السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله - الصفحة 10 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الصبر على الألم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          ناقصات عقل ودين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أثر غياب الرقيب على المراهق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          تسلية العانس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          الأدب مع الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 650 )           »          سِيَرِ أعلام المحدثين من الصحابة والتابعين .....يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 923 )           »          نصائح ومواعظ للاسرة المسلمة______ يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 629 )           »          فوائد الصيام.. كيف تنعش صحتك لشهر كامل؟ يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 772 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5197 - عددالزوار : 2506634 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-01-2026, 01:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (91)

صــ 163إلى صــ 172






غَدَاةً ثَوَى أَبُو جَهْلٍ صَرِيعًا ... عَلَيْهِ الطَّيْرُ حَائِمَةٌ تَجُولُ [١]
وَعُتْبَةُ وَابْنُهُ خَرَّا جَمِيعًا ... وَشَيْبَةُ عَضَّهُ السَّيْفُ الصَّقِيلُ [٢]
وَمَتْرَكُنَا أُمَيَّةَ مُجْلَعِبًّا ... وَفِي حَيْزُومِهِ لَدْنٌ نَبِيلُ [٣]
وَهَامَ بَنِي رَبِيعَةَ. سَائِلُوهَا ... فَفِي أَسْيَافِنَا مِنْهَا فُلُولُ
أَلَا يَا هِنْدُ فَابْكِي لَا تَمَلِّي ... فَأَنْتِ الْوَالِهُ العَبْرَى الْهَبُولُ [٤]
أَلَا يَا هِنْدُ لَا تُبْدِي شِمَاتًا ... بِحَمْزَةِ إنَّ عِزَّكُمْ ذَلِيلُ

(شِعْرُ كَعْبٍ فِي أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
أَبْلِغْ قُرَيْشًا عَلَى نَأْيِهَا ... أَتُفْخَرُ مِنَّا بِمَا لَمْ تَلِي [٥]
فَخَرْتُمْ بِقَتْلَى أَصَابَتْهُمْ ... فَوَاضِلُ مِنْ نعم الْمفضل
فحلّوا جِنَانًا وَأَبْقَوْا لَكُمْ ... أُسُودًا تُحَامِي عَنْ الْأَشْبُلِ [٦]
تُقَاتِلُ عَنْ دِينِهَا، وَسْطَهَا ... نَبِيٌّ عَنْ الْحَقِّ لَمْ يَنْكُلْ [٧]
رَمَتْهُ مَعَدٌّ بِعُورِ الْكَلَامِ ... وَنَبْلِ الْعَدَاوَةِ لَا تَأْتَلِي [٨]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ: «لَمْ تَلِي»، وَقَوْلَهُ: «مِنْ نعم الْمفضل» أَبُو زَيْدٌ الْأَنْصَارِيُّ.

(شِعْرُ ضِرَارٍ فِي أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:

------------------------------
[١] حائمة: مستديرة، يُقَال: حام الطَّائِر حول المَاء.، إِذا اسْتَدَارَ حوله. وتجول: تَجِيء وَتذهب.
[٢] خرا: سقطا.
[٣] مجلعبا: ممتدا مَعَ الأَرْض. والحيزوم: أَسْفَل الصَّدْر. واللدن الرمْح اللين. والنبيل: الْعَظِيم.
[٤] الواله: الفاقدة. والعبري: الْكَثِيرَة الدمع. والهبول: الفاقدة (أَيْضا) .
[٥] النأى: الْبعد.
[٦] تحامى: تمنع. والأشبل: جمع شبْل، وَهُوَ ولد الْأسد.
[٧] لم ينكل: لم ينقص.
[٨] عور الْكَلَام: قبيحه والفاحش مِنْهُ. وَاحِدَة: عوراء. وَلَا تأتلى: لَا تقصر.


مَا بَالُ عَيْنُكَ قَدْ أَزْرَى بِهَا السُّهْدُ ... كَأَنَّمَا جَالَ فِي أَجْفَانِهَا الرَّمَدُ [١]
أَمِنْ فِرَاقِ حَبِيبٍ كُنْتَ تَأْلَفَهُ ... قَدْ حَالَ مِنْ دُونِهِ الْأَعْدَاءُ وَالْبُعْدُ
أَمْ ذَاكَ مِنْ شغب قوم لاجداء بِهِمْ ... إذْ الْحُرُوبُ تَلَظَّتْ نَارُهَا تَقِدُ [٢]
مَا يَنْتَهُونَ عَنْ الْغَيِّ الَّذِي رَكِبُوا ... وَمَا لَهُمْ مِنْ لُؤَيٍّ وَيْحهمْ عَضُدُ
وَقَدْ نَشَدْنَاهُمْ باللَّه قَاطِبَةً ... فَمَا تَرُدُّهُمْ الْأَرْحَامُ وَالنِّشَدُ [٣]
حَتَّى إذَا مَا أَبَوْا إلَّا مُحَارَبَةً ... وَاسْتَحْصَدَتْ بَيْنَنَا الْأَضْغَانُ وَالْحِقَدُ [٤]
سِرْنَا إلَيْهِمْ بِجَيْشٍ فِي جَوَانِبِهِ ... قَوَانِسُ الْبَيْضِ وَالْمَحْبُوكَةُ السُّرُدُ [٥]
وَالْجُرْدُ تَرْفُلُ بِالْأَبْطَالِ شَازِبَةً ... كَأَنَّهَا حِدَأٌ فِي سَيْرِهَا تُؤَدُ [٦]
جَيْشٌ يَقُودُهُمْ صَخْرٌ وَيَرْأَسُهُمْ ... كَأَنَّهُ لَيْثُ غَابٍ هَاصِرٌ حَرِدُ [٧]
فَأَبْرَزَ الْحَيْنَ قَوْمًا مِنْ مَنَازِلِهِمْ ... فَكَانَ مِنَّا وَمِنْهُمْ مُلْتَقًى أُحُدُ
فَغُودِرَتْ مِنْهُمْ قَتْلَى مُجَدَّلَةٌ ... كَالْمَعْزِ أَصْرَدَهُ بالصَّرْدحِ الْبَرَدُ [٨]
قَتْلَى كِرَامٌ بَنُو النَّجَّارِ وَسْطَهُمْ ... وَمُصْعَبٌ مِنْ قَنَانَا حَوْلَهُ قِصَدُ [٩]
وَحَمْزَةُ الْقَرْمُ مَصْرُوعٌ تُطِيفُ بِهِ ... ثَكْلَى وَقَدْ حُزَّ مِنْهُ الْأَنْفُ وَالْكَبِدُ [١٠]

--------------------------
[١] أزرى: قصر، يُقَال أزريت بِالرجلِ، إِذا قصرت بِهِ، وزريت على الرجل، إِذا عبت عَلَيْهِ فعله، والسهد: عدم النّوم. والرمد: وجع الْعين.
[٢] لَا جداء: لَا مَنْفَعَة وَلَا قُوَّة. وتلظت: التهبت.
[٣] قاطبة: جَمِيعًا. والنشد: جمع نشدة، وَهِي الْيَمين.
[٤] استحصدت: تقوت واستحكمت، مَأْخُوذ من قَوْلك: حَبل محصد، إِذا كَانَ شَدِيد الفتل محكمه، والحقد: أَصله بِسُكُون الْقَاف، وحركه بِالْكَسْرِ للضَّرُورَة.
[٥] القوانس: أعالى بيض السِّلَاح. والمحبوكة: الشَّدِيدَة. والسرد: المنسوجة. يُرِيد: الأدرع.
[٦] الجرد: الْخَيل الْعتاق. وشازبة: ضامرة شَدِيدَة اللَّحْم. والحدأ: جمع حدأة. وتؤد: ترفق وتمهل.
[٧] صَخْر: اسْم أَبى سُفْيَان. وَغَابَ: جمع غابة وَهِي مَوضِع الْأسد. وهاصر: كاسر، أَي يكسر فريسته إِذا أَخذهَا. وحرد: غاضب.
[٨] مجدلة: صرعى على الأَرْض. وَاسم الأَرْض الجدالة. وأصرده: بَالغ فِي برده. والصرد:
الْبرد. والصردح: الْمَكَان الصلب الغليظ.
[٩] وَقصد: قطع متكسرة.
[١٠] القرم: السَّيِّد. وثكلى: حزينة فاقدة. وحز: قطع (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) .



كَأَنَّهُ حِينَ يَكْبُو فِي جَدِيَّتِهِ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَفِيهِ ثَعْلَبٌ جَسَدُ [١]
حُوَارُ نَابٍ وَقَدْ وَلَّى صَحَابَتُهُ ... كَمَا تَوَلَّى النَّعَامُ الْهَارِبُ الشُّرُدُ [٢]
مُجَلِّحِينَ وَلَا يَلُوونَ قَدْ مُلِئُوا ... رُعْبًا، فَنَجَّتْهُمْ الْعَوْصَاءُ وَالْكُؤُدُ [٣]
تَبْكِي عَلَيْهِمْ نِسَاءٌ لَا بُعُولَ لَهَا ... مِنْ كُلِّ سَالِبَةٍ أَثْوَابُهَا قِدَدُ [٤]
وَقَدْ تَرَكْنَاهُمْ لِلطَّيْرِ مَلْحَمَةً ... وَلِلضِّبَاعِ إلَى أَجْسَادِهِمْ تَفِدُ [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِضِرَارِ:

(رَجَزُ أَبِي زَعْنَةَ يَوْمَ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو زَعْنَةَ [٦] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ، أَخُو بَنِي جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَوْمَ أُحُدٍ:
أَنَا أَبُو زَعْنَةَ يَعْدُو بِي الهُزَمْ ... لَمْ تُمْنَعْ الْمَخْزَاةُ إلَّا بِالْأَلَمْ [٧]
يَحْمِي الذِّمَارَ خَزْرَجِيٌّ مِنْ جُشَمْ [٨]

(رَجَزٌ يُنْسَبُ لِعَلِيِّ فِي يَوْمِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ غَيْرَ عَلِيٍّ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يعرفهَا لعلّى:

-------------------------
[١] يكبو: يسْقط. والجدية: طَريقَة الدَّم. والعجاج: الْغُبَار. والثعلب (هُنَا): مَا دخل من الرمْح فِي السنان. وجسد: قد يبس عَلَيْهِ الدَّم.
[٢] الحوار: ولد النَّاقة. والناب: المسنة من الْإِبِل. والشرد: النافرة.
[٣] مجلحين: مصممين لَا يردهم شَيْء. والعوصاء: عقبَة صعبة تعتاص على سالكها. والكؤد جمع كؤود وَهِي عقبَة صعبة المرتقى.
[٤] السالبة (هُنَا): الَّتِي لبست السلاب، وَهُوَ ثِيَاب الْحزن. وقدد: قطع، يعْنى أَنَّهَا مزقت ثِيَابهَا.
[٥] الملحمة: الْموضع الّذي تقع فِيهِ الْقَتْلَى فِي الْحَرْب. وتفد: تقدم وتزور.
[٦] قَالَ أَبُو ذَر: «كَذَا وَقع هُنَا بالنُّون، وزعبة، بالزاي وَالْعين الْمُهْملَة وَالْبَاء المنقوطة بِوَاحِدَة من أَسْفَلهَا، كَذَا قَيده الدَّار قطنى» .
[٧] يعدو: يسْرع. والهزم (بِضَم الْهَاء وَفتح الزاى): اسْم فرس، ويروى: الهزم (بِفَتْح الْهَاء وَكسر الزاى) وَهُوَ الْكثير الجرى.
[٨] الذمار: مَا يحب على الْمَرْء أَن يحميه.



لاهمّ إنَّ الْحَارِثَ بْنَ الصِّمَّهْ ... كَانَ وَفِيًّا وَبِنَا ذَا ذِمَّهْ [١]
أَقْبَلَ فِي مَهَامَهٍ مُهِمَّهْ ... كَلِيلَةٍ ظَلْمَاءَ مُدْلَهِمَّهْ [٢]
بَيْنَ سُيُوفٍ وَرِمَاحٍ جَمَّهْ ... يَبْغِي رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا ثَمَّهْ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلَهُ: «كَلِيلَةٍ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

(رَجَزُ عِكْرِمَةَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
كُلُّهُمْ يَزْجُرُهُ أَرْحِبْ هَلَا ... وَلَنْ يَرَوْهُ الْيَوْمَ إلَّا مُقْبِلَا [٤]
يَحْمِلُ رُمْحًا وَرَئِيسًا جَحْفَلَا [٥]

(شِعْرُ الْأَعْشَى التَّمِيمِيِّ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَوْمَ أُحُدٍ):
وَقَالَ الْأَعْشَى بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النَّبَّاشِ التَّمِيمِيُّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ أَحَدُ بَنِي أَسَدِ ابْن عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ- يَبْكِي قَتْلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَوْمَ أُحُدٍ:
حُيِّيَ مِنْ حَيٍّ عَلَيَّ نَأْيُهُمْ ... بَنُو أَبِي طَلْحَةَ لَا تُصْرَفُ [٦]
يَمُرُّ سَاقِيهِمْ عَلَيْهِمْ بِهَا ... وَكُلُّ سَاقٍ لَهُمْ يَعْرِفُ
لَا جَارُهُمْ يَشْكُو وَلَا ضَيْفُهُمْ ... مِنْ دُونِهِ بَابٌ لَهُمْ يَصْرِفُ [٧]
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى يَوْمَ أُحُدٍ:
قَتَلْنَا ابْنَ جَحْشٍ فَاغْتَبَطْنَا بِقَتْلِهِ ... وَحَمْزَةَ فِي فُرْسَانِهِ وَابْنَ قَوْقَلِ
وَأَفْلَتَنَا مِنْهُمْ رِجَالٌ فَأَسْرَعُوا ... فَلَيْتَهُمْ عَاجُوا وَلَمْ نَتَعَجَّلْ [٨]
أَقَامُوا لَنَا حَتَّى تَعَضُّ سُيُوفُنَا ... سَرَاتَهُمْ وَكُلُّنَا غَيْرُ عُزَّلِ [٩]

-----------------------------
[١] الذِّمَّة: الْعَهْد.
[٢] المهامة: جمع مهمه. وَهُوَ القفر. والمدلهمة: الشَّدِيدَة السوَاد.
[٣] جمة: كَثِيرَة.
[٤] أرحب هلا: كلمتان لزجر الْخَيل.
[٥] الجحفل: الْعَظِيم.
[٦] النأى: الْبعد. وَلَا تصرف: لَا ترد، وَيُرِيد التَّحِيَّة، وَدلّ على ذَلِك قَوْله «حَيّ» .
[٧] يصرف، يغلق فَيسمع لَهُ صَوت.
[٨] عاجوا: عطفوا وَأَقَامُوا.
[٩] سراتهم: خيارهم. الْعَزْل: الَّذين لَا سلَاح لَهُم. جمع أعزل.



وَحَتَّى يَكُونَ الْقَتْلُ فِينَا وَفِيهِمْ ... وَيَلْقَوْا صَبُوحًا شَرَّهُ غَيْرَ مُنْجَلِي [١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَوْلَهُ: «وَكُلُّنَا»، وَقَوْلَهُ: «وَيَلْقَوْا صَبُوحًا»: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

(شِعْرُ صَفِيَّةَ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَخَاهَا حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
أَسَائِلَةً أَصْحَابَ أُحْدٍ مَخَافَةً ... بَنَاتُ أَبِي مِنْ أَعْجَمٍ وَخَبِيرِ [٢]
فَقَالَ الْخَبِيرُ إنَّ حَمْزَةَ قَدْ ثَوَى ... وَزِيرُ رَسُولِ اللَّهِ خَيْرُ وَزِيرِ
دَعَاهُ إلَهُ الْحَقِّ ذُو الْعَرْشِ دَعْوَةً ... إلَى جَنَّةٍ يَحْيَا بِهَا وَسُرُورِ
فَذَلِكَ مَا كُنَّا نُرَجِّي وَنَرْتَجِي ... لِحَمْزَةِ يَوْمَ الْحَشْرِ خير مصير
فو الله لَا أَنْسَاكَ مَا هَبَّتْ الصِّبَا ... بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي [٣]
عَلَى أَسَدِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ مِدْرَهَا ... يَذُودُ عَنْ الْإِسْلَامِ كُلَّ كَفُورِ [٤]
فَيَا لَيْتَ شِلْوِي عِنْدَ ذَاكَ وَأَعْظُمِي ... لَدَى أضبع تعتادنى ونسوره [٥]
أَقُولُ وَقَدْ أَعْلَى النَّعِيَّ عَشِيرَتِي ... جَزَى اللَّهُ خَيْرًا من أَخ ونصير [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ قَوْلَهَا:
بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي

(شِعْرُ نُعَمَ فِي بُكَاءِ شَمَّاسٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ نُعَمُ، امْرَأَةُ شَمَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ، تَبْكِي شَمَّاسًا، وَأُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ:

----------------------------
[١] الصبوح: شرب الْغَدَاة. يعْنى أَنهم يسقونهم كأس الْمنية ومنجلى: منكشف. وَفِي رِوَايَة:
«صباحا» .
[٢] الْأَعْجَم: الّذي لَا يفصح.
[٣] الصِّبَا: ريح شرقية. ومسيري: أَي غيابى.
[٤] المدرة: الّذي يدْفع عَن الْقَوْم. ويذود: يمْنَع.
[٥] الشلو: الْبَقِيَّة. تعتادنى: تتعاهدنى.
[٦] النعي: يرْوى بِالرَّفْع على أَنه فَاعل، وَمَعْنَاهُ الّذي يأتى بِخَبَر الْمَيِّت، كَمَا يرْوى بِالنّصب على أَنه مفعول، وَمَعْنَاهُ النوح والبكاء بِصَوْت.



يَا عَيْنُ جُودِي بِفَيْضٍ غَيْرِ إبْسَاسِ [١] ... عَلَى كَرِيمٍ مِنْ الْفِتْيَانِ أبَّاسِ [٢]
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ مَيْمُونٍ نَقِيبَتُهُ ... حَمَّالِ أَلْوِيَةٍ رَكَّابِ أَفْرَاسِ [٣]
أَقُولُ لَمَا أَتَى النَّاعِي لَهُ جَزَعًا ... أَوْدَى الْجَوَادُ وَأَوْدَى الْمُطْعِمُ الْكَاسِي [٤]
وَقُلْتُ لَمَّا خَلَتْ مِنْهُ مَجَالِسُهُ ... لَا يُبْعِدُ اللَّهُ عَنَّا قُرْبَ شَمَّاسِ

(شِعْرُ أَبِي الْحَكَمِ فِي تَعْزِيَةِ نُعَمَ):
فَأَجَابَهَا أَخُوهَا، وَهُوَ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، يُعَزِّيهَا، فَقَالَ:
إقْنَى حَيَاءَكَ فِي سِتْرٍ وَفِي كَرَمٍ ... فَإِنَّمَا كَانَ شَمَّاسٌ مِنْ النَّاسِ [٥]
لَا تَقْتُلِي النَّفْسَ إذْ حَانَتْ مَنِيَّتُهُ ... فِي طَاعَةِ اللَّهِ يَوْمَ الرَّوْعِ وَالْبَاسِ [٦]
قَدْ كَانَ حَمْزَةُ لَيْثَ اللَّهِ فَاصْطَبِرِي ... فَذَاقَ يَوْمَئِذٍ مِنْ كَأْسِ شَمَّاسِ

(شِعْرُ هِنْدٍ بَعْدَ عَوْدَتِهَا مِنْ أُحُدٍ):
وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، حِينَ انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ:
رَجَعْتُ وَفِي نَفْسِي بَلَابِلُ جَمَّةٌ ... وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الَّذِي كَانَ مَطْلَبِي [٧]
مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ ... بَنِي هَاشِمٍ مِنْهُمْ وَمِنْ أَهْلِ يَثْرِبِ
وَلَكِنَّنِي قَدْ نِلْتُ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ ... كَمَا كُنْتُ أَرْجُو فِي مَسِيرِي وَمَرْكَبِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ قَوْلَهَا:
وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الَّذِي كَانَ مَطْلَبِي
وَبَعْضُهُمْ يُنْكِرُهَا لِهِنْدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [٨] .

------------------------------
[١] الإبساس: أَن تمسح ضرع النَّاقة لتدر، وَتقول لَهَا: بس بس، وَقد استعارت هَذَا الْمَعْنى للدمع الفائض بِغَيْر تكلّف.
[٢] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر. والأباس: الشَّديد الّذي يغلب غَيره. وَفِي الْأُصُول: «لِبَاس» وَهُوَ صِيغَة مُبَالغَة للَّذي يلبس أَدَاة الْحَرْب.
[٣] البديهة: أول الرأى وَالْأَمر. وَمَيْمُون النقيبة: مَسْعُود الفعال. والألوية: جمع لِوَاء، وَهُوَ الْعلم
[٤] أودى: هلك. والمطعم الكاسي: الْجواد الّذي يطعم النَّاس ويكسوهم.
[٥] اقنى حياءك: الزمى حياءك.
[٦] يَوْم الروع: يَوْم الْفَزع، وَهُوَ يَوْم الْبَأْس والقتال.
[٧] البلابل: الأحزان. وجمة: كَثِيرَة.
[٨] إِلَى هُنَا انْتهى الْجُزْء الثَّانِي عشر من أَجزَاء السِّيرَة.



ذِكْرُ يَوْمِ الرَّجِيعِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ

(طَلَبَتْ عَضَلُ وَالْقَارَّةُ نَفَرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيُعَلِّمُوهُمْ فَأَوْفَدَ الرَّسُولُ سِتَّةً):
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أُحُدٍ رَهْطٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ.

(نَسَبُ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَضَلٌ وَالْقَارَّةُ، مِنْ الْهَوْنِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْهُونُ، بِضَمِّ الْهَاءِ [١] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فِينَا إسْلَامًا، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَنَا فِي الدِّينِ، وَيُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُونَنَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَرًا سِتَّةً [٢] مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ: مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، حَلِيفُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، وَخُبَيْبٌ بْنُ عَدِيٍّ، أَخُو بَنِي جَحْجَبَى بْنِ كُلْفَةَ ابْن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، أَخُو بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَمْرِو [٣] بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ حَلِيفُ بَنِي ظَفَرِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.

(غَدْرُ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ بِالنَّفَرِ السِّتَّةِ):
وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْقَوْمِ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ [٤]، فَخَرَجَ

--------------------------------
[١] وعَلى هَذِه الرِّوَايَة اقْتصر الصِّحَاح والقاموس وَشرح الْمَوَاهِب.
[٢] قيل: إِنَّهُم كَانُوا عشرَة، وَهُوَ أصح، سِتَّة من الْمُهَاجِرين وَأَرْبَعَة من الْأَنْصَار. (رَاجع الرَّوْض وَشرح ديوَان حسان طبع أوربا ص ٦٦، وَشرح الْمَوَاهِب اللدنية ج ٢ ص ٦٤) .
[٣] فِي ر: «عَامر» .
[٤] قيل إِن الرَّسُول ﷺ أَمر عَلَيْهِم عَاصِم بن ثَابت. (رَاجع الرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .



مَعَ الْقَوْمِ. حَتَّى إذَا كَانُوا عَلَى الرَّجِيعِ، مَاءٍ لِهُذَيْلٍ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ، عَلَى صُدُورِ الْهَدْأَةِ [١] غَدَرُوا بِهِمْ، فَاسْتَصْرَخُوا [٢] عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا، فَلَمْ يَرُعْ الْقَوْمَ، وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، إلَّا الرِّجَالُ بِأَيْدِيهِمْ السُّيُوفُ، قَدْ غَشُوهُمْ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ لِيُقَاتِلُوهُمْ فَقَالُوا لَهُمْ: إنَّا وَاَللَّهِ مَا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُصِيبَ بِكُمْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا نَقْتُلَكُمْ.

(مَقْتَلُ مَرْثَدٍ وَابْنِ الْبُكَيْرِ وَعَاصِمٍ):
فَأُمَّا مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَهْدًا وَلَا عَقْدًا أَبَدًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ:
مَا عِلَّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ ... وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَابِلُ [٣]
تَزَلُّ عَنْ صَفْحَتِهَا الْمَعَابِلُ ... الْمَوْتُ حَقٌّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ [٤]
وَكُلُّ مَا حَمَّ الْإِلَهُ نَازِلٌ ... بِالْمَرْءِ وَالْمَرْءُ إلَيْهِ آئِلُ [٥]
إنْ لَمْ أُقَاتِلْكُمْ فَأُمِّي هَابِلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَابِلُ: ثَاكِلُ.
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
أَبُو سُلَيْمَانَ وَرِيشُ الْمُقْعَدِ ... وَضَالَةٌ مِثْلَ الْجَحِيمِ الْمُوقَدِ [٦]
إذَا النَّوَاجِي افْتُرِشْتِ لَمْ أُرْعَدْ ... وَمُجْنَأٌ مِنْ جَلَدٍ ثَوْرٍ أَجْرَدِ [٧]
وَمُؤْمِنٌ بِمَا عَلَى مُحَمَّدِ

-------------------------------
[١] قَالَ ياقوت: «الهدأة، كَمَا ذكره البُخَارِيّ فِي قتل عَاصِم، قَالَ: وَهُوَ مَوضِع بَين عسفان وَمَكَّة، وَكَذَا ضَبطه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ الأندلسى. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يُقَال لموْضِع بَين مَكَّة والطائف: الهدة، بِغَيْر ألف، وَهُوَ غير الأول، ذكر مَعَه لنفى الْوَهم» .
[٢] استصرخوا: استنصروا.
[٣] النابل: صَاحب النبل. ويروى: «بازل» وَهُوَ القوى. وعنابل (بِالضَّمِّ): غليظ شَدِيد.
[٤] المعابل: جمع معبلة، وَهُوَ نصل عريض طَوِيل.
[٥] حم الْإِلَه: قدره. وآثل: صائر.
[٦] المقعد: رجل كَانَ يريش النبل. والضالة: شجر تصنع مِنْهُ القسي والسهام، وَالْجمع: ضال.
ويعنى بالضالة (هُنَا): الْقوس.
[٧] النواجى: الْإِبِل السريعة. ويروى: «النواحي،» بِالْحَاء الْمُهْملَة. وافترشت: عمرت، والمجنأ: الترس لَا حَدِيد فِيهِ. والأجرد: الأملس.



وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتُ أَيْضًا:
أَبُو سُلَيْمَانَ ومثلي رَامَى ... وَكَانَ قَوْمِي مَعْشَرًا كِرَامَا
وَكَانَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ يُكَنَّى: أَبَا سُلَيْمَانَ. ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ وَقُتِلَ صَاحِبَاهُ.

(حَدِيثُ حِمَايَةِ الدَّبْرِ لِعَاصِمِ):
فَلَمَّا قُتِلَ عَاصِمٌ أَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِهِ، لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَيْهَا يَوْمَ أُحُدٍ: لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ فِي قِحْفِهِ الْخَمْرَ، فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ [١]، فَلَمَّا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ [الدَّبْرُ] [٢] قَالُوا: دَعُوهُ يُمْسِي فَتَذْهَبُ عَنْهُ، فَنَأْخُذُهُ. فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ، فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ. وَقَدْ كَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا، تَنَجُّسًا، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ: يَحْفَظُ اللَّهُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ، كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فِي حَيَاتِهِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، كَمَا امْتَنَعَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ.

(مَقْتَلُ ابْنِ طَارِقٍ وَبَيْعُ خُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثِنَّةِ):
وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ، فَلَانُوا وَرَقُّوا وَرَغِبُوا فِي الْحَيَاةِ، فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَأَسَرُوهُمْ، ثُمَّ خَرَجُوا إلَى مَكَّةَ، لِيَبِيعُوهُمْ بِهَا، حَتَّى إذَا كَانُوا بِالظَّهْرَانِ [٣] انْتَزَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ يَدَهُ مِنْ الْقِرَانِ [٤]، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُ الْقَوْمُ، فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَبْرُهُ، رحمه الله، بِالظَّهْرَانِ، وَأَمَّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ فَقَدِمُوا بِهِمَا مَكَّةَ.
قَالَ ابْن هِشَام: فباعوهما مِنْ قُرَيْشٍ بِأَسِيرَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ كَانَا بِمَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَابْتَاعَ خُبَيْبًا حُجَيْرُ بْنُ أَبِي إهَابٍ التَّمِيمِيُّ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلٍ، لِعُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ أَبُو إهَابٍ أَخَا الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ لِأُمِّهِ لِقَتْلِهِ بِأَبِيهِ.

------------------------
[١] الدبر: الزنابير والنحل.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] الظهْرَان: وَاد قرب مَكَّة. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] الْقرَان: الْحَبل يرْبط بِهِ الْأَسير.



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، خَالُ أَبِي إهَابٍ، وَأَبُو إهَابٍ، أَحَدُ بَنِي أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَيُقَالُ: أَحَدُ بَنِي عُدَسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ، مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.

(مَقْتَلُ ابْنِ الدَّثِنَّةِ وَمَثَلٌ مِنْ وَفَائِهِ لِلرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَّةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ، أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبَعَثَ بِهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مَعَ مَوْلًى لَهُ، يُقَالُ لَهُ نِسْطَاسُ، إلَى التَّنْعِيمِ [١]، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ. وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ ابْن حَرْبٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قَدِمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ فِي مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَأَنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَة تؤذيه، وأنّى جَالِسٌ فِي أَهْلِي. قَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ نِسْطَاسُ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ.

(مَقْتَلُ خُبَيْبٍ وَحَدِيثُ دَعْوَتِهِ):
وَأَمَّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، أَنَّهُ حُدِّثَ عَنْ مَاوِيَّةَ [٢]، مَوْلَاةِ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إهَابٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ، قَالَتْ: كَانَ خُبَيْبٌ عِنْدِي، حُبِسَ فِي بَيْتِي، فَلَقَدْ اطَّلَعَتْ عَلَيْهِ يَوْمًا، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ، مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَمَا أَعْلَمُ فِي أَرْضِ اللَّهِ عِنَبًا يُؤْكَلُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ جَمِيعًا أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ لِي حِينَ حَضَرَهُ الْقَتْلُ: ابْعَثِي إلَيَّ بِحَدِيدَةٍ أَتَطَهَّرُ بِهَا لِلْقَتْلِ، قَالَتْ: فَأَعْطَيْتُ غُلَامًا مِنْ الْحَيِّ الْمُوسَى، فَقُلْتُ: اُدْخُلْ بِهَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْبَيْت، قَالَت: فو الله مَا هُوَ إلَّا أَنْ وَلَّى الْغُلَامُ بِهَا إلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَاذَا صَنَعْتُ! أَصَابَ وَاَللَّهِ الرَّجُلُ ثَأْرَهُ بِقَتْلِ هَذَا الْغُلَامِ، فَيَكُونُ رَجُلًا بِرَجُلِ، فَلَمَّا نَاوَلَهُ الْحَدِيدَةَ أَخَذَهَا مِنْ

------------------------
[١] التَّنْعِيم: مَوضِع بِمَكَّة فِي الْحل، وَهُوَ بَين مَكَّة وسرف على فرسخين من مَكَّة، (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] تروى بالراء وبالواو. (رَاجع الرَّوْض والاستيعاب وَشرح الْمَوَاهِب) .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-01-2026, 01:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (92)

صــ 173إلى صــ 182






يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: لَعَمْرَكَ، مَا خَافَتْ أُمُّكَ غَدْرِي حِينَ بَعَثَتْكَ بِهَذِهِ الْحَدِيدَةِ إلَيَّ! ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنَّ الْغُلَامَ ابْنُهَا [١] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ عَاصِمٌ: ثُمَّ خَرَجُوا بِخُبَيْبٍ، حَتَّى إذَا جَاءُوا بِهِ إلَى التَّنْعِيمِ لِيَصْلُبُوهُ، قَالَ لَهُمْ: إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَدَعُونِي حَتَّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَافْعَلُوا، قَالُوا: دُونَكَ فَارْكَعْ. فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَتَمَّهُمَا وَأَحْسَنَهُمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ:
أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إنَّمَا طَوَّلْتُ جَزَعًا مِنْ الْقَتْلِ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الصَّلَاةِ. قَالَ:
فَكَانَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ:
ثُمَّ رَفَعُوهُ عَلَى خَشَبَةٍ، فَلَمَّا أَوْثَقُوهُ، قَالَ: اللَّهمّ إنَّا قَدْ بَلَّغْنَا رِسَالَةَ رَسُولِكَ، فَبَلِّغْهُ الْغَدَاةَ مَا يُصْنَعُ بِنَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا [٢]، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. ثُمَّ قَتَلُوهُ رحمه الله.
فَكَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: حَضَرْتُهُ يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ حَضَرَهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُلْقِينِي إلَى الْأَرْضِ فَرْقًا مِنْ دَعْوَةِ خُبَيْبٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُعِيَ عَلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ لِجَنْبِهِ زَالَتْ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَنَا وَاَللَّهِ قَتَلْتُ خُبَيْبًا، لِأَنِّي كُنْتُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ أَبَا مَيْسَرَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، أَخَذَ الْحَرْبَةَ فَجَعَلَهَا فِي يَدِي، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي وَبِالْحَرْبَةِ، ثُمَّ طَعَنَهُ بِهَا حَتَّى قَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه اسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ الْجُمَحِيَّ عَلَى بَعْضِ الشَّامِ، فَكَانَتْ تُصِيبُهُ غَشْيَةٌ، وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْقَوْمِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ مُصَابٌ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ فِي قَدْمَةٍ قَدِمَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا سَعِيدُ، مَا هَذَا الَّذِي يُصِيبُكَ؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بِي مِنْ بَأْسٍ، وَلَكِنِّي كُنْتُ فِيمَنْ

---------------------------
[١] وَقيل: هُوَ أَبُو حُسَيْن بن الْحَارِث بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٢] بددا: مُتَفَرّقين.


حَضَرَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ حِينَ قُتِلَ، وَسمعت دَعوته، فو الله مَا خَطَرَتْ عَلَى قَلْبِي وَأَنَا فِي مَجْلِسٍ قَطُّ إلَّا غُشِيَ عَلَيَّ، فَزَادَتْهُ عِنْدَ عُمَرَ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ هِشَام: أَقَامَ لخبيب فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى انْقَضَتْ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، ثُمَّ قَتَلُوهُ-

(مَا نَزَلَ فِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ مِنْ الْقُرْآنِ):
قَالَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي تِلْكَ السَّرِيَّةِ، كَمَا حَدَّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أُصِيبَتْ السَّرِيَّةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا مَرْثَدٌ وَعَاصِمٌ بِالرَّجِيعِ، قَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ: يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا (هَكَذَا) [١]، لَا هُمْ قَعَدُوا فِي أَهْلِيهِمْ، وَلَا هُمْ أَدَّوْا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا أَصَابَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ الْخَيْرِ بِاَلَّذِي أَصَابَهُمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَمن النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ٢: ٢٠٤: أَيْ لِمَا يُظْهِرُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِلِسَانِهِ، «وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ» ٢: ٢٠٤، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ، «وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ» ٢: ٢٠٤: أَيْ ذُو جِدَالٍ إذَا كَلَّمَكَ وَرَاجَعَكَ.

(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَلَدُّ: الَّذِي يَشْغَبُ، فَتَشْتَدُّ خُصُومَتُهُ، وَجَمْعُهُ: لُدٌّ.
وَفِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [٢] ١٩: ٩٧. وَقَالَ الْمُهَلْهَلُ بْنُ رَبِيعَةَ التَّغْلِبِيُّ، وَاسْمُهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَيُقَالُ: عَدِيُّ [٣] بْنُ رَبِيعَةَ:
إنَّ تَحْتَ الْأَحْجَارِ حَدًّا وَلِينَا ... وَخَصِيمًا أَلَدَّ ذَا مِعْلَاقِ [٤]
وَيُرْوَى «ذَا مِغْلَاقِ [٥]» فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَهُوَ الْأَلَنْدَدُ.

-----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] فِي القصيدة مَا يرجح أَن اسْمه عدي، وَهُوَ قَوْله:
ضربت صدرها إِلَى وَقَالَت ... يَا عديا لقد وقتك الأواقى
[٤] يَقُول إِن فِيهِ حِدة لأعدائه ولينا لأوليائه، والألد: الشَّديد الْخُصُومَة. وَذَا معلاق: أَي أَنه يتَعَلَّق بِحجَّة خَصمه.
[٥] ذَا مغلاق: أَي أَنه يغلق الْكَلَام على خَصمه، فَلَا يقدر أَن يتَكَلَّم مَعَه



قَالَ الطِّرِمَّاحُ بْنُ حَكِيمٍ الطَّائِيُّ يَصِفُ الْحِرْبَاءَ:
يُوفِي عَلَى جِذْمِ الْجُذُولِ كَأَنَّهُ ... خَصْمٌ أَبَرَّ عَلَى الْخُصُومِ أَلَنْدَدِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٢]: قَالَ تَعَالَى: وَإِذا تَوَلَّى ٢: ٢٠٥: أَيْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها، وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَالله لَا يُحِبُّ الْفَسادَ ٢: ٢٠٥ أَيْ لَا يُحِبُّ عَمَلَهُ وَلَا يَرْضَاهُ. وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ. وَمن النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله، وَالله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ٢: ٢٠٦- ٢٠٧: أَيْ قَدْ شَرَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ اللَّهِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ، حَتَّى هَلَكُوا عَلَى ذَلِكَ، يَعْنِي تِلْكَ السَّرِيَّةَ.

(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَشْرِي نَفْسَهُ: يَبِيعُ نَفْسَهُ، وَشَرَوْا: بَاعُوا. قَالَ يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ [٣] بْنِ مُفَرَّغٍ الْحِمْيَرِيُّ:
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ [٤] بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهُ [٥]
بُرْدٌ: غُلَامٌ لَهُ بَاعَهُ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَشَرَى أَيْضًا: اشْتَرَى.
قَالَ الشَّاعِرُ:

--------------------------------
[١] يُوفى: يشرف. والجذم: الْقطعَة من الشَّيْء، وَقد يكون الأَصْل أَيْضا. والجذول: الْأُصُول، الْوَاحِد: جذل. وَأبر: أَي زَاد وَظهر عَلَيْهِم. ويروى «أبن» بالنُّون، أَي أَقَامَ وَلم يفهم الْخُصُومَة، يُقَال: ابْن فلَان بِالْمَكَانِ: إِذا أَقَامَ بِهِ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ ٢: ٢٠٥» . قَالَ ابْن إِسْحَاق حَدثنِي مولى لآل زيد بن ثَابت عَن عِكْرِمَة أَو عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «أَي خرج من عنْدك سعى فِي الأَرْض» .
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] فِي أ: «من قبل» وَهِي رِوَايَة فِيهِ.
[٥] الهامة: طَائِر كَانَت الْعَرَب تزْعم أَنه يخرج من رَأس الْقَتِيل، فَلَا يزَال يَقُول: اسقوني اسقوني، حَتَّى يُؤْخَذ بثأره.



فَقُلْتُ لَهَا لَا تَجْزَعِي أُمَّ مَالِكٍ ... عَلَى ابْنَيْكَ إنْ عَبْدٌ لَئِيمٌ شَرَاهُمَا

(شِعْرُ خُبَيْبٍ حِينَ أُرِيدَ صَلْبُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الشِّعْرِ، قَوْلُ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ اجْتَمَعُوا لِصَلْبِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ.
لَقَدْ جَمَّعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا ... قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَعِ [١]
وَكُلُّهُمْ مُبْدِي الْعَدَاوَةَ جَاهِدٌ ... عَلَيَّ لِأَنِّي فِي وِثَاقٍ بِمَصْيَعِ [٢]
وَقَدْ جَمَّعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ ... وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِ
إلَى اللَّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي ثُمَّ كُرْبَتِي ... وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي [٣]
فَذَا الْعَرْشِ، صَبِّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي [٤] ... فَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي [٥]
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ [٦]
وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَهُ ... وَقَدْ هَمَلَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ [٧]
وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ، إنِّي لَمَيِّتٌ ... وَلَكِنْ حِذَارِي جَحْمُ نَار ملفّع [٨]
فو الله مَا أَرْجُو [٩] إذَا مِتُّ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي [١٠]

---------------------------
[١] ألبوا: جمعُوا، يُقَال: ألبت الْقَوْم على فلَان: إِذا جمعتهم عَلَيْهِ وحضضتهم.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «مضيع» .
[٣] أرصد: أعد.
[٤] فِي أ: «يرادنى» وَهُوَ تَصْحِيف.
[٥] وبضعوا: قطعُوا. وياس: لُغَة فِي يئس.
[٦] الشلو: الْبَقِيَّة. والممزع: المقطع.
[٧] هملت: سَالَ دمعها.
[٨] كَذَا فِي أ. والجحم (بِتَقْدِيم الْمُعْجَمَة على الْمُهْملَة): الملتهب المتقد، وَمِنْه سميت الْجَحِيم.
وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حجم» (بِتَقْدِيم الْمُهْملَة على الْمُعْجَمَة) وَهُوَ تَحْرِيف. وملفع: مُشْتَمل عَام، يُقَال: تلفع بِالثَّوْبِ، إِذا اشْتَمَل بِهِ.
[٩] أَرْجُو، أَي أَخَاف، وَهِي لُغَة، وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَوْله تَعَالَى: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا ٧١: ١٣»، أَي لَا تخافون.
[١٠] فِي أ: «مضجعي» .



فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوِّ تَخَشُّعًا ... وَلَا جَزَعًا إنِّي إلَى اللَّهِ مَرْجِعِي [١]

(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي بُكَاءِ خُبَيْبٍ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي خُبَيْبًا:
مَا بَالُ عَيْنِكِ لَا تَرْقَا مَدَامِعُهَا [٢] ... سَحًّا عَلَى الصَّدْرِ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ الْقَلِقِ [٣]
عَلَى خُبَيْبٍ فَتَى الْفِتْيَانِ قَدْ عَلِمُوا ... لَا فَشِلٍ حِينَ تَلْقَاهُ وَلَا نَزِقِ [٤]
فَاذْهَبْ خُبَيْبُ جَزَاكَ اللَّهُ طَيِّبَةً ... وَجَنَّةُ الْخُلْدِ عِنْدَ الْحُورِ فِي الرُّفُقِ [٥]
مَاذَا تَقُولُونَ إنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ ... حِينَ الْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَارِ فِي الْأُفُقِ
فِيمَ قَتَلْتُمْ شَهِيدَ اللَّهِ فِي رَجُلٍ ... طَاغٍ قَدْ أَوْعَثَ فِي الْبُلْدَانِ وَالرُّفَقِ [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: «الطُّرُقِ» [٧] . وَتَرَكْنَا مَا بَقِيَ مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَقْذَعَ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَبْكِي خُبَيْبًا:
يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ مِنْكِ مُنْسَكِبٍ ... وَابْكِي خُبَيْبًا مَعَ الْفِتْيَانِ لَمْ يَؤُبْ [٨]
صَقْرًا تَوَسَّطَ فِي الْأَنْصَارِ مَنْصِبُهُ ... سَمْحَ السَّجِيَّةَ مَحْضًا غَيْرَ مُؤْتَشِبِ [٩]
قَدْ هَاجَ عَيْنِي عَلَى عِلَّاتِ عَبْرَتِهَا ... إِذْ قيل نضّ إلَى جِذْعٍ من الْخشب [١٠]

-----------------------------
[١] التخشع: التذلل.
[٢] كَذَا فِي أ، والديوان. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَيْنَيْك» . وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ. وَلَا ترقا مدامعها: لَا تكف، وَأَصله الْهَمْز فسهله.
[٣] كَذَا فِي أ. والديوان. والقلق: المتحرك السَّاقِط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الفلق» بِالْفَاءِ، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] الفشل: الْجنان الضَّعِيف الْقُوَّة. والنزق: السيّئ الْخلق. وَرِوَايَة الشّطْر الأول من هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان:
على خبيب وَفِي الرَّحْمَن مصرعه
[٥] قَالَ أَبُو ذَر: الرّفق (بِضَم الرَّاء وَالْفَاء): جمع رَفِيق.
[٦] أوعث: اشْتَدَّ فَسَاده. والرّفق (بِفَتْح الْفَاء) جمع رفْقَة (بِضَم الرَّاء وَكسرهَا) .
[٧] وَهِي رِوَايَة الدِّيوَان.
[٨] منسكب: سَائل، وَلم يؤب: لم يرجع.
[٩] السجية: الطبيعة. وَفِي الدِّيوَان: «حُلْو السجية» والمحض: الْخَالِص، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا:
خلوص نسبه. والمؤتشب: الْمُخْتَلط.
[١٠] العلات: المشقات. وَنَصّ: رفع (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا)، مَأْخُوذ من النَّص فِي السّير وَهُوَ أرفعه.
١٢- سيرة ابْن هِشَام- ٢



يَا أَيهَا الرَّاكِبُ الْغَادِي لِطَيَّتِهِ ... أَبْلِغْ لَدَيْكَ وَعِيدًا لَيْسَ بِالْكَذِبِ [١]
بَنِي كُهَيْبَةَ [٢] أَنَّ الْحَرْبَ قَدْ لَقِحَتْ ... مَحْلُوبُهَا الصَّابُ إذْ تُمْرَى لَمُحْتَلِبِ [٣]
فِيهَا أُسُودُ بَنِي النَّجَّارِ تَقْدُمُهُمْ ... شُهْبُ الْأَسِنَّةِ فِي مُعْصَوْصَبٍ لَجِبِ [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ مِثْلُ الَّتِي قَبْلَهَا، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهُمَا لِحَسَّانٍ، وَقَدْ تَرَكْنَا أَشْيَاءَ قَالَهَا حَسَّانٌ فِي أَمْرِ خُبَيْبٍ لِمَا ذَكَرْتُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
لَوْ كَانَ فِي الدَّارِ قَرِمٌ مَاجِدٌ بَطِلٌ ... أَلْوَى مِنْ الْقَوْمِ صَقْرٌ خَالُهُ أَنَسُ [٥]
إذَنْ وَجَدْتَ خُبَيْبًا مَجْلِسًا فَسِحًا ... وَلَمْ يُشَدَّ عَلَيْكَ السِّجْنُ وَالْحَرَسُ
وَلَمْ تَسُقْكَ إلَى التَّنْعِيمِ زِعْنِفَةٌ ... مِنْ الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مَنْ نَفَتْ عُدَسُ [٦]
دَلَّوْكَ غَدْرًا وَهُمْ فِيهَا أُولُو خُلُفٍ ... وَأَنْتَ ضَيْمٌ لَهَا فِي الدَّارِ مُحْتَبَسُ [٧]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَسٌ: الْأَصَمُّ السُّلَمِيُّ: خَالُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ

--------------------------
[١] الطية: مَا انطوت عَلَيْهِ نيتك.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَالرَّوْض. قَالَ السهيليّ: «جعل كهيبة كَأَنَّهُ اسْم علم لأمهم، وَهَذَا كَمَا يُقَال: بنى ضوطرى وَبنى القبرة وَبنى درزة. قَالَ الشَّاعِر:
أَوْلَاد درزة أسلموك وطاروا
وَهَذَا كُله اسْم لمن يسب، وَعبارَة عَن السفلة من النَّاس. وكهيبة: من الكهبة، وَهِي الغبرة، وَهَذَا كَمَا قَالُوا: «بنى الغبراء» . وَفِي أ: «كهينة» بالنُّون. وَفِي الدِّيوَان «فكيهة» .
[٣] لقحت: ازْدَادَ شَرها. ومحلوبها: لَبنهَا. والصاب: العلقم. وتمرى: تمسح.
[٤] المعصوصب: الْجَيْش الْكثير. واللجب: الْكثير الْأَصْوَات.
[٥] القرم: السَّيِّد، وَأَصله الْفَحْل من الْإِبِل. والماجد: الشريف. وألوى، أَي شَدِيد الْخُصُومَة.
وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان:
لَو كَانَ فِي الدَّار قوم ذُو مُحَافظَة ... حامي الْحَقِيقَة مَاض خَاله أنس
[٦] الزعنفة: الَّذين ينتمون إِلَى الْقَبَائِل وَيَكُونُونَ أتباعا لَهُم. وعدس: قَبيلَة من لقيم. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر الْأَخير فِي الدِّيوَان:
من المعاشر مِمَّن قد نفث عدس
[٧] دلوك، أَي غروك. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: «فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ» ٧: ٢٢. وَالْخلف (بِضَمَّتَيْنِ):
الْخلف (بِضَم فَسُكُون)، وضمت لامه فِي الشّعْر إتباعا للخاء. والضيم: الذل، وَالْمرَاد «ذُو ضيم» فَحذف الْمُضَاف وَأقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه. وَلم يذكر هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان وَذكر مَكَانَهُ:
صبرا خبيب فَإِن الْقَتْل مكرمَة ... إِلَى جنان نعيم يرجع النَّفس



ابْن عَبْدِ مَنَافٍ. وَقَوْلَهُ: «مِنْ «نَفْثِ عُدَسُ» يَعْنِي حُجَيْرَ بْنَ أَبِي إهَابٍ، وَيُقَالُ الْأَعْشَى بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النَّبَّاشِ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.

(مَنْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِ خُبَيْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الَّذِينَ أَجْلَبُوا [١] عَلَى خُبَيْبٍ فِي قَتْلِهِ حِينَ قُتِلَ مِنْ قُرَيْشٍ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدٍّ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السُّلَمِيُّ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ، وَبَنُو الْحَضْرَمِيِّ.

(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي هِجَاءِ هُذَيْلٍ لِقَتْلِهِمْ خُبَيْبًا):
وَقَالَ حَسَّانٌ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا [٢] فِيمَا صَنَعُوا بِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ:
أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو بِأَنَّ أَخَاهُم ... شراه أَمر وَقد كَانَ لِلْغَدْرِ لَازِمَا [٣]
شَرَاهُ زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرِّ وَجَامِعٌ ... وَكَانَا جَمِيعًا يَرْكَبَانِ الْمَحَارِمَا
أَجَرْتُمْ فَلَمَّا أَنْ أَجَرْتُمْ غَدَرْتُمْ ... وَكُنْتُمْ بِأَكْنَافِ الرَّجِيعِ لَهَاذِمَا [٤]
فَلَيْتَ [٥] خُبَيْبًا لَمْ تَخُنْهُ أَمَانَةٌ ... وَلَيْتَ خُبَيْبًا كَانَ بِالْقَوْمِ عَالِمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرِّ وَجَامِعٌ: الْهُذَلِيَّانِ اللَّذَانِ بَاعَا خُبَيْبًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
إنْ سَرَّكَ الْغَدْرُ صِرْفًا لَا مِزَاجَ لَهُ ... فَأْتِ الرَّجِيعَ فَسَلْ عَنْ دَارِ لِحْيَانَ [٦]

----------------------------
[١] أجلبوا: اجْتَمعُوا وصاحوا.
[٢] هجا حسان هذيلا، لأَنهم إخْوَة القارة والمشاركون لَهُم فِي الْغدر بخبيب وَأَصْحَابه. وهذيل وَخُزَيْمَة أَبنَاء مدركة بن إلْيَاس. وعضل والقارة من بنى خُزَيْمَة. (رَاجع الرَّوْض) .
[٣] شراه: بَاعه، وَهُوَ من الأضداد.
[٤] لهاذما (بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة): جمع لهذم، وَهُوَ الْقَاطِع من السيوف. (وبالزاي): الضُّعَفَاء والفقراء. وأصل اللهزمتين: مضغتان تَكُونَانِ فِي الحنك، واحدتهما: لهزمة، وَالْجمع: لهازم، فشبههم بهَا لحقارتها.
[٥] فِي م: «فَلَيْسَتْ»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٦] لحيان (بِكَسْر اللَّام وَقيل بِفَتْحِهَا): ابْن هُذَيْل بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .



قَوْمٌ تَوَاصَوْا بِأَكْلِ الْجَارِ بَيْنَهُمْ ... فَالْكَلْبُ وَالْقِرْدُ وَالْإِنْسَانُ مِثْلَانِ [١]
لَوْ يَنْطِقُ التَّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ ... وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَانِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَوْلَهُ:
لَوْ يَنْطِقُ التَّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ ... وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَانِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فَاحِشَةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبْ [٢]
سَالُوا رَسُولَهُمْ مَا لَيْسَ مُعْطِيَهُمْ ... حَتَّى الْمَمَاتِ، وَكَانُوا سُبَّةَ الْعَرَبِ
وَلَنْ تَرَى لِهُذَيْلٍ دَاعِيًا أَبَدًا ... يَدْعُو لِمَكْرُمَةٍ عَنْ مَنْزِلِ الْحَرْبِ [٣]
لَقَدْ أَرَادُوا خِلَالَ الْفُحْشِ وَيْحَهُمْ ... وَأَنْ يُحِلُّوا حَرَامًا كَانَ فِي الْكُتُبِ [٤]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
لَعَمْرِي لَقَدْ شَانَتْ هُذَيْلَ بْنَ مُدْرِكٍ ... أَحَادِيثُ كَانَتْ فِي خُبَيْبٍ وَعَاصِمِ [٥]
أَحَادِيثُ لِحْيَانٍ صَلَوْا بِقَبِيحِهَا [٦] ... وَلِحْيَانُ جَرَّامُونَ شَرَّ الْجَرَائِمِ [٧]

-------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ميلان» .
[٢] قَالَ أَبُو ذَر «سَالَتْ. أَرَادَ: سَأَلت، ثمَّ خفف الْهمزَة، وَقد يُقَال: سَالَ يسْأَل (بِغَيْر همز) وَهِي لُغَة. وَيُشِير حسان إِلَى مَا سَأَلت هُذَيْل رَسُول الله ﷺ حِين أَرَادوا الْإِسْلَام أَن يحل لَهُم الزِّنَا، فَهُوَ يعيرهم ذَلِك» .
وَقَالَ السهيليّ: «وَقَوله سَالَتْ هُذَيْل، لَيْسَ على تسهيل الْهمزَة فِي سَأَلت، وَلكنهَا لُغَة، بِدَلِيل قَوْلهم تسايل القَوْل، وَلَو كَانَ تسهيلا لكَانَتْ الْهمزَة بَين بَين وَلم يستقم وزن الشّعْر بهَا لِأَنَّهَا كالمتحركة، وَقد تقلب ألفا سَاكِنة كَمَا قَالُوا المنساة، وَلكنه شَيْء لَا يُقَاس عَلَيْهِ، وَإِذا كَانَت سَالَ لُغَة فِي سَأَلَ فَيلْزم أَن يكون الْمُضَارع يسيل، وَلَكِن قد حكى يُونُس: سلت تسْأَل، مثل خفت تخَاف، وَهُوَ عِنْده من ذَوَات الْوَاو.
وَقَالَ الزّجاج: الرّجلَانِ يتسايلان. وَقَالَ النّحاس والمبرد: يتساولان، وَهُوَ مثل مَا حكى يُونُس» .
[٣] الْحَرْب: السَّلب، يُقَال: حَرْب الرجل، إِذا سلب (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) .
[٤] الْخلال: الْخِصَال.
[٥] شانت: عابت.
[٦] كَذَا فِي أ. وصلوا بقبيحها: أَي أَصَابَهُم شَرها. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «صلوب قبيحها» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٧] جرامون: كاسبون.



أُنَاسٌ هُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ فِي صَمِيمِهِمْ ... بِمَنْزِلَةِ الزَّمْعَانِ دُبْرَ الْقَوَادِمِ [١]
هُمْ غَدَرُوا يَوْمَ الرَّجِيعِ وَأَسْلَمَتْ ... أَمَانَتُهُمْ ذَا عِفَّةٍ وَمَكَارِمِ
رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ غَدْرًا وَلَمْ تَكُنْ ... هُذَيْلٌ تَوَقَّى مُنْكَرَاتِ الْمَحَارِمِ
فَسَوْفَ يَرَوْنَ النَّصْرَ يَوْمًا عَلَيْهِمْ ... بِقَتْلِ الَّذِي تَحْمِيهِ دُونَ الْحَرَائِمِ [٢]
أَبَابِيلُ دَبْرٍ شُمَّسٍ دُونَ لَحْمِهِ ... حَمَتْ لَحْمَ شَهَّادٍ عِظَامَ الْمَلَاحِمِ [٣]
لَعَلَّ هُذَيْلًا أَنْ يَرَوْا بِمَصَابِّهِ ... مَصَارِعَ قَتْلَى أَوْ مَقَامًا لِمَأْتَمِ [٤]
وَنُوقِعَ فِيهِمْ [٥] وَقْعَةً ذَاتَ صَوْلَةٍ [٦] ... يُوَافِي بِهَا الرُّكْبَانُ أَهْلَ الْمَوَاسِمِ
بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ إنَّ رَسُولَهُ ... رَأَى رَأْيَ ذِي حَزْمٍ بِلِحْيَانَ عَالِمِ
قُبَيِّلةٌ لَيْسَ الْوَفَاءُ يُهِمُّهُمْ ... وَإِنْ ظُلِمُوا لَمْ يَدْفَعُوا كَفَّ ظَالِمِ
إذَا النَّاسُ حَلُّوا بِالْفَضَاءِ رَأَيْتهمْ ... بِمَجْرَى مَسِيلِ الْمَاءِ بَيْنَ الْمَخَارِمِ [٧]
مَحَلُّهُمْ دَارُ الْبَوَارِ وَرَأْيُهُمْ ... إذَا نَابَهُمْ أَمْرٌ كَرَأْيِ الْبَهَائِمِ [٨]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَهْجُو هُذَيْلًا:
لَحَى اللَّهُ لِحْيَانًا فَلَيْسَتْ دِمَاؤُهُمْ ... لَنَا مِنْ قَتِيلَيْ غَدْرَةٍ بِوَفَاءِ [٩]
هُمُو قَتَلُوا يَوْمَ الرَّجِيعِ ابْنَ حُرَّةٍ ... أَخَا ثِقَةٍ فِي وُدِّهِ وَصَفَاءِ
فَلَوْ قُتِلُوا يَوْمَ الرَّجِيعِ بِأَسْرِهِمْ ... بِذِي الدَّبْرِ مَا كَانُوا لَهُ بِكِفَاءِ [١٠]

---------------------------
[١] صميم الْقَوْم: خالصهم فِي النّسَب. والزمعان: جمع زمع. وَهُوَ الشّعْر الّذي يكون فَوق الرسغ من الدَّابَّة وَغَيرهَا. ودبر: خلف. والقوادم (هُنَا): الْأَيْدِي. لِأَنَّهَا تقدم الأرجل.
[٢] تحميه، يعْنى عَاصِم بن الأقلح الّذي حمته النَّحْل، وَدون الحرائم: أَي دون أَن يحْبسهُ أحد من الْكفَّار.
[٣] الأبابيل: الْجَمَاعَات، يُقَال: إِن وَاحِدهَا، إبيل. والدبر: الزنابير، وَيُقَال للنحل أَيْضا:
دبر. وَالشَّمْس: المدافعة. والملاحم: جمع ملحمة، وَهِي الْحَرْب.
[٤] المأتم: جمَاعَة النِّسَاء يجتمعن فِي الْخَيْر وَالشَّر، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا أَنَّهُنَّ يجتمعن فِي مناحته. وَقد سهل همزَة «المأتم» لِأَن القافية هُنَا موسومة بِالْألف.
[٥] كَذَا فِي أَفِي سَائِر الْأُصُول: «فِيهَا» .
[٦] الصولة: الشدَّة.
[٧] المخارم: مسايل المَاء الَّتِي يجرى فِيهَا السَّيْل.
[٨] الْبَوَار: الْهَلَاك.
[٩] لحي: أَضْعَف وَبَالغ فِي أَخذهم، وَهُوَ من قَوْلهم: لحوت الْعود، إِذا قشرته.
[١٠] يُرِيد «بِذِي الدبر»: عَاصِمًا، وَقد تقدم ذكره.



قَتِيلٌ حَمَتْهُ الدَّبْرُ بَيْنَ بُيُوتِهِمْ ... لَدَى أَهْلِ كُفْرٍ ظَاهِرٍ وَجَفَاءِ
فَقَدْ قَتَلَتْ لِحْيَانُ أَكْرَمَ مِنْهُمْ ... وَبَاعُوا خُبَيْبًا وَيْلَهُمْ بِلَفَاءِ [١]
فَأُفٍّ لِلِحْيَانٍ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ ... عَلَى ذِكْرِهِمْ فِي الذِّكْرِ كُلَّ عَفَاءِ [٢]
قُبَيِّلةٌ بِاللُّؤْمِ وَالْغَدْرِ تَغْتَرِي ... فَلَمْ تُمْسِ يَخْفَى لُؤْمُهَا بِخَفَاءِ [٣]
فَلَوْ [٤] قُتِلُوا لَمْ تُوفِ مِنْهُ دِمَاؤُهُمْ ... بَلَى إنَّ قَتْلَ الْقَاتِلِيهِ شِفَائِي
فَالَّا أَمُتْ أَذْعَرُ هُذَيْلًا بِغَارَةٍ ... كَغَادِي الْجَهَامِ الْمُغْتَدِي بَافَاءِ [٥]
بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ ... يَبِيتُ لِلِحْيَانَ الْخَنَا بِفَنَاءِ
يُصَبِّحُ قَوْمًا بِالرَّجِيعِ كَأَنَّهُمْ ... جِدَاءُ شِتَاءٍ بِتْنَ غَيْرَ دِفَاءِ [٦]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
فَلَا وَاَللَّهِ، مَا تَدْرِي [٧] هُذَيْلٌ [٨] ... أَصَافٍ [٩] مَاءُ زَمْزَمَ أَمْ مَشُوبُ [١٠]
وَلَا لَهُمْ إذَا اعْتَمَرُوا وَحَجُّوا ... مِنْ الْحِجْرَيْنِ وَالْمَسْعَى نَصِيبُ [١١]
وَلَكِنَّ الرَّجِيعَ لَهُمْ مَحَلٌّ ... بِهِ اللُّؤْمُ الْمُبَيَّنُ وَالْعُيُوبُ
كَأَنَّهُمْ لَدَى الكَّنَّاتُ أُصْلًا ... تُيُوسٌ بِالْحِجَازِ لَهَا نَبِيبُ [١٢]

--------------------------
[١] اللفاء: الشَّيْء الحقير الْيَسِير. وَمِنْه قَوْلهم: قنع من الْوَفَاء باللفاء.
[٢] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة لأبى ذَر. والعفاء: الدّروس والتغير.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وتغترى: يغرى بَعْضهَا بَعْضًا. وَفِي أ: «تعتزى «» أَي تنتسب
[٤] فِي أ: «وَلَو» .
[٥] أَذْعَر: أفزع. والغادي: المبكر. والجهام: السَّحَاب الرَّقِيق. والإفاء (هُنَا) الْغَنِيمَة.
[٦] الجداء: جمع جدي. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر الثَّانِي فِي أ.
جداء وشتائين غير دفاء
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَتَدْرِي» .
[٨] فِي أ: «هذيلا» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٩] فِي ديوَان حسان طبع أوربا: «أمحض» .
[١٠] المشوب: العكر الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ.
[١١] يعْنى بالحجرين: حجر الْكَعْبَة، فثناه مَعَ مَا يَلِيهِ. وَمن رَوَاهُ «الحجرين» بِالتَّحْرِيكِ، أَرَادَ الْحجر الْأسود، وَالْحجر الّذي فِيهِ مقَام إِبْرَاهِيم عليه السلام. والمسعى: حَيْثُ يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة.
[١٢] الكنات: جمع كنة، وَهِي شَيْء يلصق بِالْبَيْتِ يكن بِهِ. وأصل (بِضَمَّتَيْنِ وَسكن تَخْفِيفًا) جمع أصيل، وَهُوَ الْعشي. والنبيب: الصَّوْت. وَقد أسقط الدِّيوَان هَذَا الْبَيْت وَأثبت بدله:
تجوزهم وتدفعهم على ... فقد عاشوا وَلَيْسَ لَهُم قُلُوب




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-01-2026, 01:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (93)

صــ 183إلى صــ 192






هُمْ غَرَوْا بِذِمَّتِهِمْ خُبَيْبًا ... فَبِئْسَ الْعَهْدُ عَهْدُهُمْ الْكَذُوبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ.

(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي بُكَاءِ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي خُبَيْبًا وَأَصْحَابَهُ:
صَلَّى الْإِلَهُ عَلَى الَّذِينَ تَتَابَعُوا ... يَوْمَ الرَّجِيعِ فَأُكْرِمُوا وَأُثِيبُوا [١]
رَأْسُ السَّرِيَّةِ مَرْثَدٌ وَأَمِيرُهُمْ ... وَابْنُ الْبُكَيْرِ إمَامُهُمْ وَخُبَيْبُ [٢]
وَابْنٌ لِطَارِقَ وَابْنُ دَثْنَةَ مِنْهُمْ ... وَافَاهُ ثَمَّ حِمَامُهُ الْمَكْتُوبُ [٣]
وَالْعَاصِمُ الْمَقْتُولُ عِنْدَ رَجِيعِهِمْ ... كَسَبَ الْمَعَالِيَ إنَّهُ لَكَسُوبُ
مَنَعَ الْمَقَادَةَ أَنْ يَنَالُوا ظَهْرَهُ ... حَتَّى يُجَالِدَ إنَّهُ لَنَجِيبُ [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
حَتَّى يُجَدَّلَ إنَّهُ لَنُجِيبُ [٥] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسَّانٍ.

حَدِيثُ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ

(بَعْثُ بِئْرِ مَعُونَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَقِيَّةَ شَوَّالٍ وَذَا الْقَعْدَةِ وَذَا الْحِجَّةِ- وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجَّةَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُحَرَّمَ-، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ، عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ.

----------------------------
[()] وَقَالَ فِي التَّعْلِيق عَلَيْهِ: على بن مَسْعُود الغساني، وحضن بنى عبد منَاف بن كنَانَة فنسبوا إِلَيْهِ.
[١] أثيبوا: من الثَّوَاب.
[٢] أرْدف حرف الروي بباء مَفْتُوح مَا قبلهَا، فَخَالف بذلك سَائِر أَبْيَات القصيدة، وَهَذَا عيب من عُيُوب القافية، يُسمى: التَّوْجِيه، وَهُوَ أَن يخْتَلف مَا قبل الردف.
[٣] ترك تَنْوِين «طَارق» هُنَا لضَرُورَة إِقَامَة وزن الشّعْر، وَهُوَ سَائِغ على مَذْهَب الْكُوفِيّين، والبصريون لَا يرونه. وَالْحمام: الْمَوْت
[٤] المقادة: الانقياد والمذلة، ويجالد: يضارب بِالسَّيْفِ.
[٥] يجدل: يَقع بِالْأَرْضِ، وَاسم الأَرْض: الحدالة.


(سَبَبُ إرْسَالِهِ):
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ، كَمَا حَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو بن جزم، وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ [١] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إلَيْهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِكَ إلَى أَهْلِ نَجْدٍ، فَدَعَوْهُمْ إلَى أَمْرِكَ، رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ، قَالَ أَبُو بَرَاءٍ: أَنَا لَهُمْ جَارٍ، فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوا النَّاسَ إلَى أَمْرِكَ.

(رِجَالُ الْبَعْثِ):
فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ، الْمُعْنِقَ لِيَمُوتَ [٢] فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا [٣] مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ:
الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ، وَنَافِعُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فِي رِجَالٍ مُسَمَّيْنَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ. فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وَهِيَ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ، كِلَا الْبَلَدَيْنِ مِنْهَا قَرِيبٌ، وَهِيَ إلَى حَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ أَقْرَبُ.

(غَدْرُ عَامِرٍ بِهِمْ):
فَلَمَّا نَزَلُوهَا بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى عَدُوِّ اللَّهِ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ فِي كِتَابِهِ حَتَّى عَدَا عَلَى الرَّجُلِ فَقَتَلَهُ،

-----------------------------
[١] وسمى أَبُو برَاء ملاعب الأسنة بقوله يُخَاطب أَخَاهُ فَارس قرزل، وَكَانَ قد فر عَنهُ فِي حَرْب كَانَت بَين قيس وَتَمِيم.
فَرَرْت وَأسْلمت ابْن أمك عَامِرًا ... يلاعب أَطْرَاف الوشيج المزعزع
[٢] المعنق ليَمُوت، أَي المسرع، وَإِنَّمَا لقب بذلك لِأَنَّهُ أسْرع إِلَى الشَّهَادَة.
[٣] الصَّحِيح أَنهم كَانُوا سبعين رجلا. (رَاجع البُخَارِيّ، وَمُسلم، وَالرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .



ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، وَقَالُوا: لَنْ نَخْفِرَ [١] أَبَا بَرَاءٍ، وَقَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا، فَاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ (مِنْ [٢]) عُصَيَّةَ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ، فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ، فَخَرَجُوا حَتَّى غَشُوا الْقَوْمَ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا سُيُوفَهُمْ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ، يَرْحَمُهُمْ اللَّهُ، إلَّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ، أَخَا بَنِي دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ، فَارْتُثَّ [٣] مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، فَعَاشَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا، رحمه الله.

(ابْنُ أُمَيَّةَ وَالْمُنْذِرُ وَمَوْقِفُهُمَا مِنْ الْقَوْمِ بَعْدَ عِلْمِهِمَا بِمَقْتَلِ أَصْحَابِهِمَا):
وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمْ يُنْبِئْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ على الْعَسْكَر، فَقَالَا: وَاَللَّهِ إنَّ لِهَذِهِ الطَّيْرِ لَشَأْنًا، فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا، فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ، وَإِذَا الْخَيْلُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنُخْبِرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: لَكِنِّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَا كُنْتُ لِتُخْبِرَنِي عَنْهُ الرِّجَالُ، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، وَأَخَذُوا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ، أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ.

-----------------------
[١] نخفر: ننقض عَهده.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] ارتث: أَي رفع وَبِه جراح، يُقَال: ارتث الرجل من معركة الْحَرْب: إِذا رفع مِنْهَا وَبِه بَقِيَّة حَيَاة.



(قَتْلُ الْعَامِرِيَّيْنِ):
فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ [١] مِنْ صَدْرِ قَنَاةٍ [٢]، أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: (ثُمَّ [٣]) مِنْ بَنِي كِلَابٍ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ أَنَّهُمَا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى نَزَلَا مَعَهُ فِي ظِلٍّ هُوَ فِيهِ. وَكَانَ مَعَ الْعَامِرِيَّيْنِ عَقْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجِوَارٌ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، وَقَدْ سَأَلَهُمَا حِينَ نَزَلَا، مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَمْهَلَهُمَا، حَتَّى إذَا نَامَا، عَدَا عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ بِهِمَا ثُؤْرَةً [٤] مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فِيمَا أَصَابُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ، لَأَدِيَنَّهُمَا!

(حُزْنُ الرَّسُولِ مِنْ عَمَلِ أَبِي بَرَاءٍ):
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَرَاءٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِ إخْفَارُ عَامِرٍ إيَّاهُ، وَمَا أَصَابَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِهِ وَجِوَارِهِ، وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.

(أَمْرُ ابْنِ فُهَيْرَةَ بَعْدَ مَقْتَلِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ كَانَ يَقُولُ: مَنْ رَجُلٌ مِنْهُمْ لَمَّا قُتِلَ رَأَيْتُهُ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ مِنْ دُونِهِ؟ قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ [٥] .

--------------------------
[١] هِيَ قرقرة الكدر، مَوضِع بِنَاحِيَة الْمَعْدن، قريب من الأرحضية، بَينه وَبَين الْمَدِينَة ثَمَانِيَة برد.
(عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] قناة: وَاد يأتى من الطَّائِف وَيصب فِي الأرحضية وقرقرة الكدر. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] الثؤرة: الثأر.
[٥] قَالَ السهيليّ: «هَذِه رِوَايَة البكائي عَن ابْن إِسْحَاق. وروى يُونُس بن بكير عَنهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد



(سَبَبُ إسْلَامِ بن سَلْمَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي جَبَّارِ بْنِ سَلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ- وَكَانَ جَبَّارٌ فِيمَنْ حَضَرَهَا [١] يَوْمَئِذٍ مَعَ عَامِرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ- (قَالَ) [٢] فَكَانَ يَقُولُ:
إنَّ مِمَّا دَعَانِي إلَى الْإِسْلَامِ أَنِّي طَعَنْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ بِالرُّمْحِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَنَظَرْتُ إلَى سِنَانِ الرُّمْحِ حِينَ خَرَجَ مِنْ صَدْرِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فُزْتُ وَاَللَّهِ! فَقُلْتُ فِي نَفْسِي:
مَا فَازَ! أَلَسْتُ قَدْ قَتَلْتُ الرَّجُلَ! قَالَ: حَتَّى سَأَلْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ، فَقَالُوا:
لِلشَّهَادَةِ، فَقلت: فَازَ لعمر وَالله.

(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي تَحْرِيضِ بَنِي أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرِّضُ بَنِي أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ:
بَنِي أُمَّ الْبَنِينَ أَلَمْ يَرُعْكُمْ ... وَأَنْتُمْ مِنْ ذَوَائِبِ أَهْلِ نَجْدِ [٣]
تَهَكُّمُ عَامِرٍ بِأَبِي بَرَاءٍ ... لِيُخْفِرَهُ وَمَا خَطَأٌ كَعَمْدِ

------------------------
[()] أَن عَامر بن الطُّفَيْل قدم الْمَدِينَة بعد ذَلِك، وَقَالَ للنّبيّ عليه الصلاة والسلام: من رجل يَا مُحَمَّد لما طعنته رفع إِلَى السَّمَاء؟ فَقَالَ: هُوَ عَامر بن فهَيْرَة» .
[١] حضرها، أَي حضر يَوْم بِئْر مَعُونَة.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] قَالَ أَبُو ذَر: يُرِيد قَول لبيد:
نَحن بنى أم الْبَنِينَ الْأَرْبَعَة
وَكَانُوا نجباء فُرْسَانًا، وَيُقَال إِنَّهُم كَانُوا خَمْسَة، لَكِن لبيدا جعلهم أَرْبَعَة لإِقَامَة القافية ... وَقَالَ السهيليّ:
وَإِنَّمَا قَالَ الْأَرْبَعَة وهم خَمْسَة (طفيل وعامر وَرَبِيعَة وَعبيدَة الوضاح وَمُعَاوِيَة، ومعوذ الْحُكَمَاء) لِأَن أَبَاهُ ربيعَة قد كَانَ مَاتَ قبل ذَلِك، لَا كَمَا قَالَ بعض النَّاس، وَهُوَ قَول يعزى إِلَى الْفراء. أَنه قَالَ أَرْبَعَة وَلم يقل خَمْسَة، من أجل القوافي. فَيُقَال لَهُ: لَا يجوز للشاعر أَن يلحن لإِقَامَة وزن الشّعْر، فَكيف بِأَن يكذب لإِقَامَة الْوَزْن، وأعجب من هَذَا أَنه اسْتشْهد بِهِ على تَأْوِيل فَاسد تَأْوِيله فِي قَوْله سبحانه وتعالى «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ» ٥٥: ٤٦. وَقَالَ: أَرَادَ جنَّة وَاحِدَة، وَجَاء بِلَفْظَة التَّثْنِيَة ليتفق رُءُوس الْآي أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ» . ثمَّ قَالَ السهيليّ: «وَمِمَّا يدلك على أَنهم كَانُوا أَرْبَعَة حِين قَالَ لبيد هَذِه الْمقَالة، أَن فِي الْخَبَر ذكر يتم لبيد وَصغر سنه، وَأَن أَعْمَامه الْأَرْبَعَة استصغروه أَن يدخلوه مَعَهم على النُّعْمَان حِين هَمهمْ مَا قاولهم بِهِ الرّبيع ابْن زِيَاد، فسمعهم لبيد يتحدثون بذلك ويهتمون لَهُ، فَسَأَلَهُمْ أَن يدخلوه مَعَهم على النُّعْمَان وَزعم أَنه سيفحمه، فتهاونوا بقوله، واختبروه بأَشْيَاء، وَكَانَ من حَدِيث ذَلِك أَن دخل وَألقى بَين يَدَيْهِ قصيدته:
نَحن بنى أم الْبَنِينَ الأربعه ... المطعمون الْجَفْنَة المدعدعه
والذوائب: الأعالي.



أَلَا أَبْلِغْ رَبِيعَةَ ذَا الْمَسَاعِي ... فَمَا أَحْدَثْتَ فِي الْحَدَثَانِ بَعْدِي [١]
أَبُوكَ أَبُو الْحُرُوبِ أَبُو بَرَاءٍ ... وَخَالُكَ مَاجِدٌ حَكَمُ بْنُ سَعْدِ

(نَسَبُ حَكَمِ وَأُمِّ الْبَنِينَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَكَمُ بْنُ سَعْدٍ: مِنْ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ، وَأُمُّ الْبَنِينَ: بِنْتُ عَمْرِو [٢] بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَهِيَ أُمُّ أَبِي بَرَاءٍ.

(طَعْنُ رَبِيعَةَ لِعَامِرِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَمَلَ رَبِيعَةُ (بْنُ عَامِرِ) [٣] بْنِ مَالِكِ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، فَطَعَنَهُ بِالرُّمْحِ، فَوَقَعَ فِي فَخِذِهِ، فَأَشْوَاهُ [٤]، وَوَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ: هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، إنْ أَمُتْ فَدَمِي لِعَمِّي، فَلَا يُتْبَعَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَعِشْ فَسَأَرَى رَأْيِي فِيمَا أُتِيَ إلَيَّ.

(مَقْتَلُ ابْنِ وَرْقَاءَ وَرِثَاءُ ابْنِ رَوَاحَةَ لَهُ):
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ عَبَّاسٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ خَالَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ نَافِعَ بْنَ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ:
تَرَكْتُ ابْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ ثَاوِيًا ... بِمُعْتَرَكِ تَسْفِي عَلَيْهِ الْأَعَاصِرُ [٥]
ذَكَرْتُ أَبَا الرَّيَّانِ لَمَّا رَأَيْتُهُ [٦] ... وَأَيْقَنْتُ أَنِّي عِنْدَ ذَلِكَ ثَائِرُ [٧]
وَأَبُو الرَّيَّانِ: طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَبْكِي نَافِعَ بْنَ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ:
رَحِمَ اللَّهُ نَافِعَ بْنَ بُدَيْلٍ ... رَحْمَةَ الْمُبْتَغِي ثَوَابَ الْجِهَادِ
صَابِرٌ صَادِقٌ وَفِيٌّ إذَا مَا ... أَكْثَرَ الْقَوْمُ قَالَ قَوْلَ السِّدَادِ

---------------------------
[١] المساعي: السَّعْي فِي طلب الْمجد والمكارم.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَاسْمهَا ليلى بنت عَامر، فِيمَا زَعَمُوا»
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] أشواه: أَخطَأ مَقْتَله.
[٥] المعترك: الْموضع الضّيق فِي الْحَرْب. وتسفى: تأتى إِلَيْهِ بِالتُّرَابِ. والأعاصر: الرِّيَاح الَّتِي يلتف مَعهَا الْغُبَار.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والمؤتلف والمختلف وَالرَّوْض رِوَايَة عَن إِبْرَاهِيم بن سعد. وَفِي أ:
«الزبان» وَذكر أَبُو ذَر أَن الأولى هِيَ الصَّوَاب فِيهِ.
[٧] ثَائِر: آخذ بِثَأْرِي.



(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بِئْرِ مَعُونَةَ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي قَتْلَى بِئْرِ مَعُونَةَ، وَيَخُصُّ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو:
عَلَى قَتْلَى مَعُونَةَ فَاسْتَهِلِّي ... بِدَمْعِ الْعَيْنِ سَحًّا غَيْرَ نَزْرِ [١]
عَلَى خَيْلِ الرَّسُولِ غَدَاةَ لَاقَوْا ... مَنَايَاهُمْ وَلَاقَتْهُمْ بِقَدْرِ [٢]
أَصَابَهُمْ الْفَنَاءُ بِعَقْدِ قَوْمٍ ... تُخُوِّنَ عَقْدُ حَبْلِهِمْ بِغَدْرِ [٣]
فَيَا لَهْفِي لِمُنْذِرٍ إذْ تَوَلَّى ... وَأَعْنَقَ فِي مَنِيَّتِهِ بِصَبْرِ [٤]
وَكَائِنْ قَدْ أُصِيبَ غَدَاةَ ذَاكُمْ ... مِنْ أَبْيَضَ مَاجِدٍ مِنْ سِرِّ عَمْرِو [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي آخِرَهَا بَيْتًا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ.

(شِعْرُ كَعْبٍ فِي يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ):
وَأَنْشَدَنِي لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ، يُعَيِّرُ بَنِي جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ:
تَرَكْتُمْ جَارَكُمْ لِبَنِي سُلَيْمٍ ... مَخَافَةَ حَرْبِهِمْ عَجْزًا وَهُونَا [٦]
فَلَوْ حَبْلًا تَنَاوَلَ مِنْ عُقَيْلٍ ... لَمَدَّ بِحَبْلِهَا حَبْلًا مَتِينَا [٧]
أَوْ الْقُرَطُاءُ مَا إنْ أَسْلَمُوهُ ... وَقِدْمًا مَا وَفَوْا إذْ لَا تَفُونَا

(نَسَبُ الْقُرَطَاءِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقُرَطَاءُ: قَبِيلَةٌ مِنْ هَوَازِنَ، وَيُرْوَى «مِنْ نُفَيْلٍ» مَكَانَ «مِنْ عُقَيْلٍ»، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْقُرَطَاءَ مِنْ نُفَيْلٍ قَرِيبٌ [٨] .

---------------------------
[١] استهلى: أسبلى دمعك. والسح: الصب، والنزر: الْقَلِيل.
[٢] كَذَا فِي ديوانه. وَفِي الْأُصُول:
ولاقتهم مناياهم بِقدر
[٣] تخون: تنقص (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) .
[٤] أعنق: أسْرع. والعنق بِفتْحَتَيْنِ: ضرب من السّير سريع.
[٥] سر الْقَوْم: خبرهم وخالصهم.
[٦] الْهون: الهوان، والهون لُغَة الْحِجَازِيِّينَ.
[٧] يعْنى «بالحبل»: الْعَهْد والذمة.
[٨] قَالَ أَبُو ذَر: «القرطاء: بطُون من الْعَرَب من بنى كلاب، وهم: قراط (بِالضَّمِّ) وقريط (بِالتَّصْغِيرِ) وقريط (بِفَتْح فَكسر) . ويسمون القروط أَيْضا» .



أَمْرُ إجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ

(خُرُوجُ الرَّسُولِ إلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ قَتْلَى بَنِي عَامِرٍ وَهَمُّهُمْ بِالْغَدْرِ بِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَنِي النَّضِيرِ [١] يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، اللَّذَيْنِ قَتَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، لِلْجِوَارِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ لَهُمَا، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي عَامِرٍ عَقْدٌ وَحِلْفٌ.
فَلَمَّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ، قَالُوا نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتُ، مِمَّا اسْتَعَنْتُ بِنَا عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ، فَقَالُوا: إنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ- وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ قَاعِدٌ- فَمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جَحَّاشِ بْنِ كَعْبٍ، أَحَدَهُمْ، فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ، فَصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

(انْكِشَافُ نِيَّتِهِمْ لِلرَّسُولِ وَاسْتِعْدَادُهُ لِحَرْبِهِمْ):
فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا اسْتَلْبَثَ النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابُهُ، قَامُوا فِي طَلَبِهِ، فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ دَاخِلًا الْمَدِينَةَ. فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى انْتَهَوْا إلَيْهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، بِمَا كَانَتْ الْيَهُودُ أَرَادَتْ مِنْ الْغَدْرِ بِهِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ، وَالسَّيْرِ إلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: [٢]: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.

------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «ذكر ابْن إِسْحَاق هَذِه الْغَزْوَة فِي هَذَا الْموضع وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكرهَا بعد بدر» لما روى عقيل وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: كَانَت غَزْوَة بنى النَّضِير بعد بدر بِسِتَّة شهور.
[٢] فِي أ: «فِيمَا قَالَ ابْن هِشَام» وَقد وَردت هَذِه الْعبارَة بعقب كلمة «مَكْتُوم» .



قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ سَارَ بِالنَّاسِ [١] حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَحَاصَرَهُمْ سِتَّ لَيَالٍ، وَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ

(حِصَارُ الرَّسُولِ لَهُمْ وَتَقْطِيعُ نَخْلِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ النَّخِيلِ وَالتَّحْرِيقِ فِيهَا، فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ، وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا [٢]؟

(تَحْرِيضُ الرَّهْطِ لَهُمْ ثُمَّ مُحَاوَلَتُهُمْ الصُّلْحَ):
وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ (عَدُوُّ اللَّهِ) [٣] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ (و[٤]) وَدِيعَةُ وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ، وَسُوَيْدُ وَدَاعِسٌ، قَدْ بَعَثُوا إلَى بَنِي النَّضِيرِ: أَنْ اُثْبُتُوا وَتَمَنَّعُوا، فَإِنَّا لَنْ نُسَلِّمَكُمْ، إنْ قُوتِلْتُمْ [٥] قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ، فَتَرَبَّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ، وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا الْحَلْقَةَ [٦]، فَفَعَلَ. فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ [٧] بَابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إلَى خَيْبَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إلَى الشَّامِ.

(مَنْ هَاجَرَ مِنْهُمْ إلَى خَيْبَرَ):
فَكَانَ أَشْرَافُهُمْ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ [٨] إلَى خَيْبَرَ: سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ، وَكِنَانَةُ ابْن الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ. فَلَمَّا نَزَلُوهَا دَانَ لَهُمْ أَهْلُهَا.

---------------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٢] قَالَ السهيليّ: «قَالَ أهل التَّأْوِيل: وَقع فِي نفوس الْمُسلمين من هَذَا الْكَلَام شَيْء حَتَّى أنزل الله تَعَالَى: «مَا قَطَعْتُمْ من لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها ٥٩: ٥ ...» الْآيَة.
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قتلتم» وَهِي ظَاهِرَة التحريف.
[٦] الْحلقَة: السِّلَاح كُله، أَو خَاص بالدروع.
[٧] النجاف (بِوَزْن كتاب): العتبة الَّتِي بِأَعْلَى الْبَاب. والأسكفة: العتبة الَّتِي بأسفله.
[٨] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.



قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّهُمْ اسْتَقَلُّوا بِالنِّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ، مَعَهُمْ الدُّفُوفُ وَالْمَزَامِيرُ، وَالْقِيَانُ يَعْزِفْنَ خَلْفَهُمْ، وَإِنَّ فِيهِمْ لِأُمِّ عَمْرٍو صَاحِبَةَ عُرْوَةَ بْنِ الْوَرْدِ الْعَبْسِيِّ، الَّتِي ابْتَاعُوا مِنْهُ، وَكَانَتْ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي غِفَارٍ [١]، بِزُهَاءِ [٢] وَفَخْرٍ مَا رُئِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَيٍّ مِنْ النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ.

(تَقْسِيمُ الرَّسُولِ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ):
وَخَلَّوْا الْأَمْوَالَ لرَسُول الله ﷺ، فَكَانَت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ، فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ. إلَّا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ ابْن خَرَشَةَ ذَكَرَا فَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٣] .

(مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ):
وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إلَّا رَجُلَانِ: يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَبُو [٤] كَعْبِ بْنُ عَمْرِو ابْن جِحَاشٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ، أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا.

(تَحْرِيضُ يَامِينَ عَلَى قَتْلِ ابْنِ جِحَاشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ- وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ يَامِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَامِينَ: أَلَمْ تَرَ مَا لَقِيتُ مِنْ ابْنِ عَمِّكَ، وَمَا هُمْ بِهِ مِنْ شَأْنِي؟ فَجَعَلَ يَامِينُ ابْن عُمَيْرٍ لِرَجُلِ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَقْتُلَ لَهُ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ.

(مَا نَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الْقُرْآنِ):
وَنَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا، يَذْكُرُ فِيهَا مَا أَصَابَهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ. وَمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ، وَمَا عَمِلَ بِهِ فِيهِمْ، فَقَالَ

------------------------------
[١] هِيَ سلمى. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: اسْمهَا ليلى بنت شعواء. وَقَالَ أَبُو الْفرج: «هِيَ سلمى أم وهب» امْرَأَة من كنَانَة كَانَت (ناكحة فِي مزينة)، فَأَغَارَ عَلَيْهِم عُرْوَة بن الْورْد فسباها. قَالَ السهيليّ: وَكَونهَا من كنَانَة لَا يدْفع قَول ابْن إِسْحَاق إِنَّهَا من غفار، لِأَن غفار من كنَانَة، فَهُوَ غفار بن مليل بن ضَمرَة ابْن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة. «رَاجع الرَّوْض الْأنف السهيليّ» .
[٢] الزهاء: الْإِعْجَاب والتكبر.
[٣] قَالَ السهيليّ: «وَقَالَ غير ابْن إِسْحَاق: وَأعْطى ثَلَاثَة من الْأَنْصَار» .
[٤] فِي الْأُصُول: «ابْن» والتصويب عَن شرح السِّيرَة لأبى ذَر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-01-2026, 01:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (94)

صــ 193إلى صــ 202





تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [١]، مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ٥٩: ٢، وَذَلِكَ لِهَدْمِهِمْ بُيُوتَهُمْ عَنْ نُجُفِ أَبْوَابِهِمْ إذَا احْتَمَلُوهَا. «فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ، وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ٥٩: ٢- ٣» وَكَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ نِقْمَةٌ، «لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ٥٩: ٣»: أَيْ بِالسَّيْفِ، «وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ٥٩: ٣» مَعَ ذَلِكَ. «مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها ٥٩: ٥» . وَاللِّينَةُ: مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ مِنْ النَّخْلِ «فَبِإِذْنِ اللَّهِ ٥٩: ٥»: أَيْ فَبِأَمْرِ اللَّهِ قُطِعَتْ، لَمْ يَكُنْ فَسَادًا، وَلَكِنْ كَانَ نِقْمَةً مِنْ اللَّهِ «وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ٥٩: ٥» .

(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اللِّينَةُ: مِنْ الْأَلْوَانِ، وَهِيَ مَا لَمْ تَكُنْ بَرْنِيَّةَ وَلَا عَجْوَةً مِنْ النَّخْلِ، فِيمَا حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ [٢] . قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
كَأَنَّ قُتُودِي فَوْقَهَا عُشُّ طَائِرٍ ... عَلَى لِينَةٍ سَوْقَاءَ تَهْفُو جُنُوبُهَا [٣]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
«وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ٥٩: ٦» - قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: يَعْنِي مِنْ بَنِي النَّضِيرِ- «فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَالله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٥٩: ٦»: أَيْ لَهُ خَاصَّةً.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أوْجَفْتُمْ: حَرَّكْتُمْ وَأَتْعَبْتُمْ فِي السَّيْرِ. قَالَ تَمِيمُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ مُقْبِلٍ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ:

--------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: روى مُوسَى بن عقبَة أَنهم قَالُوا لَهُ: إِلَى أَيْن نخرج يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: إِلَى الْحَشْر، يعْنى أَرض الْحَشْر، وَهِي الشَّام، وَقيل إِنَّهُم كَانُوا فِي بسطة لم يصبهم جلاء قبلهَا. فَلذَلِك قَالَ: لأوّل الْحَشْر، والحشر: الْجلاء.
[٢] فِي أ: «قَالَ ابْن هِشَام: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة» .
[٣] القتود: الرحل مَعَ أدواته. وسوقاء: غَلِيظَة السَّاق. وتهفو: تهتز وتضطرب وجنوبها:
نَوَاحِيهَا.
١٣- سيرة ابْن هِشَام- ٢


مَذَاوِيدُ بِالْبِيضِ الْحَدِيثِ صِقَالُهَا ... عَنْ الرَّكْبِ أَحْيَانًا إذَا الرَّكْبُ أَوْجَفُوا [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَهُوَ الْوَجِيفُ. (و[٢]) قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ [٣] الطَّائِيُّ، وَاسْمُهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ:
مُسْنِفَاتٌ كَأَنَّهُنَّ قَنَا الْهِنْدِ ... لِطُولِ الْوَجِيفِ جَدْبَ الْمَرُودِ [٤]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السِّنَافُ: الْبِطَانُ [٥] . وَالْوَجِيفُ (أَيْضًا): وَجِيفُ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ، وَهُوَ الضَّرَبَانُ. قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ الظَّفَرِيُّ:
إنَّا وَإِنْ قَدَّمُوا الَّتِي عَلِمُوا [٦] ... أَكْبَادُنَا مِنْ وَرَائِهِمْ تَجِفُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
«مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ٥٩: ٧» - قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مَا يُوجِفُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَفُتِحَ بِالْحَرْبِ عَنْوَةً فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ- «وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ٥٩: ٧» . يَقُولُ: هَذَا قِسْمٌ آخَرُ فِيمَا أُصِيبَ بِالْحَرْبِ [٧] بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى مَا وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا ٥٩: ١١ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِمْ يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ٥٩: ١١: يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ، إلَى قَوْلِهِ

----------------------------
[١] المذاويد: جمع مذواد، وَهُوَ الّذي يدافع عَن قومه. وَالْبيض: السيوف. والْحَدِيث صقالها، أَي الْقَرِيب عهدها بالصقل.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زيد» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] مسنفات: مشدودات بالسنف، وَهُوَ الحزام. والجدب: القفر، والمرود: الْموضع الّذي يرتاده الرائد، أَي الطَّالِب للرعي.
[٥] البطان: حزَام منسوج.
[٦] فِي م، ر: «عمِلُوا.» .
[٧] فِي م، ر: «الْحَرْب» .



كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٥٩: ١٥: يَعْنِي بَنِي قَيْنُقَاعَ. ثُمَّ الْقِصَّةُ ...
إلَى قَوْلِهِ: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ٥٩: ١٦- ١٧.

(مَا قِيلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الشِّعْرِ):
وَكَانَ مِمَّا قِيلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الشِّعْرِ قَوْلُ ابْنِ لُقَيْمٍ الْعَبْسِيِّ، وَيُقَالُ:
قَالَهُ قَيْسُ بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْسُ بْنُ بَحْرٍ الْأَشْجَعِيُّ- فَقَالَ:
أَهْلِي فِدَاءٌ لِامْرِئٍ غَيْرِ هَالِكٍ ... أَحَلَّ الْيَهُودَ بِالْحَسِيِّ الْمُزَنَّمِ [١]
يَقِيلُونَ فِي جَمْرِ الغَضَاةِ وَبُدِّلُوا [٢] ... أُهَيْضِبُ [٣] عُودى [٤] بِالْوَدِيِّ الْمُكَمَّمِ [٥]
فَإِنْ يَكُ ظَنِّيُّ صَادِقًا بِمُحَمَّدٍ ... تَرَوْا خَيْلَهُ بَيْنَ الصَّلَا وَيَرَمْرَمَ [٦]

-----------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر: «الْحسي والحساء: مياه تغور فِي الرمل تمسكها صلابة الأَرْض، فَإِذا حفر عَنْهَا وجدت. والمزنم (على هَذَا القَوْل): المقلل الْيَسِير. وَمن رَوَاهُ: بالحشى، أَرَادَ بِهِ حَاشِيَة الْإِبِل، وَهِي صغارها وضعافها، وَهُوَ الصَّوَاب. والمزنم (على هَذَا القَوْل): أَوْلَاد الْإِبِل الصغار. وَقد يكون المزنم (هُنَا): الْمعز، سميت بذلك للزنمتين اللَّتَيْنِ فِي أعناقها، وهما الهنتان اللَّتَان تتعلقان من أعناقها» .
وَقَالَ السهيليّ: «يُرِيد أحلّهُم دَار غربَة فِي غير عَشَائِرهمْ، والزنيم والمزنم: الرجل يكون فِي الْقَوْم وَلَيْسَ مِنْهُم، أَي أنزلهم بِمَنْزِلَة الْحسي، أَي المبعد الطريد، وَإِنَّمَا جعل الطريد الذَّلِيل حسيا، لِأَنَّهُ عرضة الْأكل. والحسي والحسو: مَا يحسى من الطَّعَام حسوا، أَي أَنه لَا يمْتَنع على آكل.
وَيجوز أَن يُرِيد بالحسى معنى الغذى من الْغنم، وَهُوَ الصَّغِير الضَّعِيف. الّذي لَا يَسْتَطِيع الرَّعْي، يُقَال: بدلُوا بِالْمَالِ الدثر وَالْإِبِل الكوم رذال المَال وغذاء الْغنم والمزنم مِنْهُ. فَهَذَا وَجه يحْتَمل. وَقد أكثرت التنقير عَن الْحسي فِي مظانه من اللُّغَة فَلم أجد نصا شافيا أَكثر من قَول أَبى على: الحسية والحسي: مَا يحسى من الطَّعَام. وَإِذا قد وجدنَا الغذى، وَاحِدَة غذَاء الْغنم، فالحسى فِي مَعْنَاهُ غير مُمْتَنع أَن يُقَال، وَالله أعلم. والمزنم (أَيْضا) صغَار الْإِبِل» .
وَقد يكون الْحسي أَيْضا: الْغُصْن من النَّبَات. وَيكون المزنم مَا لَهُ زنم وَهُوَ الْوَرق.
[٢] كَذَا فِي أ. والغضاة: وَاحِدَة الغضى، وَهُوَ شجر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْعضَاة» وَهُوَ شجر أَيْضا، الْوَاحِدَة: عضة.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَشرح السِّيرَة لأبى ذَر. والأهيضب: الْمَكَان الْمُرْتَفع. وَفِي أ «أهيصب» بالصَّاد الْمُهْملَة.
[٤] كَذَا فِي أ. قَالَ أَبُو ذَر: «غودى»: اسْم مَوضِع. وَمن رَوَاهُ: عودا، فَهُوَ من عَاد يعود، أَو الصَّوَاب رِوَايَة من رَوَاهُ: «عودي» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عورى» .
[٥] الودي: صغَار النّخل. والمكمم: الّذي خرج طلعه.
[٦] الصلا ويرمرم: موضعان.



يَؤُمُّ بِهَا عَمْرَو بْنَ بُهْثَةَ إنَّهُمْ ... عَدْوٌّ وَمَا حَيٌّ صَدِيقٌ كَمُجْرِمِ
عَلَيْهِنَّ أَبْطَالٌ مَسَاعِيرُ فِي الْوَغَى ... يَهُزُّونَ أَطْرَافَ الْوَشِيجِ الْمُقَوَّمِ [١]
وَكُلَّ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدٌ ... تُوُورِثْنَ مِنْ أَزْمَانِ عَادٍ وَجُرْهُمِ
فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي قُرَيْشًا رِسَالَةً ... فَهَلْ بَعْدَهُمْ فِي الْمَجْدِ مِنْ مُتَكَرِّمِ
بِأَنَّ أَخَاكُمْ فَاعْلَمُنَّ مُحَمَّدًا ... تَلِيدُ النَّدَى بَيْنَ الْحَجُونِ وَزَمْزَمِ [٢]
فَدِينُوا لَهُ بِالْحَقِّ تَجْسُمُ أُمُورُكُمْ ... وَتَسْمُوا مِنْ الدُّنْيَا إلَى كُلِّ مُعْظَمِ [٣]
نَبِيٌّ تَلَاقَتْهُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ ... وَلَا تَسْأَلُوهُ أَمْرَ غَيْبٍ مُرَجَّمِ [٤]
فَقَدْ كَانَ فِي بَدْرٍ لعمري عِبْرَة ... لكم يَا قُرَيْشًا وَالْقَلِيبِ الْمُلَمَّمِ [٥]
غَدَاةَ أَتَى فِي الْخَزْرَجِيَّةِ عَامِدًا ... إلَيْكُمْ مُطِيعًا لِلْعَظِيمِ الْمُكَرَّمِ
مُعَانًا بِرُوحِ الْقُدْسِ يُنْكَى عَدُوُّهُ ... رَسُولًا مِنْ الرَّحْمَنِ حَقًّا بِمَعْلَمِ [٦]
رَسُولًا مِنْ الرَّحْمَنِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... فَلَمَّا أَنَارَ الْحَقُّ لَمْ يَتَلَعْثَمْ [٧]
أَرَى أَمْرَهُ يَزْدَادُ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... عُلُوًّا لِأَمْرِ حَمَّهُ اللَّهُ مُحْكَمِ [٨]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ بُهْثَةَ، مِنْ غَطَفَانَ. وَقَوْلُهُ «بِالْحَسِيِّ الْمُزَنَّمِ»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَذْكُرُ إجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَعْرِفُهَا لِعَلِيٍّ:

---------------------------
[١] مساعير: يسعرون الْحَرْب ويهيجونها. والوشيج: الرماح.
[٢] تليد. قديم. والندى: الْكَرم. والحجون: مَوضِع بِمَكَّة.
[٣] فدينوا، أَي أطِيعُوا. وتجسم: تعظم. وتسمو: ترفع.
[٤] المرجم: المظنون الّذي لَا يتَيَقَّن.
[٥] الملمم: الْمَجْمُوع.
[٦] روح الْقُدس: جِبْرِيل عليه السلام. وينكى عدوه: يُبَالغ فِي ضَرَره. والمعلم: الْموضع الْمُرْتَفع المشرف.
[٧] لم يتلعثم: لم يتَأَخَّر وَلم يتَوَقَّف.
[٨] حمه: قدره.



عَرَفْتُ وَمَنْ يَعْتَدِلْ يَعْرِفْ ... وَأَيْقَنْتُ حَقًّا وَلَمْ أَصْدِفْ [١]
عَنْ الْكَلِمِ الْمُحْكَمِ اللَّاءِ [٢] مِنْ ... لَدَى اللَّهِ ذِي الرَّأْفَةِ الْأَرْأَفِ
رَسَائِلُ تُدْرَسُ فِي الْمُؤْمِنِينَ ... بِهِنَّ اصْطَفَى أَحْمَدَ الْمُصْطَفَى
فَأَصْبَحَ أَحْمَدُ فِينَا عَزِيزًا ... عَزِيزَ الْمُقَامَةِ وَالْمَوْقِفِ [٣]
فَيَأَيُّهَا الْمُوعِدُوهُ سَفَاهًا ... وَلَمْ يَأْتِ جَوْرًا وَلَمْ يَعْنُفْ [٤]
أَلَسْتُمْ تَخَافُونَ أَدْنَى الْعَذَابِ ... وَمَا آمِنُ اللَّهِ كَالْأَخْوَفِ
وَأَنْ تُصْرَعُوا تَحْتَ أَسْيَافِهِ ... كَمَصْرَعِ كَعْبٍ أَبِي الْأَشْرَفِ
غَدَاةَ رَأَى اللَّهُ طُغْيَانَهُ ... وَأَعْرَضَ كَالْجَمَلِ الْأَجْنَفِ [٥]
فَأَنْزَلَ جِبْرِيلَ فِي قَتْلِهِ ... بِوَحْيٍ إلَى عَبْدِهِ مُلْطَفِ
فَدَسَّ الرَّسُولُ رَسُولًا لَهُ ... بِأَبْيَضَ ذِي هَبَّةٍ مُرْهَفِ [٦]
فَبَاتَتْ عُيُونٌ لَهُ مُعْوِلَاتٍ ... مَتَى يُنْعَ كَعْبٌ لَهَا تَذْرِفْ [٧]
وَقُلْنَ لِأَحْمَدَ ذَرْنَا قَلِيلًا ... فَإِنَّا مِنْ النَّوْحِ لَمْ نَشْتَفِ
فَخَلَّاهُمْ ثُمَّ قَالَ اظْعَنُوا ... دُحُورًا عَلَى رَغْمِ الْآنُفِ [٨]
وَأَجْلَى النَّضِيرَ إلَى غُرْبَةٍ ... وَكَانُوا بِدَارٍ ذَوِي زُخْرُفِ [٩]
إِلَى أَذْرُعَات ردا فِي وَهُمْ ... عَلَى كُلِّ ذِي دَبَرٍ أَعْجَفِ [١٠]

-------------------------
[١] لم أَصْدف: لم أعرض.
[٢] فِي أ: «الْآي» .
[٣] المقامة (بِضَم الْمِيم): مَوضِع الْإِقَامَة.
[٤] الموعدوه: المهددوه. والسفاة: الضلال. وَلم يعنف: لم يَأْتِ غير الرّفق.
[٥] الأجنف: المائل إِلَى جِهَة.
[٦] بأبيض: يعْنى سَيْفا. وَالْهِبَة: الاعتزاز. والمرهف: الْقَاطِع.
[٧] معولات: باكيات بِصَوْت. وينعى: يذكر خبر قَتله. وتذرف: تسيل بالدموع.
[٨] اظعنوا: ارحلوا. والدحور (بِالدَّال الْمُهْملَة): الذل والهوان. وعَلى رغم الآنف: على المذلة، يُقَال: أرْغم الله أَنفه، إِذا أذله. والآنف: جمع أنف.
[٩] الغربة (بِضَم الْغَيْن): الاغتراب. (وبفتح الْغَيْن): الْبعد. والزخرف: الزِّينَة وَحسن التنعم.
[١٠] أَذْرُعَات: مَوضِع بِالشَّام. وردا فِي: أَي مرتدفين يردف بَعضهم بعض، الْوَاحِد: رد فِي (كسْرَى وسكارى) . ويروى: ردافا، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى. وَذُو دبر أعجف: يعْنى جملا. ودبر: جرح.
والأعجف: الهزيل الضَّعِيف.



فَأَجَابَهُ سَمَّاكٌ [١] الْيَهُودِيُّ، فَقَالَ:
إنْ تَفْخَرُوا فَهُوَ فَخْرٌ لَكُمْ ... بِمَقْتَلِ كَعْبٍ أَبِي الْأَشْرَفِ
غَدَاةَ غَدَوْتُمْ عَلَى حَتْفِهِ ... وَلَمْ يَأْتِ غَدِرًا وَلَمْ يُخْلِفْ
فَعَلَّ اللَّيَالِيَ وَصَرَفَ الدُّهُورَ ... يُدِيلُ [٢] مِنْ الْعَادِلِ الْمُنْصِفِ [٣]
بِقَتْلِ النَّضِيرِ وَأَحْلَافِهَا ... وَعَقْرِ النَّخِيلِ وَلَمْ تُقْطَفْ [٤]
فَإِنْ لَا أَمُتْ نَأْتِكُمْ بِالْقَنَا ... وَكُلُّ حُسَامٍ مَعًا مُرْهَفِ [٥]
بِكَفٍّ كَمِىٍّ بِهِ يَحْتَمِي ... مَتَى يَلْقَ قِرْنًا لَهُ يُتْلِفْ [٦]
مَعَ الْقَوْمِ صَخْرٌ وَأَشْيَاعُهُ ... إذَا غَاوَرَ الْقَوْمَ لَمْ يَضْعُفْ [٧]
كَلَيْثِ بِتَرْجِ حَمَى غِيلَهُ ... أَخِي غَابَةٍ هَاصِرٍ أَجْوَفِ [٨]

(شِعْرُ كَعْبٍ فِي إجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ وَقَتْلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَتْلَ كَعْبِ ابْن الْأَشْرَفِ:

-------------------------
[١] كَذَا فِي أ: وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سمال» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر. ويديل: من الدولة، أَي نصيب مِنْهُ مثل مَا أصَاب منا. وَفِي أ:
«يدين» وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يدان» .
[٣] وَيُرِيد بالعادل المُصَنّف: النَّبِي ﷺ. قَالَ أَبُو ذَر: فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ الْيَهُودِيّ فِيهِ: الْعَادِل الْمنصف، وَهُوَ لَا يعْتَقد ذَلِك؟ فَالْجَوَاب أَن يُقَال: أَن يكون ذَلِك مِمَّا لَفظه لفظ الْمَدْح وَمَعْنَاهُ الذَّم، مثل قَوْله تَعَالَى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ٤٤: ٤٩ وكما قَالَ الآخر:
يجزون من ظلم أهل الظُّلم مغْفرَة ... وَمن إساءة أهل السوء إحسانا
فَهَذَا إِن كَانَ ظَاهره الْمَدْح، فَمَعْنَاه الذَّم.
[٤] الأحلاف: جمع حلف، وَهُوَ الصاحب. ويروى: وإجلائها، يعْنى وإخراجها من بلادها.
وَلم تقطف (بِفَتْح الطَّاء) لم يُؤْخَذ ثَمَرهَا، ويروى بِكَسْر الطَّاء، أَي لم تبلغ زمن القطاف.
[٥] الحسام المرهف: السَّيْف الْقَاطِع.
[٦] الكمي: الشجاع. والقرن: الّذي يقاومك فِي قتال.
[٧] صَخْر هُوَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب.
[٨] ترج: جبل بالحجاز تنْسب إِلَيْهِ الْأسود. والغيل: أجمة الْأسد. والهاصر: الّذي يكسر فريسته إِذا أَخذهَا. والأجوف: الْعَظِيم الْجوف.



لَقَدْ خَزِيَتْ بِغَدْرَتِهَا الْحُبُورُ ... كَذَاكَ الدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ [١]
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِرَبٍّ ... عَزِيزٍ أَمْرُهُ أَمْرٌ كَبِيرُ
وَقَدْ أُوتُوا مَعًا فَهْمًا وَعِلْمًا ... وَجَاءَهُمْ مِنْ اللَّهِ النَّذِيرُ
نَذِيرٌ صَادِقٌ أَدَّى كِتَابًا ... وَآيَاتٍ مُبَيَّنَةً تُنِيرُ
فَقَالُوا مَا أَتَيْتَ بِأَمْرِ صِدْقٍ ... وَأَنْتَ بِمُنْكَرٍ مِنَّا جَدِيرُ [٢]
فَقَالَ بَلَى لَقَدْ أَدَّيْتُ حَقًّا ... يُصَدِّقُنِي بِهِ الْفَهِمُ الْخَبِيرُ
فَمَنْ يَتْبَعْهُ يُهْدَ لِكُلِّ رُشْدٍ ... وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ يُجْزَ الْكَفُورَ
فَلَمَّا أُشْرِبُوا غَدِرًا وَكُفْرًا ... وَحَادَ بِهِمْ [٣] عَنْ الْحَقِّ النُّفُورِ
أَرَى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأْيِ صَدْقٍ ... وَكَانَ اللَّهُ يَحْكُمُ لَا يَجُورُ
فَأَيَّدَهُ وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ ... وَكَانَ نَصِيرُهُ نِعْمَ النَّصِيرِ
فَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْبٌ صَرِيعًا ... فَذَلَّتْ بَعْدَ مَصْرَعِهِ النَّضِيرُ
عَلَى الْكَفَّيْنِ ثَمَّ وَقَدْ عَلَتْهُ ... بِأَيْدِينَا مُشَهَّرَةٌ ذُكُورُ [٤]
بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ إذْ دَسَّ [٥] لَيْلًا ... إلَى كَعْبٍ أَخَا كَعْبٍ يَسِيرُ
فَمَا كَرِهَ فَأَنْزَلَهُ بِمَكْرٍ ... وَمَحْمُودٌ أَخُو ثِقَةٍ جَسُورُ
فَتِلْكَ بَنُو النَّضِيرِ بِدَارِ سَوْءٍ ... أَبَارَهُمْ بِمَا اجْتَرَمُوا الْمُبِيرُ [٦]
غَدَاةَ أَتَاهُمْ فِي الزَّحْفِ رَهْوًا ... رَسُولُ اللَّهِ وَهْوَ بِهِمْ بَصِيرُ [٧]
وَغَسَّانَ الْحُمَاةَ مُوَازِرُوهُ ... عَلَى الْأَعْدَاءِ وَهْوَ لَهُمْ وَزِيرُ
فَقَالَ السِّلَمُ [٨] وَيْحَكُمْ فَصَدُّوا ... وَحَالَفَ [٩] أَمْرَهُمْ كَذِبٌ وَزُورُ

--------------------------
[١] الحبور: جمع حبر، وَهُوَ الْعَالم، وَيُقَال فِي جمعه: أَحْبَار (أَيْضا) وَيُرِيد «بالحبور»:
عُلَمَاء الْيَهُود.
[٢] جدير: حقيق وخليق.
[٣] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبى ذَر: وحادبهم، أَي مَال بهم وَفِي جَمِيع الْأُصُول: «وجد بهم» .
[٤] مشهرة ذُكُور: سيوف مسلولة من أغمادها، قَوِيَّة قَاطِعَة.
[٥] فِي أ: «دش» (بالشين الْمُعْجَمَة) .
[٦] أبارهم: أهلكهم. واجترموا: كسبوا.
[٧] الرهو: مَشى فِي سُكُون.
[٨] السّلم (بِفَتْح السِّين وَكسرهَا): الصُّلْح.
[٩] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة، وحالف: صَاحب- وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَخَالف» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.



فَذَاقُوا غِبَّ أَمْرِهِمْ وَبَالًا ... لِكُلِّ ثَلَاثَة مِنْهُم بَعِيرًا [١]
وَأَجْلَوْا عَامِدِينَ لِقَيْنُقَاعَ ... وَغُودِرَ مِنْهُمْ نَخْلٌ وَدُورُ [٢]

(شِعْرُ سَمَّاكٍ فِي الرَّدِّ عَلَى كَعْبٍ):
فَأَجَابَهُ سَمَّاكٌ الْيَهُودِيُّ، فَقَالَ:
أَرِقْتُ وَضَافَنِي هَمٌّ كَبِيرُ ... بِلَيْلٍ غَيْرُهُ لَيْلٌ قَصِيرُ [٣]
أَرَى الْأَحْبَارَ تُنْكِرُهُ جَمِيعًا ... وَكُلُّهُمْ لَهُ عِلْمٌ خَبِيرُ
وَكَانُوا الدَّارِسِينَ لِكُلِّ عِلْمٍ ... بِهِ التَّوْرَاةُ تَنْطِقُ وَالزَّبُورُ
قَتَلْتُمْ سَيِّدَ الْأَحْبَار كَعْبًا ... وَقد مَا كَانَ يَأْمَنُ مَنْ يُجِيرُ
تَدَلَّى نَحْوَ مَحْمُودٍ أَخِيهِ ... وَمَحْمُودٌ سَرِيرَتُهُ الْفُجُورُ
فَغَادَرَهُ كَأَنَّ دَمًا نَجِيعًا ... يَسِيلُ عَلَى مَدَارِعِهِ عَبِيرُ [٤]
فُقِدَ وَأَبِيكُمْ وَأَبِي جَمِيعًا ... أُصِيبَتْ إذْ أُصِيبَ بِهِ النَّضِيرُ
فَإِنْ نَسْلَمُ لَكُمْ نَتْرُكُ رِجَالًا ... بِكَعْبٍ حَوْلَهُمْ طَيْرٌ تَدُورُ
كَأَنَّهُمْ عَتَائِرُ يَوْمَ عِيدٍ ... تُذَبَّحُ وَهْيَ لَيْسَ لَهَا نَكِيرُ [٥]
بِبِيضٍ لَا تُلِيقُ لَهُنَّ عَظْمًا ... صَوَافِي الْحَدِّ أَكْثَرُهَا ذُكُورُ [٦]
كَمَا لَاقَيْتُمْ مِنْ بَأْسِ صَخْرٍ ... بِأُحْدٍ حَيْثُ لَيْسَ لَكُمْ نَصِيرُ [٧]

(شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي امْتِدَاحِ رِجَالِ بَنِي النَّضِيرِ):
وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَخُو بَنِي سُلَيْمٍ يَمْتَدِحُ رِجَالَ بَنِي النَّضِيرِ:

-------------------------
[١] الوبال: النكال.
[٢] عَامِدين: قَاصِدين. وقينقاع: قَبيلَة من الْيَهُود.
[٣] أرقت: امْتنع النّوم عَنى. وضافنى: نزل بى.
[٤] النجيع: الدَّم الطري، والمدارع: جمع مدرعة، وَهِي ثوب يلبس. وَقَالَ بَعضهم: لَا تكون المدرعة إِلَّا من صوف. ويروى: (مذارعه) . بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، والمذارع من الْبَعِير وَالدَّابَّة: قوائمهما، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا: الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ. والعبير: الزَّعْفَرَان:
[٥] العتائر جمع عتيرة، وَهِي الذَّبِيحَة.
[٦] لَا تلِيق: لَا تبقى.
[٧] صَخْر: هُوَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب.



لَوْ أَنَّ أَهْلَ الدَّارِ لَمْ يَتَصَدَّعُوا ... رَأَيْتَ خِلَالَ الدَّارِ مَلْهًى وَمَلْعَبَا [١]
فَإِنَّكَ عَمْرِي هَلْ أُرِيكَ ظَعَائِنَا [٢] ... سَلَكْنَ عَلَى رُكْنِ الشَّطَاةِ [٣] فَتَيْأَبَا [٤]
عَلَيْهِنَّ عِينٌ [٥] مِنْ ظباء تبَالَة ... أَو انس يُصْبِيَنَ الْحَلِيمَ الْمُجَرِّبَا [٦]
إذَا جَاءَ بَاغِي الْخَيْرِ قُلْنَ فُجَاءَةً ... لَهُ بِوُجُوهٍ كَالدَّنَانِيرِ مَرْحَبَا
وَأَهْلًا فَلَا مَمْنُوعَ خَيْرٍ طَلَبْتَهُ ... وَلَا أَنْتَ تَخْشَى عِنْدَنَا أَنْ تُؤَنَّبَا
فَلَا تَحْسَبَنِّي كُنْتُ مَوْلَى ابْنِ مِشْكَمٍ ... سَلَامٍ وَلَا مَوْلَى حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَا [٧]

(شِعْرُ خَوَّاتٍ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ):
فَأَجَابَهُ خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ:
تُبَكِّي عَلَى قَتْلَى يَهُودَ وَقَدْ تَرَى ... مِنْ الشَّجْوِ لَوْ تَبْكِي أَحَبَّ وَأَقْرَبَا [٨]
فَهَلَّا عَلَى قَتْلَى بِبَطْنِ أُرَيْنِقٍ ... بَكَيْتَ وَلَمْ تُعْوِلْ مِنْ الشَّجْوِ مُسْهِبَا [٩]
إذَا السِّلْمُ دَارَتْ فِي صَدِيقٍ رَدَدْتَهَا ... وَفِي الدِّينِ صَدَّادًا وَفِي الْحَرْبِ ثَعْلَبَا [١٠]
عَمَدْتَ إلَى قَدْرٍ لِقَوْمِكَ تَبْتَغِي ... لَهُمْ شَبَهًا كَيْمَا تَعِزَّ وَتَغْلِبَا
فَإِنَّكَ لَمَّا أَنْ كَلِفْتَ تَمَدُّحًا ... لِمَنْ كَانَ عَيْبًا مَدْحُهُ وَتَكَذُّبَا
رَحَلْتَ بِأَمْرٍ كُنْتَ أَهْلًا لِمِثْلِهِ ... وَلَمْ تُلْفِ فِيهِمْ قَائِلًا لَكَ مَرْحَبَا
فَهَلَّا إلَى قَوْمٍ مُلُوكٍ مَدَحْتَهُمْ ... تَبَنَّوْا مِنْ الْعَزِّ الْمُؤَثَّلِ مَنْصِبَا [١١]

---------------------
[١] لم يتصدعوا: لم يتفرقوا.
[٢] الظعائن: النِّسَاء فِي الهوادج.
[٣] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة لأبى ذَر. والشطاة (بِالطَّاءِ الْمُهْملَة): مَوضِع. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«الشظاة» .
[٤] تيأب: مَوضِع.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَالْعين: جمع عيناء، وَهِي الْكَبِيرَة الْعين وَفِي أ: «عير» .
[٦] تبَالَة: مَوضِع الْيمن. ويصبين: يذْهبن الْعقل.
[٧] الْمولى (هُنَا): الحليف والصاحب.
[٨] الشجو: الْحزن.
[٩] أرينق (بالراء والزاى): مَوضِع. وَلم تعول: لم ترفع صَوْتك بالبكاء. والمسهب: الْمُتَغَيّر الْوَجْه
[١٠] الصداد: الّذي يصد عَن الدَّين وَالْحق. وثعلبا، أَي كثير الروغان، أَي لَا يصدق فِي الْحَرْب.
[١١] المؤثل: الْقَدِيم.



إلَى مَعْشَرٍ صَارُوا مُلُوكًا وَكُرِّمُوا ... وَلَمْ يُلْفَ فِيهِمْ طَالِبُ الْعُرْفِ مُجْدِبَا [١]
أُولَئِكَ أَحْرَى مِنْ يهود بمدحة ... نراهم وَفِيهِمْ عِزَّةُ الْمَجْدِ تُرْتُبَا [٢]

(شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي الرَّدِّ عَلَى خَوَّاتٍ):
فَأَجَابَهُ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ، فَقَالَ:
هَجَوْتَ صَرِيحَ الْكَاهِنَيْنِ وَفِيكُمْ ... لَهُمْ نِعَمٌ كَانَتْ مِنْ الدَّهْرِ تُرْتُبَا [٣]
أُولَئِكَ أَحْرَى لَوْ بَكَيْتَ عَلَيْهِمْ ... وَقَوْمُكَ لَوْ أَدَّوْا مِنْ الْحَقِّ مُوجَبَا
مِنْ الشُّكْرِ إنَّ الشُّكْرَ خَيْرٌ مغبَّة ... وَأَوْفَقُ فِعْلًا لِلَّذِي كَانَ أَصْوَبَا [٤]
فَكُنْتَ كَمَنْ أَمْسَى يُقَطِّعُ رَأْسَهُ ... لِيَبْلُغَ عِزًّا كَانَ فِيهِ مُرَكَّبَا
فَبَكِّ بَنِي هَارُونَ وَاذْكُرْ فِعَالَهُمْ ... وَقَتْلَهُمْ لِلْجُوعِ إذْ كُنْتَ مُجْدِبَا
أَخَوَّاتُ أَذِرْ الدَّمْعَ بِالدَّمْعِ وَابْكِهِمْ ... وَأَعْرِضْ عَنْ الْمَكْرُوهِ مِنْهُمْ وَنَكِّبَا [٥]
فَإِنَّكَ لَوْ لَاقَيْتَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ ... لَأُلْفِيتَ عَمَّا قَدْ تَقُولُ مُنَكِّبَا
سِرَاعٌ إلَى الْعَلْيَا كِرَامٌ لَدَى الْوَغَى ... يُقَالُ لِبَاغِي الْخَيْرِ أَهْلًا وَمَرْحَبَا

(شِعْرٌ لِكَعْبِ أَوْ ابْنِ رَوَاحَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ):
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ.
لَعَمْرِي لَقَدْ حَكَّتْ رحى الْحَرْب بعد مَا ... أَطَارَتْ لُؤَيًّا قَبْلُ شَرْقًا وَمَغْرِبَا
بَقِيَّةَ آلِ الْكَاهِنَيْنِ وَعِزَّهَا ... فَعَادَ ذَلِيلًا بَعْدَ مَا كَانَ أَغْلَبَا [٦]
فَطَاحَ سَلَامٌ وَابْنُ سَعْيَةَ عَنْوَةً ... وَقِيدَ ذَلِيلًا لِلْمَنَايَا ابْنُ أَخْطَبَا [٧]

----------------------
[١] مجدب: من الجدب، وَهُوَ الْقَحْط وَقلة الْخَيْر.
[٢] ترَتّب: (بِضَم التَّاء الثَّانِيَة وَفتحهَا): ثَابت. وَالتَّاء الأولى فِيهِ زَائِدَة، وَهُوَ من «رتب» عِنْد سِيبَوَيْهٍ.
[٣] الصَّرِيح: الْخَالِص النّسَب. والكاهنان: قبيلان من يهود الْمَدِينَة، يَزْعمُونَ أَنهم من ولد هَارُون عليه السلام. ويروى: «الكاهنين» للْجمع.
[٤] خير مغبة، أَي خير عَاقِبَة بعد.
[٥] نكب: عرج عَنْهُم.
[٦] الْأَغْلَب: الشَّديد.
[٧] طاح: ذهب وَهلك. والعنوة: الْقَهْر والذلة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-01-2026, 01:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (95)

صــ 203إلى صــ 212





وَأَجْلَبَ [١] يَبْغِي العزّ والذلّ ببتغى ... خِلَافَ يَدَيْهِ مَا جَنَى حِينَ أَجْلَبَا
كَتَارِكِ سَهْلِ الْأَرْضِ وَالْحَزَنُ هَمَّهُ ... وَقَدْ كَانَ ذَا فِي النَّاسِ أَكْدَى وَأَصْعَبَا [٢]
وَشَأْسٌ وعَزُّالٌ وَقَدْ صَلَيَا بِهَا ... وَمَا غُيِّبَا عَنْ ذَاكَ فِيمَنْ تَغَيَّبَا
وَعَوْفُ بْنُ سَلْمَى وَابْنُ عَوْفٍ كِلَاهُمَا ... وَكَعْبٌ رَئِيسُ الْقَوْمِ حَانَ وَخُيِّبَا [٣]
فَبُعْدًا وَسُحْقًا لِلنَّضِيرِ وَمِثْلِهَا ... إنْ أَعْقَبَ فَتْحٌ أَوْ إنْ اللَّهُ أَعْقَبَا [٤]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِيهِ.

غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ

(الْأُهْبَةُ لَهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَبَعْضَ جُمَادَى [٥]، ثُمَّ غَزَا نَجْدًا يُرِيدُ بَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِيَّ ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ [٦]، وَيُقَالُ: عُثْمَانَ ابْن عَفَّانَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:

----------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ «وأحلب» . قَالَ أَبُو ذَر: «من رَوَاهُ بِالْجِيم، فَمَعْنَاه جمع وَصَاح، وَمن رَوَاهُ بِالْحَاء الْمُهْملَة. فَمَعْنَاه جمع (أَيْضا)، إِلَّا أَن الّذي بِالْجِيم لَا يكون إِلَّا مَعَ صياح.
[٢] الْحزن: مَا علا من الأَرْض. وأكدى: لم ينجح فِي سَعْيه، يُقَال: أكدى الرجل فِي حَاجته، إِذا لم يظفر بهَا.
[٣] حَان: هلك.
[٤] إِن الله أعقبا: أَي إِن الله جَاءَ بالنصر عَلَيْهِم.
[٥] قَالَ الزرقانى: «وَعند ابْن سعد وَابْن حبَان أَنَّهَا كَانَت فِي الْمحرم سنة خمس» وَجزم أَبُو معشر أَنَّهَا بعد بنى قُرَيْظَة.
[٦] قَالَ الزرقانى: «قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَتعقبه ابْن عبد الْبر بِأَنَّهُ خلاف مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَر، وَبِأَن أَبَا ذَر لما أسلم بِمَكَّة رَجَعَ إِلَى بِلَاده فَلم يجِئ إِلَّا بعد الخَنْدَق» .


(سَبَبُ تَسْمِيَتِهَا بِذَاتِ الرِّقَاعِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى نَزَلَ نَخْلًا [١]، وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، لِأَنَّهُمْ رَقَّعُوا فِيهَا رَايَاتِهِمْ، وَيُقَالُ: ذَاتُ الرِّقَاعِ: شَجَرَةٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ الرِّقَاعِ [٢] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا عَظِيمًا [٣] مِنْ غَطَفَانَ، فَتَقَارَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، وَقَدْ خَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمَّ انْصَرَفَ بِالنَّاسِ.

(صَلَاةُ الْخَوْفِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ- وَكَانَ يُكَنَّى:
أَبَا عُبَيْدَةَ [٤]- قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٥] بِطَائِفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَطَائِفَةٌ مُقْبِلُونَ عَلَى الْعَدُوِّ. قَالَ: فَجَاءُوا فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: صَفَّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَفَّيْنِ، فَرَكَعَ بِنَا جَمِيعًا،

---------------------------
[١] نخل: مَوضِع بِنَجْد من أَرض غطفان. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: «إِنَّمَا قيل لَهَا ذَات الرّقاع. لأَنهم نزلُوا بجبل يُقَال لَهُ ذَات الرّقاع. وَقيل أَيْضا:
إِنَّمَا قيل لَهَا ذَلِك، لِأَن الْحِجَارَة أوهنت أَقْدَامهم، فشدوا رِقَاعًا، فَقيل لَهَا: ذَات الرّقاع» .
وَقَالَ السهيليّ بعد مَا عرض رأى ابْن هِشَام «وَذكر غَيره أَنَّهَا أَرض فِيهَا بقع سود، وبقع بيض، كلهَا مرقعة برقاع مُخْتَلفَة، قد سميت ذَات الرّقاع لذَلِك، وَكَانُوا قد نزلُوا فِيهَا فِي تِلْكَ الْغُزَاة، وَأَصَح هَذِه الْأَقْوَال كلهَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيق أَبى مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي غزَاة، وَنحن سِتَّة بَيْننَا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قَدَمَايَ وَسَقَطت أظفارى، فَكُنَّا نلف على أَرْجُلنَا الْخرق، فسميت غَزْوَة ذَات الرّقاع، لما كُنَّا نعصب من الْخرق على أَرْجُلنَا» .
وَقَالَ الزرقانى فِي شرح الْمَوَاهِب بعد مَا سَاق كلَاما لَا يخرج عَن هَذَا: «وَهِي غَزْوَة محَارب، وغزوة بنى ثَعْلَبَة، وغزوة بنى أَنْمَار، وغزوة صَلَاة الْخَوْف، لوقوعها بهَا، وغزوة الْأَعَاجِيب. لما وَقع فِيهَا من الْأُمُور العجيبة» .
[٣] فِي أ: «جمعا مَعَ غطفان» .
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] كَذَا فِي أ. وزادت سَائِر الْأُصُول: «صَلَاة الْخَوْف ثمَّ انْصَرف بِالنَّاسِ. قَالَ ابْن هِشَام» .



ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَسَجَدَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا رَفَعُوا سَجَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الْآخَرُ حَتَّى قَامُوا مَقَامَهُمْ ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَجَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ سَجَدَ الْآخَرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، فَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، وَسَجَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْفُسِهِمْ سَجْدَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [١]: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: يَقُومُ الْإِمَامُ وَتَقُومُ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَطَائِفَةٌ مِمَّا يَلِي عَدُوَّهُمْ، فَيَرْكَعُ بِهِمْ الْإِمَامُ وَيَسْجُدُ بِهِمْ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُونَ فَيَكُونُونَ مِمَّا يَلِي الْعَدُوَّ، يَتَقَدَّمُ الْآخَرُونَ فَيَرْكَعُ بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً، وَيَسْجُدُ بِهِمْ، ثُمَّ تُصَلِّي كُلُّ طَائِفَةٍ بِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، فَكَانَتْ لَهُمْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً رَكْعَةً، وَصَلَّوْا بِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً رَكْعَةً.

(غُوْرَثُ وَمَا هَمَّ بِهِ مِنْ قَتْلِ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:
أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُحَارِبٍ، يُقَالُ لَهُ: غُوْرَثُ [٢]، قَالَ لِقَوْمِهِ مِنْ غَطَفَانَ وَمُحَارِبٍ:
أَلَا أَقْتُلُ لَكُمْ مُحَمَّدًا؟ قَالُوا: بَلَى، وَكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ: أَفْتِكُ بِهِ. قَالَ: فَأَقْبَلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ، وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْظُرُ إلَى سَيْفِكَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ- وَكَانَ مُحَلًّى بِفِضَّةِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: فَأَخَذَهُ فَاسْتَلَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَهُزُّهُ، وَيَهُمُّ فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ [٣]، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا تَخَافَنِي؟ قَالَ: لَا، وَمَا أَخَافُ مِنْكَ؟
قَالَ: أَمَا تَخَافَنِي وَفِي يَدِي السَّيْفُ؟ قَالَ: لَا، يَمْنَعُنِي (اللَّهُ [٤]) مِنْكَ. ثُمَّ عَمَدَ إلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا ٥: ١١
----------------------------


[١] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٢] يحْكى بِالْفَتْح على وزن جَعْفَر، كَمَا يحْكى بِضَم أَوله. وَوَقع عِنْد الْخَطِيب بِالْكَاف بدل المثلاثة، وَحكى الْخطابِيّ فِيهِ غويرث، بِالتَّصْغِيرِ (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٣] يكبته الله: يذله ويقمعه.
[٤] زِيَادَة عَن أ.



إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ٥: ١١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: أَنَّهَا إنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، أَخِي بَنِي النَّضِيرِ وَمَا هَمَّ بِهِ، فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.

(جَابِرٌ وَقِصَّتُهُ هُوَ وَجَمَلُهُ مَعَ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، عَلَى جَمَلٍ لِي ضَعِيفٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: جَعَلَتْ الرِّفَاقُ [١] تَمْضِي، وَجَعَلْتُ أَتَخَلَّفُ، حَتَّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ الله ﷺ، فَقَالَ:
مَالك يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْطَأَ بِي جَمَلِي هَذَا، قَالَ: أَنِخْهُ، قَالَ:
فَأَنَخْتُهُ، وَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: أَعْطِنِي هَذِهِ الْعَصَا مِنْ يَدِكَ، أَوْ اقْطَعْ لِي عَصًا مِنْ شَجَرَةٍ، قَالَ: فَفَعَلْتُ. قَالَ: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَخَسَهُ بِهَا نَخَسَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ، فَرَكِبْتُ، فَخَرَجَ، وَاَلَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، يُوَاهِقُ [٢] نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً.
قَالَ: وَتَحَدَّثْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِي: أَتَبِيعُنِي جَمَلَكَ هَذَا يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ أَهَبُهُ لَكَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: فَسُمْنِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِدِرْهَمِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا.
إذَنْ، تَغْبِنُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: فَبِدِرْهَمَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَمَنِهِ حَتَّى بَلَغَ الْأُوقِيَّةَ. قَالَ: فَقُلْتُ:
أَفَقَدْ رَضِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَهُوَ لَكَ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ. قَالَ:
ثُمَّ قَالَ: يَا جَابِرُ، هَلْ تَزَوَّجْتَ بَعْدُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَثَيِّبًا أَمْ بِكْرًا؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ! قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ بَنَاتٍ لَهُ سَبْعًا، فَنَكَحْتُ

----------------------
[١] فِي أ: «الرّقاع» وَلَا معنى لَهَا.
[٢] يواهق نَاقَته: يعارضها فِي الْمثنى لسرعته.



امْرَأَةً جَامِعَةً، تَجْمَعُ رُءُوسَهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: أَصَبْتَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَمَا إنَّا لَوْ قَدْ جِئْنَا صِرَارًا [١] أَمَرْنَا بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا يَوْمَنَا ذَاكَ، وَسَمِعَتْ بِنَا، فَنَفَضَتْ نَمَارِقَهَا [٢] . قَالَ: قُلْتُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ نَمَارِقَ، قَالَ:
إنَّهَا سَتَكُونُ، فَإِذَا أَنْتَ قَدِمْتُ فَاعْمَلْ عَمَلًا كَيِّسًا. قَالَ: فَلَمَّا جِئْنَا صِرَارًا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَمَّا أَمْسَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ وَدَخَلْنَا، قَالَ: فَحَدَّثْتُ الْمَرْأَةَ الْحَدِيثَ، وَمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: فَدُونَكَ، فَسَمْعٌ [٣] وَطَاعَةٌ.
قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخَذْتُ بِرَأْسِ الْجَمَلِ، فَأَقْبَلْتُ بِهِ حَتَّى أَنَخْتُهُ عَلَى بَابِ [٤] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: ثُمَّ جَلَسْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَى الْجَمَلَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ، قَالَ: فَأَيْنَ جَابِرٌ؟ قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا بن أَخِي خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِكَ، فَهُوَ لَكَ، وَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِجَابِرِ، فَأَعْطِهِ أُوقِيَّةً. قَالَ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً، وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرا. قَالَ: فو الله مَا زَالَ يَنْمِى عِنْدِي، وَيَرَى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا، حَتَّى أُصِيبَ أَمْسِ فِيمَا أُصِيبَ لَنَا يَعْنِي يَوْمَ الْحَرَّةِ [٥] .

----------------------
[١] صرار: مَوضِع على ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] النمارق: جمع نمرقة، وَهِي الوسادة الصَّغِيرَة.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سمع» .
[٤] فِي أ: «على بَاب مَسْجِد» .
[٥] يُرِيد وقْعَة الْحرَّة الَّتِي كَانَت بِالْمَدِينَةِ أَيَّام يزِيد بن مُعَاوِيَة على يَد مُسلم بن عقبَة المري، الّذي يُسَمِّيه أهل الْمَدِينَة: مُسْرِف بن عقبَة. وَكَانَ سَببهَا أَن أهل الْمَدِينَة خلعوا يزِيد بن مُعَاوِيَة، وأخرجوا مَرْوَان ابْن الحكم وَبنى أُميَّة، وَأمرُوا عَلَيْهِم عبد الله بن حَنْظَلَة الغسيل، الّذي غسلت أَبَاهُ الْمَلَائِكَة يَوْم أحد. وَلم يُوَافق على هَذَا الْخلْع أحد من أكَابِر الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا فيهم.
وَكَانَ من أَمر جَابر هَذَا فِي هَذَا الْيَوْم أَنه أَخذ يطوف فِي أَزِقَّة الْمَدِينَة، والبيوت تنتهب وَهُوَ أعمى، وَهُوَ يعثر فِي الْقَتْلَى، وَيَقُول: تعس من أَخَاف رَسُول الله ﷺ، يُرِيد حَدِيثه ﷺ: من أَخَاف الْمَدِينَة فقد أَخَاف مَا بَين جَنْبي فحملوا عَلَيْهِ ليقتلوه، فأجاره مَرْوَان، وَأدْخلهُ بَيته. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .



(ابْنُ يَاسِرٍ وَابْنُ بِشْرٍ، وَقِيَامُهُمَا عَلَى حِرَاسَةِ جَيْشِ الرَّسُولِ، وَمَا أُصِيبَا بِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَمِّي صَدَقَةُ [١] بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَافِلًا، أَتَى زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ الْخَبَرَ حَلَفَ لَا يَنْتَهِي حَتَّى يُهْرِيقَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ دَمًا، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا، فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا [٢] لَيْلَتَنَا (هَذِهِ) [٣]؟ قَالَ: فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَكُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ قَدْ نَزَلُوا إلَى شِعْبٍ مِنْ الْوَادِي، وَهُمَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ أَيَّ اللَّيْلِ تُحِبُّ أَنْ أَكْفِيكَهُ: أَوَّلَهُ أَمْ آخِرَهُ؟ قَالَ: بَلْ اكْفِنِي أَوَّلَهُ، قَالَ:
فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، قَالَ: وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ [٤] الْقَوْمِ. قَالَ: فَرَمَى بِسَهْمِ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، قَالَ: فَنَزَعَهُ وَوَضَعَهُ، فَثَبَتَ قَائِمًا، قَالَ: ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمِ آخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ. قَالَ:
فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِالثَّالِثِ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، قَالَ: فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ [٥] صَاحِبَهُ فَقَالَ: اجْلِسْ فَقَدْ أَثْبَتُّ [٦]، قَالَ: فَوَثَبَ

---------------------------
[١] صَدَقَة هَذَا خزرى سكن بِمَكَّة، وَلَيْسَ بعم مُحَمَّد بن إِسْحَاق. قَالَ أَبُو ذَر: «وَقد خرجه أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَلم يذكر فِيهِ «عمى» .
[٢] يكلؤنا: يحفظنا.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] الربيئة: الطليعة الّذي يحرس الْقَوْم.
[٥] أهب: أيقظ.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَأثبت: جرحت جرحا لَا يُمكن التحرك مَعَه. وَفِي: أ «أتيت» .
وَأثبت: أصبت.



فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ [١] قَدْ نَذِرَا [٢] بِهِ، فَهَرَبَ. قَالَ: وَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنْ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَاكَ؟ قَالَ:
كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِدَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأَذِنْتُكَ، وَأَيْمُ اللَّهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِدَها.

(رُجُوعُ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَنْفَذَهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ غَزْوَةِ الرِّقَاعِ، أَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ جُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا.

غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ

(خُرُوجُ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ فِي شَعْبَانَ إلَى بَدْرٍ، لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ، حَتَّى نَزَلَهُ.

(اسْتِعْمَالُهُ ابْنِ أُبَيٍّ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ الْأَنْصَارِيَّ.

(رُجُوعُ أَبِي سُفْيَانَ فِي رِجَالِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَمَانِي لَيَالٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ مَجِنَّةَ، مِنْ نَاحِيَةِ الظَّهْرَانِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: قَدْ بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّهُ لَا يُصْلِحُكُمْ إلَّا عَامٌ خَصِيبٌ تَرْعَوْنَ فِيهِ الشَّجَرَ، وَتَشْرَبُونَ فِيهِ اللَّبَنَ، وَإِنَّ عَامَكُمْ هَذَا عَامُ جَدْبٍ،



---------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَنه» .
[٢] نذرا بِهِ: علما.
١٤- سيرة ابْن هِشَام- ٢



وَإِنِّي رَاجِعٌ، فَارْجِعُوا، فَرَجَعَ النَّاسُ. فَسَمَّاهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ جَيْشَ السَّوِيقِ، يَقُولُونَ:
إنَّمَا خَرَجْتُمْ تَشْرَبُونَ السَّوِيقَ.

(الرَّسُولُ وَمَخْشِيٌّ الضَّمْرِيُّ):
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَدْرٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ لِمِيعَادِهِ، فَأَتَاهُ مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ وَادَعَهُ عَلَى بَنِي ضَمْرَةَ فِي غَزْوَةِ وَدَّانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَجِئْتَ لِلِقَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذَا الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا أَخَا بَنِي ضَمْرَةَ، وَإِنْ شِئْتَ مَعَ ذَلِكَ رَدَدْنَا إلَيْكَ مَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، ثُمَّ جَالَدْنَاكَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، مَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْكَ مِنْ حَاجَةٍ.

(مَعْبَدٌ وَشِعْرُهُ فِي نَاقَةٍ لِلرَّسُولِ هَوَتْ):
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، فَمَرَّ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيُّ، فَقَالَ، وَقَدْ رَأَى مَكَانَ [١] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَاقَتُهُ تَهْوَى [٢] بِهِ:
قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ ... وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كالعَنْجَدِ [٣]
تَهْوَى عَلَى دِينِ أَبِيهَا الْأَتْلَدِ ... قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي [٤]
وَمَاءَ ضَجْنَانَ [٥] لَهَا ضُحَى الْغَدِ

(شِعْرٌ لِابْنِ رَوَاحَةَ أَوْ كَعْبٍ فِي بَدْرٍ):
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي ذَلِكَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
وَعَدْنَا أَبَا سُفْيَانَ بَدْرًا فَلَمْ نَجِدْ ... لِمِيعَادِهِ صِدْقًا وَمَا كَانَ وَافِيَا
فَأُقْسِمُ لَوْ وَافَيْتَنَا فَلَقِيتنَا ... لَأُبْتَ ذَمِيمًا وَافْتَقَدْتَ الْمَوَالِيَا [٦]

--------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَقد كَانَ رَسُول الله.. إِلَخ» .
[٢] تهوى: تسرع.
[٣] العنجد: حب الزَّبِيب، وَيُقَال: هُوَ الزَّبِيب الْأسود.
[٤] الدَّين: الدأب وَالْعَادَة. والأتلد: الأقدم. وقديد: مَوضِع قرب مَكَّة.
[٥] ضجنَان (بِالْفَتْح وبالتحريك): جبل بِنَاحِيَة تهَامَة، وَقيل على بريد من مَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] افتقدت: فقدت. والموالي: الْقَرَابَة.



تَرَكْنَا بِهِ أَوْصَالَ عُتْبَةَ وَابْنَهُ ... وَعَمْرًا أَبَا جَهْلٍ تَرَكْنَاهُ ثَاوِيَا [١]
عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ أُفٍّ لِدِينِكُمْ ... وَأَمْرِكُمْ السَّيْءِ الَّذِي كَانَ غَاوِيَا [٢]
فَإِنِّي وَإِنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقَائِلٌ ... فِدًى لِرَسُولِ اللَّهِ أَهْلِي وَمَالِيَا [٣]
أَطَعْنَاهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينَا بِغَيْرِهِ ... شِهَابًا لَنَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هَادِيَا [٤]

(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي بَدْرٍ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا ... جَلَّادٌ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ [٥]
بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهِمْ ... وَأَنْصَارِهِ حَقًّا وَأَيْدِي الْمَلَائِكِ
إذَا سَلَكْتَ لِلْغَوْرِ مِنْ بَطْنِ عَالِجٍ ... فَقُولَا لَهَا لَيْسَ الطّريق لَك [٦]
أَقَمْنَا عَلَى الرَّسِّ النَّزُوعِ ثَمَانِيَا ... بِأَرْعَنَ جَرَّارٍ عَرِيضِ الْمَبَارِكِ [٧]
بِكُلِّ كُمَيْتٍ جَوْزُهُ نِصْفُ خَلْقِهِ ... وَقُبٍّ طُوَّالٍ مُشْرِفَاتِ الْحَوَارِكِ [٨]
تَرَى الْعَرْفَجَ الْعَامِيَّ تَذْرِي أُصُولَهُ ... مَنَاسِمُ أَخْفَافِ الْمَطِيِّ الرَّوَاتِكَ [٩]
فَإِنْ نَلْقَ فِي تَطْوَافِنَا وَالْتِمَاسِنَا ... فُرَاتَ بْنَ حَيَّانٍ يَكُنْ رَهْنَ هَالِكِ
وَإِنْ تَلْقَ قَيْسَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ بَعْدَهُ ... يُزَدْ فِي سَوَادٍ لَوْنُهُ لَوْنُ حَالِكِ [١٠]

---------------------------
[١] ثاويا: مُقيما.
[٢] السيّئ (بِالتَّخْفِيفِ): السيّئ (بِالتَّشْدِيدِ) .
[٣] عنفتموني: لمتمونى.
[٤] لم نعدله: لم نر مَعَه غَيره.
[٥] الفلجات: جمع فلج، وَهُوَ المَاء الْجَارِي، سمى فلجا لِأَنَّهُ فدخ فِي الأَرْض، وَفرق بَين جانبيه.
والمخاض: الْحَوَامِل من الْإِبِل. والأوارك: الَّتِي ترعى الْأَرَاك، وَهُوَ شجر.
[٦] الْغَوْر: المنخفض من الأَرْض. وعالج: مَكَان فِيهِ رمل كثير.
[٧] الرس: الْبِئْر. والنزوع: الَّتِي يخرج مَاؤُهَا بِالْأَيْدِي. والأرعن: الْجَيْش الْكثير الّذي لَهُ أَتبَاع وفضول.
[٨] الْكُمَيْت: الْفرس. وَجوزهُ: وَسطه، وَيُرِيد بَطْنه. وَقب: جمع أقب، وَهُوَ الضامر. والحوارك جمع حارك، وَهُوَ أَعلَى الْكَتِفَيْنِ من الْفرس.
[٩] العرفج: نَبَات. والعامي: الّذي أَتَى عَلَيْهِ الْعَام. وتذرى أُصُوله: تعقلها وتطرحها. ومناسم:
جمع منسم، وَهُوَ طرف خف الْبَعِير. والرواتك: المسرعة.
[١٠] الحالك: الشَّديد السوَاد.



فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي رِسَالَةً ... فَإِنَّكَ مِنْ غُرِّ الرِّجَالِ الصَّعَالِكِ [١]

(شِعْرُ أَبِي سُفْيَانَ فِي الرَّدِّ عَلَى حَسَّانٍ):
فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ:
أَحَسَّانُ إنَّا يَا بن آكِلَةِ الْفَغَا ... وَجَدُّكَ نَغْتَالُ الْخُرُوقَ كَذَلِكِ [٢]
خَرَجْنَا وَمَا تَنْجُو الْيَعَافِيرُ بَيْنَنَا ... وَلَوْ وَأَلَتْ مِنَّا بِشَدٍّ مُدَارِكِ [٣]
إذَا مَا انْبَعَثْنَا مِنْ مُنَاخٍ حَسِبْتَهُ ... مُدَمَّنَ أَهْلِ الْمَوْسِمِ الْمُتَعَارِكِ [٤]
أَقَمْتَ عَلَى الرَّسِّ النَّزُوعِ تُرِيدُنَا ... وَتَتْرُكُنَا فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْمَدَارِكِ [٥]
عَلَى الزَّرْعِ تَمْشِي خَيْلُنَا وَرِكَابُنَا ... فَمَا وَطِئَتْ أَلْصَقْنَهُ بِالدَّكَادِكِ [٦]
أَقَمْنَا ثَلَاثًا بَيْنَ سَلْعٍ وَفَارِعٍ ... بِجُرْدِ الْجِيَادِ وَالْمَطِيِّ الرَّوَاتِكِ [٧]
حَسِبْتُمْ جِلَادَ الْقَوْمِ عِنْدَ قِبَابِهِمْ ... كَمَأْخَذِكُمْ بِالْعَيْنِ أَرْطَالَ آنُكِ [٨]
فَلَا تَبْعَثْ [٩] الْخَيْلَ الْجِيَادَ وَقُلْ لَهَا ... عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الْمُعْصِمِ الْمُتَمَاسِكِ [١٠]

------------------------
[١] الغر: الْبيض. والصعالك: جمع صعلوك: وَأَصله الصعاليك، حذفت ياؤه لإِقَامَة الْوَزْن، وَهُوَ الْفَقِير الّذي لَا مَال لَهُ.
[٢] الفغا: التَّمْر، وَقيل: هُوَ غبرة تعلو التَّمْر قبل أَن يطيب. قَالَ أَبُو ذَر: يُرِيد أَنهم أهل نخيل وتمر. ونغتال: نقطع. والخروق: جمع خرق، وَهُوَ الفلاة الواسعة
[٣] اليعافير: جمع يَعْفُور، وَهُوَ ولد الظبية، يُرِيد أَنهم لكثرتهم لَا تنجو مَعَهم الظباء. ووألت:
اعتصمت ولجأت، يُقَال: وألت إِلَى الْجَبَل، أَي اعتصمت بِهِ، وَمِنْه: الموئل، وَهُوَ الملجأ. والشد:
الجرى. والمدارك: المتتابع.
[٤] المدمن: الْموضع الّذي ينزلون فِيهِ فيتركون بِهِ الدمن، أَي آثَار الدَّوَابّ وَالْإِبِل، وأرواثها وبعارها. وَأهل الْمَوْسِم، أَي جمَاعَة الْحجَّاج، وكل مَكَان كَانَت الْعَرَب تَجْتَمِع فِيهِ فَهُوَ موسم، إِذا كَانَ ذَلِك عَادَة مِنْهُم فِي ذَلِك الْمَكَان، كسوق عكاظ وَذي الْمجَاز وأشباهها. والمتعارك: الّذي يزدحم فِيهِ النَّاس.
[٥] الرس النُّزُوع: الْبِئْر الَّتِي تنْزع مَاؤُهَا بِالْأَيْدِي والمدارك: الْمَوَاضِع الْقَرِيبَة. ويروى:
«الْمُبَارك» .
[٦] الدكادك: جمع دكدك، وَهُوَ الرمل اللين.
[٧] سلع وفارع: جبلان. والرواتك: المسرعة.
[٨] كَذَا فِي أ. قَالَ أَبُو ذَر: «الْعين (هُنَا): المَال الْحَاضِر. وَالْعين (أَيْضا): الدّرّ، وَكِلَاهُمَا يصلح هَا هُنَا» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «العبر» . قَالَ أَبُو ذَر: «وَمن رَوَاهُ «بالعير» فالعير: الرّفْقَة من الْإِبِل. والآنك: القزدير.
[٩] فِي أ: «لَا تنْعَت» .
[١٠] المعصم: المستمسك بالشَّيْء.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-01-2026, 01:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (96)

صــ 213إلى صــ 222








سَعِدْتُمْ بِهَا وَغَيْرُكُمْ كَانَ أَهْلَهَا [١] ... فَوَارِسُ مِنْ أَبْنَاءِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ
فَإِنَّكَ لَا فِي هِجْرَةٍ إنْ ذَكَرْتَهَا ... وَلَا حُرُمَاتِ الدِّينِ أَنْتَ بِنَاسِكِ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَقِيَتْ مِنْهَا أَبْيَاتٌ تَرَكْنَاهَا، لِقُبْحِ اخْتِلَافِ قَوَافِيهَا. وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا الْبَيْتَ:
خَرَجْنَا وَمَا تَنْجُو الْيَعَافِيرُ بَيْنَنَا
وَالْبَيْتَ الَّذِي بَعْدَهُ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّأْمِ قَدْ حَالَ دُونَهَا
وَأَنْشَدَنِي لَهُ فِيهَا بَيْتَهُ «فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ» .

غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ

(مَوْعِدُهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَا أَشْهُرًا حَتَّى مَضَى ذُو الْحِجَّةِ وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجَّةَ الْمُشْرِكُونَ وَهِيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ [٣]

(اسْتِعْمَالُ ابْنِ عُرْفُطَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ.

(رُجُوعُ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّةَ سَنَتِهِ.

-------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «وَفِي حَاشِيَة الشَّيْخ: شقيتم بهَا وغيركم أهل ذكرهَا» .
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والناسك: المتبع لمعالم دينه وشرائعه. ويروى «ناسكى» مَنْسُوبا، وخففت الْيَاء للقافية. وَرِوَايَة الشّطْر الثَّانِي فِي أ:
وَلَا حرمات دينهَا أَنْت ناسك
[٣] دومة (بِضَم الدَّال وتفتح) من أَعمال الْمَدِينَة، وَبَينهَا وَبَينهَا خمس عشرَة لَيْلَة، سميت بدومى بن إِسْمَاعِيل، كَانَ نزلها. (رَاجع الرَّوْض ومعجم الْبلدَانِ وَشرح الْمَوَاهِب) .


غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ [١] فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ

(تَارِيخُهَا):
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ، قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ [٢] .

(تَحْرِيضُ الْيَهُودِ لِقُرَيْشِ وَمَا نَزَلَ فِيهِمْ):
فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَاصِمِ ابْن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلُّهُمْ قَدْ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ الْخَنْدَقِ، وَبَعْضُهُمْ يُحَدِّثُ مَا لَا يُحَدِّثُ بِهِ [٣] بَعْضٌ، قَالُوا:
إنَّهُ كَانَ مِنْ حَدِيثِ الْخَنْدَقِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ الْيَهُودِ، مِنْهُمْ: سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ النَّضْرِيُّ [٤]، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ، وَكِنَانَةُ [٥] بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ النَّضْرِيُّ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ الْوَائِلِيُّ، وَأَبُو عَمَّارٍ الْوَائِلِيُّ، فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَنَفَرٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَهُمْ الَّذِينَ حَزَّبُوا الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَكَّةَ، فَدَعَوْهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: إنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ، فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ:
يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إنَّكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ، أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟ قَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ

---------------------
[١] بِهَذِهِ الْغَزْوَة يبتدى الْجُزْء الرَّابِع عشر من أَجزَاء السِّيرَة.
[٢] قَالَ الزرقانى: «وَاخْتلف فِي تاريخها.، فَقَالَ مُوسَى بن عقبَة فِي مغازيه الَّتِي شهد مَالك والشافعيّ بِأَنَّهَا أصح الْمَغَازِي، كَانَت سنة أَربع. قَالَ الْحَافِظ: وَتَابعه على ذَلِك الإِمَام مَالك» .
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] قَالَ السهيليّ: «وَنسب طَائِفَة من بنى النَّضِير، فَقَالَ فيهم: النضري، وَهَكَذَا تقيد فِي النُّسْخَة العتيقة، وَقِيَاسه: النضيري، إِلَّا أَن يكون من بَاب قَوْلهم: ثقفي وقرشي، وَهُوَ خَارج عَن الْقيَاس» .
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وكنانة بن الرّبيع بن أَبى الْحقيق النضري» .



(مِنْهُ) [١] . فَهُمْ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [٢]، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا» ٤: ٥١- ٥٢ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» ٤: ٥٤: أَيْ النُّبُوَّةَ [٣]، «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا» ٤: ٥٤- ٥٥.

(تَحْرِيضُ الْيَهُودِ لِغَطَفَانَ):
قَالَ [٣]: فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ، سَرَّهُمْ وَنَشَطُوا لِمَا دَعَوْهُمْ إلَيْهِ، مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَاتَّعَدُوا لَهُ. ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ يَهُودَ، حَتَّى جَاءُوا غَطَفَانَ، مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ، فَدَعَوْهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَابَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ فِيهِ.

(خُرُوجُ الْأَحْزَابِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ، وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ، وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ [٤]، فِي بَنِي فَزَارَةَ، وَالْحَارِثُ ابْن عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ، فِي بَنِي مُرَّةَ، وَمِسْعَرُ بْنُ رُخَيْلَةَ بْنِ نُوَيْرَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ سُحْمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ خَلَاوَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، فِيمَنْ تَابَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ من أَشْجَع.

----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] الجبت والطاغوت: كل مَا يعبد من دون الله.
[٣] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] كَانَ اسْم عُيَيْنَة بن حصن: حُذَيْفَة، وسمى عُيَيْنَة، لشتر كَانَ بِعَيْنِه. أسلم ثمَّ ارْتَدَّ وآمن بطليحة حِين تنبأ وَأخذ أَسِيرًا، فَأتى بِهِ أَبُو بكر رضي الله عنه فَمن عَلَيْهِ، وَلم يزل مظْهرا الْإِسْلَام على جفوته وعنجهيته ولوثة أعرابيته حَتَّى مَاتَ. وَهُوَ الّذي قَالَ فِيهِ ﷺ: الأحمق المطاع، لِأَنَّهُ كَانَ يتبعهُ عشرَة آلَاف قناة. (رَاجع الرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .



(جفر الْخَنْدَقِ وَتَخَاذُلُ الْمُنَافِقِينَ وَجِدُّ الْمُؤْمِنِينَ):
فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَا أَجْمَعُوا لَهُ مِنْ الْأَمْرِ، ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْغِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَجْرِ، وَعَمِلَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، فَدَأَبَ فِيهِ وَدَأَبُوا. وَأَبْطَأَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَجَعَلُوا يُوَرُّونَ [١] بِالضَّعِيفِ مِنْ الْعَمَلِ، وَيَتَسَلَّلُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا إذْنٍ. وَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا نَابَتْهُ النَّائِبَةُ، مِنْ الْحَاجَةِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، يَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي اللُّحُوقِ بِحَاجَتِهِ، فَيَأْذَنُ لَهُ، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ رَجَعَ إلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ عَمَلِهِ، رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ، وَاحْتِسَابًا لَهُ.

(مَا نَزَلَ فِي الْعَامِلِينَ فِي الْخَنْدَقِ مُؤْمِنِينَ وَمُنَافِقِينَ):
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أُولَئِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ الله، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢٤: ٦٢. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِسْبَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْخَيْرِ، وَالطَّاعَةِ للَّه وَلِرَسُولِهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَلَّلُونَ مِنْ الْعَمَلِ، وَيَذْهَبُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ: لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٢٤: ٦٣.

(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اللِّوَاذُ: الِاسْتِتَارُ بِالشَّيْءِ عِنْدَ الْهَرَبِ، قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:

--------------------------
[١] يورون: يستترون.


وَقُرَيْشٌ تَفِرُّ مِنَّا لِوَاذًا ... أَنْ يُقِيمُوا وَخَفَّ مِنْهَا الْحُلُومُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، قَدْ ذَكَرْتهَا فِي أَشْعَارِ يَوْمِ أُحُدٍ.
«أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ٢٤: ٦٤» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مِنْ صَدْقٍ أَوْ كَذِبٍ.
«وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢٤: ٦٤» .

(ارْتِجَازُ الْمُسْلِمِينَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ حَتَّى أَحْكَمُوهُ، وَارْتَجَزُوا فِيهِ بِرَجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، يُقَالُ لَهُ جُعَيْلٌ، سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَمْرًا، فَقَالُوا:
سَمَّاهُ مِنْ بَعْدِ جُعَيْلٍ عَمْرَا ... وَكَانَ لِلْبَائِسِ يَوْمًا ظَهْرَا [١]
فَإِذَا [٢] مَرُّوا «بِعَمْرٍو» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَمْرًا، وَإِذَا مَرُّوا «بِظَهْرٍ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ظَهْرًا [٣] .

(مَا ظَهَرَ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ أَحَادِيثُ بَلَغَتْنِي، فِيهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِبْرَةٌ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ، عَايَنَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ.

(مُعْجِزَةُ الْكُدْيَةِ):
فَكَانَ مِمَّا بَلَغَنِي أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ، فَشَكَوْهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَا بِإِنَاءِ مِنْ مَاءٍ، فَتَفَلَ فِيهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، ثُمَّ نَضَحَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى تِلْكَ الْكُدْيَةِ،

-----------------------
[١] الظّهْر: الْقُوَّة والمعونة. وَالضَّمِير فِي «سَمَّاهُ» و«كَانَ» للنّبيّ ﷺ. قَالَ أَبُو ذَر «وَقد يجوز فِيهِ وَجه ثَان، وَهُوَ أَن يكون الظّهْر (هُنَا): الْإِبِل، فَيكون الْبَيْت على وَجه آخر، تَقْدِيره وَكَانَ المَال للبائس يَوْمًا ظهرا، فأضمر اسْم كَانَ وَإِن لم يتَقَدَّم مَا يفسره، لِأَن مساق الْكَلَام يدل عَلَيْهِ، كَمَا قَالُوا: إِذا كَانَ غَدا فأتنى، أَي إِذا كَانَ الْيَوْم غَدا» .
[٢] زَادَت أبعد هَذَا الْبَيْت «فِي كتاب ابْن إِسْحَاق طهرا» .
[٣] أَي قَالَ مَعَهم آخر أَيْضا، فَكَانُوا يرتجزون هَذَا الشّعْر، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول مَعَهم أَوَاخِر أبياته.



فَيَقُولُ من حضرها: فو الّذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نبيّا، لَا نهالت [١] حَتَّى عَادَتْ كَالْكَثِيبِ، لَا تَرُدُّ فَأْسًا وَلَا مِسْحَاةً.

(الْبَرَكَةُ فِي تَمْرِ ابْنَةِ بَشِيرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَا أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ ابْنَةً لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، أُخْتِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَتْ: دَعَتْنِي أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ، فَأَعْطَتْنِي حَفْنَةً مِنْ تَمْرٍ فِي ثَوْبِي، ثُمَّ قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّةُ، اذْهَبِي إلَى أَبِيكَ وَخَالِكَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِغَدَائِهِمَا، قَالَتْ: فَأَخَذْتهَا، فَانْطَلَقْتُ بِهَا، فَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَلْتَمِسُ أَبِي وَخَالِي، فَقَالَ: تَعَالَيْ يَا بُنَيَّةُ، مَا هَذَا مَعَكَ؟ قَالَتْ:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا تَمْرٌ، بَعَثَتْنِي بِهِ أُمِّي إلَى أَبِي بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، وَخَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ يَتَغَدَّيَانِهِ، قَالَ: هَاتِيهِ، قَالَتْ: فَصَبَبْتُهُ فِي كَفَّيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا مَلَأَتْهُمَا، ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبِ فَبُسِطَ لَهُ، ثُمَّ دَحَا بِالتَّمْرِ عَلَيْهِ، فَتَبَدَّدَ فَوْقَ الثَّوْبِ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانِ عِنْدَهُ: اُصْرُخْ فِي أَهْلِ الْخَنْدَقِ: أَنْ هَلُمَّ إلَى الْغَدَاءِ. فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَجَعَلَ يَزِيدُ، حَتَّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْقُطُ مِنْ أَطْرَافِ الثَّوْبِ.

(الْبَرَكَةُ فِي طَعَامِ جَابِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: عَمِلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ، فَكَانَتْ عِنْدِي شُوَيْهَةٌ، غَيْرُ جِدٍّ سَمِينَةٌ [٢] . قَالَ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لَوْ صَنَعْنَاهَا لرَسُول الله ﷺ، قَالَ:
فَأَمَرْتُ امْرَأَتِي، فَطَحَنَتْ لَنَا شَيْئًا مِنْ شَعِيرٍ، فَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا، وَذَبَحَتْ تِلْكَ الشَّاةَ، فَشَوَيْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْنَا وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِانْصِرَافَ عَنْ الْخَنْدَقِ- قَالَ: وَكُنَّا نَعْمَلُ فِيهِ نَهَارَنَا، فَإِذَا أَمْسَيْنَا رَجَعْنَا إلَى أَهَالِيِنَا- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكَ شُوَيْهَةً كَانَتْ عِنْدَنَا، وَصَنَعْنَا مَعَهَا شَيْئًا مِنْ خُبْزِ هَذَا الشَّعِيرِ، فَأُحِبُّ أَنْ تَنْصَرِفَ

-------------------------
[١] انهالت: تفتتت.
[٢] غير جد سَمِينَة: غير كَامِلَة السّمن.



مَعِي إلَى مَنْزِلِي، وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ.
قَالَ: فَلَمَّا أَنْ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ أَمَرَ صَارِخًا فَصَرَخَ: أَنْ انْصَرِفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦! قَالَ: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ مَعَهُ، قَالَ: فَجَلَسَ وَأَخْرَجْنَاهَا إلَيْهِ. قَالَ: فَبَرَّكَ وَسَمَّى (اللَّهَ) [١]، ثُمَّ أَكَلَ، وَتَوَارَدَهَا النَّاسُ، كُلَّمَا فَرَغَ قَوْمٌ قَامُوا وَجَاءَ نَاسٌ، حَتَّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهَا.

(مَا أَرَى اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ الْفَتْحِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: ضَرَبْتُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْخَنْدَقِ، فَغَلُظَتْ عَلَيَّ صَخْرَةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَرِيبٌ مِنِّي، فَلَمَّا رَآنِي أَضْرِبُ وَرَأَى شِدَّةَ الْمَكَانِ عَلَيَّ، نَزَلَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ مِنْ يَدِي، فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً لَمَعَتْ تَحْتَ الْمِعْوَلِ بُرْقَةٌ، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بُرْقَةٌ أُخْرَى، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بُرْقَةٌ أُخْرَى. قَالَ: قُلْتُ:
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ لَمَعَ تَحْتَ الْمِعْوَلِ وَأَنْتَ تَضْرِبُ؟
قَالَ: أَوَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْيَمَنَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْمَشْرِقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، حِينَ فُتِحَتْ هَذِهِ الْأَمْصَارُ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَزَمَانِ عُثْمَانَ وَمَا بَعْدَهُ: افْتَتِحُوا مَا بدا لكم، فو الّذي نفس أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، مَا افْتَتَحْتُمْ مِنْ مَدِينَةٍ وَلَا تَفْتَتِحُونَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّدًا ﷺ مَفَاتِيحَهَا قَبْلَ ذَلِكَ.

(نُزُولُ قُرَيْشٍ الْمَدِينَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ، أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، بَيْنَ الْجُرُفِ وَزَغَابَةَ [٢] فِي عَشْرَةِ آلَافٍ

---------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] قَالَ أَبُو ذَر: «كَذَا وَقع هُنَا بالزاء مَفْتُوحَة. ورغابة بالراء الْمَفْتُوحَة هُوَ الْجيد، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الوقشى» .



مِنْ أَحَابِيشِهِمْ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، حَتَّى نَزَلُوا بِذَنَبِ نَقْمَى، إلَى جَانِبِ أُحُدٍ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إلَى سَلْعٍ [١]، فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسلمين، فَضرب لَك عَسْكَرَهُ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ.

(اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَرَ بِالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ فَجُعِلُوا فِي الْآطَامِ [٢] .

(حَمْلُ حُيَيٍّ كَعْبًا عَلَى نَقْضِ عَهْدِهِ لِلرَّسُولِ):
(قَالَ) [٣]: وَخَرَجَ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ، حَتَّى أَتَى كَعْبَ ابْن أَسَدٍ الْقُرَظِيَّ، صَاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَعَهْدِهِمْ، وَكَانَ قَدْ وَادَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَوْمِهِ، وَعَاقَدَهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَاهَدَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ كَعْبٌ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَغْلَقَ دُونَهُ بَابَ حِصْنِهِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَنَادَاهُ حُيَيٌّ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ! افْتَحْ لِي، قَالَ: وَيْحكَ يَا حُيَيُّ: إنَّكَ امْرُؤٌ مَشْئُومٌ، وَإِنِّي قَدْ عَاهَدْتُ مُحَمَّدًا، فَلَسْتُ بِنَاقِضٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إلَّا وَفَاءً وَصِدْقًا، قَالَ وَيْحَكَ افْتَحْ لِي أُكَلِّمْكَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ أَغْلَقْتُ دُونِي إلَّا عَنْ جَشِيشَتِكَ [٤]

---------------------
[()] وَقَالَ السهيليّ: «زغابة: اسْم مَوضِع، بالغين المنقوطة والزاى الْمَفْتُوحَة. وَذكره الْبكْرِيّ بِهَذَا اللَّفْظ بعد أَن قدم القَوْل بِأَنَّهُ زغابة، بِضَم الزاى وَالْعين الْمُهْملَة. وَحكى عَن الطَّبَرِيّ أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث:
بَين الجرف والغابة، وَاخْتَارَ هَذِه الرِّوَايَة وَقَالَ: لِأَن زغابة لَا تعرف. قَالَ السهيليّ: والأعرف عِنْدِي فِي هَذِه الرِّوَايَة رِوَايَة من قَالَ زغابة، بالغين المنقوطة، لِأَن فِي الحَدِيث الْمسند أَنه عليه الصلاة والسلام قَالَ فِي نَاقَة أهداها إِلَيْهِ أعرابى، فكافأه بست بكرات، فَلم يرض، فَقَالَ عليه السلام: أَلا تعْجبُونَ لهَذَا الْأَعرَابِي: أهْدى إِلَى نَاقَة أعرفهَا بِعَينهَا كَمَا أعرف بعض أَهلِي، ذهبت منى يَوْم زغابة، وَقد كافأته بست فسخط» .
[١] سلع: جبل بِالْمَدِينَةِ.
[٢] الْآطَام: الْحُصُون، الْوَاحِد: أَطَم.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] الجشيشة: طَعَام يصنع من الجشيش، وَهُوَ الْبر يطحن غليظا، وَهُوَ الّذي تَقول لَهُ الْعَامَّة:
«دشيش» بِالدَّال، وَالصَّوَاب الْجِيم.



أَنْ آكُلَ مَعَكَ مِنْهَا [١]، فَاحْفَظْ [٢] الرَّجُلَ، فَفَتَحَ لَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ، جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ وَبِبَحْرٍ طَامٍّ [٣]، جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، حَتَّى أَنْزَلْتهمْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا حَتَّى أَنْزَلَتْهُمْ بِذَنَبِ نَقْمَى إلَى جَانِبِ أُحُدٍ، قَدْ عَاهَدُونِي وَعَاقَدُونِي عَلَى أَنْ لَا يَبْرَحُوا حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: جِئْتنِي وَاَللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ، وَبِجَهَامٍ [٤] . قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ، فَهُوَ يَرْعَدُ وَيَبْرُقُ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ! فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إلَّا صِدْقًا وَوَفَاءً. فَلَمْ يَزَلْ حُيَيٌّ بِكَعْبِ يَفْتِلُهُ فِي الذَّرْوَةِ وَالْغَارِبِ [٥]، حَتَّى سَمَحَ لَهُ، عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ عَهْدًا (مِنْ اللَّهِ) [٦] وَمِيثَاقًا: لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِي حِصْنِكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ. فَنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ، وَبَرِئَ مِمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

(تَحَرِّي الرَّسُولِ عَنْ نَقْضِ كَعْبٍ لِلْعَهْدِ):
فَلَمَّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْأَوْسِ، وَسَعْدَ ابْن عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمٍ، أَحَدَ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَمَعَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ [٧]، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا، أَحَقٌّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ

--------------------------
[١] كَذَا وَردت هَذِه الْعبارَة فِي أ. وَنَصهَا فِي سَائِر الْأُصُول: «إِن أغلقت الْحصن دوني إِلَّا تخوفت على جشيشتك أَن آكل مِنْهَا مَعَك» .
[٢] أحفظه: أغضبهُ.
[٣] آطام: مُرْتَفع، وَيُرِيد كَثْرَة الرِّجَال.
[٤] الجهام: السَّحَاب الرَّقِيق الّذي لَا مَاء فِيهِ.
[٥] هَذَا مثل، وَأَصله فِي الْبَعِير يستصعب عَلَيْك، فتأخذ القرادة من ذروته وغارب سنامه وتفتل هُنَاكَ، فيجد الْبَعِير لَذَّة، فيأنس عِنْد ذَلِك. فَضرب هَذَا الْكَلَام مثلا فِي المراوضة والمخاتلة.
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] فِي أ: «أَخُو بنى الْخَزْرَج» .



الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا [١] أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ [٢] وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ. قَالَ: فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْهُمْ، فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ، (فِيمَا) [٣] نَالُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: مَنْ رَسُولُ اللَّهِ؟ لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَلَا عَقْدَ. فَشَاتَمَهُمْ سَعْدُ ابْن مُعَاذٍ وَشَاتَمُوهُ، وَكَانَ رَجُلًا فِيهِ حِدَّةٌ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: دَعْ عَنْكَ مُشَاتَمَتَهُمْ، فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى [٤] مِنْ الْمُشَاتَمَةِ. ثُمَّ أَقْبَلَ سَعْدٌ وَسَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُمَا، إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالُوا: عَضَلٌ وَالْقَارَّةُ، أَيْ كَغَدْرِ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ، خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ.

(مَا عَمَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْخَوْفِ وَظُهُورُ نِفَاقِ الْمُنَافِقِينَ):
(قَالَ) [٣]: وَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَأَتَاهُمْ عَدُوُّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، حَتَّى ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ كُلَّ ظَنٍّ، وَنَجَمَ النِّفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ، حَتَّى قَالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْغَائِطِ.

(رَأْيُ ابْنِ هِشَامٍ فِي نِفَاقِ مُعَتِّبٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ مُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَتَّى قَالَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ مِنْ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ عَنْ مَلَأٍ مِنْ رِجَالِ قَوْمِهِ، فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنَرْجِعَ إلَى دَارِنَا، فَإِنَّهَا خَارِجٌ مِنْ الْمَدِينَةِ. فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

-----------------------
[١] اللّحن: اللغز، وَهُوَ أَنه يُخَالف ظَاهر الْكَلَام مَعْنَاهُ.
[٢] يُقَال: فت فِي عضده، إِذا أضعفه وأوهنه.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] أربى: أعظم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 10-01-2026, 01:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (97)

صــ 223إلى صــ 232






وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إلَّا الرَّمِّيا [١] بِالنَّبْلِ وَالْحِصَارُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الرَّمْيَا.

(هَمَّ الرَّسُولُ بِعَقْدِ الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَطَفَانَ ثُمَّ عَدَلَ):
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ الْبَلَاءُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَمَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ [٢] اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَإِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ، فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا الصُّلْحُ، حَتَّى كَتَبُوا الْكِتَابَ وَلَمْ تَقَعْ الشَّهَادَةُ وَلَا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ، إلَّا الْمُرَاوَضَةُ فِي ذَلِكَ. فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَفْعَلَ، بَعَثَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْرًا نُحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ، أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، لَا بُدَّ لَنَا مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟ قَالَ: بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاَللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ [٣] مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إلَى أَمْرٍ مَا، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ باللَّه وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَمْرَةً إلَّا قِرًى [٤] أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمْنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ، نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا! (وَاَللَّهِ) [٥] مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاَللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَنْتَ وَذَاكَ. فَتَنَاوَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الصَّحِيفَةَ، فَمَحَا مَا فِيهَا مِنْ الْكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَجْهَدُوا عَلَيْنَا.

----------------------
[١] الرميا (بِكَسْر الرَّاء وَالْمِيم مشددتين وَتَخْفِيف الْيَاء): المراماة.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عبد الله» .
[٣] كالبوكم: اشتدوا عَلَيْكُم.
[٤] الْقرى: مَا يصنع للضيف من الطَّعَام.
[٥] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.


(عُبُورُ نَفَرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْخَنْدَقَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، وَعَدُوُّهُمْ مُحَاصِرُوهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، إلَّا أَنَّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدِّ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيَّانِ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الشَّاعِرُ [١] ابْن مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، تَلَبَّسُوا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ خَرَجُوا عَلَى خَيْلِهِمْ، حَتَّى مَرُّوا بِمَنَازِلِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالُوا: تَهَيَّئُوا يَا بَنِي كِنَانَةَ لِلْحَرْبِ [٢]، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ الْفُرْسَانُ الْيَوْمَ. ثُمَّ أَقْبَلُوا تُعْنِقُ [٣] بِهِمْ خَيْلُهُمْ، حَتَّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَكِيدُهَا.

(سَلْمَانُ وَإِشَارَتُهُ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: إنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ أَشَارَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَحَدَّثَنِي [٤] بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ قَالُوا: سَلْمَانُ مِنَّا، وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ.

(قَتْلُ عَلِيٍّ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكَانًا ضَيِّقًا مِنْ الْخَنْدَقِ، فَضَرَبُوا خَيْلَهُمْ فَاقْتَحَمَتْ مِنْهُ، فَجَالَتْ بِهِمْ فِي السَّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ، وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فِي نَفَرٍ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى أَخَذُوا عَلَيْهِمْ الثَّغْرَةَ [٥] الَّتِي أَقْحَمُوا مِنْهَا خَيْلَهُمْ

----------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٢] فِي أ: «لِلْقِتَالِ» .
[٣] تعنق: تسرع.
[٤] زَادَت م، ر قبل هَذِه الْكَلِمَة: «قَالَ ابْن هِشَام» .
[٥] الثغرة: الثلم الّذي كَانَ هُنَاكَ فِي الخَنْدَق.



وَأَقْبَلَتْ الْفُرْسَانُ تُعْنِقُ نَحْوَهُمْ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلِمًا [١] لِيُرِيَ مَكَانَهُ. فَلَمَّا وَقَفَ هُوَ وَخَيْلُهُ، قَالَ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَبَرَزَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو، إنَّكَ قَدْ كُنْتُ عَاهَدْتُ اللَّهَ أَلَّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى إحْدَى خَلَّتَيْنِ إلَّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَجَلْ، قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَإِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إلَى النِّزَالِ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ يَا بن أخى؟ فو الله مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَكِنِّي وَاَللَّهِ أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَحَمَى [٢] عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ، فَاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ، فَعَقَرَهُ، وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، فَتَنَازَلَا وَتَجَاوَلَا، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه [٣] .
وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً، حَتَّى اقْتَحَمَتْ مِنْ الْخَنْدَقِ هَارِبَةً. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ:
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ ... وَنَصَرْتُ رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَابِي [٤]
فَصَدَدْتُ حِينَ تَرَكْتُهُ مُتَجَدِّلًا ... كَالْجِذْعِ بَين دكادك وروابي [٥]
وَعَفَفْتُ عَنْ أَثْوَابِهِ وَلَوْ أَنَّنِي ... كُنْتُ الْمُقَطَّرَ بَزَّنِى أَثْوَابِي [٦]
لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ خَاذِلَ دِينِهِ ... وَنَبِيِّهِ يَا مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَشُكُّ فِيهَا لِعَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

-------------------------
[١] الْمعلم: الّذي جعل لَهُ عَلامَة يعرف بهَا.
[٢] حمى: اشْتَدَّ غَضَبه.
[٣] سَاق السهيليّ هَذِه الْقِصَّة عَن ابْن إِسْحَاق من غير رِوَايَة ابْن هِشَام عَن البكائي بِزِيَادَة عَمَّا هُنَا، نكتفي بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا (رَاجع الرَّوْض ج ٢ ص ١٩١) .
[٤] الْحِجَارَة (هُنَا): الأنصاب الَّتِي كَانُوا يعبدونها ويذبحون لَهَا.
[٥] متجدلا: لاصقا بِالْأَرْضِ وَاسْمهَا الجدالة. والجذع: فرع النَّخْلَة. والدكادك: جمع دكداك، هُوَ الرمل اللين. والروابي: جمع رابية، وَهِي الكدية المرتفعة.
[٦] المقطر: الّذي. ألْقى على أحد قطريه، أَي جَنْبَيْهِ. والقطر. الْجَانِب، يُقَال: طعنه فقطره، أَي أَلْقَاهُ على أحد جَنْبَيْهِ. وبزنى: سلبنى وجردنى.
١٥- سيرة ابْن هِشَام- ٢



(شِعْرُ حَسَّانَ فِي فِرَارِ عِكْرِمَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [١]: وَأَلْقَى عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ رُمْحَهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ عَنْ عَمْرٍو، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
فَرَّ وَأَلْقَى لَنَا رُمْحَهُ ... لَعَلَّكَ عِكْرِمَ لَمْ تَفْعَلْ
وَوَلَّيْتَ تَعْدُو كَعَدْوِ الظَّلِيمِ [٢] ... مَا إنْ تَجُورُ [٣] عَنْ الْمَعْدِلِ
وَلَمْ تَلْقَ ظَهْرَكَ [٤] مُسْتَأْنِسًا ... كَأَنَّ قَفَاكَ قَفَا فُرْعُلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُرْعُلُ: صَغِيرُ الضِّبَاعِ، وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.

(شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ):
وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَبَنِيَّ قُرَيْظَةَ:
حم، لَا يُنْصَرُونَ.

(شَأْنُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ [٥] الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ فِي حِصْنِ بَنِي حَارِثَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ مِنْ أَحْرَزِ حُصُونِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَكَانَتْ أُمُّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مَعَهَا فِي الْحِصْنِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ: فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ مُقَلَّصَةٌ [٦]، قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا ذِرَاعُهُ كُلُّهَا، وَفِي يَدِهِ حَرْبَتُهُ يَرْقُدُ [٧] بِهَا وَيَقُولُ
لَبِّثْ قَلِيلًا يَشْهَدْ الْهَيْجَا جَمَلْ ... لَا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إذَا حَانَ الْأَجَلْ [٨]

---------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن هِشَام» .
[٢] الظليم: ذكر النعام.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تحور» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول «وَلم تلو» .
[٥] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٦] مقلصة: قَصِيرَة قد ارْتَفَعت، يُقَال: تقلص الشَّيْء، إِذا ارْتَفع وانقبض.
[٧] كَذَا فِي أ. ويرقد: يسْرع. وَفِي سَائِر الْأُصُول «يرقل» .
[٨] كَذَا فِي الْأُصُول. قَالَ أَبُو ذَر: «جمل: اسْم رجل. وَهَذَا الرجز قديم تمثل بِهِ سعد» .
وَفِي الرَّوْض: «حمل» بِالْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ السهيليّ: «هُوَ بَيت تمثل بِهِ، يعْنى بِهِ حمل بن سعدانة بن الْحَارِث ابْن معقل بن كَعْب بن عليم بن جناب الْكَلْبِيّ» .



(قَالَ) فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: الحقّ: أَي ابْني، فَقَدْ وَاَللَّهِ أَخَّرْتُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ سَعْدٍ، وَاَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ دِرْعَ سَعْدٍ كَانَتْ أَسْبَغَ [١] مِمَّا هِيَ، قَالَتْ:
وَخِفْتِ عَلَيْهِ حَيْثُ أَصَابَ السَّهْمُ مِنْهُ، فَرُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بِسَهْمِ، فَقَطَعَ مِنْهُ الْأَكْحَلَ [٢]، رَمَاهُ كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، حِبَّانُ [٣] بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرِقَةِ [٤]، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا أَصَابَهُ، قَالَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ: عَرَّقَ اللَّهُ وَجْهَكَ فِي النَّارِ، اللَّهمّ إنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنَّهُ لَا قَوْمَ أَحَبَّ إلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ وَكَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهمّ وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَضَعْتُ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهُ لِي شَهَادَةً، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ.

(شِعْرٌ لِأُسَامَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَاتِلُ سَعْدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أَصَابَ سَعْدًا يَوْمَئِذٍ إلَّا أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِي، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو أُسَامَةَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا [٥] لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ:
أَعِكْرِمُ هَلَّا لُمْتنِي إذْ تَقُولُ لِي ... فِدَاكَ بِآطَامِ الْمَدِينَةِ خَالِدُ [٦]
أَلَسْتُ الَّذِي أَلْزَمْتُ سَعْدًا مُرِشَّةً [٧] ... لَهَا بَيْنَ أَثْنَاءِ الْمَرَافِقِ عَانِدُ [٨]
قَضَى نَحْبَهُ مِنْهَا سَعِيدٌ فَأَعْوَلَتْ ... عَلَيْهِ مَعَ الشُّمْطِ الْعَذَارَى النَّوَاهِدُ [٩]

------------------------
[١] أَسْبغ: أكمل وأطول.
[٢] الأكحل: عرق فِي الذِّرَاع.
[٣] قَالَ السهيليّ: «حبَان» هُوَ ابْن عبد منَاف بن منقذ بن عَمْرو بن معيص بن عَامر بن لؤيّ» .
[٤] العرقة: هِيَ قلَابَة بنت سعد بن سعد بن سهم، وتكنى أم فَاطِمَة، وَسميت العرقة لطيب رِيحهَا، وَهِي جدة خَدِيجَة، أم أمهَا هَالة. (رَاجع الرَّوْض) .
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ لعكرمة ... إِلَخ» .
[٦] الْآطَام: الْحُصُون والقصور، الْوَاحِد: أَطَم.
[٧] كَذَا فِي أ. ومرشة: يعْنى رمية أَصَابَته فأطارت رشاش الدَّم مِنْهُ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مريشة» .
[٨] العاند: الْعرق الّذي لَا يَنْقَطِع مِنْهُ الدَّم.
[٩] النحب: الأَصْل. وأعولت: بَكت بِصَوْت مُرْتَفع. والشمط: جمع شَمْطَاء، وَهِي الَّتِي خالط شعرهَا الشيب. والعذارى: الْأَبْكَار. والنواهد: جمع ناهد، وَهِي الَّتِي ظهر نهدها.



وَأَنْتَ الَّذِي دَافَعْتَ عَنْهُ وَقَدْ دَعَا ... عُبَيْدَةُ جَمْعًا مِنْهُمْ إذْ يُكَابِدُ
عَلَى حِينِ مَا هُمْ جَائِرٌ عَنْ طَرِيقِهِ ... وَآخَرُ مَرْعُوبٌ عَنْ الْقَصْدِ قَاصِدُ [١]
(وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ) [٢] .

(قَاتِلُ سَعْدٍ فِي رَأْيِ ابْنِ هَشَّامٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنَّ الَّذِي رَمَى سَعْدًا خَفَاجَةُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ حِبَّانَ.

(صَفِيَّةُ وَحَسَّانُ وَمَا ذَكَرَتْهُ عَنْ جُبْنِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ قَالَ: كَانَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي فَارِعٍ، حِصْنُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَتْ:
وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَنَا فِيهِ، مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. قَالَتْ صَفِيَّةُ، فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَقَدْ حَارَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَقَطَعَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنَّا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ فِي نُحُورِ عَدُوِّهِمْ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ إلَيْنَا إنْ أَتَانَا آتٍ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا حَسَّانُ، إنَّ هَذَا الْيَهُودِيَّ كَمَا تَرَى يُطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا آمَنُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَتِنَا مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ يَهُودَ، وَقَدْ شُغِلَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَانْزِلْ إلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، قَالَ:
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا بْنَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاَللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ مَا أَنَا بِصَاحِبِ هَذَا: قَالَتْ:
فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ عِنْدَهُ شَيْئًا، احْتَجَزْتُ [٣] ثُمَّ أَخَذْتُ عَمُودًا، ثُمَّ نَزَلْتُ مِنْ الْحِصْنِ إلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالْعَمُودِ حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهُ، رَجَعْتُ إلَى الْحِصْنِ، فَقُلْتُ: يَا حَسَّانُ، انْزِلْ إلَيْهِ فَاسْلُبْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ سَلَبِهِ إلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ، قَالَ: مَا لِي بِسَلَبِهِ مِنْ حَاجَة يَا بنت عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [٤] .

---------------------------
[١] المرعوب: المفزع. قَالَ أَبُو ذَر: من رَوَاهُ مَرْغُوب، بالغين الْمُعْجَمَة، فَمَعْنَاه: رغب عَن الْقَصْد: أَي تَركه، وَهُوَ على معنى النّسَب: أَي ذُو رَغْبَة.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] احتجزت: شددت وسطى. قَالَ أَبُو ذَر: «وَمن رَوَاهُ: اعتجرت، فَمَعْنَاه: شددت معجرى» .
[٤] قَالَ السهيليّ: «ومجمل هَذَا الحَدِيث عِنْد النَّاس على أَن حسان كَانَ جَبَانًا شَدِيد الْجُبْن. وَقد دفع هَذَا بعض الْعلمَاء وَأنْكرهُ، وَذَلِكَ أَنه حَدِيث مُنْقَطع الْإِسْنَاد، وَقَالَ: لَو صَحَّ هَذَا لهجي بِهِ حسان، فَإِنَّهُ كَانَ



(شَأْنُ نُعَيْمٍ فِي تَخْذِيلِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فِيمَا وَصَفَ اللَّهُ مِنْ الْخَوْفِ وَالشِّدَّةِ، لِتَظَاهُرِ عَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ، وَإِتْيَانِهِمْ إيَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ.
(قَالَ) [١]: ثُمَّ إنَّ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ قُنْفُدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ خَلَاوَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَإِنَّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّمَا أَنْتُ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا [٢] إنْ اسْتَطَعْتُ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ. فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إيَّاكُمْ، وَخَاصَّةً مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: صَدَقْتُ، لَسْتُ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسُوا كَأَنْتُمْ، الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، فِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَحَوَّلُوا مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ قَدْ جَاءُوا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ ظَاهَرْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، وَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ بِغَيْرِهِ، فَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ، فَإِنْ رَأَوْا نُهْزَةً [٣] أَصَابُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَحِقُوا بِبِلَادِهِمْ وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ

-------------------------
[()] يهاجى الشُّعَرَاء كضرار وَابْن الزبعري وَغَيرهمَا، وَكَانُوا يناقضونه ويردون عَلَيْهِ، فَمَا عيره أحد مِنْهُم بجبن، وَلَا وسمه بِهِ، فَدلَّ هَذَا على ضعف حَدِيث ابْن إِسْحَاق، وَإِن صَحَّ فَلَعَلَّ حسان أَن يكون مُعْتَلًّا فِي ذَلِك الْيَوْم بعلة منعته من شُهُود الْقِتَال، وَهَذَا أولى مَا تَأَول عَلَيْهِ. وَمِمَّنْ أنكر أَن يكون هَذَا صَحِيحا أَبُو عمر رحمه الله فِي كتاب الدُّرَر لَهُ.
وعقب على هَذَا الحَدِيث أَبُو ذَر أَيْضا بِمَا لَا يخرج عَمَّا ذكر السهيليّ.
وَقَالَ الزرقانى بعد مَا سَاق رأى أَبى عمر فِي الدُّرَر، واستبعاده هَذَا على حسان: «وَإِنَّمَا كَانَ أولى، لِأَن ابْن إِسْحَاق لم ينْفَرد بِهِ، بل جَاءَ بِسَنَد مُتَّصِل حسن كَمَا علم، فاعتضد حَدِيثه. وَقد قَالَ ابْن السراج:
سكُوت الشُّعَرَاء عَن تعييره بذلك من أَعْلَام النُّبُوَّة، لِأَنَّهُ شاعره ﷺ» .
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] خذل عَنَّا: أَدخل بَين الْقَوْم حَتَّى يخذل بَعضهم بَعْضًا.
[٣] النهزة: انتهاز الشَّيْء واختلاسه.



وَبَيْنَ الرَّجُلِ بِبَلَدِكُمْ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بَهْ إنْ خَلَا بِكُمْ، فَلَا تُقَاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِيكُمْ ثِقَةً لَكُمْ عَلَى أَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُنَاجِزُوهُ، فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَشَرْتُ بِالرَّأْيِ.
ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَفِرَاقِي مُحَمَّدًا، وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ قَدْ رَأَيْتُ عَلَيَّ حَقًّا أَنْ أُبْلِغَكُمُوهُ، نُصْحًا لَكُمْ، فَاكْتُمُوا عَنِّي، فَقَالُوا: نَفْعَلُ، قَالَ: تَعْلَمُوا أَنَّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَرْسَلُوا إلَيْهِ:
إنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا، فَهَلْ يُرْضِيكَ أَنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنْ الْقَبِيلَتَيْنِ، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَنُعْطِيكَهُمْ، فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ثُمَّ نَكُونُ مَعَكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُمْ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ: أَنْ نَعَمْ. فَإِنْ بَعَثَتْ إلَيْكُمْ يَهُودُ يَلْتَمِسُونَ مِنْكُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تَدْفَعُوا إلَيْهِمْ مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا.
ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى غَطَفَانَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، إنَّكُمْ أَصْلِي وَعَشِيرَتِي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، وَلَا أَرَاكُمْ تَتَّهِمُونِي، قَالُوا: صَدَقْتُ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، قَالَ: فَاكْتُمُوا عَنِّي، قَالُوا: نَفْعَلُ، فَمَا أَمْرُكَ؟ [١]، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ لِقُرَيْشِ وَحَذَّرَهُمْ مَا حَذَّرَهُمْ.

(دَبِيبُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ):
فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ [٢] أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَرُءُوسُ غَطَفَانَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، فَقَالُوا لَهُمْ: إنَّا لَسْنَا بِدَارِ مُقَامٍ، قَدْ هَلَكَ الْخُفُّ وَالْحَافِرُ [٣]، فَاغْدُوَا لِلْقِتَالِ حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، وَنَفْرُغَ مِمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَأَرْسَلُوا إلَيْهِمْ: إنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَهُوَ (يَوْمٌ) [٤] لَا نَعْمَلُ فِيهِ

-------------------------
[١] هَذِه الْعبارَة «فَمَا أَمرك» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] فِي أ: «أَنه» .
[٣] يُرِيد «بالخف»: الْإِبِل، و«بالحافر»: الْخَيل.
[٤] زِيَادَة عَن أ.



شَيْئًا، وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِ بَعْضُنَا حَدَثًا، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ، وَلَسْنَا مَعَ ذَلِكَ بِاَلَّذِينَ نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِينَا ثِقَةً لَنَا حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، فَإِنَّا نَخْشَى إنَّ ضَرَّسَتْكُمْ [١] الْحَرْبُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَن تنشروا [٢] إلَى بِلَادِكُمْ وَتَتْرُكُونَا، وَالرَّجُلَ فِي بَلَدِنَا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِذَلِكَ مِنْهُ.
فَلَمَّا رَجَعَتْ إلَيْهِمْ الرُّسُلُ بِمَا قَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، قَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ: وَاَللَّهِ إنَّ الَّذِي حَدَّثَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، فَأَرْسِلُوا بَنِي قُرَيْظَةَ: إنَّا وَاَللَّهِ لَا نَدْفَعُ إلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رِجَالِنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْقِتَالَ فَاخْرُجُوا فَقَاتِلُوا، فَقَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، حِينَ انْتَهَتْ الرُّسُلُ إلَيْهِمْ بِهَذَا: إنَّ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا، فَإِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ انْشَمَرُوا إلَى بِلَادِهِمْ. وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ فِي بَلَدِكُمْ، فَأَرْسِلُوا إلَى قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ: إنَّا وَاَللَّهِ لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا [٣] حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَخَذَّلَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ فِي لَيَالٍ شَاتِيَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَجَعَلَتْ تَكْفَأُ قُدُورَهُمْ [٤]، وَتَطْرَحُ أَبْنِيَتَهُمْ [٥] .

(أَرْسَلَ الرَّسُولُ حُذَيْفَةَ لِيَتَعَرَّفَ مَا حَلَّ بِالْمُشْرِكِينَ):
(قَالَ) [٦]: فَلَمَّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا اخْتَلَفَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَا فَرَّقَ اللَّهُ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ، دَعَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ، لِيَنْظُرَ مَا فَعَلَ الْقَوْمُ لَيْلًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، قَالَ:
قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَرَأَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَحِبْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا بن أَخِي، قَالَ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟

-----------------------------
[١] ضرستكم الْحَرْب: نَالَتْ مِنْكُم، كَمَا يُصِيب ذُو الأضراس بأضراسه.
[٢] أَن تنشمروا: أَن تنقبضوا وتسرعوا إِلَى بِلَادكُمْ.
[٣] هَذِه الْكَلِمَة «مُحَمَّدًا» سَاقِطَة فِي أ.
[٤] تكفأ قدورهم: تميلها وَتَقَلُّبهَا.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «آنيتهم» .
[٦] زِيَادَة عَن أ.



قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ، قَالَ: فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَلَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا. قَالَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَا بن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوِيًّا [١] مِنْ اللَّيْلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ- يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجْعَةَ- أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فَمَا قَامَ [٢] رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَشِدَّةِ الْجُوعِ، وَشِدَّةِ الْبَرْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنْ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ: يَا حُذَيْفَةُ، اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ [٣]، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا. قَالَ: فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِي الْقَوْمِ وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللَّهِ تَفْعَلُ بِهِمْ مَا تَفْعَلُ، لَا تُقِرُّ لَهُمْ قِدْرًا وَلَا نَارًا وَلَا بِنَاءً. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: لِيَنْظُرْ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ إلَى جَنْبِي، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ [٤] .

(مُنَادَاةُ أَبَى سُفْيَانَ فِيهِمْ بِالرَّحِيلِ):
ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ [٥] وَالْخُفُّ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمْ الَّذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ شِدَّةِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ، وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ، وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ، ثُمَّ قَامَ إلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ، فَوَثَبَ بِهِ على ثَلَاث، فو الله مَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إلَّا وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيَّ «أَنْ لَا تُحْدِثَ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي»، ثُمَّ شِئْتُ، لَقَتَلْتُهُ بِسَهْمِ.

-------------------------
[١] هويا من اللَّيْل (بِفَتْح الْهَاء وَضمّهَا): قِطْعَة مِنْهُ.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ» .
[٣] فِي أ: «يَفْعَلُونَ» .
[٤] فِي شرح الْمَوَاهِب: «فَضربت بيَدي على يَد الّذي عَن يَمِيني، فَأخذت بِيَدِهِ، فَقلت: من أَنْت؟
قَالَ: مُعَاوِيَة بن أَبى سُفْيَان، ثمَّ ضربت بيَدي على يَد الّذي عَن شمَالي، فَقلت: من أَنْت؟ قَالَ: عَمْرو ابْن الْعَاصِ» .
[٥] الكراع: الْخَيل.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 10-01-2026, 02:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (98)

صــ 233إلى صــ 242






(رُجُوعُ حُذَيْفَةَ إلَى الرَّسُولِ بِتَخَاذُلِ الْمُشْرِكِينَ وَانْصِرَافِهِمْ):
قَالَ حُذَيْفَةُ: فَرَجَعْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ [١] لِبَعْضِ نِسَائِهِ، مَرَاجِلُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاجِلُ: ضَرْبٌ مِنْ وَشَى الْيَمَنِ.
فَلَمَّا رَآنِي أَدْخَلَنِي إلَى رِجْلَيْهِ، وَطَرَحَ عَلَيَّ طَرَفَ الْمِرْطِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، وَإِنِّي لِفِيهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، وَسَمِعَتْ غَطَفَانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، فَانْشَمَرُوا رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ.

(انْصِرَافُ الرَّسُولِ عَنْ الْخَنْدَقِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ عَنْ الْخَنْدَقِ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ [٢] وَالْمُسْلِمُونَ، وَوَضَعُوا السِّلَاحَ.

غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ

(أَمْرُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ بِحَرْبِ بَنِي قُرَيْظَةَ):
فَلَمَّا كَانَتْ الظُّهْرُ، أَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كَمَا حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، مُعْتَجِرًا [٣] بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ [٤]، عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ [٥]، عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَقَالَ: أَوَقَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ جِبْرِيلُ:
فَمَا وَضَعَتْ الْمَلَائِكَةُ السِّلَاحَ بَعْدُ، وَمَا رَجَعَتْ الْآنَ إلَّا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ، إنَّ اللَّهَ عز وجل يَأْمُرُكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْمَسِيرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنِّي عَامِدٌ إلَيْهِمْ فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ.

---------------------
[١] المرط: الكساء.
[٢] كَانَ دُخُول الرَّسُول ﷺ الْمَدِينَة يَوْم الْأَرْبَعَاء، يَوْم مُنْصَرفه من الخَنْدَق، لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٣] الاعتجار: أَن يتعمم الرجل دون تلح، أَي لَا يلقى شَيْئا تَحت لحيته.
[٤] الإستبرق: ضرب من الديباج غليظ.
[٥] الرحالة: السرج.


(دَعْوَةُ الرَّسُولِ الْمُسْلِمِينَ لِلْقِتَالِ):
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنًا، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا، فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إلَّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ.

(اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ):
وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.

(تَقَدُّمُ عَلِيٍّ وَتَبْلِيغُهُ الرَّسُولَ مَا سَمِعَهُ مِنْ سُفَهَائِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِرَايَتِهِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَابْتَدَرَهَا النَّاسُ. فَسَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى إذَا دَنَا مِنْ الْحُصُونِ سَمِعَ مِنْهَا مَقَالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَدْنُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَخَابِثِ، قَالَ: لِمَ؟ أَظُنُّكَ سَمِعْتُ مِنْهُمْ لِي أَذًى؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَوْ رَأَوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُصُونِهِمْ. قَالَ: يَا إخْوَانَ الْقِرَدَةِ، هَلْ أَخْزَاكُمْ اللَّهُ وَأَنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ؟ قَالُوا:
يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا كُنْتُ جَهُولًا.

(سَأَلَ الرَّسُولُ عَمَّنْ مَرَّ بِهِمْ فَقِيلَ دِحْيَةُ فَعَرَفَ أَنَّهُ جِبْرِيلُ):
وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالصَّوْرَيْنِ [١] قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: هَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَدٌ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ مَرَّ بِنَا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ، عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ، عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ دِيبَاجٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ، بُعِثَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ. وَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَةَ: نَزَلَ عَلَى بِئْرٍ مِنْ آبَارِهَا مِنْ نَاحِيَةِ أَمْوَالِهِمْ، يُقَالُ لَهَا بِئْرُ أُنَا [٢] .

----------------------
[١] الصورين: مَوضِع قرب الْمَدِينَة. (عَن مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] أَنا (كهنا أَو كحتى أَو بِكَسْر النُّون الْمُشَدّدَة، ويروى بموحدة بدل النُّون): من آبار بنى قُرَيْظَة. (رَاجع الرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب ومعجم الْبلدَانِ) .



قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بِئْرُ أَنَّى.

(تَلَاحُقُ الْمُسْلِمِينَ بِالرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَلَاحَقَ بِهِ النَّاسُ، فَأَتَى رِجَالٌ مِنْهُمْ [١] مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إلَّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ، فَشَغَلَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ فِي حَرْبِهِمْ، وَأَبَوْا أَنْ يُصَلُّوا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: حَتَّى تَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ. فَصَلَّوْا الْعَصْرَ بِهَا، بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَمَا عَابَهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَلَا عَنَّفَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٢] . حَدَّثَنِي بِهَذَا الحَدِيث أَبى إسْحَاقَ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ.

(حِصَارُهُمْ وَمَقَالَةُ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ لَهُمْ):
(قَالَ) [٣]: وَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ [٤] لَيْلَةً، حَتَّى جَهَدَهُمْ الْحِصَارُ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ.
وَقَدْ كَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ، حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتَّى يُنَاجِزَهُمْ، قَالَ كَعْبُ ابْن أَسَدٍ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنْ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيَّهَا شِئْتُمْ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: نُتَابِعُ هَذَا الرجل ونصدّقه فو الله لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ [٥]، قَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ، فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا،

--------------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة «مِنْهُم» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] يُؤْخَذ من هَذَا أَنه لَا يعاب من أَخذ بِظَاهِر حَدِيث أَو آيَة وَلَا من استنبط من النَّص معنى يخصصه، كَمَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَن كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب. (رَاجع الرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .
[٣] زِيَادَة عَن.
[٤] وَقيل: خمس عشرَة لَيْلَة، وَقيل بضع عشرَة. (رَاجع الطَّبَقَات وَشرح الْمَوَاهِب) .
[٥] هَذِه الْكَلِمَة «ونسائكم» سَاقِطَة فِي أ.



ثُمَّ نَخْرُجُ إلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رِجَالًا مُصْلِتِينَ السُّيُوفَ، لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثَقَلًا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ نَهْلِكْ نَهْلِكُ، وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا نَسْلًا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لِنَجِدَنَّ [١] النِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ، قَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ! فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ، فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ، وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمَّنُونَا [٢] فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرَّةً، قَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا عَلَيْنَا، وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إلَّا مَنْ قَدْ عَلِمْتُ، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ مِنْ الْمَسْخِ! قَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ الدَّهْرِ حَازِمًا.

(أَبُو لُبَابَةَ وَتَوْبَتُهُ):
(قَالَ) [٣]: ثُمَّ إنَّهُمْ بَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنْ ابْعَثْ إلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ [٤] بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إلَيْهِ الرِّجَالُ، وَجَهَشَ [٥] إلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ! أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ [٦]؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ، إنَّهُ الذَّبْحُ [٧] . قَالَ أَبُو لبَابَة: فول الله مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ

------------------------
[١] فِي أ: «لنتخذن» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أمنُوا» .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] هُوَ أَبُو لبَابَة بن عبد الْمُنْذر الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَقيل: رِفَاعَة، وَقيل:
مُبشر، وَقيل: بشير، وَهُوَ أحد النُّقَبَاء، عَاشَ إِلَى خلَافَة على (رَاجع الِاسْتِيعَاب وَالرَّوْض وَشرح الْمَوَاهِب) .
[٥] جهش: بَكَى.
[٦] قَالَ الزرقانى: «وَذَلِكَ أَنهم لما حوصروا حَتَّى أيقنوا بالهلكة، أنزلوا شأس بن قيس فَكَلمهُ ﷺ أَن ينزلُوا على مَا نزل بَنو النَّضِير من ترك الْأَمْوَال وَالْحَلقَة وَالْخُرُوج بِالنسَاء والذراري وَمَا حملت الْإِبِل إِلَّا الْحلقَة، فَأبى رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ: تحقن دماءنا وتسلم لنا النِّسَاء والذرية وَلَا حَاجَة لنا فِيمَا حملت الْإِبِل، فَأبى ﷺ إِلَّا أَن ينزلُوا على حكمه، وَعَاد شأس إِلَيْهِم بذلك» . (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٧] كَأَن أَبَا لبَابَة فهم ذَلِك من عدم إِجَابَة الرَّسُول لَهُم بحقن دِمَائِهِمْ، وَعرف أَن الرَّسُول سيذبحهم إِن نزلُوا على حكمه، وَبِهَذَا أَشَارَ لبني قُرَيْظَة. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .



أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ. وَقَالَ:
لَا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، وَعَاهَدَ اللَّهَ: أَنْ لَا أَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، وَلَا أُرَى فِي بَلَدٍ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ أَبَدًا.

(مَا نَزَلَ فِي خِيَانَةِ أَبَى لُبَابَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي لُبَابَةَ، فِيمَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨: ٢٧.

(مَوْقِفُ الرَّسُولِ مِنْ أَبِي لُبَابَةَ وَتَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُهُ، وَكَانَ قَدْ اَسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: أَمَا إنَّهُ [١] لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا أَنَا بِاَلَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ: أَنَّ تَوْبَةَ أَبَى لُبَابَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ السَّحَرِ [٢]، وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ.
(فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ [٣]): فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ السَّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ، قَالَ: تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، إنْ شِئْتِ. قَالَ: فَقَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ. قَالَتْ [٤]: فَثَارَ النَّاسُ إلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ، فَلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَارِجًا إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ أَطْلَقَهُ.

------------------------------
[١] فِي أ: «أما إِن لَو كَانَ ... إِلَخ» .
[٢] هَذِه الْكَلِمَة «من السحر» سَاقِطَة فِي أ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي م، ر: «قَالَ» .



(مَا نَزَلَ فِي التَّوْبَةِ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ مُرْتَبِطًا بِالْجِذْعِ سِتَّ لَيَالٍ. تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي كُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَتَحُلُّهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْتَبِطُ بِالْجِذْعِ، فِيمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْآيَةُ [١] الَّتِي نَزَلَتْ فِي تَوْبَتِهِ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٩: ١٠٢.

(إسْلَامُ نَفَرٍ مِنْ بَنِي هُدَلٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأَسَدَ بْنَ عُبَيْدٍ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هُدَلٍ، لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا النَّضِيرِ، نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ، هُمْ بَنُو عَمِّ الْقَوْمِ، أَسْلَمُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

(أَمْرُ عَمْرِو بْنِ سُعْدَى):
وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى الْقَرَظِيُ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟
قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ سُعْدَى- وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدِ أَبَدًا- فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمَةَ حِينَ عَرَفَهُ [٢]: اللَّهمّ لَا تَحْرِمْنِي إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ.
فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَتَى [٣] بَابَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ تَوَجَّهَ مِنْ الْأَرْضِ إلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَأْنُهُ، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بِوَفَائِهِ. وَبَعْضُ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ أُوثِقَ بِرُمَّةِ [٤] فِيمَنْ أُوثِقَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، حِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ

------------------------
[١] فِي أ: «الْآيَات» .
[٢] فِي م، ر: «طرفه» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] فِي أ: «حَتَّى بَات فِي مَسْجِد ... إِلَخ» .
[٤] الرمة: الْحَبل الْبَالِي.



ﷺ، فَأَصْبَحَتْ رُمَّتُهُ مُلْقَاةً، وَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.

(نُزُولُ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ الرَّسُولِ وَتَحْكِيمُ سَعْدٍ):
(قَالَ) [١] فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَوَاثَبَتْ الْأَوْسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُمْ [٢] مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إخْوَانِنَا بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْتُ- وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُ إيَّاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بن سَلُولَ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ- فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ الْأَوْسُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَعَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي خَيْمَةٍ لِامْرَأَةِ مِنْ أَسْلَمَ [٣]، يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ، فِي مَسْجِدِهِ، كَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَحْتَسِبُ بِنَفْسِهَا عَلَى خِدْمَةِ مَنْ كَانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السَّهْمُ بِالْخَنْدَقِ: اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتَّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. فَلَمَّا حَكَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، أَتَاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وَطَّئُوا لَهُ بِوِسَادَةِ مِنْ أَدَمٍ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمَّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا وَلَّاكَ ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: لقد أَنى لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.
فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَنَعَى لَهُمْ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ سَعْدٌ، عَنْ كَلِمَتِهِ الَّتِي سَمِعَ مِنْهُ. فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] فِي م، ر: «إِنَّهُم كَانُوا» .
[٣] وَقيل إِنَّهَا أنصارية. (رَاجع الْإِصَابَة وَشرح الْمَوَاهِب) .



قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ- فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: إنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ، وَأَمَّا الْأَنْصَارُ، فَيَقُولُونَ: قَدْ عَمَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فَقَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَلَّاكَ أَمْرَ مَوَالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ لَمَا حَكَمْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ: وعَلى من هَا هُنَا؟
فِي النَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إجْلَالًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي أَحُكْمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ، وَتُقَسَّمُ الْأَمْوَالُ، وَتُسْبَى الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ.

(رِضَاءُ الرَّسُولِ بِحُكْمِ سَعْدٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو ابْن سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ [١] .

(سَبَبُ نُزُولِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ فِي رَأْيِ ابْنِ هِشَامٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَاحَ وَهُمْ مُحَاصِرُو بَنِي قُرَيْظَةَ: يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ، وَتَقَدَّمَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَذُوقَنَّ مَا ذَاقَ حَمْزَةُ أَوْ لَأُفْتَحَنَّ حِصْنَهُمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.

(مَقْتَلُ بَنِي قُرَيْظَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ اسْتَنْزَلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ [٢]، امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

----------------------
[١] الأرقعة: السَّمَوَات، الْوَاحِدَة: رقيع.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَاسْمهَا: كيسة بنت الْحَارِث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس. وَكَانَت تَحت مُسَيْلمَة الْكذَّاب، ثمَّ خلف عَلَيْهَا عبد الله بن عَامر بن كريز» .
وَقَالَ الزرقانى: «هِيَ رَملَة بنت الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن الْحَارِث بن زيد، زَوْجَة معَاذ بن الْحَارِث ابْن رِفَاعَة، تكَرر ذكرهَا فِي السِّيرَة. والواقدي يَقُول: رَملَة بنت الْحَدث (بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة) . وَلَيْسَت هِيَ كيسة بنت الْحَارِث» .



إلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ، الَّتِي هِيَ سُوقُهَا الْيَوْمَ، فَخَنْدَقَ بِهَا خَنَادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ، يُخْرَجُ بِهِمْ إلَيْهِ أَرْسَالًا [١]، وَفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، رَأْسُ الْقَوْمِ، وهم ستّ مائَة أَو سبع مائَة، وَالْمُكْثِرُ لَهُمْ يَقُولُ: كَانُوا بَين الثمان مائَة وَالتسع مائَة. وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَالًا: يَا كَعْبُ، مَا تَرَاهُ يُصْنَعُ بِنَا؟ قَالَ: أَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَلَا تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزِعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ؟ هُوَ وَاَللَّهِ الْقَتْلُ! فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّأْبُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

(مَقْتَلُ ابْنِ أَخْطَبَ وَشِعْرُ ابْنِ جَوَّالٍ فِيهِ):
وَأُتِيَ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ عَدُوِّ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ لَهُ فَقَّاحِيَّةٌ [٢]- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَقَّاحِيَّةٌ: ضَرْبٌ مِنْ الْوَشَى- قَدْ شَقَّهَا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ (أُنْمُلَةٍ) [٣] لِئَلَّا يُسْلَبَهَا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلِ. فَلَمَّا نَظَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهَ يُخْذَلْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كَتَبَهَا [٤] اللَّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، ثُمَّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
فَقَالَ جَبَلُ بْنُ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيُّ [٥]:
لَعَمْرُكَ مَا لَامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ ... وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهُ يُخْذَلْ
لَجَاهَدَ حَتَّى أَبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَهَا ... وَقَلْقَلَ يَبْغِي الْعِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ [٦]

-----------------------
[١] أَرْسَالًا، أَي طَائِفَة بعد طَائِفَة.
[٢] فقاحية: تضرب إِلَى الْحمرَة، أَي على لون الْورْد حِين هم أَن يتفتح (اللِّسَان) .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي أ: «كتبت» .
[٥] كَانَ ابْن جوال هَذَا من بنى ثَعْلَبَة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وَكَانَ يَهُودِيّا فَأسلم، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة. (رَاجع الرَّوْض والاستيعاب) .
[٦] قلقل: تحرّك.
١٦- سيرة ابْن هِشَام- ٢



(قَتَلَ مِنْ نِسَائِهِمْ امْرَأَةً وَاحِدَةً):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَتْ: وَاَللَّهِ إِنَّهَا لعندي تحدّث مَعِي، وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ رِجَالَهَا فِي السُّوقِ، إذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةُ؟ قَالَتْ: أَنَا وَاَللَّهِ قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: وَيلك، مَالك؟ قَالَتْ: أُقْتَلُ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِحَدَثِ أَحْدَثْتُهُ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ بِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا [١]، فَكَانَتْ عَائِشَة تَقول: فو الله مَا أَنْسَى عَجَبًا مِنْهَا، طِيبَ نَفْسِهَا، وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُقْتَلُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ الَّتِي طَرَحَتْ الرَّحَا عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَقَتَلَتْهُ.

(شَأْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، كَمَا ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، أَتَى الزُّبَيْرَ [٢] بْنَ بَاطَا الْقُرَظِيُّ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ- وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدْ مَنَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ [٣] . ذَكَرَ لِي بَعْضُ وَلَدِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ مَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَ بُعَاثٍ، أَخَذَهُ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ- فَجَاءَهُ ثَابِتٌ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ، قَالَ: إنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَجْزِيَكَ بِيَدِكَ عِنْدِي، قَالَ: إنَّ الْكَرِيمَ يَجْزِي الْكَرِيمَ، ثُمَّ أَتَى ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِلزُّبَيْرِ عَلَيَّ مِنَّةٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْزِيَهُ بِهَا، فَهَبْ لِي دَمَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُوَ لَكَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَهَبَ لِي دَمَكَ، فَهُوَ لَكَ، قَالَ: شَيْخُ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ؟ قَالَ: فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي

-----------------------
[١] قَالَ أَبُو ذَر: «هِيَ امْرَأَة الْحسن الْقرظِيّ» .
[٢] قَالَ السهيليّ: «هُوَ الزبير، بِفَتْح الزاى وَكسر الْبَاء، جد الزبير بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فِي الْمُوَطَّأ فِي كتاب النِّكَاح. وَاخْتلف فِي الزبير بن عبد الرَّحْمَن، فَقيل: الزبير، بِفَتْح الزاى وَكسر الْبَاء، كاسم جده، وَقيل الزبير» .
[٣] فِي أ: «ذكر» .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 10-01-2026, 02:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (99)

صــ 243إلى صــ 252






يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْ [١] لِي امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ، قَالَ: هُمْ لَكَ. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ وَهَبَ لِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ سلم أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ، فَهُمْ لَكَ، قَالَ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ، فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، مَا لَهُ، قَالَ: هُوَ لَكَ. فَأَتَاهُ ثَابِتٌ فَقَالَ: قَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالَكَ، فَهُوَ لَكَ، قَالَ: أَيْ ثَابِتٌ، مَا فَعَلَ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ مِرْآةٌ صِينِيَّةٌ يَتَرَاءَى فِيهَا عَذَارَى الْحَيِّ، كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيِّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ مُقَدِّمَتُنَا إذَا شَدَدْنَا، وَحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا، عَزَّالُ بْنُ سَمَوْأَلَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمُجْلِسَانِ؟ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ وَبَنِيَّ عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، قَالَ:
ذَهَبُوا قُتِلُوا؟ قَالَ: فَأَنِّي أَسْأَلُكَ يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدَكَ إلَّا ألحقتنى بالقوم، فو الله مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ خَيْرٍ، فَمَا أَنَا بِصَابِرِ للَّه فَتْلَةَ دَلْوٍ نَاضِحٍ [٢] حَتَّى أَلْقَى الْأَحِبَّةَ. فَقَدَّمَهُ ثَابِتٌ، فَضُرِبَ عُنُقُهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَوْلَهُ «أَلْقَى الْأَحِبَّةَ» . قَالَ: يَلْقَاهُمْ وَاَللَّهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا (فِيهَا) [٣] مُخَلَّدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قِبْلَةَ دَلْوٍ [٤] نَاضِحٍ. (و) [٣] قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سَلْمَى فِي «قِبْلَةٍ»:
وَقَابِلٍ يَتَغَنَّى كُلَّمَا قَدَرَتْ ... عَلَى الْعَرَاقَى يَدَاهُ قَائِما دفقا [٥]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَقَابِلٌ يُتَلَقَّى، يَعْنِي قَابِلَ الدَّلْوِ يَتَنَاوَلُ [٦] .

----------------------
[١] فِي أ: «يَا رَسُول الله، امْرَأَته وَولده» .
[٢] الناضح: الْحَبل الّذي يسْتَخْرج عَلَيْهِ المَاء من الْبِئْر بالسانية. وَأَرَادَ بقوله لَهُ: فتلة دلو نَاضِح، مِقْدَار مَا يَأْخُذ الرجل الدَّلْو إِذا أخرجت فيصبها فِي الْحَوْض، يفتلها أَو يردهَا إِلَى مَوْضِعه.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «وَمن رَوَاهُ: قبْلَة، بِالْقَافِ وَالْبَاء، فَهُوَ بِمِقْدَار مَا يقبل الرجل الدَّلْو، ليصبها فِي الْحَوْض ثمَّ يصرفهَا، وَهَذَا كُله لَا يكون إِلَّا عَن استعجال وَسُرْعَة» .
[٥] الْقَابِل: الّذي يقبل الدَّلْو. ودفق المَاء صبه، والعراقي: جمع عرقوة، وَهِي الْعود الّذي يكون فِي أدنى الدَّلْو.
[٦] كَذَا وَردت هَذِه الْعبارَة الَّتِي تلى بَيت زُهَيْر مروية عَن ابْن هِشَام فِي أَكثر الْأُصُول، وَهِي


(أَمْرُ عَطِيَّةَ وَرِفَاعَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ كُلًّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُقْتَلَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ كُلُّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ، وَكُنْتُ غُلَامًا، فَوَجَدُونِي لَمْ أُنْبِتْ، فَخَلَّوْا سَبِيلِي.
قَالَ (ابْنُ إسْحَاقَ) [١]: وَحَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ: أَنَّ سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ، أُمَّ الْمُنْذِرِ، أُخْتَ سليط بن أُخْت سُلَيْطِ بْنِ قَيْسٍ- وَكَانَتْ إحْدَى خَالَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَدْ صَلَّتْ مَعَهُ الْقِبْلَتَيْنِ، وَبَايَعَتْهُ بَيْعَةَ النِّسَاءِ- سَأَلَتْهُ رِفَاعَةَ بْنَ سَمَوْأَلَ الْقُرَظِيَّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ بَلَغَ، فَلَاذَ [٢] بِهَا، وَكَانَ يَعْرِفُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، هَبْ لِي رِفَاعَةَ، فَإِنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّهُ سَيُصَلِّي وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْجَمَلِ، قَالَ:
فَوَهَبَهُ لَهَا، فَاسْتَحْيَتْهُ.

(قَسْمُ فَيْءِ بَنِي قُرَيْظَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْلَمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُهْمَانَ الْخَيْلِ وَسُهْمَانَ الرِّجَالِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ، فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ، وَلِلرَّاجِلِ، مَنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ، سَهْمٌ. وَكَانَتْ الْخَيْلُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ أَوَّلَ فَيْءٍ وَقَعَتْ فِيهِ السُّهْمَانُ، وَأُخْرِجَ مِنْهَا الْخُمْسُ، فَعَلَى سُنَّتِهَا وَمَا مَضَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا وَقَعَتْ الْمَقَاسِمُ، وَمَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْمَغَازِي.

---------------------------
[()] فِي «أ» على الْوَجْه الْآتِي: «قَالَ ابْن هِشَام: هُوَ تَفْسِير بَيت زُهَيْر، ويعنى قَابل الّذي يتلَقَّى الدَّلْو إِذا خرج من الْبِئْر. والناضح: الْبَعِير الّذي يستقى المَاء لسقي النّخل، وَهَذَا الْبَيْت فِي قصيدة لَهُ» .
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] لَاذَ بهَا: التجأ إِلَيْهَا.



ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بِسَبَايَا مِنْ سَبَايَا بَنِي قُرَيْظَةَ إلَى نَجْدٍ، فَابْتَاعَ لَهُمْ بِهَا خَيْلًا وَسِلَاحًا.

(شَأْنُ رَيْحَانَةَ):
(قَالَ) [١]: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ اصْطَفَى لِنَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ [٢]، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ [٣]، فَكَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكُنِي فِي مِلْكِكَ، فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ، فَتَرَكَهَا. وَقَدْ كَانَتْ حِينَ سَبَاهَا قَدْ تَعَصَّتْ بِالْإِسْلَامِ، وَأَبَتْ إلَّا الْيَهُودِيَّةَ، فَعَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ لِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا. فَبَيْنَا هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ، إذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا لِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ يُبَشِّرُنِي بِإِسْلَامِ رَيْحَانَةَ، فَجَاءَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا.

(مَا نَزَلَ فِي الْخَنْدَقِ وَبَنِيَّ قُرَيْظَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٤]: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ، وَأَمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، الْقِصَّةَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، يَذْكُرُ فِيهَا مَا نَزَلَ مِنْ الْبَلَاءِ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَكِفَايَتِهِ إيَّاهُمْ حِينَ فَرَّجَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَعْدَ مَقَالَةِ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ٣٣: ٩.
وَالْجُنُودُ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانَتْ الْجُنُودُ الَّتِي أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ الْمَلَائِكَةَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمن أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» ٣٣: ١٠.

-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول وَشرح الْمَوَاهِب مضبوطة بالعبارة. وَفِي أ: «جنافة» .
[٣] وَقيل: كَانَت من بنى النَّضِير متزوجة فِي قُرَيْظَة رجلا يُقَال لَهُ الحكم. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.



فَاَلَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَاَلَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ. يَقُولُ اللَّهُ (تَبَارَكَ و) [١] تَعَالَى: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ٣٣: ١١- ١٢ لِقَوْلِ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ إذْ يَقُولُ مَا قَالَ. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا ٣٣: ١٣ لِقَوْلِ أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وَمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِ مِنْ قَوْمِهِ «وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا»: أَيْ الْمَدِينَةِ.

(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَقْطَارُ: الْجَوَانِبُ، وَوَاحِدُهَا: قُطْرٌ، وَهِيَ الْأَقْتَارُ، وَوَاحِدُهَا: قَتَرٌ.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
كَمْ مِنْ غِنًى فَتَحَ الْإِلَهُ لَهُمْ بِهِ ... وَالْخَيْلُ مُقْعِيَةٌ عَلَى الْأَقْطَارِ [٢]
وَيُرْوَى: «عَلَى الْأَقْتَارِ» . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
«ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ ٣٣: ١٤»: أَيْ الرُّجُوعَ إلَى الشِّرْكِ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيرًا.
وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ، وَكانَ عَهْدُ الله مَسْؤُلًا ٣٣: ١٤- ١٥، فَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ، وَهُمْ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَفْشَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ بَنِي سَلِمَةَ حَيْنَ هَمَّتَا بِالْفَشَلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ عَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ لَا يَعُودُوا لِمِثْلِهَا أَبَدًا، فَذَكَرَ لَهُمْ الَّذِي أَعْطَوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا، أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً، وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا. قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ ٣٣: ١٦- ١٨: أَيْ أَهْلَ النِّفَاقِ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا، وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ٣٣: ١٨:

----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] مقعية: أَي سَاقِطَة على أجنابها تروم الْقيام، كَمَا تقعى الْكلاب على أذنابها وأفخاذها.



أَيْ إلَّا دَفْعًا وَتَعْذِيرًا [١] «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ٣٣: ١٩»: أَيْ لِلضَّغَنِ الَّذِي فِي أَنْفُسِهِمْ «فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ٣٣: ١٩»: أَيْ إعْظَامًا لَهُ وَفَرَقًا مِنْهُ «فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ ٣٣: ١٩»: أَيْ فِي الْقَوْلِ بِمَا لَا تُحِبُّونَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ آخِرَةً، وَلَا تَحْمِلهُمْ حِسْبَةٌ [٢]، فَهُمْ يَهَابُونَ الْمَوْتَ هَيْبَةَ مَنْ لَا يَرْجُو مَا بَعْدَهُ.

(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَلَقُوكُمْ: بَالَغُوا فِيكُمْ بِالْكَلَامِ، فَأَحْرَقُوكُمْ وَآذَوْكُمْ. تَقُولُ الْعَرَبُ: خَطِيبٌ سَلَّاقٌ، وَخَطِيبٌ مُسْلِقٌ وَمِسْلَاقٌ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ ابْنِ ثَعْلَبَةَ:
فِيهِمْ الْمجد والسّماحة والنجدة ... فِيهِمْ وَالْخَاطِبُ السَّلَّاقُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
«يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ٣٣: ٢٠» قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ «وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ مَا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ٣٣: ٢٠» .
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ٣٣: ٢١»: أَيْ لِئَلَّا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا عَنْ مَكَانٍ هُوَ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ وَصِدْقَهُمْ وَتَصْدِيقَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ اللَّهُ مِنْ الْبَلَاءِ يَخْتَبِرُهُمْ [٣] بِهِ، فَقَالَ: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ [٤] قالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا ٣٣: ٢٢: أَيْ صَبْرًا عَلَى الْبَلَاءِ وَتَسْلِيمًا لِلْقَضَاءِ، وَتَصْدِيقًا لِلْحَقِّ، لَمَّا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَدَهُمْ وَرَسُولُهُ [٥] ﷺ

-----------------------
[١] التعذير: أَن يفعل الرجل الشَّيْء بِغَيْر نِيَّة، وَإِنَّمَا يُرِيد أَن يُقيم بِهِ الْعذر عِنْد من يرَاهُ.
[٢] كَذَا فِي «أ» . والحسبة (بِالْكَسْرِ): طلب الْأجر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حَسَنَة» .
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ليختبر» .
[٤] هَذِه الْجُمْلَة: «وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ٣٣: ٢٢» من الْآيَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] فِي أ: «لما كَانَ الله وعدهم الله وَرَسُوله» .



ثُمَّ قَالَ: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ»: أَيْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، وَرَجَعَ إلَى رَبِّهِ، كَمَنْ [١] اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ أُحُدٍ.

(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَضَى نَحْبَهُ: مَاتَ، وَالنَّحْبُ: النَّفْسُ، فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمْعُهُ: نُحُوبٌ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
عَشِيَّةَ فرّ الحارثيّون بعد مَا ... قضى نحبه فِي [٢] ملتقى الْخَيل هوبر
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَهَوْبَرُ: مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، أَرَادَ: يَزِيدَ ابْن هَوْبَرٍ. وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): النَّذْرُ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطْفِيِّ:
بِطِخْفَةَ جَالَدْنَا [٣] الْمُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بِسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
يَقُولُ: عَلَى نَذْرٍ كَانَتْ نَذَرَتْ أَنْ تَقْتُلَهُ فَقَتَلَتْهُ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَبِسْطَامٌ: بِسْطَامُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ ابْنُ ذِي الْجَدَّيْنِ. حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّهُ كَانَ فَارِسَ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. وَطِخْفَةُ: مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الْبَصْرَةِ [٤] وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): الْخِطَارُ، وَهُوَ: الرِّهَانُ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وَإِذْ نَحَبَتْ كَلْبٌ عَلَى النَّاسِ أَيُّنَا ... عَلَى النَّحْبِ أَعْطَى لِلْجَزِيلِ وَأَفْضَلُ
وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): الْبُكَاءُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ يُنْتَحَبُ. وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): الْحَاجَةُ وَالْهِمَّةُ، تَقُولُ: مَا لِي عِنْدَهُمْ نَحْبٌ. قَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ الْيَرْبُوعِي:
وَمَا لِي نَحْبٌ عِنْدَهُمْ غَيْرَ أَنَّنِي ... تَلَمَّسْتُ مَا تَبْغِي من الشّدن الشّجر [٥]
وَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ، أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.

----------------------------
[١] فِي أ: «لمن» .
[٢] هَذِه الْكَلِمَة: «فِي» سَاقِطَة فِي أ. وَلَا يَسْتَقِيم الْوَزْن بِدُونِهَا.
[٣] فِي أ: «خالدنا» .
[٤] هَذِه الْعبارَة: «بطرِيق الْبَصْرَة» سَاقِطَة فِي أ.
[٥] الشدن: الْإِبِل منسوبة إِلَى شدن، مَوضِع بِالْيمن. وَالشَّجر: الَّتِي فِي أعينها حمرَة.



قَالَ ابْنُ هِشَام: هَؤُلَاءِ موَالٍ بَنِي حَنِيفَةَ [١]:
وَنَجَّى يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ رَكْضٌ ... دِرَاكٌ بَعْدَ مَا وَقَعَ اللِّوَاءُ [٢]
وَلَوْ أَدْرَكْنَهُ لَقَضَيْنَ نَحْبًا [٣] ... بِهِ وَلِكُلِّ مُخْطَأَةٍ وِقَاءُ
وَالنَّحْبُ (أَيْضًا): السَّيْرُ الْخَفِيفُ الْمُرُّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٤]: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ٣٣: ٢٣»: أَيْ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنْ نَصْرِهِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ٣٣: ٢٣: أَيْ مَا شَكُّوا وَمَا تَرَدَّدُوا فِي دِينِهِمْ، وَمَا اسْتَبْدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ ٣٣: ٢٤- ٢٥: أَيْ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا. وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ٣٣: ٢٥- ٢٦: أَيْ بَنِي قُرَيْظَةَ «مِنْ صَياصِيهِمْ ٣٣: ٢٦»، وَالصَّيَاصِي: الْحُصُونُ وَالْآطَامُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ سُحَيْمٌ عَبْدُ بَنِي الْحِسْحَاسِ، وَبَنُو الْحِسْحَاسِ مِنْ بَنِي أَسَدِ ابْن خُزَيْمَةَ:
وَأَصْبَحَتْ الثِّيرَانُ صَرْعَى وَأَصْبَحَتْ ... نِسَاءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ الصَّيَاصِيَا [٥]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصَّيَاصِيُّ (أَيْضًا): الْقُرُونُ. قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ:
وِسَادَةَ رَهْطِي حَتَّى بَقِيتُ ... فَرْدًا كَصَيْصِيَةِ الْأَعْضَبِ [٦]
يَقُولُ: أَصَابَ الْمَوْتُ سَادَةَ رَهْطِي [٧] . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو دَواُدَ الْإِيَادِيُّ [٨]:

------------------------
[١] فِي م، ر: «هُوَ مولى أَبى حنيفَة الْفَقِيه» .
[٢] الركض: الجرى. ودراك: متتابع.
[٣] فِي م، ر: «وَلَو أَدْرَكته لقضيت» .
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «يلتقطن» . وَزيد فيهمَا بعد هَذَا الْبَيْت: «ويروى يبتدرون» .
[٦] الأعضب: المكسور الْقرن.
[٧] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٨] فِي الْأُصُول: «أَبُو دَاوُد» وَهُوَ تَحْرِيف.



فَذَعَرْنَا سُحْمَ الصَّيَاصِي بِأَيْدِيهِنَّ ... نَضْحٌ مِنْ الْكُحَيْلِ وَقَارُ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ [٢] . وَالصَّيَاصِي (أَيْضًا): الشَّوْكُ الَّذِي لِلنَّسَّاجِينَ، فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ. وَأَنْشَدَنِي لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ الْجُشَمِىِّ، جُشَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ:
نَظَرْتُ إلَيْهِ وَالرِّمَاحُ [٣] تَنُوشُهُ [٤] ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي فِي النَّسِيجِ الْمُمَدَّدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصَّيَاصِيُّ (أَيْضًا): الَّتِي تَكُونُ فِي أَرْجُلِ الدِّيَكَةِ نَاتِئَةً كَأَنَّهَا الْقُرُونُ الصِّغَارُ، وَالصَّيَاصِي (أَيْضًا): الْأُصُولُ. أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: جَذَّ اللَّهُ صِيصِيَتَهُ: أَيْ أَصْلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: «وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ٣٣: ٢٦»: أَيْ قَتَلَ الرِّجَالَ، وَسَبَى الذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ، «وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها ٣٣: ٢٧»: يَعْنِي خَيْبَرَ «وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ٣٣: ٢٧» .

(وَفَاةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَا ظَهَرَ مَعَ ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ جُرْحُهُ، فَمَاتَ مِنْهُ شَهِيدًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٥]: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي: أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قُبِضَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ

-------------------------
[١] ذعرنا، من الذعر، وَهُوَ الْفَزع. والسحم: السود. والصياصي: الْقُرُون. وَيُرِيد «بسحم الصَّيَاصِي» . الوعول الَّتِي فِي الْجبَال. ونضح: لطخ. والكحيل: القطران. والقار: الزفت أَرَادَ مَا فِي أيديها من السوَاد. فشبهه بالكحيل والقار.
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] فِي أ: «وَالرِّيح» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] تنوشه: تتناوله من قرب.
[٥] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.



هَذَا الْمَيِّتُ الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَاهْتَزَّ لَهُ [١] الْعَرْشُ؟ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ إلَى سَعْدٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [٢]: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ قَافِلَةً مِنْ مَكَّةَ، وَمَعَهَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَلَقِيَهُ مَوْتُ امْرَأَةٍ لَهُ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا بَعْضَ الْحُزْنِ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ [٣]: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا يَحْيَى، أَتَحْزَنُ عَلَى امْرَأَةٍ وَقَدْ أُصِبْتُ بِابْنِ عَمِّكَ، وَقَدْ اهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ! قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: كَانَ سَعْدٌ رَجُلًا بَادِنًا، فَلَمَّا حَمَلَهُ النَّاسُ وَجَدُوا لَهُ خِفَّةً، فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ [٤]: وَاَللَّهِ إنْ كَانَ لَبَادِنَا، وَمَا حَمَلْنَا مِنْ جِنَازَةٍ أَخَفَّ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إنَّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرَكُمْ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ اسْتَبْشَرَتْ الْمَلَائِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو ابْن الْجَمُوحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا دُفِنَ سَعْدٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَبَّحَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ

-------------------------
[١] قَالَ السهيليّ عِنْد الْكَلَام على اهتزاز الْعَرْش: «وَقد تكلم النَّاس فِي مَعْنَاهُ وظنوا أَنه مُشكل. وَقَالَ بَعضهم: الاهتزاز (هَاهُنَا): بِمَعْنى الاستبشار بقدوم روحه. وَقَالَ بَعضهم: يُرِيد حَملَة الْعَرْش وَمن عِنْده من الْمَلَائِكَة، استبعادا مِنْهُم لِأَن يَهْتَز الْعَرْش على الْحَقِيقَة. وَلَا بعد فِيهِ، لِأَنَّهُ مَخْلُوق، وَيجوز عَلَيْهِ الْحَرَكَة والهزة، وَلَا يعدل عَن ظَاهر (اللَّفْظ) مَا وجد إِلَيْهِ سَبِيل. وَحَدِيث اهتزاز الْعَرْش لمَوْت سعد صَحِيح. قَالَ أَبُو عمر: هُوَ ثَابت من طرق متواترة. وَمَا روى من قَول الْبَراء بن عَازِب فِي مَعْنَاهُ: أَنه سَرِير سعد اهتز، لم يلْتَفت إِلَيْهِ الْعلمَاء، وَقَالُوا: كَانَت بَين هذَيْن الْحَيَّيْنِ من الْأَنْصَار ضغائن، وَفِي لفظ الحَدِيث: اهتز عرش الرَّحْمَن. رَوَاهُ أَبُو الزبير عَن جَابر، يرفعهُ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ عَن طَرِيق الْأَعْمَش عَن أَبى صَالح وأبى سُفْيَان، كِلَاهُمَا عَن جَابر. وَرَوَاهُ من الصَّحَابَة جمَاعَة غير جَابر، مِنْهُم أَبُو سعيد الخدريّ وَأسيد بن حضير ورميثة بنت عَمْرو، ذكر ذَلِك التِّرْمِذِيّ، وَالْعجب لما روى عَن مَالك رحمه الله، من إِنْكَاره للْحَدِيث، وكراهيته للتحدث بِهِ مَعَ صِحَة نَقله، وَكَثْرَة الروَاة لَهُ. وَلَعَلَّ هَذِه الرِّوَايَة لم تصح عِنْد مَالك، وَالله أعلم» .
[٢] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٣] فِي م، ر: «يَا عَائِشَة» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] كَذَا فِي أوالاستيعاب فِي تَرْجَمَة سعد بن معَاذ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْمُسلمين» .



فَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ سَبَّحْتُ؟ قَالَ: لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ، حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمَجَازُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ عَائِشَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ لِلْقَبْرِ لَضَمَّةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهَا نَاجِيًا لَكَانَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلِسَعْدِ يَقُولُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ:
وَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللَّهِ مِنْ مَوْتِ هَالِكٍ ... سَمِعْنَا بِهِ إلَّا لِسَعْدٍ أَبِي عَمْرٍو
وَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ، حِينَ اُحْتُمِلَ نَعْشُهُ وَهِيَ تَبْكِيهِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَهِيَ كُبَيْشَةُ بِنْتُ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْأَبْجَرِ [١]، وَهُوَ خُدْرَةُ [٢] ابْن عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ:
وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدًا [٣] ... صَرَامَةً وَحَدَّا [٤]
وَسُوْدُدًا وَمَجْدًا ... وَفَارِسًا مُعَدَّا
سُدَّ بِهِ مَسَدَّا ... يَقُدُّ هَامًا قَدَّا [٥]
يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ، إلَّا نَائِحَةَ [٦] سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.

(شُهَدَاءُ يَوْمِ الْخَنْدَقِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَسْتَشْهِدْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَّا سِتَّةُ نَفَرٍ.

(مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ):
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَنَسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.

(مِنْ بَنِي جُشَمَ):
وَمِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: الطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَثَعْلَبَةُ ابْن غَنْمَةَ. رَجُلَانِ.

----------------------
[١] فِي الِاسْتِيعَاب: «كَبْشَة بنت رَافع بن عبيد بن ثَعْلَبَة بن عبيد بن الأبجر» .
[٢] فِي أ: «الأنجر وَهُوَ جدرة» وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] كسرت اللَّام من «ويل» إتباعا لكسرة الْمِيم من «أم» .
[٤] فِي أ: «وجدا» .
[٥] هَذَا الشّطْر سَاقِط فِي أ.
[٦] فِي أ: «نَاحيَة» وَهُوَ تَحْرِيف.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 10-01-2026, 02:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (100)

صــ 253إلى صــ 262






(مِنْ بَنِي النَّجَّارِ):
وَمِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي دِينَارٍ: كَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَقَتَلَهُ.

(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَهْمُ غَرْبٍ وَسَهْمٌ غَرْبٌ، بِإِضَافَةِ وَغَيْرِ إضَافَةٍ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ وَلَا مَنْ رَمَى بِهِ [١] .

(قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ):
وَقُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.

(مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ):
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، أَصَابَهُ سَهْمٌ، فَمَاتَ مِنْهُ بِمَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ.

(عَرْضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الرَّسُولِ شِرَاءَ جَسَدِ نَوْفَلٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَهُمْ جَسَدَهُ، وَكَانَ اقْتَحَمَ الْخَنْدَقَ، فَتَوَرَّطَ [٢] فِيهِ، فَقُتِلَ، فَغَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَسَدِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي جَسَدِهِ وَلَا بِثَمَنِهِ، فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِجَسَدِهِ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيِّ.

(مِنْ بَنِي عَامِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ: عَمْرُو ابْن عَبْدِ وُدٍّ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَئِذٍ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ وَابْنَهُ حِسْلَ بْنَ عَمْرٍو.

--------------------------
[١] هَذِه الْعبارَة: «قَالَ ابْن هِشَام ... رمى بِهِ» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] تورط فِيهِ: انتشب.


قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ.

(شُهَدَاءُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: خَلَّادُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحًى، فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إنَّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ.
وَمَاتَ أَبُو سِنَانِ بْنُ مُحْصَنِ بْنِ حَرْثَانَ، أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ الَّتِي يَدْفِنُونَ فِيهَا الْيَوْمَ، وَإِلَيْهِ دَفَنُوا أَمْوَاتَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ.

(بَشَّرَ الرَّسُولُ الْمُسْلِمِينَ بِغَزْوِ قُرَيْشٍ):
وَلَمَّا انْصَرَفَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْ الْخَنْدَقِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي: لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُونَهُمْ. فَلَمْ تَغْزُهُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يَغْزُوهَا، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ.

مَا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ

(شِعْرُ ضِرَارٍ):
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
وَمُشْفِقَةٌ تَظُنُّ بِنَا الظَّنُونَا ... وَقَدْ قُدْنَا عَرَنْدَسَةً طَحُونَا [١]
كَأَنَّ زُهَاءَهَا أُحُدٌ إذَا مَا ... بَدَتْ أَرْكَانُهُ لِلنَّاظِرِينَا [٢]
تَرَى الْأَبْدَانَ فِيهَا مُسْبِغَاتٍ ... عَلَى الْأَبْطَالِ وَالْيَلَبَ الْحَصِينَا [٣]
وَجُرْدًا كَالْقِدَاحِ مُسَوَّمَاتٍ ... نَؤُمُّ بهَا الغواة الخاطئينا [٤]

--------------------------
[١] العرندسة: الشَّدِيدَة الْقُوَّة. يُرِيد: كَتِيبَة. والطحون: الَّتِي تطحن كل مَا مرت بِهِ.
[٢] زهاؤها: تَقْدِير عَددهَا.
[٣] الْأَبدَان (هُنَا): الدروع: ومسبغات: كَامِلَة. واليلب: الترسة أَو الدرق.
[٤] الجرد: الْخَيل الْعتاق. والقداح: السِّهَام. والمسومات: الْمُرْسلَة، وَيُقَال: هِيَ الغالية الأسوام. ونؤم: نقصد.



كَأَنَّهُمْ إذَا صَالُوا وَصُلْنَا ... بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ مُصَافِحُونَا [١]
أُنَاسٌ لَا نَرَى فِيهِمْ رَشِيدًا ... وَقَدْ قَالُوا أَلَسْنَا رَاشِدِينَا
فَأَحْجَرْنَاهُمُ شَهْرًا كَرِيتًا ... وَكُنَّا فَوْقَهُمْ كَالْقَاهِرِينَا [٢]
نُرَاوِحُهُمْ وَنَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ ... عَلَيْهِمْ فِي السِّلَاحِ مُدَجَّجِينَا [٣]
بِأَيْدِينَا صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٌ ... نَقُدُّ بهَا المفارق والشّؤنا [٤]
كَأَنَّ وَمِيضَهُنَّ مُعَرَّيَاتٍ ... إذَا لَاحَتْ بِأَيْدِي مُصْلِتِينَا [٥]
وَمِيضُ عَقِيقَةٍ لَمَعَتْ بِلَيْلٍ ... تَرَى فِيهَا الْعَقَائِقَ مُسْتَبِينَا [٦]
فَلَوْلَا خَنْدَقٌ كَانُوا لَدَيْهِ ... لَدَمَّرْنَا عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَا
وَلَكِنْ حَالَ دُونَهُمْ وَكَانُوا ... بِهِ مِنْ خَوْفِنَا مُتَعَوِّذِينَا
فَإِنْ نَرْحَلْ فَإِنَّا قَدْ تَرَكْنَا ... لَدَى أَبْيَاتِكُمْ سَعْدًا رَهِينَا
إذَا جَنَّ الظَّلَامُ سَمِعْتَ نَوْحَى ... عَلَى سَعْدٍ يُرَجِّعْنَ الْحَنِينَا [٧]
وَسَوْفَ نَزُورُكُمْ عَمَّا قَرِيبٍ ... كَمَا زُرْنَاكُمْ مُتَوَازِرِينَا [٨]
بِجَمْعٍ مِنْ كِنَانَةَ غَيْرَ عُزْلٍ ... كَأُسْدِ الْغَابِ قَدْ حَمَتِ الْعَرِينَا [٩]

(شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرَّدِّ على ضرار):
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ:
وَسَائِلَةٍ تُسَائِلُ مَا لَقِينَا ... وَلَوْ شَهِدَتْ رَأَتْنَا صَابِرِينَا

---------------------------
[١] المصافحة: أَخذ الرجل بيد الرجل عِنْد السَّلَام.
[٢] أحجرناهم: حصرناهم. وشهرا كريتا: تَاما كَامِلا.
[٣] المدجج (بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا): الْكَامِل السِّلَاح.
[٤] الصوارم: السيوف. ومرهفات: قَاطِعَة. وَنقد: تقطع. والمفارق: جمع مفرق، وَهُوَ حَيْثُ ينفرق الشّعْر فِي أَعلَى الْجَبْهَة. وَيُرِيد «بالشئون» . مجمع الْعِظَام فِي أَعلَى الرَّأْس.
[٥] الوميض: اللمعان. والمصلت: الّذي جرد سَيْفه من غمده.
[٦] الْعَقِيقَة: السحابة الَّتِي تشق عَن الْبَرْق.
[٧] النوحى: جمَاعَة النِّسَاء اللَّاتِي يَنحن.
[٨] متوازرين: متعاونين.
[٩] الْعَزْل: الَّذين لَا سلَاح مَعَهم، الْوَاحِد: أعزل. والغاب جمع غابة، وَهِي الأجمة والعرين:
مَوضِع الْأسد.



صَبَرْنَا لَا نَرَى للَّه عَدْلًا ... عَلَى مَا نَابَنَا مُتَوَكِّلِينَا
وَكَانَ لَنَا النَّبِيُّ وَزِيرَ صِدْقٍ ... بِهِ نَعْلُو الْبَرِيَّةَ أَجْمَعِينَا
نُقَاتِلُ مَعْشَرًا ظَلَمُوا وَعَقُّوا ... وَكَانُوا بِالْعَدَاوَةِ مُرْصِدِينَا [١]
نُعَاجِلُهُمْ إذَا نَهَضُوا إلَيْنَا ... بِضَرْبٍ يُعْجِلُ الْمُتَسَرِّعِينَا
تَرَانَا فِي فَضَافِضَ سَابِغَاتٍ ... كَغُدْرَانِ الْمَلَا مُتَسَرْبِلِينَا [٢]
وَفِي أَيْمَانِنَا بِيضٌ خِفَافٌ ... بِهَا نَشْفِي مُرَاحَ الشَّاغِبِينَا [٣]
بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ كَأَنَّ أُسْدًا ... شَوَابِكُهُنَّ يحمين العرينا [٤]
فوارسنا إذَا بَكَرُوا وَرَاحُوا ... عَلَى الْأَعْدَاءِ شُوسًا مُعْلَمِينَا [٥]
لِنَنْصُرَ أَحَمْدًا وَاَللَّهَ حَتَّى ... نَكُونَ عِبَادَ صِدْقٍ مُخْلِصِينَا
وَيَعْلَمَ أَهْلُ مَكَّةَ حِينَ سَارُوا ... وَأَحْزَابٌ أَتَوْا مُتَحَزِّبِينَا
بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ ... وَأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَا
فَإِمَّا تَقْتُلُوا سَعْدًا سَفَاهًا ... فَإِنَّ اللَّهَ خَيْرُ الْقَادِرِينَا
سَيُدْخِلُهُ جِنَانًا طَيِّبَاتٍ ... تَكُونُ مُقَامَةً لِلصَّالِحِينَا
كَمَا قَدْ رَدَّكُمْ فَلًّا شَرِيدًا ... بِغَيْظِكُمْ خَزَايَا خَائِبِينَا [٦]
خَزَايَا لَمْ تَنَالُوا ثَمَّ خَيْرًا ... وَكِدْتُمْ أَنْ تَكُونُوا دَامِرِينَا [٧]
بِرِيحِ عَاصِفٍ هَبَّتْ عَلَيْكُمْ ... فَكُنْتُمْ تَحْتَهَا مُتَكَمِّهِينَا [٨]

(شِعْرُ ابْنِ الزِّبَعْرَى):
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ، فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:

-----------------------
[١] المرصد: الْمعد لِلْأَمْرِ عدته.
[٢] الفضافض: الدروع المتسعة. وسابغات: كَامِلَة. والملا (مَقْصُور): المتسع من الأَرْض.
ومتسربلون: لابسون للدروع.
[٣] المراح: النشاط.
[٤] الشوابك: الَّتِي يتشبث بهَا فَلَا يفلت.
[٥] الشوس: جمع أشوس، وَهُوَ الّذي ينظر نظر المتكبر بمؤخر عينه. والمعلم (بِفَتْح اللَّام وَكسرهَا): الّذي أعلم نَفسه بعلامة الْحَرْب ليشتهر بهَا.
[٦] الفل: الْقَوْم المنهزمون. والشريد: الطريد.
[٧] دامرين: هالكين.
[٨] العاصف: الرّيح الشَّدِيدَة. والمتكمه: الْأَعْمَى الّذي لَا يبصر.



حَتَّى الدِّيَارَ مَحَا مَعَارِفَ رَسْمِهَا ... طُولُ الْبِلَى وتراوح الأحقاب [١]
فَكَأَنَّمَا كَتَبَ الْيَهُودُ رُسُومَهَا ... إلَّا الْكَنِيفَ وَمَعْقِدَ الْأَطْنَابِ [٢]
قَفْرًا كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَلْهُو بِهَا ... فِي نِعْمَةٍ بِأَوَانِسٍ أَتْرَابِ [٣]
فَاتْرُكْ تَذَكُّرَ مَا مَضَى مِنْ عِيشَةٍ ... وَمَحِلَّةٍ خَلْقِ الْمَقَامِ يَبَابِ [٤]
وَاذْكُرْ بَلَاءَ مَعَاشِرٍ وَاشْكُرْهُمْ ... سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ مِنْ الْأَنْصَابِ [٥]
أَنْصَابِ مَكَّةَ عَامِدِينَ لِيَثْرِبِ ... فِي ذِي غَيَاطِلَ جَحْفَلٍ جَبْجَابِ [٦]
يَدَعُ الْحُزُونَ مَنَاهِجًا مَعْلُومَةً ... فِي كُلِّ نَشْرٍ ظَاهِرٍ وَشِعَابِ [٧]
فِيهَا الْجِيَادُ شَوَازِبٌ مَجْنُوبَةٌ ... قُبُّ الْبُطُونِ لَوَاحِقُ الْأَقْرَابِ [٨]
مِنْ كُلِّ سَلْهَبَةٍ وَأَجْرَدَ سَلْهَبٍ ... كَالسِّيدِ بَادَرَ غَفْلَةَ الرُّقَّابِ [٩]
جَيْشُ عُيَيْنَةَ قَاصِدٌ بِلِوَائِهِ ... فِيهِ وَصَخْرٌ قَائِدُ الْأَحْزَابِ
قَرْمَانُ كَالْبَدْرَيْنِ أَصْبَحَ فِيهِمَا ... غَيْثُ الْفَقِيرِ وَمَعْقِلُ الْهُرَّابِ [١٠]
حَتَّى إذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَدَوْا ... لِلْمَوْتِ كُلَّ مُجَرَّبٍ قَضَّابِ [١١]

----------------------------
[١] الأحقاب: الدهور، الْوَاحِد: حقب.
[٢] الكنيف: الحظيرة والزرب الّذي يصنع لِلْإِبِلِ، وسمى كنيفا، لِأَنَّهُ يكنفها، أَي يَسْتُرهَا والأطناب: الحبال الَّتِي تشد بهَا الأخبية وبيوت الْعَرَب. وَيُرِيد «بمعقدها»: الْأَوْتَاد الَّتِي ترْبط بهَا.
[٣] الأتراب: جمع ترب وَهن المتساويات فِي السن.
[٤] اليباب: القفر.
[٥] قَالَ أَبُو ذَر: «الأنصاب هُنَا: الْحِجَارَة الَّتِي يعلم بهَا الْحرم. والأنصاب (أَيْضا): حِجَارَة كَانُوا يذبحون لَهَا ويعظمونها» .
[٦] يُرِيد «بِذِي غياطل»: جَيْشًا كثير الْأَصْوَات. والغياطل: جمع غيطلة، وَهِي الصَّوْت هُنَا.
وجحفل: جَيش. وجبجاب: كثير.
[٧] الحزون: جمع حزن، وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض. والمناهج: جمع مَنْهَج، وَهُوَ الطَّرِيق الْبَين.
والنشر: الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَيُقَال فِيهِ نشز أَيْضا. (وَهِي رِوَايَة) . والشعاب: جمع شعب، وَهُوَ المنخفض بَين جبلين.
[٨] الشوازب: الضامرة. والمجنوبة: المقودة. وَقب: ضامرة. ولواحق: ضامرة (أَيْضا) .
والأقراب: جمع قرب، وَهُوَ الخاصرة وَمَا يَليهَا.
[٩] السلهبة: الطَّوِيلَة. وَالسَّيِّد: الذِّئْب.
[١٠] قرمان: فحلان سيدان. وَمَعْقِل الهراب: ملجؤهم.
[١١] ارْتَدُّوا: تقلدوا. وكل مجرب: أَي كل سيف قد جرب. والقضاب: الْقَاطِع.
١٧- سيرة ابْن هِشَام- ٢



شَهْرًا وَعَشْرًا قَاهِرِينَ مُحَمَّدًا ... وَصِحَابُهُ فِي الْحَرْبِ خَيْرُ صِحَابِ
نَادَوْا بِرِحْلَتِهِمْ صَبِيحَةَ قُلْتُمْ ... كِدْنَا نَكُونُ بِهَا مَعَ الْخُيَّابِ
لَوْلَا الْخَنَادِقَ غَادَرُوا مِنْ جَمْعِهِمْ ... قَتْلَى لِطَيْرٍ سُغَّبٍ [١] وَذِئَابِ

(شِعْرُ حَسَّانَ):
فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ:
هَلْ رَسْمُ دَارِسَةِ الْمَقَامِ يَبَابِ [٢] ... مُتَكَلِّمٌ لِمُحَاوِرِ [٣] بِجَوَاب
قفر عفارهم السَّحَابِ رُسُومَهُ ... وَهُبُوبُ كُلِّ مُطِلَّةٍ مِرْبَابِ [٤]
وَلَقَدْ رَأَيْت بهَا الحاول يَزِينُهُمْ ... بِيضُ الْوُجُوهِ ثَوَاقِبُ الْأَحْسَابِ [٥]
فَدَعْ الدِّيَارَ وَذِكْرَ كُلِّ خَرِيدَةٍ ... بَيْضَاءَ آنِسَةِ الْحَدِيثِ كَعَابِ [٦]
وَاشْكُ الْهُمُومَ إلَى الْإِلَهِ وَمَا تَرَى ... مِنْ مَعْشَرٍ ظَلَمُوا الرَّسُولَ غِضَابِ
سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ إلَيْهِ وَأَلَّبُوا ... أَهْلَ الْقُرَى وَبَوَادِيَ الْأَعْرَابِ [٧]
جَيْشُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ حَرْبٍ فِيهِمْ ... مُتَخَمِّطُونَ بِحَلَبَةِ الْأَحْزَابِ [٨]
حَتَّى إذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَجَوْا ... قَتْلَى الرَّسُولِ وَمَغْنَمَ الْأَسْلَابِ
وَغَدَوْا عَلَيْنَا قَادِرِينَ بِأَيْدِهِمْ ... رُدُّوا بِغَيْظِهِمْ عَلَى الْأَعْقَابِ [٩]
بِهُبُوبِ مُعْصِفَةٍ تُفَرِّقُ جَمْعَهُمْ ... وَجُنُودِ رَبِّكَ سَيِّدِ الْأَرْبَابِ [١٠]
فَكَفَى الْإِلَهُ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَهُمْ ... وَأَثَابَهُمْ فِي الْأَجْرِ خَيْرَ ثَوَابِ

---------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وسغب: جائعة. وَفِي أ: «شعب» .. وَهُوَ تَصْحِيف.
[٢] اليباب: القفر.
[٣] كَذَا فِي أ. والمحاور: الّذي يراجعك وَيتَكَلَّم مَعَك. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لمحارب» .
[٤] عَفا: تغير ودرس. ورهم: جمع رهمة، وَهِي الْمَطَر، ومطلة: مشرقة. ومرباب: دائمة ثَابِتَة.
[٥] الْحُلُول: الْبيُوت المجتمعة. وثواقب: مشرقة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: «النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٨٦: ٣» .
[٦] الخريدة: الْمَرْأَة الناعمة. والكعاب: الَّتِي نهد ثديها فِي أول مَا ينهد.
[٧] ألبوا: جمعُوا.
[٨] متخمطون: مختلطون. قَالَ أَبُو ذَر: «وَيُقَال: المتخمط: الشَّديد الْغَضَب المتكبر» . والحلبة جمَاعَة الْخَيل الَّتِي تعد للسباق.
[٩] الأيد: الْقُوَّة.
[١٠] المعصفة: الرّيح الشَّدِيدَة.



مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا فَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ ... تَنْزِيلُ نَصْرٍ مَلِيكِنَا الْوَهَّابِ
وَأَقَرَّ عَيْنَ مُحَمَّدٍ وَصِحَابِهِ ... وَأَذَلَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ مُرْتَابِ
عَاتِي الْفُؤَادِ مُوَقَّعٍ ذِي رِيبَةٍ ... فِي الْكُفْرِ لَيْسَ بِطَاهِرِ الْأَثْوَابِ [١]
عَلِقَ الشَّقَاءُ بِقَلْبِهِ فَفُؤَادُهُ ... فِي الْكُفْرِ آخِرُ هَذِهِ الْأَحْقَابِ

(شِعْرُ كَعْبٍ):
وَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا، فَقَالَ:
أَبْقَى لَنَا حَدَثُ الْحُرُوبِ بَقِيَّةً ... مِنْ خَيْرِ نِحْلَةِ رَبِّنَا الْوَهَّابِ [٢]
بَيْضَاءَ مُشْرِفَةَ الذُّرَى وَمَعَاطِنًا ... حُمُّ الْجُذُوعِ غَزِيرَةُ الْأَحْلَابِ [٣]
كَاللُّوبِ يُبْذَلُ جَمُّهَا وَحَفِيلُهَا ... لِلْجَارِ وَابْنِ الْعَمِّ وَالْمُنْتَابِ [٤]
وَنَزَائِعًا مِثْلَ السَّرَاحِ نَمَى بِهَا ... عَلَفُ الشَّعِيرِ وَجِزَّةُ الْمِقْضَابِ [٥]
عَرِيَ الشَّوَى مِنْهَا وَأَرْدَفَ نَحْضَهَا ... جُرْدُ الْمُتُونِ وَسَائِرُ الْآرَابِ [٦]
قُودًا تَرَاحُ إلَى الصِّيَاحِ إذْ غَدَتْ ... فِعْلَ الضِّرَاءِ تَرَاحُ لِلْكَلَّابِ [٧]
وَتَحُوطُ سَائِمَةَ الدِّيَارِ وَتَارَةً ... تُرْدِي الْعِدَا وَتَئُوبُ بِالْأَسْلَابِ [٨]

-------------------------
[١] عاتى الْفُؤَاد: قاسيه. وموقع: ذُو هيب، وَأَصله من التوقيع فِي ظهر الدَّابَّة، وَهُوَ انسلاخ يكون فِيهِ.
[٢] النحلة: الْعَطاء.
[٣] الذرى: الأعالي. ويعنى بهَا: الْآطَام. ويعنى «بالمطاعن»: منابت النّخل عِنْد المَاء، تَشْبِيها لَهَا بمطاعن الْإِبِل، وَهِي مباركها حول المَاء. وحم: سود. وَيُرِيد «بالجذوع»: أعناقها. والأحلاب:
مَا يحلب مِنْهَا.
[٤] اللوب: جمع لوبة، وَهِي الْحرَّة، وَهِي أَرض ذَات حِجَارَة سود. وجمها: مَا اجْتمع من لَبنهَا.
والمنتاب: القاصد الزائر.
[٥] النزائع: الْخَيل الْعَرَبيَّة الَّتِي حملت من أرْضهَا إِلَى أَرض أُخْرَى. والسراح: الذئاب، الْوَاحِد سرحان. وجزة المقضاب: أَي مَا يجز لَهَا من النَّبَات فتطعمه، والمقضاب: من القضب، وَهُوَ الْقطع.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والشوى: القوائم. والنحض: اللَّحْم. وجرد الْمُتُون: ملس الظُّهُور.
والآراب: جمع إرب، وَهُوَ كل عُضْو مُسْتَقل بِنَفسِهِ. وَفِي أ «وَسَار فِي الْآرَاب» .
[٧] قَود: طوال، الْوَاحِد: أَقُود وقوداء. وتراح: تنشط. وَالضَّرَّاء: الْكلاب الضارية فِي الصَّيْد وَالْكلاب الصَّائِد صَاحب الْكلاب، الْوَاحِد: كالب.
[٨] السَّائِمَة: الْمَاشِيَة الْمُرْسلَة فِي المرعى إبِلا كَانَت أَو غَيرهَا. وتردى: تهْلك. وتئوب: ترجع.



حُوشُ الْوُحُوشِ مُطَارَةٌ عِنْدَ الْوَغَى ... عُبْسُ اللِّقَاءِ مبينَة الإنجاب [١]
علقت عَلَى دَعَةٍ فَصَارَتْ بُدَّنًا ... دُخْسَ الْبَضِيعِ خَفِيفَةَ الْأَقْصَابِ [٢]
يَغْدُونَ بِالزَّغْفِ الْمُضَاعَفِ شَكَّةً ... وَبِمُتْرَصَاتِ فِي الثِّقَافِ صِيَابِ [٣]
وَصَوَارِمٌ نَزَعَ الصَّيَاقِلَ غُلْبَهَا ... وَبِكُلِّ أَرْوَعَ مَاجِدْ الْأَنْسَابِ [٤]
يَصِلُ الْيَمِينَ بِمَارِنٍ مُتَقَارِبٍ ... وُكِلَتْ وَقِيعَتُهُ إلَى خَبَّابِ [٥]
وَأَغَرَّ أَزْرَقَ فِي الْقَنَاةِ كَأَنَّهُ ... فِي طُخْيَةِ الظَّلْمَاءِ ضَوْءُ شِهَابِ [٦]
وَكَتِيبَةٍ يَنْفِي الْقِرَانَ قَتِيرُهَا ... وتردّ حدّ قواحز النُّشَّابِ [٧]
جَأْوَى مُلَمْلَمَةً كَأَنَّ رِمَاحَهَا [٨] ... فِي كُلِّ مَجْمَعَةٍ ضَرِيمَةُ غَابِ [٩]
يَأْوِي إلَى ظِلِّ اللِّوَاءِ كَأَنَّهُ ... فِي صَعْدَةِ الْخَطِّيِّ فَيْءُ عُقَّابِ [١٠]
أَعْيَتْ أَبَا كَرْبٍ وَأَعْيَتْ تُبَّعًا ... وَأَبَتْ بَسَالَتُهَا عَلَى الْأَعْرَابِ [١١]
وَمَوَاعِظٌ مِنْ رَبِّنَا نُهْدَى بِهَا ... بِلِسَانِ أَزْهَرَ طَيِّبِ الْأَثْوَابِ [١٢]
عُرِضَتْ عَلَيْنَا فَاشْتَهَيْنَا ذِكْرَهَا ... مِنْ بَعْدِ مَا عُرِضَتْ عَلَى الْأَحْزَابِ
حِكَمًا يَرَاهَا الْمُجْرِمُونَ بِزَعْمِهِمْ ... حَرَجًا وَيَفْهَمُهَا ذَوُو الْأَلْبَابِ [١٣]

-------------------------
[١] الحوش: النافرة. والمطارة: المستخفة. والوغى: الْحَرْب. والإنجاب: الْكَرم وَالْعِتْق.
[٢] الْبدن: السمان. ودخس: كَثِيرَة اللَّحْم. والبضيع: اللَّحْم. والأقصاب: الأمعاء، الْوَاحِد:
قصب.
[٣] الزغف: الدروع اللينة: والمترصات. الشديدات وصياب: صائبة.
[٤] صوارم: سيوف قَاطِعَة. وغلبها: خشونتها وَمَا عَلَيْهَا من الصدأ. والأروع: الّذي يروع بِكَمَالِهِ وجماله. والماجد: الشريف.
[٥] المارن: الرمْح اللين. ووقيعته: صَنعته وتطريقه وتحديده. وخباب: اسْم قين.
[٦] يعْنى بالأغر الْأَزْرَق: سِنَانًا. والطخية: شدَّة السوَاد.
[٧] الْقرَان: تقارن النبل واجتماعه. والقتير: مسامير حلق الدرْع. وَيُرِيد الدروع. وقواحز النشاب: النبال الَّتِي تصيب الأفخاذ.
[٨] جأوى (الأَصْل فِيهِ الْمَدّ وَقصر للضَّرُورَة): يخالط سوادها خمرة. وململة: مجتمعة.
[٩] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبي ذَر. والضريمة: اللهب المتوقد. وَفِي الْأُصُول: «صريمة» بالصَّاد الْمُهْملَة.
[١٠] الصعدة: الْقَنَاة المستوية. والخطى: الرماح. والفيء: الظل.
[١١] أَبُو كرب وَتبع: ملكان من مُلُوك الْيمن. وبسالتها: شدتها.
[١٢] الْأَزْهَر: الْأَبْيَض.
[١٣] حرجا: حَرَامًا. والألباب: الْعُقُول.



جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبَّهَا ... فَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ [١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبَّهَا ... فَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ
قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ شَكَرَكَ اللَّهُ يَا كَعْبُ عَلَى قَوْلِكَ هَذَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ ... بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الْأَبَاءِ الْمُحْرَقِ [٢]
فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً تُسَنُّ سُيُوفُهَا [٣] ... بَيْنَ الْمَذَادِ [٤] وَبَيْنَ جَزْعِ [٥] الْخَنْدَقِ
دَرِبُوا بِضَرْبِ الْمُعْلِمِينَ وَأَسْلَمُوا ... مُهُجَاتِ أَنْفُسِهِمْ لِرَبِّ الْمَشْرِقِ [٦]
فِي عُصْبَةٍ نَصَرَ الْإِلَهُ نَبِيَّهُ ... بِهِمْ وَكَانَ بِعَبْدِهِ ذَا مَرْفِقِ [٧]
فِي كُلِّ سَابِغَةٍ تَخُطُّ [٨] فُضُولُهَا ... كَالنَّهْيِ هَبَّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ [٩]
بَيْضَاءُ مُحْكِمَةٌ كَأَنَّ قَتِيرَهَا ... حَدَقُ الْجَنَادِبِ ذَاتُ شَكٍّ مُوثَقِ [١٠]

------------------------
[١] سخينة: لقب قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة. وَذكروا أَن قصيا كَانَ إِذا ذبح ذَبِيحَة أَو نحر نحيرة بِمَكَّة أَتَى بعجزها فَصنعَ مِنْهُ خزيرة- وَهُوَ لحم يطْبخ ببر- فيطعمه النَّاس، فسميت قُرَيْش بهَا سخينة. وَقيل:
إِن الْعَرَب كَانُوا إِذا أسنتوا أكلُوا العلهز. وَهُوَ الْوَبر وَالدَّم، وتأكل قُرَيْش الخزيرة، فنفست عَلَيْهِم ذَلِك، فلقبوهم سخينة. (رَاجع الرَّوْض) .
[٢] المعمعة: صَوت التهاب النَّار وصريفها. والأباء: الْقصب، وَيُقَال. الأغصان الملتفة.
[٣] المأسدة: مَوضِع الْأسود، ويعنى بهَا هُنَا مَوضِع الْحَرْب.
[٤] كَذَا فِي أ. والمذاد: مَوضِع بِالْمَدِينَةِ حَيْثُ حفر الخَنْدَق، وَقيل هُوَ بَين سلع وَخَنْدَق الْمَدِينَة.
وَفِي سَائِر الْأُصُول: «المزاد» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] كَذَا فِي أ. والجزع: الْجَانِب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْجذع» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٦] المعلمون الَّذين: يعلمُونَ أنفسهم فِي الْحَرْب بعلامة يعْرفُونَ بهَا. والمهجات: الْأَنْفس، الْوَاحِدَة: مهجة ولرب الْمشرق: يُرِيد لرب الْمشرق وَالْمغْرب، فَحَذفهُ للْعلم بِهِ.
[٧] الْعصبَة الْجَمَاعَة:
[٨] فِي أ: «يحط» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
[٩] السابغة: الدروع الْكَامِلَة. وتخط فضولها: ينجر على الأَرْض مَا فضل مِنْهَا. والنهى: الغدير من المَاء. والمترقرق: الّذي تصفقه الرّيح، فَيَجِيء وَيذْهب.
[١٠] القتير: مسامير الدروع. وَالْجَنَادِب: ذُكُور الْجَرَاد. وَالشَّكّ: إحكام السرد.



جَدْلَاءُ يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنَّدٍ ... صَافِي الْحَدِيدَةِ صَارِمٌ ذِي رَوْنَقِ [١]
تِلْكُمْ مَعَ التَّقْوَى تَكُونُ لِبَاسَنَا ... يَوْمَ الْهِيَاجِ وَكُلَّ سَاعَةِ مَصْدَقِ
نَصِلُ السُّيُوفَ إذَا قَصُرْنَ بِخَطْوِنَا ... قُدُمًا وَنُلْحِقُهَا إذَا لَمْ تَلْحَقْ
فَتَرَى الْجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا ... بَلْهَ الْأَكُفَّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ [٢]
نَلْقَى الْعَدُوَّ بِفَخْمَةٍ [٣] مَلْمُومَةٍ ... تَنْفِي الْجُمُوعَ كَفَصْدِ رَأْسِ الْمَشْرِقِ [٤]
وَنُعِدُّ لِلْأَعْدَاءِ كُلَّ مُقَلَّصٍ ... وَرْدٍ وَمَحْجُولِ الْقَوَائِمِ أَبْلَقِ [٥]
تُرْدِى بِفُرْسَانٍ كَأَنَّ كُمَاتَهُمْ ... عِنْدَ الْهِيَاجِ أُسُودُ طَلٍّ مُلْثِقِ [٦]
صُدَقٌ يُعَاطُونَ الْكُمَاةَ حُتُوفَهُمْ ... تَحْتَ الْعِمَايَةِ بِالْوَشِيجِ الْمُزْهِقِ [٧]
أَمَرَ الْإِلَهُ بِرَبْطِهَا لِعَدُوِّهِ ... فِي الْحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفِّقِ
لِتَكُونَ غَيْظًا لِلْعَدُوِّ وَحُيَّطَا ... لِلدَّارِ إنْ دَلَفَتْ خُيُولُ النُّزَّقِ [٨]
وَيُعِينُنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ بِقُوَّةٍ ... مِنْهُ وَصِدْقِ الصَّبْرِ سَاعَةَ نَلْتَقِي
وَنُطِيعُ أَمْرَ نَبِيِّنَا وَنُجِيبُهُ ... وَإِذَا دَعَا لِكَرِيهَةٍ لَمْ نُسْبَقْ
وَمَتَى يُنَادِ إلَى الشَّدَائِدِ نَأْتِهَا ... وَمَتَى نَرَ الْحَوْمَاتِ فِيهَا نُعْنِقْ [٩]

---------------------
[١] الجدلاء: الدرْع المحكمة النسج. ويحفزها: يرفعها ويشمرها. والنجاد: حمائل السَّيْف وصارم قَاطع. والرونق: اللمعان.
[٢] الجماجم: الرُّءُوس. وضاحيا: بارزا للشمس. وبله: اسْم فعل بِمَعْنى اترك ودع، وَيصِح نصب «الأكف» بِهِ، أَو جَرّه على أَنه مصدر مُضَاف لَهُ.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَيُرِيد «بالفخمة»: الكتيبة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَحْمَة» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
[٤] الملمومة: المجتمعة، والمشرق: جبل بَين الصريف والعصيم من أَرض ضبة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٥] المقلص: الْفرس الْخَفِيف.
[٦] تردى: تسرع. والكماة: الشجعان. والطل: الضَّعِيف من الْمَطَر. والملثق: مَا يكون عَن الطل من زلق وطين، والأسد أجوع مَا تكون وأجرأ فِي ذَلِك الْحِين.
[٧] يُرِيد بالعماية: سَحَابَة الْغُبَار وظلمته. والوشيج: الرماح. والمزهق: الْمَذْهَب للنفوس. وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة بالراء الْمُهْملَة.
[٨] حيط: جمع حَائِط، وَهُوَ اسْم الْفَاعِل من حاط يحوط. ودلفت: قربت. والنزق: الغاضبون السيئو الْخلق، الْوَاحِد: نازق.
[٩] الحومات: مَوَاطِن: الْقِتَال، الْوَاحِدَة: حومة. ونعنق: نسرع.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 365.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 359.17 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.61%)]