|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#101
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 347 الى صـــ 366 الحلقة (101) خامسها: قوله: (يَغْسِلُ- أَوْ يَغْتَسِلُ). الظاهر أن هذا الشك من البخاري؛ لأن الطرق إلى ابن جبر ليس فيها ذَلِكَ. وقد رواه مسلم عن قُتيبة، عن وكيع، عن مسعر (١). وعن أبي نعيم عبد الله بن محمد الطحان وغيره، ويجوز أن يكون رواه أبو نعيم للبخاري على الشك ولغيره بدونه. سادسها: الإجماع قائم على أن ماء الوضوء والغسل غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير إذا أسبغ وعَمَّ. قَالَ الشافعي: وقد يرفق الفقيه بالقليل فيكفي، ويخرق الأخرق بالكثير فلا يكفي (٢). واستحب العلماء أن لا ينقص في الغسل والوضوء عما ذكر في الحديث. وأبعد بعض المالكية فقال: لا يجزئ أقل من ذَلِكَ، حكي عن ابن شعبان (٣) القرطي (٤). وعن محمد بن الحسن أن المغتسل لا يمكن أن يعم ------------------- (١) «صحيح مسلم» (٣٢٥/ ٥١) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة. (٢) «الأم» ١/ ٢٧. (٣) هو محمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة العمّاري المصري، من ولد عمار بن ياسر، ويعرف بابن القرطي نسبة إلى بيع القرط، روى عنه خلف بن القاسم بن سهلون، وعبد الرحمن بن يحيى العطار، وآخرون. قال القاضي عياض: كان ابن شعبان رأس المالكية بمصر وأحفظهم للمذهب مع التفنن لكن لم يكن له بصر بالنحو. له التصانيف البديعة منها كتاب «الزاهي» في الفقه وكتاب «أحكام القرآن». مات في جمادى الأولى سنة خمسٍ وخمسين وثلاثمائة. انظر: «اللباب» ٣/ ٢٦، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٧٨ - ٧٩. (٤) انظر: «مواهب الجليل» ١/ ٣٧٠. جسده بأقل من مد. وتصرف الشيخ عز الدين بن عبد السلام (١) فجعل للمتوضئ والمغتسل ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلقه - ﷺ - يقتدي به في اجتناب التنقص عن المد والصاع. الثانية: أن يكون ضئيلًا ونحيف الخلق بحيث يعادل جسده جسده - ﷺ - فيستحب له أن يستعمل من الماء ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسده - ﷺ -. الثالثة: أن يكون متفاحمش الخلق طولًا وعرضًا وعظم البطن ونحافة الأعضاء فيستحب أن لا ينقص عن مقدار يكون بالنسبة إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى بدن رسول الله - ﷺ -. والإباضية (٢) زعموا أن قليل الماء لا يجزئ. والشريعة المطهرة --------------------- (١) سبقت ترجمته في مقدمة الكتاب. (٢) الإباضية فرقة من فرق الخوارج، فهم ينتسبون في مذهبهم -حسبما تذكر مصادرهم- إلى جابر بن زيد الأزدي الذي يقدمونه على كل أحد ويروون عنه مذهبهم، وهو من تلاميذ ابن عباس - رضي الله عنه -، وقد نُسِبوا إلى عبد الله بن إباض لشهرة مواقفه مع الحكام، وهي تنقسم إلى فرق، منها ما يعترف به سائر الإباضية ومنها ما ينكرونها ويشنعون على من ينسبها إليهم، ومن تلك الفرق: ١ - الحفصية: أتباع حفص بن أبي المقدام. ٢ - اليزيدية: أتباع يزيد بن أنيسه. ٣ - الحارثية: أتباع حارث بن يزيد الإباضي. ٤ - أصحاب طاعة لا يراد بها الله. موقف الإباضية من الصحابة: من الأمور المتفق عليها عندهم الترضي التام والولاء والاحترام لأبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، أما بالنسبة لعثمان بن عفان = حجة على من خالف (١). ------------------ = وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما فقد هلكوا فيهما وذموهما مما برأهما الله. عقائد الإباضية: لا يسعنا هنا ذكر جميع مبادئ فرقة الإباضية العقدية والفقهية، والذي نود الإشارة إليه هنا أن للإباضية أفكارًا وافقوا فيها أهل الحق، وعقائد أخرى جانبوا فيها الصواب فعلى سبيل المثال: ١ - ما يتعلق بصفات الله تعالى فإن مذهب الإباضية فيها أنهما انقسموا إلى فريقين: فريق نفي الصفات نفيًا باتًا، خوفًا من التشبيه بزعمهم، وفريق منهم يرجعون الصفات إلى الذات. ٢ - ذهبت الإباضية في باب رؤية الله تعالى إلى إنكار وقوعها. ٣ - أنكر الإباضية الميزان والصراط. ٤ - وافق -معظم الإباضية- السلف في حقيقة الإيمان من أنه قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان. (١) جاء بالهامش: آخر الجزء السابع من الجزء الثاني من تجزئة المصنف. ٤٨ - باب المَسْحِ عَلَى الخُفَّيِنْ ٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ الِمصْرِيُّ، عَنِ ابن وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو، حَدَّثَنِي أَبُو النُّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سَعْدًا، فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللهِ نَحْوَهُ. [فتح: ١/ ٣٠٥] ٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الَحرَّانُّى قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الُمغِيرَةِ، عن أَبِيهِ الُمغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ خَرَجَ لَحِاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ الُمغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءً، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الُخفَّيْنِ. [انظر: ١٨٢ - مسلم: ٢٧٤ - فتح:١/ ٣٠٦] ٢٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرٍ ابْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ. وَتَابَعَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادِ، وَأَبَانُ، عَنْ يَحْيَى. [٢٠٥ - فتح: ١/ ٣٠٨] ٢٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِي، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ. وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عن يَحْيَى، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -. [انظر: ٢٠٤ - فتح: ١/ ٣٠٨] حَدثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ المِصْرِيُّ، عَنِ ابن وَهْبٍ، حَدثَنِي عَمْرٌو، حَدَثَنِي أَبُو النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَأَنَّ ابن عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سَعْدًا، فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الله نَحْوَهُ. حَدَثنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الحَرَّانِيُّ، ثنا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْييَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ المُغِيرَةِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ المُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ. حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْم، ثنا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - مسح عَلَى الخُفَّيْنِ. وَتَابَعَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، وَأَبَانُ، عَنْ يَحْييَ. وحَدَّثنَا عَبْدَانُ ثنا عَبْدُ اللهِ أنا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رسول الله - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ. وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرٍو: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -. الشرح: الكلام على هذِه القطعة من أوجهٍ: أحدها: أما حديث سعد فجعله أصحاب الأطراف من مسند سعد، ويحتمل أن يكون من مسند عمر أيضًا؛ قد قَالَ الدارقطني: رواه أبو أيوب الأفريقي، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر عن عمر وسعد عن النبي - ﷺ -، وطرقه الدارقطني ثم قَالَ: والصواب قول عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن سعد (١). وحديث سعد من أفراد البخاري. ولم يخرج مسلم في المسح شيئًا إلا لعمر بن الخطاب. وقول موسى: أخبرني أبو النضر. ذكره البخاري لفائدة تصريح إخبار أبي سلمة لأبي النضر. وقد أخرجه النسائي عن سليمان بن داود وغيره عن ابن وهب. وعن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن موسى (٢). ورواه أبو نعيم من حديث وهيب بن خالد، عن موسى. ورواه الإسماعيلي في «صحيحه» عن أبي يعلى ثنا إبراهيم بن الحجاج، ثنا وهيب، عن موسى، عن عروة بن الزبير أن سعدًا وابن عمر اختلفا في المسح على الخفين فلما اجتمعا عند عمر قَالَ سعد لابن عمر: سل أباك عما أنكرت علي. فسأله، فقال عمر: نعم وإن ذهبت إلى الغائط. وأخبرني سالم أبو النضر، عن أبي سلمة بنحو من هذا عن سعد وابن عمر وعمر. قَالَ الإسماعيلي: ورواية عروة وأبي سلمة، عن سعد وابن عمر في حياة عمر مرسلة. وقال الترمذي في «علله» عن البخاري: حديث أبي سلمة، عن ابن عمر في المسح صحيح. قَالَ: وسألت البخاري عن حديث ابن عمر في المسح مرفوعًا؟ فلم يعرفه (٣). وقال الميموني: سألت أحمد عنه فقال: ليس بصحيح، ابن عمر ينكر على سعد المسح؟! --------------------- (١) «علل الدارقطني» ٤/ ٣٠٧ - ٣٠٩ (٥٨٢). (٢) «المجتبى» ١/ ٨٢. (٣) «علل الترمذي» ١/ ١٧٠ - ١٧١. قُلْتُ: إنما أنكر عليه مسحه في الحضر كما هو مبين في بعض الروايات. وأما السفر فقد كان ابن عمر يعلمه ويرويه مرفوعًا، كما رواه ابن أبي شيبة وغيره (١). وأما حديث المغيرة فأخرجه مسلم أيضًا (٢). وذكر الدارقطني في «تتبعه» أن الصواب قول من قَالَ: حمزة بن المغيرة لا عروة بن المغيرة (٣)، وفي «الموطأ»: عباد بن زياد من ولد المغيرة (٤) عن المغيرة، وعُد من أفراده، لكن تابعه عمرو بن الحارث ويونس بن يزيد فروياه عن الزهري كذلك. قَالَ البزار: حديث المغيرة هذا يروى عنه من ستين طريقًا. وأما حديث عمرو بن أمية فهو من أفراد البخاري عن مسلم. ومتابعة حرب رواها النسائي من حديث عباس العنبري، عن عبد الرحمن، عن حرب (٥). ومتابعة أبان أخرجها الطبراني في «أكبر معاجمه» من حديث موسى بن إسماعيل عنه (٦). -------------------- (١) ابن أبي شيبة ١/ ١٦٣ (١٨٧٣) عن ابن عمر عن عمر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على الخفين بالماء في السفر. (٢) مسلم (٢٧٤) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين. (٣) «الإلزامات والتتبع» ص ٢١٥ (٨٢). (٤) «الموطأ» ص ٤٨ برواية يحيى. ووقع في المطبوع منه: من ولد المغيرة بن شعبة عن أبيه عن المغيرة بن شعبة، وهو خطأ، وقد جاء على الصواب في رواية أبي مصعب ١/ ٣٩ (٤٨)، وفي كتاب «الإيماء إلى أطراف أحاديث الموطأ» ٢/ ٢٤٢ لأحمد بن طاهر الداني (٥٣٢ هـ). (٥) «سنن النسائي» ١/ ٨١. (٦) لم أقف عليها في المطبوع من «المعجم الكبير»، وهو عند أحمد ٤/ ١٧٩. وذكر ابن أبي خيثمة، عن ابن معين أنه قَالَ: حديث عمرو بن أمية مرسل. وقال ابن حزم: ليس كذلك؛ لأن أبا سلمة سمعه من عمرو سماعًا وسمعه من جعفر ابنه عنه (١). وقال الأصيلي: ذكر العمامة فيه خطأ، أخطأ فيه الأوزاعي؛ لأن شيبان رواه عن يحيى ولم يذكرها وتابعه حرب وأبان فهؤلاء ثلاثة خالفوه، فوجب تغليب الجماعة على الواحد. وأما متابعة عمرو له فمرسلة وليس فيها ذكر العمامة ورواه عبد الرزاق عن معمر بدونها (٢). الوجه الثاني: مسح الخفين ثابت بالنصوص الصريحة الصحيحة وقد رواه الجم الغفير من الصحابة، وقد ذكرت في تخريجي لأحاديث الرافعي عدة من رواه من الصحابة فوصلتهم إلى ثمانين صحابيًّا، وهو من المهمات فسارع إليه، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة رضوان الله عليهم (٣)، ولا ينكره إلا مبتدع، والذي استقر عليه مذهب مالك جوازه، وإن حكي عنه روايات في ذَلِكَ (٤). -------------------- (١) «المحلى» ٢/ ٥٩. (٢) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ١٩١ (٧٤٦). (٣) «البدر المنير» ٣/ ٥ - ٥٤. (٤) انظر: «عارضة الأحوذي» ١/ ١٤٠ - ١٤١، «الذخيرة» ١/ ٣٢١ - ٣٢٢، وقد ذكرها العمراني صاحب كتاب «البيان» ١/ ١٤٧ فقال: ورُوِيَ عَنْ مالكٍ في ذلكَ رواياتٌ: إحداهُنَّ: يجوزُ المسحُ عليه مؤقَّتًا، كقولِ الشافعىِّ الجديدِ. الثانيةُ: أنَّهُ أجازَ المسحَ عليهِ أبدًا، كقول الشافعيِّ القديمِ. = وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وآية المائدة نزلت قبل ذَلِكَ، وقد كان يعجبهم حديث جرير في المسح (١)؛ لأن إسلامه كان بعد نزولها، وقراءة الخفض في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إما أن تحمل على أنه أراد إذا كانتا في الخف، أو أنه من باب عطف الجوار، وما روي عن بعض الصحابة خلاف ذَلِكَ فلم يصح، وقد روي عنه أيضًا موافقة الجماعة. ثم غسل الرجلين عندنا أفضل من المسح على الخفين، بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السنة، ولا شكَّا في جوازه، وهو قول عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة، وبه قَالَ أبو حنيفة (٢)، وعن أحمد روايتان: إحداهما: أنهما سواء، وبها قَالَ ابن المنذر (٣). والثانية: أن المسح أفضل منه (٤). الوجه الثالث: حديث المغيرة سلف في باب الرجل يوضئ صاحبه (٥). -------------------- = الثالثةُ: أنَّه يَمسحُ عليه في الحَضَرِ دونَ السفرِ. الرابعةُ: أنَّه يَمسحُ عليه في السفَرِ دونَ الحَضَرِ، وهيَ الصحيحةُ عنهُ. والخامسةُ: أنَّهُ كَرِهَ المسحَ على الخُفينِ. السادسةُ: روايةٌ رواها ابن أبي ذئبٍ عنهُ: أنَّهُ أبطلَ المسحَ في آخِرِ أيَّامِهِ، كقولِ الشيعَةِ. (١) سيأتي برقم (٣٨٧) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في الخفاف. (٢) انظر: «البناية» ١٤٨/ ١، «المجموع» ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣. (٣) «الأوسط» ١/ ٤٣٩ - ٤٤٠. (٤) انظر: «المغني» ١/ ٣٦٠ - ٣٦١. (٥) سبق برقم (١٨٢) كتاب: الوضوء. والإداوة -بكسر الهمزة- المطهرة، والجمع الأداوى. الوجه الرابع: اختلف العلماء في المسح على العمامة (١) عن الرأس على قولين، وقال بكل منهما جماعة من الصحابة. وممن كان يراه أحمد وأبو ثور (٢)، وممن كان لا يراه مالك (٣) وأبو حنيفة (٤) والشافعي (٥)؛ لأنها لا تسمى رأسًا، واشترط أحمد وضعها على طهارة، وأن يكون محنكًا بها، فإن لم يكن محنكًا بها وكان لها ذؤابة فوجهان لأصحاب أحمد (٦) وفي مسح المرأة على مقنعتها روايتان عندهم (٧) وعند الشافعية أنه إذا مسح الواجب كمل عَلَى العمامة لرواية المغيرة في «صحيح مسلم»: توضأ رسول الله - ﷺ - فمسح بناصيته وعلى عمامته (٨). ------------------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال ابن حزم: سِتٍّ من الصحابة رووا ذلك عن النبي - ﷺ - بأسانيد لا معارض لها، ولا مطعن فيها -يعني: الاقتصار- على العمامة: المغيرة، وبلال، وعمرو بن أمية، وسلمان، وكعب بن عجرة، وأبو ذر، وبهذا يقول جمهور الصحابة والتابعين، وقد قال الشافعي: إن صح الخبر فبه أقول، وقد صح فهو قوله. انتهى. انظر: «المحلى» ٢/ ٦٠ - ٦١. (٢) انظر «الأوسط» لابن المنذر ١/ ٤٦٨، «المغني» ١/ ٣٧٩. (٣) «الموطأ» ص ٤٧. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٤٥. (٥) «الأم» ١/ ٢٦، «الأوسط» ١/ ٤٧٠. (٦) «المغني» ١/ ٣٨١. (٧) انظر: «المغني» ١/ ٣٨٤. (٨) «صحيح مسلم» (٢٧٤/ ٨٣) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الناصية والعمامة. وانظر: «المهذب» ١/ ٧٩. ٤٩ - باب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ ٢٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الُمغِيرَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْت لأنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [انظر: ١٨٢ - مسلم: ٢٧٤ - فتح: ١/ ٣٠٩] حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزعَ خُفيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث رواه عن عروة نافع بن جبير كما سلف في الباب قبله، وابن عون وعامر الشعبي (١)، واشتهر عن عامر فرواه عنه زكريا بن أبي زائدة وغيره. وعنه أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره. وأخرجه أبو داود عن مسدد، عن عيسى بن يونس، عن أبيه، عن الشعبي وابن عون (٢). ثانيها: هذِه السفرة هي غزوة تبوك كما ورد مبينًا في رواية أخرى في الصحيح، وكانت في رجب سنة تسع (٣). ------------------- (١) ظاهر صنيع المصنف يوهم أن ابن عون وعامر الشعبي قد روياه عن نافع بن جبير، وليس كذلك بالنسبة لابن عون، بل قد رواه ابن عون عن عامر الشعبي كما عند النسائي ١/ ٦٣، وأحمد ٤/ ٢٥١. (٢) أبو داود (١٥١) وليس فيه ذكر ابن عون، ورواه النسائي ١/ ٦٣، وأحمد ٤/ ٢٥١ من طريق ابن عون، عن الشعبي به. (٣) سيأتي برقم (٤٤٢١) كتاب: المغازي، باب: نزول النبي - ﷺ - الحجر. = ثالثها: لأنزع هو بكسر الزاي. والضمير في قوله: «دعهما» للخفين، وفي «أدخلتهما» للرِّجْلين فالضميران مختلفان. ومعنى «طاهرتين» أي: تطهير الوضوء؛ إذ ذاك من شرط صحة المسح عليهما كما ستعلمه. وقوله: (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا). فيه إضمار، تقديره: فأحدث فمسح عليهما؛ لأن وقت جواز المسح بعد الحدث ولا يجوز قبله؛ لأنه على طهارة الغسل. رابعها: في أحكامه: الأول: جواز المسح على الخفين، وقد سلف في الباب قبله. الثاني: اشتراط الطهارة في اللبس وبه قَالَ الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق (١)، وخالف فيه أبو حنيفة وأبو ثور والمزني، وأبعد داود فقال بالجواز إذا كانتا طاهرتين، وإن لم يستبح الصلاة (٢). والمسألة مبسوطة في شرحي للعمدة فلتراجع منه (٣). واستدل بعضهم بقوله: فمسح عليهما على أن المشروع هو مسح ------------------- = ورواه مسلم برقم (٢٧٤) كتاب: الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام .. (١) انظر: «البيان» ١/ ١٦٠، «الذخيرة» ١/ ٣٢٤، «المغني» ١/ ٣٦١، «الإقناع» ١/ ٥٢، «التمهيد» ١١/ ١٥٧. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢١، «منية المصلي» ٨٣، وهو رواية عن أحمد رواها أبو طالب عنه، انظر: «المغني» ١/ ٣٦٢، «التمهيد»، ١١/ ١٥٨. (٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦١٨. الأعلى؛ لأن لفظ على ظاهر في ذَلِكَ. وفيه: تعليم السبب المبيح للمسح على الخف. وفيه -كما قَالَ المهلب-: المسح في السفر من غير توقيت، وهو مذهب الليث في حقه وحق المقيم، وروي عن جماعة من الصحابة، وحكي عن مالك أيضًا، وقال الكوفيون والشافعي وأحمد: يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وهو مشهور مذهب مالك، وعنه رواية أنه مؤقت للحاضر دون المسافر، والثابت في السنة التوقيت، وما قابله فمستضعف، وما حكي عن عبد الرحمن بن مهدي من قوله: حديثان لا أصل لهما التوقيت في المسح، والتسليمتان، عجيب (١). وفيه أيضا: خدمة العالم وأن للخادم أن يقصد إلى ما يعرف من خدمته. دون أن يؤمر بها. وفيه أيضًا: الفهم بالإشارة ورد الجواب عنها؛ لأن المغيرة لما أهوى للنزع فهم منه - ﷺ - ما أراد فأفتاه بإجزاء المسح. -------------------- (١) «بدائع الصنائع» ١/ ٨، «المجموع» ١/ ٥٠٨ - ٥١٠، «المغني» ١/ ٣٦٥. ٥٠ - باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ - رضي الله عنهم - لَحْمًا، فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا. ٢٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [٥٤٠٤، ٥٤٠٥ - مسلم: ٣٥٤ - فتح:١/ ٣١٠]. ٢٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بكيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاة أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَحْتَزُّ مِن كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَألْقَى السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [٦٧٥، ٢٩٢٣، ٥٤٠٨، ٥٤٢٢، ٥٤٦٢ - مسلم: ٣٥٥ - فتح: ١/ ٣١١] يجوز في من لم يتوضأ روايتان إثبات الهمزة وسكونها علامة الجزم وهو الأشهر في اللغة، وحذف الألف علامة الجزم مثل لم يخش. قَالَ البخاري: وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ - رضي الله عنهم - لَحْمًا، فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا. وهذا أسنده ابن أبي شيبة (١) والترمذي (٢) وابن حبان (٣) وشيخه ابن خزيمة (٤). وأسنده قبلهم مالك في «موطئه» (٥). حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ ----------------------- (١) «المصنف» ١/ ٥١ (٥٢١). (٢) «سنن الترمذي» (٨٠). (٣) «صحيح ابن حبان» ٣/ ٤١٥ (١١٣٠). (٤) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٢٨ (٤٣). (٥) «الموطأ» ص (٤٢). صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. حَدَّثنَا يَحْيَي بْنُ بُكَيْرٍ، ثنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأى رَسُوَل اللهِ - ﷺ - يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَلْقَى السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ (١). --------------------- (١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الخامس بعد الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له. انتهى. [قلت: كلام المصنف على هذين الحديثين سيأتي في الباب التالي]. ٥١ - باب مَنْ مَضمَضَ مِنَ السَّوِيقِ وَلَم يَتَوَضَّأْ ٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ -مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ- أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ أنَة خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ -وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَرَ- فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الَمغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلم يَتَوَضَّأْ. [٢١٥، ٢٩٨١، ٤١٧٥، ٤١٩٥، ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٤، ٥٤٥٥ - فتح: ١/ ٣١٢] ٢١٠ - وَحَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرْو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلًّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [مسلم: ٣٥٦ - فتح:١/ ٣١٢] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ ابْنِ يَسَارٍ -مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ- أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ -وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَرَ- فَصَلَّي العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى المَغْربِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، أنا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. الكلام عليهما من أوجه: أحدها: حديث (١) ابن عباس السالف أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وفي مسند إسماعيل القاضي أن ذَلِكَ كان في بنت ضباعة بنت الحارث. وقال يزيد بن هارون: بنت الزبير. وحديث عمرو بن أمية أخرجه هنا، وفي الصلاة في باب: إذا دُعي الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل (٣). وفي الجهاد في باب: ما يذكر في السكين (٤). وفي الأطعمة أيضًا (٥). وأخرجه مسلم أيضًا (٦). وحديث سويد (٧) سيأتي قريبًا أيضًا (٨)، وأخرجه في المغازي في موضعين (٩)، وفي الأطعمة في ثلاثة مواضع (١٠)، وهو من أفراد البخاري، بل لم يخرج مسلم عن سويد هذا في «صحيحه» شيئًا. --------------------- (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ أخرجه ابن ماجه هنا والترمذي في الأطعمة، والنسائي في الوليمة. (٢) مسلم (٣٥٤) كتاب: الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار. (٣) سيأتي برقم (٦٧٥) كتاب: الأذان. (٤) سيأتي برقم (٢٩٢٣). (٥) برقم (٥٤٠٨) كتاب: الأطعمة، باب: قطع اللحم بالسكين، وبرقم (٥٤٢٢) كتاب: الأطعمة، باب: شاة مسموطة والكتف والجنب، وبرقم (٥٤٦٢) كتاب: الأطعمة، باب: إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه. (٦) مسلم (٣٥٥) كتاب: الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار. (٧) في هامش الأصل: من خط الشيخ أخرجه أيضًا ابن ماجه والنسائي. (٨) سيأتي برقم (٢١٥) باب: الوضوء من غير حدث. (٩) سيأتي برقم (٤١٧٥) باب: غزوة الحديبية، وبرقم (٤١٩٥) كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر. (١٠) سيأتي برقم (٥٣٨٤) باب: ليس على الأعمى حرج، وبرقم (٥٣٩٠) كتاب: الأطعمة، باب: السويق وبرقم (٥٤٥٤، ٥٤٥٥) باب: المضمضمة بعد الطعام. وحديث ميمونة أخرجه مسلم أيضًا (١)، ولم يذكر السويق فيه، فليس مطابقًا لما ترجم له، ولم يذكر السويق أيضًا في أحاديث الباب الأول مع أنه ترجم له، وكأنه أراد أن يستنبطه منه، ولو جمعهما في باب واحد كان أولى، وقد وجد كذلك في بعض النسخ. ثانيها: عُقيل بضم أوله -وبُشير بن يسار بضم الباء الموحدة، وهو تابعي (٢)، وليس في الكتب الستة بُشير بن يسار غيره، وسويد هذا صحابي أوسي ممن بايع تحت الشجرة، وليس في الصحابة سويد بن النعمان سواه (٣). ثالثها: (يحتز) أي: يقطع. و(السكين): تذكر وتؤنث، سميت بذلك؛ لتسكينها حركة المذبوح. و(خيبر) كانت في جمادى الأولى سنة سبع، قاله ابن سعد (٤). وقال ابن إسحاق: خرج - ﷺ - في بقية المحرم (٥)، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام. وسميت باسم رجل من العماليق نزلها واسمه --------------------- (١) مسلم (٣٥٦) كتاب: الحيض، باب: الوضوء مما مست النار. (٢) بُشَير بن يسار الحارثي الأنصاري، مولاهم المدني، وكنيته أبو كيسان، قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ثقة. وقال محمد بن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول الله - ﷺ -، وكان قليل الحديث، وقال النسائي: ثقة. انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٣٠٣، «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٩٤ (١٥٤٠)، «تهذيب الكمال» ٤/ ١٨٧ (٧٣٤). (٣) سويد بن النعمان بن مالك، الأنصاري الأوسي الحارثي، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -. انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٢٣٩ (١١٢٩)، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٣/ ١٣٩٣ (١٢٩٤)، «أسد الغابة» ٢/ ٤٩٤ (٢٣٦٠). (٤) «طبقات ابن سعد» ٢/ ١٠٦. (٥) انظر: «سيرة ابن هشام» ٣/ ٣٧٨، «البداية والنهاية» ٤/ ٥٧٠. خيبر بن قابية بن مهلابيل وبينها وبين المدينة ثمانية بُرد (١). قَالَ أبو عبيد (٢): وكان عثمان مصَّرها (٣). واختلفوا -كما قَالَ القاضي عياض- هل فتحت صلحًا أو عَنْوة؟ أو جلا أهلها عنها بغير قتال؟ أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة وبعضها جلا أهلها عنها بغير قتال؟ (٤) وعلى كل ذَلِكَ تدل الأحاديث الواردة. والصهباء (٥): موضع على روحة من خيبر، كما ذكره البخاري في موضع آخر (٦)، وفي رواية له: (وهي أدنى خيبر). وقال البكري: على بريد، على لفظ تأنيث أصهب (٧). السويق: معروف والصاد فيه لغة، كما قاله صاحب «المحكم» (٨)، سمي بذلك لانسياقه في الحلق. وقوله: (فثري) أي: صب عليه ماء ثم لُتّ، وفعل به ذَلِكَ لما لحقه ---------------------- (١) ويطلق هذا الاسم على ولاية تشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير، فتحت سنة سبع وقيل: ثمانٍ للهجرة، انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٥٢١ - ٥٢٣، «معجم البلدان» ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني: البكري، قال ذلك في «معجم ما استعجم». (٣) «معجم ما استعجم» ٢/ ٥٢١. (٤) «إكمال المعلم» ٥/ ٢٠٩، وتمام كلامه: وهذا أصح الأقاويل، وهي رواية مالك، ومن تابعه، وقول ابن عقبة، وفي كل وجه ترمز فيه رواية مسلم أن رسول الله - ﷺ - لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر لله ولرسوله وللمسلمين، يدل ظاهره على العنوة. (٥) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٨٤٤، «معجم البلدان» ٣/ ٤٣٥. (٦) سيأتي برقم (٥٣٨٤) كتاب: الأطعمة، باب: ﴿لَّيْسَ عَلَىَ الأَعمَى حَرَجٌ﴾. (٧) «معجم ما استعجم» ٣/ ٨٩٤. (٨) «المحكم» ٦/ ٣٢٦، وورد بهامش الأصل ما نصه: قال في «المطالع»: قال ابن دريد: وبنو العنبر، يقولونه بالضاد. من اليبس والقدم. ووجه المضمضة منه أنه ربما احتبس في الأسنان ونواحي الفم، فربما شغل المصلي بما يتتبعه بلسانه. رابعها: وهو مقصود البابين، أنه لا وضوء مما مست النار، وقد صح في عدة أحاديث كثيرة الوضوء منه، وهو عند الجمهور من الصحابة والتابعين منسوخ، وبه قَالَ الأئمة الأربعة وأنه آخر الأمر، وقد كان فيه خلاف لبعضهم في الصدر الأول، ثم وقع الإجماع على خلافه، وحمل بعضهم الوضوء على اللغوي وهو غسل الفم والكفين، دون الشرعي، وصح الأمر بالوضوء من لحوم الإبل من حديث البراء وجابر بن سمرة (١). ---------------------- (١) أما حديث البراء بن عازب. فرواه أبو داود (١٨٤) عن البراء بن عازب، قال سئل رسول الله - ﷺ - عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضئوا منها» وسئل عن لحوم الغنم فقال: «لا توضَّئوا منها»، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: «لا تُصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين» وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: «صلوا فيها فإنها بَركة». ورواه أيضًا الترمذي (٨١) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، وابن ماجه (٤٩٤) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، وأحمد ٤/ ٢٨٨، وابن الجارود ١/ ٣٤ (٢٦) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من لحوم الابل، وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٢١ - ٢٢ (٣٢) كتاب: الوضوء، باب: الأمر بالوضوء من أكل لحوم الابل، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٨٤. وقال الترمذي: وفي الباب عن جابر بن سمرة، وأسيد بن حُضير، وقال: وقد روى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير، والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، وهو قول أحمد وإسحاق. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» ١٧٨: صحيح. = ![]()
__________________
|
|
#102
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 367 الى صـــ 386 الحلقة (102) وقال به أحمد وجماعة أهل الحديث، وعامة الفقهاء على خلافه، وأن المراد به النظافة ونفي الزهومة (١). إذا عرفت ذَلِكَ ففي أحاديث الباب أحكام أخر: الأول: إباحة الزاد في السفر خلافًا لمن تنطع في ذَلِكَ. الثاني: نظر الإمام لأهل العسكر عند قلة الأزواد وجمعها؛ ليقوت من لا زاد معه من أصحابه. الثالث: أن القوم إذا فني أكثر زادِهم فواجب أن يتواسوا في زاد من بقي من زاده شيء. الرابع: أن للسلطان أن يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام إلى الأسواق عند قلته، فيبيعوه من أهل الحاجة بسعر ذَلِكَ اليوم. الخامس: جواز قطع اللحم بالسكين؛ لدعاء الحاجة إليه لصلابة اللحم وكبر القطعة. نعم، يكره من غير حاجة. قال (٢) ابن التين: وإنما نهى عن قطع الخبز بالسكين. قاله الخطابي (٣). ----------------------- = وأما حديث جابر بن سمرة: فرواه مسلم (٣٦٠) كتاب: الحيض، باب: الوضوء من لحوم الإبل. (١) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١٥١، «اختلاف الفقهاء» ص ١٠٠ - ١٠١، «عارضة الأحوذي» ١/ ١١٠ - ١١٢، «بدائع الصنائع» ١/ ٣٢ - ٣٣، «المجموع» ٢/ ٦٥ - ٦٩، «المغني» ١/ ٢٥٠ - ٢٥٤، «الإقناع» ١/ ٦٠، «نيل الأوطار» ١/ ٣١٢ - ٣١٥. (٢) كذا في الأصل، ولعلها: قاله. (٣) الذي في «معالم السنن» ١/ ٦٠: وفيه جواز قطع اللحم بالسكين، وقد جاء النهي عنه في بعض الحديث ورويت الكراهة فيه وأمر بالنهي ويشبه أن يكون المعنى في ذلك كراهية زي العجم واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفع عن مس الأصابع الشفتين والفم، وليس يضيق قطعه = السادس: جواز بل استحباب استدعاء الأئمة للصلاة إذا حضر وقتها. السابع: قبول الشهادة على النفي إذا كان المنفي محصورًا مثل هذا. أعني: قوله: (ولم يتوضأ). ----------------------- = بالسكين وإصلاحه به والحز منه اذا كان اللحم طابقًا أو عضوًا كبيرًا كالجنب ونحوه فإذا كان عراقًا ونحوه، فنهشه مستحب على مذهب التواضع وطرح الكبر، وقطعه بالسكين مباح عند الحاجة إليه غير ضيق. ٥٢ - باب هَلْ يُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ؟ ٢١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ وَقُتَيْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا اللُّيْثُ، عن عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - شَرِبَ لَبَنًا، فَمَضْمَضَ وَقَالَ: «إِنَّ لَهُ دَسَمًا». تَابَعَهُ يُونُسُ وَصَالِحُ بن كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٥٦٠٩ - مسلم:٣٥٨ - فتح ١/ ٣١٣] حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَقُتَيْبَةُ قَالًا: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - شَرِبَ لَبَنًا، فَمَضْمَضَ وَقَالَ: «إِنَّ لَهُ دَسَمًا». تَابَعَهُ يُونُسُ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. هذا الحديث أخرجه البخاري (١) أيضًا في الأشربة (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣)، ومتابعة يونس أخرجها مسلم عن حرملة، عن ابن وهب، ثنا يونس، عن ابن شهاب به، وتابعه أيضًا الأوزاعي (٤) وعمرو بن الحارث (٥)، وذكر ابن جرير الطبري فيه اضطرابًا حيث روي عن الزهري، عن ابن عباس، وعنه عن عبيد الله بحذف ابن عباس، وذلك غير قادح. وفيه: استحباب المضمضة من شرب اللبن، ويلحق به غيره من المأكول والمشروب، كما نص عليه العلماء؛ لئلا يبقى منه بقايا ----------------------- (١) في الأصل فوقها: الأربعة. (٢) سيأتي برقم (٥٦٠٩) باب: شرب اللبن. (٣) مسلم (٣٥٨) كتاب: الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار. (٤) في الأصل فوقها: أبو داود. (٥) الموضع السابق. يبتلعها حال صلاته، ولتقطع لُزوجته ودسمه ويتطهر فمه. واختلف العلماء في غسل اليد قبل الطعام وبعده، والأظهر استحبابه أولًا إلا أن يتيقن نظافة اليد من الوسخ والأنجاس، وبعد الفراغ إلا أن لا يبقى على اليد أثر للطعام بأن كان يابسًا أو لم يمسه بها. وقال مالك: لا يستحب غسل اليد للطعام، إلا أن يكون على اليد أولًا قذر أو يبقى عليها بعد الفراغ رائحة (١). قَالَ المهلب: وقوله: «إن له دسمًا» بيان العلة التي من أجلها أُمروا بالوضوء مما مست النار في أول الإسلام، وذلك -والله أعلم- على ما كانوا عليه من قلة التنظيف في الجاهلية. فلما تقررت النظافة وشاعت في الإسلام نُسِخَ الوضوء تيسيرًا على المؤمنين (٢). وقال ابن جرير الطبري في «تهذيبه»: ليس في الخبر إيجاب المضمضة ولا الوضوء إذ كانت أفعاله غير لازمةٍ لأمته العمل بها إذا لم تكن بيانًا عن جملة فرض في تنزيله. قُلْتُ: لكن في «سنن أبي داود» من حديث ابن عباس أيضًا مرفوعًا: «مضمضوا من اللبن فإن له دسمًا» (٣) وكذا من طريقين آخرين (٤). ------------------------ (١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٤٧. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣١٨. (٣) «سنن أبي داود» (١٩٦). وقال الألباني في: «صحيح أبي داود» (١٩١): إسناده على شرط الشيخين وقد أخرجاه. (٤) رواهما ابن ماجه في «سننه» (٤٩٩، ٥٠٠) من حديث أم سلمة، وسهل بن سعد مثله. لكن فيه من حديث أنس أنه - ﷺ - شرب لبنًا فلم يمضمض ولم يتوضأ وصلى (١). واستدل به أبو حفص البغدادي على نسخ المضمضة فيه. نعم، روي عن أنس أنه كان يمضمض منه ثلاثًا (٢) وكذا أبو موسى الحارث الهمداني، رواه ابن أبي شيبة (٣). وكان يرى الوضوء منه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة قالا: لا وضوء إلا من اللبن. وعن ابن عون: سألت القاسم عن المضمضة أو الوضوء من اللبن فقال: لا أعلم به بأسًا. وحكي أيضًا عن حذيفة وغيره (٤) وفي «سنن ابن ماجه» من طريقين: «توضؤا من ألبان الإبل، ولا توضؤا من ألبان الغنم». وإسنادهما فيه ضعف (٥). --------------------- (١) «سنن أبي داود» (١٩٧). (٢) رواه عبد الرزاق ١/ ١٧٧ - ١٧٨ (٦٨٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٦٠ (٦٣١). (٣) ابن أبي شيبة ١/ ٦٠. (٤) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٦٠. (٥) ابن ماجه (٤٩٦) من حديث أسيد بن حضير، و(٤٩٧) من حديث عبد الله بن عمر، وضعفهما البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص ١٠٢ - ١٠٣، وضعفهما أيضا الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٠٩، ١١٠). ٥٣ - باب الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وَمَن لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوِ الخَفْقَةِ وُضُوءًا ٢١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلَّي، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبَّ نَفْسَهُ». [مسلم:٧٨٦] ٢١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتًّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ». [فتح: ١/ ٣١٥] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ أنا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبَّ نَفْسَهُ». حَدَثنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثنا عَبْدُ الوَارِثِ، ثنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأ». الكلام على ذَلِكَ من أوجه: أحدها: حديث عائشة أخرجه مسلم (١)، وللدارقطني من حديث عبد الوهاب بن عطاء، عن مالك: «لعله يريد أن يستغفر فيدعو على نفسه». وحديث أنس ---------------------------- (١) مسلم (٧٨٦) كتاب: الصلاة، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد. انفرد به البخاري، وانفرد مسلم عنه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع» (١) وسيأتي حديث أنس عند البخاري أنه - ﷺ - دخل المسجد وحبل ممدود فقال: «ما هذا؟» فقالوا: حمنة بنت جحش تصلي فإذا عجزت تعلقت به فقال: «ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليرقد» (٢). قَالَ الإسماعيلي في حديث أنس: ورواه حماد بن زيد، عن أيوب فوقفه. ورواه عبد الوهاب، عن أيوب، فلم يجاوز أبا قلابة، ووافق عبد الوارث وهيب والطفاوي. فائدة: أبو معمر هذا المقْعَد وهو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري (٣)، وفي الصحيحين أبو معمر اثنان آخران: ----------------------- (١) «صحيح مسلم» (٧٨٧/ ٢٢٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد. (٢) سيأتي عند البخاري برقم (١١٥٠) أبواب: التهجد، باب: ما يكره من التشديد في العبادة، وفيه حمنة مكان زينب، والحديث أيضًا عند مسلم برقم (٧٨٤) وفيه أيضًا: زينب. وليس حمنة. وسيأتي عندما يتعرض المصنف لشرح هذِه الرواية ذكر الخلاف في تسميتها. (٣) هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج واسمه ميسرة التميمي المنقري المقعد البصري قال يحيى بن معين: ثقة ثبت. نبيل عاقل، وقال يعقوب بن أبي شيبة: ثقة ثبت، وقال العجلي: ثقة. وكان يرى القدر ولكن قال أبو داود: كان لا يتكلم فيه. وقال أبو حاتم: صدوق متقن قوي الحديث، غير أنه لم يكن يحفظ وكان له قدر عند أهل العلم. مات سنة أربع وعشرين ومائتين. وانظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ١١٩ (٥٤٩)، «تاريخ بغداد» ١٠/ ٢٥ (٥١٤٣)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٣٥٣ (٣٤٤٩). أحدهما: عبد الله بن سخبرة الأزدي تابعي (١). وثانيهما: إسماعيل بن إبراهيم الهذلي شيخه وشيخ مسلم (٢). ثانيها: وجه مطابقة الحديثين لما بوب عليه، فإن ظاهره النهي عن الصلاة مع النعاس فقط، لا عدم الوضوء من النعاس الخفيف. إن مفهوم تعليل النهي عن الصلاة معه بذهاب العقل المؤدي إلى أن يعكس الأمر، يريد أن يدعو فيسب نفسه، أنه إذا لم يبلغ هذا المبلغ صلى به، أو أنه إذا بدأ به النعاس وهو في النافلة يقتصر على إتمام ما هو فيه ولا يستأنف أخرى، فتماديه على حالته دال على أن النعاس الكثير لا ينافي الطهارة، ويحتمل قطع الصلاة التي هو فيها، إذ لا يستأنف غيرها. ثالثها: النَعْسة -بفتح النون-: السِّنة. بخلاف النوم فإنه: الغلبة على العقل، وسقوط حاسة البصر وغيرها من الحواس، والنعاس بغير الحواس من --------------------- (١) هو أبو معمر الكوفي من أزد شنوءة روى عن خباب بن الأرت وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب وعلقمة بن قيس، وروى عنه إبراهيم النخعي وعمارة بن عمير وغيرهما. قال يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال محمد بن سعد: توفي في ولاية عبيد الله بن زياد. روى له الجماعة. وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ١٠٣، «الجرح والتعديل» ٥/ ٦٨ (٣٢١)، «الثقات» ٥/ ٢٥، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٦ (٣٢٩١). (٢) هو إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي، أبو معمر القطيعي الهروي، نزيل بغداد، وقال ابن حجر في «التقريب»: ثقة مأمون من العشرة، مات سنة ست وثلاثين ومائتين، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ١٥٧ (٥٢٧)، «تهذيب الكمال» ٣/ ١٩ (٤١٦)، «التقريب» ص ١٠٥ (٤١٥). غير سقوطها. وفي كتاب «العين» النعاس: النوم (١). وقيل: مقاربته. وفي «المحكم»: النعاس: النوم. وقيل: ثقلته (٢). قَالَ ابن دريد: وخفق خفقة: نعس نعسة ثم انتبه (٣). وقال أبو زيد: خفق برأسه من النعاس: أماله (٤). وقوله: نَعَس هو بفتح العين، والعامة يضمها، وهو خطأ كما قاله أبو حاتم ومضارعه ينعُس. وحكئ صاحب «الموعب» عن بعض بني عامر فتح العين من المضارع. رابعها: فيه: الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط. وأمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النُعاس، وهذا عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهب الشافعي والجمهور، لكن لا يخرج الفريضة عن وقتها، وحمله مالك وجماعة كما قَالَ القاضي (٥) على نفل الليل؛ لأنها محل النوم غالبًا (٦). وقد ذكر - ﷺ - العلة، وهي (…) (٧) الاستغفار بالسب، ومن صار في مثل هذِه الحالة من ثقل النوم أدى إلى نقض طهارته وبطلان صلاته، ------------------ (١) «العين» ١/ ٣٣٨ مادة: (نعس). (٢) «المحكم» ١/ ٣٠٨ مادة [نعس]. (٣) «الجمهرة» ١/ ٦١٤. (٤) انظر: «الصحاح» ٣/ ٩٨٣، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٨١، «لسان العرب» ٧/ ٤٤٧٣. (٥) «إكمال المعلم» ٣/ ١٥١. (٦) انظر: «المنتقى» ١/ ٢١٢، «طرح التثريب» ٣/ ٩٠ - ٩١، «حاشية الطحطاوي» ص ٢٢٧. (٧) كلمة مطموسة بالأصل ولعلها (إبدال). وادعى المهلب قيام الإجماع على بطلان طهارة وصلاة من انتهى إلى هذِه الحالة. قَالَ: فأشبه من نهاه الله عن مقاربة الصلاة في حال السكر بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] على أنّ الضَّحَّاك أَوَّلَ السكرَ بالنوم في الآية (١) والأكثر على أنها نزلت في سكر الخمر. وقد دل حديث عائشة وأنس على أن من قد يقع منه ذَلِكَ فقد حصل من فَقْدِ (العقل) (٢) في منزلةِ من لا يعلم ما يقول، كما في السكر، ومن كان كذلك فلا تجوز صلاته، ودل القرآن على ما دلت عليه السنة، أنه لا ينبغي للمصلى أن يقرب الصلاة مع شاغل يشغله عنها. خامسها: معنى يستغفر هنا يدعو كما قاله القاضي عياض (٣)، والرواية التي أسلفناها: «لعله يريد أن يستغفر فيدعو على نفسه» دالة على ذَلِكَ. فإن قُلْتَ: فقد جاء في حديث ابن عباس في نومه - ﷺ - في بيت ميمونة: فجعلت إذا غفيت يأخذ بشحمة أذني (٤). ولم يأمره بالنوم. قُلْتُ: لأنه جاء تلك الليلة؛ للتعلم منه ففعل ذَلِكَ؛ ليكون أثبت له. سادسها: وهو مقصود الباب، أن النوم اليسير لا ينقض، وهو إجماع كما قاله ابن بطال إلا المزني وحده قَالَ: وخرق الإجماع قَالَ: وأجمعوا على ---------------------- (١) روى ذلك الأثر الطبري في: «تفسيره» ٤/ ٩٩ (٩٥٣٥ - ٩٥٣٦)، وابن أبي حاتم في: «تفسيره» ٣/ ٩٥٩ (٥٣٥٦). (٢) في الأصل: العلم، والمثبت هو الصواب كما في «شرح ابن بطال» ١/ ٣١٩. (٣) «إكمال المعلم» ٣/ ١٥١. (٤) رواه مسلم (٧٦٣/ ١٨٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل. النقض بالاضطجاع، واختلفوا في هيئات النائمين: فقال مالك: إن نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا فعليه الوضوء (١) قَالَ: وفرَّق الشافعي بين نومه في الصلاة وغيرها، فقال: إن كان في الصلاة لا ينقض كما لا ينقض نوم القاعد. قَالَ: وله قول آخر كمذهب مالك. قُلْتُ: وهما خلاف مشهور مذهبه كما ستعلمه، وعند الثوري وأبي حنيفة: لا ينقض إلا نوم المضطجع فقط (٢). وفيه حديث عن ابن عباس مرفوعًا (٣) وهو معلول. والقائم والراكع والساجد يمكن خروج الريح ---------------------- (١) انظر: «المدونة» ١/ ٩ - ١٠، «عارضة الأحوذي» ١/ ١٠٤ - ١٠٨، «الذخيرة» ١/ ٣٢٠ - ٢٣٢. (٢) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٣٠ - ٣١، «تبيين الحقائق» ١/ ٩ - ١٠. (٣) رواه أبو داود (٢٠٢) بلفظ: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إنما الوضوء على من نام مضطجعًا». والترمذي (٧٧)، وفي «العلل الكبير» ١/ ١٤٨ (٢٨)، وأحمد ١/ ٢٥٦، وأبو يعلي ٤/ ٣٦٩ (٢٤٨٧)، والطبراني ١٢/ ١٥٧، والبيهقي ١/ ١٢١. قال أبو داود: قوله: «الوضوء على من نام مضطجعًا» هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئًا من هذا. ثم قال: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهزني استعظامًا له وقال: ما ليزيد الدالاني يُدْخل على أصحاب قتادة ولم يعبأ بالحديث. وقال البيهقي: فأما هذا الحديث فإنه قد أنكره على أبي خالد الدالاني جميع الحفاظ، وأنكر سماعه من قتادة أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما، وقال الترمذي في «علله» ١/ ١٤٩: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هذا لا شيء. رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية ولا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعًا من قتادة. قلت: أبو خالد كيف هو؟ قال: صدوق وإنما يهم في الشيء، قال محمد: وعبد السلام بن حرب صدوق. منه؛ لانفراج موضع الحدث منه، ولا يشبه القاعد المنضم الأطراف إلا أن يطول نومه جدًّا في حال قعوده، فعليه الوضوء عند مالك والأوزاعي وأحمد (١) ولم يفرق أبو حنيفة والشافعي بين نوم الجالس في القلة والكثرة، وقالا: لا ينتقض وضوؤه وإن طال (٢). وحاصل المذاهب في النوم تسعة: أحدها: أنه غير ناقض بحال، وهو محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب، وأبي مجلز وحميد بن عبد الرحمن الأعرج والشيعة (٣)، وروى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن طارق: حدثتني منيعة (٤) بنت وقاص، عن أبيها أن أبا موسى: كان ينام بينهن حتى يغط فتنبهه فيقول: هل سمعتموني أحدثت، فنقول: لا. فيقوم فيصلي (٥). قَالَ ابن حزم: وإليه ذهب الأوزاعي، وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة وغيرهم ومنهم مكحول وعبيدة السلماني، قَالَ: وادعى بعضهم الإجماع على خلافه جهلًا وجرأة (٦) ثم ساق من حديث أنس ------------------------- (١) انظر: «المدونة» ١/ ٩ - ١٠، «التحقيق» لابن الجوزي ١/ ٣٠٩، «الكافي» لابن قدامة ١/ ٩٢، ٩٣. (٢) «بدائع الصنائع» ١/ ٣١، «البيان» ١/ ١٧٨. (٣) انظر: «البيان» ١/ ١٧٥، «المغني» ١/ ٢٣٤، «نيل الأوطار» ١/ ٢٩٧. (٤) ورد بهامش الأصل: منيعة كذا في «ثقات ابن حبان». بنت وقاص، ولفظه: وقاص شيخ يروي عن أبي موسى الأشعري، تروي عنه ابنته منيعة لا أدري من هو. انتهى. وقد ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ولم يذكر فيه شيئًا لا جرحًا ولا تعديلًا. (٥) «المصنف» ١/ ١٢٤ (١٤١٥). (٦) «المحلى» ١/ ٢٢٤. كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة. وإسناده صحيح. وفي مسلم من هذا الوجه: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون (١). وعند البزار: يضعون جنوبهم فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ (٢). ولما ذكره الأثرم للإمام أحمد تبسم. وقال: هذا مرة يضعون جنوبهم. زاد أحمد بن عبيد (٣) في «مسنده»: على عهد رسول الله - ﷺ -. وعند البيهقي: كان الصحابة يوقظون للصلاة، وإني لأسمع لأحدهم غطيطًا ثم يصلون ولا يتوضئون. قَالَ ابن المبارك: هذا عندنا، وهم جلوس. قَالَ البيهقي: وعلى هذا حمله ابن مهدي والشافعي (٤). قُلْتُ: وهشيم، كذا أفاده الطبري في «تهذيبه»، وما أسلفناه يخالفه. المذهب الثاني: أنه ناقض مطلقًا، وهو مذهب الحسن البصري والمزني وأبي عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه، وحُكي عن الشافعي أيضًا وهو غريب، قَالَ ابن المنذر: وبه أقول، قَالَ: وروي معناه عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة (٥). ------------------ (١) مسلم (٣٧٦/ ١٢٥) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء. (٢) رواه البزار كما في «كشف الأستار» ١/ ١٤٧ (٢٨٢). (٣) «السنن الكبرى» ١/ ١٢٠. (٤) «الأوسط» ١/ ١٤٦، ١٤٧. (٥) هو أحمد بن عبيد بن إسماعيل الصفار، كان ثقة ثبتًا، صنف «المسند» وجوده. انظر «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٤٣٨. وقال ابن حزم: النوم في ذاته حدث ينقض الوضوء سواء قل أو كثر، قاعدًا أو قائمًا، في صلاة أو غيرها، أو راكعًا أو ساجدًا أو متكئًا أو مضطجعًا، أيقن من حواليه أنه لم يحدث أو لم يوقنوا، برهان ذَلِكَ حديث صفوان بن عسال: «لكن من غائط وبول ونوم» (١). أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (٢). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وإنما لم يخرجاه؛ لتفرد عاصم به عن زر، عن صفوان (٣). قُلْتُ: تابعه المنهال بن عمرو فيما ذكره ابن السكن، وحبيب بن أبي ثابت عند الطبراني (٤). قَالَ ابن حزم: وهو قول أبي هريرة وأبي رافع وعروة وعطاء والحسن وابن المسيب وعكرمة ومحمد بن شهاب في آخرين (٥). وفيه حديث علي: «العينان وكاء السَهِ، فمن نام فليتوضأ» (٦) وفيه ------------------ (١) «المحلى» ١/ ٢٢٢، ٢٢٣. (٢) ابن خزيمة ١/ ١٣ - ١٤ (١٧)، «صحيح ابن حبان» ١/ ٣٨١ - ٣٨٢ (١١٠٠)، ٤/ ١٤٩ - ١٥٠، (١٢٣١). (٣) «المستدرك» ١/ ١٠٠ كتاب: العلم. وقال الذهبي: إسناده صحيح. (٤) «المعجم الكبير» ٨/ ٥٥. (٥) «المحلى» ١/ ٢٣٣. (٦) رواه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧)، والطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ٣٧١، ٣٧٩، والبيهقي ١/ ١١٨، والدراقطني ١/ ١٦١، والضياء في «المختارة» ٢/ ٢٥٥ (٦٣٢). قال النووي في «المجموع» ٢/ ٢٠: حسن. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٩٩): إسناده حسن وكذا قال النووي، وحسنه المنذري وابن الصلاح. اهـ. مقال، ومعاوية مرفوعًا (١) مثله (٢). الثالث: أنه لا ينقض إلا نوم المضطجع فقط. قَالَ ابن حزم: وبه قَالَ داود. وروي عن عمر وابن عباس ولم يصح عنهما، وعن ابن عمر وصح عنه وصح عن النخعي وعطاء والليث والثوري والحسن بن حي (٣). وقال الترمذي: رأى أكثرهم أنه لا يجب الوضوء إذا نام قائمًا أو قاعدًا حتى ينام مضطجعًا. قَالَ: وبه يقول الثوري وابن المبارك وأحمد (٤). الرابع: أن كثيره ينقض مطلقًا دون قليله؛ للحرج، وهو مذهب -------------------- (١) رواه أحمد ٤/ ٩٦، ٩٧ عن معاوية مرفوعًا بلفظ: «إن العينين وكاء السَّهِ، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء». والدارمي ١/ ٥٦٢ (٧٤٩)، وأبو يعلى ١٣/ ٣٦٢ (٧٣٧٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٩/ ٥٧، ٥٨ (٣٤٣٤)، والطبراني ١٩/ ٣٧٢، ٣٧٣ (٨٧٥)، وفي «مسند الشاميين» ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩ (١٤٩٤)، والدارقطني ١/ ١٦٠، والبيهقي ١/ ١١٨، وفيه أبو بكر بن أبي مريم سئل أبو حاتم عنه فقال: ليس بقوي. «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٤٧ (١٠٦)، وقال الذهبي في: «مهذب السنن» ١/ ٢٩ (٥١٠): أبو بكر ضعيف، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٢٤٧: فيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف؛ لاختلاطه. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: أشار البيهقي إلى ترجيح وقفه على معاوية ورواه أبو داود، وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن عائذ، وادعى ابن القطان جهالته وليس بجيد فقد رفعه النسائي وغيره بل اختلف في صحبته، والصحيح أنه لم يصحب، وقد حسن الحديث ابن الصلاح والنووي والزكي وفيه نظر، لأنه منقطع، قال أبو زرعة: عبد الرحمن عن علي مرسل، ووافقه على ذلك آخرون، لا جرم. قال أبو عمر في «استذكاره»: فيه ضعيفان لا حجة فيه من جهة النقل، وأما ابن السكن فذكرهما في سننه الصحاح. ملخص من كلام شيخنا ابن الملقن [«خلاصة البدر المنير»] ١/ ٥٢ - ٥٣]. (٣) «المحلى» ١/ ٢٤٤. (٤) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٧٨). الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك في إحدى الروايتين (١). وقال الترمذي عن بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء وبه يقول إسحاق (٢). قال ابن قدامة الحنبلي: واختلف أصحابنا في تحديد الكثير من النوم الذي ينقض الوضوء. فقال القاضي: ليس للقليل حد يرجع إليه وهو على ما جرت به العادة. وقيل: حد الكثير ما يتغير به النائم عن هيئته مثل أن يسقط على الأرض أو يرى حلمًا، والصحيح أنه لا حد له (٣). الخامس: إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه، سواء أكان في الصلاة أم لم يكن، فإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض، وهو قول أبي حنيفة (٤)، وحكاه النووي في «شرح مسلم» عن داود، وحُكي عن الشافعي أيضًا وهو غريب (٥)، وقاله أيضًا حماد بن أبي سليمان وسفيان، وفيه حديث عن ابن عباس لا يثبت (٦). السادس: لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روي عن أحمد (٧). السابع: لا ينقض إلا نوم الساجد، روي أيضًا عن أحمد. -------------------- (١) انظر: «المدونة» ١/ ١١٩. وذكره ابن المنذر في: «الأوسط» ١/ ١٤٨. (٢) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٧٨). (٣) «المغنى» ١/ ٢٣٧. (٤) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٣١. (٥) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٤/ ٧٣. (٦) سبق تخريجه، ونصه: … إنما الوضوء على من نام مضطجًا. (٧) انظر: «المغني» ١/ ٢٣٦ وورد بهامش الأصل حاشية: حكاه ابن التين عن أحمد. الثامن: أن النوم في الصلاة غير ناقض، وخارجها ناقض وحكي عن الشافعي. التاسع: أنه إن نام ساجدًا في مصلاه فليس عليه وضوء، وإن نام ساجدًا في غير صلاةٍ توضأ، فإن تعمد النوم ساجدًا في الصلاة فعليه الوضوء (١)، وهو قول ابن المبارك، وقد حكى (عن) (٢) الترمذي (٣) عنه في المذهب الثالث ما يخالفه. العاشر: إن نام جالسًا ممكنًا مقعدته من الأرض فلا ينقض، وإلا نقض قلّ أو كَثر في الصلاة أو خارجها، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وعنده أن النوم ليس حدثًا في نفسه، وإنما هو دليل على خروج الريح، فإذا نام غير ممكن غلب على الظن خروجه، فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقق، وأما إذا كان ممكنًا فلا يغلب على الظن الخروج، والأصل بقاء الطهارة (٤). وقال ابن العربي: تتبع علماؤنا مسائل النوم المتعلقة بالأحاديث الجامعة لتعارضها. فوجدوها أحد عشر حالًا: أن ينام ماشيًا قائمًا مستندًا راكعًا ساجدًا قاعدًا متربعًا محتبيًا متكئًا راكبًا مضطجعًا مستثفرًا (٥). -------------------- (١) انظر: «عارضة الأحوذي» ١/ ١٠٧ - ١٠٨، «المجموع» ٢/ ٢٠، «نيل الأوطار» ١/ ٢٩٨. (٢) كذا بالأصل، والكلام يستقيم بدونها. (٣) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٧٨). (٤) «المجموع» ٢/ ١٦. (٥) «عارضة الأحوذي» ١/ ١٠٦ - ١٠٨، وفيه: مستقرًا بدلا من مستثفرًا والاستثفار: أن يدخل الإنسان إزاره بين فخذيه ملويًا ثم يخرجه. انظر: «النهاية» ١/ ٢١٤، «لسان العرب» ١/ ٤٨٨. مادة: (فرا). فرع: هذا كله في حقنا، فأا سيدنا رسول الله - ﷺ - خصائصه أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مطلقًا؛ لحديث ابن عباس: نام رسول الله - ﷺ - حتى سمعت غطيطه، وصلى ولم يتوضأ (١). وقد سلف في موضعه (٢) ويأتي أيضًا. ----------------------- (١) سيأتي برقم (٦٩٧) كتاب: الأذان. (٢) سلف برقم (١٣٨). ٥٤ - باب الوُضُوءِ مِن غَيْرِ حَدَثٍ ٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعتُ أَنَسًا ح. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَوَضُّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. [فتح: ١/ ٣١٥] ٢١٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: أَخبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - العَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيق، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الَمغْرِبِ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا الَمغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [انظر: ٢٠٩ - فتح: ١/ ٣١٦] حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ح. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدثَنِي عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. حَدَّثنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ .. الحديث وقد سلف في باب: من مضمض من السويق (١). وإنما ساق البخاري هذا الحديث عقب الأول؛ لينبه على أنه - ﷺ - كان يأخذ بالأفضل في تجديد الوضوء من غير حدث، لا أنه واجب عليه بدليل حديث سويد وكلاهما من أفراد البخاري. ----------------------- (١) سبق برقم (٢٠٩) كتاب: الوضوء، باب: من مضمض من السويق ولم يتوضأ. وسفيان المذكور في الإسناد هو الثوري (١). والراوي عنه هو محمد بن يوسف الفريابي (٢)، ولم يعلم أن ابن عيينة روى عن عمرو بن عامر، وأتى به ثانيًا نازلًا؛ لتصريح سفيان بالتحديث فيه. ورواه الترمذي من حديث حميد أيضًا عن أنس ثم قَالَ: حسن غريب. والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو (٣) قال: ولم يعرفه البخاري من هذا الوجه وجَهَّل راويه (٤). وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث عامر الغَسِيل أنه - ﷺ - أُمِر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه، أُمر بالسواك عند كل صلاة، وَوُضِع عنه الوضوء إلا من حدث. فكان ابن عمريرى أن به قوة على ذَلِكَ ففعله حتى مات (٥). ----------------------- (١) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، ولد في خلافة سليمان بن عبد الملك. وكان إمامًا من أئمة المسلمين وعلمًا من أعلام الدين، مجمعًا على إمامته، بحيث يستغني عن تزكيته مع الإتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد. قال شعبة وسفيان بن عيينة وأبو عاصم النبيل ويحيى بن معين وغير واحد: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان. اجتمعوا على أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة. وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٧١. «الثقات» للعجلي ١/ ٤٠٧ (٦٢٥). «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٢٢ (٩٧٢). «تاريخ بغداد» ٩/ ١٥١ (٧٦٣). «الكمال» ١١/ ١٥٤ (٢٤٠٧). (٢) سبقت ترجمته في حديث (٦٨). (٣) الترمذي (٥٨). (٤) انظر: «العلل الكبير» ١/ ١٢٨. (٥) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ١١ (١٥)، ورواه الحاكم ١/ ١٥٦، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ![]()
__________________
|
|
#103
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 387 الى صـــ 406 الحلقة (103) قُلْتُ: وهو أيضًا راوي الحديث الضعيف: «من توضأ على طهر، كتب له عشر حسنات» (١). قَالَ عن نفسه: وإنما رغبت في الحسنات، وقد كان شديد الاتباع للآثار. وفي أفراد مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أنه - ﷺ - صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: «عمدًا صنعته يا عمر» (٢). وقد أسلفنا في أول باب الوضوء أن جماعة من السلف ذهبوا إلى إيجاب الوضوء لكل صلاة فرض، وأن قومًا ادعوا نسخه يوم الفتح. وحديث بريدة هذا دال له، وكذا حديث عامر وأن الإجماع استقر على أنه يصلي به ما شاء، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ويحتمل أن يكون ذَلِكَ من خصائصه. قَالَ ابن شاهين: ولم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون الوضوء لكل صلاة (٣)، يعني إلا ابن عمر، كذا قَالَ. ---------------------- (١) رواه أبو داود (٦٢)، والترمذي (٥٩)، وابن ماجه (٥١٢)، وابن أبي شيبة ١/ ١٦ (٥٣)، وعبد بن حميد ٢/ ٥٥ - ٥٦ (٨٥٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٢، والعقيلي في «ضعفائه» ٢/ ٣٣٢ (٩٢٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٨/ ٢٤٠ - ٢٤١. قال أبو عيسى: إسناده ضعيف. وقال النووي في «الإيجاز في شرح سنن أبي داود» ص ١٩٠: ضعيف، في إسناده ضعيفان: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وأبو غطيف وهو مجهول لا يعرفون حاله ولا اسمه اهـ. (٢) «صحيح مسلم» (٢٧٧/ ٨٦) كتاب: الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد. (٣) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ص ٨٨. وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة (١). وفي لفظ: كان أبو بكر وعمر وعثمان يتوضئون لكل صلاة، فإذا كانوا في المسجد دعوا بالطست (٢). وقال علي: قَالَ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٣) [المائدة: ٦]. وقال ابن عمر: كان فرضًا ثم نسخ بالتخفيف (٤). وقول أنس: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث. دال على أن الوضوء من غير حدث غير واجب، ويشهد له حديث سويد الذي بعده، وفعل ذَلِكَ ليُرِي أمته أن ما يلتزمه في خاصته من الوضوء لكل صلاة غير لازم كما سلف. واختلف أصحابنا متى يستحب التجديد على أوجه: أصحها عندهم: أنه إنما يستحب إذا صلى بالأول صلاة ما، ولو نفلًا دون ما إذا مس به مصحفًا أو سجد لتلاوة ونحوها (٥). والمسألة بسطتها في كتب الفروع. ---------------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (٣٠٢). (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (٣٠٣). (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (٣٠١). (٤) ذكره ابن عبد البر في: «التمهيد» ١٨/ ٣٢٨. (٥) انظر: «المجموع» ١/ ٤٩٤. ٥٥ - باب مِنَ الكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتَرِ مِنْ بَوْلِهِ ٢١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الَمدِينَةِ -أَوْ مَكَّةَ- فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذُّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَينِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسرَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا» أَوْ «إلى أَنْ يَيْبَسَا». [٢١٨، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ١/ ٣١٧] حَدَّثنَا عُثْمَانُ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ -أَوْ مَكةَ- فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» أَوْ «إلى أَنْ يَيْبَسَا». هذا حديث صحيح متفق على صحته والكلام عليه من أوجه، وقد أوضحت الكلام عليه في «شرح العمدة» (١) في نحو كراسة فليراجع منه. أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع هنا وفي موضعين إثره (٢)، ----------------------- (١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٥٠٤. (٢) سيأتي معلقًا في الباب بعده، ثم بعده بباب مسندًا برقم (٢١٨). وفي الجنائز (١) والحج (٢) وفي الأدب في موضعين (٣). وأخرجه مسلم (٤) والأربعة هنا (٥)، والنسائي في الجنائز (٦)، وذكره البخاري قريبًا من حديث الأعمش عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس به (٧)، وهو أصح من الطريق الأولى كما قاله الترمذي ونقله عن البخاري أيضًا (٨)، واقتصر عليه مسلم. وقال ابن حبان في «صحيحه»: هما محفوظان (٩). وقد رواه شعبة، عن الأعمش كرواية منصور فأسقط طاوسًا. ثانيها: وجه مطابقة الحديث للترجمة أنه كبيرة؛ كونه عذب عليه. وقد قَالَ ابن عباس: ما عصي الله به فهو كبيرة (١٠). ---------------------- (١) سيأتي برقم (١٣٦١) باب: الجريد على القبر، وبرقم (١٣٧٨) باب: التعوذ من عذاب القبر. (٢) كذا في الأصل، وقد تابع المصنفُ المزىَّ في عزوه هذا الحديث إلى كتاب الحج من «صحيح البخاري» كما في «التحفة» (٥٧٤٧)، وليس كذلك، وقد تعقب وليّ الدين العراقي في كتابه «الإطراف بأوهام الأطراف» ص ١١٩ المزي بقوله: قلت: قد نظرت كتاب الحج من «صحيح البخاري» من أوله إلى آخره فلم أره فيه فليراجع. اهـ. (٣) سيأتي برقم (٦٠٥٢) باب: الغيبة، وبرقم (٦٠٥٥) باب: النميمة من الكبائر. (٤) مسلم (٢٩٢) كتاب: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول … (٥) أبو داود (٢٠)، الترمذي (٧٠)، النسائي ١/ ٢٨ - ٣٠، ابن ماجه (٣٤٧). (٦) «سنن النسائي» ٤/ ١٠٦. (٧) سيأتي برقم (٢١٨). (٨) «العلل الكبير» ١/ ١٣٩، ١٤٠. (٩) «صحيح ابن حبان» ٧/ ٤٠٠. (١٠) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٢٧٣ (٢٩٢) بلفظ: كل ما نهى الله عنه كبيرة. ورواه بلفظ: كل ما عصي الله به .. عن ابن سيرين عن عبيدة برقم (٢٩٣). وللعلماء في ضابط الكبيرة اختلاف، لعلنا نذكره إن شاء الله في موضعه. ثالثها: في ألفاظه: قوله: (بحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ) كذا ذكره هنا على الشك، وذكره في كتاب الأدب على الصواب (١) فقال: بالمدينة (٢). وقوله: «يستتر» هو بتائين مثناتين من فوق من السترة. وروي: «لا يستبرئ» (٣). وروي: «لا يستنزه» (٤)، وهذِه الثلاث في «صحيح البخاري» وغيره. وروي أيضًا: «لا يستنتر». والنميمة: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد. والجريدة: السعفة. كما جاء في بعض الروايات عن أنس، وجمعها جريد. وقوله: (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ) أي: قطعتين. وقوله: «وما يعذبان في كبير» أي: عندهما وهو عند الله كبير، وإليه يرشد قوله: (..) (٥) «بلى» أي في أنه كبير عند الله وفي هذا حسب، وهو حجة على من أنكر حجيتها له. -------------------- (١) سيأتي برقم (٦٠٥٥) باب: النميمة من الكبائر. (٢) في هامش الأصل: وبخط المصنف: روي من حديث أنس: مرَّ بقبرين من بني النجار … وهو يوضح هذا. (٣) أخرجه النسائي في «السنن» ٤/ ١٠٦، وفي «الكبرى» ١/ ٦٦٤ (٢١٩٦)، وابن الجارود في «المنتقى» ١/ ٤٢ (١٣٠)، وهذِه الرواية جاءت في أحد نسخ البخاري. ورواها ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤ (١٢٠٣٧) كتاب: الجنائز، باب: في عذاب القبر ومم هو؟ (٤) رواها مسلم برقم (٢٩٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستبراء من البول، وابن حبان ٧/ ٣٩٨، ٣٩٩ (٣١٢٨). (٥) كلمة غير واضحة. وقوله: «لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا». الظاهر أنه شك من الراوي، و(ييبسا) مفتوح الباء ويجوز كسرها، وقد حصل ما ترجاه في الحال فأورقا في ساعته، ففرح بذلك. وقال: «رفع عنهما العذاب بشفاعتي» وأبعد من قال: إن صاحب هذين القبرين كانا من غير أهل القبلة، وعين بعضهم صاحب أحد القبرين بما لا أوثر ذكره، وإن ذكره القرطبي في «تذكرته» حكاية ووهاه (١). رابعها: في فوائده مختصرة: الأولى: إثبات عذاب القبر ولا عبرة بمن أنكره. الثانية: وجوب الاستنجاء (٢)، وهو المراد بعدم الاستتار من البول. فلا يجعل بينه وبينه حجابًا من ماء أو حجر، ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين. الثالثة: نجاسة الأبوال، إذ روي أيضًا: «من البول». وسواء قليلها وكثيرها، وهو مذهب العامة، وسهل فيه الشعبي وغيره، وعفا أبو حنيفة عن قدر الدرهم الكبير (٣)، ورخص الكوفيون في مثل رءوس الإبر منه. -------------------- (١) من قوله: وقوله: وما يعذبان … لحق استدركه الناسخ في هذا الموضع ولعله قد التبس عليه، واللائق بالسياق أن تكون بعد قوله: فقال بالمدينة. (٢) وهو ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية وذهب الحنفية إلى أنه مستحب، واختلف المالكية على قولين: الأول أن الاستنجاء سنة، والثاني: أنه واجب، وهو الراجح عندهم. انظر: «التحقيق» ١/ ١٨١، ١٨٢، «المنتقى» ١/ ٤١، «الحاوي» ١/ ١٦٣، «عارضة الأحوذي» ١/ ٣٣. (٣) انظر: «شرح فتح القدير» ١/ ٢٠٢، «البناية» ٢/ ٧٣٣، ٧٣٦. الرابعة: حرمة النميمة وهو إجماع. الخامسة: التسبب إلى تحصيل ما يخفف عن الميت، فإن وضعه - ﷺ - الجريدة على القبر؛ لشفاعته لهما بالتخفيف ولتسبيحهما ما دامت رطبة (١)، ومن هذا استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر (٢). ---------------------- (١) الصحيح أن حديث وضع الجريدة على القبر من خصائصه - ﷺ - بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف، كما أن التخفيف لم يكن من أجل نداوة شقها لعدة أمور: ١ - حديث جابر عند مسلم وفيه: «فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين» فهذا صريح في أن رفع العذاب إنما بسبب شفاعته - ﷺ - ودعائه، لا بسبب النداوة، وسواء اتحدت قصة ابن عباس مع جابر، أو تعددت، فإنه على كلا الاحتمالين فالعلة واحدة في القصتين للتشابه الموجود بينهما، ولأن كون النداوة سببًا لتخفيف العذاب عن الميت مما لا يعرف شرعًا ولا عقلًا، ولو كانت النداوة سببًا لتخفيف العذاب عن ذلك لكان أخف الناس عذابًا في قبورهم الكفار الذين يدفنون في مقابر أشبه ما تكون بالجنان. ٢ - قولهم: إن سبب تأثير الندواة في التخفيف كونها تسبح الله، فإذا يبست انقطع تسبيحها، فإن هذا التعليل مخالف لعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ٣ - في حديث ابن عباس نفسه ما يشير إلى أن السر ليس في النداوة، وبالأحرى ليست هي السبب في تخفيف العذاب، وذلك قوله: ثم دعا بعسيب فشقة اثنين. يعني: طولًا، فإنه من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويُبْسه بسرعة فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق. ٤ - لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح، ولعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها، ولو فُعِل ذلك لاشتُهِر عنهم ثم نقله الثقات إلينا. «أحكام الجنائز» للألباني ص ٢٥٣ - ٢٥٦. (٢) قال الألباني رحمه الله: قراءة القرآن عند زيارة القبور مما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها؛ إذ لو كانت مشروعة لفعلها رسول الله - ﷺ -، وعلمها أصحابه، لاسيما وقد سألته عائشة رضي = وقد روى البيهقي في أواخر «دلائله» في باب: ما جاء في سماع يعلى بن مرة ضغطة في قبر من حديثه أنه - ﷺ - أمره أن يضع إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه. وقال: «فلعله أن يُرَفَّه أو يخفف عنه ما لم ييبسا» (١). ------------------------ = الله عنها وهي من أحب الناس إليه - ﷺ - عما تقول إذا زارت القبور، فعلمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو كانت القراءة مشروعة لما كتم ذلك عنها. ومما يقوي عدم المشروعية الأحاديث الآتية: منها قوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقُرأ فيه سورة البقرة». أخرجه مسلم، ففي هذا الحديث إشارة إلى أن المقابر ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها كما أشار في الحديث الآخر أنها ليست موضعًا للصلاة أيضًا وهو قوله: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم كراهة القراءة عند القبور، وهو قول الإمام أحمد، قال أبو داود في «مسائله» ص ١٥٨: سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا. فائدة: حديث: «من مر بالمقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَهُ أَحَدُ (١)﴾ إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات»، فهو حديث باطل موضوع أهـ، «أحكام الجنائز» ص ٢٤١ - ٢٤٢، ٢٤٥. (١) «دلائل النبوة» للبيهقي ٧/ ٤٢. ٥٦ - باب مَا جَاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ وَقَالَ النَّبِيِّ - ﷺ - لِصَاحِبِ القَبْرِ: «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». وَلَمْ يَذْكُرْ سِوى بَوْلِ النَّاسِ. ٢١٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَوْحُ بْن القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي عطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تَبَرَّزَ لَحِاجَتِهِ أَتَيتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ. [انظر: ١٥٠ - مسلم: ٢٧١ - فتح: ١/ ٣٢١] هذا الحديث قد فرغنا من الكلام عليه آنفًا، وأراد البخاري بقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ سِوى بَوْلِ النَّاسِ) أن يبين أن معنى روايته في هذا الباب «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ» أن المراد: بول الناس لا بول سائر الحيوان؛ لأنه قد روى الحديث في الباب قبل هذا وغيره «لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» فلا تعلق في حديث هذا الباب لمن احتج به في نجاسة بول سائر الحيوان، كذا قاله ابن بطال في «شرحه»، وقال في أوله: أجمع الفقهاء على نجاسة البول والتنزه عنه. قَالَ: وقوله: «كان لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» يعني أنه كان لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول، فلما عذب على استخفافه بغسله والتحرز منه، دل أنه مَنْ ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب. واختلف الفقهاء في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، فقال مالك: إزالتها ليست بفرض. وقال بعض أصحابه: إزالتها فرض (١)، وهو قول الشافعي (٢)، وأبي حنيفة، إلا أنه يعتبر في النجاسات ما زاد على قدر -------------------- (١) انظر: «الذخيرة» ١/ ١٩٣ - ١٩٤، «مواهب الجليل» ١/ ٢٨. (٢) انظر: «الوسيط» ١/ ٥٨، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨. الدرهم (١). وحجة من أوجب الإزالة هذا الحديث، وهو وعيد عظيم وتحذير. واحتج ابن القصار بقول مالك فقال: يحتمل أنه عذب؛ لأنه كان يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهور، فيحتمل أن يكون عمدًا. قَالَ: وعندنا أن من ترك السنة بغير عذر ولا تأويل، أنه مأثوم، فإن تركها متأولًا أو لعذر فصلاته تامة (٢). ثم قَالَ البخاري حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَني عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ، فَيَغْسِلُ بِهِ. وهذا الحديث أخرجه مسلم (٣) أيضًا. ومعنى (تبرز): خرج إلى البراز، وهو الفضاء الواسع. وقوله: (فيغسل به) صريح في الاستنجاء بالماء، فنقل ابن التين عن بعضهم أن هذا محمول على المعنى وإلا فقد قَالَ مالك: لم يصح أن النبي - ﷺ - استنجى بالماء عمره كله. وهذا قد أوضحنا الكلام فيه في باب: الاستنجاء بالماء. فائدة: رَوح بن القاسم هذا بفتح الراء قطعًا لا نعلم فيه خلافًا. وقال ابن التين في «شرحه»: روح هذا ذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه ليس في المحدثين رُوح بالضم، وذكر أن روحًا هذا قرئ بالضم، ورويناه بالفتح. قُلْتُ: وهذا غريب. ----------------------- (١) «الهداية» ١/ ٣٧، «بدائع الصنائع» ١/ ١٩. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٢٥، ٣٢٦. (٣) «صحيح مسلم» (٢٧١) كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء من التبرز. باب ٢١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ-: مَرَّ النَّبِيِّ - ﷺ - بِقَبْرَينِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرِ وَاحِدَةً. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمِ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». قَالَ ابن الُمثَنَّى: وَحَدَّثَنَا وَكيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثلَهُ: «يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ١/ ٣٢٢] حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بقَبْرَيْن .. وساق الحديث. وقد سلف ما فيه. و(خازم) بالخاء المعجمة كما سلف في المقدمات (١). ---------------------- (١) سلفت ترجمته في الحديث رقم (١٠). ٥٧ - باب تَرْكِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالنَّاسِ الأَعْرَابِيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فيِ المَسْجِدِ ٢١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسٍ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - رَأى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي الَمسْجِدِ، فَقَالَ: «دَعُوهُ». حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. [٢٢١، ٦٠٢٥ - مسلم: ٢٨٤ - ٢٨٥ - فتح: ١/ ٣٢٢] حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا هَمَّامٌ، أَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - رَأى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: «دَعُوهُ». حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. ٥٨ - باب صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ ٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ ابْن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِىٌّ فَبَالَ فِي الَمسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النُّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». [٦١٢٨ - فتح: ١/ ٣٢٤] ٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبدَانُ قَالَ: أَخبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. [مسلم: ٢٨٤ - فتح: ١/ ٣٢٤] ثم ساق بإسناده حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فِي المَسْجِدِ فبال، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أَنَا عَبْدُ الله، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن أنس به. باب يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ ٢٢١ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الَمسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى بَولَهُ أَمَرَ النَّبِىُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيهِ. [انظر ٢١٩ - مسلم ٢٨٤، ٢٨٥ - فتح: ١/ ٣٢٤] ثم ساق من حديث سُلَيْمَانَ -وهو ابن بلال- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عن أنس: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. والكلام على ذَلِكَ من أوجه: أحدها: حديث أنس أخرجه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق، وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة (١)، ومن طريق يحيى القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس (٢). وأخرجه النسائي من طريق [ابن] (٣) المبارك عن يحيى الأنصاري (٤)، ورواه البخاري ومسلم من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عنه (٥). وشيخ عبدان هو عبد الله بن المبارك. --------------------- (١) مسلم (٢٨٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول. (٢) مسلم (٢٨٤/ ٩٩) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول. (٣) ساقطة من الأصل. (٤) «سنن النسائي» ١/ ٤٨. (٥) سيأتي برقم (٦٠٢٥) كتاب: الأدب، باب: الرفق في الأمر كله، ورواه مسلم (٢٨٤/ ٩٨) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول. وأما حديث أبي هريرة فمن أفراده عن مسلم، وأخرجه أيضًا في الأدب (١). ثانيها: هذا الأعرابي هو ذو الخويصرة اليمانى، كما ساقه أبو موسى المديني في «معرفة الصحابة» فاستفده (٢). ثالثها: في ألفاظه: الأعرابي: هو الذي يسكن البادية وإن لم يكن من العرب. والمسجِد بكسر الجيم ويجوز فتحها. والسَجْل -بفتح السين المهملة وسكون الجيم- الدلو الضخمة المملوءة مذكر. قَالَ ابن سيده: وقيل: هو ملؤها والجمع سجال وسجول. ولا يقال لها فارغة: سَجل، ولكن دلو (٣). وعند أبي منصور الثعالبي: حتى يكون فيها ماء قل أو كثر بخلاف الذَّنوب، فإنها لا تسمى بذلك إلا إذا كانت ملأى (٤). والذنوب -بفتح الذال المعجمة- يذكر ويؤنث. ----------------------- (١) سيأتي برقم (٦١٢٨) باب: قول النبي - ﷺ -: «يسروا ولا تعسروا». (٢) ذكره ابن الأثير في «أسد الغابة» ٢/ ١٧٣ ولم يذكر في ترجمته سوى حديث بوله في المسجد وعزاه لأبي موسى المديني. وكذا ذكره ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٨٥ (٢٤٥١). وورد بهامش الأصل ما نصه: وقال الذهبي في ترجمة ذي الخويصرة: الذي يروى في حديث مرسل هو الذي بال في المسجد وقد رأيت بخط بعض الفضلاء أنه عيينة بن حصن، ونقله عن أمالي أحمد بن فارس اللغوي. (٣) «المحكم» ٧/ ١٩٤. (٤) انظر: «الصحاح» ٥/ ١٧٢٥، «غريب الحديث والأثر» ٢/ ٣٤٣، ٣٤٤، «لسان العرب» ٤/ ١٩٤٥. وقوله: (فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ). قَالَ ابن التين: هذا إنما يصح على ما قاله سيبويه؛ لأنه فعل ماض وهاؤه ساكنة، وأما على الأصل فلا تجتمع الهمزة والهاء في الماضي. قَالَ: ورويناه بفتح الهاء، ولا أعلم لذلك وجهًا. وقوله: (فَصَبَّهُ عَلَيْهِ). كذا في هذِه الرواية، وفي بعض طرق مسلم: فشنه (١) بالشين المعجمة، وروي بالمهملة وهو: الصب. وفرق بعضهم بينهما فقال: بالمهملة: الصب في سهولة. وبالمعجمة: التفريق في الصب. رابعها: في أحكامه وفوائده: الأولى: نجاسة بول الآدمي وهو إجماع، وسواء الكبير والصغير بإجماع من يعتد به، لكن بول الصغير يكفي فيه النضح كما ستعلمه في الباب بعده (٢). الثانية: طهارة الأرض بصب الماء عليها. ولا يشترط حفرها، وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا تطهر إلا بحفرها (٣)، وفيه حديث مرسل (٤)، ولا يكفي مرور الشمس عليها، ولا الجفاف عند أحمد ------------------------ (١) «صحيح مسلم» (٢٨٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول. (٢) سيأتي في باب بول الصبيان حديث رقم (٢٢٣). (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٣ - ١٣٤. (٤) رواه أبو داود (٣٨١) عن موسى بن إسماعيل، عن جرير بن حازم، عن عبد الملك ابن عمير، عن عبد الله بن معقل، عن النبي - ﷺ -، وفيه قال النبي - ﷺ -: «خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه …»، وقال أبو داود: هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي - ﷺ -. ومن طريقه أخرجه الدارقطني في «سننه» ١/ ١٣٢، وقال: عبد الله بن معقل تابعي، وهو مرسل. وأخرجه البيهقي أيضا من طريق أبي داود ١/ ٤٢٨. ومن طريق الدارقطني أخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٧٧ - ٧٨ وقال: = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= قال أحمد: هذا حديث منكر. وقال أبو داود السجستاني: وقد روي مرفوعًا ولا يصح. وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٢٥: بعدما ذكر مرسل ابن معقل ومرسل طاوس: ورواتها ثقات، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٠٧) واعتمد على تقوية الحافظ له وعلى الشاهد، وهو المرسل الثاني الذي روي عن طاوس كما أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٤٢٥ (١٦٦٢) عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس عن النبي - ﷺ -. وأخرجه أيضًا عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس به. وأخرجه أيضًا الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤ من طريق ابن عيينة به، وعزاه الحافظ في «التلخيص» ١/ ٣٧ لسعيد بن منصور، وقد أشار الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٢٥ لصحة إسناده. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٠٧): وهذا مرسل صحيح الإسناد أيضًا. وقد روي موصولًا عن عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع، أما حديث ابن مسعود فرواه أبو يعلى في «مسنده» ٦/ ٣١٠ (٣٦٢٦) من طريق أبي بكر بن عياش، عن سمعان بن مالك المالكي، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤ (١٣) من طريق يحيى بن عبد الحميد، عن أبي بكر بن عياش به، والدارقطني في «سننه» ١/ ١٣١ - ١٣٢ من طريق أبي هشام الرفاعي، عن أبي بكر بن عياش به، وقال: سمعان مجهول. وقال في «العلل» ٥/ ٨٠: يرويه أبو بكر بن عياش واختلف عنه، فرواه يوسف الصفار وأبو كريب وحسين بن عبد الأول عن أبي بكر بن عياش، عن سمعان المالكي. وقال أبو بكر بن أبي شيبة ويحيى الحماني، وسليمان بن داود الهاشمي وأبو هشام الرفاعي، عن أبي بكر، عن سمعان بن مالك، وقال أحمد بن محمد بن أيوب، عن أبي بكر، عن المعلى بن سمعان الأسدي. قال أحمد بن يونس، عن أبي بكر، عن المعلى المالكي، ويقال: إن الصواب المعلى بن سمعان والله أعلم. اهـ. ورواه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» بإسناده إلى الدارقطني ١/ ٧٨ وقال: قلت: وأبو هشام الرفاعي ضعيف. قال البخاري: رأيتهم أجمعوا على ضعفه، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= والتعديل«٤/ ٣١٦: سمعت أبا زرعة يقول: إنه حديث منكر، وسمعان ليس بالقوي، وقال في»العلل«: سمعت أبا زرعة يقول في حديث سمعان في بول الأعرابي: هذا حديث ليس بالقوي. وقال ابن حجر في»الفتح«١/ ٣٢٥: أخرجه الطحاوي لكن إسناده ضعيف، قاله أحمد وغيره. وقال الهيثمي في»المجمع«١/ ٢٨٦: رواه أبو يعلى، وفيه: سمعان بن مالك، قال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال ابن خراش: مجهول، وبقية رجاله رجال الصحيح. أما حديث أنس فرواه أبو يعلى في»مسنده«٦/ ٣١١ (٣٦٢٧) قال: حدثنا أبو هشام، حدثنا أبو بكر، حدثنا منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بمثل حديث ابن مسعود. وقال الهيثمي في»المجمع«١/ ٢٨٦: إسناده رجاله رجال الصحيح. وقال ابن الجوزي في»العلل المتناهية«١/ ٣٣٤،»التحقيق في أحاديث الخلاف«١/ ٧٨: رواه أبو داود محمد بن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس به، ثم قال: قال الدارقطني: وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛ لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عن يحيى بن سعيد، فلم يذكر أحدهم الحفر. إنما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن دينار، عن طاوس أن النبي - ﷺ - قال:»احفروا مكانه«مرسلًا واختلط على عبد الجبار المتنان. وأما حديث واثلة فقد عزاه الحافظ في»التلخيص«١/ ٣٧ إلى أحمد والطبراني. وقال: وفيه عبيد الله بن حميد الهذلي، وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم. اهـ. ولم أجده في»المسند«وما في الطبراني فهو من رواية أنس التي ليس فيها الحفر كما في»المعجم الكبير«٢٢/ ٧٧ (١٩٢)، وقد وجدت كلامًا للألباني في»صحيح أبي داود«٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨ يصرح فيه بعدم وجود الحديث في»المسند«وكذا قال محقق»المطالب العالية«. وقال الحافظ في»التلخيص" ١/ ٣٧: إلا أن هذِه الطريق المرسلة -طريق ابن معقل- مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة. والشافعي خلافًا لأبي حنيفة (١). الثالثة: إن غسالة النجاسة طاهرة، وهو أصح الأقوال عندنا، إن طهر المحل ولم تنفصل متغيرة (٢)، فإن اختل شرط فهي نجسة (٣). الرابعة: الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعسف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا، فإنه - ﷺ - على خلق عظيم، وبالمؤمنين رءوف رحيم. الخامسة: دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله: «دعوه». وفي رواية أخرى في مسلم: «لا تزرموه» (٤) أي: لا تقطعوا عليه بوله فإنه لو قطع عليه بوله لتضرر، وأصل التنجيس قد حصل فلا يزاد. السادسة: قوة الوارد، وأنه يطهر إذا غلب ولم يغير. السابعة: تطهير المساجد من النجاسات وتنزيهها عن الأقذار. --------------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٣ - ١٣٤، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨، «الكافي» لابن قدامة ١/ ١٩١. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ولم تزد وزنًا. (٣) «البيان» ١/ ٤٩، ٥٠. (٤) انظر: «مسلم» برقم (٢٨٥). ٥٩ - باب بَوْلِ الصِّبْيَانِ ٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الُمؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. [٥٤٦٨، ٦٠٠٢، ٦٣٥٥ - مسلم: ٢٨٦ - فتح: ١/ ٢٣٥] ٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ على ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. [٥٦٩٣ - مسلم: ٢٨٧ - فتح: ١/ ٣٢٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصَبِيٍّ، فَبَالَ على ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيِّاهُ. أخبرنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. الكلام عليهما من أوجه: أحدها: حديث عائشة أخرجه البخاري هنا وفي الدعوات (١) والعقيقة (٢) والأدب (٣). ---------------------- (١) سيأتي برقم (٦٣٥٥) باب: الدعاء للصبيان بالبركة. (٢) سيأتي برقم (٥٤٦٨) باب: تسمية المولود. (٣) سيأتي برقم (٦٠٠٢) باب: وضع الصبي في الحجر. ![]()
__________________
|
|
#104
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 407 الى صـــ 426 الحلقة (104) وأخرجه مسلم هنا (١) وفي الاستئذان (٢)، وحديث أم قيس أخرجه مسلم هنا وفي الطب (٣)، والأربعة (٤)، وذكر الترمذي له طرقًا (٥) وأهمل طريق أم كرز في أحمد وابن ماجه (٦). وقال الأصيلي فيما حكاه ابن بطال (٧): انتهى آخر حديث أم قيس إلى قوله: (فنضحه)، وقوله: (ولم يغسله)، من قول ابن شهاب، وقد رواه معمر، عن ابن شهاب فقال: فنضحه ولم يزد (٨). ---------------------- (١) مسلم (٢٨٦) كتاب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل … (٢) مسلم (٢١٤٧) كتاب: الأدب، باب: استحباب تحنيك المولود عند ولادته بنحوه. وورد بهامش الأصل: من خط المصنف، النسائي وابن ماجه هنا وأبو داود في الأدب وأهمله ابن عساكر. (٣) «صحيح مسلم» (٢٨٧) كتاب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع، و(٢٨٧/ ٨٦) كتاب: السلام، باب: التداوي بالعود الهندي. (٤) أبو داود (٣٧٤)، الترمذي (٧١)، النسائي ١/ ١٥٧، ابن ماجه (٥٢٤). (٥) وفي الباب عن علي وعائشة وزينب ولبابة بنت الحارث وأبي السمح، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو وأبي ليلى. (٦) ابن ماجه (٥٢٧)، وأحمد ٦/ ٤٢٢ (٢٧٣٧٠). ومن طريقه الطبراني في «الكبير ٢٥/ ١٦٨ (٤٠٨) وعبد الكريم القزويني في»تدوينه«٢/ ٣٥٤، وابن الجوزي في»التحقيق في أحاديث الخلاف«١/ ١٠٥. كلهم من طريق أبو بكر الحنفي، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أم كرز الخزاعية به. وقال البوصيري في»مصباح الزجاجة«١/ ٧٦ - ٧٧: هذا إسناد منقطع عمرو بن شعيب لم يسمع من أم كرز وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب رواه أبو داود، والترمذي وقال: وفي الباب عن أم قيس وعائشة وزينب ولبابة بنت الحارث وأبي السمح وغيرهم. وصححه الألباني في»صحيح ابن ماجه«(٤٢٦) بما قبله، ورواه الطبراني في»الأوسط«من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ١/ ٢٥١ (٨٢٤). وقال الهيثمي في»المجمع«١/ ٢٨٥: رواه الطبراني في»الأوسط«وإسناده حسن. (٧)»شرح ابن بطال«١/ ٣٣٢. (٨) أخرجه عبد الرزاق في»مصنفه" ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (١٤٨٥)، ومن طريقه أحمد في = ورواه ابن عيينة، عن ابن شهاب، فقال فيه: فَرَشَّه ولم يزد، رواه ابن أبي شيبة (١). قُلْتُ: ولا يقدح في رواية مالك لصحتها وللمتابعة عليها (٢). ثانيها: الصبي المذكور في حديث عائشة يحتمل أن يكون عبد الله بن الزبير ------------------ = «مسنده» ٦/ ٣٥٦ (٢٧٠٠٠)، وأبو عوانة ١/ ١٧٣ (٥٢١). (١) «المصنف» ١/ ١١٣ (١٢٨٧) كتاب: الطهارات، باب: في بول الصبي الصغير .. والحديث رواه مسلم إثر حديث (٢٨٧) كتاب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع … والترمذي (٧١)، وابن ما جه (٥٢٤)، والحميدي (٣٤٦)، وأحمد ٦/ ٣٥٥، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٦/ ٥١ (٣٢٥٣)، وابن الجارود (١٣٩)، وابن خزيمة ٤/ ١٤١ (٢٨٥)، وأبو عوانة ١/ ١٧٢ - ١٧٣ (٥١٩)، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٤١٤. (٢) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٢٧ قوله: (ولم يغسله) ادعى الأصيلي أن هذِه الجملة من كلام ابن شهاب راوي الحديث وأن المرفوع انتهى عند قوله: «فنضحه» قال: وكذلك روى معمر، عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة قال: «فرشه» لم يزد على ذلك انتهى. وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك لكنه لم يقل: «ولم يغسله» وقد قالها مع مالك الليث وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد كلهم عن ابن شهاب، أخرجه بن خزيمة والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن وهب عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده. نعم زاد معمر في روايته قال: قال ابن شهاب: فمضت السنة أن يرش بول الصبي ويغسل بول الجارية، فلو كانت هذِه الزيادة هي التي زادها مالك ومن تبعه لأمكن دعوى الإدراج، لكنها غيرها فلا إدراج. وأما ذكره عن ابن أبي شيبة فلا اختصاص له بذلك، فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة، عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم وغيره وبينا أنها غير مخالفة لرواية مالك والله أعلم. أو الحسن أو الحسين، لروايات في ذَلِكَ سقتها في تخريجي لأحاديث الرافعي فليراجع منه (١). ثالثها: أم قيس اسمها آمنة بنت وهب بن محصن، قاله السهيلي (٢). وقال أبو عمر: اسمها جذامة (٣). رابعها: الصبي جمعه صبيان -بضم الصاد وكسرها- الغلام من حين يولد إلى أن يبلغ (٤). خامسها: معنى (فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ): رشَّه. وفي أخرى: فنضحه. والمعنى واحد. سادسها: الابن في حديث أم قيس لا يقع إلا على الذكر خاصة، بخلاف الولد فإنه يقع عليه وعلى الأنثى. سابعها: قولها: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ). هو في موضع خفض صفة لابن. والطعام: ما يؤكل اقتياتًا، فيخرج ما يحنك به عند الولادة، وربما خص الطعام بالبُر، كما في حديث أبي سعيد في الفطرة. ومعنى لم يأكله: لم يستعن به ويصير له غذاء عوضًا عن الإرضاع، لا أنه لم يدخل جوفه شيء قط، فإن الصحابة كانوا يأتون بأبنائهم ليدعُوَ لهم. --------------------- (١) «البدر المنير» ١/ ٥٤٣. (٢) «الروض الأنف» ٢/ ١٩٦. (٣) «التمهيد» ٩/ ١٠٨. (٤) «لسان العرب» ٧/ ٢٣٩٧ مادة: صبا. والحجر -بفتح الحاء وكسرها- لغتان مشهورتان (١). ثامنها: النضح هو: إصابة الماء جميع موضع البول، وكذا غلبة الماء على الأصح عند أصحابنا، ولا يشترط أن ينزل عنه، ويدل عليه قولها: (فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ)، والغسل أن يغمره وينزل عنه، ولا يشترط العصر هنا. وهل النضح بالمهملة كالمعجمة أو بينهما فُرقان؟ فيه اختلاف ذكرته في «شرح العمدة» فراجعه (٢). تاسعها: في أحكامه وفوائده: وأهمها: الاكتفاء بالنضح في بول الصبي، وهو مخالف للجارية في ذَلِكَ، وهو الصحيح عند أصحابنا (٣)، وبه قَالَ أحمد (٤). وخالف أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما، فقالا: لابد من غسلهما تسوية بينهما (٥)، وربما حملوا النضح على الغسل، وهو ضعيف؛ لنفي الغسل والتفرقة بينهما في الحديث، وعندنا وجه أنه يكفي النضح في الجارية أيضًا (٦) وهو مصادم للنص، وهو حديث ------------------ (١) انظر: «تهذيب اللغة» ١/ ٧٤٧، «لسان العرب» ٢/ ٧٨٢، «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٩٤. (٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٧٧. (٣) انظر: «المجموع» ٢/ ٦٠٧، ٦٠٨، «مغني المحتاج» ١/ ٨٤، ٨٥. (٤) انظر: «الكافي» ١/ ١٩٢، ١٩٣، «الإقناع» ١/ ٩٤. (٥) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٦٩، ٧٠، «المدونة» ١/ ٢٧، «عارضة الأحوذي» ١/ ٩٣، ٩٤. (٦) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٣١، «المجموع» ٢/ ٦٠٨. علي (١) في الفرق بينهما في السُنن. واختلف في السر في الفرق بينهما على أقوال كثيرة، ومنها ما ذكره ابن ماجه بإسناده إلى الشافعي أن بول الغلام (٢) من الماء والطين، وبولها من اللحم والدم (٣). وفي الحديث أيضًا: التبرك بأهل الصلاح والخير وإحضار الصبيان لهم، وسواء فيه وقت الولادة وبعدها (٤)، وأن قليل الماء لا ينجسه قليل -------------------- (١) رواه أبو داود (٣٧٨) كتاب: الطهارة، باب: بول الصبي يصيب الثوب. بلفظ: «يغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام». ورواه الترمذي (٦١٠)، وابن ماجه (٥٢٥)، وابن خزيمة ١/ ١٤٣، ١٤٤ (٢٨٤)، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٠٣): إسناده صحيح على شرط مسلم. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: يغسل من بول الجارية ويرش من بول غلام رووه خلا النسائي وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي من رواية أبي السمح مالك وقيل: إياد والحاكم وقال صحيح وقال [....] انتهى -يعني: كلام المصنف- في تخريج أحاديث الرافعي له. (٣) «سنن ابن ماجه» عقب حديث (٥٢٥). وقال ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» ٢/ ٧٨، ٧٩: والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه: أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه غسله. والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا ها هنا وها هنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى. الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى؛ فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة، وهذِه معان مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق. (٤) قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في «تيسير العزيز الحميد» ١/ ١٥٣ - ١٥٤. = النجاسة إذا غلب عليها، وأن التطهير لا يفتقر إلى إمرار اليد، وإنما المقصود الإزالة ووجوب غسل بول الصبي إذا طعم، ولا خلاف فيه، والندب إلى حمل الآدمي وما يعرض لبنيه، وجبر قلوب الكبار بإكرام أطفالهم وإجلاسهم في الحجر وعلى الركبة ونحو ذلك. ---------------------- = تنبيه: ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم، والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحو ذلك. وقد أكثر من ذلك أبو زكريا النووي في «شرح مسلم» في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئًا من ذلك مع النبي - ﷺ -، وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي - ﷺ -، وهذا خطأ صريح لوجوه: منها عدم المقارنة فضلًا عن المساواة للنبي - ﷺ - في الفضل والبركة. ومنها عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الإطلاع عليه إلا بنص كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، أو من شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح، وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم. ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم الله له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره. ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته، ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه فلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ونحوهم من الذين شهد لهم النبي - ﷺ - بالجنة، وكذلك التابعون فهلَّا فعلوه مع سعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين وأويس القرني، والحسن البصري، ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم. فدل أن ذلك مخصوص بالنبي - ﷺ -. ومنها أن فعل هذا مع غيره - ﷺ -، لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه فسه فيورثه العجب والكبر والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم. اهـ. ٦٠ - باب البَول قَائِمًا وَقَاعِدًا ٢٢٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِل، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ. [٢٢٥، ٢٢٦، ٢٤٧١ - مسلم: ٢٧٣ - فتح: ١/ ٣٢٨] حَدَّثَنَا آدَمُ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ به. كذا ترجم على القاعد والقائم ولم يذكر إلا القائم، وكأنه يقول: إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز لأنه أمكن. ثم قَالَ: ٦١ - باب البَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَالتَّسَتُّرِ بِالْحَائِطِ ٢٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَان بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - نَتَمَاشَى، فأاَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ. [انظر: ٢٢٤ - مسلم: ٢٧٣ - فتح: ١/ ٣٢٩] حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - نتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ. ٦٢ - باب البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ ٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ، ويَقُولُ: إِنَّ بَنِي اِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. [انظر: ٢٢٤ - مسلم:٢٧٣ - فتح: ١/ ٢٣٩] حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ، وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. الكلام على ذَلِكَ من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه في المظالم (١)، وأخرجه مسلم (٢) والأربعة هنا أيضًا (٣). وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة أسدي مشهور، وانفرد أبو داود (٤)(١) سيأتي برقم (٢٤٧١) الوقوف والبول عند سباطة قوم. (٢) «صحيح مسلم» (٢٧٣) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين. (٣) أبو داود (٢٣)، الترمذي (١٣)، النسائي ١/ ١٩، ابن ماجه (٣٠٥). (٤) قلت: بل أخرج له أيضًا الترمذي وابن ماجه كما ذكره المزي في «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤ في ترجمة عبد الله بن بحير. وقد وقفت له على حديثين في الترمذي برقم (٢٣٠٨)، (٣٣٣٣) وعند ابن ماجه وقفت على حديث له برقم (٤٢٦٧) وننبه بأن بعض طبعات «جامع الترمذي» جعلته عبد الله بن بُجَير وهو خطأ: إذ أن عبد الله بن بجير لم يروي له إلا أبو داود في «المراسيل». وقد ذكر ابن الملقن مرة أخرى أن أبا داود انفرد بأبي وائل عبد الله بن بحير عند شرحه لحديث (٢٩٧). بأبي وائل القاص عبد الله بن بَحير (١) وليس في الكتب الستة غير هذين بهذِه الكنية، وصرح الحميدي في «مسنده» سماع الأعمش إياه من أبي وائل (٢)، وكذا أحمد بن حنبل (٣). وقال الدارقطني: رواه عاصم بن بَهْدَلة وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل، عن المغيرة وهو خطأ (٤). وقال الترمذي وجماعة من الحفاظ فيما حكاه البيهقي: حديث الأعمش ومنصور، عن أبي وائل، عن حذيفة أصح من رواية عاصم وحماد (٥). وجمع ابن خزيمة بينهما في الحديث، وساق حديث حماد وعاصم (٦)، ورواه ابن ماجه من حديث عاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة (٧)، وعن عاصم عن المغيرة بإسقاط أبي وائل (٨). ---------------------- (١) عبد الله بن بحير بن ريسان المراداي أبو وائل القاص اليماني الصنعاني والد يحيى بن عبد الله. وثقه بن معين. وقال على بن المديني: سمعت هشام بن يوسف وسئل عن عبد الله بن بحير القاص الذي روى عن هانئ مولى عثمان. فقال: كان يتقن ما يسمع. وذكره ابن حبان في «الثقات» روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وانظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ١٥ (٦٩). و«ثقات ابن حبان» ٨/ ٣٣١. و«تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٢٣ (٣١٧٤). (٢) «مسند الحميدي» ١/ ٤٠٩ (٤٤٧). وإسناده: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الأعمش، قال سمعت أبا وائل يقول: سمعت حذيفة (٣) «مسند أحمد» ٥/ ٣٨٢. وإسناده: ثنا سفيان ثنا الأعمش، ثنا شقيق عن حذيفة، ٥/ ٤٠٢ وإسناده: ثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش حدثني شقيق عن حذيفة. (٤) «علل الدارقطني» ٧/ ٩٥ (١٢٣٤). (٥) «سنن الترمذي» (١٣)، «سنن البيهقي الكبرى» ١/ ١٠١. (٦) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٧ (٦٣). (٧) «سنن ابن ماجه» (٣٠٦). (٨) لم أقف على هذِه الطريق عند ابن ماجه ولم يذكرها المزي في «تحفة الأشراف». ثانيها: السُّباطة -بضم السين وفتح الباء الموحدة (١) -: الموضع الذي يرمى فيه التراب ونحوه يكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، ويكون ذَلِكَ في الغالب سهلًا فلا يرد على بائله. وقيل: إنها الكناسة نفسها (٢). ثالثها: كانت هذِه السباطة بالمدينة كما ذكره محمد بن طلحة بن مصرف عن الأعمش. رابعها: بوله - ﷺ - في هذِه السباطة يحتمل أوجهًا: أظهرها: أنهم كانوا يؤثرون ذَلِكَ، ولا يكرهونه بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه، بل كانوا يستشفون به، بل ورد أن الأرض تبتلع ما يخرج منه ويفوح له رائحة طيبة (٣). -------------------- (١) ورد بهامش الأصل: لا حاجة إلى تقييد الباء بالفتح لأنه لا يكون قبل الألف إلا مفتوح. (٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٣٣٥، «مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٦٥، «لسان العرب» ٤/ ١٩٢٢ مادة: (سبط). (٣) روى هذا الخبر ابن سعد في «الطبقات» ١/ ١٧٠ - ١٧١ من طريق الفضل بن إسماعيل، عن عنبسة، عن محمد بن زاذان، عن أم سعد، عن عائشة: بلفظ: «قلت يا رسول الله تأتي الخلاء منك شيء من الأذى! فقال:»أوما علمت يا عائشه أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شيء« ومن نفس الطريق أخرجه الطبراني في»الأوسط«٨/ ٢١ (٧٨٣٥)، وأبو نعيم في»دلائل النبوة«(٣٦٤) بنحوه. ومن طريق ليلى مولاة عائشة عنها، أخرجه أبو نعيم في»أخبار أصبهان«١/ ١٧٦ بنحو ما أخرجه ابن سعد وبزيادة»وأجد رائحة المسك". = ثانيها: أنها كانت مواتًا مباحة لا اختصاص لهم بها، وكانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيفت إليهم؛ لقربها منهم، فإضافتها إضافة اختصاص لا ملك. ثالثها: أن يكونوا أذنوا في ذَلِكَ إما صريحًا أو دلالة. خامسها: روى وكيع، عن زائدة، عن زكريا، عن عبد العزيز أبي عبد الله، عن مجاهد: ما بال - ﷺ - قائمًا إلا مرة واحدة في كثيب أعجبه (١). وهذا الحديث يرده. سادسها: المعروف من عادته عليه أفضل الصلاة والسلام البعد في المذهب. وأما بوله في هذِه السباطة؛ فلأنه - ﷺ - كان من الشغل بأمور المسلمين -------------------- = ومن طريق حسين بن علوان، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة. وقال: - ﷺ - لهذِه الأحاديث كلها أصول -يقصد أحاديث حسين بن علوان- إلا حديث السخاء، فإنه يعرف من حديث الأعرج، عن أبي هريرة. ورواه البيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٧٠ وقال: فهذا من موضوعات الحسين بن علوان لا ينبغي ذكره ففي الأحاديث الصحيحة والمشهورة في معجزاته كفاية عن كذب ابن علوان. ورواه أيضًا الخطيب في «تاريخ بغداد» ٨/ ٦٢ ونقل تضعيف أئمة الجرح والتعديل للحسين بن علوان. وأخرجه ابن الجوزي في «العلل» من طريقين عن هشام بن عروة وقال: هذا لا يصح. أما الطريق الأول: ففيه الحسين بن علوان كذبه أحمد ويحيى، وقال النسائي وأبو حاتم والدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن عدي: كان يضع الحديث. وأما الطريق الثاني: فقال الدارقطني: تفرد به محمد بن حسان، قال أبو حاتم الرازي: كان كذابًا. (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١١٦ (١٣٢٠). وفيه: وكيع عن زكريا عن عبد العزيز … والنظر في مصالحهم بالمحل المعروف، فلعله طال عليه المجلس حتى حضره البول فلم يمكن التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السباطة لدمثها، وقام حذيفة بقربه؛ ليستره عن الناس. سابعها: في سبب بوله - ﷺ - قائمًا أوجه: أحدها: أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب به، فلعل ذَلِكَ كان به (١). ثانيها: أنه فعل ذلك لجرح كان بمأبضه، والمأبض باطن الركبة. ورواه الحاكم في «مستدركه»، وقال: رواته كلهم ثقات (٢). وفيه نظر لا جرم ضعفه البيهقي وغيره (٣). ثالثها: أنه لم يجد مكانًا للقعود فاضطر إلى القيام؛ لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا مرتفعًا. رابعها: أنه فعل ذَلِكَ؛ لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر، بخلاف القعود. ومنه قول عمر - رضي الله عنه -: البول قائما أحصن للدبر (٤). -------------------- (١) حكاه البيهقي ١/ ١٠١ عن الشافعى. (٢) «المستدرك» ١/ ١٨٢ عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - بال قائمًا من جرح كان بمأبضه ثم قال: هذا حديث صحيح تفرد به حماد بن غسان ورواته كلهم ثقات. وتعقبه الذهبي بقوله: في إسناده حماد ضعفه الدارقطني. اهـ بتصرف. (٣) «سنن البيهقي الكبرى» ١/ ١٠١. حيث قال: حديث لا يثبت مثله. وقال النووي في «شرح صحيح مسلم» ٣/ ١٦٥: ضعيف. وقد رواه الخطابي في «معالم السنن» ١/ ١٨. وقال الذهبي في «المهذب» ١/ ١١٠: قلت: هذا منكر. (٤) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٢٢. والبيهقي في «سننه» ١/ ١٠٢. وعزاه الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٣٠، والهندي في «كنز العمال» (٢٧٢٤٤) لعبد الرزاق. خامسها: أنه فعله لبيان الجواز، وعادته المستمرة القعود، دليله حديث عائشة: من حدثكم أنه - ﷺ - كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا. رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد جيد، لا جرم صححه ابن حبان والحاكم وقال: على شرط البخاري ومسلم. وقال الترمذي: إنه أحسن شيء في الباب وأصح (١). سادسها: لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة، وهي رخوة، --------------------- (١) رواه الترمذي (١٢)، وقال: حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب، والنسائي ١/ ٢٦، وابن ماجه (٣٠٧)، وأحمد ٦/ ١٣٦، وابن حبان ٤/ ٢٧٨ (١٤٣٠)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ١٨٥، وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وكأنهما تركاه لما رأياه معارضًا لخبر حذيفة. ووافقه الذهبي، وقال في «المهذب» ١/ ١١١: سنده صحيح، ورواه أيضًا أبو نعيم في «أخبار أصبهان» ١/ ٢٩٦، والبيهقي في «سننه» ١/ ١٠١ - ١٠٢. وقال السيوطي في «شرحه لسنن النسائي» ١/ ٢٦ - ٢٧ وكذا السندي في «حاشيته» ١/ ٢٦ - ٢٧. أخرجه الترمذي وقال: أنه أحسن شيء في هذا الباب وأصح، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقال الشيخ ولي الدين: هذا الحديث فيه لين؛ لأن فيه شريكًا القاضي، وهو متكلم فيه بسوء الحفظ، وقول الترمذي أنه أصح شيء في الباب لا يعني تصحيحه، ولذلك قال ابن القطان: إنه لا يقال فيه صحيح، وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، وكيف يكون على شرطهما مع أن البخاري لم يخرج لشريك بالكلية، ومسلم خرج له استشهادًا لا احتجاجًا وحديث حذيفة أصح منه؟. اهـ. وقال أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٢٧٨: هذا الخبر يوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أنه مضاد لخبر حذيفة وليس كذلك. وقد صحح الحديث الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٠١) بمتابعة سفيان الثوري لشريك، عن المقدام كما عند أبي عوانة والبيهقي وأحمد وغيرهم وأشار إلى وهم العراقي، ومن بعده السيوطي والسندي وغيرهم. فخشي أن يتطاير عليه، أبداه المنذري. وقد يقال: القائم أجدر بهذِه الخشية من القاعد، واعلم أن بعضهم ادعى نسخ حديث حذيفة بعائشة. قَالَ أبو عوانة في «صحيحه» بعد أن أخرجه بلفظ: ما بال قائمًا منذ أنزل عليه القرآن. حديث حذيفة منسوخ بهذا (١). وقال الحاكم في «مستدركه» بعد أن أخرجه بلفظ: ما رأى أحد النبي - ﷺ - يبول قائمًا منذ أنزل عليه القرآن: الذي عندي أنهما لما اتفقا على حديث حذيفة وجدا حديث عائشة معارضًا له تركاه (٢) -ولك أن تقول: إنه غير معارض؛ لأن عائشة أخبرت بما شاهدت ونفت ما علمت وذلك الأغلب من حاله، ثم المثبت مقدم على النافي (٣)، ثم حذيفة من الأحدثين، فكيف يتجه النسخ؟! ثامنها: روي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت، وحديث عائشة السالف ثابت. ومن الأحاديث الضعيفة حديث جابر: نهى رسول الله - ﷺ - الرجل أن يبول قائمًا (٤). وسبب ضعفه عدي بن الفضل راويه. -------------------- (١) «مسند أبي عوانة» ١/ ١٩٦ (٥٠٤). (٢) «المستدرك» ١/ ١٨٥. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط المصنف، وروى ابن ماجه، عن سفيان بن سعيد: الرجل أعلم بهذا من المرأة. (٤) رواه ابن ماجه (٣٠٩)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٩٤ ترجمة (١٥٤٠)، وابن شاهين في «ناسخه» (٣٨٥)، والبيهقي ١/ ١٠٢. وقال البوصيري: في «مصباح الزجاجة» ١/ ٤٥: إسناد جابر ضعيف لاتفاقهم على ضعف عدي بن الفضل، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٦٤): ضعيف جدًا. وحديث بريدة مرفوعًا: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا» الحديث. قَالَ الترمذي: غير محفوظ (١). لكن البزار أخرجه بسند جيد (٢). وحديث عمر: رآني رسول الله - ﷺ - وأنا أبول قائمًا فقال: «يا عمر، لاتبل قائمًا» فما بلت قائمًا بعد (٣). قَالَ الترمذي: إنما رفعه عبد الكريم، وهو ضعيف. وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قَالَ: قَالَ عمر: ما بلت قائمًا منذ أسلمت (٤). ----------------------- (١) ذكره عقب الرواية (١٢) كتاب: الطهارة، باب: البول قاعدًا. (٢) رواه البزار كما في «كشف الأستار» ١/ ٢٦٦ (٥٤٧)، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ١٢٩ (٥٩٩٨). وذكره البخاري في «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٩٥، ٤٩٦ ترجمة (١٦٥٤) بلفظ: «أربع من الجفاء …». (٣) رواه ابن ماجه (٣٠٨)، والحاكم ١/ ١٨٥، والبيهقي ١/ ١٠٢. وقال البوصيري في «الزوائد» ١/ ٤٥: عبد الكريم مجمع على تضعيفه، وفد تفرد بهذا الخبر وعارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري الثقة المأمون المجمع على تثبته، ولا يغتر بتصحيح ابن حبان لهذا الخبر من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر فإنه قال بعده: أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع، وقد صح ظنه فإن ابن جريج إنما سمعه من ابن أبي المخارق كما ثبت في رواية ابن ماجه هذِه ورواية الحاكم في «المستدرك» واعتذر عن تخريجه أئمة إنما أخرجه في المتابعات. وحديث عبيد الله العمري أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه» والبزار في «مسنده» وحديث بريدة أخرجه البخاري في «تاريخه» والبزار في «مسنده» ورجاله رجال ثقات إلا أنه معلول. اهـ. وقال ابن المنذر في «الأوسط»: لا يثبت لأن الذي رواه عبد الكريم أبو أمية، قال يحيى بن معين: عبد الكريم البصري ضعيف … إلخ. ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٦٣): ضعيف. (٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١١٦ (١٣٢٤)، والبزار كما في «كشف الأستار» ١/ ١٣٠ (٢٤٤)، وقال الهيثمي: في «مجمع الزوائد» ١/ ٢٠٦: رواه البزار ورجاله ثقات. وهذا أصح منه (١). وأما ابن حبان فأخرجه في «صحيحه» وقال: أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع (٢). وقال الكرابيسي في كتاب «المدلسين»: روى الأعمش، عن زيد بن وهب، أنه رأى عمر بال قائمًا، فخالف رواية الحجازيين. وقال ابن المنذر: ثبت أن عمر (٣) وابنه (٤) وزيد بن ثابت (٥) وسهل بن سعد (٦) بالوا قيامًا. قَالَ: وروي ذَلِكَ عن علي (٧) --------------------- (١) «جامع الترمذي» عقب حديث (١٢). (٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٧١، ٢٧٢ عقب الرواية (١٤٢٣). (٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ١١٥ (١٣١٠)، وابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٣٤. (٤) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٦٤ برواية يحيى، وابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١١٥ (١٣١٣)، وابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٣٥. (٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١١٥ (١٣١٢)، وابن المنذر في: «الأوسط» ١/ ٣٣٥. (٦) رواه ابن أبي شيبة في «مسنده» ١/ ٩٥ (١١٢)، والروياني في «مسنده» ٢/ ١٩٤ (١٠٢٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٣٦، ورواه الطبراني ٦/ ١٤٧ (٥٨٠١)، ٦/ ١٥٣ (٥٨٢٢)، ٦/ ١٧١ (٥٨٩٥) من طرق عن أبي حازم به، ورواه ابن السكن في «الحروف» وكذا القاضي أبو الطاهر الذهلي كما في «الإمام» لابن دقيق العيد ٢/ ١٢١ وقال ابن دقيق العيد: وهذا إسناد على شرط الشيخين، فيعقوب الدورقي وعبد العزيز وأبوه مخرج لهم في الصحيحين، وشيوخ ابن السكن فيهم غير واحد من الثقات أو كلهم ثقات. اهـ. ثم حسن طريق أبي الطاهر الذهلي. وقال البوصيري في «الإتحاف» ١/ ٢٧٧: إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «المطالب العالية» ٢/ ١٧٦: إسناده صحيح. (٧) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢٠١ بلفظ: «رأيت عليًّا بال وهو قائم حتى أرغى …»، ومسدد في «مسنده» كما في «الإتحاف» ١/ ٢٧٧، «المطالب العالية» ٢/ ١٧٣، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ١١٥ (١٣١١)، وابن المنذر في = وأنس (١) وأبي هريرة (٢). وفعل ذَلِكَ ابن سيرين وعروة بن الزبير (٣). وكرهه ابن مسعود، والشعبي وإبراهيم بن سعد، وكان ابن سعد لا يجيز شهادة من بال قائمًا (٤)، ولم يبلغه الحديث، كما قَالَ الداودي في «شرحه». قَالَ: وفيه قول ثالث أنه إن كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فمكروه، وإن كان لا يتطاير فلا بأس به، وهذا قول مالك (٥). قَالَ ابن المنذر: والبول جالسًا أحب إليَّ، وقائمًا مباح، وكل ذَلِكَ ثبت عنه - ﷺ - (٦). ----------------------- = «الأوسط» ١/ ٣٣٥، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٦٨، والبيهقي في «سننه» ١/ ٢٨٨، وابن دقيق العيد في «الإمام» ٢/ ٢٠٩، وقال البوصيري في «الإتحاف» ١/ ٢٧٧: هذا إسناد حسن. ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٦/ ٢٤١ دون لفظة: «قائم» وكذا الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٣٧٣. كلهم عن أبي ظبيان يقول: «رأيت عليًّا يبول قائمًا …». ورواه ابن سعد أيضًا في «الطبقات» ٦/ ٢٤١ عن مالك بن الجون قال: «رأيت عليًّا جالسًا فبال ..». (١) رواه ابن أبي شيبة في «المسند» كما في «المطالب العالية» ١/ ١٧٥ بلفظ: «أن أنسًا - ﷺ - أتى المهراس فبال قائمًا ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم توجه إلى المسجد …». والبخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ٦٧ - ٦٨ مختصرًا، والضياء في «المختارة» ٦/ ١٤٤ (٢١٣٩). (٢) رواه مسدد كما في «الإتحاف» ١/ ٢٧٦، قال: ثنا يحيى، عن عمران بن حدير، عن رجل من أخوال المحرر بن أبي هريرة: أنه رأى أبا هريرة بال قائمًا، وعليه موردتان، فدعا بماء فغسل ما هنالك، وابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١١٥ (١٣١٤). قال: حدثنا معاذ بن معاذ، عن عمران بن حدير به. وقال البوصيري في «الإتحاف» ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧: هذا إسناد ضعيف لجهالة تابعيه. (٣) «الأوسط» ١/ ٣٣٣، ٣٣٤. (٤) «الأوسط» ١/ ٣٣٥، ٣٣٦. (٥) انظر: «المدونة» ١/ ٣٣٨. (٦) «الأوسط» ١/ ٣٣٨. وقال أصحابنا: يكره قائما كراهة تنزيه دون عذر (١). تاسعها: قوله: (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ). فيه جواز الاستعانة في العبادات. وقوله: (فَتَوَضَّأَ به). إن كان المراد به الوضوء الشرعي ففيه الاستعانة بإحضار الماء للطهارة، ومطلوبية الوضوء عقب الحدث حتى يكون على طهارة، وإن كان المراد بالوضوء الاستنجاء ففيه رد على من منعه بالماء، وقد سلف ما فيه. عاشرها: معنى (انْتَبَذْتُ مِنْهُ) تأخرت عنه بعيدًا، وفَعَل حذيفة ذَلِكَ تأدبًا معه، لأنها حالة تخفِّي ويستحَيى منها. حادي عشرها: قوله: (فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ). وفي رواية فقال: «ادنه» (٢). قد يستدل به على جواز التكلم عند قضاء الحاجة، إلا أن يئول القول على الإشارة، إنما اسْتَدْنَاه ليستتر به عن أعين الناس، ولكونها حالة يستخفي فيها ويُسْتَحَى منها عادة كما سلف، وكلانت الحاجة بولًا يؤمن معه من الحدث الآخر، فلهذا استدناه. وجاء في حديث آخر أنه قَالَ: «تنح» لكونه كان قاعدًا ويحتاج إلى الحدثين جميعًا. ولهذا قَالَ بعض العلماء في هذا الحديث: من السنة القرب من البائل إذا كان قائمًا، وإن كان قاعدًا فالسنة الإبعاد عنه، وقال ------------------- (١) انظر: «البيان» ١/ ٢٠٩، «المجموع» ٢/ ١٠٠. (٢) رواها مسلم (٢٧٣) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين. إسحاق بن راهويه: لا ينبغي لأحد يتقرب من الرجل يتغوط أو يبول جالسًا، لقوله: «تنح فإن كل بائلة تفيخ» ويروى: تفيس (١). ثاني عشرها: مقصود حذيفة بقوله: (لَيْتَهُ أَمْسَكَ). أنَّ هذا التشديد خلاف السنة، فإنه - ﷺ - بال قائمًا، ولا شك في كون القائم يتعرض للرشاش فلم يتكلف إلى هذا الاحتمال، ولا تكلف البول في قارورة، كما كان يفعله أبو موسى (٢). ثالث عشرها: قوله: (كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ). وفي رواية: إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه (٣) -يعني: بالجلد التي كانوا يلبسونها، كما قاله القرطبي. قال وحمله بعض مشايخنا على ظاهره، وأن ذَلِكَ من الإصر الذي حملوه. وقرضه: أي: قطعه (٤). رابع عشرها: في فوائده مختصرة: فيه: جواز البول قائمًا، وقرب الإنسان من البائل، وطلب البائل من صاحبه الذي يسدل عليه القرب منه؛ ليستره، واستحباب التستر، وجواز البول بقرب الديار والاستعانة كما سلف، وكراهة مدافعة البول إذا قلنا إن البول في السباطة لذلك، وكراهة الوسوسة، وتقديم أعظم المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين، وخدمة العَالِم، والتسهيل على هذِه الأمة، ---------------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٣٥. (٢) رواها مسلم (٢٧٣). (٣) التخريج السابق. (٤) «المفهم» ١/ ٥٢٥. ![]()
__________________
|
|
#105
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 427 الى صـــ 446 الحلقة (105) والرخصة في يسير البول، لأن المعهود ممن بال قائمًا أن يتطاير إليه مثل رءوس الإبر، وهو مذهب الكوفيين خلافًا لمالك والشافعي، وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول (١). ------------------ (١) انظر: «الأصل» ١/ ٦٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٧٦، «المدونة» ١/ ٢٧، «الأم» ١/ ٥٥. وورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في السادس بعد الأربعين كتبه مؤلفه. ٦٣ - باب غَسْلِ الدَّمِ ٢٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ الُمثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلَّي فِيهِ». [٣٠٧ - مسلم:٢٩١ - فتح: ١/ ٣٣٠] ٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابنةُ أَبِي حُبَيشِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي اَمْرَأةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلَّي». قَالَ: وَقَالَ أَبِي: «ثُمَّ تَوَضَّئي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ». [٣٠٦، ٣٢٠، ٣٢٥، ٣٣١ - مسلم: ٣٣٣ - فتح ١٤/ ٣٣١] ذكر فيه حديثين فقال: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (١) قَالَ: حَدَّثنَا يَحْييَ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلّي فِيهِ». والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه في الحيض من حديث مالك، عن هشام (٢). -------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: في أصلنا المصري والدمشقي محمد بن المثنى، وكذا طرقه المزي، والظاهر أن يحيى تصحيف من مثنى، والله أعلم. [«تحفة الأشراف» (١٥٧٤٣)]. (٢) سيأتي برقم (٣٠٧) كتاب: الحيض، باب: غسل دم المحيض. وأخرجه مسلم والأربعة (١) ولأبي داود: «تنظر فإن رأت فيه دما، فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر» (٢). وقال في كتاب «التفرد»: تفرد به أهل المدينة. وللترمذي: «اقرصيه بماء ثم رشيه» (٣). ولابن خزيمة: «فلتحكه ثم لتقرصه بشيء من ماءٍ، وتنضح في سائر الثوب بماء وتصلي فيه» (٤). ثانيها: يَحْيَى هذا هو القطان. وفاطمة هي بنت المنذر. وأسماء هي الصديقة بنت الصديق. ثالثها: روى الشافعي أن هذِه المرأة السائلة هي أسماء نفسها (٥)، وضعفه النووي (٦)، وليس كما ذكر كما أوضحته في تخريج أحاديث الرافعي (٧). رابعها: «تحتُّه» -هو بالمثناة فوق، ثم حاء مهملة، ثم مثناة فوق أيضًا- وهو الحَكُّ، كما جاء في رواية ابن خزيمة (٨)، والقشر والفرك أيضًا. «وتَقْرُصه» بفتح أوله وإسكان ثانيه وضم ثالثه، ويجوز ضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه. --------------------- (١) مسلم (٢٩١) كتاب: الطهارة، باب: نجاسة الدم وكيفية غسله، أبو داود (٣٦٠، ٣٦١)، الترمذي (١٣٨)، النسائن ١/ ١٥٥، ابن ماجه (٦٢٩). (٢) أبو داود (٣٦٠). (٣) الترمذي (١٣٨). (٤) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ١٤٠ (٢٧٦). (٥) «مسند الشافعي» ١/ ٢٤ (٤٦)، «الأم» ١/ ٥، ١٥. (٦) «المجموع» ١/ ١٣٨. (٧) «البدر المنير» ١/ ٥١٢. (٨) سبق تخريجها. قال القاضي عياض: رويناه بهما جميعًا، والصاد مهملة، وهو الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره (١). «وتنضِحه» بكسر الضاد المعجمة، أي: تغسله. خامسها: في أحكامه: وهو أصل في غسل النجاسات من الثياب. الأول: نجاسة الدم، وهو إجماع. ثانيها: وجوب غسل قليله وكثيره. وقال ابن بطال: إنه محمول عند العلماء على الدم الكثير؛ لأن الله تعالى شرط في نجاسته أن يكون مسفوحًا، وعني به الكثير الجاري، وعند أهل الكوفة أن القليل منه وفي سائر النجاسات دون الدرهم (٢). ثالثها: تعين الماء في إزالة النجاسة، وبه قَالَ مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وزُفَر وعامة الفقهاء، وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف فجوزا إزالتها بكل مائع طاهر يمكن إزالتها به، والمسألة مبسوطة في الخلافيات (٣). وحديث مجاهد عن عائشة في البخاري: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فمصعته (٤) -------------------- (١) «إكمال المعلم» ٢/ ١١٧. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٣٨، ٣٣٩. (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٨٣، ٨٧، «التفريع» ١/ ١٩٩، «المجموع» ١/ ١٤٢، ١٤٣، «المغني» ١/ ١٤٢، ١٤٣. (٤) مصعته: أي حركته وفركته. انظر: «لسان العرب» مادة: مصع. بظفرها (١). أي: عركته. قد أنكر أحمد وجماعة سماع مجاهد منها. نعم، أثبته الشيخان (٢)، وفي البخاري من حديث القاسم عنها: ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره ثم تصلي فيه (٣). رابعها: عدم اشتراط العدد في إزالة النجاسة والواجب فيها الإنقاء، فإن بقي من أثرها شيء يشق إزالته عفي عنه، فمان كانت النجاسة حكمية كفي فيها جري الماء وندب فيها التثليث. وعند أبي حنيفة أنها تغسل إلى أن يغلب على الظن طهرها من غير عدد مسنون، فإن كانت عينية فلابد من إزالة عينها، وندب ثانية وثالثة بعدها، ولا يشترط عصر الثوب على الأصح، فإن عسر إزالة اللون لم يضر بقاؤه، وكذا الريح، فإن اجتمعا ضَّر على الصحيح، وإن بقي الطعم وحده ضر (٤). وكان ابن عمر إذا شق عليه إزالة الأثر في الثوب قطعه (٥). خامسها: الأمر بالحت والقرص، وهو أمر استحباب عند فقهاء الأمصار، وأوجبه بعض أهل الظاهر وبعض الشافعية (٦). -------------------- (١) سيأتي برقم (٣١٢) كتاب: الحيض، باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه. (٢) قال يحيى بن سعيد: لم يسمع مجاهد من عائشة، وسمعت شعبة ينكر أن يكون سمع منها، وتبعهما على ذلك يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي. انظر: «جامع التحصيل» ٢٧٣، «تحفة التحصيل» ص ٢٩٤. (٣) سيأتي برقم (٣٠٨) كتاب: الحيض، باب: غسل دم الحيض. (٤) انظر: «الوسيط» ١/ ٥٩، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨. (٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٨٠ (٢٠٧٣) عن نافع عن ابن عمر أنه رأى في ثوبه دمًا فغسله فبقي أثره أسود فدعى بمقص فقصه فقرضه. (٦) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٢٨. الحديث الثاني: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عْرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بنت أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي». قَالَ: وَقَالَ أَبِي: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث سيأتي قريبًا في الاستحاضة (١)، وقد أخرجه مسلم (٢) والأربعة (٣)، وهو حديث متفق على صحته، وأخرجه أبو داود والنسائي من مسند فاطمة هذِه (٤). ثانيها: محمد هذا شيخ البخاري، هو ابن سلام كما جاء في بعض نسخه، وكذا نسبه ابن السكن والمهلب وصرح به البخاري في النكاح، فقال: حَدَّثنَا محمد بن سلام، ثنا أبو معاوية (٥). وذكر الكلاباذي أن البخاري روى عن محمد بن المثنى، عن أبى معاوية. وعن محمد بن سلام، عن أبي معاوية. -------------------- (١) سيأتي برقم (٣٠٦) كتاب: الحيض، باب: الاستحاضة. (٢) مسلم (٣٣٣) كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها. (٣) أبو داود (٢٨٢)، والترمذي (١٢٥)، والنسائي ١/ ١٢٢، وابن ماجه (٦٢١). (٤) أبو داود (٢٨٠)، والنسائي ١/ ١٢١، وهو أيضًا عند ابن ماجه برقم (٦٢٠). (٥) سيأتي برقم (٥٢٠٦) باب: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾. ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق إسحاق بن إبراهيم عن أبي معاوية، وذكر أن البخاري رواه عن محمد بن المثنى، عن أبي معاوية. ثالثها: والد فاطمة هذِه هو قيس بن المطلب، ووقع في أكثر نسخ مسلم: عبد المطلب. وهو غلط، ووقع في «مبهمات الخطيب» أنها أنصارية (١)، وهي غير فاطمة بنت قيس المذكورة في النكاح، ولا يعرف للمذكورة هنا -أعني: في باب الحيض- غير هذا الحديث. وذكر الحربي أن فاطمة (٢) هذِه تزوجت بعبد الله بن جحش، فولدت له محمدًا، وهو صحابي، هاجرت رضي الله عنها، وهي إحدى المستحاضات على عهد رسول الله - ﷺ -، وقد عددتهم في «شرح العمدة» فبلغن نحو العشرة، فراجع ذَلِكَ منه (٣). رابعها: في ألفاظه: الاستحاضة: جريان الدم في غير أوقاته. وقولها: (فلا أطهر) أي: لا أنْظُف من الدم. والعِرق بكسر العين. ويقال له: العاذل بذال معجمة، وحكي إهمالها، وبدل اللام راء، وهذا العرق فمه في أدنى الرحم. وقوله: («فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ») يجوز فيه فتح الحاء وكسرها، وهو بالفتح: الحيض، وبالكسر الحالة. --------------------- (١) «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» ص ٢٥٤. (٢) هي فاطمة بنت أبي حُبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن فقصي القرشية الأسدية. انظر: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٤١٣ (٣٩٧٥، «الاستيعاب» ٤/ ٤٤٧ (٣٤٨٩)، «أسد الغابة» ٧/ ٢١٨ (٧١٧١)، «الإصابة» ٤/ ٣٨١ (٨٣٥). (٣) «الإعلام» ٢/ ١٧٧، ١٨٠. والإدبار: الانقطاع. خامسها: في فوائده: وقد وصلتها في «شرح العمدة» (١) إلى نيف وعشرين فائدة، ونذكر منها عشرة: الأولى: أن المستحاضة تصلي أبدًا إلا في الزمن المحكوم بأنه حيض، وهو إجماع. ثانيها: نجاسة الدم، وهو إجماع كما سلف في الحديث قبله إلا من شذ. ثالثها: استفتاء المرأة وسماع صوتها عند الحاجة. رابعها: الأمر بإزالة النجاسة. خامسها: وجوب الصلاة بمجرد الانقطاع. سادسها: إن الصلاة لا يتركها من عليه دم كما فعل عمر - رضي الله عنه - حيث صلى وهو يثعَبُ دمًا (٢). سابعها: ترك الحائض الصلاة، وهو إجماع لم يخالف فيه إلا الخوارج. ثامنها: الرد إلى العادة أو التمييز. تاسعها: عدم وجوب الغسل لكل صلاة. --------------------- (١) «الإعلام» ٢/ ١٨٣، ١٩١. (٢) رواه مالك ص ٥٠، وعبد الرزاق ١/ ١٥٠ (٥٧٩)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٦٤ (٣٠٣٥٢)، والدارقطني في ١/ ٢٢٤، واللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» ٤/ ٩٠٦ (١٥٢٨)، والبيهقي ١/ ٣٥٧. العاشرة: إثبات الاستحاضة، فإن حكم دمها غير حكم دم الحيض، ومحل الخوض في أقسامها كتب الفروع، وقد أوضحناه فيها، ولم يذكر هنا الاغتسال من دم الحيض، وإن كان ورد في رواية أخرى؛ لأن الغسل من دم الحيض معلوم، وإنما إجابتها عما سألته، وهو حكم الاستحاضة. ٦٤ - باب غَسْلِ المَنِيِّ وَفَرْكِهِ، وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ ٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ الجَزَرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وإِنَّ بُقَعَ الَماءِ فِي ثَوْبِهِ. [٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢ - مسلم: ٢٨٩ - فتح ١/ ٣٣٢] ٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ح. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَألتُ عَائِشَةَ عَنِ الَمنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَتْ: كنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الَماءِ. [انظر: ٢٢٩ - مسلم: ٢٨٩ - فتح: ١/ ٣٣٢] حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أنَا عَبْدُ اللهِ، أنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبيِّ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَع المَاءِ فِي ثَوْبِهِ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا يَزِيدُ، ثَنَا عَمْرٌو، عَنْ سُلَيْمَانَ بن يسار سَمِعْتُ عَائِشَةَ. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا عَبْدُ الوهاب (١) ثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ المَاءِ. -------------------- (١) ورد بهامش الأصل: صوابه: عبد الواحد. ٦٥ - باب إِذَا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيَرْهَا فَلَم يَذْهَبْ أَثَرُهُ ٢٣١ - حَدَّثَنَا موسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدُّثَنَا عَمْرُو بْن مَيْمُونٍ قَالَ: سَأَلْتُ سلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَة؟ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كنْتُ أَغسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسول اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ يَخْرج إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ بقَعُ الَماءِ. [انظر: ٢٢٩ - مسلم: ٢٨٩ - فتح: ١/ ٣٣٤] ٢٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بن مَيمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عن سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عن عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَغسِلُ الَمنِىَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقعَةَ أَوْ بُقَعًا بنحوه. [انظر: ٢٢٩ - مسلم: ٢٨٩ - فتح: ١/ ٣٣٥] حَدَّثنَا مُوسَى بن إسماعيل، ثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ سمعت سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ؟ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ. ثم ساقه أيضا من حديث عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، ثنَا زُهَيْرٌ، ثنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنهَا كَانَتْ تَغْسِلُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا بنحوه. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة (١). -------------------- (١) رواه مسلم (٢٨٩) كتاب: الطهارة، باب: حكم المني، وأبو داود (٣٧٣)، والترمذي (١١٧)، والنسائي ١/ ١٥٦، وابن ماجه (٥٣٦). ثانيها: اختلف في يزيد هذا الراوي عن عمرو، هل هو يزيد بن هارون (١) أو يزيد بن زريع (٢)، فقال أبو مسعود الدمشقي: يقال: هو ابن هارون لا ابن زريع وهما جميعًا قد روياه. وأقره الحافظ شرف الدين الدمياطي، ورواه الإسماعيلي من طريق جماعة عن يزيد بن هارون، وكذا رواه أبو نعيم وأبو نصر السجزي في «فوائده»، وقال: خرجه البخاري من حديثه، والحديث محفوظ لابن هارون، وكذا ساقه الجياني من حديثه أيضًا. وقال الحافظ جمال الدين المزي: الصحيح أنه يزيد بن زريع، فإن قتيبة مشهور بالرواية عن ابن زُريع دون يزيد بن هارون. قُلْتُ: وكذا نسبه ابن السكن فقال: يزيد يعني: ابن هارون (٣)، وأشار إليه الكلاباذي. ثالثها: لم يذكر البخاري الفرك في طريق من هذِه الطرق مع أنه ترجم له، وقد أخرجه مسلم من حديث الأسود وهمام عن عائشة: كنت أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - (٤). --------------------- (١) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٤٩). (٢) هو يزيد بن زريع العيشي، أبو معاوية البصري، من بكر بن وائل، وقيل: التيمي من تيم من بني عبس، ويقال: من تيم اللات بن ثعلبة. قال يحيى بن سعيد القطان: لم يكن ها هنا أحد أثبت من يزيد بن زريع. وقال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال أبو حاتم: ثقة. وروى له الجماعة. قال محمد بن سعد: توفي بالبصرة، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٩، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٦٣ (١١١٣)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٢٤ (٦٩٨٧). (٣) في هامش الأصل ما نصه: صوابه زريع، وكذا عزاه الجياني أبو علي. (٤) «صحيح مسلم» (٢٨٨) كتاب: الطهارة، باب: حكم المني. قَالَ أبو عمر: وحديث همام والأسود في الفرك أثبت من جهة الإسناد (١). رابعها: إتيان البخاري بتصريح التحديث من عائشة لسليمان (٢)، وكذا هو في «صحيح مسلم»، فيه رد على ما قاله أحمد والبزار، إنما روي الغسل عن عائشة من وجهٍ واحد، رواه عنه عمرو بن ميمون عن سليمان، ولم يسمع من عائشة (٣). قَالَ البزار: فلا يكون معارضًا للأحاديث التى فيها الفرك. قُلْتُ: قد روي عنها الفرك في حالةٍ والغسل في أخرى مع الدارقطني و«صحيح أبي عوانة» من حديث عمرة عنها: كنت أفرك المني من ثوبه إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا (٤). ---------------------- (١) «الاستذكار» ٣/ ١١٢. (٢) هو: سليمان بن يسار الهلالي أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، المدني مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -. قال محمد بن سعد: ويقال: إن سليمان نفسه كان مكاتبًا لأم سلمة. قال الزهري: كان من العلماء. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: سليمان بن يسار ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون فاضل عابد، وقال النسائي: أحد الأئمة، وقال محمد بن سعد: كان ثقة عالمًا رفيعًا فقيهًا كثير الحديث. روى له الجماعة. وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» روى عن ميمونة، وأم سلمة، وعائشة. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٧٤، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٤٩ (٦٤٣)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ١٠٠ (٢٥٧٤)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ١١٢. (٣) نقل هذا القول ابن حجر في «تهذيب التهذيب» ٢/ ١١٣، ثم قال: هو مردود، فقد ثبت سماعه منها في «صحيح البخاري». (٤) الدارقطني ١/ ١٢٥، وأبو عوانة ١/ ١٧٤ (٥٢٧). وصححه الألباني في «الإرواء» (١٨٠). خامسها: ترجم البخاري أيضًا لغسل ما يصيب من المرأة، ووجه استنباطه مما ذكره أن منيه - ﷺ - إنما كان من جماع، لأن الاحتلام ممتنع في حقه، وإذا كان من جماع فلابد أن يكون قد خالط الذكر الذي خرج منه المني شيئًا من رُطوبة فرج المرأة، وكذا مراده بقوله: أو غيرها. في الترجمة الثانية: رطوبة فرج المرأة. سادسها: قوله في الترجمة: (فلم يذهب أثره) ظاهر إيراده أن المراد: أثر المني؛ ولهذا أورد عقبه الحديث أن عائشة كانت تغسل من ثوب رسول الله ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا. ورجحه ابن بطال، إذ قَالَ: قوله: وأثر الغسل. يحتمل أن يكون معناه بلل الماء الذي غسل به الثوب، والضمير راجع فيه إلى أثر الماء، فكأنه قَالَ: وأثر الغسل بالماء بقع الماء فيه، يعني: لا بقع الجنابة. ويحتمل أن يكون معناه: وأثر الغسل يعني: أثر الجنابة التي غسلت بالماء فيه بقع الماء الذي غسلت به الجنابة، والضمير فيه راجع إلى أثر الجنابة لا إلى أثر الماء، وكلا الوجهين جائز. لكن قوله في الحديث الآخر: أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله - ﷺ -، ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا. يدل على أن تلك البقع كانت بقع المني وطبعه لا محالة؛ لأن العرب أبدًا ترد الضمير إلى أقرب مذكور، وضمير المني في الحديث الآخر أقرب من ضمير الغسل (١). -------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٤٤، ٣٤٥. سابعها: المراد بالجنابة هنا: المني، من باب تسمية الشيء باسم سببه؛ فإن وجوده سبب لبعده عن الصلاة ونحوها. ثامنها: في فوائده: الأولى: ذهب الأكثرون من أهل العلم إلى طهارة مني الآدمي، وهو الأصح عن الشافعي (١) وأحمد (٢)، وخالف مالك وأبو حنيفة فقالا بنجاسته. قَالَ مالك: فيغسل رطبًا ويابسًا (٣)، وقال أبو حنيفة: يفرك يابسًا ويكفي في تطهيره (٤). وسواء في الخلاف الرجل والمرأة، وأغرب من نجسه منها دونه، والفرك دال على الطهارة، إذ لو كان نجسًا لم يكتف به. وفركه تنزهًا، وكذا الغسل، هذا حظ الحديثي من المسألة، وأما الجدلي فمحل الخوض معه كتب الخلافيات (٥). الثانية: خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه وشبهه، خصوصًا إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة. الثالثة: نقل أحوال المقتدى به وإن كان يُستحى من ذكرها عادة للاقتداء. الرابعة: طهارة رطوبة الفرج، وقد سلف. ------------------------ (١) انظر: «الأم» ١/ ٥٥، «البيان» ١/ ٤١٩، ٤٢١، «المجموع» ٢/ ٥٧٤. (٢) انظر: «التحقيق» ١/ ١٥٦، «الإفصاح» ١/ ١٥٣، «إكشاف القناع» ١/ ٢٢٤. (٣) انظر: «المدونة» ١/ ٣٦، «عيون المجالس» ١/ ٢٠١. (٤) انظر: «الأصل» ١/ ٦١، «مختصر الطحاوي» ٣١، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٣. (٥) انظر: «الأوسط» ٢/ ١٦٠. الخامسة: إن الأثر الباقي بعد الغسل] (١) لا يضر، وقد قاس البخاري سائر النجاسات على الجنابة. السادسة: الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه والخروج به إلى المسجد قبل جفافه. ---------------------- (١) هنا انتهى السقط من (ج) وذلك من حديث (١٦٠ - ٢٣٣). ٦٦ - باب أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابّ وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دَارِ البَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ وَالْبَرِّيَّةُ إلى جَنْبِهِ، فَقَالَ: هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ. ٢٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِن عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا الَمدِينَةَ، فَأَمَرَهُم النَّبِيُّ - ﷺ - بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فجاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الَحرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَأبَةَ: فهؤلاء سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ. [١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩ - مسلم: ١٦٧١ - فتح: ١/ ٣٣٥] ٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الَمسْجِدُ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ. [٤٢٨، ٤٢٩، ١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ١/ ٣٤١] وهذا الأثر أسنده ابن أبي شيبة في «مصنفه» فقال: حَدَّثنَا وكيع، ثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبيه قَالَ: كنا مع أبي موسى في دار البريد، فحضرت الصلاة فصلى بنا على روث (وتبن) (١) فقلنا له: (ها هنا تصلي) (٢) والبرية إلى جنبك. فقال: البرية وها هنا سواء (٣). وأسنده أبو نعيم في كتاب الصلاة عن الأعمش بلفظ: صلى بنا أبو موسى في دار البريد، وثم السرقين الدواب وتبن، والبرية على ------------------- (١) كذا بالأصل، وفي المطبوع من «مصنف ابن أبي شيبة»: نتن. (٢) في (ج): تصلي ها هنا. (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٧٢ (٧٧٥٣). الباب فقالوا: لو صليت على الباب؟ فقال: ها هنا وثم سواء. وقال ابن حزم: روينا من طريق شعبة وسفيان كلاهما، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبيه قَالَ: صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين. وهذا لفظ سفيان، وقال شعبة: روث الدواب. قَالَ: ورويناه من طريق غيرهما: والصحراء أمامه. وقال: (ها هنا) (١) وهناك سواء (٢). واعلم أن البخاري قاس بول غير المأكول على المأكول فيما ترجم له، واستشهد بفعل أبي موسى؛ ليدل على أرواث الإبل وأبوالها، وليس ذَلِكَ بلازم؛ لاحتماله بحائل وهو جائز إذ ذاك. نعم الأصل عدمه. فائدة: دار البريد: الموضع الذي ينزل فيه البريد، ومواضعها يكون فيه روث الدواب غالبًا. والسِرقين -بكسر السين وفتحها حكاهما ابن سيده (٣): الزبل وبالجيم أيضًا فارسي، وكان الفارسي ينطق بها بين القاف والجيم، واقتصر القاضي وغيره على الكسر (٤). والبرية: الصحراء، والجمع البراري. ثم ذكر البخاري في الباب حديثين: أحدهما: حديث أنس فقال: حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عن حَمَّادِ بْنِ --------------------- (١) كذا بالأصل، وفي المطبوع من «المحلى»: هنا. (٢) «المحلى» ١/ ١٧٠. (٣) «المخصص» ٣/ ٩٥ بنحوه. (٤) انظر: «مشارق الأنوار» ٢/ ٢١٣، «لسان العرب» ٤/ ١٩٩٩. زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ ناس مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النِّبِيُّ - ﷺ - بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بقطع أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فهؤلاء سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ. والكلام عليه من وجوه: أحدها: أنه حديث صحيح متفق على صحته، أخرجه البخاري في عدة مواضع منها المغازي (١)، والجهاد (٢)، والتفسير (٣)، والحدود (٤)، وذكر أنهم كانوا في الصفة -يعني: أولًا- ولما خرجه في الزكاة من حديث قتادة، عن أنس (٥)، قَالَ آخره: تابعه أبو قلابة وحميد وثابت، عن أنس. وحديث أبي قلابة عَلِمْتَه، وحديث حميد أخرجه مسلم (٦)، وثابت أخرجه أبو داود (٧). وأخرجه مسلم في الحدود، وأدخل بين أيوب وأبي قلابة أبا رجاء -------------------- (١) سيأتي برقم (٤١٩٢) باب: قصة عكل وعرينة. (٢) سيأتي برقم (٣٠١٨) باب: إذا حرّق المشرك المسلم هل يحرقه. (٣) سيأتي برقم (٤٦١٠) باب: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾. (٤) سيأتي برقم (٦٨٠٣) باب: المحاربين من أهل الكفر والردة، وكرره بعده مبوبًا عليه عدة أبواب. (٥) سيأتي برقم (١٥٠١) باب: استعمال إبل الصدقة … (٦) مسلم برقم (١٦٧١/ ٩) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين. (٧) أبو داود (٤٣٦٧). مولى أبي قلابة (١)، وذكر الدارقطني أن رواية حماد إنما هي عن أيوب، عن أبي رجاء، عن أبي قلابة قَالَ: وسقوط أبي رجاء وثبوته صواب، ويشبه أن يكون أيوب سمع من أبي قلابة، عن أنس قصة العُرنيين مجردة، وسمع من أبي رجاء، عن أبي قلابة حديثه مع عمر بن عبد العزيز، وفي آخرها قصة العُرنيين، فحفظ عنه حماد بن زيد القصتين، عن أبي رجاء، عن أبي قلابة، وحفظ الآخرون عنه، عن أبي قلابة، عن أنس قصة العُرنيين حسب. قَالَ: ورواه صالح بن كيسان، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا (٢). ثانيها: هذِه القصة كانت في شوال سنة ستٍّ، ورواها ابن جرير الطبري (٣) من حديث جرير (٤)، وفيه أنه - ﷺ - بعثه في أثرهم. وفيه نظر، لأن إسلامه كان في السنة العاشرة على المشهور، وعلى قول ابن قانع وغيره، أنه أسلم قديمًا يزول الإشكال (٥). ثالثها: عُكْل -بضم العين المهملة وإسكان الكاف، ثم لام- قبيلة نسبت -------------------- (١) مسلم (١٦٧١/ ١١) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين، ولم أجده في الحدود. (٢) «العلل» ١٢/ ٢٣٩ (٢٦٦٦). (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: تخريج أحاديث الوسيط للمؤلف ما لفظه: وروى محمد بن الفضل الطبراني من حديث جرير أنه -عليه السلام- بعثه في أثرهم. [كذا في هامش الأصل: الطبراني، والصحيح الطبري كما في «الإعلام» ٩/ ١٣٨]. (٤) «تفسير الطبري» ٤/ ٥٤٨ (١١٨١٥)، أشار إليه ابن حجر في «تهذيب التهذيب»، وقال: لا يصح؛ لأنه من رواية موسى بن عبيدة الرَّبذي، وهو ضعيف جدًّا. (٥) سبقت ترجمة جرير في حديث رقم (٥٧). ![]()
__________________
|
|
#106
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 447 الى صـــ 466 الحلقة (106) إلى عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أُد بن طابخة فغلبت عليهم ونسبوا إليها، وزعم السمعاني أنهم بطن من تميم، ورده عليه ابن الأثير (١). وعُرَينة -بضم العين المهملة، وفتح الراء- بطن من بجيلة، وهو ابن بدير أو ابن عزيز بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن طيء بن أدد، وأم عبقر بجيلة، قاله الرشاطي، ووقع في «شرح الداودي» أن قوله: عُكْل أو عُرَينة من شك الراوي، قَالَ: وعُكْل هم عرينة. وهو عجيب (٢). فائدة: عُكْل اشتقاق من عكلت الشيء إذا جمعته، قاله ابن دريد (٣)، وقال غيره: هو من عكل يعكل، إذ قَالَ برأيه، ورجل عكلي أي: أحمق. منهم جماعة من الصحابة: خزيمة بن عاصم بن قطن بن عبد الله بن عبادة بن سعد بن عوف، أهمله أبو عمر. والعرن في اللغة: حلة تصيبِ الفرس أو البعير في القوائم (٤). رابعها: كان عدد العرنيين ثمانية. وقيل: كانوا سبعة، أربعة من عرينة وثلاثة من عُكْل، فقيل: العرنيون؛ لأن أكثرهم كان من عُرينة، زعم الرشاطي أنهم من غير عرينة التي في قضاعة. ---------------- (١) «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٥١، ٣٥٢، وانظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٣٤. (٢) انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١١٥. (٣) «الجمهرة» ٢/ ٩٤٦، مادة: (عكل). (٤) انظر: «صحاح الجوهري» ٦/ ٢١٦٣، «لسان العرب» ٥/ ٢٩١٥. خامسها: (اجتووا) -بجيم ثم بمثناة فوق- استوخموها، كما جاء مصرحًا به في الرواية الأخرى (١). وقال ابن قتيبة: اجتويت البلاد إذا كرهتها، وإن كانت موافقة لك في بدنك، واستوبلتها (٢) إذا لم توافقك في بدنك وإن أحببتها، والأول أشبه (٣). واللقاح: ذوات الألبان من الإبل، واحدها لِقحة بكسر اللام وفتحها، وأبوال الإبل التي ترعى الشيح والقيصوم، وألبانها تدخل في علاج نوع من أنواع الاستسقاء. سادسها: هذِه اللقاح كانت لرسول الله - ﷺ - كما ثبت في «الصحيح»، وثبت فيه أيضًا أنها إبل الصدقة، ولعل اللقاح كانت له، والإبل للصدقة، وكانت ترعى معها فاستاقوا الجميع، وإنما أذن في شرب لبنها على هذِه الرواية؛ لأنها كانت للمحتاجين، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب الزكاة، استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل (٤). قَالَ ابن بطال: وغرضه بهذا التبويب إثبات دفع الصدقة في صنف واحد ممن ذكر في آيات الصدقة خلافًا للشافعي، قَالَ: والحجة به قاطعة؛ لأنه - ﷺ - أفرد أبناء السبيل بالصدقة دون غيرهم (٥). ----------------- (١) سيأتي برقم (٤١٩٢) كتاب: المغازي، باب: قصة عكل وعرينة. (٢) في الأصل: (استوبيتها)، والصواب ما أثبتناه كما في «غريب الحديث» لابن قتيبة ٢/ ٤١٠، «غريب الحديث» لابن الجوزي ١/ ١٧٩. (٣) «غريب الحديث» لابن قتيبة ٢/ ٤١٠، وقد عزاه لأبي زيد. (٤) سيأتي برقم (١٥٠١). (٥) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٨. قُلْتُ: للإمام ذَلِكَ وليس محل النزاع فاعلمه. سابعها: عدد هذِه اللقاح خمس عشرة غرًا (١) ذكره ابن سعد في «طبقاته» قَالَ: وفقد منها واحدة (٢). وكانت ترعى بذي الجَدْر: ناحية قباء قريبًا من عَيْر على ستة أميال من المدينة (٣). ثامنها: اسم هذا الراعي يسار -بمثناة تحت في أوله- وهو مولى رسول الله - ﷺ -، وكان نوبيًّا فأعتقه. تاسعها: استاقوا: حملوا، وهو من السوق، وهو السير السريع العنيف. والنعم -بفتح النون والعين المهملة، يذكر ويؤنث على الأصح؛ سميت بذلك لنعومة بطنها، وهي الإبل. قيل: والبقر. قيل: والغنم. وأما الأنعام فيطلق على الكل. عاشرها: بعث في آثارهم كُرْز بن جابر الفهري ومعه عشرون فارسًا، قاله ابن سعد في «طبقاته» (٤). وفي «صحيح مسلم» وعنده شباب من الأنصار قريب من العشرين، فأرسل إليهم وبعث معهم قاصًّا يقص أثرهم (٥). وقال موسى بن عقبة: كان أمير السرية سعيد بن زيد، وقد أسلفنا أنه ----------------- (١) ذكر في هامش الأصل ما نصه: لعله غزارًا. (٢) «طبقات ابن سعد» ٢/ ٩٣. (٣) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ١١٤. (٤) ٢/ ٩٣. (٥) مسلم (١٦٧١/ ١٣) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين. بعث جريرًا أيضًا واستشكلناه. الحادي عشر: سمرت -بالميم المخففة وقد تشدد- أي: كحلت محماة، وفي البخاري في موضع آخر: ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها (١)، وفي معظم نسخ مسلم: فسمل باللام وتخفيف الميم، أي: فقأها، وقيل: بحديدة محماة. وقيل: إن اللام والراء بمعنى، وإنما سمل أعينهم؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة كما ثبت في «صحيح مسلم» (٢). الثاني عشر: الحرة: أرض تركبها (٣) حجارة سود (٤). قَالَ عبد الملك: تبعد من مسجد رسول الله. الثالث عشر: في أحكامه وفوائده مختصرة: الأولى: قدوم القبائل والغرباء على الإمام. الثانية: نظر الإمام في مصالحهم، وأمره لهم بما يناسب حالهم وإصلاح أبدانهم. الثالثة: طهارة بول ما يؤكل لحمه، وهو مذهب مالك وأحمد وقول -------------------- (١) ستأتي هذِه الرواية برقم (٣٠١٨) كتاب: الجهاد، باب: إذا حرق المشرك المسلم. (٢) «صحيح مسلم» (١٦٧١/ ١٤) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين. وورد بهامش الأصل ما نصه: في أبي داود أيضًا والنسائي. (٣) كذا بالأصل، وفي «أعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٩/ ١٣٩. (٤) انظر: «صحاح الجوهري» ٢/ ٦٢٦، «معجم البلدان» ٢/ ٢٤٥، «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٣٦٥، «لسان العرب» ٢/ ٨٢٨. الإصطخري وابن خزيمة والروياني من الشافعية (١)، وقيد ذَلِكَ المالكية بما إذا كانت لا تستعمل النجاسة، فإن كانت تستعملها، فإنه نجس على المشهور، وأجاب المخالفون وهم الحنفية، وجمهور الشافعية القائلون بنجاسة بوله وروثه: بأن شربهم الأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات سوى الخمر والمسكرات (٢). واعترض عليهم: بأنها لو كانت نجسة محرمة الشرب ما جاز التداوي بها؛ لأن الله تعالى لم يجعل شفاء هذِه الأمة فيما حرم عليها (٣)، وقد يجاب عن ذَلِكَ: بأن الضرورة جوزته. وفي المسألة قول ثالث: أن بول كل حيوان وإن كان لا يؤكل لحمه طاهر غير بول ابن آدم، وهو قول ابن علية وأهل الظاهر (٤) وروي مثله عن الشعبي، ورواية عن الحسن. وظاهر إيراد البخاري يوافقه حيث ذكر الدواب مع الإبل والغنم. وأما حديث جابر والبراء مرفوعًا: «ما أكل لحمه، فلا بأس ببوله» -------------------- (١) انظر: «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٦٠، «عارضة الأحوذي» ١/ ٩٦، ٩٧، «عيون المجالس» ١/ ٢٠١، «المجموع» ٢/ ٥٦٧، ٥٦٨، «الكافي» ١/ ١٨٤، «كشاف القناع» ١/ ٥٤٧، ٥٤٨. (٢) انظر: «اختلاف الفقهاء» للمروزي ص ١٠٢، ١٠٣، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٢٥، ١٢٦، «بدائع الصنائع» ١/ ٨٠، ٨١، «روضة الطالبين» ١/ ١٦، «تبيين الحقائق» ١/ ٢٧، ٢٨. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم». رواه البيهقي من رواية أم سلمة وصححه ابن حبان، وهو في البخاري … موقوف على ابن مسعود … مسلم … -عليه السلام - قال: «إنه ليس بدواء ولكنها داء». من رواية طارق وسويد … «إنما ذلك داء وليس بشفاء». رواه أبو داود وابن ماجه. (٤) انظر: «المجموع» ٢/ ٥٦٧. فضعيفان كما بينه الدارقطني وغيره (١). وأما الحديث في غزوة تبوك، فكان الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده (٢)، وإسناده على شرط الصحيح، كما قاله الضياء، قَالَ ابن خزيمة: لو كان الفرث إذا عصره نجسًا لم يجز للمرء أن يجعله على كبده. قُلْتُ: قد يقال: إنه فعل للتداوي. وأما حديث ابن مسعود الآتي في باب إذا ألقي على ظهر المصلى قذرًا أو جيفة لم تفسد عليه صلاته (٣)، لا حجة فيه كما قَالَه ابن حزم، لأنه بمكة قبل ورود الحكم بتحريم النَّجو ----------------------- (١) حديث جابر رواه ابن عدي في «الكامل» ٩/ ٢٦، والدارقطني ١/ ١٢٨، وقال: لا يثبت، عمرو بن الحصين، ويحيى بن العلاء ضعيفان، وسوار بن مصعب أيضًا متروك، واختلف عنه، فقيل عنه: ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره، والبيهقي في «الكبرى» ٢/ ٤١٣، وضعفه أيضًا، وابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ١٠١ (٨٥)، وحديث البراء رواه الدارقطني ١/ ١٢٨، وقال: إن فيه سوار بن مصعب فقلب اسمه وسماه: مصعب بن سوار، والبيهقي ٢/ ٤١٣، ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ١٠١ (٨٤). ولفظ الدارقطني من حديث البراء «لا بأس بسؤره». قال ابن الجوزي بعد ذكره لهذين الحديثين: فيهما مقال. وذكرهما ابن حجر في «التلخيص» ١/ ٤٣ (٣٧)، وقال: إسناد كل منهما ضعيف جدًا. (٢) رواه من حديث عمر بن الخطاب البزار ١/ ٣٣١ (٢١٤)، والفريابي في «دلائل النبوة» (٤٢)، والطبري في «تفسيره» ٦/ ٥٠٢ (١٧٤٤٣، ١٧٤٤٤)، وابن خزيمة ١/ ٥٢ - ٥٣ (١٠١)، وابن حبان ٤/ ٢٢٣ (١٣٨٣)، والطبراني في «المعجم الأوسط» ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٣٢٩٢)، والحاكم ١/ ١٥٩، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والبيهقي ٩/ ٣٥٧، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١/ ١٦٠ - ١٦١، والضياء في «المختارة» ١/ ٢٧٨ - ٢٨٠ (١٦٨ - ١٦٩). (٣) سيأتي برقم (٢٤٠) كتاب: الوضوء، باب: إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد صلاته. والدم، قَالَ: فسار منسوخًا بلا شك. وأما حديث ابن عمر: كانت الكلاب تقبل وتدبر (وتبول) (١) في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذَلِكَ (٢). فأجاب ابن حزم عنه: بأنه غير مسند؛ لأنه ليس فيه أنه - ﷺ - عرف ببول الكلاب في المسجد وأقره، فسقط الاحتجاج به (٣). وأما حديث سويد بن طارق أنه سأل رسول الله (٤) [- ﷺ - عن الخمر فنهاه، ثم سأله، فنهاه فقال: يا نبي الله إنها دواء فقال: «لا، ولكنها داء» (٥). وحديث أم سلمة مرفوعًا: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم ------------------- (١) ساقطة من (ج). (٢) سبق برقم (١٧٤) كتاب: الوضوء، باب: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا. (٣)»المحلى«١/ ١٧١. (٤) هنا بداية سقط كبير من النسخة (ج) سنشير إلى انتهائه والمعتمد لدينا النسخة الأصل. (٥) رواه مسلم (١٩٨٤) كتاب: الاشربة، باب: تحريم التداوي بالخمر. وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذي (٢٠٤٦)، وابن ماجه (٣٥٠٠)، وعبد الرزاق ٩/ ٢٥١ (١٧١٠٠)، وأحمد ٤/ ٣١١، وأبو عوانة ٥/ ١٠٧ (٧٩٧٩)، ٧٩٨٠)، (٧٩٨٢)، والطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ١٠٨، وابن حبان في»صحيحه«٤/ ٢٣١، ٢٣٢ (١٣٨٩)، ورواه أيضًا ١٣/ ٤٢٩، ٤٣٠ (٦٠٦٥)، والطبراني ٨/ ٣٢٣ (٨٢١٢)، والدارقطني ٤/ ٢٦٥، والبيهقي ١٠/ ٤، وابن عبد البر في»الاستيعاب«٢/ ٢٣٦، ٢٣٧ ترجمة (١١٢٢) وقال: هكذا قال شعبة سويد بن طارق أو طارق بن سويد على الشك وقال حماد بن سلمة، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن طارق بن سويد ولم يشك ولم يقل: عن أبيه. وقال الحافظ في»التلخيص" ٤/ ٧٤ - ٧٥، صححه ابن عبد البر. عليكم» (١). قَالَ ابن حزم: لا حجة فيه؛ لأن في الأول: سماك بن حرب، وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن فيه أن الخمر ليست بدواء، ولا خلاف بيننا في أن ما ليس دواء فلا يحل تناوله. وفي الثاني: سلمان الشيباني، وهو مجهول (٢)، هذا لفظه، وليس كما ذكر فيهما. أما الأول: فأخرجه مسلم في «صحيحه»، وكذا ابن حبان والحاكم. والثاني: أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، ودعواه أن المذكور في إسناده سلمان وهم وإنما هو سليمان بزيادة ياء، وهو أحد الثقات، أكثر عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما. الرابعة: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء، فإنه - ﷺ - بعث في طلبهم لما بلغه فعلهم بالرعاء. واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار، فنفاه أبو حنيفة وأثبته مالك والشافعي (٣). الخامسة: شرعية المماثلة في القصاص، والنهي عن المثلة محمول على من وجب عليه القتل، لا على طريق المكافأة. ---------------------- (١) رواه أبو يعلى ١٢/ ٤٠٢ (٦٩٦٦)، وأحمد في «الأشربة» ١/ ٣٢ (١٥٩)، وابن أبي الدنيا في «ذم المسكر» ١/ ٢٢ (١٢)، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٢٣٣ (١٣٩١)، والطبراني ٢٣/ ٣٢٦، ٣٢٧ (٧٤٩)، والبيهقي ١٠/ ٥ وقال الذهبي في «المهذب» ٨/ ٣٩٦٦: إسناده صويلح، وقال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٨٦: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق وقد وثقه ابن حبان. وقال ابن حجر في «المطالب العالية» ١١/ ٢٠٤ (٢٥٠٠): صححه ابن حبان. (٢) «المحلى» ١/ ١٧٥، ١٧٦. (٣) «الجامع لأحكام القرآن» ٦/ ١٥١، «البيان» ١٢/ ٥٠١، «الكافي» ٥/ ٣٣٩. وقال محمد بن سيرين: إن ذَلِكَ قبل أن تنزل الحدود (١) ذكره البخاري في حديث أنس، أي: وقبل أن تنزل آية المحاربة (٢)، والنهي عن المثلة (٣). وفي البخاري أيضًا عن قتادة أنه قَالَ: بلغنا أنه - ﷺ - بعد ذَلِكَ كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة (٤)، لا جرم ادعى الشافعي نسخه، وكذا ابن شاهين (٥) والداودي، وتوقف فيه ابن الجوزي في «إعلامه» وقال: ادعاء النسخ يحتاج إلى التأريخ، والنهي عن المُثْلَة كان في أُحد سنة ثلاث. السادسة: إن فعل الإمام بهم ذَلِكَ ليس من عدم الرحمة بل هو رحمة؛ لما فيه من كف اليد العادية عن الخلق. السابعة: عقوبة المحاربين، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وهل (أو) فيها للتخيير أو للتنويع؟ قولان، وبالثاني قَالَ الشافعي، ومحل الخوض في ذَلِكَ كتب الفروع. الثامنة: جواز التطبب وأن يطب كل جسم بما اعتاد، وقد أدخله البخاري في الطب (٦)، وترجم عليه باب الدواء بألبان الإبل وأبوالها. --------------------------- (١) سيأتي برقم (٥٦٨٦) كتاب: الطب، باب: الدواء بأبوال الإبل. (٢) المائدة: ٣٣: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. (٣) النمل: ١٢٦: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاِقبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبتْمُ بِهِ﴾. (٤) سيأتي برقم (٤١٩٢) كتاب: المغازي، باب: قصة عكل وعرينة. (٥) «الناسخ والمنسوخ» ص ٤٢٠. (٦) سيأتي برقم (٥٦٨٦) كتاب: الطب، باب: الدواء بأبوال الإبل. التاسعة: قتل المرتد من غير استتابة، وفي كونها واجبة (١) أو مستحبة خلاف مشهور، ورأيت من يجيب عن الحديث بأن هؤلاء حاربوا، والمرتد إذا حارب لا يستتاب؛ لأنه يجب قتله، فلا معنى لها (٢). العاشرة: قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، وبه قَالَ الشافعي ومالك وجماعة، وخالف فيه أبو حنيفة، ولابد من اعتراف القاتلين أو الشهادة عليهم (٣). الحادية عشرة: سماهم أبو قِلابة سُرَّاقًا؛ لأنهم أخذوا النعم من حرز مثلها، وهو وجود الراعي معها ويراها أجمع، وإنما هم محاربون. وقيل: كان هذا حكم من حارب حتى أنزل الله فيهم آية المحاربة، وهو يلزم مالكًا في مشهور قوله: إنه إذا قتل المحارب يتحتم قتله. ووقع له في «المختصر»: إذا أخذهم وقد قتلوا ولم يدر من قتله فالإمام مخير إن شاء قتلهم أو صلبهم (٤). الثانية عشرة: قام الإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى الماء، أنه لا يُمْنع منه؛ لئلا يجتمع عليه عذابان، وإنما لم يسقوا هنا معاقبة لجفائهم وكفرهم سَقْيِهم ألبان تلك الإبل، فعوقبوا بذلك فلم يسقوا؛ ولأنه - ﷺ - دعا عليهم فقال: «عَطّش الله من عَطّش آل محمد الليلة» أخرجه النسائي (٥) فأجيب دعاؤه، وأيضًا هؤلاء ارتدوا ------------------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: الصحيح من مذهب الشافعى وجوبها. (٢) انظر: «البيان» ١٢/ ٤٧، «الهداية» ٤/ ٤٥٨، «الإقناع» ٤/ ٢١٩. (٣) انظر: «البيان» ١/ ٣٢٦، ٣٢٧، «الإقناع» ٤/ ٩٤. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١٤/ ٤٦٢. (٥) النسائي ٧/ ٩٧، ٩٩، وقال الألباني في «ضعيف سنن النسائي» ١/ ١٦٠: ضعيف الإسناد. فلا حرمة لهم. ثم اعلم أن البخاري أيضًا ذكر هذا الحديث في باب: إذا حرق المشرك هل يحرق؟ (١) ووجهه أنه - ﷺ - لما سمل أعينهم، وهو تحريق بالنار، استدل به البخاري من أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار -ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاة- أنه أولى بالجواز بتحريق المشرك إذا أحرق المسلم. قَالَ ابن المنير: وكأن البخاري جمع بين حديث «لا تعذبوا بعذاب الله» (٢) وبين هذا، بحمل الأول على غير سبب، والثاني على مقابلة السبب بمثلها من الجهة العامة، وإن لم يكن من نوعها الخاص، وإلا فما في هذا الحديث أن العُرنيين فعلوا ذَلِكَ بالرعاة (٣). قُلْتُ: قد أسلفنا من عند مسلم (٤) أنهم فعلوا ذَلِكَ، وادعى المهلب أن البخاري لم يذكره، لأنه ليس من شرطه. وفي الحديث أيضًا طاعة الرسول - ﷺ - فيما يأمر به، فإنه من طاعة الله تعالى، فإنه لما بعث في آثارهم سارعوا إليه، وكذا القطع والسمر فطاعة الإمام العدل واجبة، ولا يحتاج إلى التوقف على الموجب لذلك. وسئل مالك عن القسامة في القتل فضعفها، وقال: لم يتقدم الفعل بها، ثم ذكر الحديث في الحرابة. ----------------------- (١) سيأتي برقم (٣٠١٨) كتاب: الجهاد والسير. (٢) سيأتي برقم (٣٠١٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يعذب بعذاب الله. (٣) «المتواري» ١٦٩ - ١٧٠. (٤) مسلم (١٦٧١/ ١٤) كتاب: القسامة والمحاربين، باب: حكم المحاربين والمرتدين. الحديث الثاني: حَدَّثنَا آدَمُ، ثنَا شُعْبَةُ، ثنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ. ثم سمعته بَعْدُ يقول: كان يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم. هذا الحديث أخرجه في باب الصلاة في مرابض الغنم أيضًا (١)، وأخرجه مسلم هناك (٢). ومرابض الغنم: مباركها ومواضع مبيتها، ووضعها أجسادها على الأرض للاستراحة. قَالَ ابن دريد: ويقال ذَلِكَ أيضًا لكل دابة من ذوات الحافر والسباع (٣). وقال ابن سيده: هو كالبروك للإبل والأصل للغنم (٤). وقد يستدل به من يقول بطهارة بول المأكول وروثه، وقد ينازع فيه. نعم، فيه الصلاة في مرابض الغنم ولا كراهة فيها بخلاف أعطان الإبل، وقد قَالَ - ﷺ -: «إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل». رواه الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا. وقال: حسن صحيح (٥). وقال البيهقي: وقفه أصح (٦). وللحاكم في: «تاريخ نيسابور» من حديث أبي حيان، عن أبي --------------------- (١) سيأتي برقم (٤٢٩) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في مرابض الغنم. (٢) «صحيح مسلم» برقم (٥٢٤) كتاب: المساجد، باب: ابتناء مسجد النبي - ﷺ - وورد بهامش الأصل ما نصه: من خط المصنف: وكذا الترمذي وقال: حسن صحيح. (٣) «الجمهرة» ١/ ٣١٤. (٤) «المحكم» ٨/ ١٣١، ١٣٢، مادة: (ربض). (٥) «سنن الترمذي» (٣٤٨). قال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. (٦) «السنن الكبرى» للبيهقي ٢/ ٤٤٩، ٤٥٠. زرعة، عن أبي هريرة مرفوعًا: «الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها، وصلُّوا في مرابضها»، وللبزار في «مسنده»: «أحسنوا إليها وأميطوا عنها الأذى» (١). وفي حديث عبد الله بن المغفل (٢): «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين» (٣) وفي لفظ: «فإنها جن خلقت من جن، ألا ترى أنها إذا نفرت كيف تشمخ ---------------------- (١) رواه البزار كما في»كشف الأستار«(١٣٢٩). قال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا سعيد بن محمد ولم يتابع عليه. وقال الهيثمي في»المجمع«٤/ ٦٦: رواه البزار وأعله بسعيد بن محمد ولعله الوراق، فإن كان هو الوراق فهو ضعيف. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: حديث ابن مغفل في النسائي، وابن ماجه وهو في»المسند«مطولًا. (٣) أخرجه النسائي مختصرًا ٢/ ٥٦، وابن ماجه (٧٦٩)، وأحمد ٤/ ٨٥، والشافعي في»مسنده«١/ ٦٧، والطيالسي ٢/ ٢٣٠ (٩٥٥)، وعبد الرزاق»مصنفه«١/ ٤٠٩ (١٦٠٢)، وابن أبي شيبة في»مصنفه«١/ ٣٣٧ (٣٨٧٧)، وعبد بن حميد في»المنتخب«١/ ٤٥٠ (٥٠٠)، والروياني في»مسنده«٢/ ٩٨ - ٩٩ (٨٩٨)، والطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ٣٨٤، وابن حبان في»صحيحه«٤/ ٦٠١ (١٧٠٢)، وابن عبد البر في»التمهيد«٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣، من طرق عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل. وقال ابن عبد البر في»التمهيد«٢/ ٣٣٣: حديث عبد الله بن مغفل متواتر، رواه نحو خمسة عشر رجلًا عن الحسن، وسماع الحسن من عبد الله بن مغفل صحيح. وقال الهيثمي في»المجمع«٢/ ٢٦: رواه أحمد والطبراني، وقد رواه ابن ماجه والنسائي باختصار، ورجال أحمد ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بقوله: حدثنا. وقال البوصيري في»زوائده«١٣١: رواه أبو داود من حديث البراء بن عازب وإسناد ابن ماجه فيه مقال وقال ابن أبي حاتم في»المراسيل«١/ ٤٥ (١٥١): حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: قال أبي: سمع الحسن من ابن مغفل -يعني: عبد الله بن مغفل-. وقال الألباني في»الثمر المستطاب" ١/ ٣١٧: إسناده صحيح. بأنفها» (١)، وقال في الغنم: «فإنها سكينة وبركة» (٢). وروي الفرق بينهما من حديث جماعة من الصحابة أيضًا، وفي «الصحيح» في حديث رافع بن خديج: «إن لهذِه الابل أوابد كأوابد الوحش» (٣). قَالَ ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم، على إباحة الصلاة في مرابض الغنم، إلا الشافعي فإنه قَالَ: لا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليمًا من أبعارها وأبوالها، وممن روينا عنه إجازة ذَلِكَ، وفعله ابن عمر (٤) وجابر (٥) وأبو ذر (٦) و(ابن الزبير) (٧) والحسن -------------------- (١) رواه الشافعي في «مسنده» ١/ ٦٧، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٤٤٩. (٢) رواه الشافعي في «مسنده» ١/ ٦٧، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٤٤٩. (٣) سيأتي برقم (٥٥٠٣) كتاب: الذبائح والصيد، باب: ما أنهر الدم …، ورواه مسلم برقم (١٩٦٨) كتاب: الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام. (٤) روي عن ابن عمر كما عند ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٦) لكنه في المطبوع بدار الكتب العلمية عن عمر وهو غير صحيح. ورواه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٨. من طريق ابن أبي شيبة عن ابن عمر. (٥) روي عن جابر هو ابن سمرة كما عند ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٢) ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٨، وروي عنه مرفوعًا كما عند مسلم (٣٦٠) كتاب: الحيض، باب: الوضوء من لحوم الإبل مطولًا، وابن ماجه (٤٩٥) مختصرًا، وأحمد ٥/ ٨٦، والطيالسي بنحوه ٢/ ١٢٦ (٨٠٣)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ١٢٩ (١٤٥٥، ١٤٥٦، ١٤٥٧)، وابن الجارود (٢٥)، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٦ - ١٨٧، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٨٣، وابن خزيمة ١/ ٢١، كلهم عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر. (٦) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٣)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٨٨. (٧) في الأصل: الزبير، والصواب ابن الزبير كما رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٣٨، وابن المنذر ٢/ ١٨٨. وابن سيرين (١) والنخعي (٢) وعطاء (٣). وقال ابن بطال: حديث الباب حجة على الشافعي؛ لأن الحديث ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من البعر. والبول، فدل على الإباحة وعلى طهارة البول والبعر (٤). قُلْتُ: الشارع قد علل عدم الكراهة فيها بغير ذَلِكَ كما سلف، إذ أعطان الإبل غالبًا لا تسلم من ذَلِكَ والكراهة باقية. فرع: قَالَ ابن المنذر: تجوز الصلاة أيضًا في مراح البقر؛ لعموم قوله: «أينما أدركتك الصلاة فصلِّ» (٥) وهو قول عطاء (٦) ومالك (٧). قُلْتُ: قد ورد ذَلِكَ مصرحًا به، ففي «مسند عبد الله بن وهب المصري» عن سعيد بن أبي أيوب، عن رجل حدثه، عن ابن المغفل: نهى النبي - ﷺ - أن يصلى في معاطن الإبل، وأمر أن يصلى في مراح البقر والغنم (٨). ----------------------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٨). (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٣٨ (٣٨٨٩). (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٤٠٧ (١٥٩٤) وانظر: «الأوسط» ٢/ ١٨٧. (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٨٣. (٥) سيأتي برقم (٣٣٦٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: (١٠). (٦) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٤١٠ (١٦٠٥). (٧) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٢٣. (٨) ورد بهامش الأصل ما نصه: في سنده مجهول وفي «المسند» ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة، عن حي بن عبد الله أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي في مرابد الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر. [المسند: ٢/ ١٧٨]. ٦٧ - باب مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فيِ السَّمْنِ وَالْمَاءِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا. وقَالَ ابن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ. [فتح: ١/ ٣٤٢] ٢٣٥ - حَدَّثَنَا اِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «ألقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنكُمْ». [٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩، ٥٥٤٠ - فتح: ١/ ٣٤٣] ٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «خذُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ». قَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ. [انظر: ٢٣٥ - فتح: ١/ ٣٤٣] ٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ». [٢٨٠٣، ٥٥٢٣ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ١/ ٣٤٣] (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ). وهذا رواه عنه عبد الله بن وهب في «جامعه» فيما حكاه ابن عبد البر يونس عنه (١)، وإنما ذكره البخاري من قول هذا الإمام؛ لأنه روي في حديث أبي أمامة الباهلي وغيره، وإسناده ضعيف (٢). نعم، هو إجماع --------------------- (١) «التمهيد» ١/ ٣٢٧. (٢) روي هذا الحديث من طريقين: أحدهما: عن أبي أمامة، والثانية: عن ثوبان، أما طريق أبي أمامة فقد وردت من طريقين أيضًا: أحدهما: مسندة، رواه ابن ماجه (٥٢١) من طريق مروان بن محمد عن رشدين، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة مرفوعًا: قال: «إن الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه». والطبراني في «الكبير» ٨/ ١٠٤ (٧٥٠٣) من طريق مروان بن محمد به مثله دون قوله «لونه»، وفي «الأوسط» ١/ ٢٢٦ (٧٤٤) من طريق محمد بن يوسف، عن رشدين به سواء، وقال: لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا رشدين، تفرد به محمد بن يوسف، قلت: بل تابعه مروان بن محمد، عن رشدين كما عند ابن ماجه والطبراني كما سبق ذكره أنفًا. ورواه الدارقطني في «سننه» ١/ ٢٩ من طريق محمد بن يوسف عن رشدين به، وقال لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي، والصواب في قول راشد، ورواه البيهقي ١/ ٢٥٩، ٢٦٠ أيضًا من طريق مروان بن محمد، عن رشدين به دون لفظ «لونه» رواه بلفظ: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء» من طريق آخر عن مروان بن محمد. ثم رواه من طريق بقية بن الوليد وحفص بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة بمثل حديث ابن ماجه، ثم وجدته عند ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧ من طريق حفص بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة به دون قوله: «لونه». وقال: هذا الحديث ليس يوصله عن ثور إلا حفص بن عمرو، ورواه الأحوص بن حكيم مع ضعفه عن راشد بن سعد عن النبي - ﷺ - مرسلًا ولم يذكر أبا أمامة. اهـ. قلت: أما قوله ليس يوصله عن ثور إلا حفص بن عمرو فغير صحيح، فقد رواه البيهقي كما سبق من طريق بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد. = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= ورواه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٤١ من طريق الدارقطني وأشار إلى ضعفه. وذكره النووي في «خلاصة الأحكام» ١/ ٦٩ تحت الضعيف في أحاديث الباب، وقال: والضعيف في أحاديث الباب، وقال: الضعف في الاستثناء فقط، وأوله صحيح. وقال في «المجموع» ١/ ١٦٠: وأما الحديث الذي ذكره المصنف -يقصد حديث أبي أمامة- فضعيف لا يصح الاحتجاج به، وقد رواه ابن ماجه والبيهقي من رواية أبي أمامة وذكرا فيه طعمه أو ريحه أو لونه واتفقوا على ضعفه ونقل الإمام الشافعي -رحمه الله- تضعيفه عن أهل العلم بالحديث وبَيّن البيهقي ضعفه، وهذا الضعف في آخره وهو الاستثناء. وقال ابن الملقن في «البدر المنير» ١/ ٤٠١: فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف لا يحل الاحتجاج به؛ لأنه ما بين مرسل وضعيف. وقال العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» ١/ ٧٧: رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف. ثانيها: مرسلة. رواها عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٨٠ (٢٦٤) من طريق الأحوص بن حكيم، عن عامر بن سعد، عن النبي - ﷺ - به. وقوله عامر بن سعد. مخالف لباقي الروايات الأخرى فقد جاء عن راشد بن سعد كما في الحديث الموصول عن أبي أمامة. وهو عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٦، والدارقطني في «سننه» ١/ ٢٨، وقال: مرسل، ووقفه أبو أسامة على راشد. ورواه أيضًا من طريق آخر ١/ ٢٧. وقال: لم يجاوز به راشدًا، وقال البيهقي في «سننه» ١/ ٢٦٠: ورواه عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد مرسلًا، ورواه أبو أسامة عن الأحوص، عن ابن عون، وراشد من قولهما والحديث غير قوي ثم ذكر بإسناده إلى الشافعي تضعيفه للحديث. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ٤٤: سألت أبي عن حديث رواه عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد فقال أبي: يوصله رشدين بن سعد. يقول عن أبي أسامة، عن النبي - ﷺ - ورشدين ليس بالقوي والصحيح مرسل. ورواه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٤١ من طريق الدارقطني به سواء، وقال: هذا لا يصح. وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٦٤٤): وبالجملة فالحديث ضعيف؛ لعدم وجود = كما نقله الإمام الشافعي، حيث قَالَ: وما قُلْتُ من أنه إذا تغير طعم الماء وريحه ولونه (١) كان نجسًا، فيروى عن النبي - ﷺ - من وجهٍ لا يُثبت أهل الحديث مثله، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه خلافًا (٢). قَالَ ابن بطال: وقول الزهري هو قول الحسن والنخعي والأوزاعي، ومذهب أهل المدينة، وهي رواية أبي مصعب، عن مالك، وروي عن ابن القاسم: أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة، وإن لم يظهر فيه (٣)، وهو قول الشافعي. قَالَ المهلب: وهذا عند أصحاب مالك على سبيل الاستحسان والكراهية لعين النجاسة وإن قلَّت (٤). قَالَ البخاري: وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ. -------------------- = شاهد معتبر له تطمئن النفس إليه، فإن مدار الحديث على راشد بن سعد كما رأيت، وقد اختلف عليه، فمنهم من رفعه عنه، ومنهم من أوقفه عليه، وكل من المسند والمرسل ضعيف لا يحتج بحديثه، على أنه لو كان المرسل ثقة، لكان أرجح من المسند ولكان علة قادحة في الحديث، فكيف ومرسله ضعيف؟! أما طريق ثوبان فأخرجه الدارقطني في «سننه» ١/ ٢٧ من طريق مروان بن محمد عن رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو على طعمه». وضعفه ابن الملقن في «البدر المنير» ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٦٤٤): حديث ثوبان لا يصح جعله شاهدًا لحديث أبي أمامة؛ لأن مدارهما على رشدين كما عرفت، وهو من ضعفه جعله مرة من حديث هذا ومرة من حديث هذا. (١) كذا بالأصل، وصوابه كما في «اختلاف الحديث» وغيره من الكتب: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه. (٢) «اختلاف الحديث» ص ٧٤. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٧٧. (٤) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٤٩. وهذا رواه عبد الرزاق في «مصنفه»، عن معمر، عن حماد بن أبي سليمان أنه قَالَ: لا بأس بصوف الميتة، ولكنه يغسل، ولا بأس بريش الميتة (١). وهذا مذهب أبي حنيفة أيضًا؛ لقوله في عظام الفيل بناء على أصله أن لا روح فيها، وعند مالك والشافعي نجسة. وقال ابن حبيب: لا خير في ريش الميتة؛ لأنه له سَنَخ، أما ما لا سنخ له مثل الزغب وشبهه، فلا بأس به إذا غسل (٢). قَالَ ابن المنير: ومقصود البخاري بما ترجم له أن المعتبر في النجاسات الصفات، فلما كان ريش الميتة لا يتغير بتغيرها؛ لأنه لا تحله الحياة طَهُر، وكذلك العظام، وكذا الماء إذا خالطه نجاسة ولم تغيره، وكذلك السمن البعيد عن موضع الفأرة، إذا لم يتغير (٣)، كما ساقه البخاري بعد. وقال ابن بطال: رواية ابن القاسم، عن مالك أن قليل الماء ينجس وإن لم يتغير؛ يستنبط من حديث الفأرة فإنه - ﷺ - منع من أكل السمن لما خشى أن يكون سرى فيه من الميتة المحرمة، وإن لم يتغير لون السمن أو ريحه أو طعمه بموت الفأرة فيه (٤). قَالَ البخاري: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ به بَأْسًا. ----------------------- (١) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٧ (٢٠٦). (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٠ - ٣٥١. (٣) «المتواري» ص ٧٢، ٧٣. (٤) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٤٩. ![]()
__________________
|
|
#107
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 467 الى صـــ 486 الحلقة (107) هو مذهب أبي حنيفة -أعني: في عظم الفيل ونحوه-، وخالف مالك والشافعي فقالا بنجاسته لا يدهن فيه ولا يمتشط، إلا أن مالكًا وأبا حنيفة (١) قَالَ: إذا ذكي الفيل فعظمه طاهر (٢). وخالف الشافعي فقال: الذكاة لا تعمل في السباع (٣). وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل؛ لأنه ميتة. وفي لفظ: إنه كان يكره عظام الفيل (٤) -يعني: مطلقًا-، وفي «المصنف»: وكرهه عمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس (٥). وأما حديث ابن عباس الموقوف: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم، فأما الجلد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال (٦). ---------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: المعروف عن مالك هذا فقط، وأبو حنيفة لم يوافقه على هذا، وكذا حكاه النووي عن مالك وحده. (٢) كذا وقع في الأصل، وهو خطأ كما قال الناسخ، وقد جاءت هذِه الفقرة على الصواب عند ابن بطال ١/ ٣٥٠ فقال: وأما ريش الميتة وعظام الفيل ونحوه فهو طاهر عند أبي حنيفة، نجس عند مالك والشافعي، لا يدهن ولا يمتشط إلا أن مالكًا قال: إذا ذكي الفيل فعظمه طاهر، والشافعي يقول: إن الذكاة لا تعمل في السباع. ثم كررها ابن بطال ١/ ٣٥١ على الخطأ فقال: وقال مالك وأبو حنيفة: إن ذكي الفيل فعظمه طاهر، والشافعي يقول: إن الذكاة لا تعمل في السباع. فلعل المصنف قد نقلها من ابن بطال أو ممن نقل عن ابن بطال. (٣) انظر «بدائع الصنائع» ١/ ٦٣، «المجموع» ١/ ٢٩١، «المغني» ١/ ٩٧، ٩٨، «الذخيرة» ١/ ١٨٣، ١٨٤. (٤) رواه عن الشافعي البيهقي في «السنن» ١/ ٢٦. (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ٢٣٢، ٢٣٣ (٢٥٥٤٤ - ٢٥٥٤٧). (٦) رواه الدارقطني في «سننه» ١/ ٤٧ - ٤٨، والبيهقي في «سننه» ١/ ٢٣، وابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٩٠. وقال الدارقطني: عبد الجبار ضعيف. = فتفرد به أبو بكر الهذلي، عن الزهري كما قَالَ يحيى بن معين وليس بشيء، قَالَ البيهقي: وقد روى عبد الجبار بن مسلم -وهو ضعيف- عن الزهري شيئًا معناه (١). وحديث أم سلمة مرفوعًا: «لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بشعرها إذا غسل بالماء» (٢) إنما رواه يوسف بن السفر، وهو متروك، وقال ابن المواز: نهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل ولم يطلق تحريمهما؛ لأن عروة وابن شهاب وربيعة أجازوا الامتشاط بها. قَالَ ابن حبيب: وأجاز الليث وابن الماجشون وابن وهب ومطرف وأصبغ الامتشاط بها والادهان فيها، فأما بيعها فلم يرخص فيه إلا ابن وهب، قَالَ: إذا غليت جاز بيعها، وجعله كالدباغ لجلد الميتة يدبغ أنه يباع. ------------------ = وقال البيهقي أيضًا عقب حديث ابن عباس الذي في الصحيحين: «إنما حرم أكلها»: وقد روى أبو بكر الهذلي، عن الزهري في هذا الحديث زيادة لم يتابعه عليها ثقة. وقد روى هذِه الزيادة الدارقطني في «سننه» ١/ ٤٨، ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٩٠. وقال الدارقطني: أبو بكر الهذلي متروك، ورواه البيهقي في «سننه» أيضًا ١/ ٢٣، وروى البيهقي بإسناده إلى يحيى بن معين. قال: أبو بكر الهذلي ليس بشيء. (١) «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ٢٣ - ٢٤. (٢) رواه الدارقطني ١/ ٤٧، والطبراني في «الكبير» ٢٣/ ٢٥٨ (٥٣٨) مختصرًا، والبيهقي ١/ ٢٤، وابن الجوزي في «تحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٩٠، ٩١، وقال الدراقطني: لم يأت به غير يوسف بن السفر، وهو متروك يكذب. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٢١٨: رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه يوسف بن السفر، وقد أجمعوا على ضعفه. وقال الليث وابن وهب: إن غلي العظم في ماء سخن وطبخ، جاز الادهان به والامتشاط (١). فائدة: قول الزهري: يُدْهنون يجوز في قراءته ثلاثة أوجهٍ: ضم الياء وإسكان الدال، أي: يُدهنون رءوسهم ولحاهم ونحو ذَلِكَ. وثانيها: تشديد الدال وفتح الهاء وتشديدها. ثالثها: فتح الدال وتشديدها وكسر الهاء من ادَّهن افتعل. قَالَ السفاقسي: وهو ما رويناه وقدم الأول وقال: الآخران جائزان. قَالَ البخاري: وَقَالَ ابن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ. وهذا التعليق عن ابن سيرين أسنده عبد الرزاق في «مصنفه» فقَالَ: حَدَّثنَا الثوري عن هشام، عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بالتجارة بالعاج بأسًا (٢)، وهذا إسناد صحيح، ورخص في بيعه عروة وابن وهب (٣). قَالَ ابن بطال: ومن أجازه فهو عنده طاهر (٤). قَالَ ابن سيده: والعاج: أنياب الفِيَلَة. ولا يسمى غير الناب عاجًا (٥). وقال القزاز: أنكر الخليل أن يسمى غيره عاجًا وذكر غيرهما أن الذبل يسمى عاجًا، وممن صرح به الخطابي، حيث قَالَ: --------------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٠ - ٣٥١. (٢) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٨ (٢١١). (٣) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٩ (٢١٤)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٢٣٢ (٢٥٥٤١، ٢٥٥٤٢، ٢٥٥٤٣). (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥١. (٥) «المحكم» ٢/ ٢٠٤. العاج: الذبل (١). وأنكر عليه (٢)، وفي «الصحاح» و«المجمل»: العاج: عظم الفيل (٣). وفي «الصحاح» أيضًا: المسك: السوار من عاج أو ذبل (٤) فغاير بينهما. وروي أنه - ﷺ - امتشط بمشط من عاج (٥). ------------------- (١) «معالم السنن» ٤/ ١٩٧ وتتمة كلامه: فأما العاج الذي تعرفه العامة فهو عظم أنياب الفيلة. (٢) قلت: قد أنكر على الخطابي قوله هذا غيرُ واحد من العلماء، منهم التوربشتي فيما نقله عنه شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود» ١١/ ٢٧٠ قال: قال التوربشتي بعدما نقل عبارة الخطابي هذِه: من العجيب العدول عن اللغة المشهورة إلى ما لم يشتهر بين أهل اللسان، والمشهور أن العاج عظم أنياب الفيلة وعلى هذا يفسره الناس أولهم وآخرهم. اهـ. وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٤٣: وفي كلام الخطابي نظر. وكذا قال الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ١٢٠. وقال ابن التركماني في «الجوهر النقي» ١/ ٢٧: كان الواجب عليه اتباع الحديث وترك رأيه ولم يفعل كذلك، بل رد الحديث إلى رأيه وأوهم بقوله: الذي تعرفه العامة. أنه ليس من صحيح لغة العربي وليس كذلك. (٣) «الصحاح» ١/ ٣٣٢، «المجمل» ٢/ ٦٤١. (٤) «الصحاح» ٤/ ١٦٠٨. (٥) رواه البيهقي في «سننه» ١/ ٢٦، وضعفه وقال الذهبي في «المهذب» ١/ ٢٧: وهذا لا يصح. وقال ابن التركماني في «الجوهر النقي» ١/ ٢٧: وقال في «الخلافيات»: عمرو بن خالد الواسطي. ضعيف، والمفهوم من كلامه ها هنا أن الواسطي مجهول، وهو ليس كذلك. وقال الألباني في «الضعيفة» ١٠/ ٤١١: وأنا أظن أنه عمرو بن خالد القرشي أبو خالد الكوفي نزيل واسط، وهو مشهور بالكذب والوضع. ولذا ضعفه في «الضعيفة» برقم (٤٨٤٦). وروى أبو داود أنه - ﷺ - قَالَ لثوبان: «اشتر لفاطمة سوارين من عاج» (١) لكنهما ضعيفان، ثم العاج هو: الذبل كما قدمناه، وهو بذال معجمة، ثم باء موحدة، ثم لام، وهو عظم ظهر السلحفاة البحرية، صرح به الأصمعي وابن قتيبة وغيرهما من أهل اللغة. وقال أبو علي البغدادي (٢): العرب تسمي كل عظم عاجًا. ----------------------- (١) أبو داود (٤٢١٣)، ورواه أحمد ٥/ ٢٧٥، والطبراني ٢/ ١٠٣ (١٤٥٣)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٧٠ - ٧١ الترجمة (٤٣٤). وقال: وحميد الشامي هذا إنما أنكر عليه هذا الحديث، وهو حديثه ولم أعلم له غيره، والبيهقي في «سننه» ١/ ٢٦، «شعب الإيمان» (٥٦٥٩) مختصرًا. وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٣١٥ (١٣٣٦)، وفي «التحقيق في أحاديث الخلاف» ١/ ٩٢ - ٩٣، والمزي في «تهذيب الكمال» ٧/ ٤١٣ - ٤١٤، و١٢/ ١١١ - ١١٢. وقال عثمان بن سعيد الدارمي في «تاريخه» (٢٦٨): قلت: فحميد الشامي كيف حديثه الذي يروي حديث ثوبان، عن سليمان المنبهي؟ فقال: ما أعرفهما. وقال ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٩٣: هذا الحديث لا يصح. حميد وسليمان مجهولان. قال أحمد: لا أعرف حميدًا. وقال الذهبي في «المغني» (١٧٨٩): روى عنه ابن جحادة خبرًا منكرًا في ذكر فاطمة، لا يعرف، ولينه بعضهم، وقال في «التنقيح» ١/ ١٤٠: فحميد وشيخه مجهولان. وقال الألباني في «المشكاة» (٤٤٧١): وإسناده ضعيف. (٢) هو أبو علي، إسماعيل بن القاسم بن هارون بن عيدون البغدادي القالي العلامة اللغوي، صاحب كتاب «الأمالي» في الأدب أخذ العربية عن ابن دريد، وأبي بكر بن الأنباري، وابن درستويه، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى، ودخل بغداد في ٣٠٥ هـ، وأقام بها إلى سنة ٣٢٨ هـ وكتب بها الحديث، ثم خرج من بغداد قاصدًا الأندلس. له كتاب «المقصور والممدود»، «الإبل ونتاجها وجميع أحوالها»، «أفعل من كذا»، «البارع في اللغة»، «البارع في غريب الحديث»، «تفسير غريب أبي تمام»، «الخيل»، «تبويب لحن العامة للسجستاني». وانظر: «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٤٥، «تاريخ الإسلام» ٢٦/ ١٣٨ - ١٣٩، «وفيات الأعيان» ١/ ٢٢٦، «شذرات الذهب» ٣/ ١٨. قُلْتُ: فلا يكون العظم -أعني: عظم الفيل- هنا مرادًا؛ لأنه ميتة فلا تستعمل، وواحدة العاج عاجة. ثم ذكر البخاري في الباب حديث ميمونة وحديث أبي هريرة. أما حديث ميمونة فقال فيه: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَن ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنكُمْ». حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، «ثَنَا مَعْنٌ، ثنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْن عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ:»خُذُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ«. قَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ. وهذا الحديث أخرجه في الذبائح (١) أيضًا وهو من أفراده عن مسلم، وأخرجه أبو داود والترمذي في الأطعمة (٢) والنسائي في الذبائح (٣)، وأفاد البخاري بالطريق الثاني، -وإن كان نازلًا- متابعة إسماعيل وقول معن السالف. وفي إسناده اختلاف كثير بينه الدارقطني، حيث روي تارة بإسقاط ميمونة من حديث الزهري ومالك، وتارة بإسقاط ابن عباس، وتارة ------------------------- (١) سيأتي برقم (٥٥٣٨، ٥٥٤٠) كتاب: الذبائح والصيد، باب: إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب. (٢)»سنن أبي داود«(٣٨٤١)،»سنن الترمذي«(١٧٩٨). (٣)»سنن النسائي" ٧/ ١٧٨. من حديث ابن مسعود، وتارة من حديث سالم، عن أبيه قَالَ: وهو وهم (١). وقال أبو عمر: هذا اضطراب شديد من مالك (٢). ورواه أبو داود من حديث أبي هريرة (٣) وقال الإسماعيلي: الحديث معلول، وفي رواية سئل الزهري عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد تقع فيه الفأرة أو غيرها فقال: بلغنا أن رسول الله - ﷺ - أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قَرُب منها فطرح، ثم أكل (٤). وفي سنن أبي داود: «إن كان مائعًا فلا تقربوه» (٥). إذا تقرر ذَلِكَ فالإجماع قائم كما نقله ابن عبد البر على أن الفأرة وشبهها من الحيوان تموت في سمن جامد أو ما كان مثله من الجامدات، أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد ويؤكل سائره، إذا استوثق أن الميتة لا تصل إليه. وكذا أجمعوا أن السمن وما كان مثله إذا كان مائعًا ذائبًا، فماتت فيه فأرة أو وقعت فيه وهي ميتة، أنه نجس كله، وسواء وقعت فيه ميتة أو حية، فماتت ينجس بذلك قليلًا كان أو كثيرًا، هذا قول جمهور -------------------- (١) «علل الدارقطني» ٧/ ٢٨٥، ٢٨٧ (١٣٥٧). (٢) «التمهيد» ٩/ ٣٤. (٣) «سنن أبي داود» (٣٨٤٢). قال الألباني في «ضعيف أبي داود»: شاذ. (٤) سيأتي برقم (٥٥٣٩) كتاب: الذبائح والصيد، باب: إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب. (٥) «سنن أبي داود» (٣٨٤٢)، ورواه أحمد ٢/ ٢٦٥، وابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٢٣٧ (١٣٩٣)، والبيهقي ٩/ ٣٥٣، والبغوي في «شرح السنة» ٢٥٧/ ١١ (٢٨١٢). قال الترمذي: في «العلل» ٢/ ٧٥٩: ليس له أصل، وقال أبو حاتم في: «العلل» ٢/ ١٢: وهم. الفقهاء وجماعة العلماء، وقد شذ قوم (١) فجعلوا المائع كله كالجامد، ولا وجه للاشتغال بشذوذهم، ولا هم عند أهل العلم ممن يُعد لهم خلاف. وسلك ابن علي (٢) في ذَلِكَ مسلكهم، إلا في السمن الجامد والذائب، فإنه يتبع ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في العسل والخل، وسائر المائعات، فجعلها كلها في لحوق النجاسة إياها بما ظهر فيها، فشذ أيضًا، ويلزمه ألا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن. قَالَ: واختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته. فقالت طائفة من العلماء: لا يستصبح به ولا ينتفع بشيء منه، وممن قَالَ ذَلِكَ: الحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، محتجين بالرواية السالفة: «وإن كان مائعًا فلا تقربوه» ولعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز. وقال آخرون بجواز الاستصباح به والانتفاع في كل شيء إلا الأكل والبيع، وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري، أما الأكل فمجمع على تحريمه، إلا الشذوذ الذي ذكرناه، كما نبه عليه ابن عبد البر (٣). وأما الاستصباح فروي عن علي (٤) وابن عمر (٥) أنهما أجازا ذَلِكَ، ومن حجتهم في تحريم بيعها قوله: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم -------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: […] ذهب إليه البخاري في الصحيح وهو مذهب غيره أيضًا. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: يعني: داود الظاهري. (٣)»التمهيد«٩/ ٤٠ - ٤١، ٤٢. (٤) رواه ابن المنذر في»الأوسط«٢/ ٢٨٥. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٧ (٢٤٣٨٧)، وابن المنذر في»الأوسط" ٢/ ٢٨٦. الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» (١). وقال آخرون: ينتفع به وجائز أن يبيعه ويبِّين ولا يأكله، وممن قَالَ ذَلِكَ أبو حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، وقد روي عن أبي موسى الأشعري (٢) والقاسم وسالم محتجين بالرواية الأخرى، «وإن كان مائعًا، فاستصبحوا به وانتفعوا» والبيع من باب الانتفاع (٣). وأما قوله في حديث عبد الرزاق: «وإن كان مائعًا، فلا تقربوه» يحتمل أن يريد به الأكل. وقد أجرى - ﷺ - التحريم في شحوم الميتة في كل وجه، ومنع الانتفاع بشيء منها، وقد أباح في السمن يقع فيه الميتة الانتفاع به، فدل على جواز وجوه سائر الانتفاع غير الأكل، ومن جهة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين والذات. وأما الزيت يقع فيه الميتة، فإنها تنجس بالمجاورة، وما ينجس بالمجاورة فبيعه جائز، كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره. وأما قوله: «إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه». فإنما خرج على شحوم الميتة التي حرم أكلها، ولم يبح الانتفاع بشيء منها، وكذلك الخمر، وأجاز عبد الله بن نافع غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة، ----------------------- (١) الحديث بهذا اللفظ رواه أحمد في «المسند» ١/ ٢٤٧ من حديث ابن عباس، ورواه أبو داود (٣٤٨٨)، وكذا البيهقي ٦/ ١٣ بزيادة لفظ «ثلاثًا» فقال: «لعن الله اليهود ثلاثًا» والحديث عند البخاري من حديث جابر بن عبد الله (٢٢٣٦) في البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، ومسلم (١٥٨١) في المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. بلفظ: «قاتل الله اليهود، إن الله لمَّا حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه» وفي الباب عن عمر بن الخطاب. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٨٧ (٢٩٣)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ١٢٧ (٢٤٣٨٥)، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٨٦. (٣) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧. وروي عن مالك أيضًا (١)، وصفته: أن تَعْمُد إلى ثلاث آوان أو أكثر، فيجعل الزيت النجس في واحدة منها، حتى يكون نصفها أو نحوه، ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ، ثم يؤخذ الزيت من على الماء، ثم يجعل في آخر ويعمل به كذلك، ثم في آخر. وهو قول ليس لقائله سلف، ولا تسكن إليه النفس؛ لأنه لو كان جائزًا لما خفي على المتقدمين. وقد روي عن عطاء قولُ تفرد به، روى عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه، قَالَ: ذكروا أنه يدهن به السفن ولا يمس، ولكن يؤخذ بعود. قُلْتُ: يدهن به غير السفن؟ قَالَ: لم أعلم. قُلْتُ: وأين يدهن به من السفن؟ قَالَ: ظهورها ولا يدهن بطونها. قُلْتُ: فلابد أن تمس؟ قَالَ: تغسل اليد من مسه (٢). وقد روي من حديث جابر المنعُ من الدهن به (٣)، وعند سحنون أن موتها في الزيت الكثير غير ضار، وليس الزيت كالماء، وعن عبد الملك: إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت أو بئر، فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه أزيل ذَلِكَ منه ولم ينجس، وإن ماتت فيه ينجس وإن كثر (٤). ووقع في كلام ابن العربي أن الفأرة عند مالك طاهرة خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥)، ولا نعلم عندنا خلافًا في طهارتها في حال حياتها (٦). ------------------- (١) الذي في «النوادر والزيادات» ١/ ١٤٢: وروى ابن رشيد عن ابن نافع عن مالك في الزيت إذا أصابته النجاسة أنه يغسل. (٢) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٧ (٢٠٨). (٣) سيأتي برقم (٢٢٣٦) كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٤/ ٣٨٠، «المنتقى» ٧/ ٢٩٢. (٥) «عارضة الأحوذي» ٧/ ٣٠٠. (٦) انظر: «الوسيط» ١/ ٤٧، «روضة الطالبين» ١/ ١٣. وحاصل الحديث فوائد: إلقاء ما نجس من الطعام مع العين النجسة، وأكل ما لم يصبه، وأن هذا حكم الجامد (١). أما المائع فمخالف له كما سلف في الرواية الأخرى «وإن كان مائعًا، فلا تقربوه» جمعًا بين الروايتين، وعن سحنون: أنه إذا طال مكث الميتة يطرح السمن كله؛ أي: لأنه قد يذوب في بعض تلك الأحوال، فتخالطه النجاسة، حكاه الداودي في «شرحه». الحديث الثاني: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنَا عَبْدُ اللهِ، أنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ كَلْم يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: عبد الله هو ابن المبارك وقد سلف. وأحمد شيخ البخاري فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أحمد بن محمد بن موسى عُرف بمِرْدويه، قاله الحاكم أبو عبد الله، والكلاباذي، والإمام أبو نصر (٢) حامد بن محمود بن علي ------------------------ (١) انظر: «المغني» ١/ ٥٣. (٢) هو أبو نصر حامد بن محمود بن عليّ بن عبد الصمد الرازي من أهل الري فقيه فاضل مناظر حسن السيرة جميل الأمر تفقه بنيسابور وببخارى وبرع في الفقه وكان راغبًا في سماع الحديث حريصًا على كتابته. تنبيه: في الأصل: الفزاري، ولعل الصواب الرازي كما في مصادر الترجمة. انظر ترجمته في: «التحبير في المعجم الكبير» ص ٢٤٣، «التدوين في أخبار قزوين» ١/ ٣٤٣، ٢/ ٤٦٧. الفزاري في كتابه «مختصر البخاري»، وأخرج له مع البخاري أبو داود، والنسائي، وقال: لا بأس به، وهو المروزي السمسار، قدم بغداد، وأغفله الخطيب. مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (١). ثانيها: أنه أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي المروزي الماخواني -قرية من قرى مرو- عرف بشبويه، قاله الدارقطني، وهذا روى عنه أبو داود، ومات سنة تسع وعشرين -أو ثلاثين- ومائتين (٢). ثالثها: أنه لا يعرف، قَالَ أبو أحمد بن عدي: أحمد بن محمد، عن عبد الله، عن معمر لا يعرف (٣). ------------------ (١) هو أحمد بن محمد بن موسى المروزي، أبو العباس السمسار المعروف بمردويه، وربما نسب إلى جده. ذكره أبو بكر بن أبي خيثمة فيمن قدم بغداد، ولم يذكره الخطيب في «تاريخه». وفي كتاب: «الزهرة» كان فقيهًا ويعرف بصاحب ابن المبارك، روى عنه -يعني: البخاري- اثني عشر حديثًا. وقال ابن وضاح: ابن مردويه خرساني ثقة ثبت. انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ١/ ٤٧٣ (١٠٠). و«إكمال مغلطاي» ١/ ١٣٩ (١٤٦)، و«تهذيب التهذيب» ١/ ٤٥. (٢) هو: أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان بن مسعود بن يزيد الخزاعي، أبو الحسن ابن شبويه المروزي الماخواتي. وهو والد عبد الله بن أحمد بن شبويه. قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: أحمد شبويه ثقة. روى البخاري في الوضوء، والأضاحي، والجهاد عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، فقال الدارقطني: إنه أحمد بن محمد بن ثابت بن شبويه هذا، وقال أبو نصر الكلاباذي، وغير واحد: إنه أحمد بن محمد بن موسى مردويه المروزي السمسار، فأيهما كان، فهو ثقة. وجزم ابن حجر في «الفتح» ١/ ٣٤٤ أنه ابن مردويه. انظر: ترجمته في: «معرفة الثقات» ١/ ١٩٢ (٤)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٥ (٧١)، «تهذيب الكمال» ١/ ٤٣٣ (٩٤)، «إكمال مغلطاي» ١/ ١١٢ (١٤٢). (٣) «أسامي من روى عنهم البخاري» ص ٨٦ (٢٢). ثانيها: هذا الحديث أخرجه مسلم في الجهاد (١). ثالثها: الكَلم -بفتح الكاف- الجرح. ويكْلمه بإسكان الكاف. والعرف -بفتح العين- الرائحة. رابعها: مجيئه يوم القيامة كهيئتها تفجر له فوائد: الأولى: ليشهد على ظالمه بالقتل شهادة ظاهرة، والدم في الفصل شاهد عجب. الثانية: ليظهر شرفه لأهل الموقف، بانتشار رائحة المسك من جرحه الشاهد له ببذل نفسه في ذات الله تعالى. الثالثة: أن هذا الدم خلعة خلعها الله عليه في الحقيقة أكرمه بها في الدنيا، فناسب أن يأتي بها يوم القيامة. أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثوب الذي خلعًا (٢) ---------------------- (١) مسلم (١٨٧٦/ ١٠٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. (٢) قال أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٣٧٣: أنشدني منصور بن محمد المفري قال: أنشدني أحمد بن نصر بن منصور الشاذابي المقري قال قيل لأبي بكر الشبلي: مزقت وأبليت كل ملبوسك والعيد قد أقبل والناس يتزينون وأنت هكذا؟ فأنشأ يقول: قالوا أتى العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساق حبه جزعا فقر وصبر هما ثوباي تحتهما … لب يرى إلفَهُ الأعياد والجمعا الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لي مرءًا ومستمعًا أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثوب الذي خلعا خامسها: الحديث سبق لفضل المطعون في سبيل الله، وقد استنبطوا منه أشياء فيها تكلف منها: أن المراعى في الماء تغير لونه دون تغيير رائحته؛ لأنه - ﷺ - سمى هذا الخارج من جرح الشهيد دمًا، وإن كان الريح ريح مسك، ولم يقل مسكًا، فغلب المسك؛ للونه على رائحته، فكذلك الماء ما لم يتغير طعمه، لم يلتفت إلى تغير رائحته. وفيه نظر؛ لأنه ذكر وصفين من غير تغليب لأحدهما على الآخر. ومنها: ما ترجم له البخاري، ويحتمل أن حجته فيه الرخصة كما سلف، أو التغليظ بعكس الاستدلال الأول، فإن الدم لما انتقل بطيب رائحته من حكم النجاسة إلى الطهارة، ومن حكم القذارة إلى التطيب بتغير رائحته، وحكم له بحكم المسك والطيب للشهيد، فكذلك الماء ينتقل إلى العكس، بخبث الرائحة وتغير أحد أوصافه من الطهارة إلى النجاسة، على أن القيامة ليست دار أعمال ولا أحكام، وإنما لما عظم الدم بحيلولة صفته إلى ما هو مستطابُ معظمُ عادة، علمنا أن المعتبر الصفات لا الذوات، ولما كانت الأحاديث في باب نجاسة الماء ليست على شرطه، استدل على حكم الماء المائع بحكم الدم المائع، وذلك المعنى الجامع بينهما. فإن قُلْتَ: لما حَكَمَ للدم بالطهارة بتغير رائحته إلى الطيب، وبقي فيه اللون والطعم، ولم يذكر تغيرهما إلى الطيب، وجب أن يكون الماء إذا تغير منه وصفان بالنجاسة وبقي وصف واحد طاهر أن يجوز الطهور به؟ فالجواب: أنه ليس كما توهمت؛ لأن ريح المسك حكم للدم بالطهارة، فكان اللون والطعم تبعًا للطاهر، وهو الريح التي انقلب ريح مسك، فكذلك الماء إذا تغير منه وصف واحد بنجاسة حلت فيه، كان الوصفان الباقيان تبعًا للنجاسة، وكان الماء بذلك خارجًا عن حد الطهارة؛ لخروجه عن صفة الماء الذي جعله الله طهورًا، وهو الماء الذي لا يخالطه شيء. ومنها: أن أبا حنيفة يحتج بهذا الحديث على جواز استعمال الماء المضاف المتغيرة أوصافه، بإطلاق اسم الماء عليه، كما انطلق على هذا اسم الدم، وإن تغيرت أوصافه إلى الطيب (١)، ولا يخفي ما في ذَلِكَ. سادسها: فيه أيضًا من الفوائد: فضل الجراحة في سبيل الله، وأن الشهيد لا يُزال عنه الدم بغسل ولا غيره؛ للحكمة التي ذكرناها، وإليه يشير قوله: «كهيئتها إذ طعنت» وكان الحسن وابن سيرين يقولان: يغسل كل مسلم، وأن كل ميت يُجنب (٢)، وأن أحكام الآخرة وصفاتها غير أحكام الدنيا وذواتها، فإن الدم في الآخرة يتغير حكمه من النجاسة والرائحة الخبيثة التي في الدنيا إلى الطهارة والرائحة الطيبة يوم القيامة، وبذلك يقع الإكرام له والتشريف. ولا يلزم من كونه لون الدم أن يكون دمًا نجسًا حقيقة، كما لا يلزم من كون ريحه ريح مسك أن يكون مسكًا حقيقة، بل يجعله الله شيئًا يشْبه هذا، ويُشبه هذا بأشياء عما فارق الدنيا عليه، كما أن إعادة الأجسام لما -------------------- (١) انظر: «الهداية» ١/ ١٩. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٥٨ عن سعيد بن المسيب والحسن. كانت عليه في الدنيا وإن اتصفت بصفات أخر من البقاء والدوام بعد أن كانت غير دائمة ولا باقية، ولهذا يأتون في طول واحد، وسن واحد جُردًا مُردًا غير مختونين، فعلمنا أن الإعادة حق، وإن اكتسبت أوصافًا لم تكن، ليس حكمه حكمها، ولا فضله فضلها. وكذلك أهل الوضوء يبعثون يوم القيامة غرًا محجلين من آثاره إكرامًا لهم، وشهادة لهم تثبت عملهم في الدنيا ليتميزوا به. وفيه أيضًا: أن الشهيد يبعث على حالته التي خرج عليها من الدنيا. قَالَ الداودي: ويؤخذ من كون الدم طاهرًا يوم القيامة أنه إذا طُعن في الدنيا، ولم يرفأ الدم يصلي كذلك كما فعل عمر - رضي الله عنه -. ٦٨ - باب البَوْلِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ٢٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُوِ اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابقُونَ». [٨٧٦، ٨١٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥ - مسلم: ٨٥٥ - فتح: ١/ ٣٤٥] ٢٣٩ - وَبِإسْنَادِهِ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». [مسلم: ٢٨٢ - فتح: ١/ ٣٤٦] حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، أَنا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ». وَبِإسْنَادِهِ قَالَ: «لَا يَبُولَن أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث -أعني: حديث «لَا يَبُولَنَّ»- صحيح متفق على صحته، أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة، ولفظة: «فيه» من أفراد البخاري. ولمسلم: «منه» (١)، وله: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» فقيل: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قَالَ: يتناوله تناولًا (٢). ثانيها: وجه إدخال البخاري -رحمه الله- الحديث الأول في هذا الباب، --------------------- (١) مسلم (٢٨٢) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد. (٢) مسلم (٢٨٣) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاغتسال في الماء الراكد. وهو حديث «نحن الآخرون ..» إلى آخره. أن أبا هريرة رواه كذلك، وذكر مثل ذَلِكَ في كتاب الجهاد (١) والمغازي (٢) والأيمان والنذور (٣) وقصص الأنبياء (٤) والاعتصام (٥) ذكر في أوائلها كلها «نحن الآخرون السابقون». قَالَ ابن بطال في «شرحه»: ويمكن أن يكون همام فعل ذَلِكَ؛ لأنه سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة، وفي أوائلها «نحن الآخرون السابقون» فذكرها على الرتبة التي سمعها من أبي هريرة، ويمكن -والله أعلم- أن يكون سمع أبو هريرة ذَلِكَ في نسق واحد، فحدث بهما جميعًا كما سمعهما (٦). قُلْتُ: البخاري ساق الحديث من طريق الأعرج، عن أبي هريرة كما ذكرته لك، لا من حديث همام عنه، وتلك تعرف بصحيفة همام، وعادة مسلم يقول فيها، فذكر أحاديث، ومنها كذا، وهذِه أيضًا صحيفة رواها بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عنه، عن أبي هريرة، وأحاديثها تقرب من صحيفة همام وأولها «نحن الآخرون السابقون» وفيها حديث البول في الماء الدائم. وقوله: إن همامًا سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة، ليس بجيد؛ لأن الدارقطني جمعها في جزءٍ مفرد، فبلغت فوق المائة. --------------------- (١) سيأتي برقم (٢٩٥٦) باب: يقاتل من وراء الإمام .. (٢) لم نقف عليه. (٣) سيأتي برقم (٦٦٢٤) باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾. (٤) سيأتي برقم (٣٤٨٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ٥٤. (٥) سيأتي برقم (٧٤٩٥) في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾. (٦) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٣. وقوله: ويمكن أن يكون سمعه من رسول الله - ﷺ - في نسق فيه بعد، وقد وقع لمالك في «موطئه» مثل هذا في موضعين: أحدهما: لما ذكر حديث: «وإن مما أدركت الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (١). وذكر إثره حديث: ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، فحدث بهما جميعًا كما سمعهما. والثاني: حديث الغُصن الشوك وذكر معه «الشهداء خمسة» (٢). وقال ابن المنير: إن قُلْتَ: كيف طابق هذا مقصود الترجمة؟ وهل ذَلِكَ لما قيل: إن همامًا راويه روى جملة أحاديث عن أبي هريرة، استفتحها له أبو هريرة بذلك، فصار همام مهما حدث عن أبي هريرة ذكر الجملة من أولها واتبعه البخاري في ذَلِكَ، أو يظهر مطابقة معنوية؟ قُلْتُ: على المطابقة، وتحقيقها أن السر في اجتماع الآخر في الوجود والسبق في البعث لهذِه الأمة، مثلها للمؤمن مثل السجن، وقد أدخل الله فيه الأولين والأخرين على ترتيب. فمقتضى ذَلِكَ أن الآخر في الدخول أول في الخروج، كالوعاء إذا ملأته بأشياء وضع بعضها فوق بعض ثم استخرجتها، فإنما يخرج أولًا ما أدخله آخرًا، فهذا هو السر في كون هذِه الأمة آخرًا في الوجود الأول أولًا في الوجود الثاني، ولها في ذَلِكَ من المصلحة، فله بقاؤها في سجن الدنيا وفي أطباق البلاء بما خصها الله تعالى به من قصر الأعمار، ومن السبق إلى المعاد، فإذا فهمت هذِه الحقيقة تصور الفطن معناها عامًا. ----------------------- (١) «الموطأ» ص ١١٦. (٢) «الموطأ» ص ١٠٠. فكيف يليق بلبيب أن يعمد إلى ما يتطهر من النجاسة ومما هو أيسر منها من الغبرات والقترات، فيبول في ماء راكد، ثم يتوضأ منه، فأول ما يلاقيه بوله الذي عزم على التطهر منه، وهو عكس للحقائق، وإخلال بالمقاصد، لا يتعاطاه أريب ولا يفعله لبيب، والحق واحد وإن تباعد ما بين طرفه، وسيأتي للبخاري ذكر حديث: «نحن الآخرون السابقون» في ترجمة قوله: «الإمام جنة يتقى به ويقاتل من ورائه» (١) أي: هو أولٌ آخرٌ، هو أول في إسناد الهمم والعزائم إلى وجوده، وهو آخر في (صور) (٢) وقوفه فلا ينبغي لأجناده إذا قاتلوا بين يديه أن يظنوا أنهم حموه، بل هو حماهم وصان بتدبيره حماهم هو، وإن كان خلف الصف، إلا أنه في الحقيقة جنة أمام الصف، وحق الإمام أن يكون محله من الحقيقة الأمام (٣). هذا آخر كلامه، وفيه أمران: أولهما: قوله: كما قيل: أن همامًا راويه تبع فيه ابن بطال (٤)، وقد سلف رده. ثانيهما: ما ذكره من المطابقة من أن الشيء إذا أدخلته آخرًا يخرج أولًا، إنما يأتي في الأشياء الكثيفة الأجرام أما المائع، فإنه سريع الاختلاط، ودخول بعضه في بعض. ثالثها: معنى «نحن الآخرون»: آخر الأمم، «والسابقون»: إلى الجنة يوم القيامة. ------------------ (١) سيأتي برقم (٢٩٥٧) في الجهاد والسير، باب: يقاتل من وراء الإمام ويتقي به. (٢) هكذا في الأصل، وفي «المتواري»: أنها (صورة). (٣) «المتواري» ص ٧٣، ٧٤. (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٣. ![]()
__________________
|
|
#108
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 487 الى صـــ 506 الحلقة (108) رابعها: «الدَّائِم»: الراكد كما جاء في رواية أخرى. وقوله: («الَّذِي لَا يَجْرِي») تأكيد لمعناه وتفسير له، وقيل: للاحتراز عن راكد لا يجري بعضه، كالبرك ونحوها، والألف واللام في «الماء» لبيان حقيقة الجنس أو للمعهود الذهني. خامسها: قوله: («ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ») الرواية بالرفع، وجوَّز ابن مالك جزمه على النهي، ونصبه على تقدير أن (١)، ومنعهما غيره، وقد أوضحت ذَلِكَ في «شرح العمدة» (٢). سادسها: هذا النهي للتحريم إن كان قليلًا؛ لأنه ينجسه ويقذره على غيره، وللتنزيه إن كان كثيرًا هذا هو الذي يظهر، وإن أطلق جماعة من أصحابنا الكراهة في الأول، والتغوط في الماء كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه فيه، أو بال بقُرْبه فوصل إليه، وأبعد الظاهري فيهما، وقال: يحرم عليه إذا بال فيه، ولو كان الماء كثيرًا دون غيره، وقد أوضحت فساده في «شرح العمدة» أيضًا (٣). سابعها: استدل به أبو حنيفة على تنجيس الغدير الذي يتحرك طرفه بتحرك الآخر بوقوع النجاسة فيه؛ فإن الصيغة صيغة عموم (٤)، وهو عند(١) «شواهد التوضيح» ص ٢٢٠. (٢) انظر: «الإعلام» ١/ ٢٧٢. (٣) «الإعلام» ١/ ٢٧٧، ٢٧٨. (٤) انظر: «الهداية» ١/ ١٩، ٢٠. الشافعية وغيرهم مخصوص، والنهي محمول على ما دون القلتين جمعًا بين الحديثين (١)، وهما هذا الحديث وحديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا»، وقد صححه ابن معين وابن حبان وابن خزيمة والحاكم وغيرهم (٢). وعند أحمد أن بول الآدمي وما في معناه ينجس الماء، وإن كان كثيرًا اللهم إلا أن يكون كثيرًا جدًّا، كالمصانع التي بطريق مكة وغيره من النجاسات يعتبر فيه القلتان. وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى الأنجاس الواقعة في الماء الكثير، ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين مخصوصة، فينجس الماء دون غيره من النجاسات، ويلحق بالبول المنصوص عليه، ما هو في معناه (٣). ومالك حمل النهي على التنزيه مطلقًا؛ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغيير بالنجاسة، فلا بد من التخصص أو التقييد (٤). ثامنها: حرمة الوضوء بالماء النجس والتأدب بالتنزه عن البول في الماء الراكد؛ لعموم الحاجة إليه (٥). ------------ (١) انظر: «المجموع» ١/ ١٦٨. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٤٩ (٩٢)، «صحيح ابن حبان» ٤/ ٥٧ (١٢٤٩). ورواه الأربعة: أبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي ١/ ٤٦، وابن ماجه (٥١٧). (٣) انظر: «المغني» ١/ ٥٥ - ٥٦. (٤) انظر: «التفريع» ١/ ٢١٦، «الكافي» ص ١٥، «بداية المجتهد» ١/ ٥٢، ٥٧. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الثامن من الجزء الثاني من تجزئة المصنف. ٦٩ - باب إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌّ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ وَكَانَ ابن عُمَرَ إِذَا رَأى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابن المُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ أَوْ تَيَمَّمَ، فَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ. [فتح: ١/ ٤٣٨] ٢٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدٌ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَحمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبرَاهِيمُ بن يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيمُونٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلِ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورٍ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَد؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - وضَعَهُ على ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنْعَةٌ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَة ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثَلَاثَ مَرَّاتِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ- قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ -ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ». وَعَدَّ السَّابعَ فَلَمْ يحْفَظْهُ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ [٥٢٠، ٢١٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح: ١/ ٣٤١] قال البخاري: وَكَانَ ابن عُمَرَ إِذَا رَأى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهْوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وهذا رواه في «المصنف» بنحوه عن وكيع، عن حسين بن جعفر، حَدَّثَني سليط بن عبد الله بن يسار: رأيت ابن عمر رأى في (جُربائه) (١) دمًا فبزق فيه ثم دلكه (٢). قَالَ: وحَدَّثَنَا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع عنه أنه رأى في ثوبه دمًا فغسله، فبقي أثره أسود، فدعا بمقص فقرضه (٣). قَالَ البخاري: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ المُسَيِّب: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ أَوْ تيَمَّمَ، فَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ. أي: في واحدة من هؤلاء، ونقله ابن بطال -أعني: عدم الإعادة- عن ابن مسعود (٤) .. -------------------- (١) ورد بهامش (س) ما نصه: وجُرُبَّاء القميص بالكسر والضم جيبه. (٢) «مصنف أبي شيبة» ١/ ١٨٠ (٢٠٧٠). (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٨٠ (٢٠٧٣). (٤) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٦٠٦) من طريق أبي حمزة عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: خلع رسول الله - ﷺ - نعليه فخلع مَن خلفه، فقال: «ما حملكم أن خلعتم نعالكم؟» قالوا: رأيناك خلعت، فخلعنا، قال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا فخلعتهما لذلك، فلا تخلعوا نعالكم». ورواه بنحوه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٦٤ (٧٣٣) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله بنحوه. ورواه الطبراني ١٠/ ٦٨ (٩٩٧٢)، وفي «الأوسط» ٥/ ١٨٣ (٥٠١٧) من طريق أبي حمزة. وقال البزار: لا نعلم رواه هكذا إلا أبو حمزة. وقال الهيثمي ٢/ ٥٦: أبو حمزة هو ميمون الأعور ضعيف. وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٤٤ (٣٩٥٤) من طريق ابن الجزار أنه صلى وعلى بطنه فرث ودم، قال: فلم يعد الصلاة. وابن عمر (١) وسالم وعطاء (٢) والنخعي (٣) ومجاهد (٤) والزهري وطاوس (٥) فيما إذا صلى في ثوب نجس، ثم علم به بعد الصلاة، وحكاه عن الشعبي (٦) وابن المسيب أيضًا، وهو قول إسحاق والأوزاعي وأبي ثور، وعن ربيعة ومالك: يعيد في الوقت (٧). وقال الشافعي وأحمد: يعيد أبدًا. وقال أهل الكوفة: من صلى بثوب نجس وأمكنه طرحه في الصلاة يتمادى في صلاته ولا يقطعها، وهي رواية عن مالك رواها ابن وهب عنه (٨). وروي عن أبي مجلز أنه سئل عن الدم يكون في الثوب، فقال: إذا كبَّرت ودخلت في الصلاة ولم تر شيئًا، ثم رأيته بعد، فأتم الصلاة. وعن -------------------- (١) جاء فيه عن ابن عمر أثران: أحدهما: ما علقه البخاري في هذا الباب، ووصله ابن أبي شيبة ١/ ١٨٠ (٢٠٧٠)، ولم يذكر فيه الإعادة. ثانيهما: ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٣٧٢ (١٤٥٣)، وذكر عدم الإعادة عليه. ورواه أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ١٦٣ (٧٣١). (٢) روى عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦ (١٤٦٩) عن معمر، عن عطاء الخرساني. قال: قال لي عطاء: لقد صليت في ثوبي هذا مرارًا فيه دم فنسيت أن أغسله. وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٤٥ (٣٩٦٨) أن عطاء لم يكن يرى في الدم والمني في الثوب أن تعاد منه الصلاة. (٣) وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٤٦ عن إبراهيم قوله: إذا وجد في ثوبه دمًا أو منيًا غسله ولم يعد الصلاة. (٤) روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٣٤٤ (٣٩٥٩) عن أبي الربيع قال: رأيت مجاهدًا في ثوبه دم يصلي فيه أيامًا. (٥) روى عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٣٧٤ (١٤٦٥) عن ابن طاوس، عن أبيه أنه كان إذا صلى في ثوب وفيه دم لم يعد الصلاة. (٦) روى ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٤٤ (٣٩٦٠) عن الشعبي في رجل صلى وفي ثوبه دم قال: لا يعيد. (٧) انظر: «المدونة الكبرى» ١/ ٣٨، «النوادر والزيادات» ١/ ٨٧. (٨) السابق. أبي جعفر مثله. ومن تعمد الصلاة بالنجاسة أعاد أبدًا عند مالك وكثير من العلماء؛ لاستخفافه بالصلاة، إلا أشهب (١) فقال: لا يعيد المتعمد إلا في الوقت فقط (٢). ثم قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدٌ. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، أَنَّ (أبا) (٣) مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانِ فَيَضَعُهُ على ظَهْرِ مُحَمْدِ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَضَعَهُ على ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أنْظُرُ، لَا أغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنْعَةٌ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وُيحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ -قَالَ: وَكَانُوا يرَوْنَ أَنَّ الدعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ -ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ ابْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ». وَعَدَّ السَّابعَ فَلَمْ --------------------- (١) «النوادر والزيادات» ١/ ٨٧. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧. (٣) كذا بالأصل، وبهامشه: صوابه ابن. نَحْفَظْهُ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ. والكلام على هذا الحديث في مواضع: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع أخر: في الصلاة، في باب المرأة تطرح عن المصلئ شيئًا من الأذى (١)، والمبعث (٢)، والجهاد (٣)، والجزية (٤). وأخرجه مسلم في المغازي (٥)، والنسائي هنا وفي السير (٦). ثانيها: أبو إسحاق هذا: هو السبيعي، وقد ذكره في الطريق الثاني من رواية ابن ابنه، عن أبيه عنه، ورواه النسائي من طريق أحمد بن عثمان، شيخ البخاري عن خالد بن مخلد، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق (٧)، فرواه أحمد هذا عن خالد، وعن شريح، وقدم البخاري سند عبدان على سند أحمد بن عثمان؛ لعلوه ولثقة رواته، فإن إبراهيم (خ، م، د، ت، س) بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، فيه لين، وإن كان من فرسان الصحيحين. --------------------- (١) سيأتي برقم (٥٢٠). (٢) لم نقف عليه. (٣) سيأتي برقم (٢٩٣٤) باب: الدعاء على المشركين .. (٤) سيأتي برقم (٣١٨٥) باب: طرح جيف المشركين .. (٥) مسلم (١٧٩٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين. (٦) «سنن النسائي» ١/ ١٦١، ١٦٢، «السنن الكبرى» ٥/ ٢٠٣ (٨٦٦٨). (٧) «سنن النسائي» ١/ ١٦١، ١٦٢. ووالد عبدان هو: عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد ميمون. وقيل: أيمن المروزي. مات بالكوفة سنة خمس وستين ومائتين، عن خمس وسبعين سنة (١). وأحمد بن عثمان، شيخ البخاري: هو ابن حَكيم -بفتح الحاء المهملة- ابن ذُبيان -بكسر الذال وضمها- كوفي ثقة. مات سنة إحدى وستين ومائتين (٢). وشريح -بالشين المعجمة- ابن مسلمة، كوفي أيضًا (٣)، وذكر عبد الغني في «الكمال» أن مسلمًا روى له ولم يذكر البخاري، والصواب العكس. --------------------- (١) هو عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد العتكي مولاهم، المروزي، والد عديان بن عثمان، وشاذان بن عثمان وابن أخي عبد العزيز بن أبي روَّاد وعثمان بن أبي روَّاد. قال أبو حاتم: كان شريكًا لشعبة، وهو ثقة صدوق. وقال أبو أحمد بن عدي: قيل لعثمان بن جبلة: من أين لك هذِه الأحاديث الغرائب عن شبعة؟ قال: كنت شريكًا لشعبة وكان يخصني بها. وقال ابن حجر: ثقة. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ١٤٦ (٧٩٥)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٣٤٤، ٣٤٥ (٣٧٩٥)، «تقريب التهذيب» (٤٤٥٢). (٢) هو أحمد بن عثمان بن حكيم بن ذبيان الأودي، أبو عبد الله الكوفي، ابن أخي علي بن حكيم الأودي. قال النسائي: ثقة، وقال ابن حراش: كان ثقة عدلًا، وقال أبو حاتم: صدوق. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ٦٣ (١٠٥). و«تهذيب الكمال» ١/ ٤٠٤، ٤٠٦ (٨٠)، «تهذيب التهذيب» ١/ ٣٧. (٣) هو شريح بن مسلمة التنوخي الكوفي. قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٣٠ (٢٦١٩)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٣٥ (١٤٦٩)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٤٤٨ (٢٧٢٧). وعمرو بن ميمون هو الأودي، الذي رجم القردة، كما ذكره البخاري (١) في بعض نسخه وهي منكرة (٢) وهو جاهلي، حج مائة حجة، وقيل: سبعين، وهو معدود من كبار التابعين، ووهم من ذكره في الصحابة، مات بعد السبعين سنة خمس أو أربع (٣). ثالثها: أبو جهل اسمه: عمرو بن هشام بن المغيرة، كانت قريش تكنيه أبا الحكم، وكناه الشارع أبا جهل. وقال ابن الحذاء: كان يكنى أبا الوليد، وكان يعرف بابن الحنظلية، وكان أحول، وفي «المحبر»: وكان مأبونًا، وفي «الوشاح» لابن دريد: هو أول من جز رأسه، فلما رآه الشارع قَالَ: «هذا فرعون هذِه الأمة» قتل يوم بدر كافرًا (٤). رابعها: قوله: (وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ) يحتمل أن يكونوا من ذكر في آخر الحديث المدعُو عليهم. وقوله: (إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ) جاء في رواية أخرى: بينا رسول الله - ﷺ - قائم يصلي في ظل الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قَالَ ---------------- (١) سيأتي برقم (٣٨٤٩) كتاب: مناقب الأنصار، باب: القسامة في الجاهلية. (٢) انظر: «الفتح» ٧/ ١٦٠. (٣) هو عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الكوفي من أود بن صعب ابن سعد العشيرة من مذجح، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي - ﷺ -. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وكذلك النسائي: ثقة. وقال العجلي: كوفي، تابعي، ثقة جاهلي. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٦٧ (٢٦٥٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٨٦ (١٤١٢)، «الثقات» ٥/ ١٦٦، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٢٦١، ٢٦٣ (٤٤٥٨). (٤) رواه الطبراني في «الكبير» ٩/ ٨٢ (٨٤٦٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٢٠٨. قائل منهم: ألا تنظروا إلى هذا المرائي (١). وفي أخرى ولقد نُحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلى جزور بني فلان؟ (٢). خامسها: السَلَى -بفتح السين وتخفيف اللام مقصور- الجلد الذي يكون فيه الوَلد كاللفافة، يقال لها من سائر البهائم: سلى، ومن بني آدم المشيمة، حكاه في «المخصص» عن الأصمعي (٣) وقال في «المحكم»: السلى: الجلدة التي يكون فيها الولد، ويكون ذَلِكَ للناس والخيل والإبل (٤). وقال الجوهري: هي جلدة رقيقة يكون فيها الولد -مقصور- إن نزعت عن وجه الفصيل ساعة يولد وإلا قتلته، وكذلك إذا انقطع السلى في البطن (٥). والجزور: ما يجزر أي: يقطع من الإبل والشاة. سادسها: قوله: (فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْم فَجَاءَ بِه) هو: عقبة بن أبي مُعَيط، كما صُرح به في «صحيح مسلم» (٦)، وكذا هو في «صحيح الإسماعيلي» -------------- (١) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى. (٢) مسلم (١٧٩٤/ ١٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين. (٣) «المخصص» ١/ ٥٠. (٤) «المحكم» ٣/ ٣٨١. (٥) «الصحاح» ٦/ ٢٣٨١، مادة: (سلا). (٦) مسلم (١٧٩٤/ ١٠٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين. أيضًا، وحكاه المهلب عن شعبة، وقال السفاقسي، عن الداودي: إنه أبو جهل؛ ورأيته في «شرحه» فقال: انبعث أشقاها يعني: أبا جهل هو أشقى القوم وأعتاهم، وكذلك عقبة بن أبي مُعَيط، ولم يكن عقبة من أنفس قريش، إنما كان ملصقًا بهم، وكان عقبة أقل القوم أذى، إلا أنه سبق عليه الكتاب، وحمله الحسد لرسول الله - ﷺ - على أن مات كافرًا. سابعها: المنعة، بفتح النون، وحكي إسكانها قَالَ النووي: وهو شاذ ضعيف (١)، وخالف القرطبي فقال: المنْعة -بسكون النون- قَالَ: وروي بفتحها جمع مانع (٢). وحكي في «المحكم» فيها لغات: منَعة، ومَنْعة، ومِنْعة (٣)، وقدم القزاز وصاحب «الغريبين» الإسكان على الفتح، وعكس يعقوب في «ألفاظه»، وكذا ابن القوطية (٤)، وابن طريف. والمراد بها الامتناع من العدو والقوة عليها، ولم يكن لابن مسعود عشيرة منهم؛ لأنه من هُذيل. ثامنها: قوله: (فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ) أي: استهزاءَ -قاتلهم الله-، وجاء في رواية: حتى مال بعضهم على بعض من الضحك (٥). ---------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٥٢. (٢) «المفهم» ٣/ ٦٥٢. (٣) «المحكم» ٢/ ١٤٥ - ١٤٦. (٤) «الأفعال» ١/ ٢٩٧. (٥) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى. وقوله: (وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) كذا هو بالحاء المهملة في نسخ البخاري. قَالَ ابن بطال: يعني ينسب ذَلِكَ بعضهم إلى بعض من قولك أحلت الغريم، إذا جعلت له أن يتقاضى ما له عليك من غيرك. قَالَ: ويحتمل أن يكون من قول العرب حال الرجل على ظهر الدابة حولًا وأحال: وثب (١). وفي الحديث أنه - ﷺ - لما صَبح خيبر غُدوة، فرآه أهلها أحالوا إلى الحصن (٢) أي: وثبوا إليه. وقال ابن الأثير: ويحيل بعضهم على بعض، أي: يقبل عليه ويحيل إليه (٣). وجاء في بعض الروايات: وجعل بعضهم يميل إلى بعض (٤)، وكذا أورده شيخنا في «شرحه» بلفظ: ويميل بعضهم إلى بعض، وكذا جاء في كتاب الصلاة في باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى، ولفظه: حتى مال بعضهم على بعض (٥). تاسعها: قوله: (حَتَّى جاءت فَاطِمَةُ) سيأتي في الباب المذكور أنه انطلق إليها منطلق وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبتَ رسول الله - ﷺ - (ساجدًا) (٦) حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم (٧)، وهذا دال على قوة نفسها من صغرها وكيف لا؟! ---------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٨. (٢) سيأتي (٣٦٤٧). (٣) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٤٦٣. (٤) مسلم (١٧٩٤/ ١٠٧) بلفظ: «يميل بعضهم إلى بعض». (٥) سيأتي (٥٢٠) كتاب: الصلاة. (٦) كذا في «صحيح البخاري» وفي المخطوط (جالسًا) والمثبت أنسب في المعنى. (٧) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى. عاشرها: دعاؤه عليهم ثلاثًا؛ لأن هذا كان دأبه، وشق ذَلِكَ عليهم، لما ذكر في الحديث، أنهم كانوا يرون أن الدعوة في ذَلِكَ البلد مستجابة، وفي رواية أبي نعيم في «مستخرجه»: أن الدعوة في الثالثة مستجابة، وذلك دال على علمهم بفضله، وعلو مكانته عند ربه، بحيث يجيبه إذا دعاه، ولكن لم ينتفعوا بذلك؛ للحسد والشقوة الغالبة عليهم. الحادي عشر: قوله: («اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ») قد أسلفنا اسمه، وقد صرح به البخاري في الباب المذكور، فقال: «اللهم عليك بعمرو بن هشام» (١). و(«عتبة») بالمثناة فوق- قتله حمزة يوم بدر كافرًا. و(«شيبة بن ربيعة») هو ابن عبد شمس بن عبد مناف، كان من سادات قريش، قتله علي يوم بدر مبارزة. وقيل: حمزة، وهو كافر. ووالد الوليد: هو عتبة بالتاء، ووقع في بعض نسخ مسلم بالقاف (٢)، وهو خطأ، والصواب الأول، والوليد بن عتبة قتل يوم بدر كافرًا قتله عبيدة بن الحارث. وقيل: علي، وقيل: حمزة. وقيل: اشتركا في قتله. والوليد بن -------------------- (١) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى. (٢) مسلم (١٧٩٤/ ١٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين. قلت: ليس في نسخة كما قد يُتَوهم، وإنما هي رواية ثابتة فيه، وقد أفاد أحد رواة هذا الحديث في مسلم أنه غلط من الرواة، ثم ساقه مسلم على الصواب من رواية ابن أبي شيبة. عقبة بن أبى معيط لم يكن ذَلِكَ الوقت موجودًا، أو كان طفلًا صغرًا جدًّا، وقد أُتي به رسول الله - ﷺ - يوم الفتح وقد ناهز الاحتلام، ليمسح رأسه وكان متضمخًا بالخلوق فلم يمسح رأسه من أجله (١)، في حديث منكر مضطرب لا يصح، وفيه جهالة كما قاله أبو عمر (٢). ولا يمكن أن يكون بعث مصدقًا في زمن رسول الله - ﷺ - صبيًّا يوم الفتح، ويوضح فساده أن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة، ومن كان غلامًا قد ناهز الاحتلام لا يتأتى منه فعل هذا، ولا خلاف أن قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ الآية [الحجرات: ٦] نزلت فيه، وذلك أنه بعثه رسول الله - ﷺ - مصدقًا إلى بني المصطلق، فأخبر عنهم بأنهم ارتدوا وأبوا من أداء الصدقة، فأرسل إليهم خالد بن الوليد فأخبر أنهم مستمسكون بالإسلام، ونزلت الآية (٣). -------------------- (١) رواه أبو داود (٤١٨١)، وأحمد ٤/ ٣٢، والطحاوي في «المشكل» ٥/ ٦٠٣ (٣٧١٣)، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ٢/ ٣١٩، والطبراني ٢٢/ ١٥٠ (٤٠٦)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ١٠٠، والبيهقي في «السنن» ٩/ ٥٥ قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ١٤ في ترجمة الوليد بن عقبة: وقالوا: وأبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقًا في زمن النبي - ﷺ - صبيًا يوم الفتح. ثم قال: وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله -أي: الوليد بن عقبة- وقال المنذري في «مختصره» ٦/ ٩٤: وهذا حديث مضطرب الإسناد. ولا يستقيم عن أصحاب التواريخ .. (٢) «الاستيعاب» ٤/ ١١٤. (٣) «الاستيعاب» ٤/ ١١٤. الثاني عشر: أمية بن خلف: هو ابن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جمح القرشي الجمحي، واختلف المؤرخون في قاتله، فذكر موسى بن عقبة أنه رجل من الأنصار من بني مازن، وفي «السيرة» لابن إسحاق: أن معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد، وخبيب بن إساف اشتركوا في قتله (١). وذكر ابن عبد البر وغيره: أن أمية بن خلف كان ممن يُعذبُ بلالًا، وتوالى عليه بالعذاب والمكروه، وكان من قدر الله أن قتله بلال يوم بدر (٢)، وقال الصديق فيه أبياتًا منها: هنيئًا زادك الرحمن خيرًا … فقد أدركت ثأرك يا بلال وفي «صحيح البخاري» من حديث ابن مسعود أن سعد بن معاذ قَالَ له: إني سمعت محمدًا يزعم أنه قاتلك، وساق الخبر إلى أن ذكر أنه قتل يوم بدر (٣)، فادعى ابن الجوزي أن ظاهر الحديث أنه - ﷺ - هو الذي قتله. وفيه (٤)، وفي السير أيضًا من حديث عبد الرحمن بن عوف أن بلالًا خرج إليه ومعه نفر من الأنصار فقتلوه، وكان بدينًا، فلما قتل انتفخ فألقوا عليه التراب حتى غيبه، ثم جر إلى القليب فتقطع (٥) قبل وصوله، وكان -------------------- (١) كما في «سيرة ابن هشام» ٢/ ٣٦١. (٢) «الاستيعاب» ١/ ٢٦١ (٢١٤). (٣) سيأتي برقم (٣٦٣٢) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام. وبرقم (٣٩٥٠) كتاب: المغازي، باب: ذكر النبي - ﷺ - من يقتل ببدر. (٤) ورد بهامش (س) ما نصه: في الوكالة. (٥) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ وقع في «الغربيين» أن هذا وقع للوليد بن عقبة، وهو وهم. من المستهزئين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾؛ لأنه كان إذا رأى النبي - ﷺ - همزه ولمزه (١). وفي «مسند أحمد»: ثم سحبوا إلى القليب غير أُبي بن خلف، أو أمية بن خلف (٢). هكذا على الشك، وهو من الراوي، وإنما هو أمية بلا شك، فإن أُبي بن خلف لم يقتل يوم بدر، وإنما أسر وفدى نفسه وعاد إلى مكة، ثم جاء يوم أحد فقتله رسول الله - ﷺ - بيده يومئذ. الثالث عشر: عقبة بن أبي معيط، هو بالقاف واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس، قتل يوم بدر كافرًا. فقيل: قتله علي. وقيل: عاصم بن ثابت صبرًا. وقيل: أسره عبد الله بن مسلمة، وقتله عاصم بن ثابت صبرًا، وكان قتله بعرق الظبية (٣)، وهي من الروحاء على ثلاثة أميال من المدينة (٤) فقيل: إنه قَالَ لرسول الله - ﷺ -: أتقتلني من بين سائر قريش؟ قَالَ: «نعم». ثم قَالَ: «بينا أنا ساجد بفناء الكعبة وأنا خلف المقام إذ أخذ بمنكبي فلف ثوبه في عُنقي، فخنقني خنقًا شديدًا، ثم جاء مرة أخرى بسلى جزور بني فلان» فذكر الحديث، وكان عقبة من المستهزئين أيضًا، وذكر محمد بن حبيب أنه من زنادقة قريش. ----------------------- (١) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٧٢، ٢٧٣. و«البداية والنهاية» ٣/ ٣٠٣. (٢) «المسند» ١/ ٤١٧ وجاءت رواية الشك، عند البخاري (٣٨٥٤) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة، ومسلم (١٧٩٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: مضى كلام البكري أن عرق الظبية بفتح الظاء، قال: وغير ابن إسحاق يقوله بالضم. (٤) انظر: «معجم استعجم» ٢/ ٦٨١. و«معجم البلدان» ٣/ ٧٦. الرابع عشر: قوله: (وَعَدَّ السَّابعَ فَلَمْ يَحْفَظْهُ) هذا من قول أبي (١) إسحاق فيما ذكره القرطبي (٢)، وقد ذكر البخاري في الصلاة: أنه عمارة بن الوليد بن أبي المغيرة (٣)، وذكره البرقاني أيضًا وغيره، وكان من أجمل الناس، وله قصة طويلة مع النجاشي مشهورة في السيرة (٤). الخامس عشر: قوله: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرِ). أي: رأى أكثرهم؛ لأن عقبة بن أبي معيط لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، وقتل بعرق الظبية، كما سلف. وعمارة قصته مع النجاشي مشهورة، وأنه سحر فصار متوحشًا، وذلك بأرض الحبشة زمن عمر بن الخطاب، وروى ثابت، عن أنس، عن عمر: أنه - ﷺ - أراهم مصارع أهل بدر بالأمس فيقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله» (٥) قَالَ عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حد رسول الله - ﷺ -، فجعلوا في بئر بعضهم على بعض (٦). وفي رواية: أنه - ﷺ - ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم (٧). وفي رواية قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قَالَ: --------------------- (١) ورد بهامش (س) ما نصه: حذف أبي هو الصواب. (٢) «المفهم» ٣/ ٦٥٣. (٣) سيأتي برقم (٥٢٠) كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى. (٤) ذكره ابن إسحاق في «سيرته» ص ١٤٨، ١٤٩. (٥) رواه مسلم (٢٨٧٣) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه. والنسائي ٤/ ١٠٩. (٦) مسلم (٢٨٧٣) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة … (٧) السابق. لما كان يوم بدر، وظهر عليهم نبي الله، أمر ببضعة وعشرين رجلًا (١)، -وفي رواية: بأربعة وعشرين رجلًا- من صناديد قريش، فألقوا في طوى من أطواء بدر (٢). السادس عشر: القليب: البئر الذي لم تطو، فإذا طويت فهي الطوى، وذكر ابن سيده: أنها البئر ما كانت، قَالَ: وقيل: هي قبل أن تطوى. وقيل: هي العادية القديمة التي لا يعلم بها رب ولا حافر تكون بالبراري، تذكر وتؤنث. وقال ابن الأعرابي: القليب: ما كان فيه عين وإلا فلا، والجمع أقلبة وقلب، وقيل: قلب في لغة من أنث، وأقلِبة وقلُبِ جمعًا في لغة مَنْ ذَكَرَ (٣). السابع عشر: إلقاؤهم في القليب، كان تحقيًا لهم، ولئلا يتأذى الناس برائحتهم، وليس دفنًا فإن الحربي لا يجب دفنه بل يترك في الصحراء، إلا أن يتأذى منه. وفي «سنن الدارقطني» أن من سنته - ﷺ - في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه، لا يسأل عنه مؤمنًا كان أو كافرًا (٤)، فإلقاؤهم في القليب من هذا الباب، غير أنه كره أن يشق على أصحابه؛ لكثرة جيف الكفار أن ------------------------ (١) رواه مسلم (٢٨٧٥) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه. وأبو نعيم في «دلائل النبوة» ٢/ ٤٧٨ (٤١٢). (٢) سيأتي برقم (٣٩٧٦) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل، ومسلم (٢٨٧٥) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار. (٣) «المحكم» ٦/ ٢٦٠. (٤) «سنن الدارقطني» ٤/ ١١٦ من حديث يعلى بن مرة. يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إليه أيسر عليهم. ووافق أنها كان حفرها رجل من بني النار، اسمه بدر بن قريش بن الحارث بن مخلد بن النضر، من كنانة الذي سميت قريش به على أحد الأقوال، وكان فألًا مقدمًا لهم. الثامن عشر: في فوائده: الأولى: بركة دعوته - ﷺ - وأنها أجيبت فيمن دعا عليه وكيف لا؟! الثاني: أن من أوذي له أن يدعو على من آذاه، وحمله ابن بطال على ما إذا كان المؤذي كافرًا، قَالَ: فإن كان مسلمًا، فالأحسن أن لا يَدْعُوَ عليه؛ لقوله - ﷺ - لعائشة حين دعت على السارق: «لا تُسَبِّخِي عنه بدعائك عليه» (١) ومعنى لا تسبخي: لا تخففي، والتسبيخ التخفيف ------------------------ (١) رواه أبو داود (١٤٩٧)، وأحمد ٦/ ٤٥، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ٧٥ (٢٩٥٦٨)، وابن راهويه في «المسند» (١٢٢٢) ٣/ ٦٣٩، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٣٢٧، والطبراني في «الأوسط» ٤/ ١٨٤ (٣٩٢٥)، وقد ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٦٣) ثم أشار إلى ناشر الكتاب بنقله إلى «الصحيح» ولكنه فاته أن يفعل ذلك فأنظر تعليقه عليه في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ٩٠. وصححه الألباني «صحيح الترغيب» (٢٤٦٨)، وقال في «الصحيحة» (٣٤١٣): لقد رمى ابن خزيمة وابن حبان (حبيب بن أبي ثابت) بالتدليس، وقال الحافظ في «التقريب»: ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس. اهـ قلت: ولم يعرج الحافظ الذهبي فيما بين أيدينا من كتبه التي ترجم له فيها على وصفه بالتدليس، مثل: «تذكرة الحفاظ»، «سير أعلام النبلاء»، «تاريخ الإسلام»، «الكاشف»، وغيرها، ولما أورده في «الميزان»؛ وصفه بقوله: من ثقات التابعين، وثقه ابن معين وجماعة، واحتج به كل من أفراد الصحاح لا تردد. اهـ ثم اعتذر عن إيراده فيه بقوله: ول ولا أن الدولابي وغيره ذكروه؛ لما ذكرته. اهـ فلعل إعراض الذهبي عن وصفه بالتدليس؛ لقلته في جملة ما روى من الأحاديث، فمثله مما يغض النظر عن عنعنته عند العلماء؛ إلا إذا ظهر أن في حديثه شيئًا = قاله صاحب «العين» (١). الثالثة: وهي المقصودة من الباب أنه - ﷺ - كيف استمر في الصلاة مع وجود هذا الذي أُلقي عليه وتحزب العلماء للجواب عن ذَلِكَ على آراء: أحدها: أن هذا السلى لم يكن فيه نجاسة محققة، فهو كعضو من أعضائها، قَالَ القاضي عياض: السلى ليس بنجس؛ لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسلى من ذَلِكَ، وإنما النجس الدم، وهذا ماش على مذهب مالك ومن وافقه في أنَّ روث ما يؤكل لحمه طاهر (٢). وهو ضعيف؛ لأمرين: أحدهما: أن هذا السلى يتضمن النجاسة من حيث إنه لا ينفك من الدم عادة، وقد روى البخاري في كتاب الصلاة: فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فانبعث أشقى القوم وذكر الحديث (٣). ثانيهما: أنه ميتة؛ لأنه ذبحه عبدة الأوثان، فهو نجس، وكذا اللحم وجميع أجزاء هذا الجزور، وقد أجيب عن هذا بأنه كان قبل تحريم ذبيحة الوثنيين، كما كانت تجوز مناكحتهم، ثم حرمت بعد، حكاه الخطابي (٤). ---------------------- = يستدعي رده من نكارة أو شذوذ أو مخالفة، أو على الأقل يقتضي التوقف عن تصحيح حديثه. ولعل هذا هو السبب في أن ابن حبان وشيخه قد أخرجا له في صحيحهما بعض الأحاديث معنعنة، كالحديث الآتي بعد هذا وغيره، فانظر «صحيح ابن حبان» (٣٧٥، ٤٢٠)، و«صحيح ابن خزيمة» (٢٣ و١١٧٢ و١٦٨٤)، وهو السبب أيضًا في تحسين المنذري حديثه هذا كما تقدم. والله أعلم. (١) «العين» ٤/ ٢٠٤ مادة: (سبخ). (٢) «إكمال المعلم» ٦/ ١٦٦. (٣) سيأتي برقم (٥٢٠) في الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى. (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٢٩١. ![]()
__________________
|
|
#109
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 507 الى صـــ 526 الحلقة (109) ثانيها: أن هذا قبل ورود الأحكام، وأنه لم يكن تعبد بتحريمه إذ ذاك كالخمر، حكاه الخطابي (١)، وهذا قد أسلفناه في أواخر غسل المني وفركه. ثالثها: سلمنا نجاسته كما هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، فإزالة النجاسة ليست واجبة، وقد قَالَ به أشهب والأوزاعي وجماعة من التابعين تنزلنا وسلمنا أيضًا، فقد فرَّق بين ابتداء الصلاة بها، فلا يجوز وبين طروئها على المصلي في نفس الصلاة فيطرحها عنه، وتصح صلاته، حكاه القرطبي (٢) ومشهور مذهب مالك قطع طروئها للصلاة إذا لم يمكن طرحها بناء على أن إزالتها واجبة. وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا أمكن طرح الثوب النجس في الصلاة يتمادى في صلاته ولا يقطعها (٣)، وقد أسلفنا هذا في أول الباب عنه. رابعها: وهو ما ارتضاه النووي -رحمه الله- أنه - ﷺ - لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة، وما ندري هل كانت هذِه الصلاة فريضة، فتجب إعادتها على الصحيح عندنا، أم غيرها، فلا يجب؟ فإن وجبت الإعادة فالوقت موسع لها، وإن كان يبعد ألا يحس ما وضع على ظهره، ولئن أحس به فما تحقق نجاسته (٤). قَالَ ابن بطال: ولا شك أن هذا كان بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، لأن هذِه الآية أول -أي: من أول- ما نزل عليه -------------------- (١) السابق. (٢) «المفهم» ٣/ ٦٥٣. (٣) انظر: «الذخيرة» ١/ ١٩٤. (٤) «شرح مسلم» ١٢/ ١٥١. من القرآن قبل كل صلاة، فريضة كانت أو نافلة، وتأولها جمهور السلف أنها في غير الثياب، وأن المراد بها طهارة القلب ونزاهة النفس عن الدناءة والآثام، قالوا: وقول ابن سيرين أنه أراد الثياب، شذوذ لم يقله غيره (١). ---------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٦. ٧٠ - باب البُزَاقِ وَالْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ فِي الثَّوْبِ قَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: خَرَج النَّبِيُّ - ﷺ - زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ. [انظر: ١٦٩٤، ١٦٩٥] ٢٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيدٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: بَزَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ثَوْبِهِ. طَوَّلَهُ ابن أَبي مَرَيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -. [٤٠٥، ٤١٢، ٤١٧، ٥٣١، ٥٣٢، ١٢١٤ - مسلم: ٥٥١ - فتح:٣/ ٣٥١] (قَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: خَرَجَ النَّبيُّ - ﷺ - زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ) هذِه قطعة من حديث طويل ساقه البخاري بطوله في صلح الحديبية والشروط في الجهاد، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة به (١). قال البخاري: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَزَقَ النَّبيُّ - ﷺ - فِي ثَوْبِهِ. ثم قال البخاري: طَوَّلَهُ ابن أَبِي مَرْيَمَ، أنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -. وهذا الحديث أخرجه البخاري في الصلاة من حديث زهير، عن حميد، عن أنس أن النبي - ﷺ - رأى نخامة في القبلة، وفيه: فأخذ -------------------- (١) سيأتي برقم (٢٧٣١ - ٢٧٣٢) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد. طرف ردائه فبصق فيه، وردّ بعضه على بعض (١). وأخرجه أبو داود في الطهارة من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، ومن حديث حماد، عن ثابت، عن أبي نضرة، عن النبى - ﷺ -: أنه بزق في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض، وهذا مرسل (٢). وقال الدارقطني عن يحيى القطان: كان حماد بن سلمة يقول: حديث حميد، عن أنس: أن النبي - ﷺ - بصق في ثوبه، وإنما رواه حميد، عن ثابت، عن أبي نضرة، قَالَ يحيى: ولم يقل شيئًا؛ لأن هذا قد رواه قتادة، عن أنس. قَالَ الدارقطني: والقول عندنا قول حماد بن سلمة، لأن الذي رواه عن قتادة، عن أنس غير هذا، وهو أنه - ﷺ - قَالَ: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» (٣). إذا تقرر لك؛ ذَلِكَ فالكلام على هذا الحديث من أوجه: أحدها: عروة (ع) السالف في الحديث الأول: هو ابن الزبير، الفقيه العالم الثبت المأمون، صائم الدهر، ومات وهو صائم، مات بعد التسعين (٤). والمِسْور (ع): هو ابن مخرمة بن نوفل بن أُهيب الزهري، صحابي صغير. مات سنة أربع وستين (٥). -------------------- (١) سيأتي برقم (٤١٧) كتاب: الصلاة، باب: إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه. (٢) «سنن أبي داود» (٣٨٩، ٣٩٠) ولفظه: وحك بعضه على بعض. (٣) «علل الدارقطني» ١٢/ ٤٧، والحديث سيأتي برقم (٤١٥) كتاب: الصلاة، باب: كفارة البزاق في المسجد. (٤) سبقت ترجمته في شرح حديث (١٦٠). (٥) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٥/ ٢٥٤٧ (٢٧١٨)، «الاستيعاب» = ومروان (خ، والأربعة) هو: ابن الحكم الأموي، ولد سنة اثنتين، ولم يصح له سماع وله عن عثمان وبُسْرة، دولته تسعة أشهر وأيام. مات سنة خمس وستين (١). ومحمد (ع) بن يوسف في السند الثاني هو الفريابي، فإن أبا نعيم رواه عن الطبراني، عن ابن أبي مريم، ثنا الفريابي، ثنا سفيان قَالَ: رواه -يعني: البخاري- عن الفريابي، وكذا صرح به خلف في «أطرافه». وسفيان هذا: هو ابن سعيد الثوري، كما صرح به الدارقطني (٢)، فإنه لما ذكر رواة هذا الحديث قَالَ: رواه سفيان بن سعيد، عن حميد ولم يذكر ابن عيينة فيهم، والفريابي كثير الملازمة له أيضًا، ولما ذكر الجياني (٣) وغيره، ما رواه محمد بن يوسف البَيْكَنْدِي عن ابن عيينة لم يذكروا هذا الحديث منها، وابن عيينة مقل في حميد، حتى إن البخاري لم يُخَرِّج له إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث النواة في الصداق، فيما ذكره شيخنا قطب الدين في «شرحه» (٤). وقال الإسماعيلي: رواه معاوية بن هشام، وعفيف بن سالم، وأيوب بن سعيد، وهؤلاء رووا عن الثوري. وحميد: هو الطويل (٥)، وإن كان حُميد بن هلال في طبقته؛ لأن ------------ = ٣/ ٤٥٥ (٢٤٠٠)، «أسد الغابة» ٥/ ١٧٥ (٤٩١٩). (١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢٦٣٢/ ٥ (٢٨١٤)، و«الاستيعاب» ٣/ ٤٤٤ (٢٣٩٩)، و«أسد الغابة» ٥/ ١٤٤ (٤٨٤١). (٢) «العلل» ١٢/ ٤٧. (٣) انظر: «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨. (٤) ورد بهامش الأصل: كذا ذكره الشيخ قطب الدين: (…) المزي لم يذكر في «أطرافه» سفيان (…) حميد، عن أنس في الحديث المشار إليه. (٥) سلف في حديث (٤٩). السفيانين لم يرويا عن حميد بن هلال شيئًا. وابن أبي مريم (ع): هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم المصري الحافظ، روى عنه البخاري، وله «موطأ» رواه عن مالك، وهو ثقة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١). ويحيى (ع) بن أيوب: هو الغافقي المصري مولى عمر بن الحكم بن مروان أبو العباس. مات سنة ثمان وستين ومائة، وفيه لين. قَالَ أبو حاتم: لا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي (٢). وحديثه المطول قد ذكرنا أن البخاري أخرجه في الصلاة، ذكره في باب حك البزاق من المسجد (٣). الوجه الثاني: النُخَامة: ما يخرج من الفم، بخلاف النخاعة: فإنها ما تخرج من الحلق، كذا قاله النووي (٤)، لكن في «الصحاح» و«المجمل»: --------------------- (١) سبق حديث (١٠٣). (٢) هو: يحيى بن أيوب الغافقي، أبو العباس المصري. قال أبو سعيد بن يونس: نسبوه في موالي عمر بن مروان بن الحكم، وقال النسائي في موضع آخر: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في كتاب: «الثقات». قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: سيء الحفظ، وهو دون حيوة وسعيد بن أبي أيوب في الحديث. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالح، وقال مرة: ثقة. قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٦٠ (٢٩١٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٤٧ (١٩٦٢)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٢٧ (٥٤٢)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٢٣٣ (٦٧٩٢)، «تقريب التهذيب» (٧٥١١). (٣) سيأتي برقم (٤٠٥) من طريق قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد به. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ٣٨ - ٣٩. النخامة -بالضم- النخاعة (١)، وفي «المغيث»، و«المغرب» للمطرزي: هي ما يخرج من الخيشوم (٢). وفي «المحكم» لابن سيده: يقال: نخم الرجل نُخمًا ونَخمًا، وتنخم: دفع بشيء من صدره أو أنفه (٣). والبزاق: بالزاي والسين والصاد، والسين أضعفها، ولم يذكرها في «المخصص». الوجه الثالث: في فقه الباب: وهو دال على ما ترجم له من طهارة البُزاق والمخاط وهو [أمر مجمع عليه لا أعلم فيه اختلافا] (٤)، إلا ما روي عن سلمان [الفارسي] (٥) أنه جعله غير طاهر (٦) وأن الحسن بن حيّ كرهه في الثوب، وذكر الطحاوي، عن الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه. قُلْتُ: وذكر ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن النخعي، أنه ليس بطهور (٧). وقال ابن حزم: لما عدد أقوالًا غريبة صحت عن بعض السلف يدعي قوم في خلافها الإجماع، صح عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، ثم قَالَ: رويناه من طريق الثوري في حديثه المجموع (٨). ------------------ (١) «صحاح الجوهري» ٥/ ٢٠٤٠، «المجمل» ص ٨٦١. (٢) «المجموع المغيث» ٣/ ٢٧٦، «المغرب» ٢/ ٢٩٤. (٣) «المحكم» ٥/ ١٣٧، مادة: (نخم). (٤) ما بين المعقوفين طمس في الأصل، والمثبت من ابن بطال ١/ ٣٥٩. (٥) كلمة غير واضحة بالأصل، والمثبت من ابن بطال. (٦) «رواه ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٩ (١٤٨٩). (٧) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٣٠ (١٤٩٠). (٨) «المحلى» ١/ ١٣٩. قُلْتُ: وما ثبت عن الشارع من خلافهم هو المتبع، والحجة البالغة، فلا معنى لقول من خالف، وقد أمر الشارع المصلي أن يبزق عن يساره أو تحت قدمه، وبزق الشارع في طرف ردائه، ثم رد بعضه على بعض، وقال: «أو تفعل هكذا» (١)، وهذا ظاهر في طهارته؛ لأنه لا يجوز أن يقوم المصلي على نجاسة، ولا أنْ يصلي وفي ثوبه نجاسة. وفيه أيضًا التبرك ببزاق الشارع ونخامته، وذلك وجوههم بها تبركًا وتوقيرًا له وتعظيما. -------------------- (١) سيأتي برقم (٤٠٥) كتاب: الصلاة، باب: حك البزاق باليد من المسجد. ٧١ - باب: لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا المُسْكِرِ وَكَرِهَهُ الحَسَنُ وَأَبُو العَالِيَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ. [فتح: ١/ ٣٥٣] ٢٤٢ - حَدَّثَنَا علَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدُّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». [٥٥٨٥، ٥٥٨٦ - مسلم: ٢٠٠١ - فتح: ١/ ٣٥٤] قال البخاري: وَكَرِهَهُ الحَسَنُ وَأَبُو العَاليَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ. أما أثر الحسن فرواه عبد الرزاق في «مصنفه»، عن الثوري، عن إسماعيل بن مسلم -يعني: المكي- عن الحسن قَالَ: لا توضأ بلبن ولا نبيذ (١). وأما أثر أبي العالية: وهو رفيع بن مهران فرواه ابن أبي شيبة، عن مروان بن معاوية، عن أبي خلدة، عنه أنه كره أن يغتسل بالنبيذ (٢). ورواه الدارقطني في «سننه» بإسناد جيد عن أبي خلدة، قُلْتُ لأبي العالية: رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ، يغتسل به من الجنابة؟ قَالَ: لا. فذكرت له ليلة الجن، فقال: أنْبِذَتُكُم هذِه الخبيثة، إنما كان زبيبًا (٣). وذكر أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قَالَ: ركبت في البحر مع أصحاب رسول الله - ﷺ -، ففني ماؤهم، فكرهوا الوضوء من ماء البحر، فتوضئوا بالنبيذ، وحكاه ابن حزم عن بعضهم ------------------- (١) المصنف«له ١/ ١٧٩ (٦٩٤). (٢) المصنف» له ١/ ٣٢ (٢٦٦). (٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٧٨. ولم يسمه، قَالَ: وهو مخالف لفعل أصحابهم؛ لأنهم لا يجيزون الوضوء بالنبيذ مادام يوجد ماء البحر (١)، وقال الداودي في «شرحه» في قول الحسن وأبي العالية، لو ذكرا أنه التيمم قالا بالتحريم، وما كان حرامًا فهو نجس. وعطاء -السالف- هو ابن أبي رباح. صرح به ابن حزم حيث قَالَ: لا يجوز الوضوء بغير الماء، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وداود وغيرهم، وقال به الحسن وعطاء بن أبي رباح والثوري وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور وغيرهم (٢). وعن أبي حنيفة ثلاث روايات، حكاها عنه الرازي في «أحكامه» وأشهرها: يتوضأ به، ويشترط فيه النية، ولا يتيمم، قَالَ قاضي خان (٣): هي قوله الأول، وبها قَالَ زفر. والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه جماعة، قال قاضي خان: وهي الصحيحة عنه وقوله الآخر والذي رجع إليها، وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء واختيار الطحاوي (٤). والثالثة: روي عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد، فقيل: استحبابًا، وقيل: وجوبًا. --------------------- (١) «المحلى» ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤. (٢) «المحلى» ١/ ٢٠٢. (٣) هو العلامة شيخ الحنفية، أبو المحاسن حسن بن منصور بن محمود البخاري الحنفي، الأوزجندي، صاحب التصانيف. سمع من الإمام ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز، وطائفة. روى عنه العلامة جمال الدين محمود بن أحمد الحصيري. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ٢٣١ (١١٧)، «كشف الظنون» ١/ ١٦٥، «شذرات الذهب» ٤/ ٣٠٨، «معجم المؤلفين» ١/ ٥٩٤. (٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٩٦. وعنه رواية رابعة: في جوازه بالمطبوخ منه في السفر إذا عدم فيه الماء، وعن الأوزاعي الوضوء بكل نبيذ، وحكى الترمذي عن سفيان الوضوء بالنبيذ (١). ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أنه لا يتوضأ به مع وجود الماء، لأنه ليس بماء، قال: فلما كان خارجًا من حكم المياه في حال وجود الماء كان خارجًا من حكمها في حال عدمه (٢)، وقد سلف عن ابن حزم ذَلِكَ أيضًا. واستدل للرواية الأولى بحديث أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود قَالَ: سألني النبي - ﷺ - ليلة الجن «ما في إدواتك؟» قُلْتُ: نبيذ، قَالَ: «ثمرة طيبة وماء طهور» (٣) وفي لفظ: «فتوضأ به، وصلى الفجر». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. قَالَ الترمذي: إنما روي عن أبي زيد، عن عبد الله مرفوعًا. وأبو زيد رجل مجهول، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، هذا كلامه (٤). وقد أعل بوجوه: أحدها: جهالة أبي زيد هذا، وتشكك شريك فيه، حيث قَالَ: أبو زيد أو زيد (٥). قَالَ ابن أبي حاتم في «علله»: سمعت أبا زرعة يقول: أبو زيد رجل مجهول (٦). --------------------- (١) «سنن الترمذي» ١/ ١٤٨ عقب حديث (٨٨). (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٦١. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ روي من حديث أبي أمامة أيضًا وهو غريب. (٤) رواه أبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤)، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١١): ضعيف. (٥) ورد بهامش (س) ما نصه: لعله يزيد. (٦) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٧ رقم (١٤). وذكر ذَلِكَ ابن عدي، عن البخاري، وزاد لا يعرف بصحبة ابن مسعود (١)، وكذا نص على جهالته غير [واحد] (٢) وإن قَالَ ابن العربي: إنه عمرو بن حريث، وعنه: راشد بن كيسان وأبو روق (٣). وأما أبو فزارة الراوي عنه: فهو راشد بن كيسان (٤)، روى عنه جماعة، وهو ثقة. وقيل: إنهما اثنان. وراوي هذا الحديث مجهول، ليس هو ابن كيسان. قَالَ أحمد: أبو فزارة راوي هذا الحديث رجل مجهول، وذكر البخاري أبا فزارة العبسي، راشد بن كيسان، وأبا فزارة العبسي غير مسمى، فجعلهما اثنين. ورواه عن عبد الله جماعات غير أبي زيد متكلم في أكثرهم، ولقد أنصف الطحاوي الذاب عنهم، فقال في أول كتابه: إنما ذهب أبو حنيفة ومحمد إلى الوضوء بالنبيذ؛ اعتمادًا على حديث ابن مسعود (٥)، ولا أصل له، ولا معنى لتطويل كتابي بشيء منه. الثاني: أن عبد الله ما شهد ليلة الجن، كما جاء في «صحيح» ----------------------- (١) «الكامل لابن عدي» ٩/ ١٩٠ - ١٩١. (٢) رطوبة بالأصل. (٣) هكذا قال المصنف، والذي في «عارضة الأحوذي» ١/ ١٢٨: وقال غيره: أبو زيد مولى عمرو بن حريث، روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق. اهـ قلت: فلعله في إحدى نسخه أو تصرف من محققه. (٤) رجح ابن حجر في «تهذيبه» أنه راشد بن كيسان العبسي أبو فزارة الكوفي، وقال: وثقه ابن معين، والدارقطني، وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حُرَيث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا. وفي «علل الخلَّال»: قال أحمد: أبو فَزَارة في حديث عبد الله مجهول. وتعقبه ابن عبد الهادي فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، وكأنه اشتبه عليه أبو زيد بأبي فزارة. انظر: «تهذيب التهذيب» ١/ ٥٨٤. (٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٩٥ (٦٠٧). مسلم» (١) من قول علقمة عنه، وإن كان شهد أولها واستوقفه وبعد عنه ثم عاد إليه. الثالث: أنه منسوخ على تقدير صحته؛ لأنه كان بمكة، ونزول آية التيمم بالمدينة، وفيه نظر. الرابع: أنه مخالف للأصول، فلا يحتج به عندهم. الخامس: أنهم شرطوا لصحة الوضوء به السفر، والشارع إنما كان في شعاب مكة، كما ثبت في «صحيح مسلم» (٢). السادس: أن المراد بالنبيذ: ما نبذت فيه تمرات، لتعذب، ولم يكن متغيرًا، وقد وصفه - ﷺ - بأنه طهور، ثم هذا إذا لم يشتد ولم يسكر، فإن اشتد حرم شربه، فكيف الوضوء به؟ كما صرح به في «المبسوط» عندهم، فإن كان مطبوخًا فالصحيح عندهم أنه لا يتوضأ به. وقال صاحب «المفيد»: إذا ألقي فيه تمرات فحلا ولم يزل عنه اسم الماء وهو رقيق يجوز الوضوء به، بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يجوز الاغتسال به، خلاف ما في «المبسوط» من جوازه، ووجه الأول أن الجنابة أغلظ الحدثين، والضرورة فيه دون الوضوء، فلا يقاس عليه. وقال الكرخي: المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به، حلوًا كان أو مسكرًا، إلا عند محمد في المسكر. وقال أبو طاهر الدباس: لا يجوز، وصححه في «المحيط»، كمرق الباقلاء. ---------------------- (١) كما جاء في حديث رقم (٤٥٠) من طريق علقمة عن عبد الله، قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله - ﷺ - ووددت أني كنت معه. (٢) انظر التخريج السابق. ثم قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». هذا حديث متفق على صحته، أخرجه البخاري هنا، وفي الأشربة (١)، وأخرجه مسلم والأربعة هناك (٢). وسفيان هذا هو ابن عيينة. وعلي هو ابن المديني. وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. ووجه إيراد البخاري هذا الحديث هنا، أن المسكر واجب الاجتناب؛ لنجاسته، حرام استعماله في كل حال، ومن جملة ذَلِكَ الوضوء، وما يحرم شربه يحرم الوضوء به؛ لخروجه عن اسم الماء لغة وشرعًا، وكذلك النبيذ أيضًا غير المسكر هو في معنى المسكر من جهة أنه لا يقع عليه اسم الماء، ولو جاز أن يسمى النبيذ ماء؛ لأن فيه ماءً جاز أن يسمى الخل ماء لأن فيه ماء. وفيه أيضًا تصريح بتحريم جميع ما أسكر سواء أكان خمرًا أو نبيذًا، وأكثر العلماء على تسمية جميع الأنبذة خمرًا، لكن قَالَ أكثرهم: هو مجاز، وهو حقيقة في عصير العنب. وقال جماعة: هو حقيقة لظاهر الأحاديث الواردة في ذَلِكَ، وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في كتاب الأشربة، إن قدر الله الوصول إليه، اللهم افعله. ----------------------- (١) سيأتي برقم (٥٥٨٥) كتاب: الأشربة، باب: الخمر من العسل وهو: البتع. (٢) مسلم (٢٠٠١) كتاب: الأشربة، باب: أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، وأبو داود (٣٦٨٢)، والترمذي (١٨٦٣)، والنسائي ٨/ ٢٩٨، وابن ماجه (٣٣٨٦). ٧٢ - باب غَسْلِ المَرْأَةِ (أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) (١) وَقَالَ أَبُو العَاليَةِ: امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ. ٢٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلهُ النَّاسُ -وَمَا بَيْنِي وَبَينَهُ أَحَدٌ -: بِأَيِّ شَيءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبيِّ - ﷺ -؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ. [٢٩٠٣، ٢٩١١، ٣٠٣٧، ٤٠٧٥، ٥٢٤٨، ٥٧٢٢ - مسلم: ١٧٩٠ - فتح: ١/ ٣٥٤] هذا رواه ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن عاصم، وداود، عن أبي العالية أنه اشتكى رجله فعصبها وتوضأ ومسح عليها، وقال: إنها مريضة (٢). وينبغي أن يقرأ (مُسِحَ) بضم الميم؛ ليوافق ما رواه البخاري. ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ، أنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ -وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ-: بِأَيِّ شَيءٍ (دُووِيَ) (٣) جُرْحُ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد والنكاح (٤)، وأخرجه مسلم في المغازي (٥). -------------------- (١) ورد بهامش الأصل: (وجه أبيها من الدم). وعلم عليها أنها نسخة. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٢٥ - ١٢٦ (١٤٣٧). (٣) كتبت في الأصل بواو واحدة والصواب أنها بواوين، على ما يأتي قريبا. (٤) سيأتي برقم (٢٩٠٣) باب: المجن ومن يترس بترس صاحبه، (٥٢٤٨) باب: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾. (٥) رواه مسلم (١٧٩٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد. ثم الكلام عليه من أوجهٍ: أحدها: محمد هذا: هو ابن سلام البيكندي، كذا جاء في بعض نُسَخِهِ، ورواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح وهشام بن عمار، عن سفيان (١). ورواه الإسماعيلي أيضًا عن محمد بن الصباح، عن سفيان به. وادعى ابن عساكر أن ابن ماجه رواه من حديث سفيان، عن أبي حازم، والذي في نسخة منه عن سفيان، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، وأبو حازم بالحاء المهملة [والزاي] (٢) المعجمة اسمه: سلمة بن دينار الأعرج، أحد الأعلام. مات بعد الثلاثين ومائة (٣). وسهل بن سعد: هو الساعدي (الأنصاري) (٤) مات سنة ثمان وثمانين، أو سنة إحدى وتسعين. ثانيها: (دووي) بواوين، ووقع في بعض النسخ بواحدة، وتكون الأخرى محذوفة كما حذفت من داود. ثالثها: قول سهل: (ما بقي أحد أعلم به مني). إنما قَالَ ذَلِكَ؛ لأن وفاته -------------------- (١) في المطبوع من «سنن ابن ماجه» (٣٤٦٤) حدثنا هشام بن عمار ومحمد بن الصَّباح قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد. ولكنَّ المزي ذكر مكان عبد العزيز سفيانَ بنَ عيينة انظر: «التحفة» ٤/ ١٠٧ (٤٦٨٨). (٢) ضربت عليه الرطوبة في الأصل، والسياق يقتضيها. (٣) سلفت ترجمته في حديث (١٠٢). (٤) ضربت عليه الرطوبة في الأصل، والمثبت من «تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٤٠. تأخرت عن [الواقعة] (١) فوق ثمانين سنة؛ لأنها كانت بأُحد، كما سيأتي، وهي في الثالثة؛ لأنه آخر من مات من الصحابة بالمدينة في قول ابن سعد (…) (٢) وقال ابن الحذاء: بمصر. والترس: الجحفة. رابعها: هذِه الواقعة كانت بأحد، وزعم ابن سعد أن (عتبة) (٣) بن أبي وقاص شج النبي - ﷺ - في وجهه وأصاب رباعيته، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن رسول الله - ﷺ - الدم، والنبي - ﷺ - يقول: كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم (٤)، فأنزل الله تعالى: ﴿ليَس لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَئٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨] وساقه من حديث محمد بن حميد العبدي، ثنا معمر، عن قتادة، وزعم السهيلي أن عبد الله بن قميئة هو الذي جرح وجهه - ﷺ - (٥). خامسها: في أحكامه: الأول: غسل الدم من الجسد، وهو إجماع. الثاني: جواز مباشرة المرأة أباها وذَوِي محارمها وإلطافها إياهم، ومداواة أمراضهم. قَالَ المهلب: ولذلك قَالَ أبو العالية لأهله: (امسحوا على رجلي فإنها مريضة) ولم يخص بعضهم دون بعض؛ بل عمهم جميعًا. ---------------------- (١) ضربت عليه الرطوبة، ولعل المثبت الأنسب للسياق. (٢) ضربت عليه الرطوبة. (٣) ضربت عليه الرطوبة، والمثبت من «طبقات ابن سعد» ٢/ ٤٥. (٤) انظر: «طبقات ابن سعد» ٢/ ٤٥. (٥) ورد بهامش (س): (…). أبو الفتح اليعمري في (…) أن الذي توقى ذلك عنه - ﷺ - ثلاثة (…) وابن قميئة وعبد الله بن شهاب (…). الثالث: إباحة التداوي؛ لأنه - ﷺ - قد داوى جرحه بالحصير المحرق، وقد جاء في رواية أخرى، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم، وكسرت رباعيته يومئذ، وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه (١). -------------------- (١) سيأتي برقم (٤٠٧٥) كتاب: المغازي، باب: ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد. ٧٣ - باب: السِّوَاكِ وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: بِتُّ عِنْدَ النَّبىِّ - ﷺ - فَاسْتَنَّ. ٢٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكِ بِيَدِهِ، يَقُولُ: «أُعْ أُعْ». وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ. [مسلم: ٢٥٤ - فتح: ١/ ٣٥٥] ٢٤٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. [٨٨٩، ١١٣٦ - مسلم ٢٥٥ - فتح: ١/ ٣٥٦] هذا قطعة من حديث طويل في مبيته عند ميمونة، وقد سلف بعضه ويأتي أيضًا. ومعنى استن: استاك. ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكِ بِيَدِهِ، يَقُولُ: «أُعْ أُعْ». وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ. والكلام عليه من أوجهٍ: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضًا، لكن قوله: «أع أع» إلى آخره من أفراد البخاري كما بينه الحميدي في «جمعه» (٢)، وفي لفظ: دخلنا عليه نستحمله. ثانيها: أبو النعمان (ع) هذا: هو محمد بن الفضل السدوسي عارم. ---------------- (١) مسلم (٢٥٤) كتاب: الطهارة، باب: السواك. (٢) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٣٠٠. وغيلان بالمعجمة. وأبو بردة: هو ابن أبي موسى الفقيه قاضي الكوفة، اسمه الحارث أو عامر، من نبلاء العلماء. مات سنة أربع ومائة. ووالده عبد الله بن قيس الأشعري الأمير. مات سنة أربع وأربعين. ثالثها: الضمير في: «يقول» عائد إلى رسول الله، ويبعد عوده إلى السواك؛ لأنه ليس له صوت يسمع، ولا قرينة حال تشعر به. رابعها: «أُع أُع» بضم الهمزة وفتحها وسكون العين المهملة، وفي النسائي وابن خزيمة وابن حبان «عَأْعَأْ» (١) وفي «صحيح الجوزقي» «إخ إخ». -بكسر الهمزة وخاء معجمة- وفي «سنن أبي داود» «أُه أُه» (٢) بهمزة مضمومة، وقيل: مفتوحة والهاء ساكنة، وكلها عبارة عن إبلاغ السواك إلى أقاصي الحلق. خامسها: قوله: (كَأَّنَّة يَتَهَوَّعُ). أي: يتقيأ. أي: له صوت كصوته. سادسها: فيه الاستياك على اللسان، وقد رواه أحمد في «مسنده» مصرحًا به (٣). وفيه استياك الإمام بحضرة رعيته. ----------------- (١) «سنن النسائي» ١/ ٩، «ابن خزيمة» ١/ ٧٣ (١٤١)، «ابن حبان» ٥/ ٣٥٥ (١٠٧٣). (٢) «سنن أبي داود» (٤٩). (٣) ٤/ ٤١٧ عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يستاك، وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق. ![]()
__________________
|
|
#110
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 527 الى صـــ 546 الحلقة (110) ثم ذكر البخاري حديثًا ثالثًا فقال: حَدَّثنَا عُثْمَانُ بن أبي شيبة، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في الصلاة في موضعين، وأخرجه مسلم أيضًا (١) (٢). ثانيها: أبو وائل اسمه: شقيق بن سلمة. وحذيفة (ع) هو -بالذال المعجمة- ابن اليمان حِسْل الأشهلي صاحب السر. مات سنة ست وثلاثين. ومنصور: هو ابن المعتمر الكوفي الإمام. وجرير: هو ابن عبد الحميد الضبي. ثالثها: (كان)، هذِه دالة على الملازمة والاستمرار (٣)، وظاهر قوله: (إذا قام من الليل). تعلق الحكم بمجرد القيام، ويحتمل أن المراد إذا قام من الليل للصلاة، ويؤيده رواية الصحيحين الأخرى: إذا قام ليتهجد (٤). --------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه هنا. (٢) سيأتي برقم (٨٨٩) كتاب: الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة، و(١١٣٦) كتاب: أبواب التهجد، باب: طول القيام في صلاة الليل، ورواه مسلم (٢٥٥) كتاب: الطهارة، باب: السواك. (٣) ورد بهامش (س): إن كان لا يدل على التكرار ولا المداومة. (٤) سيأتي رقم (١١٣٦) كتاب: التهجد، باب: طول القيام في صلاة الليل، ورواه مسلم (٢٥٥) كتاب: الطهارة، باب: السواك. و(من) هنا بمعنى (في) وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: فيه. رابعها: (يَشُوصُ) -بفتح أوله وضم ثانيه، وهو بشين معجمة، وفي آخره صادٌ مهملة- وتحصل لي في تفسيره خمسة أقوال متقاربة: الغسل والتنقية والدلك والحك وأنه بالأصبع، وأنه يغني عن السواك لكن يرده قوله في الحديث: بالسواك. والثالث: أقواها. خامسها: فيه استحباب السواك عند القيام من النوم، وفي معناه: كل حال يتغير فيه الفم، وهو أحد الحالات المتأكد فيها، وحاصل ما ذكره البخاري -رحمه الله- أن السواك سنة متأكدة؛ لإقباله - عليه السلام - عليه ليلًا ونهارًا، وقام الإجماع على كونه مندوبًا حتى قَالَ الأوزاعي: هو شطر الوضوء (١). وما نقل عن أهل الظاهر من وجوبه غير صحيح، وكذا ما نقل عن إسحاق من بطلان الصلاة عند عمد الترك أيضًا. نعم، قَالَ ابن حزم: إنه يوم الجمعة فرض لازم (٢). --------------------- (١) روى ذلك ابن أبي شيبة مرسلًا ١/ ١٥٦ - ١٥٧ (١٨٠٣) عن وكيع، عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الوضوء شطر الإيمان والسوك شطر الوضوء ..». وذكره الذهبي في «اللسان» ٤/ ٣٢٠ في ترجمة عبد الرحمن بن يحيى العذري، وقال: ذكره الأزدي فقال: متروك لا يحتج بحديثه، رَوى عن الأوزاعي عن حسان بن عطية، عن شداد بن أوس رفعه: «الوضوء شطر الإيمان، والسوك شطر الوضوء» وهي زيادة منكرة. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٧٦٢). (٢) «المحلى» ٢/ ٩. ٧٤ - باب دَفعِ السِّوَاكِ إِلَى الأَكْبِرَ ٢٤٦ - وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاك، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى أَكبَرُ مِنْهُمَا». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ، عَنِ ابن الُمبَارَكِ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ. [مسلم: ٢٢٧١، ٣٠٠٣ - فتح: ١/ ٣٥٦] وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا». قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ، عَنِ ابن المُبَارَكِ، عَنْ أسَامَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ. أما حديث عفان فعلقه البخاري هنا (١)، وأخرجه مسلم في الرؤيا في آخر الكتاب (٢) عن نصر بن علي، عن أبيه، عن صخر (٣)، وأخرجه الإسماعيلي من حديث وهب بن جرير، وشعيب بن حرب، قالا: ثنا صخر به. وأخرجه أبو نعيم، عن أبي أحمد، موسى بن العباس الجويني، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عفان. وثنا أبو إسحاق بن حمزة، --------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: اعلم أن ما عزاه البخاري إلى بعض شيوخه بصيغة الجزم، كقوله: قال: فلان، وزاد فلان ونحو ذلك، فليس حكمه حكم التعليق غير شيوخ شيوخه ومن فوقهم، بل حكمه حكم الإسناد المصرح به، وحكمه الاتصال بشرط ثبوت اللقاء والسماع. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: في الأطراف في الرؤيا في آخر الكتاب. (٣) مسلم (٢٢٧١) باب: رؤيا النبي - ﷺ -، و(٣٠٠٣) كتاب: الزهد، والرقائق، باب: مناولة الأكبر. ثنا عبد الله قَحْطبة، ثنا نصر بن علي، ثنا أبي، قالا: ثنا صخر به. وأما حديث نعيم فرواه الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا، ثنا الحسن بن عيسى، ثنا ابن المبارك ولفظه: كان - ﷺ - يستن، فأعطاه أكبر القوم، وقال: «أمرني جبريل أن أكبر» قَالَ: وحَدَّثنَا الحسن، ثنا حبان، أنا ابن المبارك، وفيه قَالَ: «إن جبريل أمرني أن أدفع إلى أكبرهم». إذا عرفت ذَلِكَ؛ فعفان (ع) وهو: ابن مسلم الصفار، شيخ البخاري في الأصول، وهو حافظ من حكام الجرح والتعديل، مات سنة عشرين ومائتين (١). ونعيم (خ قرنه. د. ت. ق): هو ابن حماد الخزاعي الحافظ الأعور، ذو التصانيف، قرنه البخاري بغيره، وهو مختلف فيه، امتحن وقيد فمات بسامراء (٢) محبوسًا سنة تسع وعشرين ومائتين (٣). ---------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٨، «التاريخ الكبير» ٧/ ٧٢ (٣٣١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣٠ (١٦٥)، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١٦٠ (٣٩٦٤). (٢) سامراء: مدينة كانت بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة وقد خربت. انظر: «معجم البلدان» ٣/ ١٧٣. (٣) هو نُعيم بن حَمَّاد بن معاوية بن الحارث بن همام بن سلمة بن مالك الخزاعي، أبو عبد الله المرْوَزي الفارِض الأعور، سكن مصر. رأى الحسين بن واقد. قال الحسن الميموني، عن أحمد بن حنبل: أول من عرفناه يكتب المسند نعيم بن حماد. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: يُقال: إن أول من جمع المُسند وصنفه نعيم بن حماد. وقال أحمد بن حنبل عن نعيم بن حماد: لقد كان من الثقات. وقال أحمد بن ثابت أبو يحيى، قال: سمعت أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين يقولان: نعيم بن حماد معروف بالطلب، ثم ذمه يحيى، فقال: إنه يروي عن غير الثقات. وقال صاحب «التقريب»: صدوق يخطئ كثيرًا، فقيه عارف بالفرائض، من العاشرة، مات سنة ثمان وعشرين على الصحيح، وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ = وصخر (خ. م. د. س. ق) بن جويرية تابعي (١). والحديث ظاهر لما ترجم له، وهو تقديم ذوي السن في السواك، وكذا ينبغي تقديم ذوي السن في الطعام والشراب والكلام والمشي والكتاب، وكل منزلة قياسًا على السواك، واستدلالًا من قوله - ﷺ - لحويصة ومحيصة «كبر كبر» (٢) يريد ليتكلم الأكبر، وهذا من باب أدب الإسلام. وقال المهلب: تقديم ذوي السن أولى في كل شيء، ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن فالأيمن، من الرئيس أو العالم على ما جاء في حديث شرب اللبن. وفيه أيضًا: فضل السواك. -------------------- = فيه، وقال: باقي حديثه مستقيم. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥١٩، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٤٦٣ (٢١٢٥)، و«تهذيب الكمال» ٢٩/ ٤٦٦ (٦٤٥١)، و«تقريب التهذيب» (٧١٦٦). (١) هو صخر بن جويرية البصري، أبو نافع مولى بني تميم، ويقال: مولى بني هلال بن عامر. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: صخر بن جويرية شيخ ثقة ثقة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: صالح. وقال غيره عن يحيى: ذهب كتابه، فبعث إليه من المدينة. وقال محمد بن سعد، عن عمرو بن عاصم: كان مولى لبني تميم، وكان ثقة ثبتًا. وقال أيضًا عن عفان بن مسلم: كان صخر بن جويرية أثبت في الحديث، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: لا بأس به. وقال أبو داود: تُكُلِّم فيه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات» ٦/ ٤٧٣. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٧٥، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣١٢ (٢٩٥١)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ١١٦ (٢٨٥٤)، «تقريب التهذيب» (٢٩٠٤). (٢) سيأتي برقم (٣١٧٣) كتاب: الجزية والموادعة، باب: الموادعة .. ٧٥ - باب فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ ٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ - ﷺ -: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَألجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمنْتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تتَكَلَّمُ بِهِ». قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَلَمَّا بَلَغْتُ: «اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ». قُلْتُ: وَرَسُولِكَ. قَالَ: «لَا، وَنَبيِّكَ الذِي أَرْسَلْتَ». [٦٣١١، ٦٣١٣، ٦٣١٥، ٧٤٨٨ - مسلم: ٢٧١٠ - فتح: ١/ ٣٧٥] حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أنا عَبْدُ اللهِ، أنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِب قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجًعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ .. " الحديث. الكلام عليه من وجوه. أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الدعوات (١)، ومسلم (٢) هناك، والترمذي (٣) فيه، وقال: لا نعلم في شيء من الروايات ذكر الوضوء إلا في هذا الحديث، وأبو داود (٤) في الأدب، والنسائي في ------------------ (١) سيأتي برقم (٦٣١١) باب: إذا بات طاهرًا. (٢) رواه مسلم (٢٧١٠) كتاب: الذكر والدعاء، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع. (٣) الترمذي (٣٥٧٤). (٤) أبو داود (٥٠٤٦). «اليوم والليلة» (١). ثانيها: عبد الله: هو ابن المبارك (٢) ومحمد بن مقاتل (٣): هو المروزي الثقة. مات سنة ست وعشرين ومائتين، ومات بعده محمد بن مقاتل العباداني بعشر سنين، ومحمد بن مقاتل الفقيه الرازي بعشرين. وسفيان: هو الثوري، كما صرح به أبو العباس أحمد بن ثابت الطَرقي، وإن كان ابن عيينة روى عن منصور، وعنه ابن المبارك؛ لاشتهار الثوري بمنصور، وهو أثبت الناس فيه. ومنصور: هو ابن المعتمر. وسعد (٤): سلمي تابعي ثقة. وعُبيدة بضم العين، وليس في الستة سعد بن عبيدة سواه. ------------------- (١) النسائي في «الكبرى» ٦/ ١٩٥ (١٠٦١٨). (٢) سبق في حديث (٦). (٣) محمد بن مقاتل المَرْوَزيَّ، أبو الحسن الكسائي، لقبه رُخ، سكن بغداد، وانتقل بأَخَرَة إلى مكة فجاور بها حتى مات. قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب: «الثقات» وقال: كان مُتْقِنًا. قال البخاري: مات سنة ست وعشرين ومائتين في آخرها. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٤٢ (٧٦٧). و«الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٥ (٤٤٨). و«الثقات» ٩/ ٨١. و«تهذيب الكمال» ٢٦/ ٤٩١ (٥٦٢٦) (٤) سعد بن عُبيدة السُّلَمِيّ، أبو حمزة الكوفي، ختن أبي عبد الرحمن السلمي على ابنته. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال النسائي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، كان يرى رأي الخوارج ثم تركه. ذكره ابن حبان في كتاب «الثقات». روى له أبو داود والترمذي والنسائي هذا الحديث الواحد. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٩٨، «التاريخ الكبير» ٤/ ٦٠ (١٩٦٢)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٨٩ (٣٨٨)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٢٩٠ (٢٢٢٠) وخالف إبراهيم بن طهمان أصحاب منصور، فأدخل بين منصور وسعد الحكم بن عتيبة. وانفرد الفريابي بإدخال الأعمش بين الثوري ومنصور. ثالثها: معنى: («إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ») أردت النوم، وهو بفتح الجيم، وعن القرطبي كسرها أيضًا كالمطلع وهو موضع الضجع. رابعها: قوله: («فَتَوَضَّأْ») هو للندب؛ لأن النوم وفاة، وربما يكون موتًا، فقد تقبض روحه في نومه، فيكون ختم عمله بالوضوء، فينبغي أن يحافظ على ذَلِكَ ولا يفوته. وفيه سر آخر، وهو أنه أصدق لرؤياه، وأبعد من لعب الشيطان به في منامه وترويعه إياه، وما أحسن هذِه الخاتمة والدعاء عقبها الذي هو أفضل الأعمال؛ ولذلك كان ابن عمر يجعل آخر عمله الوضوء والدعاء، فإذا تكلم بعد ذَلِكَ استأنفها ثم ينام على ذَلِكَ، اقتداء بالشارع في قوله: «واجعلهن آخر ما تكلم به». فرع: هذا الوضوء يتأكد في حق الجنب أيضًا عند نومه، ولعله ينشط للغسل، وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي ظَبْيَة، عن معاذ مرفوعًا: «ما من مسلم يبيت على ذكرٍ (طاهرًا) (١)، فيتعار من الليل، فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه» (٢). -------------------- (١) وقع في الأصل: طهارة، والمثبت من «سنن أبي داود». (٢) «سنن أبي داود» (٥٠٤٢)، والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٥٧٥٤). خامسها: قوله: («ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ») هذا أيضًا من سنن النوم، وقد كان - ﷺ - يحب التيامن، ولأن النوم بمنزلة الموت، فِيستعد له بالهيئة التي يكون عليها في قبره. وقيل الحكمة فيه: أن يتعلق القلب على الجانب الأيمن، فلا يثقل النوم، فيكون أسرع إلى الانتباه. قَالَ ابن الجوزي: وهذا هو المصلحة في النوم عند الأطباء أيضًا، فإنهم يقولون: ينبغي أن يضطجع على الجانب الأيمن ساعة، ثم ينقلب إلى الأيسر فينام، فإن النوم على اليمين سبب انحدار الطعام؛ لأن قصبة المعدة تقتضي ذَلِكَ، والنوم عَلَى اليسار يهضم، لاشتمال الكبد على المعدة. سادسها: قوله: («اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ») جاء في رواية أخرى: «أسلمت نفسي إليك» (١) والوجه والنفس هنا بمعنى الذات كلها، كما نقله النووي عن العلماء (٢). وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يراد به الوجه حقيقة، ويحتمل أن يراد به القصد، فكأنه يقول قصدتك في طلب سلامي. وقال القرطبي: قيل: إن معنى الوجه: القصد والعمل الصالح (٣)، ولذلك جاء في رواية: «أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك» (٤) فجمع بينهما، فدل على تغايرهما. ------------------ (١) سيأتي برقم (٦٣١١). (٢) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٧/ ٣. (٣) «المفهم» ٧/ ٣٨. (٤) سيأتي برقم (٦٣١٥) في الدعوات، باب: النوم على الشق الأيمن، ورواه مسلم (٢٧١٠) (٥٧) كتاب: الذكر والدعاء، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع. ومعنى أسلمت: سلمت واستسلمت، أي: سلمتها لك إذ لا قدرة ولا تدبير بجلب نفع ولا دفع ضر، فأمرها مُسَلَّم إليك تفعل فيها ما تريد واستسلمت لما نفعل، فلا اعتراض عليك فيه. سابعها: قوله: («وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ») أي: رددت أمري إليك، وبرئت من الحول والقوة إلا بك، فاكفني همه وتولَّ إصلاحه. وقوله: («وَأَلْجَاْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ») أي: أسندته وأملته، يقال: لجأ فلان إلى كذا: مال إليه، فمن استند إلى شيء قوي إليك واستعان، وأنت الملجأ والمستعان. ثامنها: قوله: («رَغْبَةً وَرَهْبَةً») أي: رغبة في رفدك وثوابك، وخوفًا منك ومن أليم عقابك، وأسقط من الرهبة لفظة منك وأعمل لفظة الرغبة بقوله: «إليك» على عادة العرب في أشعارهم. وزججن الحواجب والعيونا والعيون لا تزجج، ولكنه لما جمعهما في النظم حمل أحدهما على حكم الآخر في اللفظ، نبه عليه ابن الجوزي. تاسعها: «لَا مَلْجَأ» هو مهموز من ألجأت «وَلَا مَنْجَا» هو غير مهموز من النجاة. و«كتابك» هنا القرآن، وقَالَ الداودي في «شرحه»: المراد كتبه كلها. «وبنبيك»: هو محمد - ﷺ -. والفطرة: دين الإسلام، كما في الحديث «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١). ------------------ (١) رواه أبو داود (١٦١٦) وأحمد ٥/ ٢٣٣. والحاكم ١/ ٣٥١ وقال: هذا حديث = قَالَ القرطبي: كذا قاله الشيوخ في هذا الحديث. وفيه نظر؛ لأنه إذا كان قائل هذِه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرناها من التوحيد والتسليم والرضى إلى أن يموت على الفطرة، كما تقول: من مات وآخر كلامه: لا إله إلا الله على الفطرة وإن لم يخطر له شيء من تلك الأمور، فأين فائدة تلك الكلمات والمقامات الشريفة، ثم أجاب بأن كلًّا منهما وإن مات على الفطرة، فبين الفطرتين ما بين الحالتين، ففطرة الطائفة الأولى، فطرة المقربين، وفطرة الثانية فطرة أصحاب اليمين (١). عاشرها: قوله: (فَلَمَّا بَلَغْتُ: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ». قُلْتُ: وَرَسُولِكَ. قَالَ: «لَا، وَنَبِيِّكَ»). فيه دلالة لمن لم يجوز الحديث بالمعنى، وهو الصحيح من مذهب مالك، ولا شك في أن لفظة النبوة من النبأ وهو: الخبر. فالنبوة أعم والرسالة أخص؛ لأنها أمر زائد عليها، فلما اجتمعا في الشارع أراد أن يجمع بينهما في اللفظ؛ حتى يفهم منه موضوع كل واحد، وليخرج عما يُشبه تكرارًا بغير فائدة؛ لأنه إذا قَالَ: ورسولك الذي أرسلت. فالرسالة فهمت من الأول، فالثانى كالحشو، بخلاف ما إذا قَالَ: ونبيك الذي أرسلت، وأيضًا فالملائكة يطلق عليهم اسم الرسل، قَالَ تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ -------------------- = صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -. والحديث حسنه الألباني في «الإرواء» (٦٨٧). (١) «المفهم» ٧/ ٣٩. [الحج: ٧٥] فإذا قَالَ ذَلِكَ زال ذَلِكَ اللبس، فالمراد هنا التصديق بالنبي - ﷺ - الذي جاء بالكتاب، وإن كان غيره من رسل الله أيضًا واجب الإيمان بهم. آخر الوضوء ومتعلقاته بحمد الله ومنِّه. ٥ كِتابُ الغُسْلِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٥ - كِتابُ الغُسْلِ وقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] وَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣] هو بالفتح؛ لأنه المصدر، أما الضم فالماء، والكسر فما يغسل به من خطمي ونحوه. وأما صاحب «المحكم» فقال: غَسلَ الشيءَ يَغسلُه غَسْلًا وغُسْلًا. وقيل: الغَسل المصدر، والغسل الاسم (١). ثم استفتح البخاري رحمه الله الباب بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ ومناسبتهما ظاهرة للباب؛ إذ فيهما الغسل من الجنابة مع زيادات. واللمس في الآيتين عند الشافعي التقاء البشرتين (٢)، وعند غيره الجماع. وقرئ في السبعة: (لمستم) بغير ألف، وهي قراءة الأخوين (٣)، ولامستم قراءة الباقين (٤). ---------------- (١) «المحكم» ٥/ ٢٥٦. (٢) انظر: «الحاوي» ١/ ٨٤، «أحكام القرآن» للشافعي ١/ ٤٦. (٣) هما حمزة والكسائي. (٤) انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٣/ ١٦٣ - ١٦٤، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١/ ٣٩١ - ٣٩٢. ١ - باب الوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ ٢٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبيَّ - ﷺ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الَجنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمُّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الَماءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الَماءَ على جِلْدِهِ كُلهِ. [٢٦٢، ٢٧٢ - مسلم ٣١٦ - فتح: ١/ ٣٦٠] ٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةَ- زَوْجِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الَماءَ، ثمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، هذِه غُسْلُهُ مِنَ الَجنَابَةِ. [٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٦١] ذكر فيه حديث عائشة وميمونة: أما حديث عائشة فرواه عن عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، عن مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - زَوْج النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ .. الحديث. وأما حديث ميمونة فأخرجه عن مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاس، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا. هذِه غُسْلُهُ مِنَ الجَنَابَةِ. الكلام عليهما من وجهين: أحدهما: حديث عائشة قد أخرجه البخاري من حديث مالك كما ترى، وأخرجه مسلم من حديث أبي معاوية عن هشام فذكره، وفي آخره: ثم غسل رجليه قَالَ: ورواه جماعة عن هشام وليس في حديثهم غسل الرجلين (١). وحديث ميمونة أخرجه مسلم أيضًا وباقي الستة (٢). ومحمد بن يوسف: هو الفريابي، كما صرح به أبو نعيم. وسفيان هو الثوري. وذكره البخاري في باب الغسل مرة واحدة كما ستعلمه (٣)، وفي باب التستر فيه أيضًا (٤). ثم قَالَ: تابعه أبو عوانة، وابن فضيل في التستر، أي: تابعا سفيان الثوري، وحديث أبي عوانة أسنده في باب من أفرغ بيمنه على شماله في الغسل (٥). وابن فضيل اسمه: محمد بن فضيل. ثانيهما: في فوائدهما: (كان) في حديث عائشة تدل على الملازمة والتكرار (٦)، كقول ابن ----------------- (١) مسلم (٣١٦) كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة. (٢) مسلم (٣١٧) كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة، وأبو داود (٢٤٥)، والترمذي (١٠٣)، والنسائي ١/ ١٣٧ - ١٣٨، وابن ماجه (٥٧٣). (٣) البخاري (٢٥٧) كتاب: الغسل. (٤) سيأتي برقم (٢٨١) كتاب: الغسل، باب: التستر في الغسل عند الناس. (٥) سيأتي برقم (٢٦٦) كتاب: الغسل. (٦) ورد بهامش (س) ما نصه: الصحيح من القولين أن كان لا تدل على ملازمة ولا تكرار. عباس: (كان - ﷺ - أجود الناس بالخير). ويقال: كان فلان يقري الضيف. وقولها: (إِذَا اغْتَسَلَ) يحتمل أن يكون المراد: إذا أراده، ويحتمل أن يكون المراد: شرع فيه. وقولها: (فَغَسَلَ يَدَيْهِ)، أي: قبل إدخالهما الإناء، كما جاء مصرحًا به في بعض الروايات (١)، ولا خلاف في مشروعية ذَلِكَ، وإنما الخلاف في الوجوب. وقولها: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَلَاةِ). يؤخذ منه استحباب تقديم أعضاء الوضوء في الغسل، والظاهر أنه وضوء حقيقة، وإن كان يحتمل أن المراد تقديم غسل هذِه الأعضاء على غيرها على ترتيب الوضوء، وقُدِّمَتْ على بقية الجسد تكريمًا لها، وبالثاني صرح ابن داود من أصحابنا في «شرح المختصر»، وإذا قلنا بالأول فظاهره إكمال الوضوء، وهو أصح قولي الشافعي رحمه الله، وله قول آخر: إنه يؤخر غسل رجليه عملًا بظاهر حديث ميمونة (٢)، والخلاف عند مالك أيضًا (٣)، وله قول ثالث: إنه إن كان الموضع نظيفًا فلا يؤخر، وإن كان وسخًا أو الماء قليلًا أُخر جمعًا بين الأحاديث. وأجاز (أبو) (٤) حنيفة التأخير (٥)، وفصل صاحب «المبسوط» ----------------------- (١) من ذلك ما رواه مسلم (٣١٦) كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة. (٢) انظر: «المجموع» ٢/ ٢١١. (٣) انظر: «المنتقى» ١/ ٩٣، «إكمال المعلم» ٢/ ١٥٧. (٤) في الأصل: (أبي)، والصحيح ما أثبتناه. (٥) انظر: «الهداية» ١/ ١٧. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |