|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#111
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الرابع من صــ 421الى صــ 435 الحلقة (111) يومئذ عن شيء قُدّم ولا أخّر إِلا قال: افعل ولا حرج» (١). وفي رواية له: «قال سمعت رسول الله - ﷺوأتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة- فقال: يا رسول الله! إِني حلقت قبل أن أرمي؟ فقال: ارمِ ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إِني ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إِني أفضت إِلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج، قال: فما رأيته سُئل يومئذٍ عن شيء؟ إلاَّ قال: افعلوا ولا حرج» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - قيل له في الذبح، والحلق، والرمّي، والتقديم، والتأخير؟ فقال: لا حرج» (٣). ويجوز للمعذور في الرمي ما يأتي: ١ - أن لا يبيت في منى؛ لحديث ابن عمر: «استأذن العباس رسول الله - ﷺ - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته؛ فأَذِن له» (٤). ٢ - وأن يجمع رمي يومين في يوم واحد؛ لحديث عاصم بن عدي قال: «رخّص رسول الله - ﷺ - لرعاء الإِبل في البيتوتة: أن يرموا يوم النحر، ثمّ يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما» (٥). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٧٣٦، ومسلم: ١٣٠٦، وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ١٣٠٦، وتقدّم. (٣) أخرجه مسلم: ١٣٠٧. (٤) أخرجه البخاري: ١٧٤٥، ومسلم: ١٣١٥. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٧٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٦٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٧٤)، وابن ماجه "صحيح = ٣ - وأن يرميَ في الليل؛ لقوله - ﷺ -: «الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار» (١). ويشرع له أن يزور الكعبة، ويطوف بها كل ليلة من ليالي منى؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - فعَل ذلك (٢). ويجب على الحاج في أيام منى أن يحافظ على الصلوات الخمس مع الجماعة، والأفضل أن يصلّي في مسجد الخَيف إِنْ تيسّر له؛ لقوله - ﷺ -: «صلّى في مسجد الخَيف سبعون نبيًّا» (٣). فإِذا فرَغَ من الرمي في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق؛ فقد انتهى من مناسك الحج، فينفر إِلى مكة، ويقيم فيها ما كتب الله له، وليحرص على أداء الصلاة جماعة، ولا سيما في المسجد الحرام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٤). ----------------------- = سنن ابن ماجه«(٢٤٦٣)، وهو مخرج في»الإِرواء«(١٠٨٠). (١) حديث حسن؛ أخرجه البزار، والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس، وحسن إِسناده الحافظ، وله شواهد خرّجها شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«(٢٤٧٧). (٢) علقه البخاري (٢٨٧ -»مختصر البخاري«)، ووصله جمع ذكرهم شيخنا - رحمه الله- في»الصحيحة«(٨٠٤). (٣) أخرجه الطبراني، والضياء المقدسي في»المختارة«وحسّن إِسناده المنذري، وانظر»تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" (ص ١٠٦ - ١٠٧ - الطبعة الثانية- المكتب الإِسلامي). (٤) أخرجه أحمد وغيره من حديث جابر مرفوعًا بإِسناد صحيح، وصححه جمع = ويُكثر من الطواف والصلاة في أي وقت شاء من ليل أو نهار؛ لقوله - ﷺ - في الركنين الأسود واليماني:»مَسْحُهما يحطّ الخطايا، ومن طاف بالبيت؛ لم يرفع قدمًا ولم يضع قدمًا؛ إِلا كتَب الله له حسنة، وحطّ عنه خطيئة، وكتَب له درجة، ومن أحصى أسبوعًا؛ كان له كعتق رقبة«(١). وقوله: يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة من ليل أو نهار» (٢). طواف الوداع سمّي بهذا الاسم؛ لأنّه لتوديع البيت، وهو طواف لا رمل فيه؛ وهو آخر ما يفعله الحاج -غير المكي- عند إِرادة السفر من مكة. أمّا المكي فإِنّه لا يشرع في حقّه. وأمّا الحائض؛ فإِنه يرخّص لها تركه، ولا يلزم بتركها له شيء (٣). حُكمه: وهو واجب؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك، كما في الحديث المتقدّم: «أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت». ------------------------ = ذكرهم شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١١٢٩). (١) أخرجه الترمذي وغيره، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وغيرهم، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٣٩). (٢) رواه أصحاب «السنن» وغيرهم، وصححه الترمذي والحاكم والذهبي، وهو مخرج في «الإِرواء» (٤٨١). (٣) «فقه السّنّة» (١/ ٧٥٢) -بتصرّف-. وكذلك نهي النّبيّ - ﷺ - أن ينفر أحد من غير طواف، وقوله: «لا يَنْفرنّ ...». وقوله - ﷺ - المتقدّم: «رُخّص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف ...». ولو كان الطواف مستحبًّا؛ لما كان ثمّة فائدة من هذه الرُّخصة. وكذلك قوله: «أحابستنا هي»؛ لأنّ التطوّع لا يَحبِس أحدًا. فإِذا انتهى من قضاء حوائجه، وعزَم على الرحيل؛ فعليه أن يُودّع البيت بالطواف؛ لحديث ابن عباس قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله - ﷺ -:»لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت«(١). وكانت المرأة الحائض قد أُمِرت أن تنتظر حتى تطهر لتطوف طواف الوداع (٢)، ثمّ رخص لها أن تنفر ولا تنتظر؛ لحديث ابن عباس أيضًا:»أنّ النّبيّ - ﷺ - رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف، إِذا كانت قد طافت طواف الإِفاضة«(٣). وفي لفظ:»أمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلاَّ أنه خُفّف عن الحائض«(٤). ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ١٣٢٧ وغيره، والبخاري نحوه: ١٧٥٥. (٢) ثبت هذا في حديث الحارث بن عبد الله بن أوس عند أحمد وغيره، وهو مخرج في»صحيح سنن أبي داود«(١٧٤٨). (٣) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه بنحوه، كما هو مبين في»الإِرواء«(١٠٨٦) [سيأتي عقب هذا الحديث -إِن شاء الله تعالى-]، وله شاهد من حديث عائشة عندهما، وهو مخرّج في»صحيح سنن أبي داود" (١٧٤٨). (٤) أخرجه البخاري: ١٧٥٥، ومسلم: ١٣٢٨. وعن عائشة -رضي الله عنها-:»أنّ صفية بنت حُيَيٍّ زوج النّبيّ - ﷺ - حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ -؟ فقال: «أحابستنا هي؟! قالوا: إِنها قد أفاضت؟ قال: فلا إِذًا» (١). وله أن يحمل معه من ماء زمزم ما تيسر له؛ تبركًا به؛ فقد كان رسول الله - ﷺ - يحمله معه في الأدَواى (٢) والقِرَب، وكان يصبّ على المرضى ويسقيهم (٣). بل إِنّه كان يرسل وهو بالمدينة -قبل أن تفتح مكة- إِلى سهيل بن عمرو؛ أن: أهدِ لنا من ماء زمزم، ولا تترك؛ فيبعث إِليه بمزادتين (٤) «(٥). فإِذا انتهى من الطواف؛ خرج كما يخرج الناس من المساجد؛ فلا يمشي القهقرى، ويخرج مقدمًا رجله اليسرى (٦) قائلًا: اللهم! صلِّ على محمّد وسلّم، اللهمّ! إِني أسألك من فضلك». ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ١٧٥٧، ومسلم: ١٢١١. (٢) الأداوى: جمع الإِداوة: إِناء صغير من جلد؛ يتخذ للماء. «النهاية» بحذف. (٣) أخرجه البخاري في «التاريخ»، والترمذي -وحسنّه- من حديث عائشة -رضي الله عنها- وهو مخرج في «الصحيحة» (٨٨٣). (٤) المزادَة: وعاء يحمل فيه الماء في السفر؛ كالقربة ونحوها، جمعها مَزاد«.»الوسيط«. (٥) أخرجه البيهقي بإِسناد جيد عن جابر -رضي الله عنه- وله شاهد مرسل صحيح في»مصنف عبد الرزاق"، وذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن السلف كانوا يحملونه. (٦) تقدّم. خلاصة جامعة في الحجّ (١) ١ - الإِحرام في إِزار ورداء. ٢ - لُبْسهما والتطيب قبله. ٣ - الإِحرام من الميقات. ٤ - إِحرام النفساء والحائض بعد الاغتسال. ٥ - الإِحرام بحج وعمرة. ٦ - الحج راكبًا. ٧ - الحج بالنّساء والصبيان. ٨ - التلبية بتلبية النّبي - ﷺ -، ورفع الصوت بها. ٩ - فسْخ الحج ممن نواه مفردًا، أو قَرَن إِليه عمرة ولم يسُقِ الهدي. ١٠ - طواف القدوم سبعة أشواط. ١١ - الاضطباع فيها. ١٢ - الرمل في الثلاث الأولى منه. ١٣ - التكبير عند الحجر. ١٤ - تقبيل الحجر الأسود أو استلام الركن اليماني في كل شوط. ١٥ - صلاة ركعتين بعد الفراغ من الأشواط. ------------------------ (١) عن كتاب «حجّة النّبيّ - ﷺ -» لشيخنا -رحمه الله- (ص ٩٤). ١٦ - القراءة فيها بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾. ١٧ - صلاتهما خلف المقام. ١٨ - الشرب من زمزم والصبّ منها على الرأس. ١٩ - العود إِلى استلام الحجر الأسود. ٢٠ - الوقوف على الصفا مستقبل القبلة. ٢١ - ذِكْر الله عليها وتوحيده وتكبيره وتحميده وتهليله ثلاثًا. ٢٢ - المشي بينها وبين المروة سبعًا. ٢٣ - السعي بينهما في بطن الوادي في كل شوط. ٢٤ - الوقوف على المروة. ٢٥ - الذكر عليها كما فعَل على الصفا. ٢٦ - ختم السعي على المروة. ٢٧ - التحلل من الإِحرام من المتمتّع أو القارن الذي لم يسق الهدي؛ بقصّ الشعر وبلبس الثياب وغير ذلك. ٢٨ - تحلل المتمتّع بقص الشعر لا الحلق. ٢٩ - الإِهلال بالحج يوم التروية. ٣٠ - الذّهاب إِلى منى والبيات فيها. ٣١ - أداء صلاة الظهر وبقية الصلوات الخمس بها. ٣٢ - التوجه منها بعد طلوع شمس يوم عرفة إِلى عرفات. ٣٣ - النزول بنمرة عند عرفات. ٣٤ - الجمع بين الظهر والعصر عندها جمع تقديم. ٣٥ - الوقوف على عرفة مفطرًا. ٣٦ - الخطبة في عرفة. ٣٧ - استقبال القبلة رافعًا يديه يدعو على عرفة. ٣٨ - التلبية على عرفة. ٣٩ - الإِفاضة من عرفة بعد الغروب وعليه السكينة. ٤٠ - الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة. ٤١ - الأذان فيه بإِقامتين. ٤٢ - ترْك السنة بين الصلاتين. ٤٣ - البيات بها بدون إِحياء الليل. ٤٤ - صلاة الفجر حين يتبيّن الفجر. ٤٥ - الوقوف على المشعر الحرام منها مستقبل القبلة؛ داعيًا حامدًا مكبرًا مهللًا حتى الإِسفار جدًّا. ٤٦ - الدفع منها قبل أن تطلع الشمس. ٤٧ - الإِسراع قليلًا في بطن محسِّر. ٤٨ - الذّهاب إِلى الجمرة من طريق أخرى غير طريق الذّهاب إِلى عرفات. ٤٩ - رمي الجمرة الكبرى يوم النحر من بطن الوادي بسبع حصيات ضحى. ٥٠ - الرمي بحصى الخذْف. ٥١ - جواز رميها بعد الزوال. ٥٢ - الرمي من بطن الوادي. ٥٣ - التكبير مع كلّ حصاة. ٥٤ - قطع التلبية عند رمي الجمرة. ٥٥ - التحلُّلُ الحلَّ الأصغر بالرمي. ٥٦ - الرمي في أيام التشريق بعد الزوال. ٥٧ - نحْر القارن والمتمتع للهدي، فمن لم يجد؛ صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع. ٥٨ - نحر البعير وكذلك البقرة عن سبعة. ٥٩ - النحر في منى ومكة. ٦٥ - الأكل من الهدي. ٦١ - التطيب بعد الرمي. ٦٢ - الحلق. ٦٣ - البدء بيمين المحلوق. ٦٤ - الخطبة يوم النحر. ٦٥ - الإِفاضة لطواف الصدر (١) بدون رمل. ------------------------- (١) سمّي هكذا لأنّ الناس يصدرون إِلى مكة المكرّمة. ٦٦ - سعي المتمتع بعد طواف الإِفاضة؛ خلافًا للقارن. ٦٧ - ترتيب المناسك يوم النحر. ٦٨ - الإِحلالُ بعده الحلَّ كلَّه. ٦٩ - الشرب من زمزم عقب الفراغ من الطواف. ٧٠ - الرجوع إِلى منى والمكث فيها أيام التشريق الثلاثة. ٧١ - رمي الجمرات الثلاث في كل يوم منها بعد الزوال. ٧٢ - الطواف للوداع بدون رمل. العمرة المُفردَة العمرة في اللغة: الزيارة، وقيل: إِنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام (١). وفي الشرع: زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في الفقه (٢). فضلها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «العمرة إِلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إِلا الجنة» (٣). عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تابعوا ------------------------ (١)»الفتح«(٣/ ٥٩٧). (٢)»النهاية". (٣) أخرجه البخاري: ١٧٧٣، ومسلم: ١٣٤٩، وتقدّم. بين الحج والعمرة؛ فإِنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إِلا الجنّة» (١). حكمها: العمرة سُنّة، وذكر بعض العلماء أنها فرض! ولا دليل على ذلك (٢). وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٥): «والعمرة في وجوبها قولان للعلماء؛ هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد، والمشهور منها وجوبها، والقول الآخر: لا تجب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وهذا القول أرجح؛ فإِن الله بما أوجب الحج بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ لم يوجب العمرة، وإنما أوجب إِتمامهما، فأوجب إِتمامهما لمن شرع فيهما، وفي الابتداء إِنما أوجب الحج، وهكذا سائر الأحاديث الصحيحة ليس فيها إِلا ايجاب الحج ...». جوازها قبل الحجّ وفي أشهره: يجوز للمرء أن يعتمر في أي شهر من العام، كما يجوز له الاعتمار في أشهر الحج من غير أن يحجّ. ---------------------- (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٥٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٣٤)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٤٦٧ و٢٤٦٨)، وانظر «الصحيحة» (١٢٠٠)، و«المشكاة» (٢٥٢٤ و٢٥٢٥)، وتقدّم. (٢) أمّا حديث جابر -رضي الله عنه-: أنّ النّبيّ - ﷺ - سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: لا، وأن يعتمروا هو أفضل«! فإِنه ضعيف، انظر»ضعيف سنن الترمذي" (١٦١). عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كانوا (١) يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صَفَرًا (٢)، ويقولون: إِذا برأ الدَّبْر (٣)، وعفا الأثر (٤)، وانسلخ صَفَرْ، حلت العمرة لمن اعتمرْ! قدم النّبيّ - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعةٍ مُهلّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أيُّ الحل؟ قال: حلٌّ (٥) كلّه» (٦). وذهب بعض العلماء إِلى كراهتها في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة! وسألت شيخنا -رحمه الله- عن ذلك. فقال: لا دليل على المنع. ----------------------- (١) أي: أهل الجاهلية. (٢) هذا من النسيء الذي كانوا يفعلونه، فكانوا يؤخرون المحرم إِلى ما بعد صفر؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرّمة تُضيِّق علِيهم أمورهم من الغارة وغيرها. «نووي» بتصرّف وحذف. (٣) يعنون: دبر ظهور الإبل بعد انصرافها من الحج؛ فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج. «نووي» أيضًا. (٤) وعفا الأثَر: أي: درس وامّحى والمراد: أثر الإِبل وغيرها في سيرها؛ عفا أثرها لطول مرور الأيام. هذا هو المشهور. وقال الخطابي: المراد أثر الدبر. والله أعلم، وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويُوقَّف عليها؛ لأن مرادهم السجع«.»نووي" كذلك. (٥) وفي لفظ: الحِلُّ. (٦) أخرجه البخاري: ١٥٦٤، ومسلم: ١٢٤٠. فضل العمرة في رمضان: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «عمرة في رمضان تقضي (١) حجة معي» (٢). عمرة التنعيم: عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أنّ النّبيّ - ﷺ - قال له: «أردف أُختك عائشة فَأعْمرها من التنعيم، فإِذا هبطت الأكَمة فمُرها فلتُحرم؛ فإِنّها عُمرة متقبّلة» (٣). قال شيخنا -رحمه الله في «الصحيحة» (٦/ ٢٦٠) تحت الحديث (٢٦٢٦) -بحذف-: «وقد أخرجه البخاري (٣/ ٤٧٨)، ومسلم (٤/ ٣٥) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن أبي بكر مختصرًا. وكذلك أخرجاه من حديث عائشة نفسها. وفي رواية لهما عنها قالت: فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك». وفي أخرى بنحوه قال: «مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحْلِلْ منها». وفي أخرى: «مكان عمرتي التي أمسكت عنها». وفي أخرى: «جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا». رواها مسلم. وفي ذلك إِشارة إِلى سبب أمره - ﷺ - لها بهذه العمرة بعد الحج، وبيان ذلك: ----------------------- (١) أي: تقوم مقامها في الثواب. «شرح النووي». (٢) أخرجه البخاري: ١٨٦٣، ومسلم: ١٢٥٦. (٣) أخرجه الحاكم وأحمد وأبو داود وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٢٦٢٦). أنها كانت أهلّت بالعمرة في حجتها مع النّبيّ - ﷺ -: إِما ابتداءً أو فسخًا للحج إِلى العمرة (على الخلاف المعروف) (١)، فلما قدمتْ (سَرِفَ) -مكان قريب من مكة- حاضت، فلم تتمكن من إِتمام عمرتها والتحلل منها بالطواف حول البيت؛ لقوله - ﷺ - لها -وقد قالت له: إِني كنت أهللت بعمرة فكيف أصنع بحجتي؟ - قال: «انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن العمرة، وأهلّي بالحجّ، واصنعي ما يصنع الحاج؛ غير أن لا تطوفي ولا تصلّي حتى تطهري (وفي رواية: فكوني في حجّك، فعسى الله أن يرزقكيها)». ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إِذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، وقال لها - ﷺ -. -كما في حديث جابر-: «قد حللتِ من حجَّك وعمرتك جميعًا»، فقالت: يا رسول الله! إِنّي أجد في نفسي؛ أنّي لم أطف بالبيت حتى حججت، وذلك يوم النفر، فأبت، وقالت: أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ وفي رواية عنها: يصدر الناس بنسكين وأصدُر بنسك واحد؟! (وفي أخرى: يرجع الناس (وعند أحمد (٦/ ٢١٩): صواحبي، وفي أخرى له (٦/ ١٦٥ و٢٦٦): نساؤك بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة؟!). وكان - ﷺ - رجلًا سهلًا إِذا هويت الشيء تابعَها عليه، فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن، فأهلت بعمرة من التنعيم. فقد تبيّن مما ذكرنا من هذه الروايات -وكلها صحيحة- أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما أمرها بالعمرة عقب الحج بديل ما فاتها من عمرة التمتع بسبب حيضها، ولذلك قال العلماء في تفسير قوله - ﷺ - المتقدّم: «هذه مكان عمرتك»: أي: -------------------- (١) ورجّح شيخنا -رحمه الله- الأول، وانظر المصدر المذكور -إِن شئت-. العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة، ثمّ أنشأوا الحج مفردًا. إِذا عرفْتَ هذا؛ ظهر لك جليًّا أنّ هذه العمرة خاصة بالحائض التي لم تتمكن من إِتمام عمرة الحج، فلا تشرع لغيرها من النساء الطاهرات، فضلًا عن الرجال. ومن هنا يظهر السرّ في إِعراض السلف عنها، وتصريح بعضهم بكراهتها، بل إِنّ عائشة نفسها لم يصحّ عنها العمل بها، فقد كانت إِذا حجّت تمكث إِلى أن يهلّ المحرم ثمّ تخرج إِلى الجُحْفَةِ فتحرم منها بعمرة، كما في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٦/ ٩٢). وقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٤٤) بمعناه عن سعيد بن المسيب: أنّ عائشة -رضي الله عنها- كانت تعتمر في آخر ذي الحجة من الجحفة. وإسناده صحيح. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الاختيارات العلمية» (ص ١١٩): «يكره الخروج من مكة لعمرة تطوّع، وذلك بدعة لم يفعله النّبيّ - ﷺ -، ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان ولا في غيره، ولم يأمر عائشة بها، بل أذن لها بعد المراجعة؛ تطييبًا لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقًا، ويخرج عند من لم يكرهه على سبيل الجواز». وهذا خلاصة ما جاء في بعض أجوبته المذكورة في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٥٢ - ٢٦٣)، ثمّ قال (٢٦/ ٢٦٤): «ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك، فروى وسعيد بن منصور في»سننه" عن طاوس -أجلّ ![]()
__________________
|
|
#112
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الرابع من صــ 436الى صــ 443 الحلقة (112) أصحاب ابن عباس- قال:»الذين يعتمرون من التنعيم؛ ما أدري أيؤجزون عليها أم يعذبون؟! قيل: فلِمَ يعذبون؟! قال: لأنّه يَدَع الطواف بالبيت، ويخرج إِلى أربع أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال [يكون] قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء«. وأقرّه الإِمام أحمد. وقال عطاء بن السائب:»اعتمرنا بعد بالحج، فعاب ذلك علينا سعيد ابن جبير«. وقد أجازها آخرون، لكن لم يفعلوها ...». وقال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (١/ ٢٤٣): «ولم يكن - ﷺ - في عُمره عمره واحدة خارجًا من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عُمَره كلها داخلًا إِلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة، لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجًا من مكة في تلك المدة أصلًا، فالعمرة التي فعَلها رسول الله - ﷺ - وشرعها فهي عمرة الداخل إِلى مكة، لا عمرة من كان بها فيخرج إِلى الحل ليعتمر. ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إِلا عائشة وحدها من بين سائر من كان معه؛ لأنّها كانت قد أهلّت بالعمرة فحاضت، فأمرها فأدخلت الحج على العمرة وصارت قارنة، وأخبرها أنّ طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة وقع عن حجّتها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحباتها بحجّ وعمرة مستقلين -فإِنهن كنّ متمتعات ولم يحضْنَ ولم يَقْرِنّ- وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يُعْمِرَها من التنعيم تطييبًا لقلبها، ولم يعتمر هو من التنعيم في تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه». العمرة الرَّجَبِيَّة! لم يَرد دليل في تخصيص العمرة في رجب، ويجوز من غير تخصيص؛ كما هو الشأن في سائر الشهور، لكن هناك من يعظّم العمرة في رجب إِلى حدٍّ كبير ويحرص ألا تفوته، وذلك نابع عن اعتقادِ أجرٍ خاصّ! عن مجاهد قال: «دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد؛ فإِذا عبد الله بن عمر جالس إِلى حُجْرة عائشة، والنّاس يُصلّون الضحى في المسجد، فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة (١). فقال له عروة: يا أبا عبد الرحمن! كم اعتمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أربع عُمَر، إِحداهُنَّ في رجب. فكرهنا أنْ نكذّبه ونرُدَّ عليه، وسمعنا اسْتِنان عائشة في الحجرة، فقال عروة: ألا تسمعين يا أمّ المؤمنين! إِلى ما يقول أبو عبد الرحمن؟! فقالت: وما يقول؟ قال: يقول: اعتمر النّبيّ - ﷺ - أربع عمرٍ إِحداهنّ في رجب؟ فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن! ما اعتمر رسول الله - ﷺ - إِلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قطّ!» (٢). وهذا لا يعني المنع في ضوء ما سبق في كلامي من جواز العمرة في كلّ الشهور، لكن القول بالأجر الخاص لا بد له من دليل خاص كأجر العمرة في رمضان. ----------------- (١) هذا قد حمله القاضي وغيره على أن مراده أن إِظهارها في المسجد والاجتماع لها هو البدعة؛ لا أن أصل صلاة الضحى بدعة ... والله أعلم. «نووي». (٢) أخرجه البخاري: ١٧٧٦، ١٧٧٧، ومسلم: ١٢٥٥. العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع (١): عن أبي رزين العقيلي:»أنّه أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعْنَ؟ قال: «حُجَّ عن أبيك واعتمِر» (٢). قال أبو عيسى -رحمه الله-: «هذا حديث حسن صحيح، وإنما ذُكرت العمرة عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الحديث: أن يعتمر الرجل عن غيره. وأبو رزين العقيلي اسمه: لَقِيطُ بن عامر». فضائل المدينة النبويّة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِن الإِيمان ليأرِزُ (٣) إِلى المدينة، كما تأرز الحية إِلى جحرها» (٤). فضل الموت بالمدينة النبوية: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها؛ فإِني أشفع لمن يموت بها» (٥). --------------------- (١) هذا العنوان من «سنن النسائي». (٢) أخرجه ابن ماجه، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٣٨). (٣) يأرز: أي: ينضمّ إِليها ويجتمع بعضه إِلى بعض فيها«.»النهاية«. (٤) أخرجه البخاري: ١٨٧٦، ومسلم: ١٤٧. (٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٠٧٦)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (٢٥٢٦). وعن عمر أنّه قال: «اللهمّ! ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك» (١). قلت: وقد كان ذلك بحمد الله -تعالى- وتوفيقه (٢). استحباب شدّ الرحال إِلى المساجد الثلاثة: عن أبي هريرة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى» (٣). وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: «قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثمّ أينما أدركتك الصلاة بعد فصلّه؛ فإِن الفضل فيه» (٤). فضل الصلاة في المسجد النبوي: عن جابر -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إِلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٥). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٨٩٠. (٢) وانظر «صحيح البخاري» برقم (٣٧٠٠) (باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان؛ وفيه مقتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-. (٣) أخرجه البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧. (٤) أخرجه البخاري: ٣٣٦٦، ومسلم: ٥٢٠. (٥) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٥٥)، وتقدّم. فوائد متعلّقة بالمسجد النبوي الشريف: ١ - لا يجوز شدّ الرّحال إِلى قبر النّبيّ - ﷺ -؛ للحديث المتقدّم: «لا تشدّ الرحال إلاَّ إِلى ثلاثة مساجد ...». ٢ - لا يجوز التقبيل أو التمسح بالقبر الشريف. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا (١)، وصلّوا عليّ؛ فإِن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٢). ٣ - إِذا بلغ المرء قبر النّبيّ - ﷺ - وصاحبيه -رضي الله عنهما-، قال: «السلام عليك يا رسول الله! ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا عمر! كما كان ابن عمر يفعل، فإِن زاد شيئًا يسيرًا مما يُلْهَمُهُ ولا يلتزمه؛ فلا بأس -إِن شاء الله تعالى-» (٣). فضل ما بين القبر والمنبر (٤): عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ما بين بيتي ومنبري -------------------- (١) قال ابن القيم -رحمه الله-:».. نهي لهم أن يجعلوه مجمعًا، كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إِليها للصلاة، بل يزار قبره -صلوات الله وسلامه عليه- كما كان يزوره الصحابة -رضوان الله عليهم- على الوجه الذي يرضيه ويحبه، -صلوات الله وسلامه عليه-«.»عون«(٦/ ٢٣). (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧٩٦)، وأحمد، وانظر»المشكاة«(٩٢٦)، و»تحذير الساجد«(ص ٩٦). (٣) انظر»مناسك الحج والعمرة«(ص ٥٨). (٤) هذا العنوان من»صحيح البخاري". روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي» (١). لا يصح أن نقول: حرم المقدس أو حرم الخليل. جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١١٧): «وليس في الدنيا حرم -لا بيت المقدس، ولا غيره إلاَّ هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرمًا كما يسمي الجهال، فيقولون: حرم المقدس، وحرم الخليل؛ فإِن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه: حرم مكة، وأمّا المدينة فلها حرم أيضًا عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النّبيّ - ﷺ -، ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث: إِلا في»وَجٍّ«، وهو وادٍ بالطائف، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم». استحباب إتيان مسجد قباء والصلاة فيه: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله - ﷺ - «يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا» (٢). وعن سهل بن حُنيف قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تطهر في بيته، ثمّ أتى مسجد قباء، فصلّى فيه صلاة؛ كان له كأجر عمرة» (٣). مشاركة حاضري المسجد الحرام في الجمع والقصر: قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢٦/ ١٦٨): «ومن سُنَّة ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٩٦، ومسلم: ١٣٩٠. (٢) أخرجه البخاري: ١١٩٣، ومسلم: ١٣٩٩. (٣) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١١٦٠)، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (٦٧٥). رسول الله - ﷺ -: أنّه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء، وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها، ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة في وقتها، ولا أن يعتزل المكيّون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر، وأن ينفردوا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين؛ فإِن هذا مما يعلم بالاضطرار -لمن تتبع الأحاديث- أنه لم يكن، وهو قول مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وعليه يدل كلام أحمد». استحباب التعجيل إِلى الأهل: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإِذا قضى نَهْمَتَهُ (١)؛ فليُعجِّل إِلى أهله» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا قضى أحدكم حجه؛ فليُعجِّل إِلى أهله؛ فإِنّه أعظم لأجره» (٣). ------------------ (١) النّهْمَة: بلوغ الهمّة في الشيء. «النهاية». (٢) أخرجه البخاري: ١٨٠٤، ومسلم: ١٩٢٧. (٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٣٧٩). ![]()
__________________
|
|
#113
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 1الى صــ 15 الحلقة (113) الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الخامس كتاب النكاح والطلاق والحضانة بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة؛ هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤ الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة بسم الله الرحمن الرحيم النِّكاح النِّكاح تعريفه -في اللغة-: الضمّ والتداخُل (١). وفي الشرع: التزويج وربُّما عُبِّر به عن الغِشْيان نفسه (٢). التَّرغيب في النكاح (٣): لقد رغَّب الإِسلام في الزواج بصورٍ مُتعدِّدة للترغيب: فتارة يذكر أنَّه من سُنن الأنبياء، وهَدْي المرسلين، وأنّهم القادة الذين يجب علينا أن نقتدي بهُداهم: ﴿ولقد أَرْسَلنا رُسُلًا من قَبْلِك وجَعَلنا لهم أزواجًا وذُرِّيَّة﴾ (٤). وتارةً يذكره في معرض الامتنان: ﴿واللهُ جَعَلَ لكُم مِنْ أَنْفُسكُم أزواجًا وجَعَلَ لكم من أزواجكم بَنِينَ وحَفَدَةً وَرَزَقَكم من الطيِّبات﴾ (٥). وأحيانًا يتحدّث عن كونه آيةً من آيات الله: ﴿ومن آياته أن خَلَقَ لَكُم من أَنْفُسِكم أزواجًا لِتَسْكُنُوا إِليها وجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً ورَحْمَة إِنَّ في ذلك ------------------- (١) «فتح» (٩/ ١٠٣). (٢) «حلية الفقهاء» (ص ١٦٥). (٣) عن «فقه السُّنّة» (٢/ ٣٢٦) بتصرّف. (تنبيه): من هذا العنوان حتى آخر كتابي «الموسوعة الفقهية»؛ سأعتمد -إِن شاء الله تعالى- في عَزْوِي إلى «فقه السنة» -طبعة «الفتح للإِعلام العربي»- مصر. (٤) الرعد: ٣٨. (٥) النحل: ٧٢. لآياتٍ لقوم يتفكرون﴾ (١). وقد يتردّد المرء في قَبول الزواج، فيُحْجِمُ عنه؛ خوفًا من الاضطلاع بتكاليفه، وهروبًا من احتمال أعبائه، فَيَلْفِتُ الإِسلام نظره إِلى أنّ الله سيجعل الزواج سبيلًا إِلى الغنى، ويمده بالقوة، التي تجعله قادرًا على التغلُّب على أسباب الفقر: ﴿وأَنْكِحُوا الأَيَامَى (٢) مِنْكُمْ والصَّالِحين من عِبَادكُمْ (٣) وإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه (٤) واللهُ واسعٌ عليم﴾ (٥). عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتَب (٦) الذي يريد الأداء، والناكح الذي --------------------- (١) الروم: ٢١. (٢) الأيامى: جمع أيّم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، وسواء كان قد تزوج ثمّ فارق، أو لم يتزوج واحد منهما. حكاه الجوهرى عن أهل اللغة، يقال: رجل أيّم، وامرأة أيّم أيضًا.»تفسير ابن كثير«. (٣) أي: عبيدكم. (٤) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعَدهم عليه الغنى، فقال: ﴿إِنْ يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾.»تفسير ابن كثير«. (٥) النور: ٣٢. (٦) المكاتَب: من الكتابة: وهي أن يكاتِب الرجل عبده على مال يؤدّيه إِليه مُنجْمًا، فإِذا أدّاه صار حرًّا، وسُمّيت كتابة لمصدر كَتَب، كأنه يكْتُب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب مولاه له عليه العِتق، وقد كاتبه مُكاتبة، والعبد مكاتَب. وانظر»النهاية". يريد العفاف» (١). وجاء في «سنن النسائي»: (باب معونَةِ اللهِ الناكحَ الذي يُريد العفاف (٢» وذكر الحديث السابق. وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (٣). وعن ثوبان قال: لمّا نزلت: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ (٤)، قال: كنّا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، فقال بعض الصحابة: أُنزلت في الذهب والفضة، لو عَلِمنا أيُّ المال خيرٌ فَنتَّخِذَهُ؟ فقال: «أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إِيمانه» (٥). ْوعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِن سعادة ابن آدم ثلاثة، ومِن شِقْوَةِ ابن آدم ثلاثة. مِن سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح. ومِن شِقْوة ابن آدم: المرأة السوء، ---------------------- (١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٣٥٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٠٤١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠١٧)، وانظر»غاية المرام«(٢١٠). (٢) انظر»صحيح سنن النسائي«(٢/ ٦٧٧). (٣) أخرجه مسلم: ١٤٦٧. (٤) التوبة: ٣٤. (٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٤٧٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٠٥)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (١٩١٣). والمسكن السوء، والمركب السوء» (١). وعنه -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاث من السَّعادة: المرأة تراها تعجبك، وتغيب عنها فتأمنها على نفْسها ومالك، والدابّة تكون وَطِيئةً، فتُلحِقُك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق. وثلاث من الشقاء: المرأة ترأها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإنْ غِبت لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابّة تكون قَطُوفًا (٢)، فإِن ضربتها أتعبتك، وإِن تركتها لم تُلْحِقْك بأصحابك، والدار تكون ضيّقة قليلة المرافق» (٣). وعن أنس -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي» (٤). وفي رواية: «إِذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي» (٥). -------------------- (١) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح، والطبراني وغيرهما، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩١٤)، و«الصحيحة» (١٠٤٧). (٢) القَطُوف من الدواب: التي تُسيء السير وتُبطئ، وقد يوصف بها الإنسان فيقال: هذا غلام قطوف. «الوسيط». (٣) أخرجه الحاكم وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩١٥)، وانظر «الصحيحة» (١٠٤٧). (٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط» وغيره، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩١٦)، وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (٦٢٥). (٥) أخرجه البيهقي، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في "صحيح الترغيب = حُكم الزواج: يجب الزواج على كل شخص يخشى العنَت -وهو الوقوع في الزنى والفجور-. عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة (١) فليتزوج، فإِنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء (٢)» (٣). ------------------ = والترهيب«(١٩١٦). (١) قال النووي -رحمه الله-:»واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين، يرجعان إِلى معنى واحد، أصحهما أن المراد معناها اللغوي، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مُؤَنِهِ، وهي مُؤَنُ النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه؛ فعليه بالصوم ليدفع شهوته، ويقطع شرَّ منيِّه كما يقطعه الوجاء. وعلى هذا القول؛ وقع الخطاب مع الشبَّان الذين هم مَظِنَّة شهوة النساء، ولا ينفكّون عنها غالبًا. والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مُؤَنُ النكاح، سُمّيت باسم ما يلازمها. وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم؛ ليدفع شهوته. والذي حمل القائلين بهذا على أنهم قالوا: قوله - ﷺ -. «ومن لم يستطع فعليه بالصوم»، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إِلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. وأجاب الأولون بما قدّمناه في القول الأول وهو أن تقديره من لم يستطع الجماع؛ لعجزه عن مؤنه وهو محتاج إلى الجماع؛ فعليه بالصوم. والله أعلم«. (٢) جاء في»النهاية«:»الوجَاء: أن تُرَضّ أنثيا الفحل رضًّا شديدًا يُذهب شهوة الجماع ...«. وفي»الفتح«(٩/ ١١٠):»... وجأه بالسيف: إِذا طعنه به؛ ووجأ أنثييه؛ غمزهما حتى رضّهما«. وقال النووي -رحمه الله-:»المراد هنا: أنّ الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شر المنيّ كما يفعله الوجاء". (٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٦، ومسلم: ١٤٠٠. قال الحافظ ابن كثير بعد قوله -تعالى-: ﴿وأنكحوا الأيامى ...﴾: «وقد ذهب طائفة من العلماء إِلى وجوبه، على كلّ من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله - ﷺ -:»يا معشر الشباب ... «...». ومن لم يستطع الباءة التي تقدّم ذِكرها فعليه بالصوم؛ لحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- المتقدّم: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وجاء». الزواج الحرام (١): يحرُم الزواج في حق من يُخِلّ بالزوجة في الوطء والإِنفاق، مع عدم قدرته عليه وتَوَقَانِهِ إِليه، قال الطبري: فمتى علم الزوج أنّه يعجز عن نفقة زوجته، أو صَداقها، أو شيء من حقوقها الواجبة عليه، فلا يحلّ له أن يتزوجها، حتى يُبيّن لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها. وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع، كان عليه أن يبيّن؛ كيلا يغرَّ المرأة من نفسه، وكذلك لا يجوز أن يغرّها بنسب يدّعيه؛ ولا مال ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها. وكذلك يجب على المرأة، إِذا علِمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علّة تمنع الاستمتاع؛ من جنون، أو جذام، أو برص، أو داءٍ في الفرج، لم يجُز لها أن تغرّه، وعليها أن تبيّن له ما بها في ذلك، كما يجب على بائع السلعة أن يبيّن ما بسلعته من العيوب. ------------------ (١) هذا العنوان وما يتضمّنه من «فقه السُّنّة» (٢/ ٣٣٤) بتصرّف. ومتى وجَد أحد الزوجين بصاحبه عيبًا، فله الردّ، فإِنْ كان العيب بالمرأة ردّها الزوج، وأخذ ما كان أعطاها من الصَّداق. وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: إِذا اكتشف الرجل عيبًا بالمرأة يمنعه الاستمتاع، فهل له أخْذ ما أعطاها من الصّداق؟ فأجاب -رحمه الله-: إِذا جامعها؛ لا، وإِذا لم يجامعها فله ذلك. النهي عن التبتّل (١) للقادر على الزواج: عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: «ردّ رسول الله - ﷺ - على عثمان بن مظعون التبتل (١)، ولو أذِن له لاختصينا» (٢). هل يقدّم الزواج على الحجّ؟ إِذا احتاج الشخص إِلى الزواج وخشي العنت؛ فإِنه يقدّمه على حجّة الإِسلام التي تجب عليه، وإلا قدّم الحجّ عليه. ----------------------- (١) قال النووي -رحمه الله-: «قال العلماء: التبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح؛ انقطاعًا إِلى عبادة الله. وأصل التبتل القطع، ومنه: مريم البتول، وفاطمة البتول؛ لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينًا وفضلًا ورغبة في الآخرة. ومنه صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن تصرف مالكها. قال الطبري: التبتل هو ترك لذَّات الدنيا وشهواتها، والانقطاع إِلى الله -تعالى- بالتفرغ لعبادته. وقوله:»رد عليه التبتل«معناه: نهاه عنه. وهذا عند أصحابنا محمول على من تاقت نفسه إِلى النكاح ووجد مؤنه، وعلى من أضرّ به التبتل بالعبادات الكثيرة الشاقّة. أمّا الإِعراض عن الشهوات واللذات؛ من غير إِضرار بنفسه، ولا تفويت حق لزوجة ولا غيرها؛ ففضيلة ...». (٢) أخرجه البخاري: ٥٠٧٣، ومسلم: ١٤٠٢. عن أبي هريرةرضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «غزا نبيٌّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يَتبعْني رجل قد ملَك بُضع (١) امرأة وهو يُريد أن يبنيَ بها ولمّا يَبْنِ بها، ولا آخرُ قد بنى بُنيانًا ولمّا يرفَعْ سقُفَها ...» (٢). جاء في «الصحيحة» تحت هذا الحديث (٢٠٢): «قال ابن المنيِّر: يستفاد منه الردّ على العامّة في تقديمهم الحجّ على الزواج، ظنًّا منهم أنّ التعفّف إِنّما يتأكّد بعد الحجّ، بل الأولى أن يتعفّف ثمّ يحجّ». وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: هل يقدّم الزواج على الحج؟ فأجاب: إِذا خشي العنَت قدّمه، وإلا فلا. في ذمِّ العِشْق: قال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٤/ ٢٦٥) -بحذف-: "هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكّن واستحكم، عزّ على الأطباء دواؤه، وأعْيَا العليلَ داؤُه، وإنما حكاه الله -سبحانه- في كتابه عن طائفتين من النّاس؛ من النّساء، وعُشّاق الصبيان المُردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط، فقال -تعالى- إِخبارًا عنهم لمّا جاءت الملائكة لوطًا: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣). ---------------------- (١) البُضع: فرج المرأة. (٢) أخرجه مسلم: ١٧٤٧. (٣) الحجر: ٦٧ - ٧٢. نعم؛ كان رسول الله - ﷺ - يُحبُّ نِساءه، وكان أحبهنّ إِليه عائشة -رضي الله عنها- ولم تكن تبلُغُ محبتُه -لها ولا لأحد سوى ربه- نهايةَ الحبّ. وعِشق الصور إِنما تُبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله -تعالى-، المُعرضة عنه، المتعوّضة بغيره عنه، فإِذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إِلى لقائه، دفع ذلك عنه مَرَضَ عِشْق الصور، ولهذا قال -تعالى- في حقّ يوسف: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إِنّه من عبادنا المُخلَصين﴾ (١)، فدل على أن الإِخلاص سبب لدفع العشق؛ وما يترتّب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصرف المسبَّب صرف لسَبَبِهِ، ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب فارغ، يعني: فارغًا مما سوى معشوقه. قال -تعالى-: ﴿وأصبح فؤاد أمّ موسى فارغًا إِن كادت لتبدي به﴾ (٢) أي: فارغًا من كل شيء إِلا من موسى؛ لِفَرْطِ محبتها له، وتعلّق قلبها به. والمحبة أنواع متعددة: فأفضلها وأجلها: المحبة في الله ولله، وهي تستلزم محبة ما أحبّ الله، وتستلزم محبة الله ورسوله. ومنها: محبة الاتفاق في طريقةٍ، أو دينٍ، أو مذهب، أو نِحلة، أو قرابة، أو صناعة، أو مرادٍ ما. ومنها: محبة لنيل غرض من المحبوب، إِمّا مِن جاهه أو من ماله أو مِن تعليمه وإرشاده، أو قضاء وَطَرٍ منه، وهذه هي المحبة العَرَضِيَّةُ التي تزول بزوال مُوجِبِها، فإِنَّ مَنْ ودَّك لأمرٍ ولّى عنك عند انقضائه. ------------------ (١) يوسف: ٢٤. (٢) القصص: ١١. وأمّا محبةُ المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب، فمحبة لازمة لا تزول إِلا لعارض يُزيلها، ومحبة العشق من هذا النوع، فإِنها استحسان روحاني، وامتزاج نفساني، ولا يَعْرِضُ في شيء من أنواع المحبة -من الوسواس والنحول، وشغل البال، والتلف- ما يَعْرِضُ من العشق». انتهى. قلت: وبهذا؛ فالعِشق مَشْغَلةٌ عن الله -سبحانه- الذي ينبغي أن يكون أحبَّ إِليك من نفسك ومالك والناس أجمعين. وهو عذابٌ لا يُؤجر المرء عليه، وقد يدفع بعضَ الناس إِلى الشرك بالله، وتقديم ذلك المحبوب على الله -تعالى- أو رسوله - ﷺ -. ولو قيل لبعضهم: لو طُلب منك الكُفر لِنَيْلِ محبوبك، أكنتَ فاعلَهُ؟ لقال: نعم! نعوذ بالله -تعالى- من الخِذلان. قال الشاعر: فما في الأرض أشقى من مُحِبٍّ ... وإِنْ وجَدَ الهوى حُلْوَ المذاقِ تراه باكيًا في كلّ حينٍ ... مخافةَ فُرقةٍ أو لاشتياقِ والعِشق يوقع صاحبه في الذُّل؛ فإِنه لا يرضى إِلا بالمعشوق، فكلما تقدّم الخُطّاب -ومهما كانوا متحلّين بحُسن الدين والخُلُق-؛ كان الكذب في إِبداء المعاذير وردّهم. وخيرُ ما يفعله الشابُّ أو الشابّة؛ عدم التعلّق بمعشوق، والجِدّ والمثابرة في النكاح الصحيح؛ في ضوء قوله - ﷺ -: «إِذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه» (١). مع إضافة ما يمكن الحصول عليه من الرغبة في الجمال ونحوه. ----------------- (١) سيأتي تخريجه -إِن شاء الله تعالى-. ![]()
__________________
|
|
#114
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 16الى صــ 30 الحلقة (114) وأنت تَرى أنّ كلّ عاشق يزعم أن عشيقته هي ملكة الجمال في كلّ من خلَق الله -تعالى- من نساء الأرض! وذلك لأنه صادف قلبًا خاليًا فتمكّن؛ كما في قول الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا فليت أوّل لحظة من هذا تكون في فتاة فاضلة، بعد خِطبة شرعيّة وموافقة من الوليّ؛ ليكون تعلّقهما صحيحًا، وبذا يشعران بالغبطة والحبور والسرور والسعادة؛ عند المحادثة وعند اللقاء ونحو ذلك، فحَذارِ أن تعيش في سراب، ولا تتخيّر العذاب! جعلني الله وإِياك من أولي الألباب. ومع رغبتي في الإِفاضة في الموضوع؛ أكتفي بهذا، ففي هذا ذكرى و﴿الذكرى تنفع المؤمنين﴾ (١). الرغبة عن الزواج: ومن المصائب الكُبرى التي ابتُلِيَتْ بها أمّتنا؛ الاستهتار بالنكاح، ولا تجدُ ثمّة تفكير عند الشباب فيه، والأسباب كثيرة؛ من أبرزها الحرص على الحصول على الشهادة -ولا أقول: الحرص على تلقّي العلم-، والكلام في هذا يطول، ولكن ملخّصه: إِنّ مناهج الحياة قد صُنعت لنا وفُرضت علينا من قِبَل الكَفرة والمشركين، وحَرص كثير من الناس على أخْذها بحبّ وقناعة، ومن ذلك النظام التعليمي، فالشباب والشابّات قد أَقْصَوْا عن تفكيرهم أمر الزواج؛ حتى يُنْهوا الدراسة الجامعية، واشترط بعضهم التخصص! واشترط كثيرٌ منهم ممارسة العمل والحصول ---------------------- (١) الذاريات: ٥٥. على الأموال الكثيرة، وماذا يكون من شأنهم وشأنهنّ خلال فترة الدراسة؟! أَيَقْضُونَهَا في غَضِّ بصرٍ وحِفْظ فرجٍ، أم صومٍ ليكون لهم وجاءً؟! وهناك من يلجأ إِلى الاستمناء (العادة السرية) ليطفئ حرارة شهوته. وقال لنا شيخنا -رحمه الله- في بعض مجالسه: العادة السرّية [الاستمناء] حرام، ولو خشي الزنى، والحَلُّ هو الزواج! وتلا قوله -تعالى-: ﴿... فَمَن ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلكَ فأولئِك هُمُ العَادُون﴾ (١). أقول: إِنّ في بلاد الكُفر إِباحة جنسية، ففي السنة السادسة الدراسية؛ تُدرّس الموادّ الجنسية، مع التطبيق العملي والوسائل المُعِينَةِ في ذلك! الجنس مُشاعٌ ميسَّر في كل وقت؛ فهم لا يعرفون الحرام. فكيف بنا نقلّدهم؟ ونكبِتُ الشباب والشابّات -هذا للعفيفين والعفيفات-؟! أما من ضعُف إِيمانه؛ فلا يسأل كيف يقضي شهوته؟ وبذلك تكون المعاهد والمجتمعات ملتقى العُشّاق والفُسَّاق!! كل هذا، وهذه التخصّصات الدراسية والعلمية؛ لم تُؤتِ أكُلها كما ينبغي، وكثير من الرّجال والنساء حصلوا على الشهادات، وأَنْهَوْا دراساتهم، ولكنْ هم أنفسهم على قناعةٍ أنهم لم يُفِيدُوا من دراساتهم ما يستحقّ الذِّكر. ولكن أصبح من المُخزي -زعموا- ألا يُدرِّس الرجلُ ولدَه أو ابنتَهُ، وأمسى الرياءُ، وحبُّ الظهور، ومداراةُ المجتمع أمرًا بيِّنًا جليًّا. وأرجو أن يُيسَّر لهذه الأمّة من يجمع بين العِلم النافع وتيسير النكاح. -------------------- (١) المؤمنون: ٧، المعارج: ٣١. وعلى كلّ حال: أريد أن أُذكّر بقول رسول الله - ﷺ -: «مِن حُسن إِسلام المرء ترْكه ما لا يعنيه» (١). فالإِنسان مسؤول أمام الله -تعالى- عن إِضاعة الوقت، وعن تأخير الزواج، وعن إِيقاع نفسه في الفتنة. ولعلّنا نستطيع أن نتّخذ الشهادة والدراسة حُجَّةً أمام الناس. أمّا أمام الله -تعالى- فلا، وقد قال -سبحانه-: ﴿بَل الإِنْسَانُ على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (٢). اختيار الزّوجة: ومَنْ أقبَلَ على النكاح؛ فعليه أن يتحرّى في اختياره الزوجة ما يأتي: ١ - أن تكون ذات دين؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبي - ﷺ - قال: «تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولِحسبها (٣)، ولجمالها، ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك (٤)» (٥). ------------------- (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٨٨٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٢١١)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «العقيدة الطحاوية» (٢٦٨). (٢) القيامة: ١٤ - ١٥. (٣) «أي: لشرفها، والحسب في الأصل: الشرف بالآباء وبالأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إِذا تفاخروا عدّوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها؛ فيُحكم لمن زاد عدده على غيره ...». «فتح» (٩/ ١٣٥). (٤) «تربت يداك؛ أي: لصقتا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يُراد به حقيقته ...». «فتح». (٥) أخرجه البخاري: ٥٠٩٠، ومسلم: ١٤٦٦. وفي الحديث: «الحسب: المال» (١). وفي رواية: «إِنّ أحساب النّاس بينهم هذا المال» (٢). ٢ - أن تكون وَلُودًا وَدُودًا: لحديث معقل بن يسار -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «تزوّجوا الوَدُودَ الوَلوُدَ، فإِني مُكاثر بكم الأمم» (٣). ٣ - أن تكون حانية على ولدها، وراعية على زوجها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «خير نساء ركبن الإِبل: صالحُ (٤) نساءِ قريش، أحناه (٥) على ولد في صِغره، وأرعاه على زوج (٦) في ذات يد» (٧). ------------------ (١) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٧٠). (٢) انظر «الإِرواء» (١٨٧١). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٠٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٠٢٦)، والحاكم، وانظر «الإِرواء» (١٧٨٤)، و«آداب الزفاف» (ص ١٣٢). (٤) قال الحافظ -رحمه الله-: «المراد بالصلاح هنا: صلاح الدين وحُسن المخالطة مع الزوج ونحو ذلك». (٥) الحانية: التي تقيم على ولدها، ولا تتزوّج شفقة وعطفًا. «النهاية». (٦) «أرعاه على زوج؛ أي: أحفظ وأصون لماله بالأمانة فيه، والصيانة له وترك التبذير في الإِنفاق». «فتح». (٧) أخرجه البخاري: ٥٠٨٢، ومسلم: ٢٥٢٧. وهذا -وما قبله من معرفتها وَدُودًا وَلُودًا- إِنما يتمُّ بالاستفسار عن بيئتها وأهل بيتها. وفي بعض مجالس شيخنا -رحمه الله- كان أحد الإِخوة من المغرب يتكلّم مُبالِغًا حول لقاء الخطيبَين وحوارهما ومناقشتهما ... إِلخ فقال له شيخنا -رحمه الله-: كيف تعرف أنها وَلُود، هل تقول لها: هل أنتِ وَلُود؟! قال: لا؛ أسأل عن أمّها وأخواتها، قال شيخنا -رحمه الله-: وكذلك هل تقول لها: هل أنت وَدُود؟! انتهى. قلت: ولا مانع من اللقاء فيما لا بُدَّ منه؛ وممّا فيه مصلحة النّكاح، دون مبالغة وإِسراف. ٤ - ويفضّل أن تكون بِكرًا: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «هَلَكَ أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات-، فتزوجتُ امرأة ثيِّبًا، فقال لي رسول الله - ﷺ -: تزوجتَ يا جابر؟! فقلت: نعم، فقال: بكرًا أم ثيّبًا؟ قلت: بل ثيّبًا، قال: فهلا جارية تُلاعِبها وتُلاعِبك، وتُضاحكهَا وتُضاحكك؟ قال: فقلت له: إِنّ عبد الله هَلَكَ وترك بنات، وإِني كَرِهْتُ أنْ أجِيئهنّ بمثلهن، فتزوجتُ امرأة تقوم عليهن وتُصلحهن، فقال: بارك الله لك -أو خيرًا-» (١). وللإِنسان اختيار الزوجة الجميلة أو اشتراطها عند النكاح، لأنه يعمل عملَهُ في غضّ البصر وتحصين الفرج. عن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ - ﷺ - قال: "إِنّ الله جميل يحب --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٣٦٧، ومسلم: ٧١٥. الجمال» (١). وقال - ﷺ -: «عليكم بالأبكار؛ فإِنهنّ أعذبُ أفواهًا، وأنتقُ أرحامًا، وأرضى باليسير» (٢). التقارُب في السِّنِّ: عن بريدة قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة -رضي الله عنهم-، فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنها صغيرة. فخطبها عليّ، فزوّجها منه» (٣). ولكن؛ لا نجعل هذا التقارُب عائقًا إِن لم يتيسّر؛ فالموازنة في المصالح أمرٌ لا بُدّ منه. وهذا لا يمنع من تزويج الصغيرة من الكبير! واقرأ العنوان الآتي: تزويج الصغار من الكبار (٤): عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «تزوّجني النّبيّ - ﷺ - وأنا بنتُ ستِّ سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوُعِكتُ، فتمزّق شعري (٥)، فوَفَى جُمَيْمَةً (٦)، فأتتني أمّي أمُّ رومان -وإني لفي أرجوحة ومعي ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٩١. (٢) أخرجه ابن ماجه وغيره، وانظر»الصحيحة«(٦٢٣). (٣) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠٢٠)، وغيره. (٤) هذا العنوان من»صحيح البخاري«. (٥) فتمزّق شعري؛ أي: تقطع.»فتح«. (٦) فوفى جُمَيْمَةً؛ أي: كثر. وجُمَيْمَة: مجتمع شعر الناصية، ويقال للشعر إذا سقط على المنكبين: جُمّة.»فتح". صواحب لي -فصرخَت بي، فأتيتها- لا أدري ما تريد بي؟ -، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنْهَجُ، حتى سكن بعض نَفَسِي، ثمّ أخذت شيئًا من ماء، فمسحت به وجهي ورأسي، ثمّ أدخلتني الدار، فإِذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائرٍ، فأسلمتني إليهنّ، فأصلحن من شأني، فلم يرُعني إِلا رسول الله - ﷺ - ضُحىً، فأسلمتني إِليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين» (١). وعنها -رضي الله عنها- أيضًا: «أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعًا» (٢). وفي لفظ عند مسلم (٣): «ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة». وهذا فيه حكمة بالغة، فليس هناك من اضطرار للصغيرة لانعدام الكبيرات مثلًا، ولكن ليكون حكمًا شرعيًّا يُفِيُد منه المسلمون، فتدبّر. واستدلّ البخاري -رحمه الله- على نكاح الصغار بقوله -تعالى-: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٤)، وقال: «فجعَل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ» (٥). قال الحافظ في «الفتح» (٩/ ١٩٠): «فدلّ على أنّ نكاحها قبل البلوغ --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٨٩٤، ومسلم: ١٤٢٢. (٢) أخرجه البخاري: ٥١٣٣. (٣) برقم: ١٤٢٢. (٤) الطلاق: ٤. (٥) انظر»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٣٨". جائز، وهو استنباط حَسَن ..». وقال لي شيخنا -رحمه الله- عن نكاح الصغار -مجيبًا عن سؤالي-: هل المقصود بالصغيرة التي لا تصلح للاستبضاع والتمتّع بها، أم المقصُود التي لم تبلغ سنّ الرُّشد؟ وأنا أُفرِّق بين الأمرين؛ فإِذا كان السؤال متوجهًا إِلى من لا تصلح أن يتمتّع بها الزوج العاقد عليها لصِغَر سنّها؛ فيمكن أن يُقال بأنّ العقد ليس صحيحًا. أمّا إِذا كانت عاقلة وراشدة، لكنها لَمْ تَحِض؛ فعندنا أدلَّة كثيرة على الجواز. أيّ النساء خير؟ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قيل لرسول الله - ﷺ -: أيّ النساء خير؟ قال: «التي تسُرّه إِذا نظر، وتطيعه إِذا أمر، ولا تخالفه فى نفسها ومالها بما يكره» (١). اختيار الزوج: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أتاكم مَن ترضون خُلُقه ودينه فزوّجوه، إِلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد عريض» (٢). ------------------------- (١) أخرجه أحمد، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٠٣٠) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٧٨٦). (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي، (٨٦٦)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٠١)، والحاكم وغيرهم، وانظر»الصحيحة«(١٠٢٢)، و»الإِرواء" (١٨٦٨). عرْض الإِنسان ابنتَه أو أختَه على أهل الخير (١): عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّ عمر بن الخطاب حين تأيّمت (٢) حفصة بنت عمر من خُنيس بن حُذافة السهميّ -وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - فتوفِّي بالمدينة-، فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضتُ عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ لياليَ، ثمّ لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا! قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إِن شئت زوجتُك حفصة بنت عمر، فصَمَتَ أبو بكر، فلم يرجع إِليّ شيئًا، وكنت أَوْجَدَ عليه منِّي على عثمان، فلبثتُ لياليَ، ثمّ خطَبها رسول الله - ﷺ -، فأنكحْتُها إِياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدتَ عليّ حين عرضتَ عليّ حفصة فلم أرجع إِليك شيئًا (٣)؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإِنه لم يمنعني أن أرجع إِليك فيما عرضت عليّ إلاَّ أني كنت علمت أن رسول الله - ﷺ - قد ذكرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله - ﷺ -، ولو تركها رسول الله - ﷺ - قَبِلْتُها» (٤). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٩/ ١٧٨): «... وفيه أنه لا بأس ----------------------- (١) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٣٣«. (٢)»تأيمّت؛ أي: صارت أيّمًا، وهي التي يموت زوجها أو تبين منه وتنقضي عدتها، وأكتر ما تُطْلَق على من مات زوجها، وقال ابن بطال: العرب تُطْلِق على كل امرأة لا زوج لها وكل رجل لا امرأة له أيِّمًا«.»فتح«. (٣) أي: أعدْ عليك الجواب.»فتح". (٤) أخرجه البخاري: ٥١٢٢. بعرضها عليه، ولو كان متزوّجًا؛ لأنّ أبا بكر كان حينئذ متزوّجًا». التَّزْيين للتنفيق والتّرغيب في النكاح: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «عَثَرَ أسامةُ بِعَتَبَةِ الباب، فشُجّ في وجهه، فقال رسول الله - ﷺ -: أميطي عنه الأذى، فتقذَّرته! فجعل يمصُّ عنه الدم ويمجّه عن وجهه، ثمّ قال: لو كان أسامة جاريةً؛ لحلّيته وكسوته حتى أُنفِّقه» (١). وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «أنّ أباه كتب إِلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهرى؛ يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها، وعمّا قال لها رسول الله - ﷺ - حين استفتته؟ فكتب عمر بن عبد الله ابن الأرقم إِلى عبد الله بن عتبة، يخبره أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خَوْلَةَ -وهو من بني عامر بن لؤي؛ وكان ممن شهد بدرًا-، فتوفي عنها في حَجّة الوداع وهي حامل، فلم تَنْشَبْ (٢) أن وضعت حمْلها بعد وفاته، فلما تعلّت (٣) من نفاسها تجمّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكك -رجل من بني عبد الدار-، فقال لها: ما لي أراك تجمّلتِ للخُطّاب؟ تَرْجيِنَ النكاح؟ فإِنك والله ما أنت بناكحٍ، حتى تمرّ عليك ------------------------- (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٠٧)، وانظر»الصحيحة«(١٠١٩). (٢) فلم تنشب؛ أي: لم تمكث.»نووي«. (٣) أي: ارتفعت وطهُرت. ويجوز أن يكون من قولهم: تعلّى الرجل مِن علّته: إِذا برَأ؛ أي: خَرجَتْ مِن نفاسها وسَلِمت.»النهاية". أربعةُ أشهر وعشر! قالت سُبيعة: فلما قال لي ذلك؛ جمعْتُ عليّ ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله - ﷺ -، فسألته عن ذلك؛ فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعْت حملي، وأمَرني بالتزوّج إِنْ بدا لي» (١). وفي الحديث فوائد فقهية أخرى؛ ساق الحافظُ الكثيرَ الطيّبَ منها؛ كقوله: «وفيه جواز تجمُّل الموأة بعد انقضاء عدّتها لمن يخطُبها، لأنّ في رواية الزهري عند البخاري: فقال: ما لي أراك تجمّلت للخُطّاب؟ وفي رواية ابن إِسحاق: فتهيأتُ للنكاح واختضبت. وفي رواية معمر عن الزهري: وقد اكتحلت». صلاة المرأة إِدْا خُطِبَت واستخارتُها ربَّها (٢): عن أنس -رضي الله عنه- قال: «لما انقضت عدَّةُ زينب؛ قال رسول الله - ﷺ - لزيد: فاذكُرها عليّ؛ قال: فانطلق زيد فقلت: يا زينب! أرسل رسول الله - ﷺ - يذكرك. قالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا حتى أُوامِرَ (٣) ربي! فقامت إِلى مسجدها (٤)، ونزل القرآن، وجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل عليها بغير إِذن» (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٩٩١، ومسلم: ١٤٨٤. (٢) هذا العنوان من سنن النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢/ ٦٨٦). (٣) أي: أستخيره، وأنظر أمره على لسانِ رسول الله - ﷺ -، قاله القرطبي في «المفهم» (٤/ ١٤٧). (٤) قال النووي -رحمه الله- (٩/ ٢٢٨): «أي: موضع صلاتها من بيتها. وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن همّ بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا». (٥) أخرجه مسلم: ١٤٢٨. الخِطبة (١) الخِطبة: فِعْلة، كقِعدة وجِلسة، يقال: خَطب المرأة يَخْطُبها، خَطْبًا وخِطْبَةً، أي: طلبها للزواج بالوسيلة المعروفة بين الناس، ورجل خطّاب: كثير التصرّف في الخطبة، والخطيب، والخاطب، والخطب؛ الذي يخطب المرأة، وهي خطبة، وخطبته، وخطب يخطب: قال كلامًا يعظ به، أو يمدح غيره، ونحو ذلك. والخِطبة من مقدمات الزواج، وقد شرعها الله قبل الارتباط بعقد الزوجية؛ ليتعرّف كلّ من الزوجين صاحبه، ويكون الإِقدام على الزواج على هدى وبصيرة. ماذا يقول إِذا دُعي ليزوِّج؟ عن أبي بكر بن حفص قال: «كان ابن عمر إِذا دعي إِلى تزويج قال: لا تفضِّضوا (وفي نسخة: تعضضوا) علينا الناس، الحمد لله، وصلّى الله على محمد، إِن فلانًا خطب إِليكم فلانة، إِنْ أَنكحتموه فالحمد لله، وإنْ رددتموه فسبحان الله» (٢). خِطبة معتدَّة الغير (٣): تحرُم خِطبة المعتدَّة؛ سواء أكانت عدتها عدة وفاة، أم عدة طلاق، وسواء أكان الطلاق طلاقًا رجعيًا أم بائنًا، فإِن كانت معتدة من طلاق رجعي، حرمت ------------------------- (١) عن كتاب «فقه السّنة» (٢/ ٣٤٣). (٢) أخرجه البيهقي، وصحّح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في «الإِرواء» (١٨٢٢). (٣) عن «فقه السّنة» (٢/ ٣٤٤) بتصرّف. خطبتها؛ لأنها لم تخرج عن عصمة زوجها، وله مراجعتها في أي وقت شاء. وإِن كانت معتدة من طلاق بائن، حرُمت خطبتها بطريق التصريح، إِذ حقّ الزوج لا يزال متعلّقًا بها، وله حقّ إِعادتها بعقد جديد، ففي تقدُّم رجل آخر لخطبتها اعتداء عليه. واختلف العلماء في التعريض بخطبتها، والصحيح جوازه. وإن كانت معتدة من وفاة، فإِنه يجوز التعريض لخطبتها أثناء العدة دون التصريح (١)؛ قال الله -تعالى-: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خِطبة النّساء أو أكننتم في أنفسكم عَلِم الله أنَّكم ستذكُرُونهنّ ولكن لا تُواعدوهنّ سرًّا إِلاّ أن تقولوا قولًا معروفًا ولا تعزِمُوا عُقْدة النّكاح حتّى يبلغ الكتاب أَجَلَه واعلموا أنّ الله يَعْلَم ما في أنفسكُم فاحذَروه﴾ (٢). والمراد بالنساء المعتدات لوفاة أزواجهن؛ لأن الكلام في هذا السياق، ومعنى التعريض؛ أن يذكر المتكلم شيئًا؛ يدل به على شيء لم يذكره، مِثل أن يقول: إِني أريد التزوج، أو: لَودِدْتُ أن يُيسّر الله لي امرأة صالحة، أو يقول: إِن ----------------------- (١) سألت شيخنا عن قول الشيخ السيد سابق -رحمهما الله تعالى-: وإن كانت معتدة من وفاة فإِنه يجوز التعريض لخطبتها أثناء العدة دون التصريح؛ لأن صلة الزوجية قد انقطعت بالوفاة، فلم يبق للزوج حق يتعلق بزوجته التي مات عنها. وإنما حرمت خطبتها بطريق التصريح؛ رعاية لحزن الزوجة وإحدادها من جانب، ومحافظة على شعور أهل الميت وورثته من جانب آخر؟ فقال -رحمه الله-: لا أرى صحّة هذا التعليل! (٢) البقرة: ٢٣٥. الله لسائق لكِ خيرًا. عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «﴿فيما عرّضتم به من خِطبة النساء﴾ يقول: إِني أريد التزويج، ولوددت أنه ييسر لي امرأة صالحة. وقال القاسم: يقول: إِنك عليّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنّ الله لسائق إِليك خيرًا، أو نحو هذا. وقال عطاء: يُعرّض ولا يبوح، يقول: إِنّ لي حاجة، وأبشري، وأنتِ بحمد الله نافقة» (١). وخلاصة الآراء: أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح للبائن، وللمعتدة من الوفاة، وحرام في المعتدة من طلاق رجعي. وإذا صرَّح بالخِطبة في العدة، ولكن لم يعقد عليها إلاَّ بعد انقضاء عدتها، فقد اختلف العلماء في ذلك؛ قال مالك: يفارقها؛ دخَل بها أم لم يدخل. وقال الشافعي: صح العقد، وإن ارتكب النهي الصريح المذكور؛ لاختلاف الجهة. واتفقوا على أنه يُفرّق بينهما لو وقع العقد في العدة، ودخل بها. وهل تحل له بعد، أم لا؟ قال مالك والليث والأوزاعي: لا يحل له زواجها بعد. وقال جمهور العلماء: بل يحلّ له إِذا انقضت العدة أن يتزوجها، إِذا شاء. وسألت شيخنا -رحمه الله-: «إِذا صرّح بالخِطبة في العدّة، ولكن لم يعقد عليها إِلا بعد انقضاء عدّتها، فهل أنتم مع من قال بصحّة العقد، وإن ارتكب النهي الصريح؟ --------------------- (١) انظر»صحيح البخاري" (٥١٢٤). فأجاب: نعم، أرى صحّة العقد، مع القول بارتكاب النهي». ثمّ رأيت قول عطاء: ولا يواعِد وليّها بغير علمها، وإن واعَدَت رجُلًا في عدّتها ثمّ نكحها بعد، لم يفرّق بينهما (١). تحريم خِطبة الرجل على خِطبة أخيه: عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: أنّ رسول الله - ﷺ -: «المؤمن أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطُب على خِطبة أخيه حتى يَذَرَ» (٢). وإنْ أذِن الأول للثاني جاز. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: «نهى النّبيّ - ﷺ - أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطُب الرجل على خِطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب» (٣). قال أبو عيسى الترمذي: «قال مالك بن أنس: إِنما معنى كراهيهّ أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه: إِذا خطبَ الرجلُ المرأة فرضيت به، فليس لأحدٍ أن يخطب على خِطبته. وقال الشافعي معنى هذا الحديث: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، هذا عندنا إِذا خطب الرجل المرأة، فرضيت به وركنَت إِليه، فليس لأحد أن يخطب(١)»صحيح البخاري" (٥١٢٤). (٢) أخرجه مسلم: ١٤١٤. (٣) أخرجه البخاري: ٥١٤٢، ومسلم: ١٤١٢. ![]()
__________________
|
|
#115
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 31الى صــ 45 الحلقة (115) على خطبته. فأمّا قبل أن يعلم رضاها أو ركونها إِليه، فلا بأس أن يخطبها، والحُجّة في ذلك حديث فاطمة بنت قيس، حيث جاءت النّبيّ - ﷺ -، فذكَرت له أنّ أبا جهم بن حذيفة، ومعاوية بن أبي سفيان خطباها. فقال:»أمّا أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد«(١). فمعنى هذا الحديث عندنا -والله أعلم-: أن فاطمة لم تخبره برضاها بواحد منهما، فلو أخبرته، لم يشر عليها بغير الذي ذكرت» (٢). تفسير ترْك الخِطبة (٣): عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّ عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة قال عمر: لَقيت أبا بكر فقلت: إِن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فلبثت لياليَ، ثمّ خطبها رسول الله - ﷺ -، فلقيني أبو بكر فقال: إِنه لم يمنعني أن أرجع إِليك فيما عرضت؛ إِلا أني قد علمتُ أنّ رسول الله - ﷺ - قد ذكَرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله - ﷺ -، ولو ترَكها لَقَبِلتُها» (٤). قال ابن بَطّال ما ملخصه: «تقدّم في الباب الذي قبله تفسير ترك الخِطبة ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٨٠. (٢) انظر»سنن الترمذي«(كتاب النكاح)»باب أن لا يخطب الرجل على خطبة أخيه«. (٣) هذا من تبويب الإِمام البخاري -رحمه الله- (كتاب النكاح)»باب - ٤٦". (٤) أخرجه البخاري: ٥١٤٥، وتقدّم. صريحًا في قوله: حتى ينكح أو يترك، وحديث عمر في قصة حفصة لا يظهر منه تفسير ترك الخِطبة؛ لأن عمر لم يكن عَلِمَ أنّ النّبيّ - ﷺ - خطب حفصة، قال: ولكنه قصد معنى دقيقًا يدلّ على ثقوب ذهنه ورسوخه في الاستنباط، وذلك أن أبا بكر علم أنّ النّبيّ - ﷺ - إِذا خطب إِلى عمر أنه لا يردُّه، بل يرغب فيه ويشكر الله على ما أنعم عليه به من ذلك، فقام عِلْم أبي بكر بهذا الحال مقام الركون والتراضي، فكأنه يقول: كلّ من عُلِمَ أنه لا يُصرَف إِذا خطب؛ لا ينبغي لأحد أن يخطب على خِطبته» (١). والحاصل: أنّ تفسير ترْك الخِطبة في الحديث السابق أن تُذكَر المرأة مِن قِبَل شخص لأخيه، ويعلم رغبته في النكاح منها، ويُرجّح قبول الوليّ، فهذا كلّه يدعو إِلى ترْك الخِطبة، والله أعلم. إِذا استشارت المرأة رجلًا فيمن يخطبها؛ هل يخبرها بما يعلم (٢)؟ عن فاطمة بنت قيس: أنّ أبا عمرو بنَ حفصٍ طلّقها البتة ... فذكرت الحديث إِلى أن قالت: فلمّا حللتُ؛ ذكرت له أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله - ﷺ -: «أمّا أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه (٣)، وأمّا معاوية فصعلوك (٤) لا مال له، انكحي أسامة بن زيد. فكرهته، ---------------------- (١) انظر»الفتح«(٩/ ٢٠١). (٢) هذا العنوان من سنن النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢/ ٦٨٤). (٣) لا يضع العصا عن عاتقه؛ العاتق: ما بين العنق والمنكب، والمراد أنه كثير الضرب للنساء. (٤) الصعلوك: قليل المال جدًا.»نووي". ثمّ قال: انكحي أسامة، فنكحته. فجعل الله فيه خيرًا واغتبطتُ» (١). إِذا استشار رجلٌ رجلًا في المرأة هل يخبره بما يعلم (٢)؟ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كنت عند النّبيّ - ﷺ -، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوّج (٣) امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله - ﷺ -: أنظرْتَ إِليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إِليها، فإِن في أعين الأنصار شيئًا» (٤). النظر إِلى المخطوبة: عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-: «أنّ امرأة جاءت إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! جئت لأهبَ لك نفسي، فنَظر إِليها رسول الله - ﷺ - فصعَّد النظر إِليها وصوّبه ...» (٥). وعن المغيرة بن شعبة: أنّه خطب امرأة، فقال النّبيّ - ﷺ -: «انظر إِليها؛ فإِنه أحرى أن يُؤْدَمَ (٦) بينكما» (٧). ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٨٠، وتقدّم. (٢) هذا العنوان من سنن النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢/ ٦٨٥). (٣) وفي «صحيح سنن النسائي» (٣٠٤٦): «أراد أنْ يتزوّجها». (٤) أخرجه مسلم: ١٤٢٤، وتقدّم. (٥) أخرجه البخاري: ٥١٢٦، ومسلم: ١٤٢٥. (٦) يُؤدم؛ أي: تكون بينكما المحبّة والاتفاق، يقال: أدَمَ الله بينهما يأدِم أدْمًا -بالسكون-؛ أي: ألّف ووفّق. «النهاية». (٧) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥١١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٠٣٤)، وانظر «الصحيحة» (٩٦). قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن. وقد ذهب بعض أهل العلم إِلى هذا الحديث، وقالوا: لا بأس أن ينظر إِليها ما لم ير منها محرّمًا، وهو قول أحمد وإسحاق. ومعنى قوله:»أحرى أن يؤدم بينكما«؛ قال: أحرى أن تدوم المودة بينكما». وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كنت عند النّبيّ - ﷺ -، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أنظرتَ إِليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إِليها، فإِنّ في أعيُن الأنصار شيئًا» (١)، يعني: الصغر. ويجوز النظر إِليها، ولو لم تعلم أو تشعر به (٢)، لقوله - ﷺ -: «إِذا خطب أحدكم امرأة؛ فلا جناح عليه أن ينظر إِليها، إِذا كان إِنَّما ينظر إِليها لِخطبتهِ، وإِن كانت لا تعلم» (٣). قال شيخنا -رحمه الله-: «وقد عمل بهذا الحديث بعض الصحابة، وهو محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال سهل بن أبي حثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد بُثَيْنَةَ بنت الضَّحَّاك -فوق إِجّار (٤) لها- ببصره طردًا شديدًا، --------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٢٤، وتقدّم. (٢) قاله شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«تحت الحديث (٩٦)، ثمّ ذكر الدليل في الحديث الذي يليه. (٣) أخرجه الطحاوي، وأحمد، والطبراني وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«(٩٧). (٤) الإِجّار -بالكسر والتشديد-: السطح الذي ليس حواليه ما يردّ الساقط عنه.»النهاية". فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله - ﷺ -؟! فقال: إِني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِذا أُلْقي في قلب امرئٍ خِطبةُ امرأة فلا بأس أن ينظر إِليها» (١). روى عبد الرزاق في «الأمالي» (٢/ ٤٦/١) بسند صحيح عن ابن طاوس قال: أردت أن أتزوج امرأة، فقال لي أبي: اذهب فانظر إِليها. فذهبت، فغسلت رأسي وترجَّلت، ولبِسْتُ من صالح ثيابي، فلمّا رآني في تلك الهيئة؛ قال: لا تذهب! إِلامَ ينظُر؟ ويجوز له أن ينظر منها إِلى أكثر من الوجه والكفّين؛ لإِطلاق الأحاديث المتقدّمة (٢)، ولحديث جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا خطب أحدكم المرأة؛ فإِن استطاع أن ينظر إِلى ما يدعوه إِلى نكاحها فليفعل، قال جابر: فخطبْتُ جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيتُ منها ما دعاني إِلى نكاحها، وتزوجتُها» (٣). وقد صنَع مثله محمد بن مسلمة، كما تقدّم، وكفى بهما حُجّة (٤). ---------------------- (١) رواه سعيد بن منصور في «سننه»، وعبد الرزاق في «المصنف»، وابن ماجه والطحاوي وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (٩٨). (٢) هذا كلام شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٩٨). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٢)، وانظر «الإِرواء» (١٧٩١)، و«الصحيحة» (٩٩). (٤) انظر «الصحيحة» تحت الحديث (٩٩). وجاء في»الصحيحة«تحت الحديث (٩٩):»قال ابن القيم في «تهذيب السنن» (٣/ ٢٥ - ٢٦): «وقال داود: ينظر إِلى سائر جسدها، وعن أحمد ثلاث روايات: إِحداهن: ينظر إِلى وجهها ويديها. والثانية: ينظر ما يظهر غالبًا كالرقبة والساقين ونحوهما. والثالثة: ينظر إِليها كلها عورةً وغيرَها؛ فإِنه نص على أنه يجوز أن ينظر إِليها متجردة!». قلت: والرواية الثانية هي الأقرب إِلى ظاهر الحديث، وتطبيق الصحابة له، والله أعلم. وقال ابن قدامة في «المغني» (٧/ ٤٥٤): «ووجه جواز النظر [إِلى] ما يظهر غالبًا: أن النّبيّ - ﷺ - لما أَذِنَ في النظر إِليها من غير عِلمها؛ عُلِمَ أنه أذن في النظر إِلى جميع ما يظهر عادة، إِذ لا يمكن إِفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور، ولأنّه يظهر غالبًا، فأبيح النظر إِليه كالوجه، ولأنها امرأة أبيح له النظر إِليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إِلى ذلك كذوات المحارم». انتهى. قلت: وخلاصة القول جواز النظر من غير اتفاق إِلى ما يظهر غالبًا بما يزيد عن الوجه والكفين؛ لقوله - ﷺ - المتقدّم: «ما يدعوه إِلى نكاحها»، وقوله - ﷺ -: «وإن كانت لا تعلم» وعَمَلِ بعض الصحابة بذلك. أمّا بالاتفاق؛ فلا يكون إِلا للوجه والكفّين. والله -تعالى- أعلم. وسألت شيخنا -رحمه الله-: ما هو آخر ما تقولونه في المواضع التي ينظر إِليها الخاطب؛ أهي الوجه والكفّان فحسب؟ فأجاب -رحمه الله-: نعم. قلتُ: ومِن غير اتفاق؛ ألَهُ أن يحاول رؤية ما يدعوه إِلى نكاحها؟ فأجاب -رحمه الله-: نعم. قال شيخنا -رحمه الله- بعد أن ذكَر عددًا من الأحاديث في النظر إِلى الخطوبة: «هذا؛ ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها ... فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخرة عن العمل بها؛ فإِنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إِلى فتاتهم -ولو في حدود القول الضيق! - تورُّعًا منهم -زعموا-! ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج إِلى الشارع سافرة بغير حجاب شرعي! ثمّ يأبى أنْ يراها الخاطب في دارها وبين أهلها بثياب الشارع! وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يغارون على بناتهم -تقليدًا منهم لأسيادهم الأوروبين-، فيسمحون للمصوِّر أن يصوّرهنّ وهنّ سافرات سفورًا غيرَ مشروع، والمصور رجل أجنبيّ عنهم، وقد يكون كافرًا، ثمّ يُقدِّمْنَ صورَهن إِلى بعض الشُّبَّان؛ بزعم أنهم يريدون خِطبتهن، ثمّ ينتهي الأمر على غير خطبة، وتظل صور بناتهم معهم ليتغزلوا بها، وليطفئوا حرارة الشباب بالنظر إِليها! ألا فتعسًا للآباء الذين لا يغارون، وإنا لله وإنا إِليه راجعون». نظر المرأة إِلى الرجل: وما مضى من القول في أهمية النظر في الوفاق والتآلف؛ فإِنه ينسحب على المرأة كذلك، فلها الحقّ أن تنظر إِلى من جاء يخطبها. محادثة الرجل المرأة: تشرع المحادثة بينهما دون خلوة فيما لا بُدّ منه. أمّا المبالغة في ذلك فلا. تحريم الخلوة بالمخطوبة: ولا يجوز الخلوة بالمخطوبة قبل العقد، وغاية ما في الأمر جواز النظر؛ ليقرِّرا هذا الزواج أو يرفضاه. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يخلونّ رجل بامرأة إِلا مع ذي محرم» (١). وعن عقبة بن عامر أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يخلون رجل بامرأة إِلا كان ثالثهما الشيطان» (٢). العدولُ عن الخِطْبة وأثره (٣): الخِطبة مقدمة تسبق عقد الزواج، وكثيرًا ما يعقبها تقديم المهر كلّه أو بعضه، وتقديم هدايا وهِبات؛ تقويةً للصلات، وتأكيدًا للعلاقة الجديدة. وقد يحدُث أن يعدل الخاطب أو المخطوبة -أو هما معًا- عن إِتمام العقد، فهل يجوز ذلك، وهل يُرَدُّ ما أُعطِي للمخطوبة؟ ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٢٣٣، ومسلم: ١٣٤١. (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٣٤)، وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في «المشكاة» (٣١١٨). (٣) عن «فقه السنّة» بتصرّف (١/ ٣٥٠). إِن الخطبة مجرد وَعْدٍ بالزواج، وليست عقدًا ملزمًا، والعدول عن إِنجازه حقّ من الحقوق التي يملكها كل من المتواعِدَين، ولم يجعل الشارع لإِخلاف الوعد عقوبة مادية، يجازي بمقتضاها المُخْلِف، وإنْ عَدَّ ذلك خُلقًا ذميمًا، ووصَفه بأنه من صفات المنافقين، إِلا إِذا كانت هناك ضرورة ملزمة، تقتضي عدم الوفاء. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «آية المنافق ثلاث: إِذا حدّث كذب، وإِذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان» (١). وأمّا الهدايا إذا تمّت الموافقة على الزوج، وحصَل الزواج بشروطه؛ فحُكمها حُكم الهبة، والصحيح أنّ الهبة لا يجوز الرجوع فيها إِذا كانت تبرعًا محضًا، لا لأجل العِوَض؛ *لأنّ الموهوب له -حين قَبَضَ العينَ الموهوبة- دخلت في ملكه، وجاز له التصرف فيها؛ فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وهذا باطل شرعًا وعقلًا * (٢) [والله -تعالى- أعلم]. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إِلا الوالد فيما يعطي ولده» (٣). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٣، ومسلم: ٥٩. (٢) ما بين نجمتين نقَله المؤلف -رحمه الله- عن «إِعلام الموقعين» (٢/ ٣١٤). (٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٠٤٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٩٢٤)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٤٥١)، وانظر «الإِرواء» (٣/ ٦٣). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «العائد في هبته؛ كالكَلب يقيء ثمّ يعودُ في قيئه» (١). أركان عقد النكاح: وعقْد النكاح له رُكنان: الإِيجاب والقَبول -وهو رضا الطرفين وتوافُقُهما-. ويُشترط لصحّته: ١ - موافقة الولي (٢) -الذي يلي أمر الزوجة- أو إِذْنه. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أيُّما (٣) امرأةٍ نُكِحَت بغير إِذن مواليها، فنكاحها باطلٌ -ثلاث مرات-، فإِن دخَل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإِن تشاجروا (٤)، فالسلطان وليُّ من لا وليّ له (٥)» (٦). والأولياء: هم قرابة المرأة الأدنى فالأدنى؛ الذين يلحقهم الغضاضة إِذا ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٢٥٨٩، ومسلم: ١٦٢٢. (٢) وانظر مبحث «الولاية على الزواج». (٣) أيُّما: كلمة استيفاء واستيعاب؛ فيشمل البِكر والثيب والشريفة والوضيعة. «فيض القدير». (٤) أي: تنازع الأولياء وتخاصموا. (٥) أي: من ليس له وليٌّ خاصّ. «فيض القدير». (٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٨٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٤)، وغيرهم، وانظر «الإِرواء» (١٨٤٠). تزوّجت بغير كُفْءٍ وكان المزوِّجُ لها غيرَهم (١). ٢ - حضور شاهِدَيْ عدل. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا نكاح إِلا بولي وشاهِدَيْ عدل» (٢). «قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النّبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا:»لا نكاح إِلا بشهود«لم يختلفوا في ذلك عندنا من مضى منهم إِلا قومًا من المتأخرين من أهل العلم، وإِنما اختلف أهل العلم في هذا إِذا شَهِدَ واحدٌ بعد واحد، فقال أكثر أهل العلم من الكوفة وغيرهم: لا يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معًا عند عُقْدَةِ النكاح، وقد رأى بعض أهل المدينة إِذا شَهِدَ واحد بعد واحد أنه جائز إِذا أعلنوا ذلك، وهو قول مالك بن أنس وغيره. وقال بعض أهل العلم: يجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح. وهو قول أحمد وإِسحاق ...» (٣). ما يُشترط في الشهود: ١ - الإِسلام: ويُشترط الإِسلام ولا بُدّ في الشاهِدَين، ولفظ: «شاهِدَي ---------------------- (١) انظر»الروضة الندية«(٢/ ٢٧). (٢) أخرجه أحمد، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٧٩)، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٣٦)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٢٦)، وغيرهم، وكلمة:»شاهدين«من رواية البيهقي، وانظر»صحيح الجامع«(٧٤٣٣)، و»الإِرواء«(١٨٥٨) لزامًا. (٣)»النيل" (٦/ ٢٦٠). عدل» يدّل على ذلك. ٢ - العدالة: للحديث المتقدّم المشار إِليه: «لا نكاح إِلا بوليّ وشاهدي عدل». ٣ - العقل والبلوغ: لقوله - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر» (١). *وبهذا فشهادة الصبي أو المجنون أو الأصم أو السكران لا تصح؛ فإِنّ وجود هؤلاء كعدمه* (٢). شهادة النساء: اختلف الفقهاء في جواز شهادة المرأتين بدل الرجل (٣)، فمنهم من لم يُجِزها أخْذًا بالحديث المتقدّم: «لا نكاح إِلا بوليّ وشاهِدَي عدل»، ومنهم من أجازها لقول الله -تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهيدَينِ مِنْ رِجَالكُم فَإِنْ لَمْ يَكونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشَّهَدَاء﴾ (٤). ---------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩٨)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٥٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦٠)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٩٧). (٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٢/ ٣٧٨) بتصرّف. (٣) واستدل المانعون بما رُوي عن الزهري أنه قال: «جَرت السُّنة من عهد رسول الله - ﷺ - أن لا تُقبل شهادة النساء في الحدود». أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»، وضعّفه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٦٨٢). (٤) البقرة: ٢٨٢. وبشهادة رجل وامرأتين يقول ابن حزم -رحمه الله-؛ بل ويقول بشهادة أربع نسوة كما في «المحلّى» تحت (المسألة ١٨٣٢)؛ فانظر تفصيله -إِن شئت-. وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون انعقاد الزواج بشهادة: رجل وامرأتين؟ فقال: نعم. ألفاظ الإِيجاب والقَبول: يقع عقْد الزواج بالألفاظ التي يفهمها المتعاقدان بما يدلّ على إِرادة النكاح مع فَهْم الشاهِدَين لذلك، كأن يقول في الموافقة: وافقت، قبلت، رضيت، أو يقول في الإِيجاب: أَنكحتك، أو زوّجتك ... قال شيخ الإِسلام -رحمه الله-: «وينعقد النكاح بما عدّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ وفِعْل كان، ومثله كل عقْد» (١). وسألتُ شيخنا -رحمه الله- هل ترون صحة النكاح إِذا وقَع الإِيجاب والقبول وفهمه الشهود، هل ترونه يكفي مهما كانت اللغة التي أُدّي بها؟ فأجاب -رحمه الله-: نعم. *وينعقد بألفاظ الهِبة أو البيع أو التمليك؛ إِذا كان المخاطب يعقله؛ لأنّه عقْد لا يُشترط في صحته لفْظ مخصوص، بل أي لفظٍ إِذا اتفق فهم المعنى الشرعي منه؛ أي: إِذا كان بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة* (٢). ---------------------- (١) «الاختيارات»، ونقَله السيد سابق -رحمه الله- في «فقه السنّة» (٢/ ٣٥٥). (٢) ما بين نجمتين عن «فقه السُّنّة» (٢/ ٣٥٥) بتصرُّف. عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - زوّج رجلًا امرأة فقال: «اذهب، فقد أنكحتُكها بما معك من القرآن» (١). وجاء في تبويب سنن النسائي: (باب الكلام الذي ينعقد به النكاح)، بمعنى انعقاد النكاح بكلمة: «أنكحتُكَها». الخُطبة قبل الزواج عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «كل خُطبة ليس فيها تشهّد؛ فهي كاليد الجذماء (٢)» (٣). قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: علَّمنا رسول الله - ﷺ - خطبة الحاجة (٤): «إِنّ الحمْدَ لله، [نحمَدُهُ و] نستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذ بالله من شرورِ أَنْفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَدُ أنْ لا إِله إلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يا أَيّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ نَّفْسٍ وَاحدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالًا كثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا الله الَّذِي تساءَلُونَ بِهِ ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم: ١٤٢٥. (٢) أي: المقطوعة ... يعني: أن كل خطبة لم يؤتَ فيها بالحمد والثناء على الله؛ فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة بها لصاحبها». «فيض القدير». (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٠٥٢)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٨٣)، وانظر «المشكاة» (٣١٥٠)، و«الصحيحة» (١٦٨). (٤) جاء في «سُبل السلام» (٣/ ٢١٧): «وقوله: (في الحاجة) عام لكل حاجة، ومنها النكاح». والأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُم رَقِيبًا﴾ (١). ﴿يا أيّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حقَّ تُقَاتِهِ ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِموُن﴾ (٢). ﴿يا أيّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سدِيدًا يُصْلحْ لَكُم أَعْمَالكُمْ ويَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبكُمْ وَمَنْ يُطِع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) «(٤). نيّة الطلاق عند العقد: إِذا عقَد الرجل على المرأة وفي نيّته الطلاق منها حين العقد، فإِنّ الزواج يكون صحيحًا، ولكنّه غاشٌّ مخادِع. وسألت شيخنا -رحمه الله-: مَن تزوّج ونوى الطلاق؛ دون إِظهار ذلك؛ هل ترون صحّة نكاحه، ولكنّه غاشٌّ مخادِع؟ فقال: نعم، يصح الزواج. وأراد شيخنا -رحمه الله- الاطمئنان فسأل: هل هو نكاح متعة؟ فقلت: لا. فقال: نيّة الطلاق غير مستقرّة. ثمّ ضرَب مثالًا لشخصٍ كنت قد سألته عن حاله، وكان قد طلّق قبل الدخول، ولم يكن ذلك في نيّته عند ------------------------ (١) النساء: ١. (٢) آل عمران: ١٠٢. (٣) الأحزاب: ٧٠ - ٧١. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٦٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٨٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٣٥)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠٧٠)، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في»الكلم الطيب" (برقم ٢٠٥). ![]()
__________________
|
|
#116
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 46الى صــ 60 الحلقة (116) العقد، ثمّ حاول إِرجاعها. مسألة: جاء في»الفتاوى«(٣٢/ ١٠٦):»وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل «ركَّاض» يسير في البلاد في كل مدينة شهرًا أو شهرين ويعزل عنها، ويخاف أن يقع في المعصية: فهل له أن يتزوج في مدة إِقامته في تلك البلدة؛ وإِذا سافر طلقها وأعطاها حقها؛ أو لا؟ وهل يصح النكاح أم لا؟ فأجاب: له أن يتزوّج، لكن ينكح نكاحًا مُطلقًا؛ لا يشترط فيه توقيتًا؛ بحيث يكون إِنْ شاء مسكها، وإِن شاء طلّقها، وإن نوى طلاقها حتمًا عند انقضاء سفره كُرِه في مثل ذلك، وفي صحة النكاح نزاع. ولو نوى أنه إِذا سافر وأعجبته أمسكها وإِلا طلّقها؛ جاز ذلك. فأمّا أن يشترط التوقيت فهذا «نكاح المتعة» الذي اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريمه، وإنْ كان طائفة يرخِّصون فيه، إِما مطلقًا، وإمّا للمضطر، كما قد كان ذلك في صدر الإِسلام، فالصواب أنّ ذلك منسوخ، كما ثبت في «الصحيح» أن النّبيّ - ﷺ - بعد أن رخص لهم في المتعة عام الفتح قال: «إِنّ الله قد حرَّم المتعة إِلى يوم القيامة» (١) والقرآن قد حرّم أن يطأ الرجل إِلا زوجة أو مملوكة بقوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إِلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإِنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٢). وهذه المستمتَعُ بها ليست من الأزواج، ولا ما ملكت اليمين؛ فإِنّ الله قد جعل للأزواج أحكامًا: من الميراث، والاعتداد بعد الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وعدَّة --------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٠٦، وتقدّم. (٢) المؤمنون: ٥ - ٧، المعارج: ٢٩ - ٣١. الطلاق ثلاثة قروء، ونحو ذلك من الأحكام التي لا تثبت في حق المستمتَع بها، فلو كانت زوجة لثبت في حقها هذه الأحكام؛ ولهذا قال مَن قال من السلف: إِنّ هذه الأحكام نَسخَت المتعة. وبسْط هذا طويل، وليس هذا موضعه». زواج الأخرس (١): يصح زواج الأخرس بإِشارته إِن فُهمت، كما يصح بيعه؛ لأنّ الإِشارة معنى مُفهم. وإِن لم تفهم إِشارته، لا يصح منه؛ لأنّ العقد بين شخصين، ولا بد من فهْمِ كل واحد منهما ما يصدر من صاحبه. قال لي شيخنا -رحمه الله-: «اللفظ المحدّد في الزواج لا يُشترط، ولكن يجب أن نفهم ذلك اللفظ، ويقع دون لفظٍ إِذا فُهم». جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٦٦): «وأمّا صحة العقد بالرسالة والكتابة ومن المُصْمِت (٢) والأخرس بالإِشارة؛ فلا نزاع في مِثله، ولم يَرِدْ ما يدل على أنه لا بدّ أن يكون لفظًا». تزويج الصغير: عن سليمان بن يسار: «أنّ ابن عمر -رضي الله عنهما- زوّج ابنًا له ابنة أخيه، وابنه صغيرٌ يومئذ» (٣). توثيق الزواج بالكتابة: يمضي الزواج بلا كتابة بشروطه؛ كما هو معلومٌ من حال النّبيّ - ﷺ - ------------------- (١) عن «فقه السّنة» (٢/ ٣٥٧). (٢) أي: الساكت. «القاموس المحيط». (٣) أخرجه البيهقي، وإسناده صحيح كما في «الإرواء» (١٨٢٧). وأصحابه -رضي الله عنهم-! غير أنّ رقّة الدّين التي أصابت كثيرًا من الناس؛ تدعو إِلى هذه الكتابة؛ كما هو شأن المحاكم الآن. وليس يخفى ما يتبع هذا من تحقيق المصالح؛ التي لا تتمّ في عصرنا الحاضر إِلا بالتدوين؛ كالحصول على وثائق السفر وشهادات الميلاد وغير ذلك. ومن فوائد الكتابة؛ حِفظ حقوق المرأة إِذا ساء دين زوجها، فقد يأكل حقوقها ويطلّقها، فالكتابة تضمن الحقوق. الأنكحة المحرّمة ١ - نكاح المتعة: هو النكاح إِلى أجل مُعيَّن، وهو من التمتُّع بالشيء: الانتفاع به (١). وقد كان رخّص فيها - ﷺ - أيّامًا، ثمّ نهى عنها. عن سَبْرة الجُهني: أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة قال: فأقمنا بها خمس عشرة -ثلاثين بين ليلة ويوم-، فأَذِن لنا رسول الله - ﷺ - في متعة النساء ... فلم أخرج حتى حرّمها رسول الله - ﷺ - (٢). وفي رواية: «يا أيها الناس! إِنّي قد كنت أذِنْت لكم في الاستمتاع من النساء، وإِنّ الله قد حرَّم ذلك إِلى يوم القيامة» (٣). وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - نهى عن مُتعة ---------------------- (١)»النهاية". (٢) أخرجه مسلم: ١٤٠٦. (٣) أخرجه مسلم: ١٤٠٦. النساء يوم خيبر، وعن أكْل لحوم الحُمُرِ الإِنسية» (١). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «لما وَلي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خطب الناس فقال: إِنّ رسول الله - ﷺ - أَذِن لنا في المتعة ثلاثًا ثمّ حرّمها. والله لا أعلم أحدًا يتمتع وهو مُحصَن إلاَّ رجمته بالحجارة، إِلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله - ﷺ - أحلّها بعد إِذ حرَّمها» (٢). وعن عروة بن الزبير: «أنّ عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إِنّ ناسًا أعمى الله قُلُوبهم، كما أعمى أبصارهم، يُفتون بالمتعة -يُعرِّض برَجُل-، فناداهُ فقال: إِنَك لَجِلْفٌ جاف (٣)! فَلَعَمْري! لقد كانت المتعة تُفعلُ على عهد إِمام المتقين (يريد رسول الله - ﷺ -)، فقال له ابن الزبير: فجرِّب بنفسك؛ فوالله! لئن فعلتَها لأرجمنَك بأحجارك. قال ابن أبي شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله؛ أنه بيْنا هو جالس عند رجل؛ جاءه رجلٌ فاستفتاه في المُتعة، فأمره بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلًا! قال: ما هي؟ والله لقد فُعلت في عهد إِمام المتقين! قال ابن أبي عمرة: إِنها كانت رُخصةً في أول الإِسلام لمن اضطُرَّ إِليها، كالميتة والدّم ولحم الخنزير، ثمّ أحكَم الله الدّين ونهى عنها» (٤). ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٤٢١٦، ومسلم: ١٤٠٧. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٩٨). (٣) قال ابن السكّيت وغيره: الجلف هو الجافي. وعلى هذا قيل: إِنما جمَع بينهما توكيدًا لاختلاف اللفظ. والجافي. هو الغليظ الطبع القليل الفهم والعلم والأدب لبُعده عن أهل ذلك. «شرح النووي». (٤) أخرجه مسلم: ١٤٠٦. وجاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٦٨): «ثمّ قد أجمع المسلمون على التحريم، ولم يبق على الجواز إِلا الرافضة، وليسوا ممن يُحتاج إِلى دفع أقوالهم، ولا هم ممّن يقدح في الإِجماع، فإِنهم في غالب ما هم عليه مخالفون للكتاب والسنة ولجميع المسلمين. قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها -يعني المتعة-، ولا أعلم اليوم أحدًا يجيزها إِلا بعض الرافضة. وقال القاضي عياض: أجمع العلماء على تحريمها إِلا الروافض ...». ٢ - نكاح التحليل: وهو أن يتزوج المطلّقة ثلاثًا بعد انقضاء عدَّتها، أو يدخل بها، ثمّ يطلقها؛ ليُحلّها للزوج الأول، وهذا النوع من الزواج كبيرة من كبائر الإِثم والفواحش، حرّمه الله، ولعَن فاعله (١). عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَعَن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لعَن رسولا الله - ﷺ - المحلِّل والمحلَّل له» (٣). وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أُخبِركم ---------------------------- (١)»فقه السنة«(٢/ ٣٦٤). (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٢٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٩٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٧١)، وانظر»الإِرواء«(١٨٩٧). (٣) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٧٠)، والترمذي وغيرهما، وانظر»الإرواء" (١٨٩٧). بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: هو المحلّل والمحلّل له» (١). وعن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: «جاء رجل إِلى ابن عمر -رضي الله عنهما-، فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليُحلّها لأخيه، هل تحلّ للأول؟ قال: لا، إِلا نكاح رغبة، كنا نعدّ هذا سِفاحًا (٢) على عهد رسول الله - ﷺ -» (٣). جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٣٨): «وصحّ عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلّل ومحلّل له إِلا رجمتهما. رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، في»مصنّفيهما«، وابن المنذر في»الأوسط«. وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه سئل عن ذلك؟ فقال: كلاهما زانٍ. والكلام في ذلك عن الصحابة والتابعين طويل، قد أطال شيخ الإِسلام تقي الدين ابن تيمية الكلام عليه، وأفرده مصنفًا سماه: (بيان الدليل على إِبطال التحليل)». انتهى. وجاء فيه أيضًا (ص ٣٨ - ٣٩): «أقول [أي: صاحب الروضة]: حديث ------------------------ (١) أخرجه أحمد، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٧٢)، والبيهقي وغيرهم، وانظر»الإرواء«(٦/ ٣٠٩). (٢) سفاحًا؛ أي: زنىً. (٣) أخرجه الطبراني في»الأوسط«، والحاكم، والبيهقي ... وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (١٨٩٨). لعْن المحلّل: مرويٌّ من طريق جماعة من الصحابة بأسانيد بعضها صحيح، وبعضها حسن، واللعن لا يكون إِلا على أمر غير جائز في الشريعة المطهرة، بل على ذنب هو من أشد الذنوب. فالتحليل غير جائز في الشرع، ولو كان جائزًا لم يلعن فاعله والراضي به. وإذا كان لعْن الفاعل لا يدل على تحريم فِعْله؛ لم تبق صيغة تدل على التحريم قطّ، وإذا كان هذا الفعل حرامًا غير جائز في الشريعة؛ فليس هو النكاح الذي ذكَره الله في قوله: ﴿حتى تَنْكِحَ زوجًا غيره﴾ (١)، كما أنه لو قال: لعَن الله بائع الخمر، لم يلزم من لفظ: (بائع) أنه قد جاز بيعه، وصار من البيع الذي أَذِن فيه بقوله: ﴿وأحلَّ اللهُ البيعَ﴾ (٢). والأمر ظاهر. قال ابن القيم: ونكاح المحلّل لم يُبَح في مِلّة من المِلَل قطّ، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم. ثمّ سَلْ من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حُرَّة مصونة، أنشب فيها المحلل مخالب إِرادته؛ فصارت له بعد الطلاق من الأخدان. وكان بعلها منفردًا بوطئها، فإِذا هو والمحلل ببركة التحليل شريكان! فلعمر الله كم أخرج التحليل مخَدَّرةً من سترها إِلى البغاء، ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها، وعناق القنا دون عناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها. وأمّا هذه الأزمان التي شَكَتِ الفروجُ فيها إِلى ربها من مفسدة التحليل، وقُبح ما يرتكبه المحلِّلون، مما هو رمد -بل عمَى- في عين الدين، وَشَجًا في حلوق المؤمنين، من ---------------------- (١) البقرة: ٢٣٠. (٢) البقرة: ٢٧٥. قبائحَ تُشْمِت أعداء الدين به، وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه؛ بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيرت منه اسمه، وضَمَّخَ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل، وزعم أنه قد طيَّبها للتحليل، فيالله العجب أيَّ طيبٍ أعارها هذا التيس الملعون؟ وأيُّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدون؟ .. إِلى غير ذلك». قال صاحب «الروضة»: «وقد أطال -رحمه الله تعالى- في تخريج أحاديث التحليل في»إعلام الموقعين«إِطالة حسنة، فليراجع». الزواج الذي تحلُّ به المطلقة للزوج الأول (١): إِذا طلَّق الرجل زوجته ثلاث تطليقات، فلا تحلّ له مراجعتها، حتى تتزوج بعد انقضاء عدتها زوجًا آخر زواجًا صحيحًا، لا بقصد التحليل. فإِذا تزوجها الثاني زواج رغبة، ودخل بها دخولًا حقيقيًا، حتى ذاق كل منهما عُسَيْلَةَ الآخر، ثمّ فارقها بطلاق أو موت، حلّ للأول أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها. عن عائشة -رضي الله عنها-: أن امرأة رِفاعة القُرَظيِّ جاءت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِن رِفاعة طلقني فَبَتَّ طلاقي، وإني نكحتُ بعدهُ عبد الرحمن بن الزبير القُرظي، وإنما معهُ مثل الهدبة (٢)؟! قال رسول الله - ﷺ -: «لعلك تريدين أن ترجعي إِلى رِفاعة؟ لا حتى يذوق عُسَيلتك وتذوقي --------------------- (١) عن»فقه السنة«(٢/ ٣٦٨) -بتصرّف يسير-. (٢) أرادت متاعه، وأنه رِخْوٌ مثل طرَف الثوب، لا يُغني عنها شيئًا.»النهاية". عُسَيلته» (١). وذوق العُسَيلة كناية عن الجماع، ويكفي في ذلك التقاء الختانين، الذي يوجب الحد والغسل. ونزل في ذلك قول الله -تعالى-: ﴿فإنْ طلقها فلا تحلّ له من بعْدُ حتى تنكح زوجًا غيره فإِن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إِن ظنَّا أن يقيما حدودَ الله﴾ (٢). وعلى هذا، فإِن المرأة لا تحل للأول، إِلا بهذه الشروط: أولًا: أن يكون زواجها بالزوج الثاني صحيحًا. ثانيًا: أن يكون زواج رغبة؛ لا بقصد تحليلها للأول. ثالثًا: أن يدخُل بها دخولًا حقيقيًا بعد العقد، ويذوق عُسَيلتها، وتذوق عُسَيلته. ٣ - نكاح الشِّغار: وهو نِكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرّجل: شاغرني؛ أي: زوّجني أختك أو بنتك أو من تَلِي أمرها، حتى أزوّجك أختي أو بنتي أو من أَلِي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، ويكون بُضْعُ كل واحدةٍ منهما في مقابلة بُضع (٣) الأخرى (٤). عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا شغار في --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٢٦٠، ومسلم: ١٤٣٣. (٢) البقرة: ٢٣٠. (٣) البُضع: يطلق على عقد النكاح والجماع معًا، وعلى الفرج.»النهاية«. (٤)»النهاية«وجاء في تتمَّته:»وقيل له: شغار لارتفاع [أي: لسقوط] المهر بينهما، من شَغَر الكلب: إِذا رفع إحدى رجليه ليبول. وقيل الشغر: البعد. وقيل: الاتّساع". الإِسلام» (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الشغار. والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأُزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأُزوجك أختي» (٢). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - نهى عن الشغار. والشّغار أن يُزوِّج الرجل ابنته على أن يزوّجه الآخر ابنته، وليس بينهما صَداق» (٣). وهناك بعض الآثار الدالّة على بُطلان هذا النكاح وإن كان هناك صَداق. فعن الأعرج: «أنّ العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صَداقًا، فكتب معاوية إِلى مروان يأمره أن يُفرِّق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -» (٤) وجاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٦٧): «ولا يختص الشغار بالبنات والأخوات، بل حُكْم غيرهن من القرائب حُكْمهن، وقد حكى النووي الإِجماع على ذلك». ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤١٥. (٢) أخرجه مسلم: ١٤١٦. (٣) أخرجه البخاري: ٥١١٢، ومسلم: ١٤١٥. (٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، وحسّن إِسناده شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٩٦). قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته: فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك يُفْسَخُ قبل الدخول لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي. وذهب الحنفية إِلى صحته ووجوب مهر المِثْل ...» (١). وجاء في «الفتح» (٩/ ١٦٣): «قال القرطبي: ... تفسير الشغار صحيح مُوافِق لما ذكَره أهل اللغة؛ فإِن كان مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضًا؛ لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وقد اختلف الفقهاء هل يُعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإِن فيه وصفين: أحدهما: تزويج كل من الوليين وليّته للآخر بشرط أن يزوجه وليّته، والثاني: خلو بضع كل منهما من الصَّداق. فمنهم من اعتبرهما معًا؛ حتى لا يمنع مثلًا إِذا زوَّج كل منهما الآخر بغير شرط؛ وإن لم يذكر الصَّداق، أو زوَّج كل منهما الآخر بالشرط وذكر الصَّداق. وذهب أكثر الشافعية إِلى أن علة النهي الاشتراك في البضع؛ لأن بُضع كل منهما يصير مورد العقد، وجعْلُ البُضع صَداقًا مخالف لإِيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذِكر الصَّداق؛ لأن النكاح يصح بدون تسمية الصَّداق ...». قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ١٣١) تحت المسألة (١٨٥٦): «ولا يحل نكاح الشغار: وهو أن يتزوج هذا وليَّة هذا على أن يزوجه الآخر وليَّته أيضًا، سواء ذكَرا في كل ذلك صَداقًا لكل واحدة منهما أو ------------------------- (١) انظر»الفتح" (٩/ ١٦٣). لإِحداهما دون الأخرى، أو لم يذكرا في شيء من ذلك صداقًا، كل ذلك سواء يفسخ أبدًا، ولا نققة فيه؛ ولا ميراث، ولا صَداق، ولا شيء من أحكام الزوجية، ولا عدة«. وجاء في»السيل الجرّار«(٢/ ٢٦٧):»والنهي حقيقة في التحريم المقتضي للفساد المرادف للبُطلان«. وسألت شيخنا -رحمه الله- قائلًا:»يرى جمهور العلماء أن عقد الشغار باطل، وأنه لا ينعقد أصلًا، وخالف في ذلك أبو حنيفة -رحمه الله- فهو يرى أنه يقع صحيحًا؛ ويجب لكل واحدةٍ من البنتين مهر مِثلها على زوجها. فماذا تقولون؟ فقال -رحمه الله-: «الصحيح هو القول الأول، لورود النّهي عن الشغار، والنهي يقتضي البُطلان». فائدة: قال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» (١١/ ١٣٦): «فإِن خطب أحدهما إِلى الآخر فزوجه، ثمّ خطب الآخر إِليه فزوّجه، فذلك جائز -ما لم يشترط أن يزوّج أحدهما الآخر- فهذا هو الحرام الباطل». ٤ - نكاح السِّرِّ: وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٠٢): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل تزوّج امرأة»مصافحةً" (١) على صَداق خمسة دنانير كل سنة نصف دينار، وقد ---------------------- (١) المصافحة: نكاح السر. دخل عليها وأصابها: فهل يصح النكاح أم لا؟ وهل إِذا رُزق بينهما ولد يرث أم لا؟ وهل عليهما الحدّ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. إِذا تزوجها بلا ولي ولا شهود، وكتما النكاح: فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة؛ بل الذي عليه العلماء أنه: «لا نكاح إِلا بولي» (١) و«أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل» (٢). وكلا هذين اللفظين مأثور في «السنن» عن النبيّ - ﷺ -. وقال غير وأحد من السلف: لا نكاح إِلا بشاهدين، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. ومالك يوجب إِعلان النكاح. «ونكاح السرّ» هو من جنس نكاح البغايا؛ وقد قال الله -تعالى-: ﴿مُحْصَنات غير مُسَافِحَاتٍ ولا مُتَّخذَات أَخْدَان﴾ (٣). فنكاح السرّ من جنس ذوات الأخدان؛ وقال -تعالى-: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامى مِنْكُم﴾ (٤)، وقال -تعالى-: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشركين حتى يُؤمنوا﴾ (٥)، فخاطَب الرجال بتزويج النساء؛ ولهذا قال من قال من السلف: إِن المرأة لا تُنْكِحُ نفسَها، وإنَّ ------------------------- (١) أخرجه أحمد، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٧٩)، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٦) وغيرهم، وتقدّم. (٢) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٨٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٤) وغيرهم، وانظر «الإرواء» (١٨٤٠)، وتقدّم. (٣) النساء: ٢٥. (٤) النور: ٣٢. (٥) البقرة: ٢٢١. البَغِيَّ هي التي تُنْكِحُ نفسَها. لكن إِن اعتقد هذا نكاحًا جائزًا؛ كان الوَطْءُ فيه وَطْءَ شبهة، يلحق الولد فيه، ويرث أباه، وأما العقوبة فإِنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد». الشروط في النكاح (١) ١ - ما يجب الوفاء به، وهو ما أمَر الله به من إِمساك بمعروف أو تسريحٍ بإِحسان، وما كان من مُقتضَيات العقد ومقاصده، ولم يتضمّن تغييرًا لحُكم الله -تعالى- ورسوله - ﷺ -؛ كاشتراط العشرة بالمعروف، والإِنفاق عليها، وكسوتها، وألا يقصّر في شيء من حقوقها، وأنها لا تخرج من بيته إِلا بإِذنه، ولا تصوم تطوُّعًا بغير إِذنه ... وعليه حمَل بعضهم حديث عقبة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «أحقّ ما أوفيتم من الشروط (٢)؛ أن توفوا به ما استحلَلتُم به الفروج» (٣). ---------------------- (١) ملتقطٌ من «المغني» و«مجموع الفتاوى» و«فقه السّنة» وغيرها بتصرّف وزيادة. (٢) قال في «فيض القدير» (٢/ ٤١٨): «يعني الوفاء بالشروط حق، وأحق الشروط بالوفاء الذي استحللتم به الفروج، وهو المهر والنفقة ونحوهما، فإِن الزوج التزمها بالعقد، فكأنها شرطت. هذا ما جرى عليه القاضي في تقريره. ولا يخفى حُسنه. قال الرافعي -رحمه الله-: وحمَله الأكثر على شرط لا ينافي مقتضى العقد؛ كشرط المعاشرة بالمعروف، ونحو ذلك مما هو من مقاصد العقد ومقتضياته، بخلاف ما يخالف مقتضاه؛ كشرط أن لا يتزوج أو يتسرى عليها، فلا يجب الوفاء به. وأخذ أحمد -رضي الله عنه- بالعموم، وأوجب الوفاء بكل شرط». (٣) أخرجه البخاري: ٥١٥١، ومسلم: ١٤١٨. جاء في «سبل السلام» (٣/ ٢٤٢): «والحديث دليل على أن الشروط المذكورة في عقد النكاح يتعين الوفاء بها، سواء كان الشرط عرضًا (١) أو مالًا، حيث كان الشرط للمرأة، لأنّ استحلال البضع إِنما يكون فيما يتعلق بها أو ترضاه لغيرها». ٢ - ما لا يُوفّى به، وهو ما لا يجب الوفاء به مع صحّة العقد، وهو ما كان منافيًا لمقتضى العقد؛ كاشتراط ترْك الإِنفاق، والوطء، أو اشتراط عدم إِعطائها المهر، أو اشتراط إِنفاقها عليه، أو لا يكون عندها في الأسبوع إِلا ليلة، أو أن يكون لها النهار دون الليل. فهذه الشروط كلّها باطلة في نفسها؛ لأنّها تُنافي العقد، ولأنّها تتضمّن إِسقاط حقوقٍ تجب بالعقد قبل انعقاده". قلت: لكن هذا إِنْ كان بلا سبب. أمّا إِنْ كان هناك ما يدعو إِليه، فلا بأس. وسألتُ شيخنا -رحمه الله- قائلًا: هناك من يقول: لا يجب الوفاء في اشتراط ترْك الإِنفاق. فسأل شيخنا -رحمه الله-: قبل الزواج؟ قلت: نعم. قال -رحمه الله-: وقَبِل وليّ الأمر والزوجة؟ قلت: نعم. قال -رحمه الله-: فهل الفقر الذي حمَل على عدم الإِنفاق مثلًا؟ --------------------- (١) العَرْض: كلّ شيء سوى الدَّراهم والدَّنانير. ![]()
__________________
|
|
#117
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 61الى صــ 75 الحلقة (117) قلت: هل أفهم منكم -شيخنا- إِن كان ثمّة مسوّغ جاز؛ وإلا فلا. قال -رحمه الله-: نعم. وسألته -رحمه الله- عن اشتراط ترْك الوطء، أو عدم تقديم المهر، فقال -رحمه الله-: نفس الجواب. وسألته عمن يشترط ألا يكون عندها في الأسبوع إِلا ليلة؟ فقال -رحمه الله-: إِنْ كان لعجز أو سبب جاز. انتهى. وسألته -رحمه الله- في موضع آخر عمّن يرى من العلماء فسْخ نكاح من تزوّج بغير ذِكر المهر، أو من اشترط أن لا مهر عليه؟ فأجاب -رحمه الله-: هذا زنى، أمّا إِذا كان هناك مهْر لم يسمَّ ولم يُحدّد؛ فلا بأس. وممّا لا يُوفّى به كذلك؛ ما كان ممّا نهى الشرع عنه؛ كاشتراط المرأة عند الزواج طلاق ضرّتها. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها؛ لتستفرغ صحفتها (١)، فإِنما لها ما قُدّر لها» (٢). ٣ - ما اختُلف فيه؛ كاشتراط أن لا يتزوّج عليها، أو ألا يتسرّى، أو لا ينقلها من منزلها إِلى منزله، أو لا يسافر بها ونحو ذلك. ------------------------- (١) الصحفة: إِناءٌ كالقصعة المبسوطة ونحوها. وهذا مثل يريد به الاستئثار عليها بحظّها، فتكون كمن استفرغ صحفة غيره، وقلب ما في إِنائه إِلى إِناء نفسه. «النهاية». (٢) أخرجه البخاري: ٥١٥٢، ومسلم: ١٤١٣. واستدلّ الأحناف والشافعية وكثير من أهل العلم بما يأتي: أ- إِن رسول الله - ﷺ - قال: «المسلمون على شروطهم؛ إِلا شرطًا حرّم حلالًا، أو أحل حرامًا» (١). ب- قوله - ﷺ -: «ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإنْ كان مائةَ شرط» (٢). ولا بُد من بيان بعض الأمور دفْعًا للالتباس، فأقول -وبالله التوفيق-: المراد بقوله - ﷺ -: «ليس كتاب الله»؛ أي: ليس فيه جوازُه أو وجوبه، فالمراد في الحديث: الشروط الجائزة؛ لا المنهيّ عنها، كما بيّن ذلك العلماء. وقال القرطبي -رحمه الله-: «قوله:»ليس في كتاب الله«؛ أي: ليس مشروعًا فيه تأصيلًا ولا تفصيلًا، فإِنّ من الأحكام ما لا يوجد تفصيله في الكتاب -كالوضوء-، ومنها ما يوجد تأصيله دون تفصيله -كالصلاة-، ومنها ما أُصّل أصْله -كدلالة الكتاب على أصلية السنّة والإِجماع والقياس-» (٣). ويجب أن نعلم أن الشرط الذي يحل الحرام أو يحرّم الحلال ليس في كتاب الله -تعالى- وليس المراد من قوله - ﷺ -: «ليس في كتاب الله» أنّ كتاب الله -تعالى- قد نطَق به لفظًا ونصًّا؛ فإِن كثيرًا من الشروط على هذا النحو غير منطوقٍ بها، ومع ذلك فهي مشروعة؛ لأنها لا تخالف الكتاب ولا السُّنهّ. ----------------------- (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٠٨٩) وغيره، والجملة الأولى رواها البخاري معلّقة بصيغة الجزم، وانظر «الفتح» (٤/ ٤٥١) و«الإرواء» (٥/ ١٤٤). (٢) أخرجه البخاري: ٢٧٢٩، ومسلم: ١٥٠٤. (٣) انظر «فيض القدير» (٥/ ٢٢). وجاء في»المغني«(٧/ ٤٤٨):»وإذا تزوَّجها وشرّط لها أن لا يخرجها من دارها وبلدها؛ فلها شرطها؛ لما روي عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: «أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج». وإن تزوجها وشرط لها أن لا يتزوج عليها؛ فلها فراقه إِذا تزوج عليها، وجملة ذلك أن الشروط في النكاح تنقسم أقسامًا ثلاثة ...«. ثمّ فصّل القول في ذلك. وجاء في»الفتاوى«(٣٢/ ١٦٤):»وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوَّج بامرأةٍ؛ فشُرِط عليه عند النَّكاح أنه لا يتزوج عليها، ولا ينقُلُها من منزلها. وكانت لها ابنةٌ، فشرط عليه أن تكون عند أمّها، وعنده ما تزال، فدخل على ذلك كله، فهل يلزمه الوفاء؟ وإذا أخلف هذا الشرط، فهل للزوجة الفسخ، أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. نعم تصحّ هذه الشروط وما في معناها في مذهب الإِمام أحمد، وغيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ كعمر بن الخطاب وعمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، وشريح القاضي، والأوزاعي، وإسحاق، ولهذا يوجد في هذا الوقت صَداقات أَهل المغرب القديمة -لمَّا كانوا على مذهب الأوزاعي- فيها هذه الشروط. ومذهب مالك: إِذا شرط أنه إِذا تزوج عليها أو تسرّى أن يكون أمرها بيدها ونحو ذلك: صح هذا الشرط أيضًا، وملكت الفُرقة به. وهو في المعنى نحو مذهب أحمد في ذلك؛ لما أخرجاه في «الصحيحين» عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: «إِنّ أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (١). وقال عمر بن الخطاب: «مقاطع الحقوق عند الشروط» (١). ---------------------- (١) تقدّم. فجعل النّبيّ - ﷺ - ما يستحل به الفروج من الشروط أحق بالوفاء من غيره، وهذا نص في مِثل هذه الشروط؛ إِذ ليس هناك شرط يُوفّى به بالإِجماع غير الصَّداق والكلام. فتعيَّن أن تكون هي هذه الشروط. وأمّا شرط مُقامِ ولدِها عندها، ونفقته عليه؛ فهذا مِثل الزيادة في الصَّداق، والصّداق يحتمل من الجهالة فيه -في المنصوص عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة ومالك- ما لا يحتمل في الثمن والأجرة. وكل جهالة تنقص على جهالة مهر المثل تكون أحق بالجواز؛ لا سيما مثل هذا يجوز في الإِجارة ونحوها في مذهب أحمد وغيره: إِن استأجر الأجير بطعامه وكسوته، ويُرْجَعُ في ذلك إِلى العرف، فكذلك اشتراط النفقة على ولدها يُرْجَعُ فيه إِلى العرف بطريق الأولى. ومتى لم يُوفِ لها بهذه الشروط فتزوج، وتسرّى، فلها فسْخ النكاح، لكن في توقُّف ذلك على الحاكم نزاع؛ لكونه خيارًا مجتهدًا فيه، كخيار العنّة والعيوب؛ إِذ فيه خلاف ... «(١). وجاء (ص ١٦٧) منه:»وسئل شيخ الإِسلام -رحمه الله- عن رجل تزوج بنتًا عمرها عشر سنين، واشترط عليه أهلها أنه يسكن عندهم، ولا ينقلها عنهم، ولا يدخل عليها إِلا بعد سنة، فأخذها إِليه، واختلف ذلك، ودخل عليها، وذكر الدايات: أنه نقلها، ثمّ سكن بها في مكان يضربها فيه الضَّرْبَ المُبرِّح، ثمّ بعد ذلك سافر بها، ثمّ حضر بها، ومنع أن يدخل أهلها عليها مع مداومته على ضرْبها: فهل يحل أن تدوم معه على هذا الحال؟ ----------------------- (١) وانظر للمزيد -إن شئت- فيما يتعلق بالشروط في «الفتاوى» (٢٩/ ١٧٥ - ١٧٦) و(٢٩/ ٣٥٠ - ٣٥٤) و(٣٢/ ١٦٩ - ١٧٠). فأجاب: إِذا كان الأمر على ما ذكَر؛ فلا يحل إِقرارها معه على هذه الحالة؛ بل إِذا تعذر أن يعاشرها بالمعروف فُرّق بينهما؛ وليس له أن يطأها وطأ يضرُّ بها؛ بل إِذا لم يمتنع من العدوان عليها فُرّق بينهما، والله أعلم». وجاء (ص ١٦٨) منه: «وسئل -رحمه الله- عن رجل شرط على امرأته بالشهود أن لا يُسكنها في منزل أبيه، فكانت مدة السكنى منفردة، وهو عاجز عن ذلك: فهل يجب عليه ذلك؟ وهل لها أن تفسخ النكاح إِذا أراد إِبطال الشرط؟ وهل يجب عليه أن يمكّن أمها أو أختها من الدخول عليها والمبيت عندها، أو لا؟ فأجاب: لا يجب عليه ما هو عاجز عنه؛ لا سيما إِذا شرطت الرضا بذلك؛ بل [إِذا] كان قادرًا على مسكن آخر؛ لم يكن لها عند كثير من أهل العلم -كمالك وأحد القولين في مذهب أحمد وغيرهما- غير ما شرط لها، فكيف إِذا كان عاجزًا؟ وليس لها أن تفسخ النكاح عند هؤلاء وإنْ كان قادرًا. فأمّا إِذا كان ذلك للسكن، ويصلح لسكنى الفقير، وهو عاجز عن غيره؛ فليس لها أن تفسخ بلا نزاع بين الفقهاء، وليس عليه أن يمكِّن من الدخول إِلى منزله: لا أمّها ولا أختها، إِذا كان معاشرًا لها بالمعروف، والله أعلم». وجاء في تعليق شيخنا على «الروضة الندية» (٢/ ١٧٥) بعد نقْل كلام شيخ الإِسلام -رحمهما الله-: "وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبًا بدونه، فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبًا ولا حرامًا، وعدم الإِيجاب ليس نفيًا للإِيجاب، حتى يكون المشترط مناقضًا للشرع، وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبًا، ويباح أيضًا لكل منهما ما لم يكن مباحًا، ويحرم على كل منهما ما لم يكن حرامًا، وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين، وكذلك إِذا اشترط صفة في المبيع أو رهنًا، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مِثلها؛ فإِنه يجب ويحرُم ويباح بهذا الشرط؛ ما لم يكن كذلك؛ كذا في»الفتاوى«(٣/ ٣٣٣)». وقال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ١٣٩) بعد حديث: «إِنّ أحق الشروط أن توفّوا ...»: «فقد صحّ أنّ رسول الله - ﷺ - لم يُرِدْ قط في هذا الخبر شرطًا فيه تحريم حلال، أو تحليل حرام، أو إِسقاط فرض، أو إِيجاب غير فرض، لأنّ كل ذلك خلاف لأوامر الله -تعالى- ولأوامره -عليه الصلاة والسلام-. واشتراط المرأة أن لا يتزوج، أو أن لا يتسرى، أو أن لا يغيب عنها، أو أن لا يرحِّلها عن دارها؛ كل ذلك تحريم حلال، وهو وتحليل الخنزير والميتة سواء في أنّ كلّ ذلك خلاف لحكم الله -عز وجل-». وخلاصة القول التي بدت لي: إِنّ الأعمال إِمّا أن تكون واجبة، وإِمّا أن تكون حرامًا، وإمّا أن تكون جائزة. فاشتراط المرأة ترْك الواجب باطل، واشتراطها فِعْل الحرام باطل كذلك، فيبقى البحث في الأمور الجائزة؛ فيجوز ذلك. والله -تعالى- أعلم. مسألة: جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٤٢): "وسئل -رحمه الله- عن بنت زالت بكارتها بمكروه، ولم يُعْقَدْ عليها عَقْدٌ قطّ، وطلبها من يتزوّجها؛ فذكر له ذلك فرضي: فهل يصح العقد بما ذكر إِذا شهد المعروفون أنها بنت؛ لتسهيل الأمر في ذلك؟ فأجاب: إِذا شهدوا أنها ما زُوجت؛ كانوا صادقين، ولم يكن في ذلك تلبيس على الزّوج؛ لعلِمه بالحال. وينبغي استنطاقها بالأدب؛ فإِنّ العلماء متنازعون: هل إِذنها -إِذا زالت بكارتها بالزنى- الصمت، أو بالنطق؟ والأول مذهب الشافعي وأحمد كصاحبي أبي حنيفة. وعند أبي حنيفة ومالك: إِذنها الصمات، كالتي لم تزَلْ عذرتها». هل يحقّ فسْخُ العقد إِذا ثبَتَ العيب؟ * اختلف الفقهاء في ذلك، فقال داود، وابن حزم، ومن وافَقَهما: لا يُفْسَخ النكاح بعيب ألبتة. وقال أبو حنيقة: لا يفسخ إِلا بالجَبِّ والعُنّة (١) خاصة. وقال الشافعي ومالك: يُفْسَخ بالجنون والبرص، والجُذام والقَرَن (٢)، والجَبِّ والعُنّة خاصة. وزاد الإِمام أحمد عليهما: أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين السبيلين. ولأصحابه في نَتَن الفرج والفم، وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج، والقروح السيالة فيه، والبواسير، والنّاصور، والاستحاضة، واستطلاق البول، والنجو (٣)، والخصي -وهو قطع البيضتين- والسَّل -وهو سَلُّ البيضتين-، والوَجء -وهو رضُّهما-، وكون أحدهما خُنثى مشكلًا، والعيب الذي بصاحبه ------------------------ (١) العُنّة: العجز عن وطء النّساء. (٢) القرناء من النساء: التي في فرجها مانع يمنع من سلوك الذكر فيه، إِمّا غدّة غليظة، أو لحمة مُرْتَتِقة أو عظم، يقال لذلك كله: القرَن. «لسان العرب». (٣) النجو: ما يخرج من البطن من ريحٍ وغائط. «القاموس المحيط». مثله من العيوب السبعة، والعيب الحادث بعد العقد: وجهان. وذهب بعض أصحاب الشافعي إِلى ردّ المرأة بكُلِّ عيبٍ تُردُّ به الجارية في البيع، وأكثرهم لا يَعرف هذا الوجه ولا مظنّته، ولا مَن قاله. وممن حكاه: أبو عاصم العباداني في كتاب «طبقات أصحاب الشافعي»، وهذا القول هو القياس، أو قول ابن حزم ومن وافقه. وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية، دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها، فلا وجه له ... * (١). أقول: يحقّ فسْخ العقد إِذا ثبَت -عيب عند الرجل أو المرأة- في الفرج؛ يمنع الوطء والاستمتاع، أو كان به مرض مُنفّر، كالجنون أو البرص أو الجذام ... وهناك آثار عن عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة بن شعبة -رضي الله عنهم- أن العِنّين (٢) يؤجّل سَنة (٣). وجاء في «الإِرواء» (٦/ ٣٢٤): «... وأمّا أثر ابن مسعود، فيرويه سفيان عن الركين عن أبيه وحصين بن قبيصة عن عبد الله أنه قال:»يؤجل العنّين سنة، فإِنْ جامع، وإِلا فرّق بينهما«(٤). -------------------- (١) ما بين نجمتين من»زاد المعاد«(٥/ ١٨٢). (٢) هو الذي لا يأتي النساء ولا يريدهنّ.»اللسان«. (٣) انظر»الإِرواء«(١٩١١). (٤) قال شيخنا -رحمه الله- في الكتاب المذكور:»أخرجه ابن أبي شيبة: وكيع عن سفيان به. وتابعه شعبة: حدثني الركين عن حصين به؛ لم يذكر عن أبيه. = وجاء في «سُبُل السلام» (٣/ ٢٦٣): «قال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثرون: إِنْ وطِئها بعد أنْ دخَل بها مرة واحدة؛ لم يؤجل أجل العِنِّين، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق. وقال أبو ثور: إِنْ ترَك جماعها لعِلّة؛ أُجِّلَ لها سنة، وإنْ كان لغير عِلّة فلا تأجيل. وقال عياض: اتفق كافة العلماء على أنّ للمرأة حقًّا في الجماع، فيثبت الخيار لها إِذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعِنِّين أجل سنة؛ لاختبار زوال ما به». انتهى. قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢٨/ ٣٨٣): «ومن الحقوق الأبضاع، فالواجب الحُكم بين الزوجين بما أمَر الله -تعالى- به، من إِمساكٍ بمعروف أو تسريحٍ بإِحسان، فيجب على كلٍّ من الزوجين أن يؤدي إِلى الآخر حقوقه، بطيب نفس وانشراح صدر؛ فإِنّ للمرأة على الرجل حقًّا في ماله؛ وهو الصَّداق والنفقة بالمعروف، وحقًّا في بدنه؛ وهو العشرة والمتعة؛ بحيث لو آلى منها استحقت الفرقة بإِجماع المسلمين، وكذلك لو كان مجبوبًا أو عنّينًا لا يمكنه جماعها فلها الفرقة؛ ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء». وقال -رحمه الله- (٢٩/ ١٧٥): «وكذلك يوجب العقدُ المُطْلَق: سلامةَ الزوج من الجَبِّ والعُنَّةِ عند عامة الفقهاء، وكذلك يوجب عند الجمهور: سلامتها من موانع الوطء كالرتق (١)، وسلامتها من الجنون، والجذام، والبرص، ------------------- = قلت: وهذا إِسناد صحيح على شرط مسلم، فإِن رجاله كلهم ثقات من رجاله سوى حصين بن قبيصة، لكن روايته متابعة، ثم هو ثقة». (١) المرأة الرتقاء: هي المرأة المنضمّة الفرج، التي لا يكاد الذّكر يجوز فرجها؛ لشدّة انضمامه. «لسان العرب». وكذلك سلامتهما من العيوب التي تمنع كماله، كخروج النجاسات منه أو منها، ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره». وجاء فيه (٣٢/ ١٧٣): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوج امرأة على أنها بِكر، فبانت ثيبًا؛ فهل له فسخ النكاح ويرجع على مَن غرَّه أم لا؟ فأجاب: له فسْخ النكاح، وله أن يطالب بأرش (١) الصَّداق -وهو تفاوُتُ ما بين مهر البِكر والثيب؛ فينقص بنسبته من المسمّى-، وإذا فسخ قبل الدخول سقط المهر، والله أعلم». وجاء فيه (٣٢/ ١٧١): «وسئل -رحمه الله- عن امرأة تزوجت برجل، فلما دخل رأت بجسمه برصًا: فهل لها أن تفسخ عليه النكاح؟ فأجاب: إِذا ظهر بأحد الزوجين جنون، أو جذام، أو برص: فللآخر فسْخ النكاح؛ لكن إِذا رضي بعد ظهور العيب فلا فسْخ له. وإذا فسخت فليس لها أن تأخذ شيئًا من جهازها، وإنْ فسخت قبل الدخول سقط مهرها. وإنْ فسخت بعده لم يسقط». وجاء (ص ١٧١) منه: «وسئل -رحمه الله- عن رجل متزوج بامرأة فظهر مجذومًا: فهل لها فسْخ النكاح؟ فأجاب: الحمد لله. إِذا ظهر أن الزوج مجذوم، فللمرأة فسْخ النكاح بغير اختيار الزوج. والله أعلم». ------------------- (١) الأرش: هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس، كما في «التعريفات». هذا في القصاص. وهو ما يستردّ من ثمن المبيع إذا ظهر فيه عيب. وهذا في البيوع. والمراد هنا: ما يسترد من المهر بعد ظهور العيب. وقال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٥/ ١٨٤): «... وأمّا إِذا اشترط السلامة، أو شرَط الجمال، فبانت شوهاء، أو شرَطها شابة حديثة السن، فبانت عجوزًا شمطاء، أو شرَطها بيضاء، فبانت سوداء، أو بِكرًا فبانت ثيِّبًا، فله الفسْخُ في ذلك كلّه. فإِنْ كان قبل الدخول، فلا مهر لها. وإنْ كان بعده، فلها المهر، وهو غُرْمٌ على وليها إِنْ كان غرّه، وإنْ كانت هي الغارّهّ، سقط مهرها، أو رجع عليها به إِن كانت قبضته. ونص على هذا أحمد في إِحدى الروايتين عنه، وهو أقيسهما وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترط». وقال -رحمه الله- (ص ١٨٣): «[إِنّ] كُلّ عيب يُنفّر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورًا قطُّ، ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغُبن به، ومن تدبّر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدْله وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح؛ لم يَخْفَ عليه رجحان هذا القول، وقُربه من قواعد الشريعة». وقال -رحمه الله- (ص ١٨٥): «وإذا كان النّبيّ - ﷺ - حرّم على البائع كِتمان عيب سلعته، وحرّم على مَن علمه أن يكتمه من المشتري، فكيف بالعيوب في النكاح، وقد قال النّبيّ - ﷺ - لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية، أو أبي الجهم:»أمّا معاوية، فصعلوك لا مال له، وأمّا أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه" (١)، فعُلم أنّ بيان العيب في النكاح أولى وأوجب، -------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٤٨٠. فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغشُّ الحرام به سببًا للزومه، وجعل ذا العيب غُلًاّ لازمًا في عُنق صاحبه، مع شدّة نُفرته عنه، ولا سيّما مع شرط السلامة منه، وشرط خلافه؟! وهذا مما يُعلم يقينًا أن تصرفات الشريعة وقواعدها وأحكامها تأباه. والله أعلم». وقال -رحمه الله- (ص ١٨٦): «وقد ذهب أبو محمد ابن حزم إِلى أن الزوج إِذا شرط السلامة من العيوب، فوجد أيّ عيب كان، فالنكاح باطل من أصله غير منعقد، ولا خيار له فيه، ولا إجازة ولا نفقة، ولا ميراث، قال: لأن التي أدخلت عليه غير التي تزوج، إِذ السالمة غير المعيبة بلا شك، فإِذا لم يتزوجها فلا زوجية بينهما». وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون انفساخ العقد إِذا غرّر الرجل بالمرأة أو العكس؟ قال: ما نوع الغرر؟ قلت: يريد شيخنا -رحمه الله- أنّ هناك غررًا يَسوغ فيه انفساخ العقد، وغررًا لا يسوغ فيه، وذلك على النحو الذي فصّله العلماء. فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله-: ماذا إِذا كان الرجل عنّينًا، ووافقت المرأة على الزواج منه؟ فأجاب -رحمه الله-: مقصود الزواج الإِحصان، فإِن كانت مُطلّقة أو أرملة وذاقت العسيلة، وليس عندها شَبَقٌ فلا مانع، وإلا فلا. انتهى. المحرّمات من النّساء (١) ليس كلُّ امرأةٍ صالحةً للعقد عليها، بل يُشترط في المرأة التي يراد العقد عليها، أن تكون غير محرّمة على من يريد التزوج بها؛ سواء أكان هذا التحريم مؤبدًا، أم مؤقتًا. والتحريم المؤبد يمنع المرأة أن تكون زوجةً للرجل؛ في جميع الأوقات. والتحريم المؤقت يمنع من التزوج بها، ما دامت على حالة خاصة قائمة بها، فإِنْ تغير الحال، وزال التحريم الوقتي، صارت حلالًا. المُحَرَّمات مُؤبَّدًا وأسباب التحريم المؤبد هي: ١ - النسب. ٢ - المصاهرة. ٣ - الرضاع. وهي المذكورة في قول الله -تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢). ---------------------- (١) عن «فقه السنّة» بتصرّف وزيادة. (٢) النساء: ٢٣. أولًا: المحرمات من النسب هنّ: ١ - الأمّهات. ٢ - البنات. ٣ - الأخوات. ٤ - العمات. ٥ - الخالات. ٦ - بنات الأخ. ٧ - بنات الأخت. والأم: اسم لكل أنثى لها عليك ولادة؛ فيدخل في ذلك الأمّ، وأمّهاتها، وجدّاتها، وأمّ الأب. وجدّاته، وإن عَلَوْن. والبنت: اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، أو كل أنثى يرجع نسَبُها إِليك بالولادة بدرجة أو درجات. فيدخل في ذلك بنت الصُّلب، وبناتها. والأخت: اسم لكل أنثى جاورتك في أَصْلَيْكَ، أو في أحدهما. والعمّة: اسم لكل أنثى شاركَت أباك أو جدَّك في أصليه، أو في أحدهما. وقد تكون العمّة من جهة الأمّ، وهي أخت أبي أمّك. والخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها، أو في أحدهما. وقد تكون من جهة الأب، وهي أخت أمّ أبيك. وبنت الأخ: اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة، بواسطة أو مباشرة، وكذلك بنت الأخت. ثانيًا: المحرّمات بسبب المصاهرة: وهي القرابة الناشئة بسبب الزواج. ١ - أمّ زوجته، وأم أمّها، وأمّ أبيها وإن علَت؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأُمّهات نسائكم﴾، ولا يُشترط في تحريمها الدخول بابنتها، بل مجرّد العقد على ابنتها يحرّمها. وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٧٧): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوج بامرأة من مدة سنة ولم يدخل بها، وطلّقها قبل الإِصابة: فهل يجوز له أن يدخل بالأمّ بعد طلاق البنت؟ فأجاب: لا يجوز تزويج أمّ امرأته؛ وإن لم يدخل بها. والله أعلم». ٢ - وابنة زوجته التي دخَل بها، ويدخل في ذلك بنات بناتها، وبنات أبنائها، وإنْ نزلن؛ لأنهنّ مِن بناتها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وربائبكم اللاّتي في حُجُورِكُم من نسائكم اللاَّتي دَخَلتم بِهِنّ فإِن لم تكونوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾. والربائب جمع ربيبة، وربيب الرجل: ولَدُ امرأته من غيره؛ سُمّي ربيبًا له؛ لأنه يَرُبّه، كما يَرُبّ ولده؛ أي: يَسُوسُه. وقوله: ﴿اللاّتي في حُجُورِكُم﴾: وصْف لبيان الشأن الغالب في الربيبة، وهو أن تكون في حجر زوج أمّها، وليس قيدًا. وذَكر ابن كثير -رحمه الله- أنّ هذا قول جمهور الأئمة. وعند الظاهرية: أنه قيد، وأنّ الرجل لا تحرُم عليه ربيبته -أي: ابنة امرأته- إِذا لم تكن في حجره. ![]()
__________________
|
|
#118
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 76الى صــ 90 الحلقة (118) عن مالك بن أوس بن الحدثان قال:»كانت عندي امرأة، فتوُفّيت، وقد ولَدت لي، فوَجَدْتُ عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: تُوفِّيت المرأة، فقال عليّ: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، قال: فانْكِحْها، قلت: فأين قول الله: ﴿وربائِبُكم اللاتي في حُجُورِكُم﴾؟! قال: إِنها لم تكن في حجرك، إِنما ذلك إِذا كانت في حجرك«(١). وجاء في»الإِرواء«(٦/ ٢٨٧)؛»وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٣٩٤): «هذا إِسناد قوي ثابت إِلى علي بن أبي طالب، على شرط مسلم، وهو قول غريب جدًا. وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك -رحمه الله-، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإِمام تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله-؟ فاستشكله، وتوقف في ذلك». وكذلك صحح إِسناده السيوطي في «الدر» (٢/ ١٣٦)، ومن قبله الحافظ في «الفتح». وأمّا عن عمر، فلم أقف عليه الآن (٢)«. -------------------- (١) أخرجه عبد الرزاق في»المصنف«، وابن أبي حاتم في»التفسير«، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٨٨٠). (٢) وفي التحقيق الثانى»للإِرواء«تفصيلاتٌ طيبة لشيخنا -رحمه الله-، ذكَر فيها أنه رآه في»مصنّف عبد الرزاق«برقم (١٠٨٣٥)، وقال:»وإسناده جيّد". قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «أمّا أمّ المرأة؛ فإِنها تحرُم بمجرد العقد على ابنتها، سواءٌ دخل بها أو لم يدخل. وأمّا الربيبة -وهي بنت المرأة- فلا تحرم بمجرد العقد على أمّها حتى يدخل بها، فإِنْ طلق الأم قبل الدخول بها؛ جاز له أن يتزوّج بنتها». قال أبو عيسى (١): «والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: إِذا تزوّج الرجل امرأة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها، حَلَّ له أن ينكح ابنتها، وإِذا تزوّج الرجل الابنة فطلّقها قبل أن يدخل بها؛ لم يحلَّ له نكاح أمها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأمّهاتُ نسائكم﴾، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق». وجاء في «المحلّى» (١١/ ١٥٥) تحت المسألة (١٨٦٤): «وأمّا من تزوّج امرأة ولها ابنة، أو ملَكَها ولها ابنة، فإِن كانت الابنة في حجره ودخل بالأم مع ذلك -وطئ أو لم يطأ، لكن خلا بها بالتلذذ-: لم تحل له ابنتها أبدًا، فإِنْ دخل بالأمّ، ولم تكن الابنة في حجره، أو كانت الابنة في حجره ولم يدخل بالأمّ، فزواج الابنة له حلال. وأمّا من تزوّج امرأة لها أمّ، أو ملَك أمة تحلَّ له ولها أمّ؛ فالأمّ حرام عليه بذلك أبد الأبد -وطئ في كل ذلك الابنة أو لم يطأها-. برهان ذلك: قول الله -تعالى-: ﴿وربائِبُكُم اللاتي في حُجُورِكُم من نسائِكُم --------------------- (١) قاله -رحمه الله- بعد حديث ضعيف:»أيما رجل نكح امرأة فدخل بها، فلا يحل له نكاح ابنتها، فإِن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها، أو لم يدخل بها؛ فلا يحلّ له نكاح أمّها«. أخرجه الترمذي»ضعيف سنن الترمذي«(١٩١) وغيره، وانظر»الإِرواء" (١٨٧٩). اللاتي دَخَلْتُم بِهِنَّ فإِن لم تكونوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾ (١)، فلم يُحرِّم الله -عز وجل- الربيبة بنت الزوجة أو الأمَة إِلا بالدخول بها، وأن تكون هي في حجره، فلا تحرم إِلا بالأمرين معًا، لقوله -تعالى- بعد أن ذكَر ما حرم من النّساء-: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم﴾ (٢)، ﴿وما كان ربك نَسِيًّا﴾ (٣). وكونها في حجره ينقسم قسمين: أحدهما: سكناها معه في منزله، وكونه كافلًا لها. والثاني: نظره إِلى أمورها نحو الولاية لا بمعنى الوكالة، فكل واحد من هذين الوجهين يقع به عليها كونها في حجره. وأمّا أمّها؛ فيحرِّمها عليه بالعقد جملةً: قولُ الله -تعالى-: ﴿وأمّهات نسائكم﴾، فأجملها -عز وجل- فلا يجوز تخصيصها، وفي كلّ ذلك اختلاف قديم وحديث ...». ثمّ ذكر -رحمه الله- هذا الاختلاف وناقشه مع بيان الأدلّة. ٣ - زوجة الابن، وابن ابنه، وابن بنته، وإِنْ نزل؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وحلائِلُ أبنائِكُم الذين من أَصْلابِكُم﴾. والحلائل جمع حليلة، وحليلة الرجل: امرأته، والرجل حليلها؛ لأنها تحُلّ معه ويحل معها. وقيل: لأنّ كلّ واحد منهما يحل للآخر (٤). ------------------ (١) النساء: ٢٣. (٢) النساء:٢٤. (٣) مريم: ٦٤. (٤) «النهاية». ٤ - زوجة الأب: لقول الله -تعالى-: ﴿ولا تنكحوا ما نكَحَ آباؤُكم من النساء﴾ (١). ويحرم على الابن التزوج بحليلة أبيه، بمجرد عقْد الأب عليها، ولو لم يدخل بها. وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: «مرّ بي عمّي الحارث بن عمرو، ومعه لواء قد عقَده له النبيّ - ﷺ -، فقُلت له: أي عمّ! أين بعثك النّبيّ - ﷺ -؟ قال: بعثني إِلى رجل تزوّج امرأة أبيه، فأمَرني أن أضرب عنقه» (٢). قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: ﴿ولا تنكحوا ما نكَحَ آباؤُكم من النّساء﴾: «وقد أجمع العلماء على تحريم من وَطِئَها الأب بتزويج أو ملك أو بشبهة أيضًا. واختلفوا فيمن باشرَها بشهوة دون الجماع، أو نظر ما لا يحلّ له النظر إِليه منها، لو كانت أجنبيية». ثمّ ذَكر أثرًا في ذلك. ويرى بعض الفقهاء أنّ مَن زنى بامرأة، أو لمسها، أو قبَّلها، أو نظر إِلى فرجها بشهوة، حرُم عليه أصولها وفروعها، وتحرُم هي على أصوله وفروعه؛ إِذ إِنّ حرمة المصاهرة تثبت عندهم بالزنى، ومِثله مقدماته ودواعيه؛ قالوا: ولو زنى الرجل بأمّ زوجته أو بنتها، حرمت عليه حرمة مؤبّدة. ويرى [المخالفون] أنّ الزنى لا تثبت به حرمة المصاهرة، وممّا استدلّوا به: --------------------- (١) النساء: ٢٢. (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٠٩٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١١١) وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣٥١). ١ - قول الله -تعالى-: ﴿وأُحلَّ لكم ما وَرَاءَ ذلكم﴾ (١). فهذا بيان عما يحلّ من النساء بعد بيان ما حُرّم منهن، ولم يذكر أن الزنى من أسباب التحريم. ٢ - أن ما ذكروه من الأحكام في ذلك: هو مما تمس إِليه الحاجة، وتعمُّ به البلوى أحيانًا، وما كان الشارع ليسكت عنه، فلا ينزل به قرآن، ولا تمضي به سنة، ولا يصح فيه خبر، ولا أثر عن الصحابة، وقد كانوا قريبى عهد بالجاهلية التي كان الزنى فيها فاشيًا بينهم، فلو فهم أحد منهم أن لذلك مدركًا في الشرع، أو تدل عليه عِلّهَ وحكمة لسألوا عن ذلك، وتوفّرت الدواعي على نقل ما يفتنون به (٢). واستدلوا بحديث لا يثبت ولا يصح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «سُئِل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يتبع المرأة حرامًا؛ أينكح ابنتها؟ أو يتبع الابنة حرامًا؛ أينكَح أمّها؟ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: لا يُحَرِّمُ الحرام؛ إِنما يُحرم ما كان بنكاحٍ حلال». قال شيخنا -رحمه الله- في «الضعيفة» (٣٨٨): «باطل»؛ وأفاض في تخريجه، ثمّ قال -رحمه الله-: «وقد استدل بالحديث الشافعية وغيرهم على أنه يجوز للرجل أن يتزوج ابنته من الزنى، وقد علمتَ أنه ضعيف؛ فلا حُجّة فيه. --------------------- (١) النساء: ٢٤. (٢) انظر»المنار" (٤/ ٤٧٩). والمسألة اختلف فيها السلف، وليس فيها نصٌّ مع أحد الفريقين، وإنْ كان النظر والاعتبار يقتضي تحريم ذلك عليه، وهو مذهب أحمد وغيره، ورجّحه شيخ الإِسلام ابن تيمية، فانظر «الاختيارات» له (١٢٣ - ١٢٤)، وتعليقنا على الصفحة (٣٦ - ٣٩) من كتابنا «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». ثالثًا: المحرّمات بسبب الرضاع: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والذي يحرم من النسب -كما تقدّم-: الأمّ، والبنت، والأخت، والعمّة، والخالة، وبنات الأخ، وبنات الأخت. كما في الآية المتقدّمة: ﴿حُرِّمت عليكم أمّهاتُكُم وبناتُكُم وأَخَواتُكُم وعمّاتُكُم وخَالاتُكُم وبَنَاتُ الأخِ وبَنَاتُ الأخْت وأمّهاتُكُم الَّلاتي أَرْضَعْنَكُم وأخَوَاتُكُم من الرَّضَاعَة﴾ (١). وعلى هذا، فَتُنَزَّلُ المرضعة منزلة الأمّ، وتحرم على الرضيع؛ هي وكلّ من يحرم على الابن من قبل أمّ النسب؛ فتحرم: ١ - المرأة المرضعة؛ لأنها لإِرضاعها تُعَدُّ أمًّا للرضيع. ٢ - أمّ المرضعة؛ لأنها جدّة له. ٣ - أم زوج المرضعة -صاحب اللبن- لأنها جدّة كذلك. ٤ - أخت الأمّ؛ لأنها خالة الرضيع. ٥ - أخت زوجها -صاحب اللبن- لأنها عمّته. ٦ - بنات بنيها وبناتها؛ لأنهن بنات إِخوته، وأخواته. ---------------------- (١) النساء: ٢٣. ٧ - الأخت؛ سواء أكانت أختًا لأب وأمّ، أو أختًا لأمّ، أو أختًا لأب. الرِّضاع الذي يثبُت به التحريم: يثبت التحريم بخمس رضعات معلومات. عن عائشة أنها قالت: «كان فيما أُنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يُحرِّمن)، ثمّ نُسخْن بخمس معلومات، فتوُفي رسول الله - ﷺ - وهنّ فيما يُقرأ من القرآن (١)» (٢). عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «لا رضاع إِلا ما شدّ العظم وأنبت اللحم» (٣). عن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحرم من الرضاعة إِلا ما فتق (٤) الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام» (٥). ----------------------- (١) قال النووي (١٠/ ٢٩) في «شرحه»: «معناه: أنّ النسخ بخمس رضعات تأخّر إِنزاله جدًا؛ حتى إِنّه - ﷺ - توفّي، وبعض الناس يقرأ:»خمس رضعات«ويجعلهما قرآنًا متلوًا؛ لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده؛ فلمّا بلغهم النسخ بعد ذلك؛ رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أنّ هذا لا يُتلى». (٢) أخرجه مسلم: ١٤٥٢. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨١٤)، وانظر «الإِرواء» (٢١٥٣). (٤) أصل الفَتق: الشقّ والفتح. وجاء في «الوسيط»: «يُقال: فتِق فَتَقًا: تفتّح جسمه سِمَنًا، فهو فَتِق». (٥) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٢١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٨٢)، وانظر «الإِرواء» (٢١٥٠). وأمّا قول من قال: إِنّ قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم؛ أخْذًا بإِطلاق الإِرضاع في الآية، فجوابه أنّ السنّة المطهرّة مُفصِّلة مُبيِّنة للقرآن الكريم. وأمّا استدلالهم بحديث عقبة بن الحارث قال: «تزوجتُ امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما! فأتيت النّبيّ - ﷺ - فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إِني قد أرضعتكما! وهي كاذبة؟! فأعرض عني، فأتيته من قِبَل وجهه؛ قلت: إِنها كاذبة! قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟! دعها عنك» (١). وقولهم: إنّ ترْك رسول الله - ﷺ - السؤالَ عن عدد الرضعات دليل على عدم اعتبار العدد! فجوابه؛ أنّه ينبغي حمْله على الجمع مع النصوص الأُخرى. وأمّا قول من قال: إنّ التحريم يثبثُ بثلاث رضعات فأكثر؛ لقوله - ﷺ -: «لا تحرِّمُ المصَّةُ والمصّتَان» (٢). وقولهم: هذا الحديث يثبت التحريم فيما زاد على ثلاث رضعات. فجوابه أنّ ذِكْر هذا؛ على سبيل البيان وتفسير حديث الخَمْس، وهو أقوى عند أهل اللغة من قوله: «لا تُحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الثلاث، ولا الأربع»؟! قال في «فيض القدير» -بحذف-: «... وإِلا فالتحريم بالثلاث إِنما يُؤخَذ منه بالمفهوم. ومفهوم العدد ضعيف؛ على أنه قد عارضه مفهوم حديث الخَمْس فيرجع إِلى الترجيح بين المفهومين» انتهى. ولك أن تقول: إِنّ مفهوم ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٠٤. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٥٠. الثلاث عارض منطوق الخَمْس والله -تعالى- أعلم. وسألتُ شيخنا -رحمه الله- عن ذلك؟ فقال: خَمْسُ رضعات مُشبعات تجعل النّسب محرمًا. اللبن المختلط بغيره: إِذا اختلط لبن المرأة بطعام أو شراب أو دواء أو لبن شاة أو غيره، وتناوله الرضيع؛ فإِنْ كان الغالب لبنَ المرأة؛ حرم. وإن لم يكن غالبًا؛ فلا يثبت به التحريم. وبه يقول شَيخنا -رحمه الله- في إِجابة أجابنيها. ويشترط أن يكون الرّضاع في الحولين، وهي المدّة التي بيّنها الله -تعالى- في قوله: ﴿والوالداتُ يُرْضعْنَ أولادَهنَّ حَوْلَين كامِلَين لِمن أراد أن يتِمَّ الرَّضاعة﴾ (١). وفي حديث أُمّ سلمة المتقدّم: «لا يحرم من الرضاعة إِلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الطعام». ولو فُطم الرضيع قبل الحولين؛ واستغنى بالغذاء عن اللبن، ثمّ أرضعته امرأة؛ فإِنّ ذلك الرضاع لا تثبت به الحُرمة. وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أن النّبيّ - ﷺ - دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغيّر وجهه -كأنه كره ذلك-، فقالت: إِنه أخي! فقال: انظرن ما إِخوانكنّ؟ فإِنما الرضاعة من المجاعة» (٢). ------------------- (١) البقرة: ٢٣٣. (٢) أخرجه البخاري: ٥١٠٢، ومسلم: ١٤٥٥. رضاع الكبير: وبما تقدّم من الأدلّة؛ يتبيّن لنا أن رضاع الكبير لا يُحرِّم؛ بيْد أنّ بعض النصوص تدلّ على جوازه لحاجة. عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممّن شهد بدرًا مع النّبيّ - ﷺ -- تبنّى سالمًا، وأنكحه بنت أخيه هندًا بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة -وهو مولى لامرأة من الأنصار-، كما تبنّى النّبيّ - ﷺ - زيدًا، وكان من تبنّى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إِليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله ﴿ادْعُوهُم لآبَائِهِم﴾ إِلى قوله: ﴿وَمَوَالِيْكُم﴾، فرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلم له أب، كان مولى وأخًا في الدّين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثمّ العامري -وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة- النّبيَّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِنّا كنّا نرى سالمًا ولدًا، وقد أنزل الله فيه ما قد علِمتَ ...» (١) فذكر الحديث. وساق الحديثَ بتمامه أبو داود بلفظ: «... فكيف ترى فيه؟ فقال لها النّبيّ - ﷺ -: أرضعيه. فأرضعته خَمْس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة» (٢). وفي رواية عن عائشة: «أنّ سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت (تعني ابنة سهيل) النّبيّ - ﷺ -، فقالت: إِنّ سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظنّ أنّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا؟! فقال لها النّبيّ - ﷺ -: أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٠٨٨. (٢)»صحيح سنن أبي داود" (١٨١٥). الذي في نفس أبي حذيفة. فرجعت فقالت: إِنّي قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة» (١). وعن أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت لعائشة -رضي الله عنها-: إِنه يدخل عليك الغلام الأيْفع (٢) الذي ما أحب أن يدخل عليّ! فقالت عائشة: أما لك في رسول الله - ﷺ - أسوة؟ قالت: إِنّ امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله! إِنّ سالمًا يدخل عليّ وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء؟! فقال رسول الله - ﷺ -: «أرضعيه حتى يدخل عليك» (٣). وقال الحافظ في «الفتح» (٩/ ١٤٩): «... وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: قال رجل لعطاء: إِنّ امرأة سقتني من لبنها بعدما كبِرْتُ؛ أَفَأَنْكِحُهَا؟ قال: لا. قال ابن جريج: فقلت له: هذا رأيك؟ قال: نعم. كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها. وهو قول الليث بن سعد. وقال ابن عبد البر: لم يختلف عنه في ذلك. قلت: وذكر الطبري في»تهذيب الآثار«في»مسند عليٍّ«هذه المسألة، وساق بإِسناده الصحيح عن حفصة مثل قول عائشة ...». جاء في «الروضة الندية» (٢/ ١٧٩): «ويجوز إِرضاع الكبير -ولو كان ذا لحية-، لتجويز النظر، ثمّ حديث أم سلمة المتقدّم؛ وفيه:»أرضعيه حتى يدخل عليك«. قال:»وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة أيضًا -وقد تقدّم كذلك-«. -------------------- (١) انظر»صحيح مسلم«(١٤٥٣). (٢) هو الذي قارب البُلوغ ولم يبلُغ.»شرح النووي". (٣) أخرجه مسلم: ١٤٥٣. ثمّ قال: «وقد روى هذا الحديث من الصحابة أمّهات المؤمنين، وسهلة بنت سهيل، وزينب بنت أم سلمة. ورواه من التابعين جماعة كثيرة، ثمّ رواه عنهم الجمع الجمّ. وقد ذهب إِلى ذلك علي وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن عُلَيَّةَ وداود الظاهري وابن حزم. وهو الحقّ. وذهب الجمهور إِلي خلاف ذلك. قال ابن القيّم:»أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى، منهم عائشة. ولم يأخذ به أكثر أهل العلم، وقدَّموا عليها أحاديث توقيت الرّضاع المحرِّم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين؛ لوجوه: أحدها: كثرتها، وانفراد حديث سالم. الثاني: أن جميع أزواج النّبيّ - ﷺسوى عائشة- في شِقِّ المنع. الثالث: أنه أحوط. الرابع: أنّ رضاع الكبير لا يُنبِت لحمًا ولا يُنشِز عظمًا؛ فلا يحصل به البعضية التي هي سبب التحريم. الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصًا بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إِلا في قصته. السادس: «أن وسول الله - ﷺ - دخل على عائشة وعندها رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه وغضب، فقالت: إِنه أخي من الرّضاعة! فقال: انظرن مَن إِخوانكن من الرّضاعة؟ فإِنما الرّضاعة من المجاعة». متفق عليه واللفظ لمسلم. وفي قصة سالم مسلك، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإِنّ سالمًا كان قد تبنّاه أبو حذيفة وربّاه، ولم يكن له منه ومن الدخول على أهلهِ بدٌّ، فإِذا دعَت الحاجة إِلي مِثل ذلك؛ فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد. ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإِليه كان شيخنا يجنح. والله -تعالى- أعلم«، انتهى. أقول [أي: صاحب الروضة]: الحاصل: أن الحديث المتقدّم صحيح، وقد رواه الجمّ الغفير عن الجمّ الغفير سلفًا عن خلف، ولم يقدح فيه مِن رجال هذا الشأن أحد، وغاية ما قاله من يخالفه أنه ربما كان منسوخًا! ويجاب بأنه لو كان منسوخًا لوقع الاحتجاج على عائشة بذلك، ولم ينقل أنه قال قائل به؛ مع اشتهار الخلاف بين الصحابة. وأما الأحاديث الواردة بأنه لا رضاع إِلا في الحولين وقبل الفطام -فمع كونها فيها مقال (١) - لا معارضة بينها وبين رضاع سالم؛ لأنها عامّة، وهذا خاصّ، والخاصّ مُقدَّم على العامّ، ولكنه يختصُّ بمن عرض له من الحاجة إِلى إِرضاع الكبير ما عرض لأبي حذيفة وزوجته سهلة، فإِنّ سالمًا لمّا كان لهما كالابن، وكان في البيت الذي هما فيه، وفي الاحتجاب مشقّة عليهما؛ رخص - ﷺ - في الرضاع على تلك الصفة، فيكون رخصة لمن كان كذلك. وهذا لا محيص عنه». قلت: وبه يقول شيخنا -رحمه الله-، كما في بعض مجالسه؛ مقيِّدًا ذلك بالحاجة؛ كما في الحديث المتقدّم. قَبول قول المرضعة: عن عقبة بن الحارث قال: "تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما! فأتيتُ النّبيّ - ﷺ - فقلتُ: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إِني قد أرضعتكما! وهي كاذبة؟! فأعرض عني، فأتيته من ------------------ (١) وقد تقدّم تخريجها مختصرًا غير بعيد. والمقال الذى فيها لا يؤثِّر!! قِبَل وجهه قلت: إِنها كاذبة! قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟! دعها عنك» (١). قال البخاري -رحمه الله-: «باب شهادة المرضعة». وقال الحافظ في «الفتح»: «أي: وحدها». جاء في «الروضة الندية» (٢/ ١٧٩) -بعد ذِكْر الحديث السابق-: «وقد ذهب إِلى ذلك عثمان، وابن عباس، والزهري، والحسن، وإسحاق، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، ورُوي عن مالك ...». لبن الفحل: والمراد بالفحل: الرجل (٢) تكون له امرأة، ولَدت منه ولدًا، ولها لبن، فكُلّ من أرضعَتْه من الأطفال بهذا اللبن؛ فهو مُحرّم على الزوج وإِخوته، فيكونون أعمامه وأولاده (٣). عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: استأذن عليّ أفْلَحُ [أخو أبي القُعيس] (٤)، فلم آذَنْ له، فقال: أتحتجبين منّي وأنا عمّك؟! فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: أرضعتكِ امرأة أخي بلبن أخي. فقالت: سألت عن ذلك رسول الله ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٠٤، وتقدّم. (٢) ونسبة اللبن إِليه؛ لكونه سببًا فيه. (٣) «النهاية» بتصرّف. (٤) هذه الزيادة من «صحيح البخاري» (٤٧٩٦)، وفي رواية «لمسلم» (١٤٤٥): وكان أبو القُعيس أبا عائشة من الرضاعة. - ﷺ -؟ فقال: «صدق أفْلَح، ائذني له» (١). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنه سئل عن رجل له جاريتان (٢)، أرضعت إِحداهما جارية، والأخرى غلامًا: أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: لا، اللقاح واحد» (٣). المحرمات مؤقَّتًا ١ - الجمع بين الأُختين: قال الله -تعالى-: ﴿وأنْ تَجمَعوا بين الأُخْتَين إِلا ما قد سَلَفَ﴾ (٤). وعن فيروز قال: قلت: يا رسول الله! إِني أسلمتُ وتحتي أُختان، قال: «طلق أيتهما شئت» (٥). ٢ - الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يُجمع بين المرأة --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٦٤٤، ومسلم: ١٤٤٥. (٢) أي: أمَتان. (٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩١٨). (٤) النساء: ٢٣. (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٦٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٨٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٠٢)، وانظر»الإِرواء" (٦/ ٣٣٤). ![]()
__________________
|
|
#119
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 91الى صــ 105 الحلقة (119) وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها» (١). ٣ - زوجة الغير ومعتدّته -رجعيًّا-؛ إِلا المسبيّة، فإِنّها تحلّ لسابيها بعد الاستبراء، وإِنْ كانت متزوّجة. فعن أبي سعيد الخدري. «أنّ رسول الله - ﷺ - يوم حنين بعث جيشًا إِلى أوطاس، فلَقُوا عدُوًّا، فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأنّ ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - تحرّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين! فأنزل الله -عز وجل- في ذلك: ﴿والمحصنات من النّساء إلاَّ ما ملكَت أيمانكم﴾؛ أي: فهنّ لكم حلال إذا انقضت عدّتهن» (٢). قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: «أي: وحُرّم عليكم الأجنبيّات المحصنات؛ وهنّ المزوّجات ﴿إِلا ما ملكت أيمانكم﴾ يعني: إِلا ما ملكتموهنّ بالسبي؛ فإِنه يحلّ لكم وطؤُهنّ إذا استبرأتموهنّ، فإِنّ الآية نزلت في ذلك». ٤ - المطلّقة ثلاثًا: لا تحلّ المطلّقة ثلاثًا لزوجها الأوّل؛ حتى تنكح زوجًا غيره. قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (٣). نكاح الكفار (٤): قال الله -تعالى-: ﴿وامرأته حمّالةَ الحطب﴾، ﴿وامرأة فرعون﴾ ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥١٠٩، ومسلم: ١٤٥٨. (٢) أخرجه مسلم: ١٤٥٦. (٣) البقرة: ٢٣٠. (٤) عن «منار السبيل في شرح الدليل» (٢/ ١٦٦) بحذف. فأضاف النّساء إِليهم، وحقيقة الإِضافة تقتضي زوجيّة صحيحة. وقال - ﷺ -: «وُلدْتُ من نكاح لا سفاح» (١). [قلت: فميّز النّبيّ - ﷺ - بين النكاح والسفاح في أنكحة الكُفّار، وأثبت النكاح]. وإذا ثبتت الصحّة؛ ثبتت أحكامها *ولأنهْ أسلم خلْقٌ كثير في عصر رسول الله - ﷺ -، فأقرّهم على أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيّتها* (٢). وإنْ أسلم الزوجان معًا، أو أسلم زوج الكتابية، فهما على نكاحهما، ولم تتعرض لكيفية عقده، لما تقدّم. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنّ الزوجين إِذا أسلما معًا في حال واحدة؛ أنِّ لهما المُقَامَ على نكاحهما؛ ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع. ------------------------- (١) حديث حسن، خرّجه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (١٩١٤). (٢) قال شيخنا -رحمه الله- عن الكلام الذى بين نجمتين: «صحيح المعنى، وليس له ذِكر بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث التي وقفْتُ عليها، وإنما استنبط المصنف معناه من جملة أحاديث، منها قوله - ﷺ - لغيلان:»أمسِك أربعًا وفارِق سائرهن«. أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٠١)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٨٩)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١٨٨٣)». ومنها حديث الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! إني أسلمتُ وتحتي أُختان، قال: طلِّق أيتهما شئت، وفى لفظ: اختر أيتهما شئت«. أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٦٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٨٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٠٢)، وانظر»الإرواء" (٦/ ٣٣٤). «... فإِن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النّبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- كيف وقعت؟ وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإِسلام فتصحّ؛ أو لم تصادفها فتبطل؟ وإنما اعتبر حالها وقت إِسلام الزوج؛ فإِن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرّهما، ولو كان في الجاهلية؛ وقد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك. وإِن لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار؛ لم يقرّ عليه، كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم، أو أختان، أو أكثر من أربع، فهذا هو الأصل الذي أصّلَتْه سُنّة رسول الله -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم-. وما خالفه فلا يُلتفت إِليه، والله الموفق» (١). نكاح الزانية: لا يحلّ للرجل التزوّج بزانية. وكذا المرأة لا يحل لها التزوّج بزانٍ، إِلا إِذا أحدثا توبةً نصوحًا. والله -سبحانه وتعالى- جعَل العفاف شرطًا ينبغي وجوده في كلٍّ من الزوجين قبل النكاح، قال الله -سبحانه-: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «﴿مُحْصِنِينَ غيْرَ مُسَافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أَخْدَان﴾: فكما شرَط الإِحصان في النساء -وهي العِفّة عن الزنى- ------------------------ (١)»التعليقات الرضية" (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦). (٢) المائدة: ٥. كذلك شرَطَها في الرجال وهو أن يكون الرجل -أيضًا- محصنًا عفيفًا؛ ولهذا قال: ﴿غير مُسافحين﴾ وهم: الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردُّون أنفسهم عَمَّن جاءهم، ﴿ولا متخذي أخدان﴾؛ أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إِلا معهنّ». وقال -سبحانه-: ﴿الزَّاني لا يَنْكِح إِلا زانيةً أو مُشْرِكةً والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره» -بحذف-: "هذا خبرٌ من الله -تعالى- بأنّ الزاني لا يطأ إِلا زانيةً أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنى إِلا زانية عاصية أو مشركة، لا ترى حُرمةَ ذلك، وكذلك: ﴿الزانية لا ينكحها إِلا زان﴾؛ أي: عاص بزناه، ﴿أو مُشْرِك﴾: لا يعتقد تحريمه. قال سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ﴿الزَّاني لا يَنْكِحُ إِلا زانيةً أو مُشْرِكةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إِنما هو الجماع، لا يزني بها إِلا زانٍ أو مشرك. وهذا إِسناد صحيح عنه. وقد روي عنه من غير وجه -أيضًا-. وقوله -تعالى-: ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾؛ أي: تعاطيه والتزويج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالفُجّار من الرجال. وقال قتادة، ومقاتل بن حيان: حَرَّم الله على المؤمنين نكاح البغايا، وتقدّم في ذلك فقال: ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾. وهذه الآية كقوله -تعالى-: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ولا مُتَّخِذَاتِ ----------------------- (١) النور: ٣. أخْدَان﴾ (١)، وقوله: ﴿مُحصنين غير مُسافحين ولا مُتَخِذي أخْدَان﴾ (٢). ومن ها هنا ذهب الإِمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- إِلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإِن تابت صحّ العقد عليها؛ وإِلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحُرّة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتى يتوب توبة صحيحة، لقوله -تعالى-: ﴿وحُرّم ذلك على المؤمنين﴾ ...» ثمّ ذكر الحديث الآتي: عن عبد الله بن عمرو: «أن مرثد بن أبي مرثد الغَنَوِيِّ كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغيٌّ يقال لها: عَنَاقُ، وكانت صديقَتَه، قال: جئت النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقًا؟ قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍِ أو مُشْرِكٍ﴾، فدعاني فقرأها عليّ، وقال: لا تنكحها» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينكح الزاني المجلود إِلا مثله» (٤). وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٥/ ٥٧٢): «قوله:»المجلود«؛ ------------------------ (١) النساء: ٢٥. (٢) المائدة: ٥. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٠٦)، والنسائي»صحيح سنن النسائي) (٣٠٢٧) وغيرهما، وانظر «الإرواء» (١٨٨٦). (٤) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٠٧)، والحاكم وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (٢٤٤٤). قال الشوكاني (٦/ ١٢٤): هذا الوصف خرج مخرج الغالب، باعتبار من ظهر منه الزنى. وفيه دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج من ظهر منه الزنى، وكذلك لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنى، ويدل على ذلك قوله -تعالى-: ﴿والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍ أو مُشْرِك﴾». انتهى (١). قال شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضية» (٢/ ١٧٦): «ومعنى الآية: أن الزاني المعروف بالزنى لا ترتضيه زوجًا لها إِلا زانية أو مشركة في نظر الشرع، وكذلك القول في الزانية، وبيان ذلك في»إِغاثة اللهفان«(١/ ٦٦): أنّ المتزوّج أُمِرَ أن يتزوّج المحصنة العفيفة، وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط، والحكم المعلَّق على الشرط ينتفي عند انتفائه؛ والإِباحة قد علقت على شرط الإِحصان، فإِذا انتفى الإِحصان؛ انتفت الإِباحة المشروطة، فالمتزوّج إِما أن يلتزم حُكم الله وشَرعه، أو لا يلتزم، فإِن لم يلتزِمه؛ فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إِلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه؛ لم يصح النكاح؛ فيكون زانيًا». فائدة: وقال لي شيخنا -رحمه الله- حول نكاح الزانية في معرض التوضيح لسؤالٍ سابق: إِذا كان يعلم أنها زانية ولا يعلم أنها تائبة؛ فلا يجوز أن يتزّوجها، ولكنه إِذا تزوّجها وهو لا يعلم أنّها زانية؛ فزواجه صحيح. وسأَل شيخَنا -رحمه الله- أحدُ الإِخوة عن رجل زنى بامرأة؛ هل يحقّ له الزواج منها؟ ------------------------ (١) انظر للمزيد من المسائل والفوائد -إِن شئت- «الفتاوى» (٣٢/ ١١٢ - ١٢٥). فأجاب الشيخ -رحمه الله- بعدم الجواز. ثمّ قال السائل: وإنْ تابا؟ فأجاب: لا يجوز. وقد لمسْتُ من شيخنا -رحمه الله- أنه يشكُّ في صحّة التوبة. فقلتُ له: إِذا عُلِم صدق توبتهما من خلال بعض القرائن؟ فقال: يجوز. وسُئل شيخنا -رحمه الله- في بعض مجالسه: رجل فعَل الفاحشة بامرأة، ثمّ حملت، هل يستطيع أن يتزوجها؟ فأجاب: لا أرى هذا؛ لأنّه بالتالي تخطيط لإِلحاق الولد بهما. عقد المُحرم *يحرُم على المُحْرِمِ أن يعقد النكاح لنفسه أو لغيره؛ بولاية أو وكالة، ويقع العقد باطلًا* (١). عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يَنكِح المحرم ولا يُنْكَح ولا يخطُب» (٢). وما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم» (٣)؛ فهو معارض بحديث ميمونة -رضي الله عنها- نفسها: «أنّ رسول الله - ﷺ - تزوجها وهو حلال» (٤). ---------------------- (١) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٤١٢). (٢) أخرجه مسلم: ١٤٠٩. (٣) أخرجه البخاري: ١٨٣٧، ومسلم: ١٤١٠. (٤) أخرجه مسلم: ١٤١١. وقال شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٤/ ٢٣٧):»تنبيه: أخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم». قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ٤٥): «وصحّ نحوه عن عائشة وأبي هريرة وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالًا. وعن أبي رافع مثله، وأنه كان الرسول إِليها (١). واختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع لحديث عثمان (يعني: هذا)، وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت، فلا تقوم بها الحجة، ولأنها تحتمل الخصوصية، فكان الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يؤخَذ به. وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج، كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطْءِ؛ فتعقب بالتصريح فيه بقوله: (ولا يُنكح) بضم أوله. وبقوله فيه (ولا يخطُب)». وقال الحافظ ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٢/ ١٠٤/١) -وقد ذكر حديث ابن عباس-: «وقد عُدَّ هذا من الغلطات التي وقعت في»الصحيح«، وميمونة أخبرت أن هذا ما وقع، والإِنسان أعرف بحال نفسه، قالت:»تزوجني رسول الله - ﷺ - وأنا حلال بعدما رجعنا من مكة«. رواه أبو داود عن موسى بن إِسماعيل نحوه:»تزوجني النّبيّ - ﷺ - ونحن حلال بِسَرِفَ«. ------------------------- (١) قال شيخنا -رحمه الله- في التعليق:»في إِسناد حديث أبي رافع: مطر الوراق، وهو ضعيف، وقد خالفه مالك فأرسله، كما يأتي بيانه في «النكاح»، في أول الفصل الذي يلي «باب النكاح وشروطه». رقم (١٨٤٩) ". قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: وسند أبي داود صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في «صحيحه» (٤/ ١٣٧ - ١٣٨) دون ذكر سَرِفَ، وأخرجه أحمد (٦/ ٣٣٢، ٣٣٥) باللفظ الأول الذي في «التنقيح»، وهو على شرط مسلم أيضًا«. وأضاف -رحمه الله- في التحقيق الثاني على»الإِرواء«(٤/ ٢٢٨):»وذكر ابن القيّم في «الزاد» (٥/ ١١٢ - ١١٣) سبعة أوجه لترجيح حديث ميمونة -رضي الله عنها-؛ منها: أن الصحابة -رضي الله عنهم- غلّطوا ابن عباس، ولم يغلّطوا أبا رافع، كذا قال. وانظر «الفتح» (٩/ ١٦٥)«. وجاء في»الإِرواء«تحت الحديث (١٠٣٨):»وعن أبي غطفان عن أبيه: أنّ عمر -رضي الله عنه- فرّق بينهما؛ يعني: رجلًا تزوّج وهو مُحْرِم«. وقال شيخنا -رحمه الله-:»صحيح، أخرجه مالك وعنه البيهقي والدارقطني. ... وهذا سند صحيح على شرط مسلم. ثمّ روى مالك عن نافع أنّ عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: «لا ينكح المُحْرِم، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره». وسنده صحيح. وروى البيهقي عن علي قال: «لا ينكح المحرم؛ فإِن نكح رُدّ نكاحه»، وسنده صحيح أيضًا«. ثمّ قال شيخنا -رحمه الله-:»واتفاق هؤلاء الصحابة على العمل بحديث عثمان -رضي الله عنه- مما يؤيد صحته. وثبوت العمل به عند الخلفاء الراشدين يدفع احتمال خطأ الحديث أو نسْخه، فذلك يدلّ على خطأ حديث ابن عباس -رضي الله عنه-، وإليه ذهَب الإِمام الطحاوي في كتابه «الناسخ والمنسوخ»؛ خلافًا لصنيعه في «شرح المعاني». انظر «نصب الراية» (٣/ ١٧٤). انتهى. جاء في «سبل السلام» (٣/ ٢٤٠): «قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوّجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإِسناد، لكن الوهم إِلى الواحد أقرب من الوهم إِلى الجماعة؛ فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا؛ فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو معتمد. انتهى. وقال الأثرم: قلت لأحمد: إِن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس -أي: مع صحته-؟ قال: الله المستعان! ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال». وسألت شيخنا -رحمه الله-: يَحْرُمُ على المُحْرِم أن ينكح، فإِذا فَعَل هل يكون العقد باطلًا؟ قال: هو كذلك. نكاح الملاعِنَة: اللِّعانُ والمُلاعَنَةُ والتَّلاعُنُ: ملاعنة الرجل امرأته، يُقال: تلاعنَا والْتَعَنَا ولاعَن القاضي بينهما، وسمّي لِعانًا؛ لقول الزوج: «عليّ لعنة الله إِن كنتُ من الكاذبين» (١). قال الله -تعالى-: ﴿والذين يَرمُون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفُسُهُم فشهادة أحدِهم أربعُ شهادات بالله إِنَّه لمن الصَّادقين * والخامِسَةَ أنَّ لعنةَ الله عليه إِن كان من الكاذبين * ويدرأُ عنها العذابَ أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لَمِنَ الكاذبين * والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ الله عليها إِن كان من -------------------- (١) «شرح النووي» (١٠/ ١١٩). الصَّادقين * ولولا فَضْل الله عليكم ورحمته وأنّ الله توَّابٌ حكيم﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «هذه الآية الكريمة فيها فرَج للأزواج، وزيادة مَخرج، إِذا قذَف أحدهم زوجته، وتعسّر عليه إقامة البيّنة، أن يلاعنها، كما أمر الله -عز وجل-، وهو أن يُحضِرها إِلى الإِمام، فيدّعي عليها بما رماها به، فيحلّفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء: ﴿إِنه لمن الصادقين﴾، أي: فيما رماها به من الزنى، ﴿والخامِسَةَ أنّ لعنةَ الله عليه إنْ كان من الكاذبين﴾، فإِذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحَرُمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرَها، ويتوجه عليها حدّ الزنى، ولا يدرأ عنها إِلا أن تُلاعِن، فتشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به، ﴿والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾، ولهذا قال: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ يعني: الحد ﴿أنْ تشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين * والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾. فخصّها بالغضب، كما أنّ الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورمْيها بالزنى؛ إِلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صِدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقّها أنّ غضب الله عليها؛ والمغضوب عليه: هو الذي يعلم الحقّ ثمّ يحيد عنه». وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أيضًا قال: «لاعَنَ النّبيّ - ﷺ - بين رجلٍ وامرأة من الأنصار، وفرّق بينهما» (٢). ---------------------- (١) النور: ٦ - ١٠. (٢) أخرجه البخاري: ٥٣١٤. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أيضًا: «أنّ النّبيّ - ﷺ - لاعَنَ بين رجل وامرأتِه، فانتفى من ولدها، ففرّق بينهما، وألحق الولَد بالمرأة» (١). عن ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب عن المتلاعِنَين وعن السُّنَّة فيهما عن حديث سهل بن سعد أخي بني ساعِدَة: أنّ رجُلًا من الأنصار جاء إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا ... وذكر الحديث بقصّته (٢). وزاد فيه: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. وقال في الحديث: فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -، ففارقها عند النّبيّ - ﷺ -، فقال النّبيّ - ﷺ -: «ذاكم التّفريق بين كلّ مُتلاعِنَين» (٣). وجاء في «الصحيحة» -بحذف- برقم (٢٤٦٥): «المتلاعنان إِذا تفرّقا، لا يجتمعان أبدًا» ... وفيه: «وأمّا حديث سهل -رضي الله عنه- في حديث المتلاعِنَين قال:»... فمضت السُّنَّة بعد في المتلاعِنَين أن يفرق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبدًا«أخرجه أبو داود، والبيهقي ... ... وعن عاصم عن زر عن علي قالا:»مضت السُّنَّة في المتلاعِنَين أن لا يجتمعا أبدًا«. -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٣١٥، ومسلم: ١٤٩٤. (٢) انظر الرواية التي قبل هذه في»صحيح مسلم"، وهي في أول كتاب اللعان. (٣) أخرجه مسلم: ١٤٩٢. أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي؛ وإسناده حسن في المتابعات». ثمّ قال شيخنا -رحمه الله-: «... إِذا علمت ما تقدّم؛ فالحديث صالح للاحتجاج به على أنّ فُرْقَة اللّعان إِنما هي فَسخ، وهو مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما، وذهب أبو حنيفة إِلى أنه طلاق بائن، والحديث يردُّ عليه، وبه أخذ مالك أيضًا والثوري وأبو عبيدة وأبو يوسف، وهو الحق الذي يقتضيه النظر السليم في الحكمة من التفريق بينهما، على ما شرحه ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في»زاد المعاد«؛ فراجعه (٤/ ١٥١ و١٥٣ - ١٥٤)، وإِليه مال الصنعاني في»سبل السلام«(٣/ ٢٤١)». قال النووي -رحمه الله- في «شرحه» (١٠/ ١٢٣): «... وأمّا قوله - ﷺ -:»ذاكم التفريق بين كل متلاعِنَين«؛ فمعناه عند مالك والشافعي والجمهور: بيان أن الفرقة تحصل بنفس اللعان بين كل متلاعِنَين. وقيل: معناه تحريمها على التأبيد، كما قال جمهور العلماء». نكاح المشرِكة: لا يحل للمسلم أن يتزوج من غير الكتابيّات -على ما سيأتي تفصيله إِن شاء الله تعالى-؛ كالوثنية أو الشيوعيّة أو الملحدة أو المرتدَّة عن الإِسلام أو عابدة النّار أو الفرج ... ونحو ذلك. قال الله -تعالى-: ﴿ولا تُمسِكُوا بعِصَم الكَوَافِر﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله -تعالى-: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِر﴾ تحريمٌ من الله -عز وجل- على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات والاستمرارَ معهنّ. --------------------- (١) الممتحنة: ١٠. وفي «الصحيح» عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم: أن رسول الله - ﷺ - لمّا عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات، فأنزل الله -عز وجل-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءَكم المؤمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إِلى قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِر﴾، فطلّق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، فتزوّج إِحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية (١) «(٢). وقال -سبحانه-: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣). قال ابن كثير -رحمه الله- في»تفسيره«:»هذا تحريم من الله -عز وجل- على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبَدة الأوثان. ثمّ إِنْ كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ مُحْصنينَ غير مُسَافحينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدَان﴾ (٤). ----------------------- (١) وكانا كافرين يومئذ. (٢) بعض حديث أخرجه البخاري: ٢٧٣١، ٢٧٣٢. (٣) البقرة: ٢٢١. (٤) المائدة: ٥. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا تَنكحوا المشركات حتّى يؤمِنّ﴾: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب. وهكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم. وقيل: بل المراد بذلك (١) المشركون من عبَدة الأوثان، ولم يُردْ أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم. ثمّ قال -رحمه الله-: «قال أبو جعفر بن جرير -رحمه الله- بعد حكايته الإِجماع على إِباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إِدريس، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق؛ قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إِليه عمر: خلِّ سبيلها، فكتب إِليه: أتزعم أنها حرام؛ فأُخلّيَ سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا المومسات منهن. وهذا إِسناد صحيح. وروى الخلال عن محمد بن إِسماعيل، عن وكيع، عن الصلت. نحوه. ثمّ ساق ابن جرير بإِسناده إِلى زيد بن وهب؛ قال: قال لي عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة (٢). قال: وهذا أصح إِسنادًا من الأول». --------------------- (١) أي: في عدم النكاح. (٢) أخرجه الطبراني، والبيهقي، قال أحمد شاكر: «هذا إِسناد صحيح متصل إلى عمر». قاله محقق «ابن كثير» - ط الفتح. ![]()
__________________
|
|
#120
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 106الى صــ120 الحلقة (120) وهناك آثار عديدة عن السلف في نكاح نساء أهل الكتاب (١)؛ منها: أن حذيفة -رضي الله عنه- نكَح يهودية، وعنده عربيّتان. عن أبي وائل قال: «تزوج حذيفة يهودية، فكتب إِليه عمر أن: خلِّ سبيلها، فكتب إِليه: إِنْ كان حرامًا خليتُ سبيلها، فكتب إِليه: إِني لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا المومساتِ منهن» (٢). ومنها: عن أبي عياض قال: لا بأس بنكاح اليهوديات والنصرانيات إِلا أهل الحرب (٣). ومع القول بجواز نكاح الكتابيات أصلًا؛ ولكن لا بُدّ من أمْن الفتنة، والنظر إِلى عاقبة الأمور وخواتيمها، فإِنّ من تزَوّج من السلف منهنّ كانت لديهم القُدرة على هدايتهنّ للإِسلام بتوفيق الله -سبحانه-، وكذلك إِحسان تربية الأبناء. ونحن نرى الآن أن الزّواج من المسلمة العاصية له أثره السَّيِّئُ في الزوج، وانتكاسه ونقْص إِيمانه، فكيف إِذا تزوّج من كتابيّة! وسألت شيخنا -رحمه الله- عن الزواج من الكتابيات؟ فقال: أرى عدم الزواج من الكتابيات؛ من باب سدّ الذرائع، وإنْ وقَع لا نُبطِله. --------------------- (١) انظرها -إِن شئت- في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٤٦٣). (٢) قال شيخنا -رحمه الله-: «وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البيهقي وقال:»وهذا من عمر -رضي الله عنه- على طريق التنزيه والكراهة ...«. وانظر»الإِرواء" (١٨٨٩). (٣) المصدر نفسه. وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٣٢/ ١٨٢): «إِن نكاح المجوسيات لا يجوز، كما لا يجوز نكاح الوثنيات، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وذكره الإِمام أحمد عن خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم، وجعل الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل البدع ...». وسألت شيخنا -رحمه الله- عن زواج المجوس؟ فقال: يحرُم ذلك. وسألته -رحمه الله- عن قول بعضهم في جواز الزواج ممّن لهم كتاب غير اليهود والنّصارى؟ فقال -رحمه الله-: لا نعلم أهل الكتاب إِلا اليهود والنصارى. وجاء في «الإِرواء» (٥/ ٩٠): «وروى البيهقي (٩/ ١٩٢) عن الحسن بن محمد بن علي قال: كتَب رسول الله - ﷺ - إِلى مجوس هجَر يَعرِض عليهم الإِسلام، فمن أسلَم قُبِل منه، ومن أبى ضُربت عليه الجزية، على أن لا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تُنكَح لهم امرأة. وقال: هذا مرسل، وإِجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده، ولا يصح ما روي عن حذيفة في نكاح مجوسية». قال شيخنا -رحمه الله-: «ورجال إِسناده ثقات» انتهى. نكاح المسلمة بغير المسلم: قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءَكُمُ المؤمناتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بإِيمانِهِنّ فإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤمِنَاتٍ فلا تَرْجِعُوهنّ إِلى الكُفّار لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحِلّونَ لهُنَّ﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «وقوله -تعالى-: ﴿فإن عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤمِنَاتٍ فَلا تَوْجِعُوهُنَّ إِلى الكُفَّار﴾؛ فيه دلالة على أن الإِيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا. وقوله -تعالى-: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لهم ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: هذه الآية هي التي حَرّمت المسلماتِ على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإِسلام أن يتزوج المشركُ المؤمنةَ، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوجَ ابنة النّبيّ - ﷺ - زينب -رضي الله عنها-، قد كانت مسلمة، وهو على دين قومه، فلمّا وقع في الأسارى يوم بدر؛ بَعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمّها خديجة، فلمّا رآها رسول الله - ﷺ -؛ رقّ لها رقّة شديدة، وقال للمسلمين:»إِنْ رأيتم إِن تُطْلقوا لها أسيرها فافعلوا ... «(٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ردّ النّبيّ - ﷺ - ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأوّل، ولم يُحدِث نكاحًا» (٣). وجاء في «الإِرواء» (٦/ ٣٤٠): «... قال قتادة: ثمّ أُنزلت سورة ﴿براءة﴾ بعد ذلك، فإِذا أسلمت المرأة قبل زوجها؛ فلا سبيل له عليها إِلا --------------------- (١) الممتحنة: ١٠. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٤١)، والحاكم وغيرهم، وانظر»الإِرواء«(١٩٢١). (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٥٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٩١٣). بخطبة، وإسلامها تطليقة بائنة. وإسناده صحيح مرسل». انتهى. وقال الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (١). فما كان للكافرِ من سلطانٍ على مسلمة، ونكاحه منها أعظم سلطان عليها؛ عياذًا بالله -تعالى-. وقد جاء إِليّ من خارج البلاد سؤالٌ مِن أحد الإِخوة وهذا نصُّه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقد هداني الله -سبحانه وتعالى- وعن طريق أحد الإِخوة المؤمنين. ... وحصلتُ على عنوانكم طالبًا منكم المساعدة في سبيل مرضاة الله، والسير على طريق الشرع الإِسلامي الحنيف. والأمرُ كالآتي: لقد تزوجتُ من امرأة مسلمة بعد طلب يدها للزواج من ذويها، وبعد استئذانها، ثمّ بعد سنتين من الزواج سافرنا إِلى بريطانيا للدراسة، وفي تلك البلاد انشقّت زوجتي عني، وحصل بيننا شِقاق في أمور يسيرة، إِلا أنها أخذت الأمر حُجة لطلب الطلاق من المحكمة البريطانية التي لا تدين بدين الإِسلام، ورفضَت كل طلبٍ للوساطة والصلح؛ من طريق أهل الخير من المسلمين الذين يعرفوننا هناك .. وحتى إِنّها رفضت أن تتحدث -ولو بشكل وُدِّي غير ملزِم- إِلى المركز الإِسلامي (بلندن)، ولمّا كنت أرفض التحاكم إِلى القضاء غير المسلم، ورغم عدم ثبوت أي صحة تُبيح تطليقها منّي بحكم القانون البريطاني؛ مِثل ثبوت سوء المعاملة، أو الضرب، أو الخيانة الزوجية، أو فقدان العقل .. لذلك حكموا بالفراق ومن ثمّ بالطلاق، وفي كل مرة كنّا نتواجه بها في المحكمة أو عن طريق محاميها؛ كانت ترفض دعوتي لها بإِرجاع --------------------- (١) النساء: ١٤١. الأمر إِلى قضاءٍ مسلم، وهددتني برفع الأمر إِلى الشرطة البريطانية إِذا حاولتُ الاتصال بها، أو محادثتَها، فأوكلت أمري إِلى الله الواحد الأحد! وعلمتُ فيما بعد أنها تزوّجت من رجل غيرِ مسلم في تلك البلاد دون إِذن مني، إِني أرجوكم أن تساعدوني بتقديم البيان لي في شرع الله -سبحانه وتعالى-، وسنة نبيّه الكريم محمد - ﷺ -. ولحاجتي الماسّة إِلى البيان أرجو منكم استعجالَ الجواب. أولًا: هل يجوز لقاضٍ غير مسلم تطليق امرأة مسلمة من زوجها المسلم؟ ثانيًا: هل يقع الطلاق برغم تمسُّك الزوج وطلبه من زوجته الرجوع في الأمر إِلى قضاء مسلم، وكان ذلك ميسّرًا؟ ثالثًا: هل يحِلّ للمرأة في هذه الحالة أن تعدّ نفسها مطلقة من زوجها الأول المسلم؟ وهل يحقُّ لها الزواج من غيره؛ مع العلم أنها مبلّغة بالحذر من اعتبار طلاقها من القضاء البريطاني، وأنّ الأَولى أن يصلح بينهما، أو يطلقها قاضٍ مسلم؟ وطوال هذا الوقت تعلم تلك المرأة عِلم اليقين مكان وعنوان الاتصال المباشر مع زوجها الأول المسلم، ولكنها آثَرت البلاد غير المسلمة، ورفضت العودة إِلى بلادها أو الاتصال به. أرجو منكم استعجال الجواب، وبإِذن الله، وعسى أن يَرِدَني منكم الجوابُ بفتوى خطية، وعسى أن تبحثوا الأمر مع صاحب العِلم الجليل فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -حفظه الله وأبقاه-. وإِني سوف أسعى لإِبلاغها ونُصحها بالعودة إِلى الصراط المستقيم؛ قبل أن تلقى ربّها وهي مذنبة غير تائبة. هذا .. ووفقّكم الله لكل خير. انتهى. وعرضتُ السؤال على شيخنا -رحمه الله-؛ فأجاب. الحمد لله: الجواب عن الأسئلة الثلاثة: لا يجوز، لا يقع، لا يحلّ. وأنصح السائل أن يَنْفُضَ يده من هذه المرأة، ولا يسأل عنها، ولا يذهب نفسه حسراتٍ عليها، وأن لا يفكِّر أن يعيدها إِلى عصمته ولو رغبت، بعد أن ارتكبت ذينك الذنبين الكبيرين: ١ - تحاكَمت إِلى الطاغوت، ورَضِيت بحكمه، وهذا خُلُق من يزعمون أنهم آمنوا، وقد قال الله فيهم. ﴿يُريدون أن يَتَحَاكمُوا إِلي الطَّاغُوت وقد أُمِروا أن يكفروا به ويُرِيُد الشَّيطانُ أن يُضِلّهم ضلالًا بعيدًا﴾ (١). ٢ - رضيت أن يعلوها زوج كافر، والله -تعالى- يقول: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (٢). وكتب: محمد ناصر الدين الألباني. فائدة: جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٦١): «وسئل عن»الرافضة«هل تزوّج؟ فأجاب: الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال، ولا ينبغي للمسلم أن يزوّج موليته من رافضي، وإِنْ تزوج هو رافضية صح النكاح، إِنْ كان يرجو أن تتوب؛ وإلا فترْك نكاحها أفضل؛ لئلا تُفسد عليه ولده، والله أعلم». ------------------- (١) النساء: ٦٠. (٢) النساء: ١٤١. تحريم الزيادة على الأربع: لا يحلّ للرجل أن يجمع في نكاحه أكثر من أربع زوجات في وقت واحد؛ لقوله -تعالى-: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكم مِنَ النِّسَاءِ مثنَى وثلاثَ ورُبَاعَ﴾ (١). وهذا عدا ما ملكَت يمينه من الإِماء. عن ابن عمر -رضي الله عنه-: «أن غَيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلَمْن معه، فأمَره النّبيّ - ﷺ - أن يتخير منهنّ أربعًا» (٢). وعن قيس بن الحارث قال: «أسلمتُ وعندي ثمانِ نسوة، فذكرتُ ذلك للنّبيّ - ﷺ -؛ فقال النّبيّ - ﷺ -: اختر منهن أربعًا» (٣). قال ابن كثير -رحمه الله-: «قال الشافعي: وقد دلّت سُنّة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- المبيّنة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله - ﷺ - أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. وهذا الذي قاله الشافعي -رحمه الله- مُجمَع عليه بين العلماء؛ إِلا ما حُكي عن الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إِلى تسع ...». تعدُّد الزوجات: أباح ديننا الحنيف تعدّد الزوجات، على ألا يزيد على أربع؛ خلا ملك ------------------ (١) النساء: ٣. (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٠١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٨٩)، وانظر «الإرواء» (١٨٨٣). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٦٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٨٨)، وانظر «الإِرواء» (١٨٨٥). اليمين من الإِماء؛ كما تقدّم. وأوجب العَدْل بينهنّ في الطعام والكسوة والسكن والمبيت. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من كانت له امرأتان فمال إِلى إِحداهما، جاء يوم القيامة وشِقّه مائل» (١). ومن خاف ألا يعدل فعليه أن يقتصر على واحدة؛ لقول الله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فإِنْ خفْتُم ألا تَعْدلُوا فَوَاحدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُم ذلك أدْنَى ألا تَعُولُوا﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله-: «أي: فإِنْ خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن؛ كما قال -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حَرَصتم﴾، فمن خاف من ذلك؛ فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري؛ فإِنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحبّ، فمن فعَل فحسَن، ومن لا فلا حرج». انتهى. وعن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - في قوله -تعالى-: ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾ قال: «أن لا تجوروا» (٣). والمراد من قوله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو --------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٦٧)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩١٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٠٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٦٨٢)، وانظر «الإرواء» (٢٠١٧). (٢) النساء: ٣. (٣) أخرجه ابن حبّان في «صحيحه» وغيره، وانظر «الصحيحة» (٣٢٢٢). حَرَصْتُم﴾ (١) - كما قال ابن كثير -بحذف-: «أي: لن تستطيعوا أيها الناس! أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإِنه وإن حصَل القسم الصوري: ليلة وليله، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع؛ كما قاله ابن عباس، وعبَيِدة السلماني، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك بن مزاحم». ثمّ ساق بإِسناد ابن أبي حاتم إِلى ابن أبي مليكة قال: «نزلت هذه الآية: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرَصتم﴾ في عائشة. يعني: أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يحبها أكثر من غيرها (٢)». ثمّ قال -رحمه الله-: «وقوله: ﴿فلا تميلوا كلّ الميل﴾؛ أي: فإِذا مِلتم إلى واحدة منهنّ، فلا تُبالِغوا في الميل بالكلِّية ﴿فتذروها كالمعلّقة﴾؛ أي: فتبقى الأخرى مُعلّقة. قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، والسُّدِّيُّ، ومقاتل بن حيان: معناه: لا ذات زوج ولا مطلقة». ثمّ ذكر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت له امرأتان فمال إِلى إِحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط» (٣). ثمّ قال -رحمه الله-: «﴿وإِنْ تُصلحوا وتتقوا فإِنّ الله كان غفورًا ---------------------- (١) النساء: ١٢٩. (٢) وقد سأل عمرو بن العاص -رضي الله عنه- رسول الله - ﷺ -، فقال:»أيّ الناس أحبّ إِليك؟ قال: عائشة". أخرجه البخاري: ٣٦٦٢، ومسلم: ٢٣٨٤. (٣) تقدّم. رحيمًا﴾؛ أي: وإنْ أصلحتم في أموركم، وقسَمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفَر الله لكم ما كان من مَيْل إِلى بعض النساء دون بعض». انتهى. والحاصل: أن المرء لا يستطيع المساواة بين النساء مِن جميع الوجوه، فلا بُدّ من التفاوت في المحبّة والشهوة والجماع، وقد تقدّم أن عائشة -رضي الله عنها- كانت أحبَّ النساء إِلى رسول الله - ﷺ -. وجاء التوجيه الرّباني بالإِصلاح والتقوى في الأمور؛ لتكون المغفرة على ما كان من ميل إِلى بعض النساء دون بعض. وهذا يعني مراعاة الضعف البشري، وليس معنى قوله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حَرَصْتُم﴾ تحريم التعدّد! وهذا الفَهْم السقيم فيه اتهام لربّ العالمين؛ أنه يعلم عدم استطاعة العدل بين النساء؛ ثمّ يأمر -سبحانه- بالتعدُّد!! تعالى الله عن هذا علوًّا كبيرًا. فلا بدّ ابتداءً أن ينوي المرء العدل ويتحرّاه -كما ينوي عدم الوقوع في أي ذنبٍ آخر؛ ولكنه يُذنب، وأينا لا يظلم نفسه؟! - فإِذا وقعَ منه الميل أو عدم العدل؛ استغفر وأناب، واتقى وأصلح. ماذا يُشترط على من يريد التعدّد؟ ١ - القدرة عليه ماليًا وبدنيًا. ٢ - القدرة على العدل الممكن؛ في ضوء التفصيل السابق، والله -تعالى- يقول: ﴿فإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة﴾. فمن لم يخف عدم العدل فقد حلّ له ذلك، وإلا حرُم عليه، فلا بُدّ من الإِيمان والتقوى وقوة الشخصيّة؛ لضبط الأمور بين النّساء. فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - لا يُفضّل بعضنا على بعض في القسم» (١). من محاسن التعدّد: ومحاسن التعدّد كثيرة، منها: ١ - أنّ النّبيّ - ﷺ - يكاثر بأُمّته الأمم يوم القيامة، والتعدّد من الأبواب الموصلة إِلى ذلك. عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تزوّجوا؛ فإِنّي مُكاثِرٌ بكم الأمم يوم القيامة» (٢). ٢ - أنّ خير الناس أكثرهم نساءً، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: «هل تزوجتَ؟ قلت: لا. قال: فتزوَّجْ؛ فإِنّ خير هذه الأمّة أكثرها نساءً» (٣). ٣ - أنّ الأمّة المجاهدة تفتقر إِلى عدد كبير؛ يقوم بهذا الأمر العظيم. ٤ - إِنّ الأعداد الكثيرة في أيّ دولة -حين يلي أمورها أمراء متقون وولاةٌ ---------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «الإِرواء» (٢٠٢٠). (٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى». وله شواهدُ يتقوى بها؛ ذَكرها شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٧٨٢). (٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٨. وبوّب الإمام البخاري -رحمه الله- بقوله: (باب كثرة النساء). عادلون- لهي الأولى بالرفعة والسمّو والعزّ. ٥ - أنّ في ذلك علاجًا ناجعًا للنّساء في حالات عديدة؛ فهناك الكثير من النسوة لا تُرْتَضَى زوجة أولى؛ لِكبرها أو لنقصٍ في جمالها، أو لكونها مطلّقة، أو مريضة، أو لا تلِد. ٦ - أنّ قدرة الرجل على الوطء والجماع؛ لا كالمرأة، والله -تعالى- بحكمته وعلِمه خلَقه كذلك. ولا يخفى ما يصيب المرأة من حيض ونفاس، تؤثّر في حالتها النفسية والبدنية، فماذا يكون من شأن الرجل خلال هذه المُدّة؟! وكيف إِذا كان لدى بعض الرجال رغبة جنسيّة قويّة؟! ٧ - أنّ الفُجّار والفُسّاق ينفّسون عن شهواتهم -على اختلاف درجاتها- بالزنى والفجور والمحرّمات، أمّا المتّقون الذين يحوصون على غضّ البصر وحِفظ الفرج؛ فإِنّ ملاذَهم -بفضل الله- هو التعدّد. وكلّ ما نقوله في محاسن التعدّد؛ لا يعني أن لا تكون معاناةٌ عند المرأة، أو أن لا ترى ما تكره. ولكن؛ هل في عدم التعدّد قد ارتاحت من المعاناة، ولم تَرَ إِلا ما تحبّ؟! وليس يخفى أن الأمور بمجموعها؛ لا بأفرادها، وماذا إِذا زنى زوجها -عياذًا بالله-؟! فلا بُدّ أن تعلم أنّ ما يكون من ضررٍ للرجل أو المرأة من إِباحة التعدد؛ لهو أخفّ من منْعه. وللعلماء في الأضرار والمنافع كلام طيّب، فقد بيّنوا -مثلًا- أنه يحصل في الجهاد نقصٌ في الأموال والأنفس والثمرات ... ولكن لا يخفى ما يكون من حال الأُمّة التي لا تجاهد؛ ممّا يركبها من ذِلّةٍ وهوانٍ وطمع الأعداء، فالأموال والأنفس والثمرات كلها تحت تصرف الأعداء إِلا ما شاء الله. هذا؛ وفي حوارٍ بين زوجين، قال الزوج: لماذا تحاربين هذا الأمر؟! أتريدين أن أزني؟! فقالت: ازْنِ؛ ولا تتزوّج!!! توجيهات وكلمات مضيئة في التعدّد ١ - إِن كثيرًا من النّاس يضربون الأمثلة على فشل زيد وعمرو في التعدّد! فأقول: إِنّ ضرْب الأمثلة على فشل زيد وعمرو في التعدّد: لهو الفشل في الفقه والعلم! فالأمثلة لا تُلغي الأحكام الشرعيّة، لأنه قد يقول جاهل: لقد أسلم ملحد ذات يوم، وبعد إِسلامه ابتُلي بالفقر والمرض النفسي؛ ثمّ قام بسرقة ألوف الدنانير من بعض المسلمين! فهذا المثال -على ما فيه من فساد- أشبه ما يكون بظلمات بعضها فوق بعض؛ فهل نتوقّف عن الدعوة إِلى الإِسلام. بل إنّ المرأة قد تتمنّى الوطء الحلال، ولو لمرَّةٍ واحدة، حتى لو طُلّقت، وكم من الرجال والنساء من يشتهي هذا الوطء، ولكن لم ييسّر لهم ذلك، وعدمُه يُفضي إِلى الحرام؛ عياذًا بالله -تعالى-! ولو أنّ تلك المرأة -بعد ذلك الوطء الحلال- قد أنجبت ولدًا صالحًا ينفعها؛ فهو خير لها من أن تموت من غير نكاح. ٢ - ولا بُدّ أن يعلم هؤلاء المعترضون أنهم بآيات الله يجحدون، وأنّهم يُعارضون الدّين، فليحذروا من هذا كلّه. وأقول: هل اعتراضهم على الحُكم الشرعي في أمر التعدّد؛ أم على سوء تطبيق بعض الناس؟! فهل سوء استخدام السيارة يحرّمها؟! وهل سوء استخدام الهاتف يحرّمه؟! وهل سوء استخدام المال يحرمه؟! وكذلك الأمر في التعدّد. ٣ - إِنّ كثيرًا من النّساء؛ لا يمنعهن الموافقة على هذا الأمر إِلا النّاس! فالمرأة تخشى القيل والقال، وألسنة النّاس! ولو أنها أمِنَت ذلك، ورأت من المجتمع إِقرارًا؛ لما عارضَت هذا الأمر. ولو جئتَ تستحلفها بالله -سبحانه-: ألَيس الأتقى لربك -عز وجل- أن يعدّد زوجك؛ لقالت: نعم؛ لأنها تعلم أنها لا تستطيع إِشباع غريزته الجنسية مثلًا -ولو ادعت ذلك-، ولأنها تعلم أنه لا يلبّي حاجات زوجها الكثيرة إلاَّ الزّواج. فإِلى كلّ من خشي النّاس -من ذَكَر وأنثى- أقول: اخشَ رب النّاس، ملك النّاس، إِله النّاس -سبحانه وتعالى-. ٤ - وأمّا بعض الرجال -وهم أشباه النّساء مع الأسف- الذين شنّوا الحرب على التعدّد؛ فإِنّك لو استحلفتهم بالله -سبحانه-: ألا تتمنّون التعدّد في أفئدتكم؟ وتشتهونه في قلوبكم؟! لما سمعت منهم إِلا الإِقرار. ٥ - ولا بُدّ للمرأة المسلمة أن تثق بربّها -سبحانه- ودينها الحنيف، وألا تخضع للموازين الفاسدة، فلا بُدّ لها أن تُوازِن بين عدم زواجها إِرضاءً للناس، وبين زواجها بما فيه من إِعفاف وإحصان، ومنافع في الدارَين. ٦ - ومع الأسف أن تكون الحرب الشعواء من نساءٍ مسلمات سُمّين بـ (الملتزمات)!! فإِذا سمعن بشيء من هذا؛ غلَت صدورهنّ، وبدأن بإِشعال النيران، وإطالة ألسنتهن طعنًا وافتراءً على العروسين؛ دون تقوى أو مراقبة لله -تعالى-! وبينهنّ حبل التواصي بالباطل ممدود، حتى إِنّ إِحداهنّ (من الداعيات)! سمعت أن فلانًا خطب فلانة، فقالت: أنا التى سأقف ضدّه. وليست هذه القضيّة -والله- حربًا ومعركة بين فريقين؛ ليحشد كلٌّ منهما ما عنده من الأسلحة الفتّاكة ليحرق الآخر! ولا هي بالمنافسة الشريفة والمسابقة المشروعة؛ ليسارع كلٌّ للانتصار لما عنده! بل إِن الأمر يحتاج إِلى الاحتكام إِلى العلماء وَرَثة الأنبياء -عليهم السلام-؛ وقد قال -سبحانه-: ﴿فاسألوا أهل الذِّكر إِن كنتم لا تعلمون﴾ (١). وقال -سبحانه-: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُون حتَّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهم حَرَجًا ممّا قَضَيْتَ ويُسَلِّموا تَسْلِيمًا﴾ (٢). وبهذا يكون معنى الآية: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموا ورثتك فيما شجرَ بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قَضَوْا ويسلّموا تسليمًا». أما أن ترى المرأة نفسها فقيهة مجتهدة في هذا الأمر، فتُفتي من عندها بما ------------------------ (١) النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧. (٢) النساء: ٦٥. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 20 ( الأعضاء 0 والزوار 20) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |