|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 121الى صــ135 الحلقة (121) تهوى؛ فهذا هو العجَب. وأنا أعجب من هؤلاء النّسوة اللاتي يُطِلن ألسنتهنّ خوضًا وطعنًا في النّاس، وكأنّ الله -تعالى- قد أحلّ لهنّ هذا الخوض، أو كأنّ الإِجماع في تحريم الغيبة قد صار إِلى سراب؛ فأصبحت غِيبةُ المعدّدين من أفضل القُربات إِلى الله -تعالى-. وأنا أستحلف هؤلاء النسوة بالله ربّ العالمين: هل استغفرن من هذه الذنوب؟! وهل طلبن التحلُّل ممّن طَعَنَّ فيهم أو فيهنّ؟! هل دعون لهم أو لهنّ في ظهر الغيب؟! هل تُبْن توبةً نصوحًا؟! هل استحضَرن قول النّبيّ - ﷺ -: «إِني لأرى لحمه بين أنيابكما»؟! هل استشعرن في أنفسهنّ عذاب النّار، والمُثُولَ بين يدي العزيز الجبّار؟! هل تدبّرْن قوله -تعالى-: ﴿يومئذٍ تُعرضون لا تَخفى منكم خافية﴾ (١). وهل خَشِينَ على أنفسهنّ أن تُعرض فضائحهن أمام الخلق؟! وهل تدبّرن قوله -تعالى-: ﴿يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ مُحضرًا وما عملت من سوء تودُّ لو أنّ بينها وبينه أمدًا بعيدًا﴾ (٢)؟! وهل خِفْن على أنفسهنّ أن يجدن ما عملن من سوء وطعنٍ في النّاس مُحضَرًا؟! كم أُشْفق على هؤلاء النسوة، وعلى ما فيهنّ من حالٍ؛ في محاربة الله ورسوله - ﷺشعرْنَ أو لم يشعرن-! -------------------- (١) الحاقة: ١٨. (٢) آل عمران: ٣٠. كم أرثي لحالهنّ وهنّ يَعِثن في الأرض فسادًا! كم يتفطّر القلب عليهنّ؛ وهن يُمسِكْن معاول الهدم للإِسهام في هدم المجتمع -وإن زَعمنَ غير ذلك-! كم يتلوَّع الفؤاد عليهنّ في الجزم بالعِلم والمعرفة والخبرة والمصلحة؛ وهنّ أبعد النّاس من هذا كلّه! كم أرقُّ لهؤلاء المفلسات اللائي يضيّعن الثواب يوم القيامة؛ وقد اغْتَبْنَ هذا، وطَعَنَّ في هذا، وشَتَمْنَ هذا ... والثمن كله من الحسنات: يوم لا درهم ولا دينار! فهلمّ إِلى التوبة والإِنابة والاستغفار والندم ﴿من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله﴾ (١). فائدة: إِنّ ما جرى عند أُمّهات المؤمنين -رضي الله عنهن- من غَيرةٍ -والنصوص في ذلك كثيرة-: إِنّما هو توجيه وإرشاد للنّساء -ولا سيّما في زماننا- أن هذا حال البشر، وأنّ أمْر التعدّد لا يخلو ممّا تكرهه المرأة، ولا يعنى أنها إِذا لقيت أدنى ما تكره قذِرت التعدّد وجَحدته -عياذًا بالله تعالى-. وكأنّ ما جرى بين أزواج النبيّ - ﷺ - يقول: هذا هو التعدّد، وهذه هي بشريّة الإِنسان غير المعصوم، فَلَكُنّ في أزواج النّبيّ - ﷺ - ونساء السلف أسوة وقدوة في قَبوله وتحمُّله، مع ورود ما ذكَرْت. وهناك أمْرٌ هامّ؛ وهو أنّ ما جاء في مِثل هذه الأمور لا يعدو أن يكون بين ---------------------- (١) الشورى: ٤٧. أزواج النّبي - ﷺ -، لا كحال أكثر النساء اليوم -مع الأسف- مِن تعدّي هذا؛ إِلى المجتمع: غيبةً ونميمةً وقدحًا وطعنًا، وركوبًا للهوى، بل إِنّك قد ترى من الكلام حول التعدُّد ما قد تحكمُ بِكفر بعضهنّ؛ عياذًا بالله -سبحانه-! ٧ - وندائي إِلى كلّ من يسعى إِلى مرضاة الله -تعالى-، ومن يرغب في التعدّد ويسعى إِليه؛ أن يتقي الله -تعالى-؛ ليمحو كثيرًا من الصور المظلمة عن المعدّدين، فالقدوة العملية لها أثرها الكبير. مسائل في التعدّد: ١ - مَن أَوْلَمَ على بعض نسائه أكثر من بعض (١): عن ثابت قال: «ذُكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس، فقال: ما رأيت النّبيّ - ﷺ - أَوْلَمَ على أحد من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة» (٢). قال الحافظ -رحمه الله-: «... وأشار ابن بطال إِلى أن ذلك لم يقع قصدًا لتفضيل بعض النساء على بعض، بل باعتبار ما اتفق، وأنه لو وجد الشاة في كل منهن لأولم بها، لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلّق بأمور الدنيا في التأنق. وجوَّز غيره أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز». ٢ - إِذا تزوّج البكر على الثيّب، والثيب على البكر: عن أنس -رضي الله عنه- قال: «من السّنّةَ إِذا تزوّج الرجلُ البكرَ على --------------- (١) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٦٩". (٢) أخرجه البخاري: ٥١٧١، ومسلم: ١٤٢٨. الثيب، أقام عندها سبعًا وقَسَم، وإذا تزوّج الثيّب على البكر؛ أقام عندها ثلاثًا ثمّ قَسَم. قال أبو قِلابة: ولو شئت لقلت. إِن أَنَسًَا رفعه إِلى النّبيّ - ﷺ -» (١). ٣ - القُرْعة بين النّساء إِذا أراد سفرًا (٢): عن عائشة -رضي الله عنها- «أنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه» (٣). ٤ - النهي عن افتخار الضَّرَّة (٤): عن أسماء: «أن امرأة قالت: يا رسول الله! إِن لي ضَرَّة، فهل عليَّ جُناحٌ إِن تَشبّعتُ من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله - ﷺ -: المتشبّع (٥) بما لم يُعطَ كلابس ثَوبيْ زور» (٦). ٥ - استئذانُ الرجلِ نساءَهُ في أن يُمرَّض في بيت بعضهنّ: عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ رسول الله - ﷺ - كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة، فأذِنَ له أزواجه يكون --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٢١٤، ومسلم: ١٤٦١. (٢) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(باب - ٩٧). (٣) أخرجه البخاري: ٥٢١١، ومسلم: ٢٤٤٥. (٤) من تبويب الإمام البخاري -رحمه الله - في»كتاب النكاح«(باب - ١٠٦). (٥) المتشبّع؛ أي: المتزين بما ليس عنده، يتكثر بذلك، ويتزين بالباطل، كالمرأة تكون عند الرجل ولها ضرّة، فتدّعي من الحظوة عند زوجها أكثر مما عنده، تريد غيظ ضَرّتها.»الفتح". (٦) أخرجه البخاري: ٥٢١٩، ومسلم: ٢١٣٠. حيث شاء، فكان في بيت عائشة، حتى مات عندها، قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي، فقبضه الله؛ وإنّ رأسه لبَين نحري (١) وسَحري (٢)، وخالط ريقه ريقي» (٣). فائدة: جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٦٩) -بحذف-: «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل متزوّج بامرأتين، وإحداهما يحبُّها، ويكسوها، ويعطيها، ويجتمع بها أكثر من صاحبتها؟ فأجاب: الحمد لله، يجب عليه العدل بين الزوجتين باتفاق المسلمين»، وأشار إِلى الحديث: «من كانت له امرأتان ...»، ثمّ قال: «فعليه أن يعدل في القَسم، فإِذا بات عندها ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا بات عند الأخرى بقدر ذلك، ولا يُفضّل إِحداهما في القَسم. لكن إِنْ كان يحبها أكثر، ويطأها أكثر فهذا لا حرج عليه فيه؛ وفيه أنزل الله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ (٤)، أي: في الحب والجماع ... وأمّا العدل في النفقة والكسوة، فهو السنة أيضًا، اقتداءً بالنّبيّ - ﷺ -، فإِنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة؛ كما كان يعدل في القسمة». ------------------- (١) النحر: هو أعلى الصدر. (٢) السَّحر: الرئة؛ أي: أنه مات وهو مُستند إِلى صدرها وما يحاذي سَحرها منه. وقيل: السَّحْر: ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن ... أي: أنه مات وقد ضمته بيديها إِلى نحرها وصدرها. «النهاية». (٣) أخرجه البخاري: ٥٢١٧، ومسلم: ٢٤٤٣. (٤) النساء: ١٢٩. الولاية على الزّواج معنى الولاية (١): الولاية: حقٌّ شرعي، يُنفّذ بمقتضاه الأمر على الغير، جبرًا عنه. وهي ولاية عامّة، وولاية خاصّة. والولاية الخاصّة؛ ولاية على النفس، وولاية على المال. والولاية على النفس هي المقصودة هنا، أي: ولاية على النفس في الزواج. من هو الوليّ؟ الوليّ: هو قرابة المرأة؛ الأدنى فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إِذا تزوّجت بغير كفء؛ وكان المزوّج لها غيرهم ... (٢). وأدلّة اشتراط الولي كثيرة؛ منها (٣): قوله -تعالى-: ﴿فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ﴾ (٤). قالى الإِمام الشافعي -رحمه الله-: «هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى» (٥). ----------------- (١) عن «فقه السنة» (٢/ ٤٤٧). (٢) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٢٨) بتصرّف يسير. (٣) وقد تقدّم بعضها في (أركان عقد النكاح). (٤) البقرة: ٢٣٢. (٥) انظر «سبل السلام» (٣/ ٢٣٣)، وسيأتي الكلام قريبًا -إن شاء الله- حول هذه الآية الكريمة. وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٢٣٣): «ويدلّ لاشتراط الولي ما أخرجه البخاري، وأبو داود، من حديث عروة، عن عائشة: أنها أخبرته أنّ النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاحٌ منها نكاح النّاس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فَيُصْدِقها، ثمّ ينكحها ... ثمّ قالت في آخره: فلمّا بُعث محمد - ﷺ - بالحق هدَم نكَاح الجاهلية كله إِلا نكاح النّاس اليوم (١). فهذا دالٌّ أنه - ﷺ - قرَّر ذلك النكاح المعتبر فيه الولي، وزاده تأكيدًا بما قد سمعت من الأحاديث، ويدلّ له نكاحه - ﷺ - لأم سلمة، وقولها: إِنه ليس أحد من أوليائها حاضرًا، ولم يقل - ﷺ -: أنكحي أنت نفسك، مع أنه مقام البيان. ويدل له قوله -تعالى-: ﴿ولا تُنْكِحُوا المشركين﴾ (٢) فإِنه خطاب للأولياء بأن لا يَنْكحوا المسلماتِ المشركين ...». وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٢٩): «... ولا شكّ أن بعض القرابة أَدْخَلُ في هذا الأمر من بعض، فالآباء والأبناء أولى من غيرهم، ثمّ الإِخوة لأبوين، ثمّ الإِخوة لأب أو لأمّ، ثمّ أولاد البنين وأولاد البنات، ثمّ أولاد الإِخوة وأولاد الأخوات، ثمّ الأعمام والأخوال، ثمّ هكذا من بعد هؤلاء. ومن زعَم الاختصاص بالبعض دون البعض؛ فليأتنا بحُجّة، وإن لم يكن بيده إِلا مجرد أقوال من تقدمه؛ فلسنا ممن يُعَوِّل على ذلك، وبالله التوفيق». وقال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» (١١/ ٣٥): "وأمّا قولنا: إنه لا يجوز إِنكاح الأبعد من الأولياء مع وجود الأقرب، فلأن الناس كلّهم يلتقون --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٢٧. (٢) البقرة: ٢٢١. في أب بعد أب إِلى آدم -عليه السلام- بلا شكّ، فلو جاز إِنكاح الأبعد مع وجود الأقرب؛ لجاز إِنكاح كلّ من على وجه الأرض؛ لأنه يلقاها بلا شك في بعض آبائها! فإِنْ حَدُّوا في ذلك حدًّا كُلّفوا البرهان عليه -ولا سبيل إِليه-. فصحّ يقينًا أنه لا حقّ مع الأقرب للأبعد. ثمّ إِنْ عُدِمَ فَمَنْ فَوْقَهُ بِأَبٍ .. هكذا أبدًا؛ ما دام يُعْلَمُ لها وليّ عاصب؛ كالميراث ولا فرق». وسألت شيخنا -رحمه الله-: «هل ينعقد نكاح المرأة بوليّ؛ مع وجود من هو أولى منه؟». فأجاب: «إِذا كان بإِذنه جاز؛ وإلا فلا». *شروط الوليّ: ويشترط في الولي: الحرية، والعقل، والبلوغ؛ سواء كان المُولَّى عليه مسلمًا أو غير مسلم، فلا ولاية لعبد، ولا مجنون، ولا صبي؛ لأنه لا ولاية لواحد من هؤلاء على نفسه، فأولى ألا تكون له ولاية على غيره. ويزاد على هذه الشروط شرط رابع، وهو الإِسلام، إِذا كان المُولَّى عليه مسلمًا؛ فإِنه لا يجوز أن يكون لغير المسلم ولاية على السلم؛ لقول الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (١). عدم اشتراط العدالة: ولا تشترط العدالة في الولي؛ إِذ الفسق لا يسلب أهلية التزويج، إِلا إِذا خرج به الفسق إِلى حد التهتُّك؛ فإِنّ الولي في هذه الحالة لا يؤتمن على ما تحت -------------------- (١) النساء: ١٤١. يده، فَيُسْلَبُ حقّه في الولاية؛ [وللسلطان في ذلك شأن وتدبير] * (١). جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٠١): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوّج بامرأة، وليها فاسق يأكل الحرام ويشرب الخمر؛ والشهود أيضًا كذلك، وقد وقع به الطلاق الثلاث: فهل له بذلك الرخصة في رجعتها؟ فأجاب: إِذا طلقها ثلاثًا وقع به الطلاق. ومن أخذ ينظر بعد الطلاق في صفة العقد، ولم ينظر في صفته قبل ذلك: فهو من المتعدين لحدود الله، فإِنه يريد أن يستحل محارم الله قبل الطلاق، وبعده. والطلاق في النكاح الفاسد المختلف فيه عند مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، والنكاح بولاية الفاسق: يصح عند جماهير الأئمة، والله أعلم». المرأة لا تزوّج نفسها: ليس للمرأة أن تزوّج نفسها؛ لأنّ الولاية شرط في صحّة العقد. ومن الأدلّة على ذلك: قوله -سبحانه-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَى منكم والصَّالحين مِن عبَادكُم وإِمَائِكم﴾ (٢). فكان الخطاب هنا للأولياء. وكذلك قوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طلَّقتم النّساء فَبَلَغْنَ أجلهُنَّ فلا تَعضُلوهنّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهنَّ إِذا تَراضَوا بينهم بالمعروف ذلك يُوعَظُ به -------------------- (١) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٤٤٧). (٢) النور: ٣٢. من كان مِنْكُم يُؤمن بالله واليوم الآخر ذلكُم أزكى لكُم وأطْهَر والله يَعْلم وأنتم لا تعلمون﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- بحذف:»... عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثمّ يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي عنه. وكذا قال مسروق، وإِبراهيم النخعي، والزهري والضحاك أنها نزلت في ذلك. وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية. وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنه لا بدّ في تزويجها مِن وليّ؛ كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها ...» (٢). ثمّ أشار إِلى ما ورد عن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: «زوجتُ أختًا لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشْتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئتَ تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾؛ فقلتُ: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزَوجها إِيّاه» (٣). ----------------------- (١) البقرة: ٢٣٢. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٧) وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٤١). (٣) أخرجه البخاري: ٥١٣٠. وعن أبى موسى أنّ النبيّ - ﷺ - قال: «لا نكاح إِلا بوليّ» (١). وفي رواية: «لا نكاح إلاَّ بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عدل» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-. فإِنْ دخَل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطان وليُّ من لا وليّ له» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كُنّا نعدُّ التي تنكح نفسها هي الزانية» (٤). وأمّا استدلال بعض الفقهاء بقول الله -تعالى-: ﴿فإنْ طَلّقَهَا فلا تَحِلُّ له من بَعْد حتَّى تًنْكِح زوجًا غَيْرَه﴾ (٥). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٧٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٦)، وانظر «الإرواء» (١٨٥٨)، و«المشكاة» (٣١٣٠). (٢) أخرجه أحمد، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (١٨٥٨، ١٨٦٠)، وتقدّم. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٨٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٤)، وانظر «الإروإء» (١٨٤٠)، وتقدّم. (٤) أخرجه الدارقطني، والبيهقي، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦/ ٢٤٩): إسناده صحيح على شرط الشيخين. (٥) البقرة: ٢٣٠. وقوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طَلَّقتُم النِّساء فبلَغْن أجَلَهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهُنّ﴾ (١). وقولهم: في هاتين الآيتين إِسناد الزواج إِلى المرأة؛ فهو دليل على أنها تلي أمر نفسها في الزواج!! فالردّ عليه من وجوه كثيرة، أبرزها ما تقدّم من أدلّة، ثمّ إِن المعنى: حتى تنكح زوجًا غيره في ضوء الشروط المنصوص عليها؛ لا بمعزلٍ عنها، فلا ينبغي أن نضرب بعض النصوص ببعض. وفي الآية الأخرى في قوله: فـ ﴿لا تَعْضُلُوُهنَّ﴾ ما يدلّ على أن الخطاب للأولياء كما تقدّم. وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٣١ - ٣٢): «وسئل -رحمه الله- عن امرأة خلاها أخوها في مكان لتوفي عدة زوجها، فلمّا انقضت العدة هربت إِلى بلد مَسيرةَ يوم، وتزوّجت بغير إِذن أخيها، ولم يكن لها ولي غيره: فهل يصح العقد أم لا؟ فأجاب: إِذال يكن أخوها عاضلًا لها، وكان أهلًا للولاية: لم يصح نكاحها بدون إِذنه، والحال هذه، والله أعلم». إِذا كان الوليّ هو الخاطب (٢): قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أوْلى --------------------- (١) البقرة: ٢٣٢. (٢) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٣٧". النّاس بها، فأمَر رجلًا فزوّجه (١). وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إِليّ؟ قالت: نعم، فقال: قد تزوجتك (٢). وقال عطاء: ليُشهد أني قد نكحتكِ، أو ليأمر رجلًا من عشيرتها (٣)». قال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر البخاري» (٣/ ٣٦٦): «المفهوم من كلام الشارح أنّ عطاء بن أبي رباح قاله في امرأة خطبها ابن عمّ لها؛ لا رجل لها غيره، قال حين سألوه عنها:»فلتشهد أنّ فلانًا خطبها، وإني أشهدكم أني قد نكحته«، أو تفوض الأمر إِلى الوليّ الأبعد، وهو معنى قوله بعد هذا:»أو ليأمر رجلًا من عشيرتها«، والكلام جرى على التذكير في ضبط الشارح، ونحن أتينا البيوت من أبوابها». قال الحافظ في «الفتح» بعد تبويب الإِمام البخاري -رحمهما الله تعالى-: «الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز، فإِنّ الآثار التي فيها أمر الولي غيره أن يزوجه ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه نفسه، وقد أورد في الترجمة أثر عطاء الدالّ على الجواز، وإنْ كان الأولى عنده أن لا يتولى أحد طرفَي العقد. وقد اختلف السلف في ذلك، فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه والليث: يزوج الولي نفسه، ووافقهم أبو ثور: وعن --------------------- (١) رواه البخاري معلّقًا، ووصله وكيع في»مصنفه«، وعنه البيهقي وسعيد بن منصور، وانظر»الفتح«، و»مختصر البخاري«(٣/ ٣٦٦). (٢) رواه البخاري معلقًا، ووصله ابن سعد. (٣) رواه البخاري معلقًا، ووصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وانظر»مختصر البخاري" (٣/ ٣٦٦). مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوِّجني بمن رأيت، فزوَّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لَزِمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعي: يزوجهما السلطان، أو ولي آخر مثله، أو أقعد منه. ووافقه زفر وداود. وحُجّتهم أنّ الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح مُنكحًا كما لا يبيع من نفسه». انتهى. وقال ابن حزم -رحمه الله-: «وأمّا قولهم: إِنه لا يجوز أن يكون الناكح هو المُنْكِح! ففي هذا نازعناهم، بل جائز أن يكون الناكح هو المُنْكِح، فدعوى كدعوى. وأمّا قولهم: كما لا يجوز أن يبيع من نفسه! فهي جملة لا تصحّ كما ذكروا، بل جائز إِن وُكِّل ببيع شيء أن يبتاعه لنفسه، إن لم يُحابها بشيء». ثمّ ساق البرهان على صحة ما رجّحه (١)، من أن البخاري روى عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، وأولم عليها بِحيس (٢). قال: «فهذا رسول الله - ﷺ - زوَّج مولاته من نفسه، وهو الحُجّة على من سواه». ثمّ قال: «قال الله -تعالى-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَىَ منكم والصَّالحين من عِبَادِكُم وإِمَائِكُم إِن يَكُونوا فُقَرَاء يُغْنهم الله من فضله والله واسعٌ عليم﴾ (٣). فمن أنكح أيّمة من نفسه برضاها، فقد فعل ما أمره الله -تعالى- به، ولم يمنع --------------------- (١) هذا كلام السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة«(٢/ ٤٥٧). (٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٩، ومسلم: ١٣٦٥. و(الحَيْسُ):»هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسّمْن. وقد يجعل عوض الأقط: الدقيق أو الفتيت«.»النهاية". (٣) النور: ٣٢. الله -عز وجل- من أن يكون المنكح لأيمة هو الناكح لها، فصح أنه الواجب» (١). غَيْبَةُ الوليّ: لا ولاية للبعيد مع وجود الوليّ الأقرب؛ فبحضور الأب لا ولاية للأخ أو العمّ؛ فضلًا عن غيرهما، وعقد هؤلاء موقوف على صاحب الولاية: الأب. وفي حالة غياب الأقرب يأتي من يليه؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢). ولقوله - ﷺ -: «إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٣). فلا يمكن تعطيل الزواج لغيابه وصعوبة الاتصال به وأخْذِ رأيه، وذلك حين لا يترجّح أوان عودته، ولا يخفى ما يترتّب على ذلك من تفويت مصالح النكاح العامّة والخاصّة، وليس لهذا الوليّ الغائب أن يعترض على ما كان. ولاية غير الآباء على الصغار: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنه حين هلَك عثمان بن مظعون ترك ابنة له. قال ابن عمر: فزوّجنيها خالي قُدامة -وهو عمها- ولم يشاورها، وذلك بعدما هلك أبوها، فكرهت نكاحه، وأحبت الجارية أن يزوجها المغيرة بن شعبة، فزوجها إِياه» (٤). --------------------- (١) انظر «المحلّى» (١١/ ٦٣)، وذكره الشيخ السيد سابق -رحمه الله- في «فقه السنة» (٢/ ٤٥٧). (٢) التغابن: ١٦. (٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧. (٤) أخرجه أحمد، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٣) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٣٥). ![]()
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 271الى صــ295 الحلقة (131) مرات، قال -سبحانه-: ﴿الطلاق مرتان فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١). قال ابن كَثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته، وإنْ طلّقها مائة مرّة ما دامت في العدّة، فلمّا كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصَرهم الله -عز وجل- إِلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرّة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: ﴿الطَّلاق مَرَّتان فإِمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإِحسان﴾ قال أبو داود -رحمه الله- في»سننه«:»باب في نسْخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث«. ثمّ ساق بإِسناده إِلى ابن عباس -رضي الله- قال: ﴿والمطلقات يتربَصنّ بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ولا يحلُّ أن يكتُمن ما خَلَق الله في أوحامهنّ﴾ (٢).» الآية، وذلك أنّ الرجل كان إِذا طلّق امرأته فهو أحق برجعتها، وإنْ طلقها ثلاثًا، فَنُسِخ ذلك وقال: ﴿الطلاق مرّتان﴾ (٣) «(٤). قال العلاّمة أبو بكر الجصَّاص -رحمه الله-:»تضمّنت [الآَية] الأمر بإيقاع ----------------------- (١) البقرة: ٢٢٩. (٢) البقرة: ٢٢٨. (٣) البقرة: ٢٢٩. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٢١) والبيهقي والنسائي وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٨٠). الاثنتين في مرتين، فمن أوقع الاثنتين في مرّة؛ فهو مخالف لحُكمها» (١)، هل يقع طلاق الثلاث جملةً أم يُحسب طلقة؟ قال الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إِن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم» (٢). وجاء في «الفتاوى» (٣٣/ ٧): «وإن طلَّقها ثلاَثًا في طُهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات؛ مِثل أن يقول. أنتِ طالق فلانًا، أو أنتِ طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق، ثمّ طالق، ثم طالق. أو يقول: أنت طالق، ثمّ يقول: أنت طالق، ثمّ يقول: أنت طالق، أو يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو عشر طلقات أو مائة طلقة، أو ألف طلقة ونحو ذلك من العبارات: فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء كانت مدخولًا بها أو غير مدخول بها، وكما السلف من فرّق ببن المدخول بها وغير المدخول بها، وفيه قول رابع محدث مبتدع. أحدها: أنه طلاقٌ مباح لازم، وهو قول الشافعي، وأحمد في الرواية القديمة عنه: اختارها الخرقي. -------------------- (١) انظر»أحكام القرآن«وذكَره العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- في»نظام الطلاق في الإِسلام" (ص ١٢). (٢) أخرجه مسلم: ١٤٧٢. الثاني: أنه طلاقٌ مُحرَّم لازم وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين، والذي قبله منقول عن بعضهم. الثالث: أنه مُحرَّم، ولا يلزم منه إِلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله - ﷺ - مِثل الزبير بن العوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان؛ وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم: مِثل طاوس وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إِسحاق وهو قول داود وأكثر أصحابه؛ ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد، ولهذا ذهب إِلى ذلك من ذهب من الشيعة، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل. وأمّا القول الرابع الذي قاله بعض المعتزلة والشيعة فلا يعرف عن أحد من السلف، وهو أنه لا يلزمه شيء. والقول الثالث هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة؛ فإِنَّ كلَّ طلاق شرَعَه الله في القرآن في المدخول بها إِنما هو الطلاق الرجعي؛ لم يشرع الله لأحد أن يُطلِّق الثلاث جميعًا، ولم يشرع له أن يطلق المدخول بها طلاقًا بائنًا، ولكن إِذا طلقها قبل الدخول بها بانت منه، فإِذا انقضت عدتها بانت منه». وفيه (٣٣/ ٩٢): "وليس في الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإِجماع والقياس ما يوجب لزوم الثلاث له، ونكاحه ثابت بيقين، وامرأته مُحرَّمة على الغير بيقين، وفي إِلزامه بالثلاث إِباحتها للغير مع تحريمها عليه وذريعة إِلى نكاح التحليل الذي حرَّمه الله ورسوله. و«نكاح التحليل» لم يكن ظاهرًا على عهد النّبيّ - ﷺ - وخلفائه. ولم يُنقل قط أنّ امرأة أُعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إِلى زوجها بنكاح تحليل؛ بل «لعَن رسول الله - ﷺ - المحلل والمحلل له» (١). وفيه (٣٢/ ٣١٠): «... وكما قال طائفة من السلف فيمن طلّق ثلاثًا بكلمة: هو جاهلٌ بالسُّنة؛ فيُردّ إِلى السُّنة». وفيه (٣٢/ ٣١٢): «وذِكر كلام الناس على»الإِلزام بالثلاث«: هل فعَله مَن فَعَلَه من الصحابة لأنه شرع لازم من النّبيّ - ﷺ -؟ أو فعله عقوبة ظهور المنكر وكثرته؟ وإِذا قيل: هو عقوبة: فهل موجبها دائم لا يرتفع؟ أو يختلف باختلاف الأحوال؟ وبين أن هذا لا يجوز أن يكون شرعًا لازمًا، ولا عقوبة اجتهادية لازمة؛ بل غايته أنه اجتهاد سايغ مرجوح، أو عقوبة عارضة شرعية، والعقوبة إِنما تكون لمن أقدم عليها عالمًا بالتحريم. فأمّا من لم يعلم بالتحريم، ولمَّا علمَه تاب منه؛ فلا يستحق العقوبة، فلا يجوز إِلزام هذا بالثلاث المجموعة؛ بل إِنما يلزم واحدة، وهذا إِذا كان الطلاق بغير عِوَض فأمّا إذا كان بعوض فهو فدية». وقال ابن القيّم -رحمه الله- في «إِعلام الموقعين» (٣/ ٤٧): «والمقصود أنّ هذا القول (٢) قد دلّ عليه الكتاب والسّنة والقياس والإِجماع القديم، ولم يأت ---------------- (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٧٠)، والترمذي وغيرهما، وانظر»الإِرواء" (١٨٩٧)، وتقدّم. (٢) يعني أنّ الثلاث تقع واحدة. بعده إِجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثُر منهم إِيقاعه جملة واحدة؛ فرأى من المصلحة عقوبتهم بإِمضائه عليهم؛ ليعلموا أنّ أحَدَهم إِذا أوقعه جملةً؛ بانت منه المرأة، وحرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاح رغبة؛ يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإِنه كان من أشد الناس فيه، فإِذا علموا ذلك كَفُّوا عن الطلاق المحرّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النّبيّ - ﷺ - وعهد الصِّدِّيق وصدرًا من خلافته كان الأليق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتَّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجًا، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبةَ لهم؛ فإِنّ الله -تعالى- إِنّما شرع الطلاق مرة بعد مرة، ولم يشرعه كله مرة واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدّى حدود الله، وظلم نفسه، ولعب بكتاب الله، فهو حقيق أن يُعاقب، ويُلْزَمَ بما التزمه، ولا يُقرّ على رخصهّ الله وسعَتِه، وقد صعَّبها على نفسه، ولم يتق الله ولم يُطلِّق كما أمَره الله وشرع له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانًا، ولبّس على نفسه، واختار الأغلظ والأشد؛ فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان، وعلم الصحابة -رضي الله عنهم- حُسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك ... «(١). وأما فتاوى بعض الصَّحابة -رضي الله عنهم- التي نصّت على إِيقاع من طلّق ثلاثًا في مجلسٍ واحد ووقوعه ثلاثًا؛ ففيها آثار ثابتة. ------------------ (١) وانظر ما قاله العلامة ابن القيّم -رحمه الله- كذلك في»زاد المعاد" (٥/ ٢٤١). فعن مجاهد قال: «جلست عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إِنه طلق امرأته ثلاثًا فسكت حتى ظننت أنه رادّها إليه ثمّ قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثمّ يقول: يا ابن عباس، وإنَّ الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾ (١) وإِنك لم تتق الله، فلم أجد لك مخرجًا؛ عصيت ربك فبانت منك امرأتك». وفي زيادة: «وإِنّ الله قال: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلقوهنّ﴾ في قبل عدتهن» (٢). وعن مجاهد أيضًا: «أنّ ابن عباس سُئِلَ عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: عصيت ربك وفارقْتَ امرأتك». وفي زيادة: «لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا» (٣). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أنّ رجلًا طلَّق امرأته ألفًا قال: يكفيك من ذلك ثلاث». وفي زيادة: «وتدَع تسعمائة وسبعًا وتسعين» (٤). ------------------- (١) الطلاق: ٢. (٢) أخرجه أبو داود ومن طريقه البيهقي والزيادة له، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٠٥٥). (٣) أخرجه الدارقطني والطحاوي والبيهقى والزيادة له، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٥٦). (٤) أخرجه الدارقطني والبيهقي والزيادة له، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٥٧). وعن سعيد بن جبير قال: «جاء رجل إِلى ابن عباس فقال: إِني طلقت امرأتي ألفًا؟ قال: أمّا ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر. اتَّخذْتَ آيات الله هزوًا» (١). انتهى. قلت: وهذه الآثار في إِيقاع بعض الصحابة -رضي الله عنهم- الطَّلاق جملة واحدة؛ إِنما كانت اجتهادًا في إِمضاء العقوبة، كيلا تفشو وتشيع في النّاس، فإِيقاعها على عدد قليل تأديبًا وتربية يعيد واقع الناس إِلى ما كان عليه النّبيّ - ﷺ - وأبو بكر وأوَّل خلافة: عمر -رضي الله عنهما-. وحديث النّبيّ - ﷺ - هو المقدَّم. فلا تقع هذه الألفاظ، ومع ذلك فقد ثبتَ عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أن الرجل إِذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا بفم واحد فهي واحدة». جاء في «الإِرواء» (٧/ ١٢١): «قال أبو داود: وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس:»إِذا قال: أنت طالق ثلاثًا بفم واحد، فهي واحدة«. ورواه إِسماعيل بن إِبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة». ثمّ قال أبو داود: «وقول ابن عباس هو أن الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولًا بها وغير مدخول بها، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، هذا مثل خبر الصرف قال فيه، ----------------------- (١) أخرجه الطحاوي والدارقطني وابن أبي شيبة، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٧/ ١٢٣). ثمّ إِنه رجع عنه. يعني ابن عباس». ثمّ ساق أبو داود بإِسناده الصحيح عن طاوس: «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النّبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وثلاثًا من إِمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم». وأخرجه مسلم في «صحيحه» والنسائي وأحمد وغيرهم. قال شيخنا -رحمه الله-: «وخلاصة كلام أبي داود أنّ ابن عباس -رضي الله عنه- كان له في هذه المسألة وهي الطلاق بلفظ ثلاث قولان: أحدهما: وقوع الطلاق بلفظ ثلاث، وعليه أكثر الروايات عنه. والآخر: عدم وقوعه كما في رواية عكرمة عنه، وهي صحيحة. وهي وإنْ كان أكثر الطرق عنه بخلافها، فإِنَّ حديث طاوس عنه المرفوع يشهد لها. فالأخذ بها هو الواجب عندنا، لهذا الحديث الصحيح الثابت عنه من غير طريق، وإنْ خالفه الجماهير، فقد انتصر له شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم وغيرهما، فمن شاء تفصيل القول في ذلك، فليرجع إِلى كتبهما، ففيها الشفاء والكفاية -إِن شاء الله تعالى-». انتهى. قال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- عقب حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- بحذف وتصرّف يسير-: "وهذا الحديث أصل جليل من أصول التشريع في الطلاق والبحث فيه من مزالق الأقدام، فإِنه يصادم كثيرًا مما يذهب إِليه جمهور العلماء وعامة الدّهماء في الطلاق. وقديمًا كان موضع نزاع وخلاف واضطراب، ولشيخ الإِسلام ابن تيمية ثمّ تلميذه الإِمام ابن القيّم الباعُ الطويل في شرحه والكلام عليه، ونصرة القول بوقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة فقط، كما هو معروف مشهور. وأول ما نبحث فيه أن نحدد موضع الخلاف بين القائلين بوقوع الطلقات الثلاث مجموعة وبين القائلين وقوعها طلقة واحدة. فالذي يظنه كل الناس، والذي يفهم من أقوال جمهور من تعرضوا لهذا البحث من العلماء: أنهم يريدون بالطلاق الثلاث لفظ (طالق ثلاثًا) وما في معناه، أي: لفظ الطلاق موصوفًا بعدد لفظًا أو إِشارة أو نحو ذلك. ويعتبرون أنَّ الخلاف بين المتقدمين في وقوع الطلاق الثلاث أو عدم وقوعه؛ إِنما هو في هذه الكلمة وما في معناها، بل ويحملون كل ما ورد في الأحاديث والأخبار من التعبير عن إِيقاع طلقات ثلاث على أنه قول المطلِّق: (طالق ثلاثًا). وكل هذا خطأ صرف، وانتقال نظر غريب، وقلبٌ للأوضاع العربية في الكلام، وعدول عن استعمالٍ صحيحٍ مفهومٍ إِلى استعمال باطل غير مفهوم. ثمّ تغالوا في ذلك حتى قال قائلهم: إِذا خاطب أمرأته بلفظ من ألفاظ الطلاق، كقوله: أنت طالق أو بائن أو بَتّةٌ أو ما أشبهها ونوى طلقتين أو ثلاثًا وقع، فجعلوا النية تقوم مقام العدد اللفظي. ووجه الخطأ في ذلك: أن العقود كالبيع والنكاح، والفسوخ كالإِقالة والطلاق: حقائق معنوية، لا وجود لها في الخارج إِلا بإِيجادها بالدلالة عليها بالألفاظ التي وُضِعت لها، في العرف اللغوي في الجاهلية، ثمّ العرف الشرعي في الإِسلام، كقوله: بعت ونكحت وأقَلْت وطلّقْت. فهذه الحقائق توجد عند النطق بالألفاظ الموضوعة لها بشروطها، فقول القائل. أنت طالق يوجد به حين القول حقيقة معنوية (واقعيَّة: هي الطَّلاق، أو هي فسخٌ وإنْهاءٌ لعقد الزَّواج الذي بينهما) بصفة خاصة لها أحكام معينة، ووصفُهُ بعد ذلك هذا الفعل بالعدد (مرتين) أو (ثلاثًا) وصْفٌ باطل غير صحيح، وهو لغو من القول، إِذ إنَّ قوله: (ثلاثًا) -مثلًا- صفة لمفعول مطلق محذوف، هو مصدر الفعل، وهو (طلاقًا) وهذا المصدر هو الذي تحققت به الحقيقة المعنوية عند النطق بقوله: (أنت طالق)، وتحقُّقُها بهذا المصدر إِنما يكون مرة واحدة ضرورة، ولا تتحقق مرة أخرى إِلا بِنُطق آخر مثل سابقه، أي يقصد به الإِنشاء والإِيجاد (١). وأمَّا وصف المصدر بأنه مرتان أو ثلاث لا تتحقق به حقيقة جديدة، لأن الإِنشاء إِنما يكون في الحال -أعني حال النُّطق- ولا يكون ماضيًا ولا مستقبلًا، والتكرار يستدعي زمنًا آخر للثاني ثمّ الثالث، فلا يكون زمنها كلها حالًا، إِذ أنه محال عقلًا. وهكدا الشأن في نظائره، فلا يسوغ لك أن تقول: (بعت ثلاثًا) على معنى القصد إِلى إِيجاد عقد البيع وإنشائه، وكذلك في الجمل الإِنشائية الصرفة، لا يسوغ أن تقول: (سبحان الله ثلاثًا) -أعني هذه الجملة كما هي --------------------- (١) وقال -رحمه الله- في التعليق: ولذلك قالوا: لو قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإِن نوى إِنشاء الطلاق بكل واحدة كان ثلاث طلقات -عندهم- وإن نوى التأكيد بالجملتين الأخريين وقع واحدة فقط. لأنك تقصد بها إِلى تسبيح الله -تعالى- فاللفظ بها تنزيه وتسبيح مرة واحدة، فصار قولك: (ثلاثًا) لغوًا لا يتسق مع صواب القول في الوجه العربي. وأمّا قول القائل: (اضرب ثلاثًا) فإِنه نوع آخر، وذلك أنه إِنشاء للأمر -بالضرب- مرة واحدة أيضًا، وهو المعنى الوضعي لفعل الأمر، وكلمة (ثلاثًا) وصف أيضًا للمصدر المضمر في الفعل، أعني (ضربًا)، وهو الذي قد يحصل في المستقبل طاعة لمدلول صيغة الإِنشاء، وقد لا يحصل عند العصيان، وليس هو -أي المصدر- مدلول الصيغة؛ لأنه قد لا يحصل إِذا خالف المأمور الأمر فلم يفعل ما أمَره به، مع أن مدلول الصيغة قد تم وتحقق، وهو حصول الأمر من الأمر بخلاف أنواع الإِنشاء -اللفظي أو المعنوي- التي يكون مدلولها حقيقة لا تتحقق ولا توجد إِلا بنفس النطق بها وحده، فلا يمكن تكرار المدلول إِلا بتكرار اللفظ الدال عليه. ونظائر ذلك في الشريعة كثير. فإِنّ الملاعِن أُمِر بأن يقول أربع مرات: (أشهد بالله إِني لمن الصادقين) فلا بد لطاعة الأمر من أن يقول هذه الجملة مرارًا أربعة مكررة في اللفظ. أمّا إِذا قال: (أشهد بالله أربع مرات إِني لمن الصادقين) لكان قوله معدودًا مرة واحدة، وبقي عليه ثلاث. لا أقول: إِن هذا إِجماع -وهو إِجماع فعلًا-؛ ولكن أقول: إِنه بالبداهة التي لا يقبل في العقل غيرها، ولا يتصور أحد سواها. قال ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في «إِعلام الموقعين» (٣/ ٢٧) -بعد أنْ ذكَر أن الله -تعالى- جعل الطلاق مرة بعد مرة-: وما كان مرة بعد مرّة لم يملك المكلف إِيقاع مرَّاته جملة واحدة، كاللعان [وذكر الكلام السابق] ولو حَلَف في القسامة وقال: أقسم بالله خمسين يمينًا أنّ هذا قاتِلُه؛ كان ذلك يمينًا واحدة. ولو قال المقِرُّ بالزنى: أنا أقر أربع مرات أني زنيت؛ كان مرة واحدة، فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إِلا إِقرارًا واحدًا (١). وقال النّبيّ - ﷺ -: «من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطّت عنه خطاياه وإن كانت مِثل زبد البحر (٢)». فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة ... وكذلك قوله: «من قال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير في يوم مائة مرة ... وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي (٣)». لا يحصل هذا إِلا مرة بعد مرة. وهكذا قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحُلُمَ منكم ثلاث مرات﴾ (٤) وهكذا قوله في الحديث: «الاستئذان ثلاث مرّات فإِن أُذن لك وإلا فارجع» لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا؛ كانت مرة واحدة، حتى يستأذن مرة بعد مرة (٥). ... [إِنَّ] قول القائل: «أنت طالق ثلاثًا» ونحوه -أعني إِيقاع الطلاق ----------------------- (١) وتقدّم هذا في الطلاق السنّي والبدعي. (٢) أخرجه البخاري: ٦٤٠٥، ومسلم: ٢٦٩١. (٣) أخرجه البخاري: ٣٢٩٣، ومسلم: ٢٦٩١. (٤) النور: ٥٨. (٥) وانظر ما قاله العلامة ابن القيّم -رحمه الله- في «الزاد» (٥/ ٢٤٤) وذكرته في «الطلاق السني والبدعي». وإنشاءه بلفظ واحد موصوف بعدد- لا يكون في دلالة الألفاظ على المعاني لغة وفي بديهة العقل إلاَّ طلقة واحدة، وأن قوله: (ثلاثًا) في الإِنشاء والإِيقاع، قول محال عقلًا، باطل لغة، فصار لغوًا من الكلام، لا دلالة له على شيء في تركيب الجملة التي وضع فيها، وإنْ دلّ في نفسه على معناه الوضعي دلالة الألفاظ المفردة على معانيها. كما إِذا ألحق المتكلم بأية جملة صحيحة كلمة لا تعلُّق لها بالكلام، فلا تزيد على أن تكون لغوًا باطلًا. [وكذلك] الخلاف بين التابعين فمن بعدهم في الطلاق الثلاث ونحوه، إِنما هو في تكرار الطلاق. أعني: أن يطلق الرجل امرأته مرّة ثمّ يطلقها مرة أخرى ثمّ ثالثة؛ وأعني أيضًا: أن موضوع الخلاف هو: هل المعتدة يلحقها الطلاق؟ أي: إِذا طلقها المرة الأولى فصارت معتدة، ثمّ طلقها طلقةً ثانية في العدة؛ هل تكون طلقة واقعة ويكون قد طلقها طلقتين؛ فإِذا ألحق بهما الثالثة وهي معتدة من الأولى؛ هل تكون طلقة واقعة أيضًا ويكون قد أوقع جميع الطلقات التي له عليها وأبانها وبتّ طلاقها؟ أو أنّ المعتدة لا يلحقها الطلاق؟ فإِذا طلَّقها الطلقة الأولى كانت مطلقة منه، وهي في عدته، لا يملك عليها إلاَّ ما أَذِنه به الله: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١) إِن ندم على الفراق راجعها فأمسكها، وإِنْ أصرّ على الطلاق فليدعْها حتى تنقضي عدتها، ثمّ يسرِّحها بإِحسان من غير مُضارّة، ثمّ هو بالنسبة إليها بعد ذلك إِنْ رغب في عودتها كغيره من الرجال: خاطِبٌ من الخٌطَّاب؟ هذا هو موضع الخلاف على التحقيق، وأمّا كلمة (أنت طالق ثلاثًا) ------------------ (١) البقرة: ٢٢٩. ونحوها فإِنما هي مُحال، وإِنما هي تلاعب بالألفاظ، بل هي تلاعُب بالعقول والأفهام!! ولا يعقل أن تكون موضع خلاف بين الأئمة من التابعين فمن بعدهم. وقال -رحمه الله- (ص ٣٧) في التعليق: «وأما الأحاديث التي تجد فيها أن فلانًا أو رجلًا طلّق زوجته ثلاثًا: فإنما هي إخبار، أي أن الراوى يحكي عن المطلق ويخبر عنه أنه طلق ثلاثًا، فهذا إِخبار صادق، لأنه يحكي عن غيره أو عن نفسه أنه أوقع ثلاث تطليقات إِنشاءً لكل واحدة منها، كما تحكي عن نفسك أو عن غيرك، فتقول: صلى أربع ركعات، وسبح مائة تسبيحة، وهكذا ... (١) انتهى. وبعد: فإِذ قد تحققنا أن التطليق بلفظ: (أنت طالق ثلاثًا) ونحوه إِنما هو تطليق واحد قطعًا، وأنه ليس مما اختلف في وقوعه ثلاثًا أو واحدة: فلنرجع إِلى الخلاف في وقوع الطلاق الثلاث، أو بتعبير أدق: هل يقع طلاق آخر على المعتدة؟ ثمّ ذكَر حديث ابن عباس -رضي الله عنه- في تطليق ركانة بن عبد يزيد -أخي بني مطلب- امرأته ثلاثًا في مجلس واحد. وقد اختلف فى إِسناده ولفظه، وللعلماء فيه أقوال (٢). ---------------------- (١) يريد العلامة أحمد شاكر -رحمه الله - أنه طلّق زوجته ثلاثًا بالشروط المعروفة؛ لا أنه طلّق الثلاث مجموعة مرّة واحدة. (٢) انظر»الفتاوى«(٣٢/ ٣١١) وتفصيل العلاَّمة أحمد شاكر -رحمه الله - في كتابه المشار إِليه (ص ٢٧ - ٣٨) وتخريج شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٠٦٣). [وبعد إِفاضة وتفصيل من شيخنا -رحمه الله- ونقولات كثيرة للعلماء في»الإِرواء«تحت الحديث (٢٠٦٣) ذكَر حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وقال:»... هذا الإِسناد صححه الإِمام أحمد والحاكم والذهبي وحسنه الترمذي في متن آخر تقدّم برقم (١٩٢١)، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في داود بن الحصين وأنه حجة في غير عكرمة، ولولا ذلك لكان إسناد الحديث لذاته قويًا، ولكن ذلك لا يمنع من الاعتبار بحديثه والاستشهاد بمتابعته لبعض بني رافع، فلا أقل من أن يكون الحديث حسنًا بمجموع الطريقين عن عكرمة، ومالَ ابن القيّم إِلى تصحيحه وذكر أن الحاكم رواه في «مستدركه» وقال: إِسناده صحيح، ولم أره في «المستدرك» لا في «الطلاق» منه، ولا في «الفضائل» والله أعلم، وقال ابن تيمية في «الفتاوى» (٣/ ١٨): «وهذا إِسناد جيد». وكلام الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٣١٦) يشعر بإِنه يرجح صحته أيضًا ... «]. وفي»صحيح سنن أبي داود«(١٩٢٢): عن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال:»طلّق عبد يزيد -أبو ركانة وإِخوته- أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النّبيّ - ﷺ - فقالت: ما يُغني عني، إِلا كما تغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرّق بيني وبينه، فأخذت النّبي - ﷺ - حَمِيَّةٌ، فدعا بِركانة وإِخوته، ثمّ قال لجلسائه: أترون فلانًا يشبه منه كذا وكذا -من عبد يزيد-، وفلانًا يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم! قال النّبي - ﷺ - لعبد يزيد: طلقها ففعل، ثمّ قال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته، قال: إِني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها وتلا: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلقوهنّ لعدتهنّ﴾ ". قال أبو داود: وحديث نافع بن عجير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده: أن ركانة طلق امرأته البتة فردها إِليه النّبيّ - ﷺ -: أصح؛ لأن ولد الرجل وأهله أعلم به: إِنّ ركانة إِنما طلق امرأته البتة فجعلها النّبيّ - ﷺ - واحدة». انتهى. واستأنف العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- كلامه قائلًا: «وقال ابن عباس أيضًا: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إِنّ النّاس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم» (١). وفي رواية في «صحيح مسلم» (١٤٧٢) عن طاوس: «أنّ أبا الصّهباء قال لابن عباس: هات من هَناتِك (٢)، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلمّا كان في عهد عمر تتايع (٣) النّاس في الطلاق فأجازه عليهم». وفي رواية «لمسلم» (١٤٧٢) أيضًا عن طاوس: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: «أتعلم أنما كانت الثلاث تُجعل واحدة على عهد النّبيّ - ﷺ - وأبي بكر وثلاثًا من إِمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم». ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٧٢. وتقدَّم. (٢) هَناتِك أي: أخبارك وأمورك المستغربة. «نووي». (٣) بالياء المثناة التحتية قبل العين، كما نص عليه النووي في «شرح مسلم»، وهو بمعنى «تتابع» بالباء الموحدة، ولكنه بالمثناة إنما يستعمل في الشر فقط، قال النووي: (وهو بالمثناة أجود). وفي رواية في «المستدرك» للحاكم (٢/ ١٩٦) عن ابن أبي مليكة أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن ثلاثًا كن يُرْدَدْنَ على عهد رسول الله - ﷺ - إِلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد. وفي إِسناده عبد الله بن المؤمل، تَكلَّم فيه بعضهم، والحق أنه ثقة. وفي رواية عند الطحاوي في «معاني الآثار» (٢/ ٣٢) بإِسناد صحيح من طريق طاوس، قال ابن عباس: «فلما كان زمان عمر -رضي الله عنه- قال: أيها الناس، قد كانت لكم في الطلاق أناة، وإنه من تعجّل أناة الله في الطلاق ألزمناه إِياه». فهذه الأحاديث تدل على أن إِيقاع طلقات ثلاث في مجلس واحد أو مجالس متعددة كان يُرَدُّ في عهد رسول الله - ﷺ - إِلى طلقة واحدة ... وهي موافقة لنظم القرآن ورسْمه في الطلاق. لأن الله -سبحانه وتعالى- شرع في طلاق غير المدخول بها أنها تبين بنفس الطلاق وليس للمطلق عليها عدة تعتدها، فبمجرد أن نطق بالطلاق وأنشأه بانت منه، فلا يمكنه أن يكرر طلاقها مرة أخرى إِلا أن يتزوجها بعقد جديد. وشرع في طلاق المدخول بها أنها تطلق مرتين، وفي كل مرة إما إِمساك بمعروف وإِمّا تسريح بإِحسان، ثمّ تبين منه في الثالثة، وعليها العدة، ولا يجوز له أن يراجعها فيتزوجها إِلا بعد زوج آخر. وقد قال حُجّة الإِسلام الجصاص في «أحكام القرآن» (١/ ٣٨٠): "إِن الله -تعالى- لم يُبحِ الطلاق ابتداءً لمن تجب عليها العدة إِلا مقرونًا بِذكر الرجعة. منها قوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان فإِمساك بمعروف﴾ (١) وقوله -تعالى-: ------------------- (١) البقرة: ٢٢٩. ﴿والمُطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو سرّحوهنّ بمعروف﴾ (٢) أي: فارقوهن بمعروف. فلم يبح الطلاق المبتدأ لذوات العدد إِلا مقرونًا بذكر الرجعة. وليس المقصود من الطلاق اللعب واللهو، حتى يزعم الرجل لنفسه أنه يملك الطلاق كما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، وأنه إِن شاء أبان المرأة بتة، وإنْ شاء جعلها معتدة يملك عليها الرجعة. كلا ثمّ كلا، بل هو تشريع منظم دقيق من لدنْ حكيم عليم شرَعَه الله لعباده ترفيهًا لهم ورحمة بهم، وعلاجًا شافيًا لما يكون في الأسرة بين الزوجين من شقاق وضِرار، ورسَم قواعده وحدَّ حدوده بميزان العدالة الصحيحة التامّة ونهى عن تجاوُزِها، وتَوعّد على ذلك. ولهذا تجد في آيات الطلاق تكرار ذِكر حدود الله، والنهي عن تعدِّيها وعن المضارة: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣) ﴿وتلك حدود الله يبيّنها لقوم يعلمون﴾ (٤) ﴿ولا تمسكوهنّ ضرارًا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ------------------- (١) البقرة: ٢٢٨. (٢) البقرة: ٢٣١. (٣) البقرة: ٢٢٩. (٤) البقرة: ٢٣٠. هُزُوًا﴾ (١) ﴿واعلموا أنّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾ (٢) ...». انتهى (٣). وسألت شيخنا -رحمه الله- عمَّن طلَّق أكثر من طلقة في عدَّة واحدة فأجاب: إِذا جمع الثَّلاث في عدَّة واحدة فإِنَّها تحسب طلقة واحدة، ثمَّ قال -رحمه الله-: لا يجوز جمع الثَّلاث في عدَّة واحدة. وقال شيخنا -رحمه الله- في «السلسلة الضعيفة» (٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣) تحت الحديث (١١٣٤) بعد أن ساق حديث مسلم: «كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ابن الخطاب: إِنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم». وهو نص لا يقبل الجدل على أن هذا الطلاق حُكْم مُحكَمٌ ثابت غير منسوخ لجريان العمل عليه بعد وفاته - ﷺ - في خلافة أبي بكر، وأول خلافة عمر، ولأن عمر -رضي الله عنه- لم يخالفه بنص آخر عنده بل باجتهاد منه ولذلك تردَّد قليلًا أوّل الأمر في مخالفته كما يشعر بذلك قوله: «إِن الناس قد استعجلوا ... فلو أمضيناه عليهم ..»، فهل يجوز للحاكم مثل هذا التساؤل --------------------- (١) البقرة: ٢٣١. (٢) البقرة: ٢٣٥. (٣) وانظر للمزيد -إِن شئت- «الروضة الندية» (أقوال العلماء في وقوع الطلاق الثلاث في مجلس واحد) ففيه كلام قويّ وكتاب «الاستئناس» (ص ٣٩) للعلامة القاسمي -رحمه الله- بعنوان (من ذهب إِلى أنّ جمْع الثلاث جملةً يحسب طلقة). والتردد لو كان عنده نص بذلك؟! وأيضًا، فإِن قوله: «قد استعجلوا» يدل على أن الاستعجال حدث بعد أن لم يكن، فرأى الخليفة الراشد أن يمضيه عليهم ثلاثًا من باب التعزير لهم والتأديب، فهل يجوز مع هذا كله أن يترك الحكم المحكم الذي أجمع عليه المسلمون في خلافة أبي بكر وأول خلافة عمر، من أجل رأيٍ بدا لعمر واجتهد فيه، فيؤخذ باجتهاده، ويترك حكمه الذي حكم هو به أول خلافته تبعًا لرسول الله - ﷺ - وأبي بكر؟! اللهم إِن هذا لمن عجائب ما وقع في الفقه الإِسلامي، فرجوعًا إِلى السنة المحكمة أيها العلماء، لا سيما وقد كثرت حوادث الطلاق في هذا الزمن كثرة مدهشة تنذر بِشرٍّ مستطير تصاب به مئات العائلات. وأنَا حين أكتب هذا أعلم أن بعض البلاد الإِسلامية كمصر وسوريا قد أدخَلت هذا الحكم في محاكمها الشرعية، ولكن من المؤسف أن أقول: إِن الذين أدخلوا ذلك من الفقهاء القانونيين لم يكن ذلك منهم بدافع إِحياء السنة، وإِنما تقليدًا منهم لرأي ابن تيميَّة -رحمه الله- الموافق لهذا الحديث، أي إِنهم أخذوا برأيه لا لأنه مدعم بالحديث، بل لأن المصلحة اقتضت الأخذ به زعموا، ولذلك فإِنَّ جلّ هؤلاء الفقهاء لا يُدَعِّمون أقوالهم واختياراتهم التي يختارونها اليوم بالسنة، لأنهم لا عِلم لهم بها، بل قد استغنوا عن ذلك بالاعتماد على آرائهم، التي بها يحكمون، وإليها يرجعون في تقدير المصلحة التي بها يستجيزون لأنفسهم أن يغيروا الحكم الذي كانوا بالأمس القريب به يدينون الله -تعالى- كمسألة الطلاق هذه. فالذي أودُّه أنهم إِن غيَّروا حُكمًا أو تركوا مذهبًا إِلى مذهب آخر، أن يكون ذلك اتباعًا منهم للسنة، وأن لا يكون ذلك قاصرًا على الأحكام القانونية والأحوال الشخصية، بل يجب أن يتعدوا ذلك إِلى عباداتهم ومعاملاتهم الخاصة بهم، فلعلهم يفعلون» انتهى. والخلاصة أنّ الثلاث تقع واحدة إِذْ خَيرُ الهدي هدي محمد - ﷺ - وهو عَمَلٌ بمقتضى قوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ والنية لا تقوم مقام العدد اللفظي. وكما أنه لا يجزئ قول المرء: «سبحان الله وبحمده مائة مرة» -هكذا- للحصول على ثواب من يقول: «سبحان الله وبحمده» مرّة بعد مرّة؛ مِن حطِّ الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر؛ فإِنه لا يجزئ قول المرء: طالق ثلاثًا جملة واحدة، ولا يكون إِلا مرّة بعد مرَّة، على النحو الذي بيّن الله -تعالى- في كتابه ورسوله - ﷺ - في سُنّته، وأنّ إِيقاع الثلاث وإمضاءَه؛ إِنّما هو تسوية بين المدخول بها وغير المدخول، وتجاوز للأحكام التي وضعها الحكيم العليم الرحمن الرحيم. وما ورَد عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- إِنما هو اجتهادٌ؛ كيلا تفشو هذه الألفاظ في النّاس وتشيع فيهم، والله -تعالى- أعلم. الإِشهاد على الطَّلاق: قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنّ وأحصوا العِدَّة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ولا يخرجن إِلا أن يأتين بفاحشة مُبيِّنة وتلك حدود الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرًا * فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروفٍ أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتَّق الله يجعل له مخرجًا﴾ (١). وقد اختلف العلماء في معنى الإِشهاد في قوله -سبحانه-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدْلٍ منكم﴾ أهو على الطلاق أم الرجعة أم عليهما معًا، وهذا له أثره الخلافي في المسألة. جاء في «صحيح البخاري» (٢) باب قول الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنّ وأحصوا العدة﴾ أحصيناه: حفظناه وعددناه، وطلاق السّنّة أن يُطلقها طاهرًا من غير جماع، ويشهد شاهدين. قال الحافظ -رحمه الله-: «قوله: ويُشهد شاهدين: مأخوذ من قوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وهو واضح، وكأنه لمح بما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال:»كان نفر من المهاجرين يطلقون لغير عدة ويراجعون بغير شهود فنزلت«. جاء في كتاب»الجامع في أحكام الطلاق«(٣):»... [أخرج] ابن جرير الطبري في «تفسيره» (٢٨/ ٨٨) من طريق أبي صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس (٤) قال: إِن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين ------------------------ (١) الطلاق: ١ - ٢. (٢) انظر «كتاب الطلاق» (باب - ١). (٣) لعمرو عبد المنعم سليم -حفظه الله تعالى- (ص ١٥٢). (٤) قلت: وقد تُكُلِّم كثيرًا في رواية (علي بن أبي طلحهّ) عن (ابن عباس)، وأنه = كما قال الله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ عند الطلاق وعند المراجعة. --------------------- = لم يسمع منه، بيْد أن في الأمر تفصيلًا، فقد قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في كتاب «العجاب في بيان الأسباب» (١/ ٢٠٣): «والذين اشتهر عنهم القول في ذلك [أي: تفسير القرآن العظيم] من التابعين: أصحاب ابن عبّاس -رضي الله عنهما- ثقات وضعفاء فمن الثقات: ١ - مجاهد بن جبر. ٢ - ومنهم عكرمة. ٣ - ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- وعليّ صدوق لم يلْقَ ابن عبّاس، لكنّه حَمَل عن ثقاتِ أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النُّسخة. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: قال أبو جعفر النحاس في كتاب»معاني القرآن«له بعد أن ساق رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تأويل الآية -: هذا من أحسن ما قيل في تأويل الآية وأعلاه وأجلّه، ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إِلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا. انتهى. وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في»صحيحه«هذا كثيرًا على ما بيناه في أماكنه. وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح. انتهى». والحاصل أنّ هذه وجادةٌ اعتمدها الإِمام البخاري وأمثاله من الفحول المذكورين في رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- على نسخة معاوية بن صالح. وهنالك من يفرّق بين ما رواه في الحديث وما رواه في التفسير [انظر ما قاله محقق كتاب «العُجَاب» (١/ ٢٠٦)]. ويزيدنا اطمئنانًا أن تكون رواية عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- = وجاء في «تفسير ابن كثير» -رحمه الله-: «وقوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ أي: على الرجعة إِذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود، وابن ماجه عن عمران بن حصين، أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثمّ يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلقت لغير سُنَّة وراجعت لغير سُنَّة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تَعُد (١). وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا إرجاع إلاَّ شاهدا عدل، كما قال الله -عز وجل- إِلا أن يكون من عذر». وجاء في «تفسير القرطبي» -رحمه الله-: «قوله -تعالى-: ﴿وأشهِدوا﴾ أمرٌ بالإِشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة. والظاهر رجوعه إِلى الرجعة لا إِلى الطلاق، فإِن راجع من غير إِشهاد؛ ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء، وقيل: المعنى: وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعًا. وهذا الإِشهاد مندوب إِليه عند أبي حنيفة؛ كقوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا إِذا تبايعتم﴾. وعند الشافعي واجب في الرجعة، مندوب إِليه في الفرقة». ----------------------- = من اختيار ابن جرير أو ابن كثير وأمثالهما -رحم الله الجميع-. وانظر -إِن شئت المزيد- ما قاله الحافظ -رحمه الله- في كتاب «العُجاب في بيان الأسباب» وما أفاده محقّقه: الأستاذ عبد الحكيم محمد الأنيس -حفظه الله تعالى- وقد مضى في بداية القول توثيق الحافظ ابن حجر -رحمه الله- لذلك. والله -تعالى- أعلم. (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩١٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٤٥)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٧٨). وجاء في «تفسير الإِمام البغوي» -رحمه الله تعالى-: «﴿وأشهدوا﴾ على الرجعة أو الفراق، أمر بالإِشهاد على الرجعة وعلى الطلاق ...». وقال العلامة السعدي -رحمه الله في «تفسيره»: «﴿وأشهدوا﴾ على طلاقها ورجعتها ﴿ذوي عدل منكم﴾ أي: رجلين مسلمين عدلين لأن في الإِشهاد المذكور سدًا لباب المخاصمة وكتمان كل منهما ما يلزم بيانه». قال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- في كتاب «نظام الطلاق في الإِسلام» (ص ٨٠) -بحذف-: "والظاهر من سياق الآيتين أنَّ قوله: ﴿وأشهدوا﴾ راجع إِلى الطلاق وإلى الرجعة معًا والأمر للوجوب، لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إِلى غير الوجوب -كالندب- إِلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا تؤيد حمْله على الوجوب: لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل -وهو أحد طرفي العقد- وحده. سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مرارًا، وتترتب عليه حقوق للرجل قِبَلَ المرأة، وحقوق للمرأة قِبَلَ الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإِنكار من أحدهما، فإِشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قِبَلَ الآخر. فمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له، فوقع عمله باطلًا، لا يترتب عليه أي أثر من آثاره. وهذا الذي اخترنا هو قول ابن عباس. فقد روى عنه الطبري في التفسير (٢٨ - ٨٨) قال: إِنْ أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال الله: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾ عند الطلاق وعند المراجعة. ![]()
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 401الى صــ415 الحلقة (139) مُعارض، وهم الترمذي وابن حبّان وابن الجارود والحاكم والذهبي ... (١)». وجاء في «الفتاوى» (٣٤/ ٢٨): «وسُئل -رحمه الله تعالى- عن امرأة معتدة عدة الوفاة؛ ولم تعتدّ في بيتها بل تخرج في ضرورتها الشرعية: فهل يجب عليها إعادة العدّة؟ وهل تأثم بذلك؟ فأجاب: العدّة انقضت بمضي أربعة أشهر وعشر من حين الموت، ولا تقضي العدّة. فإِنْ كانت خرجت لأمر يحتاج إِليه ولم تبِتْ إِلا في منزلها فلا شيء عليها، وإِن كانت قد خرجت لغير حاجة وباتت في غير منزلها لغير حاجة، أو باتت في غير ضرورة، أو تركت الإِحداد: فلتستغفر الله وتتوب إِليه من ذلك، ولا إِعادة عليها». وجاء فيه (ص ٢٩): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل توفي وقعدت زوجته في عدته أربعين يومًا؛ فما قدرت تخالف مرسوم السلطان؛ ثمّ سافرت وحضرت إِلى القاهرة، ولم تتزين لا بطيب ولا غيره، فهل تجوز خطبتها؛ أم لا؟ فأجاب: العدة تنقضي بعد أربعة أشهر وعشرة أيام؛ فإِنْ كان قد بقي من هذه شيء فلتتمه في بيتها، ولا تخرج ليلًا ولا نهارًا إِلا لأمر ضروري؛ وتجتنب الزينة والطيب في بيتها وثيابها، ولتأكل ما شاءت من حلال، وتشم الفاكهة، وتجتمع بمن يجوز لها الاجتماع به في غير العدة؛ لكن إِنْ خطَبها إِنسان لا تجيبه صريحًا، والله أعلم». وفيه (ص ٢٩) أيضًا: "وسئل -رحمه الله تعالى- عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها، فمات زوجها في شعبان: فهل يجوز لها أن تحج؟ --------------------- (١) انظر المصدر المذكور لبقية الأسماء -إِن شئت-. فأجاب: ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إِلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة». انتهى. وفي بعض مجالس شيخنا -رحمه الله- سُئل عن ذهاب امرأة لدرس ديني، وهي في عدَّة الوفاة؟ فأجاب: لا يجوز للمرأة أن تغادر بيت زوجها خلال عدَّتها إِلا للضرورة، وليس هذا من الضَّرورة. وسُئل -رحمه الله- عن ذهابها لصلاة الجماعة؟ فأجاب: لا تخرج للمسجد؛ للجماعة ولا للجمعة. وسُئل -رحمه الله- عن الخروج للمعالجة؟ فأجاب: إِذا اشتدَّ المرض ولم تتمكَّن من إِحضار الطَّبيبة، فلها ذلك. وسئل -رحمه الله-: أين تعتدَّ الزَّوجة؟ فأجاب: في البيت الذي يأتيها خبر وفاة زوجها، وإذا لم يكن هناك محارم؛ تنتقل لبيت زوجها. والخُلاصة: أن المتوفّى عنها زوجها تلزم بيت الزوجية وتعتدّ فيه إِلا لضرورة، والله -تعالى- أعلم. لا يجوز للمعتدَّة الرَّجعية الخروج إِلا بإِذن زوجها: جاء في «السَّيل الجرَّار» (٢/ ٣٨٨): "... وجهُهُ أنَّها لم تنقطع الزَّوجيَّة بينهما، فقد بقي له طرف منها وبقي لها طرف منه، وذلك إِذا تراجعا. ومعلوم أنَّها إِذا كانت باقية لديه غير مطلقة؛ أنَّها لا تخرج إِلا بإِذنه؛ لأنَّها قد تدعو حاجته إِليها وهي خارجة عن البيت، وقد يكون عليه في خروجها ما يلحق به غضاضة أو تعتريه بسببه غيرة. ولهذا صحَّ عن النّبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصّحيحين وغيرهما أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يحلُّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إِلا بإِذنه» فإِذا كان هذا في الصَّوم الذي هو من أعظم القُرَبِ، فكيف بالخروج؟ وإِذا عرَفت هذا؛ عرفتَ أنَّه ينبغي لها في أيَّام عدَّة الرَّجعة أنْ لا تخرج إِلا بِإِذن زوجها؛ لأنَّه إذا كان عازمًا على رجعتها لحقه من الغَضَاضَة والغيرة ما يلحقه عليها قبل طلاقها؛ إِلا أنْ يكون الخروج للحاجة ... «(١). حِداد المُعْتدَّة: *يجوز للمرأة أن تحدّ على قريبها ثلاثة أيام، ويحرم عليها الإِحداد فوق ذلك. أمّا الزوج؛ فيحلّ لها أن تحدّ عليه أربعة أشهر وعشرًا (٢). فعن أمِّ عطية -رضي الله عنها- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: لا تُحدّ امرأة على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا؛ إِلا ثوب عَصْب (٣)، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا؛ إِلا إذا طهرت ------------------ (١) واستدلَّ بالخروج للحاجة بقوله - ﷺ -:»اخرجي فجدِّي نخلك ... «ولا شك أن الخروج للحاجة يرجع تقديره للمرأة؛ بتجرُّد وتقوى. (٢) منها ثلاثة أيامٍ تلزم السَّواد، لقوله - ﷺ - لأسماء بنت عميس:»تسلّبي ثلاثًا ... «انظره وفقهه في»الصّحيحة" (٣٢٢٦). (٣) العَصْب -بعين مفتوحة ثمّ صاد ساكنة مهملتين-: هو برود اليمن، يُعْصَبُ غزْلها ثمّ يُصبَغ معصوبًا، ثمّ تنسج. ومعنى الحديث: النهي عن جميع الثياب المصبوغة للزينة؛ = نُبذة (١) من قُسْط (٢) أو أظفار (٣) «(٤). وعن زينب ابنة أبي سلمة قالت:»لَمّا جاء نعي أبي سفيان من الشام؛ دعت أمّ حبيبة -رضي الله عنها- بصُفرة (٥) في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها (٦) وذراعيها، وقالت: إِني كنتُ عن هذا لغنيَّة؛ لولا أنّي سمعت النّبي - ﷺ - يقول: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ فإِنّها تُحدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا» (٧) * (٨). -------------- = إِلا ثوب العصب. «شرح النووي». (١) النُّبذة: القطعة والشيء اليسير. «شرح النووي» أيضًا. (٢) القُسط: ضرْبٌ من الطّيب، وفيل: هو العود، والقُسط: عقار معروف في الأدوية طيّب الريح؛ تبخّر به النّفساء والأطفال، وهو أشبه بالحديث؛ لإضافته إلى الأظفار. «النهاية». (٣) الأظفار: جنس من الطيب، والقطعة منه شبيهة بالظُّفر. «النهاية» بحذف. قال النووي -رحمه الله-: «القُسط والأظفار: نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب، رُخّص فيه للمغتسلة من الحيض؛ لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم لا للتطيُّب. والله -تعالى- أعلم». (٤) أخرجه البخاري: ٥٣٤٢، ومسلم: ٩٣٨. (٥) الصُّفرة -في الأصل-: لونٌ أصفر. والمراد هاهنا: نوع من الطّيب فيه صُفرة. قاله العيني في «عمدة القاري». (٦) العارض: جانب الوجه وصفحة الخدّ. (٧) أخرجه البخاري: ١٢٨٠، وتقدّم نحوه. (٨) ما بين نجمتين تقدّم في كتابي «الموسوعة» في (الجنائز) (٤/ ٦٠). فائدة: جاء في «الفتاوى» (٣٤/ ٢٧): «المعتدَّة عدَّة الوفاة تتربَّص أربعة أشهرٍ وعشرًا، وتجتنب الزِّينة والطِّيب في بدنها وثيابها، ولا تتزيَّن، ولا تتطيَّب، ولا تلبس لباس الزِّينة، وتلزم منزلها فلا تخرج بالنَّهار إِلا لحاجة، ولا بالليل إِلا لضرورة، ويجوز لها أنْ تأكل كلّ ما أباحه الله: كالفاكهة واللحم: لحم الذَّكر والأنثى، ولها أكْل ذلك باتِّفاق علماء المسلمين، وكذلك شُرْب ما يُباح من الأشربة ويجوز لها أنْ تلبس ثياب القطن والكتَّان، وغير ذلك مما أباحه الله، وليس عليها أنْ تصنع ثيابًا بيضاء أو غير بيض للعدَّة، بل يجوز لها لبس المقفص (١)؛ لكن لا تلبس ما تتزيَّن به المرأة: مثل الأحمر، والأصفر، والأخضر الصّافي، والأزرق الصَّافي، ونحو ذلك ولا تلبس الحُلِي مِثل الأسورة، والخلاخل، والقلائد، ولا تختضب بحنَّاء ولا غيره؛ ولا يحرم عليها عمل شُغلٍ من الأشغال المباحة: مثل التَّطريز، والخياطة، والغَزْل، وغير ذلك مما تفعله النِّساء. ويجوز لها سائر ما يُباح لها في غير العِدَّة: مثل كلام من تحتاج إِلى كلامه من الرِّجال إِذا كانت مُستترة، وغير ذلك. وهذا الذي ذكرته هو سُنَّة رسول الله - ﷺ - الذي كان يفعله نساء الصَّحابة إِذا مات أزواجهنّ (ونساؤه - ﷺ -) ...». والله أعلم. ماذا إِذا نكحت المرأة في عدَّتها إِذا نكحت المرأة في عدَّتها؛ فإِنَّه يُفَرَّق بينهما، ولها الصَّداق بما استحلّ من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدَّة الأوَّل وتعتدّ من الآخر، وذلك لأثر ---------------- (١) أي المخطَّط. سليمان بن يسار: أنَّ طليحة الأسديَّة كانت تحت رشيد الثَّقفي، فطلَّقها، فنَكَحت في عدَّتها، فضربها عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه-، وضرب زوجها بالمِخفقة (١) ضربات، وفرَّق بينهما، ثمَّ قال عمر بن الخطَّاب: «أيّما امرأة نكحَت في عدّتها، فإِن كان زوجها الذي تزوَّجها لم يدخل بها، فرِّق بينهما، ثمّ اعتدَّت بقيَّة عدَّتها من زوجها الأوَّل، ثمَّ كان الآخر خاطبًا من الخطَّاب، وإن كان دخل بها، فرَّق بينهما، ثمَّ اعتدَّت بقيَّة عدَّتها من الأوَّل ثمَّ اعتدَّت من الآخر، ثمَّ لا يجتمعان أبدًا؟ قال سعيد: ولها مهرها بما استحلَّ منها» (٢). نَفَقَة المُعْتَدَّة إِذا كانت عدّة المرأة رجعية فإِنها تجب لها السكنى والنفقة لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس -رضي الله عنها-: «إِنّما النفقة والسُّكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها الرجعة» (٣). وإذا كانت مبتوتة فلا نفقة لها ولا سُكْنى (٤)، كما في حديث فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- المتقدم، وفي رواية عنها: «أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب. فأرسل إِليها وكيله بشعير. فسخطته، فقال: والله! ما لكِ ------------------- (١) المِخفقة: الدِّرّة، وهي التي يُضرب بها. (٢) أخرجه مالك في»الموطَّأ«وصحَّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٢١٢٤). (٣) أخرجه أحمد والنسائي»صحيح سنن النسائى«(٣١٨٦) وغيرهما، وانظر»الصحيحة«(١٧١١). (٤) وانظر -إِن شئت المزيد- ما جاء في»تهذيب السنن«لابن القيّم -رحمه الله- مع»عون المعبود" (٦/ ٢٧٧). علينا من شيء. فجاءت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له. فقال: «ليس لكِ عليه نفقة» (١). وفي رواية: «لا نفقة لك ولا سُكنى» (٢). أمَّا قوله -تعالى-: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم مِن وُجْدِكم﴾ (٣) فهذا سياقه في الرجعيَّة، كما ذكَر ابن القيّم -رحمه الله- في «تهذيب السنن» (٤). ولا نفقة للمبتوتة إِلا أن تكون حامِلًا؛ لقوله - ﷺ -: «لا نفقة لك؛ إِلا أن تكوني حاملًا» (٥). ولا نفقة للمعتدة من وفاة إِلا أنْ تكون حاملًا كذلك. جاء في «الروضة» (٢/ ١٦٥): «... ولا في عدّة الوفاة؛ فلا نفقة ولا سُكنى إِلا أن تكونا حاملتين؛ لعدم وجود دليلٍ يدلّ على ذلك في غير الحامل، ولا سيّما بعد قوله -صلى الله عديه وآله وسلم-:»إِنما النفقة والسُّكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها الرجعة، فإِذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى«(٦). -------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٨٠. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٠. (٣) الطلاق: ٦. (٤) انظر التفصيل في»العون«(٦/ ٢٧٨). (٥) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، ورواه مسلم بمعناه، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء": (٢١٦٠). (٦) تقدم تخريجه قبل سطور. وفيه (ص ١٦٦):»ويؤيده أيضًا تعليل الآية المتقدمة بقوله -تعالى-: ﴿لا تدري لعلّ الله يُحدِثُ بعد ذلك أمرًا﴾ (١) وهو الرجعة، ولم يبق في عدة الوفاة ذلك الأمر. ويفيده أيضًا مفهوم الشرط في قوله -تعالى-: ﴿وإنْ كنّ أولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتّى يضعن حملهنّ﴾ (٢) وهي أيضًا تدل على وجوب النفقة للحامل سواء كانت في عدة الرجعي، أو البائن، أو الوفاة، وكذلك يدل على ذلك قوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس: «لا نفقة لكِ إلاَّ أن تكوني حاملًا» (٣). وقال في الصفحة نفسها: «وينبغي أن يُقيَّد عدم وجوب السكنى لمن في عدة الوفاة؛ بما تقدّم في وجوب اعتدادها في البيت الذي بلَغها موت زوجها وهي فيه، فإِنَّ ذلك يفيد أنها إِذا كانت في بيت الزوج؛ بقيت فيه حتى تنقضي العدة؛ ويكون ذلك جمعًا بين الأدلة؛ من باب تقييد المطلق، أو تخصيص العام فلا إِشكال». وفيه (ص ١٦٧): «الحقُّ أنّ المتوفى عنها زوجها لا تستحق في عدة الوفاة لا نفقة، ولا سكنى، سواء كانت حاملًا أو حائلًا؛ لزوال سبب النفقة بالموت، واختصاص آية السكنى بالمطلَّقة رجعيًا، واختصاص آية إِنفاق الحامل بالمطلَّقة ... فإِذا مات وهي في بيته اعتدت فيه لا لأنَّ لها السُّكنى؛ بل لوجوب الاعتداد عليها في البيت الذي مات وهي فيه». -------------------- (١) الطلاق: ١. (٢) الطلاق: ٦. (٣) تقدَّم قبل سطور. وقال -رحمه الله- (ص ١٦٧) أيضًا: «فتقرر بمجموع ما ذُكِر أن المتوفّى عنها مطلقًا؛ كالمطلقة بائنًا، إِذا لم تكن المطلقة بائنًا حاملًا في عدم وجوب النفقة والسكنى، فإِنْ كانت المطلقة بائنًا حاملًا؛ فلها النفقة ولا سُكنى لها. وأمّا المطلقة الرجعية فلها النفقة والسكنى سواء كانت حاملًا أو حائلًا. وأمّا المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها؛ فالنفقة ساقطة بلا ريب، وكذلك السكنى، والمتعة المذكورة لها في القرآن هي عِوَض عن المهر. والملاعِنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها إِنْ كانت المطلقة بائنًا كانت مثلها في ذلك، وإن كانت المتوفى عنها زوجها فكذلك ...». الحضانة الحِضانة تعريفها: الحِضانة: -بكسْر الحاء المهملة- مصدر من حضن الصبي حضنًا وحضانة: جَعَلَه في حضنه، أو ربّاه فاحتضنه، والحِضْن -بكسر الحاء- هو ما دون الإِبط إِلى الكشح (١) والصدر: أو العضدان وما بينهما، وجانب الشيء أو ناحيته؛ كما في «القاموس». وفي الشرع: حِفظ من لا يستقل بأمره وتربيته ووقايته عمَّا يهلكه أو يضره (٢). الحِضانة حقٌّ مشترك (٣): الحِضانة حقٌّ للصغير، لاحتياجه إِلى مَن يرعاه، ويحفظه، ويقوم على شؤونه، ويتولى تربيته، ولأمِّه الحقّ في احتضانه كذلك، لقول الرسول - ﷺ -: «أنت أحقُّ به» (٤). وإذا كانت الحِضانة حقًَّا للصغير، فإِن الأمّ تُجبر عليها إذا تعيَّنَت، بأن يحتاج الطفل إِليها، ولم يوجد غيرها، كيلا يضيع حقّه في التربية والتأديب، فإِن لم تتعين الحضانة، بأن كان للطفل جدّة، ورضيت بإِمساكه، وامتنعت الأمّ، فإِنَّ حقّها في الحضانة يسقط بإِسقاطها إِياه، لأن الحضانة حقٌّ لها. ---------------------- (١) وهو ما بين الخاصرة والضُّلوع. (٢) انظر «سبل السلام» (٣/ ٤٢٩). (٣) عن «فقه السنّة» (٣/ ١٠٦). (٤) جزء من الحديث الآتي تخريجه إِن شاء الله -تعالى-. الأولى بحضانة الطفل أُمّه ما لم تنكح: الأولى بالطفل أمُّه ما لم تنكح؛ فعن عبد الله بن عمرو «أنّ امرأة قالت: يا رسول الله إِنّ ابني هذا كان بطني له وعاءً وثديي له سقاءً، وحِجري (١) له حواءً (٢)، وإنّ أباه طلَّقني، وأراد أن ينتزعه منّي. فقال لها رسول الله - ﷺ -: أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي» (٣). وجاء في «الرّوضة» (٢/ ١٨٣): «وقد وقع الإِجماع على أنّ الأمّ أولى بالطّفل من الأب. وحكى ابن المنذر الإِجماع:»على أن حقّها يبطل بالنّكاح، وقد رُوي عن عثمان أنّه لا يبطل بالنّكاح؛ وإليه ذَهَب الحسن البصري، وابن حزم، واحتجّوا ببقاء ابن أمّ سلمة في كفالتها بعد أن تزوّجت بالنّبي - ﷺ -. ويجاب عن ذلك؛ بأنّ مجرَّد البقاء مع عدم المنازع لا يُحتجُّ به؛ لاحتمال أنّه لم يبق له قريب غيرها ...«. وانظر للمزيد من الفائدة -إن شئت- ما جاء في»الصّحيحة«تحت الحديث (٣٦٨). حضانة الأب: وفي الحديث المتقدّم:»... وإنّ أباه طلّقني، وأراد أن ينتزعه منّي، فقال --------------------- (١) أي حضني. (٢) أي يضمّه ويجمعه. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٩١) وحسَّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢١٨٧). لها رسول الله - ﷺ -: أنت أحقُّ به ما لم تنكحي» دليل على حضانة الأب بعد الأم. إِذا بلغ الصّبي سنَّ التمييز خُيِّر بين أبويه: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ امرأة جاءت رسول الله - ﷺ -، فقالت: فداك أبي وأمّي، إِنّ زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نَفَعَني وسقاني من بئر أبي عِنبة (١) فجاء زوجها وقال: من يخاصمني في ابني؟ فقال: يا غلام! هذا أبوك، وهذه أمّك، فخذ بيد أيّهما شِئتَ. فأخَذ بيد أمّه، فانطلقَت به» (٢). قال الخطّابي في «المعالم»: هذا في الغلام الذي قد عقل واستغنى عن الحضانة، وإذا كان كذلك؛ خُيِّرَ بين والديه (٣). وقال شيخنا -رحمه الله- في التعليق على «الرّوضة» (٢/ ٣٣٨) في التخيير: «وينبغي أن لا يكون هذا على إِطلاقه، بل يقيّد بما إِذا حصلت به مصلحة الولد؛ وإلا فلا يلتفت إِلى اختيار الصّبي، لأنه ضعيف العقل، وتفصيل هذا في الزاد» انتهى. وإِليك -يرحمني الله وإيّاك- كلام ابن القيّم الذي أشار إِليه شيخنا ------------------- (١) أي: أظهرت حاجتها إلى الولد، ولعلَّ محمل الحديث بعد مدّة الحضانة مع ظهور حاجة الأمِّ إلى الولد، واستغناء الأب عنه، مع عدم إِرادته إِصلاح الولد، قاله السندي كما في «عون المعبود» (٦/ ٢٦٦). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٩٢)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٠٩٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٩٠٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢٧١)، واللفظ له. وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٩٩٢). (٣) انظر «عون المعبود» (٦/ ٢٦٦). -رحمهما الله تعالى- في «زاد المعاد/ (٤/ ٤٧٥):»فمن قدّمناه بتخيير أو قرعة أو بنفسه، فإِنما نقدِّمه إِذا حصَلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأمُّ أصون من الأب وأغير منه قُدّمت عليه، ولا التفات إِلى قُرعة ولا اختيار الصّبي في هذه الحالة، فإِنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإِذا اختار من يساعده على ذلك، لم يُلتَفت إِلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له وأخير، ولا تحتمل الشريعة غير هذا، والنبي - ﷺ - قد قال: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (١) والله -تعالى- يقول: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا قُوا أَنْفسَكُمْ وأهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ﴾ (٢). وقال الحسن: علِّموهم وأدِّبوهم وفقِّهوهم، فإِذا كانت الأمُّ تتركه في المكتب، وتُعلِّمه القرآن، والصّبيّ يُؤْثِر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، فإِنها أحقّ به بلا تخيير، ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى أخلّ أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصّبيّ وعطّله، والآخر مُراعٍ له، فهو أحقّ وأولى به. وسمعت شيخنا -رحمه الله- يقول: تنازع أبوان صبيًّا عند بعض الحكّام، فخيّره بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمّه: سله لأي شيء يختار أباه، فسألَه، فقال: أمّي تبعثني كلّ يوم للكتاب، والفقيه يضربني، وأبي يتركني للّعب مع الصبيان، فقضى به للأمّ. قال: أنت أحقُّ به. قال شيخنا: «وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي، وأمْره الذي أوجبه الله ----------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٦٦)، وغيرهم وانظر»الإِرواء" (٢٤٧). (٢) التحريم: ٦. ![]()
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 136الى صــ150 الحلقة (122) وجاء في تبويب «سنن ابن ماجه»: (باب نكاح الصغار يزوّجهن غير الآباء). وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩): «وسئل -رحمه الله- عن وجل له بنت، وهي دون البلوغ، فزوَّجوها في غَيبة أبيها، ولم يكن لها ولي؛ وجعلوا أن أباها توفي -وهو حي- وشهدوا أن خالها أخوها؛ فهل يصح العقد أم لا؟ فأجاب: إِذا شهد وا أن خالها أخوها؛ فهذه شهادة زور، ولا يصير الخال وليًا بذلك؛ بل هذه قد تزوّجت بغير ولي، فيكون نكاحها باطلًا عند أكثر العلماء والفقهاء، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وللأب أن يجدده، ومن شهد أن خالها أخوها وأن أباها مات؛ فهو شاهد زور، يجب تعزيره، ويعزر الخال، وإِن كان دخل بها فلها المهر، ويجوز أن يزوجها الأب في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه، والله أعلم». السلطانُ وليُّ من لا ولي له: إذا لم يكن للمرأة وليّ؛ فوليّها السلطان. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-، فإِنْ دخَل بها، فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليّ له» (١). وقال الإِمام البخاري -رحمه الله-: (باب السلطان وليّ؛ لقول النّبيّ - ﷺ - «زوّجناكها بما معك من القرآن») (٢). -------------------- (١) تقدّم تخريجه. (٢) انظر كتاب النّكاح (باب - ٤٠). قال القرطبي -رحمه الله-: «وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه، ولا وليّ لها، فإِنها تُصيِّرُ أمرها إِلى من يوثَق به من جيرانها، فيزوجها ويكون هو وليّها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بد لهم من التزويج، وإِنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن. وعلى هذا، قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إِنه يزوجها مَن تُسند أمرها إِليه؛ لأنها ممن تضعُف عن السلطان، فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت في الجملة إِلى أن المسلمين أولياؤها» (١). وجاء في «المحلّى» (١١/ ٣٠): «وصح عن ابن سيرين في امرأة لا ولي لها، فولت رجلًا أمرها، فزوّجها، قال ابن سيرين: لا بأس بذلك، المؤمنون بعضهم أولياء بعض». عضْل الوليّ: عضْل المرأة: هو منْعها من التزوّج ظُلمًا. وليس للولي أن يعضل من يلي أمرها دون مسوّغ، أو سبب شرعي، فتقدُّم من يُرضى عن دينه وخُلُقه -حين يدفع مهر المِثل- لا يجوز ردّه، ومن حقّها أن تشكو وليّها إِلى القاضي. قال الله -تعالى-: ﴿وإِذا طلَّقْتُم النَّسَاء فَبَلَغْن أجلهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزواجَهنّ إِذا تراضَوا بينهم بالمعروف﴾ (٢). ---------------- (١) «الجامع لأحكام القرآن» (٣/ ٧٦)، وذَكَرْهُ الشيخ السيد سابق -رحمه الله- في «فقه السنة» (٢/ ٤٥٩). (٢) البقرة: ٢٣٢. وقد نزلت هذه الآية في معقل بن يسار -كما تقدّم-. فعن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزَلَت فيه قال: «زوجْتُ أختًا لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدّتها جاء يخطُبُها، فقلت له: زوجْتُك وأفرشتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئت تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبدًا! وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزوجها إِيّاه» (١). جاء في «المحلّى» (١١/ ٦١) تحت المسألة (١٨٤١): «ولا يكون الكافر وليًّا للمسلمة، ولا المسلم وليًّا للكافرة، الأب وغيره سواء، والكافر ولي للكافرة التي هي وليّته، يُنكحها من المسلم والكافر. برهان ذلك قول الله -عز وجل- ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ (٣)، وهو قول من حفِظْنا قوله، إِلا ابن وهب صاحب مالك قال: إِن المسلم يكون وليًا لابنته الكافرة في إِنكاحها من المسلم أو من الكافر! وهذا خطأ لما ذكرنا. وبالله -تعالى- التوفيق». وجاء فيه أيضًا (٤٣ - ٤٤) تحت المسألة (١٨٢٨): "وإذا أسلمت البكر ولم يسلم أبوها، أو كان مجنونًا؛ فهي في حُكم التي لا أب لها؛ لأن الله ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٣٠، وتقدّم. (٢) التوبة: ٧١. (٣) الأنفال: ٧٣. -تعالي- قطع الولاية بين الكفار والمؤمنين، قال -تعالى-: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تَتَولَّوا قومًا غَضِبَ الله عليهم﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢). وصح في المجنون قول رسول الله - ﷺ -:»رفع القلم عن ثلاثة«؛ فذكر منهم:»المجنون حتى يفيق«(٣). وقد صحّ أنه غير مخاطب باستئمارها ولا بإِنكاحها، وإنما خاطب -عز وجل- أولي الألباب، فلها أن تنكح من شاءت بإِذن غيره من أوليائها، أو السلطان». جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٣٥): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل أسلم: هل يبقى له ولاية على أولاده الكتابيِّين؟ فأجاب: لا ولاية له عليهم في النكاح، كما لا ولاية له عليهم في الميراث، فلا يزوج المسلم الكافرة، سواء كانت بنته أو غيرها، ولا يرث كافر مسلمًا ولا مسلم كافرًا، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف ... (٤)». --------------------- (١) الممتحنة:١٣. (٢) التوبة: ٧١. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦٠) واللفظ له وغيرهما، وانظر «الإرواء» (٢٩٧)، وتقدّم. (٤) انظر تتمّة الإِجابة للمزيد من الفائدة -إن شئت-. اليتيمة تُستأمر في نفسها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تُسْتأمر (١) اليتيمة في نفسها، فإِنْ سكتت فهو إِذنها، وإن أبت فلا جواز عليها (٢)» (٣). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إِلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إِلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوَّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني: إِلى أمّها، فأرغبها في المال، فحطَّتْ إِليه (٤)، وحطَّتْ الجارية إِلى هوى أمّها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إِلى رسول الله - ﷺ -، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله! ابنة أخي أوصى بها إِليّ، فزوجتها ابنَ عمتها عبدَ الله بن عمر، فلم أقصِّرْ بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإِنما حطَّتْ إِلى هوى أمها! قال: فقال رسول الله - ﷺ -: هي يتيمة، ولا تنكح إِلا بإِذنها. قال: فانتُزعت -والله- مني، بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة» (٥). جاء في «زاد المعاد» (٥/ ١٠٠): «وقضى رسول الله - ﷺ - أن اليتيمة --------------------- (١) أي: تُسْتأذن. (٢) أي: لا تعدّي عليها ولا إِجبار.»المرقاة«(٦/ ٢٩٨). (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٤٣)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٨٦)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠٦٧)، وانظر»الإرواء«(١٨٣٤)، وانظر -إِن شئت المزيد من الفائدة- ما جاء في»الفتاوى«(٣٢/ ٤٣ - ٥٣). (٤)»أي: مالت إليه، ونزلت بقلبها نحوه«.»النهاية«. (٥) أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (١٨٣٥). تُستأمر في نفسها، و»لا يُتْمَ بعد احتلام (١) «، فدلّ ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب عائشةرضي الله عنها-، وعليه يدلُّ القرآن والسّنّة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما. قال -تعالى-: ﴿ويَستفتُونك في النّساء قُل الله يُفِتيكُم فيهنَّ وما يُتْلَى عليكم في الكتاب في يَتَامَى النِّساء اللاتي لا تُؤتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنّ وتَرغَبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢). قالت عائشة -رضي الله عنها-: هي اليتيمة تكون في حَجر وليها، فيرغب في نكاحها، ولا يُقْسِط لها سُنة صَداقها، فنهوا عن نكاحهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ سُنّة صَداقهنّ (٣)». استئذان المرأة قبل النكاح: عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الأيّم (٤) أحقّ بنفسها مِن وليّها، والبِكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتها» (٥). ---------------------- (١) أخرجه عدد من الأئمة، وصححّه شيخنا -رحمه الله - في «الإِرواء» (١٢٤٤) بعددٍ من الطُّرق والشواهد. (٢) النساء: ١٢٧. (٣) انظر «صحيح مسلم» (٣٠١٨). (٤) الأيّم في الأصل: التي لا زوج لها؛ بكرًا كانت أو ثيبًا، مطلَّقة كانت أو متوفّى عنها، ويريد بالأيّم في هذا الحديث الثيّب خاصة، يُقال: تأيمت المرأة وآمت: إِذا أقامت لا تتزوّج. «النهاية». (٥) أخرجه مسلم: ١٤٢١. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تُنكَح الأيّم حتى تُستأمَر، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذَن، قالوا: يا رسول الله! وكيف إِذنها؟ قال: أن تسكت» (١). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «أصل الاستئمار: طلبُ الأمر؛ فالمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها. ويؤخذ من قوله: لا تستأمر؛ أنّه لا يعقد إِلا بعد أن تأمر بذلك». وعن خنساءَ بنت خذامٍ الأنصارية: «أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب، فكرهَت ذلك، فأتت رسول الله - ﷺ -، فردّ نكاحها» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ جارية بكرًا أتت النّبيّ - ﷺ -، فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة، فخيرها النّبيّ - ﷺ -» (٣). وثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنه: «كان إِذا أراد أن يُزوّج بنتًا من بناته جلس إِلى خدرها، فقال: إِنّ فلانًا يذكرُ فلانة -يسمّيها، ويسمّي الرجل الذي يذكُرها-! فإِنْ هي سكتت؛ زوَّجها، أو إِن كرهت نقرت الستر، فإِذا نقرته لم يزوجها» (٤). وقال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «باب إِذا زَوّج الرجل ابنته وهي كارهة، ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٣٦، ومسلم: ١٤١٩. (٢) أخرجه البخاري: ٥١٣٨. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٤٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٢٠)، وانظر»المشكاة«(٣١٣٦). (٤) انظر»الصحيحة«(٢٩٧٣)، وانظر للمزيد ما جاء في»الفتاوى" (٣٢/ ٣٠). فنكاحه مردود» (١). ثمّ ذكر حديث خنساء بنت خدام. جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٧٢) بعد أن ذكَر عددًا من الأدلّة المتقدّمة وقال: «والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهي تفيد أنه لا يصح نكاح من لم ترْضَ؛ بِكْرًا كانت أو ثيّبًا». وقد فصل العلامة ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٥/ ٩٥) فأجاد وأفاد. الوكالة في الزواج: *الوكالة من العقود الجائزة في الجملة؛ لحاجة الناس إِليها في كثير من معاملاتهم. وقد اتفق الفقهاء على أنّ كلّ عقد جاز أن يعقده الإِنسان بنفسه، جاز أن يُوكِّل به غيره، كالبيع، والشراء، والإِجارة، واقتضاء الحقوق، والخصومة في المطالبة بها، والتزويج، والطلاق، وغير ذلك من العقود التي تقبل النيابة. وقد كان النّبيّ -صلوات الله وسلامه عليه- يقوم بدور الوكيل في عقد الزواج، بالنسبة لبعض أصحابه؛ روى أبو داود عن عقبة بن عامر: أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت: نعم! فزوَّج أحدهما صاحبه، فدخَل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يعطها شيئًا. وكان ممّن شهد الحديبية وكان مَن شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلمّا -------------------- (١) انظر»صحيح البخاري" (كتاب النكاح) (باب - ٤٢). حضرته الوفاة، قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقًا، ولم أُعطها شيئًا، وإنّي أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهمًا، فباعته بمائة ألف» (١). وفي هذا الحديث دليل على أنه يصحّ أن يكون الرّجل وكيلًا عم الطرفين. عن أمّ حبيبة: «أنها كانت عند ابن جحش، فهلَك عنها، وكان فيمن هاجر إِلى أرض الحبشة، فزوّجها النجاشيُّ رسولَ الله - ﷺ - وهي عندهم» (٢). ويصح التوكيل من الرجل العاقل البالغ الحر؛ لأنه كامل الأهلية، وكلّ من كان كامل الأهلية، فإِنه يملك تزويج نفسه بنفسه، وكل من كان كذلك، فإِنه يصح أن يُوكِّل عنه غيره. أمّا إِذا كان الشخص فاقد الأهلية أو ناقصها، فإِنه ليس له الحق في توكيل غيره؛ كالمجنون، والصبي، والمعتوه، فإِنه ليس لواحد منهم الاستقلال في تزويج نفسه بنفسه. والتوكيل يجوز مطلقًا ومقيدًا: فالمطلق: أن يُوكِّل شخص آخر في تزويجه، دون أن يقيده بامرأة معينة، أو بمهر، أو بمقدارٍ مُعين من المهر. والمقيّد: أن يوكّله في التزويج، ويقيده بامرأة معيّنة، أو امرأة من أسرة معينة، أو بقدر معين من المهر* (٣). ---------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٩)، وانظر «الإِرواء» (١٩٢٤). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٤٢). (٣) ما بين نجمتين عن «فقه السُّنّة» (٣/ ٤٦٣). جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٣٢): «ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكّل لعقد النكاح، ولو واحدًا؛ لحديث عقبة بن عامر عند أبي داود أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه ... الحديث. وقد ذهب إِلى ذلك جماعة من أهل العلم: الأوزاعي، وربيعة، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث، وأبو ثور. وحكى في»البحر«عن الشافعي، وزُفَر: أنه لا يجوز. وقال في»الفتح«: وعن مالك: لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لزمها ذلك؛ ولو لم تعلم عين الزوج ...». وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون صحّة عقد الزواج للغائب إِذا وُثّق؟ فقال: نعم؛ بالشرط المذكور. هل الكفاءة (١) في الزواج معتبرة؟ هذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال باعتبارها، ومنهم من لم يقُل بذلك. ومن الأحاديث التي ذكَرها القسم الأوّل في ذلك: ١ - ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: «ثلاث لا يؤخَّرن: الصلاة إِذا أتت، والجنازة إِذا حضرت، والأيّم إِذا وجدت لها كفُؤًا» (٢)، وهو ضعيف. ٢ - ما رُوي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: العرب ------------------------ (١) الكفء: المِثل والنظير. (٢) أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب حسن، قال شيخنا -رحمه الله-:»وفيه سعيد ابن عبد الله الجهني؛ قال أبو حاتم: مجهول ...«. وانظر»المشكاة«(٦٠٥)، و»ضعيف الترمذي" (٢٥). أكفاءٌ بعضهم لبعض، قبيلة لقبيلة، وحيٌّ لحي، ورجلٌ لرجل؛ إِلا حائك أو حجّام» (١). وهو موضوع. وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: «جاءت فتاة إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: إِنّ أبي زوَّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته! قال: فجعل الأمر إِليها، فقالت: قد أجزْتُ ما صنَع أبي، ولكن أردتُ أن تعلم النساء أَنْ ليس إِلى الآباء من الأمر شيء»، وهو ضعيف (٢). وعلى افتراض ثبوته أقول بما جاء في «الروضة» (٢/ ١٧): «ومحلّ الحُجّة منه قولها: ليرفع بي خسيسته، فإِنّ ذلك مُشعِر بأنه غير كفؤ لها، ولا يخفى أن هذا إِنما هو من كلامها، وإنما جعل النّبيّ - ﷺ - الأمر إِليها؛ لكون رضاها مُعتَبرًا. فإِذا لم ترض، لم يصح النكاح، سواء كان المعقود له كفؤًا، أو غير كفؤ. وأيضًا هو زوَّجها بابن أخيه؛ وابن عمّ المرأة كفؤ لها»، ثُمَّ ذكَّرني أحد الإِخوة بتراجع شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٣٣٣٧) عن إِعلاله بالانقطاع فثبت وصْلُه. ٣ - وذكروا أثر عمر -رضي الله عنه-: «لأمنعنّ تزوُّج ذوات الأحساب إِلا من الأكفاء». وقد أخرجه الدارقطني، وفيه انقطاع؛ فإِن إِبراهيم بن محمد بن طلحة لم يد رك عمر -رضي الله عنه-. وانظر «الإِرواء» (١٨٦٧). وهناك من استدلّ بأحاديث ثابتة، لكنها لا تدلّ على المطلوب. ومِن ذلك ------------------- (١) أخرجه الحاكم، وجاء في «الروضة الندية»: «وفي إِسناده رجل مجهول، وقال أبو حاتم: إِنه كذب لا أصل له، وذكر الحُفّاظ أنه موضوع». وانظر «الإرواء» (١٨٦٩). (٢) انظر «نقد نصوص حديثية» (ص ٤٤) و«التعليقات الرضية» (٢/ ١٤١). حديث:»خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إِذا فقهوا«(١). فهو كما جاء في»الروضة الندية«(٢/ ١٤٣) -بتصرّف-:»ليس فيه دلالة على المطلوب؛ لأن إِثبات كون البعض خيرًا من بعض؛ لا يستلزم أنّ الأدنى غير كفؤ للأعلى. وهكذا حديث: «إِنّ الله اصطفى كنانة من ولد إِسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢). وكذلك حديث سمرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «الحسب: المال، والكرم: التقوى» (٣). وأيضًا حديث بريدة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنّ أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إِليه: المال» (٤). فهذا ليس فيه إِقرار على ما ذهب إِليه أهل الدنيا، وإنما هو إِيضاحٌ للمعاني، وحكاية عن صنيعهم، قال صاحب «الروضة» (٢/ ١٨): «... فيكون في حُكم التوبيخ لهم والتقريع». والخلاصة؛ أنّ أحاديث هذا الباب -كما قال بعض العلماء في غير هذا ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٤٩٣، ومسلم: ٢٦٣٨. (٢) أخرجه مسلم: ٢٢٧٦. (٣) أخرحه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٦٠٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٣٩٩)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٧٠). (٤) أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦/ ٢٧٢). الموضوع- صحيحها غير صريح، وصريحها غير صحيح، وسيأتي ما أستطيعه -إِن شاء الله- من البيان. قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (١٩/ ٢٩): «وليس عن النّبيّ - ﷺ - نصٌّ صحيح صريح في هذه الأمور [عدم اعتبار الكفاءة]». وجاء في «الفتح» (٩/ ١٣٣): «ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث». ومنهم من قال بعدم اعتبار الكفاءة في النكاح؛ وأنها لا تكون إِلا في الدين والخُلُق. قال الله -تعالى-: ﴿إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ الله أتْقَاكُم﴾ (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «النّاسُ وَلدُ آدم، وآدم من تراب» (٢). قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «وقوله: ﴿وهو الذي خلَق من الماء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكان ربّك قديرًا﴾ (٣)». وهذا يُشعِر من الإِمام البخاري -رحمه الله- أنه يرى اعتبار الكفاءة في الدين فحسب؛ إِذ البشر من الماء، فلا بغي ولا تفاخر، ولا ترفُّع في النكاح. ومما ذكَره الإِمام البخاري -رحمه الله-: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- -------------------- (١) الحجرات: ١٣. (٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٠٠٩). (٣) الفرقان: ٥٤. عن النّبيّ - ﷺ - قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (١). فالذي ينبغي أن يصار إِليه؛ الظَّفَرُ بذات الدين. ثمّ ذكر -رحمه الله- حديث سهل -رضي الله عنه- قال: «مرّ رجل على رسول الله - ﷺ -، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِنْ خطب أن يُنْكَحَ، وإِن شَفِعَ أن يُشفّع، وإن قال أن يُستمَع! قال: ثمّ سكت. فمرّ رجلٌ من فُقراء المسلمين؛ فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِن خطب أن لا يُنْكَح، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يُستمع! فقال رسول الله - ﷺ -: هذا خيرٌ من ملء الأرض مِثل هذا» (٢). والحديث في غاية التصريح إِلى ما يذهب إِليه من يقول باعتبار الكفاءة في الدين والخُلُق. وفي رواية: «مرّ رجل على رسول الله - ﷺ -، فقال لرجلٍ عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس ...» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ أبا هند حَجَمَ النَّبيَّ - ﷺ - في اليافوخ (٤)، فقال النَّبيّ - ﷺ -: يا بني بياضة! أنكحوا أبا هند، وانكحوا إِليه» (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٠٩٠، ومسلم: ١٤٦٦. (٢) أخرجه البخاري: ٥٠٩١. (٣) أخرجه البخاري: ٦٤٤٧. (٤) أي: وسط رأسه. (٥) أخرجه البخاري في «التاريخ»، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٠)، = وجاء في «سُبل السلام» (٣/ ٢٥٠) عقب هذا الحديث: «... فنبه على الوجه المقتضي لمساواتهم [أي: المسلمين]، وهو الاتفاق في وصف الإِسلام. وللناس في هذه المسألة عجائب، لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع، ولا إِله إِلا الله! كم حُرِمت المؤمناتُ النكاحَ لكبرياء الأولياء واستعظامهم أنفسهم، اللهم إِنّا نبرأ إِليك من شَرْطٍ ولّده الهوى، وربّاه الكبرياء ...». وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممن شهد بدرًا مع النّبيّ - ﷺ - تبنّى سالمًا وأنكحه بنت أخيه هندًا بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار» (١). وعن فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لها: «انكحي أُسامة» (٢). جاء في «سُبل السلام» (٣/ ٢٥٠): «وفاطمة قرشية فِهْرِيَّة، أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأُوَل، كانت ذات جمال وفضل وكمال، جاءت إِلى رسول الله - ﷺ - بعد أن طلّقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه، فأخبرته أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطَباها، فقال رسول الله - ﷺ -:»أما أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه. وأمّا معاوية؛ فصعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد ... «الحديث، فأمرَها بنكاح أسامة مولاه ابن مولاه، وهي قرشية، وقدّمه على أكفائها ممن ذَكَر، ولا أعلم أنه طلب ---------------------- = وابن حبّان وغيرهم، وانظر»الصحيحة" (٢٤٤٦). (١) أخرجه البخاري: ٥٠٨٨. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٠، وتقدّم. ![]()
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 151الى صــ165 الحلقة (123) من أحد من أوليائها إِسقاط حَقّه». وعن أبي حاتم المُزَنِيِّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا جاءكم من ترضون دينه. وخُلُقه فأنكحوه، إِلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا: يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: إِذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. ثلاث مرات» (١). وجاء في «الروضهَ الندية» (٢/ ٢٠ - ٢١): «وأعلى الصنائع المعتبرة في الكفاءة في النّكاح على الإِطلاق: العلمُ؛ لحديث:»العلماء ورثة الأنبياء«(٢). والقرآن الكريم شاهد صدق على ما ذكرناه، فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿قُل هل يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لا يعلمون﴾، وقوله -تعالى-: ﴿يرفعِ الله الذيق آمنو امِنْكُم والذين أُوتُوا العلم درجات﴾، وقوله -تعالى-: ﴿شهد الله أنّه لا إِله إلاَّ هُوَ والملائِكَة وأولو العلم﴾، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة، منها حديث:»خياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إِذا فقهوا«، وقد تقدّم. وبالجملة؛ إِذا تقرر لك هذا، عرفتَ أن المعتبر هو الكفاءة فى الدين والخلُق، لا في النسب (٣)». انتهى. -------------------- (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦٥، ٨٦٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٠١)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٦٨)، و«الصحيحة» (١٠٢٢). (٢) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» برقم (٧٠). (٣) وانظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- ما قاله ابن القيم -رحمه الله- من كَلامٍ قَيِّمٍ = وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «تخيّروا لنُطفِكم، وانكحوا الأكفاء، وانكحوا إِليهم» (١). وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٣/ ٥٧) عقب الحديث: «ولكن يجب أن يُعلم أنّ الكفاءَة إِنّما هي في الدين والخُلُق فقط». المهر حُكمه: جعل ديننا الحنيف للمرأة مهرًا يُدفع من قِبَل الزوج وأوجبه عليه. جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧١): «ودليل وجوبه: أنّه -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يسوّغ نكاحًا بدون مهر أصلًا. وفي الكتاب العزيز: ﴿وآتوا النساء صَدُقاتهنَّ نِحْلَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٣)، وقال: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضى بعْضُكُم إَلى بعض﴾ (٤) الآية، وقال -تعالى-: ﴿ولا جُنَاح عَليْكُم أنْ تنْكِحُوهُنَّ إِذا ------------------- = في»زاد المعاد«(٥/ ١٥٨). (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٠٢)، والحاكم وغيرهما، وانظر»الصحيحة" (١٠٦٧). (٢) النساء: ٤. (٣) النساء:٢٠. (٤) النساء:٢١. آتَيتُمُوهُنَّ أُجورَهنَّ﴾ (١)». انتهى. وهذا بما استحلّ من فرجها، كما في الآية المتقدّمة. وقال -سبحانه-: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضَى بعْضُكم إِلى بعض﴾. قال العلامة السعدي -رحمه الله-: «وبيان ذلك: أنّ الزوجة -قبل عقد النكاح- مُحرّمة على الزوج، ولم ترض بحلّها له إِلا بذلك المهر، الذي يدفعه لها. فإِذا دخَل بها وأفضى إِليها، وباشَرها المباشرة التي كانت حرامًا قبل ذلك [وهي الجماع]، والتي لم ترض ببذلها إِلا بذلك العِوض، فإِنه قد استوفى المُعوَّض، فثبت عليه العِوض، فكيف يستوفي المُعوَّض، ثمّ بعد ذلك يرجع في العِوض؟ هذا من أعظم الظلم والجور، وكذلك أخذ الله على الأزواج ميثاقًا غليظًا بالعقد، والقيام بحقوقها». وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنّ رسول الله - ﷺ - قال للمتلاعِنَين: «حسابكما على الله، أحدُكما كاذبٌ، لا سبيل لك عليها، قال: مالي؟! قال: لا مال لك، إِنْ كنت صدقتَ عليها؛ فهو بما استحللت من فرجها. وإنْ كنتَ كذبتَ عليها؛ فذاك أبعدُ لك» (٢). *وهذا المهر المفروض للمرأة، كما أنه يحقق هذا المعنى، فهو يطيّب نفس المرأة ويرضيها بقوامة الرجل عليها؟ قال -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامُون على النّساء بما فضَّل الله بَعْضَهُم على بَعْضٍ وبما أنْفَقوا من أمْوَالِهم﴾ (٣)، مع ما ---------------- (١) الممتحنة: ١٠. (٢) أخرجه البخاري: ٥٣١٢، ومسلم: ١٤٩٣. (٣) النساء: ٣٤. يضاف إِلى ذلك من توثيق الصِّلات، وإِيجاد أسباب المودة والرحمة* (١). وقال الله -تعالى-: ﴿وآتوا النِّساء صَدُقاتِهِنَّ نحْلَة فإِنْ طبْنَ لكم عن شيء مِنْهُ نَفْسًا فكُلوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢). أي: آتوا النساء مهورهن فريضةً مُسمّاة. قال ابن كثير -رحمه الله- بعد ذِكْر عدد من أقوال السلف: «ومضمون كلامهم: أنّ الرجل يجب عليه دفْع الصَّداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طَيِّبَ النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النِّحلة طَيِّبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صَداقها طيِّبًا بذلك، فإِن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه؛ فليأكله حلالًا طيبًّا، ولهذا قال: ﴿فإِن طِبْنَ لكم عن شيء منه نَفْسًا فكلوه هَنِيئًا مَرِيئًا﴾». قدْر المهر: *لم تجعل الشريعة حدًّا لقلّته ولا لكثرته، إِذ الناس يختلفون في الغنى والفقر، ويتفاوتون في السعة والضيق، ولكل جهة عاداتها وتقاليدها، فترَكت التحديد؛ ليعطي كل واحد على قدر طاقته، وحسب حالته ... وكل النصوص جاءت تشير إِلى أنّ المهر لا يشترط فيه إِلا أن يكون شيئًا له قيمة [وثمن]؛ بقطع النظر عن القلة والكثرة؛ فيجوز أن يكون خاتمًا من حديد [مبالغة في تقليله]، أو قدحًا من تمر، أو تعليمًا لكتاب الله، وما شابَه ذلك، -------------------- (١) ما بين نجمتين عن كتاب «فقه السنّة» (٢/ ٤٧٨). (٢) النساء: ٤. إِذا تراضى عليه المتعاقدان* (١). وقال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٩٧) تحت المسألة (١٨٥١) فيما يجوز من الصَّداق.«... ولو أنه حبَّة بُرٍّ أو حبَّة شعير أو غير ذلك، وكذلك كل عمل حلال موصوف؛ كتعليم شيء من القرآن أو من العلم أو البناء أو الخياطة أو غير ذلك إِذا تراضيا بذلك. وورد في هذا اختلاف». وقوله -تعالى-: ﴿... وآتَيتُم إِحْداهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢) يدل على جواز الكثرة، وعدم تحريم ذلك. قال العلامة السعدى -رحمه الله-: «مع أنّ الأفضل واللائق؛ الاقتداء بالنّبيِّ - ﷺ - في تخفيف المهر ... لكن قد يُنهى عن كثرة الصَّداق؛ إِذا تضمّن مفسدةَ دينية، وعدم مصلحة تُقاوَم». وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٢): «السُّنّة تخفيف الصّداق وأن لا يزيد على نساء النّبيّ - ﷺ - وبناته ...». وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٣): «قال: في»الحجة«: ولم يضبط النّبيّ - ﷺ - المهر بحدٍّ لا يزيد ولا ينقص؛ إِذ العادات في إِظهار الاهتمام مختلفة، والرغبات لها مراتب شتى، ولهم في المشاحَّة طبقات؛ فلا يمكن تحديده عليهم؛ كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحدٍّ مخصوص». عن سهل بن سعد الساعدي يقول: «إِني لفي القوم عند رسول الله - ﷺ -؛ إِذْ --------------------- (١) ما بين نجمتين عن»فقه السُّنَّة" (٢/ ٤٧٨) بحذفٍ يسير. (٢) النساء: ٢٠. قامت امرأة فقالت: يا رسول الله! إِنها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ (١) فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت فقالت: يا رسول الله! إِتها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ فيها رأيك، فلم يُجبها شيئًا، ثمّ قامت الثالثة فقالت: إِنها قد وَهَبت لك، فرَ فيها رأيك، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله! أنكِحْنيها، قال: هل عندك من شيء؟ قال: لا، قال: اذهب فاطلب ولو خاتمًا من حديد، فذهب وطلب، ثمّ جاء فقال: ما وجدتُ شيئًا، ولا خاتمًا في حديد، قال: هل معك من القرآن شيء؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا، قال: اذهب فقد أنكحتُكها بما معك من القرآن» (٢). وعن أنس قال: «خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مِثلك يا أبا طلحة! يُردّ، ولكنك رجل كافر، وأنا مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوجك، فإِنْ تُسلِم فذاك مهري، وما أسألك غيره. فأسلَم؛ فكان ذلك مهرها» (٣). وقد يكون المهر على العمل يُعمل؛ وجاء في تبويب «سنن أبي داود»: (باب، في التزويج على العمل يُعمَل). ثم ذكر حديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه-؛ وفيه: «هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا -لسُورٍ سمّاها-، فقال له رسول الله - ﷺ -: قد زوجتُكَها بما معك من القرآن» (٤). ----------------------- (١) فعل أمرٍ من (رأى)؛ أي: انظر. (٢) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم: ١٤٢٥. (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٣٣)، وانظر تخريجه في «أحكام الجنائز» (ص ٣٨). (٤) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم، ١٤٢٥، وهذا لفظ أبي داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٦)، وتقدّم. و(العمل يُعمل) هنا: إِفادة زوجِهِ من السور التي يحفظها، وذلك أنّ المهر المادّي إِنما هو بما يستحلّه الرجل من فرج المرأة، فينبغي إِذًا أن نحمل المهر هنا؛ على إِفادتها من خلال تعليمه لها ما استطاع من هذه السُّور، وانتفاعها بعمله بمقتضاها -ما استطاع إِلى ذلك سبيلًا-. فليس المراد من حفظه القرآن الا ما تستفيد منه هي ليكون مهرها. وبذا، فيفيدنا ما جاء من تبويب في «سنن أبي داود» قوله: «التزويج على العمل يُعمل» أن يقدّم أعمالًا أو خدماتٍ معيّنة للزوجة؛ فقد يعلّمها القراءة أو الكتابة، وقد يتعهّد بعلاجها إِنْ كان مختصًا بذلك ... إِلخ. والله -تعالى- أعلم. مسألة: إِذا اختلف ما اتفق عليه العاقدان في السرّ والعلانية. جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٩): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوج امرأة وأعطاها المهر، وكُتب عليه صَداقًا ألف دينار، وشرطوا عليه أننا ما نأخذ منك شيئًا إِلا عندنا عادة وسمعة، والآن توفي الزوج، وطلبت المرأة كتابها من الورثة على التمام والكمال؟ فأجاب: إِذا كانت الصورة ما ذُكِر؛ لم يجُز لها أن تطالب إِلا ما اتفقا عليه، وأمّا ما ذُكر على الوجه المذكور؛ فلا يحلّ لها المطالبة به، بل يجب لها ما اتفقا عليه». وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا اتفق العاقدان في السرّ على المهر، ثمّ تعاقدا في العلانية بأكثر منه واختلفا؛ فبِمَ يكون الحُكم؟ فأجابني شيخنا -رحمه الله-: الحُكم بالمعلَن. وقال الإِمام البخاري -رحمه الله-: (باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإِسلام (١». قال الله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضْلِه﴾ (٢). وذكر حديث سهل بن سعد. قال الحافظ: «قوله [أي: الإِمام البخاري]: لقوله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضلِه﴾: هو تعليل لحُكم الترجمة، ومحصّله أن الفقر في الحال لا يمنع التزويج؛ لاحتمال حصول المال في المآل، والله أعلم». وقال الإِمام البخاري (٣) -رحمه الله-: (باب المهر بالعُروض وخاتمٍ من حديد). والعُروض ما يقابل النقد، كما قال الحافظ -رحمه الله-. فائدة: جاء في «السلسلة الضعيفة» (٤): «قد اعتاد كثير من الآباء مثل هذا الشرط [أي: أن يشترط لنفسه سوى المهر]، وأنا وإنْ كنتُ لا أستحضر الآن ما يدلّ على تحريمه، ولكني أرى -والعلم عند الله تعالى- أنه لا يخلو من شيء، فقد ---------------------- (١) انظر»صحيح البخاري«(كتاب النكاح) (باب - ٦)، وذكر الإِمام البخاري -رحمه الله- الآية في (باب - ١٤). (٢) النّور: ٣٢. (٣) انظر»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٥١«. (٤) تحت الحديث الضعيف برقم (١٠٠٧):»أيّما امرأة نُكحت على صداق أو حباء أو عدّة قبل عِصمة النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح، فهو لمن أُعْطِيَهُ. وأحقُّ ما أُكْرِمَ عليه الرجل ابنتُهُ أو أختُهُ". صحّ أن النبيّ - ﷺ - قال:»إِنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق (١) «، ولا أظن مسلمًا سليم الفطرة، لا يرى أن مثل هذا الشرط ينافي مكارم الأخلاق، كيف لا؟! وكثيرًا ما يكون سببًا للمتاجرة بالمرأة إِلى أن يحظى الأب أو الولي بالشرط الأوفر، والحظ الأكبر، وإلا أعضلها! وهذا لا يجوز؛ لنهي القرآن عنه» (٢). انتهى. النهي عن المغالاة في المهور: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ مِن يمُن (٣) المرأة تيسير خِطبتها، وتيسير صَداقها، وتيسير رحمها». قال عروة: يعني: «تيسير رحمها للولادة». قال عروة: «وأنا أقول مِن عندي: مِن أوّل شُؤمها: أن يكثر صَداقها» (٤). وعن أنس: «أنّ رسول الله - ﷺ - رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه وَضَرٌ (٥) من --------------------- (١) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«، وأحمد، والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«(٤٥). (٢) وانظر -إِن شئت- ما قاله الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(١١/ ١٢٧) تحت المسألة (١٨٥٥) (٣) اليُمْنُ؛ أي: البركة، وضدّه الشُّؤم.»النهاية«. (٤) أخرجه أحمد وغيره، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«تحت (١٩٢٨)، وكان شيخنا -رحمه الله- قد تردد في أسامة بن زيد؛ أهو الليثي أم العدوى؟! وفي التحقيق الثاني»للإرواء«(٦/ ٣٥٠) قال -رحمه الله-:»ثم رأيت ما يرجّح أنه الليثي، وهو قول السخاوي في «المقاصد» (ص ٤٠٤)، وسنده جيّد«. (٥) الوضر: لطخ من خلوق، أو طيب له لون، وذلك من فعل العروس إِذا دخل على زوجته، والوضر: الأثر من غير الطيب.»النهاية". صُفرةٍ، فقال النّبيّ - ﷺ -: مَهْيَمْ (١)؟! فقال: يا رسول الله! تزوجت امرأة من الأنصار، قال: ما سُقت إِليها؟ قال: وزن نواة (٢) من ذهب، قال: أوْلِمْ ولو بشاة» (٣). وعن أبي سلمة قال: «سألت عائشة: كم كان صَداق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أُوقية ونشًّا. قالت: أتدري ما النشُّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية (٤)» (٥). وعن أبي العجفاء السلمي، قال: «خطَبنا عمر فقال: ألا لا تغالوا بصُدُق النساء، فإِنها لو كانت مَكرُمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النّبيّ - ﷺ -، ما أصدق رسول الله - ﷺ - امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية» (٦). وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير النكاح أيسره» (٧). --------------------- (١) أي: ما أمْرُك وشأنك؟ «النهاية». (٢) جاء في «النهاية»: «النواة: اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين: أوقية وللعشرين: نشٌّ ... والنواة في الأصل: عجمة التمرة». (٣) أخرجه البخاري: ٢٠٤٩، ومسلم: ١٤٢٧. (٤) النَّشّ: نصف الأوقية، وهو عشرون درهمًا، والأوقية: أربعون، فيكون الجميع خمسمائة درهم. «النهاية». (٥) أخرجه مسلم: ١٤٢٦. (٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٢)، والنسائي، والترمذي وصححه، وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٩٢٧). (٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٩)، وابن حبان، والحاكم = وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِنّي تزوّجتُ امرأةً من الأنصار، فقال له النّبيّ - ﷺ -: هل نظرت إِليها؟ فإِنّ في عيون الأنصار شيئًا، قال: قد نظرت إِليها، قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ - ﷺ -: على أربع أواقٍ؟ كأنّما تنحِتون الفضّة من عُرْض هذا الجبل» (١). جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٢ - ١٩٤): «ويُكره للرجل أن يصدق المرأة صدقًا فيضرّ به إِنْ نَقَده، ويعجز عن وفائه إِنْ كان دينًا. قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال - ﷺ -: على كم تزوّجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ - ﷺ -: على أربع أوَاقٍ؟ فكأنما تنحتون الفضة من عُرْض هذا الجبل! ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك في بعْث تصيب منه! قال: فبعث بعثًا إِلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم. رواه مسلم في»صحيحه«(٢). والأوقية عندهم: أربعون درهمًا، وهي مجموع الصَّداق، ليس فيه مقدم ومؤخر. وعن أبي عمرو الأسلمي: أنه أتى النّبيّ - ﷺ - يستعينه في مهر امرأة، فقال: كم أمهرتها؟ فقال: مائتي درهم. فقال: لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم (٣). ---------------------- = وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٩٢٤). (١) أخرجه مسلم: ١٤٢٤. (٢) برقم: ١٤٢٤. (٣) أخرجه الحاكم، وأحمد وقال الحاكم:»صحيح الإِسناد«، ووافقه الذهبي، وانظر»الصحيحة" (٢١٧٣). رواه الإِمام أحمد في «مسنده». وإذا أصدقها دينًا كثيرًا في ذمته وهو ينوي أن لا يعطيها إِياه؛ كان ذلك حرامًا عليه (١). وما يفعله بعض أهل الجفاء والخيلاء والرياء، من تكثير الهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخْذه من الزوج، وهو ينوي أن لا يعطيهم إِياه؛ فهذا منكر قبيح، مخالف للسنة، خارج عن الشريعة. وإِنْ قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه؛ فقد حمَّل نفسه، وشغل ذمّته، وتعرّض لنقص حسناته، وارتهانه بالدَّين؛ وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضرّوه. والمستحب في الصَّداق -مع القدرة واليسار- أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النّبيّ - ﷺ - ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إِلى خمسمائة بالدراهم الخالصة، نحوًا من تسعة عشر دينارًا. فهذه سُنّة رسول الله - ﷺ -. مَنْ فَعَلَ ذلك فقد استن بسنة رسول الله - ﷺ - في الصَّداق، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان صَداقنا إِذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم. رواه الإِمام أحمد في «مسنده»، وهذا لفظ أبي داود في «سننه» (٢). وقال أبو سلمة: سألْت عائشة: كم كان صَداق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان ---------------------- (١) وفي الحديث: «مَنْ تزوَّج امرأة على صَدَاق؛ وهو ينوي أنْ لا يُؤدِّيه إِليها، فهو زانٍ» أخرجه البزّار وغيره وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٨٠٦ - ١٨٠٧). (٢) وهو في سنن النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٤٠) ولفظه: «كان الصَّداق إِذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق». صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًا. قالت: أتدري ما النشّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية: فتلك خمسمائة درهم. رواه مسلم (١) في «صحيحه». وقد تقدّم عن عمر أن صَداق بنات رسول الله - ﷺ - كان نحوًا من ذلك. فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صَداق ابنته على صَداق بنات رسول الله - ﷺ - اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهنّ أفضل نساء العالمين في كل صفة: فهو جاهل أحمق. وكذلك صَداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليَسار. فأمّا الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إِلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة. والأولى فعجيل الصَّداق كله للمرأة قبل الدخول إِذا أمكن، فإِنْ قدّم البعض وأخّر البعض: فهو جائز، وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصَّداق. فتزوّج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله - ﷺ - على وزن نواة من ذهب. قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث. وزوّج سعيد بن المسيب بنته على درهمين، وهي من أفضل أَيِّمِ من قريش، بعد أن خطبها الخليفة لابنه، فأبى أن يزوجها به، والذي نُقل عن بعض السلف من تكثير صَداق النّساء؛ فإِنما كان ذلك لأن المال اتسع عليهم، وكانوا يعجلون الصَّداق كلّه قبل الدخول؛ لم يكونوا يؤخرون منه شيئًا. ومن كان له يَسار ووجد، فأحب أن يعطي امرأته صَداقًا كثيرًا؛ فلا بأس بذلك، كما قال -تعالى-: ﴿وآتيتم إِحداهنّ قِنْطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٢). أمّا من يشغل ذمّته بصَداق لا يريد أن يؤديه، أو يعجز عن وفائه، فهذا مكروه، كما تقدّم. وكذلك من جعل في ذمّته صَداقًا كثيرًا ---------------------- (١) برقم: ١٤٢٦. (٢) النساء: ٢٠. من غير وفاء له: فهذا ليس بمسنون. والله أعلم». وليُعلم أنّ ابتعاد الناس عن هذه النصوص والعمل بمقتضاها؛ قد أدّى إِلى العزوف عن الزواج، أو أنه جرّ أزمات اقتصادية للأُسر بعد الزواج، وأضحى الفُحش أقرب من النكاح الحلال عند عددٍ من الشباب والشابّات. فلنحذر من مظهريات النكاح، والمغالاة في المهور التي تقتُل العفّة والطُّهر، وتعسّر الحلال، وتيسّر الحرام، وتستجلب الهموم والكُربات. إِثقال الصَّداق يجعل العداوة في نفس الزوج: عن أبي العجفاء السُلمي قال: قال عمر بن الخطاب: «لا تغالوا صَداق النساء، فإِنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم وأحقّكم بها محمد - ﷺ -، ما أَصدق امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإنّ الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، ويقول: قد كَلِفتُ إليك علَقَ القِربة -أو عَرَق القربة (١) -. وكنت رجلًا عربيًا مولَّدًا (٢)، ما أدري ما عَلَق القِرية -أو عَرَق القِربة-؟» (٣). ------------------------ (١) عَلَق القربة أو عَرَق القربة؛ أي: تحملت لأجلك كل شيء حتى عَلق القربة، وهو حبلها الذى تُعلّق به. وعَرَق القربة؛ أي: تكلفت إِليك وتعِبت، حتى عرقِتُ كَعَرق القِربة، وعرقها: سيلان مائها. «النهاية». (٢) هو الذي ولد بين العرب، ونشأ مع أولادهم وتأدّب بآدابهم. وقال الجوهري: رجلٌ مُولَّدٌ: إِذا كان عربيًا غير محض، وانظر «النهاية». (٣) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٣٢)، وأبو داود "صحيح سنن = هل يدخل على زوجه إِذا لم يُمْهِرْهَا (١)؟ عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لمّا تزوج عليّ فاطمة، قال له رسول الله - ﷺ -: أعطها شيئًا، قال: ما عندي شيء، قال: أين درعك الحُطميّة؟» (٢). وجاء في تبويب «سنن أبي داود» قبل هذا الحديث: (باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها). وجاء في تبويب «سنن النسائي» تحت (باب نِحْلة الخلوة) بلفظ: «... أنّ عليًا قال: تزوّجْتُ فاطمة -رضي الله عنها- فقلتُ: يا رسول الله! ابْنِ بي. قال: أعطها شيئًا ...» (٣). قال ابن حزم -رحمه الله-: «*ومن تزوج، فسمّى صَداقًا أو لم يُسمّ، فله الدخول بها؛ أحبَّت أم كرهت، ويقضى لها بما سمّى لها؛ أحبّ أم كره، ولا يُمْنَعُ من أجل ذلك من الدخول بها، لكن يُقضى له عاجلًا بالدخول، ويقضى لها عليه، حسب ما يوجد عنده من الصَّداق، فإِن كان لم يُسم لها شيئًا، قضي عليه بمهر مِثلها، إِلا أن يتراضيا؛ بأكثر أو بأقل». قال ابن المنذر -رحمه الله-: «أجمع كل من يُحْفَظُ عنه من أهل العلم، أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها، حتى يعطيها مهرها». ----------------------- = أبي داود«(١٨٥٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٨٩)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣١٤١) وغيرهم، وانظر»الإِرواء«(١٩٢٧). (١) هذا العنوان وكذا الثلاثة الآتية بعده بينها تداخُل؛ رأيتُ إِبقاءَها للمزيد من الفائدة والتفصيل. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح أبي داود«(١٨٦٥)، والنسائي»صحيح النسائي«(٣١٦١). (٣)»صحيح سنن النسائي" (٣١٦٠). ![]()
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 166الى صــ180 الحلقة (124) وقد ناقش صاحب»المحلّى«هذا الرأي، فقال:»لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه من حين يعقد الزواج؛ فإِنها زوجة له، فهو حلال لها، وهي حلال له، فمن منَعَها منه، حتى يعطيها الصَّداق أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نصٍّ من الله -تعالى- ولا من رسوله - ﷺ -، لكن الحق ما قلنا: ألا يمنع حقّه منها، ولا تمنع هي حقّها من صَداقها، لكن يطلق الدخول عليها؛ أحبَّت أم كَرِهت، ويُؤخَذ مما يوجد له صَداقها؛ أحب أم كره، وصح عن النّبيّ - ﷺ - تصويب قول القائل: «أعط كلّ ذي حقٍّ حقّه» (١) * (٢). وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: هل يتحقّق النكاح بالوليّ والشاهدين؛ وبه تستحلّ الفروج، أم أنّ للمهر علاقة؟ فأجاب -رحمه الله-: «ليس له علاقة، فيمكن أن يبني بزوجته؛ بالشرطين المذكورين في الحديث، وأن يؤخّر المهر لها؛ دون الاتفاق على كميّة المهر، وإِذا اختلفوا، فهو مُكلّف شرعًا بأن يدفع لها مهر المِثل -أي: مثيلاتها من نساء قبيلتها-: سنّها، ثيّب، بِكر، قبيحة، جميلة، ويمكن في صورة نادرةٍ جدًّا؛ أن يجعل مهرها تعليمها القرآن، بل ثبتَ أن أمّ سليم قد جعلَت مهر أبي طلحة -رضي الله عنهما- إِسلامه، فأسلم، وكان مهرَ زوجه». ثمّ قرأْتُ ما جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٧٦) وهو قوله: «... أقول: لم يَرِدْ ما يدلّ على أنّ المهر شرطٌ مِن شروط العقد أو رُكن من أركانه. وأمّا قوله ----------------- (١) أخرجه البخاري: ١٩٦٨. (٢) انظر»المحلى«(١١/ ٨٧ - ٩١) وذكره السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة" (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤). -سبحانه-: ﴿ولا جُناح عليكم أن تنكحُوهنّ إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ﴾ (١)، فالمراد أنّ المهر واجب للمنكوحة لا يجوز مَطْلُهَا منه، ولو كان العقد لا يصحّ إِلا بالمهر؛ لم يقل الله -عز وجل-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضة﴾ (٢)؛ فإِنّ هذه الآَية تفيد أنّ العقد قد يقع قبل فرض المهر». ثمّ ذكَر بعض الأدلّة على ذلك. وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٠٧): «إِذا خلا الرجل بالمرأة، فمنعته نفسها من الوطء ولم يطأها؛ لم يستقر مهرها في مذهب الإِمام أحمد -الذي ذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى، وأبي البركات، وغيرهما-، وغيره من الأئمة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإذا اعترفت بأنها لم تمكّنه من وطئها؛ لم يستقر مهرها باتفاقهم. ولا يجب لها عليه نفقة ما دامت كذلك باتفاقهم، وإِذا كانت مبغضة له مختارة سواه؛ فإِنها تفتدي نفسها منه». ماذا إِذا دخَل بها ولم يفرض لها صَداقًا؟ عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: "أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت نعم! فزوّج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يعطها شيئًا -وكان ممن شهد الحديبية، وكان مَنْ شهد الحديبية له سهم بخيبر- فلمّا ------------------- (١) الممتحنة: ١٠ (٢) البقرة: ٢٣٦. حضرته الوفاة قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقًا، ولم أُعطها شيئًا، وإني أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهمًا، فباعته بمائة ألف» (١). وكنت قد سألت شيخنا -رحمه الله- في موطن آخر. هل يمكن الدخول بدون مهر ثمّ يدفع؟ فقال -رحمه الله-: نعم؛ يدفع لها مهر مَثِيلاتها. الزواج بغير ذِكر المهر: يجب الاتفاق على المهر للأحاديث المتقدّمة -قلّ أو كثُر-، ولكن إذا وقَع الزواج بغير ذكر المهر صحّ، قال الله -تعالى-: ﴿لا جُناح إنْ طَلَّقْتُم النّساءَ ما لم تَمَسّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لهُنَّ فريضة﴾ (٢). وإِذا دخَل بها الزوج، أو تُوفّي قبل ذلك؛ فإِن للزوجة مهرَ المِثل والميراث. عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: «أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يدخل بها حتى مات؟ فقال ابن مسعود: لها صَداق نسائها؛ لا وكس (٣) ولا شطط (٤)، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله - ﷺ - في بروَع (٥) بنت واشق -أمرأة لنا- --------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٥٩)، وانظر»الإِرواء«(١٩٢٤)، وتقدّم. (٢) البقرة: ٢٣٦. (٣) الوكس: النقص. (٤) الشطط: الجور. (٥) انظر ضبطها في»أسد الغابة" (٧/ ٣٥٦) برقم (٦٧٧٢). مثل ما قضيت» (١). وفي رواية: «أنه أتاه (٢) قوم فقالوا: إِنّ رجلًا منّا تزوج امرأة، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يجمعها إِليه، حتى مات؟ فقال عبد الله: ما سئلت -منذ فارقت رسول الله - ﷺ -- أشد علي من هذه! فأْتوا غيري، فاختلفوا إِليه فيها شهرًا، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إِن لم نسألك؟! وأنت من جلة أصحاب محمد - ﷺ - بهذا البلد، ولا نجد غيرك؟ قال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإِنْ كان صوابًا، فمن الله وحده لا شريك له، وإِن كان خطأً، فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، أرى أن أجعل لها صَداق نسائها، لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشرًا، قال: وذلك بسمْع أُناسٍ من أشجع، فقاموا فقالوا: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله - ﷺ - في امرأة منّا -يقال لها: بروع بنت واشق-. قال: فما رُئي عبد الله فرح فرحته يومئذ إِلا بإِسلامه». وفي رواية: «وذلك بحضرة ناس من أشجع، فقام رجل -يقال له: معقل بن سنان الأشجعي- فقال: أشهد أنك قضيت بمِثل الذي قضى به رسول الله - ﷺ -، في امرأة منا -يقال لها: بْروَع بنت واشق-، فما رُئي عبد الله فرح بشيء بعد الإِسلام كفرحه بهذه القصة» (٣). جاء في «سُبُل السلام» (٣/ ٢٨٩): «والحديث دليل على أنّ المرأة ------------------- (١) أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه شيخنا -رحمه الله في»الإِرواء«(١٩٣٩). (٢) أي: عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-. (٣) أخرجه النسائي والسياق له، وابن حبان والرواية الأخرى له، والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٦/ ٣٥٨). تستحق كمال المهر بالموت، وإن لم يُسَمِّ لها الزّوج ولا دخل بها، وتستحق مهر مِثلها». فيمن تزوّج ولم يُسمِّ صداقًا حتى مات (١): فيه الحديث المتقدّم عن عبد الله، في رجل تزوّج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصَّداق، فقال: لها الصَّداق كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث. فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله - ﷺ - قضى به في بَرْوَعَ بنت واشق (٢). وجاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٨٠): «فيه دليل على ثبوت المهر بالموت بطريق الأولى؛ لأنّه إِذا ثبت مع عدم التسمية؛ يثبت معها بفحوى الخطاب، فهذا الحديث يكفي في الاستدلال به على أن الموت يجب به المهر والميراث». مهر المِثل: *مهر المِثل؛ هو المهر الذي تستحقه المرأة، مِثل مهر من يماثلها وقت العقد في السنّ، والجمال، والمال، والعقل، والدين، والبكارة، والثيوبة، والبلد، وكل ما يختلف لأجله الصَّداق؛ كوجود الولد، أو عدم وجوده؛ إِذ إِن قيمة المهر للمرأة تختلف عادة باختلاف هذه الصفات، والمعتبر في المماثلة من جهة عصبتها، كأختها، وعمّتها، وبنات أعمامها. وقال أحمد -رحمه الله-: «هو معتبر بقراباتها من العصبات، وغيرهم من ---------------------- (١) هذا العنوان من سنن أبي داود»صحيح سنن أبي داود«(٢/ ٣٩٧). (٢) انظر تخريج الحديث الذي قبله، وانظر»صحيح سنن أبي داود" (١٨٥٧). ذوي أرحامها، وإِذا لم توجد امرأة من أقربائها من جهة الأب متصفة بأوصاف الزوجة، التي نريد تقدير مهر المِثل لها، كان المعتبر مهر امرأة أجنبية، من أسرة تماثل أسرة أبيها»* (١). عن عروة بن الزبير: «أنه سأل عائشة -رضي الله عنها- عن قول الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفْتُمْ﴾ إِلى ﴿وَرُبَاعَ﴾؟ فقالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حَجْر وليَّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوَّجَها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثلَ ما يُعطيها غيره، فَنُهُوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا (٢) لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق (٣)، وأُمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. قال عروة: قالت عائشة: ثمّ إِنَّ النّاس استفتوا رسول الله - ﷺ - بعد هذه الآية؟ فأنزل الله: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساء﴾ إِلى قوله: ﴿وتَرْغَبُون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، والذي ذكر الله أنه يُتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها: ﴿وإِنْ خِفتم أن لا تُقْسِطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء﴾، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَترغبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ يعني: هي رغبة أحدكم ليتيمته التي تكون في حَجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها من يتامى النساء إِلا بالقسط؛ من أجل رغبتهم عنهنّ» (٤). ---------------------- (١) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٤٧٨). (٢) أي: يعدلوا. (٣) أي: أعلى عادتهنّ في مهورهن ومهور أمثالهنّ. «شرح النووي». (٤) أخرجه البخاري: ٢٤٩٤، ومسلم: ٣٠١٨. ففي قول عائشة -رضي الله عنها-: «فنُهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتهنّ من الصَّداق»؛ مراعاة مَهْر المِثل في النساء كما لا يخفى. العدْل في المهور: لحديث عروة بن الزبير السابق وفيه: «... فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهن أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق». وكيف يقسط في صَداقها؟ قد بيّنته عائشة -رضي الله عنها- بقولها: «.. فيعطيها مِثل ما يُعطيها غيره». العَدْل في صداق اليتيمة: للنصّ السابق، وفيه قول عائشة -رضي الله عنها-: «هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ». الرجل هو الذي يحدّد المهر: والرجل هو الذي يُحدّد المهر؛ لكن في ضوء ما تقدّم من توجيهات وقواعد، ويراعي مهر المِثل، ولا يُغالي في ذلك. وفي بعض مجالس شيخنا -رحمه الله-: أفادنا أنّ الرجل هو الذي يحدّد ذلك، وذكر عددًا من الأدلّة؛ منها: حديث أنس -رضي الله عنه- قال: «سأل رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن بن عوف -وتزوّج امرأة من الأنصار-: كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب» (١). وذكَر ما يتعلّق بخاتمة الأمر، وعدم رفض ولي الزوجة. متى يجب عليه نصف المهر؟ إِذا طلّق الرجل زوجه قبل الدخول بها، وكان قد فرَض لها قدْرًا مُعينًا؛ فإِنّه يجب عليه نصف المهر. قال -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم إِلا أنْ يَعْفُون (٢) أو يَعْفُوَ الذي بِيَدِه عُقْدَةُ النكاح وأنْ تَعْفوا أقْرَبُ للتَّقْوَى ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بَيْنَكُم إِنّ اللهَ بما تَعْمَلون بصير﴾ (٣). ماذا يجب مِن المهر إِذا أغلق الباب وأرخى الستر ولم يدخل بزوجه؟ عن زرارة بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: «قضى الخلفاءُ الراشدون ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٦٧، ومسلم: ١٤٢٧، وتقدّم. (٢) قال ابن كثير -رحمه الله-:»وقوله: ﴿إِلا أن يعفون﴾ أي: النساء عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء. قال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلا أن يعفون﴾ قال: إِلا أن تعفو الثًيّب فتدَعَ حقّها". (٣) البقرة: ٢٣٧. المهديّون؛ أنّ مَن أغلق بابًا، أو أرخى سترًا؛ فقد وجب المهر، ووجبت العدّة» (١). وعن عمر -رضي الله عنه- قال: «إِذا أُجيف الباب، وأُرخيت الستور؛ فقد وجب المهر» (٢). هذا؛ وقد فصّل الإمام ابن حزم -رحمه الله- في ذلك تفصيلًا قويًّا تحت المسألة (١٨٤٦)؛ فارجع إِليه -إِن شئت-. وقال في آخر المسألة: «فإِن تعلّقوا بمن جاء ذلك عنه من الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فلا حُجّة في أحد دون رسول الله - ﷺ -. وقد اختلفوا كما ذَكَرْنا (٣)؛ فوجَب الردّ عند التنازُع إِلى القرآن والسُّنّة». جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٨١): «... وأمّا الخلوة فلم يكن في المقام ما ينتهض للاحتجاج به، ولم يصحّ من المرفوع ما تقوم به الحُجّة ... وقد قال -عز وجل-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم﴾، فإِن كان المراد بالمس الجماع؛ فظاهره أنَّ الخلوة ليست بجماع، وإِن كان المس أعمّ من الجماع، وهو وضع عضو منه على عضو منها؛ فليست الخلوة المجردة مَسًّا؛ وإن أرخى عليها مائة ستر، ونظر إِليها ------------------------ (١) أخرجه الإِمام أحمد وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٩٣٧). (٢) أخرجه الدارقطني بإِسناد صحيح، وانظر»الإِرواء" (٦/ ٣٥٧). (٣) وكان قد ذَكر -رحمه الله- آثارًا عديدة، بعضها في إِيجاب المهر كاملًا، وبعضها في نصفه. ألف نظرة! وإِذا عرفت هذا؛ فلا حاجة بنا إِلى التكلم على الخلوة الصحيحة والفاسدة». وقال شيخنا -رحمه الله - في «السلسلة الضعيفة» بعد الحديث (١٠١٩) -بحذف-: «من كشف خمار امرأة، ونظر إِليها، فقد وجَب الصَّداق؛ دخل بها أم لم يدخل» (١): «وجُملة القول؛ أن الحديث ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا. ولا يقال: فالموقوف شاهد للمرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي؛ لأمرين: الأوّل: أنه مخالف لقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُمُوهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتم ..﴾ (٢)؛ فهي بإِطلاقها تشمل التي خلا بها. وما أحسن ما قال شريح:»لم أسمع الله -تعالى- ذكر في كتابه بابًا ولا سترًا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصَّداق«(٣). الثاني: أنه قد صح خلافه موقوفًا، فروى الشافعي (٢/ ٣٢٥): ... عن ابن عباس -رضي الله عنهما-:»أنه قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثمّ يطلّقها: ليس لها إِلا نصف الصَّداق؛ لأن الله يقول: ﴿وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ وَقَدْ فرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضَة﴾. ومن طريق ----------------------- (١) أخرجه الدارقطني؛ وفيه علّة الإِرسال، وضَعْف ابن لهيعة، وانظر «الضعيفة» (١٠١٩). (٢) البقرة: ٢٣٧. (٣) «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٠٥)، وهو عند البيهقي بسند صحيح عنه نحوه. قاله شيخنا -رحمه الله-. الشافعي رواه البيهقي (٧/ ٢٥٤). قلت: وهذا سند ضعيف، لكن قد جاء من طريق أخرى عن طاوس، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور: ثنا هُشيم: أنبأ الليث عن طاوس عن ابن عباس:»أنه كان يقول في الرجل أُدخلت عليه امرأته، ثمّ طلقها، فزعم أنه لم يمسها، قال. عليه نصف الصَّداق«. قلت: وهذا سند صحيح، فبه يتقوّى السند الذي قبله، والآتي بعده عن علي بن أبي طلحة. ثمّ أخرج البيهقي عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿وإِن طَلَّقْتُمُوهُنّ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ ..﴾ الآية:»فهو الرجل يتزوّج المرأة، وقد سمى لها صَداقًا، ثمّ يطلقها من قبل أن يمسها، والمس الجماع، فلها نصف الصَّداق، وليس لها أكثر من ذلك. قلت: وهذا ضعيف منقطع، ثم روى عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: «لها نصف الصَّداق، وإِنْ جلس بين رجليها». وقال: «وفيه انقطاع بين الشعبي وابن مسعود». فإِذا كانت المسألة مما اختلف فيه الصحابة، فالواجب حينئذ الوجوع إِلى النص، والآية مؤيدة لما ذهب اليه ابن عباس؛ على خلاف هذا الحديث، وهو مذهب الشافعي في «الأمّ» (٥/ ٢١٥). وهو الحق- إِن شاء الله تعالى-". انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. قلت: ومِثل ذلك يُقال في أثر زرارة -رضي الله عنه-؛ لأن إِيجاب العدّة إِنما هو على مَنْ دخَل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نَكَحْتُم المؤمنات ثمّ طَلَّقْتمُوهُنّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهَنّ فَمَا لَكُم عَلَيْهنّ من عدّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١). والراجح: أنه إِذا أَغلق الباب وأرخى الستر، ولم يدخل بزوجه؛ فلها نصف الصَّداق، ولا عدّة عليها -والله تعالى أعلم-. قال ابن كثير -رحمه الله-: «... وتشطير الصداق -والحالة هذه- أمْر مُجمعٌ عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإِنه متى كان قد سَمَّى لها صَداقًا ثمّ فارقَها قبل دخوله بها، فإِنه يجب لها نصف ما سمّى من الصَّداق، إِلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصَّداق إِذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها ...» (٢). فوائد متفرِّقة: *جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٧): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل اعتقلته زوجته عند الحاكم على الصَّداق مدة شهرين، ولم يوجد له موجود: فهل يجوز للحاكم أن يبقيه أو يُطْلِقه؟ فأجاب: إِذا لم يُعرَف له مال؛ حلّفه الحاكم على إِعساره وأطلقه، ولم يجز حبسه وتكليفه البينة والحالة هذه في المذاهب الأربعة». *وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: هل يسقط المهر إِذا فُسخ العقد لإِعسار الرجل أو لعيبٍ فيه؟! فأجاب -رحمه الله-: إِذا بنى أو دخَل؛ فهو حقٌّ لها. -------------------- (١) الأحزاب: ٤٩. (٢) انظر -إِن شئت- تتمّة الكلام عن الإِمام الشافعي -رحمه الله-. * وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا ارتدّت المرأة عن الإِسلام، فهل يسقط المهر عن الرجل قبل الدخول؟ فأجاب -رحمه الله-: لا يسقط حقّها؛ لأنّ حقّها تحقّق بمجرّد العقد، وكان العقد مشروعًا، والحقّ يبقى في ذمّته. قلت: وبعد الدخول؛ هل هو من باب أولى؟ فأجاب -رحمه الله-: نعم. * وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا اكتشف الرجل عيبًا بالمرأة؛ يمنَعه من الاستمتاع؛ فهل له أخْذ ما أعطاها من الصّداق؟ فأجاب -رحمه الله-: إِذا جامعها لا، وإذا لم يجامعها، فله ذلك. الإِمهار عن غيره: عن أمّ حبيبة: «أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النّبيّ - ﷺ -، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله - ﷺ - مع شرحبيل ابن حسنة». قال أبو داود: «حسنةُ هي أمّه» (١). الرجل هو الذي يُعدّ البيت ويؤثثه ويجهّزه: لا شكّ أنّ *المسؤول عن إِعداد البيت إِعدادًا شرعيًا، وتجهيز كل ما يحتاج له من الأثاث، والفرش، والأدوات: هو الزوج. والزوجة لا تسأل عن شيء من ذلك، مهما كان مهرها ... لأنّ المهر إِنما تستحقه الزوجة في مقابل الاستمتاع -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٣). بها، لا من أجل إِعداد الجهاز لبيت الزوجية، فالمهر حقٌّ خالصٌ لها. ليس لأبيها، ولا لزوجها، ولا لأحد حقّ فيه* (١). وقد قال الله -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامون على النِّساء بمَا فَضَّل الله بَعضهم على بعض وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوَالِهم﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «﴿وبمَا أنفقوا من أمْوَالِهِم﴾؛ أي: من المهور والنفقات والكُلَف التي أوجبها الله عليهم لهنّ في كتابه وسنة نبيه - ﷺ -». النفقة المراد بالنفقة: الشيء الذي يبذله الإِنسان؛ فيما يحتاجه هو أو غيره؛ من الطعام والشراب وغيرهما (٣). حُكمها: النفقة واجبة بالكتاب والسّنّة والإِجماع. قال الله -تعالى-: ﴿وعلى المولود له رِزقُهنّ وكِسْوَتُهُنّ بالمعروف لا تُكلَّف نفسّ إِلا وُسْعَها﴾ (٤). قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية: «أي: وعلى والد ------------------- (١) ما بين نجمتين عن»فقه السنة«(٢/ ٤٩٠) -بحذف-. (٢) النساء: ٣٤. (٣)»سبل السلام" (٣/ ٤١٤). (٤) البقرة: ٢٣٣. الطفل نفقة الوالدات، وكسوتهنّ بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهنّ في بلدهنّ؛ من غير إِسراف ولا إِقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال -تعالى-: ﴿لينفق ذُو سَعَة من سَعَته ومن قُدرَ عليه رِزْقُهُ فَلْيُنْفِق ممَّا آتاه الله لا يُكَلّفُ الله نفسًا إِلا ما آتاها سَيَجْعَل الله بعد عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١). قال الضحاك: إِذا طلّق الرجل زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف. وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿أسكنوهنّ من حيث سَكَنْتُم من وُجْدِكم ولا تُضارُّوهنّ لتضيِّقوا عليهنّ وإِن كُنَّ أُولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ فإِن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهن وأْتَمِرُوا بينكم بمعروف وإِن تعاسرتم فَسَتُرْضِعُ له أخرى﴾ (٢). *وقوله -سبحانه-: ﴿أسكنوهنّ من حيثُ سكنتم﴾، أَي: عندكم. وقوله -تعالى-: ﴿مِن وُجْدِكُم﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني سعتكم. حتى قال قتادة. إِن لم تَجِد إِلا جنب بيتك فأسكِنها فيه* (٣). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ - في حَجَّة الوداع: «اتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنِّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإِن فَعَلْن ذلك؛ فاضربوهنّ --------------------- (١) الطلاق: ٧. (٢) الطلاق: ٦. (٣) ما بين نجمتين من»تفسير ابن كثير". ![]()
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 181الى صــ195 الحلقة (125) ضربًا غير مبرِّح (١). ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ هندًا قالت للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أبا سفيان رجل شحيح؛ فأحتاج أن آخذ من ماله؟ قال - ﷺ -: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف» (٣). وعن معاوية القُشَيْرِي قال: «قلت: يا رسول الله! ما حقُّ زوجة أحدِنا عليه؟ قال: أن تُطعِمَها إِذا طَعِمْت، وتَكْسُوَها إِذا اكتسيت، ولا تضربَ الوجه، ولا تُقَبِّحَ، ولا تهجرَ إِلا في البيت» (٤). وعن جابر -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإِن فَضَل شيء فلأهلك، فإِن فَضَل عن أهلك شيء فلذي قرابتك» (٥). وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٩): «والواجب الأصلي هو المعاشرة بالمعروف، وبيّنها النّبيّ - ﷺ - بالرزق والكسوة وحُسن المعاملة، ولا يمكن في الشرائع المستندة إِلى الوحي أن يُعيّن جنس القوت وقدره مثلًا، فإِنه لا يكاد يتفق أهل الأرض على شيء واحد، ولذلك إِنما أمر أمرًا مطلقًا». وجاء في «السيل الجرّار»: «ثبت الإِجماع على وجوب نفقة الزوجات على -------------------- (١) أي: غير شاق.»النهاية«. (٢) أخرجه مسلم: ١٢١٨. (٣) أخرجه البخاري: ٧١٨٠، ومسلم: ١٧١٤. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٧٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٠٠)، وانظر»الإِرواء" (٢٠٣٣). (٥) أخرجه مسلم: ٩٩٧. الأزواج، ولم يَرِد في ذلك خلاف». ماذا إِذا كان الزوج بخيلًا؟ للزوجة أن تطلب فرض نفقةٍ لها ولأبنائها؛ مما تحتاجه من طعام أو كِسوة أو مسكن أو نحو ذلك. ولها حين يقصّر الزوج أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف -من غير إِسراف ولا مخيلة-، وإن لم يعلم بذلك. عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ هندًا قالت للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أبا سفيان رجل شحيح؛ فأحتاج أن آخذ من ماله؟ قال النّبيّ - ﷺ -: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف» (١). قال النووي -رحمه الله- في «شرحه» (١٢/ ٧، ٨): «في هذا الحديث فوائد: منها: وجوب نفقة الزوجة. ومنها: وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار. ومنها: أن النفقة مقدرة بالكفاية ... قال أصحابنا: إِذا امتنع الأب من الإِنفاق على الولد الصغير، أو كان غائبًا؛ أذِن القاضي لأمّه في الأخذ من آل الأب، أو الاستقراض عليه والإِنفاق على الصغير؛ بشرط أهليتها. وهل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إِذْن القاضي؟ فيه وجهان مبنيان على وجهين لأصحابنا؛ في أنّ إِذْن النّبيّ - ﷺ - لهند امرأة أبي سفيان كان إِفتاءً أم قضاءً؟ والأصح أنه كان إِفتاءً، وأن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها، فيجوز. والثاني: كان قضاءً، فلا يجوز لغيرها إِلا بإِذن القاضي. والله أعلم». ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧١٨٠، ومسلم: ١٧١٤، وتقدّم غير بعيد. قلت: والقول: إنه إِفتاء أصحّ. وعلى افتراض أنه كان قضاءً؛ فلا ينفي أن يكون ذلك إِفتاءً لمن احتاج إِلى الإِفتاء، وقضاءً لمن احتاج إِلى القضاء، فمقتضى الفقه أن يستفاد منه في الإِفتاء والقضاء. وليست كل امرأةٍ بمستطيعة أن تشكو إِلى القاضي، إذ ربما يؤدي ذلك إِلى مفاسد أخرى، والله -تعالى- أعلم. ويُشترط الرُشد في المرأة؛ لأخْذ النفقة من الزوج بغير علمه، قال الله -تعالى-: ﴿ولا تُؤتوا السفهاء أموالكم﴾ (١). نفقة زوجة الغائب: وإذا غاب الرجال عن النّساء؛ لم تسقط عنهم النفقة. فعن ابن عمر أنّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-: «كتب إِلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن ينفقوا أو يُطلّقوا، فإِنْ طلّقوا بعثوا بنفقة ما مضى». قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن عمر (٢). جاء قي «السيل الجرّار» (٢/ ٢٥٦): «أقول: قد أمَر الله -سبحانه- بإِحسان عِشرة - ﷺ - زوجات فقال: ﴿وعاشِرُوهُنّ بِالمَعْرُوف﴾ (٣)، ونهى عن إِمساكهن ضرارًا فقال: ﴿ولا تمسكوهنّ ضرارًا﴾ (٤)، وأمَر بالإِمساك بالمعروف أو ------------------------- (١) النساء: ٥. (٢) أخرجه الشافعي، وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٢١٥٩). (٣) النساء: ١٩. (٤) البقرة: ٢٣١. التسريح بإِحسان فقال: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١)، ونهى عن مضارتهن فقال: ﴿ولا تُضَاروُّهنّ﴾ (٢). فالغائب إِن حصل مع زوجته التضرّر بغيبته جاز لها أن ترفع أمرها إِلى حُكّام الشريعة، وعليهم أن يخلِّصوها من هذا الضرار البالغ. هذا على تقدير أنّ الغائب تَرَك لها ما يقوم بنفقتها، وأنها لم تتضرر من هذه الحيثية، بل من حيثية كونها لا مزوجة ولا أيمّة. أمّا إِذا كانت متضررة بعدم وجود ما تستنفقه مما تركه الغائب؛ فالفسخ بذلك على انفراده جائز ولو كان حاضرًا؛ فضلًا عن أن يكون غائبًا، وهذه الآيات التي ذكَرناها وغيرها تدل على ذلك. فإِن قلت: هل تعتبر مدة مقدرة في غيبة الغائب؟ قلت: لا؛ بل مجرد حصول التضرر من المرأة مُسوِّغ للفسخ بعد الإِعذار إِلى الزوج؛ إِن كان في محلٍّ معروف، لا إِذا كان لا يعرف مستقره، فإِنه يجوز للحاكم أن يفسخ النكاح بمجرد حصول التضرر من المرأة، ولكن إِذا كان قد ترك الغائب ما يقوم بما تحتاج إِليه، ولم يكن التضرر منها إِلا لأمر غير النفقة ونحوها؛ فينبغي توقيفها مدة، يخبر مَنْ له عدالة من النساء؛ بأن المرأة تتضرر بالزيادة على تلك المدة. وأمّا إِذا لم يترك لها ما تحتاج إِليه؛ فالمسارعة إِلى تخليصها، وفكِّ أسْرها ودفْع الضرار عنها واجب. ثمّ إِذا تزوجت بآخر؛ فقد صارت زوجته، وإِنْ عاد الأول فلا يعود نكاحه؛ بل قد بطل بالفسخ». ------------------ (١) البقرة: ٢٢٩. (٢) الطلاق: ٦. نفقة المعتدة (١): للمعتدّة الرجعيَّة النفقة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿أسْكِنُوهُنّ من حَيثُ سَكَنْتم مِن وُجدكم﴾ (٢) -والسياق في الطلاق الرجعي-. وكذلك للمعتدّة الحامل النفقة لقول الله -تعالى- فيهنّ: ﴿وإِن كُنّ أولات حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ﴾ (٣). *وهذه الآية تدلّ على أنّ وجوب النفقة للحامل؛ سواءٌ أكانت في عدّة الطلاق الرجعي أم البائن، أم كانت عدتها عدّة وفاة* (٤). وقد اختلف العلماء في شأن النفقة والسُّكنى إِذا لم تكن حاملًا. والراجح أنه لا نفقة لها ولا سكنى. فعن الشعبي قال: «دخلتُ على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله - ﷺ - عليها؟ فقالت: طلَّقها زوجها البتة، فقالت: فخاصمتُه إِلى رسول الله - ﷺ - في السكنى والنّفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتدّ في بيت ابن أم مكتوم» (٥). وفي رواية: «إِنما النفقة والسكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها رجعة» (٦). ------------------------ (١) وسيأتي التفصيل -إن شاء الله- في «كتاب الطلاق». (٢) الطلاق: ٦. (٣) الطلاق: ٦. (٤) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٥٠٥). (٥) أخرجه مسلم: ١٤٨٠، وأصله في البخاري: ٥٣٢٣، ٥٣٢٤. (٦) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٨٦)، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٤/ ٢٨٨): «المطلقة ثلاثًا لا سكن لها ولا نفقة ...». وذكَر الحديث. وعنها كذلك: أن النّبيّ - ﷺ - قال لها: «لا نفقة لك إِلا أن تكوني حاملًا» (١). لا تنتهك المرأة شيئًا من مالها الا بإِذن زوجها: لقوله - ﷺ -: «لا يجوز لامرأة عطيّةٌ في مالها إِلا بإذن زوجها» (٢). ولقوله - ﷺ -: «ليس للمرأة أن تنتهك شيئًا من مالها إِلا بإِذن زوجها» (٣). قال شيخنا -رحمه الله- عقب هذا الحديث: «وهذا الحديث -وما أشرنا إِليه ممّا في معناه- يدل على أنّ المرأة لا يجوز لها أن تتصرف بمالها الخاص بها إِلا بإِذن زوجها، وذلك من تمام القوامة التي جعلها ربنا -تبارك وتعالى- له عليها، ولكن لا ينبغي للزوج -إِذا كان مسلمًا صادقًا- أن يستغل هذا الحكم؛ فيتجبر على زوجته، ويمنعها من التصرف في مالها فيما لا ضير عليهما منه. وما أشبهَ هذا الحقَّ بحق وليّ البنت التي لا يجوز لها أن تُزوّج نفسها بدون إِذن وليها، فإِذا أعضلها رفعت الأمر إِلى القاضي الشرعي لينصفها، وكذلك الحكم في مال المرأة إِذا جار عليها زوجها؛ فمنعها من التصرف المشروع في مالها؛ فالقاضي ينصفها أيضًا. فلا إِشكال على الحكم نفسه، وإِنما الإِشكال في سوء التصرّف به. فتأمّل». متى يستحبّ البناء بالنساء (٤)؟ عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «تزوجني رسول الله - ﷺ - في ---------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٠٥) وغيره، وانظر»الإِرواء«(٢١٦٠). (٢) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وانظر»الصحيحة«(٨٢٥). (٣) أخرجه الطبراني، وابن عساكر وغيرهما، وانظر»الصحيحة«(٧٧٥). (٤) هذا العنوان من»سنن ابن ماجه". شوال، وبنى بي في شوال. فأيُّ نساء رسول الله - ﷺ - كان أحظى عنده منّي؟ قال: وكانت عائشة تستحب أن تُدخل نساءها في شوال«(١). موعظةُ الرّجلِ ابْنَتَهُ لِحَالِ زَوَاجها (٢): فيه حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- الطويل وفيه:»... فنزلتُ فدخلت [أي: عمر -رضي الله عنه-] على حفصة، فقلت لها. أي حفصةُ! أتغاضِب إِحداكنّ النّبي - ﷺ - اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خبتِ وخسرتِ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله - ﷺ - «؛ فَتَهْلَكِي؟ لا تستكثري النَّبيّ - ﷺ -، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ، ولا يغرنّك أن كانت جارتك أَوْضَأَ منك، وأحبَّ إِلى النّبيّ - ﷺيريد عائشهّ-» (٣). ذهاب النّساء والصبيان إِلى العُرس (٤): عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «أبصر النّبي - ﷺ - نساءً وصبيانًا مُقبلين من عُرس، فقام مُمْتنًّا (٥)، فقال: اللهمّ أنتم من أحبّ النّاس إِليّ» (٦). ------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٢٣. (٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب النكاح) «باب - ٨٣». (٣) أخرجه البخاري: ٥١٩١، ومسلم: ١٤٧٩. (٤) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب النكاح) «باب - ٧٥». (٥) أي: قام قيامًا قويًّا، مأخوذ من المُنّة -بضمّ الميم- وهي القوّة؛ أي: قام إِليهم مسرعًا مشتدًا في ذلك، فرحًا بهم. «فتح». (٦) أخرجه البخاري: ٥١٨٠، ومسلم: ٢٥٠٨. استعارة الثياب للعروس (١): عن عائشة -رضي الله عنها-، «أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله - ﷺ - ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلَّوا بغير وضوء، فلما أتوا النّبيّ - ﷺ -؛ شّكَوا ذلك إِليه، فنزلت آية التيمم. فقال أُسيد بن حُضَير: جزاكِ الله خيرًا، فوالله ما نزل بكِ أمرٌ قطُّ إِلا جعل الله لكِ منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة» (٢). الهديّة للعروس (٣): عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النبي - ﷺ - عروسًا بزينب، فقالت لي أمُّ سُليم: لو أهدَينا لرسول الله - ﷺ - هدية، فقلت لها: افعلي. فعَمَدَتْ إِلى تمر وسمن وأَقِطٍ، فاتخذت حَيْسة في بُرْمة (٤)، فأرسلت بها معي إِليه، فانطلقت بها إِليه، فقال لي: ضعها، ثمّ أمرني فقال: ادعُ لي رجالًا -سمّاهم- وادعُ من لَقِيتَ، قال: ففعلت الذي أمرني ...» (٥). ---------------------- (١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب النكاح) «باب - ٦٥». (٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٤، ومسلم: ٣٦٧. (٣) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب النكاح) (باب-٦٤). (٤) البُرمة: قِدر من الحجارة. «المحيط». (٥) أخرجه البخاري: ٥١٦٣، ومسلم: ١٤٢٨. آداب الزِّفاف (١) ١ - ملاطفة الزوجة عند البناء بها: يُستحبّ له إِذا دخَل على زوجته أن يلاطفها، كأنْ يقدّم إليها شيئًا من الشراب ونحوه؛ لحديث أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: «إِنّي قَيَّنت (٢) عائشة لرسول الله - ﷺ -، ثمّ جئته، فدعوته لجلوتها (٣)، فجاء فجلَس إِلى جنبها، فأُتي بعُسّ (٤) لبن، فشرب، ثمّ ناوَلها النّبيّ - ﷺ -، فخفضَت رأسها واستحيت. قالت أسماء: فانتهرتها، وقلت لها: خذي من يد النّبيّ - ﷺ -، قالت: فأخذَت، فشربَتْ شيئًا، ثمّ قال لها النبيّ - ﷺ -: أعطي تِرْبَكِ (٥)» (٦). ٢ - وضْعُ اليدِ على رأس الزوجة والدعاءُ لها: وينبغي أن يضع يده على مقدّمة رأسها عند البناء بها -أو قبل ذلك-، وأن يسميَ الله -تبارك وتعالى-، ويدعو بالبركة، ويقول ما جاء في قوله - ﷺ -: «إِذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادمًا، [فليأخُذ بناصيتها] (٧)، [وليُسَمِّ الله -عزّ ----------------------- (١) عن»آداب الزفاف«-بتصرُّف- لشيخنا الألباني -رحمه الله-. (٢) أي: زيّنْتُها لزفافها. (٣) أي: حتى يراها -عليه الصلاة والسلام- مجلوّة؛ أي: مكشوفة. (٤) العُسّ: القَدح الكبير. (٥) التِّرب: المماثل في السنّ، وأكثر ما يُستعمَل في المؤنث.»الوسيط«. (٦) أخرجه أحمد وغيره، وانظر»آداب الزفاف" (ص ٩٢). (٧) أي: مقدّم رأسها. وجلّ-]، [وليدْعُ بالبركة]، وليقل: اللهم إِني أسألك من خيرها وخير ما جَبَلتها (١) عليه، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما جَبلْتَها عليه» (٢). ٣ - صلاة الزوجين معًا: ويُستحبّ لهما أن يُصلّيا ركعتين معًا، لأنّه منقولٌ عن السلف، وفيه أثران: الأول: عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: «تزوجتُ وأنا مملوك، فدعوتُ نفرًا من أصحاب النّبيّ - ﷺفيهم ابن مسعود وأبو ذرّ وحذيفة-، قال: وأقيمت الصلاة، قال: فذهب أبو ذرّ ليتقدّم، فقالوا: إِليك! قال: أوَكَذَلك؟! قالوا: نعم (٣)، قال: فتقدمت بهم وأنا عبد مملوك، وعلَّموني فقالوا: إِذا دخَل عليك أهلك؛ فصلّ ركعتين، ثمّ سل الله من خير ما دخل عليك، وتعوَّذ به من شرِّه، ثمّ شأنَك وشأنَ أهلك» (٤). الثاني: عن شقيق قال: «جاء رجل يقال له: أبو حريز، فقال: إِني تزوجتُ جارية شابّة [بكرًا]، وإني أخاف أن تَفْرَكَنِي (٥)! فقال عبد الله (يعني: ابن ------------------------- (١) أي: خَلْقتها وطبَعْتها عليه من الأخلاق.»عون المعبود«(٦/ ١٣٩). (٢) أخرجه البخاري في»أفعال العباد«، وأبو داود، وابن ماجه وغيرهم، وانظر»آداب الزفاف«(ص ٩٣). (٣) قال شيخنا -رحمه الله-:»يُشيرون بذلك إِلى أنّ الزائر لا يؤمّ المزور في بيته إِلا أن يأذَن له، لقوله - ﷺ -: «ولا يُؤَمُّ الرجل في بيته ولا في سلطانه». أخرجه مسلم وأبو عوانة في «صحيحيهما»، وهو في «صحيح أبي داود» (٥٩٤)«. (٤) أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في»المصنف«، وعبد الرزاق، وانظر»آداب الزفاف" (ص ٩٤). (٥) أي: تبغضني. مسعود): إِنّ الإِلْفَ من الله، والفِرْكَ من الشيطان، يريد أن يكرّه إِليكم ما أحل الله لكم؛ فإِذا أتتك فَأْمُرها أن تصلي وراءك ركعتين -زاد في رواية أخرى عن ابن مسعود-، وقل: اللهم بارِك لي في أهلي، وبارِك لهم فيَّ، اللهم اجمع بيننا ما جمعت بخير؛ وفرِّق بيننا إِذا فرَّقتَ إلى خير» (١). ٤ - ما يقول حين يجامعها: وينبغي أن يقول حين يأتي أهله: «بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنَا». عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لو أنّ أحدكم إِذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنَا، فقُضي بينهما ولد لم يَضُرَّه» (٢). ٥ - كيف يأتيها؟ ويجوز له أن يأتيها في قُبُلها من أيِّ جهةٍ شاء، مِن خَلْفها أو من أمامها، لقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿نِسَاؤُكم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، أي: كيف شئتم؛ مُقبلة ومدبرة. عن جابر -رضي الله عنه- قال: «كانت اليهود تقول: إِذا أتى الرجل امرأته من دُبُرها في قُبُلها؛ كان الولد أحول! فنزلت ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، [فقال رسول الله - ﷺ -: مقبلة ومدبرة؛ إِذا كان ذلك في --------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في»المصنف«، وانظر»آداب الزفاف" (ص ٩٦). (٢) أخرجه البخاري: ١٤١، ومسلم: ١٤٣٤. الفرج]» (١). جاء في «سبل السلام» (٣/ ٢٦٥): «فأباح موضع الحرث، والمطلوب من الحرث نبات الزرع، فكذلك النساء؛ الغرض من إِتيانهن هو طلب النسل؛ لا قضاء الشهوة [فحسب]، وهو لا يكون إِلا في القبل، فيحرم ما عدا موضع الحرث، ولا يقاس عليه غيره؛ لعدم المشابهة في كونه محلًا للزرع، وأمّا حل الاستمتاع فيما عدا الفرج؛ فمأخوذ من دليل آخر، وهو جواز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج ...». ٦ - تحريم الدُّبُر: ويحرم عليه أن يأتيها في دُبُرها؛ لمفهوم الآية السابقة: ﴿نسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، ولما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «جاء عمر بن الخطاب إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! هلَكتُ! قال: وما الذي أهلكَك؟ قال: حولتُ رحْلي الليلة (٢)، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأُوحِي إِلى رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئتُم﴾، يقول: أقْبِلْ وأدْبر، واتق الدُّبُر والحيضة» (٣). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٥٢٨، ومسلم: ١٤٣٥، واللفظ له، والزيادة لابن أبي حاتم، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٩٩). (٢) جاء في «النهاية:»كنّى برَحله عن زوجته، أراد به غِشْيانها في قُبُلها من جهة ظهرها ...«. (٣) أخرجه النسائي في»العِشْرة«، والترمذي -وحسّنه- وغيرهما، وانظر»آداب الزفاف" (ص ١٠٣). لا كراهة في الكلام حال الجماع: جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٨٣): «وأمّا الكلام حال الجماع؛ فقد استدل بعض أهل العلم على كراهة الكلام حال الجماع، بالقياس على كراهته حال قضاء الحاجة، فإِنْ كان ذلك بجامع الاستخباث؛ فباطل؛ فإِنّ حالة الجماع حالة مُستلذَّة، لا حالة مُستخبثة، وفي المكالمة -حَالَتَهُ- نوع من إِحسان العشرة؛ بل فيه لذة ظاهرة؛ كما قال بعض الشعراء: وَيُعْجِبُنِي مِنْكِ حَالَ الجِمَاعِ ... لِينُ الكَلامِ وَضَعْفُ النَّظَرْ وإِنْ كان الجامع شيئًا آخر؛ فما هو؛ فإِنّ النّبيّ - ﷺ - قد شرع الملاعبة والمداعبة، ووقتُ الجماع أولى بذلك من غيره». ٧ - الوضوء بين الجماعين: وإِذا أرادَ أن يعود إِليها توضّأ؛ لقوله - ﷺ -: «إِذا أتى أحدُكم أهلَه، ثمّ أراد أن يعود، فليتوضأ» (١). وفي رواية: «فإِنه أنشط في العَوْدِ» (٢). ٨ - الغُسل أفضل: لكن الغسل أفضل من الوضوء؛ لحديث أبي رافع -رضي الله عنه-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - طاف ذاتَ يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلًا واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر» (٣). ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٠٨. (٢) انظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٧). (٣) أخرجه أبو داود، والنسائي في «عشرة النساء» وغيرهما، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٠٨). ٩ - اغتسال الزوجين معًا: ويجوز لهما أن يغتسلا معًا في مكان واحد، ولو رأى منها ورأت منه. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي، قالت: وهما جُنُبان» (١). وعن معاوية بن حيدة -رضي الله عنه- قال: «قلتُ: يا رسول الله! عوراتنا؛ ما نأتي منها وما نذَر؟ قال: احفظ عورتك؛ إِلا من زوجتك أو ما ملكَت يمينك» (٢). وجاء في «السلسلة الضعيفة» (٣) -بعد حديث موضوع يمنع النظر إِلى فرج الزوجة-: «والنظر الصحيح يدل على بطلان هذا الحديث، فإِن تحريم النظر بالنسبة للجماع: من باب تحريم الوسائل، فإِذا أباح الله -تعالى- للزوج أن يجامع زوجه، فهل يُعقل أن يمنعه من النظر إِلى فرجها؟! اللهم لا. ويؤيد هذا من النقل حديث عائشة قالت:»كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إِناءٍ بيني وبينه واحد، فيُبادرني؛ حتى أقول: دَع لي، دَع لي«. أخرجه الشيخان وغيرهما. فإِن الظاهر من هذا الحديث جواز النظر، ويؤيده رواية ابن حبان من طريق --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٥٠، ومسلم: ٣٢١ واللفظ له. (٢) أخرجه أصحاب السنن إِلا النسائي، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١١٢). (٣) برقم (١٩٥) بلفظ:»إِذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته؛ فلا ينظر إِلى فرجها، فإنّ ذلك يورث العمى". سليمان بن موسى: أنه سُئِل عن الرجل ينظر إِلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاءً؟ فقال: سألت عائشة؟ ... فذكرت هذا الحديث بمعناه. وهو نص في جواز نظر الرجل إِلى عورة امرأته -وعَكْسِهِ- وإذا تبيّن هذا؛ فلا فرق حينئذ بين النظر عند الاغتسال أو الجماع، فثبت بطلان الحديث». ١٠ - توضُّؤ الجُنُب قبل النوم: ولا ينامان جُنُبين إِلا إِذا توضآ؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا أراد أن ينام وهو جُنُب؛ غَسَل فرجه، وتوضأ [وضوءه] للصلاة» (١). ١١ - حُكم هذا الوضوء: وليس ذلك على الوجوب، وإنما للاستحباب المؤكّد، لحديث عمر: «أنه سأل رسول الله - ﷺ -: أينام أحدنا وهو جُنُب؟ فقال: نعم، ويتوضأ إِنْ شاء» (٢). ويؤيده حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - ينام وهو جُنُب من غير أن يمس ماءً؛ [حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل]» (٣). ١٢ - تيمُّم الجُنُب بدل الوضوء: ويجوز لهما التيمم بدل الوضوء أحيانًا؛ لحديث عائشة قالت: «كان رسول ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٨٨، ومسلم: ٣٠٥ والزيادة له. (٢) أخرجه ابن حبّان في»صحيحه«عن شيخه ابن خزيمة -رحمهما الله تعالى-، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١١٥). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة، وأَصحاب»السنن«إلاَّ النسائي، وانظر»آداب الزفاف" (١١٦). ![]()
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 196الى صــ210 الحلقة (126) الله - ﷺ - إذا أجنب فأراد أن ينام، توضأ أو تيمّم» (١). ١٣ - اغتساله قبل النوم أفضل: واغتسالهما أفضل؛ لحديث عبد الله بن قيس قال: «سألتُ عائشة قلت: كيف كان - ﷺ - يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كلَّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعة» (٢). ١٤ - تحريم إِتيان الحائض: ويحرُم عليه أن يأتيها في حيضها؛ لقوله -تبارك وتعالى-. ﴿ويسألونك عن المحيض قُل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنّ حتى يطهرن فإِذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله إِنّ الله يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين﴾ (٣). ومن الأحاديث الدالّة على ذلك قوله - ﷺ -: «من أتى حائضًا، أو امرأة في دُبُرها، أو كاهنًا؛ فصدَّقه بما يقول، فقد كفَر بما أُنزل على محمد» (٤). ١٥ - ما يحِلّ له من الحائض: ويجوز له أن يتمتّع بما دون الفرج من الحائض، ومن الأدلة على ذلك: ---------------------- (١) أخرجه البيهقي، وحسنه الحافظ في «الفتح»، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١١٨). (٢) أخرجه مسلم: ٣٠٧. (٣) البقرة: ٢٢٢. (٤) أخرجه أصحاب «السنن» وغيرهم، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٢١). قوله - ﷺ -: «... اصنعوا كلّ شيء إِلا النكاح (١)» (٢). وعن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: «إِنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد من الحائض شيئًا؛ ألقى على فرجها ثوبًا؛ [ثمّ صنع ما أراد]» (٣). ١٦ - ولا يأتيها بعد الطُّهر إِلا أن تغتسل: قال الله -تعالى-: ﴿فإِذا تطهّرن فأتوهنّ من حيثُ أمَركم الله﴾ (٤). وقد فصّلتُ القول في هذه المسألة من كتابي هذا: «الموسوعة» (١/ ٢٧٦). ١٧ - جواز العزل: ويجوز له أن يعزل عنها ماءَه. عن جابر -رضي الله عنه- قال: «كنّا نعزل والقرآن ينزل» (٥). وفي رواية: «كنّا نعزِل على عهد رسول الله - ﷺ -، فبلَغ ذلك نبيّ الله - ﷺ -، فلم يَنْهَنا» (٦). ١٨ - الأوْلى ترْك العزل: ولكن ترْكه أولى لأمور: ----------------------- (١) أي: الجماع. (٢) أخرجه مسلم: ٣٠٢. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٤٢)، وانظر «آداب الزفاف» (١٢٥). (٤) البقرة: ٢٢٢. (٥) أخرجه البخاري: ٥٢٠٩، ومسلم: ١٤٤٠. (٦) أخرجه مسلم: ١٤٤٠. الأول: أنّ فيه إِدخالَ ضررٍ على المرأة لما فيه من تفويت لذتها (١). فإِنْ وافقَت عليه (٢)؛ ففيه ما يأتي، وهو: الثاني: أنه يُفوِّت بعض مقاصد النكاح، وهو تكثير نَسْل أمّة نبيِّنا - ﷺ -، وذلك قوله - ﷺ -: «تزوَّجوا الودود الولود، فإِني مُكاثِرٌ بكم الأم (٣)» (٤). ولذلك وصَفَه النّبيّ - ﷺ - بالوأد الخفي حين سألوه عن العزل. عن جُذَامة بنت وهب قالت: «حضرتُ رسول الله - ﷺ - في أناس سألوه عن العزل؟ فقال - ﷺ -: ذلك الوأد الخفي» (٥). ولهذا أشار - ﷺ - إِلى أن الأوْلى تركه في حديث أبي سعيد الخدري أيضًا، قال: «ذُكر العزل عند رسول الله - ﷺ -، فقال: ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟! -ولَمْ يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم-؛ فإِنه ليست نفس مخلوقة إِلا الله خالقها». ------------------------ (١) قال شيخنا -رحمه الله-: «ذكَره الحافظ في»الفتح«...». (٢) وقد رأيت هذا موافقًا لكلام شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٣٢/ ١٠٨): «وأمّا العزل فقد حرمه طائفة من العلماء؛ لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز بإِذن المرأة، والله أعلم». (٣) مُكاثِر بكم الأم؛ أي: مُفاخِر بسببكم سائر الأمم؛ لكثرة أتباعي. «عون المعبود» (٦/ ٣٤). (٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٣٢). (٥) أخرجه مسلم: ١٤٤٢. وفي رواية: «فقال لنا: وإِنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون؟ ما مِن نسمة كائنةٍ إِلى يوم القيامة، إِلا وهي كائنة» (١). انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. وانظر للمزيد -إِن شئت- ما قاله العلامة ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٥/ ١٤). وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٤/ ٣٨٥): «كراهة تحديد النسل أو تنظيمه والنهي عن الرهبانية»؛ ثم ذكر الحديث (١٨٧٢): «تزوّجوا فإِني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى». جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٨٥): «قال في»المُسَوَّى«: اختلف أهل العلم في العزل، فرخّص فيه غير واحد من الصحابة والتابعين، وكرهه جمع منهم، ولا شكّ أنّ تركه أولى». ١٩ - ما ينويان بالنكاح: وينبغي لهما أن ينويا بنكاحهما إعفاف نفسَيْهما، وإحصانهما من الوقوع فيما حرّم الله عليهما، فإِنه تكتب مباضعتهما صدقة لهما، لحديث أبي ذر -رضي الله عنه-: «أنّ ناسًا من أصحاب النّبيّ - ﷺ - قالوا للنّبيّ - ﷺ -: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور (٢) بالأُجور، يصلّون كما نُصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفُضول أموالهم! قال: أوَلَيْسَ قد جعل الله لكم ما تصّدّقون؟ إِنّ بكلّ تسبيحةٍ صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وكُلّ تحميدةٍ صدقة، ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٢١٠، ومسلم: ١٤٣٨ واللفظ له. (٢) جمع دَثْر، وهو المال الكثير.»النهاية". وكلّ تهليلةٍ صدقة، وأمْرٌ بالمعروف صدقة، ونهْيٌ عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم (١) صدقة. قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه فيها وِزر؟ فكذلك إِذا وضَعَها في الحلال؛ كان له أجرًا» (٢). ٢٠ - ما يفعل صبيحةَ بنائه: ويُستحب له صبيحةَ بنائه بأهله؛ أن يأتي أقاربه الذي أتوه في داره، ويُسلّم عليهم، ويدعو لهم، وأن يُقابِلوه بالمِثل؛ لحديث أنس -رضي الله عنه- قال: «أَوْلَم رسول الله - ﷺ - إِذ بنى بزينب، فأشبع المسلمين خُبزًا ولحمًا، ثمّ خرَج إِلى أُمّهات المؤمنين فسلّم عليهنّ، ودعا لهنّ، وسلّمن عليه ودعَون له، فكان يفعل ذلك صبيحة بنائه» (٣). ٢١ - تحريم نشْر أسرار الاستمتاع: ويحرُم على كلٍّ منهما أن ينشر الأسرار المتعلقة بالوقاع، فعن أسماء بنت يزيد -رضي الله عنها-: «أنها كانت عند رسول الله - ﷺ -، والرجال والنساء قعود، فقال: لعلّ رجلًا يقول ما يفعل بأهله، ولعلّ امرأة تُخبِر بما فعَلَت مع زوجها؟! فأرَمّ القوم (٤)، فقلت: إِي والله يا رسول الله! إِنهن ليفعلن، وإنهم --------------------- (١) بُضع أَحدكم: البُضع: يُطلق على الجماع، ويُطلق على الفرج نفسه، وكلاهما تصحّ إِرادته هنا. قاله النّووي -رحمه الله-. (٢) أخرجه مسلم: ١٠٠٦. (٣) أخرجه ابن سعد، والنسائي في»الوليمة«، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١٣٩). (٤) أرمّ القوم، أي: سكتوا ولم يجيبوا.»النهاية". ليفعلون، قال: فلا تفعلوا، فإِنّما ذلك مَثَلُ الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغَشِيَها والناس ينظرون» (١). قلت: أمّا إِذا كانت هناك حاجة أو ضرورة للتحدُّث بشيء من ذلك؛ فلا حرج. عن عكرمة: «أنّ رِفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القُرَظي، قالت عائشة: وعليها خمارٌ أخضر، فشكت إِليها، وأرتها خُضرةً بجِلدها، فلما جاء رسول الله - ﷺوالنساء ينصر بعضهنّ بعضًا- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لَجِلْدُها أشدُّ خُضْرَةً من ثوبها! قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله - ﷺ -، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إِليه من ذنب، إِلا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه -وأخذت هُدبة (٢) من ثوبها-! فقال: كذبت والله يا رسول الله! إِني لأنفضُها نفض الأديم (٣)، ولكنها ناشزٌ تريد رِفاعة، فقال رسول الله - ﷺ -: فإِن كان ذلك؛ لم تحلّي له -أو لم تصلحي له- حتى يذوق عُسَيلتك! قال: وأبصر معه ابنَين له فقال: بنوك هؤلاء؟ قال: نعم. قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب» (٤). -------------------- (١) أخرجه أحمد، وهو حسن أو صحيح بشواهده؛ وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٤٤). (٢) أرادت متاعَه، وأنّه رِخْو مثلُ طَرَف الثوب؛ لا يُغني عنها شيئًا. «النهاية». (٣) أي: الجلد، قال الحافظ في «الفتح»: «كناية بليغة من ذلك؛ لأنها أوقع في النفس من التّصريح، لأنّ الذي ينفض الأديم يحتاج إِلى قوة ساعد وملازمة طويلة». (٤) أخرجه البخاري: ٥٨٢٥، ومسلم: ١٤٣٣ نحوه. ٢٢ - وجوب الوليمة: ولا بد له مِن وليمةٍ بعد الدخول؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - عبدَ الرحمن بن عوف بها كما تقدّم، ولحديث بُرَيْدة بن الحُصَيْب، قال: «لمّا خطَب عليٌّ فاطمة -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنه لا بد للعُرْس (وفي رواية: للعروس) من وليمة» (١). انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. قال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٢١) تحت المسألة (١٨٢٣): «وفَرْضٌ على كلّ من تزوّج أن يولم بما قلّ أو كثُر ...» ثمّ ذكر الأدلّة على ذلك. ٢٣ - السُّنة في الوليمة: وينبغي أن يلاحظ فيها أمورًا: الأول: أن تكون ثلاثة أيام عَقِب الدخول، لأنه هو المنقول عن النّبيّ - ﷺ -، فعن أنس -رضي الله عنه- قال: «بنى النّبيّ - ﷺ - بامرأة، فأرسَلَني، فدعوت رجالًا على الطعام» (٢). وعنه قال: «تزوج النّبيّ - ﷺ - صفية، وجعل عتْقها صداقها، وجعَل الوليمة ثلاثة أيام» (٣). الثاني: أن يدعو الصالحين إِليها، فقراءَ كانوا أو أغنياءَ، لقوله - ﷺ -: «لا ------------------------ (١) أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما، وانظر»آداب الزفاف«(١٤٤). (٢) أخرجه البخاري: ٥١٧٠. (٣) أخرجه أبو يعلى بسند حسن، كما قال الحافظ في»الفتح«(٩/ ٢٤٣)، وانظر»آداب الزفاف" (ص ١٤٦). وستأتي رواية البخاري -رحمه الله-، تحت (جواز الوليمة بغير لحم). تُصاحِبْ إِلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إِلا تقيّ» (١). الثالث: أن يولم بشاة أو أكثر -إِن وجد سَعة-. عن أنس أيضًا قال: «ما رأيتُ رسول الله - ﷺ - أولَم على امرأةٍ من نسائه ما أولَم على زينب؛ فإِنه ذبَح شاة، [قال: أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه]» (٢). ٢٤ - جواز الوليمة بغير لحم: ويجوز أن تُؤدّى الوليمة بأي طعامٍ تيسّر، ولو لم يكن فيه لحم، لحديث أنس -رضي الله عنه- قال: «أقام النّبيّ - ﷺ - بين خيبر والمدينة ثلاثَ ليالٍ؛ يُبنى عليه بصفيّة، فدعوت المسلمين إِلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إِلا أنْ أمَر بلالًا بالأنطاع (٣) فبُسطت (وفي رواية: فُحِصَت الأرض أفاحِيصَ (٤)، وجيء بالأنطاع فوُضعت فيها)، فأُلقي عليها التمر والأقط والسمن [فشبع الناس]» (٥). --------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٠٤٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٩٥٢) وغيرهما. (٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٨، ومسلم: ١٤٢٨ واللفظ له مع الزيادة. (٣) الأنطاع: جمع نِطع؛ وهو بساط من الجلد المدبوغ. (٤) فُحِصَت الأرض أفاحيص؛ أي: كُشف التراب من أعلاها، وحُفرت شيئًا يسيرًا ليُجعل الأنطاع في المحفور، ويُصبّ فيها السمن، فيثبتَ ولا يخرج من جوانبها«.»النووي" (٩/ ٢٢٤). (٥) أخرجه البخاري: ٤٢١٣ وهذا لفظه، ومسلم: ١٣٦٥ والرواية الأخرى والزيادة له. ٢٥ - مشاركة الأغنياء بمالهم في الوليمة: يُستحبّ أن يشارك ذوو الفضل والسَّعة في إعدادها؛ لحديث أنس في قصة زواجه - ﷺ - بصفية قال: «حتى إِذا كان بالطريق؛ جهَّزَتْها له أُمّ سليم، فأهدَتْها له من الليل، فأصبح النّبيّ - ﷺ - عروسًا (١)، فقال: من كان عنده شيء فَلْيَجِئْ به (وفي رواية: من كان عنده فضل زاد فليأتنا به)، قال: وبسط نِطعًا، فجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حَيْسًا، فكانت وليمةَ رسول الله - ﷺ -» (٢). ٢٦ - تحريم تخصيص الأغنياء بالدعوة: ولا يجوز أن يخصّ بالدعوة الأغنياء دون الفقراء؛ لقوله - ﷺ -: «شرّ الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء، ويُمْنَعُهَا المساكين، ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٣). ٢٧ - وجوب إِجابة الدعوة: ويجب على من دُعي إِليها أن يحضرها. عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا دعي أحدكم إِلى الوليمة؛ فليأتها» (٤). --------------------- (١) جاء في «النهاية»: «وفيه: فأصبح عروسًا؛ يُقال للرجل؛ عَروس؛ كما يقال للمرأة، وهو اسم لهما عند دخول أحدهما بالآخر». (٢) أخرجه البخاري: ٣٧١، ومسلم: ١٣٦٥ والرواية له. (٣) أخرجه البخاري: ٥١٧٧، ومسلم: ١٤٣٢. (٤) أخرجه البخاري: ٥١٧٣، ومسلم: ١٤٢٩. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه كان يقول: «من ترك الدعوة؛ فقد عصى الله ورسوله» (١). ٢٨ - ترْك حضور الدعوة التي فيها معصية: ولا يجوز حضور الدعوة إِذا اشتملت على معصية، إِلا أن يقصد إِنكارها ومحاولة إِزالتها، فإِن أُزيلت؛ وإلا وجب الرجوع. عن علي قال: «صنعتُ طعامًا، فدعوتُ رسول الله - ﷺ -، فجاء فرأى في البيت تصاوير، فرجع، [قال: فقلت: يا رسول الله! ما أرجعَك بأبي أنت وأمّي؟! قال: إِنّ في البيت سترًا فيه تصاوير، وإنّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير]» (٢). وفي الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يقعُدنّ على مائدة يُدار عليها الخمر» (٣). وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو: «أنّ رجلًا صنَع له طعامًا، فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسَر الصورة، ثمّ دخَل» (٤). ----------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٧٧، ومسلم: ١٤٣٢. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٧٠٨)، وأبو يعلى في «مسنده» والزيادة له، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٦١). (٣) أخرجه أحمد، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٢٤٦)، وانظر «الإِرواء» (١٩٤٩). (٤) أخرجه البيهقي، وسنده صحيح، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٦٥). قال الإِمام الأوزاعي: «لا ندخل وليمة فيها طبل ولا مِعْزَافٌ» (١). انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. قال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٢١) تحت المسألة (١٨٢٤): «... فإِن كان هنالك حرير مبسوط، أو كانت الدار مغصوبة، أو كان الطعام مغصوبًا،. أو كان هنالك خمر ظاهر: فليرجع ولا يجلس ..»، ثمّ ذكر الأدلّة على ذلك. ٢٩ - الدعاء للعروسين بالخير والبركة: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «هلك أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات-، فتزوّجت امرأة ثيّبًا، فقال لي رسول الله - ﷺ -: تزوجتَ يا جابر؟! فقلت: نعم، فقال: بكرًا أم ثيّبًا، قلت: بل ثيبًا، قال: فهلا جاريةً تُلاعبها وتلاعبُك، وتُضاحكها وتُضاحكك؟! قال فقلت له: إِنّ عبد الله هلك وترك بنات، وإِني كرهتُ أن أجِيئهنّ بمِثلهن، فتزوجتُ امرأة تقوم عليهنّ وتُصلحهن، فقال: بارَك الله لك -أو خيرًا-» (٢). وفي حديث بريدة -رضي الله عنه-: «... يا علي! إِنه لا بدّ للعروس من وليمة. فقال سعد؛ عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار أَصْوُعًا من ذُرَةٍ، فلمّا كانت ليلةُ البناءِ، قال: لا تُحْدِثْ شيئًا حتى تلقاني، فدعا رسول الله - ﷺ - --------------------- (١) أخرجه أبو الحسن الحربي في»الفوائد المنتقاة«بسند صحيح، وانظر»آداب الزفاف" (ص ١٦٦). (٢) أخرجه البخاري: ٥٣٦٧، ومسلم: ٧١٥، وتقدّم. بماء فتوضأ فيه، ثمّ أفرغَه على عليّ، فقال: اللهم بارِك فيهما، وبارِك لهما في بنائهما» (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «تزوّجني النبيّ - ﷺ -، فأتتني أُمّي، فأدخَلتني الدار، فإِذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر» (٢). وعن أبي هريرة: «أنّ النبي - ﷺ - كان إِذا رفّأ (٣) الإنسان إِذا تزوج، قال: بارك الله لك، وبارك الله عليك، وجمَع بينكما في (وفي رواية: على) خير» (٤). ٣٠ - بالرِّفاء (٥) والبنين تهنئة الجاهلية: ولا يقول: «بالرِّفاء والبنين»، فإِنه مِنْ عمل الجاهلية، فعن عَقِيلِ بن أبي طالب: «أنه تزوج امرأة من بني جُشَمٍ، فقالوا: بالرِّفاء والبنين، فقال: لا تقولوا ------------------------ (١) أخرجه ابن سعد والطبراني في»الكبير«بسند حسن، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١٧٤). (٢) أخرجه البخاري: ٥١٥٦، ومسلم: ١٤٢٢. (٣) رفّأ: بتشديد الفاء وهمزة، وقد لا يُهمز؛ أي: هنّاه ودعا له.»عون المعبود«(٦/ ١١٧). (٤) أخرجه سعيد بن منصور في»سننه«، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٦٦)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٧١) وغيرهم، وانظر»آداب الزفاف«(ص ١٧٥). (٥) جاء في»سبل السلام«(٣/ ٢١٦):»الرفاء؛ الموافقة وحسن المعاشرة، وهو من رفأ الثوب. وقيل: من رفوت الرجل: إِذا سكَّنت ما به من روع. فالمراد: إِذا دعا - ﷺ - للمتزوج بالموافقة بينه وبين أهله وحسن العشرة بينهما، قال ذلك". هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله - ﷺ -: اللهم بارِك لهم وبارِك عليهم» (١). ٣١ - الغناء والضرب بالدُّفِّ: ويجوز له أن يسمح للنساء (٢) في العرس يإِعلان النكاح بالضرب على الدفّ فقط، وبالغناء المباح الذي ليس فيه وصْف الجمال وذِكْر الفجور؛ فعن الرُّبيّع بنت مُعوِّذ قالت: «جاء النّبي - ﷺ - يدخل حين بُني عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك منّيّ (٣)، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر، إِذ قالت إِحداهنّ: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين» (٤). وعن عائشة: «أنها زَفَّتِ امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله - ﷺ -: يا عائشة! ما كان معكم لهو؟! فإنّ الأنصار يُعجبهم اللهو؟» (٥). -------------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٤٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٥٦)، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٧٥). (٢) قلت: قيده شيخنا -رحمه الله- في «غاية المرام» و«تحريم آلات الطرب» بأن يكون ذلك للبنات الصَّغِيرات دون البلوغ -وهن الجواري- لا البالغات من النساء. (٣) الخطاب للراوي عنها، وقال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٩/ ٢٠٣): «والذي وضح لنا بالأدلة القوية: أنّ منْ خصائص النبي - ﷺ - جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إِليها، وهو الجواب الصحيح عن قصة أمّ حرام بنت مِلْحان في دخوله عديها، ونومه عندها، وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية» (٤) أخرجه البخاري: ٥١٤٧. (٥) أخرجه البخاري: ٥١٦٢. وفي رواية بلفظ: «فقال: فهل بعَثتم معها جارية تضرب بالدفّ وتُغنّي؟ قلت: تقول ماذا؟ قال: تقول: أتيناكم أتيناكمْ ... فحيّونا نحيّيكمْ ولولا الذهب الأحمـ ... ـر ما حلّت بواديكمْ ولولا الحنطة السمرا ... ء ما سَمِنَتْ عذاريكمْ» (١). وعن أبي بَلْجٍ يحيى بن سُلَيْمٍ قال: «قلت لمحمد بن حاطب: تزوجتُ امرأتين، ما كان في واحدة منهما صوت -يعني دفًّا-؟ فقال محمّد -رضي الله عنه-: قال رسول الله - ﷺ -: فصْل ما بين الحلال والحرام: الصوت بالدف» (٢). وقال - ﷺ -: «أعلنوا النكاح» (٣). ٣٢ - الامتناع من مخالفة الشرع: ويجب عليه أن يمتنع من كل ما فيه مخالفة للشرع، وخاصة ما اعتاده الناس في مِثل هذه المناسبة، حتى ظنّ كثير منهم -بسبب سكوت العلماء- أنْ لا بأس فيها. قال شيخنا -رحمه الله-: وأنا أنبّه هنا على أمور هامّة منها: ----------------- (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وحسّنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٩٩٥). (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٣٨)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١١٤) وغيرهم، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٨٣). (٣) أخرجه ابن حبّان والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «آداب الزفاف» (ص ١٨٤). ١ - تعليق الصُّوَر: تعليق الصُّوَرِ على الجدران، سواء أكانت مُجسّمة، أو غير مجسّمة، لها ظِلّ، أو لا ظلّ لها، يدويّة أو فوتوغرافية، فإِن ذلك كله لا يجوز، ويجب على المستطيع نَزْعُها إِن لم يستطع تمزيقها، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «دخَل عليّ رسول الله - ﷺ -؛ وقد سترتُ سهوةً (١) لي بِقرامٍ (٢) فيه تماثيل (وفي رواية: فيه الخيل ذوات الأجنحة)، فلمّا رآه هتَكَه، وتلوّن وجهه، وقال: يا عائشة! أشدّ الناس عذابًا عند الله يوم القيامة: الذين يضاهون بخلق الله (وفي رواية: إِنّ أصحاب هذه الصور يُعذّبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقْتُم، ثمّ قال: إِنّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)! قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين» (٣). وعنها -رضي الله عنها- قالت: «حشوت للنّبيّ - ﷺ - وسادة فيها تماثيل، كأنها نُمْرُقة (٤)، فجاء فقام بين البابَيْنِ، وجعل يتغيَّرُ وجهه، فقالت: ما لنا يا رسول الله؟! قال: ما بالُ هذه؟ قلت: وسادة جعلتُها لك لتضطجع عليها، قال: أما علمتِ أنّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة؟ وأنّ من صنع الصورة -------------------- (١) السهوة: قال النووي -رحمه الله-:»قال الأصمعي: هي شبيهة بالرّف أو بالطاق يوضع عليه الشيء. قال أبو عبيد: وسمعت غير واحد من أهل اليمن يقولون: السهوة عندنا بيت صغير مُتحدّر في الأرض، وسُمْكه مرتفع من الأرض، يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع«. (٢) جاء في»النهاية«:»القِرام: السِّتر الرقيق. وقيل: الصفيق ذي ألوان. وقيل: الستر الرقيق وراء الستر الغليظ«. وانظر -للمزيد إن شئت- ما قاله الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«. (٣) أخرجه البخاري: ٥٩٥٤، ومسلم: ٢١٠٧ واللفظ له مع الروايتين. (٤) النمرقة: الوسادة.»النهاية". ![]()
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 211الى صــ225 الحلقة (127) يُعذّب يوم القيامة، فيقول: أحيوا ما خلقتم» (١). وعن سعيد بن أبي الحسن قال: «كنت عند ابن عباس -رضي الله عنهما- إِذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس! إِني إِنسان إِنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التّصاوير، فقال ابن عباس: لا أُحدِّثك إِلا ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، سمعته يقول: من صوّر صورة؛ فإِنّ الله معذِّبه حتّى ينفخ فيها الرُّوح، وليس بنافخ فيها أبدًا. فرَبا الرجل ربوة شديدة، واصفَرَّ وجهه، فقال: ويحك! إِن أبيْت إلاَّ أن تصنع؛ فعليك بهذا الشجر؛ كلِّ شيء ليس فيه روح» (٢). ٢ - نتف الحواجب وغيرها! ما تفعله بعض النسوة من نتفهن حواجبهن حتى تكون كالقوس أو الهلال، يفعلق ذلك تجمُّلًا بزعمهن! وهذا مما حرّمه رسول الله - ﷺ -، ولعَن فاعله بقوله: «لعَن الله الواشمات (٣)، والمستوشمات (٤)، والنامصات (٥)، والمتنمصات (٦)، -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٢٢٤، ومسلم: ٢١٠٧. (٢) أخرجه البخاري: ٢٢٢٥، ومسلم: ٢١١٠. (٣) الواشمة: هي التي تَشِم. والوشم: أن يُغرَز الجلد بإِبرة؛ ثمّ يحشى بكُحل أو نيل، فيزرقّ أثره أو يخضرّ.»النهاية«. (٤) المستوشمة: هي التي تطلب الوشم. (٥) النامصة: هي التي تفعل النماص، والنماص: إِزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش منماصًا لذلك.»فتح«. قلت: ولا يختص النماص بالوجه؛ بل هو عام في جميع شعر الجسد، كما ذكره شيخنا -رحمه الله- في»آداب الزفاف«(٢٠٢ - ٢٠٤)، و»غاية المرام" (ص ٩٧). (٦) المتنمّصات: جمع متنمصة؛ وهي التي تطلب النّماص. والمتفلجات (١) للحسن المغيرات خلق الله» (٢). ٣ - تدميم الأظفار وإِطالتها: وهذه العادة القبيحة الأخرى التي تسرّبت من فاجرات أوروبا إِلى كثيرٍ من المسلمات، وهي تدميمهن لأظفارهن بالصمغ الأحمر المعروف اليوم بـ (مينيكور)، وإِطالتهن لبعضها -وقد يفعلها بعض الشباب أيضًا-! فإِن هذا مع ما فيه من تغييرٍ لخلق الله، المستلزم لعْن فاعله، ومن التشبُّه بالكافرات المنهيّ عنه في أحاديث كثيرة التي منها قوله - ﷺ -: «... ومن تشبه بقوم فهو منهم» (٣)؛ فإِنه أيضًا مخالف للفطرة ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، وقد قال - ﷺ -: «الفطرة (٤) خمس: الختان، والاستحداد (٥)، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط» (٦). وقال أنس -رضي الله عنه-: «وُقِّت لنا (وفي رواية: وقَّت لنا رسول الله) في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، وحلق العانة: أن لا نَتْرُك أكثر من ------------------------- (١) هن النساء اللاتي يجعلن فُرَجًا بين بعض أسنانهنّ رغبة في التحسين. (٢) أخرجه البخاري: ٤٨٨٦، ومسلم: ٢١٢٥، واللفظ له. (٣) أخرجه أحمد وأبو داود، وانظر»آداب الزفاف«(ص ٢٠٥). (٤) أي: السُّنّة؛ يعني: سنن الأنبياء -عليهم السلام- التي أُمِرْنَا أن نقتدي بهم.»النهاية«. (٥) الاستحداد: حلْق العانة؛ سمّي استحدادًا؛ لاستعمال الحديدة، وهي الموسى.»شرح النووي". (٦) أخرجه البخاري: ٥٨٩١، ومسلم: ٢٥٧. أربعين ليلة» (١). ٤ - حلْق اللحى: ومثلها في القُبح -إِن لم تكن أقبح منها عند ذوي الفطر السليمة- ما ابتلي به أكثر الرجال من التزيُّن بحلق اللحية، بحكم تقليدهم للأوروبيين الكفار، حتى صار من العار عندهم أن يدخل الرجل على عروسه وهو غير حليق! وفي ذلك عدّة مخالفات: ١ - تغيير خَلْق الله -تعالى-؛ وقد قال -تعالى- حكاية عن الشيطان: ﴿ولآمُرنّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام ولآمُرنّهم فليغيّرُنَّ خَلْق الله﴾ (٢). فهذا نصّ صريح في أنّ تغيير خلْق الله دون إِذْن منه -تعالى- إِطاعة لأمر الشيطان، وعِصيان للرحمن -ﷻ- ... وإنما قلتُ (٣): دون إِذْنٍ من الله -تعالى-؛ لكي لا يتوهم أنه يدخُل في التغيير المذكور مِثل حلْق العانة ونحوها ممّا أذِن فيه الشارع، بل استحبّه؛ بل أوجبَه. ٢ - مخالفة أمره - ﷺ - وهو قوله: «أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى» (٤). ٣ - التشبّه بالكُفار؛ وقد قال - ﷺ -: «جزّوا الشوارب وأرخوا اللحى؛ خالفوا المجوس» (٥). -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٢٥٨. (٢) النساء: ١١٩. (٣) الكلام لشيخنا -رحمه الله-. (٤) أخرجه البخاري: ٥٨٩٣، ومسلم: ٢٥٩. (٥) أخرجه مسلم: ٢٦٠. ٤ - التشبه بالنساء؛ وقد: «لعَن رسول الله - ﷺ - المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» (١). وانظر التفصيل القويّ في «آداب الزفاف» -إِن شئت المزيد-. ٥ - خاتم الخطبة: لُبْسُ بعض الرجال خاتم الذهب الذي يُسمّون بـ «خاتم الخِطبة»، فهذا فيه من تقليد الكُفار ما فيه؛ لأن هذه العادة سرَتْ إِليهم من النصارى. ويرجع ذلك إلى عادة قديمة لهم، عندما كان العروس يضع الخاتم على رأس إِبهام العروس اليسرى، ويقول: باسم الآب. ثمّ ينقله واضعًا له على رأس السبّابة، ويقول: وباسم الابن. ثمّ يضعه على رأس الوسطى، ويقول: وباسم الروح القدس، وعندما يقول: آمين، يضعه أخيرًا في البنْصِر حيث يستقر. وهذا جاء جوابًا من قِبَل محرّرة قسم أسئلة مجلة «المرأة» الصادرة في لندن عدد ١٩ آذار ١٩٦٠ (ص ٨). وانظر «آداب الزفاف» للمزيد من التفصيل والأدلّة في الوضوع. إِذا رأى المرء من امرأةٍ ما يعجبه؛ فليأت أهله: عن جابر -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - رأى امرأةً، فأتى امرأته زينب، وهي تمعسُ (٢) منيئةً (٣) لها، فقضى حاجته، ثمّ خرج إِلى أصحابه، ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٨٨٥. (٢) قال النووي:»قال أهل اللغة: المعس -بالعين المهملة-: الدلك«. (٣) قال النووي:»قال أهل اللغة: هي الجلد أول ما يوضع في الدباغ". فقال: إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدْبر في صورة شيطان، فإِذا أبصر أحدكم امرأة فلْيأت أهله، فإِنّ ذلك يردّ ما في نفسه» (١). وصايا الإِمام الألباني -رحمه الله- إِلى العروسين (٢): أولًا: أن يتطاوعا ويتناصحا بطاعة الله -تبارك وتعالى- واتّباع أحكامه الثابتة في الكتاب والسّنّة، ولا يُقدِّما عليها تقليدًا أو عادة غلبَت على النّاس، أو مَذْهبًا، فقد قال -عز وجل-: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إِذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالًا مبينًا﴾ (٣). ثانيًا: أن يلتزم كل واحد منهما القيام بما فرض الله عليه من الواجبات والحقوق تجاه الآخر، فلا تطلب الزوجة -مثلًا- أن تساوي الرجل في جميع حقوقه، ولا يستغلّ الرجل ما فضّله الله -تعالى- به عليها من السيادة والرياسة؛ فيظلمها، ويضربها بدون حقّ، فقد قال الله -عز وجل-: ﴿وَلَهُنَّ مثْل الذي عَلَيْهِنَّ بِالمعْرُوف ولِلرّجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة واللهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ (٤). وقال: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ على النِّساء بِمَا فَضَّل اللهُ بعضهم على بعض وبمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِم فَالصَّالحاتُ قانتاتٌ حافظاتٌ للغيبِ بِما حَفِظَ الله واللاتي ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٠٣. (٢) عن «آداب الزفاف» (٢٧٨) بتصرّف. (٣) الأحزاب: ٣٦. (٤) البقرة: ٢٢٨. تخافون نُشوزهنّ (١) فَعِظُوهُنَّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهن فإِنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا إِنّ الله كان عليًّا كبيرًا﴾ (٢). وقد قال معاوية بن حيدة -رضي الله عنه-: يا رسول الله! ما حقّ زوجةِ أحدِنا عليه؟ قال: «أن تُطعمها إِذا طَعِمْت، وتكسوها إِذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه (٣)، ولا تضرب، [ولا تهجر إِلا في البيت، كيف وقد أفضى بعضكم إِلى بعض (٤)؛ إِلا بما حلّ عليهنّ (٥)» (٦). وقد قال - ﷺ -: «إِنّ المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن -عز وجل- وكلتا يديه يمين-؛ الذين يعدلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا» (٧). فإِذا هما عَرفا ذلك وعمِلا به، أحياهما الله -تبارك وتعالى- حياةً طيّبة، وعاشا -ما عاشا معًا- في هناء وسعادة، فقد قال -عز وجل-: ﴿مَن عَمِل ---------------------- (١) أي: خروجهنّ عن الطاعة، قال ابن كثير: «والنشوز: هو الارتفاع، فالمرأة الناشز: هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه». (٢) النساء: ٣٤. (٣) أي: لا تقُلْ: قبَّح الله وجهك. (٤) يعني: الجماع. (٥) يعني: من الضرب والهجر بسبب نشوزهنّ. (٦) أخرجه أحمد والزيادة له، وأبو داود، والحاكم وقال: «صحيح»، ووافقه الذهبي، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٢٨٠)، وتقدّم. (٧) أخرجه مسلم: ١٨٢٧. صالحًا مِن ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فَلَنُحْيينّه حياةً طيبة ولَنَجْزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (١). ثالثًا: وعلى المرأة بصورة خاصّة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به، في حدود استطاعتها، فإِنّ هذا مما فضّل الله به الرجال على النساء؛ كما في الآيتين السابقتين: ﴿الرجال قوّامون على النساء﴾، ﴿وللرجال عليهنّ درجة﴾، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة مؤكِّدة لهذا المعنى، ومُبيِّنة بوضوح ما للمرأة، وما عليها إِذا هي أطاعت زوجها أو عصَتْه، فلا بد من إِيراد بعضها، لعلّ فيها تذكيرًا لنساء زماننا، فقد قال -تعالى-: ﴿وذكّر فإِنّ الذكرى تنفع المؤمنين﴾. الحديث الأول: «لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد (٢) إِلا بإِذنه [غير رمضان]، ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه» (٣). الثاني: «إذا دعا الرجل امرأته إِلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعَنَتها الملائكة حتى تصبح (وفي رواية: أو حتى ترجع. وفي أخرى: حتى يرضى عنها)» (٤). الثالث: «والذي نفس محمد بيده، لا تؤدّي المرأة حقَّ ربّها حتى تؤدّي حقّ -------------------- (١) النحل: ٩٧. (٢) شاهد؛ أي: حاضر. (٣) أخرجه البخاري: ٥١٩٥، ومسلم: ١٠٢٦، وانظر للزيادة»آداب الزفاف" (ص ٢٨٢). (٤) أخرجه البخاري: ٣٢٣٧، ومسلم: ١٤٣٦. زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قَتَب (١)؛ لم تمنعه نفسها» (٢). الرابع: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا؛ إِلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإِنما هو عندك دخيل (٣)، يوشك أن يفارقك إِلينا» (٤). الخامس: عن حصين بن مُحصن قال: حدثتني عمّتي قالت: «أتيت رسول الله - ﷺ - في بعض الحاجة، فقال: أَيْ هذه! أَذاتُ بَعْلٍ؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه (٥)؛ إِلا ما عَجَزت عنه، قال: [فانظري] أين أنت منه؟ فإِنما هو جنّتك ونارك» (٦). السادس: «إِذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها؟ قيل لها: ادخلي الجنة من أيِّ أبواب الجنة شئت» (٧). ----------------------- (١) قال في «النهاية»: «القَتَب للجمل: كالإِكاف لغيره [والإِكاف: ما يوضع على الحمار أو البغل ليُركب عليه، كالسرج للفرس]. ومعناه: الحثّ لهنّ على مطاوعة أزواجهنّ، وأنه لا يسعهنّ الامتناع في هذا الحال، فكيف في غيرها؟!». (٢) أخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبّان في «صحيحه»، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «آداب الزفاف» (ص ٢٨٤). (٣) الدَّخيل: الضيف والنزيل. «النهاية». (٤) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٣٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٣٧) وغيرهما، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٢٨٤). (٥) أي: لا أقصّر ولا أُبْطِئُ عن طاعته وخدمته. (٦) أخرجه أحمد، والنسائي بإِسنادين جيدين وغيرهما، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩٣٣)، و«آداب الزفاف» (ص ٢٨٥). (٧) أخرجه أحمد والطبراني، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩٣٢). جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٦١): «وسئل -رحمه الله- عن امرأة تزوّجت، وخرجت عن حكم والديها؛ فأيهما أفضل: بِرُّها لوالديها، أو مطاوعة زوجها؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. المرأة إِذا تزوّجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، قال الله -تعالى-: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ ...». ثمّ ذكَر -رحمه الله- عددًا من الأحاديث في وجوب طاعة المرأة زوجها. ثمّ قال -رحمه الله-: «والأحاديث في ذلك كثيرة عن النَبيَ - ﷺ -، وقال زيد ابن ثابت: الزوج سيِّد في كتاب الله، وقرأ قوله -تعالى-: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾. وقال عمر بن الخطاب: النكاح رقّ فلينظر أحدكم عند من يُرِقُّ كريمته (١). وفي»الترمذي«وغيره عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال:»استوصوا بالنساء خيرًا، فإِنّما هنّ عندكم عوانٍ«(٢). فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إِلا بإِذنه؛ سواءٌ أمَرها أبوها أو أمها، أو غير أبويها باتفاق الأئمة. وإِذا أراد الرجل أن ينتقل بها إِلى مكان آخر -مع قيامه بما يجب عليه وحِفْظِ حدود الله فيها- ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك؛ فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإِن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لهما أنْ يَنْهَيَاهَا عن طاعة مثل هذا -------------------- (١) قال العلامة العراقي -رحمه الله- في تخريج»الإحياء«(٢/ ٤٧):»رواه أبو عمر التوقاني في «معاشرة الأهلين» موقوفًا على عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر -رضي الله عنهم- قال البيهقي: ورُوي ذلك مرفوعًا؛ والموقوف أصحّ«. (٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٠١)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٢٩) وغيرهما، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٠٣٠). ومعنى (عوانٍ)؛ أي: أسيرات، جمع (عَانِيَة). الزّوج، وليس لها أن تطيع أمّها فيما تأمرها به من الاختلاع منه، أو مضاجرته حتى يطلقها؛ مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصَّداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدًا من أبويها في طلاقه إِذا كان متقيًا لله. ففي «السنن الأربعة» و«صحيح أبي حاتم» عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة» (١). وفي حديث آخر: «المختلعات والمنتزعات هنّ المنافقات» (٢). وأمّا إِذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه طاعة الله: مثل المحافظة على الصلوات؛ وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ونهوها عن تبذير مالها وإضاعته، ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه: فعليها أن تطيعهما في ذلك، ولو كان الأمر من غير أبويها، فكيف إِذا كان من أبويها؟! وإذا نهاها الزوج عما أمر الله، أو أمرها بما نهى الله عنه، لم يكن لها أن تطيعه في ذلك، فإِن النبيّ - ﷺ - قال: «إِنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٣). بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله؛ لم يجز له أن يطيعه في معصية، فكيف يجوز أن تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية؟! فإن الخير كلّه في طاعة الله ورسوله، والشر كلّه في معصية الله ورسوله«. -------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٤٧)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٧٢) واللفظ له، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٨) وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢٠٣٥). (٢) أخرجه أحمد والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٢٣٨)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٧) وغيرهم، وانظر»الصحيحة«(٦٣٢). (٣) أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما، وانظر»الصحيحة" (١٨٠). وجوب خدمة المرأة لزوجها (١): قلت: وبعض الأحاديث المذكورة آنفًا (٢) ظاهرة الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها، وخِدمتها إِياه في حدود استطاعتها، ومما لا شكّ فيه أنّ من أول ما يدخل في ذلك: الخدمةَ في منزله، وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك. وقد اختلف العلماء في هذا، فقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥): «وتنازع العلماء، هل عليها أن تخدمه في مِثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخَبْزِ والطَّحْنِ والطعام لمماليكه وبهائمه؛ مِثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تحب الخِدمة. وهذا القول ضعيف، كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء! فإِنّ هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإِنسان، وصاحبه في المسكن؛ إِن لم يعاونه على مصملحته؛ لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل -وهو الصواب-: وجوب الخدمة، فإِنّ الزوج سيّدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسُنّة رسول الله - ﷺ -، وعلى العاني والعبد الخدمة، ولأن ذلك هو المعروف. ثمّ مِنْ هؤلاء مَنْ قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخِدمة ---------------------- (١) عن كتاب»آداب الزفاف«(ص ٢٨٦) -بتصرّف يسير-. (٢) كقوله - ﷺ -:»فانظُري أين أنت منه؟ فإِنّما هو جنّتك ونارك«، وكقوله - ﷺ -:»إِذا صلّت المرأة خمسها، وحصّنت فرجها، وأطاعت بعلها؛ دخلَت من أيّ أبواب الجنّة شاءت". بالمعروف. وهذا هو الصواب، فعليها أن تَخْدُمَهُ الخدمة المعروفة من مثلها لِمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخِدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة«. قال شيخنا -رحمه الله-:»وهذا هو الحقّ -إِن شاء الله تعالى- أنه يجب على المرأة خدمة البيت، وهو قول مالك وأصبغ، كما في «الفتح» (٩/ ٤١٨)، وأبي بكر بن أبي شيبة، وكذا الجُوزَجَانِيِّ من الحنابلة، كما في «الاختيارات» (ص ١٤٥)، وطائفة من السلف والخلف، كما في «الزاد» (٤/ ٤٦)، ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلًا صالحًا. وقول بعضهم: «إِنّ عقد النكاح إِنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام»! مردود بأنّ الاستمتاع حاصل للمرأة أيضًا بزوجها، فهما متساويان في هذه الناحية، ومن المعلوم أنّ الله -تبارك وتعالى- قد أوجب على الزوج شيئًا آخر لزوجته، ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها، فالعدل يقتضي أن يجب عليها مقابل ذلك شيء آخر أيضًا لزوجها، وما هو إِلا خِدمتها إِيّاه، ولا سيما أنه القوّام عليها بنص القرآن الكريم، وإذا لم تقم هي بالخدمة فسيُضْطَرُّ هو إِلى خدمتها في بيتها، وهذا يجعلها هي القوّامة عليه، وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى، فثَبتَ أنه لا بدّ لها من خِدمته، وهذا هو المراد! وأيضًا؛ فإِنّ قيام الرجل بالخدمة يؤدّي إِلى أمرين متباينين تمام التباين؛ أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق وغير ذلك من المصالح، وتبقى المرأة في بيتها عُطَلًا عن أي عمل يجب عليها القيام به! ولا يخفى فساد هذا في الشريعة التي سوَّت بين الزوجين في الحقوق، بل وفضّلت الرجل عليها درجة، ولهذا لم يُزِل الرسول - ﷺ - شكوى ابنته فاطمة [رضي الله عنها] حينما: «أتت النّبيّ - ﷺ - تشكو إِليه ما تلقى في يدها من الرَّحَى، وبَلَغَها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكَرت ذلك لعائشة، فلما جاء، أخبرته عائشة، قال علي -رضي الله عنه-: فجاءنا وقد أخذْنا مضاجعنا، فذهبْنا نقوم، فقال: على مكانكما! فجاء، فقعد بيني وبينها، حتى وجدت بَرْدَ قدميه على بطني، فقال: ألا أدلكما على خير ممّا سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما -أو أويتما إِلى فراشكما- فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبّرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم. قال علي: فما تركْتها منذ سمعته من النّبيّ - ﷺ -. قيل له: ولا ليلة صِفّين؟ قال: ولا ليلة صفّين» (١). فأنت ترى أنّ النّبيّ - ﷺ - لم يقل لعليّ: لا خِدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو - ﷺ - لا يحابي في الحُكم أحدًا كما قال ابن القيّم -رضي الله عنه-. ومن شاء زيادة البحث في هذه المسألة فليرجع إِلى كتابه القيم «زاد المعاد» (٤/ ٤٥ - ٤٦). هذا وليس فيما سَبق من وجوب خِدمة المرأة لزوجها ما ينافي استحباب مشاركة الرجل لها في ذلك، إِذا وجد الفراغ والوقت، بل هذا من حُسْنِ المعاشرة بين الزوجين، ولذلك قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: «كان - ﷺ - يكون في مهنة أهله -تعني خِدمة أهله-، فإِذا حضرت الصلاة خرج إِلى الصلاة» (٢). انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. وذكر بعض العلماء في وجوب خدمة المرأة زوجها لقوله -سبحانه-: ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٣٦١، ومسلم: ٢٧٢٧ واللفظ له. (٢) أخرجه البخاري: ٦٧٦. ﴿ولهنّ مِثلُ الذي عليهنّ بالمعروف﴾ (١)؛ أي: ولهنّ على الرجال من الحقّ مِثل ما للرجال عليهنّ، فليؤدّ كل واحدٍ منهما إِلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. قاله ابن كثير -رحمه الله-. فإِن لم تكن الخدمة من ذلك؛ فماذا يكون عليها؟! وذكروا كذلك حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «تزوّجني الزُّبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء؛ غير ناضح (٢)، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقي الماء، وأخرِز (٣)، غَرَبهُ (٤)، وأعجن، ولم أكن أُحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار -وكُنَّ نِسْوةَ صِدْقٍ- وكنت أنقل النّوى من أرض الزبير -التي أقطعه رسول الله - ﷺ -- على رأسي، وهي مِنّي على ثُلُثَيْ فرسخٍ (٥)» (٦). وفي بعض مجالس شيخنا -رحمه الله- سُئل: هل للمرأة أن تَخْدُمَ إِخوان الزوج؟ فأجاب -رحمه الله-: الزوج هو الذي يُخْدَمُ فقط لا غيره؛ إِلا إِذا كان قد اشترط بخدمة أخ أو والد أو والدة؛ فيجب. --------------------- (١) البقرة: ٢٢٨. (٢) الناضح: هو الجمل الذي يُسقى عليه الماء. (٣) أي: تخيط الجلد وتجعل منه دلوًا. (٤) هو الدلو. (٥) الفرسخ: ثلاث أميال، وهي حوالي ٦ كم، انظر كتاب: «المكاييل والأوزان الإِسلامية وما يعادلها في النظام المتري» (ص ٩٤) لفالترهنتس وترجمه عن الألمانية د. كامل العسلي. (٦) أخرجه البخاري: ٥٢٢٤، ومسلم: ٢١٨٢. حقّ الزوجة على زوجها (١) ١ - حُسن المعاشرة: قال الله -تعالى-: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرًا﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله- بتصرُّف:»أي: طيّبوا أقوالكم لهنّ، وحسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحبّ ذلك منها، فافعل أنت بها مِثله، كما قال -تعالى-: ﴿ولهنّ مِثل الذي عليهنّ بالمعروف﴾ (٣) وقال رسول الله - ﷺ -: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (٤). وكان من أخلاقه - ﷺ - أنه جميل العشرة دائم البِشر، يُداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إِنه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين يتودّد إِليها بذلك: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كُنْتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فسابقْتُه فسبَقْته على رِجْلَيَّ، فلمّا حَملتُ اللحم؛ سابقْتُه فسبقَني، فقال: هذه بتلك السّبْقة» (٥). ------------------ (١) وقد تكرّر عدد من أحاديث هذا الباب في (وصايا الإِمام الألباني -رحمه الله-). (٢) النساء: ١٩. (٣) البقرة: ٢٢٨. (٤) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٣٠٥٧)، والدارمي، وابن حبان، وانظر «الصحيحة» (٢٨٥). (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٤٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦١٠)، وانظر «الإِرواء» (١٥٠٢)، و«الصحيحة» (١٣١)، و«المشكاة» (٣٢٥١). ![]()
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 226الى صــ240 الحلقة (128) وقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويَجْعَلَ الله فيه خيرًا كثيرًا﴾، أي: فعسى أن يكون صبركم -مع إِمساككم لهنّ وكراهتهن- فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية: هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولد خير كثير. وفي الحديث الصحيح: «لا يَفْرَك (١) مؤمن مؤمنة، إِن كره منها خلقًا رضي منها آخر» (٢). انتهى. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أشرب وأنا حائض، ثمّ أناوله النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرّقُ العَرْق (٣) وأنا حائض، ثمّ أناوله النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيّ» (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استوصوا بالنساء، فإِنّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلَع أعلاه، فإِنْ ذهبتَ تقيمه كسرته، وإنْ تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء» (٦). ------------------ (١) يَفْرَك: لا يُبغِض. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٦٩. (٣) العَرق: واحد العراق، وهي العظام التي يُؤخذ منها هبر اللحم، وتقدّم مفصّلًا في كتابي هذا «الموسوعة» (١/ ٣٧). (٤) أخرجه مسلم: ٣٠٠. (٦) أخرجه البخاري: ٣٣٣١، ومسلم: ١٤٦٨. وعن عمرو بن الأحوص: «أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله - ﷺ -، فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ، ثمّ قال: استوصوا بالنّساء خيرًا، فإِنّهنّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنّ شيئًا غير ذلك، إِلا أنْ يأتين بفاحشة مبينة، فإِنْ فعلن فاهجروهنّ في المضاجع، وإضربوهنّ ضربًا غير مُبرّح، فإِد أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا، إِنّ لكم من نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا. فأمّا حقُّكم على نسائكم: فلا يوطئن فُرشكم من تكرهون، ولا يَأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهُنَّ عليكم: أن تُحسنوا إِليهن في كسوتهنّ وطعامهنّ» (١). فينبغي في ضوء ما تقدّم ألا يتعامل الرجل مع زوجه على أنها كاملة معصومة، بل خطّاءة خُلقت من ضِلَع أعوج، فإِذا جاء التصرّف الأعوج تذكّر أصْل خلقتها، فصبَر عليها، وتذكّر ما لها من محاسن السلوك والأخلاق، والأقوال والأفعال، فازداد صبرًا، ولم يبْدُ منه ما يعكّر صفو حياته الزوجيّة. ٢ - صيانتها (٢): ويجب على الزوج أن يصون زوجتَه، ويحفظها من كل ما يخدش شرفَها، ويثلم عرضها، ويمتهن كرامتها، ويُعرّض سمعتها لقالة السوء، وهذا من الغيرة التي يحبها الله؛ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ الله يغار، وإِنّ المؤمن يغار، وغيرةُ الله أن يأتي المؤمن ما حَرّم عليه» (٣). -------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠١)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٢٩) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٣٠). (٢) من «فقه السُّنّة» (٢/ ٥٠٩) بتصرّف. (٣) أخرجه البخاري: ٥٢٢٣، ومسلم: ٢٧٦١. وعن المغيرة قال: «قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربتُه بالسيف غيرَ مُصْفَح (١). فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: تعجبون من غيرة سعد، واللهِ لأنا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ منّي، ومِن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبُّ إِليه العُذْرُ من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذِرين، ولا أحدَ أحبُّ إِليه المِدحةُ من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» (٢). وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا ينظر الله -عز وجل- إِليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأة المترجّلة (٣)، والديّوث (٤)» (٥). وعن عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنّة أبدًا: الديّوث، والرَّجُلة من النساء، ومدمن الخمر. قالوا: يا رسول الله! أما مُدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديُّوث؟ قال: الذي لا يبالي مَن دخل على أهله. قلنا: فما الرَّجُلَة من النساء؟ قال: التي تَشَبَّهُ بالرجال» (٦). وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته، فإِنه يُطلَبُ منه أن يعتدل في -------------------- (١) قال في «النهاية»: «يقال: أصْفَحه بالسيف: إِذا ضربه بعُرْضه دون حدّه، فهو مُصْفِح، والسيف مُصفَح». (٢) أخرجه البخاري: ٧٤١٦، ومسلم: ٢٧٦٠. (٣) التي تتشبّه بالرّجال في زيّهم وهيأتهم، وانظر «النهاية». (٤) الدَّيوث: هو الذى لا يغار على أهله. «النهاية». (٥) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٤٠٢)، وأحمد وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٦٧٤). (٦) أخرجه الطبراني، وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- كما في "صحيح الترغيب = هذه الغَيرة، فلا يبالغ في إِساءة الظن بها، ولا يسرف في تَقَصِّي كل حركاتها وسكناتها، ولا يحصي جميع عيوبها؛ فإِن ذلك يفسد العلاقة الزوجية، ويقطع ما أمر الله به أن يوصَل. عن جابر بن عَتِيكِ أن نبيَّ الله - ﷺ - كان يقول: «من الغَيرة ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبْغِض الله؛ فأمَّا التي يُحبّها الله فالغيرة في الريبة، وأمّا التي يبغضها الله فالغَيرة في غير ريبة. وإنّ من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحبُّ الله، وأمّا الخُيلاء التي يحبُّ الله؛ فاختيال الرجل نفسه عند القتال، واختياله عند الصدقة، وأمّا التي يبغض الله؛ فاختياله في البغي والفخر» (١). ٣ - إِتيانها ووطْؤُها: قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٢٣٦): «وفرْض على الرجل أن يُجامع امرأته التي هي زوجته، وأدنى ذلك مرة في كلّ طُهر -إِنْ قَدَرَ على ذلك-؛ وإِلا فهو عاص لله -تعالى-. بُرهان ذلك: قول الله -عز وجل-: ﴿فإذا تطهرن فَأْتُوهُنّ من حَيْثُ أَمَرَكُم الله﴾». ثمّ روى بإِسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «إِنّا لنسير مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بالرف من جُمْدان؛ إِذ عرضت له امرأة -من خزاعة- شَابة، فقالت: يا أمير المؤمنين! إِني امرأة أحبّ ما تحب النساء من الولد وغيره، ولي زوج شيخ، ووالله ما برِحْنا حتى نظرنا إِليه يهوي -شيخ كبير-، فقال ------------------------ = والترهيب «٢٠٧١). (١) أخرجه أحمد، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣١٦)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٣٩٨) وغيرهما، وانظر»الإرواء" (١٩٩٩). لعمر: يا أمير المؤمنين! إِني لمحسن إِليها وما آلوها؟ فقال له عمر: أتقيم لها طُهرها؟ فقال: نعم، فقال لها عمر: انطلقي مع زوجك، والله إِنّ فيه لما يجزي -أو قال: يغني- المرأة المسلمة». قال أبو محمد -رحمه الله-: «ويُجبَر على ذلك من أبى بالأدب، لأنه أتى منكرًا من العمل». ثمّ ذكَر قول سلمان لأبي الدرداء -رضي الله عنهما-: «... ولأهلك عليك حقًّا»، ولفظه كما في حديث أبي جُحَيْفَة -رضي الله عنه- قال: «آخى النّبيّ - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أمّ الدّرداء متبذّلة (١)، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا فقال له: كُل، قال: فإِني صائم، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل، قال: فأكل. فلمّا كان الليل؛ ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثمّ ذهب يقوم، فقال: نم، فلمّا كان من آخر الليل؛ قال سلمان: قُم الآن، فصلَّيا. فقال له سلمان: إِنّ لربّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلّ ذي حقٍّ حَقَّهُ، فأتى النّبيَّ - ﷺ -، فذكَر ذلك له؟ فقال له النّبيّ - ﷺ -: صدَق سلمان» (٢). وفي رواية: «... وائت أهلك» (٣). ----------------------- (١) «متبذلة؛ أي: لابسة ثياب البِذْلة -بكسر الموحدة وسكون الذال-، وهي المهنة؛ وزنًا ومعنى، والمراد: أنها تاركة للبس ثياب الزينة». «فتح». (٢) أخرجه البخاري: ١٩٦٨. (٣) أخرجه الدارقطني، وذكره الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»، وانظر «آداب الزفاف» (ص ١٦٠). قال الحافظ -رحمه الله-:»وقد يُؤخذ منه ثبوت حقّها في الوطءِ لقوله: «ولأهلك عليك حقًّا» ثمّ قال: «وائت أهلك»؛ وقرّرهُ النّبيّ - ﷺ - على ذلك«. انتهى. قلت: وقول ابن حزم -رحمه الله-:»﴿فإذا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنّ من حَيْثُ أَمَرَكُم الله﴾ «؛ جاء بعد حظر، فمن العلماء من يقول: إِنه للإِباحة *والتحقيق أن يقال: صيغة: (افْعَلْ) بعد الحَظر لرفع ذلك الحظر، وإعادة حال الفعل إِلى ما كان قبل الحَظر؛ فإِنْ كان مباحًا كان مباحًا، وإنْ كان واجبًا أو مستحبًا كان كذلك، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿فإِذا انْسَلَخَ الأشهر الحُرُم فاقْتلوا المشركين﴾ (١)؛ فإِنّ الصيغة رفَعت الحظر، وأعادته إِلى ما كان أوّلًا، وقد كان واجبًا* (٢). وبذا عُدْنا إِلى الحوار في أصْل الحُكم. والذي يبدو أنّ هذا يَتْبَعُ حال الرجل والمرأة، فإِذا احتاجا إِليه؛ وجب؛ لتحقيق الإِحصان وغضّ البصر والإِعفاف، فقد جاء الحثّ على الزّواج من أجل ذلك، كما في قوله - ﷺ -:»يا معشر الشباب! من استطاع الباءة فليتزوج، فإِنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء«(٣). والأثر الذي ذكَره الإِمام ابن حزم -رحمه الله- فيه أنّ المرأة اشتكَت، وكذا في توجيه سلمان أبا الدرداء -رضي الله عنهما-، فقد أجابت أمّ الدرداء سلمان -رضي الله عنهما- حين سألها: ما شأنك؟ فقالت: أخوك أبو الدرداء ليس له ----------------------- (١) التوبة: ٥. (٢) ما بين نجمتين من كتاب»المسوّدة" (ص ١٨). (٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٦، ومسلم: ١٤٠٠، وتقدّم. حاجةٌ في الدنيا. فالوجوب الذي أشار إِليه ابن حزم -رحمه الله- كان مبعثُهُ الحاجةَ أو الشكوى، فماذا إِذا لم تكن ثمّة حاجة أو شكوى؟! ثمّ رأيت ابن كثير -رحمه الله- يقول في تفسير قوله -تعالى-: ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ الله﴾: «فيه ندْب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إِلى وجوب الجماع بعد كل حيض، لقوله: ﴿إذا تَطَهَّرْنَ فَاْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾! وليس له في ذلك مستند؛ لأنّ هذا أمر بعد الحظر، وفيه أقوال لعلماء الأصول، منهم من يقول: إِنه للوجوب كالمطلق، وهؤلاء يحتاجون إِلى جواب ابن حزم. ومنهم من يقول: إِنه للإِباحة، ويجعلون تقدّم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر! والذي ينهض عليه الدليل أنه يُردّ الحكم إِلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإِن كان واجبًا فواجب؛ كقوله -تعالى-: ﴿فإِذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ (١)، أو مباحًا فمباح؛ كقوله -تعالى-: ﴿وإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (٢)، ﴿فإِذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ (٣). وعلى هذا القول تجتمع الأدلّة ...». وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٧١): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن الرجل إِذا صبر على زوجته الشهر والشهرين لا يطؤها؛ فهل عليه إِثم أم لا؟ وهل يطالب الزوج بذلك؟ ---------------------- (١) التوبة: ٥. (٢) المائدة: ٢. (٣) الجمعة: ١٠. فأجاب: يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف؛ وهو من أوكد حقها عليه: أعظم من إِطعامها. والوطء الواجب قيل: إِنه واجب في كل أربعة أشهر مرة. وقيل: بقدر حاجتها وقدرته؛ كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته، وهذا أصح القولين. والله أعلم». حقّ الزوج على زوجته: من حقّ الرجل على زوجته أن تطيعه في غير معصية الله -سبحانه-، فللرجل القوامة، وعليها الاستجابة والطاعة. قال الله -تعالى-: ﴿الرِّجال قوّامون على النساء بما فضّل اللهُ بعضَهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم (١) فالصَّالحات قانتاتٌ (٢) حافظات للغيب (٣) بما حفظ الله﴾ (٤). وعن قيس بن سعد أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرتُ النساء أن يسجدن لأزواجهنّ؛ لِما جعل الله لهم عليهنّ من الحقّ» (٥). -------------------- (١) قال ابن كثير -رحمه الله-: «قال الشعبي في هذه الآية: الصَّداق الذي أعطاها. ألا ترى أنه لو قذَفها لاعَنَها، ولو قذفتْهُ جُلِدَت». (٢) أي: مطيعات لأزواجهنّ. (٣) قال السدي وغيره: «أي: تحفظ زوجها في غيبته؛ في نفسها وماله». (٤) النساء: ٣٤. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٧٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٢٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠٣)، وانظر «الإِرواء» (١٩٩٨). وتقدّم أنّ خير النساء: التي تسر زوجها إِذا نظرَ إِليها، وتطيعه إِذا أمرها، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قيل لرسول الله - ﷺ -: أي النساء خير؟ قال: التي تسرّه إِذا نظر، وتطيعه إِذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره» (١). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «أتى رجل بابنته إِلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إِنّ ابنتي هذه أبت أن تتزوّج؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: أطيعي أباك. فقالت: والذي بعثك بالحق؛ لا أتزوّج حتى تخبرني ما حقّ الزوج على زوجته؟ قال: حق الزوج على زوجته؛ لو كانت به قُرْحة، فلحستها، أو انتثر منخراه صديدًا أو دمًا، ثمّ ابتلعته؛ ما أدّت حقّه. قالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوّج أبدًا! فقال النّبيّ - ﷺ -: لا تنْكِحُوهنَّ إِلا بِإِذْنِهِنَّ» (٢). وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٧١ - ٢٧٧) -بحذف-: «وسئل -رحمه الله تعالى- عمن له زوجة لا تصلّي: هل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة؟ وإذا لم تفعل: هل يجب عليه أن يفارقها، أم لا؟ فأجاب: نعم، عليه أن يأمرها بالصلاة، ويجب عليه ذلك؛ بل يجب عليه ------------------- (١) أخرجه أحمد، والحاكم، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠٣٠)، وانظر»الصحيحة«(١٨٣٨)، وتقدّم. (٢) أخرجه البزار بإِسناد جيد، رواته ثقات مشهورون، وابن حبان في»صحيحه«، وقال شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١٩٣٤):»حسن صحيح". أن يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إِذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال -تعالى-: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاة وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفُسَكم وأهلِيكُم نارًا وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ (٢). وينبغي مع ذلك الأمر أن يَحُضَّها على ذلك بالرغبة، كما يَحُضُّها على ما يحتاج إِليها، فإِن أصرّت على ترْك الصلاة؛ فعليه أن يطلّقها، وذلك واجب في الصحيح. وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلّي -باتفاق المسلمين-؛ بل إِذا لم يصلِّ قُتِل، وهل يُقْتَل كافرًا مرتدًا؟ على قولين مشهورين. والله أعلم». ويجب عليها أن تلبّي دعوته إِلى الفراش حين يطلبها. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا دعا الرجل امرأته إِلى فراشه، فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح» (٣). ولقوله - ﷺ -: «إِذا دعا الرجل زوجته لحاجته؛ فلتأته وإن كانت على التنّور» (٤). ولقوله - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده؛ لا تؤدّي المرأة حقّ ربّها حتى تؤدّي حقّ زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه» (٥). ------------------------ (١) طه: ١٣٢. (٢) التحريم: ٦. (٣) أخرجه البخاري: ٥١٩٣، ومسلم: ١٤٣٦. (٤) أخرجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». (٥) أخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٢٨٣). جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوّج امرأة، وكتب كتابها، ودفع لها المال بكماله؛ وبقي المقسّط من ذلك، ولم تستحق عليه شيئًا؛ وطلبها للدخول فامتنعت؛ ولها خالة تمنعها: فهل تجبر على الدخول؟ ويلزم خالتها المذكورة تسليمها إِليه؟ فأجاب: ليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها -والحالُ هذه- باتفاق الأئمة، ولا لخالتها ولا غير خالتها أن يمنعها؛ بل تعزَّر الخالة على منعها من فعل ما أوجب الله عليها، وتُجْبر المرأة على تسليم نفسها للزّوج». ومن حقّه ألا تصوم بحضوره إِلا بإِذنه. «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إِلا بإِذنه [غير رمضان]، ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه» (١). ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه؛ للحديث السابق، ولقوله - ﷺ -: «ألا إِنّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا. فأمّا حقّكم على نسائكم؛ فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهُنّ عليكم أن تُحسنوا إِليهنَّ في كسوتهنّ وطعامهنّ» (٢). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٩٥، ومسلم: ١٠٢٦، وانظر «آداب الزفاف» (ص ٢٨٢) لأجل الزيادة. (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٢٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠١)، وانظر «الإرواء» (٢٠٣٠). الطَّلاق الطلاق معناه: الطلاق في اللغة. حلّ الوثاق مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك، [ويقال]: فلان طلْق اليد بالخير أي؛ كثير البذل وأطلقْتُ الرجل من حبسه. وفي الشرع: حلُّ عقدة التزويج وإزالة ملك النكاح، وهو موافق لبعض أفراد مدلوله اللغوي (١). مشروعيته (٢): والأصل في مشروعيته الكتاب والسُّنة والإِجماع. أمّا الكتاب. فلقول الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان فإِمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٣). ولقوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النساء فطّلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ (٤). وأمّا السّنّة: فلحديث سالم: «أنّ عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أخبره ------------------ (١)»الفتح«(٩/ ٣٤٦) بزيادة من»حلية الفقهاء«(١٧٢) و»التعريفات«(١٠١). (٢)»المغني" (٨/ ٢٣٣) بتصرّف يسير. (٣) البقرة: ٢٢٩. (٤) الطلاق: ١. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |