الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - الصفحة 10 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         7 حيل نفسية تساعد طفلك على حب الدراسة.. لو بيحس بملل ومش عايز يذاكر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          طريقة عمل مينى باتيه بالجبنة بخطوات بسيطة.. ينفع فى الفطار والعشاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          7 فوائد تعود عليك من عدم تأجيل عمل اليوم للغد.. قاوم كسل البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          طريقة عمل الحلبسة فى المنزل.. مشروب يدفيك فى ليالى البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          طرق علاج تشقق الشفاه فى 3 أيام فقط.. هتخليها ناعمة ورطبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          5 أفكار ديكور منزلى تساعد على الشعور بالدفء داخل المنزل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          طريقة عمل شوربة الجزر بالكريمة بخطوات سريعة.. تدفى فى عز البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          وصفات طبيعية لترطيب اليدين بمكونات منزلية.. مش هتحتاجى تشترى من برا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          بتعانى من النحافة ومش لاقى حل.. نظام غذائى لمدة أسبوع لزيادة وزنك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          طريقة عمل 5 أكلات بالدجاج بخطوات بسيطة.. لعشاء دافئ فى الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #91  
قديم 14-01-2026, 05:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 121الى صــ 135
الحلقة (91)




فكان الشافعي يقول: يُصلّي عليهم ويَنْوي بالصلاة المسلمين.
وقال ابن الحسن: إِن كان الموتى كُفّارًا وفيهم رجل من المسلمين؛ لم يصلِّ عليهم، وإن كانوا مسلمين فيهم الكافر أو الاثنين؛ استحسنَّا الصلاة عليهم.
وبقول الشافعي نقول.
وقد اعتل الشافعي لقوله؛ فقال: لئن جازت الصلاة على مائة مسلم فيهم مشرك؛ لَتَجُوزَنَّ على مائة مشرك فيهم مسلم.
وصدَق الشافعي؛ لأنّ الإِمام والمأموم في الحالين إِنما ينوون المسلم والمسلمين» انتهى.
قلت: وممّا يقوّي قول الإِمام الشافعي -رحمه الله-: أن للنيّة اعتبارًا؛ إِذ هي شرط من شروط الصلاة؛ فإِن عدم نيّة الصلاة على المشرك تجعلنا نقول: إِنّه لم يُصلِّ عليه وإنْ جعَله أمامه؛ ولا سبيل إِلا هذا، والله -تعالى- أعلم.

وجوب الجماعة في صلاة الجنازة:
وتجب الجماعة في صلاة الجنازة، كما تجب في الصلوات المكتوبة؛ بدليلين:
الأول: مداومة النّبيّ - ﷺ - عليها.
الآخر: قوله - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي» (١).
ولا يُعَكِّر على ما ذكرنا صلاةُ الصحابة -رضي الله عنهم- على النّبيّ - ﷺ - فُرادى لم يؤمّهم أحدٌ؛ لأنها قضية خاصّة، لا يُدْرَى وجهها، فلا يجوز من

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم في «كتاب الصلاة».


أجلها أن نترك ما واظب عليه - ﷺ - طيلة حياته المباركة، لا سيّما والقضية المذكورة لم تَرِد بإِسناد صحيح تقوم به الحُجّة، وإن كانت رويت من طُرقٍ يقوّي بعضها بعضًا؛ فإِنْ أمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من هديه - ﷺ - في التجميع في الجنازة فبها؛ وإِلا فهديه هو المُقَدَّم؛ لأنه أثبت وأهدى.
فإِنْ صلَّوا عليها فُرادى سقط الفرض، وأثموا بترك الجماعة. والله أعلم.
وقال النّووي في «المجموع» (٥/ ٣١٤): «تجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف، والسنة أن تصلّى جماعةً؛ للأحاديث المشهورة في»الصحيح«في ذلك؛ مع إِجماع المسلمين».

أقل ما ورَد في انعقاد الجماعة:
وأقلّ ما ورَد في انعقاد الجماعة فيها ثلاثة؛ فعن عبد الله بن أبي طلحة: «أنّ أبا طلحة دعا رسول الله - ﷺ - إِلى عُمير بن أبي طلحة حين توفّي، فأتاه رسول الله - ﷺ -، فصلّى عليه في منزلهم، فتقدّم رسول الله - ﷺ -، وكان أبو طلحة وراءه، وأمّ سليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم» (١).

انتفاع الميت بكثرة المصلين إِذا كانوا موحِّدين حقًّا:
وكُلَّما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع، فعن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ما من ميت يُصلّي عليه أُمّة من المسلمين -يبلغون مائةً- كُلهم يشْفعون له؛ إِلا شُفِّعوا فيه» (٢).

------------------
(١) أخرجه الحاكم، وعنه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- على شرط مسلم.
(٢) أخرجه مسلم: ٩٤٧.



وقد يُغفر للميت ولو كان العدد أقلّ من مائة؛ إِذا كانوا مسلمين، لم يخالط توحيدَهم شيءٌ من الشرك.
فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
«ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا؛ إِلا شفَّعهم الله فيه» (١).

صلاة النساء على الجنازة:
للمرأة أن تصلّي على الجنازة كالرجل؛ لعموم النصوص الواردة في ذلك.
عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير: «أنّ عائشة أمرت أن يُمَرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد، فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسِي الناس! ما صلّى رسول الله - ﷺ - على سهيل ابن البيضاء إِلا في المسجد» (٢).

تسوية الصفوف في صلاة الجنازة:
ويجب تسوية الصفوف حين يُصلّى على الجنائز؛ كما تسوّى في صلاة الفريضة، بل وفي كل صلاة جماعة؛ لعموم الأدلة الواردة في ذلك؛ ولا دليل على التفريق.
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ١٢٨): "وإذا لم يوجد مع الإِمام غير رجل واحد، فإِنه لا يقف حِذاءه كما هو السنّة في سائر الصلوات، بل يقف خلف

-------------------
(١) أخرجه مسلم: ٩٤٨.
(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٣.



الإِمام، للحديث المتقدّم: «.. فتقدّم رسول الله - ﷺ -، وكان أبو طلحة وراءه، وأمّ سُلَيْمٍ وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم».

من هو الأحقّ بالإمامة؟
والوالي أو نائبه أحقُّ بالإِمامة فيها من الوليّ.
عن أبي حازم قال: «إِني لشاهد يوم مات الحسن بن علي؛ فرأيت الحسين ابن عليّ يقول لسعيد بن العاص -ويطعن في عنقه ويقول-: تقدّم؛ فلولا أنّها سنّة ما قدّمتك (وسعيد أمير على المدينة يومئذ، وكان بينهم شيءٌ)» (١) انتهى.
وقال الحسن: أدركت الناس، وأَحقُّهم على جنائزهم مَن رَضوهم لفرائضهم (٢).
وجاء في «المحلّى» (٥/ ٢١٣ - تحت المسألة: ٥٨٤): «ومن طريق وكيع عن الربيع عن الحسن: كانوا يُقَدِّمُون الأئمة على جنائزهم، فإِن تدارؤا (٣)؛ فالوليّ ثم الزوج (٤).

---------------
(١) أخرجه الحاكم، والبزار، والطبراني في»المعجم الكبير«، وانظر»أحكام الجنائز" (ص ١٢٩).
(٢) رواه البخاري معلّقًا (كتاب الجنائز -باب- ٥٦).
(٣) أي: تدافعوا في الخصومة.
(٤) لكن ابن حزم -رحمه الله- يرى أنّ أحقّ الناس بالصلاة على الميت والميتة: الأولياء؛ وهم: الأب وآباؤه، والابن وأبناؤه، ثمّ الإِخوة الأشقاء، ثمّ الذين للأب، ثمّ بنوهم، ثمّ الأعمام للأب والأم، ثمّ للأب ثمّ بنوهم، ثمّ كل ذي رحم محرمة؛ إِلا أن =



فإِنْ لم يحضر الوالي أو نائبه؛ فالأحقُّ بالإِمامة أقرؤُهم لكتاب الله، ثمّ على الترتيب الذي ورد ذكره في حديث أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يؤم القوم أقرؤُهم لكتاب الله، فإِن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسُّنّة، فإِن كانوا في السّنة سواءً؛ فأقدمهم هجرة، فإِن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سِلْمًا (١)، ولا يُؤَمَّنَ الرّجلُ في سلطانه، ولا يُقْعَدْ في بيته على تكْرِمَتِهِ (٢) إِلا بإِذنه» (٣).
ويؤمهم الأقرأ ولو كان غُلامًا لم يبلغ الحلم؛ لحديث عمرو بن سَلِمَةَ: «أنهم (٤) وفدوا إِلى النّبيّ - ﷺ -، فلمّا أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله! من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعًا للقرآن -أو أخذًا للقرآن-، قال: فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعته.
قال: فقدَّموني وأنا غلام، وعليّ شَمْلة لي، فما شهدت مَجْمعًا من جَرْمٍ إلاَّ كنت إِمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إِلى يومي هذا» (٥).

-----------------------
= يوصي الميت أن يصلّي عليه إِنسان؛ فهو أولى؛ ثم الزوج، ثمّ الأمير أو القاضي.
(١) سِلمًا؛ أي: إسلامًا.
(٢) تكرِمته؛ قال العلماء: التكرمة: الفراش ونحوه ممّا يُبسط لصاحب المنزل ويُخصّ به. «النووي».
(٣) أخرجه مسلم: ٦٧٣.
(٤) أي: قومه.
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٥٤٨).



هذا؛ وقد وجَدْت ابن المنذر يقول بقول شيخنا -رحمهما الله تعالى-.
جاء في «الأوسط» (٥/ ٣٩٨) تحت باب (ذِكر الوالي والولي يحضران الصلاة على الجنازة): «اختلف أهل العلم في صلاة الأمير أو الإِمام على الجنازة ووليُّها حاضر:
فقال أكثر أهل العلم: الإِمام أحقّ بالصلاة عليها من الولي؛ رُوِّينا عن علي ابن أبي طالب أنّه قال: الإِمام أحقّ مَن صلّى على الجنازة، وليس بثابت عنه.
وهذا قول علقمة والأسود وسُوَيْدِ بن غَفَلَةَ والحسن البصري وبه قال جماعة من المتقدمين، وقال مالك: الولي أحق، وكذلك قال أحمد وإسحاق.
وقال أصحاب الرأى: إمام الحي أحق بالصلاة عليه».
وفيه قول ثانٍ قاله الشافعي، قال: «الولي أحق بالصلاة من الوالي».
وقد رُوِّينا عن الضحاك أنه قال لأخيه عند موته: لا يصلين عليّ غيرك، ولا تَدَعَنَّ الأمير يصلّي عليّ، واذكر منّي ما علمت.
قال ابن المنذر -رحمه الله-: النظر يحتمل ما قاله الشافعي؛ غير أن مذهبه ومذهب عوام أهل العلم القول بالأخبار إِذا جاءت، وترْك حمْل الشيء على الظن عند وجود الأخبار.
ثمّ ساق بإِسناده إِلى سالم عن أبي حازم قال: شهدت حسينًا حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدّم؛ فلولا السُّنّة ما قدّمتك، وسعيد أمير المدينة.
قال ابن المنذر: "وقد كان بحضرته في ذلك الوقت خلْق من المهاجرين


والأنصار، فلمّا لم يُنكر أحد منهم ما قال؛ دلّ على أن ذلك كان عندهم حقًّا والله أعلم.
وليس في هذا الباب أعلى من هذا لأنّ جنازة الحسن بن علي حضَرها عوامّ الناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم على ما يرى. والله أعلم.
قال ابن المنذر: ودل حديث عمرو بن سلمة على ذلك [وفيه:] .. ثم سألوا النّبيّ - ﷺ -: من يصلّي بنا، أو من يصلّي لنا؟ قال: يصلّي بكم -أو يصلّي لكم -أكثركم أخذًا -أو أكثرهم جمعًا- للقرآن«انتهى.
قال ابن المنذر:»وهذا الحديث موافق لحديث أبي مسعود الأنصاري: «يؤم القوم أقرؤهم»، فلو لم يكن حديث الحسن بن علي موجودًا في هذا الباب، ثمّ قال قائل: يدخل في قوله: «يؤم القوم أقرأُهم» الصلوات المكتوبات، وعلى الجنائز؛ ما كان بعيدًا -والله أعلم- لأن اسم الصلاة يقع على الصلاة على الميت، قال الله جل ذكره: ﴿ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبدًا ولا تقُم على قبره ...﴾ (١) الآية.
وثبتت الأخبار عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: «صلّوا على صاحبكم» (٢)، وصلّى رسول الله - ﷺ - على النجاشي (٣)، والأخبار تكثر في هذا الباب، والله أعلم".

ماذا إِذا اجتمعت جنائز مُتعدِّدة من الرجال والنساء؟
وإذا اجتمعت جنائز مُتعدِّدة من الرّجال والنساء؛ صُلّي عليها صلاة واحدة،

------------------------
(١) التوبة: ٨٤.
(٢) تقدّم تخريجه.
(٣) تقدّم.



وجُعلت الذكور -ولو كانوا صِغارًا- ممّا يلي الإِمام، وجنائز الإِناث مما يلي القبلة، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن نافع عن ابن عمر: «أنه صلّى على تسع جنائز جميعًا، فجعل الرجال يلون الإِمام، والنساء يلين القبلة، فصفّهنَّ صفًا واحدًا، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب، وابن لها -يقال له: زيد- وُضعا جميعًا، والإِمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة.
فوضع الغلام ممّا يلي الإِمام، فقال رجل: فأنَكرتُ ذلك، فنظرت إِلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السُّنّة» (١).
الثاني: عنّ عمّار مولى الحارث بن نوفل: «أنّه شهد جنازة أم كلثوم وابنها، فجُعِلَ الغلامُ ممّا يلي الإِمام [ووضِعَتِ المرأةُ وراءه، فصلّى عليها]، فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخُدري وأبو قتادة وأبو هريرة، [فسألتهم عن ذلك]؟ فقالوا: هذه السنّة» (٢).

جواز الصلاة على كل جنازة على حِدَة:
ويجوز أن يُصَلِّيَ على كلّ واحدة من الجنائز صلاة؛ لأنّه الأصل، ولأنّ النّبيّ

--------------------------
(١) أخرجه عبد الرزاق، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٦٩)، وابن الجارود في «المنتقى» وغيرهم.
(٢) أخرجه أبو داود -والسياق له- «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٣٤) وغيره، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ١٣٣).



- ﷺ - فَعَل ذلك في شهداء أُحد.
فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لما وقف رسول الله - ﷺ - على حمزة .. أمر به فهيِّىء إِلى القبلة، ثمّ كبّر عليه تسعًا، ثمّ جمع إِليه الشهداء، كُلّما أُتي بشهيد وضع إِلى حمزة، فصلّى عليه، وعلى الشهداء معه، حتى صلّى عليه، وعلى الشهداء اثنتين وسبعين صلاة» (١).
قال النووي في «المجموع» (٥/ ٢٢٥): «واتّفقوا على أنّ الأفضل أنْ يفرد كلَّ واحد بصلاة إِلا صاحب»التتمة«فجزم بأنّ الأفضل أن يُصلّيَ عليهم دفعة واحدة، لأنّ فيه تعجيل الدفن وهو مأمور به، والمذهب الأول، لأنّه أكثر عملًا، وأرجى للقبول، وليس هو تأخيرًا كثيرًا». والله أعلم.

جواز الصلاة على الجنازة في المسجد:
وتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لما توفّي سعد بن أبي وقاص؛ أرسل أزواج النّبيّ - ﷺ - أن يمروا بجنازته في المسجد، فيصلّين عليه، ففعلوا، فَوَقِفَ به على حُجرهُنّ يُصلّين عليه، أُخرج به من باب الجنائز الذي كان إِلى المقاعد (٢)؛ فبلغهنّ أنّ الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يُدخل بها المسجد!
فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرعَ النّاسَ إِلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به!

--------------------
(١) أخرجه الطبراني في»معجمه الكبير«، وقال شيخنا في»أحكام الجنائز«(ص ١٣٤):»وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات، وقد صرّح فيه محمد بن إِسحاق بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه".
(٢) موضع قرب المسجد الشريف.



عابوا علينا أن يمرّ بجنازة في المسجد؛ وما صلّى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء إِلاّ في جوف المسجد» (١).

تفضيل الصلاة على الجنازة خارج المسجد:
لكنّ الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكانٍ مُعَدّ للصلاة على الجنائز؛ كما كان الأمر على عهد النّبيّ - ﷺ -، وهو الغالب على هديه فيها، وفي ذلك أحاديث.
منها: عن ابن عمر -رضي الله عنه-: «أنّ اليهود جاؤوا إِلى النّبيّ - ﷺ - برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد» (٢).
ومنها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه؛ خرج إِلى المصلّى، فصَفّ بهم وكبّر أربعًا» (٣).

تحريم الصلاة على الجنازة بين القبور:
ولا يجوز الصلاة عليها بين القبور؛ لحديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - نهى أن يصلّى على الجنائز بين القبور» (٤).

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٩٧٣، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٢٩.
(٣) أخرجه البخاري: ١٢٤٥، ومسلم: ٩٥١، وتقدّم.
(٤) أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه»، والطبراني في «المعجم الأوسط». وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٣٦): «وإسناده حسن». =



وسألت شيخنا عن الصلاة بين القبور؟ فقال: لا يجوز؛ ما الذي أدْخَله في جُحر الضَّبِّ؟!

يقف الإِمام وراء رأس الرجل، وَوَسَطِ المرأة:
ويقف الإِمام وراء رأس الرجل ووسَطِ المرأة.
عن أبي غالب الخيّاط قال: «صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حِيَالَ رأسه (١)، ثمّ جاءوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة صلِّ عليها.
فقام حِيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلمّا فرغ قال: احفظوا» (٢).
وعن سَمُرة بن جُنْدُب قال: «صلّيت خلف النّبيّ - ﷺ -، وصلّى على أمّ كعب؛ ماتت وهي نُفَساء، فقام رسول الله - ﷺ - للصلاة عليها وسطها (٣)» (٤).

-----------------------
= قال شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ١٣٨): «وله طريق أخرى عن أنس عند الضياء، يتقوّى الحديث بها».
(١) أي: قُبالته.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٣٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٢٦) -واللفظ له- وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢١٤).
(٣) بتسكين السين وفتحها.
(٤) أخرجه البخاري: ١٣٣٢، ومسلم: ٩٦٤ - واللفظ له-.



كم يكبّر على الجنائز؟
قال شيخنا -رحمه الله-: «ويُكبّر عليها أربعًا أو خمسًا، إِلى تسع تكبيرات، كُلّ ذلك ثبت عن النّبيّ - ﷺ - فأيّها فعل أجزأه، والأَوْلى التنويع، فيفعل هذا تارة، وهذا تارة، كما هو الشأن في أمثاله؛ مثل أدعية الاستفتاح، وصيغ التشهد والصلوات الإِبراهيمية ونحوها». اهـ
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢٢/ ٧٠) -في معرض توجيهه المسلمين الأخذَ بجميع سنن النّبيّ - ﷺ - في العبادات-:
«ومنها التكبير على الجنائز؛ يجوز -على المشهور- التربيع والتخميس والتسبيع؛ وإِن اختار التربيع. وأمّا بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك، ويكرهون بعضه».
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ١٤١): «وإِن كان لا بُدّ من التزام نوع واحدٍ منها؛ فهو الأربع؛ لأنّ الأحاديث فيها [أقوى و] أكثر [والمقتدي يكبّر ما كبّر الإِمام]» (١). وإِليك بيان ذلك:
أمّا الأربع، ففيها أحاديث:
١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه؛ خرج إِلى المصلّى، فصفّ بهم وكبّر أربعًا» (٢).

-----------------------
(١) ما بين معقوفين زيادة من «تلخيص أحكام الجنائز» (ص ٥٤).
(٢) أخرجه البخاري: ١٢٤٥، ومسلم: ٩٥١، وتقدّم.



٢ - عن أبي أمامة (١) أنّه قال: «السنّة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخَافَتَةً، ثمّ يكبر ثلاثًا؛ والتسليم عند الآخرة» (٢).
٣ - عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «إِنّ رسول الله - ﷺ - كان يكبر أربعًا» (٣).
وأما الخمس؛ فلحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «كان زيد يكبّر على جنائزنا أربعًا، وإِنّه كبّر على جنازة خمسًا، فسألته؟ فقال: كان رسول الله - ﷺ - يكبّرها» (٤)
قال الترمذي: «وقد ذهب بعض أهل العلم إِلى هذا من أصحاب النّبيّ - ﷺ - وغيرهم-: رأوا التكبير على الجنازة خمسًا. وقال أحمد وإسحاق: إِذا كبّر الإِمام على الجنازة خمسًا؛ فإِنّه يُتَّبَع الإِمام».
وأما الست والسبع، ففيها بعض الآثار الموقوفة، ولكنّها في حُكم الأحاديث المرفوعة؛ لأنّ بعض كبار الصحابة أتى بها على مشهد من الصحابة دون أن يعترض عليه أحد منهم.
الأول: عن عبد الله بن مُغفَّل: «أنّ علي بن أبي طالب صلّى على سهل بن

--------------------
(١) قال شيخنا -رحمه الله- في»أحكام الجنائز«(ص ١٤١):»ليس هو أبا أمامة الباهلي الصحابي المشهور، بل هذا آخر معروف بكنيته أيضًا؛ واسمه أسعد -وقيل: سعد بن سعد- بن حنيف الأنصاري، معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يسمع من النّبيّ - ﷺ -، فالحديث من مراسيل الصحابة، وهي حجة«.
(٢) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٨٠).
(٣) أخرجه البيهقي بسند صحيح، وانظر»أحكام الجنائز" (ص ١٤٢).
(٤) أخرجه مسلم: ٩٥٧، وغيره.



حنيف، فكبّر عليه ستًّا، ثمّ التفت إِلينا، فقال: إِنه بدريٌّ».
قال الشعبي: «وقدِمَ علقمة من الشام فقال لابن مسعود: إِنّ إِخوانك بالشام يُكبّرون على جنائزهم خمسًا، فلو وقّتّم (١) لنا وقتًا نُتابعكم عليه! فأطرق عبد الله ساعة ثمّ قال: انظروا جنائزكم، فكبّروا عليها ما كبّر أئمّتكم، لا وقت ولا عدد» (٢).
الثاني: عن عَبْدِ خَيْرٍ قال: «كان عليّ -رضي الله عنه- يُكبّر على أهل بدر سِتًّا، وعلى أصحابِ النّبيّ - ﷺ - خمسًا، وعلى سائر الناس أربعا» (٣).
الثالث: عن موسى بن عبد الله بن يزيد: «أنّ عليًّا صلّى على أبي قتادة، فكبّر عليه سبعًا، وكان بدْريًّا» (٤).

----------------------
(١) قال شيخنا -رحمه الله- في التعليق: «أي: حدّدتم لنا عددًا مخصوصًا، كما يُستفاد من»النهاية«. وعليه فقوله في آخر الأثر:»ولا عدد«، تفسير وبيان لقوله:»لا وقت«.
(٢) أخرجه ابن حزم في»المحلّى«بهذا التمام، وقال:»وهذا إِسناد غاية في الصحة.
قال شيخنا -رحمه الله-: «وقد أخرج منه قصةَ علي -رضي الله عنه-: أبو داود في»مسائله«عن الإِمام أحمد، والطحاوى، والحاكم، والبيهقي. وسندهم صحيح على شرط الشيخين، وهي عند البخاري في»المغازي«(٧/ ٢٥٣) دون قوله: ستًّا ...».
(٣) أخرجه الطحاوي، والدارقطني ومن طريقه البيهقي. وسنده صحيح رجاله ثقات كلهم، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ١٤٤).
(٤) أخرجه الطحاوي، والبيهقي بسند صحيح على شرط مسلم، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ١٤٤) للمزيد من الفوائد الحديثية.



قال شيخنا -رحمه الله-:»فهذه آثار صحيحة عن الصحابة، تدلّ على أن العمل بالخمس والستّ تكبيرات استمر إِلى ما بعد النّبيّ - ﷺ -؛ خلافًا لمن ادّعى الإِجماع على الأربع فقط! وقد حقق القولَ في بطلان هذه الدعوى ابن حزم في «المحلى» (٥/ ١٢٤ - ١٢٥)«.
وأما التسع؛ فلحديث عبد الله بن الزبير:»أنّ النّبيّ - ﷺ - صلّى على حمزة، فكّبّر عليه تسع تكبيرات ... «(١).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ١٤٥):»وهذا العدد هو أكثر ما وقفنا عليه في التكبير على الجنازة، فيوقف عنده ولا يُزاد عليه، وله أن ينقص منه إِلى الأربع وهو أقل ما ورد.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في «زاد المعاد» -بعد أن ذكر بعض ما أوردنا من الآثار والأخبار-: «وهذه آثار صحيحة، فلا مُوجِبَ للمنع منها، والنّبيّ - ﷺ - لم يمنع ممّا زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابه من بعده ...».

هل يرفع يديه بعد التكبيرة الأولى؟
ويُشرع له أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنّ رسول الله - ﷺ - كبّر على جنازة، فرفع يديه في أوّل تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى«(٢).

-------------------
(١) أخرجه الطحاوي في»شرح معاني الآثار«، وإسناده حسن، وانظر»أحكام الجنائز«(ص ١٠٦)، وتقدّم.
(٢) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٨٥٩) وغيره.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #92  
قديم 14-01-2026, 05:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 136الى صــ 150
الحلقة (92)






وفي «المجموع» للنووي (٥/ ٢٣٢): «قال ابن المنذر في كتابيه»الإِشراف«و»الإِجماع«: أجمعوا على أنّه يرفع في أول تكبيرة، واختلفوا في سائرها».
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ١٤٨): «ولم نجد في السّنّة ما يدلُّ على مشروعية الرفع في غير التكبيرة الأولى؛ فلا نرى مشروعية ذلك، وهو مذهب الحنفية وغيرهم، واختاره الشوكاني وغيره من المحقّقين.
وإليه ذهب ابن حزم فقال (٥/ ١٢٨):»وأمّا رفع الأيدي؛ فإِنّه لم يأتِ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه رفع في شيء من تكبيرة الجنازة إِلا في أول تكبيرة فقط، فلا يجوز فعل ذلك؛ لأنّه عمل في الصلاة لم يأْتِ به نص، وإنما جاء عنه -عليه السلام- أنّه كبّر ورفع يديه في كُلِّ خفض ورفع، وليس فيها رفع وخفض.
والعجب من قول أبي حنيفة برفع الأيدي في كُلّ تكبيرة في صلاة الجنازة، ولم يأت قطُّ عن النّبيّ - ﷺ -، ومنعه من رفع الأيدي في كلّ خفض ورفع في سائر الصلوات، وقد صح عن النّبيّ - ﷺ -«...» انتهى.
وجاء في «المحلّى» كذلك (٥/ ٢٦٠ - مسألة: ٦١٩) -بحذف-: «ولا ترفع اليدان في الصلاة على الجنازة إِلا في أول تكبيرة فقط؛ لأنّه لم يأت برفع الأيدي فيما عدا ذلك نص.
وصحّ عن ابن عمر رفع الأيدي لكل تكبيرة، ولقد كان يلزم من قال بالقياس أن يرفعها في كل تكبيرة قياسًا على التكبيرة الأولى».
قال شيخنا -رحمه الله-: "نعم؛ روى البيهقي (٤/ ٤٤) بسند صحيح عن ابن عمر: أنّه كان يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة. فمن كان


يظنُّ أنه لا يفعل ذلك إِلا بتوقيف من النّبيّ - ﷺ -؛ فله أن يرفع، وقد ذكر السَّرَخْسِي عن ابن عمر خلاف هذا، وذلك ممّا لا نعرف له أصلًا في كتب الحديث» انتهى.
قلت: وهو أحد أقوال الإِمام مالك -رحمه الله-؛ كما روى ابن القاسم عنه (١).
وبه يقول الشوكاني كما أشار شيخنا -رحمهما الله- فقد قال في «نيل الأوطار» (٤/ ١٠٥): «.. والحاصل أنّه لم يثبت في غير التكبيرة الأولى شيء يصلح للاحتجاج به عن النّبيّ- صلّى الله عليه واممه وسلم- وأفعال الصحابة وأقوالهم لا حجة فيها (٢)؛ فينبغي أن يقتصر على الرفع عند تكبيرة الإِحرام؛ لأنه لم يشرع في غيرها إِلا عند الانتقال من ركن إِلى ركن كما في سائر الصلوات، ولا انتقال في صلاة الجنازة».

أين وكيف يضع يَدَيْهِ؟
ثمّ يضع يده اليمنى على ظهر كفّه اليُسرى والرُّسغ والساعد، ثمّ يشد بهما على صدره.

عدم مشروعية دعاء الاستفتاح:
وليس في صلاة الجنازة دعاء استفتاح لعدم ورود ذلك عن النّبيّ - ﷺ -.

--------------
(١) انظر «المنتقى شرح موطأ مالك» (٢/ ٤٧٢).
(٢) يعني: في هذا الموضع، وإلا فهناك تفصيل حول أفعال وأقوال الصحابة -رضي الله عنهم- متى تكون حُجّة ومتى لا تكون.



قراءة الفاتحة وسورة عقب التكبيرة الأولى:
ثمّ يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة؛ لحديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال: «صليّت خلف ابن عباس -رضي الله عنهما- على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب [وسورة، وجهر حتى أسمَعَنا، فلمّا فرغ أخذْتُ بيده، فسألته؟ فـ] قال: [إِنما جهرت] ليعلموا أنّها سنة [وحقّ]» (١).
وجاء في «الروضة الندية» (١/ ٤١٩): «والحاصل: أن الموطن موطن دعاء لا موطن قراءة قرآن، فيتوجه الاقتصار على ما ورد وهو الفاتحة وسورة، ويكون ذلك بعد التكبيرة الأولى، ويشتغل فيما بعدها بمحض الدعاء».

الإِسرار في القراءة:
ويقرأُ سرًّا؛ لحديث أبي أُمامة بن سهل قال: «السنة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأمّ القرآن مخافتةً، ثمّ يكبّر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة» (٢).

الصلاة على النّبيّ - ﷺ - بعد التكبيرة الثانية:
ثمّ يكبّر التكبيرة الثانية، ويُصلّي على النّبيّ - ﷺ -.

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٣٣٥ وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن الجارود في «المنتقى»، والدارقطني، والحاكم، وانظر لتخريج الزيادات «أحكام الجنائز» (ص ١٥١).
(٢) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٨٠) وغيره، وتقدّم.



فعن أبي أُمامة أنه أخبره رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -: أنّ السنّة في الصلاة على الجنازة أن يُكبّر الإِمام، ثمّ يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثمّ يُصلّي على النّبيّ - ﷺ -، ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث)، لا يقرأ في شيء منهنّ، ثمّ يُسلّم سرًّا في نفسه [حين ينصرف [عن يمينه]، والسنّة أن يفعل من وراءه مثلما فعَل إِمامه]» (١).
قال شيخنا -رحمه الله-: «وأما صيغة الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في الجنازة؛ فلم أقف عليها في شيء من الأحاديث الصحيحة، فالظاهر أنّ الجنازة ليس لها صيغة خاصة، بل يُؤتى فيها بصيغة من الصيغ الثابتة في التشهد في المكتوبة».

يأتي ببقية التكبيرات ويخلص الدعاء للميت؛
ثمّ يأتي ببقية التكبيرات، ويخلص الدعاء فيها للميت، لحديث أبى أُمامة المتقدّم، وقوله - ﷺ -: «إِذا صليتم على الميت؛ فأخلصوا له الدعاء» (٢).

الدعاء بالثابت عن النّبيّ - ﷺ - من الأدعية:
ويدعو فيها بما ثبت عنه - ﷺ - من الأدعية، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن عوف بن مالك قال: صلّى رسول الله - ﷺ - على جنازة، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافِهِ واعفُ عنه، وأكرِم نُزُلَهُ

---------------------
(١) أخرجه الشافعي في»الأم«، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وشيخنا في»أحكام الجنائز«(ص ١٥٥).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٤٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (١٢١٦) وغيرهما.



ووسِّعْ مُدْخَلَهُ، واغسله بالماء والثلجِ والبَرَدِ، ونقِّه من الخطايا كما نقَّيْتَ الثوب الأبيض من الدنس وأَبدِلْه دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأَدخِله الجنة، وأَعذه من عذاب القبر (أو من عذاب النّار).
قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت» (١).
الثاني: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا صلّى على جنازة يقول: «اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا، وشاهِدِنا وغَائبِنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييتَه منّا فأحْيهِ على الإِسلام، ومن توفّيته منّا فتوفَّه على الإِيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تُضِلَّنا بعده» (٢).
الثالث: عن واثلة بن الأسقع قال: «صلّى بنا رسول الله - ﷺ - على رجل من المسلمين، فسمعته يقول:»اللهمّ إِنّ فلان بن فلان، في ذمّتك، فَقِهِ فِتنة القبر - قال عبد الرحمن: في ذمتك وحَبْلِ جوارك فَقِهِ من فتنة القبر- وعذاب النّار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه، إِنّك أنت الغفور الرحيم«(٣).
الرابع: عن يزيد بن رُكانة بن المطَّلب قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام للجنازة ليُصلّي عليها قال:»اللهم عبدُك وابنُ أَمَتِكِ، احتاج إِلى رحمتك،

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٩٦٣.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٤١)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨١٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢١٧).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٤٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢١٨)، وغيرهما.



وأنت غني عن عذابه، إِن كان مُحسنًا فزد في حسناته، وإن كان مُسيئًا فتجاوز عنه [ثمّ يدعو ما شاء الله أن يدعو] «(١).
قال شيخنا -رحمه الله-:»إِيثار ما تقدّم من أدعيته - ﷺ - على ما استحسنه بعض الناس: ممّا لا ينبغي أن يتردّد فيه مسلم؛ فإِنّ خير الهدى هدى محمد - ﷺ -! ولذلك قال الشوكاني (٤/ ٥٥): «واعلم أنّه قد وقع في كتب الفقه ذِكر أدعيةٍ غير المأثورة عنه - ﷺ -؛ والتمسك بالثابت عنه أولى».
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: «بل أعتقد أنّه واجب على من كان على علم بما ورد عنه - ﷺ -، فالعدولُ عنه حينئذٍ يُخشى أن يحقّ فيه قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾؟!».

بماذا يُدعى للطّفل؟
قال الحسن: «يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا فرطًا (٢) وسلفًا (٣) وأجرًا» (٤).

----------------------
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» -بالزيادة- والحاكم وقال: «إِسناده صحيح».
(٢) فَرَطًا: أي: أجرًا يتقدّمنا. «النهاية».
(٣) قال في «النهاية»: «قيل هو من سَلَف المال، كأنّه قد أسلَفَه، وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذى يُجازى على الصبر عليه، وقيل: سَلَفُ الإِنسان مَن تقدَّمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سُمّي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح».
(٤) رواه البخاري معلقًا (كتاب الجنائز) (باب - ٦٥) ووصله عبد الوهاب بن عطاء في «كتاب الجنائز» بإِسناد صحيح عنه، وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٣١٤) لشيخنا -رحمه الله-.



وقال شيخنا -رحمه الله- (ص١٦٠):»قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٤/ ٥٥): «إِذا كان المُصلَّى عليه طفلًا؛ استُحبّ أن يقول المصلي: اللهم اجعله لنا سلفًا وفَرَطًا وأجرًا». روى ذلك البيهقيُّ من حديث أبي هريرة، وروى مثله سفيان في «جامعه» عن الحسن.
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: حديث أبي هريرة عند البيهقي إِسناده حسن، ولا بأس في العمل به في مثل هذا الموضع -وإِن كان موقوفًا- إِذا لم يُتّخذ سُنّة، بحيث يؤدي ذلك إِلى الظنّ أنه عن النّبيّ - ﷺ -. والذي أختاره: أن يدعو في الصلاة على الطفل بالنوع (الثاني) [اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا]؛ لقوله فيه: «وصغيرنا .. اللهمّ لا تحرمنا أجره، ولا تُضِلَّنا بعده» ...«.
والدُّعاء بين التكبيرة الأخيرة والتسليم مشروع؛ لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال:»شهدته وكبر على جنازة أربعًا، ثمّ قام ساعةً -يعني- يدعو، ثمّ قال: أَتَرَوْنِي كنت أكبِّر خمسًا؟ قالوا: لا. قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - كان يُكبّر أربعًا«(١).

كم تسليمةً يسلّم الإِمام؟
ثمّ يسلّم تسليمتين مثل تسليمه في الصلاة المكتوبة؛ إِحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره.
فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال:»ثلاث خلالٍ كان رسول الله - ﷺ - يفعلُهُنّ -تركهُنّ الناس-: إِحداهنّ التسليم على الجنازة مثل التسليم في

------------------------
(١) أخرجه البيهقي بسندٍ صحيح.


الصلاة» (١).
قال شيخنا -رحمه الله-: «وقد ثبت في»صحيح مسلم«(٢) وغيره عن ابن مسعود: أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يسلّم تسليمتين في الصلاة.
فهذا يُبيّن أنّ المراد بقوله في الحديث الأول: مثل التسليم في الصلاة؛ أي: التسليمتين المعهودتين».

جواز الاقتصار على التسليمة الأولى:
ويجوز الاقتصار على التسليمة الأولى فقط.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - صلّى على جنازة، فكبّر عليها أربعًا، وسلّم تسليمة واحدة» (٣).

الإِسرار في التسليم وإِسماع من يليه:
والسّنة أن يُسلّم في الجنازة سرًّا: الإِمام ومن وراءه في ذلك سواءٌ.
فعن أبي أُمامة: «أنّه أخبرَه رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ - .. وفيه: .. ثمّ يسلّم سرًّا في نفسه حين ينصرف» (٤)، والسّنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل

----------------------
(١) أخرجه البيهقي بإِسناد حسن، وقال النووي: «إِسناده جيد».
(٢) برقم: ٥٨٢.
(٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم، وقال شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ١٦٣): «وإسناده حسن، كما بينته في»التعليقات الجياد«.
(٤) أخرجه الشافعي في»الأم" وغيره، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- (ص ١٥٥)، وتقدّم.



إِمامه» (١).
وله شاهد موقوف عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنّه: «كان يسلّم في الجنازة تسليمة خفيّة» (٢).
وعن عبد الله بن عمر: أنّه «كان إِذا صلّى على الجنائز؛ يسلم حتى يُسمع من يليه» (٣).
وعن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ قال: «ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله - ﷺ - ينْهانا أنْ نصلّيَ فيهنّ، أو أنْ نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَّيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب» (٤).
وزاد البيهقي: «قال: قلت لعقبة: أَيُدْفَنُ بالليل؟ قال: نعم؟ قد دُفن أبو بكر بالليل» (٥).
قال شيخنا -رحمه الله تعالى- (ص١٦٥): «الحديث -بعمومه- يشمل الصلاة على الجنازة، وهو الذي فهمه الصحابة، فروى مالك في»الموطأ«

---------------------
(١) أخرجه الشافعيّ في»الأمّ«، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في»أحكام الجنائز«(ص ١٥٥)، وتقدّم.
(٢) أخرجه البيهقي وإسناده حسن.
(٣) أخرجه البيهقي، وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه مسلم: ٨٣١، وغيره، وتقدم في»كتاب الصلاة«من»الموسوعة".
(٥) وإسناده صحيح.



(١/ ٢٢٨) ومن طريقه البيهقي عن محمد بن أبي حرملة: أن زينب بنت أبي سلمة توفّيت؛ وطارقٌ أمير المدينة، فأُتي بجنازتها بعد صلاة الصبح، فوضعت بالبقيع قال: وكان طارق يغلِّس بالصبح.
قال ابن أبي حرملة: فسمعت عبد الله ابن عمر يقول لأهلها: إِمّا أن تُصلّوا على جنازتكم الآن، وإِما أن تتركوها حتى ترتفع الشمس.
وسنده صحيح على شرط الشيخين.
ثمّ روى مالك عن ابن عمر قال: يُصلّى على الجنارة بعد العصر وبعد الصبح إِذا صُلّيتا لوقتهما.
وسنده صحيح أيضًا.
وروى البيهقيُّ بسند جيد عن ابن جُريج: أخبرني زياد: أنّ عليًّا أخبره: أن جنازة وُضعت في مقبرة أهل البصرة حين اصفرّت الشمس، فلم يُصلَّ عليها حتى غربت الشمس، فأمر أبو برزة المناديَ ينادي بالصلاة، ثمّ أقامها، فتقدّم أبو برزة، فصلّى بهم المغرب؛ وفي الناس أنس بن مالك وأبو برزة من الأنصار من أصحاب النّبيّ - ﷺ -؛ ثمّ صلّوا على الجنازة».

المسبوق في صلاة الجنازة:
مسبوق صلاة الجنازة كمسبوق الصلاة؛ لقوله - ﷺ -: «.. فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» (١).
قال الحسن: "إِذا انتهى إِلى الجنازة وهم يُصلّون؛ يدخل معهم

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩٠٨، ومسلم: ٦٠٢.


بتكبيرة» (١).
وقال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٥/ ٢٦٣ - مسألة: ٦٢٣): «ومن فاته بعض التكبيرات على الجنازة؛ كَبَّر ساعة يأتي، ولا ينتظر تكبيرة الإِمام، فإِذا سلم الإِمام أتم هو ما بقي من التكبير، يدعو بين تكبيرة وتكبيرة كما كان يفعل مع الإِمام؛ لقول رسول الله - ﷺ - فيمن أتى إِلى الصلاة أن يصلّي ما أدرك، ويتم ما فاته؛ وهذه صلاة».

التيمُّم للصلاة على الجنازة:
قال الحسن -رحمه الله-: «إِذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة؛ يَطْلُبُ الماء ولا يتيمّم» (٢).
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٧١): «.. وابن عباس جوّز التيمم للجنازة عند عدم الماء. وهذا قول كثير من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إِحدى الروايتين، فدل على أن الطهارة تشترط لها عنده».
وسألت شيخنا -رحمه الله- هل يتيمّم من خشي أن تفوته صلاة الجنازة مع الجماعة؟
فأجاب: نعم؛ يتيمّم.

-------------------------
(١) رواه البخاري معلقًا (كتاب الجنائز) (باب - ٥٦)، ووصله ابن أبي شيبة بسند صحيح، والحسن: هو البصري، وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٣١٢).
(٢) رواه البخاري معلقًا (كتاب الجنائز) (باب ٥٦).



الدفن وتوابعه
ويجب دفن الميت -أي: مواراة جيفته- في حفرة؛ بحيث لا تنبشه السباع، ولا تخرجه السيول المعتادة، ولا خلاف في ذلك، وهو ثابت في الشريعة ثبوتًا ضروريًّا» (١).
وقال شيخنا -رحمه الله- في وجوب دفنه: «.. ولو كان كافرًا»، وفي ذلك حديثان:
الأول: عن جماعة من أصحاب النّبيّ - ﷺمنهم أبو طلحة الأنصاري، والسياق له-: «أن نبي الله - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش (٢)، فقُذفوا في طَوِيٍّ (٣) -من أطواء بدر- خبيث مُخِبث» (٤).
الثاني: عن علي -رضي الله عنه- قال: قلت للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ عمّك الشيخ الضال قد مات، قال: «اذهب فوارِ أباك، ثمّ لا تحْدِثَنَّ شيئًا حتى تأتيني. فذهبت فواريته وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي» (٥).

-----------------------
(١) انظر «الروضة الندية» (١/ ٤٣٩).
(٢) صناديد قريش: هم أشرافهم وعظماؤهم ورؤساؤهم. وكل عظيم غالب: صِنديد. «النهاية»، وتقدّم.
(٣) هي البئر المطوية بالحجارة. «النووي».
(٤) أخرجه البخاري: ٣٩٧٦، ومسلم: ٢٨٧٥.
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٥٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٩٥) وغيرهما، وتقدّم.



قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٥/ ١٧٤ - مسألة: ٥٦٤): «ودفْن الكافر الحربي وغيره فرض».

إِذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد حيّ:
إِذا ماتت امرأة حامل والولد حيّ يتحرّك؛ فإِنّه يجب إِخراجه (١)، قال الله - تعالى-: ﴿ومَن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعًا﴾ (٢).
ومن تركه عمدًا حتى يموت؛ فهو قاتل نفس.

لا يُدْفَنُ المسلم مع الكافر، ولا الكافر مع المسلم:
ولا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم، بل يُدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر المشركين، كذلك كان الأمر على عهد النّبيّ - ﷺ -، واستمر إِلى عصرنا هذا. فعن بَشِيرِ ابن الخَصَاصِيَةَ؟ قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله - ﷺ - فمرَّ على مقابر المسلمين، فقال: أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا، ثمّ مرّ على مقابر المشركين، فقال: سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا، قال: فالتفت فرأى رجلًا يمشي بين المقابر في نعليه، فقال: يا صاحب السِّبتيّتين! ألْقهما«(٣).

----------------------
(١) انظر ما قاله ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(٥/ ٢٤٥ - تحت المسألة: ٦٠٧).
(٢) المائدة: ٣٢.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٦٧)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٩٣٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (١٢٧٤).



الدفن في المقبرة:
والسّنّة الدفن في المقبرة؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، وتقدّم بعضها في مناسبات شتى؛ أقربها حديث ابن الخصاصية، كما في المسألة السابقة، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دُفِنَ في غير المقبرة؛ إِلا ما تواتر أيضًا أن النّبيّ - ﷺ - دُفِنَ في حجرته، وذلك من خصوصياته -عليه الصلاة والسلام-».
فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما قُبض رسول الله - ﷺ - اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - ﷺ - شيئًا ما نسيته قال: «ما قبض الله نبيًّا إلاَّ في الموضع الذي يحبّ أن يدفن فيه»، فدفنوه في موضع فراشه«(١).
وجاء في»المغني«(٢/ ٣٨٨):»والدفن في مقابر المسلمين أعجب إِلى أبي عبد الله من الدفن في البيوت؛ لأنّه أقل ضررًا على الأحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحارى.
فإِن قيل: فالنّبيّ - ﷺ - قبر في بيته وقبر صاحباه معه؟ قلنا: قالت عائشة: إِنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجدًا: رواه البخاري. ولأنّ النّبيّ - ﷺ - كان يدفن أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره، وإنما رأوا تخصيصه بذلك، ولأنّه روي: «يدفن الأنبياء حيث يموتون»، وصيانةً لهم عن كثرة الطُّرَّاق، وتمييزًا له عن غيره«.

---------------------
(١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٨١٢)، وابن ماجه وغيرهما.


يُدفن شهداء المعركة في مواطن استشهادهم:
ويستثنى ممّا سبق الشهداء في المعركة؛ فإِنهم يُدفنون في مواطن استشهادهم، ولا يُنقلون إِلى المقابر.
فعن جابر -رضي الله عنه- قال: «خرج رسول الله - ﷺ - من المدينة إِلى المشركين ليُقاتلهم، وقال أبي -عبد الله-: يا جابر بن عبد الله! لا عليك أن تكون في نَِظاري أهل المدينة حتى تعْلَم إِلى ما يصير أمرنا؛ فإِنّي والله -لولا أنّي أترك بناتٍ لي بعدي؛ لأحببتُ أن تُقتل بين يديّ، قال: فبينما أنا في النِّظارين إِذ جاءت عمتي بأبي وخالي عَادِلَتَهُما (١) على ناضح، فدخلتْ بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا؛ إِذ لحِقَ رجل ينادي: ألا إِنّ رسول الله - ﷺ - يأمركم أنْ تَرْجِعُوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قُتلت، فرجعنا بهما، فدفنّاهما حيث قُتلا» (٢).

الأوقات التي لا يجوز فيها الدفن:
ولا يجوز الدفن في الأوقات الثلاثة الآتية أو الليل؛ إِلا لضرورة:
أ- أمّا الدفن في الأوقات الثلاثة المشار إِليها؛ فلحديث عقبة بن عامر بلفظ: «ثلاثُ ساعاتٍ كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلّي فيهن، أو أن نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى

--------------------
(١)»أي: شادَّتهما على جنْبَي البعير كالعِدْلين«.»النهاية".
(٢) أخرجه أحمد بسند صحيح، وبعضه عند أبي داود وغيره مختصرًا، وتقدّم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #93  
قديم 14-01-2026, 05:28 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 151الى صــ 165
الحلقة (93)




تميل الشمس، وحين تَضَّيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب» (١).
قال شيخنا -رحمه الله-: «والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وقد ذهب إِلى ذلك ابن حزم في»المحلّى«(٥/ ١١٤ - ١١٥) وغيره من العلماء».
ب- وأمّا النهي عن الدفن في الليل؛ فلحديث جابر بن عبد الله: «أنّ النّبيّ - ﷺ - خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قبض، فكُفّنَ في كفنٍ غير طائل (٢) وقُبر ليلًا، فزجر النّبيّ - ﷺ - أنْ يُقبر الرّجل بالليل حتى يُصَلِّى عليه (٣)؛، إِلا أن يُضطرّ إِنسان إِلى ذلك، وقال النّبيّ - ﷺ -: إِذا كفّن أحدكم أخاه؛ فليُحسّن كفَنُه» (٤).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ١٧٧): «والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وهو مذهب أحمد -رحمه الله- في رواية عنه، ذَكَرها في»الإِنصاف«(٢/ ٥٤٧)، قال:»لا يفعله إِلا لضرورة، وفي أخرى عنه: يُكْرَه«.
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: والأوّل أقرب؛ لظاهر قوله: (زجر)؛ فإِنّه أبلغ في النهي من لفظ: (نهى) الذي يمكن حمْله على الكراهة، على أنّ الأصل فيه التحريم، ولا صارف له إِلى الكراهة.
وقال -رحمه الله- في الصفحة نفسها: .. فإِنْ جاز ليلًا لضرورةٍ جاز نهارًا

--------------------
(١) تقدّم تخريجه.
(٢) غير طائل؛ أي: حقير غير كامل الستر.»شرح النووي«.
(٣) أي: يصلّى عليه نهارًا؛ لكثرة الجماعة، كما قال شيخنا -رحمه الله- في»أحكام الجنائز" (ص ١٧٨).
(٤) أخرجه مسلم: ٩٤٣، وتقدّم.



من أجلها ولا فرق، فما فائدة التقييد بـ (الليل) حينئذ؟ لا شكّ أنّ الفائدة لا تظهر بصورة قويّةٍ إِلا إِذا رجّحنا ما استظهرناه أولًا من عدم جواز الدفن ليلًا.
وبيان ذلك: أنّ الدفن في الليل مَظِنَّةٌ قلّة المُصلّين على الميت، فنهى عن الدفن ليلًا حتى يُصلّى عليه نهارًا؛ لأنّ الناس في النهار أنشط في الصلاة عليه، وبذلك تحصل الكثرة من المصلّين عليه، هذه الكثرة التي هي من مقاصد الشريعة، وأرجى لقبول شفاعتهم في الميت» انتهى.
قلت: أمّا إِذا خِيف تغيُّر الميت؛ فإِنّه يُدفن في الأوقات التي تقدّم النهي عنها؛ كما ذكَر أهل العلم.
وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: إِذا خيف تغيّر الميت؛ فهل ترون دفنْه في الأوقات المنهيّ عنها للضرورة؛ رعاية لحرمته وعدم إِيذاء حامله؟
فأجاب: «نعم؛ إِذا غَلَب الظنّ على ذلك».

جواز الدفن ليلًا عند الاضطرار
فإِن اضطُرُّوا لدفنه ليلًا؛ جاز ولو مع استعمال المصباح والنّزول به في القبر، لتسهيل عملية الدفن.
فعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - أدخل رجلًا قبره ليلًا، وأسْرَج في قبره» (١).

----------------
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٣٤)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٧٨).


وجوب تعميق القبر وتوسيعه:
ويجب إِعماق القبر وتوسيعه وتحسينه؛ وفيه حديثان:
الأوّل: عن هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إِلى رسول الله - ﷺ - يوم أُحد؛ فقالوا: أصابنا قَرْحٌ وجَهْد، فكيف تأمرنا؟ قال: «احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. قيل: فأيُّهم يُقدّم؟ قال: أكثرهم قرآنًا» (١).
الثاني: عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة، فرأيت رسول الله - ﷺ - وهو على القبر يوصي الحافر: «أوسع من قِبَل رجليه، أوسِعْ من قِبَل رأسه» (٢).

تفضيل اللحد على الشقّ:
ويجوز في القبر اللحد (٣) والشقّ (٤)؛ لجَرَيان العمل عليهما في عهد النّبيّ - ﷺ -، ولكنّ الأوّل أفضل.
فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «لما توفي النّبيّ - ﷺ -؛ كان بالمدينة

------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٥٤)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٩٩)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٤٠٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٢٦٦).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٨٥٠) وغيره.
(٣) اللحد: الشقُّ الذي يُعمل في جانب القبر لموضع الميّت؛ لأنّه قد أُميل عن وسط القبر إِلى جانبه، وأصل الإِلحاد: الميل والعدول عن الشيء». «النهاية» ملتقطًا.
(٤) هو الحفر إِلى أسفل كالنّهر.



رجل يَلْحد وآخر يَضْرح (١)، فقالوا: نستخير ونبعث إِليهما، فأيُّهما سُبِق تركناه، فأرسل إِليهما، فسبق صاحب اللحد؛ فلحدوا للنّبيّ - ﷺ -» (٢).
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص: أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: «الحَدوا لي لحْدًا، وانصِبُوا عليّ اللّبِنَ نَصْبًا، كما صُنع برسول الله - ﷺ -» (٣).
وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اللّحْدُ لنا، والشِّقُّ لغيرنا» (٤).
جاء في «الروضة الندية» (١/ ٤٣٩): «ولا بأس بالضَّرح؛ واللحد أولى؛ لأنّ اللحد أقرب من إِكرام الميت. وإهالةُ التراب على وجهه من غير ضرورة سوءُ أدب».
وجاء في «الأوسط» (٥/ ٤٥١): «وكان الشافعيّ يقول:»إِذا كانوا بأرضٍ شديدة؛ لُحِد لهم، وإن كانوا ببلادٍ رقيقة؛ شُقّ لهم شقًّا«.
قال ابن المنذر -رحمه الله-:»الذي قال الشافعي حسن«.

---------------
(١) أي: يعمل الضريح وهو القبر، فعيل بمعنى (مفعول)، من (الضرح): الشقّ في الأرض.»النهاية«.
(٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٢٦٤) وغيره.
(٣) أخرجه مسلم: ٩٦٦.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٤٧)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٩٨)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٣٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (١٢٦١).



في الحفّار يجد العظم؛ هل يتنكّب ذلك المكان (١)؟
إِذا وجد الحفّار العظم؛ فيجب عليه أن يتنكبّ مكانه؛ لقوله - ﷺ -: «إِنّ كَسْرَ عظم المؤمن مَيْتًا؛ مِثل كسْره حيًّا» (٢).

جواز دفن أكثر من واحد في القبر عند الضرورة:
ولا بأس مِن أن يُدفَن فيه اثنان أو أكثر عند الضرورة، ويقدّم أفضلهم، وهدي السلف الذي جرى عليه العمل أن يدفن كل واحد في قبر، فإِنْ دفن أكثر من واحد كره ذلك؛ إِلا إِذا تعسر إِفراد كل ميت بقبر -لكثرة الموتى وقلّة الدافنين أو ضعفهم- فإِنه في هذه الحالة يجوز دفن أكثر من واحد في قبر واحد.
فعن هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إِلى رسول الله - ﷺ - يوم أُحُدٍ فقالوا: أصابنا قرح وجهد، فكيف تأمرنا؟ قال: احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر قيل: فأيُّهم يُقدّم؟ قال: أكثرهم قرآنًا«(٣).
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-:»أنّ رسول الله - ﷺ - كان يجمع

-----------------
(١) هذا العنوان من «سنن أبي داود».
(٢) أخرجه البخاري في «التاريخ» وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٤٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣١٠) وغيرهم.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٥٤) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٩٩)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٤٠٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٦٦)، وتقدّم غير بعيد.



بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحدٍ ثمّ يقول: أيُّهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإِذا أشير له إِلى أحد قدّمه في اللحد، وقال: أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغسَّلوا» (١).
وعن أبي قتادة: أنه حضر ذلك، قال: «أتى عمرو بن الجَمُوح إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيت إِنْ قُتلت في سبيل الله حتى أقتل؛ أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟! وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم.
فقتلوا يوم أُحد؛ هو وابن أخيه ومولى لهم، فمرّ عليه رسول الله - ﷺ - فقال: كأنّي أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحةً في الجنّة؛ فأمر رسول الله - ﷺ - بهما وبمولاهما، فجعلوا في قبر واحد» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله-: «قال الشافعي في»الأم«(١/ ٢٤٥):»ويدفن - في موضع الضرورة من الضيق والعجلة- الميتان والثلاثة في القبر، ويكون الذي للقبلة منهم أفضلَهم وأسنّهم، ولا أحب أن تدفن المرأة مع الرجل على حال، وإن كانت ضرورة ولا سبيل إِلى غيرها؛ كان الرجل أمامها وهي خلفه، ويُجعل بين الرجل والمرأة في القبر حاجز من تراب«...».
فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله- عن دفْن الرجل مع المرأة؟ فقال: «إِذا فنيت».

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٠٧٩.
(٢) أخرجه أحمد بسند حسن، كما قال الحافظ.



وسألته: هل يستثنى الزوجان؟ فقال -رحمه الله-: «نعم».

بِدْعِيَّةُ الدفن الجماعي:
وما تقدّم من قول -حول جواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر للحال المعروف- من باب رفْع الحرَج، وما يفعله كثير من الناس اليوم من الدفن الجماعي لعائلات معيّنة أو أُسَر محدّدة- وفيما يسمى في بعض البلاد (الفُسْتُقِيّة) (١) -فإِنه مخالِفٌ للسّنّة ومنهج سلف الأمّة.
جاء في «الإِرواء» (تحت حديث ٧٤٩) بتصرّف يسير: حديث: «أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يدفِن كل ميت في قبر».
لا أعرفه، وإنْ كان معناه صحيحًا معلومًا بالتتبع والاستقراء، والمؤلف أخَذ ذلك من قول الرافعي: «الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر، كذلك فعَل - ﷺ -.
فقال الحافظ في»تخريجه«(١٦٧):»لم أره هكذا، لكنه معروف بالاستقراء«.
وممّا يدل لصحة معناه: حديث هشام بن عامر [المتقدّم]:»لمّا كان يوم أُحد؛ شكَوا إِلى رسول الله - ﷺ - القرح .. قال: «.. وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر».
الحديث [المتقدّم أيضًا]: «أنّ النّبيّ - ﷺ - لما كثر القتلى يوم أحد؛ كان

-----------------------
(١) لم أجد هذه الكلمة في معاجم اللغة، وأقرب شيء وجَدُته كلمة (الفَسقِيّة) في»المعجم الوسيط«:»حوض من الرخام ونحوه؛ مستدير غالبًا، تمجّ الماء فيه نافورة، ويكون في القصور والحدائق والميادين ورمْز لها بـ (د)؛ أي: لفظ دخيل ليس عربيًا".


يجمع بين الرجلين في القبر الواحد ...».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن ذلك- أي: الدفن بما يسمّى «الفستقيّة»-؟ فقال: «عادة فرعونية».

الرجال هم الذين يتولّون إِنزال الميت:
ويتولى إِنزالَ الميت -ولو كان أنثى- الرجالُ دون النساء؛ لأنّه المعهود في عهد النّبيّ - ﷺ -، وجرى عليه عمل المسلمين حتّى اليوم.
عن عبد الرحمن بن أَبْزَى قال: «صلّيت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش بالمدينة، فكبّر أربعًا، ثمّ أرسل إِلى أزواج النّبيّ - ﷺ -: من يأمرن أن يُدخلها القبر؟
قال: وكان يُعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك، فأرسلْن إِليه: انظر من كان يراها في حال حياتها؛ فليكن هو الذي يُدخلها القبر، فقال عمر: صدقتُنّ» (١).

يجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفْن زوجته:
ويجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته.
فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "دخل عَلَيّ رسول الله - ﷺ - في اليوم
الذي بُدئ فيه، فقلت: وارأساه! فقال: ودِدْتُ أنّ ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتُك ودفنتك! قالت: فقلت -غَيْرَى-: كأنّي بك في ذلك اليوم عروسًا ببعض نسائك!

------------------
(١) أخرجه الطحاوي، وابن سعد، والبيهقي بسند صحيح.


قال: وأنا وارأساه! ادْعي لي أباك وأخاك. حتى أكتب لأبي بكر كتابًا؛ فإِنّي أخاف أن يقول قائل، ويتمنى متمنّ: أنا أولى! ويأبى الله -عز وجل- والمؤمنون إلاَّ أبا بكر» (١).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ١٨٨): «وقد ذهب إِلى جواز دفن الرجل لزوجته الشافعيةُ، بل قالوا: إِنه أحقُّ بذلك من أوليائها الذين ذكرنا، وعكَس ذلك ابن حزم، فجعله بعدهم في الأحقّية، ولعله الأقرب؛ لما سبق من عموم الآية».

لا يجوز لمن وطئ أهله تلك الليلة أن يتولّى الدفن:
لكنّ ذلك مشروط بما إِذا كان لم يطأ تلك الليلة؛ وإلاَّ لم يشرع له دفنها، وكان غيره هو الأولى بدفنها -ولو أجنبيًّا- بالشّرط المذكور.
فعن أنس -رضي الله عنه- قال: «شهدنا بنت رسول الله - ﷺورسول الله - ﷺ - جالس على القبر- فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحد لم يُقارف (٢) الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا. قال: فأنزل في قبرها، فنزل في قَبْرها فَقَبَرَها» (٣).
وفي رواية عنه: «أن رُقية -رضي الله عنها- لما ماتت؛ قال رسول الله - ﷺ -:»لا يدخل القبرَ رجلٌ قارف [الليلة] أهله؛ فلم يدخل عثمان بن عفان -رضي

----------------------
(١) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين. وهو في «صحيح البخاري» (٥٦٦٦) بنحوه، ومسلم: ٢٣٨٧ مختصرًا.
(٢) أي: يجامع.
(٣) أخرجه البخاري: ١٣٤٢.



الله عنه- القبر«(١).
قال شيخنا -رحمه الله-:»قال النووي في «المجموع» (٥/ ٢٨٩): «هذا الحديث من الأحاديث التي يُحْتَجُّ بها في كون الرجال هم الذين يتولّون الدفن وإن كان الميت امرأة.
قال: ومعلوم أن أبا طلحة -رضي الله عنه- أجنبي عن بنات النّبيّ - ﷺ -، ولكنّه كان من صالحي الحاضرين، ولم يكن هناك رجل مَحْرَمٌ إِلا النّبيّ - ﷺ -، فلعلّه كان له عذر في نُزول قبرها، وكذا زوجها، ومعلوم أنها كانت أختها فاطمة وغيرها من محارمها وغيرهنّ هناك؛ فدّل على أنه لا مدخل للنساء في إِدخال القبر والدفن» انتهى.
وجاء في «المحلّى» (٥/ ٢١٤ - تحت المسألة: ٥٨٥): «وأحقُّ الناس بإِنزال المرأة في قبرها: من لم يطأ تلك الليلة، وإِن كان أجنبيًّا؛ حضر زوجها أو أولياؤها أو لم يحضروا، وأحقهم بإِنزال الرجل أولياؤه.
أمّا الرجل؛ فلقول الله -تعالى-: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾؛ وهذا عموم؛ لا يجوز تخصيصه إلاَّ بنص.
وأمّا المرأة؛ فإِنّ عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا قال: ثنا إِبراهيم بن أحمد: ثنا الفربري: ثنا البخاري ...» ثمّ ذكر حديث أنس -رضي الله عنه-.

أولياء الميت أحقّ بإِنزاله:
أولياء الميت أحقّ بإِنزاله؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿وأولوا الأرحام (٢) بعضهم

-------------------
(١) أخرجه أحمد، والطحاوي، والحاكم وقال: «حديث صحيح على شرط مسلم».
(٢) قال «شيخنا -رحمه الله- في التعليق (ص ١٨٦):»وهم الأب وآباؤه، والابن =



أولى ببعض في كتاب الله﴾ (١)، ولحديث علي -رضي الله عنه- قال: غسَّلت رسول الله - ﷺ -، فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئًا وكان طيّبًا حيًا وميتًا، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: عليّ والعباس، والفضل، وصالح، مولى رسول الله - ﷺ -، ولحدَ لرسول الله لحدًا، ونصب عليه اللَّبِن نصبًا» (٢).

إِدخال الميت من مؤخّر القبر:
والسّنّة إِدخال الميت من مؤخر القبر؛ لحديث أبي إِسحاق قال: «أوصى الحارث أن يُصلّي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثمّ أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: هذا من السّنّة» (٣).
وعن ابن سيرين قال: «كنتُ مع أنس في جنازة، فأمَرَ بالميت، فسُلَّ من قِبَل رجل القبر» (٤).

يوضع الميت على جنبه الأيمن ووجهه قُبالةَ القِبْلَة:
قال شيخنا -رحمه الله-: «ويُجْعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قُبالةَ القبلة، ورأسه ورجلاه إِلى يمين القبلة ويسارها؛ على هذا جرى عمل أهل

---------------------
= وأبناؤه، ثم الإِخوة الأشقاء، ثمّ الذين للأب، ثمّ بنوهم، ثمّ الأعمام للأب والأم ثمّ للأب ثمّ بنوهم، ثمّ كل ذي رحم محرمة». كذا في «المحلّى» (٥/ ١٤٣) ونحوه في «المجموع» (٥/ ٢٩٠).
(١) الأنفال: ٧٥.
(٢) أخرجه الحاكم، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٥٠).
(٤) أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وسنده صحيح.



الإِسلام من عهد رسول الله - ﷺ - إِلى يومنا هذا، وهكذا كلُّ مقبرة على ظهر الأرض، كذا في»المحلّى«(٥/ ١٧٣) وغيره» انتهى.
وجاء في «الروضة الندية» (١/ ٤٤١): «ويوضَع على جنبه الأيمن مستقبِلًا؛ وهو ممّا لا أعلم فيه خلافًا».
ويقول الذي يضعه في لَحْده: (بسم الله، وعلى سنّة رسول الله -أو ملّة رسول الله -ﷺ--).
فعن ابن عمر -رضي الله عنه-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سُنة رسول الله» (١).
وعن البياضي -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: «الميت إِذا وضع في قبره؛ فليقل الذين يضعونه حين يُوضع في اللّحد: بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله - ﷺ -» (٢).

هل تحلُّ عقد الكفن (٣)؟
هناك العديد من الآثار ساقها ابن أبي شيبة عن بعض التابعين لا تخلو من ضعف، لكن مجموعها يلقي الاطمئنان في النفس أن حل عقد كفن الميت في القبر كان معروفًا عند السلف، فلعله لذلك قال به الحنابلة تبعًا للإِمام أحمد، فقد قال أبو داود في «مسائله» (١٥٨): «قلت لأحمد (أو سئل)

---------------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٥٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٣٦)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (١٢٦٠).
(٢) أخرجه الحاكم، وإسناده حسن.
(٣) هذا الباب من اقتراح أخي (عمر الصادق) -حفظه الله-.



عن العقد تحل في القبر؟ قال: نعم».
وقال ابنه عبد الله في «مسائله» (١٤٤ - ٥٣٨): «مات أخ لي صغير، فلما وضعته في القبر، وأبي قائم على شفير القبر، قال لي: يا عبد الله! حل العقد، فحللتها» (١).
فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله- عن وضْع الطين في القبر بين اللبنات لمنع تسرُّب التراب على الميت؟ فقال: «يبدو أنّه صحيح؛ لأنّ اللحد فُضّل على الشِّق».

استحباب حَثْوِ ثلاث حَثَوات من التراب بعد سدّ اللحد:
ويُستحبّ لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعًا بعد الفراغ من سدّ اللحد.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - صلّى على جنازة، ثمّ أتى قبر الميت، فحثا (٢) عليه من قِبَل رأسه ثلاثًا» (٣).

ويُسنّ بعد الفراغ من دفنه أمور:
الأوّل: أن يُرفَع القبر عن الأرض قليلًا نحو شبرٍ، ولا يسوّى بالأرض، وذلك ليتميّز فيُصان ولا يُهان.
فعن جابر -رضي الله عنه-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - أُلْحِد له لحد، ونُصِب عليه اللَّبْن

---------------------
(١) ذكره شيخنا -رحمه الله- في»الضعيفة«(١٧٦٣).
(٢) أي: غرف بيده.
(٣) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (١٢٧١).



نصبًا، ورُفع قبره من الأرض نحوًا من شبر«(١).
قال شيخنا -رحمه الله-:»قال الشافعي في «الأم» (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) ما مختصره: «وأحبّ أن لا يُزاد في القبر تراب من غيره؛ لأنّه إِذا زيد ارتفع جدًا، وإِنما أُحِبّ أن يُشْخَصَ على وجه الأرض شبرًا أو نحوه».
ونقل النووي في «المجموع» (٥/ ٢٩٦) اتفاق أصحاب الشافعي على استحباب الرفع بالقدر المذكور«.
الثاني: أن يجعل مُسنّمًا (٢).
فعن سفيان التمّار:»أنّه رأى قبر النّبيّ - ﷺ - مُسنّمًا«(٣).
الثالث: أنْ يُعَلّمه بحجرٍ أو نحوه؛ ليدفن إليه من يموت من أهله؛ لحديث المُطّلب -وهو ابن عبد الله بن المطلب بن حَنْطَبِ -رضي الله عنه- قال:»لمّا مات عثمان بن مظعون؛ أُخرج بجنازته فدُفن؛ أمر النّبيّ - ﷺ - رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إِليها رسول الله - ﷺ - وحسَر عن ذراعيه.
قال كثير: قال المُطلب: قال الذي يُخبرني [ذلك] عن رسول الله - ﷺ -؛ كأنّي أنظر إِلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حين حسر عنهما، ثمّ حملها

--------------------
(١) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» والبيهقي وإسناده حسن.
(٢) التسنيم: هو رفْع القبر عن وجه الأرض كالسّنام، وعدم تسطيحه، يُقال: سنّم القبر: ملأه حتى صار فوقه مثلُ السِّنام؛ [وهي كُتل من الشحم محدّبة على ظهر البعير والناقة]. وانظر «الوسيط».
(٣) أخرجه البخاري: ١٣٩٠.



فوضعها عند رأسه، وقال: أتعلّم بها قبر أخي (١)، وأدفن إِليه من مات من أهلي» (٢).
ولا يشرع تلقينُ الميت التلقينَ المعروفَ اليوم (٣)؛ لأنّ الحديث الوارد فيه لا يصح.

الاستغفار للميت والدعاء له بالتثبيت:
وينبغي للحاضرين حين يفرغون من دفْن الميت، أن يقفوا على القبر ويدعوا له بالتثبيت، وأن يستغفروا له، وكان النّبيّ - ﷺ - يأمر الحاضرين بذلك؛ لحديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإِنّه الآن يُسأل» (٤).

الموعظة عند القبر
عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع النّبيّ - ﷺ - في جنازة

--------------------
(١) أرجح الأقوال -والله أعلم-: أنه أخوه من الرّضاعة، ذكره في «عون المعبود» (٩/ ١٧) نقلًا عن «المرقاة» (٤/ ١٩٢).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٤٥)، وترجم له أبو داود بـ «باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يُعلّم».
(٣) وسيأتي التفصيل بإِذن الله -تعالى-.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٥٨)، والحاكم، والبيهقي وغيرهم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #94  
قديم 14-01-2026, 05:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 166الى صــ 180
الحلقة (94)






رجل من الأنصار، فانتهينا إِلى القبر؛ ولمّا يُلحد (١)، فجلس رسول الله - ﷺ -[مستقبل القبلة]، وجلسنا حوله، وكأنّ على روؤسنا الطّير، وفي يده عودٌ ينكت (٢) في الأرض، [فجعل ينظر إِلى السماء، وينظر إِلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثًا]، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا، [ثمّ قال: اللهم إِنّي أعوذ بك من عذاب القبر] [ثلاثًا]، ثمّ قال: إِنّ العبد المؤمن إِذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة؛ نزل إِليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأنّ وجوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفان الجنة، وحَنُوطٌ (٣) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مَدَّ البصر، ثمّ يجيء ملك الموت -عليه السلام- حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيّتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)! اخرجي إِلى مغفرة من الله ورضوان.
قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السِّقَاءِ، فيأخذها (وفي رواية: حتى إِذا خرجت روحه؛ صلّى عليه كلُّ ملكٍ بين السماء والأرض، وكلّ ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهلِ باب إلاَّ وهم يدْعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم)، فإِذا أخذها؛ لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، [فذلك قوله - تعالى-: ﴿توفّته رُسُلنا وهم لا يفرِّطون﴾، ويخرج منها كأطيب نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدت على وجه الأرض.

--------------------
(١) أي: لم يوضْع في لحده بعْدُ.
(٢) أي: يضرب بطرفه الأرض، وذلك فِعل المفكّر المهموم «عون» (١٣/ ٦٣).
(٣) بفتح المهملة: ما يُخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصّة. «النهاية».



قال: فيصعدون بها؛ فلا يمرّون -يعني- بها على ملإٍ من الملائكة إلاَّ قالوا: ما هذا الروح الطيّب؟! فيقولون: فلان بن فلان -بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمُّونه بها في الدنيا- حتى ينتهوا بها إِلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيّعه من كلّ سماء مُقرّبوها إِلى السماء التي تليها، حتى يَنتهيَ به إِلى السماء السابعة، فيقول الله -عز وجل-: اكتبوا كتاب عبدي في علّيّين، ﴿وما أدراك ما عِلِّيُّون كتاب مرقوم * يشهده المُقرّبون﴾، فيكتب كتابه في عِلِّيِّين، ثمّ يقال]: أعيدوه إِلى الأرض؛ فإِنّي [وعدتهم أنّي] منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أخرى.
قال: فـ[يُردّ إِلى الأرض، و] تُعاد روحه في جسده، [قال: فإِنّه يسمع خفق نعال أصحابه إِذا ولّوا عنه] [مدبرين].
فيأتيه ملكان [شديدا الانتهار]، فـ[ينتهرانه و] يُجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؛ فيقول: ديني الإِسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - ﷺ -. فيقولان له: ما عَمَلُك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدّقت، فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيُّك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن.
فذلك حين يقول الله -عز وجل-: ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾، فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيّ محمد - ﷺ -، فينادي منادٍ في السماء: أنْ صدق عبدي، فأفرِشوه من الجنة، وألبِسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إِلى الجنّة، قال: فيأتيه من رَوْحِها وطِيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره.


قال: ويأتيه [وفي رواية: يُمَثَّلُ له] رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسُرُّك، [أبشر برضوانٍ من الله، وجنّاتٍ فيها نعيم مقيم]، هذا يومك الذي كُنت تُوعد، فيقول له: [وأنت -فبشّرك الله بخير]- من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير! فيقول: أنا عملك الصالح؛ [فوالله ما عَلِمْتُك إِلا كنت سريعًا في طاعة الله، بطيئًا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا].
ثمّ يُفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإِذا رأى ما في الجنة قال: ربِّ! عجّل قيام الساعة؛ كيما أرجع إِلى أهلي ومالي! [فيقال له: اسكن].
قال: وإِنّ العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إِذا كان في انقطاع من الدنيا،
وإقبال من الآخرة؛ نزل إِليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد]، سُود الوجوه،
معهم المُسُوح (١) [من النار]، فيجلسون منه مدّ البصر (٢)، ثمّ يجيء ملك
الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! أخرجي إِلى سَخَطٍ
من الله وغضب، قال: فتفرَّق في جسده، فينتزعها كما يُنتزع السُّفُّود (٣) [الكثير الشُّعب] من الصّوف المبلول، [فتَقطَّعُ معها العروق والعصب]، [فيلعنه كلُّ ملك بين السماء والأرض، وكلُّ ملك في السماء، وتغلَق أبواب السماء، ليس من أهل باب إِلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من

---------------------
(١) جمع مِسح: ثوب من الشعر غليظ.
(٢) أي: منتهى بصره.
(٣) السُّفود: هو عود من حديد يُنظّم فيه اللحم ليُشوى. «الوسيط».



قِبلهم]، فيأخذها، فإِذا أخذها لم يدَعوها في يده طرفة، عين حتى يجعلوها في تلك المُسوح، ويخرج منها كأنتن ريحٍ جيفةٍ وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرّون بها على ملأ من الملائكة إِلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟! فيقولون: فلان ابن فلان -بأقبح أسمائه التي كان يُسمّى بها في الدنيا، حتى يُنتَهى به إِلى السماء الدنيا، فيُستفتح له، فلا يُفتح له، ثمّ قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لا تُفَتَّحُ لهم أبواب السماء ولا يدْخلون الجنة حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سمِّ الخِياط (١)﴾ (٢) فيقول الله -عز وجل-: اكتبوا كتابه في سِجين (٣)؛ في الأرض السُّفلى، [ثمّ يقال: أعيدوا عبدي إِلى الأرض، فإِنّي وعدتهم أنّي منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أخرى)، فتُطرح روحه [من السماء] طرحًا [حتى تقع في جسده] ثمّ قرأ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنّما خرَّ من السماء فَتَخْطَفُهُ الطير أو تهوي به الريح في مكان سَحِيق﴾، فتعاد روحه في جسده، [قال: فإِنّه ليسمع خفق نعال أصحابه إِذا
---------------------
(١) قال الحسن البصري وغيره: «حتى يدخل البعير في خرق الإِبرة. وكذا روى علي بن أبى طلحة والعوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: إِنّه كان يقرأُها ﴿يلج الجمل في سمّ الخياط﴾ بضم الجيم وتشديد الميم -الجُمّل- يعني: الحبل الغليظ في خرق الإِبرة». عن «تفسير ابن كثير» بحذف.
وهذا تعليق بالمستحيل؛ أي: أنهم لا يدخلون الجنة أبدًا، وانظر -إِن شئت- ما قاله البغوي في «تفسيره».
(٢) الأعراف: ٤٠.
(٣) قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «والصحيح أنّ سجّينًا مأخوذ من السِّجن، وهو الضيق»، وقال في موطن آخر: «وهو يجمع الضيق والسفول».



ولّوا عنه].
ويأتيه ملكان [شديدا الانتهار، فينتهرانه و] يُجلسانه، فيقولان له: من ربُّك؟ [فيقول: هاهْ هاهْ (١)! لا أدري! فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاهْ هاهْ! لا أدري]! فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيُقال: محمد! فيقول: هاه هاه! لا أدري! [سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دَرَيْتَ]، ولا تلوت]، فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إِلى النار، فيأتيه من حرّها وسَمُومها (٢)، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويُمثل له) رجلٌ قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومُك الذي كنت توعد، فيقول: [وأنت فبشّرك الله بالشرِّ] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشّر! فيقول. أنا عملك الخبيث؛ [فوالله ما علمت إِلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إِلى معصية الله]، [فجزاك الله شرًّا! ثمّ يُقيّض له أعمى أصمُّ أبكم في يده مِرْزبَة (٣) لو ضُرِبَ بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابًا، ثمّ يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كلّ شيء إِلا الثقلين، ثمّ يفتح له

-------------------
(١) جاء في «عون المعبود» (١٣/ ٦٥): «هاهْ هاهْ -بسكون الهاء فيهما بعد الألف-: كلمة يقولها المتحيّر الذي لا يقدر -من حَيرته للخوف أو لعدم الفصاحة- أن يستعمل لسانه في فيه».
(٢) الريح الحارّة.
(٣) المِرزَبة -بالتخفيف-: المطرقة الكبيرة التي تكون للحّداد. «النهاية».



باب من النار، ويُمهَّد من فُرُش النار]، فيقول: ربِّ! لا تُقم الساعة» (١).

استحباب جمع الموتى الأقارب في أماكن متجاورة (٢):
ويستحب جمع الموتى الأقارب في أماكن متجاورة؛ لأنّه أيسر لزيارتهم وأكثر للترحُّم عليهم، كما ذكَر بعض أهل العلم؛ لحديث المطلب -رضي الله عنه- قال: «لما مات عثمان بن مظعون؛ أُخرج بجنازته فدفن؛ أمر النّبيّ - ﷺ - رجلًا أنْ يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إِليها رسول الله - ﷺ - وحسر عن ذراعيه -قال المطلب: قال الذي يُخبرني [ذلك] عن رسول الله - ﷺ --؛ كأني أنظر إِلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حين حسر عنهما، ثمّ حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أتعلّم بها قبر أخي، وأدفن إِليه من مات من أهلي» (٣).

ضَمَّة القبر:
عن ابن عمر -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «هذا (٤) الذي تحرَّك له العرش، وفُتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمّ ضمة، ثمّ فُرِّج عنه» (٥).

-----------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٧٩)، والحاكم، والطيالسي، وأحمد وغيرهم، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ١٩٨).
(٢) انظر «فقه السّنة» (١/ ٥٥٠) تحت عنوان (تعليم القبر بعلامة).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٤٥)، وتقدّم.
(٤) هو سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأنصار -رضي الله عنهم-.
(٥) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (١٩٤٢).



سؤال القبر وعذابه ونعيمه (١):
وقد تقدّم في سؤال القبر عذابه ونعيمه: حديثُ البراء بن عازب -رضي الله عنه- الطويل. وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أُقعد المؤمن في قبره؛ أُتي ثمّ شهِدَ أن لا إِله إِلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾، وفي رواية: نزلت في عذاب القبر» (٢).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّه حدّثهم أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه -وإنه ليسمع قرع نعالهم-؛ أتاه ملكان فيُقعِدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذ الرجل -لمحمد - ﷺ --؟ فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا. قال قتادة: وذُكِر لنا أنّه يُفسح له في قبره.
ثمّ رجع إِلى حديث أنس قال: وأمّا المنافق والكافر فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري! كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غيرَ الثقلين» (٣).

------------------
(١) انظر للمزيد -إِن شئت- كتابي «القبر عذابه ونعيمه».
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٦٩، ومسلم: ٢٨٧١.
(٣) أخرجه البخاري: ١٣٧٤، ومسلم: ٢٨٧٠.



وعن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: بينما النّبيّ - ﷺ - في حائط لبني النجار على بغْلة له ونحن معه؛ إِذ حادَتْ به فكادت تلقيه، وإذا أَقْبُرٌ ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأَقْبُر؟ فقال رجل: أنا. قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإِشراك، فقال: إِن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه؛ ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال: تعوّذوا بالله من عذاب النّار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النّار، فقال: تعوّذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر! قال: تعوّذوا بالله من الفتن: ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن: ما ظهر منها وما بطن! قال: تعوّذوا بالله من فتنة الدّجال. قالوا: نعوذ بالله من فنتة الدّجال!» (١).
وعن سمرة بن جندب قال: "كان النّبيّ - ﷺ - إِذا صلّى صلاة؛ أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإِن رأى أحد قصّها، فيقول ما شاء الله، فسألَنا يومًا فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكنّي رأيت الليلة رجلين؛ أتياني فأخذا بيدي، فأخرجاني إِلى الأرض المقدّسة؛ فإِذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كَلُّوب من حديد -قال بعض أصحابنا عن موسى أنه- يدخل ذلك الكلوب في شِدْقِهِ حتى يبلغ قفاه، ثمّ يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويَلْتَئِمُ شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق.
فانطلقنا حتى أتينا على رجل مُضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٨٦٧.


بفِهْرٍ (١) أو صخرة، فَيَشْدَخُ به رأسه، فإِذا ضربه تَدَهْدَه (٢) الحجر، فانطلق إِليه ليأخذه؛ فلا يرجع إِلى هذا حتى يلتئم رأسه؛ وعاد رأسه كما هو، فعاد إِليه فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: انطلق.
فانطلقنا إِلى ثُقْبٍ مثل التّنّور؛ أعلاه ضيّق وأسفله واسع، يتوقّد تحته نارًا؛ فإِذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا، فإِذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة -قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شطّ النهر رجل-؛ فأقبل الرجل الذي في النهر، فإِذا أراد أن يخرج؛ رمى الرجل بحجر في فيهِ؛ فردَّه حيث كان، فجعل كلّما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إِلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصِبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعِدا بي في الشجرة، وأدخلاني دارًا لم أرَ قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثمّ أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة؛ فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، قلت: طوّفتماني الليلة فأخبِراني عمّا رأيت؟ قالا: نعم.
أمّا الذي رأيته يُشق شِدقه؛ فكذاب يحدِّث بالكذبة، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إِلى يوم القيامة. والذي رأيته يُشدخ رأسه؛ فرجل علّمه

----------------
(١) الفِهْر: هو الحجر مِلءُ الكفِّ. وقيل: هو الحجر مطلقًا. «النهاية».
(٢) أي: تدحرج.



الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إِلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثَّقب؛ فهم الزناة، والذي رأيته في النهر؛ آكِلُو الربا. والشيخ في أصل الشجرة؛ إِبراهيم -عليه السلام-، والصبيان حوله؛ فأولاد الناس. والذي يوقد النار؛ مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت؛ دار عامّة المؤمنين. وأمّا هذه؛ الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي فإِذا فوقي مثل السّحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دَعَاني أدخلْ منزلي! قالا: إِنه بقي لك عُمُر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك» (١).

هل يجوز نبش القبر؟
لا يجوز نبش القبر إِلا لغرض صحيح.
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٠٣) -بتصرّف يسير-: «ويجوز إِخراج الميت من القبر لغرض صحيح، كما لو دفن قبل غسله وتكفينه ونحو ذلك.
فعن جابر بن عبد الله قال:»أتى النّبيّ - ﷺ - عبد الله بن أُبي بعدما دفن، فأخرجه؛ فَنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه«(٢).
والظاهر: أنّ هذا كان قبل نزول قوله -تعالى-: ﴿ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقُم على قبره﴾». انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-.
وقال البخاري -رحمه الله- في «صحيحه» (٣): «باب هل يخرج الميت من

----------------
(١) أخرجه البخاري: ١٣٨٦.
(٢) أخرجه البخاري: ١٢٧٠، ومسلم: ٢٧٧٣.
(٣) انظر (كتاب الجنائز)»باب - ٧٧".



القبر واللحد لعلّة؟ ثمّ ذكر (برقم: ١٣٥١) حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «لما حضر أُحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أُراني إِلا مقتولًا في أول من يُقتل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي أعزّ عليّ منك؛ غير نفس رسول الله - ﷺ -، وإنّ عليّ دينًا، فاقض واستوص بأخواتك خيرًا.
فأصبحنا، فكان أوّل قتيل، ودفن معه آخر في قبر، ثمّ لم تَطِبْ نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر؛ فإِذا هو كَيَوْمَ وضَعْتُه هُنيَّة (١)؛ غيرَ أُذُنه».
وجاء في «الأوسط» (٥/ ٣٤٣): «واختلفوا في النبش عمن دفن ولم يغسل: فقال أكثر أهل العلم: يخرج فيغسل. هكذا قال مالك والثوري والشافعي، إِلا أن مالكًا قال: ما لم يتغير.
وقال أصحاب الرأي: إِذا وضع في اللحد ولم يغسل، ولم يُهَلْ عليه التراب؛ أخرج فغسل وصلّي عليه، وإن كانوا نصبوا اللبن، وأهالوا عليه التراب؛ لم يَنْبَغ لهم أن ينبشوا الميت من قبره».
قال أبو بكر [وهو ابن المنذر -رحمه الله-]: يُخرج ويغسل ما لم يتغير، كما قال مالك«انتهى.
ولقول مالك وأبي بكر -رحمهما الله- تطمئن نفسي.
قال ابن حزم -رحمه الله- (٥/ ١٦٩ - تحت المسألة: ٥٥٩):»ومن لم يُغَسل ولا كُفِّن حتى دُفِن؛ وجب إِخراجه حتى يغسّل ويكفّن؛ ولا بُدّ".

-------------------
(١) أي: شيئًا يسيرًا.


وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٠٤): «وسئل -رحمه الله- عن قوم لهم تربة، وهي في مكان منقطع، وقتل فيها قتيل، وقد بنوا لهم تربة أخرى؛ هل يجوز نقل موتاهم إِلى التربة المُسْتَجَدَّةِ أم لا؟
فأجاب: لا يُنبش الميت لأجل ما ذُكِر. والله أعلم» انتهى.
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن قول بعض العلماء: «ولو حُفر القبر فوُجَد فيه عظام الميت باقية؛ لا يُتمّ الحافر حفره»؟
فقال: «به أقول».
وسألته -رحمه الله-: هل يجوز نبش القبر لإِخراج مالٍ تُرك في القبر؟
فقال: «نعم».
وسألته -رحمه الله-: إذا صار جسم الميت ترابًا؛ فهل ينتفع من المكان بزرعٍ أو نحوه؟
فأجاب: هذا يُتصوّر في أرضٍ قَفْرٍ؛ دُفن فيها ميت، ثمّ أصَبَح هذا الميت ترابًا ورميمًا، فبهذا التصوّر الضيّق؛ نعم، كما يروى عن أبي العلاء المعرّي أنه قال:
صَاحِ هذي قبورُنا تملأ الرَّحب (١) ... فأين القبور من عهد عادِ
خفَف الوطء (٢) ما أظنّ ... أديم الأرض إلاَّ من هذه الأجساد

-------------------
(١) و(٢) الرّحب: الواسع، يقال: مكان رَحب ودار رَحبة؛ والرَّحبة: الأرض الواسعة.
الوطء: الدوس بالقدم. «الوسيط» ملتقطًا.



فإِذا كان السؤال في ميِّت محدّد في هذا الوضْع الضّيق؛ فالجواب الجواز، ولكن إِذا كان القبر في مقبرة؛ فحينئذ يختلف الحُكم تمامًا، وبهذا التحديد يجوز؛ وإلاَّ فلا.
قلت: فإِذا كانت المقبرة كلها ترابًا؛ هل يمكن الانتفاع بذلك؟
فقال -رحمه الله-: المسألة تأخذ طورًا آخر، فالمقابر بشكل عام موقوفة لموتى المسلمين، بمعنى أن أرض المقبرة لا يملكها أحد، فلا يستطيع أحد أن يشتريها؛ لأنّه لا مالك لها، فمن الأخطاء الشائعة أن تباع القبور! ومن هو المالك؟
والانتفاع بأرض المقبرة بعد أن صار أهلها رميمًا؛ لا يرِدُ جوازه من هذه الحيثية، وعلى العكس من ذلك.
لو قيل: هذه مقبرة عائلة؛ فهذه الأرض ملْك لهم؛ فإِذا أصبحَ الموتى ترابًا؛ فباستطاعتهم استثمارها في بناية دار أو حديقة؛ لأنها ملْك لهم.
فهنا شرطان: أن يتحول الموتى رميمًا، وأن تكون الأرض مملوكة.
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «أتى النّبيّ - ﷺ - عبد الله بن أُبي بعد ما أُدخل قبره، فأمر به فأُخرج ووضع على رُكبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، فالله أعلم» (١)؛ هل يفيدنا في جواز إِخراج الميّت؟
فقال -رحمه الله-: وهو لا يزال سليمًا؟
قلت: حديث عهد بدفن؟

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٧٩٥، وتقدّم غير بعيد.


فقال: نعم، يجوز.
قلت: أهذا متعلّق بفناء الجسم أو عدمه؟
قال: نعم.
قال أحد الإِخوة: هل يجوز النبش لمِثل هذا السبب؟
قال -رحمه الله-: يجوز إِذا غلب على ظنّه بقاء الجسم.
وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل يَسُوغ وضْع العظام جانبًا لدْفن ميت آخر؟
فقال: يمكن ذلك إِذا ضاقت المقبرة.

هل يُستحبّ للرجل حفْر قبره قبل موته؟
ولا يُستحبّ للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإِنّ النّبيّ - ﷺ - لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت، فهذا يكون من العمل الصالح.
كذا في «الاختيارات العلمية» لشيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

عدم مشروعية تلقين المقبور:
ولا يشرع تلقين المقبور بأي صيغة من الصّيغ، أو عبارة من العبارات؛ لعدم وروده عن النّبيّ - ﷺ - أو الصحابة -رضي الله عنهم-.
أما حديث: «لقنّوا موتاكم: لا إِله إِلا الله؛ من كان آخر كلامه لا إِله إِلا الله عند الموت دخل الجنة ...» (١). فقد تقدّم أنّ معناه تلقين المحتضر، ومن تأمّل

-----------------
(١) تقدّم تخريجه.


لفظ الحديث؛ من كان آخر كلامه لا إِله إِلا الله عند الموت؛ أيقَن أنّ المراد بذلك المحتضر ليقولها.
وأمّا حديث أبي أمامة الباهلي وقوله في النّزع: «إِذا أنا مِتُّ فاصنعوا بي كما أمر رسول الله - ﷺ - فقال: إِذا مات أحد من إِخوانكم، فسوَّيتم التراب عليه؛ فليقم أحدكم على رأس قبره ثمّ ليقل: يا فلان بن فلان! فإِنه يسمع ولا يجيب.
ثمّ يقول: يا فلان بن فلانة! فإِنّه يستوي قاعدًا ثمّ يقول: يا فلان بن فلانة! فإِنه يقول: أَرْشِدْنا رحمك الله! ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة: أن لا إِله إِلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإِيسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إِمامًا؛ فإِن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا؛ ما نقعد عند من لُقِّنَ حجته؟! فيكون الله حجيجه دونهما. قال رجل: يا رسول الله! فإِن لم يعرف أمه؟ قال: فينسبه إِلى حواء: يا فلان بن حواء!».
فإِنه ضعيف؛ وانظره في «الإِرواء» (٧٥٣).
وجاء فيه (٣/ ٢٠٥): «وقال الأثرم: قلت لأحمد: هذا الذي يصنعونه إِذا دفن الميت؛ يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة!؟ قال: ما رأيت أحدًا يفعله إِلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، يروى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان إِسماعيل بن عياش يرويه، يشير إِلى حديث أبي أمامة».
قال شيخنا -رحمه الله-: وليت شعري؛ كيف يمكن أن يكون مثل هذا





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #95  
قديم 14-01-2026, 05:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 181الى صــ 195
الحلقة (95)




الحديث صالحًا ثابتًا، ولا أحد من السلف الأول يعمل به؟!
وقد قال النووي في «المجموع» (٥/ ٣٠٤)، والعراقي في «تخريج الإِحياء» (٤/ ٤٢٠): إِسناده ضعيف. وقال ابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٢٠٦): «حديث لا يصح».

التعزية
تعريفها: هي حمْل ذوي الميت على الصبر وفضْله، والابتلاء وأجره، والمصيبة وثوابها (١).

مشروعية تعزية أهل الميت:
وتشرع تعزية أهل الميت.
فعن قُرَّةَ بن إيَاسٍ -رضي الله عنه- قال: «كان نبي الله - ﷺ -. إِذا جلس؛ يجلس إِليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره، فيُقعده بين يديه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة (٢) لذكر ابنه.
فحزن عليه، ففقده النّبيّ - ﷺ - فقال: ما لي لا أرى فُلانًا؟! قالوا: يا رسول الله! بُنيُّهُ الذي رأيته هلك، فلقيه النّبيّ - ﷺ -، فسأله عن بُنَيِّه؟ فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه ثمّ قال: يا فلان! أيُّما كان أحبَّ إليك: أنْ تمتّع به عُمُرك، أو لا تأتي غدًا إِلى باب من أبواب الجنة؛ إِلا وجدته قد سبقك إِليه يفتحه لك.

---------------------
(١) ملتقطًا عن»فيض القدير".
(٢) الحَلْقة: مجلس العِلم.



قال: يا نبي الله! بل يسبقني إِلى باب الجنة فيفتحها لي، لهو أحبّ إِليّ! قال: فذاك لك» (١).
وعن عمرو بن حزم -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مؤمن يُعزّي أخاه بمصيبة؛ إِلا كساه الله -عز وجل- من حُلل الجنّة» (٢).

ماذا يقول عند التعزية؟
ويُعزّيهم بما يظنُّ أنه يُسلّيهم، ويكفّ من حزنهم، ويحملهم على الرّضا والصبر، ممّا يثبت عنه - ﷺإِنْ كان يعلمه ويستحضره- وإلا فبما تيسرّ له من الكلام الحسن الذي يُحقق الغرض ولا يخالف الشرع، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: «أرسلت ابنة النّبيّ - ﷺ - إِليه: إِنّ ابنًا لي قُبض، فأْتِنا، فأرسل يُقرئ السلام ويقول: إِنّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلٌّ عنده بأجلٍ مسمًّى (٣)، فلتصبر ولتحتسب (٤)» (٥).

-----------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (١٩٧٤) وغيره.
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٠١)، وغيره، وحسّنه شيخنا - رحمه الله- في «الإِرواء» (٧٦٤) -التحقيق الثاني-، وانظر «الصحيحة» (١/ ٣٧٨) برقم (١٩٥).
(٣) أي: معلوم مُقدّر.
(٤) أي: لِتَنْوِ بصبرها طلب الثواب من ربّها؛ ليُحسب ذلك من عملها الصالح. «فتح».
(٥) أخرجه البخاري: ١٢٨٤، ومسلم: ٩٢٣.



قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٠٧):»وهذه الصِّيغة من التعزية؛ وإنْ وردت فيمن شارف الموت؛ فالتعزية بها فيمن قد مات أولى بدلالة النّصّ، ولهذا قال النوويّ في «الأذكار» وغيره: «وهذا الحديث أحسن ما يعزّى به».
الثاني: عن بُرَيْدَة بن الحُصَيْبِ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتعهّد الأنصار
ويعودهم ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعًا شديدًا، فأتاها النّبيّ - ﷺ -[ومعه أصحابه، فلمّا بلغ باب المرأة قيل للمرأة: إِنّ نبيّ الله يريد أنْ يدخل يُعزِّيها.
فدخل رسول الله - ﷺ - فقال: أما إِنّه بلغني أنّك جزعتِ على ابنك؛ فأمرها بتقوى الله وبالصّبر، فقالت: يا رسول الله! [ما لي لا أجزع]؛ وإنّي امرأة رَقُوبٌ لا ألد، ولم يكن لي غيره؟!
فقال رسول الله - ﷺ -: الرقوب: الذي يبقى ولدها، ثمّ قال: ما من امرئٍ أو امرأةٍ مُسلمةٍ يموت لها ثلاثة أولاد [يحتسبهم]؛ إلاَّ أدخله الله بهم الجنّة. فقال عمر [وهو عن يمين النّبيّ - ﷺ -]: بأبي أنت وأُمّي واثنين؟! قال: واثنين» (١).
الثالث: قوله - ﷺ - حينما دخل على أمّ سلمة -رضي الله عنها- عقب موت أبي سلمة: «اللهمّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديّين، واخلُفْه في عَقِبه في الغابرين (٢)، واغفِر لنا وله يا ربّ العالمين! وافسح له في قبره، ونوِّر له

-----------------------
(١) أخرجه البزار والزيادات منه، والحاكم وقال:»صحيح الإِسناد«، ووافقه الذهبي، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية ما قاله شيخنا -رحمه الله- في»أحكام الجنائز" (ص ٢٠٨).
(٢) أي: الباقين.



فيه» (١)
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن تعزية الذّمي إِذا أَمِنَ المعزّي الفتنة؟
فقال: «نعم يجوز، ويضاف إِلى ذلك: أحسن التعزية».
يريد شيخنا: يجوز للمرء أن يعزّي الذمّي إِذا أمِن الفتنة وأحسَن التعزية.
لكن قرأت في «أحكام الجنائز» (ص ١٦٩) كلامًا له -رحمه الله- يقول فيه -بعد حديث: «اذهب فواره»-: ومن الملاحظ في هذا الحديث أنّ النّبيّ - ﷺ - لم يُعزِّ عليًا بوفاة أبيه المشرك، فلعله يصلح دليلًا لعدم شرعية تعزية المسلم بوفاة قريبه الكافر، فهو -من باب أولى- دليلٌ على عدم جواز تعزية الكفار بأمواتهم أصلًا«.
ثمّ ذكّرني أخي عمر الصادق -حفظه الله تعالى- بفائدة ذكَرها شيخنا - رحمه الله- في»صحيح الأدب المفرد«(٨٤٧/ ١١١٢) وهو تقييده جواز تعزية الكافر بأن لا يكون حربيًا عدوًا للمسلمين، فقد قال -رحمه الله- بعد إِيراد أثر عُقبة بن عامر الجُهني -رضي الله عنه-:»أنّه مرَّ برجل هيئته هيئة مسلم، فسلَّم فردَّ عليه: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: إِنّه نصراني! فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إِنَّ رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك، وأكثر مالك وولدك«(٢).

----------------
(١) أخرجه مسلم: ٩٢٠، وتقدّم بتمامه.
(٢) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«(١١١٢)، وحسن شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»الإِرواء" (١٢٧٤).



قال -رحمه الله-: في هذا الأثر إِشارةٌ من هذا الصحابي الجليل إِلى جواز الدعاء بطول العمر ولو للكافر، فللمسلم أولى، ولكن لا بُدّ أن يلاحظ الداعي أن لا يكون عدوًّا للمسلمين، ويترشّح منه جواز تعزية مِثله لما في هذا الأثر».
والخلاصة جواز تعزية الكافر غير الحربيّ أو المعادي للمسلمين أحسن المعزّي عزاءَه وأمِن الفتنة، والله -تعالى- أعلم.
وسألته -رحمه الله-: هل ترون الذهاب إِلى بيوت التعزية للنهي عن المنكر؛ مع ما قد عَلِمنا من حُكمه؟!
فقال: يحضر وينصح ويُذكّر، أمّا للتعزية فقط فلا.

لا تُحدّ التعزية بثلاثة أيام:
ولا تُحدّ التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها؛ فإِن حديث: «لا عزاء فوق ثلاث» لا يُعرف له أصْل؛ كما قال شيخنا -رحمه الله-.
بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها؛ فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر -رضي الله تعالى عنهما- قال: "بعث رسول الله - ﷺ - جيشًا استعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: فإِنْ قُتل زيد أو استشهد؛ فأميركم جعفر، فإِنْ قتل أو استشهد، فأميركم عبد الله بن رواحة؛ فلقوا العدوّ، فأخذ الراية زيد، فقاتل حتى قُتل، ثمّ أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قُتل، ثمّ أخذها عبد الله، فقاتل حتى قُتل، ثمّ أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه.
وأتى خبرهم النّبيّ - ﷺ -، فخرج إِلى الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إِنّ إِخوانكم لقوا العدوّ، وإِنّ زيدًا أخذ الراية، فقاتل حتى قُتل واستشهد، ثمّ ..


ثم .. ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله: خالد بن الوليد؛ ففتح الله عليه، فأُمِهْل؛ ثمّ أَمْهَل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثمّ أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابْنَيْ أخ.
قال: فجيء بنا كأنّا أفْرُخٌ، فقال: ادعوا لي الحلاق، فجيءَ بالحلاق، فحلق رؤوسنا ثمّ قال: أمّا محمد؛ فشبيه عمِّنا أبي طالب، وأما عبد الله؛ فشبيه خلْقي وخُلُقي، ثمّ أخذ بيدي فأشالها فقال: اللهمّ اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه، قالها ثلاث مرات.
قال: فجاءت أُمنّا فذكرت له يُتْمَنا، وجعلت تُفْرِح (١) له، فقال: آلعَيْلَةَ تخافين عليهم؛ وأنا وليُّهم في الدنيا والآخرة؟! «(٢).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص٢١٠):»وقد ذهب إِلى ما ذكرنا -من أنّ التعزية لا تُحدّ بحدّ-: جماعة من أصحاب الإِمام أحمد، كما في «الإِنصاف» (٢/ ٥٦٤)، وهو وجهٌ في المذهب الشافعي، قالوا: لأنّ الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان.
حكاه إِمام الحرمين، وبه قطع أبو العباس ابن القاص من أئمتهم، وإن أنكره عليه بعضهم؛ فإِنما ذلك من طريق المعروف من المذهب لا الدليل، وانظر «المجموع» (٥/ ٣٠٦)«.

------------------
(١) تُفرِحُه: مِن أفرَحه: إِذا غمّه وأزال عنه الفرَح، وأفرَحه الدّين إِذا أثقله.»النهاية«.
(٢) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح على شرط مسلم، وانظر»أحكام الجنائز" (ص ٢٠٩).



ينبغي اجتناب أمرين، وإنْ تتابع الناس عليهما:
١ - الاجتماع للتعزية في مكانٍ خاصّ؛ كالدار أو المقبرة أو المسجد.
٢ - اتخاذ أهل الميت الطعام؛ لضيافة الواردين للعزاء.
فعن جرير بن عبد الله البَجَلي -رضي الله عنه- قال: «كنّا نعُدُّ (وفي رواية: نرى) الاجتماع إِلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة» (١).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢١٠): «قال النووي في»المجموع«(٥/ ٣٠٦): وأمّا الجلوس للتعزية؛ فنصّ الشافعي -والمصنّف [أي: الشِّيرازيّ] وسائر الأصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لها: أن يجتمع أهل الميت في بيت، فيقصدهم من أراد التعزية.
قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزّاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها».
ونصُّ الإِمام الشافعي الذي أشار إِليه النووي: هو في كتاب «الأم» (١/ ٢٤٨): «وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإِنْ لم يكن لهم بكاءٌ؛ فإِنّ ذلك يُجدِّد الحزن، ويكلّف المُؤْنَة (٢)، مع ما مضى فيه من الأثر.
كأنّه يُشير إِلى حديث جرير هذا [كنّا نعد الاجتماع إِلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النّياحة]، قال النووي:»واستدلّ له المصَنِّف وغيره بدليل آخر؛ وهو أنّه مُحدَث«.

-------------------
(١) أخرجه أحمد، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (١٣٠٨).
(٢) المُؤْنَة: القوت.



وكذا نص ابن الهُمَام في «شرح الهداية» (١/ ٤٧٣) على كراهية اتِّخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت؛ وقال: «وهي بدعة قبيحة».
وهو مذهب الحنابلة كما في «الإِنصاف» (٢/ ٥٦٥).
وإنما السّنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعامًا يُشبعهم.
فعن عبد الله بن جعفر -رضي الله عنه- قال: «لما جاء نَعِيُّ جعفر حين قُتل؛ قال النّبيّ - ﷺ -: اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد أتاهم أمر يَشْغَلُهم -أو أتاهم ما يَشْغَلُهم-» (١).
وقد كانت عائشة تأمر بالتلبينةِ للمريض، وللمحزون على الهالك، وتقول: إِني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنّ التلبينة (٢) مَجمَّة (٣) لفؤاد المريض؛ تذهب ببعض الحزن» (٤).
قال الإِمام الشافعي في «الأم» (١/ ٢٤٧): «وأحبّ لجيران الميت أو ذوي القرابة: أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعامًا يُشبعهم؛ فإِنّ ذلك سُنّة، وذكر كريم، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا».

---------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٨٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٩٦)، وحسنه، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٠٦).
(٢) طعام يُتخّذ من دقيق أو نخالة، وربما جُعل فيها عسل، سمّيت بذلك؛ لشبهها باللبن في البياض والرّقة. «فتح».
(٣) مَجمّة -بفتح الميم-؛ أي: مكان الاستراحة. ورويت بضم الميم -مُجِمّة-؛ أي: مريحة. وانظر «الفتح».
(٤) أخرجه البخاري: ٥٤١٧، ومسلم: ٢٢١٦.



ما ينتفع به الميِّت
وينتفع الميت من عَمَل غيره بأمور:
أولًا: دعاء المسلم واستغفاره له، إِذا توفّرت فيه شروط القبول؛ لقول الله - تبارك وتعالى-: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلًاّ للذين آمنوا ربَّنا إِنّك رؤوف رحيم﴾ (١).
وأما الأحاديث؛ فهي كثيرة جدًّا؛ منها حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة؛ عند رأسه مَلَك مُوكّل؛ كلّما دعا لأخيه بخير؛ قال الملك المُوكّل به: آمين؛ ولك بمثل» (٢).
بل إِنّ صلاة الجنازة جلّها شاهد لذلك؛ لأنّ غالبها دعاء للميت، واستغفار له.
ثانيًا: قضاء وليّ الميت صومَ النّذر عنه؛ دون صوم رمضان (٣)، وفيه أحاديث:
١ - عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «من مات وعليه صيام؛ صام عنه وليُّه» (٤).

------------------
(١) الحشر: ١٠.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٧٣٢، وغيره.
(٣) انظر «تلخيص أحكام الجنائز» (ص ٧٥).
(٤) أخرجه البخاري: ١٩٥٢، ومسلم: ١١٤٧.



٢ - عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر؛ أفأقضيه عنها، قال: نعم؛ فدين الله أحقُّ أن يقضى.
وعنه أيضًا: قالت امرأة: إِنّ أختي ماتت» (١).
٣ - عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا: أنّ سعد بن عبادة -رضي الله عنه- استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: «إِنّ أُمّي ماتت وعليها نَذْر؟ فقال: اقضِه عنها» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢١٥): «وهذه الأحاديث صريحة الدلالة في مشروعية صيام الوليّ عن الميت صومَ النذر؛ إِلا أنّ الحديث الأول يدلُّ - بإِطلاقه- على شيء زائد على ذلك، وهو أنه يصوم عنه صوم الفرض أيضًا، وقد قال به الشافعية، وهو مذهب ابن حزم (٧/ ٢، ٨) وغيرهم. وذهب إِلى الأول الحنابلة، بل هو نصُّ الإِمام أحمد، فقال أبو داود في»المسائل«(٩٦):»سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يُصام عن الميت إِلا في النذر«.
وحمل أتباعه الحديث الأول على صوم النذر، بدليل ما روت عمرة: أنّ أمها ماتت وعليها من رمضان؛ فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا؛ بل تصدّقي عنها -مكان كل يوم- نصف صاع على كل مسكين» (٣).

------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٧٦١، ومسلم: ١٦٣٨.
(٣) أخرجه الطحاوي، وابن حزم -واللفظ له- بإِسناد قال ابن التركماني: «صحيح».



وبدليل ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إِذا مرض الرجل في رمضان، ثمّ مات ولم يصم؛ أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه» (١).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢١٥): «وهذا التفصيل الذي ذهبَت إِليه أم المؤمنين، وحَبْر الأمّة ابن عباس -رضي الله عنهما- وتابعهما إِمام السنّة أحمد ابن حنبل: هو الذي تطمئن إِليه النفس، وينشرح له الصدر، وهو أعدل الأقوال في هذه المسألة وأوسطها، وفيه إِعمال لجميع الأحاديث؛ دون ردٍّ لأيّ واحد منها، مع الفهم الصحيح لها؛ خاصة الحديث الأول منها، فلم تفهم منه أم المؤمنين ذلك الإِطلاق الشامل لصوم رمضان، وهي رَاوِيتُهُ، ومن المقرر أنّ راوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيّما إِذا كان ما فَهِمَ هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا.
وقد بيّن ذلك المُحقق ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقال في»إِعلام الموقعين«(٣/ ٥٥٤) -بعد أن ذكر الحديث وصححه-:»فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يُصام عنه النذر والفرض! وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يُصام عنه نذر ولا فرض! وفصّلت طائفة؛ فقالت: يُصام عنه النذر دون الفرض الأصلي.
وهذا قول ابن عباس وأصحابه، وهو الصحيح؛ لأنّ فرض الصيام جارٍ مجرى الصلاة، فكما لا يُصلي أحد عن أحد، ولا يُسْلِمُ أحد عن أحد، فكذلك

---------------------
(١) أخرجه أبو داود بسند صحيح على شرط الشيخين، وله طريق آخر بنحوه عند ابن حزم، وصحح إِسناده.


الصيام. وأمّا النذر؛ فهو التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيُقبل قضاء الوليّ له كما يقضي دَيْنه، وهذا محض الفقه.
وطرد هذا أنه لا يُحَجُّ عنه، ولا يُزَكَّى عنه؛ إِلا إِذا كان معذورًا بالتأخير؛ كما يطعم الوليّ عمّن أفطر في رمضان لعذر.
فأما المُفرّط من غير عذر أصلًا فلا ينفعه أداء غيره لفرائض الله التي فرّط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاءً وامتحانًا دون الوليّ، فلا تنفع توبة أحد عن أحد، ولا إِسلامه عنه، ولا أداء الصلاة عنه؛ ولا غيرها من فرائض الله -تعالى- التي فرّط فيها حتى مات«.
قال شيخنا -رحمه الله-:»وقد زاد ابن القيم -رحمه الله- هذا البحث توضيحًا وتحقيقًا في «تهذيب السنن» (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٢)، فليراجع؛ فإِنّه مهم.
ثالثًا: قضاء الدّين عنه من أيّ شخص؛ وليًّا كان أو غيره، وفيه أحاديث كثيرة وقد سبق ذِكر الكثير منها.
رابعًا: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة؛ فإِنّ لوالديه مثلَ أجره، دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعْيهما وكسْبهما، والله -عز وجل- يقوله: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾ (١).
وعن عمّة عمارة بن عمير: أنّها سألت عائشة -رضي الله عنها-: في حجري يتيم؛ أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنّ من أطيب ما أكل

----------------
(١) النجم: ٣٩.


الرجل من كسْبه، وولدهُ من كسْبه» (١).
ويؤيد ما دلّت عليه الآية والحديث أحاديثُ خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح؛ كالصدقة والصيام والعتق ونحوه، وهي هذه:
الأول: عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ رجلًا قال للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أميّ افتُلِتَت نفسها (٢)، وأراها لو تكلّمت تصدّقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، تصدّق عنها» (٣).
الثاني: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنّ سعد بن عبادة -رضي الله عنه- أخا بني ساعدة -تُوفِّيت أُمه وهو غائب، فأتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله!

----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠١٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤١٤٤)، والترمذي، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٧٣٨).
(٢) جاء في «النهاية»: «أي: ماتت فجأة وأُخذت نفسها فلتة، يُقال: افتلته: إِذا استلبه، وافتُلِتَ فلان بكذا: إِذا فُوجئ به قبل أن يستعدّ له.
ويروى بنصب النفس ورفعها: فمعنى النصب: افتَلَتَها الله نفسها، مُعدّى إِلى مفعولين، كما تقول: اختَلَسَه الشيء واستلبه إِيّاه، ثمّ بنى الفعل لما لم يُسمّ فاعله، فتحوّل المفعول الأوّل مضمرًا وبقي الثاني منصوبًا، وتكون التاء الأخيرة ضمير الأمّ؛ أي: افتلتت هي نفسها.
وأمّا الرّفع؛ فيكون مُتعديًا إِلى مفعول واحد، أقامه مقام الفاعل، وتكون التاء للنفس؛ أي: أُخذت نفسها فلتة».
قال القاضي: أكثر روايتنا فيه بالنصب. قاله النووي -رحمه الله-.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٧٦٠، ١٣٨٨، ومسلم: ١٠٠٤.



إِنّ أمي توفِّيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إِن تصدَّقت به عنها؟ قال: نعم. قال: إِني أُشهِدك أنّ حائطى المِخْرَافَ (١) صدقة عليها» (٢).
الثالث: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ رجلًا قال للنّبيّ - ﷺ -: إِنّ أبي مات وترك مالًا ولم يُوصِ، فهل يُكفّر عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: نعم» (٣).
الرابع: عن عبد الله بن عمرو: «أنّ العاص بن وائل السَّهْمِي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية.
قال: حتى أسأل رسول الله - ﷺ -، فأتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّ أبي أوصى بعتق مئة رقبة، وإنّ هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إِنه لو كان مسلمًا فأعتقتم عنه أو تصدّقتم عنه، أو حججتم عنه؛ بلغه ذلك (وفي رواية: فلو كان أقرّ بالتوحيد فصمت وتصدّقت عنه؛ نفعه ذلك)» (٤).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢١٩): «قال الشوكاني في»نيل الأوطار«(٤/ ٧٩):»وأحاديث الباب تدّل على أنّ الصدقة من الولد تلحق الوالدين

------------------------
(١) أي: المثمر. قاله الكرماني (١٢/ ٧٧). سمي بذلك لما يُخْرَفُ منه؛ أي: يجنى من الثمرة. قاله القسطلاني، كما في «عون المعبود» (٨/ ٦٣).
(٢) أخرجه البخاري: ٢٧٦٢.
(٣) أخرجه مسلم: ١٦٣٠.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٥٠٧)، والبيهقي -والسياق له- وأحمد، -والرواية الأخرى له-، وإسنادهم حسن.



بعد موتهما بدون وصيّة منهما، ويصل إِليهما ثوابها، فيخصّص بهذه الأحاديثِ عمومُ قوله -تعالى-: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾، ولكن ليس في أحاديث الباب إِلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أنّ ولد الإِنسان من سعيه، فلا حاجة إِلى دعوى التّخصيص، وأمّا من غير الولد؛ فالظاهر من العموميّات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إِلى الميت، فيوقف عليها، حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها».
قلت أي: شيخنا -رحمه الله-: «وهذا هو الحق الذي تقضيه القواعد العلمية: أنّ الآية على عمومها، وأن ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إِلى الوالد؛ لأنّه من سعيه؛ بخلاف غير الولد».
وقال -رحمه الله- (ص ٢٢٢): "وإذا كان من المسلَّم به عند أهل العلم: أنّ لكلّ عقيدة أو رأي يتبناه أحد في هذه الحياة أثرًا في سلوكه -إِن خيرًا فخير؛ وإن شرًّا فشّر-؛ فإِن من المُسَلّم به أيضًا: أنّ الأثر يدلُّ على المُؤثّر، وأنّ أحدهما مرتبط بالآخر -خيرًا أو شرًا كما ذكرنا-، وعلى هذا؛ فلسنا نشكُّ أنّ لهذا القول أثرًا سيئًا في من يحمله أو يتبناه، من ذلك مثلًا: أنّ صاحبه يتّكل في تحصيل الثواب والدرجات العاليات على غيره؛ لعلمه أنّ الناس يُهدون الحسنات مئات المرّات في اليوم الواحد إِلى جميع المسلمين: الأحياء منهم والأموات، وهو واحد منهم، فلماذا لا يستغني حينئذ بعمل غيره عن سعيه وكسْبه؟!
ألست ترى -مثلًا- أنّ بعض المشايخ الذين يعيشون على كسْب تلامذتهم لا يَسْعَوْن بأنفسهم ليَحْصُلوا على قوت يومهم بعرق جبينهم وكَدِّ يمينهم؟!



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #96  
قديم 14-01-2026, 05:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 196الى صــ 210
الحلقة (96)




وما السبب في ذلك؛ إِلا أنهم استغنوا عن ذلك بكسب غيرهم، فاعتمدوا عليه وتركوا العمل!! هذا أمر مشاهد في المادِّيّات، معقول في المعنويات، كما هو الشأن في هذه المسألة.
وليت أنّ ذلك وقف عندها ولم يتعدّها إِلى ما هو أخطر منها، فهناك قول بجواز الحجّ عن الغير؛ ولو كان غير معذور؛ كأكثر الأغنياء التاركين للواجبات! فهذا القول يحملهم على التساهل في الحجّ والتقاعس عنه؛ لأنّه يتعلّل به ويقول في باطنه: يحجّون عنّي بعد موتي!
بل إِنّ ثمّة ما هو أضرُّ من ذلك، وهو قول بوجوب إِسقاط الصلاة عن الميت التارك لها! فإِنّه من العوامل الكبيرة على ترك بعض المسلمين للصلاة؛ لأنّه يتعلل أيضًا بأنّ النّاس يُسقطونها عنه بعد وفاته! إِلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سوء أثرها على المجتمع! فمن الواجب على العالم الذي يُريد الإِصلاح: أن ينبذ هذه الأقوال؛ لمُخالفتها نصوص الشريعة ومقاصدها الحسنة.
وقابِل أثر هذه الأقوال بأثر قول الواقفين عند النّصوص -لا يخرجون عنها بتأويل أو قياس-: تجد - الفرق كالشمس؛ فإِنّ من لم يأخذ بمثل الأقوال المشار إِليها؛ لا يُعقل أن يتّكل على غيره في العمل والثواب؛ لأنه يرى أنه لا يُنجّيه إِلا عمله، ولا ثواب له إِلا ما سعى إِليه هو بنفسه، بل المفروض فيه أن يسعى - ما أمكنه- إِلى أنْ يُخلِّف من بعده أثرًا حسنًا يأتيه أجره، وهو وحيد في قبره، بدل تلك الحسنات الموهومة، وهذا من الأسباب الكثيرة في تقدّم السلف وتأخُّرنا، ونَصْر الله إِيّاهم وخِذْلانه إِيّانا، نسأل الله -تعالى- أن يهدينا كما هداهم، وينصرنا كما نصرهم (١)!

---------------------
(١) أيُّ سبيلٍ لهدم الإِرجاء كهذا؟! فَرحم الله شيخنا رحمة واسعة على نشْرِهِ =


خامسًا: ما خلّفه من بعده من آثارٍ صالحة وصدقات جارية، لقوله تبارك وتعالى-: ﴿ونكتب ما قدّموا وآثارَهم﴾، وفيه أحاديث:
١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا مات الإِنسان؛ انقطع عنه عمله إِلا من ثلاثة: إِلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١).
٢ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ ممّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومُصْحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته؛ يلحقه من بعد موته» (٢).
٣ - عن جرير بن عبد الله قال: «كنّا عند رسول الله - ﷺ - في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفاةً عُراةً مُجتابي (٣) النِّمار (٤) أو العباء (٥) مُتقلِّدي السيوف،

--------------------
= عقيدة أهل السّنّة والجماعة.
(١) أخرجه مسلم: ١٦٣١.
(٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٩٨) وغيره.
(٣) مجتابي النمار؛ أي: خرقوا وسطها. قاله النووي -رحمه الله-.
(٤) النمار -بكسر النون-: جمع نَمِرة؛ وهي ثياب صوف فيها تنمير. قاله النووي أيضًا.
جاء في»النهاية«:»كلّ شَمْلةٍ مخطّطة من مآزر الأعراب؛ فهي نَمِرة، وجمعها نمار؛ كأنها أُخذت من لون النّمِر؛ لما فيها من السواد والبياض، وهي من الصفات الغالبة، أراد أنه جاءه قوم لابسي أُزر مُخطّطة من صوف".
(٥) العباء: جمع عباءَة.



عامَّتهم من مُضَرَ -بل كلّهم من مضر- فتمعّر (١) وجه رسول الله - ﷺ -، لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثمّ خرج؛ فأمر بلالًا؛ فأذّن وأقام فصلّى؛ ثمّ خطب فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ...﴾ إِلى آخر الآية: ﴿إِنّ الله كان عليكم رقيبًا﴾، والآية التي في الحشر: ﴿اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغدٍ واتقوا الله﴾؛ تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّهِ، من صاع تمره (حتى قال)، ولو بشقِّ تمرة.
قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرّة كادت كفّه تَعْجِزُ عنها، بل قد عَجَزت.
قال: ثمّ تتابع الناس، حتى رأيت كومين عن طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله - ﷺ - يتهلَّل (٢)؛ كأنّه مُذْهَبَة (٣)، فقال رسول الله - ﷺ -: من سنّ في الإِسلام سُنّة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها بعده؛ من غير أن ينقص من أُجورهم شيء.
ومن سنّ في الإِسلام سنّة سيئةً؛ كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده؛ من غير أن ينقُص من أوزارهم شيء» (٤).

------------------
(١) تمعّر؛ أي: تغيّر.
(٢) يتهلّل؛ أي: يستنير فرحًا وسرورًا.
(٣) مُذَهَبَة: من الشيء المذهب، وهو المُمَوَّه بالذهب، أو مِن قولهم: فرس مُذهَب: إِذا عَلَت حُمرتَه صَفرةٌ. «النهاية».
(٤) أخرجه مسلم: ١٠١٧.



زيارة القبور
مشروعيّتها:
وتُشرع زيارة القبور؛ للاتعاظ بها وتذكُّر الآخرة؛ شريطة أن لا يقول عندها ما يُغْضِبُْ الرَّبَّ -سبحانه وتعالى- كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله -تعالى- أو تزكيته والقطع له بالجنّة، ونحو ذلك، وفيه أحاديث:
١ - عن بُرَيْدَةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها«(١).
وفي زيادة:»فمن أراد أن يزور؛ فليزُر ولا تقولوا هُجْرًا (٢) «(٣).
قال شيخنا -رحمه الله-:»ولا يخفى أنّ ما يفعله العامّة وغيرهم عند الزيارة -من دعاء الميت، والاستغاثة به، وسؤال الله بحقِّه-: لهو من أكبر الهُجْرِ والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبيّنوا لهم حُكم الله في ذلك، ويُفهِّموهم الزيارة المشروعة والغاية منها.
وقد قال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ١٦٢) -عقب أحاديثَ في الزيارة والحكمة منها-: «الكُلُّ دالٌّ على مشروعية زيارة القبور، وبيان الحكمة فيها، وأنّها للاعتبار، فإِذا خلت من هذه؛ لم تكن مُرادةً شرعًا».
٢ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّي نهيتكم عن

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٩٧٧.
(٢) أي: فُحْشًا، يُقال: أهَجر في مَنطِقه يُهْجِرُ إِهجارًا: إِذا أفحش، وكذلك إِذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي.»النهاية«.
(٣) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي" (١٩٢٢).



زيارة القُبور؛ فزوروها، فإِنّ فيها عبرة، [ولا تقولوا ما يُسْخِطُ الربّ]» (١).

ما يقول إِذا زار القبور أو مرّ بها (٢):
عن بريدة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُعلّمهم إِذا خرجوا إِلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السّلام على أهل الدّيار، السّلام عليكم أهل الديّار؛ من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إِن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» (٣).
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﷺ -؛ يخرج من آخر الليل إِلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين! وأتاكم ما توعدون؛ غدًا مؤجّلون، وإنّا إِن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٤)» (٥).

جواز زيارةِ النساءِ القبورَ:
والنّساء كالرجال في استحباب زيارة القبور؛ لوجوه:

------------------
(١) أخرجه أحمد، والحاكم، وعنه البيهقي، ثمّ قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ٢٢٨): «وهو كما قالا».
(٢) هذا العنوان من «سنن أبي داود».
(٣) أخرجه مسلم: ٩٧٥.
(٤) ويدعو لأهل القبور الذين زارهم.
(٥) أخرجه مسلم: ٩٧٤.



١ - عُموم قوله - ﷺ -: «.. فزوروا القبور»؛ فيدخل فيه النساء، وبيانه: أنّ النّبيّ - ﷺ - لما نهى عن زيارة القبور في أوّل الأمر؛ فلا شك أنّ النهي كان شاملًا للرجال والنساء معًا، فلمّا قال: «كُنتُ نهيتكم عن زيارة القبور»؛ كان مفهومًا أنّه كان يعني الجنسين؛ ضرورةَ أنّه يخبرهم عمّا كان في أول الأمر من نهي الجنسين.
فإِذا كان الأمر كذلك؛ كان لزامًا أنّ الخطاب في الجملة الثانية من الحديث - وهو قوله: «فزوروها»-؛ إِنّما أراد به الجنسين أيضًا.
ويؤيده أنّ الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بُريدة المتقدّم آنفًا:
«ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النّبيذ إِلا في سقاءٍ؛ فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا».
أقول [أي: شيخنا -رحمه الله-]: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجّه إِلى الجنسين قطعًا، كما هو الشأن في الخطاب الأوّل: «كنت نهيتكم»؛ فإِذا قيل بأنّ الخطاب في قوله: «فزوروها» خاصٌّ بالرجال؛ اختل نظام الكلام وذهبت طراوته! الأمر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم. ويزيده تأييدًا الوجوه الآتية:
٢ - مُشاركتهنّ الرجالَ في العلّة التي من أجلها شُرعت زيارة القبور: «فإِنها تُرِقُّ القلبِ وتدمع العين، وتُذكّر الآخرة» (١).
٣ - أنّ النّبيّ - ﷺ - قد رخص لهن في زيارة القبور في حديثين حَفِظْتهما لنا

--------------------
(١) أخرجه الحاكم بسند حسن، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٢٢٨).


أُمُّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: عن عبد الله بن أبي مُليكة: «أنّ عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقُلت لها: يا أمَّ المؤمنين! من أين أقبلتِ؟ قالت: مِنْ قَبْرِ عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله - ﷺ - نهى عن زيارة القبور؟! قالت: نعم، ثمّ أمر بزيارتها» (١).
عن محمد بن قيس بن مَخْرَمَةَ بن المطلب أنّه قال يومًا: ألا أحدثكم عني وعن أمّي؟! قال: فظننا أنه يريد أمّه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أُحدّثكمَ عنيّ وعن رسول الله - ﷺ -؟! قلنا: بلى.
قال: قالت: لمّا كانت ليلتي التي كان النّبيّ - ﷺ - فيها عندى؛ انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إِزاره على فراشه، فاضطجع -فذكرت الحديث إِلى أن قالت-: فقال [أي: جبريل لرسول الله - ﷺ -]: إنّ ربّك يأمُرك أنْ تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم.
قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟! قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المُستقدمين منّا والمُستأخرين، وإنا إِن شاء الله بكم للاحقون«(٢).
٤ - إِقرار النّبيّ - ﷺ - المرأة التي رآها عند القبور في حديث أنس -رضي الله عنه-:»مرّ النّبيّ - ﷺ - بامرأةٍ تبكي عند قبرٍ، فقال: اتّقي الله واصبري ... «(٣).

------------------
(١) أخرجه الحاكم وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»أحكام الجنائز«(ص ٢٣٠)، وانظر»الإِرواء" (٧٧٥).
(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٤.
(٣) أخرجه البخاري: ١٢٨٣، ومسلم: ٦٢٦، وتقدّم.



عدم جواز إِكثار النساء من زيارة القبور:
لا يجوز للنساء الإِكثار من زيارة القبور والتردد عليها؛ لأنّ ذلك قد يُفضي بهنّ إلى مخالفة الشريعة، من مثل الصّياح، والتبرّج، واتخاذ القبور مجالس للنزهة، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ، كما هو مشاهد اليوم في بعض البلاد الإِسلامية، وهذا هو المراد -إِن شاء الله- بحديث أبي هريرة:»أنّ رسول الله - ﷺ - لعن زوّارات القبور«(١).
قال شيخنا -رحمه الله-:»فهذا اللفظ: «زوّارات» إِنما يدلُّ على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة؛ بخلاف غيرهنّ؛ فلا يشملُهنّ اللعن ...
قال القرطبي: «اللعن المذكور في الحديث إِنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لِما تقتضيه الصّيغة من المبالغة، ولعلّ السبب ما يُفضي إِليه ذلك من تضييع حقّ الزوج والتبرج، وما ينشأ من الصّياح ونحو ذلك، وقد يُقال: إِذا أُمِنَ جميع ذلك فلا مانع من الإِذن لهنّ؛ لأنّ تذكُّر الموت يحتاج إِليه الرجال والنساء».

جواز زيارة من مات على غير الإِسلام للعبرة:
ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإِسلام للعبرة فقط.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «زار النّبيّ - ﷺ - قبر أمه؛ فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنْتُ ربي في أن استغفر لها؛ فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها؛ فأذِن لي، فزوروا القبور؛ فإِنها تُذكّر الموت» (٢).

---------------------
(١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٤٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٨١).
(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٦، وغيره.



وقال ابن حزم -رحمه الله-:»ونستحب زيارة القبور، وهو فرض ولو مرةً؛ ولا بأس بأن يزور المسلم قبر حميمه المشرك، الرجال والنساء سواءٌ.
لما روينا من طريق مسلم ثمّ ساق إِسناده إِلى بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها».
ومن طريق مسلم وساق إِسناده إِلى أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّه قال: زار النّبيّ - ﷺ - قبر أمه؛ فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها؛ فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها؛ فأذن لي؛ فزوروا القبور؛ فإِنها تذكر الموت«.
قال: وقد صح عن أم المؤمنين وابن عمر وغيرهما زيارة القبور.
وروي عن عمر النهي عن ذلك، ولم يصح». انتهى.
قلت: يزور للعبرة فقط؛ فيتعظ ويعتبر ويبكي؛ خوفًا من أن يموت مُشركًا.

المقصود من زيارة القبور:
المقصود من زيارة القبور شيئان:
١ - انتفاع الزائر بذِكر الموت والموتى، وأنّ مآلهم إِمّا إِلى جنة وإمّا إِلى نار، وهو الغرض الأول من الزيارة، كما يدلّ عليه ما سبَق من الأحاديث.
٢ - نفع الميت والإِحسان إِليه: بالسلام عليه، والدعاء، والاستغفار له، وهذا خاصٌّ بالمسلم.
فعن عائشة -رضي الله عنها- أيضًا أنها قالت: "كان رسول الله - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﷺ -؛ يخرج من آخر الليل إِلى البقيع فيقول: السلام


عليكم دار قومٍ مؤمنين! وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجّلون، وإنا إِن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (١).
وعنها أيضًا في حديثها الطويل قالت: «كيف أقول لهم يا رسول الله؟! قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنّا إِنْ شاء الله بكم للاحقون» (٢).
وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يعلّمهم إِذا خرجوا إِلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإِنّا إِن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» (٣).

عدم مشروعية قراءة القرآن عند زيارة القبور:
وأمّا قراءة القرآن عند زيارتها؛ فمما لا أصل له في السُّنّة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تُشعر بعدم مشروعيتها؛ إِذ لو كانت مشروعة؛ لفَعلها رسول الله - ﷺ - وعلّمها أصحابه، لا سيّما وقد سألته عائشة -رضي الله عنها- وهي من أحبِّ الناس إليه - ﷺ - عمّا تقول إِذا زارت القبور؟ فعلّمها السلام والدعاء، ولم يُعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرّر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنّه - ﷺ - علّمهم شيئًا من ذلك لنُقل إِلينا، فإِذا لم يُنقل بالسّند الثابت دلّ على أنه لم يقع.

----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٩٧٤، وتقدّم.
(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٤، وتقدّم.
(٣) أخرجه مسلم: ٩٧٥، وتقدّم.



ومّما يُقويّ عدم المشروعية حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ إِنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة» (١).
فقد أشار - ﷺ - إِلى أنّ القُبور ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حضّ على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يُقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إِلى أنّها ليست موضعًا للصلاة أيضًا.
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا» (٢).

جواز رفع اليدين عند الدعاء:
ويجوز رفع اليدين في الدّعاء لها؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «خرج رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، فأرسلتُ بَرِيرَة في إِثَرِهِ لتنظر أين ذهب؟
قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع، ثمّ رفع يديه، ثمّ انصرف، فرجعت إِليّ بريرة، فأخبرتني، فلمّا أصبَحْتُ سألْته، فقلت: يا رسول الله! أين خرجت الليلة؟ قال: بُعثت إِلى أهل البقيع لأُصلّي عليهم» (٣).

----------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٧٨٠.
(٢) أخرجه البخاري: ٤٣٢، ومسلم: ٧٧٧ بنحوه.
(٣) أخرجه أحمد، وهو في «الموطأ»، وعنه النسائي بنحوه، لكن ليس فيه رفع اليدين، وإسناده حسن.



عدم استقبال القبور حين الدعاء:
ولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها، بل الكعبة؛ لنهيه - ﷺ - عن الصلاة إِلى القبور؛ كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى- والدعاء مخُّ الصلاة ولبُّها كما هو معروف؛ فله حُكمها، وقد قال - ﷺ -: «الدعاء هو العبادة» وقرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ إِلى قوله: ﴿داخرين﴾ «(١).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٤٧):»فإِذا كان الدعاء من أعظم العبادة؛ فكيف يُتَوَجَّهُ به إِلى غير الجهة التي أمر باستقبالها في الصلاة؟! ولذلك كان من المُقرّر عند العلماء المُحققين أنه «لا يُستقبل بالدّعاء إِلا ما يستقبل بالصلاة».
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» (ص ١٧٥): «وهذا أصل مستمرٌّ: أنه لا يستحبُّ للداعي أن يستقبل إِلا ما يُستحبُّ أن يُصلّي إِليه، ألا ترى أنّ الرجل لما نُهي عن الصلاة إِلى جهة المشرق وغيرها؛ فإِنّه يُنهى أن يتحرّى استقبالها وقت الدعاء؟! ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواءً كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بيّن، وشرٌّ واضح، كما أنّ بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله، وقبر رسول الله - ﷺ -! وكلُّ هذه الأشياء من البدع التي تُضارع دين النصارى».

--------------------------
(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد»، والبخارى في «الأدب المفرد»، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٣١٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٠٨٦) وغيرهم.


قال شيخنا -رحمه الله-:»وذكر قبل ذلك بسطور عن الإِمام أحمد وأصحاب مالك: أنّ المشروع استقبال القبلة بالدّعاء؛ حتى عند قبر النبيّ - ﷺ - بعد السلام عليه.
... قال شيخ الإِسلام في «القاعدة الجليلة في التوسّل والوسيلة» (ص ١٢٥): «ومذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإِسلام: أنّ الرجل إِذا سلم على النّبيّ - ﷺ -، وأراد أن يدعو لنفسه؛ فإِنّه يستقبل القبلة ...».

عدم دخول مقابر الظالمين إِلا وهو يبكي:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين؛ إِلا أن تكونوا باكين، فإِن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبُكم ما أصابهم» (١).
وذلك لما أرادوا دخول الحِجر مساكن ثمود.
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٥٣١): "ووجه هذه الخشية؛ أنّ البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمَرهم بالتفكر في أحوالٍ توجب البكاء من تقدير الله -تعالى- على أولئك بالكفر؛ مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة، ثمّ إِيقاع نقمته بهم وشدّة عذابه، وهو -سبحانه- مقلب القلوب؛ فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إِلى مِثل ذلك. والتفكر أيضًا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإِهمالهم إِعمال عقولهم فيما يوجب الإِيمان به والطاعة له، فمن مرّ عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم؛ فقد شابههم

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٣٣، ومسلم: ٢٩٨٠.


في الإِهمال، ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه؛ فلا يأمن أن يجرّه ذلك إِلى العمل بمِثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم.
وبهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالمين من ليس بظالم؟ لأنّه بهذا التقرير لا يأمن أن يصير ظالمًا؛ فيُعذَّب بظلمه».

لا يمشي منتعلًا بين قبور المسلمين:
ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه؛ لحديث بشير بن الخصاصية قال: «بينما أُماشي رسول الله - ﷺ - .. أتى على قبور المسلمين ... فبينما هو يمشي؛ إِذ حانت منه نظرة؛ فإِذا هو برجلٍ يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحبَ السِّبْتيَّتيْن (١) ألقِ سِبتيّتيْك. فنظر، فلمّا عرف الرجل رسول الله - ﷺ - خلع نعليه، فرمى بهما» (٢).
قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٦٠): «والحديث يدلُّ على كراهية المشي بين القبور بالنّعال، وأغرب ابن حزم فقال: يحرم المشي بين القبور بالنّعال السّبّتية دون غيرها! وهو جمود شديد.
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٥٣):»وقد ثبت أن الإِمام أحمد كان يعمل بهذا الحديث، فقال أبو داود في «مسائله» (ص ١٥٨): «ورأيت أحمد إِذا تبع الجنازة فقرُب من المقابر؛ خلع نعليه».
(وكذا في «العلل» (٣٠٩١) - طبع بيروت).

--------------------
(١) جاء في «النهاية»: «السّبت -بالكسر-: جلود البقر المدبوغة بالقَرَظ [ورق شجر له شوك]، يتخذ منها النعال، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنّ شعرها قد سُبت عنها؛ أي: حُلق.
(٢) أخرجه أصحاب»السنن" وغيرهم، وقد تقدّم.



فرحمه الله، ما كان أتبعه للسّنة!».

تحريم وضع الرياحين والورود على القبور:
ولا يُشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور؛ لأنّه لم يكن من فعل السّلف، ولو كان خيرًا لسبقونا إِليه، وقد قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: «كلّ بدعةٍ ضلالة وإنْ رآها النّاس حسنة» (١).

عدم وضع الجريدة على القبر:
ورأى ابن عمر -رضي الله عنهما- فُسْطاطًا (٢) على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام! فإِنّما يُظلّه عمله«(٣).

نقْل الميت:
لا يجوز نقْل الميت من بلد إلى بلد -ولو أوصى بذلك-؛ لأنّه ينافي الإِسراع الذي أمر به - ﷺ -:»أسرعوا بالجنازة؛ فإِن تكُ صالحة؛ فخير تقدمونها ... «(٤).
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن قول بعض العلماء:»يحرم نقل الميت من بلد إِلى بلد؛ إِلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فإِنّه يجوز النقل إِلى إِحدى هذه البلاد لشرفها وفضلها«؟

-----------------
(١) أخرجه ابن بَطَّةَ في»الإِبانة عن أصول الديانة«، واللالكائي في»السنّة" موقوفًا بإِسناد صحيح.
(٢) الفسطاط: هو البيت من الشعر، وقد يطلق على غير الشعر.
(٣) أخرجه البخاري معلّقًا مجزومًا به (كتاب الجنائز) (٨١ - باب الجريد على القبر ...).
(٤) أخرجه البخاري: ١٣١٥، ومسلم: ٩٤٤، وتقدّم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #97  
قديم 14-01-2026, 05:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 210الى صــ 225
الحلقة (97)






فأجاب: «نحن مع النصوص»؛ يشير -رحمه الله- إِلى عدم الجواز؛ لمنافاة الإِسراع الذي أَمَر به النّبيّ - ﷺ -. والله أعلم.

ما يحرم عند القبور
ويحرم عند القبور ما يأتي:
١ - الذبح والنّحر؛ لقوله - ﷺ -: «لا عَقْرَ في الإِسلام».
قال عبد الرزّاق بن همام: «كانوا يَعْقِرون (١) عند القبر بقرة أو شاة» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله-: «قال النووي في»المجموع«(٥/ ٣٢٠):»وأمّا الذبح والعقر عند القبر؛ فمذموم؛ لحديث أنس هذا، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح«.
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]:»وهذا إِذا كان الذبح هناك لله -تعالى- وأمّا إِذا كان لصاحب القبر -كما يفعله بعض الجهال- فهو شرك صريح (٣)، وأكله حرام وفسق ...«.
٢ - رفْعها زيادة على التراب الخارج منها.

--------------------
(١) أي: ينحرونها ويقولون: إِنّ صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته، فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته، وأصل العقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم». «النهاية».
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٥٩) وغيره.
(٣) وهذا نقض الإِرجاء البدعي، وردٌّ على من يقول: إِن العمل بذاته لا يكون كُفرًا، ولكنّه دالٌّ على الكفر!!



قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٦١):».. [قال] ابن حزم في «المحلَّى» (٥/ ٣٣): «ولا يحلُّ أن يُبنى القبر، ولا أن يُجصّص، ولا أن يُزادَ على ترابه شيء، ويُهدمُ كلُّ ذلك».
وقال الإِمام محمد في «الآثار» (ص ٤٥): «أخبرنا أبو حنيفة عن حمّاد عن إِبراهيم قال: كان يُقال: ارفعوا القبر حتى يُعرف أنه قبر فلا يُوطأ.
قال محمد: وبه نأخذ، ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه، ونكره أن يُجصّص، أو يُطيّن، أو يجعل عنده مسجدًا أو علَمًا، أو يكتب عليه، ويكره الآجُرُّ أن يبنى به، أو يدخله القبر، ولا نرى برش الماء عليه بأسًا، وهو قول أبي حنيفة».
قال شيخنا -رحمه الله- بتصرّف: «ويدّل الحديث بمفهومه على جواز رفع القبر بقدْر ما يساعد عليه التراب الخارج منه، وذلك يكون نحو شبر.
ولعلّ النهي عن التجصيص -المراد الطلي به- من أجل أنه نوع زينة؛ كما قال بعض المتقدمين، وعليه فما حُكم تطيين القبر؟».
للعلماء فيه قولان: الأول: الكراهة. والآخر: أنّه لا بأس به.
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٦٢): "ولعلّ الصواب التفصيل على نحو ما يأتي: إِن كان المقصود من التطيّين المحافظة على القبر وبقائه مرفوعًا قدر ما سَمحَ به الشرع، وأنْ لا تنسفه الرياح ولا تبعثره الأمطار؛ فهو جائز بدون شكّ لأنّه يحقّق غاية مشروعة، ولعلّ هذا هو وجه من قال من الحنابلة: إِنه يُستحبُّ، وإن كان المقصود الزينة ونحوها ممّا لا فائدة فيه؛ فلا يجوز؛ لأنّه مُحدَث.


٣ - طَلْيُها بالكلس ونحوه.
٤ - الكتابة عليها.
قال شيخنا -رحمه الله-: «وأمّا الكتابة، فظاهر الحديث تحريمها، وهو ظاهر كلام الإِمام محمد، وصرّح الشافعية والحنابلة بالكراهة فقط!
وقال النووي (٥/ ٢٩٨):»قال أصحابنا: وسواءٌ كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه -كما جرت عادة بعض الناس- أم في غيره؛ فكلّه مكروه؛ لعموم الحديث«.
واستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة، بل للتعرف؛ قياسًا على وضع النّبيّ - ﷺ - الحجر على قبر عثمان بن مظعون كما تقدّم.
والذي أراه (١) -والله أعلم-: أنّ القول بصحة هذا القياس على إِطلاقه بعيد، والصواب تقييده بما إِذا كان الحجر لا يُحقّق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله - ﷺ - الحجر، ألا وهي التعرّف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلًا، وكثرة الأحجار المُعرّفة؛ فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقق به الغاية المذكورة».
٥ - البناء عليها.
٦ - القعود عليها.
وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن جابر -رضي الله عنه- قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن

---------------------
(١) الكلام لشيخنا -رحمه الله تعالى-.


يُجصّص (١) القبر، وأنْ يُقْعَدَ عليه، وأن يُبْنَى عليه، [أو يُزَاد عليه]، [أو يُكْتَبَ عليه]» (٢).
الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - نهى أن يبنى على القبر» (٣).
الثالث: عن أبي الهيّاج الأسَدي قال: «قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -؟! أن لا تدع تمثالًا إِلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إِلا سوّيته (٤)».
وفي رواية: «ولا صورة إِلا طمستها» (٥).
قال الشوكاني -رحمه الله- (٤/ ٧٢) في شرح هذا الحديث: «فيه أنّ السّنة أنّ القبرَ لا يُرفع رفعًا كبيرًا؛ من غير فرْق بين من كان فاضلًا ومن كان غير فاضل، والظاهر أنّ رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة، والشافعيّ، ومالك».
قال: «ومن رفع القبور -الداخل تحت الحديث دُخولًا أوّليًّا-: القُبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتّخاذ القبور مساجد، وقد لعن النّبيّ - ﷺ - فاعل ذلك ... وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من

---------------------
(١) يُجصّص؛ أي: يُطلى بالجصّ، وهو الكلس؛ من موادّ البناء.
(٢) أخرجه مسلم: ٩٧٠، وانظر لأجل تخريج الزيادات»أحكام الجنائز«(ص ٢٦٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (١٢٧٠).
(٤) أخرجه مسلم: ٩٦٩.
(٥) أخرجه مسلم: ٩٦٩.



مفاسد يبكي لها الإِسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكُفّار للأصنام، وعَظُم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأً لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدُّوا إِليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا.
وبالجملة: إِنّهم لم يَدَعُوا شيئًا ممّا كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إِلا فعلوه! فإِنّا لله وإنا إِليه راجعون!
ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع؛ لا نجد من يغضب لله، ويغار حميّة للدين الحنيف، لا عالمًا ولا مُتعلمًا، ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا، وقد توارد إِلينا من الأخبار ما لا يُشّك معه أنّ كثيرًا من هؤلاء القُبوريين أو أكثرهم -إِذا توجّهت عليه يمين من جهة خصْمِه- حلف بالله فاجرًا، فإِذا قيل له بعد ذلك: احلِف بشيخك ومعتقدك الوليّ الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحقّ!

وهذا من أبين الأدلة الدالة على أنّ شركهم قد بلغ فوق شرك من قال:
إِنّه -تعالى- ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة (١).
فيا عُلماء الدين! ويا ملوك المسلمين! أيُّ رُزْءٍ للإِسلام أشدُّ من الكفر؟! وأيُّ بلاء لهذا الدين أضرُّ عليه من عبادة غير الله؟! وأيّ مصيبة يُصاب بها

-------------------
(١) وهذا هو قول أهل السّنة والجماعة: أن المرء يكفُر بالفعل، وأنّ الفعل بذاته كُفر يدلّ على كُفر الباطن، لا كما تقوله المرجئة: أن الفعل ليس بكفر، لكنهَ يدلّ على كفر الباطن! وهذا من نقولات شيخنا -رحمه الله- القديمة التي تدلّ على نقضه عقيدة المرجئة وسائر العقائد الباطلة ونَصْرِه عقيدةَ السلف الصالح ومنهجهم، فرَحمه الله -تعالى- وجمعنا به مع النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا.


المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأيّ منكرٍ يجب إِنكاره إِنْ لم يكن إِنكار هذا الشرك واجبًا؟!
لقد أسمعتَ لو ناديت حيًّا ... ولكن لا حياةَ لمن تُنادي
ولو نارًا نَفَخْتَ بها أضاءَتْ ... ولكن أنت تنفخ في رَمادِ».
الرابع: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة فتُحرِقَ ثيابه، فتَخْلُصَ إِلى جلده: خير له من أن يجلس (وفي رواية: يطأ) على قبر» (١).
الخامس: عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لأن أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي (٢): أحبُّ إِليّ من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السّوق (٣)» (٤).
السادس: عن أبي مَرْثَد الغَنَويّ قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إِليها» (٥).

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٩٧١، وغيره.
(٢) الخصف: الخرز، والمراد أنّه صعب شديد.
(٣) يريد أنهما في القبح سيّان، فمن أتى بأحدهما؛ فهو لا يبالي بأيهما أتى، قاله السندي في «شرح ابن ماجه» (١/ ٤٧٤).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٧٣).
(٥) أخرجه مسلم: ٩٧٢.



٧ - الصلاة إِلى القبور؛ للحديث المتقدّم آنفًا: «لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلّوا إِليها».
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٦٩): «وفيه دليل على تحريم الصلاة إِلى القبر؛ لظاهر النهي». انتهى.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٢١): «وأمّا التمسُّح بالقبر، أو الصلاة عنده، أو قصْده لأجل الدعاء عنده، مُعتقِدًا أنّ الدعاء هناك من الدعاء في غيره، أو النذر له ونحو ذلك؛ فليس هذا من دين المسلمين؛ بل هو مما أُحدث من البدع القبيحة، التي هي من شُعب الشرك، والله أعلم وأحكم».
٨ - الصلاة عندها ولو بدون استقبال، وفيه أحاديث:
الأوّل: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -:»الأرض كلها مسجد؛ إِلا المقبرة والحمام«(١).
الثاني: عن أنس -رضي الله عنه» أنّ النبيّ - ﷺ - نهى عن الصلاة بين القبور«(٢).
الثالث: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال:»اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا«(٣).

-------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٦٣)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٦٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٦٠٦).
(٢) أخرجه البزار وغيره، وقال الهيثمي في»المجمع«:»ورجاله رجال الصحيح".
(٣) أخرجه البخاري: ٤٣٢، ومسلم: ٧٧٧.



الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تجعلوا بُيوتكم مقابر؛ إِنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» (١).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٧١): «وقد ترجم البخاري للحديث الثالث بقوله:»باب كراهية الصلاة في المقابر«.
وقال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٧٤):»[و] كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كلّ مكان منها؛ سواءً كان القبر أمام المُصلّي، أو خلفه، أو عن يمينه، أو عن يساره؛ لأنّ النهي مُطلق، ومن المقرّر في علم الأصول أن المطلق يجري على إِطلاقه حتى يأتي ما يُقيّده، ولم يَرِد هنا شيء من ذلك.
وقد صرح بما ذكرنا بعض فقهاء الحنفية وغيرهم كما يأتي، فقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الاختيارات العلمية» (ص ٢٥): "ولا تصحُّ الصلاة في المقبرة ولا إِليها، والنهي عن ذلك إِنما هو سدّ لذريعة الشّرك، وذكر طائفة من أصحابنا أنّ القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنّه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا!
وليس في كلام أحمد وعامّة أصحابه هذا الفرق؛ بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كلّ ما قُبر فيه، لا أنّه جمع قبر.
وقال أصحابنا: وكلُّ ما دخل في اسم المقبرة ممّا حول القبور لا يُصلّى فيه، فهذا يعيَّن أنّ المنع يكون مُتناولًا لحرمة القبر المنفرد وفِنائه المضاف إِليه.
وذكر الآمديّ وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه -أي: المسجد الذي قبلته إِلى

----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٧٨٠، وتقدّم.


القبر- حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد».
٩ - بناء المساجد عليها؛ وفيه أحاديث:
الأوّل: عن عائشة وابن عباس -رضي الله عنهم- قالا: «لما نُزِل برسول الله - ﷺ -؛ طفِق (١) يَطرَحُ خَمِيصةً (٢) على وجهه، فإِذا اغتمّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ يحذّرُ ما صنعوا» (٣).
الثاني: عن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ -: قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا؟ قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره؛ غير أنّي أخشى أنْ يُتَّخَذَ مسجدًا» (٤).
الثالث: عن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: «اللهم لا تجعل قبري وثَنًا، لعَن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥).
الرابع: عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّ أمّ حبيبة وأمّ سَلَمة ذكرتا كنيسةً

----------------------
(١) طَفِق -بكسر الفاء وفتحها-؛ أي: جعل، والكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن. «شرح النووي».
(٢) الخميصة: كساء له أعلام.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٤٥٣، ٣٤٥٤، ومسلم: ٥٣١.
(٤) أخرجه البخاري: ١٣٣٠، ومسلم: ٩٢٩، وتقدّم بعضه غير بعيد.
(٥) أخرجه أحمد، وابن سعد في «الطبقات»، وأبو يعلى، والحميدي، وأبو نعيم في «الحلية» بإِسناد صحيح.



رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنّبيّ - ﷺ -، فقال: «إِنّ أولئك إِذا كان فيهم الرجل الصالح فمات؛ بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصّور، فأولئك شِرار الخلق عند الله يوم القيامة» (١).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٧٩): «وهي تدلّ دلالة قاطعة على أنّ اتّخاذ القبور مساجد حرام؛ لما فيها من لعن المتّخذين، ولذلك قال الفقيه الهيتمي في»الزواجر«(١/ ١٢٠ - ١٢١):»الكبيرة الثالثة والتّسعون: اتخاذ القبور مساجد«؛ ثمّ ساق بعض الأحاديث المتقدّمة -وغيرها مما ليس على شرطنا- ثمّ قال:»وعدُّ هذه من الكبائر؛ وقع في كلام بعض الشافعية، وكأنّه أخذ ذلك ممّا ذكره من هذه الأحاديث، ووجهه واضح؛ لأنّه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صُلحائه شرّ الخلق عند الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية: «يحذّر ما صنعوا»، أي: يُحذّر أمّته -بقوله لهم ذلك- من أنْ يصنعوا كصنع أولئك، فيُلعَنُوا كما لُعِنُوا ..
قال بعض الحنابلة: قَصْدُ الرّجل الصلاةَ عند القبر متبركًا بها: عين المُحادَّة لله ورسوله، وإيداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها، ثمّ إِجماعًا؛ فإِنّ أعظم المحرمات وأسباب الشرك: الصلاة عندها، واتّخاذها مساجد، أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إِذ لا يظنُّ بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النّبيّ - ﷺ - لعن فاعله، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور؛ إِذ هي أضر من مسجد الضّرار لأنها أسست على معصية رسول الله - ﷺ -؛ لأنّه نهى عن ذلك، وأمر بهدم القبور المشرفة، وتجب إِزالة كلّ قنديل أو

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٢٧، ومسلم: ٥٢٨.


سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره». انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٦٣): «.. كذلك قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر، وإن كان الميت قد قُبِر في مسجدٍ وقد طال مكثه؛ سُوَّيَ القبر حتى لا تظهر صورته؛ فإِن الشرك إِنما يحصل إِذا ظهرت صورته، ولهذا كان مسجد النّبيّ - ﷺ - أولا مقبرة للمشركين، وفيها نخل وخَرِبٌ، فأمر بالقبور فنبشت، وبالنخل فقطع، وبالخرب فسويت، فخرج عن أن يكون مقبرة، فصار مسجدًا».
قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: «هذا .. والاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدّمة يشمل عدّة أمور:
الأول: الصلاة إِلى القبور مُستقبلًا لها.
الثاني: السّجود على القبور.
الثالث: بناء المساجد عليها.
والمعنى الثاني ظاهر من الاتّخاذ، والآخران -مع دخولهما فيه- فقد جاء النصُّ عليهما في بعض الأحاديث المتقدّمة».
١٠ - اتخاذها عيدًا، تُقصد في أوقات معينة، ومواسم معروفة للتعبد عندها أو لغيرها؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قُبورًا، وحيثما كنتم فصلّوا عليّ؛ فإِنّ صلاتكم تبلغني» (١).

-----------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٩٦)، وأحمد بإسناد حسن، وهو على شرط مسلم، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٢٨٠).


قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٨٤): «وممّا يدخل في ذلك دخولًا أوّليًا: ما هو مشاهد اليوم في الدينة [النبوية]، من قصد الناس -دُبُرَ كلّ صلاة مكتوبة- قبر- النّبيّ - ﷺ - للسلام عليه والدُّعاء عنده وبه، ويرفعون أصواتهم لديه، حتى ليضجّ المسجد بهم، ولا سيّما في موسم الحجّ، حتى لكأنّ ذلك من سنن الصلاة! بل إِنهم يحافظون عليه أكثر من محافظتهم على السّنن! وكلّ ذلك يقع على مرأىً ومسمعٍ من ولاة الأمر، ولا أحد منهم يُنكر، فإِنّا لله وإنّا إِليه راجعون! وأسفًا على غُربة الدين وأهله، وفي مسجد النّبيّ - ﷺ - الذي ينبغي أن يكون أبعد المساجد -بعد المسجد الحرام- عمّا يخالف شريعته عليه الصلاة والسلام».
وقال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٨٥): «ويجوز لمن بالمدينة إِتيان القبر الشريف للسلام عليه - ﷺ - أحيانًا؛ لأنّ ذلك ليس من اتخاذه عيدًا؛ كما هو ظاهر.
والسلام عليه وعلى صاحبيه -رضي الله عنهما- مشروع بالأدلة العامة، فلا يجوز نفي المشروعية مطلقًا لنهيه - ﷺ - عن اتّخاذ قبره عيدًا؛ لإِمكان الجمع بملاحظة الشّرط الذي ذكَرْنا.
ولا يَخْدِجُ عليه أننا لا نعلم أنّ أحدًا من السلف كان يفعل ذلك؛ لأنّ عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه كما يقول العلماء، ففي مثل هذا؛ يكفي لإِثبات مشروعيته الأدلة العامّة؛ ما دام أنّه لا يثبت ما يُعارضها فيما نحن فيه.
على أنّ شيخ الإِسلام قد ذكر في»القاعدة الجليلة" (ص ٨٠ - طبع المنار) عن نافع أنه قال: كان ابن عمر يُسلم على القبر، رأيته -مائة مرة أو أكثر-


يجيء إِلى القبر فيقول: السلام على النّبيّ - ﷺ -، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثمّ ينصرف؛ فإِنّ ظاهره أنّه كان يفعل ذلك في حالة الإِقامة لا السفر؛ لأنّ قوله:»مائة مرة«؛ ممّا يُبعد حمل هذا الأثر على حالة السفر».

١١ - السفر إِليها؛ وفيه أحاديث:
الأول: عن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تُشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى» (١).
الثاني: عن أبي بَصْرَةَ الغِفَاري: أنه لقي أبا هريرة وهو جاءٍ من الطُّور، فقال: من أين أقبلْتَ؟ قال: أقبلت من الطُّور، صلّيت فيه.
قال: أما إِنّي لو أدركتك لم تذهب إِنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تُشدُّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله-: «ومّما يَحْسُنُ التنبيه عليه ... أنّه لا يدخل في النهي السّفر للتجارة وطلب العلم؛ فإِنّ السّفر إِنّما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت، لا لخُصوص المكان، وكذلك السّفر لزيارة الأخ في الله؛ فإِنّه ليس هو المقصود، كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في»الفتاوى«(٢/ ١٨٦)».
١٢ - إِيقاد السُّرُجِ عندها؛ والدليل على ذلك عدّة أمور:
أولًا: كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح، وقد قال - ﷺ -: "كل

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١١٨٩.
(٢) أخرجه الطيالسي، وأحمد، -والسياق له- وغيرهما، وإسناده صحيح.



بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار» (١).
ثانيًا: أنّ فيه إِضاعة للمال، وهو منهيٌّ عنه، كما في حديث المغيرة بن شعبة عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إنّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» (٢).
ثالثًا: أنّ فيه تشبهًا بالمجوس عُبّاد النار، قال ابن حجر الفقيه في «الزواجر» (١/ ١٣٤): «صرّح أصحابُنا بحرمة السّراج على القبر وإِنْ قلّ؛ حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعلّلوه بالإِسراف، وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة».
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٩٤): «ولم يورد -بالإِضافة إِلى ما ذكر من التعليل- دليلنا الأوّل، مع أنه دليل وارد، بل لعلّه أقوى الأدلة؛ لأنّ الذين يوقدون السّرج على القبور إِنما يقصدون بذلك التقرّب إِلى الله -تعالى زعموا! - ولا يقصدون الإِنارة على المقيم، بدليل إِيقادهم إِياها والشمس طالعة في رابعة النهار! فكان من أجل ذلك بدعة ضلالة».
١٣ - كسر عظامها:
والدليل عليه قوله - ﷺ -: «إِنّ كسر عظم المؤمن ميتًا مثل كسره حيًّا» (٣).

---------------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (١٤٨٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» بسند صحيح، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ١٤٧٧، ومسلم: ١٧١٥، وتقدّم.
(٣) أخرجه البخاري في «التاريخ»، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٤٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣١٠)، وغيرهم وتقدّم.



قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٩٦):»والحديت دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن، ولهذا جاء في كتب الحنابلة: «ويحرم قطع شيء من أطراف الميت، وإِتلاف ذاته، وإحراقه، ولو أوصى به». كذا في «كشّاف القناع» (٢/ ١٢٧). ونحو ذلك في سائر المذاهب، بل جزم ابن حجر الفقيه في «الزّواجر» (١/ ١٣٤) بأنّه من الكبائر، قال: «لما علمت من الحديث أنه ككسر عظم الحيّ».
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٩٧): ويستفاد من الحديث السابق شيئان: الأول: حُرمة نبش قبر المسلم؛ لما فيه من تعريض عظامه للكسر، ولذلك كان بعض السلف يتحرّج من أن يُحفر له في مقبرة يكثر الدفن فيها، قال الإِمام الشافعي في «الأم» (١/ ٢٤٥): «أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما أُحبُّ أن أُدفن بالبقيع! لأنْ أُدفن في غيره أحبُّ إِليّ؛ إِنّما هو أحد رجلين: إِمّا ظالم؛ فلا أُحبُّ أن أكون في جواره، وأمّا صالح؛ فلا أُحبُّ أن ينبش في عظامه، قال: وإِنْ أُخرجت عظام ميّت أحببت أن تعاد فتدفن».
وقال النووي في «المجموع» (٥/ ٣٠٣) ما مختصره: «ولا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب، ويجوز بالأسباب الشرعية كنحو ما سبق (في المسألة: ١٠٩)، ومختصره:»أنه يجوز نبش القبر إِذا بلي الميت وصار تُرابًا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب، وهذا كلّه إِذا لم يَبْقَ للميت أثر من عظم وغيره، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض، ويعتمد فيه قول



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #98  
قديم 14-01-2026, 05:46 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 226الى صــ 240
الحلقة (98)






أهل الخبرة بها».
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: ومنه تعلم تحريم ما ترتكبه بعض الحكومات الإِسلامية من درس بعض المقابر الإِسلامية ونبشها؛ من أجل التنظيم العمراني، دون أي مبالاة بحرمتها، أو اهتمام بالنهي عن وطئها وكسر عظامها ونحو ذلك!
ولا يتوهّمنّ أحد أنّ التنظيم المشار إِليه يُسوغّ مثل هذه المُخالفات! كلا؛ فإِنّه ليس من الضّروريّات، وإنما من الكماليات التي لا يجوز بمثلها الاعتداء على الأموات، فعلى الأحياء أن يُنظِّموا أمورهم، دون أن يؤذوا موتاهم.
ومن العجائب التي تلفت النّظر: أن ترى هذه الحكومات تحترم الأحجار والأبنية القائمة على بعض الموتى أكثر من احترامها للأموات أنفسهم؛ فإِنّه لو وقف في طريق التنظيم المزعوم بعض هذه الأبنية -من القباب أو الكنائس ونحوها-؛ تركتها على حالها، وعدّلت من أجلها خارطة التنظيم؛ إِبقاءً عليها؛ لأنّهم يعتبرونها من الآثار القديمة!
وأمّا قبور الموتى أنفسهم؛ فلا تستحق عندهم ذلك التعديل! بل إِنّ بعض تلك الحكومات لتسعى -فيما علمنا- إِلى جعل القبور خارج البلدة، والمنع من الدفن في القبور القديمة؛ وهذه مخالفة أخرى في نظري؛ لأنها تُفوِّت على المسلمين سُنّة زيارة القبور؛ لأنّه ليس من السّهل على عامّة الناس أن يقطع المسافات الطويلة حتى يتمكن من الوصول إِليها، ويقوم بزيارتها والدّعاء لها!
والحامل على هذه المُخالفات -فيما أعتقد-: إِنّما هو التقليد الأعمى لأوروبّا الماديّة الكافرة، التي تريد أن تقضي على كلّ مظهر من مظاهر الإِيمان


بالآخرة، وكلّ ما يذكّر بها، وليس هو مراعاةَ القواعد الصِّحّيّة كما يزعمون! ولو كان ذلك صحيحًا؛ لبادروا إِلى مُحاربة الأسباب التي لا يشكُّ عاقل في ضررها، مثل بيع الخمور وشربها، والفسق والفجور؛ على اختلاف أشكاله وأسمائه، فعدم اهتمامهم بالقضاء على هذه المفاسد الظاهرة، وسعيُهم إِلى إِزالة كلّ ما يُذكّر بالآخرة وإِبعادها عن أعينهم: أكبر دليل على أنّ القصد خلاف ما يزعمون ويعلنون، وما تُكنّه صدورهم أكبر.
الثاني: أنه لا حرمة لعظام غير المؤمنين؛ لإِضافة العظم إِلى المؤمن في قوله: «عظم المؤمن»، فأفاد أنّ عظم الكافر ليس كذلك، وقد أشار إِلى هذا المعنى الحافظ في «الفتح» بقوله: «يُستفاد منه أنّ حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته».
ومن ذلك يُعرف الجواب عن السؤال الذي يتردّد على ألسنة كثيرٍ من الطُّلاّب في كلّيّات الطب، وهو: هل يجوز كسر العظام لفحصها وإِجراء التحرّيات الطبية فيها؟
والجواب: لا يجوز ذلك في عظام المؤمن، ويجوز في غيرها. ويؤيده ما يأتي في المسألة التالية:
يجوز نبش قُبور الكفار؛ لأنّه لا حرمة لها؛ كما دلَّ عليه مفهوم الحديث السابق، ويشهد له حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "قدم النّبيّ - ﷺ - المدينة، فنزل أعلى المدينة في حيّ -يقال لهم: بنو عمرو بن عوف- فأقام النّبيّ - ﷺ - فيهم أربع عشرة ليلة، ثمّ أَرسل إِلى بني النجّار، فجاءوا متقلّدي السيوف، كأنّي أنظر إِلى النّبيّ - ﷺ - على راحلته وأبو بكر رِدْفَهُ وملأُ بني النجار


حوله، حتى ألقى (١) بفِناء (٢) أبي أيوب، وكان يُحبّ أن يصلّي حيث أدركته الصلاة، ويُصلّي في مرابض الغنم (٣)، وإنّه أمر ببناء المسجد، فأرسل إِلى ملإٍ من بني النجار: ثامنوني (٤) بحائطكم هذا. قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إِلا إِلى الله.
فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خَرِب (٥)، وفيه نخل، فأمر النّبيّ - ﷺ - بقبور المشركين فنُبِشَتْ، ثمّ بالخَرب فسُوِّيَتْ، وبالنخل فقُطِع، فصفّوا النخل قِبلة المسجد، وجعلوا عِضادتيه (٦) الحجارة، وجعلوا ينقلون الصّخر وهم يرتجزون، والنّبيّ - ﷺ - معهم وهو يقول:
اللهم لا خيرَ إِلا خيرُ الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجِرَة» (٧).
عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «كسر عظم الميت

---------------------
(١) أي: ألقى رحله.
(٢) هو الناحية المتسعة أمام الدار.
(٣) مرابض الغنم: هي مباركها ومواضع مبيتها ووضْعها أجسادها على الأرض للاستراحة، وتقدّم معناها في»كتاب الطهارة«.
(٤) ثامنوني؛ أي: اذكروا لي ثمنه؛ لأذكر لكم الثمن الذي أختاره، قال ذلك على سبيل المساومة.»فتح«.
(٥) خَرِب؛ قال القاضي: رُوِّيناه هكذا؛ ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو ما تخرّب من البناء.»شرح النووي".
(٦) العِضادة -بكسر العين-: هي جانب الباب.
(٧) أخرجه البخاري: ٤٢٨، ومسلم: ٥٢٤.



ككسره حيًّا«(١).
قال شيخنا -رحمه الله-:»قال الحافظ في «الفتح»: وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدارسة إِذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها؛ وإِخراج ما فيها؛ وجواز بناء المساجد في أماكنها«.

تحريم جعْل المصاحف عند القبور للقراءة:
جاء في»مجموع الفتاوى«(ص ٣٠١):».. وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته؛ فبدعة منكرة، لم يفعلها أحد من السلف، بل هي تدخل في معنى «اتخاذ المساجد على القبور» وقد استفاضت السنن عن النّبيّ - ﷺ -[في النهي] عن ذلك، حتى قال: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يُحَذِّرُ ما صنعوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا.
وقال: «إِن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإِني أنهاكم عن ذلك»، ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
ومعلوم أن المساجد بنيت للصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، فإِذا اتخذ القبر لبعض ذلك؛ كان داخلًا في النهي، فإِذا كان هذا مع كونهم يقرؤون فيها؛

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٤٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣١٠) وتقدّم.


فكيف إِذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها، ولا ينتَفع بها لا حيٌّ ولا ميتٌ؟! فإِن هذا لا نزاع في النهي عنه.
ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك؛ لفعله السلف؛ فإِنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه، وأسرع إِلى فعل ذلك وتَحرِّيهِ».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن قراءة القرآن عند القبر؟
فقال: لا أراها.
فقلت له: من أيّ باب؟
فأجاب: لعدم وجود مصلحةٍ تستوجب هذا التكلّف.


الحج
تعريفه:
الحج -لغةً-: القصد، قال الله -تعالى-: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت﴾ (١). أي: قصد البيت.
وفي الشرع: القصد إِلى أماكن مخصوصة للقيام بأعمال مخصوصة.

فضله والترغيب فيه:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «العمرة إِلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور (٢) ليس له جزاءٌ إلاَّ الجنة» (٣).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تابِعوا بين الحج والعمرة؛ فإِنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ (٤) الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة» (٥).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - سُئِل: أي العمل أفضل؟

-----------------------(١) آل عمران: ٩٧.
(٢) المبرور: هو الذي لا يخالطه شيء من الإِثم. وقيل: هو المقبول المقابَل بالبرّ، وهو الثواب. «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ١٧٧٣، ومسلم: ١٣٤٩.
(٤) الخَبَث: هو ما تُلقيه النار من وسخ الفضّة والنحاس وغيرهما إذا أُذيبا. «النهاية».
(٥) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٥٠)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٤٦٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٣٤)، وانظر «المشكاة» (٢٥٢٤) و«الصحيحة» (١٢٠٠).



فقال: «إِيمان بالله ورسوله. قيل: ثمّ ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: حج مبرور» (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من حج لله، فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ؛ رجع كيومَ ولدته أمه (٢)» (٣).
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: «يا رسول الله! ألا نغزو ونجاهد معكم؟! فقال: لَكُنَّ أحسنُ الجهاد وأجمله: الحج حج مبرور، فقالت عائشة: فلا أدَعُ الحج بعد إِذ سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -» (٤).
عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: «لمّا جعل الله الإِسلام في قلبي؛ أتيتُ النّبيّ - ﷺ - فقلت: ابسُطْ يمينك فلأبايعك؛ فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: ما لك يا عمرو؟! قال: قلت: أردت أن أشترط! قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أنّ الإِسلام يهدم ما كان قبله؟ وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله؟» (٥).
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفْد (٦) الله: دعاهم فأجابوه، وسألوه

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٦، ومسلم: ٨٣.
(٢) أي: بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتَّبِعَات.»فتح«.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٢١، ومسلم: ١٣٥٠.
(٤) أخرجه البخاري: ١٨٦١.
(٥) أخرجه مسلم: ١٢١.
(٦) قال في»النهاية«:»قد تكرّر ذِكر الوفد في الحديث، وهم القوم يجتمعون =



فأعطاهم» (١).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما ترفع إِبل الحاج رِجْلًا، ولا تضع يدًا؛ إلاَّ كتبَ الله له بها حسنة، أو محا عنه سيئة، أو رفعه بها درجة» (٢).

الحج جهادٌ لا شوكة فيه:
عن الحسين بن علي -رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِني جبان، وإني ضعيف، قال: هلمّ إِلى جهاد لا شوكة فيه: الحج» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة: الحج والعمرة» (٤).
وعن أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «الحجّ جهادُ كل

---------------------
= ويَرِدُون البلاد، واحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء؛ لزيارةٍ واسترفادٍ وانتجاع وغير ذلك».
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٣٩)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٤٦٢)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٠٨).
(٢) أخرجه البيهقي في «الشعب»، وابن حبان في «صحيحه»، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٠٦).
(٣) أخرجه الطبراني في «الكبير»، و«الأوسط»، وصححّه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ١٥٢)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٩٨).
(٤) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٤٦٣)، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٠٠).



ضعيف» (١).

أجر الحاج والمعتمر على قدر نَصَبِهِ ونفقته:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «يا رسول الله! يصدُرُ الناس بنُسُكين وأصدُر بنُسُك؟ فقيل لها: انتظري فإِذا طهُرْتِ فاخرجي إِلى التنعيم؛ فأهلِّي ثمّ ائتينا بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك» (٢).
وفي رواية: «إِنما أجرك في عمرتك على قدْر نفقتك» (٣).

من خرَج حاجًّا فمات:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من خرج حاجًّا فمات؛ كُتب له أجر الحاج إِلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات؛ كُتِب له أجر المعتمر إِلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا فمات؛ كُتب له أجر الغازي إِلى يوم القيامة» (٤).

وجوب الحجّ مرّة واحدة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال؛ خطَبنا رسول الله - ﷺ - فقال: «أيها

--------------------
(١) أخرجه ابن ماجه، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١١٠٢).
(٢) أخرجه البخاري: ١٧٨٧، ومسلم: ١٢١١.
(٣) أخرجه الحاكم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١١١٦).
(٤) رواه أبو يعلى من رواية محمد بن إِسحاق، وبقية رواته ثقات، وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب" (١١١٤).



الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجّوا. فقال رجل: أكُلَّ عام يا رسول الله؟! فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم. ثمّ قال: ذروني ما تركتكم؛ فإِنما هلك من كان قبلكم بكثرة سُؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإِذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (١).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ الأقرع بن حابس سأل النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرّةً واحدةً؟ قال: بل مرّة واحدة، فمن زاد [فتطوَّع] فهو تطوُّع» (٢).

وجوبه على الَفْورِ:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أراد الحج فليتعجّل؛ فإِنّه قد يمرض المريض، وتَضِلُّ الضالّة، وتعرضُ الحاجة» (٣).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- كما في «الاختيارات» (ص ١١٥): «والحج واجب على الفور عند أكثر العلماء».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عمن يقول: لا يجب الحجّ على الفور؛ لأنّ رسول الله - ﷺ - أخّر الحج إِلى سنة عشرة، وكان معه أزواجه وكثير من أصحابه، فلو كان واجبًا على الفور؛ لَما أخرهعليه الصلاة والسلام-؟

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧ - واللفظ له-.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٥١٤)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٤٥٧)، وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٩٨٠).
(٣) أخرجه أحمد وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٣١)، وانظر «الإِرواء» (٩٩٠).



فأجاب -رحمه الله-:»هذا تعليل ظنّي، ومن الظنّ المنهيّ عنه؛ لأنّ أيّ إِنسان لم يحجّ فور وجوب الحجّ عليه؛ يُحتمل أن يكون له عذر غير عُذر آخر مثله، من حيث إِنّه لم يحج فورًا، وهذا أمرٌ لا يناقش فيه الإِنسان، وبخاصة فيما يتعلّق برجل دولة كالرسولعليه الصلاة والسلام- حينما يقال: إِنه لم يحج على الفور لأنّه كان مستطيعًا أن يحج على الفور؛ من أين لهذا المدعي أنه كان مستطيعًا هذا؟! فلا سبيل إِليه إِلا بنص من الرسول -عليه الصلاة والسلام- يخبر فيه أنه ما حج فورًا؛ لأنّ الحج فورًا ليفرض عين، هذا لا سبيل إِليه إِطلاقًا.
وهذا نحن نقوله فيما لو لم يكن لدينا نصٌّ يوجب علينا الحج فورًا، ولا شكّ أن الاستدلال على فورية الحج الواجب له عدة أدلة؛ فبعضها من الأدلة العامة، كمِثل قوله -تعالى-: ﴿وسارعوا إِلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدَّت للمتقين﴾؛ لأنّ المعنى: سارعوا إِلى الأخذ بالأسباب التي تستحقون بها مغفرته، فالأمر بالمسارعة يؤكد الفورية التي نحن نبحث فيها الآن.
ونص صريح هو قوله -عليه السلام-: «من أراد الحجّ فليتعجّل»، فمع وجود هذين الدليلين وردّ الاحتمال الظنّي؛ لا يصحّ أن يقولوا: إِن الحجّ ليس على الفور؛ لا سيما أنّ الحج عبادة في السَّنَة مرة واحدة.
فحين تكون هناك مسافة زمنية بعيدة بين الإِنسان وبين وقت العبادة؛ فهنا يقع احتمال عارض المرض، وفِقدان المال ونحو ذلك، فحين تعرض مِثل هذه الأعذار لبعد المسافة الزمنية؛ فإِنها أقوى من أن يعرض عُذرٌ في الصلاة المحدّدة


الوقت.
لذلك هذه ملاحظة توجب على الإِنسان -حينما يشعر أثناء السَّنَة بالاستطاعة- أنه يجب عليه الحج، وأن يُعِدّ نفسه لذلك، ولا يتمهّل بحُجَّة أنّه لا يجب عليه على الفور، وما يدريه أنه سيعيش إِلى السّنة القادمة؟».

حكمه:
الحج رُكن من أركان الإِسلام وفرض من فرائضه.
قال الله -تعالى-: ﴿ولله على الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِليه سبيلًا ومن كفر فإِنّ الله غنيٌّ عن العالمين﴾ (١).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بُني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إِله إِلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان» (٢).

على من يجب؟
يجب الحج على كل مسلم بالغ عاقل حُرٍّ مستطيع.
عن علي -رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (٣).

----------------------
(١) آل عمران: ٩٧.
(٢) أخرجه البخاري: ٨، ومسلم: ١٦.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠٣)، وابن ماجه "صحيح سنن =



وأمّا الاستطاعة؛ فلقول الله -تعالى-: ﴿ولله على النّاس حِجّ البيت من استطاع إِليه سبيلًا ومن كفر فإِنّ الله غنيّ عن العالمين﴾ (١).

بِمَ تتحقق الاستطاعة (٢)؟
تتحقق الاستطاعة بما يأتي:
١ - أن يكون المكلّف صحيح البدن، فإِن عجَز عن الحج لشيخوخته، أو مرض لا يرجى شفاؤه؛ لزمه إِحجاج غيره عنه إِن كان له مال، كما سيأتي إِن شاء الله -تعالى-.
٢ - أن تكون الطريق آمنة، بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله؛ فلو خاف على نفسه من قُطّاع الطريق، أو وباء، أو خاف على ماله من أن يُسْلَبَ منه؛ فهو ممن لم يستطع إِليه سبيلًا.
٣، ٤ - أن يكون مالكًا للزاد والراحلة.
والمعتبر في الزاد: أن يملك ما يكفيه مما يصحّ به بدنه، ويكفي من يعوله كفاية فاضلة عن حوائجه الأصلية؛ من ملبس ومسكن ومركب، حتى يؤدي الفريضة ويعود.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإِذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل

------------------------
= ابن ماجه» (١٦٦٠) وغيرهما، وانظر «الإرواء» (٢٩٧)، وتقدّم.
(١) آل عمران: ٩٧.
(٢) عن «فقه السّنة» (١/ ٦٣٠) بتصرّف وزيادة حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.



-تعالى-: ﴿وتزوَّدوا فإِنّ خير الزاد التقوى (١)﴾» (٢).
والمعتبر في الراحلة؛ أن تمكِّنه من الذهاب والإِياب، سواءٌ أكان ذلك عن طريق البر، أو البحر، أو الجو.
وهذا بالنسبة لِمَنْ لا يمكنه المشي لبعده عن مكة، فأمّا القريب الذي يمكنه المشي؛ فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه؛ لأنها مسافة قريبة يمكنه المشي إِليها.
٥ - أن لا يوجد ما يمنع من الذهاب إِلى الحج؛ كالحبس أو الخوف من سلطان جائر يمنع الناس.

حجّ الصبيّ والعبد:
لا يجب على الصبيّ والعبد حجٌّ، وإذا حجّا صحّ منهما، لكن عليهما أن يحجّا حجَّة أخرى؛ إِذا بلغ الصبي، وأعتق العبدُ.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: «أيّما صبيّ حجّ ثمّ بلَغ؛ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حجَّ ثمّ عُتق؛ فعليه حجّة أخرى» (٣).
وعن السائب بن يزيد قال: «حُجَّ بي مع رسول الله - ﷺ - وأنا ابن سبع سنين» (٤).

------------
(١) البقرة: ١٩٧.
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٢٣، وانظر «الفتح» (٣/ ٣٨٤) -إن شئت- للمزيد من الفوائد الحديثية.
(٣) أخرجه الشافعي، والطحاوي وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٩٨٦).
(٤) أخرجه البخاري: ١٨٥٨.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #99  
قديم 14-01-2026, 05:49 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 241الى صــ 255
الحلقة (99)






وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ -: أنه لقي ركْبًا (١) بالرَّوْحَاءِ (٢) فقال: «من القوم؟ قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله. فرفعت إِليه امرأة صبيًّا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر» (٣).

وجوب اصطحابِ المرأةِ ذا مَحْرَمٍ:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: «لا يخلُوَنّ رجل بامرأة، ولا تسافرنّ امرأة إلاَّ ومعها محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله! اكتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا، وخرَجَت امرأتي حاجّة؟ قال: اذهب فاحجُج مع امرأتك» (٤).
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا؛ إِلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها» (٥).
جاء في «فيض القدير» (٦/ ٣٩٨) (٦): «إلاَّ مع ذي محرم: بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وفي رواية:»إِلا ومعها ذو محرم«؛ أي: من يحرُم عليه


-----------
(١) الرّكب: أصحاب الإِبل خاصّة، وأصله أن يستعمل في عشرة فما دونها.»نووي«.
(٢) الروحاء: مكان على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة.»نووي".
(٣) أخرجه مسلم: ١٣٣٦.
(٤) أخرجه البخاري: ٣٠٠٦، ومسلم: ١٣٤١.
(٥) أخرجه مسلم: ١٣٤٠.
(٦) ملتقطًا.



نكاحها من الأقارب؛ كأخ وعمّ وخال، ومن يجري مجراهم؛ كزوج، كما جاء مصرحًا به في روايةٍ ... والمحرم: من حَرُم نكاحه على التأبيد بسبب مُباح لحرمتها. قال ابن العربي: النساء لحم على وضَم (١)، كلُّ أحد يشتهيهن، وهنّ لا مدفع عندهنّ، بل الاسترسال فيهن أقرب من الاعتصام، فحصَّن الله عليهن بالحجاب وقطْع الكلام، وحرّم السلام، وباعد الأشباح إِلا مع من يستبيحها وهو الزوج، أو يُمنع منها وهو أولو المحارم، ولما لم يكن بُدٌّ من تصرفّهن؛ أُذن لهن فيه بشرط صحبة من يحميهن، وذلك في مكان [مخافة استمالتهن وخديعتهنّ]، وهو السفر، مقر الخلوة ومعْدن الوحدة».

استئذانُ المرأةِ زوجَها (٢):
يُسنّ للمرأة أن تستأذن زوجها في الخروج إِلى الحجّ المفروض، فإِن أَذِن لها خرجت، وإن لم يأذن لها خرجت بغير إِذنه؛ لأنّه ليس للرجل مَنْعُ امرأة من حجّ الفريضة؛ لأنها عبادة واجبة عليها، ولا طاعة لخلوق في معصية الخالق -سبحانه - وعليها أن تعجل به لتُبْرِئ ذمّتها.
وأمّا حجّ التطوُّع فله منْعُها منه.
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- كما في «الاختيارات» (ص ١١٥): «وليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع ذي محرم، وعليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك؛ حتى إِن كثيرًا من العلماء أو أكثرهم؛ يوجبون لها النفقة عليه مدةَ الحج».

------------------
(١) الوضَم: كل ما يوضَع عليه اللحم من خشب أو حصير أو نحو ذلك. «الوسيط».
(٢) عن «فقه السنة» (١/ ٦٣٦) بتصرّف.



من مات أو عجَز وعليه حجّ:
من مات ولم يحج حجة الإِسلام، أو نذر أن يحجّ، أو عجَز لمرض أو شيخوخة؛ وجب على أبنائه الحجّ عنه، أو توكيل من يحجّ عنه.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن امرأة من جُهينة جاءت إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: «إنّ أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحجّ عنها؟ قال: نعم؛ حُجّي عنها؛ أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قَاضِيَتَهُ؟! اقضوا الله؛ فالله أحقّ بالوفاء» (١).
وعنه -رضي الله عنه- قال: «جاءت امرأة من خَثْعَمٍ فقالت: يا رسول الله! إِنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدرَكت أبي شيخاَ كبيرًا لا يثبت على الراحلة؛ أفأحجّ عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجّة الوداع» (٢).
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٢): «وسُئل عن شيخ كبير وقد انحلت أعضاؤه، لا يستطيع أن يأكل أو يشرب، ولا يتحرك، هل يجوز أن يستأجر من يحج عنه الفرض؟
فأجاب: أمّا الحج؛ فإِذا لم يستطع الركوب على الدابة؛ فإِنه يستنيب من يحجّ عنه». انتهى.
واختلف العلماء هل يُحَجّ عنه سواءٌ أوصى أم لم يوصِ؟
فمنهم من رأى أنه يُحجّ عنه أوصى أو لم يوصِ.

----------------
(١) أخرجه البخاري: ١٨٥٢.
(٢) أخرجه البخاري: ١٥١٣.



ومنهم من اشترط الوصيّة أو عدم القدرة.
قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- عقب حديث الخثعمية: «وقد صحّ عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الباب غير حديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - وغيرهم، وبه يقول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ يرون أن يحج عن الميت.
وقال مالك: إِذا أوصى أن يُحَجّ عنه حُجَّ عنه.
وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحيّ، إِذا كان كبيرًا، وبحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك والشافعي» (١).
جاء في «المنتقى شرح موطأ مالك» (٣/ ٤٧٠): «والعبادات على ثلاثة أضرب:
عبادة مختصة بالمال كالزكاة، فلا خلاف في صحة النيابة فيها.
وعبادة مختصة بالجسد كالصوم والصلاة، فلا خلاف في أنه لا تصح النيابة فيها. ولا خلاف في ذلك نعلمه؛ إلاَّ ما يروى عن داود أنه قال: من مات وعليه صوم يصوم عنه وليه.
وعبادة لها تعلق بالبدن والمال كالجهاد والحج، فقد أطلق القاضي أبو محمد أنه تصح النيابة فيها.
وقد كره ذلك مالك -رحمه الله- قال: ولا يحج أحد عن أحد ولا يصلّي أحد عن أحد، ورأى أنّ الصدقة على الميت أفضل من استئجار من يحجّ عنه؛ إِلا أنه إِن أوصى بذلك نُفّذت وصيته.

-------------------
(١) انظر»صحيح سنن الترمذي" (١/ ٢٧٥).


وقال القاضي أبو الحسن: لا تصح النيابة، وإنما للميت المحجوج عنه نفقته إِن أوصى أن يستأجر من ماله على ذلك، وإن تطوع عنه بذلك أحد؛ فله أجر الدعاء وفضله؛ وهذا وجه انتفاع الميت بالحج».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن مطلق عمل الخير للوالدين؛ أو الصدقة ... إِلى آخره؟
فأجاب بالجواز.
قلت: أيعتمر ويتصدّق ويعمل كلّ أعمال الخير؟
قال: نعم.
قلت: والحج؟
فقال -رحمه الله-: «إِذا أراد الابن أن يحجّ عن أحد والديه؛ فإِن كان يقصد حجّ الفريضة؛ فلا بُدّ من التفصيل، ولماذا لم يحجّ؟ فإِنْ كان معذورًا حجّ عنه، أمّا التطوع فلا تفصيل».
وسألت شيخنا -رحمه الله- مرّة أخرى عن الحجّ عمّن توفّي؟
فأجاب: "نريد أن نفهم من الذي طلب الحجّ عنه؟ هل هذا قبل الوفاة أم بعدها؟
ثمّ قال -رحمه الله-: لو أنّ المتوفّى كلّفه وأوصى بذلك؛ فله أن يحجّ، أمّا أن يكلّفه غير المكلّف فلا.
ويُنظر أيضًا إِلى السبب الذي من أجله لم يحجّ المتوفّى، فإِن شغلَته الدنيا ولم يكن له عُذر؛ فلا يُحجّ عنه؛ إِذ لا يُحجّ عنه إلاَّ في حالة العذر وعدم


الاستطاعة (١).
وسألته -رحمه الله- ذات يوم: هل التوكيل في الحجّ عن العاجز؟
فقال: نعم وذكر الشروط السابقة.

هل يوكّل في الحجّ غير الأبناء؟
بعد تقدّم الشروط السابقة أقول: لا شك أن حجّ الأبناء عن آبائهم وأمهاتهم هو الأولى، لكن يجوز توكيل غير الأبناء؛ إِذ التوكيل باب معروف من أبواب الفقه الإِسلامي.
وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِن كان له أبناء؛ هل يسوغ له أن يوكّل غيرهم؟
فقال: نعم؛ يجوز، لكن إِذا كان مريضًا، أو تنفيذًا لوصية.
قلت: والعمرة؟
فأجاب -رحمه الله-: نفس الشيء.
وقال شيخنا -رحمه الله- في بعض إِجاباته: «يبحث عن الأصلح والأفضل، فإِذا لم يكن في الأبناء؛ فلا مانع من التعدي إِلى غيرهم».

اشتراط الحج عن الغير:
وينبغي فيمن يحجّ عن غيره أن يكون حاجًّا عن نفسه.

------------------
(١) وسألته -رحمه الله- عن أخذ النقود إِذا عُرضت على من يحجّ؟ فقال -رحمه الله- بالجواز، وسيأتي إِن شاء الله -عز وجل- كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله- في ذلك.


عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - سمع رجلًا يقول: «لبيك عن شبرمة، قال: من شُبْرُمة؟ قال: أخ لي -أو قريب لي-. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حُجّ عن نفسك، ثمّ حُجّ عن شبرمة» (١).

هل يحج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل؟
إذا تحققت الشروط السابقة؛ جاز للمرأة أن تحجّ عن الرجل، والعكس كذلك.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «جاءت امرأة من خثعم، فقالت: يا رسول الله! إِن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة؛ أفأَحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع» (٢).
وقال البخاري -رحمه الله-: «باب الحج والنذور عن الميت، والرجل يحجّ عن المرأة» (٣).
وقال -رحمه الله-: «باب حج المرأة عن الرجل» (٤).
ويرى شيخ الإِسلام -رحمه الله- جواز حج المرأة عن الرجل؛ وذكر حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- المتقدّم عن المرأة الخثعمية.

-----------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٥٩٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٤٧)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٩٩٤).
(٢) أخرجه البخاري: ١٥١٣، وتقدّم غير بعيد.
(٣) انظر «كتاب جزاء الصيد» (باب - ٢٢).
(٤) انظر «كتاب جزاء الصيد» (باب - ٢٤).



ونقل -رحمه الله- جواز هذا عن الأئمة الأربعة وجمهور العلماء (١).

أخذ النفقة في الحجّ عن الميت:
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله:»حقيقة الأمر في ذلك: أن الحاج يستحب له ذلك إِذا كان مقصوده أحد شيئين: الإِحسان إِلى المحجوج عنه، أو نفس الحج لنفسه.
وذلك أن الحج عن الميت إِن كان فرضًا؛ فذِمَّته متعلقة به، فالحج عنه إِحسان إِليه بإِبراء ذمته؛ بمنزلة قضاء دينه؛ كما قال النّبيّ - ﷺ - للخثعمية: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه؛ أكان يجزي عنه؟ قالت: نعم.
قال: فالله أحقّ بالقضاء»، وكذلك ذكر هذا المعنى في عدة أحاديث، بين أنّ الله -لرحمته وكرمه- أحق بأن يقبل قضاء الدين عمن قضي عنه، فإِذا كان مقصود الحاج قضاء هذا الدين الواجب عن هذا، فهذا مُحسن إليه، والله يحب المحسنين؛ فيكون مستحبًّا، وهذا غالبًا إِنما يكون لسببٍ يبعثه على الإِحسان إِليه، مِثل رَحِم بينهما، أو مودةٍ وصداقة، أو إِحسان له عليه يجزيه به، ويأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه، وعلامة ذلك أن يطلب مقدار كفاية حجِّه، ولهذا جوّزنا نفقة الحج بلا نزاع، وكذلك لو وصى بحجة مستحبة، وأحب إِيصال ثوابها إِليه.
والموضع الثاني: إِذا كان الرجل مُؤْثرًا أن يحج؛ محبةً للحج وشوقًا إِلى المشاعر، وهو عاجز؛ فيستعين بالمال المحجوج به على الحجّ، وهذا قد يُعطى المال ليحجَّ به لا عن أحد، كما يعطى المجاهد المال ليغزو به، فلا شبهة فيه، فيكون

-----------------
(١) وانظر «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٣).


لهذا أجر الحج ببدنه، ولهذا أجر الحج بماله، كما في الجهاد؛ فإِنه من جهز غازيًا فقد غزا، وقد يعطى المال ليحج به عن غيره، فيكون مقصود المعطى الحج عن المعطى عنه، ومقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحج لا بنفس الإِحسان إِلى الغير ...
وهذا أيضًا إِنما يأخذ ما ينفقه في الحج؛ كما لا يأخذ إلا ما ينفقه في الغزو، فهاتان صورتان مستحبتان، وهما الجائزتان من أن يأخذ نفقة الحج ويردَّ الفضل، وأما إِذا كان قصده الاكتساب بذلك، وهو أن يستفضل مالًا؛ فهذا صورة الإِجارة والجعالة، والصواب أنّ هذا لا يستحب -وإِن قيل بجوازه- لأنّ العمل المعمول للدنيا ليس بعمل صالح في نفسه، إِذا لم يقصد به إلاَّ المال، فيكون من نوع المباحات، ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة؛ فليس له في الآخرة من خلاق (١) «(٢).

ما الأفضل؛ الحجّ عن نفسه أو والده أم الصدقة؟
»وسئل شيخ الإِسلام -رحمه الله-:
ماذا يقول أهل العلم في رجل ... آتاه ذو العرش مالًا حَجَّ واعتمرا
فهزَّه الشوقُ نحو المصطفى (٣) طربًا ... الحجُّ أفضلُ أم إِيثارُه الفُقَرا

--------------------
(١) أي: حظّ ونصيب.
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٤) -بحذف-.
(٣) قلت: شد الرّحال إِلى قبْرٍ -أخي- حَرُما ... عنه الحبيبُ رسولُ الله قد زَجَرا =



أم حجه عن أبيه ذاك أفضل أم ... ماذا الذي يا سادتي ظهرا
أفتوا مُحبًّا لكم نفسي فديتكمو ... وذكركم دأْبُه إِن غاب أو حضرا
فأجاب -رضي الله عنه-:
نقول فيه بأن الحج أفضل من ... فِعل التصدّق والإِعطاء للفُقَرا
والحج عن والديه فيه بِرُّهما ... والأم أسبق في البر الذي ذُكِرا
لكن إِذا الفرضُ خَصَّ الأَبَّ كان إِذًا ... هو المقدَّمَ فيما يمنع الضررا
كما إِذا كان محتاجًا إِلى صِلَةٍ ... وأمُّهُ قد كفاها من بَرَا البشرا
هذا جوابك يا هذا موازنةً ... وليس مفتيك معدودًا من الشعرا (١)».

التكسُّب في الحجّ:
قال الله -تعالى-: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيّام معلُومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعِموا البائس الفقير * ثمّ لْيَقضُوا تَفَثَهُم ولْيُوفوا نُذورهم ولْيطَوَّفوا بالبَيت العِتيق﴾ (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «قال ابن عباس: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة؛ فرضوان الله -تعالى- وأما منافع الدنيا؛ فما يصيبون من منافع البُدْن والذبائح والتجارات. وكذا قال مجاهد، وغير واحد: إِنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله: ﴿ليس عليكم جُناحٌ

------------
= لكن لمسجده بالنّص قد شُرِعا ... هذا بيانيَ قد سَطَّرْتُ مختصرا
(١)»مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١٠).
(٢) الحج: ٢٨ - ٢٩.



أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨]».
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «كان ذو المجاز وعُكاظ مَتْجَرَ الناس في الجاهلية، فلمّا جاء الإِسلام؛ كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿ليس عليكم جُناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ (١): في مواسم الحج» (٢).
وعن مجاهد عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قرأ هذه الآية: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ قال: كانوا لا يتّجرون بمنى، فأُمروا بالتجارة إِذا أفاضوا من عرفات» (٣).
وعن أبى أُمامة التيمي قال: «كنت رجلا أَكْرِي (٤) في هذا الوجه، وكان ناس يقولون: إِنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إِني رجل أَكْرِي في هذا الوجه، وإِن ناسًا يقولون: إِنه ليس لك حج؟ فقال ابن عمر: أليس تُحْرِمُ، وتلبِّي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى! قال: فإِن لك حجًّا، جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله - ﷺ - فلم يجبه، حتّى نزَلت هذه الآية: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾، فأرسل إِليه رسول الله - ﷺ -، وقرأ عليه هذه الآية، وقال: لك حج» (٥).

----------------
(١) البقرة: ١٩٨.
(٢) أخرجه البخاري: ١٧٧٠.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٥٢٣).
(٤) أي: أؤجّر دابتي. وانظر «النهاية».
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٥٢٥).



جاء في «الاختيارات» (ص ١١٥): «والتجارة ليست محرَّمة، لكن ليس للإِنسان أن يفعل ما يَشْغَلُهُ عن الحج».

ما يقول إِذا ركب إِلى سفر الحج وغيره (١)؟
عن ابن عمر: «أنّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا استوى على بعيره خارجًا إِلى سفر؛ كبّر ثلاثًا، ثمّ قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنّا له مقرنين (٢)، وإنا إِلى ربّنا لَمُنقلبون. اللهمّ! إِنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتّقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمّ! هوّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عنّا بعده، اللهمّ! أنت الصّاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ! إِني أعوذ بك من وعثاء السفر (٣)، وكآبة المنظر (٤)، وسوء المنقلب (٥) في المال والأهل». وإذا رجع قالهنّ وزاد فيهنّ: «آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون» (٦).

----------------
(١) هذا العنوان من «صحيح مسلم» (كتاب الحج) (باب - ٧٥).
(٢) أي مطيقين، أي: ما كنا نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إِياه لنا«.»شرح النووي«.
(٣) وعثاء السفر؛ أي: شدّته ومشقّته، وأصله من الوعث، وهو الرمل، والمشي فيه يشتدّ على صاحبه ويشقّ.»النهاية«.
(٤) كآبة المنظر: هي تغير النفس من حزن ونحوه.»شرح النووي«.
(٥) المنقلب؛ أي: الانقلاب من السفر والعود إِلى الوطن، يعني: أنه يعود إِلى بيته فيرى ما يحزنه، والانقلاب: الرجوع مطلقًا.»النهاية".
(٦) أخرجه مسلم: ١٣٤٢.



ماذا يقول إِذا قَفَلَ من سفر الحج وغيره (١)؟
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا قَفَلَ (٢) من الجيوش أو السّرايا أو الحج أو العمرة، إِذا أوفى (٣) على ثنيّة (٤) أو فدفد (٥)؛ كبر ثلاثًا، ثمّ قال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده (٦)» (٧).

حَجّة رسول الله - ﷺ - برواية جابر -رضي الله عنه- (٨)
قال جابر -رضي الله عنه-:

------------------
(١) هذا العنوان من «صحيح مسلم» (كتاب الحج) (باب - ٧٦).
(٢) أي: رجع.
(٣) أوفى: ارتفع وعلا.
(٤) الثنية في الجبل؛ كالعقبة فيه. وقيل: هو الطريق العالي فيه. وقيل: أعلى المسيل في رأسه. «النهاية».
(٥) الفدفد: هو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. وقيل: هو الفلاة التي لا شيء فيها. وقيل: غليظ الأرض ذات الحصى. وقيل: الجَلَدُ من الأرض في ارتفاع، وجمعه فدافد.
(٦) المراد: الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله - ﷺ -، فأرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم يروها. «شرح النووي».
(٧) أخرجه البخاري: ١٧٩٧، ومسلم: ١٣٤٤.
(٨) عن كتاب «حجة النّبيّ - ﷺ -» لشيخنا -رحمه الله- بتصرُّف.



١ - إِن رسول الله - ﷺ - مكث [بالمدينة] تسع سنين لم يحج.
٢ - ثمّ أذّن في الناس في العاشرة: إِن رسول الله - ﷺ - حاجٌّ [هذا العامَ].
٣ - فقدم المدينة بشر كثير (وفي رواية: فلم يبق أحد يقدر أن يأتيَ راكبًا أو راجلًا إِلا قَدِم) [فتدارَك الناس (١) ليخرجوا معه]؛ كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله - ﷺ - ويعمل مِثل عمَله.
٤ - [وقال جابر -رضي الله عنه-: سمعت -قال الراوي: أحسبه رفع إِلى النّبيّ - ﷺ -- (وفي رواية قال: خطبنا رسول الله - ﷺ -) فقال: «مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحُلَيْفَةِ (٢)، و[مهلّ أهل] الطريق الآخر الجُحفة، (٣) ومهل أهل العراق من ذات عِرْقٍ (٤)، ومهل أهل نجد قَرْنٌ، ومهلّ أهل اليمن من

----------------
(١) أي: تلاحقوا ووصلوا.
(٢) موضع على ستة أميال من المدينة، كما في»القاموس«، وقال الحافظ ابن كثير في»البداية«(٥/ ١١٤):»على ثلاثة أميال«، وقال ابن القيم في»الزاد«(٢/ ١٧٨):»ميل أو نحوه«، وهذا اختلاف شديد.
(٣) موضع بينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في (مناسك الحج» (٢/ ٣٥٦) من «مجموعة الرسائل الكبرى»: «هي قرية كانت قديمة معمورة، وكانت تسمى (مهيعة)، وهي اليوم خراب، ولهذا صار الناس يحرمون قبلها من المكان الذي يسمى (رابغًا)، وهذا ميقات لمن حج من ناحية المغرب، كأهل الشام ومصر، وسائر المغرب؛ إذا اجتازوا بالمدينة النبوية كما يفعلونه في هذه الأوقات؛ أحرموا من ميقات أهل المدينة؛ فإِنّ هذا هو المستحب لهم بالاتفاق، فإِن أخروا الإِحرام إِلى الجحفة ففيه نزاع».
قال شيخنا -رحمه الله-: «والأشبه الجواز؛ لهذا الحديث».
(٤) مكان بالبادية، وهو الحد الفاصل بين نجد وتِهَامة، كما في «القاموس» و«معجم البلدان»، والمسافة بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلًا، كما في «الفتح».



يَلَمْلَمَ (١)].
٥ - [قال: فخرج رسول الله - ﷺ -] [لخمس بقين من ذي القَعْدة أو أربع].
٦ - [وساق هديًا] (٢).
٧ - فخرجنا معه [معنا النساء والولدان].
٨ - حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماءُ بنت عُمَيْسِ محمّدَ بنَ أبي بكر.
٩ - فأرسَلَت إِلى رسول الله - ﷺ -: كيف أصنع؟
١٠ - [فـ] قال: «اغتسلي واستثفري (٣) بثوب وأحرمي».
١١ - فصلّى رسول الله - ﷺ - في المسجد [وهو صامت] (٤).
١٢ - ثمّ ركب القصواء (٥)، حتى إِذا استوت به ناقته على البيداء؛ [أهلّ بالحجّ (وفي رواية: أفرَد بالحج) هو وأصحابه].
١٣ - [قال جابر]: فنظرت إِلى مدّ بصري [من] بين يديه من راكب وماشٍ،

----------------------
(١) مكان على مرحلتين من مكة، بينهما ثلاثون ميلًا.
(٢) والأفضل: ترْك سوق الهدي والتمتع بالعمرة إِلى الحج، كما في الحديث المتقدّم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلّوا»، وانظر ما قاله شيخنا -رحمه الله- في الأصل.
(٣) أمْرٌ من الاستثفار. قال ابن الأثير في «النهاية»: «هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنًا، وتوثق طرفيها في شيء تشدّه على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم».
(٤) يعني: أنه لمّا يلبِّ بعدُ.
(٥) هي بفتح القاف وبالمد: اسم ناقته - ﷺ -، ولها أسماء أخرى مثل: العضباء والجدعاء، وقيل: هي أسماء لنوق له - ﷺ -. انظر «شرح مسلم» للنووي.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #100  
قديم 14-01-2026, 05:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 256الى صــ 270
الحلقة (100)



وعن يمينه مِثْل ذلك، وعن يساره مِثْل ذلك، ومن خلفه مِثل ذلك، ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا؛ وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به.
١٤ - فأهلّ بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إِنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
١٥ - وأهلّ الناس بهذا الذي يُهلّون به (وفي رواية: ولبّى الناس [والناس يزيدون]): [لبيك ذا المعارج لبيك! ذا الفواضل!]، فلم يرُدّ رسول الله - ﷺ - عليهم شيئًا منه.
١٦ - ولَزِم رسول الله - ﷺ - تلبيته.
١٧ - قال جابر: [ونحن نقول: [لبيك اللهم] لبيك بالحج] [نَصْرُخُ صراخًا]؛ لسنا ننوي إِلا الحجّ [مفردًا] [لا نخلطه بعمرة] (وفي رواية: لسنا نعرف العمرة) (١) (وفي أخرى: أهللنا أصحابَ النّبيّ - ﷺ - بالحجّ خالصًا ليس معه غيره، خالصًا وحده).
١٨ - [قال: وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إِذا كانت بـ «سَرِف» (٢)
(١) قال شيخنا -رحمه الله-: «كان هذا في أوّل هذه الحجة، وقَبْلَ أن يعلمهم رسول الله - ﷺ - مشروعية العمرة في أشهر الحج، وفي ذلك أحاديث منها حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت:»خرجنا مع رسول الله - ﷺ - (عام حجة الوداع) فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة: .. وكنت فيمن أهل بالعمرة«. رواه البخاري، ومسلم، -واللفظ له-.
(٢) بكسر الراء. موضع قرب التنعيم. قال في»النهاية«:»وهو من مكة على عشرة أميال. وقيل: أقل. وقيل أكثر".



عَرَكت (١)].
١٩ - حتى إِذا أتينا البيت معه [صُبْحَ رابعة مضت من ذي الحجة]، (وفي رواية: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى).
٢٠ - فأتى النّبيّ - ﷺ - باب المسجد، فأناخ راحلته ثمّ دخل المسجد.
٢١ - استلم الرُّكْنَ (٢) (وفي رواية: الحجر الأسود).
٢٢ - [ثمّ مضى عن يمينه].
٢٣ - فرمل (٣)، [حتى عاد إِليه] ثلاثًا، ومشى أربعًا [على هيّنته].
٢٤ - ثمّ نفذ إِلى مقام إِبراهيم -عليه الصلاة والسلام- فقرأ: ﴿واتخِذوا من مقام إِبراهيم مُصلّى﴾، [ورفَع صوته يُسمِع الناس].
٢٥ - فجعل المقام بينه وبين البيت، [فصلّى ركعتين].
٢٦ - [قال:] فكان يقرأ في الركعتين: ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾ (وفي رواية: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾).
٢٧ - [ثمّ ذهب إِلى زمزم؛ فشرب منها، وصبّ على رأسه].
٢٨ - ثمّ رجع إِلى الركن فاستلمه.
٢٩ - ثمّ خرج من الباب (وفي رواية: باب الصفا) إِلى الصفا، فلما دنا من

------------------
(١) أي: حاضت.
(٢) أي: مسَحه بيده.
(٣) قال العلماء: الرمَل: هو أسرع المشي مع تقارب الخطى؛ وهو الخَبَبُ. «نووي».



الصفا قرأ: «﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾. أَبْدَأُ (وفي رواية: نبدأ) بما بدأ الله به»؛ فبدأ بالصفا فَرَقِيَ عليه حتى رأى البيت.
٣٠ - فاستقبَل القبلة فوحّد الله وكبّره [ثلاثًا] و[حَمِده] وقال: «لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، [يحيي ويميت]، وهو على كل شيء قدير، لا إِله إِلا الله وحده [لا شريك له]، أنجز وعده، ونصَر عبده، وهزم الأحزاب وحده؛ ثمّ دعا بين ذلك، وقال مِثل هذا ثلاث مرات.
٣١ - ثمّ نزل [ماشيًا] إِلى المروة، حتى إِذا انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إِذا صعِدتا [يعني]: [قدماه] [الشق الآخر]؛ مشى حتى أتى المروة، [فَرَقِيَ عليها حتى نظر إِلى البيت].
٣٢ - ففعل على المروة كما فعل على الصفا.
٣٣ - حتى إِذا كان آخر طوافه (وفي رواية: كان السابع) على المروة؛ فقال: [يا أيها الناس!] لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لم أسق الهدي، و[لَـ] جعَلْتها عُمرة، فمن كان منكم لَيْسَ معه هدي؛ فليُحلّ وليجعلها عُمرة، (وفي رواية: فقال: أحلّوا من إِحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصّروا (١) وأقيموا حلالًا، حتى إِذا كان يوم التروية فأهلوا بالحجّ، واجعلوا التي قدمتم بها متعة) (٢).

-------------------
(١) هذا هو السُّنّة والأفضل بالنسبة للمتمع؛ أن يقصر من شعره ولا يحلقه، وإنما يحلقه يوم النحر بعد فراغه من أعمال الحج، كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية وغيره، فقوله - ﷺ -:»اللهم اغفر للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة واحدة؛ محمول على غير المتمتع كالقارن والمعتمر عمرة مفردة.
(٢) أي: اجعلوا الحَجّة المفردة التي أهللتم بها عمرة، وتحللوا منها؛ فتصيروا متمتعين ... «فتح».



٣٤ - فقام سراقة بن مالك بن جُعشُم (وهو في أسفل المروة فقال: يا رسول الله! [أرأيت عمرتنا (وفي لفظ: متعتنا) هذه؛ ألِعامِنا هذا أم لأبد [الأبد]؟ [قال:] فشبَّك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في أخرى، وقال: دخَلَت العمرة في الحج [إِلى يوم القيامة]، [لا، بل لأبد أبد]، [لا، بل لأبد أبد]؛ [ثلاث مرات].
٣٥ - [قال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنّا خُلِقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؛ أو فيما نستقبل؟ قال: لا؛ بل فيما جفّت به الأقلام وجرَت به المقادير. قال: ففيم العمل [إِذن]؟! قال: اعملوا فكُلٌّ مُيسَّر] [لما خُلِق له].
٣٦ - [قال جابر: فأمرنا إِذا حللنا أن نُهْدي (١)، ويجتمع النفر منا في الهَدِيَّة، [كل سبعة منا في بدنة] [فمن لم يَكن معه هدي، فليصم ثلاثة أيام؛ وسبعة إِذا رجع إِلى أهله].
٣٧ - [قال: فقلنا: حلّ ماذا؟ قال: الحلّ كلَّه] (٢).
٣٨ - [قال: فكبُر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا].
٣٩ - [قال: فخرجنا إِلى البطحاء (٣)، قال: فجعل الرجل يقول: عهدي

------------------
(١) من الهَدِيِّ؛ بالتشديد والتخفيف، وهو ما يهدى إِلى البيت الحرام من النعم لتنحر. «نهاية».
(٢) يعني: الذي يَحْرُم على المحرم. قال الحافظ: «كأنهم كانوا يعرفون أن للحج تحلّلين، فأرادوا بيان ذلك، فبيّن لهم أنهم يتحللّون الحلّ كله لأنّ العمرة ليس لها إلاَّ تحلُّل واحد».
(٣) يعني: بطحاء مكة، وهو الأبطح، وهو سيل واسع فيه دقاق الحصى، كما في «القاموس» وغيره، وموقعه شرقي مكة.



بأهلي اليوم] (١)!
٤٠ - [قال: فتذاكَرنا بيننا فقلنا: خرجنا حُجّاجًا لا نريد إِلا الحجّ، ولا ننوي غيره، حتى إِذا لم يكن بيننا وبين عرفة إِلا أربع]. (وفي رواية: خمس) [ليالٍ] أمرنا أن نفضي إِلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني (٢) [من النساء]!! قال: يقول جابر بيده، (قال الراوي كأني أنظر إِلى قوله بيده يحركها، [قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينا الحج؟!]
٤١ - قال: [فبلغ ذلك النّبيّ - ﷺ -، فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء بلغه من قبل الناس]؟!.
٤٢ - [فقام] [فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه] فقال: «[أبالله تعلّموني أيها الناس؟!، قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبرّكم، [افعلوا ما آمركم به؛ فإِني] لولا هديي لحللت كما تَحلّون، [ولكن لا يحلّ مني حرام (٣) حتى يبلغ الهدي مَحِلَّهُ] (٤)، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لم أسق الهدي، فَحِلُّوا]».
٤٣ - [قال: فواقَعنا النساء، وتطيّبنا بالطيب، ولبِسنا ثيابنا].

--------------------
(١) كأنهم يستنكرون ذلك، وهذا يدّل على أنّ بعضهم قد تحلّل بعد أمره - ﷺ - بذلك، ولكن لم يزل في نفوسهم شيء من ذلك، وأمّا الآخرون فإِنهم تأخروا، حتى خطبهم - ﷺ - الخطبة الآتية، وأكّد لهم فيها الأمر بالفسخ، فتحللوا -رضي الله عنهم- جميعًا.
(٢) هو إِشارة إِلى قرب العهد بوطء النساء. «نووي».
(٣) أي: شيء حرام، والمعنى: لا يحل مني ما حرم. «فتح».
(٤) أي: إِذا نحر يوم منى.



٤٤ - [فحَلّ الناس كلّهم وقصّروا؛ إِلا النّبيّ - ﷺ - ومن كان معه هدي].
٤٥ - [قال: وليس مع أحد منهم هدي غيرَ النّبيّ - ﷺ - وطلحة].
٤٦ - وقدم عليٌّ [من سعايته (١)] من اليمن ببُدْن النّبيّ - ﷺ -.
٤٧ - فوجد فاطمة -رضي الله عنها- ممن حلّ، ولبستَ ثيابًا صبيغًا واكتحَلَت، فأنكَر ذلك عليها، [وقال: من أمرك بهذا؟!] فقالت: إِنّ أبي أمَرني بهذا.
٤٨ - قال: فكان عليّ يقول بالعراق: فذهبْتُ إِلى رسول الله - ﷺ - مُحرشًا (٢) على فاطمة؛ للذي صنعَت مُستفتيًا لرسول الله - ﷺ - فيما ذكَرت عنه، فأخبْرته أنّي أنكرْتُ ذلك عليها [فقالت: أبي أمرني بهذا]؟ فقال: صدقَت، صدقَت، [صدقَت]! [أنا أمرتها به].
٤٩ - قال جابر: وقال لعليّ: ماذا قلت حين فَرَضْتَ الحجّ؟ قال: قلت: اللهمّ! إِني أهلّ بما أهلّ به رسول الله - ﷺ -.
٥٠ - قال: فإِنّ معي الهدي فلا تُحلّ، [وامكث حرامًا كما أنت].
٥١ - قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به عليّ من اليمن، والذي أتى به النّبيّ - ﷺ -[من المدينة] مائة [بَدَنَةٍ].
٥٢ - قال: فحلّ الناس كلهم (٣) وقصّروا؛ إِلا النّبيّ - ﷺ - ومن كان معه هدي.

--------------------
(١) أي: من عمله في السعي في الصدقات.
(٢) التحريش: الإغراء، والمراد هنا: أنْ يذكر ما يقتضي عتابها. «نووى».
(٣) قال النووي: "فيه إِطلاق اللفظ العام وإرادة الخصوص؛ لأنّ عائشة لم تحلّ، ولم =



٥٣ - فلما كان يوم التروية [وجعلنا مكة بظهر]؛ توجهوا إِلى منى (١)، فأهلوا بالحج] [من البطحاء].
٥٤ - قال: ثمّ دخَل رسول الله - ﷺ - على عائشة -رضي الله عنها-، فوجدَها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالتْ شأني أني قد حضت، وقد حلّ الناس ولم أحْلِلْ، ولم أطُف بالبيت، والناس يذهبون إِلى الحجّ الآن، فقال: إِنّ هذا أَمْرٌ كتَبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثمّ أهلِّي بالحجّ [ثمّ حُجّي واصنعي ما يصنع الحاجّ؛ غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تُصلّي] (٢). ففعَلت (وفي رواية: فنسَكَت المناسك كلها؛ غير أنها لم تطُف بالبيت).
٥٥ - وركب رسول الله - ﷺ - وصلّى بها (يعني: منى، وفي رواية: بنا) الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
٥٦ - ثمّ مكث قليلًا حتى طلعت الشمس.
٥٧ - وأمر بقُبّة [له] من شعر تضرب له بنمرة.
٥٨ - فسار رسول الله - ﷺ -، ولا تشكّ قريش إِلا أنه واقف عند المشعر الحرام [بالمزدلفة]، [ويكون منزله ثَمَّ]؛ كما كانت قريش تصنع في الجاهلية؛

-----------------------
= تكن ممن ساق الهدي. والمراد بقوله: حلّ الناس كلّهم؛ أي: معظمهم«.
(١) قال النووي:»وفي هذا بيان أنّ السُّنّة أن لا يتقدّم أحد إِلى منى قبل يوم التروية، وقد كره مالك ذلك، وقال بعض السلف: لا بأس به، ومذهبنا أنّه خلاف السُّنّة«.
(٢) قال شيخنا -رحمه الله-:»فيه دليل على جواز قراءة الحائض القرآن؛ لأنها بلا ريب من أفضل أعمال الحجّ".



فأجاز (١) رسول الله - ﷺ -، حتى أتى عرفة (٢)؛ فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها.
٥٩ - حتى إِذا زاغت الشمس؛ أمر بالقصواء فرُحِلت له، فـ[ركب، حتى] أتى بطن الوادي (٣).
٦٠ - فخطب الناس وقال: «إِنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا [إِن] كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ [هاتين] موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث [بن المطلب]-كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل-، وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع ربانا: ربا عباس ابن عبد المطلب؛ فإِنّه موضوع كلّه؛ فاتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهن بأمانـ[ـة:] الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٤)، و[إِن] لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإِن فعلن ذلك؛ فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح (٥)، ولهن عليكم رَزْقُهُنَّ وكسوتهن بالمعروف، و[إِني] قد تركت فيكم ما لن

---------------------
(١) أي: جاوزَها، كما قال النووي.
(٢) قال النووي:»هذا مجاز، والمراد: قارب عرفات؛ لأنّه فسره بقوله: فوجد القبة ضربت بنمرة فنزل بها؛ [وهي] ليست من عرفات [كما لا يخفى]«.
(٣) هو وادي عُرنة -بضم العين وفتح الراء-؛ وليست من عرفات.»نووي«.
(٤) في معناه أربعة أقوال؛ ذكرَها في»شرح مسلم"، وقال: إِنّ الصحيح منها: أن المراد قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النّساء﴾.
(٥) الضرب المبرح: هو الضرب الشديد الشّاق، ومعناه: اضربوهنّ ضربًا ليس بشديد ولا شاقّ.



تضلوا بعده إِن اعتصمتم به: كتاب الله؛ وأنتم تسألون (وفي لفظ: مسؤولون) عنّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت [رسالات ربك] وأدّيت، ونصحْتَ [لأمّتك، وقضيت الذي عليك]، فقال بأصبعه السبابة -يرفعها إِلى السماء ويَنْكُتُها إِلى الناس-: اللهم! اشهد، اللهم! اشهد» ثلاث مرات.
٦١ - ثمّ أذّن [بلال] [بنداء واحد].
٦٢ - ثمّ أقام؛ فصلّى الظهر، ثمّ أقام؛ فصلّى العصر.
٦٣ - ولم يُصلّ بينهما شيئًا.
٦٤ - ثمّ رَكِب رسول الله - ﷺ -[القصواء]، حتى أتى الموقف، فجعَل بَطن ناقته القصواء إِلى الصخرات (١)، وجعل حَبْلَ المشاة (٢) بين يديه، واستقبل القبلة (٣).
٦٥ - فلم يزل واقفًا، حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص.
٦٦ - [وقال: «وقفت هاهنا؛ وعرفة كلها موقف»].
٦٧ - وأردف أسامة [بن زيد] خلفه.

-------------------
(١) هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذى بوسط أرض عرفات، قال النووي: «فهذا هو الموقف المستحب، وأمّا ما اشتهر بين العوام من الأغبياء بصعود الجبل، وتوهمهم أنّه لا يصح الوقوف إِلا فيه؛ فغلط».
(٢) أي: مجتمعهم.
(٣) وجاء في غير حديث أنه - ﷺ - وقف يدعو رافعًا يديه.



٦٨ - ودفَع رسول الله - ﷺ - (وفي رواية: أفاض وعليه السكينة) (١)؛ وقد شنق (٢) للقصواء الزِّمام، حتى إِنّ رأسها ليصيب مَورِك (٣) رَحْله، ويقول بيده اليمنى [هكذا -وأشار بباطن كفه إِلى السماء]-: «أيها الناس! السكينة السكينةَ».
٦٩ - كلما أتى حبلًا (٤) من الحبال: أرخى لها قليلًا حتى تصعد.
٧٠ - حتى أتى المزدلفة؛ فصلّى بها، [فجمع بين] المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين.
٧١ - ولم يُسبِّح (٥) بينهما شيئًا.
٧٢ - ثمّ اضطجع رسول الله - ﷺ -؛ حتى طلع الفجر.
٧٣ - وصلّى الفجر -حين تبيّن له الفجر- بأذان وإقامة.
٧٤ - ثمّ ركب القصواء؛ حتى أتى المشعر الحرام (٦) [فَرَقِيَ عليه].

------------------
(١) هي الرفق والطمأنينة.
(٢) أي: ضم وضيَّق.
(٣) هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قُدّام واسطة الرحل إِذا ملّ من الركوب.
(٤) في «النهاية»: «الحبل: المستطيل من الرمل. وقيل: الضخم منه؛ وجمعه حبال. وقيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل».
(٥) أي: لم يُصلّ سبحة؛ أي: نفْلًا.
(٦) المراد به هنا. قُزح -بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة-، وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح. وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة. «نووي».



٧٥ - فاستقبل القبلة، فدعاه (وفي لفظ: فحمد الله) وكبّره وهلّله ووحّده.
٧٦ - فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا.
٧٧ - وقال: «وقفت هاهنا، والمزدلفة كلها موقف»].
٧٨ - فدفع [من جَمْعٍ] قبل أن تطلع الشمس [وعليه السكينة].
٧٩ - وأردف الفضل بن عباس -وكان رجلًا حسن الشعر أبيضَ وسيمًا-.
٨٥ - فلما دفَع رسول الله - ﷺ - مَرَّتْ به ظُعُنٌ (١) تَجْرِينَ، فطفِقَ الفضل ينظر إِليهن، فوضع رسول الله - ﷺ - يدَه على وجه الفضل، فحوّل الفضلُ وجهه إِلى الشقّ الآخر، فحوّل رسول الله - ﷺ - يده من الشقّ الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر!
٨١ - حتى أتى بطن مُحَسِّر (٢)، فحرّك قليلًا (٣) [وقال: «عليكم السكينةَ»].
٨٢ - ثمّ سلَك الطريق الوسطى (٤) التي تخرج على الجمرة الكبرى [حتى

----------------------
(١) بضم الظاء والعين، ويجوز إِسكان العين: جمع ظعينة، كسفينة وسفن، وأصل الظعينة: البعير الذي عليه امرأة، ثمّ تسمّى به المرأة مجازًا لملابستها البعير.
(٢) سمي بذلك؛ لأنّ فيل أصحاب الفيل حَسَّرَ فيه، أي: أعيا وكلّ.
(٣) أي: أسرع السير، كما في غير هذا الحديث. قال النووي -رحمه الله-: «فهي سنة من سنن السير في ذلك الموضع». قال ابن القيم -رحمه الله-: «وهذه كانت عادته - ﷺ - في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، وكذلك فعل في سلوكه الحجر وديار ثمود، تقنع بثوبه وأسرع السير».
(٤) قال النووي: "فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير =



أتى الجمرة التي] عند الشجرة.
٨٣ - فرماها [ضحى] بسبع حصيات (١).
٨٤ - يُكبّر مع كل حصاة منها، مِثل حصى الخَذْف (٢).
٨٥ - [فـ] رمى من بطن الوادي [وهو على راحلته [وهو] يقول: «لتأخذوا مناسككم؛ فإِني لا أدري لعلي لا أحج بعد حَجّتي هذه»].
٨٦ - [قال: ورمى بعد يوم النحر [في سائر أيام التشريق] إِذا زالت الشمس].
٨٧ - [ولقيه سُراقة وهو يرمي جمرة العقبة، فقال: يا رسول الله! ألنا هذه خاصة؟ قال: «لا، بل لأبد»].
٨٨ - ثمّ انصرف إِلى المنحر، فنَحَر ثلاثًا وستين [بَدَنةً] بيده.
٨٩ - ثمّ أعطى عليًّا، فنحَر ما غَبَرَ [يقول: ما بقي]، وأشركه في هديه.
٩٠ - ثمّ أمر من كل بدنة ببَضْعة (٣)؛ فجُعِلت في قِدر فطُبخت، فأكلا من

--------------------
= الطريق الذي ذهب فيه إِلى عرفات«.
(١) وحينئذ قطع؛ أي: تلبيته، كما في حديث الفضل وغيره.
(٢) قال النووي:»وهو نحو حبة الباقلاء، وينبغي أن لا يكون أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر أجزأه«. قال شيخنا -رحمه الله- في موطن آخر:»وهو فوق الحِمِّصِ ودون البندق«.
(٣) قال النووي -رحمه الله-:»البَضعة: بفتح الباء لا غير، وهي قطعة من اللحم، وفيه استحباب الأكل من هدى التطوع وأُضحيته".



لحمها، وشربا من مرقها.
٩١ - (وفي رواية قال: نحَر رسول الله - ﷺ - عن نسائه بقرة).
٩٢ - (وفي أخرى قال: فنحَرنا البعير (وفي أخرى: نحر البعير) عن سبعة، والبقرة عن سبعة) (وفي رواية خامسة عنه قال: فاشتركنا في الجزور سبعة، فقال له رجل: أرأيت البقرة؛ أيشترك؟ فقال: ما هي إِلا من البُدْنِ).
٩٣ - (وفي رواية: قال جابر: كنا لا نأكل من البدن إِلا ثلاث منى، فأرخص لنا رسول الله - ﷺ - قال: «كلوا وتزوّدوا») [قال: فأكَلْنا وتزوّدنا] [حتى بلَغنا بها المدينة] (١).
٩٤ - (وفي رواية: نحر رسول الله - ﷺ -[فحلق] (٢».
٩٥ - وجلس [بمنى يوم النحر] للناس، فما سئل [يومئذ] عن شيء [قُدِّمَ قبل شيء] إِلا قال: لا حرج، لا حرج (٣) حتى جاءه رجل فقال: حلْقتُ قبل أن

-----------------
(١) وكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- قد طيبته - ﷺ - بالمسك، وذلك عقب رمْيه - ﷺ - لجمرة العقبة يوم النحر.
(٢) فيه أنّ السّنّة الحلق بعد النحر، وأنّ النحر بعد الرمي، ومن السّنّة أن يبدأ الحالق بيمين المحلوق؛ لحديث أنس بن مالك: أنّ رسول الله - ﷺ - أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثمّ أتى منزله بمنى ونحر، ثمّ قال للحلاق: خذ؛ وأشار إِلى جانبه الأيمن، ثمّ الأيسر، ثمّ جعل يعطيه الناس. رواه مسلم.
(٣) معناه: افعل ما بقي عليك، وقد أجزأك ما فعلته، ولا حرج عليك في التقديم والتأخير. واعلم أن أفعال يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثمّ الذبح، ثمّ الحلق، ثمّ طواف الإِفاضة، والسنّة ترتيبها هكذا كما سبق في الأعلى، فلو خالف وقدّم بعضها على =



أنحر؟ قال: لا حرج.
٩٦ - ثمّ جاءه آخر فقال: حلْقتُ قبل أن أرمي؟ قال: لا حرج.
٩٧ - [ثمّ جاءه آخر فقال: طُفت قبل أن أرمي؟ قال: لا حرج].
٩٨ - [قال آخر: طُفت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج].
٩٩ - ثمّ جاءه آخر فقال: إِنّي نحرْتُ قبل أن أرمي؟ قال: [ارْمِ و] لا حرج].
١٠٠ - [ثمّ قال نبي الله - ﷺ -: قد نحرْتُ هاهنا، ومنى كلّها مَنحر].
١٠١ - [وكُلّ فِجاج (١) مكة طريق ومَنحَر] (٢).
١٠٢ - [فانحروا من رحالكم].
١٠٣ - [وقال جابر -رضي الله عنه-: خطَبنا - ﷺ - يوم النحر فقال: أيُّ يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فأيُّ شهر أعظم حُرمة؟ قالوا: شهرنا هذا. قال: أي بلد أعظم حُرمة؟ قالوا: بلدنا هذا، قال: فإِنّ دماءَكم وأموالكم

-------------------
= بعض؛ جاز ولا فدية عليه؛ لهذا الحديث وغيره مما في معناه. قال النووي: «وبهذا قال جماعة من السلف، وهو مذهبنا».
(١) الفِجاج: جمع فَجّ، وهو الطريق الواسع. «النهاية».
(٢) فيه جواز نحر الهدي في مكة، كما يجوز نحرها في منى، وقد روى البيهقي في «سننه» (٥/ ٢٣٩) بسند صحيح عن ابن عباس قال: إِنما النحر بمكة، ولكن نزهت عن الدماء، ومكة من منى. كذا وفي رواية: ومنى من مكة، ولعلها الصواب. زاد في الرواية الأولى عن عطاء: أن ابن عباس كان ينحر بمكة، وأن ابن عمر لم يكن ينحر بمكة، كان ينحر بمنى.



عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلّغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهَدْ].
١٠٤ - ثمّ ركب رسول الله - ﷺ -، فأفاض إِلى البيت [فطافوا (١).
١٠٥ - ولم يطوفوا بين الصفا المروة] (٢).
١٠٦ - فصلّى بمكة الظهر.
١٠٧ - فأتى بني عبد المطلب [وهم] يسقُون على زمزم (٣)، فقال: انْزِعوا (٤) بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم؛ لنزعت معكم (٥).
١٠٨ - فناولوه دلوًا، فشرب منه».
١٠٩ - [وقال جابر -رضي الله عنه-: وإنّ عائشة حاضت، فنسَكَت المناسك كلها؛ غير أنها لم تطف بالبيت].
١١٠ - [قال: حتى إِذا طهُرت؛ طافت بالكعبة (٦) والصفا والمروة، ثمّ قال:

-------------------
(١) ثمّ حل منهم كل شيء حرم منهم، كما في «الصحيحين» عن عائشة وابن عمر.
(٢) انظر الفائدة التي ذكرها شيخنا -رحمه الله- في كتاب «حجة النّبيّ - ﷺ -» (ص ٨٨ - ٩٠).
(٣) معناه: يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها، ويُسَبِّلونه للناس.
(٤) أي: استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء.
(٥) معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحموا عليه بحيث يغلبونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء. «نووي».
(٦) أي: طواف الإِفاضة والصدر. قال الحافظ (٣/ ٤٨٠): «واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإِفاضة من يوم النحر».




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 9 ( الأعضاء 0 والزوار 9)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 314.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 308.71 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.86%)]