|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#121
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 87 الى صـــ 106 الحلقة (121) سادسها: قولها: (مَكَانَ عُمْرَتِي التِي نَسَكْتُ) كذا هو في روايتنا، ووقع عند الشيخ أبي الحسن كما نقله ابن التين: شكيت. قال: وإنما وجه الكلام شكوت. قلت: والياء لغة، قال: والذي رويناه سكنت من السكون، أي: سكنت عنها، وتركت التمادي عليها، قال: وروي أنها شكت بسرف، وروي بعرفة، وروي بمكة، قال: والمعنى أنها أعادت الكلام وكررته في كل موضع. ١٦ - باب نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غَسْلِ المَحِيضِ ٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الِحجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:»مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ«. فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ». فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِىِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِحَجٍّ». فَفَعَلْتُ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الَحصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةِ مَكَانَ عُمْرَتِي. قَالَ هِشَام: وَلَمْ يَكنْ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٧] حَدَّثنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ ..» الحديث وقد سلف الكلام عليه في الباب قبله مع الترجمة أيضًا فيه، وأبو أسامة (ع) اسمه: حماد بن أسامة الكوفي الحافظ الحجة الإخباري، عنده ستمائة حديث عن هشام، عاش ثمانين سنة، ومات سنة إحدى ومائتين (١)، وعبيد (خ) هَبَّاري من أفراد البخاري، مات سنة ثنتين ومائتين. ----------------- (١) حمَّاد بن أسامة بن زيد القرشي، أبو أسامة الكوفي، مولى بني هاشم. روى عن: أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، والأجلح بن عبد الله الكندي، والأحوص بن حكيم الشامي، وإدريس بن يزيد الأودي، وأسامة بن زيد الليثي وغيرهم. روى عنه: إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن = وفتح الحاء من ذي الحجة أشهر من كسرها، ومعنى: موافين: مشرفين، يقال: أوفي على كذا، أي: أشرف، ولا يلزم الدخول فيه. وقولها: (خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ) وجاء في رواية أخرى: (لخمس بقين من ذي القعدة وقدم النبي - ﷺ - مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة فأقام في طريقه إلى مكة تسعة أيام أو عشرة). وقوله: (قَالَ هِشَام: وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ). ظاهره مشكل، فإنها إن كانت قارنة فعليها هدي للقران عند كافة العلماء إلا داود، وإن كانت متمتعة فكذلك؛ لكنها كانت فاسخة كما سلف، ولم تكن قارنة ولا متمتعة، وإنما أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها، فلما أكملته اعتمرت عمرة مستبدأة، نبه عليه القاضي (١). لكن يعكر عليه قولها: (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ)، وقولها: (ولم أهل إلا بعمرة)، ويجاب: بأن هشامًا لما لم يبلغه شيء من ذلك أخبر بنفيه، ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر، ويحتمل أن يكون لم يأمر به؛ بل نوى أنه يقوم به عنها، بل روى جابر أنه - ﷺ - أهدى عن عائشة بقرة (٢). ------------------ = أبي رجاء الهروي، وأحمد بن سنان بن القطان الواسطي. وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، روى له الجماعة. مات في ذي القعدة سنة إحدى ومائتين، وهو ابن ثمانين سنة. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٩٤، «تاريخ يحيى برواية الدارمي» (٢٤٢)، «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٨ (١١٣)، «معرفة الثقات» ١/ ٣١٨ (٣٥٢)، «ذكر أسماء التابعين» ١/ ١١٠ (٢٢٩)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٢١٧ - ٢٢٤ (١٤٧١). (١) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣١. (٢) رواه مسلم (١٣١٩) كتاب: الحج، باب: الاشتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما، عن سبعة. خاتمة: اختلف العلماء في فسخ الحج إلى العمرة، وهو تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة؛ فجمهور العلماء على المنع من ذلك (١)، وذهب ابن عباس إلى جوازه (٢)، وبه قال أحمد (٣) وداود (٤) وكلهم متفقون: أن الشارع أمر أصحابه عام حجَّ بفسخ الحج إلى العمرة. وأجاب الجمهور عنه: بأن ذلك كان خاصًّا بهم، وقد روى ربيعة عن الحارث بن بلال، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، الفسخ لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: «لنا خاصة» أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه (٥). ---------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠١، «النوادر والزيادات» ٣٣١/ ٢، «عيون المجالس» ٢/ ٨٣٣، «البيان» ٤/ ٧١، «المغني» ٥/ ٩٥. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٤٢٥ (١٥٧٧٩). (٣) «المغني» ٥/ ٩٥ - ٩٦. (٤) «المحلى» ٧/ ١٠٣. (٥) أبو داود (١٨٠٨)، والنسائي ٥/ ١٧٩، وابن ماجه (٢٩٨٤)، ورواه أحمد ٣/ ٤٩٦. قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٢/ ١٩٢ قال عبد الله: فقلت لأبي: فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج، يعني قوله: لا أقولُ بهن لا يُعرف هذا الرجل، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت. هذا لفظه. ثم قال ابن القيم: وممَّا يدلُّ على صحة قول الإمام أحمد، وأنَّ هذا الحديث لا يَصِحُّ أنَّ النبي - ﷺ - أخبر عن تلك المتعة التي أمرهم أن يفسخوا حجهم إليها أنَّها لأبد الأبد، فكيف يثبت عنه بعد هذا أنَّها لهم خاصة؟ هذا من أمحل المحال. وكيف يأمرهم بالفسخ ويقول: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، ثم يثبت عنه أنَّ ذلك مختص بالصحابة دون من بعدهم: فنحن نشهد بالله أنَّ حديث بلال بن = ١٧ - باب كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ (١) ٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ». قَالَتْ: فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِى أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِى مِنَ التَّنْعِيمِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٩] حَدَّثَنَا يَحْييَ بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ .. الحديث. وقد سلف الكلام عليه، أخرجه مسلم في المناسك (٢)، ويأتي بزيادة في الحج إن شاء الله (٣)، وهذا الحديث كذا هو في «شرح ابن بطال» ------------------ = الحارث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - وهو غلط عليه، وكيف تقدم رواية بلال بن الحارث على رواية الثقات الأثبات، حملة العلم الذين رووا عن رسول الله - ﷺ - خلاف روايته، ثم كيف يكون هذا ثابتًا عن رسول الله - ﷺ -، وابن عباس يفتي بخلافه، ويناظر عليه طول عمره بمشهد من الخاص والعام، وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون، ولا يقول له رجلٌ واحد منهم: هذا كان مختصًا بنا، ليس لغيرنا حتى يظهر بعد موت الصحابة، أنَّ أبا ذر كان يرى اختصاص ذلك بهم. اهـ. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٠٠٣). (١) سيأتي باب ١٧ وفيه حديث (٣١٨) بعد هذا الباب. (٢) مسلم (١٢١١) باب إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض. (٣) سيأتي برقم (١٥٥٦) باب: كيف تهل الحائض والنفساء. هنا (١) ووقع في روايتنا ذكره له بعد الباب الآتي، والأمر فيه قريب. وفيه: أن الحائض تهل بالحج والعمرة، وتبقى على حكم إحرامها، وتفعل فعل الحاج كله غير الطواف بالبيت (٢)، كما سلف في حديث عائشة: فإذا طهرت واغتسلت فعلته (٣) (٤). ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣. (٢) المصدر السابق. (٣) سلف برقم (٣١٦) باب: امتشاط المرأة عند غُسلها من المحيض. (٤) في هامش (س): آخره (١٠) من تجزئه المصنف وبه كمل الجزء الثاني. ١٨ - باب ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج ٥] ٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ -عز وجل- وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَارَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أمِّهِ». [٣٣٣٣، ٦٥٩٥ - مسلم: ٢٦٤٦ - فتح: ١/ ٤١٨] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا حَمَّاد، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: «إِنَّ اللهَ -عز وجل- وَكلَّ بِالرَّحِم مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ أنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ». هذا الحديث أخرجه في الاعتصام أيضًا (١)، وأخرجه مسلم في القدر (٢). وعبيد الله (ع) هذا روى عن جده أنس، وقيل: روى عن أبيه عن جده، وهو ثقة صالح (٣). ------------------ (١) لم أقف عليه في كتاب: الاعتصام، ولكن سيأتي برقم (٣٣٣٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، وسيأتي أيضًا برقم (٦٥٩٥) كتاب: القدر. (٢) مسلم (٢٦٤٦) باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته. (٣) عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو معاذ البصري. روى عن: جده أنس بن مالك. روى عنه: أشعث بن سوار، وأخوه بكر بن أبي بكر بن أنس بن مالك، وحمَّاد بن زيد، وحماد بن سلمة، وشدَّاد بن سعيد أبو طلحة الراسبي، وشعبة بن الحجاج. وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو داود والنسائي. روى له الجماعة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٧٥ (١١٩١)، «الثقات» ٥/ ٦٥، «الثقات» لابن شاهين ص ١٦٥ (٩٥٦، ٩٦٢)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٥ - ١٦ (٣٦٢٣). والنطفة: جمعها نطف، وكل منى نطفة، والعلقة: الدم الجامد الغليظ؛ سميت بذلك لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، والمضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغه الماضغ. وفقه الحديث: أن الله تعالى علم أحوال خلقه قبل خلقهم، ووقت أرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم، فأراد البخاري بهذا التبويب معنى ما روي عن علقمة: إذا وقعت النطفة في الرحم قال الملك: مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة مجَّت الرحم دما، وإن قال: مخلقة، قال: أذكر أم أنثى؟ ويحتمل أن يكون المراد ما فسره في الحديث: إذا أراد خلقه قال: مخلقة، وإن لم يرد قال: غير مخلقة. ويحتمل أن يكون أراد الآية الكريمة ﴿مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، والحديث عليها، ويحتمل أن يكون المراد بالآية أنها تكون غير مخلقة في الحالة الثانية، ثم تخلق بعد ذلك، والواو لا توجب ترتيبًا. وغرض البخاري بهذا الباب -والله تعالى أعلم- أن الحامل لا تحيض، وهو قول أبي حنيفة (والكوفيين) (١) والأوزاعي وأحد قولي الشافعي (٢)؛ لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع الخروج. وقال مالك، والشافعي في أظهر قوليه أنها تحيض (٣)، وحكي عن ------------------ (١) ذكرت في الأصل: الكوفي، ولعل المثبت هو المناسب للسياق. (٢) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢٠، «التمهيد» ١٦/ ٨٧، «روضة الطالبين» ٨/ ٣٧٥، «المغني» ١/ ٤٤٣ - ٤٤٤. (٣) انظر: «التمهيد» ١٦/ ٨٧، «روضة الطالبين» ٨/ ٣٧٥. بعض المالكية: إن كان في آخر الحمل فليس بحيض (١). وذكر الداودي أن الاحتياط أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم ولا يأتيها زوجها، وعن قتادة: تامة أو غير تامة، وعن الشعبي: النطفة والعلقة والمضغة إذا كسيت في الخلق الرابع كانت مخلقة، وإذا قذيتها قبل ذلك كانت غير مخلقة (٢)، وعن أبي العالية: المخلقة: الصورة وغيرها السقط (٣). وقام الإجماع على مصير الأمة أم ولد مما أسقطته من ولد تام الخلق (٤). ووقع الخلاف بينهم فيمن لم يتم خلقه من العلقة والمضغة، فقال مالك والأوزاعي وجماعة: تكون أم ولد بالمضغة مخلقة وغيرها، وتنقضي بها العدة (٥)، وعن ابن القاسم: تكون أم ولد بالدم المجتمع (٦)، وعن أشهب: لا تكون أم ولد به، وتكون كالمضغة والعلقة (٧). وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجماعة: إن كان قد تبين في المضغة شيء من الخلق؛ أصبع أو عين غير ذلك فهي أم ولد (٨)، وعلى مثل هذا انقضاء العدة. ------------------- (١) انظر: «التمهيد» ١٦/ ٨٧. (٢) رواه الطبري في «التفسير» ٩/ ١١٠ (٢٤٩٢٣). (٣) رواه الطبري في «التفسير» ٩/ ١١١ (٢٤٩٢٩). (٤) انظر: «المغني» ١٤/ ٥٩٦، «مراتب الإجماع» ص ٢٦٢. (٥) انظر: «تفسير القرطبي» ١٢/ ٩. (٦) انظر: «الذخيرة» ١١/ ٣٣٩. (٧) المصدر السابق. (٨) انظر: «تفسير القرطبي» ١٢/ ٩. ثم اعلم أنه ثبت في «الصحيح» من حديث ابن مسعود: «إِنَّ خلق أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويكتب رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» (١). وظاهره أن إرسال الملك بعد الأربعين الرابعة، وفي رواية: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟». وفي أخرى: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها» (٢). وفي رواية حذيفة بن أسيد: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم (يتسور) (٣) عليها الملك» (٤). وفي أخرى: «أن ملكًا وكل بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا يأذن له لبضع وأربعين ليلة» (٥). وجمع العلماء بين ذلك أن الملائكة لازمة ومراعية بحال النطفة في أوقاتها؛ فإنه يقول: يا رب هذِه نطفة، هذِه علقة، هذِه مضغة في أوقاتها، وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو أعلم. -------------------- (١) سيأتي برقم (٣٢٠٨) كتاب: بدء الخلق، ذكر الملائكة، ومسلم (٢٦٤٣) كتاب: القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته. (٢) مسلم (٢٦٤٥) كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي … (٣) في «صحيح مسلم» يتصور بالصاد المهملة، وقال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي: هكذا في جميع نسخ بلادنا، يتصور بالصاد. وذكر القاضي عياض: يتسور بالسين. اهـ ٤/ ٢٠٣٨. (٤) مسلم (٢٦٤٥) كتاب: القدر، باب: كيفية خلق الآدمي .... (٥) تقدم تخريجه. ولكلام الملك وتصرفه أوقات: أحدها: حين يكون نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول علم الملك أنه ولد إذ ليس كل نطفة تصير ولدًا وذلك عقب الأربعين الأولى، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم للملك عندئذ تصرف آخر، وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وكونه ذكرًا أو أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة وهي مدة المضغة، وقبل انقضاء هذِه الأربعين وقبل نفخ الروح، لأن النفخ لا يكون إلا بعد تمام صورته. والرواية السالفة: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة» فليست على ظاهرها كما قال عياض (١) وغيره، بل المراد بتصويرها وخلق سمعها .. إلى آخره: أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي النطفة وهي مدة المضغة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢] ثم يكون للملك فيه تصرف آخر، وهو وقت نفخ الروح، عقب الأربعين الثالثة حتى يكمل له أربعة أشهر. واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر (٢)، ووقع في رواية البخاري «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثله، ثم مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح» (٣) وأتي فيه بـ (ثم) التي هي مقتضية للتراخي في الكتب إلى ما بعد الأربعين الثالثة. ---------------------- (١) «إكمال المعلم» ٨/ ١٢٦ - ١٢٧. (٢) انظر: «تفسير القرطبي» ١٢/ ٨. (٣) سبق تخريجه. والأحاديث الباقية تقتضي الكَتْب عقب الأربعين الأولى. وجوابه: لأن قوله: «ثم يبعث إليه الملك فيؤذن فيكتب» معطوف على قوله: «يجمع في بطن أمه» ومتعلق به لا بما قبله، وهو: «ثم يكون مضغة مثله». قوله: «ثم يكون علقة مثله») معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح وكلام العرب. قال القاضي وغيره: والمراد بإرسال الملك في هذِه الأشياء أمره بها والتصرف فيها بهذِه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول: «يا رب نطفة، يا رب علقة» (١). وقوله في حديث أنس «وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال: يا رب أذكر أم أنثى» لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد خلق النطفة علقة كان كذا وكذا، ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والشقاء والسعادة، والعمل والذكورة والأنوثة أنه يظهر ذلك للملك ويأمره بإنقاذه، وكتابته، وإلا فقضاء الله وعلمه وإرادته سابق على ذلك. قال القاضي عياض: ولم يختلف أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامسة وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه في الأحكام في الاستلحاق ووجوب النفقات، وذلك للثقة بحركة الجنين في الجوف. ------------------ (١) «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٨/ ١٢٨. وقيل إن الحكمة في عدتها عن الوفاة بأربعة أشهر والدخول في الخامس تحقق براءة الرحم ببلوغ هذِه المدة (١) إذا لم يظهر حمل، ونفخ الملك في الصورة سبب لخلق الله عنده فيها الروح والحياة؛ لأن النفخ المعتاد فيه إنما هو إخراج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدر حدوث شيء عند ذلك النفخ، فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون (معدًا) (٢) عادة لا موجبًا عقلًا، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة. وقوله: «فيكتب في بطن أمه» يعني أن الملك يكتب من اللوح المحفوظ، كما رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه، قال: أي ربِّ، أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما الأثر بأي أرض تموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذِه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب» (٣). ---------------- (١) «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٨/ ١٢٣ - ١٢٤. (٢) كلمة غير واضحة بالأصل، ولعلها ما أثبتناه. (٣) رواه الطبري في «التفسير» ٩/ ١١٠ (٢٤٩٢٢). ١٩ - باب إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ (١). هذا الأثر ذكره مالك في «الموطأ»، فقال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القّصَّة البيضاء. تريد الطهر من الحيضة (٢). قال أبو محمد بن حزم: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها (٣). قلت: وأم علقمة اسمها مرجانة، كذا سماها ابن حبان في «ثقاته» (٤)، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة (٥). والدرجة: بضم الدال المهملة وسكون الراء، وقيل: بكسر الدال وفتح الراء، وعند الباجي بفتحهما (٦)، وهي بعيدة عن الصواب كما قاله صاحب «المطالع». وقال ابن بطال: رواية أصحاب الحديث الثاني يعنون بذلك جمع (دِرَج)، وهو الذي يجعل فيه النساء الطيب، وأهل اللغة ينكرون ذلك ---------------------- (١) سيأتي باقي التعليق بعد صفحتين، وبعده حديث الباب. (٢) رواه مالك ص ٦٠ برواية يحيى. (٣) «المحلى» ٢/ ١٦٦. (٤) «الثقات» لابن حبان ٥/ ٤٦٦. (٥) «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٤٦١ (٢٣٦٤). (٦) «المنتقى» ١/ ١٨٨. ويقولون: أما الذي كنَّ يبعثن به الخرق فيها القطن، كنَّ يمتحنَّ بها أمر طهرهن. واحدتها دُرْجة بضم الدال وسكون الراء (١). والكُرسُف بضم السين مع الكاف: القطن، ويقال له: الكرفس، على القلب. واختير القطن لبياضه، ولأنه ينشف الرطوبة، فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر من غيره. والقَصَّة -بفتح القاف، وحكى القزاز كسرها، والصاد المهملة -: الجص. ومعناه هنا أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها كأنها جصة لا تخالطها صفرة. وقيل: هو ماء أبيض يخرج آخر الحيض مثل الخيط، وفي «محيط» الحنفية: القَصَّة: الطين الذي يغسل به الرأس، وهو أبيض يضرب إلى الصفرة. وفسر مالك، القَصَّة بقوله: تريد بذلك الطهر (٢) كما وقع في البخاري (٣). وقال الخطابي: تريد النقاء التام (٤). وقال ابن وهب في «تفسيره»: رأت الأبيض -القطن- (٥) كأنه هو، وقال ابن أبي سلمة: إذا كان ذلك نظرت المرأة إلى مثل ريقها في اللون. وقال مالك: سألت النساء عن القصة البيضاء، فإذا ذلك أمر معلوم عند النساء يرينه عند الطهر. ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٤٧. (٢) «الموطأ» ص ٦٠ برواية يحيى. (٣) معلقًا قبل حديث (٣٢٠) كتاب الحيض، باب: إقبال المحيض وإدباره. (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٣٢٥. (٥) في «عمدة القاري» ٣/ ٢٠٤: القطن الأبيض؛ ليعلم. وروى البيهقي من حديث ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن فاطمة بنت محمد -وكانت في حجر عمرة- قالت: أرسلت امرأة من قريش إلى عمرة كُرسُف قطن فيها -أظنه أراد الصفرة- تسألها: إذا لم تر المرأة من الحيضة إلا هذا طهرت؟ قال: فقالت: لا، حتى ترى البياض خالصًا (١). قال البخاري: وَبَلَغَ ابنةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ، فَقَالَتْ: مَا كَانَ النسَاءُ يَصْنَعْنَ هذا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ. هذا رواه مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، عن ابنة زيد بن ثابت أنه بلغها .. الحديث (٢). عمة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم. قال ابن الحذاء: وإن كانت عمة جده فهي عمة له أيضًا ويشبه أن تكون لها صحبة؛ لأن أخاها عمرو بن حزم له صحبة، وقد روت عن النبي - ﷺ - حديثًا ذكرها ابن عبد البر في «استيعابه» (٣). وابنة زيد هذِه يشبه أن تكون أم سعد، ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات أيضًا (٤)، وذكر الحافظ أبو محمد الدمياطي شيخ شيوخنا أن له من البنات أم إسحاق، وحسنة، وعمرة، وأم حسن، وقُريبة، وأم محمد. ------------------- (١) البيهقي في «السنن» ١/ ٤٩٧ كتاب: الحيض، باب: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض. (٢) «الموطأ» ص ٦١ كتاب: الطهارة، باب: طهر الحائض. (٣) «الاستيعاب» ٤/ ٤٤٠ (٣٤٧٣)، وانظر تمام ترجمتها في: «أسد الغابة» ٧/ ٢٠١ (٧١١٦)، «الإصابة» ٤/ ٢٦٦ (٧٤٣). (٤) «الاستيعاب» ٤/ ٤٩٢ (٣٥٩٠). وروى البيهقي أيضًا من حديث عباد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلًا في الحيض، وتقول: إنها قد تكون الصفرة والكدرة (١). وعن مالك: لا يعجبني ذلك، ولم يكن للناس مصابيح (٢). وروى ابن القاسم عنه أنهن كنَّ لا يقمن بالليل (٣). ٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ أَبِي حُبَيشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي». [انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٢١] قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي». وهذا الحديث سلف في باب: غسل الدم (٤)، وسفيان هذا هو ابن عيينة، وإن كان الثوري رواه عن هشام أيضًا؛ لأن عبد الله بن محمد المسندي لم يرو عن الثوري شيئًا، وهذا الحديث من طريق ابن عيينة في البخاري خاصة. إذا تقرر ذلك كله فإقبال المحيض هو الدفعة من الدم، وتمسك عند ----------------- (١) «سنن البيهقي» ١/ ٣٣٦. (٢) انظر: «المنتقى» ١/ ١٢٠. (٣) انظر. «النوادر والزيادات» ١/ ١٢٨. (٤) سلف برقم (٢٨٨) في كتاب: الوضوء. رؤيتها عن الصلاة بالإجماع، إن كانت لا تحسب قرءًا، وأما إدباره فهو إقبال الطهر، وله علامتان: القَصَّة البيضاء، والجفوف، وهو أن تدخل الخرقة، فتخرجها جافة. واختلف الفقهاء كما قال ابن رشد في علامة الطهر، فرأى قوم أن علامته القّصَّة البيضاء أو الجفوف (١)، وبه قال ابن حبيب، وسواء كانت عادتها القَصَّة أو الجفوف، أيُّ ذلك رأته طهرت، وفرق قوم فقالوا: إن كان المرأة ممن ترى القصَّة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف. واختلف أصحاب مالك فيه كما حكاه ابن بطال في أيها أبلغ براءة في الرحم من الحيض، فروى ابن القاسم عن مالك: إذا كانت ممن ترى القصَّة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف. وبه قال عيسى بن دينار أن القصَّة أبلغ من الجفوف، وروي ذلك عن أسماء بنت الصديق ومكحول. وذكر ابن عبد الحكم، عن مالك أنها تطهر بالجفوف وإن كانت ممن ترى القصَّة البيضاء؛ لأن أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم كدرة، ثم يكون رقيقًا، فالقصَّة، ثم ينقطع، فإذا انقطع قبل هذِه المنازل، فقد برئت الرحم من الحيض؛ لأنه ليس بعد الجفوف انتظار شيء، وممن قال أن الجفوف أبلغ عمر وعطاء بن أبي رباح، وهو قول عائشة السالف: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ. فدل أنها آخر ما يكون من علامات الطهر وأنه لا علامة بعدها أبلغ منها، ولو كانت علامة أبلغ منها لقالت حتى ترين القصَّة أو الجفوف. وفي قولها: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ. دلالة أن الصفرة ---------------- (١) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ١١١. والكدرة في أيام الحيض حيض؛ لأنها في حكم الحائض حتى ترى القصَّة البيضاء، وقد ترى قبلها صفرة وكدرة، وهو الصحيح عند الشافعية وقول باقي الأئمة الأربعة، وعن أبي يوسف: إن رأت الصفرة ابتداءً فليس بحيض حتى يتقدمه دم. وخالفوه وقالوا: إنه حيض (١). وفيه من الفقه أن العبادات الرافعة للحرج هي السنة ومن خالفها فهو مذموم كما ذمته ابنة زيد بن ثابت، وإنما أنكرت افتقاد دم الحيض في غير أوقات الصلوات؛ لأن جوف الليل ليس بوقت صلاة وإنما على النساء افتقاد أحوالهن للصلاة، وإن كنَّ قد طهرن تأهبن للغسل لها (٢). واختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل الفجر ولا تغتسل حتى يطلع، فقال مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: هي بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم ويجزئها صوم ذلك اليوم، وقال الأوزاعي: تصومه وتقضيه، وقال أبو حنيفة: إن كانت أيامها أقل من عشرة صامته وقضته، فإن كانت أكثر منها صامته ولا قضاء، وعن عبد الملك بن الماجشون يومها ذلك يوم فطر، ولا أرى إن كان يرى صومه أم لا، فإن كان لا يراه فهو شذوذ، ولا يعرج عليه، ولا معنى لمن اعتل به من أن الحيض ينقض الصوم والاحتلام لا ينقضه، لأن من طهرت من حيضتها ليست بحائض، والغسل إنما يجب عليها إذا طهرت، ولا يجب الغسل على حائض (٣) (٤). ------------------ (١) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٣٩، «المنتقى» ١/ ١١٩، «المجموع» ١/ ١٢٤ - ٤٢٢، «المغني» ١/ ٤١٣ - ٤١٤. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٢٨، «بداية المجتهد» ١/ ١١١. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٣٤، «المغني» ١/ ٣٩٣. (٤) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الثاني بعد الخمسين له مؤلفه. ٢٠ - باب لَا تَقْضِي الحَائِضُ الصَّلَاةَ وَقَالَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «تَدَعُ الصَّلَاةَ». [انظر: ٣٠٤ - ١٥٥٧] ٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّ امْرَأةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ. [مسلم: ٣٣٥ - فتح: ١/ ٤٢١] أما حديث أبي سعيد فسلف قريبًا في باب ترك الحائض الصوم، ولفظه: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» قلن: بلى (١)، وسيأتي أيضًا (٢). وأما حديث جابر، فلا يحضرني من أسنده (٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان من حديث ابن عمر ونبه على حديث أبي سعيد ولم يذكر لفظه وذكر سنده خاصة، ثم ذكر عن المقبري، عن أبي هريرة -------------------- (١) سلف برقم (٣٠٤) باب: ترك الحائض الصوم. (٢) وسيأتي برقم (١٤٦٢) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب، وبرقم (١٩٥١) كتاب: الصوم، باب: الحائض تترك الصوم والصلاة، وبرقم (٢٦٥٨) كتاب: الشهادات، باب: شهادة النساء. (٣) قال الحافظ ابن حجر في «تغليق التعليق» ٢/ ١٧٧: هذا التعليق عن هذين الصحابيين ذكرهُ المؤلف هنا بالمعنى عنهما، ولم أجده عن واحد منهما بهذا اللفظ. وقال في «الفتح» ١/ ٤٢١ هذا التعليق عن هذين الصحابيين ذكره المؤلف بالمعنى، فأمَّا حديث جابر فأشار به إلى ما أخرجه في كتاب: الأحكام من طريق حبيب، عن عطاء، عن جابر في قصة حيض عائشة في الحج وفيه: «غير أنَّها لا تطوف ولا تصلي». اهـ. وسيأتي برقم (٧٢٣٠) كتاب: التمني، باب: قول النبي - ﷺ -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت». ![]()
__________________
|
|
#122
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 107 الى صـــ 126 الحلقة (122) مرفوعًا بمثل حديث ابن عمر (١). ثم قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، ثنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّ امْرَأَةَ قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ. وهذا الحديث أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة (٢)، وعند مسلم ما يرجح أن معاذة السائلة نفسها إذ فيه: عن معاذة قالت: سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسال. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٣)، وفي لفظ آخر: قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله - ﷺ - لا تؤمر بقضاء (٤). وفي لفظ آخر: قد كن نساء رسول الله - ﷺ - يحضن أفأمرهن أن يجزين؟ قال محمد بن جعفر: تعني: يقضين (٥). ---------------------- (١) رواه مسلم (٨٠) باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاف لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق. (٢) مسلم (٣٣٥) كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، وأبوداود (٢٦٢)، والترمذي (٧٨٧)، والنسائي ١/ ١٩١ - ١٩٢، وابن ماجه (٦٣١). (٣) مسلم (٣٣٥/ ٦٩) كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة. (٤) مسلم (٣٣٥/ ٦٧) كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة. (٥) مسلم (٣٣٥/ ٦٨) كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة. ثانيها: معاذة هذِه بنت عبد الله عابدة تابعية ثقة وفي هذِه الرواية -أعني: رواية البخاري- (١) تصريح سماع قتادة من معاذة، وهو رد على ما ذكره شعبة وأحمد ويحيى بن معين وغيرهم لم يسمع منها (٢). ثالثها: قولها (أتجزي) أي: أتقضي كما قد جاء في رواية أخرى، (وصلاتها) بالنصب؛ لأنه مفعول يقضي (وإحدانا) فاعله. رابعهًا: قولها (أحرورية أنت؟) هو بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى نسبة إلى حروراء يمد ويقصر قرية على ميلين من الكوفة، كان اجتماع الخوارج به وتعاهدوا هناك، ثم استعمل حتى كثر استعماله في كل خارج، وهذِه الطائفة أنكروا على علي تحكيمه أبا موسى الأشعري في أمر معاوية وقالوا: شككت في أمر الله وحكمت عدوك. وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يومًا وقد خرجوا وهم ثمانية آلاف ---------------- (١) ورد بهامش (س) ما نصه: فعل ذلك البخاري في مناسكه عن يحيى القطان ولم يتعقبه. (٢) معاذة بنت عبد الله العدوية، أم الصهباء البصرية، امرأة صلة بن أشيم، وكانت من العابدات. روت عن: علي بن أبي طالب، وهشام بن عامر الأنصاري، وعائشة أم المؤمنين، وأم عمرو بنت عبد الله بن الزبير. روى عنها: إسحاق بن سويد، وأوفى بن دلهم العدويان، وأيوب السختياني، وجعفر بن كيسان العدوي، وقتادة بن دعامة وغيرهم. قال يحيى بن معين: ثقة حجة. روى لها الجماعة. انظر ترجمتها في: «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩ (٧٩٣٢)، «الكاشف» ٢/ ٥١٧ (٧٠٧٩)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٨٨، «تقريب التهذيب» (٨٦٨٤). وليهم ابن الكواء عبد الله، فبعث إليهم عليٌّ ابن عباس، فناظرهم فرجع منهم ألفان وبقي ستة آلاف، فخرج إليهم عليٌّ، فقاتلهم وكانوا يشددون في الدين. وفيه: قضاء الصلاة على الحائض؛ إذ لم تسقط في كتاب الله عنها على أصلهم في رد السنة على خلاف بينهم في المسألة، وقد أجمع المسلمون على ضلالهم كما سلف، وأنه لا صلاة تلزمها ولا قضاء عليها، إنما قالت عائشة لها ذلك لمخالفتهم السنة وخروجهم عن الجماعة، فخافت عليها وقالت ذلك؛ لأن السنة خلاف ما سألت. ثم إن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد، بل صنيعها يشعر بإنكار أو تعجب؛ فلذلك أجابتها عائشة بذلك، فقالت: لا، ولكني أسأل، أي: أسأل سؤالًا مجردًا عن ذلك لطلب مجرد العلم والحكم، فأجابتها بالنص ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ وأقوى في الردع عن مذهب الخوارج وأنفع لمن يعارض بخلاف المعاني المناسبة، فإنها عرضة للمعارضة واكتفت عائشة في ذلك بكون (لم نؤمر) فيحتمل أن يكون أخذت إسقاط القضاء من سقوط الأداء، ويكون مجرد ذلك دليلًا على سقوطه إلا أن يوجد معارض، وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم. والأقرب أن يكون السبب في ذلك، أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم، فإن الحيض يتكرر، فلو وجب القضاء، لوجب بيانه وحيث لم يتبين دل على عدم الوجوب، لاسيما وقد اقترن بذلك قرينة أخرى وهي الأمر بقضاء الصوم وتخصيص الحكم به. قال الأصحاب: كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضي إلا ركعتي الطواف. ثم الجمهور على أنها كانت مخاطبة بالصوم في زمن الحيض، وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد، وهو قول بعض الحنفية وعامتهم أنه يجب بالأمر الأول وهو قول أحمد ووجه لأصحابنا، وحكى القرطبي عن سمرة أنه كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحائض (١)، فأنكرت ذلك أم سلمة وكان قوم من فقهاء السلف يأمرونها أن تتوضأ عند أوقات الصلاة، وتذكر الله وتستقبل القبلة جالسة (٢). ونُقل ذلك عن عقبة بن عامر ومكحول، وعن «منية المفتي» أنه يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ وتجلس في مسجد بيتها تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة، لو كانت طاهرة؛ حتى لا تبطل عادتها. ----------------------- (١) انظر: «المجموع» ١/ ٣٨٦، «المغني» ٤/ ٣٨٩. (٢) «المفهم» ١/ ٥٩٥. ٢١ - باب النَّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَهْيَ فِي ثِيَابِهَا ٣٢٢ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنةِ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - فِي الخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أنفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الَخمِيلَةِ. قَالَتْ: وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ. [انظر: ٢٩٨ - مسلم: ٢٩٦، ٣٢٤، ١١٠٨ - فتح: ١/ ٤٢٢] ذكر فيه حديث أم سلمة السالف في باب: من سمّى النفاس حيضًا. وفيه زيادة القبلة للصائم، وسيأتي الكلام عليه في الصوم (١) إن شاء الله. وفيه: اغتسالههما من إناء واحد، وقد سلف ما فيه. --------------------- (١) سيأتي برقم (١٩٢٩) باب: القبلة للصائم. ٢٢ - باب مَنِ أخَذَ ثِيَابَ الحَيضِ سِوى ثِيَابِ الطُّهْرِ ٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَينَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: «أَنُفِسْت؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الَخمِيلَةِ. [انظر: ٢٩٨ - مسلم: ٢٩٦ - فتح: ٤٢٣] ذكر فيه الحديث المذكور أيضًا. قال ابن بطال: إن قيل هذا الحديث يعارض قول عائشة رضي الله عنها: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه. قيل: لا تعارض بين حديث عائشة في بدء الإسلام؛ لقيام الشدة والقلة إذن قبل فتح الفتوح والغنائم، فلما فُتح عليهم اتسعت حالهم واتخذ النساء ثيابًا للحيض سوى ثياب لباسهن، فأخبرت أم سلمة عن ذلك الوقت (١). -------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٩٩. ٢٣ - باب شُهُودِ الحَائِضِ العِيدَيْنِ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلْنَ المُصَلَّى ٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابن سَلَامٍ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأة فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَني عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ. قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى الَمرْضَى، فَسَأَلتْ أُخْتِي النَّبِيَّ - ﷺ -: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرجَ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ». فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَألتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ - ﷺ -؟ قَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ -وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ -أَوِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ وَالْحُيَّضُ- وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى». قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: الُحيَّضُ! فَقَالَتْ: أَليسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟ [٣٥١، ١٧١، ٩٧٤، ١٨٠، ١٨١، ١٦٥٢ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ١/ ٤٢٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابن سَلَامٍ- ثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَي عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ. قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِىَّ - ﷺ -: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ». فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ - ﷺ -؟ قَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ -وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلا قَالَتْ: بِأَبِي- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ - أَوِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ وَالْحُيَّضُ- وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى». قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: الحُيَّضُ! فَقَالَتْ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟ الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع أُخَر أول كتاب الصلاة (١)، وصلاة العيدين (٢)، والحج (٣) وأخرجه مسلم في الصلاة (٤). ثانيها: هذِه الأخت هي أم عطية الأنصارية، ورواه أبو داود والترمذي في الصلاة (٥)، والنسائي وابن ماجه في الطهارة (٦)، وفي الباب عن ابن عباس وجابر، وأورده الإسماعيلي من حديث حفصة عن أم عطية، وعن امرأة أخرى وقدومها كان بالبصرة؛ كذا جاء مبينًا في رواية: وقصر بني خلف بالبصرة ينسب إلى خلف جد طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف الخزاعي. وقولها: (في ست) أي: ست غزوات، وروى الطبراني أنها غزت معه سبعًا (٧). ------------------------ (١) سيأتي برقم (٣٥١) باب: وجوب الصلاة في الثياب. (٢) سيأتي برقم (٩٧١) باب: التكبير أيام منى وإذا غدا إلي عرفة. (٣) سيأتي برقم (١٦٥٢) باب: تقضي الحائض المناسك كلها. (٤) مسلم (٨٩٠) باب: ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصُلَّى. (٥) أبو داود (١١٣٦)، والترمذي (٥٣٩). (٦) النسائي ١/ ١٩٣ - ١٩٤، وابن ماجه (١٣٠٧). (٧) «المعجم الكبير» ٢٥/ ٥٥ (١٢١). ثالثها: (العواتق) جمع عاتق: الجارية البالغة، وعتقت: بلغت، وقيل: التي قاربت البلوغ. وقيل: هي التي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج. والتعنيس: طول المقام في بيت أبيها بلا زواج حتى تطعن في السن. سميت عاتقًا؛ لأنها عتقت من أبيها امتهانها في الخدمة والخروج في الحوائج. وقيل: لأنها قاربت أن تتزوج، فتعتق من أسر أبويها وأهلها، وتشتغل في بيت زوجها. وقيل: من العتق الكريم، فإنها أكرم ما تكون عند أهلها. رابعها: الكلمى: جمع كليم، وهو الجريح، فعيل بمعنى مفعول. (والجلباب): الإزار أو الملحفة أو الخمار أو أقصوصة وأعرض، وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها أقوال. وقيل: ثوب واسع دون الرداء تغطي به المرأة ظهرها وصدرها. وقال في «المحكم»: الجلباب: القميص (١). وقوله: (من جلبابها): قيل: أراد به الجنس. أي: تعيرها من جلابيبها كما روي، وعلى إرادة المواساة فيه، وأنه واحد ويشهد له رواية: «تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها» أو يكون على طريق المبالغة أن يخرجن ولو اثنتان في جلباب. خامسها: قولها: (بأبي) الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم. فيكون ما بعدها ------------------- (١) «المحكم» ٧/ ٣٠٦ مادة: جلب. مرفوعًا. تقديره: أنت مفدى بأبي وأمي. وقيل: هو فعل وما بعده منصوب، أي: فديتك بأمي وأمي، وحذف هذا المقدر تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به. وقد روي: بأبأه. وأصله بأبي. هو كما قال ابن الأثير، قال: ويقال: بَأْبَأْتُ الصبيَّ. إذا قلت: بأبي أنت وأمي، فلما سكنت الياء قلبت ألفًا (١). وزعم ابن التين أن (بأبأ) معناه بأبي، وهما لغتان صحيحتان، والمعنى: فداك أبي، وجاء في رواية البخاري في الحج: بِيَبَا. وفي الطبراني: بأبي هو وأمي (٢). وفي لفظ. بأبأ (٣). وقال ابن بطال: قولها: (بأبأ) تريد بأبي، وهي لغة لبعض العرب. قال (٤): ويجوز بيبا بياء مخلصة، يريد: أبا، ثم يخفف الهمزة ويحذفها، وتلقى فتحتها على الياء (٥). سادسها: (الخدور) بالخاء المعجمة: جمع خدر، ستر في ناحية البيت، وأبعد من قال: البيوت أو البيت. تجمع البكر وغيرها، ولا يعنون بذوات الخدور إلا الأبكار، فأمر الملازمات للبيوت المحجبات بالبروز إلى العيد بخلاف قول المرجئة، وقيل: إنه السرير الذي يكون عليه قبة، وأصله الهودج. -------------------- (١) «النهاية» ١/ ١٩. (٢) «المعجم الكبير» ٢٥/ (١٢٣). (٣) هذِه الرواية لم أعثر عليها. (٤) هذا القول نسبه ابن بطال لابن جني، وسبق قلم المصنف فعزاه لابن بطال كما ترى، ويراجع. (٥) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٥١. سابعها: الحديث دال على خروج النساء إلى صلاة العيد، واستثنى أصحابنا من ذلك ذوات الهيئات والمستحسنات، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم، فقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لو رأى رسول الله - ﷺ - ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل (١). قال القاضي عياض: وقد اختلف السلف في خروجهن للعيدين، فرأى جماعة ذلك حقا عليهن، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر (٢) (في آخرين) (٣). ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة، والقاسم (٤)، ويحيى بن سعيد، ومالك، وأبو يوسف (٥)، وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه أخرى (٦). وفي الترمذي عن ابن المبارك: أكره الآن خروجهن في العيدين، فإن أبت ذلك فللزوج أن يمنعها (٧). ويروى عن الثوري أنه كره اليوم خروجهن (٨). ------------------- (١) سيأتي برقم (٨٦٩) كتاب: الأذان، باب: خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس، ورواه مسلم (٤٤٥) كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة. (٢) انظر: «المصنف» ٢/ ٣ (٥٧٨٤ - ٥٧٨٦). (٣) كذا في (س) ولعله: وآخرون. (٤) انظر: «المصنف» ٢/ ٤ (٥٧٩٥، ٥٧٩٦). (٥) انظر: «المحيط البرهاني» ٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦، «التمهيد» ٢٣/ ٤٠١ - ٤٠٢، «المغني» ٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥. (٦) انظر: «المحيط البرهاني» ٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦. (٧) «سنن الترمذي» ٢/ ٤٢٠. (٨) انظر: «التمهيد» ٢٣/ ٤٠٢. وحكى القرطبي عن قوم منع الشابة دون غيرها، منهم: عروة، والقاسم في رواية أخرى لهما (١). ثامنها: منع الحائض المصلى للتنزيه والصيانة والخلطة بالرجال من غير حاجة، وفيه وجه بعيد أنه للتحريم، والصواب الأول. تاسعها: لا يصح الاستدلال بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين والخروج إليها؛ لأنه إنما يوجه إلى من ليس بمكلف بالصلاة باتفاق، وإنما قصد به التدرب على الصلاة والمشاركة في الخير وإظهار جمال الإسلام لقلته إذ ذاك. عاشرها: فيه جواز استعارة الثياب للخروج إلى الطاعات، وغزو النساء المتجالات ومداوتهن لغير ذوي المحارم، وقبول خبر المرأة، وجواز النقل عما لا يعرف اسمه من الصحابة خاصة إذا بين مسكنه ودل عليه، وغير ذلك من الفوائد التي بسطتها في شرح «العمدة» (٢). ------------------- (١) «المفهم» ٢/ ٥٢٥. (٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٢٤٧ - ٢٦٣. ٢٤ - باب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِي الحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الحَيْضِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ: إِنِ امْرَأَة جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثًا فِي شَهْرٍ، صُدِّقَتْ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ. وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الحَيْضُ يَوْمٌ إلَى خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبيهِ: سَأَلْتُ ابن سِيرِينَ عَنِ المَرْأَةِ تَرى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. [فتح: ١/ ٤٢٤] ٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلتِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَتْ: إِنِّى أُستَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفاَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، ولكن دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ التِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي». [انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٢٥] ثم ساق حديث فاطمة بنت أبي حبيش السالف. وحاصل ما ذكر خلافًا في أقل مدة الحيض وأكثره ووجه إيراد حديث فاطمة هنا أن قوله في الحديث: «دير الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها» فوكل ذلك إلى أمانتها وعادتها وقدر الأيام قد يقل وقد يكثر، على قدر أحوال النساء في أسنانهن وبلدانهن. وما ذكره عن علي وشريح (١) هو طبق ما ذكره في الترجمة، وحكاه -------------------- (١) والقصة التي وردت في طلاق الرجل لزوجته التي حاضت في شهرها ثلاث مرات، وقضى بينهما القاضي شريح بحضرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. رواها = ابن بطال عن مالك (١) وهو قول أحمد (٢) وأسنده ابن حزم، فقال: روينا عن هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن عليًّا أتي برجل طلق امرأته فحاضت ثلاث حيض في شهر أو خمس وثلاثين ليلة، فقال عليٌّ لشريح: اقض فيها، فقال: إنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي، فقد انقضت عدتها وإلا فهي كاذبة. فقال عليٌّ: قالون. ومعناها: أصبت. قال ابن حزم: وهذا نص قولنا انتهى (٣). واختلف في سماع الشعبي من عليٍّ، وقال الدارقطني: لم يسمع منه إلا حرفًا ما سمع غيره (٤)، وقال الحازمي: لم يثبت أئمة الحديث سماعه منه، وقال ابن القطان: منهم من يدخل بينهما عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسنه محتملة لإدراك عليٍّ. وفسر إسماعيل بن إسحاق قول عليٍّ وشريح بتفسير آخر قال: وليس قولهما عندنا إن جاءت ببينة من بطانة أهلها أنها هي قد حاضت هذا الحيض، وإنما هو فيما يُرى -والله أعلم- أن يشهد نساء من نسائها أن هذا يكون وقد كان في نسائهن، فإنه أحرى أن يوجد فيهن مثل ما فيها، وإن تقارب حيضهن وحيضها، وإنه إن لم يوجد ما قالت من الحيض في نسائها كانت هي منه أبعد، فعلى هذا معنى هذا الحديث وهو يقوي مذهب أهل المدينة أن العدة إنما تحمل على المعروف من حيض النساء، لا على المرأة والمرأتين الذي لا يكاد يوجد ولا يعرف. --------------------- = الدارمي ١/ ٦٣٠ (٨٨٣)، وابن حزم في «المحلى» ١٠/ ٢٧٢، والبيهقي ٧/ ٤١٨ - ٤١٩. (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥. (٢) انظر: «المغني» ١/ ٣٩٠ - ٣٩١. (٣) «المحلى» ١٠/ ٢٧٢. (٤) «علل الدارقطني» ٤/ ٩٧. قال غيره: والأشبه -يعني: ما أراد عليّ وشريح والله أعلم- أن تكون حاضت؛ لقولهما: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها أنها حاضت، ولم يقولا أن غيرها من النساء حاض، كذلك قال إسماعيل، وفي قول عليّ وشريح أن أقل الطهر لا يكون خمسة عشر يومًا، وأن أقل الحيض لا يكون ثلاثة كما قال أبو حنيفة وأصحابه (١) وليس فيه بيان لأقل الطهر وأقل الحيض كم هو؟ غير أن فيه بيانًا أنهما لم ينكرا ما عرفه النساء من ذلك. وقال الداودي في «شرحه»: قول عليّ وشريح إن جاءت ببينة -يعني- أن مثل ذلك يكون ليس عليها أن تكلف البينة في نفسها وما ذكره عن عطاء من أن أقراءها ما كانت، وبه قال ابراهيم لعطاء، هذا هو ابن أبي رباح، وإبراهيم هو النخعي. وما ذكره ثانيًا عنه من أن الحيض يوم إلى خمس عشرة فأخرجه الدارقطني بإسناده إلى ابن جريج عنه: الحيض خمس عشرة (٢)، ومن طريق الربيع بن صبيح عنه مثله (٢). ومن طريق أشعث عنه: أكثر الحيض خمس عشرة (٢). زاد البيهقي من طريق الربيع: فإن زاد فهي مستحاضة (٣). وروى الدارقطني من طريق معقل بن عبد الله (٤): أدنى وقت الحيض يوم، قال أبو إبراهيم شيخ شيخ معقل: إلى هذين الحديثين كان يذهب أحمد بن حنبل وكان يحتج بهما (٥). ----------------- (١) «الهداية» ١/ ٣٢، «بدائع الصنائع» ١/ ٣٩ - ٤٠. (٢) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٠٧. (٣) «السنن الكبرى» ١/ ٣٢١. (٤) القول الآتي من قول عطاء، «عمدة القاري» ٣/ ٢١٤. (٥) «السنن» للدارقطني ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨. وما ذكره عن ابن سيرين دال على أن القرء: الحيض، وهو قول أبي حنيفة (١)، ونقله ابن التين عن عطاء أيضا (٢). قال: وقال به أحد عشر صحابيًّا والخلفاء الأربعة (٣) وابن عباس (٤) وابن مسعود (٥) ومعاذ وقتادة (٦) وأبو الدرداء (٧) وأبو موسى (٨) وأنس وابن المسيب (٩) وابن جبير (١٠) وطاوس والضحاك والحسن (١١) والشعبي والثوري والأوزاعي إسحاق وأبو عبيد، واحتجوا له بقوله - ﷺ - لفاطمة: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها» (١٢). فالواو هنا مثل قوله - ﷺ -: «دعى الصلاة أيام أقرائك» ولا يجوز أن تؤمر بترك الصلاة أيام طهرها، وإنما أمرها أن تتركها أيام حيضها. والجواب: أن المراد: دعي الصلاة الأيام التي كانت تحيضها من أقرائك، وهذا شائع في كلام العرب لأن القرء عندهم اسم للطهر والحيض. -------------------- (١) انظر: «المحيط الأعظم» ١/ ٣٩٣. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ١٤٩ (١٨٧٣٨). (٣) ما وقفت عليه عن ثلاثة من الخلفاء الأربعة هم: عمر وعثمان وعلي في «تفسير الطبري». أما أثر عمر فرواه الطبري في «التفسير» ٢/ ٤٥٢ (٤٦٧٩). وأما أثر عثمان فرواه الطبري في «التفسير» ٢/ ٤٥٤ (٤٦٩٨). وأما أثر علي فرواه الطبري في «التفسير» ٢/ ٤٥٤ (٤٦٩٧). وروى الطبري بسنده عن عمر بن دينار الأقراء: الحيض، عن أصحاب النبي - ﷺ - ١٠/ ٤٥٢ (٤٦٧٥). (٤) رواه الطبري في «التفسير» ٢/ ٤٥٢ (٤٦٧٤). (٥) المصدر السابق ٢/ ٤٥٣ (٤٦٨٠). (٦) المصدر السابق ٢/ ٤٥٥ (٤٦٩٩). (٧) المصدر السابق ٢/ ٤٥٢ (٤٦٧٢). (٨) رواه البيهقي ٧/ ٤١٨. (٩) رواه الطبري في «التفسير» ٢/ ٤٥٥ (٤٧٠٢) عن سعيد بن المسيب عن علي به. (١٠) المصدر السابق ٢/ ٤٥٤ (٤٦٩٤). (١١) رواه الطبري في «التفسير» ٢/ ٤٥٤ (٤٦٩١). (١٢) سبق برقم (٣٢٥) باب: إذا حاضت في شهر ثلاث حيض. فائدة: القرء بفتح القاف وضمها، يطلق على الحيض وعلى الطهر، وسنبسط الكلام عليه في العِدَدِ إن شاء الله وقدره. وقد اختلف العلماء في أقل مدة الحيض وأكثره على خمسة أقوال: أحدها: أن أقله دفعة، وهو مذهب الأوزاعي وداود وأصحابه، ومذهب مالك أيضًا خلا العدد فأقله ثلاثة أيام (١) وحكي أيضًا عن الشافعي أن أقله دفعة وهو غريب حكاه المرعشي في «أقسامه» (٢) وابن حزم عنه وعن مالك لا حد لأقله، وقد يكون دفعة واحدة. ثانيها: أن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، وهذا مشهور مذهب الشافعي ونقله ابن المنذر عن عطاء وأحمد وأبي ثور (٣)، وادعى (ابن داود) (٤) في شرح البخاري الإجماع على أن الحيض لا يجاوز خمسة عشر؛ لأن المرأة لا تترك الصلاة أكثر من نصف شهر، ولا نعلم امرأة جاوزت ذلك إلا نساء آل الماجشون، كن يحضن سبعة عشر يومًا فلم يلتفت العلماء إلى ذلك؛ لأنه أمر شاذ (٥). ثالثها: وأن أقله ثلاثة أيام، وما نقص عن ذلك استحاضة، وأكثره عشرة، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وبه قال محمد بن مسلمة في أقل الحيض، وقال أكثره خمس عشرة (٦) (٧). ----------------------- (١) أشار المؤلف إلى سقط ولكنه مطموس بالهامش. (٢) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٤٠، «مختصر الطحاوي» ص ٢٢ - ٢٣، «المعونة» ١/ ٧١، «روضة الطالبين» ١/ ١٣٤، «المغني» ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩. (٣) «الأوسط» ٢/ ٢٢٧. (٤) هو الداودي. (٥) المصدر السابق ٢/ ٢٢٨. (٦) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٢ - ٢٣، «المغني» ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩. (٧) كذا في (ص) ولعلَّ الصواب: خمسة عشر. رابعها: أن أقله يومان وأكثر الثالث، وهو ثلاث عشرة ساعة، حكي عن أبي يوسف (١). خامسها: أن أقله ثلاثة أيام وما يتخلله من الليالي وهو ليلتان. سادسها: أكثره سبع (٢) عشرة، قال ابن المنذر: بلغني عن نساء الماجشون أنهن كن يحضن سبع عشرة، قال أحمد: أكثر ما سمعنا سبع عشرة، وحكي عن مالك، وعنه أيضًا أن أكثره خمس عشرة، وعنه ثالثة أنه غير محدود إلا ما بينه النساء (٣)، وقيل: إنه المشهور. سابعها: ليس لأقله حد ولا لأكثره بالأيام، نقله ابن المنذر عن طائفة، بل الحيض إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة، والطهر إدباره (٤). ثامنها: أن أكثره سبعة أيام، قاله مكحول. تاسعها: أقله خمسة، روي عن مالك، إلا أنه قال: لا يكون هذا في حيض واحد (٥)، وقال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية (٦)، وقال: يرون أنه حيض تدع له الصلاة. وعن أحمد: حيض النساء ست أو سبع، واستدل بحديث أم حبيبة وحمنة (٧) في ذلك (٨)، فضعفهما ابن حزم، ولا نسلم له في الثاني وقال -------------------- (١) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٤٠. (٢) في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ وقع في «شرح الهداية» للسروجي: عشرون. (٣) «الأوسط» ٢/ ٢٢٨، «المعونة» ١/ ٧١. (٤) «الأوسط» ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩. (٥) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٧١. (٦) رواه الدارقطني ١/ ٢٠٨. (٧) رواه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١١٠). (٨) انظر: «المغني» ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩. ابن حزم: أقله دفعة إذا رأت الأسود (١). فإذا: رأته أحمر أو كغسالة اللحم أو الصفرة أو الكدرة أو البياض أو الجفوف التام فقد طهرت، وهكذا أبدًا إذا رأته أسود فهو حيض، فإن رأت غيره فهو طهر، وتعتد بذلك من الطلاق فإن تمادى الأسود فهو حيض إلى تمام سبعة عشر يومًا، وذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه أن امرأة أخبرته عن أختها أنها تحيض في كل سنة يومًا وليلة وهي صحيحة تحمل وتلد، ونفاسها أربعون يومًا. احتج من قال: أقله ثلاثة أيام، بحديث أم سلمة أن النبي - ﷺ - جاءته فاطمة بنت أبي حبيش، فقالت: إني أستحاض، فقال: «ليس ذلك الحيض إنما هو عرق، لتقعد أيام أقرائها ثم لتغستل ولتصل» رواه أحمد (٢). قالوا: وأقل الأيام ثلاثة وأكثرها عشرة، وبحديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام» رواه الدارقطني (٣)، وعن أبي أمامة مرفوعًا: «لا يكون الحيض أكثر من عشرة أيام، ولا أقل من ثلاثة» (٤)، وعن أنس مرفوعًا قال: «الحيض ثلاث أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشر» (٥). قالوا: ولأن هذا تقدير ولا يصح إلا بتوقيف أو اتفاق، وقد حصل الاتفاق على ثلاث، والجواب عن حديث أم سلمة على تقدير ثبوته أنه ليس المراد بالأيام الجمع بل الوقت. ------------------ (١) «المحلى» ١٠/ ٢٦٨. (٢) في «مسنده» ٦/ ٣٠٤، ورواه الطبراني ٢٣/ (٥٥٩)، والبيهقي ١/ ٣٣٥. (٣) في «سننه» ١/ ٢١٩. وقال: ابن منهال مجهول، ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيف. (٤) «سنن الدارقطني» ١/ ٢١٨. (٥) رواه الدارقطني ١/ ٢٠٩. وأيضًا فهي مستحاضة معتادة ردت إلى الأيام التي اعتادتها، ولا يلزم من هذا أن كل حيض لا ينقص عن ثلاثة أيام، وعن حديث واثلة وأبي أمامة وأنس أنها كلها ضعيفة، كما بينه الدارقطني والبيهقي وغيرهما. وقولهم: الضعيف مقدم على القياس عندنا وعند أحمد، فكيف في المقدرات التي لا يعقل معناها لا نسلمه، وقولهم: التقدير لا يصح إلا بتوقيف. جوابه: أن التوقيف ثبت في أقل من ذلك؛ لأن مداره على الوجود، وقد ثبت، وحديث: «دم الحيض أسود» يعرف الباب في «سنن أبي داود» وغيره ذاك لمن قال بالوجود، والأحاديث وإن كانت مطلقة فتحمل على الوجود. وقولهم: هذِه حكايات مروية عن نساء (مجهولين) (١) لا يؤمن؛ لاحتمال أن يكون ذلك استحاضة أو دم فساد، لا نسلمه، وأما ما حكاه إسحاق بن راهويه عن بعضهم أن امرأة من نساء الماجشون حاضت عشرين يومًا، وأن ميمون بن مهران كانت تحته بنت سعيد بن جبير، وكانت تحيض من السنة شهرين فواهيان، فيهما مجهول وقد أنكر الأول مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة. واختلف العلماء في العدة التي تصدق فيها المرأة إذا ادعتها. فروي عن شريح وعلي ما سلف، وهو قول أحمد أيضًا ومالك. وقالت طائفة: لا تصدق إذا ادعت أن عدتها انقضت في أقل من شهرين، إذا كانت من ذوات الحيض؛ لأنه ليس في العادة أن تكون امرأة على أقل الطهر وأقل الحيض؛ لأنه إذا كثر الحيض قل الطهر، -------------------- (١) كذا وردت بالأصل، والصواب: مجهولات. ![]()
__________________
|
|
#123
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 127 الى صـــ 166 الحلقة (123) وإذا قل الطهر كثر الحيض، وهذا قول أبي حنيفة. وقالت طائفة: لا تصدق في أقل من تسعة وثلاثين يومًا، وهو قول الثوري وأبي يوسف ومحمد، وذلك لأن أقل الحيض عندهما ثلاثة أيام وأقل الطهر خمسة عشر يومًا، وحكى ابن حزم عن محمد بن الحسن: أربعة وخمسين يومًا (١). وفيه: قول رابع وهو قول أبي ثور: أن أقل ما يكون في ذلك إذا طلقها في أول الطهر سبعة وأربعون يومًا، وذلك لأن أقل الطهر خمسة عشر يومًا وأقل الحيض يوم (٢). وفيه: قول خامس: أن أقلها أربعون ليلة، حكاه ابن أبي زيد عن سحنون (٣). وفيه: قول سادس: أن أقلها اثنان وثلاثون يومًا؛ بأن تطلق في آخر الطهر، ثم تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر، ثم تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر، ثم تطعن في الثالثة، وهو قول الشافعي (٤)، وحكى ابن حزم عنه ثلاثة وثلاثون يومًا وتوبع، وهو غريب (٥). وفيه: قول سابع، وهو قول لأبي إسحاق (٦) وأبي عبيد: أنها إن كانت أقراؤها معلومة قبل أن تبتلى حتى عرفها بطانة أهلها ممن يرضى دينهن، فإنها تصدق وإن لم تعرف ذلك، وكانت أول ما رأت ----------------- (١) «المحلى» ١٠/ ٢٦٧ - ٢٦٨. (٢) «شرح فتح القدير» ٤/ ١٨٧. (٣) «النوادر والزيادات» ١/ ١٢٦. (٤) انظر: «البيان» ١١/ ١٩. (٥) «المحلى» ٢/ ٢٠٢. (٦) في «شرح فتح القدير» ٤/ ١٨٧، إسحاق بن راهويه. الحيض أو الطهر، فإنها لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر؛ لأن الله تعالى جعل بدل كل حيضة شهرًا في اللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن، فإذا أشكل على مسلم انقضاء عدة امرأة ردها إلى الكتاب والسنة (١). ووجه الموافقة أنه ليس في العادة أن تكون امرأة على أقل الطهر وأقل الحيض؛ لأنه إذا كثر الحيض قل الطهر، وإذا قل الحيض كثر الطهر، فجعل لما تحيضه الأكثر ولما لا تحيضه الأقل وبدأ بالحيض، والشارع في حديث فاطمة بنت أبي حبيش وكل ذلك إلى أمانتها وعادتها، وقدر الأيام قد يقل وقد يكثر على قدر أحوال النساء في أسنانهن وبلدانهن، إلا أنها إذا أدعت ما لا يكاد يعرف لم يقبل قولها إلا ببينة، مال إسماعيل بن إسحاق الأسدي إلى قول عليّ وشريح في ذلك، ولو كان عندهما أن ثلاث حيض لا تكون في شهر لما قبل قول نسائها، وهو معنى قول عطاء وإبراهيم، وقد أسلفنا تفسير إسماعيل قولهما. فرع: قد عرفت اختلاف العلماء في أقل الحيض وأكثره وعرفت من هنا اختلافهم في أقل الطهر وأكثره، فأقله عند الشافعي خمسة عشر يومًا ولا حد لأكثره. -------------------- (١) «شرح فتح القدير» ٤/ ١٨٧. ٢٥ - باب الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ فِي غَيِرْ أَيَّامِ الحَيْضِ ٣٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عن أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطَيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيئًا. [فتح ١/ ٤٢٦] حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا. ما ترجم عليه البخاري ذهب إليه الجمهور وقالوا: إن الصفرة والكدرة حيض في أيام المحيض خاصة، وبعده ليس بشيء، كذا حكاه عنهم ابن بطال في «شرحه» وقال: إنه روي عن عليّ بن أبي طالب (١) وسعيد بن المسيب (٢) وعطاء (٣) والحسن (٤) وابن سيرين (٥) وربيعة والثوري (٦) والأوزاعي (٧) والليث وأبي حنيفة ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق. وفيه قول ثان: أنهما ليسا بحيض قبل الحيض وهما في آخره حيض، وبه. قال أبو يوسف وأبو ثور (٨) قالوا: وهو ظاهر الحديث لقوله - ﷺ -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» (٩). -------------------- (١) رواه الدارمي ١/ ٦٣٦ (٨٩٨)، ١/ ٦٣٨ - ٦٣٩ (٩٠٢ - ٩٠٣)، وعبد الرزاق ١/ ٣٠٢ (١١٦١)، وابن أبي شيبة ١/ ٨٩ (٩٩٣ - ٩٩٤)، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٣٦. (٢) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٣٧. (٣) رواه الدارمي (٨٩٩، ٩٠٤، ٩٠٧)، عبد الرزاق ١/ ٣٠٢ (١١٦٠)، ابن أبي شيبة ١/ ٩٠ (١٠٠١). (٤) رواه الدارمي (٨٩٢ - ٨٩٧)، وابن أبى شيبة ١/ ٩٠ (١٠٠٢). (٥) رواه الدارمي ١/ ٦٣٥ (٨٩٥)، وابن أبى شيبة ١/ ٩٠ (٩٩٩). (٦) رواه الدرامي ١/ ٦٣٢ (٨٨٧). (٧) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٣٧. (٨) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ٢/ ٢٣٧. (٩) سبق برقم (٣٢٠) كتاب: الحيض، باب: إقبال المحيض وإدباره. والكدرة والصفرة في آخر أيام الدم من الدم، حتى ترى النقاء. وفيها قول ثالث لمالك في «المدونة» (١): أنهما حيض مطلقا أيام الحيض وغيرها، وهذا مخالف للحديث، ولا يوجد في فتوى مالك أنهما ليسا بشيء على ما جاء في الحديث إلا التي انطبق دم حيضها مع دم استحاضتها ولم تميزه، فقال: إذا رأت دمًا أسود فهو حيض، وإن رأت صفرة أو كدرة أو دمًا أحمر، فهو طهر تصلي له وتصوم بعد أن تغتسل، ولعله لم يبلغه الحديث. وحجة القول أن قول أم عطية: كنَّا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا، لا يجوز أن يكون عامًّا في أيام الحيض وغيرها؛ لما قالته عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (٢). ومعلوم أن هؤلاء النساء كن يرين عند إدبار المحيض صفرة وكدرة، فأخبرتهن أنهما من بقايا الحيض، فإن حكمهما حكم الحيض، فلم يبق لحديث أم عطية معنى إلا أنا لا نعدهما شيئًا في غير أيام المحيض. وقد جاء هذا المعنى مكشوفًا عنه فروى حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أم الهذيل، عن أم عطية أنها قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئًا (٣). قلت: وفي «سنن أبي داود» و«صحيح الحاكم» على شرطهما: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا (٤). وعند الإسماعيلي: كنا لا نعد ----------------- (١) «المدونة» ١/ ٥٥. (٢) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٦٥ (١٦٣)، وقد سبق معلقًا قبل حديث (٣٢٠) باب: إقبال المحيض وإدباره. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧. (٤) «سنن أبي داود» (٣٠٧)، «المستدرك» ١/ ١٧٤، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٩٩). الصفرة والكدرة شيئًا، تعني: في الحيض، وقال ابن عساكر: هذا موقوف، وعند الدارقطني: كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئًا (١). ولما رواه أبو نعيم في «مستخرجه» من حديث أيوب، عن حفصة، عن أم عطية قال: أخرجه -يعني: البخاري-، عن قتيبة، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب؛ ولعل مراده أصله، فإنه لم يخرجه من حديث حفصة، وإنما أخرجه من حديث أخيها محمد بن سيرين، وقد أخرجه أبو داود عنهما (٢) وكذا ابن ماجه، لكن نقل عن محمد بن يحيى أنه قال: خبر حفصة أولاهما عندنا (٣). فيحتمل أن البخاري خالفه، ويحتمل أنه لم يتصل له حديثها، وفي البيهقي بإسناد لا يسعني ذكره عن عائشة أنها قالت: ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئًا ونحن مع رسول الله - ﷺ -. قال: وقد روي معناه من حديث عائشة بسند أمثل من هذا وهو أنها قالت: إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عن الصلاة حتى تراه أبيض كالقصة، فإذا رأت ذلك فلتغتسل ولتصل، فإذا رأت بعد ذلك صفرة أو كدرة فلتتوضأ ولتصل، فإذا رأت ماءً أحمر فلتغتسل ولتصل (٤). وحديث عائشة: ما كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا، أخرجه ابن حزم بسند واه (٥)، لأجل أبي بكر (الهذلي) (٦) الكذاب (٧)، ووقع في ------------------ (١) الدارقطني ١/ ٢١٩. (٢) أبو داود (٣٠٧). (٣) ابن ماجه (٦٤٧). (٤) البيهقي ١/ ٣٣٧. (٥) «المحلى» ٢/ ١٦٦. (٦) في الأصل: النهشلي، والصواب ما أثبتناه. (٧) وقع في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: وهم بعض الشراح حيث قال: إن ابن حزم قال فيه: إنه في غاية الجلالة فذاك إنما قاله في حديث ابن عياش، فاعلمه. «وسيط الغزالي» (١) ذكره له من حديث زينب ولا يعرف. وحاصل ما في المسألة لأصحابنا سبعة أوجه ذكرتها في «شرح المنهاج» وأصحها، أنها حيض (٢)، والرافعي ادعى أن محلهما في غير أيام العادة، أما إذا رأتهما في أيام العادة فهما حيض قطعًا (٣)، وتابعه في «الروضة» (٤) ولم يسلم له ذلك في «شرح المهذب»، ثم قال الجمهور: لا فرق في جريان الخلاف بين المبتدئة والمعتادة. وفي وجه: أن حكم مرد المبتدأة حكم أيام العادة، والأصح أن حكمها حكم ما وراء العادة (٥). ------------------- (١) «الوسيط» ١/ ٤٣٨. (٢) انظر: «عجالة المحتاج» ١/ ١٥٤. (٣) «الشرح الكبير» ١/ ٣٢٢. (٤) «روضة الطالبين» ١/ ١٥٢. (٥) «المجموع» ٢/ ٤١٩. ٢٦ - باب عِرْقِ الاسْتِحَاضَةِ ٣٢٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الُمنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبي ذِئْبٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّﷺ - أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَت سَبْعَ سِنِينَ، فَسَألَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ: «هذا عِرْقٌ». فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةِ. [مسلم: ٣٣٤ - فتح: ١/ ٤٢٦] حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِر، ثنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ: «هذا عِرْقٌ». فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. هذا حديث أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة (١). والكلام عليه من وجوه: أحدها: أم حبيبة هذِه إحدى المستحاضات على عهد رسول الله - ﷺ -، ويقال لها: أم حبيب بلا هاء، وصححه الحربي والدارقطني، وصحح إثباتها الغساني، ونقله الحميدي عن سفيان (٢) وابن الأثير عن الأكثر (٣)، قال أبو عمر: والصحيح أنها وأختها زينب مستحاضات (٤)، ووهاه ابن العربي (٥). ---------------------- (١) مسلم (٣٣٤) كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها، وأبو داود (٢٨٥)، والترمذي (١٢٩)، والنسائي ١/ ١١٧ - ١١٨، وابن ماجه (٦٢٦). (٢) «مسند الحميدي» ١/ ٢٤١ (١٦٠). (٣) «أسد الغابة» ٧/ ٣١٤. (٤) «الاستيعاب» ٤/ ٤٨٢. (٥) «عارضة الأحوذي» ١/ ٢٠٠. وحكى القاضي عن بعضهم أن بنات جحش الثلاث كل منهن اسمها زينب، ولقب إحداهن حمنة، وكنية الأخرى أم حبيبة، وإذا كان هكذا فقد سلم مالك من الخطأ في تسمية أم حبيبة زينب (١)، وأم حبيبة هذِه حضرت أحدًا تسقي العطش وتداوي الجرحى (٢). ثانيها: غسلها لكل صلاة لم يكن، بأمره - ﷺ - كما قاله الزهري وغيره (٣)، وإنما هو شيء فعلته، والواجب عليها الغسل مرة واحدة عند انقطاع حيضها، فقولها إذن: فكانت تغتسل لكل صلاة. ليس مرفوعًا، وروى ابن إسحاق عن الزهري: فأمرها أن تغتسل لكل صلاة (٤). ولم يتابعه عليه أصحاب الزهري. نعم في أبي داود والبيهقي من طرق أنه أمرها بذلك (٥)؛ لكنها ضعيفة. -------------------- (١) «إكمال المعلم» ٢/ ١٧٩، والقائل هو أبو عمر. (٢) هي أم حبيبة بنت جحش بن رئاب الأسدية، كانت تحت عبد الرحمن بن عوف. انظر ترجمتها في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ٣٤٨٤ (٤٠٧٢)، «الاستيعاب» ٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣ (٣٥٦٩)، «أسد الغابة» ٧/ ٣١٤ - ٣١٥ (٧٤٠٠)، «الإصابة» ٤/ ٤٤٠ - ٤٤١ (١٢١٠). (٣) رواه مسلم (٣٣٤). (٤) رواه أبو داود (٢٩٢)، وأحمد ٦/ ٢٣٧، والدارمي ١/ ٦٠٣ - ٦٠٤ (٨١٠)، والبيهقي ١/ ٣٥٠. وصحح إسناده الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٠١). (٥) رواه أبو داود (٢٩٣) ومن طريقه البيهقي ١/ ٣٥١ من طريق أبي سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٠٣): إسناده مرسل صحيح. ورواه البيهقي ١/ ٣٤٩ من طريق يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة. وقال: قال بعض مشائخنا: خبر ابن الهاد غير محفوظ. ورد كلامه ابن التركماني في «الجوهر النقي»، وانظر: «صحيح أبي داود» ٢/ ٧٩. وقال المهلب: قوله: («هذا عرق») يدل على أن المستحاضة لا تغتسل لكل صلاة كما زعم من أوجب ذلك، واحتج بهذا الحديث؛ لأن دم العرق لا يوجب غسالًا. وقوله: (فكانت تغتسل لكل صلاة). يريد تغتسل من الدم الذي كان يصيب الفرج؛ لأن المشهور من قول عائشة أنها لا ترى الغسل لكل صلاة، كذا قال الليث، لم يذكر ابن شهاب أنه - ﷺ - أمر أم حبيبة به لكل صلاة. وقال غيره: ومن ذكر أنه أمرها فليس بحجة على من سكت عنه؛ لأن الحفاظ من أصحاب الزهري لا يذكرونه، والإيجاب لا يثبت إلا بسنة أو إجماع، وليس ذلك هذا، وإنما الإجماع في إيجابه من الحيض. قال الطحاوي: وقد قيل: إنه منسوخ بحديث فاطمة (١)؛ لأن عائشة أفتت بحديث فاطمة بعده - ﷺ - وخالفت حديث أم حبيبة، ويؤيده أن عبد الحق قال: حديث فاطمة أصح حديث يروى في الاستحاضة. ثالثها: قوله: (إن أم حبيبة استحيضت سبع سنين) به حجه لابن القاسم في قوله: أن من استحيضت، فتركت الصلاة جاهلة أو ظنته حيضًا أنه لا إعادة عليها، ذلك أنه - ﷺ - لم يأمرها بإعادة صلوات السبعة الأعوام. ---------------------- (١) «شرح معاني الآثار» ١/ ١٠١، وحديث فاطمة سبق برقم (٢٢٨) كتاب: الوضوء، باب: غسل الدم، ورواه مسلم (٣٣٣) كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها. ووجه ذلك أنها لما سألته فأمرها بالغسل علم أنها لم تغتسل قبل، ولو اغتسلت لقالت: إني قد اغتسلت. فعلم أن في تلك المدة كانت عند نفسها حائضًا، فأمرها بالغسل من ذلك الحيض، ولم يأمرها بإعادة صلوات من تلك المدة. ٢٧ - باب المَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ ٣٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ صَفِيُّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَعَلَهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ؟». فَقَالُوا: بَلَى. قَالَ: «فَاخْرُجِي». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤٢٨] ٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. [١٧٥٥، ١٧٦٠ - مسلم: ١٣٢٨ - فتح: ١/ ٤٢٨] ٣٣٠ - وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَنْفِرُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ لَهُنُّ. [١٧٦١ - فتح: ١/ ٤٢٨] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ الله - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ قَدْ حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، ألَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ؟». فَقَالُوا: بَلَى. قَالَ: «فَأخْرُجِي». ثم ذكر حديث ابن عباس: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَنْفِرُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺرَخَّصَ لَهُنَّ. معنى قوله: (ألم تكن طافت معكن) -يعنى: يوم النحر- وهو طواف الإفاضة، الركن في الحج، فيؤخذ منه أن طواف الإفاضة يغني عن طواف الوداع؛ لأنه غير واجب، ألا ترى أن النبي - ﷺ - لم يسأل: أطافت القدوم؟ وإنما سأل عن طواف يوم النحر هكذا، يغني طواف الإفاضة عن كل طواف قبله، كذلك يغني عن كل طواف بعده، فدل هذا على الإنسان في حجه كله طوافًا واحدًا فقط وهو طواف الإفاضة. وقول ابن عباس: رخص للحائض أن تنفر، يعني: إذا طافت طواف الإفاضة، فإن لم تطفه فلا تنفر ولا حج لها، وسيأتي بيان هذا كله -إن شاء الله تعالى- واضحًا في الحج. ٢٨ - باب إِذَا رَأَتِ المُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ قَالَ ابن عَبَّاسٍ: تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةَ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ، الصَّلَاةُ أَعْظَمُ. ٣٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ يُونُسَ، عَنْ زُهَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبيِّ - ﷺ -: «إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». [انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٢٨] هذا التعليق رواه أبو بكر، عن ابن علية، عن خالد، عن أنس بن سيرين عنه (١). قال الداودي: معناه إذا رأت الطهر ساعة ثم عاودها دم، فإنها تغتسل وتصلي حتى ترى الطهر ما كانت في وقته من الصلوات. ونقله عن مالك (٢). وقال ابن بطال: قوله: إذا رأت المستحاضة الطهر. يريد إذا أقبل دم الاستحاضة الذي هو دم عرق الذي يوجب الغسل والصلاة وميزته من دم حيضها فهو طهر من الحيض، فاستدل من هذا أن لزوجها وطأها، وجمهور الفقهاء وعامة العلماء (بالحجاز) (٣) والعراق على جواز وطء المستحاضة. ومنع من ذلك قوم، رُوي ذلك عن عائشة قالت: المستحاضة لا يأتيها زوجها (٤). ---------------------- (١) ابن أبي شيبة ١/ ١٢٠ (١٣٦٧). (٢) انظر لقول مالك «المدونة» ١/ ٥٥. (٣) في الأصل (الحجاز)، والمثبت من «شرح ابن بطال». (٤) رواه الدارمي ١/ ٦٢١ (٨٥٧)، وابن أبي شيبة ٣/ ٥٣٧ (١٦٩٥٤)، والدارقطني ١/ ٢١٩، والبيهقي ١/ ٣٢٩. وهو قول النخعي (١)، والحكم (٢)، وابن سيرين (٣)، وسليمان بن يسار (٤)، والزهري، قال الزهري: إنما سمعنا بالرخصة في الصلاة (٥). وحجة الجماعة: أن دم الاستحاضة ليس بأذى يمنع الصلاة والصوم؛ فوجب أن لا يمنع الوطء. وقول ابن عباس: الصلاة أعظم، أي: من الجماع. من أبين الحجة في ذلك. وقد نزع بمثلها سعيد بن جبير (٦)، ولا يحتاج إلى غير ما في الباب (٧). وحديثه تقدم. ---------------------- (١) رواه الدارمي ١/ ٦٢١ - ٦٢٢ (٨٥٦، ٨٥٨)، وعبد الرزاق ١/ ٣١١ (١١٩٢ - ١١٩٣). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٥٣٧ (١٦٩٥٦). (٣) رواه الدارمي ١/ ٦٢٠ - ٦٢١ (٨٥٥)، وابن أبي شيبة ٣/ ٥٣٧ (١٦٩٥٥). (٤) رواه عبد الرزاق ١/ ٣١١ (١١٩١)، وابن أبي شيبة ٣/ ٥٣٧ (١٦٩٥٨). (٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٣١١ (١١٩١) عن سليمان بن يسار، وروى ابن أبي شيبة ٣/ ٥٣٧ (١٦٩٦٣) عن الزهري قال: يغشاها زوجها إن شاء. (٦) رواه الدارمي ١/ ٦١٧ - ٦١٨ (٨٤٥)، وعبد الرزاق ١/ ٣١٠ (١١٨٧)، وابن أبي شيبة ٣/ ٥٣٨ (١٦٩٦٥). (٧) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٦١. ٢٩ - باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا ٣٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شعْبَةُ، عَنْ حُسَيْنٍ الُمعَلِّمِ، عَنِ ابن بُريدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنِ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَامَ وَسَطَهَا. [١٣٣١، ١٣٣٢ - مسلم: ٩٦٤ - فتح: ١/ ٤٢٩] حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ، أنَا شَبَابَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ امْرَأَةَ مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - فقَامَ وَسَطَهَا. هذا حديث أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة (١)، وعند مسلم قال سمرة: صليت خلف النبي - ﷺ - على أم كعب ماتت وهي نفساء، وهذِه الرواية فيها بيان المبهم في رواية الكتاب، وهي أنصارية كما قاله ابن الأثير (٢). وابن بريدة: هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب أخو سليمان (٣). وقوله: (وسطها) -هو بالسين الساكنة- وحكى بعضهم فتحها، وقد سلف الكلام على هذِه المادة، وقصد البخاري بهذا الباب يحتمل -كما قال ابن بطال وابن التين- أن النفساء وإن كانت لا تصلي، فهي طاهر، لها ------------------- (١) مسلم (٩٦٤) كتاب: الجنائز، باب: أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه، وأبو داود (٣١٩٥)، والترمذي (١٠٣٥)، والنسائي ٤/ ٧٢، وابن ماجه (١٤٩٣). (٢) «أسد الغابة» ٧/ ٣٨٣ (٧٥٧١). (٣) عبد الله بن بريدة، روى عن أنس وسمرة ومعاوية، وروى عنه حماد بن أبي سلمة والشعبي، وعامر الأحول. وثقه أبو حاتم والعجلي ويحيى بن معين، وابن حبان. انظر-: «التاريخ الكبير» ٥/ ٥١ (١١٠)، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٢٢ (٨٥٧)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٣ (٦١)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ١٦، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٢٨ - ٣٣٢ (٣١٧٩). حكم غيرها من النساء ممن ليست نفساء] (١)؛ لأنه - ﷺ - صلى عليها أوجب لها حكم الصلاة، وليس لون الدم موجودًا بها أن تكون نجسة، وامتناعها من الصلاة ما دام بها الدم عبادة، وهذا يُرد على من زعم أن الآدمي ينجس بموته؛ لأن هذِه النفساء جمعت الموت وحمل النجاسة بالدم اللازم لها، فلمَّا صلى عليها وأبان سنته فيها كان الميت الطاهر الذي لا تسيل منه نجاسة أولى بإيقاع اسم الطهارة عليه (٢). وصوب ابن القصار القول بطهارة ميتة الآدمي، ونقله عن بعض أصحابهم، والصلاة عليه بعد موته تكرمة له وتعظيم. وقال ابن المنير: ظنّ الشارح -يعني ابن بطال- وذكر ما أسلفناه عنه، قال: وذلك أجنبي عن مقصوده، وإنما قصده أنها وإن ورد أنها من الشهداء فهي ممن يصلى عليها. ثم قال: أو أراد التنبيه على أنها ليست بنجسة العين لا لأنه صلى عليها وأن هذا من خصائصه، بل لأن الصلاة على الميت في الجملة تزكية له، ولو كان جسد المؤمن نجسًا لكان حكمه أن يطرح اطراح الجيفة، ويبعّدُ ولا يوقر بالغسل والصلاة (وغيرهما) (٣) (٤). وهذا هو عين ما أسلفناه عن ابن بطال، والذي ذكره أولًا مدخل له في كتاب الطهارة، وتأول بعضهم كما قال القرطبي: صلاته وسطها من أجل جنينها حتى يكون أمامه (٥). وسيأتي بسط الكلام فيه في الجنائز إن شاء الله فإنه أليق. -------------------- (١) هنا انتهى السقط من (ج). (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٦٢. (٣) في (ج): وغيرها. (٤) «المتواري» ص ٨٢، ٨٣. (٥) «المفهم» ٢/ ٦١٦. ٣٠ - باب ٣٣٣ - حَدَّثَنَا الَحسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ -اسْمُهُ الوَضَّاحُ- مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيمَانُ الشُّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّي، وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وهْوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ. [٣٧٩، ٣٨١، ٥١٧، ٥١٨ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٤٣٠] حَدَّثنَا الحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، ثنَا يَحْييَ بْنُ حَمَّادٍ، ثنَا أَبُو عَوَانَةَ -اسْمُهُ الوَضَّاحُ- مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلَّي، وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهْوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَني بَعْضُ ثَوْبِهِ. وهذا الباب كالذي قبله يدل أن الحائض ليست بنجس؛ لأنها لو كانت نجسًا لما وقع ثوبه عليها وهو يصلي، ولا قربت من موضع مصلاه. وفيه: أن الحائض تقرب من المصلى، ولا يضر ذلك صلاته ولا يقطعها؛ لأنها كانت بقرب قبلته؛ لأنه لا يصيبها بثوبه عند سجوده إلا وهي قريبة منه، وأقوى ما نستدل به على طهارة الحائض كما قال ابن بطال: مباشرته - ﷺ - لأزواجه وهن حيض فيما فوق المئزر، إلا أنها وإن كانت طاهرًا، فإنه لا يجوز لها دخول المسجد بإجماع؛ لأمره - ﷺ - في العيدين باعتزال الحيض المصلى (١). ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٦٣. والخمرة: -بضم الخاء المعجمة- حصير صغير من سعف، سميت بذلك؛ لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، والجمع: خمر. فإن كبرت عن ذلك فهي حصير. ٧ كِتابْ التَّيَمُمْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٧ - كِتابُ التَّيمُمْ (١) قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] ١ - [باب] ٣٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَهً -زَوْجِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في بَعْضِ أسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ -أَوْ بِذَاتِ الَجيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءِ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلا تَرى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي، قَدْ نَامَ، فَقَاج: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي ---------------------- (١) جاء بجانب الباب: ثم بلغ الثالث بعد الخمسين كتبه مؤلفه غفر الله له. خَاصِرَتِي، فَلَا يَمنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رسول اللهِ - ﷺ - عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رسول اللهِ - ﷺ - حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الُحضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ. [٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥ - مسلم: ٣٦٧ - فتح: ١/ ٤٣١] ٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -هُوَ ابن صُهَيبٍ الفَقِيرُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْن عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّة». [٤٣٨، ٣١٢٢ - مسلم: ٥٢١ - فتح: ١/ ٤٣٥] هو في اللغة: القصد والتعمد، وهو ما ذكره البخاري في التفسير في سورة المائدة. أعني: التعمد (١)، ورواه ابن أبي حاتم (٢) وابن المنذر عن سفيان (٣). وهو في الشرع: إيصال التراب للوجه واليدين بشرائط مخصوصة، والأصل فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وهو ما استفتح به البخاري كتابه حيث قَالَ: وقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية. -------------------- (١) سيأتي قبل الرواية (٤٦١٠٧) باب: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. (٢) «تفسير ابن أبي حاتم» ٣/ ٩٦٢ (٥٣٧٠). (٣) «الوسيط في تفسير القرآن المجيد» لابن المنذر ٢/ ٥٨. ومن السنة أحاديث الباب وغيره، وقام الإجماع عَلَى جواز التيمم للحدث الأصغر، وفي الجنابة أيضًا، وخالف فيه عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والنخعي، والأسود (١) كما نقله ابن حزم (٢). وقد ذكروا رجوع عمر، وابن مسعود (٣)، وفي «المصنف»: أفتى أبو عطية بأنه لا يصلى بالتيمم (٤). وهو رخصة، وفضيلة خصت بها هذِه الأمة دون غيرها من الأمم (٥). --------------------- (١) روى ابن أبي شيبة عنهم آثارًا دالة على ذلك ١/ ١٤٥ (١٦٦٧ - ١٦٧١). (٢) «المحلى» ٢/ ١٤٤. (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٣٥١. (٤) «المصنف» ١/ ١٤٥ (١٦٧٠). (٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يتبع ![]()
__________________
|
|
#124
|
||||
|
||||
|
وهذا التيمم المأمور به في الآية هو من خصائص المسلمين، ومما فضلهم الله به على غيرهم من الأمم. ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» وهذا لفظ البخاري. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون». ولمسلم أيضًا عن حذيفة بين اليمان أن النبي - ﷺ - قال: «فضلت على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء». وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت: وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم». «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٣٤٧ - ٣٤٨. والصعيد هو: التراب كما قَالَ ابن عباس (١)، والطيب: الطاهر، وقيل: الحلال. ثم ساق البخاري رحمه الله حديثين: أولهما: حديث عائشة: قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ -أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي .. الحديث بطوله. وفيه: فأنزل الله آية التيمم. وهو حديثٌ عظيمٌ أخرجه البخاريّ في أربعة مواضع أخر: في التفسير (٢)، وفضائل أبي بكر (٣)، والنكاح (٤)، والمحاربين (٥). وأخرجه مسلمٌ في الطهارة، وعنده: فأرسل ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاةُ فصلَّوا بغير وضوءٍ، فلمَّا أتوا رسول الله - ﷺ - شكوا ذَلِكَ إليه، فنزلت آيةُ التيمم (٦) وللنسائي: سقطت لي قلادةٌ بالبيداء ونحن داخلون المدينة (٧). وفي رواية له: عرس - ﷺ - بأولات الجيش. قال عمَّارُ: فانقطع عقد عائشة (٨). ------------------------- (١) روى عبد الرزاق ١/ ٢٢١ (٨١٤)، وابن أبي شيبة ١/ ١٤٨ (١٧٠٢)، والبيهقي ١/ ٢١٤. عن ابن عباس أنه قال: أطيب الصعيد أرض الحرث. (٢) سيأتي برقم (٤٦٠٧) باب: قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. (٣) سيأتي برقم (٣٦٧٢) باب: قول النبي - ﷺ - «لو كنت متخذًا خليلًا». (٤) سيأتي برقم (٥٢٥٠) باب: قول الرجل لصاحبه: هل أعرستم الليلة؟ (٥) سيأتي برقم (٦٨٤٤) كتاب: الحدود، باب: من أدب أهله أو غيره دون السلطان. (٦) «صحيح مسلم» (٣٦٧/ ١٠٩) كتاب: الحيض، باب: التيمم. (٧) «سنن النسائي» ١/ ١٧٢. (٨) «سنن النسائي» ١/ ٦٧، قال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح. وعند أبي داود: بعث أسيد بن حضير وأناسًا معه، فحضرت الصلاة، فصلَّوا بغيرِ وضوءٍ. قَالَ أبو داود في كتاب التفرد الذي تفرَّد به من هذا الحديث: أنهم لم يتركوا الصلاة حين لم يجدوا الماءَ، فصلَّوا بغير وضوءٍ؛ لأنَّ بعض الناس يقول: إذا لم يجد الماء لا يصلِّي (١). وعند الترمذي من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة أنَّ قلادَتها سقطت ليلةَ الأبواءِ (٢). يعني في صفر سنة اثنتين من الهجرةِ. ولابن ماجه من حديث عمَّار قَالَ: فانطلق أبو بكر إلى عائشة لما نزلت الرخصةُ، فقال: ما علمتُ أنك لمباركة (٣). ولأبي محمد إسحاق بن إبراهيم البُستي في «تفسيره» من حديث ابن أبي ملكية عنها أن القائل له: ما كان أعظم بركة قلادتِك رسول الله - ﷺ -. وللطبراني من حديث الزُّبير، عن عائشةَ: قالت: لما كان من أمرِ عقدي ما كان، وقال أهلُ الإفك ما قالوا خرجتُ مع رسول الله - ﷺ - في غزوةٍ أخرى، فسقط أيضًا عقدي حَتَّى حبس الناس عَلَى التماسه وطلع الفجرُ، فلقيتُ من أبي بكرٍ ما شاءَ اللهُ وقال: يا بنية، في كل سفرٍ تكونين عناءً وبلاءً، ليس مع الناسِ ماءٌ. فأنزل اللهُ تعالى الرخصةَ في التيمم، فقال أبو بكر: إنك ما علمتُ لمباركة (٤). وفي بعض ألفاظِ «الصحيحِ»: أنه ضاع عقدها في غزوةِ المريسيع ---------------------- (١) «سنن أبي داود» (٣١٧). (٢) لم أقف عليها عن الترمذي في «سننه»، ورواه الحميدي في «مسنده» ١/ ٢٤٣ (١٦٥) وقد عزاه ابن حجر في «فتح الباري» ١/ ٤٣٢، للحميدي في «مسنده». (٣) «سنن ابن ماجه» (٥٦٥)، قال الألباني في: «صحيح ابن ماجه»: صحيح. (٤) «المعجم الكبير» ٢٣/ ١٢١ - ١٢٢ (١٥٩). التي كان فيها قصة الإفكِ (١). وقال أبو عبيد البكري: وفي حديث الإفك: فاأنقطع عقدٌ لها من جزع ظفار، فحبسَ الناسَ ابتغاؤه (٢). قال ابن سعدٍ: خرج رسولُ الله - ﷺ - إلى المريسيع يومَ الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس (٣). ورجحه الحاكمُ في «إكليله». وقال البخاري، عن ابن إسحاق: سنة ستٍّ (٤). وروى يونسُ عنه في «مغازيه» أن ذَلِكَ في شعبانَ. قَالَ البخاريُّ: وقال موسى بن عقبةَ: سنة أربع (٥). إذا عرفتَ ذَلِكَ فلنتكلم عليه من وجوهٍ: أحدها: أجمعَ أهلُ السِّيرِ أن قصةَ الإفكِ كانت في غزوة المريسيعِ، وهي غزوةُ بني المصطلق. وفي «الصحيح» أنه ضاع عقدُها في هذِه الغزوةِ كما سلف. وقد اختُلف في تاريخ خروجِه - ﷺ - إلى هذِه الغزوةِ عَلَى أقوال ثلاث: سنة أربعٍ، خمسٍ، ستٍّ، وقد حكيناها لك آنفًا. ثم اختلفوا متى فرض التيمم؟ عَلَى قولين: أحدهما: في المريسيع سنة ستٍّ، قاله ابن التين وابنُ بزيزة في «شرح الأحكام الصغرى». --------------------- (١) سيأتي برقم (٢٦٦١) كتاب: الشهادات، باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا، أنه ضاع عقدها في قصة الإفك. ورواه مسلم أيضا (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك. (٢) «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٠٥. (٣) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٦٣. (٤) سيأتي قبل الرواية (٤١٣٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة بني المصطلق من خزاعة. (٥) انظر الموضع السابق. ثانيهما: سنة أربعٍ. قَالَ ابن الجوزي: زعمَ ابن حبيب أنَّ عقدَها سقط في الرابعة في غزوة ذاتِ الرقاعِ، وفي غزوة بني المصطلق سنة ستٍّ قصة الإفك. قلتُ: يرد هذا روايةُ الطبراني السالفة: أن الإفك قبل التيمم. ثانيها: البيداء: الشرف الذي قُدَّام ذي الحليفة في طريق مكةَ كما قاله البكري (١)، وزعم أنَّ سقوطَه كان بمكان يقال له: الضُّلضُل، بمعجمتين. قَالَ: وهو الصحيح. وأما الجوهري (٢) فذكرهُ بمهملتين. وذات الجيش من المدينةِ عَلَى بريد، ذكره أبو عبيد عن القتبي (٣). ثالثها: قولها: (انقطعَ عِقد لي). هو بكسر العين، ثم قاف: كل ما يُعقد ويعلق في العنق، ويقال له: قِلادة كما سلفَ، وسلف أيضًا أنه من جزع ظفار. وفي رواية أنها استعارت قِلادةً من أسماءَ فهلكت (٤). فإنْ قلتَ: ظاهرُ الحديث أنهما قصتان في حالين. قلتُ: بل كانت واحدة، وإنما الرواية تختصر وتخالف بين العباراتِ، فإنَّ القلادة كانت لأسماء واستعارتها منها عائشةُ فأضافتها إليها بقولها: ضاعَ عِقدي. قلت: رواية الطبراني السالفة تخالف هذا، ويقويه رواية الترمذي --------------------- (١) «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٠٩. (٢) ورد في هامش (س) ما نصه: ولم أره في الكتاب المذكور. (٣) «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٠٩. (٤) سيأتي برقم (٣٣٦) كتاب: التيم، باب: إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا، ومسلم (٣٦٧/ ١٠٩) كتاب: الحيض، باب: التيمم. السالفة أنه كان سنة اثنين (١)، فيجوز أن يقال بالتعددِ، وأنَّ في واحدة سقط عِقدُها، وفي أخرى: سقط عقد أختِها. فائدةٌ: هذا العِقد وردَ في خبرٍ أنَّ ثمنه اثنا عشر درهمًا، ذكره ابن بطال (٢). وقيل: كان ثمنُه يسيرًا، حكاه ابن التين. رابعها: قولها: (فجعل يَطْعُنني). هو بضم العين، وحكى صاحب «المطالع» فتحها (٣). وفي «المجمل»: الفتح بالقولِ، والضم بالرمحِ (٤). وقيل: كلاهما بالضمِّ، حكاه في «الجامع». والخاصرة معروفةٌ، وهي: منقطعُ الأضلاع إلى الحجَبَةِ، كما قَالَه صاحبُ «المحكمِ» (٥). خامسها: قولها: (فأنزل الله آية التيمم). أي: التي في المائدةِ التي تلاها البخاريُّ. وكذا رواه الحميديُّ في الجمع من حديث عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسمِ، عن أبيه، عن عائشة، فذكر الحديثَ، وفيه: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ -------------------- (١) تقدم أنها عند الحميدي في «مسنده». (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٦٨. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: ولم أره في نسخة بـ «المطالع» لكن في «الصحاح» هو (…) الضم والفتح. (٤) «المجمل» ٢/ ٥٨٣ مادة: طعن. (٥) قال ابن سيده في «المحكم» ٩/ ١٦٩ مادة: أطل: الإطل: منقطع الأضلاع من الحجبة، وقيل: هو الخاصرة كلها. فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية إلى قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] (١). وأما الواحديُّ فذكرها في سورةِ النساءِ، فقال: قوله تعالى من سورة النساء: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] ثم ساق حديثَ البخاريِّ، ثم ساقه من حديثِ عمَّار، وفيه: فأنزل اللهُ رخصةَ التطهير بالصعيدِ الطيبِ، فقامَ المسلمون فضرَبوا بأيديهم الأرض ثم رفعوا أيديهم، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، ثم ذكر كيفية التيمم (٢). وقال أبو بكرِ بن العربي: هذِه معضلةٌ ما وجدتُ لدائها من دواءٍ، آيتانِ فيهما ذكر التيمم، في النساء والمائدة، ولا نعلم أيتهما عنت عائشةُ بقولها: فانزلت آية التيمم (٣). وقال ابن بطَّال: هي آية المائدةِ وآية النساءِ؛ لأن الوضوءَ كان لازمًا لهم قبل ذَلِكَ، والآيتان مدنيتان، ولم تكن صلاةٌ قبل إلا بوضوءٍ، فلما نزلت آية التيمم لم يُذكر الوضوء، لأنه (٤) متقدمًا (قالوا) (٥)؛ لأن حكم التيمم هو الطارئُ عَلَى الوضوء، وقيل: يحتمل أن يكون أولًا نزل أول الآية، وهو فرضُ الوضوءِ، ثم نزل عند هذِه الواقعةِ آيةُ التيمم، وهو تمام الآية، وهو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ﴿المائدة: ٦﴾ أَو يحتمل أن الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن ثم أنزلا معًا، فعَّبرت عائشةُ بالتيمم إذ كان هو (الأصل) (٦) المقصود (٧). --------------------- (١) «الجمع بين الصحيحين» ٤/ ١٧. (٢) «أسباب النزول» ص ١٥٨ (٣١٧). (٣) «أحكام القرآن» لابن العربي ٢/ ٤٤١. (٤) ورد بهامش (س): لعله سقط: كان. (٥) في (ج): متلوًا. (٦) ساقطة من (ج). (٧) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٦٨. وجزم القرطبيُّ وغيرُه بأنها عنت بذلك آيةَ النساءِ؛ لأنَّ آيةَ المائدةِ ذُكر فيها الوضوءُ بالماءِ والتيممُ، وغُسل الجنابةِ، وفي النساءِ لم يذكر الوضوء، وإنما ذكر التيمم عند عدم الماءِ بغير ذكر الأسباب التي كانت معروفة عندهم، فكانت النساءُ أخصُّ بها من المائدة (١). ------------------- (١) «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٣٣. وقال ابن رجب رحمه الله: والآية التي نزلت بسبب هذِه القصة كانت آية المائدة، فإن البخاري خرَّج هذا الحديث في «التفسير» من كتابه هذا من حديث ابن وهب، عن عبد الرحمن بن القاسم وقال في حديثه: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] هذِه الآية. وهذا السفر الذي سقط فيه قلادة عائشة أو عقدها كان لغزوة المريسيع إلى بني المصطلق من خزاعة سنة ست، وقيل: سنة خمس، وهو الذي ذكره ابن سعد عن جماعة من العلماء قالوا: وفي هذِه الغزوة كان حديث الإفك. وقد ذكر الشافعي أن قصة التيمم كانت في غزوة بني المصطلق، وقال: أخبرني بذلك عددٌ من قريشٍ من أهل العلمِ بالمغازي وغيرهم. فإن قيل: فقد ذكر غير واحدٍ منهم ابن عبد البر أنَّه يحتملُ أن يكونَ الذي نزلَ بسببِ عائشة الآية في سورة النِّساء، فإنَّها نزلتْ قبل سورة المائدة بيقين، وسورة المائدة من أواخر ما نزل من القرآن حتَّى قيل: إنها نزلت كلُّها أو غالبها في حجَّة الوداع، وآية النساء نزولها متقدمٌ. وفي «صحيح مسلم» من حديث سعد بن أبي وقاص أنَّها نزلت فيه لمَّا ضربه رجلٌ قد سكر بلحي بعير ففزر أنفه. وفي «سنن أبي داود»، والنسائي، وابن ماجه، عن عليٍّ أنَّ رجلًا صلَّى وقد شرب الخمر فخلطَ في قراءته فنزلتْ آيةُ النساء. فقد تبيَّنَ بهذا أنَّ الآية التي في سورة النساء نزلتْ قبل تحريم الخمر، والخمر حرمت بعد غزوة أحد، ويقال: إنَّها حُرِّمتْ في محاصرةِ بني النضير بعد أحدٍ بيسيرٍ، وآية النساء فيها ذكر التيمم، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة فدل على أن قصة عائشة، لما توقفوا حينئذٍ في التيمم، ولا اتظروا نزول آية أخرى فيه. = سادسها: قولها: (فقال أُسيد بن حُضير). هو -بضم الهمزة والحاء المهملة وبالضاد المعجمة المفتوحة وآخره راء مهملة- ابن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئِ القيسِ، كذا ذكره ابن عبد البر (١)، وصوابه حذف رافع بينهما، وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وهو صاحبُ الظِّلةِ التي رآها وهو يقرأ سورةَ الكهفِ، وفسَّرها - ﷺ - بالملائكةِ دنت لصوتِه، ولو قرأ حَتَّى أصبحَ لرآهم الناسُ، وهو صاحبُ العصا التي أوقدت مع عباد بن بشر، مات بالمدينةِ سنة عشرين (٢). سابعها: قولها: (فبعثنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فأصبنا العِقدَ تحته). وفي الروايةِ التي تأتي في الباب بعده: فبعث رسولُ اللهِ - ﷺ - رجلًا فوجدها. وفي روايةٍ أخرى: بعث أسيد بن حُضير وأناسًا معه في طلبها (٣). زعم الداودي أنَّ هذا مما لا يُشك في تضاده. ----------------------------- = قيل: هذا لا يصح لوجوه: أحدها: أن سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما ينشأ من شرب الخمر من المفاسد في الصلاة وغيرها، وهذا غير السبب الذي اتفقت الروايات عليه في قصة عائشة نزل بسببها آيةٌ غير آية النساء، وليس سوى آية المائدة. والثاني: أنَّ آية النِّساء لم تحرم الخمر مطلقًا، بل عند حضور الصَّلاةِ، وهذا كان قبل أحُدٍ وقصة عائشة كانت بعد غزوة أحد بغيرِ خلاف، وليسَ في قصتها ما يناسب النَّهي عن قربانِ الصَّلاةِ مع السكر حتى تُصدَّر به الآية. «فتح الباري» لابن رجب ٢/ ١٩٨ - ٢٠٠. (١) «الاستيعاب» ١/ ١٨٥ (٥٤). (٢) انظر: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٢٥٨ (١١٦)، و«الاستيعاب» ١/ ١٨٥ (٥٤)، و«أسد الغابة» ١/ ١١١ (١٧٠)، و«الإصابة» ١/ ٤٩ (١٨٥). (٣) رواها أبو داود (٣١٧). قَالَ: ولا أرى الوهمَ إلا في رواية ابن نمير. يعني الثانيةَ. قَالَ: وحملَ إسماعيلُ بن إسحاقَ على رواية ابن نمير، وجعله مناقضًا لحديثِ مالكٍ. ورد ذَلِكَ ابن أبي صفرةَ بأنه يحتمل أن يكونَ المبعوث أُسيدًا فوجدها بعد رجوعه من طلبها، ويحتمل أن يكون الشارع وجدها عند إثارة البعير بعد انصرافِ المبعوثين إليها، فلا تعارضَ إذن. وهذا كله إنما يأتي إذا قلنا باتحاد الواقعة، فإن قلنا بتعددها كما سلف فلا. ويحتمل أنْ يعني بالرجل الأمير عَلَى جماعةٍ، وعينه بعضهم بأُسيدٍ وأصحابِه، واقتصر عليه بعضهم. ثامنها: في فوائده: الأولى: ابتداء مشروعية التيمم، وذكر البرقي في «معرفة الصحابة» أن الأسلعَ قَالَ لرسولِ الله - ﷺ - يومًا: إني جُنبٌ وليس عندي ماءٌ. فأنزل اللهُ آيةَ التيمم (١)، وحكاه الجاحظ في «برهانِه» قولًا، وهو غريب. وفي «المصنف» عن عباد بن العوَّامِ، عن برد، عن سليمانَ بن موسى، عن أبي هريرةَ: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، فأتيتُ النَّبيَ - ﷺ -، فضرب بيده ضربةً إلى الأرض فمسح وجهَهُ وكفيه (٢)، وهو مشكل إذ التيمم كان قبل إسلامِه. ثانيها: حرمة الأموالِ الحلال، ولا تضيع وإن قلَّتْ. ثالثها: جواز حفظ الأموال، وإن أدى إلى عدمِ الماء (في الوقت، ------------------------ (١) رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ١/ ٣٥٦ (١٠٩٢ - ١٠٩٤) ترجمة (٢٤٦). (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٤٧ (١٦٨٩) كتاب: الطهارات، باب: في التيمم كيف هو؟ قاله ابن مسلمة المالكي في «مبسوطه» وعلى هذا يجوز للإنسان سلوك طريق يتيقن فيه عدم الماء) (١) طلبًا للمال. رابعها: شكوى المرأة إلى والدها، وإن كان لها زوجٌ. خامسها: خروج النساء مع الرِّجالِ في الأسفارِ والغزواتِ، وذلك مباح إذا كان العسكرُ (كثيرًا) (٢) يؤمن عليه الغلبة. سادسها: الإقامة (على) (٣) موضعٍ لا ماءَ فيه للمصلحةِ، إذ في الحديث: وليسوا عَلَى ماءِ. سابعها: جواز القلادة للنساءِ. ثامنها: جواز السَّفرِ بها بإذن الغير. تاسعها: جواز وضعِ الرجل رأسَه عَلَى فخذِ زوجتِه. عاشرها: جواز دخول والد الزوجة إلى بيتها وإن كان زوجها نائمًا بغيرِ إذنه والإنصاف منها بغيرِ إذنه. الحادية عشرة: تأديبُ الرجلِ ولدَه بالقولِ والفعلِ والضربِ، وإنْ كان كبيرًا خارجًا عن بيته متزوجًا. الثانية عشرة: احتمالُ المشقةِ لأجل المصلحة؛ لقولها: ولا يمنعني من التحركِ إلا مكان رسولِ الله - ﷺ - عَلَى فخذي. الثالثة عشرة: معاتبة من نسب إلى ذنبٍ أو جريمةٍ كما عاتب الصديق ابنتَهُ عَلَى حبسِ الجيش بسببها. الرابعة عشرة: نسبةُ الفعلِ إلى من هو سببه وإن لم يفعله؛ لقولهم: ألا ترى ما صنعتْ عائشةُ. إلى آخره، فنُسبَ الفعلُ إليها إذ كانت سببه. ------------------------ (١) ما بين القوسين ليست في (ج). (٢) في (ج): قليلًا. (٣) في (ج): في. الحديث الثاني: حديث يزيد الفقير عن جابر مرفوعًا: «أُعْطِيتُ خَمْسًا ..» الحديث. والكلامُ عليه من وجوهٍ: أحدها: هذا الحديث أخرجه أيضًا في الصلاةِ (١)، وبعضه في فرضِ الخُمسِ (٢)، وأخرجه مسلمٌ في الصلاةِ، والنسائي في الطهارةِ (٣). ويزيد هذا ليس فقيرًا، وإنما لُقِّب بذلك؛ لأنه كان مكسورَ فقار ظهره. قَالَ في «المحكمِ»: رجل فقير وفقِّير: مكسور فقار الظهر (٤). ثانيها: عدَّ كون الأرضِ مسجدًا وطهورًا خصلةً واحدة، وإلا كانت ستًّا. وفي مسلمِ من حديث أبي هريرةَ: «فُضِّلتُ عَلَى الأنبياء بستٍّ، وأعطيتُ جوامعَ الكَلمِ، وخُتم بي النبيون» (٥) وعنده أيضًا من حديث حذيفة: «فُضِّلنا عَلَى الناس بثلاثٍ: جُعلتْ صفوفُنا كصفوفِ الملائكةِ، وجعلت لنا الأرضُ كلها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماءَ» (٦) وللدارقطني: «وترابها» بدل «وتربتها» (٧) ولا تعارض بينها، والأعداد لا تدل عَلَى الحصر، ويجوز أن يكون أعلمه اللهُ تعالى أولًا ----------------------- (١) سيأتي برقم (٤٣٨) باب: قول النبي - ﷺ -: «جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا». (٢) سيأتي برقم (٣١٢٢) باب: قول النبي - ﷺ -: «أحلت لكم الغنائم». (٣) «صحيح مسلم» (٥٢١) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، «سنن النسائي» ١/ ٢٠٩. (٤) «المحكم» ٦/ ٢٣١ مادة: فقر، وفيه: رجل مَفْقور، وفَقِير. (٥) «صحيح مسلم» (٥٢٣) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة. (٦) «صحيح مسلم» (٥٢٢) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة. (٧) «سنن الدارقطني» ١/ ١٧٥. بالقليلِ ثم بالكثيرِ (١). ثالثها: قولها: «لم يُعطهُنَّ أحدٌ قبلي» أي: لم تجمع لأحدٍ قبله. رابعها: النصر: العون. والرعب: الخوف والوجل. والشفاعة: الطلب أو الدعاء. والمسجد: بفتح الجيم وكسرها، والمراد به هنا: موضع السجود. وقوله: «فأيُّما رجل» ما زائدة؛ لتوكيد الشرط، والفاء في «فليصل» جواب الشرط، والطهور هو المطهر. وفيه: إظهار كرامة الآدمي؛ لأنه خُلق من ماءٍ وترابٍ، فجعلهما اللهُ طهورين لهذا (٢). ------------------------ (١) وقد جمع ابن حجر في «الفتح» الروايات والأحاديث التي فيها الخصال التي اختص بها النبي فبلغ بها سبع عشرة خصلة، ثم قال: ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، ثم قال: وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب «شرف المصطفى» أن عدد الذي اختص به نبينا - ﷺ - عن الأنبياء ستون خصلة. «فتح الباري» ١/ ٤٣٩. (٢) قال ابن القيم رحمه الله: ومما يظن أنه على خلاف القياس باب التيمم، قالوا: إنه على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: أن التراب ملوث لا يزيل درنًا ولا وسخا ولا يطهر البدن، كما لا يطهر الثوب. والثاني: أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروج عن القياس الصحيح. ولعمر الله إنه خروج عن القياس الباطل المضاد للدين، وهو على وفق القياس الصحيح، فإن الله سبحانه جعل من الماء كل شيء حي، وخلقنا من التراب، فلنا مادتان: الماء والتراب، فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا، وبهما تطهرنا وتعبدنا، فالتراب أصل ما خلق منه الناس والماء حياة كل شيء، وهما = خامسها: استدل به من جَوَّز التيمم بجميع أجزاء الأرض، وبه قَالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ، حَتَى جوازه بصخرةٍ مغسولة (١)، وفيه نظرٌ؛ لأن (من) الدالة عَلَى التبعيض في الآيةِ تقتضي أن يمسحَ بشيءٍ يحصل عَلَى الوجهِ واليدين بعضه. وقد أنصف الزمخشريُّ وهو من الحنفيةِ، فإنه أبرز ما ذكرناه في صورةِ سؤالٍ يدل عَلَى المنعِ بالحجرِ ونحوه، وأجابَ بقوله: قلت: هو كما نقول الحقُ أحق من المراءِ (٢). وأبعد ابن كيسانَ، وابن عليَّةَ فقالا بجوازه بالمسكِ والزعفرانِ، نقله عنهما النَّقاشُ في «تفسيره» (٣). ----------------------- = الأصل في الطبائع التي ركب الله عليهما هذا العالم، وجعل قوامه بهما. ثم قال: وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن وضع التراب على الرؤوس مكروه في العادات، وإنما يفعل عند المصائب والنوائب. والرجلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم لله والذل له والانكسار لله ما هو من أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد ثم قال: وأما جمعها بين الماء والتراب في التطهير فلله ما أحسنه من جمع! وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة! وقد عقد الله سبحانه الإخاء بين الماء والتراب قدرًا وشرعًا: فجمعهما الله -عز وجل- وخلق آدم وذريته، فكانا أبوين اثنين لأبوينا وأولادهما، وجعل منهما حياة كل حيوان، وأخرج منهما أقوات الدواب والناس والأنعام، وكانا أعم الأشياء وجودًا، وأسهلها تناولًا، وكان تعفير الوجه في التراب قدرًا من أحب الأشياء إليه، ولما كان عقدُ هذِه الأخوة بينهما قدرًا أحكم عقدٍ وأقواه كان عقد الأخوة بينهما شرعًا أحسن عقدٍ وأصحه، فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم. «إعلام الموقعين» ٢/ ١٧ - ١٨، ١٧٤ - ١٧٥. (١) انظر: «الهداية» ١/ ٢٧، «الذخيرة» ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧. (٢) «الكشاف» ١/ ٤٤٩. (٣) وانظر: «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٣٦٤ - ٣٦٦. سادسها: قوله: «فأيما رجلٌ من أمتي أدركته الصلاةُ فليصل» هذا عام إلا ما خرج بدليلٍ، كالمكان المغصوب ونحوه، وتُكره الصلاة في مواطن كالحمَّام، وغيره مما هو مبسوطٌ في الفروع. ولم يأت في أثرٍ، كما قَالَ ابن بطَّالٍ، عن المهلب: أنَّ الأرضَ منعت من غيرِه - ﷺ - مسجدًا، وقد كان عيسى -عليه السلام- يسيح في الأرضِ ويصلي حيث أدركته الصلاةُ فالمجموع ثبت، وغيره لم تجعل له طهورًا (١). سابعها: قد يُؤخذ من هذا أنه لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت كما هو مذهبُ الجمهورِ، وقد يؤخذ منه أيضًا تيممُ الحضريُّ إذا عدِمَ الماء وخافَ فوتَ الصلاةِ (٢). ثامنها: الغنائم: جمع غنيمة، وكانت قبلنا ممن له الجهاد إذا حصَّلوها جاءت نارٌ فأحرقتها، فأباحها اللهُ لنا (٣) ---------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٦٩. (٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٢٢٠، «الكافي» ص ٢٩، «البيان» ١/ ٢٨٦، «بدائع الصنائع» ١/ ٥٤، «المغني» ١/ ٣١٣، «الإعلام» ٢/ ١٦٤. (٣) قال ابن رجب رحمه الله: وأمَّا إحلالُ الغنائمِ له ولأُمَّتِه خاصة: فقد روي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم. وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: «لم تحلَّ الغنائمَ فجاءتْ نارٌ لتأكلَها فلم تَطْعَمْها فقال: إِنَّ فيكم غلولا فَلْيُبَايعْني من كلِّ قبيلة رجلٌ، فلزقتْ يدُ رجل بيده فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأسٍ مثل رأس بقرةٍ من الذهب فوضعوها فجاءت النَّارُ فأَكَلتها، ثم أحلَّ اللهُ لنا الغنائم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلَّها لنا». وفي «الترمذي» عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لم تحلَّ الغنائم لأحدٍ سود الرءوس قبلكم، كانت تنزل نارٌ فتأكلها». = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وفي كتاب «السيرة» لسليمان التيمىِّ: إِنَّ من قبلنا من الأمم كانوا إذا أصابوا شيئًا من عدوهم جمعوه فأحرقوه وقتلوا كلَّ نفسٍ من إنسانٍ أو دابَّةٍ. وفي صحة هذا نظرٌ، والظاهر أن ذوات الأرواح لم تكن محرمة عليهم، إنما كان يحرم عليهم ما تأكله النار. وقد ذهب طائفةٌ من العلماء -منهم الإمام أحمد- إلى أنَّ الغالَّ من الغنيمة يحرق رحله كله إلا ما له حرمةٌ من حيوانٍ أو مصحف، وورد في ذلك أحاديث تذكر في موضع آخر إن شاء الله -سبحانه وتعالى-. وقد قالت طائفة من العلماء: إنَّ المحرم على من كان قبلنا هو المنقولات دون ذوات الأرواح، واستدلُّوا بأن إبراهيم - ﷺ - كانت له هاجر أمة، والإماء إنما يكتسبن من المغانم. ذكر هذا ابن عقيل وغيره. وفي هذا نظرٌ، فإن هاجر وهبها الجبار لسارة فوهبتها لإبراهيم ويجوز أن يكون في شرع من قبلنا جواز تملك ما يملكه الكفار باختيارهم دون ما يغنم منهم. وقد ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الكافر إذا أهدى إلى آحاد المسلمين هديةً فله أن يتملكها منه ويختص بها دون غيره من المسلمين. وقال القاضي إسماعيل المالكىُّ: إنما اختصت هذِه الأمة بإباحة المنقولات من الغنائم، فأما الأرض فأنها فيء وكانت مباحة لمن قبلنا، فإن الله تعالى أورث بني إسرائيل فرعون، وهذا بناء على أن الأرض المأخوذة من الكفار تكون فيئًا سواء أخذت بقتال أو غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه. ومن الناس من يقول: إنما حرم على من كان قبلنا الغنائم المأخوذة بقتال دون الفيء المأخوذ بغير قتال، قالوا: وهاجر كانت فيئًا لا غنيمة، لأن الجبار الكافر وهبها لسارة باختياره. وقد قال طائفةٌ من العلماء: إن ما وهبه الحربي لمسلبم يكون فيئًا، وزعم بعضهم أنَّ المحرم على من كان قبلنا كان خمس الغنيمة خاصَّةً كانت النار تأكله وتقسم أربعة أخماسه بين الغانمين -وهذا بعيدٌ جدًا- واستدلوا بما خرجه البزارُ من رواية سالم أبي حماد، عن السديِّ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قال: «أعطيت خمسًا لم يعطها أحدٌ قبلي» فذكر الحديث وقال فيه: «وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله، وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي». «فتح الباري» لابن رجب ٢/ ٢١١ - ٢١٤. تاسعها: الألفُ واللام في الشفاعةِ للعهدِ، وهي العظمى المختصة به، وله - ﷺ - سبعُ شفاعاتٍ أخر ذكرتها في «غاية السول في خصائصِ الرسولِ» فراجعها منه (١)، وقد أوضحت الكلامَ على هذا الحديث في «شرح ------------------------ (١) قال المصنف -رحمه الله- في»خصائص النبي«ص ١٨١ - ١٨٤: أولاهن: الشفاعة العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء كما ثبت في الصحيح في حديث الشفاعة. والثانية: في جماعة يدخلون الجنة بغير حساب. والثالثة: في ناس استحقوا دخول الجنة. والرابعة: في ناس دخلوا النار فيخرجون. والخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة. والأولى: مختصة به وكذا الثانية، قال النووي في»الروضة«: ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة أيضًا، أي: والرابعة يشاركه فيها غيره من الأنبياء والعلماء والأولياء وقال القاضي عياض: إن شفاعته لإخراج من في قلبه مثقال حبة من إيمان مختصة به إذ لم تأت شفاعة لغيره إلا قبل هذِه. وأهمل النووي شفاعة سادسة: وهي: تخفيف العذاب على من استحق الخلود فيها كما في حق أبي طالب في إخراجه من غمرات النار إلى ضحضاحها. وسابعة: وهي شفاعته لمن مات بالمدينة لما روى الترمذي وصححه عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال:»من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإني أشفع لمن مات بها«نبه على هذِه والتي قبلها القاضي عياض في»الأكمال«. وفي»صحيح مسلم«من حديث سعد بن أبي وقاص رفعه:»لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة«فهذِه شفاعة أخرى خاصة بأهل المدينة وكذلك الشهادة زائدة على شهادته للأمة، وقد قال عيَنِ في شهداء أحد:»أنا شهيد على هؤلاء«. وفي»العروة الوثقى" للقزويني: إن من شفاعته شفاعته لجماعة من صلحاء المؤمنين ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات، وأطلق الرافعي أن من خصائصه: شفاعته في أهل الكبائر، وفي ذلك نظرح فإن المختصة به ليست في مطلق أهل الكبائر. ![]()
__________________
|
|
#125
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 167 الى صـــ 186 الحلقة (124) العمدة» (١)، ومن ذَلِكَ بعثه إلى الناسِ عامة. وفي هذا دلالةٌ على أن الحجة تلزم بالخبر كما تلزم بالمشاهدة، وذلك أنَّ الآيةَ المعجزة باقيةٌ -وهي القرآن- قائمةً بما فيه؛ لبقاء دعوته، ووجوبِها عَلَى من بلغته إلى آخرِ الزمانِ. --------------- (١) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ١٥٣. ٢ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا ٣٣٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا، فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ: جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ الله ذَلِكِ لَكِ وَللْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. [انظر: ٣٣٤ - مسلم: ٣٦٧ - فتح: ١/ ٤٤٠] ساق فيه حديثَ عائشةَ أيضًا في قلادتها. وقد سلفَ فقهه، وسلف الخلاف في صلاةِ فاقدِ الطهورين في بابِ: لا تقبل صلاة بغير طهور، والمذاهب الخمسة فيها. وقوله: (فصلَّوا). أي: بغير وضوء، كما جاء في روايةٍ أخرى في «الصحيح» (١)، وهو إذًا مطابق لما ترجم له. ---------------- (١) ستأتي برقم (٣٧٧٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل عائشة رضي الله عنها. ٣ - باب التَّيَمُّمِ فِي الحَضَرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَقَالَ الحَسَنُ فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: يَتَيَمَّمُ. وَأَقْبَلَ ابن عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَمْسُ مُرْتَفِعَة فَلَمْ يُعِدْ. ٣٣٧ - حَدُّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأعرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- قَالَ: أقبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ -مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الَحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الجُهَيْمِ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ نَحْوِ بِئْرٍ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الِجدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ - عليه السلام -[مسلم: ٣٦٩ - فتح: ١/ ٤٤١] (وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح. وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفهِ» عن عمرَ، عن ابن جريجٍ عنه قَالَ: إذا كنتَ في الحضرِ وحضرت الصلاةُ وليس عندك ماءٌ فانتظر الماءَ، فإن خشيت فوتَ الصلاةِ تيمم وصلِّ (١). ثم قَالَ البخاري: وَقَالَ الحَسَنُ فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: يَتيمَّمُ. والحسن هذا هو البصري. ثم قال: وَأَقْبَلَ ابن عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَمْسُ مُرْتَفِعَة فَلَمْ يُعِدْ. ------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٤٨ (١٧٠١). وهذا رواه مالكٌ، عن نافع عنه مطولًا، ورواه الشافعيُّ أيضًا، ثم قَالَ: والجُرُف: قريب من المدينة (١). وروي أيضًا مرفوعًا، والمحفوظ الأول كما نبه عليه البيهقي (٢). والجُرُف: بضم الجيم والراء، وقد علمته. وقال الزبير: إنه عَلَى ميلٍ منها. وقال ابن إسحاق: عَلَى فرسخٍ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزوَ (٣). وقال صاحب «المطالع»: هو عَلَى ثلاثة أميال إلى جهةِ الشام، به مالُ عمرَ وأموالُ أهلِ المدينةِ، ويعرف ببئر جشم وبئر جمل (٤). والمِرْبَد: بكسر الميم وفتح الباء من ربد بالمكان: إذا أقام به، بينه وبين المدينةِ ميلان (٥)، قاله صاحب «المطالع». وقال غيره: ميل أو ميلان. وقال ابن التين: رويناه بفتح الميم، وهو في اللغةِ بكسرها. قَالَ ابن سيده: والمِربَد: محبس الإبلِ. وقيل: هي خشبةٌ أو عصى تعترض صدورَ الإبلِ تمنعها عن الخروجِ، ومربد البصرة من ذَلِكَ؛ لأنهم كانوا يحبسون فيه الإبل. والمِرْبَد: فضاءٌ وراء البيوتِ ترتفق به. والمربد: كالحجرة في الدار. ومربد التمر: جرينه الذي يوضع فيه بعد الجذاذ لييبس. قَالَ سيبويه: هو اسم كالمطبخ، وإنما مثله به؛ لأن المطبخَ ييبس (٦). ------------------ (١) «الموطأ» ١/ ٦٢ (١٥٣) كتاب: الطهارة، باب: العمل في التيمم، «الأم» ١/ ٣٩. (٢) «السنن الكبرى» ١/ ٢١٣ - ٢٣٣. (٣) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٣٧٧. (٤) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ١٢٨. (٥) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٩٧ - ٩٨. (٦) «المحكم» ١٠/ ٤٠ مادة: (ر ب د). وقال السهيلي: المِرْبَد والجرين والمسطح والبيدر والأندر والجرجان لغات بمعنى واحدٍ. وهذا الأثر دالٌّ على جوازِ التيمم بقرب الحضرِ عَلَى من خاف الفوت. قَالَ محمدُ بن مسلمةَ: إنما تيمم؛ لأنه خاف الفوت (١). أي: فوت الوقت المستحب، وهو أن تصفرَّ الشمس. وارتفاعها يحتمل أن يكونَ عن الأفقِ مع دخول الصفرة فيها، ويحتمل أن ابن عمرَ رأى أن من رجا إدراك الماءِ في آخرِ الوقت وتيمم في أوله يجزئه ويعيد في الوقت استحبابًا، وهو قولُ ابن القاسمِ (٢). وقال سحنونُ في «شرح الموطأ»: كان ابن عمرَ عَلَى وضوءٍ؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاةٍ، فجعل التيمم عند عدم الماء عوضًا من الوضوء. وقيل: كان يرى أن الوقت إذا دخل حلَّ التيمم، وليس عليه التأخير. ثم ساق البخاريُّ حديثَ أبي جُهيم: أَقْبَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُد عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ معلقًا حيث قَالَ: وروى الليث، فذكره (٣). والبخاريُّ وصله فرواه عن يحيى بن بكير عنه. ووصله أيضًا أبو داود والنسائي (٤)، ووقع في مسلم: عبد الرحمن بن يسار، والصواب: عبد الله كما وقع في البخاري، مولى ميمونةَ. --------------- (١) انظر: «التمهيد» ١٩/ ٢٩٣. (٢) «المدونة» ١/ ٤٦. (٣) «صحيح مسلم» (٣٦٩) كتاب: الحيض، باب: التيمم. (٤) «سنن أبي داود» (٣٢٩)، «سنن النسائي» ١/ ١٦٥. ووقع فيه أيضًا: أبو الجهمِ مكبرًا، وإنما هو مصغر كما ساقه البخاريُّ. وقد ذكره مسلمٌ عَلَى الصوابِ في حديثِ المرورِ (١). وسمَّاه أبو نعيم وابن منده: عبد الله بن جهيم، وجعلاهما واحدًا (٢). ورجَّح ابن الأثير كونهما اثنين (٣). وفي الدارقطني أنه الذي سلَّم. أعني: أبا الجهيم (٤) وهو يبين المجهولَ في روايةِ البخاري: فلقيه رجل فسلم عليه. ورواه الشافعىُّ عن شيخِه إبراهيم، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جُهيم، الحديث (٥). وحسَّنه البغويُ في «شرحِ السُّنَّةِ» (٦)، وهو منقطع بين الأعرج وأبي جهيم عمير مولى ابن عباس كما ساقه البخاريُّ. ورواه أبو داود والبزَّار من حديث ابن عمرَ مرفوعًا (٧)، وروي موقوفًا. ورواه أيضًا جابر بن سَمُرة والبراء، أخرجهما الطبرانيُّ (٨)، وعبدُ الله ---------------- (١) مسلم (٥٠٧) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلي. (٢) «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٨٥٠ (٣١٤٤). (٣) «أسد الغابة» ٦/ ٦٠ - ٦١ ترجمة (٥٧٧٦). (٤) «سنن الدارقطني» ١/ ١٧٦. (٥) «مسند الشافعي» ١/ ٤٤ (١٣٠، ١٣١). (٦) «شرح السنة» ٢/ ١١٤، ١١٥ (٣١٠). (٧) «سنن أبي داود» (٣٣١)، والبزار كما في «كشف الأستار» (٣١٢). (٨) رواه الطبراني في «الكبير» ٢/ ٢٢٨ (١٩٤٥)، وفي «الأوسط» ٥/ ٣١٠ (٥٤٠٢) عن جابر بن سمرة، وقال: تفرد به الفضل بن أبي حسان، قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٢٧٦: ولم أجده من ذكره. وأما حديث البراء، فرواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٣٥٣ (٧٧٠٦). وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٢٧٦: وفيه من لم أعرفه. ابن حنظلةَ أخرجه أحمدُ (١)، والمهاجر بن قنفذ أخرجه الحاكم (٢)، وأبو هريرة أخرجه ابن ماجه (٣)، وغيرهم، وبعضها يشد بعضًا. وبئر جمل، بجيم مفتوحةٍ، وللنسائي: الجمل -بالألف واللام (٤) - وهو موضعٌ بقربِ المدينةِ فيه مالٌ من أموالها، ذكره أبو عبيد (٥). إذا تقرَّر لك ذَلِكَ فأصلُ المسألةِ التي بوَّب البخاري لها الباب، وهو من كان في الحضرِ وخاف فوتَ الصلاة، وفقدَ الماءَ إذ ذاك، هل له أن يتيمم، وفيه قولان حكاهما ابن بزيزةَ، والذي عليه الجمهور أنه يتيمم (قال مالك: إذا خاف الفوت إن عالج الماء يتيمم ويصلي ولا يعيد، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومحمد، وعن مالك أنه يصلي بالتيمم) (٦) ويعيد، وهو قول الليثُ والشافعيُّ (٧). وروي عن ماللكٍ أنه يعالج الماءَ وإن طلعت الشمس (٨)، وهو قولُ أبي يوسف وزفر قالا: لا يصلِّي أصلًا، والفرض في ذمته إلى أن يقدر عَلَى الماءِ؛ لأنه لا يجوز عندهما التيمم في الحضر، واحتجا بأنَّ الله تعالى جعلَ التيممَ رخصةً للمريض والمسافر، ولم يبحه إلا بشرط المرض والسفر، فلا دخولَ للحاضرِ ولا للصحيح في ذَلِكَ؛ لخروجهما من شرطِه تعالى (٩). -------------- (١) «مسند أحمد» ٥/ ٢٢٥، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٢٧٦: فيه رجل لم يسم. (٢) «المستدرك» ١/ ١٦٧ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ. (٣) «سنن ابن ماجه» (٣٥١). (٤) «سنن النسائي» ١/ ١٦٥. (٥) انظر: «معجم ما استعجم» ٤/ ١١٥٣، و«معجم البلدان» ١/ ١٦٣. (٦) سقط من (ج). (٧) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ١٢٢. (٨) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٢٢١ - ٢٢٣، «الذخيرة» ١/ ٣٤٥. (٩) انظر: «التمهيد» ١٩/ ٢٩٣. واحتج من قَالَ: يتيمم ويصلي ويعيد قَالَ: إنا قد رأينا من يفعل ما أمر به، ولا يسقط عنه بالإعادةِ وهو واقع موقع فساد، مثل من أفسد حجَّه وصومَه الفرضُ عليه، فإنه مأمورٌ بالمضي فيه فرض عليه، ومع هذا فعليه الإعادة، وأيضًا فإنَّ المسافرَ والمريضَ قد أُبيح لهما الفطرُ في رمضان مع القضاءِ، فكذا هذا الحاضر. واحتج من قَالَ بعدم الإعادة، بأن الفطرَ رخصةٌ لهما ولم يفعلا الصوم، والمتيمم فعلَ الواجبَ وفعل الصلاة، فلو رُخص له في الخروج منها كما رخص للمسافر في الفطرِ لوجب عليه القضاءُ. وأمَّا من أفسد حجه وصومه فإنما أمر بالمضي فيه عقوبةً لإفساده له، ثم وجبَ عليه قضاؤه ليؤدي الفرضَ كما أمر به، والحاضر عند التَّعذرِ والخوفِ مطيعٌ بالتيمم والصلاة ابتداء ولم يفسدْ شيئًا يجب معه القضاء. وحجة من لم يعد أثر البخاريِّ عن ابن عمرَ، فإنه تيمم بمربد النعم وهو في طرفِ المدينة؛ لأنه خشي فوتَ الوقتِ الفاضلِ، ولم يجدْ ماءً، ثم صلَّى، فهو حجة (الحاضر) (١) عند الخوفِ في الإقدام عَلَى التيمم؛ لأنه إذا فعلَ ذَلِكَ مع سعة الوقت فخوف فوته أولى. وأما حديث أبي جُهيم فإن فيه التيممَ في الحضر إلا أنه لا دليل فيه لرفع الحدث به؛ لأنه أراد أن يجعله تحية لرد السلام، فإنه كره أن يذكر اللهَ عَلَى غير طهارةٍ، كما رواه حماد بن سلمةَ في «مصنفه» في هذا الحديث، كذا قاله المهلبُ، وهو مع ذَلِكَ دالٌ عَلَى التيمم في الحضرِ عند خوفِ الفوات؛ لأنه كما يتيمم في الحضر لرد السلام -وكان له - ﷺ - أن يردَّه قبل تيممه -دلَّ عَلَى التيمم في الحضر عند خوف ------------------ (١) في (ج): للحاضر. الفوات، بل أولى؛ لأن الطهارةَ فيها شرطٌ بخلاف السلام. وأيضًا فإن التيممَ إنما ورد في المسافرين والمرضى لإدراكِ الوقت وخوفِ فواته، فإذا كان حاضرًا وخاف فوته جاز. واحتج الطحاويُّ بهذا الحديث عَلَى جواز التيمم للجنازة عند خوفِ فواتها، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي (١)؛ لأنه - ﷺ - تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فور الرد، وإن كانت ليست شرطًا، ومنع مالك والشافعي وأحمد ذَلِكَ (٢). قَالَ الداوديُّ: والدليل عَلَى سنيَّة ذَلِكَ قوله لأبي هريرة: «المؤمن لا ينجس» (٣) قَالَ: ويحتمل أنه فعل ذَلِكَ قبل أن يخبر. قلت: فيه بعدٌ، وسيأتي. قَالَ ابن القصار: وفي تيممه - ﷺ - بالجدار ردٌ عَلَى أبي يوسفَ والشافعي في اشتراطهما التراب في صحةِ التيمم؛ لأنه - ﷺ - تيمم بالجدارِ. قَالَ: ومعلومٌ أنه لم يعلق بيده منه ترابٌ، إذ لا تراب عَلَى الجدارِ. قلت: ورواية الشافعي السالفة ترده إذ فيها: عن أبي جهيم قَالَ: مررتُ عَلَى النبي - ﷺ - وهو يبول فسلَّمت عليه، فلم يرد عليَّ حَتَّى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يَدهُ عَلَى الجدارِ فمسح وجهَهُ وذراعيه ثم رد عليَّ (٤). ----------------- (١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٨٦، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٤٨. (٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤، «البيان» ١/ ٢٨٨، «المغني» ١/ ٣٤٥. (٣) سبق برقم (٢٨٥) كتاب: الغسل، باب: عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس. (٤) «الأم» ١/ ٤٤. وبهذه الرواية يرد أيضًا عَلَى من استدل من الحنفية بهذا الحديث عَلَى جوازِ التيمم عَلَى الحجر. قَالَ: لأن حيطانَ المدينة مبنية بحجارةٍ سودٍ. فرع متعلق بالباب: لو تيقن وجود الماء آخر الوقت فانتظاره أفضل، وإن ظنه فقولان للشافعي أظهرهما: أن تعجيل الصلاة بالتيمم أفضل، وقال أبو حنيفةَ: في الرجاء التأخير أفضل. وعنه أنه حتمٌ (١). قَالَ ابن حزم: وبه قَالَ الثوريُّ وأحمدُ وعطاءُ. وقال مالك: لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت. وقال مرةً: إن أيقنَ بوجودِ الماءِ قبل خروج الوقت أخَّره إلى آخره، فإن وجده وإلا تيمم، وإن كان طامعًا بوجودِه قبله أخَّره إلى وسطِ الوقتِ، وإن تيقن عدمه تيمم وصلى (٢). وعن الأوزاعي: كل ذَلِكَ سواء. وفي «المدونة» حكاية قولين فيما إذا وجد الحاضرُ الماءَ في الوقتِ هل يعيد أم لا (٣)؟ وقيل: إنه يعيد أبدًا. وفي أبي داودَ من حديث أبي سعيد الخدري في السفرِ لما أعاد أحدُهما عند وجودِ الماءِ قَالَ له - ﷺ -: «لك الأجر مرتين» وصححه الحاكم عَلَى شرطهما (٤). ----------------- (١) «الهداية» ١/ ٢٨. (٢) «المحلى» ٢/ ١٢٠. (٣) انظر: «المدونة» ١/ ١٤٦. (٤) أبو داود (٣٣٨)، والحاكم ١/ ١٨٧ - ١٧٩، ورواه أيضا النسائي ١/ ٢١٣، والدارمي ١/ ٥٧٦ (٧٧١)، والدارقطني ١/ ١٨٨ - ١٨٩، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٦٦). فائدة تنعطف عَلَى ما مضى: قد أسلفنا أنَّ تيممه لردِّ السلام إنما كان عَلَى وجهِ الأكمل. قَالَ ابن الجوزي: كره أنْ يردَّه؛ لأنه اسمٌ من أسماءِ الله تعالى، أو يكون هذا في أوَّلِ الأمر، ثم استقر الأمر عَلَى غير ذلك. وقد رأى الأوزاعيُّ أنّ الجنبَ إذا خافَ إن اشتغلَ بالغسلِ طلعتْ الشمسُ (تيمم وصلى) (١) قبل فوتِ الوقت. قَالَ الخطَّابىُّ: وبه قَالَ مالك في بعض الروايات (٢). وعند الحنفية: إذا خاف فوتَ الصلاةِ عَلَى الجنازةِ والعيدين تيمم. ومسألة الجنازةِ أسلفناها عنهم. وعندنا وجهٌ أنه إذا خاف فوتَ الفريضةِ لضيق الوقت صلُّاها بالتيمم ثم قضاها (٣). وفي «شرحِ الآثارِ» للطحاوي: حديث المنع من ردِّ السلامِ منسوخٌ بآيةِ الوضوءِ (٤)، وقيل: بحديث عائشةَ: كان يذكر اللهَ تعالى عَلَى كلِّ أحيانهِ (٥). وقد جاء ذَلِكَ مصرحًا به (في) (٦) حديثٍ رواه جابر الجعفي، عن عبد الله [عن] (٧) أبي بكر بن محمد بن حزم، عن عبدِ اللهِ بن علقمةَ بن ------------------- (١) في (ج): يتيمم ويصلي. (٢) «معالم السنن» ١/ ٩٠. (٣) قال النووي: وفي «التهذيب» وجه شاذ أنه يتيمم ويصلي في الوقت، ثم يتوضأ ويعيد، وليس بشيء أ. هـ. «روضة الطالبين» ١/ ٩٣. (٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٨٨ - ٨٩. (٥) رواه مسلم (٣٧٣) كتاب: الحيض، باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها. (٦) في (ج): من. (٧) في الأصل (بن)، والصواب (عن). الفغواء، عن أبيه قَالَ: كان النَّبِيُّ - ﷺ - إذا أرادَ الماءَ نكلِّمه فلا يكلِّمنا، ونسلم عليه فلا يسلم علينا، حَتَّى نزلت آيةُ الرخصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١) [المائدة: ٦]. وزعم الحسنُ أنه ليس منسوخًا، وتمسك بمقتضاه، فأوجب الطهارة للذكرِ ومنعه للمحدثِ، ثم ناقض بإيجابه التَّسمية للطهارتين، فإنه مستلزم لإيقاع الذِّكرِ حالة الحدثِ. وروي عن عمرَ إيجابُ الطهارةِ للذِّكر. وقيل: يتأوَّل الخبر عَلَى الاستحباب؛ لأن ابن عمرَ راويه رأى ذَلِكَ (٢)، والراوي الصحابي أعلم بالمقصود، وهو حسنٌ إن لم يثبت حديث الجعفي لتضمنه الجمع بين الأدلةِ. قلت: وأنَّى له بالثبوت وحالته ظاهرة؟ تنبيهات: أحدها: كيف يتيمم بالجدارِ بغير إذن مالكه؟ والجواب: أنه كان مباحًا أو مملوكًا لمن يعرفه ولا يكره ذَلِكَ منه. ثانيها: كيف يتيمم في الحضر؟ والجواب: أن هذا كان في أول الأمر ثم استقر الأمر عَلَى غيره، وأيضًا فهو تشبيه بالطاهرين وإن لم يصح كما في حق الممسك في رمضان، ذكرهما ابن الجوزي، لكن الطحاوي استدل عَلَى ثبوت الطهارة به وإلا لم يفعله. ------------ (١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٨٨، وابن قانع في «معجم الصحابة» ٢/ ٢٨٦ ترجمة (٨١٨)، والطبراني ١٨/ ٦ (٣)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٢٧٦، قال: رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه: جابر الجعفي وهو ضعيف. (٢) ذكر المتقي الهندي في «كنز العمال» ٢/ ٢٤٧ (٣٩٤٠) عن ابن عمر قال: إن استطعت ألا تذكر الله إلا وأنت طاهر فافعل. وعزاه لابن جرير في «تهذيب الآثار». ثالثها فيه دلالة عَلَى جواز التيمم للنوافل كالفرائض، وأبعد من خصه من أصحابنا بالفرض، وهو واه. رابعها: أطلق اليد في الحديث ولم يقيدها، ومشهور مذهب الشافعي مسحها إلى المرفقين كالوضوء (١)، ومحل الخوض فيها الخلافيات، وكذا هل هو بضربة أو (بضربتين) (٢)؟ وسيأتي أيضًا، ورواية ضربة أصح من ضربتين (٣)، وأبعد من قَالَ: بثلاث وأربع، ثنتان للوجه ولكل يد واحدة، حكاه ابن بزيزة. -------------- (١) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ١١٢. (٢) في (ج): ضربتين. (٣) انظر: «المجموع» ٢/ ٢٤٣. ٤ - باب: [الْمُتَيَمِّمُ] (١) هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا ٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الَحكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الَخطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْت فَلَمْ أُصِبِ الَماءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْن يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أنَا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْت ذلك لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». فَضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكفَّيْهِ الأرضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧ - مسلم ٣٦٨ - فتح ١/ ٣٤٣] ذكر فيه حديث عمار لعمر: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». فَضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَفيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. هذا الحديث ذكره البخاري في الباب الذي يليه معلقًا ومسندًا من طرق، وأخرجه مسلم أيضًا والأربعة (٢)، ولا نطول بذكر طرقه فإن محلها الأطراف، وذكر ابن أبي حاتم طرفًا منه (٣). ثُم الكلام عليه من وجوه: أحدها: عمار بن ياسر كنيته أبو اليقظان مذحجي ثم عنسي أحد السابقين ---------------- (١) ليست بالمخطوط: (س، ج). (٢) «صحيح مسلم» (٣٦٨) كتاب: الحيض، باب: التيمم، و«سنن أبي داود» (٣٢٤)، «سنن الترمذي» (١٤٤)، «سنن النسائي» ١/ ١٦٥، ١٦٦ «سنن ابن ماجه» (٥٦٩). (٣) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١/ ١١ (٢). الأولين، وهو من الأفراد، أحد من عذب هو وأمه في الله (١). وذكر ابن الجوزي أن الكفار أحرقوه بالنار ليرجع عن دينه، فكان - ﷺ - يمر به، فيمر يده عَلَى رأسه ويقول: «يا نار كوني بردًا وسلامًا عَلَى عمار كما كنت بردًا وسلامًا عَلَى إبراهيم» (٢). ثانيها: فيه نفخ التراب، وهو تخفيف له، ومحله عند الكثرة وضابطه أن يبقى منه قدر الحاجة. قَالَ ابن بطال: وقد اختلف العلماء في نفض اليدين فيه، فكان الشعبي يقول به، وهو قول الكوفيين، وقال مالك: نفضًا خفيفًا. وقال الشافعي: لا بأس أن ينفضهما إذا بقي في يديه غبار يُمس، وهو قول إسحاق. وقال أحمد: لا يضر فعل أو لم يفعل. وكان ابن عمر لا ينفض يده (٣). ثالثها: أن المتأول لا إعادة عليه ولا لوم؛ لأن عمارًا تأول أن التيمم لا يكفي لوجهه ويديه في الجنابة كما يجزئه في الوضوء؛ فلم يأمره الشارع بالإعادة؛ لأنه زاد عَلَى الواجب. رابعها: ذكر البخاري في أواخر التيمم مسح الكف قبل مسح الوجه، أتى فيه ------------------ (١) سبقت ترجمته في الحديث رقم (٢٨). (٢) «صفة الصفوة» ١/ ٢٣٠. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٧٧ أما أثر ابن عمر فقد أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢١١ - ٢١٢ (٨١٧)، والدارقطني ١/ ١٨٢، وقال العظيم أبادي في «التعليق المغني» ١/ ١٨٣: إسناده صحيح موقوف. بلفظ (ثم)، وبها قَالَ الأوزاعي وأبو حنيفة، وخالف الشافعي (١). خامسها: اقتصر هنا عَلَى ذكر الكف، وبه قَالَ أحمد، وهو قول قديم للشافعي قوي في الدليل (٢)، قَالَ البيهقي: ولعل حديث ابن عمر وذراعيه بعده، وجاء في رواية: إلى المناكب. وفي أخرى: إلى نصف الذراع (٣). قَالَ ابن عبد البر في «تمهيده»: كل ما يروى عن عمار في هذا مضطرب مُخْتَلفٌ فيه، وأكثر الآثار المرفوعة عنه ضربة واحدة للوجه واليدين (٤). ---------------- (١) انظر: «الحاوي» ١/ ٢٤٩. (٢) انظر: «المجموع» ٢/ ٢٤٣، «المغني» ١/ ٣٣٣. (٣) «السنن الكبرى» ١/ ٢١١ كتاب: الطهارة، باب: ذكر الروايات في كيفية التيمم عن عمار بن ياسر. (٤) انظر: «التمهيد» ٢/ ٣٥٨. ٥ - باب التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّين ٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الَحكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمَّارٌ بهذا. وَضَرَبَ شُعْبَة بِيَدَيْهِ الأرضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شعْبَة، عَنِ الَحكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَرٍّ يَقُولُ: عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى قَالَ الَحكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُة مِنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٤] ٣٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا. وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٤] ٣٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَة، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «يَكْفِيكَ الوَجْهَ وَالْكَفينِ». [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٥] ٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ. وَسَاقَ الَحدِيثَ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٦] ٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ الأرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٦] ذكر فيه حديث عمار من طرق: في بعضها: وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وفي بعضها: وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةِ فَأَجْنَبْنَا. وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا. وفي بعضها: «يَكْفِيكَ الوَجْهُ وَالْكَفَّانِ». وكلها دالة عَلَى الاقتصار عَلَى الكوعين؛ إذ هو حقيقة الكف، وهو قول علي، وسعيد بن المسيب، والأعمش، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحق (١). وروى ابن القاسم عن مالك أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت، وهذا يدل عَلَى أن التيمم عنده إلى المرفقين مستحب. وممن ذهب إلى التيمم إلى المرفقين ابن عمر، وجابر، والنخعي، وا لحسن، ومالك، وأبو حنيفة، والثوري، والليث، والشافعي (٢). وأبعد الزهري فقال: إلى الآباط (٣). والسنة الصريحة عاضدة للأول. ورواية: المرفقين في تصحيحها نظر، وإن صححها الحاكم (٤). ورواية: إلى المناكب نحوها، ثم إنه من فعلهم وليس من أمره - ﷺ -. ومعنى (تفل فيهما): نفخ. ----------------- (١) قول علي وعطاء رواهما عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢١١، ٢١٣ (٨٢٤، ٨١٦). وانظر: «الأوسط» لابن المنذر ٢/ ٥٠ - ٥١. (٢) رواها عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢١١ - ٢١٢ (٨١٧)، (٨٢٠)، (٨٢١)، (٨٢٢) كتاب: الطهارة، باب: كم التيمم من ضربة، وابن أبي شيبة ١/ ١٤٥ - ١٤٧ (١٦٧٣)، (١٦٧٥)، (١٦٨٠)، (١٦٨٣)، (١٦٨٨) كتاب: الطهارات، باب: في التيمم كيف هو، وانظر: «الأوسط» ٢/ ٤٨ - ٤٩، «عيون المجالس» ١/ ٢١٣، «بدائع الصنائع» ١/ ٤٦، «روضة الطالبين» ١/ ١١٢، «فتح الباري» لابن رجب ٢/ ٢٥٣. (٣) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٤٧. (٤) «المستدرك» ١/ ١٨٠. ٦ - باب الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ يَكْفِيهِ مِنَ المَاءِ وَقَالَ الحَسَنُ: يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابن عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَقَالَ يَحْييَ بْنُ سَعِيدِ: لَا بَأسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا. [فتح: ١/ ٤٦٦] ٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺوإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى [إِذَا] كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةَ وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الُمسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيقَظَ فلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ -يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ، فَنَسِيَ عَوْفٌ- ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الَخطَّابِ الرَّابعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيقَظَ عُمَرُ، وَرَأى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبر وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكبِيرِ، فَمَا زَالَ يكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا اسْتَيقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الذِي أَصَابَهُمْ، قَالَ: «لَا ضَيْرَ -أَوْ لَا يَضِيرُ- ارْتَحِلُوا». فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضوءِ فَتَوَضّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: «مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟». قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فاشْتَكَى إِلَيهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعَا فلَانًا -كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ، نَسِيَهُ عَوْفٌ- وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: «اذْهَبَا فَابْتَغِيَا المَاءَ». فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ -أَوْ سَطِيحَتَيْنِ- مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الَماءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالَمْاءِ أَمْسِ هذِه السَّاعَةَ، وَنَفَرُنَا خُلُوفًا. قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا. قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قَالَتِ: الذِي يقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ. قَالَا: هُوَ الذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي. فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَحَدَّثَاهُ الَحدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - بإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أفوَاهِ الَمزَادَتَيْنِ -أَوِ [الـ] سَّطِيحَتَيْنِ- وَأَوْكَاَ أفوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ العَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا. فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطى الذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَفرِغْهُ عَلَيْكَ». وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وإنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أنَّهَا أَشَدُّ مِلأةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اجْمَعُوا لَهَا». فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْها، قَالَ لَهَا: «تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، ولكن اللهَ هُوَ الذِي أَسْقَانَا». فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: العَجَبُ، لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إلَى هذا الذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لأسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هذِه وِهذِه -وَقَالَتْ بإصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ، تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأرْضَ -أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا. فَكَانَ الُمسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الُمشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرى أَنَّ هؤلاء القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ. [قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ: صَبَا: خَرَجَ مِنْ دينٍ إِلَى غَيْرِه. وقال أبُو العَاليَة: الصَّابِئينَ -وفي نُسْخَةٍ: الصَّابِئُونَ- فِرقَةٌ مِن أهلِ الكِتَابِ يَقْرءُوْنَ الزَّبُورَ]. [٣٤٨، ٣٥٧ - مسلم: ٦٨٢ - فتح: ١/ ٤٤٧] (وَقَالَ الحَسَنُ: يُجْزِئُهُ التَيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) قلت: أسنده ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن يونس، عنه: لا ينقض التيمم إلا الحدث (١). وقال ابن حزم: روينا عن حماد بن سلمة -يعني في «مصنفه»- عن يونس (عن) (٢) عبيد، عنه: يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد مثل الوضوء ما لم يحدث. ------------------ (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٤٧ (١٦٩٣) كتاب: الطهارات، باب: في التيمم كم يصلي به من صلاة. (٢) في (ج): بن. ![]()
__________________
|
|
#126
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 187 الى صـــ 206 الحلقة (125) وحكاه أيضًا عن إبراهيم وعطاء (١). وذكره ابن المنذر (٢) عن ابن المسيب، والزهري، والثوري، وابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، والليث، والحسن بن حي، وداود، وابن حزم (٣)، والمزني، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين (٤). وقال مالك: لا يصلي صلاتا فرض بتيمم واحد، فإن تيمم وتطوع فلابد له من تيمم آخر للفريضة، فلو تيمم ثم صلى الفريضة جاز له أن يتنفل بعدها بذَلِكَ التيمم (٥). وقال الشافعي: يتيممُ لكل صلاة فرض، وله أن يتنفلَ قبلها وبعدها بذلك التيمم (٦). وقال شريك: يتيمم لكل صلاة. وروي مثله عن إبراهيم النخعي، وقتادة، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٧)، وهو قول الليث، وأحمد، وإسحاق (٨). وقال أبو ثور: يتيمم لكل وقت صلاة فرض، إلا أنه يصلي الفوائت من الفروض كلها بتيمم واحد (٩). وذكره البيهقي من طريق ابن عباس، وابن عمر من طريق ضعيف، ---------------- (١) «المحلى» ٢/ ١٢٨. (٢) انظر: «الأوسط» ٢/ ٥٨. (٣) «المحلى»٢/ ١٢٨. (٤) انظر: «الهداية» ١/ ٢٨. (٥) انظر: «المدونة» ١/ ٥٢. (٦) انظر: «الحاوي» ١/ ٢٥٧ - ٢٦٠. (٧) روى عبد الرزاق عن إبراهيم وقتادة ١/ ٢١٥ (٨٣٢ - ٨٣٣) كتاب: الطهارة، باب: كم يصلي بتيمم واحد، وروى ابن أبي شيبة عن قتادة ١/ ١٤٧ (١٦٩٥)، (١٦٩٧) كتاب: الطهارات، باب: في التيمم كم يصلي به من صلاة. وانظر: «الأوسط» ٢/ ٥٦ - ٥٧. (٨) انظر: «المغني» ١/ ٣٤١. (٩) «الأوسط» ٢/ ٥٨، «البيان» ١/ ٣١٤. ومن طريق قتادة عن عمرو بن العاصي، والحارث عن علي (١). قَالَ ابن حزم: الرواية عن ابن عباس ساقطة وبيَّنها. قَالَ: وقد روي نحو قولنا عن ابن عباس أيضًا. قَالَ: والرواية عن علي. وابن عمر لا تصح. قَالَ: وحديث عمرو رواه عنه قتادة، وقتادة لم يولد إلا بعد موته (٢). قلت: وحاصل الأقوال ثلاثة: أحدها: أنه يصلي به ما لم يحدث. ثانيها: أنه يصلي به فرضًا واحدًا. ثالثها: كذلك إلا الفوائت. وقد أسلفناه عن أبي ثور، وحكي أيضًا عن مالك. احتج الأول بالقياس عَلَى الوضوء. والثاني بأنه طهارة ضرورة، بدليل نقضه برؤية الماء، وأيضًا لا يصح قبل وقته بخلافه. فإذا لم يجز التيمم للعصر قبل وقته وجب أن لا يجزئ لما بعده إذ العلة واحدة. لكن جماعات خالفوا في هذا وقالوا: إنه يصح التيمم للفرض قبل وقته، منهم: الليث، وابن شعبان المالكي، وأهل الظاهر، والمزني (٣). قَالَ ابن رشد في «قواعده»: واشتراط دخول الوقت ضعيف، فإن التأقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، ويلزم من ذَلِكَ أنه لا يجوز إلا آخر الوقت (٤). -------------------- (١) «السنن الكبرى» ١/ ٢٢١ - ٢٢٢ كتاب: الطهارة، باب: التيمم لكل فريضة. (٢) «المحلى» ٢/ ١٣١ - ١٣٢. (٣) «المنتقى» ١/ ١١١، «البيان» ١/ ٣١٤، «المحلى» ١/ ١٣٣. (٤) «بداية المجتهد» ١/ ١٣٤ - ١٣٥. وأما حديث أبي ذر مرفوعًا: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» رواه الترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححوه (١). وخالف ابن القطان فأعله (٢)، وصحح حديث أبي هريرة عند البزار مثله (٣)، فهو ظاهر للقول الأول، لكن للقائل الثاني أن يقول: إنما سماه وضوءًا؛ لقيامه مقامه، ولا يلزم من ذَلِكَ أن يقوم مقامه من كل وجه. وأما حديث عمران الآتي: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» فيحتمل أن يكون المراد -والله أعلم- أنه كافيك ما لم تحدث إذا لم تجد ما يكفيك للوضوء. وإنما قالوا: إنه يتيمم لكل صلاة خوف أن يضيع طلب الماء، ويتكل عَلَى التيمم، ويأنسوا إلى الأخف. ويحتمل أنه كان كان فيك لتلك الصلاة وحدها؛ لأنها هي التي استباح فيها خوف فوات وقتها. والأول هو ظاهر تبويب البخاري له. قَالَ ابن حزم: قول مالك لا متعلق له بحجة، ولا يخلو التيمم إما أن يكون طهارة أم لا. فإن كان طهارة فيصلي به ما لم يوجب نقضها قرآن أو سنة، وإلا فلا يجوز له أن يصلي بغير طهارة. وقال بعضهم: ليس طهارة تامة، ولكنه استباحة للصلاة. قَالَ: وهو باطل من وجوه: أحدها: أنه قول بلا برهان. -------------------- (١) «سنن الترمذي» (١٢٤) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، قال: هذا حديث حسن صحيح، و«صحيح ابن حبان» ٤/ ١٣٥ - ١٣٦ (١٣١١)، ٤/ ١٤٠ (١٣١٣) كتاب: الطهارة، باب: التيمم، و«المستدرك» ١/ ١٧٦ - ١٧٧، قال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. قال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح. (٢) انظر: «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨ (١٠٧٣). (٣) انظر: «كشف الأستار» ١/ ١٥٧ (٣١٠) كتاب: الطهارة، باب: التيمم. ثانيها: أن الله سماه طهارة بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ثالثها: أنه تناقض منهم؛ لأنهم قالوا: ليس طهارة تامة، ولكنه استباحة: للصلاة. وهذا كلام ينقض أوله آخره؛ لأن الاستباحة لا تكون إلا بطهارة، فهو إذا طهارة لا طهارة. رابعها: هب أنهم قالوا استباحة، فمن أين لهم أن لا يستبيحوا به فريضة أخرى كالأولى. وفي «الموطأ»: ليس المتوضئ بأطهر من المتيمم (١). ومن تيمم فقد فعل ما أمر الله تعالى. وقالوا في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ] [المائدة: ٦] الآية. أوجب الوضوء عَلَى كل قائم إلى الصلاة. فلما صلى - ﷺ - الصلوات بوضوء واحد خرج الوضوء بذلك عن حكم الآية بقي التيمم على وجوبه عَلَى كل قائم إلى الصلاة، وليس كما قالوا لاسيما من أباح القيام للنافلة بعد الفريضة بغير تيمم، وهم الشافعية والمالكية، ولا متعلق لهما بشيء من ذَلِكَ، فإن الآية لا توجب شيئًا من ذَلِكَ، ولو أوجبت ذَلِكَ لأوجبت غسل الجنابة عَلَى كل قائم إلى الصلاة أبدًا. وإنما حكم الآية في إيجاب الله تعالى الوضوء والتيمم والغسل عَلَى المحدثين والمجنبين فقط (٢). ثم قَالَ البخاري رحمه الله: وَأَمَّ ابن عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وهذا من البخاري بيان أنه كالوضوء، فكما أن المتوضئ يؤم كذلك المتيمم، وهو داخل في قوله: الصعيد الطيب. وهذِه المسألة خلافية، وهو إمامة المتيمم للمتوضئين، أجازه مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وزفر، والثوري، والشافعي، ----------------------- (١) «الموطأ» ١/ ٦١ (١٥١) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في التيمم. (٢) «المحلى» ٢/ ١٢٩ - ١٣٢. وأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر، وأبو ثور (١). قال ابن حزم: وروي ذَلِكَ عن ابن عباس، وعمار، وجماعة من الصحابة (٢). وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، والزهري، وحماد. ومنعه الأوزاعي ومحمد بن الحسن. وحكي عن علي والنخعي والحسن بن حي أيضًا (٣). وكرهه مالك (٤) وعبد الله بن الحسن مع الإجزاء. وقال ربيعة: لا يؤم المتيمم من جنابة إلا من هو مثله. وبه قَالَ يحيى بن سعيد الأنصاري (٥). ونقل ابن حزم عن الأوزاعي أنه لا يؤمهم إلا إن كان أميرًا (٦)، وهو مخالف لما نقله ابن بطال (٧)، وابن التين عنه من المنع، وقد سلف. واحتج الأولون بأنه مطيع لله تعالى، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتم صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعًا، فكلٌ عمل بالمأمور. احتج مقابله بأن شأن الإمامة الكمال، ومعلوم أن الطهارة بالصعيد ضرورة، فأشبهت صلاة القاعد المريض يؤم قيامًا والأُمِّي يؤم من يحسن القراءة. ---------------------- (١) ذكر أغلب هذِه الآثار ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٦٧، وذكر البيهقي في «السنن» ١/ ٢٣٤ عن ابن المسيب والحسن وعطاء والزهري ١/ ٢٣٤. وانظر: «عيون المجالس» ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، «بدائع الصنائع» ١/ ٥٦، «البيان» ٢/ ٤٠٣، «المحلى» ٢/ ١٤٣، «فتح الباري» لابن رجب ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٧. (٢) «المحلى» ٢/ ١٤٣. (٣) ذكرها ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٦٨ - ٦٩. (٤) انظر: «المدونة» ١/ ٥٢. (٥) انظر: «الأوسط» ٢/ ٦٨، «عيون المجالس» ١/ ٢٢٠، «المحلى» ٢/ ١٤٣. (٦) «المحلى» ٢/ ١٤٣. (٧) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٨٤ - ٤٨٥. وللأول أن ينازعه في صلاة المريض ويقول: لا نقص فيها، فإنه أمر كذلك. قَالَ أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الجنب يؤم المتوضئين؟ قَالَ: نعم، قد أمَّ ابن عباس أصحابه وفيهم عمار بن ياسر وهو جنب فتيمم (١). وعمرو بن العاص صلى بأصحابه وهو جنب، فأخبر النبي - ﷺ -، فتبسم (٢). قلت: حسان بن عطية سمع من عمرو بن العاص. قَالَ: ولكن يقوى بحديث ابن عباس (٣). قلت: وأما حديث جابر المرفوع: «لا يؤم المتيمم المتوضئين» وحديث علي الموقوف: لا يؤم المتيمم المتوضئين ولا المقيد المطلقين. فضعيفان، ضعفهما الدارقطني وابن حزم وغيرهما (٤). -------------------- (١) رواه البيهقي في «السنن» ١/ ٢٣٤ من طريق يحيى بن يحيى، عن جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، قال: كان ابن عباس في سفر .. (٢) رواه أبو داود (٣٣٤، ٣٣٥)، وأحمد ٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤، والحاكم ١/ ١٧٧، والحديث علقه البخاري في «صحيحه» بعد رقم (٣٤٤) كتاب: التيمم، باب: إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت. وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٥٤: وإسناده قوي، وقال النووي في «الخلاصة» كما في «نصب الراية» ١/ ١٠٧: إن الحديث حسن أو صحيح. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» ٢/ ١٥٤ - ١٥٨. (٣) رواه أبو داود (٣٣٧)، وابن ماجه ١/ ١٨٩ (٥٧٢)، وأحمد ١/ ٣٨٠، والحديث حسنه الألباني. انظر: «صحيح أبي داود» ٢/ ١٦١ - ١٦٥. (٤) روى الدارقطني في «السنن» ١/ ١٨٥ حديث جابر من طريق إسماعيل الكوفي، عن صالح بن بيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. وأخرجه البيهقي في «السنن» ١/ ٢٣٤، وابن الجوزي في «العلل» ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (٦٣٦) كلاهما من طريق الدارقطني. وقال ابن الجوزي؛ صالح بن بيان متروك. أما حديث علي فرواه الدارقطني في «السنن» ١/ ١٨٥ ومسدد في «مسنده» كما في «المطالب العالية» ١/ ١٢١. ومن طريق البيهقي في «السنن» ١/ ٢٣٤. وأغرب ابن شاهين فذكر حديث عمر مرفوعًا: «لا يؤم المتيمم المتوضئين» في «ناسخه ومنسوخه»، ثم ذكر بعده حديث عمرو بن العاص. ثم قَالَ: يحتمل أن يكون هذا الحديث ناسخًا للأول. قَالَ: وهذا الحديث أجود إسنادًا من حديث الزهري (١). وإن صح فيحتمل أن يكون النهي في ذَلِكَ لضرورة وقعت في وجود الماء. فإن قيل: يكون هذا رخصة لعمرو إذ لم ينهه ولم يأمره بالإعادة. قيل له: لو كان رخصة له دون غيره لم يقل له: «أحسنت» وضحك في وجهه، ولقال له كما قَالَ لأبي بردة بن دينار. ثم قَالَ البخاري رحمه الله: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا. والتيمم بها هو مذهب جميع العلماء خلافًا لإسحاق بن راهويه. وقوله - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٢) يدخل فيه السبخة وغيرها، كيف والمدينة سبخة؟! والسبخة واحد السباخ، وهو بفتح السين والباء، قاله ابن التين. وقال ابن سيده: هي أرض ذات ملح ونز (٣). وقال صاحب «المطالع»: هي الأرض المالحة، وجمعها سباخ، فإذا وصفت بها الأرض قلت: سبخة بالكسر. وقال ابن الأثير: هي الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر (٤). ---------------------- (١) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ص ١٣٤ - ١٣٧. (٢) سلف هذا الحديث برقم (٣٣٥) كتاب: التيمم. (٣) «المحكم» ٥/ ٥٦ مادة: سبخ. (٤) «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٣٣٣. ثم ساق البخاري حديث عمران بن الحصين بطوله. وأخرجه أيضًا في أول علامات النبوة (١)، ومختصرًا في آخر التيمم (٢). وأخرجه مسلم في الطهارة (٣). وهذِه القصة رواها جماعة من الصحابة غير عمران منهم أبو قتادة، وسيأتي في الصلاة (٤)، وأبو هريرة (م. د. ت. س) (٥)، وعمرو بن أمية الضمري (٦)، وذو مخبر (د) الحبشي (٧)، وعبد الله (د) بن مسعود (٨)، وعقبة بن عامر (٩)، وسيأتي في الأذان (١٠)، وابن عباس (س) (١١)، وجبير (س) بن مطعم (١٢)، ومالك (س) بن ربيعة (١٣)، وأبو جحيفة (ت) (١٤)، وأنس (١٥). ---------------------- (١) برقم (٣٥٧١) كتاب: المناقب. (٢) برقم (٣٤٨) باب: التيمم ضربة. (٣) لم أقف عليه في الطهارة، وقد رواه في كتاب المساجد برقم (٦٨٢) باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها. انظر: «تحفة الأشراف» (١٠٨٧٥). (٤) برقم (٥٩٥) باب: الأذان بعد ذهاب الوقت. (٥) رواه مسلم (٦٨٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها. (٦) رواه أبو داود (٤٤٤). (٧) أبو داود (٤٤٥). (٨) النسائي في «السنن الكبرى» ٥/ ٢٨٦ (٨٨٥٣)، وأحمد ١/ ٣٨٧، ١/ ٣٩١، ١/ ٤٥٠، وأبو يعلى في «مسنده» ٩/ ١٨٧، ١٨٨ (٥٢٨٥)، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٤٩، ٤٥٠ (١٥٨٠). (٩) رواه البيهقي بمعناه مطولًا في «دلائل النبوة» ٥/ ٢٤١ - ٢٤٢. (١٠) لم أقف عليه فيه. (١١) رواه النسائي ١/ ٢٩٨، ٢٩٩، وأحمد ١/ ٢٥٩. (١٢) رواه النسائي ١/ ٢٩٨. (١٣) رواه النسائي ١/ ٢٩٧. وفي «الكبرى» برقم (١٥٨٧) ١/ ٤٩٤، ٤٩٥. (١٤) رواه أبو يعلى ٢/ ١٩٢ (٨٩٥)، والطبراني ٢٢/ ١٠٧ (٢٦٨). (١٥) رواه البزار كما في «كشف الأستار» ١/ ٢٠٠ (٣٩٦). قال ابن العربي: ثبت في «الصحيح» عن النبي - ﷺ - النوم عن الصلاة ثلاث مرات: إحداها: رواية أبي قتادة، ولم يحضر مع النبي - ﷺ - أبو بكر وعمر. ثانيها: رواية عمران بن الحصين، حضراها. ثالثها: رواية أبي هريرة، حضرها أبو بكر وبلال (١)، وسيأتي ما فيه. ووقع في أبي داود في حديث أبي قتادة. بحث رسول الله - ﷺ - جيش الأمراء فذكره (٢). وَهَو وهم؛ لأن جيش الأمراء كان في مؤتة (٣): وهي سرية لم يشهدها رسول الله - ﷺ -. إذا تقرر ذَلِكَ، فالكلام عَلَى حديث -عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي، الكعبي، القاضي، المجاب الدعوة، تسلم عليه الملائكة، أبي نجيد، أسلم عام خيبر (٤) - من وجوه: أحدها: قوله: (كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -). هذا السفر اختلف في تعيينه. ففي مسلم من طريق أبي هريرة حين قفل من غزوة خيبر -بالخاء المعجمة- (٥). ورواه الأصيلي حنين، بالحاء المهملة. ---------------------- (١) «عارضة الأحوذي» ١/ ٢٩٠. (٢) أبو داود (٤٣٨). (٣) ورد في هامش (س): مؤته في السنة الثامنة. (٤) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤ (٧٦٨)، «معرفة الصحابة» ٤/ ٢١٠٨: ٢١١١ (٢٢٠٤)، «الاستيعاب» ٣/ ٢٨٤، ٢٨٥ (١٩٩٢)، «أسد الغابة» ٤/ ٢٨١، ٢٨٢ (٤٠٤٢). (٥) مسلم (٦٨٠) باب: قضاء الصلاة الفائتة. قَالَ: والأول غلط، وذكر أنه وقع لما قفل من حنين. وذكر الباجي وابن عبد البر أن قول من قال: خيبر أصح، وأنه قول أهل السير (١). وفي حديث ابن مسعود أن نومه ذَلِكَ كان في عام الحديبية، وذلك في زمن خيبر. قَالَ الباجي: وعليه يدل حديث أبي قتادة (٢). قَالَ القاضي عياض عن أبي عمران في هذِه الأخبار أن نومه كان مرة واحدة (٣). وقد أسلفنا عن ابن العربي أنه كان ثلاث مرات. ومن تأمل الأحاديث السالفة وجدها أكثر من ذَلِكَ. قَالَ القاضي: حديث أبي قتادة غير حديث أبي هريرة، وكذا حديث عمران (٤). ومن الدليل على أن ذَلِكَ وقع مرتين؛ لأنه قد روى أن ذَلِكَ كان زمن الحديبية (٥)، وفي رواية: بطريق مكة (٦). والحديبية كانت في السادسة، وإسلام عمران وأبي هريرة الراوي حديث: حين قفل من خيبر، كان في السابعة بعد الحديبية، وهما كانا حاضرين الواقعة. قلت: وذكر ابن سعد، والطبراني، وغرهما أن إسلام عمران كان بمكة، شرفها الله تعالى (٧). -------------------------- (١) «التمهيد» ١/ ٢١٦، «المنتقى» ١/ ٢٧. (٢) «المنتقى» ١/ ٢٧. (٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٦٦٥. (٤) المصدر السابق. (٥) رواه أبو داود من حديث ابن مسعود (٤٤٧). (٦) رواه مالك من حديث زيد بن أسلم في «الموطأ» ص ٣٥. (٧) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٤/ ٢٨٧ و٧/ ٩، «المعجم الكبير» ١٨/ ١٠٣، «أسد الغابة» ٤/ ٢٨١ - ٢٨٢ (٤٠٤٢)، «الإصابة» ٣/ ٢٦ - ٢٧ (٦٠١٠). وقد روى البيهقي في «دلائله» من حديث عقبة بن عامر قَالَ: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في (غزوة) (١) تبوك، فاسترقد لما كان فيها عَلَى ليلة، فلم يستيقظ حَتَّى كانت الشمس قدر رمح، فقال: «ألم أقل لك يا بلال ..» الحديث. وفي آخره: فانتقل رسول الله - ﷺ - من ذَلِكَ المنزل غير بعيد، ثم صلى، ثم هدر بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك (٢). ففي هذِه الرواية أن ذَلِكَ وقع بتبوك قبل أن يصل إليها. وفي رواية أبي هريرة حين قفل. وقال النووي: هذِه الأحاديث جرت في سفرتين، أو أسفار، لا في سفرة واحدة، وظاهر ألفاظها يقتضي ذلك (٣). ثانيها: قوله: (وَإِنَّا أَسْرَيْنَا). يقال: سرى وأسرى لغتان: سائر الليل عامته. وقيل: كله، يذكر ويؤنث. ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث، والاسم السرية (٤). ثالثها: قوله: (وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا) أي: لأنهم أكدهم السير والسهر والتعب، فاستلذوا النوم لذلك. رابعها: الاستيقاظ: الانتباه من النوم. ---------------------- (١) في (ج): غزاة. (٢) «دلائل النبوة» ٥/ ٢٤١. (٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ١٩٣. (٤) انظر: «الصحاح» ٦/ ٢٣٧٦، «لسان العرب» ٤/ ٢٠٠٣، مادة: (سرا). الخامس: قوله: (وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ) يسميهم أبو رجاء، فنسي عوف -أي: الراوي عنه، ثم عمر الرابع. جاء في رواية سليم بن زرير عن أبي رجاء، قَالَ: أول من استيقظ أبو بكر، ثم عمر (١). وفي رواية سعيد عن أبي هريرة: فكان رسول الله - ﷺ - أولهم استيقاظًا (٢). وهذا دال عَلَى أن ذَلِكَ وقع أكثر من مرة. السادس: قوله: (وكان - ﷺ - إِذَا نَامَ لَمْ نوقظه (٣)؛ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ). يؤخذ منه أن الأمور يحكم لها بالأعم؛ لأنهم لم يوقظوه خشية ما يحدث من وحي كما حكم عَلَى النائم بحكم الحدث، وقد لا يحصل، ومع هذا فات الوقت. والآحاد ينهون عند الخوف. ونومه - ﷺ - كنوم البشر في بعض الأوقات كما ستعلمه، إلا أنه لا يجوز عليه الأضغاث؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي. السابع: الجليد: القوي، يقال للرجل إذا كان قوي الجسم أو القلب: إنه لجليد وجلد، فعمر أجلد المسلمين وأصلبهم في أمر الله. الثامن: فيه الرحلة عن الوادي للصلاة خارجة، لكنه واد خاص فلا يقاس به ------------------- (١) ستأتي برقم (٣٥٧١) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام. (٢) هذِه الرواية في «مسلم» من حديث أبي هريرة (٦٨٠) باب: قضاء الصلاة الفائتة. (٣) كذا في رواية المصنف، وفي «اليونينية» (١/ ٦٤): لم يوقظ. وفي هامشها مصححا أنها رواية أبي ذر الهروي والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت ونسخة لم يعلم صاحبها. غيره، وقد قَالَ - ﷺ -: «فحيثما أدركتك الصلاة فصل» (١) والشارع يطلعه الله عَلَى أمر يغيب عنا. التاسع: قوله: (فما زال يكبر حَتَّى استيقظ لصوته (٢) رسول الله)، فيه التأدب في إيقاظ السيد كما فعل عمر؛ لأنه لم يوقظه بالنداء بل أيقظه بذكر الله، إذ علم عمر أن (أمر) (٣) الله يحثه عَلَى القيام. العاشر: معنى: «لا ضير» أي: ما جرى لا يضر، وشكواهم هو فوتهم الصلاة. الحادي عشر: إن قلت: كيف نام - ﷺ - في الوادي عن صلاة الصبح حَتَّى طلعت الشمس مع إخباره بنوم عينه دون قلبه؟ (٤) قلت: لا تنافي بينهما؛ لأن الشمس تدرك بحاسة البصر لا بالقلب، وأبعد من قَالَ: إن ذَلِكَ باعتبار الغالب، وقد يندر منه غير ذَلِكَ، وأراد الله تعالى بذلك إبراز حكم وتقرير شرع، وإنما لم ينم قلبه؛ لأجل ما يوحى إليه، فقد كان يُسمع غطيطه ثم يصلي ولا يتوضأ. فإن قلت: لولا عادته الاستغراق في النوم؛ لما قَالَ لبلال: «اكلأ لنا الصبح» قلت: لعله لأجل التغليس، فإنه كان من شأنه، ومراعاة أول ------------------- (١) سلف هذا الحديث برقم (٣٣٥) كتاب: التيمم. (٢) كذا في رواية المصنف وفي «اليونينية» (١/ ٦٤): بصوته. وفي هامشها مصححا أنها رواية أبي ذر الهروي والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت ونسخة لم يعلم صاحبها. (٣) ورد في هامش (س) ما نصه: لعله: ذكر. (٤) سلف الحديث الدال على ذلك برقم (١٣٨) كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء. الفجر إنما يدرك بالمراقبة بالجوارح الظاهرة. الثاني عشر: ارتحالهم إنما كان؛ لأجل الشيطان أو الغفلة، كما ورد في الحديث، لا لأن القضاء لا يشرع عند الطلوع كما تعلق به بعض الحنفية، ويوهنه أنه لم يوقظهم إلا حر الشمس، وهذا وقت يسوغ فيه القضاء بالإجماع، وصار هذا كنهيه عن الصلاة بأرض بابل (١)، والوضوء من بئر ثمود إلا بئر الناقة (٢). وأبعد من ادعى نسخه بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (٣) فإن الآية مكية، وهذِه القصة بعد الهجرة، بل روى ابن أبي شيبة، عن عطاء بن أبي رباح أنه - ﷺ - ركع ركعتين في معرسه ثم سار (٤)، وكذا ذكره ذو مخبر أيضًا في حديثه (٥)، وكل وقت جاز للنافلة فالفريضة أجوز بالإجماع. -------------------- (١) حديث نهيه - ﷺ - عن الصلاة بأرض بابل رواه أبو داود من حديث علي (٤٩٠)، وهذِه الرواية ضعفها الألباني في «ضعيف أبي داود» (٧٦). (٢) سيأتي الحديث الدال على هذا من حديث عبد الله بن عمر برقم (٣٣٧٩) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الة تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. مع العلم أن رسول الله - ﷺ - هذا الحديث نهاهم عن استخدام آبارها في السقي أو العجن وأمرهم أن يهريقوا الماء ولم يذكر عدم استخدامها لوضوء. (٣) سيأتي برقم (٥٩٧) باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ورواه مسلم (٦٨٤) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها. (٤) لم أقف عليه في المطبوع، وقد رواه في «مصنفه» ١/ ٤٢٥ (٤٨٩٠) عن عطاء بن يسار بلفظ: صلى - ﷺ - ركعتي الفجر بعدما جاز الوادي، ثم أمر بلالًا فأذن فأقام، ثم صلى الفريضة. ورواه عبد الرزاق ١/ ٥٨٨ (٢٢٣٨) عن عطاء بن أبى رباح بلفظ المصنف. (٥) رواية ذي مخبر سلف تخريجها. الثالث عشر: قضاء الفائتة بعذر عندنا عَلَى التراخي وبغيره عَلَى الفور (١)، فتأخيره - ﷺ- القضاء لعذر المكان كما سلف. الرابع عشر: فيه كما قَالَ المهلب: أن من حلت به فتنة في بلد فليخرج عنه، وليهرب من الفتنة بدينه، كما فعل الشارع بارتحاله عن بطن الوادي الذي تشاءم به لأجل الشيطان (٢). الخامس عشر: فيه أيضًا أن من ذكر صلاة له أن يأخذ فيما يصلحه لصلاته، من طهور ووضوء وانتقاء البقعة التي تطيب عليها نفسه للصلاة، كما فعل الشارع بعد أن ذكر الفائتة، فارتحل بعد الذكر ثم توضأ وتوضأ الناس، وهذا لا يتم إلا في مهلة، ثم أذَّن واجتمع الناس وصلوا. السادس عشر: أن من فاته صلاة وتأخر البدار المذكور إليها لا يخرجه عن كونه ذاكرًا لها. السابع عشر: في مسلم من حديث أبي قتادة: فنزلوا وتوضئوا وأذن بلال، فصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر (٣)، وكذا جاء في حديث عمران وعمرو بن أمية (٤). ------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: على الصحيح فيهما. (٢) انظر «شرح ابن بطال» ١/ ٤٨٥. (٣) «صحيح مسلم» (٦٨١) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة. (٤) سبق تخريجهما. ففيه: الأذان للفائتة وقضاء السنن الفوائت والجماعة في الفوائت؛ لقوله: فصلى بالناس. الثامن عشر: قوله: (إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ ..) الحديث، قد سلف تعيين هذا المبهم (١). وقوله: («عليك بالصعيد فإنه يكفيك») هو موضع الترجمة. التاسع عشر: قوله: (فَدَعَا فُلَانًا- كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ، نَسِيَهُ عَوْفٌ) هو عمران بن حصين، كما جاء في رواية سلم بن زرير، وسيره مع علي وغيرهما. وفيه: طلب الماء للشرب والوضوء، والبعثة فيه. العشرون: قوله: («فَابْتَغِيَا المَاءَ»)، أي: اطلباه، يقال: بغيت الشيء طلبته، وبغيتك الشيء (٢) طلبته لك. الحادي بعد العشرين: المزادة: بفتح الميم أكبر من القربة، والميم زائدة، قَالَ أبو عبيد: ولا تكون إلا من جلد (٣) يقام بجلد ثالث بينهما، سميت مزادة؛ لأنه يزاد فيها جلد من غيرها؛ لتكبر به، مفعلة من ذَلِكَ (٤). -------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: لم أره، فلينقب عنه. (٢) في الأصول: بغيت، والمثبت كما جاء في «لسان العرب» ١٤/ ٩٥ مادة (بغا). (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: لعلها جلدين. (٤) انظر: «غريب الحديث» لأبي عبيد ١/ ١٤٨، «الصحاح» ٢/ ٤٨٢، «لسان العرب» ٣/ ١٨٩٧ - ١٨٩٨، مادة: (زيَدَ). الثاني بعد العشرين: السطيحة: المزادة، قاله ابن الأعرابي. قَالَ ابن سيده: هي التي من أديمين قوبل أحدهما بالآخر (١)، وفي «الجامع»: هي إداوة من جلدين وهي أجبر من القربة. الثالث بعد العشرين: قولها: (وَنَفَرُنَا خُلُوفًا) أما النفر فبالتحريك: يقع عَلَى جماعة من الرجال خاصة، ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه. قاله الخطابي (٢). سموا بذلك من النفر؛ لأنه إذا حزبهم أمر اجتمعوا، ثم نفروا إلى عدوهم (٣). قَالَ في «الواعي»: ولا يقولون: عشرون نفرًا، ولا ثلاثون نفرًا، والخلوف: بضم الخاءة الغيَّب، يقال: حي خلوف: إذا غاب رجالهم وبقي نساؤهم، وقال الخطابي: الذين خرجوا للاستسقاء وخلفوا النساء والأثقال (٤). وحُكي أيضًا الخلوف: الذين غابوا وخلفوا أثقالهم، وخرجوا إلى رعي أو سقي، قَالَ تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] أي: النساء، وقال أبو عبيد: الحي خلوف حضور وغُيَّب، ومنه هذِه الآية، وقال الداودي: خلوف. أي: متعاقبون. الرابع بعد العشرين: الصابئ: قَالَ أبو سليمان: كل من خرج من دين إلى غيره، سمى ------------------ (١) «المحكم» ٣/ ١٢٦. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٣٤١، ٣٤٢. (٣) انظر: «الصحاح» ٢/ ٨٣٣، «لسان العرب» ٨/ ٤٤٩٨ - ٤٤٩٩، مادة (نفر). (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٣٤٢. صابئًا مهموز، يقال: صبأ الرجل: إذا فعل ذلك. فأما الصابي -بلا همز- فهو الذي يميل إلى اللهو، يقال صبا يصبو فهو صابٍ (١). وفي بعض نسخِ البخاري في آخر الحديث: قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ: صَبَا: خَرَجَ مِنْ دينٍ إِلَى غيْرِه. وقال أبُو العَاليَة: الصَّابِئينَ: فِرقَةٌ مِن أهلِ الكِتَابِ يَقْرءُوْنَ الزَّبُورَ. وهذا أسنده ابن جرير في «تفسيره» (٢). وحكى خلافًا كثيرًا فيمن يلزمه هذا الاسم، ومحل الخوض فيه كتب التفسير. وفي كتاب الرشاطي: الصابئ نسبة إلى صابئ بن متوشلخ وكان عَلَى الحنيفية الأولى، وقيل: هي نسبة إلى صابئ بن مارى، وكان في عصر إبراهيم الخليل. الخامس بعد العشرين: قوله: (فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ المَزَادَتَيْنِ) الفم: هو الأعلى من المزادة، وأوكأ: (سد) (٣). والعَزَالِي: بفتح العين المهملة ثم زاي مفتوحة أيضًا (٤): (مصب) (٥) الماء من الراوية والقربة، جمع عزلاء، وفي «الجامع»: عزلاء القربة: عصب يجعل في إحدى يديها يستفرغ منه ما فيها، وسميت عزالي السحاب تشبيهًا بهذا. -------------------- (١) المصدر السابق. (٢) «تفسير الطبري» ١/ ٣٦١ (١١١٠). (٣) في (ج): شدَّ. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: وكسر اللام … (٥) في (ج): منصب. قَالَ ابن التين: وإن شئت مثل الصحارى والعذارى، قَالَ: وبالفتح رويناه، وهو أفواه المزادة السفلى. وقال الداودي: العزالي الجوانب الخارجة كرجلي الزق الذي يرسل منها الماء. قَالَ الداودي: وليس في أكثر الروايات الفتح ولا إطلاق العزالي، وإنما سقوا المزادتين، ومعنى صبوا منهما: أنه قَالَ فيه ثم أعاده فيهما إن كان هو المحفوظ، كذا قَالَ. السادس بعد العشرين: قوله: (وَايْمُ اللهِ) هو قسم ويقال: ايمن الله بزيادة نون، وألفه ألف وصل في الأسماء مفتوحًا، وحذفت النون استخفافًا، فقالوا: وايم الله. وبالكسر أيضًا. وقال ابن كيسان وابن درستويه: ألف (ايمن) ألف قطع -جمع يمين- وإنما خففت همزتها وطرحت في الوصل لكثرة استعمالهم لها. السابع بعد العشرين: قوله: (وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا) معناه: أن فيها من الماء فيما يظهر لنا أكثر مما كان، وفي ذلك معجزة ظاهرة باهرة، وهو أن القومَ أسقوا واستقوا وشربوا -وكانوا عطاشًا- واغتسل الجنب، وبقيت المزادتان مملوئتين ببركته وعظيم برهانه. وفي طريق سَلْمُ بن زرير أنهم كانوا أربعين، وأنهم ملئوا كل قربة معهم وإداوة (١)، وذلك ببركته - ﷺ -. قَالَ القاضي عياض: وظاهر هذِه الرواية أن جملة من حضر هذِه القصة كانوا أربعين، ولا نعلم مخرجًا لرسول الله - ﷺ - يخرج في هذا العدد، فلعل الركب الذين عجلهم بين يديه لطلب الماء، وأنهم ------------------- (١) سيأتي برقم (٣٥٧١). وجدوا المرأة، وأنهم استقوا لرسول الله قبل الناس، وشربوا ثم شرب الناس بعدهم (١). الثامن بعد العشرين: إن قلت: كيف استباحوا أخذ الماء الذي مع المرأة؟ قلت: لأوجهٍ: أحدها: لكفرها. ثانيها: عَلَى تقدير أن لو كانت مسلمة فداء نفس الشارع بالنفس واجب. ثالثها: لضرورة العطش، فإنها تبيح للإنسان الماء المملوك لغيره عَلَى عوض يعطيه. رابعها: أن الماء لم ينقص شيئًا، ذكرها ابن الجوزي. التاسع بعد العشرين: قوله: («اجْمَعُوا لَهَا») إنما فعل ذَلِكَ تألفًا لها ولقومها عَلَى الإسلام. والعجوة: نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني، وتسمى اللينة، وهي من أجود تمر المدينة. الثلاثون: قوله: (وَدَقِيقَةٍ) (٢). يجوز فيه ضم الدال وفتحها. قَالَ ابن التين: وهما روايتان. وقوله: (وسويِّقة). هو بتشديد الياء. قوله: (تعلمين). أي: اعلمي. ------------------ (١) «إكمال المعلم» ٢/ ٦٧٧. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في نسخة الدمياطي (…): دقيقة وسويقة بضم الدال والسين مشدد الياء فيهما. ![]()
__________________
|
|
#127
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 207 الى صـــ 226 الحلقة (126) وقوله: ما (رزئنا). أي: نقصنا. قَالَ ابن التين: ورويناه بكسر الزاي وفتحها. ولم يذكر ابن قرقول غير الكسر، قَالَ: وقال أبو زيد الأنصاري: رزأته أرزأه رزءًا إذا أصبت منه. وذكر ابن الأثير أن ما نقصنا منه شيئًا ولا أخذنا (١). وقوله: («هُوَ الذِي أَسْقَانَا»). أي: جعل لنا سقيًا، يقال: سقى وأسقى بمعنى، وقيل باختلاف. والصِرم -بكسر الصاد المهملة وسكون الراء-: الجماعة ينزلون بإبلهم (ناحية) (٢) عَلَى ماءٍ، والجمع: أصرام. فأما الصرمه -بالهاء-: فالقطعة من الإبل نحو الثلاثين. وقال ابن سيده: الصِرم: الأبيات المجتمعة المنقطعة من الناس، والصِرم أيضًا: الجماعة من ذلك (٣). وفيه: مراعاة ذمام الكافر والمحافظة به، كما حفظ النبي - ﷺ - هذِه المرأة في قومها وبلادها، فراعى في قومها ذمامها وإن كانت من صميمهم، فهي من أدناهم، وكان ترك الغارة (٤) عَلَى قومها سببًا لإسلامها وإسلامهم وسعادتهم. وفيه: بيان مقدار الانتفاع بالاستئلاف عَلَى الإسلام؛ لأن قعودهم عن الغارةِ عَلَى قومها كان استئلافًا لهم، فعلم القومُ قدر ذَلِكَ وبادروا إلى الإسلام رعايةً لذلك الحق. -------------------- (١) «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٢١٨. (٢) ساقطة من (ج). (٣) «المحكم» ٨/ ٢١٣. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: اللغة الفصحى (…). ٧ - باب إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفسِهِ المَرَضَ أَوِ المَوْتَ أَوْ خَافَ العَطَشَ، تَيَمَّمَ وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يُعَنِّفْ. ٣٤٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ غُنْدَرٌ- عَنْ شعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الَماءَ لَا يُصَلِّي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هذا، كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ هَكَذَا -يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى- قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّار. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٥٥] ٣٤٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَي قَالَ: حَدَّثَنَا الأعمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الَماءَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارِ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ -: «كَانَ يَكْفِيكَ»؟ قَالَ: أَلمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بهذِه الآيَةِ؟ فَمَا دَرى عَبْدُ اللهِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هذا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الَماءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيتَيَمَّمَ. فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللهِ لهذا؟ قَالَ: نَعَمْ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٥٥]. وهذا الحديث أسنده أبو داود مطولًا وفيه أن ذَلِكَ كان في غزوة السلاسل (١). وفي أخرى له: فغسل مَغابِنَه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم، ولم يذكر التيمم (٢). ------------------- (١) يعني حديث التعليق. أبو داود (٣٣٤) (٢) أبو داود (٣٣٥). وروى هذِه أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» (١)، والحاكمُ في «مستدركه»، ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط الشيخين. قَالَ: والذي عندي أنهما لم يخرجاه لحديث جرير -يعني: الرواية الأولى- ثم ساقها، ثم قَالَ: هذا لا يعلل الآخر، فإن أهل مصر أعرف بحديثهم من أهلِ البصرة (٢). يعني: أن رواية الوضوء يرويها مصري عن مصري، ورواية التيمم يرويها بصري عن مصري. قَالَ البيهقي: ويحتمل أن يكون فعل ما نقل في الروايتين جميعًا، فغسل ما أمكنه وتيمم للباقي (٣). ثم ذكر البخاري حديث عمَّار من طريقيه بطولهما. ولا شك أن من خاف التلف من استعمال الماء أبيح له التيمم مع وجوده، وهو إجماع (٤). وهل يلحق به خوف الزيادة فيه فقط؟ فيه قولان للعلماء والشافعي، والأصح عنده: نعم (٥)، وبه قَالَ مالك وأبو حنيفة والثوري (٦). وعن مالك رواية أخرى بالمنع (٧). وقال عطاء والحسن البصري في رواية: لا يستباح التيمم بالمرض أصلًا (٨). ----------------- (١) «صحيح ابن حبان» ٤/ ١٤٢ (١٣١٥). (٢) «المستدرك» ١/ ١٧٧. (٣) «السنن الكبرى» ١/ ٢٢٦. (٤) انظر: «الإقناع في مسائل الإجماع» ١/ ٢٣٩ (٣٦٨). (٥) «الأم» ١/ ٤٠، «روضة الطالبين» ١/ ٩٨. (٦) انظر: «الهداية» ١/ ٢٦، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٥٠، «التفريع» ١/ ٢٠٢، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٥٨. (٧) «البيان والتحصيل» ١/ ٦٩، «النوادر والزيادات» ١/ ١١٠. (٨) رواه عن عطاء عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٢٢٦ (٨٧٥)، وحكاه عن الحسن القرطبي في «تفسيره» ٥/ ٢١٦، وابن قدامة في «المغني» ١/ ٢٦١. وكرهه طاوس (١). وإنما يجوز له التيمم عند عدم الماءِ، فأما مع وجوده فلا، وهو قول أبي يوسف ومحمد (٢). والدليل عَلَى أن من خاف الزيادة في المرض يباح له التيمم ما احتج به أبو موسى عَلَى ابن مسعود من الآية، ولم يفرق بين مرض يخاف منه التلف أو الزيادة، فهو عام في كل مرض، وقياسًا عَلَى سائر الرخص كالفطر وترك القيام والاضطرار، فإنه لا يعتبر فيها خوف التلف بل الجزع الشديد كاف. وحديث عمرو دال لجواز التيمم للخائف من استعمال الماء وللجنب، خلاف ما روي عن (عمر) (٣) وابن مسعود، ولأجل البرد المفضي إلى محذور، وأن المتيمم يصلي بالمتطهرين، وأنه لا إعادة عليه إذ لم يذكر. وفيه خلاف للشافعي والسلف، والأصح: وجوبه (٤)، وقام الإجماع عَلَى أن المسافر إذا كان معه ماءٌ وخاف العطش أنه يتيمم ويشربه (٥)، وأن الجنب يجوز له التيمم، إلا ما ذكر عن عمر وابن مسعود، فإنهما منعاه له (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كنُتُمْ جُنُبًا فَأطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣]. ------------------ (١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٢٢٤ (٨٦٨). (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٥٠، «المبسوط» ١/ ١١٢. (٣) في (ج): عمرو. (٤) «الأم» ١/ ٤٠. (٥) انظر: «الإجماع» ص ٣٤. (٦) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ١٤٥ (١٦٦٧)، (١٦٦٨). وقد روي مثل هذا عن ابن عمر، واختلف فيه عن عليٍّ (١)، وخفيت عليهم السُّنَّة في ذَلِكَ من رواية عمار وعمران بن الحصين، وإنما استراب عمر عمارًا في ذَلِكَ؛ لأنه كان حاضرًا معه، فلم يذكر القصة وأنسيها، فارتاب ولم يقنع بقوله. وكان عمر وابن مسعود لما كان من رأيهما أن الملامسة في الآية هي ما دون الجماع، وكان التيمم في الآية يعقب الملامسة منعا الجنب التيمم، ورأيا أن التيمم إنما جعل بدلًا من الوضوء، (ولم) (٢) يجعل بدلًا من الغسل، فكان من رأي ابن عباس وأبي موسى الجماع وأجاز للجنب التيمم، ألا ترى أن أبا موسى حاج ابن مسعود بالآية التي في سورة النساء، فإن الملامسة فيها الجماع، فلم يدفعه ابن مسعود عن ذَلِكَ، ولا قدر أن يخالفه في تأويله للآية، فلجأ إلى قوله: إنه لو رخص لهم في هذا كان أحدهم إذا برد عليه الماء يتيمم. وقد ذكر ابن أبي شيبة قَالَ: حَدَّثنَا سفيان بن عيينة، عن أبي سنان، عن الضحاك قَالَ: رجع عبد الله عن قوله في تيمم الجنب (٣). ولم يتعلق أحد من فقهاء الأمصار -من قَالَ بأن الملامسة: الجماع، ومن قَالَ بأنها دونه- بقول عمر وابن مسعود، وصاروا إلى حديثِ عمَّارٍ وعمران بن الحصين في ذَلِكَ. إلا أنهم اختلفوا ثم أجازوا للجنب التيمم، فمن قَالَ: الملامسة: الجماع، أوجب التيمم بالقرآن، وهو قول الكوفيين، ومن قَالَ: إنها ما دون الجماع. أوجبه بحديث عمار وعمران، وهو قول مالك. --------------- (١) «السابق» ١/ ١٤٨ (١٦٩٩). (٢) في (ج): ولا. (٣) «المصنف» ١/ ١٤٥ (١٦٦٩). قَالَ المهلب: وفي قول أبي موسى لابن مسعود: (فدعنا من قول عمَّار، كيف تصنع بهذِه الآية؟) فيه: الانتقال في الحجاج مما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق، وذلك أنه يجوز للمتناظرين عند تعجيل القطع والإفحام للخصم، ألا ترى أن إبراهيم - ﷺ - إذ قَالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، قَالَ له النمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لم يحتج أن يوقفه عَلَى كيفية إحيائه وإماتته، بل انتقل إلى مسكت من الحجاج فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] (١). ---------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٤٩٢. ٨ - باب التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ ٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنِ الأعمَشِ، عن شَقِيقٍ قَالَ: كنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى الأشعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الَماءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بهذِه الآيَةِ فِي سُورَةِ الَمائِدَةِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هذا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الَماءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْت: وِإنَّمَا كَرِهْتُمْ هذا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَاجَةِ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الَماءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابّهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا». فَضَرَبَ بِكفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأرضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ وَزَادَ يَعْلَى، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: ألِمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسولَ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». وَمَسَحَ وَجْهَة وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً؟ [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٥٥] ذكر فيه حديث أبي موسى مع عبد الله، وقوله: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ. إلى قوله: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا». فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ .. الحديث. وقد سلف فقهه فيما مضى. وقوله: (زَادَ يَعْلَى عَنِ الأَعْمَشِ) إلى آخره. هذا وصله الإسماعيلي عن ابن زيدان عن أحمد بن حازم عن يعلى به. واختلف العلماء في صفة التيمم عَلَى أقوالٍ: أحدها: أنه ضربةٌ واحدة، وعليه بوب البخاري، وهو أصح من رواية ضربتين كما سلف. وثانيها: أنه ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، روي هذا عن ابن عمر والشعبي والحسن (١) وهو قول مالك والثوري والليث وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي (٢)، وذكره الطحاوي عن الأوزاعي (٣). وهؤلاء كلهم لا يجزئه عندهم المسح دون المرفقين إلا مالكًا، فإن الفرض عنده إلى الكوعين (٤). وروي عن عليٍّ مثل هذا: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الكوعين (٥)، وهذا قولٌ ثالث. وفيه قول رابع: أنه ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه إلى مرفقيه، وهذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن حي (٦). وفيه قول خامس: أنه ضربة واحدة للوجه والكفين إلى الكوعين، روي هذا عن عطاء (٧) ومكحول (٨)، ورواية عن الشعبي (٩)، وهو قول ------------------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢١١ - ٢١٣ (٨١٧، ٨٢٠، ٨٢٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ١٤١ - ١٤٦ (١٦٧٣، ١٦٧٥، ١٦٧٦). (٢) انظر: «الهداية» ١/ ٢٦، «المبسوط» ١/ ١٢١، «المنتقى» ١/ ١١٤، «الذخيرة» ١/ ٣٥٢، «الأم» ١/ ٤٢. (٣) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٦. (٤) «المنتقى» ١/ ١١٤. (٥) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٢١٣ (٨٢٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١/ ٢١٢. (٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٤٧. (٧) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢١١ (٨١٦). (٨) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٧ (١٦٩٦). (٩) رواها عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢١٣ (٨٢٦). الأوزاعي وأحمد وإسحاق، واختاره ابن المنذر (١). وروى ابن القاسم عن مالك: إن مسح وجهه ويديه بضربة واحدة أرجو أن تجزئه، ولا إعادة عليه. والاختيار عنده ضربتان (٢). وحجة من جعله إلى المرفقين القياس عَلَى الوضوء، وابتغوا فعل ابن عمر، وقد روي من حديث ابن عمر أيضًا مرفوعًا، صححه الحاكم (٣). وقالوا: لما كان غسل الوجه بالماءِ غير غسل اليدين، فكذلك يجب أن تكون الضربة للوجه في التيمم غير الضربة لليدين. والقول الرابع شاذٌ لا سلف له فيه، وأصح ما في حديث عمار أنه ضرب ضربة واحدة لكفيه ووجهه. رواه الثوري وأبو معاوية وجماعة عن الأعمش عن أبي وائل. وسائر أحاديث عمَّار مختلف فيها. واحتج لهذا القول أيضًا بأنه إذا ضرب يديه إلى الأرض، فبدأ بمسح وجهه فإلى أن يبلغ في حد الذقن لا يبقى في يديه شيء من التراب، فإذا جاز في بعض الوجه ذَلِكَ ولم يحتج أن يعيد ضرب يديه عَلَى الأرض لم يحتج أن يضرب بيديه ليديه؛ لأنه ليس كالماء الذي من شرطه أن يماس كل جزء من الأعضاء. وفي المسألة قول سادس غريب: أنه يضرب أربع ضربات: ضربتان للوجه، وضربتان لليدين، حكاه ابن بزيزة في «شرح أحكام عبد الحق» ثم قَالَ: وليس له أصل في السنة، وما أقصر في ذَلِكَ، ثم قَالَ: وقال -------------------- (١) «الأوسط» ٢/ ٣٧. (٢) انظر: «الذخيرة» ١/ ٣٥٢. (٣) «المستدرك» ١/ ١٧٩، ١٨٠. بعض العلماء: يتيمم الجنب إلى المنكبين. وغيره إلى الكوعين. ثم قَالَ وهو قول ضعيف. وهو كما قَالَ أيضًا. وفي «قواعد ابن رشد» رُوِي عن مالك الاستحباب إلى ثلاث، والفرض اثنتان (١). وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات، الثالثة لهما جميعًا. وفي رواية عنه: ضربة للوجه، وضربة للكف، وضربة للذراعين (٢). --------------------- (١) لم أقف عليه في المطبوع. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الجزء الأول من الثالث من تجزئة المصنف. ٩ - باب ٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الُخزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى رَجُلًا مُغتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». [انظر: ٣٤٤ - مسلم: ٦٨٢ - فتح: ١/ ٤٥٧] ذكر فيه حديث عمران بن الحصين، وقد سلف الكلام عليه آخر الوضوء، ولله الحمد والمنة. ٨ كِتابُ الصَّلَاةِ ٨ - كِتابُ الصَّلَاةِ (١) الصلاة في اللغة: الدعاء والاستغفار. وقيل فيه أقوال أخر منها: التعظيم، واللزوم، والرحمة، والتقرب، والاستقامة. وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة. ١ - باب كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَوَاتُ فيِ الإِسْرَاءِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ: يَأْمُرُنَا -يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ -- بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ. [انظر: ٧] ٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ ------------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الرابع بعد الخمسين قراءة عليَّ ومقابلة عليَّ كتبه مؤلفه. بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ - ﷺ -. فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا آدَمُ. وهذِه الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ التي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ فَفَتَحَ». قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أنَهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - بإِدْرِيسُ قَالَ: «مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأخِ الصَّالِحِ. فَقُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا مُوسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا عِيسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا إِبْرَاهِيمُ - ﷺ -». قَالَ ابن شِهَاب: فَأَخْبَرَنِي ابن حَزْمٍ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأنصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوى أَسْمَعُ فِيهِ صَريفَ الأَقْلَامِ». قَالَ ابن حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أَمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَارْجِعْ إلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَاجَعَني فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا. فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ. فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي. ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإذَا تُرَابُهَا المِسْكُ». [١٦٣٦، ٣٣٤٢ - مسلم: ١٦٣ - فتح: ١/ ٤٥٨]. ٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ -أُمِّ الُمؤْمِنِينَ- قَالَتْ: فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الَحضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الَحضَرِ. [١٠٩٠، ٣٩٣٥ - مسلم: ٦٨٥ - فتح: ١/ ٤٦٤] وهذا التعليق ساقه البخاري مسندًا كما سلف في الوحي (١). وتقدم هناك الكلام عليه واضحًا. ثم ساق البخاري حديث الزهري، عن أنس، عن أبي ذر في الإسراء بطوله. وقد أخرجه هنا، وفي الحج (٢)، وأحاديث الأنبياء (٣)، وذكر بني إسرائيل (٤). وأخرجه مسلم في الإيمان (٥). ----------------------- (١) سلف برقم (٧) كتاب: بدء الوحي. (٢) سيأتي برقم (١٦٣٦)، باب: ما جاء في زمزم. (٣) سيأتي برقم (٣٣٤٢)، باب: ذكر إدريس - عليه السلام -. (٤) ليس فيه. ولعل المصنف أخطأ تبعًا لصاحب «التحفة» (١١٩٠١) حيث جاء فيها: وفي ذكر بني إسرائيل (أحاديث الأنبياء) عن أحمد بن صالح … وعلق ابن حجر علهيا بقوله: قلتُ: بل هي في ذكر إدريس في أحاديث الأنبياء. وقول ابن حجر هو الصواب. (٥) مسلم (١٦٣) باب: بَدْء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -. قَالَ الدارقطني: ورواه الزهري -يعني مرة عن أبي، وأحسبه سقط عليه ذر، فجعله أبي بن كعب، ووهم فيه. ورواه قتادة عن أنس، عن مالك بن أبي صعصعة بطوله، وروى بعضه شعبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا قصة النهرين، ويشبه أن تكون الأقاويل كلها صحاحا؛ لأن الرواة أثبات. وروى قتادة عن أنس مرفوعًا: «فُرض عليَّ الصلاة» وهو (صحيح) (١) عنه (٢). وقال الحاكم في «الإكليل»: حديث المعراج صحيح، صح سنده بلا خلاف بين الأئمة، نقله العدل عن العدل. ومدار الروايات الصحيحة فيه عَلَى أنس. وقد سمع بعضه من النبي - ﷺ -، وبعضه من أبي ذر، وبعضه من مالك، وبعضه من أبي هريرة. وقال ابن الجوزي: روى حديث المعراج والإسراء جماعة منهم علي، وابن مسعود، وأُبي، وحذيفة، وأبو سعيد، وجابر، وأبو هريرة، وابن عباس، وأم هانئ. ثم متى صلى رسول الله - ﷺ -؟ روى الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» من حديث أسامة، عن أبيه زيد أن جبريل أتى رسول الله - ﷺ - في أول ما أوحي إليه، فعلمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة فنضح بها (فرجه) (٣) (٤). ------------------- (١) من (ج). (٢) «العلل» ٦/ ٢٣٣ - ٢٣٥. (٣) في (ج): وجهه. (٤) «بغية الباحث» (٦٧). ورواه ابن ماجه بلفظ: «علمني جبريل الوضوء، وأمرني أن أنضح تحت ثوبي» (١). وفي «صحيح مسلم» من حديث قتادة، عن زرارة: أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو .. الحديث. وفيه أنه سأل عائشة عن قيام رسول الله - ﷺ -، فقالت: ألست تقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ [المزمل: ١] قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذِه السورة، فقام - ﷺ - وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حَتَّى أنزل في آخرها التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة (٢). وذكر الحربي أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس، وصلاة قبل طلوعها. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]. ولا خلاف -كما قاله عياض وغيره- أن خديجة صلت مع الشارع بعد فرض الصلاة، وأنها توفيت قبل الهجرة بمدة، قيل: (بثلاث) (٣) سنين، وقيل: بخمس (٤)، وقيل: بأربع. واستشكله بعضهم بأن الزبير بن بكار روى في «أنسابه» من حديث عائشة، قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة (٥). -------------------- (١) «سنن ابن ماجه» (٤٦٢) قال البوصيري في «زوائده» ص ٩٧: إسناد حديث ابن ماجه ضعيف لضعف ابن لهيعة. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٧٥): حسن دون الأمر. (٢) «صحيح مسلم» (٧٤٦) باب: جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض. (٣) في (ج): ثلاث. (٤) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨. (٥) رواه الطبراني في «الكبير» ٢٢/ ٤٥١ (١٠٩٩)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» = وأجيب: لعلها أرادت قبل فرضها ليلة الإسراء. وعن مقاتل بن سليمان: فرض الله الصلاة في أول الإسلام ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرض الخمس ليلة المعواج (١). قلت: وإلى ذَلِكَ الإشارة بقوله - ﷺ -: «من صلى البردين دخل الجنة» (٢) وقد جاء في حديث أنه صلى عند الزوال من أول النبوة. وفي «الصحيح» من حديث عائشة: فرضت الصلاة بمكة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله - ﷺ - فرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر عَلَى الأولى، وسيأتي (٣). وفي رواية: بعد الهجرة بسنة. وقال القزاز: فرضت أولًا ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، إلى ليلة الإسراء فرضت عليه الخمس بغير أوقات، فكان الرجل يصليها في وقت واحد إن شاء، وإن شاء فرقها. ثم لما هاجر صلاها بأوقات ركعتين ركعتين. ثم زيد في صلاة الحضر، وفرض الوضوء والغسل. ولم أره لغيره. وقال أبو عمر: روي عن ابن عباس أن الصلاة فرضت في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين. وكذلك قَالَ نافع بن جبير، والحسن، وهو قول ابن جريج، وروي مرفوعًا من حديث العنبري (٤) وغيره ما يدل على ذلك (٥). -------------------- = ٩/ ٢٢٠: وفيه محمد بن الحسن بن زبالة، وهو ضعيف. اهـ. (١) ذكره ابن سيد الناس في «عيون الأثر» ١/ ٩١. (٢) يأتي برقم (٥٧٤) باب: فضل صلاة الفجر. (٣) برقم (٣٩٣٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: التاريخ، من أين أرخوا التاريخ؟ (٤) في «التمهيد»: القشيري. (٥) «التمهيد» ٨/ ٣٣ - ٣٤. وقال أبو محمد بن حزم: لم يأت قط أثر -يعني: صحيحًا- أن الوضوء كان فرضًا بمكة (١). وقام الإجماع عَلَى أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء (٢). وفي «مسند أحمد»: فرضت ركعتان ركعتان إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا (٣). وأول أبو عمر قول عائشة: فرضت: تقدرت. والفرض لغة: التقدير (٤). وزعم السهيلي أن الزيادة تسمى نسخًا؛ لأنه رفع الحكم، وقد ارتفع، وإنما الزيادة في العدد حَتَّى كملت خمسًا بعد أن كانت اثنتين، فيسمى نسخًا عند الحنفية (٥). واختلف العلماء -فيما حكاه الدمياطي- في الإسراء والمعراج هل (كانا) (٦) في ليلة واحدة أو كان المعراج مرة أو مرات؟ وهل كان المعراج قبل الإسراء؟ وظاهر إيراد البخاري يدل عَلَى اتحاد المعراج والإسراء؛ لأنه قَالَ أولًا كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ ثم أورد الحديث، وفيه: «ثم عرج بي إلى السماء». قَالَ ابن قتيبة: أسري برسول الله - ﷺ - بعد سنة ونصف من رجوعه -يعني: من الطائف إلى مكة- ثم قَالَ: إن الإسراء والمعراج كانا في ليلة -------------------- (١) «المحلى» ١/ ٢٠٤. (٢) انظر: «تفسير القرطبي» ١٠/ ٢٠٨. (٣) «مسند أحمد» ٦/ ٢٧٢. (٤) «التمهيد» ١٦/ ٢٩٣ - ٢٩٥. (٥) «الروض الأنف» ١/ ٢٨٣. (٦) في (ج): كانتا. ![]()
__________________
|
|
#128
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 227 الى صـــ 246 الحلقة (127) واحدة. قَالَ: أسري برسول الله - ﷺ - من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به من بيت المقدس إلى السماء. وروى الواقدي قَالَ: كان - ﷺ - يسأل ربه أن يريه الجنة والنار. فلما كان ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، ورسول الله - ﷺ - نائم في بيته ظهرًا (١) أتاه جبريل وميكائيل وقالا: انطلق إلى ما سألت، فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم، فأتي بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظرًا، فعرجا به إلى السموات سماء سماء، فلقي فيهن الأنبياء، وانتهى إلى سدرة المنتهى، ورأى الجنة والنار، وفرض عليه الخمس، ونزل جبريل فصلى برسول الله - ﷺ - الصلوات في مواقيتها (٢). قَالَ ابن فارس: وكان سِنّهُ إذ ذاك إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر، وعن الحربي أن الإسراء كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقيل: في ربيع الأول. وذكر القرطبي أنه كان قبلُ في رجب، وبه جزم النووي في «الروضة» فقال في كتاب السير: فرض الله تعالى من قيام الليل ما ذكره في أول سورة المزمل، ثم (نسخه) (٣) بما في أواخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب (٤). -------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ينظر هذا الكلام، فإنه متنافٍ، ولعله انتقل نظره من قول إلى قول. [قلت: كذا رواه ابن سعد عنه بلفظه]. (٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ١/ ٢١٣. (٣) في (ج): نسخها. (٤) «روضة الطالبين» ١٠/ ٢٠٦. وخالف في «فتاويه» فقال: إنها ليلة السابع والعشرين من ربيع الأول، قَالَ: وكان الإسراء سنة خمس أو ست من النبوة، وقيل: غير ذَلِكَ (١). وخالف في «شرح مسلم» فجزم بأنها ليلة السابع والعشرين من ربيع الآخر تبعًا للقاضي عياض (٢) والله أعلم، وقد قيل: إنه كان في رمضان أيضًا، إذا تقرر ذَلِكَ. فالكلام عليه من وجوه: أحدها: معنى «فُرِجَ عن سَقْفِ بَيْتِي»: شق، وكذا «فرج عن صدري»: شق، كما جاء في رواية أخرى. وأخرى: شرح، وأصله: التوسعة، ومنه: شرح الله صدره. وفي البخاري في كتاب الحج «ثم غسله بماء زمزم» (٣)، وهو مخفف الراءِ، ويجوز تشديدها للمبالغة في الشق. يعني: أن الملائكة لم يدخلوا من باب بل من وسط السقف؛ ليكون أوقع في القلب صدق ما جاءوا به، وغسل؛ لأن الطهور شطر الإيمان. الثاني: الطست هو -بسين مهملة- وهو فارسي كما نقله الجواليقي عن أبي عبيد. وقال الفراء: طيء تقول: طست، وغيرهم يقول: طس، وهم الذين --------------------- (١) «فتاوى الإمام النووي» ص ٢٧. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٧، ٤٩٨، و«صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٠٩، ٢١٠. (٣) سيأتي برقم (١٦٣٦) باب: ما جاء في زمزم. يقولون للصّ: لصت، وجمعهما طسوت ولصوت عندهم (١). وقال ابن سيده: الطس والطسّه معروف، وجمع الطس: أطساس وطسوس وطسيس، وجمع الطسّه: طساس، ولا يمتنع أن تجمع طسة عَلَى طسس بل ذَلِكَ قياسه (٢). وحكى ابن دحية عن الفراء: الطسة أكثر كلام العرب والطس، ولم يسمع من العرب الطست، وحكى ابن الأنباري: الطست- بفتح الطاء وكسرها- وحكاهما صاحب «المطالع» في الطسّ، قَالَ: والفتح أفصح وهي مؤنثة، وخص الطست بذلك دون بقية الأواني؛ لأنه آلة الغسل عرفًا. الثالث: قوله: («مِنْ ذَهَبٍ») ليس فيه ما يوهم استعمال أواني الذهب لنا، فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأن ذَلِكَ كان أول الأمر قبل تحريم استعمال الأواني من النقدين، وإنما كان من ذهب؛ لأنه أغلى أواني الجنة وهو رأس الأثمان، فالدنيا آلة الدين، فإنها مطية الآخرة، وله خواص: منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض ولا تغيره، وهو أنقى شيء وأصفاه، يقال في المَثَل: أنقى من الذهب، وهو أثقل الأشياء، ويجعل في الزئبق الذي هو أثقل الأشياء فيرسب، وهو موافق لثقل الوحي، وعزة الذهب، وبه يتم الملك، وينال المطلب، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. ------------------- (١) انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٢١٩٠، «لسان العرب» ٥/ ٢٦٧٠ - ٢٦٧١. (٢) «المحكم» ٨/ ٢٦٥. الرابع: أخذ السهيلي (١) من هذا جواز تحلية المصحف (٢). الخامس: قوله: («مُمْتَلِئٍ») هو عَلَى معنى الطست، وهو الإناء، لا عَلَى لفظها، فإنها مؤنثة، وقال ابن دحية: قد تؤنث؛ لأنه يقال في تصغيرها طسيسة. السادس: إن قلتَ: كيف مُلئ (٣) الطست وليس بجسم؟ (٤) قلتُ: هذا ضرب مثل ليكتشف بالمحسوس ما هو معقول، كما نبه عليه ابن الجوزي. وقال النووي: معناه -والله أعلم- أن الطست كان فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادة لهذا فسمي إيمانًا وحكمة (٥) سببًا لهما. قَالَ: والحكمة فيها أقوال كثيرة مضطربة، وقد صفي لنا منها أنها: عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة عَلَى المعرفة بالله تعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذَلِكَ كله (٦). ---------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: نقله السهيلي في «روضه» عن بعض الفقهاء واستحسنه .. (٢) «الروض الأنف» ١/ ١٩١. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني بالحكمة والإيمان. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢١٨. (٥) «شرح مسلم» ٢/ ٢١٨. (٦) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٣٣. وقال ابن دريد: كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم (١). وقال صاحب «المطالع»: ما منع من الجهل، والحاكم هو المانع من الظلم والعداء، وذكر أن الحكمة قيل: هي النبوة، وقيل: الفهم عن الله، وقال أيضًا: الحكمة: إشارة إلى الفضل. وقال ابن سيده: القرآن وكفي به حكمة؛ لأن الأئمة صارت به علماء بعد جهالات (٢). السابع: فيه: دلالة أن شرح صدره - ﷺ - كان ليلة المعراج، وفعل به ذَلِكَ لزيادة الطمأنينة لما يرى من عظم الملكوت وصلاته بالملائكة. وفي «سيرة ابن إسحاق» أن هذا الشق حين كان مسترضعًا في بني سعد (٣). وذكر عياض والسُهيلي (٤): أن الشق لم يعرض له إلا في الموضع المذكور، وكان من النحر إلى مراق البطن، وهو ما سفل منه. قَالَ أنس: كنت أرى أثر المخيط في صدره (٥) أي: أثر الإبرة. وفي «دلائل أبي نعيم» و«الأحاديث الجياد» للضياء محمد بن عبد الواحد: أن صدره - ﷺ - شق وعمره عشر سنين (٦). ---------------------- (١) «جمهرة اللغة» ١/ ٥٦٤ مادة (حكم). (٢) «المحكم» ٣/ ٣٦. (٣) «سيرة ابن إسحاق» ص ٢٧، ٢٨ (٣٢). (٤) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٨، و«الروض الأنف» ١/ ١٩١. (٥) هذا اللفظ عند مسلم برقم (١٦٢) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات. (٦) «دلائل النبوة» ١/ ٢١٩ - ٢٢٠ (٦٦)، «أحاديث الجياد المختارة» ٤/ ٣٩ (١٢٦٤). وقال ابن أبي صفرة في «شرح مختصر البخاري» وارتضاه ابن دحية: أنه كان مرتين، وبه يتفق الجمع بين الروايات. الأولى: في حال الطفولية؛ ليطهر من كل خلق ذميم، وحتى لا يكون في قلبه إلا التوحيد، ولذلك قَالَ - ﷺ -: «فوليا عني -يعني: الملكين- وكأني أعاين الأمر معاينة» (١). الثانية: عند الإسراء بعدما نبئ؛ لتفرض عليه الصلاة ويصلي بالملائكة، من شأن الصلاة الطهور فقد بين ظاهرًا وباطنًا، وغُسل بماء زمزم، وفي الأولى بالثلج؛ ليثلج اليقين إلى قلبه، وهذِه لدخول الحضرة المقدسة؛ فلذلك غُسل بهزمة جبريل لأبيه إسماعيل، وقيل: فعل به ذَلِكَ في حال صغره؛ ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء في الانشراح، والثانية ليصير حاله مثل حال الملائكة. الثامن: معنى: («أَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ (٢) أَطْبَقَهُ» أفرغ الإيمان والحكمة الذي في الطست. قَالَ ابن سَبُع: ولما فُعِلَ به ذَلِكَ ختم عليه كما يختم عَلَى الوعاء المملوء، فجمع الله له أجزاء النبوة، وختمها، فهو خاتم النبيين، وختم عليه فلم يجد عدوه سبيلًا إليه من أجل ذَلِكَ؛ لأن الشيء المختوم محروس. ---------------- (١) رواه البزار في «مسنده» ٩/ ٤٣٦، ٤٣٧ (٤٠٤٨)، وقال: وهذا الكلام لا نعمله يروى عن أبي ذر من هذا الوجه ولا نعلم سمع عروة من أبي ذر. قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٥٥: فيه جعفر بن عبد الله بن عثمان بن كثير وثقه أبو حاتم الرازي وابن حبان وتكلم فيه العقيلي وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح. (٢) في (ج): أي. ولعله يقصد أي التفسيرية التي هي بعد النص. وقد جاء أنه «استخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك» (١)، وذكر عياض أن موضع الخاتم إنما هو شق الملكين بين كتفيه (٢)، ووهاه القرطبي، وقال: هذِه غفلة؛ لأن الشق إنما كان في الصدر، وأثره خطًّا واضحًا، ولم يبلغ بالشقُّ حَتَّى نفذ إلى ظهره (٣). وروى أبو داود الطيالسي والبزار وغيرهما من حديث عروة عن أبي ذر -ولم يسمع منه- في حديث الملكين «قَالَ أحدهما لصاحبه اغسل بطنه غسل الاناء، واغسل قلبه غسل المُلاء، ثم خاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفيّ كما هو الآن» (٤). وهو دال مع حديث البخاري لما نبه عليه القرطبي وأنه في الصدر دون الظهر (٥)، وإنما كان الخاتم في ظهره؛ ليدل على ختم النبوة به وأنه لا نبي بعده، وكان تحت نغض كتفه؛ لأن ذَلِكَ الموضع منه يوسوس الشيطان. فائدة: البداءة بالإفراج ثم بالإفراغ، فيه: إبانة طريق السلوك لنا، وانظر إلى استخراج العلقة وقول الملك: «هذا حظ الشيطان منك» مع قوله بعد: «إن الله أعانني عليه فأسلم» (٦) بالرفع، فيا ترى كيف حال اللعين معنا؟ نعتصم بالله منه. ---------------- (١) رواه مسلم برقم (١٦٢) كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٣١٤. (٣) «المفهم» ٦/ ١٣٧. (٤) «مسند الطيالسي» ٣/ ١٢٥ - ١٢٦ (١٦٤٣) بهذا السند: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرني أبو عمران الجونيُّ عن رجل، عن عائشة به. فالسند ضعيف؛ لأن فيه من لم يسم. وطريق البزار سبق تخريجه. (٥) «المفهم» ٦/ ١٣٧. (٦) رواه مسلم برقم (٢٨١٤) كتاب: الجنة والنار، باب: تحريش الشيطان. التاسع: معنى «عرج»: صعد، والعروج: الصعود، يقال: عرج يعرج عروجًا، والمِعراج: مِفعال بكسر الميم من العروج، أي: الصعود فإنه آلة له، وحكى ابن سيده الكسر والضم في يعرج، قَالَ: ويقال: عرج في الشيء، وعليه رقى، وعرج الشيء وهو عريج ارتفع وعلا، والمعراج شبه سُلم تعرج عليه الأرواح. وقيل: هو حيث تصعد أعمال بني آدم (١)، كذا ذكره بعض شيوخنا في شرحه. العاشر: السماء: يذكر ويؤنث، قَالَ ابن حزم: لم يرها أحد من البشر غير الأنبياء، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة» (٢) وفي كتاب «العظمة» لأبي سعيد بن الأعرابي عن عبد الله بن مسعود قَالَ: ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة، [وبين السماء إلى السماء التي تليها مثل ذلك وما بين السماء السابعة إلى الكرسي كذلك والماء على الكرسي، والعرش على الماء. وفي كتاب «العرش» تأليف أبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة من حديث العباس مرفوعًا: «هل تدرون كم بين السماء والأرض»، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة] (٣) وكذلك كل سماء خمسمائة سنة، --------------- (١)»المحكم«(١/ ١٨٧ - ١٨٨) مادة: (عرج). (٢)»صحيح ابن حبان«١٦/ ٤١٨ (٧٤٠٥)، ورواه الترمذي (٢٥٤٠) وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، وضعفه الألباني في»الضعيفة" (١٨٨٥). (٣) ما بين المعقوفين سقط من (ج). وفوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض» (١) ومن حديث أبي ذر مرفوعًا مثله (٢). وفي أبي داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حسن غريب من حديث العباس: إن بعد ما بين السماء والأرض إما واحدة أو اثنان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك حَتَّى عد سبع سماوات (٣). وفي الترمذي من حديث ابن عمرو مرفوعًا: «لو أن رصاصة مثل هذِه» وأشار إلى مثل الجمجمة «أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل»، ثم قَالَ: إسناد صحيح (٤). فائدة: ذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرًا يسمى البحر ----------------- (١) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» ١/ ٢٤٤ (١٥٠)، وأبو الشيخ في «العظمة» ص ١٠٧ (٢٠٥)، والطبراني ٩/ ٢٠٢ (٨٩٨٧)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١ (٨٥١). قال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٨٦) رجاله رجال الصحيح. (٢) رواه أبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» ص ١٠٥ - ١٠٦ (٢٠١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٢٨٩ (٨٥٠)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ١١، ١٢ (٧)، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ٧/ ٧٤٨. قال ابن الجوزي: هذا حديث منكر، رواه عن الأعمش محاضر فخالف فيه أبا معاوية فقال: عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي نصر. وكان الأعمش يروي عن الضعفاء ويدلس. قال الذهبي: وأبو نصر لا يعرف، والخبر منكر. (٣) «سنن أبي داود» (٤٧٢٣ - ٤٧٢٥)، «سنن الترمذي» (٣٣٢٠)، «سنن ابن ماجه» (١٩٣)، أحمد ١/ ٢٠٦، وقال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ٧/ ٩٢: في إسناده الوليد بن أبي ثور ولا يحتج بحديثه. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٢٤٧). (٤) «سنن الترمذي» (٢٥٨٨)، ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٢١٤٩). المكفوف (١)، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة بالنسبة إلى البحر المحيط. فعلى هذا يكون ذَلِكَ البحر افلق لنبينا حَتَّى جاوزه، وذلك أعظم من افلاق البحر لموسى (٢). الحادي عشر: اختلف العلماء هل أسري بروحه أو بجسده الكريم؟ عَلَى مذاهب: أحدها: أن الإسراء كان بروحه من غير أن يفارق شخصه مضجعه، وكانت رؤيا رأى فيها الحقائق، ورؤيا الأنبياء حق، وذهب إلى هذا معاوية وعائشة. ثانيها: أن الإسراء كان بالجسد إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح. ثالثها: وإليه ذهب معظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد، وفي اليقظة، وأنه ركب البراق بمكة، ووصل إلى بيت المقدس، وصلى ثم أُسري بجسده. وذكر المهلب بن أبي صفرة عن طائفة من العلماء، وإليه ذهب ابن العربي أن الإسراء كان مرتين إحدهما: في نومه؛ توطئة له وتيسيرًا عليه كما كان بدوء نبوته الرؤيا الصادقة فجاءه بعد ذَلِكَ في اليقظة والثانية: بجسده، والأحاديث الصحيحة دالة على عروجه بجسده يقظة، يدل عليه قوله: «قَالَ جبريل لخازن السماء افتح» فلو لم يكن بجسده لما استفتح. --------------------- (١) انظر: «الفواكه الدواني» ١/ ٣٢٣. (٢) قلت: هذا الأمر من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله، ولم يأت عليها دليل صحيح من النقل، ولذلك لا يجوز لنا إعمال العقل فيها، والصواب هو التوقف. اهـ. وقال ابن العربي في «العارضة» في قوله: «تجلى لي بيت المقدس» يحتمل ثلاث معان: أحدها: أن يكون خلق الله له الإدراك مع البعد المفرط، إذ ليس من شرط الإدراك عندنا وعدمه قرب ولا بعد. ويحتمل أن يكون اطلع عَلَى مثالها، وعليه يَدُل قوله - ﷺ -: «فجلَّى الله لي بيت المقدس عند دار أبي معهم بالبلاط». ويحتمل أن يكون خلق الله له العلم بها دون مثال ولا رؤية (١). الثاني عشر: قوله: («فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا») سميت هذِه بالدنيا، لقربها من ساكني الأرض، وروي سماء الدنيا على الإضافة. فيه: أن للسماء بوابًا حقيقة، وحفظة موكلين بها، وإثبات الاستئذان، وأنها فتحت لأجله، وذلك من باب التكريم والتعظيم. الثالث عشر: قوله: «قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ». الرابع عشر: قوله: «جبريل» فيه من الأدب أن من استاذن يدق الباب أن يقول فلان باسمه، ولا يقول: أنا. فقد جاء في الحديث النهي عنه (٢)؛ ولأنه لا فائدة فيه، لأنه إذا تعين مظهره أفاد وصار أعرف المعارف. الخامس عشر: قوله: (أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ) يحتمل هذا الاستفهام وجهين: -------------------- (١) «عارضة الأحوذي» ١١/ ٢٩٣ - ٢٩٤. (٢) سيأتي الحديث الدال على هذا برقم (٦٢٥٠) كتاب: الاستئذان، باب: إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا. أحدهما: أن يكون خفي عليهم إرساله لشغلهم بالعبادة حَتَّى قيل: إن أحدهم لا يعرف مَنْ إلى جانبه. ثانيهما: أن يكون المعنى: أرسل إليه للعروج إلى السماء؛ لأن بعثته استفاضت بين الملائكة، وهو الأصح. السادس عشر: «الأَسْوِدَةُ»: جمع سواد، كقذال وأقذلة، وتجمع الأسودة أيضًا عَلَى أساود. وفي «المحكم»: السواد، والأسودات، والأساود: جماعة من الناس. وقيل: هم الضروب المتفرقون. والسواد: الشخص؛ لأنه يرى من بعيد أسود. وصرح أبو عبيد (١) بأنه شخص كل شيء من متاع أو غيره، والجمع: أسودة، وأساود جمع الجمع (٢). السابع عشر: النسم، والنسمة نفس الروح، وما بها: نسمة، أي: نفس، والجمع: نسم، قَالَه ابن سيده (٣). وقال الخطابي: هي النفس، والمراد أرواح بني آدم (٤). وقال ابن التين: ورويناه نسيم (٥) بني آدم، والأول أشبه. ----------------------- (١) «غريب الحديث» ٢/ ٢٣٨. (٢) «المحكم» (٨/ ٣٩٧). مادة: (سود). (٣) «المحكم» ٨/ ٣٥٠. (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٣٤٧. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: وقال ابن قرقول: نسم … وعند .... نسيم يعني … قال: وهو تصحيف. الثامن عشر: فيه دلالة -كما قَالَ القاضي- أن نسم بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، قيل: في الأرض السابعة. وقيل: تحتها. وقيل: في سجن. ويقال: إنه واد في جهنم. حكاه ابن سيده (١). وأن أرواح المؤمنين منحمة في الجنة، فيحتمل أنها تعرض عَلَى آدم أوقاتًا، فوافق وقت عرضها مروره - ﷺ - ويحتمل أن كونهم في النار والجنة إنما هو في أوقات دون أوقات، بدليل قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. ويحتمل أن تكون الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار [كانت] (٢) في جهة شماله، وكلاهما حيث شاء الله (٣). وضحكه وبكاؤه شفقة الوالد عَلَى ولده، وسروره لحسن حاله، وحزنه وبكاؤه لسوء حاله. التاسع عشر: آدم - ﷺ - كنيته أبو البشر، وقيل: أبو محمد. وروى ابن عساكر من حديث علي مرفوعًا: «أهل الجنة ليس لهم كنى إلا آدم، فإنه يكنى أبا محمد» (٤). ومن حديث كعب الأحبار: ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم، فإن له لحية سوداء إلى سرته؛ وذلك لأنه لم يكن له في الدنيا لحية، وإنما ------------- (١) «المحكم» (٧/ ١٩٦) مادة: سجن. (٢) من (ج). (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٥٠٣. (٤) «تاريخ دمشق» ٧/ ٣٨٨. كانت اللحى بعد آدم. وليس أحد في الجنة يكنى إلا آدم، ويكنى في الدنيا أبا البشر، وفي الجنة أبا محمد (١). ثم قيل: إن آدم اسم سرياني. وقيل: مشتق، فقيل: أفعل من الأدمة. وقيل: من لفظ الأديم؛ لأنه خلق من أديم الأرض. وقال النضر بن شميل: سمي آدم لبياضه. وذكر محمد بن علي أن الآدم من الظباء: الطويل القوائم. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «خلق الله آدم عَلَى صورته طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة عَلَى صورته، وطوله، وولد لآدم أربعون ولدًا في عشرين بطنًا (٢». وروي أن آدم لما رأى داود قَالَ: يا رب، ما عمره؟ قَالَ: ستون، قَالَ: رب زد في عمره. قَالَ: لا، إلا أن يزيد من عمرك. قَالَ: وما عمري؟ قَالَ: ألف سنة. قَالَ آدم: وهبته أربعين سنة (٣). فعلى هذِه الرواية عاش آدم ألف سنة إلا أربعين (عامًا) (٤). وقيل: بل أكمل ألفًا. وقال ابن قتيبة: ألف سنة إلا سبعين سنة. ولما أهبط من الجنة هبط بسرنديب من الهند بجبل يقال له: بُوذ. ولما حضرته الوفاة اشتهى قطف عنب، فانطلق بنوه ليطلبوه، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى قطفًا. قالوا: ارجعوا فقد كفيتموه. فرجعوا فوجدوه قد قبض، فغسلوه --------------- (١) رواه ابن عساكر في»تاريخ دمشق«٧/ ٣٨٩. (٢) سيأتي برقم (٣٣٢٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته. (٣) رواه الترمذي (٣٠٧٦) كتاب: التفسير، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال الألباني في»صحيح الجامع" (٥٢٠٨): صحيح. (٤) في (ج): سنة. وحنطوه وكفنوه، وصلى عليه جبريل، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم، ودفنوه، وقالوا: هذِه سنتكم في موتاكم. ودفن في غار يقال له: غار الكنز في أبي قبيس، فاستخرجه نوح في الطوفان، وأخذه وجعله في تابوت سمسار معه في السفينة، فلما نضب الماء رده نوح إلى مكانه (١). العشرون: معنى: «مرحبًا»: أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تستوحش، والصالح: هو القائم بحقوق الله وحقوق العباد، وخصوه بذلك؛ لشموله عَلَى سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق والأمانة والعفاف والصلة والفضل. ولم يقل له أحد: مرحبًا بالنبي الصادق والأمين؛ لشمول الصلاح سائر خلال الخير، ففيه استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر والترحيب والكلام الحسن والدعاء لهم، وإن كانوا أفضل من الداعي، وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة. الحادي بعد العشرين: قوله: (قَالَ أنس فذكر أنه) -يعني: أبا ذر- أنه يعني: رسول الله - ﷺ - (وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يُثْبِتْ كيْفَ مَنَازِلُهُمْ) -يعني: أن أبا ذر لم يثبت غير أنه ذكر أنه (وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) - وفي الصحيحين من حديث أنس عن مالك بن صعصعة أنه وجد في السماء الدنيا آدم كما سلف في حديث أبي ذر، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة: يوسف، وفي الرابعة: ------------------------ (١) انظر: «المعارف» ص ١٩. إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السادسة: موسى، وفي السابعة: إبراهيم (١)، وهو مخالف لرواية أنس عن أبي ذر أنه وجد إبراهيم في السادسة. وكذا جاء في «صحيح مسلم» وأجيب: بأن الإسراء إن كان مرتين، فيكون رأى إبراهيم في إحداهما، في إحدى السماءين، ويكون استقراره بها ووطنه، والثانية في سماء غير وطنه. وإن كان مرة فيكون أولًا رآه في السادسة، ثم ارتقى معه إلى السابعة. الثاني بعد العشرين: قَالَ ابن الجوزي في «مشكله»: إن قلتَ: كيف رأى الأنبياء في السماء ومدفنهم في الأرض؟ أجاب عنه ابن عقيل فقال: شكَّل الله أرواحهم عَلَى هيئة صور أجسادهم. ومثله ذكر ابن التين، وقال: وإنما تعود الأرواح -يعني: إلى الأجساد- يوم البعث إلا عيسى - عليه السلام - فإنه حي لم يمت، وهو ينزل إلى الأرض. قلت: الأنبياء أحياء، فلا يبعد أن نراهم حقيقة، وقد مر عَلَى موسى عليه أفضل الصلاة والسلام وهو قائم يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة. الثالث بعد العشرين: إدريس سمي بذلك؛ لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت عليه، -------------------- (١) يأتي برقم (٣٢٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، وهو في مسلم برقم (١٦٤) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات. فقيل: إنه حنوخ، ويقال: أحنوخ، ويقال: أحنخ. ويقال: أهيخ بن يرد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم. قَالَ الجوَّاني: أمه (١) تدعى برة، وخنوخ سرياني وتفسيره بالعربي إدريس. قَالَ وهب: هو جد نوح. قَالَ ابن إسحاق: وهو أول بني آدم أعطي النبوة. وفي حديث أبي ذر مرفوعًا: «أول من كتب بالقلم إدريس» (٢). وقد قيل: أنه إلياس، وأنه ليس بجد نوح، ولا هو في عمود هذا النسب. ونقله السهيلي (٣) عن ابن العربي ويستشهد بحديث الإسراء، وهو أنه - ﷺ - كلما لقى نبيًّا من الأنبياء في تلك الليلة قَالَ: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. وقال في آدم: بالابن الصالح. وكذا قَالَ في إبراهيم. وقال إدريس: والأخ الصالح. ولو كان في عمود نسبه لقال له كما قَالَ له إبراهيم وأبوه آدم، ويخاطبه بالبنوة ولم يخاطبه بالإخوة. وذكر بعضهم أن إدريس كان نبيًّا في بني إسرائيل (٤)، فإن كان كذلك فلا اعتراض. وأجاب النووي: بأنه يحتمل أنه قَالَه تلطفًا وتأدبًا، وهو أخ وإن كان --------------------- (١) تكررت كلمة (أمه) في (س)، (ج). (٢) جزء من حديث رواه ابن حبان (٢/ ٧٦ - ٧٩ (٣٦١)، والطبرانى (٢/ ١٥٧ - ١٥٨) (١٦٥١)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٦٦ - ١٦٨). قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢١٦: فيه: إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة. قال الألباني في «ضعيف الجامع» (٢١٢٧): ضعيف جدًا. (٣) «الروض الأنف» ٢/ ١٦٢. (٤) وهذا لا يصح؛ لأن يعقوب هو إسرائيل وهو حفيد إبراهيم وإدريس قبل إبراهيم عليهم السلام. ابنا، والأبناء إخوة والمؤمنون إخوة (١). وقال أبو العباس بن المنير: أكثر الطرق عَلَى أنه خاطبه بالأخ الصالح. قَالَ: وقال لي ابن أبي الفضل: صحت لي طريق أنه خاطبه فيها بالابن الصالح. وقال المازري: ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح، فإن قام دليل عَلَى أن إدريس أرسل لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح؛ لإخبار نبينا - ﷺ - في الحديث الصحيح: «ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض» (٢) وإن لم يقم دليل جاز ما قال. وصح أن إدريس كان نبيًّا ولم يرسل (٣). قَالَ السهيلي: وحديث أبي ذر الطويل يدل عَلَى أن آدم وإدريس رسولان (٤). قلت: أخرجه بطوله ابن حبان (٥). وكان إدريس رجلًا طوالًا أبيض ضخم البطن عريض الصدر، وإحدى أذنيه -وقيل: عينيه- أعظم من الأخرى، وكان في خده نكتة بيضاء من غير برص، رفع إلى السماء الرابعة، ورآه - ﷺ - فيها، وأول من خاط الثياب ولبسها وكان من قبله يلبسون الجلود، ورفع وهو ابن ثلثماثة وخمس وستين سنة. ------------------ (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ١٢٠. (٢) سيأتي برقم (٤٤٧٦) كتاب: التفسير، باب: قول الله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. ورواه مسلم (١٩٣) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها. (٣) انظر: «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ١٠٥. (٤) «الروض الأنف» ٢/ ١٦٢. (٥) «صحيح ابن حبان» ١٦/ ٤١٩ - ٤٢١ (٧٤٠٦). الرابع بعد العشرين: موسى: هو ابن عمران بن قاهث بن يصهر بن لاوى بن يعقوب. سمي موسى؛ لأنه وجد في ماءٍ وشجر، والماء بلغتهم مو، والشجر شا بالمعجمة، فعرب بالمهملة، والصحيح أنه وجده في السماء السادسة. وفي البخاري في كتاب بدء الخلق في صفته أنه جعد آدم طوال كأنه من رجال شنوءة (١) واختلف الرواة هل هو جعد أو سبط؟ وهل هو نحيف أو جسيم؟ الخامس بعد العشرين: عيسى: هو ابن مريم عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه. رآه في السماء مع ابن خالته يحيى بن زكريا. ونعته بأنه: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس -يعني: حمَّامًا- وكان ابن عمر يحلف أنه - ﷺ - يقله، ووصف بأنه آدم كأحسن ما رأى من أُدم الرجال. وفي بدء الخلق في البخاري: ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس (٢). قَالَ الداودي: ما أراه بمحفوظ؛ لأنه في رواية مالك: رجل آدم كأحسن ما أنت راءٍ (٣). واختلف في مدة حمله عَلَى أقوال: أغربها: ساعة، وقيل: العادة ووضعته عند الزوال وهي بنت عشر أو ثلاث عشرة أو خمس عشرة، وكانت حاضت قبله حيضتين. وكلَّم الناسَ وهو ابن أربعين يومًا، ثم ------------------ (١) سيأتي برقم (٣٢٣٩) باب: إذا قال أحدكم آمين. (٢) سيأتي برقم (٣٢٣٩) باب: إذا قال أحدكم آمين (٣) سيأتي برقم (٥٩٠٢)، كتاب: اللباس، باب: الجعد. لم يتكلم بعدها حَتَّى بلغ زمن كلام الصبيان، وكان زاهدًا عابدًا سيَّاحًا يمشي عَلَى الماءِ، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكان قوته يومًا بيوم، وله حواريون، وعدتهم اثنا عشر رجلًا، كانوا أولاد قصارين أو صيادين أو ملاحين، وكان يقرأ التوراة والإنجيل حفظًا، رفعه الله إلى السماء، وينزل عَلَى المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويقتل الدجال بباب لُدٍّ، وينزل حكمًا عدلًا، ويتزوج بعد نزوله ويولد له، ويدفن عند رسول الله - ﷺ -. وقد جاء ذَلِكَ في حديث من طريق عائشة، أخرجه ابن الأبار (١) في «صلة الصلة» في باب: الأحمدين. واسم عيسى عبراني، وقيل: سرياني. السادس بعد العشرين: إبراهيم خليل الرحمن، ومعناه: أب راحم، وكنيته: أبو الضيفان. وسأل جبريل - عليه السلام -: لم اتخذني ربي خليلًا؟ قَالَ: إنك تعطي الناس وتسد خلتهم ولا تسألهم. قيل: ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون، والصحيح كما قَالَ ابن عساكر: أنه ولد بكوثى من إقليم بابل من العراق، وكان بينه وبين نوح عدة قرون. قيل: ولد عَلَى رأس ألفي سنة من خلق آدم (٢). وذكر الطبري: أن إبراهيم إنما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارًا من النمرود، وقال نمرود للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه. فلما أدركوا إبراهيم استنطقوه، فحرَّك الله لسانه عبرانيًا، وذلك حين عبر النهر (٣). ------------------- (١) انظر: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٣٣٦. (٢) «تاريخ دمشق» ٦/ ١٦٤. (٣) «تاريخ الطبري» ١/ ١٨٥. ![]()
__________________
|
|
#129
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 247 الى صـــ 266 الحلقة (128) فسميت العبرانية بذلك، ودخل مصر وبها جبار من الجبابرة، قيل: اسمه سنان بن علوان، أخو الضحاك. وقيل: اسمه عمرو بن امرئ القيس بن بابلون بن سبأ بن يشجب بن يعرب، وكان عَلَى مصر، وكان مع إبراهيم زوجته سارة فأرادها الجبار، وقصتها معه مشهورة، (فأهدتها) (١) هاجر. وبلغ عُمرُ إبراهيم مائتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالأرض المقدسة، وقبره معروف بالبلدة المعروفة بالخليل، وكان الوزغ ينفخ النار عَلَى إبراهيم لما ألقي في النار، فلذلك أمر بقتله (٢)، كما أخرج في «الصحيح» من حديث أم شريك، كما سيأتي في الحج وغيره (٣). ووجده النبي - ﷺ - في السماء مسندًا ظهره إلى البيت المعمور. السابع بعد العشرين: قوله: (قَالَ ابن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابن حَزْمٍ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ») قَالَ خلف في «أطرافه»: حديث أبي حبَّة الأنصاري في المعراج أخرجه البخاري عن ابن بكير، عن الليث (٤)، وعن عبدان، عن ابن المبارك (٥)، ------------------ (١) في (ج): فأخذتها. (٢) انظر: «قصص الأنبياء» ١/ ٢٢٣ - ٣٠٢. (٣) سيأتي برقم (١٨٣١) كتاب: جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، و(٣٣٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، و(٣٣٥٩) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. (٤) وهو رواية الباب. (٥) سيأتي برقم (١٦٣٦)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في زمزم. وعن أحمد بن صالح، عن عنبسة (١)؛ كلهم عن يونس، وأخرجه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس (٢). وروى الطبراني هذِه القطعة، عن هارون بن كامل، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن الزهري، وعن ابن السرح، عن محمد بن عزيز، عن سلامة بن روح، عن عقيل، عن الزهري (٣). قَالَ الدمياطى (٤): ورواية أبي بكر عن أبي حبَّة منقطعة؛ لأنه قتل يوم أحد كما سيأتي. وابن حزم: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، بخاري، قاضي المدينة زمن سليمان بن عبد الملك، وابن عمه عمر مات سنة عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة، وقتل أبوه يوم الحرة (٥). الثامن بعد العشرين: أبو حبَّة بالباء، وقيل: بالمثناة تحت، وليس بشيء كما قاله القاضي عياض (٦)، وأما صاحب «المطالع» فقال: الأكثر عَلَى الثاني (٧). وذكره الواقدي وغيره بالنون، وسموه مالك بن (عمرو) (٨)، وقيل: عامر. -------------------- (١) سيأتي برقم (٣٣٤٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس - عليه السلام -. (٢) سلف تخريجه. (٣) «المعجم الكبير» ٢٢/ (٨٢٢). (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: ومثل ما قال الدمياطي قال الرشيد العطار سليمان بن عبد الملك، في الأحاديث المقطوعة التي في مسلم. (٥) انظر ترجمته في: «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ١٩٦ - ١٩٧ (٢٢٩)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٣١٣ - ٣١٤ (١٥٠)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥. (٦) «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٢٣. (٧) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد الخمسين كتبه مؤلفه. (٨) في (ج): عمر. وقيل: عمرو، وقيل: ثابت بن النعمان، وهو بدري بالاتفاق. كما قاله النووي (١)، واستشهد بأحد (٢). واختلف أصحاب المغازي في أبي حبَّة الأنصاري وأبي حبَّة البدري، هل هما واحد أو اثنان، وهل هما بالباء أو النون؟ التاسع بعد العشرين: معنى «ظهرت»: علوت وارتفعتُ، ومنه قوله: «والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» (٣). وقال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: يعليه عَلَى الأديان كلها. الثلاثون: المستوى -بفتح الواو- المصعد، وهو المكان العالي، يقال: استوى إلى الشيء وعليه إذا علا عليه، وقيل: هو عبارة عن فضاء فيه استواء. الحادي بعد الثلاثين: «صَرِيفَ الأقلَامِ» -بالصاد المهملة- صوت حركتها وجريانها عَلَى المخطوط فيه مما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى، نسخًا من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله تعالى من أمره وتدبيره، ومنه صريف الباب. ---------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٢١. (٢) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٤/ ١٦٤ (٢٩٣٧)، «أسد الغابة» ٦/ ٦٥ (٥٧٨٨)، «الإصابة» ٤/ ٤١ (٢٤٨). (٣) جاءت هذِه الرواية في «صحيح مسلم» (٦١١) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس. قَالَ القاضي عياض: قد يكون مستوي حيث يظهر عدل الله و(حكمه) (١) لعباده هنالك، يقال للعدل: سواء مفتوح ممدود، وسوى مقصور مكسور، وقيل ذَلِكَ في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢). وقال بعضهم: صرير -بالراء- هو الأشهر في اللغة، حكاه عبد الغافر الفارسي في («مفهمه») (٣)، ولا نسلم له. الثاني بعد الثلاثين: فيه دليل عَلَى أن الأشياء كالمقادير والوحي وغير ذَلِكَ مما شاء الله تكتب بالأقلام لا بقلم واحد. الثالث بعد الثلاثين: في هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتاب الله تعالى من اللوح المحفوظ، وما شاء بالأقلام الذي هو تعالى يعلم كيفيتها عَلَى ما جاءت به الآيات من كتاب الله والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذَلِكَ عَلَى ظاهره، لكن كيفية ذَلِكَ وجنسه وصورته مما لا يعلمه إلا الله ومن أطلعه الله عَلَى غيبه من ذَلِكَ من ملك أو رسول. الرابع بعد الثلاثين: قوله: (قَالَ ابن حَزْم وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً») هو معطوف عَلَى الإسناد قبله فيما ذكره ----------------- (١) في (ج): حكمته. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٥١٠. (٣) ليست في (ج). أبو نعيم (١) والإسماعيلي وخلف. الخامس بعد الثلاثين: قوله: («ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ») إلى قوله: («فَرَاجَعْتُهُ») المراد: أن مكان سؤاله غير مكان سؤال موسى - عليه السلام -، فهو رجوع من مكان إلى مكان؛ لاستحالة المكان على من تفرد بالإمكان. السادس بعد الثلاثين: قوله: («فَوَضَعَ شَطْرَهَا») كذا هنا، وفي رواية مالك بن صعصعة: فوضع في كل مرة عشرا، وفي الخامسة فأمر بخمس (٢). وفي حديث آخر: كلما عاد وضع خمسًا (٣). والشطر هنا: الجزء، كما قاله عياض وغيره لا النصف (٤)، فحط في مرات بمراجعات. وهذا الحديث مختصر لم تذكر فيه كرات المراجعة. السابع بعد الثلاثين: اختلف في هذا النقص من الفريضة، هل هو نسخ أم لا؟ عَلَى قولين: أحدهما: أنه نسخ للعبادة قبل العمل بها، وأنكره النحاس؛ لأن مذهبه: أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها؛ لأن ذَلِكَ عنده من البداء، وهو محال عَلَى الله؛ ولأنه نسخ قبل الوصول إلى المكلفين. قَالَ: وإنما ادعى النسخ في ذَلِكَ القاشاني ليصحح بذلك مذهبه؛ أن البيان لا يتأخر، وإنما هي شفاعة شفعها لأمته. ----------------------- (١) «المستخرج على صحيح مسلم» (١/ ٢٣٢ - ٢٣٤) (٤٢٠). (٢) ستأتي برقم (٣٢٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. (٣) رواه الطبراني في «الكبير» ١٩ (٢٧٠). (٤) «إكمال المعلم» ١/ ٥٠٤. ووهى قوله السهيلي قَالَ: بل هو نسخ للتبليغ، وليس ببداء، والشفاعة لا تنافي النسخ، فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم، فشفاعته كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، والمنسوخ حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ. وأما أمته فلا نسخ في حقهم؛ لعدم وصوله إليهم، ثم هذا خبر فلا يدخله نسخ، فأخبر الرب تعالى أن عَلَى أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها في اللوح المحفوظ خمسون، فأولها - ﷺ - عَلَى أنها خمسون بالفعل، فتبين أنها في الثواب لا في العمل (١). فإن قلتَ: فما معنى نقصها عشرًا بعد عشر؟ فالجواب: أنه ليس كل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء أنه يكتب له ما حضر قلبه منها، وأنه يصلي فيكتب له نصفها، ربعها، حَتُّى انتهى إلى عشرها ووقف، فهي خمس في حق من يكتب له عشرها، وعشر في حق من كتب له أكثر من ذَلِكَ، وخمسون في حق من كملت صلاته مما يلزمه من تمام خشوعها، وكمال سجودها وركوعها. نبه عليه السهيلي (٢). وفي كتاب الحكيم الترمذي: قَالَ الله تعالى: «قد فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة يوم خلقت السموات والأرض، فقم بها أنت وهم. فلم أزل أراجعه حَتَّى قيل: خمس بخمسين، فعلمت أنها عزيمة من ربي -عز وجل-» (٣). وللنسائي معناه من حديث أنس (٤). الثامن بعد الثلاثين: إنما اعتنى موسى - عليه السلام - بهذِه الأمة، وألح عَلَى نبيها أن يشفع لها، ------------------- (١) انظر كلام النحاس والسهيلي في «الروض الأنف» ٢/ ١٥٩. (٢) «الروض الأنف» ٢/ ١٦٠. (٣) «الصلاة ومقاصدها» للحكيم الترمذي ص ٤٨. (٤) «سنن النسائي» ١/ ٢٢١. وسأل التخفيف عنها؛ لأنه - عليه السلاموالله أعلم- حين قضي إليه بالجانب الغربي، ورأى صفات أمة محمد في الألواح جعل يقول: إني أجد في الألواح أمة صفتهم كذا، اللَّهُمَّ اجعلهم أمتي، فيقال له: تلك أمة أحمد، حَتَّى قَالَ اجعلني من أمة أحمد. وهو حديث مشهور في التفسير (١). وكان إشفاقه عليهم، واعتناؤه بأمرهم كما يعتني بالقوم من هو منهم. وكانت أمة موسى كلفت من الصلاة ما لم يكلف غيرها، فثقلت عليهم، فخاف عَلَى أمة محمد مثل ذَلِكَ. التاسع بعد الثلاثين: السدر: شجر النبق، واحدتها سِدرة، وجمعها: سِدَر وسدور، الأخيرة نادرة. ويجمع في القليل عَلَى سِدَرات وسدْرات كما ذكر أبو حنيفة، ويجوز سِدِرات بكسر الدال أيضًا، ذكره النووي قَالَ: وكذلك تجمع كِسرة وما أشبهها (٢). قَالَ أبو حنيفة: وأجود نبق يعلم بأرض (٣) العرب بهجر. فإن قلت: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعام لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولًا وعملًا ونية، فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لطهوره. ----------------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٦٦ (١٥١٤٢). (٢) «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٤٦. (٣) ليست في (ج). الأربعون: سدرة المنتهى فوق السماء السابعة. وقال الخليل: في السابعة، قد أظلت السموات والجنة (١). وجاء في رواية أنها في السماء السادسة، والأول عليه الأكثرون، وهو الذي يقتضيه المعنى. ويحتمل أن يجمع بينها، فيكون أصلها في السادسة (٢)، ومعظمها في السابعة يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان وهما: السلسبيل والكوثر، ونهران ظاهران وهما: النيل والفرات. وذكر عياض أن أصل سدرة المنتهي في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها (٣). واعترض عليه: بأنه لا يلزم ذَلِكَ، بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حَتَّى تخرج من الأرض وتسير فيها، وهو ظاهر الحديث. وعن ابن عباس أنها عن يمين العرش (٤). وقال صاحب «المطالع»: إنها أسفل العرش لا يجاوزها ملك ولا نبي. وفي الأثر: إليها ينتهي ما يعرج من الأرض وما ينزل من السماء فيقبض منها (٥). وقيل لها: سدرة المنتهى؛ لانتهاء ما يخرج من تحتها وما أهبط من فوقها. وقال كعب: لأنه ينتهي إليها علم كل ملك مقرب، ونبي مرسل. -------------- (١) «معجم العين» (٧/ ٢٢٤) مادة: سدر. (٢) هذِه الرواية عند مسلم (١٧٣) كتاب: الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى. (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٥٠٣. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٥١٧ (٣٢٥١٠). (٥) السابق ١١/ ٥١٤، ٥١٥ (٣٢٤٩٢) عن عبد الله. قَالَ: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله (١). وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء. وقيل: لأن روح المؤمن تنتهي به إليها، فيصلي عليه هنالك الملائكة المقربون، قاله ابن سلام في تفسير: (عليين). وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة»: «لو غطيت بورقة من ورقها هذِه الأمة لغطتهم» (٢). وجاء أن ورقها كآذان الفيلة، ونبقها كقلال هجر (٣). الحادي بعد الأربعين: قوله: («وغشيها ألوان لا أدري ما هي») هي أصناف من النور، ومن الملائكة. وقوله: («ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ») فيه: ما قد يدل عَلَى أن السدرة ليست في الجنة. وقال ابن دحية: «ثم» في هذا الحديث في مواضع ليست للترتيب كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] إنما هي مثل الواو للجمع والاشتراك، فهي بذلك خارجة عن أصلها. الثاني بعد الأربعين: قوله: («فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ»)، هكذا الرواية هنا بحاء مهملة، ثم باءموحدة، ثم ألف، ثم ياء مثناة تحت ثم لام. --------------------- (١) السابق ١١/ ٥١٤ (٣٢٤٩٠). (٢) «بغية الباحث» (٢٢). قلت في سنده: أبو حمزة ميمون الأعور، قال الذهبي في «الميزان» (٥/ ٣٥٩) قال أحمد: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال النسائي: ليس بثقة. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٥١٧ (٣٢٥٠٩) عن قتادة. وذكره البخاري في كتاب الأنبياء «جنابذ» بجيم، ثم نون، ثم ألف، ثم باء موحدة، ثم ذال معجمة (١)، كما وقع في مسلم (٢) عَلَى الصواب، جمع جنبذة، وهو ما ارتفع من البناء، كما سيأتي. قَالَ ابن التين: قيل: إن الغلط في حبائل إنما جاء من قبل الليث عن يونس، وهو تصحيف. والجنابذ: شبه القباب. وقال يعقوب: هو ما ارتفع من البناء، وقد وقع هذا المعنى مفسرًا بالقباب من رواية محمد بن جرير الطبري: «فإذا هو بنهر بجنبتيه قباب اللؤلؤ» (٣). وقال ابن الأثير: إن صحت رواية حبائل، فيكون أراد به مواضع مرتفعة كحبال الرمل، كأنه جمع حبالة وحبالة: جمع حبل على غير قياس (٤). وفي رواية الأصيلي عن الزهري: «دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذ من اللؤلؤ، وترابها المسك، فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ قَالَ: للمؤذنين والأئمة من أمتك». وقال صاحب «المطالع»: كذا لجميعهم في البخاري حبائل، ومن ذهب إلى صحة الرواية قَالَ: إن الحبائل: القلائد والعقود، أو يكون من حبال الرمل، أي: فيها اللؤلؤ كحبال الرمل أو من الحبلة، وهو ضرب من الحلي معروف. قَالَ: وهذا كله بحبل ضعيف، بل هو بلا شك تصحيف من الكاتب، والحبائل إنما تكون جمع حبالة أو حبيلة. ----------------- (١) سيأتي برقم (٣٣٤٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس - عليه السلام -. (٢) مسلم (١٦٣) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات. (٣) «تاريخ الطبري» ١/ ٥٣٦. (٤) «النهاية» (١/ ٣٣٣) مادة: حبل. وقال ابن الجوزي في «كشف المشكل»: جنابذ اللؤلؤ: قبابه، واحدها جنبذة: وهي القبة. قَالَ: وقد وقع في بعض النسخ حبائل بالحاء المهملة، وفي نسخة: بالمعجمة، وكله تصحيف، والصحيح: جنابذ (اللؤلؤ) (١). قَالَ ابن دحية في «الابتهاج»: فهي كلمة فارسية معربة. واعلم أن الأئمة - رضي الله عنهم - اعتنوا بالإسراء، وأفردوه بالتأليف، منهم: أبو شامة، وابن المنير في مجلد ضخم، وابن دحية، فلنلخص من كلامهم فوائد: الأولى: لا بد لك عند مرورك بهذا الحديث بطرقه عندما يتصور فيه وهمك من استحضار قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وتنفي الجهة والجسمية والتكلم بحرف أو صوت تعالى الله عن ذَلِكَ، وفوض علم ذَلِكَ إلى الرب ﷻ، أو أوله عَلَى ما يليق به مع التنزيه، فالحجب للمخلوق لا للخالق، وحي ربك قدسه هناك، واجعل العرش قبلتك في المناجاة بعيدًا (٢). -------------------- (١) من (ج). (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣: أما من اعتقد الجهة، فإن كان يعتقد أن الله في داخل المخلوقات تحويه المصنوعات، وتحصره السموات، ويكون بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، فهذا مبتدع ضال. وكذلك إن كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله -إلى العرش، أو غيره- فهو أيضًا مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين، فيقول: استواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال، فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلت على أن الله غني عن كل شيء، ودلت على أن الله مباين للمخلوقات عال عليها. = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش وحملة العرش، بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبث لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنهن مماثلة المخلوقات، ويعلم أن الله ليس كمثله شيء: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا أفعاله. فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة وأئمتها. فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. وأنه كلم موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا. ويعلمون أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما وصف به نفسه، وينزهون الله عن صفات النقص والعيب، ويثبتون له صفات الكمال، ويعلمون أنه ليس له كفوًا أحد في شيء من صفات الكمال، قال نعيم بن حماد الخزاعي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. والله أعلم. اهـ. وقد أجاب شيخ الإسلام على قول من قال: هل كلام الله هو حرف وصوت أم لا؟ في «مجموع الفتاوى» ١٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤. فقال: إطلاق الجواب في هذِه المسألة نفيًا وإثباتًا خطأ. وهي من البدع المولدة، الحادثة بعد المائة الثالثة، لما قال قوم من متكلمة الصفاتية: إن كلام الله الذي أنزل على أنبيائه -كالتوراة، والإنجيل، والقرآن، والذي لم ينزله، والكلمات التي كون بها الكائنات، والكلمات المشتملة على أمره ونهيه وخبره، ليست إلا مجرد معنى واحد. هو صفة واحدة قامت بالله، إن عبر عنها بالعبرانية كانت التوراة، وإن عبر عنها بالعربية كانت القرآن، وأن الأمر والنهي والخبر صفات لها. لا أقسام لها، وأن حروف القرآن مخلوقة، خلقها الله ولم يتكلم بها، وليست من كلامه، إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت. = وما أحسن قوله كليم: «لا تفضلوني عَلَى أخي يونس» (١) فإنه نهى عن تفضيل مقيد بالمكان لا مطلقه. وقال مالك: خص به للتنبيه عَلَى التنزيه؛ لأن نبينا رفع إلى العرش، ويونس هبط إلى قاموس البحر، ونسبتهما من جنب الجهة إلى الحق واحدة، وإلا فنبينا أقرب منه. الثانية: الباء في قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾؟ [الإسراء: ١] تفيد المصاحبة ----------------- = عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا: بل القرآن هو الحروف والأصوات، وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد، وبالأصوات أصوات العباد، وهذا لم يقله عالم. والصواب الذي عليه سلف الأمة -كالأمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح، في «كتاب خلق أفعال العباد» وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم- أتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى يتكلم بصوت، كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره، وأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه، ولا حروفه يشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد، فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (١) سيأتي برقم (٣٣٩٥) بلفظ: «لاينبغي بعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ من حديث ابن عباس، رواه مسلم (٢٣٧٧) كتاب: الفضائل، باب: في ذكر يونس - عليه السلام -. بالإلطاف والعناية والإسعاف، وقد قَالَ - ﷺ -: «أنت الصاحب في السفر» (١). ولذلك يظهر الفرق بين قوله: لله على أن أحج بفلان أو أحج فلانًا. وانظر إلى هذا مع قوله تعالى: ﴿يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، يظهر لك خصوصية للحق دون عموم الخلق. الثالثة: كان الإسراء ليلًا لوجوه: أحدها: أنه وقت الخلوة والاختصاص ومجالسة الملوك، وهو أشرف من مجالستهم نهارًا، فهو وقت تناجي الأحبة، ووقت مجيء الطيف: وهو الخيال، فخص بوصف الكمال. ثانيها: أن الله أكرم قومًا من أنبيائه بأنواع الكرامات ليلًا، قَالَ تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٦]، فوجودها دال عَلَى وجوب وجود صانعها ومدبرها. وقال تعالى في قصة لوط: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]، وقال: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، وقال في يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] أخَّر دعاءه إلى وقت السحر من ليلة الجمعة. وقرب موسى نجيًا ليلًا. وذلك قوله: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] وواعده أربعين ليلة. وقال لما أمره بالخروج من مصر ببني إسرائيل: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ [الدخان: ٢٣]. ثالثها: أن الله تعالى أكرمه ليلًا بأمور منها انشقاق القمر (٢)، وإيمان الجن به (٣). ورأى الصحابة آثار نيرانهم عَلَى ما ثبت في "صحيح ------------------- (١) رواه مسلم (١٣٤٢) كتابك الحج، باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره. (٢) سيأتي برقم (٤٨٦٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. (٣) سيأتي برقم (٤٩٢١) من كتاب: أحاديث الأنبياء. مسلم» (١). وخرج إلى الغار ليلًا عَلَى مائة من قريش عَلَى بابه ينتظرونه ليقتلوه بزعمهم، قَالَ تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٣]. رابعها: أن الله تعالى قدم ذكره عَلَى النهار في غير ما آية، فقال: ﴿وجَعَلْنَا اْلَّيْلَ وَاَلنَهَارَءَايَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس:٤٠] أي: بل له حد محدود إذا ذهب سلطانه جاء سلطان النهار. وليلة النحر تغني عن الوقوف نهارًا عَلَى الصحيح؛ لحديث عروة بن مضرس (٢) [الصحيح] (٣). خامسها: أن الليل كالأصل، ولهذا كان أول الشهور، ومن آياته أن سواده يجمع منتشر ضوء البصر، ويحد كليل النظر، ويستلذ فيه بالسمر، واجتلاء وجه القمر، وفيه تخلو الأحباب بالأحباب، ويتصل الوصل بينهم ما انقطع من الأسباب. سادسها: أنه لا ليل إلا ومعه نهار، وقد يكون نهار بلا ليل، وهو يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة. سابعها: أنه الليل محل استجابة الدعاء والغفران والعطاء، وإن ورد ----------------- (١) «صحيح مسلم» (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح. (٢) عن عروة بن مضرس قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالموقف، يعني: لجمع، قلت: جئت يا رسول الله من جبل طي، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جَبْل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من أدرك معنا هذِه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه»، رواه أبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وفي «الكبرى» ٢/ ٤٣١ (٤٠٤٦)، وابن ماجه (٣٠١٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٠٤): إسناده صحيح. (٣) ساقطة من (ج). الحديث: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة أو يوم الجمعة» (١) فذاك بالنسبة إلى الأيام، فليلة القدر خير من ألف شهر، وقد دخل في هذِه الليلة أربعة آلاف جمعة بالحساب الجملي، فتأمل هذا الفضل الخفي. ثامنها: أن أكثر أسفاره - ﷺ - كان ليلًا، ومن ذَلِكَ حديث الوادي، وأمر أمته بسيره، فقَالَ: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل» (٢). تاسعها: لينفي عنه ما ادعته النصارى في عيسى بن مريم لما رفع إلى (السماء) (٣) نهارًا، وادعوا فيه البنوة تعالى الله عن ذَلِكَ. عاشرها: لأنه وقت الاجتهاد للعبادة منه - ﷺ -، فقد قام حَتَّى تورمت قدماه (٤). وكان قيام الليل في حقه واجبًا، وقال في حقه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١، ٢]، فلما كانت عبادته ليلًا أكثر أُكْرِمَ بالإسراء فيه، وأمره بقوله: ﴿وَمِنَ اَلَّيلِ فَتَهَجَّدْ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩]. الحادي عشر: ليكون أجر (المصدق) (٥) به أكثر ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهارًا، وفيه إبطال للتنويه أن الظلمة شأنها الإهانة والشر، والنور من شأنه الإكرام والخير. ------------------- (١) رواه مسلم (٨٥٤) كتاب: الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة، من حديث أبي هريرة. (٢) رواه أبوداود (٢٥٧١)، وابن خزيمة (٢٥٥٥)، والحاكم (١/ ٤٤٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٨١)، وفي «صحيح سنن أبي داود» (٢٣١٧). (٣) من (ج). (٤) سيأتي برقم (٤٨٣٦) من حديث المغيرة، كتاب: التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. (٥) في الأصول: المتصدق، والمثبت من عمدة القاري، ولعله الصواب. الرابعة: إن قلت: قد قررت سر الإسراء ليلًا، وضد ذَلِكَ إغراق فرعون نهارًا، وإبراز جثته، ولا شك أن ظهور الآيات نهارًا أظهر. قلت: ذا في حقه إهانة، وذاك في حق نبينا كرامة، وشتان ما بينهما. الخامسة: كان الإسراء في حق نبينا عَلَى وجه المفأجاة، والتكليم في حق موسى عن ميعاد وموافاة، دل عَلَى الأول: «بينا أنا … إذ فرج سقف بيتي» فحمل عنه ألم الانتظار كما حمل عنه ألم الاعتذار، فشتان ما بين المقامين، وكم بين مُريد ومُراد، وبين من كُلم عَلَى الطور، وبين من دعي إلى أعلى أعالي البيت المعمور، وبين من سخرت له الريح (مسيرة شهر) (١) بمسألته، وبين من ارتقى من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية، وأقل مسافته آلاف لمكالمته، وأعار من المستوى إلى الرفوف فذاك لا يحصى أمده ولا يستقصى. السادسة: ثبت بالتواتر أنه - ﷺ - عرج به عَلَى دابة يقال له البراق (٢)، ووصف خلقها؛ وسمي براقًا لسرعة سيره، تشبيهًا ببرق السحاب، وعرج به عليه إظهارًا لكرامته؛ لكرامة الراكب عَلَى غيره، ولذلك لم ينزل عنه لما جاء في حديث حذيفة: ما زايل ظهر البراق حَتَّى --------------- (١) في (ج): مرةً شهرًا. (٢) سيأتي برقم (٣٨٨٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: حديث الإسراء. ورواه مسلم (١٦٢) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات. رجع (١)، وإنما لم يذكر في الرجوع للعلم به؛ لقرينة الصعود ويتعلق بالبراق مسائل: إحداها: جاء أن البراق استصعب له وما ذاك إلا تيهًا وزهوًا بركوبه، وقول جبريل «أبمحمد تستصعب؟!» تحقيق الحال، وقد أرفض عرقًا من تيه الجمال، وقد قيل: إنه ركبه الأنبياء قبله، أيضًا، وقيل: إن جبريل ركب معه. ثانيها: رفعه عَلَى البراق للتأنيس بالمعتاد، وإلا فالرب تعالى قادر عَلَى رفعه في أقل من طرفة عين، فإنه مطلوب مراد. ثالثها: كان البراق كشكل البغل؛ لأن الركوب في سِلْمِ وأمن لا في حرب وخوف، ولإسراعها عادة، وركب - ﷺ - بغلته في الحرب في قصة حنين؛ لتحقيق ثبوته في مواطن الحرب، وإلا فركوبها موضع الأمن والطمأنينة، فالحرب عنده كالسلم، وركوب الملائكة الخيل في الحرب؛ لأنها المعهودة فيها، وما لطف من البغال واستدار أحمد وأحسن بخلاف الخيل، وكانت بغلته بيضاء -أي: شهباء، وكذا كان البراق. السابعة: قد سلف في الوجه الحادي والعشرين اختلاف الروايات في ترتيب الأنبياء في السماوات، فمنهم من توقف عن الخوض في سر ذَلِكَ، ومنهم من باح به، ثم اختلفوا، فمنهم من قَالَ: إنما اختص من ------------- (١) رواه الترمذي (٣١٤٧)، وأحمد ٥/ ٣٩٢، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» «تحفة» ٥/ ٥٧٨ - ٤٧٩ (٣٦٩٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في «الإسراء» (٦)، وفي «الصحيحة» (٨٧٤). اختص منهم بلقاء الرسول - ﷺ - عَلَى عرف الناس إذا تلقوا الغائب مبتدرين له، فلابد غالبًا أن يسبق بعضهم بعضًا، ويصادف بعضهم اللقاء ولا يصادفه بعضهم، وهذِه طريقة ابن بطال (١). وذهب غيره من شيوخ الأندلس إلى أن ذَلِكَ تنبيه عَلَى الحالة الخاصة بهؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وتمثيل لما سيتفق للرسول - ﷺ - مما اتفق لهم مما قصه الله عليهم في كتابه، وهذا يرجع إلى فن التعبير، فمن رأى في منامه نبيًا من الأنبياء كان ذَلِكَ دليلًا عَلَى حالة عرفت بذلك الشيء ينال الرائي أو أهل زمانه منها طرقًا. قَالَ: فآدم عليه السلام تنبيه عَلَى الهجرة؛ لأن آدم خرج من الجنة بعداوة إبليس له وتحيليه عَلَى ذَلِكَ، فنظيره خروج الرسول - ﷺ - من مكة بأذى قومه له وللمسلمين، وعيسى ويحيى دليل عَلَى ما سيلقاه الرسول - ﷺ - من أذى اليهود؛ لأنهم قتلوا يحيى، وراموا قتل عيسى فرفعه الله إليه. وكذلك فعلت اليهود برسول - ﷺ -، داروا حول قتله حَتَّى سموا له الشاة، وأكل منها، فأخبرته الكتف بما صنعوا، وأقرت المرأة بذلك، وعفا عنها - ﷺ -، وقال في مرض موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري» (٢) ويوسف - عليه السلام - دليل عَلَى ظفره - ﷺ - بقومه، وإحسانه إليهم. وقد ظفر بطائفة من أهله في غزوة بدر كالعباس عمه، وعقيل ابن عمه، وذلك قبل أن يسلما، فعفا عنهما، وفداهما، وقال يوم فتح مكة لما عفا عن قريش: «أقول كما قَالَ أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ----------------- (١)»شرح ابن بطال" ٢/ ١٢. (٢) سيأتي برقم (٤٤٢٨) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته. يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] (١). ونظير ذَلِكَ حال يوسف مع إخوته، وهارون - عليه السلام - دليل عَلَى أن قومه سيحبونه، وينقلب بغضاؤهم ودادا. وكذلك صنع الله لنبيه. وقد كان هارون - عليه السلام - محببًا (إلى) (٢) قومه بني إسرائيل، وكانوا يؤثرونه عَلَى موسى. قَالَ: وإدريس دليل ما اتفق من كتاب الرسول إلى الآفاق؛ فإن إدريس كان يخط، وهو أول من كتب بالقلم. ونظير حال موسى - عليه السلام - فيما آل إليه أمره من لقاء الجبابرة، وإخراجهم من الأرض المقدسة حال رسول الله - ﷺ - (في) (٣) فتح مكة وقهره للمستهزئين المتكبرين من قريش. ونظير حال إبراهيم - عليه السلام - في إسناده ظهره إلى البيت المعمور، حال الرسول - ﷺ - في حجه البيت، واختتام عمره بذلك، نظير لقاء إبراهيم آخر السموات، ولا بأس بذلك، ولكن يحتاج إلى تنبيهات: منها: إجراؤه لذكر التعبير، فإن ذَلِكَ يوهم أن قصة الإسراء كانت منامًا، وقد صححنا أنها يقظة. والذي يرفع الإشكال أن الفأل في اليقظة نظير الأحلام. وقد كان - ﷺ - يحب الفأل الحسن (٤). وهذا القدر كافٍ لئلا نخرج إلى حد السآمة. ------------------ (١) رواه أبو الشيخ في «أخلاق النبي» ١/ ٢٦٠ (٨٠) من حديث عمر بن الخطاب، وفي سنده ضعف لجهالة حال بعض آل عمر. (٢) في (ج): في قومه. (٣) في (ج): على. (٤) روى الحاكم بسنده إلى أبي بردة بن أبي موسى قال: أتيت عائشة فقلت: يا أماه، حدثيني بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - "الطير تجري = ![]()
__________________
|
|
#130
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 267 الى صـــ 286 الحلقة (129) وحينئذ نرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ حيِنَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ». وهذا الحديث أخرجه مسلم (د. س) أيضًا هنا (١). وفي البيهقي من حديث داود ابن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قَالَت: إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم النبي - ﷺ - المدينة واطمأن، زاد ركعتين غير المغرب؛ لأنها وتر غير صلاة الغداة. قالت: وكان إذا سافر صلى صلاته الأولى (٢). وما ذكره عبد الملك بن حبيب في «شرح الموطأ» ثنا أسد بن موسى، ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن: من صلاته - عليه السلام - صبيحة الإسراء: الظهر والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا فلا يقاوم هذا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] فلا يعارض ما نحن فيه؛ لجواز أن يكون (ذكر) (٣) ذَلِكَ بعد زيادة -------------------- = بقدر«وكان يعجبه الفأل الحسن. ثمَّ قال: قد احتج الشيخان برواة هذا الحديث على آخرهم غير يوسف بن أبي بردة، والذي عندي أنهما لم يهملاه بجرح ولا بضعف، بل لقلة حديثه فإنه عزيز الحديث جدًّا. اهـ.»المستدرك«١/ ٣٢ كتاب: الإيمان، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(٤٩٨٥). (١) مسلم (٦٨٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها. (٢)»السنن الكبرى" ١/ ٣٦٣ كتاب: الصلاة، باب: عدد ركعات الصلوات الخمس. (٣) سقط من (ج). ركعتين في الحضر. وزعم ابن عباس، ونافع بن جبير بن مطعم، والحسن، وابن جريج أن الصلاة فرضت أولًا أربعًا، وفي السفر ركعتين ركعتين: فقولها: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين. يجوز أن يكون قبل الإسراء إن عني بذلك قيام الليل، أو صلاة الغداة والعشي، فإنها كانت ركعتين ركعتين، وإليه الإشارة بقوله: (من صلى البردين دخل الجنة) (١)، كما سلف، والزيادة عند الإكمال، لكن الظاهر أن المراد حين فرضها ليلة الإسراء، ففي حديث معمر، عن، الزهري، عن عروة، عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ -، ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى، وذكر ابن عبد البر، عن الحسن والشعبي في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه (٢). وأدعى بعضهم فيما حكاه المنذري أنه يحتمل أن يكون المراد، ففرضها ركعتين إن اختار المسافر ذلك فعل وجهها في المقدار لا في الإيجاب، والذي عليه الجمهور [ما] (٣)، على حكاه ابن بطال في حديث عائشة في الكتاب، كما أنها أفتت بخلاف ذلك، وأنها كانت تتم في السفر، لكنها قضت أن القصر ليس على الإيجاب، فلذلك أتمت (٤). فائدة: زيادة ركعتين على ركعتين نسخ للأول لا زيادة صلاة خلافًا، كما نبه عليه السهيلي (٥). --------------- (١) سيأتي برقم (٥٧٤) كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة الفجر. ورواه مسلم برقم (٦٣٥) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر. (٢) «التمهيد» ٨/ ٤٣. (٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٨، ١٠. (٥) «الروض الأنف» ١/ ٢٨٣. ٢ - باب وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذى، وَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. [فتح: ١/ ٤٦٥] ٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ. قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا». وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطَيَّةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بهذا. [٣٢٤ - مسلم ٨٩٠ - فتح: ١/ ٤٦٦] ما ترجم عليه هو مذهب الثلاثة: الشافعي (١) وأحمد (٢) وأبي حنيفة (٣)، وعامة الفقهاء وأهل الحديث أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة، فرضها ونفلها، وظاهر مذهب مالك كما قال ابن رشد في «قواعده» بعد أن قال: اتفق العلماء على أنها فرض بإطلاق: إنها من سنن الصلاة (٤). ----------------- (١) «الأم» ١/ ٧٧، «الحاوي» ٢/ ١٦٥، «أسنى المطالب» ١/ ١٧٠، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨٤، «مغني المحتاج» ١/ ١٨٤. (٢) «الإفصاح» ١/ ٢٥٤، «المغني» ٢/ ٢٨٣، «الممتع» ١/ ٣٥٣، «المبدع» ١/ ٣٥٩. (٣) «تحفة الفقهاء» ٢/ ٩٥، «بدائع الصنائع» ١/ ١٠٦، «فتح القدير» ١/ ٢٥٦. (٤) انظر: «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٢. وعن بعضهم أنه شرط عند الذكر دون النسيان، فإن قلت: هل يستدل للقول الثاني بحديث عمرو بن سلمة لما تقلصت بردته، فقالت امرأة: غطوا عنا إست قارئكم (١). قلت: لا. لأنه كان فاقدًا لها، وأيضًا كان ذلك في أول الإسلام، وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة» (٢). ومن حديث المسور أنه - ﷺ - قال له: «ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة» (٣). وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث عائشة مرفوعًا: «لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار» (٤). وهو المراد برواية أبي داود: صلاة حائض. والترمذي: صلاة الحائض (٥). وسيأتي في «صحيح البخاري» من حديث أبي سعيد الخدري النهي عن الاحتباء في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء (٦). ثم قال البخاري: وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وكأنه رحمه الله فهم أن المراد بها الثياب، ولذلك ساقه بعد أن بوب --------------- (١) سيأتي برقم (٤٣٠٢) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح. (٢) مسلم (٣٣٨) كتاب: الحيض، باب: تحريم النظر إلى العورات. (٣) (٣٤١) كتاب: الحيض، باب: تحريم الاعتضاد بحفظ العورة. (٤) ابن خزيمة ١/ ٣٨٠ (٧٧٥). (٥) أبو داود (١٩٦)، والترمذي (٣٧٧) وقال: حسن، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٩٦). (٦) سيأتي برقم (٣٦٧) كتاب: الصلاة، باب: ما يستر من العورة. بذلك، وهو ما رواه البيهقى عن طاوس، وقال مجاهد: فيها وارِ عوزتك ولو بعباءة (١). وقال أبو محمد بن حزم: اتفقوا على أنه ستر العورة (٢). وقال ابن بطال: أجمع أهل التأويل على أنها نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة؛ ولذلك أمر أن لا يطوف بالبيت عريان (٣). وقال ابن رشد: من حمل ﴿خُذُوا﴾ على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلًّا لذلك بما في الحديث أنه كان رجال يصلون مع النبي - ﷺ - عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان (٤). ومن يحمله على الوجوب استدل بحديث مسلم عن ابن عباس: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول: من يعيرني تطوافا. وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله فنزلت الآية السالفة (٥)، وفي رواية وهب بن جرير: كانت المرأة إذا طافت بالبيت تخرج صدرها وما هناك، فأنزل الله الآية (٦). وعند الواحدي كان أناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتعلق على أسفلها سيورًا مثل هذِه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو. وفي لفظ: وعلى فرجها خرقة (٧). -------------- (١) «السنن الكبرى» ٢/ ٢٢٣. (٢) «المحلى» ٣/ ٢٠٩. (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٥. (٤) «بداية المجتهد» ١/ ٢٢٣. (٥) مسلم (٣٠٢٨) كتاب: التفسير، باب: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. (٦) رواه الطبري في «التفسير» ٥/ ٤٦٩ (١٤٥١٢)، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٢٢٣. (٧) «أسباب نزول القرآن» ص ٢٢٨ - ٢٢٩. وقال ابن عباس: المراد بالمسجد المسجد الحرام خاصة؛ تعظيمًا له، فإن النساء يطفن حول البيت عراة في الجاهلية ليلًا، فإذا أرادته نهارًا استعارت ثيابًا من ثياب أهل الحرم، فتطوف بها، فأقبلت امرأة ذات جمال، فأبوا أن يعيروها ثوبًا وقالوا: حتى ننظر إلى خلقها. فطافت عريانة وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله … .................... وجاء أنها ضباعة بنت عامر لما أرادت فراق ابن جدعان تخيل أنها تتزوج بالوليد بن المغيرة، فقال: إن تزوجت به تطوفين بالبيت نهارًا عريانة، ففعلته أسبوعًا. وفي «تفسير الثعالبي» (١) أن بني عامر كانوا يطوفون في الجاهلية عراة، الرجال نهارًا، والنساء ليلًا. وفي الآية أقوال أُخر غريبة: أحدها: أن الزينة: المشط، قاله عطية وأبو روق (٢). ثانيها: رفع اليدين في الصلاة، قاله القاضي التنوخي. ثالثها: الصلاة بالنعلين، ورد في حديث مرفوع من طريق أبي جريرة، لكن وهاه العقيلي (٣)، والواجب من اللباس في الصلاة ما تستر به العورة وما زاد فحسن. ----------------- (١) ٢/ ١١٦. (٢) انظر: «زاد المسير» لابن الجوزي ٣/ ١٨٧، «تفسير الماوردي» ٢/ ٢١٨. (٣) حديث أبي هريرة المشار إليه رواه العقيلي في «الضعفاء الكبير» ٤/ ٢١٢ من طريق مسلمة بن علي، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خذوا زينتكم في الصلاة»، قلنا: يا رسول الله وما هو؟ قال: «البسوا نعالكم». = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وقال العقيلي ولا يتابع عليه وذكر بأسانيده إلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري تضعيفهم لمحمد بن سلمة هذا. ورواه أيضًا ابن عدي في «الكامل» ٦/ ٢١٣ من طريق بقية عن علي القرشي، عن ابن عجلان عن صالح، عن أبي هريرة به. وقال: وهذِه الأحاديث التي أمليتها يرويها علي بن أبي علي وهو مجهول يحدث عُن بقية بغير ما ذكرت. ثم رواه من طريق محمد بن الفضل، عن كرز بن وبرة، عن عطاء، عن أبي هريرة به ٧/ ٣٥٤، ومن طريقه الجرجاني في «تاريخ جرجان» ١/ ٣٩٩، وأخرجه أبو نعيم أيضًا من طريق محمد بن الفضل به ٥/ ٨٣، وأخرجه أيضًا الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٣٨٤ (٩٦١) وقال: قال أحمد بن حنبل: محمد بن الفضل ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ١٤٩: سألت أبي عن حديث رواه محمد بن المصفي، عن بقية، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة به. قال أبي: هذا حديث منكر. وقال أيضًا ١/ ١٥٥: سألت أبي عن حديث رواه بقية، عن علي القرشي، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة بمثله، قال أبي: هذا حديث منكر وعلي القرشي مجهول. وقال الدارقطني في «العلل» ٩/ ٢٥، ٢٦: يرويه بقية واختلف عنه فرواه ابن المصفي، عن بقية، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة وغيره يرويه عن بقية، عن علي القرشي، عن ابن عجلان، عن صالح، عن أبي هريرة وهو أشبه. وقال الشوكاني في «الفوائد المجموعة» ١/ ٢٣ - ٢٤: رواه ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا. وفي إسناده: محمد بن الفضل كذاب، وقد رواه أبو الشيخ من طريق أخرى. ورواه العقيلي من طريق عباد، عن جويرية، وهو كذاب، ورواه الخطيب وابن مردويه من غير طريق هذين الكذابين، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن أكثر من ثلاثين صحابيًا في الصلاة في النعال ما لا يحتاج معه إلى أحاديث الكذابين. ثم قال البخاري: وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». قال البخاري: وفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ (١). هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله، إني رجل أصيد فأصلي في القميص الواحد؟ قال: «نعم، وأزره ولو بشوكة» (٢)، وفي رواية: إني أكون في الصيد وأصلي ليس علي(١) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦: (ويذكر عن سلمة) قد بين السبب في ترك جزمه به بقوله: (وفي إسناده نظر). وقد وصله المصنف في «تاريخه» وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان واللفظ له من طريق الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله - ﷺ - إني رجل أتصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: «». ورواه البخاري أيضًا عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة زاد في الإسناد رجلا، ورواه أيضًا عن مالك بن إسماعيل، عن عطاف بن خالد قال: حدثنا موسى بن إبراهيم. قال حدثنا سلمة، فصرح بالتحديث بين موسى وسلمة، فاحتمل أن يكون رواية أبي أويس من المزيد في متصل الأسانيد، أو يتكون التصريح في رواية عطاف وهمًا. فهذا وجه النظر في إسناده، وأما من صححه فاعتمد رواية الدراوردي وجعل رواية عطاف شاهدة لاتصالها، وطريق عطاف أخرجها أيضًا أحمد والنسائي، وأما قول ابن القطان: إن موسى هو ابن محمد بن إبراهيم التيمي المضعف عند البخاري وأبي حاتم وأبي داود وأنه نسب هنا إلى جده فليس بمستقيم؛ لأنه نسب في رواية البخاري وغيره مخزوميًا وهو غير التيمي بلا تردد. نعم وقع عند الطحاوي موسى بن محمد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا فيحتمل على بعد أن كان يكونا جميعًا رويا الحديث وحمله عنهما الدراوردي، وإلا فذكر محمد فيه شاذ، والله أعلم. (٢) أبو داود (٦٣٢)، والنسائي ٢/ ٧٠، وصححه ابن خزيمة ١/ ٣٨١ (٧٧٨)، ابن حبان ٦/ ٧١ (٢٢٩٤)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٥٠. وقال صحيح ووافقه الذهبي. وقال النووي في «خلاصة الأحكام» (٩٦٧) ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨: إسناده حسن، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٦٤٣). إلا قميص واحد، قال: «فزره، وإن لم تجد إلا شوكة» (١). وموسى هذا، قال ابن القطان: إنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وهو منكر الحديث (٢). ولعل هذا هو الذي أشار إليه البخاري بالنظر السالف، وقد قال في حقه في كتاب «الضعفاء»: موسى بن إبراهيم (٣) في حديثه مناكير (٤)، لكن أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» عن نصر بن علي، عن عبد العزيز، عن موسى بن إبراهيم، قال: سمعت سلمة. وفي رواية: وليس علي إلا قميص واحد أو جبة واحد فأزره؟ قال: «نعم، ولو بشوكة» (٥) ورواه ابن حبان أيضًا في «صحيحه» عن إسحاق بن إبراهيم ثنا ابن أبي عمر، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: «فأزره ولو بشوكة» (٦) -------------------- (١) هذا الرواية بهذِه اللفظة عند الطبرانى في «الكبير» ٧/ ٢٩ (٦٢٧٩) ونحوها عند أحمد ٤/ ٤٩. (٢) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٥٣٧. (٣) لم أجد هذا القول في موسى بن إبراهيم، لكن قوله: في حديثه مناكير قبل في موسى بن محمد بن إبراهيم. (٤) «الضعفاء الصغير» ص ١٠٧ (٣٤٧) ووقع فيه موسى بن محمد بن إبراهيم وليس موسى بن إبراهيم. (٥) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٨١ (٧٧٧، ٧٧٨). (٦) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٧١ (٢٢٩٤). ورواه الحاكم أيضًا في «مستدركه» وقال: هذا حديث مدني صحيح (١). قلت: وظهر بهذِه الرواية أن موسى (٢) هذا غير السالف الذي ظنه ابن القطان، وفيه ضعف أيضًا ولكنه دون ذاك، وقد قيل: عن موسى بن محمد (٣) بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة ذكره ابن بطال في «شرحه» (٤)، فهذا اختلاف آخر. وقوله: (يأزره ولو بشوكة) أي: يجمع بين طرفيه بشوكة، فيقوم ذلك مقام الأزرار إذا شدها، يقال: زررت له القميص أزره -بالضم- زرًا إذا شددت أزراره، وأزررت القميص إذا جعلت له أزرارًا. وقال ابن سيده: الزر: الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار وزرور وأزر القميص جعل له زرًا، وأزره: شد عليه أزراره، وقال ابن الأعرابي: زر القميص إذا كان محلولًا، فشده وأزره لم يكن له زر فجعل له، وزر الرجل: شد زره، عن اللحياني (٥). ----------------- (١) المستدرك «١/ ٢٥٠. (٢) هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، ذكره ابن حبان في»الثقات«. قال ابن المديني: موسى بن إبراهيم وسط. قال أبو حاتم: موسى بن إبراهيم هذا غير موسى بن محمد بن إبراهيم، ذاك ضعيف. وقد فرق البخاري بينهما أيضًا. انظر ترجمته في:»التاريخ الكبير«٧/ ٢٧٩ (١١٨٤)،»الجرح والتعديل«٨/ ١٣٣ (٦٠٣)،»الثقات«لابن حبان ٥/ ٤٠٢،»تهذيب الكمال«٢٩/ ١٨ (٦٢٣٣). (٣) في الأصل: محمد بن محمد بن إبراهيم، جاءت هكذا مكررة، والصواب ما أثبتناه. (٤)»شرح صحيح البخاري«لابن بطال ٢/ ١٧. (٥)»المحكم" ٩/ ٧، مادة: (زرر). وفي «الفصيح»: أزرر عليك قميصك وزره مثلث الراء (١). وأورد البخاري هذا الحديث؛ ليدل على وجوب ستر العورة، إذ لو كان سنة لما قال له ذلك، ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار ليس عليه سراويل ولا رداء (٢)، وهو قول الشافعي والكوفيين وأبي ثور، إلا أنه إن رأى من عيب عورته أعاد الصلاة عندهم (٣). ثم قال البخاري رحمه الله: وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذى. وهذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه، لا القطع، وقد روى أبو داود بإسناد جيد من حديث أم حبيبة وقد سألها أخوها معاوية: هل كان رسول الله - ﷺ - يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى (٤). ثم قال البخاري رحمه الله: وَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (٥). يريد بذلك نداء علي - رضي الله عنه - في الحج لما أرسله لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكأن البخاري أخذ اشتراط ستر العورة في الصلاة منه؛ لأنه لما كان في الطواف صلاة وقد أمر بالستر فالصلاة أولى؛ لذا خطر لي في استنباطه كما خطر لي في استنباط ما قبله، ثم رأيت ابن المنير لما ذكر قوله: ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إلى آخره. ---------------- (١) «فصيح ثعلب» ص ١١. (٢) «المدونة» ١/ ٩٥. (٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٧٧ - ٣٨٠، «المجموع» ٣/ ١٧٩ - ١٨٠، «المغني» ٢/ ٢٩٥. (٤) «سنن أبي داود» (٣٦٦)، ورواه ابن خزيمة (٧٧٦)، وابن حبان ٦/ ١٠١ (٢٣٣١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» الألباني (٣٩٢). (٥) سيأتي برقم (٣٦٩) باب: ما يستر من العورة. قال: ذكر فيه حديث أم عطية: أمرنا أن نخرج الحيض. وليس فيه ما يدل على الصلاة الذي يجامع منه، لكن في أبي داود، ثم ذكر حديث أم حبيبة السالف، وقد علمت أن وجه الاستنباط منه، وحديث أم عطية ذكره لفائدة أخرى سأبديها. ثم ساق البخاري رحمه الله حديث أم عطية. وفيه: قَالَتِ أمْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا». وهذِه المرأة هي أم عطية، وكنت بها عن نفسها في رواية، قلت: يا رسول الله، إحدانا … الحديث. وذكر البخاري بعضه معلقًا في كتاب الحيض (١)، وسيأتي بطوله في العيدين (٢) إن شاء الله. ثم قال البخاري: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ. وعبد الله هذا هو الغُداني نسبة إلى غدان بن يربوع بن حنظلة (٣) ---------------- (١) سبق في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. قبل حديث رقم (٣٠٥) وقد ساقه البخاري أيضًا مسندًا في نفس الكتاب -الحيض- برقم (٣٢٤) باب: شهود الحائض العيدين … (٢) سيأتي فيه مترجمًا عليه في أكثر من موضع بأرقام (٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١). (٣) هو عبد الله بن رجاء الغداني البصري، روى عن إسحاق بن يزيد الكوفي، وعمران بن دوار القطان، وجرير بن أيوب البجلي، روى عنه البخاري، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وروى الدارمي، عن يحيى بن معين: كان شيخًا صدوقًا لا بأس به، وسُئل أبو زرعة عنه فجعل يثني عليه وقال: حسن الحديث عن إسرائيل، وقال عمرو بن علي: صدوق كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة، وقال النسائي: عبد الله بن رجاء المكي والبصري كلاهما ليس بهما بأس، وذكره ابن حبان = ووهم من جعل أنه المكي (١)، وعمران هو ابن داور (٢)، الراء في آخره، وفيه ضعف. استشهد به البخاري هنا وفي غزوة ذات الرقاع (٣)، فروي له في كتاب «الأدب» (٤) والأربعة (٥). ------------- = في «الثقات»، وقال عنه يعقوب بن سفيان: ثقة، وروى الدوري عن يحيى بن معين أنه ليس من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتم: كان ثقة، وقال عنه الذهبي: من ثقات البصريين ومسنديهم، وقال عنه ابن حجر: صدوق يهم قليلًا. انظر: «تاريخ الدارمي» ص ١٨١ (٦٥٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٥٥ (٢٥٥)، «الثقات» لابن حبان ٨/ ٣٥٢، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٩٥ (٣٢٦٢)، «ميزان الاعتدال» ٣/ ١٣٥ (٤٣٠٩)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٣٢، «تقريب التهذيب» (٣٣١٢). (١) هو عبد الله بن رجاء المكي أبو عمران، روى عن سفيان الثوري، وروى عنه أحمد بن حنبل وحسنه ووثقه ابن معين وقال: أبو حاتم صدوق، وقال أبو زرعة: شيخ صالح، ووثقه ابن حبان، ومحمد بن سعد، وقال الذهبي: كان صدوقًا محدثًا، وقال ابن حجر: ثقة تغير حفظه قليلًا. انظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٥/ ٥٠٠. «الثقات» لابن حبان ٨/ ٣٣٩، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٠٠، «ميزان الاعتدال» ٣/ ١٣٥ (٤٣٠٨)، «تقريب التهذيب» ص ٣٠٢ (٣٣١٣). (٢) هو عمران بن داور القطان، روى عن بكر بن عبد الله المزني، والحسن البصري، روى عنه عبد الله بن رجاء الغدائي وأبو علي الحنفي، قال أحمد بن حنبل: أرجو أن يكون صالح الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف. ووثقه ابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق يهم. وذكره العقيلي في «الضعفاء». وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه انظر: «الضعفاء الكبير» ٣/ ٣٠٠ (١٣٠٩)، «تهذيب التهذيب» ص ٤٢٩ (٥١٥٤)، «الكامل» ٦/ ١٦٢ (١٢٦٥)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٣٢٨. (٣) سيأتي برقم (٤١٢٥). (٤) «الأدب المفرد» (٨٢٥). (٥) «سنن أبي داود» (١١٣٦)، «سنن الترمذي» (٥٣٩)، «سنن النسائي» ١/ ١٩٣، ١٩٤، «سنن ابن ماجه» (١٣٠٧). وهذا الأثر وصله الطبراني في «معجمه الكبير» فقال: حدثنا على بن عبد العزيز، عن عبد الله بن رجاء فذكره (١)، وساق البخاري هذا التصريح بسماع ابن سيرين من أم عطية وروي ذلك عن أختها حفصة، وصحح الدارقطني رواية ابن سيرين عن أم عطية (٢). والجلباب كالملاءة، وكأن البخاري ساق حديث أم عطية في الباب لأن الشارع - ﷺ - أمر بإلباس الجلباب، وما ذاك إلا أنه يوم زينة، وإذا كان كذلك فالمصلي أحق بالبر؛ لأنه يناجي ربه، كذا خطر لي فيه. --------------- (١) «المعجم الكبير» ٢٥/ ٥٠. (٢) «علل الدارقطني» ١٥/ ٣٧٣ (٤٠٧٩). ٣ - باب عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ: صَلَّوْا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - عاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ. ٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِى وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِى إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّى فِى إِزَارٍ وَاحِدٍ؟! فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِى أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠ - مسلم ٣٠٠٨ - فتح: ١/ ٤٦٧] ٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِى ثَوْبٍ. [انظر: ٣٥٢ - مسلم: ٥١٨ - فتح: ١/ ٤٦٨] هذا التعليق خرجه مسندًا في باب: إذا كان الثوب ضيقًا (١) كما ستعلمه قريبًا بزيادة، والإزار يذكر ويؤنث، سمِّي إزارًا؛ لأنه يشد به الظهر، قال تعالى: ﴿فَأَزَرَهُ﴾ نبه عليه الداودي، وفي «المحكم» (٢) أنه الملحفة، ويقال: فيه مئزر. عن اللحياني. ثم ساق حديث واقد بن محمد عن محمد بن المنكدر قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِى إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِى إِزَارٍ وَاحِدٍ؟! فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وهذا الطريق انفرد به البخاري، وفي مسلم أن القائل فيه عبادة بن ----------------- (١) سيأتي برقم (٣٦١). (٢) «المحكم» ٩/ ٦٤. الوليد بن عبادة بن الصامت (١). ثم ساق من حديث محمد أيضًا قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ واحد. والمشجب -بكسر الميم- أعواد متداخلة يجعل عليها الثياب، ويؤخذ من فعل جابر أن العالم يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه، توسعة على العامة، وليقتدي به، ألا ترى أنه صلى في ثوب واحد وثيابه على الشجب، ففي ذلك جواز الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه، وهو قول عامة الفقهاء، إلا أنه قد روي عن ابن عمر خلاف ذلك، وروي عن ابن مسعود مثل قول ابن عمر، روى ابن أبي شيبة عنه: لا يصلين في ثوب وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض (٢). وروي عن مجاهد: لا يُصلى في ثوب واحد إلا أن لا يجد غيره (٣). وقول ابن بطال: إن ابن عمر لم يتابع على قوله (٤). فيه نظر إذن، نعم عامة الفقهاء على خلافه، وفيه الأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة: جابر، وأبي هريرة، وعمر بن أبي سلمة، وسلمة بن الأكوع (٥). ------------------ (١) مسلم (٣٠٠٨) كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر. (٢) «المصنف» ١/ ٢٧٩ (٣٢٠٥). (٣) السابق. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٩. (٥) هذِه الأحاديث بجملتها في الصحيح وسيتعرض المصنف لها بالشرح والتعليق في هذا الباب وفي الباب بعده. وعقد الإزار على القفا في الصلاة إذا لم يكن مع الإزار سراويل ولا مئزر، ومعنى الحديث السالف في الباب قبله: «يزره ولو بشوكة». وهو باليد في ستر العورة في الصلاة؛ لأنه إذا عقد إزاره في قفاه وركع لم تبد عورته؛ فلذلك كانت الصحابة تعقد من أزرهم في الصلاة إذا لم يكن تحتها ثوب آخر. نعم، في «صحيح ابن حبان» من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم فليتزر وليرتدِ» (١)، ولابن القطان صحيحًا: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبه فالله أحق أن يزين له، فمن لم يكن له ثوبان فليتزر ولا يشتمل» (٢). والمراد بالأحمق في حديث جابر: الجاهل كما سيأتي في باب الصلاة بغير رداء، لا بأس للعالم أن يصف بالحمق من جهل دينه، وأنكر على العلماء ما غاب عنه علمه من السنة. ---------------- (١) ابن حبان ٤/ ٦١٣ (١٧١٣). (٢) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٢٨٣. ٤ - باب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: المُلْتَحِفُ: المُتَوَشِّحُ، وَهْوَ المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهْوَ الاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. قَالَ: قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: التَحَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِثَوْبٍ، وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. ٣٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. [٣٥٥، ٣٥٦ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٨] ٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. [انظر: ٣٥٤ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٩] ٣٥٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. [انظر: ٣٥٤ - مسلم: ٥١٧ - فتح: ١/ ٤٦٩] ٣٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ- أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى. [انظر: ٢٨٠ - مسلم ٣٣٦ - فتح: ١/ ٤٦٩] ٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوَلكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟». [٣٦٥ - مسلم: ٥١٥ - فتح: ١/ ٤٧٠] وهذا ذكره بعد مسندًا (١)، والعاتق: يذكر ويؤنث. ثم ساق من حديث عمر بن أبي سلمة أنه - ﷺ - صَلّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. ثم ساق من حديثه أيضًا أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. ثم ساق حديثه أيضا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. ثم ساق حديث أبي مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَابٍ- عن أُمِّ هَانِئٍ أنها ذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابنتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هذِه؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالبٍ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا يا أمَّ هَانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ ابن أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ - ﷺ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». ثم قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلكَ ضُحًى. ثم ساق من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوَلكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟». --------------- (١) سيأتي برقم (٣٥٧). أما حديث عمر بن أبي سلمة فخرجه مسلم أيضًا في الصلاة (١) والأربعة (٢) وأما حديث أم هانئ: فسلف في الغسل مختصرًا (٣). وأما حديث أبو هريرة: فأخرجه مسلم أيضًا (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧)، وبقية الباب سلف في الباب قبله وهو صريح وهو قوله - عليه السلام -: «أوَلكلكم ثوبان». والتوشح أن يأخذ طرف الثوب، الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الطرف الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره، صرح به ابن سيده (٨) وغيره. قال الجوهري: والتحفت بالثوب تغطيت به وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به والتوشح هو نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به؛ لأن فيه مخالفة طرفي الثوب على عاتقه كما فعله الشارع وأمر به واشتمال الصماء المنهي عنه خلاف هذا، ومعنى مخالفته بين طرفيه لئلا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، وقد يقال: المعنى: عدم السقوط إذا ركع وإذا سجد. ثم في حديث أم هانئ فوائد فلنوردها مختصرة: فيه: سلام المرأة والتلبية والملاطفة بقوله: مرحبًا أي صادفت رحبًا وسعة. ----------------- (١) مسلم (٥١٧) باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لُبسه. (٢) أبو داود (٦٢٨)، والترمذي (٣٣٩)، والنسائي ٢/ ٧٠، وابن ماجه (١٠٤٩). (٣) سلف برقم (٢٨٠) باب: التستر في الغسل عند الناس. (٤) مسلم (٥١٥) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لُبسه. (٥) أبو داود (٦٢٥). (٦) النسائي ٢/ ٦٩ - ٧٠. (٧) ابن ماجه (١٠٤٧). (٨) «المحكم» ٣/ ٣٦١. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |