الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - الصفحة 11 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         7 فوائد تعود عليك من عدم تأجيل عمل اليوم للغد.. قاوم كسل البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          طريقة عمل الحلبسة فى المنزل.. مشروب يدفيك فى ليالى البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          طرق علاج تشقق الشفاه فى 3 أيام فقط.. هتخليها ناعمة ورطبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          5 أفكار ديكور منزلى تساعد على الشعور بالدفء داخل المنزل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          طريقة عمل شوربة الجزر بالكريمة بخطوات سريعة.. تدفى فى عز البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          وصفات طبيعية لترطيب اليدين بمكونات منزلية.. مش هتحتاجى تشترى من برا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          بتعانى من النحافة ومش لاقى حل.. نظام غذائى لمدة أسبوع لزيادة وزنك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          طريقة عمل 5 أكلات بالدجاج بخطوات بسيطة.. لعشاء دافئ فى الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          ما الفرق بين الكشرى المصرى والإسكندرانى؟.. بعد تصدره تريندات جوجل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          طريقة عمل مكرونة فرن بالمشروم والدجاج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #101  
قديم 14-01-2026, 02:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 271الى صــ 285
الحلقة (101)




قد حلَلْتِ من حجك وعُمرتك جميعًا].
١١١ - [قالت: يا رسول الله! أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟!] [قال: إِن لك مثل ما لَهُم].
١١٢ - [فقالت: إِني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حجَجت]!
١١٣ - [قال: وكان رسول الله - ﷺ - رجلًا سهلًا، إِذا هوِيَتِ الشيء تابعَها عليه] (١).
١١٤ - [قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن! فأعمِرها من التنعيم.
١٥٠ - [فاعتمرت بعد الحج]، [ثمّ أقبلت] وذلك ليلة الحَصْبة (٢)].
١١٦ - [وقال جابر: طاف رسول الله - ﷺ - بالبيت في حَجّة الوَداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس، وليَشْرُفَ وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه].
١١٧ - [وقال: رفعَت امرأة صبيًّا لها إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! ألهذا حجٌّ؟ قال: نعم، ولكِ أجر].

--------------------
(١) معناه: إِذا هويت شيئًا لا نقص فيه في الدين -مثل طلبها الاعتمار وغيره؛ أجابها إِليه. وفيه حُسن معاشرة الأزواج، قال الله تعالى: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف﴾؛ لا سيما فيما كان من باب الطاعة. «نووي».
(٢) بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملة، وهي التي بعد أيام التشريق، وسميت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المُحَصَّب وباتوا به. «نووي». والمُحَصَّب: هو الشِّعب الذي مخرجه إِلى الأبطح بين مكة ومنى. كما في «النهاية».



المواقيت
المواقيت: جمع ميقات؛ كمواعيد وميعاد، وأصل التوقيت: أن يُجعل للشيء وقت يختصّ به، ثمّ اتسع فيه؛ فأطلق على المكان أيضًا (١).
وبهذا؛ فالمواقيت نوعان: زمانية ومكانية.

المواقيت الزمانيّة:
قال الله -تعالى-: ﴿يسألونك عن الأهلة (٢) قل هي مواقيتُ للنّاس والحج﴾ (٣).
وقال الله -تعالى-: ﴿الحجّ أشهر معلومات﴾ (٤).
فلا يصح الحجّ إلاَّ في أشهر الحجّ.
قلت: وأيّ مدلول لكلمة ﴿معلومات﴾ المذكورة في الآية الكريمة إِذا أهلّ بالحجّ وأحرم قبل وقته؟!
وهي على الراجح -والله أعلم-: شَوَّالٌ وذو القَعْدَةِ وصدر ذي الحِجَّةِ.
جاء في «المحلّى» (٧/ ٦٢): «ورُوِّينا عن الحسن: شوال وذو القعدة وصدر

-------------------------
(١)»فتح الباري«(٣/ ٣٨٣ و٣/ ٣٨٥) ملتقطًا.
(٢) أي: عدم بقاء الهلال على حالة واحدة. قال البغوي -رحمه الله-:»سُمّي هلالًا؛ لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته، مِن قولهم: استهلّ الصبي؛ إذا صرخ حين يولد، وأهلّ القوم بالحجّ؛ إِذا رفعوا أصواتهم بالتلبية".
(٣) البقرة: ١٨٩.
(٤) البقرة: ١٩٧.



ذي الحجة» (١).
عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: «أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة» (٢).
وقال ابن عباس -رضي الله عنه-: «من السّنّة: أن لا يحرم بالحج إِلا في أشهر الحج» (٣).

المواقيت المكانية (٤):
هي الأماكن التي يحرم منها من يريد الحج أو العمرة، ولا يجوز لحاج أو معتمر أن يتجاوزها، دون أن يحرم، وقد بيّنها رسول الله - ﷺ -:
فجعل ميقات أهل المدينة «ذا الحليفة»: موضع يقع في شمال مكّة.
ووقت لأهل الشام «الجُحْفَةَ»: موضع في الشمال الغربي من مكة، وهي قريبة من «رابغ»، وقد صارت «رابغ» ميقات أهل مصر والشام ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم «الجحفة».
وميقات أهل نجد «قرن منازل»: جبل شرقيّ مكة، يطلُّ على عرفات.

----------------------
(١) يرجّح ابن حزم -رحمه الله- أنها ثلاثة أشهر كما في «المحلّى» (٧/ ٦٢).
(٢) رواه البخاري معلقًا في «كتاب الحج» (باب - ٢٣)، ووصله الطبري والدارقطني بسند صحيح، وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٣٧٢).
(٣) رواه البخاري معلقًا في «كتاب الحجّ» (باب - ٢٣)، ووصَلَه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم بسند صحيح عنه، وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٣٧٢).
(٤) عن «فقه السّنّة» (١/ ٦٥٢) بتصرّف.



وميقات أهل اليمن «يَلَمْلَم»: جبل يقع جنوب مكة.
وميقات أهل العراق «ذاتَ عِرْقٍ»: موضع في الشمال الشرقي لمكة.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحفة (١)، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم» (٢).
وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: «لما فُتح هذان المصران؛ أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين! إِنّ رسول الله - ﷺ - حدّ لأهل نجد قرْنًا؛ وهو جَوْرٌ (٣) عن طريقنا، وإِنا إِن أردنا قرْنًا شَقّ علينا؟! قال: فانظروا حذْوَها من طريقكم، فحدّ لهم ذات عرق» (٤).
وقد نظمها بعضهم فقال:
عِرْقُ العراقِ يَلَمْلَمُ اليَمَنِ ... وبذِي الحُلَيفةِ يُحرمُ المدَنِي
والشامُ جحفةُ إِنْ مَرَرْتَ بها ... ولأهلِ نَجْد قَرْنُ فاسْتَبِنِ
هذه هي المواقيت التي عيّنها رسول الله - ﷺ -، وهي مواقيت لأهل البلاد

-------------------
(١) سُمّيت الجُحفة؛ لأًنَّ السيل أجحف بها. قاله النووي ونحوه المنذري، انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢/ ٥٨).
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٣٠، ومسلم: ١١٨١.
(٣) قال الحافظ -رحمه الله-: «أي مَيْل، والجور: الميل عن القصد، ومنه قوله -تعالى-: ﴿ومنها جائر﴾».
(٤) أخرجه البخاري: ١٥٣١.



المذكورة، ولمن مرّ بها.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنًا؛ فهنّ لهنّ، ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ، ممنّ كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنّ؛ فمن أهله؛ حتى إِنّ أهل مكة يهلّون منها» (١).
وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة؛ فإِنه يحرم منها إِذا أتى مكة قاصدًا النسك.
ومن كان بمكة وأراد الحج، فميقاته منازل مكة.
ومن كان بين الميقات وبين مكة، فميقاته من منزله.
قال ابن حزم -رحمه اللهتعالى- في «المحلّى» (٧/ ٦٤): «ومن كان طريقه لا تمرّ بشيء من هذه المواقيت؛ فليحرم من حيث شاء، برًّا أو بحرًا».

الإِحرام قبل الميقات:
إِذا أحرم المرء قبل الميقات فإِنّه يجزئ، لكنه مخالف للسُّنّة.
قال شيخنا -رحمه الله-: «وقد روى البيهقي كراهة الإِحرام قبل الميقات عن عمر وعثمان -رضي الله عنهما-، وهو الموافق لحكمة تشريع المواقيت.
وما أحسن ما ذكر الشاطبي -رحمه الله- في»الاعتصام«(١/ ١٦٧)، ومن قبله الهروي في»ذم الكلام«(٣/ ٥٤/‏١) عن الزُّبيْرِ بن بَكَّارٍ قال: حدثني سفيان بن عيينة قال:»سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥٢٩، ومسلم: ١١٨١.


الله! من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله - ﷺ -. فقال: إِني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر؟! قال: لا تفعل؛ فإِني أخشى عليك الفتنة! قال: وأي فتنة في هذه؟ إِنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إِلى فضيلة قصّر عنها رسول الله - ﷺ -؟! إِني سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم (١)﴾ (٢).

أنواع الإِحرام (٣)
الإِحرام ثلاثة أنواع:
*١ - تمتُّع: وهو أن يحرم الآفاقي (٤) بالعمرة وحدها في أشهر الحج من الميقات، ويقول عند التلبية: «لبيك اللهم بعمرة». ثمّ يدخل مكة ويتم عمرته، فيطوف ويسعى ويقصّر، ويخرج من إِحرامه، ثمّ يبقى حلالًا حتى يحج، وعليه أن يذبح ما استيسر من الهدي. وسمّي بالتمتُّع؛ لأنّه يتمتّع بعد

----------------------
(١) النور: ٦٣.
(٢) «الضعيفة» (١/ ٣٧٧ تحت الحديث ٢١٠)، وانظر «الإِرواء» (٤/ ١٨١/تحت الحديث (١٠٠٢).
(٣) ما بين نجمتين ملتقط من «الروضة الندية» (١/ ٥٩٠) و«المنهج لمريد العمرة والحجّ» للإِمام العثيمين -رحمه الله- (ص ٩). بتصرّف وزيادة.
(٤) نسبة إِلى الآفاق؛ وهي نواحي الأرض والأقطار، مفردها: أُفق. والمراد أنه ليس من أهل مكة أو ممّن يقيمون فيها.



التحلُّل من إِحرامه بما يتمتع به غير المحرم من لُبس الثياب والطيب وغير ذلك.
٢ - قِران: وهو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معًا، ويقول عند التلبية: «لبيك اللهمّ بحجّ وعمرة»، ثمّ يدخل مكة، ويبقى على إِحرامه حتى يفرغ من أفعال الحج والعمرة، ثمّ يذبح ما استيسر من الهدي، فإِذا أراد أن ينفر من مكة طاف للوداع.
وقد ذهب الجمهور من العلماء إِلى أنّه يكفيه عمل الحجّ؛ فيطوف طوافًا واحدًا -وهو طواف الإِفاضة- بعد الوقوف بعرفة، ويسعى سعيًا واحدًا للحج والعمرة.
٣ - الإِفراد: أن يُحرم -من يريد الحجّ- من الميقات بالحجّ وحده، ويقول في التلبية: «لبيك اللهمّ بحجّ»؛ ويبقى مُحرمًا حتى تنتهي أعمال الحج.
وعمل القارِن كعمل المفرد سواءً؛ إِلا أن القارن عليه الهدي، والمفرد لا هدي عليه*.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - للحج على أنواع ثلاثة: فمنا من أهَلَّ بحج وعمرة معًا، ومنّا من أهل بحج مفرد، ومنّا من أهل بعمرة مفردة، فمن كان أهل بحج وعمرة معًا؛ لم يَحْلِل من شيء مما حرم منه حتى يقضي مناسك الحج، ومن أهل بالحج مفردًا؛ لم يَحْلل من شيء مما حرُم منه، حتى يقضي مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة؛ حل ما حرم عنه حتى يستقبل حجًّا» (١).

-----------------
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٩٥).


أيّ أنواع النُّسك أفضل؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب، والراجح فيها نسك التمتع، كما هو مذهب الإِمام أحمد وغيره، بل ذهب بعض العلماء المحققين إِلى وجوبه إِذا لم يَسق معه الهدي، منهم ابن حزم وابن القيم؛ تبعًا لابن عباس وغيره من السلف (١).
قال شيخنا -رحمه الله- في «حجّة النّبيّ - ﷺ -» (ص ١١): «لا شّك أنّ الحجّ كان -في أول استئنافه - ﷺ - إِياه- جائزًا بأنواعه الثلاثة المتقدّمة، وكذلك كان أصحابه - ﷺ -؛ منهم المتمتع، ومنهم القارن، ومنهم المفرد؛ لأنّه - ﷺ - خيّرهم في ذلك كما في حديث عائشة -رضي الله عنها-:»خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فقال: من أراد منكم أن يهلّ بحجّ وعُمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهلّ ... «الحديث؛ رواه مسلم (٢).
وكان هذا التخيير في أول إِحرامهم عند الشجرة (٣)؛ كما في رواية لأحمد (٦/ ٢٤٥)، ولكن النّبيّ - ﷺ - لم يستمر على هذا التخيير، بل نَقَلهم إِلى ما هو أفضل؛ وهو التمتع، دون أن يعزم بذلك عليهم أو يأمرهم به، وذلك في مناسبات شتّى في طريقهم إِلى مكة.
فمن ذلك: حينما وصلوا إِلى (سَرِف)، وهو موضع قريب من التنعيم، وهو من مكة على نحو عشرة أميال، فقالت عائشة -رضي الله عنها- في رواية

---------------------
(١) انظر»حجّة النّبيّ - ﷺ -" (ص ١٠) بتصرّف.
(٢) برقم: ١٢١١.
(٣) أي: عند ذي الحليفة.



عنها:
«.. فنزلنا سَرِف، قالت: فخرج إِلى أصحابه فقال: من لم يكن منكم أهدى، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا. قالت: فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه [ممن لم يكن معه هدي] ...» الحديث؛ متفق عليه، والزيادة لمسلم.
ومن ذلك لما وصل - ﷺ - إِلى (ذي طُوى)، وهو موضع قريب من مكة، وبات بها، فلمّا صلّى الصّبح قال لهم: «من شاء أن يجعلها عمرة؛ فليجعلها عمرة» أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس.
ولكنّا رأيناه - ﷺ - لما دخل مكّة وطاف هو وأصحابه طواف القدوم؛ لم يدَعْهم على الحكم السابق وهو الأفضلية؛ بل نقَلهم إِلى حُكم جديد وهو الوجوب؛ فإِنّه أمَر من كان لم يَسُق الهدي منهم أن يفسخ الحج إِلى عمرة ويتحلل، فقالت عائشة -رضي الله عنها-:
«خرجنا مع رسول الله - ﷺ - ولا نرى إِلا أنّه الحج، فلما قدمنا مكة تطوَّفنا بالبيت، فأَمَر رسول الله - ﷺ - من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي، فأحللن (١).» الحديث، متفق عليه. وعن ابن عباس نحوه بلفظ:

-------------------
(١) في رواية عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - محرمين فقال النّبيّ - ﷺ -:»من كان معه هدي؛ فليُقم على إِحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل. قالت: ولم يكن معي هدي فأحللت، وكان مع الزبير هدى، فلم يَحِلَّ، فلبست ثيابي وجئت إِلى الزبير فقال: قومي عني، فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟! أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤١٦).


«فأَمَرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أيّ الحلّ؟ قال: الحلّ كلّه»؛ متفق عليه. وفي حديث جابر نحوه وأوضح منه؛ كما يأتي فقرة (٣٣ - ٤٥) (١).
قلت [أي: شيخنا]: فمن تأملّ في هذه الأحاديث الصحيحة؛ تبيّن له - بيانًا لا يشوبه ريب- أن التخيير الوارد فيها إِنما كان منه - ﷺ - لإِعداد النفوس وتهيئتها؛ لتقبُّل حُكمٍ جديدٍ، قد يصعب ولو على البعض تقبّله بسهولة لأول وَهْلَةٍ، ألا وهو الأمر بفسخ الحج إِلى العمرة، لا سيّما وقد كانوا في الجاهلية كما هو ثابت في «الصحيحين» - يرون أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج، وهذا الرأي -وإن كان رسول الله - ﷺ - قد أبطله باعتماره - ﷺ - ثلاث مرات في ثلاث سنوات كلها في شهر ذي القعدة-؛ فهذا وحده وإن كان كافيًا في إِبطال تلك البدعة الجاهلية؛ فإِنه لا يكفي -والله أعلم- لإِعداد النفوس لتقبل الحكم الجديد، فلذلك مهّد له - ﷺ - بتخييرهم بين الحج والعمرة مع بيان ما هو الأفضل لهم، ثمّ أتبع ذلك بالأمر الجازم بفسخ الحج والعمرة.
فإِذا عرفنا ذلك؛ فهذا الأمر للوجوب قطعًا، ويدل على ذلك الأمور الآتية:
الأول: أن الأصل فيه الوجوب إِلا لقرينة، ولا قرينة هنا، بل والقرينة هنا تؤكده، وهي الأمر التالي وهو:
الثاني: أنه - ﷺ - لما أمرهم تعاظم ذلك عندهم، كما تقدّم آنفًا، ولو لم يكن للوجوب لم يتعاظموه، ألم تر أنه - ﷺ - قد أمرهم من قَبْلُ ثلاث مرات أَمْرَ تخيير، ومع ذلك لم يتعاظموه، فدل على أنهم فهموا من الأمر الوجوب، وهو

---------------------
(١) انظر (ص ٦٠) منه بعنوان «الأمر بفسخ الحجّ إِلى العمرة».


المقصود.
الثالث: أن في رواية في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «.. فدخل عليّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار! قال: أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر؛ فإِذا هم يترددون؟! ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثمّ أحل كما حلوا». رواه مسلم والبيهقي وأحمد (٦/ ١٧٥).
ففي غضبه - ﷺ - دليل واضح على أن أمره كان للوجوب، لا سيّما وأن غضبه - ﷺ - إِنما كان لترددهم، لا من أجل امتناعهم من تنفيذ الأمر، وحاشاهم من ذلك، ولذلك حلوا جميعًا؛ إِلا من كان معه هدي كما يأتي في الفقرة (٤٤) (١).
الرابع: قوله - ﷺ - لما سألوه عن الفسخ الذي أمرهم به: ألعامنا هذا أم لأبد الأبد؟ فشبَّك - ﷺ - أصابعه واحدة في أخرى وقال: «دخَلَت العمرة في الحجّ إِلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد».
فهذا نص صريح على أن العمرة أصبحت جزءًا من الحج لا يتجزأ، وأن هذا الحكم ليس خاصًّا بالصحابة كما يظنّ البعض، بل هو مستمر إِلى الأبد.
[الخامس]: أن الأمر لو لم يكن للوجوب؛ لكفى أن ينفذه بعض الصحابة، فكيف وقد رأينا رسول الله - ﷺ - لا يكتفي بأمر الناس بالفسخ أمرًا عامًّا، فهو تارة يأمر بذلك ابنته فاطمة -رضي الله عنه- كما يأتي (فقرة ٤٨) (٢)، وتارة

--------------------
(١) انظر (ص ٦٥) منه بعنوان «خطبته - ﷺ - بتأكيد الفسخ وإطاعة الصحابة له».
(٢) انظر (ص ٦٧) منه.



يأمر به أزواجه، كما في «الصحيحين» عن ابن عمر: أن النّبيّ - ﷺ - أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: فقلت: ما يمنعك أن تحل؟ قال: «إِني لبَّدت رأسي ...» الحديث. ولما جاءه أبو موسى من اليمن حاجًّا، قال له - ﷺ -: «بم أهللت؟». قال: أهللت بإِهلال النّبيّ - ﷺ -. قال: هل سقت من هدي؟ قال: لا، قال: «فطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، ثمّ حِلّ ...» الحديث.
فهل هذا الحرص الشديد من النّبيّ - ﷺ - على تبليغ أمره بالفسخ إِلى كل مكلف لا يدل على الوجوب؟ اللهم إِن الوجوب ليثبت بأدنى من هذا! انتهى.
وجاء (ص ١٩) منه: «وخلاصة القول: أن على كل من أراد الحج أن يلبي عند إِحرامه بالعمرة، ثمّ يتحلل منها بعد فراغه من السعي بين الصفا والمروة؛ بقص شعره، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة يحرم بالحج، فمن كان لبَّى بالقران أو الحج المفرد؛ فعليه أن يفسخ ذلك بالعمرة؛ إِطاعةً لنبيه - ﷺ -؛ والله -عز وجل- يقول: ﴿من يُطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١)، وعلى المتمتع بعد ذلك أن يقدم هديًا يوم النحر، أو في أيام التشريق، وهو من تمام النسك، وهو دم شُكْران وليس دم جُبْران، وهو -كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- بمنزلة الأضحية للمقيم، وهو من تمام عبادة هذا اليوم، فالنسك المشتمل على الدم بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية، وهو من أفضل الأعمال، فقد جاء من طرق أن النّبيّ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: العجُّ (٢) والثجّ (٣)؛ وصححه

-------------------
(١) النساء: ٨٠.
(٢) رفْع الصوت بالتلبية.
(٣) الثجّ: سيلان دم الهدي والأضاحي.»النهاية".



ابن خزيمة وحسّنه المنذري«.

باب ما جاء في التمتع:
عن سالم بن عبد الله؛ أنه سمع رجلًا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إِلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إِن أباك قد نهى عنها! فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إِن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله - ﷺ -؛ أَمْرُ أبي يُتبع، أم أمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال الرجل: بل أَمْرُ رسول الله - ﷺ -. فقال: لقد صنعها رسول الله - ﷺ -» (١).
قال أبو عيسى: «واختار قوم من أهل العلم، من أصحاب النّبيّ - ﷺ - وغيرهم: التمتع بالعمرة.
والتمتع: أن يدخل الرجل بعمرة في أشهر الحج، ثمّ يقيم حتى يحج، فهو متمتع، وعليه دم ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع إِلى أهله، ويستحب للمتمتع إِذا صام ثلاثة أيام في الحج أن يصوم في العشر، ويكون آخرها يوم عرفة، فإِن لم يصم في العشر؛ صام أيام التشريق في قول بعض أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، منهم: ابن عمر، وعائشة. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال بعضهم: لا يصوم أيام التشريق، وهو قول أهل الكوفة.
قال أبو عيسى: وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحج. وهو قول

---------------------
(١) أخرجه أحمد، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٦٥٨)، وانظر»صفة الصلاة" (ص ٥٤).


الشافعي وأحمد وإسحاق» (١).

من اعتمر بعد الحجّ بغير هدي (٢):
فيه قصة عائشة -رضي الله عنها- المعروفة حين نفست في حجّها، وفيه:
«فأهلّت بعمرة مكان عمرتها، فقضى الله حجّها وعُمرتها. [ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم]» (٣).
وليس هذا على إِطلاقه، وإنما في أحوال ضيّقة وأمّا فِعله للتهرب من الهدي فلا يجوز.

ليس لحاضري المسجد الحرام إِلاّ الإِفراد:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنه سُئل عن متعة الحجّ؟ فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النّبيّ - ﷺ - في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة؟ قال رسول الله - ﷺ -: اجعلوا إِهلالَكم بالحجّ عمرة؛ إِلا من قلّد الهدي (٤). فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلّد الهدي؛ فإِنه لا يحلّ له حتى يبلغ الهدي محِلَّه (٥). ثمّ أمرنا عشية التّروية أن



------------------
(١) انظر «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٢٤٨).
(٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب العمرة) (باب - ٧).
(٣) أخرجه البخاري: ١٧٨٦، ومسلم: ١٢١١ - ١١٧، وما بين معقوفين من كلام هشام بن عروة، كما في «صحيح مسلم».
(٤) جاء في «الوسيط»: «قلّد البَدَنة: علَّقَ في عُنُقها شيئًا ليُعْلَمَ أنّها هدي.
(٥) وهو يوم النحر، انظر»تفسير العلامة السعدي" -رحمه الله- وما فيه من فوائد في هذه الآية.



نهل بالحجّ، فإِذا فرغنا من المناسك؛ جئنا فطفنا بالبيت وبالصّفا والمروة، وقد تمَّ حجُّنا وعلينا الهدي كما قال الله -تعالى-: ﴿فما استيسر (١) من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة إِذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلى أمصاركم، الشاة تجزي، فجمعوا نُسكين في عام بين الحجّ والعمرة؛ فإِنّ الله -تعالى- أنزله في كتابه وسنّة نبيّه - ﷺ -، وأباحه للناس؛ غير أهل مكة، قال الله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، وأشهر الحجّ التي ذكر الله -تعالى-؛ «شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم» (٢).

من هم حاضرو المسجد الحرام؟
جاء في «تفسير ابن كثير» -رحمه الله- بحذف: «في قوله -تعالى-: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ بعد إجماع جميعهم على أنّ أهل الحرم معنيّون به، وأنه لا متعة لهم: فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصّة دون غيرهم.
ثمّ ساق بإِسناده إِلى سفيان الثوري قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معْمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: المتعة للناس -لا

-------------------
(١) أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصِر.»تفسير السعدي" أيضًا.
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٧٢.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #102  
قديم 14-01-2026, 03:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 286الى صــ 300
الحلقة (102)






لأهل مكة- من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله -عز وجل-: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾.
قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس.
وقال آخرون: هم أهلُ الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن عطاء قال: من كان أهل دون المواقيت؛ فهو كأهل مكة، لا يتمتع.
وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول في قوله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ قال: من كان دون الميقات.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر: سمعت الزهري يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع.
وفي رواية عنه: اليوم واليومين.
واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي: أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأنّ من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم».
وهذا الذي يترجّح -والله أعلم-؛ لأنّ الذين ذُكروا في تفسير الآية هم: أهل الحرم، وأَهل مكة، ودون الميقات، ومن كان أهله على يوم ويومين، ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
فأهل الحرم وأهل مكة ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ قد


دخلوا في المعنى المراد.
وبقي من كان على مسيرة يوم أو يومين أو يوم وبعض يوم؛ فهذا ارتباطه بالسفر نفيًا وإثباتًا.
وبقي كذلك من كان دون الميقات، وهذا قول ليس بالقوي؛ لأنّ المواقيت متفاوتة في بعدها وقُربها من المسجد الحرام، وأبعدها ذو الحليفة فهل من كان منزله بعد هذا الميقات بشيء يسير يقال: إِنه من حاضري المسجد الحرام؟!
والحاصل أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم، ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. والله -تعالى- أعلم.

أَيُّما أفضل للمكي؛ العمرة أم الطواف؟
جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٤٨): «وسئل أبو العباس: أيما أفضل لمن كان بمكة: الطواف بالبيت أو الخروج إِلى الحل ليعتمر منه ويعود؟ وهل يستحب لمن كان بمكة كثرة الاعتمار في رمضان أو في غيره، أو الطواف بدل ذلك؟ وكذلك كثرة الاعتمار لغير المكي: هل هو مستحب؟ وهل في اعتمار النّبيّ - ﷺ - من الجعرانة وفي عمرة الحديبية مستند لمن يعتمر من مكة، كما في أمره لعائشة أن تعتمر من التنعيم؟ وقول النّبيّ - ﷺ -:»عمرة في رمضان تعدل حجة"؛ هل هي عمرة الأفقي؟ أو تتناول المكي الذي يخرج إِلى الحل ليعتمر في رمضان؟
فأجاب: أمّا من كان بمكة من مستوطن، ومجاور وقادم وغيرهم؛ فإِنّ طوافه بالبيت أفضل له من العمرة، وسواء خرج في ذلك إِلى أدنى الحل -وهو التنعيم الذي أحدث فيه المساجد التي تسمى: مساجد عائشة -أو أقصى الحل من أي


جوانب الحرم، سواء كان من جهة «الجعرانة» أو «الحديبية» أو غير ذلك، وهذا المتفق عليه بين سلف الأمة، وما أعلم فيه مخالفًا من أئمة الإِسلام في العمرة المكية.
وأمّا العمرة من الميقات: بأن يذهب إِلى الميقات فيُحرم منه، أو يرجع إِلى بلده، ثمّ يُنِشئ السفر منه للعمرة؛ فهذه ليست عمرة مكية بل هذه عمرة تامة، وليس الكلام هنا فيها.
وهذه فيها نزاع: هل المقام بمكة أفضل منها، أم الرجوع إِلى بلده أو الميقات أفضل؟ وسيأتي كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف على الرجوع للعمرة من الميقات.
وإِنما النزاع في أنه هل يكره للمكي الخروج للاعتمار من الحل أم لا؟ وهل يكره أن يعتمر مَنْ تشرع له العمرة -كالأفقي- في العام أكثر من عمرة أم لا؟ وهل يستحب كثرة الاعتمار أم لا؟
فأما كون الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة؛ فهذا مما لا يستريب فيه من كان عالمًا بسنة رسول الله - ﷺ - وسنة خلفائه، وآثار الصحابة، وسلف الأمة وأئمتها، وذلك أن الطواف بالبيت من أفضل العبادات والقربات التي شرعها الله في كتابه وعلى لسان نبيه - ﷺ -، وهو من أعظم عبادة أهل مكة؛ أعني: من كان بمكة مستوطنًا أو غير مستوطن، ومن عباداتهم الدائمة الراتبة التي امتازوا بها على سائر أهل الأمصار، وما زال أهل مكة على عهد رسول الله - ﷺ - وخلفائه وأصحابه -رضي الله عنهم- يطوفون بالبيت في كل وقت ويُكْثِرون ذلك ... ".


وقال -رحمه الله- (ص ٢٥٢): «وأمّا الاعتمار للمكي بخروجه إِلى الحل؛ فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله - ﷺ -؛ إِلا عائشة في حجة الوداع، مع أنّ النّبيّ - ﷺ - لم يأمرها به، بل أذن فيه بعد مراجعتها إِياه ... فأمّا أصحابه الذين حجوا معه حجة الوداع كلهم من أولهم إِلى آخرهم؛ فلم يخرج أحد منهم؛ لا قبل الحجة ولا بعدها؛ لا إِلى التنعيم ولا إِلى الحديبية ولا إِلى الجعرانة، ولا غير ذلك لأجل العمرة، وكذلك أهل مكة [المستوطنون]؛ لم يخرج أحد منهم، إِلى الحل لعمرة، وهذا متفق عليه، معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته.
وكذلك أيضًا أصحابه الذين كانوا مقيمين بمكة من حين فَتْحِهِ مكة من شهر رمضان سنة ثمان، وإلى أن توفي؛ لم يعتمر أحد منهم من مكة، ولم يخرج أحد منهم إِلى الحل ويهل منه، ولم يعتمر النّبيّ - ﷺ - وهو بمكة قط، لا من الحديبية، ولا من الجعرانة، ولا من غيرهما، بل قد اعتمر أربع عمر: ثلاث منفردة، وواحدة مع حجته، وجميع عمره كان يكون فيها قادمًا إِلى مكة، لا خارجًا منها إِلى الحل.
فأمّا عمرة الحديبية؛ فإِنه اعتمر من ذي الحليفة -ميقات أهل المدينة- هو وأصحابه الذين بايعوه في تلك العمرة تحت الشجرة، ثمّ إِنهم لما صدهم المشركون عن البيت، وقاضاهم النّبيّ - ﷺ - على العمرة من العام القابل، وصالحهم الصلح المشهور؛ حل هو وأصحابه من العمرة بالحديبية، ولم يدخلوا مكة ذلك العام ...».
وجاء في «الاختيارات» (ص ١١٥): "والقول بوجوب العمرة على أهل


مكة: قول ضعيف جدًّا، مخالف للسنة الثابتة، ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد: أن أهل مكة لا عمرة عليهم، رواية واحدة، وفي غيرهم روايتان، وهي طريقة أبي محمد المقدسي. وطريقة المجد أبي البركات في العمرة ثلاث روايات، ثالثها: تجب على غير أهل مكة».

القارن يطوف طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا:
عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها حاضت بِسَرِف، فتطهّرت بعرفة، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك (١)» (٢).
عن جابر -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - قرن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا» (٣).
وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعْي واحد منهما؛ حتى يحلّ منهما جميعًا» (٤).

---------------------
(١) قال النووي -رحمه الله- (٨/ ١٤٠): «وأمّا عائشة -رضي الله عنها- فإِنّما حصل لها عمرةٌ مندرجة في حجة بالقِران؛ فقال لها النّبيّ - ﷺ - يوم النفر:»يسعُك طوافك لحجّك وعمرتك«؛ أي: وقد تمّا وحُسِبا لك جميعًا ...».
(٢) أخرجه مسلم: ١٢١١.
(٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٥٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٠٧).
(٤) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٥٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٠٩).



من لم يجد هدْيًا:
من لم يجد هدْيًا؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع إِلى أهله،
قال الله -تعالى-: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).

متى يصوم الأيام الثلاثة؟
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره» -بحذف-: "يقول -تعالى-: فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحجّ؛ أي: في أيام المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر؛ قاله عطاء، أو من حين يحرم؛ قاله ابن عباس وغيره؛ لقوله: ﴿في الحجّ﴾. ومنهم من يُجوِّز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد. وجوّز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذ اقال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحكم، والحسن وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيّان.
وقال العوفي عن ابن عباس: إِذا لم يجد هدْيًا؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإِذا كان يوم عرفة الثالث؛ فقد تمّ صومه، وسبعة إِذا رجع

----------------------
(١) البقرة: ١٩٦.


إِلى أهله وكذا روى أبو إِسحاق عن وبرة عن ابن عمر قال: يصوم يومًا قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. وكذا روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أيضًا.
فلو لم يصمها أو بعضها قبل يوم العيد؛ فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء؛ هما للإِمام الشافعي - أيضًا: القديم منهما: أنه يجوز له صيامها؛ لقول عائشة وابن عمر -رضي الله عنهم- في»صحيح البخاري«: لم يرخّص في أيام التشريق أن يُصمن إِلا لمن لم يجد الهدي (١). وكذا رواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر، وإِنما قالوا ذلك لعموم، قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة﴾ وقد روي من غير وجه عنهما. ورواه سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه.
وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي، وعكرمة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير، وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ ...». اهـ
وعن هشام قال: أخبرني أبي: «كانت عائشة -رضي الله عنها- تصوم أيّام منى، وكان أبوهُ (٢) يصومها» (٣).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «الصيام لمن تمتّع بالعمرة إِلى الحجّ

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٩٧.
(٢) قال الحافظ -رحمه الله-:»قوله: (وكان أبوه يصومها): هو كلام القطان لهشام ابن عروة، وفاعل يصومها هو عروة، والضمير فيه لأيام التشريق، ووقع في رواية كريمة: (وكان أبوها)؛ وعلى هذا فالضمير لعائشة، وفاعل يصومها هو أبو بكر الصديق".
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٩٦.



إِلى يوم عرفة، فإِن لم يجد هدْيًا ولم يصم؛ صام أيّام منى» (١).

متى يبطل الحج بالجماع؟ وما جزاء الوطء؟
إِذا وطئ المرء في الحجّ قبل التحلُّل الأوّل؛ يبطَل حجُّه وعليه بدنة.
أمّا إِذا وطئ بعد التحلُّل الأول وقبل التحلُّل الثاني؛ فعليه شاة؛ ولا يبطل حجُّه.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنه سُئل عن رجل وقَع بأهله وهو بمنى؛ قبل أن يفيض؟ فأمره أن ينحر بدنة» (٢).
وفي رواية: «الذي يصيب أهله قبل أن يفيض؛ يعتمر ويهدي» (٣).
عن سعيد بن جبير: «أنّ رجلًا أهلّ هو وأمرأته جميعًا بعمرة، فقضت مناسكها إِلا التقصير، فغشيها قبل أن تقصر، فسئل ابن عباس عن ذلك؟ فقال: إِنها لشَبِقَةٌ (٤)، فقيل له: إِنها تسمع.
فاستحيا من ذلك وقال: ألا أعلمتموني؟! وقال لها: أهريقي دمًا، قالت: ماذا؟ قال: انحري ناقة أو بقرة أو شاة، قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: ناقة» (٥).

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٩٩.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ»، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٠٤٤).
(٣) انظر «الإرواء» تحت الأثر السابق.
(٤) أي: شديدة الشهوة.
(٥) أخرجه البيهقي. وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (١٠٤١): «وسنده صحيح».



عن عمرو بن شعيب عن أبيه: «أنّ رجلًا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن مُحرِم وقع بامرأة، فأشار إِلى عبد الله بن عمر؟ فقال: اذهب إِلى ذلك فسله، قال: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر، فقال: بطل حجك، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس، واصنع ما يصنعون، فإِذا أدركت قابلًا؛ فَحُجَّ وأهْدِ فرجع إِلى عبد الله بن عمرو، وأنا معه، فأخبره، فقال: اذهب إِلى ابن عباس فسله، قال شعيب: فذهبت معه إِلى ابن عباس فسأله، فقال له كما قال ابن عمر: فرجع إِلى عبد الله بن عمرو وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس، ثمّ قال: ما تقول أنت؟ فقال: قوْلي مثل ما قالا» (١).
وإذا لم يجد الهدي؛ فإِنه يصوم ثلاثة أيام في الحجّ، وسبعة إِذا رجع إلى أهله (٢).

الدماء في الحجّ
لم يرد في دماء الحجّ إلاَّ خمس حالات:

١ - دم التمتع والقِران.
قال -تعالى-: ﴿فَمَنْ تمتع بالعمرة إِلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعةٍ إِذا رجعتم﴾ (٣).

٢ - دم الفدية.

---------------------
(١) أخرجه البيهقي وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في «الإِرواء» (١٠٤٣).
(٢) انظر «منار السبيل» (١/ ٢٥٧)، و«الإِرواء» (٤/ ٩٦٤، ١٠٤٢).
(٣) البقرة: ١٩٦.



وهو الدم الذي يجب على الحاج إِذا حلق شعره لمرض أو شيء يؤذيه.
قال -تعالى-: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسُكٍ﴾ (١).
وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل صحّ معنى أو مبنى ما يُذكر عن عطاء أنه قال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات فصاعدًا؛ فعليه دم؟
فأجاب -رحمه الله-: روايةً لا أدري، ودرايةً ندَعُه له.
قلت: فلو صحّ سندًا فهل تقولون: ندعه له؟
فقال -رحمه الله-: نعم.

٣ - دم الجزاء.
قال- تعالي-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتُلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ ومن قتَله منكم متعمدًا فجزاءٌ مِتلُ ما قتَل من النَّعَم (٢) يحكم به ذَوَا عدلٍ منكم هديًا بالغَ الكعبة (٣) أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا ليذوق وبال (٤) أمره عفا الله عمّا سلف ومن عاد فينتقمُ الله منه والله عزيزٌ ذو انتقام﴾ (٥).

-----------------------
(١) البقرة: ١٩٦.
(٢) هو المال السائم.
(٣) أي: واصلًا إِلى الكعبة، والمراد وصوله إِلى الحرم؛ بأن يذبح هناك، ويفرّق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. «تفسير ابن كثير».
(٤) أي: أوجبنا عليه الكفّارة ليذوق عقوبة فِعله الذى ارتكب فيه المخالفة. «تفسير ابن كثير».
(٥) المائدة: ٩٥.



وهذا في صيد البّر.
وأمّا صيد البحر؛ فجائز كما تقدّم، فليس فيه جزاء.

٤ - دم الوطء.
وهو دمٌ يجب على الحاج إِذا جامع أهله أثناء حجّه.

٥ - دم الإِحصار.
وهو الدم الذي يجب لانحباسه عن إِتمام المناسك، وعدم تمكُّنه من أدائها؛ لمرض أو عدوّ أو نحو ذلك، إِذا لم يكن قد اشترط عند إِحرامه بقوله:»اللهم! مَحِلِّي حيث حبستني«.
قال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (١)؛ وسيأتي بعد قليل -إِن شاء الله تعالى-.
قال شيخنا -رحمه الله- لنا في بعض مجالسه:»ليس لموجبي الدماء أيّ مستند من الكتاب والسّنّة، اللهم إِلا أثر عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- يرويه الإِمام أبو بكر البيهقي في كتابه «السنن الكبرى» بالسند الصحيح عنه أنّه قال: «مَن نسي أو أخطأ في نُسك؛ فعليه دم» (٢).
وقد روي هذا الأثر موقوفًا، وهو صحيح وروي مرفوعًا؛ ولا يصح؛ مع أنّ ابن عباس تفرّد في هذا الرأي، ولا نعلم من وافقه من أصحاب آخرين.
فنحن نجد فيه توسعًا يخالف بعض الأحاديث الصحيحة، كمثل حديث

--------------------
(١) البقرة: ١٩٦.
(٢) وسيأتي الكلام عليه -إِن شاء الله تعالى- بعد سطور.



ذلك الأعرابي الذي سمعه النّبيّ - ﷺ - يلبّي بالعمرة، وهو متضمّخ بالطيب وعليه جبّة؛ فأمره - عليه الصلاة والسلام- بأن يخلع الجبّة أو القميص وأن يغسل عنه الطيب، وقال له: «اصنع في عمرتك ما تصنع في حجّك» (١)؛ ولم يأمره بدم، مع أنّ الذي فعَله يدخل في كلام ابن عباس -رضي الله عنهما- ولا نجد ما يوجب الدّم إِلا ما هو معلوم بالأدلّة الصحيحة من الكتاب والسنّة ... «انتهى.

أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-: من نسي من نسكه شيئًا أو تركه؛ فليهرِق دمًا» (٢).
ولا بُد لنا من التأمّل في مسألة عظيمة كهذه - نسيان أو ترك مناسك مِن نسك الحج، لا يَرد فيها حديث مرفوع، والحاجة تقتضي ذلك؛ لكثرة وقوعها وملابستها من الناس، مع ما قد علمنا من أمر النّبيّ - ﷺ - بأخذ المناسك عنه؛ ومع ما لا يخفى من حِرص الصحابة -رضي الله عنهم- على التأسي والاقتداء به

------------------------
(١) يشير شيخنا -رحمه الله- إِلى الحديث الذي رواه صفوان بن يعلى: أنّ يعلى قال لعمر -رضي الله عنه-: «أرني النّبيّ - ﷺ - حين يوحى إِليه، قال: فبينما النّبيّ - ﷺ - بالجعرانة -ومعه نفر من أصحابه-؛ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمّخ بطيب؟ فسكت النّبيّ - ﷺ - ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر -رضي الله عنه- إِلى يعلى، فجاء يعلى -وعلى رسول الله - ﷺ - ثوب قد أُظلّ به-؛ فأدخل رأسه، فإِذا رسول الله - ﷺ - محمرُّ الوجه وهو يَغطُّ، ثمّ سُرِّيَ عنه، فقال: أين الذي سأل عن العمرة؟ فأتي برجل فقال: اغسل الطّيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجُبّة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّتك». أخرجه البخاري: ١٥٣٦، ومسلم: ١١٨٠.
(٢) وهو ضعيف مرفوعًا، وثابت موقوفًا كما في «الإِرواء» (١١٠٠).



-عليه الصلاة والسلام- وكثرتهم واجتماعهم - ما لا يكون في أيّ عبادة أُخرى، لا في جمعة، ولا جماعة، ولا صلاة عيد، ولا جهاد في سبيل الله -تعالى-.
والصحابة -رضي الله عنهم- قد نقلوا أحكام الوضوء والصلاة بدقّة بلغت الغاية.
فماذا يعني عدم ورود حديث مرفوع، أو نقولات مستفيضة من الصحابة - رضي الله عنهم- في هذا الأمر، مع ما سبق بيانه من النصوص البيّنة المتعلّقة بالدماء؟!
والذبح مُكْلِفٌ كما لا يخفى؛ أو الصيام -على التفصيل المعلوم-؛ وهو يحتاج إِلى صبرٍ ومجاهدة.
فهذا يجعلنا نقدّم الآيات والنصوص -التي بيّنت متى يهراق الدم- على أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ لعدم علمنا مَن وافقه من الصحابة -رضي الله عنهم-؛ كما أشار شيخنا -رحمه الله- في تحديد المواطن التي تجب فيها الدماء؛ مع احترامنا لمن يأخذ بهذا الأثر. والله -تعالى- أعلم.

الإِحصار
الإِحصار: هو المنع والحبس.
والمراد: المنع عن الطواف في العمرة أو أداء الأركان أو بعضها، كالوقوف بعرفة وطواف الإِفاضة.
قال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (١).

-----------------------
(١) البقرة: ١٩٦.


جاء في «تفسير ابن كثير»: «ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في سنة ست؛ أي: عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسول الله - ﷺ - وبين الوصول إِلى البيت ...».
*واختلف العلماء هل يختصّ الحصر بالعدوّ، دون المرض أو غيره؟
وذكروا عن طاوس عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: لا حصر إِلا حصر العدوّ، فأمّا من أصابه مرض أو وجع أو ضلال؛ فليس عليه شيء؛ إِنما قال الله: ﴿فإذا أمِنتم﴾، فليس الأمن حصرًا.
القول الثاني: أنّ الحصر أعمّ من أن يكون بعدوّ أو مرض أو ضلال عن الطريق أو نحو ذلك.
عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: «من كُسِرَ أو عَرِج؛ فقد حلّ، وعليه حجة أخرى. فحدثت به ابن عباس، وأبا هريرة فقالا: صدق» (١).
وفي رواية عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال: «سألت الحجاج بن عمرو عن حبس المُحرم؟ فقال: قال رسول الله - ﷺ -: من كُسرَ أو مرض أو عرِج فقد حل، وعليه الحجُّ من قابل. قال عكرمة: فحدثت به ابن عباس وأبا هريرة فقالا: صدق» (٢).

----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٣٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٩٧).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٤٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٩٨).



وأفتى ابن مسعود -رضي الله عنه- رجُلًا لُدغ بأنه مُحْصَرٌ (١).
القول الثاني هو الراجح -والله أعلم- لذلك جاء تبويبه في «سنن أبي داود» تحت (باب في الإِحصار)، وفي «سنن ابن ماجه» تحت (باب المحصر)، وفي «المشكاة» (٢/ ٨٢٨): (باب الإِحصار وفوت الحج).
والحديث صريح فيمن مُنع وحُبس في غير العدّو، والثمرة هي الحبس؛ سواءٌ أكان من عدوٍ أم مرض أم ضلال طريق. وبالله -تعالى- التوفيق.
وجاء في «الاختيارات» (ص ١١٩): «والمحصر بمرض أو ذهاب نفقة: كالمحصر بعدّو، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد».

يذبح المحصر ما استيسر من الهدي:
قال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (٢).
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قد أُحصر رسول الله - ﷺ -، فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عامًا قابلًا» (٣).
وذهب الجمهور إِلى إِجزاء الشاة في الإِحصار.
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إِليه من إِجزاء ذبح الشاة في الإِحصار: أنّ الله أوجب ذبح

---------------------
(١) أخرجه ابن جرير بإِسناد صحيح عنه. قاله الحافظ في»الفتح" في أول كتاب المحصر.
(٢) البقرة: ١٩٦.
(٣) أخرجه البخاري: (١٨٠٩).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #103  
قديم 14-01-2026, 03:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 301الى صــ 315
الحلقة (103)






ما استيسر من الهدي؛ أي: مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإِبل والبقر والغنم، كما قاله الحَبْر البحر ترجمان القرآن وابن عم رسول الله - ﷺ -، وقد ثبت في «الصحيحين» عن عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: «أهدى النّبيّ - ﷺ - مرة غنمًا» (١).

مكان ذبْحها:
اختلف العلماء في موضع ذبح هدي الإِحصار:
فقال الجمهور: يَذبَحُ هديَه حيث يحل في الحرم أو الحل.
وقال بعضهم: لا ينحره إلاَّ في الحرم.
وقيل غير ذلك.
والراجح: ما قاله الجمهور: أنه يذبح حيث هو؛ لأنّ هذا ظاهر النص، وهو الشيء الممكن. والله أعلم.
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن ذلك.
فقال: «يذبحه حيث هو».

إِذا أخطأ العِدّة في الحج ولم يقم ببعض الأركان؛ فإِنه يُحلّ بعمرة وعليه الحج من قابل:
عن سليمان بن يسار: "أنّ هَبَّار بن الأسود جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخطأنا العِدّة، كنّا نُرى أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إِلى مكة، فطُف أنت ومن معك، وانحروا

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٧٠١، ومسلم: ١٣٢١.


هديًا إِن كان معكم، ثمّ احلقوا أو اقصروا وارجعوا، فإِذا كان عام قابل فحُجّوا وأَهدوا! فمن لم يجد؛ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع» (١).
وفي رواية: «أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجًا، حتى إِذا كان بالنازية من طريق مكة؛ أضل رواحله، وأنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له؟ فقال عمر: اصنع كما يصنع المعتمر، ثمّ قد حللت، فإِذا أدركك الحج قابلًا؛ فاحجج، وأهد ما تيسر من الهدي» (٢).

ما يُفعَل بالمحرم إِذا مات (٣):
عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: «بينما رجل واقف بعرفة؛ إِذ وقع عن راحلته فوقصته (٤) -أو قال: فأوقصته-؟ قال النّبيّ - ﷺ -: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه (٥)، ولا تخمِّروا (٦) رأسه؛ فإِنَّه يُبعث يوم القيامة مُلبيًا» (٧).

-----------------
(١) أخرجه مالك، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٠٦٨): «وهذا سند صحيح، والهبار صحابي معروف له ترجمة في»الإِصابة«وغيره».
(٢) صححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١١٣٢).
(٣) هذا العنوان من «صحيح مسلم».
(٤) وقصته: أي: كَسَرتْ عنقه.
(٥) لا تحنطوه: هو بالحاء المهملة؛ أي: لا تُمسّوه حَنوطًا؛ والحَنوط: بفتح الحاء -ويقال له: الحِناط؛ بكسر الحاء- وهو أخلاط من طيب تجمع للميت خاصة؛ لا تستعمل في غيره. «نووي».
(٦) أي: لا تغطّوا.
(٧) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وتقدّم.



جزاء قتْل الصّيد
قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا (١) الصيد وأنتم حُرُم ومن قَتَله منكم مُتعمدًا فجزاءٌ مِثلُ ما قَتَلَ من النَّعَم يحكُم به ذَوَا عدلٍ منكم هديًا بالغَ الكعبة أو كفّارةٌ طَعَامُ مساكينَ أو عَدْلُ ذلك صِيامًا ليذوقَ وبال أمره عفا الله عمّا سلف ومن عادَ فينتقمُ الله منه والله عزيزٌ ذو انتقام﴾ (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره» -بحذف- بعد أن ذكر بعض أقوال السلف في المتعمدّ والنّاسي: «﴿هديًا بالغ الكعبة﴾؛ أي: واصلًا إِلى الكعبة، والمراد وصوله إِلى الحرم بأن يذبح هناك، ويُفرّق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة.
... والذي عليه الجمهور (٣) أن العامد والناسي سواءٌ في وجوب الجزاء عليه. قال الزهري: دل الكتاب على العامد، وجرَت السّنّة على الناسي. ومعنى هذا: أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿ليذوق وبال أمره عفا الله عمّا سلف ومن عاد فينتقم الله منه﴾، وجاءت السُّنّة من أحكام النّبيّ - ﷺ - وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دل

--------------------
(١) لا يجوز للمحرم قتْل الصيد إِلا إِن صال عليه فقَتَله دفعًا؛ فيجوز ولا ضمان عليه. والله أعلم، قاله الحافظ في»الفتح" (٤/ ٣١).
(٢) المائدة: ٩٥.
(٣) سألت شيخنا -رحمه الله- إِذا قتل المحرم صيدًا ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم؛ فهل أنتم مع من يوجب عليه الجزاء؟
فأجاب: نعم.



الكتاب عليه في العمد. وأيضًا؛ فإِنَّ قتل الصيد إِتلاف، والإِتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم.
وقوله: ﴿فجزاءٌ مِثل ما قَتَل من النَّعَم﴾، قرأ بعضهم بالإِضافة، وقرأ آخرون بعطفها: (فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النَّعَم﴾، وحكى ابن جرير: أن ابن مسعود قرأها: «فجزاؤه مثل ما قتل من النعم».
وفي قوله: ﴿فجزاءٌ مِثلُ ما قَتَل من النَّعَم﴾ -على كل من القراءتين- دليل لما ذهب إِليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إِذا كان له مثل من الحيوان الإِنسي، خلافًا لأبي حنيفة -رحمه الله-؛ حيث أوجب القيمة، سواءً كان الصيد المقتول مثليًّا أو غير مثليّ، قال: وهو مخير؛ إن شاء تصدق بثمنه، وإن شاء اشترى به هديًا.
والذي حكم به الصحابة في المِثْل أولى بالاتباع، فإِنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز. وذِكْرُ قضايا الصحابة وأسانيدها مقررٌ في كتاب «الأحكام».
وأمّا إِذا لم يكن الصيد مثليًّا؛ فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إِلى مكة. رواه البيهقي.
وقوله: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾؛ يعني: أنه يحكم بالجزاء -في المثل -أو بالقيمة - في غير المثل-: عدلان من المسلمين.
وقوله: ﴿أو كفارةٌ طعام مساكين أو عدْل ذلك صيامًا﴾، أي: إِذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإِطعام والصيام ... لظاهر «أو»؛ فإِنها


للتخيير، والقول الآخر: أنها على الترتيب.
فصورة ذلك: أن يعدل إِلى القيمة، فيقوم الصيد المقتول عند مالك، وأبي حنيفة وأصحابه، وحماد وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النَّعم لو كان ْموجودًا، ثمّ يشتري به طعام ويتصدّق به، فيُصرف لكل مسكين مُد منه عند الشافعي، ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يُطعَم كل مسكين مُدّين. وهو قول مجاهد.
وقال أحمد: مُدٌّ من حنطة، أو مُدان من غيره، فإِن لم يجد، أو قلنا بالتخيير؛ صام عن إِطعام كل مسكين يومًا.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا، كما في جزاء المترفَّه بالحلق ونحوه؛ فإِنّ الشارع أمر كَعْبَ بن عُجْرَةَ أن يقسم فَرْقًا بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق ثلاثة آصُعِ«. انتهى.

ما قضى به النّبيّ - ﷺ - والسلف في هذا المقام:
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال:»سألت رسول الله - ﷺ - عن الضَّبُع؟ فقال: «هو صيدٌ، ويُجعل فيه كَبش إِذا صاده المُحرِم» (١).
وفي رواية: قال أبو عمّار: «قلت لجابر بن عبد الله: الضَّبُعُ أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: آكلها؟ قال: نعم. قال: قلت: أقاله رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم» (٢).

----------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٢٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٥٠٤)، وصححّه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٠٥٠).
(٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٧٦)، والنسائي "صحيح سنن =



وعن جابر -رضي الله عنه- أيضًا:»أنّ عمر بن الخطاب قضى في الضّبُع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعَناق (١)، وفي اليربوع (٢) بجَفْرة«(٣).
وفي رواية:»قال أبو عبيد: قال أبو زيد: الجَفْر من أولاد المعز: ما بلَغ أربعة أشهر، وفُصل عن أمه (٤) «(٥).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنه جعل في حَمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامةٍ شَاة» (٦).
وفي روايهَ: «ما كان سوى حمام الحرم؛ ففيه ثمنه إِذا أصابه المحرم» (٧).

صيد الحرم وقطْع شجره، وهل في ذلك جزاءٌ أو قيمة؟
يحرُم على المُحرم والحلال -وهو غير المحرم- صيد الحرم، وتنفيره، وقطْع شجرِهِ وشوكِهِ ورَطْبِ نباتِهِ؛ إلاَّ الإِذخِرَ.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنّ الله حرَّم مكة، فلم

-------------------
= النسائي» (٢٦٥٩)، وانظر «المشكاة» (٢٧٠٣).
(١) العَناق: الأنثى من أولاد المعيز والغنم من حين الولادة إِلى تمام حول، وحيوان من رتبة اللواحم، ومن فصيلة السنانير، أكبر من القط قليلًا، لونها أحمر ... «الوسيط».
(٢) دُوَيبة فوق الجُرَذ؛ الذكر والأنثى فيه سواء. «اللسان».
(٣) أخرجه مالك وغيره، وصححّه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٠٥١).
(٤) جاء في «النهاية»: «نحو ما قال أبو عبيد عن أبي زيد.
(٥) أخرجه البيهقي، وانظر»الإِرواء«(١٠٥٣).
(٦) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٠٥٦).
(٧) صححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (١٠٥٦).



تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، وإنما أُحلّت لي ساعةً من نهار، لا يُختلى (١) خلاها (٢)، ولا يُعضد (٣) شجرها، ولا يُنفّر صيدها، ولا تُلتقط لُقطتها إِلا لمعرّف. وقال العباس: يا رسول الله! إلاَّ الإِذخِر لِصاغتنا (٤) وقُبورنا؟ فقال: إِلا الإِذخِر» (٥).
وفي رواية: «فقال العباس: إِلا الإِذخِر يا رسول الله! فإِنّه لا بُدّ منه للقَين (٦) والبيوت؟ فسكَت، ثمّ قال: إِلا الإِذخِر؛ فإِنه حلال» (٧).
وجاء في «الروضة الندية» (١/ ٦١٤) في مناقشة الجزاء والقيمة: «أقول: عندي أنه لا يجب على من قتل صيدًا، أو قطع شجرًا من حرم المدينة لا جزاءٌ ولا قيمة؛ بل يأثم فقط، ويكون لمن وجده يفعل ذلك أخذ سَلَبِهِ؛ ولا يجب على الحلال في صيد حرم مكة ولا شجره شيء إِلا مجرد الإِثم؛ وأما من كان محرمًا؛ فعليه الجزاء الذي ذكَره الله -عز وجل- إِذا قتل صيدًا، وليس عليه شيء

-------------------
(١) أي: لا يُقطع.
(٢) خلاها؛ أي: الرّطبُ من النبات.
(٣) يُعضد؛ أي: يُقطع.
(٤) لصاغتنا: جمع الصائغ، وهو الذي يعمل الحُليّ من الفضة والذهب ونحوهما.
(٥) أخرجه البخاري: ١٨٣٣، ومسلم: ١٣٥٣.
(٦) القَين: -بفتح القاف-: هو الحداد والصائغ، ومعناه: يحتاج إِليه القين في وقود النار، ويحتاج إِليه في القبور لتسد به فُرج اللحد المتخللة بين اللَّبِنَاتِ، ويحتاج إليه في سقوف البيوت فيجعل فوق الخشب». «شرح النووي».
(٧) أخرجه البخاري: ٤٣١٣، ومسلم: ١٣٥٣.



في شجر مكة؛ لعدم ورود دليل تقوم به الحجة، وما يروى عنه - ﷺأنه قال في الدوحة الكبيرة إِذا قطعت من أصلها بقرة- لم يصح، وما يروى عن بعض السلف لا حجة فيه.
والحاصل: أنه لا ملازمة بين النهي عن قتل الصيد وقطع الشجر، وبين وجوب الجزاء أو القيمة، بل النهي يفيد بحقيقته التحريم، والجزاء والقيمة لا يجبان إِلا بدليل، ولم يرد دليل إِلا قول الله -تعالى-: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم﴾ الآية، وليس فيها إِلا ذكر الجزاء فقط؛ فلا يجب غيره».
وعن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «في بيض النّعام ثمنه» (١).
وفي طريق أخرى: «أنه جعل في كلّ بيضتين من بيض حمام الحرم درهمًا» (٢).
عن القاسم قال: «كنت جالسًا عند ابن عباس، فسأله رجل عن جرادة قتلها وهو محرم؟ فقال ابن عباس: فيها قبضة من طعام، ولتأخذن بقبضة جرادات، ولكن ولو».
قال الشافعي: «قوله: ولتأخذن بقبضة جرادات؛ إِنما فيها القيمة، وقوله (ولو) يقول: تحتاط، فتخرج أكثر مما عليك بعدما أعلمتك أنه أكثر مما

----------------------------
(١) أخرجه عبد الرزاق في»مصنفه«، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٠٢٩)، وقال: وهذا سند موقوف، صحيح على شرط الشيخين.
(٢) أخرجه البيهقي، وصحح شيخنا -رحمه الله تعالى- اِسناده في»الإِرواء" (١٠٢٩).



عليك» (١).

تحريم صيد حرم المدينة وقطع شجره:
وما مضى في تحريم صيد حرم مكة وشجره ... إِلى غير ذلك؛ فإِنه ماضٍ في حرم المدينة.
عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «إِنّ إِبراهيم حرّم مكة، وإنيّ حرّمت المدينة ما بين لابتيها (٢)، لا يقطع عِضاهُهَا (٣) ولا يُصاد صيدها» (٤).
وعن علي -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يُختلى خلاها، ولا يُنفّر صيدها، ولا تُلتقط لُقطتها؛ إلاَّ لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة؛ إِلا أن يعلف رجل بعيره» (٥).
وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أيضًا قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «المدينة حرم ما بين عَيْرٍ إِلى ثَوْرِ» (٦).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «حرّم رسول الله - ﷺ - ما بين لابَتَيِ

-----------------------
(١) ذكره شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«وقال: إِسناده جيد.
(٢) اللابتان: الحرّتان، واحدتهما لابة، وهي الأرض الملبّسة حجارة سوداء، وللمدينة لابتان شرقية وغربية، وهي بينهما.»شرح النووي«.
(٣) العِضاة: كل شجر فيه شوك.»شرح النووي«أيضًا.
(٤) أخرجه مسلم: ١٣٦٢.
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧٩٠)، وانظر»الإِرواء" (١٠٥٨).
(٦) أخرجه البخاري: ٦٧٥٥، ومسلم: ١٣٧٠.



المدينة، قال أبو هريرة: فلو وجدتُ الظّبَاءَ ما بين لابتيها ما ذَعَرْتُها (١)، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حِمى» (٢).
وفي رواية عن أبي هريرة أنه كان يقول: «لو رأيت الظباء ترتع (٣) بالمدينة ما ذَعَرْتها، قال رسول الله - ﷺ -: ما بين لابتيها حرام» (٤).

ليس في قتْل صيد الحرم المدني ولا قطع شجره جزاء:
مَن قتَل صيد الحرم المدني أو قطع شجره؛ فإِنه آثم، ولا جزاء عليه؛ لعدم ورود الدليل في ذلك.
عن أنس -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «المدينة حرم من كذا إِلى كذا، لا يُقطع شجرها، ولا يُحْدَثُ فيها حدث (٥)، من أحدث حَدَثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٦).

مَن وجد أحدًا يقطع شجر المدينة فَلْيَسْلَبْهُ:
وعن عامر بن سعد: أنّ سعدًا ركب إِلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع

-----------------------
(١) أي: أفزعتها. وقيل: نفّرتها. «شرح النووي».
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٧٣، ومسلم ١٣٧٢ - واللفظ له-.
(٣) ترتع؛ أي: ترعى. وقيل: معناه: تسعى وتبسط. «شرح النووي» أيضًا.
(٤) أخرجه البخاري: ١٨٧٣، ومسلم: ١٣٧٢.
(٥) الحَدَث: الأمر الحادث المنكر، الذى ليس بمعتاد ولا معروف في السّنة. «النهاية».
(٦) أخرجه البخاري: ١٨٦٧، ومسلم: ١٣٦٦.



شجرًا أو يخبطه؛ فسَلَبَه (١)، فلمّا رجع سعد جاءه أهل العبد؛ فكلّموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أنْ أرُدَّ شيئًا نفّلنيه رسول الله - ﷺ -! وأبى أنْ يَرُدّ عليهم» (٢).
وفي رواية عن سليمان بن أبي عبد الله قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة -الذي حرّم رسول الله - ﷺ --، فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلّموه فيه، فقال: إِن رسول الله - ﷺ - حرّم هذا الحرم وقال: «من وجد أحدًا يصيد فيه؛ فليسلبه، فلا أرد عليكم طُعْمَةً أطعَمنيها رسول الله - ﷺ -، ولكن إِن شئتم دفعت إِليكم ثمنه (٣)» (٤).
وفي رواية: «سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى أن يُقطَع من شجر المدينة شيء، وقال: ن قطع منه شيئًا؛ فلمن أخذه سَلَبُه» (٥).

مكّة أحب أرض الله إلى الله -تعالى-:
عن عبد الله بن عدي بن حمراء -رضي الله عنه- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - واقفًا على الحَزْوَرَة (٦)، فقال: والله إِنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إِلى الله،

----------------------
(١) سَلَبُه؛ أي: [أخَذْ] ما عليه من الثياب وغيره. «المرقاة» (٥/ ٦٢٨).
(٢) أخرجه مسلم: ١٣٦٤.
(٣) أي: تبرعًا. قاله الطيبي -رحمه الله-. أو احتياطًا للاختلاف فيه. «المرقاة» (٥/ ٦٢٧).
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٩١)، وانظر «المشكاة» (٢٧٤٧).
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٩٢)، وانظر «المشكاة» (٢٧٤٨).
(٦) الحَزوَرة: موضع بمكة. «تحفة الأحوذي» (١٠/ ٤٢٦).



ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (١).
عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ - لمكة: «ما أَطيَبَكِ من بلد، وأَحَبَّكِ إِليّ! ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» (٢).

جواز دخول مكّة بغير إِحرام
عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أنّ رسول الله - ﷺ - «دخل مكّة وعليه عمامة سوداء بغير إِحرام» (٣).
وقال البخاري -رحمه الله-: «باب دخول الحرم ومكّة بغير إِحرام».
ودخل ابن عمر، وإنما أمر النبيّ - ﷺ - بالإِهلال لمن أراد الحج والعمرة (٤). ثمّ ذكر برقم (١٨٤٥) حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنّ النّبيّ - ﷺ - وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هنّ لهنّ ولكلِّ آتٍ أتى عليهنّ من غيرهم؛ ممنّ أراد الحجّ والعمرة، فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة«(٥).

----------------------
(١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٠٨٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٥٢٣)، وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»المشكاة«(٢٧٢٥).
(٢) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٠٨٣)، وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»المشكاة«(٢٧٢٤).
(٣) أخرجه مسلم: ١٣٥٨.
(٤) انظر»كتاب جزاء الصيد" (باب - ١٨).
(٥) وأخرجه مسلم: ١١٨١، وتقدّم.



ثمّ ذكر برقم (١٨٤٦) حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- «أنّ رسول الله - ﷺ - دخل عام الفتح وعلى رأسه مِغفَر (١)، فلمّا نزعه جاء رجل فقال: إنّ ابن خَطَلٍ متعلّق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه» (٢).
قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ٥٩) في قول البخاري -رحمهما الله-: «ودخل ابن عمر»: ووصله مالك في «الموطا» عن نافع قال: «أقبل عبد الله بن عمر من مكة، حتى إِذا كان بقُديد -يعني: بضم القاف-؛ جاءه خبر عن الفتنة، فرجع فدخل مكة بغير إِحرام» (٣).
ولعلّ مراد الإِمام البخاري -رحمه الله-: أن دخول النّبيّ - ﷺ - وعلى رأسه المغفر؛ يدلّ على جواز دخول مكّة بغير إِحرام؛ لأنّ المحرم لا يغطيّ رأسه. والله أعلم.
وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «هُنّ لهنّ ولكلّ آتٍ أتى عليهنّ من غيرهم، ممن أراد الحجّ والعمرة»: دليل على تخصيص الإِحرام بمن أراد الحج والعمرة، ومفهومه: أن التردّد إِلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإِحرام (٤).

-----------------------
(١) جاء في «الفتح»: «زرد يُنسج من الدروع على قدر الرأس ... وفي»المشارق«: هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة».
(٢) وأخرجه مسلم: ١٣٥٧.
(٣) وصححّ شيخنا -رحمه الله- إِسناده في «مختصر البخاري» (١/ ٤٣٢).
(٤) انظر «الفتح» (٤/ ٥٩) بتصرّف يسير.



بين يدي الإِحرام (١):
يستحب لمن عزم على الحج أو العمرة المفردة؛ أن يغتسل للإِحرام، ولو كانت حائضًا أو نُفَساءَ.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «الحائض والنفساء إِذا أتتا على الوقت؛ تغتسلان وتحرمان، وتقضيان المناسك كلها؛ غيرَ الطواف بالبيت» (٢).
ثمّ يلبس الرجل ما شاء من الألبسة التي لم تفصّل على قدر الأعضاء، وهي المسماة عند الفقهاء بـ (غير المخيط)، فيلبس الإِزار فيلفُّ به النصف الأسفل من البدن، والرداء يلف به النصف الأعلى منه، ونحوهما، والنعلين؛ وهما كل ما يلبس على الرجلين لوقايتهما مما لا يستر الكعبين.
ولا يلبس القلنسوة والعمامة ونحوهما مما يستر الرأس مباشرة (٣). هذا للرجل.
وأما المرأة؛ فلا تنزع شيئًا من لباسها المشروع؛ إلاَّ أنها لا تشد على وجهها النقاب (٤) والبرقع أو اللثام أو المنديل ولا تلبس القُفَّازين (٥) وقد قال - ﷺ -: «لا

-----------------------
(١) عن كتاب»مناسك الحج والعمرة«لشيخنا -رحمه الله- بتصرّف وزيادة.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٥٣٤)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٥٤)، وانظر»الصحيحة«(١٨١٨).
(٣) وسيأتي بإِذن الله -تعالى-.
(٤) قال شيخنا -رحمه الله-:»هو القناع على مارن الأنف، وهو على وجوه: إِذا أدنَت المرأة نقابها إِلى عينها فتلك الوصوصة، أو البرقع، فإِن أنزلته دون ذلك إِلى المحْجِر فهو النقاب، فإِن كان على طرف الأنف فهو اللغام. وسمي نقاب المرأة، لأنه يستر نقابها؛ أي: لونها بلون النقاب. انتهى ملخصًا من «لسان العرب».
(٥) قال شيخنا -رحمه الله-: «قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في»منسكه" (ص ٣٦٥): =



يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البُرنُس (١)، ولا السراويل، ولا ثوبًا مسّه ورس ولا زعفران، ولا الخفين؛ إِلا أن لا يجد نعلين [فيلبس الخُفّين]» (٢).
«لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» (٣).
ويجوز للمرأة أن تستر وجهها بشيء؛ كالخمار أو الجلباب؛ تلقيه على رأسها وتسدله على وجهها، وإِن كان يمس الوجه على الصحيح، ولكنها لا تشدّه عليها؛ كما قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-.
وله أن يلبس الإِحرام قبل الميقات ولو في بيته، كما فعله رسول الله - ﷺ - وأصحابه -رضي الله عنهم-؛ وفي هذا تيسير على الذين يحجّون بالطائرة، ولا يمكنهم لبس ملابس الإِحرام عند الميقات، فيجوز لهم أن يصعدوا الطائرة في لباس الإِحرام، ولكنهم لا يُحرمون إِلا قبل الميقات بيسير حتى لا يفوتهم الميقات وهم غير محرمين.
وأن يدّهن ويتطيب في بدنه بأي طيب شاء؛ له رائحة ولا لون له؛ إِلا النساء؛ فطيبهنّ ما له لون ولا رائحة له.

------------------
= «والقفازات: غلاف يصنع لليد كما يفعله حملة البزاة». والبزاة: جمع بازٍ، وهو نوع من الصقور يستخدم في الصيد.
(١) جاء في «النهاية»: «هو كلّ ثوب رأسه منه ملتزق به، من دُرّاعة أو جُبّة ... قال الجوهري: هو قَلَنسُوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإِسلام، وهو من البِرس -بكسر الباء-: القطن، والنون زائدة. وقيل: إِنه غير عربي».
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٤٢، ومسلم: ١١٧٧، ١١٧٨.
(٣) أخرجه البخاري: ١٨٣٨.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #104  
قديم 14-01-2026, 03:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 316الى صــ 330
الحلقة (104)






عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: «انطلق النّبيّ - ﷺ - من المدينة بعد ما ترجّل وادّهن ولبس إِزاره ورداءه هو وأصحابه» (١).
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كأني انظر إِلى وَبِيص (٢) الطّيب في مفارق (٣) رسول الله - ﷺ - وهو محرم» (٤).
وعنها -رضي الله عنها- قالت: «كنت أُطيِّب رسول الله - ﷺ - لإِحرامه حين يحرم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت» (٥).
وعنها -رضي الله عنها- قالت: «كنّا نخرج مع النّبيّ - ﷺ - إِلى مكة؛ فنُضمّد جباهنا بالسُّكِّ (٦) المطيَّب عند الإِحرام، فإِذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النّبيّ - ﷺ -؛ فلا ينهاها» (٧).
وهذا كلّه قبل أن ينوي الإِحرام عند الميقات ويلبّي به. وأمّا بعده فحرام.

الإِحرام ونيّته:
فإِذا جاء ميقاته؛ وجب عليه أن يُحرم، ولا يكون ذلك بمجرد ما في قلبه

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥٤٥.
(٢) الوبيص: البريق واللمعان. «نووي».
(٣) مفارق: جمع مَفرِق [بفتح الميم وكسر الراء]، وهو المكان الذي يفترق فيه الشعر في وسط الرأس. «فتح».
(٤) أخرجه البخاري: ١٥٣٨، ومسلم: ١١٩٠.
(٥) أخرجه البخاري: ١٥٣٩، ومسلم: ١١٩١.
(٦) السُّكّ: هو طيب معروف؛ يضاف إِلى غيره من الطيب ويُستعمل. «النهاية».
(٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦١٥).



من قصد الحج ونيّته؛ فإِن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرمًا، فإِذا لبّى قاصدًا للإِحرام؛ انعقد إِحرامه اتفاقًا (١).

ما يباح للمحرم (٢):
١ - الاغتسال لغير احتلام، ودلك الرأس.
عن عبد الله بن حنين: أنّ عبد الله بن العباس والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسَلني عبد الله بن العباس إِلى أبي أيوب الأنصاري؛ فوجدته يغتسل بين القرنين؛ وهو يستتر بثوب، فسلّمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله ابن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن العباس أسألك: كيف كان رسول الله - ﷺ - يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب؛ فطأطأه حتى بدا لي رأسه؛ ثمّ قال لإِنسان يصُبُّ عليه: اصبُبْ؛ فَصَبَّ على رأسه، ثمّ حرّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا رأيته - ﷺ - يفعل» (٣).
وفي رواية: «فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا» (٤).

---------------------
(١) وهكذا لا تكفي النيّة؛ كما كان يعلمنا شيخنا -رحمه الله-؛ بل لا بُدّ من العمل، ولا يجزئ عن الإنسان نيّة إِيمانه دون التلفُّظ بالشهادتين والإِيمان بما يجب الإيمان به؛ مع ما يتبعه من العمل.
(٢) من (١ - ٦) عن كتاب «حجة النّبيّ - ﷺ -» لشيخنا -رحمه الله - بتصرّف.
(٣) أخرجه البخاري: ١٨٤٠، ومسلم: ١٢٠٥.
(٤) أخرجه مسلم: ١٢٠٥.



وعن ابن عباس قال:»ربما قال لي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ونحن محُرمون بالجحفة: تعالَ أباقيك أيُّنا أطول نفسًا في الماء«(١).
وعن عبد الله بن عمر: أن عاصم بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتمالقان (٢)؛ يغيِّب أحدهما رأس صاحبه، وعمر ينظر إِليهما، فلم ينكر ذلك عليهما».
٢ - حكّ الرأس والجسد، ولو سقط منه بعض الشعر، وحديث أبي أيوب المتقدّم آنفًا دليل عليه. وعن أمّ علقمة بن أبي علقمة أنها قالت: سمعت عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - تُسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: نعم؛ فليحكه وليشدُد، ولو رُبِطت يداي، ولم أجد إِلا رجلي لحككت (٣).
ولم ير ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهم- بالحكّ بأسًا (٤).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «المجموعة الكبرى» (٢/ ٣٦٨): «وله أن يحك بدنه إِذا حكَّه، وكذلك إِذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك؛ لم يضره».

--------------------
(١) أخرجه الشافعي وغيره، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وانظر «الإِرواء» (١٠٢١).
(٢) أي: يتغاطسان.
(٣) أخرجه مالك، وسنده حسن في الشواهد.
(٤) رواه البخاري معلقًا «كتاب الصيد» (باب الاغتسال للمحرم)، وانظر «الفتح» (٤/ ٥٥).



٣ - الاحتجام ولو بحلق الشعر مكان الحجم؛ لحديث ابن بُحينة -رضي الله عنه- قال:»احتجم النّبيّ - ﷺ - وهو محرم بـ (لَحْيَيْ جمل) (١) في وسط رأسه«(٢).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في»مناسكه«(٢/ ٣٣٨):»وله أن يحك بدنه إِذا حكه، ويحتجم في رأسه وغير رأسه، وإِن احتاج أن يحلق شعر الذّكر جاز؛ فإِنّه قد ثبت في «الصحيح» ... «ثمّ ساق هذا الحديث، ثمّ قال: ولا يمكن ذلك إِلا مع حلق بعض الشعر، وكذلك إِذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك؛ لم يضره، وإن تيقن أنه انقطع بالغسل».
وهذا مذهب الحنابلة؛ كما في «المغني» (٣/ ٣٠٦)، ولكنه قال: «وعليه الفدية». وبه قال مالك وغيره.
ورده ابن حزم بقوله: (٧/ ٢٥٧) -عقب الحديث-: «لم يخبر -عليه السلام- أن في ذلك غرامة ولا فدية، ولو وجبت لما أغفل ذلك، وكان -عليه السلام- كثير الشعر أفرع (٣) وإنما نهينا عن حلق الرأس في الإِحرام».
٤ - شم الريحان وطرح الظفر إِذا انكسر.
قال ابن عباس -رضي الله عنه-: والمحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى، فإِن الله -عز وجل- لا يصنع بأذاكم شيئًا (٤).

----------------------
(١) موضع بصريق مكّة.
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٣٦، ومسلم: ١٢٠٣.
(٣) الأفرع: التام الشعر.
(٤) رواه البيهقي بسند صحيح، وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٣٦٥).



إِلى هذا ذهب ابن حزم (٧/ ٢٤٦). وروى مالك عن محمد بن عبد الله ابن أبي مريم: أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسر وهو محرم؟ فقال سعيد: اقطعه.
٥ - الاستظلال بالخيمة أو المظلة (١) (الشمسية) وفي السيارة.
ورفع سقفها من بعض الطوائف تشدد، وتنطع في الدين، لم يأذن به رب العالمين، فقد صحّ أنّ النّبيّ - ﷺ - أمر بنصْب القُبَّة له بـ (نمرة)، ثمّ نزل بها (٢).
وعن أمّ الحصين -رضي الله عنها- قالت: «حججتُ مع رسول الله - ﷺ - حجّة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا؛ وأحدهما آخذ بخطام ناقة النّبيّ - ﷺ -، والآخر رافعٌ ثوبَه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» (٣).
٦ - وله أن يشد المنطقة والحزام على إِزاره، وله أن يعقده عند الحاجة، وأن

------------------
(١) وأما ما روى البيهقي عن نافع قال: أبصر ابن عمر -رضي الله عنه- رجلًا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس، فقال له: ضح لمن أحرمت له.
وفي رواية من طريق أخرى: أنه رأى عبد الله بن أبي ربيعة جعل على وسط راحلته عودًا، وجعل ثوبًا يستظل به من الشمس وهو محرم، فلقيه ابن عمر فنهاه!
قال شيخنا -رحمه الله-: «فلعل ابن عمر -رضي الله عنه- لم يبلغه حديث أم الحصين المذكور؛ وإلا فما أنكره هو عين ما فعله رسول الله - ﷺ -، ولذلك قال البيهقي:»هذا موقوف، وحديث أم الحصين صحيح«. يعني: فهو أولى بالأخذ به، وترجم له بقوله:»باب المحرم يستظل بما شاء ما لم يمس رأسه«...».
(٢) وسيأتي -إِن شاء الله تعالى-.
(٣) أخرجه مسلم: ١٢٩٨.



يتختم، وأن يلبس ساعة اليد، ويضع النظارة؛ لعدم النهي عن ذلك، وورود بعض الآثار بجواز شيء من ذلك.
فعن عائشة -رضي الله عنها-: «أنها سُئلت عن الهِميان (١) للمحرم؟ فقالت: وما بأس؟ ليستوثق من نفقته» (٢).
قال عطاء: يتختمّ ويلبس الهِميان«(٣).
قال شيخنا -رحمه الله-:»ولا يخفى أن الساعة والنظارة في معنى الخاتم والمنطقة، مع عدم ورود ما ينهى عنهما، ﴿وما كان ربك نسيًّا﴾ (٤) ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولِتُكملوا العِدّةَ ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ (٥).
٧ - تبديل الرداء والإِزار.
قال إِبراهيم النَّخعِيُّ: «لا بأس أن يبدل ثيابه» (٦).

---------------
(١) الهِميان -بكسر الهاء-: معرّب، يشبه تكّة السراويل، يجعل فيها النفقة ويشدّ في الوسط. «فتح» (٣/ ٣٩٧).
(٢) وسنده صحيح.
(٣) رواه البخاري معلقًا في «كتاب الحج» «باب الطيب عند الإِحرام»، وانظر «الفتح» (٣/ ٣٩٦).
(٤) مريم: ٦٤.
(٥) البقرة: ١٨٥.
(٦) رواه البخاري معلقًا «كتاب الحج» (باب - ٢٣)، وانظر «الفتح» (٣/ ٤٠٥).



٨ - نقض الشعر وتمشيطه.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «قدمت مكة وأنا حائض، لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: انقُضي رأسك وامتشطي» (١).
٩ - لُبس الخُفّين للمحرم إذا لم يجد النعلين، والسراويل لمن لم يجد الإِزار.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «سمعت النّبيّ - ﷺ - يخطب بعرفات: مَن لم يجد النعلين؛ فليلبس الخُفّين، ومن لم يجد إِزارًا؛ فليلبس سراويلَ؛ للمُحرم» (٢).
وفي رواية: «.. وإن لم يجد نعلين فليلبس الخفّين، وليقطعْهما حتى يكونا أسفل من الكعبين» (٣).
جاء في «مناسك الحج والعمرة» (ص ١٣): «قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في»منسكه«:»وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين؛ فإِن النّبيّ - ﷺ - أمر بالقطع أولًا؛ ثمّ رخص بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إِزارًا، ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين، هذا أصح قولي العلماء«.
١٠ - قتل القمل.
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-:»أنّ رجلًا أتاه فقال: إِني قتلت

---------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٢١١.
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٤١، ومسلم: ١١٧٨.
(٣) أخرجه البخاري: ١٨٤٢، ومسلم: ١١٧٧.



قملة وأنا محرم؟ فقال ابن عمر -رضي الله عنه-: أهون قتيل«(١).
وعن ميمون بن مهران قال: كنت عند ابن عباس -رضي الله عنهما- وسأله رجل فقال: أخذْتُ قملةً فألقيتها، ثمّ طلبتُها، فلم أجدها، فقال له ابن عباس - رضي الله عنهما-: تلك ضالة لا تبتغى» (٢).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قتل القملة: «.. وما نُهيتُم إِلا عن قتل الصيد» (٣).
١١ - قتْل الفواسق الخمس ونحوها.
عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله - ﷺ - قال: «خمس من الدواب كلهنّ فاسق (٤) يُقْتَلْن في الحرم: الغراب والحِدَأة (٥) والعقرب والفأرة والكلب

----------------------
(١) أخرجه البيهقي. وقال شيخنا -رحمه الله-:»وهذا إِسناد جيد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري«. وانظر»الإِرواء«(١٠٣٤).
(٢) أخرجه الشافعي. وقال شيخنا -رحمه الله-:»وهذا سند صحيح، وانظر «الإرواء» (١٠٣٥)«.
(٣) أخرجه البيهقي. وقال شيخنا -رحمه الله-:»وإسناده جيد«. وانظر»الإِرواء«(١٠٣٥).
(٤) قال الإِمام النووي -رحمه الله- (٨/ ١١٤):»وأمّا تسمية هذه المذكورات فواسق؛ فصحيحة جارية على وفْق اللغة، وأصْل الفسْق في كلام العرب: الخروج، وسمّي الرجل الفاسق لخروجه على أمر الله -تعالى- وطاعته، فسمّيت هذه فواسق لخروجها -بالإِيذاء والإِفساد- عن طريق معظم الدواب. وقيل: لخرجها عن حكم الحيوان في تحريم قتْله في الحرم والإِحرام".
(٥) الحِدَأة: طائر من الجوارح.



العَقور (١)» (٢).
وفي لفظ: «الحية» (٣).
١٢ - دفْع الصائل من الآدمييّن.
يجوز للمحرم أن يدفع عن نفسه أذى الآدمييّن؛ سواءً كان هذا الإِيذاء في العرض أو المال أو النفس.
عن سعيد بن زيد عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله أو دون دمه، أو دون دينه فهو شهيد» (٤).
*١٣ - ولا بأس من المجادلة بالتي هي أحسن حين الحاجة؛ فإِنّ الجدال المحظور في الحجّ؛ إِنما هو الجدال بالباطل المنهي عنه في غير الحج أيضًا؛ كالفسق المنهي عنه في الحج أيضًا؛ فهو غير الجدال المأمور به في مثل قوله -تعالى-: ﴿ادع إِلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي

----------------------
(١) العقور والعاقر: الجارح، قال الإِمام النووي -رحمه الله-: «واختلفوا في المراد به [أي: الكلب العقور]: فقيل: هذا الكلب المعروف خاصة حكاه القاضي عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح وألحقوا به الذئب وحمَل زفر معنى الكلب على الذئب وحده. وقال جمهور العلماء: ليس المراد بالكلب العقور تخصيص هذا الكلب المعروف، بل المراد هو كل عادٍ مفترس غالبًا؛ كالسبع والنمر والذئب والفهد نحوها ...».
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٢٩، ومسلم: ١١٩٨.
(٣) أخرجه مسلم: ١١٩٨.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٩٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤٨) وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٧٠٨).



أحسن﴾، ومع ذلك فإِنه ينبغي على الداعية أن يلاحظ أنه إذا تبين له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالف -لتعصبه لمذهبه أو رأيه- وأنه إِذا صابره في الجدال؛ فلربما ترتب عليه ما لا يجوز أنه من الخير له حينئذ؛ أن يدَع الجدال معه؛ لقوله - ﷺ -: «أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة (١) لمن ترك المراء وإن كان مُحقًّا ...» الحديث (٢) * (٣).

محظورات الإِحرام (٤):
١ - لباس المخيط، وهو ما كان على قدْر العضو؛ كالقميص والبرنس (٥) والسراويل والعمامة ونحوها.
وكذلك يحرم لُبس الثوب الذي مسّه ورس -وهو نبت أصفر يُصبغ به- أو زعفران.
فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «يا رسول الله! ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله - ﷺ -: لا يلبس القُمُصَ ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانِس ولا الخفاف؛ إِلا أحد لا يجد نعلين؛ فليلبس خفين وليقطعهما

--------------------------
(١) ما حولها خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع.»النهاية«.
(٢) أخرجه أبو داود وغيره، وهو حديث حسن، خرّجه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«(٢٧٣).
(٣) ما بين نجمتين من»مناسك الحج والعمرة«(ص ٨).
(٤) من»فقه السنة«بتصرّف وزيادة.
(٥) البُرنس: كلّ ثوب رأسه منه ملتزَق به.»النهاية".



أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه زعفران أو ورس» (١).
أمّا المرأة؛ فإِنها تلبس جميع ذلك، ولكن يَحْرم عليها الثوب -الذي مسّه الطيب- والنقاب والقفازان.
قال شيخنا -رحمه الله- في التعليق على «الروضة الندية»: «وأما سدْلها على وجهها فجائز، وهو غير التنقيب، والتسوية بينهما خطأ، كما بيّنه ابن القيم في»إِعلام الموقّعين«(١/ ٢٦٩)».
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تنتقب (٢) المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين (٣)» (٤).
وعنه -رضي الله عنه-: أنّه سمع رسول الله - ﷺ - نهى النساء في إِحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب؛ مُعَصفرًا أو خزًّا (٥)، أو حليًا أو سراويل أو قميصًا أو خفًا«(٦).

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥٤٢، ومسلم: ١١٧٧، وتقدّم.
(٢) النقاب، قال الحافظ:»الخمار الذي يشدّ على الأنف، أو تحت المحاجر. والمحاجر: جمع مَحجر: ما أحاط بالعين«.
(٣) شيء يلبسه نساء العرب في أيديهنّ، يغطّي الأصابع والكف والساعد من البرد، ويكون فيه قطن محشو.»النهاية«.
(٤) أخرجه البخاري: ١٨٣٨، وتقدّم.
(٥) الخَزّ: ثياب تُنسج من صوف وإبْرَيسَم.»النهاية«. والإِبرَيسَم: الحرير.
(٦) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٦١٢).



ولبست عائشة -رضي الله عنها- الثياب المعصفرة (١) وهي محرمة، وقالت: لا تَلَثَّمْ ولا تتبرقعْ (٢)، ولا تلبس ثوبًا بورس ولا زعفران.
وقال جابر: لا أرى المعصفر طيبًا.
ولم تر عائشة بأسًا بالحُلي والثوب الأسود والمورّد والخُفّ للمرأة (٣).
ومن لم يجد الإِزار والرداء؛ فله أن يلبس السراويل.
ولا يلبس الخُفّين؛ إِلا إِذا لم يجد النعلين؛ فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، وتقدّم دليل هذا في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
جاء في»مناسك الحج والعمرة«(ص ١٢):»قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «منسكه»: وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين؛ فإِن النّبيّ - ﷺ - أمر بالقطع أولًا، ثمّ رخصّ بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إِزارًا، ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين، هذا أصح قولي العلماء«...». انتهى. وتقدّم.
قلت: يشير -رحمه الله- إِلى حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: خطبنا النّبيّ - ﷺ - بعرفات فقال: «من لم يجد الإِزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النّعلين فليلبس الخُفين» (٤).

-------------------
(١) عصْفر الثوب وغيره: صبغه بالعُصفر. «الوسيط».
(٢) أي: تلبس البُرقع، وهو قناع فيه خرَقان للعينين.
(٣) رواه البخاري معلقًا في «كتاب الحج» (٢٣ - باب ما يلبس المحرم من الثياب ...)، وانظر «الفتح» (٣/ ٤٠٥) لبيان وصْل هذين الأثرين.
(٤) أخرجه البخاري: ١٨٤٣، ومسلم: ١١٧٨.



قال الحافظ -رحمه الله-: «وجزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها؛ لقوة دليلها، وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه، فيتعين على من بلغه العمل به».
٢ - الجماع ودواعيه؛ كالتقبيل، واللمس بشهوة، وخطاب الرجل المرأة فيما يتعلّق بالوطء.
٣ - اقتراف المعاصي والمنكرات.
٤ - المخاصمة والمجادلة مع الرفقاء والخدم وغيرهم.
والأصل تحريم هذه الأمور في غير الحجّ؛ وهي ها هنا آكد، ولبيان خطرها في الحجّ.
ودليل ما تقدّم قوله -تعالى- ﴿فمن فرَض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (١).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «الرفث: الإِعرابة (٢) والتعريض للنساء بالجماع. والفسوق: المعاصي كلّها. والجدال: جدال الرجل صاحبه» (٣).
*وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث: الجماع وما دونه من قول الفحش.

----------------
(١) البقرة: ١٩٧.
(٢) الإعرابة: الإِفحاش في القول والرفث: اسم موضوع من التعريب والإِعراب، يقال: عرّب وأعرب: إِذا أفحش، وقيل: أراد به الإيضاح والتصريح بالهجْرِ مْن الكلام. «النهاية» بحذف يسير.
(٣) أخرجه الطبراني في «الكبير»، والضياء في «المختارة»، وهو ثابت موقوفًا، ضعيف مرفوعًا، وانظر «الضعيفة» (١٣١٣).



وقال طاوس: هو أن تقول للمرأة: إِذا حلَلْت أصبتك.
وقال ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم-: الرفث: غشيان النساء.* (١)
وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون أنّ لمس الزوجة بشهوة من محظورات الإِحرام؟
فأجاب:»إِنه محظورٌ لغيره، من باب سدّ الذريعة«.
وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - حُجّاجًا، حتى إِذا كنا بالعرْج؛ نزل رسول الله - ﷺ - ونزلنا، فجلست عائشة إِلى جنب رسول الله - ﷺ -، وجلست إِلى جنب أبي، وكانت زِمالة (٢) أبي بكر وزمالة رسول الله - ﷺ - واحدة مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع وليس معه بعيره، قال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. قال: فقال أبو بكر: بعير واحد تُضله؟ قال: فطفق يضربه ورسول الله - ﷺ - يتبسم، ويقول: انظروا إِلى هذا المحرم ما يصنع! قال ابن أبي رِزْمَةَ: فما يزيد رسول الله - ﷺ - على أن يقول: انظروا إِلى هذا المحرم ما يصنع! ويتبسم» (٣).
وهذا ليس فيه إِقرار؛ بل هو كهيئة الإِنكار اللطيف، كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره.
لذلك جاء في «سنن ابن ماجه» تحت (باب التوقّي في الإِحرام).

--------------------
(١) ما بين نجمتين من «تفسير ابن كثير».
(٢) زِمالة؛ أي: مركوبُهما وأداتهما وما كان معهما في السفر. «النهاية».
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٠٢) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٧٣) وغيرهما.



وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل يفهم من الحديث السابق جواز تأديب الخادم ونحوه، كما قال بعضهم؟
فقال: «لا بل هو للإِنكار».
٥ - عقْد النّكاح لنفسه أو لغيره، بولايةٍ أو وكالة.
عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يَنِكحُ المحرم ولا يُنكَح ولا يخطُب» (١).
وأمّا ما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم» (٢).
فهو معارض بما ورد عن يزيد بن الأصمّ -رضي الله عنهما-: حدثتني ميمونة بنت الحارث -رضي الله عنها-: «أنّ رسول الله - ﷺ - تزوجها وهو حلال» (٣)!
قال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر مسلم» (ص ٢١٢): «والحديث [أي: تزوج ميمونة وهو مُحْرِم] شاذ عند المحقّقين؛ لمخالفته للحديث الذي بعده [أي: حديث يزيد بن الأصمّ] انظر مقدّمة»آداب الزفاف«... وقد أشار الإِمام الشافعي في»الأم«(٥/ ١٦٠) إِلى شذوذه فراجعه؛ فإِنّه مهمّ».
وسألت شيخنا -رحمه الله- هل ترون بطلان عقْد نكاح المحرم؟

------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٤٠٩.
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٣٧، ومسلم: ١٤١٠.
(٣) أخرجه مسلم: ١٤١١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #105  
قديم 14-01-2026, 03:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 331الى صــ 345
الحلقة (105)




فقال: «نعم؛ نكاحه باطل».
ويرى صديق خان صاحب «الروضة» عدم بطلان الحج بالجماع قبل وقوف عرفة.
وردّ عليه شيخنا -رحمه الله- متعقبًا: «قلت: قد نقل الحافظ في»الفتح«(٤/ ٤٢) الإِجماع على إِفساد الحج والعمرة بالجماع، وسبقه إِلى ذلك ابن حزم في»مراتب الإِجماع«(ص ٤٢)، وقيده بأن يكون ذاكرًا؛ ما لم يَقْدم المعتمر مكة، ولم يأت وقت الوقوف بعرفة للحاج.
ولم يتعقبه شيخ الإِسلام بشيء؛ فالظاهر صحة هذا الإِجماع، فإِذا صحّ؛ فهو الدليل على الفساد، والله أعلم».
ثمّ أشار شيخنا إِلى ما ذكره شيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- في «رسالة الصيام» حول ذلك.
وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون إِبطال حج أو عمرة من جامع أهله (١)؟
فأجاب -رحمه الله-: «نعم».
٦ - تقليم الأظفار وإِزالة الشعر أو غيره بالحلق أو القصّ أو بأي طريقة.
قال الله -تعالى-: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي مَحِلَّهُ﴾ (٢).
قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أنّ المحرم ممنوع من ... أخْذ الشعر وتقليم

--------------
(١) يعني: قبل التحلُّل المعروف.
(٢) البقرة: ١٩٦.



الأظفار» (١).
وتقدّم جواز طرح الظفر إِذا انكسر.
ويجوز إِزالة الشعر إِذا تأذّى ببقائه، مع وجوب الفدية؛ لقول الله -تعالى-: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسُك﴾ (٢).
وسيأتي التفصيل بإِذن الله -تعالى-.
٧ - التطيّب في الثوب أو البدن سواءً أكان رجلًا أم امرأة.
عن صفوان بن يعلى: أنّ يعلى قال لعمر -رضي الله عنه-: «أرني النّبيّ - ﷺ - حين يوحى إِليه، قال: فبينما النّبيُّ - ﷺ - بالجعرانة -ومعه نفر من أصحابه-؛ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو مُتَضَمِّخٌ بطيب؟ فسكت النّبيّ - ﷺ - ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر -رضي الله عنه- إِلى يعلى، فجاء يعلى؛ وعلى رسول الله - ﷺ - ثوب قد أُظِلّ (٣) به، فأدخل رأسه؛ فإِذا رسول الله - ﷺ - مُحْمَرُّ الوجه وهو يَغِطُّ (٤)، ثمّ سُرًّي (٥) عنه فقال:

------------------
(١)»الإِجماع«(ص ٤٩).
(٢) البقرة: ١٩٦.
(٣) أي: جُعل عليه كالظلّة.»فتح«.
(٤) يَغِطّ؛ أي: ينفخ. والغطيط: صوت النفس المتردّد من النائم أو المغمى، وسبب ذلك شدّة ثِقل الوحي.»فتح«.
(٥) سُرّي عنه: أي؛ أُزيل ما به وكشف عنه؛ والله أعلم.»نووي".



أين الذي سأل عن العمرة؟ فأُتي برجلٍ فقال: اغسل الطّيب الذي بك ثلاث مراتٍ، وانزع عنك الجُبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك» (١).
وفي رواية: «اغسل عنك أثر الصُّفرة -أو قال: أثر الخلوق (٢) -» (٣).
وإذا مات المحرم؛ فإِنّه لا يوضع الطيب في غسْله ولا في كفنه.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنّ رجلًا وقَصه (٤) بعيره -ونحن مع النّبيّ - ﷺ -- وهو محرم، فقال النّبيّ - ﷺ -: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تُمسوه طيبًا، ولا تخمروا (٥) رأسه؛ فإِن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا» (٦).
وتقدّم جواز شم الريحان ونحوه للمحرم.
٨ - لبس الثوب الذي مسّه ورس أو زعفران أو نحو ذلك.
للحديث المتقدّم: «ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه زعفران أو ورس».

التعرض للصيد (٧):
يجوز للمحرم أن يصيد صيد البحر، وأن يتعرض له، وأن يشير إِليه، وأن

-------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥٣٦، ومسلم: ١١٨٠، وتقدّم.
(٢) الخلوق: نوع من الطيب مركّب فيه الزعفران. «فتح».
(٣) أخرجه مسلم: ١١٨٠.
(٤) الوقْص: كسر العنق. «النهاية».
(٥) أي: تغطّوا.
(٦) أخرجه البخاري: ١٢٦٧، ومسلم: ١٢٠٦.
(٧) عن «فقه السّنّة» (١/ ٦٧٨) -بتصرّف-.



يأكل منه.
ويحرم التعرّض لصيد البرِّ بالقتل أو الذبح، أو الإِشارة إِليه، وإنْ كان مرئيًّا، أو الدلالة عليه؛ إِنْ كان غير مرئي، أو تنفيره.
والدليل على هذا قول الله -تعالى-: ﴿أُحلّ لكم صيد البحر وطعامه (١) متاعًا لكم وللسيارة (٢) وحُرّم عليكم صيد البَرّ ما دمتم حُرُمًا﴾ (٣).

الأكل من الصيد (٤):
يحرُم على المحرم الأكل من صيدَ البر الذي صيد من أجله، أو صيد بإِشارته إِليه، أو بإِعانته عليه.
عن أبي قتادة: «أنّ رسول الله - ﷺ - خرج حاجًّا فخرجوا معه، فصرَف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خُذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلمّا انصرفوا أحرموا كُلُهم إِلا أبا قتادة (٥) لم يُحرم، فبينما هم يسيرون؛ إِذ رأوا حُمُر وحش، فحمل أبو قتادة على الحُمُر فعقر منها أتانًا (٦)، فنزلوا

------------------
(١) وطعامه: ما لفَظه ميِّتًا.» تفسير ابن كثير«.
(٢) السيّارة: جمْع سيّار. وقال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر ...»تفسير ابن كثير«أيضًا.
(٣) المائدة: ٩٦.
(٤) عن»فقه السّنّة«(١/ ٦٧٨) بتصرّف.
(٥) كذا للكشميهني. ولغيره:»إلاَّ أبو قتادة«بالرفع، وانظر»الفتح«للمزيد من الفوائد اللغوية.
(٦) الأتان: الحمار؛ يقع على الذكر والأنثى، والأتان الحمارةُ الأنثى خاصة.»النهاية".



فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلمّا أتوا رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله! إِنّا كنّا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حُمُر وحَش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثمّ قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها، أو أشار إِليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها» (١).
ويجوز له أن يأكل من لحم الصيد الذي لم يَصِدْه هو، أو لم يُصَدْ من أجله أو لم يُشر إِليه، أو يُعِنْ عليه للحديث السابق: «... منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إِليها؟ قالوا: لا قال: فكلوا ما بقي من لحمها».
وعن عثمان التيميّ قال: كنّا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم، فأُهدي له طير وطلحة راقد؛ فمنّا من أكل، ومنّا من تورع، فلمّا استيقظ طلحة وفَّقَ (٢) من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله - ﷺ -«(٣).
قال الترمذي -رحمه الله-:»والعمل على هذا عند أهل العلم؛ لا يَرون بأكل الصيد للمحرم بأسًا، إِذا لم يصده أو يُصَد من أجله".
وما جاء في الأحاديث المانعة مِن أكل لحم الصّيد؛ فهي محمولة على ما صادَه الحلال من أجل المحرم؛ جمعًا بين الأحاديث، كحديث الصعب بن جَثّامة

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٨٢٤، ومسلم: ١١٩٦.
(٢) أي: دعا له بالتوفيق، واستصوَب فعِله.
(٣) أخرجه مسلم: ١١٩٧.



الليثي: أنه أهدى لرسول الله - ﷺ - حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء (١) -أو بودَان (٢) - فردّه عليه، فلمّا رأى ما في وجهه قال: إِن لم نردّه عليك إِلا أنّا حُرُم (٣)» (٣).

جواز حلق الرأس للمحرم إِذا كان به أذى، ووجوب الفدية عليه (٤):
عن كعب بن عُجرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: «لعلك آذاك هوامُّك (٥)؟ قال: نعم يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسُك بشاة» (٦).
وفي رواية: «وقف عَليَّ رسول الله - ﷺ - بالحديبية؛ ورأسي يتهافت قملًا (٧).
فقال: يُؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق رأسك -أو قال: احلق- قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ...﴾ إِلى آخرها، فقال النّبيّ - ﷺ -: صم ثلاثة أيام، أو تصدّق بفرق (٨) بين ستةٍ، أو انسُك

--------------------
(١) مكانان بين مكة والمدينة.
(٢) أي: محرمون.
(٣) أخرجه البخاري: ١٨٢٥، ومسلم: ١١٩٣.
(٤) هذا العنوان من تبويب الإِمام النووي -رحمه الله- لـ»صحيح مسلم«.
(٥) الهوامّ: جمع هائة، وهو ما يدبّ من الحشرات. وقال النووي -رحمه الله-: القمل.
(٦) أخرجه البخاري: ١٨١٤، ومسلم: ١٢٠١.
(٧) يتهافت قملًا؛ أي: يتساقط شيئًا فشيئًا.»فتح«.
(٨) فرْق: بفتح الراء وإسكانها، لغتان. قال الحافظ في»الفتح«:».. ووقع في رواية ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عند أحمد وغيره: «والفَرَق ثلاثة آصع». ولمسلم [١٢٠١] من طريق أبي قلابة عن ابن أبي ليلى: «أو أطعم ثلاثة أرطال من تمر على ستة مساكين». =



بما تيسّر» (١).
وفي رواية: «تجد شاة؟ فقلت: لا. فقال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مِسكين نصف صاع» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ٢٣١) -بحذف-: «.. لكن رواه الدارقطني (٢٨٨) بلفظ:»أمعك نسك؟ قال: لا. قال: فإِن شئت فصم ... «الحديث. وهو رواية لأبي داود (١٨٥٨).
فهذا يدل على أن التخيير إِنما كان بعد أمره - ﷺ - إِياه بالنسيكة، واعتذر كعب بأنّه لا يجدها، ويشهد له ما يأتي:
١ - عن عبد الله بن معقل قال:»قعدت إِلى كعب -رضي الله عنه- وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾؟ فقال كعب -رضي الله عنه-: نزلت فيَّ؛ كان بي أذى من رأسي، فحُملت إِلى رسول الله - ﷺ - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى! أتجد شاة؟ فقلت: لا. فنزلت هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. قال: صوم (وفي رواية: فصم) ثلاثة أيام، أو إِطعام (وفي الرواية الأخرى: أو أطعم) ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكل مسكين. قال: فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامّة«.

------------------
= وإذا ثبت أن الفَرَق ثلاثة آصع؛ اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث؛ خلافًا لمن قال: إِنّ الصاع ثمانية أرطال».
(١) أخرجه البخاري: ١٨١٥، ومسلم: ١٢٠١.
(٢) أخرجه البخاري: ١٨١٦.



أخرجه البخاري (١/ ٤٥٤) ومسلم (٤/ ٢١ - ٢٢) والسياق له والترمذي ...
٢ - عن محمد بن كعب القُرَظي عن كعب بن عجرة قال: «أمَرني رسول الله - ﷺ - حين آذاني القمل أن أحلق رأسي، ثمّ أصوم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، وقد علم أنه ليس عندي ما أنسك به».
أخرجه الشافعي (١٠١٧) وابن ماجه (٣٠٨٠). وإسناده حسن.

أمر النّبيّ - ﷺ - بالتمتع:
إِذا أراد المرء الإِحرام: فإِن كان قارنًا قد ساق الهدي؟ قال: «لبيك اللهم! بحجة وعمرة».
وإِن لم يسُق الهدي -وهو الأفضل-؛ لبّى بالعمرة وحدَها ولا بد، فقال: «لبيك اللهم! بعمرة».
فإِن كان لبّى بالحج وحده؛ فسخه وجعلَه عمرة؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك، وقوله: «دخلت العمرة في الحج إِلى يوم القيامة»؛ وشبك بين أصابعه«(١).
وقوله:»يا آل محمد! من حج منكم؛ فليهل بعمرة في حَجّة«(٢)، وهذا هو التمتع بالعمرة إِلى الحج».

---------------
(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وأبو داود وغيرهما، ولفظ مسلم: «.. لا بل لأبدٍ أبدٍ»، وانظر «الإِرواء» (٩٨٢).
(٢) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار»، وابن حبّان، وأحمد وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٢٤٦٩).



الاشتراط:
وإن أحبّ قَرَن مع تلبيته الاشتراط على ربه -تعالى- خوفًا من العارض من مرض أو خوف، فيقول كما جاء في تعليم الرسول - ﷺ -: «اللهمّ! محِلّي حيث حبستني» (١)؛ فإِنه إِن فعل ذلك، فحبس أو مرض؛ جاء له التحلّل من حجه أو عمرته، وليس عليه دم ولاحج من قابل؛ إِلا إِذا كانت حجة الإِسلام، فلا بُدّ من قضائها.
يشير شيخنا -رحمه الله- بهذا الحديث إِلى حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «دخل رسول الله - ﷺ - على ضُبَاعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج؟!
قالت: والله لا أجدني إِلا وجعة، فقال لها: حُجي واشترطي، قولي: اللهم! محِلّي حيث حبستني؛ وكانت تحت المقداد بن الأسود» (٢).
جاء في «شرح النووي» (٨/ ١٣١): ".. فيه دلالة لمن قال: يجوز أنْ يشترط الحاج والمعتمر في إِحرامه؛ أنه إِن مرض تحلّل؛ وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وآخرين من الصحابة -رضي الله عنهم- وجماعة من التابعين وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو الصحيح من مذهب الإِمام الشافعي؛ وحجّتهم هذا الحديث الصحيح الصريح.
وقال أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين: لا يصحّ الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنّه مخصوص بضُبَاعة.

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٠٨٩، ومسلم: ١٢٠٧.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٨٩، ومسلم: ١٢٠٧.



قال أبو عيسى -رحمه الله- عقب حديث ضباعة -رضي الله عنها-: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم؛ يرون الاشتراط في الحج ويقولون: إِن اشترط فعرض لى مرض أو عذر؛ فله أن يحل ويخرج من إِحرامه. وهو قول الشافعي، وأحمد، وإِسحاق.
ولم ير بعض أهل العلم الاشتراط في الحج، وقالوا: إِن اشترط؛ فليس له أن يخرج من إِحرامه، ويرونه كمن لم يشترط».
فقولهم: (إِن اشترط فعرض له مرض) بيّنٌ في جوازه لمن لم يكن به مرض من قبل، وأنّ الاشتراط عام. والله -تعالى- أعلم.
وليس للإِحرام صلاة تخصّه، لكن إِن أدركته الصلاة قبل إِحرامه، فصلّى ثمّ أحرم عَقب صلاته؛ كان له أسوة برسول الله - ﷺ -، حيث أحرم بعد صلاة الظهر (١).

الصلاة بوادي العقيق:
لكن من كان ميقاته ذا الحليفة؛ استُحبّ له أن يصلّيَ فيها، لا لخصوص الإِحرام، وإنما لخصوص المكان وبركته.
فعن عمر -رضي الله عنه- قال: «سمعت رسول الله - ﷺ - بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حَجّة» (٢).

-----------------
(١) انظر «صحيح مسلم» (١٢١٨).
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٣٤.



وفي رواية: «عمرةٌ وحجة» (١).
وعن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ -: «أنّه رُئي (وفي رواية: أُرِيَ) (٢) وهو مُعَرِّسُ (٣) بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إِنك ببطحاء مباركة» (٤).
وفي رواية: «كان رسول الله - ﷺ - يركع بذي الحُليفة ركعتين» (٥).

استقبال القبلة قائمًا:
ثمّ يستقبل القبلة قائمًا؛ عن نافع قال: «كان ابن عمر -رضي الله عنهما- إِذا صلّى بالغداة بذي الحليفة؛ أمر براحلته فرُحلَتْ، ثمّ ركب، فإِذا استوت به؛ استقبل القبلة قائمًا، ثمّ يلبّي حتى يبلغ المحرَم، ثمّ يمسك، حتى إِذا جاء ذا طوى (٦)؛ بات به حتى يصبح، فإِذا صلّى الغداة اغتسل، وزعم أنّ رسول الله - ﷺ - فعل ذلك» (٧).

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٧٣٤٣.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٣٣٦، قال الحافظ (٣/ ٣٩٣): «بضمّ الهمزة؛ أي: في المنام، وفي رواية كريمة»رُئي«بتقديم الراء، أي: رآه غيره».
(٣) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلةً للنوم والاستراحة. «النهاية».
(٤) أخرجه البخاري: ١٥٣٥.
(٥) أخرجه مسلم: ١١٨٤.
(٦) ذا طوى: وادٍ معروف بقرب مكة.
(٧) رواه البخاري معلّقًا (١٥٥٣)؛ والبيهقي موصولًا بسند صحيح، وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٣٧٠).



التلبية (١):
ثمّ يلبّي بالعمرة أو الحج والعمرة، ويقول: اللهمّ! هذه حجة؛ لا رياء فيها ولا سمعة (٢).

مشروعيتها:
عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يا آل محمد! من حج منكم فليهلَّ بعمرة في حجة» (٣).

--------------------
(١) جاء في «النهاية»: التلبية: [هي] إِجابة المنادي؛ أي: إِجابتي لك يا رب! وهو مأخوذ من لبَّ بالمكان وألبّ: إِذا أقام به، وألبّ على كذا: إِذا لم يُفارقه، ولم يستعمل إِلا على لفظ التثنية [لبيك اللهمّ لبيك] في معنى التكرير: أي: إِجابة بعد إِجابة؛ وهو منصوب على المصدر بعامل - رضي الله عنه - لا يظهر، كأنك قلت: ألبُّ إِلبابًا بعد إِلباب، والتلبية من لبيك؛ كالتهليل من لا إِله إِلا الله.
وقيل: معناه: اتجاهي وقصدى يا رب! إِليك، من قولهم: دارِي تَلّبُّ دارك؛ أي: تُواجهها.
وقيل: معناه: إِخلاصي لك، من قولهم: حَسَبٌ لُبَابٌ: إِذا كان خالصًا محضًا، ومنه لُبُّ الطعام ولُبابه«. انتهى.
قال ابن عبد البر:»قال جماعة من أهل العلِم معنى التلبية إِجابة دعوة إِبراهيم حين أذن في النّاس بالحجّ«.»عون المعبود«(٥/ ١٧٥).
وبيّن الحافظ ابن القيم -رحمه الله- ثمانية أقوال في معنى التلبية؛ كما في»تهذيب السنن«.
(٢) أخرجه الضياء بسند صحيح.
(٣) أخرجه الطحاوي في»شرح المعاني والآثار«، وابن حبّان، وأحمد، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة" (٢٤٦٩).



حكمها:
والتلبية واجبة؛ للحديث المتقدّم: «فليهل بعمرة في حجة»؛ ولام الأمر للوجوب، ولم يرد -فيما علمت- عن أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- ترْك التلبية.

لفظها:
عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنه-: أن تلبية رسول الله - ﷺ -: «لبيك اللهم! لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إِن الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريك لك؛ لا يزيد على هؤلاء الكلمات» (١).
قال نافع: وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يزيد فيها: «لبيك لبيك وسعديك (٢) والخير بيديك لبيك، والرغباء (٣) إِليك والعمل» (٤).
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «أهلّ رسول الله - ﷺفذكر التلبية مثل حديث ابن عمر-؟ قال: والناس يزيدون:»ذا المعارج! «(٥)، ونحوه من الكلام والنّبيّ - ﷺ - يسمع، فلا يقول لهم شيئًا» (٦).

---------------------
(١) أخرجه مسلم: ١١٨٤.
(٢) وسعديك؛ أي: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. «شرح النووي».
(٣) والرغباء -بالمدّ-: من الرغبة، كالنُّعمى والنعماء من النّعمة. «النهاية».
(٤) أخرجه البخاري: ١٥٤٩، ومسلم: ١١٨٤ - واللفظ له-.
(٥) أي: لبيّك ذا المعارج! جاء في «النهاية»: المعارج: المصاعد والدّرج، واحدها مَعرَج، يريد معارج الملائكة إلى السماء. وقيل: المعارج: الفواضل العالية.
(٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٥٩٨).



وفي رواية: «لبيك ذا المعارج! لبيّك ذا الفواضل! (١)» (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان من تلبية النّبيّ - ﷺ -: لبيّك إِله الحق!» (٣).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - خطب بعرفات، فلمّا قال: لبيّك اللهم! لبيك؟ قال: إِنما الخير خير الآخرة» (٤).
والتزام تلبيته - ﷺ - أفضل، وإنْ كانت الزيادة عليها جائزة؛ لإِقرار النّبيّ - ﷺ - على ذلك.

رفع الصوت في التلبية:
ويؤمر المُلبي بأن يرفع صوته بالتلبية؛ لقوله - ﷺ -: «أتاني جبريل - ﷺ -، فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية» (٥)، وقوله - ﷺ -:

----------------------
(١) الفواضل في اللغة: الأيادي الجميلة كما في «اللسان» فالمراد: عظيم الإِنعام والإِحسان والتفضل. والله أعلم.
(٢) أخرجه أبو داود، وأحمد في «مسنده»، والبيهقي، وانظر «حجة النّبيّ» (ص ٥٥).
(٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٥٧٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٦٢)، وابن خزيمة وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٢١٤٦).
(٤) أخرجه البيهقي، وحسّنه شيخنا -رحمه الله في «الصحيحة» (٢١٤٦).
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٥٩٩)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٦٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٦٤)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٥٨٠)، وانظر «المشكاة» (٢٥٤٩).



«أفضل الحج: العجُّ (١) والثج (٢)» (٣)، ولذلك كان أصحاب النن - ﷺ - في حجته يصرخون بها صُراخًا.
وقال أبو حازم: كان أصحاب النّبيّ - ﷺ - إِذا أحرموا؛ لم يبلغوا (الروحاء) حتى تبحّ أصواتهم وقوله - ﷺ -: «كأني أنظر إِلى موسى -عليه السلام- هابطًا من الثّنية، وله جُؤَارٌ (٤) إِلى الله بالتلبية» (٥).

تلبية النساء:
والنساء في التلبية كالرجال، لعموم الحديثين السابقين؛ فيرفعن أصواتهنّ؛ ما لم تُخْش الفتنة، ولأنّ عائشة كانت ترفع صوتها حتى يسمعها الرجال، فقال أبو عطية: سمعت عائشة تقول: إِني لأعلم كيف كانت تلبية رسول الله - ﷺ -، ثمّ سمعْتها تلبّي بعد ذلك: «لبيّك اللهم! لبيّك ...» (٦) إِلخ.
وقال القاسم بن محمد: خرج معاوية ليلة النفر، فسمع صوت تلبية، فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين؛ اعتمرت من التنعيم؛ فذكر ذلك لعائشة؟ فقالت: لو سألني لأخبرْتُه (٧).

-------------------
(١) العج: رفع الصوت بالتلبية.
(٢) سيلان دماء الهدي والأضاحي.
(٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٦١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٦٦)، وانظر «الصحيحة» (١٥٠٠).
(٤) الجؤار: رفع الصوت والاستغاثة. «النهاية».
(٥) أخرجه البخاري: ٣٣٥٥، ومسلم: ١٦٦.
(٦) أخرجه البخاري: ١٥٥٠، وتقدّم.
(٧) رواه ابن أبي شيبة، كما في «المحلّى» (٧/ ٩٤ - ٩٥)، وسنده صحيح، وقال =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #106  
قديم 14-01-2026, 07:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 346الى صــ 360
الحلقة (106)






ويلتزم التلبية؛ لأنها «من شعائر الحج» (١)، ولقوله - ﷺ -: «ما من مُلبٍّ يلبي إِلا ولبّى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر، حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا -يعني- عن يمينه وشماله» (٢)؛ وبخاصة كلما علا شرفًا، أو هبط واديًا؛ للحديث المتقدّم قريبًا: «كأني انظر إِلى موسى -عليه السلام- هابطًا من الثّنية، له جُؤار إِلى الله تعالى بالتلبية»، وفي حديث آخر: «كأني أنظر إِليه إِذا انحدر في الوادي يلبي» (٣).
وله أن يخلطها بالتكبير والتهليل؛ لقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: «خرجت مع رسول الله - ﷺ -؛ فما ترَك التلبية حتى رمى جمرة العقبة؛ إلاَّ أن يخلطها بتكبير أو تهليل» (٤).

ماذا إِذا أطلق الإِحرام ولم يعيّنه؟
من أحرم إِحرامًا مطلقًا من غير تعيين؛ فإِنّه يحوّل إِلى عمرة الحج؛ وهو التمتّع، وبه يقول شيخنا -رحمه الله- في بعض إِجاباته لي.

---------------------
= شيخ الإسلام -رحمه الله- في «منسكه»: «والمرأة ترفع صوتها بحيث تسمع رفيقاتها، ويستحب الإِكثار منها عند اختلاف الأحوال ...».
(١) هو جزء من حديث صحيح مخرج في «الصحيحة» (٨٣٠) بلفظ: «أمرني جبريل برفع الصوت في الإِهلال؛ فإِنه من شعائر الحج».
(٢) رواه ابن خزيمة، والبيهقي بسند صحيح، كما في تخريج «الترغيب والترهيب» (٢/ ١١٨).
(٣) عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «وأمّا موسى ... كأني أنظر إِليه انحدر في الوادي»أخرجه البخاري: ٣٣٥٥، ومسلم: ١٦٦، وتقدّم.
(٤) أخرجه أحمد بسند جيد، وصححه الحاكم، والذهبي، كما في «الحج الكبير».



وسأله أحد الإِخوة عن ذلك؟
فقال شيخنا -رحمه الله-: «متى تذكّر؟ فأجاب السائل: في مكة وقد اعتمر.
فقال -رحمه الله-: يتحلّل ويَعدّ هذا تمتُّعًا، وإذا أنهى الحج؛ فلا حرج عليه بالذي أتى به».
فإِذا بلغ الحرم المكي، ورأى بيوت مكة؛ أمسك عن التلبية (١)؛ ليتفرغ للانشغال بغيرها مما يأتي (٢).

الاغتسال لدخول مكة:
ومن تيسَّر له الاغتسال قبل الدخول؛ فليغتسل، وليدخل نهارًا؛ أسوة برسول الله - ﷺ - (٣).

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥٧٣.
(٢) عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: «سئل عطاء: متى يقطع المعتمر التلبية؟ فقال: قال ابن عمر: إِذا دخل الحرم. وقال ابن عباس: حتى يمسح الحجر. قلت: يا أبا محمد! أيهما أحب إِليك؟ قال: قول ابن عباس». أخرجه البيهقي. وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ٢٩٧): «وسنده صحيح».
وعن مجاهد قال: «كان ابن عباس -رضي الله عنه- يلبي في العمرة حتى يستلم الحجر ثمّ يقطع. قال: وكان ابن عمر -رضي الله عنه- يلبي في العمرة حتى إِذا رأى بيوت مكة ترك التلبية، وأقبل على التكبير والذكر؛ حتى يستلم الحجر». سنده صحيح أيضًا، قاله شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ٢٩٨).
(٣) انظر «صحيح البخاري» (١٥٧٤).



وليدخل من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلاة؛ فإِنه - ﷺ - دخلها من الثنية العليا؛ ثنية (كَدَاءَ)، المشرفة على المقبرة، ودخل المسجد من باب بني شيبة؛ فإِن هذا أقرب الطرق إِلى الحجر الأسود.
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى» (١).
وله أن يدخلها من أي طريق شاء؛ لقوله - ﷺ -: «كل فجاج مكة طريق ومنحر» (٢).
وفي حديث آخر: «مكة كلها طريق: يدخل من هاهنا، ويخرج من هاهنا» (٣).
فإِذا دخلت المسجد؛ فلا تنس أن تقدّم رجلك اليمنى (٤)، وتقول: «اللهم! صلّ على محمد وسلم، اللهمّ! افتح لي أبواب رحمتك» (٥).
أو: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥٧٦، ومسلم: ١٢٥٧.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧٠٧)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٤٧٣)، وانظر»الصحيحة«(٢٤٦٤).
(٣) رواه الفاكهي بسند حسن.
(٤) فيه حديث حسن مخرج في»الصحيحة«(٢٤٧٨).
(٥) انظر»الكلم الطيب" لشيخ الإِسلام ابن تيمية، بتحقيق شيخنا -رحمهما الله- (ص ٥١، ٥٢).



الرجيم» (١).
فإِذا رأى الكعبة؛ رفع يديه إِن شاء؛ لثبوته عن ابن عباس -رضي الله عنهما- (٢).
ولم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - هنا دعاء خاص، فيدعو بما تيسير له، وإن دعا بدعاء عمر: «اللهم! أنت السلام، ومنك السلام فحيّنا ربّنا بالسلام» فحسن؛ لثبوته عنه -رضي الله عنه- (٣).

تحريم المرور أمام المصلّي في الحرمين:
*احذر يا أخي! مِن أنْ تمرّ بين يدي أحد من المصلّين في المسجد الحرام وفي غيره من المساجد؛ لقوله - ﷺ -: «لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه».
قال الراوى: لا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة؟! رواه الشيخان في «صحيحيهما»، وكما لا يجوز لك هذا؛ فلا يجوز لك أيضًا أن تصلّي إِلى غير سترة؛ بل عليك أن تصلي إِلى أي شيء يمنع الناس من المرور بين يديك، فإِن أراد أحد أن يجتاز بينك وبين سترتك؛ فعليك أن تمنعه، وفي ذلك أحاديث وآثار، أذكر منها:

----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٤١)، وانظر «تخريج الكلِم الطيب» برقم (٦٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه.
(٣) أخرجه البيهقي بسند حسن عن سعيد بن المسيب قال: سمعت من عمركلمة ما بقي أحد من الناس سمعها غيرى، سمعته يقول إِذا رأى البيت ... فذكره. ورواه بإِسناد آخر حسن أيضًا عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول ذلك، ورواه ابن أبي شيبة عنهما.



١ -»إِذا وَضَع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ ولا يبالي من مرَّ وراء ذلك«(١).
٢ - إِذا صلّى أحدكم إِلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه؛ فليدفع في نحره، وليدرأ ما استطاع، فإِن أبى فليقاتله؛ فإِنما هو شيطان» (٢).
٣ - قال يحيى بن أبي كثير: «رأيت أنس بن مالك دخل المسجد؛ فركز شيئًا أو هيّأ شيئًا يصلّي إِليه».
رواه ابن سعد (٧/ ١٨) بسند صحيح.
٤ - عن صالح بن كيسان قال: «رأيت ابن عمر يصلّي في الكعبة ولا يدع أحدًا يمر بين يديه».
رواه أبو زرعة الدمشقي في «تاريخ دمشق»، وكذا ابن عساكر في «تاريخ دمشق» بسند صحيح.
ففي الحديث الأول: إِيجاب اتخاذ السترة، وأنه إِذا فعل ذلك فلا يضره من مرّ من ورائها.
وفي الحديث الثاني: إِيجاب دفع المار بين يدي المصلي إِذا كان يصلّي إِلى سترة، وتحريم المرور عمدًا؛ وأن فاعل ذلك شيطان.
وليت شعري ما هو الكسب الذي يعود به الحاج إِذا رجع وقد استحق هذا الاسم: «الشيطان»؟!

---------------------
(١) تقدّما في «كتاب الصلاة».
(٢) تقدّما في «كتاب الصلاة».



والحديثان وما في معناهما مطلقان لا يختصان بمسجد دون مسجد، ولا بمكان دون مكان، فهما يشملان المسجد الحرام والمسجد النبوي من باب أولى؛ لأن هذه الأحاديث إِنما قالها - ﷺ - في مسجده، فهو المراد بها أصالةً، والمساجد الأخرى تبعًا.
والأثران المذكوران نصان صريحان على أن المسجد الحرام داخل في تلك الأحاديث، فما يقال من بعض المطوفين وغيرهم؛ أن المسجد المكي والمسجد النبوي مستثنيان من النهي؛ لا أصل له في السنة، ولا عن أحد من الصحابة، اللهم! سوى حديث واحد، روي في المسجد المكي لا يصح إِسناده، ولا دلالة فيه على الدعوى ...».* (١)
أمّا ما روُي عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وِدَاعَةَ، عن بعض أهله عن جده: «أنه رأى النّبيّ - ﷺ - يُصلّي ممّا يلي باب بني سَهْمٍ، والناس يمرُّون بين يديه، وليس بينهما سُترة».
قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة!
فإِنّه ضعيف (٢).
وعلى أي حال؛ فالكلام يطول في هذا الموضوع؛ فأقول مختصرًا:
إِنّ ممّا يُؤْسَفُ له: أن لا تعظَّم حُرمات الحرمين من قِبَل الكثير الكثير في حالات عديدة يستطيعون أن يتفادوا المرور بين يدي المصلّي، حتى إِنهم فيما

--------------------
(١) ما بين نجمتين عن كتاب «حجّة النّبيّ - ﷺ -» (ص ٢١).
(٢) انظر «ضعيف سنن أبي داود» (٤٣٧).



استطاعوا اجتنابه في المساجد الأُخرى لا يجتنبونه في الحرمين؛ بزعم جواز المرور! ففهموا أنّ الأصل الجواز، وليتهم فهموا أنّ ذلك في حالة الاضطرار التي لا محيص عنها! والله المستعان.

هل يلزم من يدخل البيت الحرام الطوافُ؟
ليس هناك من دليل على هذا. أما حديث:»تحية المسجد الطواف«:
فقد قال شيخنا -رحمه الله- في شأنه في»السلسلة الضعيفة«(١٠١٢):
»لا أعلم له أصلًا، وإن اشتهر على الألسنة، وأورده صاحب «الهداية» من الحنفية بلفظ: «من أتى البيت فليُحيِّه بالطواف».
وقد أشار الحافظ الزيلعي في تخريجه إِلى أنه لا أصل له بقوله (٢/ ٥١): «غريب جدًّا».
وأفصح عن ذلك الحافظ ابن حجر فقال في «الدراية» (ص ١٩٢): «لم أجده».
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: ولا أعلم في السنة القولية أو العملية ما يشهد لمعناه، بل إِن عموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس في المسجد تشمل المسجد الحرام أيضًا، والقول بأن تحيته الطواف مخالف للعموم المشار إليه، فلا يقبل إِلا بعد ثبوته؛ وهيهات! لاسيما وقد ثبت بالتجربة أنه لا يمكن للداخل إِلى المسجد الحرام الطواف كلما دخل المسجد في أيام المواسم، فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.
وإنّ مما ينبغي التنبيه له: أن هذا الحكم إِنما هو بالنسبة لغير المحرم؛ وإلا فالسُّنّة في حقّه أن يبدأ بالطواف، ثمّ بالركعتين بعده".


فضل الطواف:
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من طاف بالبيت وصلّى ركعتين؛ كان كَعتق رقَبة» (١).

شروط الطواف (٢)
١ - الطهارة من الحَدَثين والنجاسة:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النّبيّ - ﷺ - قال: «الطواف حول البيت مثل الصلاة؛ إِلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إِلا بخير» (٣).
وفي طريق أُخرى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قال الله لنبيّه - ﷺ - ﴿طَهِّرْ بَيْتِيَ للطائفين والعاكفين والرّكع السجود﴾؛ فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول الله - ﷺ -: الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة؛ إِلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إِلا بخير» (٤).

--------------------------
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٩٣) وغيره، وصححه شيخنا - رحمه الله- في «الصحيحة» (٢٧٢٥).
(٢) ملتقطًا من «فقه السُّنّة»، و«الروضة الندية»، و«منار السبيل» بتصرّف، وانظر «الوجيز» (ص ٢٤٩).
(٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٦٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٧٣٥)، والدارمي وغيرهم، وصححّه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٢١).
(٤) أخرجه الحاكم، وصححّه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١/ ١٥٧).



وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «خرجنا لا نُرَى إلاَّ الحج، فلمّا كنا بِسَرِفَ حِضتُ، فدخل عليّ رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، قال: أَنَفِسْتِ؟ قلت: نعم. قال: إِنّ هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاجُّ؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي» (١).
وعنها- أيضًا: «أنّ أوّل شيء بدأ به حين قدم النّبيّ - ﷺ -؛ أنه توضأ ثمّ طاف» (٢).
وجاء في «المغني» (٣/ ٣٩٠): مسألة (ويكون طاهرًا في ثياب طاهرة): «يعني: في الطواف؛ وذلك لأنّ الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي. وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطًا للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة، فإِن خرج إِلى بلده جبره بدم. وكذلك يخرج في الطهارة من النجس والستارة. وعنه فيمن طاف للزيارة وهو ناسٍ الطهارةَ: لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة: ليس شيء من ذلك شرطًا. واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو واجب. وقال بعضهم: هو سنة؛ لأنّ الطواف ركن الحج، فلم يشترط له الطهارة كالوقوف.
ولنا ما روى ابن عباس أنّ النّبيّ - ﷺ - قال:»الطواف بالبيت صلاة؛ إِلا أنكم
تتكلمون فيه"؛ رواه الترمذي والأثرم. وعن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق بعثه في الحَجّة التي أمَّرَه عليها رسول الله - ﷺ - قبل حَجّة الوداع يوم النحر في رهطٍ يؤذِّن في الناس: ألا لا يَحُجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٩٤، ومسلم: ١٢١١.
(٢) أخرجه البخاري: ١٦١٤، ١٦١٥، ومسلم: ١٢٣٥.



عُريان (١). ولأنها عبادة متعلقة بالبيت؛ فكانت الطهارة والستارة فيها شرطًا كالصلاة. وعكس ذلك الوقوف».

٢ - سَتْر العورة:
قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢).
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة، فتقول: من يُعيرُني تِطوافًا (٣) تجعله على فَرْجها، وتقول:
اليومَ يبدو بعضُهُ أوكلُّهُ ... فما بدا منه فلا أحِلُّهُ
فنزلت هذه الآية: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾.
ولحديث أبي بكر -رضي الله عنه- المتقدّم؛ وفيه: «ولا يطوف بالبيت عُريان».

٣ - أن يكون سبعة أشواط كاملة:
ويجب أن يطوف الطائف سبعة أشواط كاملة؛ فإِنْ ترَك شيئًا من السبع -ولو قليلًا- لم يُجزئه.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قَدِم النّبيّ - ﷺ - مكة، فطاف وسعى بين الصفا والمروة، ولم يقرَب الكعبة بعد طوافه بها، حتى رجع من عرفة» (٤).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٦٢٢، ومسلم: ١٣٤٧.
(٢) الأعراف: ٣١.
(٣) جاء في «النهاية»: «هذا على حذف المضاف؛ أي: ذا تَطْواف. ورواه بعضهم بكسر التاء [تِطوافًا]، وقال: هو الثوب الذي يُطافُ به».
(٤) أخرجه البخاري: ١٦٢٥.



فمن شكّ في العدد؛ فليطرح الشكّ وليتحرَّ الصواب، وإن لم يمكنه؛ فَلْيَبْنِ على الأقلّ.
جاء في «الروضة الندية» (١/ ٦١٦): «الأقرب -والله أعلم-: أنّ الطواف يوافق الصلاة، فمن شكّ هل طاف ستة أشواط أو سبعة؛ فليطرح الشك وليتحر الصواب، فإِن أمكنه ذلك عمل عليه، وإن لم يمكنه فَلْيَبْنِ على الأقل، كما ورد بذلك الدليل الصحيح».

٤ - أن يبدأ الطواف من الحجر الأسود، وينتهي إِليه، ويجعل البيت عن يساره:
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - لما قدم مكة؛ أتى الحجر فاستلمه، ثمّ مشى على يمينه؛ فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا» (١).
وعن سفيان عن عمرو قال: «سألْنا ابن عمر -رضي الله عنهما-: أيقع الرجل على امرأته في العمرة قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ قال: قدم رسول الله - ﷺ -؛ فطاف بالبيت سبعًا، ثمّ صلّى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفّا والمروة، وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢)» (٣).

٥ - أن يكون الطواف خارج البيت، وقد قال الله تعالى: ﴿وليطَوَّفوا بالبيت العتيق﴾، فالله تعالى أمر بالطواف بالبيت؛ لا في البيت".
فلو طاف في الحِجْرِ لا يصحّ طوافه؛ إِذ الحِجْرُ من البيت.

----------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨.
(٢) الأحزاب: ٢١.
(٣) أخرجه البخاري: ١٦٢٣، ومسلم: ١٢٣٤.



عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «سألت رسول الله - ﷺ - عن الجَدْر (١): أمِن البيت هو؟ قال: نعم. قلت: فَلِمَ لَمْ يدخلوه في البيت؟ قال: إِنّ قومك قصُرت بهم النفقة. قلت: فما شأنُ بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك لِيدخِلُوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أنّ قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم؛ لنظرت أن أدخل الجدار في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «قلت: يا رسول الله! ألا أدخل البيت؟! قال: ادخلي الحِجر؛ فإِنه من البيت» (٣).

٦ - الموالاة:
لأنّ رسول الله - ﷺ - طاف كذلك، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» (٤).
وجاء في «صحيح البخاري» (٥): (باب إِذا وقف في الطواف)، قال عطاء فيمن يطوف فتقام الصلاة، أو يدفع عن مكانه: «إِذا سلّم يرجع إِلى حيث قُطع عليه، فيبني (٦).

-------------------
(١) يريد الحِجر؛ لما فيه من أصول حائط البيت.»النهاية«.
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٨٤، ومسلم: ١٣٣٣.
(٣) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٧٢٥)، وانظر»الإِرواء«(٤/ ٣٠٧).
(٤) أخرجه مسلم: ١٢٩٧.
(٥) انظر»كتاب الحج«(باب - ٦٨).
(٦) وصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه نحوه.»مختصر البخاري" (١/ ٣٨٦).



ويُذْكَرُ نحوه عن ابن عمر (١)، وعبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهم (٢) -.
وإذا أعيا في الطواف؛ فلا بأس أن يستريح. قاله الإِمام أحمد -رحمه الله-«.

عدم مخالطة الرجال النساء في الطواف
قال ابن جريج: أخبرني عطاء -إِذ مَنَعَ ابنُ هشام النساءَ الطوافَ مع الرجال- قال: كيف يمنعهنّ وقد طاف نساء النّبيّ - ﷺ - مع الرجال؟! قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إِي لعمري؛ لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يُخالطن الرجال؟ قال: لم يَكْنَّ يخالطْنَ، كانت عائشة -رضي الله عنه- تطوف حَجْرة (٣) من الرّجال لا تخالطهم. فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أمّ المؤمنين! قالت: عَنْكِ! وأبَتْ، يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهنّ كنّ إِذا دخلن البيت؟ قُمن حتى يدخلن وأُخرج الرجال» (٤).

هل يركب الطائف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة واستدلّ المجوّزون بحديث ابن عباس

-----------------(١) وصله سعيد بن منصور عن جميل بن زيد عن ابن عمر نحوه، وجميل هذا ضعيف، «مختصر البخاري» (١/ ٣٨٦) أيضًا.
(٢) وصله عبد الرزاق بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي بكر. «مختصر البخاري» (١/ ٣٨٦) كذلك.
(٣) حَجْرةً؛ أي: ناحية. «فتح».
(٤) أخرجه البخاري: ١٦١٨.



رضي الله عنهما- قال: «طاف النّبيّ - ﷺ - في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمِحجَن (١)» (٢).
واستدلّوا كذلك بحديث جابر -رضي الله عنه- قال: «طاف رسول الله - ﷺ - بالبيت في حجة الوداع على راحلته؛ يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس وَلِيَشْرُفَ وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه» (٣).
ومنهم من منَع ذلك (٤) إِلا لمرض أو سبب؛ وهو الراجح -والله أعلم- لما يأتي:
١ - إِن حديث جابر وضّح سبب الركوب، وهو قوله -رضي الله عنه-: «لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه؛ فإِن الناس غَشُوه».
فماذا إِذا لم تكن حاجة لأن يُرى الطائف أو يشرف؟! وماذا إِذا لم يَغْشَهُ الناس؟!
٢ - إِن المتأمّل في النصوص الواردة في الركوب لا يراها تعدو وجود مرض أو سبب، وما أُجمل؛ فالروايات الأخرى تفصّله.
ومن ذلك: حديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «شكوت إِلى رسول

------------------------
(١) المِحْجن: عصا مُعقفة؛ يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحرّك بطرفها بعيره للمشي.»شرح النووي".
(٢) أخرجه البخاري: ١٦٠٧، ومسلم: ١٢٧٢.
(٣) أخرجه مسلم: ١٢٧٣.
(٤) انظر ما قاله الحافظ -إِن شئت- في ترجيحه المنع.



الله - ﷺ - أنّي أشتكي؟ فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ...» (١).
لذلك ذكر الإِمام البخاري -رحمه الله- حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- السابق تحت (باب المريض يطوف راكبًا)، قال الحافظ -رحمه الله- تحت الحديث (١٦٣٣): «... وقد تقدّم الكلام عليهما [أي: حديث ابن عباس وأم سلمة -رضي الله عنهم-] في (باب إِدخال البعير المسجد للعلّة). وأنّ المصنّف حمل سبب طوافه - ﷺ - راكبًا على أنّه كان عن شكوى».
وجاء في «منار السبيل» (١/ ٢٥٣): «.. فلا يجزئ طواف الراكب لغير عُذر ...»؛ ونقل الأقوال المخالفة.

استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها (٢)
عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة، هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبي (٣) فأغلقها عليه، ثمّ مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله - ﷺ -؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثمّ صلّى» (٤).



---------------------


(١) أخرجه البخاري: ١٦٣٣.
(٢) هذا العنوان من «صحيح مسلم» (كتاب الحج«(باب-٦٨).
(٣) الَحَجبي: منسوب إِلى حجابة الكعبة، وهي: ولايتها وفتحها وإغلاقها وخدمتها، ويقال له ولأقاربه: الحجبيون.»شرح النووي".
(٤) أخرجه البخاري: ٥٠٥، ومسلم: ١٣٢٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #107  
قديم 14-01-2026, 07:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 361الى صــ 375
الحلقة (107)






يبادر المرء إِلى الحجر الأسود، فيستقبله استقبالًا فيكبّر، والتسميةُ قبله صحت عن ابن عمر موقوفًا.
ثمّ يستلمه بيده ويقبِّله بفمه؛ فعن عمر -رضي الله عنه-: «أنه جاء إِلى الحجر الأسود فقبله فقال: إِني أعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت النّبيّ - ﷺ - يُقبلّك؛ ما قبّلتك» (١).
ويسجد عليه أيضًا، فقد فعَله رسول الله - ﷺ -، وعمر وابن عباس (٢).
فإِن لم يمكنه تقبيله؛ استلمه بيده ثمّ قبّل يَدَه.
عن نافع قال: «رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثمّ قبّل يده؛ وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله» (٣).
فإِن لم يمكنه الاستلام؛ أشار إِليه بيده.
ويفعل ذلك في كلّ طَوْفَةٍ.
ولا يزاحم عليه؛ لقوله - ﷺ -: «يا عمر! إِنك رجل قوي، فلا تُؤْذِ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر؛ فإِنْ خلا لك فاستلِمْه؛ وإلا فاستقبله وكبّر» (٤).
وفي استلام الحجر فضْل كبير؛ لقوله - ﷺ -: «ليبعثنّ الله الحجر يوم القيامة،

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥٩٧، ومسلم: ١٢٧٠.
(٢) أخرجه الشافعي، وأحمد وغيرهما، وهو حديث قوي؛ كما بينّه شيخنا -رحمه الله- في»الحج الكبير«، وانظر»الإِرواء" (١١١٢) ففيه تحقيق وتخريج مفيد.
(٣) أخرجه مسلم: ١٢٦٨.
(٤) صححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي.



وله عينان يُبصِر بهما، ولسانٌ ينطق به، ويشهد على من استلمَه بحقّ»، وقال: «مسْح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطًا» (١).
وقال: «الحجر الأسود من الجنة، وكان أشدّ بياضًا من الثلج، حتى سوَّدته خطايا أهل الشرك» (٢).
ثمّ يبدأ بالطواف حول الكعبة يجعلها عن يساره، فيطوف من وراء الحجر سبعة أشواط، من الحجر إِلى الحجر شوط، يضطبع (٣) فيها كلها، عن يعلى بن أميّة: «أنّ النّبيّ - ﷺ - طاف بالبيت مضطبعًا؛ وعليه بُرد» (٤).
ويرمل في الثلاثة الأُوَل منها، من الحجر إِلى الحجر، ويمشي في سائرها.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من الجِعرّانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى» (٥).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «رَمَل رسول الله - ﷺ - من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا» (٦).

-----------------------
(١) حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، والحاكم، والذهبي.
(٢) صححه الترمذي، وابن خزيمة.
(٣) الاضطباع: أن يدخل الرداء من تحت إِبطه الأيمن، ويردَّ طرفه على يساره، ويبدي مَنكِبه الأيمن، ويغطي الأيسر، وهو بدعة قبل هذا الطواف وبعده.
(٤) أخرجه ابن ماجه والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٨٢).
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٥٩)، وانظر «المشكاة» (٢٥٨٥).
(٦) أخرجه مسلم: ١٢٦٢.



حكمة الرَّمَلِ:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حُمَّى يثرب، قال المشركون: إِنّه يَقْدَمُ عليكم غدًا قوم وهنتهم الحمّى، ولقوا منها شدّة، فجلسوا ممّا يلي الحِجْرَ، وأمرهم النّبيّ - ﷺ - أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الرّكنين، ليرى المشركون جَلَدَهُمْ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أنّ الحمى قد وهنتهم؟! هؤلاء أجلد من كذا وكذا! قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها؛ إِلا الإِبقاء عليهم» (١).
ومع حدوث هذا الأمر لسبب؛ إِلا أنّ العلماء قالوا بعدم زوال حُكمه، وإن كان قد زال سببه.
عن أسلم أنّ عمر بن الخطاب قال: «ما لنا وللرَّمَل؟! إِنما كنّا راءينا به المشركين، وقد أهلكَهم الله! ثمّ قال: شيء صنَعه النّبيّ - ﷺ -؛ فلا نحبّ أن نتركه» (٢).
وفي رواية: «يقول [أي: عمر]: فِيمَ الرَّمَلان -اليوم- والكشف عن المناكب؟! وقد أطّأ (٣) الله الإِسلام، ونفى الكفر وأهله! مع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -» (٤).

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٦٠٢، ومسلم: ١٢٦٦ - واللفظ له-.
(٢) أخرجه البخاري: ١٦٠٥.
(٣) أطّأ الله الإِسلام: أي: ثبتّه وأرساه. والهمزة فيه بدل من واو وطّأ. «النهاية».
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٨٩).



ويستلم الركن اليماني بيده في كل طوفة، ولا يقبّله، فإِن لم يتمكنّ من استلامه؛ لم تشرع الإِشارة إِليه.
عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «لم أرَ النّبيّ - ﷺ - يستلم من البيت إِلا الركنين (١) اليمانيين» (٢).
وعن ابن عمر قال: «ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحَجَرَ -مُذْ رأيت رسول الله - ﷺ - يستلمهما- في شدّة ولا رخاء» (٣).
ويقول بينهما: «﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنَا عذاب النّار﴾» (٤).
ولا يستلم الركنين الشاميين؛ اتباعًا للنّبيّ - ﷺ - (٥).

---------------------
(١) قال النووي -رحمه الله-: «.. فالركنان اليمانيان: هما الركن الأسود والركن اليماني؛ وإنما قيل لهما: اليمانيان للتغليب، كما قيل في الأب والأم: الأبوان، وفي الشمس والقمر: قمران، وفي أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-: العمران، وفي الماء والتمر: الأسودان، ونظائره مشهورة. واليمانيان بتخفيف الياء؛ هذه اللغة الفصيحة المشهورة. وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما فيها لغة أخرى؛ بالتشديد».
(٢) أخرجه البخاري: ١٦٠٩، ومسلم: ١٢٦٧.
(٣) أخرجه مسلم: ١٢٦٧.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٦٦) وغيره.
(٥) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والاستلام هو مسْحه باليد، وأمّا سائر جوانب البيت ومقام إِبراهيم، وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين -كحجرة نبينا - ﷺ -، ومغارة إِبراهيم، ومقام نبينا - ﷺ - الذي كان يصلّي فيه- وغير =



مشروعية التزام الملْتزم في الطواف (١):
ويشرع التزام الملتزم في الطواف؛ لثبوت ذلك عن النّبيّ - ﷺ -؛ فإِنّه «كان يضع صدره ووجهه وذراعيه وكفّيه بين الركن والباب؛ يعني: في الطواف» (٢).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في «منسكه» (ص ٣٨٧): «وإن أحب أن يأتي الملتزم -وهو ما بين الحجر الأسود والباب - فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفّيه، ويدعو، ويسأل الله تعالى حاجته-؛ فعَل ذلك. وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع؛ فإِنّ هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة .. ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت، كان حسنًا».

موضعه:
مكان الملتزم بين الركن والباب؛ للحديث السابق، ولقول ابن عباس -رضي

---------------------
= ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين، وصخرة بيت المقدس؛ فلا تستلم ولا تقبّل باتفاق الأئمة. وأمّا الطواف بذلك؛ فهو من أعظم البدع المحرّمة، ومن اتخذه دينًا يُستتاب؛ فإِنْ تاب وإلا قُتِل«.
قال شيخنا -رحمه الله-: وما أحسن ما روى عبد الرزاق (٨٩٤٥)، وأحمد، والبيهقي عن يعلى بن أميّة قال: طُفت مع عمر بن الخطاب (وفي رواية: مع عثمان) -رضي الله عنه- فلمّا كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر؛ أخذت بيده ليستلمه، فقال: أما طُفت مع رسول الله؟! قلت: بلى. قال: فهل رأيته يستلمه؟ قلت: لا. قال: فانْفُذْ عنك؛ فإِنّ لك في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة».
(١) هذه العنوان من «الصحيحة» (٥/ ١٧٠).
(٢) حسنه شيخنا -رحمه الله- من طريقين؛ كما في «الصحيحة» (٢١٣٨).



الله عنهما-: «هذا الملتزم بين الركن والباب» (١).
وعن مجاهد: قال جئتُ ابن عباس وهو يتعوّذ بين الركن والباب (٢).
وعن عروة: «أنه كان يلصق بالبيت: صدره ويده وبطنه» (٣).

متى يلتزمه؟
يأتي الملتزم حين يفرغ من السبع؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه (٤) قال: «طفت مع عبد الله بن عمرو، فلما فرغنا من السبع؛ ركعنا في دُبُر الكعبة، فقلت: ألا نتعوذ بالله من النّار؟! قال: أعوذ بالله من النّار، قال: ثمّ مضى فاستلم الركن، ثمّ قام بين الحجر والباب، فألصق صدره ويديه وخده إِليه، ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل» (٥).
وليس للطواف ذِكْر خاصٌّ، فله أن يقرأ من القرآن أو الذكر ما شاء؛ لقوله - ﷺ -: «الطواف بالبيت صلاة، ولكنّ الله أحلّ فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق

------------------------
(١) أخرجه عبد الرزاق في»المصنف«وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»الصحيحة«تحت الحديث (٢١٣٨).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في»المصنف«، وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»الصحيحة«تحت الحديث (٢١٣٨) أيضًا.
(٣) أخرجه عبد الرزاق أيضًا، وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»الصحيحة«(٥/ ١٧١).
(٤) في بعض الكتب عن جدّه، وانظر»الصحيحة«(٢١٣٨).
(٥) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٣٩٧)، وانظر»الصحيحة" (٢١٣٨).



إِلا بخير»، وفي رواية: «فأقلّوا فيه الكلام» (١).
ولا يجوز أن يطوف بالبيت عريان ولا حائض؛ لقوله - ﷺ -: «ولا يطوف بالبيت عريان» (٢).
وقوله لعائشة حين قدمت معتمرة في حَجّة الوداع: «افعلي كما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت [ولا تصلّي] حتى تطهري» (٣).

صلاة ركعتين بعد الطَّواف:
وينطلق إِلى مقام إِبراهيم؛ وقد غطّى كتفه الأيمن، ويقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾، ويجعل المقام بينه وبين الكعبة، ويصلّي عنده ركعتين.
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «.. قدم رسول الله - ﷺ -، فطاف بالبيت سبعًا، ثمّ صلّى خلف المقام ركعتين» (٤).
وعن جابر قال: «لما قدم النّبيّ - ﷺ - مكة؛ دخل المسجد فاستلم الحجر، ثمّ مضى على يمينه؛ فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثمّ أتى إِلى المقام فقال: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾، فصلّى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، ثمّ أتى

-----------------------
(١) أخرجه الترمذي وغيره، والرواية الأخرى للطبراني، وهو حديث صحيح، كما حققه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١٢١).
قال شيخ الإسلام:»وليس فيه ذكر محدود عن النّبيّ - ﷺ -: لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه؛ بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية".
(٢) أخرجه البخاري: ١٦٢٢، ومسلم: ١٣٤٧، وتقدّم.
(٣) أخرجه البخاري: ١٦٥٠، ومسلم: ١٢١١.
(٤) أخرجه البخاري: ١٦٢٣، ومسلم: ١٢٣٤.



الحجر بعد الركعتين فاستلمه، ثمّ خرج إِلى الصفا -أظنه قال-: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾» (١).

جواز تأديتهما أوقات النهي:
وتؤدّيان في جميع الأوقات؛ حتى أوقات النهي.
عن جبير بن مُطعِمٍ أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلّى أيّةَ ساعة شاء من ليل أو نهار» (٢).
وعن عبد العزيز بن رُفيع قال: «رأيت عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- يطوف بعد الفجر ويصلّي ركعتين» (٣).

إذا صلّى المكتوبة؛ هل تجزئه؟
وإذا صلّى المكتوبة بعد الطواف؛ أجزأته عن الركعتين؛ بشرطين:
١ - أن يكون عند المقام؛ بحيث يمضي فيه قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾.
٢ - أن ينوي ذلك (٤).

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨ من حديث جابر الطويل، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٧٩) -وهذا لفظه-.
(٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٨٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٣٦)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٥٧٠)، وانظر «الإِرواء» (٤٨١).
(٣) أخرجه البخاري: ١٦٣٠.
(٤) أفادنيه شيخنا -رحمه الله- إجابةً عن بعض سؤالاتي.



وقرأ فيهما: «﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾» (١).
وينبغي أن لا يمرّ بين يدي المصلّي هناك، ولا يدع أحدًا يمرُّ بين يديه وهو يصلّي؛ لعموم الأحاديث الناهية عن ذلك، وعدم ثبوت استثناء المسجد الحرام منها، بله مكة كلها!
ثمّ إِذا فرغ من الصلاة؛ ذهَب إِلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، فقد قال - ﷺ -: «ماء زمزم لما شرب له» (٢).
وقال: «إِنها مباركة، وهي طعام طُعْم، [وشفاء سُقْمٍ]» (٣).
وقال: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام من الطُّعم (٤)، وشفاء من السقم» (٥).
ثمّ يرجع إِلى الحجر الأسود؛ فيكبّر ويستلمه على التفصيل المتقدّم.

إِذا وقف في الطواف (٦):
قال عطاء فيمن يطوف، فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه: إِذا سلّم يرجع

-------------------------
(١) انظر«صحيح مسلم» (١٢١٨).
(٢) حديث صحيح؛ كما قال جمع من الأئمة، وقد خرّجه شيخنا -رحمه الله- وتكلم على طُرقه في «الإِرواء» (١١٢٣)، وأحدها في «الصحيحة» (٨٨٣).
(٣) حديث صحيح، رواه الطيالسي وغيره، وهو مخرج في «الصحيحة» تحت الحديث (١٠٥٦) وغيرها.
(٤) أي: يشبع الإِنسان إِذا شرب ماءها، كما يشبع من الطعام. (النهاية).
(٥) أخرجه الضياء في «المختارة» وغيره، وهو مخرج في المصدر السابق (١٠٥٦).
(٦) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الحج) (باب - ٦٨).



إِلى حيث قطع عليه فيبني (١).
ويُذكر نحوه عن ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهم- (٢)

السعي بين الصفا والمروة:
ثمّ يعود أدراجه ليسعى بين الصفا والمروة.

حُكْمه:
اختلف العلماء في حُكم السعي بين الصفا والمروة: فمنهم من قال بركنيته، ومنهم قال بوجوبه، ومنهم من قال بسنّيته.
والراجح -والله أعلم- الركنّية؛ لحديث عروة قال: «سألت عائشة -رضي الله عنها- فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما﴾؛ فوالله ما على أحدٍ جناح أن لا يطوف بالصّفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي! إِنّ هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطّوف بهما)! ولكنها أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلُّون لِمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل، فكان من أهلّ يتحرّج أن يطوف بالصّفا والمروة، فلمّا أسلموا سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك؛ قالوا: يا رسول الله! إِنّا كنّا نتحرّج

-----------------------
(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وانظر»مختصر البخاري«(١/ ٣٨٦).
(٢) رواه البخاري معلّقًا، وجاء في»مختصر البخاري«(١/ ٣٨٦):»وصله سعيد بن منصور عن جميل بن زيد عن ابن عمر نحوه، وجميل هذا ضعيف. ووصله عبد الرزاق بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي بكر".



أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية، قالت عائشة -رضي الله عنها-: وقد سنّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما؛ فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بينهما» (١).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «طاف رسول الله - ﷺ - وطاف المسلمون؛ فكانت سُنّة، فلعمري ما أتمّ الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة» (٢).
وعن حبيبة بنت أبي تِجْرَأة قالت: «دخلتْ على دار أبي حسين نسوةٌ من قريش، ورسول الله - ﷺ - يطوف بين الصفا والمروة وهو يسعى، يدور به إِزاره من شدة السعي، وهو يقول لأصحابه: اسعوا فإِن الله كتب عليكم السعي» (٣).
وسألت شيخنا -رحمه الله-: ماذا ترون حُكم السعي بين الصفا والمروة؟
فقال -رحمه الله-: «رُكن».

أصل مشروعيته:
قال ابن عباس: «أول ما اتخذ النساء المِنطَق (٤) من قِبل أم إِسماعيل؛ اتخذت مِنطقًا لتُعفّي (٥) أثرها على سارة، ثمّ جاء بها إِبراهيم وبابنها إِسماعيل

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٦٤٣، ومسلم: ١٢٧٧.
(٢) أخرجه مسلم: ١٢٧٧.
(٣) أخرجه أحمد، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (١٠٧٢).
(٤) المِنْطَق: هو ما يشدّ به الوسط.
(٥) أي: لتُخفي، وانظر ما قاله الحافظ -رحمه الله- في شرح هذا الأمر.



-وهي تُرضعه- حتى وضعها عند البيت عند دوحة (١) فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا (٢) فيه تمر وسقاءً فيه ماء، ثمّ قفّى (٣) إِبراهيم منطلقًا، فتبعته أمّ إِسماعيل فقالت: يا إِبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إِنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إِليها، فقالت له: آللهُ الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إِذن لا يُضيعنا، ثمّ رجعت.
فانطلق إِبراهيم حتى إِذا كان عند الثّنيّة حيث لا يرونه؛ استقبل بوجهه البيت ثمّ دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿ربنا إِني أسكنتُ من ذرّيّتي بوادٍ غير ذي زرع﴾ حتى بلغ: ﴿يشكرون﴾؛ وجعلت أمّ إِسماعيل ترضع إِسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إِذا نفد ما في السقاء؛ عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إِليه يتلوّى -أو قال: يتلبّط (٤)؛ فانطلقت كراهية أن تنظر إِليه، فوجدت الصّفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم ترَ أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إِذا بلغت الوادي؛ رفعت طرف دِرعها، ثمّ سعت سعي الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثمّ أتت المروة فقامت عليها؛ فنظرت هل ترى أحدًا فلم ترَ أحدًا،

--------------------------
(١) الدوحة: الشجرة الكبيرة.
(٢) وعاء يحفظ فيه الزاد ونحوه. «الوسيط».
(٣) أي: ولّى راجعًا إِلى الشام.
(٤) أي: يتمرّغ ويضرب بنفسه الأرض ويقرب منها.
ملاحظة: استفدت من «فتح الباري» في شرح غريب ألفاظ هذا الحديث.



ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النّبيّ - ﷺ -: فذلك سعي النّاس بينهما» (١).

هل يشرع الركوب في السعي؟
وما قيل في الركوب في الطواف؛ يقال في السعي بين الصفا والمروة؛ فإِنه يجوز لمرض أو حاجة.
فعن جابر -رضي الله عنه- قال: «طاف رسول الله - ﷺ - بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه» (٢).
وعن أبي الطفيل قال: «قلت لابن عباس -رضي الله عنهما-: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا؛ أسنّة هو؟ فإِنّ قومك يزعمون أنّه سُنّة! قال: صدقوا وكذبوا. قال: قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟! قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - كثر عليه الناس، يقولون: هذا محمّد، هذا محمّد، حتى خرج العواتق (٣) من البيوت، قال: وكان رسول الله - ﷺ - لا يضرب النّاس بين يديه، فلمّا كثر عليه ركب؛ والمشي والسّعي أفضل» (٤).

-------------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٣٦٤.
(٢) أخرجه مسلم: ١٢٧٣، وتقدّم.
(٣) العواتق: جمع عاتق، وهي البكر البالغة، أو المقاربة للبلوغ، وقيل: التي تتزوّج، سُمّيت بذلك لأنّها عتقت من استخدام أبويها وابتذالها في الخروج والتصرّف التي تفعله الطفلة الصغيرة. «شرح النووي».
(٤) أخرجه مسلم: ١٢٦٤.



السعي بين الميلين:
يسنّ المشي بين الصفا والمروة؛ إِلا ما كان بين الميلين؛ فإِنّه يشتد سعيه.
عن جابر -رضي الله عنه-: «.. حتى إِذا انصبّت (١) قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إِذا صَعِدتا (٢) مشى» (٣).
عن أم ولد شيبة -رضي الله عنها- قالت: «رأيت رسول الله - ﷺ - يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: لا يُقطع الأبطح (٤) إِلا شدًّا» (٥).

الرُّقِيُّ على الصفا والمروة والدعاء عليهما مع استقبال البيت:
عن جابر -رضي الله عنه- في حديثه الطويل: «أنّ رسول الله - ﷺ - لمّا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾، أَبَدأُ بما بدأ الله به، فبدأ بالصّفا فرقي عليه، حتّى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبّره وقال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، لا إِله إِلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثمّ دعا بين

------------------------
(١) أي: انحدرت في المسعى.»النهاية«.
(٢) أي: ارتفعت قدماه عن بطن الوادي.»شرح النووي«.
(٣) أخرجه مسلم: ١٢١٨.
(٤) الأبطح: المكان المتّسِع يمرّ به السيل فيترك فيه الرمل والحصى الصغار». «الوسيط».
(٥) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤١٩)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٧٨٩) وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٢٤٣٧) وتقدّم دون ذِكر المناسبة.



ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثمّ نزل إِلى المروة .. حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصّفا» (١).

ما يقوله الساعي بين الصفا والمروة:
يسنّ للساعي بين الصفا والمروة أن يدعو الله -سبحانه وتعالى- ويذكره ويستغفره، ويقرأ القرآن الكريم.
ويحرص في سعيه -كما يحرص في طوافه- على جوامع الدعاء، والمأثور عن النّبيّ - ﷺ - وسلف الأُمّة.
كما يحرص على التفقّه في آداب الدعاء؛ حتى لا يقع في المخالفات الشرعية.
ولا بأس أن يدعو بما ثبت عن جمع من السلف، فيقول: «ربّ اغفر وارحم، إِنّك أنت الأعز الأكرم» (٢).

الموالاة في السعي:
لا بُدّ من الموالاة في السعي؛ إِلا لعُذر أو استراحة ونحو ذلك.
وما قيل في الموالاة في الطواف عند البيت؛ يقال في الطواف بين الصفا والمروة، والله -تعالى- أعلم.
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن ذلك!

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عمر -رضي الله عنهم- بإِسنادين صحيحين، وانظر «مناسك الحج والعمرة» (ص ٢٧) وتقدّم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #108  
قديم 14-01-2026, 07:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 376الى صــ 390
الحلقة (108)




فقال:»تجب الموالاة إلاَّ لعذر«(١).
فإِذا دنا من الصفا؟ قرأ قوله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما ومن تطوع خيرًا فإِنّ الله شاكر عليم﴾ ويقول: نبدأ بما بدأ الله به».
ثمّ يبدأ بالصفا فيرتقي عليه حتى يرى الكعبة (٢)، فيستقبل الكعبة، فيوحد الله ويكبره فيقول: الله أكبر؛ الله أكبر؛ الله أكبر، (ثلاثًا).
لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير.
لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، أنجَز وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يقول ذلك ثلاث مرات.
ويدعو بين ذلك.
ثمّ ينزل ليسعى بين الصفا والمروة، وقال رسول الله - ﷺ -: «اسعوا؛ فإِن الله كتَب عليكم السعي» (٣). فيمشي إِلى العلم (الموضوع) عن اليمين واليسار،

--------------------
(١) وما قاله شيخنا يشبه ما قاله شيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- في وجوب الموالاة في الوضوء؛ فإِنه -رحمه الله- أوجبها إِلا من عُذر، وتقدّم في «كتاب الوضوء».
(٢) ليس من السهل الآن رؤية البيت إِلا في بعض الأماكن من الصفا؛ فإِنه يراه من خلال الأعمدة التي بني عليها الطابق الثاني من المسجد، فمن تيسر له ذلك فقد أصاب السنّة؛ وإلا فليجتهد ولا حرج.
(٣) وهو حديث صحيح، مخرّج في «الإِرواء» (١٠٧٢).



وهو المعروف بالميل الأخضر، ثمّ يسعى منه سعيًا شديدًا (١) إِلى العلم الآخر الذي بعده، وكان في عهده - ﷺ - واديًا أبطح فيه دِقاق الحصا». وتقدّم الحديث في ذلك.
ثمّ يمشي صُعُدًا حتى يأتي المروة فيرتقي عليها، ويصنع فيها ما صَنع على

-------------------
(١) فائدة: جاء في «المغني» لابن قدامة المقدسي (٣/ ٣٩٤) ما نصه: «وطواف النساء وسعيهن مشي كلّه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع، وذلك لأن الأصل فيه إِظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في حقّ النّساء؛ لأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرُّضٌ للكشف».
وفي «المجموع» للنووي (٨/ ٧٥) ما يدل على أنّ المسألة خلافية عند الشافعية؛ فقد قال: «إِنّ فيها وجهين:
الأول -وهو الصحيح، وبه قطع الجمهور-: أنها لا تسعى؛ بل تمشي جميع السافة ليلًا ونهارًا.
والوجه الئاني: أنها إِن سعت في الليل حال خلو المسعى؛ استحب لها السعي في موضع السعي كالرجل».
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: ولعل هذا هو الأقرب؛ فإِن أصل مشروعية السعي إِنما هو سعي هاجر أم إِسماعيل تستغيث لابنها العطشان، كما في حديث ابن عباس: «فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إِذا بلغت الوادي؛ رفعت درعها ثمّ سعت سعي الإِنسان المجهود، حتى إِذا جاوزت الوادي، ثمّ أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النّبيّ - ﷺ -:»فذلك سعي الناس بينهما". أخرجه البخاري في (كتاب الأنبياء).



الصفا؛ من استقبال القبلة، والتكبير، والتوحيد، والدعاء، وهذا شوط.
ثمّ يعود حتى يرقى على الصفا، يمشي موضع مشْيه، ويسعى موضع سعْيه، وهذا شوط ثانٍ.
ثمّ يعود إِلى المروة، وهكذا حتى يتم له سبعة أشواط نهاية آخرها على المروة.
ويجوز أن يطوف بينهما راكبًا، والمشي أعجب إِلى النّبيّ - ﷺ - (١).
فإِذا انتهى من الشوط السابع على المروة؛ قصّ شعر رأسه (٢)؛ وبذلك تنتهي العمرة، ويحلُّ له ما حرُم عليه بالإِحرام، ويمكث هكذا حلالًا إِلى يوم التروية.
ومن كان أحرم بغير عمرة الحج، ولم يكن ساق الهدي من الحل؛ فعليه أن يتحلل؛ اتباعًا لأمر النّبيّ - ﷺ - واتقاءً لغضبه.
وأمّا من ساق الهدي؛ فيظلّ في إِحرامه، ولا يتحلّل إِلا بعد الرمي يوم النحر.

الإِهلال بالحج يوم التروية
فإِذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- أحرم وأهلّ بالحج، فيفعل كما فعَل عند الإِحرام بالعمرة من الميقات؛ من الاغتسال، والتطيب، ولبُسْ الإِزار والرداء، والتلبية، ولا يقطعها إلاَّ عَقِب رمي جمرة العقبة.

-----------------------
(١) رواه أبو نعيم في «مستخرجه على صحيح مسلم».
(٢) أو حلق إِذا كان بين عمرته وحجه فترة كافية يطول الشعر خلالها. «راجع»الفتح«(٣/ ٤٤٤)».



التوجه إِلى منى (١):
يتوجه الحاج إِلى منى يوم التروية (٢) ويصلّي فيها الظهر ويبيت فيها حتى يصلّي سائر الصلوات الخمس قصرًا دون جمع.
فإِنْ كانْ الحاجّ قارنًا أو مفردًا؛ توجه إِليها بإِحرامه، وإن كان متمتعًا؛ أحرم بالحجّ، وفعل كما فعل عند الميقات.
والسُّنّة أن يحرم من الموضع الذى هو فيه، حتى أهْل مكّة يحرمون من مكة.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ... فمن كان دون ذلك فمِن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة» (٣).
ويُكْثِرُ الحاج من الدعاء والتلبية عند التوجُّه إِلى منى، ولا يخرج منها حتى تطلع شمس يوم التاسع؛ اقتداءً بالنّبيّ - ﷺ -.

الانطلاق إِلى عرفة:
فإِذا طلعت شمس يوم عرفة؛ انطلق إِلى عرفة، وهو يُلبّي أو يُكبّر، كلَّ ذلك فعَل أصحاب النّبيّ - ﷺ - وهم معه في حَجّته، يُلبّي الملبّي فلا يُنكر عليه،

-----------------------
(١) عن «فقه السّنّة» (١/ ٧١٦) بتصرّف.
(٢) سُمّي به لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بَعْدَه؛ أي: يَسقُون ويَسْتقون. «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٣٠، ومسلم: ١١٨١.



ويكبر المكبر فلا يُنكر عليه.
فعن محمد بن أبي بكر الثقفي: أنه سأل أنس بن مالك -وهما غاديان من منى إِلى عرفة-: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله - ﷺ -؟ فقال: كان يُهلُّ منّا المُهلّ؛ فلا ينكر عليه، ويكبّرمنا المكبّر؛ فلا ينكر عليه» (١).
ثمّ ينزل في نَمِرَةَ (٢)، وهو مكان قريب من عرفات، وليس منها، ويظلّ بها إِلى ما قبل الزوال.
فإِذا زالت الشمس؛ رحل إِلى عُرنة ونزل فيها، وهي قبيل عرفة، وفيها يخطب الإِمام الناس خطبة تناسب المقام.
ثمّ يصلّي بالناس الظهر والعصر قصرًا وجمعًا في وقت الظهر.
عن ابن شهاب قال: «أخبرني سالم: أنّ الحجاج بن يوسف -عام نزل بابن الزبير -رضي الله عنهما- سأل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إِن كنت تُريد السُّنّة فهجّر بالصلاة يوم عرفة، فقال عبد الله بن عمر: صدق، إِنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السُّنّة.

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٦٥٩، ومسلم: ١٢٨٥.
(٢) هذا النزول والذى بعده قد يتعذر اليوم تحقيقه لشدة الزحام، فإِذا جاوزهما إِلى عرفة؛ فلا حرج إِن شاء الله. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في»الفتاوى«(٢٦/ ١٦٨):»وأمّا ما تضمّنته سُنّة رسول الله - ﷺ - المقام بمنى يوم التروية، والمبيت بها الليلة التي قبل يوم عرفة، ثمّ المقام بـ «عُرَنة» -التي بين المشعر الحرام وعرفة- إِلى الزوال، والذهاب منها إِلى عرفة، والخطبة والصلاتين في أثناء الطريق ببطن عرنة؛ فهذا كالمُجمع عليه بين الفقهاء، وإن كان كثير من المصنّفين لا يميزه، وأكثر الناس لا يعرفه لغلبة العادات المُحدثة".



فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله - ﷺ -؟ فقال سالم: وهل يتبعون بذلك إِلا سنته؟!» (١).
عن حارثة بن وهب الخُزاعي -رضي الله عنه- قال: «صلّيت خلف رسول الله - ﷺ - بمنى -والناس أكثر ما كانوا-؛ فصلّى بنا ركعتين في حجة الوداع.
قال أبو داود: حارثة من خزاعة ودارهم بمكة» (٢).
ويؤذن لهما أذانًا واحدًا وإقامتين.
ولا يُصلّي بينهما شيئًا (٣).
ومن لم يتيسر له صلاتهما مع الإِمام؛ فليصلّهما كذلك وحده، أو مع من حوله من أمثاله (٤).

الوقوف بعرفة:
ثمّ ينطلق إِلى عرفة، فيقف عند الصخرات عند أسفل جبل الرحمة، إِن تيسّر له ذلك؛ وإلا فعرفة كلّها موقف.
عن جابر -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «.. ووقفت هاهنا وعرفة

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٦٦٢.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧٢٨).
(٣) قال شيخنا -رحمه الله-:»وكذلك لم ينقل عنه - ﷺ - أنه تطوع قبل الظهر وبعد العصر هنا وفي سائر أسفاره؛ ولم يثبت أنّه صلّى شيئًا من الرواتب فيها؛ إِلا سنتي الفجر والوتر".
(٤) رواه البخاري عن ابن عمر تعليقًا.



كلّها موقف، ووقفت هاهنا وجَمْعٌ كلها موقف» (١).
وعن يزيد بن شيبان قال: «أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة -في مكان يباعده عمرو عن الإِمام- فقال: أما إِني رسولُ رسول الله - ﷺ - إِليكم، يقول لكم: قفوا على مشاعركم؛ فإِنكم على إِرثٍ من أرث أبيكم إِبراهيم» (٢).
ويقف مستقبلًا القبلة، رافعًا يديه يدعو ويُلبي.
عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: «كنت رديف النّبيّ - ﷺ - بعرفات، فرَفَع يديه يدعو» (٣).
وفي حديث جابر -رضي الله عنه-: «واستقبل القبلة» (٤).
ويكثر فيها من التهليل؛ فإِنّه خير الدعاء يوم عرفة؛ لقوله - ﷺ -: «أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير» (٥).

----------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٦٨٨)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٠٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٣٨)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٢٠)، وجوّد شيخنا -رحمه الله- إسناده في «المشكاة» (٢٥٩٥).
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- كما في «الاختيارات» (ص ١١٨): «ولا يشرع صعود جبل الرحمة إِجماعًا».
(٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨١٧).
(٤) أخرجه مسلم: ١٢١٨.
(٥) حديث حسن أو صحيح، له طرق خرّجها شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٥٠٣).



وعن عبد الله بن عمروٍ أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (١).
وإِن زاد في التلبية أحيانًا: «إِنما الخير خير الآخرة»؛ جاز (٢).

إِفطار الحاج يوم عرفة:
عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يوم عرفة (٣) ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام، وهي أيام أكْل وشُرب» (٤).
ويفطر الحاجّ هذا اليوم؛ لأنّه أقوى له على أداء النّسك، ولأنّه هو الثابت عنه - ﷺ - مِن فِعله في حجّة الوداع (٥).
وتقدّم في «كتاب الصيام» (٣/ ٢٥٧) حديث ميمونة في «الصحيحين»: أنّ النّبيّ - ﷺ - شرب من حلاب لبن يوم عرفة.
ولا يزال هكذا ذاكرًا ملبيًا داعيًا بما شاء، راجيًا من الله -تعالى- أن يجعله من عتقائه الذين يباهي بهم الملائكة، كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-.

----------------------
(١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٨٣٧)، وانظر «المشكاة» (٢٥٩٨).
(٢) لثبوت ذلك عنه - ﷺ - كما هو مبيّن في «حجة النّبيّ - ﷺ -» لشيخنا -رحمه الله-.
(٣) وقد ورد صيام يوم عرفة لغير الحاج؛ كما تقدّم في «كتاب الصيام».
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١١٤)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٢٠)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨١٠)، وانظر «الإِرواء» (٤/ ١٣٠).
(٥) قاله شيخنا -رحمه الله- تحت الحديث (٤٠٤) من «الضعيفة» بتصرّف يسير.



فضل يوم عرفة:
عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النّار من يوم عرفة، وإِنه ليدنو ثمّ يباهي بهم الملائكة؛ فيقول: ما أراد هؤلاء؟!» (١).
وفي زيادة: «اشهدوا ملائكتي! أني قد غفرت لهم» (٢).
عن أنس بن مالك قال: «وقف النّبيّ - ﷺ - بـ (عرفات)؛ وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال: يا بلال! أنصت لي الناس. فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله - ﷺ -، فأنصت الناس، فقال: معاشر الناس! أتاني جبرائيل آنفًا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنّ الله -عز وجل- غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم، ولمن أتى من بعدكم إِلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثر خير الله وطاب!» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنّ الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إِلى عبادي؛ جاءوني شُعْثًا (٤)

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٣٤٨.
(٢) انظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١١٥٤).
(٣) صحيح لغيره؛ كما في»صحيح الترغيب والترهيب«(١١٥١).
(٤) أي: متغيّري الأبدان والشعور والملابس، لقلة تعهدّهم بالادهان والإِصلاح. والشعث: الوسخ في بدن أو شعر.»فيض القدير". وتقدّم.



غُبْرًا (١)» (٢)
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول: «إِنّ الله -عز وجل- يباهي ملائكته عَشيَّة عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إِلى عبادي شُعثًا غُبرًا» (٣).
وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- الطويل: «.. فإِذا وقف بـ (عرفة)؛ فإِنّ الله -عز وجل- ينزل إِلى سماء الدنيا فيقول: انظروا إِلى عبادي شُعثًا غبرًا، اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم، وإِن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج (٤)» (٥).

الوقوف بعرفة رُكن الحجِّ الأعظم:
عن عبد الرحمن بن يعمر الدَّيْلي قال: «أتيت رسول الله - ﷺ - وهو بعرفة، فجاء ناس -أو نفر- من أهل نجد، فأمروا رجلًا فنادى رسول الله - ﷺ -: كيف

------------------------
(١) أي: من غير استحداد ولا تنظُّف؛ قد رَكبهم غبار الطريق.»فيض القدير«أيضًا، وتقدّم.
(٢) أخرجه أحمد، وابن حبان في»صحيحه«، والحاكم وقال:»صحيح على شرطهما«، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١١٥٢).
(٣) رواه أحمد والطبراني في»الكبير«و»الصغير«وإسناد أحمد لا بأس به، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١١٥٣).
(٤) هو ما تراكم من الرمل، ودخَل بعضه في بعض.»النهاية«.
(٥) أخرجه البزار، والطبراني، وابن حبان في»صحيحه«، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب" (١١٥٥).



الحج؟ فأمَر رسول الله - ﷺ -[رجلًا] فنادى: الحجّ الحجُّ، يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع؛ فتمّ حجة، أيام منى ثلاثة، ﴿فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه ومن تأخر فلا إِثم عليه﴾ قال: ثمّ أردف رجلًا خلفه فجعل ينادي بذلك» (١).

الإِفاضة من عرفات إِلى المزدلفة:
ويبقى حتى غروب الشمس كما في حديث جابر: «فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرصُ» (٢).
فإِذا غربت الشمس؛ أفاض من عرفات إِلى المزدلفة وعليه السكينة والهدوء، لا يزاحم الناس بنفسه أو دابته أو سيارته، فإِذا وجد خلوة أسرع.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّه دفع مع النّبيّ - ﷺ - يوم عرفة، فسمع النّبيُّ - ﷺ - وراءه زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإِبل، فأشار بسوطه إِليهم وقال: أيها الناس! عليكم بالسكينة؛ فإِن البر ليس بالإِيضاع (٣)» (٤).
عن عروة قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان رسول الله - ﷺ - يسير في

----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧١٧)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٠٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٤١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٢٢)، وانظر «الإِرواء» (١٠٦٤).
(٢) أخرجه مسلم: ١٢١٨.
(٣) الإِيضاع: الإِسراع. وقال البخاري -رحمه الله-: ﴿أوضعوا﴾: أسرعوا.
(٤) أخرجه البخاري: ١٦٧١.



حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنق (١)، فإِذا وجد فجوة نصّ (٢) «(٣).
ثمّ يأخذ الطريق الوسطى التي تخرجه على الجمرة الكبرى.
فإِذا وصَلها؛ أذَّن وأقام وصلّى المغرب ثلاثًا، ثمّ أقام وصلّى العشاء قصرًا، وجمَع بينهما.
عن جابر -رضي الله عنه-: أنّ النّبيّ - ﷺ - صلّى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسّبح (٤) بينهما شيئًا» (٥).
وإن فصَل بينهما لحاجة لم يضرّه ذلك (٦).
ولا يصلّي بينهما ولا بعد العشاء شيئًا (٧).

----------------------
(١) العَنق -بفتح المهملة والنون-: هو السير الذي بين الإِبطاء والإِسراع. قال في «المشارق»: هو سير سهل في سرعة. وقال القزاز: العَنَق: سير سريع. وقيل: المشي الذى يتحرك به عنق الدابة. وفي «الفاءق»: العنق: الخطو الفسيح. «فتح».
(٢) نصّ؛ أي: أسرع. قال أبو عبيد: النص: تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النص: غاية المشي ومنه نصصت الشيء: رفعته، ثمّ استعمل في ضرب سريع من السير. «الفتح» أيضًا.
(٣) أخرجه البخاري؛ ١٦٦٦، ومسلم: ١٢٨٦.
(٤) أي: لم يصلِّ النافلة.
(٥) أخرجه مسلم [في حديث جابر الطويل]: ١٢١٨، وتقدّم.
(٦) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «لثبوت ذلك عن النّبيّ - ﷺ - وأصحابه في»صحيح البخاري«(٢٥/ ٩٤/‏٨٠١) -، من»مختصر البخاري«.
(٧) قال شيخ الإِسلام:»فإِذا وصل المزدلفة؛ صلّى المغرب قبل تبريك الجمال إِن أمكن، ثمّ إِذا برّكوها صلّوا العشاء، وإنْ أخّر العشاء لم يضّره ذلك".



ثمّ ينام حتى الفجر.
فإِذا تبيّن له الفجر؛ صلّى في أوّل وقته بأذان وإِقامة.

المبيت بالمزدلفة وصلاة الفجر فيها:
ولا بُدّ من صلاة الفجر في المزدلفة لجميع الحجاج؛ إِلا الضعفَة والنساء؛ فإِنّه يجوز لهم أن ينطلقوا منها بعد نصف الليل؛ خشية حَطَمة الناس.
«والسّنّة أن يبت بمزدلفة إِلى أن يطلع الفجر، فيصلّي بها الفجر في أوّل الوقت، ثمّ يقف بالمشعر الحرام إِلى أن يسفر جدًّا قبل طلوع الشمس، فإِن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ونحوهم -فإِنّه يتعجل من مزدلفة إِلى منى إِذا غاب القمر، ولا ينبغي (١) لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر، فيصلّوا بها الفجر، ويقفوا بها، ومزدلفة كلها موقف، لكن الوقوف عند قزح أفضل، وهو جبل الميقدة، وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم، وقد بني عليه بناءٌ، وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم المشعر الحرام» (٢).
أجابنا شيخنا -رحمه الله- عن حدّ المبيت في المزدلفة قائلًا:
«المبيت: هو كما فعَلَه الرسول -عليه السلام- الأمر واضح جدًّا ...
حَجَّةُ الرسول -عليه السلام- معلومة تمامًا، حتى أفاض من عرفات عندما غربت الشمس، فيجب على الجميع أن ينطلقوا من عرفات حينما يرون

----------------------
(١) قلت: ولا يخفى مدلول كلمة (لا ينبغي)، قال الله تعالى: ﴿وما علّمناه الشعر وما ينبغي له﴾. وقال - ﷺ -:»لا ينبغي لمؤمن أن يُذّل نفسه ...«.
(٢)»مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١٣٥).



الشمس قد غربت، هنا قد تختلف الظروف كما يقع في كثير من الأحيان في الازدحام؛ قد لا يَصِلون إِلا مع الفجر مثلًا، وقد يصلون بربع ساعة أو نصف ساعة حسبما يتيّسر، إِذًا فبمجرّد وصول من أفاض من عرفات إِلى مزدلفة يبدأ وقت المبيت، ومبيت الليلة يعني يشمل الليل، فالرسول - ﷺ - ماذا فعَل الليل كله؟ ...
وقد يقول القائل: البيات بعد نصف الليل! نقول له أولًا: هذا مخالف لفعل الرسول -عليه السلام- الذي نعتبره بيانًا لقوله - ﷺ -:»لتأخذوا مناسككم«هذا أولًا.
ثانيًا: اللغة لا تساعد على هذا التعديل، لأنَّ بات يبدأ من بعد الغروب، إِذًا يبقى من حيث اللغة البيات على عمومه؛ والسُّنّة العملية تؤيده أو تقيّده ...».
ومزدلفة كلها موقف، فحيثما وقف فيها جاز.
ثمّ ينطلق قبل طلوع الشمس إِلى منى؛ وعليه السكينة وهو يلبي.
فإِذا أتى بطن مُحَسِّر؛ أسرع السير إِذا أمكنه، وهو من منى.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «ارفعوا عن بطن مُحسِّر، وعليكم بمثل حصى الخَذَف» (١).
وعن علي -رضي الله عنه- قال: «لما أصبح النّبيّ - ﷺ -؛ وقف على قُزَح فقال: هذا قُزَح وهو الموقف، وجمْعٌ كلها موقف» (٢).

-----------------------
(١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٥٣٤).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٠٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٠٢).



حُكم ذلك:
وأريد أن أفرّق بين حُكم المبيت بالمزدلفة -وهو واجب على الراجح من أقوال العلماء؛ ومن العلماء من يرى الركنية-؛ وبين حُكم صلاة الفجر -والذي نحن بصدده-.
فأقول -وبالله تعالى أستعين-:
جاء في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٣) في ذِكر من يرى ركنية المبيت في المزدلفة: «.. وهو مذهب اثنين من الصحابة، ابن عباس، وابن الزبير -رضي الله عنهم-. وإِليه ذهب إِبراهيم النّخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان (١)، وداود الظاهري، وأبي عُبيد القاسم بن سلاّم، واختاره المحمّدان: ابن جرير وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية (٢). انتهى.
وكذا ابن العربي المالكي (٣).
ويرى ابن حزم -رحمه الله- ركنية صلاة الفجر.
وقال لي شيخنا -رحمه الله- في بعض الإِجابات:
»نحن لا نقول بركنية المبيت، نحن نقول بركنية صلاة الفجر ووجوب

-------------------
(١) وذكر الحافظ ابن العربي المالكي -رحمه الله-: الثورىَّ في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١١٨).
(٢) منهم القفّال. قاله ابن كثير -رحمه الله- في تفسير سورة البقرة الآية (١٩٨).
(٣) انظر «عارضة الأحوذي» (٤/ ١١٨).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #109  
قديم 14-01-2026, 07:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 391الى صــ 405
الحلقة (109)




المبيت، يجب التفريق بين الأمرين، والحديث الواضح الصريح: أنّه مَن صلّى صلاتنا هذه» معنا في جمع، وكان قد وقف على عرفة ساعةً من الليل أو النهار؛ فقد تمّ حجُّه وقضى تَفَثَهُ«(١). فجعل صلاة الصبح في مزدلفة والوقوف في عرفة أوّلًا شيئًا واحدًا؛ ثمّ رتَّب على مجموع الأمرين بأنّه قد تمّ حَجُّهُ.
ومعنى ذلك: أنّه إِذا أخلّ بأحد الأمرين المذكورين في هذا الحديث الصحيح؛ فحجّه لم يتمّ». انتهى.
أقول: صلاة الفجر في المزدلفة لغير النساء والضعفة رُكن على الراجح، والله أعلم، وذلك لقول الله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ولقول النّبيّ - ﷺ -: «لتأخذوا مناسككم» (٢).
ولحديث عروة بن مضرِّس -رضي الله عنه- قال: «أتيت رسول الله - ﷺ - بالموقف -يعني: الجمع- قلت: يا رسول الله! من جبل طَيءٍ، أكللت مَطِيَّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْل (٣) إِلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو

--------------------
(١) ذكر شيخنا -رحمه الله- حديث عروة بن المضرِّس بمعناه، وسيأتي في الصفحة الآتية إِن شاء الله تعالى.
(٢) تقدّم تخريجه.
(٣) حَبل: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه. وقيل: الحبال في الرمل؛ كالجبال في غير الرمل». «النهاية». وفي بعض النسخ (جبل) بالجيم.



نهارًا؛ فقد تمّ حجُّه، وقضى تفَثه (١)» (٢).
وفي لفظ: «من أدرك جمْعًا مع الإِمام والناس حتى يُفيض منها؛ فقد أدرك الحج، ومن لم يُدرك مع الناس والإِمام؛ فلم يُدرك» (٣).
قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٣) -بعد حديث عروة بن المضرّس -رضي الله عنه-: «وبهذا احتجّ من ذهب إِلى أنّ الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة ...» ثمّ ذكر من يرى هذا من الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم، وقال: ولهم ثلاث حجج، هذه إحداها.
والثانية: قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ (٤).
والثالثة: فِعل رسول الله - ﷺ - الذي خرَج مخرج البيان لهذا الذّكر المأمور به.
حُجج من يرد على الركنية:
*١ - احتج بعضهم بقول النّبيّ - ﷺ -: «الحج عرفة».
ويرد عليهم:

-------------------
(١) التفَث: هو ما يفعله المحرم بالحج إِذا حلّ؛ كقص الشارب، والأظفار، ونتْف الإِبط، وحلق العانة. وقيل: هو إِذهاب الشعَث والدَّرَن والوسخ مطلقًا. «النهاية».
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧١٨)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٠٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٤٢)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٤٥).
(٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٤٦).
(٤) البقرة: ١٩٨.



أ- أنّ عندهم فرائض يبطل الحجّ بتركها سوى عرفة؛ كترك الإِحرام، وترك طواف الإِفاضة، وترك الصفا والمروة.
ب- ليس قوله - ﷺ -: «الحج عرفة» بمانع من أن يكون غيرُ عرفة الحجَّ أيضًا، إِذا جاء بذلك نصّ، وقد قال تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إِليه سبيلًا﴾ (١)؛ والبيت غير عرفة بلا شكّ.
.. وقد قال تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إِلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ (٢).
وأخبر رسول الله - ﷺ - أنّ يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ ولا يكون يوم الحج الأكبر إِلا وغيره يوم الحج الأصغر، ومحال ممتنع أن يكون هو يوم الحج الأكبر ولا يكون فيه من فرائض الحج شيء، ويكون فرض الحج في غيره.
فصحّ أن جملة فرائض الحج الأكبر، وهي الوقوف بمزدلفة الذي لا يكون في غيره، ورمي الجمرة، والإفاضة؛ وقد يكونان فيما بعده كما عرفة فيما قبله* (٣).
وذكر ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٧/ ١٧٠) بإِسناده إِلى ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّه قال: «من أفاض من عرفة؛ فلا حجّ له».
وقال (ص ١٧١): «وقد ذكرنا عن ابن الزبير أنّه كان يقول في خطبته: ألا

-------------------
(١) آل عمران: ٩٧.
(٢) التوبة: ٣.
(٣) ما بين نجمتين من»المحلّى" (٧/ ١٦٩) بتصرّف.



لا صلاة إِلا بجمع! فإِذا أبطل الصلاة إِلا بمزدلفة؛ فقد جعَلها من فرائض الحج.
ومن طريق شعبة عن داود بن يزيد الأزدي عن أبي الضحى قال: سألت علقمة عمن لم يدرك عرفات أو جمعًا أو وقع بأهله يوم النحر قبل أن يزور؟ فقال: عليه الحج.
ومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن إِبراهيم النخعي قال: كان يقال: من فاته جمع أو عرفة؛ فقد فاته الحج.
ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال: من فاته عرفة أو جمع أو جامع قبل أن يزور؛ فقد فسد حجه.
ومن طريق سفيان الثوري أيضًا عن عبد الله بن أبي السَّفَرِ عن الشعبي أنه قال: من فاته جمع؛ جعلها عمرة.
وعن الحسن البصري: من لم يقف بجمع؛ لا حجّ له.
وعن حمّاد بن أبي سليمان قال: من فاته الإِفاضة من جمع؛ فقد فاته الحج؛ فليحلّ بعمرة ثمّ ليحج من قابل.
ومن طريق شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، ألا ترى أنه إِذا فاته عرفة لم يفته الحج، وإذا فاته يوم النحر فاته الحج؟!
قال أبو محمد: صدق سعيد؛ لأنّ من فاتته عرفة يوم عرفة؛ لم يفته الحج؛ لأنّه يقف بعرفة ليلة النحر يوم النحر؛ وأمّا يوم النحر فإِنما سماه الله تعالى:


﴿يوم الحج الأكبر﴾ (١)؛ لأنّ فيه فرائض ثلاثًا من فرائض الحج، وهو الوقوف بمزدلفة لا يكون جازئًا إِلا غداة يوم النحر، وجمرة العقبة وطواف الإِفاضة؛ ويجوز تأخيره؛ فصح أن مزدلفة أشد فروض الحج تأكيدًا وأضيقها وقتًا؛ وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا.
٢ - واحتجّ بعضهم بأنّ النّبيّ - ﷺ - مدّ وقت الوقوف بعرفة إِلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أنّ من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صحّ حجّه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا؛ لم يصحّ حجّه (٢).
قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٤): «وأمّا توقيت الوقوف بعرفة إِلى الفجر؛ فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة رُكنًا، وتكون تلك الليلة وقتًا لهما كوقت المجموعتين من الصلوات (٣)، وتضييق الوقت لأحدهما لا يُخرجه عن أن يكون وقتًا لهما حال القدرة».
٣ - واحتجّ بعضهم بأنّه لو كان ركنًا لاشترك فيه الرجال والنّساء، فلمّا قدَّم رسول الله - ﷺ - النساء بالليل؛ عُلم أنه ليس بركن! فأقول:

----------------------
(١) التوبة: ٣.
(٢) قلت: وإذا قلنا بركنية صلاة الفجر دون ركنية المبيت لأهل القوّة؛ في حال يضيق عليه الوقت؛ فإِنه يتمكن من الجمع بين الوقوف في عرفة قبل الفجر وشهود صلاة الفجر بالمزدلفة. وتأمّل قوله - ﷺ -: «الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمْع؛ فقد تمّ حجّه». أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧١٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٢٢)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٠٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٤١)، وانظر «الإِرواء» (١٠٦٤).
(٣) يعني: كوقت آخر الظهر وأول العصر مثلًا.



أ- قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٤): «وفي [هذا] نظر؛ فإِنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما قدّمهنّ بعد المبيت بمزدلفة، وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة؛ والواجب هو ذلك».
ب- إِنما يكون الأمر بحسب القدرة؛ فعند الضعف يكون التخفيف أو رفع التكليف، فالقيام في الصلاة من أركانها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (١).
وفي الحديث: «صلِّ قائمًا، فإِن لم تستطِع فقاعدًا ...» (٢).
*٤ - وأجابوا .. عن حديث عروة: بأنّ الإِتمام يكون على وجوه: تارة يكون إِتمامًا لا يصح الشيء إِلا به، وتارة يكون إِتمامًا يصح الشيء بدونه مع التحريم، وتارة يكون إِتمامًا يصح الشيء به مع نفي التحريم، والمراد بالإِتمام في حديث عروة بالنسبة للمزدلفة: إِتمام الواجب الذي تصح العبادة بدونه، وهذا هو رأي الجمهور* (٣).
فأقول:
١ - ما هو الدليل على هذا الاختيار في تفسير مدلول الإِتمام؛ فإِن هذا يتقرّر من خلال مجموع أفراد المسائل الأُخرى! وقد بيّنت الردّ عليها.
٢ - إِن النّبي - ﷺ - لم يذكر كلّ أعمال الحج حتى يقال هذا القول فإِنّه لم

---------------------
(١) البقرة: ٢٣٨.
(٢) تقدّم تخريجه.
(٣) ما بين نجمتين عن كتاب «الشرح الممتع» (٧/ ٤١٥) للشيخ الوالد محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-.



يذكر إِلا شهود صلاة الفجر والوقوف بعرفة، فبهما يتمّ الحج ويُقضى التفث، والحاج مُعرَّض للتمام الذي يصحّ الحج به؛ سواءً أكان مع التحريم أو بدونه؛ بالأعمال التي تأتي بعد هذه العبارة.
ج- إِنّ الله -تعالى- قد أوجب على الرجال أمورًا لم يوجبها على النساء؛ كصلاة الجمعة والجماعة ...
فإِن قالوا: لكن هناك البدل والمبدل منه.
قلنا: فالجهاد؟! وما الدليل على البدل والمبدل منه؟
فهذه أمور تُستقرأ من النصوص ولا تُؤصّل.
والحاصل أنّ هناك أمورًا يسقط وجوبها بالكلية، وهناك من الأمور ما يكون فيه البدل منه.
أقول: إِنّ تقديم ما فيه الاختيار للركنية (١) وبراءة الذّمة أولى.
جاء في كتاب «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» للحازمي -رحمه الله- (ص ٣٧): "الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين، ولا يكون في الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين أولى (٢).

---------------------
(١) أمّا مَن ترجح لديه الوجوب دون الركنية من خلال بحثه الموضوعي بتجرّد؛ فله عدم الأخذ بهذا الاحتياط.
وعلى أي حال: فثمرة هذا الحكم يتعلّق بأهل القوّة، فينبغي التأني في إِطلاق القول بالوجوب ارتجالًا.
(٢) وتقدّم.



ولا يجوز لنا أن نخرج عن موضوعية البحث العلمي، أو أن يُفضي الأمر بنا إِلى الخصومة والعداء؛ فإِنّ المراد هو وجه الله -تعالى- عند القائلين بأيّ رأيٍ من الرأيَيْن، وهو بين الأجر والأجرين، فلا يجوز أن نتخطّى دائرة الأجر والأجرين إِلى الإِثم، أو ما يبلغنا إِليه! ونسأل الله الهدى والسداد.
ثمّ يأتي المشعر الحرام (وهو جبل في المزدلفة)، فيرقى عليه ويستقبل القبلة، فيحمد الله ويكبّره ويهلّله ويوحّده ويدعو، ولا يزال كذلك حتى يُسفر (١) جدًّا.
عن جابر -رضي الله عنه- في حديثه الطويل: «أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبح بينهما شيئًا، ثمّ اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإِقامة، ثمّ ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (٢)، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره وهلله ووحدّه، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس» (٣).

فضل الوقوف في المشعر الحرام:
روى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: "وقف النّبيّ - ﷺ - بـ (عرفات) وقد كادت الشمس أن تؤوب؛ فقال: يا بلال! أنصت لي الناس، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله - ﷺ - فأنصت الناس

---------------------
(١) الإِسفار: إِضاءة الفجر إِضاءة تامّة.
(٢) جبل معروف في المزدلفة.
(٣) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وتقدّم.



فقال: معاشر الناس. أتاني جبرائيل آنفًا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنّ الله -عز وجل- غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر ابن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إِلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثُر خير الله وطاب» (١)!

هل التحصِيب (٢) سُنّة؟
عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «من السّنّة النزول بـ (الأبطح) (٣) عشية النَّفْر» (٤).
قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٢٦٧٥): ولقد بادرت إِلى تخريج هذا الحديث فور حصولي على نسخة مصوّرة من «المعجم الأوسط» لعزّته، وقلّة من أورده من المخرجين وغيرهم، ولكونه شاهدًا قويًا لما

----------------------
(١) انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٥١)، وتقدّم.
(٢) التحصيب: النزول بـ (المحصَّب) وهو الشعب الذي مخرجه إِلى الأبطح بين مكة ومنى. وهو أيضًا (خيف بني كنانة). قاله شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة».
وقال الخطابي -رحمه الله-: التحصيب: هو أنّه إذا نفَر من منى إِلى مكة للتوديع؛ يقيم بالمحصّب حتى يهجع به ساعة ثم يدخل مكّة. «عمدة القارئ» (١٠/ ١٠٠).
وقال النووي -رحمه الله-: والمحصّب والحصْبة والأبطح والبطحاء وخَيْف بني كنانة اسم لشيء واحد.
(٣) الأبطح: يعني أبطح مكّة، وهو مسيل واديها، ويجمع على البطاح والأباطح، ومنه قيل: قريش البطاح، هم الذين ينزلون أباطح مكّة وبطحاءها. «النهاية».
(٤) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط»، وانظر «الصحيحة» (٢٦٧٥).



رواه مسلم (٤/ ٨٥) عن نافع أنّ ابن عمر كان يرى التحصيب سنّة.
فكأنّ ابن عمر تلقّى ذلك من أبيه -رضي الله عنهما- فتقوّى رأيه بهذا الشاهد الصحيح عن عمر.
وليس بخافٍ على أهل العلم أنّه أقوى في الدلالة على شرعية التحصيب من رأي ابنه؛ لما عُرف عن هذا من توسّعه في الاتباع له - ﷺ - حتى في الأمور التي وقعت منه - ﷺ - اتفاقًا لا قصدًا، والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد ذكر بعضها المنذري في أول «ترغيبه» بخلاف أبيه عمر كما يدلّ على ذلك نهيه عن اتباع الآثار، فإِذا هو جزم أنّ التحصيب سنّة؛ اطمأن القلب إِلى أنه يعني أنّها سنّة مقصودة أكثر من قول ابنه بذلك، لا سيّما ويؤيّده ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - ونحن بمنى: «نحن نازلون غدًا بخيفٍ بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر».
وذلك أنّ قريشًا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلّموا إِليهم رسول الله - ﷺ -. يعني بذلك التحصيب. والسياق لمسلم. قال ابن القيم في «زاد المعاد»: «فقصد النّبيّ - ﷺ - إِظهار شعائر الإِسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله. وهذه كانت عادته -صلوات الله وسلامه عليه-: أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك كما أمر - ﷺ - أن يبني مسجد الطائف موضع اللات والعزّى».
وأما ما رواه مسلم عن عائشة أنّ نزول الأبطح ليس بسنّة، وعن ابن عباس


أنّه ليس بشيء (١)، فقد أجاب عنه المحقّقون بجوابين:
الأول: أنّ المثبت مقدّم على النافي.
والآخر: أنّه لا منافاة بينهما، وذلك أنّ النافي أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، والمثبت أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله - ﷺ -، لا الإِلزام بذلك، قال الحافظ عقبه (٣/ ٤٧١):
«ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل كما دلّ عليه حديث أنس وابن عمر».
قلت -أي: شيخنا رحمه الله-: وهما في «مختصري لصحيح البخاري» (كتاب الحج/٨٣ - باب و١٤٨ - باب). انتهى.
وجاء في «الفتح» (٣/ ٥٩١): «وروى مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق سليمان بن يسار. عن أبي رافع قال:»لم يأمرني رسول الله - ﷺ - أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربْتُ قبته فجاء فنزل«.
لكن لما نزله النّبيّ - ﷺ - كان النزول به مستحبًا اتباعًا له لتقريره على ذلك، وقد فعَله الخلفاء بعده كما رواه مسلم من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال:»كان النّبيّ - ﷺ - وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح"، وسيأتي للمصنف في الباب الذي يليه (٢) لكن ليس فيه ذكر أبي بكر، ومن طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى التحصيب سنّة، قال

-----------------------
(١) أي: ليس بنُسك من مناسك الحجّ كما قال عدد من العلماء.
(٢) أي: باب ١٤٨ - باب النزول بذي طوُى والنزول بالبطحاء ...



نافع: «وقد حصب رسول الله - ﷺ - والخلفاء بعده».
فالحاصل أن من نفى أنّه سنّة كعائشة وابن عباس أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء.
ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله - ﷺ -؛ لا الإِلزام بذلك، ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل؛ كما دل عليه حديث أنس، ويأتي نحوه من حديث ابن عمر في الباب الذي يليه.
ويأتي زمزم، فيشرب منها.
فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله- عن النزول في المُحصب حين ينفر الحاج من منى إِلى مكة؟
فقال -رحمه الله-: «مسألة خلافية بين الصحابة -رضي الله عنهم- منهم من رآها سنة، ومنهم من لم يرها».
قلت: وما تقدّم في «السلسلة» زيادة بيان وفائدة.

الرمي
مشروعيته:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- رفعه إِلى النّبيّ - ﷺ -: "لما أتى إِبراهيم خليل الله المناسك؛ عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات


حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض.
قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إِبراهيم تتبعون» (١).
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن قصّة ظهور الشيطان لصرف إِبراهيم -عليه الصلاة والسلام- قبل الاطلاع على تصحيحه.
فأجاب: نعم، لكن ليس هناك شيطان قابع ليرميَه الحُجَّاج، ولكنه تذكير بتلك الحادثة الجليلة«.

وجوبه:
عن جابر بن عبد الله -رضي لله عنه- قال: رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإِني لا أدري لعلي لا أحجُّ بعد حَجّتي هذه» (٢).
وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون وجوب رمي الجمار،؟
فأجاب: نعم.

صفته:
ويلتقط الحصيات (٣) التي يريد أن يرمي بها جمرة العقبة في منى، وهي

-----------------------
(١) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم -واللفظ له-، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٥٦).
(٢) أخرجه مسلم: ١٢٩٧.
(٣) جاء في كتاب «حجة النّبيّ - ﷺ -» (ص ٨١): ".. يجوز له أن يلتقط الحصى =



آخر الجمرات وأقربهن إِلى مكة.
ويستقبل الجمرة، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه.
ويرميها بسبع حصيات مثل حصى الخَذْف، وهو أكبر من الحِمِّصَة قليلًا.

الرفق في رمي الجمار وصفتها:
عن أم سليمان بن عمرو بن الأحوص قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب، يُكبّر مع كلّ حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل، فقالوا: الفضل بن العباس، وازدحم الناس، فقال النّبيّ - ﷺ -: يا أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضًا، وإذا رميتم الجمرة؛ فارموا بمثل حصى الخَذْف» (٢).

------------------------
= من حيث شاء، كما قال ابن تيمية -رحمه الله-؛ وذلك لأن النّبيّ - ﷺ - لم يحدد لذلك مكانًا، وغاية ما جاء فيه حديث ابن عباس (وفي رواية: الفضل بن عباس) قال:
قال لي رسول الله - ﷺ - غداة العقبة (وفي رواية: غداة النحر، وفي أخرى: غداة جمع) وهو على راحلته: هاتِ القُطْ لي. فلقطت له حصيات نحوًا من حصى الخذف، فلمّا وضعتهنّ في يده قال: مثل هؤلاء -ثلاث مرات-؛ وإياكم والغلو في الدين؛ فإِنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين«. أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن الجارود في»المنتقى«-والسياق له-، وابن حبان في»صحيحه«، والبيهقي، وأحمد بسند صحيح. فهذا مع كونه لا نص فيه على المكان؛ فهو يشعر بأن الالتقاط كان عند جمرة العقبة، على الرواية الثانية، وكذا الأولى وعليها أكثر الرواة .. فما يفعله كثير من الحجاج -من التقاط الحصيات من المزدلفة وحين وصولهم إِليها- خلاف السُّنّة، مع ما فيه من التكلّف لحمل الحصيات لكل يوم».
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٢٩) وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٤٤٥).



عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (قال رسول الله - ﷺ - غداة العقبة- وهو على ناقته-: أُلقُطْ لي حصًى. فلقطت له سبع حصيات، هنّ حصى الخذْف، فجعل ينفضهنّ في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثمّ قال: يا أيها الناس! إِياكم والغلوّ في الدّين؛ فإِنه أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين» (١).
ويكبر مع كلّ حصاة.
ْفعن جابر -رضي الله عنه-: «أن النّبيّ - ﷺ - كان يكبّر مع كلّ حصاة» (٢).
ويقطع التلبية مع آخر حصاة.
عن الفضل -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة» (٣).
ولا يرميها إِلا بعد طلوع الشمس، ولو كان من النساء أو الضعفة الذين أبيح لهم الانطلاق من المزدلفة بعد نصف الليل، فهذا شيء، والرمي شيءآخر.
عن جابر -رضي الله عنه- قال: «رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضُحى، وأمّا بعدُ (٤)؛ فإِذا زالت الشمس» (٥).

----------------------
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٥٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٦٣)، وانظر «الصحيحة» (١٢٨٣).
(٢) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وانظر حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في «صحيح البخاري» (١٧٥٠)، و«صحيح مسلم» (١٢٩٦).
(٣) أخرجه البخاري: ١٦٧٠، ومسلم: ١٢٨١.
(٤) أي: أيام التشريق الثلاثة.
(٥) أخرجه مسلم: ١٢٩٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #110  
قديم 14-01-2026, 07:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,648
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 406الى صــ 420
الحلقة (110)




وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قَدَّمَنَا رسول الله - ﷺ - ليلة المزدلفة أُغَيْلِمَة (١) بني عبد المطلب على حُمُرات (٢)؛ فجعل يَلْطَخُ (٣) أفخاذنا ويقول: أُبَينِيَّ! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» (٤).
قال شيخنا -رحمه الله- في كتاب «حجة النّبيّ - ﷺ -» (ص ٨٠) -بتصرُّفٍ يسير-:
وهنا تنبيهات:
الأول: أنّه لا يجوز الرمي يوم النحر قبل طلوع الشمس، ولو من الضعفة والنساء الذين يرخص لهم أن يرتحلوا من المزدلفة بعد نصف الليل، فلا بد لهم من الانتظار حتى تطلع الشمس ثمّ يرمون، لحديث ابن عباس -رضي الله عنه-: «أن النّبيّ - ﷺ - قَدَّمَ أهله وأمَرهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس؛ وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وصححه الترمذي، وابن حبان، وحسنه الحافظ في»الفتح«(٣/ ٤٢٢)، ولا يصلح أن يعارض بما في البخاري (٥): أنّ أسماء بنت أبي بكر رمت الجمرة ثمّ صلت الصبح بعد وفاة النّبيّ - ﷺ -.

---------------------
(١) أُغيلمَة: تصغير أغلِمة، جمع غلام.»النهاية«.
(٢) حُمُرات: جمع حُمُر، وحُمُر: جمع حمار.»عون المعبود«(٥/ ٢٨٩).
(٣) قال الجوهري: اللطخ: الضرب اللين على الظهر ببطن الكف.»عون المعبود«(٥/ ٢٨٩) أيضًا.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧١٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٠٩)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٤٥١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٨٧٠)، وانظر»الإِرواء" (٤/ ٢٤٦).
(٥) ١٦٧٩، ومسلم: ١٢٩١.



لأنه ليس صريحًا أنها فعلت ذلك بإِذن منه - ﷺ -؛ بخلاف ارتحالها بعد نصف الليل؛ فقد صرحت بأنّ النّبيّ - ﷺ - أذن بذلك للظُّعن (١)، فمن الجائز أنها فهمت -من هذا الإِذن- الإِذن أيضًا بالرمي بليل، ولم يبلغها نهيه - ﷺ - الذي حفظه ابن عباس -رضي الله عنه-.
الثاني: أن هناك رخصةً بالرمي في هذا اليوم بعد الزوال ولو إِلى الليل، فيستطيع أن يتمتع بها من يجد المشقة في الرمي ضحى، والدليل حديث ابن عباس أيضًا قال:»كان النّبيّ - ﷺ - يُسألُ يوم النحر بمنى؟ فيقول: لا حرج. فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال اذبح ولا حرج. قال: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: «لا حرج» (٢). وإلى هذا ذهب الشوكاني، ومن قبله ابن حزم، قال في «المحلّى»: «إِنما نهى النّبيّ - ﷺ - عن رميها ما لم تطلع الشمس من يوم النحر، وأباح رميها بعد ذلك، وإن أمسى، وهذا يقع على الليل والعشي معًا».
فاحفظ هذه الرخصة؛ فإِنها تنجيك من الوقوع في ارتكاب نهي الرسول - ﷺ - المتقدّم عن الرمي قبل طلوع الشمس، الذي يخالفه كثير من الحجاج بزعم الضرورة. انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-.
قلت: وذكر بعض العلماء حديث عائشة أنها قالت: «أرسل النّبيّ - ﷺ - بأمّ سلمة ليلة النحر؛ فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمّ مضت فأفاضت، وكان ذلك

-------------------
(١) قال في»الفتح«:»جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج؛ ثمّ أطلق على المرأة مطلقًا. وانظر «النهاية» -إِن شئت- للمزيد من الفوائد اللغوية.
(٢) أخرجه البخاري: ١٧٣٥، ومسلم: ١٣٠٦.



اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله - ﷺتعني: عندها-!!
وقد ضعّفه شيخنا -رحمه الله- في «ضعيف سنن أبي داود» (٤٢٣).
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم -رحمه الله- في «تهذيب السنن»: «قال ابن عبد البر: كان الإِمام أحمد يدفع حديث أم سلمة هذا ويضعفه. قال ابن عبد البر: وأجمع المسلمون على أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما رماها ضحى ذلك اليوم. وقال جابر:»رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس«. أخرجه مسلم. وقال أبو داود: اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس لم يجزِهِ وعليه الإِعادة.
قال ابن عبد البر: وحجته أن رسول الله - ﷺ - رماها بعد طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس كان مخالفًا للسنة، ولزمه إِعادتها. قال: زعم ابن المنذر أنه لا يعلم خلافًا فيمن رماها قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أنّه يجزئه، قال: ولو علمتُ أن في ذلك خلافًا لأوجبت على فاعل ذلك الإِعادة. قال: ولم يعلم قول الثوري؛ يعني: أنه لا يجوز رميها قبل طلوع الشمس، وهو قول مجاهد، وإبراهيم النخعي. فمقتضى مذهب ابن المنذر: أنه يجب الإِعادة على من رماها قبل طلوع الشمس، وحديث ابن عباس صريح في توقيتها بطلوع الشمس، وفعِله - ﷺ - متفق عليه بين الأمّة.
فهذا فعله وهذا قوله، وحديث أم سلمة قد أنكره الإِمام أحمد وضعفه.
وقال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله - ﷺ - أرخص لأحد في الرمي قبل طلوع الفجر.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم -رحمه الله-:»والحديث الذي أشار


إِليه: هو ما في»الصحيحين«عن عبد الله مولى أسماء: أنها نزلت ليلة جَمْعٍ عند المزدلفة، فقامت تصلّي، فصلّت ساعة ثمّ قالت: يا بُنَيَّ! هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا؛ فارتحلنا، فمضينا حتى رمت الجمرة، ثمّ رجعت فصلّت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتاه (١)! ما أرانا إِلا قد غَلَّسْنَا؟! قالت: يا بني! إِن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن -وفي لفظ لمسلم: لظعنه-.
وليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل، فإِن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إِلى قبيل الفجر، وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إِلى منى، فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده، فهي واقعة عين، ومع هذا فهي رخصة للظُّعن، وإِن دلت على تقدّم الرمي؛ فإِنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر. وهذا قول أحمد في رواية، واختيار ابن المنذر، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما». انتهى.

تأخير الرمي بعد الزوال ولو إِلى الليل:
وله أن يرميها بعد الزوال ولو إِلى الليل؛ إِذا وجد حرجًا في رميها قبل الزوال.
عن ابن عباس -رضي الله عنه-: «كان النّبيّ - ﷺ - يُسْأَل يوم النحر بمنى؟ فيقول: لا حرج. فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: لا حرج» (٢).
قال أبو عيسى: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على

--------------------
(١) أي: يا هذه.»فتح".
(٢) أخرجه البخاري: ١٧٣٥، ومسلم: ١٣٠٦، وتقدّم.



هذا الحديث عند أهل العلم، لم يروا بأسًا أن يتقدّم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إِلى منى. وقال أكثر أهل العلم بحديث النّبيّ - ﷺ - إِنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس، ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل، والعمل على حديث النّبيّ - ﷺ -؛ وهو قول الثوري والشافعي» (١).

جواز رميها راكبًا:
عن قدامة بن عبد الله قال: «رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي الجمار على ناقته، ليس ضَرْبٌ ولا طَرْدٌ ولا: إِليك (٢) إِليك» (٣).

فوائد في الرمي:
١ - سأل أحد الإِخوة شيخنا -رحمه الله- عن مكان الرجم؟
فأجاب: في الحوض، لا العمود.
٢ - وسألته -رحمه الله- قائلًا: إِذا رمى بعض الجمرات، ثمّ وجد زحامًا عند أخرى؛ وقد يكون ذلك لساعات، فهل يلزمه الإِعادة؟
فأجاب: لا يلزمه الإِعادة.
٣ - وسألته عن عدم ترتيب الجمرات جهلًا؟

---------------------
(١) انظر «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٢٦٦).
(٢) أي: لا يقول: إِليك إِليك، أي: ابتعد ابتعد. وإليك: اسم فعِل أمر.
(٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧١١٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٦١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٦٤)، وقال شيخنا -رحمه الله- في «المشكاة» (٢٦٢٣): وإسناده صحيح.



فأجاب -رحمه الله-: لا يؤثر.

التحلل الأوّل:
فإِذا انتهى من رمي الجمرة؛ حلّ له كلّ شيء إِلا النساء؛ ولو لم ينحر أو يحلق؛ فيلبس ثيابه ويتطيب.

الطِّيب بعد رمي الجمار (١):
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: طيَّبْتُ رسول الله - ﷺ - بيديّ هاتين حين أحرم، ولحلّه حين أحلّ قبل أن يطوف -وبَسطت يديها-» (٢).
وهذا هو التحلل الأوّل.
لكنْ عليه أن يطوف طواف الإِفاضة -وهو ركن- في اليوم نفسه، إِذا أراد أن يستمر في تمتعه المذكور؛ وإلا فإِنه إِذا أمسى ولم يطف؛ عاد محرمًا كما كان قبل الرمي، فعليه أن ينزع ثيابه ويلبس ثوبي الإِحرام، لقوله - ﷺ -: «إِنّ هذا يوم رُخّص لكم -إِذا أنتم رميتم الجمرة- أن تَحلّوا من كُلّ ما حُرِمتم منه إِلا النساء، فإِذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به» (٣).

--------------------
(١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (باب-١٤٣).
(٢) أخرجه البخاري: ١٧٥٤، ومسلم: ١١٨٩، وانظر -للمزيد من النصوص والآثار- «الإِرواء» (٤/ ٢٣٦ - ٢٤٠).
(٣) وهو حديث صحيح، وقد قواه جمع، منهم الإِمام ابن القيّم، كما بيّنه شيخنا - رحمه الله- في «صحيح سنن أبي داود» (١٧٤٥).
ثمّ قال -رحمه الله-: "ولما اطلع على هذا الحديث بعض أفاضل أهل العلم قبل ذيوع =



الذبح والنحر
ثمّ يأتي المنحر في منى فينحر هديه، وهذا هو السُّنّة.
لكن يجوز له أن ينحر في أي مكان آخر من منى، وكذلك في مكة؛ لقوله - ﷺ -: «قد نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت

-------------------
= الرسالة؛ استغربوه، وبعضهم بادر إِلى تضعيفه -كما كنت فعلت أنا نفسي في بعض مؤلفاتي بناءً على الطريق التي عند أبي داود! وهذه مع أنها قواها الإِمام ابن القيم في»التهذيب«والحافظ في»التلخيص«بسكوته عليه؛ فقد وجدت له طريقًا أخرى يقطع الواقف عليها بانتفاء الضعف عنه، وارتقائه إِلى مرتبة الصحة، ولكنها لما كانت في مصدر غير متداول عند الجماهير -وهو»شرح معاني الآثار«للإِمام الطحاوي- خفيت عليه كما خفيت عليّ من قبل، فلذلك بادروا إلى الاستغراب أو التضعيف.
وشجّعهم على ذلك: أنهم وجدوا من قال من العلماء فيه:»لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به«! وهذا نفي، وهو ليس علمًا؛ فإِن من المعلوم عند أهل العلم؛ أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه، فإِذا ثبت الحديث عن رسول الله - ﷺ - وكان صريح الدلالة كهذا؛ وجبت المبادرة إِلى العمل به، ولا يتوقف ذلك على معرفة موقف أهل العلم منه، كما قال الإِمام الشافعي:
»يُقْبَلُ الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يَمْضِ عمل من الأئمة بمثل الخبر الذى قبلوا، إِن حديث رسول الله - ﷺ - يثبت بنفسه، لا يعمل غيره بعده«.
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]:»فحديث رسول الله - ﷺ - أَجَلُّ من أن يستشهد عليه بعمل الفقهاء به؛ فإِنه أصْل مستقل حاكم غير محكوم! ومع ذلك؛ فقد عمل بالحديث جماعة من أهل العلم؛ منهم عروة بن الزبير التابعي الجليل، فهل بعد هذا لأحد عذر في ترْك العمل به؟ ﴿إِن في ذلك لِذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾.



هاهنا؛ وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا، وجَمع كلها موقف» (١).
وفي رواية: «وكلّ فجاج مكة طريق ومنحر» (٢).
والسّنّة: أن يذبح أو ينحر بيده إِن تيسر له؛ وإلا أناب عنه غيره.
عن أنس -رضي الله عنه- قال: «.. ونحر النّبيّ - ﷺ - بيده سبع بُدْنٍ قيامًا» (٣).
ويذبحها مستقبلًا بها القبلة (٤)، فيُضْجِعُها على جانبها الأيسر، ويضع قدمه اليمنى على جانبها الأيمن (٥).
وأمّا الإِبل؛ فالسّنّة أن ينحرها وهي قائمة معقولة اليسرى، قائمةً على ما بقي من قوائمها.
عن زياد بن جبير قال: «رأيت ابن عمر -رضي الله عنهما- أتى على رجل

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وتقدّم.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧٠٧)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٤٧٣).
(٣) أخرجه البخاري: ١٧١٢.
(٤) فيه حديث مرفوع عن جابر: عند أبي داود وغيره، مخرج في»الإرواء«(١١٣٨). وآخر عند البيهقي. وروي عن ابن عمر: أنه كان يستحب أن يستقبل القبلة إِذا ذبح. وروى عبد الرزاق بإِسناد صحيح عنه: أنه كان يكره أن يأكل ذبيحة ذبحت لغير القبلة.
(٥) قال الحافظ (١٠/ ١٦):»ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين،
وإمساك رأسها بيده اليسار".



قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قيامًا مقيدة؛ سنةَ محمد - ﷺ -» (١).
وعن عبد الرحمن بن سابط: «أنّ النّبيّ - ﷺ - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها» (٢).
ووجهها قِبَل القبلة (٣).
ويقول عند الذبح أو النحر: بسم الله، والله أكبر، اللهم! إِن هذا منك ولك (٤)، اللهم! تقبل مني (٥).
ووقت الذبح أربعة أيام العيد: يوم النحر -وهو يوم الحج الأكبر (٦) - وثلاثة أيام التشريق؛ لقوله - ﷺ -: «كل أيام التشريق ذبح» (٧).
وله أن يأكل من هديه، وأن يتزود منه إِلى بلده كما فعَل النّبيّ - ﷺ -.

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٧١٣، ومسلم: ١٣٢٠.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٥٥٣).
(٣) رواه مالك بسند صحيح عن ابن عمر موقوفًا. وعلقه البخاري بصيغة الجزم رقم (٣٣٠) من «مختصر البخاري».
(٤) أخرجه أبو داود وغيره من حديث جابر. وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري رواه أبو يعلى، كما في «المجمع»، وهو مخرج في «الإِرواء» (١١١٨).
(٥) انظر «صحيح مسلم» (١٩٦٧).
(٦) علقه البخاري، ووصله أبو داود وغيره، «صحيح سنن أبي داود» ١٧٠٠ و(١٧٠١).
(٧) أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، قال شيخنا -رحمه الله-: «وهو قوي عندى بمجموع طرقه، ولذلك خرجته في»الصحيحة«(٢٤٧٦)».



وعليه أن يُطعِم منها الفقراء وذوي الحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿والبُدْنَ جعلناها لكم من شعائر الله (١) لكم فيها خير فاذكروا الله عليها صوافَّ (٢) فإِذا وجَبَت جنوبُها فكُلوا منها وأطعموا القانع (٣) والمعْتَرَّ (٤)﴾.
ويجوز أن يشترك سبعة في البعير أو البقرة.
عن جابر -رضي الله عنه- قال: «حججنا مع رسول الله - ﷺ -، فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة» (٥).

لا يُعطى الجزّار الأجرة من الهدي:
عن علي -رضي الله عنه- قال: «أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدّق بلحمها وجلودها وأجِلَّتها، وأن لا أُعطي الجزار منها، قال: نحن نعطيه من عندنا» (٦).

من لم يجد هديًا:
فمن لم يجد هديًا؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إِذا رجَع إِلى أهله.

--------------------
(١) وهو أنه جعَلها تُهدى إِلى بيته الحرام. «ابن كثير».
(٢) أي: تصف بين يديها. «ابن كثير».
(٣) القانع: السائل.
(٤) المعتر: الذي يعترّ بالبُدن يطيف بها معترضًا لها من غني أو فقر.
(٥) أخرجه مسلم ١٣١٨، وفي بعض الرويات الشاذّة: البدنة عن عشرة! أشار الى ذلك الذهبي في «تلخيصه»؛ وأفاده شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ٢٥٣).
(٦) أخرجه البخاري: ١٧١٦، ومسلم: ١٣١٧ - واللفظ له-.



ويجوز له أن يصوم في أيام التشريق الثلاثة؛ لحديث عائشة وابن عمر - رضي الله عنهما- قالا: «لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن؛ إلاَّ لمن لم يجد الهدي» (١).

الحلق أو التقصير:
ثمّ يحلق رأسه كله أو يقصّره، والأول أفضل؛ لقوله - ﷺ -: «اللهمّ! ارحم المحلّقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: اللهم! ارحم المحلّقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: والمقصرين» (٢).
والسُّنّة أن يبدأ الحالق بيمين المحلوق.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثمّ أتى منزله بمنى ونحر، ثمّ قال للحلاق: خذ. وأشار إِلى جانبه الأيمن ثمّ الأيسر، ثمّ جعل يعطيه للناس» (٣).
والحلق خاصٌّ بالرجال دون النساء، وإنما عليهنّ التقصير؛ لقوله - ﷺ -: «ليس على النساء حلق؛ إِنما على النساء التقصير» (٤). فتجمع شعرها فتقص منه قدر الأنملة؛ وهي عقدة الإِصبع، أو المفْصِل الأعلى من الإِصبع الذي فيه الظُّفْر (٥).

---------------------
(١) أخرجه البخاري ١٩٩٧، ١٩٩٨.
(٢) أخرجه البخاري: ١٧٢٧، ومسلم: ١٣٠١.
(٣) أخرجه مسلم: ١٣٠٥.
(٤) وهو حديث صحيح مخرج في «الصحيحة» (٦٠٥)، وأورده شيخنا -رحمه الله- في «صحيح سنن أبي داود» (١٧٤٧).
(٥) «المعجم الوسيط» بحذف.



فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله- عن إِمرار الموسى على رأس الأصلع؛ كما يرى بعض العلماء؟
فأجاب: «إِذا كان يريد أن يفلق رأسه نصفين؛ فليفعل!».
ويُسنّ للإِمام أن يخطب يوم النحر بمنى (١) بين الجمرات (٢) حين ارتفاع الضحى (٣)، يعلِّم الناس مناسكهم (٤).

طواف الإِفاضة
ثمّ يُفيض من يومه إِلى البيت -وهو ركن- فيطوف به سبعًا كما تقدّم في طواف القدوم؛ إِلا أنه لا يضطبع ولا يرمل.
عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - يرمل في السبع الذي أفاض فيه» (٥).
ومن السُّنّة أن يصلّي ركعتين عند المقام، كما قال الزهري (٦)، وفعله ابن

-----------------------
(١) انظر «صحيح البخاري» (١٧٣٩).
(٢) رواه البخاري تعليقًا، ووصله أبو داود، انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٧٠٠)، و«الإِرواء» (١٠٦٤).
(٣) رواه أبو داود وغيره، انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٧٠٩).
(٤) رواه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧١٠)، وغيره.
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٨٣).
(٦) علقه البخاري، ووصله ابن أبي شيبة وغيره، راجع «مختصر البخاري» (١/ ٣٨٦) رقم (٣١٩).



عمر (١)، وقال: على كل سَبْع (٢) ركعتان (٣).
ثمّ يطَّوَّف ويسعى بين الصفا والمروة كما تقدّم أيضًا؛ خلافًا للقارن والمفرد، فيكفيهما السعي الأول.
وبهذا الطواف يحلّ له كلّ شيء حرُم عليه بالإِحرام، حتى نساؤه.
ويصلّي الظهر بمكة، وقال ابن عمر: بمنى (٤).

البيات في منى:
ثمّ يرجع إِلى منى؛ فيمكث بها أيام التشريق بلياليها.
ويرمي فيها الجمرات الثلاث كلَّ يوم بعد الزوال، بسبع حصيات لكل جمرة، كما تقدّم في الرمي يوم النحر.
عن جابر -رضي الله عنه- قال: «رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعدُ فإِذا زالت الشمس» (٥).

--------------------
(١) علقه البخاري، ووصله عبد الرزاق، «مختصر البخاري» (١/ ٣٨٦) رقم (٣١٨).
(٢) بضم السين وفتحها.
(٣) رواه عبد الرزاق بسند صحيح عنه.
(٤) قال شيخنا -رحمه الله-: «والله أعلم أيهما فعَل رسول الله - ﷺ -؟! ويُحتمل أنه صلى بهم مرّتين: مرةً في مكة، ومرّة في منى، الأولى فريضة، والثانية نافلة، كما وقَع له في بعض حروبه - ﷺ -».
(٥) أخرجه مسلم: ١٢٩٩، وتقدّم.



القيام والدعاء ورفع اليدين بعد الرمي أيام التشريق:
ويبدأ بالجمرة الأولى، وهي الأقرب إِلى مسجد الخيف، فإِذا فرَغ من رميها، تقدّم قليلًا عن يمينه، فيقوم مستقبلًا القبلة قيامًا طويلًا، ويدعو ويرفع يديه.
ثمّ يأتي الجمرة الثانية، فيرميها كذلك، ثمّ يأخذ ذات الشمال، فيقوم مستقبلا القبلة قيامًا طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه.
عن سالم عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّه كان يرمي الجمرة الدُّنيا بسبع حصيات؛ يُكبّر على إِثر كلّ حصاة، ثمّ يتقدّم؛ حتى يُسهل (١) فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ثمّ يرمي الوسطى، ثمّ يأخذ ذت الشمال فيُسهل (٢) ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثمّ يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثمّ ينصرف فيقول: هكذا رأيت النّبيّ - ﷺ - يفعله» (٣).
ثمّ يأتي الجمرة الثالثة -وهي جمرة العقبة- فيرميها كذلك، ويجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ولا يقف عندها.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا رمى جمرة العقبة؛ مضى ولم يقف» (٤).

---------------------
(١) أي: يقصد السهل من الأرض وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه. «فتح».
(٢) في بعض النُّسخ: فيستهلّ.
(٣) أخرجه البخاري: ١٧٥١.
(٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٥٩)، وانظر «الصحيحة» (٢٠٧٣).



ثمّ يرمي اليوم الثاني، واليوم الثالث كذلك.
وإن انصرف بعد رميه في اليوم الثاني، ولم يبت للرمي في اليوم الثالث جاز؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه ومن تأخر فلا إِثم عليه لمن اتقى﴾ (١)، لكن التأخر للرمي أفضل؛ لأنّه السُّنّة (٢).
والسّنّة الترتيب بين المناسك المتقدّمة: الرمي، فالذبح أو النحر، فالحلق، فطواف الإِفاضة، فالسعي للمتمتع؛ لكن إِنْ قدّم شيئًا منها أو أخَّر جاز؛ لقوله - ﷺ -: «لا حرج، لا حرج».
عن عبد الله بن عمر: «أنّ رسول الله - ﷺ - وقف في حجة الوداع؛ فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج. فما سُئل

--------------------
(١) البقرة: ٢٠٣.
(٢) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:»فإِذا غربت الشمس وهو بمنى؛ أقام حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث«.
قال شيخنا -رحمه الله-: وعليه جماهير العلماء، خلافًا لما ذهب إِليه ابن حزم في»المحلى«(٧/ ١٨٥)! واستدل لهم النووي بمفهوم قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه﴾ فقال في»المجموع«(٨/ ٢٨٣):»واليوم اسم للنهار دون الليل«؛ وبما ثبت عن عمر وابنه عبد الله قالا: من أدركه المساء في اليوم الثاني بمنى؛ فليقم إِلى الغد حتى ينفر مع الناس. ولفظ»الموطإِ«عن ابن عمر: لا ينفرون حتى يرمي الجمار من الغد». وأخرجه عن مالك الإِمام محمد في «موطَّئه» (ص ٢٣٣ - «التعليق الممجد») وقال: «وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة».




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 14 ( الأعضاء 0 والزوار 14)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 318.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 313.15 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.83%)]