ليس بشيء إِلا أن يمضيه، أو يتكلم به. وروينا عن الشعبي مثله. وصح أيضًا عن قتادة. وقال أبو حنيفة: إنْ كتب طلاق امرأته في الأرض لم يلزمه طلاق وإن كتبه في كتاب ثمّ قال: لم أنوِ طلاقًا؛ صُدِّقَ في الفتيا، ولم يُصَدَّق في القضاء. وقال مالك: إِنْ كَتَبَ طلاقَ امرأته؛ فإِن نوى بذلك الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينو به طلاقًا فليس بطلاق، وهو قول الليث، والشافعي. قال أبو محمد: قال الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ (١)، وقال -تعالى-: --------------------- (١) البقرة: ٢٢٩. ﴿فطلقوهنّ لعدتهنّ﴾ (١)، ولا يقع في اللغة التي خاطبنا الله -تعالى- بها ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- اسم تطليق على أن يكتب إِنما يقع ذلك اللفظ به فصح أن الكتاب ليس طلاقًا حتى يلفظ به إِذ لم يوجب ذلك نص. وبالله -تعالى- التوفيق». انتهى. قلت: ومن خلال الآثار التي ذكَرها ابن حزم -رحمه الله- هناك من قال بوقوع الطلاق كما هو في الأثرين الأوليين لأنه لو لم يمْحُه لمضى، كما صرّح بقوله: «ليس بشيء إِلا أن يُمضيه» يعني: يتراجع عن المحو ويعيده حالته الأولى. وكذا الأثر الثالث لقوله: وروّينا عن الشعبي مثله، وصحّ أيضًا عن قتادة، وأمّا قوله: «قال أبو حنيفة: إِن كتَب طلاق امرأته في الأرض لم يلزمه طلاق وإنْ كتبه في كتاب ثمّ قال: لم أنوِ طلاقًا، صدق في الفتيا ولم يصدق في القضاء. فالكلام الآن متعلّق بالنيّة لا بالكتابة، فماذا إِذا كتب وقال: نويت الطّلاق؟ فهذا يُفضي في رأي الإِمام أبي حنيفة -رحمه الله- إِلى أنه صدِّق في الفتيا والقضاء. وأمّا قوله:»قال الإِمام مالك: إِن كتَبَ طلاق امرأته؛ فإِن نوى بذلك الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينو به طلاقًا فليس بطلاق؛ وهو قول الليث، والشافعي". فهو كالمسألة التي قبلها بمعنى أن الكتابة معتبرة. وأمّا استدلاله بقوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ فالكلام عن العدد لا عن --------------------- (١) الطلاق: ١. الكيف فقد تكونان بالكتابة، أو اللفظ، وقد تكون إِحداهما بالكتابة والأُخرى باللفظ. وكذا استدلاله بقوله -تعالى-: ﴿فطلّقوهنّ لعدَّتهن﴾ فالكلام عن العدّة والمدّة، والحال التي يصلّقها عليه؛ لا عن كيفية الطلاق لفظًا أو كتابة. وأمّا قوله: ولا يقع في اللغة التي خاطبنا الله -تعالى- بها ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- اسم تطليق على أن يكتب إِنما يقع ذلك اللفظ به فصح أن الكتاب ليس طلاقًا حتى يلفظ به إِذ لم يوجب ذلك نص. فأقول: اللغة لفظ وكتابة، فماذا يقول في مِثل قوله -تعالى-: ﴿إِنّي أُلقي إِليّ كتاب كريم إِنه من سليمان وإِنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ (١) -وهذا كلّه كان كتابةً- فهل يقول: إِنه ليس من اللغة. وهناك كلام حول وجوب شاهدين عدلين لإِثبات الكتاب بالطلاق ... فارجع إِليه -إِن شئت التفصيل- في كتاب «المغني» (٨/ ٤١٥). طلاق الأبكم ومن لا يُحسن العربية: «يطلّق من لا يُحسن العربية بلغته؛ باللفظ الذي يترجم عنه في العربية بالطلاق، ويطلق الأبكم والمريض بما يقدر عليه من الصوت أو الإِشارة؛ التي يوقن بها من سمعهما قطعًا أنهما أرادا الطلاق. وبرهان ذلك: قول الله -عز وجل-: ﴿لا يكلّف الله نفسًا إِلا وسعها﴾ (٢)، وقول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-:»إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ------------------- (١) النمل: ٢٩ - ٣٠. (٢) البقرة: ٢٨٦. استطعتم«. فصحّ أن ما ليس في وسع المرء ولا يستطيعه فقد سقط عنه، وأنه يؤدي مما أمر به ما استطاع فقط. وبالله -تعالى- التوفيق» انتهى (١). طلاق كلّ قوم بلسانهم: قال الإمام البخاري -رحمه الله- ... قال إِبراهيم [هو: النخعي]: «... وطلاق كلّ قوم بلسانهم» (٢). إذا طلّق في نفسه فلا يقع الطلاق: عن أبي هريرهّ -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «إنّ الله تجاوز عن أمّتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلَّم» (٣). وقال قتادة: «إذا طلَّق في نفسه فليس بشيء». قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٩/ ٣٩٤): «وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن قالا: من طلق سرًَّا في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء، وهذا قول الجمهور وخالفهم ابن سيرين وابن شهاب فقالا: تطلق، وهي رواية -------------- (١) قاله الإمام ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(١١/ ٥١٤) تحت المسألة (١٩٦٤). (٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم ووصله ابن أبي شيبة قال: حدثنا إِدريس قال: حدثنا ابن أبي إِدريس وجرير فالأوّل عن مطرف والثاني عن المغيرة كلاهما عن إِبراهيم قال: طلاق العجمي بلسانه جائز. ومن طريق سعيد بن جبير قال:»إِذا طلّق الرّجل بالفارسيّة يلزمه«، انظر»الفتح«(٩/ ٣٩٢) للفوائد الحديثية و»مختصر البخاري«(٣/ ٤٠٠) وفيه:»... وصله ابن أبي شيبة عنه، وهو صحيح". (٣) أخرجه البخاري: ٥٢٦٩، ومسلم: ١٢٧. عن مالك (١). قلت: وقول الجمهور هو الأرجح؛ لأنّ النّكاح كما لا يكون في النّفس فالطّلاق كذلك والحديث المتقدِّم: «إِن الله تجاوز عن أمَّتي ..» بيِّن الدّلالة. وإيراد الإِمام البخاري -رحمه الله- تحت باب الطَّلاق في الإِغلاق والكره ... يدلُّ على عدم وقوعه لأنَّه داخلٌ في الباب نفسه، والله أعلم. الوكالة في الطلاق: وما مضى عن الوكالة في النكاح يمضي في الطلاق ولا فرق. والله -تعالى- أعلم. التعليق والتنجيز (٢): (٣) صيغة الطلاق، إِمّا أن تكون مُنَجَّزة، وإمّا أن تكون مُعلّقة، وإمّا أن تكون مضافة إِلى مستقبل. فالمنجزة، هي الصيغة التي ليست معلّقة على شرط، ولا مضافة إِلى زمن مستقبل، بل قَصد بها من أصدرها وقوع الطلاق فى الحال، كأن يقول الزوج لزوجته: أنتِ طالق. وحُكم هذا الطلاق، أنه يقع في الحال متى صدر من أهله، وصادف محلًا له. وأمّا المعلَّق، وهو ما جعل الزوج فيه حُصولَ الطلاقِ معلّقًا على شرط، مِثل --------------------- (١) قال شيخنا -رحمه الله-: «وصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وانظر»مختصر البخاري«(٣/ ٤٠٠). (٢) التنجيز: التعجيل والإِسراع. (٣) عن»فقه السنَّة" (٣/ ٢٦) بتصرُّف وزيادة. أن يقول الزوج لزوجته: إِنْ ذهبتِ إِلى مكان كذا، فأنتِ طالق. ويُشترط في صحة التعليق، ووقوع الطلاق به ثلاثة شروط: الأول: أن يكون على أمر معدوم، ويمكن أن يوجد بعد، فإِنْ كان على أمر موجود فعلًا، حين صدور الصيغة، مثل أن يقول: إِنْ طلع النهار، فأنت طالق. والواقع أن النهار قد طلع فعلًا، كان ذلك تنجيزًا، وإنْ جاء في صورة التعليق. فإِنْ كان تعليقًا على أمْرٍ مستحيل، كان لغوًا مثل: إِنْ دخَل الجمل في سمّ الخياط، فأنتِ طالق. الثاني: أن تكون المرأة -حين صدور العقد- محلًا للطلاق، بأن تكون في عصمته. الثالث: أن تكون كذلك، حين حصول المعلّق عليه. والتعليق قسمان: القسم الأول: يُقصد به ما يقصد من القَسم، للحَمل على الفعل أو الترك، أو تأكيد الخبر، ويسمّى التعليق القَسَمِيَّ، مِثل أن يقول لزوجته: إِنْ خرجت، فأنت طالق. مريدًا بذلك منْعها من الخروج إِذا خَرَجَت، لا إِيقاع الطلاق (١). القسم الثاني: ويكون القصد منه إِيقاع الطلاق عند حصول الشرط، ويُسمّى التعليق الشرطي، مِثل أن يقول لزوجته: إِن أبرأتني من مؤخر ------------------ (١) ويجدُر القول هنا أنّ منَ قصَد الطلاق وادعى أنه عنى اليمين؛ فإِنّه يعيش عمُرَه وحياته بالحرام مع الزوجة، فلا نريد أن نفتح الباب بالقول: «أنا أقصد اليمين؛ لا الطَّلاق» وقد قال الله -تعالى-: ﴿بل الإِنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥]. صداقك، فأنت طالق. وهذا التعليق -بنوعيه- واقع عند جمهور العلماء، ويرى ابن حزم أنه غير واقع. وفصَّل ابن تيمية، وابن القيّم، فقالا: إِنّ الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين، غير واقع، وتجب فيه كفّارة اليمين إِذا حصل المحلوف عليه؛ وهي إِطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإِنْ لم يجد، فصيام ثلاثة أيام. وقالا في الطلاق الشرطي: إِنه واقع عند حصول المعلَّق عليه. قال شيخ الإِسلام -رحمه الله-: والألفاظ، التي يتكلم بها الناس في الطلاق، ثلاثة أنواع: الأول: صيغة التنجيز والإِرسال، كقوله: أنتِ طالق. فهذا يقع به الطلاق، وليس بحلف، ولا كفّارة فيه، اتفاقًا. الثاني: صيغة تعليق، كقوله: الطلاق يلزمني، لأفعلنّ هذا. فهذا يمين، باتفاق أهل اللغة، واتفاق طوائف العلماء، واتفاق العامّة. الثالث: صيغة تعليق، كقوله: إِن فعلتُ فامرأتي طالق. فهذا إِن قصد بِهِ اليمين، وهو يكره وقوع الطلاق، كما يكره الانتقال عن دينه، فهو يمين، حُكمه حُكم الأوَّل، الذي هو صيغة القسم؛ باتفاق الفقهاء. وإنْ كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط، لم يكن حالفًا، كقوله: إِنْ أعطيتني ألفًا، فأنتِ طالق وإذا زنيتِ فأنتِ طالق. وقصد إِيقاع الطلاق عند وقوع الفاحشة، لا مجرد الحلف عليها، فهذا ليس بيمين، ولا كفّارة في هذا عند أحد من الفقهاء -فيما عَلِمناه- بل يقع به الطلاق إِذا وُجدَ الشرط. *وسألت شيخنا الألباني -رحمه الله-: ماذا إِذا قال: إِذا فعلتِ كذا فأنتِ طالق؟ فأجاب -رحمه الله- «إِذا وقع الشَّرط وكان قصده تأديبها فلا يقع الطَّلاق، وإِذا وقع الشرط وكان يقصد الطَّلاق؛ فلا بُدَّ من إِشهادٍ إنْ أراد الطَّلاق؛ وإلا فلا يقع هذا الطَّلاق». وقال -رحمه الله- في بعض مجالسه في موضعٍ آخر: «إِذا علَّق الطَّلاق من باب التَّخويف ولا يقصد التَّطليق؛ مثلًا عنده زوجة كثيرة الزِّيارات ووعظها، فمن باب التَّخويف قال لها:»إِن زرت؛ فأنتِ طالق«يريد تربيتها فهنا لا يقع الطَّلاق. أمّا إِنْ رأى امرأته مع جاره، فقال: إِن رأيتك مع الجار طلَّقتكِ، فإِنَّه يقع الطَّلاق؛ لأنَّه يقصد الطَّلاق»* (١) انتهى. وأمّا ما يقصد به الحضّ، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب بالتزامه -عند المخالفة- ما يكره وقوعه؛ سواء كان بصيغة القسم، أو الجزاء، فهو يمين عند جميع الخلق، من العرب وغيرهم. وإنْ كان يمينًا، فليس لليمين إِلا حُكمان: إِمّا أن تكون منعقدة، فتكفّر، وإمّا ألا تكون منعقدة، كالحلف بالمخلوقات، فلا تُكفّر. وأمّا أن تكون يمينًا منعقدة محترمة، غير مكفّرة، فهذا حُكم ليس في كتاب الله، ولا سنّة رسول الله - ﷺ -، ولا يقوم عليه دليل. ------------------------ (١) ما بين نجمتين من سؤالي شيخنا -رحمه الله- قد أدخلته هنا؛ لصلته الوثيقة بالموضوع. وأمّا الصيغة المضافة إِلى مستقبل؛ فهي ما اقترنت بزمن، يقصد وقوع الطلاق فيه متى جاء، مثل أن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق غدًا أو إِلى رأس السنة فإِنّ الطلاق يقع في الغد، أو عند رأس السنة، إِذا كانت المرأة في ملكه عند حلول الوقت، الذي أضاف الطلاق إِليه. قال الإِمام البخاري -رحمه الله-. «قال عطاء: إِذا بدا بالطلاق فله شرطه. وقال نافع: طلق وجلٌ امرأتَهُ البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بُتَّت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء. وقال الزهريّ فيما قال: إن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثًا: يُسأل عمّا قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإِن سمّى أجلًا أراده وعقد عليه قلبه حين حلف؛ جعل ذلك في دينه وأمانته. وقال قتادة: إِذا قال: إِذا حملت فأنت طالق ثلاثًا يغشاها عند كل طهرٍ مرة، فإِن استبان حملها فقد بانت منه» (١). وسألت شيخنا -رحمه الله- عن رجل فَعَل الفاحشة -عياذًا بالله- وقال لزوجه: إِذا أخبرْتِ أحدًا؛ فأنت طالق؛ ثم أخبرَت، فهل تُطلَّق؟ فأجاب -رحمه الله-: أيّ طلاق لا يقع إِلا بشاهدَين. انتهى (٢). -------------- (١) قاله الإِمام البخاري -رحمه الله- تعليقًا في (كتاب الطلاق) «ب-١١» وانظر للفوائد الحديثية والوصل؛ ما جاء في «فتح الباري» (٩/ ٣٨٩) و«مختصر البخاري» (٣/ ٣٩٨). (٢) وسيأتي الكلام عن الإِشهاد على الطلاق -إِن شاء الله تعالى- وانظر -إِن شئت- للمزيد من الفائدة في هذا المبحث (أي: التعليق والإنجاز) كتاب «الاختيارات» = الطلاق السُّني والبدعي يقسم الطلاق إلى قِسمين: ١ - الطلاق السُّنّي: وهو أن يطلّقها في طُهرها الذي لم يجامِعها فيه، أو أن تكون حاملًا قد استبان حمْلها ويطلقها طلقة واحدة؛ أو كانت يائسةً من المحيض، أو لمَّا تَحِضْ؛ ولو جامعها؛ لعدم وقوع الحمل. وأمّا اشتراط ألا تكون حائضًا فلقوله -سبحانه-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلّقوهن لعدّتهنّ﴾ (١). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «﴿فطلّقوهن لعدّتهنّ﴾ قال: طاهرًا في غير جماع» (٢). وعن عبد الله -رضي الله عنه- أيضًا أنَّه قال: «طلاق السنَّة تطليقها وهي طاهر؛ في غير جماع، فإِذا حاضت وطهرت؛ طلَّقها أخرى؛ فإِذا حاضت وطهرت طلَّقها أخرى؛ ثمَّ تعتدَّ بعد ذلك بحيضة (٣)». ---------------------- = (٢٦٢)، و«الفتاوى» (٣٣/ ٤٤ - ٤٧، ٥٥ - ٥٧، ٥٨ - ٦١، ٦٤ - ٦٦، ٧٠، ١٤٠ - ١٤٢، ٢٠٥ - ٢٠٧، ٢٢٣ - ٢٢٥، ١٢٩، ٢٣٨ - ٢٤٧، ١٦١ - ١٧٠). (٣٥/ ٢٦٩ - ٢٧٠، ٢٩٣ - ٢٩٤، ٢٤٦ - ٢٥٠، ٣٠٩). (١) الطلاق: ١. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير في «تفسيره»، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٥١). (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٧٨). وجاء في «المغني»: (٨/ ٢٣٦) بعد أن ذكر الأثر السَّابق: «ولنا ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: لا يطلِّق أحد للسنَّة فيندم. رواه الأثرم وهذا إِنَّما يحصل في حقّ من لم يطلِّق ثلاثًا». ولقولهعليه الصلاة والسلام- في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «... ثمّ ليمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض ثمّ تطهر، ثمّ إِن شاء أمسك بعد، وإِن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك العِدَّة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء» (١). وأمّا اشتراط أن تكون في طُهر لم يجامِعها فيه فلقوله - ﷺ -: «وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ» يعني في ذلك الطُّهر. ودليل كونها حاملًا: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنه طلّق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنّبيّ - ﷺ - فقال: مُرْهُ فليراجعها ثمّ ليطلقها طاهرًا أو حاملًا» (٢). وأمّا اشتراط ألا يطلّقها في ذلك الطُّهر أكثر من طلقة فلقوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾ قال ابن القيّم -رحمه الله- في «الزاد» (٥/ ٢٤٤): «ولم يشرع الله -سبحانه- إِيقاع الثلاث جُملة واحدة ألبتة؟ قال -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾، ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إِلا متعاقبتين، كما قال النّبيّ - ﷺ -:»من سبّح الله في دُبُرِ كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٢٥١، ومسلم: ١٤٧١. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٧١. ثلاثًا وثلاثين، وكبّر الله ثلاثًا وثلاثين» (١)، ونظائره فإِنه لا يُعقل من ذلك إِلا تسبيح وتكبير وتحميد متوالٍ يتلو بعضه بعضًا، فلو قال: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين بهذا اللفظ، لكان ثلاث مرات فقط. وأصرح من هذا قوله -سبحانه-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ (٢) فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إِني لمن الصادقين، كانت مرّة، وكذلك قوله: ﴿ويدرأُ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لمن الكاذبين﴾ (٣) فلو قالت: أشهد بالله أربع شهادات إِنه لمن الكاذبين، كانت واحدة، وأصرح من ذلك قوله -تعالى-: ﴿سنعذّبهم مرتين﴾ (٤) فهذا مرة بعد مرة. ومما يدل على أنّ الله لم يشرع الثلاث جملة، أنه -تبارك وتعالى- قال: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ إِلى أن قال: ﴿وبعولتهنّ أحقُّ بردّهنّ في ذلك إِنْ أرادوا إِصلاحًا﴾ (٥)، فهذا يدلُّ على أن كلّ طلاق بعد الدخول، فالمطلّق أحقُّ فيه بالرجعة سوى الثالثة المذكورة بعد هذا، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ لعدتهنّ﴾ إِلى ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ٥٩٧. (٢) النور: ٦. (٣) النور: ٨. (٤) التوبة: ١٠١. (٥) البقرة: ٢٢٨. قوله: ﴿فإِذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ (١) فهذا هو الطلاق المشروع. وقد ذكَر الله -سبحانه وتعالى- أقسام الطلاق كُلها في القرآن، وذكر أحكامها، فذكَر الطلاق قبل الدخول، وأنه لا عدّة فيه، وذكَر الطلقة الثالثة، وأنها تُحرِّم الزوجة على المطلِّق حتى تنكح زوجًا غيره، وذكَر طلاق الفداء الذي هو الخلع، وسمَّاه فدية، ولم يحسبه من الثلاث ... وذكر الطلاق الرجعيّ الذي المُطلِّق أحقُّ فيه بالرجعة، وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة. ٢ - الطّلاق البدعي: وهو أن يطلّقها في حيضٍ أو نفاس أو في طُهرٍ جامعَها فيه ولا يدري أحملت أم لا، أو أن يطلّقها ثلاثًا فيقول: أنت طالق ثلاثًا أو يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. طلاق الآيسة والصغيرة ومنقطعة الحيض: وطلاق هؤلاء إِنَّما يكون للسُّنّة؛ إِذا كان طلاقًا واحدًا؛ ولا يشترط له شرطٌ آخر غير ذلك (٢). وجاء في «المحلّى» (١١/ ٤٥٢): «وأمّا التي لم تحض -أو قد انقطع حيضها- فإِن الله -عز وجل- أجمل لنا إِباحة الطلاق، وبين لنا طلاق الحامل، وطلاق التي تحيض، ولم يَحُدَّ لنا -تعالى- في التي لم تحض، ولا في التي انقطع حيضها حدًا، فوجب أنه -تعالى- أباح طلاقها متى شاء الزوج، إِذ لو كان له -عز وجل- ------------------- (١) الطلاق: ١ - ٢. (٢)»فقه السنّة" (٣/ ٣٣). وسيأتي المزيد من التفصيل- إِن شاء الله تعالى- في العدّة. في وقت طلاقها شرع لبيَّنه علينا«. هل يقع طلاق الحائض؟ جاء في»الروضة الندية«(٢/ ١٠٥):»هذه المسألة من المعارك التي لا يجول في حافاتها إِلا الأبطال، ولا يقف على تحقيق الحق في أبوابها إِلا أفراد الرجال، والمقام يضيق عن تحريرها على وجه ينتج المطلوب. فمن رام الوقوف على سرِّها؛ فعليه بمؤلَّفات ابن حزم كـ «المحلّى» ومؤلَّفات ابن القيِّم كـ «الهدي». وقد جمع السيد العلامة محمد بن إِبراهيم الوزير في ذلك مصنَّفًا حافلًا، وجمع الإِمام الشوكاني رسالة ذكَر فيها حاصل ما يحتاج إِليه من ذيول المسألة، وقرر ما ألهم الله إِليه، وذكر في «شرح المنتقى» أطرافًا من ذلك. وخلاصة ما عوَّل عليه القائلون بوقوع الطلاق البدعي؛ هو اندراجه تحت الآيات العامَّة، وتصريح ابن عمر بأنها حسبت تلك طلقة. وأجاب القائلون بعدم الوقوع عنهم بمنع اندراجه تحت العمومات لأنه ليس من الطلاق الذي أذن الله به؛ بل هو من الطلاق الذي أمر الله بخلافه قال: ﴿فطلِّقوهنّ لعدتهنّ﴾. وقال - ﷺ -: «مره فليراجعها». وصح أنه غضب عند أن بلغه ذلك، وهو لا يغضب مما أحلَّه الله ... «(١). وقد خاض غمار هذه المعركة شيخنا -رحمه الله- فانظر ما فصّله في»الإِرواء«تحت الحديث (٢٠٥٩) في قرابة أربع عشرة صفحة أفاض فيها بالطُّرق والروايات والألفاظ؛ أحاديث وآثارًا ثمّ بدأ -رحمه الله- بالترجيح -------------------- (١) انظر -إِن شئت- ردّ شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«تحت الحديث (٢٠٥٩) و»التعليقات الرضية" (٢/ ٢٤٧). بطريقة عجيبة تروي الغليل؛ مفيدًا من علم مصطلح الحديث والفقه وأصوله، فارجع إِلى المصدر المشار إِليه للمزيد من الفائدة. والحاصل أنه رأى إيقاع طلاق الحائض، وانظر ما قاله (٨/ ١٣٣) في إِجابته على ابن القيّم -رحمهما الله تعالى- في عدم وقوعها. والنصّ المشار إِليه من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله - ﷺ -، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال رسول الله - ﷺ -: مُره فلْيراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض ثمّ تطهر، ثمّ إِن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق بها النساء» (١). جاء في «المغني» (٨/ ٢٣٧): «فإِنْ طلَّق للبدعة وهو أن يطلقها حائضًا، أو في طهر أصابها فيه؛ أثِم ووقع طلاقه في قول عامَّة أهل العلم. قال ابن المنذر وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إِلا أهل البدع والضلال وحكاه أبو نصر عن ابن علية وهشام بن الحكم والشيعة قالوا: لا يقع طلاقه لأنّ الله -تعالى- أمر به في قبل العدة فإِذا طلّق في غيره لم يقع كالوكيل إِذا أوقعه في زمن أمره موكله بإِيقاعه في غيره ولنا حديث ابن عمر أنّه طلق امرأته وهي حائض فأمره النّبيّ - ﷺ - أن يراجعها ...». عدد الطلقات: إِذا بنى الرَّجل بأهله ملَك عليها ثلاث طلقات، وأُمِر أن يكون ذلك على ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٥٢٥١، ومسلم: ١٤٧١. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 11 ( الأعضاء 0 والزوار 11) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |