التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 10 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         مما لا يصلح في مجالس طلبة العلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          (وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ ما ٱلۡقَارِعَةُ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          خلق الإنسان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          كيف نبني هوية المسلم في عصر التطرف الرقمي؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          العلماء العاملون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          أسرار الحكمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          التخفيف في الصلاة لا يكون حسب أهواء الناس وأمزجتهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          استقبال رمضان بالعزم على إصلاح القلوب والأعمال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          القُرآنُ لا يُتلى وحسبْ بل يُعاشْ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          ضيفكم أهَلَّ، فكيف نستقبله؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #91  
قديم 23-01-2026, 05:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 147 الى صـــ 166
الحلقة (91)






١٩ - باب لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ
١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذّا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الانَاءِ». [انظر: ١٥٣ - مسلم ٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٥٤]
حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاء».
هذا الحديث قَدْ عرفت فقهه في الباب قبله.
ورجاله سلف التعريف بهم مفرقًا، وذكر بعض الحفاظ أن أبان بن يزيد تفرد عن يحيى دون أيوب وهشام والأوزاعي وشيبان وإبراهيم القناد بقوله: «وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا» (١). قَالَ: وإنما المعروف رواية هؤلاء: «ولا يتنفس في الإناء».
ووقع في مسلم عن يحيى، عن عبد الله، عن أبي قتادة، عن أبيه.
وصوابه إبدال (عن) بـ (ابن)، وفي بعض أصوله: عن ابن مهدي، عن همام، عن يحيى؛ وصوابه (هشام) (٢). كما قاله أبو مسعود وخلف.

---------------------
(١) رواه أبو داود (٣١) من حديث ابي قتادة: «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه ..»، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٤): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٦٧) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين.



٢٠ - باب الاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ
١٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يحيى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرُو المَكِّيُّ، عَنْ جدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَخَرَجَ لَحِاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: «ابْغني أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا -أَوْ نَحْوَهُ- وَلَا تأْتِنِي بِعَظْمِ وَلَا رَوْثٍ». فأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْة، فَلَمَّاَ قَضَى أَتْبَعَة بِهِنَّ. [٣٨٦٠ - فتح: ١/ ٢٥٥]
حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّىُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو المَكِّيُّ، عَنْ جدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: «ابْغِني أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا -أَوْ نَحْوَهُ- وَلَا تأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ». فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَىَ أَتْبَعَهُ بِهِنَّ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث من أفراد البخاري وذكره في ذكر الجن مطولًا (١).
وأخرج مسلم (٢) نحوه وكذا ابن ماجه والنسائي (٣).
ثانيها: في التعريف برواته:
أما أبو هريرة فسلف.
وأما (جد عمرو) فهو سعيد بن عمرو (خ. م. د. س. ق) بن سعيد ابن العاصي بن أبي أحيحة التابعي الكوفي الثقة. عن ابن عباس

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٨٦٠) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ذكر الجن.
(٢) مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة عن سليمان.
(٣) «سنن النسائي» ١/ ٣٨، «سنن ابن ماجه» (٣١٣). قال الألباني: حسن صحيح.



وغيره. وعنه ابناه إسحاق وخالد، وحفيده عمرو بن يحيى. أخرجوا له خلا الترمذي (١).
وحفيده (عمرو) قرشي مكي صالح، روى عن أبيه وجده، وعنه سويد وغيره. روى له مع البخاري ابن ماجه فقط (٢).
وأما أحمد (خ) بن محمد فهو أبو الوليد الغساني الأزرقي المكي الثقة. عنه البخاري، وحفيده مؤرخ مكة محمد بن عبد الله، وأبو جعفر الترمذي، وطائفة. وروى عن مالك وغيره. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين (٣).

---------------------
(١) هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشى، أبو عثمان، ويقال: أبو عنبسة، الأموي.
قال أبو زرعة: ثقة. وكذا النسائي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الزبير بن بكار: كان من علماء قريش بالكوفة وولده بها. وذكره ابن حبان في «الثقات». وانظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٤/ ٤٩ (٢٠٩)، «الثقات» ٦/ ٣٥٣، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٨ (٢٣٣٢)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٠٠ (٧٥).
(٢) عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالح. وذكره ابن حبان في «الثقات»، روى له ابن ماجه.
وقال ابن حجر: ثقة.
انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٨٢ (٢٧٠٧)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٦٩ (١٤٤٨)، «الكامل» ٦/ ٢١٦ (١٢٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٢٩٤ (٤٤٧٤)، «التقريب» (٥١٣٨).
(٣) أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة الأزرق بن عمرو بن الحارث قال: أبو حاتم الرازي وأبو عوانة الإسفراييني: ثقة. وكذا قال ابن حجر.
انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣ (١٤٩٢)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٧٠ (١٢٨)، «الثقات» ٨/ ٧، «تهذيب الكمال» ١/ ٤٨٠ (١٠٤)، «التقريب» (١٠٤).



ثالثها: في ألفاظه:
معنى (اتَّبَعْتُ) (١): لحقت وهو رباعي يقال: أتبعته إِذَا سبقك فلحقته، وتبعته واتبعته إِذَا مشيت خلفه، أو مر بك فمضيت معه، كذا قاله ابن التين في «شرحه» وقال: يحتمل الحديث الوجهين. وتبعه شيخنا قطب الدين في «شرحه»، وهذا ما حكاه ابن سيده بعد أن قرر أن معنى تبعه واتبعه وأتبْعه: قفاه، قَالَ: وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ [الكهف: ٨٩] ومعناها: تبع وقرأ أبو عمرو (ثم اتَّبع) (٢) أي لحق وأدرك، كذا حكاه عنه، وحكى القزاز عن الكسائي أنه كان يقرأ: (ثم اتبع سببا) يريد لحق وأدرك (٣)، وحكي مثله عن أبي عمرو أنه قرأ: (ثم اتبع سببا) (٤).
وقال ابن طريف (٥) في «أفعاله»: المشهور: تبعته: سرت في أثره، واتبعته: لحقته. وكذلك فسر في التنزيل ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ [الشعراء: ٦٠]، أي: لحقوهم. وقَالَ الجوهري: تبعت القوم إِذَا مشيت أو مر بك فمضيت معهم. وقال الأخفش: تَبِعْتُه وأَتْبَعْتُه بمعنى (٦).
قوله: (وكان لا يلتفت) هذِه كانت عادة مشيه - ﷺ -.

----------------------
(١) انظر: «الصحاح» ٣/ ١١٩٠.
(٢) انظر: «السبعة في القراءات» لابن مجاهد ص ٣٩٧، «الكوكب الدري» للنويري ص ٤٨٢.
(٣) انظر: «السبعة في القراءات» لابن مجاهد ص ٣٩٨.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) هو عبد الملك بن طريف القرطبي أبو مروان، نحوي لغوي، أخذ عن ابن القوطية وغيره، وتوفي في حدود سنة ٤٠٠ هـ، من آثاره كتاب في الأفعال.
انظر ترجمته في «الوافي بالوفيات» ١٩/ ١٧٠ (١٥٧)، «كشف الظنون» ٢/ ١٣٩٤، «معجم المؤلفين» ٢/ ٣١٧ - ٣١٨.
(٦) «الصحاح» ٣/ ١١٨٩ - ١١٩٠، مادة: (تبع).



وقوله: (فدنوت منه) أي: لأستأنس به وأنظر حاجته، وقد جاء في رواية: فدنوت منه أستأنس وأتنحنح فقال: «من هذا؟» فقلت: أبو هريرة (١).
وقوله: («ابغني أحجارًا») قَالَ ابن التين: رويناه بالوصل، (قال الخطابي (٢): معناه: اطلب لي، فإذا قطعت الألف فمعناه: أعني على الطلب. وقال الخطابي: معناه: اطلب لي. من قولك: بغيت الشيء: طلبته) (٣). وبغيتك الشيء: طلبته لك، وأبغيتك الشئ: جعلتك طالبًا له، قَالَ تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]، أي: يبغونها لكم.
وقوله: («أستنفض بها») أي: أستنج بها وهو مأخوذ من النفض؛ لأن المستنجي ينفض عن نفسه أذى الحدث والاستمرار. قَالَ القزاز: كذا روي هذا الحرف كأنه استفعل من النفض وهذا موضع أستنظف.
أي: أنظف نفسي بها ولكن هكذا روي.
وقوله: (أو نحوه) الظاهر أنه أراد أو نحو هذا من الكلام.
وقوله: (بطرف ثيابي) جاء في «صحيح الإسماعيلي»: في طرف ملائي.
رابعها: في فوائده:
الأولى: جواز الاستنجاء بالأحجار، وقد سلف ما فيه في باب: الاستنجاء بالماء.
الثانية: مشروعية الاستنجاء، وقد اختلف في وجوبه عَلَى قولين:

--------------------
(١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٢٤.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٢٤٦.
(٣) ساقط من (ج).



أحدهما: أنه واجب وشرط في صحة الصلاة، وبه قَالَ الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وداود، وجمهور العلماء ومالك في رواية (١).
وثانيهما: أنه سنة، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن مالك، وحكي عن المزني أيضًا (٢)، وجعل أبو حنيفة هذا أصلًا للنجاسة، فما كان منها قدر درهم بغلي عُفي عنه؛ وإن زاد فلا، وكذا عنده في الاستنجاء: إن زاد الخارج عَلَى درهم وجب وتعين الماء، ولا يجزئه الحجر.
ولا يجب عنده الاستنجاء بالحجر.
واحتجوا بحديث أبي هريرة المروي في «سنن أبي داود» وابن ماجه: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن؛ ومن لا فلا حرج» (٣)؛ ولأنها نجاسة لا تجب إزالة أثرها فكذا عينها كدم البراغيث، ولأنه لا يجب إزالتها بالماء فلم يجب بغيره.
قَالَ المزني: ولأنا أجمعنا عَلَى جواز مسحها بالحجر فلم يجب إزالتها كالمني، واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة أيضًا الثابت: «وليستنج بثلاثة أحجار» (٤). رواه الشافعي؛ وقال: إنه حديث ثابت.

-----------------------
(١) انظر: «الإفصاح» ١/ ١٢٧، «التحقيق» ١/ ١٨١ - ١٨٧، «البيان» ١/ ٢١٣ - ٢١٤، «المغني» ١/ ٢٠٦، «عيون المجالس» ١/ ١٢٨.
(٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١٢٧ - ١٢٩، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٥٦، «المنتقى» ١/ ٤١، «الهداية» ١/ ٣٩.
(٣) رواه من حديث أبي هريرة أبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧)، والدارمي ١/ ٥٢٤ (٦٨٩)، وابن حبان ٤/ (١٤١٠)، ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٨).
(٤) رواه الشافعي في «مسنده» ١/ ١٦٣ (٣٣)، النسائي ١/ ٣٨، وابن ماجه (٣١٣).
والحميدي ٢/ ٢٠٤ (١٠١٨)، وابن خزيمة ١/ ٤٣ (٨٠)، وابن حبان ٤/ ٢٧٩ (١٤٣١)، ٤/ ٢٨٨ (١٤٤٠)، قال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٥٢): حسن صحيح.



ورواه الأربعة خلا الترمذي، وبحديث سلمان الثابت في «صحيح مسلم»: نهانا رسول الله - ﷺ - أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار (١). وبحديث عائشة الثابت في «مسند أحمد» و«سنن أبي داود» وابن ماجه أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه» (٢).
قَالَ الدارقطني بعد أن أخرجه: إسناده حسن صحيح.
ومنها حديث خزيمة: سُئِلَ رسول الله - ﷺ - عن الاستطابة فقال: «بثلالة أحجار ليس فيها رجيع» رواه أبو داود واللفظ له، وابن ماجه (٣)، وفي الباب عن جابر في مسلم (٤)، والسائب وأبي أيوب عند ابن عبد البر (٥)، وأنس عند البيهقي (٦). وسهل (٧)؛ وابن عباس عند الدارقطني (٨)، وحسن الأول.
واحتج أصحابنا أيضًا بحديث ابن عباس الآتي «أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول» (٩) وفي الاستدلال به وقفة؛ ولأنه نجاسة

-----------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم» (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة.
(٢) انظر: «سنن أبي داود» (٤٠)، «مسند أحمد» ٦/ ١٠٨، ١٣٣، «سنن الدارقطني» ١/ ٥٤ - ٥٥، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٠): حديث حسن.
(٣) «سنن أبي داود» (٤١)، «سنن ابن ماجه» (٣١٥)، «سنن الدارقطني» ١/ ٥٦، «التمهيد» ٢٢/ ٩٣٠. قال الألباني في «صحيح أبي دواد» ١/ ٧٢ (٣٢): حديث حسن صحيح.
(٤) «صحيح مسلم» (٢٦٣) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة.
(٥) «التمهيد» ٢٢/ ٣١٢.
(٦) «سنن البيهقي» ١/ ١١٢.
(٧) «سنن الدارقطني» ١/ ٥٦.
(٨) «سنن الدارقطني» ١/ ٥٧.
(٩) سيأتي برقم (٢١٨) كتاب: الوضوء.



لا تلحق المشقة في إزالتها غالبًا فلم تصح الصلاة دونه.
والجواب عن حديثهم بأن في إسناده مقالًا، ولئن سلمنا حسنه فالمراد: ولا حرج في ترك الإيتار أي: الزائد عَلَى ثلاثة أحجار جمعًا بينه وبين باقي الأحاديث كحديث سلمان وغيره.
وعن قياسهم (على) (١) دم البراغيث عظم المشقة بخلاف أصل الاستنجاء، ولهذا تظاهرت الأحاديث الصحيحة عَلَى الأمر بالاستنجاء، ولم يرد خبر بإزالة دم البراغيث.
وقياس غير المني عَلَى المني لا يصح لطهارته ونجاسة غيره (٢).
الفائدة الثالثة:
لا يتعين الحجر للاستنجاء بل يقوم مقامه كل جامد طاهر قالع غير محترم، وبه قَالَ العلماء كافة إلا ما حكي عن داود من تعيينه وأن غيره لا يجوز (٣)، وإن أنكر القاضي أبو الطيب حكايته عنه وقال: إن مذهبه كمذهب الكافة.
حجة الكافة: نهيه - ﷺ - عن الروث والعظم، وهو دال عَلَى عدم تعيينه وأن غيره يقوم مقامه، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالنهي معنى، وأما تنصيصه - ﷺ - عَلَى الأحجار فلكونها الغالب المتيسر وجودها بلا مشقة فيها ولا كلفة في تحصيلها، ومنعه أصبغ (٤) في الخرق واللحم

-----------------
(١) في (ج): في.
(٢) انظر: «المجموع» ٢/ ١١١ - ١١٢.
(٣) انظر: «المحلى» ١/ ٩٧ - ٩٨.
(٤) أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، الشيخ الإمام الكبير، مفتي الديار المصرية، وعالمها أبو عبد الله الأموي مولاهم المصري المالكي. مولده بعد الخمسين ومائة.
وطلب العلم وهو شاب كبير ففاته مالك والليث. فروى عن: عبد العزيز الدّراوردي، وأسامة بن زيد بن أسلم، وأخيه عبد الرحمن بن زيد، وحاتم بن =



ونحوهما مما هو طاهر ولا حرمة له ولا هو من أنواع الأرض وقال: يعيد إن فعل في الوقت (١).
الرابعة: أنه لا يجوز الاستنجاء بنجس، وهو مذهب الجمهور، وجه الاستنباط منه أنه نبه بالروث على جنس النجس. وجوزه أبو حنيفة بالروث (٢)، وحكاه ابن وهب عن مالك (٣).
وحديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة يرد عليهما.
الخامسة: أنه لا يجوز الاستنجاء بعظم، وبه قَالَ الشافعي وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة ومالك: يصح الاستنجاء به، وقال بعض الشافعية: إنه يجزئه إن كان طاهرًا لا زهومة عليه، لحصول المقصود؛ حجة الأولين أنه رخصة فلا تحصل بحرام (٤).

------------------
= إسماعيل، وعيسى بن يونس السبيعي، وعبد الله بن وهب، حدَّث عنه: البخاري، وأحمد بن الحسن الترمذي، ويحيى بن معين، وأحمد بن الفرات، والربيع بن سليمان الجيزي، وإسماعيل بن سمويه، وغيرهم كثير. وثقه العجلي وأبو حاتم وابن معين.
توفي لأربع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائتين. انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٦ (١٦٠٠)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٢١ (١٢١٩)، «وفيات الأعيان» ١/ ٢٤٠ (١٠١)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٦٥٦ - ٦٥٨ (٢٣٧)، «شذرات الذهب» ٢/ ٥٦.
(١) انظر: «الحاوي» ١/ ١٦٦ - ١٦٩، «المغني» ١/ ٢١٣ - ٢١٥، «المجموع» ٢/ ١٣٠ - ١٣١.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٨، «فتح القدير» ١/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٣) انظر: «مواهب الجليل» ١/ ٤١٧.
(٤) انظر: «الهداية» ١/ ٤٠، «المجموع» ٢/ ١٣٥ - ١٣٦، «المعونة» ١/ ٦٠، «المغني» ١/ ٢١٥ - ٢١٦، «الاختيار لتعليل المختار» ١/ ٤٩.



فرع:
لو أحرق العظم الطاهر بالنار وخرج عن حال العظم فوجهان حكاهما الماوردي من أصحابنا:
أحدهما: يجوز الاستنجاء به؛ لأن النار أحالته.
والثاني: لا؛ لعموم النهي عن الرمة وهي: العظم البالي، ولا فرق بين البلى بالنار أو بمرور الزمان، وهذا أصح (١).
فائدة:
الحكمة في النهي عن الاستنجاء بالعظم، أنه زاد إخواننا من الجن كما أخرجه مسلم في «صحيحه» من حديث ابن مسعود «لا تستنجوا بالعظم والبعر، فإنهما طعام إخوانكم من الجن» (٢). وقد أخرجه البخاري في «صحيحه» في أثناء المناقب من حديث أبي هريرة ولفظه: فلما فرغ فقلت: ما بال العظم والروث؟ فقال: «هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين -ونعم الجن- يسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا» (٣).
قُلْتُ: وقد يأكله بعض الناس؛ للضرورة. وقيل: نهى عنه؛ لأنه لزج لا يكاد يتماسك فيزيل الأذى إزالة تامة، والحكمة في النهي عن الروث ما ذكرناه أيضًا، ومر بي أنه زاد لدوابهم. وقيل: لأنه يزيد في نجاسة الموضع؛ لأنه يمد النجاسة ولا يزيلها.

--------------------
(١) انظر: «الحاوي» ١/ ١٧٤.
(٢) «صحيح مسلم» (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصحيح والقراءة على الجن.
(٣) سيأتي برقم (٣٦٨٠) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ذكر الجن.



السادسة: أنه لا يجوز الاستنجاء بجميع المطعومات، فإنه - ﷺ - نبه بالعظم عَلَى ذَلِكَ، ويلحق بها المحرمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذَلِكَ.
السابعة: إعداد الأحجار للاستنجاء؛ لئلا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه فلا يأمن التلويث.


٢١ - باب لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ
١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالِ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، ولكن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هذا رِكْسٌ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ. [فتح: ١/ ٢٥٦]
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، ولكن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هذا رِكْسٌ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث من أفراد البخاري لم يخرجه مسلم، وأخرجه النسائي وابن ماجه (١).
ثانيها:
هذا التبويب في بعض النسخ وفي بعضها حذفه، وذكر هذا الحديث مع حديث أبي هريرة.
وقوله: (قَالَ إبراهيم) إلى آخره، هو ثابت في بعض النسخ وذكره

--------------------
(١) رواه النسائي ١/ ٣٩ - ٤٠، وابن ماجه (٣١٤).


(أبو) (١) مسعود وخلف وغيرهما عن البخاري.
ثالثها: في التعريف برواته:
أما عبد الله (٢) والأسود (٣) فسلفا، وكذا أبو نعيم (٤)، وزهير (٥)، وأبو إسحاق (٦).
وأما عبد الرحمن بن الأسود فهو أبو حفص النخعي كوفي عالم عامل. روى عن أبيه وعائشة. وعنه الأعمش وغيره. مات سنة تسع وتسعين (٧).
فائدة:
في البخاري أيضا عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، زهري تابعي، وليس فيه غيرهما، ووقع في كتاب الداودي وابن التين أن عبد الرحمن الواقع في رواية البخاري هو ابن عبد يغوث، وهو وهم منهما فاجتنبه (٨).

---------------------
(١) في (ج): ابن.
(٢) سبقت ترجمته في حديثه رقم (٣٢).
(٣) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦).
(٤) سبقت ترجمته في حديث رقم (٥٢).
(٥) سبقت ترجمته في حديث رقم (٤٠).
(٦) سبقت ترجمته في حديث رقم (٤٠).
(٧) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٢٥٢ (٨١٥)، «معرفة الثقات» ٢/ ٧٣ (١٠٢٠)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٠٩ (٩٨٦)، «الثقات» ٥/ ٧٨، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٥٣٠ (٣٧٥٨).
(٨) قال العجلي: مدني، تابعي، ثقة، رجل صالح من كبار التابعين. قال الدارقطني: ثقة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٢٥٣ (٨١٦)، «معرفة الثقات» ٢/ ٧٢ (١٠١٩)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٠٩ (٩٨٧)، «الثقات» ٣/ ٢٥٨، ٥/ ٧٦ «تهذيب الكمال» ١٦/ ٥٢٥ (٣٧٥٦).



فائدة:
من شيوخ الترمذي والنسائي عبد الرحمن بن الأسود الوراق، وليس في هذِه الكتب عبد الرحمن بن الأسود غير هؤلاء (١).
وأما أبو عبيدة (ع) فهو عامر بن عبد الله بن مسعود، وقيل: اسمه كنيته. وفي الترمذي هنا أنه لا يعرف اسمه وحكاه في «علله» عن البخاري (٢).
وما ذكرته من اسمه صرح به مسلم في «كناه» (٣) وابن حبان في «ثقاته» (٤) وأبو أحمد في «كناه» وغيرهم.
وهو هذلي كوفي، أخو عبد الرحمن، وكان يفضل عليه كما قاله أحمد، حدث عن عائشة وغيرها، وحدث عن أبيه في السنن. وعنه السبيعي وغيره؛ مات ليلة دجيل (٥) (٦).

-----------------------
(١) عبد الرحمن بن الأسود بن المأمول القرشي: مات بعد الأربعين ومئتين.
انظر: «تهذيب الكمال» ١٦/ ٥٢٩ (٣٧٥٧)، «الكاشف» ١/ ٦٢١ (٣١٤٠)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٨٨.
(٢) انظر: «جامع الترمذي» ١/ ٢٨، «علل الترمذي» ١/ ٩٩ (٨) بترتيب أبي طالب القاضي.
(٣) «الكنى الأسماء» ١/ ٥٨٨ (٢٣٩٨).
(٤) «الثقات» ٧/ ٢٤٩.
(٥) عامر بن عبد الله بن مسعود الهذيلي: قال شعبة عن عمرو بن مرة: سألت أبا عبيدة بن عبد الله: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا.
قال أبو دواد في حديث ذكره: كان أبو عبيدة يوم مات أبوه ابن سبع سنين.
قال المفضل بن غسان الغلابي عن أحمد بن حنبل: كانوا يفضلون أبا عبيدة على عبد الرحمن. وقال ابن حجر في «تقريب التهذيب»: كوفي ثقة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه. انظر: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢١٠، «التاريخ الكبير» كتاب الكنى ٨/ ٥١ (٤٤٧)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٤٠٣ (١٣٣٥)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٦١ (٣٠٥١)، «تقريب التهذيب» ص ٦٥٦ (٨٢٣١).
(٦) دجيل هو: اسم نهر في موضعين: أحدهما: مخرجه من أعلى بغداد بين تكريت =



ذكر أبو داود حديثًا فيه أن شعبة قَالَ: كان أبو عبيدة يوم مات أبوه ابن سبع سنين، وفي «شرح ابن التين»: ابن خمس سنين، وأنه لم يسمع منه شيئًا. قَالَ: وأخوه عبد الرحمن سمع من أبيه حديثًا واحدًا: «محرم الحلال كمحلل الحرام» (١)، وصرح أبو حاتم وغيره بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا (٢).
وروى شعبة عن عمرو بن مرة قَالَ: سألت أبا عبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قَالَ: ما أذكر منه شيئا (٣).
وقد روى عبد الواحد بن زياد عن أبي مالك الأشجعي عن أبي عبيدة قَالَ: خرجت مع أبي لصلاة الصبح. فضعف أبو حاتم هذِه الرواية (٤).
وفي «المعجم الأوسط» للطبراني من حديث زياد بن (سعد) (٥) عن أبي الزبير قَالَ: حَدَّثَنِي يونس بن (خباب) (٦) الكوفي: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر (٧) .. الحديث.

----------------------
= وبينها مقابل القادسية دون سامرَّاء، فيسقي كورة واسعة وبلادًا كثيرة، منها أوانا وعكبرا والحظيرة وصريفين وغير ذلك، ثم تصب فضلته في دجلة.
انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٤٤٣، «تاريخ الإسلام» ٦/ ٥.
(١) رواه ابن الجعد ١/ ٣٦٨ (٢٥٣٣)، والطبراني ٩/ ١٧٢ (٨٨٥٢ - ٨٨٥٣)، والبيهقي ٩/ ٣٢٦. قال الهيثمي في (المجمع) ٤/ ٣٩: رجاله رجال الصحيح.
(٢) «المراسيل» ص ٢٥٦ (٩٥٣).
(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٦/ ٢١٠.
(٤) «المراسيل» ص ٢٥٦ (٩٥٣).
(٥) في (ج): سعيد.
(٦) في الأصل عتاب، وما أثبتناه من «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٥٠٣ (٧١٧٤)، و«تهذيب التهذيب» ٤/ ٤٦٨.
(٧) قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٩: في إسناده زمعة بن صالح، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله حديثهم، «المعجم الأوسط» ٩/ ٨١ (٩١٨٩)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن زياد بن سعد إلا زمعة، تفرد به أبو قرة.



ولما خرَّج الحاكم في «مستدركه» حديث أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه في ذكر يوسف -عليه السلام- صحح إسناده (١)، وحسن الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه منها: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى (٢).
ومنها: كان في الركعتين الأوليين كأنه عَلَى الرضيف (٣). ومنها: قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (٤) (٥).
فائدة:
هذا الإسناد كله كوفيون، وفيه طرفة أخرى، وهي رواية جماعة من التابعين بعضهم عن بعض، فمن أبي إسحاق إلى أبي عبد الله كلهم تابعيون.
وأما إبراهيم «ع) خلا (ق» بن يوسف فهو سبيعي همداني كوفي، روى عن أبيه وجده، وعنه أبو غريب وجماعة، فيه لين، مات سنة ثمانٍ وسبعين ومائة، أخرجوا له خلا ابن ماجه (٦).

---------------------
(١) رواه الطبراني في «تفسيره» ٧/ ١٧٠ (١٨٩٣٠ - ١٨٩٣١)، والطبراني ٩/ ٢٢٠ (٩٠٦٨)، والحاكم ٢/ ٥٧٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣٩: رجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
(٢) «سنن الترمذي» (١٧١٤).
(٣) «سنن الترمذي» (٣٦٦)، وقال: هذا حديث حسن إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. قال الألباني في «ضعيف الترمذي»: ضعيف.
(٤) «سنن الترمذي» بعد حديث (٣٠١١)، وقال: هذا حديث حسن. وقال الألباني في «ضعيف الترمذي»: ضعيف الإسناد.
(٥) ورد بهامش (س) تعليق نصه: ومنها حديث: أول ما دخل النقص على بني إسرائيل الحديث. وقال: حسن غريب -والله أعلم-. له في الترمذي حديث (…).
(٦) إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق: قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ليس بشيء. =



وأما والده يوسف (ع) (١) فهو كوفي حافظ، روى عن جده والشعبي، وعنه ابن عيينة وغيره، مات في زمن أبي جعفر (٢).
الوجه الرابع:
هذا الحديث مصرح بأن أبا إسحاق لم يأت فيه بسماع، وهو مدلس، وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله عن علي بن المديني أنه قَالَ: كان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول: ليس أبو عبيدة ثنا ولكن عبد الرزاق، فذكر حديث الاستنجاء. قَالَ ابن الشاذكوني: ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفي. قَالَ: أبو عبيدة لم يحدثني، ولكن عبد الرحمن عن فلان عن فلان، ولم يقل: حَدَّثَنِي. فجاز الحديث وسار.

-----------------------
= قال النسائي: ليس بالقوي. قال أبو حاتم: حسن الحديث يكتب حديثه. قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ضعيف الحديث. قال ابن حجر: هذا تضعيف نسبي، وهو إطلاق مردود. وقال النسائي: ليس بالقوي. احتج به الشيخان في أحاديث يسيرة وروى له الباقون سوى ابن ماجه.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ١٤٨ (٤٨٧)، «الثقات» ٨/ ٦١، «الكامل» ١/ ٣٨٤ (٦٩)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٤٩ (٢٦٩)، «إكمال تهذيب الكمال» ١/ ٣٢٦ (٣٢٠)، «مقدمة فتح الباري» ص ٣٣٨.
(١) يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي: قال عبد الجبار بن العلاء عن سفيان بن عيينه: لم يكن في ولد أبي إسحاق أحفظ منه. قال أبو حاتم: يكتب حديثه. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان أحفظ ولد أبي إسحاق، مستقيم الحديث على قلته. روى له الجماعة.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٨٣ (٣٤٠٦)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢١٧ (٩٠٩)، «الكامل» ٨/ ٥٠١ (٢٠٦٩)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٤١١ (٧١٢٧)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٢٧ (١١).
(٢) ورد بهامش (س) تعليق نصه: (…) فيما ذكره المؤلف (…) الحديث (…) وقد أخرج له عن أبيه عدة أحاديث ليس فيها تحسين -والله أعلم-.



قُلْتُ: بل قَالَ: حَدَّثَني، كما رواه إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق عنه كما سلف من عند البخاري. وقال أبو زرعة فيما حكاه ابن أبي حاتم: اختلفوا في هذا الحديث، والصحيح عندي حديث أبي عبيدة عن أبيه. وزعم الترمذي أن أصح الروايات عنده حديث قيس بن الربيع وإسرائيل، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قَالَ: لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه عَلَى ذَلِكَ قيس وزهير، عن أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بأخَرَهٍ، سمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إِذَا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق.
ورواه زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، وهذا حديث فيه اضطراب. قَالَ: وسألت الدارمي: أيُّ الروايات في هذا أصح عن أبي إسحاق؟ فلم يقض فيه بشيء.
قَالَ: وسالت محمد بن إسماعيل عن هذا فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أشبه.
ووضعه في «جامعه» وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه.
هذا آخر كلام الترمذي. وقد أسلفنا الخلف في سماعه منه ومعرفة اسمه أيضًا، وزهير لم يتفرد به بل تابعه يوسف بن إسحاق كما سلف من عند البخاري، وتابعه أيضًا أبو حماد الحنفي وأبو مريم وشريك وزكريا بن أبي زائدة فيما ذكره الدارقطني.
وقال الآجري: سجلت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق فقال: زهير فوق إسرائيل بكثير.


قُلْتُ: وقد اختلف عَلَى إسرائيل أيضًا دون زهير، فرواه كرواية زهير ورواه عباد القطواني وخالد العبد عنه، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.
ورواه الحميدي عن ابن عيينة عنه، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد ذكره الدارقطني، ومتابعة قيس لا تجدي لضعفه الواهي.
ورواه الدارقطني من حديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود (١).
ورواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث زياد بن الحسن بن فرات، عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله قَالَ: أراد النبي - ﷺ - أن يتبرز فقال: «ائتني بثلاثة أحجار» فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين وطرح الروثة. وقال: «هي رجس» (٢).
ورواه الطبراني (٣) في «أكبر معاجمه» من حديث شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود.
وقول الترمذي: ورواه زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله هو أحد الوجوه عنه وقيل: عن عبد الرحمن، عن أبيه. وقيل: عن أبي إسحاق، عن الأسود.
ورواه جماعات عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله. وقيل:

---------------------
(١) «الإلزامات والتتبع» ص ٢٢٧ - ٢٢٩ (٩٤).
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٩ (٧٠)، ورواه ابن ماجه (٣١٤)، وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه»: صحيح.
(٣) «المعجم الكبير» ١٠/ ٦١ - ٦٣ (٩٩٥٣ - ٩٩٥٦، ٩٩٥٨ - ٩٩٦٠).



الأسود بدل علقمة. وقيل: هبيرة بن يريم (بدلهما) (١) ذكره الدارقطني كله (٢). وقال: اختلف عليه اختلافًا شديدًا.
وقول أبي إسحاق: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه يحتمل أن يكون نفيًا لحديثه وإثباتًا لحديث عبد الرحمن ويحتمل أن يكون إثباتًا لحديثه أيضًا، وإن كان غالبًا يحدث به عن أبي عبيدة فقال يومًا: ليس هو حَدَّثَنِي وحده ولكن عبد الرحمن أيضًا.
وقال الكرابيسي في كتاب «المدلسين»: أبو إسحاق يقول في هذا الحديث مرة: حدثني عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله. ومرة: (حدثني) (٣) علقمة، عن عبد الله. ومرة: حَدَّثَنِي أبو عبيدة، عن عبد الله. ومرة يقول: ليس أبو عبيدة حدثنيه، حدثني عبد الرحمن، عن عبد الله.
الوجه الخامس: في أحكامه:
الأول: منع الاستنجاء بالروث، وقد سلف في الباب قبله، وقد أسلفنا عند ابن خزيمة أنها روثة حمار (٤). قَالَ: وفيه بيان أن أرواث الحمر نجسة، وإذا كانت نجسة كان حكم جميع أرواث ما لا يجوز أكل لحومها من ذوات الأربع مثل أرواث الحمر.
الثاني: منع الاستنجاء بالنجس فإن الركس هو النجس. وقد جاء في رواية أخرى سلفت: «إنها رجس». قال صاحب «المطالع»: والمعنى

-----------------
(١) في (ج): بدل همام.
(٢) «الإلزامات والتتبع» ص ٢٣٠ (٩٤).
(٣) في (ج): حدثنا.
(٤) سبق تخريجه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #92  
قديم 23-01-2026, 05:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 167 الى صـــ 186
الحلقة (92)






واحد. أي: قد أركست في النجاسة بعد الطهارة، وقد جاء الرجس بمعنى الإثم والكفر والشرك؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقيل: نحوه في قوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أي: يطهركم من جميع هذِه الخبائث.
وقد تجيء بمعنى العذاب والعمل الذي يوجبه كقوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:١٠٠]، وقيل: بمعنى اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، وقال ابن التين: الرجس، والركس في هذا الحديث قيل: النجس. وقيل: القذر.
وقال الخطابي: معنى الركس: الرجيع؛ أي: قد رد من حال الطهارة إلى حال النجاسة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، أي: ردُّوا إلى الركس والعذاب (١)، ومنه: ارتكس فلان.
وقال ابن بطال: يمكن أن يكون معنى ركس: رجس. قَالَ: ولم أجد لأهل اللغة شرح هذِه الكلمة، والنبي - ﷺ - أعلم الأمة باللغة (٢). وقال الداودي: يحتمل أن يريد بالرجس: النجس، ويحتمل أن يريد: لأنها طعام الجن.
الثالث: قد يستدل به من يقول: الواجب في الاستنجاء الإنقاء حتَّى لو حصل بحجر أجزأ، وهو قول مالك وداود، ووجهٌ للشافعية وحكاه العبدري عن عمر بن الخطاب، وبه قَالَ أبو حنيفة، حيث أوجب الاستنجاء، ومذهب الشافعي أن الواجب ثلاث مسحات وإن حصل

------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٢٥٠.
(٢) «صحيح البخاري بشرح ابن بطال» ١/ ٢٤٨.



الانقاء بدونها، وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه يجوز أن يكون وجد ماءً أو كان أحد الحجرين له أحرف كما قاله الخطابي (١).
وأحسن منهما بأنه جاء في «سنن الدارقطني»: لما ألقى الروثة قَالَ: «ائتني بحجر» يعني ثالثًا. وفي رواية: «ائتني بغيره» (٢) لكن رواهما من حديث أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله به، ثمَّ قَالَ: وهو منقطع فيما بين أبي إسحاق وعلقمة.
قُلْتُ: وقد أسلفنا من عند الكرابيسي التصريح بسماع أبي إسحاق منه.
وقال ابن القصار: إنه روي في بعض الآثار التي لا تصح أنه أتاه بثالث، ولعله لمح كلام الدارقطني ثمَّ قَالَ: وأي الأمرين كان، فالاستدلال لنا به صحيح؛ لأنه اقتصر للموضعين عَلَى ثلاثة أحجار فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة؛ لأنه لم يقتصر عَلَى الاستنجاء لأحد الموضعين ويترك الآخر، ورده ابن حزم بأن قَالَ: هذا باطل؛ لأن النص ورد في الاستنجاء، ومسح البول لا يسمى استنجاء (٣)، وفيما قاله نظر (٤).

-----------------
(١) انظر: «الحاوي» ١/ ١٧١، «المغني» ١/ ٢٠٩، «الاختيار لتعليل المختار» ١/ ٤٨، «الذخيرة» ١/ ٢١٠.
(٢) «سنن الدارقطني» ١/ ٥٥ (٥).
(٣) «المحلى» ١/ ٩٧.
(٤) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الحادي بعد الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له.



٢٢ - باب الوُضوءِ مَرَّةً مَرَّةً
١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطًاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَرَّةً مَرَّةً. [فتح:١/ ٢٥٨]
حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَرَّةً مَرَّةً.
هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه أيضًا أصحاب السنن الأربعة (١).
قَالَ الترمذي عقب إخراجه: وفي الباب عن عمر (ق) وجابر (م) وبريدة وأبي رافع وابن العالية (٢). قُلْتُ: وأُبي (ق) بن كعب وحديث ابن عباس أحسن شيء في الباب.
قُلْتُ: لا جرم اقتصر عليه البخاري.
قَالَ: وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث عن الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر مرفوعًا به، وليس بشيء.
والصحيح ما روى ابن عجلان وهشام بن سعد وسفيان الثوري وعبد العزيز بن محمد، عن زيد، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه عن سفيان جماعات غير شيخ البخاري منهم وكيع.

-------------------
(١) «سنن أبي داود» (١٣٨)، «سنن الترمذي» (٤٢)، «سنن النسائي» ١/ ٦٢، «سنن ابن ماجه» (٤١١). وقال أبو عيسى: حديث ابن عباس أحسن شيء في هذا الباب وأصح. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢٧): صحيح على شرط البخاري.
(٢) ورد بهامش (س) تعليق نصه: من خط المصنف في الهامش: أخرج حديث أبي رافع الدارقطني، وحديث ابن العالية -واسمه محبرة أبو القاسم البغوي.



ونبه الدارقطني أيضًا على أن ابن لهيعة ورشدين بن سعد روياه عن الضحاك أيضًا كما سلف، وأن عبد الله بن سنان خالفه فرواه عن زيد، عن عبد الله بن عمر قَالَ: وكلاهما وهم، والصواب: زيد، عن عطاء، عن ابن عباس.
وفي «مسند البزار» ما أتى هذا إلا من الضحاك، وقد أغفل في سنده قصد الصواب (١).
ورجاله سلف التعريف بهم. وفقهه سلف أول الوضوء.
و(سفيان) هو الثوري كما صرح به أبو نعيم وغيره، وقد سلف أيضًا.
واستدل ابن التين بهذا الحديث على عدم إيجاب تخليل اللحية وهو لائح؛ لأنه إذا غسل وجهه مرة لا يبقى معه من الماء ما يخلل به. قَالَ: وفيه رد على من قَالَ: فرض مغسول الوضوء ثلاث.

--------------------
(١) «مسند البزار» ١/ ٤١٥ - ٤١٦ (٢٩٢).


٢٣ - باب الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ
١٥٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. [فتح: ١/ ٢٥٨]
حَدَّثنَا الحُسَيْنُ بْنُ عِيسى، ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْن عَمْرٍو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
هذا الحديث من أفراد البخاري، وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة (١) وقال: حسن غريب. قَالَ: وفي الباب عن جابر (ق). وأغفل حديث زيد.
والتعريف بهم سلف خلا عبد الله (ع) بن أبي بكر (٢) وهو ثقة حجة.
مات سنة خمس وثلاثين ومائة. ووالده سلف.

----------------
(١) «سنن أبي داود» (١٣٦)، «سنن الترمذي» (٤٣). وقال: هذا حديث حسن غريب. ورواه أحمد ٢/ ٢٨٨، وابن حبان في «صحيحه» ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤ (١٩٠٤).
ورواه الحاكم في «مستدركه» ١/ ١٥٠، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ٢٣١ (١٢٥): حسن صحيح.
(٢) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك: كان كثير الأحاديث، وكان رجل صدق.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: حديثه شفاء. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٥٤ (١١٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٣ (٨٦١)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٧ (٧٧)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٤٩ (٣١٩٠).



ويونس (ع) بن محمد (١) هو أبو محمد المؤدب المعلم، مات بعد المائتين سنة سبع أو ثمانٍ أو غير ذَلِكَ.
وشيخ البخاري هو أبو علي الطائي القومسي البسطامي الدامغانى (٢). عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، ثقة من أئمة العربية. مات سنة سبع وأربعين ومائتين وهو من الأفراد، ليس في الصحيحين من اسمه الحسين بن عيسى غيره، وفي أبي داود وابن ماجه آخر حنفي كلوفي، أخو سليم القاري، ضعيف (٣).
وفقه سلف، وقد ذكر بعد بأبواب من حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد أيضًا: أنه - ﷺ - غسل يديه مرتين ومضمض

------------------
(١) يونس بن محمد بن مسلم البغدادي: قال عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة.
وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أحمد بن الخليل البرجلاني: حدثنا يونس بن محمد الصدوق.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٤١٠ (٣٥١٧)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٤٦ (١٠٣٣)، «الثقات» ٩/ ٢٨٩، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٥٤٠ (٧١٨٤).
(٢) الحسين بن عيسى بن حمران الطائي أبو علي الخرساني القومسي البسطامي.
قال أبو حاتم: صدوق. قال الحاكم أبو عبد الله: من كبار المحدثين وثقاتهم، من أئمة أصحاب العربية.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٩٣ (٢٨٩٣)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٦٠ (٢٧١)، «تهذيب الكمال» ٦/ ٤٦٠ (١٣٢٨).
(٣) الحسين بن عيسى بن مسلم الحنفي: قال أبو زرعة: منكر الحديث. قال أبو حاتم: ليس بالقوي، روى عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة.
قال أبو أحمد بن عدي: له من الحديث شيء قليل، عامة حديثه غرائب، وفي بعض حديثه مناكير. وقال ابن حجر: ضعيف.
انظر ترجمته في: «الجرح التعديل» ٣/ ٦٠ (٢٦٩)، «تهذيب الكمال» ٦/ ٤٦٣ (١٣٢٩)، «التقريب» (١٣٤١).



واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وسيأتي (١).
واعترض بعض من شرح البخاري ممن عاصرته وتأخر بأن قَالَ: الحديث واحد فلا يحسن استدلال البخاري به في هذا الباب، قَالَ: اللهم، إلا لو قَالَ: إن بعض وضوئه كان مرتين وبعضه ثلاثًا كان حسنًا، هذا لفظه، وهو اعتراض ساقط إذ لا يمتنع تعدد القصة، كيف والطريق إلى عبد الله بن زيد مختلف.

------------------
(١) سيأتي برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله.


٢٤ - باب الوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأْوُيْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ -مَوْلَى عُثْمَانَ- أَخْبَرَهُ أنَهُ رَأى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الِمرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣ - مسلم: ٢٢٦ - فتح: ١/ ٢٥٩]

١٦٠ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: قَالَ ابن شِهَابٍ: ولكن عُرْوَةُ يُحَدِّثُ، عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: ألَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتّى يُصَلِّيَهَا». قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٧ - فتح ١/ ٢٦١]
حَدَثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ -مَوْلَى عُثْمَانَ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه».


الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث رواه مسلم أيضًا (١) وأبو داود والنسائي في «سننهما» (٢)، وكرره البخاري بعد، وفي الصوم (٣).
ثانيها: في التعريف برجاله غير من سلف:
أما راويه عثمان فهو ثالث الخلفاء ذو النورين أبو عمرو عثمان (ع) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
أمه: أروى (بنت) (٤) عمة رسول - ﷺ -، وهو أصغر من النبي - ﷺ -.
روي له مائة حديث ونيف، وكثر المال في زمنه حتى أبيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف درهم.
ذبح صبرًا في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين عن نيف وثمانين سنة، وليس في الصحابة من اسمه عثمان بن عفان غيره، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.
وفي الترمذي: «لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان» (٥). وبويع له
بالخلافة بعد ثلاثة أيام من دفن عمر غرة المحرم سنة أربع وعشرين (٦).

-------------------
(١) مسلم (٢٢٦) كتاب: الطهارة، باب: صفة الوضوء وكماله.
(٢) «سنن أبي داود» (١٠٦)، «سنن النسائي» ١/ ٦٤، «الكبرى» ١/ ٨٢ (٩١).
(٣) سيأتي برقم (١٩٣٤) كتاب: الصوم، باب: سواك الرطب واليابس للصائم.
(٤) ورد بهامش (س): صوابه حذف (بنت).
(٥) «سنن الترمذي» (٣٦٩٨) كتاب: المناقب. وقال: هذا حديث غريب ليس إسناده بالقوي وهو منقطع؛ وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٢٩٢): ضعيف.
(٦) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٥٤، «معرفة الصحابة» ١/ ٥٨ - ٧٥، ٤/ ١٩٥٢، «الاستيعاب» ٣/ ١٥٥ - ١٦٥، «أسد الغابة» ٣/ ٥٨٤ - ٥٩٦.



وأما حمران فهو ابن أبان. وقيل: ابن أبّا. وقيل: أبي، مدني، قرشي مولاهم، كان من سبي عين التمر، وكان كاتب عثمان وحاجبه، وولي نيسابور زمن الحجاج، ذكره البخاري في «ضعفائه» واحتج به في «صحيحه». وكذا مسلم والباقون، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث لم أرهم يحتجون بحديثه. مات سنة خمس وسبعين. أغرمه الحجاج مائة ألف؛ لأجل الولاية السالفة ثم رد عليه ذَلِكَ بشفاعة عبد الملك (١).
وأما عطاء بن يزيد فهو ليثي تابعي سلف (٢).
وكذا ابن شهاب: تابعي، فهؤلاء ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض (٣).
الثالث: في ألفاظه:
معنى (أفرغ): قلب وصبَّ (٤)؛ لأجل الغسل.
و(الاستنثار): طلب دفع الماء؛ للخروج من الأنف، مأخوذ من النثرة وهي: طرف الأنف. وقال الخطابي: هي الأنف (٥).
ومنهم من جعله جذب الماء إلى الأنف وهو الاستنشاق، والصواب

--------------------
(١) حمران بن أبان، قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين في تسمية تابعي أهل المدينة ومحدثيهم: حمران بن أبان. وقال عمار بن الحسن الرازي، عن علوان: كان أول سبي دخل المدينة من قبل المشرق حمران بن أبان، وقال أبو سفيان الحميري، عن أيوب أبي العلاء، عن قتادة: إن حمران بن أبان كان يصلي مع عثمان بن عفان فإذا أخطأ فتح عليه.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٨٣، «التاريخ الكبير» ٣/ ٨٠ (٢٨٧)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٠١ (١٤٩٦).
(٢) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٤٤).
(٣) سبقت ترجمته في حديث رقم (٣).
(٤) «لسان العرب» ٦/ ٣٣٩٦.
(٥) «غريب الحديث» ١/ ١٣٦.



الأول، ويدل (له) (١) حديث عثمان الآتي: ثم تمضمض واستنشق واستنثر؛ فجمع بينهما وذلك يقتضي التغاير، ومنهم من قَالَ: سُمِّي جذب الماء استنشاقًا بأول الفعل واستنثارًا بآخره.
فرع:
يكون الاستنثار باليسرى.
و(المَرْفِق): بفتح الميم وكسر الفاء وعكسه لغتان، والمراد به: موصل الذراع في العضد (٢).
الرابع: في أحكامه:
وهي نيف وعشرون:
أولها: جواز الاستعانة في إحضار الماء وهو إجماع من غير كراهة.
ثانيها: الإفراغ على اليدين معًا، وجاء في رواية أخرى: أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما (٣). وهو قدر مشترك بين غسلهما معًا مجموعتين أو متفرقتين، والفقهاء اختلفوا في أيهما أفضل.
فرع: لم يذكر في هذا الحديث التسمية، وقد سلف ما فيها في بابها (٤).
ثالثها: التثليث في غسل الكفين، وهو إجماع.
رابعها: استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء.

-------------------
(١) في (ج): عليه.
(٢) «لسان العرب» ٣/ ١٦٩٥، مادة: (رفق).
(٣) رواه أبو داود (١٠٩). وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٧): إسناده حسن صحيح.
(٤) سلف برقم (١٤١) كتاب: الوضوء، باب: التسمية على كل حال وعند الوقاع.



خامسها: جواز إدخال اليدين الإناء بعد غسلهما، وأنه لا يفتقر إلى نية الاغتراف.
سادسها: الترتيب بين غسل اليدين والمضمضمة؛ لأجل الفاء المقتضية للتعقيب، والأصح عند أصحابنا أن ذَلِكَ على وجه الاشتراط، وكذا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق أيضًا، وعبَّر الماوردي عن الخلاف بأن في وجوب الترتيب في المسنونات وجهين (١).
سابعها: المضمضة أصلها مشعر بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينه: إذا تحرك، واستعمل في المضمضمة؛ لتحريك الماء في الفم، والأصح عند أصحابنا أنه لا يشترط الإدارة ولا المج، ومن اشترط المج جرى على الأغلب، فإن العادة عدم ابتلاعه.
ثامنها: لم يذكر في هذِه الرواية الاستنشاق وذكرها بعد ذَلِكَ كما أسلفناه، وسيأتي.
وجمهور العلماء على أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء.
تاسعها: غسل الوجه، وأصله من المواجهة، وحده (ما بين) (٢) منابت رأسه غالبًا ومنتهى لَحْيَيْهِ (٣) وما بين أذنيه، وتفصيل القول في ذَلِكَ محله كتب الفروع، وقد (بسطناه) (٤) فيها.
العاشر: تثليث غسل الوجه، والإجماع قائم على سنيته.
الحادي عشر: (ثم) هنا للترتيب بين المسنون والمفروض، وهما

----------------------
(١) «الحاوي» ١/ ١٣٨.
(٢) في (ج): من.
(٣) في (ج): لحيته.
(٤) في (ج): بسطتها.



المضمضة وغسل الوجه، وبعضهم رأى الترتيب في المفروض دون المسنون كما سلف، وهو مذهب مالك.
واختلف أصحاب مالك في الترتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال: الوجوب، والندب -وهو المشهور عندهم-، والاستحباب.
ومذهب الشافعية وجوبه، وخالف المزني فقال: لا يجب، واختاره ابن المنذر والبندنيجي (١)، وحكاه البغوي عن أكثر العلماء، وحكاه الدزماري (٢) قولًا عن القديم وعزاه إلى صاحب «التقريب». قَالَ إمام الحرمين: لم ينقل أحد قط أنه - ﷺ - نكس وضوءه فاطرد الكتاب والسنة على وجوب الترتيب (٣).

-----------------------
(١) هو الحافظ مفيد بغداد أبو العباس أحمد بن أحمد بن أحمد بن كرم البندنيجي ثم البغدادي الأزجي المعدل، أخو المحدث تميم. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وسمع من ابن الزاغوني، وأبي الوقت، وأبي محمد بن المادح وكتب العالي والنازل، وبالغ من غير إتقان. روى عنه ابن الدُّبيثي، وابن النجار، والزكي البرزالي، وآخرون. وله عناية بالأسماء، ونظرٌ في العربية، وكان فصيحًا طيب القراءة. مات شيخًا في رمضان سنة خمس عشرة وستمائة.
انظر ترجمته في: «التكملة لوفيات النقلة» ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣ (١٦٢٢)، «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٦٤ - ٦٥ (٤٨)، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (٢٦٩٢)، «شذرات الذهب» ٥/ ٦٢.
(٢) أحمد بن كشاسب بن علي بن أحمد الإمام كمال الدين أبو العباس الدزماري، الفقيه الشافعي كان فقيهًا صالحًا، كثير الحج والخير، له من المؤلفات: «النكت على التنبيه»، «الفروق». توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
انظر ترجمته في: «الوافي بالوفيات» ٧/ ٢٩٩، «طبقات الشافعية، للإسنوي ١/ ٣١٥ - ٣١٦ (٢٨٩)،»معجم المؤلفين«٢/ ٣١.
(٣) انظر:»مختصر اختلاف العلماء«١/ ١٥٣،»الإفصاح«١/ ١٠٥ - ١٠٦،»عيون المجالس«١/ ١١١ - ١١٢،»التحقيق«١/ ٢٧١ - ٢٨٠،»البيان«١/ ١٣٥ - ١٣٦،»المغني«١/ ١٨٩ - ١٩٠،»الذخيرة" ١/ ٢٧٨ - ٢٨٥.



الثاني عشر: قد أسلفنا أن المراد بالمرفق هنا موصل الذراع في العضد، لكن اختلف قول الشافعي هل هو اسم لإبرة الذراع أو لمجموع عظم رأس العضد مع الإبرة؟ على قولين، وبنى على ذَلِكَ أنه لو سُل الذراع من العضد، هل يجب غسل رأس العضد أم مستحب؟ وفيه قولان: أشهرهما وجوبه.
الثالث عشر: اختلف العلماء في وجوب إدخال المرفقين في الغسل على قولين، فذهبت الأئمة الأربعة كما عزاه ابن هُبَيْرَةَ إليهم (١) والجمهور إلى الوجوب، وذهب زُفر وأبو بكر بن داود إلى عدم الوجوب، ورواه أشهب، عن مالك، وزَّيفه القاضي عبد الوهاب (٢).
ومنشأ الخلاف أن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية، وقد ترد بمعنى: (مع)، والأول هو المشهور، فمن قَالَ به لم يوجب إدخالهما في الغَسْلِ، ومن قَالَ بالثاني أوجب، لكن يلزم من قَالَ بالأول الوجوب، لا من هذِه الحيثية بل من حيث أْن السنة بينته.
وفرق بعضهم بين أن تكون الغاية من جنس ما قبلها أو لا، فإن كانت من الجنس دخلت كما في الوضوء وإن كان من غيره لم يدخل كما في آية الصوم.
ومنهم من قَالَ: إن كانت الغاية لإخراج ما دخل فيها لم يخرج، فإن اسم اليد يطلق عليها إلى المنكب؛ حتى قَالَ أصحابنا: لو طالت أظافيره ولم يغسلها وجب غسلها قطعًا؛ لاتصالها باليد ودخولها فيه، وكذلك لو نبت في محل الفرض يد أخرى أو سلعة وجب غسلها (٣).

---------------------
(١) انظر: «الإفصاح» ١/ ١١٢.
(٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١١٤، «بدائع الصنائع» ١/ ٤.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٥٣.



فلو لم ترد هذِه الغاية لوجب غَسلٌ إلى المنكب، فلما دخلت أخرجت عن الغسل ما زاد على المرفقين، وانتهى الإخراج إلى المرفقين فدخلا في الغسل.
الرابع عشر: تثليث غسل اليدين، والإجماع قائم على أنه سنة.
الخامس عشر: ظاهر الحديث استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن اسم الرأس حقيقة في العضو، لكن الاستيعاب هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ فيه قولان للعلماء، ومذهب الشافعي أن الواجب ما يقع عليه الاسم ولو بعض شعره.
ومشهور مذهب مالك وأحمد: أن الواجب مسح الجميع. ومشهور مذهب أبي حنيفة أن الواجب ربع الرأس. وقد أوضحت مدرك الخلاف في «شرحي للعمدة» فراجعه منه (١).
فرع: لم يذكر في الحديث هنا تثليث المسح، وقد ذكرت فيه حديثًا في أول الوضوء، والمسألة خلافية أيضًا، والمشهور عن الشافعي أنها كغيرها في الاستحباب خلافًا للأئمة الثلاثة (٢).
السادس عشر: فيه التصريح بغسل الرجلين، وفيه رد على من أوجب المسح.
السابع عشر: استحباب التثليث في غسل الرجلين، وبعضهم لا يراه، وعلقه بالإنقاء، والنص يرده.
الثامن عشر: إنما قَالَ - ﷺ -: «نحو وضوئي». ولم يقل: مثله؛ لأن حقيقة مماثلته - ﷺ - لا يقدر عليها غيره، كذا قاله النووي في

-------------------
(١) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٣٧ - ٣٤٤.
(٢) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.



«شرح مسلم» (١).
لكن صح لفظة «مثل» أيضًا، أخرجه البخاري في كتاب الرقاق من «صحيحه» كما سيأتي (٢).
التاسع عشر: فيه استحباب ركعتين بعد الوضوء، ويفعل في كل وقت حتى وقت النهي عند الشافعية، خلافًا للمالكية قالوا: وليست هذِه من السنن.
قالوا: وحديث بلال في البخاري: أنه كان متى توضأ صلَّى (٣).
وقال: إنه أرجى عمل له يجوز أن يخصّ بغير وقت النهي (٤).
فرع: هل تحصل هذِه الفضيلة بركعة؟
الظاهر المنع، وفي جريان الخلاف فيه في التحية ونظائره نظر.
العشرون: الثواب الموعود به مرتب على أمرين:
الأول: وضوؤه على النحو المذكور.
والثاني: صلاته ركعتين عقبه، بالوصف المذكور في الحديث، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه، فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور.

--------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٠٨.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٣٣) كتاب: الرقاق، باب: قول الله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ..).
(٣) سيأتي برقم (١١٤٩) أبواب التهجد، باب: فضل الطهور بالليل والنهار.
(٤) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٥٠ - ٣٥١.



الحادي بعد العشرين: إثبات حديث النفس، وهو مذهب أهل الحق، ثم حديث النفس قسمان: ما يهجم عليها ويتعذر دفعه عنها، وما يسترسل معها ويمكن قطعه، فيحمل الحديث عليه دون الأول؛ لعسر اعتباره. ولفظ الحديث بقوله: «لا يحدث» فإنه يشهد له بتكسبٍ وتَفعُّلٍ لحديث النفس؛ لأن الخواطر ليست من جنس مقدور العبد معفو عنها؛ فمن حصل له ذَلِكَ العمل حصل له ذَلِكَ الثواب، ومن لا فلا، ولا يكون ذَلِكَ من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه.
نعم، لابد أن تكون الحالة المرتب عليها الثواب المخصوص ممكنة الحصول، وهي التجرد عن شواغل الدنيا، وغلبة ذكر الله تعالى على القلب وتعميره به، وذلك حاصل لأهل العناية ومحكي عنهم. ونقل القاضي عياض عن بعضهم أن ما يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة، ويكون ذَلِكَ صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأنه - ﷺ - إنما ضمن الغفران لمراعي ذَلِكَ؛ لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس.
وإنما حصلت له هذِه المرتبة؛ لمجاهدته نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه ومحافظته عليها حتى لم يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان باجتهاد وتفريغه قلبه (١).
ولم يرتض النووي في «شرح مسلم» هذا بل قَالَ: الصواب حصول هذِه الفضيلة مع طرآن الخواطر العارضة غير المستقرة (٢).

-------------------
(١) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٥١ - ٣٥٣.
(٢) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٠٨.



الثاني بعد العشرين: حديث النفس يعم الخواطر الدنيوية والأخروية، والحديث محمول على المتعلق بالدنيا فقط، فقد جاء في رواية خارج «الصحيح»: «لا يحدِّث فيها نفسه بشيء من الدنيا، ثم دعا إلا استجيب له» ذكرها الحكيم الترمذي في كتاب «الصلاة» تأليفه (١).
الثالث بعد العشرين: المراد بالغفران: الصغائر دون الكبائر، فإن الكبائر تكفر بالتوبة وفضل الكريم واسع وعطاؤه غير نافد (٢).

--------------------
(١) انظر: «الصلاة ومقاصدها» ص ٧٧.
(٢) انظر: «فتح الباري» لابن حجر ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.
قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٦٠٣ - ٦٠٥ الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلًا باتفاق أهل العلم، بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها.
وفي السنن عن النبي (أنه قال: «إن العبد لينصرف من صلاته، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، إلا سبعها، إلا ثمنها، إلا تُسعها، إلا عُشرها».
ويقال: إن النوافل شرعت لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي (أنه قال: «أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن أكملها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله». وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقًا.
وأما الوسواس الذي يكون غالبًا على الصلاة فقد قال طائفة منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبو حامد الغزالي وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضًا، لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي (قال: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه. فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم». وقد صح عن النبي (الصلاة مع الوسواس مطلقًا. ولم يفرق بين القليل والكثير.
ولا ريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل، كما في الصحيحين من =



قَالَ البخاري رحمه الله:
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: قَالَ ابن شِهَابٍ: ولكن عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ. فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ. سَمِعْتُ النَّبيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا». قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩].
الكلام على ذَلِكَ من أوجه
أحدها:
هذا الحديث علقه البخاري كما ترى، وأسنده مسلم عن زُهير (١)،

-----------------
= حديث عثمان - رضي الله عنه -، عن النبي (أنه قال: «إن من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه». وكذلك في الصحيح أنه قال: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بوجهه، وقلبه غفر له ما تقدم من ذنبه».
وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ - رضي الله عنه -: في ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله (حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق. وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها. وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه وقام الناس، وهو في الصلاة لم يشعر. وكان عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - يسجد. فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه. وقالوا لعامر بن عبد القيس: أتحدث نفسك بشيء في الصلاة؟
فقال: أو شيء أحب إلي من الصلاة أحدث به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنة فيّ أحبُّ إلي وأمثال هذا متعدد.
(١) انظر: «صحيح مسلم» (٢٢٧) كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.



ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي عن صالح به. قَالَ أبو نعيم الحافظ: لم يذكر البخاري شيخه فيه، ولا أدري هو معقب لحديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري نفسه أو أخرجه عن إبراهيم بلا سماع.
ثانيها:
إبراهيم هذا هو ابن سعد السالف، وباقي رواته سلف التعريف بهم خلا (١) عروة، وهو أبو عبد الله عروة (ع) بن الزبير القرشي الأسدي المدني (٢) روى عن أبويه، وخالته، وعلي، وخلائق. وعنه أولاده: عبد الله، وعثمان، وهشام، ويحيى، ومحمد، والزهري وخلق.
قَالَ ابن سعد: كان فقيهًا عالمًا كثير الحديث ثبتًا مأمونًا. قَالَ هشام: صام أبي الدهر، ومات وهو صائم. مات قبيل المائة أو إحدى ومائة. قَالَ يحيى بن معين: استصغر يوم الجمل.
ثالثها:
من صالح إلى عثمان كلهم تابعيون مدنيون، وهو من طُرف الإسناد، وفيه طُرفهٌ أخرى وهي رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالحًا أكبر سنًّا من الزهري كما سلف.
رابعها: في ألفاظه:
قوله: (آية) هو بالياء ومد الألف. أي: لولا أن الله تعالى أوجب على من علم علمًا إبلاغه لما كنت حريصًا على تحديثكم. ووقع

----------------------
(١) ورد بهامش (ص): سلفت ترجمة عروة في أول الكلام على الحديث الثاني من أحاديث هذا الكتاب.
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات» ٥/ ١٧٨، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣١ (١٣٨)، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١١ (٣٩٠٥)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٢١ (١٦٨).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #93  
قديم 23-01-2026, 05:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 187 الى صـــ 206
الحلقة (93)






للباجي: (بالنون) يعني: لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله ما حدثتكم؛ لئلا تتكلوا.
ويعضده ما في «الموطأ» قَالَ مالك: أراه يريد هذِه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (١) الآية [هود: ١١٤].
ومعنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامًّا بصفته وآدابه.
ومعنى يصليها: حتى يفرغ منها.
خامسها: في فوائده:
الأولى:
وجوب تبليغ العالم ما عنده من العلم وبثه للناس؛ لأن الله تعالى توعد من كتمه باللعن من الله وعباده، وأخذ الميثاق على العلماء ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وهذِه الآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب فقد دخل فيها كل من علم علمًا تعبد الله العباد بمعرفته ولزمه من بثه وتبليغه ما لزم أهل الكتاب من ذَلِكَ؛ لأن فيها تنبيهًا وتحذيرًا لمن فعل فعلهم وسلك سبيلهم مع أن رسول الله - ﷺ - ذكر (٢) أن من كتم علمًا ألجم يوم القيامة بلجام من نار (٣).

------------------------
(١) انظر: «موطأ مالك» ص ٤٥ برواية يحيى.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: روى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري بسند ضعيف: «من كتم علمًا نافعًا جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار».
(٣) «من سئل عن علم علمه ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» من حديث أبي هريرة.
رواه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن، وابن ماجه (٢٦٦)، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣): صحيح.



الثانية: ظاهر الحديث أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوضوء وإحسانه والصلاة، وفي «الصحيح» من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه» (١). ففيه أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يخرج من الوضوء نقيًّا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية لمسلم في حديث عثمان: «وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة» (٢).
ويحتمل أن يكون ذَلِكَ باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذَلِكَ عند الوضوء وآخر عند تمام الصلاة.
الثالثة: قد سلف أن المراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر، وجاء في بعض الروايات: «وذلك الدهر كله» (٣) أي: ذَلِكَ مستمر في جميع الأوقات. وجاء في «صحيح مسلم»: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة» (٤).
وفي الحديث الآخر «(الصلوات) (٥) الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (٦).

-------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم» (٢٤٤) كتاب: الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء.
(٢) انظر: «صحيح مسلم» (٢٢٩) في الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.
(٣) رواه مسلم (٢٢٨/ ٧) الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.
(٤) السابق.
(٥) في (ج): فالصلوات.
(٦) مسلم (٢٣٣/ ١٦) كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر.



لا يقال: إذا كفَّر الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفرت الصلاة ماذا تكفر الجمعات ورمضان؟ وكذا صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأن المراد أن كل واحد من هذِه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجا أن يخفف منها.
الرابعة: قَالَ (الداودي) (١) في «شرحه»: المشهور في الرواية: «غفر له ما تقدم من ذنبه» يريد -والله أعلم- التي بينه وبين الله تعالى. قَالَ: وإن لم تكن رواية عروة محفوظة فيحتمل أن يكون غفران ما بينه وبين الصلاة كما يصليها.
قُلْتُ: هي محفوظة من غير شك كما سلف.
الخامسة: الحث على (الاعتناء) (٢) بتعلم آداب الوضوء وشروطه، والعلم بذلك والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء ولا يترخص بالاختلاف فيعتني بالتسمية والنية والمضمضة والاستنشاق والاستنثار واستيعاب مسح الرأس والأذنين، ودَلْك الأعضاء، والتتابع في الوضوء، وغير ذَلِكَ من المختلف فيه، وتحصيل ماءِ طهور بالإجماع.

---------------------
(١) في (ج): الماوردي.
(٢) في (ج): الاعتبار.



٢٥ - باب الاسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ
ذَكَرَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم -، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -.

١٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ». [١٦٢ - مسلم: ٢٣٧ - فتح: ١/ ٢٦٢]
أما حديث عثمان فسلف في الباب قبله (١).
وأما حديث عبد الله بن زيد فسيأتي في باب مسح الرأس (٢).
وأما حديث ابن عباس فسلف في باب غسل الوجه (٣) على إحدى النسخ فيه، فإن في نسخة بدل (واستنشق) (واستنثر). ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه بلفظ: واستنثر مرتين بالغتين أو ثلاثًا (٤).
ثم قَالَ البخاري:
حَدَّثنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».

---------------------
(١) سبق برقم (١٥٩) كتاب: الوضوء، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا.
(٢) سيأتي برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله.
(٣) سبق برقم (١٤٠) كتاب: الوضوء، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة.
(٤) انظر: «سنن أبو داود» (١٤١)، و«سنن ابن ماجه» (٤٠٨)، «مسند أحمد» ١/ ٢٢٨. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٤٠): إسناده صحيح.



الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم والنسائي وابن ماجه (١) ولما أخرجه الترمذي من حديث سلمة بن قيس مرفوعًا: «إذا توضَأْت فانثر، وإذا استجمرت فاوتر» وقال فيه: حديث حسن صحيح.
قَالَ: وفي الباب عن عثمان ولقيط بن صبرة وابن عباس والمقدام بن معدي كرب ووائل بن حجر وأبي هريرة (٢).
قُلْتُ: وفيه عن أبي سعيد وعلي في «صحيح ابن حبان» (٣)، والبراء بن عازب في «الحلية» لأبي نُعيم (٤).
ثانيها:
هذا الحديث اشتهر من طريق أبي هريرة عن الزهري رواه عنه جماعة منهم مالك، وعن عبد الله بن المبارك. وأخطأ فيه كامل بن طلحة الجحدري فرواه عن مالك، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة الخُشني كما نبه عليه أبو أحمد الحافظ.
قَالَ أبو عمر: وهم فيه عثمان الطرائفي فقال: ثنا مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (٥).

---------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم» (٢٣٧/ ٢٢) كتاب: الطهارة، باب: الإيتار في الاستنثار والاستجمار، «سنن النسائي» ١/ ٦٦ - ٦٧، و«سنن ابن ماجه» (٤٠٩).
(٢) «سنن الترمذي» (٢٧). وورد بهامش (س): أخرجه البزار.
[قلت: رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٢٣٩)].
(٣) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٨٦ (١٤٣٨).
(٤) «حلية الأولياء» ٩/ ٢٢٥.
(٥) انظر: «التمهيد» ١١/ ١٢.



قَالَ الدارقطني: ولا يصح فيه عن مالك ولا عن الزهري غير حديث أبي إدريس، ورواه أسيد بن عاصم، عن بشر بن عمر، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة وهو خطأ (١).
ثالثها:
سلف التعريف برجاله، وعبد الله -هو ابن المبارك- سلف.
رابعها:
الانتثار (سلف) (٢) بيانه في الباب قبله.
والاستجمار: مسح جميع محل البول والغائط بالجمار وهي الأحجار الصغار التي يُرمى بها في الحج. قَالَ ابن حبيب: وكان ابن عمر يتأول الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر، ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعًا، أي: فإنه يقال في هذا: تجمر واستجمر، فيأخذ ثلاث قطع من الطيب، أو يتطيَّب مرات، واحدة بعد الأولى، وحكي عن مالك أيضًا، والأظهر الأول.
قَالَ ابن الأنباري: معنى أوتر عندهم أن يوتر من الجمار، وهي: الحجارة الصغار. يقال: قد تجمر الرجل يتجمر تجميرًا إذا رمى جمار مكة. والإيتار: أن يكون الاستجمار بوتر.
خامسها:
فيه مطلوبية الاستنثار في الوضوء، والإجماع قائم على عدم وجوبه، ومن يفسر الاستنثار بالاستنشاق قد يتمسك به من يرى الوجوب فيها.

--------------------
(١) انظر: «علل الدراقطني» ٨/ ٢٩٧ - ٢٩٨ (١٥٨٥).
(٢) في (ج): سبق.



ويجاب بحمل مخالفة الأمر على الاستحباب؛ عملًا بقوله - ﷺ - للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله» (١) فأحاله على الآية وليس ذَلِكَ فيها.
سادسها:
مطلوبية الإيتار في الاستنجاء، ولا يجوز عند الشافعي بأقل من ثلاث وإن حصل الإنقاء بدونه؛ لأن الواجب عنده أمران: إزالة العين، واستيفاء ثلاث مسحات، فإن حصل الإنقاء بثلاث فلا زيادة، وإن لم يحصل وجبت (٢).
وهذا الحديث دال على وجوب الإيتار لكن بالثلاث من دليل آخر، وهو نهيه - ﷺ - عن أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار (٣)، ووافقنا أحمد (على) (٤) وجوب استيفاء ثلاث مسحات وإن حصل الإنقاء بدونها، وبه قال بعض المالكية، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الواجب الإنقاء لا غير (٥).

---------------------
(١) سبق تخريجه في حديث رقم (١٤١).
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٦٩.
(٣) فيه حديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: نهانا- أي: النبي - ﷺ - أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة.
(٤) في (ج): في.
(٥) من هنا يبدأ سقط كبير في (ج) سنشير إلى انتهائه، وتبقى نسخة (س) بمفردها.



٢٦ - باب الاسْتِجْمَارِ وِتْرًا
١٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئهِ، فَإِن أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». [انظر: ١٦١ - مسلم: ٢٣٧، ٢٧٨ - فتح: ١/ ٢٦٣]
حَدَّثنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وِإذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من طريق مالك (١)، وأخرجه مسلم من طريق آخر (٢).
ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف.
ثالثها: في بيان ألفاظه:
معنى «توضأ»: أراد الوضوء.
وقوله: «فليجعل في أنفه» أي: ماءً، حذف للعلم به، فيؤخذ منه حذف المفعول إذا دل الكلام عليه، ومعنى «يجعل» هنا: يُلقي،

--------------------
(١) «سنن أبي داود» (١٤٠).
(٢) انظر: «صحيح مسلم» (٢٧٨) كتاب: الطهارة، باب: كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا.



وقوله: «في وَضوئه» هو بفتح الواو.
رابعها: في أحكامه:
الأولى: مطلوبية الاستنثار، وقد سلف في الحديث قبله.
الثانية: الأمر بالإيتار. وقد سلف ما فيه أيضًا (١)، والمراد بالإيتار عندنا: أن يكون عدد المسحات ثلاثًا، أو خمسًا، أو فوق ذَلِكَ من الأوتار.
وقد أسلفنا أن الشافعي يرى سنيته في الزيادة على الثلاث إذا حصل الإنقاء بشَفْعٍ، ومن أصحابه من أوجبه مطلقًا عملًا بظاهر هذا الحديث.
وحجة الجمهور الحديث السالف: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» (٢) حملًا له على ما زاد على الثلاث جمعًا بينه وبين نهيه - ﷺ - عن أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار.
الثالثة: مشروعيةُ غسل اليدين، وكراهةُ غمسها في الإناء في الوضوء ليس مختصًّا بنوم الليل، بل لا فرق بين نوم الليل والنهار؛ لإطلاقه - ﷺ - النوم من غير تقييد، وخصها أحمد بنوم الليل؛ لقوله: «أين باتت يده» والمبيت لا يكون إلا ليلًا، ويؤيده رواية أبي داود، والترمذي وصححها: «إذا قام أحدكم من الليل» (٣) وعنه رواية أخرى وافقه عليها داود أن كراهته إن كان من نوم الليل للتحريم، وإلا فللتنزيه.

--------------------
(١) سلف كما في الحديث السابق.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) انظر: «سنن أبي داود» (١٠٣)، «سنن الترمذي» (٢٤)، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٢): صحيح.



وحمله غيرهما على أن ذكر الليل للغالب لا للتقييد ويرشد إلى ذَلِكَ أنه علله بأمر يقتضي الشك وهو: «فإنه لا يدري أين باتت يده» فدل على أن الليل والنوم ليس مقصودًا بالتقييد، ثم هذِه المشروعية -أعني: تقديم الغسل على الغمس- على وجه الندب عند الشافعي ومالك والجمهور، وعلى وجه الوجوب عند داود والطبري، فلو خالف وغمس يده لم ينجس الماء، خلافًا للحسن البصري وإسحاق وابن جرير ورواية عن أحمد، وهو بعيد؛ لأنه تنجيس بالشك، وفي رواية منكرة الأمر بإراقة ذَلِكَ الماء.
وقال بعض المالكية بمقتضاها استحبابًا، وقد بسطت الكلام على هذِه المسألة ومتعلقاتها في «شرح العمدة» فراجعه منه (١).
الرابعة: فيه استعمال الكنايات فيما يستحى من التصريح به، فإنه - ﷺ - قَالَ: «لا يدري أين بات يده» ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره أو على ذكره أو على نجاسة، أو نحو ذَلِكَ، وإن كان مرادًا.
الخامسة: الفائدة في قوله: «من نومه»: خروج الغفلة ونحوها، وفي إضافة النوم إلى ضمير أحدكم؛ ليخرج نومه - ﷺ -، فإنه تنام عينه دون قلبه (٢).
السادسة: فيه دلالة على الفرق بين ورود النجاسة وورودها عليه، فإذا ورد عليها الماء أزالها، أذا وردت عليه نجسته إذا كان قليلًا؛ لنهيه - ﷺ - عن إيرادها عليه؛ وأمره بإيراده عليها وذلك يقتضي أن

------------------------
(١) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢٤٩.
(٢) سيأتي برقم (٣٥٦٩) كتاب: المناقب، باب: كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه.



ملاقاة النجاسة إذا كان الماء واردًا عليها غير مفسدٍ له، وإلا لما حصل المقصود من التطهير.
السابعة: فيه أيضًا دلالة على أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة ووقوعها فيه، فإنه - ﷺ - إذا منع من إدخال اليد فيه باحتمال النجاسة، فمن تيقنها أولى، وفيه بحث.
الثامنة: قوله: «قبل أن يدخلها في وضوئه» يشعر بأن السياق للماء، والحكم لا يختلف بينه وبين غيره في الأشياء الرطبة.


٢٧ - باب غَسْلِ الرِّجْلَين، وَلَا يَمسَحُ عَلَى القَدَمَيِنْ
١٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبيُّ - ﷺ - عَنَّا فِي سَفرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا العَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. [انظر ٦٠ - مسلم: ٢٤١ - فتح: ١/ ٢٦٥]
حدَثنَا مُوسَى، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو حديث: «وَيْلٌ لِلأعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
وقد تقدم في باب: من رفع صوته بالعلم (١) واضحًا، وكذا في باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم (٢)، ورجاله أيضًا سلف التعريف بهم.
وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي سلف في الحديث الخامس أول الكتاب، وأحكامه سلفت هناك أيضًا.

---------------------
(١) سبق برقم (٦٠) كتاب: العلم، باب: من رفع صوته بالعلم.
(٢) برقم (٩٦) كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه.



٢٨ - باب المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ
قَالَهُ ابن عَبَّاسِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زيدِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ -مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ- أنَهُ رَأى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الِمرفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضأَ نَحْوَ وُضُوئي هذا، ثُمَّ صلَّى رَكعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه». [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٦ - فتح: ١/ ٢٦٦]
وأما حديث ابن عباس فسلف في باب: غسل الوجه باليد (١).
وأما حديث عبد الله بن زيد فقد سلف قريبًا ويأتي في الباب أيضًا (٢).
ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ .. فذكر حديث عثمان بطوله كما سلف بنحوه.
ورجال إسناده سلف التعريف بهم، وكذا حكم المضمضة.
وحقيقتها: إدخال الماء في الفم، ولا يشترط عندنا مَجٌّ ولا إدارةٌ على الأصح. كما سلف، وفيه رواية حمصي عن حمصي وهما الأولان.

---------------------
(١) سبق برقم (١٤٠) كتاب: الوضوء، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة.
(٢) سيأتي برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله.



٢٩ - باب غَسْلِ الأَعْقَابِ
وَكَانَ ابن سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ.

١٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ -وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الِمطْهَرَةِ- قَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِ - ﷺ - قَالَ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». [مسلم ٢٤٢ - فتح:١/ ٢٦٧]
حَدَّثنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، ثنا شُعْبَةُ، ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ -وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالناسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ المِطْهَرَةِ- قَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِن أَبَا القَاسِمِ - ﷺ - قَال: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
أما أثر ابن سيرين فقد أسنده في «المصنف» بإسنادٍ صحيح عن هشيم، عن خالد عنه (١). ووجه دخوله في الباب يحتمل أن يكون أراد بذلك أنه لو أدار الخاتم وهو في إصبعه لكان ذَلِكَ بمنزلة الممسوح، وفرض الإصبع الغسل فقاس المسح في الإصبع على مسح الرجلين، فإنه قد فهم من الحديث -على ما قدمناه- المسح، وبوب عليه كما سلف، وقد روي عن ابن سيرين أنه أدار الخاتم في إصبعه، فلعل ذَلِكَ حالة أخرى كان واسعًا يدخل الماء برقته إليه.
وبهذا التفصيل قَالَ الشافعي وأحمد. قَالَ ابن المنذر: وبه أقول. قَالَ: وكان ابن سيرين وعمرو بن دينار وعروة وعمر بن عبد العزيز والحسن وابن عيينة وأبو ثور يحركونه في الوضوء (٢).
قُلْتُ: وكذا أبو تميم الجيشاني وعبد الله بن هبيرة السبائي وميمون بن

----------------------
(١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٤ (٤٢٤).
(٢) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ١/ ٣٨٨.



مهران كما ذكره عنهم في «المصنف» (١)، وكان حماد يقول في الخاتم: أَزِله (٢).
قَالَ ابن المنذر: ورخص فيه مالك والأوزاعي، وروي ذَلِكَ عن سالم (٣).
وقد روى ابن ماجه حديثًا فيه ضعف، عن أبي رافع: كان - ﷺ - إذا توضأ حرك خاتمه (٤).
قَالَ البيهقي: والاعتماد في هذا الباب على الأثر عن علي أنه كان إذا توضأ حرك خاتمه. وحكى أيضًا عن ابن عمر وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص (٥).
وفي «غريب الحديث» لابن قتيبة من طريق ابن لهيعة، عن أبي بكر الصديق قَالَ لرجل يتوضأ: عليك بالمنْشَلة. قَالَ: يعني موضع الخاتم من الأصبع (٦).
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم (٧) والنسائي والترمذي (٨)، (واشتهر) (٩) عن شعبة ورواه صالح بن ذكوان، عن أبي هريرة، فتابع

----------------------
(١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٤ (٤٢٨).
(٢) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٤ (٤٢٨).
(٣) انظر: «الأوسط» ١/ ٣٨٩.
(٤) «سنن ابن ماجه» (٤٤٩)، قال البوصيري في «زوائده» ص ٩٤ - ٩٥: هذا إسناد ضعيف؛ وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (١٠٠).
(٥) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ٥٧.
(٦) «غريب الحديث» ١/ ٥٨١.
(٧) مسلم (٢٤٢) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما.
(٨) «سنن الترمذي» (٤١)، «سنن النسائي» ١/ ٧٧ - ٧٨.
(٩) الكلمة مكررة في (س).



محمد بن زياد، وسلف التعريف برواته خلا محمد بن زياد القرشي مولى عثمان بن مظعون، مدني الأصل، سكن البصرة (١)، ثقة تابعي.
وفقه الباب سلف في العلم.

----------------------
(١) محمد بن زياد القرشي الجمحي، قال أحمد بن حنبل: ثقة. وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وهو أحب إلينا من محمد بن زياد الألهاني.
وقال الترمذي، والنسائي: ثقة.
انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٨٢ (٢٢٢)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٥٧ (١٤٠٧)، «الثقات» ٥/ ٣٧٢، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٢١٧ (٥٢٢٢).



٣٠ - باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ
١٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الَمقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابن جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أِهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيةِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا الأرْكَانُ فَإِنّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّهُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَلْبَسُ النَّعْلَ التِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَصْبُغُ بِهَا، فأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتهُ. [١٥١٤، ١٥٥٢، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥٨٥١، ١٥٥٤ - مسلم: ١١٨٧، ١٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٦٨]
حدَثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُريِّ، عَنْ عُبَيْدِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابن جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأًرْكَانِ إِلا اليَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيةِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا الأرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأيْتُ رَسُولَ - ﷺ - يَلْبَسُ النَّعْلَ التِي لَيْسَ فِيهَا شَعرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أحب أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَصْبُغُ بِهَا، فأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ


رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أيضًا في اللباس (١).
وأخرجه مسلم (٢)، وأبو داود في الحج، والترمذي في «شمائله» (٣).
وتابع عبد الله بن قسيط سعيدًا فرواه عن عبيد.
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا عبيد (خ. م. د. س. ق) بن جريج، وهو مدني ثقة مولى بني تيم كما قال البخاري، أو بني تميم كما قاله ابن إسحاق (٤).
ثالثها:
وجه مطابقة الحديث للترجمة أن ابن عمر حكى من فعله - ﷺ - أنه كان يلبس النعال ويتوضأ فيها، ويلزم منه عدم المسح عليها، وحقيقة الوضوء فيها أن يكون في حال كونه لابسها، وإن كان النووي في «شرح مسلم»

--------------------
(١) سيأتي برقم (٥٨٥١) كتاب: اللباس، باب: النعال السبتية وغيرها.
(٢) مسلم (١١٨٧) كتاب: الحج، باب: الإهلال من حيث تنبعث الراحلة.
(٣) «سنن أبي داود» (١١٨٧)، «سنن أبي داود» (١٧٧٢)، «شمائل الترمذي» (٧٩).
(٤) عبيد بن جريج التيمي مولاهم المدني، قال أبو زرعة والنسائي: ثقة.
وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، روى له الجماعة، والترمذي في «الشمائل» حديثًا واحدًا -هو هذا- وهو من أهل المدينة وسمع عن أبي هريرة، وقال العجلي: مكي تابعي ثقة.
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٤٤ (١٤٤٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٠٣ (١٨٦٨)، «الثقات» ٥/ ١٣٣، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٩٣ (٣٧٠٩).



قَالَ: معناه يتوضأ ويلبسها ورجلاه رطبتان (١)؛ لا جرم قَالَ الإسماعيلي فيما ذكره البخاري في النعلين والوضوء: فيها نظر، قَالَ السفاقسي (٢): وأراد البخاري الرد على من يجوز المسح على النعلين.
قُلْتُ: وأما ما رواه الثوري عن يحيى بن أبي حية، عن أبي الجلاس، عن ابن عمر، أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه (٣).
فهو وإن كان يدل على أن المراد في حديثه هذا أنه. كان يمسح رجليه في نعليه في الوضوء، لا أنه كان يغسلهما فهو غير صحيح عنه؛ لأجل يحيى هذا، فإنه ضعيف. والصحيح عنه -بنقل الأئمة- الغسل، رواه عنه مجاهد وابن دينار وغيرهما.
قَالَ الطحاوي: ونظرنا في اختلاف هذِه الآثار فرأينا الخفين اللذين جوز المسح عليهما إذا تخرقا حتى بدت القدمان منهما أو أكثرهما، فكلٌّ

-----------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٨/ ٩٥.
(٢) السفاقسي هو العدل المعمر المسند الفقيه شرف الدين أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام بن عتيق بن محمد التيميمي السفاقسي المغربي ثم الإسكندراني المالكي الشاهد المعروف بابن المقدسية، ابن أخت الحافظ علي بن المفضل المقدسي.
ولد سنة ثلاثِ وسبعين وخمسمائة.
وسمع من أبي الفضل الحضرمي، وأبي القاسم البوصيري، وبهاء الدين بن عساكر، وحدَّث عنه: عبد الرحيم بن عثمان بن عوف، والشرف محمد، والوجيه عبد الوهاب، ابنا عبد الرحمن الشقيري، والفخر محمد والجلال يحيى ولدا محمد بن الحسين السفاقسي.
توفي في ثالث جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وستمائة، انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٢٩٥، ٢٩٦ (٢٠٢)، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٣٥٢ (٨١٦)، «شذرات الذهب» ٥/ ٢٦٦.
(٣) رواه عبد الرزاق ١/ ١٩٩ (٧٧٦).



قد أجمع أنه لا يمسح عليهما، فلما كان المسح على الخفين إنما يجوز إذا غيب القدمين، ويبطل إذا لم يغيبا وكانت النعلان غير مغيبة لهما حتى أنهما كالخفين اللذين لا يغيبان القدمين، فلا يجوز المسح عليهما (١).
رابعها:
قوله: (رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا) يحتمل -كما قَالَ المازَري- أن يكون مراده: لا يصنعهن غيرك مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها (٢).
خامسها:
(تمس): بفتح الميم. أي: تلمس بيدك، وَمسِستُ -بالكسر- أفصح من الفتح.
سادسها:
قوله: (إلا اليمانيين) هو بتخفيف الياء وحكي التشديد، وهما الركنُ الأسود والركن اليماني، وجاء في روايةٍ: لم يكن يستلم إلا الركن الأسود والذي يليه من نحو دور الجُمحيين، وإنما قيل لهذين الركنين: اليمانيين؛ للتغليب كالعُمرين ونحوه.
فإن قُلْتَ: فلم لم يعبر عنهما بالأسودين؟
وأجيب: بأنه لو عبر بذلك ربما اشتبه على بعض العوام أن في كل منهما الحجر الأسود بخلاف اليمانيين.
فائدة:
سميت يمنًا؛ لأنها عن يمين الكعبة. وقيل: سُميت بيمن بن

--------------------
(١) «شرح معاني الآثار» ١/ ٩٨.
(٢) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٣٣١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #94  
قديم 23-01-2026, 05:23 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 207 الى صـــ 226
الحلقة (94)






قحطان بن عابر، وهو هود - عليه السلام -، وهو أول من قَالَ الشعر ووزنه. وقيل: سمي؛ ليُمنِه. وقيل: لتيامنهم إليها (١).
سابعها:
استلام هذين الركنين؛ لأنهما على قواعد إبراهيم، وإنما لم يستلم الآخران؛ لأنهما ليسا على قواعده، ولما ردهما ابن الزبير على القواعد استلمهما أيضًا، ولو بُني الآن كذلك لاستلمت كلها اقتداءً به صرح به القاضي عياض (٢)، فركن الحجر الأسود خصّ بشيئين الاستلام والتقبيل والركن الآخر خصّ بالاستلام فقط، والآخران لا يقبلان ولا يستلمان، وكان بعض الصحابة والتابعين يمسحهما على وجه الاستحباب.
قَالَ ابن عبد البر: روي عن جابر وأنس وابن الزبير والحسن والحسين، أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها (٣)، وعن عروة مثل ذَلِكَ، واختلف عن معاوية وابن عباس في ذَلِكَ. وقال أحدهما: ليس من البيت شيء مهجور، والصحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: إلا الركن الأسود واليماني، وهما المعروفان باليمانيين (٤).
ولما رأى عبيد بن جريج جماعة يفعلون على خلاف ابن عمر سأله عن ذَلِكَ.
ثامنها:
قوله: (وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتيَّةَ). تلبَس: -بفتح الباء- والسِّبتية

-------------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ٤/ ١٤٠١، «معجم البلدان» ٥/ ٤٤٧.
(٢) انظر: «إكمال المعلم» ٤/ ١٨٣.
(٣) انظر: «التمهيد» ١٠/ ٥١.
(٤) سيأتي برقم (١٦٠٨) كتاب: الحج، باب: من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين.



-مكسورة السين- معرب، وقد ذكر أنها التي لا شعر فيها، وهي مشتقة من السَّبت -بفتح السين- وهو: الحلق والإزالة، يقال ذَلِكَ لكل جلد مدبوغ أو غير مدبوغ، أو جلود البقر إذا دبغت -أو قال: لم تدبغ- أو سود لا شعر فيها، أو لا شعر فيها ولا تقيد بالسود، أو التي عليها شعر؛ أقوال (١).
وعن الداودي أنها منسوبة إلى سوق السبت، وقيل: لأنها أنسبت بالدباغ، أي: لانت. وزعم قطرب أنه بضم السين قَالَ: وهو نبت.
وفي «المنتهى» (لأبي المعالي) (٢) أن السبت -بكسر السين- جلد البقر المدبوغ بالقَرَظِ، وإنما اعترض عليه؛ لأنها نعال أهل النعمة والسعة وَلبس أشراف الناس وكانوا يتمدَّحون بلبسها.
قال أبو عمر: ولا أعلم خلافًا في جواز لبسها في غير المقابر؛ وحسبك أن ابن عمر يروي عن رسول الله - ﷺ - لبسها، وقد روي عنه أنه رأى رجلًا يلبسها في المقبرة فأمره بخلعها. ويجوز أن يكون لأذى رآه فيها أو لما شاء الله، فكرهها قوم لذلك بين القبور (٣).
بل قيل: بعدم الجواز (٤)، وقد قَالَ - ﷺ - لذلك الماشي بين المقابر: «ألق سِبْتِيَّتَيْك» (٥).

--------------------
(١) «الصحاح» ١/ ٢٥١، «لسان العرب» ٤/ ١٩١١، مادة: (سبت).
(٢) في (س): (أبي المعاني).
(٣) انظر: «التمهيد» ١٠/ ٥١.
(٤) ورد بهامش (س): وقد بوب الإمام على حديث الإلقاء ما يدل على أنه قائل بحمل ذلك.
(٥) رواه أبو داود (٣٢٣٠)، والنسائي ٤/ ٩٦، وابن ماجه (١٥٦٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٧٥)، والحاكم ١/ ٣٧٣؛ كلهم عن بشير بن نهيك. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه في النوع الذي لا يشتهر الصحابي إلا بتابعيين. وصححه الألباني في «الإرواء» (٧٦٠).



وقال آخرون: لا بأس بذلك لقوله - ﷺ -: «إذا وضع الميت في قبره، إنه يسمع قرع نعالهم» (١).
وذكر الترمذي الحكيم في «نوادره» أنه - ﷺ - إنما قَالَ لذلك الرجل: «ألق سبتيتك» لأن الميت كان يسأل فلما صرّ نعل ذَلِكَ الرجل شغله عن جواب الملكين، فكاد يهلك لولا أن ثبته الله.
تاسعها:
تصبغ مثلث الباء قَالَ ابن سيده في «محكمه»: صبغ الثوب والشيب ونحوهما يصبَغه وَيْصُبغهُ ويصبغُه -الكسر عن اللحياني- صبغًا وصبْغًا، وصَبَّغَه: لوَّنه. التثقيل عن أبي حنيفة (٢) والضم (٣). قُلْتُ: والفتح مشهوران في أصبَغ أيضًا.
العاشر:
هل المراد هنا: صبغ الثياب أو الشعر؟ والأشبه والأظهر -كما قَالَ القاضي- الأول (٤)؛ لأنه أخبر أنه - ﷺ - صبغ؛ ولم ينقل عنه أنه صبغ شعره، وإلا فقد جاءت آثار عن ابن عمر بين فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج بأنه - ﷺ - كان يصفر لحيته بالوَرْس والزعفران، أخرجه أبو داود (٥).
وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه بأنه - ﷺ - كان يصبغ بهما ثيابه

--------------------
(١) سيأتي برقم (١٣٣٨) كتاب: الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النعال.
(٢) «المحكم» ٥/ ٢٥٣.
(٣) انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١٩٧٥، «لسان العرب» ٤/ ٢٣٩٥.
(٤) انظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٦/ ٦٢٤ - ٦٢٦.
(٥) «سنن أبي داود» (٤٢١٠).
ورواه ابن أبي شيبة ٥/ ١٨٦ (٢٥٠٣٨).



حتى عمامته (١).
وكان أكثرهم يعني: الصحابة والتابعين تخضب بالصُّفرة: منهم أبو هريرة وآخرون، وروي ذَلِكَ عن علي - رضي الله عنه - (٢).
الحادي عشر:
الهلال هنا هو هلال ذي الحجة، ويوم التروية هو اليوم الثامن.
واختلف في سبب تسميته بذلك على قولين حكاهما الماوردي:
أحدهما: لأن الناس يروُون فيه الماء من زمزم؛ لأنه لم يكن بعرفة ولا بمنى ماء. وقال آخرون: لأنه اليوم الذي رأى فيه آدم حواء. وحكى قولًا ثالثًا: لأن جبريل أرى فيه إبراهيم أول المناسك.
وقال ابن عباس: سمي بذلك؛ لأن إبراهيم أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه فروى في نفسه من الله هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي فعرف أنه الحق من ربه فسميت عرفة، رواه البيهقي في «فضائل الأوقات» من رواية الكلبي، عن أبي صالح عنه، ثم قَالَ: هكذا قَالَ في هذِه الرواية (٣).
وروى أبو الطفيل، عن ابن عباس أن إبراهيم -لما أبتلي بذبح ابنه- أتاه جبريل فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة. قَالَ: وقال ابن عباس: سميت عرفة؛ لأن جبريل قَالَ لإبراهيم: هل عرفت؟ قَالَ: نعم. فمن ثم سميت عرفة.

---------------------
(١) «سنن أبي داود» (٤٠٦٤). ورواه النسائي ٨/ ١٤٠.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٨٥.
(٣) «فضائل الأوقات» ص ٣٨٩ - ٣٩٠ (٢٠٥ - ٢٠٦).



الثاني عشر:
الإهلال: الإحرام. قَالَ صاحب «العين»: يقال: أهل بعمرة أو بحجة أي: أحرم بها، وجرى على ألسنتهم؛ لأنهم أكثر ما كانوا يحجون إذا أهل الهلال (١).
وقال صاحب «الموعب»: كل شيء ارتفع صوته فقد استهل، ومنه الإهلال بالحج، إنما هو رفع الصوت بالتلبية، ومنه: أهل بالعمرة والحج.
وقال أبو الخطاب: كل متكلم رافع الصوت أو خافضه فهو مهل ومستهل، وفي «مجمع الغرائب»: يقال: استهل وَأهَلَّ. وإجابة ابن عمر بالإهلال يوم التروية بنوع من القياس؛ لأنه قاس يوم التروية؛ لأنه اليوم الذي ينبعث فيه إلى الحج، كما أنه إذا استوت به راحلته أهل، فقاس عليه.
وبعض العلماء يرى أن يهل لاستقبال ذي الحجة، والأفضل عند الشافعي ومالك والجمهور أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته (٢).
وقال أبو حنيفة: يحرم عقب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل قيامه (٣)، وهو قول ضعيف للشافعي (٤). وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف (٥).

-------------------
(١) «العين» ٣/ ٣٥٣، مادة: (هلل).
(٢) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٣٥، «المعونة» ١/ ٣٣١ - ٣٣٢.
(٣) «الهداية» ١/ ١٤٨.
(٤) «حلية العلماء» ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٥) رواه أبو داود (١٧٧٠). قال الحافظ المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٢٩٨: في إسناده خصيف بن عبد الرحمن الحراني، وفي إسناده أيضًا محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه. وقال: الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (٣١٢): إسناده ضعيف، الجزري هذا ضعفه أحمد وغيره.



٣١ - باب التَّيَمُّنِ فيِ الوُضُوءِ وَالْغَسْلِ
١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطَيَّةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابنتِهِ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا». [١٢٥٣، ١٢٥٤، ١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩، ١٢٦٠، ١٢٦١، ١٢٦٢، ١٢٦٣ - مسلم: ٩٣٩ - فتح: ١/ ٢٦٩]

١٦٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ، فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. [٤٢٦، ٥٣٨٠، ٥٨٥٤، ٥٩٢٦ - مسلم: ٢٦٨ - فتح: ١/ ٢٦٩]
حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ، ثنا إِسْمَاعِيلُ، ثنا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابنتِهِ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا».
حَدَثنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ، فِي شَأنِهِ كُلِّهِ.
أما حديث أم عطية أخرجه البخاري في الجنائز في تسعة مواضع (١) ستعلمها هناك إن شاء الله.

-------------------
(١) سيأتي في كتاب الجنائز، برقم (١٢٥٣) باب: غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر. وبرقم (١٢٥٤) باب: ما يستحب أن يغسل وترًا. وبرقم (١٢٥٥) باب: يبدأ بميامن الميت. وبرقم (١٢٥٦) باب: مواضع الوضوء من الميت. وبرقم (١٢٥٧) باب: هل تكفن المرأة في إزار الرجل؟ وبرقم (١٢٥٨، ١٢٥٩) باب: يجعل الكافور في آخره. وبرقم (١٢٦٠) كتاب: الجنائز، باب: نقض شعر المرأة. وبرقم (١٢٦١) باب: كيف الإشعار للميت؟ وبرقم (١٢٦٢) باب: هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون؟


وأخرجه مسلم (١) والأربعة (٢) في الجنائز. قَالَ الترمذي وفي الباب عن أم سليم.
وأما حديث عائشة فأخرجه هنا وفي الصلاة (٣) والأطعمة (٤) واللباس (٥) في موضعين منه.
وأخرجه مسلم في الطهارة (٦)، وكذا النسائي وابن ماجه، وأخرجه أبو داود في اللباس، والترمذي في آخر الصلاة وقال: حسن صحيح؛ وفي «الشمائل» أيضًا (٧).
الكلام على حديث أم عطية من أوجهٍ:
أحدها:
تابع محمد بن سيرين أخته حفصة على رواية هذا الحديث، واشتهر عنهما، وعن خالد الحذاء، وكذا عن إسماعيل بن عُلية، ورواه عن مسدد أبو خليفة.
وروى ابن عبد البر من طريق همام، عن قتادة، عن أنس أنه كان يأخذ ذَلِكَ عن أم عطية قالت: غسَّلنا ابنة رسول الله - ﷺ -، فأمرنا أن نغسلها بالسدر ثلاثًا، فإن أَنْقت وإلا فخمسًا وإلا فأكثر من ذَلِكَ.

--------------------
(١) مسلم (٩٣٩/ ٤٢) كتاب: الجنائز، باب: في غسل الميت.
(٢) أبو داود (٣١٤٢)، والترمذي (٩٩٠)، والنسائي ٤/ ٢٨، وابن ماجه (١٤٥٧).
(٣) سيأتي برقم (٤٢٦) كتاب: الصلاة، باب: التيمن في دخول المسجد وغيره.
(٤) سيأتي برقم (٥٣٨٠) كتاب: الأطعمة، باب: التيمن في الأكل وغيره.
(٥) سيأتي برقم (٥٨٥٤) كتاب: اللباس، باب: يبدأ بالنعل اليمنى؛ وبرقم (٥٩٢٦) كتاب: اللباس، باب: الترجيل والتيمن فيه.
(٦) مسلم (٢٦٨/ ٦٧) كتاب: الطهارة، باب: التيمن في الطهور وغيره.
(٧) «سنن أبي داود» (٤١٤٠)، «سنن الترمذي» (٦٠٨)، وفي «الشمائل» ص ٣٩ (٨)، و«سنن النسائي» ٨/ ١٣٣.



قَالَ؟ فأرينا أن أكثر من ذَلِكَ سبع (١).
ثانيها في التعريف برواته غير من سلف:
أم عطية اسمها نُسيبة -بضم النون، وحكي فتحها مع كسر السين- بنت كعب، قاله جماعات منهم أحمد ويحيى واستشكله أبو عمر؛ لأنها أم عمارة، وهذِه بنت الحارث (٢).
وقال ابن طاهر: كل منهما بنت كعب. وأفاد ابن الجوزي أنها بضم النون.
قُلْتُ: هذِه وبنت رافع بن العلاء، وبنت بيان بن الحارث وبالفتح ثلاث: بنت ثابت بن عصمة، وبنت أسماء بن النعمان، وبنت كعب، وهي أم عمارة كذلك سماها الأكثرون، أعني أم عمارة منهم ابن ماكولا (٣).
وذكرها ابن إسحاق في «مغازيه» باللام المضمومة وبالنون، ووافقه الطبراني (٤)، وبخط الصَّريفِيني (٥) بالباء، وفي «صحيح أبي عوانة» في

--------------------
(١) انظر: «التمهيد» ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤.
(٢) انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٥٠١ - ٥٠٢ (٣٦٢١).
(٣) «الإكمال» ٧/ ٣٣٨.
(٤) ما وجدته في «معجم الطبراني الكبير» نسيبة أم عطية نزلت البصرة.
انظر فيه ٢٥/ ٤٤.
(٥) ورد في هامش (س): الصريفيني: هو العالم الحافظ المتقن تقي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر بن أحمد العراقي، الحنبلي، نزيل دمشق ولد بصريفين سنة ٥٨١ هـ، وقرأ على أبيه القرآن، وعلى الشيخ عوض الصَّريفيني وتفقه على الشيخ عبد الله بن أحمد البوازيجي، وقرأ الأدب على هبة الله الدُّوري. وعني بالحديث فرحل إلى خراسان وأصبهان والشَّام والجزيرة وصحب الحافظ الرهاوي، تخرج به، وسمع ابن المؤيد الطوسي، وعبد المعز الهروي، وحنبل الرُّصافي، وابن طبرزد، والكندي، وابن الأخضر والطبقة. =



الزكاة بمثناة فوق، ثم تحت، ثم باء موحدة بالخط (١).
وقيل: إنها نبيشة -بنون ثم باء ثم ياء ثم شين معجمة- حكاه القشيري في «شرحه» وهي نسيبة بنت سماك بن النعمان، أسلمت وبايعت قاله ابن سعد (٢).
ونُسيبة بنت أبي طلحة الخطيبة، ذكرها ابن سعد (٣)، وفي: «تاريخ أبي حاتم الرازي» أن اسم أم عطية: حُقة (٤)، وأم عطية هذِه لها صحبة ورواية، تعد في أهل البصرة، وكانت تغسل الموتى، وتغزو مع النبي - ﷺ -، غزت معه سبع غزوات، وشهدت خيبر، وكان علي يقيل عندها، وكانت تنتف إبطه بورسة (٥).

-------------------
= روى عنه: الضياء، وأبو المجدين العديم، والشيخ تاج الدين الفَزَاري، وأخوه وغيرهم- قَالَ المنذري: كان حافظًا، ثقة، صالحًا، له جموع حسنة لم يتمها.
وقال ابن الحاجب: إمام، ثبت، صدوق، واسع الرواية؛ سخيُّ النفس مع القلة، سافر الكثير وكتب وأفاد، وكان يرجع إلى فقه وورع، ولي مشيخة دار الحديث بمنبج، ثم تركها وسكن حلب، فولي مشيخة دار الحديث الشَّدَّادية. سألت الضياء عنه فقال: إمام حافظ ثقة حسن الصحبة له معرفة بالفقه. مات بدمشق في جُمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وستمائة، وله ستون سنة. انتهى.
أخبرني شيخنا مؤلف هذا الكتاب أن عنده بخط الصريفيني مؤلفه على الكتب الأحد عشر، ولعل ما نقله شيخنا منه، والله أعلم. [انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٨٩، «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٤٣٣، «شذرات الذهب» ٥/ ٢٠٩].
(١) «مستخرج أبي عوانة» ٢/ ٢٥١ (٢٦٢٩)، ووقع فيه: لبيبة.
(٢) «الطبقات الكبرى» ٨/ ٣٤٨.
(٣) المصدر السابق ٨/ ٣٥٧.
(٤) انظر «الجرح والتعديل» ١/ ٤٦٥ (٢٣٧٩).
(٥) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٨/ ٤٥٦، وأوردها الذهبي في «تاريخ الإسلام» ٥/ ٢٩٠.
قال الحافظ ابن حجر في «التقريب» (٨٧٣٨): أم شراحيل لا يعرف حالها.



لها أربعون حديثًا اتفقا على سبعة أو ستة وللبخاري حديث ولمسلم آخر (١).
فائدة:
أم عطية في الصحابة ثلاث هذِه الغاسلة، والخاتنة ولعلها هي (٢) والعَوْصية، والأكثر فيها أم عصمة امرأة من قيس (٣).
وأما حفصة بنت سيرين فهي: أم الهُذيل الأنصارية التابعية الثقة الحجة، وهي أكبر. ولد سيرين من الرجال والنساء.
قَالَ إياس بن معاوية: ما أدركت أحدًا أفضِّله عليها. قيل له: الحسن وابن سيرين؟ قَالَ: أما أنا فما أفضل عليها أحدًا، قرأت القرآن وهي بنت ثنتي عشرة سنة. وماتت عن سبعين سنة (٤).

---------------------
(١) انظر ترجمتها في:
«طبقات ابن سعد» ٨/ ٤٥٥، «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٤٥٥ (٤٠٣٠)، و«الاستيعاب» ٤/ ٥٠١ - ٥٠٢ (٣٦٢١)، «أسد الغابة» ٧/ ٣٦٧ - ٣٦٨ (٧٥٣٤)، «الإصابة» ٤/ ٤٧٦ - ٤٧٧ (١٤١٥).
(٢) وكذا قال ابن الأثير في «أسد الغابة» ٧/ ٣٦٧ (٧٥٣٣). وابن حجر في «الإصابة» ٤/ ٤٧٧ (١٤١٦) حيث قال: أم عطية الأنصارية الخافضة أفردها ابن منده والمستغفري عن الأولى -أي أم عطية المشهورة- وجوز أبو موسى أنها هي التي قبلها.
(٣) انظر ترجمتها في: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٥٤٠ (٤١٤٧). و«أسد الغابة» ٧/ ٣٦٦ (٧٥٣١). و«الإصابة» ٤٢/ ٤٧٦ (١٤١٣).
(٤) حفصة بنت سيرين. روت عن أنس بن مالك، روى عنها: أيوب السختياني، خالد الحذاء. قال أحمد بن عبد الله العجلي: بصرية، ثقة. قال أحمد بن سعد بن أبي مريم، عن يحيى بن معين: ثقة، حجة، وذكرها ابن حبان في كتاب «الثقات».
انظر: «معرفة الثقات» ٢/ ٤٥٠ (٢٣٢٨)، و«الثقات» ٤/ ١٩٤، و«تهذيب الكمال» ٣٥/ ١٥١ (٧٨١٥).



ثالثها:
هذِه الابنة المبهمة هي أم كلثوم زوج عثمان بن عفان غسلتها أسماء بنت عُميس وصفية بنت عبد المطلب، وشهدت أم عطية غسلها، وذكرت قوله وكيفية غسلها. ماتت سنة تسع، قاله أبو عُمر (١).
وفي «صحيح مسلم» أنها زينب بنت رسول الله - ﷺ - (٢)، وماتت في السنة الثامنة. ولما نقل القاضي عياض عن بعض أهل السير أنها أم كلثوم قَالَ: الصواب زينب. كما صرح به مسلم في روايته، وقد يجمع بينهما بأنها غسلت زينب وحضرت غسل أم كلثوم.
وذكر المنذري في «حواشيه» أن أم كلثوم توفيت ورسول الله - ﷺ - ببدر غائب. وغلط في ذَلِكَ، فتلك رقية، ولما دُفنت أم كلثوم قَالَ - ﷺ -: «دفن البنات من المكرمات» (٣) (٤).
رابعها: في أحكامه:
الأول: استحباب الوضوء في أول غسل الميت؛ عملًا بقوله: «ومواضع الوضوء منها». وهو مذهب الشافعي، ونقل النووي عن أبي

--------------------
(١) انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٥٠٢ (٣٦٢١).
(٢) «صحيح مسلم» ٤٠ (٩٣٩) كتاب: الجنائز، باب: في غسل الميت.
قال ابن دقيق العيد في «الأحكام» ص ٣٧٩: وهو المشهور.
(٣) في هامش (س): في «الكبير»، و«الأوسط» للطبراني من حديث ابن عباس قال: لما عزي النبي - ﷺ - بابنته رقية قال: «الحمد لله، دفن البنات من المكرمات» رواه البزار، إلا أنه قال: «موت البنات» وفيه عثمان بن عطاء الخراساني، وفيه ضعف.
(٤) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٧٩٠)، والطبراني في «الكبير» ١١/ ٣٦٦ - ٣٦٧ (١٢٠٣٥)، في «الأوسط» ٢/ ٣٧٢ (٢٢٦٣) وقال: لا يُرْوى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد الله بن ذكوان الدمشقي.
وقال الألباني في «الضعيفة» (١٨٥): موضوع.



حنيفة عدم استحبابه، وليس كذلك ففي القدوري من كتبهم: أن الميت إذا أرادوا غسله وضَّئوه.
وفي «الهداية»: لأن ذَلِكَ من سنة الغسل، غير أنه لا يمضمض ولا يُستنشق؛ لأن إخراج الماء من فمه متعذر (١)؛ لأن لأعضاء الوضوء فضلًا؛ فإن الغرة والتحجيل فيها.
وهل يوضأ في الغسلة الأولى أو الثانية أو فيهما؟ فيه خلاف للمالكية، كما حكاه القُرطبي (٢).
الثاني: استحباب تقديم الميامن في غسل الميت، ويلحق به سائر الطهارات وبه تشعر ترجمة البخاري، وكذا أنواع الفضائل والأحاديث فيه كثيرة، وبالاستحباب قَالَ أكثر العلماء، وقال ابن حزم: ولابد يبدأ بالميامن (٣).
وقال ابن سيرين: يبدأ بمواضع الوضوء ثم بالميامن (٤). وقال أبو قلابة: يبدأ بالرأس ثم اللحية ثم الميامن (٥).
الثالث: فضل اليمين على الشمال، ألا ترى قوله - ﷺ - حاكيًا عن ربه: «وكلتا يديه يمين» (٦). وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] وهم أهل الجنة.

--------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٩٧. و«المغني» ٣/ ٣٧٤.
(٢) «المفهم» ٢/ ٥٩٦.
(٣) «المحلى» ٢/ ٢٨.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤٤٩ (١٠٨٩٨).
(٥) المصدر السابق ٢/ ٤٤٩ (١٠٨٩٦).
(٦) جزء من حديث رواه مسلم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، والنسائي ٨/ ٢٢١. عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا».



وإعجابه - ﷺ - التيامنَ في شأنه كله لأنه كان يعجبه الفأل الحسن.
الرابع: أحقية النساء بغسل النساء حتى من الزوج، وبه قَالَ جماعة، وذهب الشعبي، والثوري، وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز له غسلها، وأجمعوا على غسل الزوجة زوجها، والجمهور على أنه أحق من الأولياء خلافًا لسُحنون حيث قَالَ: إنهم أحق (١).
الخامس: أنه لا غُسل من غَسل الميت حيث لم ينبه الشارع أم عطية عليه، وهو مذهب الجمهور. قَالَ الخطابي: لا أعلم أحدًا قَالَ بوجوبه (٢).
قُلْتُ: حكي قول عندنا بوجوبه، وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه (٣)، وورد حديث الأمر بالغسل منه (٤)، وفيه مقال.

------------------------
(١) انظر: «المعونة» ١/ ١٩١ - ١٩٢، «بدائع الصنائع» ١/ ٣٠٤، «المجموع» ٥/ ١١٣.
(٢) انظر: «معالم السنن» ١/ ٢٦٧.
(٣) هو رواية عن أحمد، والمذهب عدم وجوب الغسل. انظر: «المغني» ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٤) هذا الحديث أخرجه أبو داود (٣١٦١) عن أبي هريرة بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ». ورواه الترمذي (٩٩٣)، وابن ماجه (١٤٦٣)، وأحمد ١/ ٢٧٣، وعبد الرزاق ٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨ (٦١١١). والبخاري في «التاريخ» موقوفًا ١/ ٣٩٧ ترجمة (١١٦٢)، وابن حبان ٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦ (١١٦١)، والطبراني ١/ ٢٩٦ (٩٨٥)، والبيهقي ١/ ٣٠٠ - ٣٠٣.
قال الترمذي: وفي الباب عن علي وعائشة، وحديث أبي هريرة حديث حسن وقد روي موقوفًا. وقال البخاري عن الموقوف على أبي هريرة: إنه أشبه. وسأله الترمذي في «علله» ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣ عنه، فقال: روى بعضهم عن سهيل، عن أبي صالح، عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة موقوفًا. وقال: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا: لا يصح من هذا الباب شيء. وحديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك.
وذكر البيهقي له طرقًا وضعفها ثم قال: والصحيح أنه موقوف.
وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» ١/ ١٣٦ - ١٣٧: قال الذهلي: لا أعلم فيه حديثًا ثابتًا ولو ثبت للزمنا استعماله. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ٣٥٠: =



وأما حديث عائشة فتابع أبو الأحوص ومحمد بن بشر شعبةَ، فروياه عن أشعث، ورواه عن شعبة ثمانية أنفدس.
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف:
أبو أشعث هو أبو الشعثاء (ع) سليم بن الأسود بن حنظلة المحاربي تابعي، ثقة، مات سنة ثلاث ومائة. وقال خليفة: سنة اثنتين وثمانين بعد الجماجم (١). روى له الجماعة.
ووقع في «الكمال» خلا الترمذي.
وولده أشعث (ع) ثقة. مات سنة خمس وعشرين ومائة (٢).
وحفص بن عمر هو أبو عمر الحوضي البصري، الثبت الحجة. عنه البخاري، وأبو داود، وغيرهما، وأخرج له النسائي أيضًا. قَالَ أحمد: لا يؤخذ عليه حرف. مات سنة خمس وعشرين ومائتين (٣)، وليس في

----------------------
= لا يرفعه الثقات. وقال الرافعي: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئًا مرفوعًا. قلت -أي: ابن حجر-: قد حسنه الترمذي وصححه ابن حبان.
وقال الذهبي في «المهذب في اختصار السنن» ١/ ٣٠١: قال البيهقي: الصحيح الموقوف والمرفوعات غير قوية لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم، فعقب عليه: بل هي غير بعيدة من القوة إذ ضم بعضها إلى بعض. وهي أقوى من أحاديث احتج بها فقهاء الحديث.
ثم قال ابن حجر: وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا.
(١) «طبقات خليفة» ص ٢٥٧، وورد بهامش (س): وعلى الثاني اقتصر الذهبي في «الكاشف».
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ١٩٥، و«التاريخ الكبير» ٤/ ١٢٠ (٢١٧٦)، و«معرفة الثقات» ١/ ٤٢٥ (٦٥٩)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٢١١ (٩١٠)، و«تهذيب الكمال» ١١/ ٣٤٠ (٢٤٨٤).
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٦٦ (٢٧٨٢)، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٨٢ (٧٨٦)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٢٦ (١٣٩٧).



البخاري حفص بن عمر غيره، وفي السنن مفرقًا غيره جماعات (١).
ثالثها:
التنعل: لُبس النعل. والترجل: تسريح الشعر. قَالَ الهروي: شعر رجِل. أي: مسرج.
وقوله: (وفي شأنه كله): عام يخصُّ منه دخول الخلاء، والخروج من المسجد يبدأ فيهما باليسار، وكذا ما شابههما.
رابعها: في أحكامه:
فيه: استحباب البداءة باليمين.
قَالَ ابن المنذر: أجمعوا على أن لا إعادة على من بدأه بيساره في الوضوء قبل يمينه، وروينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا: لا تبالي بأي يد بدأت (٢).
زاد الدارقطني أبا هريرة (٣)، ونقل المرتضى الشيعي (٤) عن الشافعي

---------------------
(١) منهم: حفص بن عمر بن سعد القرظ المدني المؤذن، حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف القرشي. حفص بن عمر بن عبد الرحمن الرازي أبو عمر المهرقاني، حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهيب، حفص بن عمر بن أبي العطاف، حفص بن عمر بن مرة الشَّنِّي، حفص بن عمر بن ميمون العدني، حفص بن عمر أبو عمر الضرير، حفص بن عمر البزاز، حفص بن عمر أبو عمران الرازي.
وانظر تراجمهم في «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٧ (٢٧٧٠ - ٢٧٨٨)، و«تهذيب الكمال» ٧/ ٢٩ - ٥١ (١٣٩٨ - ١٤١٢).
(٢) انظر: «الأوسط» ١/ ٣٨٧.
(٣) انظر: «سنن الدارقطني» ١/ ٨٨ كتاب: الطهارة، باب: ما روي في جواز تقديم اليد اليسرى على اليمنى.
(٤) هو العلامة الشريف المرتضى، نقيب العلوية، أبو طالب علي بن حسين بن موسى، القرشي العلوي الحسيني الموسوي البغدادي، من ولد موسى الكاظم. ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. =



في القديم: وجوب تقديم اليمنى على اليسرى غريب. وعزاه الرافعي لأحمد وهو غريب.
وحكاه الدارمي عن أبي هريرة، وهو معروف عن الشيعة بالشين المعجمة، ووقع في «تجريد البندنيجي» و«البيان» عزوه إلى الفقهاء السبعة، وصوابه الشيعة.
فائدة:
عن ابن عمرو قال: خير المسجد المقام ثم ميامن المسجد (١).
وكان سعيد بن المسيب يصلي في الشق الأيمن من المسجد (٢).
وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإمام (٣).

----------------------
= وحدث عن سهل بن أحمد الديباجي، وأبي عبد الله المرزباني، وغيرهما. قال الخطيب: كتبت عنه.
وهو جامع كتاب «نهج البلاغة» المنسوب ألفاظه إلى الإمام علي - رضي الله عنه -، ولا أسانيد لذلك وبعضها باطل وفيه حق، ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام أن ينطق بها.
وله ديوان، وله من الكتب «الشافي في الإمامة»، «الذخيرة في الأصول»، وكتاب «التنزيه»، وكتاب في «إبطال القياس»، وكتاب في «الاختلاف في الفقه» وأشياء كثيرة.
وكان من الأذكياء المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر، لكنه إمامي جلد. نسأل الله العفو.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٣/ ٣١٣ - ٣١٦ (٤٤٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٨٨ - ٥٨٩ (٣٩٤)، «الوافي بالوفيات» ٢١/ ٦ - ١٣ (٢)، «شذارت الذهب» ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٨.
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٠٠ (٣٤٣٤).
(٢) المصدر السابق (٣٤٣٩).
(٣) المصدر السابق (٣٤٣٦).



وكان أنس يصلي في الشق الأيمن، وكذا عن الحسن وابن سيرين (١) (٢).
--------------------
(١) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الثاني بعد الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له.
وفي الناحية اليمنى من الصفحة: آخر الجزء السادس من الثاني من تجزئة المصنف:
سمع المجلس الثاني والأربعين على مؤلفه محمد بن محمد بن ميمون البلوى بقراءة الإمام العلامة برهان الدين الحلبي صاحب تصريح النسخة وكاتبها نفع الله به.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٠٠ (٣٤٣٧ - ٣٤٣٨) وما وجدته عن الحسن وابن سيرين أنهم كانوا يصلون عن يسار الإمام. وعن أنس أنه كان يصلي في الشق الأيسر من المسجد.



٣٢ - باب التِمَاسِ الوَضُوءِ إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ المَاءُ، فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَ التيمُّمُ.

١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ اِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَاُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ الَماءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. [١٩٥، ٢٠٠، ٣٥٧٣، ٣٥٧٤، ٣٥٧٥ - مسلم: ٢٢٧٩ - فتح: ١/ ٢٧١]
هكذا أخرجه هنا معلقًا، وقد أخرجه في مواضع من كتابه مختصرًا ومطولًا سنقف عليها في مواطنها من الشرح إن شاء الله (١).
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسولَ الله - ﷺ -، وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.

--------------------
(١) سيأتي برقم (٣٣٤) كتاب: التيمم، وبرقم (٣٣٦) كتاب: التيمم، باب: إذا لم يجد ماء ولا ترابا، وبرقم (٣٦٧٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي - ﷺ - لو كنت متخذًا خليلًا، وبرقم (٣٧٧٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل عائشة رضي الله عنها، وبرقم (٤٥٨٣) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وبرقم (٤٦٠٧) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وبرقم (٥١٦٤) كتاب: النكاح، باب: استعارة الثياب للعروس وغيرها، وبرقم (٥٨٨٢) كتاب: اللباس، باب: استعارة القلائد، وبرقم (٦٨٤٤) كتاب: الحدود، باب: من أدب أهله أو غيره دون السلطان.


الكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه أيضًا في علامات النبوة (١)، وأخرجه مسلم (٢) والترمذي في الفضائل، والنسائي في الطهارة، ورواه عن أنس أيضًا قتادة - وقلت: وحميد- وذكر المهلب أنه رواه عن النبي - ﷺ - أنس وعبد الله بن زيد قَالَ الترمذي: وفي الباب عن عمران بن حصين، وابن مسعود وجابر، وحديث أنس حسن صحيح (٣).
واشتهر عن مالك، ورواه عن التنيسي بكر بن سهل، ومحمد بن الجنيد.
وحديث عمران وابن مسعود وجابر ذكرهما البخاري في علامات النبوة كما ستعرفه هناك (٤).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم.
ثالثها:
موضع الترجمة من الفقهِ التنبيهُ على أن الوضوء لا يجب قبل دخول الوقت كما نبه عليه ابن المنير (٥)؛ لأنه - ﷺ - لم ينكر عليهم تأخير طلب الماء إلى حين وقت الصلاة فدل على جوازه.
وذكر ابن بطال أنه إجماع الأمة، وإن توضأ قبل الوقت فحسن،

----------------------
(١) سيأتي بالأرقام (٣٥٧٢ - ٣٥٧٥) كتاب: المناقب.
(٢) مسلم (٢٢٧٩/ ٥) كتاب: الفضائل، باب: في معجزات النبى - ﷺ -.
(٣) «سنن الترمذي» (٣٦٣١)، «سنن النسائي» ١/ ٦٠.
(٤) سيأتي برقم (٣٥٧٢ - ٣٥٧٥) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.
(٥) انظر: «المتواري» ص ٦٧.



ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول الوقت، وأجازه أهل العراق (١).
رابعها:
قوله: (وحانت صلاة العصر) زاد قتادة: وهو بالزوراء، وهو سوق بالمدينة.
خامسها:
الوَضوء هنا بالفتح؛ لأنه الماء الذي يتوضأ به، وكذا قوله: (فأُتي بوضوء).
سادسها:
جاء هنا (فأُتي بوَضوء). وفي رواية ابن المبارك: فانطلق رجل من القوم، فجاء بقدح من ماء يسير (٢). وفي رواية: (رحراح) -أي (٣) وهو القصير- فأخذ - ﷺ - يتوضأ، ثم مد أصابعه على القدح فصغر أن يبسط كفه - ﷺ - فيه، فضم أصابعه.
وروى المهلب أنه كان بمقدار وَضوء رجل واحد. قَالَ أبو حاتم بن حبان في «صحيحه»: وهذا اتفق له - ﷺ - في مواطن متعددة ففي بعضها: (أُتي بقدح رحراح) وفي بعضها: (زجاج) وفي بعضها: (جفنة)، وفي بعضها: (ركوة). وفي بعضها: (ميضأة). وفي بعضها: (مزادة).
وفي بعضها: (وكانوا خمس عشرة مائة). وفي بعضها: (ثمانمائة).

---------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢) سيأتي برقم (٣٥٧٤) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.
ورواه مسلم (٢٢٧٩) كتاب: الفضائل، باب: في معجزات النبي - ﷺ -.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٠) كتاب: الوضوء، باب: الوضوء من التور.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #95  
قديم 23-01-2026, 05:29 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 227 الى صـــ 246
الحلقة (95)




وفي بعضها: (زهاء ثلاثمائة). وفي بعضها: (ثمانين). وفي بعضها: (سبعين) (١).
سابعها:
هذِه المعجزة أعظم من تفجر الحجر بالماء؛ لأن ذَلِكَ من عادة الحجر، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] وأما من لحم ودم فلم يعهد من غيره - ﷺ - (٢).
ثامنها: (ينبُع) بضم الباء وكسرها. وفي روايةٍ أخرى: (ينتبع) وفي لفظ: (يفور من بين أصابعه)، وفي أخرى: (يتفجر من أصابعه كأمثال العيون)، وفي أخرى: (سكب ماء في ركوةٍ، ووضع أصبعه وسطها

--------------------
(١) «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٤٨٠ - ٤٨٤ (٦٥٤٢ - ٦٥٤٤، ٦٥٤٦ - ٦٥٤٧).
(٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١/ ٣٥٩، وقال ابن حجر رحمه الله في «الفتح» ٦/ ٥٨٥: قال القرطبي: ولم يسمع بمثل هذِه المعجزة من غير نبينا - ﷺ - حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ - أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى. وظاهر كلامه أن الماء نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيده قوله في حديث جابر الآتي: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وأوضح منه ما وقع في حديث ابن عباس عند الطبراني: فجاءوا بشن فوضع رسول الله - ﷺ - يده عليه ثم فرق أصابعه فنبع الماء من أصابع رسول الله - ﷺ - مثل عصا موسى، فإن الماء تفجر من نفس العصا. فتمسكه به يقتضي أن الماء تفجر من بين أصابعه، ويحتمل أن يكون أن الماء كان ينبع من أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه يفور ويكثر وكفه - ﷺ - في الماء، فرآه الرائي نابعًا من بين أصابعه، والأول أبلغ في المعجزة، وليس في الأخبار ما يرده وهو أولى.



غمسها في الماء).
قَالَ القاضي عياض: وهذِه القصة رواها الثقات من العدد الكثير عن الجماء الغفير، عن الكافة متصلًا عمن حدث بها من جملة الصحابة، وإخبارهم أن ذَلِكَ كان في مواطن اجتماع الكثير منهم من محافل المسلمين ومجمع العساكر، ولم يؤثر عن أحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما حكاه، ولا إنكار عما ذكر عنهم أنهم رأوه كما رآه، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق، إذ هم المنزهون عن السكوت على باطل والمداهنة في كذب، وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم، فهذا النوع كله يلحق بالقطعي من معجزاته - ﷺ - (١).
وفيه رد على قول ابن بطال في «شرحه»: إن هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة، إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس وذلك -والله أعلم- لطول عمره، ولطلب الناس لعلو السند (٢)
واستنبط المهلب منه أن الأملاك ترتفع عند الضرورة؛ لأنه إذا أُتي رسول الله بالماء لم يكن أحد أحق به من غيره بل كانوا فيه سواء ونوقش فيه، وإنما تجب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه.

--------------------
(١) انظر: «إكمال المعلم» ٧/ ٢٤٢. و«الشفا بتعريف حقوق المصطفي» ١/ ٢٨٧.
(٢) «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٦٤.



٣٣ - باب المَاءِ الذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ
وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرى بِهِ بَأسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطُ وَالْحِبَالُ، وَسُؤْرِ الكِلَابِ وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: هدا الفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا مَاءٌ، وَفِي النّفسِ مِنْهُ شَئءٌ، يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيتَيَمَّمُ. [فتح: ١/ ٢٧٢]

١٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ: عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنسٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أهْلِ أَنَسٍ. فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. [١٧١ - فتح: ١/ ٢٧٣]

١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنِ ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَّمَا حَلَقَ رَأْسَهُ، كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ. [انظر: ١٧٠ - مسلم: ١٣٠٥ - فتح: ١/ ٢٧٣]
ذكر البخاري رحمه الله شعر الإنسان، استطرد غيره فذكر ما ذكره عن عطاء أن الشعر ليس به بأس أن يتخذ منه الخيوط والحبال.
قَالَ الإسماعيلي: وقوله -يعني: البخاري- في الشعر فيه خلاف، فإن عطاء يروى عنه نجاسته، ورأى ابن المبارك رجلًا أخذ شعرة من لحيته، ثم جعلها في فيه. فقال له: مَهْ، أترد الميتة إلى فيك؟! ونقل ابن بطال عن المهلب بن أبي صفرة أن البخاري أراد بهذِه الترجمة رد قول الشافعي أن شعر الإنسان إذا فارق الجسد نجس، وإذا وقع في الماء نجسه -وذكر قول عطاء السالف- ولو كان نجسًا لما جاز


اتخاذه ولما جاز اتخاذ شعر النبي - ﷺ - والتبرك به، علم أنه طاهر على قول عطاء وجمهور العلماء (١)، هذا كلامه.
وأقول الحكاية عن الشافعي بتنجيس شعر الآدمي المنفصل مرجوع عنه. فقد روى إبراهيم البكري، عن المزني، عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي.
وحكاه أيضًا الماوردي عن ابن شريح، عن أبي القاسم الأنماطي (٢)، عن المزني، عن الشافعي، وحكى الربيع الجيزي (٣)، عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته.
وصرح القاضي أبو الطيب وآخرون بأن الشعر والصوف والوبر والعظم والقرن والظلف تحلها الحياة وتنجس بالموت، وهو المذهب، وهو الذي رواه المزني والبويطي والربيع المرادي وحرملة (٤).

-----------------------
(١) «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٦٥.
(٢) هو الإمام العلامة شيخ الشافعية، أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشار البغدادي، الفقيه الأنماطي، الأحول. ارتحل وتفقه على المزني، والربيع المرادي، وروى عنهما. ويعز وقوع شيء من حديثه؛ لأنه مات قبل أوان الرواية وعليه تفقه أبو العباس بن سُريج، وغيره. وكان السبب في نشاط الناس ببغداد لكتب فقه الشافعي وتحفظه. توفي في شوال سنة ثمان وثمانين ومائتين ببغداد. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١١/ ٢٩٢ - ٢٩٣ (٦٠٦٧)، «وفيات الأعيان» ٣/ ٢٤١ (٤٠٩)، «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠ (٢١٤)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٩٨.
(٣) هو الربيع بن سليمان الأزدي مولاهم المصري الجيزي الأعرج. سمع من ابن وهب، والشافعي أيضًا. روى عنه أبوداود، والنسائي، والطحاوي، وآخرون.
مات سنة ستٍ وخمسين ومائتين.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٤ (٢٣٤)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٥٩١ - ٥٩٢ (٢٢٣)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٥٩، ١٦٠.
(٤) انظر: «الحاوي» ١/ ٦٦ - ٧١، «البيان» ١/ ٧٤ - ٧٧.



ومذهب أبي حنيفة أن شعر الآدمي المنفصل طاهر، وكذا شعر الميتة والأجزاء الصلبة التي لا دم فيها كالقرن والعظم والسن والحافر والظلف والخف والشعر والوبر والصوف والعصب والريش والإنفحة الصلبة، قاله في «البدائع» (١).
وكذا من الآدمي على الأصح ذكره في «المحيط» و«التحفة» (٢)، وفي «قاضي خان» (٣): على الصحيح ليست بنجسة عندنا.
وقد وافق أبا حنيفة على صوفها وشعرها ووبرها وريشها مالكٌ وأحمد وإسحاق والمزني، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وحماد وداود في العظم أيضًا (٤)، ونقل في «الإشراف» عن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا خير في شعور بني آدم ولا ينتفع بها، وحكى العبدري، عن الحسن وعطاء والأوزاعي والليث أنها تنجس بالموت، لكن يطهر بالغسل.
وأما شعر سيدنا رسول الله - ﷺ - فالمذهب الصحيح القطع بطهارته، وإن خالفنا في شعر غيره؛ لعظم مرتبته، ومن خالف فيه قَالَ: إنما قسم شعره - ﷺ - للتبرك، ولا يتوقف التبرك على كونه طاهرًا، كذا قاله الماوردي وآخرون قالوا: ولأن القدر الذي أخذ كان يسيرًا معفوًّا عنه (٥).

--------------------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٦٣.
(٢) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٥٢.
(٣) انظر: «الفتاوى الهندية» ١/ ٢٠.
(٤) انظر: «الهداية» ١/ ٢٢، «التحقيق» ١/ ١٣٣ - ١٤١، «بداية المجتهد» ١/ ١٥٤ - ١٥٥، «المغني» ١/ ١٠٦ - ١٠٨.
(٥) انظر: «الحاوي» ١/ ٦٧ - ٦٨، «المجموع» ١/ ٢٨٨.



فرع:
في بوله ودمه وجهان: والأليق الطهارة. وذكر القاضي حسين في العَذِرة وجهين. وأنكر بعضهم على الغزالي حكايتهما فيها، وزعم نجاستها بالاتفاق، وتخصيص الخلاف بالبول والدم، وليس كذلك فالخلاف فيها مشهور (١)، وقد بسطت ذَلِكَ في كتابنا «غاية السول في خصائص الرسول» فليراجع منه (٢).
قَالَ البخاري: وَسُؤْرِ الكِلَابِ وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ وأكلها.
هو بالخفض عطفًا على باب. أي: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، وباب: سؤر الكلاب.
وفي بعض النسخ جمعهما في موضع واحد وهذِه اللفظة وهي قوله: (وأكلها) ساقطة في بعض النسخ (٣)، وقصد البخاري بذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة. سؤره.
قَالَ الإسماعيلي: أراه نحا ذَلِكَ مما ذكره من الأخبار لكن في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظرًا.
والسؤر: -مهموز على الأفصح- ما بقي من الشراب وغيره في الإناء.
قَالَ البخاري: وَقَالَ الزُّهْريُّ: إِذَا وَلَغَ فِي الإِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وضوء غيره يتوضأ به.

-----------------------
(١) انظر: «المجموع» ١/ ٢٨٨.
(٢) «غاية السول في خصائص الرسول» ص ١٩٦ - ١٩٧.
(٣) الرواية عند المصنف بإثبات كلمة: (وأكلها) والرواية الصحيحة في ذلك بحذف هذِه الكلمة وانظر: «اليونينية» ١/ ٤٥، وأشار محققو «اليونينية» أنها نسخة لا يعرف صاحبها.



هذا قاله مالك أيضًا والأوزاعي، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى نجاسته وكذا الليث والشافعي وأحمد وأبو ثور (١).
قَالَ سُفْيَانُ (٢): هذا هو الفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللهُ -عز وجل- ﴿فَلَمْ تِجَدُوا مَآءً فَتَيمَمُواْ﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا مَاءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَئٌ، يَتَوَضأُ بِهِ وَيتَيَمَّمُ.
وافقه ابن مسلمة وابن الماجشون وجعلوه كالمشكوك فيه.
وحكى الطحاوي، عن الأوزاعي أن سؤر الكلب في الإناء نجس، وفي الماء المستنقع ليس بنجس (٣)، وسيأتي الخوض في ذَلِكَ بعد.
ثم ذكر البخاري حديث الشعر، حدثنا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدة عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ. فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
وفي رواية للإسماعيلي: أحب إلي من كل صفراء وبيضاء.
والكلام عليه من وجهين:
أحدهما: في التعريف برواته:
غير من سلف. أما مالك فهو أبو غسان (ع) مالك بن إسماعيل النهدي الحافظ الحجة العابد القانت، عنه البخاري ومسلم والأربعة بواسطة. مات سنة تسع عشرة ومائتين (٤)، وليس في الكتب الستة

----------------------
(١) انظر: «التحقيق» ١/ ٨٩ - ٩٤، «روضة الطالبين» ١/ ٣٢، «الهداية»١/ ٢٤.
(٢) ورد بهامش الأصل: من خط المصنف: يعني: الثوري.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١١٨.
(٤) مالك بن إسماعيل بن درهم، قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: إن سرَّك أن تكتب عن رجل ليس في قلبك منه شيء فاكتب عن أبي غسان. وقال أبو حاتم: قال =



مالك بن إسماعيل سواه.
وإسرائيل (ع) هو ابن يونس سلف (١). وفي البخاري: إسرائيل (خ. د. ت. س) بن موسى (٢). عنه القطان وليس فيهما غيرهما.
وعاصم هو ابن سُليمان الأحول البصري الثقة الحافظ، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة (٣).
وعبيدة هو (ع) السلماني ابن عمرو. وقيل: ابن قيس، وقد تقدم في المقدمات أنه بفتح العين، كوفي أسلم في حياة رسول الله - ﷺ -، وذكر في الصحابة؛ لذلك قَالَ ابن عيينة: كان يوازي شريحًا في العلم والقضاء.
مات سنة اثنتين. وقيل: ثلاث وسبعين (٤).
ثانيهما: في فقهه:
وهو أنه لما جاز اتخاذ شعر النبي - ﷺ - والتبرك به فهو طاهر. وقد

-----------------------
= يحيى بن معين: ليس بالكوفة أتقن منه. وقال غيره عن يحيى بن معين: وهو أجود كتابًا من أبي نعيم. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣١٥ (١٣٤٢)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٢٠٦ (٩٠٥)، و«الثقات» ٩/ ١٦٤، و«تهذيب الكمال» ٢٧/ ٨٦ (٥٧٢٧).
(١) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٦٩).
(٢) إسرائيل بن موسى. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم: ثقة.
زاد أبو حاتم: لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٦ (١٦٦٨)، «الثقات» ٦/ ٧٩، «تهذيب الكمال» ٢/ ٥١٤ (٤٠١)، «تهذيب التهذيب» ١/ ١٣٣.
(٣) وثقه سفيان وأحمد وابن مهدي، والعجلي، وأبو زرعة، ويحيى بن معين، وغيرهم، وقيل في وفاته غير ما ذكر المؤلف.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٥٦ - ٣١٩، «الثقات» ٥/ ٢٣٧، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٤٨٥ (٣٠٠٨).
(٤) سبقت ترجمته في المقدمة.



جعل خالد بن الوليد في قلنسوته من شعر رسول الله - ﷺ -، فكان يدخل بها في الحرب فسقطت يوم اليمامة، فاشتد عليها شدة، أنكر عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -. فقال: إني لم أفعل ذَلِكَ لقيمتها لكن كرهت أن تقع بإيدي المشركين وفيها من شعر الرسول - ﷺ - (١).
ثم ذكر البخاري حديثًا ثانيًا في الشعر فقال: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، ثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا عَبَّادٌ، عَنِ ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ، كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: في التعريف برواته غير من سلف:
فابن عون هو عبد الله (ع) بن عون، أبو عون مولى عبد الله بن المغفل المزني أحد الأعلام. مات (٢) سنة إحدى وخمسين ومائة (٣).

---------------------
(١) انظر: «البداية والنهاية» ٧/ ١١٣ وليس فيها ذكر كراهته تلك وفيه: أنها ما كانت معي في موقف إلا نصرت بها.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: (٢٣٢) قاله في «الكاشف» أو (إحدى) قاله في «التهذيب».
(٣) عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، البصري، رأى أنسًا ولم يثبت له منه سماع.
قال علي بن المديني: جُمع لابن عون من الإسناد ما لم يجمع لأصحابه. وقال شعبة: ما رأيت مثل أيوب ويونس وابن عون. وقال الثوري: ما رأيت أربعة اجتمعوا في مصرٍ مثل أربعة اجتمعوا بالبصرة: أيوب، ويونس، وسليمان التيمي، وعبد الله بن عون. وقال العجلي: أهل البصرة يفخرون بأربعة .. فذكره. ومثله عن الأصمعي.
وانظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ١٣٠ (٦٠٥)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤٠٢ (٣٤٧٠)، «مغاني الأخيار» ٢/ ٥٣٦.



وفي مسلم والنسائي: عبد الله بن عون ابن أمير مصر أبي عون عبد الملك بن يزيد البغدادي، روى عن مالك. ثقة من الأبدال. مات بعد المائتين، وليس في هذِه ابن عون غيرهما (١).
وعباد (ع) هو ابن العوام الواسطي، أبو سهل. مات سنة خمس وثمانين ومائة (٢).
وسعيد بن سليمان هو الضبي البزاز، أبو عثمان سعدويه الحافظ الواسطي (٣).

-------------------
(١) عبد الله بن عون بن أبي عون واسمه عبد الملك بن يزيد الهلالي.
قال أحمد بن حنبل: ما به بأس، أعرفه قديمًا، وجعل يقول فيه خيرًا. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، عن يحيى بن معين: صدوق. وقال عبد الخالق بن منصور، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة عن يحيى بن معين، وأبو زرعة، وعلي بن الحسين بن الجنيد، وصالح بن محمد البغدادي الحافظ، والدارقطني: ثقة.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٧٥، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٣١ (٦٠٦)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤٠٢ (٣٤٧٠)
(٢) عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله. قال الحسن بن عرفة: سمعت وكيعًا، وسألني عن عباد بن العوام، قال: يحدث؟ قلت: نعم. قال: ليس عندكم أحد يشبهه. وقال أبو بكر بن الأثرم، عن أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث.
وعن يحيى بن معين: ثقة. وقال ابن حجر: لم يخرج له البخاري من روايته عن سعيد شيئًا واحتج به هو والباقون.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٣٠، «تاريخ بغداد» ١/ ١٠٤، «تهذيب الكمال» ١٤/ ١٤٠ - ١٤٤ (٣٠٨٩)، «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٥١١ - ٥١٢ (١٣٤).
(٣) سعيد بن سليمان الضبي. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي ذكر سعيد بن سليمان قال: كان صاحب تصحيف ما شئت. وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، عن يحيى بن معين: كان سعدويه قبل أن يحدث أكيس منه حين حدث. وقال عباس بن محمد الدوري: سئل يحيى بن معين، عن عمرو بن عون وسعدويه أكيسهما قلت له أنا: في جميع ما حدَّث؟ قال: نعم. وقال أبو حاتم: ثقة، =



روى عنه جماعة منهم البخاري، وأبو داود، حج ستين سنة، وكان يصحف. مات سنة خمس وعشرين ومائتين عن مائة.
ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة سلف.
ثانيها:
هذا الحديث رواه عن ابن سيرين أيضًا هشام بن حسان، ورواه عن سعيد هارون بن عبد الله. قَالَ الإسماعيلي: قَالَ: محمد بن إسماعيل، -يعني: البخاري-: وروى وهيب بن خالد، ثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين أنه - ﷺ - لما حلق رأسه قام أبو طلحة فأخذ من شعره، فقام الناس فأخذوا.
قَالَ أبو بكر: قُلْتُ لابن عون: عمن ذكر ابن سيرين؟ فقال: عن أنس بن مالك. قَالَ ابن عون: نبئت أنهم جعلوا شعر رسول الله - ﷺ - في السُّك، فهي عند آل أنس وآل سيرين، أخبرنيه ابن ياسين، عن عبد الله بن محمد بن سنان السعدي البصري، ثنا عمار بن معمر بن عمرو، ووهيب بن خالد به، وعبد الله ليس من شرط هذا الكتاب ذكرناه استئناسًا.
ثالثها:
هذا الحلق كان بمنى يوم الأضحى، وكان الحالق فيما ذكره البخاري زعموا أنه معمر بن عبد الله. وقيل: اسمه خراش بن أمية بن ربيعة الكلبي، وصحح بعضهم أن خراشا حلق رأسه بالحديبية،

---------------------
= مأمون، ولعله أوثق من عفان إن شاء الله. وقال ابن حجر: ثقة حافظ.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٤٠، «معرفة الثقات» ١/ ٤٠٥ (٥٩٦)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٦ (١٠٧)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٨٣ (٢٢٩١)، «تقريب التهذيب» (٢٣٢٩).



ومعمرًا في حجة الوداع، وفي رواية قَالَ للحلاق: «ها هنا» (١)، وأشار إلى الجانب الأيمن، وفرق شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الجانب الأيسر، فأعطاه أم سُلَيم. وفي رواية: فبدأ بالشق الأيمن ففرقه، الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قَالَ: بالأيسر، فدفعه إلى أبي طلحة.

[- باب إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فيِ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَليَغْسِلْهُ سَبْعًا]
١٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ؛ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا». [مسلم: ٢٧٩ - فتح: ١/ ٢٧٤]

١٧٣ - [حَدَّثَنَا إسحق، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الله ابْنِ دِينَارٍ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَن رَجُلًا رَأى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ».] [٢٣٦٣، ٢٤٦٦، ٦٠٠٩ - مسلم: ٢٢٤٤ - فتح: ١/ ٢٧٨]

١٧٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الَمسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَلَمْ [يَكُونُوا] يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. [فتح:١/ ٢٧٨]

١٧٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابن أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وِإذَا أكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّما أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ». قُلْتُ: أُرْسِلُ

----------------------
(١) رواه مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٤) كتاب: الحج، باب: بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق.


كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ قَالَ: «فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ». [٢٠٥٤، ٥٤٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٧٧، ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦، ٥٤٨٧، ٧٣٩٧ - مسلم ١٩٢٩ - فتح:١/ ٢٧٩]
ثم شرع البخاري في ذكر الأحاديث التي نحا بها إلى طهارة الكلب وطهارة سؤره فقال:
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ؛ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا».
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: «أَنَّ رَجُلًا رَأى كلْبًا يَأْكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فشَكَرَ اللهُ لَهُ فأَدْخَلَهُ الجَنَّة».
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: ثنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
حَدَّثنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثنا شُعْبَةُ، عَنِ ابن أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ على نَفْسِهِ». قُلْتُ: أرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ قَالَ: «فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ على كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ على كَلْبٍ آخَرَ».
وأقول قد أسلفنا عن الإسماعيلي أنه قَالَ: أرى أبا عبد الله نحا نحو


تطهير الكلب حيًّا وإباحة سؤره بما ذكره من هذِه الأخبار وهي -لعمري- صحيحة، إلا أن في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظرًا، وتبعه على ما نحاه البخاري ابن بطال في «شرحه» فقال: ذكر في الباب أربعة أحاديث في الكلب، وغرضه في ذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة سؤره، ووجه النظر أن غسل الإناء من شربه يجوز أن يكون لنجاسته، وأن يكون تعبدًا (١)
ويترجح الأول برواية مسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» وهي على شرطه أيضًا، وروايته أيضًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات» (٢).
وأما غرف الماء فليس فيه أن الكلب شربه من الخف، أو قد يجمع بأن يكون غرفه به ثم صبه في مكان غيره، وعلى تقدير أن يكون شرب منه لا يلزمنا الأخذ به؛ إذ كان هذا في شريعة غيرنا على ما روي عن أبي هريرة، وشرعنا قتل الكلاب على خلاف فيه إلا ما رخِّص في إمساكه، ولا يلزم من إقبالها وإدبارها فيه طهارتها.
نعم؛ سيأتي فيه أنها كانت تبول فيه، وابن وهب يرى بطهارة بولها، وكأن الحديث إنما سيق لترددها فيه، ولم يغلق، وعساها كانت تبول ولم يعلم موضعه، ولو علم لأمر بصب الماء عليه، وقد أمر به في بول الأعرابي وبول ما سواه في حكم النجاسة واحد.
وأما حديث عدي فهو مسوق؛ لأن قتله ذكاة لا لنجاسة ولا طهارة، ألا تراه قَالَ: «فكله». ولم يقل: اغسل الدم، ويجوز أن يكون تركه اكتفاء

---------------------
(١) «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٧٩/ ٨٩، ٩١) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب.



بغسل الإناء من وُلوغه.
وذكر الإسماعيلي احتمالًا ثالثًا، وهو أن يكون قتله الصيد لما جعل ذكاة له انتفت النجاسة عن المذكي بما جعل ذكاة له، إذا ظهر لك ذَلِكَ فلنتكلم على كل حديث على العادة سندًا ومتنًا.
أما حديث أبي هريرة فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
طريق مالك هذِه أخرجه أبو داود في رواية ابن العبد، والنسائي وابن ماجه (١)، وأخرجه مسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة أيضًا (٢).
وأخرجه مسلم من حديث الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح؛ عن أبي هريرة بلفظ: «إذا ولغ» بدل «شرب»؛ ومن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (٣).
وأخرجها أبو داود والنسائي، وكذا الترمذي وقال: «أولاهن -أو أُخراهن (٤) - بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة كسل مرة» ثم قَالَ: حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: ذكر الهر موقوفة. وقال البيهقي: مدرج (٥).
قَالَ ابن عبد البر: كذا قَالَ مالك في هذا الحديث «شرب» أي على

-------------------
(١) رواه أبو داود (٧١)، والنسائى ١/ ٥٢، وابن ماجه (٣٦٤).
(٢) «صحيح مسلم» (٢٧٩/ ٩٠) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٧٩/ ٨٩، ٩١) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب.
(٤) «سنن أبي داود» (٧٣)، «سنن الترمذي» (٩١)، «سنن النسائي» ١/ ٥٣ - ٥٤، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٦٦): إسناده صحيح على شرطهما.
(٥) «السنن الكبرى» ١/ ٥٤٨.



خلاف عنه، وغيره من الرواة يقول: «إذا ولغ» وهو الذي يعرفه أهل اللغة (١).
وكذا استغرب هذِه اللفظة الإسماعيلي وابن منده الحافظان، ولم
ينفرد بها مالك، بل توبع عليها كما أوضحته في كتابي «البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير» للرافعي رحمه الله (٢)، وهو أيضًا أخص من الولوغ، إذ كل كلب إذا شرب فهو والغ ولا عكس.
ثانيها: في التعريف برواته، وقد سلف التعريف بهم.
ثالثها: في فقهه:
ظاهر الأمر بالغسل: التنجيس، ويؤيده الرواية السالفة «طهور» فإنها تستعمل عن الحدث تارة، وعن الخبث أخرى، ولا حدث على الإناء فتعين الخبث.
وأما الإمام مالك فحمله على التعبد لاعتقاده طهارة الماء والإناء، وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السبع؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفي بما دون السبع، فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، وقد اكتفى فيها بما دون السبع، وقد أمر بغسل الظاهر مرارًا لمعنى، كما في أعضاء الوضوء (٣)
والحمل على الأول وهو التنجيس أقوى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدًا، وبين كونه معقول المعنى فالثاني أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى.

-----------------------
(١) «التمهيد» ١٨/ ٢٦٤.
(٢) «البدر المنير» ١/ ٥٤٥.
(٣) انظر: «التفريع» ١/ ٢١٦، «الكافي» ص ١٧، «الذخيرة» ١/ ١٨١.



وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة فممنوع، ثم الذين عللوه قالوا: العلة النجاسة، وقيل: القذارة؛ لاستعماله النجاسات، وقيل: علته لأنهم نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلظ عليهم بذلك.
ومنهم من قَالَ: إن ذَلِكَ معلل بما تبقَّى من كَلَب الكلب (١). والعدد السبع قد جاء في مواضع من الشرع على جهة الطب والتداوي، وأورد على هذا أن الكلب المكلب لا يقرب الماء، على ذَلِكَ جماعة الأطباء.
ومن قَالَ بالتعبد يلزمه أن يقول بغسل جميع الإناء، ما لاقى الولوغ وما لم يلقه؛ عملًا بحقيقة لفظ الإناء.
ثم إن هذا الأمر وهو الأمر بالغسل ظاهره الوجوب، وعن مالك قول بحمله على الندب، وقد استدل بغسل الإناء على نجاسة عين الكلب؛ ولأنه إذا ثبت نجاسة فمه فبقية بدنه أولى؛ ولأنه إذا كان لعابه نجسًا وهو عرق فمه ففمه أولى، ثم هذا الإناء يغسل سواء أكان فيه طعام أو ماء للعموم، ولمالك قول أنه لا يغسل إلا إناء الماء دون إناء الطعام، وهو نص «المدونة» (٢)؛ لأنه مصون، ولأن في الحديث الإراقة، وهي محرمة؛ لأنه إضاعة مالٍ.
والظاهري لا يرى بالغسل إذا وقع اللعاب في الإناء من غير ولوغ (٣).
ثم هذا الحديث نص في اعتبار السبع في عدد الغسلات.
ورواية التتريب قَالَ بها الشافعي وأصحاب الحديث وليست في

-----------------
(١) الكلب، بفتحات، شبه الجنون، وكَلِب الكلب، ضَرى وتعوَّد أكل الناس.
«المحكم» ٧/ ٣٥.
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ٥.
(٣) انظر: «المحلى» ١/ ١٠٩ - ١١٠.



رواية مالك فلم يقل بها، وقيل: لأنه مضطرب حيث ورد: «أولاهن» و«إحداهن»، وغير ذَلِكَ.
والحنفية لا يقولون بتعين السبع ويعتذرون عنه بأوجهٍ:
أحدها: أن أبا هريرة راويه كان يغسل ثلاثًا، وهذا على رأيهم أن العبرة بما رأى، وعندنا بما روى، بل ما صح عنه إلا السبع.
ثانيها: أنه روي من طريق أبى هريرة مرفوعًا التخيير بين الثلاث والخمس والسبع، فلو كان السبع واجبًا (١) لم يخير بينه وبين الباقي؛ لكنه ضعيف (٢) كما نبه الدارقطني في «سننه» (٣)، والبيهقي في «خلافياته» (٤).
ثالثها: أن هذا الأمر كان إِذْ أمرَ بقتل الكلاب، فلما نَهى عن قتلها نسخ ذَلِكَ.
رابعها: أن الأمر بالسبع محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وعند الحسن البصري يغسل سبعًا، ويعفر الثامنة بالتراب (٥) بحديث عبد الله بن مغفل (٦)، وأجيب عنه؛ بأنه

--------------------
(١) ورد بهامش (س): نقل وجوب الغسل سبعًا عن أبي هريرة ابن المنذر، نقله عنه النووي.
(٢) ورد بهامش (س): قوله: «لكنه ضعيف» زاد النووي في «شرح المهذب» باتفاق الحفاظ: عبد الوهاب بن عطاء مجمع على ضعفه وتركه. انتهى. قال الذهبي في «الكاشف» عن أبي داود: إنه كان يضع.
(٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٦٥ وذلك بقوله: تفرد به عبد الوهاب عن إسماعيل (يعني: ابن عياش) وهو متروك، وهو الصواب.
(٤) «الخلافيات» ١/ ٢٣٥ (٢٨٠).
(٥) انظر: «البناية» ١/ ٤٣١ - ٤٣٨.
(٦) رواه مسلم (٢٨٠) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب، وأبو داود (٧٤)، والنسائي ١/ ٥٤.



مضطرب. ثم ظاهر الحديث عام في جميع الكلاب، وفي مذهب مالك أربعة أقوال: طهارته، نجاسته، طهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، رابعها لابن الماجشون: يفرق بين البدوي والحضري.
وفي «قنية المنية» من كتب الحنفية وهو جزآن: الذي صح عندي من الروايات في «النوادر» و«الأمالي» أن الكلب نجس العين عندهما، وعند أبي حنيفة ليس بنجس العين، وفائدته تظهر في كلب وقع في بئر وخرج حيًّا فأصاب ثوب إنسان، ينجس الماء والثوب عندهما خلافًا لأبي حنيفة.
ومتعلقات هذا الحديث وفروعه كثيرة، وقد استقصينا القول فيها في «شرح عمدة الأحكام» فليراجع منه (١)، ونحن في هذا الشرح ننبه بأدنى إشارة خوف الطول.
وتعلق برواية «وَلَغَ» أهل الظاهر، وقالوا: لو أدخل يده أو رجله في الإناء لا يسمى ولوغًا ولا يجري فيه حكمه؛ لأنه لا يقال: (ولغ) في شيء من جوارحه سوى لسانه، كما قال المطرز، لكن قال ابن جني في «شرح المتنبي»: أصل الولوغ: شرب السباع بألسنتها الماء، ثم كثر فصار الشرب مطلقًا.
وأما حديث أبي هريرة الثاني فأخرجه البخاري في عدة مواضع: في الشرب (٢)، والمظالم (٣)، والأدب (٤). وأخرجه مسلم أيضًا (٥).

--------------------
(١) انظر: «الإعلام» ١/ ٢٩٦ - ٢٩٩.
(٢) سيأتي برقم (٢٣٦٣) باب: فضل سقي الماء.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٦٦) باب: الآبار على الطرق إذا لم يُتأذَّ بها.
(٤) سيأتي برقم (٦٠٠٩) باب: رحمة النَّاس والبهائم.
(٥) مسلم (٢٢٤٤) كتاب: السلام، باب: فضل المحترمة البهائم المحترمة وإطعامها.



وأخرجه أبو داود في الجهاد من طريق مالك، عن سُمي، عن أبي صالح (١).
وأخرجه البخاري أيضًا من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة أن امرأة بغيًّا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت مُوقها فُغفر لها (٢). وفي رواية «بغي من بغايا بني إسرائيل» ذكره في ذكر بني إسرائيل (٣)، وفي بعض طرق الخبر زيادة: قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قَالَ: «في كل كبدة رطبةٍ (٤) - وفي رواية: حرى- أجر» (٥).
ثانيها:
هذا الحديث اشتهر عن أبي هريرة، وعن أبي صالح عنه، واشتهر عن عبد الصمد بن عبد الوارث، فرواه عنه جماعات منهم إسحاق هذا، واختلف فيه فقال أبو نعيم الأصبهاني: هو ابن منصور الكوسج.
وأما الكلاباذي والجياني (٦) فذكرا أن إسحاق بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم يرويان عن عبد الصمد (٧).

---------------------
(١) «سنن أبي داود» (٢٥٥٠).
(٢) لم أجده في البخاري بهذا اللفظ، وإنما هذا لفظ مسلم رواه برقم (٢٢٤٥/ ١٥٤) عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وأما حديث ابن سيرين عند البخاري يأتي برقم (٣٣٢١) بغير هذا اللفظ.
(٣) سيأتي برقم (٣٤٦٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٤) سيأتي برقم (٢٣٦٣) كتاب: المساقاة، باب: فضل سقي الماء.
(٥) رواه ابن ماجه (٣٦٨٦)، وأحمد ٢/ ٢٢٢.
(٦) انظر: «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٧ وعزا هذا القول لأبي نصر الكلاباذي.
(٧) ورد بهامش الأصل: سنة ٢٢٩ قاله في «الكاشف».




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #96  
قديم 23-01-2026, 04:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 247 الى صـــ 266
الحلقة (96)






ثالثها: في التعريف برواته غير من سلف:
عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار من أفراد البخاري عن مسلم، وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، وفيه لين (١).
ووالده (ع) عبد الله -هو مولى ابن عمر- التابعي وليس في الستة سواه (٢)، نعم، في ابن ماجه: عبد الله (ق) بن دينار الحمصي، وهو ليس بقوي (٣).
رابعها:
الثرى: التراب الندي. قاله الجوهري (٤)، وصاحب «الغريبين»،

---------------------
(١) عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار القرشي العدوي. قال عمرو بن علي: لم أسمع عبد الرحمن يحدث عنه بشيء قط. وقال أبو حاتم: فيه لين، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو أحمد بن عدي: وبعض ما يرويه منكر، لا يتابع عليه، وهو جملة من يكتب حديثه من الضعفاء. وقال ابن حجر: احتج به البخاري كما قال الدارقطني.
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣١٦ (٩٩٩)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٥٤ (١٢٠٤)، «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٥١، «الكامل في ضعفاء الرجال» ٥/ ٤٨٥ (١١٢٦)، «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٠٨ (٣٨٦٦)، «مقدمة الفتح» ص ٤١٧.
(٢) عبد الله هو ابن دينار. قال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثقة مستقيم الحديث. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي: ثقة. زاد ابن سعد: كثير الحديث. ومات سنة سبع وعشرين ومائة.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٦ (٢١٧)، «الثقات» ٥/ ١٠، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٧١ (٣٢٥١).
(٣) عبد الله بن دينار الحمصي، قال عنه يحيى بن معين: شامي ضعيف. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي في الحديث. وقال الدارقطني: لا يعتبر به. وذكره ابن حبان في «الثقات» ٧/ ٣٣. انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٨١ (٢٢٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٧ (٢١٨)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٧٤ (٣٢٥٢).
(٤) انظر: «الصحاح» مادة (ثرا) ٦/ ٢٢٩١.



وقال «صاحب المحكم»: الثرى: التراب. وقيل: هو التراب الذي إذا بُل لم يصر طينًا لازبًا، والجمع أثراء (١)، وفي «مجمع الغرائب»: أصل الثرى: الندى، ولذلك قيل للعرق: ثرى.
خامسها:
فيه: الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه، وهذا في الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله، ولا يناقض هذا ما أمرنا بقتله أو أبيح قتله، فإن ذَلِكَ إنما شرع لمصلحة راجحة، ومع ذَلِكَ فقد أمرنا بإحسان القِتلة.
وفيه أيضًا: حُرمة الإساءة إليه، وإثم فاعله، فإنه ضد الإحسان المؤجر عليه، وقد دخلت تلك المرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت (٢).
وفيه أيضًا: وجوب نفقة البهائم المملوكة على مالكها وهو إجماع.
وأما الحديث الثالث:
فالبخاري ذكره معلقًا عن شيخه أحمد بن شبيب، والإسماعيلي وصله فقال: حَدَّثنَا أبو يعلى، ثنا هارون بن معروف، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حَدَّثَني حمزة بلفظ: وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر. ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب (٣).
ورواه أبو نعيم، عن أبي إسحاق، عن إسحاق بن محمد، ثنا

----------------------
(١) «المحكم» ١١/ ١٦٨.
(٢) حديثها سيأتي برقم (٣٣٣٨) كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم.
(٣) انظر: «سنن أبي داود» (٣٨٢). وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٢/ ٢٣٣: إسناده صحيح على شرط البخاري.



موسى بن سعيد، عن أحمد بن شبيب؛ وقال: رواه البخاري بلا سماع.
وقال الإسماعيلي: ليس في حديث البخاري، تبول وهو كما قَالَ. وإن كان وقع في بعض نسخ البخاري.
إذا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: في التعريف بمن بقي من رواته:
حمزة بن عبد الله هو ابن عمر تابعي ثقة إمام (١).
وأحمد بن شبيب (٢) شيخ البخاري، ولم يخرج له غيره، وهو بصري نزل مكة. مات بعد المائتين (٣).
ووالده (خ. س) خرج له النسائي أيضًا، وهو صدوق (٤).

-----------------------
(١) حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني. سمعت يحيى بن سعيد يقول: فقهاء أهل المدينة اثنا عشر، فذكره فيهم. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٧ (١٧٨)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٢٢ (٣٥٨)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢١٢ (٩٣٠)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٣٠ (١٥٠٧).
(٢) أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي.
قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وروى له أبو داود في كتاب «الناسخ والمنسوخ»، وفي «حديث مالك»، والنسائي. انظر: «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٤ (٧٠)، «تهذيب الكمال» ١/ ٣٢٧ (٤٧)، «إكمال تهذيب الكمال» ١/ ٥٤ (٥٣).
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: سنة ٢٢٩ قاله في «الكاشف».
ثم بلغ في الثالث والأربعين له مؤلفه.
(٤) شبيب بن سعيد التميمي الحبطي: أبو سعيد البصري.
روى عن أبان بن تغلب، وشعبة بن الحجاج. وروى عنه: ابنه أحمد بن شبيب، وعبد الله بن وهب. قال علي بن المديني: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. =



ثانيها:
قَالَ ابن بطال: فيه أن الكلب طاهر؛ لأن إقبالها وإدبارها في الأغلب أن تجر فيه أنوفها وتلحس فيه الماء وفُتات الطعام؛ لأنه كان مبيت الغرباء والوفود وكانوا يأكلون فيه، وكان مسكن أهل الصفة، ولو كان الكلب نجسًا لمنع من دخول المسجد؛ لاتفاق المسلمين على أن الأنجاس تجنب المساجد، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلمُشْركُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقرَبُراْ المَسجِدَ اَلحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨].
قَالَ: وقوله: (تقبل وتدبر) يدل على تكررها على ذَلِكَ، وتركهم لها يدل على أن لا نجاسة فيها؛ لأنه ليس في حي نجاسة، هذا كلامه (١)، وقد سلف الجواب عنه.
ثالثها:
قوله: (فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.) يريد -كما قَالَ ابن التين- أن الرش طهور لما يشك فيه، وإذ لم يرشوا دل على أنه غير نجس.
وأما الداودي فإنه أورد هذا الحديث في «شرحه» بلفظ: (يرتقبون) بدل (يرشون) ثم فسره بأن معناه: لا يخافون ولا يختشون. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]، ونقله عنه ابن التين ولم يعترض عليه وهو غريب، والظاهر أنه تحريف وما أحسن قول المنذري: إن المعنى أنها كانت تبول خارج المسجد من

----------------------
= روى له البخاري وأبو داود في «الناسخ والمنسوخ». وذكره ابن حبان في «الثقات».
انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٣٣ (٢٦٢٨)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٥٩ (١٥٧٢)، «الثقات» ٨/ ٣١٠، «الكامل في ضعفاء الرجال» ٥/ ٤٧ (٨٩١)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢ (٢٦٩٠)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ١٥٠ - ١٥١.
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٦٨.



مواطنها وتقبل وتدبر في المسجد عابرة، إذ لا يجوز أن تترك الكلاب تقتات في المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات ما ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من العبور فيه.
وأما الحديث الرابع -وهو حديث عدي- فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في البيوع (١) والصيد والذبائح (٢). وأخرجه مسلم والجماعة في الصيد (٣)، واشتهر عن عدي، وعن عامر الشعبي.
وابن أبي السفر اسمه عبد الله بن أبي السَّفَر -بفتح السين والفاء- سعيد بن يُحْمد. ويقال: أحمد الهمداني الكوفي.
قَالَ أحمد وابن معين: ثقة، أخرجوا له خلا الترمذي (٤).
ثانيها:
سؤال عدي - رضي الله عنه - يحتمل أن يكون لطلب معرفة الحكم قبل الإقدام

-------------------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥٤).
(٢) سيأتي برقم (٥٤٧٥ - ٥٤٧٧) ورقم (٥٤٨٣ - ٥٤٨٧).
(٣) «صحيح مسلم» (١٩٢٩) باب: الصيد بالكلاب المعلمة، «سنن أبي داود» (٢٨٤٧ - ٢٨٥١)، «سنن الترمذي» (١٤٦٥)، (١٤٧٠)، «سنن النسائي» ٧/ ١٨٩ - ١٨١، «سنن ابن ماجه» (٣٢٠٨).
(٤) عبد الله بن أبي السفر، واسمه سعيد بن يحمد، ويقال: ابن أحمد.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وإسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال النسائي. وذكره ابن حبان في كتاب: «الثقات».
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٠٥ (٣٠٦)، «الثقات» لابن حبان ٢/ ٣٢ (٨٩٦)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤١ (٣٣٠٨).



عليه، ولا شك أنه لا يجوز الإقدام على الفعل إلا بعد معرفة الجواز، ويحتمل أن يكون علم أصل الإباحة، فسأل عن أمور اقتضت عنده الشك في بعض الصور، أو قام مانع من الإباحة التي علم أصلها.
ثالثها:
لم يذكر في هذِه الرواية ما سأل عنه، لكن سياق الجواب دال أنه سأل عن صيد الكلب.
رابعها:
في جواز الاصطياد بالكلب المعلم، ولا نعلم فيه خلافًا، ولم يذكر حكم غير المعلم؛ لأنه لم يسأله عدي عنه وإن كان يوجد من تقييده - ﷺ - بالمعلم نفي الحكم عن غيره.
خامسها:
يدخل تحت قوله - ﷺ -: «إذا أرسلت كلبك» مطلق الكلاب، واستثنى الإمام أحمد الكلب الأسود من الجواز، ونحوه عن الحسن البصري وإسحاق وقتادة والفارسي (١) من أصحابنا (٢).
سادسها:
لم يذكر فيه التسمية وهي في طريق آخر من حديث عدي، وإن كانت في آخره مذكورة.
وقد اختلف العلماء في شرطها، ومذهبنا أنها سنة؛ خلافًا للظاهرية، وهو الصحيح عن أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري

----------------------
(١) ورد بهامش (س): يعني: أبا علي.
(٢) انظر: «المغني» ١٣/ ٢٦٧.



وجماعة: إن تركها سهوًا حلت الذبيحة، وإن تركها عمدًا فلا (١).
سابعها:
مقتضى الحديث عدم الفرق بين كون المعلم تحل ذكاته أم لا، وذكر ابن حزم في «محلاه» (٢) عن قوم اشتراط كونه ممن تحل ذكاته فقال: وقال قوم: لا يؤكل صيد جارح علمه من لا يحل أكل ما ذكى.
وروي في ذَلِكَ آثارًا منها: عن يحيى بن عاصم، عن علي أنه كره صيد باز المجوسي وصقره وصيده. ومنها: عن أبي الزبير، عن جابر قَالَ: لا نأكل صيد المجوسي ولا ما أصاب سهمه. ومنها عن خصيف قَالَ: قَالَ ابن عباس: لا تأكل ما صدت بكلب المجوسي، وإن سميت؛ فإنه من تعليم المجوسي قَالَ تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مَّمِا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ [المائدة: ٤]، وجاء هذا القول عن عطاء ومجاهد والنخعي ومحمد بن علي، وهو قول سفيان الثوري (٣).
ثامنها:
الحديث ظاهر في اشتراط الإرسال حتى لو استرسل بنفسه يمتنع من أكل صيده، ولو أرسل كلبًا حيث لا صيد فاعترض صيدٌ فأخذه لم يحل على المشهور عندنا، وقيل: يحل (٤).
فرع: الصيد حقيقة في المتوحش، فلو استأنس ففيه خلاف للعلماء.

-------------------------
(١) «حلية العلماء» ٣/ ٣٦٧، «تقويم النظر» ٥/ ١٩، «المعونة» ١/ ٤٦٠، «الهداية» ٤/ ٣٩٤، «المغني» ١٣/ ٢٩٠.
(٢) «المحلى» ٧/ ٤٧٦.
(٣) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٢٤٣ (١٩٦١٥) كتاب: الصيد، باب: في صيد كلب المشرك والمجوسي واليهودي والنصراني.
(٤) انظر: «حلية العلماء» ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤، «البيان» ٤/ ٥٥٤.



تاسعها:
يؤخذ من الحديث أن من غصب كلبًا واصطاد به أن الصيد للغاصب لا له؛ لأنه لم يرسل كلبه. وقد يستدل به من يقول أن له عملًا بالإضافة (١).
عاشرها:
أجمع المسلمون عَلَى إباحة الاصطياد للاكتساب والحاجة والانتفاع به بالأكل وغيره. واختلفوا فيمن اصطاده للهو فإن فعله ليذكيه، فكرهه مالك، وأجازه الليث وابن عبد الحكم، وإن فعله من غير نية التذكية فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثًا.
الحادي عشر:
قوله: «وإذا أكل فلا تأكل» صريح في منع ما أكل منه الكلب.
وفي حديث أبي ثعلبة الخشني في «سنن أبي داود» بإسناد حسن: «كل وإن أكل منه الكلب» (٢) وسيأتي -إن شاء الله- الجمع بينهما في بابه (٣).

-----------------------
(١) انظر: «الذخيرة» ٤/ ١٧٤.
(٢) «سنن أبي داود» (٢٨٥٢)، والحديث ضعفه البيهقي في «السنن» ٩/ ٢٣٨. وقال: إن صح وهو في الصحيحين وليس فيه ذكر الأكل. وقال الذهبي في «الميزان» ٢/ ٢٠٨: وهذا حديث منكر. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ٣٨٥: إسناده ضعيف ومتنه منكر.
(٣) سيأتي برقم (٥٤٧٥ - ٥٤٧٧) كتاب: الذبائح والصيد.



٣٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ، مِنَ القُبُلِ وَالدُّبُرِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَاْلَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ يُعِيدُ الوُضُوءَ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ. وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ؛ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبيِّ - ﷺ - كانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ. وَعَصَرَ ابن عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَبَزَقَ ابن أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابن عُمَرَ وَالْحَسَنُ، فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.

١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْن أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الَمقْبرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صلَاةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، مَا لَمْ يُحْدِثْ». فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الَحدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ. يَعْنِي: الضَّرْطَةَ [٤٤٥، ٤٧٧، ٦٤٧، ٦٤٨، ٦٥٩، ٢١١٩، ٣٢٢٩، ٤٧١٧ - مسلم: ٣٦٢ - فتح: ١/ ٢٨٢]

١٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ،


عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبيِّ، قَالَ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». [انظر: ١٣٧ - مسلم: ٣٦١ - فتح: ١/ ٢٨٣]

١٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَدٍ ابن الَحنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَليٌّ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فأَمَرْتُ الِمقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ». وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ. [انظر: ١٣٢ - مسلم: ٣٠٣ - فتح: ١/ ٢٨٣]

١٧٩ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضي الله عنه -، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رضي الله عنهم -، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. [٢٩٢ - مسلم: ٣٤٧ - فتح: ١/ ٢٨٣]

١٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيد الُخدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ وَرَأْسهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟». فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ». تَابَعَهُ وَهْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ: «الْوُضُوءُ». [مسلم: ٣٤٥ - فتح: ١/ ٢٨٤]
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ اَلْغَائِطِ﴾ قد أسلفنا في باب: لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول (١)، أن الغائط أصله المكان المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، ثم استعمل للخارج وغلب على الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به

--------------------
(١) سلف برقم (١٤٤).


إلا الخارج من الدبر فقط، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، وقد قام الإجماع على إلحاقه بالغائط في النقض، والريح ملحق بهما بالأحاديث الصحيحة، منها: حديث عبد الله بن زيد: «حتى تسمع صوتًا أو تجد ريحًا» (١).
قَالَ ابن المنذر: أجمعوا أنه ينقض خروج الغائط من الدبر، والبول من القبل، والريح من الدبر، والذي. قَالَ: ودم الاستحاضة ينقض في قول عامة العلماء الأربعة (٢).
قَالَ: واختلفوا في الدود يخرج من الدبر، فكان عطاء بن أبي رباح والحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو مجلز والحكم وسفيان الثوري والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يرون منه الوضوء (٣).
وقال قتادة ومالك: لا وضوء فيه (٤). وروي ذَلِكَ عن النخعي (٥).
وقال مالك: لا وضوء في الدم يخرج من الدبر (٦). هذا آخر كلامه.
ونقل أصحابنا عن مالك: أن النادر لا ينقض، والنادر كالمذي يدوم لا بشهوة، فإن كان بها فليس بنادر (٧).

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٧٧) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر.
(٢) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ٢٩ - ٣٠.
(٣) انظر: «البيان» ١/ ٧٢ - «المغني» ١/ ٢٣٠.
(٤) انظر: «المصنف» لعبد الرزاق ١/ ١٦٢ (٦٢٩)، «المدونة» ١/ ١٠.
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ١٦٣ (٦٣٠)، ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٤٣ (٤١٧).
(٦) «الموطأ» ١/ ٢٤٠ باب: وضوء النائم.
(٧) انظر: «المدونة» ١/ ١١ - «المعونة» ١/ ٤٥ - «الكافي» ص ١٠.



وكذا نقله ابن بطال عنه؛ فقال: وعند مالك أن ما خرج من المخرجين معتادًا ناقض، وما خرج نادرًا على وجه المرض لا ينقض الوضوء، كالاستحاضة وسلس البول والمذي والحجر والدود والدم (١).
وقال أبو محمد بن حزم: المذي والبول والغائط من أي موضع خرجوا من الدبر والإحليل والمثانة أو البطن، وغير ذَلِكَ من الجسد أو من الفم ناقض للوضوء؛ لعموم أمره - ﷺ - بالوضوء منها ولم يخص موضعًا دون موضع، وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه: قَالَ تعالى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ اَلْغَآئطِ﴾ [المائدة: ٦]، وقد يكون خروج الغائط والبول من غير المخرجين. وقال داود: لا ينقض النادر وإن دام إلا المذي للحديث (٢).
واحتج لمن قَالَ: (لا ينقض النادر) بقوله - ﷺ -: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» (٣) حديث صحيح، صححه الترمذي من طريق أبي هريرة، وبحديث صفوان بن عسال الصحيح، لكن من غائط وبول ونوم (٤)، ولأنه نادر فلم ينقض كالقيء وكالمذي.
واحتج أصحابنا بحديث علي الآتي في الباب في المذي (٥).

---------------------
(١) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٣.
(٢) انظر: «المحلى» ١/ ٢٣٢، «البناية» ١/ ١٩٤ - ١٩٧.
(٣) «سنن الترمذي» (٧٤). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.
(٤) رواه الترمذي (٣٥٣٥). وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ١/ ٩٨، والحميدي ٢/ ١٣٠ (٩٠٥)، وأبو نعيم ٧/ ٣٠٨، وابن حبان ٤/ ١٤٩ - ١٥٠ (١٣٢١)، والبيهقي في «المعرفة» ٢/ ١٠٩ - ١١٠ (١٩٩٩). وقال الألباني في صحيحي الترمذي والنسائي: حسن.
(٥) سيأتي برقم (١٧٨) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.



وعن ابن مسعود وابن عباس قالا: في الودي الوضوء. رواه البخاري (١)؛ ولأنه خارج من السبيل فنقض كالريح والغائط؛ ولأنه إذا وجب الوضوء بالمعتاد الذي تعم به البلوى فغيره أولى.
والجواب عن حديث: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» أنا أجمعنا على أنه ليس المراد به حصر ناقض الوضوء في ذَلِكَ، بل المراد نفي وجوب الوضوء بالشك في خروج الريح.
وأما حديث صفوان فيبينُ فيه جواز المسح ونقض ما يمسح بسببه، ولم يقصد بيان جميع النواقض، ولهذا لم يستوفها، ألا تراه لم يذكر الريح وزوال العقل وهما مما ينقض بالإجماع.
وأما القيء فلأنه من غير السبيل فلم ينقض كالريح.
وأما سلس المذي فللضرورة، ولهذا نقول: هو محدث، ولا يجمع بين فرضين، ولا يتوضأ قبل الوقت.
واحتج بعض أصحابنا بحديث: «الوضوء مما خرج» وهو خبر رواه البيهقي عن علي وابن عباس، وروي مرفوعًا، ولا يثبت (٢).
وقال أبو حنيفة: لا ينقض خروج الريح من قبل الرجل والمرأة (٣).
ووافقنا أحمد على النقض به.
قَالَ البخاري: وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ

-------------------------
(١) لم أجده عند البخاري لكن رواه عبد الرزاق ١/ ١٥٩ (١٦٠)، وابن المنذر في «الأوسط» ١/ ١٣٥، البيهقي ١/ ١١٥ عن ابن عباس، ورواه البيهقي ١/ ١١٥ عن ابن مسعود.
(٢) «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ١١٦ (٥٦٨) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من الريح يخرج من أحد السبيلين.
(٣) انظر: «البناية» ١/ ١٩٤.



نَحْوُ القَمْلَةِ: يُعِيدُ الوُضُوءَ.
هذا أسنده ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناده الصحيح فقال: حَدَّثنَا
حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء فذكره (١)، وقد أسلفناه عن حكاية ابن المنذر أيضًا (٢).
قَالَ البخاري: (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ).
وهذا الأثر رواه البيهقي في «المعرفة» من حديث إبراهيم بن عبد الله، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان: سئل جابر، فذكره.
قَالَ: ورواه أبو شيبة قاضي واسط، عن يزيد أبي خالد، عن أبي سفيان مرفوعًا.
واختلف عليه في متنه، والموقوف هو الصحيح ورفعه ضعيف (٣).
قُلْتُ: لا جرم، اقتصر البخاري على الوقف، وكذا قَالَ الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري: هذا حديث منكر، والصحيح عن جابر خلافه، وفي لفظ عن جابر: لا يقطع التبسم الصلاة حتى يقرقر (٤).
قَالَ البيهقي: وروينا عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وأبي أمامة الباهلي ما يدل على ذَلِكَ، وهو قول الفقهاء

---------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٣ (٤١٢) كتاب: الطهارات، باب: في إنسان يخرج من دبره الدود.
(٢) «الإجماع» لابن المنذر ص ٢٩ - ٣٠.
(٣) «معرفة السنن والآثار» ١/ ٤٣١ (١٢٢٠، ١٢٢٢ - ١٢٢٣) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من الكلام والضحك في الصلاة.
(٤) «سنن الدارقطني» ١/ ١٧٢، ١/ ١٧٤.



السبعة وقول الشعبي وعطاء والزهري (١).
وهو إجماع فيما ذكره ابن بطال وغيره (٢)، وإنما الخلاف في نقض الوضوء به، فذهب مالك والليث والشافعى إلى أنه لا ينقض الوضوء.
وذهب النخعي والحسن إلى أنه نقض (٣).
وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي.
وحجة من لم يره حَدَثًا أنه لما لم يكن حدثًا في غير الصلاة لم يكن حدثًا فيها (٤).
وحديث أبي المليح، عن أبيه وأنس وعمران وأبي هريرة ضعفها كلها الدارقطني، وقال: إنه يدور على أبي العالية -يعني مرسلًا (٥) - وهو الصواب.
قال البخاري: (وَقَالَ الحَسَنُ: إِذا أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ أُو أَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفيْهِ؛ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ).
هذا أسنده ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن هشيم، نا يونس عنه وذكره أيضًا عن الحكم وعطاء وسعيد بن جبير وأبي وائل وابن عمر، وعن علي ومجاهد وحماد: يعيد الوضوء (٦).
وعن إبراهيم: يجري عليه الماء (٧).

----------------------
(١) «معرفة السنن والآثار» ١/ ٤٣١ (١٢٢٤).
(٢) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٤.
(٣) انظر: «الأوسط» ١/ ٢٢٦.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٦١ - ١٦٢، «الإفصاح» ١/ ١٤٥، «بدائع الصنائع» ١/ ٣٢، «المجموع» ٢/ ٧٠ - ٧١.
(٥) «سنن الدارقطني» ١/ ١٦٢ - ١٦٥ (٤٦٢، ١١، ١٢).
(٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧١.
(٧) رواه عبد الرزاق ١/ ١٢٦ (٤٦٣)، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧٠ (١٩٦٣).



قَالَ ابن بطال: ما ذكره عن الحسن هو قول أهل الحجاز والعراق، وروي عن أبي العالية والحكم وحماد ومجاهد إيجاب الوضوء في ذَلِكَ (١).
وقال عطاء والشافعي والنخعي: يمسه الماء (٢).
وأما من خلع نعليه بعد المسح عليهما ففيه أربعة أقوال:
أحدها: استئناف الوضوء من أوله، وبه قَالَ مكحول وابن أبي ليلى والزهري (٣) والأوزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي في القديم (٤).
ثانيها: يغسل رجليه مكانه، فإن لم يفعل استانف الوضوء. وبه قَالَ مالك والليث.
ثالثها: يغسلهما إذا أراد الوضوء. وبه قَالَ الثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد والمزني وأبو ثور (٥).
رابعها: لا شيء عليه يصلي كما هو. وهو قول الحسن (٦) وقتادة،

----------------------
(١) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٥.
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ١٢٦، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧٠ (١٩٦٠).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧٠ (١٩٦٢).
(٤) انظر «المغني» ١/ ٣٦٧.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٤٠.
(٦) ورد تعليقًا بهامش الأصل: قول الحسن ومن معه هو الذي أجازه النووي في «شرح المهذب»، وهو وجه حكاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في مصنف له في أصول الفقه كذا كلام في رأيته المؤلف قَالَ: وهو غريب نقلًا فجاز دليلًا. انتهى.
وقد رأيت حديثا في «أحكام عبد الحق» ولعلها الوسطى عن عبد الرزاق في «مصنفه»، ثنا معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظبيان الجنبي قال: رأيت عليًّا بال قائمًا حتى أرغى، ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه وجعلهما في كمه، ثم صلى. قال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - بمثل صنيعه هذا. اهـ. و[انظر: «المجموع» ١/ ٥٧٧، =



وروي مثله عن النخعي (١).
قَالَ البخاري: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ).
قد أسلفه مرفوعًا بنحوه من حديثه في باب: لا تقبل صلاة بغير طهور (٢)، وحديثه السالف قريبًا: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» بمعناه ورواه أبو عبيد في كتاب «الطهور» بلفظ: «لا وضوء إلا من حَدَثٍ أو صوتٍ أو ريحٍ» (٣).
قَالَ البخاري: (وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ).
وهذا قد أسنده أبو داود، وصححه ابن حبان من حديث ابن إسحاق قَالَ: حَدَّثَني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن أبيه جابر به مطولًا (٤).
والرجل الذي نزفه الدم عباد بن بشر، والنائم المذكور فيه هو عمار بن ياسر، والسورة التي قَالَ: (لم أقطعها): الكهف، كما ذكره ابن بشكوال وغيره. وقيل: الأنصاري: عمارة بن حزم، والمشهور أنه عباد، حكى ذلك المنذري بزيادة أنه جهر بالسورة، عن البيهقي.

----------------------
= «المصنف»، لعبد الرزاق ١/ ٢٠١].
(١) انظر: «مصنف عبد الرزاق» ١/ ١٢٦، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧١.
(٢) سبق برقم (١٣٥) كتاب: الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور.
(٣) انظر: «الطهور» لأبي عبيد ص ٤٠٤ (٤٠٤) باب: الانصراف في الصلاة للمحدث ووقت وجوبه.
(٤) «سنن أبي داود» (١٩٨)، «صحيح ابن حبان» ٣/ ٣٧٥ (١٠٩٦). وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ٣٥٧ (١٩٣): إسناده حسن.



وقوله: (فنزفه الدم). أي: سال دمه كله. قَالَ ابن التين: كذا رويناه، والذي عند أهل اللغة نُزِفَ دَمُهُ، أي: سال كله، على ما لم يسم فاعله، وضبط هذا في بعض الكتب بفتح الزاي والنون. كذا ذكره.
وفي «المحكم»: أَنْزَفَتْ هي: نُزِحت، يعني: البئر (١). وقال ابن جني: نَزَفْتُ البئر وأَنَزفَت هي. جاء مخالفًا للعادة. وقال ابن طريف: تميم تقول: أنزفت، وقيس: نزفت: رجع، ونَزَفه الحجام يَنزِفُهُ وَينْزُفُه: أخرج دمه كله. والنُّزْفُ: الضعف الحادث عن ذَلِكَ. ونَزَفَهُ الدَّمُ، وإن شئتَ قُلْتَ: أنزفه.
وحكى الفراء: أنزفت البئر: ذهب ماؤها. وفي «الصحاح»: ينزفه الدم: إذا خرج منه دم كثير حتى يضعف فهو نزيف ومنزوف (٢).
فائدة:
غزوة ذات الرقاع كانت في الثانية من سني الهجرة، وذكرها البخاري بعد خيبر مستدلًا بحضور أبي موسى فيها (٣)، وأنهم لما نقبت أقدامهم لفوا عليها خرقًا؛ فسميت ذات الرقاع. وسيأتي بسط ذَلِكَ في موضعه.
قَالَ البخاري: (وَقَالَ الحَسَنُ: مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ).
روى ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن أنه كان

----------------------
(١) «المحكم» ٩/ ٥١.
(٢) «الصحاح» ٤/ ١٤٣١، مادة (نزف).
(٣) ورد بهامش (س): وجه استدلال البخاري بحضور أبي موسى؛ لأن أبا موسى جاء وأصحاب الشعبي وجعفر وأصحابه وهم وصلوا بعد الانصراف من خيبر، وكان قد جاء رسول الله - ﷺ - قبل الهجرة، وأسلم ثم هاجر إلى الحبشة.



لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلًا (١).
قَالَ البخاري: وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ.
وهذا رواه ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن
طاوس أنه كان لا يرى في الدم السائل وضوءًا يغسل عنه الدم ثم حسبه.
وحكي نحو هذا عن سعيد بن المسيب، وكذا عن أبي قلابة وسعيد بن جبير وجابر وأبي هريرة (٢).
قَالَ ابن بطال: حديث جابر السالف يَدُل على أن الرعاف والدم لا ينقضان الوضوء، وهو قول أهل الحجاز، ورد على أبي حنيفة، وفي الحجامة عند أبي حنيفة وأصحابه الوضوء، وهو قول أحمد بن حنبل.
وعند ربيعة ومالك والليث وأهل المدينة: لا وضوء عن الحجامة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وقالوا: ليس في الحجامة إلا غسل مواضعها فقط (٣).
وقال الليث: يجزئ أن يمسحه ويصلي ولا يغسله.
وسائر ما ذكره البخاري في الباب من أقوال الصحابة والتابعين، أنه لا وضوء في الدم والحجامة؛ مطابق للترجمة أنه لا وضوء في غير

---------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٧ (١٤٥٩).
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٧ (١٤٦٤)، ١/ ١٢٨ (١٤٦٥ - ١٤٦٦، ١٤٧٠، ١٤٧١، ١٤٧٤).
(٣) انظر: «المبسوط» ١/ ٧٦ - ٧٧، «مختصر خلافيات البيهقي» ١/ ٢٩٨ - ٣١٦، «البناية» ١/ ١٩٧ - ٢٠١، «المغني» ١/ ٢٤٧ - ٢٤٩، «الذخيرة» ١/ ٢٣٦، «البيان» ١/ ١٩٢ - ١٩٣.



المخرجين، وكذلك أحاديث الباب حجة فيه أيضًا (١).
قُلْتُ: فإن كان الدم يسيرًا غير خارج ولا سائل فلا ينقض عند جميعهم، وانفرد مجاهد بالإيجاب من يسير الدم.
قَالَ البخاري: (وَعَصَرَ ابن عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ).
وهذا الأثر أسنده ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناده الصحيح عن عبد الوهاب، ثنا سليمان التيمي عن بكر قَالَ: رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج منها شيء من دم فحكه بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ. ثم روى بإسناده عن سعيد بن المسيب أنه أدخل أصابعه في أنفه فخرج منه دم، فمسحه وصلى ولم يتوضأ (٢).
وعن أبي هريرة أنه كان لا يرى بالقطرة والقطرتين من الدم في الصلاة بأسًا. وعن أبي قلابة أنه كان لا يرى بأسًا به، إلا أن يسيل أو يقطر. وعن جابر وأبي سوار العدوي نحوه (٣).
وحديث: «الوضوء من كل دم سائل» له طرق لا يصح منها شيء (٤).

--------------------
(١) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٥ - ٢٧٦.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٨ (١٤٦٩).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٧ - ١٢٨.
(٤) رواه الدارقطني ١/ ١٥٦ من طريق يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن تميم الداري. وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ١٣٤ (٢٢٠) من طريق الدارقطني، به. قال الدارقطني: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري، ويزيد بن خالد ويزيد بن محمد مجهولان. ورواه ابن عدي في «الكامل» ١/ ٣١٣ (ترجمة أحمد بن الفرج) من حديث زيد بن ثابت. قال ابن عدي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أحمد هذا. وقال ابن حجر في «الدراية» ١/ ٣٠: حديث تميم الداري فيه ضعف وانقطاع. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٧٠): ضعيف.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #97  
قديم 23-01-2026, 04:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 267 الى صـــ 286
الحلقة (97)






قَالَ ابن الحصَّار (١) في «تقريب المدارك»: لا يصح في الوضوء من الدم شيء إلا وضوء المستحاضة.
فائدة:
البثرة: خراج صغير. وجمعه بثر. وفي «الصحاح» بثر وجهه بالضم والكسر والفتح ثلاث لغات (٢). قَالَ ابن طريف (٣): والكسر أفصح.
قَالَ البخاري: وَبَزَقَ ابن أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ.
وهذا رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناده الصحيح، عن عبد الوهاب الثقفي، عن عطاء بن السائب قَالَ: رأيت ابن أبي أوفي بزق دمًا وهو يصلى ثم مضى في صلاته. وعند أبي موسى بزق علقة، ثم روي عن الحسن في رجل بزق فرأى في بُزاقه دمًا، أنه لم ير ذَلِكَ شيئًا حتى يكون عبيطًا.
وعن ابن سيرين: ربما بزق، فيقول لرجل انظر هل تغير الريق؟ فإن قَالَ تغير، بزق الثانية، فإن كان في الثالثة متغيرًا، فإنه يتوضأ، وإن لم يكن في الثالثة متغيرًا لم ير وضوءًا، وعن إبراهيم والحارث العلكي: إذا غلبت الحمرة البياض توضأ، وعكسه لا يتوضأ. وبزق سالم دمًا أحمر ثم مضمض ولم يتوضأ وصلى.

----------------------
(١) هو العلامة قاضي الجماعة، أبو المطرف، عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن محمد بن بشر بن غرسيه، القرطبي المالكي، ابن الحصار. تفقه بأبي عمر الإشبيلي، وروى عن أبيه والإمام أبي محمد الأصيلي. ولي قرطبه سنة سبع وأربعمائة، فأحسن السيرة، لقد كان عالمًا بمذهب مالك مع قوته في علم اللغة والنحو، توفي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. انظر: «الصلة» ٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
(٢) «الصحاح» ٢/ ٥٨٤، مادة: «بثر».
(٣) سبق ترجمته في حديث رقم (١٥٥).



وعن حماد: في الرجل يكون على وضوء فيرى الصفرة في البزاق فقال: ليس بشيء إلا أن يكون دمًا سائلًا. وعن سالم والقاسم وسئلا عن الصفرة في البزاق فقالا: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وعن عامر الشعبي: لا يضره (١).
قَالَ البخاري: وَقَالَ ابن عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ احتَجِم: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.
وهذان رواهما ابن أبي شيبة، قَالَ في «مصنفه»: حَدَّثنَا ابن نمير، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا احتجم غسل أثر محاجمه (٢) -وفي «المحلى»: غسله بحصاة (٣) فقط- وحَدَّثنَا حفص، عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يقولان: يغسل أثر المحاجم.
وحَدَّثنَا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن ومحمد أنهما كانا يقولان في الرجل يحتجم: يتوضأ ويغسل أثر المحاجم. وحَدَثَنَا عبد الأعلى عن يونس، عن الحسن أنه سئل عن الرجل يحتجم ماذا عليه؟ قَالَ: يغسل أثر محاجمه (٤).
ولما ذكر ابن بطال في «شرحه» أثر ابن عمر والحسن قَالَ: هكذا رواه المستملي وحده بإثبات (إلا) (٥)، ورواه الكشميهني وأكثر الرواة بغير (إلا)، قَالَ: والمعروف عن ابن عمر والحسن أن عليًّا غسل محاجمه، ذكره ابن المنذر (٦).

----------------------
(١) انظر هذِه الآثار في «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١١٦ - ١١٧ (١٣٢٩ - ١٣٣٦).
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٥٩.
(٣) «المحلى»١/ ٢٥٥.
(٤) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٧.
(٥) انظر: «اليونينية» ١/ ٤٦.
(٦) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ١/ ١٨٠.



فرواية المستملي هي الصواب (١).
قَالَ البخاري رحمه الله:
حَدَّثنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، ثنا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، مَا لَمْ يُحْدِثْ». فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ. يَعْنِي: الضَّرْطَةَ.
وهذا الحديث رجاله سلف التعريف بهم (٢).
وفيه: فضل انتظار الصلاة فإنه في صلاة، وأن من تعاطى أسباب الصلاة يسمى مصليًّا. والبخاري ساقه؛ لأجل تفسير أبى هريرة الحدث بالضرطة، وهو إجماع.

-------------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطَّال» ١/ ٢٧٢، قلت: قال ابن حجر في «الفتح» ١/ ٢٨٢: وقع في رواية الأصيلي وغيره: ليس عليه غسل محاجمه بإسقاط أداة الاستثناء، وهو الذي ذكره الإسماعيلي، وهي في نسختي ثابتة من رواية أبي ذر. وقال الكرماني في «شرحه» ٣/ ١٥: فُقِد لفظ (إلا) والنسخة الواجدة هي الصحيحة.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «منحة الباري» ١/ ٤٦٧: في نسخة: ليس عليه غسل محاجمه. بإسقاط (إلا). والأولى هي الشائعة.
وقال العيني في «عمدة القاري» ٢/ ٣٥٤: ومقصود ابن بطال والكرماني من تصحيح هذِه الرواية إلزام الحنفية، ولا يصعد ذلك معهم؛ لأن جماعة من الصحابة رأوا وفيه الغسل منهم: ابن عباس وعبد الله بن عمرو وعلي بن أبي طالب، وروته عائشة رضي الله عنها، عن النبي - ﷺ -.
قلت: وواضح من كلام المصنف في تخريج التعليق المذكور يؤيد ثبوت إلا في النص. وهذا التعليق وصله أيضًا البيهقي في «السنن» ١/ ١٤٠ عن ابن عمر، وسنده صحيح كما قال الألباني في «مختصر صحيح البخاري» ١/ ٨٠. اهـ.
(٢) تقدم برقم (١٠).



ثم قَالَ البخاري رحمه الله:
حَدَّثنَا أَبُو الوَليدِ، ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قَالَ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
وهذا الحديث ساقه البخاري أيضًا؛ ليبين أن الحدث الصوت أو الريح، وهو إجماع ايضًا وسلف الكلام عليه في باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن (١).
وأبو الوليد: هو هشام بن عبد الملك الطيالسي سلف.
وعم عباد: هو عبد الله بن زيد بن عاصم كما سلف (٢).
ثم قَالَ البخاري:
حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ، ثنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ ابن الحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِىٌّ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْاَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ». وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ.
وهذا الحديث ساقه البخاري للدلالة على نقض الوضوء بالمذي، وهو مذهب الجمهور، وحكي الإجماع فيه أيضًا، وطريق شعبة هذِه أخرجها النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد عنه، عن الأعمش به (٣).

----------------------
(١) سبق برقم (١٣٧).
(٢) تقدمت ترجمته في حديث (١٣٧).
(٣) انظر: «السنن» ١/ ٩٧.



ثم الكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
جرير (ع): هو ابن عبد الحميد الضبي الثقة ذو التصانيف، وقد سلف (١).
ومنذر بن يعلى كوفي ثقة (٢).
ومحمد بن الحنفية: هو ابن على بن أبى طالب (٣). والحنفية أمه كما سلف في كتاب العلم (٤).
ثانيها:
(كنتُ) هذِه تحتمل أن تكون على بابها. والظاهر أن هذِه حالة مستدامة له.
ومعنى (مذاء): كثير المَذّي، وهو بفتح الميم وتشديد الذال المعجمة على الأفصح، وبالمد صيغة مبالغة.
ثالثها:
قوله: (فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ) كذا هو في «صحيح البخاري» ومسلم (٥).

-----------------------
(١) سبقت ترجمته في حديث (٧٠).
(٢) المنذر بن يعلى الثوري. ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة وقال: كان ثقة، قليل الحديث. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال العجلي، وابن فراس.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣١٠، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٥٧ (١٥٤٠)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٤٢ (١٠٩٣)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥١٥ (٦١٨٧).
(٣) سبقت ترجمته في حديث (١٣٢).
(٤) سبق برقم (١٣٢) باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال.
(٥) سبق برقم (١٣٢) كتاب: العلم، باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال وانظر: «صحيح مسلم» (٣٠٣) كتاب: الحيض، باب: المذي.



وفي رواية للبخاري: فأمرت رجلًا (١). وفي النسائي: فأمرت عمار بن ياسر (٢). وفي «صحيح ابن خزيمة» أن عليًّا سأل (٣).
فيحتمل المجاز ويحتمل الحقيقة، وأن كلًّا سأل، وقد بسطنا الكلام عليه في آخر كتاب العلم في باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال (٤).
ثم قَالَ البخاري رحمه الله:
حَدَّثنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، ثنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضي الله عنه -، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رضي الله عنهم -، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.
والكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذِه الزيادة وهي قوله: (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ..) إلى آخره. من أفراد البخاري عن مسلم (٥)، وأخرجه البخاري في الغسل من حديث عبد الوارث، عن الحسين قَالَ يحيى: وأخبرني أبو سلمة به. وفي آخره: فأخبرني أبو سلمة أن عروة أخبره أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذَلِكَ من رسول الله - ﷺ - (٦).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٢٦٩) كتاب: الغسل، باب: غسل المذي والوضوء منه.
(٢) «سنن النسائي» ١/ ٩٦ - ٩٧ وقال الألباني في «ضعيف النسائي»: منكر بذكر عمار.
(٣) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ١٥ (٢٠).
(٤) سبق برقم (١٣٢).
(٥) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط المصنف، أخرجه مسلم في الطهارة.
(٦) سيأتي برقم (٢٩٢) كتاب: الغسل، باب: غسل ما يصيب من فرج المرأة.



وفي هذا رد على قول الدارقطني: لم يسمعه أبو أيوب من رسول الله - ﷺ -، إنما سمعه من أُبي بن كعب (١). سيأتي الكلام على طريق الحسين هذا، والرد على من طعن فيه هناك إن شاء الله.
ثانيها:
سعد (خ) هذا هو الطلحي الضخم. مات سنة خمس عشرة ومائتين.
ولم يرو عنه غير البخاري من الكتب الستة، وهو من أفراده، وفي النسائي: سعيد بن حفص بزيادة (ياء)، النفيلي مات سنة سبع وثلاثين ومائتين (٢).
ثالثها:
يُمْن: بضم أوله وإسكان ثانيه وهو الأفصح وبه جاءت الرواية، وفيه لغة ثانية: فتح الياء، وثالثة: ضمها مع فتح الميم وتشديد النون.
رابعها:
في الحديث تقديم وتأخير تقديره: يغسل ذكره ويتوضأ، وإن كانت الواو لا تدل على الترتيب، وإنما تدل على الجمع المطلق.
خامسها:
هذا كان في أول الإسلام وهو منسوخ بقوله: «إذا جلس بين شعبها الأربع ..» (٣). وغيره كما ستعلمه في موضعه.

--------------------
(١) انظر: «العلل» ٣/ ٣٢، ٣٣ (٢٦٧).
(٢) سعد بن حفص الطلحي. روى عنه: حفص بن عمر بن الصباح الرقي. ذكره ابن حبان في «الثقات». روى له النسائي في «اليوم والليلة».
انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٥٥ (١٩٤٢)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٨٢ (٣٥٦)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٢٦٠ (٢٢٠٦).
(٣) سيأتي برقم (٢٩١) كتاب: الغسل، باب: إذا التقى الختانان.



ثم قال البخاري:
حَدَّثنَا إِسْحَاقُ: ثنا النَّضْرُ، عن شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ له رسولُ الله - ﷺ -: «لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟». فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ». تَابَعَة وَهْبٌ، ثنَا شعْبَةُ. وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَى، عَنْ شعْبَةَ: «الْوُضُوءُ».
والكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذا الحديث والذي قبله وجه سياق البخاري لهما هنا، أن أقل أحوالهما حصول الذي لمن جامع ولم يُمْن هما في معنى حديث المقداد من وجهٍ؛ إلا أن جماعة العلماء وأئمة الفتوى مجمعون على الغسل من مجاوزة الختان لأمر الشارع بذلك، وهو زيادة على ما في هذين الحديثين يجب الأخذ بها، إذ الأغلب في ذَلِكَ سبق الماء للمولج وهو لا يشعر به، لمغيب العضو إذ ذَلِكَ بدءًا للذة وأول العسيلة فلزم الغسل من مغيبها إلا من شذ كما ستعلمه.
ثانيها:
هذا الحديث أخرجه مسلم وابن ماجه أيضًا في الطهارة من حديث غندر، عن شعبة وهو مشهور من حديث أبي سعيد، رواه عنه ولده عبد الرحمن وأبو صالح، واشتهر عن شعبة، عن الحكم، رواه عنه النضر بن شميل وغيره (١).
(١) «صحيح مسلم» (٣٤٥) كتاب: الحيض، باب: إنما الماء من الماء، «سنن ابن ماجه» (٦٠٦).


ثالثها:
إسحاق شيخ البخاري مشهور، فرواه له أبو نعيم الأصبهاني في «المستخرج» من طريقه. وقال إسحاق بن إبراهيم: أنا النضر. ورواه من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن النضر.
وقال في آخره: أخرجه -يعني: البخاري- عن إسحاق الكوسج، عن النضر. فهذا يدل على أن الإسحاقين روياه عن النضر، وأن إسحاق الذي روى عنه البخاري الكوسج كما صرح به أبو نعيم، ولم يقل أنه الذي رواه من طريقه، ويؤيد ذَلِكَ ما ذكره الجَيَّاني أن في نسخة الأصيلي في هذا السند: حَدَّثنَا إسحاق بن منصور، أنا النضر، فذكره (١).
وذكر الكلاباذي أن النضر روى عنه إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور (٢).
رابعها:
هذا الرجل من الأنصار هو عتبان بن مالك الأنصاري الخزرجي السالمي البدري، وإن لم يذكره ابن إسحاق فيهم، كما جاء في رواية مسلم.
وأغرب ابن بشكوال (٣)، فذكر أنه صالح الأنصاري السالمي، وساقه أبو نعيم بإسناده، وحكى قولًا آخر: أنه رافع بن خديج. وقيل: هو ابن عتبان، وهو غلط كما نبه عليه النووي. والصواب عتبان، كما سلف.

---------------------
(١) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٥.
(٢) «الجمع بين رجال الصحيحين» ٢/ ٥٣٠.
(٣) ورد بهامش (س): اعلم أن ابن بشكوال بدأ في «مصنفه» بأن الرجل عتبان بن مالك، وثنى برافع بن خديج، وثلث بصالح، وساق لكل من الأقوال شاهدًا.



خامسها:
«أُعجِلت -بضم الهمزة وكسر الجيم- أو قحطت» كذا رأيناه في البخاري بالألف، وذكره ابن بطال بحذفها، ثم قَالَ: كذا وقع في الأمهات (١).
وذكر صاحب «الأفعال» أنه يقال: أقحط الرجل: إذا أكسل في الجماع عن الإنزال (٢) ولم يذكر قحط.
وقال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون: قَحطت بفتح القاف، وقال لنا عبد الله بن أحمد النحوي: الصواب ضم القاف، وفي مسلم: أَقحطت بفتح الهمزة والحاء (٣)، وعند ابن بشار بضم الهمزة وكسر الحاء كأُعجلت. والروايتان صحيحتان، ومعنى الإقحاط هنا: عدم إنزال المني، وهو استعارة من قحوط المطر وهو: انحباسه، وقحوط الأرض: وهو عدم إخراجها النبات.
وحكى الفراء قحط المطر بالكسر. وأصله بالفتح، وفي «المحكم» الفتح أعلى، وقحِط الناس بالكسر لا غير، وأقحطوا، وكرهها بعضهم ولا يقال: قُحطوا ولا أُقحطوا. وقال أبو حنيفة: قَحِط القوم (٤). وقال ابن الأعرابي: قِحِط الناس بالكسر. وفي «أمالي الهجري»: أقحط الناس.

------------------
(١) «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٧.
(٢) «الأفعال» لابن القوطية ص ٥٥.
(٣) «صحيح مسلم» (٣٤٥) كتاب: الحيض، باب: إنما الماء من الماء.
(٤) «المحكم» ٢/ ٣٩٥، حفظ، مقلوبة.



سادسها:
قوله: «فعليك الوضوء» هو منسوخ كما سلف، ولم يقل بعدم نسخه إلا ما روي عن هشام بن عروة والأعمش وابن عيينة وداود (١)، وادعى القاضي عياض أنه لا يعلم من قَالَ به بعد خلاف الصحابة إلا الأعمش ثم داود (٢).

--------------------------
(١) ورد بهامش (س): من خط المصنف في الهامش حكاه في «شرح الهداية».
(٢) انظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ١٩٦.



٣٥ - باب الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ
١٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَّمَا أفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أتصَلِّى؟ فَقَالَ: «الْمُصَلَّى أَمَامَكَ». [انظر: ١٣٩ - مسلم ١٢٨٠ - فتح: ١/ ٢٨٥]

١٨٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخبَرَهُ، أنهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الُمغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ الُمغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لَحِاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ الَماءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الُخفَّيْنِ. [٢٠٣، ٢٠٦، ٣٦٣، ٣٨٨، ٢٩١٨، ٤٤٢١، ٥٧٩٨، ٥٧٩٩ - مسلم: ٢٧٤ - فتح: ١/ ٢٨٥]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: «الْمُصَلَّى أَمَامَكَ».
هذا الحديث سلف الكلام عليه في باب إسباغ الوضوء (١)، واشتهر عن يحيى بن سعيد، فرواه عنه يزيد وحماد بن زيد والليث، ورواه عن يزيد محمد بن سلام وغيره.
وقوله: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيتَوَضَّأُ) هو موضع الترجمة، وهو قول

-----------------------
(١) سلف برقم (١٣٩) كتاب: الوضوء، باب: إسباغ الوضوء.


جماعة العلماء، كما نقله عنهم ابن بطال (١)، وهو رد لما روي عن ابن عمر وعلي أنهما نهيا أن يُسْتَقى لهما الماء لوضوئهما، وقالا: نكره أن يشركنا في الوضوء (أحدٌ) (٢)، وروَيا ذَلِكَ عن رسول الله - ﷺ - (٣).
وروي عن ابن عمرة ما أبالي أعانني رجل على طهوري أو على ركوعي وسجودي (٤).
قَالَ الطبري: وقد صح عن ابن عمر أن ابن عباس صب على يدي عمر الوضوء بطريق مكة، حين سأله عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله - ﷺ -، وثبت عن ابن عمر خلاف ما ذكر عنه (٥).
روى شعبة، عن أبي بشير، عن مجاهد أنه كان يسكب على ابن عمر الماء ويغسل رجليه (٦)، وهذا أصح مما خالفه عن ابن عمر؛ لأن راويه أيفع وهو مجهول (٧).

-----------------------
(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال ١/ ٢٧٨.
(٢) في الأصل: أحدًا، ووجهه الرفع؛ إلا أن يكون أتي به منصوبًا اكتفاءً بالقرينة المعنوية. انظر: «شرح ابن عقيل» ١/ ٤٨٥.
(٣) رواه أبو يعلى ١/ ٢٠٠ (٢٣١)، والبزار (٢٦٠) من طريق النضر بن منصور، ثنا أبو الجنوب، عن علي مرفوعًا. قال النووي في «المجموع» ١/ ٣٨٢: هذا حديث باطل لا أصل له. وذكره ابن حجر في «تلخيص الحبير» ١/ ٩٧ وقال: قال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: النضر بن منصور، عن أبي الجنوب وعنه ابن أبي معشر تعرفه؟ قال: هؤلاء حمالة الحطب.
(٤) انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٦٣ (١٦٩٦).
(٥) انظر: «تفسير الطبري» ١٢/ ١٥٣ (٣٤٤١٣).
(٦) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٢٦ (١٩٠).
(٧) ضعفه النسائي، والذهبي، وابن حجر. انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٦٣ - ٦٤ (١٦٩٦)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٤٤٢ (٥٩٦)، «الكاشف» ١/ ٢٥٩، «التقريب» (٥٩٤) وفي هامش الأصل: حاشية بترت من التصوير.



والحديث عن علي لا يصح؛ لأن رواية النضر بن منصور (١)، عن أبي الجنوب (٢)، عن علي، وهما غير حجة في الدين فلا يعتد بنقلهما، ولو صح ذَلِكَ عن عمر لم يكن بالذي يبيح لابن عباس صب الماء على يديه للوضوء إذ ذاك أقرب للمعونة من استقاء الماء له.
ومحال أن يمنع عمر استقاء الماء له ويبيح صب الماء عليه للوضوء، مع سماعه من رسول الله - ﷺ - الكراهية لذلك، وممن كان يستعين على وضوئه بغيره من السلف.
قَالَ الحسن: رأيت عثمان أمير المؤمنين يُصب عليه من إبريق (٣)، وفعله عبد الرحمن بن أبزى والضحاك بن مُزاحم. وقال أبو الضحى: لا بأس للمريض أن توضئه الحائض (٤).
قَالَ غيره: واستدل البخاري من صب الماء عليه عند الوضوء أنه يجوز للرجل أن يوضئه غيره؛ لأنه لما لزم المتوضئ اغتراف الماء من الإناء لأعضائه، وجاز له أن يكفيه ذَلِكَ غيره؛ بدليل صب أسامة

--------------------
(١) النضر بن منصور الباهلي، روى عن أبي الجنوب، روى عنه بشر بن معاذ العقدي، قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٩١ (٢٣٠٢)، «ضعفاء النسائي» (٥٩٦)، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٤٠٥ - ٤٠٦ (٦٤٣٦) في هامش الأصل حاشية بترت من المصورة.
(٢) هو عقبة بن علقمة اليشكري، أبو الجنوب الكوفي روى عن علي بن أبي طالب، وروى عنه النضر بن منصور، ضعفه أبو حاتم ويحيى بن معين، قال ابن حجر: ضعيف. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ٣١٣ (١٧٤٣)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢١٣ (٣٩٨٣)، «التقريب» (٤٦٤٦) وفي هامش الأصل حاشية بترت من المصورة، مفادها ترجمة له.
(٣) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٥٧، «مصنف ابن أبي شيبة» ٧/ ٣٥، «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ١٢٢ (٢١٠).
(٤) لم أجده إلا عن إبراهيم، انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٨٤ (٢١١٣).



الماء على الشارع لوضوئه، والاغترافُ بعضُ عمل الوضوء، فكذلك يجوز سائر الوضوء.
وهذا من باب القربات التي يجوز أن يعملها الرجل عن غيره بخلاف الصلاة، ولما أجمعوا على أنه جائز للمريض الاستعانة في الوضوء والتيمم إذا لم يستطع، ولا يجوز أن يصلى عنه إذا لم يستطع، دل على أن حكم الوضوء بخلاف حكم الصلاة (١).
قُلْتُ: وأصرح في الدلالة من حديث أسامة؛ لأنه ليس فيه استدعاء صب، إنما فيه إقراره عليه ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ قالت: أتيت النبي - ﷺ - بميضأة؛ فقال: «اسكبي» (٢) فسكبت فذكرت وضوءه.
وأخرجه الحاكم في «مستدركه»، وقال: الشيخان لم يحتجا بابن عقيل، وهو مستقيم الحديث، مقدم في الشرف (٣).
وجزم بذلك ابن المنير فقال في كلامه على أبواب البخاري: (قَاس) (٤) البخاري توضئة الغير له على صبه عليه لاجتماعهما في معنى الإعانة على أداء الطاعة (٥).
ثم ذكر البخاري حديث المغيرة في الصب أيضًا فقال:
حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، ثنا عَبْدُ الوَهَّابِ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ

----------------------
(١) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) انظر: «سنن الترمذي» (٣٣)، وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: حسن.
(٣) «المستدرك» ١/ ١٥٢.
(٤) تحرفت في (س) إلى (قال). والمثبت من «المتواري» لابن المنير.
(٥) «المتواري» ص ٦٨.



عُرْوَةَ بْنَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَع رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ المَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ.
والكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذا الحديث ذكره في المسح على الخفين (١)، والمغازي (٢) أيضًا كما ستعلمه.
وأخرجه مسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦) في الطهارة أيضًا، وهو مشهور من حديث المغيرة، رواه عنه ولداه عروة وحمزة، وغيرهما، واشتهر عن عروة أيضًا فمن دونه.
ثانيها:
فيه من لطائف الإسناد رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض من يحيى إلى عروة (٧).
ثالثها:
المغيرة (ع) هذا أمير الكوفة مرات، ثقفي شهد الحديبية. عنه: بنوه،

--------------------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٣) كتاب: الوضوء، باب: المسح على الخفين.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٢١) كتاب: المغازي.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٧٤) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين.
(٤) «سنن أبي داود» (١٤٩ - ١٥٠).
(٥) «سنن النسائي» ١/ ٨٢ - ٨٣.
(٦) «سنن ابن ماجه» (٥٤٥).
(٧) ورد بهامش (س) ما نصه: عروة من جملة التابعين الأربعة.



أحصن خلقًا من النساء ثلثمائة (١) أو ألف امرأة، وبرأيه ودهائه يضرب المثل، وهو من الأفراد، مات سنة خمسين عن سبعين سنة.
وولده عروة (ع) ولي الكوفة عن أبيه (٢).
ونافع (ع) شريف مفتي، مات سنة تسع وتسعين (٣).
وسعد (ع) بن إبراهيم هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة، ثقة، إمام، يصوم الدهر ويختم كل يوم. مات سنة خمس وعشرين ومائة (٤).

-------------------------
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: وإن كان […] كونه أحصن ثلاثمائة أو ألفًا. نقله النووي عن ابن الأثير بصيغة (قيل)، وقد اقتصر الذهبي في «الكاشف» على سبعين، فاعلمه.
(٢) عروة بن المغيرة بن شعبة الثقفي. قال البخاري: قال الشعبي: كان خير أهل بيته.
وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال خليفة بن خياط: قدم الحجاج يعني الكوفة سنة خمس وسبعين فولاها الحجاج عروة بن المغيرة بن شعبة.
انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٢ (١٣٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٤ (١٢٣٠)، «الثقات» ٥/ ١٩٥، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٣٧ (٣٩١٣).
(٣) نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل. قال العجلي: مدني، تابعي، ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة.
وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش ثقة مشهور. وقال في موضع آخر: أحد الأئمة.
«التاريخ الكبير» ٨/ ٨٢ (٢٢٥٧)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٠٨ (١٨٣٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٥١ (٢٠٦٩).
(٤) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
قال أحمد بن عبد الله العجلي، وأبو حاتم والنسائي، وغير واحد من العلماء: ثقة.
وقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني، وقيل له: سعد بن إبراهيم سمع من عبد الله بن جعفر؟ قال: ليس فيه سماع. ثم قال علي: لم يلق سعد بن إبراهيم أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ -. =



ويحيى سلف التعريف به (١).
وعبد الوهاب (ع) هو ابن عبد المجيد الثقفي الحافظ، أحد أشراف البصرة، وثقه ابن معين، وقال: اختلط بأخرة. ولد سنة ثمان ومائة، ومات سنة أربع وتسعين.
وعمرو (ع) بن علي هو الفلاس أحد الأعلام الحفاظ، مات سنة تسع وأربعين ومائتين (٢).
رابعها:
فقهه ظاهر لما ترجم له، وقد علمت ما فيه في الحديث قبله، وسيأتي في المسح على الخفين إن شاء الله (٣).

----------------------
= قال أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة: لما عُزل سعد بن إبراهيم عن القضاء كان يُتَّقى كما يُتَّقى وهو قاض.
انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٥١ (١٩٢٨)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٨٨ (٥٥٧)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٢٤٠ (٢١٩٩).
(١) تقدم ترجمته في حديث (١).
(٢) عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الباهلي.
قال أبو حاتم: كان أرشق من علي بن المديني وهو بصري صدوق.
قال حجاج بن الشاعر: لا يبالي أحدث من حفظه عمرو بن علي أو من كتابه قال النسائي: ثقة، صاحب حديث، حافظ.
انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٥٥ (٢٦١٧)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٤٩ (١٣٧٥) «الثقات» ٨/ ٤٨٧، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٦٢ (٤٤١٦)
(٣) سيأتي برقم (٢٠٢).



٣٦ - باب قِرَاءَةِ القُرْآنِ بَعْدَ الحَدَثِ وَغَيِرْهِ
وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الحَمَّامِ، وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ على غَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ حَمَّادٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ، وَإِلَّا فَلَا تُسَلِّمْ.

١٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أنَهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ -زَوْجِ النَّبيِّ - ﷺ -، وَهِيَ خَالَتُهُ -فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلِ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الَخوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إلى شَنٍّ مُعَلَقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِى اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضطَجَعَ، حَتَّى أَتَاهُ الُمؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ١/ ٢٨٧]
ما حكاه عن إبراهيم هو ما حكاه ابن المنذر عنه (١)، لكن في «مسند الدارمي» عنه الكراهة (٢). أعني: القراءة في الحمام فتكون عنه خلاف.
وحكاها أصحابنا عن أبي حنيفة (٣)، ونقلت عن أبي وائل شقيق بن سلمة التابعي الجليل والشعبي ومكحول والحسن وقبيصة بن ذؤيب (٤).

---------------------
(١) «الأوسط» ٢/ ١٢٥.
(٢) «مسند الدارمي» ١/ ٦٨٠ (١٠٣٣) باب: الحائض تذكر الله ولا تقرأ القرآن.
(٣) انظر: «المجموع» ٢/ ١٨٩، وانظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٣٨.
(٤) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ٢/ ١٢٤.



وقال محمد بن الحسن بعدم الكراهة (١). ونقله صاحبا «العدة»، و«البيان» (٢) من أصحابنا. وبه قَالَ مالك (٣). ووجهه عدم ورود الشرع بها فلم تكره كسائر المواضع.
فائدة:
حماد هذا الراوي عن إبراهيم: هو ابن أبي سليمان مسلم، الأشعري مولاهم (٤).
فرع:
كره جمهور العلماء مس المصحف على غير وضوء كما نقله عنهم ابن بطال (٥)، وأجازه الشعبي ومحمد بن سيرين (٦). وسيأتي الخلاف في قراءة الجنب له.

---------------------
(١) انظر المصدرين السابقين.
(٢) انظر: «المجموع» ٢/ ١٨٩، وانظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٣٨.
(٣) انظر: «المغني» ١/ ٣٠٨، «كشاف القناع» ١/ ١٦٠.
(٤) حماد بن أبي سليمان واسمه مسلم. روى عن إبراهيم النخعي. روى عنه ابنه إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان.
قال النسائي: ثقة إلا أن مرجئ. قال أبو أحمد بن عدي: حماد كثير الرواية خاصة عن إبراهيم، ويقع في حديثه أفراد وغرائب، وهو متماسك في الحديث لا بأس به، ويحدث عن أبي وائل وغيره بحديث صالح.
وقال ابن حجر: فقيه صدوق له أوهام انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٣٢ - ٣٣٣، «التاريخ الكبير» ٣/ ١٨ - ١٩ (٧٥)، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٤٦ (٦٤٢)، «الكامل» ٣/ ٢٩٥ (٤١٣)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٢٦٩ (١٤٣٨)، «تقريب التهذيب» (١٥٠٠).
(٥) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٨٠.
(٦) انظر: «الإفصاح»، «البيان» ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، «المغني» ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، «المحلى» ١/ ٧٧ - ٧٨، «بدائع الصنائع» ١/ ٣٣، «عيون المجالس» ١/ ١٢١ - ١٢٢.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #98  
قديم 23-01-2026, 04:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 287 الى صـــ 306
الحلقة (98)






ثم قَالَ البخاري رحمه الله:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثنا مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- أَنَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ - زَوْجِ النَّبيِّ - ﷺ -، وَهِيَ خَالَتُهُ -فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمِّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى أَتَاهُ المُؤَذنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
والكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذا الحديث سلف الكلام عليه في باب السمر في العلم (١)، وسيأتي -إن شاء الله- في الصلاة في الإمامة والتوبة والتفسير (٢).
وأخرجه مسلم في الصلاة (٣)، والأربعة، وأبو داود (٤)، والترمذي

-----------------------
(١) سبق برقم (١١٧) كتاب: العلم.
(٢) سيأتي بالأرقام الآتية (٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩) كتاب: الأذان. (٤٥٦٩) باب: قوله: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاَوَاتِ وَالْأرْضِ﴾.
(٣) مسلم (٧٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(٤) «سنن أبي داود» (١٣٥٣).



في «شمائله» (١)، والنسائي فيه وفي التفسير (٢)، وابن ماجه في الطهارة (٣).
ثانيها:
مخرمة هذا أسدي والبي مدني ثقة، قتل بقديد (٤) سنة ثلاثين ومائة عن سبعين سنة. وليس في الكتب الستة مخرمة غيره (٥).
نعم، في مسلم وأبي داود والنسائي مخرمة بن بكير الأشج مختلف فيه (٦).

--------------------
(١) «الشمائل» ص ١١٨ (٢٢٦).
(٢) «سنن النسائي» ٣/ ٢١١، وفي «الكبرى» ٦/ ٣١٨ (١١٠٨٧).
(٣) «سنن ابن ماجه» (٥٠٨).
(٤) قديد بضم أوله على لفظ التصغير: قرية جامعة، مذكورة في رسم الفرع، وفي رسم العقيق، وهي كثيرة المياه والبساتين. وسميت قديدًا لتقدد السيول بها، وهي لخزاعة. انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠٥٤، «معجم البلدان» ٤/ ٣١٣.
(٥) مخرمة بن سليمان الأسدي الوالبي.
قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات».
انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٥ (١٩٨٣)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٦٣ (١٦٥٩)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٢٨ (٥٨٣٠)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٤١٧ (١٨٣).
(٦) مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي.
روى عن أبيه بكير بن عبد الله. روى عنه: حماد بن خالد الخياط.
قال زيد بن بشر عن ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: حدثني مخرمة بن بكير، وكان رجلًا صالحًا. وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس قلت: هذا الذي يقول مالك بن أنس حدثني الثقة من هو؟ قال: مخرمة بن بكير.
وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير: هو ثقة، ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما يروي من كتاب أبيه وقال ابن حجر: صدوق.
انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٦ (١٩٨٤)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٦٣ (١٦٦٠)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٢٤ (٥٨٢٩)، «تقريب التهذيب» ص ٥٢٣ (٦٥٢٦).



ثالثها:
عَرض الوسادة -بفتح العين- قَالَ ابن التين: ضمها غير صحيح ورويناه بفتحها عن جماعة. وقال ابن عبد الملك: روي بفتح العين وهو ضد الطول، وبالضم الجانب، والفتح أكثر.
وقال الداودي: عُرضها بضم العين. وأنكره أبو الوليد، وقال صاحب «المطالع» (١): الفتح أكثر عند مشايخنا، ووقع لجماعة الضم والأول أظهر.
رابعها:
الوِسادة بكسر الواو: المتكأ وجمعها وسائد، والوساد: ما يتوسد عند المنام، والجمع وُسُد، وقد توسد ووسده إياه، وفي «الصحاح» أنها المخدة (٢).
وقال ابن التين: إنها الفراش الذي ينام عليه.
قَالَ أبو الوليد: وكان اضطجاع ابن عباس في عرضها عند رءوسهما أو أرجلهما، قَالَ: والظاهر أنه لم يكن عندها فراش غيره، فلذلك ناموا جميعًا، وفيه عند أبي داود: كانت أدمًا حشوها ليف (٣).
خامسها:
فيه دلالة لما ترجم به البخاري من قراءة القرآن على غير وضوء، وهو راد على من كرهه، ووجهه قراءته -عليه السلام- العشر الآيات من آخر آل

---------------------
(١) لمؤلفه أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الحمزي المعروف بابن قرقول، المتوفي سنة (٥٦٩) يوجد مخطوطًا بدار الكتب المصرية وفي مكتبة القرويين بفاس.
(٢) انظر: «الصحاح» ٢/ ٥٥٠، مادة: وسد.
(٣) «سنن أبي داود» (٤١٤٦ - ٤١٤٧).



عمران بعد قيامه من نومه قبل وضوئه.
وقد قَالَ عمر - رضي الله عنه - لأبي مريم الحنفي حين قَالَ له: أتقرأ يا أمير المؤمنين على غير وضوء؟! فقال له عمر: من أفتاك بهذا، أمسيلمة؟ وحسبك بعمر في جماعة الصحابة (١).
ومن الحجة أيضًا أنه تعالى لم يوجب فرض الطهارة على عباده إلا إذا قاموا إلى الصلاة، وقد صح عنه أنه - ﷺ - خرج من الخلاء فأُتي بطعام، فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: «أريد أن أصلي فأتوضأ؟» (٢).
فرأى - ﷺ - تأخير الطهارة بعد الحدث إلى إرادته الصلاة.
ثم الإجماع قائم على ذَلِكَ -أعني: جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر- نعم؛ الأفضل أن يتوضأ لها.
قَالَ إمام الحرمين وغيره: ولا يقال قراءة المحدث مكروهة، فقد صح عن النبي - ﷺ - أنه كان يقرأ مع الحدث.
فرع:
المستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر كالمحدث.
سادسها:
اختلف في فتله - ﷺ - أذن ابن عباس على أقوال حكاها ابن التين: أحدها: فعله تأنيسًا. ثانيها: لاستيقاظه. ثالثها: ليدور. رابعها: للتأدب وليكون أذكر للقصة، قَالَ بعضهم: المتعلم إذا تُعهِّدَ بفتلِ أذنِه كان أذكر لفهمه. خامسها: لينفي عنه العين لما أعجبه قيامه معه.

----------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٩٨ (١١٠٦).
(٢) رواه مسلم (٣٧٤/ ١١٨) كتاب: الحيض، باب: جواز أكل الحدث الطعام وأنه لا كراهة في ذلك، وأن الوضوء ليس على الفور.



سابعها:
إدارته إياه من ورائه؛ لكي لا يتقدم على إمامه، كما نبه عليه البيهقي (١)، أو لأجل المرور بين يديه.
ثامنها:
فيه رد على من قَالَ لا يجوز للمصلي أن يؤم أحدًا إلا أن ينوي الإمامة مع الإحرام، وفيه غير ذَلِكَ مما سلف في الباب السالف.

----------------------
(١) «السنن الكبرى» ٣/ ٩٩.


٣٧ - باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّا مِنَ الغَشيِ المُثقِلِ
١٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبيِّ - ﷺ - حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ: أَيْ نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلانَّي الغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَمِدَ اللهَ وَأثَنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هذا حَتَّى الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ -أوْ- قَرِيب مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ- لَا أَدْرِي أَيَ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ- أَوِ المُوقِنُ. لَا أدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا. فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا. وَأَمَّا المُنَافِقُ -أَوِ المُرْتَابُ. لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ». [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ١/ ٢٨٨]
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث.
وقد سلف في العلم في باب: من أجاب الفتيا بالإشارة مطولًا (١)، وبينَّا هناك المواضع التي أخرجه البخاري فيها، ومنها الكسوف وغيره كما سيأتي (٢).

----------------------
(١) سبق برقم (٨٦).
(٢) سيأتي برقم (١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١)، وسيأتي أيضًا بالأرقام الآتية: (١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٧٢٨٧).



وقولها: (وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأسِي مَاءً) إنما فعلت ذَلِكَ ليزول الغشي، ولا ينقض -أعني: الغشي الخفيف- وضوءها، ولو كان كثيرًا لنقض، وهذا موضع الترجمة؛ لأن قوله: المثقل حتى يخرج هذا؛ لأنه يصير والحالة هذِه كالإغماء، وهو ناقض بالإجماع.
والغشي: مرض يعرض من طول التعب والوقوف، يقال منه غشي عليه وهو ضرب من الإغماء، إلا أنه أخف منه (١). وقال صاحب «العين»: غشي عليه: ذهب عقله، وفي القرآن: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَغشَينَاهُم فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٢) [يس: ٩].

----------------------
(١) انظر: «لسان العرب» ٦/ ٣٢٦١، مادة: غشي.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الرابع والثلاثين كتبه مؤلفه، غفر الله له.



٣٨ - باب مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاَمسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وَقَالَ ابن المُسَيَّب: المَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ على رَأسِهَا.
وَسئِلَ مَالِكٌ: أَيُجْزِئُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأسِ؟ فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدٍ.

١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الَمازِنِّي، عَنْ أَبِيهِ، أَن رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ -وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بنِ يَحْيَى-: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَ [يَدَهُ] مَرَّتَينِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرتَينِ إِلَى الِمرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الَمكَانِ الذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ. [١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٧، ١٩٩ - مسلم: ٢٣٥ - فتح: ١/ ٢٨٩]
(لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وَقَالَ ابن المُسَيبِ: المَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأسِهَا). هذا رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح فقال: حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم يعني: -ابن مالك-، عن سعيد بن المسيب: المرأة والرجل في مسح الرأس سواء (١).
ثم قَالَ البخاري: (وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَيُجْزِيُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ؟ فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدِ).
قَالَ ابن التين: قرأناه غير مهموز وضبط في بعض الكتب بالهمز،

----------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٠ (٢٤١).


وضم الياء على أنه رباعي من أجزأ، ومراده بحديث عبد الله بن زيد الذي ساقه فقال:
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ -وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْييَ-: أَتَسْتَطِيِعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: نعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ على يَدَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَتَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وسيأتي قريبًا في مواضع عقبه (١)، وفي المضمضة (٢)، ومسح الرأس مرة (٣)، والوضوء منَ المخضب (٤) ومن التور (٥).
وأخرجه مسلم (٦) وباقي الجماعة في الطهارة أيضًا (٧).

------------------------
(١) سيأتي برقم (١٨٦) باب: غسل الرجلين إلى الكعبين.
(٢) سيأتي برقم (١٩١).
(٣) سيأتي برقم (١٩٢).
(٤) سيأتي برقم (١٩٧).
(٥) سيأتي برقم (١٩٩).
(٦) مسلم (٢٣٥) كتاب: الطهارة، باب: في وضوء النبي - ﷺ -.
(٧) «سنن أبي داود» (١١٨)، «سنن الترمذي» (٢٨)، «سنن النسائي» ١/ ٧١ - ٧٢، «سنن ابن ماجه» (٤٠٥).



ثانيها:
فيه سؤال المتعلم ممن لديه علم.
ثالثها:
هذا الإناء الذي أفرغ منه كان تورًا كما سيأتي في بابه (١).
ومعنى (أفرغ): قلب.
رابعها: فيه الإفراغ على اليدين معًا، وقد سلف الكلام عليه في حديث عثمان في باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا (٢).
خامسها:
فيه تثنية غسل اليد، وسيأتي عنه في باب: مسح الرأس مرة (٣) التثليث، وكلاهما سائغ.
سادسها:
فيه استحباب غسل اليد قبل إدخالها الإناء في ابتداء الوضوء.
سابعها:
جواز إدخال اليدين الإناء بعد غسلهما، وأنه لا يفتقر إلى نية الاغتراف.
ثامنها:
الترتيب بين غسل اليدين والمضمضة، وقد سلف في حديث عثمان، وسلف فيه أيضًا الكلام على المضمضة (٤).

----------------------
(١) سيأتي برقم (١٩٩) باب: الوضوء من التور.
(٢) سبق برقم (١٥٩).
(٣) سيأتي برقم (١٩٢).
(٤) سبق برقم (١٥٩).



تاسعها:
لم يذكر هنا (الاستنشاق) وذكر بدلها (الاستنثار)، وقد قيل: إنه هو، لكن الأصح التغاير كما سلف، وقد ذكر الثلاثة في باب: مسح الرأس مرة، كما ستعلمه (١).
عاشرها:
فيه تثليث المضمضة والاستنثار، وذلك سنة، والأصح الجمع في المضمضة ثلاث غرف، وورد الفصل أيضًا بغرفتين وصُحح، لكن الأصح الأول.
حادي عشرها:
فيه تثليث غسل الوجه، وقام الإجماع على سنية ذَلِكَ.
الثاني عشر:
فيه تثنية غسل اليدين إلى المرفقين، وهو جائز، والأفضل ثلاثًا كما مر، وقد سلف الكلام على المرفق وإدخاله في حديث عثمان السالف، وكذا على مسح الرأس وغسل الرجلين (٢).
الثالث عشر:
فيه استيعاب الرأس بالمسح، والإجماع قائم على مطلوبيته، لكن هل ذَلِكَ على وجه الوجوب أو الندب؟ فيه خلاف أسلفته هناك، والكيفية المذكورة في هذا الحديث هي المشهورة في الحديث.
وقد ذكرت في «شرح العمدة» في معنى: أقبل وأدبر، ثلاثة مذاهب فراجعها منه، ووجهين آخرين أيضًا (٣).

----------------------
(١) سيأتي برقم (١٩٢).
(٢) سبق برقم (١٥٩).
(٣) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٨٠ - ٣٨٤.



ومما احتج به على عدم وجوب الاستيعاب حديث المغيرة بن شعبة أنه - ﷺ - مسح بناصيته وعلى عمامته (١).
وأجاب ابن القصار (٢) عنه بأنه يحتمل أيضًا إرادة الكل كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ باَلَنَّوَاصِى وَاْلَأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]، فإنها هنا الرءوس ولا يراد بعضها. ثم أَعَلَّ حديث المغيرة بمعقل بن مسلم قَالَ: وصحيحه مرسل عن المغيرة.
قَالَ: ولو صح فلا حجة فيه؛ لأنه لم يقتصر عليها بل على العمامة أيضًا، ويصرف مسحه عليها للعذر، وفي الحديث جواز غسل بعض أعضاء الوضوء مرة وبعضها أكثر من ذَلِكَ.
وادعى ابن بطال أن قوله في الحديث جميعه: (ثم) لم يُرد بها المهلة، وإنما أراد بها الإخبار عن صفة الغسل، وأن (ثم) هنا بمعنى الواو، ولا يسلم له ذَلِكَ (٣).

-----------------------
(١) رواه مسلم (٢٧٤/ ٨٣) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الناصية والعمامة.
(٢) هو علي بن عمر بن أحمد البغدادي المعروف بابن القصار، أبو الحسن، فقيه، أصولي، ولي قصاء بغداد، من أثاره «عيون الأدلة»، و«إيضاح الملة في الخلافيات». ووثقه الخطيب، مات سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
انظر: «تاريخ بغداد» ١٢/ ٤١، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٠٧، «شذرات الذهب» ٣/ ١٤٩.
(٣) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٨٥.



٣٩ - باب غَسْلِ الرِّجْلَيْن إِلَى الكَعْبَيْنِ
١٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ، عَنْ وُضُوءِ النَّبيِّ - ﷺ -، فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبيِّ - ﷺ -، فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الِمرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةَ وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ. [انظر: ١٨٥ - مسلم: ٢٣٥ - فتح: ١/ ٢٩٤]
حَدثَني مُوسَى، ثنا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أبِيهِ، شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ الله بْنَ زَيْدٍ، عَنْ وُضُوءِ النَّبيِّ - ﷺ -، فَدَعَا بِتَورٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَكْفَاَ عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُئم أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأسَهُ، فَأقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ.
الكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
(عمرو بن أبي حسن) ذكره أبو موسى في «الصحابة».
و(عمرو بن يحيى) ثقة. مات بعد المائة (١). ووالده ثقة أيضًا (٢).

----------------------
(١) تقدمت ترجمته في حديث (٢١، ٢٢).
(٢) يحيى بن عمارة بن أبي حسن. قال محمد بن إسحاق بن يسار: كان ثقة. وقال النسائي، وابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات».
انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٩٥ (٣٠٥٨)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٧٥ (٧٢٥)، «الثقات» ٥/ ٥٢٢، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٤٧٤ (٦٨٨٩)



ورواه البخاري في باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة بإسقاط: (عمرو بن أبي حسن) (١).
و(وهيب): هو ابن خالد.
و(موسى): هو ابن إسماعيل التبوذكي.
ثانيها:
الوُضوء بضم الواو على المعروف.
والتور: بمثناة فوق ضبه الطست.
وأكفأ: أمال وصب، وهو مهموز.
ثالثها: في فقهه:
وقد سلف في الباب قبله (٢)، وفي باب: من رفع صوته بالعلم (٣) ومذهب جمهور العلماء دخول المرفقين في غسل اليد في الوضوء، وخالف فيه زُفرُ أصحابَهُ (٤).
والخلاف جار أيضًا في دخول الكعبين في غسل الرجلين، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، خلافًا لمن شذ وقال: إنه مجمع الشراك. ونقله ابن بطال (٥) عن أبي حنيفة (٦).

---------------------
(١) سيأتي برقم (١٩١) كتاب: الوضوء، باب: من مضمض واستنشق من غرفة واحدة.
(٢) باب: مسح الرأس كله.
(٣) سبق برقم (٦٠).
(٤) انظر: «الإيضاح» ١/ ١١٢.
(٥) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٨٨.
(٦) انظر: «البناية» ١/ ١٠٦ - ١١١.



٤٠ - باب اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ
وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أهْلَهُ أَنْ يَتَوَضَّئُوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ.

١٨٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الَحكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُول: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتى بِوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ. [٣٧٦، ٤٩٥، ٤٩٩، ٥٠١، ٦٣٣، ٦٣٤، ٣٥٥٣، ٣٥٦٦، ٥٧٨٦، ٥٨٥٩ - مسلم: ٥٠٣ - فتح: ١/ ٢٩٤]

١٨٨ - وَقَالَ أبُو مُوسَى: دَعَا النَّبيُّ - ﷺ - بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: «اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا». [١٩٦، ٤٣٢٨ - مسلم: ٢٤٩٧ - فتح: ١/ ٢٩٥]

١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ. قَالَ: وَهُوَ الذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي وَجْهِهِ، وَهْوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ. وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنِ الِمسْوَرِ وَغَيْرِهِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَة: وِإذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - ﷺ - كَادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ. [انظر: ٧٧ - فتح: ١/ ٢٩٥]
وهذا أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناد جيد عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير قَالَ: وأخبرنا هشيم عن ابن عون، عن إبراهيم أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء من فضل السواك (١).
ثم ذكر البخاري بعده عدة أحاديث، وكلها دالة على ما ترجم له، وهو طهارة الماء المستعمل في رفع الحدث المنفصل عنه.
وفضل السواك: هو الماء الذي ينقع فيه السواك ليلين. وسواكه

------------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٥٨ (١٨١٧ - ١٨١٨).


الآراك وهو لا يغير الماء. فأراد البخاري أن يعرفك أن كل ما لا يتغير فإنه يجوز الطهارة به، والماء المستعمل غير متغير هو طاهر، وأن مَنِ ادعى نجاسة الماء المستعمل فهو مردود عليه، وأنه ماء الخطايا.
ولا خلاف عند الشافعية في طهارته، ووافقهم مالك وأحمد، وعن أبي حنيفة رواية: أنه طاهر، وأخرى: أنه نجس نجاسة مخففة، وثالثة: أنه نجس نجاسة مغلظة.
واختلف قول الشافعي في طهوريته فقال في الجديد: إنه غير طهور لسلب الفرض طهوريته؛ وبه قَالَ أبو حنيفة وأحمد، وقال في القديم: إنه طهور؛ وبه قَالَ مالك (١).
ومحل الخوض في ذَلِكَ كتب الخلاف فلا نطول به، ومحل تفاريعه كتب الفروع، وقد بسطناها فيها ولله الحمد.
الحديث الأول:
حَدَّثنَا آدَمُ، ثنَا شُعْبَةُ، عن الحَكَم سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ.
وهذا الحديث متفق على صحته، روي عن أبي جحيفة مختصرًا ومطولًا، وقد ذكره البخاري هنا وفي الصلاة من طريق الحكم (٢)، وفي صفة النبي - ﷺ - (٣).

-----------------------
(١) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١٦٢ - ١٦٦، «المنتقى» ١/ ٥٧، «الهداية» ١/ ٢٠ - ٢١، «روضة الطالبين» ١/ ٧، «الوسيط» ١/ ٤٢ - ٤٣، «المغني» ١/ ٣١ - ٣٥.
(٢) سيأتي برقم (٥٠١) باب: السترة بمكة وغيرها.
(٣) سيأتي برقم (٣٥٦٦) كتاب: المناقب.



وأخرجه مسلم (١) والنسائي في الصلاة (٢).
رواه عن أبي جحيفة ولدُه عون والحكم بن عتيبة، واشتهر عن شعبة. قيل: إن الحكم لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أبي جحيفة خاصة، لكن روى عن أبي أوفي أيضًا.
و(أبو جحيفة) اسمه وهب بن عبد الله (٣).
والهاجرة والهجير: اشتداد الحر نصف النهار.
قَالَ ابن سيده: عند زوال الشمس مع الظهر. وقيل: عند الزوال إلى العصر. وقيل في كل ذَلِكَ: إنه شدة الحر (٤)، وفي «الأنواء الكبير» لأبي حنيفة (٥): الهاجرة بالصيف: قبل الظهيرة بقليل، وبعدها بقليل والهويجرة: قبل العصر بقليل، وسميت الهاجرة؛ لهرب كل شيء منها (٦).
ولم يسمع بالهاجرة في غير الصيف إلا في بيت للعجاج. وقال صاحب «المغيث»: الهاجرة: بمعنى المهجورة؛ لأن السير يهجر فيها كدافق يعني: مدفوق (٧).
وأما حديث: «فالمهجر كالمهدي بدنة» (٨) فالمراد التبكير، قَالَ

------------------------
(١) مسلم (٥٠٣) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.
(٢) «سنن النسائي» ١/ ٢٣٥.
(٣) سبقت ترجمته في الحديث (١١٧).
(٤) «المخصص» ٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤ باب: صفة النهار وأسماؤه.
(٥) سبقت ترجمته في الحديث (٢١، ٢٢).
(٦) انظر: «المخصص» ٢/ ٣٩٤.
(٧) «المجموع المغيث» ٣/ ٤٧٨، وقد صدرها (بقيل).
(٨) سيأتي برقم (٩٢٩) كتاب: الجمعة، باب: الاستماع إلى الخطبة.



الخليل: وهي لغة حجازية (١)، وكان خروجه - ﷺ - هذا من قبة حمراء من أدم بالأبطح بمكة، كما صرح به في رواية أخرى (٢).
و(الوَضوء) بفتح الواو على المعروف.
وقوله: (فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ) هو موضع الترجمة، وفيه: التبرك بآثار الصالحين سيما سيد الصالحين، واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم (٣).
وقال الإسماعيلي: يحتمل أن يكون أخذهم الماء الباقي في الإناء الذي كان يتوضأ منه تبركًا منهم بما وصلت إليه يده منه.
قُلْتُ: ذاك أبلغ.
وقوله: (فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ). فيه: قصر الرباعية، وإن كان بقرب البلد. والعنزة تقدم بيانها.
الحديث الثاني:
وقال البخاري: وَقَالَ أَبُو مُوسَى: دَعَا النّبِيُّ - ﷺ - بِقدحِ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: «اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكمَا».
وهذا الحديث علقه البخاري هنا، وقد أسنده في باب: الغسل والوضوء في المخضب مختصرًا كما سيأتي قريبًا (٤)، وفي كتاب المغازي، في غزوة الطائف مطولًا عن أبي موسى (٥).

---------------------
(١) «العين» ٣/ ٣٨٧ مادة: هجر.
(٢) ستأتي برقم (٣٧٦).
(٣) حمل العلماء التبرك على الخصوصية برسول الله - ﷺ - وآثاره دون غيره، وانظر بسطنا لهذِه المسألة في تعليقنا على حديث رقم (١٩٤).
(٤) سيأتي برقم (١٩٦).
(٥) سيأتي برقم (٤٣٢٨).



وقوله: (قَالَ لَهُمَا: «اشْرَبَا»): يعني: أبا موسى الراوي وبلالًا؛ فإنه كان معه كما ساقه البخاري في المغازي، وفيه: فنادتهما أم (سلمة) (١) من وراء الستر: أفضلا لأمكما. فأفضلا لها (٢).
ويحتمل أمره بالشرب والإفراغ من أجل مرض أو شيء أصابهما.
قَالَ الإسماعيلي: وليس هذا من الوضوء في شيء، فإنما هو في مثل من استشفي بالغسل له فغسل.
قَالَ المهلب: وفي أحاديث الباب دلالة على طهارة لعاب الآدمي وبقية السؤر، والنهي عن النفخ في الطعام والشراب، إنما هو لاستقذار ما تطاير فيه من اللعاب لا للنجاسة، وهذا التقدير مرتفع عن الشارع.
قيل: كانت نخامته أطيب من المسك عندهم؛ لأنهم كانوا يتدافعون عليها ويدلكون بها وجوههم لبركتها وطيبها، وأنها مخالفة لخلوف أفواه البشر، وذلك لمناجاته الملائكة يطيب الله لهم نكهته وخلوف فيه وجميع رائحته (٣).
الحديث الثالث:
قَالَ البخاري: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ سَعْدٍ، ثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ ابْنُ الرَّبِيعِ، وَهُوَ الذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي وَجْهِهِ، وَهْوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ.

------------------------
(١) جاءت في (س): سليم وهو خطأ.
(٢) سيأتي برقم (٤٣٢٨).
(٣) «رح ابن بطال» ١/ ٢٩١ - ٢٩٢.



هذا الحديث سلف بيانه في كتاب: العلم، في باب: متى يصح سماع الصغير (١).
قَالَ الإسماعيلي: رواه الناس عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري نفسه إلا يعقوب، وفيه ممازحة الطفل بما قد يصعب عليه؛ لأن مج الماء قد يصعب عليه وإن كان قد يستلذه.
الحديث الرابع:
قَالَ البخاري: (وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ وَغَيْرِهِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ: وإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - ﷺ - كَادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ).
هذا الحديث كذا ذكره هنا معلقًا، وقد أسنده بعد في الجهاد، وصلح الحديبية كما ستعلمه، إن شاء الله وقدره (٢).
وأراد بقوله: (وغَيْرِهِ). مروان بن الحكم كما صرح به هناك، وذكر ابن طاهر أن هذا الحديث معلول، وذلك أن المسور ومروان (٣) لم يدركا هذِه القصة التي بالحديبية سنة ستٍّ؛ لأن مولدهما كان بعد الهجرة بسنتين (٤). على ذَلِكَ اتفق المؤرخون، وإنما يرويانها عمن شاهدها.
وأما ما في «صحيح مسلم» عن المسور قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب الناس على المنبر وأنا يومئذ محتلم (٥). فيحتاج إلى تأويل، فقد

------------------------
(١) سبق برقم (٧٧).
(٢) سيأتي برقم (٢٧٣١) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد. وبرقم (٤١٧٨ - ٤١٧٩) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية.
(٣) ستأتي ترجمتهما في حديث (٢٤١).
(٤) «الجمع بين رجال الصحيحين» ٢/ ٥٠١، ٥١٦.
(٥) «صحيح مسلم» (٢٤٤٩) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي - ﷺ -.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #99  
قديم 23-01-2026, 04:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 307 الى صـــ 326
الحلقة (99)






يؤول الاحتلام على أنه كان يعقل أو كان سمينًا غير مهزول، وهو احتمال لغوي.
قَالَ صاحب «الأفعال»: حلم حلمًا إذا عقل (١). وقال غيره: يحلم الغلام صار سمينًا، ذكره القرطبي، وهو معدود في صغار الصحابة، مات سنة أربع وستين.

[باب]
١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْن إسماعيل، عَنِ الجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسولَ الله، إِنَّ ابن أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلِ زِرِّ المجلَةِ. [٣٥٤٠، ٣٥٤١، ٥٦٧٠، ٦٣٥٢ - مسلم: ٢٣٤٥ - فتح: ١/ ٢١٦]
الحديث الخامس:
قَالَ البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، ثنا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجَعْدِ، سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابن أُخْتِي وَقِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلِ زِرِّ الحَجَلَةِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في صفة النبي - ﷺ -،

-------------------
(١) «الأفعال» لابن القطاع ١/ ٢٣٤.


والدعوات وغيرهما (١). وأخرجه مسلم في صفة النبي - ﷺ - (٢)، والترمذي في المناقب (٣).
ثانيها: السائب هذا ولد في السنة الثانية من الهجرة، وشهد حجة الوداع، وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى النبي - ﷺ - مقدِمَه من تبوك. مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة سِّت وثمانين. وجعلهما ابن منده اثنين وهما واحد (٤).
وخالته: لا يحضرني اسمها وهي مذكورة في الصحابة.
والجعد (خ، م، د، ت، س): هو ابن عبد الرحمن، ويقال: الجعيد. ثقة أخرجوا له خلا ابن ماجه (٥).
وحاتم (ع) ثقة مات سنة سبع وثمانين ومائة (٦).

--------------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٤١) كتاب: المناقب، باب: خاتم النبوة، وبرقم (٥٦٧٠) كتاب: المرضى، باب: من ذهب بالصبي المريض ليدعى له. وبرقم (٦٣٥٢) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رءوسهم.
(٢) مسلم (٢٣٤٥) كتاب: الفضائل، باب: إثبات خاتم النبوة وصفته.
(٣) «سنن الترمذي» (٣٦٤٣).
(٤) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٣٧٦ (١٢٦٥)، و«الاستيعاب» ٢/ ١٤٤ (٩٠٧)، و«أسد الغابة» ٢/ ٣٢١ (١٩٢٦)، و«الإصابة» ٢/ ١٢٠ (٣٧٣٥).
(٥) الجعد بن عبد الرحمن بن أوس ويقال: ابن أويس الكندي. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة.
وكذلك قال النسائي. قال البخاري: وقال مكي بن إبراهيم: سمعت من الجعيد، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وهاشم بن هاشم سنة أربع وأربعين ومائة.
انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٢٤٠ (٢٣١٨)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٢٩ (٢١٩٦)، «تهذيب الكمال» ٤/ ٥٦١ (٩٢٧).
(٦) حاتم بن إسماعيل المدني. روى عن: أسامة بن زيد الليثي. روي عنه: إبراهيم بن حمزة الزبيري. قال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: حاتم بن إسماعيل أحب إليَّ من الدراوردي، زعموا أن حاتمًا كان فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح. =



وعبد الرحمن: هو المستملي البغدادي لا الرقي، صدوق، وعنه البخاري فقط. مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١).
ثالثها: قوله: (وَقِعٌ) كذا رواه ابن السكن. وقال الإسماعيلي، كذا هو في البخاري، والأكثرون يقولون: (وَجِع) (٢)، وفي رواية أبي ذر الهروي: وقع على لفظ الماضي (٣).
وقال ابن بطال: قوله: (وقع) معناه: وقع في المرض. قَالَ: وإن

------------------
= وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من سعيد بن سالم. وقال النسائي: ليس به بأس.
انظر: «التاريخ الكبير» ٣/ ٧٧ (٢٧٨)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٥٨ (١١٥٤)، «تهذيب الكمال» ٥/ ١٨٧ (٩٩٢).
(١) عبد الرحمن بن يونس بن هاشم الرومي. قال أبو حاتم: صدوق.
وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان صاعقة لا يحمد أمره.
وقال محمد بن إسحاق الثقفي: سألت أبا يحيى محمد بن عبد الرحيم عن أبي مسلم فلم يرضه، أراد أن يتكلم فيه، ثم قال: أستغفر الله، فقلت له: في الحديث؟ فقال: نعم، وشيئًا آخر؛ ولم يرضه. وقال ابن حجر: صدوق طعنوا فيه للرأي.
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٦٩ (١١٦٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٠٣ (١٤٣٨)، «الثقات» ٨/ ٣٧٩، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٣ (٣٩٩٩)، «تقريب التهذيب» (٤٠٤٨)
(٢) قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «منحة الباري» ١/ ٤٨٦: وَجعٌ بفتح الواو، وكسر الجيم وبالتنوين. وقال الزركشي في «التنقيح» ١/ ٩٨: وَجِع كذا لأكثر الرواة وفي رواية ابن السكن وقع بالقاف.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ٢٩٦: وقِعٌ بكسر القاف والتنوين.
وللكشميهني: وقع بلفظ الماضي، وفي رواية كريمة: وجع بالجيم والتنوين. وقال الكرماني في «شرحه» ٣/ ٣٦: وقع بلفظ الماضي وفي بعضها وقع بكسر القاف والتنوين.
وقال القاضي عياض في «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٩٣: وقع بكسر القاف أي: مريض.



كان روي بكسر القاف فأهل اللغة يقولون: وقِع الرجل إذا اشتكى لحم قدمه. قَالَ الراجز:
كل الحذاء يحتذي الحافي الوَقِع
قَالَ: والمعروف عندنا (وقَع). بفتح القاف والعين (١).
قُلْتُ: وكذا في ابن سيده: وقع الرجل والفرس وقعًا فهو وقِع: إذا حفي من الحجارة أو الشوك، وقد وقعه الحجر، وحافر وقيع: وقعته الحجارة فقصت منه (٢)، ثم ذكر بيت الراجز، ثم قَالَ: واستُعير للمشتكي المريض، والعرب تسمي كل مرض وجعًا، وفي «الجامع»: وقع الرجل يوقع إذا حفي من مشيه عَلَى الحجارة، وقيل: هو أن يشتكي لحم رجليه من الحفاء.
رابعها: فيه بركة الاسترقاء، وأما الخاتم فسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- في صفته عليه أفضل الصلاة والسلام فيه برواياته المتنوعة الزائدة على العشرة (٣).

---------------------
(١) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٩٢.
(٢) «المخصص» ٢/ ٨٧ كتاب: الخيل، صفات الحوافر.
(٣) سيأتي في كتاب: المناقب، باب: صفة النبي - ﷺ -.



٤١ - باب مَنْ تمضمض وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
١٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ -أَوْ مَضْمَضَ- وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ الَى الِمرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا وُضوءُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ١٨٥ - مسلم: ٢٣٥ - فتح: ١/ ٢٩٧]
حَدثنَا مُسَدَّدٌ، ثنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ثنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أفْرَغَ مِنَ الإِنَاءِ على يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ -أَوْ مَضْمَضَ- وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَل ذَلِكَ ثَلَاثًا .. الحديث
ثم ذكر بعده:


٤٢ - باب مَسْحِ الرَّأسِ مَرَّةً واحدة
١٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبِ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنِ، سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الِمرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا، ثمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.
ثم قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: مَسَحَ رَأْسَة مَرَّةً. [انظر: ١٨٥ - مسلم ٢٣٥ - فتح ١/ ٢٩٧]
حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثنَا وُهَيْبٌ، ثنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنِ، سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ .. فذكر الحديث.
ثم قال: حَدَّثنَا مُوسَى، ثنا وُهَيْبٌ وقَالَ: مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةَ.
وقد سلف الحديث قريبًا (١)، ونتكلم هنا على موضعين:
الأول: قوله: (من كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ): قَالَ ابن التين: هو بفتح الكاف، أي: غَرْفة. فاشْتُق ذَلِكَ من اسم الكف، سمَّى الشيء باسم ما كان فيه.
قَالَ بعضهم: ولا يعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث في الكف، ولا يبعد أن يكون منزلًا منزلة الغرفة، فتكون الكَفَّة بمعنى فعلة، أي: كف كفة لما كان يتناولها بكفه، ودخلت الهاء كما تقول: ضربت ضربة، وكأنه أشار بقوله: (وقال بعضهم) إلى ابن بطال فإنه قَالَ ذَلِكَ، وقال: أراد غرفة واحدة أو حفنة واحدة (٢).

---------------------
(١) سلف برقم (١٨٥).
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٩٤.



وقال ابن قُرْقُول: هي بالضم والفتح مثل: غُرفة وغَرفة، أي: ملأ كفَّه من ماء.
الثاني: مسح الرأس مرة، والصحيح من مذهبنا التثليث (١)، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد مسحها مرة (٢)، واختاره ابن المنذر (٣)، ويعضد مذهبنا عدة أحاديث من طرق أوضحتها في تخريجي لأحاديث الرافعي فسارع إليه (٤).
نعم، قَالَ الترمذي لما ذكر المسح مرة، إن العمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (٥)، وأغرب من أوجب الثلاث.
تنبيه (٦): ترتيب البخاري رحمه الله في هذِه الأبواب كأنه غير جيد؛ فإنه بدأ بغسل الوجه، ثم بالتسمية، ثم بما يقال عند الخلاء، ثم ذكر أحكام الخلاء، ثم رجع فترجم الوضوء مرة فأكثر، ثم ذكر الاستنثار في الوضوء، ثم ذكر الاستجمار وترًا، ثم ذكر غسل الرجلين، ثم ذكر المضمضة، ثم الأعقاب، ثم التيمن، ثم التماس الطهور، ثم أحكام المياه، ثم النواقض، ثم الاستعانة، ثم القراءة محدثًا، ثم مسح الرأس كله، ثم غسل الرجلين، ثم طهارة المستعمل، ثم المضمضة والاستنشاق من غرفة، ثم مسح الرأس، ثم ذكر بعد ذَلِكَ النواقض، ولو جمع كل شيء إلى جنسه لكان أولى.

--------------------
(١) انظر: «المجموع» ١/ ٤٦١ - ٤٦٢.
(٢) انظر: «الهداية» ١/ ١٤، «عيون المجالس» ١/ ١٠٦ - ١٠٨، «المغني» ١/ ١٧٨ - ١٨٠.
(٣) «الأوسط» ١/ ٣٩٧.
(٤) «البدر المنير» ٢/ ١٧١ - ١٨٥.
(٥) «جامع الترمذي» (٣٤).
(٦) جاء بهامش الأصل ما نصه: بخط المصنف في الهامش: حكاه شيخنا في شرحه.



٤٣ - باب وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَفَضْلِ وَضُوءِ المَرْأَةِ
وَتَوَضَّأ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةً.

١٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - جَمِيعًا. [فتح: ١/ ٢٩٨].
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - جَمِيعًا.
أما أثر عمر فأخرجه الشافعي في «الأم» (١)، والبيهقي بإسناده إليه: أخبرنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر توضأ من ماء نصرانية في جرة نصرانية.
ثم ساقه البيهقي من حديث سعدان بن نصر، ثنا سفيان حدثونا عن زيد بن أسلم ولم أسمعه عن أبيه قَالَ: لما كنا بالشام أتيت عمر بماء فتوضأ منه، وقال: من أين جئت بهذا، فما رأيت ماء عِدٍّ (٢) ولا ماء سماء أطيب منه. قُلْتُ: من بيت هذِه العجوز النصرانية، فلما توضأ أتاها وإذا رأسها كالثغامة. فعرض عليها الإسلام فقالت: أنا أموت الآن، فقال عمر: اللهم اشهد (٣).

---------------------
(١) «الأم» ١/ ٧.
(٢) العِدُّ: مجتمع الماء، جمعه أعداد، وهو ما يَعِدُّه الناس، فالماء عَدُّ، وموضع مجتمعه عِدُّ. قاله الخليل «العين» ١/ ٧٩.
وقال أبو منصور الثعالبي في «فقه اللغة وأسرار العربية» ص ٢٧٩: إذا كان الماء دائمًا لا ينقطع ولا ينزح في عين أو بئر فهو عِدّ.
(٣) «السنن الكبرى» ١/ ٣٢، «معرفة السنن» ١/ ٢٥٢ (٥٦٣).



وروي: نصراني بالتذكير، وهو ما في «المهذب» للشيخ أبي إسحاق الشيرازي (١).
قَالَ الحازمي: رواه خلاد بن أسلم، عن سفيان بسنده، فقال: ماء نصراني -بالتذكير- قَالَ: والمحفوظ رواية الشافعي: نصرانية بالتأنيث.
ووقع في «المهذب» جَرّ نصراني، والصحيح: جرة بالهاء في آخره، كما سلف في رواية الشافعي.
وذكر ابن فارس (٢) في كتاب «حلية العلماء»: أن الجر هنا: سُلاخة (٣) عرقوب البعير يجعل وعاء للماء.
إذا تقرر ذَلِكَ فالحميم: الماء المسخن. فعيل بمعنى: مفعول، ومنه سمي الحمام حمامًا؛ لإسخانه مَنْ دَخَلَهُ. وقيل: للمحموم محمومًا؛ لسخونة جسده بالحرارة. ومنه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن: ٤٤]، مراده: ماء قد أسخن (٤)، فآنَّ حرُّهُ واشتدَّ حتى انتهى إلى غايته.

--------------------
(١) «المهذب» ١/ ٦٥.
(٢) هو أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي، كان من أئمة أهل اللغة في وقته، من شيوخه: أحمد بن طاهر المنجم. ومن تلاميذه: بديع الزمان الهمذاني، وقد لقب ابن فارس بألقاب كثيرة منها ما يعود إلى البلدان التي أقام فيها، ومنها ما يرجع إلى العلوم التي برع فيها، فلقبوه بالرازي والقزويني، واللغوي، والنحوي، وأخيرًا المالكي. وله من التصانيف: كتاب «المجمل»، «حلية الفقهاء»، «ذخائر الكلمات» وغيرها من التصانيف المفيدة والنافعة، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
انظر: «معجم الأدباء» ١/ ٥٣٣، «المنتظم» ٧/ ١٠٣ (١٣٧)، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٠٣ - ١٠٦.
(٣) قال ابن فارس في «معجم مقاييس اللغة» ٤٦٧:
السين واللام والخاء أصل واحد، وهو إخراج الشيء عن جلده ثم يحمل عليه.
(٤) انظر: «تفسير الطبري» ١١/ ٦٠٠.



قَالَ ابن السكيت: الحميمة: الماء يسخن، يقال: أحم لنا الماء (١).
وروى ابن أبي شيبة، عن عبد العزيز بن محمد ووكيع (٢)، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر كان له قمقم يسخن له فيه الماء. ورواه أيضًا عن ابنه عبد الله ويحيى بن يعمر وعبد الله بن عباس والحسن بن أبي الحسن وسلمة بن الأكوع. وروى عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر كان يغتسل بالماء الحميم (٣). ورواه أيضًا عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد به (٤).
فائدة:
القمقم: رومي معرب، قاله الأصمعي.
قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل الحجاز والعراق جميعًا على الوضوء بالماء المسخن، غير مجاهد فإنه كرهه (٥).
ووضوؤه من بيت نصرانية فيه دلالة على جواز استعمال مياههم.
نعم، يكره استعمال أوانيهم وثيابهم، سواء فيه أهل الكتاب وغيرهم

----------------
(١) «إصلاح المنطق» ص ٣٥٦.
(٢) كذا في الأصل: ووكيع، وليس بصواب؛ فإن وكيعًا رواه عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم كما سوف يأتي، فلعله من انتقال النظر.
(٣) ظاهر صنيع المصنف يوهم أن هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة عن معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه، وليس بصواب؛ لأن ابن أبي شيبة لا يروي عن معمر، فإن معمرًا توفي سنة أربع وخمسين ومائة، وقيل ثلاث وخمسين ومائة، وقيل اثنتين وخمسين ومائة؛ وأما ابن أبي شيبة فقد ولد سنة تسع وخمسين ومائة كما في «تاريخ بغداد» ١٠/ ٦٦.
وهذا الأثر رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ١٧٥ (٦٧٥).
(٤) «المصنف» ١/ ٣١ - ٣٢.
(٥) «الأوسط» ١/ ٢٥٢.



والمُدَيّن بالنجاسة وغيره. قَالَ أصحابنا: وأوانيهم المستعملة في الماء أخف كراهة.
فإن تيقن طهارة أوانيهم أو ثيابهم فلا كراهة إذًا في استعمالها، ولا نعلم فيه خلافًا، وإذا تطهر من إناء كافر ولم يتيقن طهارته ولا نجاسته، فإن كان من قوم لا يتدينون باستعمالها صحت طهارته قطعًا، وإن كان من قوم يتدينون باستعمالها (١) -وهم طائفة من المجوس والبراهمة أيضًا - فوجهان:
أصحهما: الصحة، والثاني: المنع (٢).
ووضوء عمر منها دال على طهارة سؤرها، وهو مراد البخاري بإيراده في الباب. وممن كان لا يرى به بأسًا: الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما. قَالَ ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا كرهه إلا أحمد وإسحاق (٣).
قُلْتُ: وتبعهما أهل الظاهر، واختلف قول مالك في ذَلِكَ، ففي «المدونة»: لا يتوضأ بسؤر النصراني، ولا بماء أدخل يده فيه (٤). وفي «العتبية»: أجازه مرة وكرهه أخرى (٥).
وأما حديث ابن عمر فهو من أفراد البخاري، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث مالك (٦).

---------------
(١) المتدينون باستعمال النجاسة هم الذين يعتقدون ذلك دينًا وفضيلة، فيتطهرن بالبول ويتقربون بأرواث البقر وأحشائها.
(٢) انظر هذا الكلام في «المجموع» ١/ ٣١٩ - ٣١٠.
(٣) «الأوسط» ١/ ٣١٤.
(٤) انظر: «المدونة» ١/ ١٢٢.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٩ - ٧٠.
(٦) أبو داود (٧٩)، والنسائي ١/ ٥٧، وابن ماجة (٣٨١).



قَالَ الدارقطني: ورواه محمد بن النعمان، عن مالك بلفظ من الميضأة. وفي رواية القعنبي، وابن وهب عنه: كانوا يتوضئون زمن رسول الله - ﷺ - في الإناء الواحد (١). وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث أيوب، عن نافع، وفيه: من الإناء الواحد جميعًا. ومن حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قَالَ: كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد على عهد رسول الله - ﷺ - ندلي فيه أيدينا (٢).
وأما فقه الباب:
فالإجماع قائم على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل، وأما فضل المرأة فيجوز عند الشافعي الوضوء به أيضًا للرجل، سواء أَخَلَتْ به أم لا (٣).
قَالَ البغوي وغيره: ولا كراهة فيه للأحاديث الصحيحة فيه، وبهذا قَالَ مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء، وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به، وروي هذا عن عبد الله بن سرجس (٤) والحسن البصري (٥)، وروي عن أحمد كمذهبنا، وعن ابن المسيب والحسن كراهة فضلها مطلقًا (٦).

------------------
(١) «الموطأ» برواية القعنبي ص ٩٩ (٣٣).
(٢) أبو داود (٧٩، ٨٠)، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ١٤٠ (٧٢): إسناده صحيح على شرط البخاري إلا الزيادة، زيادة من الإناء الواحد.
(٣) انظر: «مسلم بشرح النووي» ٤/ ٢.
(٤) رواه ابن ماجه (٣٧٤).
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ١٠٦ (٣٧٦) وابن أبي شيبة ١/ ٣٩ (٣٥٨).
(٦) انظر هذِه المسألة في «تبيين الحقائق» ١/ ٣١، «عيون المجالس» ١/ ١٥٨ - ١٥٩، «البيان» ١/ ٢٥٩، «الإفصاح» ١/ ٩٨ - ٩٩، «المغني» ١/ ٢٨٢ - ٢٨٦.



وحكى أبو عمر فيه خمسة مذاهب:
أحدها: أنه لا بأس أن يغتسل الرجل بفضلها ما لم تكن جنبا أو حائضًا.
ثانيها: يكره أن يتوضأ بفضلها وعكسه.
ثالثها: كراهة فضلها له والرخصة في عكسه.
رابعها: لا بأس بشروعهما معًا، ولا خير في فضلها وهو قول أحمد.
خامسها: لا بأس بفضل كل منهما شرعا جميعًا أو خلا كل واحد منهما به. وعليه فقهاء الأمصار، والأخبار في معناه متواترة (١).
احتج لأحمد ومن وافقه بحديث شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة.
رواه أبو داود والترمذي والنسائي وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان وابن حزم (٢) ورجحه ابن ماجه على حديث ابن سرجس (٣).
واحتج أصحابنا بحديث ميمونة رضي الله عنها قالت: أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي - ﷺ - يغتسل منه.
فقُلْتُ: إني اغتسلت منه. فقال: «الماء ليس عليه جنابة» واغتسل منه.

---------------------
(١) «الاستذكار» ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) أبو داود (٨٢)، الترمذي (٦٤)، النسائي ١/ ١٧٩، ابن ماجه (٣٧٣)، «صحيح ابن حبان» ٤/ ٧١ (١٢٦٠) «المحلى» ١/ ٢١٢، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ١٤١ (٧٥): صحيح.
(٣) «سنن ابن ماجه» عقب حديث (٣٧٤).



حديث صحيح أخرجه الدارقطني، كذلك من حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة (١)
وأخرجه الأربعة بمعناه عن بعض أزواج النبي - ﷺ - من غير تسمية، قَالَ الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان، والحاكم، وقال: لا يحفظ له علة (٢).
قَالَ البيهقي: وروي مرسلًا، ومن أسنده أحفظ ولا عبرة بتوهين ابن حزم له (٣)، وإذا ثبت اغتسالهما معًا، وكل منهما مستعمل فضل الآخر فلا تأثير للخلوة.
والجواب عن حديث الحكم من أوجه:
أحدها: جواب البيهقي وغيره ضعفه، قَالَ البخاري لما سأله عنه الترمذي في «علله»: ليس بصحيح. قَالَ: وحديث ابن سرجس الصحيح أنه موقوف عليه، ومن رفعه فقد أخطأ (٤)، وكذا قَالَ الدارقطني: وقفه أولى بالصواب من رفعه (٥).
وروي حديث الحكم أيضًا موقوفًا عليه، وقال ابن منده في كتاب «الطهارة»: حديث الحكم لا يثبت من جهة السند.
وقال أبو عمر: الآثار في هذا الباب مضطربة ولا تقوم بها حجة (٦).

-------------------
(١) «سنن الدارقطني» ١/ ٥٢ (٣).
(٢) أبو داود (٦٨)، الترمذي (٦٥)، النسائي ١/ ١٧٣، ابن ماجه (٣٧٠)، ابن خزيمة (٩١)، (١٠٩)، ابن حبان (١٢٤٢، ١٢٤٨، ١٢٦١)، الحاكم ١/ ١٥٩.
(٣) «المحلى» ١/ ٢١٤.
(٤) «علل الترمذي» ١/ ١٣٤.
(٥) «سنن الدارقطني» ١/ ١١٧.
(٦) «الاستذكار» ٢/ ١٢٩.



وقال الميمونى: قُلْتُ لأبي عبد الله: يسنده أحد غير عاصم؟ قَالَ: لا، ويضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، بعضهم يقول عن فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول عن فضل المرأة، ولا يتفقون عليه.
ورواه التيمي إلا أنه لم يسمه، قَالَ: عن رجل من الصحابة. والآثار الصحاح واردة بالإباحة.
قُلْتُ: ولما أخرجه الطبرانى في «أكبر معاجمه» قَالَ: عن رجل من غفار (١)، والحكم غفاري.
ثانيها: على تسليم صحته، أن أحاديث الرخصة أصح، فالعمل بها أولى.
ثالثها: جواب الخطابي أن النهي عن فضل أعضائها، وهو ما سال عنها (٢).
رابعها: أن النهي للتنزيه جمعًا بين الأحاديث.
وأما حديث داود بن عبد الله الأودي، عن حميد الحميري قَالَ: لقيت رجلًا صحب النبي - ﷺ - كما صحبه أبو هريرة قَالَ: نهى رسول الله - ﷺ - أن يغتسل الرجل بفضل المرأة أو تغتسل المرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعا (٣)، حسن أحمد إسناده فيما ذكره الأثرم، وصححه ابن القطان (٤).

--------------------
(١) «المعجم الكبير» ٣/ ٢١٠ (٣١٥٤).
(٢) «معالم السنن» ١/ ٣٦.
(٣) رواه أبو داود (٨١)، والنسائي ١/ ١٣٠، وأحمد ٤/ ١١١، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام» (٩)، والألباني في «صحيح أبي داود» (٧٤).
(٤) «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» ٢/ ١٠٣ (٧٢).



وقال أبو داود في «التفرد» الذي تفرد به من هذا الحديث قوله: أن تغتسل المرأة من فضل الرجل. وأما ابن منده وابن حزم فقالا: لا يثبت من جهة سنده (١).
وقال البيهقي: هو مرسل جيد لولا مخالفة الأحاديث الثابتة الموصولة (٢).
وزعم ابن القطان أن المبهم ههنا قيل: هو عبد الله بن مغفل، وقيل: ابن سرجس (٣)، وقطع ابن حزم بأن حكم الإباحة منسوخ، وهذا الباب وما فيه ناسخ (٤)، وأباه ابن العربي، وزعم أن الناسخ حديث ميمونة (٥)، ومال إليه الخطابي (٦).

---------------------
(١) «المحلى» ١/ ٢١٤.
(٢) «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ١٩٠.
(٣) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٢٧٧.
(٤) المحلى«١/ ٢١٥.
(٥)»عارضة الأحوذي«١/ ٨٢.
(٦)»أعلام الحديث" ١/ ٢٩٩.



٤٤ - باب صَبِّ النَّبِيِّ - ﷺ - وضُوءَهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ
١٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدِ بْنِ الُمنكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُول: جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُنىِ وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمِنِ الِميرَاثُ؟ إنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ. فَنَزَلَث آيَةُ الفَرَائِضِ. [٤٥٧٧، ٥٦٥١، ٥٦٦٤، ٥٦٧٦، ٦٧٢٣، ٦٧٤٣، ٧٣٠٩ - مسلم: ١٦١٦ - فتح: ١/ ٣٠١]
حَدَثنَا أَبُو الوَليدِ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَنِ المِيرَاثُ؟ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ.
الكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في التفسير (١) والفرائض (٢) والطب (٣) والاعتصام (٤)، وأخرجه الباقون في الفرائض (٥).

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٤٥٧٧) باب: قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
(٢) سيأتي برقم (٦٧٢٣) باب: وقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
(٣) سيأتي برقم (٥٦٥١) باب: عيادة المغمى عليه.
(٤) سيأتي برقم (٧٣٠٩) باب: ما كان النبي - ﷺ - يسأل مما لم ينزل عليه الوحي …
(٥) «صحيح مسلم» (١٦١٦) كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة، «سنن أبي داود» (٢٨٨٦)، «سنن الترمذي» (٢٠٩٦)، «السنن الكبرى» للنسائي ٤/ ٦٩ (٦٣٢٤)، «سنن ابن ماجه» (٢٧٢٨).



وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير (١). والنسائي في الطهارة (٢).
وابن ماجه في الجنائز (٣). واشتهر عن ابن المنكدر، وعن ابن جريج. وفي بعض طرقه: عادني رسول الله وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، ذكره في التفسير (٤) وفي بعضها: ما تأمرني أن أصنع في مالي؟ (٥).
وفي أخرى: كيف أقضي في مالي؟ (٦).
وفي أخرى: إنما يرثني سبع أخوات (٧).
وفي أخرى: تسع (٨).
وفي أخرى: فنزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ .. الآية (٩) [النساء: ١٧٦].
وفي أخرى في التفسير فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١٠) [النساء: ١١].
ثانيها:
في الكلالة أقوال، أصحها: ما عدا الوالد والولد (١١)، وفيه حديث

-----------------------
(١) «سنن الترمذي» (٣٠١٥)، «السنن الكبرى» للنسائي ٦/ ٣٢٠ (١١٠٩١).
(٢) «المجتبى» ١/ ٨٧.
(٣) «سنن ابن ماجه» (١٤٣٦).
(٤) سيأتي برقم (٤٥٧٧).
(٥) التخريج السابق.
(٦) سيأتي برقم (٦٧٢٣).
(٧) رواه أبو داود (٢٨٨٧)، وأحمد ٣/ ٣٧٢، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٦٩ (٦٣٢٤) كلهم بلفظ: اشتكيت وعندي سبع أخوات لي.
(٨) رواه الترمذي (٢٠٩٧).
(٩) مسلم (١٦١٦/ ٨) كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة.
(١٠) سيأتي برقم (٤٥٧٧) باب: قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
(١١) «تفسير الطبري» ٤/ ٣٧٨، وقال ابن كثير في «تفسيره» ٤/ ٤٠٢: وهذا الذي قاله الصديق -أي: ما عدا الولد والوالد- عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن كما أرشد الله أنه قد بين ذلك ووضحه في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.



صحيح من طريق البراء بن عازب (١). وقيل: ماعدا الولد خاصة. وقيل: الإخوة للأم. وقيل: بنو العم ومن أشبههم. وقيل: العصبات كلهم وإن بعدوا. ثم قيل: للورثة. وقيل: للميت. وقيل: لهما. وقيل: للمال الموروث. وقد أوضحت ذَلِكَ في «شرح فرائض الوسيط»، ويأتي مبسوطًا في موضعه إن قدر الله الوصول إليه.
ثالثها:
لعل المراد بآية الفرائض آية الكلالة، كما صرح به في الرواية الأخرى (٢)، فإنها نزلت بعد ﴿يوُصِيكُمُ اللهُ﴾ وأما ﴿يوُصِيكُمُ﴾ الآية [النساء: ١١]، فقد سلف أنها نزلت فيه أيضًا.
لكن روى جابر أنها نزلت في ابنتي سعد بن الربيع، قتل أبوهما يوم أحد وأخذ عمهما مالهما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عقيل عنه (٣)، ووالد جابر توفي بعد أحد (٤)، فإن جابرًا قَالَ: ولا يرثني إلا كلالة، وقد قيل في سبب نزولها غير ذَلِكَ.
رابعها: في أحكامه:
فيه: استحباب العيادة، واستحباب المشي لها، وفي روايةٍ: ليس براكب بغل ولا برذون.
وفيه: جواز عيادة المغمى عليه، وهذا إذا كان عند المريض من

-------------------
(١) رواه البخاري (٤٦٠٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ﴾، ومسلم (١٦١٨) كتاب: الفرائض، باب: آخر آية انزلت آية الكلالة.
(٢) ستأتي برقم (٥٦٧٦) كتاب: المرضى.
(٣) «سنن أبي داود» (٢٨٩٢)، «سنن الترمذي» (٢٠٩٢)، «سنن ابن ماجه» (٢٧٢٠).
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: إنما قتل بأحد شهيدًا، قتله أسامة الأعور بن عبيد، وقيل: بل قتله سفيان بن عبد شمس أبو الأعور السلمي. انتهى انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٣٤٨.



يراعي حاله لئلا ينكشف. وقيل: إن كان صالحًا فله ذَلِكَ، وإن كان غيره فيكره، إلا أن يكون ثَمّ من يراعي حاله، حكاه المنذري (١).
وفيه: التبرك بآثار الصالحين لا سيما سيد الصالحين؛ فإنه صب على جابر من وضوئه المبارك (٢).
وفيه: بركة ما باشروه أو لمسوه.

--------------------
(١) «مختصر سنن أبي داود» ٤/ ١٦١.
(٢) قال العلامة الألباني رحمه الله: ولا بد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره - ﷺ - ولا ننكره، ولكن لهذا التبرك شروطًا منها: الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا، كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلا على أثر من آثاره - ﷺ - ويستعمله، ونحن نعلم أن آثاره - ﷺ - من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذِه الآثار يصبح أمرًا غير ذي موضع في زماننا هذا، ويكون أمرًا نظريًّا محضًا، فلا ينبغي إطالة القول فيه، ولكن ثمة أمر يجب تبيانه، وهو أن النبي - ﷺ - وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرض مهم وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم، وحبهم له، وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه، إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه، أن النبي - ﷺ - بعد تلك الغزوة رغّب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله -عز وجل- وأجدى. اهـ. انظر: «التوسل أنواعه وأحكامها» ص ١٤٤ - ١٤٥.
وقال الشيخ صالح بن فوزان: من البدع المحدثة التبرك بالمخلوقين، وهو لون من ألوان الوثنية، وشبكة يصطاد بها المرتزقة أموال السذج من الناس، والتبرك طلب البركة وهي ثبوت الخير في الشيء وزيادتَه، وطلبُ ثبوت الخير وزيادته إنما يكونُ ممن يَملكُ ذلك ويقدر عليه، وهو الله سبحانه، فهو الذي ينزل البركة ويثبتها، أما المخلوق فإنه لا يقدر على منح البركة وإيجادها، ولا على إبقائها وتثبيتها، فالتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص -أحياءً وأمواتًا- لا يجوز؛ لأنه إما شرك، إن اعتقد أنَّ ذلك الشيء يمنحُ البركة، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #100  
قديم 23-01-2026, 04:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 327 الى صـــ 346
الحلقة (100)






وفيه: دليل على طهارة الماء المستعمل، فإنه لا يتبرك بغيره، لا يقال: إن هذا يختص بوضوئه، فإنه - ﷺ - أمر الذي عان سهلًا أن يتوضأ له ويغسل داخلة إزاره ويصبه عليه ليحل عنه شر العين، ولم يأمر سهلًا أن يغتسل منه (١).
وفيه: جواز الوصية للمريض وإن بلغ هذا الحد وفارقه عقله في بعض الأحيان، إذا كان عاقلًا عند الوصية.
وفيه: أنه لا يقضى بالاجتهاد مادام يجد سبيلًا إلى النص.

-------------------
= وملامسته والتمسح به، سبب لحصولها من الله.
وأما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي - ﷺ - وريقه وما انفصل من جسمه، خاصة كما تقدَّم؛ فذلك خاص به - ﷺ - ولم يكن الصحابة يتبركون بحجرته وقبره بعد موته، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها؛ ليتبركوا بها، وكذلك مقامات الأولياء من باب أولى، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين، كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة، لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كَلَّم الله عليه موسى ليصلوا فيه ويدعوا، أو إلى غير هذِه الأمكنة من الجبال التي يُقالُ إنَّ فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولا إلى مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء.
وأيضًا فإن المكان الذي كان النبي - ﷺ - يصلي فيه بالمدينة النبوية دائمًا لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يُقبلُه، ولا الموضع الذي صلى فيه بمكة وغيرها، فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه - ﷺ - بقدميه الكريمتين، ويُصلي عليه لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟ فتقبيل شيء من ذلك والتمسح به قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعته - ﷺ -. انظر: «عقيدة التوحيد» ص ٢٣٤ - ٢٣٦.
(١) رواه ابن ماجه (٣٥٠٩)، ومالك في «الموطأ» ص ٥٨٣ رواية يحيى، وأحمد ٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٣٨١ (٧٦١٧، ٧٦١٩)، وابن حبان في «صحيحه» ١٣/ ٤٦٩ (٦١٠٥). وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٨٢٨): صحيح.



٤٥ - باب الغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِي المِخْضَبِ وَالْقَدَحِ وَالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ
١٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرِ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةِ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ الِمخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قُلْنَا: كَمْ كُنْتمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً. [انظر: ١٦٩ - مسلم: ٢٢٧٩ - فتح: ١/ ٣٠١]

١٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَن بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أبي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ. [انظر: ١٨٨ - مسلم: ٢٤٩٧ - فتح: ١/ ٣٠٢]

١٩٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأقبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. [انظر: ١٨٥ - مسلم: ٢٣٥ - فتح: ١/ ٣٠٢]

١٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللهِ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَّمَا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - واشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَاْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ». وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لَحِفْصَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ -- ﷺ -- ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ. [٦٦٤، ٦٦٥، ٦٧٩، ٦٨٣، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣، ٧١٦، ٢٥٨٨، ٣٠٩٩، ٣٣٨٤، ٤٤٤٢، ٤٤٤٥، ٥٧١٤، ٧٣٠٣ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ١/ ٣٠٢]


وذكر فيه أربعة أحاديث:
الأول: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَكْرٍ، ثنا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إلى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ. قُلْنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِيينَ وَزِيَادَةً.
الكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في علامات النبوة عن ابن منير، عن يزيد بن هارون وهو في البخاري خاصة (١).
ثانيها:
عبد الله (خ. ت. س) بن منير هذا هو الحافظ الزاهد (٢).
وعبد الله بن بكر هو السهمي الحافظ الثقة، مات سنة ثمان ومائتين (٣).

-------------------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٧٥) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٢) عبد الله بن منير أبو عبد الرحمن المروزي، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال محمد بن يوسف الفربري: سمعت بعض أصحابنا يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول: حدثنا عبد الله بن منير، ولم أر مثله. وقال ابن حجر: ثقة، وكان زاهدًا عابدًا.
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٢١٢ (٦٨٣)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٨١ (٨٤٢)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ١٧٨ (٩٥٩٣)، «تقريب التهذيب» ص ٣٢٥ (٣٦٤١).
(٣) عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي الباهلي، أبو وهب البصري، سكن بغداد.
قال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل، وعثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين والعجلي: ثقة. قال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، وأبو حاتم: =



ثالثها:
المِخْضَب: -بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمة-: إجّانة تغسل فيها الثياب. ويقال له المِركنُ (١). قَالَ القزاز: يكون عودًا ومن فخار.
وقال ابن بطال: ويكون من حجارة ومن صفر (٢). وقد سلف أنه من حجارة وأنه صغير، وسيأتي من حديث عائشة أنه أُجلس في مخضب (٣)، وهو دال على كبره.
رابعها:
مراد البخاري -رحمه الله- بهذا الحديث وبما ساقه من الأحاديث أن الأواني كلها من جواهر الأرض ونباتها، طاهرة فإنه لا كراهة في استعمالها.
خامسها:
هذِه الصلاة قد جاء في البخاري فيما سيأتي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عَنْ أَنَس قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَالْتمسَ الناس الوَضُوءُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ (٤).

---------------------
= صالح. انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٥، «التاريخ الكبير» ٥/ ٥٢ (١١٤)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٦ (٧٢)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٤٠ (٣١٨٥).
(١) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٢/ ٣٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٩٨.
(٣) سيأتي برقم (١٩٨)
(٤) سيأتي برقم (٣٥٧٣) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.



سادسها:
قوله: (فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إلى أَهْلِهِ) جاء في البخاري فيما سيأتي من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قَالَ: أتي النبي - ﷺ - وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فتوضأ القوم، وكانوا زهاء ثلائمائة (١).
ولمسلم: كان وأصحابه بالزوراء -والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمة- دعا بقدح فيه ماء فوضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، قَالَ: قُلْتُ لأنس: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قَالَ: كانوا زهاء الثلاثمائة (٢).
سابعها:
جاء هنا: (أتي: بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ) وجاء في الباب الآتي بعد هذا: (فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ) (٣).
وفيه في موضع آخر من رواية الحسن، عن أنس: فانطلق رجل من القوم، فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذه رسول الله - ﷺ - فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع عَلَى القدح ثم قَالَ: «توضئوا». فتوضأ القوم حتى بلغوا ما يريدون من الوضوء وكانوا سبعين أو نحوه (٤)، والظاهر أنها كانت أحوالًا.

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٧٢) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.
(٢) مسلم (٢٢٧٩/ ٦) كتاب: الفضائل، باب: في معجزات النبي - ﷺ -.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٠).
(٤) سيأتي برقم (٣٥٧٤) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.



ثامنها:
فيه علم من أعلام النبوة، وهو تكثير القليل، توضؤ الرجال من فضل بعضهم من بعض، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثره وتكثير الطعام معجزات وجدت في مواطن مختلفة وأحوال متقاربة بلغ مجموعها التواتر، وقد صح تكثير الماء من حديث ابن مسعود أيضًا وجابر وعمران (١).
قَالَ الداودي: وفي الحديث مع بقية أحاديث الباب جواز التوضؤ بماء قد توضئ به.
الحديث الثاني:
قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ.
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا مختصرًا، وأخرجه في غزوة الطائف مطولًا (٢).
وأخرجه مسلم في الفضائل عن محمد بن العلاء، وعبد الله بن براد كلاهما عن أبي أسامة (٣).
وذكره البخاري معلقًا في باب: استعمال فضل وضوء الناس، وقد

----------------------
(١) حديث ابن مسعود سيأتي برقم (٣٥٧٩) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة، وحديث جابر سيأتي برقم (٣٥٧٦)، وحديث عمران سيأتي برقم (٣٥٧١).
(٢) سيأتي برقم (٤٣٢٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف.
(٣) مسلم (٢٤٩٧) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين.



سلف (١)، وفيه كما قَالَ الداودي في «شرحه»: جواز الوضوء بماء قد مج فيه.
الحديث الثالث:
قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، ثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن زيدٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.
هذا الحديث سلف الكلام عليه في باب: مسح الرأس كله (٢).
والتور -بالتاء المثناة فوق- وهو شبه الطست، فارسي معرب مذكر، وحكي تأنيثه.
وقال ابن قرقول: هو مثل قدح من الحجارة، والصُّفر -بضم الصاد وشذ كسرها-: النحاس، سمي بذلك لصفرته، يقال له: الشبه؛ لأنه يشبه الذهب. وقال القزاز: هو النحاس الجيد.
قَالَ ابن المنذر: روي عن علي بن أبى طالب أنه توضأ في طست، وعن أنس مثله.
وقال الحسن البصري: رأيت عثمان يصب عليه من أبريق -يعني: نحاسًا- وهو يتوضأ (٣).
وفي «الطهور» لأبي عبيد، عن ابن سيرين: كانت الخلفاء يتوضئون في الطست، قَالَ أبو عبيد: وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة

----------------------
(١) سبق برقم (١٨٨) كتاب: الوضوء.
(٢) سبق برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء.
(٣) «الأوسط» ١/ ٣١٥ - ٣١٦.



في الوضوء في آنية النحاس وأشباهه من الجواهر، إلا شيئًا يروى عن ابن عمر من الكراهة (١).
قُلْتُ: قد روى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سليم، عن ابن جريج، قَالَ: قَالَ معاوية: نُهيت أن أتوضأ في النحاس (٢). وحكاه ابن بطال عنه (٣).
قَالَ ابن المنذر في «إشرافه»: رخص كثير من أهل العلم في ذَلِكَ،
وبه قَالَ الثوري وابن المبارك والشافعي وأبو ثور. وما علمت أني رأيت أحدًا كره الوضوء في آنية الصُفر والنحاس والرصاص وشبهه، والأشياء على الإباحة وليس يحرم ما هو مباح بموقوف ابن عمر (٤). أي: حيث كره الوضوء في الصُفر وكان يتوضأ في حجر أو خشب أو أدم.
قَالَ ابن بطال: وقد وجدت عن ابن عمر أنه توضأ فيه، وهذِه الرواية أشبه بالصواب، وفي رسول الله - ﷺ - الأسوة الحسنة والحجة البالغة (٥).
قُلْتُ: وفي «مسند أحمد» بإسناد جيد عن زينب بنت جحش: أنه - ﷺ - كان يتوضأ في مخضب من صفر (٦).
وفي «سنن أبي داود» بإسناد ضعيف عن عائشة: كنت أغتسل أنا

----------------------
(١) الطهور«ص ١٩٥ (١٢٨).
(٢)»مصنف ابن أبي شيبة«١/ ٤٢ (٤٠٢).
(٣)»صحيح البخاري بشرح ابن بطال«١/ ٢٩٩.
(٤) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٨ - ٥٩ (١٧١ - ١٧٢، ١٧٦)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٢ (٤٠٤).
(٥)»صحيح البخاري بشرح ابن بطال«١/ ٢٩٩.
(٦)»المسند" ٦/ ٣٢٤.



ورسول الله - ﷺ - في تور من شبه (١).
وقال ابن جريج: ذكرت لعطاء كراهية ابن عمر للصُفر فقال: أنا أتوضأ بالنحاس، وما يكره منه شيء إلا رائحته فقط (٢).
وقال بعضهم: يحتمل كراهية ابن عمر له، لما كان جوهرًا مستخرجًا من معادن الأرض، شبهه بالذهب والفضة فكرهه؛ لنهيه - ﷺ - عن الشرب في آنية الفضة (٣)، وقد روي عن جماعة من العلماء أنهم أجازوا الوضوء في آنية الفضة، وهم يكرهون الأكل والشرب فيها.
ولما نقل ابن قدامة، عن ابن عمر كراهة الوضوء في الصُفر والنحاس والرصاص وما أشبه ذَلِكَ، نقل كراهته عن اختيار الشيخ أبي الفرج المقدسي؛ معللًا بأن الماء يتغير فيها. قَالَ: وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس (٤).

----------------------
(١) رواه أبو داود (٩٨) من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد، أخبرني صاحب لي، عن هشام بن عروة، عن عائشة. قال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ١٦٦ (٨٨) وهذا سند ضعيف؛ لجهالة صاحب حماد، وللانقطاع بين هشام بن عروة وعائشة، فإنه لم يدركها. لكن وصله المصنف بعدُ من طريق إسحاق بن منصور، عن حماد بن سلمة، عن رجل عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي … وفيه الرجل الذي لم يسمه. أخرجه عن شيخه محمد بن العلاء -وهو أبو غريب- عنه. وقصر به الحسين بن محمد بن زياد، فرواه عن أبي كريب … به، إلا أنه أسقط الرجل بين حماد وهشام، فصار ظاهر إسناده الصحة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢ (٣٩٨) بمعناه.
(٣) سيأتي برقم (٥٤٢٦) كتاب: الأطعمة، باب: الأكل في إناء مفضض، ورواه مسلم (٢٠٦٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة …
(٤) «المغني» ١/ ١٠٥ - ١٠٦. وورد بهامش الأصل ما نصه: بخط المصنف … أصحاب أحمد … في صحة الوضوء منها.



الحديث الرابع:
قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ، أنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالتْ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ عِبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَأخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَانَتْ عَائِشَةٌ رضي الله عنها تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعٍ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ». وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَة - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ.
الكلام عليه من وجوهٍ:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في ممبعة مواضع: هنا، وفي الصلاة في موضعين في: حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي: إنما جعل الإمام ليؤتم به مختصرًا، والهبة، والخمس، وآخر المغازي في باب: مرضه - ﷺ -، والطب (١). وأخرجه مسلم في الصلاة (٢).

--------------------
(١) سيأتي برقم (٦٦٥) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة، وبرقم (٦٨٧) في الأذان، باب: إنما جعل الامام ليؤتم به، وبرقم (٢٥٨٨) في الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها، وبرقم (٣٠٩٩) كتاب فرض الخمس، باب: ما جاء في بيوت أزواج النبي - ﷺ -، وبرقم (٤٤٤٢) كتاب المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته، وبرقم (٥٧١٤) كتاب: الطب، باب: ٢٢.
(٢) «صحيح مسلم» (٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما.



ثانيها:
ثَقل -بفتح الثاء المثلثة ثم قاف- أي: اشتد مرضه. وقد قَالَ بعده: واشتدَّ وجعه.
ثالثها:
هذا الاستئذان كان بالتعريض لا بالتصريح؛ لأنه جاء أنه كان يقول: «أين أنا اليوم؟ أين أنا غدًا؟» يعرض لهن بذلك، نبه عليه الداودى.
رابعها:
قد يَسْتدل به من يرى وجوب القسم عليه؛ لأجل الاستئذان، وفيه خلاف لأصحابنا (١)، ومن يقول باستحبابه يقول: فعل ذَلِكَ للأفضل، وقد حكي خلاف أيضًا في أن المريض إذا لم يقدر على الدوران على نسائه هل يكون تمريضه عند إحداهن راجع إلى اختياره أو حق لهن فيقرع بينهن؟
خامسها:
اختياره تمريضه في بيت عائشة دالُ على فَضْلِها.
سادسها:
معنى (تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ): لا يستطيع رفعهما ووضعهما والاعتماد عليهما.
سابعها:
قوله: (بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ) قد سلف أن الآخر علي بن أبي

----------------------
(١) قال النووي في «روضة الطالبين» ٧/ ١٠: وفي وجوب القسم بين زوجاته وجهان:
قال الاصطخري: لا، والأصح عند الشيخ أبي حامد والعراقيين والبغوي الوجوب.



طالب، وقد جاء في رواية: بين الفضل بن عباس (١). وفي أخرى: بين رجلين أحدهما أسامة.
وطريق الجمع أنهم كانوا يتنابون الأخذ بيده الكريمة -شرفها الله- تارة هذا وتارة هذا، وكان العباس أكثرهم أخذًا ليده الكريمة، أو أدومهم لها إكرامًا له واختصاصًا به، وعليّ وأسامة والفضل يتناوبون اليد الأخرى، ولهذا صرحت بالعباس وأبهمت غيره، ويجوز أن يكون عدم تصريحها به لأنه كان بينهما شيء.
ثامنها:
قوله: («هريقوا علي») كذا في الرواية: «هريقوا» وذكره ابن التين بلفظ: «أهريقوا» ثم قَالَ: صوابه: أريقوا أو هريقوا، على أن يبدل من الهمزة هاء، فأما الجمع بينهما ففيه بُعد، وإنما يجتمعان في الفعل المستقبل.
وقال الجوهري: هراق الماء يهريقه هراقة أي: صبه، وأصله: أراق يريق إراقة، وإنما قالوا: أنا أهريقه ولا يقولون: أنا أُأَريقه لاستثقالة الهمزتين، وقد زال ذَلِكَ بعد الإبدال، ثم حكى لغتين أخريين فيه: أهرق يهرق، وأهراق: يُهْريق (٢).
تاسعها:
إنما أمر -والله أعلم- بأن يُهراق عليه من سبع قرب على وجه التداوي، كما صب - ﷺ - وضوءه على المغمى عليه، وكما أمر المَعِين

----------------------
(١) رواه مسلم (٤١٨/ ٩١) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما.
(٢) «الصحاح» ٤/ ١٥٦٩ - ١٥٧٠، مادة: (هرق).



أن يغتسل به، وليس كما ظن من غلط وزعم أنه - ﷺ - اغتسل من إغمائه، نبه على ذَلِكَ المهلب، وعن الحسن أن الغسل واجب على المغمى عليه، وعن ابن حبيب: عليه إن طال ذَلِكَ به، والعلماء متفقون غير هؤلاء أن من أغمي عليه فلا غسل عليه إلا أن يجنب (١).
عاشرها:
فيه: إجازة الرُقَى والتداوي للعليل، وإنما يكره ذَلِكَ لمن ليست به علة أن يتخذ التمائم ويستعمل الرقى، وعليه يحمل حديث «لا يسترقون» (٢) قاله الداودي في «شرحه»، ومن كره التداوي فإنما كرهه خوف اعتقاد أنها نافعة بطبعها، كما يقوله الطبائعيون.
حادي عشرها.
قصده إلى سبع قرب تبركًا بهذا العدد؛ لأن الله تعالى خلق كثيرًا من مخلوقاته سبعًا، وقد أفرده بعض المتأخرين بالتأليف.
الثاني عشر:
قوله: («لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ») تحتمل ثلاثة أشياء كما نبه عليه ابن الجوزي: التبرك عند ذكر الله عند شدّها وحلّها، وطهارة الماء إذا لم تمسه يد قبل حل الوكاء فيكون أطيب للنفس، وبرده إذ لم يسخن بحرارة الهواء.
الثالث عشر:
قوله: («لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ») أي: لعله يَخِفُّ عني ما أجد،

---------------------
(١) انظر، «المجموع» ٢/ ٦٢، «الذخيرة» ١/ ٢٣٣، «المغني» ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٢) سيأتي برقم (٥٧٠٥) كتاب: الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره، وبرقم (٥٧٥٢) كتاب: الطب، باب: من لم يرق.



وأُخْبِرُ الناس بشيء يعملون عليه.
الرابع عشر:
قولها: (وَأجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ) جاء أنه من نحاس. رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة -أو عمرة-، عن عائشة (١) وفي هذِه الرواية: «لعلي أستريح فأعهد إلى الناس» (٢) وهو مؤيد ما أسلفناه.
وقال الداودي: المخضب: شيء كانوا يستعلمونه من حجارة كالطست الكبير أو كالجفنة. وهو كما قَالَ، لكنه هنا من نحاس كما سلف فاستفده.
الخامس عشر:
قولها: (ثم طفقنا) أي: جعلنا. يقال: طفق إذا شرع في فعل الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٢].

----------------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: حاشية: رأيته في «المصنف» في الطهارة لكن عن عمرة، عن عائشة بغير شك. انتهى.
[قلت: ووقع في المطبوع من «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٦٠ (١٧٩ كتاب الطهارة/ عن عروة عن عائشة، وليس عن عمرة عن عائشة، هذا أولًا.
ثانيًا: كأن سبط بن العجمي لم يقف على الرواية الأخرى في «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٤٣٠ من كتاب المغازي، فهي مراد المصنف، وفيها نَصّ الرواية].
(٢) الذي في المطبوع من «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٤٣٠: عن عروة عن غيره عن عائشة. كذا ولعله تحريف.
ورواه إسحاق بن راهويه (٦٤٥)، وأحمد ٦/ ١٥١، وابن خزيمة ١/ ١٢٧ (٢٥٨)، وابن حبان ١٤/ ٥٦١ (٦٥٩٦، ٦٦٠٠)، والبيهقي ١/ ٣١ كللهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة أو عمرة عن عائشة به.
ورواه النسائي في «الكبرى» (٧٠٨٢)، وابن خزيمة ١/ ٦٤ (١٢٣)، والحاكم ١/ ١٤٤ - ١٤٥ كلهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة به.



السادس عشر:
فيه: أنه - ﷺ - كان يشتد به المرض ليعظم الله له الأجر، وفي الحديث الآخر: «إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» (١) وسيأتي في موضعه.
وفيه: أن المريض تسكن نفسه لبعض أهله دون بعض.
وفيه: الاغتسال بالماء؛ لما جعل الله فيه من البركة وجعل منه حياة كل شيء.
وفيه: استعمال ما لم تمسه الأيدي؛ لأنه أعزم لبركته.
وفيه: استعمال السبع لما يرجى من خفة المرض.
وفيه: الأخذ بالإشارة. وقولها: (أن قد فعلتنّ)، يعني: أن قد أتيتنّ على ما أريد من ذَلِكَ.

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٤٨) كتاب: المرضى، باب: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول، وبرقم (٥٦٦٠) كتاب: المرضى، باب: وضع اليد على المريض.


٤٦ - باب الوُضُوءِ مِنَ التَّوْرِ
١٩٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بن مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بن يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الوُضُوءِ، قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاغْتَرَفَ بِهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الِمرْفَقَينِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً، فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَدْبَرَ بِهِ وَأَقْبَلَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ. [انظر: ١٨٥ - مسلم: ٢٣٥ - فتح: ٣/ ٣٠١]

٢٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا بإنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الَماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَينِ أَصَابِعِهِ. قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثُّمَانِينَ. [انظر: ١٦٩ - مسلم: ٢٢٧٩ - فتح: ١/ ٣٠٤]
حَدُّثنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْييَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الوُضُوءِ، قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَوَضَّأ؟ .. الحديث.
وقد سلف (١) في موضعه، وعمه هو عمرو بن أبي حسن. وفي هذا الحديث أنه تمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة.
وقوله: (فأدبر بيديه وأقبل)، احتج به الحسن بن حي على البداءة بمؤخر الرأس (٢)، وعنها أجوبة:
أحدها: أن الواو لا تدل على الترتيب.

----------------------
(١) سبق برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله.
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٦.



ثانيها: أن الإقبال من جهة الشعر من جهة القفا والإدبار إليه.
ثالثها: أن المراد إقبال الفعل لا غير، وقد أوضحت ذَلِكَ مع زيادة عليه في «شرح العمدة» (١).
ثم قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا مُسَدَّد، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى المَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَينَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢) والرَّحْرَاح -بفتح الراء وإسكان الحاء المهملة-: القصير الجدار القريب القعر. وفي رواية: بقدح واسمع الفم، وقال ابن قتيبة: يقال: إناء رحراح ورحرح إذا كان واسعًا (٣). قَالَ الحربي: ومنه الرحرح في حافر الفرس وهو أن يتسع حافره ويقل عمقه (٤). قَالَ الأصمعي: ويكره في الخيل.
وقوله: (شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ) يعني: شيئًا قليلًا. و(ينبع) باؤه مثلثة.

--------------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٨٠ - ٣٨٤.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٢٧٩) كتاب: الفضائل، باب: معجزات النبي - ﷺ -.
(٣) «غريب الحديث» ١/ ٣٨١.
(٤) ورد بهامش الأصل: الرحح محركة سعة في الحافر، وهو محمود، كذا قال في «القاموس» وتبعه غيره. وفي «الجمهرة»: الرحح: اتساع الحافر وهو عيب.
[انظر: «القاموس المحيط» ص ٢١٩، «الجمهرة» ٢/ ١٠٠٤].



٤٧ - باب الوُضُوءِ بِالمُدِّ
٢٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَغْسِلُ -أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ- بِالصَّاعِ إِلَى خَسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضأ بِالُمْدِّ. [مسلم: ٣٢٥ - فتح: ١/ ٣٠٤]
حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْم ثنا مِسْعَرٌ، حَدَّثنِي ابن جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَغْسِلُ -أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ- بِالصَّاعِ إلى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، ويتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ.
الكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي (١).
ثانيها:
مسعر هو ابن كدام الكوفي. مات بعد الخمسين ومائة (٢)، وليس في الصحيحين سواه.

--------------------
(١) مسلم (٣٢٥/ ٥١) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء من غسل الجنابة، وأبو داود (٩٥)، والنسائي ١/ ١٧٩.
(٢) هو مسعر بن كدام بن ظهير بن عبيدة بن الحارث، الإمام الثبت، شيخ العراق، أبو سلمة الهلالي الكوفي، الأحول، الحافظ.
قال يحيى بن سعيد: ما رأيت أحدًا أثبت من مِسْعَر.
وقال أحمد بن حنبل: الثقة كشعبة ومسعر.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: شك مسعر كيقين رجل.
ووثقة يحيى بن معين وأبو زرعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة.
وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٦٤، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٦٨ (١٦٨٥)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٦١ (٥٩٠٦).



وفي أبي داود مسعر بن حبيب الجرمي الثقة (١).
وابن جبر هو عبد الله بن عبد الله بن جبر. وقيل: جابر بن عتيك الأنصاري (٢)، وقال البخاري في «تاريخه»: لا يصح جبر، إنما هو جابر (٣)، كذا قَالَ، وقد سلف في إسناده جبر. وقال ابن منجويه: أهل المدينة يقولون: جابر، والعراقيون يقولون: جبر، ولا يصح جبر إنما هو جابر (٤).
قَالَ أبو داود: ورواه سفيان عن عبد الله بن عيسى، حَدَّثَني جبر بن عبد الله، فقلبه (٥).
ثالثها:
عند أبي داود من طريق عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر، عن

------------------
(١) مسعر بن حبيب الجرمي، أبو الحارث البصري، قال إسحاق بن منصور، وإبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات».
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٣ (١٩٧٠)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٦٨ (١٦٨٤)، «الثقات» ٥/ ٤٥١، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٦٠ (٥٩٠٥).
(٢) هو عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك وقيل: جبر الأنصاري المدني من بني معاوية وقيل: إنهما اثنان.
قال إسحاق بن منصور وعباس الدوري عن يحيى بن معين: ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات».
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٢٦ (٣٧٤)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٢٩، «تهذيب الكمال» ١٥/ ١٧١ (٣٣٦٢)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٦٧.
(٣) عزاه ابن حجر في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٦٧ إلى ابن منجويه وقال: نقله من كلام البخاري في «تاريخه».
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٢٦.
(٤) انظر: «تهذيب الكمال» ١٥/ ١٧٢.
(٥) «سنن أبي داود» عقب الرواية (٩٥).



أنس: كان يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع. وعند مسلم: يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكالي. وفي لفظ: مكاكيك (١).
وللبخاري من حديث عائشة نحو من صاع (٢). وفي لفظ: من قدح يقال له: الفَرَق (٣). أي: بفتح الراء، وهو أفصح من سكونها. وقيل: بالفتح ثلاثة آصع أو نحوها، وبالسكون مائة وعشرون رطلًا (٤).
رابعها:
الصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، يذكر ويؤنث. المد: رطل وثلث.
وعند أهل العراق رطلان (٥). وفيه حديث عن أنس (٦)، وقال به بعض أصحابنا في مُدِّ الوضوء دون مُدِّ الزكاة.
فائدة:
يطلق الصاع أيضًا على المطمئن من الأرض، وعلى وجه الأرض (٧).

--------------------
(١) مكاكيك، جمع مكوك وهو مكيال لأهل العراق. انظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٤٣٥.
وروايتا مسلم وأبي داود سبق تخريجهما في أول الكلام على الحديث.
(٢) سيأتي برقم (٢٥١) كتاب: الغسل، باب: غسل الرجل مع امرأته.
(٣) سيأتي برقم (٢٥٠) كتاب: الغسل، باب: الغسل بالصاع ونحوه.
(٤) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٤٣٧.
(٥) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٦٠.
(٦) رواه الترمذي (٦٠٩)، وأحمد ٣/ ١٧٩ عن أنس - رضي الله عنه -، أن رسول الله - ﷺ - قال: يجزئ في الوضوء رطلان من ماء.
ورواه أبو داود (٩٥) من فعله - ﷺ -، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: كان النبي - ﷺ - يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع.
قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك على هذا اللفظ.
وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (١٤).
(٧) انظر: «الصحاح» ٣/ ١٢٤٧، «التهذيب» ٢/ ١٩٦١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 13 ( الأعضاء 0 والزوار 13)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 448.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 442.78 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]