السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله - الصفحة 12 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         رمضان فى عيون الادباء متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 85 - عددالزوار : 121044 )           »          حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا**** يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 503 )           »          الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 520 )           »          أشهى الوصفات للإفطار فى رمضان جدول أكل رمضان ثلاثون يوما تابعونا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 453 )           »          لهيبُ الأُبَابَة(*) في الشوق إلى طَابَة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          في باحات الأُنس والجلال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          رمضان وتقريب المسافات! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          القرآن في حياة النبلاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 11 )           »          الصوم دروس وعبر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          قضايا ومفاهيم خاطئة عن المرأة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #111  
قديم 10-01-2026, 09:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (111)

صــ 363إلى صــ 372






عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمًا، فَلَمَّا قَدِمَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ تَنَصَّرَ، قَالَ:
فَكَانَ إذَا مَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَتَّحْنَا وَصَأْصَأْتُمْ، أيَ قَدْ أَبْصَرْنَا وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ. وَذَلِكَ أَنَّ وَلَدَ الْكَلْبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِلنَّظَرِ صَأْصَأَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَضَرَبَ ذَلِكَ لَهُ وَلَهُمْ مَثَلًا: أَيْ أَنَّا قَدْ فَتَّحْنَا [١] أَعْيُنَنَا فَأَبْصَرْنَا، وَلَمْ تَفْتَحُوا أَعْيُنَكُمْ فَتُبْصِرُوا، وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُسْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ أَبُو أُمَيَّةَ [٢] بِنْتِ قَيْسٍ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَامْرَأَتُهُ بَرَكَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، مَوْلَاةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، كَانَتَا ظِئْرَى [٣] عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَخَرَجَا بِهِمَا مَعَهُمَا حِينَ هَاجَرَا إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ. رَجُلَانِ [٤] .

(مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: يَزِيدُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَلِّبِ ابْنِ أَسَدٍ، قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهِيدًا، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. رَجُلَانِ.

(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: أَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن عَبْدِ الدَّارِ، وَفِرَاسُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن عَبْدِ الدَّارِ. رَجُلَانِ.

(مِنْ بَنِي زُهْرَةَ):
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ: الْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ (بْنِ) [٥] الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ ضُبَيْرَةَ بْنِ سُعَيْدِ

------------------------
[١] فِي أ: «فقحنا» وَيُقَال: فقح الجرو: وَذَلِكَ إِذا فتح عَيْنَيْهِ أول مَا يفتح وَهُوَ صَغِير.
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول. وَلم نعثر لَهَا على ذكر فِي المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا.
[٣] الظِّئْر: الْمَرْأَة الَّتِي ترْضع ولد غَيرهَا. وَرِوَايَة هَذِه الْعبارَة فِي الِاسْتِيعَاب فِي تَرْجَمَة قيس هَذَا:
«كَانَت ظِئْرًا لِعبيد الله بن جحش وَأم حَبِيبَة» .
[٤] فِي م، ر: «رجل» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] زِيَادَة عَن أَو الِاسْتِيعَاب.


ابْن سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَلَدَتْ لَهُ هُنَالِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُطَّلِبِ، فَكَانَ يُقَالُ: إنْ كَانَ لَأَوَّلُ رَجُلٍ وَرِثَ أَبَاهُ فِي الْإِسْلَامِ. رَجُلٌ.

(مِنْ بَنِي تَيْمٍ):
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ ابْن سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، قُتِلَ بِالْقَادِسِيَّةِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. رَجُلٌ.

(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ: هَبَّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْن سُفْيَانَ، قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ بِالشَّامِ، فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، يُشَكُّ فِيهِ أَقُتِلَ ثَمَّ أَمْ لَا، وَهِشَامُ [١] بْنُ أَبِي [٢] حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغيرَة، ثَلَاثَة تَفِر.

(مِنْ بَنِي جُمَحَ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: حَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، وابناه مُحَمَّدٌ وَالْحَارِثُ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلِّلِ [٣] . هلك حَاطِب لَك مُسْلِمًا، فَقَدِمَتْ امْرَأَتُهُ وَابْنَاهُ، وَهِيَ أُمُّهُمَا، فِي إحْدَى السَّفِينَتَيْنِ، وَأَخُوهُ حَطَّابُ بْنُ الْحَارِثِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، هَلَكَ هُنَالِكَ مُسْلِمًا، فَقَدِمَتْ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ فِي إحْدَى السَّفِينَتَيْنِ، وَسُفْيَانُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبٍ، وَابْنَاهُ جُنَادَةُ وَجَابِرٌ، وَأُمُّهُمَا مَعَهُ حَسَنَةُ [٤]، وَأَخُوهُمَا لِأُمِّهِمَا شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَهَلَكَ سُفْيَانُ وَهَلَكَ ابْنَاهُ جُنَادَةُ وَجَابِرٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ابْن الْخَطَّابِ رضي الله عنه. سِتَّةُ نَفَرٍ.

--------------------
[١] قَالَ ابْن عبد الْبر بعد مَا سبق هَذَا نقلا عَن ابْن إِسْحَاق: «إِلَّا أَن الْوَاقِدِيّ كَانَ يَقُول: هَاشم ابْن أَبى حُذَيْفَة، وَيَقُول «هِشَام» وهم مِمَّن قَالَه. وَلم يذكرهُ مُوسَى بن عقبَة وَلَا أَبُو معشر فِيمَن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة» .
[٢] فِي أ: «ابْن حُذَيْفَة» وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب. وَفِي أ: «الْمُحَلّل» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
[٤] نَص هَذِه الْعبارَة فِي الِاسْتِيعَاب نقلا عَن ابْن إِسْحَاق: «وَمَعَهُ ابْنه جَابر بنى سُفْيَان وجنادة ابْن سُفْيَان، وَمَعَهُ امْرَأَته حَسَنَة، وَهِي أمهما» .



(مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ ابْن عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ [١] بْنِ سَهْمٍ الشَّاعِرُ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ ابْن قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ. وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ ابْن سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَهُوَ رَسُولُ (رَسُولِ [٢]) اللَّهِ ﷺ إلَى كِسْرَى، وَالْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، وَمَعْمَرُ ابْن الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، وَأَخٌ لَهُ مِنْ أُمِّهِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بن ابْن الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَالسَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، جُرِحَ بِالطَّائِفِ مَعَ رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم. وَقُتِلَ يَوْمَ فِحْلٍ [٣] فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَيُقَالُ: قُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ، يُشَكُّ فِيهِ، وَعُمَيْرُ بْنُ رِئَابِ بْنِ حُذَيْفَةَ ابْن مِهْشَمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، قُتِلَ بِعَيْنِ التَّمْرِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، مُنْصَرَفَهُ مِنْ الْيَمَامَةِ، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه. أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.

(مِنْ بَنِي عَدِيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ ابْن عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَعَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ ابْن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حُرْثَانَ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. رَجُلَانِ.

------------------------
[١] فِي الْأُصُول هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي: «سعيد» وَهُوَ تَحْرِيف. قَالَ السهيليّ: «وحيثما تكَرر نسب بنى عدي بن سعد بن سهم يَقُول فِيهِ ابْن إِسْحَاق «سعيد»، وَالنَّاس على خِلَافه، إِنَّمَا هُوَ سعد، وَإِنَّمَا سعيد ابْن سهم أَخُو سعد، وَهُوَ جد آل عَمْرو بن الْعَاصِ بن وَائِل بن هَاشم بن سعيد بن سهم، وَفِي سهم سعيد آخر وَهُوَ ابْن سعيد الْمَذْكُور» .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] فَحل (بِكَسْر أَوله وَسُكُون ثَانِيه): مَوضِع بِالشَّام كَانَت فِيهِ وقْعَة للْمُسلمين مَعَ الرّوم، وَكَانَ يَوْم فَحل بعد فتح دمشق بعام وَاحِد، (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .



(تَوْلِيَةُ عُمَرَ النُّعْمَانَ عَلَى مَيْسَانَ ثُمَّ عَزْلُهُ):
وَقَدْ كَانَ مَعَ عَدِيٍّ ابْنُهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَدِيٍّ، فَقَدِمَ النُّعْمَانُ مَعَ مَنْ قَدِمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَبَقِيَ حَتَّى كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَيْسَانَ، مِنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ، وَهِيَ:
أَلَا هَلْ أَتَى الْحَسْنَاءَ أَنَّ حَلِيلَهَا ... بِمَيْسَانَ يُسْقَى فِي زُجَاجٍ وَحَنْتَمِ [١]
إذَا شِئْتُ غَنَّتِني دَهَاقِينُ [٢] قَرْيَةٍ ... وَرَقَّاصَةٌ [٣] تَجْذُو عَلَى كُلِّ مَنْسِمِ [٤]
فَإِنْ كُنْتُ نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي ... وَلَا تَسْقِنِي بِالْأَصْغَرِ الْمُتَثَلِّمِ
لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ ... تَنَادُمُنَا فِي الجَوْسَقِ الْمُتَهَدِّمِ [٥]
فَلَمَّا بَلَغَتْ أَبْيَاتُهُ عُمَرَ، قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ، إِن ذَلِك ليسوؤني، فَمَنْ لَقِيَهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنِّي قَدْ عَزَلْتُهُ، وَعَزَلَهُ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ اعْتَذَرَ إلَيْهِ وَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا صَنَعْتُ شَيْئًا مِمَّا بَلَغَكَ أَنِّي قُلْتُهُ قَطُّ، وَلَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً شَاعِرًا، وَجَدْتُ فَضْلًا مِنْ قَوْلٍ، فَقُلْتُ فِيمَا تَقُولُ الشُّعَرَاءُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَاَيْمُ اللَّهِ، لَا تَعْمَلُ لِي عَلَى عَمَلٍ مَا بَقِيتُ، وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ [٦] .

(مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: سَلِيطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وَدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ، وَهُوَ كَانَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ بِالْيَمَامَةِ. رَجُلٌ.

-------------------------
[١] الحليل: الزَّوْج. والحنتم: جرار مدهنة بخضرة تضرب إِلَى الْحمرَة.
[٢] الدهاقين: جمع دهقان، وَهُوَ الْعَارِف بِأُمُور الْقرْيَة ومنافعها ومضارها.
[٣] يرْوى: «وصناجة» . والصناجة: الَّتِي تضرب بالصنج، وَهُوَ من آلَات الْغناء.
[٤] تجذو: تبرك على ركبتيها. وَيُرِيد بالمنسم: طرف قدمهَا. وأصل المنسم للبعير. وَهُوَ طرف خفه، فاستعاره هُنَا للْإنْسَان. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر الْأَخير فِي مُعْجم الْبلدَانِ عِنْد الْكَلَام على «ميسَان»:
وصناجة تجثو على حرف منسنم
[٥] الْجَوْسَقِ: الْبُنيان العالي، وَيُقَال هُوَ الْحصن. وَهَذِه الأبيات كتبهَا النُّعْمَان إِلَى امْرَأَته، وَكَانَ قد أرادها على الْخُرُوج مَعَه إِلَى ميسَان فَأَبت عَلَيْهِ.
[٦] لم يول عمر من قومه بنى عدي ولَايَة قطّ غَيره، لما كَانَ فِي نَفسه من صَلَاحه.



(مِنْ بَنِي الْحَارِثِ):
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ: عُثْمَانُ بن عبد غم بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ ظَرْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَعِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
فَجَمِيعُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، وَلَمْ يَقْدَمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وَمَنْ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَحْمِلْ النَّجَاشِيُّ فِي السَّفِينَتَيْنِ، أَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا.

(الْهَالِكُونَ مِنْهُمْ):
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ (جُمْلَةِ [١]) مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ وَمِنْ أَبْنَائِهِمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ:

(مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ):
مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ، مَاتَ بِهَا نَصْرَانِيًّا.

(مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ.

(مِنْ بَنِي جُمَحَ):
وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ: حَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَخُوهُ حَطَّابُ بْنُ الْحَارِثِ.

(مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ.

(مِنْ بَنِي عَدِيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفٍ، وَعَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.

(مِنَ الْأَبْنَاءِ):
وَمِنْ أَبْنَائِهِمْ، مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ: مُوسَى بْنُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ صَخْرِ ابْن عَامِرٍ. رَجُلٌ.

------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.


(مُهَاجِرَاتُ الْحَبَشَةِ):
وَجَمِيعُ مَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ النِّسَاءِ، مَنْ قَدِمَ مِنْهُنَّ وَمَنْ هَلَكَ هُنَالِكَ سِتَّ عَشْرَةَ امْرَأَةً، سِوَى بَنَاتِهِنَّ اللَّاتِي وُلِدْنَ هُنَالِكَ، مَنْ قَدِمَ مِنْهُنَّ وَمن هلك لَك، وَمَنْ خَرَجَ بِهِ مَعَهُنَّ حِينَ خَرَجْنَ:

(مِنْ قُرَيْشٍ):
مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

(مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ):
وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ: أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، مَعَهَا ابْنَتُهَا حَبِيبَةُ، خَرَجَتْ بهَا مِنْ مَكَّةَ، وَرَجَعَتْ بِهَا مَعَهَا.

(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، قَدِمَتْ مَعَهَا بِزَيْنَبِ ابْنَتِهَا مِنْ أَبِي سَلمَة ولدتها لَك.

(مِنْ بَنِي تَيْمٍ):
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ: رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جُبَيْلَةَ، هَلَكَتْ بِالطَّرِيقِ، وَبِنْتَانِ لَهَا كَانَتْ وَلَدَتْهُمَا هُنَالِكَ: عَائِشَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ، هَلَكْنَ جَمِيعًا، وَأَخُوهُنَّ مُوسَى بْنُ الْحَارِثِ، مِنْ مَاءٍ شَرِبُوهُ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدِمَتْ بِنْتٌ لَهَا وَلَدَتْهَا هُنَالِكَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَلَدِهَا غَيْرُهَا، يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ.

(مِنْ بَنِي سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ ضُبَيْرَةَ.

(مِنْ بَنِي عَدِيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ غَانِمٍ.

(مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ


ابْن عَمْرٍو، وَابْنَةُ الْمُجَلِّلِ [١]، وَعَمْرَةُ بِنْتُ السَّعْدِيِّ بْنِ وَقْدَانَ، وَأُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو.

(مِنْ غَرَائِبِ الْعَرَبِ):
وَمِنْ غَرَائِبِ الْعَرَبِ: أَسَمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ الْخَثْعَمِيَّةُ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرَّثٍ الْكِنَانِيَّةُ، وَفُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَبَرَكَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَحَسَنَةُ، أُمُّ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ.

(أَبْنَاؤُهُمْ بِالْحَبَشَةِ):
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ وُلِدَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.

(مِنْ بَنِي هَاشِمٍ):
وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

(مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَأُخْتُهُ أَمَةُ بِنْتُ خَالِدٍ.

(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ الْأَسَدِ.

(مِنْ بَنِي زُهْرَةَ):
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَزْهَرَ.

(مِنْ بَنِي تَيْمٍ):
وَمِنْ بَنِي تَيْمٍ: مُوسَى بْنُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَخَوَاتُهُ عَائِشَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ.

(الذُّكُورُ مِنْهُمْ):
الرِّجَالُ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَمُوسَى بْنُ الْحَارِثِ.

--------------------------
[١] فِي أ: «الْمُحَلّل» .
٢٤- سرة ابْن هِشَام- ٢



(الْإِنَاثُ مِنْهُمْ):
وَمِنْ النِّسَاءِ خَمْسٌ: أَمَةُ بِنْتُ خَالِدٍ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَائِشَةُ وَزَيْنَبُ وَفَاطِمَةُ، بَنَاتُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ صَخْرٍ.

عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ

(خُرُوجُ الرَّسُولِ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقَعْدَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ خَيْبَرَ، أَقَامَ بِهَا شَهْرَيْ رَبِيعٍ وَجُمَادَيَيْنِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَشَوَّالًا، يَبْعَثُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ غَزْوِهِ وَسَرَايَاهُ ﷺ. ثُمَّ خَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، مَكَانَ عُمْرَتِهِ الَّتِي صَدُّوهُ عَنْهَا.

(ابْنُ الْأَضْبَطِ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُوَيْفَ بْنَ الْأَضْبَطِ الدِّيلِيَّ [١]
. (سَبَبُ تَسْمِيَتِهَا بِعُمْرَةِ الْقِصَاصِ):
وَيُقَالُ لَهَا عُمْرَةُ الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُمْ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ، فَاقْتَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ، فَدَخَلَ مَكَّةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ الَّذِي صَدُّوهُ فِيهِ، مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ [٢] .
وَبَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ٢: ١٩٤.

(خُرُوجُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ صُدُّوا أَوَّلًا مَعَهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِمَّنْ كَانَ صُدَّ مَعَهُ فِي عُمْرَتِهِ [٣] تِلْكَ، وَهِيَ سَنَةَ سَبْعٍ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ خَرَجُوا عَنْهُ، وَتَحَدَّثَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي عُسْرَةٍ وَجَهْدٍ وَشِدَّةٍ.

--------------------------
[١] وَعند الْوَاقِدِيّ أَن الّذي اسْتعْمل على الْمَدِينَة هُوَ أَبُو رهم.
[٢] كَمَا تسمى أَيْضا: عمْرَة الْقَضِيَّة وَعمرَة الصُّلْح. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٣] كَانَت عدَّة الْمُسلمين أَلفَيْنِ سوى النِّسَاء وَالصبيان.



(سَبَبُ الْهَرْوَلَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَفُّوا لَهُ عِنْدَ دَارِ النَّدْوَةِ لِيَنْظُرُوا إلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ اضْطَبَعَ [١] بِرِدَائِهِ، وَأَخْرَجَ عَضُدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَرَاهُمْ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً، ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، وَخَرَجَ يُهَرْوِلُ [٢] وَيُهَرْوِلُ أَصْحَابُهُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا وَارَاهُ الْبَيْتُ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، مَشَى حَتَّى يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ، ثُمَّ هَرْوَلَ كَذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى سَائِرَهَا. فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا صَنَعَهَا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ لِلَّذِي بَلَغَهُ عَنْهُمْ، حَتَّى إذَا حَجَّ حَجَّةَ [٣] الْوَدَاعِ فَلَزِمَهَا، فَمَضَتْ السَّنَّةُ بِهَا.

(ارْتِجَازُ ابْنِ رَوَاحَةَ وَهُوَ يَقُودُ نَاقَةَ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ دَخَلَهَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِخِطَامِ، [٤] نَاقَتِهِ يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... خَلُّوا فَكُلُّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهِ
يَا رَبِّ إنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ [٥] ... أَعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ فِي قَبُولِهِ
نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ ... كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ [٦]
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «
نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
» إلَى آخِرِ الْأَبْيَاتِ، لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ [٧]، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ إنَّمَا أَرَادَ الْمُشْرِكِينَ،

-----------------------
[١] اضطبع بردائه: أَدخل بعضه تَحت عضده الْيُمْنَى، وَجعل طرفه على مَنْكِبه الْأَيْسَر.
[٢] الهرولة: فَوق الْمَشْي وَدون الجرى.
[٣] حجَّة: للمرة الْوَاحِد، وَهُوَ شَاذ لِأَن الْقيَاس بِالْفَتْح (الْقَامُوس الْمُحِيط) .
[٤] الخطام: الّذي تقاد بِهِ النَّاقة.
[٥] قيله: قَوْله.
[٦] أَي نَحن نقاتلكم على تَأْوِيله، كَمَا قتلناكم على إِنْكَار تَنْزِيله.
[٧] أَي يَوْم صفّين، يَوْم قتل عمار بن يَاسر.



وَالْمُشْرِكُونَ لَمْ يُقِرُّوا بِالتَّنْزِيلِ، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ عَلَى التَّأْوِيلِ [١] مَنْ أَقَرَّ بِالتَّنْزِيلِ

(زَوَاجُ الرَّسُولِ بِمَيْمُونَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءِ ابْن أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجَّاجِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ وَهُوَ حَرَامٌ، وَكَانَ الَّذِي زَوَّجَهُ إيَّاهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى أُخْتِهَا أُمِّ الْفَضْلِ، وَكَانَتْ أُمُّ الْفَضْلِ تَحْتَ الْعَبَّاسِ، فَجَعَلَتْ أُمُّ الْفَضْلِ أَمْرَهَا إلَى الْعَبَّاسِ، فَزَوَّجَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ [٢]، وَأَصْدَقَهَا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَربع مائَة دِرْهَمٍ.

(إرْسَالُ قُرَيْشٍ حُوَيْطِبًا إلَى الرَّسُولِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا، فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ ابْن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وَدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ وَكَّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالُوا لَهُ: إنَّهُ قَدْ انْقَضَى أَجَلُكَ، فَاخْرُجْ عَنَّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَمَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، وَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِكَ، فَاخْرُجْ عَنَّا. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَخَلَّفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ، حَتَّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفَ [٣]، فَبَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُنَالِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ.

(مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل عَلَيْهِ، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ:

--------------------------
[١] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ: «على التَّنْزِيل» .
[٢] هَذِه الْكَلِمَة: «بِمَكَّة» سَاقِطَة فِي أ.
[٣] سرف (ككتف): مَوضِع قرب التَّنْعِيم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #112  
قديم 10-01-2026, 09:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (112)

صــ 373إلى صــ 382





لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخافُونَ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ٤٨: ٢٧ يَعْنِي خَيْبَرَ.

ذِكْرُ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ [١] فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ، وَمَقْتَلُ جَعْفَرٍ وَزَيْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ، وَوَلِيَ تِلْكَ الْحَجَّةَ الْمُشْرِكُونَ، وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ، وَبَعَثَ فِي جُمَادَى الْأُولَى بَعْثَهُ إلَى الشَّامِ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِمُؤْتَةَ.

(بَعْثُ الرَّسُولِ إلَى مُؤْتَةَ وَاخْتِيَارُهُ الْأُمَرَاءَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثَةَ إلَى مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ: إنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ عَلَى النَّاسِ [٢]

(بُكَاءُ ابْنِ رَوَاحَةَ مَخَافَةَ النَّارِ وَشِعْرُهُ لِلرَّسُولِ):
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ ثُمَّ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَلَمَّا حَضَرَ خُرُوجَهُمْ وَدَّعَ النَّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا وَدَّعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مَنْ وَدَّعَ مِنْ أُمَرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَى، فَقَالُوا:
مَا يُبْكِيكَ يَا بْنَ رَوَاحَةَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ بِكُمْ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عز وجل، يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ١٩: ٧١،

---------------------------
[١] مُؤْتَة (مَهْمُوزَة الْوَاو. وَحكى فِيهِ غير الْهَمْز): قَرْيَة من أَرض البلقاء من الشَّام. وَتسَمى أَيْضا غَزْوَة جَيش الْأُمَرَاء، وَذَلِكَ لِكَثْرَة جَيش الْمُسلمين فِيهَا وَمَا لَا قُوَّة من الْحَرْب الشَّديد مَعَ الْكفَّار.
(رَاجع السهيليّ، وَالنِّهَايَة، وَشرح أَبى ذَر، وَشرح الْمَوَاهِب) .
[٢] وَزَاد الزرقانى: «فَإِن قتل فليتربص الْمُسلمُونَ بِرَجُل من بَينهم يجعلونه عَلَيْهِم» .


فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدَرِ بَعْدَ الْوُرُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمْ اللَّهُ وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ إلَيْنَا صَالِحِينَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وضربة ذَات فرغ تَقْذِفُ الزَّبَدا [١]
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً ... بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا [٢]
حَتَّى يُقَالَ إذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي [٣] ... أَرْشَدَهُ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا [٤]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ الْقَوْمَ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَدَّعَهُ، ثُمَّ قَالَ:
فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَاَلَّذِي نُصِرُوا [٥]
إنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ نَافِلَةً ... اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي ثَابِتُ الْبَصَرِ [٦]
أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ ... وَالْوَجْهَ مِنْهُ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ الْقَدَرُ [٧]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ:
أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ ... وَالْوَجْهَ مِنْهُ فَقَدْ أَزْرَى بَهْ الْقَدَرُ
فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ ... فِي الْمُرْسَلِينَ وَنَصْرًا كَاَلَّذِي نُصِرُوا
إنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ نَافِلَةً ... فِرَاسَةً خَالَفَتْ فِيكَ الَّذِي نَظَرُوا
يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ الْقَوْمُ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إذَا وَدَّعَهُمْ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
خَلَفَ السَّلَامُ عَلَى امْرِئٍ وَدَّعْتُهُ ... فِي النَّخْلِ خَيْرَ مُشَيِّعٍ وَخَلِيلِ

-------------------------
[١] ذَات فرغ: ذَات سَعَة. والزبد هُنَا: رغوة الدَّم. (عَن أَبى ذَر) .
[٢] مجهزة: سريعة الْقَتْل. وتنفذ الأحشاء: تخترقها.
[٣] الجدث والجدف: الْقَبْر.
[٤] فِي شرح الْمَوَاهِب: «يَا أرشد الله» .
[٥] كَذَا فِي م، ر، وَفِي أ: «نصرا» .
[٦] فِي هَذَا الْبَيْت إقواء.
[٧] نَافِلَة: هبة من الله وعطية مِنْهُ. والنوافل: العطايا والمواهب. وأزرى بِهِ الْقدر، أَي قصر بِهِ.
(عَن أَبى ذَر) .



(تَخَوُّفُ النَّاسِ مِنْ لِقَاءِ هِرَقْلَ وَشِعْرُ ابْنِ رَوَاحَةَ يُشَجِّعُهُمْ):
ثُمَّ مَضَوْا حَتَّى نَزَلُوا مَعَانَ، مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَبَلَغَ النَّاسَ أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ، مِنْ أَرْضِ البلقاء، فِي مائَة أَلْفٍ مِنْ الرُّومِ، وانضمّ إِلَيْهِم مل لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَالْقَيْنِ وبهراء وبلىّ مائَة أَلْفٍ مِنْهُمْ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَلِيٍّ ثُمَّ أَحَدُ إرَاشَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ زَافِلَةَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا عَلَى مَعَانَ لَيْلَتَيْنِ يُفَكِّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ وَقَالُوا: نَكْتُبُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنَا، فَإِمَّا أَنْ يُمِدَّنَا بِالرِّجَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرِهِ، فَنَمْضِيَ لَهُ.

(تَشْجِيعُ ابْنِ رَوَاحَةَ النَّاسَ عَلَى الْقِتَالِ):
قَالَ: فَشَجَّعَ النَّاسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَقَالَ: يَا قَوْمِ، وَاَللَّهِ إنَّ الَّتِي تَكْرَهُونَ، لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدِ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمَّا ظُهُورٌ وَإِمَّا شَهَادَةٌ. قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ وَاَللَّهِ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ. فَمَضَى النَّاسُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي مَحْبِسِهِمْ ذَلِكَ:
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ أَجَإٍ وَفَرْعٍ ... تُغَرُّ مِنْ الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ [١]
حَذَوْنَاهَا مِنْ الصَّوَّانِ سِبْتًا ... أَزَلَّ كَأَنَّ صَفْحَتَهُ أَدِيمُ [٢]
أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ ... فَأَعْقَبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ [٣]

-----------------------
[١] أجأ: أحد جبلي طيِّئ، وَالْآخر سلمى. وَفرع (بِالْفَتْح): اسْم مَوضِع من وَرَاء الفرك.
وَقَالَ يَا قوت: «الْفَرْع: أطول جبل بأجأ وأوسطه» .. وَظَاهر أَن هَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا. وتغر (بالغين الْمُعْجَمَة): تطعم شَيْئا بعد شَيْء. يُقَال غر الفرخ غرا وغرارا: زقه. والعكوم: جمع عكم (بِالْفَتْح) وَهُوَ الْجنب.
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: «حذوناها: جعلنَا لَهَا حذاء، وَهُوَ النَّعْل: والصوان: حِجَارَة ملس، واحدتها صوانة. والسبت: النِّعَال الَّتِي تصنع من الْجُلُود المدبوغة. وأزل، أَي أملس صفحته ظَاهِرَة. والأديم:
الْجلد» .. وَقَالَ السهيليّ: «أَي حذوناها نعالا من حَدِيد، جعله سبتا لَهَا مجَازًا وصوان من الصون، يصون حوافرها، أَو أخفافها، إِن أَرَادَ الْإِبِل، فقد كَانُوا يحذونها السريح، وَهُوَ جلد يصون أخفافها.
وَأظْهر من هَذَا أَن يكون أَرَادَ بالصوان: يبيس الأَرْض، أَي لَا سبت لَهَا إِلَّا ذَلِك» .
[٣] معَان (بِفَتْح الْمِيم): مَوضِع بِالشَّام. والفترة: الضعْف والسكون. والجموم: اجْتِمَاع الْقُوَّة والنشاط بعد الرَّاحَة.



فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ مُسَوَّمَاتٌ ... تَنَفَّسُ فِي مَنَاخِرِهَا السَّمُومُ [١]
فَلَا وَأَبِي مَآبَ لَنَأْتِيَنْهَا ... وَإِنْ كَانَتْ بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ [٢]
فَعَبَّأْنَا أَعِنَّتَهَا فَجَاءَتْ ... عَوَابِسَ وَالْغُبَارُ لَهَا بَرِيمُ [٣]
بِذِي لَجَبٍ كَأَنَّ الْبَيْضَ فِيهِ ... إذَا بَرَزَتْ قَوَانِسُهَا النُّجُومُ [٤]
فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلَّقَتْهَا ... أَسِنَّتُهَا فَتَنْكِحُ أَوْ تَئِيمُ [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «وَيُرْوَى:
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ آجَامِ قُرْحٍ [٦]
»، وَقَوْلُهُ: «فَعَبَّأْنَا أَعِنَّتَهَا» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى النَّاسُ، فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حُدِّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنْتُ يَتِيمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حَجْرِهِ، فَخَرَجَ بِي فِي سَفَره ذَلِك مرد فِي عَلَى حقيبة [٧] رَحْله، فو الله إنَّهُ لَيَسِيرُ لَيْلَةً إذْ سَمِعْتُهُ وَهُوَ يُنْشِدُ أَبْيَاتَهُ هَذِهِ
إذَا أَدَّيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ... مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ [٨]

------------------------
[١] مسومات: مرسلات. والسموم: الرّيح الحارة.
[٢] مآب: اسْم مَدِينَة فِي طرف الشَّام من نواحي البلقاء. قَالَ السهيليّ: «يجوز نَصبه بِفعل مُقَدّر، أَو مَرْفُوع على الِابْتِدَاء» .
[٣] البريم فِي الأَصْل: خيطان مختلطان أَحْمَر وأبيض، تشدهما الْمَرْأَة على وَسطهَا أَو عضدها. وكل مَا فِيهِ لونان مختلطان فَهُوَ بريم أَيْضا. يُرِيد مَا علاها من الْغُبَار، فخالط لَونه لَوْنهَا. والدمع الْمُخْتَلط بالإثمد.
وَهَذَا أقرب لِمَعْنى الْبَيْت: أَي أَن دموع الْخَيل اخْتلطت بِالتُّرَابِ فَصَارَت كالبريم.
[٤] ذِي لجب: أَي جَيش. واللجب: اخْتِلَاط الْأَصْوَات وَكَثْرَتهَا: وَالْبيض: مَا يوضع على الرَّأْس من الْحَدِيد. والقوانس: جمع قونس، وَهُوَ أَعلَى الْبَيْضَة.
[٥] قَالَ أَبُو ذَر: «تئيم: تبقى دون زوج، يُقَال: آمت الْمَرْأَة إِذا لم تتَزَوَّج» .
[٦] قرح (بِالضَّمِّ): سوق وَادي الْقرى، وبهذه الرِّوَايَة ورد هَذَا الْبَيْت فِي ياقوت مَنْسُوبا إِلَى ابْن رَوَاحَة.
[٧] (الحقيبة) فِي الأَصْل: العجيزة، ثمَّ سمى مَا يحمل من القماش على الْفرس خلف الرَّاكِب حقيبة، مجَازًا، لِأَنَّهُ مَحْمُول على الْعَجز. (الْمِصْبَاح) .
[٨] الحساء: جمع حسي، وَهُوَ مَاء يغور فِي الرمل حَتَّى يجد صخرا، فَإِذا بحث عَنهُ وجد يُرِيد مَكَانا فِيهِ الحساء.



فَشَأْنُكَ أَنْعُمٌ وَخَلَّاكِ ذَمٌّ ... وَلَا أَرْجِعْ إلَى أَهْلِي وَرَائِي [١]
وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي ... بِأَرْضِ الشَّامِ مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ [٢]
وَرَدَّكَ كُلُّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ ... إلَى الرَّحْمَنِ مُنْقَطِعَ الْإِخَاءِ
هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ ... وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءُ [٣]
فَلَمَّا سَمِعْتُهُنَّ مِنْهُ بَكَيْتُ. قَالَ: فَخَفَقَنِي [٤] بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ: مَا عَلَيْكَ يَا لُكَعُ [٥] أَنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ شَهَادَةً وَتَرْجِعَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ [٦] الرَّحْلِ! قَالَ: ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي بَعْضِ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
يَا زَيْدُ زَيْدَ الْيَعْمَلَاتِ الذُّبَّلِ ... تَطَاوَلَ اللَّيْلُ هُدِيتَ فَانْزِلْ [٧]

(لِقَاءُ الرُّومِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَمَضَى النَّاسُ، حَتَّى إذَا كَانُوا بِتُخُومِ [٨] الْبَلْقَاءِ لَقِيَتْهُمْ جَمُوعُ هِرَقْلَ، مِنْ الرُّومِ وَالْعَرَبِ، بِقَرْيَةِ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا مَشَارِفُ، ثُمَّ دَنَا الْعَدُوُّ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا مُؤْتَةُ، فَالْتَقَى النَّاسُ عِنْدَهَا، فَتَعَبَّأَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، يُقَالُ لَهُ: قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عُبَايَةُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عُبَادَةُ بْنُ مَالِكٍ.

-------------------------
[١] فشأنك أنعم: يُرِيد أَنه لَا يكلفها سفرا بعد ذَلِك، وَإِنَّمَا تنعم مُطلقَة، لعزمه على الْمَوْت فِي سَبِيل الله. وَلَا أرجع: قَالَ أَبُو ذَر: «هُوَ مجزوم على الدُّعَاء، دَعَا على نَفسه أَن يستشهد وَلَا يرجع إِلَى أَهله» .
[٢] الثواء الْإِقَامَة فِي الْمَكَان، وَفعله: ثوى يثوى (من بَاب ضرب) .
[٣] البعل: الّذي يشرب بعروقه من الأَرْض. ورواء (بِكَسْر الْهمزَة): صفة النّخل.
[٤] خفتنى بِالدرةِ: أَي ضَرَبَنِي بهَا. والدرة: السَّوْط.
[٥] اللكع (كصرد): اللَّئِيم.
[٦] شعبتى الرحل: طرفاه الْمُقدم والمؤخر (عَن أَبى ذَر) .
[٧] اليعملات: جمع يعملة، وَهِي النَّاقة السريعة. والذبل: الَّتِي أضعفها السّير، فَقل لَحمهَا.
(عَن أَبى ذَر) .
[٨] التخوم: الْحُدُود الفاصلة بَين أَرض وَأَرْض، وَهِي جمع: تخم. (انْظُر اللِّسَان) .



(مَقْتَلُ ابْنِ حَارِثَةَ):
قَالَ ابْن إِسْحَاق: ثمَّ الْتَقَى النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا، فَقَاتَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِرَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى شَاطَ [١] فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ.

(إمَارَةُ جَعْفَرٍ وَمَقْتَلُهُ):
ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا، حَتَّى إذَا أَلْحَمَهُ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ [٢] شَقْرَاءَ، فَعَقَرَهَا [٣]، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ. فَكَانَ جَعْفَرٌ أَوَّلَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَقَرَ فِي الْإِسْلَامِ [٤] .
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الَّذِي أَرْضَعَنِي، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ قَالَ: وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، ثُمَّ عَقَرَهَا ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا ... طَيِّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا
وَالروم روم قددنا عَذَابُهَا ... كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيَّ إذْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخَذَ اللِّوَاءَ بِيَمِينِهِ فَقَطِعَتْ، فَأَخَذَهُ بِشِمَالِهِ فَقُطِعَتْ، فَاحْتَضَنَهُ بِعَضُدَيْهِ حَتَّى قُتِلَ رضي الله عنه وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَأَثَابَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الْجَنَّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ. وَيُقَالُ: إنَّ رَجُلًا مِنْ الرُّومِ ضَرَبَهُ يَوْمَئِذٍ ضَرْبَةً، فَقَطَعَهُ [٥] بِنِصْفَيْنِ.

------------------------
[١] يُقَال شاط الرجل: إِذا سَالَ دَمه فَهَلَك. (عَن أَبى ذَر) .
[٢] ألحمه الْقِتَال: نشب فِيهِ فَلم يجد مخلصا. واقتحم عَن فرس لَهُ: رمى بِنَفسِهِ عَنْهَا.
[٣] عقرهَا: ضرب قَوَائِمهَا وَهِي قَائِمَة بِالسَّيْفِ. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عقبَة والواقدي وَابْن إِسْحَاق أَيْضا «فعرقبها» أَي قطع عرقوبها، وَهُوَ الْوتر الّذي بَين السَّاق والقدم.
[٤] قَالَ السهيليّ: «لم يعب ذَلِك عَلَيْهِ أحد، فَدلَّ على جَوَازه إِذا خيف أَن يَأْخُذهَا الْعَدو فَيُقَاتل عَلَيْهَا الْمُسلمين، فَلم يدْخل هَذَا فِي بَاب النهى عَن تَعْذِيب الْبَهَائِم وقتلها عَبَثا، غير أَن أَبَا دَاوُد قَالَ: لَيْسَ هَذَا الحَدِيث بالقوى. وَقد جَاءَ فِيهِ نهى كثير عَن الصَّحَابَة ...» وَقَالَ الزرقانى مستدركا: «وَكَأَنَّهُ يُرِيد: لَيْسَ بِصَحِيح، وَإِلَّا فَهُوَ حسن، كَمَا جزم بِهِ الْحَافِظ، وَتَبعهُ المُصَنّف» .
[٥] فِي رِوَايَة أَبى ذَر: «فقطه» . وَهِي بِمَعْنى قطعه.



(إمَارَةُ ابْنِ رَوَاحَةَ وَمَقْتَلُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الَّذِي أَرْضَعَنِي، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: فَلَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ أَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ الرَّايَةَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ بِهَا، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ، وَيَتَرَدَّدُ بَعْضَ التَّرَدُّدِ، ثُمَّ قَالَ:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ ... لَتَنْزِلِنَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ
إنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرّنّه ... مَا لي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ [١]
قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ ... هَلْ أَنْتِ إلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ [٢]
وَقَالَ أَيْضًا:
يَا نَفْسُ إلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيَتْ
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتُ ... إنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتُ
يُرِيدُ صَاحِبَيْهِ: زَيْدًا وَجَعْفَرًا، ثُمَّ نَزَلَ. فَلَمَّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ بِعَرْقٍ [٣] مِنْ لَحْمٍ فَقَالَ: شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتُ فِي أَيَّامِكَ هَذِهِ مَا لَقِيتُ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْتَهَسَ [٤] مِنْهُ نَهْسَةً، ثُمَّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ [٥] فِي نَاحِيَةِ النَّاسِ، فَقَالَ:
وَأَنْتَ فِي الدُّنْيَا! ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَتَقَدَّمَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

(ابْنُ الْوَلِيدِ وانصرافه بِالنَّاسِ):
ثمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ [٦] أَخُو بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، قَالُوا: أَنْتَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ. فَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى

---------------------
[١] أجلب الْقَوْم: صاحوا واجتمعوا. والرنة: صَوت تَرْجِيع شبه الْبكاء. (عَن أَبى ذَر) .
[٢] النُّطْفَة: المَاء الْقَلِيل الصافي. والشنة: السقاء الْبَالِي، أَي فيوشك أَن تهراق النُّطْفَة أَو ينخرق السقاء، ضرب ذَلِك مثلا لنَفسِهِ فِي جسده.
[٣] الْعرق: الْعظم الّذي عَلَيْهِ بعض لحم. (عَن أَبى ذَر) .
[٤] انتهس: أَخذ مِنْهُ بفمه يَسِيرا. (عَن أَبى ذَر) .
[٥] الحطمة: زحام النَّاس وحطم بَعضهم بَعْضًا.
[٦] كَذَا فِي الْمَوَاهِب اللدنية والاستيعاب. وَهُوَ ثَابت بن أقرم بن ثَعْلَبَة بن عدي بن العجلان الْبلوى ثمَّ الْأنْصَارِيّ. وَكَانَ مَقْتَله سنة إِحْدَى عشرَة فِي الرِّدَّة، وَقيل سنة اثْنَتَيْ عشرَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَرقم» وَهُوَ تَحْرِيف.



خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ [١]، فَلَمَّا أَخَذَ الرَّايَةَ دَافَعَ الْقَوْمَ، وَحَاشَى [٢] بِهِمْ، ثُمَّ انْحَازَ وَانْحِيزَ عَنْهُ، حَتَّى انْصَرَفَ بِالنَّاسِ.

(تَنَبُّؤُ الرَّسُولِ بِمَا حَدَثَ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ الرُّومِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا أُصِيبَ الْقَوْمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، قَالَ: ثُمَّ صَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْأَنْصَارِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بَعْضُ مَا يَكْرَهُونَ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رُفِعُوا إلَيَّ فِي الْجَنَّةِ، فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَأَيْتُ فِي سَرِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا [٣] عَنْ سَرِيرَيْ صَاحِبَيْهِ، فَقُلْتُ: عَمَّ هَذَا؟ فَقِيلَ لِي: مَضَيَا وَتَرَدَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْضَ التَّرَدُّدِ، ثُمَّ مَضَى.

(حُزْنُ الرَّسُولِ عَلَى جَعْفَرٍ وَوِصَايَتُهُ بِآلِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أُمِّ عِيسَى الْخُزَاعِيَّةِ، عَنْ أُمِّ جَعْفَرِ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسَمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ:
لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ دَبَغْتُ أَرْبَعِينَ مَنًا [٤]- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى أَرْبَعِينَ مَنِيئَةً- وَعَجَنْتُ عَجِينِي، وَغَسَلْتُ بَنِيَّ وَدَهَنْتهمْ وَنَظَّفْتهمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ائْتِينِي بِبَنِي جَعْفَرٍ، قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِهِمْ، فَتَشَمَّمَهُمْ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

----------------------
[١] وروى الطَّبَرَانِيّ عَن أَبى الْيُسْر قَالَ: أَنا دفعت الرَّايَة إِلَى ثَابت بن أقرم لما أُصِيب ابْن رَوَاحَة، فَدَفعهَا إِلَى خَالِد وَقَالَ: أَنْت أعلم بِالْقِتَالِ منى. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٢] كَذَا فِي أ: وحاشى بهم (بِالْحَاء الْمُهْملَة): انحاز بهم، وَهُوَ من الحشى، وَهِي النَّاحِيَة. وَفِي م، ر: «خاشى» (بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة) . والمخاشاة: المحاجزة، وَهِي مفاعلة من الخشية، لِأَنَّهُ خشِي على الْمُسلمين لقلَّة عَددهمْ.
[٣] ازورارا: ميلًا وعوجا.
[٤] فِي الْأُصُول: «منئا» . والتصويب عَن أَبى ذَر، وَهَذَا نَص عِبَارَته: «المنا» (بِالْقصرِ):
الّذي يُوزن بِهِ. وَهُوَ الرطل. وتعنى أَرْبَعِينَ رطلا من دباغ. وَمن روى: «منيئة» فَمَعْنَاه: الْجلد مَا دَامَ فِي الدّباغ. وبهذه الرِّوَايَة الثَّانِيَة روى الحَدِيث صَاحب (اللِّسَان: منأ) .



بِأَبِي أَنْتُ وَأُمِّي، مَا يُبْكِيكَ؟ أَبَلَغَكَ عَنْ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُصِيبُوا هَذَا الْيَوْمَ. قَالَتْ: فَقُمْتُ أَصِيحُ، وَاجْتَمَعَتْ إلَيَّ النِّسَاءُ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تُغْفِلُوا آلَ جَعْفَرٍ مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا، فَإِنَّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: لَمَّا أَتَى نَعْيُ [١] جَعْفَرٍ عَرَفْنَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحُزْنَ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ النِّسَاءَ عَنَّيْنَنَا وَفَتَنَّنَا، قَالَ: فَارْجِعْ إلَيْهِنَّ فَأَسْكِتْهُنَّ. قَالَتْ: فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ- قَالَ: تَقُولُ وَرُبَّمَا ضَرَّ التَّكَلُّفُ أَهْلَهُ- قَالَتْ: قَالَ: فَاذْهَبْ فَأَسْكِتْهُنَّ، فَإِنْ أَبَيْنَ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ [٢]، قَالَتْ: وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أبعدك الله! فو اللَّهُ مَا تَرَكْتَ نَفْسَكَ وَمَا أَنْتَ بِمُطِيعٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ:
وَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْثِيَ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ الْعُذْرِيُّ، الَّذِي كَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ، قَدْ حَمَلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ زَافِلَةَ [٣] فَقَتَلَهُ، فَقَالَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ:
طَعَنْتُ ابْنَ زافلة بن الإراش ... بِرُمْحٍ مَضَى فِيهِ ثُمَّ انْحَطَمْ [٤]
ضَرَبْتُ عَلَى جِيدِهِ ضَرْبَةً ... فَمَالَ كَمَا مَالَ غُصْنُ السَّلَمْ [٥]
وَسُقْنَا نِسَاءَ بَنِي عَمِّهِ ... غَدَاةَ رَقَوْقَيْنَ سَوْقَ النَّعَمْ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: «ابْنِ الْإِرَاشِ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

---------------------------
[١] النعي (بِسُكُون الْعين): خبر الْمَيِّت الّذي يأتى. والنعي (بِكَسْر الْعين وَتَشْديد الْيَاء): هُوَ الرجل الّذي يأتى بِخَبَر مَوته.
[٢] يُقَال: حثا الرجل التُّرَاب يحثوه جثوا ويحثيه حثيا، إِذا قَبضه بِيَدِهِ ثمَّ رَمَاه.
[٣] كَذَا فِي أ: وَفِي م ر، هُنَا وَفِيمَا يأتى: «رافلة» بالراء الْمُهْملَة.
[٤] انحطم: انْكَسَرَ.
[٥] السّلم: شجر الْعضَاة، الْوَاحِدَة: سَلمَة.
[٦] رقوقين: اسْم مَوضِع. ويروى: «رقوفين» (بِالْفَاءِ فِي الثَّانِي)، (عَن أَبى ذَر) .



وَالْبَيْتُ الثَّالِثُ عَنْ خَلَّادِ [١] بْنِ قُرَّةَ، وَيُقَالُ: مَالِكُ بْنُ رَافِلَةَ [٢]:

(كَاهِنَةُ حَدَسٍ وَإِنْذَارُهَا قَوْمَهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ كَاهِنَةٌ مِنْ حَدَسٍ [٣] حِينَ سَمِعَتْ بِجَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا، قَدْ قَالَتْ لِقَوْمِهَا مِنْ حَدَسٍ، وَقَوْمُهَا بَطْنٌ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو غَنْمٍ- أُنْذِرُكُمْ قَوْمًا خُزْرًا [٤]، يَنْظُرُونَ شَزْرًا [٥]، وَيَقُودُونَ الْخَيْلَ تَتْرَى [٦]، ويُهْرِيقُونَ دَمًا عَكْرًا [٧] . فَأَخَذُوا بِقَوْلِهَا، وَاعْتَزَلُوا مِنْ بَيْنِ لَخْمٍ، فَلَمْ تَزَلْ بَعْدُ أَثْرَى [٨] حَدَسٍ. وَكَانَ الَّذِينَ صَلَوْا الْحَرْبَ يَوْمَئِذٍ بَنُو ثَعْلَبَةَ، بَطْنٌ مِنْ حَدَسٍ، فَلَمْ يَزَالُوا قَلِيلًا بَعْدُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ خَالِدٌ بِالنَّاسِ أَقْبَلَ بِهِمْ قَافِلًا.

(رُجُوعُ الْجَيْشِ وَتَلَقِّي الرَّسُولِ لَهُ وَغَضَبُ الْمُسْلِمِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا دَنَوْا مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ تَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ.
قَالَ: وَلَقِيَهُمْ الصِّبْيَانُ يَشْتَدُّونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلٌ مَعَ الْقَوْمِ عَلَى دَابَّةٍ، فَقَالَ: خُذُوا الصِّبْيَانَ فَاحْمِلُوهُمْ، وَأَعْطُونِي ابْنَ جَعْفَرٍ. فَأَتَى بِعَبْدِ اللَّهِ فَأَخَذَهُ فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَجَعَلَ النَّاسُ يَحْثُونَ عَلَى الْجَيْشِ التُّرَابَ، وَيَقُولُونَ يَا فُرَّارُ، فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ! قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمْ الْكُرَّارُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ آلِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: وَهُمْ أَخْوَالُهُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ
[١] كَذَا فِي م، ر، وَفِي أ: «خَالِد» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «راقلة» (بِالْقَافِ) .
[٣] حدس: قَبيلَة من لخم، ولخم: قَبيلَة من الْيمن. (عَن أَبى ذَر) .
[٤] الخزر: جمع أخزر، وَهُوَ الّذي ينظر بمؤخر عينه نظر المتكبر. (عَن أَبى ذَر) .
[٥] الشزر: نظر الْعَدَاوَة.
[٦] تترى: متتابعة شَيْئا بعد شَيْء. قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا ٢٣: ٤٤. وَمن رَوَاهُ: «تترى» فَهُوَ مصدر، من قَوْلك: نتر الشَّيْء، إِذا جذبه. (عَن أَبى ذَر) .
[٧] الذّكر: المتعكر، يُرِيد دَمًا مختلطا.
[٨] «أثرى»: من الثروة، وَهِي الْكَثْرَة. أَي أَكثر مَالا وعددا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #113  
قديم 10-01-2026, 09:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (113)

صــ 383إلى صــ 392






ﷺ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِامْرَأَةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ بن الْمُغيرَة: مَا لي لَا أَرَى سَلَمَةَ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ، كُلَّمَا خَرَجَ صَاحَ بِهِ النَّاسُ يَا فُرَّارُ، فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتَّى قَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَمَا يَخْرُجُ.

(شِعْرُ قَيْسٍ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ تَقَهْقُرِ خَالِدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ قَالَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَأَمْرِ خَالِدٍ وَمُخَاشَاتِهِ بِالنَّاسِ وَانْصِرَافِهِ بِهِمْ، قَيْسُ بْنُ الْمُسَحَّرِ الْيَعْمَرِيُّ، يَعْتَذِرُ مِمَّا صَنَعَ يَوْمَئِذٍ وصنع النَّاس
فو الله لَا تَنْفَكُّ نَفْسِي تَلُومُنِي ... عَلَى مَوْقِفِي وَالْخَيْلُ قَابِعَةٌ قُبْلُ [١]
وَقَفْتُ بِهَا لَا مُسْتَجِيرًا [٢] فَنَافِذًا ... وَلَا مَانِعًا مَنْ كَانَ حُمَّ لَهُ الْقَتْلُ
عَلَى أَنَّنِي آسَيْتُ نَفْسِي بِخَالِدِ ... أَلَا خَالِدٌ فِي الْقَوْمِ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ [٣]
وَجَاشَتْ إلَيَّ النَّفْسُ مِنْ نَحْوِ جَعْفَرٍ ... بِمُؤْتَةِ إذْ لَا يَنْفَعُ النَّابِلَ النَّبْلُ [٤]
وَضَمَّ إلَيْنَا حَجْزَتَيْهِمْ كِلَيْهِمَا ... مُهَاجِرَةٌ لَا مُشْرِكُونَ وَلَا عُزْلُ [٥]
فَبَيَّنَ قَيْسٌ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فِي شِعْرِهِ، أَنَّ الْقَوْمَ حَاجَزُوا وَكَرِهُوا الْمَوْتَ، وَحَقَّقَ انْحِيَازَ خَالِدٍ بِمَنْ مَعَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَقَالَ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ: أَمَّرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَتَّى قَفَلَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ.

(شِعْرُ حَسَّانَ فِي بكاء قتل مُؤْتَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا بُكِيَ بِهِ أَصْحَابُ مُؤْتَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:

-----------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر: «قائعة» من رَوَاهُ بِالْهَمْز فَمَعْنَاه: واثبة، يُقَال: قأع الْفَحْل على النَّاقة: إِذا وثب عَلَيْهَا. وَمن رَوَاهُ: «نائعة» بالنُّون، فَمَعْنَاه رَافِعَة رءوسها. وَمن رَوَاهُ: «قابعة» بِالْبَاء، فَمَعْنَاه منقبضة. وَقبل: جمع أقبل وقبلاء، وَهُوَ الّذي يمِيل عينه فِي النّظر إِلَى جِهَة الْعين الْأُخْرَى» .
[٢] كَذَا فِي (أ) . وَفِي م، ر: «مستحيزا»، وَمَعْنَاهُ: منحازا إِلَى نَاحيَة.
[٣] آسيت نَفسِي بِخَالِد: اقتديت بِهِ، من الأسوة، وَهِي الْقدْوَة.
[٤] جَاشَتْ: ارْتَفَعت. والنابل: صَاحب النبل.
[٥] حجزتيهم: ناحيتيهم، يُقَال: بعد حجزة، أَي نَاحيَة، وعزل: جمع أعزل، وَهُوَ الّذي لَا سلَاح مَعَه


تَأَوَّبَنِي لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ ... وَهَمَّ إذَا مَا نَوَّمَ النَّاس مسْهر [١]
لذكرى حَبِيبٍ هَيَّجَتْ لِي [٢] عَبْرَةً ... سَفُوحًا وَأَسْبَابُ الْبُكَاءِ التَّذَكُّرُ [٣]
بَلَى، إنَّ فِقْدَانَ [٤] الْحَبِيبِ بَلِيَّةٌ ... وَكَمْ مِنْ كَرِيمٍ يُبْتَلَى ثُمَّ يَصْبِرُ
رَأَيْت خِيَار الْمُؤمنِينَ تَوَارَدُوا ... شَعُوبَ وَخَلْفًا بَعْدَهُمْ يَتَأَخَّرُ [٥]
فَلَا يُبْعِدَنَّ اللَّهُ قَتْلَى تَتَابَعُوا ... بِمُؤْتَةَ مِنْهُمْ ذُو الْجَنَاحَيْنِ جَعْفَرُ
وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ حِينَ تَتَابَعُوا ... جَمِيعًا وَأَسْبَابُ الْمَنِيَّةِ تَخْطِرُ [٦]
غَدَاةَ مَضَوْا بِالْمُؤْمِنِينَ يَقُودُهُمْ ... إلَى الْمَوْتِ مَيْمُونُ النَّقِيبَةِ أَزْهَرُ [٧]
أَغَرُّ كَضَوْءِ الْبَدْرِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... أَبِيٌّ إذَا سِيمَ الظُّلَامَةَ مِجْسَرُ [٨]
فَطَاعَنَ حَتَّى مَالَ غَيْرَ مُوَسَّدٍ ... لِمُعْتَرَكٍ [٩] فِيهِ قَنًا مُتَكَسِّرُ [١٠]
فَصَارَ مَعَ الْمُسْتَشْهَدِينَ ثَوَابَهُ ... جِنَانٌ وَمُلْتَفُّ الْحَدَائِقِ أَخْضَرُ
وَكُنَّا نَرَى فِي جَعْفَرٍ مِنْ مُحَمَّدٍ ... وَفَاءً وَأَمْرًا حَازِمًا حِينَ يَأْمُرُ
فَمَا زَالَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... دَعَائِمُ عِزٍّ لَا يَزُلْنَ وَمَفْخَرُ
هُمْ جَبَلُ الْإِسْلَامِ وَالنَّاسُ حَوْلَهُمْ [١١] ... رِضَامٌ إلَى طَوْدٍ [١٢] يروق ويقهر [١٣]

-------------------------
[١] تأوبنى: عاودني وَرجع إِلَى. وأعسر: عسير. ومسهر: مَانع من النّوم.
[٢] فِي ديوَان حسان: ثمَّ.
[٣] سفوح: سَائِلَة غزيرة.
[٤] فِي ديوَان حسان (بلَاء وفقدان) .
[٥] قَالَ أَبُو ذَر: من رَوَاهُ بِضَم الشين، فَهُوَ جمع شعب، وَهِي الْقَبِيلَة، وَقيل: هُوَ أَكثر من الْقَبِيلَة، وَمن رَوَاهُ بِفَتْح الشين، فَهُوَ اسْم للمنية، من قَوْلك: شعبت الشَّيْء، إِذا فرقته، وَيجوز فِيهِ الصّرْف وَتَركه. وخلفا: أَي من يأتى بعد وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر الْأَخير فِي ديوانه:
شعوب وَقد خلفت فِيمَن يُؤَخر
[٦] تخطر: تختال وتهتز.
[٧] مَيْمُون النقيبة: مَسْعُود الْجد، وأزهر: أَبيض.
[٨] أَبى: عَزِيز الْجَانِب. وسيم: كلف وَحمل (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) . والمجسر: الْمِقْدَام الجسور.
[٩] المعترك: مَوضِع الْحَرْب.
[١٠] فِي الدِّيوَان. «فِيهِ القنا يتكسر» .
[١١] فِي الدِّيوَان: «حوله» .
[١٢] الرضام: جمع رضم، وَهِي الْحِجَارَة يتراكم بَعْضهَا فَوق بعض. والطود: الْجَبَل.
[١٣] فِي (أ) يقهر.



بهَا ليل مِنْهُمْ جَعْفَرٌ وَابْنُ أُمِّهِ ... عَلِيٌّ وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ الْمُتَخَيَّرُ [١]
وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ ... عَقِيلٌ وَمَاءُ الْعُودِ مِنْ حَيْثُ يُعْصَرُ
بِهِمْ تُفْرَجُ اللَّأْوَاءُ فِي كُلِّ مَأْزِقٍ ... عَمَاسٍ إذَا مَا ضَاقَ بِالنَّاسِ مَصْدَرُ [٢]
هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ أَنْزَلَ حُكْمَهُ ... عَلَيْهِمْ، وَفِيهِمْ ذَا الْكِتَابُ الْمُطَهَّرُ

(شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ قَتْلَى مُؤْتَةَ):
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
نَامَ الْعُيُونُ وَدَمْعُ عَيْنِكَ يَهْمُلُ ... سَحًّا كَمَا وَكَفَ [٣] الطَّبَابُ الْمُخْضَلُ [٤]
فِي لَيْلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيَّ هُمُومُهَا ... طَوْرًا أَحِنُّ [٥] وَتَارَةً أَتَمَلْمَلُ [٦]
وَاعْتَادَنِي حُزْنٌ فَبِتُّ كَأَنَّنِي ... بِبَنَاتِ نَعْشٍ وَالسِّمَاكِ مُوَكَّلُ [٧]
وَكَأَنَّمَا بَيْنَ الْجَوَانِحِ وَالْحَشَى ... مِمَّا تَأَوَّبَنِي شِهَابٌ مُدْخَلُ [٨]
وَجْدًا عَلَى النَّفَرِ الَّذِينَ تَتَابَعُوا ... يَوْمًا بِمُؤْتَةَ أُسْنِدُوا لَمْ يُنْقَلُوا
صَلَّى الْإِلَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فِتْيَةٍ ... وَسَقَى عِظَامَهُمْ الْغَمَامُ الْمُسْبِلُ [٩]
صَبَرُوا بِمُؤْتَةَ لِلْإِلَهِ نُفُوسَهُمْ ... حَذَرَ الرَّدَى وَمَخَافَةً أَنْ يَنْكُلُوا [١٠]
فَمَضَوْا أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ كَأَنَّهُمْ ... فُنُقٌ عَلَيْهِنَّ الْحَدِيدُ الْمُرْفَلُ [١١]

-------------------------
[١] البهاليل: جمع البهلول: وَهُوَ السَّيِّد الوضيء الْوَجْه.
[٢] اللأواء: الشدَّة. والعماس: المظلم. يُرِيد ظلامة من كَثْرَة النَّقْع المثار وَقت الْحَرْب.
[٣] همل الدمع: سَالَ، وسحا: صبا، ووكف: قطر.
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَشرح أَبى ذَر وَالرَّوْض. والطباب: جمع طبابة، وَهِي سير بَين خرزتين فِي المزادة، فَإِذا كَانَ غير مُحكم وكف مِنْهُ المَاء. وَفِي (أ) الضباب. والمخضل: السَّائِل الندى.
[٥] كَذَا فِي (أ) وأحن (بِالْحَاء الْمُهْملَة): من الحنين، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أخن» (بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة) . والخنين: صَوت يخرج من الْأنف عِنْد الْبكاء.
[٦] أتململ: أتقلب متبرما بمضجعي.
[٧] يُرِيد أَنه بَات يرْعَى النُّجُوم طول ليله من طول السهاد.
[٨] الْمدْخل: النَّافِذ إِلَى الدَّاخِل.
[٩] المسبل: الممطر.
[١٠] صَبَرُوا نُفُوسهم: حبسوها على مَا يُرِيدُونَ. وينكلوا: يرجِعوا هائبين لعدوهم.
[١١] الفنق: الفحول من الْإِبِل، الْوَاحِد: فنيق. المرفل: الّذي تنجر أَطْرَافه على الأَرْض، يُرِيد أَن دروعهم سابغة.
٢٥- سيرة ابْن هِشَام- ٢



إذْ يَهْتَدُونَ بِجَعْفَرٍ وَلِوَائِهِ ... قُدَّامَ أَوَّلِهِمْ فَنِعْمَ الْأَوَّلُ
حَتَّى تَفَرَّجَتْ الصُّفُوفُ وَجَعْفَرٌ ... حَيْثُ الْتَقَى وَعْثُ الصُّفُوفِ مُجَدَّلُ [١]
فَتَغَيَّرَ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ لِفَقْدِهِ ... وَالشَّمْسُ قَدْ كَسَفَتْ وَكَادَتْ تَأْفِلُ [٢]
قَرْمٌ [٣] عَلَا بُنْيَانُهُ مِنْ هَاشِمٍ ... فَرْعًا أَشَمَّ وَسُؤْدُدًا مَا يُنْقَلُ [٤]
قَوْمٌ بِهِمْ عَصَمَ الْإِلَهُ عِبَادَهُ ... وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ
فَضَلُوا الْمَعَاشِرَ عِزَّةً وَتَكَرُّمًا ... وَتَغَمَّدَتْ أَحْلَامُهُمْ مَنْ يَجْهَلُ [٥]
لَا يُطْلِقُونَ إلَى السَّفَاهِ حُبَاهُمْ ... وَيُرَى خَطِيبُهُمْ بِحَقٍّ يَفْصِلُ [٦]
بِيضُ الْوُجُوهِ تُرَى بُطُونُ أَكُفِّهِمْ ... تَنْدَى إذَا اعْتَذَرَ الزّمان الممحل [٧]
وبهداهم رضى الْإِلَه الْخلقَة ... وَبِجَدِّهِمْ نُصِرَ النَّبِيُّ الْمُرْسَلُ [٨]

(شِعْرُ حَسَّانَ فِي بُكَاءِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه:
وَلَقَدْ بَكَيْتُ وَعَزَّ مُهْلَكُ جَعْفَرٍ ... حِبِّ النَّبِيِّ عَلَى الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا
وَلَقَدْ جَزِعْتُ وَقُلْتُ حِينَ نُعِيتَ لِي ... مَنْ لِلْجِلَادِ لَدَى الْعُقَابِ وَظِلِّهَا [٩]
بِالْبِيضِ حِينَ تُسَلُّ مِنْ أَغْمَادِهَا ... ضَرْبًا وَإِنْهَالِ الرِّمَاحِ وَعَلِّهَا [١٠]

--------------------------
[١] وعث الصُّفُوف: التحامها حَتَّى يصعب الْخَلَاص من بَينهَا، تَشْبِيها بالوعث، وَهُوَ الرمل الّذي تغيب فِيهِ الأرجل، ويصعب فِيهِ السّير. ومجدل: مطروح على الجدالة، وَهِي الأَرْض.
[٢] تأفل: تغيب.
[٣] القرم: السَّيِّد.
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي شرح أَبى ذَر: «مَا ينفل: من رَوَاهُ بِالْفَاءِ فَمَعْنَاه لَا يحْجر، وَمن رَوَاهُ بِالْقَافِ فَهُوَ مَعْلُوم» .
[٥] تغمدت من يجهل: سترت جهل الْجَاهِلين.
[٦] إِطْلَاق الحبوة: كِنَايَة عَن النهضة للنجدة. والحبوة (فِي الأَصْل): أَن يشبك الْإِنْسَان أَصَابِع يَدَيْهِ بَعْضهَا فِي بعض. ويجعلها على رُكْبَتَيْهِ إِذا جلس. وَقد يحتبي بحمائل السَّيْف وَغَيرهَا.
[٧] الممحل: وَهُوَ الشَّديد الْقَحْط.
[٨] كَذَا فِي (أ) وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بحدهم» بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بِالْحَاء الْمُهْملَة فَمَعْنَاه بشجاعتهم وإقدامهم، وَمن رَوَاهُ «بجدهم» بِالْجِيم الْمَكْسُورَة، فَهُوَ مَعْلُوم» .
[٩] الْعقَاب: اسْم لراية الرَّسُول.
[١٠] الإنهال: الشّرْب الأول، الشّرْب الثَّانِي، يُرِيد الطعْن بعد الطعْن.



بَعْدَ ابْنِ فَاطِمَةَ الْمُبَارَكِ جَعْفَرٍ ... خَيْرِ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا وَأَجَلِّهَا [١]
رُزْءًا وَأَكْرَمِهَا جَمِيعًا مَحْتِدًا ... وَأَعَزِّهَا مُتَظَلِّمًا وَأَزَلِّهَا [٢]
لِلْحَقِّ حِينَ يَنُوبُ غَيْرَ تَنَحُّلٍ [٣] ... كَذِبًا، وَأَنْدَاهَا يَدًا [٤]، وَأَقَلِّهَا
فُحْشًا، وَأَكْثَرِهَا إذَا مَا يُجْتَدَى [٥] ... فَضْلًا، وَأَبْذَلِهَا نَدَى، وَأَبَلِّهَا [٦]
بِالْعُرْفِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ لَا مِثْلُهُ ... حَيٌّ مِنْ احْيَاءِ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا [٧]

(شِعْرُ حَسَّانَ فِي بُكَاءِ ابْنِ حَارِثَةَ وَابْنِ رَوَاحَةَ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ مُؤْتَةَ يَبْكِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ:
عَيْنِ جُودِي بِدَمْعِكَ الْمَنْزُورِ ... وَاذْكُرِي فِي الرَّخَاءِ أَهْلَ الْقُبُورِ [٨]
وَاذْكُرِي مُؤْتَةً وَمَا كَانَ فِيهَا ... يَوْمَ رَاحُوا فِي وَقْعَةِ التَّغْوِيرِ [٩]
حِينَ رَاحُوا وَغَادَرُوا ثَمَّ زَيْدًا ... نِعْمَ مَأْوَى الضَّرِيكِ وَالْمَأْسُورِ [١٠]
حِبَّ خَيْرِ الْأَنَامِ طُرًّا جَمِيعًا ... سَيِّدَ النَّاسِ حُبُّهُ فِي الصُّدُورِ
ذَاكُمْ أَحْمَدُ الَّذِي لَا سِوَاهُ ... ذَاكَ حُزْنِي لَهُ مَعًا وَسُرُورِي
إنَّ زَيْدًا قَدْ كَانَ مِنَّا بِأَمْرٍ ... لَيْسَ أَمْرَ الْمُكَذَّبِ الْمَغْرُورِ
ثُمَّ جُودِي لِلْخَزْرَجِيِّ بِدَمْعٍ ... سَيِّدًا كَانَ ثَمَّ غَيْرَ نَزُورِ [١١]

-------------------------
[١] فَاطِمَة: هِيَ أم جَعْفَر وعَلى بن أَبى طَالب، وَهِي فَاطِمَة بنت أَسد بن هَاشم، وَهِي أول هاشمية ولدت لهاشمى. (عَن أَبى ذَر) .
[٢] المحتد: الأَصْل.
[٣] التنحل: الْكَذِب.
[٤] فِي ديوانه: «وأغمرها ندي» .
[٥] الاجتداء: طلب الجدوى، وَهِي الْعَطِيَّة.
[٦] كَذَا فِي ديوانه. وَفِي الْأُصُول: «وأنداها يدا» .
[٧] رَأينَا هَذَا الْبَيْت فِي ديوانه:
عل خير بعد محمّد لَا شبهه ... بشر يعدّ من البريّة جلّها
[٨] المنزور: الْقَلِيل، يُرِيد أَنه بَكَى حَتَّى قل دمعه: فَهُوَ يَأْمر عينه أَن تجود بذلك الْقَلِيل على مَا هُوَ عَلَيْهِ.
[٩] التغوير: الْإِسْرَاع إِلَى الْفِرَار.
[١٠] الضريك: الْفَقِير.
[١١] الخزرجي: هُوَ عبد الله بن رَوَاحَة. والنزور: الْقَلِيل الْعَطاء. وَهَذَا الْبَيْت غير مَذْكُور فِي الدِّيوَان.



قَدْ أَتَانَا مِنْ قَتْلِهِمْ مَا كَفَانَا ... فَبِحُزْنٍ نَبِيتُ غَيْرَ سُرُورِ
وَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ:
كَفَى حَزَنًا أَنِّي رَجَعْتُ وَجَعْفَرٌ ... وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ فِي رَمْسِ أَقْبُرْ
قَضَوْا نَحْبَهُمْ لَمَّا مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ ... وَخُلِّفْتُ لِلْبَلْوَى مَعَ الْمُتَغَبِّرِ [١]
ثَلَاثَةُ رَهْطٍ قُدِّمُوا فَتَقَدَّمُوا ... إلَى وَرْدِ مَكْرُوهٍ مِنْ الْمَوْتِ أَحْمَرِ

(شُهَدَاءُ مُؤْتَةَ):
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ مُؤْتَةَ.

(مِنْ بَنِي هَاشِمٍ):
مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ رضي الله عنه.

(مِنْ بَنِي عَدِيٍّ):
وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَسْعُودُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ نَضْلَةَ.

(مِنْ بَنِي مَالِكٍ):
وَمِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ: وَهْبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ.

(مِنَ الْأَنْصَارِ):
وَمِنْ الْأَنْصَارِ ثُمَّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَعَبَّادُ ابْن قَيْسٍ.
وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: الْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ أَسَافَ بْنِ نَضْلَةَ ابْن عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمٍ.
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ: سُرَاقَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ.

(مَنْ ذَكَرَهُمُ ابْنُ هِشَامٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِمَّنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ:

-------------------------
[١] كَذَا فِي الْأُصُول. والمتغبر: الْبَاقِي. قَالَ أَبُو ذَر: وَمن رَوَاهُ «المتعذر» فَهُوَ مَعْلُوم.


مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ: أَبُو كُلَيْبٍ وَجَابِرٌ، ابْنَا عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولٍ وَهُمَا لِأَبٍ وَأُمٍّ.
وَمِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أَفْصَى: عَمْرٌو وَعَامِرٌ، ابْنَا سَعْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَفْصَى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ أَبُو كِلَابٍ وَجَابِرٌ، ابْنَا عَمْرٍو [١] .

ذِكْرُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ الْمَسِيرَ إلَى مَكَّةَ وَذِكْرُ فَتْحِ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ

(الْقِتَالُ بَيْنَ بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ بَعْثِهِ إلَى مُؤْتَةَ جُمَادَى الْآخِرَةَ وَرَجَبًا.
ثُمَّ إنَّ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ عَدَتْ عَلَى خُزَاعَةَ، وَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: الْوَتِيرُ، وَكَانَ الَّذِي هَاجَ مَا بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ- وَحِلْفُ الْحَضْرَمِيِّ يَوْمَئِذٍ إلَى الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ [٢]- خَرَجَ تَاجِرًا، فَلَمَّا تَوَسَّطَ أَرْضَ خُزَاعَةَ، عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَالَهُ، فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَتَلُوهُ، فَعَدَتْ خُزَاعَةُ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ عَلَى بَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ الدِّيلِيِّ- وَهُمْ مَنْخَرُ [٣] بَنِي كِنَانَةَ وَأَشْرَافُهُمْ- سَلْمَى وَكُلْثُومٌ وَذُؤَيْبٌ- فَقَتَلُوهُمْ بِعَرَفَةَ عِنْدَ أَنْصَابِ الْحَرَمِ [٤] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي الدِّيلِ، قَالَ: كَانَ بَنُو الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ يُودَوْنَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ دِيَتَيْنِ دِيَتَيْنِ، وَنُودَى دِيَةً دِيَةً، لِفَضْلِهِمْ فِينَا.

---------------------------
[١] إِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء السَّادِس عشر من أَجزَاء السِّيرَة.
[٢] وزن: يرْوى بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا، وَإِسْكَان الزاى وَفتحهَا، وَقَيده الدَّار قطنى بِفَتْح الرَّاء وَإِسْكَان الزاء لَا غير. (رَاجع شرح السِّيرَة) .
[٣] كَذَا فِي أ. وَيُرِيد بالمنخر: الْمُتَقَدِّمين، لِأَن الْأنف هُوَ الْمُقدم من الْوَجْه. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«مفخر» بِالْفَاءِ.
[٤] أنصاب الْحرم: حِجَارَة تجْعَل عَلَامَات بَين الْحل وَالْحرم.



قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَيْنَا بَنُو بَكْرٍ وَخُزَاعَةُ عَلَى ذَلِكَ حَجَزَ بَيْنَهُمْ الْإِسْلَامُ، وَتَشَاغَلَ النَّاسُ بِهِ. فَلَمَّا كَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، كَانَ فِيمَا شَرَطُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَرَطَ لَهُمْ، كَمَا حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا: أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ فَلْيَدْخُلْ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ فَلْيَدْخُلْ فِيهِ. فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ [١] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَانَتْ الْهُدْنَةُ اغْتَنَمَهَا بَنُو الدِّيلِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ ثَأْرًا بِأُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ أَصَابُوا مِنْهُمْ بِبَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيُّ فِي بَنِي الدِّيلِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَائِدُهُمْ، وَلَيْسَ كُلُّ بَنِي بَكْرٍ تَابَعَهُ [٢] حَتَّى بَيَّتَ خُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى الْوَتِيرِ، مَاءٌ لَهُمْ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رَجُلًا، وَتَحَاوَزُوا وَاقْتَتَلُوا، وَرَفَدَتْ بَنِي بَكْرٍ قُرَيْشٌ بِالسِّلَاحِ، وَقَاتَلَ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ قَاتَلَ بِاللَّيْلِ مُسْتَخْفِيًا، حَتَّى حَازُوا [٣] خُزَاعَةَ إلَى الْحَرَمِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَيْهِ، قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ: يَا نَوْفَلُ، إنَّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ، إلَهَكَ إلَهَكَ، فَقَالَ: كَلِمَةً عَظِيمَةً، لَا إلَهَ لَهُ الْيَوْمَ، يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ، فَلَعَمْرِي إنَّكُمْ لَتَسْرِقُونَ [٤] فِي الْحَرَمِ، أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ، وَقَدْ أَصَابُوا مِنْهُمْ لَيْلَةَ بَيَّتُوهُمْ بِالْوَتِيرِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مُنَبِّهٌ وَكَانَ مُنَبِّهٌ رَجُلًا مَفْئُودًا [٥] خَرَجَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ، وَقَالَ لَهُ مُنَبِّهٌ: يَا تَمِيمُ، اُنْجُ بِنَفْسِكَ، فَأَما أَنا فو الله إنِّي لَمَيِّتٌ، قَتَلُونِي أَوْ تَرَكُونِي، لَقَدْ انْبَتَّ [٦] فُؤَادِي، وَانْطَلَقَ تَمِيمٌ فَأَفْلَتْ، وَأَدْرَكُوا مُنَبِّهًا فَقَتَلُوهُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ

-----------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي (أ) .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر لأصول: «بَايعه» .
[٣] كَذَا فِي أ. وحازوهم: ساقوهم. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حاوزوهم» .
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لتسرفون» .
[٥] مفئودا: ضَعِيف الْفُؤَاد.
[٦] أنبت: انْقَطع.



خُزَاعَةُ مَكَّةَ، لَجَئُوا إلَى دَارِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ، وَدَارِ مَوْلَى لَهُمْ يُقَالُ لَهُ رَافِعٌ، فَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ يَعْتَذِرُ مِنْ فِرَارِهِ عَنْ مُنَبِّهٍ:

(شِعْرُ تَمِيمٍ فِي الِاعْتِذَارِ مِنْ فِرَارِهِ عَنْ مُنَبِّهٍ):
لَمَّا رَأَيْتُ بَنِي نُفَاثَةَ أَقْبَلُوا ... يَغْشَوْنَ كُلَّ وَتِيرَةٍ [١] وَحِجَابِ [٢]
صَخْرًا وَرَزْنًا لَا عَرِيبَ سِوَاهُمْ ... يُزْجُونَ كُلَّ مُقَلَّصٍ خَنَّابِ [٣]
وَذَكَرْتُ ذَحْلًا [٤] عِنْدَنَا مُتَقَادِمًا ... فِيمَا مَضَى مِنْ سَالِفِ الْأَحْقَابِ [٥]
ونَشَيْتُ رِيحَ الْمَوْتِ مِنْ تِلْقَائِهِمْ ... وَرَهِبْتُ وَقْعَ مُهَنَّدٍ قَضَّابِ [٦]
وَعَرَفْتُ أَنْ مَنْ يَثْقَفُوهُ يَتْرُكُوا ... لَحْمًا لِمُجْرِيَةٍ وَشِلْوَ غُرَابِ [٧]
قَوَّمْتُ رِجْلًا لَا أَخَافُ عِثَارَهَا ... وَطَرَحْتُ بِالْمَتْنِ الْعَرَاءِ ثِيَابِي [٨]
وَنَجَوْتُ لَا يَنْجُو نَجَائِي أحْقَبٌ ... عِلْجٌ أَقَبُّ مُشَمِّرُ الْأَقْرَابِ [٩]
تَلْحَى وَلَوْ شَهِدَتْ لَكَانَ نَكِيرُهَا ... بَوْلًا يَبُلُّ مَشَافِرَ الْقَبْقَابِ [١٠]
الْقَوْمُ أَعْلَمُ مَا تَرَكْتُ مُنَبِّهًا ... عَنْ طِيبِ نَفْسٍ فَاسْأَلِي أَصْحَابِي

------------------------
[١] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي شرح السِّيرَة: «وثيرة» بالثاء الْمُثَلَّثَة. قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بالثاء الْمُثَلَّثَة فَهِيَ الأَرْض اللينة الرّطبَة. وَمِنْه يُقَال: فرَاش وثير: إِذا كَانَ رطبا. وَمن رواء بِالتَّاءِ بِاثْنَتَيْنِ، يعْنى الأَرْض الممتدة» .
[٢] الْحجاب: مَا اطْمَأَن من الأَرْض وخفي.
[٣] لَا عريب: أَي لَا أحد، يُقَال: مَا بِالدَّار عريب وَلَا كنيع وَلَا ذبيح، فِي أَسمَاء غَيرهَا، وَكلهَا بِمَعْنى: مَا بهَا أحد. ويزجون: يسوقون. والمقلص: الْفرس المشمر. والخناب: الْفرس الْوَاسِع المنخرين.
ويروى: خباب، أَي مسرع، من الخبب، وَهُوَ السرعة فِي السّير.
[٤] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والذحل: طلب الثأر. وَفِي أ: «دخلا» .
[٥] الأحقاب: السنون.
[٦] نشى: شم. والمهند القضاب: السَّيْف الْقَاطِع.
[٧] المجرية: اللبؤة الَّتِي لَهَا جراء، أَي أَوْلَاد. والشلو: بَقِيَّة الْجَسَد.
[٨] الْمَتْن: مَا ظهر من الأَرْض وارتفع. والعراء: الْخَالِي لَا يخفى فِيهِ شَيْء.
[٩] نجوت: أسرعت. وأحقب: أَي خمار وَحش أَبيض الْمُؤخر، وَهُوَ مَوضِع الحقيبة. وعلج:
غليظ. وأقب: ضامر الْبَطن. ومشمر الأقراب: منقبض الخواصر وَمَا يَليهَا. ويروى: «مقلص الأقراب»، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.
[١٠] تلحى: تلوم. والمشافر: النواحي والجوانب. والقبقاب: من أَسمَاء الْفرج.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى لِحَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (الْأَعْلَمِ [١]) الْهُذَلِيِّ. وَبَيْتُهُ:
«وَذَكَرْتُ ذَحْلًا عِنْدَنَا مُتَقَادِمًا
» عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَوْلُهُ «خناب» و«
علج أَقَبُّ مُشَمِّرُ الْأَقْرَابِ
» عَنْهُ أَيْضًا.

(شِعْرُ الْأَخْزَرِ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْأَخْزَرُ بْنُ لُعْطٍ الدِّيلِيُّ، فِيمَا كَانَ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ فِي تِلْكَ الْحَرْبِ:
أَلَا هَلْ أَتَى قُصْوَى الْأَحَابِيشِ أَنَّنَا ... رَدَدْنَا بَنِي كَعْبٍ بِأَفْوَقِ نَاصِلِ [٢]
حَبَسْنَاهُمْ فِي دَارَةِ الْعَبْدِ رَافِعٍ ... وَعِنْدَ بُدَيْلٍ مَحْبِسًا غَيْرَ طَائِلِ [٣]
بِدَارِ الذَّلِيلِ الْآخِذ الضّيم بعد مَا ... شَفَيْنَا النَّفُوسَ مِنْهُمْ بِالْمَنَاصِلِ [٤]
حَبَسْنَاهُمْ حَتَّى إذَا طَالَ يَوْمُهُمْ ... نَفَحْنَا لَهُمْ مِنْ كُلِّ شِعْبٍ بِوَابِلِ [٥]
نُذَبِّحْهُمُ ذَبْحَ التُّيُوسِ كَأَنَّنَا ... أَسُودٌ تَبَارَى فِيهِمْ بِالْقَوَاصِلِ [٦]
هُمْ ظَلَمُونَا واعَتَدَوْا فِي مَسِيرِهِمْ ... وَكَانُوا لَدَى الْأَنْصَابِ أَوَّلَ قَاتِلِ
كَأَنَّهُمْ بِالْجِزْعِ [٧] إذْ يَطْرُدُونَهُمْ ... بِفَاثُورَ [٨] حُفَّانُ النِّعَامِ الْجَوَافِلِ [٩]

-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] قصوى: أبعد. والأحابيش: كل من حَالف قُريْشًا، وَدخل فِي عهدها من الْقَبَائِل. وَيُرِيد بقوله «بأفوق ناصل»: أَنَّهَا ردَّتْ خائبة، والأفوق (فِي الأَصْل): السهْم الّذي انْكَسَرَ فَوْقه، وَهُوَ طرفه الّذي يَلِي الْوتر. والناصل: الّذي زَالَ نصله، أَي حديدته الَّتِي تكون فِيهِ.
[٣] الدارة: الدَّار.
[٤] الضيم: الذل. والمناصل: جمع منصل، وَهُوَ السَّيْف.
[٥] نفحنا: وسعنا. والشعب: المطمئن بَين جبلين. والوابل: الْمَطَر الشَّديد، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا دفْعَة الْخَيل.
[٦] يُرِيد «بالقواصل»: الأنياب.
[٧] الْجزع: مَا انعطف من الْوَادي.
[٨] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول-. وفاثور: مَوضِع بِنَجْد، قَالَ أَبُو ذَر: «ظَاهره أَنه اسْم مَوضِع وَمن رَوَاهُ: قفا ثَوْر، فثور: اسْم جبل بِمَكَّة، وَمنعه هَذَا الشَّاعِر الصّرْف، لِأَنَّهُ قصد بِهِ قصد الْبقْعَة.
وَقَفاهُ: وراؤه» . وَفِي أ: «فعاثور» .
[٩] حفان النعام: صغارها. والجوافل: المولية المسرعة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #114  
قديم 10-01-2026, 09:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (114)

صــ 393إلى صــ 402







(شِعْرُ بُدَيْلٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَخْزَرِ):
فَأَجَابَهُ بُدَيْلُ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَجَبِّ [١]، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ:
بُدَيْلُ بْنُ أُمِّ أَصْرَمَ، فَقَالَ:
تَفَاقَدَ قَوْمٌ يَفْخَرُونَ وَلَمْ نَدَعْ ... لَهُمْ سَيِّدًا يَنْدُوهُمُ غَيْرَ نَافِلِ [٢]
أَمِنْ خِيفَةِ الْقَوْمِ الْأُلَى تَزْدَرِيهِمْ ... تُجِيزُ الْوَتِيرَ خَائِفًا غَيْرَ آئِلِ [٣]
وَفِي كُلِّ يَوْمٍ نَحْنُ نَحْبُو حِبَاءَنَا ... لِعَقْلٍ وَلَا يُحْبَى لَنَا فِي الْمَعَاقِلِ [٤]
وَنَحْنُ صَبَحْنَا بِالتَّلَاعَةِ دَارَكُمْ ... بِأَسْيَافِنَا يَسْبِقْنَ لَوْمَ الْعَوَاذِلِ [٥]
وَنَحْنُ مَنَعْنَا بَيْنَ بَيْضٍ وَعِتْوَدٍ ... إلَى خَيْفِ رَضْوَى [٦] مِنْ مِجَرِّ الْقَنَابِلِ [٧]
وَيَوْمَ الْغَمِيمِ قَدْ تَكَفَّتَ سَاعِيًا ... عُبَيْسٌ فَجَعْنَاهُ بِجَلْدٍ حُلَاحِلِ [٨]
أَأَنْ أَجْمَرَتْ فِي بَيْتِهَا أُمُّ بَعْضِكُمْ ... بِجُعْمُوسِهَا تَنْزُونَ أَنْ لَمْ نُقَاتِلْ [٩]
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ مَا إنْ قَتَلْتُمْ ... وَلَكِنْ تَرَكْنَا أَمْرَكُمْ فِي بَلَابِلِ [١٠]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «غَيْرَ نَافِلِ»، وَقَوْلُهُ «إلَى خَيْفِ رَضْوَى» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

-----------------------
[١] فِي أ: «الأحب، بِالْحَاء الْمُهْملَة» . وَفِي الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر: «الْأَخْنَس» . وَقد سَاق ابْن عبد الْبر نسبه فَقَالَ: «هُوَ أحد المنسوبين إِلَى أمهاتهم، وَهُوَ بديل بن سَلمَة بن خلف بن عَمْرو بن الْأَخْنَس ابْن مقياس بن حبتر بن عدي بن سلول بن كَعْب الْخُزَاعِيّ» .
[٢] يندوهم: يجمعهُمْ فِي الندى، وَهُوَ الْمجْلس.
[٣] الْوَتِير: اسْم مَاء بِأَسْفَل مَكَّة لخزاعة، وَغير آئل: غير رَاجع.
[٤] نحبو: نعطي. وَالْعقل: الدِّيَة.
[٥] التلاعة (بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف): مَاء لبني كنَانَة بالحجاز. ويسبقن لوم العواذل: يُشِير إِلَى الْمثل الْمَعْرُوف: «سبق السَّيْف العذل» .
[٦] بيض (بِالْفَتْح): من منَازِل بنى كنَانَة بالحجاز: وعتود (بِكَسْر أَوله وَسُكُون ثَانِيه وَفتح الْوَاو. وروى بِفَتْح أَوله): مَاء لكنانة أَيْضا. والخيف: مَا انحدر من الْجَبَل. ورضوى: جبل بِالْمَدِينَةِ.
[٧] كَذَا فِي أ. والقنابل: جمع قنبلة، وَهِي الْقطعَة من الْخَيل.
[٨] الغميم: مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. وتكفت: حاد عَن طَرِيقه. وعبيس: رجل. وَالْجَلد:
القوى. والحلاحل: السَّيِّد.
[٩] الجعموس: الْعذرَة. و«أجمرت ... إِلَخ»: أَي رمت بِهِ بِسُرْعَة، وَهُوَ كِنَايَة عَن ضرب من الْحَدث يسمج وَصفه: يُرِيد الْفَزع وَعدم الاطمئنان.
[١٠] البلابل: اخْتِلَاط الْهم ووساوسه.


(شِعْرُ حَسَّانَ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
لَحَا اللَّهُ قَوْمًا لَمْ نَدَعْ مِنْ سَرَاتِهِمْ ... لَهُمْ أَحَدًا يَنْدُوهُمُ غَيْرَ نَاقِبْ [١]
أَخُصْيَيْ حِمَارٍ مَاتَ بِالْأَمْسِ نَوْفَلًا ... مَتَى كُنْتَ مِفْلَاحًا عَدُوَّ الْحَقَائِبِ [٢]

(شِعْرُ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ لِلرَّسُولِ يَسْتَنْصِرُهُ وَرَدُّهُ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا تَظَاهَرَتْ بَنُو بَكْرٍ وَقُرَيْشٌ عَلَى خُزَاعَةَ، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَا أَصَابُوا، وَنَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ بِمَا اسْتَحَلُّوا مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانَ فِي عَقْدِهِ وَعَهْدِهِ، خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كَعْبٍ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا هَاجَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّاسِ، فَقَالَ:
يَا رَبِّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا [٣]
قَدْ كُنْتُمْ وُلْدًا وَكُنَّا وَالِدَا ... ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا [٤]
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَعْتَدَا ... وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا [٥]
فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... إنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا [٦]
فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا ... إنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا [٧]

---------------------------
[١] سراة الْقَوْم: أَشْرَافهم وخيارهم. ويندوهم: يجمعهُمْ فِي النادي، وناقب: رجل. (عَن أَبى ذَر وَاللِّسَان) .
[٢] المفلاح: من الْفَلاح، وَهُوَ بَقَاء الْخَيْر، والحقائب: جمع حقيبة، وَهُوَ مَا يَجعله الرَّاكِب وَرَاءه إِذا ركب. (عَن أَبى ذَر) .
[٣] نَاشد: طَالب ومذكر. والأتلد: الْقَدِيم.
[٤] يُرِيد أَن بنى عبد منَاف أمّهم من خُزَاعَة، وَكَذَلِكَ قصي أمه فَاطِمَة بنت سعد الْخُزَاعِيَّة. وَالْولد (بِالضَّمِّ) بِمَعْنى الْوَلَد (بِالتَّحْرِيكِ) . وأسلمنا: من السّلم. قَالَ السهيليّ: «لأَنهم لم يَكُونُوا آمنُوا بعد، غير أَنه قَالَ: «ركعا وَسجدا» فَدلَّ على أَنه كَانَ فيهم من صلى للَّه فَقتل: (رَاجع الرَّوْض) .
[٥] أَعْتَد: حَاضر، من الشَّيْء العتيد، وَهُوَ الْحَاضِر، والمدد: العون.
[٦] تجرد: من رَوَاهُ بِالْحَاء الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه، غضب: وَمن رَوَاهُ بِالْجِيم، فَمَعْنَاه: شمر وتهيأ للحرب.
وسيم: طلب مِنْهُ وكلف. والخسف: الذل، وَتَربد: تغير إِلَى السوَاد.
[٧] الفيلق: الْعَسْكَر الْكثير.



وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُوَكَّدَا ... وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصَّدَا [١]
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدًا ... وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا [٢]
(يَقُولُ: قُتِلْنَا وَقَدْ أَسْلَمْنَا [٣]) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى أَيْضًا:
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَيِّدَا [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى أَيْضًا:
(نَحْنُ وَلَدْنَاكَ فَكُنْتُ وَلَدًا [٣])
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنُ سَالِمٍ [٥] . ثُمَّ عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنَانٌ [٦] مِنْ السَّمَاءِ، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ.

(ذَهَابُ ابْنِ وَرْقَاءَ إلَى الرَّسُولِ بِالْمَدِينَةِ شَاكِيًا وَتَعَرُّفُ أَبِي سُفْيَانَ أَمْرَهُ):
ثُمَّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ، وَبِمُظَاهَرَةِ [٧] قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إلَى مَكَّةَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ:
كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَكُمْ لِيَشُدَّ الْعَقْدَ، وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ. وَمَضَى بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى لَقُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ بِعُسْفَانَ [٨]، قَدْ بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ إلَى

--------------------------
[١] كداء بِوَزْن سَحَاب: مَوضِع بِأَعْلَى مَكَّة، ورصد كركع جمع راصد، وَهُوَ الطَّالِب للشَّيْء الّذي يرقبه، وَيجوز أَن يكون رصدا كسبب، وَهُوَ بِمَعْنى الأول.
[٢] الْوَتِير: اسْم مَاء بِأَسْفَل مَكَّة لخزاعة. والهجد: النيام، وَقد يكون «الهجد» أَيْضا: المستيقظين وَهُوَ من الأضداد. وَرِوَايَة هَذَا الشّعْر فِي الِاسْتِيعَاب تخَالف رِوَايَته هُنَا تَقْدِيمًا وتأخيرا وَزِيَادَة وحذفا.
[٣] مَا بَين القوسين سَاقِط فِي أ.
[٤] أيدا: قَوِيا، وَهُوَ من الأيد، وَهُوَ الْقُوَّة.
[٥] فِي الِاسْتِيعَاب: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَا نصرني الله إِن لم أنْصر بنى كَعْب» .
[٦] عنان: سَحَاب.
[٧] المظاهرة: المعاونة.
[٨] عسفان: على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة، على طَرِيق الْمَدِينَة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .



رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِيَشُدَّ الْعَقْدَ، وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ، وَقَدْ رَهِبُوا الَّذِي صَنَعُوا. فَلَمَّا لَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بُدَيْلِ بْنَ وَرْقَاءَ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُ يَا بُدَيْلُ؟
وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: تَسَيَّرْتُ فِي خُزَاعَةَ فِي هَذَا السَّاحِلِ، وَفِي بَطْنِ هَذَا الْوَادِي، قَالَ: أَوَ مَا جِئْتُ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: لَا، فَلَمَّا رَاحَ بُدَيْلِ إلَى مَكَّةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَئِنْ جَاءَ بُدَيْلِ الْمَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ بِهَا النَّوَى، فَأَتَى مَبْرَكَ رَاحِلَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا فَفَتَّهُ، فَرَأَى فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: أَحْلِفُ باللَّه لَقَدْ جَاءَ بُدَيْلِ مُحَمَّدًا.

(خُرُوجُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الْمَدِينَة الصُّلْح وَإِخْفَاقُهُ):
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، مَا أَدْرِي أَرَغِبْتُ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْتُ بِهِ عَنِّي؟ قَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجَسٌ، وَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكَ يَا بُنَيَّةُ بَعْدِي شَرٌّ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَلَّمَهُ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: أَأَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إلَى رَسُول الله ﷺ؟ فو اللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إلَّا الذَّرَّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا، وَعِنْدَهَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، غُلَامٌ يَدِبُّ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إنَّكَ أَمَسُّ الْقَوْمِ بِي رَحِمًا، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُ فِي حَاجَةٍ، فَلَا أَرْجِعَنَّ كَمَا جِئْتُ خَائِبًا، فَاشْفَعْ لِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! وَاَللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ. فَالْتَفَتَ إلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: يَا بْنَةَ مُحَمَّدٍ، هَلْ لَكَ أَنْ تَأْمُرِي بُنَيَّكَ هَذَا فَيُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَكُونَ سَيِّدَ الْعَرَبِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟ قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا بَلَغَ بُنَيَّ ذَاكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ


قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إنِّي أَرَى الْأُمُورَ قَدْ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ، فَانْصَحْنِي، قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ لَكَ شَيْئًا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، وَلَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ الْحَقْ بِأَرْضِكَ، قَالَ: أَوَ تَرَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، مَا أَظُنُّهُ، وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ. ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فَانْطَلَقَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ، قَالُوا:
مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: جِئْتُ مُحَمَّدًا فكلّمته، فو الله مَا رَدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْرًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَجَدْتُهُ أَدْنَى الْعَدُوِّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَعْدَى الْعَدُوِّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ جِئْتُ عَلِيًّا فَوَجَدْتُهُ أَلْيَنَ الْقَوْمِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيَّ بِشَيْء صَنعته، فو الله مَا أَدْرِي هَلْ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا أَمْ لَا؟ قَالُوا: وَبِمَ أَمَرَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، فَفَعَلْتُ، قَالُوا: فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا:
وَيْلَكَ! وَاَللَّهِ إنْ زَادَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِكَ، فَمَا يُغْنِي عَنْكَ مَا قُلْتُ. قَالَ:
لَا وَاَللَّهِ، مَا وَجَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ.

(تَجْهِيزُ الرَّسُولِ لِفَتْحِ مَكَّةَ):
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَهَازِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُجَهِّزُوهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ رضي الله عنها، وَهِيَ تُحَرِّكُ بَعْضَ جَهَازِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ: أَأَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُجَهِّزُوهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَتَجَهَّزْ، قَالَ: فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قَالَتْ: (لَا) وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي. ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ سَائِرٌ إلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجِدِّ وَالتَّهَيُّؤِ، وَقَالَ: اللَّهمّ خُذْ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا [١] فِي بِلَادِهَا. فَتَجَهَّزَ النَّاسُ.

(شِعْرُ حَسَّانَ فِي تَحْرِيضِ النَّاسِ):
فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرِّضُ النَّاسَ، وَيَذْكُرُ مُصَابَ رِجَالِ خُزَاعَةَ:

--------------------------
[١] هُوَ من البغتة، وَهُوَ الْفجأَة، يُقَال: بغته الْأَمر وفجأه: إِذا جَاءَ وَلم يعلم بِهِ.


عَنَانِي وَلَمْ أَشْهَدْ بِبَطْحَاءِ مَكَّةٍ ... رِجَالُ بَنِي كَعْبٍ تُحَزُّ رِقَابُهَا [١]
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَسُلُّوا سُيُوفَهُمْ ... وَقَتْلَى كَثِيرٌ لَمْ تُجَنَّ ثِيَابُهَا [٢]
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَالَنَّ نُصْرَتِي ... سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَخْزُهَا وَعُقَابُهَا [٣]
وَصَفْوَانُ عَوْدٌ [٤] حَنَّ مِنْ شُفْرِ اسْتِهِ [٥] ... فَهَذَا أَوَانُ الْحَرْبِ شُدَّ عِصَابُهَا
فَلَا تَأْمَنَنَّا يَا بن أُمِّ مُجَالِدٍ ... إذَا اُحْتُلِبَتْ صَرْفًا وَأَعْصَلَ نَابُهَا [٦]
ولاَ تَجْزَعُوا مِنَّا فَإِنَّ سُيُوفَنَا ... لَهَا وَقْعَةٌ بِالْمَوْتِ يُفْتَحُ بَابُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُ حَسَّانَ: «
بأيدي رِجَالٍ لَمْ يَسُلُّوا سُيُوفَهُمْ
» يَعْنِي قُرَيْشًا، «وَابْنُ أُمِّ مُجَالِدٍ» يَعْنِي عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ.

(كِتَابُ حَاطِبٍ إلَى قُرَيْشٍ وَعِلْمُ الرَّسُولِ بِأَمْرِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا، قَالُوا: لَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسِيرَ إلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِاَلَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَمْرِ فِي السَّيْرِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً، زَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّهَا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَزَعَمَ لِي غَيْرُهُ أَنَّهَا سَارَةُ، مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا، فَجَعَلَتْهُ فِي رَأْسِهَا، ثُمَّ فَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ، وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رضي الله عنهما، فَقَالَ: أَدْرِكَا امْرَأَةً قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِكِتَابِ إلَى قُرَيْشٍ، يُحَذِّرُهُمْ مَا قَدْ أَجْمَعْنَا لَهُ فِي أَمْرِهِمْ

--------------------------
[١] عناني: أهمني. وَفِي الدِّيوَان: «
غبنا فَلم نشْهد ببطحاء مَكَّة ... رُعَاة............
إِلَخ» .
[٢] لم تجن ثِيَابهَا: لم تستر. يُرِيد أَنهم قتلوا وَلم يدفنوا. وَمَوْضِع هَذَا الْبَيْت مُتَأَخّر فِي الدِّيوَان.
[٣] كَذَا فِي الدِّيوَان.
[٤] الْعود: المسن من الْإِبِل.
[٥] كَذَا فِي الدِّيوَان. وَفِي م: «شعر استه» .
[٦] الصّرْف: اللَّبن الْخَالِص هُنَا. وأعصل: أَعْوَج، والعصل: اعوجاج الْأَسْنَان. وَرِوَايَة الدِّيوَان للشطر الثَّانِي: «
إِذا لقحت حَرْب وأعصل نابها
» وَابْن أم مجَالد: هُوَ عِكْرِمَة بن أَبى جهل.



فَخَرَجَا حَتَّى أَدْرَكَاهَا بِالْخَلِيقَةِ [١]، خَلِيقَةِ بَنِي أَبِي أَحْمَدَ، فَاسْتَنْزَلَاهَا، فَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إنِّي أَحْلِفُ باللَّه مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا كَذَبْنَا، وَلَتُخْرِجِنَّ لَنَا هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكَ، فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ مِنْهُ، قَالَتْ: أَعْرِضْ، فَأَعْرَضَ، فَحَلَّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا، فَاسْتَخْرَجَتْ الْكِتَابَ مِنْهَا، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَأَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ باللَّه وَرَسُولِهِ، مَا غَيَّرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَمْرَأً لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ مِنْ أَصْلٍ وَلَا عَشِيرَةٍ، وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَدٌ وَأَهْلٌ، فَصَانَعْتهمْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ نَافَقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، لَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ إلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَاطِبٍ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ٦٠: ١ ... إلَى قَوْلِهِ: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ٦٠: ٤ ... إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.

(خُرُوجُ الرَّسُولِ فِي رَمَضَان واستخلافه أبارهم):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَفَرِهِ، وَاسْتَخْلَفَ على الْمَدِينَة أبارهم، كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنِ ابْن عُتْبَةَ بْنِ خَلَفٍ الْغِفَارِيَّ، وَخَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ رَسُولُ

------------------------
[١] الخليقة: كَذَا وَقع هُنَا بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة فيهمَا. وَرَوَاهُ الخشنيّ: «بالخليقة» فتح الْخَاء الْمُعْجَمَة فيهمَا. وَفِي كتاب ابْن إِسْحَاق: بِذِي الْخَلِيفَة، خَليفَة بنى أَحْمد، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة فيهمَا بِالْفَاءِ، وَهُوَ اسْم مَوضِع. (عَن أَبى ذَر) .


اللَّهِ ﷺ، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالْكُدَيْدِ، بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجٍ أَفْطَرَ.

(نُزُولُهُمْ مَرَّ الظَّهْرَانِ وَتَجُسُّسُ قُرَيْشٍ أَخْبَارَ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَسَبَّعَتْ سُلَيْمٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ أَلَّفَتْ [١] سُلَيْمٌ، وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ. وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عُدَدٌ وَإِسْلَامٌ، وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَقَدْ عُمِّيَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ، وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ، يَتَحَسَّسُونَ الْأَخْبَارَ، وَيَنْظُرُونَ هَلْ يَجِدُونَ خَبَرًا أَوْ يَسْمَعُونَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ.

(هِجْرَةُ الْعَبَّاسِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَقِيَهُ بِالْجُحْفَةِ مُهَاجِرًا بِعِيَالِهِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ عَلَى سِقَايَتِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ رَاضٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ.

(إسْلَامُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا بِنِيقِ الْعُقَابِ، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فِيهِمَا، فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ وَصِهْرُكَ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الّذي قَالَ لي بِمَكَّةَ مَا قَالَ. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الْخَبَرُ إلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَمَعَ أَبِي سُفْيَانَ بُنَيٌّ لَهُ. فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَيَأْذَنَنَّ لِي أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدَيْ بُنَيَّ هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ

----------------------------
[١] سبعت سليم: أَي كَانَت سبع مائَة. وألفت: أَي كَانَت ألفا.


رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهُمَا، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمَا، فَدَخَلَا عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَا.

(شِعْرُ أَبِي سُفْيَانَ فِي الِاعْتِذَارِ عَمَّا كَانَ فِيهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ):
وَأَنْشَدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ قَوْلَهُ فِي إسْلَامِهِ، وَاعْتذر إِلَيْهِ مِمَّا كَانَ مَضَى مِنْهُ، فَقَالَ:
لَعَمْرُكَ إنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً ... لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ [١]
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ... فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي [٢]
هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَنَالَنِي ... مَعَ [٣] اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ
أَصُدُّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدٍ ... وَأُدْعَى (وَإِنْ لَمْ أَنْتَسِبْ) مِنْ مُحَمَّدِ [٤]
هُمْ مَا هُمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمْ ... وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلَمْ وَيُفَنَّدْ [٥]
أُرِيدُ لِأُرْضِيَهُمْ وَلَسْتُ بِلَائِطٍ ... مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدَ فِي كُلِّ مَقْعَدِ [٦]
فَقُلْ لِثَقِيفٍ لَا أُرِيدُ قِتَالَهَا ... وَقُلْ لِثَقِيفِ تِلْكَ: غَيْرِي [٧] أَوْعِدِي [٨]
فَمَا كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي نَالَ عَامِرًا ... وَمَا كَانَ عَنْ جَرَّا لِسَانِي وَلَا يَدِي [٩]
قَبَائِلَ جَاءَتْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ ... نَزَائِعَ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُرْدَدِ [١٠]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى «وَدَلَّنِي
عَلَى الْحَقِّ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ
» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّهُ حِينَ أَنْشَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ:
«وَنَالَنِي مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ» ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ.

--------------------------
[١] أحمل راية: يُرِيد: أَقُود النَّاس للحرب. وَاللات: صنم من أصنام الْعَرَب. وخيل اللات:
جيوش الْكفْر.
[٢] المدلج: الّذي يسير بِاللَّيْلِ.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ودلني على الله» وَقد آثرنا مَا فِي (أ) لإِجْمَاع الْأُصُول عَلَيْهَا بعد.
[٤] أنأى: أبعد.
[٥] يفند: يلام ويكذب.
[٦] لائط: ملصق. يُقَال: لَاطَ حبه بقلبي، أَي لصق بِهِ.
[٧] كَذَا فِي أ، وَفِي م، ر «غَيْرِي» .
[٨] أوعدى: هددى.
[٩] عَن جرا: من جراء.
[١٠] سِهَام (بِوَزْن سَحَاب)، وسردد (بِوَزْن جؤذر): موضعان من أَرض عك. (انْظُر الرَّوْض) ٢٦- سيرة ابْن هِشَام- ٢



(قِصَّةُ إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى يَدِ الْعَبَّاسِ):
فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ، قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: فَقُلْتُ: وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ، وَاَللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ، إنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ. قَالَ:
فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَيْضَاءِ، فَخَرَجْتُ عَلَيْهَا. قَالَ:
حَتَّى جِئْتُ الْأَرَاكَ، فَقُلْتُ: لَعَلِّي أَجِدُ بَعْضَ الْحَطَّابَةِ أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكَّةَ، فَيُخْبِرَهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِيَخْرُجُوا إلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عنْوَة. قَالَ: فو الله إنِّي لَأَسِيرُ عَلَيْهَا، وَأَلْتَمِسُ مَا خَرَجْتُ لَهُ، إذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ، وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، وَأَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ نِيرَانًا قَطُّ وَلَا عَسْكَرًا، قَالَ: يَقُولُ بُدَيْلِ:
هَذِهِ وَاَللَّهِ خُزَاعَةُ حَمَشَتْهَا [١] الْحَرْبُ. قَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَذَلُّ وَأَقَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانَهَا وَعَسْكَرَهَا، قَالَ: فَعَرَفْتُ صَوْتَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي، فَقَالَ: أَبُو الْفَضْلِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نعم، قَالَ: مَا لَك؟ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: قُلْتُ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاَللَّهِ. قَالَ: فَمَا الْحِيلَةُ؟ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: قُلْتُ:
وَاَللَّهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَارْكَبْ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ حَتَّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِنَهُ لَكَ، قَالَ: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ، كُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارِ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَإِذَا رَأَوْا بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عَلَيْهَا، قَالُوا عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ، حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟
وَقَامَ إلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الدَّابَّةِ، قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ عَدُوُّ اللَّهِ! الْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، ثُمَّ خَرَجَ يَشْتَدُّ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَكَضْتُ الْبَغْلَةَ، فَسَبَقَتْهُ بِمَا تَسْبِقُ الدَّابَّةُ الْبَطِيئَةُ الرَّجُلَ الْبَطِيءَ.

----------------------------
[١] حمشتها الْحَرْب: أحرقتها. وَمن قَالَ: حمستها (بِالسِّين الْمُهْملَة) فَمَعْنَاه: اشتدت عَلَيْهَا، وَهُوَ مَأْخُوذ من الحماسة، وَهِي الشدَّة والشجاعة.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #115  
قديم 10-01-2026, 09:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (115)

صــ 403إلى صــ 412






قَالَ: فَاقْتَحَمْتُ عَنْ الْبَغْلَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ، فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لَا يُنَاجِيهِ اللَّيْلَةَ دُونِي رَجُلٌ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِهِ، قَالَ: قُلْتُ: مَهْلًا يَا عمر، فو الله أَن لَو كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَا قُلْتُ هَذَا، وَلَكِنَّكَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا عبّاس، فو الله لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ إسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ إسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اذْهَبْ بِهِ يَا عَبَّاسُ إلَى رَحْلِكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ، قَالَ:
فَذَهَبْتُ بِهِ إلَى رَحْلِي، فَبَاتَ عِنْدِي، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَلَمْ يَأْنِ [١] لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ، وَاَللَّهِ لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا بَعْدُ، قَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ! أَمَّا هَذِهِ وَاَللَّهِ فَإِنَّ فِي النَّفْسِ مِنْهَا حَتَّى الْآنَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَيْحَكَ! أَسْلِمْ وَاشْهَدْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ. قَالَ: فَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، فَأَسْلَمَ، قَالَ الْعَبَّاسُ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْصَرِفَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَبَّاسُ، احْبِسْهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ [٢]، حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا. قَالَ:

-----------------------------
[١] ألم يَأن: ألم يحن، يُقَال: آن الشى يئين، وأنى يأنى، (كرمي يرْمى) وأنى يأنى (من بَاب فَرح) كُله بِمَعْنى حَان.
[٢] خطم الْجَبَل. الخطم: أنف الْجَبَل. وَهُوَ شَيْء يخرج مِنْهُ، يضيق بِهِ الطَّرِيق. وَوَقع فِي البُخَارِيّ فِيهِ


فَخَرَجْتُ حَتَّى حَبَسْتُهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَحْبِسَهُ.

(عَرْضُ جُيُوشِ الرَّسُولِ أَمَامَ أَبِي سُفْيَانَ):
قَالَ: وَمَرَّتْ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا، كُلَّمَا مَرَّتْ قَبِيلَةٌ قَالَ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَذِهِ؟ فَأَقُولُ: سليم، فَيَقُول: مَا لي وَلِسُلَيْمٍ، ثُمَّ تَمُرُّ الْقَبِيلَةُ فَيَقُولُ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَأَقُولُ: مُزَيْنَةُ، فَيَقُول: مَا لي وَلِمُزَيْنَةَ، حَتَّى نَفِدَتْ الْقَبَائِلُ، مَا تَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ إلَّا يَسْأَلُنِي عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرْتُهُ بهم، قَالَ: مَا لي وَلِبَنِي فُلَانٍ، حَتَّى مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا الْخَضْرَاءُ لِكَثْرَةِ الْحَدِيدِ وَظُهُورِهِ فِيهَا.
قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ الْيَشْكُرِيُّ:
ثُمَّ حُجْرًا أَعْنِي ابْنَ أُمِّ قَطَامٍ ... وَلَهُ فَارِسِيَّةٌ خَضْرَاءُ
يَعْنِي الْكَتِيبَةَ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ:
لَمَّا رَأَى بَدْرًا تَسِيلُ جِلَاهُهُ ... بِكَتِيبَةِ خَضْرَاءَ مِنْ بَلْخَزْرَجِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ قَدْ كَتَبْنَاهَا فِي أَشْعَارِ يَوْمِ بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، رضي الله عنهم، لَا يُرَى مِنْهُمْ إلَّا الْحَدَقُ مِنْ الْحَدِيدِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قُلْتُ:
هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، قَالَ: مَا لِأَحَدِ بِهَؤُلَاءِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ، وَاَللَّهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ الْغَدَاةَ عَظِيمًا، قَالَ:
قُلْتُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، إنَّهَا النُّبُوَّةُ. قَالَ: فَنَعَمْ إذَنْ.

(رُجُوعُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ يُحَذِّرُهُمْ):
قَالَ: قُلْتُ: النَّجَاءَ [١] إلَى قَوْمِكَ، حَتَّى إذَا جَاءَهُمْ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ

--------------------------------
[()] رِوَايَة أُخْرَى لبَعض الروَاة وَهِي: «عِنْد حطم الْخَيل» (بِالْحَاء الْمُهْملَة)، وَهُوَ مَوضِع ضيق تتزاحم فِيهِ الْخَيل حَتَّى يحطم بَعْضهَا بَعْضًا.
[١] النَّجَاء: السرعة:. تَقول: نجا ينجو نجاء: إِذا أسْرع.



فَهُوَ آمِنٌ، فَقَامَتْ إلَيْهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَأَخَذَتْ بِشَارِبِهِ، فَقَالَتْ: اُقْتُلُوا الْحَمِيتَ الدَّسِمَ الْأَحْمَسَ [١]، قُبِّحَ مِنْ طَلِيعَةِ [٢] قَوْمٍ! قَالَ: وَيْلَكُمْ لَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، قَالُوا:
قَاتَلَكَ اللَّهُ! وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ، قَالَ: وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ.

(وُصُولُ النَّبِيِّ إلَى ذِي طُوَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا انْتَهَى إلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُعْتَجِرًا بِشُقَّةِ بُرْدٍ حِبَرَةٍ [٣] حَمْرَاءَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَضَعَ رَأْسَهُ تَوَاضُعًا للَّه حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ، حَتَّى إنَّ عُثْنُونَهُ لَيَكَادُ يَمَسُّ وَاسِطَةَ الرَّحْلِ.

(إسْلَامُ أَبِي قُحَافَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدَّتِهِ أَسَمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمَّا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِي طُوَى قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِابْنَةِ مِنْ أَصْغَرِ وَلَدِهِ: أَيْ بُنَيَّةُ، اظْهَرِي بِي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ [٤]، قَالَتْ: وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، قَالَتْ: فَأَشْرَفَتْ بِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، مَاذَا تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَى سَوَادًا مُجْتَمِعًا، قَالَ: تِلْكَ الْخَيْلُ، قَالَتْ: وَأَرَى رَجُلًا يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا، قَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، ذَلِكَ الْوَازِعُ [٥]، يَعْنِي الَّذِي يَأْمُرُ الْخَيْلَ وَيَتَقَدَّمُ إلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: قَدْ وَاَللَّهِ انْتَشَرَ السَّوَادُ، قَالَتْ: فَقَالَ:
قَدْ وَاَللَّهِ إذَنْ دُفِعَتْ الْخَيْلُ، فَأَسْرِعِي بِي إلَى بَيْتِي، فَانْحَطَّتْ بِهِ، وَتَلَقَّاهُ الْخَيْلُ

-------------------------
[١] الحميت: زق السّمن، الدسم: الْكثير الودك، والأحمس هُنَا: الشَّديد اللَّحْم. وَالْمعْنَى على تشبيهه الرجل بالزق لعبالته وسمنه.
[٢] الطليعة: الّذي يحرس الْقَوْم.
[٣] الاعتجار: التعمم بِغَيْر ذؤابة، والشقة: النّصْف والحبرة: ضرب من ثِيَاب الْيمن
[٤] اظهرى بى: اصعدي وارتفعى. وَأَبُو قبيس: جبل بِمَكَّة.
[٥] الْوَازِع: الّذي يرتب الْجَيْش ويسويه ويصفه، فَكَأَنَّهُ يكفه عَن التَّفَرُّق والانتشار.



قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَيْتِهِ، قَالَتْ: وَفِي عُنُقِ الْجَارِيَةِ طَوْقٌ مِنْ وَرِقٍ [١]، فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ فَيَقْتَطِعُهُ مِنْ عُنُقِهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، أَتَى أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ يَقُودُهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
هَلَّا تَرَكْتُ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيَهُ فِيهِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إلَيْهِ أَنْتَ، قَالَ: (قَالَتْ): فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَأَسْلَمَ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَكَأَنَّ رَأْسُهُ ثَغَامَةً [٢]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: غَيِّرُوا هَذَا مِنْ شَعَرِهِ، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ، وَقَالَ: أُنْشِدُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ طَوْقَ أُخْتِي، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، قَالَتْ: فَقَالَ: أَيْ أُخَيَّةُ، احتسبي طوقك، فو الله إنَّ الْأَمَانَةَ فِي النَّاسِ الْيَوْمَ لَقَلِيلٌ.

(دُخُولُ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ مَكَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَّقَ جَيْشَهُ مِنْ ذِي طُوَى، أَمَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنْ كُدَى، وَكَانَ الزُّبَيْرُ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَأَمَرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنْ كَدَاءٍ [٣] .

(تَخَوُّفُ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ سَعْدٍ وَمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَعْدًا حِينَ وُجِّهَ دَاخِلًا، قَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ، فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: اسْمَعْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، مَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْش صولة، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

--------------------------
[١] الطوق هُنَا: القلادة. وَالْوَرق: الْفضة.
[٢] الثغامة: وَاحِدَة الثغام، وَهُوَ من نَبَات الْجبَال، وَأَشد مَا يكون بَيَاضًا إِذا أمحل، يشبهون بِهِ الشيب.
[٣] كداء (كسماء): جبل بِأَعْلَى مَكَّة، وَهِي الثَّنية الَّتِي عِنْد الْمقْبرَة وَتسَمى تِلْكَ النَّاحِيَة المعلاة. وَدخل النَّبِي ﷺ مَكَّة مِنْهَا. و(كقرى): جبل بِأَسْفَل مَكَّة، وَخرج مِنْهُ النَّبِي ﷺ. وَقيل غير ذَلِك. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ والقاموس وَشَرحه) .



لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَدْرِكْهُ، فَخُذْ الرَّايَةَ مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تَدْخُلُ بِهَا.

(طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ فِي دُخُولِ مَكَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ فِي حَدِيثِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَدَخَلَ مِنْ اللِّيطِ، أَسْفَلَ مَكَّةَ، فِي بَعْضِ النَّاسِ، وَكَانَ خَالِدٌ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى، وَفِيهَا أَسْلَمُ وَسُلَيْمٌ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَقَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ. وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ بِالصَّفِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَنْصَبُّ لِمَكَّةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَذَاخِرَ، حَتَّى نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَضُرِبَتْ لَهُ هُنَالِكَ قُبَّتُهُ.

(تَعَرُّضُ صَفْوَانَ فِي نَفَرٍ مَعَهُ لِلْمُسْلِمِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو كَانُوا قَدْ جَمَعُوا نَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا، وَقَدْ كَانَ حِمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ، أَخُو بَنِي بَكْرٍ، يُعِدُّ سِلَاحًا قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُصْلِحُ مِنْهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَته:
لماذَا تُعِدُّ مَا أَرَى؟ قَالَ: لِمُحَمَّدِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا أَرَاهُ [١] يَقُومُ لِمُحَمَّدِ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ، قَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَكَ بَعْضَهُمْ، ثُمَّ قَالَ:
إنْ يُقْبِلُوا الْيَوْمَ فَمَا لِي عِلَّهْ ... هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلَّهْ [٢]
وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السَّلَّهْ [٣]
ثُمَّ شَهِدَ الْخَنْدَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ وَسُهَيْلٍ وَعِكْرِمَةَ، فَلَمَّا لَقِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، نَاوَشُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، فَقُتِلَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ، أَحَدُ بَنِي مُحَارِبِ ابْن فِهْرٍ، وَخُنَيْسُ بْنُ خَالِدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ، حَلِيفُ بَنِي مُنْقَذٍ، وَكَانَا فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَشَذَّا عَنْهُ فَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ فَقُتِلَا جَمِيعًا، قتل حنيس

--------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي بعض النّسخ: مَا أرى أَنه.
[٢] الألة: الحربة لَهَا سِنَان طَوِيل.
[٣] ذُو غرارين: سيف ذُو حَدَّيْنِ.



ابْن خَالِدٍ قَبْلَ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ، فَجَعَلَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَاتَلَ عَنْهُ حَتَّى قُتِلَ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ مِنْ بَنِي فِهِرْ ... نَقِيَّةُ الْوَجْهِ نَقِيَّةُ الصَّدِرْ
لَأَضْرِبَنَّ الْيَوْمَ عَنْ أَبِي صَخِرْ [١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ خُنَيْسٌ يُكْنَى أَبَا صَخْرٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خُنَيْسُ بْنُ خَالِدٍ، مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ، قَالَا: وَأُصِيبَ مِنْ جُهَيْنَةَ سَلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ، مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ نَاسٌ قَرِيبٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ انْهَزَمُوا، فَخَرَجَ حِمَاسٌ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَغَلِقِي عَلَيَّ بَابِي، قَالَتْ: فَأَيْنَ مَا كُنْتُ تَقُولُ؟ فَقَالَ:
إنَّكِ لَوْ شَهِدْتُ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ ... إذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُوتَمَهْ ... وَاسْتَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ [٢]
يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ... ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إلَّا غَمْغَمَهْ [٣]
لَهُمْ نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ ... لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ [٤]

--------------------------
[١] يرْوى هَذَا الرجز بِكَسْر الْهَاء فِي (فهر) وَالدَّال فِي الصَّدْر (وَالْخَاء) فِي (صَخْر) على مَذْهَب الْعَرَب فِي الْوَقْف على مَا أوسطه سَاكن فَإِن مِنْهُم من ينْقل حَرَكَة لَام الْكَلِمَة إِلَى عينهَا فِي الْوَقْف إِذا كَانَ الِاسْم مَرْفُوعا أَو مخفوضا، وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِك فِي النصب (رَاجع الرَّوْض) .
[٢] وَأَبُو يزِيد: قلب الْهمزَة ألفا سَاكِنة تَخْفِيفًا فِي ضَرُورَة الشّعْر. وَالْمرَاد بِأبي يزِيد: سُهَيْل بن عَمْرو خطيب قُرَيْش. والموتمة والموتم بِلَا همز، وَتجمع على مياتم، وَهِي الْمَرْأَة مَاتَ زَوجهَا وَترك لَهَا أيتاما.
وَقَالَ ابْن إِسْحَاق فِي غير هَذِه الرِّوَايَة: «المؤتمة» الأسطوانة، وَهُوَ تَفْسِير غَرِيب، وَهُوَ أصح من التَّفْسِير الأول، لِأَنَّهُ تَفْسِير رَاوِي الحَدِيث. وعَلى قَوْله هَذَا يكون لفظ المؤتمة من قَوْلهم: وَتمّ: وَأتم إِذا ثَبت، لِأَن الأسطوانة تثبت مَا عَلَيْهَا. وَيُقَال فِيهَا على هَذَا: مؤتمة بِالْهَمْز، وَتجمع على مآتم، وموتمة بِلَا همز، وَتجمع على مواتم. (انْظُر الرَّوْض الْأنف) .
[٣] الغمغمة: أصوات غير مفهومة لاختلاطها.
[٤] النهيت: صَوت الصَّدْر، وَأكْثر مَا يُوصف بِهِ الْأسد. والهمهمة: صَوت فِي الصَّدْر أَيْضا.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ قَوْلَهُ «كَالْمُوتَمَهْ»، وَتُرْوَى لِلرَّعَّاشِ [١] الْهُذَلِيِّ.

(شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ):
وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَشِعَارُ الْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، وَشِعَارُ الْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ.

(عَهْدُ الرَّسُولِ إلَى أُمَرَائِهِ وَأَمْرُهُ بِقَتْلِ نَفَرٍ سَمَّاهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَهِدَ إلَى أُمَرَائِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، أَنْ لَا يُقَاتِلُوا إلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَهِدَ فِي نَفَرٍ سَمَّاهُمْ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.

(سَبَبُ أَمْرِ الرَّسُولِ بِقَتْلِ سَعْدٍ وَشَفَاعَةُ عُثْمَانَ فِيهِ):
وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيَ، فَارْتَدَّ مُشْرِكًا رَاجِعًا إلَى قُرَيْشٍ، فَفَرَّ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَ أَخَاهُ لِلرَّضَاعَةِ، فَغَيَّبَهُ حَتَّى أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ اطْمَأَنَّ النَّاسُ وَأَهْلُ مَكَّةَ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ: فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَمَتَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ عُثْمَانُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقُومَ إلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: فَهَلَّا أَوْمَأْتُ إلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ لَا يَقْتُلُ بِالْإِشَارَةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ، فَوَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْضَ أَعْمَالِهِ، ثُمَّ وَلَّاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بَعْدَ عُمَرَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ: إنَّمَا أَمَرَ

--------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «الرعاس» قَالَ أَبُو ذَر: «الرعاش»: يرْوى هَا هُنَا بِالسِّين والشين، وَصَوَابه بالشين الْمُعْجَمَة لَا غير» .


بِقَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَدِّقًا [١]، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلَى لَهُ يَخْدُمُهُ، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، وَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا، فَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا.

(أَسَمَاءُ مَنْ أَمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِهِمْ وَسَبَبُ ذَلِكَ):
وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ: فَرْتَنَى وَصَاحِبَتُهَا، وَكَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِمَا مَعَهُ.
وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَمَلَ فَاطِمَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ، ابْنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُ بِهِمَا الْمَدِينَةَ، فَنَخَسَ بِهِمَا الْحُوَيْرِثُ ابْن نُقَيْذٍ، فَرَمَى بِهِمَا إلَى الْأَرْضِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَمِقْيَسُ بْنُ حُبَابَةَ [٢]: وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ، لِقَتْلِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي كَانَ قَتَلَ أَخَاهُ خَطَأً، وَرُجُوعُهُ إلَى قُرَيْشٍ مُشْرِكًا.
وَسَارَةُ، مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ. وَكَانَتْ سَارَةُ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ، فَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَهَرَبَ إلَى الْيَمَنِ، وَأَسْلَمْتُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَّنَهُ، فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ إلَى الْيَمَنِ [٣]، حَتَّى أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَسْلَمَ.
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، اشْتَرَكَا فِي دَمِهِ، وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ حُبَابَةَ [٤] فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَتْ أُخْتُ مِقْيَسٍ فِي قَتْلِهِ:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخْزَى نُمَيْلَةُ رَهْطَهُ ... وَفَجَّعَ أَضْيَافَ الشِّتَاءِ بِمِقْيَسِ

------------------------
[١] مُصدقا، بتَشْديد الدَّال: جَامعا للصدقات، وَهِي الزَّكَاة.
[٢] كَذَا فِي الْقَامُوس وَشَرحه. وَفِي أ: «ضَبَابَة»، وَفِي م، ر: «صبَابَة» .
[٣] هَذِه الْكَلِمَة (إِلَى الْيمن) سَاقِطَة فِي أ.
[٤] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ٢ ص ٥٢) .



فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَ مِقْيَسٍ ... إذَا النُّفَسَاءُ أَصْبَحَتْ لَمْ تُخَرَّسْ [١]
وَأَمَّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إحْدَاهُمَا، وَهَرَبَتْ الْأُخْرَى، حَتَّى اُسْتُؤْمِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ، فَأَمَّنَهَا. وَأَمَّا سَارَةُ فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا فَأَمَّنَهَا، ثُمَّ بَقِيَتْ حَتَّى أَوْطَأَهَا رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ فَرَسًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْأَبْطَحِ فَقَتَلَهَا.
وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

(حَدِيثُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَمَّنَتْهُمَا أُمُّ هَانِئٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ ابْن أَبِي طَالِبٍ، أَنَّ أمّ هَانِئ بنت أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَرَّ إلَيَّ رَجُلَانِ مِنْ أَحْمَائِي، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَخِي، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُمَا، فَأَغْلَقْتُ عَلَيْهِمَا بَابَ بَيْتِي، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ مِنْ جَفْنَةٍ إنَّ فِيهَا لَأَثَرَ الْعَجِينِ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَتَوَشَّحَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مِنْ الضُّحَى ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيَّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا يَا أُمَّ هَانِئٍ، مَا جَاءَ بِكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَ الرَّجُلَيْنِ وَخَبَرَ عَلِيٍّ، فَقَالَ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ، وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتُ، فَلَا يَقْتُلْهُمَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَزُهَيْرُ بن أَبى أمّة بْنُ الْمُغِيرَةِ.

(طَوَافُ الرَّسُولِ بِالْبَيْتِ وَكَلِمَتُهُ فِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْن أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ مَكَّةَ، وَاطْمَأَنَّ النَّاسُ، خَرَجَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ، فَطَافَ بَهْ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِ [٢] فِي يَدِهِ، فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ، دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ، فَفُتِحَتْ لَهُ، فَدَخَلَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا حَمَامَةً مِنْ عِيدَانٍ، فَكَسَرَهَا بِيَدِهِ

---------------------------
[١] لم تخرس: لم يصنع لَهَا طَعَام عِنْد وِلَادَتهَا، وَاسم ذَلِك الطَّعَام خرس وخرسة (بِضَم الْخَاء)، وَإِنَّمَا أَرَادَت بِهِ زمن الشدَّة.
[٢] المحجن: عود معوج الطّرف، يمسِكهُ الرَّاكِب للبعير فِي يَده.



ثُمَّ طَرَحَهَا، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ اُسْتُكِفَّ لَهُ النَّاسُ [١] فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا كُلُّ مَأْثُرَةٍ [٢] أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ يُدَّعَى فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إلَّا سَدَانَةَ [٣] الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ، أَلَا وَقَتِيلُ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا، فَفِيهِ الدّية مُغَلّظَة، مائَة مِنْ الْإِبِلِ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَتَعَظُّمَهَا بِالْآبَاءِ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ٤٩: ١٣ ... الْآيَةَ كُلَّهَا. ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ»

(إقْرَارُ الرَّسُولِ بن طَلْحَةَ عَلَى السَّدَانَةِ):
ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السِّقَايَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؟ فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ وَوَفَاءٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ: إنَّمَا أُعْطِيكُمْ مَا تُرْزَءُونَ لَا مَا تَرْزَءُونَ [٤] .

------------------------
[١] استكف لَهُ النَّاس: استجمع، من الكافة، وَهِي الْجَمَاعَة. وَقد يجوز أَن يكون «استكف» هُنَا بِمَعْنى نظرُوا إِلَيْهِ وحدقوا أَبْصَارهم فِيهِ كَالَّذي ينظر فِي الشَّمْس: من قَوْلهم: استكففت الشَّيْء، إِذا وضعت كفك على حاجبيك وَنظرت إِلَيْهِ، وَقد يجوز أَن يكون استكف هُنَا بِمَعْنى اسْتَدَارَ، وَمِنْه قَول النَّابِغَة: «إِذا استكف قَلِيلا تَرَ بِهِ انهدما» . (عَن أَبى ذَر) . والّذي فِي اللِّسَان: «استكفوه: صَارُوا حواليه، واستكف بِهِ النَّاس: إِذا أَحدقُوا بِهِ» .
[٢] المأثرة: الْخصْلَة المحمودة الَّتِي تتوارث ويتحدث بهَا النَّاس.
[٣] سدانة الْبَيْت: خدمته.
[٤] مَا ترزمون لَا مَا ترزمون: قَالَ أَبُو على: «إِنَّمَا مَعْنَاهُ: إِنَّمَا أَعطيتكُم مَا تمنون كالسقاية الَّتِي تحْتَاج إِلَى مُؤَن، وَأما السدَانَة فيرزأ لَهَا النَّاس بِالْبَعْثِ إِلَيْهَا، يعْنى كسْوَة الْبَيْت» .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #116  
قديم 10-01-2026, 09:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (116)

صــ 413إلى صــ 422





(أَمْرُ الرَّسُولِ بِطَمْسِ مَا بِالْبَيْتِ مِنْ صُوَرٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْبَيْتَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَرَأَى فِيهِ صُوَرَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَرَأَى إبْرَاهِيمَ عليه السلام مُصَوَّرًا فِي يَدِهِ الْأَزْلَامُ يَسْتَقْسِمُ بِهَا، فَقَالَ: قَاتَلَهُمْ اللَّهُ، جَعَلُوا شَيْخَنَا يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ [١]، مَا شَأْنُ إبْرَاهِيمَ وَالْأَزْلَامِ! «مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٣: ٦٧» . ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الصُّوَرِ كُلِّهَا فَطُمِسَتْ [٢] .

(صَلَاةُ الرَّسُولِ بِالْبَيْتِ وَتَوَخِّي ابْنِ عُمَرَ مَكَانَهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَخَلَّفَ بِلَالٌ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى بِلَالٍ، فَسَأَلَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ وَلَمْ يَسْأَلْهُ كَمْ صَلَّى، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ الْبَيْتَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ، وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ، حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ قَدْرُ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ، ثُمَّ يُصَلِّي، يَتَوَخَّى [٣] بِذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي قَالَ لَهُ بِلَالٌ.

(سَبَبُ إسْلَامِ عَتَّابٍ وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، دَخَلَ الْكَعْبَةَ عَامَ الْفَتْحِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَعَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ جُلُوسٌ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَسِيدًا أَلَّا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا، فَيَسْمَعَ مِنْهُ مَا يَغِيظُهُ. فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ:
أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ أعلم أَنه محقّ لَاتَّبَعْتُهُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا أَقُولُ شَيْئًا، لَوْ تَكَلَّمْتُ لَأَخْبَرَتْ عَنِّي هَذِهِ الْحَصَى، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ:
قَدْ عَلِمْتُ الَّذِي قُلْتُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقَالَ الْحَارِثُ وَعَتَّابٌ: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَاَللَّهِ مَا اطَّلَعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا، فَنَقُولَ أَخْبَرَكَ.

-------------------------
[١] الأزلام: وَاحِدهَا زلم، بِضَم الزاء وَفتحهَا، وَهِي السِّهَام. ويستقسم بهَا: يضْرب بهَا.
[٢] طمست: غيرت.
[٣] يتوخى: يتحَرَّى يقْصد.


(سَبَبُ تَسْمِيَةِ الرَّسُولِ لِخِرَاشِ بِالْقَتَّالِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَنْدَرٍ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ: كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ بَأْسًا [١]، وَكَانَ رَجُلًا شُجَاعًا، وَكَانَ إذَا نَامَ غَطَّ [٢] غَطِيطًا مُنْكَرًا لَا يَخْفَى مَكَانُهُ، فَكَانَ إذَا بَاتَ فِي حَيِّهِ بَاتَ مُعْتَنِزًا [٣]، فَإِذَا بُيِّتَ الْحَيُّ [٤] صَرَخُوا يَا أَحْمَرُ، فَيَثُورُ مِثْلَ الْأَسَدِ، لَا يَقُومُ لِسَبِيلِهِ شَيْءٌ. فَأَقْبَلَ غَزِيٌّ [٥] مِنْ هُذَيْلٍ يُرِيدُونَ حَاضِرَهُ، حَتَّى إذَا دَنَوْا مِنْ الْحَاضِرِ [٦]، قَالَ ابْنُ الْأَثْوَعِ الْهُذَلِيُّ: لَا تَعْجَلُوا عَلَيَّ حَتَّى أَنْظُرَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَاضِرِ أَحْمَرُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِمْ، فَإِنَّ لَهُ غَطِيطًا لَا يَخْفَى، قَالَ: فَاسْتَمَعَ، فَلَمَّا سَمِعَ غَطِيطَهُ مَشَى إلَيْهِ حَتَّى وَضَعَ السَّيْفَ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ أَغَارُوا عَلَى الْحَاضِرِ، فَصَرَخُوا يَا أَحْمَرُ وَلَا أَحْمَرَ لَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ، وَكَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، أَتَى ابْنُ الْأَثْوَعِ الْهُذَلِيُّ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ يَنْظُرُ وَيَسْأَلُ عَنْ أَمْرِ النَّاسِ، وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، فَرَأَتْهُ خُزَاعَةُ، فَعَرَفُوهُ، فَأَحَاطُوا بِهِ وَهُوَ إلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ جُدُرِ مَكَّةَ، يَقُولُونَ:
أَأَنْتَ قَاتِلُ أَحْمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا قَاتِلُ أَحْمَرَ فَمَهْ [٧]؟ قَالَ: إذْ أَقْبَلَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ مُشْتَمِلًا عَلَى السَّيْفِ، فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ الرَّجُلِ [٨]، وو الله مَا نَظُنُّ إلَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُفْرِجَ النَّاسَ عَنْهُ. فَلَمَّا انْفَرَجْنَا عَنْهُ حَمَلَ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ بِالسَّيْفِ فِي بَطْنه، فو الله

--------------------------
[١] علق أَبُو ذَر على هَذَا الِاسْم بِأَنَّهُ جملَة مركبة، وَلَعَلَّه يُرِيد أَنه «احمر» بتَشْديد. الرَّاء، فَيكون مَنْقُولًا من جملَة فعلية مثل: «تأبط شرا» .
[٢] الغطيط: مَا يسمع من صَوت الْآدَمِيّين إِذا نَامُوا.
[٣] معتنزا: أَي نَاحيَة من الْحَيّ. يُقَال: هَذَا بَيت معتنز: إِذا كَانَ خَارِجا عَن بيُوت الْحَيّ.
[٤] بَيت الْحَيّ: غزوا لَيْلًا.
[٥] الغزى: جمَاعَة الْقَوْم يغزون.
[٦] الحاصر: الَّذين ينزلون على المَاء.
[٧] فَمه: هِيَ بالاستفهامية، حذفت ألفها واجتلبت هَاء السكت فِي الْوَقْف، وَمَعْنَاهُ: فِي الّذي تُرِيدُونَ أَن تصنعوه؟
[٨] قَالَ أَبُو ذَر: «هَكَذَا: اسْم سمى بِهِ الْفِعْل، وَمَعْنَاهُ تنحوا عَن الرجل. وَعَن مُتَعَلقَة بِمَا فِي هَكَذَا من معنى الْفِعْل» . وَيفهم من قَول خرَاش «هَكَذَا» إِشَارَته بِيَدِهِ إِلَى النَّاس ليتنحوا عَن ابْن الأثوع، وَلَيْسَ يُرِيد أَنه من أَسمَاء الْأَفْعَال.



لِكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ وَحِشْوَتَهُ [١] تَسِيلُ مِنْ بَطْنِهِ، وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتُرَنِّقَانِ [٢] فِي رَأْسِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَقَدْ فَعَلْتُمُوهَا يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ؟ حَتَّى انْجَعَفَ [٣] فَوَقَعَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ الْقَتْلِ، فَقَدْ كَثُرَ الْقَتْلُ إنْ نَفَعَ، لَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنَّهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا صَنَعَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ، قَالَ: إنَّ خِرَاشًا لَقَتَّالٌ، يَعِيبُهُ بِذَلِكَ.

(مَا كَانَ بَيْنَ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْنِ سَعْدٍ حِينَ ذَكَّرَهُ بِحُرْمَةِ مَكَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ [٤] مَكَّةَ لِقِتَالِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، جِئْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا هَذَا، إنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ عَدَتْ خُزَاعَةُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا خَطِيبًا، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْم خلق السّماوات وَالْأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ مِنْ حَرَامٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ باللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا،

---------------------------
[١] الحشوة (بِالْكَسْرِ): مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْبَطن من الأمعاء وَغَيرهَا.
[٢] لترنقان: يُرِيد أَنَّهُمَا قريبان أَن تنغلقا.. يُقَال: رنقت الشَّمْس، إِذا دنت للغروب، ورنقه النعاس، إِذا ابتدأه قبل أَن تنغلق عينه. قَالَ الشَّاعِر:
وَسنَان أقصده النعاس فرنقت ... فِي عينه سنة وَلَيْسَ بنائم
[٣] انجعف: سقط سقوطا ثقيلا. يُقَال: انجعفت الثَّمَرَة، إِذا انقلعت أُصُولهَا فَسَقَطت.
[٤] قَالَ السهيليّ: هَذَا وهم من ابْن هِشَام. وَصَوَابه: وَهُوَ عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة، وَهُوَ الْأَشْدَق ... وَإِنَّمَا دخل الْوَهم على ابْن هِشَام أَو على البكائي فِي رِوَايَته، من أجل أَن عَمْرو بن الزبير كَانَ معاديا لِأَخِيهِ عبد الله ومعينا لبني أُميَّة. هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ السهيليّ. وَقد نقل ابْن أَبى الْحَدِيد عَن المَسْعُودِيّ فِي شرح نهج البلاغة (ج ٤ ص ٤٩٥) مَا يثبت أَن قتالا كَانَ بَين عَمْرو بن الزبير وأخيه عبد الله، قَالَ:
«كَانَ يزِيد بن مُعَاوِيَة قد ولى الْوَلِيد بن عتبَة بن أَبى سُفْيَان الْمَدِينَة، فسرح مِنْهَا جَيْشًا إِلَى مَكَّة لِحَرْب عبد الله ابْن الزبير، عَلَيْهِ عَمْرو بن الزبير أَخُوهُ، وَكَانَ منحرفا عَن عبد الله، فَلَمَّا تصاف الْقَوْم انهزم رجال عَمْرو وأسلموه، فظفر بِهِ عبد الله فأقامه للنَّاس بِبَاب الْمَسْجِد مُجَردا، وَلم يزل يضْربهُ بالسياط حَتَّى مَاتَ» .



وَلَا يَعْضِدَ [١] فِيهَا شَجَرًا، لَمْ تَحْلِلْ لِأَحَدِ كَانَ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدِ يَكُونُ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلِلْ لِي إلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ، غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا. أَلَا، ثُمَّ قَدْ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ، فَمَنْ قَالَ لَكُمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ (قَدْ) [٢] قَاتَلَ فِيهَا، فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يُحْلِلْهَا لَكُمْ، يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ الْقَتْلِ، فَلَقَدْ كَثُرَ الْقَتْلُ إنْ نَفَعَ، لَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنَّهُ، فَمَنْ قُتِلَ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إنْ شَاءُوا فَدَمُ قَاتِلِهِ، وَإِنْ شَاءُوا فَعَقْلُهُ. ثُمَّ وَدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَتْهُ خُزَاعَةُ، فَقَالَ عَمْرٌو لِأَبِي شُرَيْحٍ: انْصَرِفْ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِحُرْمَتِهَا مِنْكَ، إنَّهَا لَا تَمْنَعُ سَافِكَ دَمٍ، وَلَا خَالِعَ طَاعَةٍ، وَلَا مَانِعَ جِزْيَةٍ، فَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: إنِّي كُنْتُ شَاهِدًا وَكُنْتَ غَائِبًا، وَلَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَلِّغَ شَاهِدُنَا.
غَائِبَنَا، وَقَدْ أَبَلَغْتُكَ، فَأَنْتَ وَشَأْنُكَ.

(أَوَّلُ قَتِيلٍ وَدَاهُ الرَّسُولُ يَوْمَ الْفَتْحِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ جُنَيْدَبُ بْنُ الْأَكْوَعِ، قَتَلَتْهُ بَنُو كَعْب، فوداه بِمِائَة نَاقَةٍ.

(تَخَوُّفُ الْأَنْصَارِ مِنْ بَقَاءِ الرَّسُولِ فِي مَكَّةَ وَطَمْأَنَةُ الرَّسُولِ لَهُمْ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ وَدَخَلَهَا، قَامَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو (اللَّهَ) [٣]، وَقَدْ أَحْدَقَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: أَتُرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إذْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ يُقِيمُ بِهَا؟ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ قَالَ: مَاذَا قُلْتُمْ؟ قَالُوا: لَا شَيْءَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَعَاذَ اللَّهِ! الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ.

(سُقُوطُ أَصْنَامِ الْكَعْبَةِ بِإِشَارَةِ مِنْ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ فِي إسْنَادٍ لَهُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ

------------------------
[١] لَا يعضد: لَا يقطع.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.



الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَافَ عَلَيْهَا وَحَوْلَ الْبَيْتِ أَصْنَامٌ مَشْدُودَةٌ بِالرَّصَاصِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ بِقَضِيبِ فِي يَدِهِ إلَى الْأَصْنَامِ وَيَقُولُ «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» فَمَا أَشَارَ إلَى صَنَمٍ مِنْهَا فِي وَجْهِهِ إلَّا وَقَعَ لِقَفَاهُ، وَلَا أَشَارَ إلَى قَفَاهُ إلَّا وَقَعَ لِوَجْهِهِ، حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهَا صَنَمٌ إلَّا وَقَعَ، فَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ الْخُزَاعِيُّ فِي ذَلِكَ:
وَفِي الْأَصْنَامِ مُعْتَبَرٌ وَعِلْمٌ ... لِمَنْ يَرْجُو الثَّوَابَ أَوْ الْعِقَابَا

(كَيْفَ أَسْلَمَ فَضَالَةُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي: أَنَّ فَضَالَةَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ الْمُلَوَّحِ اللَّيْثِيَّ أَرَادَ قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَامَ الْفَتْحِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفَضَالَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَضَالَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَاذَا كُنْتُ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ، كُنْتُ أَذْكُرُ اللَّهَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ:: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، فَسَكَنَ قَلْبُهُ، فَكَانَ فَضَالَةُ يَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتَّى مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْهُ. قَالَ فَضَالَةُ: فَرَجَعْتُ إلَى أَهْلِي، فَمَرَرْتُ بِامْرَأَةِ كُنْتُ أَتَحَدَّثُ إلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَلُمَّ إلَى الْحَدِيثِ، فَقُلْتُ: لَا، وَانْبَعَثَ فَضَالَةُ يَقُولُ:
قَالَتْ هَلُمَّ إلَى الْحَدِيثِ فَقُلْتُ لَا ... يَأْبَى عَلَيْكَ اللَّهُ وَالْإِسْلَامُ
لَوْمَا رَأَيْتِ مُحَمَّدًا وَقَبِيلَهُ ... بِالْفَتْحِ يَوْمَ تَكَسَّرَ الْأَصْنَامُ
لَرَأَيْتِ دِينَ اللَّهِ أَضْحَى بَيِّنًا ... وَالشِّرْكُ يَغْشَى وَجْهَهُ الْإِظْلَامُ

(أَمَانُ الرَّسُولِ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: خَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يُرِيدُ جُدَّةَ لِيَرْكَبَ مِنْهَا إلَى الْيَمَنِ، فَقَالُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ، لِيَقْذِفَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، فَأَمِّنْهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: هُوَ آمِنٌ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطِنِي آيَةً يَعْرِفُ بِهَا أَمَانَكَ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِمَامَتَهُ الَّتِي دَخَلَ فِيهَا مَكَّة، ٢٧- سيرة ابْن هِشَام- ٢


فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرٌ حَتَّى أَدْرَكَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ أَنْ تُهْلِكَهَا، فَهَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ جِئْتُكَ بِهِ، قَالَ: وَيْحَكَ! اُغْرُبْ عَنِّي فَلَا تُكَلِّمْنِي، قَالَ:
أَيْ صَفْوَانُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، أَفْضَلُ النَّاسِ، وَأَبَرُّ النَّاسِ، وَأَحْلَمُ النَّاسِ، وَخَيْرُ النَّاسِ، ابْنُ عَمِّكَ، عِزُّهُ عِزُّكَ، وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ، وَمُلْكُهُ مُلْكُكَ، قَالَ:
إنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي، قَالَ: هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَاكَ وَأَكْرَمُ. فَرَجَعَ مَعَهُ، حَتَّى وَقَفَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ صَفْوَانُ: إنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ قَدْ أَمَّنْتَنِي قَالَ: صَدَقَ، قَالَ: فَاجْعَلْنِي فِيهِ بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ، قَالَ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ صَفْوَانَ قَالَ لِعُمَيْرِ:
وَيْحَكَ! اُغْرُبْ عَنِّي، فَلَا تُكَلِّمْنِي، فَإِنَّكَ كَذَّابٌ، لِمَا كَانَ صَنَعَ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ يَوْمِ بَدْرٍ.

(إسْلَامُ عِكْرِمَةَ وَصَفْوَانَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ: أَنَّ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَفَاخِتَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ- وَكَانَتْ فَاخِتَةُ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأُمُّ حَكِيمٍ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ- أَسْلَمَتَا، فَأَمَّا أُمُّ حَكِيمٍ فَاسْتَأْمَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِعِكْرِمَةَ، فَأَمَّنَهُ، فَلَحِقَتْ بِهِ بِالْيَمَنِ، فَجَاءَتْ بِهِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ وَصَفْوَانُ أَقَرَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ.

(إسْلَامُ ابْنِ الزِّبَعْرَى وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: قَالَ: رَمَى حَسَّانُ بْنُ الزِّبَعْرَى وَهُوَ بِنَجْرَانَ بِبَيْتِ وَاحِدٍ مَا زَادَهُ عَلَيْهِ:
لَا تعد من رجلا أخلّك بُغْضُهُ ... نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذَّ لَئِيمِ [١]

--------------------------
[١] أحذ (بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة): هُوَ الْقَلِيل الْمُنْقَطع. وَمن رَوَاهُ: أجد، (بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة): فَمَعْنَاه مُنْقَطع أَيْضا. وَقد يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: فِي عَيْش لئيم جدا. (عَن شرح أَبى ذَر) .


فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الزِّبَعْرَى خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ:
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنا بور [١]
إذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَيِّ ... وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ [٢]
آمَنَ اللَّحْمُ وَالْعِظَامُ لِرَبِّي ... ثُمَّ قَلْبِي الشَّهِيدُ أَنْتَ النَّذِيرُ
إنَّنِي عَنْكَ زَاجِرٌ ثَمَّ حَيَّا ... مِنْ لُؤَيٍّ وَكُلُّهُمْ مَغْرُورُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى أَيْضًا حِينَ أَسْلَمَ:
مَنَعَ الرُّقَادَ بَلَابِلٌ وَهُمُومُ ... واللَيْلُ مُعْتَلِجُ الرِّوَاقِ بَهِيمُ [٣]
مِمَّا أَتَانِي أَنَّ أَحْمَدَ لَامَنِي ... فِيهِ فَبِتُّ كَأَنَّنِي مَحْمُومُ
يَا خَيْرَ مَنْ حَمَلَتْ عَلَى أَوْصَالِهَا ... عَيْرَانَةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ [٤]
إنِّي لَمُعْتَذِرٌ إلَيْكَ مِنْ الَّذِي ... أَسْدَيْتُ إذْ أَنَا فِي الضَّلَالِ أَهِيمُ [٥]
أَيَّامَ تَأْمُرُنِي بِأَغْوَى خُطَّةٍ ... سَهْمٌ وَتَأْمُرُنِي بِهَا مَخْزُومُ
وَأَمُدُّ أَسْبَابَ الرَّدَى وَيَقُودُنِي ... أَمْرُ الْغُوَاةِ وَأَمْرُهُمْ مَشْئُومُ [٦]
فَالْيَوْمَ آمَنَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... قَلْبِي وَمُخْطِئُ هَذِهِ مَحْرُومُ
مَضَتْ الْعَدَاوَةُ وَانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا ... وَدَعَتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وَحُلُومُ [٧]

-------------------------
[١] الراتق: الساد، تَقول: رتقت الشَّيْء، إِذا سددته. قَالَ الله تَعَالَى: كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ٢١: ٣٠.
وفتقت: يعْنى فِي الدَّين، فَكل إِثْم فتق وتمزيق، وكل تَوْبَة رتق. وَمن أجل ذَلِك قيل للتَّوْبَة نصوح، من نصحت الثَّوْب إِذا خطته، والنصاح: الْخَيط. وبور: هَالك. يُقَال: رجل بور وبائر، وَقوم بور.
[٢] أبارى: أجارى وأعارض. وَالسّنَن بِالتَّحْرِيكِ: وسط الطَّرِيق. ومثبور: هَالك.
[٣] البلابل: الوساوس المختلطة وَالْأَحْزَان. معتلج: مُضْطَرب يركب بعضه بَعْضًا. والبهيم: الّذي لَا ضِيَاء فِيهِ.
[٤] عيرانة: نَاقَة تشبه العير فِي شدته ونشاطه. وَالْعير هُنَا: حمَار الْوَحْش. وسرح الْيَدَيْنِ:
خَفِيفَة الْيَدَيْنِ. وغشوم: لَا ترد عَن وَجههَا. ويروى: (سعوم) وَهِي القوية على السّير. ويروى أَيْضا (رسوم) وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا ترسم الأَرْض وتؤثر فِيهَا، من شدَّة وَطئهَا.
[٥] أسديت: صنعت وحكيت، يعْنى مَا قَالَ من الشّعْر قبل إِسْلَامه وأهيم: أذهب على وَجْهي متحيرا.
[٦] الردى: الْهَلَاك.
[٧] الأواصر: جمع آصرة، وَهِي قرَابَة الرَّحِم بَين النَّاس.



فَاغْفِرْ فِدًى لَكَ وَالِدَايَ كِلَاهُمَا ... زَلَلِي، فَإِنَّكَ رَاحِمٌ مَرْحُومُ
وَعَلَيْكَ مِنْ عِلْمِ الْمَلِيكِ عَلَامَةٌ ... نُورٌ أَغَرُّ وَخَاتَمٌ مَخْتُومُ
أَعْطَاكَ بَعْدَ مَحَبَّةٍ بُرْهَانَهُ ... شَرَفًا وَبُرْهَانُ الْإِلَهِ عَظِيمُ
وَلَقَدْ شَهِدْتُ بِأَنَّ دِينَكَ صَادِقٌ ... حَقٌّ وَأَنَّكَ فِي الْعِبَادِ جَسِيمُ
وَاَللَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ مُصْطَفًى ... مُسْتَقْبَلٌ فِي الصَّالِحِينَ كَرِيمُ [١]
قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانَهُ مِنْ هَاشِمٍ ... فَرْعٌ تَمَكَّنَ فِي الذُّرَا وَأُرُومُ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ.

(بَقَاءُ هُبَيْرَةَ عَلَى كُفْرِهِ وَشِعْرُهُ فِي إسْلَامِ زَوْجِهِ أُمِّ هَانِئٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ كَافِرًا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهَا هِنْدٌ، وَقَدْ قَالَ حِينَ بَلَغَهُ إسْلَامُ أُمِّ هَانِئٍ:
أَشَاقَتْكَ هِنْدٌ أَمْ أَتَاكَ سُؤَالُهَا [٣] ... كَذَاكَ النَّوَى أَسْبَابُهَا وَانْفِتَالُهَا [٤]
وَقَدْ أَرَّقَتْ فِي رَأْسِ حِصْنٍ مُمَنَّعٍ ... بِنَجْرَانَ يُسْرِي بَعْدَ لَيْلٍ خَيَالُهَا [٥]
وَعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ... وَتَعْذِلُنِي بِاللَّيْلِ ضَلَّ ضَلَالُهَا [٦]
وَتَزْعُمُ أَنِّي إنْ أَطَعْتُ عَشِيرَتِي ... سَأُرْدَى وَهَلْ يُرْدِينِ إلَّا زِيَالُهَا [٧]
فَإِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ إذَا جَدَّ جِدُّهُمْ ... عَلَى أَيِّ حَالٍ أَصْبَحَ الْيَوْمَ حَالُهَا
وَإِنِّي لَحَامٍ مِنْ وَرَاءِ عَشِيرَتِي ... إذَا كَانَ مِنْ تَحْتِ الْعَوَالِي مَجَالُهَا [٨]

--------------------------
[١] مُسْتَقْبل: مَنْظُور إِلَيْهِ ملحوظ.
[٢] قرم: سيد، وَأَصله الْفَحْل من الْإِبِل. والذرا: الأعالي، جمع ذرْوَة. والأروم: الْأُصُول، جمع أرومة (بِفَتْح أَوله وضمه) .
[٣] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ: «نآك» . قَالَ أَبُو ذَر فِي شَرحه: «نآك» أَي بعد عَنْك.، والنأى:
الْبعد» .
[٤] وانفتالها: أَي تقلبها من حَال إِلَى حَال. ويروى: «وانتقالها» .
[٥] أرقت: أزالت النّوم. ونجران: بلد من الْيمن.
[٦] هبت: استيقظت. وضل ضلالها: دُعَاء عَلَيْهَا بالضلال.
[٧] سأردى: سأهلك. وزيالها: ذهابها.
[٨] العوالي: أعالى الرماح.



وَصَارَتْ بِأَيْدِيهَا السُّيُوفُ كَأَنَّهَا ... مَخَارِيقُ وِلْدَانٍ وَمِنْهَا ظِلَالُهَا [١]
وَإِنِّي لَأَقْلَى الْحَاسِدِينَ وَفِعْلَهُمْ ... عَلَى اللَّهِ رِزْقِي نَفْسُهَا وَعِيَالُهَا [٢]
وَإِنَّ كَلَامَ الْمَرْءِ فيَ غَيْرِ كُنْهِهِ ... لَكَالنَّبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيهَا نِصَالُهَا [٣]
فَإِنْ كُنْتِ قَدْ تَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ ... وَعَطَّفَتْ الْأَرْحَامَ مِنْكَ حِبَالُهَا
فَكُونِي عَلَى أَعْلَى سَحِيقٍ بِهَضْبَةٍ ... مُلَمْلَمَةٍ غَبْرَاءَ يَبْسٍ بِلَالُهَا [٤]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُرْوَى: «
وَقَطَّعَتْ الْأَرْحَامَ مِنْكَ حِبَالُهَا
» .

(عِدَّةُ مَنْ شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَشَرَةَ آلَافٍ.
مِنْ بَنِي سليم سبع مائَة. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَلْفٌ، وَمِنْ بَنِي غفار أَربع مائَة، وَمِنْ أسلم أَربع مائَة، وَمِنْ مُزَيْنَةَ أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَحُلَفَائِهِمْ، وَطَوَائِفُ الْعَرَبِ مِنْ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَأَسَدٍ.

(شِعْرُ حَسَّانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ):
وَكَانَ مِمَّا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ [٥]:
عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ ... إلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلَاءُ [٦]

-------------------------
[١] المخاريق: جمع مِخْرَاق، وَهِي مناديل تلف ويمسكها الصّبيان بِأَيْدِيهِم، يضْرب بهَا بَعضهم بَعْضًا، شبه السيوف بهَا.
[٢] قلاه: (كرماه ورضيه، قلى وقلاء ومقلية): أبغضه وَكَرِهَهُ غَايَة الْكَرَاهَة، فَتَركه.
ونفسها وعيالها: يُرِيد نَفسه وَعِيَاله.
[٣] كنهه: حَقِيقَته. والنصال: حَدِيد السِّهَام.
[٤] السحيق: الْبعيد. والهضبة: الكدية الْعَالِيَة. والململمة: المستديرة. والغبراء: الَّتِي علاها الغبور.
ويبس: يابسة.
[٥] وَردت هَذِه القصيدة فِي ديوَان حسان المطبوع بأوربا بِزِيَادَة بعض الأبيات وَاخْتِلَاف فِي تَرْتِيب بعض.
[٦] عفت: تَغَيَّرت ودرست. ذَات الْأَصَابِع والجواء: موضعان بِالشَّام، وبالجواء كَانَ منزل الْحَارِث ابْن أَبى شمر الغساني، وَكَانَ حسان كثيرا مَا يفد على مُلُوك غَسَّان بِالشَّام يمدحهم، فَلذَلِك يذكر هَذِه الْمنَازل. وعذراء: قَرْيَة على بريد من دمشق.



دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ ... تُعَفِّيهَا الرَّوَامِسُ وَالسَّمَاءُ [١]
وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ ... خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ [٢]
فَدَعْ هَذَا، وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفِ ... يُؤَرِّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ [٣]
لِشَعْثَاءَ الَّتِي قَدْ تَيَّمَتْهُ ... فَلَيَسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاءُ [٤]
كَأَنَّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ [٥]
إذَا مَا الْأَشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا ... فَهُنَّ لِطَيِّبِ الراح الْفِدَاء [٦]
نولّيها الْمَلَامَةَ إنْ أَلَمْنَا ... إذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أَوْ لِحَاءُ [٧]
وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ... وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ [٨]
عَدِمْنَا خَيْلَنَا إنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ [٩]
يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ مُصْغِيَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ [١٠]

--------------------------
[١] بَنو الحسحاس: حَيّ من بنى أَسد. وأصل الحسحاس الرجل الْجواد، وَلَعَلَّه مُرَاد هُنَا. والروامس:
الرِّيَاح الَّتِي ترمس الْآثَار أَي تغطيها. وَالسَّمَاء: الْمَطَر. (عَن السهيليّ) .
[٢] النعم: المَال الرَّاعِي، وَهُوَ جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَأكْثر مَا يَقع على الْإِبِل. وَالشَّاة من الْغنم، يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَالْجمع شَاءَ وشياه.
[٣] الطيف: خيال المحبوبة يلم فِي النّوم. ويؤرقنى: يسهرني. يُرِيد أَن الطيف إِذا زَالَ عَنهُ وجد لَهُ لوعة تؤرقه.
[٤] شعثاء: اسْم امْرَأَة، قيل هِيَ بنت سَلام بن مشْكم الْيَهُودِيّ، كَمَا فِي السهيليّ، وَقيل هِيَ امْرَأَة من خُزَاعَة، كَمَا فِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي، وَقيل غير ذَلِك.
[٥] الخبيئة: الْخمر المخبوءة المصونة المضنون بهَا. وَبَيت رَأس: مَوضِع بالأردن مَشْهُور بِالْخمرِ الجيدة. وَبعد هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان المطبوع بأوربا:
على أنيابها أَو طعم غض ... من التفاح هصره اجتناء
وعلق عَلَيْهِ السهيليّ فَقَالَ: الْبَيْت مَوْضُوع، لَا يشبه شعر حسان وَلَا لَفظه.
[٦] الأشربات: جمع الْأَشْرِبَة: والأشربة: جمع شراب. يُرِيد أَن الْأَشْرِبَة غير رَاح بَيت رَأس لَا تدانيها فِي اللَّذَّة.
[٧] نوليها الْمَلَامَة: نصرف اللوم إِلَيْهَا. إِن ألمنا: إِن فعلنَا مَا نستحق عَلَيْهِ اللوم. يُقَال: ألام الرجل فَهُوَ مليم. والمغث: الضَّرْب بِالْيَدِ. واللحاء: السباب.
[٨] ينهنهنا: يزجرنا ويردنا.
[٩] النَّقْع: الْغُبَار. وكداء (بِوَزْن سَحَاب): ثنية بِأَعْلَى مَكَّة (رَاجع الْحَاشِيَة الأولى ص ٤٠٦) .
[١٠] الأعنة: جمع عنان، وَهُوَ اللجام. والمصغيات: الموائل المنحرفات لِلطَّعْنِ. والأسل. الرماح.
والظماء: العطاش. ويروى: (يبارين الأسنة) بدل: (ينازعن الأعنة) . و(مصعدات) بدل مصغيات.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #117  
قديم 10-01-2026, 09:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (117)

صــ 423إلى صــ 432






تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... يُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ [١]
فَإِمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ [٢]
وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ ... يُعِينُ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ [٣]
وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ [٤]
وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ إنْ نَفَعَ الْبَلَاءُ [٥]
شَهِدْتُ بِهِ فَقُومُوا [٦] صَدِّقُوهُ ... فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ قَدْ سَيَّرْتُ جُنْدًا ... هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ [٧]
لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا ... وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ [٨]
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ [٩] عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً [١٠] فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ
بِأَنَّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدًا ... وَعَبْدُ الدَّارِ سَادَتُهَا الْإِمَاءُ [١١]

-------------------------
[١] المتمطرات: قيل مَعْنَاهُ المصوبات بالمطر. وَيُقَال: المتمطرات: الَّتِي يسْبق بَعْضهَا بَعْضًا. ويلطمهن:
تضرب النِّسَاء وجوههن لتردهن. وَالْخمر: جمع خمار، وَهُوَ مَا تغطى بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا ووجهها، أَي أَن النِّسَاء كن يضربن وُجُوه الْخَيل بِخُمُرِهِنَّ يَوْم الْفَتْح. قَالَ السهيليّ: وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة:
كَانَ الْخَلِيل رحمه الله يرْوى بَيت حسان: (يطلمهن بِالْخمرِ) وينكر: (يلطمهن) ويجعله بِمَعْنى ينفض النِّسَاء بِخُمُرِهِنَّ مَا عليهنّ من غُبَار أَو نَحْو ذَلِك.
[٢] اعتمرنا: أدينا مَنَاسِك الْعمرَة، وَهِي زِيَارَة بَيت الله الْحَرَام.
[٣] الجلاد: الْقِتَال بِالسُّيُوفِ. ويروى: (يعز الله) بدل (يعين الله) .
[٤] كفاء: مثل.
[٥] الْبلَاء: الاختبار.
[٦] رِوَايَة الدِّيوَان: (وقومي) .
[٧] عرضتها اللِّقَاء: عَادَتهَا أَن تتعرض للقاء، فَهِيَ قَوِيَّة عَلَيْهِ.
[٨] نحكمه: نمنعه ونكفه، وَمِنْه سمى القَاضِي حَاكما، لِأَنَّهُ يمْنَع النَّاس من الظُّلم.
[٩] أَبُو سُفْيَان: هُوَ الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ابْن عَم النَّبِي، وَكَانَ هجا النَّبِي قبل أَن يسلم.
[١٠] مغلغلة: رِسَالَة ترسل من بلد إِلَى بلد. وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان:
أَلا أبلغ أَبَا سُفْيَان عَنى ... فَأَنت مجوف نخب هَوَاء
والمجوف: الْخَالِي الْجوف، يُرِيد بِهِ الجبان. وَكَذَلِكَ النخب والهواء.
[١١] يُرِيد أَن سيوف الْأَنْصَار جعلت أَبَا سُفْيَان كَالْعَبْدِ الذَّلِيل يَوْم فتح مَكَّة، وَأَن سادة بنى عبد الدَّار صَارُوا كالإماء فِي المذلة والهوان.


هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... أَمِينَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ [١]
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ ... وَبَحْرِي لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا حَسَّانُ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَيُرْوَى: «
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَتْبَ فِيهِ
» وَبَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ يَلْطِمْنَ الْخَيْلَ بِالْخُمُرِ تَبَسَّمَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه.

(شِعْرُ أَنَسِ بْنِ زُنَيْمٍ فِي الِاعْتِذَارِ إِلَى الرَّسُول مِمَّا قَالَ ابْنُ سَالِمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ زُنَيْمٍ الدِّيلِيُّ يَعْتَذِرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا كَانَ قَالَ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ:
أَأَنْتَ الَّذِي تُهْدَى مَعَدٌّ بِأَمْرِهِ ... بَلْ اللَّهُ يَهْدِيهِمْ وَقَالَ لَكَ اشْهَدْ
وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا ... أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنُ مُحَمَّدِ
أَحَثَّ عَلَى خَيْرٍ وَأَسْبَغَ نَائِلًا ... إذَا رَاحَ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ الْمُهَنَّدِ
وَأَكْسَى لِبُرْدِ الْخَالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ ... وَأَعْطَى لِرَأْسِ السَّابِقِ الْمُتَجَرِّدِ [٢]
تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ مُدْرِكِي ... وَأَنَّ وَعِيدًا مِنْكَ كَالْأَخْذِ بِالْيَدِ [٣]
تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قَادِرٌ ... عَلَى كُلِّ صِرْمٍ مُتْهِمِينَ وَمُنْجِدِ [٤]
تَعَلَّمْ بِأَنَّ الرَّكْبَ رَكْبُ عُوَيْمِرٍ ... هُمْ الْكَاذِبُونَ الْمُخْلِفُو كلّ موعد
ونبئوا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي هَجَوْتُهُ ... فَلَا حَمَلَتْ سَوْطِي إلَيَّ إذَنْ يَدِي

-----------------------
[١] الحنيف: الْمُسلم، وسمى حَنِيفا، لِأَنَّهُ مَال عَن الْبَاطِل إِلَى الْحق. وشيمته: طَبِيعَته.
[٢] الْخَال: ضرب من برود الْيمن، وَهُوَ من رفيع الثِّيَاب. وَالسَّابِق (هُنَا): الْفرس. والمتجرد:
الّذي يتجرد من الْخَيل فيسبقها.
[٣] تعلم: اعْلَم. والوعيد: التهديد.
[٤] صرم: بيُوت مجتمعة. ومتهمين: ساكنين فِي التهام، وَهِي المنخفض من الأَرْض. والمنجد من يسكن النجد، وَهُوَ الْمُرْتَفع.



سِوَى أَنَّنِي قَدْ قُلْتُ وَيْلُ امِّ فِتْيَةٍ ... أُصِيبُوا بِنَحْسٍ لَا بِطَلْقٍ وَأَسْعُدِ [١]
أَصَابَهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِدِمَائِهِمْ ... كِفَاءً فَعَزَّتْ عَبْرَتِي وَتَبَلُّدِي [٢]
فَإِنَّكَ قَدْ أَخَفَرْتَ إنْ كُنْتَ سَاعِيًا ... بِعَبْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَة مهود [٣]
ذُؤَيْب وَكُلْثُومٌ وَسَلْمَى تَتَابَعُوا ... جَمِيعًا فَإِلَّا تَدْمَعْ الْعَيْنُ اكْمَدْ [٤]
وَسَلْمَى وَسَلْمَى لَيْسَ حَيٌّ كَمِثْلِهِ ... وَإِخْوَتِهِ وَهَلْ مُلُوكٌ كَأَعْبُدِ؟
فَإِنِّي لَا دِينًا فَتَقْتُ وَلَا دَمًا ... هَرَقْتُ تَبَيَّنْ عَالِمَ الْحَقِّ وَاقْصِدْ

(شِعْرُ بُدَيْلٍ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ زُنَيْمٍ):
فَأَجَابَهُ بُدَيْلُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أُمِّ أَصْرَمَ، فَقَالَ:
بَكَى أَنَسٌ رَزْنًا فَأَعْوَلَهُ اُلْبُكَا ... فَأَلَّا عَدِيًّا إذْ تُطَلُّ وَتُبْعَدُ [٥]
بَكَيْتَ أَبَا عَبْسٍ لِقُرْبِ دِمَائِهَا ... فَتُعْذِرَ إذْ لَا يُوقِدُ الْحَرْبَ موقد
أَصَابَهُم يم الْخَنَادِمِ فِتْيَةٌ ... كِرَامٌ فَسَلْ، مِنْهُمْ نفَيْل ومعبد [٦]
لَك إنْ تُسْفَحْ [٧] دُمُوعُكَ لَا تُلَمْ ... عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ تَدْمَعْ الْعَيْنُ فَاكْمَدُوا [٨]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.

(شِعْرُ بُجَيْرٍ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى فِي يَوْمِ الْفَتْحِ:
نَفَى أَهْلَ الْحَبَلَّقِ كُلَّ فَجٍّ ... مُزَيْنَةُ غُدْوَةً وَبَنُو خُفَافِ [٩]

-------------------------
[١] الطلق: الْأَيَّام السعيدة، وَيُقَال: يَوْم طلق إِذا لم يكن فِيهِ حر وَلَا برد وَلَا شَيْء يُؤْذى، وَكَذَلِكَ لَيْلَة طلق وطلقة (بِسُكُون اللَّام فيهمَا) .
[٢] تبلدي: تحيري. ويروى: تجلدي، أَي تصبرى:
[٣] أخفرت: نقضت الْعَهْد.
[٤] أكمد: من الكمد، وَهُوَ الْحزن.
[٥] العويل: رفع الصَّوْت بالبكاء. وتطل: يبطل دَمهَا وَلَا يُؤْخَذ بثأرها.
[٦] يَوْم الخنادم: أَرَادَ يَوْم الخندمة، فجمعها مَعَ مَا حولهَا، وَهِي جبل بِمَكَّة.
[٧] تسفح: تسيل.
[٨] فِي أ: فأكمد (بِكَسْر الدَّال) على أَنه أَمر للْوَاحِد، وبهذه الرِّوَايَة يكون فِي الْبَيْت إقواء.
[٩] قَالَ السهيليّ: «الحبلق» أَرض يسكنهَا قبائل من مزينة وَقيس. والحبلق: الْغنم الصغار. وَلَعَلَّه أَرَادَ بقوله: «أهل الحبلق» أَصْحَاب الْغنم. وَبَنُو خفاف: بطن من سليم.



ضَرَبْنَاهُمْ بِمَكَّةَ يَوْم فتح النّبيّ ... الْخَيْرِ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ [١]
صَبَحْنَاهُمْ بِسَبْعٍ مِنْ سُلَيْمٍ ... وَأَلْفٍ مِنْ بَنِي عُثْمَانَ وَافِ [٢]
نَطَا أَكْتَافَهُمْ ضَرْبًا وَطَعْنًا [٣] ... وَرَشْقًا بِالْمُرَيَّشَةِ اللِّطَافِ [٤]
تَرَى بَيْنَ الصُّفُوفِ لَهَا حَفِيفًا ... كَمَا انْصَاعَ الْفُوَاقُ مِنْ الرِّصَافِ [٥]
فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ تَجُولُ فِيهِمْ ... بِأَرْمَاحٍ مُقَوَّمَةِ الثِّقَافِ
فَأُبْنَا غَانِمِينَ بِمَا اشْتَهَيْنَا ... وَآبُوا نَادِمِينَ عَلَى الْخِلَافِ
وَأَعْطَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَّا ... مَوَاثِقَنَا عَلَى حُسْنِ التَّصَافِي
وَقَدْ سَمِعُوا مَقَالَتَنَا فَهَمُّوا ... غَدَاةَ الرَّوْعِ مِنَّا بِانْصِرَافِ

(شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي فَتْحِ مَكَّةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ فِي فَتْحِ مَكَّةَ:
مِنَّا بِمَكَّةَ يَوْمَ فَتْحِ مُحَمَّدٍ ... أَلْفٌ تَسِيلُ بِهِ الْبِطَاحُ مُسَوَّمُ [٦]
نَصَرُوا الرَّسُولَ وَشَاهَدُوا أَيَّامَهُ ... وَشِعَارُهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ مُقَدَّمُ [٧]
فِي مَنْزِلٍ ثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ ... ضَنْكٍ كَأَنَّ الْهَامَ فِيهِ الْحَنْتَمُ [٨]
جَرَّتْ سَنَابِكَهَا بِنَجْدٍ قَبْلَهَا ... حَتَّى اسْتَقَادَ لَهَا الْحِجَازُ الْأَدْهَمُ
اللَّهُ مَكَّنَهُ لَهُ وَأَذَلَّهُ ... حُكْمُ السُّيُوفِ لَنَا وَجَدٌّ مزحم [٩]

---------------------------
[١] الْخَيْر: أَي ذُو الْخَيْر، وَيجوز أَن يُرِيد الْخَيْر، بتَشْديد الْيَاء، فَخفف، كَمَا يُقَال هَين وهين (بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف) .
[٢] بِسبع: أَي بِسبع مائَة. وَبَنُو عُثْمَان: هم مزينة.
[٣] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ: «أَكْنَافهم» بالنُّون. والأكناف: الجوانب.
[٤] نطا: أَرَادَ نَطَأ، فَخفف الْهمزَة. والرشق: الرَّمْي السَّرِيع، والمريشة: يعْنى السِّهَام ذَوَات الريش.
[٥] الحفيف: الصَّوْت. وانصاع: انْشَقَّ. والفواق هُنَا: الفوق، وَهُوَ طرف السهْم الّذي يَلِي الْوتر. والرصاف: جمع رصفة، وَهِي عصبَة تلوي على فَوق السهْم.
[٦] البطاح: جمع بطحاء، وَهِي الأَرْض السهلة المتسعة. ومسوم: أَي مُرْسل، أَو هُوَ الْمعلم بعلامة.
[٧] شعارهم: علامتهم فِي الْحَرْب.
[٨] ضنك: ضيق. والهام: الرُّءُوس: والحنتم. الحنظل.
[٩] مزحم: كثير الْمُزَاحمَة، يُرِيد أَن جدهم غَالب.



عود الرّئاسة شَامِخٌ عِرْنِينُهُ ... مُتَطَلِّعٌ ثُغَرَ الْمَكَارِمِ خِضْرِمُ [١]

إسْلَامُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ

(سَبَبُ إِسْلَامِ ابْنِ مَرْدَاسٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ إسْلَامُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، فِيمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، وَحَدِيثُهُ أَنَّهُ كَانَ لِأَبِيهِ مِرْدَاسٍ وَثَنٌ يَعْبُدُهُ، وَهُوَ حَجَرٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ ضِمَارِ [٢]، فَلَمَّا حَضَرَ مِرْدَاسٌ قَالَ لِعَبَّاسِ: أَيْ بُنَيَّ، اُعْبُدْ ضِمَارِ فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ وَيَضُرُّكَ، فَبَيْنَا عَبَّاسٌ يَوْمًا عِنْدَ ضِمَارِ، إذْ سَمِعَ مِنْ جَوْفِ ضِمَارِ مُنَادِيًا يَقُولُ:
قُلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ سُلَيْمٍ كُلِّهَا ... أَوْدَى ضِمَارِ وَعَاشَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ [٣]
إنَّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى ... بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي
أَوْدَى ضِمَارِ وَكَانَ يُعْبَدُ مَرَّةً ... قَبْلَ الْكِتَابِ إلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
فَحَرَّقَ عَبَّاسٌ ضِمَارِ، وَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ.

(شِعْرُ جَعْدَةَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ جَعْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ:
أَكَعْبَ بْنُ عَمْرٍو دَعْوَةً غَيْرَ بَاطِلِ ... لِحَيْنٍ لَهُ يَوْمَ الْحَدِيدِ مُتَاحِ [٤]
أُتِيحَتْ لَهُ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ ... لِتَقْتُلَهُ لَيْلًا بِغَيْرِ سِلَاحِ
وَنَحْنُ الْأُلَى سَدَّتْ غَزَالَ خُيُولُنَا ... وَلِفْتًا سَدَدْنَاهُ وَفَجَّ طِلَاحِ [٥]
خَطَرْنَا وَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِجَحْفَلٍ ... ذَوِي عَضُدٍ مِنْ خَيْلِنَا وَرِمَاحِ [٦]

------------------------
[١] الْعود (هُنَا): الرجل المسن. وشامخ: مُرْتَفع. والعرنين: طرف الْأنف. والخضرم:
الْجواد الْكثير الْعَطاء.
[٢] ضمار: هُوَ بِالْبِنَاءِ على الْكسر كحذام ورقاش.
[٣] أودى: هلك. وَالْمَسْجِد (هُنَا): مَسْجِد مَكَّة، أَو مَسْجِد النَّبِي ﷺ.
[٤] الْحِين: الْهَلَاك. ومتاح: مُقَدّر.
[٥] الألى: الَّذين. وغزال: اسْم مَوضِع (يصرف وَلَا يصرف) . ولفت: مَوضِع أَيْضا. وفج طلاح: مَوضِع. وَيحْتَمل أَن يكون طلاح جمع طلح، الّذي هُوَ الشّجر، وأضيف الْفَج إِلَيْهِ.
[٦] خطرنا: اهتززنا. ويروى حظرنا «بِالْحَاء الْمُهْملَة والظاء الْمُعْجَمَة» وَمَعْنَاهُ، منعنَا. والجحفل:
الْجَيْش الْكثير.



وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.

(شِعْرُ بُجَيْدٍ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ):
وَقَالَ بُجَيْدُ [١] بْنُ عِمْرَانَ الْخُزَاعِيُّ:
وَقَدْ أَنْشَأَ اللَّهُ السَّحَابَ بِنَصْرِنَا ... رُكَامَ صِحَابِ الْهَيْدَبِ الْمُتَرَاكِبِ [٢]
وَهِجْرَتُنَا فِي أَرْضِنَا عِنْدَنَا بِهَا ... كِتَابٌ أَتَى مِنْ خَيْرِ مُمْلٍ وَكَاتِبِ
وَمِنْ أَجْلِنَا حَلَّتْ بِمَكَّةَ حُرْمَةٌ ... لِنُدْرِكَ ثَأْرًا بِالسُّيُوفِ الْقَوَاضِبِ [٣]

مَسِيرُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بَعْدَ الْفَتْحِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ [٤] مِنْ كِنَانَةَ وَمَسِيرُ عَلِيٍّ لِتَلَافِي خَطَأِ خَالِدٍ

(وُصَاةُ الرَّسُولِ لَهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا حَوْلَ مَكَّةَ السَّرَايَا تَدْعُو إلَى اللَّهِ عز وجل، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقِتَالِ، وَكَانَ مِمَّنْ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ بِأَسْفَلِ تِهَامَةَ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا، فَوَطِئَ بَنِي جَذِيمَةَ، فَأَصَابَ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ فِي ذَلِك:
فان تِلْكَ قَدْ أَمَّرْتُ فِي الْقَوْمِ خَالِدًا ... وَقَدَّمْتُهُ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَا
بِجُنْدِ هَدَاهُ اللَّهُ أَنْتَ أَمِيرُهُ ... نُصِيبُ بِهِ فِي الْحَقِّ مَنْ كَانَ أَظْلَمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي حَدِيثِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ حِينَ

--------------------------
[١] كَذَا فِي (أ) وَفِي م، ر: «نجيد» بالنُّون فِي أَوله. وبالنون قَيده الدَّار قطنى. (عَن أَبى ذَر) .
[٢] المتراكب: الّذي يركب بعضه بَعْضًا. والهيدب: المتدانى من الأَرْض. وَفِي م، ر: «الهيدم» بِالْمِيم فِي آخِره.
[٣] القواضب: القواطع.
[٤] تعرف هَذِه السّريَّة بغزوة الغميط، وَهُوَ اسْم مَاء لبني جذيمة.



افْتَتَحَ مَكَّةَ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا، وَمَعَهُ قَبَائِلُ مِنْ الْعَرَبِ: سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُدْلِجُ بْنُ مُرَّةَ، فَوَطِئُوا بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةِ بْنِ كِنَانَةَ، فَلَمَّا رَآهُ الْقَوْمُ أَخَذُوا السِّلَاحَ، فَقَالَ خَالِدٌ: ضَعُوا السِّلَاحَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، قَالَ:
لَمَّا أَمَرَنَا خَالِدٌ أَنْ نَضَعَ السِّلَاحَ قَالَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَال لَهُ جخدم: وَيْلَكُمْ يَا بَنِي جَذِيمَةَ! إنَّهُ خَالِدٌ وَاَللَّهِ! مَا بَعْدَ وَضْعِ السِّلَاحِ إلَّا الْإِسَارُ، وَمَا بَعْدَ الْإِسَارِ إلَّا ضَرْبُ الْأَعْنَاقِ وَاَللَّهِ لَا أَضَعُ سِلَاحِي أَبَدًا. قَالَ: فَأَخَذَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالُوا: يَا جَحْدَمُ، أَتُرِيدُ أَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَنَا؟ إنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا وَوَضَعُوا السِّلَاحَ [١]، وَوُضِعَتْ الْحَرْبُ، وَأَمِنَ النَّاسُ. فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى نَزَعُوا سِلَاحَهُ، وَوَضَعَ الْقَوْمُ السِّلَاحَ لِقَوْلِ خَالِدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: فَلَمَّا وَضَعُوا السِّلَاحَ أَمَرَ بِهِمْ خَالِدٌ عِنْدَ ذَلِكَ، فَكُتِفُوا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهمّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.

(غَضَبُ الرَّسُولِ مِمَّا فَعَلَ خَالِدٌ وَإِرْسَالُهُ عَلِيًّا):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ حُدِّثَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَحْمُودِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأَيْتُ كَأَنِّي لَقِمْتُ لُقْمَةً مِنْ حَيْسٍ [٢] فَالْتَذَذْتُ طَعْمَهَا، فَاعْتَرَضَ فِي حَلْقِي مِنْهَا شَيْءٌ حِينَ ابْتَلَعْتهَا، فَأَدْخَلَ عَلِيٌّ يَدَهُ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ سَرِيَّةٌ مِنْ سَرَايَاكَ تَبْعَثُهَا، فَيَأْتِيكَ مِنْهَا بَعْضُ مَا تُحِبُّ، وَيَكُونُ فِي بَعْضِهَا اعْتِرَاضٌ، فَتَبْعَثُ عَلِيًّا فَيُسَهِّلُهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَنَّهُ انْفَلَتَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ

-----------------------
[١] هَذِه الْجُمْلَة: «وَوَضَعُوا السِّلَاح» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] الحيس: أَن يخلط السّمن وَالتَّمْر والأقط فيؤكل. والأقط: شَيْء يعْقد من اللَّبن ويجفف.



أَحَدٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَبْيَضُ رَبْعَةٌ [١]، فَنَهَمَهُ [٢] خَالِدٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ طَوِيلٌ مُضْطَرِبٌ [٣]، فَرَاجَعَهُ، فَاشْتَدَّتْ مُرَاجَعَتُهُمَا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَمَّا الْأَوَّلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَابْنِي عَبْدُ اللَّهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَسَالِمٌ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
يَا عَلِيُّ، اُخْرُجْ إلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ فِي أَمْرِهِمْ، وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ.
فَخَرَجَ عَلِيٌّ حَتَّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ مَالٌ قَدْ بَعَثَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَدَى لَهُمْ الدِّمَاءَ وَمَا أُصِيبَ لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ، حَتَّى إنَّهُ لَيَدِي لَهُمْ مِيلَغَةَ الْكَلْبِ [٤]، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ إلَّا وَدَاهُ، بَقِيَتْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمَالِ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمْ: هَلْ بَقِيَ لَكُمْ بَقِيَّةٌ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يُودَ لَكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي. أُعْطِيكُمْ هَذِهِ الْبَقِيَّةَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، احْتِيَاطًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِمَّا يَعْلَمُ وَلَا تَعْلَمُونَ، فَفَعَلَ. ثُمَّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ: فَقَالَ أَصَبْتُ وَأَحْسَنْتُ! قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا شَاهِرًا يَدَيْهِ، حَتَّى إنَّهُ لَيُرَى مِمَّا تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهمّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَلَاثَ مَرَّاتُ.

(مَعْذِرَةُ خَالِدٍ فِي قِتَالِ الْقَوْمِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ يَعْذِرُ خَالِدًا إنَّهُ قَالَ: مَا قَاتَلْتُ حَتَّى أَمَرَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُقَاتِلَهُمْ لِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ.

--------------------------
[١] الربعة من الرِّجَال: الّذي بَين الطَّوِيل والقصير.
[٢] نهمه: زَجره.
[٣] مُضْطَرب: لَيْسَ مستوى الْخلق.
[٤] الميلغة: شَيْء يحْفر من خشب، وَيجْعَل ليلغ فِيهِ الْكَلْب، يكون عِنْد أَصْحَاب الْغنم، وَعند أهل الْبَادِيَة.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ: لَمَّا أَتَاهُمْ خَالِدٌ، قَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا [١] .

(مَا كَانَ بَيْنَ خَالِدٍ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَزَجْرُ الرَّسُولِ لِخَالِدِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ جَحْدَمٌ قَالَ لَهُمْ حِينَ وَضَعُوا السِّلَاحَ [٢] وَرَأَى مَا يَصْنَعُ خَالِدٌ بِبَنِي جَذِيمَةَ: يَا بَنِي جَذِيمَةَ، ضَاعَ الضَّرْبُ، قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكُمْ مَا وَقَعْتُمْ فِيهِ. قَدْ كَانَ بَيْنَ خَالِدٍ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فِيمَا بَلَغَنِي، كَلَامٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: عَمِلْتُ بِأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ. فَقَالَ: إنَّمَا ثَأَرْتُ بِأَبِيكَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَذَبْتُ، قَدْ قَتَلْتُ قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنَّكَ ثَأَرْتَ بِعَمِّكَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا شَرٌّ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْك أصحابى، فو الله لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكَتْ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ.

(مَا كَانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَبَنِيَّ جَذِيمَةَ مِنْ اسْتِعْدَادٍ لِلْحَرْبِ ثُمَّ صُلْحٍ):
وَكَانَ الْفَاكِهُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَعَوْفُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ ابْن عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعَفَّانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ قَدْ خَرَجُوا تُجَّارًا إلَى الْيَمَنِ، وَمَعَ عَفَّانَ ابْنُهُ عُثْمَانُ، وَمَعَ عَوْفٍ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا أَقْبَلُوا حَمَلُوا مَالَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عَامِرٍ، كَانَ هَلَكَ بِالْيَمَنِ، إلَى وَرَثَتِهِ، فَادَّعَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ خَالِدُ بْنُ هِشَامٍ، وَلَقِيَهُمْ بِأَرْضِ بَنِي جَذِيمَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَقَاتَلَهُمْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى الْمَالِ لِيَأْخُذُوهُ [٣]، وَقَاتَلُوهُ، فَقُتِلَ عَوْفُ بْنُ عَبْدِ عَوْفٍ، وَالْفَاكِهُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَنَجَا عَفَّانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَابْنُهُ عُثْمَانُ، وَأَصَابُوا مَالَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَمَالَ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ، فَانْطَلَقُوا بِهِ، وَقَتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ خَالِدَ بْنَ هِشَامٍ قَاتِلَ أَبِيهِ، فَهَمَّتْ قُرَيْشٌ بِغَزْوِ بَنِي جَذِيمَةَ، فَقَالَتْ بَنُو جَذِيمَةَ: مَا كَانَ مُصَابُ أَصْحَابِكُمْ عَنْ مَلَإِ مِنَّا، إنَّمَا عَدَا

---------------------------
[١] صبأنا: يعنون دَخَلنَا فِي دين مُحَمَّد، وَكَانُوا يسمون النَّبِي ﷺ الصَّابِئ، لِأَنَّهُ خرج من دينهم. يُقَال: صَبأ الرجل، إِذا خرج من دين إِلَى دين، وَمِنْه الصابئون، لِأَن دينهم بَين الْيَهُودِيَّة والنصرانية، فِيمَا ذكر بعض أهل التَّفْسِير.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «سلاحه» .
[٣] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ: «ليأخذه» .



عَلَيْهِمْ قَوْمٌ بِجَهَالَةٍ، فَأَصَابُوهُمْ وَلَمْ نَعْلَمْ، فَنَحْنُ نَعْقِلُ لَكُمْ مَا كَانَ لَكُمْ قِبَلَنَا مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، فَقَبِلَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ، وَوَضَعُوا الْحَرْبَ.

(شِعْرُ سَلْمَى فِيمَا بَيْنَ جَذِيمَةَ وَقُرَيْشٍ):
وَقَالَ قَائِلٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا سَلْمَى:
وَلَوْلَا مَقَالُ الْقَوْمِ لِلْقَوْمِ أَسْلِمُوا ... لَلَاقَتْ سُلَيْمٌ يَوْمَ ذَلِكَ نَاطِحَا
لَمَاصَعَهُمْ بُسْرٌ وَأَصْحَابُ جَحْدَمٍ [١] ... وَمُرَّةُ حَتَّى يتْركُوا البرك ضابحا [٢]
فَكَائِنْ تَرَى يَوْمَ الْغُمَيْصَاءِ مِنْ فَتًى ... أُصِيبَ وَلَمْ يَجْرَحْ وَقَدْ كَانَ جَارِحَا [٣]
أَلَظَّتْ بِخُطَّابِ الْأَيَامَى وَطَلَّقَتْ ... غَدَاتَئِذٍ مِنْهُنَّ مَنْ كَانَ نَاكِحَا [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «بُسْرٌ»، «وَأَلَظَّتْ بِخُطَّابِ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

(شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي الرَّدِّ عَلَى سَلْمَى)
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ، وَيُقَالُ بَلْ الْجَحَّافُ بْنُ حَكِيمٍ السُّلَمِيُّ:
دَعِي عَنْكِ تِقْوَالَ الضَّلَالِ كَفَى بِنَا ... لِكَبْشِ الْوَغَى فِي الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ نَاطِحَا [٥]
فَخَالِدُ أَوْلَى بِالتَّعَذُّرِ مِنْكُمْ ... غَدَاةَ عَلَا نَهْجًا مِنْ الْأَمْرِ وَاضِحَا
مُعَانًا بِأَمْرِ اللَّهِ يُزْجِي إلَيْكُمْ ... سَوَانِحَ لَا تَكْبُو لَهُ وَبَوَارِحَا [٦]
نَعَوْا مَالِكًا بِالسَّهْلِ لَمَّا هَبَطْنَهُ ... عَوَابِسَ فِي كابى الْغُبَار كولحلا [٧]

--------------------------
[١] المماصعة والمصاع: الْمُضَاربَة بِالسُّيُوفِ. والبرك: الْإِبِل الباركة.
[٢] كَذَا فِي م، ر. وضابحا، أَي صائحا. وأصل «الضبح» نفس الْخَيل وَالْإِبِل إِذا أعيت. وَفِي (أ) صابحا.
[٣] الغميصاء: مَوضِع.
[٤] ألظت: لَزِمت وألمت.. والأيامى: جمع أيم، وَهِي الَّتِي لَا زوج لَهَا.
[٥] الْكَبْش: الرجل السَّيِّد.
[٦] قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: «مَا جَاءَ عَن يَمِينك إِلَى يسارك، وولاك جَانِبه الْأَيْسَر، وَهُوَ إنسيه، فَهُوَ سانح. وَمَا جَاءَ عَن يسارك إِلَى يَمِينك وولاك جَانِبه الْأَيْمن، وَهُوَ وحشيه، فَهُوَ بارح. قَالَ:
والسانح أحسن حَالا عِنْدهم فِي التَّيَمُّن من البارح» . لَا تكبو: أَي لَا تسْقط.
[٧] كابى الْغُبَار: مُرْتَفعَة. والكوالح: العوابس، الَّتِي انقبضت شفاهها، فظهرت أسنانها.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #118  
قديم 11-01-2026, 04:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (118)

صــ 433إلى صــ 442



فَإِنْ نَكُ أثكلناك سلمى فَمَا لَك ... تَرَكْتُمْ عَلَيْهِ نَائِحَاتٍ وَنَائِحَا [١]

(شِعْرُ الْجَحَّافِ فِي الرَّدِّ عَلَى سَلْمَى):
وَقَالَ الْجَحَّافُ بْنُ حَكِيمٍ السُّلَمِيُّ:
شَهِدْنَ مَعَ النَّبِيِّ مُسَوَّمَاتٍ ... حُنَيْنًا وَهْيَ دَامِيَةُ الْكِلَامِ [٢]
وَغَزْوَةَ خَالِدٍ شَهِدَتْ وَجَرَّتْ ... سَنَابِكَهُنَّ [٣] بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ [٤]
نُعَرِّضُ لِلطِّعَانِ إذَا الْتَقَيْنَا ... وُجُوهًا لَا تُعَرَّضُ لِلِّطَامِ
وَلَسْتُ بِخَالِعٍ عَنِّي ثِيَابِي ... إذَا هَزَّ الْكُمَاةُ وَلَا أُرَامِي
وَلَكِنِّي يَجُولُ الْمُهْرُ تَحْتِي ... إلَى الْعَلَوَاتِ بِالْعَضْبِ الْحُسَامِ [٥]

(حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْفَتَى الْجَذْمِيِّ يَوْمَ الْفَتْحِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَئِذٍ فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لِي فَتَى مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، وَهُوَ فِي سِنِّي، وَقَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِرُمَّةٍ [٦]، وَنِسْوَةٌ مُجْتَمِعَاتٌ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْهُ: يَا فَتَى، فَقُلْتُ: مَا تَشَاءُ؟ قَالَ: هَلْ أَنْتَ آخِذٌ بِهَذِهِ الرُّمَّةِ، فَقَائِدِي إلَى هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ حَتَّى أَقْضِيَ إليهنّ حَاجَة، ثمَّ تَرُدَّنِي بَعْدُ، فَتَصْنَعُوا بِي مَا بَدَا لَكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاَللَّهِ لَيَسِيرٌ مَا طَلَبْتُ. فَأَخَذْتُ بِرُمَّتِهِ فَقُدْتُهُ بِهَا، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِنَّ، فَقَالَ: اسْلَمِي حُبَيْشِ [٧]، عَلَى نَفَذٍ مِنْ الْعَيْشِ [٨]:
أَرَيْتُكِ إذْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ ... بِحَلْيَةَ أَوْ أَلْفَيْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ [٩]
أَلَمْ يَكُ أَهْلًا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إدْلَاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ [١٠]

--------------------------
[١] أثكلناك: أفقدناك.
[٢] مسومات: يعْنى الْخَيل مسومات، أَي مرسلات أَو معلمات بعلامة. وَالْكَلَام: الْجراح، جمع كلم.
[٣] سنابكهن: مقدم أَطْرَاف حوافرهن.
[٤] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ: «التهام»، يعْنى مَكَّة.
[٥] هَذَا الْبَيْت والّذي قبله ساقطان فِي م، ر.
[٦] الرمة: الْحَبل الْبَالِي.
[٧] حُبَيْش: مرخم حبيشة.
[٨] كَذَا فِي أوفي م، ر: «على نفد الْعَيْش» . يُرِيد على تَمَامه، من قَوْلك نفد الشَّيْء إِذا تمّ وفنى
[٩] حلية والخوانق: موضعان.
[١٠] الإدلاج: السّير بِاللَّيْلِ. والودائق: جمع وديقة، وَهِي شدَّة الحرفى الظهيرة.
٢٨- سيرة ابْن هِشَام- ٢


فَلَا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْتُ إذْ أَهْلُنَا مَعًا ... أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ إحْدَى الصَّفَائِقِ [١]
أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ أَنْ تَشْحَطَ النَّوَى ... وَيَنْأَى الْأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفَارِقِ [٢]
فَإِنِّي لَا ضَيَّعْتُ سِرَّ أَمَانَةٍ ... وَلَا رَاقَ عَيْنِي عَنْكَ بَعْدَكَ رَائِقُ [٣]
سِوَى أَنَّ مَا نَالَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ ... عَنْ الْوُدِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّوَامُقُ [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ الْبَيْتَيْنِ الْآخِرَيْنِ مِنْهَا لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، (قَالَ) [٥] قَالَتْ: وَأَنْتَ فَحُيِّيتُ سَبْعًا وَعَشْرَا، وِتْرًا وَثَمَانِيًا تَتْرَى [٦] . قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفْتُ بِهِ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو فِرَاسِ بْنُ أَبِي سُنْبُلَةَ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْهُمْ، عَمَّنْ كَانَ حَضَرَهَا مِنْهُمْ، قَالُوا: فَقَامَتْ إلَيْهِ حِينَ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ، فَمَا زَالَتْ تُقَبِّلُهُ حَتَّى مَاتَتْ عِنْدَهُ [٧] .

(شِعْرُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ:
جَزَى اللَّهُ عَنَّا مُدْلِجًا حَيْثُ أَصبَحت ... جزاءة بؤسي حَيْثُ سَارَتْ وَحَلَّتْ
أَقَامُوا عَلَى أَقْضَاضِنَا يَقْسِمُونَهَا ... وَقْدَ نُهِلَتْ فِينَا الرّماح وعلّت [٨]
فو الله لَوْلَا دِينُ آلِ مُحَمَّدٍ ... لَقَدْ هَرَبَتْ مِنْهُمْ خُيُولُ فَشَلَّتْ [٩]

--------------------------
[١] الصفائق: صوارف الخطوب وحوادثها، الْوَاحِدَة: صفيقة.
[٢] تشحط: تبعد. والنوى: الْبعد.
[٣] وَلَا راق: مَا أعجب.
[٤] التوامق: الْحبّ، وَفِي هَذَا الْبَيْت والّذي قبله إقواء.
[٥] زِيَادَة يقتضيها السِّيَاق.
[٦] تترى: متتابعة، وَأَصله وَترى، أبدلت التَّاء من الْوَاو.
[٧] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ: «مَاتَت عَلَيْهِ» .
[٨] الأقضاض: جمع قض، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الْأَمْوَال المجتمعة. يُقَال: جَاءَ الْقَوْم قضهم بقضيضهم:
إِذا جَاءُوا بأجمعهم. ونهلت. من النهل، وَهُوَ الشّرْب الأول. وعلت، من الْعِلَل، وَهُوَ الشّرْب الثَّانِي.
[٩] شلت: أَي طردت.



وَمَا ضَرَّهُمْ أَنْ لَا يُعِينُوا كَتِيبَةً ... كَرِجْلِ جَرَادٍ أُرْسِلَتْ فَاشْمَعَلَّتِ [١]
فَإِمَّا يَنْبُوا أَوْ يَثُوبُوا لِأَمْرِهِمْ ... فَلَا نَحْنُ نَجْزِيهِمْ بِمَا قَدْ أَضَلَّتْ [٢]

(شِعْرُ وَهْبٍ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ):
فَأَجَابَهُ وَهْبٌ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَقَالَ:
دَعَوْنَا إلَى الْإِسْلَامِ وَالْحَقِّ عَامِرًا ... فَمَا ذَنْبُنَا فِي عَامِرٍ إذْ تَوَلَّتْ
وَمَا ذَنْبُنَا فِي عَامِرٍ لَا أَبَا لَهُمْ ... لِأَنْ سَفِهَتْ أَحْلَامُهُمْ ثُمَّ ضَلَّتْ
وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ:
لِيَهْنِئْ بَنِي كَعْبٍ مُقَدَّمُ خَالِدٍ ... وَأَصْحَابِهِ إذْ صَبَّحَتْنَا الْكَتَائِبُ [٣]
فَلَا تِرَةٌ يَسْعَى بِهَا ابْنُ خُوَيْلِدٍ ... وَقَدْ كُنْتَ مَكْفِيًّا لَوَ انَّكَ غَائِبُ [٤]
فَلَا قَوْمُنَا يَنْهَوْنَ عَنَّا غُوَاتَهُمْ ... وَلَا الدَّاءُ مِنْ يَوْمِ الْغُمَيْصَاءِ ذَاهِبُ [٥]

(شِعْرُ غُلَامٍ جَذْمِيٍّ هَارِبٍ أَمَامَ خَالِدٍ):
وَقَالَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، وَهُوَ يَسُوقُ بِأُمِّهِ وَأُخْتَيْنِ لَهُ وَهُوَ هَارِبٌ بِهِنَّ مِنْ جَيْشِ خَالِدٍ:
رَخِّينَ أَذْيَالَ الْمُرُوطِ وَارْبَعَنْ ... مَشْيَ حَيِيَّاتٍ كَأَنْ لَمْ يُفْزَعَنْ [٦]
إنْ تُمْنَعْ الْيَوْمَ نِسَاءٌ تُمْنَعَنْ

(ارتجاز غلمة من بَنِي جَذِيمَةَ حِينَ سَمِعُوا بِخَالِدِ):
وَقَالَ غِلْمَةٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، يُقَالُ لَهُمْ بَنُو مُسَاحِقٍ، يَرْتَجِزُونَ حِينَ سَمِعُوا بِخَالِدِ فَقَالَ أَحَدُهُمْ:
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ بَيْضَاءُ الْإِطِلْ ... يَحُوزُهَا ذُو ثَلَّةٍ وَذُو إبِلْ [٧]
لَأُغْنِيَنَّ الْيَوْمَ مَا أَغْنَى رَجُلْ

--------------------------
[١] رجل جَراد: جمَاعَة مِنْهُ. واشمعلت: تَفَرَّقت.
[٢] يثوبوا: يرجِعوا.
[٣] مقدم، بتَشْديد الدَّال، أَي قدوم.
[٤] الترة: الْعَدَاوَة وَطلب الثأر.
[٥] غواتهم: سفهاءهم.
[٦] المروط: جمع مرط، وَهُوَ كسَاء من خَز أَو غَيره، وأربعن، يُقَال: ربعت عَلَيْهِ إِذا أَقمت عَلَيْهِ.
[٧] الإطل: الخاصرة. والثلة، بِفَتْح الثَّاء: القطيع من الْغنم.



وَقَالَ الْآخَرُ:
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ تُلْهِي الْعِرْسَا ... لَا تَمْلَأُ الْحَيْزُومَ مِنْهَا نَهْسَا [١]
لَأَضْرِبَنَّ الْيَوْمَ ضَرْبًا وَعْسَا ... ضَرْبَ الْمُحِلِّينَ مَخَاضًا قُعْسَا [٢]
وَقَالَ الْآخَرُ:
أَقْسَمْتُ مَا إنْ خَادِرٌ ذُو لِبْدَهْ ... شَثْنُ الْبَنَانِ فِي غَدَاةٍ بَرْدَهْ [٣]
جَهْمُ الْمُحَيَّا [٤] ذُو سِبَالٍ [٥] وَرْدَهْ ... يُرْزِمُ بَيْنَ أَيْكَةٍ وَجَحْدَهْ [٦]
ضَارٍ بِتَأْكَالِ الرِّجَالِ وَحْدَهْ ... بِأَصْدَقَ الْغَدَاةَ مَنِّي نَجْدَهْ [٧]

مَسِيرُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِهَدْمِ الْعُزَّى

(خَالِدٌ وَهَدْمُهُ لِلْعُزَّى):
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى الْعُزَّى، وَكَانَتْ بِنَخْلَةَ [٨]، وَكَانَتْ بَيْتًا يُعَظِّمُهُ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَمُضَرَ كُلِّهَا، وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا بَنِي شَيْبَانَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ حَلْفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ، فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا السُّلَمِيُّ بِمَسِيرِ خَالِدٍ إلَيْهَا، عَلَّقَ عَلَيْهَا سَيْفَهُ، وَأَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ [٩] الَّذِي هِيَ فِيهِ وَهُوَ يَقُولُ:

--------------------------
[١] الحيزوم: أَسْفَل عِظَام الصَّدْر، وَهُوَ مَا يَقع عَلَيْهِ الحزام. والنهس: أكل اللَّحْم بِمقدم الْأَسْنَان.
يُرِيد أَنَّهَا قَليلَة الْأكل.
[٢] وعسا: سَرِيعا. والمحلون الَّذين خَرجُوا من الْحرم إِلَى الْحل. والمخاض الْإِبِل الْحَوَامِل.
والقعس: الَّتِي تتأخر وتأبى أَن تمشى.
[٣] الخادر: الْأسد الدَّاخِل فِي الخدر، والخدر، الأجمة، وَهِي مَوضِع الْأسد. واللبدة: الشّعْر الّذي فَوق كَتفيهِ. وشئن: غليظ. والبنان: الْأَصَابِع. وبرده: أَي بَارِدَة.
[٤] جهم: عَابس. والمحيا: الْوَجْه.
[٥] كَذَا فِي م، ر. والسبال: الشّعْر الّذي حول فَمه. وَفِي (أ) الشبال: وَهُوَ جمع شبْل.
[٦] يرزم: يصوت. والأيكة: الشَّجَرَة الْكَثِيرَة الأغصان. والجحدة القليلة الْوَرق والأغصان.
[٧] ضار: متعود. والتأكال: الْأكل. والنجدة: الشجَاعَة.
[٨] نَخْلَة: اسْم مَوضِع.
[٩] أسْند فِي الْجَبَل: ارْتَفع فِيهِ.



أَيَا عُزَّ شُدِّي شِدَّةً لَا شَوَى لَهَا [١] ... عَلَى خَالِدٍ أَلْقِي الْقِنَاعَ وَشَمِّرِي
يَا عُزَّ إنْ لَمْ تَقْتُلِي الْمَرْءَ خَالِدًا ... فَبُوئِي بِإِثْمِ عَاجِلٍ أَوْ تَنَصَّرِي [٢]
فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهَا خَالِدٌ هَدَمَهَا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَقَامَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة بَعْدَ فَتْحِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ.

غَزْوَةُ حُنَيْنٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بَعْدَ الْفَتْحِ

(اجْتِمَاعُ هَوَازِنَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا سَمِعَتْ هَوَازِنُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ [٣]، جَمَعَهَا مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ، فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ مَعَ هَوَازِنَ ثَقِيفٌ كُلُّهَا، وَاجْتَمَعَتْ نَصْرٌ وَجُشَمٌ كُلُّهَا، وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَنَاسٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، وَهُمْ قَلِيلٌ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ إلَّا هَؤُلَاءِ، وَغَابَ عَنْهَا فَلَمْ يَحْضُرْهَا مِنْ هَوَازِنَ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ لَهُ اسْمٌ، وَفِي بَنِي جُشَمٍ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا التَّيَمُّنَ بِرَأْيِهِ وَمُعْرِفَتَهُ بِالْحَرْبِ، وَكَانَ شَيْخًا مُجَرِّبًا، وَفِي ثَقِيفٍ سَيِّدَانِ لَهُمْ، (و[٤]) فِي الْأَحْلَافِ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودِ ابْن مُعَتِّبٍ، وَفِي بَنِي مَالِكٍ ذُو الْخِمَارِ سُبَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَخُوهُ أَحْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَجِمَاعُ أَمْرِ النَّاسِ إلَى مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ. فَلَمَّا أَجْمَعَ السَّيْرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَطَّ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَ بِأَوْطَاسٍ [٥]

------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَمعنى لَا شوى لَهَا: أَنَّهَا لَا تبقى على شَيْء. وَفِي أ «لَا ثوى لَهَا» .
[٢] بوئى: ارجعي، وَفِي الْبَيْت خرم.
[٣] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ «من فتح مَكَّة» .
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] أَوْطَاس: راد فِي ديار هوَازن كَانَت فِيهِ وقْعَة حنين، وفيهَا قَالَ النَّبِي ﷺ:



اجْتَمَعَ إلَيْهِ النَّاسُ، وَفِيهِمْ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ فِي شِجَارٍ [١] لَهُ يُقَادُ بِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ:
بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: بِأَوْطَاسٍ، قَالَ: نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ! لَا حَزْنٌ ضِرْسٌ [٢]، وَلَا سَهْلٌ دَهْسٌ [٣]، مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُعَارَ الشَّاءِ [٤]؟ قَالُوا: سَاقَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ.
قَالَ: أَيْنَ مَالِكٌ؟ قِيلَ: هَذَا مَالِكٌ وَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: يَا مَالِكُ، إنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِكَ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ من الأيّام. مَا لي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُعَارَ الشَّاءِ؟ قَالَ: سُقْتُ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، قَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ، قَالَ: فَأَنْقَضَ بِهِ [٥] . ثُمَّ قَالَ: رَاعِي ضَأْنٍ [٦] وَاَللَّهِ! وَهَلْ يَرُدُّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ إنَّهَا إنْ كَانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتُ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟
قَالُوا: لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَالَ: غَابَ الْحَدُّ [٧] وَالْجِدُّ، وَلَوْ كَانَ يَوْمَ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ، فَمَنْ شَهِدَهَا مِنْكُمْ؟ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، وَعَوْفُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ:
ذَانِكَ الْجَذَعَانِ [٨] مِنْ عَامِرٍ، لَا يَنْفَعَانِ وَلَا يَضُرَّانِ، يَا مَالِكُ، إنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ

---------------------------
[()] الْآن حمى الْوَطِيس، وَذَلِكَ حِين استعرت الْحَرْب، وَهِي من الْكَلم الَّتِي لم يسْبق النَّبِي إِلَيْهَا. (رَاجع مُعْجم ياقوت والسهيليّ) .
[١] الشجار: شبه الهودج إِلَّا أَنه مَكْشُوف الْأَعْلَى. (عَن أَبى ذَر) .
[٢] الْحزن: الْمُرْتَفع من الأَرْض. والضرس: الّذي فِيهِ حِجَارَة محددة.
[٣] الدهس: اللين الْكثير التُّرَاب.
[٤] يعار الشَّاء: صَوتهَا.
[٥] أنقض بِهِ، أَي زَجره. من الإنقاض، وَهُوَ أَن تلصق لسَانك بالحنك الْأَعْلَى، ثمَّ تصوت فِي حافيته من غير أَن ترفع طرفه عَن مَوْضِعه. أَو هُوَ التصويت بالوسطى والإبهام كَأَنَّك تدفع بهما شَيْئا، وَذَلِكَ حِين تنكر على غَيْرك قولا أَو عملا.
[٦] قَوْله «رَاعى ضَأْن» يجهله بذلك، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أَصبَحت هزاء لراعى الضَّأْن أعجبه ... مَاذَا يريبك منى رَاعى الضَّأْن؟
[٧] غَابَ الْحَد: يُرِيد الشجَاعَة والحدة.
[٨] الجذعان: يُرِيد أَنَّهُمَا ضعيفان فِي الْحَرْب، بِمَنْزِلَة الْجذع فِي سنه.



الْبَيْضَةِ بَيْضَةِ هَوَازِنَ [١] إلَى نُحُورِ الْخَيْلِ شَيْئًا، ارْفَعْهُمْ إلَى مُتَمَنَّعِ بِلَادِهِمْ وَعُلْيَا قَوْمِهِمْ، ثُمَّ الْقَ الصُّبَاءَ [٢] عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ لَحِقَ بِكَ مَنْ وَرَاءَكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ أَلْفَاكَ ذَلِكَ قَدْ أَحْرَزْتُ أَهْلَكَ وَمَالَكَ. قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، إنَّكَ قَدْ كَبِرْتُ وَكَبِرَ عقلك. وَالله لتطعينّنى يَا مَعْشَرَ هوَازن أَو لأتّكسئنّ عَلَى هَذَا السَّيْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي. وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ فِيهَا ذِكْرٌ أَوْ رَأْيٌ، فَقَالُوا: أَطَعْنَاكَ، فَقَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ وَلَمْ يَفُتْنِي:
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ [٣]
أَقُودُ وَطْفَاءَ الزَّمَعْ ... كَأَنَّهَا شَاةٌ صَدَعْ [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ قَوْلَهُ:
«يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ
»

(الْمَلَائِكَةُ وَعُيُونُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ لِلنَّاسِ: إذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ، ثُمَّ شُدُّوا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَنَّهُ حَدَّثَ: أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا مِنْ رِجَالِهِ، فَأَتَوْهُ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَوْصَالُهُمْ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا: رَأَيْنَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خيل بلق، فو الله مَا تَمَاسَكْنَا أَنْ أَصَابَنَا مَا ترى، فو الله مَا رَدَّهُ ذَلِكَ عَنْ وَجْهِهِ أَنْ مَضَى عَلَى مَا يُرِيدُ.

(بَعْثُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ عَيْنًا عَلَى هَوَازِنَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ

---------------------------
[١] بَيْضَة هوَازن: جَمَاعَتهمْ.
[٢] الصباء: جمع صابئ، وهم الْمُسلمُونَ عِنْدهم، كَانُوا يسمونهم بِهَذَا لأَنهم صبئوا من دينهم، أَي خَرجُوا من دين الْجَاهِلِيَّة إِلَى الْإِسْلَام.
[٣] الْجذع: الشَّاب. والخبب والوضع: ضَرْبَان من السّير.
[٤] الوطفاء: الطَّوِيلَة الشّعْر. والزمع: الشّعْر الّذي فَوق مربط قيد الدَّابَّة. يُرِيد فرسا صفتهَا هَكَذَا وَهُوَ مَحْمُود فِي وصف الْخَيل. وَالشَّاة هُنَا: الوعل. وصدع: أَي وعل بَين الوعلين، لَيْسَ بالعظيم وَلَا بالحقير.



ابْن أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي النَّاسِ، فَيُقِيمَ فِيهِمْ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ. فَانْطَلَقَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ، فَدَخَلَ فِيهِمْ، فَأَقَامَ فِيهِمْ، حَتَّى سَمِعَ وَعَلِمَ مَا قَدْ أَجْمَعُوا لَهُ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَسَمِعَ مِنْ مَالِكٍ وَأَمْرِ هَوَازِنَ مَا هُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، (فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ. فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ: إنْ كَذَّبْتنِي فَرُبَّمَا كَذَّبْتُ بِالْحَقِّ يَا عُمَرُ، فَقَدْ كَذَّبْتَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تسمع مَا يَقُول ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ كُنْتُ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ يَا عُمَرُ) [١] .

(سَأَلَ الرَّسُولُ صَفْوَانَ أَدْرَاعَهُ وَسِلَاحَهُ فَقَبِلَ):
فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّيْرَ إلَى هَوَازِنَ لِيَلْقَاهُمْ، ذُكِرَ لَهُ أَنَّ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ [٢] أَدْرَاعًا لَهُ وَسِلَاحًا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ.
فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، أَعِرْنَا سِلَاحَكَ هَذَا نَلْقَ فِيهِ عَدُوَّنَا غَدًا، فَقَالَ صَفْوَانُ:
أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَةٌ وَمَضْمُونَةٌ حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إلَيْكَ، قَالَ: لَيْسَ بِهَذَا بَأْس، فَأعْطَاهُ مائَة دِرْعٍ بِمَا يَكْفِيهَا مِنْ السِّلَاحِ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ [٣] أَنْ يَكْفِيَهُمْ حَمْلَهَا، فَفَعَلَ.

(خُرُوجُ الرَّسُولِ بِجَيْشِهِ إلَى هَوَازِنَ):
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مَعَ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ، فَفَتَحَ اللَّهُ بِهِمْ مَكَّةَ، فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ ابْن عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى مَكَّةَ، أَمِيرًا عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنْ النَّاسِ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ يُرِيدُ لِقَاءَ هَوَازِنَ.

-----------------------
[١] مَا بَين القوسين أغفلته نُسْخَة أ. وَهُوَ مَذْكُور فِي شرح الزرقانى على الْمَوَاهِب من رِوَايَة الْوَاقِدِيّ.
[٢] وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِي الْمدَّة الَّتِي جعل لَهُ رَسُول الله ﷺ الْخِيَار فِيهَا. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «طلب مِنْهُ أَن يكفيهم ... إِلَخ» .



(قَصِيدَةُ عَبَّاسِ ابْن مِرْدَاسٍ):
فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ:
أَصَابَتْ الْعَامَ رِعْلًا غُولُ قَوْمِهِمْ ... وَسْطَ الْبُيُوتِ وَلَوْنُ الْغُولِ أَلْوَانُ [١]
يَا لَهْفَ أُمِّ كِلَابٍ إذْ تُبَيِّتُهُمْ ... خَيْلُ ابْنِ هَوْذَةَ لَا تُنْهَى وَإِنْسَانُ [٢]
لَا تَلْفِظُوهَا وَشُدُّوا عَقْدَ ذِمَّتِكُمْ ... أَنَّ ابْنَ عَمِّكُمْ سَعْدٌ وَدُهْمَانُ [٣]
لَنْ تَرْجِعُوهَا [٤] وَإِنْ كَانَتْ مُجَلِّلَةً [٥] ... مَا دَامَ فِي النَّعَمِ الْمَأْخُوذِ أَلْبَانُ
شَنْعَاءُ جلّل من سوءاتها حَضَنٌ ... وَسَالَ ذُو شَوْغَرٍ مِنْهَا وَسُلْوَانُ [٦]
لَيْسَتْ بِأَطْيَبَ مِمَّا يَشْتَوِي حَذَفٌ ... إذْ قَالَ: كُلُّ شِوَاءِ الْعَيْرِ جُوفَانُ [٧]
وَفِي هَوَازِنَ قَوْمٌ غَيْرَ أَنَّ بِهِمْ ... دَاءَ الْيَمَانِيِّ فَإِنْ لَمْ يَغْدِرُوا خَانُوا
فِيهِمْ أَخٌ لَوْ وَفَوْا أَوْ بَرَّ عَهْدُهُمْ ... وَلَوْ نَهَكْنَاهُمْ بِالطَّعْنِ قَدْ لَانُوا [٨]
أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا ... مِنِّي رِسَالَةَ نُصْحٍ فِيهِ تِبْيَانُ
أَنِّي أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ صَابِحَكُمْ ... جَيْشًا لَهُ فِي فَضَاءِ الْأَرْضِ أَرْكَانُ
فِيهِمْ أَخُوكُمْ سُلَيْمٌ غَيْرَ تَارِكِكُمْ ... وَالْمُسْلِمُونَ عِبَادَ اللَّهِ غَسَّانُ
وَفِي عِضَادَتِهِ الْيُمْنَى بَنُو أَسَدٍ ... وَالْأَجْرَبَانِ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ [٩]
تَكَادُ تَرْجُفُ مِنْهُ الْأَرْضُ رَهْبَتَهُ ... وَفِي مُقَدَّمِهِ أَوْسٌ وَعُثْمَانُ

----------------------
[١] رعل: قَبيلَة من سليم. والغول: الداهية.
[٢] إِنْسَان: قَبيلَة من قيس، ثمَّ من بنى نصر. قَالَه البرقي. وَقيل هم من بنى جشم بن بكر (انْظُر السهيليّ) . وَقَالَ أَبُو ذَر: إِنْسَان هُنَا اسْم قبيل فِي هوَازن.
[٣] سعد ودهمان: ابْنا نصر بن مُعَاوِيَة بن بكر، من هوَازن.
[٤] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ «لَا ترجعوها» .
[٥] مُجَللَة: مغطية.
[٦] حضن: جبل بِنَجْد. وَذُو شوغر، وسلوان: واديان.
[٧] حذف هُنَا: اسْم رجل، وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة. ويروى أَيْضا جدف بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة، وَهِي رِوَايَة الخشى. وَالْعير: حمَار الْوَحْش. والجوفان: غرموله. يُرِيد أَن كل مَا يشوى من العير فَهُوَ كالغرمول لَا يستساغ.
[٨] نهكناهم: أَي أذللناهم، وبالغنا فِي ضرهم.
[٩] سميا الأجربين تَشْبِيها لَهما بالأجرب الّذي يفر النَّاس مِنْهُ.



قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَوْسٌ وَعُثْمَانُ: قَبِيلَا مُزَيْنَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ قَوْلِهِ «
أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا
» إلَى آخِرِهَا، فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ، وَهُمَا مَفْصُولَتَانِ، وَلَكِنَّ ابْنَ إسْحَاقَ جَعَلَهُمَا وَاحِدَةً.

(أَمْرُ ذَاتِ أَنْوَاطٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَسِرْنَا مَعَهُ إلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْعَرَبِ لَهُمْ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ خَضْرَاءُ، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلَّ سَنَةٍ، فَيُعَلِّقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَيْهَا، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا. قَالَ: فَرَأَيْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِدْرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً، قَالَ: فَتَنَادَيْنَا مِنْ جَنَبَاتِ الطَّرِيقِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: «اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» . إنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.

(لِقَاءُ هَوَازِنَ وَثَبَاتُ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا اسْتَقْبَلْنَا وَادِيَ حُنَيْنٍ انْحَدَرْنَا فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ أَجْوَفَ [١] حَطُوطٍ [٢]، إنَّمَا نَنْحَدِرُ فِيهِ انْحِدَارًا، قَالَ: وَفِي عَمَايَةِ الصُّبْحِ [٣]، وَكَانَ الْقَوْمُ قَدْ سَبَقُونَا إلَى الْوَادِي، فَكَمَنُوا لَنَا فِي شِعَابِهِ وَأَحْنَائِهِ [٤] وَمَضَايِقِهِ،

-----------------------
[١] تهَامَة: مَا انخفض من أَرض الْحجاز. وأجوف: متسع. وحطوط: منحدر.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «أجوف ذِي خطوط» .
[٣] عماية الصُّبْح: ظلامة قبل أَن يتَبَيَّن.
[٤] الشعاب هُنَا: الطّرق الْخفية. وأحناؤه: جوانبه. وَرِوَايَة الزرقانى: «وأجنابه» .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #119  
قديم 11-01-2026, 04:23 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (119)

صــ 443إلى صــ 452



وَقَدْ أَجْمَعُوا وتهيّئوا وأعدّوا، فو الله مَا رَاعَنَا وَنَحْنُ مُنْحَطُّونَ إلَّا الْكَتَائِبُ قَدْ شَدُّوا عَلَيْنَا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَانْشَمَرَ [١] النَّاسُ رَاجِعِينَ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ.
وَانْحَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ الْيَمِينِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ؟
هَلُمُّوا إلَيَّ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: فَلَا شَيْءَ [٢]، حَمَلَتْ الْإِبِلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ.

(أَسمَاء من تبت مَعَ الرَّسُولِ):
وَفِيمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَابْنُهُ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. وَأَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ جَعْفَرٌ، وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَعُدُّ فِيهِمْ قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَلَا يَعُدُّ ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَرَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ، بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ فِي رَأْسِ رُمْحٍ لَهُ طَوِيلٍ، أَمَامَ هَوَازِنَ، وَهَوَازِنُ خَلْفَهُ، إذَا أَدْرَكَ طَعَنَ بِرُمْحِهِ، وَإِذَا فَاتَهُ النَّاسُ رَفَعَ رُمْحَهُ لِمَنْ وَرَاءَهُ فَاتَّبَعُوهُ.

(شَمَاتَةُ أَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ بِالْمُسْلِمِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ، وَرَأَى مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكَّةَ الْهَزِيمَةَ، تَكَلَّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الضِّغْنِ [٣]، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَإِنَّ الْأَزْلَامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ [٤] . وَصَرَخَ جَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ- وَهُوَ

------------------------
[١] انشمر النَّاس: انْفَضُّوا وانهزموا.
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي شرح الْمَوَاهِب: «فلأي شَيْء» . يُرِيد: فلشيء عَظِيم.
[٣] الضغن: الْعَدَاوَة.
[٤] الضَّمِير رَاجع إِلَى أَبى سُفْيَان. والأزلام: السِّهَام الَّتِي يستقسمون بهَا.


مَعَ أَخِيهِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مُشْرِكٌ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا بَطَلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ! فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: اُسْكُتْ فَضَّ الله فَاك [١]، فو اللَّهُ لَأَنْ يَرُبَّنِي [٢] رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ.

(شِعْرُ حَسَّانَ فِي هِجَاءِ كَلَدَةَ):
[٣] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَهْجُو كَلَدَةَ:
رَأَيْتُ سَوَادًا مِنْ بَعِيدٍ فَرَاعَنِي ... أَبُو حَنْبَلٍ يَنْزُو عَلَى أُمِّ حَنْبَلِ
كَأَنَّ الَّذِي يَنْزُو بِهِ فَوْقَ بَطْنِهَا ... ذِرَاعُ قَلُوصٍ مِنْ نِتَاجِ ابْنِ عِزْهِلِ
أَنْشَدَنَا أَبُو زَيْدٍ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ هَجَا بِهِمَا صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَكَانَ أَخَا كَلَدَةَ لِأُمِّهِ.

(عَجْزُ شَيْبَةَ عَنْ قَتْلِ الرَّسُولِ وَقَدْ هَمَّ بِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ:
قُلْتُ: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي (مِنْ مُحَمَّدٍ) [٤]، وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، الْيَوْمَ أَقْتُلُ مُحَمَّدًا. قَالَ: فَأَدَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ لِأَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتَّى تَغَشَّى فُؤَادِي، فَلَمْ أُطِقْ ذَاكَ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنِّي.
قَالُ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ فَصَلَ مِنْ مَكَّةَ إلَى حُنَيْنٍ، وَرَأَى كَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرٍ قَالَهَا.

(رُجُوعُ النَّاسِ بِنِدَاءِ الْعَبَّاسِ وَالِانْتِصَارُ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: إنِّي لَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آخِذٌ بِحَكَمَةِ

----------------------
[١] فض الله فَاه: أَي أسقط أَسْنَانه.
[٢] يربنِي: يكون رَبًّا لي، أَي مَالِكًا على.
[٣] من هُنَا إِلَى قَوْله: «وَكَانَ أَخا كلدة لأمه» سَاقِط فِي أ.
[٤] زِيَادَة عَن أ.



بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ قَدْ شَجَرْتُهَا بِهَا [١]، قَالَ: وَكُنْتُ امْرَأً جَسِيمًا شَدِيدَ الصَّوْتِ، قَالَ:
وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ رَأَى مَا رَأَى مِنْ النَّاسِ: أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ؟
فَلَمْ أَرَ النَّاسَ يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ، اُصْرُخْ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ:
يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السَّمُرَةِ، قَالَ: فَأَجَابُوا: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ! قَالَ: فَيَذْهَبُ الرَّجُلُ لِيُثْنِيَ بَعِيرَهُ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَأْخُذُ دِرْعَهُ، فَيَقْذِفُهَا فِي عُنُقِهِ، وَيَأْخُذُ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ، وَيَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ، وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ، فَيَؤُمُّ الصَّوْتَ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. حَتَّى إذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُم مائَة، اسْتَقْبَلُوا النَّاسَ، فَاقْتَتَلُوا، وَكَانَتْ الدَّعْوَى أَوَّلَ مَا كَانَتْ: يَا لَلْأَنْصَارِ. ثُمَّ خَلَصَتْ أَخَيْرًا:
يَا لَلْخَزْرَجِ. وَكَانُوا صُبْرًا عِنْدَ الْحَرْبِ، فَأَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَكَائِبِهِ. فَنَظَرَ إلَى مُجْتَلَدِ الْقَوْمِ [٢] وَهُمْ يَجْتَلِدُونَ، فَقَالَ: الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ [٣] .

(بَلَاءُ عَلِيٍّ وَأَنْصَارِيٍّ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ هَوَازِنَ صَاحِبُ الرَّايَةِ عَلَى جَمَلِهِ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ، إذْ هَوَى لَهُ [٤] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُرِيدَانِهِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ خَلْفِهِ، فَضَرَبَ عُرْقُوبَيْ الْجَمَلِ، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ [٥]، وَوَثَبَ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَنَّ قَدَمَهُ [٦] بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَانْجَعَفَ [٧] عَنْ رَحْلِهِ، قَالَ: واجتلد النَّاس، فو الله مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتَّى وَجَدُوا الْأُسَارَى مُكَتَّفِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

-----------------------
[١] شجرتها بهَا: أَي وَضَعتهَا فِي شَجَرهَا، وَهُوَ مُجْتَمع اللحيين.
[٢] مجتلد الْقَوْم: مَكَان جلادهم بِالسُّيُوفِ، وَهُوَ حَيْثُ تكون المعركة.
[٣] رَاجع الْحَاشِيَة رقم ٥ ص ٤٣٧ من هَذَا الْجُزْء.
[٤] يُقَال: هوى لَهُ وأهوى إِلَيْهِ: إِذا مَال عَلَيْهِ.
[٥] عَجزه: مؤخره.
[٦] أطن قدمه: أطارها، وَسمع لضربه طنين، أَي دوى.
[٧] انجعف عَن رَحْله: سقط عَنهُ صَرِيعًا.



قَالَ: وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مِمَّنْ صَبَرَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ حَسَنَ الْإِسْلَامِ حِينَ أَسْلَمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِثَفَرِ بَغْلَتِهِ [١]، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا ابْنُ أُمِّكَ [٢] يَا رَسُولَ اللَّهِ.

(شَأْنُ أُمِّ سُلَيْمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْتَفَتَ فَرَأَى أمّ سليم [٣] بنت مِلْحَانَ، وَكَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي طَلْحَةَ [٤] وَهِيَ حَازِمَةٌ وَسَطَهَا بِبُرْدٍ لَهَا، وَإِنَّهَا لَحَامِلٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَعَهَا جَمَلُ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ خَشِيَتْ أَنْ يَعُزَّهَا [٥] الْجَمَلُ، فَأَدْنَتْ رَأْسَهُ مِنْهَا، فَأَدْخَلَتْ يَدَهَا فِي خِزَامَتِهِ [٦] مَعَ الْخِطَامِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُمُّ سُلَيْمٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُقْتُلْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْهَزِمُونَ عَنْكَ كَمَا تَقْتُلُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكَ، فَإِنَّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَوَ يَكْفِي اللَّهُ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ [٧]؟ قَالَ: وَمَعَهَا خِنْجَرٌ [٨]، فَقَالَ لَهَا أَبُو طَلْحَةَ: مَا هَذَا الْخِنْجَرُ مَعَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ قَالَتْ: خِنْجَرٌ أَخَذته، إِن- نَا مِنِّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ

--------------------------
[١] الثفر بِالتَّحْرِيكِ: السّير فِي مُؤخر السرج.
[٢] قَوْله: أَنا ابْن أمك: إِنَّمَا هُوَ ابْن عمك، لكنه أَرَادَ أَن يتَقرَّب إِلَيْهِ، لِأَن الْأُم الَّتِي هِيَ الْجدّة قد تجمعهما فِي النّسَب.
[٣] فِي اسْمهَا خلاف، قيل هِيَ (مليكَة بنت ملْحَان) وَقيل (رميلة)، وَيُقَال (سهيلة) . وتعرف بالغميصاء، لرمص كَانَ فِي عينيها.
[٤] هُوَ زيد بن سهل بن الْأسود بن حرَام.
[٥] يعزها: يغلبها.
[٦] الخزامة: حَلقَة من شعر تجْعَل فِي أنف الْبَعِير.
[٧] وَفِي رِوَايَة: إِن الله قد كفى وَأحسن. وَيُؤْخَذ من رد النَّبِي على أم سليم أَن فرار الْمُسلمين يَوْم حنين لم يكن من الْكَبَائِر، وَلم يجمع الْعلمَاء على أَن الْفِرَار مَعْدُود فِي الْكَبَائِر إِلَّا فِي يَوْم بدر، قَالَ تَعَالَى: وَمن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ٨: ١٦ فَيَوْمئِذٍ إِشَارَة إِلَى يَوْم بدر، أما الفارون يَوْم أحد فقد نزل فيهم: (وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم) وَأما الفارون فِي يَوْم حنين فقد نزل فيهم أَيْضا (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ٩: ٢٥) إِلَى قَوْله:
(غَفُورٌ رَحِيمٌ ٩: ٢٧) .
[٨] الخنجر بِفَتْح الْخَاء- وَكسرهَا- السكين.



بَعَجْتُهُ [١] بِهِ قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: أَلَا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ الرُّمَيْصَاءُ.

(شِعْرُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فِي هَزِيمَةِ النَّاسِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حِينَ وَجَّهَ إلَى حُنَيْنٍ، قَدْ ضَمَّ بَنِي سُلَيْمٍ الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيَّ، فَكَانُوا إلَيْهِ وَمَعَهُ، وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ قَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ يَرْتَجِزُ بِفَرَسِهِ:
أَقْدِمْ مُحَاجُ إنَّهُ يَوْمٌ نُكُرْ ... مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ يَحْمِي وَيَكُرْ [٢]
إذَا أُضِيعَ الصَّفُّ يَوْمًا والدُّبُرْ ... ثُمَّ احْزَأَلَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ [٣]
كَتَائِبٌ يَكِلُّ فِيهِنَّ الْبَصَرْ ... قَدْ أَطْعَنُ الطَّعْنَةَ تَقْذِي بِالسُّبُرْ [٤]
حِينَ يُذَمُّ الْمُسْتَكِينُ الْمُنْجَحِرْ ... وَأَطْعَنُ النَّجْلَاءَ تَعْوِي وَتَهِرْ [٥]
لَهَا مِنْ الْجَوْفِ رَشَاشٌ مُنْهَمِرْ ... تَفْهَقُ تَارَاتٍ وَحِينًا تَنْفَجِرْ [٦]
وَثَعْلَبُ الْعَامِلِ فِيهَا مُنْكَسِرْ ... يَا زَيْدُ يَا بْنَ هَمْهَمٍ أَيْنَ تَفِرْ [٧]
قَدْ نَفِدَ الضِّرْسُ وَقَدْ طَالَ الْعُمُرْ ... قَدْ عَلِمَ الْبِيضُ الطَّوِيلَاتُ الْخُمُرْ [٨]
أَنِّي فِي أَمْثَالِهَا غَيْرُ غَمِرْ [٩] ... إذْ تُخْرَجُ الْحَاصِنُ مِنْ تَحْتِ السُّتُرْ [١٠]

-------------------------
[١] بعجته: يُقَال: بعج بَطْنه، إِذا شقَّه.
[٢] محاج: اسْم فرس مَالك بن عَوْف.
[٣] احزألت: ارْتَفَعت. وزمر جماعات.
[٤] يكل فِيهِنَّ الْبَصَر: يعيا عَن إِدْرَاك نهايتها لِكَثْرَة عَددهَا. والسبر: جمع سبار، وَهُوَ الفتيل يسبر بِهِ الْجرْح. وتقذى يُقَال: قذت الْعين تقذى (من بَاب رمى) قذيا وقذيانا: قذفت بالغمص والرمص: وَمعنى تقذى بالسبر: تقذف بهَا لِكَثْرَة مَا يندفق مِنْهَا من دم وَنَحْوه.
[٥] المستكين: الذَّلِيل الخانع. والمنجحر: المتستر فِي جُحْره، وَالْمرَاد من اعْتصمَ بمَكَان.
والنجلاء: الطعنة المتسعة. وتعوى وتهر: أَي الَّتِي يسمع لخُرُوج الدَّم مِنْهَا صَوت كالعواء والهرير.
[٦] الرشاش: مَا يخرج من الدَّم مُتَفَرقًا. ومنهمر: منصب. وتفهق: تنفتح. وينفجر: يسيل مِنْهَا الدَّم.
[٧] الثَّعْلَب: مَا دخل من عَصا الرمْح فِي السنان. وَالْعَامِل: أَعلَى الرمْح.
[٨] نفد الضرس: يُرِيد أَنه كَبرت سنه حَتَّى ذهبت أَسْنَانه، فَهُوَ محتنك مجرب. وَالْخمر: جمع خمار، وَهُوَ ثوب تغطى بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا.
[٩] الْغمر: بِفَتْح فَكسر: أَو بِفتْحَتَيْنِ (وَفِيه لُغَات أُخْرَى) الّذي لم يجرب الْأُمُور.
[١٠] كَذَا فِي أ. والحاصن: العفيفة الممتنعة. وَفِي م، ر: «الحاضن» (بالضاد الْمُعْجَمَة) وَهِي الَّتِي تحضن وَلَدهَا.



وَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ أَيْضًا:
أَقْدِمْ مُحَاجُ إنَّهَا الْأَسَاوِرَهْ ... وَلَا تَغُرَّنَّكَ رِجْلٌ نَادِرَهْ [١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِغَيْرِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ [٢]

(شَأْنُ أَبِي قَتَادَةَ وَسَلَبُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ حُدِّثَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى بَنِي غِفَارٍ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَا [٣]: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: رَأَيْتُ يَوْمَ حُنَيْنٍ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ: مُسْلِمًا وَمُشْرِكًا، قَالَ: وَإِذَا رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُ أَنْ يُعِينَ صَاحِبَهُ الْمُشْرِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَضَرَبْتُ يَدَهُ، فَقَطَعْتُهَا، وَاعْتَنَقَنِي بِيَدِهِ الْأُخْرَى، فو الله مَا أَرْسَلَنِي حَتَّى وَجَدْتُ رِيحَ الدَّمِ- وَيُرْوَى: رِيحَ الْمَوْتِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [٤]- وَكَادَ يَقْتُلُنِي، فَلَوْلَا أَنَّ الدَّمَ نَزَفَهُ [٥] لَقَتَلَنِي، فَسَقَطَ، فَضَرَبْتُهُ فَقَتَلْتُهُ، وَأَجْهَضَنِي عَنْهُ الْقِتَالُ [٦]، وَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [٧] وَفَرَغْنَا مِنْ الْقَوْمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَللَّهِ لَقَدْ قَتَلْتُ قَتِيلًا ذَا سَلَبٍ، فَأَجْهَضَنِي عَنْهُ الْقِتَالُ، فَمَا أَدْرِي مَنْ اسْتَلَبَهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ عَنِّي مِنْ سَلَبِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه:
لَا وَاَللَّهِ، لَا يُرْضِيهِ مِنْهُ، تَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنْ دِينِ اللَّهِ، تُقَاسِمُهُ سَلَبَهُ! اُرْدُدْ عَلَيْهِ سَلَبَ قَتِيلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ

-----------------------
[١] الأساورة: جمع أسوار (بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا) وَهُوَ قَائِد الْفرس، وَقيل هُوَ الْجيد الرَّمْي بِالسِّهَامِ، وَقيل هُوَ الْجيد الثَّبَات على ظهر الْفرس. ونادرة: أَي قد ندرت وانقطعت وبعدت.
[٢] فِي غير هَذَا الْيَوْم: يعْنى أَنَّهُمَا قيلا فِي يَوْم الْقَادِسِيَّة لَا فِي حنين.
[٣] كَذَا فِي أ.
[٤] كَذَا فِي م، ر وَفِي أ: «حَتَّى وجدت ريح الْمَوْت، ويروى ريح الدَّم، فِيمَا قَالَ ابْن هِشَام» .
[٥] نزفه الدَّم: سَالَ مِنْهُ حَتَّى أضعفه، فَأَشْرَف على الْمَوْت.
[٦] أجهضنى عَنهُ الْقِتَال: شغلني وضيق على وغلبني.
[٧] أوزار الْحَرْب، أثقالها وآلاتها. وَهِي اسْتِعَارَة.



اُرْدُدْ عَلَيْهِ سَلَبَهُ. فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَأَخَذْتُهُ مِنْهُ، فَبِعْتُهُ، فَاشْتَرَيْتُ بِثَمَنِهِ مَخْرَفًا [١]، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ اعْتَقَدْتُهُ [٢] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْن أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَقَدْ اسْتَلَبَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَحْدَهُ عِشْرِينَ رَجُلًا.

(نُصْرَةُ الْمَلَائِكَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، (أَنَّهُ حُدِّثَ) [٣] عَنْ جُبَيْرِ ابْن مُطْعِمٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ الْبِجَادِ [٤] الْأَسْوَدِ، أَقْبَلَ مِنْ السَّمَاءِ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا نَمَلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ [٥] قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ، لَمْ أَشُكَّ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ [٦] إلَّا هَزِيمَةُ الْقَوْمِ.

(هَزِيمَةُ الْمُشْرِكِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ حُنَيْنٍ، وَأَمْكَنَ رَسُولَهُ ﷺ مِنْهُمْ، قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:
قَدْ غَلَبَتْ خَيْلُ اللَّهِ خَيْلَ اللَّاتِ ... وَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالثَّبَاتِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالرِّوَايَةِ لِلشِّعْرِ:
غَلَبْتِ خَيْلُ اللَّهِ خَيْلَ اللَّاتِ ... وَخَيْلُهُ أَحَقُّ بِالثَّبَاتِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ اسْتَحَرَّ [٧] الْقَتْلُ مِنْ ثَقِيفٍ فِي بَنِي مَالِكٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا تَحْتَ رَايَتِهِمْ، فِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ

-------------------------
[١] المخرف: نَخْلَة وَاحِدَة أَو نخلات يسيرَة إِلَى عشر، فَأَما مَا فَوق ذَلِك فَهُوَ بُسْتَان أَو حديقة.
(انْظُر السهيليّ) .
[٢] اعتقدته: يُقَال: اعتقدت مَالِي: أَي اتَّخذت مِنْهُ عقدَة، كَمَا تَقول: نبذة أَو قِطْعَة وَالْأَصْل فِيهِ من العقد، وَأَن من ملك شَيْئا عقد عَلَيْهِ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] البجاد: الكساء.
[٥] مبثوث: متفرق، يعْنى رَآهُ ينزل من السَّمَاء.
[٦] كَذَا فِي م، ر. وَفِي ب أ «وَلم يكن» .
[٧] استحر: اشْتَدَّ.
٢٩- سيرة ابْن هِشَام- ٢



ابْن حَبِيبٍ، وَكَانَتْ رَايَتُهُمْ مَعَ ذِي الْخِمَارِ [١]، فَلَمَّا قُتِلَ أَخَذَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتْلُهُ، قَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ! فَإِنَّهُ كَانَ يُبْغِضُ قُرَيْشًا.

(الْغُلَامُ النَّصْرَانِيُّ الْأَغْرَلُ وَمَا كَادَ يَلْحَقُ ثَقِيفًا بِسَبَبِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ: أَنَّهُ قُتِلَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ غُلَامٌ لَهُ نَصْرَانِيٌّ أَغْرَلُ [٢]، قَالَ: فَبَيْنَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَسْلُبُ قَتْلَى ثَقِيفٍ، إذْ كَشَفَ الْعَبْدَ يَسْلُبُهُ، فَوَجَدَهُ أَغْرَلَ. قَالَ: فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ: يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ ثَقِيفًا غُرْلٌ. قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَذْهَبَ عَنَّا فِي الْعَرَبِ، فَقُلْتُ: لَا تَقُلْ ذَاكَ، فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، إنَّمَا هُوَ غُلَامٌ لَنَا نَصْرَانِيٌّ. قَالَ: ثُمَّ جَعَلْتُ أَكْشِفُ لَهُ عَنْ الْقَتْلَى، وَأَقُولُ لَهُ: أَلا تراهم مختّنين كَمَا تَرَى!

(فِرَارُ قَارِبٍ وَقَوْمِهِ وَشِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي هِجَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَحْلَافِ مَعَ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ أَسْنَدَ رَايَتَهُ إلَى شَجَرَةٍ، وَهَرَبَ هُوَ وَبَنُو عَمِّهِ وَقَوْمُهُ مِنْ الْأَحْلَافِ، فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ الْأَحْلَافِ غَيْرُ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ مِنْ غِيَرَةَ، يُقَالُ لَهُ وَهْبٌ، وَآخَرُ مِنْ بَنِي كُبَّةَ [٣]، يُقَالُ لَهُ الْجُلَاحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ الْجُلَاحِ: قُتِلَ الْيَوْمَ سَيِّدُ شَبَابِ ثَقِيفٍ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ ابْنِ هُنَيْدَةَ، يَعْنِي بِابْنِ هُنَيْدَةَ الْحَارِثَ بْنَ أُوَيْسٍ.

(قَصِيدَةٌ أُخْرَى لِابْنِ مِرْدَاسٍ):
فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ يَذْكُرُ قَارِبَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَفِرَارَهُ مِنْ بَنِي أَبِيهِ، وَذَا الْخِمَارِ وَحَبْسَهُ قَوْمَهُ لِلْمَوْتِ:

-----------------------
[١] ذُو الْخمار: عَوْف بن الرّبيع.
[٢] الأغرل: هُوَ الّذي لَيْسَ بمختتن. والغرلة: هِيَ الْجلْدَة الَّتِي يقطعهَا الخاتن.
[٣] كَذَا فِي م، ر وَفِي أ «كنة» بالنُّون. قَالَ أَبُو ذَر: «.... وَرَوَاهُ الخشنيّ بِالْبَاء بِوَاحِدَة من أَسْفَل، وَهُوَ الصَّوَاب» .



أَلَا مِنْ مُبَلِّغٍ غَيْلَانَ عَنِّي ... وَسَوْفَ- إخَالُ- يَأْتِيهِ الْخَبِيرُ [١]
وَعُرْوَةَ إنَّمَا أُهْدِي جَوَابًا ... وَقَوْلًا غَيْرَ قَوْلِكُمَا يَسِيرُ
بِأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ رَسُولٌ ... لِرَبٍّ لَا يَضِلُّ وَلَا يَجُورُ
وَجَدْنَاهُ نَبِيًّا مِثْلَ مُوسَى ... فَكُلُّ فَتَى يُخَايِرُهُ مَخِيرُ [٢]
وَبِئْسَ الْأَمْرُ أَمْرُ بَنِي قَسِيٍّ ... بِوَجٍّ إذْ تُقُسِّمَتْ الْأُمُورُ [٣]
أَضَاعُوا أَمْرَهُمْ وَلِكُلِّ قَوْمٍ ... أَمِيرٌ وَالدَّوَائِرُ قَدْ تَدُورُ
فَجِئْنَا أُسْدَ غَابَاتٍ إلَيْهِمْ ... جُنُودُ اللَّهِ ضَاحِيَةً تَسِيرُ [٤]
يَؤُمُّ الْجَمْعَ جَمْعَ بَنِي قَسِيٍّ ... عَلَى حَنَقٍ نَكَادُ لَهُ نَطِيرُ [٥]
وَأُقْسِمُ لَوْ هُمْ مَكَثُوا لَسِرْنَا ... إلَيْهِمْ بِالْجُنُودِ وَلَمْ يَغُورُوا [٦]
فَكُنَّا أُسْدَ لِيَّةَ ثَمَّ حَتَّى ... أَبَحْنَاهَا وَأُسْلِمَتْ النُّصُورُ [٧]
وَيَوْمٌ كَانَ قَبْلُ لَدَى حُنَيْنٍ ... فَأَقْلَعَ وَالدِّمَاءُ بِهِ تَمُورُ [٨]
مِنْ الْأَيَّامِ لَمْ تَسْمَعْ كَيَوْمٍ ... وَلَمْ يَسْمَعْ بِهِ قَوْمٌ ذُكُورُ
قَتَلْنَا فِي الْغُبَارِ بَنِي حُطَيْطٍ ... عَلَى رَايَاتِهَا وَالْخَيْلُ زُورُ [٩]
وَلَمْ يَكُ ذُو الْخِمَارِ رَئِيسَ قَوْمٍ ... لَهُمْ عَقْلٌ يُعَاقِبُ أَوْ مَكِيرُ
أَقَامَ بِهِمْ عَلَى سَنَنِ الْمَنَايَا ... وَقَدْ بَانَتْ لِمُبْصِرِهَا الْأُمُورُ [١٠]

--------------------------
[١] الْفِعْل الْمُسْتَقْبل هُوَ يَأْتِيهِ، وَإِن كَانَ الْحَرْف «سَوف» دَاخِلا على إخال فِي اللَّفْظ، فَإِن مَا يدل عَلَيْهِ من الِاسْتِقْبَال إِنَّمَا هُوَ الْفِعْل الثَّانِي. وَهُوَ كَقَوْل زُهَيْر:
«وَمَا أدرى وسوف إخال أدرى
»
[٢] يخايره: يَقُول لَهُ: أَنا خير مِنْك. ومخير: هُوَ اسْم مفعول أَي مغلوب فِي الْخَيْر.
[٣] قسى: اسْم ثَقِيف. وَوَج: اسْم وَاد بِالطَّائِف قبل حنين.
[٤] ضاحية: بارزة لَا تختفى.
[٥] نَؤُم: نقصد. والحنق الْغَضَب.
[٦] لم يغوروا: لم يذهبوا.
[٧] لية «بِكَسْر اللَّام»: اسْم مَوضِع قريب من الطَّائِف. والنصور: من هوَازن، وهم رَهْط مَالك ابْن عَوْف النصري (انْظُر السهيليّ) .
[٨] تمور: تسيل.
[٩] بَنو حطيط: يرْوى هُنَا بِالْحَاء وَالْخَاء، وبالمهملة رَوَاهُ الخشنيّ. وزور: مائلة.
[١٠] سنَن المنايا: طريقها.



فَأَفْلَتَ مَنْ نجا مِنْهُم جيضا ... وَقُتِّلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرُ [١]
وَلَا يُغْنِي الْأُمُورَ أَخُو الْتَوَانِي ... وَلَا الْغَلِقُ الصُّرَيِّرَةُ الْحَصُورُ [٢]
أَحَانَهُمُ وَحَانَ وَمَلَّكُوهُ ... أُمُورَهُمْ وَأَفْلَتَتْ الصُّقُورُ [٣]
بَنُو عَوْفٍ تَمِيحُ بِهِمْ جِيَادٌ ... أُهِينَ لَهَا الْفَصَافِصُ وَالشَّعِيرُ [٤]
فَلَوْلَا قَارِبٌ. وَبَنُو أَبِيهِ ... تُقُسِّمتَ الْمَزَارِعُ والقصور
ولكنّ الرِّئَاسَة عُمِّمُوهَا ... عَلَى يُمْنٍ أَشَارَ بِهِ الْمُشِيرُ [٥]
أَطَاعُوا قَارِبًا وَلَهُمْ جُدُودٌ ... وَأَحْلَامٌ إلَى عِزٍّ تَصِيرُ
فَإِنْ يُهْدَوْا إلَى الْإِسْلَامِ يُلْفَوْا ... أُنُوفَ النَّاسِ مَا سَمَرَ السَّمِيرُ [٦]
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَهُمْ أَذَانٌ ... بِحَرْبِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيرُ
كَمَا حَكَّتْ بَنِي سَعْدٍ وَحَرْبٌ ... بِرَهْطِ بَنِي غَزِيَّةَ عَنْقَفِيرُ [٧]
كَأَنَّ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ ... إلَى الْإِسْلَامِ ضَائِنَةٌ تَخُورُ [٨]
فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إنَّا أَخُوكُمْ ... وَقَدْ بَرَأَتْ مِنْ الْإِحَنِ [٩] الصُّدُورُ
كَأَنَّ الْقَوْمَ إذْ جَاءُوا إلَيْنَا ... مِنْ الْبَغْضَاءِ بَعْدَ السِّلْمِ عُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: غَيْلَانُ: غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، وَعُرْوَةُ: عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ.

-----------------------
[١] الجريض: المختنق بريقه.
[٢] الغلق: الْكثير الْجرْح، كَأَنَّهُ تنغلق عَلَيْهِ أُمُوره. والصريرة «بتَشْديد الْيَاء» تَصْغِير الصرورة، وَهُوَ الّذي لَا يأتى النِّسَاء. والحصور هُنَا: بِمَعْنى مَا قبله، وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: الهيوب المحجم عَن الشَّيْء.
[٣] أحانهم: أهلكهم. وحان: هلك.
[٤] تميح: تمشى مشيا حسنا. والفصافص: جمع فصفصة، وَهِي البقلة الَّتِي تأكلها الدَّوَابّ (البرسيم) .
[٥] عموها: أسندت إِلَيْهِم وَقدمُوا لَهَا.
[٦] أنوف النَّاس: أَشْرَافهم والمقدمون فيهم. وَالسير: جمَاعَة السمار وهم الَّذين يَجْتَمعُونَ للْحَدِيث بِاللَّيْلِ.
[٧] العنقفير: الداهية.
[٨] تخور: تصيح.
[٩] كَذَا فِي م، ر. والإحن: جمع إحْنَة، وَهِي الْعَدَاوَة. وَفِي أ: «الترة»، وَهِي بِمَعْنى الإحنة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #120  
قديم 11-01-2026, 04:26 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (120)

صــ 453إلى صــ 462



(مَقْتَلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، أَتَوْا الطَّائِفَ وَمَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَعَسْكَرَ بَعْضُهُمْ بِأَوْطَاسٍ، وَتَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ نَخْلَةَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ تَوَجَّهَ نَحْوَ نَخْلَةَ إلَّا بَنُو غِيَرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَتَبِعَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَلَكَ فِي نَخْلَةَ مِنْ النَّاسِ، وَلَمْ تَتْبَعْ مَنْ سَلَكَ الثَّنَايَا.
فَأَدْرَكَ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعِ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ سَمَّالِ بْنِ عَوْفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الدُّغُنَّةِ وَهِيَ أُمُّهُ، فَغَلَبَتْ عَلَى اسْمِهِ، وَيُقَالُ: ابْنُ لَذْعَةَ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ جَمَلِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ امْرَأَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي شِجَارٍ لَهُ، فَإِذَا بِرَجُلِ، فَأَنَاخَ بِهِ، فَإِذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَإِذَا هُوَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ وَلَا يَعْرِفُهُ الْغُلَامُ، فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: مَاذَا تُرِيدُ بِي؟ قَالَ:
أَقْتُلُكَ. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعٍ السُّلَمِيُّ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا، فَقَالَ: بِئْسَ مَا سَلَّحَتْكَ أُمُّكَ! خُذْ سَيْفِي هَذَا مِنْ مُؤَخَّرِ الرَّحْلِ، وَكَانَ الرَّحْلُ فِي الشِّجَارِ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ، وَارْفَعْ عَنْ الْعِظَامِ، وَاخْفِضْ عَنْ الدِّمَاغِ، فَإِنِّي كُنْتُ كَذَلِكَ أَضْرِبُ الرِّجَالَ، ثُمَّ إذَا أَتَيْتَ أُمَّكَ فَأَخْبِرْهَا أَنَّكَ قَتَلْتُ دُرَيْدَ ابْن الصِّمَّةِ، فَرُبَّ وَاَللَّهِ يَوْمٍ قَدْ مَنَعْتُ فِيهِ نِسَاءَكَ. فَزَعَمَ بَنُو سُلَيْمٍ أَنَّ رَبِيعَةَ لَمَّا ضَرَبَهُ فَوَقَعَ تَكَشَّفَ،، فَإِذَا عِجَانُهُ [١] وَبُطُونُ فَخِذَيْهِ مِثْلُ الْقِرْطَاسِ، مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ أَعْرَاءً [٢]، فَلَمَّا رَجَعَ رَبِيعَةُ إلَى أُمِّهِ أَخْبَرَهَا بِقَتْلِهِ إيَّاهُ، فَقَالَتْ: أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ أَعْتَقَ أُمَّهَاتٍ لَكَ ثَلَاثًا.
فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ دُرَيْدٍ فِي قَتْلِ رَبِيعَةَ دُرَيْدًا:
لَعَمْرُكَ مَا خَشِيتُ عَلَى دُرَيْدٍ ... بِبَطْنِ سُمَيْرَةَ [٣] جَيْشَ الْعَنَاقِ [٤]

---------------------------
[١] عجانة: مَا بَين فرجيه.
[٢] أعراء: جمع عرى (برزن قفل) وَهُوَ الْفرس الّذي لَا سرج لَهُ.
[٣] سميرة: وَاد قرب حنين قتل فِيهِ دُرَيْد بن الصمَّة.
[٤] العناق: الخيبة أَو الداهية، وَكِلَاهُمَا مُنَاسِب للمقام، لِأَنَّهَا إِذا قصدت «جَيش الخيبة» فَهُوَ على معنى الهجاء للجيش، وَإِذا قصدت «جَيش الداهية» فَهُوَ على معنى مدح دُرَيْد بشجاعته الَّتِي يقهر بهَا مثل هَذَا الْجَيْش.


جَزَى عَنْهُ الْإِلَهُ بَنِي سُلَيْمٍ ... وَعَقَّتْهُمْ بِمَا فَعَلُوا عَقَاقِ [١]
وَأَسْقَانَا إذَا قُدْنَا إلَيْهِمْ ... دِمَاءَ خِيَارِهِمْ عِنْدَ التَّلَاقِي
فَرُبَّ عَظِيمَةٍ دَافَعْتَ عَنْهُمْ ... وَقَدْ بَلَغَتْ نَفُوسُهُمْ التَّرَاقِي
وَرُبَّ كَرِيمَةٍ أَعْتَقْتَ مِنْهُمْ ... وَأُخْرَى قَدْ فَكَكْتَ مِنْ الْوَثَاقِ
وَرُبَّ مُنَوِّهٍ بِكَ مِنْ سُلَيْمٍ ... أَجَبْتَ وَقَدْ دَعَاكَ بِلَا رَمَاقِ [٢] .
فَكَانَ جَزَاؤُنَا مِنْهُمْ عُقُوقًا ... وَهَمًّا مَاعَ مِنْهُ مُخُّ سَاقِي [٣]
عَفَتْ آثَارُ خَيْلِكَ بَعْدَ أَيْنٍ ... بِذِي بَقَرٍ إلَى فَيْفِ النُّهَاقِ [٤]
وَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ دُرَيْدٍ أَيْضًا:
قَالُوا قَتَلْنَا دُرَيْدًا قُلْتُ قَدْ صَدَقُوا ... فَظَلَّ دَمْعِي عَلَى السِّربال يَنْحَدِرُ [٥]
لَوْلَا الَّذِي قَهَرَ الْأَقْوَامَ كُلَّهُمْ ... رَأَتْ سُلَيْمٌ وَكَعْبٌ كَيْفَ تَأْتَمِرُ
إذَنْ لَصَبَّحَهُمْ غِبًّا وَظَاهِرَةً ... حَيْثُ اسْتَقَرَّتْ نَوَاهُمْ جَحْفَلٌ ذَفِرُ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ اسْمُ الَّذِي قَتَلَ دُرَيْدًا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُنَيْعِ بْنِ أُهْبَانَ ابْن ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.

(مَقْتَلُ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِ مَنْ تَوَجَّهَ قِبَلَ أَوْطَاسٍ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ، فَأَدْرَكَ مِنْ النَّاسِ بَعْضَ مَنْ انْهَزَمَ، فَنَاوَشُوهُ الْقِتَالَ [٧]، فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ بِسَهْمِ فَقُتِلَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ،

--------------------------
[١] عقاق: على وزن فعال بِكَسْر اللَّام، من العقوق.
[٢] المنوه: الّذي يناديك بأشهر أسمائك نِدَاء ظَاهرا. والرماق، بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا: بَقِيَّة الْحَيَاة.
[٣] ماع: ذاب، وكل سَائل مَائِع (عَن أَبى ذَر) .
[٤] عفت: درست وتغيرت. وَذُو بقر: مَوضِع، ويروى بالنُّون وَالْفَاء. والفيف القفر. والنهاق هُنَا: مَوضِع. وَقَالَ ابْن سراج: أَيْن وَذُو نفر: موضعان.
[٥] السربال الْقَمِيص.:
[٦] أصل الغب: أَن ترد الْإِبِل المَاء يَوْمًا وتدعه يَوْمًا. وَالظَّاهِرَة: أَن ترده كل يَوْم، فَضَربهُ هَا هُنَا مثلا. والجحفل الْجَيْش الْكثير. وذفر (بِالدَّال والذال مَعًا): كريه الرَّائِحَة من سهك السِّلَاح، وصدأ الْحَدِيد.
[٧] يُقَال: تناوش الْقَوْم فِي الْقِتَال، إِذا تنَاول بَعضهم بَعْضًا بِالرِّمَاحِ، وَلم يتدانوا كل التداني.



فَقَاتَلَهُمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ وَهَزَمَهُمْ. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ دُرَيْدٍ هُوَ الَّذِي رَمَى أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ بِسَهْمِ، فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ:
إنْ تَسْأَلُوا عَنِّي فَإِنِّي سَلَمَهْ ... ابْنُ سَمَادِيرَ لِمَنْ تَوَسَّمَهْ [١]
أضْرِبُ بِالسَّيْفِ رُءُوسَ الْمُسْلِمَهْ

(دُعَاءُ الرَّسُولِ لِبَنِي رِئَابٍ):
وَسَمَادِيرُ: أُمُّهُ.
وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ مِنْ بَنِي نَصْرٍ فِي بَنِي رِئَابٍ، فَزَعَمُوا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ- وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَوْرَاءِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي وَهْبِ بْنِ رِئَابٍ- قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ بَنُو رِئَابٍ. فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهمّ اُجْبُرْ مُصِيبَتَهُمْ.

(وَصِيَّةُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ لِقَوْمِهِ وَلِقَاءُ الزُّبَيْرِ لَهُمْ):
وَخَرَجَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ، فَوَقَفَ فِي فَوَارِسَ مِنْ قَوْمِهِ، عَلَى ثَنِيَّةٍ [٢] مِنْ الطَّرِيقِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: قِفُوا حَتَّى تَمْضِيَ ضُعَفَاؤُكُمْ، وَتَلْحَقَ أُخْرَاكُمْ.
فَوَقَفَ هُنَاكَ حَتَّى مَضَى مَنْ كَانَ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ مُنْهَزِمَةِ النَّاسِ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ فِي ذَلِكَ:
وَلَوْلَا كَرَّتَانِ عَلَى مُحَاجٍ ... لَضَاقَ عَلَى الْعَضَارِيطِ الطَّرِيقُ [٣]
وَلَوْلَا كَرُّ دُهْمَانَ بْنِ نَصْرٍ ... لَدَى النَّخَلَاتِ مُنْدَفَعَ الشَّدِيقِ [٤]
لَآبَتْ جَعْفَرٌ وَبَنُو هِلَالٍ ... خَزَايَا مُحْقِبِينَ عَلَى شُقُوقِ [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِمَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ. وَمِمَّا يَدُلُّكَ

-------------------------
[١] توسمه: اسْتدلَّ عَلَيْهِ وَنظر فِيهِ.
[٢] الثَّنية: مَوضِع مُرْتَفع بَين جبلين.
[٣] محاج: اسْم فرسه. والعضاريط: جمع عضروط (كعصفور) وَهُوَ الْخَادِم على طَعَام بَطْنه، والأجير. وَيجمع أَيْضا على عضارط وعضارطة.
[٤] الشديق: وَاد بِأَرْض الطَّائِف، مخلاف من مخاليفها، ويروى بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة.
[٥] محقبين: مُردفِينَ لمن انهزم مِنْهُم. قَالَ أَبُو ذَر: «وَمن رَوَاهُ محمقين، فَهُوَ من الْحمق. يُقَال:
حمقت خيل الرجل: إِذا لم تنجب. وَمن رَوَاهُ: مجلبين، فَمَعْنَاه مجتمعون» . وعَلى شقوق: أَي على مشقة.



عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ فِي صَدْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟
فَقَالُوا لَهُ: لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَجَعْفَرٌ بْنُ كِلَابٍ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: «
لَآبَتْ جَعْفَرٌ وَبَنُو هِلَالٍ
» .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ خَيْلًا طَلَعَتْ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الثَّنِيَّةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا: نَرَى قَوْمًا وَاضِعِي رِمَاحِهِمْ بَيْنَ آذَانِ خَيْلِهِمْ، طَوِيلَةً بَوَادُّهُمْ [١]، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ بَنُو سُلَيْمٍ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَقْبَلُوا سَلَكُوا بَطْنَ الْوَادِي. ثُمَّ طَلَعَتْ خَيْلٌ أُخْرَى تَتْبَعُهَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟
قَالُوا: نَرَى قَوْمًا عَارِضِي [٢] رِمَاحِهِمْ، أَغْفَالًا [٣] عَلَى خَيْلِهِمْ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ. فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَى أَصْلِ الثَّنِيَّةِ سَلَكُوا طَرِيقَ بَنِي سُلَيْمٍ. ثُمَّ طَلَعَ فَارِسٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى فَارِسًا طَوِيلَ الْبَادِّ، وَاضِعًا رُمْحَهُ عَلَى عَاتِقِهِ [٤]، عَاصِبًا رَأْسَهُ بِمُلَاءَةِ [٥] حَمْرَاءَ فَقَالَ هَذَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأَحْلِفُ بِاللَّاتِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ، فَاثْبُتُوا لَهُ. فَلَمَّا انْتَهَى الزُّبَيْرُ إلَى أَصْلِ الثَّنِيَّةِ أَبْصَرَ الْقَوْمَ، فَصَمَدَ لَهُمْ [٦]، فَلَمْ يَزَلْ يُطَاعِنُهُمْ حَتَّى أَزَاحَهُمْ [٧] عَنْهَا.

(شِعْرُ سَلَمَةَ فِي فِرَارِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ دُرَيْدٍ وَهُوَ يَسُوقُ بِامْرَأَتِهِ حَتَّى أَعْجَزَهُمْ:
نَسَّيْتِنِي مَا كُنْتِ غَيْرَ مُصَابَةٍ ... وَلَقَدْ عَرَفْتِ غَدَاةَ نَعْفِ الْأَظْرُبِ [٨]
أَنِّي مَنَعْتُكِ وَالرُّكُوبُ مُحَبَّبٌ ... وَمَشَيْتُ خَلْفَكِ مِثْلَ مَشْيِ الْأَنْكَبِ [٩]

--------------------------
[١] البواد: جمع الباد، وَهُوَ بَاطِن الْفَخْذ.
[٢] عارضى رماحهم: أَي واضعيها بِالْعرضِ وَهُوَ كِنَايَة عَن عدم مبالاتهم أعداءهم.
[٣] أغفالا: جمع غفل، وَهُوَ الّذي لَا عَلامَة لَهُ. يُرِيد أَنهم لم يعلمُوا أنفسهم بِشَيْء يعْرفُونَ بِهِ.
[٤] العاتق: مَا بَين الْمنْكب والعنق.
[٥] الملاءة الملحفة صَغِيرَة كَانَت أَو كَبِيرَة.
[٦] صَمد: قصد.
[٧] أزاحهم عَنْهَا: أزالهم عَنْهَا ونحاهم.
[٨] النعف: أَسْفَل الْجَبَل. والأظرب: مَوضِع. وَيحْتَمل أَن يكون جمع ظرب، وَهُوَ الْجَبَل الصَّغِير
[٩] الأنكب: المائل إِلَى جِهَة.



إذْ فَرَّ كُلُّ مُهَذَّبٍ ذِي لِمَّةٍ ... عَنْ أُمِّهِ وَخَلِيلِهِ لَمْ يَعْقِبِ [١]

(بَقِيَّةُ حَدِيثِ مَقْتَلِ أَبِي عَامِرٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، وَحَدِيثُهُ: أَنَّ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ لَقِيَ يَوْمَ أَوْطَاسٍ عَشَرَةَ إخْوَةٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ: اللَّهمّ اشْهَدْ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ أَبُو عَامِرٍ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ آخَرُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ، وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ:
اللَّهمّ اشْهَدْ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ أَبُو عَامِرٍ: ثُمَّ جَعَلُوا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، وَيَحْمِلُ أَبُو عَامر وَهُوَ يَقُول ذَلِكَ، حَتَّى قَتَلَ تِسْعَةً، وَبَقِيَ الْعَاشِرُ، فَحَمَلَ عَلَى أَبِي عَامِرٍ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ، وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ: اللَّهمّ اشْهَدْ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهمّ لَا تَشْهَدْ عَلَيَّ، فَكَفَّ عَنْهُ أَبُو عَامِرٍ، فَأَفْلَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَآهُ قَالَ: هَذَا شَرِيدُ أَبِي عَامِرٍ. وَرَمَى أَبَا عَامِرٍ أَخَوَانِ: الْعَلَاءُ وَأَوْفَى ابْنَا الْحَارِثِ، مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا قَلْبَهُ، وَالْآخَرُ رُكْبَتَهُ، فَقَتَلَاهُ. وَوَلِيَ النَّاسَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَحَمَلَ عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَرْثِيهِمَا:
إنَّ الرَّزِيَّةَ قَتْلُ الْعَلَاءِ ... وَأَوْفَى جَمِيعًا وَلَمْ يُسْنَدَا [٢]
هُمَا الْقَاتِلَانِ أَبَا عَامِرٍ ... وَقَدْ كَانَ ذَا هَبَّةٍ [٣] أَرْبَدَا [٤]
هُمَا تَرَكَاهُ لَدَى مَعْرَكٍ ... كَأَنَّ عَلَى عِطْفِهِ مُجْسَدَا [٥]
فَلَمْ تَرَ فِي النَّاسِ مِثْلَيْهِمَا ... أَقَلَّ عِثَارًا وَأَرْمَى يَدَا

(نَهْيُ الرَّسُولِ عَنْ قَتْلِ الضُّعَفَاءِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ

----------------------------
[١] الْمُهَذّب: الْخَالِص من الْعُيُوب، والمهذب (أَيْضا): المسرع، من التَّهْذِيب فِي السّير، وَهُوَ الْإِسْرَاع. وخليله: صَاحبه. وَلم يعقب: لم يرجع.
[٢] لم يسندا: أَي لم يدركا وَبِهِمَا رَمق، فيسندا إِلَى مَا يمسكهما.
[٣] كَذَا فِي أ: وذاهبة: يعْنى سَيْفا ذَا هبة، وَهبة السَّيْف: اهتزازه، وَفِي م، ر «داهية» .
[٤] الأربد: الّذي فِيهِ ربد، أَي طرائق من جَوْهَر.
[٥] المعرك: مَوضِع الْحَرْب. والمجسد: الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالجساد، وَهُوَ الزَّعْفَرَان.



يَوْمَئِذٍ بِامْرَأَةِ وَقَدْ قَتَلَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ [١] عَلَيْهَا فَقَالَ:
مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: امْرَأَةٌ قَتَلَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ: أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ لَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا [٢]

(شَأْنُ بِجَادٍ وَالشَّيْمَاءِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَحَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ، رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَلَا يُفْلِتَنَّكُمْ، وَكَانَ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا، فَلَمَّا ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ سَاقُوهُ وَأَهْلَهُ، وَسَاقُوا مَعَهُ الشَّيْمَاءَ، بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى أُخْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَعَنُفُوا عَلَيْهَا فِي السِّيَاقِ، فَقَالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ: تَعَلَمُوا وَاَللَّهِ أَنِّي لَأُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَتَوْا بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ السَّعْدِيُّ، قَالَ: فَلَمَّا اُنْتُهِيَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُخْتُكَ مِنْ الرَّضَاعَةِ، قَالَ: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ [٣]، قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَلَامَةَ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وخيَّرها، وَقَالَ: إنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُحَبَّةٌ مُكْرَمَةٌ، وَإِنْ أَحْبَبْت أَن أمعّك [٤] وَتَرْجِعِي إلَى قَوْمِكَ فَعَلْتُ، فَقَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إلَى قَوْمِي.
فَمَتَّعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَدَّهَا إلَى قَوْمِهَا. فَزَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ أَنَّهُ أَعْطَاهَا غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ، وَجَارِيَةً، فَزَوَّجَتْ أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مِنْ نَسْلِهِمَا بَقِيَّةٌ.

--------------------------
[١] مزدحمون منقصمون. ويروى: منقصفون (بالنُّون) وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.
[٢] الْأَجِير، وَالْعَبْد الْمُسْتَعَان بِهِ.
[٣] متوركتك: حاملتك على وركي.
[٤] أمتعك: أَي أُعْطِيك مَا يكون بِهِ الإمتاع، أَي الِانْتِفَاع.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ٩: ٢٥ ... إلَى قَوْلِهِ وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ٩: ٢٦.

(تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ حُنَيْنٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: أَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ.
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: يَزِيدُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، جَمَحَ بِهِ فَرَسٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ الْجَنَاحُ، فَقُتِلَ.
وَمِنْ الْأَنْصَارِ: سُرَاقَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ.
وَمِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ: أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ.

(جَمْعُ سَبَايَا حُنَيْنٍ):
ثُمَّ جُمِعَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا حُنَيْنٍ وَأَمْوَالُهَا، وَكَانَ عَلَى الْمَغَانِمِ مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسَّبَايَا وَالْأَمْوَالِ إلَى الْجِعْرَانَةِ، فَحُبِسَتْ بِهَا.

(شِعْرُ بُجَيْرٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ):
وَقَالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
لَوْلَا الْإِلَهُ وَعَبْدُهُ وَلَّيْتُمْ ... حِينَ اسْتَخَفَّ الرُّعْبُ كُلَّ جَبَانِ [١]
بِالْجِزْعِ يَوْمَ حَبَا لَنَا أَقْرَانُنَا ... وَسَوَابِحٌ يَكْبُونَ لِلْأَذْقَانِ [٢]
مِنْ بَيْنِ سَاعٍ ثَوْبُهُ فِي كَفِّهِ ... وَمُقَطَّرٍ بِسَنَابِكِ وَلَبَانِ [٣]
وَاَللَّهُ أَكْرَمَنَا وَأَظْهَرَ دِينَنَا ... وَأَعَزَّنَا بِعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ
وَاَللَّهُ أَهْلَكَهُمْ وَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ ... وَأَذَلَّهُمْ بِعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ

------------------------
[١] ويروى: «جنان» والجنان: الْقلب.
[٢] الْجزع: مَا انعطف من الْوَادي. وخبا: اعْترض. والسوابح: خيل كَأَنَّهَا تسبح فِي جريها، أَي تعوم. ويكبون: يسقطن.
[٣] مقطر: مرمى على قطره، وَهُوَ جنبه. والسنابك: جمع سنبك، وَهُوَ طرف مقدم الْحَافِر.
واللبان (بِفَتْح اللَّام): الصَّدْر.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيَرْوِي فِيهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ:
إذْ قَامَ عَمُّ نَبِيِّكُمْ وَوَلِيُّهُ ... يَدْعُونَ: يَا لَكَتِيبَةِ الْإِيمَانِ
أَيْنَ الَّذِينَ هُمْ أَجَابُوا رَبَّهُمْ ... يَوْمَ الْعُرَيْضِ وَبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ [١]

(شِعْرٌ لِعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
إنِّي وَالسَّوَابِحَ يَوْمَ جَمْعٍ ... وَمَا يَتْلُو الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ
لَقَدْ أَحْبَبْتُ مَا لَقِيَتْ ثَقِيفٌ ... بِجَنْبِ الشِّعْبِ أَمْسِ مِنْ الْعَذَابِ
هُمْ رَأْسُ الْعَدُوِّ مِنْ اهْلِ نَجْدٍ ... فَقَتْلُهُمْ أَلَذُّ مْنَ الشَّرَابِ
هَزَمْنَا الْجَمْعَ جَمْعَ بَنِي قَسِيٍّ ... وَحَكَّتْ بَرْكَهَا بِبَنِي رِئَابِ [٢]
وَصِرْمًا مِنْ هِلَالٍ غَادَرَتْهُمْ ... بِأَوْطَاسٍ تُعَفَّرُ بِالتُّرَابِ [٣]
وَلَوْ لَاقَيْنَ جَمْعَ بَنِي كِلَابٍ ... لَقَامَ نِسَاؤُهُمْ وَالنَّقْعُ كَابِي
رَكَضْنَا الْخَيْلَ فِيهِمْ بَيْنَ بُسٍّ ... إلَى الْأَوْرَالِ تنحط بالنّهاب [٤]
بزِي لَجَبٍ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِمْ ... كَتِيبَتُهُ تَعَرَّضُ لِلضِّرَابِ [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «تُعَفَّرُ بِالتُّرَابِ»: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

(شِعْرُ ابْنِ عُفَيِّفٍ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ):
فَأَجَابَهُ عَطِيَّةُ بْنُ عُفَيِّفٍ [٦] النَّصْرِيُّ، فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
أَفَاخِرَةٌ رِفَاعَةُ فِي حُنَيْنٍ ... وَعَبَّاسُ بْنُ رَاضِعَةِ اللِّجَابِ [٧]

------------------------
[١] العريض: وَاد بِالْمَدِينَةِ.
[٢] جمع: هِيَ مُزْدَلِفَة، وَهِي الْمشعر الْحَرَام أَيْضا. والبرك: الصَّدْر، وَيُرِيد بحك الْحَرْب بركها:
شدَّة وطأتها.
[٣] الصرم: جمَاعَة بيُوت انْقَطَعت عَن الْحَيّ الْكَبِير. وأوطاس: مَوضِع.
[٤] بس: مَوضِع فِي أَرض بنى جشم. والأورال: أجبل ثَلَاثَة سود، حذاءهن ماءة لبني عبد الله ابْن دارم. وتنحط.: تخرج أنفاسها عالية. والنهاب: جمع نهب، وَهُوَ مَا ينتهب ويغنم.
[٥] بِذِي لجب: بِجَيْش كثير الْأَصْوَات.
[٦] روى بِفَتْح الْعين وَبِضَمِّهَا مَعَ تَخْفيف الْيَاء، وبالضم مَعَ التَّشْدِيد قَيده الدَّار قطنى.
[٧] اللجاب: جمع لجبة، وَهِي الشَّاة القليلة اللَّبن. وَقيل: هِيَ العنز خَاصَّة.



فَانَّكَ وَالْفِجَارَ كَذَاتِ مِرْطٍ ... لِرَبَّتِهَا وَتَرْفُلُ فِي الْإِهَابِ [١]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ عَطِيَّةُ بْنُ عُفَيِّفٍ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ لَمَّا أَكْثَرَ عَبَّاسٌ عَلَى هَوَازِنَ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ. وَرِفَاعَةُ مِنْ جُهَيْنَةَ.

(شِعْرٌ آخَرُ لِعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
يَا خَاتَمُ النُّبَآءِ إنَّكَ مُرْسَلٌ ... بِالْحَقِّ كُلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُدَاكَا
إنَّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْكَ مَحَبَّةً ... فِي خَلْقِهِ وَمُحَمَّدًا سَمَّاكَا
ثُمَّ الَّذِينَ وَفَوْا بِمَا عَاهَدْتَهُمْ ... جُنْدٌ بَعَثْتَ عَلَيْهِمْ الضَّحَّاكَا
رَجُلًا بِهِ ذَرَبُ السِّلَاحِ كَأَنَّهُ ... لَمَّا تَكَنَّفَهُ الْعَدُوُّ يَرَاكَا [٢]
يَغْشَى ذَوِي النَّسَبِ الْقَرِيبِ وَإِنَّمَا ... يَبْغِي رِضَا الرَّحْمَنِ ثُمَّ رِضَاكَا
أُنْبِيكَ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَكَرَّهُ ... تَحْتَ الْعَجَاجَةِ يَدْمَغُ الْإِشْرَاكَا [٣]
طَوْرًا يُعَانِقُ بِالْيَدَيْنِ وَتَارَةً ... يفرى الجماجم صَار مَا بَتَّاكَا [٤]
يَغْشَى بِهِ هَامَ الْكُمَاةِ وَلَوْ تَرَى ... مِنْهُ الَّذِي عَايَنْتُ كَانَ شِفَاكَا [٥]
وَبَنُو سُلَيْمٍ مُعْنِقُونَ أَمَامَهُ ... ضَرْبًا وَطَعْنًا فِي الْعَدُوِّ دِرَاكًا [٦]
يَمْشُونَ تَحْتَ لِوَائِهِ وَكَأَنَّهُمْ ... أُسْدُ الْعَرِينِ أَرَدْنَ ثَمَّ عِرَاكَا [٧]
مَا يَرْتَجُونَ مِنْ الْقَرِيبِ قَرَابَةً ... إلَّا لِطَاعَةِ رَبِّهِمْ وَهَوَاكَا
هَذِي مَشَاهِدُنَا الَّتِي كَانَتْ لَنَا ... مَعْرُوفَةً وَوَلِيُّنَا مَوْلَاكَا

------------------------
[١] الْفجار: الْمُفَاخَرَة. والمرط: كسَاء غير مخيط من خَز أَو صوف أَو كتَّان. وترفل: تمشى متبخترة، والإهاب: الْجلد، وَيُرِيد بِهِ الثَّوْب.
[٢] ذرب السِّلَاح: حِدته ومضاؤه، وَمِنْه يُقَال: فلَان ذرب اللِّسَان، إِذا كَانَ حاد اللِّسَان.
[٣] الْعَجَاجَة: الْغُبَار الْمُنْتَشِر. ويدمغ يقهر ويذل، وَهُوَ من الضَّرْب على الدِّمَاغ.
[٤] يفرى: يقطع. ويروى «يقرى» بِالْقَافِ، أَي يقدم الجماجم قرى لسيفه. وبتاك: قَاطع.
[٥] هَذَا الْبَيْت سَاقِط فِي أ. والهام: الرُّءُوس. والكماة: جمع كمي، وَهُوَ الشجاع الْمُسْتَتر فِي سلاحه.
[٦] معنقون: مسرعون. يُقَال: أعنق يعنق: إِذا أسْرع. ودراك: متتابع.
[٧] العرين: مَوضِع الْأسد. والعراك: المدافعة فِي الْحَرْب.



وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
إمَّا تَرَيْ يَا أُمَّ فَرْوَةَ خَيْلَنَا ... مِنْهَا مُعَطَّلَةٌ تُقَادُ وظُلَّعُ [١]
أَوْهَى مُقَارَعَةُ الْأَعَادِي دَمَّهَا ... فِيهَا نَوَافِذُ مِنْ جِرَاحٍ تَنْبَعُ [٢]
فَلَرُبَّ قَائِلَةٍ كَفَاهَا وَقْعُنَا ... أزم الحروب فسر بهَا لَا يُفْزَعُ [٣]
لَا وَفْدَ كَالْوَفْدِ الْأُلَى عَقَدُوا لَنَا ... سَبَبًا بِحَبْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُقْطَعُ
وَفْدٌ أَبُو قَطَنٍ حُزَابَةُ مِنْهُمْ ... وَأَبُو الْغُيُوثِ وَوَاسِعٌ وَالْمقنع
والقائد الْمِائَة الَّتِي وَفَّى بِهَا ... تِسْعَ الْمِئِينَ فَتَمَّ [٤] أَلْفٌ أَقْرَعُ [٥]
جَمَعَتْ بَنُو عَوْفٍ وَرَهْطُ مُخَاشِنٍ ... سِتًّا وَأَحْلُبُ [٦] مِنْ خُفَافٍ أَرْبَعُ [٧]
فَهُنَاكَ إذْ نُصِرَ النَّبِيُّ بِأَلْفِنَا ... عَقَدَ النَّبِيُّ لَنَا لِوَاءً يَلْمَعُ
فُزْنَا بِرَايَتِهِ وَأَوْرَثَ عَقْدُهُ ... مَجْدَ الْحَيَاةِ وسُودَدًا لَا يُنْزَعُ
وَغَدَاةَ نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ جَنَاحُهُ ... بِبِطَاحِ مَكَّةَ وَالْقَنَا يَتَهَزَّعُ [٨]
كَانَتْ إجَابَتُنَا لِدَاعِي رَبِّنَا ... بِالْحَقِّ مِنَّا حَاسِرٌ وَمُقَنَّعُ [٩]
فِي كُلِّ سَابِغَةٍ تَخَيَّرَ سَرْدَهَا ... دَاوُدُ إذْ نَسَجَ الْحَدِيدَ وَتُبَّعُ [١٠]
وَلَنَا عَلَى بِئْرَيْ حُنَيْنٍ مَوْكِبٌ ... دَمَغَ النِّفَاقَ وَهَضْبَةٌ مَا تُقْلَعُ [١١]

------------------------
[١] كَذَا فِي م، ر. والظلع: العرج. وَفِي أ «ضلع» بالضاد، والظلع والضلع بِمَعْنى.
[٢] أَو هِيَ: أَضْعَف. ودمها (بِالدَّال): تسويتها بالعلف والصنعة لَهَا حَتَّى اسْتَوَى لَحمهَا، يُقَال:
دممت الأَرْض، إِذا سويتها. وروى «رمها» (بالراء)، وَالْمعْنَى على الرِّوَايَتَيْنِ وَاحِد. وتنبع: تسيل بِالدَّمِ.
[٣] أزم الحروب: شدتها. وسربها: أَي نَفسهَا، وَقيل أَهلهَا.
[٤] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ «فثم» بالثاء الْمُثَلَّثَة.
[٥] ألف أَقرع: أَي تَامّ لَا ينقص مِنْهُ شَيْء.
[٦] كَذَا فِي م، ر. و«أحلب» بِالْحَاء الْمُهْملَة: جمع. وَفِي أ: «أجلب» بِالْجِيم، وَهِي بمعناها، إِلَّا أَن الإجلاب جمع مَعَ حَرَكَة وَصَوت.
[٧] خفاف (بِضَم الْخَاء): اسْم رجل تنْسب إِلَيْهِ الْقَبِيلَة.
[٨] يتهزع: مَعْنَاهُ يضطرب ويتحرك. وروى بالراء، وَمَعْنَاهُ: يسْرع إِلَى الطعْن، من قَوْلك: أهرعت إِذا أسرعت.
[٩] الحاسر الّذي لَا درع عَلَيْهِ. وَالْمقنع: الّذي على رَأسه مغفر.
[١٠] السابغة: الدرْع الْكَامِلَة. وسردها: نسجها. وَتبع: ملك من مُلُوك الْيمن.
[١١] دمغ النِّفَاق: أَصَابَهُ فِي دماغه، وَهِي اسْتِعَارَة هُنَا. والهضبة: الرابية، يصف جَيْشه بالثبات وَالْقُوَّة فَلَا يزحزح عَن مَكَانَهُ.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 349.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 343.97 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.67%)]